| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اثار النميمةالاخلاق الاسلامية الدرس : ( الاول ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. النميمة : أيها الأخوة المؤمنون، نحن في موضوعات متسلسلة هي تربية الأولاد في الإسلام، ولكن أردت أن أقطع هذه الموضوعات المتسلسلة لأعالج موضوعاً طارئاً، وقد يكون هذا الموضوع من أخطر الموضوعات على الحياة الاجتماعية بين المؤمنين. ![]() كيف أن قطرات من حمض يمكن أن تفسد كميات كبيرة من اللبن أو الحليب، كيف أن نقاطاً من النفط يمكن أن تفسد كميات كبيرة من أفضل أنواع الأغذية، كذلك النميمة يمكن أن تفسد مجتمعاً بأكمله، والواحد أحياناً يقول لك: أنا لا أفعل الكبائر، لم أكذب ولم أسرق، ولم ولم... لكنه كان ينقل كلاماً من إنسان لإنسان فإذا بهذا العمل يوجب له النار. أخواننا الكرام: لا يوجد مجال إطلاقاً للمبالغة، الشرع لا يوجد فيه مبالغة، كلام النبي عليه الصلاة والسلام حقّ من عند الله تعالى، فأنا الآن سأسوق لكم بعض الآيات والأحاديث التي وردت في موضوع النميمة، ممكن إنسان واحد يفسد علاقة ألف إنسان، وقد يدفع بهؤلاء جميعاً إلى أشد أنواع العداوة والبغضاء، وقد يدفع بهم إلى التقاطع والتدابر، لذلك عظم الذنب بعظم آثاره، والنميمة لها آثار لا تعد ولا تحصى، سأريكم في هذا الدرس نماذج من مواقف الصحابة والتابعين والعلماء في هذا الموضوع، ولو تصورنا أن جماعةً محدودة لم يكن بينهم نميمةٌ ولا غيبة لكانوا متماسكين متعاونين كأنهم صفاً واحداً. من يمشي بالنميمة أقرب إلى أن يكون من الزنا : أولاً الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [ سورة القلم:11] ![]() الزنيم هو الدعي، ومعنى الدعي ولد الزنا، أي الله عز وجل جعل الذي يمشي بالنميمة أقرب إلى أن يكون من الزنا، آية ثانية قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [ سورة الهمزة: 1 ] الهمزة هو النمام، وقال تعالى حينما تحدث عن أبي لهب: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [ سورة المسد: 1-5 ] أي كانت أم جميل تمشي بالنميمة وكأنها تحمل حطباً يحرق الناس، وقال تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾ [ سورة التحريم: 10 ] قيل كانت امرأة لوط تخبر بالضيفين، وامرأة نوح تخبر أنه مجنون. أحاديث في النميمة : قال صلى الله عليه وسلم- والله هذا الحديث أيها الأخوة لو الإنسان صدق أنه من عند رسول الله لاجتنب النميمة، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، هناك حديث متفق عليه وإذا قلت لكم: متفق عليه أي هو من أعلى أنواع الأحاديث على الإطلاق، أي اتفق عليه الإمام البخاري ومسلم -: (( عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ )) [مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ ] ![]() ولو صلى، ولو صام، ولو حج، ولو أدى زكاة ماله، ولو زعم أنه مسلم، لا يدخل الجنة، وفي حديث آخر: (( عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلاً يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ )) [متفق عليه عَنْ هَمَّامٍ ] والقتات هو النمام، وعن أبي هريرة: ((أحبُّكم إلى اللهِ أحاسنُكم أخلاقًا، المُوَطَّئون أَكْنافًا، الذين يَأْلَفُون ويُؤْلَفون، وإن أبغضَكم إلى اللهِ - أبغضكم على الإطلاق اسم تفضيل - المَشَّاؤون بالنميمة المُفَرِّقُون بين الإخوان المُلْتَمِسُون لهم العَثَرَاتِ)) [ الخطيب عن أنس] و: (( عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ الْمُتَكَبِّرُونَ)) [الترمذي عَنْ جَابِرٍ ] أنا لا أشرح أنا أسمعكم آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. ((ألا أخبركم بشراركم؟ المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، والباغون للبرآء العَنَت)) [ أحمد عن عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ] وقال أبو ذر قال عليه الصلاة والسلام: (( من أشاع على مسلم كلمةً ليشينه بها بغير حق شانه الله بها في النار يوم القيامة)) [ الطبراني عن أبي ذر] و: ((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ فَقَالَ: هُمُ الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ، أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] و: (( عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَخِيَارُكُمِ الَّذِينَ إِذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَشِرَارُكُمُ الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الأحِبَّةِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ )) [أحمد عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّةِ ] كلام الإنسان جزء من عمله : أخواننا الكرام قبل أن تتلفظ بكلمة يجب أن تعلم أن كلامك من عملك، وليس كلاماً، هذا عمل، لأن كلمة ربما فسخت علاقة، كلمة ربما أفسدت بين محبين، لا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة الأنفال: 1] ![]() ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ )) [أحمد عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] ينتهي الدين كله، مجتمع بلا دين إذا كان يوجد نميمة، رغم الصلاة والصوم والحج والزكاة، تذكر هذا المثل حلة حليب نقطتان من الحمض يفرط كله، أغلى طبخة ضع بها نقطتين من الكاز ترميها، هكذا النميمة لا تبقي شيئاً. (( أيما رجل أشاع على رجل كلمةً وهو بها بريء ليشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله أن يذيبه بها يوم القيامة بالنار)) [ ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء] وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: ((عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُسْلِمٍ شَهَادَةً لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )) [أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] مرة ثانية: كلامك جزء من عملك: ((... وَإِنَّا لَنُؤَاخَذُ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) [أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه : ![]() لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، إنسان يتكلم على كيفه، جلس في جلسة يقول: هكذا قال عنك فلان، رأساً العرى انفصمت، دخل الحقد، البغضاء، كما قال الله عز وجل يصف أهل الكفر: ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [ سورة الحشر:14] أي هل مرّ على المسلمين وقت هم في تمزق وتناحر وعداوة وبغضاء كهذا الوقت العصيب؟ بأسنا بيننا، الله عز وجل وصف المؤمنين: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [ سورة الفتح: 29 ] نحن بالعكس أشداء على بعضنا رحماء مع أعدائنا، بسبب النميمة، والله لا أبالغ وأنا متأكد أنه كما قال عليه الصلاة والسلام والحديث صحيح: (( خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) [الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] النميمة تفتت المجتمع و تضعفه : ما قولكم أن نقول في جماعة تعيش في طرف الجزيرة، لا أقول اليمن لأن فيها مشكلة، في طرف الجزيرة نقول: هذه الجماعة القبلية المتواضعة المتفلتة سوف تستولي على العالم الغربي بأكمله، هذا الكلام مستحيل، الذي يقول هذا الكلام يعد مختل العقل ![]() هذا الذي حصل في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عرفوا الله، وحينما استقاموا على أمر الله، وحينما أحبّ بعضهم بعضاً، كانوا كالبنيان المرصوص، لذلك دولتان كبيرتان عملاقتان جبارتان في الأرض تهاوت تحت أقدامهم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [ سورة محمد: 7 ] النميمة تفتت، مجتمع فارط، عداء على مستوى الأمة، وعلى مستوى الشعب، و على مستوى الفئات، وعلى مستوى الأسر، وعلى مستوى الأسرة الواحدة، البيت الواحد قال عنك كذا ولكن أنا دافعت عنك، وهو كاذب ما دافع عنك، لكن نقلت لي هذا الكلام كي تنفصم عرى المحبة بيني وبين أخي، ويقال إن ثلث عذاب القبر من النميمة. (( عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن الله لما خلق الجنة قال لها: تكلمي، قالت سعد من دخلني، فقال الجبار جل جلاله: وعزتي وجلالي لا يدخل فيكِ ثمانية نفر من الناس: لا يسكنكِ مدمن خمر، ولا مصر على الزنا، ولا قتات - أي نمام- ولا ديوس، ولا مخنث، ولا قاطع رحم، ولا الذي يقول: عليّ عهد الله إن لم أفعل كذا وكذا ثم لم يفِ بعهده -الذي يخلف بعهده- )) [ الغزالي عن ابن عمر رضي الله عنهما ] باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة : الآن أخبار أي ليس في مستوى الأحاديث، ولكن يوجد منها مغزى، قال: إن بني إسرائيل أصابهم قحط، فاستسقى موسى قومه مرات عدة فما سقوا، فأوحى الله تعالى إليه أن يا موسى لن أستجيب لك ولمن معك لأن فيكم نماماً - نمام واحد يمنع رحمة السماء - والقصة لها تتمة، ثم أنزل الله المطر فتعجب سيدنا موسى وقال له: يا موسى لقد تاب، قال: من هو يا رب؟ قال: عجبت لك أستره وهو عاصٍ وأفضحه وهو تائب!! انتهى، باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة. هذه مقدمة الآيات والأحاديث المتفق عليها والصحيحة وبعض الأحاديث الأقل صحة كلها ترهب الإنسان من النميمة. تعريفات النميمة : بقي أن نعرّف النميمة التعريف الدقيق، وهذا التعريف دقيق جداً، النميمة: تطلق على من ينم قول الغير في المقول فيه، معنى ينم أي ينقل قول الغير إلى المقول فيه، كأن تقول: إن فلاناً كان يتكلم فيك كذا وكذا، قبل أن تقول هذا الكلام اعلم أنك وقعت في كبيرة، اعلم أنك وقعت في كبيرة توجب النار، اعلم أنك وقعت في كبيرة توجب أو تستلزم أن تفتت الجماعة المؤمنة. الآن نتابع تعريفات النميمة حدها كشف ما يكره كشفه، إذا كشفت سراً هذا الكشف يكره ذلك أحد الطرفين فهذه نميمة، أحياناً الذي نقلت له الكلام قد لا يتألم والذي نقلت عنه الكلام قد يتألم، فأنت نمام، ليس الشرط أن يتألم من نقلت له الكلام، لا إذا تألم وكره من نقلت عنه الكلام فهو نميمة، الذي نقلت عنه والذي نقلت إليه إذا تألما جميعاً، فهذا العمل نميمة، وإذا تألم أحدهما فهذا العمل نميمة، وإذا لم يكره هذا العمل لا الذي نقلت عنه ولا الذي نقلت إليه ولكن شخص ثالث كره ذلك فهذه نميمة، أي قد يكون الذي نقلت عنه لا يعبأ، قوي جداً، وقد يكون الذي نقلت إليه لا يهمه - متمسح - الذي نقلت عنه لا يعبأ، والذي نقلت إليه لا يهتم، لكن إنساناً حساساً أخلاقياً رأى في هذا العمل وقيعة، دناءة، فتألم رجل ثالث قال فهذه نميمة، إذا كشفت شيئاً كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة فهي نميمة. الآن الكشف بالقول أو بالكتابة، أحياناً رسالة، أحياناً اتصال هاتفي يلغي زواجاً، أحياناً رسالة مجهولة التوقيع تفسخ خطبة، أو بالرمز، أو بالإيماء، ما فعل شيئاً لكن حرك بدلته، هذه نميمة، إما بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء، الآن نقلت إما أعمالاً أو أقوالاً، فلان فعل كذا غيّر مفتاح البيت، لأنه يخاف منك، هذا ما قال شيئاً سوى أنه غيّر المفتاح، هذه أعمال، الأقوال: قال عنك كذا أو لم يعمل ولم يتكلم لكن ذكرت عيباً في إنسان خلقياً ففسخت علاقةً بين اثنين، أو عيباً أو نقصاً بالمنقول عنه. حقيقة النميمة : حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، إلا في حالتين النميمة معفو عنها إذا كان في حكاية هذا الكلام فائدةٌ لمسلم، أو دفع لمعصية، الموضوع خطير موضوع زواج، لو فرضنا رجلاً قال: أنا سوف أتزوجها شهرين فقط وعندما أسافر سوف أطلقها، والجماعة صدقوه وهذا تصريح رسمي، وهذا الزواج المؤقت زواج زنا، إذا كان سيحدث ضرراً كبيراً بمسلم فأنت عندئذ لست نماماً إذا فيه فائدة لمسلم. ![]() مثلاً شراكة، أحد الشريكين تكلم بإنسان لا يتوقع أن يصل الكلام للشريك الثاني، أنا بعد أن آخذ المصلحة منه سأضعه خارج المحل، لأن المحل باسمي وليس باسمه، هذا نمام صار؟ إذا الكلام وصلّه مراعاة لهذا المسلم البريء الطاهر صار موضوعاً ثانياً، ولكن أنا أفضل الإنسان لا يستعمل الرخص، لأن الرخص أحياناً تكون غير واضحة، وأحياناً أخرى تكون الرخص فيها شبهة، فأنت خذ الأحوط. لو فرضنا رجلاً يخفي مال مورث، خمسة أولاد وأحد الأولاد حمل كيساً أسود ممتلئاً بالنقود وأخفاه أثناء الوفاة، أنت شاهدته ويوجد خمسة أخوة في البيت هذه موضوع فيه أكل حقوق وفيه ظلم. إذاً الاستثناء ما كان في حكاية الشيء فائدة لمسلم أو دفع لمعصية ،طبعاً الغلول أن تأخذ المال كله هذا غلول، وهذه معصية كبيرة جداً، يقول الإمام الغزالي في الإحياء: "إن الباعث على النميمة أحياناً أن تريد السوء للمحكي عنه أو أن تظهر الحب للمحكي له"، إما أن تريد السوء لمن نقلت عنه، أو أن تريد الخير لمن نقلت إليه، أو أن تتسلى بالوقيعة بين الاثنين، هذا عمل شيطاني يبتغى به وجه الشيطان، إما أن تريد أن تسيء لمن نقلت عنه، وإما أن تريد أن تظهر حبك لمن نقلت إليه، أو أن تريد أن ترى بأم عينك ما يجري بينهما وكيف تنفصم هذه العلاقة. الموقف الشرعي الذي يجب أن يأخذه الإنسان حيال النمام : 1 ـ ألا يصدقه : الآن أهم ما في الدرس هذه النقطة؛ أنت شاب مؤمن طالب علم، تنتمي إلى مسجد، جاء إنسان وقال لك: إن فلاناً تكلم عليك كذا، أنت ما الموقف الشرعي الذي يجب أن تأخذه؟ قال: أولاً من قيل له إن فلاناً قال فيك كذا، أو فعل في حقك كذا، أو هو يدبر في إفساد أمرك، أو في ممالأة عدوك، أو تقبيح حالك، أو ما يجري مجرى هذا، قال: فعليه ستة أمور، ستة واجبات على من قال له إنسان: فلان تكلم عنك كذا وكذا، الأول ألا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الشهادة لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: 6 ] أولاً: ألا تصدقه لأنه كذاب. 2 ـ أن ينهاه عن ذلك وينصحه : ثانياً: أن ينهاه عن ذلك، وينصح له، ويقبح فعله، قال تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [ سورة لقمان: 17 ] يا فلان ما كان ينبغي أن تقول هذا الكلام ولو وقع، إنك أصبحت نماماً، والنمام لا يدخل الجنة، لا ينبغي أن تسكت من نقل لك كلاماً عن شخص قال فيك هذا الكلام ينبغي أولاً ألا تصدقه لأنه كذاب بنص القرآن الكريم. 3 ـ أن يبغضه في الله تعالى : ثالثاً: أن يبغضه في الله تعالى، يجب ألا تحبه، هذا يحضر لي أخباراً إذاً أشجعه، يجب أن أبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى، ويجب أن تبغض من يبغضه الله تعالى، إذا إنسان نقل إليك كلاماً وأنت أحببته واعتبرته من طرفك، من أتباعك، هذا مخبر، إن اعتبرته ذلك فأنت خالفت سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ينبغي أن تبغضه في الله لأن المؤمن يبغض من يبغضه الله، وهذا بغيض عند الله. 4 ـ أن يظن بأخيه خيراً : ![]() رابعاً: ألا تظن في أخيك الذي نقل عنه هذا الكلام سوءاً لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة الحجرات: 12 ] 5 ـ ألا يحمله ذلك على التجسس : خامساً: ألا يحملك ما حكى لك هذا الإنسان على التجسس والبحث، لتتحقق اتباعاً لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات :6] يقول لك: أنا أتتبع الأمر، لا تتبع الأمر، أرح نفسك وأرح غيرك. 6 ـ ألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه : السادس: ألا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه، ولا تحكي نميمته، وتقول: فلان قد حكى لي كذا وكذا فتكون نماماً ومغتاباً، وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت. ست حالات؛ أولاً: ألا تصدقه، ثانياً: أن تنهاه، ثالثاً: أن تبغضه، رابعاً: أن تظن بأخيك خيراً، خامساً: ألا يحملك هذا القول على التجسس، سادساً: ألا تفعل ما نهيت عنه. ستة واجبات دينية مدعمة بالآيات القرآنية يجب أن تفعلها إذا استوقفك إنسان وقال لك: فلان قال عنك كذا وكذا. تفتت المجتمع من النميمة : سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه دخل عليه رجل، فذكر له عن رجل شيئاً، فقال له عمر: "إن شئت نظرنا في أمرك فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ ﴾ وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبداً". حكيم من الحكام زاره بعض أخوانه فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه، قال له الحكيم: قد أبطأت في الزيارة - تأخرت حتى زرتني- لكن بهذه الزيارة ارتكبت ثلاث جنايات، بغضت أخي إلي، وشغلت قلبي الفارغ، واتهمت نفسك الأمينة، أي وضعت نفسك في موضع تهمة، وشغلت قلبي، وبغضتني بأخي، بعد انتظار هذه الزيارة ترتكب هذه الجنايات الثلاثة. سليمان بن عبد الملك كان مرة جالساً وعنده الزهري فجاءه رجل فقال له سليمان: بلغني إنك وقعت فيّ وقلت كذا وكذا، فقال الرجل: ما فعلت ولا قلت، فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق، فقال له الزهري: لا يكون النمام صادقاً، فقال سليمان: صدقت، ثم قال للرجل: اذهب بسلام. الحكم رضي الله عنه يقول: "من نمّ إليك نمّ عليك"، الشيء الغريب إنسان يتودد لك ويقول لك فلان قال عنك كذا، وفلان قال عنك كذا، وأنا والله ما هان عليّ، وليس له الحق أن يقول هذا الكلام، فأنت تميل نحوه، الله يرضى عليك، والله أنا أحبك يا فلان، صار هناك غزل، يذهب إلى الطرف الثاني ويقول كلاماً معاكساً، قال: هذه إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض وألا يثق بقوله، ولا بصداقته، صدقوني زواج يفسد ينتهي بالطلاق، شركة تنتهي بالفسخ، أسرة تنتهي بالعداوة والبغضاء، شيء خطير جداً أن المجتمع يتفتت من النميمة. ألأم أنواع الصدق أن تكون نماماً : الآن بعض الآيات الكريمة: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة الشورى : 42] ![]() علماء التفسير قالوا: النمام منهم، يبغون في الأرض بغير الحق، يعتدون، وقال صلى الله عليه وسلم: ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ انْبَسَطَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَلَّمَهُ فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا اسْتَأْذَنَ قُلْتَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ انْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَتْ: فَقَالَ تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ الَّذِينَ يُكْرَمُونَ اتِّقَاءَ أَلْسِنَتِهِمْ )) [متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا] والنمام منهم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((عن جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ )) [متفق عليه عن جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ ] قيل: وما القاطع؟ قال: قطع بين الناس، والنمام منهم. وعن علي رضي الله عنه أن رجلاً سعى إليه برجل فقال: "يا هذا نسأل عما قلت فإن كنت صادقاً مقتناك، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك، فقال: أقلني يا أمير المؤمنين". قيل لمحمد بن كعب القرظي: أي خصال المؤمن أوقع له؟ - تزل قدمه فيها- فقال: كثرة الكلام، وإفشاء السر، وقبول قول كل أحد. تقبل أي قول، تفشي أي سر، وكثرة الكلام، من كثر كلامه كثر خطؤه، ذكر عند بعض الحكماء النميمة فقال: ما ظنكم بقوم يحمد الصدق من كل طائفةٍ من الناس إلا منهم النمام قد يكون صادقاً وفعلاً الكلام قاله فلان، ولكن ألأم أنواع الصدق أن تكون نماماً، فلان قال هذا الكلام، أنت ما كذبت، أنت نقلت ما قال فلان في فلان، فهذا ألأم أنواع الصدق أن تصدق في هذا الموطن، أنا لا أقول لك اكذب لا، أقول لك اسكت. السعاية و الإجازة : قال مصعب بن الزبير: نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، ما هي السعاية؟ هي النميمة نفسها، لكن إذا كانوا شخصين متكافئين، صديقين، شريكين، أخوين، هذه نميمة، لكن الأول موظف، والثاني مدير عام، فأنت نقلت للمدير العام هذا يتكلم عليكم سيدي، يقول: أنت لا تفهم شيئاً، والذي قبلك أفضل منك، وأمام الناس تكلم هكذا وأنا لم يهن عليّ، هذه سعاية نقلت كلاماً إلى شخص أقوى من الأول، قال: قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دلّ على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي ولو كان صادقاً في قوله، لئيماً في صدقه حيث لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة. يقال إن أحد الصالحين دخل على أحد الخلفاء وقال: يا أمير المؤمنين إنه قد اكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، ولا تصغ إليهم فيما استحفظك الله إياه، فإنهم لم يألوا في الأمة خسفاً، وفي الأمانة تضييعاً، والأعراض قطعاً وانتهاكاً، وأجل وسائلهم الغيبة والوقيعة، وأنت مسؤول عما أجرموا، وليسوا مسؤولين عما أجرمت، فلا تصلح دنياك بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً من باع آخرته بدنيا غيره. رجل قال لعمرو بن عبيد: إن فلاناً لا يزال يذكرك بقصصه بالشر، فقال له عمرو: يا هذا ما راعيت حق مجالسة الرجل، حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حيث أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلم أن الموت يعمنا، وأن القبر يضمنا، وأن القيامة تجمعنا، والله سبحانه وتعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. أي الله عز وجل مطلع وهو خير الحاكمين، فالموت يجمعنا، والموت يضمنا، والقيامة ننتهي إليها، والله يجمع بيننا، رجل رفع كتاباً فيه نميمة فكتب من تلقى الكتاب على ظهره هذا الجواب، قال: "السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصحِ فخسرانك فيها أفضل من الربح، ومعاذ الله أن نقبل مهتوكاً في مستور، ولولا أنك في خسارة شيبتك لقابلناك بما يقتضي فعلك بمثلك، فتوقى يا ملعون العيب فإن الله أعلم بالغيب، الميت رحمه الله، واليتيم جبره الله، والمال ثمره الله، والساعي لعنه الله"، النميمة هي في أكل مال يتيم. سيدنا لقمان كان من الحكماء، والله عز وجل ذكر بعض حكمه في القرآن الكريم، قال: "يا بني أوصيك بخلال إن تمسكت بها لم تزل سيداً: أبسط خُلُقَكَ للقريب وللبعيد، وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم، واحفظ أخوانك و صل أقاربك، وأمنهم من قبول قول ساعٍ، أو سماع باغٍ يريد إفساد ما بينك وبينهم ويروم خداعك، وليكن أخوانك من إن فارقتهم وفارقوك لم تعبهم ولم يعيبوك". البواعث على النميمة : الحقيقة الآن البواعث على النميمة، قال: الكذب، والحسد، والنفاق، وهي أساس الذل، وقال بعضهم: لو صحّ ما نقله النمام إليك لكان هو المجترأ بالشتم عليك، والمنقول عنه أولى بحلمك لأنه لم يقابلك بشيء، المنقول عنه أولى بحلمك استحى منك وتكلم بغيابك، أما هذا فنقل لك الكلام مباشرةً وهو أولى - الأول أولى بحلمك - لأن الثاني شتمك وهو لا يشعر. الحقيقة يوجد قصة يرويها أكثر العلماء عن النمام، إنسان اشترى عبداً وقال للمشتري: عبد رخيص قوي البنية وشاب لكنه رخيص جداً، ما هو عيبه؟ فقال له: نمام، قال: لا يوجد مشكلة واشتراه، مكث هذا الغلام أياماً ثم قال لزوجة مولاه: إن سيدي لا يحبك وهو يريد أن يتسرى عليك فخذي الموس واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره بها وأصرف عنه هذه التي أحبها فيحبك عندئذ، ثم قال للزوج: إن امرأتك اتخذت خليلاً، وتريد أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها فجاءت المرأة بالموس فظن أنها تريد أن تقتله فقام إليها وقتلها، فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج، ووقع القتال بين القبيلتين، فنسأل الله حسن التوفيق، هذه القصة نادرة وغريبة، والله تقع، هناك من يرتكب جريمة أحياناً بكلمة، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد نقلت لكم ما في الكتاب والسنة والتعريف الدقيق الدقيق للنميمة، والبواعث، والأخطار، وكيف أن مجتمعاً بأكمله يمكن أن يتفتت ويتشرذم ويفسد وتتقطع العلاقة بين أبنائه عن طريق النميمة، طبعاً هذا الكلام موجه لعامة المؤمنين، أما طلاب العلم رواد المسجد الذين ينتمون لأهل الإيمان فهؤلاء أولى بهم وأولى أن يتمسكوا بهذا. التماسك والمحبة أجمل شيء بالمؤمنين : لي عندكم رجاء أي إنسان قال لك علة إنسان أنه قال عنك كذا كما قلت قبل قليل هناك ست حالات: أولاً: ألا تصدقه، ثانياً: أن تنهاه، ثالثاً: أن تبغضه، رابعاً: أن تظن بأخيك خيراً، خامساً: ألا يحملك هذا القول على التجسس، سادساً: ألا تفعل ما نهيت عنه. ![]() ونحن عندما نجامل بعضنا نهلك، أي أبشع صفة تعلمناها عن الأجانب المجاملة، بالتعبير العادي -أعطيه جَمَلُه - لا تحزن أحداً أنت، لا هذا موقف لئيم، ينبغي أن تقف موقفاً عنيفاً، اسكت، كان أحد العلماء الصالحين الشيخ بدر الدين رحمه الله لا يجرؤ إنسان أن يتكلم إنسان أمامه، اسكت يابا أَظلَم قلبنا، امش. أجمل شيء بالمؤمنين التماسك والمحبة، كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "أحب أن أخرج لأصحابي وأنا سليم الصدر عنهم". أحياناً يكون إنسان له صلة طيبة مع أستاذه، ويوجد علاقة طيبة ومودة، وهو يتألق في نظره، والأستاذ يتألق في نظر تلميذه، ويوجد محبة ووفاء ومودة، يأتي إنسان يُسود صحيفة هذا التلميذ عند أستاذه، في بيته هكذا يفعل، يأكل مال الناس، يكون طالب العلم متألقاً فيخبو نوره، فالنبي الكريم كان يقول: "أحب أن أخرج لأصحابي وأنا سليم الصدر عليهم"، فالذي أرجوه إنسان تكلم كلمة ينبغي أن تسكته إلا في حالات نادرة جداً وخطيرة، هذه فيها مصلحة عامة، أو نفع لمسلم، أو دفع ضر. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-14-2018 الساعة 03:10 PM
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :مفهوم الغيبة وحكمها الاخلاق الاسلامية الدرس : ( الثانى ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.الغيبةُ مائِدَةُ طعام الكلاب وإدامُ الفُساق : ![]() أيها الأخوة المؤمنون، وعدت في خطبة الجمعة السابقة أن أُعالج موضوع الغيبة الذي بدأتُه في الخطبة، في دروس يوم الأحد مُعالَجَةً مُتَأنِّيَةً مُفَصَّلَة. الحقيقة أنَّ خُطبة الجُمعة تخْتصّ بالإيجاز، بينما دُروس العِلْم تخْتصُّ بالتفاصيل، والمُسلمون كما ترَوْن في الأعمّ الأغلب بعيدون عن الكبائر من قَتْلٍ، أو شُرْب خمرٍ، أو زِنى، لكِنّهم يقعون في موبِقاتٍ كلاميَّة كثيرة تحْجُبُهم عن الله عز وجل، فالمَعْصِيَة تحْجُب عن الله تعالى صغيرةً كانت أو كبيرة، ولا تنْسَوا أنَّ الإصْرار على المَعْصِيَة الصغيرة يجْعلها كبيرة، والسلف الصالح كما ذكرْت في الخُطبة أنَّ العبادة ليس في أداء الصلوات فَحَسْب وصِيام رمضان، ولكنَّ العبادة الحَقَّة في ضَبْط اللِّسان وضَبْطُهُ يحْتاجُ إلى إرادةٍ قَوِيَّة. فالإنسان يسْترْسِل في الحديث عن عُيوب الناس ونقائِصِهِم، وفضائِحِهم، ومساوِئِهم، وفي هذا الحديث كما قال العلماء مُتْعَةٌ اجتماعية، لذلك قالوا: الغيبةُ مائِدَةُ طعام الكلاب، وإدامُ الفُساق، ومن أعْمال أهْل الفُجور. البهتان و الغيبة : على كُلٍّ نحن في تفاصيل دقيقة عن الغيبة، وينبغي للمؤمن أن يقف مَوْقِفَ دقيقاً: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ)) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] ![]() البهتان أن تقول على أخيك شيئاً ليس فيه، أما الغيبة فأن تقول عنه شيئاً هو فيه، هذا تعريف الغيبة من قِبَلِ النبي عليه الصلاة والسلام، طبْعاً ذِكْرُكَ أخاك بما يكْره سواءٌ أكانت هذه الغيبة في بدنِهِ، أو دينه، أو دُنياه، أو نفسه، أو خُلُقِه، أو ماله، أو ولده، أو زَوْجته ووالده، أو ثَوْبِهِ، أو مِشْيَتِهِ، أو حَرَكَتِهِ، أو عَبوسِهِ وطلاقتهِ، أو غير ذلك مما يتعلَّقُ به، كُلُّ هذه الموضوعات مُتَعَلِّقَة بالغيبة. شيءٌ آخر: سواءٌ ذَكَرْتَهُ بِلِسانك، أو كَتَبْتَهُ بِيَدِك، أو رَمَزْتَ إليه، أو أشَرْتَ إليه بِعَيْنِك، أو يَدِك، أو رأسِك، أو نحو ذلك؛ تلْميحاً كان أو تصْريحاً فَكُلُّ هذا من الغيبة. ففي البَدَن كأن تقول: فلان أعْرج، وهذا أعْمَش، وذاك قصير، وفلان طويل، والآخر شديد السمْرة؛ هذه غيبة البَدَن، وفي الدِّين كأن تقول: فاسق، وسارق، وكاذب، وظالم، ومُتهاوِن بالصلوات، ليس باراً بوالِدَيْه؛ هذه في الدِّين، وفي الدنيا كأن تقول: هذا قليل الأدب وكثير الأكل والنوم، وينام في غير وَقْتِه، وفي والده كأن تقول: والدُه زِنْجي، أو تحْتقِرُ والده بالصَّنْعة، وفي الخُلق كأن تقول: مُتَكَبِّر ومُرائي وجبار..إلخ، وفي الثوب وسِخُ الثَّوْب وطويل الكمّ. الغيبة من أوْسع المعاصي التي يقْترِفُها الناس : أيها الأخوة، الغيبة من أوْسع المعاصي التي يقْترِفُها الناس وهم لا يشْعرون في مجالسِهِم، وسفَرِهِم، ولِقاءاتِهِم، وولائِمِهِم، وأعْراسِهِم، وفي أحْزانِهِم، فمادام هذا اللِّسان ينْهَشُ أعْراض الناس فَهُو واقِعٌ بِغيبَةٍ كبيرة، والغيبة كما تعْلمون من الكبائِر. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ)) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] و : ((عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ)) [الترمذي عَنْ أَبِي حذيفة ] فهي قصيرة وكُلُّ من يراهاَ يراها قصيرة فماذا فعَلْتَ أنت؟! قال الحسن: "ذِكْرُ الغير ثلاثة: الغيبة والبهتان والإفْك، وكُلٌّ في كتاب الله عز وجل، فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفْك أن تقول ما بلَغَكَ عنه". فإن نَقَلْتَ ما بلغَكَ عنه فهذا إفْكٌ، وحديث الإفْك معْروفٌ لَدَيْكم حينما قالوا عن السيِّدَة عائِشَة ما قالوا؛ فإنْ نَقَلْتَ ما ذُكِرَ لك فهذا إفْكٌ، وإنْ نقلْتَ ما في الإنسان فهذه غيبة، وإنْ نقلْتَ ما ليس فيه فهذا بُهْتان؛ ذِكْرُ الغير ثلاثة: "الغيبة والبهتان والإفْك، وكُلٌّ في كتاب الله عز وجل، فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفْك أن تقول ما بلَغَكَ عنه"، وذكر ابن سيرين رجُلاً فقال: ذاك الرجُل الأسْود، ثمَّ قال: أسْتغْفر الله إنَّي أراني قد اغْتَبْتُه، وذكر ابن سيرين إبراهيم بن أدْهم فوَضَعَ يَدَهُ على عَيْنِهِ ولم يقُل أعْوَر، بل أشار وخاف أنْ يقول أعْور! فَكُلما اشْتَدَّ خَوْفُك من الله كلما كنت وقافاً في الأمْر والنَّهْي، وكان لك مكانٌ عند الله كبير، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴾ [ سورة القمر: 54 ] من ضبط لسانه و اشتغل بذكر الله كان ذِكْر الله شِفاء له ولِمَن حَوْلَهُ : ![]() صَدِّقوني أيها الأخوة، الإنسان إذا ضَبَطَ لِسانه، و اشْتغل بِذِكْر الله عز وجل والدَّعْوة إلى الله، وذِكْر ما في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله من فضائِل، وما عند الصحابة من الكرامات، كان ذِكْر الله شِفاءُ له ولِمَن حَوْلَهُ، أما إذا اشْتَغَل بِذِكْر الناس فَذِكْر الناس داءٌ له ولِمَن حَوْلَهُ، وهو قَوْلُ سيِّدنا عمر: "ذكر الله شفاء وذكر الناس داء"، كُلُّ إنسانٍ لا بد له من لِقاءات شِئْت أم أبَيْتَ، أحْبَبْت أم كرِهْتَ، أعْجَبَكَ أم لم يُعْجِبْك، فأنت مُضْطرّ أن تلْتقي مع أصْدِقائِك، ومع جيرانك، وإخْوانك، وزُملائِك، وأقْرِبائِك في وليمَةٍ، أو سَهْرَةٍ، أو لِقاءٍ، أو تهْنِئَةٍ، أو نُزْهَةٍ، أو تعْزِيَةٍ، وفي حَفْلَةٍ، أو عقْد قِران؛ فاللِّقاء حَتْمي، فَقَبْلَ أنْ تدْخُل قُلْ في نَفْسك: ماذا أقول؟! لا تدْخل وأنت خالي الذِّهْن، هيئ في نفْسِكَ آيةً أو حديثاً أو قِصَّةً أو شيئاً عن أصْحاب رسول الله، المُهِمّ شيءٌ يُقَرِّبُهم إلى الله، واذْكُرْهُ بِلُطْفٍ وأدَبٍ وحِكْمَةٍ وتسامُحٍ فإن رأيْتَ الوُجوهَ قد أشْرَقَتْ وتألَّقَتْ فهذا هو قَوْلُ سيِّدِنا عمر: "ذكر الله شفاء وذكر الناس داء". أيها الأخوة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لا يغْتابَنَّ أحدكم أحداً فإني قلتُ لامْرأةٍ وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: إنَّ هذه لَطَويلَةُ الَّذيْل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: اِلْفظي الْفظي فلَفَظْتُ مضْغة لَحْمٍ"؛ أيْ كأنَّها أكلَتْ لحْمَ أُخْتِها ميِّتَةً، كما قال في وَقْتٍ آخر:" تَخَلَّل فقال: وممَّ أتَخَلَّل يا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولم آكل اللَّحْم؟! فقال: لقد أكلتَ لحْمَ أخيك"، تَخَلَّلْ. الغيبة لا تقْتَصِرُ على اللِّسان فقط : ![]() أيها الأخوة، من دقائِقِ هذا الموضوع أنَّ الغيبة لا تقْتَصِرُ على اللِّسان، فالذِّكْر باللِّسانِ مُحَرَّم، ولكن هناك التَّعْريض، وهناك التَّصْريح، وهناك القَوْل، وهناك الإشارة، فإذا أشار الواحد على الآخر بأنَّهُ بخيل؛ أحياناً بِشَفَتَيْهِ، وأحْياناً يحَرِّكُ رأسَهُ، وأحْياناً يرْفعُ عَيْنَيْه، كُلُّ هذا عند الله غيبة، كلامٌ، وإشارةٌ، وتصْريحٌ، وقَوْلٌ، وغَمْزٌ، وتحْريك شَفَتَيْن، وعَيْنين، ورأس؛ هذا كُلُّهُ يدْخُلُ تحت الغيبة، فإذا أردْتُم مجْتمعاً مُتماسِكاً كالبُنْيانِ المرْصوص، وكالجَسَدِ الواحد ابتعدوا عن الغيبة، فالغيبة هي التي تُمَزِّقُ وِحْدَةَ هذا الجَسَد، وإذا أردتم مُجْتمعاً مُتباغِضاً تسود فيه العداوة والحسَدُ والأحْقاد، فالسَّبَب هو الغيبة، ذَكَرْتُ مَرَّةً أنَّ أُناساً طيِّبين كانوا يلْتقون كلَّ ثلاثاءٍ مثلاً؛ هذا اللِّقاء دامَ سبْعة عشرَ عاماً، فسَأَل بعْضُهم بعْضاً ما سِرُّ هذا التوْفيق والاسْتِمْرار وتِلك الدَّيْمومة؟ فقال أحدهم: لأنَّ هذه المجالس خالِيَةٌ من الغيبة، ولو كان فيها غيبة لانْقَطَعَتْ منذُ أمَدٍ طويل. السيِّدَة عائِشَةُ رضي الله عنها قالتْ: "دخَلَتْ عليْنا امْرأةٌ فلما ولَّتْ أوْمَأْتُ بِيَدي إنَّها قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: اِغْتبْتيها". قال: ومن ذلك المحاكاة أو التَّمْثيل كأن يمْشِيَ الإنْسانُ مُتعارِجاً، يتصَنَّعُ العَرَج كي يبْدُوَ مُتعارِجاً، أو كما يمْشي أو يضْحك أو يجْلس أو يتَحَرَّك، فإذا قَلَّدْتَ إنْساناً من أجل أنْ يضْحك الناس عليه فهذه من أشَدِّ أنواع الغيبة، وهناك غيبة بالكتابة، والرَّسْم، هناك رُسوم تبْعَثُ على الضَّحِك وأحْياناً هناك كتابات؛ قالوا: القلمُ أحدُ اللِّسانَيْن. إصْلاح الاعوِجاج يكون دون ذِكْر الأسماء والأشْخاص : إلا أنَّ الإنسانَ أحْياناً يضْطرّ إلى أنْ يُصْلحَ عُيوبَ المُجْتمع، كيف يفْعَل؟ كما فَعَلَ النبي عليه الصلاة والسلام؟ كان يصْعَدُ المِنْبر ويقول: "ما بال أقْوامٍ يفْعَلون كذا وكذا"، فالذي فَعَل واحِد، فلما قال: ما بال أقْوامٍ يفْعلون كذا وكذا؛ هي إشارَةٌ لطيفة دون تعْيين ودون تَسْمِيَة، ولم يفْضَح لكنَّهُ ذكر عَيْباً مُنْتَشِراً في المُجْتمع؛ لما كنتُ داخِلاً اليوم كان ثلَّةٌ من إخْواننا يُصلون داخِلَ المسْجِد، وأُغْلِقَ الطريق إلى الباب، فالذي صلى وكان آخرهم ينْبغي أنْ يُصَلي في صَفٍّ آخر، هل يُعْقَل أربع ركعات العِشاء تقطع الطريق نِهائِياً عن الحَرَم، فهذه نقْطة دقيقة قبل أنْ يُصلي المرْء ويلْحق بالإمام؛ أنْ يتساءَل هل هذا الطريق وحيدٌ للحَرَم؟ فلا ينبغي أن نقف فيه وأن ندع طريقاً، فلا بد من إصْلاح الاعوِجاج دون ذِكْر الأسماء والأشْخاص، إنما نكتفي بِذِكْر الحالات ووصْف العِلاج لها. طرق أخرى للغيبة : الآن هناك أساليب ذَكِيَّة يفعلها الإنسان ويظنّ أنَّهُ نجا من الغيبة، مثَلاً فمن الغيبة أنْ يُذْكر إنسانٌ عندك فتَقول: الحمد لله الذي عافانا من البُخْل، معنى ذلك أنَّهُ بخيل! طبْعاً هذه إشارة إلى أنَّهُ بخيل وهي غيبة، ومرَّةً قلت: الحمد لله الذي عافانا من أكْل أموال الناس بالباطل، أيضاً هذه غيبة، وذُكِرَ إنسانٌ ثالث فقُلْتَ: الحمد لله الذي عافانا من الرياء والنفاق هذه كذلك غيبة، وهذه الغيبة مُضاعفة الإثم لأنَّك انْتَقَصْتَ أخاك وأثْنَيْتَ على نفْسِك وقد لا تكون كذلك، فصار هناك افْتِخار واسْتِعْلاء وانتِقاص لأخيك. وهناك طريقة أخرى للغيبة، وذلك بِمَدْح زَيْد أو عُبَيْد، ويقوم بِمَدْح من يريد اغْتِيابه فيقول: ما أحسن أحْوال فلان، فعْلُهُ كذا وعبادَتُهُ كذا، فالحاضرون يقولون عَكْس ذلك، إذْ أنَّهُ يعْلم أنَّ له نقائِص، وهؤلاء الذين معه لا يسْكتون عليها، فحينما تمْدح هذا الإنسان تسْتثير موضوع الغيبة عندهم، فيَغْتابونه فَتُدْهَش؛ فلان هكذا لا حول ولا قوَّة إلا بالله، وكُلُّ هذا بِسبَبِ مَدْحِك له، وهو من الغيبة. وكذا من الغيبة الإصْغاءُ إلى الغيبة، ما تَكَلَّمْتَ ولا كلمة لما كنت في المجْلس فاغتيبَ إنسانٌ أمامك، وأنت مُنْصِت ومُستمْتع وتُتابِعُ هذا الحديث، وهو أيْضاً من الغبية، ففي غَزْوة تبوك سأل الناس عليه الصلاة والسلام عن رَجُلٍ فقالوا: "إنَّهُ منافق، فقام أحد الصحابة الكرام - وأظُنُّه سعد بن أبي وقاص - فقال: والله يا رسول الله ما علِمْنا عنه إلا خيراً، إنَّ أُناساً تَخَلَّفوا عنك لسْنا بأشَدَّ حُباً لك منهم، ولو عَلِموا أنَّكَ تلْقى عَدُوًّاً ما تخَلَّفوا عنك!" فابْتَسَمَ النبي صلى الله عليه وسلَّم ابْتِسامةَ الغِبْطة ورأى هذا العَمَلَ طيِّباً، فالساكت في المجلْس الذي يُغْتَبُ فيه إنسان شريكٌ في إثم الغيبة. هناك خلاف بين العلماء أنَّهُ يمكن أن تكون الغيبة في شَخْصٍ أمامك؟ فأغْلَبُ الظنِّ لا، لو أنِّهُ أمامك لكان الانْتِقاصُ منه مَسَبَّةً أو شَتْماً، فالغيبة في الأصْل أن تذكُرَ الإنسان في غَيْبَتِه، لذلك قالوا: الاجْتِراء على الناس في غيْبَتِهِم كالتَزَلُّفِ إليهم بِحَضْرَتِهم، كلاهما ضَعْفٌ وجُبْنٌ ودناءَة وصغار. مُلَخَّص الموضوع أنَّهُ ما كَرِهْتَ أن تُواجِهَ به أخاك في حَضْرَتِهِ فَهُوَ غيبة. حُكْم الغيبة : أيها الأخوة، أما حُكْم الغيبة في الشَّرْع الحنيف؛ إنَّها حرامٌ بالكتاب والسنَّة وإجْماع عُلماء الأمَّة، وأدِلَّةُ التَّحْريم كثيرة جداً، فقد نَقَلَ القُرْطبي الإجْماع على أنَّها من الكبائِر لا من الصغائِر، فأكْلُ المَيْتَةِ أليْسَتْ كبيرة ومُحَرَّمَةٌ في الإسْلام؟! وأكْلُ اللَّحْم الميِّت أليس محرماً في الإسلام؟ فالمَيْتَةُ مُحَرَّمَة وكذا الخِنْزير والدَّم، أما الغيبة فأن تأكل لَحْمَ أخيك مَيْتاً فهي من الكبائِر، لكن قد يقول أحدهم: إنَّ هذه المَعْصِيَة مُنتَشِرَة وواسِعَةُ الانتِشار وبَلْوى عامَّة، والناس كُلُّهم كذلك فنقول: إنَّ انْتِشار هذه المعْصِيَة وعمومها على الناس لا يُلْغي أنَّها كبيرة، فالمعاصي الكبيرة كبيرة قَلَّتْ أو اتَّسَعَتْ، أما علماء المسلمين فمجْمِعون على أنَّ الإصْرار على الغيبة كبيرة من دون ارْتِياب. العلماء قالوا: كما أنَّ هناك كُفْر دون كُفْر، كذلك هناك غيبة دون غيبة، كأن تنْتَقِدَ بيْتاً صغيراً، وهذا اللَّوْن غير مُناسِب، فإذا كان الشيء مُتَعَلِّقاً بالثَّوْب أو المنزل ولا يطْعَنُ في شَخْص صاحِبِه هذه أقلّ من أنْ تغْتاب عالماً ينتفِعُ الناس منه، فإذا اغْتَبْتَهُ من دون بيِّنَة فقد صَرَفْتَ الناس عنه، أو هَزَزْتَ مكانتهُ عندهم، فأشَدُّ أنواع الغيبة أنْ تغْتابَ رَجُلاً يُجْري الله على يَدِهِ الخير، وأقَلُّها أن تغتاب شيئاً من حاجات إنْسانٍ لو بَلَغَهُ لا يتألَّمُ كثيراً، فهذا هو التفْريق بين الغيبة الكبيرة والأقلّ منها. طائِفَة من أحاديث رسول الله تتعَلَّقُ بالغيبة : أيها الأخوة، نحن الآن أمام طائِفَةٍ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كُلُّها تتعَلَّقُ بالغيبة، فالحديث الأوَّل: (( كُلُّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعِرْضُه )) [ مسلم عن أبي هريرة] فَدَمُهُ حرامٌ أنْ تقْتُلَهُ، ومالهُ حرامٌ أن تأكل ماله بالباطل، أما عِرْضُهُ فمَوْطِنُ المدْح والذَمِّ في الإنسان، فأكثر الناس إذا قالوا كلِمَةُ عِرْض يتوَهَّمون أنّهُ شيءٌ مُتَعَلِّقٌ بالمرأة، ولكنَّهُ موضع المدح والذمّ فحرامٌ أن تقْتُلَهُ، وحرامٌ أن تأكل ماله بالباطل، وحرامٌ أن تغْتابهُ؛ كُلُّ المسلم على المُسْلم حرام ماله ودمه وعِرْضُهُ، وقد ذَكَرْتُ في الخطْبة حديثاً شريفاً: (( من عامل الناس فلم يظْلمْهُم، وحَدَّثَهُم فلم يكْذِبْهم، ووعَدَهُم فلم يُخْلِفْهُم، فهُوَ ممن كَمُلَتْ مُروءَتُهُ، وظهَرَتْ عدالتُه، ووَجَبَتْ أُخُوَّتُه، وحَرُمَت غيبَتُه)) [ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب] عقيدَتُهُ صحيحةٌ ويُؤَدي العبادات، ولا يُعْرَفُ أنَّهُ ظلم ولا كذب ولا خان، فهذا الإنسان حرامٌ أن تغْتابَهُ، أرَأيْتُم إلى هذا الحديث الأوَّل واضِحٌ وُضوح الشَّمْس وهو في صحيح مُسْلم؛ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)) [ مسلم عن أبي هريرة] الحديث الثاني: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا )) [ البخاري عن أبي هريرة] طبعاً لا تباغَضوا أي لا تعملوا عملاً يُؤَدي بِكُم إلى أنْ تبْغُضوا بعضكم بعْضاً. الحديث الثالث: ((إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ )) [أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ] مُسْلِمٌ من أهل القِبْلة ويُصَلي، ومُسْلم يشْهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، وأدى زكاة ماله، وغَضَّ بصَرَهُ، وأدَّى العبادات، وعقيدَتُهُ صحيحة، قال: فإنَّ من أربى الربا عند الله اسْتِحْلال عِرْض امرئ مسلم، ثمَّ قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قوله: "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بِغَيْر ما اكْتَسَبوا...". الحديث الرابع: (( عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا )) [أبو داود عَنْ عائشة] فما قالتْ إلا أنَّها قصيرة، كنت أُعَلِّقُ على هذا الحديث: أنَّ بعض المياه المالِحَةِ التي تصبُّ في البحر من المُدُن الكُبْرى في العالم قد تسير خمسين كيلومتراً والواضِح أنَّها مياهٌ سَوْداء، ومع ذلك البَحْر ماؤُهُ طاهِر، ألم يقل سيّدنا سعْد رضي الله عنه: "ثلاثةٌ أنا فيهِنَّ رجل وفيما سِوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس- من هذه الثلاثة- ما سَمِعْتٌ حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا عَلِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى"، حينما قال عليه الصلاة السلام: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )) [ البخاري عن أبي هريرة] و : ((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ)) [أبو داود عَنْ أنس] يوم القيامة أظافر من نُحاس يخْمشون بها وُجوههم وصُدورهم. ((عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ )) [أبو داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ] حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة وحُقوق الله مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة : وعن جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إياكم والغيبة فإنَّها شرّ من الزنا )) ![]() حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة بينما حُقوق الله عز وجل مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة، أقول لكم صراحَةً: إنَّ الذي وقع في الغيبة عليه أنْ يذهب إلى الذي اغْتابَهُ وأن يطلب منه السماح والعَفْوَ، والأوْلى أن يذكر قناعتَهُ الجديدة في الذين قال فيهم ما قال حتى يغْفر الله له، لماذا قال الله تعالى في آيات عديدة:" لِيَغْفِرَ الله لكم"؟ أليس الله كريماً وواسِعَ المَغْفِرَة؟ ما الذي نفْهَمُهُ من هذه الآية؟ قال تعالى: ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾ [ سورة نوح: 4] أي هو يغفر لكم ذُنوبَكم التي بينكم وبيْنَهُ، أما التي بيْنَكُم وبين العباد فلا تُغْفَر إلا بالمُسامحة، وَهْمٌ كبير بين الناس أنَّهُم إذا ذَهَبوا إلى بَيتِ الله الحرام غُفِرَتْ لهم كُلَّ الذنوب، هذا وهْمٌ ما قالهُ العلماء، عُدْتَ من الذنوب كَيَوْم وَلَدَتْك أُمُّك أيْ التي بينك وبين الله أما الذنوب التي بينك وبين العباد فلا تُغْفَر إلا بالأداء أو المُسامَحَة، أنْفَقَ من ماله، ووقْتِهِ، وصِحَّتِه، وخِبْرَتِه، وجاهِهِ، أما هذا الذي قَدَّمَ حياته في سبيل الله ومات في المعْرَكَة شهيداً؛ هل هناك عمَلٌ يفوقه؟ أعْظَمُ عَمَلٍ على الإطلاق أنْ تُقدِّم حياتك التي لا تملك غيرها؛ والجود بالنَّفْس أقصى غاية الجود، ومع ذلك يُغْفَرُ للشَّهيد كُلُّ الذنوب إلا الدَّيْن فلا يُغْفَرُ له، كان عليه الصلاة والسلام إذا مات أحد أصْحابه يسأل: أعَلَيْهِ دَيْن؟ فإنْ قالوا: نعم قال: صَلوا على صاحِبِكم، وإنْ قالوا: لا، صلى عليه، هذا شَهيد قَدَّمَ حياته وروحَهُ في سبيل الله ومع ذلك لا يُغْفَرُ له الدَّيْن. من أكل لحْم أخيه غيبةً قُدِّمَ له يوم القيامة لِيَأكلهُ : وفي حديثٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قال عليه الصلاة والسلام: (( من أكل لحْمَ أخيه في الدنيا قَرِّبَ إليه يوم القيامة فيُقال له كُلْهُ مَيْتاً كما أكَلْتَهُ حياً)) [ المعجم الأوسط عن أبي هريرة] فمن أكل لحْم أخيه غيبةً قُدِّمَ له يوم القيامة لِيَأكلهُ وقد تَغيَّرَتْ معالِمُ وَجْهِهِ وفَزِعَ من هذه الأكْلة، و: ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّهُ اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْنَبَ: أَعْطِيهَا بَعِيرًا، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ)) [أبو داود عَنْ عائشة] فإذا أعَبْتَ إنساناً أسْوداً وقلتَ له كلمة تجْرَحُهُ، فقد هَجَرَ النبي عليه الصلاة والسلام زَوْجَتَهُ صَفِيَّة شهر ذي الحِجَّة ومحرَّم وصفر لِقَوْلِها أَأُعْطي تلك اليهودِيَّة؟ ((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْجَنَّةَ... قَالَ فَنَظَرَ فِي النَّارِ فَإِذَا قَوْمٌ يَأْكُلُونَ الْجِيَفَ فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ...)) [أحمد عَنْ ابن عباس] دين الإنسان في المُعاملة : وفي حديث آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ وهو من أدَقِّ الأحاديث وينبغي أن تحْفظوه يقول عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) [مسلم عَنْ أبي هريرة] من هذا الرجل؟ يُصَلي ويصوم ويُؤدي زكاة ماله ولكنَّهُ يشْتم ويغْتاب ويأكل مال الناس بالباطل، لذلك مِحَكُّ دين الإنسان في المُعاملة فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) [ البخاري عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ] فهُوَ مَبني على خَمْسٍ، أما أنْ يكون الإسلام هذه الخَمْس فما قال عليه الصلاة والسلام هكذا، فهُوَ أخْلاقٌ وصِدْقٌ وأمانة وورَعٌ وعِفَّة وشجاعة وكَرَم وإخْلاص، أما أنْ نصلي ونصوم ونُزَكي ونعْتَمِر ثمَّ نغُشّ، ونحْلف بالباطل، ونغْتاب، ونشْتُم، ونأكل أموال الناس بالباطل، ونحْتال، فلَيْسَ هذا هو المُسْلم، أي إذا أردتم أنْ تضعوا يَدَكم على جُرْح المُسْلمين فهذا هو الحديث الذي ينبغي أنْ تحْفظوهُ جميعاً يقول عليه الصلاة والسلام: (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) [مسلم عَنْ أبي هريرة] والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهَوى إنْ هو إلا وَحْيٌ يوحى، كلامُ النبي وَحْيٌ غير مَكْذوب، وكُلُّ إنسان اسْتَخَفَّ بِهذا الحديث ولم يعْبأ وأصَرَّ على أنَّ الدِّين صلاةٌ وصِيامٌ فقط وحَجٌّ وزكاة وليس اسْتِقامَة ولا ضبْطاً للِّسان، ولا ضبْطاً في كسْب المال، ولا في إنْفاقه، فقد كَذَّب النبي عليه الصلاة والسلام. الغيبة والنميمة يحُطان الإيمان : عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ أُرَاهُ قَالَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ )) [أبو داود عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ] ![]() وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبًا بِهَا نَفْسُهُ مُحْتَسِبًا وَسَمِعَ وَأَطَاعَ فَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَخَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ الشِّرْكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَهْبُ مُؤْمِنٍ أَوِ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ أَوْ يَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ )) [أحمد عَنْ أبي هريرة] هذه الخَمْسُ ليس لهنّ كفارة، لماذا؟ السؤال الدقيق أنَّ الإنسان إذا حلف يميناً ثمَّ حنث به هناك كفارة، بإمْكانه أنْ يطْعِمَ عشرة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام، أما إذا حلف يميناً غموساً أمام قاض لِيَقْتَطِعَ به مال امرئ مُسْلِمٍ، فهذه اليمين الغَموس ليس لها كفارة، لماذا؟ لأنَّها تُخْرجُ صاحِبَها من الإسْلام، وتغْمِسُ صاحِبَها في النار، فَمِنْ هذه الخَمْس التي ليس كفارة أن تبْهَتَ مؤمناً بريئاً وصادِقاً تريد أنْ تُحَطِّمَهُ. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول: (( الغيبة والنميمة تحتان الإيمان كما يعْضُد-أي يقطعُ - الراعي الشَّجَرة)) [ الأصبهاني عن عثمان بن عفان] فإيمانك يذهب بالغيبة والنميمة. من يصل إلى مكاسب الدنيا بِنَهْشِ أعْراض الناس له عذابٌ شديد : أيها الأخوة، روى أحمد أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً وَقَالَ مَرَّةً أُكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ وَمَنِ اكْتَسَى بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ثَوْبًا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) [أحمد عَنْ المستورد] أحياناً تُدْعى إلى وليمة لَينْهَشَ عِرْض فلان، فهذا الطعام يأكلُهُ في جَهَنَّم، وأحْياناً تغْتابُ إنساناً فَتُكْرم بِثَوْبٍ تلبسُه! فهذا الثوْب يُكْساه في جَهَنَّم، فالإنسان الذي يصِلُ إلى مكاسب الدنيا بِنَهْشِ أعْراض الناس، ويبني مجْدَهُ على الآخرين له عذابٌ شديد. والدقيق من هذا أنَّ من كانت عنده مَظْلَمَةٌ لأخيه من مالٍ أو عِرْضٍ فَلْيَأتِهِ لْيَسْتَحِلَّها منه في الدنيا قبل أنْ يُؤخذَ وليس عنده دِرْهَمٌ ولا دينار، فإنْ كانت له حَسَناتٌ أُخِذَ من حسَناتِهِ فأُعْطِيَها هذا، وإلا أُخِذَ من سيِّئات هذا فأُلْقِيَ عليه، فإذا عليك حقٌّ مالي أو معْنوي فاسْتَحِلَّ هذا الحق في الدنيا قبل يوم القيامة، فلا يعيبُك أنْ تأتي لإنسان قد اغْتَبْتَهُ وأنْ تطلب منه السماح وأن تذكُرَهُ بِخَيْر في الذين ذَكَرْتَهُم عنده بالشرّ. وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا قَالَ أَبو محَمَّد يَعْنِي بِالْغِيبَةِ )) [أبو داود عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ] ضَبْطُ اللِّسان أحد أرْكان الاسْتِقامة : والله إنَّ هذه الأحاديث مُخيفة، هذا كلامُ النبي وكلامُهُ حقٌّ، وهو لا ينطق عن الهَوى، فالإنسان عندما يضبط لِسانه إلى أقْصى الحدود يُحاول أنْ يُطَبِّق في كلامه منهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَيُفْلِحْ ويشْعُر بِقُرْبِهِ من الله وبِإقْباله عليه، وسِرُّ إقْبالك على الله اسْتقامتُك، فعَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)) [أحمد عَنْ مُعَاذٍ] شيءٌ آخر وهو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) [ رواه أحمد عن أنس بن مالك ] فصارَ ضَبْطُ اللِّسان أحد أرْكان الاسْتِقامة، والإمام الغزالي في الإحْياء ذكر ثلاثة عَشَر عَيْباً من عُيوب اللِّسان، ومن أهَمِّها الغيبة، فاجْلس في بيْتِك واذْكُر ربَّك ولا تقع في أعْراض الناس، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُحاسِبُك على هذا حِساباً عسيراً، وذَكَرْتُ لكم من قبل: مما يُغْري الناس في مجالِسِهم الحديث عن العلماء والخطباء فَيَنْهَشون أعْراضَهُم، وهذا من أكبر الكبائِر، فَكُلُّ إنسان أجْرى الله على يَدَيْه الخير فلا ينبغي أنْ تطْعَن فيه وتَهُزَّ مكانهُ، فهذا عَمَلٌ لا يُرْضي الله، فأدْنى الغيبة أنْ تقول: هذا اللَّوْن غير مُناسب، أما أشَدُّ أنواع الغيبة أن تنال إنساناً أجْرى الله على يديه الخير، فأنت إذاً من قُطاع الطريق حينما تقْطعُ الطريق إلى الله، الذي يُفْسِد علاقة مُتَعَلِمٍ بِمُعَلِّم وعلاقة شَيْخٍ بِتِلْميذ فهو من قطاع الطريق. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اضرار الغيبة الاخلاق الاسلامية الدرس : ( الثالث ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. الغيبة من أكبر الكبائِر فهيْ تُفَكِّكَ المُجْتَمَع الإسْلامي : أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الغيبة ![]() والغيبة كما تعلمون من الكبائر بل إنّ بعض العلماء يقول: إنَّها من أكبر الكبائِر، والغيبة يُمْكن أنْ تُفَكِّكَ المُجْتَمَع الإسْلامي، ويُمْكن أنْ تُضْعِفَهُ، ويُمْكن أن تُشَرْذمَهُ، وهي المعْصِيَة المُتَفَشِيَّة بين المسلمين وهم لا يشْعرون، فلذلك كان الإلْحاح على هذا الموضوع في هذا الدرس، وفي دَرْسَيْن قادِمَيْن إنْ شاء الله من أجل أنْ نسْتأصَل إن شاء الله تعالى في المجْتمع المسلم كُلُّ ما يجْعل في وَحْدَتِه مزقاً. عبد الله بن عمر نظر إلى الكعْبة فقال: "ما أعْظَمَكِ وما أعْظَمَ حُرْمَتَكِ ولكنَّ المؤمن أعظَمَ حُرْمَةً عند الله منك"، فهذا الذي يجْتَرِئ على مؤمن، وعلى وَلِيٍّ من أوْلياء الله لِيَنْهَشَهُ بلا حقّ وبلا سَبب وموجب، هذا له عند الله إثْمٌ كبير. ![]() قال: رُوِيَ أنَّ رَجُلَيْن قاعِدَين عند باب من أبواب المسْجد فَمَرَّ بهما رجل فَوَقَعا فيه أيْ نالا منه أيْ اغْتاباه، ثمَّ دخل الرَّجُلَيْن فَصَلَّيا مع الناس، فَحاك في أنْفُسِهما ما قالا فأَتيا عطاءً - ابن عطاء الله السْكَنْدري - فسَألاهُ فأمراهما أنْ يُعيدا الوُضوء والصلاة، وأمَرَهُما أنْ يقْضِيا الصِّيام إنْ كانا صائِمَيْن، ما قيمةُ العبادات؟ العبادات من أجْل أنْ تسْمو، ومن أجل أن تسْتقيم، فإذا كان الإنسان يُصَلي ويَغْتاب، ويُصَلي ويَكْذِب، ويصوم ويفْعل ما لا يُرْضي الله عز وجل، فما قيمةُ العبادات؟! إنَّها طريقٌ لِسُمُوِّ الإنسان إلى الله عز وجل، قال ابن عطاء الله السْكَنْدري- وهو من العلماء الكبار الذي له الحِكَمُ العطائِيَّة - لهما أن يُعيدا الوُضوء والصلاة وأمَرَهُما أنْ يقْضِيا الصِّيام إنْ كانا صائِمَيْن. طائِفَة من أقْوال السَّلَف الصالح في موضوع الغيبة : طبْعاً أنا أضَعُ بين أيديكم في هذا الدرْس طائِفَةً من أقْوال السَّلَف الصالح في موضوع الغيبة: فقد قال حاكم الأصَمّ: "ثلاث خِصال إذا كُنَّ في مَجْلِسٍ فإنَّ الرحْمةَ مصْروفَةٌ عن أهله" - سواءٌ كنت جالساً مع أهْلِك أو أصْدِقائك أو جيرانك أو شُرَكائِك في عَقْد قِران أو نُزْهَة أو سَفَرٍ أو حَفْلة أو زيارة مريض أيُّ لِقاءٍ بشري -: ما معنى صُرِفَتْ عنه الرحمة؟ يقول لك: ما سررنا وتضايَقْنا، فأحْياناً تذهب عائِلَةٌ إلى نُزْهة فإذا بهم يرْجعون مختلفين في أمرهم، ".....ذِكْرُ الدنيا والوقيعَةُ بين الناس وكَثْرَةُ الضَّحِك"، ![]() هذه كُلُّها تَصْرف الرحمة عن المَجْلس، كُلٌّ منا له مَجْلس في الأسبوع مع أهْله وأولاده في سَهْرة أو زيارة أو وليمة، هناك ثلاثة أشياء إذا ذُكِرَتْ في المَجْلس صرَفَت الرحمة؛ طبْعاً هذا مأخوذٌ من قَوْل النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَشْهَدَانِ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَتَغَشَّتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ )) [ابن ماجه عن أبي هريرة] ثلاثة عطاءات من الله: غَشِيَتْهُم الرَّحْمة، ونزلَتْ عليهم السكينة، وحَفَّتْهُم الملائِكَة، وذَكَرَهُم الله فيمن عنده، فهذا كلام الحاكم الأصمّ: "ثلاث خِصال إذا كُنَّ في مَجْلِسٍ فإنَّ الرحْمةَ مصْروفَةٌ عن أهله: ذِكْرُ الدنيا والوقيعة بين الناس والضَّحِك". الابتعاد عن ذكر أهْل المعاصي والموبِقات في المجالس : هناك نقطة دقيقة أشار إليها العالم الجليل عبد الله بن المُبارك يقول: "لا تَذْكُر أهْل الأهْواء والبِدَع بِسُوءٍ إلا لِمَنْ يُبَلِّغوا لهم ذلك لَعَلَّهُم ينْزَجِرون و إلا لا فائِدَة لِذِكْرِهم عند من لا يُبَلِّغُهم"، هذه نقطة من أهَمِّ النِّقاط في الدرْس؛ كيف؟! أحْياناً تجْلس مع إخْوانك ولهم باعٌ في التِّجارة، وكان هناك تاجِر كذاب، ونصاب، ومُحْتال، فإذا أنت حَكَيْتَ عنه وقد تَحِلُّ الغَيْبة عنه، ماذا فَعَلْتَ بِنَفْسِك أنت؟ أنت عَرَضْتَ على الحاضِرين إنْساناً ساقِطاً ![]() والإنسانُ الساقِط من القِيَم والمبادئ يُشيعُ في الجَلْسَة الانْقِباض، فالإنسان إذا مَسَكَ باقة أزْهار شيء وإذا مَسَك جيفة كان شيئاً آخر، فالباقة تُنْعِشُ والجيفة تُنْتِنُ، فَنَحنُ إذا تكلَّمْنا عن أهْل الدنيا، وعن المُنْحَرِفين، والمتكبِّرين، والفساق، وأهْل المعاصي، وذَكَرْنا عُدْوانهم، وخِفَّتَهم، وحقارَتَهم، ولم يُبَلِّغْهُم أحداً، فماذا استَفَدْنا من قِصَصِهِم؟ عَكَّرْنا نُفوسَنا، فإذا لم يكن هناك هَدَفٌ واضِح فلا تذْكُرْهم، كما أنَّهُ بذِكْر الصالحين تتعَطَّرُ المجالس فَبِذِكْر المُنْحَرِفين تتنَجَّسُ المجالِس، جُلوسُكَ مع إخْوانك تشْعر بِسُمُوّ وسرور وانْدِفاع إلى طاعة الله، فإياك أن تذكر اللئيم في المَجْلس، وهناك نصٌّ من النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء عِكْرِمة مُسْلماً فقال عليه الصلاة والسلام قبل أن يأتي عِكرمة: "لقد جاءَكم عِكْرمة مُسْلماً فإياكم أن تَسُبوا أباه- من أبوهُ؟! أبو جهْل! أعْدى أعْداء الدِّين- فإنَّ سَبَّ المَيِّت يُؤْذي الحيّ ولا يبْلُغُ المَيِّت"، فلا فائِدَة، إذاً هناك قاعِدَة إذا جَلَسْتَ مجْلِساً مع أشْخاص لا غيبة لهم، الحديث عن الُّلؤْم والخِفَّة والدناءة واللُّؤْم والاسْتِعْلاء والتناقض يُعَكِّر المَجْلس كما أنَّ الأعمال البُطولِيَّة تفوحُ رائِحَتُها على كُلِّ الجالِسين فَيَنْتَعِشُ قَلْبُهم، كذلك الأعمال السيِّئة تنْتِنُ رائِحَتُها على كُلِّ الحاضِرين فَتَتَعَكَّرُ قلوبهم، فإذا انْعَدَمَتْ الفائِدَة فلا داعي، فإذا أردْتَ الكلام على الناس - وعلى من يسْتَحِقون الغيبة - فلا بدّ من أن يكون من فائِدة وحِكمة، أحياناً يقول لك: كاتب قِصَّة واقِعي؛ ما معنى واقِعي؟ أي أعْطاك أبْشَع صورة عن الإنسان من خِيانة زَوْجِيَّة، وسَرِقَة، واحْتِيال، وظُّلْم، فهذا قد عَكَّر لك قَلْبَك، نحن نُريد واقِعاً مِثالياً تنْهَضُ بنا. ![]() قلتُ مَرَّةً: الفرق بين القانون والشَّرْع فرق كبير جداً؛ فالقانون كلما هَبَطَ مُستوى الإنسان هَبَطَ معه، فهناك مَشْروع قانون لاعْتبار زِنا المحارِم ليس زنا!! أما الشَّرْعُ فَيَرْفَعُكَ إلى مُسْتواه فَهُوَ بِمَكانٍ عالٍ وما عليك إلا أنْ تصِلَ إليه قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [ سورة المائدة: 48] فالنقْطة الدقيقة يا أخواننا بِكُلِّ لِقاءاتِك العائِلِيَّة والأخَوِيَّة والعَمَلِيَّة وبِكُلِّ مناسبة لا تذْكر أهْل المعاصي والموبِقات، لا تذْكر معاصيهِم ودناءَتَهم وخِفَّتَهم وطريق كَسْبِهم للمال فهذا يُعَكِّرُك، كما أنَّهُ لا فائِدَةَ من ذلك إطْلاقاً، فإذا كان هناك أمَلٌ بالتبْليغ صارَ هناك هدَفٌ أما دون هَدَف فقد عَكَّرْتَ نفْسك وما اسْتَفَدْتَ شيئاً. الابتعاد عن الغيبة كيلا يضيع عمل الإنسان سدى يوم القيامة : يقول أحدُ العلماء - وكلامُهُ واقِعي -: "عَرَضْتُ على نفْسي مَرَّةً الصَّوْمَ في حَرٍّ شديد، أو تَرْكَ غيبة الناس فكان الصَّوْم أهْوَنَ عليها من ذلك". عبد الله بن مسْعود رضي الله عنه كان إذا مَرَّ على قَوْمٍ يغْتابون يقول: "قوموا فَتَوَضَّؤوا فإنَّ بعضَ ما تتكَلَّمون به ربما كان أشَدَّ من الحَدَث". كان منْصور بن المُعْتَمِر رحمه الله تعالى يقول: "لا تنالوا من السلطان إذا ظلم بل أكْثِروا له الاسْتِغْفار فإنَّهُ ما ظَلَمَكم إلا بِذُنوبِكُم"، مرَّةً سألوا النمرود من أنت؟ فأجاب إجابَةً بليغة: "أنا غضب الرب"، فالإنسان عندما يغضب يصيح يضرب الباب بِيَدَيْه، والإله إذا غضِبَ أرسَل تَيْمورلَنْك، لذلك ورد في الحديث القدسي: " أنا ملك الملوك ومالك المُلوك، قُلوب المُلوكِ بِيَدي، فإنْ العباد أطاعوني حَوَّلْتُ قلوب الملوك عليهم بالرأفة والرحمة، وإنْ العبادُ عَصَوْني حَوَّلْتُ قلوب الملوك عليهم بالسُّخْط والنِّقْمة، فلا تشْغُلوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلوك وادْعوا لهم بالصلاح، فإنَّ صلاحهم بِصَلاحِكم". ![]() أنا أضرب لكم مثَلاً: لَدَيْكَ مَحَلّ تِجاري، وكلما دَخَلَ زبونٌ تتَّقي الله في هذا الزبون، وأنَّهُ لا بدّ من إعْطائِهِ بِضاعة جَيِّدَة ولا تَغُشُّهُ، أنت فَكِّر تفْكيراً منْطِقِياً هذا الإله العظيم الذي يراك كيف تنصحُ عباده، وكيف تُحْسنُ إليهم، في البيع والشراء، ولا تكذب عليهم، ولا تدَلِّسُ عليهم، بل تنفعُهُم بهذا البيْع، هل يُعْقَل لِهذا الإله العظيم أن يُرْسِل إليك مُوَظَّف يَتَّهِمُك بِتُهْمة باطلة؟ لنا أخٌ يبيعُ بعض الحاجات فَدَخَل مُوَظَّف، تكلَّمَ عنه أحد الزبائن كلاماً أحْرج المُوظَّف؛ هذا أحسن إنسان مُستقيم، وأسْعاره معْقولة، ويُرْجع البِضاعة، فَنَمْنَمَ المُوَظّف وقال: السلام عليكم قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ [ سورة النساء: 141 ] هذه الآية من الله تعالى، أما إذا كان الغشّ والتدْليس والكذب فقد جعَلْتَ لهم ألف سبيل وسبيل. ![]() قال سعيد بن الجُبير رحمه الله تعالى: "إنَّ العبْد لَيَعْمَل الحسنات الكثيرة فلا يراها في صحائِفِه يوم القيامة- أين الأعْمال الطيِّبة من صَدَقات وزيارة المَرْضى؟- فَيَقول يا ربّ: أين حسناتي؟! فيقول له: ذَهَبَتْ باغْتِيابِك الناس وهم لا يعْلمون". وهذه طُرْفَةٌ ولكن لها معنى، فقد نامَ شقيق البلْخي رحمه الله تعالى ليلةً عن وِرْدِهِ فعاتَبَتْهُ امْرأتُه فقال: لا تُعاتبيني أن نِمْتُ عنه هذه الليلة فإنَّ غالب علماء بلْخ وزُهادِها يُصَلون لي ويقومون ويفْعلون، فقالت: وكيف؟! قال: يبيتُ أحدهم يُصلي طوال الليل، ويُصْبح صائِماً طوال النهار ثمّ ينال من عِرْض شقيق البَلْخي ويأكل لحْمَهُ فَتَكون حَسَناتُهم كُلُّها لي، فإذا نال الناس من الإنسان وهو بريءٌ ومُستقيم يأخُذُ حَسَناتِهم. ذكر لي مَرَّةً صديق فقال: مرَّةً أمَّنْتُ سيارة الوقود ووصلتُ إليها بعد نَفَسٍ طويل وفَرِحْتُ عندها بذلك - إذْ كان عنده مُسْتَوْدع - وبعد ساعَتَيْن أراد أنْ يشْعل المِدفأة فلم يجِدْ شيئاً، لماذا؟! لقد كانت حَنَفِيَّة المُستودع مفْتوحة فَكُلُّها ذَهَبت في الحمام، خَيبَةُ الأمَل، فَخَسارة خمسة آلاف لا تُحْتَمَل، فكذلك يوم القيامة خسارة أعمال صالحة من أجل اِغْتِياب فُلان وفلان ودون دليل، فقط من أجل التَّسْلِيَة فاكِهَةُ الشتاء غيبة الناس، فأنْصَحُ نفْسي وأخْواني ألا يُضيِّعَ أحدنا عمله الصالح سُدىً. الجُرْأةُ على الناس في غَيْبَتِهِم كالتَّزَلُّفِ إليهم بِحَضْرَتِهم : كنت أقول كلمة: الجُرْأةُ على الناس في غَيْبَتِهِم كالتَّزَلُّفِ إليهم بِحَضْرَتِهم كلاهما علامة الجُبْن والصغار، فالجبان يمدح الشَّخْص و هو حاضر وفي غيبتِهِ يذُمّهُ. ![]() يقول الإمام مالك بن دينار: "كفى بالمرْء إثْماً ألا يكون صالحاً ثمَّ يجْلِسُ في المجالس ويقعُ في عِرْض الصالحين"، من أنت؟! وماذا قَدَّمْتَ للأمَّة؟ فهذا ألَّفَ مُؤَلَّفات وأسَّسَ معاهِد، ودعا إلى الله، لكِنَّكَ أنت لا عَمَلَ لك، ولم تُقَدِّم شيئاً إطْلاقاً، فَكَيْف تريد لِنَفْسِك ولم تتقَدَّم بأيِّ عَمَلٍ إلى الله؟ بل تنال من عِلْمِ هؤلاء ومن صلاح هؤلاء، إذا نال امرؤ من واحِدٍ ندّ له فهذا مقْبول؛ عالمُ لِعالِمٍ، ومُصْلح لِمُصْلح، أما الخالي من هذه الأمور فيقوم ويُنَصِّب نفْسه وَصِياً وقاضِياً وحاكماً على هؤلاء الصلاح والعلماء في المجالس، فالإمام مالك بن دينار يقول: "كفى بالمرء ألا يكون صالحاً ثمَّ يجْلِسُ في المجالس ويقعُ في عِرْض الصالحين". وهيب بن الورد رحمه الله تعالى يقول:" والله لَتَرْك الغيبة عندي أحبُّ إليّ من التّصدق بِجَبَلٍ من ذهب ". أحياناً الإنسان إذا كان حجمه المالي كبير فالصَّدَقة سَهْلة عليه، أما الغيبة فتَرْكُها صَعْب، فهو لا يستطيع ضَبْط اللَّسان بل تراه يُفْشي غليله بالتكلّم عن أعْراض الناس بالسوء؛ تُهَمٌ من دون دليل. وكان عبد العزيز رحمه الله تعالى إذا بلغه أنَّ أحداً اغْتابَهُ يذهب إليه إلى داره، ويقول له: يا أخي مالك ولِذُنوب عبد العزيز تتَحَمَّلُها؟ فهذا كلامٌ لطيفٌ منه رحمه الله. وقال أحد الصالحين: إنَّما أُكْثر من الأعمال الصالحة في بعض الأوقات لِيَصير معي شيء يوم القيامة، أُعْطي خُصَمائي الذين لهم عليَّ تَبِعَة من مالٍ أو عِرْض فإذا أكثر الإنسان أعْمالهُ الصالحَة يبْدو وكأنَّ عليه دُيوناً كبيرة يوم القيامة، فإذا كان يغْتاب الناس في حياته فما عليه إلا أنْ يُكْثر من الأعمال الصالحة حتى يذهب قِسْم منها وفاءً لِدُيون سابقة، وقع في أعْراض الناس. هناك حديث رواه سيّدنا جابر بن عبد الله رضِيَ الله عنهما قَال: (( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَفَعَتْ رِيحُ جِيفَةٍ مُنْتِنَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ الرِّيحُ هَذِهِ رِيحُ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ الْمُؤْمِنِينَ)) [أحمد عن جابر بن عبد الله رضِيَ الله عنهما] ضبط اللسان و العين يحْتاجُ إلى جُهْدٍ ومُتابعة ومُراقَبَة دائِمَة : وقد قيل لِبَعْض الحُكماء: ما الحكمة في أنَّ ريح الغيبة ونتْنِها كانت تتبيَّنُ على عَهْد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولا تتبَيَّنُ في يومنا هذا؟! قال: لأنَّ الغيبة كثُرَت في يومنا هذا فامْتَلَأت الأنوف منها فلم تتبَيَّن الراحة، مثال ذلك رجل دخل إلى دار الدباغ لا يستطيع القرب منها من شِدَّة الرائِحَة فيها ![]() أما أهْل هذه الدار يأكلون الطعام ويشْربون ولا يُحِسُّون بِهذه الرائِحَة لأنَّهُم امْتَلأتْ أُنوفُهم منها، فإذا شاعَتْ الغيبة وكثرتْ صارَتْ مألوفة، أما على عهْد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فقد هَبَّتْ ريحٌ منْتِنَة، فهذه مشْكلة أنْ تأتَلِفَ الانْحِراف حتى يصير جُزْءاً من الحياة، يرْوون أنَّ صاحب الطاحون ألفَ صَوْتَها متى يسْتَيْقِظ؟ إذا تَوَقَّفَتْ؛ صَوْتُها يدْعو إلى النوم أما إذا تَوَقَّفَتْ فيسْتيْقظ. بعض العلماء يقول: "لأنْ أدَع الغيبة أحَبُّ إليَّ من أن تكون لي الدنيا وما فيها منذ خُلِقْتُ إلى أنْ تفْنى فأجْعَلُها في سبيل الله، ولأنْ أغضَّ بصري عما حَرَّمَ الله تعالى أحَبُّ إليَّ من أن تكون لي الدنيا وما فيها فأجْعَلُها في سبيل الله تعالى"، ثمَّ تلا قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [ سورة الحجرات: 12] ممكن أنْ تُنْفِقَ ألف ملْيون، ولكنَّ ضَبْطَ اللِّسان لا تقْدرُ عليه، وكذا ضَبْط العين ومن دون مبالغة فإنَّ ضَبْطَهما هو الذي يرْقى بك إلى الله، فَهُوَ يحْتاجُ إلى جُهْدٍ ومُتابعة، وإلى مُراقَبَة دائِمَة، وإلى حِسابٍ عسير، ضَبْطُ اللِّسان وضَبْطُ العَيْن، فإذا صار فيهما تَفَلُّت كان للمُسْتَوْدع فَتْحَة مهما وَضَعْتَ في هذا المُسْتَوْدَع أُلوف اللَّيْرات فلن ترى فيه شيئاً. قال سفيان بن الحُسَيْن رحمه الله تعالى: كنت جالساً عند ابن معاوِيَة فَمَرَّ رجُل فَنِلْتُ منه فقال: اسْكُت، ثمَّ قال لي: يا سفيان هل غَزَوْتَ الروم؟ قلتُ: لا، فقال: هل غَزَوْتَ الترْك؟ قلتُ: لا، فقال لي: فلِمَ سلِم الروم وسَلِمَ منك التُّرْك ولم يسلَم منك أخوك المُسْلِم؟ قال: فما عُدْتُ إلى هذا أبَداً. التَدَخُّل الإيجابي : بالمناسبة: الناس أذْكياء، ومن ظَنَّهُم أغْبِياءُ فَهُوَ الغَبِيُّ وَحْدَهُ، لا تبْني مَجْدَكَ على أنَّ فلاناً لا دين له، وأخْلاقهُ سيِّئَة، والآخر مالهُ حرام، فأنت ما عليك إلا أن تُظْهر ما لك من فَضْل وكمال؛ وهو أُسْلوب راق جداً، فَعِوَضَ أنْ أُهَدِّم أبني، واسْمُهُ التَدَخُّل الإيجابي، وأدَعُ الناس هم الذين يُوازِنون، أُحَطِّمُ غيري حتى أظْهر!! قال أحد الحكماء: " إذا ضَعُفْتَ عن ثلاث فَعَلَيْكَ بِثلاث؛ إنْ ضَعُفْتَ عن الخير فأَمْسِك عن الشَرّ، وإنْ كنت لا تسْتطيع أن تنفعَ الناس فأَمْسِك عنهم ضُرَّك، وإن كنت لا تسْتطيعُ أنْ تصوم فلا تأكل لُحوم الناس"، فهذه ثلاثة أشياء. وذُكِرَ عن مُجاهِد أنَّهُ قال: "إنَّ لابن آدَمَ جُلساء من الملائِكَة، فإذا ذَكَرَ أحدهم أخاهُ بالخَيْر قالتْ الملائِكَة له: ولك مثْله، وإذا ذَكَرَ أحدهم أخاه بِسُوء قالتْ الملائِكَة: يا بن آدَم كَشَفْتَ المَسْتور، اِرْجِع إلى نَفْسِك واحْمَدِ الله الذي سترَ عليك عَوْرَتَك"، فالله تعالى من أسْمائِهِ الحُسْنى الستار، فالمُسْلم يغْلبُ عليه الصلاح والتَسَتُّر، فَكُلُّ من اتَّصف بهذا فلا ينْبغي أنْ تغْتابَهُ، طبْعاً الذي يتَحَدَّث عن الموبِقات مُفْتَخِراً فهذا لا غيبة له، أما الذي فاتَتْهُ صلاةُ الفَجْر في وَقْتِها أو طاعَة، فما دام يتَسَتَّر فلا ينبغي أن تغْتابهُ. ![]() روى خالد الرَّبْعي رحمه الله تعالى، قال: كنت في المسْجد الجامعي فتناوَلوا رَجُلاً - أي اغْتابوه - فَنَهَيْتُهم عن ذلك فَكَفوا وأخذُوا في غَيْرِه ثمَّ عادوا إليه، فَدَخَلْتُ معهم في شيء من أمْره، فرأيْتُ في تلك الليلة في المنام كأني أتاني رَجُلٌ أسْود طويل ومعه طَبَق عليه قِطْعةٌ من لحْمِ خِنْزير فقال لي: كُلْ، قلتُ: آكُلُ لحْمَ خِنْزيز! والله لن آكُلَهُ فانْتَهَرَني انْتِهاراً شديداً وقال: قد أكَلْتَ ما هو أشَدُّ منه، فَجَعَلَ يَدُسُّهُ في فَمي حتى اسْتَيْقَظْتُ من منامي، فوالله لقد مَكَثْتُ ثلاثين يوماً ما أكَلْتُ طعاماً إلا وَجَدْتُ طَعْمَ ذلك اللَّحْم في فمي! يُرْوى عن سيِّدنا عيسى والله أعلم أنَّهُ قال لأصْحابِه: "أرَأيْتُم لو أنَّكم أتَيْتُم على رَجُلٍ نائِم، وقد كَشَفَتْ الرِّيحُ عن بعض عَوْرَتِه؛ أكنتم تسْترون عليه؟ قالوا: نعم، قال: بل تكْشِفون البَقِيَّة، قالوا: سبحان الله وكيف؟! فقال: أليس يُذْكَرُ عندكم الرجل بالسوء فَتَذْكرونه بالأسْوأ فأنتم تكْشِفون بَقِيَّة الثَّوْب" ؛ هذا تشْبيه سيّدنا عيسى عليه السلام. إبراهيم بن الأدْهَم - من كبار الصالحين، ومَدْفونٌ بِجَبْلة - كان من أشَدِّ الناس زَجْراً للمُغْتابين وقد دعاهُ أحدهم مَرَّةً إلى الطعام، فلما قَعَدوا للطعام جعلوا يغْتابون رَجُلاً فقال إبراهيم بن أدْهَم، إنَّ الذين كانوا قبْلنا كانوا يأكلون الخبْز قبل اللَّحْم، وأنتم بَدَأتُم باللَّحْم قبل الخبز، ثمَّ خرج ولم يأكل له طعاماً. وقال بعض الحكماء: "الغيبة فاكِهَةُ القُراء، وضِيافَةُ الفاسقين، ومراتِعُ النِّساء، وإدامُ كلاب الناس، ومزابل الأتْقِياء". ولإبراهيم ابن أدْهَم كلامٌ رائِع، يقول: "يا مُكَذِّب يا من تغْتابُ الناس بَخِلْتَ لِدُنْياك على أصْدِقائِك، وسَخَوْت بآخرتك على أعدائِك، فما أنت بما بَخِلْتَ به معْذور، ولا أنت بما سَخَوْتَ به محْمود"، الإنسان المُغْتاب يسْخو بأعْدائِه لآخِرَتِه. إن كان هناك فائدة من ذكر أخطاء الآخرين فلا بد من ذِكْرها : طبعاً تنْشأ أسئِلة كثيرة، وأصبح الأمر ضَيِّقاً لكن هناك ثلاثة أبواب، لا بدّ من أن تقول الحق ولو كان مُراً، فهناك حالات لا بد من أن تقول الحق ولو كان مُراً، أما أنا الآن أتَكَلَّم بِشَكْلٍ عام، حين لا تكون الفائِدَة من ذِكْر الأخْطاء، فيجب ألا تذْكرها، أما إذا كان هناك فائِدَة؛ مثل أنْ يَغُشّ أحدهم الآخر، ويُضَلِّل الإنسان، هنا لا بد من ذِكْرها، وهي من الغيبة، وسوف نأتي بالأحاديث الدالة على ذلك، والأسئلة التي في أذْهانِكُم الآن أجِّلوها إلى أنْ ينتهي موضوع الغيبة كُلِّيَةً. ![]() عن أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه قال:" إنَّ العبد لَيُعْطى كتابه يوم القِيامة فَيَرى فيه حَسَناتٍ لم يكن عَمِلَها فيقول: يا رب! من أين لي هذا؟ فيقول: هذا مما اغْتابك الناس وأنت لا تشْعر". مَرَّةً كان هناك عالمٌ شابٌ من العَصْر العباسي يبْدو أنَّهُ مُخْلِص وطليق اللِّسان والناس أحَبُّوه، وأقْبَلَ الناس عليه، وأصْبَحَتْ له شَعْبِيَّة بالتعْبير الدارج، فاغْتاظ أنْدادُهُ وأكَلَ قلبَهُم الحَسَد، فَجَعلوا ينالون منه، فجاءَهُ رجل فقال له: يا فلان، والله إنَّي أشْفق عليك من كَثْرة ما يقوله الناس عليك، فقال له: وهل سَمِعْتَ مني شيئاً عنهم؟! فقال: لا قال: عَلَيْهِم فأشْفِق، فأنت ما عليك إلا أن تكون الطَّرف الأقْوى. وقال أحد المُلوك لِوَلَدِهِ: "لِيَكُن أبْغَضُ رَعِيَّتَك عليك أشَدَّهم كَشْفاً لِمَعايِب الناس فإنَّ للناس مَعايِب أنت أحَقُّ بِكَشْفِها، وأنت تحْكُم بِما ظَهَرَ لك والله يحْكُم بما غاب عنك، واكْرَه للناس ما تكْره لِنَفْسِك، واسْتُر العوْرة يسْتر الله عليك ما تُحِبُّ سَتْره". ![]() هناك شَخْص طبيعَتُهُ مُشَكِّك، دائِماً ينْتقِد، مهما بدا العَمَلُ عظيماً يُشَكِّكُ فيه، ومهما بدا مُخْلِصاً يُشَكِّك فيه، ومهما بدا عظيماً يُقَلِّل منه، فهذا طَبْع، يُسيء الظّنَّ بالناس وكأنَّهُ هو الناس جميعاً، فهذا إنسان يسْلك سبيل الشيطان وهو يُضْعِفُ الهِمَم، ويُثَبِّط العزائِم، ويُقَلِّل من أهَمِيَّة العمل، فالإنسان قَوِيٌّ بِأخيه، فلو رأى منه عمَلاً طيِّباً وأثْنى عليه يُشَجِّعُهُ، هناك مواقف لطيفة جداً، وذَكَِّية جداً، وأخْلاقِيَّة جداً، فاحْذر من تثْبيط الهِمَم، هناك من يُخَوِّف من الدِّين؛ هذا هو النَّمَط الشيطاني، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 175 ] فالشيطان يُخَوِّف ويَعِدُ بالفَقْر، والبطولة كما قال تعالى ألا نخاف الشيطان بل نخاف الله إنْ كنا مؤمنين. يقول عليّ بن أبي طالب: "الأشْرار يتَّبِعون مساوئ الناس ويتركون محاسِنَهم كما يتْبَعُ الذباب المواضِعَ الفاسِدَة، مَحَلُّهم مَحَلَّ الأخْطاء والعُيوب ثمَّ يُضَخِّمونها". أُمَّة النبي مَعْصومَةٌ بِمَجْموعِها بينما النبي معْصومٌ بِمُفْرَدِه : أيها الأخوة، إنَّ أسلوب العَيْش مع الناس هو أنْجَحُ الأساليب، خُذْ النواحي الإيجابِيَّة من كُلِّ إنسان فَتُحِبُّهم كُلَّهُم، لطيف العُشْرة، أخْلاقه عاليَة، وهادئ، فإذا كان أعْجَبَ منه خُلُقاً فأثْنِ عليه، وتعامل معه من هذه الإيجابِيَّة، إنْ أردْتَ نُصْحَهُ فانْصَحْهُ على انْفِراد دون أن يكون في قلبِكَ شيئاً تِجاهَهُ، لأنَّ أُمَّة النبي عليه الصلاة والسلام مَعْصومَةٌ بِمَجْموعِها، بينما النبي عليه الصلاة والسلام معْصومٌ بِمُفْرَدِه، فأنت وَطِّنْ نفْسَك فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يُصلي مع أصْحابِهِ فَدَخَلَ رجل لِيَلْحَقَ مع النبي ركْعَة الصلاة الأولى فَرَكَض وأحْدث ضجيجاً فلما انتهى من الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام سيِّدُ الحكماء والمُرَبِّين فقال له: "يا أخي، زادك الله حِرْصاً، ولا تعد"، فَسَّرَ عليه الصلاة والسلام هذا الرَّكْض وهذا الصَّوت بالحِرْص ![]() لا تستطيع أنْ تُمْرِرَ لأخيك المؤمن أعْمالهُ السيِّئة، ألا يُمْكِن أنْ تلْتَمِسَ له عُذْراً؟ اِلْتَمِس لأخيك العذْر ولو كان سبعين مَرَّة، فَكُلٌّ منا له نواح إيجابِيَّة، فالمؤمن يأخذ النواحي الإيجابِيَّة دائِماً، أما الفاسق والعاصي وشيْطاني النَّزْعة فيأخذ نواحي الضَّعْف، فالإنسان إما أن يكون رحماني المِزاج، وإما أن يكون شيطاني المِزاج، فالرحْماني يأخذ نِقاط الخير ويُنَمِّيها، أما الشيطاني فيأخذ النواحي السَّلْبِيَّة ويُضَخِّمُها، فَكُن مع النواحي الإيجابِيَّة. يقول ابن المبارك: "لو كنت مُغْتاباً لاغْتَبْتُ والِدَيّ لأنَّهما أحَقُّ بِحَسَناتي من غيرِهما". ![]() الحَسن البصري رحمه الله تعالى قال له رجل: إنَّك تغْتابُني؟ فقال له: ومن أنت وما قَدْرُكَ عندي حتى أُحَكِّمَك في حَسناتي يوم القيامة! أي أنت أصْغر من أن أغْتابَكَ. يقول سيِّدنا عمر بن الخطاب: "عليكم بِذِكْر الله فإنَّهُ شِفاء، وإياكم وذِكْر الناس فإنَّهُ داء". ويقول الإمام الحَسَن البصْري: "ابن آدم لن تُصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بِعَيْبٍ هو فيك، وحتى تبْدأ بِصَلاح ذلك العَيْب فَتُصْلِحَهُ، فإذا فَعَلْتَ ذلك كان شُغْلُكَ في خاصَّةِ نفْسِك، وأحَبُّ العباد من كان هكذا". يقول أحد السَّلف الصالح: "أدْركنا السَّلف الصالح وهم لا يَرَوْن العِبادة في الصَّوْم ولا في الصلاة، ولكن في الكَفِّ عن أعْراض الناس". تجد مَجْلساً مملوءاً بالرحمة والبركة فإذا دخلت الغيبة والنميمة ذَهَبت البركة. ويقول سيّدنا الحُسَين: "والله لَلْغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكلة في الجسد"، كيف أنَّ بعْض الوُحوش تأكل اللَّحْم، فالغيبة تأكل دين الرَّجُل كما تأكل بعض الوُحوش الجيفة. الغيبة حجاب بين العبد و ربه : أيها الأخوة الكرام، إذا ألِف الواحد الغيبة وصارتْ شيئاً طبيعِياً في كُلِّ الأحْوال، فلو ذَهَبْتَ لِطَبيب، وقلتَ له: ذَهْبت عند فلان، وقال لك: لا يفْهم شيئاً ودجال فهذه غيبة، وكذا التجار؛ هذه مُشْكِلة فالغيبة حِجاب بينك وبين الله، وكذا إطْلاق البصر، فالإنسان عليه ألا يُضَيِّعَ عملَهُ الصالح بِعَدَم ضَبْط اللِّسان، وأرْجو الله سبحانه وتعالى أنْ تُتَرْجَم هذه الأقوال والدروس إلى سُلوك، اِجْعَل من بَيْتِك جنَّة بِذِكْر الله، وكذا من حديثك ومجالسَتِك، فَذِكْر الله شِفاء، وذِكْر الناس داء. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : حكم سماع الغيبة الاخلاق الاسلامية الدرس : ( الرابع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الغيبة، وأظُنُّه الدَّرْس الثالث، فالغيبة كما تعْلمون من أكبر الكبائِر، بل إنَّ الذي يُحْبط عمل المُسْلم من دون أن يشْعر هذا المرضُ الاجْتماعي المُتَفَشي بين الناس، فلِذلك تَحَدَّثْنا في دُروسٍ سابِقَة عن معْنى الغيبة، وعن طائِفَة من الآيات والأحاديث المُتَعَلِّقَة بالغيبة، ثمَّ ذكرنا أقوال العلماء الأجلاء عن موضوع الغيبة، وها نحن الآن ننتَقِلُ إلى فقْرةٍ أُخْرى في موضوع الغيبة بالذات ألا وهي حُكْم سماع الغيبة. ![]() المُسلم بعد أنْ عرف الله عز وجل، واسْتَقَرَّ الإيمان في قلبه لا شيء يشْغَلُهُ كأن يعْرف حكم كُلِّ شيء، لأنَّ الإنسان لا تتوَلَّد في نفْسِه الرَّغْبة في التَقَرُّب إلى الله عز وجل إلا إذا عرفه، أما إذا عرفهُ في اللَّحْظة التي أدْرك طرَفاً من كمال الله عز وجل، ومن جماله، ومن أسْمائِهِ الحسنى يشْعر بِرَغْبةٍ جامِحَةٍ للتَقَرُّب إليه، كيف يتقَرَّبُ إليه؟! بِتَطْبيق أحْكامهِ، لذلك المؤمن شُغْلُهُ الشاغِل وهَمُّهُ الأوَّل أن يعْرِفَ الحُكْمَ الشَّرْعي في أيِّ موضوعٍ من موضوعات حياتِهِ، ولعلَّ هذا هو الباعث الحثيث الذي يدْفعُ المؤمن لِطَلَبِ العِلْم، ولاسيَما العِلْم الشَّرْعي، والحُكْم الشرْعي، والمَوْقِفُ الذي يُرْضي الله عز وجل. فالدَّرْس اليوم بعد أنْ تَحَدَّثْنا عن الغيبة، وعن خُطورَتِها في حياة المجْتمع، وعن الآثار الضارّة الهدَّامة في تفكيك العلاقات الاجْتِماعِيَّة، وتطَرَّقْنا إلى الأدلَّة في تحْريمها من الكتاب والسنَّة، والتحَدُّث عن طائِفَة من العلماء والصحابة الكِرام وأقْوالهم فيها، ننتَقِلُ اليوْم إلى حُكْمِ سماعِ الغيبة. حكم سماع الغيبة : 1 ـ تذْكير المُتَكَلِّم أنَّ هذه غيبة ومَعْصِيَة إنْ لم يخَف ضَرراً ظاهِراً : لا بأس من أن نقْرأ الحُكْم قِراءَةً تفْصيلِيَّة لِنَقِفَ عند دقائِقِها، يقول الإمام النَّووي رحمه الله تعالى: إنَّ الغيبة كما يُحَرَّمُ على المُغْتاب ذِكْرُها يُحَرَّمُ على السامِعِ اسْتِماعُها وإقْرارُها - أي حُكْمُ المُسْتَمِع كَحُكْمِ المُغْتاب- ويجب على من سَمِعَ إنْساناً يبدِأُ بِغيبَةٍ مُحَرَّمة أن ينْهاهُ إنْ لم يخف ضَرراً ظاهِراً، فأوَّلُ شيء عليك أن تنْهاهُ يا أخي الكريم هذه غيبة أرْجو الله سبحانه وتعالى أن يحْمِينا ويَحْمِيَك منها، فأوَّل عمل تذْكير المُتَكَلِّم أنَّ هذه غيبة ومَعْصِيَة، إنْ لم يخَف ضَرراً ظاهِراً، لأنَّك قد تكون في مَجْلس ولا تسْتطيع أن تقول للمُتَكَلِّم هذه غيبة، لكنَّك إن اسْتَطَعْتَ ينبغي أن تنهى المتكلِّم، فإنْ خافَهُ ولم يسْتَطِع أنْ يُذَكِّرَهُ، أو أنْ يزْجُرَهُ وَجَبَ عليه الإنْكار بِقَلْبِه ![]() إذاً لا يقبل الله منك أنْ تُنْكر الغيبة بِقَلْبِك إلا إذا عَجَزْتَ على أنْ تُنْكِرَها بِلِسانِك؛ في جلسة وفي سَهْرة واجْتِماع وفي نزهة ووليمة ولقاء وندْوة، وفي أيِّ مكان كنت، ومع أيٍّ شئت، فأنت كَمُسْلم إذا كنت في مَوْطِن وبدأ أحدهم يغْتاب الآخر فأنت أحدُ رَجُلَيْن: إما أنَّكَ تسْتطيع أنْ تُنكِر بِلِسانِك أن تقول له: يُرْجى أنْ تَكُفّ عن هذا الموضوع إذا كان أكبر منك، وإذا كان أصغر منك تقول له: صَهْ - اسكُت- عن هذا الموضوع، أم صَه باللغة معناها اُسْكُت عن أيِّ موضوع، فالإنسان دائِماً لا يخْلو أن يكون مع من دونه، أو مع من في مُسْتواه، أو مع من فَوْقَهُ، فإذا كنت مع من دونك قل له: اُسْكت، فقد كان أحد العلماء الأجِلاء في الشام ما إنْ يتَكَلَّم كلمة إنسان حتى يقول له: اسكُت يا أبي ولا يقول غيرها، وإذا كان هناك من مُسْتواك فَقُلْ له: يا أخي يُرْجى أن نُغَيِّرَ هذا الحديث لأنَّ في هذه مُخالفة، ونحن لدينا قاعِدَة في البلاغة: أنت تُخاطِبُ من دونك بالأمر، ومن في مُسْتواك بالرجاء، ومن فوقك بالدعاء، فالإنسان بِحَسَب حِكْمته، فإذا أعْطى المُدَرِّس أمراً لِطُلابِه كان زَجْراً ونَهْياً، أما إنْ كنت تخافُ بطْشَهُ فعندها تُنْكِرُ بِقَلْبِك. 2 ـ مفارقة المجلس اِحْتِجاجاً أو خُفْيَةً : الحكم الشرْعي الثاني: ينبغي أن تُفارق المَجْلس إن تَمَكَّنْتَ من مُفارَقَتِه فإما أن تنْسَحِب اِحْتِجاجاً، وإما أنْ تنْسَحِب خُفْيَةً، بِحَسَبِ المَجْلس ومن فيه، وحَسْبَ مكانَتِك بالمَجْلس، على كُلٍّ الإنكار باللِّسان أو القلب والانْسِحاب من المَجْلس إن قَدَرْت على ذلك، و المَوْقِفُ الشَّرْعي الذي يُلْزِمُك به الشَّرْع الحنيف إذا ما شُرِعَ لِغيبَةٍ أمامك، قال: فإن قَدَرَ على الإنكار بلِسانه، أو على قَطْعِ الغيبة بِكَلامٍ آخر لَزِمَهُ ذلك فإن لم يفْعل فقد عصى الله، هذا هو الحُكْم الشَّرْعي، وهو ما ينبغي أن نفعله جميعاً، فإن رأيْتَ أحَدَهُم باشَر الحديث عن إنسانٍ آخر فإما أن تزْجُرَهُ، وإما أنْ تلْفِتَ نظَرَهُ، وإما أنْ تُنْكِرَ بِقَلْبِك، وإما أن تنْسَحِبَ احْتِجاجاً أو انْسِحاباً ![]() فالإنسان أحْياناً لأسباب مادِيَّة ينْسَحِبُ احْتِجاجاً كأن يقول: إذا لم تُعَيِّنوا فُلاناً أنْسَحِب أنا، فَمِن أجْل الدنيا الإنسان أحْياناً ينْسَحِب ومن أجل الآخرة ينبغي أن ينسَحِب اِحْتِجاجاً، أحْياناً يكون أخٌ كبير معه أخوات بنات وبدأت الغيبة؛ أنت أخوهم الكبير والأخ الكبير والد لا ينبغي أن تجْلس معهم في هذا الحديث القَذِر، قال: فإن قال بِلِسانه اُسْكُت وهو يشْتَهي بِقَلْبِه اسْتِمْرارُه، فقد قال الإمام أبو حامد الغزالي هذا نِفاقٌ لا يُخْرِجُهُ من الإسلام، وهذه غيبة القَلْب فأنت أحْبَبْت الحديث لأنَّه جذاب وفيه الفضيحة، ودائِماً أخبار الناس، وخفايا حياتهم، وما تنطوي عليهم بُيوتَهم يتلذَّذُ بها الناس، ويملؤون بِها وَقْت الفراغ، ولا بدّ من كراهِيِّة لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) [البغوي في شرح السنة عن عبد الله بن عمرو] والحقيقة أنَّنا نحْتاجُ هنا أن نقف قليلاً عند هذه النُّقْطة. سمو النفْس يؤدي إلى كره المعْصِيَة: أحْياناً الإنسان يشْعُر بأنَّهُ في مُسْتوى الشَّرْع، وأحْياناً يشْعر أنَّهُ بعيدٌ عن مُسْتوى الشَّرْع ![]() فإنْ شَعَرَ أنَّهُ بعيد فهذه إشارة غير جيِّدَة، فَهُوَ يشْتَهي المَعْصِيَة لكن لا يعْصي خَوْفاً فَوَعْيُهُ وإدْراكُهُ وسَيْطَرَتُهُ تَمْنَعُهُ أن يعْصي، ولكن عقْله الباطن في نفْسِيَّتِه تُحِبُّ المَعْصِيَة، فهذه مشْكلة وبادرة غير طيِّبَة، ودليل أنَّك في مَرْحَلَةِ جِهاد النَّفْس والهَوى، وأنَّكَ لسْتَ في مُسْتوى الشَّرْع، فأنت تقْهَرُ نفْسَكَ ولا تنْقادُ لها، لكن حينما تسْمو نفْسك فَتَكْرَهُ المعْصِيَة والغيبة والنميمة والفُحْش من الكلام وسماع الغِناء فهذه والله بادرة طيِّبَة، معنى ذلك أنَّ الإنسان ارْتَقى إلى مُسْتوى الشَّرْع ![]() قد يرى الإنسان بالمنام أشياءً كثيرة جداً يرى أنَّهُ يعْصي الله، ويرْتَكِبُ الفاحِشَة فهُوَ لا يُحاسَب، ولكنَّها بادرة غير طيِّبَة، هو في وادٍ ونفْسُهُ في وادٍ آخر، أما حينما يرى نفْسَهُ في المنام يقْرأ القرآن، أو يُصَلي أو يزور النبي العدنان، فهذه بادرة طيِّبَة جداً، أنَّ عَقْلَكَ الباطِن في وادي الإيمان. أحْياناً يسألني أخوة كثيرون في هذا الموْضوع أنَّهُ تأتينا خَواطِر مُزْعِجَة ونتألَّمُ جداً، ماذا نفْعل؟ الجواب: أنَّك إنْ تألَّمْتَ فهي ليْسَتْ منك بل من الشيطان، ولو أنَّها منك لَقَبِلْتَها وارْتَحْتَ لها، فالشيء الذي ترْتاحُ له هو منك، والشيء الذي يُنَغِّصُ حياتك فليس منك، فَكُلُّ وَسْوَسَةٍ تضيقُ بها اسْتَبْشِر أنَّها ليْسَت منك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ... مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ)) [الترمذي عن ابْنِ عُمَرَ ] من اضطرّ إلى المُقام في مَجْلس غيبة وعَجَز عن الإنكار بِلسانه فليتشاغل عنه : عندنا الآن حالة ولكِنَّها نادرة، قال: ومتى اْضطرّ الإنسان إلى المُقام في ذلك المَجْلس الذي فيه الغيبة، وعَجَز عن الإنكار بِلسانه، أو أنْكَرَ فلم يُقْبل منه، ولم يتمَكَّن من مُفارقة هذا المَجْلس بِطَريقَةٍ أو أُخْرى حَرُمَ عليه الاسْتماع والإصْغاءُ للغيبة، هناك أشْخاص يحْتَجون على كلامٍ لا يرْضَوْنَهُ بالتشاغل، كأن ينظر إلى الشُباك، وأن ينْظر للساعة معنى هذا أنَّ كلامك ما أعْجَبَني، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ [ سورة محمد: 7 ] ![]() فهذا الأخير إنكار إلا أنَّهُ من نوعٍ ثان، قال: بل عليه أنْ يذكر الله بِلِسانه وقلبه، أو بِقَلْبِه، أو يُفَكِّر بِأمْر آخر عن اسْتماعِها، ولا يضُرُّه بعد ذلك السماع من غير اسْتِماعٍ أو إصْغاءٍ في هذه الحالة المَذكورة هذا كلام الإمام النووي، وهو من كبار الفقهاء وله كُتُب بالفقه الشافعي تُعدُّ من قِمَمِ كُتُب الفقه كَمُغْني المُحْتاج، فإن أمْكن بعد ذلك من المُفارقة وهم مُسْتَمرون في الغيبة ونَحْوِها وَجَبَ عليه المُفارقة، فإذا فَعَلَ كُلُّ واحِدٍ منا هذا، يُصبحُ المُغتاب يَعُدّ للألف كي يغْتاب، فإذا أظْهَرْتَ إنْكاركَ وسَكَتَّ، ولم تسْتَجِب ولم تُحَمِّس، وفارَقْتَ المَجْلس، فَكُلُّ من حَوْلَك يحْسِبون لك الحِساب، ويَعُدُّون للمئة قبل أن يُفَكِّروا أنْ يغْتابوا أمامك، أمَا ترْضى أنت إذا كنت في مَجْلس أن يقطع الناس غَيبَتَهُم بِوُجودِك؟ ما علامة أوْلياء الله؟ قال: علامة أوْلياء أُمَّتي الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله بِهِم، فالإنسان كلما كان أكثر ورعاً كلما فَرض الحُكْم الشَّرْعي مع وُجوده، فأنت كَمُؤمن لك هيْبَة فلا أحَدَ يجْرؤ أن يعْصي الله أمامك، والمؤمن يُلقي أمامه هَيْبة بحَيْث لا يسْتطيع أحد أن يتَكَلَّم أمامه؛ هذه من نِعَمِ الله عز وجل، وكلما كان الإنسان أكثر طاعَةً لله عز وجل كلما كان أكثر هَيْبَةً، سبحان الله لما يعْصي الإنسان في السِرّ ويُطيعُ الله في العَلَن ينْزعُ الله هَيْبَتَهُ! من عَصى الله في السِرِّ نزع الله عنه الهَيْبَة ومن هاب الله هابَهُ كُلُّ شيء، ومن لم يَهَبْهُ أهابَهُ من كُلِّ شيء، فأحد مكافآت المؤمن الصادق أنْ يُلْبِسُهُ الله الهَيْبَة. الخوض بالآيات : حتى بالبيْت قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام: 68 ] كلمة يخوض تعني حركة عَشْوائِيَّة وطائِشَة، قال تعالى: ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾ [ سورة المدثر: 45 ] فإذا انْطَرَحَ موضوع ديني كُلُّ واحِدٍ أدْلى بِرَأي إلا أنَّ الآراء مُضْحِكَة: يقولون هذا عندنا غير جائِز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ ؟! *** ![]() ما مَحَلُّك من الإعْراب ؟ أنت مُشَرِّع أو مُجْتَهِد أو فقيه أو عالم؟ أنت إنسانٌ عادي وأقلّ من عادي، فهذا سيّدنا الصِدِّيق على عُلُوِّ قَدْره قال: إنما أنا مُتَّبِع ولسْتُ بِمُبْتدِع، وهذا النبي الكريم يقول كما قال تعالى: ﴿ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [ سورة الأحقاف: 9] تجد موضوعاً خطيراً يتكَلَّم فيه ويخوض فيه إنسانٌ جاهِل، ثقافَتُهُ مَحْدودة، يقول لك: هذا الأمر ليس هذا هو زمانهُ، وأنت تقول له شيءٌ مُحَرَّم يقول: لا داعي لِتَحْريمِهِ! من أنت ؟!! هذا هو الخَوْض بالآيات، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام: 68 ] العلماء قاسوا على هذه الآية أنَّهُ لا يجوز أن تُتابِع مَجْلس يُسْتَهزأُ بآيات الله، أو مَجْلس فيه خَوْض، وإدْلاء فج، وبحْث سَطْحي. الحكمة مَنْ منعها أهلها فقد ظلمهم : لذلك قال أحد الأُدباء: لي صديق كان من أعْظم الناس في عَيْني، وكان رأس ما عَظَّمَهُ في عَيْني صِغَرُ الدنيا في عَيْنَيْه، فقد كان خارِجاً عن سلْطان بطْنِه فلا يشْتهي ما لا يجد ولا يُكْثِرُ إذا وَجَد، وكان خارِجاً عن سُلْطان الجَهالة فلا يتكَلَّم بما لا يعْلم، ولا يُماري فيما علِمَ، وكان لا يُدْلي بِرَأيٍ إلا إذا رأى قاضِياً فهِماً وشُهوداً عُدولاً، فإذا لم ير الإنسان الواعي الفهيم لا يتكلَّم، لأنَّ الحِكْمَة إنْ مَنَعْتَها أهْلها فقد ظَلَمْتَهُم، أما إنْ تَكَلَّمْتَ بها لِغَيْر أهْلِها فقد ظَلَمْتَها إذاً كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام: 68 ] ![]() الإمام الجُنَيْد سئِلَ مرَّةً من وَلِيُّ الله؟ وكأنَّهُ فَهِم من السائِل أنَّ الوليّ الذي يمْشي على وَجْه الماء، أو الذي يطير في الهواء؛ فقال: ليس الوليّ الذي يمْشي على وَجْه الماء، ولا الذي يطير في الهَواء، ولكِنَّ الوَلِيَّ كُلَّ الوَلِيّ الذي يَجِدُك حيث أمَرَك، ويفْتَقِدُكَ حيث نهاك، أين أنت في هذا الوقت؟ صائِم وفي المسْجد وفي مَجْلس العِلْم. رُوِيَ عن إبراهيم بن الأدْهَم رحمه الله تعالى أنَّهُ دُعِيَ إلى وليمة فَحَضَر فَذَكروا رَجُلاً لم يأتِ فقالوا: إنَّهُ ثقيل، فقال إبراهيم: أنا فعلتُ هذا بِنَفْسي حيْث حَضَرْتُ مَوْضِعاً يُغْتابُ فيه الناس فَخَرَجَ ولم يأكل ثلاثة أيام، فَهَل يُعْقَل أنْ يُدْعى الإنسان إلى وليمة ويخْرج منها احْتِجاجاً، المُشْكلة أنْ يُعْصى الله أمامنا ونسْكُت، مُدَّعِياً أنّهُ يبْتغي السلامة، فهذا إنْسانٌ مائِع أي أنّهُ يأخذ أيَّ شَكْل، ![]() أما الإنسان الصلب فلهُ شَكْل وشَخْصِيَّتَهُ، أما المنافق فينسَجِم مع أيِّ مُجْتَمع. ورأى عمرُ عَمْراً بن عُبيْد مولاه مع رَجُلٍ وهو يقعُ في آخر فقال له: "وَيْحَكَ نَزِّه أُذُنَك عن اسْتِماع الخَنَة كما تُنَزِّه لِسانك عن النُّطْق بها فالمُستَمِعُ شريك القائِل، إنما نظر إلى شَرِّ ما في وِعائِه فأَفْرَغَهُ في وِعائِك"، ما رأيكم فيمن معه كيسٌ أسْود ومعه قُمامة فإذا به يضعُها في حقيبة إنسانٍ من المارة! هذا عمل قبيح وهَمَجي وغير أخْلاقي، كذلك هذا الذي يتكلَّم بالغيبة أفْرَغَ قُمامة بِوِعاء نظيف، فالمُسْتَمِع شريكُهُ في الإثم قال: لو رُدَّتْ كلمةُ سفيهٍ في فيهِ لَسَعِدَ بها رادُّها كما شَقِيَ بها قائِلُها، فإسْكات الإنسان السفيه وعدمُ السماح له بالنُّطْق فيها بركة، لذلك قالوا: من سَمِعَ غيبة مُسْلِمٍ فعليه أن يرُدَّها ويزْجُرَ قائِلَها، وذَكَرْتُ لكم سابِقاً أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "من عامل الناس فلم يظْلمهم وحَدَّثَهم فلم يكذبهم " فأنت لك حقٌّ على إخْوانك، ما دُمْتَ لم تعْصِ الله جَهْراً يغلبُ عليك الحياء والتَّسَتُّر وتُؤدي الصلوات الخَمْس، وليس في حياتِكَ مَعْصِيَة ظاهِرَة، وكلامك صادِق، وتفي به، ولا تنافق فأنت إنسانٌ لك حُرْمَة عند إخْوانك، والحُرْمَة ألا يُقال في حَقِّكَ كلمة تَمَسّ بِشَخْصِيَتِك فإذا الإنسان غاب عن مُجْتَمع وهو مُطْمئنّ أنّ غَيْبَتَهُ مَحْفوظة فهذا شيءٌ جيِّد، نحن الآن نريد من إخْواننا الكرام تَرْجَمَة هذه الأحْكام، فلا تسْمَح لإنسانٍ أن يتكلَّم أمامك بالغيبة.من سمع غيبة مسلم فليردها و ليزجر قائلها : ![]() إذاً ينبغي لِمَن سَمِعَ غيبة مُسْلمٍ أن يرُدَّها ويزْجر قائِلَها، فإن لم ينْزَجِر بالكلام زَجَرَهُ باليَد، فإن لم يسْتطِع باليد ولا باللِّسان فارق ذلك المَجْلس، فعن أبي الدرْداء رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ )) [الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ] والله لا أجمل ولا أوْفى من مؤمن يُدافِع عن مؤمن في غَيْبَتِه؛ والله ما عَلِمْنا عليه إلا خيراً، ولا أسْمَحُ لك أنْ تنْتَقِصَ من قيمَتِه إنَّهُ أخي حقاً، وهذا هو المجتمع المُتماسِك مُجْتَمَع كالبُنْيان المَرْصوص يَشُدُّ بعضهُ بعْضاً، ومُجْتمع كالجسَدِ الواحد إذا اشْتكى منه عُضْوٌ تداعى له سائِرُ الجسد بالسَّهر والحمى. من دافع عن أخيه سخر الله له من يدافع عنه : وعن جابر بن عبد الله وأبي طلْحة رضي الله عنهم قالا: قال عليه الصلاة والسلام: ((مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ )) [أحمد عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَي طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ ] قد يكون الإنسانُ قَوِياً، ومَرْكَزُهُ قَوِياً، وهناك بالدائِرَة مُوَظَّف مؤمن شَخْصٌ هاجَمَهُ وانْتَقَصَ منه، واتَّهَمَهُ مثَلاً بأمانتِهِ، والقوي يعلم عِلم يقين أنَّهُ نظيف ظناً منه أنَّهُ يُقَوي مَرْكَزه، فهوَ يطْعن بِهذا المؤمن المُستقيم والنَّزيه حتى يظْهر أنَّهُ إنسان بِواد آخر: ((مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ )) ![]() كما تدينُ تُدان، "ما ذكرني عبدي في نفْسه إلا ذكرْتُه في نفْسي، وما ذكرني في ملأ إلا ذَكَرْتُه في ملأ خير منه" تُدافِعُ عن أخيك، فالله عز وجل يُسَخِّرُ من يُدافِعُ عنك، وهناك قِصص كثيرة؛ مَوْقِف دقيق أثناء التَّعْديلات والتَّقْييم يُذْكَرُ اسمُ فلان فإذا بإِنْسانٍ يقِفُ وقد يكونُ فاجِراً فَيُثْني عليك ثناءً عطِراً ويُقَيِّم ويُؤَكِّد ويأتي بالدليل، فَمَن سَخَّرَهُ؟! الله هو الذي سَخَّرَهُ، هذه قِصَّة مُتَكَرِّرَة، المؤمن المُسْتقيم يُسَخِرُ الله له الإنسان القَوِيّ وطليق اللّسان وقَوِيّ الحجَّة ليُدافِعُ عنه بِغَيْبَتِه، وبه يتغيَّر مَجْرى الموضوع كُلُّه هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ [ سورة الحج : 38] لذا قيل: "هم في مساجِدِهم والله في حوائِجِهم"، ولا يوجد مؤمن صادِق إلا ويُيَسِّرُ الله له، حَدَّثني أخٌ قال: كان لي درْسُ عِلْمٍ مُتواضِع، ولي خُصوم كثيرون قَدَّموا اسْتِدْعاءات كالعادة، و كان هناك شَخْص له تَعْزِيَة بِبَيْتٍ قريبٍ من المَسْجد، بعدما عزى دخل فَصَلى فوجد هناك درْساً فَسَمِعَه فَسُرَّ به، في اليوم الثاني كان عند إنسان مسؤول فَذَكَر له ما سمِع من أدَبٍ وفصاحة، فَسَخَّرَهُ الله لِخِدْمَتِه، والله يخلق لك جواً يُريحُك ويُدافِعُ عنك، والكُلُّ يُثْني عليك، والإنسان يبْلغ درجة من نصْر الله له أنَّ الإنسان إذا تطاول عليه سَقَط: وإذا أراد الله نشْرَ فضيلَةٍ طُوِيَت ْ أتاح لها لِسانَ حســـــودِ لولا اشْتِعال النار فيمـا جاوَرَتْ ما كان يُعْرفُ طيبُ عُرف العود *** الله عز وجل يحب أن ندافع عن بعضنا و نكون كتلة واحدة : الحديث دقيق: ((مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ )) ضِعافُ النفوس تجدهم يُشَمْشِمون، يسألك ماذا يُرْضي هذا القوي المدْح أم الذمّ؟! فإذا كان يرضي هذا القويّ الذمّ تجده يذُمّ، وإذا كان يرضيهِ أن يمْدح تجده يمْدح؛ هذا هو النِّفاق والضَّعْف النَّفْسي والمُيوعَة. يقولون أنَّ معاوِيَة بن أبي سفيان جمع وُجوهَ القَوْم لِيَأخذ البيْعة لابنه يزيد فَكُلُّهم أثْنى على يزيد، وبَقِيَ الأحْنَفُ ساكِتاً، فَسُكوتُهُ أرْبَكَ المَجْلِس فقال: ما لك ساكِتٌ يا أحْنَف؟ فقال: أخاف الله إنْ كذَبْتُ، وأخافُكُم إنْ صَدَقْتُ، فكان تلْميحاً أبلغَ من تَصْريح. وعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ أُرَاهُ قَالَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ )) [أحمد عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ] وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَت: ((مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ)) [أحمد عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ] ![]() ذَبَّ أيْ دافعَ، فالله إذاً يُحِبُّ أن يُدافِعَ بعْضُنا عن الآخر، وأن نُحِبَّ بعْضَنا، وأن نكون كُتْلَة واحِدَة، وأن نتعاون، ونعْفو عن بعْضِنا، ونلْتَمِس لِبَعْضِنا العُذْر، و نكون أمَّة مُتعاوِنَة ومُتماسِكَة. وعن أنسِ بن مالكٍ قالَ قال عليه الصلاة والسلام: (( إذا وُقِعَ في الرَّجُل وأنت في ملأ فَكُن للرجُلِ ناصِراً، وللقَوْمِ زاجِراً)) [ الدر المنثور عن أنسِ بن مالكٍ ] وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: "إنَّ عائِذ بن عمرو كان من أصْحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فدخل على عُبَيْد الله بن زياد فقال: أيْ بني إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنَّ شرّ الرِّعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم، فقال له عُبَيد الله: اِجْلس فإنَّما أنت من نِخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال له عائِذ: وهل كانت لهم نِخالة ؟! إنما كانت النِّخالة بعدهم وفي غَيْرِهم!" لقد دافع عن أصْحاب رسول الله. ((مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ ] غيبة الكافر : الإمام الغزالي سُئِلَ عن غيبة الكافر، فقال: هي في حقِّ المُسْلِم مَحْجورة لِثَلاث عِلَل، أما الكافر والملحد وعباد الصنم أوَّلاً في اغْتِيابه إيذاءٌ له؛ من أين أُخِذَ هذا الحكم؟! لما جاء عِكْرِمَة بن أبي جَهْل مُسلماً، وكان من كبار كفار قريش المُعانِدين فقال عليه الصلاة والسلام: جاءَكم عِكْرِمَة مُسْلِماً فإياكم أن تسُبوا أباه، فإنَّ ذمَّ الميِّتِ يُؤذي الحيّ، ولا يبْلُغُ المَيِّت؛ أحياناً يكون لأحدهم والد غير ملتَزِم فإذا بِبَعْضِهم يقول: أبوك كافر وغير مُلْتَزِم! هذا الكلام فيه سَذاجة وفضاضة ومن الذي أمرك أنْ تُقَيِّمَ أباه؟! لذلك الإمام الغزالي قال: "محذورة لِثَلاث عِلل أوَّلاً: عِلَّةُ الإيذاء، والثانِيَة: تنْقيصُ خَلْقِ الله تعالى وتضييع الوقت بما لا يعْني" ![]() طبعاً لو سُئِلْتَ عن الزواج من ذريته أو مجاورته أو نبيعُهُ حينها تَكَلَّم، أما الكلام بلا سؤال ولا فائِدَة فلا بد أن تكون أرْقى من ذلك، وأن يكون وَقْتُكَ أثْمن، وأذْواقك أرْقى من أن تخوض في نقائِص الكفار وسُقوطهم، فالأولى - وهي الإيذاء - تقتضي التحريم، والثانِيَة تقْتضي الكراهة، والثالثة - تضييع الوقت فيما لا يعْني - تقْتضي خِلاف الأولى، أما الذِمي فكالمُسلمين لأنَّهُ سكن معهم ودفع الجِزْيَة، وما عليهم إلا أنْ يحْفظوا ذِمَّتَهُ، فلا يجوز إيذاؤه بالغيبة لأنَّ الشَّرْع عصَمَ عِرْضَهُ وماله ودمهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( من آذى ذمياً فقد آذاني )) [ الخطيب عن ابن مسعود] وقد رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( من سَمَّعَ يهودِياً أو نَصْرانِياً فله النار )) [ ابن حبان عن أبي موسى] سَمَّعَهُ أيْ شَتَمَهُ وأهانه، على كُلٍّ: يجب على الإنسان أن يُنَزِّهَ لِسانه عن الغيبة لكل مسلم أو غيره. الحقيقة التي أوَدُّ أن أضَعَها بين أيْديكم أنَّ الإنسان عندما يكون فارِغاً من العِلْم فلن يكون له حديثٌ آخر غير الغيبة، أما الإنسان الملآن فله ألف موضوع وموضوع يطْرحه في الجَلْسَة، وله أجْمل الموضوعات التي تلْفِتُ نظَر الناس إلى الله، وموضوعات تُؤَثِّر في أعْماق وُجْدانهم وتفْعَلُ فيهم فِعْل السِّحْر، فالإنسان الفارغ والتافه والجاهل هذا الذي يُمْضي الوقت بالغيبة والنميمة. تفشي الغيبة بين المسلمين : ![]() |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :بواعث الغيبة الاخلاق الاسلامية الدرس : ( الخامس ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. مخالفة الناس منهج الله في موضوع ضَبْط اللِّسان يجعلهم مُتَفَرِّقين : أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الغيبة ![]() وقد بيَّنْتُ لكم من قبلُ أنَّ المؤمن يعرف أنَّ هناك في الإسْلام كبائر، وأنَّها مُدَمِّرَة، ولكنَّهُ يتوَهَّمُ أنَّ الكبائِر هي القَتْل والزنا والسَّرِقة وشُرْب الخمْر، وقد يغيبُ عنه أنَّ الغيبة من الكبائر، فلذلك الذي يُمَزِّقُ وِحْدة المسلمين، ويُفَتِّتُهم، ويُلقي بينهم العداوة والبغْضاء، ويُشَرْذِمُهم، ويجعلهم مُتَفَرِّقين ومتناحرين، مُخالفَتهم لِمَنْهج ربِّهم في موضوع ضَبْط اللِّسان، قال: اسْتَحْيوا من الله حقَّ الحياء، فقال: أن تحفظوا الرأس وما وعى..." حَدَّثْتكم من قبل عن تعريف الغيبة وعن حكمها، وعن الآيات والأحاديث والأقوال الدالة على تحْريمها، ووَصَلْنا إلى موضوعٍ دقيق هو الأسباب الباعِثَة على الغيبة. بواعث الغيبة ليْسَتْ رحمانِيَّة إنما شَيْطانِيَّة : المؤمن بصيرٌ بِنَفسِه، أما هذا الذي يتجاهَل ما يجْري في نفْسِه فهو إنْسانٌ غافِل، هناك بواعِث تبْعثُ الإنسان على الغيبة، وهذه البواعث ليْسَتْ رحمانِيَّة إنما شَيْطانِيَّة، فَكُلُّكم يعلم أنَّ الإنسان إما أن يتحرَّك وِفق هدى الله، وإما على وسْوَسَة الشيطان، فهو يريد أن يُلقي بين المؤمنين العداوة والبغْضاء، ألا تذكرون قَوْل النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم )) [ الترغيب والترهيب عن سليمان بن عمرو عن أبيه] ![]() وذلك بعد مجيء النبي عليه الصلاة والسلام إلى الجزيرة العربيّة، لم يعد هناك عبادة أصْنام: ((.......ولكن رضي فيما دون ذلك)) هناك روايتان الأولى: ((....مما تحقرون من أعمالكم )) والرواية الثانِيَة أنَّهُ: ((......وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)) [رواه مسلم عن جَابِرٍ ] لأنَّ التَّحْريش بين المؤمنين هَمُّ الشيْطان، ولأنَّهُ يريد أن يوقِعَ بينهم العداوة والبغْضاء وأن يُلقِيَ فيهم الخوف، قال تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [ سورة النساء: 120] بواعث الغيبة : 1 ـ تشفي الغيظ : أيها الأخوة، الإنسان إما أن يتحرَّك وِفق هدى الله، وإما على وسْوَسَة الشيطان، لذلك من بواعِث الغيبة أنَّ الإنسان أحْياناً بينه وبين إنسانٍ آخر إساءة، يَرُدّ على هذه الإساءة بالغيبة، ويشْفي غليلَهُ بها، أما المؤمن فيَشْكو هَمَّهُ وحُزْنَهُ إلى الله، والمؤمن إذا عامَلَ الناس بِإخْلاصٍ - دقِّقوا في هذا الكلام - يخْدِمُهم ولا ينْتظر منهم المكافأة ![]() لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "اِصنع المعروف مع أهْله ومع غير أهْله" فإذاَ خَدَمْتَ إنساناً ثمَّ أساء إليك فحَقَدْتَ عليه، وتألَّمْتَ منه أشَدّ الألم، فلعَلَّ هذا أنَّ العمل ليس فيه إخْلاص، فالعمل المخلص لا يهمُّه الردّ الإيجابي أو السلبي، ولا جزاء ولا شكوراً، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [ سورة الإنسان: 9] وقال تعالى: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ﴾ [ سورة الليل: 19] أوَّلُ باعِث من بواعث الغيبة أنَّها تَشفي الغَيْظ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أثْنى على الكاظِمين الغَيْظ، قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 134 ] أيها الأخوة، هذا الغَيْظ إن كَبَتّه انقلب إلى حِقْد دفين - هذا عند أهْل الدنيا - أما المؤمن فلا يغْتاظ إنما يتغاضى ولا يغْضَب لأنَّهُ مُخْلص: إلهي أنت مقْصودي ورِضاك مَطْلوبي، فهؤلاء الناس الذين أحْسَنْتَ إليهم إن عرفوا أو لم يعْرفوا، قَدَّروا أو لم يُقَدِّروا، ردُّوا أو لم يَرُدُّوا، لا شأن لك بِهم، أنت شأنُكَ مع الله، وعملُكَ تبْتغي به وَجْهَ الله عز وجل، لذلك الغَيْظ لا يتأتى إلا إذا أحْسَنْتَ إليهم بالذات ونَسيتَ الله عز وجل فإنْ ردوا رداً سيِّئاً أضْمرْتَ الغيْظ، فإذا اسْتَمَرَّ الغيظْ انْقَلَبَ إلى حِقْدٍ دفين وهو دائِماً يُرَدُّ عليه بالغيبة والنميمة. أساس الغَيْظ ضَعْف في الإخْلاص : هناك نقْطة دقيقة جداً، وهي أنَّ الحياء فضيلة، والحياء من الإيمان، وأحياناً الخجل رذيلة ![]() قد يكون الإنسان مع رفاقه وأصْدقائِه بِمَجْلس فَيُطْرح موضوع يُغتاب فيه إنسان، فلا يحب أنْ يخرج عن المجموع أو يخالفهم، وليستْ له قدرة للمناقشة والاعْتِراض والمناقشة، ويسْتحي ويخْجل، فهذا الخجل رذيلة، الحياء من الإيمان ولكن أنْ تخْجل في طاعة الله فليسَتْ هذه فضيلة، فإذا سَكَتّ أنت وهذا وذاك، وأصْبح البذيء هو المُتكلِّم وهو الطاعن فأنت أعَنْتَهُ على الغيبة، لذلك لا تعْبأ بِأحد، ولا تأخذْك في الله لَوْمَةُ لائِم، فالمؤمن ليس دائِماً مُسايِر! له مواقف يقول: هذا لا أفْعَلُهُ، ويقوم من المَجْلس، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [ سورة النساء: 140] فالباعث الأوَّل شِفاءُ الغَيْظ، والغَيْظ أساسه ضَعْف في الإخْلاص، فالضَّعْفُ فيه يُسبِّبُ الغَيْظ، والغَيْظ المُسْتَمِرّ ينقلب إلى حِقْدٍ دفين، والغيبة انْتِقامٌ من إنسانٍ أساء إليك تشْفي غليلك وحِقْدَكَ منه باغْتِيابه. 2 ـ مُوافقة الأقْران : ![]() الباعث الثاني على الغيبة: مُوافقة الأقْران، أيْ تسْتحي وتخْجل أنْ تُسْكِتَهُم، وأن تنْهاهم عن هذا المنكر، وأن توقِفَهم عن حدِّهم، وأن تعْتَرِضَهم، لذلك الناس المنقطعون عن الله عز وجل يتفكَّهون بِأعراض الناس، وينْهَشونَها، وكأنَّ أعْراض الناس كَلأٌ مُشاعٌ يأكلهُ من يأكله، فالمُجاملة والمُداهنة والخجل ألا تقف مَوْقِفاً صُلباً وتوقِفَهم عند حَدِّهِم، قلتُ لكم: كان العلماء الأجِلاء إذا تَكَلَّم الواحد في حَضْرَتِهم كلمة عن إنسانٍ يقولون: يا أبي اسْكُت، فَنَحن نحْتاج إلى هذا الالْتِزام حتى تبْقى المَوَدَّة بين المسلمين. 3 ـ البدء بِمَن له عَلَيْك حقّ : أحْياناً تكون الغيبة فيما يُسَميهِ المحدثون هُجوماً دِفاعياً، فقد يُقَصِّر إنسان في حقِّ آخر، وهذا الإنسان عليه حقّ فلأن لا يفْضَحَهُ بين الناس يبْدأ هو بالطَّعْن فيه، فإذا تَكَلَّمَ أسْقَطَ مِصْداقِيَّتَهُ، هذا أيضاً باعِث من بواعث الغيبة، تبدأ بِمَن له عَلَيْك حقّ وهذه ملاحظة واضِحَة، وهي أنَّ الإنسان قبل أن يعْتدي، أو قبل أن يأخذ ما ليس له، أو قبل أن يمْتنع عن دَفْع الحق الذي عليه يُهاجِمُ أصْحاب الحقّ؛ يغْتابُهم وينال منهم ومن صِدْقِهم، وأمانتهم، حتى إذا طالبوه وأرادوا أن يأخذوا حَقَّهم منه سَقَطَت شهادتهم ومِصْداقِيَّتِهم، فهذا باعث ثالث من بواعث الغيبة، كل واحد بِحِكْمة من الله عز وجل بالغةٍ بالغة جعله بصيراً على نفْسِه، قال تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ [ سورة القيامة: 14] من سنن الله في خلقه أنه يسْمح للإنسان أن يفْعل ما يشاء إلى حينٍ ثمَّ يكْشِفُهُ : أيها الأخوة الكرام، أنت لا تسْتطيع أن تُخادعَ الله أبداً قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [ سورة النساء: 142] وأنت لا تستطيع أن تخدع نفْسك أبداً قال تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ [ سورة القيامة: 14] ![]() بل إنَّك تستطيع أن تخدع أُناساً بعض الوقت، أو تستطيع أن تخدع واحداً طول الوقت، أم أن تخدع الناس طول الوقت فهذا مُسْتحيل، إذاً هناك ثلاث مُسْتحيلات، أوَّل مُسْتحيل: أنْ تخدع الله، والثاني: أن تخدع نفْسَك، والثالث: أن تخدع الناس كلَّهم طول الوقت، والإنسان حينما يخدع يكون غَبِياً لأنَّ الخديعة تنْقلب عليه، قال تعالى: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [ سورة الأنفال: 30] وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾ [ سورة الطارق: 15] وينقضون عهد الله، وينتكِثون قال تعالى: ﴿ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [ سورة الفتح: 10] إذاً هنا أعمال كثيرة تفْعلها ولكنَّها تعود على صاحِبِها بالشَرّ فهذا الباعث هو اسْتخدام الغيبة كَهُجوم دِفاعي، لكنَّ اسمه الحق، وهو الذي يُحِقُّ الحقّ، وربنا عز وجل كما قال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾ [ سورة الزخرف: 84] ولكن من سنن الله تعالى في خلقه أن يسْمح لِكُلٍّ أن يفْعل ما يشاء إلى حينٍ ثمَّ يكْشِفُهُ، كم من حادِثٍ اتُّهِمَ به بريء وبعدها أظْهر الله الحق فانْكَشَفَتْ الحقيقة. 4 ـ أن يُنْسَب للإنسان شيء زوراً وافْتِراءً : ومن بواعث الغيبة أن يُنْسَب للإنسان شيء زوراً وافْتِراءً، فَيَذْكر الذي فعله حقيقةً، وينال الآخرين بالغيبة وهو لا يشْعر، وهي حالة في زَحْمَة الدِّفاع عن النفْس ![]() ينفي على نفسه هذا العمل ويقول الذي وقع هو كذا وكذا، وهو لا يشْعر، ويكون قد أوْقَع نفسه في المعْصِيَة دون أن يدْري، لكن كما قلتُ لكم في درْسٍ سابق، في آخر أبْحاث الغيبة إن شاء الله تعالى سوف نتعرَّضُ إلى الحالات التي يجوز فيها أن تغْتاب، كالمٌبْتَدِع وأنت مظْلوم فلابدّ من أن تظهر أمام القاضي ظلامتك، قال تعالى: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 148] هناك أشْخاص أيها الأخوة عندهم مرضٌ نفْسي وهو يبْني مجْداً على أنْقاض الآخرين، و يبْني مكانَةً على تنْقيص أخرى، و يرتفع ويعْلو مع تحْطيم الآخرين، فهذا مَوْقِف لا أخْلاقي، فأنت لك أن ترتفع لِعِلْمٍ أو عملٍ أو بِفَضيلةٍ أو عطاءٍ أو إنْفاقٍ، أما أن تطْعن كي ترفع شأنَكَ وحدَكَ فليْسَ هذا من أخْلاق المؤمن في شيء، لذلك خُذْ هذه القاعدة: لا تبني مَجْدَكَ على أنْقاض الآخرين، ولا تبْني غِناك على إفْقارِهِم، ولا تبْني أمْنَكَ على إخافَتِهِم، ولا تبْني حياتَكَ على مَوْتِهم. 5 ـ الحسد : ثمَّ إنَّ الحسد من أكبر بواعث الغيبة، وقد ذَكَرْتُ لكم من قبلُ أنَّهُ لابدّ للمؤمن من مؤمن يحْسُدُهُ، ومن منافقٍ يُبْغِضُهُ، ومن كافِرٍ يُقاتِلُه، ومن نفْسِ ترديه، ومن شيطان يُغْريه، فالحَسَد موجود، قلتُ لكم سابِقاً: إنَّ الحسَد تَمَني زوال النِّعْمَة عن أخيك لِتَصير إليك؛ هذه دَرَجة ![]() وهناك درجة أسوَأ تمنِّي زوال النِّعْمة عن أخيك دون أن تصِلَ إليك، ومَرْتَبَة أخرى أكثر منها سوءاً أن تعمل على إزالة النِّعْمة عن أخيك بِكِتاب أو وِشاية تقْرير، فهذه الدرجات من السيئ إلى الأسْوأ، ولكن الحركة أشَدُّهم وهي أن تكتب وأن تُظهر القوَّة على أخيك من أجل أن يُحَطَّم، فهذه أسْوأ حالةٍ من حالات الحَسَد، والحقيقة الحَسَد حِيادي وبديلُهُ الغَيْرة، فالله عز وجل ما رَكَّبَ في الإنسان خصيصةً إلا من أجل أن يرْقى بها إلى الله، فالله عز وجل في الإنسان ما يُسَمى بالغيرة فإذا كنت لا تحْفظ كتاب الله وآخر يحْفظه ألا تغارُ منه؟ وإن كان يُصلي قِيام الليل وأنت لا تُصلي ألا تغارُ منه؟ وإن كان مُتَفَقِّهاً بأحكام الشريعة وأنت لسْتَ كذلك ألا تغار منه؟ فالله عز وجل من أجْل أن نتنافس ونتسابق أوْدَعَ فينا هذه الخصيصة ولها اسْتِعمال مَشْكور ومَحْمود ومَقْبول في الخَيْرات، الحسد نفْسُه إذا انْصَبَّ على أمرٍ من أمور الآخرة أصبح غِبْطَة، المؤمن يغْبط أخاه المؤمن، والله عز وجل قال: ﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [ سورة المطففين: 26] وقال: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ [ سورة الصافات: 61] فالله عز وجل لم يودِع خاصَّة في الإنسان ورَكَّبَهُ عليها إلا لِصالحِ إيمانه، والكافر يسْتخْدم هذه الخاصَّة التنافسِيَّة فَيَحْسُد ويغْتاب، فالحَسَد في الدنيا والغبْطة للآخرة. النفاق و الإيمان : وسوف أضع بين أيديكم أيها الأخوة مِقْياساً دقيقاً جداً، فالله عز وجل وصَفَ المنافقين فقال: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [ سورة التوبة: 50] ![]() فالإنسان إذا أصاب المؤمن خير من الدنيا أو الآخرة وشَعَرْتَ بِضيقٍ وألَمَ لا تتَرَدَّد بأن تصِفَ نفْسَكَ بالنِّفاق، وَشَهِد الله فإنَّ المِقْياس المقابل إذا أصاب أخاك خير من الدنيا و الآخرة نال شهادة، أو تزوَّج امْرأةً صالحَة، أو اشْترى بيْتاً، أو تألَّق اسْمُه في المجْتمع ونال المناصب، وسُرِرْتَ به، وفَرِحْتَ فلا تترَدَّد بأنْ تصِفَ نفْسَك بالإيمان، إذْ المؤمن لا يتألَّم بِخَيْرٍ أصاب أخاه قال تعالى: ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [ سورة التوبة: 50] فهذا مِقْياس دقيق ولأنَّ الله تعالى قال: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [ سورة الشعراء:88-89] وقال عمر: تعاهَد قَلْبَك؛ راقِبْ نفْسَكَ وسريرَتَك ونواياك ومشاعِرَك وطُموحاتِك وافْحَصْها وقِسْها بالحقّ، فالحَسَدُ إذاً هو الذي يدْفَعُ إلى الغيبة، أيَليق بين المؤمنين أن تنطبق عليهم هذه الصِّفة ؟! لا، هم نُخْبة المُجْتمع، ومُتَمَيِّزون بأخْلاقهِم، وسُمُوِ نُفوسِهم، وطهارة أفْئِدَتِهم؛ هذه علاماتهم لذلك لا تجد عالماً مُخْلِصاً وصادِقاً مع الله إلا ويعْرِفُ حُقوق الآخرين وقيمة أخْوانه الدعاة وفَضْلَهُم. أنواع الدعوة : كنت أذْكُرُ لكم سابِقاً أنَّ هناك دَعْوةٌ إلى الله ![]() وأنَّ هناك دَعْوَةً إلى الذات مُغَلَّفَة بِدَعْوَةٍ إلى الله، فَمِن لوازم الدَّعْوة إلى الله الاتباع، قال تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [ سورة الأحقاف: 9] إنما أنا مُتَّبِعٌ ولَسْتُ بِمُبْتَدِع، ومن خصائِص الدَّعْوة إلى الذات الابْتِداع، تأتي بِجَديد لِيُشير إليك الناس بِبَنانِهم، كي تتَمَيَّز عنهم، كنت أقول لكم أنت اذْكر الحديث الصحيح المَعْروف وعَمِّق فَهْمَكَ له واشَرْحه، ولا تأتي بالغرائِب غير الصحيحة فإنَّها تُفَرِّقُ المُسْلمين، لا تعْتَمِد حديثاً موضوعاً ولا ضعيفاً ولا قَوْلاً غير مُسْنَد، لأنَّهُ لولا الدليل لَقال من شاء ما شاء، عَوِّد نفْسَكَ الدليل. علامة المُتَّبِع لِرَسول الله أنَّهُ لا يأتي بِشَيْءٍ من عنده إطْلاقاً : أيها الأخوة آيات دقيقة جداً قد تغيب عن المسلمين، يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ سورة يوسف: 108] ما معنى على بصيرة؟! أي أنا آتيهم بالدليل والتعليل، فعلامة المُتَّبِع لِرَسول الله أنَّهُ لا يأتي بِشَيْءٍ من عنده إطْلاقاً فالدَّعْوة إلى الله من لوازِمِها الاتباع، ولا تكن مع الآراء الضعيفة، ولا مع القِلَّة النادِرة، كن مع جُمْهور العلماء ومجموع المؤمنين، لأنَّ أمَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم معْصومَةٌ بِمَجْموعِها، بينما النبي صلى الله عليه وسلَّم معْصومٌ بِمُفْرَدِه، كما أنَّ من لوازم الدعوة إلى الذات الطَّعْن في الآخرين حسَداً من عند أنْفُسِهم والتنافس، ومن لوازم الدعوة إلى الله التعاون والاعْتِراف بِفَضْل الآخرين، فهذه حقائِق لا بدّ من أن تكون واضِحَة. الاخْتِلاف بين المؤمنين : أيها الأخوة، هناك آيات كثيرة جداً تُشير إلى هذا الاخْتِلاف بين المؤمنين، أوَّلاً كما تعْلمون أنَّ هناك اخْتِلافٌ أساسه الجَهْل، وهناك اخْتِلاف أساسه الحسَد، وآخر أساسه التنافس، فالأوَّل طبيعي؛ نَقْصُ المعْلومات تُوقِعُنا في الاخْتِلاف، الاخْتِلاف الثاني أساسه الحَسَد قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾ [ سورة الشورى: 14] ![]() ما الاخْتِلاف الثالث؟ أساسه التنافس والاجْتِهاد، فالثالث مَحْمود والثاني ممقوت والأوَّل طبيعي، فنحن قد نختلف لَِضعْف معلوماتنا، أما إذا رأيْتَ الحُكْم الشَّرْعي، والدليل القوي انتهى الاخْتِلاف، وقد نخْتلف ونحن في الحق جميعاً، يا ترى الذِّكْر أما طلبُ العِلْم؟ يا ترى تأليف القلوب أم تأليف الكتب؟ يا ترى نشْر الدَّعْوة على نِطاقٍ واسِع أم جَعْلُها على نِطاقٍ ضَيِّق؟ يا ترى حفْظ القرآن أم فَهْمُه؟ الاشْتغال بالفقه أم بالتفْسير؟ قد نختلف ونحن في الحقّ جميعاً، هذا اخْتِلاف تنافس وهو مَشْكور، وقد نختلف لِضَعْف معْلوماتنا، فهذا اخْتِلاف جَهْل وهو طبيعي ويُحَلُّ بِمَعْرِفَة الحُكْم الشَّرْعي، أما الاختِلاف الخطير المُدَمِّر والذي يُمَزِّقُ اخْتِلاف الأمَّة فهو اخْتِلاف الحَسَد والبَغْي، قال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا ﴾ [ سورة آل عمران: 19 ] وهناك آية أخرى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ 6 ـ اللَّعِب والهَزْل بذْكر عُيوب الناس وسَقَطاتِهم ومشاعِرهُم وما إلى ذلك : إذاً الباعث الخامس من بواعث الغيبة الحسد، أحياناً تجد إنساناً له دُعابة ومرِح، ويتكلَّم في المجْلس كثيراً، ويُحِبُّ أن يلْفِتَ نظر الناس إليه، وأن يُضْحِكَهم، وأن يمْلأ قلبَهُم سُروراً، وأن يمْلأ وقْتهم طَرَباً، وأن يُحَدِّثَهم عن زَيْدٍ أو عُبَيْد وهو في حديثه بِقَدْر تَسْلِيَتِهم وإمْتاعِهم ينْهَشُ أعْراض الناس وهو لا يشْعر، هذا باعث عَرَضِي؛ اللَّعِب والهَزْل وهو في هذه الحالة يذْكر عُيوب الناس وسَقَطاتِهم ومشاعِرَهُم وما إلى ذلك، هذا الباعث السادس. ![]() وهناك إنْسانٌ مُتَكَبِّر، ولا يدْخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كِبْر، والمتكَبِّر مريض، لماذا هو مريض؟ لا يحْتمل أن يرى إنساناً فوقه، هناك نساءٌ كثيرات وَقَعْنَ في هذا المرض الخطير، وهناك رجال لا يحْتَمِل أن يرى أحداً فوقه، يتألَّم، ماذا يعْمل؟ يطْعَن، كنت في جَلْسَة قبل أيام، وذكرْتُ رَجُلاً أعلمُ عنه الصلاح والنجاح في الدَّعْوة وما إنْ ذَكَرْتُه حتى هجم الحاضِرون عليه هجوماً عنيفاً، سبحان الله! آلَمَهم أن يكون أحدٌ أعلم منهم، هذه مشكلة كبيرة ومرض نفْسي خطير. أيها الأخوة: أمْراض الجَسَد مهما كانت كبيرة تنْتهي عند الموت، ولكنَّ أمْراض النَّفْس تنْتهي عند الموت وإلى أبَدِ الآبدين، فإن أصيب الإنسان بمرض خبيث -عُضال - ومات تخلص من هذا المرض، أما إذا كان في القلب كِبْر وحَسَد ورَغْبَة بالاسْتِعْلاء و أنانِيَّة و أثَرَة، فهذا المرض الخبيث الذي يُلِمُّ بالقلب تبدأ أخْطاره عند الموت، ففي الدنيا الناس نِيام ولكن إذا ماتوا انتَبَهوا، فالمُتَكَبِّر إذا قال الناس: فلان مُوَفَّق في التِّجارة يقول لك: بِضاعَتُهُ كُلُّها فاسِدَة، وإن كان في العِلْم، يقول: فلان دجَّال، وإن كان بالأعمال الصالحة يقول: الله أعلم بِنِيَّتِه، هل أنت الوحيد المُخْلص والعالم والفاهِم؟ هذا مرض خطير، لا يحْتَمِل أحداً فوْقَهُ، لا يسْمح ولا يقْبل، ويطْعن فَوْراً. 7 ـ الكبر : طبْعاً نحن قلنا: هناك السُّخْرِيَة والاسْتِهْزاء أساسه الكِبْر في اللَّعِب والهَزْل وإضْحاك الناس، وأن يرْفَعَ نفْسَهُ على أنْقاض الآخرين، هناك بواعث كثيرة ولكن أنا أرى أنَّ من أخْطر هذه البواعِث هذا الباعث الكِبْر، قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربِّه: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)) [أبو داود عن أبي هريرة] ![]() لذلك قال له: اللهمَّ ارْحمني ومحمَّداً ولا ترْحَم معنا أحداً، فقال له: يا أخي لقد تحَجَّرْتَ واسِعاً، الأصْل أنْ يكون الناس كُلُّهم على الحقّ، يجب أن ترى آلاف الدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، أما أن تعْتَقِد أنَّ الحقّ فقط مع فُلان، وبِهذا المسْجد، وهذا البلد، هناك عالم جليل له كلمة دقيقة جداً: الحقُّ لا يسْتطيع أحدٌ أن يحْتَكِرَهُ، لا جماعة، ولا طريقة، ولا طائِفَة، ولا أمَّة، ولا جيل، ولا بلد، ولا قطْر، الله هو الحق، ففي كلِّ مكان هناك أهْل الحق، وبِكُلِّ بلدٍ، تَعَوَّد على الكَثْرة لا على القِلَّة، تجد بِمِصْر علماء أجِلاء، وكذا بأيِّ بلد عربي وأيّ بلد مسلم، والله عز وجل يوزّع هؤلاء الدعاة إليه توزيعاً جغْرافياً وزمنياً حكيماً، ألم تسْمعوا حديث النبي عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)) [أبو داود عن أبي هريرة] فَمِن حينٍ لآخر تجد علماء كبار يمْسحون الغبار، ويُزيلون التَّزْوير أحْياناً، فالله عز وجل يوَزِّع هؤلاء في شتى بِقاع الأرض، وفي كلِّ مكانٍ وزمان، فأعْتَقِد أنَّ الخير يجب أنْ يكون عاماً، أما أن تعْتقد أنَّك وحْدك على الحق وما سواك باطل فهذا مرض عُضال يبْدأ أثرهُ بعد الموت. 8 ـ استغراب المؤمن يدفعه للوقوع في الغيبة : ![]() أحياناً هناك بواعث خفيفة لكنها خطيرة، فأنت تسْمع قِصَّة فتقول: لا يُعْقل هذا! مستحيل! تنكرها وتذكر صاحبها وأنت لا تدْري، فإذا وقع المؤمن بِخَطرٍ كبير اذْهب إليه وانْصَحْهُ، وخُذْ بيَدِه إلى الله، فأنت اسْتغرابك ودافعك أوْقَعَكَ في الغيبة، هذا أيضاً من دوافع الغيبة. 9 ـ ِباعِث الرحمة الساذج : وأحياناً بِباعِث الرحمة الساذج تقول: فلان فعل كذا وكذا، وجرى في بيْته كذا وكذا، وَزَوْجتُه فعلَتْ كذا وكذا، وأوْلاده فعلوا معه كذا وكذا، فهذا بِدافع الحِرْص والشَّفَقَة والرحمة وقَعَ في الغيبة؛ أنا أعْطيكُم مُنْزَلقات الغيبة. الذنب شُؤْمٌ على غير صاحِبِه، إن ذَكَرَهُ فقد اغْتابه، وإنْ عيَّرَهُ ابْتُلي به وإن رَضِيَهُ شاركَهُ في الإثم، وأنت في موقع الغيرة تنال من أخيك وأنت لا تشْعر. على الإنسان أن يكْشِفَ الأشْياء الجَيِّدة و يتغاضى عن الأشْياء السَّلْبِيَّة : أيها الأخوة، لقد قلت: إن سيدنا عمراً نظر إلى الكعْبة فقال: "ما أشَدَّ حرْمَتَك عند الله، ولكنَّ المؤمن أشَدُّ حرْمَةً عند الله منك"، فالمؤمن غال على الله، أوَّلاً: من أكْرَمَ أخاه المؤمن فكأنَّما أكْرَمَ ربَّهُ، والمؤمن يغْلب عليه الصلاح والتَّستُّر، ولا يوجد مؤمن في مطلق الكمال ومعْصوم، أنت عَوِّد نفْسَك أن تكْشِفَ الأشْياء الجَيِّدة، وتتغاضى عن الأشْياء السَّلْبِيَّة، هذا خُلُق نبيل جداً، كُلٌّ منا له الإيجابيات والسَّلْبيات، فقد دخل أحد الصحابة إلى المسْجد لِيَلْحق الركْعة مع النبي عليه الصلاة والسلام فأحدَث ضَجَّة، فلما انْتهتْ الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: "زادك الله حِرْصاً ولا تعُدْ"! فَسر هذا الصنيع من الصحابي حِرْصاً منه، لا يوجد إنسان خال من الفضائِل، فاجْعَل هَمَّك كشْفَ الفضائل والإيجابيات المضيئة والبراقة، ذكرتُ لكم قِصَّة لِسيِّدنا عيسى أنَّهُ كان مع الحواريين مروا في الطريق على جيفة نَتِنَة - وأحيانًا الجيفة تكاد تُخْرج المرْء من جلْدِه - فقالوا: ما أنْتَنَ ريحَها! فقال عيسى: بل ما أشَدَّ بياض أسْنانها، بهذه الجيفة المُتَفَسِّخَة التي ملأتْ الأفق برائِحَتِها النَّتِنَة لا تملك شيئاً إيجابياً إلا أسْنانها البيْضاء، وهذه ملاحظة مُهِمَّة للمُرَبِّين، إذا كنت معلِّماً أو أباً أو صاحب مَحَلّ أو مدير مُسْتَشْفى، هؤلاء الذين هم دونك ما لهم ميِّزات؟ هناك شَخْص هَمُّهُ الوحيد البحْث عن العُيوب؛ تأخَّرْت! لكنه أمين ومُتَفَوِّق بِعَمَلِه، فأنت عَوِّد نفْسَك أنْ تكْشِفَ بِكُلِّ إنسانٍ فضائِل وأن تُثْني عليه بها، تجدهُ أحَبَّك وأقْبل عليك، يا معاذ والله إنِّي لأُحِبُّك! نبِيٌّ مُرَسل وسّيِّدُ الأنبياء يقول هذا الكلام، وأنت يا خالد سَيْف من سيوف الله، أبو عُبَيْدة أمين هذه الأُمَّة، لو كان نبِيٌّ بعْدي لكان عمر أو بكْر، وعمر منِّي بِمَكانة السَّمْع والبَصر، أبو بكرٍ ما ساءني قطّ؛ زَوَّجني ابنته وأعْطاني ماله، فاعْرِفوا له ذلك، ما طلَعَتْ شمْسٌ بعد نَبِيٍّ أفْضل من أبي بكْر، معنى ذلك أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان بإمكانه أن يُعَتِّمَ على من حَوْلَهُ لكِنَّهُ ما فعَلَ هذا، ولكنْ أبْرَزهم، فأنت حتى يُحِبُّك الله ويُحِبَّك الناس اِجْعَل هَمَّك كَشْف الفضائِل، وكَشْف الميزات والإيجابيات، فلا يوجد المنعدم منها، إذا كنت معلِّماً وكان عندك طالبٌ مجتهِد له حركةٌ زائِدَة تقول هل: أنا أعْجبني منك اجْتِهادُك، والآخر يتأخَّر فتقول له: أنا مُعْجَبٌ بوَظائِفِك، فأحْياناً الأب تجدهُ دائِماً ينْتَقِدُ أبناءهُ وكأنَّ هذا الابن لا ميِّزَة له طيِّبَة؛ أحد الملوك وكان اسمه ابن عباد ملك من ملوك الأنْدلس وكان شاعِراً فكان يمْشي بِقَصْرِه، وكانت هناك بِرْكَة فَرَسَم عليها الرِّيحُ خطوطاً مُتوازيَة فقال: نسج الرِّيحُ على الماء زرد ![]() ولم يسْتطِع إكْمال البيت، كانت هناك جارِيَة فقالتْ له: يا له دِرْعاً منيعاً لو جَمَد فالْتَفَتَ إليها وأعْجَبَهُ شِعْرُها ولعلَّهُ أعْجَبَهُ جمالها فَتَزَوَّجَها، فأصْبَحَتْ سيِّدَة القصْر، وأكْرَمَها إكْراماً منقَطِعَ النظير، حتى إنَّها مَرَّةً تمَنَّتْ أنْ تعيش حياتَها القديمة فجاءَها بالمِسْك والعَنْبر وجَبَلَهما بماء الوَرْد وقال: هذا هو الطِّين فَدوسي عليه، ثمَّ إنَّ أحد مُلوك شمال إفْريقيا ابن تاشْفين رَدَّ هجمات الإسبان، وأخذ ملوك الأنْدلس واعْتَقَلَهم جميعاً، وأوْدَعَهُم في السِّجْن، فساء حال ابن عباد وافْتَقَر، فَبَعْدَ أن خرج من السِّجْن وأصْبَحَ شخْصاً عادِياً تقول له هذه الزوْجَة التي كانت جارِيَة: ما رأيْتُ منك خيراً قطّ يقول لها: ولا يوْمَ الطِّين! اُنْظر إلى الإجابة، عَوِّدْ نفْسَك أن تذكر الإيجابيات والفضائل، فَعِوَض النقْد اذْكر الإيجابيات، حينها يُحِبُّك أوْلادك وزوْجَتُك، لكنَّ الإنسان يبْحث عن النقائِص والأخْطاء والتقْصير، فالمؤمن يسْعَدُ ويُسْعِدُ إذا وَقَفَ هذا المَوْقِفَ الإيجابي. على الإنسان أن يكشف النواحي الإيجابيّة والفضائِل وينْشُرْها ولا ينْشر الأخْطاء : النبي عليه الصلاة والسلام كان يكْشِف لأصْحابه المَيِّزات، فهذا حاطِب بن بلْتَعَة ارْتَكَب خِيانةً عُظْمى، في أيِّ عَهْدٍ، وفي أيِّ قُطْرٍ، وفي أيِّ نظام، وفي أيِّ بلدٍ وعَصْر عُقوبَتُها الإعْدام، أرْسَل كتاباً إلى قُرَيْش يقول فيه: إنَّ محمَّداً سَيَغْزوكم فَخُذوا حِذْرَكم، وهو من أصْحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فالنبي صلى الله عليه وسلَّم جاءَهُ الوَحْي، ذكر له ما حَدَث، فأرْسَل سيِّدنا عليّ إلى مكانٍ بين مكَّة والمدينة لِجَلْب هذا الكتاب فوجده في رأسْ امْرأةٍ وَضَعَتْهُ في ضَفيرَتِها، قُرِأ الكتاب هكذا: من حاطب بن بَلْتَعَة إلى أهْل قُرَيش إنَّ محمَّداً سَيَغْزوكم فَخُذوا حِذْرَكُم، فأتى به النبي عليه الصلاة والسلام: وقال به: ما هذا يا حاطب! قال والله يا رسول الله ما كَفَرْتُ وما ارْتَدَدْتُ! ولكِنّني أَرَدْتُ به أن يكون لي شأنٍ عند قُرَيْش أحْمي به أهْلي ومالي، ماذا فعل رسول الله؟! سيّدنا عمر قال له: دَعْني أضْرِبُ عُنُقَ هذا المنافق، فقال: لا يا عمر إنَّهُ شَهِدَ بدْراً، لقد كانت لهُ سابِقَة، وهي التي تشْفَعُ له، أَرَأيْتُم الإنصاف، وقال حينها رسول الله: إنِّي صَدَّقْتُهُ فَصَدِّقوه! ولا تقولوا فيه إلا خيراً ![]() قال علماء السيرة نَظَر عمر بن الخطاب إلى الذَّنْب فرآهُ خِيانَةً عُظْمى لكِنَّ النبي نَظَر إلى صاحِب الذَّنْب فرأى هذا الذَّنْب لَحْظَة ضَعْفٍ طارِئة فأنْهَضَهُ، ويَرْوي التاريخ أنَّ هذا الصحابِيّ الجليل صار من المُقَرَّبين إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، والدليل أنَّهُ أرْسَلَهُ مندوباً شَخْصِياً إلى أحد المُلوك، كُنْ هكذا، اكْشِف النواحي الإيجابيّة والفضائِل وانْشُرْها ولا تنْشر الأخْطاء، هذه هي صِفات المؤمن، إذا أردْتُم أنْ يُحِبَّنا الله جميعاً علينا أن نكون كُتْلَة واحِدَة، وأُسْرَة واحِدَة، وهكذا وَصَف النبي صلى الله عليه وسَلَّم المؤمنين فقال: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ الواحد إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )) [ متفق عليه عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ] وكالبُنيان المَرْصوص يَشُدُّ بعضُه بعْضاً، اِبْحث عن نقاط الخير في إخوانك فالذبابة تقع على الشيء المَكْروه أما إذا كان المكان نظيفاً فلا تجد الذباب. من أخَفِّ أنواع الغيبة أن يغضب الإنسان لله فَيَقَعُ في الناس من دون أن يشْعُر: أحْياناً الإنسان، وهذا من أخَفِّ أنواع الغيبة يغْضبُ لله تعالى، ويغار على شَرْع الله فَيَقَعُ في الناس من دون أن يشْعُر. ![]() رُوِي عن عامر بن واثِلَة رضي الله عنه، قال: إنَّ رجلاً مرَّ على قَوْمٍ في حياة النبي عليه الصلاة والسلام فَسَلَّمَ عليهم، فَرَدوا عليه السلام، فلما جاوَزَهُم قال واحِدٌ منهم: يا رسول الله إنَّي لَأُبْغِضُ هذا في الله تعالى! فقال أهْل المَجْلس: لَبِئْس ما قلتَ والله، والله لَنُنَبِّئنَّهُ - أحياناً يكون بين أخوين مشكلة لا يهمُّك أمْرهما، أما إذا كان يهُمُّكَ الأمْر فَكُنْ وسيطاً للخير وأصْلِح بينهما - ثمَّ قالوا: يا فلان، قُمْ فأدْرِكْهُ وأخْبِرْهُ بما قال الرجل عنه، فأدْرَكَهُ رسولهم فأخْبرَهُ، فأتى الرجل رسول الله وقال له: أنا أبْغُضه! وحكى له ما قال فَدَعاهُ النبي وسأله فقال الرجل: لقد قلتُ ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ولِمَ تُبْغِضُهُ؟ فقال: أنا جارهُ، وأنا بِه خبير، والله ما رأيْتُهُ يُصَلي صلاةً قطّ إلا هذه المَكْتوبة، فقال الرجل: سَلْهُ يا رسول الله؛ هل رآني أخَّرْتُها عن وَقْتِها؟ وهل أسَأتُ الوُضوء لها؟ أو الركوع والسجود؟ فسألَهُ فقال:لا، بل يفعل كُلَّ هذا، ثمّ قال له: والله ما رأيْتُهُ يصومُ شهْراً قطّ إلا هذا الشَّهْر الذي يَصُومُه البرّ والفاجِر، فسأله النبي، فقال: سلْهُ يا رسول الله هل رآني قطّ أفْطَرْتُ فيه أو أنْقَصْتُ من حَقِّه شيئاً؟ فسألَهُ فقال: لا، فقال: والله يا رسول الله ما رأيتُهُ يُعْطي سائِلاً ولا مِسْكيناً، ولا شيئاً في سبيل الله إلا هذه الزكاة التي يُؤَدِّيها البرّ والفاجر، فقال: سلْهُ يا رسول الله؛ هل رآني نَقصْتُ منها أو لم أعطها طالِبَها؟ فقال: لا، فقال عليه الصلاة والسلام: قُمْ فَلَعَلَّهُ خيرٌ منك! أحْياناً الإنسان يضعُ نفْسَهُ وَصِياً على الناس وهو لا يشْعر، من أنت؟ إنسانٌ أدَّى الصلوات، وصام رمضان، وحجّ البيت، وأدَّى زكاة ماله، واسْتَقام على أمْره، وبيْتُهُ إسْلامي وكذا عمَلُه، فإذا كنت أنت تُصَلي قِيام الليل، فَهَنيئاً لك، ليس معْنى هذا أنْ تكون أنت هالكٌ وهو ناجٍ، وكذا إنْ تَصَدَّقت فوق الزكاة، لكن لا تتَّهِم الذي أدَّى زكاة مالهِ بالشُّح! لذلك ورد عن النبي الكريم: (( برئ من الشح من أدى زكاة ماله )) [أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ] الابتعاد عن البدع : في الدرْس القادم إن شاء الله ننتَقِل إلى عِلاج الغيبة، ولَكِنَّني سَأَخْتِمُ هذا الدرْس بِقِصَّة سَمِعْتُها هذا اليوم، ولَعَلَّ في رِوايَتِها لكم نفْعاً كبيراً: أحدُ خُطباء دِمَشْق - جزاهم الله عنا كُلَّ خير- روى قِصَّةً من على مِنْبر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فقال: رجُلٌ من أهْل اليسار والغِنى جاء هذا الخطيب شاكِياً فقال له: أنا اِشْتَرَيْتُ هذا الدشّ من أجْل أن أرى الصلاة في الكَعْبَة، يسْهَرُ مع أوْلاده وزَوْجَتِه، يبْدو أثناء تقْليب المَحَطات ظَهَرَ منْظراً مُنْحَطّاً، فالأب لِحِرْصِهِ على أوْلادِه غَيَّرَ المَحَطَّةَ فَوْراً، لكِنَّ ابنهُ حفظ رقْمَ المَحَطَّة، فتابَعَ السَّهْرة حتى انْتَهَت، وتناوَلَ الجميعُ طعامَ العَشاء، وآوَوا إلى فراشِهِم ![]() في البيت الأب والأم والابنتان و الولدان وهم في سِنِّ الشباب، بعد أن آوى الوالدان إلى الفِراش قام الشاب وَقَلَّبَ المحطات حتى وصَل إلى هذه المَحَطَّة، اِسْتَيْقَظ الأب في الليل على أنين، فقام من الفِراش لِيَرى، فإذا بِكُلِ ابن على ابنْتِه! هذا الكلام ذَكَرَهُ صاحِب المُشْكلة، فيا أيها الأخوة الكرام قبل أنْ نشْتري هذه الصُّحون، وقبل أن نقول: نريدُ أن نرى فيها الصلاة في الكَعْبَة، لها آثار خطيرة جداً، قد يمْرضُ الإنسان وهو ليس عار، وقد يفْتَقِر، وقد يسكن في بيتٍ ليس بجيّد، لكن مُصيبةً كَهَذه لا تعْدِلُها مُصيبَة؛ أنْ يزْني ابنُهُ بابْنَتِه! فهذه القِصَّة وَقَعَت وأُلْقِيَت مِن على المِنْبَر، والذي يزيدُ هذه القِصَّة يقيناً أنَّ هذا الذي وَقَعَتْ معه القِصَّة هو الذي حَدّثَ هذا الخطيب بها. أيها الأخوة، إنَّ هذه الصُّحون تعَدُّ أكبر خَطَرٍ يُهَدِّدُ حياتنا، فالذي يُريدُ رِضا الله عز وجل، وأُسْرَة مُتماسِكَة ومُنضبِطَة وطاهِرة فلْيَبْتَعِد عن هذه البِدَع، طوبى لِمَن وَسِعَتْهُ السنَّة ولم تسْتَهْوِهِ البِدْعة، والقَوْل الذي يقال: أريد أن أرى الصلاة في الكعْبة، هذا كلامٌ باطِل، فَهُوَ يريدُ أن يرى هذه المَحَطات لا أن يرى الكَعْبة، والله حَدَّثوني عن رَجُل في الخامسة والسِّتين لا يَدَعُ الصلاة في المَسْجد، فإذا به يشْتري هذا الصَّحْن ويتْرُكُ الصلاة، ويسْهَر إلى الساعة الخامسة، وينامُ ولا يُصلي الفَجْر، فهي تُفَجِّرُ الإنسان، والشيء الآخر أنَّك إنْ كنتَ مِمَّن لَدَيْهِ زَوْجة فابْنُكَ لا زَوْجَة له! وكذا ابنتُك، وقد لا يجد إلا أخْته، وحالة الهيجان غير معْقولة إطْلاقاً، ذَكَرْتُ هذه القِصَّة حتى تكون مَوْعِظَة، قال له: يا رسول الله عِظني ولا تُطِل فقال: (( قل: آمَنْتُ بالله ثم استقم )) [مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ] إذا لم يُعْجِبْك الشَّرْع، فَسَوْفَ تُواجِهُك مُشْكِلات كبيرة جداً، فالإنسان لا يطْمَئِنّ إلا إذا كان في ظِلّ الله، ومتى يكون في ظِلِّه تعالى؟! إذا كان مُسْتقيماً على أمْرِه، فالبيتُ الطاهر الذي يُتْلى فيه القرآن الكريم، وتُطَبَّق فيه السنَّة المُطَهَّرة، وتُقامُ فيه الصلوات الخَمْسة، والأب مع أوْلاده وزَوْجَتِه بالنُّصْح والإرْشاد، فهذا البيْت لا يُقَدَّر بالثَّمَن، سألني إنسان وقال: هل للأجانب هذه الأجْهِزَة؟ فقلتُ: لا! ليس لَدَيْهم ما تقول، وقد ذَكَرْتُ لكم قِصَصاً مُتشابِهَة سابِقاً، وحتى لا يغيبُ على ذِهْنِكم أُجْرِيَت مُقابلة في أمْريكا وتبَيَّن أنَّ كُلّ مئة حادث للزنا يُقابلُهُ ثلاثة وثلاثين حادث زِنا مَحَارِم؛ بين الأخ وأُخْتِه، والأب وابْنَتِه، فأَحَدُ أسْبابِها هذه الإثارة الشديدة. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :علاج الغيبة الاخلاق الاسلامية الدرس : ( السادس ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. حقيقة الإيمان تتمَثَّل في أن من سمع حديثاً عن رسول الله فهو من عِنْد الله : أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الغيبة، وقد وَصَلنا إلى فَصْل جديد من فُصول هذا الموضوع، ألا وهو عِلاج الغيبة. أيها الأخوة، قبل أن نمْضي في الحديث عن عِلاج الغيبة، ينْبغي أن تعْلموا عِلْم اليقين أنَّ حقيقة إيمانك تتمَثَّل في أنَّك إذا سَمِعْتَ حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في الصحاح أو مُتَّفق عليه فَيَنبغي أنْ تعْلم عِلْم يقين أنَّ هذا من عِنْد الله، وأنَّهُ وَحْيٌ يوحى، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول فيما ثبت عن أبي هريرة: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)) [البخاري عن أبي هريرة] ![]() العِرْض مَوْطِن المَدْح والذَمِّ في الإنسان، وقَوْله: فلْيَسْتَحِلَّها أيْ يعْتَذِر، أو يُؤَدي الحقّ، وهذا الحديث وَرَد في الصحاح وهو مُتَّفَقٌ عليه، فحينما تعْتَقِدُ اعْتِقاداً جازِماً كاعْتِقادِكَ بِوُجودِك أنَّ أخاك إن كان لهُ حَقٌّ عندك من مال أو عِرْض إنْ لم تسْتَحِلَّهُ في الدنيا منه بِمُسامَحَة أو أداءٍ فَسَوْفَ يأخُذ من حَسَناتِك يوْم القِيامة، فإن لم تكن لك حَسَنات طَرَح من سيِّئاته، هذا كلامُ النبي عليه الصلاة والسلام، تَصَوَّر شَخْصاً أراد أن يبْني بيْتاً، فاشْتَرى أرْضاً وبَقِيَ في مُعامَلَة الرُّخْصَة سنة، ثمَّ حَفَر الأساس وأنشأ الهَيْكل في سنة ونِصْف، ثمَّ بنى الجُدران وكسا وأنْهاهُ خِلال ثلاث سنوات، تَصَوَّر حال هذا الإنسان إذا جاءهُ رَجُلٌ قَويّ وأخَذ منه البيْتَ كامِلاً! شيءٌ لا يُحْتَمَل، فأنت في الدنيا تفْعل الحَسنات، وتأتي المَسْجد مع أذان الفَجْر، وتُنْفِق من مالك، وتتَعلَّمُ القرآن وتُعَلِّمُه، وتأمرُ بالمَعروف وتنْهى عن المنكر، ثمّ يأتي إنسان تتَحَدَّث عنك بالغيبة فيأخذ كُلَّ هذه الحَسنات هنيئاً مريئاً، هل هذا يُحْتَمل؟! لا، كلام النبي عليه الصلاة والسلام حقّ، ودائِماً وأبداً أُذَكِّركم بِقَول سيِّدنا سعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "ثلاثَةٌ أنا فِيهِنّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس، ما سَمِعْتُ حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى"، عامَّةُ المسلمين ورُواد المساجد وإخواننا الحاضِرون، القَتْل فيهم مُسْتحيل وكذا الزنا والخَمْر، ولكن غير المُسْتحيل الغيبة، فهذه هي المنطقة التي يُمْكن أن يقعَ بها الإنسان. نِعْمَةٌ كُبْرى أنَّ المؤمن المستقيم بعيدٌ كلّ البعْد عن سَفْك الدماء، أو شرب الخمْر، أو الزنا، إلا أنَّهُ قريبٌ كلَّ القرب من الغيبة، فواكِه بعد السَّهرات فلان فعَل وذاك ترك، وهذا يطعنُ بعِلْمه وأخلاقه وإيمانه! لذلك أيها الأخوة هذا الحديث المُتَّفق عليه، وإذا قلنا متَّفق عليه فَهُوَ من أعْلى درجات الحديث على الإطلاق، وحديث رسول الله على الإطْلاق وَحْيٌ يوحى، غير مَتْلو، والوَحْيُ وَحْيان: وَحْيٌ مَتْلو ووحْيٌ غير مَتْلُوٍّ وهو الحديث الصحيح، وهل تُصَدِّقون أنَّ الذي يَرُدَّ حَرْفاً من كلام الله يكْفر، كما أنَّ الذي يَرُدّ حديثاً صحيحاً متواتِراً يكْفر. على الإنسان أن يؤدي ما عليه من دَين : إذاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)) [البخاري عن أبي هريرة] ![]() فإنْ أَخَذْتَ منه مئة ألْف ولم تُؤَدِّها له فهِيَ مظْلَمة، وقد ذَكَرتُ لكم أنَّ النبي صلى الله عليه وسَلَّم هَمَّ لِيُصَلِيَ على أحد أصْحابه المَوْتى فسأل أَعَلَيْهِ دَيْن؟ فقالوا: نعم عليه دِرْهمان، فقال عليه الصلاة والسلام: صَلوا على صاحِبِكم، فقام ابن مسعود وقال: يا رسول الله عليَّ دَيْنُه، حينها صلَّى عليه النبي عليه الصلاة والسلام وتَتِمَّةُ هذه القصَّة أنَّهُ في اليوم التالي سأل النبي ابن مسْعود أدَفَعْتَ الدَّيْن؟! قال: لا، وفي اليوم الثالث: سأل النبي عليه الصلاة والسلام ابن مسْعود أدَفَعْتَ الدَّيْن؟ فقال: لا، سأل النبي عليه الصلاة والسلام ابن مسْعود أدَفَعْتَ الدَّيْن؟ قال: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابْتَرَد جِلْدُه، فاسْتَنْبَط العلماء أنَّ المَيِّت الذي يُضْمَنُ دَيْنُه، لا ينْجو من العذاب بِضَمان الدَّيْن بل بِأداء الدَّيْن، فالإنسان يُقَدِّم المال والبيتْ أما أنْ يُقَدِّمَ حياته فلا أعْتَقِد أنَّ هناك عطاءً على الإطْلاق مثله، والجود بالنَّفْس أقْصى غاية الجود، أحدهم مات شَهيداً فقالوا: يا رسول الله أَيُغْفَرُ للشَّهيدِ كُلُّ الذَّنْب؟ قال: نعم، فجاء جِبْريل فقال: يا محمَّد إلا الدَّيْن! فَطَلَبَ أصْحابهُ وقال: يُغْفَرُ للشَّهيد كُلُّ ذَنْب إلا الدَّيْن. حقوق الله مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة و حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة : أيها الأخوة، هناك وَهْمٌ خطير بين عامَّة المُسْلمين وهو أنَّ الإنسان إذا أدَّى الحجّ سَقَطَت عنه الذنوب، وعاد كَيَوْمَ وَلَدتْهُ أُمُّه، فهذا الكلام صحيح وغير صحيح! ![]() صحيح فيما بينك وبين الله لكِنَّ حقوق العباد لا تسْقط لا بالحج، ولا بالعمْرة، ولا بالشهادة في سبيل الله، حقوق العباد تسْقط بالأداء أو المُسامَحَة، ولا تنْسى أبداً أنَّ حقوق الله مَبْنِيَّةٌ على المُسامَحَة، بينما حُقوق العِباد مَبْنِيَّةٌ على المُشاحَحَة، والله سبحانه وتعالى لا يقْبل نافِلَةً ما لم تُؤَدّ الفريضة! (( ترْكُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام )) [ ورد في الأثر ] (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] (( ...، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟ )) [مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] هذه مُقَدِّمَة، أيها الأخوة، هذا الحديث أساسي، حديث يُعَدُّ أصْلاً في موضوع الغيبة، حاول أن تضْبط لِسانك أُسبوعاً، فترى أن الطريق إلى الله سالك، في أيِّ لَحْظَةٍ تريدُ أن تُصَلي قَلْبُكَ سَيُقْبِلُ على الله، فالكبائر نظيفٌ منها، والحديث عنها مَضْيَعة للوقت، أنا أمام أخوة في المَسْجد؛ الحديث عن القَتْل والزنا وشرب الخَمْر ليس وارِداً عند رُواد المساجد إطلاقاً، لكنَّ الذي يرِد هو ضَبْط اللِّسان. معالجة الغيبة : أيها الأخوة الكرام، كيف تُعالج الغيبة؟! قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، وهو من أبْرع من عالج هذا الموضوع، يُعَدُّ إحْياء علوم الدِّين أوَّل كتاب في عِلْم النَّفْس الإسلامي، وهذا الإمام له جَوْلات في حقيقة النَّفْس وطبيعَتِها، وفي أحْوالها وسُمُوِّها ومعالجَتِها، فهذا الفَصْل مَأخوذ من كُتب الإمام الغزالي، يقول: إنّ مساوئ الأخلاق تُعالج بالعِلْم والعمَل، تتعَلَّم ثمَّ تتَدَرَّب، وبالمناسبة يمكن للإنسان ألا يحْضر مجالس العلم ويكون مُتَلَبِّساً بِألْف مَعْصِيَة ومَعْصِيَة، ويقول لك: أنا لم أفْعَل شيئاً، هناك بعض الأمْراض لا مُؤَشِّرَ لها؛ منها الضَّغْط، ويمكن أن يكون الضَّغْط الأعظم ثمان وعِشرين، النِّظامي اثنا عَشَر، ثمَّ لا تشْعر بِشَيء، اثنان وعشرون معناها خَثرة بالدِّماغ، أو فقْد بَصَر، أو انْسِياخ بالشِّبَكِيَّة، فارتفاع الضّغط خطير جداً، ومع ذلك لا يكون له مُؤَشِّر، فإذا كان ضغط الإنسان مرتفعاً كَيْف يُعالجه إن لم يعْلم به؟ يحْتاج إلى مِقْياس ضَغْط، وكذا مَجْلس العِلم، في الحقيقة مِقْياس الضَّغْط تعْرِفُ به إن كنت مُسْتقيماً أو منْحَرفاً، وهل مالك حلال أو حرام؟ وعملك مُسْتقيم أو غير مُسْتقيم؟ مُحْسِن أو مُسيء؟ الشيء المُدْهِش أنك تجد الناس يرْتَكِبون الكبائر، يأكلون أموالهم بالباطل، وينغَمِسون في المَلذات المُحَرَّمَة، ويُصَلون! ويقول لك: ماذا فَعَلْت؟! كُلُّ الناس هكذا، فَمَجالِسُ العِلْم مُهِمَّتُها تعْريفُك بالنَّفْس، أين أنت من الدِّين؟ أنت مع المُسْتقيمين أو المُقَصِّرين أو مع المُقْتَصِدين أو السابِقين أو مع الظالمين لأنْفسِهم لا سَمَح الله، أين أنت؟! ![]() لذلك العلماء قالوا: أوَّل مَرْحلة في حَلِّ المُشْكلة أن تعْلمَ أنَّها مُشْكِلَة، أحياناً بعض الأوْرام مُعالَجَتُها سَهْلة جداً، إلا أنّ الإنسان لا يعْلم أنَّها وَرَم حتى تَصِل للذرْوة، الآن كم وَصلنا في دروس الغيبة أظنّ خمْسة دروس، وكلها أحاديث، فالإنسان إذا عَلِمَ أنَّهُ سَوْف يتَكَلَّم بالغيبة أو سَيَسْمَعُها و يَقِف هذه بُطولة، ليس من يقْطع الطرق بطلاً إنما من يتَّق الله البَطَل، أحد الساسة الغَرْبيِّين الكِبار الذين ربِحوا الحرْب العالمِيَّة قال كلمة دقيقة جداً: مَلَكْنا العالم - وكانوا يقولون لا تغيب عن هذه المَمْلَكة الشَّمْس - ولم نمْلِك أنْفسنا، أما المُسْلم فقد مَلَك نفْسَه، فالذي يمْلكُ نفْسَهُ هو البَطَل ليس من يقْطع الطرق بطلاً إنما من يتَّق الله البَطَل. ![]() نحن الآن نأخذ رُخَص الغيبة، إذْ هناك غيبة واجِبَة، لكِنَّني لا أحبّ أن أتَوَسَّع بها لكي لا يُساء اسْتِخْدامها، ونحن الآن نبْقى في معالم الغيبة الواضِحة، فحينما تغْتاب زَيْداً يجب أن تعْلم عِلْمَ يقين أنَّ زَيْداً سيأخذ حَسَناتك، وإن لم تكن لك حَسَنات سَيَطْرحُ عليك سيِّئاته! وفي الأحاديث الشريفة الصحيحة حديث آخر لا يقِلّ عن هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) [ مسلم عن أبي هريرة] مُشْكلة المُسْلمين أنَّ إسْلامَهَم شعائِري وليس تعامُلياً : مُشْكلة المُسْلمين أنَّ إسْلامَهَم شعائِري وليس تعامُلياً! فَهُوَ يُصلي ويصوم ويحجّ ويدفع الزكاة وما سِوى ذلك فهو في بَحْبوحَة، يغْتاب، وفي دَخْلِهِ شُبْهة، واخْتِلاط، واحْتِفالات، ونُزهات، وفي بَيْعِهم وشِرائِهم، وتجِدُهُ يُصلي في أوَّل صَفّ، وتعْلمون ما للصَفِّ الأوَّل من فضيلة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا)) [ مالك عن أبي هريرة] ![]() أما في المَطْعم فتجده يبيعُ الخَمْر، مَطْعَم خمْس نُجوم، فإذا قلنا له حرام قال: لا أُبالي، فإذا كان كذلك فلا معْنى لِصَلاته في الصَفِّ الأوّل! وهذا صاحِب مَسْبح مُخْتلط، وأقامَ صاحِبُه مَوْلِداً، ودعا بعض المُتَكَلِّمين وأثْنَوا عليه وعلى فَضْله وتَقْواه وعلى صلاحِهِ والمَسْبح مُخْتَلَط، وأحْياناً يُدْعى الناس إلى عُرْس في بعْض الفنادق، ويُوَزَّع الخَمْر، ويؤتى بالراقِصات، وعلى بِطاقة الدَّعْوى الطَّيِّبون للطَّيِّبات!!! فهذا التناقض المُريع، وهذه المُفارقة الحادَّة، وهذا المجْتمع الإسلامي، إذاً بَقِيَ الدِّين شعائر فقط! عِبادات جَوْفاء لا تُقَدِّم ولا تؤَخِّر، قال تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [ سورة مريم: 59] ما أضاعوا أداءَها بل أضاعوا خُشوعَها، والاسْتِقامة قبْلها، كما لا يخْفى عليكم أنَّ المُسْلمين لَقوا هذا الغَيّ. فإذا سألك إنْسان وقال لك: أحبُّ أن أُزَوِّجَ فلاناً أُخْتي، وأنت تعرف عنه الكَذِب والانحراف، ولا يُصلي، فهذا موضوع ثان، إذْ يجب عليك أن تقول له: إياك أن تُزَوِّجَهُ أُخْتَك فَهُوَ لا يُصَلي ويكْذب ونصاب! وإنسانٌ ينْشر فِكْراً فاسِداً ومُبْتَدِعاً، فإذا سألوك لا تقل: كُلُّ الناس خير وبَرَكَة، هذا كلام دَجَل، قُلْ له: فلان مُنْحَرِفُ العقيدَة ويعْتقِدُ كذا وكذا، فهذه ليْسَت غيبة إطْلاقاً، وفي الدَّرْس القادم إن شاء الله نأتي عليها، أما الإنسان الذي يُصلي وصائِم وكانت عقيدَتُه صحيحة، وكان صاحِب غلَط واسْتَحى به، ويغْلب عليه الحياء والتَّسَتُّر، ولا أحدَ سألك عنه، فهذا لا يجوز لك أن تطْعن به، وهنا المُشْكِلة! تُعالج الغيبة بيقين الإنسان أنَّ حسناته ستتلاشى يوم القِيامة : أيها الأخوة الكرام، إنَّ مساوئ الأخْلاق تُعالج بالعِلْم والعَمَل، ولدينا عِلاج عامّ وعندنا عِلاج خاص، وفي الدَّرْس الماضي ذَكرْتُ بواعِث الغيبة، فَنحن لدينا عِلاج عامّ أوَّلاً وبعد ذلك عِلاج لِكُلِّ باعِث من بواعِث الغيبة ![]() لكن أكْبر عِلاج أن تَخْسَر حَسناتك كُلَّها يوم القِيامة، لك في المَسْجد عَشْر سنوات، وتدْفع زكاة مالِك، وتغضُّ بَصَرَك، وزَوْجَتُك مُحَجَّبة، ودَخْلك حلال، هذه كُلُّها حسنات، فَهَل يُعْقَل أن تُضَيِّعها كُلَّها من أجل سَهْرة تتسَلى فيها بالغيبة؟! قال أحدهم للحَسَن البَصْري: قد اغْتَبْتني، فقال له الحَسن: ومن أنت حتى أغْتابك فأُحَكِّمَكَ في حسناتي يوم القِيامة، لو كُنتُ مُغْتاباً أحداً لاغْتَبْتُ والِدَيّ، أما إذا أخذوا حَسَناتي فهذه قَضِيَّة داخِلِيَّة، طبْعاً إذا لم يكن له حَسنات فَهَذه مُشْكِلة أخرى، فَفَوْق هذه المُشْكلة تأتي لك مُشْكِلة أخْرى، هذه أهَمّ نقْطة بالدَّرْس؛ تُعالج الغيبة بِيَقينِكَ أنَّ حسناتك تتلاشى يوم القِيامة فَكُلُّ من اغْتَبْتهُ يأخذ من حَسناتك، فإن لم تكن لك حسنات يطْرح عليك من سيِّئاته، وتذكروا مَثَلَ البيت الذي أعَدَّ له صاحبه ثلاث سنوات ونِصْف من شِراء الأرض إلى اسْتثمار الرخْصة إلى حفْر الأساس إلى بناء الهَيْكل إلى كِسْوة البيت وإلى تزْيينِه، ثمَّ يأتي إنسان ويأخذه منك عُنْوَةً، بعض البلاد كانت الإقامات فيها صَعْبَة ومَرَّةً صَدَرَ قانون؛ كُلُّ إنسان يمْلِك مَحَلاً يَجب أن يُسجِّله على مُواطن من هذه الدَّوْلة، فأحدهم انْتَقى إنساناً صالِحاً، وسَجَّل باسمِه المَحَلّ، وفي الغَد ذهب فإذا به يجد أنَّ المفتاح تَغَيَّر، وقال له المُسَجَّل باسمه: ليس لديْك شيءٌ عندنا، أربعون أو خمْسون مليون ذَهَبَتْ في ثانِيَة، فهذا يُمْكن أن تُصيبَهُ جَلْطَة، وكذا يوم القيامة تَبحث عن الحَسنات أين هي؟ فلا تَجِدُ شيئاً! لأنَّك كنت مُغْتاباً، ولم تترك واحِداً إلا اغْتَبْتَه. من ذمَّ خَلْق آدَميٍّ فكأنّما يذُمّ خالِقَهُ : الحديث الصحيح الآخر، يقول عليه الصلاة والسلام: (( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس )) [الديلمي في مسن الفردوس عن أنس تصحيح السيوطي: حسن ] ![]() شَرُّ الناس من لَم يكن صالحاً ثمّ يقَعُ في الصالحين، هل أنت كامل؟ الآن نبدأ الكلام على من ذَمَّ خَلْق إنسان، قال عنه: قصير، إذاً هل هو الذي خلق نفْسه؟! العلماء قالوا: من ذَمَّ خَلْقَ آدَمِيٍّ فكأنَّما يذُمّ خالِقَهُ، قال أحدهم لِرَجل: يا قبيح الوَجْه، فقال هذا الرَّجل: ما كان خَلْق وَجْهي إلَيَّ فأُحسِّنَهُ! فأشَدُّ شيء أن تَذُمّ إنساناً بِخَلْقِه، السيِّدَة عائِشَة الطاهرة والمطَهَّرة، والذي كان النبي صلى الله عليه وسلَّم يُحِبُّها، وبنت الصِّديق تكَلَّمَت عن ضرّتها فقالت: قصيرة، فقال عليه الصلاة والسلام: "يا عائِشَة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بِمِياه البَحْر لَمَزَجَتْه!" مياه البحْر تجْري فيها الأنهار، أو تجْري فيها المياه السَّوْداء من كبْرى المُدن، خمسون كيلومتراً خطاً أسود بالبحْر، ومع ذلك البحْر طاهِرٌ ماؤُه في الفقه، فَكُلُّ المُدن الساحِلِيَّة أين تصبُ مياهها؟! في البَحْر، ومع ذلك فهو لا ينْجس أما كلِمَةُ قصيرة فقد قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: "يا عائِشَة! لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بمياه البحْر لأفْسَدَتْهُ!" فهذا السَّبَب الإجْمالي، ولدينا فيه حديث أساسي إنْ اعْتَقَدْتَهُ تماماً حافِظ على حَسَناتِك، وإياك أن تُطْرح عليك سيِّئات غيرك. الفرق بين النصح و الغيبة : أما إن كانت هناك ضرورة ورُخْصة فهذا موضوع ثان، فأحْياناً تكون شائِعَة بين الناس، جاء لإنسان خاطب، فيقول لك: هل تعْطيه ابْنَتَك؟ فتقول: نعم، وتقول: كُلُّ الناس خير وبركة! وحاله شرْب الخَمْر وسارق ومُشاغِب، تدّعي أنك لا تحِبّ أن تغْتاب أحداً! ![]() فهنا لا بدّ من الغيبة، ولا بدّ من إنْقاذ أخيك من الضرر، وإلا أنت آثِم، فالمَصْلحة تقْضي ذلك، ولا تخْشى، وكل هذا في حُدود ضَيِّقَة جداً، فإذا جاءَك من يسْألك عن زَيْد أنَّه خطب أُخْتهُ، وهذا عن عُبيد أن يشاركه في عمله وأنت تعْلم أنَّهُ سارق، حينئذٍ لا تقل: كُلُّ الناس أحْسن منّي، أما إذا قلت: فلان سارق فاحْذر منه فأنت هنا ناصِح ولسْتَ مغْتاباً، إلا أنّ هذا الموضوع ضَيِّق فقد لا تحْتاجه بالشَّهْر إلا مرَّة، وربما بالسَّنة! أما الذي حاله الغيبة في السَّهرات والنزْهات؛ من فلان إلى فلان، سبحان الله الإنسان إذا طلب العِلْم تكون له حقائِق وأفْكار ومعْلومات وأحاديث شريفة وتفْسير آيات ومواقف صحابة تجده يمْلأ بها فراغَهُ، تجده يتكَلَّم عن أسْماء الله الحُسْنى، وعن صفاته، وآياته، وعظمته، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وعن مواقف الصحابة، وسيرتهم، و الأحْكام الفقْهِيَّة. الإكثار من ذكر الله عز وجل : قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [ سورة العصر: 3 ] ![]() التواصي بالحق أحد أرْكان النجاة، فأنت إذا سمِعْتَ آية، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )) [ البخاري عن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] أتمنى على كُلّ أخٍ أن يحمل دَفْتراً صغيراً، يكْتب فيه مثلاً خطب الجمعة، أو باقي الدروس، فإن دُعِيَ للغداء، و تكلم هذا الحديث وهذه الآية، يكون قد جَعَل من نفْسه داعِيَة، أما الكلام الفارغ فهو لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، فالاسْتعانة بِدَفْتر كهذا يُعينك على طاعة الله، والمجْلس الخالي من الغيبة ذِكْرٌ لله، ما ذكرني عبْدي في مَجْلس إلا ذكرته في مَجْلس خير منه، يُثنى عليك أعلى ثناء، ويكون اسمك في أعلى مَجْلس، ويتكلَّم الناس في شمائِلك وحالك عادي جداً، فعلى الإنسان أن يُكثِر من ذِكْر الله، قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي ﴾ [ سورة البقرة: 152 ] في بعض البلاد هناك لَوْحات: لا تنْسى ذِكْر الله، هذا شيءٌ جميل، ذِكْر الله شِفاء للقلب، قال تعالى: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [ سورة الرعد: 28] بواعث الغيبة : 1 ـ تشفي الغيظ : "وقال: إنَّ القلوب لتصْدأ، قيل: وما صدؤها يا رسول الله؟ قال: ذكر الله " أوَّل باعِث للغيبة هو الغَضَب، فَغَضَبُك من زَيْدٍ، تريدُ أن تشْفِيَ غليلك منه بِأن تغْتابهُ، فعَنْ سَهْلِ ابْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ![]() ((مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ )) [ الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ] فإذا تَكَلَّمَ عليك امْرؤٌ أشياء قبيحَة وأنت تعْلم عنه أموراً قبيحَة جداً، ثمَّ سَكَتَّ عند ذِكْره فهذه بُطولة، قال: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ )) [ الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ ] وفي بعض الأحاديث القدْسِيَّة: "ابن آدم اُذكرني حين تَغْضب أذْكرك حين أغْضَبك"، إذا غَضِبَ الله كان الأمر عظيماً، سُئِل تَيْمورلنك: من أنت؟ فقال: أنا غَضْبَ الربّ! لماذا سُمِّيَ بُرْج الروس؟ خمسون ألف رأسٍ قُطِعَت وجُمِعَت ومُثِّلَت كَبُرْج!! هذه هي سبب التَّسْمِيَّة، فإذا غَضِبَ الإنسان فَعَلْيه أن يكْظِمَ غَيْظه، حتى إذا غَضِبَ الله من الخلائق نَجاه. 2 ـ مُوافقة الأقْران : الباعث الثاني مُوافَقَة الأقْران ومُجاراتهم، فهل رِضاءُ أقْرانك ومُداراتِهم أغْلى عليك من إرْضاء الله عز وجل؟ فإذا اغْتاب المرْء مُدَّعِياً أنّ الجميع يغْتاب فهذه اسمها مُجاراة الأقران، فهل يُعْقل أن يكون حياؤك من حولك أشدّ من حيائِك من الله؟! وإرْضاء من حوْلك أكبر من إرضاء الله؟! إذاً أنت لسْت مؤمناً. 3 ـ البدء بِمَن له عَلَيْك حقّ : أما تنْزيهُ النَّفْس بِنِسْبة الخيانة إلى الغيْر، فأحياناً يرْفع المرْء أمْر الغيبة عن نفسه على أنْقاض الآخرين، فَمَثلاً على مُسْتوى طبيب تزوره يقول لك: أيُّهم وَصَفَ لك هذا الدواء؟ يبْني مكانته على أنْقاض زُمَلائِه، وهكذا إن كان مُحامِياً، أو تاجِراً، تجده يقول لك: من قال لك هذه أصْلِيَّة؟ ![]() هو الذي قال لك هذه أصْلِيَّة، لقد غَشَّك! فهو بِهذا عَرَّضَ نفْسه لِسَخَطِ الله ، أنت عَلَوْتَ بِنَظَر السُّذج إلا أنَّك سقطْت من نظر الله، فهذا هو الباعث الثالث، الباعث الأوَّل إمْضاء الغضب، والثاني مُوافقة الأقْران و الله أحقّ أن تسْتحي منه وأن تُرْضِيَهُ، والثالث: أن ترْفع نفْسك على أنْقاض الآخرين، ولأَن تسْقط من عَيْن الله أهْون من أن تسْقط من السماء إلى الأرض، قال تعالى: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾ [ سورة الكهف: 105] وقال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ [ سورة المطففين: 15] لهم صغارٌ عند الله، أحْياناً تُوَجَّه إليك تُهْمة، فتقول: فلان وفلان قد فعلها! فهل إذا فعل فلان من الناس شيئاً تتَّبِعُه؟ اِتِّساع رُقْعة المَعْصِيَة هل ينْفي كوْنها معْصِيَة؟! أكثر النساء الآن تقول لك: هكذا الموضة! فإذا كان أكثر النساء يرْتدينَ ثِياباً فاضِحَة، وساروا فيها بالطرقات، هل ينْفي كوْنها معْصِيَة؟ مهما اتَّسَعتْ رُقْعتها تَظَلّ كذلك، وهل هؤلاء قُدْوة ومُشَرِّعون؟ تجده ساقطاً وعاصياً، فَهُوَ حتى يُدافع عن نفْسه يقول: فلان فعل هكذا! وتقول له: هذه العلاقة رَبَويَّة، يقول لك: فلان يُصلي بِأوَّل صف ويفعل هذا! يذْكر قوائِم بِأسْماء العُصاة فَهُوَ اغْتابَهم ولا يشْعر بِحالهِ. 4 ـ أن يُنْسَب للإنسان شيء زوراً وافْتِراءً : أحْياناً يُباهي الإنسان بِحالهِ عن طريق المُوازنة، أنا فعلْت وفلان لم يفْعل، وأنا عملتُ وفلان لم يعْمل، يقول أحد الأدباء كلمة: رقصت الفضيلة تيــها ً بفضلها فانكشفت عورتها *** ![]() عندما تقول: أنا فعلْتُ والناس مُقَصِّرون وضائِعون، وأنا لسْتُ غافِلاً، ولسْتُ ضائِعاً، فعندما تحْكم على الناس وكأنَّك وَصِيّ عليهم، وتبرئ نفْسَك، فهذا عَيْنُ النَّقْص، مدَحوا سيّدنا الصديق فماذا قال؟ قال قَوْلاً يأخذ بالألْباب: اللهمّ أنت أعْلم بِنَفْسي منِّي، وأنا أعلم بِنَفْسي منهم، اللَّهم اجْعلني خيراً مما يقولون، واغْفر لي ما لا يعْلمون، ولا تؤاخِذْني بما يقولون، هذا كلامه رضي الله عنه، فلانٌ من الناس قال لك: أنت جيِّد فَقُل: اللهمّ اجْعلني عند حسْن ظَنِّك وهذا فضْل الله، تواضَع: فانْظر إلى الأكحال وهي حِجارة لانتْ فصار مَقَرُّها في الأعْيُنِ *** الكُحْل حَجَر مطْحون، أينْ يَضَعوه؟! بالعُيون، لأنَّهُ لَيِّن، قال أحدهم للآخر: ما تفْسير هذه الآية: فحكى له تفْسيراً رائِعاً سَمِعَهُ، فقال زِدْني فقال له: هذا فوق مُسْتواك فظاظات ورُعونات وكِبْر لا يُحْتَمَل. 5 ـ الحسد : أما الذي يَغْتابُ بِدافِعِ الحَسَد فقد وَقَع في مَعْصِيَتَيْن؛ مَعْصِيَة الغيبة ومَعْصِيَة الحسد وهي مُرَكَّبَة، يقولون: معه قَرْحَة وجَلْطة! فأدْوِيَة القَرْحة تضرّ القلب، وأدْوِيَة الجَلْطة تضرّ المَعِدَة، غيبة على حسد: قل لِمَن بات لي حاسِداً أَتَدْري على مَن أسأْتَ الأدب؟ أسأْتَ على الله في فِعْله إذْ لم تَرْضَ لِما وَهَــــب *** هناك كلمات يتداولها العامَّة وهي كُفْر، يقولون: الله يُطْعم من لا أسنان له، فهذا معْناه أنَّ الله تعالى ليْس حكيماً، أحدهم له زَوْجة تَوَفَّتْ وكان لها أخْت أكبر منها باثنتي عشرة سنة، فقال أحدهم: لو أنَّهُ أخذ تِلْك! فالإنسان الذي يَعْترِض على قضاء الله عز وجل وقَدَرِه جاهِل لا يعْرف شيئاً، كُلُّ شيءٍ وقع أراده الله، وكُلُّ شيء أراده الله وقع، وإرادة الله عز وجل مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المُطْلقة، وحِكْمَتُه المُطْلقة مُتَعَلِّقَة بالخير المُطْلق، أحد المرات كنت راكباً بسيارة عامَّة كان مكْتوباً فيها: ملك الملوك إذا وهب فلا تسألَنَّ عن السَّبب *** فقلتُ هذا غلط، والصواب: ملك الملوك إذا وهب قُمْ فَاسْألَنَّ عن السَّـبب الله يُعْطي مـن يشاء فَقِـفْ على حَـدِّ الأَدَب *** ![]() فالذي أعْطاهُ يُعْطيك، كُلُّكم من آدم، وآدم من تُراب، والله ذو الفضْل العظيم، إذا كانت هناك وظيفة وأخذها إنسان انتهى الأمر، هذا عند البشر أما عند خالق البشر ففضْلُهُ واسِع، يمكن أن يكون كُلَّ واحِدٍ منكم من أكبر المؤمنين، فالله موجود، وإله الصحابة هو إلهنا، وكُلُّ عَصْر فيه أبواب الخير والعمل الصالح والدَّعْوة، فالله تعالى فضْله واسِع، وأحياناً تجد من له ضَعْف في عقْله وأكثر شيء المُعَلِّمين إن كان الطالب ضعيفاً تجد المُعَلِّم يتكلَّم معه كلمات قبيحة جداً، يُحَطِّمُه لِعِشْرين سنة قادِمَة ![]() والله هناك أطفال مساكين مَحْدودو التَّفْكير، من بين خمسين طالباً تجد المُعَلِّم يُوَبِّخُه ويُقَبِّحُه، فإذا بهذا الطِّفْل يبْقى خمساً وعشرين سنة مُعَقَّداً بالعِلْم، أما المُعَلِّم الحكيم والمؤمن الرحيم إن وجد طالباً ضعيفاً بالرياضيات يُعْطيهِ سؤالاً سهْلاً جداً يُجيبُ عنه: فيقول: بارك الله بك، أنت جَيِّد، ويَرْقى به دَرَجَة درجة، فلو فرضْنا أنَّك أب وسألك ابنك سؤالاً سخيفاً وكان أمام إخْوته، فَضَحِكْت من هذا السؤال وأمْضَيْتَ السَّهْرة بالتَّهَكم فهل تعرف أنَّ ابنك هذا لن يسْألك ولا سؤالاً بِحَياتك، قَطَعْتَ العلاقة العِلْمِيَّة بينك وبينه، إنْ كُنْتَ مُرَبِّياً فِعْلاً مهما كان السؤال سَخيفاً تُجيبُ عنه باهْتِمام، يا بُنيّ ليس العارُ أن تجْهل إنما العار أن تبْقى جاهِلاً، فَكُلُّنا وُلِدْنا على الجَهْل، وليس العار أن تخطئ إنما العار أن تبْقى مُخْطِئاً، شَجِّع الناس لِسُؤالك ولا تسْخر منهم، ولا تُحَطِّم الجاهل، ولا تُصَغِّرْه أمام الناس، فقد قال النبي: "لا تُحَمِّروا الوُجوه"، أحياناً تسأل فلاناً سؤالاً فَيَرْتَبك، والمَوْقف أن تُجيبَ عنه مُباشَرَةً أنت حتى لا تُرْبِكْهُ، أرَدْتَ أن تُخْزِيَهُ أمام الناس فَخَزيتَ أمام الله. 6 ـ الغضب : أما إن ادَّعَيْتَ أنَّك غَضِبْتَ، واغْتَبْتَ زَيْداً أو عُبَيْداً، فما عند الله لا يُنال بِمَعْصِيَّتِه، والله لا يُتَقَرَّب إليه بالمَعْصِيَة، إنما بالطاعة، يمكن أن تنْصَحَهُ أمام الملأ فلا يجوز هذا، إذا أرَدْتَ النُّصْح لله ![]() فلْيَكن على انْفِراد أما في العَلَن فهو فضيحة، وبالمناسبة قالوا: إن كان أحدهم حديثَ عهْدٍ بالإسلام، فَهُوَ لا يعْرف المئات من القضايا المُحَرَّمَة، فالواجب مع هذا الشَّخْص عدم مُضايَقَتِه إنما الاتِّساع معه، ويُسْتعمل معه أسلوب التَدَرُّج وإلا حَطَّمْتَه، قال أحدهم: أسْلم خمْسَةٌ من المُراهِقين فأخذهم مُباشَرَةً عند المُطَهِّر كي يخْتَتِنوا!! فهذا ما وَجد في الإسلام إلا التَّطْهير. قال: إنّ الغضب لله تعالى لا يُجيزُ لك أن تغْتاب أحداً، وأحْياناً التَّعَجُّب كأن تعْجب كيف فعل فُلانٌ كذا؟!! كذلك هذا التعجُّب يوقِع في المَعْصِيَة فلولا هذا التعجّب لما كانت هذه المَعْصِيَة، هذه معالجة بواعث الغيبة، أما أكبر ما يمْنعُك من الغيبة أن توقِن أنّ الذي سَتَغْتابُه سيَأخذ جميعَ حسناتك، إما أن تُطْرح عليك السيِّئات أو تؤخذ منك الحسنات إذا اغْتَبْت المؤمنين، أما غَيبةُ الفاجر فهذا موضوع ثان، فالذي يتَحَدَّث عن نفْسه بِكُلّ ما فعل من المعاصي فهذا موضوع ثان، وفي الدَّرْس القادم نتحَدَّث عن هذا الصِّنْف. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :تحريم الغيبة بالقلبالاخلاق الاسلامية الدرس : ( السابع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. الفرق بين سوء الظنّ وبين الظنّ الذي أُمِرْنا أنْ نظُنَّهُ : أيها الأخوة المؤمنون، لازلنا في موضوع الغيبة، ونحن في الدرس السادس ولعلَّهُ الأخير، وفقرة اليوم هي تحْريم الغيبة بالقلب. قال العلماء: إنَّ سوء الظنّ حرام مثل سوء القَوْل، فما الذي يُفَرِّق بين سوء الظنّ وبين الظنّ الذي أُمِرْنا أنْ نظُنَّهُ؟ ورد أن: الحزم سوء الظن وسوء الظن عِصْمة: (( احترسوا من الناس بسوء الظن )) [الطبراني عن أنس بن مالك] فكيف نُوَفِّق بين الذي ورد عنه صلى الله عليه وسلَّم وبين أنَّ غيبة القلب هي سوء الظنّ؟ العلماء فَرَّقوا تفْريقاً دقيقاً؛ إذا كان ليس هناك دليل إطْلاقاً فهذا سوء الظنّ المُحَرَّم، أما إذا كان هناك دليل فهذا سوء الظنّ الذي أُمِرْتَ به، أحياناً يتهَرَّب منك إنسان كي يُوَقِّع لك إيصال، وعَقْد، وعقْد بالمَحْكمة لماذا؟ لأنَّه أصْبح هناك دليل على سوء نِيَّتِه، فَسُوء ظَنِّكَ به أصبح مقْبولاً، سوء الظنّ عِصْمة، اِحْتَرِس من الناس من سوء الظنّ من الذي لا تعْرفه إطْلاقاً، أما إذا كان هناك معرفة ودليل مُريب فإنَّ هذا الدليل أخرج الظنّ من السوء، أما إذا انعَدَمَ الدليل وكانت هناك معْرفة ووُضوح ثمَّ تُسيء الظنّ به فهذه غيبة القلب، فكأنَّما الله تعالى حَرَّمَ عليك أنْ تُحدِّثَ غيرك بِلِسانك عن مساوئ الغير، حَرَّمَ عليك أنْ تُحَدِث نفْسك عن مساوئ أخيك، والدليل القرآني قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ [ سورة الحجرات: 12 ] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ )) [ البخاري عن أبي هريرة ] أخطر شيء أن يتخذ الإنسان قراراً متسرعاً من دون تحقق : ![]() لكن أقول لك هذا القول: إذا كان لك أخ صديق ومُحِبّ وطاهر ونقيّ وتقِيّ تعْرِفُهُ معْرِفَةً يقينِيَّة، وتعْرِفُ مداخله ومخارجه، وتعْرف البئر، وما تحت البئر، ثمّ جاءك رجل مُفْتر وفاسق وقال لك عنه كذا وكذا؛ كلاماً سيِّئاً، فأنت كلام هذا الفاسق لم يُحَرِّك شَعْرَةً في جَسَدِك، دون أن تسْتَوْضِح وتتأكَّد، لكن لو أنَّ كلام إنسان بِحَقِّ إنسان غيَّرَ قلْبَك فإذا لقِيتَهُ كان سلامُكَ جافاً، وكنت تزوره كُلَّ أسبوعٍ فَقَطَعْتَهُ لأنَّ فلاناً وفلاناً تَكَلَّمَ عنه كذا وكذا فأنت الآن وَقَعْتَ في إثْم، ما هذا الإثم؟! أنَّهُ قيل لك عن أخيك ولم تتَحَقَّق، لذلك ورد عن عَلِيٍّ رضي الله عنه: "لا أصْرِمُ أخاً قبل أن أُعاتِبَهُ" ولِقَول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [ سورة الحجرات: 6 ] البيان يطْرد الشيطان : الموضوع شَطْران: غيبةُ القلب أن تُسيء الظنّ بِأخيك، فإذا كان هناك دليل كان هناك تحقيق، أما إذا انْعَدَم الدليل أصبح سوء ظنّ وحتى لو كان هناك دليل، فهناك عند المناطقة دليل غير كاف فإذا كان كذلك فَيَجِبُ عليك أن تتحَقَّق، لو وعَدَك إنسان بِشَيء ولم يُنَفِّذْهُ فهل إخْلاف الوعْد كاف للطَّعْن به؟ قد يكون هناك أمْر قاهر، وحادث بالبيت خطير، فعَدَمُ حُضورهِ في الوقْت غير المناسب غير كاف وليس معنى ذلك أنَّهُ مُخْلِفٌ لِلوَعْد، إلى أن تسْأله. مَرَّةً زُرْت أخاً كريماً، فَتَوَضَّأت عنده فأعطاني بِشْكير مكتوب عليه اسم الفندق ماذا يخْطر بِبالك؟ وكيف وصَل إليه؟ بَقِيَ هذا في قلبي مُدَّة إلى أن قال لي أحد الأخوة الكرام هذه الفنادق تُقَدِّمُ كُلَّ ما عندها من مناشِف وبشاكير لِمُوَظَّفيها كُلَّ عام؛ وهو يعْمل في الفندق، إذاً هذا الذي قَدَّمَ لي هذا البشْكير ألا ينبغي أن يقول لي هذا الكلام؟ لئلا يجعلني أُسيء الظنّ به، الأمر دقيق جداً، فالبيان يطْرد الشيطان، فكما أنَّهُ مُحَرَّمٌ أن تغتاب، مُحَرَّمٌ أن تحمِلَ الناس على أن يغْتابوك، رَحِمَ الله عبْداً جَبَّ الغيبة عن نفسِه. وأصْل هذا قَوْل النبي عليه الصلاة والسلام لِصَحابِيَيْن مرَّا به وكانت معه صَفِيَّة وهو سيِّد الخلق وحبيب الخلق: (( عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ وَقُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ قَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ فَخَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا أَوْ قَالَ شَرًّا )) [ أبو داود عَنْ صَفِيَّةَ ] وَضِّح دائِماً الأمر الذي أنت عليه، فإذا كنت في مَحَلٍّ تِجاري وجاءَتْك أُخْتك، طبْعاً أهْلاً وسَهْلاً فإذا كان معك أخٌ بَيِّن له من هي، وإلا أنت آثِم، مما تجْعله يُسيء الظنّ بك. تحريم وضع الناس في المواقف الحرجة : الآن موضوع ثان؛ كما أنَّه مُحرَّم عليك أن تغْتاب فَهُوَ مُحَرَّمٌ عليك أن تجعل الناس في مَوْقِف الحرج، مُحَرَّمٌ أن تضع نفْسك موْضِعَ التُّهْمة، والنبي قال: "الجهالة تُفْضي إلى المنازعَة"، إنسان عنده جار يبيع غُرَف نوم، فقال له: غرفة النوم هذه لي، فَبَعَثَ له بها، بَعَثَ له خمْسة آلاف أوَّل أسبوع وعشرة آلاف ثاني أسبوع، إلى أن وصل المبْلغ إلى سبعين ألفاً، فقال له صاحبها: هذه سعرها مئة وسبعون ألفاً! فقال له الجار لِمَ لمْ تقُل لي؟! فقال له: ما سألتني! وهذا كان بقِطار فطلب من أحدهم الجُلوس مكان حقيبة فَرَفَض الجالس بإصْرار ثمَّ جاء مُنَظِّم القِطار ووصل الأمْر إلى توْقيف القطار، ثمَّ لما سألوا عن الحقيبة لِمَن هي فأجابهم إنسان كان جالس أمامه فقال: هي لي! فقالوا له: لمَ لمْ تَقُل؟ فقال: ما سألتموني، فعلى الإنسان أن يكون دقيقاً فالبيان يطْرد الشيطان . ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ قَالَ قَتَادَةُ إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ )) [ ابن ماجه عن أَبِي هُرَيْرَةَ] هذه رُخْصة من الله تعالى فَخَواطِرُك كُلُّها مَعْفُوٌّ عنها، أما إنْ تَكَلَّمْت أو تَحَرَّكْت فَكُلُّ هذا مُسَجَّل، فقبل هذا كُلُّ شيء مَعْفُوٌّ عنه، لكن لي نصيحة لِمَن تَرِد على نفْسه خواطر قبيحة إنْ لم يقْمَعْها رُبَّما تَحَوَّلَت إلى كلامٍ أو فِعْلٍ، لكن هذه الخواطر إن رضيتَ بها وتابَعْتَ الحديث معها ربَّما انْقَلَبت إلى عمل، أو إلى كلام. التَجَسُّس من ثمرات سوء الظنّ : ![]() ومن ثمرات سوء الظنّ التَجَسُّس، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [ سورة الحجرات: 12] وفي اللُّغَة العربيَّة التَجَسُّس تتَبُّع الأخْبار السيِّئة بينما التَحَسُّس تتبُّع الأخبار الطيِّبَة، قال تعالى: ﴿ يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾ [ سورة يوسف: 87 ] فإذا وقَعْت مع إنسان في سوء ظنّ لا تتَحَقَّق من طُرق مُلْتَوِية، اِذْهب إليه مُباشرَةً وقُل له: بلغني كذا وكذا، فما حقيقة الأمر؟ فالطُّرق المُستقيمة هي أقْصر الطُّرق، أما غيرها فتُسَبِّب العداوات، وتُخَرِّب العلاقات. الأسباب المُبيحة للغيبة : الآن ننتقل إلى موضوع في الغيبة مُهِمّ جداً، ألا وهو الأسباب المُبيحة للغيبة، ولكن الذي أتمناه ألا تكون هذه الأسباب مَطَّاطِيَّة، فهذه الأسباب إذا مَطَطْتها يُمكن أن تُغطي كُلَّ أنواع الغيبة، مُدَّعِياً أنَّك تُهاجِم مُبْتدِعاً، فانتَبِهوا فإنَّ هذه الرُّخَص وهذه الأسباب ينبغي أن تأخذوا بها بِحَذَرٍ شديد، وقد وردت في أُصول الفِقْه؛ الضرورة تُقَدَّر بِقَدَرِها فإذا كان الإنسانُ ماشِياً بالصحْراء وقد غلب عليه أنَّهُ مَيِّتٌ جوعاً لا مَحَالة، فإذا كانت خمْسَ لقْيمات تَسُدّ رَمَقَهُ، وتبعده عن الموت فلا يجوز أن يأكل سِتّ؛ وهذا الطبيب مُباحٌ له أن يرى جِسْم المرأة؛ هذا صحيح ولكن مُباحٌ له أن يرى مَوْضِعَ العِلَّة فقط، يأتي بِرِداء كبير فيه فَتْحة ويَضَعُها على المريضة، ثمَّ يسأل أين الألم؟ فليس له الحق أن ينظر إلى مكانٍ آخر؛ الضرورة تُقَدَّر بِقَدَرِها. قال: إنَّ الغيبة وإن كانت مُحَرَّمَة فإنَّها تُباحُ في أحْوالٍ للمَصْلحة العامَّة، كُلُّكم يعْلم أنَّ الشريعةُ مصْلحةٌ كُلُّها، ورحْمةٌ، وعدْل، فَمَصْلَحَةُ عامَّةِ المُسْلمين مُقَدَّمَة على مصْلحة الأفْراد، لِذلك الفقهاء اسْتِناداً إلى أدِلَّة قطْعِيَّة أجازوا سِتَّ حالاتٍ للغيبة. 1 ـ التَظَلُّم إذْ يجوز للمَظْلوم أن يتَظَلَّم للقاضي : ![]() أوَّلُ شيء قال: يجوز التَظَلُّم في باب التظَلُّم، إذْ يجوز للمَظْلوم أن يتَظَلَّم للقاضي، فإذا سألك القاضي ماذا فعل لك؟ لا تقل له: أخافُ أن أغْتَابَهُ!! اغْتِصب بيْتك، أكل مالك، فالُتَظَلِّم يجوز له أن يتَظَلَّم للقاضي ممَّن له وِلايةٌ، وله قُدْرةٌ على إنْصافِهِ، إلا أنَّهُ لا تتَكلَّم في موضوع الظُّلم إلا لِمَن له السلْطة كالقاضي مَثَلاً، فيقول: فلان ظَلَمني وفعل بي كذا وكذا أو نحو ذلك، أحْياناً يُظْلَمُ الإنسان فإذا به قد أقام إذاعة على ما حَدَث له، لا يتْرك واحداً إلا ويحكي له، هناك فَرْق بين التَظَلُّم وبين التَّشْهير ! فرْقٌ بين أن تقول فلان ظَلَمني وبين أن تفْضَحَهُ بين الناس. 2 ـ الاستعانة على تغْيير مُنْكر : الشيء الثاني: أن تسْتعين على تغْيير مُنْكر، أحْياناً إنسان بِمَكان مُعَيَّن يُسيء إساءة مُعَيَّنة، فإذا سَكَتَّ فالإساءة في اسْتِمرار، ومُتنامِيَة، ومُتفاقمَة، وتُؤْدي جميع المُسْلمين، فأنت إنْ ذَهَبْت لِمَن بِيَدِه تقْويمُه وقلتَ له: فلان يفعل مع الناس كذا وكذا، والله جاءَتني رِسالة من أُخْتٍ كريمة: أنَّ طبيباً في بلَدٍ عربي أنَّهُ اشْتُهِرَ عنه أنَّهُ مُتَفَوِّق في مُعالجَةِ العُقْم عند النِّساء، ثمَّ تَبَيَّن أنَّ هذا الطبيب إذا أيْقَنَ أنَّ العِلَّة من الزَّوْجة فإنَّهُ يقوم بالاعتِداء عليها، فجاءَتْني ورقة، وهذا أمْرٌ مما ينْبغي أنْ نعْرِفَهُ، أحْياناً تكون امْرأة طاهِرَة وتذْهب من بلَدٍ إلى بلدٍ كي تُعالِج نفْسَها عند طبيب مُخْتَصّ بالعُقْم، فإذا هو يسْتخْدِم الفاحِشَة من أجل أن تلِد، ويظنّ الزَّوْج أنَّ هذا الابن منه، إنْسانٌ مثل هذا ينبغي أنْ يُشَهَّرُ به ويُذْكَر اسمهُ، لأنَّ هذه جريمة، وبالمناسبة المجالس بالأمانة إلا مجْلِساً انتُهِكَت فيهِ حُرْمة الله عز وجل؛ مَجْلس فيه انتِهاك للأعراض والأموال والدِّماء فهذا المَجْلس لا أمانة فيه، وينبغي أن تنْقل لِمَن بِيَدِه الأمْر ما قيل في هذا المجْلس، إذاً الأمْر الثاني الاسْتِعانة على تغْيير المُنْكر فإذا كان المنْكر مُتفاقِماً فيجب التبْليغ، أحْياناً تجد معْمَلاً يضَعُ مواد سيِّئَة أصْبِغَة بِلاط لِسَكاكِر، إذْ الأصْبِغَة الغِذائِيَّة مُنْعَدِمة!! وأحْياناً يوضَع في هذه اللُّحوم المُصَنَّعَة أشْياء مُحَرَّمة، فإن عَلِمْتَ بِهذا وجب عليك التبْليغ، وهذا شيء لا علاقة له بالغيبة إطْلاقاً، مَصْلَحَةُ المُسْلمين مُقَدَّمَة على مصْلحة فرْد مُنحرِف، وهناك أشخاص أينما وجدوا خروفاً ميِّتاً من يوم يَفْرُمونه ثمَّ يجْعلونه صَفائِح للأكْل، فإذا عَلِمْت وجب التبْليغ. ![]() أحدُ أخْواننا قال لي: هناك معامِل للطحينة يَضَعون مواد خطرة جِداً من أجلْ أن يَبْيَضَّ لونها، فإذا ابْيَضَّ زاد سِعْرُها! فهذه الأمور لا غيبة فيها على الإطلاق، صِحَة المُسلمين أمانة في أعْناق كُلّ مسلم، وهذه المواد الحافِظَة تحوي مادَّة اسمها بنزوات الصُّوديوم مَسْموحٌ بها واحد بالألف، يَضَعون أحياناً خمسة بالألف اِحْتِياطاً كي إذا رُدَّت تُباع، وهناك مواد مُخَرْشِنَة، ومواد لها تراكمات في الجِسْم، فإذا الواحد لم يَخَفِ الله عز وجل فعل العجيب! فالبند الثاني الاستِعانة على تغْيير المنكر، ومن باب الإنْصاف أصبح لدينا جِهات رَسْمِيَّة لها مُواصَفات دقيقة للصناعات، فأيّ عَيِّنَة مُخالفة لهذه المواصفات فهذا المَحَلّ يُخْتَم بالشَّمْع الأحْمر، ويُشَهَّر بالجريدة، فَصِحَّةُ المسلمين أمانة في يَدِ المَسؤولين، فهذه الجِهَة القائِمَة بالتَّشْهير بِهؤلاء ليْست مُرتكبة للغيبة إنما الواجب. في بلَدٍ عربي لا أذكر اسْمه، اشْترى تاجِر لُحوماً لا تُطْعَم إلا للكلاب، جمع كلاباً وقِططاً ووضَعَها بآلة بِجِلْدها وشَعْرها ورَوْثِها، ثمَّ وضعها في عُلب بلغني - وهي فضيحة لهذا البلد العربي - أنَّ هذا الجاهل اسْتَوْرد البضاعة وغيَّرَ اللُّصاقة ووضَعَها للبشر! فلابدّ على الإنسان أن يكون يَقِظاً، ودقيقاً، فإذا كان كُلُّ مواطن كذلك فالباطل يضيق، طبْعاً وِفْق الشرْع والقانون والأصول، فأنت لا تسْمح لأيٍّ كان أن يُخَرِب الآخرين، فالإبلاغ بهذا الصِّنْف ليس غيبة، وليس ذنباً، إنما النصيحة والأمانة، إذْ هناك مفهوم ساذج؛ دَعْني وشأنهم، أنا لا أحبُّ أنْ أؤذي أحداً. 3 ـ الاسْتِفتاء : ![]() الشيء الثالث: الاسْتِفتاء، فالمُستفْتي ينبغي أن يسأل المُفْتي عن كل حالةٍ، فلان يفعل معي كذا وكذا، وهذا اغتَصَب مَحَلي التِّجاري، وذاك منَعَني من حقِّي، فإذا كان هذا ظلماً صار الأمر دَعْوى، أما إذا كان فَتْوى فصار اسْتفْتاءً، لكنّ الإمام النووي رحمه الله فَضَّل أن تقول: يا سيِّدنا المُفْتي ما تقول في رَجُلٍ اغْتَصَب داراً ليْسَت له؟ فالقاضي غير المُفْتي، فالقاضي يجب أن يُصدِر حُكماً في ادِّعاء شَخْصي واسم وخانة وَهَوِيَّة ومَحْضر، لكن المُفْتي لا علاقة له بِمَعْرِفَة الأسْماء، لذلك أكْمَلُ فَتْوى أن تقول: ما تقول فيمن فَعَلَ كذا وكذا؟ وهناك نقطة ثانية وهي أنَّ الإنسان إذا ارْتَكَبَ حماقة في بيْتِه، وحلف بالطلاق لأسباب تافِهَة، فهل لازمٌ عليه أن يفْضح نفْسهُ أمام المُفْتي؟ له أن يقول: لي صديقٌ فَعَلَ كذا وكذا، ما تقول في هذه المسألة يا سيِّدي؟ فالله تعالى يُحِبُّ السِّتْر، وكذا إذا غلط الإنسان فما عليه أنْ يفْضحَ نفْسه فلك أن تسأل المُفْتي من دون ذِكْر الأسْماء، لكِنَّ النبي الكريم أجاز هذا النَّوْع من الغيبة، وهي الغيبة عند الاسْتِفتاء. تحذير المسلمين من الاغْتِرار بإنسان يترتَّبُ على الاغْترار به ضَرَرٌ كبير : الآن، لك أن تُحَذِّر المسلمين من الاغْتِرار بإنسان مُعَيَّن، إنسانٌ يُرَوِّج فِكْراً مُنْحَرِفاً، وليس له أصْل من الدِّين، ويَدَّعي أنَّهُ يفْهم كِتاب الله فهْماً عَصْرياً، وهو في الحقيقة يفهمُهُ فهْماً مقْلوباً، وما فَهِمَهُ أحدٌ من قبل، ويفهَمُه بحيث يجْعل هذا الكتاب المُقَدَّس يتماشى مع المفهوم العصْري الإباحي، والعنوان براق، يقول لك: أنا لا أحبُّ أن أغْتاب أحداً! بل اغْتابهُ ونبِّهِ الناس عليه، جاء رجل من بلاد الغرْب بعد أن أسْلم وكان حديث عَهْدٍ بالإسلام، فاسْتَنْصَحَ أحداً أن يُقَدِّمَ له كتاباً يُعينُه على فَهْم دينه، فإذا به يُقَدَّم له كتاب القرآن وقراءته المُعاصِرَة، وهو كِتاب مُدَمِّر في الدين والعقيدة، فإذا كان الكتاب مُنْحَرفاً، وفيه قَلْب للمفاهيم، وتَزْوير للحقائِق، فهذه ليسَتْ غيبة، لك أن تحذر المسلمين من الاغْتِرار بإنسان مُعَيَّن يترتَّبُ على الاغْترار به ضَرَرٌ كبير بالعقيدة، فالتَّحْذير هنا ضرورةٌ وواجب. أحْياناً حديث موضوع يروج بين الناس، قُلْ له: راوي هذا الحديث وضَّاع وكذاب ومُتَّهَم، هذه ليْست غيبة، هذا هو الدِّين. ![]() بما أنّ الدِّين نقْلٌ فأخْطر ما في النَّقْل صِحَّةُ النَّقْل، فلك أن تجْرح الرواة والشُّهود، شاهد زور ومُزَوِّر، وأنَّهُ لم يكن وقْتَ الحادِثَة ويحْلِفُ على كتاب الله أنَّه حضَرَها وتعلم عنه ذلك فقلْ عنه إنَّه شاهد زور. بيتٌ لا أساس له، مُبَلَّغٌ صاحبه أن يُخْلِيَهُ لِعِلَّة الخطر، جاء شار مُغَفَّل فيَجِب أن تنْصحه، إنسان يَتَصَدَّر للعِلْم وتعْليمه وهو لا يعْلم شيئاً، وللفَتْوى وهو لا يعْلم، فيجب أن تُبَلِّغ عنه، لأنَّ فَتْوَتَهُ جِسْر إلى جَهَنَّم، لي كلمة أقولها من باب الدُّعابة: كُلُّ معصية لها فَتْوى، لا تغْترّ بالفتوى فقد أوْدع الله فيك مُفتياً صغيراً قال عليه الصلاة والسلام لوابصة: (( جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟ قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ ثَلَاثًا الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )) [الدارمي عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ ] فأنت من أجل بيتٍ كي تبيعَهُ تتَحَقَّق، وتسأل الدلال، فما بالك من أجل دينك والحياة الأبدِيَّة، هل تقْبل بِهذه الفتوى؟ لستَ مقْتَنِعاً، يقول لك: هناك فتوى، وأنا سألْتُه وهو الذي قال هكذا! هذه هي السذاجة! اسْتَفْتِ قلبك وإن أفْتاك الناس وأفْتَوْك، أحد العلماء كان بِبَلدٍ عربي إسلامي وكان في بيت رجل يحْتلّ منْصباً عالياً في هذا البلد، وهو على فِراش الموت، فجْأةً رفع يدَيْه إلى السماء وقال: يا ربّ إنِّي أبْرأُ إليك مِن كُلِّ فَتْوى أفْتَيْتُها في تثمير المال، والناس سمعوا الفتوى وعملوا بها وغاب عنهم أنّ الذي أفْتى بذلك تبرَّأ منها وهو على فِراش الموت، وقال العلماء: هناك فَتْوى وهناك تَقْوى، في بعض البلاد يضعُ في جَيْبِهِ عدداً من أسنان الثوم، فإذا أحبّ ألا يُصلي الجمعة يضع في فمه سنّاً، من أكل الثوم فلا يقربنَّ مُصَلانا!! معه فَتْوى !! تَزْوير الدِّين. قال: هذه نصيحة واجبةٌ للمسلمين، وإلا ضاعتْ الحقائق، ودخل في الأمْر ما ليس أهْلاً، وضَلَّ المسلمين وأضلوا، في أمور العقيدة والدِّين لا توجد مُجاملة وغيبة، لكن ليس لك الحقّ أنْ تتكَلَّم كلاماً من دون دليل، وليس لك حق أن تُعالِج موضوعاً خطيراً مع أشْخاص لا يَعْنيهم هذا الأمْر. 4 ـ طلب الإعانة في إزالة المنكر : هناك بند آخر وهو من اسْتشارَك في مُصاهَرَة أو مُشاركة أو إيداع مال أو معاملةٍ، فإذا طرق بابك إنسان وقال لك: فلان خطب ابِنتي هل أُعْطيه؟ وكنت تعرف أنَّ هذا الخاطب سيئ ولا دين له، وقوله كذب فماذا تقول له؟! لا، والله هو ليس أهْلاً للزواج بابْنَتِك، بعد أسبوع يقول الخاطب: ما رأيكم؟ فيقول الأب: والله سألنا فلاناً وقال: والله أنت لا تنفع!! هذه تُسَبِّب مُشْكلات وعداوات، وأموراً غير معْقولة، قال لي أخٌ يعْمل في المالِيَّة: جاءَتني شَكْوى على إنسان مُتَهَرِّب من الضريبة، وهذا الإنسان طبيعي ومقَدِّم ِبَياناً، فإذا بالشَّكْوى الثانِيَة والثالثة وشكاوى لا تُعَدّ ولا تُحْصى! بعدها اضْطرّ أن يعْمل كَشْفاً فلم يجِد شيئاً، بعدها وجدوا أنّ المُشْتكى عليه سُئل عن تزْويج ابنة المُشتكي فقال: ليْست كذلك! فالكَيْد بدأ بإخبار المالِيَّة أنَّ فلاناً له بِضاعة مُهَرَّبة و... كُلَّ ما في الأمر أنَّه قال في ابنته أنها ليست كفْئاً وبَقِيَتْ العداوة سنة ونِصْف تقْريباً! فمن اسْتشارَك في مُصاهَرَة أو مُشاركة أو إيداع مال أو معاملةٍ، وأخذت الجواب سلبياً فيجب ألا تُشَهِّر بالذي نصَحَك، وما عليك إلا أن تُعْطي عُذْراً مقبولاً؛ ليسَتْ راغِبَة ابنتي بالزواج وما شابه ذلك، هناك حماقات تُرْتَكب تُسَبِّب عداوات وخراب بُيوت، هل تُصَدِّقون أنَّ امْرأةً سُئلَتْ عن قريبٍ لها فمِن أجل جوابها السلبي طُلِّقَت!! انتقَمَ منها زوْجها، وهذا مِن حُمْق السائِل ولُؤمَهُ، أنت شَرَّدْت أُسرة وخَرَّبْت بيت امْرأة، فأنا أُدَقِّقُ على هذا: من اسْتشارَك في مُصاهَرَة أو مُشاركة أو إيداع مال أو معاملةٍ وأخذْت جواباً سَلْبياً فلا ينبغي أن تذكر السَّبب حين الرَّفْض، لأنَّ هذا مَجْلس أمانة. سألت امْرأة النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: ((معاوية وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ )) [مسلم عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ] نبَّهَها أنه يُكْثر الضَّرْب، قال: ومن هذا إنْ رأيت من يشْتري سِلْعَةً فيها عيباً وجَبَ عليك بيان هذا العَيْب للمُشْتري إن لم يعْرِفْهُ، يقول لك: فقَدْتُ البيع! لا، هذا هو الدِّين. وإذا رأيتَ مُتَفَقِّهاً يتردَّدُ على مُبتدِعٍ أو فاسِق يأخذ عنه العِلْم، فينْبغي أن تُنَبِّهَهُ وأن تُحَذِّرَهُ، وهذه كُلُّها من النصيحة، فقد ذكر لي البارحة إنسان أنَّ إمام مسْجد يسْكن في بيْت في المَسْجد ولا يُصلي الفجْر، ولا المغرب ولا العِشاء، فهل يُعْقل أن يُسكت على هذا؟ يجب أن تذْكر، فالذي يأكل أموال الناس بالباطل ويكْذب عليهم يجب التبْليغ عليه. الآن لدينا سؤال دقيق: قال لك إنسان أريد أن أُشارك فلاناً فما قوْلك؟ فتقول هو: قليل الأمانة، ثمَّ هو قصير! سبحان الله: ما دَخْل القِصَر بالموضوع؟! لا تذْكر من العُيوب ما لا علاقة له بالسؤال، وله زَوْجة سيِّئَة و... ما دخْل هذا الموضوع بِالخوض في الكلام الباطل؟ يجب أن تُجيب بِقَدْر السؤال، دون زِيادة. 5 ـ الفاجر و المجاهر بفسقه : ![]() الشيء الخامس: أن يكون هذا الذي تغْتابه فاجِراً، يُدَخِّن في الطريق بِرَمَضان، فالفاجِر لا غيبة له، وكذا الفاسق الذي يُظْهِرُ فِسْقه، إنسان يعْمل في عَمَل سيِّئ جداً؛ في تَرْويج الباطل، ويعمل في الدعارة والنوادي الليليَّة، ومُهِمَّتُهُ خاصَّة بالجِنْس فهذا لا غيبة له إطْلاقاً، إذْ الحِبر يُؤَثِّر بالثَّوْب الأبْيض، أما الثوب الذي بقِيَ سَنَتَيْن لم يُغْسل فهذا تأثير آخر عليه، فَمَن كان مُجاهِراً بِفِسْقِه أو بِدْعَتِه فلا غيبة له، لذلك من الذي ينبغي ألا تغْتابه؟ الذي إذا عصى الله تعالى تسَتَّر، معنى ذلك أنَّهُ يعْلم أنَّهُ على العِصْيان، ولعَلَّهُ يتوب، فلا تفْضَحْهُ، ثمَّ الإنسان غير الناضِج لا وَسَط له، فإذا كَرِه إنساناً قَطَعَهُ مُباشَرَةً، غَلِط وأصبح سيِّئ الخلق ولا أمانة له، واتَّهَمْتَهُ بأمانته وأخْلاقه؛ فهذا العمل غير لائِق، إذْ المَوْضوعِيَّة قيمة أخْلاقِيَّة، وقيمة عِلْمِيَّة، فأنت دائِماً اذْكر الشيء بِحَجْمه دون الزيادة، هناك مَوْقف للنبي عليه الصلاة والسلام يأخذ بالألْباب وهو يسْتَعْرض أسْرى المُشْركين بِبَدْر، فإذا هو أمام صِهْره مع المُشْركين جاء لِيُحارب ويقْتل، فنظر إليه فقال: "والله ما ذَمَمْناهُ صِهْراً"، فقد كان مَوْضوعِياً صلى الله عليه وسلَّم، مع أنَّهُ مُشْرك ويُحارب رسول الله ووالد زوْجَتِه، وإذا اسْتطاع قَتَله! أليس كذلك؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان مُنْصِفاً، فحتى لو ذَكَرْت إنساناً لِضَرورة شَرْعِيَّة فابْقَ في حُدود السؤال، ولا تُبالِغ، لأنَّ المُبالغ جاهِل دائِماً. عن عبد الله بن مسْعودٍ رضي الله عنه قال: ((قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ يَرْحَمُ اللَّهَ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ)) [البخاري عن عبد الله ابن مسْعودٍ رضي الله عنه] و عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنْتُ فِي غَزَاةٍ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ: ((لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ وَلَئِنْ رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَبْد ِاللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ فَحَلَفُوا مَا قَالُوا فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ لِي عَمِّي مَا أَرَدْتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَقَتَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ يَا زَيْدُ )) [البخاري عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ] فالله أثْبت أنَّهم قالوا ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام: "أتَرْعَون عن ذِكْر الفاجر؟ اذكروه حتى يعرفه الناس" 6 ـ الأسماء لا غيبة فيها : آخر شيء بالغيبة، إنسان معْروف اسمُهُ الأعْمش، والأعْرج، والأصمّ، والأعْمى، والجاحِظ، والأحْدَب، هذه كُلُّها أسْماء، ولا غيبة فيها، فإذا قلت: ما اسم فلان؟ فلا تقل: لا أقول لأنَّها غيبة! لذلك أحد الشعراء جمَعَ هذه الدواعي وقال: الذَمُّ ليس بِغيبةٍ في سِتَّــةٍ مُتَظَلِّمٍ ومُعَرِّفٍ ومُحَـــذِّر ولِمُظْهِرٍ فسْقاً ومُسْتَفْتٍ ومن طلب الإعانة في إزالة المنكر *** لكن الرجاء أيها الأخوة، هذه الأعذار التي شُرِعَت للغيبة لا تجْعلوها مَطَّاطِيَّة إنَّما بِقَدَرِها، وعند الضرورة، وقَدْر السؤال، ولِمَن بِيَدهِ الأمْر، أما أن تُوَسِّعَها لأيٍّ كان لِمَن يعْلم ولا يعْلم، ولِمَن بِيدِه الأمْر ومن ليس بِيَدِه، ولِمَن يسْتفيد ومن لا يسْتفيد، فهذا ليس في الحِكمة من شيء، فهذه الأعذار السِتَّ أو الرُّخَص السِتَّة التي أُبيحَتْ للغيبة ينبغي أن نتقَيَّد بها، وأن نتَشَدَّدَ في اسْتِعْمالها، وحين الشِدَّة، في الطائِرة هناك مِطْرقة صغيرة أنَّهُ إذا كان هناك خطر اِكْسر الزجاج! فهل يُعْقل إن وجَدْت الازدحام على الباب تكْسِر الزجاج! هذه موضوعة للطوارئ كالحريق، كذلك الغيبة تُسْتخْدم عند الضرورة القُصْوى وبالقدْر المناسب، ومع الرجل المعْني بالأمر. التوبة من الغيبة، الغيبة أيها الأخوة من حقوق العباد، وحقوق العباد مَبْنِيَّةُ على المُشاححة، وحقوق الله تعالى مَبْنِيَّة على المسامحة، فلا تُقبلُ تَوْبَتُك من الغيبة إلا إذا سامَحَكَ الذي اغْتَبْتَهُ، فإن كنت جالساً بِمَجْلس وتكلَّمْت عن إنسان بِكلام لا أصْل له فهذا البُهْتان أما الغيبة فلهُ أصْل، لا تُقْبلُ توبة البُهْتان إلا أنْ ترْجع إلى القوْم أنفسِهم وأنْ تذكر لهم أنَّ ما ذَكَرْتَهُ غير صحيح، وأنَّك كنت مُفْترِياً، أما المُغتاب فيَكْفي أن تذكر ما قلتَ فيه وأن تطلب منه العَفْو، والتوبة من هذا الفِعْل وعدم الرجوع إليها وإصْلاح ما مضى، وإذا لم يُسامِحْك فهذه مُشْكِلة. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السحرالاخلاق الاسلامية الدرس : ( الثامن ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الكبائر : أيها الأخوة الكرام ؛ نوهت في درس سابق أنه ينبغي أن نلم بموضوع الكبائر ، والكبائر جمع كبيرة والكبيرة مهلكة، والصغائر يمكن أن نتوب منها ، ويمكن أن يتوب منها الإنسان حينما يفرق بين الكبائر والصغائر يبقى في بحبوحة ما اجتنب الكبائر، لقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾ [ سورة النساء الآية : 31 ] الإنسان أحياناً يدوس على قطعة زجاج تجرح قدمه، يضمدها وبعد حين تشفى . أما إذاوقف على قنبلة هذه القنبلة تفجره وتهلكه . يوجد معاصي في الإسلام كالقنابل تفجر صاحبها، هي الكبائر، فالإنسان في بحبوحة وفي يسر، والتوبة سهلة وسريعة ما اجتنب الكبائر. مثال : ذكرت مرةً مثلاً أن إنساناً يركب سيارة على طريق عريض وعلى يمين الطريق وادٍ سحيق، إذا انحرف المقود سنتمتر واحد هذا الانحراف إصلاحه سهل جداً بضغطة بسيطة على المقود يعود إلى طريقه السوي ، أما لو أن هذا الانحراف استمر فلابد من أن يسقط بالوادي . الكبيرة حرف المقود تسعين درجة فجأةً نزل في الوادي . الصغيرة حرفه درجة واحدة. الفكرة الأولى : هذه الدرجة إذا ثبت عليها واستمر عليها نزل في الوادي كأنه فعل الكبيرة ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( لا صغيرة مع الإصرار )) [الحديث مرفوع ضعفه ابن رجب في جامع العلوم والحكم ] إذا ثبت المقود درجة واحدة على اليمين إلى الوادي . (( ولا كبيرة مع الاستغفار )) [الحديث مرفوع ضعفه ابن رجب في جامع العلوم والحكم ] لو أن سائق ابنه إلى جانبه وأمسك بالمقود وحرفه فجأةً والسائق يقظ وواعي يعيده فجأةً إلى المسار الصحيح . فالمشكلة الصغيرة من السهل أن تستغفر الله منها، الصغيرة من السهل أن تتوب منها، الصغيرة من السهل أن تتجاوزها، والكبيرة مدمرة ومهلكة. الفكرة الثانية : أن الصغائر إذا أصررت عليها انقلبت إلى كبائر، وأن الكبائر إذا انتبهت إليها سريعاً وتبت منها توبةً نصوحة انقلبت إلى صغائر . ما الصغائر وما الكبائر ؟ بقي أن نعرف ما الصغائر وما الكبائر ، لاشك أن كل واحد منكم دون استثناء يعلم أن القتل من الكبائر، وأن الزنا من الكبائر، وأن شرب الخمر من الكبائر، وأن الشرك من الكبائر، ولكن أردت من هذا الدرس أن أضع أيديكم على كبائر تظنوها صغائر، أن أضع أيديكم على كبائر تتوهمون أنها صغائر، فالمسلم أحياناً لا يبالي بفعلها فإذا هي تدمره. قد يسأل سائل كيف عرف العلماء الصغائر من الكبائر ؟ العلماء وضعوا ضوابط دقيقة جداً، من هذه الضوابط أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قال لعن الله من فعل كذا فاللعن يقتضي أن يكون الذنب الذي لعن عليه الإنسان من الكبائر . كلمة غضب الله على إنسان فعل كذا وكذا، الغضب يؤدي بصاحبه إلى الكبائر . النهي مع الجزم ، من فعل شيئاً نهى النبي عنه بجزم فصاحبه يقترف الكبائر . لو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ليس منا من فعل كذا، نفى عنه انتماءه للإسلام هذا أيضاً من الكبائر . هناك ضوابط ضبطها العلماء صيغ الأمر والنهي وصيغ التعنيف، والتوبيخ، والتحقير التي وردت في السنة المطهرة هي التي صنفت هذه الأشياء مع الكبائر. من الكبائر : السحر . فمن هذه الكبائر مثلاً، مسلمون كثيرون يلجئون إلى شيوخ في موضوع السحر ويتوهمون أن فلان يفك السحر وفلان يقي من عذاب معين، وفلان يوفق بين المرء وزوجه ويتناسون القرآن الكريم وآياته الصريحة، وحديث رسول الله واستنباطاته الواضحة، الله جل جلاله يقول: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة البقرة الآية : 102 ] والسحر كما تعلمون تعاون مع الجن، النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه يقول: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ)) [أخرجهالنسائي ] فأي تعاون بين الإنسان وبين الجن هو سحر، والسحر كفر، والتعاون هدفه الوحيد إضلالة البشر، والدليل قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 102 ] الله عز وجل في كتابه الكريم وهو الصادق، وهو القوي يقول لك: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 200 ] الشيطان وصفه الله بأنه خناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [ سورة الناس الآيات : 1-6 ] والله عز وجل قال في آيات كثيرة: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [ سورة النحل الآية : 99 ] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [ سورة الحجر الآية : 42 ] ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ [ سورة إبراهيم الآيات : 22-23 ] ربنا عز وجل يخبرنا بآيات قطعية الدلالة، واضحةٍ وضوح الشمس، أن الشياطين كلها وعلى رأسهم إبليس ليس له على أي إنسان خلقه الله سلطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [ سورة آل عمران الآية : 155 ] الاعتقاد الخاطئ يؤدي بصاحبه للكفر . فالإنسان إذا اعتقد خلاف ذلك أن فلان الشيطان مسلط عليه، والجن يتحكمون به هذا اعتقاد خلاف القرآن الكريم، يوجد نقطة مهمة جداً قد لا تأتي على أذهانكم، من اعتقد خلاف القرآن الكريم فقد كفر، كأنه رد آية قرآنية، من رد آية ولو كلمةً فيها فقد كفر. أنواع الكفر : اعتقادي ، قولي ، عملي ، بواح ، كفر دون كفر . والكفر كما تعلمون يوجد عندنا كفر اعتقادي، وكفر قولي، وكفر عملي، كفر بواح، كفر دون كفر، إذا الإنسان قول الله عز وجل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور الآية : 30 ] لم يعبأ به إذا قال هذه الآية حق وأنا مقصر، نقول أنت عاصي، أما إذا قال هذا الشيء غير معقول، أين أذهب بعيوني، هذا الكلام ليس لهذا الزمان، مع أن الله عز وجل يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 286 ] يعني إذا أنت قلت هذا الكلام ليس لهذا الزمان كأنك اتهمت الله عز وجل أنه كلفنا ما لا نطيق، يقول اللهلك : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا ﴾ ويقول : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ فإذا قلت الآية حق وأنا مقصر أنت عاص لا سمح الله، أما إذا قلت هذه الآية غير واقعية لا يمكن أن تطبق، دون أن تشعر وقعت بالكفر، ولكن ليس كفراً بوجود الله ، كفر في هذا الحكم الشرعي ، هذا سماه النبي كفر دون كفر، لكنه كفر. يوجد عندنا كفر اعتقادي، وكفر قولي، وكفر عملي. من سحر فقد كفر، من تعاون مع الجن، من صدق أن الجن تفعل شيئاً ، توفق بين زوجين، تفرق بين زوجين، توفق في عمل تجاري ، تحبط عملاً معيناً . من اعتقد هذا فقد كفر اعتقادياً. من تعامل مع الجن كفر عملياً . من قال بهذا كفر قولياً . موضوع السحر، موضوع الجن ، الاعتقاد بأن الجن يفعلون ويتركون، يقربون يبعدون، يحفظون ولا يحفظون، يوفقون ولا يوفقون، الاعتقاد بهذا نوع من الكفر، لذلك عد السحر من الكبائر، وقد قال الله عز وجل عن هاروت وماروت، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة البقرة الآية : 102 ] كأن الله عز وجل أشار إلى أن موضوع الجن والتعاون مع الجن، وموضوع السحر، هدفه الإفساد لا الإصلاح، هدفه التفريق بين الزوجين لا التوفيق بينهما، هدف الإبعاد عن الله لا التقريب، لا تصدق أن تعاوناً ما بين الجن والإنس يمكن أن يكون للخير إنه للشر من هنا قال عليه الصلاة والسلام: من سحر فقد كفر ، الآية التي تصف هاروت وماروت وكيف أن هذين الملكين تعجبا من الإنسان كيف يعصي ربه ، فأراد الله أن يؤدبهما فأودع فيهما شهوات الإنسان وأطلقهما إلى الأرض ففعلا كل المعاصي والآثام وعربدا وشربا وزنيا، حتى يعرفا أن الإنسان معذور، هذه القصة لا أصل لها إطلاقاً من أوجه التفاسير أنه : ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 102 ] يعني هذه القصة التي يرويها بني إسرائيل في كتبهم لا أصل لها ولا وجود لها وهذه الما ليست مصدرية وإنما هي ما نافية، وتفاسير دقيقة جداً تؤكد هذا المعنى، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 102 ] هذه قصة من صنع خيالكم لا أصل لها، قال صاحب هذا الكتاب كتاب الكبائر نرى خلقاً كثيراً من الضلال يدخلون بالسحر ويظنونه حراماً فقط وما يشعرون أنه الكفر لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [رواه الامام احمد في مسنده وصححه جمع من الأئمة ] عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا )) [أخرجهمسلم] الآن يوجد أوقات للتسلية بين الناس يقرؤون فنجان القهوة، هذا حرام، يوجد رجل يحبك ثم أمامك مطب عاطفي، ثم... كله كلام فارغ، لا يعلم الغيب إلا الله . الغيب . إلهنا يقول للنبي قل لهم لا أعلم الغيب. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 188 ] أراد الله عز وجل أن يعطينا درساً لا ينسى جاء وفد إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلبون منه سبعين قارئ قرآن ليعلموا أقوامهم، والنبي صدقهم لا يعلم إلا أن يعلم النبي لا يعلم الغيب، لا يعلم بذاته إلا أن يعلمه الله، هؤلاء أخذوا السبعين قارئاً وذبحوهم في الطريق، لماذا سمح الله بهذا ؟ ليكون درساً لا ينسى إلى يوم القيامة، ما من إنسان على وجه الأرض ولو كان نبياً، ولو كان رسولاً، ولو كان سيد الرسل أن يعلم الغيب، الله عز وجل قد يعلمه، هناك أحاديث كثيرة جداً عن أشراط الساعة، وعن علامات آخر الزمان ذكرها النبي ليس من عنده لا من اجتهاده، لا من توقعه، لا من رؤيته ولكن من عند الله خالقه، فالإنسان لا يعلم إلا أن يعلمه الله هذه عقيدة المسلم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ سورة الأتعام الآية : 50 ] النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب ولا يملك لنا نفعاً ولا ضراً، والأبلغ من ذلك أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فإذا كان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، من باب أولى أن لا يملك لنا نفعاً ولا ضرا، ويوجد أوضح حديث قاله النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان عند أصحابه الذين توفاهم الله عز وجل أبي السائب، سمع امرأة تقول هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، هذا سماه العلماء التآلي على الله، فقال عليه الصلاة والسلام: وما أدراكِ أن الله أكرمه، قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم ، أنا طبعاً لا أتكلم من هواء، أنا يومياً عشرات الأخوة يسألونني عن موضوع السحر يوجد شيخ يفك السحر لفة حمراء، خضراء، هذا كله غير وارد لا أملك إلا قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 200 ] الشيطان موجود، إبليس، والشياطين موجودة هذا إيماننا، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾ [ سورة الأنعام الآية : 130 ] إلا أن الشيطان لا يملك على الإنسان سلطاناً، ودائماً أذكر هذه القصة المضحكة، إنسان وقع في حفرة مياه سوداء وذهب ليشتكي على إنسان فقال له: المحقق دفعك، قال له: لا، أمسك بك و وضعك، قال: لا، هددك قال له: لا، كيف تشتكي عليه قال: قال لي انزل فنزلت، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة إبراهيم الآية : 22 ] هذه العقيدة الواضحة تجعل الإنسان عملي لا يوجد إلا الله والله أمره واضح الأبلغ من ذلك هل يوجد إنسان أعظم من رسول الله ؟ لا، ومع ذلك لو أنه بذكاء منه وبراعة منه، وقوة في الإقناع وطلاقة في اللسان استطعت أن تنزع منه حكماً لصالحك ولست على حق لا تنجو من عذاب الله، النبي نفسه، سيد الخلق، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا)) [أخرجهالبخاري،ومسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا] بالمعنى الدارج علاقتك مع من ؟ مع الله عز وجل هو الذي يعلم كل شيء، بهذه الطريقة تستقيم، هناك أشخاص يعتقدون بأولياء،، هذا الولي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً نحبه، نكبره، نجلّه، نتمنى أن نكون على قدمه، ولكن لا نعتقد أنه ينفعنا أو يضرنا النافع والضار هو الله، المعطي والضار هو الله، الرافع والخافض هو الله، المعز والمذل هو الله، القابض والباسط هو الله هذا هو التوحيد. ما معنى العدوان على الله ؟ . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ )) [أخرجهالبخاريومسلموأبوداودوالنسائي ] عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ )) [أخرجهالترمذي] هذا عدوان على الدين، والحقيقة ما أكثر ما يعتدي على الدين، نشر فكر مناهض للدين هذا كالسحر تماماً، يعني أنت حينما تقنع الناس بحقيقة خلاف الدين هذا كالسحر عدوان على الدين، لأن الإنسان إن صحت عقيدته صح عمله، أما إذا فسدت عقيدته فسد عمله، فكيف أن الإنسان جعل حد السرقة قطع اليد، وحد شرب الخمر الجلد ، وحد الزنا الجلد أو الرجم، كذلك جعل للعدوان على الدين حداً، لأنه حينما يتيهوا الناس ويضلوا و ينحرفوا في عقيدتهم يقع في مطب كبير ويهلكون أنفسهم وهم لا يشعرون. القصة التي تعرفونها جميعاً، كان أهل مصر يعتقدون أنه لابد من أن تقدم فتاة لنهر النيل كي يبقى فائضاً عليهم بالخيرات، فكانوا يختارون أجمل فتاة ويلقونها في النيل ليبقى خيره عميماً بلغ سيدنا عمر ذلك طبعاً أرسل كتاب إلى نهر النيل وقال له: من عمر بن الخطاب إلى نهر النيل إن كنت تجري من عندك فلا تجري وإن كان الله هو الذي يجريك فافعل ما شئت، لا أذكر نص الحديث إلا أنه أخبر الناس أن هذا من فضل الله لا علاقة له بالسحر، وإلا الآن كتوا له ماء وملح، الرقم ثلاثة عشر، يوم الأربعاء، لا يوجد يوم ولا رقم ولا إنسان، هذا كله من أنواع الكذب والافتراء والدجل والزيغ، نحن يوجد عندنا قرآن كريم يوجد تفسير، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [ سورة الليل الآيات : 5-10 ] هذه الآية الكريمة قانون التيسير، أعطى بنى حياته على العطاء، واتقى أن يعصي الله، وصدق بهذا الدين العظيم، يعني آمن واستقام وعمل صالحاً، طبعاً لماذا العلاج ؟ كفر، وعصى، واستغنى، طبعاً العرب في الجاهلية كان إذا طار طائر عن يمينهم يتفاءلون، وإذا طار الطائر عن شمالهم يتشاءمون، من هنا جاء التطير، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْوَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة يس الآية : 18 ] أي تشاؤم بكم، والله عز وجل أخبرهم أن طائرهم عندهم، خيرك منك وشرك منك . من يومين أخ زارني وحدثني حديث، قلت له هذا الكلام أنه تملك كيلو معدن وهو ذهب وظنه الناس معدناً خسيساً من الرابح ؟ أنت، عندك معدن خسيس أوهمت الناس أنه معدن ثمين، من الخاسر ؟ أنت . علاقتك مع نفسك ولما الإنسان يوحد ينتهي من الناس علاقته مع ذاته، خيره منه، وشره منه، خيره منه بنواياه الطيبة واستقامته على أمر الله، وبأعماله الصالحة يستحق كل فضل وإكرام، وحينما ينوي السوء وينحرف عن منهج الله ويبخل بما أعطاه الله يستحق كل تأديب وعقاب، الخير ليس من أحد منك، من هنا قيل لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه ، مرة فسرت آية بالغة الدرجة هكذا خطر في بالي، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [ سورة الرعد الآية : 11 ] قلت له لرجل: مرتاح، قال: نعم، قلت له: لا تغير الله لا يغير، وإذا كنت مزعوج، غير ليغير، هذا ملخص الملخص، إذا كنت براحة الله عز وجل لا يغير إلا إذا غيرت فلا تغير لا يغير، وإذا كنت متعب من قضية تب إلى الله عز وجل. والله أيها الأخوة: مئات القصص رجل عنده طفل بدأ بمرض ضمور العضلات، ذهب أول طفل والثاني فكر يوجد عنده مشكلة كبيرة في عمله، عمله مبني على إيذاء الآخرين ترك عمله إلى عمل آخر يوجد فيه أيضاً مشكلة، تركه إلى عمل ثالث أقل دخلاً وأقل شأناً، فلما انتقل إلى عمل آخر الله عز وجل شفى له الولد المصاب، ماذا يفعل الله بعذابكم، الإنسان لا يكون ساذجاً، الله عز وجل غني عن تعذيبنا، غني عن تعذيبنا غني عن أن نخاف، عن أن نفتقر، ابحث يوجد علة دائماً وأبداً أخوانا بالأمن الجنائي يقولوا ابحث عن المرأة في كل جريمة أنا أقول لكم ابحث عن المعصية كلما عانيت من مشكلة ابحث عن المعصية لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾ [ سورة النساء الآية : 147 ] عَنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَقَاطِعُ رَحِمٍ وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ وَمَنْ مَاتَ مُدْمِنًا لِلْخَمْرِ سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ نَهْرِ الْغُوطَةِ قِيلَ وَمَا نَهْرُ الْغُوطَةِ قَالَ نَهْرٌ يَجْرِي مِنْ فُرُوجِ الْمُومِسَاتِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ)) [أخرجهأبويعلىوالطبرانيفيالمعجمالكبيروالإمامأحمدفيمس نده ] ليس الساحر، الساحر قطعاً أما من صَدَّقَ بالسحر لا يدخل الجنة، نحن عندنا دين، قرآن كلام خالق الأكوان هل من المعقول أن تصدق إنساناً بشيء خلاف القرآن، أنا مرة أقرأ بالصحف عن شخصيات في العالم الغربي كبيرة جداً يلجؤون إلى عرافين كي يطمئنون على مناصبهم في مستقبلهم، العجيب أن يكون الإنسان في أعلى الدرجات ومعه أعلى الدرجات يلجأ إلى أساليب خرافية ليس لها أساس من الصحة، يوجد شخصيات كبيرة جداً من حين لآخر يقلق، ما تفسير ذلك ؟ تفسير ذلك سهل جداً الإنسان ضعيف خلق الإنسان ضعيف، متى يطمئن ؟ إذا اتصل بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ *﴾ [ سورة المعارج الآيات : 19-22 ] المتصل بالله ليس عنده هلع ولا خوف ولا جزع، كلام واضح كالشمس إلا المصلين، إنسان ليس له صلة بالله مهما كان كبيراً يخاف، لأن الله عز وجل قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [ سورة الحشر الآية : 2 ] الباء باء السبب، بسبب شركهم قذف الله في قلبهم الرعب، فالإنسان الخائف ماذا يفعل إما أن يلجأ إلى أقوى الأقوياء وهو الله عز وجل فيطمئنه، وإما أن يلجأ إلى سحرة وإلى كهان وإلى عرافين وإلى منجمين وإلى فلكيين، الآن بأول العام يقول لك المنجم الفلاني الفلكي الفلاني يتنبأ بعام كذا، هذا الفلكي الذي يتنبأ أنه عام ستة وتسعين يوجد خيرات حروب، مشكلات، انهيار دول، إنشاء دول، هذا كلام لا يتأتى للصحة بسبب لأن الغيب لا يعلمه إن الله، من كان يُصدق قبل عشر سنوات أن الجهة الشرقية العتيدة القوية أن تنهار من الداخل، مرة كنت في مكان يوجد مجلات ـ عربي ـ قديمة جداً، أطالعها أقرأ أشياء شيء كبير قلعة كبيرة كيف هذه القلعة تداعت وسقطت بأسباب من داخلها لا من خارجها المفروض أن تنهار من خارجها، أن تأتيها قوة منافسة لا من الداخل تهاوت، لا يعلم الغيب إلا الله، لذلك إذا الإنسان قرأ صحفاً قديمة لها متعة بالغة يرى كيف الأمور تطورت، شيء كان له قوة كبيرة ثم تلاشت قيمته. عَنِ ابْنِ أَخِي زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ)) [أخرجهأبوداود ] العرب في الجاهلية يضعون سوار في ساق الغلام لئلا يموت، فقال الشاعر: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع طبعاً الشاعر رد على بيت قال له: وتجشم للشامتين أريــهم أني بغيب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفـــع الآن يضعون حدوة حصان، أو حذاء صغير، أو يرسمون سهم وقلب، هذا كله كلام فارغ هذه تمائم، التمائم لا تقدم ولا تؤخر، والرقى حجاب إذا يوجد قرآن كريم لا يوجد مشكلة، أما غير قرآن كريم مربعات ومستطيلات وكلام غير مفهوم، هذا كله سحبات. أيها الأخوة الكرام ؛ الحديث الجامع المانع الموجز البليغ، كما ورد بالأثر : لا يخافن العبد إلا ذنبه، لا تخاف من سحر، ولا جن، ولا كهانة، لا تخشى إلا ذنبك لأن الذنب هو الذي يجلب المصائب، لا يخافن العبد إلا ذنبه وإذا وقع في مشكلة لا يرجون إلا ربه، هذا حديث جامع مانع موجز بليغ، يوجد به أكثر العلاجات. الأبراج . أيها الأخوة سألني بعضهم من صلب الدرس، ما موضوع الأبراج ؟ أيضاً الله عز وجل قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 1 ] الأرض في دورتها حول الشمس تقطع في الثانية الواحدة ثلاثين كيلو متراً ثلاثين كيلو متر ضرب ستين في الدقيقة، ضرب ستين في الساعة، ضرب أربع وعشرون في اليوم، ضرب ثلاث مائة وخمسة وستين يوماً في السنة تعرف الأرض كم تقطع من مسافة حول الشمس في العام، تدور حول الشمس وفي أثناء دورانها تمر بمجرات هذه المجرات سماها القرآن أبراجاً، اثنا عشر برجاً، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 1 ] ذكرت كثيراً أن من بين هذه الأبراج برج العقرب وهذه البرج فيه نجم متألق صغير أحمر اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، طبعاً بين الشمس والأرض مائة وستة وخمسين مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، بين الأرض والقمر ثلاث مائة وستين ألف كيلو متر، يقطعها الضوء في ثانية واحدة، والمركبة التي انطلقت إلى القمر كلفت مركبة أبولو أربع وعشرين ألف مليون دولار، حتى قطعنا في الفضاء الخارجي ثانية ضوئية واحدة وقلنا غزونا الفضاء، انظر إلى الوقاحة، للوصول إلى الشمس ثمان دقائق والدقيقة ستين ثانية، ستين ضرب ثمانية، أربع مائة وثمانين ثانية بين الشمس والأرض، مائة وستة وخمسين مليون كيلو متر، والشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاث مائة مرة، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 1 ] نحن فهمناها فهم آخر، برج العقرب، و برج الثور... وكل إنسان له برج أنت متى ولدت كانون الأول إذاً برج التيس، هذا البرج كذا وكذا يوجد أمامك عدو، هذا كله ليس له أصل اركلوه بأقدامكم، ليس إلا الله قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [ سورة فصلت الآية : 30 ] هذا هو الدين شيء مريح أمرك بيد الخالق، بيده كل شيء خلصت من الوهم من القلق، أسر يقولون ألقوا له ماء، لا يحبها كلام ليس له أصل لا يوجد ماء، ولا يوجد إلا الله عز وجل، طبعاً الزواج إذا بني على طاعة الله لا يحبها الإنسان، أنا أقول بالتعبير العامي إذا الزواج مبني على معصية الله يلهم الزوجين الحيونة، يرتكبون حماقات مع بعضهم ليس لها نهاية، لأن الزواج بني على معصية، أما إذا بني الزواج على طاعة الله تولى الله من عليائه التوفيق بين الزوجين. قلت لكم مرة فندق كبير في دمشق أراد أن يكرم من أجرى فيه عقود زواج وهذه العقود كلفت عشرين مليون أحدث عقد ستين مليون، عملوا إحصاء في ستة أشهر تم في هذا الفندق الكبير ستة عشر عقد قران، فكرة لمعت في ذهن مدير الفندق أن نجمع الأزواج الذي جرت العقود في فندقنا كي نكرمهم، بحثوا عنها ثلاثة عشر زواج من هذه الستة عشر قد انتهت إلى الطلاق، وثلاثة زيجات في طريقها إلى الطلاق، لأن إذا بني الزواج على معصية تولى الشيطان التفريق بين الزوجين لا تحتاج القضية إلى سحر، وإذا بني الزواج على طاعة تولى الله التوفيق بين الزوجين، أنت ألغي السحر والتشاؤم وألغي كل ما يقوله العوام والجهلاء من خرافات لا أصل لها ، ديننا دين علم . نحن معنا كتاب منهج واضح من اعتقد بخلاف القرآن فقد كفر، كلام دقيق، التشاؤم ممنوع، التطير ممنوع، أن تعتقد برقم مؤذي ممنوع، بيوم مؤذي ممنوع ، بإنسان دخل إلى محلك البيعة لم تتم ممنوع ، ليس لها علاقة، أيام يتهمون هذه الزوجة أن قدمها ليس بخير ليس لها علاقة، إذا الزوج يرتكب معاصي يأكل مالاً حراماً، الله دمره الزوجة ليس لها علاقة بالموضوع تتهم الزوجة أحياناً، هذا كله خرافات، الدين جاء ليحافظ على العقول من الخرافات، العادات والتقاليد أحياناً تعيد هذه الخرافات إلى عقول الناس، والله عز وجل يرزقنا أن نعود إلى أصول الدين، وإلى جوهره . النبي صلى الله عليه وسلم صارت معه ، سيد الرسل سيد الخلق توفي ابنه يوم وفاة ابنه الشمس كسفت، واضحة هذه كسفت من أجل موت إبراهيم بلغه النبي هذا، جمع أصحابه قال: أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه . أنا كنت في العمرة السنة الماضية وأنا بمكة سمعت عن المدينة أخبار أنه يوجد في المدينة أنوار شيء لا يصدق ، تجليات روحانيات ، الأنوار تشع إلى قبة السماء، أنا لا أدري ماذا أقول ، في أحد الأيام كنت بين المغرب والعشاء في الساحة الأولى هنا يعقد درس لعالم جليل من كبار علماء السنة ، جلست مستمعاً درس رائع بعد أن انتهى الدرس قال : حدثني أمير المدينة المنورة أن هناك أشعة ليزر قد صنعت فوق القبة النبوية كي ترشد الناس على بعد مئتي كيلو متر لمكان القبر النبوي، موضوع أشعة ليزر سمعناها في مكة أنوار وتجليات الناس يرغبون الخرافات، الإنسان يستقيم يرى كل الخير باستقامته، يرتكب معصية يرى كل الشر، لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه، المؤمن عقله علمي، كل إنسان يعتقد بالخرافات يوجد بعقله خلل، الله عز وجل خلق الكون وفق أنظمة دقيقة، ويمكن أن تصل إليه وأن تذوب في محبته لا من خلال خرق العادات، لا من خلال القواعد الثابتة والقوانين المتأصلة، فهذا الإسلام دين علم لا دين خرافة، لا تعتقد بالخرافات ولا بالكرامات أنا آمن بهذه الكرامات لكن لا أرويها لأنه ليست للنشر، إذا الله عز وجل أحب أن يشعرك أنه يحبك فخرق لك بعض العادات لك وحدك، أما إذا ذكرتها للناس أنت تجاوزت حدك أدخلت الناس بمتاهات، أنا أعتقد بالكرامات ولا أرويها، ولكن كدعوة عامة لا يوجد إلا الكتاب والسنة أما إذا الله عز وجل حفظ لك مالك بطريقة غير مألوفة، ألهمك شيء لصالحك ألهمك بعمل طيب، تمتنع عن شيء، هذه كرامة، وعندما الله عز وجل يتولاك تولياً مباشراً هذه كرامة، أيام أخ يدخل إلى المسجد يوجد عنده موضوع دقيق جداً يقول: كأنه أنا قلت لك هذا الموضوع وأنت تجيبني عليه، أنا لا يوجد عندي علم ولكن الله يلهم، والله يسوق الدرس إلى موضوع يريده هذا الرجل هذه كرامة لهذا الرجل، أنا يا عبدي استمعت إلى حاجتك وهذا هو الجواب، هذه ممكن أن تكون ولكن هذه ليس خاضعة للنشر، المعجزات خاضعة للنشر لأن الله قال له أظهرها، قال تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ [ سورة الشعراء الآية : 108 ] الله عز وجل أمر أنبياءه أن يظهروا معجزاتهم، ولم يسمح لأوليائه أن يتاجروا بكراماتهم، الكرامة بينك وبين الله، بل إن كبار العارفين بالله يخجلون من كراماتهم ولا يظهرونها أبداً وقد سررت وأنا أطالع بعض سيرة بعض الأولياء كان يتألم أشد الألم ممن يذكر للناس كراماته، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم دققوا: ((وَقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ )) [أخرجهالبخاري] الخاتمة . أختم الدرس بهذه الملاحظة، افترض طالب بكالوريا والده أصيب بمرض عضال قبل الفحص بشهرين، من شدة وفاء الطالب لوالده، من شدة حرصه على إرضاء والده ترك الدراسة واعتنى بوالده، قبل أسبوعين الله شفى الوالد، فعكف هذا الطالب البار على القراءة، إذا الله عز وجل ألهمه الأماكن الحساسة بالمناهج، هنا قرأ أول الكتاب، وهنا نصف الكتاب، وهنا آخر الكتاب، فجاءت الأسئلة كأنه يتوقعها فنجح، هذه أليست كرامة نعم هذه كرامة لاشك، هل هذه الرواية تروى للطلاب، ممنوع روايتها لا يدرسون، هذه خربطة كبيرة جداً، وهي ممكن أن تقع، ولا يمكن أن تروى هذه في ما بين الطالب والله الله أكرمه بالنجاح، الله عز وجل يخرق العادات، الله عز وجل لا يمكن ما يشعرك أنه يحبك ينجيك من مأزق، من مطب، يصرف عنك شر كبير، بالإلهام، قال لي شخص دفعت مبلغاً كبيراً لله ثاني سنة يوجد عندي عملية تجارية انقباض غير معقول، حسب العقل يجب أن أعقد الصفقة، لا يوجد انشراح ضيق نفسي شديد، ثم اكتشف أنه لو عقدت هذه الصفقة لكانت نهايته بها، الله صرفها عنه، أنت أنفقت مبلغاً كبيراً لعمل إسلامي، لإعمار مسجد، الله عز وجل صرف عنك خسارة كبيرة، هذه كرامة، هذه لا تروى ولا تنكر، كل إنسان يعرف كيف الله أكرمه ، لذلك الكرامات نؤمن بها وإن لم نؤمن بها فقد كفرنا، الدليل أهل الكهف كم سنة عاشوا ؟ ثلاث مائة سنة، هل يستطيع أحد أن ينكرها، السيدة مريم كيف أنجبت بلا زوج وهي ليست نبية. إلا أنه النقطة الأخيرة أنا لست مكلفاً ولا مؤاخذاً أن أصدق كرامة ليس فيها نص صحيح، إذا لا يوجد فيها نص أنا حر أصدق أو لا أصدق ولي حق أن لا أصدق ولست آثم أما إذا فيها نص صحيح وما صدقت كفرت، إن لم تصدق أن السيد المسيح جاء من السيدة مريم بلا أب أنت كذبت القرآن الكريم، وهذه كرامة للسيدة مريم ولماذا قلنا كرامة لأنها ليست نبية، لو كانت نبية لكانت معجزة ولكن لا يوجد عندنا في الإسلام الأنبياء رجال كلهم ، أهل الكهف ألم يبقوا في كهفهم ثلاث مائة عام، هذا خلاف الأمور الطبيعية، هذه كرامة إذا أنكرتها فقد كفرت، ولكن ليس مكلفاً أن تصدق كرامة لا يوجد فيها نص صحيح أنت حر تصدق أو لا تصدق، يوجد أشياء غير معقولة إذا توسعنا بها انتهى الدين صار خرافات أنت أحذر أخوانا الكرام من رواية الكرامات دعها بينك وبين الله، يوجد دروس مبنية على الكرامات. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الظلم الاخلاق الاسلامية الدرس : ( التاسع ) حمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.الظلم : أيها الأخوة الكرام، قلت لكم قبل أن أبدأ هذه السلسلة من الدروس - سلسلة دروس الكبائر- أن الكبائر المشهورة معروفة، القتل، الزنا، شرب الخمر، شهادة الزور، عقوق الوالدين، إلا أن العلماء جمعوا في بعض الكتب ما يزيد عن سبعين كبيرة، أردت من هذه السلسلة أن أعالج الكبائر التي لا يظن أنها كبائر تنبيهاً لشأنها ولخطورتها. اليوم الكبيرة الظلم، أحياناً الإنسان دون أن يقصد يظلم، والمجالات التي يمكن أن يظلم الإنسان فيها كبيرة جداً، بدءاً من الأب في بيته، الأم أحياناً تفضل ابنة عن ابنة، أحياناً الإنسان يكون موظفاً بسيطاً في مستشفى يشاهد حالة صعبة جداً، حالة إسعافية يقسو قسوة بالغة مع هذا المريض، أحياناً في دوائر كثيرة جداً، وانطلاقاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] فالذي يظلم الناس، أحياناً معلم في مدرسة، موظف في دائرة، طبيب في مستشفى، أحياناً موظف في المالية، أخ من أخواننا معه جواز سفر تاجر سافر إلى بلد أجنبي، أقام سبع سنوات، وعمل موظفاً هناك، ثم جاء إلى الشام وأراد أن يذهب مرة ثانية، يوجد عليه ضريبة كبيرة جداً لأن جوازه تاجر، عدوه هناك تاجراً، يوجد عليه خمسمئة ألف لا يملك منهما شيء إطلاقاً، يوجد أخ من أخواننا في المالية أنا قابلته تفهم الموضوع وساعده، قلت: هذا الموظف الذي فرض عليه جاءه بالوثائق، بالإيصالات، أين يعمل، رواتبه الشهرية حتى الشيكات التي كان يقبضها، ولم يقنع، يوجد ظلم، الإنسان إذا كان يعمل تاجراً لا يوجد مانع بل هو عمل موظفاً، هذا الموظف يصوم، ويصلي، ويزكي، لكن إنساناً ممكن أن تأخذ من ماله الحلال، أن تبيعه بيته لتأخذ الضريبة منه، وأنت ليس مقتنعاً أنه كان تاجراً هناك، كان موظفاً وجاءك بكل الوثائق، نحن نريد الموظف البسيط الذي يجلس خلف الطاولة بالمالية، بالتأمينات، بالتموين أحياناً، يعرف ثمن السوق ويريد أن يبيع بسعر معقول، غير أن عندك في اللوائح القديمة وجدت فرقاً في السعر كتبته مخالفة، ظلم الناس مخيف جداً من الكبائر. ظلم الناس من الكبائر : أردت أن أجعل من هذا الدرس لهؤلاء الذين يعملون في المستشفيات، في المدارس، في المصحات، في دوائر الدولة، في الجمرك، بالمالية، بالتأمينات، في أي قسم من أقسام الدولة، أحياناً دون أن يبالي يوقع ظلماً شديداً جداً، من دون أن يبالي يوقع حرجاً كبيراً، لذلك الأحاديث والآيات المتعلقة بالظلم شيء لا يصدق، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة الشورى : 42] لا يوجد إنسان بأي وزارة بقمة العمل يأمر موظفيه بإيذاء الناس، هذه مستحيلة، أما الموظف المنحرف فنفسه يؤذي الناس، رأس العمل لا يأمر بإيذاء الناس ولا يمنعك أن تحسن إليهم إلا أن هذا التصرف تصرف فردي، سلوك فردي طائش غير ملتزم، غير مبال، فإذا الله عز و جل كرمه بعمل وراء طاولة هذا الذي أمام الطاولة إنسان له مصالحه، وله كرامته، وله أحاسيسه، وله مشاعره، وله مصالحه، فإذا ظلمته فالله سبحانه وتعالى ربما فعل بك ما لا تحتمله. حدثني أخ منذ أربعين سنة، باخرة حجاج والآن لا يوجد بواخر حجاج، رجل لابس منشفة وجالس في الباخرة حوله تجار، أنا اشتريت كذا وبعت كذا، وكان موظف مالية، سجل عليهم كلهم، عاد إلى الشام أحضرهم واحداً واحداً، أنت في الحج وتركب باخرة ومحرم، كيف أحضرتهم؟ أحياناً يكون الإنسان بعمل بسيط لكن يمكن أن تؤذي كثيراً، يجب أن تنصف، ترى قاضياً يقول لك: عندي ستة آلاف دعوى، أنت لا يوجد عندك خيار إما أن تكون قاضياً عادلاً أو اترك الوظيفة، أما لا تقرأ الدعوى ولا تدقق فيها، أربع سنوات ثلاثة ملايين وقّعنا، هذا له أسرة أربع سنوات حرمته من زوجته وأولاده، وأربعة ملايين بيعته بيته حتى لا تدقق في الدعوى، هذا الدرس موجه إلى كل إنسان له عمل ممكن أن يؤذي الناس به. ملعون من هدم بنيان الله : الله عز وجل كبير وعنده أمراض وبيلة، خبيثة، أورام، أمراض بالقلب، خثرة بالدماغ، يوجد شلل، تشمع بالكبد، فشل كلوي، كلهم عباده، مرة قال لي شخص أصيب بمرض: أنا على طاولة العمليات ناجيت الله قلت: يا رب إن كنت آذيت أحد عبادك فأمتني، أما الذي أعلمه أنني لم أوذ أحداً من عبادك خلال أربعين عاماً، وإن كنت كذلك فاشفني، فالله سبحانه وتعالى شفاه. موظف، هذا الذي أمامك إنسان، بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، لا تخيفه، لا تأخذ له ماله، أنا أعرف شخصاً ترك محلاً صغيراً توفي وعنده خمسة أولاد وسيارة قديمة، قيمة المجموع مليون ونصف ضريبته ستمئة وخمسين ألفاً، هذا ليس معقولاً، أموال أيتام، أنا مشكلتي مع الذي قيّم، هذا إنسان عنده أولاد وعنده أسرة، الله يحاسب حساباً شديداً، فإذا أنت استلمت عملاً بالمالية، تموين، جمارك، يجب أن ترحم الناس، كن منصفاً أقل شيء لا أحد يمنعك أن تكون منصفاً، لا تحتج بغيرك أبداً، لا يوجد إنسان أعلى منك يمنعك أن تكون منصفاً أو يؤاخذك إذا عدلت، بالعكس تعلو في نظر الناس وفي نظر رؤسائك، هذا إنسان، الأصل أن نفهم روح القانون وليس شكليات القانون، فلذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة الشورى : 42] أنت انظر الأعلى ترى عنده رقياً، فهماً، واقعية، أما هذا الصغير الذي لا يصدق نفسه أنه يستطيع أن يؤذي الناس حتى يؤذيهم، أنا حدثني أخ بالحجاز بموسم الحج الشديد شخص يوجد عنده زريبة حيوانات، سقفها تنك، تصور زريبة حيوانات بمكة سقفها تنك، استقبل فيها حجاجاً، الحر هناك ست وخمسون، نحن بالأربعين خرجنا من جلدنا، بستين يوماً لم نتحمل الأربعين، هناك ست وخمسون فيها حجاج، روى لي رجل من أهل مكة قال لي: بعد شهر أصابه سرطان جلد ومات به، الله كبير، كل إنسان قدرته على الأذى كبيرة، أول ولد معتوه، والثاني، والثالث، والرابع، الله عز وجل أحياناً يبطش بطشاً لا يحتمله إنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة البروج:12] لو صليت وصمت وحججت وزكيت، من الكبائر أن تؤذي الناس، من الكبائر أن تسلبهم مالهم، من الكبائر أن تدخل الروع على قلوبهم، الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله، قال تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [ سورة المائدة: 79 ] كل إنسان مسؤول عن رعيته : سيدنا عمر لما تولى الخلافة قيل له: إن الناس هابوا شدتك فبكى وقال: والله لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، مرةً قال: أيها الناس كنت سيف رسول الله المسلول فكان يغمدني إذا شاء حتى توفي وهو عني راض، الحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، ثم حدثهم عن سيدنا الصديق، إلى آخره ثم قال: "أيها الناس اعلموا أن هذه الشدة قد أضعفت، وإنما تكون على أهل البغي والعدوان، وإنما أهل التقوى والعفاف فأنا ألين لهم من أنفسهم، وسأضع خدي لهم ليطؤوه بأقدامهم، أيها الناس: لكم عليّ خمس خصال خذوني بهن، لكم علي ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، وألا أنفقه إلا بحقه، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، ولكم عليّ ألا أجمركم في البعوث، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا". وقال لبطنه مرة: "قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين"، وقال مرةً وقد وضع له طعام أمامه- سنام الناقة وأطيب ما فيها- قال: "بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها"، وكان يقول: "لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها لم تصلح لها الطريق يا عمر"، وقال تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ [ سورة المائدة: 79 ] والحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالإمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] معلم بمدرسة صف أول ابتدائي، عنده ثلاثة وثلاثون طالباً، قال له طالب: أستاذ هذا ضربني، فضربه وقال له: اذهب عني، أنت ضربت المضروب ضرب من رفيقه ومنك، هذا صغير لا يعلم، لا ليس صغيراً، صار عنده عقدة نفسية، شعر بالظلم من معلمه، أحياناً يغضب المعلم يضرب الكل، هذا كاتب وظيفته، لا الكل، الآن غضب. (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] الظلم ظلمات يوم القيامة : دخلت إلى المحل ورأيت ثوباً سقطت تسعيرته على الأرض، هل من المعقول أن تضع هذا الإنسان في عدرا شهرين إذا التسعيرة سقطت على الأرض؟ تاجر وعنده امرأة وأولاد، يمكن أن تسقط التسعيرة وأنت تتمسك بها، الله كبير، القانون معك والتموين ضروري لأن الله يذع بالسلطان ما لا يذعه بالقرآن، أنا أقول لكم أحياناً الشدة رحمة، هناك أشخاص أعلم علم اليقين يأتون بالدواب الميتة ويبيعونها للناس طعاماً، يركب سيارته أين يوجد غنمة مدهوسة يأخذها ويعملها صفيحة ويبيعها للناس، هذا يريد تمويناً؟ والله يحتاج إلى تموين، يمكن أن تضع صباغ البلاط في السكاكر، ضبطت معامل سكاكر يضعون صباغاً صناعياً في السكاكر، هؤلاء أولادنا ممكن بضاعة منته مفعولها نهائياً تعمل لها لصاقات جديدة وتبيعها على أنها مستوردة حديثاً. أنا قلت مرة لأحد موظفي التموين: هيئ لكل ضبط جواباً إلى الله تعالى وليس معنى هذا أنك مكتف اليدين، لا، إذا إنسان يسيء يطعمنا مواد سامة، مواد مسرطنة، مواد منتهية المفعول، حاسبه، وحسابه نوع من الدين، قال تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة النور : 2 ] أما إذا رجل مظلوم فالله يحاسبك أنت، الله كبير، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَعَامٍ وَقَدْ حَسَّنَهُ صَاحِبُهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا طَعَامٌ رَدِيءٌ فَقَالَ بِعْ هَذَا عَلَى حِدَةٍ وَهَذَا عَلَى حِدَةٍ فَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا )) [أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ] لماذا الغش من الكبائر؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نفى أن يكون الذي يغش الناس من أمة محمد، هذا أحد أدلة أنها كبيرة، والظلم ظلمات يوم القيامة. تعجيل العذاب للباغي و العاق : مرّ معي بالأحاديث أن هناك ذنوباً كبيرة جداً يؤخر الله حسابها إلى يوم القيامة إلا البغي والعقوق، فالله سبحانه وتعالى يعجل لصاحبهما العذاب في الدنيا قبل الآخرة: (( أَيُّمَا رَاعٍ اسْتُرْعِيَ رَعِيَّةً فَغَشَّهَا فَهُوَ فِي النَّارِ )) [متفق عليه عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ] أحياناً دخل لعندك مريض، الطبيب من رعاياه المرضى، المهندس من رعايا أصحاب المشاريع، ممكن أن يوافق المهندس أن يسحب الحديد بعد الصب، قبل الصب، البناء مال، رجل دفع ثمن بيت، البناء يجب أن يخلى، من أجل أن يوفر المتعهد خمسين ألفاً هدم بناء بأكمله، ما هو السبب؟ المهندس له رعايا، المعلم له رعايا، يمكن ألا يعلم طلابه، تنشأ مشكلات في البيوت، ملّ والمعاش قليل، المعاش قليل استقيل أو علّم بضمير، لا أحد يجبرك أن تعلم على قدر المعاش هذه ما قالها أحد: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] وأقول هذا الكلام مرةً ثانية: الذين في المكان الأعلى لا يمكن أن يأمروك في إيذاء الناس، كما أنه لا يمكن أن يمنعوك أن تكون منصفاً ومخلصاً، بالعكس ترقى عندهم وتزداد مكانتك، الخطأ من الصغار، من هؤلاء الذين يظلمون الناس بغير الحق. (( فعَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ: مَعْقِلٌ إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ )) [متفق عليه عَنْ الحسن] الدين النصيحة : مرة أخ من أخواننا، طبيب زارنا يوم الجمعة، حدثني عن قصص مؤلمة جداً، أن إنساناً طبيباً توهم أن في الثدي يوجد سرطان فاستأصله، وبعد أن استأصله كان لا يوجد فيه شيء، الفتاة معقود قرانها على شاب جيد جداً، فلما استؤصل ثديها وأيضاً الشاب عنده وجهة نظر فسخ العقد، أي الفتاة تدمرت وثديها لا يوجد فيه شيء إطلاقاً، ذكر لي قصتين أو ثلاث، وقال لي: أنا أرجوك إذا كان أخ من أخوانك يحتاج إلى عملية تحتاج إلى استئصال لا تقبل إلا بعد مشاورة طبيبين أو ثلاث حتى يصبح تواتر، سبحان الله بعد فترة أخ من أخواننا ابنته صار معها إشكال في كليتها، ذهب إلى طبيب قال له: تحتاج إلى استئصال فوري وإلا تتوقف الثانية، جاء واستشارني، قلت له: لا، اذهب إلى الطبيب الفلاني وأنا أعلمه يخاف الله، فقال له: لا يوجد حاجة لأن نستأصلها، معنا عدة أشهر، جاءني مرة بوقت غير مناسب من شدة فرحه قال لي: بعد ثمانية عشر يوماً الكلية الأولى التي كنا سنستأصلها عملت، والآن ابنته سليمة، لو أخذنا رأي الطبيب الأول والأول جراح طبعاً، أما بالعالم كله فالذي يقرر العملية هو الطبيب الداخلي وليس الجراح، حتى لا يكون هناك مصلحة، هذا الطبيب الجراح استأصلها بربع ساعة واستراح، والبنت التي عطبت!! فقضية الدين، أنا لا أفهم الدين في المساجد، الدين في المستشفى، في السوق، في المكتب التجاري، في مكتب المحامي، مكتب الطبيب، هذا هو الدين، فإذا إنسان ما نصح ليس مسلماً، النبي قال: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلاثَ مِرَاتٍ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ؟ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] تعريف جامع مانع موجز، الدين النصيحة، سبحان الله جاءني بوقت غير مناسب من شدة فرحه وقال لي: عملت الكلية الثانية، وكان سيستأصلها. محاسبة الإنسان على أعماله محاسبة شديدة : درسنا اليوم كبائر أي تصوم، تصلي، تحج، تزكي، تعمل عمرتين أو ثلاث، وتعتبر نفسك صاحب دين من الطراز الأول، وأنت في عمل أحياناً بالمالية، بالتموين، بالجمارك، بوظيفة أنت مستلمها، طبيب، مهندس، ممرض، أحياناً غلطة يذهب المريض، ممكن أن تنجح عملية قلب و يموت المريض من التضميد، من تضميد الجرح صار معه إنتان، الإنسان يحاسب على أخطائه، قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [ سورة يس: 12] صار كل عمل تحاسب عنه حساباً شديداً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً...)) [متفق عليه عَنْ الحسن] طبعاً وضحنا رعية المعلم طلابه، رعية الطبيب مرضاه، رعية المحامي موكلوه، وضع ثقته فيك، وطلبت أتعاباً مقدمة ثلاثمئة ألف، وأنت لا عليك، اذهب ونم، والمحامي نام، ما تابع أمره، ما قرأ المذكرة، ما راجع القوانين، صدر الحكم ضده، أنت أخذت ثلاثمئة ألف مقابل ماذا؟ ما اهتممت، أما الموكل فلا يستطيع أن يكشف الحقيقة، خصمك اتفق مع الثاني، ويقول للموكل: خصمك كبير جداً دفع أكثر منك، ويتهم غيره، ممكن أن تقنع الناس كلهم لكن الله لا تخفى عليه الحقيقة، يوجد مثل فرنسي: يمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، ويمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل، أما الله عز وجل فلا يمكن أن تخدعه لثانية واحدة لأنك مكشوف أمامه، الدين بعملك، الدين ببيعك وشرائك، يمكن أن تبيع دواء منتهي المفعول، عند التاريخ ترى الورقة ممزقة، والدواء قد بيع، أنا كنت أظن أن الدواء إذا كان منتهي المفعول لا ينفع، اكتشف منذ سنة أنه يؤذي أذى كبيراً جداً، لأن هذه المواد تفككت، وعندما تفككت أصبحت مواد ذات فعالية أخرى سلبية، فأنا أعرف شخصاً كاد يهلك من دواء منته مفعوله، فلما سألنا الوضع غير طبيعي، أخذ دواء مضاداً للالتهاب منته مفعوله، اشتراه وعند التاريخ محكوك، إقياءات شيء غير معقول، سألنا طبيب فقال: الدواء المنتهي المفعول مؤذي جداً، إذا كان عندك هذا الدواء وبعته إلى إنسان، صلاتك ليس لها قيمة، أنت بعت دينك لم تبع دواء، بعت دينك كله ولم تبع دواء، بعت دينك بخمسين ليرة، اتلفها بيدك والله يعوض. (( مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ )) [متفق عليه عَنْ الحسن] وفي رواية أخرى: ((عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَالَ مَعْقِلٌ إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )) [متفق عليه عَنْ الحسن] الكبائر تلغي العبادات و الجهاد : من الكبائر أن تظلم الناس، والكبائر تلغي العبادات، الدليل، إنسان ارتكب كبيرة في عهد الصحابة الراشدين، بلغ ذلك السيدة عائشة قالت: قولوا له: إنه أبطل جهاده مع رسول الله، الكبائر تلغي العبادات وتلغي الجهاد، والجهاد ذروة سنام الإسلام، فالعبادات من باب أولى، لا تبع دينك بمئة ليرة، بعرض من الدنيا قليل، والله المؤمن لا يبيع دينه ولا بمئة ألف مليون، يقول: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، المشكلة أخواننا الكرام أنه يوجد مهن خطيرة جداً، والمشكلة الأخرى أن هذه المهن أصحابهم موثوقون، وبإمكانهم أن يجمعوا أموالاً طائلة، وألا ينفعوا أحداً إن لم يؤذوا، وهذه مشكلة كبيرة، نحن نريد مسلماً ملتزماً، مسلماً إيمانه صارخ، استقامته صارخة، عمله بين. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَبِي قُلْتُ لِيَحْيَى كِلاهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولاً لا يَفُكُّهُ إِلا الْعَدْلُ أَوْ يُوبِقُهُ الْجَوْرُ )) [أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] أي يأتي أي إنسان وكّل على عشرة أشخاص تؤتى يداه مغلولتين يوم القيامة، أطلقه عدله أو أوبقه جوره، يقول لي أحياناً طالب: لم أنجح أول دورة، وثاني دورة، وثالث دورة، طلب مني شيئاً لم أؤمن له إياه، صار له ست سنوات، يعلق على مادة واحدة، هذا ليس عشرة بل خمسمئة طالب، إذا الإنسان ما عرف الله عز وجل يظن أن إيذاء الناس شيء سهل، يظن أن ابتزاز أموالهم شيء سهل، يظنه ذكاء، أما هو فسوف يحاسب حساباً عسيراً. ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ مَنْ رَفَقَ بِأُمَّتِي فَارْفُقْ بِهِ وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَشُقَّ عَلَيْهِ )) [مسلم عَنْ عَائِشَةَ] الإنسان مؤاخذ و محاسب وحده : هناك قصة وقعت من أخطر القصص رجل شك بابنته وخاف أن تكون حاملاً فعمل لها تحليلاً، وقعت العينة من يد الموظف وكسرت، خاف من الطبيب فكتب: التحليل إيجابي، فجاء مساءً فقال له: مبروك ابنتك حامل، فذبحها مساءً، كان من الممكن أن تقول له: انكسرت العينة أحضر عينة ثانية، وهذا أفضل و لو تأخر التحليل يوماً ثانياً: (( اللَّهُمَّ مَنْ رَفَقَ بِأُمَّتِي فَارْفُقْ بِهِ وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَشُقَّ عَلَيْهِ )) [مسلم عَنْ عَائِشَةَ] أحياناً يكون لابد من قانون دقيق، هذا القانون ينفذه الصغار تنفيذاً ما أراده واضع القانون. أحد أخواننا له ثلاثة عشر أخاً، يسكن في بيت والده اشتراه بماله عدّاً ونقداً، من عشرين سنة، اشتراه مع أخته أي مع عمته، العمة تعمل بالمحاماة، والبيت كان ثمنه خمسمئة ألف وأصبح ثمنه ثمانية عشر مليوناً، البيت كان لجمعية تعاونية، والأب لم يخطر في باله أن يطلب من أخته وصلاً، البيت باسمها وهو دافع نصف ثمنه من عشرين سنة، وعنده أربعة عشر ولداً، هذه العمة رأت أن البيت لها بالطابو، فقالت له: سوف أعطيك مليون ليرة وتخرج من هذا البيت، فقال لها: أين أذهب و عندي أربعة عشر ولداً؟ فقالت له: هذا الحاضر أنا أستطيع أن أخرجك، النتيجة لم يرض أن يأخذ مليون ليرة ويخرج، هو دفع مئتين وخمسين ألفاً الآن ثمنه ثمانية عشر مليوناً، والعمة عانس ليس لها أحد، بعد أخذ ورد بأسلوب ماكر أخرجته من البيت وهذا الأخ أحد أخواننا، وأنا مع القصة يوم بيوم، توزعوا الأولاد بين بيت الجد والبيت لجد الأب، والأثاث وضع في مستودعات، والأسرة تشردت، أي مأساة كبيرة جداً، وأنا قلت: الله عز وجل كبير جداً ولابد من أن ينتقم، الأخ الكريم أخبرني بعد شهر أن عمته مصابة بمرض السرطان في أمعائها، وأنا أعرف أن هذا المرض يمكن أن يمد سنتين، بعد شهر أخبرني أن عمته توفيت، أخوها عاد إلى البيت كاملاً، خلال شهرين انتهت فاستحقت لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. أقول لكم درسنا اليوم عن الظلم، وكل إنسان بموقع معين يستطيع أن يظلم، ولا أحد يجبرك على الظلم، هذه دعها في ذهنك، الذي أعلى منك لن يستطيعوا أن يجبروك على الظلم بالعكس ولن يمنعوك من العدل، فأنت مؤاخذ وحدك، ومحاسب وحدك، وهذه الأمة نحن كلنا من هذه الأمة، إذا معلم أساء إلى ابنك من أين المعلم؟ منك وفيك، إذا المهندس أساء، إذا الطبيب أساء، من هم؟ نحن، الدين يردع الإنسان عن الظلم، لذلك الظلم من أكبر الكبائر. الظلم يلغي كل عبادات الإنسان : الظلم يمكن أن يلغي كل عباداتك، بل إن كنت مجاهداً في سبيل الله والجهاد ذروة سنام الإسلام قولوا لفلان إنه أبطل جهاده في سبيل الله، قبل أن تظلم إنساناً، قبل أن تأخذ مالاً أكثر مما يجب، قبل أن يدلس الإنسان، قبل أن يغش، يعد الإنسان إلى المليون، لأن الله عز وجل سيحاسب حساباً عسيراً. ((اللَّهُمَّ مَنْ رَفَقَ بِأُمَّتِي فَارْفُقْ بِهِ وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَشُقَّ عَلَيْهِ )) [مسلم عَنْ عَائِشَةَ] ((إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ )) [أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ] لأنه اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنه ليس بينه وبين الله حجاب، ليس بين الكافر المظلوم وبين الله حجاب، وفي رواية: دعاؤه يصعد إلى السماء كالشرارة، دعاء مظلوم، قبل أن تظلم إنساناً عد إلى المليون، وراقب الله سبحانه وتعالى، أنت في قبضته وأنت في يده. يوجد إنسان مؤذ أذى غير معقول، والناس كلهم يشتكون منه، فجأةً لم يؤذ أحداً، انقلب مائة وثمانين درجة، الناس عجبوا أشد العجب، فتبين لهم أن أول ولد له والثاني والثالث والرابع معتوهون، فكل هذا المال الذي حصّله ما قيمته أمام أربعة أولاد معتوهين، ثم تاب إلى الله توبةً نصوحة: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ)) [أحمد عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ] معنى هذا أنه إذا لم يكن هناك استجابة لأنه ليس هناك أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر. (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ )) [ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا] أي مردود عليه، أي كل شيء ما فعله النبي ولا فعله أصحاب النبي وليس معه دليل من الكتاب والسنة إنما هو بدعة. (( عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلا هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ )) [مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] ((لا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ)) [متفق عليه عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] من لا يرحم لا يُرحم : هناك مآس لا تعد، أحياناً ترى طبيباً يرحم الناس، طبيب إسعاف مع الناس دائماً، ويوجد طبيب آخر ينتظر ساعة فيموت المريض، يجلس ويقرأ جريدة ويشرب الشاي نزل فوجده ميتاً، يتحاسب أشد الحساب. ((حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا مَرْيَمَ الأزْدِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلانٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ فَقُلْتُ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ وَلاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ قَالَ فَجَعَلَ رَجُلاً عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ )) [أبو داود عَنْ يحيى بن حمزة] يوجد أخ له عمل بدائرة عليها طلب شديد، زرته مرة الباب مفتوح، من كان يحضر إلى عنده يعمل ترتيباً، البدء عنده وهو يحول الموظفين، لا يستطيع موظف أن يؤخر ويماطل، يدخل إلى عنده يوقع ويأخذ تاريخ الورقة، رأيت منه إنصافاً عجيباً وخدمة للناس غير معقولة، دائرة حساسة، مئات كل يوم يدخلون لعنده، والباب مفتوح ما احتجب على أحد، يوجد موظفون لهم خدمات كثيرة، ويرحمون الناس، وينصفون الناس، ويحسنون إلى الناس، ويرأفون بهم، ويلفتون نظرهم إلى الأخطار، هذا إنسان الله عز وجل يرحمه. ((....مَنْ وَلاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ ..)) [أبو داود عَنْ يحيى بن حمزة] والإمام العادل يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. (( عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ )) [أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ] إذا إمام عادل، منصف، يقظ، يرعى مصالح الناس، يرعى أمرهم، يرعى مصالحهم، إذا أنت احترمته احتراماً زائداً، احترامك له من إجلال الله، شجعه. كل إنسان راع و مسؤول عن رعيته : حدثني أخ كان له عمل، خمسة آلاف شخص تابع أضابيرهم، وأمورهم، المظلوم أنصفه، هذا أخرجه، عمل ليلاً نهاراً، هذا طريق الجنة، لا تخلو الدنيا من أناس صالحين، يخافون الله، يرحمون الناس، ينصفونهم، يترفعون عن أكل المال الحرام: ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ )) [أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ ] (( إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا )) [مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] ((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ )) [متفق عليه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ] أحياناً يكون رجل فقير جداً، مكلف بمهمة خارج القطر، يحضر معه كيلوان من الموز لأولاده عندما كان الموز ممنوعاً، فتؤخذ منه ويدفع غرامة، فقير منتوف اشتهى لأولاده كيلو موز دعه وشأنه، أحياناً يوجد قسوة بالغة وهذا من قسوة القلب، قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً ﴾ [سورة القصص:83] درسنا اليوم في الكبائر، والظلم من الكبائر، وكل واحد منا راع، ومسؤول عن رعيته، أنا لا أصدق أحداً من الحاضرين إلا وهو راع، في كل هذه البلاد إلا وهو راع، الزوجة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، الخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وسع، إن كنت تاجراً فرعيتك زبائنك، وإن كنت طبيباً فمرضاك، وإن كنت محامياً فموكليك، وإن كنت مهندساً فالذين يعملون معك، وإن كنت موظفاً فمن دونك، وإن كنت موظفاً بالتموين فالتجار الذين أمامك، المسيء حاسبه، والمظلوم أنصفه، والله كبير، وكلهم عباده، والله يوجد عنده أشياء مخيفة، وهيئ لله جواباً عن كل عمل هذا الكلام الدقيق، والظلم ظلمات يوم القيامة . (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ك ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] المستقيم يدافع الله عنه و يحفظه : من الكبائر التي لا ينتبه الناس إليها الظلم، أو أن تؤذي من وكلهم الله إليك، من جعلك الله قيّماً عليهم، وكل إنسان راع، سمان صغير، هل يوجد أصغر من هذا العمل؟ إذا كان البيض فاسداً يبيعه، وقعت فأرة في تنكة الزيت، هذا خان رعيته، قال له زبون: أعطني أوقيتين من الزيت البلدي، هذا الزيت سعره مرتفع والفأرة نجسة، فهذا السمان خان الأمانة. بالمناسبة ودققوا في هذا الكلام، لا يوجد إنسان يخاف من الله وحده الله يخوفه من إنسان، الله يحميه، إذا الإنسان فعل شيئاً وما خاف من الله يجعله ذليلاً أمام إنسان آخر أقوى منه ويخيفه. قال لي رجل: ركبي تقصف عندما دخل موظف التموين، الله يعلم ماذا يفعل مع الناس، أما إذا رجل مع الله ما أذى أحداً أبداً فلن يضره الله أبداً، بلغني مرة أن إنساناً دخلوا لعنده، يوجد عنده امرأة قالت لهم: لم تجدوا سوى هذا الرجل، هذا الرجل صادق أمين يخدم الناس، استحى هذا الموظف وخرج، يمكن إذا كان الرجل مستقيماً الله يدافع عنه، ويحفظه، ويرفع له مكانته. من خاف الله وقاه الله كل مخيف : النقطة الدقيقة بالدرس إذا أنت خفت من الله وحده لا يمكن أن يخيفك من أحد، ويجعلك عزيزاً، أما إذا بينك وبينه لم تخف منه، آذيت له عباده، يوقفك موقفاً ذليلاً أمام أحقر إنسان، فتتذلل له وهو لا يتحكم بك، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [سورة النساء:141] الإنسان يتقي الله، لا يغش الناس، الله هو الرزاق، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [سورة الذاريات:58] أخ من أخواننا قال لي: نصف غلتي من الدخان، وهذه القصة من عشرين سنة أو قبل خمس عشرة سنة، قلت له: لا تبع دخاناً ليس لك مصلحة، فقال لي: نصف غلتي منه، قلت له: لا تبعه، توقف عن بيع الدخان قال لي: ما شاء الله اشتريت أول محل والثاني، والأمور كلها مباحة وحلال، والله أكرمني وصحتي جيدة، أما عندما ضحى، نصف الغلة من الدخان تأتي، وقلت له: توقف عن بيع الدخان ولا تخف ولا تكن سبباً في إيذاء الناس فأكرمه الله. أنا الآن أرتاح أي إنسان يعلن عن الدخان يدفع مئة ألف غرامة، إذا إنسان كتب: عندنا دخان، خولف بخمسة وعشرين ألفاً، هذه نعمة كبيرة، هذا الدخان يؤذي الناس، توقف عن بيع الدخان، والله أعطاه وأكرمه بمحلين مقابل بعضهم، كثير من الناس كانوا يبيعون الخمر في مطاعمهم، تركوا الخمر تضاعفت غلتهم، وأناس بالعكس تركوا الخمر خلال ستة أيام الغلة نقصت، ثم أعاد الخمر وبعد اثني عشر يوماً مات، مات متلبساً بجريمة بيع الخمر في محله. الدين استقامة و خوف من الله : ملخص الدرس لا تخف ولا تخش إلا الله، فإذا خشيت الله وقاك الله من كل مخيف، ولا تأخذك بالله لومة لائم، والظلم من الكبائر، وكل إنسان ولاه الله عملاً أو منصباً كل موظف يستطيع أن يؤذي الناس. اسمعوا هذه الكلمة، كل موظف ولاه الله أمر مجموعة من الناس، يجب أن يهيئ لله جواباً عن كل شيء يفعله، لله وليس لعبد الله، لأنه يوجد قبر، وحساب، وأنكر ونكير، لماذا فعلت كذا؟ أما إذا إنسان مسيء يؤذي المسلمين، يؤذيهم في غذائهم، أنا اليوم قرأت في الجريدة شيئاً مؤلماً جداً، نهر ماؤه أسود اللون، كل الأسيقة عليه، وهذا النهر تسقى به مزارع كثيرة جداً، كلها خس، وبقدونس، هذه كلها أمراض، لا يخافون من الله، هذه مياه سوداء لابد من أن نبتعد عن سقي المزروعات بها، والآن ثبت أن المزروعات تتأثر بهذه المواد، أنت مواطن بريء تحتاج إلى بقدونس، هذه أمراض وليست بقدونس، عندنا الهرمون محرم، ممنوع استيراده، وإذا كان هناك صيدلية زراعية تبيع هرموناً تغلق فوراً، ومع ذلك يحضرونه تهريباً ويضعونه للبندورة لتكبر، هذه مهرمنة وهي مواد مسرطنة، فإذا كان الرجل لا يهمه مصالح الناس، لا يهمه كرامة الناس، هذا يجب أن يحاسب حساباً دقيقاً، القضية قضية دقيقة، الدين استقامة، خوف من الله عز وجل، يوجد أناس ينتقون الصغيرة، هذه لا يوجد فيها هرمون، أما الكبيرة ففيها هرمون، والهرمون مادة ممنوعة. الآن صدر قرار مريح جداً: أي مادة مستوردة غير مسموح استعمالها ببلد المنشأ ممنوع استيرادها، الأجانب لا تبرؤونهم يبيعون مواد سامة، مواد مسرطنة، ولكن عندهم ممنوع استعمالها، نحن الآن من فضل الله لا يمكن استيرادها إلا بشهادة أنه مسموح استعمالها في بلد المنشأ، وإلا صحة الناس غالية جداً. كل إنسان مؤتمن عما تحت يده : درسنا اليوم من الكبائر، الظلم، ولا يوجد واحد منا إلا وله رعية، فإذا نصحها أنقذه الله، وإذا غشها أتلفه الله، بدءاً من معلم ابتدائي، مدير مستشفى، طبيب، مهندس، تاجر، موظف تموين، مالية، موظف جمرك، موظف تأمينات اجتماعية، قال لي رجل: كل البضاعة وطنية، أخذوها حتى يصدر إفراجها تحتاج إلى ثمانية أشهر، هذا الموظف ما أنصفه، هو لم يتلقَ من رئيسه أن يظلم، هذا من عنده وسيحاسب، هذا البضاعة ليست مستوردة، وأبرز له الفواتير كلها، فقال له: تحل هذه في المحكمة الجمركية، الله كبير. الذي أتمناه عليكم إن كان لكم أعمال متعلقة بالمواطنين أنصفوهم، وارحموهم يرحمكم الله، ولا يوجد أحد على الإطلاق إلا وله علاقة مع الناس، لا يوجد أحد إلا وتحت يديه رعية، أقل راع الأب، عندك ثلاثة أولاد وزوجة هل يوجد أقل من هذا؟ أنت راع، أقل راع خادم في محل تجاري، يأتي يفتحه صباحاً بمفرده يستطيع أن يسرقه، هو مؤتمن عليه، لا يوجد إنسان مهما قلّ شأنه إلا وهو راع، وتحت يده رعية، فإن نصحها أكرمه الله، وإن غشها أتلفه الله. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : قطيعة الرحمالاخلاق الاسلامية الدرس : ( العاشر ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. لفت النظر إلى الكبائر التي يتوهمها الناس صغائر : أيها الأخوة الكرام، بدأنا من درسين سابقين بموضوع الكبائر، وذكرت لكم أن الكبائر المألوفة كالقتل والزنا والسرقة هذه يعرفها جميع المسلمين، لكن أردنا في هذا الدرس أن نلفت النظر إلى الكبائر التي يتوهمها الناس صغائر وهي كبائر، ماذا تنفعك صلاتك وصيامك وحجك وزكاتك إن كنت ترتكب الكبائر وأنت لا تدري؟ الشيء الذي لا يصدق أن معظم المسلمين يرتكبون الكبائر وهم لا يشعرون، وبارتكابهم هذه الكبائر يقع حجاب كثيف بينهم وبين ربهم، فهل تصدقون مثلاً أن قطيعة الرحم مثلاً من الكبائر، الإنسان إذا امتنع عن زيارة أقربائه قد وقع في كبيرة وهو لا يدري، إلا أن هناك تحفظاً لابد من التنويه به، طبعاً دع خيراً عليه الشر يربو، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، إذا كان في هذه الزيارة مفسدة، أو اختلاط، أو غيبة، أو نميمة، أو سخرية، أو استهزاء، هذا ليس من صلة الرحم في شيء، أما لك خالة أو عمة أو لك أخت أو بنت في طرف المدينة أنت بعيد عنها، ولست متفرغاً لزيارتها، إذا قطعت هذه المرأة - بنت، أخت، خالة، عمة - عن قصد ولو زرتها لم ينشأ أي مخالفة للشرع فقد وقعت في كبيرة، ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [ سورة النساء : 1 ] ![]() أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولقد ذكرت لكم من قبل أن صلة الرحم لا كما يتوهم الناس قضية زيارة، هي تبدأ بزيارة وتمر بتفقد الأحوال، وقد تحتاج هذه الزيارة مع تفقد الأحوال إلى معونة ثم تصل إلى الدعوة إلى الله، ثم تنتهي بالهدى إلى الله، أي أعظم إنسان ذلك الذي لا ينسى أهله وأقاربه، إذا عرف الله عز وجل واتصل به وسعد بقربه لا ينسى الذين حوله، لا ينسى الذين ربوه، لا ينسى الذين تعبوا حتى أصبح بهذا الوضع، فلذلك صلة الرحم تبدأ بالزيارة وتمر بتفقد الأحوال، وقد يحتاج هذا التفقد إلى مساعدة، ثم ينتهي هذا بالدعوة إلى الله عز وجل، فإذا استطعت من خلال صلة الرحم أن تأخذ بيد أقاربك إلى الله عز وجل، وأن تدلهم عليه، وأن تحملهم على طاعته، فقد حققت من هذه العبادة أعلى غاياتك، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ*أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [ سورة محمد: 22-23 ] من الكبائر : 1 ـ قطيعة الرحم : قطيعة الرحم تستحق لعنة الله عز وجل، لذلك صنفها العلماء من الكبائر، أما الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام أحمد والإمام البخاري: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ )) [أخرجه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم] استثنيت الصلة التي يبنى عليها فساد، أما إذا زال الفساد ولم تصل رحمك، وليس هناك عذر فقد وقعت في كبيرة، يبدو أن الإسلام نظم الحياة على أساس التكافل الاجتماعي الأسري، والمجتمع مجموعة أسر، فإذا كل أسرة تفقدت أقرباءها، رعت شؤونهم، تفقدت أحوالهم، مدت لهم يد المساعدة، أخذت بيدهم إلى الله. سمعت عن بعض الأبنية في الميسات، بناء من طوابق عديدة، سكان هذا البناء على تفاهم جيد فيما بينهم، لهم جلسة كل يوم معين في الأسبوع، فاتفقوا على أن يذهبوا جميعاً إلى مسجد واحد يوم الجمعة، واتفقوا أن يسهروا في كل أسبوع يوماً، وأن يدعو بعض الدعاة ليلقي عليهم بعض المواعظ، هذا تعاون، تعاون على أمر الدين، فإذا كان الجار الغريب يتعاون مع جاره على أمر صلاح الدنيا وصلاح الآخرة فكيف بالمؤمن؟ هؤلاء الذين حولك من لهم غيرك؟ الناس جميعاً أنت لهم وغيرك لهم، يوجد إنسان في الطريق أنت له وغيرك له وألف إنسان له، أما أقرباؤك فما لهم أحد إلا أنت، فكل أسرة إذا تفقدت أفرادها وعناصرها، التفقد يبدأ بالزيارة، ثم بالمساعدة، ثم بالدعوة إلى الله عز وجل، نكون قد حققنا من صلة الرحم الغاية التي أرادها الله عز وجل، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ )) [ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] اتفق على هذا الحديث الإمام البخاري ومسلم. لوازم الإيمان : من لوازم الإيمان صلة الرحم، من لوازم الإيمان الإحسان إلى الجار، من لوازم الإيمان الإحسان إلى الأهل، هذا هو الدين، قطيعة الرحم كبيرة، أحياناً الإنسان يهتدي إلى الله، له أصدقاء مؤمنون ينضم إليهم انضماماً كلياً وينسى أهله، قد لا يعجبه أهله، ولكن خذ بيدهم، انصحهم، فكر في طريقةٍ تهديهم إلى الله عز وجل، فكر في أسلوبٍ تلقي فيهم صحوةً دينية، أنت مكلف بهم، وفي حديث آخر: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) )) [ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] فضل الله أعمال صالحة أو كسب رزق : لذلك مرّ معنا في درس الجمعة، قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الجمعة : 10] أي بعد صلاة الجمعة إذا الإنسان عنده قائمة أقرباء، أخته، بنت أخته، خالته، عمته، أقرباء زوجته، ليعمل لهم زيارات دورية، هذا يوم عطلة، هذا من لوازم صلاة الجمعة وابتغوا من فضل الله، وفضل الله إما أعمال صالحة، أو كسب الرزق في الدنيا وكلاهما من فضل الله عز وجل، وفي حديث آخر أخرجه الإمام البخاري: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )) [البخاري عَنِ ابْنِ شِهَابٍ] ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ خيركم من طال عمره وحسن عمله، من أراد أن يطول عمره وأن يحسن عمله فليصل رحمه. الحقيقة الإنسان يتوهم أن الصلة زيارة، كما قلت قبل قليل هناك هدف كبير من الزيارة، أحياناً نصيحة بإخلاص تفعل فعل السحر، أحياناً ملاحظة تبديها، أحياناً تبحث لابنة أختك عن زوج صالح يهديها إلى الله، فهذه الأسرة وما فيها من تقوى وصلاح في صحيفتك، وعندما الإنسان يقتطع من وقته وقتاً لزيارة أقربائه، يصلهم، يجبر بخاطرهم، يكون قد قام بعمل عظيم، أحياناً الأخت حينما يزورها أخوها تفتخر به أمام زوجها، ويشعر زوجها أن لهذه الزوجة أقرباء يحرصون على صلتها، ولها عندهم شأن كبير، أما إذا زوّج أخته ولم يفكر إطلاقاً في أن يزورها هذا وقع في كبيرة دون أن يشعر، قطيعة الرحم كبيرة، وفي حديثٍ آخر: ((الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ )) [متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ] نستنبط من هذا أن قطيعة الرحم من الكبائر. كيفية تصنيف العلماء القطيعة من الكبائر : كيف صنف العلماء القطيعة من الكبائر؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [ سورة محمد : 23 ] طبعاً أي إنسان يصلي، ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت، فهو مسلم، كيف تقطعه؟ بأي دعوة؟ بأي حجة؟ ما الدليل على أن قطيعتك له مغطاة في الشرع؟ أما أن يقول لك أحد: لا تزر فلاناً فهذا كلام خلاف الشرع. وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ: اللَّهُ أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ )) [الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ] أنا مرة ذكرت قصة مؤثرة، إنسان زار أخته وجدها على خلاف مع زوجها شديد، والخلاف على مبلغ بسيط، تطالبه بمبلغٍ كل شهر من أجل لباس الأولاد وهو يمتنع لأن دخله محدود، هذا الأخ ليس غنياً لكن يستطيع أن يؤمن هذا المبلغ لأخته، فقال: دعوا هذه الخصومة، المبلغ خذيه مني كل شهر، يقول لي هذا الأخ: على ستة أشهر أول الشهر أقدم لها هذا المبلغ البسيط نيابة عن زوجها، أي توفيقاً بينهما، بعد ستة أشهر طلبت أخته أن يجري لهم درساً أسبوعياً، أخته وبناتها، بدأ يعطيهم درساً بسيطاً، آية وحديثاً وحكماً فقهياً وقصة من الصحابة، هذا الدرس استمر فترة وانتهى أن كل بنات أخته قد تحجبن، ثم استطاع أن يزوج ثلاثاً منهن من شباب مؤمنين، هذا المبلغ البسيط الذي حلّ فيه مشكلة انتهى إلى إحياء أسر، انتهى إلى هداية، أربع فتيات كن سافرات تحجبن وسرن في طريق الحق بسبب هذه الزيارة التي أعقبتها مساعدة ثم أعقبتها هداية، هذا الذي أريده، الشيء الذي يجب أن يبقى في ذهني أنني مكلف أن أرعى أهلي، أخوتي الذكور، أخواتي الإناث، خالاتي، عماتي، أقربائي، أزورهم زيارات دورية، أتفقد أحوالهم، إذا كانوا بحاجة إلى مساعدة أساعدهم، ثم انصحهم وأدلهم على الله، ممكن الآن أن تعطيهم شريطاً يستمعون إليه، ممكن أن تدعوهم إلى المسجد، أن تعمل لهم درساً، هذا الذي أقوله ليكن في ذهن كل منا، أن قطيعة رحم كبيرة من الكبائر، من قوله تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [ سورة محمد : 23 ] ورأيتم الأحاديث الصحيحة، حديث الإمام البخاري، والحديث المتفق عليه، وكل الأحاديث التي تأمر بصلة الرحم أحاديث من أعلى مستويات الصحة. توعد الله قاطع الرحم باللعنة : ![]() في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [ سورة الرعد: 25 ] يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، أمر الله أن تصل رحمك فإذا قطعتها لك اللعنة، وفي الحديث القدسي: (( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ )) [الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ] وفي حديث آخر وأخير عن ابن عباس: (( بلوا أرحامكم ولو بالسلام )) [ البزار عن ابن عباس ] ولو اتصال هاتفي، لك خالة أو أخت ولا يوجد وقت تزورها اتصل بها، كيف الصحة بخير؟ نحن مشتاقون لكِ، السلام عليكم، خمس كلمات صلة رحم، أحياناً الرسالة أو الاتصال الهاتفي، أحياناً ينوب مناب الصلة، لكن أعلاها الصلة والتفقد والمساعدة والدعوة إلى الله، لكن أدناها: بلوا أرحامكم ولو بالسلام. 2 ـ النميمة : الشيء الثاني أيضاً من الكبائر قطيعة الرحم، والكبيرة الأخرى هي النميمة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ*هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [ سورة القلم: 10-11 ] ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة الحجرات: 10-11 ] يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق عليه: ((عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يَنُمُّ الْحَدِيثَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّام )) [متفق عليه عَنْ حُذَيْفَةَ] النميمة تفتت العلاقات و تدمرها : أنا قلت لكم أول الدرس: نتوهم أن السرقة، والخمر، والقتل، والشرك من الكبائر، والتولي يوم الزحف، لكن النميمة وقطيعة الرحم أيضاً هذه من الكبائر: (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا )) [متفق عليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ] ![]() يعذبان من النميمة، فلان قال عنك كذا وفلان قال عنك كذا، تفتتت العلاقات، وأصبح الشرخ قوياً، وأصبح المجتمع متفككاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ )) [متفق عليه عَنِ أبي هريرة ] هذا شيء منتشر بشكل واسع جداً، الإنسان ذكي يعرف ما الذي يرضي هؤلاء، وما الذي يرضي هؤلاء، فإذا تكلم لهؤلاء لما يرضيهم وذم هؤلاء فلما التقى بالأوائل أرضاهم وذم الآخرين وقع في شر عمله، وهو أنه صار ذا وجهين وأنه يرتكب كبيرة هي النميمة. ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)) [الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ] أحياناً يكون هناك علاقة متينة بين شخصين، يوجد أشخاص مختصون بقطيعة هذه العلاقات، يقطعون هذه العلاقات الوشيجة، قال عنك كذا، كنا في مجلس فورد ذكرك فمط شفتيه، كنا في مجلس فجاء ذكرك فلم يثنِ عليك بل طعن بك، هذا كله ينتهي بالإنسان إلى الوقوع بالكبائر. وعن كعب قال: "اتقوا النميمة فإن صاحبها لا يستريح من عذاب القبر"، وفي قوله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [ سورة المسد: 1-5 ] حمالة الحطب أي تمشي بالنميمة، النميمة وقطيعة الرحم من الكبائر. 3 ـ التطفيف بالكيل والميزان : ومن الكبائر أيضاً - أنا أنتقي من الكبائر التي يظنها الناس صغائر- التطفيف بالكيل والميزان، قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ*الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ*وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ*أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة المطففين: 1-6 ] ![]() قال بعض العلماء: التطفيف نوع من السرقة والخيانة، وأكل المال بالباطل، والتطفيف بتمرة تجرح عدالة الإنسان، إذا وزنتم فأرجحوا، فالبضائع التي تباع بالأطول إذا قاس الثوب ليبيعه شده، وإذا قاسه ليشتريه أرخى الثوب وجعله خط منحن، هذا مطفف، في الوزن يبيع شيئاً ثميناً جداً يوزن معه الكرتون، أحياناً الشاي والقهوة يضعها بكيس وزنه ثقيل، كيلو الأكياس هذا لا يساوي كيلو القهوة، سعر الأكياس خمسين ليرة، والقهوة بثلاثمئة وخمسين، عندما تزن هذه الأشياء الغالية بعبوات لها وزن بكون قد طففت، قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ*الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ*وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ*أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة المطففين: 1-6 ] أحياناً يلقي البضاعة بالكفة إلقاءً شديداً ثم يحملها ويقول لك: تفضل أنت أعطيتها وزناً مع دفع، الكفة رجحت، ثم أمسك بقطعة اللحم وقدمها لك، هذا لا يجوز، أحياناً مروحة عندما يأتي هواءها إلى الكفة يضع لك الوزن، هواء المروحة الضاغط يرجح الوزن، أيضاً تطفيف بالأطوال، بالمكاييل، بالأوزان، بطريقة البيع، هذا كله يدخل في ذلك، العلماء قالوا: التطفيف ضرب من السرقة، والخيانة، وأكل المال بالباطل، والتطفيف بتمرة واحدة يجرح العدالة. 4 ـ الأمن من مكر الله : الآن يوجد شيء قد لا تصدقونه، الأمن من مكر الله من الكبائر، أي مقيم على معاص وهو مرتاح جداً، يأمن مكر الله، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [ سورة الأعراف: 99] يوجد في الدخل شبهة، ترك للصلوات، إطلاق للبصر، جلسات مختلطة، كلام باطل، غيبة، نميمة، لعب نرد إلى الساعة الواحدة مساءً، تناول الدخان، لا يوجد عنده مشكلة مرتاح، هذه الراحة تعني أنه يأمن مكر الله، كأن الله عز وجل لن يعاقبه، أو لن يؤدبه، أو لن يسوق له بعض الشدائد، لا يخاف الله عز وجل، فرأس الحكمة مخافة الله، الأمن من مكر الله من الكبائر، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 44] قال له: يجب أن تصل إلى الشام بعد ساعتين وعشر دقائق، معه أرقى سيارة، بعد دقائق كان قطعتين، ترك ألفي مليون، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، على أي شيء مستند؟ من يضمن أن نعيش بعد ساعة؟ من يضمن ألا تنمو في جسمنا نمواً عشوائياً بعض الخلايا؟ من يضمن أن نصل إلى بيوتنا؟ من يضمن إذا نمنا أن نستيقظ وإذا استيقظنا أن ننام؟ فكل إنسان يأمن مكر الله يرتكب كبيرة، معنى هذا أنه لا يتوب، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 44] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ*أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [ سورة يونس:7-8] الأمن من مكر الله من الكبائر، أن تكون مطمئناً ولست مستقيماً، أن تكون مطمئناً ولست على حق، وفي رقبتك حقوق لم تؤدها، وأنت قاطع رحم، وتارك صلاة، وتلعب بالنرد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ )) [مسلم عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ] أن تقيم على المعاصي وأن تأمن عقاب الله عز وجل هذا اسمه في كتاب الكبائر الأمن من مكر الله. 5 ـ القنوط من روح الله : ![]() يوجد عندنا من هذه الكبائر أن تقنط من روح الله، أن تقنط من نصر الله، يوجد شخص تضعف معنوياته إلى درجة أنه يقع، لا يوجد عنده أمل أن ينصره الله، الإله لا يوجد عنده مصلحة أن يعذبك، يوجد مشكلة ابحث عنها، إذا إنسان ركب سيارة فتوقفت، يجلس ويضرب نفسه، يفتح غطاء المحرك ويبحث عن الخطأ، ابحث عن الخطأ، عن المعصية، النقطة الدقيقة إذا الإنسان رأى الأمور ضده، كلما فتح باب يغلق، معنى هذا أنه يوجد عنده علة كبيرة، ابحث عنها عوضاً من أن تبرك، وتضعف همتك، وتيأس من روح الله، يجب أن تعمل على أن تصلح ما اختل من سلوكك، يقول الله عز وجل: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [ سورة يوسف: 87] ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [ سورة الشورى: 28] مرة التقيت مع أخ هو عضو في حوض دمشق، ذكر كلاماً لم يستطع أحد من الحاضرين الوقوف منه، بأن مستوى المياه الجوفية انخفض إلى درجة أن الشام مهددة بالجفاف، ولابد أن يرحل عنها أهلها، ومعه أدلة، هو طبيب، ومثقف ثقافة عالية جداً، وعضو في لجنة حوض دمشق، مستوى المياه الجوفية هبط هبوطاً مخيفاً، ويبدو أن الأمر استقر هكذا ونحن انتقل خط الجفاف إلينا، ولا يوجد أمل، في العام الذي يليه كانت نسب الأمطار ثلاثمئة وخمسين مليمتراً في دمشق، أما المعدل السنوي فمئتان واثنا عشر، هبط ثلاثمئة وخمسين مليمتراً، أكثر من أربعين نبعاً تفجرت كانت قد جفت من ثلاثين عاماً، مياه منين وصلت إلى برزة، عين الصاحب عاد وانفجر، شيء مخيف هذا لم يكن في حسبانه، وجاءت سنوات والحمد لله خير، على كلٍّ أين هذا اليأس؟ انتهى قال تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [ سورة يوسف: 87] الله عز وجل يخلق الفرج من بعد الشدة، يخلق الفرج بعد الضيق، من الضعف قوة، من الفقر غنىً، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [ سورة الزمر: 53 ] يوجد نهي، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصَارِيِّ ] أي اجتهد في معرفة الله إلى أن تصل إلى الإيمان الصحيح الذي قوامه حسن الظن بالله، فصار القنوط من رحمة الله من الكبائر، والأمن من مكر الله من الكبائر، وقطيعة الرحم من الكبائر، والنميمة من الكبائر. 6 ـ كفران النعمة : أما الآن يوجد كبيرة من الصعب جداً أن تخطر في بال أحدكم، إنسان خدمك ولم تحسن إليه، ولم تعرف قيمة خدمته، ولم تشكره على عمله، هذه كبيرة؟ نعم كبيرة، قال تعالى: ﴿ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [ سورة لقمان: 14] ((مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] إنسان أسدى له معروفاً فلم يشكره، تنكر له. أعلمه الرمـاية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علمته نظم القوافي فلمـا قال قافيةً هجـاني *** هنا يوجد إساءة، رجل أسدى لك معروفاً يجب ألا تنسى هذا المعروف، يجب أن ترد عليه بمعروف مثله، يجب أن تصمت أما أن تسيء فهذا من الكبائر، كفران النعمة من الكبائر، لذلك العلماء بمقاييس الكبائر عدوا سبعين كبيرة، إذا جمعنا الآيات التي فيها لعن، أولئك لعنهم الله، أولئك غضب الله عليهم، التي فيها غضب، التي فيها ليس منا، هذا لا ينتمي إلى المسلمين، التي فيها عقاب شديد، توعد بعقاب شديد، التي فيها دخول النار. ((عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ قَالَ فَقَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا وَلا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ )) [متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ] هذه كبيرة تستوجب النار، أنت اعرف القواعد، كل سلوك توعد الله صاحبه بالنار فهو كبيرة، كل عمل توعد الله صاحبه باللعن هو كبيرة، بالغضب هو كبيرة. شكر النعمة يكون يالمجازاة أو الدعاء : قال بعض السلف: كفران النعمة من الكبائر، وشكرها بالمجازاة أو بالدعاء، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ )) [النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] ![]() إما أن ترد على العمل الصالح بعمل صالح، إما أن ترد على الهدية بهدية مثلها وإما أن تدعو له حتى تعلم أنك كافأته، أما إنسان قدم لك خدمة، فيجب أن تقدم له خدمة، مرة كنت أصلي الفجر في جامع العفيف كان يوجد درس كما هو في النابلسي، دخلت إلى البيت بعد الدرس وأداء الصلاة ما إن استلقيت إلا قرع الجرس، قلت: من هذا الذي جاء بهذا الوقت؟ وقت غير مألوف فخرجت لأتفقد الذي طرق الباب فإذا طفل صغير قال: نسيت المفاتيح على الباب، وجدت لفتة لطيفة أنه وجد المفاتيح وأخبرني، فأنا قلت له: شكراً ودخلت إلى البيت ما إن أضجعت مرةً أخرى قلت ما معنى كلمة شكراً لهذا الطفل الصغير؟ هذا كلام لا معنى له، فبحثت عن بعض الأشياء اللطيفة في البيت وتبعته وكان قد وصل إلى نهاية الشارع وقدمت له هديةً أعبر بها عن أنه لفت نظر إنسان يوجد مفاتيح على الباب. (( ... وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ )) [النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] أقل شيء أشكره عليه، أقل شيء قل له: شكراً أكرمتنا، والأبلغ أن ترد عليه الهدية بمثلها، خدمك خدمة اخدمه خدمة، قدم لك هدية قدم له هدية، النبي قال: ((تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] التهادي فعل فيه مشاركة، تقدم له ويقدم لك، تعينه ويعينك، هذا فعل فيه مشاركة، فلذلك الإنسان إذا شكرنا بعضنا دائماً المعروف ينمو، أما إذا ما شكرنا بعضنا فالمعروف يموت، رجل يركب حصاناً في الصحراء رأى شخصاً فقيراً بلا حذاء بلا نعل، ورمال الصحراء محرقة، دعاه إلى ركوب الخيل، ما إن اعتلى ظهر الخيل- كان أحد لصوص الخيل- حتى دفع صاحبها نحو الأرض، وعدا بها لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: يا هذا لقد تنازلت لك عن الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب المروءة، وبذهابها يذهب أجمل ما فيها. نحن إذا كل واحد خدم الثاني خدمة وشكره شكر حقيقي، وإذا كان قادراً ردّ هذه الخدمة بخدمة مشابهة، وردّ الهدية بهدية تتنامى العلاقات وتمتن العلاقات، أما إذا قدمت لك خدمة ولم تتنازل أن تشكر صاحبها عليها عددتها فرضاً يؤدى إليك فبعد حين تتقطع الصلات، ويتفتت المجتمع، منع الماعون هو الذي تقدم له خدمة فلا يرد عليها، والآن الناس تنكروا للخير بسبب الجحود عند بعضهم، يريد أن يدهن بيته استعار بيت جاره وقال له: عشرة أيام، هذه السنة رقم خمس عشرة وهم بالمحاكم، استعار البيت عشرة أيام، فتملكه واعتبر نفسه مستأجراً وقال له: هذه المحاكم، يوجد سبعمئة ألف بيت في الشام مغلقين، لا يوجد عندنا أزمة سكن ولكن أزمة إسكان، سبعمئة ألف بيت، إحصاء دقيق كلها على المفتاح مغلقة، ولو قدمت بيتاً إلى إنسان تملكه وانتهى الأمر لا يوجد عهد، أحياناً تجد شخصاً في الطريق لا تركبه معك تخاف، قد يكون معه حشيش، قد يكون مسيئاً، هذه الإساءة ترى السيارات فارغة، فلذلك منع الماعون، وعندما الإنسان يتنكر لصانعي الخير يكون قد قطع الخير في المجتمع، والحقيقة نحن يجب أن نعود إلى هذه السنة، أما أن يكون كفران النعمة من الكبائر، إنسان خدمك، رعاك، قدم لك شيئاً، نصحك تسيء إليه، والله أسمع قصصاً عما يجري في المجتمع من الجحود وتنكر الجميل شيء لا يصدق، أن الإنسان وصل إلى هذا المستوى، باعك بضاعة وخفض لك بثمنها وديّنك إياها وخبرت عنه هل هذا معقول؟ أحياناً ترى موظفاً بمحل رعاه رعاية طويلة وقدم له أشياء كثيرة، اشتكى عليه وأوقعه بمتاهة لا تنتهي، الإنسان إذا انقطع عن الله عز وجل يصبح وحشاً، حسه متلبد لا يوجد عنده إحساس بالعمل الصالح أبداً، مع أن المؤمن مأمور، اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، إن أصبت أهله أصبت أهله وإن لم تصب أهله فأنت أهله. 7 ـ ترك صلاة الجمعة : آخر كبيرة هو الذي يترك صلاة الجمعة من الكبائر: (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ )) [مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ] أكبر شيء أن تحرق له بيته، أو تهدم له بيته، هناك أناس يهدمون البيوت، أما هنا فالنبي قال: هممت أن أحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجمعة لأن هذه عبادة تعلمية، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: ((عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ )) [مسلم عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَي هُرَيْرَةَ ] (( عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ تَرَكَ ثَلاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ )) [النسائي عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ ] والأحاديث المتعلقة بصلاة الجمعة تزيد عن مئتي حديث وكلها في الصحاح، وذكرت هذا يوم الجمعة في درس الجمعة. تلخيص لما سبق : نمر سريعاً على هذه الكبائر، ترك صلاة الجمعة من الكبائر، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [ سورة الجمعة: 9 ] وذكر الله هنا هو الخطبة كما قال معظم المفسرين، التطفيف من الكبائر، الوزن، الكيل، المساحة، العدد من الكبائر، اليأس من روح الله من الكبائر، كفر النعمة، عدم شكر الناس من الكبائر، أشياء دقيقة جداً، النميمة من الكبائر، قطيعة الرحم من الكبائر، يوجد في الأسواق كتاب الكبائر فيه سبعين كبيرة، وكلها بالأدلة الصحيحة بالآيات، والأحاديث، فالإنسان إذا اجتنب الكبائر فهو في بحبوحة من أمر دينه، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ 7/4 |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاخلاق, الاسلامية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| العقيدة الاسلامية - الجن والسحر | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-10-2018 01:29 PM |
| الحقوق الاسلامية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 27 | 09-06-2018 07:43 AM |
| التربية الاسلامية - مدارج السالكين | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 101 | 07-21-2018 03:54 PM |
| [ذائقة نورانية] العقيدة الاسلامية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 68 | 06-21-2018 03:20 PM |