| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : تحريم الميتة والدم ولحم الخنزيرالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( الاول ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. في طريق الإنسان إلى الله مرحلتان؛ مرحلة التعرف عليه ومرحلة طاعته : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من دروس: "آيات الأحكام"، ولابد من مقدمة أقدم بها إلى هذا الموضوع الجديد. كلكم يعلم أن في طريق الإنسان إلى الله مرحلتين، مرحلة التعرف عليه، ومرحلة طاعته، إن صحّ أن نقول: المرحلة المكية والمرحلة المدنية، بتعبير ثالث بعد أن نعرفه من خلال آياته نطيعه من خلال أحكامه، فالذي وصل إلى نوع من المعرفة حملته على الرغبة في طاعة الله قد يسأل ما حكم هذا الشيء؟ وما موقف الشرع من هذا الشيء؟ هل هذا الشيء حلالٌ أم حرام أم مكروه أم مستحب أم مندوب أم فرض أم سنة؟ المؤمن الصادق لا يشغله شيء بعد معرفة الله إلا معرفة أمره ونهيه، لأنه فرغ من عقد العزم على طاعة الله بقي ماذا يرضي الله؟ أين أمر الله؟ ماذا يحب الله؟ فلذلك كأننا بدأنا في موضوع فقهي من أوسع الأبواب، أوسع الأبواب آيات القرآن الكريم المتعلقة بالتشريع، هذا باب في العلوم الدينية اسمه آيات الأحكام، يدرس في معظم كليات الشريعة في العالم الإسلامي. واخترته لكم لأنه على جانب من العمق والمتعة في وقت واحد، الدرس العام يحتاج إلى شيء مبسط، وشيء ممتع، وشيء مفيد، لعل الله سبحانه وتعالى يوفقني إلى تحقيق هذا الهدف. جنون البقر من أخطر الموضوعات و المشكلات : أحد آيات الأحكام هي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 172-173 ] هذه أحد آيات الأحكام، فما الأحكام التي تنطوي عليها؟ لابد من أن نقف عند مفردات هذه الآية، وعند معناها التفصيلي، وعند الأحكام الشرعية المستنبطة منها، وعند بعض القواعد اللطيفة التي تنفعنا في حياتنا، أي قبل أن نخوض في التفاصيل أكبر مشكلة تعاني منها أوربا اليوم مشكلة جنون البقر، ما هذه المصيبة الكبيرة؟ ثلاثة عشر مليون بقرة يجب أن تحرق، ثمنها ثلاثون مليار جنيه إسترليني، السبب: لأنهم أطعموها طحين اللحم الميت، يوجد شيء اسمه طحين اللحم، الجيف، الحيوانات الميتة، أمعاء الحيوانات، كل شيء ليس له أي ثمن هذا يجفف ويطحن ويطعم للبشر فلما أطعم البقر خلافاً لسنة الله عز وجل، البقر حيوان يعيش على النبات، فلما أطعمناه طحين اللحم الميت المجفف جن البقر، هذا تشريع الله عز وجل، فموضوع جنون البقر هذا الموضوع الذي يعد من أخطر الموضوعات، ومن أخطر المشكلات، حتى كل الصناعات المأخوذة من مشتقات البقر تسبب جنون البقر، والمشكلة بين إنكلترا وأوربا كبيرة جداً. على الإنسان أن يثني على المنعم ويستخدم النعمة فيما يرضيه : إذاً لابد من أن نعرف أحكام هذا الشرع العظيم؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 172-173 ] قال: الشكر، الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، الشكر تنفيذه على شكلين: إما أن تثني على المنعم، أو أن تستخدم النعمة فيما يرضيه، والأكمل أن تجمع بينهما أن تثني على المنعم، وأن تستخدم النعمة فيما يرضيه، فنعمة البصر ينبغي أن تستخدمها وفق منهج الله فلا تقع عينك على عورة لمسلم، ولا تنظر إلى ما حرم الله أن تنظر إليه، وألا تملأ عينيك من الحرام، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله فهذا نوع من شكر نعمة البصر، وإذا كففت أذنك عن سماع الغناء فهذا نوع من شكر نعمة السمع، وإذا قادتك قدماك إلى المسجد فهذا نوع من شكر نعمة الحركة، وإذا نطق لسانك بذكر الله فهذا نوع من شكر نعمة التكلم، فأول شيء بالشكر أن تعترف أن هذه النعمة من الله فتثني عليها، والشيء الثاني أن تستخدم هذه النعمة فيما أمر الله، نعمة المال ينفق المال في طاعة الله، نعمة الصحة تنفق في العبادات، نعمة المكانة الاجتماعية تنفق في إحقاق الحق وإبطال الباطل. الإهلال رفع الصوت : أهل لغير الله به، كلمة نرددها كثيراً، الإهلال رفع الصوت، أهل بكذا أي رفع صوته بكذا، إهلال الصبي صياحه عند الولادة، أحياناً يصيح ويموت بعد ثانية، تختلف مسألة الميراث، إن صاح ومات فهناك حساب، وإن لم يصح ونزل ميتاً فهناك حساب آخر، أحكام دقيقة جداً، صوت بكاء الطفل ومات قد تتحول ملايين من جهة إلى جهة ما دام الصبي ورث من أبيه، فلما مات ورّث أخوته، أما إذا لم يهل الصبي ما ورث شيئاً، أحياناً يكون هناك بنات فقط إن جاء ميتاً البنات لهن الثلثان، وإن كانت واحدة فلها النصف، أما أهل ومات تغيرت مسألة المواريث كلها، إهلال الصبي صياحه بعد الولادة، أهل الحاج رفع صوته بالتلبية لبيك اللهم لبيك. أصل الإهلال من رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعملت العرب هذه الكلمة لرفع الصوت مطلقاً، وكان المشركون إذا ذبحوا ذبيحةً ذكروا اسم اللات والعزة وما أهل به لغير الله، إذاً فهمنا ما معنى أهل به لغير الله، اضطر، أي حلت به الضرورة وألجأته إلى أكل ما حرم الله. تعريف البغي : أيها الأخوة، هذه وقفة بسيطة عند بعض الكلمات، نتابع الحديث عن الكلمات أيضاً، البغي، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة البقرة: 173 ] البغي قصد الشيء، وقد تستخدم لقصد الفساد، أصلها قصد الشيء مطلقاً يا باغي الخير أو يا باغي الشر، ثم استعملت في الشر فقط، البغي أن تقصد الشر. مخاطبة الله عامة الناس بأصول الشريعة والمؤمنين بفروع الشريعة : أولاً بين الشرع الحكيم قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 172 ] ذكرت قبل يومين أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس قاطبةً، يخاطبهم ويأمرهم أن يؤمنوا به، أما إذا آمنوا به فيخاطبهم بفروع الشريعة، يخاطب الله عامة الناس بأصول الشريعة، ويخاطب المؤمنين بفروع الشريعة، لأنه لا معنى لإنسان لم يعرف الله عز وجل، ولم يؤمن بوجوده أن يخاطبه الله عز وجل، حينما قال الله لك: يا أيها الذين آمنوا أي يا من آمنت بي، يا من آمنت بي خالقاً، مربياً، مسيراً، واحداً، موجوداً، كاملاً، يا من آمنت أن طاعتي هي الفوز العظيم، افعل كذا ولا تفعل كذا. أول شيء يا أيها الذين آمنوا، أي حكم شرعي سبق يا أيها الذين آمنوا هذا الحكم موجه للمؤمنين، فلا معنى أن تطالب إنساناً ملحداً بتطبيق هذه الآية، من السخف والغباء أن تطالب إنساناً لم يؤمن بالله بتنفيذ مضمون هذه الآية، يقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا، يا من آمنت بي افعل ولا تفعل. المراد من الطيبات الرزق الحلال، كلوا من، من للتبعيض، أنت الآن آمنت بالله وآمنت أن طاعته هي الفوز العظيم، تقول: أين طاعته؟ أين حكمه؟ أين أمره؟ أين نهيه؟ جاء الجواب أنت تقول في الصلاة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [ سورة الفاتحة: 6-7 ] يقول الله لك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 172 ] فهذا الأمر افعل ولا تفعل أمر تكليفي لمن آمن بالله عز وجل الطيبات الرزق الحلال. الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع : الحقيقة ما هو الشيء الطيب؟ أو ما الحكم في تقييم الشيء طيباً أو غير طيب؟ العقل، عقل الآخرين في بلاد الغرب دعاهم إلى أن يأكلوا شيئاً خبيثاً، عقلهم دعاهم إلى أن يأكلوا لحم الخنزير، في بعض الشعوب يأتون بقرد حي يضعونه في صندوق، ويضعون في رقبته قيداً، ويقطعون طرف رأسه الأعلى، ويأكلون من دماغه بالملعقة وهو حي، إذا أردنا أن نقول: العقل حكم، في بعض البلاد يأكلون الثعابين، الحديث عن الطعام والشراب عند الشعوب حديث لا ينتهي، هناك طعام تخرج من جلدك إذا رأيته، لا الذوق مقياس ولا العقل مقياس، ولكن الشيء الطيب الذي أحله الله، والشيء الخبيث الذي حرمه الله، هذه هي القاعدة، لذلك عند العلماء قاعدة أصولية الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، والعقل من دون وحي أعمى لا يصلح مقياساً أبداً. كل ما أحله الله طيب وكل ما حرمه خبيث : لذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 172-173 ] الطيبات: الرزق الحلال، كل ما أحله الله فهو طيب، وكل ما حرمه الله فهو خبيث، انتهى الأمر، من أنت؟ خالق الكون قال لك: كُل هذا ولا تأكل هذا، يعرضون أحياناً لحم الخنزير بطريقة مغرية، شرائح وقطع، ومفروز بحسب الأضلاع، لما قال الله عز وجل ولحم الخنزير إنما حرم عليكم الدم ولحم الخنزير، فلحم الخنزير خبيث هذا مقياس المؤمن، لك خالق هو الخبير، هو العليم، هو الحكيم، هو الذي ينفعك، هو الذي يعلم ما ينفعك وما يضرك، لذلك الطيبات ما أحله الله والخبائث ما حرمه الله. سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: "المراد طيب الكسب لا طيب الطعام". مثلاً لو جاء الإنسان بلحم من أعلى مستوى، وطبخه مع أعلى أنواع الأرز، ووضع السمن البلدي، ينفذ كلام الله: كلوا من طيبات، أطيب شيء اللحم مع الرز مع السمن البلدي، ماذا قال سيدنا عمر: "الطيبات هي المراد بطيب الكسب لا طيب الطعام"، أي مثلاً لو إنسان دخله حلال مئة بالمئة واشترى شيئاً من الطعام غير جيد، طعام درجة خامسة وأكله، هذا الطعام تنطبق عليه هذه الآية كلوا من طيبات ما كسبتم، لأن الطيب هو طيب الكسب لا طيب الطعام، وإذا الإنسان فرضاً له دخل حرام، دخل غير مشروع، واشترى أطيب طعام موجود في السوق، هذا طعام خبيث لا لذاته بل لأنه اشتري بمال حرام، نحن يوجد عندنا في الفقه قضية دقيقة نقول: هذا حرام لذاته أو حرام لغيره، فالإنسان إذا تناول لحم الخنزير نقول: تناول الحرام لذاته، أما إذا تناول لحم الضأن ولم يدفع ثمنه فنقول هذا العمل حرام لكن لغيره لا لذاته. قول سيدنا عمر رائع "المراد طيب الكسب لا طيب الطعام"، يؤيده الحديث الشريف. دور السنة المشرفة في بيان ما أنزل الله عز وجل : الآن دور السنة المشرفة والمطهرة في بيان ما أنزل الله عز وجل، قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ سورة البقرة: 267 ] ما هو الشيء الطيب؟ بينه النبي، هؤلاء الذين يقولون نكتفي بالقرآن الكريم هؤلاء يعصون القرآن الكريم لأن الله عز وجل يقول: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة الحشر: 7 ] هو الذي يبين لكم، كلمة طيبات من يشرحها لنا؟ النبي الكريم أنزل عليه القرآن ليبين للناس ما نزل إليهم، يقول عليه الصلاة والسلام: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] اجمع هاتين الآيتين: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ هل يوجد فرق؟ النبي عليه الصلاة والسلام استنبط من هاتين الآيتين أن المؤمنين أمروا بما أمر به المرسلون. كل إنسان مأمور أن يفعل ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام : هل يوجد شاهد آخر؟ نعم قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة هود: 112 ] إياك أن تقول إذا صعب عليك الأمر: أنا لست نبياً، من قال لك إنك نبي؟ أنت لست نبياً بالتأكيد ولكنك مأمور أن تفعل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام: ((.. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] الآن دخلنا في موضوع جديد، يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما كسبتم الشيء الطيب هو الذي تدفع ثمنه من دخل حلال، معنى ذلك أن أهم شيء في حياتك دخلك الحلال، دخلك الحلال يجعل كل مشترياتك المباحة طيبة، والدخل الحرام يجعل كل مشترياتك المباحة خبيثةً، هكذا المعنى. الأصل في الأشياء الإباحة والأشياء المباحة لا تعد ولا تحصى : الآن يوجد شيء آخر قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173 ] لماذا لم يذكر الله تعالى الأشياء التي أحلها لنا؟ يوجد قائمة: البطيخ، والموز، والخيار، والتفاح، لماذا اقتصر الله عز وجل على المحرمات؟ قال: لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والأشياء المباحة لا تعد ولا تحصى، ولكن الأشياء المحرمة محدودة، لذلك قالوا: لما أباح الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب وكانت وجوه الحلال كثيرة بيّن لهم ما حرم عليهم، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الأشياء الإباحة والمحرمات قليلة، لذلك بلاغة وحكمة نذكر الأشياء المحرمة، أحياناً تقول لإنسان: اسكن في هذا البيت، ممكن أن تقول له: استعمل الحمام، والمطبخ، وغرفة الضيوف، شيء بديهي قلت له: اسكن هذا البيت وأعطيته المفتاح، أما تقول له: إياك أن تنسى الغاز مفتوحاً، قضية خطيرة تعطيه تنبيهين، أما الأشياء الذي أبحتها له في البيت فلا تعد ولا تحصى، ما دام الشيء المباح غير محدود إذاً لا نذكره. الأشياء المحرمة امتحان للإنسان أهو وقاف عند حدود الله أم يقتحمها ؟ يوجد شاهد آخر قال تعالى: ﴿ وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأعراف: 19 ] لو إنسان عدد المشروبات المباحة ليمون، برتقال.... خمسون ستون ثمانون مشروباً مباحاً، والمحرم الخمر فقط، أنواع اللحوم المباحة لا تعد ولا تحصى المحرم الخنزير، قد يقول أحدهم لماذا التحريم؟ لو أن الله عز وجل ما خلق الخمر وما خلق الخنزير نقول: لا يمكن أن يكون هناك طاعة إلا بالمحرمات، إذا كان كل شيء مباح لا يوجد جنة، التغى التكليف، التغى حمل الأمانة، التغى القرب من الله عز وجل، لابد من شيء محرم ليمتحن الإنسان أهو وقاف عند حدود الله أم يقتحمها؟ سئل النبي عليه الصلاة والسلام وهو البليغ قال: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ماذا يلبس المحرم؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا يلبس القميص ولا السروال، والبس ما شئت، أي قميص مخيط لا تلبسه، سروال لا تلبسه، والبس ما شئت، البلاغة في الإيجاز، نضر الله رجلاً أوجز في كلامه واختصر على حاجته. الالتفات في اللغة العربية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 172] لم يقل: واشكروني، بل قال: واشكروا لله، هذا اسمه في البلاغة الالتفات، صيغة الكلام دائماً بين متكلم ومخاطب وغائب، أحياناً السياق متكلم أو مخاطب أو غائب، من روائع القرآن الكريم أن السياق مخاطب يصبح غائباً واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، قال: هذا الالتفات يورث المهابة لله عز وجل، واشكرونا، واشكروا لله، هذا نوع من الالتفات. المجاز في القرآن الكريم : إنما حرم عليكم الميتة، كيف؟ لابد من كلمة محذوفة، إنما حرم عليكم أكل الميتة يقاس على هذا أشياء كثيرة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ [ سورة يوسف : 82] القرية تسأل ما المعنى إذاً؟ اسأل أهل القرية، نقول: اجتمع مجلس الوزراء، الكراسي اجتمعت أم من على الكراسي؟ هذا اسمه مجاز مكاني، مجاز زماني، مجاز سبب،ي مجاز مسبب، هذا في البلاغة موضوع طويل. إنما حرم عليكم الميتة أي أكل لحم الميتة حرم عليكم، ولو قال: أكل الميتة هنا عندنا نقطة دقيقة لماذا هذا المجاز؟ لو قال: إنما حرم عليكم أكل الميتة لك أن تبيعها، ولك أن تنتفع منها، ولك أن تتاجر بها، ولك أن تستخدمها لغير الأكل، لا، حرم عينها والشيء الذي حرم عينه ممنوع أن تنتفع به من كل الوجوه، لا يباع ولا يشترى، ولا يستخدم أي استخدام، إلا أن لحم الخنزير قال: التابع تابع، الشحم تابع للخنزير، والعظم تابع، وكل ما في هذه الدابة تابع للحم. تحريم الميتة تحريم مطلق : الآن يوجد عندنا موضوعات دقيقة نبدأ بها؛ أول موضوع نوهت له قبل قليل: هل المحرم في آية الميتة الانتفاع أم الأكل؟ أولاً: هذا موضوع خلافي، لماذا الإنسان بحاجة إلى أحكام شرعية؟ لو استنبط بعقله المحدود يستنتج أحكاماً مضحكة، أما الفقهاء في موضوع معين فوضعوا الآيات، وضعوا الأحاديث، وضعوا الناسخ، وضعوا المنسوخ، وضعوا الأحاديث وتاريخ ورود الحديث، المطلق، والمخصص، والعام، هناك مجموعة مداخلات من أجل أن تستنبط حكماً شرعياً دقيقاً، الآن نقف عند هذا الموضوع الدقيق، قال: لما حرم الله الأكل حرم البيع والانتفاع بشيء منها لأنها ميتة، لما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 172-173 ] لو قال: إنما حرم عليكم أكل الميتة صار الأكل ممنوعاً أما الانتفاع فمسموح، أما حينما ألغى الأكل فصار المنع مطلقاً إلا ما استثناه الدليل، التحريم أصاب عين الشيء صار الكل محرماً إلا إن جاء دليل يخالف ذلك، بعض العلماء قال: لا إنما المحرم هو الأكل فقط بدليل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 172-173 ] بعض العلماء قال: لا، التحريم يتناول سائر وجوه المنافع، فلا يجوز الانتفاع بالميتة على وجه أي لا يجوز أن تطعمها الكلاب، ولا الجوارح، أرأيتم إلى عظمة الفقه الإسلامي؟ لا يجوز أن تطعمها الكلاب ولا الجوارح، لأن هذا ضرب من الانتفاع بها، والتحريم أصاب عين الشيء لا أصاب أحد حالاته، فالله عز وجل حرم الميتة تحريماً مطلقاً معلقاً بعينها، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يخص بدليل يجب التسليم به، إذاً جنون البقر سببه أنهم أطعموا لحم الميتة للبقر فجنت وما جنون البقر إلا من جنون البشر حينما خالفوا منهج ربهم. الميتة حرام بالنص القاطع وقد وردت فيها أحاديث كثيرة : الحكم الثاني، بالمناسبة هل يوجد فرق بين ميّت وميْت في اللغة؟ الميْت الذي مات أما الميّت فالذي سيموت، الدليل قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [ سورة الزمر: 30 ] وما كان ميّت رسول الله، فالميْت الذي مات حقيقةً والميّت الذي كتب عليه الموت مع وقف التنفيذ، فكلنا ميتون: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [ سورة الزمر: 30 ] أما الذي كتبت نعوته على الجدران ودفن تحت الأرض فهذا ميْت، ما حدّ الميتة؟ ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل أو قتل بغير زكاة شرعية، إذا الحيوان في أوربا مقتول بالصعق يجوز أكله؟ لا يجوز، إن لم يسمَ عليه لا يوجد مانع سمِّ أنت، يوجد عندنا في الذبح شيئان؛ الشيء الأول: أن تزكي الحيوان، أن يخرج دمه كله، الشيء الثاني: أن تكبر الله عليه، إذا التكبير لم يتم فأنت كبر، أما إذا التزكية ما تمت فهذا اللحم ميت لا يجوز أكله إطلاقاً، تعريف الميت: ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل أو قتل بغير زكاة شرعية وكان العرب في الجاهلية يستبيحون الميتة فلما حرمها الله تعالى جادلوا المؤمنين، وقالوا كلاماً مضحكاً، لا تأكلون مما قتله وتأكلون مما قتلتم أنتم بأيديكم، طبعاً الجواب دقيق جداً الإنسان عندما يذبح الخروف أو الدابة وينفذ طريقة رسول الله يقطع أوداجها فقط، ويبقي رأسها متصلاً بها، قلب الدابة ينبض ثمانين نبضة بمركز كهربائي ذاتي، أما حينما يبقى الرأس موصولاً بالجسد يأتي أمر استثنائي من الدماغ يرفع النبضات إلى مئة وثمانين نبضة عندئذ القلب مهمته بعد الذبح إخراج الدم بأكمله، فلما خرج الدم وهو موطن الجراثيم، الآن إذا أردنا أن نستنتخ جرثوماً ماذا نفعل؟ أين نزرعه؟ في الدم، فالدم طبعاً ليس كل دم، الدم المسفوح، أما الدم في الإنسان فنجس؟ لا لأنه يصفى، الرئتان تصفي الدم تخلصه من ثاني أكسيد الكربون وتعطيه الأوكسجين، والكليتان تصفي الدم من حمض البول، والغدد العرقية تصفي الدم، ثلاث مصاف، فلذلك الدم المحرم هو الدم المسفوح. لا تأكلون مما قتله وتأكلون مما قتلتم أنتم بأيديكم، الميتة حرام بالنص القاطع وقد وردت فيها أحاديث كثيرة. الآن فهمنا شيئاً جديداً أن اللحم الذي لا يذبح بالطريقة الشرعية لا يزكى، لا يخرج دمه، لحم ميت لا يجوز أكله، لا تقل: سمِّ الله وكُل، يوجد حكم شرعي، اللحم الذي قتل صعقاً بالكهرباء محرم أكله، اللحم لا يؤكل إلا إذا زكي زكاةً شرعية، إذا ذبح من أوداجه وخرج دمه بأكمله. السمك الذي نصطاده من البحر حلال طيب : إلا أن هناك أحاديث تخصص هذا المطلق، قال عليه الصلاة والسلام: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)) [ ابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ] موضوع السمك مشكلة يأتي إنسان منطقي ويقول: يا أخي إذا كان التحريم له أسباب علمية كيف نأكل السمك؟ وإذا كان أكل السمك مباحاً كيف نذبح الخروف؟ لو أكلناه نفسه الشيء نفسه، لكنه اكتشف وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام أن السمك حينما يصطاد ينتقل دمه كله إلى غلاصمه وكأنك ذبحته، وفي قول آخر للنبي عليه الصلاة والسلام عن البحر: ((عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحَلالُ مَيْتَتُهُ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] السمك الذي نصطاده من البحر حلال طيب، لذلك الأجانب يكذبون ورب الكعبة، تأتينا علب سمك كتب عليها ذبح على الطريقة الإسلامية، ما فرقوا بين السمك وغير السمك، ما دامت هذه الكلمة ترضيهم اكتبوها لهم، هذا السمك ذبح على الطريقة الإسلامية، سمك السردين أخرجوها واحدة واحدة كبروا الله وذبحوها، إذاً إنهم يكذبون، طبعاً أبيح الجراد والسمك، إذا الإنسان ما أحب أن يأكل الجراد لا يوجد مانع، الإباحة غير الإلزام. حرام هذا اللحم يا رسول الله؟ قال: لا ولكن تعافه نفسي إلا في حادثة غريبة سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه أمسك ضباً وأكله أمام النبي، وسيدنا خالد من قريش من أسرى بالمستوى الاجتماعي راقية جداً، كيف أكله والنبي عافته نفسه؟ قال: لا ولكن تعافه نفسي، فلما رأى النبي الكريم سيدنا خالد يأكل لحم الضب قال: خالد سيف من سيوف الله، بربكم هل هناك من علاقة بين أكل لحم الضب وبين أن هذا الصحابي الجليل سيف من سيوف الله؟ سيدنا خالد أكل لحم الضب ليوحي لجنوده أنكم مقدمون على فتوح كبيرة وكثيرة وقد تحتاجون إلى أكل لحم هذا الضب، وأنا سأبدأ قدوةً لكم، لكم بي أسوة، أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما أكل هذا اللحم الذي تعافه نفس النبي إلا ليكون قدوةً لجنوده، فقال: خالد سيف من سيوف الله، الشيء الدقيق أن النبي قال هذا الكلام بعد أن رأى خالداً يأكل لحم الضب، وطن نفسه على الجهاد، والجهاد في الصحراء، والصحراء فيها ضب قد يفتقد المقاتلون اللحوم الأخرى وليس أمامهم إلا لحم الضب وما حرمه النبي. خنزير الماء موضوع خلافي بين الفقهاء : الآن يوجد عندنا موضوع ثان في البحر شيء اسمه خنزير البحر، بعض الأئمة حرمه لاسمه فقط، لأن اسمه خنزير، وبعض الأئمة ما حرمه، ولكن لا يحب أن يأكله لأن كل حيوان اصطيد من البحر فهو حلال، هذا مذهب مالك، أكثر الفقهاء يجيزون أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك، وتوقف أن يجيب في خنزير الماء فقال: أنتم تقولون خنزيراً وأنا أتقيه ولا أراه حراماً، وبعضهم قال: محرم لاسمه، فهذا موضوع خلافي. اختلاف العلماء في الجنين الذي ذبحت أمه وخرج ميتاً : الآن ذبحت حيواناً وجدت في رحم أمه جنيناً هل لك أن تأكل الجنين الذي ذبحت أمه ذبحاً شرعياً؟ الجواب: اختلف العلماء في الجنين الذي ذبحت أمه وخرج ميتاً هل يؤكل أم لا؟ قال أبو حنيفة: "إنه لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح لأنه ميتة"، وقد قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173 ] وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: "يؤكل لأنه مزكى بزكاة أمه"، واستدلوا بحديث رسول الله: ((زكاة الجنين زكاة أمه)) [ تاريخ أصبهان عن جابر] وقال مالك: "إذا تمّ خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا"، وقال القرطبي: "إن الجنين إذا خرج بعد الذبح ميتاً يؤكل لأنه جرى مجرى العضو من أعضائها"، أحد أعضاء الذبيحة اعتبر عند القرطبي، إلا أن الذين حرموا أكله قالوا: "زكاة الجنين زكاة أمه ليس هذا معناه أن تأكل الجنين، ولكن الجنين يزكى كما تزكى أمه" هذا الذي قالوه، أي انظر إلى الأدلة كيف تختلف، ولكرامة الإنسان على الله سمح له أن يستنبط الأحكام الشرعية من الأدلة الكلية، وقَبِل الله جل جلاله أن نتعبده بالاجتهادات الفقهية. تحريم الانتفاع بالميتة من غير الأكل : السؤال قبل الأخير: هل يجوز الانتفاع بشحم الميتة وجلدها كطلاء السفن ودبغ الجلود؟ وحجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل خاصةً ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة الأنعام: 145 ] الجمهور انتبه الآن، إذا قرأت وفتحت كتاب فقه ورأيت كلمة الجمهور أنا أنصحك أن تكون مع الجمهور أونس، قد ينفرد فقيه بحكم كن مع الجمهور لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة)) [أخرجه الطبراني عن أبي بصرة الغفاري] كن مع الجمهور، الجمهور يذهب إلى تحريم الانتفاع بالميتة من غير الأكل، حرمت عليكم الميتة أي الانتفاع بها، التحريم صب على عينها بأكل أو بغيره، فجعلوا الفعل المقدر هو الانتفاع وليس الأكل، حرم عليكم الانتفاع بالميتة أكلاً، أو بيعاً، أو شراءً، أو طلاءً، أو ما شابه ذلك استدلوا بقول النبي الكريم: (( قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا)) [ مسلم و أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه] معنى ذلك التحريم يشمل الانتفاع لا الأكل، هذا الحديث يدل على أن الله عز وجل إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، لا يجوز البيع، ولا الانتفاع بشيء من الميتة إلا ما ورد به نص واضح. الدماء التي في العروق لا حرمة فيها : آخر شيء في الموضوع أحياناً إنسان يأكل الفروج ويجد فيه وريداً أو وعاء دموياً فيه جلطة، أي يوجد أثر دم، هذا الدم هل هو محرم؟ اسمعوا الجواب، اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل، ولا ينتفع به، ولا تنسوا أن هناك طعام يطعم للدواجن، دم مجفف مسحوق، فأول مشكلة عاناها العالم جنون البقر، ولعل المشكلة القادمة جنون الدجاج لأنه يأكل الدم المجفف، والناس عندما لا يعبؤون بشرع الله عز وجل مشكلة كبيرة، هناك أكثر البلاد تستورد طحين اللحم المجفف، اللحم الميت، وتستورد طحين الدم المجفف كي يأكله الدجاج. قال: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به وقد ذكر الله تعالى هنا الدم مطلقاً وقيده في الأنعام: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة الأنعام:145 ] المطلق الآية الكريم: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173 ] هذا مطلق، والمطلق مقيد؟ لا ليس مقيداً، وحمل العلماء المطلق على المقيد ولم يحرموا إلا ما كان دماً مسفوحاً وورد عن عائشة رضي الله عنها: "لو أن الله تعالى قال أو دماً مسفوحاً لتتبع الناس ما في العروق ". إذاً انظروا استنباط السيدة عائشة أو دماً مسفوحاً لتتبع الناس ما في العروق من دم، إذاً الدماء التي في العروق لا حرمة فيها، انتهى، المحرم الدم المسفوح، وكذلك الكبد والطحال مجمع على عدم حرمته وإن كان في الأصل دم، السوداء أكله مسموح، والطحال أكله مسموح، مع أن الدم يتواجد أو يوجد في الطحال والكبد بكميات كبيرة جداً. الإمام القرطبي يقول: أما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، والذي تعم به البلوى اليوم الدم في العروق، ليس من المعقول أن تمسك قطعة اللحم وتبحث عن الشرايين والأوردة، وتحضر مجهراً وتنظر، أين يوجد دم معفو عنه، الدم المحرم هو الدم المسفوح، أما الدم الباقي في العروق فهذا غير محرم. الخنزير محرم بلحمه ودمه وشحمه وعظامه وجلده : الشيء الآخر أن الخنزير محرم بلحمه ودمه وشحمه وعظامه وجلده، كل شيء محرم، أخ من أخواننا استورد برقم كبير جداً جلوداً من أجل الصناعة، ثم تبين أن هذه الجلود جلود خنزير، سأل علماء كثيرين أفتوا له أنه محرم أن تنتفع بجلد الخنزير، والله أتلفها فيما أعتقد وخسر ثمنها، وهذا هو الحكم الشرعي، يحرم أن تنتفع بالخنزير لحماً، وشحماً، ودماً، وجلداً، وعظماً، لذلك هذا الجيليه الرجراج، هذا مصنوع من العظام، وإذا كان مستورداً من بلاد أجنبية فأغلب الظن مصنوع من عظم الخنزير، وعظم الخنزير محرم إلا إذا كان مستورداً من بلاد تسحق عظم الغنم والبقر، والأحوط هذه اللقمة نستغني عنها لأنه يوجد مشكلة في هذه المادة الرجراجة إذا كانت من عظم الخنزير محرم أكلها، أرأيتم إلى دقة الشرع؟ في حالات الضرورة يأكل الإنسان من دون أن يبغي المعصية ويأكل الحد الأدنى: آخر شيء: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ البغي: أن يأكل الميتة من دون حاجة، عاد: أن تأكل فوق الحد الأدنى، فمن اضطر غير باغ هو لا يبغي أن يأكل ما حرم الله، لا يبغي أن يأكل لحم الخنزير، لا يبغي أن يأكل الميتة إلا أنه مضطر يكاد يموت جوعاً، فمن اضطر غير باغ لا يبغي المعصية، يبغي أن يحافظ على حياته، ولا عاد من العدوان أكل حتى شبع، لا يجب أن تأكل ما يسد به الرمق، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 173 ] هذه الآيات نستنبط منها إباحة الأكل من الطيبات للمؤمنين، وأنّ شكر الله واجب على المؤمنين، لأن نعم الله لا تعد ولا تحصى، والإخلاص في العبادة إن كنتم إياه تعبدون، والله جل جلاله حرم على عباده الخبائث وأحل لهم الطيبات، وفي حالات الضرورة تأكل من دون أن تبغي المعصية وتأكل الحد الأدنى لا الحد الأقصى. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-08-2018 الساعة 07:02 AM
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الهدي واحكامةالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( الثانى ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وقفة عند ألفاظ الآية التالية : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة الحج: 36-37 ] هذه الآية من سورة الحج هي الآية السابعة والثلاثون، وهي من آيات الأحكام التي تستنبط منها أحكاماً تعبدية. أولاً: لو وقفنا وقفةً عند ألفاظ هذه الآية البدن جمع بدنة وهي اسم للواحد من الإبل، ذكر كان أم أنثى، وسميت بذلك لعظم بدنها، ضخامة جثتها، وقد اشتهر إطلاقها في الشرع على البعير يهدى للكعبة تقرباً إلى الله تعالى. المرأة التي لا تستطيع أن تطوف طواف الإفاضة لحكم شرعي عليها ذبح بدنة أي ناقة. ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾ [ سورة الحج: 36 ] صواف جمع صافة وهي التي صفت قوائمها للذبح، والبعير ينحر قائماً، ويوجد قراءة صواف، فالصافن الدابة التي تقوم على ثلاثة أرجل، وكان بعض العرب يربطون إحدى رجليها فتقف على ثلاثة لئلا تنطلق. ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ [ سورة الحج: 36 ] وجبت أي سقطت، جنوبها جمع جنب وهو الشق، أي إذا سقطت على الأرض، وسمي الجانب الذي يسقط على الأرض جنوباً جمعاً إشارةً إلى أن الدابة إذا ذبحت وقعت، فإذا وقعت وفارقت الحياة الآن يجوز سلخها وأكلها. القانع هو الذي رضي بقضاء الله وقدره : ﴿ وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾ [ سورة الحج: 36 ] القانع هو الذي رضي بما قسمه الله له، وكما تعلمون أحد أكبر أسباب السعادة أن ترضى عن الله، وأن ترضى بما قسمه الله لك، والإنسان لا يسعد إلا إذا قبل ذاته، قبل جسمه، وقبل إمكاناته، وقبل رزقه، وقبل قدر الله فيه، فإذا أردت أن تسعد فاعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم، لا يقضي إلا بالخير، وأن الإيمان بالقضاء والقدر يذهب الهم والحزن، هذا هو القانع الراضي بما قدمه الله له، إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي - مقاومته هشة إذا اغتنى عصى- لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، فلذلك القانع هو الذي رضي بقضاء الله وقدره، وهو العفيف المتجمل، والإنسان أيها الأخوة حينما يكون فقيراً أي جعل الفقر مادة امتحانه مع الله تعالى، نجاحه في هذه المادة أن يرضى، وأن يصبر، وأن يتعفف، وأن يتجمل، فإذا نجح اغتنى إلى أبد الآبدين، وقد يكون الغنى مادة ابتلائه مع الله، فإذا تكبر واستعلى وأنفق ماله في معصية الله رسب وسقط فشقي إلى أبد الآبدين، لا عبرة لهذه السنوات المعدودة التي يقضيها الإنسان، إما في فقر امتحن به، أو في غنى امتحن به. أيها الأخ الكريم: أنت ممتحن مرتين، ممتحن فيما أعطاك، وممتحن فيما منعك، عطاؤه امتحان ومنعه امتحان. تعريف المعتر و المحروم و السائل : أما المعتر فهو الذي يتعرض للسؤال، هو الذي يسأل، هو الذي يقتحم على الناس، يسألهم العطاء، هذا يذكرنا بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [ سورة المعارج: 24-25 ] المحروم هو القانع الذي يخجل أن يسأل فيحرم، أما السائل فهو الذي يطلب. إذاً كلمة وجبت جنوبها أي سقطت جنوبها، أي وقعت وقد فارقت الحياة، وكلمة القانع هو الذي يرضى بقضاء الله وقدره، فيتعفف ويتجمل ولا يسأل، وأما المعتر فهو الذي يسأل ويطلب، وأما الصواف أي نحرت واقفةً صافةً أرجلها، وأما البدن جمع بدنة وهي النوق ذكراً كانت أم أنثى، وقد غلبت هذه التسمية على الناقة التي تساق لتذبح في الكعبة، أو في المنطقة التي هي حرم تقرباً لله عز وجل. الله تعالى سخر للإنسان السموات والأرض تسخيرين؛ تسخير تعريف وتسخير تكريم : أيها الأخوة الكرام، قال بعض العلماء: سبب نزول هذه الآية أن العرب في الجاهلية كانوا يذبحون الذبائح، ويقطعون لحومها، ويجعلون هذه اللحوم حول الكعبة، ويلطخون الكعبة بدمائها، هذا السلوك الذي كان سائداً في الجاهلية أراد الله سبحانه وتعالى أن يرشد المسلمين إلى فعل آخر هو كما جاء في هذه الآية. أولاً: يبين الله عز وجل أنه سخر هذه الأنعام لبني آدم، أيها الأخوة معنى التسخير معنى دقيق جداً ينبغي أن نستوعبه، الكون كله الكون يعني السموات والأرض، الكون مصطلح حديث ما سوى الله، في القرآن ورد السموات والأرض، أي الكون، والكون ما سوى الله، الله جل جلاله سخر لنا السموات والأرض تسخيرين، تسخير تعريف، وتسخير تكريم، أي هذا التسخير مهمته أن نعرف الله، لأن الله لا تدركه الأبصار ولكن الكون كله مظهر لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، العقول تتعرف إلى الله من خلال صنعته، ومن خلال حكمته، ومن خلال نظامه، ومن خلال تسييره، ومن خلال قدرته، إذاً البدنة مسخرة للإنسان، ومعنى مسخرة أن هذا الحيوان الكبير مذلل، طفل صغير يقوده، إنسان يذبحه، بينما العقرب غير مذللة، والأفعى غير مذللة، والضبع غير مذلل، وهناك عشرات الحيوانات التي لا نستطيع أن ننتفع بها لأنها غير مذللة، فإذا رأيت بقرةً تنقاد لصاحبها يحلبها، وتخدمه، وتقدم له لحمها، وجلدها، وحليبها، فهذا تسخير، لذلك من هو الذي كرمه الله عز وجل؟ الإنسان، عندك حيوان مسخر لإنسان، الإنسان مسخر له، والحيوان مسخر، من هو أعلى مرتبةً عند الله ؟ الإنسان، لأن الكون كله سخر له، أما أن يسخر الإنسان لجهة غير الله فهذا لا يليق بإنسانيته، أي يسخر الإنسان لجهة غير الله. من سخر علمه وقدرته وماله لله عز وجل فهو ممن وفى ما عاهد عليه الله : لذلك الإنسان أحياناً يرضى عن شيء أو يرفضه، في الأعم الأغلب الإنسان حينما يرفض شيئاً يحتقره، قد ترفض بيتاً لا يعجبك، قد ترفض فتاةً لا تعجبك، حينما تخطب، قد ترفض شريكاً لا تعجبك أخلاقه، ترفض والرفض مبني في الأعم الأغلب على الاحتقار، أما إنك إذا رغبت عن هذا الدين فإنك تحتقر نفسك، إن أبيت أن تكون خاضعاً لهذا الدين فقد هانت نفسك عليك، ما عرفت قيمتها، وما عرفت أنها خلقت لتعرف الله عز وجل، جعلتها تابعةً لجهة غير الله، جعلتها مسخرةً لغير الله، جعلتها أحد أخطاء جهةٍ أرضية، فلذلك لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله، لا يليق أن يكون محسوباً على غير الله، سمعت عن عالمٍ رفع الله شأنه كثيراً فسئل مرةً: ما هذا المقام الذي نلته؟ فأجاب إجابةً دقيقةً ورائعة قال: لأنني محسوب على الله، أي أنت لا تكن محسوباً على جهة أرضية، لا تكن محسوباً على إنسان، لا تكن محسوباً على فئة، لا تكن محسوباً على جماعة، كن محسوباً على الله، ومعنى محسوباً على الله ليس معنى هذا أنك متفوق ولكن أنت رباني، قال تعالى: ﴿و لَكن كونُوا ربَّانييَن﴾ [ سورة آل عمران: 79] قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام: 162] أي آية قرآنية الإنسان إذا قرأها اقشعر جلده، يخاطب الله سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يقول له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ [ سورة طه: 41] أنت حينما تسخر علمك، وقدرتك، ومالك، ووقتك، وذكاءك، وطلاقة لسانك، ومكانتك الاجتماعية، حينما تسخرها لله عز وجل فأنت ممن وفى ما عاهد عليه الله. الاستثناء لتأكيد القاعدة : ثم يقول الله عز وجل: ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾ [ سورة الحج: 36] القرآن مجمل ومفصل في هذه الآية أجمل الخير بكلمة، لكم فيها خير، أما في آيات أخرى فيقول الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ* وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾ [ سورة يس: 71-73 ] وما جنون البقر عنكم ببعيد، حينما جنت البقر اضطروا إلى إحراق ثلاثة عشر مليوناً من البقر، ثم هذا العدد الكبير ثلاثون مليار جنيه إسترليني لأنه جن، لأنه لم يعد مذللاً، أحياناً أخواننا الكرام الاستثناء لتأكيد القاعدة، القاعدة قد تكون غائبة عن الأذهان، حقيقة صارخة جداً قد تغيب عن الأذهان يأتي الاستثناء ليؤكدها، أو ليلفت النظر إليها، أي كل ثانية أو أقل أو أكثر يولد طفل في العالم، هذا الطفل في قلبه ثقب بين الأذينين، لأن الطفل في رحم الأم لا يتنفس، لذلك الدم لا يذهب إلى الرئتين، التنفس غير وارد، لا يوجد هواء في الرحم، لذلك جعل الله ثقباً بين الأذينين، بدل أن ينتقل الدم من الأذين إلى الرئة إلى البطين ينتقل من الأذين إلى الأذين، حينما يولد الطفل- هكذا قال العلماء - بقدرة قادر تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، لكن ربنا جل جلاله من بين المئة ألف حالة سليمة تكون حالة واحدة غير سليمة، هذا الثقب يبقى مفتوحاً، يصاب هذا الطفل الصغير بمرض اسمه داء الزرق، لأن القلب حينما ينبض الدم يختار الطريق السهل بدل أن يذهب إلى الرئة فيصفى من غاز أكسيد الكربون ويأخذ الأوكسجين فيصبح أحمراً قانياً، ينتقل من أذين إلى أذين، فيبقى الدم أزرقاً، ومعنى أزرقاً أي فيه غاز الفحم، فهذا الدم لا يصلح للتغذية، فترى الطفل الصغير منهكاً، لي صديق له بنت مصابة بهذا المرض، ماتت في العام العاشر تقريباً، لا تقوى على صعود الدرج إطلاقاً، تتعب لأدنى جهد، ولن ينجو من هذا المرض الطفل إلا أن تجرى له عملية يجب أن يشق صدره، وأن يفتح قلبه، وأن تدخل رقعة بين الأذينين، عملية معقدة جداً، العشرون الثلاثون ألف حالة، المئة ألف حالة، النصف مليون ولادة كلها سليمة، لماذا أبقى الله بعض الولادات غير سليمة؟ هذا استثناء من القاعدة، وهذا الاستثناء لتأكيد القاعدة، أو لتلتفت إلى القاعدة، الإنسان أحياناً يغيب عن نعمة، يغيب عن حكمة، يغيب عن شيء ثمين قدره الله له، الاستثناء أحياناً يؤكد القاعدة، قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾ [ سورة يس: 71-72 ] نحن نعجب بالمركبات الفارهة ولكن بحوثاً علمية تقول: إن ركوب الفرس يقي القلب والكبد والكليتين من الأمراض الخطيرة، بل إن ركوب الحصان صحة، أما هذا الرفاه الشديد الذي يحيط بالإنسان حينما يركب مركبةً فربما سبب له بعض الأمراض. الخير في الآيات التالية جاء مفصلاً : على كلٍّ قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ* وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾ [ سورة يس: 71-73 ] إذاً هنا جاء الخير مفصلاً، هناك آية أخرى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [ سورة النحل: 5 ] كلمة لكم أي خلقت خصيصاً لكم، فيها دفء أي الصوف الذي نأخذه من ظهور الأنعام شيء لا يقدر بثمن، كل الخيوط التي صنعت تقليداً للصوف لا ترقى إلى مستواه، لذلك الألبسة المصنوعة من صوف صناعي ثمنها أقل بكثير من الألبسة المصنوعة من صوف طبيعي، لأن طول هذه الشعرة مناسب جداً للغزل، وهذه الشعرة كما سمعت مفرغة من الهواء مثقوبة، لذلك الإنسان إذا ارتدى ثياباً صوفيةً أصيلة يشعر بدفء غريب، قال تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُون* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة النحل:5-7 ] الإنسان يذبح الأنعام ليطعم الجياع ويتقرب بها إلى الله عز وجل : الآن الخيل في معظم بلاد العالم شيء ثمين جداً، بل إن بعض هذه المخلوقات التي أكرمنا الله بها يفوق ثمنها ثمن أغلى سيارةٍ موجودة في الأرض. أيضاً البدن من شعائر الله، الشعيرة: العلامة، أي علامة من علامات هذا الدين، الإنسان يذبح هذه الأنعام ليطعم الجياع ويتقرب بها إلى الله عز وجل. ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [ سورة الحج: 36] هذه الإضافة إضافة تشريف، تقول: بيت الله الحرام، كعبة الله، دين الله، شرع الله، رسول الله، إذا أضيف الشيء إلى ذات الله عز وجل نقول هذه الإضافة تشريف. الحكمة من ذبح الدابة بقطع أوداجها : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ كأن في هذه الآية إشارة إلى أن الإبل تذبح واقفةً، كلكم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نذبح الأنعام بقطع أوداجها لا بقطع رقبتها، وهذه حقيقة لم يتح للعصور السابقة أن تلقي ضوءاًً على سر هذا التشريع، إلا أنه الآن عرف بفضل التقدم العلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، القلب مهمته بعد الذبح إفراغ دم الدابة كله، لأن الدم موطن الجراثيم والأوبئة، والدم كما تعلمون محرم أكله، لأن فيه كل الأمراض والجراثيم والأوبئة وما شاكل ذلك، لذلك لابد من أن تؤكل الذبيحة بلا دم، القلب مهمته بعد الذبح إخراج الدم من الذبيحة، لو قطع رأس الذبيحة لانقطع عن القلب الأمر الاستثنائي، القلب ينبض مرتين بأمر نظامي، ثمانون ضربة في الدقيقة، وأمر استثنائي يأتيه من الدماغ، قد تصل ضربات القلب إلى مئة وثمانين، فإذا قطع الرأس قطع عن القلب الأمر الاستثنائي، وأبقي الأمر النظامي، فهذا النبض الضعيف أو النبض البطيء لا يخرج الدم كله من الذبيحة، لذلك النبي أمر بقطع أوداجها من أجل أن يعمل القلب بسرعةٍ كبيرة جداً فيخرج كل دم الدابة من جسمها، عندئذٍ تصبح الدابة مزكاة، لذلك لابد من أجل أن تأكل من لحم دابةٍ لابد من أن تذبح وفق الشريعة الإسلامية، تسمي الله، تكبر عليها، وتذبحها ذبحاً حتى يخرج الدم كله منها. بعض الأحكام الشرعية المستنبطة من الآية السابقة : بعض الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية، اتفق العلماء على أن البدنة اسم للواحد من الإبل ذكراً كان أو أنثى كما قلت قبل قليل، تطلق على الإبل باتفاق، وقد اشتهر في الشرع إطلاقها على البعير الذي يهدى إلى الكعبة، واختلفوا هل تطلق البدنة على البقرة باعتبار أنها تجزئ في الهدي والضحية عن سبعةٍ كالبعير على مذهبين المذهب الحنفي أن البدنة تطلق على البقرة، والبدنة أي البقر و الإبل فكلمة البدنة من المشترك اللفظي. فمن نذر بدنةً أجزأته بقرة هذا حكم شرعي، أي كفته بقرة فهي مثلها في اللفظ والحكم: ((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَّةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ )) [ مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] وعن ابن عمر أنه قال: (( لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر)) [ الدر المنثور عن ابن عمر] هذا المذهب الحنفي، أما المذهب الشافعي فلا تطلق البدنة بالحقيقة إلا على الإبل، وإطلاقها على البقر من باب المجاز، فلو نذر بدنةً لا تجزئه بقرة، وبهذا قال مجاهد، وبهذا أخذ الإمام الشافعي ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: ((تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة)) [مسلم عن جابر بن عبد الله ] فهذا يدل على أن البدنة شيء والبقرة شيء آخر. ما دمنا أيها الأخوة نشرح آيات الإحكام إذاً لابد من استنباط الأحكام الشرعية من هذه الآية. 1 ـ البدنة تطلق على البقرة وتطلق على الناقة سواءً بسواء : الحكم الأول كما قدمت قبل قليل: البدنة تطلق على البقرة وتطلق على الناقة سواءً بسواء، فمن نذر أن يذبح بدنةً أجزأته بقرة، هذا على المذهب الحنفي، أما عند السادة الشافعية فالبدنة شيء والبقرة شيء آخر، تطلق البدنة على الناقة حقيقةً وعلى البقرة مجازاً. 2 ـ الهدي الذي يقدم في الحج تقرباً لله عز وجل لا يكون إلا من النعم : الحكم الثاني: أجمع العلماء على أن الهدي الذي يقدم في الحج تقرباً لله عز وجل لا يكون إلا من النعم، من الإبل والبقر، والغنم والماعز، كلمة الأنعام تعني الإبل والبقر والغنم والماعز، والحاج لا يستطيع أن يقدم هدياً إلا من النعم، أما الذكر والأنثى بالنسبة للأضاحي فهو سواء. الآن الأفضلية، اتفق العلماء على أن الأفضل أن تذبح الإبل ثم البقر ثم الغنم على الترتيب، لأن الإبل أنفع للفقراء، والبقر أنفع من الشاة وأقل ما يجزئ عن الواحد شاة، أما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة، أي أنت كفرد لك أن تقدم سبع بدن أو شاة، نحن في موضوع الزكاة نرجح الأنفع للفقراء، كلكم يعلم أن نصاب الفضة سبعة آلاف ونصاب الذهب أربعون ألفاً فعند دفع الزكاة نرجح نصاب الفضة لماذا؟ لأنه أنفع للفقراء، وفي ذبح الأضاحي والهدي الذي يقدم لله عز وجل من الحاج في الحرم الأفضل الناقة ثم البقرة ثم الشاة، أهدى النبي عليه الصلاة والسلام مئة من الإبل وكان هديه عليه الصلاة والسلام هدي تطوع. 3 ـ الأكل من لحوم الهدي : الحكم الثالث: الأكل من لحوم الهدي، أمر الله تعالى الأكل من لحوم الهدي في قوله جل ثنائه: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [ سورة الحج: 28] كلوا منها وأطعموا وهذا الأمر يتناول بظاهره هدي التمتع وهدي التطوع، هدي التمتع: الإنسان إذا أحرم بعمرة ثم تحلل وبقي متحللاً إلى أن جاء يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بحج، لأنه أحرم بعمرة وتمتع ثم أحرم بحج عليه هدي جبر، هذا هدي التمتع. أما إذا أحرم بعمرةٍ وبقي محرماً إلى الحج نقول له: قارن هديه هدي شكر، يمكن أن تأكل من لحم الهدي إذا كان تمتعاً أو إذا كان شكراً لله عز وجل. الهدي الواجب بسبب ارتكاب بعض محظورات الحج : أما الهدي الواجب بسبب ارتكاب بعض محظورات الحج، هذا اختلف الفقهاء من الأكل منه، رجل لا يسمح له بالحج فاضطر أن يدخل الحرم غير مرتد ثياب الإحرام، هذا عليه هدي، هدي جزاء، العلماء اختلفوا في هدي الجزاء أيؤكل منه؟ اتفقوا على أن هدي التمتع وهدي الشكر يؤكل منه ويطعم منه الفقراء، أما هدي الجزاء فهناك اختلاف في المذاهب، أبو حنيفة النعمان والإمام أحمد يجيزون الأكل من هدي التمتع وهدي القران وهدي التطوع ولا يجيزون أن نأكل من هدي الجزاء، ممنوع الأكل من هذا الهدي، هدي الجزاء للفقراء كله، وقال مالك رحمه الله: يأكل من هدي التمتع والقران والهدي الذي ساقه لفساد حجه أو لفوات بعض واجبات الحج لا ينبغي أن يأكل منه، وجزاء الصيد أيضاً وما نذره للمساكين هذا كله لا يؤكل منه، نأكل من هدي التطوع، من هدي التمتع، وهدي القران. الشافعي أيضاً لا يجيز الأكل من الهدي الواجب مثل دم الجزاء، وجزاء الصيد، وهدي التمتع والقران، وإفساد الحج، وكذلك ما كان نذراً أوجبه على نفسه، الشافعي يقدم كله لله عز وجل أما ما كان تطوعاً فله أن يأكل منه ويهدي ويتصدق، فأباح الأكل من هدي التطوع فقط. أيها الأخوة: هذه الأحكام المتعلقة بالأكل، أما نحن غير الحجاج إذا كنا في بلدنا نفذنا الأضحية التي أمرنا الله بها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا )) [ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذه الأضحية يمكن أن تأكل منها وأن تطعم منها الأصدقاء وأن تطعم منها الفقراء. 4 ـ وقت الذبح ومكانه : الحكم الرابع: وقت الذبح ومكانه، وقت ذبح الهدي يوم النحر وأيام التشريق الثاني والثالث والرابع من أيام عيد الأضحى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ وَكُلُّ فِجَاجِ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ )) [ أحمد عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ] فإن فاته وقت ذبح الهدي الواجب قضاءً فإن فات وقته ذبح الهدي والواجب قضاءً وأثم بالتأخير، مكان الذبح سواء أكان واجباً أو تطوعاً هو الحرم لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ [ سورة المائدة: 95 ] ومحله هو الحرم، فيجوز أن يذبح في مكان من الحرم في مكة ومنى وغيرها من حدود الحرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ )) [ ابن ماجة و الدرامي عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] تعظيم الهدي والتقرب به إلى الله من شعائر هذا الدين العظيم : أيها الأخوة الكرام، هذه الآيات تشير إلى تعظيم الهدي، والتقرب به إلى الله تعالى، لأنه من شعائر هذا الدين العظيم، والهدي والأضحية لا تكون إلا من الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، والأفضل في الإبل ثم في البقر ثم في الغنم، وفي إراقة دماء الهدي نفع للفقير والحصول على مرتبة التقوى لقول الله عز وجل: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة الحج: 37 ] والنسك بالأضاحي فيه إحياء لذكرى الفداء بإسماعيل مع أبيه الخليل عليهما السلام حينما أمر بذبح ولده في المنام. الآية التالية إحدى آيات الأحكام المتعلقة بذبح الهدي والأضاحي : هذه الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة الحج : 36-37] هذه إحدى آيات الأحكام المتعلقة بذبح الهدي والأضاحي للحجاج ولغير الحجاج، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا الخير. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 08-15-2018 الساعة 07:21 AM
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : صلاة الجماعة فى الحربالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( الثالث ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الآيات التالية أكبر دليل على فرضية الجماعة : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من: "آيات الأحكام" والموضوع اليوم صلاة الخوف، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا * وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾ [ سورة النساء: 101-107 ] أيها الأخوة، هذه الآيات أو مطلع هذه الآيات تعد أكبر دليل على فرضية الجماعة لماذا؟ هل من وضع حرج؟ هل من وضع صعب؟ هل من وضع شديدٍ كأن تكون مشتبكاً مع العدو وجهاً لوجه في خط المواجهة الأول في السلاح الأبيض ومع ذلك يجب أن تصلي جماعة؟ الجماعة رحمة و الفرقة عذاب : ألم يكن من الممكن ونحن نقاتل، ونحن في خط المواجهة الأول، ونحن نلتحم مع العدو أن يصلي كل منا على حدة؟ هل هناك وضع أشد من هذا الوضع؟ هل هناك وضع أصعب من هذا الوضع؟ هل هناك موقف أصعب من هذا الموقف؟ ومع ذلك يجب أن تصلي في جماعة، فكيف إذا كنت في سلام وفي أمن؟ وفي بلدتك وفي بيتك؟ لا يوجد مشكلة أبداً أحجمت عن صلاة الجماعة، كنت بعيداً عن الجماعة لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ )) [ أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ] ((عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ)) [ ابن ماجة و أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] كلما حدثتك نفسك أن تبقى وحدك، أن تعيش وحدك، ألا تكن مع أحد، ألا تكن مع المؤمنين، اقرأ هذه الآية: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ [ سورة النساء: 101-102 ] الضرب في الأرض السير و أعلى أنواعه أن يخرج الإنسان مجاهداً لنشر الحق : أيها الأخوة الكرام، ضربتم، الضرب في الأرض السير، ضربتم في الأرض أي سرتم، أي سافرتم، والسفر سمي سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أتعرفه؟ قال: أعرفه، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: هل جاورته؟ قال: لا، قال: هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه. الضرب في الأرض هو السفر، أعلى أنواع الضرب في الأرض أن تخرج مجاهداً لنشر الحق، أقل من هذا أن تخرج فاراً بدينك من الفتنة، غير هذا أن تخرج طالباً للعلم، غير هذا أن تخرج مبتغياً الرزق، غير هذا أن تخرج سائحاً متعظاً بآيات الله في الآفاق، أي السياحة البريئة الشرعية التي لا معصية فيها ولا انحراف، وما سوى هذا السفر غير مشروع. قال: الضرب في الأرض السير فيها، قال تعالى: ﴿ وآخرونَ يضربونَ في الأرْضِ﴾ [ سورة المزمل :20] أي يسافرون. القصر نوعان؛ قصر عدد هو قصر السفر وقصر هيئةٍ هو قصر الخوف : تقصروا: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ تقصروا: القصر هو النقص، ويحتمل أن يكون القصر في عدد الركعات، أو النقص في هيئة الصلاة، طبعاً قصر الخوف حالة نادرة جداً، أي لو غلب على يقينك أنك إذا صليت قتلت ماذا تفعل؟ تصلي لكن بهيئة خاصة، لك أن تصلي واقفاً، لك أن تصلي مضطجعاً، لك أن تصلي مستلقياً، لك أن تصلي بأجفان عينيك، لك أن تصلي وشفتاك مطبقتان، عندنا قصر عدد هو قصر السفر، وقصر هيئةٍ هو قصر الخوف، لكن الصلاة كما تعلمون هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال. الإسلام أركانه خمسة، شهادة أن لا إله إلا الله مرةً واحدة في العمر، إذاً تشهد وتنتهي الشهادة، الصلاة، الصيام يسقط عن المريض والمسافر، الزكاة تسقط عن الفقير، الحج يسقط عن غير المستطيع، ما هي الفريضة التي لا تسقط بحال؟ الصلاة يجب أن تؤدى في كل الأحوال، تقصر عدداً في السفر وتقصر نوعاً في الخوف. قال الراغب في مفردات القرآن: "قصر الصلاة جعلها قصيرةً بترك بعض أركانها ترخيصاً"، في مفردات القرآن، قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها وكل هذه الألفاظ صحيح. الفتنة هي الابتلاء والاختبار و تستعمل في الخير والشر : قال تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [ سورة النساء: 101] الفتنة الابتلاء والاختبار، تستعمل في الخير والشر، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة الأنبياء: 35 ] أنت مفتون بالمال، ومفتون بنقص المال، مفتون بوفرته وبنقصه، مفتون بالزواج وغير الزواج، مفتون بالصحة والمرض، كل ما أعطاك الله عز وجل مادة امتحانك معه، والذي حرمك مادة امتحانك معه، إلا أن الفتنة كالبلاء تستعمل بالشدة والرخاء، لكنها في الشدة أظهر، فلان فتن أغلب الظن أن معظم الناس يفهمون فتن بمعنى انحرف أما هي بأصل اللغة ففتن بالخير، عرضت عليه عملاً صالحاً قال: حباً وكرامة، نقول: فتن فنجح، عرضت عليه الخير فرفض نقول: فتن فرسب، إلا أن استعمال الفتنة بالشر أظهر وأكبر. عدواً مبيناً، أي عدواً ظاهر العداوة، يوجد أعداء أخفياء يبطنون العداوة، هؤلاء خطيرون جداً، أما الذي يظهر لك العداوة فهذا مريح واضح. حقيقة الدين أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل على الله : الحِذر والحَذر من خاف شيئاً اتقاه، يقول عليه الصلاة والسلام: (( المؤمن كيس فطن حذر)) [ رواه الديلمى والقضاعى عن أنس] لا كما قرأه بعض ضعاف اللغة كيس قطن، يشرح الدرس قال: قال عليه الصلاة والسلام: المؤمن كيس قطن، فقال له: يا سيدي ما معنى كيس قطن؟ قال له: قلبه أبيض ولين فسرها. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ [ سورة النساء : 71] هذه سبهللة، دعها وتوكل، ليست من الدين. ((قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)) [ الترمذي عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ] حقيقة الدين أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل على الله، إنك إن اعتمدت عليها أشركت وإن لم تأخذ بها عصيت، نظام دقيق جداً، حينما لا تعبأ به أنت تحتقره، واحتقار النظام احتقار للمنظم، هذا كلام خطير أقوله لكم، ابنك مرض يجب أن تأخذه إلى الطبيب، ولابد من أن تصغي إلى نصائح الطبيب، ولابد من أن تستعمل الدواء، ولابد من أن تتصدق، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [ أحمد عَنْ جَابِرٍ ] بأصل التصميم لكل داء دواء، بقي على الطبيب أن يوفق إلى تشخيص الداء، وبقي على الطبيب أن يوفق إلى وصف الدواء المناسب، فإذا فعلت أنت هذا ذهبت إلى الطبيب، وقد شخص لك الداء، ووصف لك الدواء، واشتريت الدواء، بقي شرط أخير فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله، من أجل أن تضمن إذن الله عز وجل قال عليه الصلاة والسلام: ((داووا مرضاكم بالصدقة)) [رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود] هذا الموقف الصحيح، إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل، ولا تقل حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن تستنفذ الأسباب. احترام النظام الإلهي احترام للمنظم : الأخذ بالأسباب احترام للنظام الإلهي، واحترام النظام احترام للمنظم، لذلك المسلمون عندما تخلفوا تخلفهم كان بسبب إهمالهم للأسباب. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ [ سورة النساء : 71] عليك أن تأخذ بكل الأسباب ثم تتوكل على الله، أي احذروا واحترسوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، والحقيقة الإنسان قد يغفل عن حاجاته أما أخطر مرض يصيب النفس البشرية فأن تغفل عن الله عز وجل، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، ما من شيء يردي ويهلك كأن تكون غافلاً عن الله عز وجل، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: "عجبت لثلاث، عجبت لمؤمل والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط عنه الله أم راض". العبادة أصلها النية الصحيحة أما المعاملات مادامت وفق الشرع فهي صحيحة : فليس عليكم جناح ، الجناح هو الإثم من جنحت أي عدلت عن المكان، جنحت المركبة أي انحرفت عن خط سيرها، الجنحة المخالفة، قضيتم فرغتم وانتهيتم أي أديتم، فإذا قضيت الصلاة أي أديت. ﴿اطمأننتم﴾ آمنتم وأصل الطمأنينة سكون القلب أي إذا زال الخوف عنكم. ﴿كتاباً موقوتاً﴾ أي فرضاً محدوداً بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها، يوجد حكم فقهي دقيق لو إنسان أراد متعمداً أن يصلي الفجر قبل أن يؤذن طبعاً من شرط الصلاة آذان الفجر - دخول الوقت من شرط الصلاة - لو أن إنساناً تعمد أن يصلي الفجر قبل أن يؤذن وصلى صلاته باطلة، بعد حين تبين أنه صلى بعد الفجر يوجد عنده خطأ بساعته تبقى صلاته باطلة لأن النية أصل في العبادة، إنما الأعمال بالنيات، هو عملياً صلاها في وقتها، يوجد خطأ في الساعة، هو صلاها في وقتها ولكن لأنه نوى أن يصليها قبل وقتها صلاته باطلة، ولو اكتشف بعد حين أنه صلاها في وقتها غير مقبولة، أما في المعاملات النية ليس لها علاقة أنت بعت كأساً ما نيتك؟ مادمت أنك بعته صحيحاً بسعر صحيح لم تكذب ولم تدلس انتهى الأمر، هذا بيع صحيح. لو أن إنساناً مقيماً في حمص مثلاً ولأبيه دكان في حمص، واغتصب هذه الدكان اغتصاباً، وباعها بوكالة مزورة عن أبيه، هذا عمل باطل، ثم عاد إلى الشام فإذا أبوه قد توفي قبل أن يبيع الدكان اغتصاباً بيعه صحيح. دققوا في المثل، أول مثل لو أردت أن تصلي الفجر قبل دخول الوقت ثم تبين لك أنك صليت في وقته المناسب الصلاة باطلة لأن العبادة أصلها النية الصحيحة، إنما الأعمال بالنيات، أما المعاملات مادام المعاملات وفق الشرع فهي صحيحة. أنت تستطيع أن تقول: البيع باطل إذا كان البائع ينوي أن يبيع حتى يكثر ثروته أو حتى ينفع المسلمين؟ هذه ليس لها علاقة، مادام باع حاجة سلمها وقبض ثمنها وسعرها معتدل، وصار إيجاب وقبول فالبيع جائز، دققوا في هذا، فكرة باع المحل اغتصاباً ثم تبين أن أباه مات قبل أن يبيعه وهو وريثه الوحيد البيع صحيح. إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، أي فرضاً محدداً بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها. الحياة شاقة من يرجو فيها رحمة الله يثيبه الله على عمله جزاء وافياً : الآية الكريمة: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ ابتغاء القوم أي طلبهم، أن تبتغيهم، أن تلاحقهم، أن تطلبهم بالحرب، والقوم هنا الكفار، هذه الآية أيها الأخوة لها عندي مكانة كبيرة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [ سورة النساء : 104] الحياة شاقة، أهل الدنيا مساكين يدأبون، يتعبون، يجتهدون، يجتمعون ، يخططون، يبذلون أموالهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [ سورة الأنفال : 36 ] تصور شابين أجمعا أن يتزوجا، شراء البيت، ودفع ثمن البيت، وتأسيس البيت، والبحث عن زوجة، وعقد القران، وهدايا، وفترة خطوبة، وحفلات، والأهل، ومشاكل الأهل، أي مجموعة متاعب لا يعلمها إلا الله، يأتي شاب مؤمن يبحث عن زوجة صالحة ويعاني كل هذه المتاعب، ويأتي شاب متفلت يعاني كل هذه المتاعب، لكن هذا يرجو رحمة الله، يرجو الجنة، يثيبه الله على كل متاعبه جزاءً وافياً، وذاك على تعبه وسهره وعلى مشقته لا يؤجر على عمله. أعداؤنا يتعاونون على باطلهم ونحن نتفرق على حقنا : الشيء العجيب كيف يجتمع الناس على باطلهم ويتفرق المؤمنون على حقهم؟ كيف يتعاون أهل الباطل على خمسة بالمئة من القواسم المشتركة وكيف يختلف المسلمون على خمسة وتسعين بالمئة من القواسم المشتركة؟ أليس هذا وصمة عار في حق المسلمين؟ أينما ذهبت في شتى بقاع الأرض، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [ سورة النساء : 104] التفرقة، والطعن، وعدم التعاون، والازدراء، والتقليل من قيمة الآخرين، ودعوى التفرد، هذه كلها أمراض المسلمين، أعداؤنا يتعاونون على باطلهم ونحن نتفرق على حقنا، أعداؤنا يتعاونون على خمسة بالمئة من القواسم المشتركة ونحن نختلف وبيننا خمسة وتسعون بالمئة مشترك. ربط الرجاء بالعمل الصالح : أيضاً الآية الكريمة: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [ سورة الكهف: 110 ] الله عز وجل ربط الرجاء بالعمل الصالح، الرجاء إن لم يدعم بعمل صالح لا قيمة له، يغدو تمنياً، وقد قال الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [ سورة النساء : 123] الله عز وجل لا يتعامل معنا بالتمنيات، التمني بضاعة الحمقى، كم طالب في القطر؟ يوجد تقريباً مئة ألف طالب ثانوية، كلهم يتمنون النجاح بعلامات عالية، من الذي ينجح بعلامات عالية؟ الذي يسعى، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، الذي يسعى هو الذي يفوز، لذلك قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [ سورة الكهف: 110 ] الانتقاد سلاح الضعفاء و المخفقين في أعمالهم : يوجد نموذج بشري مرفوض، مستريح، مسترخ، همه تقييم الناس، همه الحكم عليهم، همه أن يكون وصياً عليهم، همه أن يوزع الألقاب عليهم، هو لا يفعل شيئاً، أنا أقول كلمة طرفة في علم العقيدة نحن نؤمن أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، وحده، أما في غير علم العقيدة فنحن نظن أن هناك إنسان لا يخطئ لكنه ليس هو النبي؟ الذي لا يعمل طبعاً لا يغلط، من يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ، ويوجد شخص لا يعمل، لا يقدم شيئاً، أنا أعجب من إنسان يقرأ كتاباً يكون الكتاب فيه جهد عشر سنوات، أي حتى كتب الكتاب المؤلف أخرج آلاف الكتب أو مئات الكتب، أي عصارة تجربته، عصارة أفكاره، يأتي إنسان لا يستطيع أن يكتب سطراً واحداً يقول: يوجد أخطاء كثيرة، هذا الشيء لا يحتمل قبل أن تنتقد هل بإمكانك أن تأتي بمشاعره؟ قبل أن تزدري عملاً عظيماً هل بإمكانك أن تقلده؟ الإنسان إذا كان هناك بوناً واسعاً بينه وبين من يصنعون شيئاً ثميناً لا ينبغي أن ينتقدهم، هذا سلاح الضعفاء، وسلاح المخفقين في أعمالهم. الله عز وجل يريد اليسر للإنسان : المعنى الإجمالي لهذه الآيات، يا أيها الذين آمنوا أي إذا سافرتم وسرتم في الأرض للجهاد، أو للتجارة، أو السياحة، أو غير ذلك، قلنا في بداية الدرس: هناك سفر جهاد، وسفر لطلب الرزق، وسفر للسياحة البريئة الشريفة المستقيمة، سفر الجهاد إما فراراً بدينك، أو لنشر العلم، أو لصد العدو، كلها لله، ويوجد سفر للرزق، ويوجد سفر للسياحة، أي سياحة أمتي الجهاد، والعياذ بالله صار عندنا مصطلحات جديدة؛ سمعت مرة بمصطلح الأخبار من إذاعة غربية السياحة الجنسية، أي يسوح ليزني، يسوح ليرتكب الكبائر، يسوح ليرى ما لا ينبغي أن يراه. إذا قلنا: سياحة، المقصود سياحة المؤمنين، وهي أن يتعرفوا إلى ملكوت الله، ليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من الصلاة المفروضة، تصلون الرباعية اثنتين، لأن الإسلام دين يسر، فالله سبحانه وتعالى يريد اليسر لكم، لك أن تصلي في السفر أربع ركعات، الظهر ركعتان والعصر ركعتان، والمغرب على حاله، والعشاء ركعتان، والفجر على حاله، حكم قصر الصلاة تصلى الرباعية ركعتين من دون سنن، إلا أن سنة الفجر تصلى والوتر يصلى، سنة الفجر مؤكدة، والوتر يصلى في السفر ويقضى بالحضر، وركعتا الفجر تصلى في السفر والحضر، أما صلاة قصر الخوف فاتفقنا قبل قليل أن هناك قصر عدد وقصر هيئة، قصر العدد في السفر وقصر الهيئة في الحرب، أو في الخوف. الله يحبنا أن نجتمع وأن نؤدي العبادات جماعةً : إذا كنت يا محمد مع أصحابك في الحرب وأردت أن تصلي بهم إماماً فاقسمهم طائفتين، طائفةً تقف معك في الصلاة، وطائفةً أخرى تحرسك ومعهم أسلحتهم، فإذا سجدت الطائفة الأولى وأدركوا ركعة فليتأخروا وليتقدم من لم يصلِ فليصلِّ معك، أي المقاتلون ينقسمون إلى فئتين؛ فئة تصلي مع رسول الله ركعة واحدة، والفئة الثانية تحرسها بالأسلحة ثم تتقدم الثانية فتصلي مع النبي ركعة ثانية والأولى تحرسهما، كما قلت في أول الدرس: هذا أكبر دليل على أن الله يحبنا أن نجتمع، وأن نؤدي العبادات جماعةً، وصلاة الفرد في جماعة تعدل صلاته منفرداً بسبع وعشرين ضعفاً. ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ )) [ مسلم عَنْ عُثْمَانَ ] الله جل جلاله يأمر المؤمنين ألا يضعفوا عن قتال الكفار، لو إنسان طرح السؤال إذا كان الكافر أقوى منك بكثير فكيف لا تهنوا في ابتغاء القوم؟ الحقيقة الله عز وجل مع المؤمنين، وإذا الله معنا فمن علينا؟ وإذا كان الله علينا فمن معنا؟ الله عز وجل أقوى الأقوياء إذا كان مع المؤمنين انتهى الأمر، لذلك المعركة بين حقين لا تكون لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حق وباطل لا تدوم لأن الله مع الحق، أما بين باطلين فلا تنتهي عندئذ ننظر من هو الأقوى؟ من هو الأذكى؟ من هو الأكثر حيلةً؟ من أقام أمر الله بما هو به مستطيع كفاه الله ما لا يستطيع : قال: الله عز وجل أمر المؤمنين ألا يضعفوا عن قتال الكفار، وأنا أقول لكم: الله جل جلاله ما كلفنا أن نعد لأعدائنا القوة المكافئة بل كلفنا أن نعد لأعدائنا القوة المتاحة، هذا الأمر يعطينا تفاؤلاً كبيراً، المسلم أحياناً لضعف إيمانه يقول لك: ماذا أفعل مع الأعداء؟ عندهم ترسانة أسلحة، عندهم قنابل نووية، عندهم تكنولوجيا عالية جداً، أقمار صناعية تغطي الأرض كلها، يجد أن النصر مستحيل، وهذا كلام غلط لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة الأنفال: 60 ] وانتهى الأمر، أنا عليّ أن أعدّ ما أستطيع وعلى الله الباقي وإلا لا يوجد أمل، لكن الله سبحانه وتعالى ما كلفنا فوق طاقتنا، كلفنا المتاح، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [ سورة الرعد : 11] إذا أقمت أمر الله بما أنت به مستطيع كفاك الله ما لا تستطيع. كيفية الصلاة في الحرب : و عن أبي عياش الزرقي قال: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ فَاسْتَقْبَلَنَا الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ فَقَالُوا قَدْ كَانُوا عَلَى حَالٍ لَوْ أَصَبْنَا غِرَّتَهُمْ ثُمَّ قَالُوا تَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ قَالَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام بِهَذِهِ الآيَاتِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ) قَالَ فَحَضَرَتْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذُوا السِّلَاحَ قَالَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا سَجَدُوا وَقَامُوا جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا فِي مَكَانِهِمْ ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ وَجَاءَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا جَلَسَ جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْصَرَفَ قَالَ فَصَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعُسْفَانَ وَمَرَّةً بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ)) [ النسائي عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ ] تصور أن الصلاة على المسلم غالية جداً، لو أن المسلمين صلوا صلاة الظهر جميعاً، وأغمضوا أعينهم، ووضعوا أسلحتهم، هذه فرصة ذهبية للعدو، فرصة رائعة للعدو أن ينقض عليهم، ويهزمهم، فصلِّ بهم إماماً، واقسمهم طائفتين، طائفة تصلي معك والطائفة الثانية تأخذ أسلحتها وتحرس، فإذا أدت الأولى معك ركعة واحدة تأخرت وجاءت الثانية وصلت معك ركعة وحرستها الأولى، صلينا جماعة وقد أخذنا حذرنا. الله عز وجل أعطى الإنسان بعض الرخص للتخفيف عنه : بهذه الآية لطائف كثيرة، من هذه اللطائف الله عز وجل حينما قال: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [ سورة النساء : 101] الحقيقة الصلاة هنا تقصر للخوف، ولكن حَمِل السفر على الجهاد فكما أنك في الجهاد تقصر في السفر تقصر، لأن السفر قطعة من العذاب، ولأن السفر مظنة هلاك، قديماً كان الإنسان يسافر فرضاً من مكة إلى الشام يقطع الصحراء وحده، يوجد وحوش، و قطاع طرق، الآن الطرقات واضحة، والمركبات مكيفة، والطائرات، وخلال ساعتين تكون في طرف الدنيا، شيء عجيب السفر الآن ميسر جداً، الآن خلال ساعتين تكون في جدة، كانوا أشهر بأكملها، ومع ذلك حتى الآن السفر فيه خطر، أنت جالس تتناول طعام الغذاء، تسمع الأخبار: وقد مات جميع ركابها أربعمئة وخمسين راكباً، هذا شيء يقع دائماً، السفر مظنة هلاك والسفر قطعة عذاب، لذلك الفقهاء حملوا السفر على الجهاد فكما أنك في الجهاد تقصر كذلك في السفر تقصر. سيدنا عمر سأل النبي عليه الصلاة والسلام، مالنا نقصر في الصلاة وقد أمنا - أي أصبحنا آمنين- ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ )) [ الترمذي عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ] أي الله عز وجل أعطاك هذه الرخصة، يوجد شخص متشدد اقبلها؟ الإنسان أحياناً في السفر يكون متعباً، ينتظر في أماكن انتظار السيارات، يبحث عن فندق، يعيش بعذاب، لا يوجد طمأنينة، المقيم انتقل إلى بيته، وبيته معروف، دخل خلع ثيابه، تناول طعامه، استلقى، أما المسافر فيبحث عن فندق، يبحث عن مطعم، ركب خمس ساعات في السيارة تعب، رحمة به صلِّ ركعتين. لذلك الأحناف يرون أن قصر الصلاة واجب، في الحج أحياناً يكون الحج في الأيام الحارة، الحر لا يحتمل، أصلي في مقر البعثة، نصلي قصراً ونحن في الحج، الإمام حنفي والأحناف يرون أن القصر واجب لأن الله تصدق علينا بهذه الرخصة فلنقبل صدقته. الإنسان يجتهد ظناً وتكلفاً أما النبي فيرى ورؤيته حق : من لطائف هذه الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطبه الله جل جلاله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [ سورة النساء : 105] أي بما عرفك وأعلمك وأوحى إليك، وسمى العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية، تقول: رأيت العلم نافعاً أي علمت العلم نافعاً، لكن دققوا في هذا التفصيل. سيدنا عمر كان يقول: "لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، هذه ممنوعة، فإن الله لن يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم"، أما أنت تقول: اجتهدت وليس أراني الله، أكثر الناس يقولون: هكذا الله أراني، من أنت؟ هل أتاك وحي؟ هذا ممنوع. لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، هذه ممنوعة، فإن الله لن يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه لأن الرأي من رسول الله كان مصيباً، ولأن الله كان يريه إياه وهو منا ظن وتكلف، نحن نجتهد ظناً وتكلفاً، أما النبي فيرى ورؤيته حق. قصر الصلاة : الآن قصر الصلاة، أولاً: تقصر الصلاة في السفر مطلق السفر والدليل قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [ سورة النساء : 101] مجاهدون، فارون بدينكم، طالبون العلم، متاجرون، سائحون، وإذا ضربتم في الأرض أي سرتم في الأرض، إذاً قصر الصلاة لمطلق السفر هذا أول حكم، عند السادة الشافعية والإمام أحمد قصر الصلاة رخصة إن شئت أخذت بها، وإن شئت لم تأخذ بها، رخصة، وعند الإمام أبو حنيفة القصر واجب، وأن الركعتين في السفر هما تمام صلاة السفر، والإمام مالك القصر عنده سنة وليس واجباً، وهذه على أربعة مذاهب، الشافعية استدلوا بحكمهم من أن الله عز وجل يقول: ﴿ليسَ عليكُمْ جُنَاح أن تقصُرُوا منَ الصَّلاة ﴾ عبارة ليست عليكم جناح لا تعني الفرضية أي لا تأخذون، لا تعاتبون، إذاً القصر رخصة، لك أن تأخذ بها ولك ألا تأخذ، أما الأحناف فأخذوا قول سيدنا عمر حينما قال: "صلاة السفر ركعتان تمام"، وأنت في السفر تمام الصلاة ركعتان، والنبي التزم هذا في أسفاره كلها. ((كَانَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ أَمِيرًا عَلَى فَارِسَ فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنِ الصَّلاةِ فَكَتَبَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ )) [ الترمذي عن عَوْن الأَزْدِيَّ ] ((عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يُصَلِّي إِلا رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ )) [ الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ] هذه أدلة الأحناف وابن عمر يقول: ((عن ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ قُلْتُ يُسَبِّحُونَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتْمَمْتُ صَلاتِي يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) )) [ البخاري عن ابْنَ عُمَرَ] الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه من هذه الأدلة مجتمعة عدّ القصر واجباً، يجب أن تقصر، وتمام الصلاة ركعتان، الإمام الشافعي ليس عليكم جناح أخذ من هذا أنها رخصة. أي سفر يبيح قصر الصلاة ؟ أما السؤال فأي سفر يبيح قصر الصلاة؟ طبعاً فوق ثمانين كيلو متراً، وينبغي أن تنوي الإقامة أكثر من ثلاثة عند الشافعي، وأكثر من خمسة عشر يوماً عند الأحناف، أما السفر الذي يبيح قصر الصلاة فسفر الطاعة، أي الجهاد، الفرار بالدين، طلب علم، التجارة، السياحة الإسلامية، أي نظيفة جداً، بريئة جداً، لا يوجد فيها معصية، الفقهاء قالوا: لمطلق السفر ولو كان في معصية، لكن صعب أن تتصور إنساناً يسافر ليعصي، حتى قاطع الطريق يجب أن يقصر في الصلاة، أي قصر هذا؟ هذا قاطع طريق، هذا مرتكب جرائم، هذا مفسد في الأرض، هذا ينبغي أن تقطع أيديه وأرجله من خلاف، على كلِّ السفر الذي يبيح قصر الصلاة السفر في طاعة أو السفر المباح. مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة : الآن يوجد عندنا حكم ثالث ما مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة؟ أهل الظاهر قالوا: قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر أو عدمه، معقول إنسان يقيم في الشام ودراسته في حلب جاء من حلب إلى الشام قصر، وخرج من الشام إلى حلب قصر، ليس معقول، يجب أن يعتمد مركز إقامته، لو فرضنا أن إقامته كلها في حلب وهو أساسه من الشام يعد حلب مركز إقامة، فإذا جاء إلى الشام يقصر، أما المركزان إقامة؟ يصلي دائماً القصر مستحيل. طبعاً الآن مسافة قصر الصلاة تقدر بثمانين كيلو متراً، تقريباً من دمشق إلى النبك، تقصر الصلاة دون ذلك لا يوجد قصر صلاة، صلاة الخوف كما ذكرنا قبل قليل: يصلي النبي عليه الصلاة والسلام، أصحابه فئتان فئة تصلي معه ركعة واحدة، والفئة الثانية تحرس بأسلحتها، ثم تأتي الثانية تصلي الركعة الثانية والأولى تحرس، أما في حالات الخوف الشديد بغير الحرب فلك أن تصلي كما تشاء، قصر صلاة الخوف قصر هيئة وقصر صلاة السفر قصر عدد. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 08-15-2018 الساعة 07:22 AM
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الشقاق الزوجى . سورة النساءالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( الرابع ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تشريع ربنا في حلّ مشكلة الشقاق بين الزوجين : أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الرابع من: "شرح آيات الأحكام"، وقد ذكرت لكم من قبل أن في القرآن الكريم آيات تشريعية، وأننا إذا فهمنا هذه الآيات التشريعية دخلنا إلى الفقه من أوسع أبوابه، فالفقه الإسلامي مصدره الأول القرآن الكريم، ونحن مع آيات تمس كل بيت على الإطلاق، آيات تتعلق بالشقاق الزوجي، ما من بيت من البيوت إلا وهناك مشكلة بين الزوجين تقل أو تكثر، تصغر أو تكبر، الآية الكريمة من سورة النساء، وهي الآية الرابعة والثلاثون والخامسة والثلاثون، وهي قوله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا* وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 34 ـ 35] هذا تشريع ربنا في حل مشكلة الشقاق بين الزوجين. شرح بعض مفردات الآية السابقة : أولاً مع المفردات: ﴿ قَوَّامُونَ﴾ جمع قوام، وقوام صيغة مبالغة من القيام على الأمر، القيام بالأمر: حفظه ورعايته والإشراف عليه، فالرجل قوام على امرأته أي كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر، والنهي، والحفظ، والرعاية، والتربية، والتأديب؛ أي أن الرجل له مرتبة القيادة في البيت، ليس قائماً على أمر البيت، قواماً، صيغة مبالغة، أي أعلى درجة من درجات الرعاية، والمراقبة، والحفظ، والتوجيه، والتعليم، والتدريب يعني كأن الرجل قائم على أهل بيته، قائم بخدمتهم، وقائم بإصلاحهم، وقائم بتربيتهم، وقائم بالإشراف عليهم، وقائم بإصلاح اعوجاجهم، وقائم بإرشادهم، ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ هذا تشريع الله عز وجل. ﴿قَانِتَاتٌ﴾ من القنوت، دوام الطاعة، المراد أنهن مطيعات لله عز وجل، مطيعات لأزواجهن، وطاعة الزوج من طاعة الله، ما لم يأمر بمعصية، فإذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها، ربع دينها طاعتها لزوجها ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أصل القنوت دوام الطاعة. ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ لنشوز هو العصيان، تؤدي الطاعة، النشز هو المكان المرتفع، كأن النشوز في المرأة على أنها استكبرت على أن تطيع زوجها، خرجت عن أمره، عصت أمره، أرادت أن تتحداه، هذه امرأة ناشز، أي مستكبرة، تخالف توجيهات رب الأسرة ، قال: النشوز بين الزوجين كراهة كل واحد منهما لصاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي ذكروهن بما أوجب الله عليهن من الطاعة، وحسن المعاشرة، الموعظة ذكرها بواجبها، ذكرها بما عليها، ذكرها بخصائصها، ذكرها بكمالها كامرأة مسلمة. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أي على الفرش، والهجر في المضاجع هو أن يوليها ظهره ولا يقترب منها، أو أن يعزل فراشه عن فراشها، كلاهما يؤدي المعنى نفسه، أن يدير ظهره إليها، ولا يقترب منها، أو أن يعزل فراشها عن فراشه. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ لشقاق: الخلاف والعداوة، مأخوذ من الشق، بمعنى الجانب، لأن كلاً من الزوجين يكون في طرف، هو في طرف وهي في طرف. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ ﴾ الحكم: هو القاضي الذي يستمع إلى الفريقين ويحكم بينهما. تفضيل الرجال على النساء لسببين : أيها الأخوة الكرام، الآية: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل للرجل درجة الرئاسة، والقيادة، والتدبير، والإشراف، والحفظ، لسبب ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِما﴾ هذه باء السببية، أي بسبب ما منحهم الله عز وجل من عقل، وتدبير، وما خصهم به من كسب، وإنفاق، أي الرجال مفضلون في القيادة على النساء لسببين، سبب وهمي، وهو أن الله سبحانه وتعالى أودع في الرجل قوة إدراكية تزيد عن المرأة، وأودع فيه نظرة موضوعية، ونظراً بعيداً، بينما المرأة أعطاها شيئاً آخر، أعطاها قوة انفعال، وحساً مرهفاً، وانفعالاً شديداً، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ هذه صفة وهمية، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ كسبوا المال وأنفقوه، هذه صفة كسبية، هناك سببان وراء أن الله سبحانه وتعالى جعل الرجل هو القيم في الأسرة. النساء على قسمين : 1 ـ نساء صالحات : أما النساء فعلى قسمين، نساء صالحات، ونساء ناشزات، الصالحات اللاتي يطعْن الله عز وجل ورسوله وأزواجهن فيما لا معصية فيه، بل إنهن صالحات وقانتات، أي يداومن على الطاعة، طاعة مستمرة، وليست في ظروف طارئة، الآية الكريمة ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي إذا غاب عنها زوجها، تحفظ له ماله فلا تضيعه، تحفظ نفسها فلا تفرط بشرفها وعرضها لغير زوجها. الحقيقة أنا فيما أعلم وفيما يبدو أن معظم الأخوة المؤمنين المتزوجين يذهبون إلى أعمالهم وهم مطمئنون إلى أن زوجاتهم لا يمكن أن يفرطن بأنفسهن، أو أن يطمعن في غير أزواجهن، وهذه نعمة كبرى لا يعرفها إلا من فقدها، وأنت في عملك، وأنت مسافر، مطمئن إلى أن الزوجة التي في البيت لا يمكن أن تتساهل مع إنسان لا بكلمة، ولا بنظرة، ولا بإظهار عضو إطلاقاً: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ تحفظ نفسها، وتحفظ مال زوجها، هذه المرأة الصالحة ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي بتوجيه الله عز وجل. 2 ـ نساء ناشزات : الصنف الثاني: وهن النساء الناشزات المتمردات، المترفعات على أزواجهن، اللواتي يتكبرن ويتعالين عن طاعة الأزواج، فعليكم أيها الرجال أن تسلكوا معهن طريقاً يتميز بالمراحل التالية. أول شيء: النصح والإرشاد، الوعظ، بين لها، وضح لها، ذكرها، اسمعها شريطاً، اقرأ كتاباً، وضح لها حكم الله، حكم رسوله، حق الزوج، واجب الزوجة، بيّن لها كل شيء، هذه مرحلة التبيين، مرحلة التوضيح، مرحلة الوعظ والإرشاد، مرحلة أن تجعلها على علم بما أمرها الله به، أن تجعلها مطلعة على ما جاء في السنة عن حقوق الزوج، وواجبات الزوجة، فإن لم يجد الوعظ والإرشاد والتذكير، فعليكم بالمرحلة الثانية، وهي أن تهجرهن في المضاجع، إما كما قلت قبل قليل: بأن تعطيها ظهرك، أو أن تجعل نومك في مكان بعيد عنها، هذا هو الهجران في المضاجع، لا تكلموهن، ولا تقربوهن، هذه المرحلة الثانية بعد الوعظ والإرشاد، فإن لم ترتدعن بالموعظة والإرشاد، ولا بالهجر، وترك الكلام، فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح. وقفة متأنية عند لكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح : هناك وقفة عند هذه الكلمة: لكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح، أنا أضع بين أيديكم بعض الأمثلة لو أن شاباً يتيماً في محلك التجاري، أخطأ خطأ يحتاج إلى تأديب، إن أدبته وأبقيته ورعيته أفضل أم أن تدع تأديبه وتطرده من المحل فيتفلت؟ أي شيء في صالحه؟ أن تؤدبه وأن يبقى في المحل تحت إشرافك وتحت رعايتك وتحت إكرامك أم أن تدع تأديبه من قبيل الورع الكاذب ثم تطرده من المحل وتجعله يتفلت من كل طريق ومن كل منهج؟ لمصلحته أن تؤدبه، وأن تبقيه، أي امرأة ناشزة انحرفت، وسلكت طريقاً غير صحيح، وعصت أمر زوجها، منعها أن تدخل بيت الجيران لأنه يعلم فسادهن، فدخلت عنوةً، واقتبست منهن أشياء لا ترضي الله؟ ماذا ينبغي أن يفعل الزوج؟ أن يطلقها أم أن يجعل لها ما يسميه علماء التربية خبرة مؤلمة؟ أحياناً الطفل الصغير يقترب من المدفأة، تأتي بعض الأمهات وتمسك بيده، وتضعها على المدفأة لمرة واحدة، هذا من أجل أن يكتسب خبرة مؤلمة تبعده عن المدفأة، يا ترى لو أذقنا بعض مساحة ضئيلة من إصبعه حرارة المدفأة، فخاف منها وابتعد عنها هذا أفضل أم أن نجعله يقتحم المدفأة فيحرق يده أو رأسه؟ الأمثلة دقيقة، أنا حينما أعطي هذا الغلام الصغير خبرة مؤلمة هذه الخبرة المؤلمة تجعله يبتعد عن هذه المدفأة ابتعاداً كلياً، هذا أفضل ألف مرة من أن أمتنع عن تأديبه، وعن إعطائه هذه الخبرة المؤلمة، ثم يقتحم المدفأة، ويحرق رأسه، أو بعض أطرافه، يتيم عندك في محلك التجاري إن ضربته حتى أورثته خبرة مؤلمة منعته أن يسرق وأبقيته عندك في المحل ورعيته ووجهته وأكرمته أفضل أم أن تمتنع عن ضربه ثم تطرده من المحل التجاري؟ نصعد درجة ثالثة: زوجة في البيت منحرفة، تخالف منهج الله، تستنكف عن طاعة زوجها، تتحدى زوجها، الأولى أن يؤدبها وأن يبقيها على عصمته يرعاها ويحفظها أم أن يطلقها ويرتاح منها؟ لذلك موضوع الضرب في حالات نادرة جداً، إذا كان أهون الشرين الشر الأكبر أن تطلقها، وأن تجعلها تفسد، فلذلك إن لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح، ضرباً رفيقاً يؤلم ولا يؤذي، فإن أطعنكم فلا تلتمسوا طريقاً لإيذائهن ﴿ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ هذه الكلمة إذا قرأها الإنسان، واستوعبها ترتعد مفاصله، أحياناً الإنسان يستضعف امرأته، يقول: لا أحد لها، يظلمها، يضربها، يذلها، يحملها على عمل شاق لا تستطيعه، مثل هذا الرجل ربنا كبير، سوف ينتقم منه. مرةً عليه الصلاة والسلام، مرّ بصحابي يضرب غلاماً له، قال عليه الصلاة والسلام: "اعلم أبا ذر أن الله أقدر عليك منك عليه"، فالرجل الذي يظلم زوجته ويهينها ويحملها ما لا تطيق يجب أن يعلم أن الله هو العلي الكبير، وهو قادر على أن ينتقم منه، وعلى أن يجعله يقع في ورطة ليس لها حل. طريقة حلّ الشقاق بين الزوجين : الآن الزوج واع، راشد، عاقل، زوجته ناشز، لو أن هناك حالة جديدة، هو يكرهها وهي تكرهه، هو يتجاوز حدوده معها، وهي تتجاوز حدودها معه، هذه حالة شقاق. الأولى زوجة صالحة، طائعة، قانتة، حافظة للغيب بما حفظ الله. الحالة الثانية: زوجة ناشز مستعلية، مستكبرة، منحرفة، هناك وعظ، وهجران، وضرب. الحالة الثالثة: زوج يكره زوجته، والزوجة تكره زوجها، وهناك بغض متبادل وخصومة متبادلة، ما الحل؟ قال: إذا كان النفور لا من الزوجة فحسب بل من الزوجين، فأمر الله تعالى بإرسال حكمين عدلين واحد من أقربائها، وواحد من أقرباء الزوج يجتمعان، وينظران في أمريهما، ويفعلوا ما فيه المصلحة، إن رأيا التوفيق وفقا، وإن رأيا التفريق فرقا، فإذا كانت النوايا حسنة، والقلوب ناصحة، بورك لهما في وساطتهما، وأوقع الله في طيب نفسهما وحسن سعيهما الوفاق والألفة بين الزوجين، وقد شرع الله عز وجل هذين الحكمين كي يعيدا المياه إلى مجاريها، والألفة بين الزوجين، والمحبة التي أرادها الله عز وجل بين الزوجين. أسباب نزول الآيات المتعلقة بالشقاق الزوجي : تروي كتب أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في سيدنا سعد بن الربيع، مع امرأته حبيبة بنت زيد، وكان سعد من النقباء، وهما من الأنصار، ذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أفرجته كريمتي فلطمها، فقال عليه الصلاة والسلام: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها فقال عليه الصلاة والسلام: ارجعوا هذا جبريل أتاني، وأنزل الله عز وجل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ فقال عليه الصلاة والسلام أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذي أراده الله هو الخير. الله جل جلاله علل والتعليل رحمة بالآمر للمأمور : أخواننا الكرام، عندنا خمسة أحكام من هذه الآية، أحكام تشريعيه دقيقة. الحكم الأول: الله جل جلاله علل، الإله يأمر ولا يعلل، بل إن إنساناً قوياً عادياً جداً يعطي أمراً بلا تعليل، وبلا شرح، نفذ ثم اعترض، لكن الله في عليائه خالق السموات والأرض يعطي أمراً مع التعليل، التعليل هو تقريب الأمر إلى المأمور، والتعليل رحمة بالآمر للمأمور : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الأول وهبي، طبيعة الرجل تؤهله للقيادة، لاحظ لو أن أماً استجابت لعاطفتها في تربية أولادها، الأولاد ينشؤون متواكلين، ضعيفي الشخصية، أما الأب الحازم الذي يربي أولاده بعقله لا بعاطفته، فينجح في تربية أولاده، الأول وهبي، والآخر كسبي، وأورد القرآن الكريم العبارة بصيغة المبالغة، قال: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إشارة إلى أن للرجل كامل القيادة، والإشراف، والولاية، والتوجيه. تفضيل الرجل على المرأة بعقله و تفضيل المرأة على الرجل بعاطفتها : الاستنباط الثاني: قال صاحب الكشاف (الزمخشري ): "ذكروا في فضل الرجال أموراً منها العقل، والحزم، والعزم، والقوة، والرجال منهم الأنبياء، وفيهم الإمامة العظمى، والإمامة الصغرى، هم مكلفون بالجهاد، وبالأذان، وبالخطبة، وبالشهادة في الحدود، وفي القصاص، وفي الزيادة في الميراث، والولاية في النكاح، وإليهم الانتساب، وغير ذلك هذه خصائص الرجال : ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أما كلمة : ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فكلمة دقيقة جداً جداً، ما قال الله عز وجل بما فضل الرجال عن النساء، ما قال بما فضلهم عليهن، لا، قال : ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ماذا نفهم من هذه العبارة المعجزة؟ نفهم منها أن الرجل أفهم من المرأة تارةً، وهي أفضل منه تارةً أخرى، الطفل إذا مرض من أقرب إليه أمه أم أبوه ؟ أمه، من يحن عليه أكثر؟ أمه، من ترعاه أكثر؟ أمه، الأمر إذا احتاج إلى عاطفة، من هي المؤهلة؟ الأم، إذاً هي مفضلة عليه بعاطفتها، وهو مفضل عليها بعقله، هو مفضل عليها باهتمامه بالقضايا الكبرى، هي مفضلة عليه باهتمامها بشؤون المنزل، قد تطرب إن وجدت منزلها نظيفاً، إن رأت أولادها يرتدون أجمل الثياب، إن قدمت إلى أسرتها طعاماً طيباً هي تتباهى بهذا، هذا من شأن المرأة لا من شأن الرجل، ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ تفوق المرأة في حالات و تفوق الرجل في حالات أخرى : شيء آخر: الآن إنسان يملك مالاً كثيراً، عنده مركبة تعطلت، يقف أمام المختص بأدب جم، هو الآن أقل منه، هذا الذي يصلح المركبة الآن أفضل من هذا الذي يقف أمامه، في هذا الموضوع بالذات هذه آية ترد كثيراً. ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ سورة الزخرف: 32] مرة الرجل يتفوق، ومرة المرأة تتفوق، تفضيل مطبق لا يوجد، هناك حالات التي تحل المشكلة المرأة، بما لها من قلب كبير، من عاطفة جياشة، من إحساس مرهف، من تودد لزوجها، تضحي من أجل أولادها، إذاً هي الآن أفضل منه، وأحياناً الموقف يحتاج إلى قرار حازم الرجل الآن أفضل منها، إذاً لو أن الله قال: بما فضلهم عليهن ليس هذا هو المعنى، المعنى كل موقف، في هذا الموقف الرجل أفضل، في هذا الموقف المرأة أفضل، وهكذا، فهذا الكلام يحتمل المعنيين: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ تفضيل الرجل على المرأة تفضيل جنس على جنس لا فرد على فرد : ولكن قال علماء النفس: هذا التفضيل تفضيل جنس على جنس لا فرد على فرد، بمعنى: قد تجد امرأة أعقل من مئة رجل، وأكثر ثباتاً من مئة رجل، وأكثر حكمة من مئة رجل، وقد تجد رجلاً أكثر عاطفة من مئة امرأة إذا قلنا: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي أن جنس الرجال متفوق على جنس النساء، أما الأفراد فلا، أي ما كل امرأة أقل من الرجل، وما كل رجل أعلى من المرأة، إذا قلنا: أعلى، أي في الاختصاص، في العزم، والحزم، وقوة الإرادة، والإدراك البعيد، أما في العاطفة والإحساس، والوفاء، والحب، فالمرأة تتفوق عليه، إذاً هي مرة تتفوق عليه، وهو مرة يتفوق عليها، الإشارة اللطيفة في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر إلا الإصلاح ، ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ هي الأصل إن رأيا أن الإصلاح أولى وفقا بينهما، وإن رأيا أن التفريق أولى فرقا بينهما، لكن القرآن لم يذكر إلا الإصلاح. الحكم الوسيط ينبغي أن يفكر في الإصلاح لا في التفريق : ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ماذا نستنبط من هذه الإشارة اللطيفة ؟ العلماء قالوا: الله جل جلاله يوجه الحاكمين، إلى أن ينبغي ألا يدخرا وسعاً في الإصلاح، فإن في التفريق خراباً للبيوت، وفي التوفيق ألفةً، ومودة، ورحمة، غرض الإسلام الجمع بين القلوب على المحبة والوئام، أي هذا الحكم ينبغي ألا يفكر بالتفريق أبداً، في النهاية قد يفرق، لكن ينبغي ألا يفرق، ألا يفكر بالتفريق، ينبغي أن يفكر بالإصلاح. إنسان شكا زوجته إلى أخيها أول ما قال له أختك تفعل معي كذا وكذا قال له: طلقها أفضل لك، الحكم الوسيط ينبغي أن يفكر في الإصلاح، لذلك ربنا عز وجل ما ذكر غير الإصلاح ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي كأن التوفيق الإلهي مرتبط بإرادة الإصلاح لا إرادة التفريق، هذا الكلام موجه إلى بعض أخوتنا المحامين، أحياناً ترفع له قضية تفريق، قد تبدو مصلحته المادية بالتفريق، لكن عليه أن يؤثر صالح الزوجين، الآية الكريمة: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ لماذا من أهله ؟ الأهل قريبون جداً من الزوجين، يعرفون خبايا الأمور، دقائق المشكلة، قرب الأهل من المشكلة أهلهما إلى أن يكونوا هما الحكمان. الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية الكريمة : نعود إلى الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية الكريمة. أولاً: خطوات إصلاح الشقاق الزوجي، النصح، والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة لقوله تعالى: ﴿ فعظوهن ﴾ ثانياً: الهجران بعزل فراشه عن فراشها، وترك معاشرتها لقوله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ ثالثاً: الضرب غير المبرح قال بسواك، ونحوه، تأديباً لقوله تعالى: ﴿ واضربوهن﴾ رابعاً: إذا لم تُجْد كل هذه الوسائل ينبغي التحكيم لقوله تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ وأما الضرب فقد وضحه عليه الصلاة والسلام بقوله: "فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح"، قال ابن عباس وعطاء: "الضرب غير المبرح بالسواك"، وقال قتادة: "ضرب غير شائن و ألا يوالي الضرب في مكان واحد، وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن، وألا يضربها بسوط، ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف بهذا التأنيب على أبلغ الوجوه" هذا الضرب لمن؟ إياكم أن تفهموا أنه للزوجة، أصبح لمن؟ لزوجة ناشزة، منحرفة، التي تستعصي على زوجها، تعصيه تحدياً، تعصيه فيما يفسدها، يعصيه فيما يطغيها، تعصيه فيما تصل فيه إلى الطلاق إن ترك عندها خبرة مؤلمة، وأبقاها عنده أفضل ألف مرة من أن يطلقها، وأن يكسرها بالتعبير النبوي، وكسرهن طلاقهن، أي الضرب هو أهون الشرين، خبرة مؤلمة للمرأة المنحرفة الناشز، النبي عليه الصلاة والسلام سئل: ((عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوِ اكْتَسَبْتَ وَلا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إِلا فِي الْبَيْتِ )) [ أخرجه أبو داود عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ] ومع أنه مباح في حالات نادرة جداً، ومع امرأة منحرفة جداً وبسواك، والقصد أن تدع عندها خبرةً مؤلمة، قال العلماء: تركه أفضل. العقوبات مشروعة على الترتيب : الحكم الثاني: هل هذه العقوبات مشروعة على الترتيب أم على التخيير؟ يعني إنسان نشأ بينه و بين زوجته خلاف له أن يضربها مباشرة؟ هناك أقوال كثيرة، أما أرجحها فعلى الترتيب، لا تستطيع أن تهجر قبل أن تعظ، تعظ أولاً، وتهجر ثانياً، وتضرب ثالثاً، وتبعث حكماً من أهلك، وحكماً من أهلها، رابعاً على الترتيب. وقال بعض العلماء: الوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، والضرب عند استمرار النشوز، عند الخوف وعظ ، عند الظهور هجر، عند الاستمرار ضرب، عندنا حكم جديد وعظتها فاتعظت، لا يباح لك أبداً أن تستعمل الدرب الأعلى ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ إن استخدمت أحد العلاجات وصلحت به يجب أن توقف العلاج ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ معناها في معصية، امرأة تعصي زوجها، تتحداه، وفي الأعم الأبلغ تعصي ربها، لأن الطاعة في معروف، إذا أمرها أن تستر وجهها، أو أن تخفض من صوتها، أو ألا تدخل إلى هذا البيت الفاسد، في الأعم الأبلغ الأمر بالمعروف، قال أحد التابعين: يعظها فإن هي قبلت قضي الأمر، وإلا هجرها، فإن هي قبلت قضي الأمر، وإلا ضربها، فإن هي قبلت قضي الأمر، وإلا بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها. سيدنا علي يقول: "يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين". هل يجوز للحكمين أن يكون من غير الأقارب ؟ عندنا سؤال: هل يجوز للحكمين أن يكون من غير الأقارب؟ بعض العلماء قال: يجب أن يكونوا من الأقارب، لأن القريب أعلم ببواطن الأمور، وأقرب إلى الصلح، وبعضهم قال: يستحب أن يكونا من الأقارب، لو أن القاضي عين حكمين غريبين الحكمان يصحان أن يحكما بين الزوجين، أحياناً يكون الزوجان غريبين ليس لهما أقارب، رفعا أمرهما إلى القاضي المسلم، في بلد مسلم، فلابد للقاضي من أن يكلف حكمين ليسا قريبين، إذاً بعضهم قال: يجب أن يكونا قريبين، وبعضهم قال: يستحب يكونا قريبين، لأن القريب أقرب وأعلم، وأحرص على الوفاق ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ صار هناك شقاقاً، شقاق مزمن مستمر، العلماء قالوا: الكلام موجه إلى الأسرتين معاً، لأن كل أسرة حريصة على نجاح زواج ابنتها، أو نجاح زواج ابنهم، فكأن الأسرتين يتعاونان على نجاح هذا المشروع فإذا صار هناك خللاً، فالخطاب موجه إلى الأسرتين، ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين : عندنا حكم خامس: الحكمان هل يجوز لهما أن يفرقا بين الزوجين من دون أذنهما؟ الجواب: لا، لأنه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ هما مفوضان في الصلح، وأما في التفريق فلابد من أن يستأذن الزوجين، أحياناً يكون الزوج غاضباً غضباً شديداً، والزوجة أشد غضباً منه، لكن في النهاية لا يستغنيا عن بعضهما، الآن فورة، كل إنسان يتكلم كلاماً قاسياً جداً، فالحكم في الأعم الأرجح لا يجوز أن يتخذ قراراً بالتفريق، دون أن يوافق عليه الزوجان، هو مفوض بالصلح فقط: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ هو مفوض من قبل الله بالصلح، فإذا أصلح بينهما فقراره نافذ، أما إذا أراد التفريق فلابد من موافقة الزوجين، لعل الزوجين يتراجعان. أبو حنيفة رَضِي اللَّه عَنْه يقول: "ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين". منهج المسلمين في معالجة الشقاق الزوجي : أيها الأخوة: هذه الآية منهج للزوجين، أولاً: البيت مؤسسة تحتاج إلى قائد، من هو المؤهل؟ الذي تفوق في فن القيادة، عقل راجح، إدراك بعيد، والذي ينفق، يكسب المال وينفقه هذا هو القائد، الزوجة صالحة أو غير صالحة، إن كانت صالحة فهي طائعة قانتة حافظة لمال زوجها في غيبته، وحافظة لنفسها في غيبته، أما الشاذة المنحرفة، فهذه توجه أولاً، وتهجر ثانياً، وتضرب ضرباً غير مبرح بترك خبرة مؤلمة تحول بينها وبين أن تكسر وبين أن تطلق وهو أهون الشرين، والعلماء أجمعوا على أن تركه أفضل. والشيء الأخير إذا كان هناك شقاقاً مزمناً، مستحكماً، لابد من التحكيم ﴿ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ مفوضان بالصلح، وينبغي ألا يفكرا إلا بالصلح أما حينما يتخذان قراراً بالتفرق لابد من موافقة الزوجين، هذا منهج المسلمين في معالجة الشقاق الزوجي. الهجران يكون في البيت : أضيف فكرةً مهمةً جداً متعلقة بآية أخرى. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [ سورة الطلاق: 1] الهجران في البيت، المرأة إذا خرجت من بيت زوجها، أصغر مشكلة بينها وبين زوجها قد تنقلب إلى أكبر مشكلة وقد تنتهي بالطلاق، أما إذا بقيت في بيت الزوجية فأكبر مشكلة تتضاءل، وتنتهي بالصلح لذلك: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ هذا منهج الأسرة المسلمة في معالجة الشقاق الزوجي. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 08-15-2018 الساعة 07:23 AM
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الزواج من مشركة او كتابية او مشرك او كتابىالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( الخامس ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شرح لبعض مفردات الآية التالية : أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس من: "شرح آيات الأحكام"، والآية اليوم قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة البقرة: 221] أيها الأخوة الكرام، كما هي خطة الدرس مع مفردات هذه الآية: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ أي لا تتزوجوا الوثنيات، اللواتي يعبدن الأوثان، والمشركة في التعريف الدقيق هي التي تعبد الأوثان، وليس لها دين سماوي، ومثلها المشرك وقال بعضهم: إن المشركات تعم الكتابيات لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [سورة التوبة: 30] إلى قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الطور: 43] الأمة المؤمنة؛ المملوكة بملك اليمين، وهي التي تقابل الحرة، هذه الكلمة وردت في آية أخرى جمعاً، قال تعالى: ﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة النور: 32] هذا أمر، لكن العلماء قالوا: هو أمر ندب. أنواع الأمر في القرآن الكريم : هناك أمر وجوب، وأمر ندبٍ، وأمر إباحةٍ، وأمر تهديد، أمر الندب أي أن هذه الآية وجهت إلى مجموع الأمة ![]() إذاً ينبغي أن تعمل الأمة مجتمعةً وأولي الأمر معاً على تزويج كل من لا زوج ولا زوجة له، يعني أي فرد ليس له طرف آخر، امرأة كانت أو رجلاً، فالمرأة يجب أن نعمل على تزويجها، ثيباً كانت أو بكراً، والرجل أرملاً كان أو أعذباً، يجب أن نعمل على تزويجه، والحقيقة العمل على التزويج يكون بتسهيل سبل الزواج، تسهيل سبل الزواج لمن لا زوجة له، أو لمن لا زوج لها، أمر ندب من خلال هذه الآية: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾ [ سورة النور: 132 ] الأيامى؛ جمع أيم؛ والأيم هو الشخص الذي لا طرف آخر له، شاب أعذب، أيم فتاة عذباء، أيم رجل أرمل، أيم امرأة أرملة، أيم كل رجل لا زوجة له، أو امرأة لا زوج لها، يجب أن نسعى لتزويجه أو لتزويجها، لأن الزواج سنة الله في خلقه هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾ إذاً يجب أن نسعى جميعاً لتحقيق هذه الآية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح)) [ أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي رهم السمعي ] الأمة المؤمنة بالله ورسوله أفضل من الحرة المشركة : الآية أيها الأخوة، ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ ![]() أي: أيها المؤمنون لا تتزوجوا المشركات، إلا أن يؤمن بالله ورسوله، فإذا آمن بالله ورسوله لك الحق أن تتزوجها ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ أي أمة، جارية، مؤمنة بالله، تعرف ربها، تعرف حق زوجها، تعرف حقائق دينها، تتحجب عن الأجانب، تصدق بلسانها، ترعى زوجها، ترعى أولادها، هذه الأمة المؤمنة تأخذ بيد أولادها إلى الله، تأخذ بيد أولادها إلى الجنة، تعين زوجها على طاعة الله، تحصنه، تكون في عونه ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي مؤمنة بالله وبرسوله أفضل من حرة مشركة، المشركة بجمالها ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ كل المسلمين يقرؤون القرآن الكريم، فإذا قرأ الإنسان القرآن الكريم، وانتهى من قرأته، وقال: صدق الله العظيم، ثم أراد أن يتزوج فبحث عن امرأة ذات منصب، وجمال ولم يعبأ برقة دينها، ولم يهتم بتركها الصلاة، و لم يهتم أنها نشأت في بيت غير مؤمن، في بيت متفلت، هذا الذي يفعل هذا، ويقرأ القرآن الكريم، ما قال حقيقة: صدق الله العظيم، سلوكه لا يؤكد أنه صدق ربه، ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ لأنه: "من تزوج المرأة لجمالها - كما ورد في بعض الأحاديث - أذله الله، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك". من اتخذ قراراً ارتجالاً في ساعة غفلة جرّ عليه متاعب لا تعد و لا تحصى : أيها الأخوة الأكارم، في الحياة شيء اسمه قرار مصيري، أي قرار تتبعك تبعاته إلى نهاية الحياة، ساعة من ساعات اتخاذ القرار اتخذت قراراً أن تتزوج مشركة، أنت مسافر في بلد غربي تزوجت مشركة، هذا القرار المرتجل ربما جرّ عليك عواقب لا تنتهي إلى نهاية الحياة، لك من هذه الزوجة أولاد، وأولادك شيء ثمين جداً، إنهم فلذات أكبادك، فإذا سلكت في تربيتهم طريقة غير إسلامية لا تحتمل، وإذا أرادت أن تعود إلى بلدها وتأخذهم لا تحتمل، وإذا سايرتهم فيما تفعل لا تحتمل، وإن أقررتها على عملها لا تحتمل، وإن رأيت أولادك يعادونك بسبب توجيهاتها لا تحتمل، وإن رأيت أولادك قد سلكوا ديناً آخر لا تحتمل، فهذا القرار الذي تتخذه ارتجالاً في ساعة غفلة تجر عليك متاعبه متاعب لا تعد ولا تحصى، لذلك ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] لي صديق ذهب إلى بلد شمالي، ودرس هناك الرياضيات، وتزوج من هناك، جاءني مرة مع أولاده إلى المسجد، وعينه مليئة بالدموع قال لي: إنها تربيهم على الإلحاد، ماذا أفعل؟ هي أمهم، والطفل يتعلق بأمه وتأخذهم كل عام إلى بلادها تمضي شهراً أو أكثر، تلقنهم مبادئ الإلحاد، وتربيهم تربية لا تتصل بمبادئ الإسلام، وهو لا يستطيع لا أن يطلقها، ولا أن يبقيها، ولا أن يربي أولاده، ولا أن يهملهم، ولا أن يدعهم. قرار الزواج هو أخطر قرار يتخذه الإنسان في حياته : أخواننا الكرام، لعلي لا أبالغ إذا قلت: إن أخطر قرار تتخذه هو قرار الزواج، البيت تبيعه، والحرفة تغيرها، والمركبة تستبدلها، أما الزوجة أم أولادك، أم فلذات أكبادك، فماذا تفعل بها؟ لذلك ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] أي الذي عنده زوجة تعينه على طاعة الله، تطيعه إذا أمرها، تحفظه إذا غاب عنها، تحفظه في نفسها، و ماله، تسره إذا نظر إليها، هذه نعمة كبرى من نعم الله عز وجل، لذلك لا ينبغي أن نفرط بزوجة مؤمنة، ولا أن نستهين بها، ولا أن نقسو عليها، ولا أن نحملها ما لا تطيق، لأننا إذا فعلنا ذلك كفرنا بنعمة الزوجة الصالحة، والدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] زواج الإنسان من فتاة مؤمنة هو أحد أكبر الأسباب التي تقربه من الله عز وجل : أيها الأخوة الكرام: البارحة زارني صديق، قال لي: خطبت امرأة تروق لي، رأيت من سوء أخلاقها، ومن رقة دينها، ومن تفلتها، ومن هبوط مستوى أهلها ما لا يطاق، و أنا الآن أبحث عن مؤمنة ولا أزيد عليها صفة واحدة، أية فتاة بصرف النظر عن شكلها، وعن قوامها، لا أطالب إلا بصفة واحدة أن تكون مؤمنة، دفع الثمن باهظاً وله منها ولدان، يا أيها الأخوة الكرام: القضية خطيرة جداً، ومصيرية: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] طبعاً كل واحد منكم وأنا معكم حولنا قصص كثيرة جداً عن أناس ذهبوا إلى بلاد الغرب وتزوجوا مشركة، وهم يئنون من الألم، يكاد قلبهم يتفطر من الندم، تكاد نفسهم تنسحق من القهر. الزوجة المشركة تقود زوجها إلى النار : إذاً: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] لماذا ؟ قال: ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] ![]() هذه الزوجة المشركة تقود زوجها إلى النار، تفلتها، تكشفها، إباحيتها. لي قريب له ابن درس في بلاد الغرب، وجاء بامرأة، قال لي: و الله الشيء الذي لا أحتمله أن هذه المرأة تحاول أن تمارس حمام الشمس على السطح، والبيوت كلها حولها تشرئب إليها، حمام شمسي شبه عارية، على سطح البناء، وحولها أبنية مرتفعة، والنوافذ كلها مطلة عليها، هكذا، هذه المشركة التي جاء بها ابنه من بلاد الغرب، بلاد الغرب لهم عادات لا يحتملها إنسان مسلم ولا ثانية، أي شيء طبيعي جداً أن تخونه مع أي إنسان آخر، قضية بسيطة وكأنها لم تفعل شيئاً، ويخونها وكأنه لم يفعل شيئاً، وهناك قصة مشهورة تعد نموذجاً لهؤلاء الذي يعيشون متفلتين من منهج الله. في هذه البلاد البعيدة التي تفلتت من كل منهج سماوي، شاب رأى فتاة أعجبته فاستأذن والده من الزواج منها، قال له: يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فلما رأى فتاة ثانية فأعجبته، استأذن أباه ثانية، قال: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري أيضاً، فلما رأى فتاة ثالثة أعجبته فاستأذن أباه ثالثة، قال: لا يا بني إنها أختك أيضاً وأمك لا تدري، ضجر الشاب أشد الضجر من والده، فشكا إلى أمه، قالت له: خذ ما شئت ولا تبالي فإنك لست ابنه وهو لا يدري. هكذا، هكذا يعيشون، سمعت من أحد الأصدقاء عن خبير مقيم في بلدنا، مضى على إقامته سنتان ونصف، أقام حفلة لأصدقائه في العمل بمناسبة أنه أنجب طفلاً، بقي هنا سنتان ونصف أخبرته زوجته أنها وضعت طفلاً، فقالوا له: هذا ليس منك، قال: ليس مشكلة، لقد أنجبت غلاماً وها أنا أدعوكم للاحتفال بهذا الغلام، فوضى لا تنتهي، قلت لكم قبل درسين أو أكثر: في الوزارة البريطانية الجديدة أحد وزرائها وزير الصحة، يقول في مؤتمر صحفي أنه شاذ جنسياً، في مؤتمر صحفي ولا يستحي بذلك، هؤلاء. ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] أنت كمؤمن عندك شيء واحد يجب ألا يعلو عليه شيء، أي شيء يقربك من الله يجب أن تفعله، وأي شيء يبعدك عن الله يجب أن تتركه، وزواجك من فتاة مؤمنة هو أحد أكبر الأسباب التي تقربك من الله عز وجل. أسباب نزول الآية السابقة : هناك بعض العلماء الذين يتحدثون عن سبب نزول هذه الآية، قال: روي أن هذه الآية نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي الذي كان يحمل الأسرى من مكة إلى المدينة، وكانت له في الجاهلية صلة بامرأة تسمى عناقاً، فأتته و دعته إلى الخلوة؟ قال: ويحك إن الإسلام قد حال بيننا، قالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئاً، فنزلت هذه الآية: ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] هذه مشركة، الإمام السيوطي يقول: لا ليست هذه قصة هذه الآية، ولكن سبب نزولها ما روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحه، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره خبرها، فقال له النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما هي يا عبد الله؟ قال يا رسول الله: هي تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فقال يا عبد الله: هذه مؤمنة، فقال الصحابي الجليل: والذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، وفعل، فعابه ناس من المسلمين، فقالوا: نكح أمة وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رغبة في أحسابهن فنزلت هذه الآية، هاتان القصتان وردتا في أسباب نزول هذه الآية. الفرق بين نكح فلان فلانة و نكح فلان امرأته : طبعاً لاحظتم في الآية: ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] أما الثانية: ﴿ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] ![]() الحقيقة لا تنكحوا بضم التاء هنا لأنه رباعي، الفعل الرباعي أنكح نكح وأنكح، نكح ثلاثي مضارعه ينكح: ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] أما أنكح فلان فلانة فصار فعلاً متعدياً رباعياً، مضارعه: ﴿ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] قال: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] الواو للحال، لو هنا بمعنى إن، وإن أعجبتكم، من لطائف التفسير، المراد بالنكاح هنا العقد بالإجماع، كلمة نكح امرأة أي عقد عليها عقد الزواج، نكح بمعنى عقد، المراد بالنكاح هنا العقد بالإجماع، أي لا تتزوجوا المشركات، والمراد بالنكاح العقد لا الوطء أي إجراء العقد اسمه عقد نكاح، وقيل إنه لم يرد في القرآن الكريم بمعنى الوطء أصلاً، لأن القرآن يكني وهذا من لطيف ألفاظه، قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم نكح المرأة فقال: فرقت العرب بالاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الالتباس، إذا قالوا: نكح فلان فلانة أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها، أما إذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته فأرادوا المجامعة، الوطء، فإذا ذكر: نكح فلان فلانة أي عقد عليها عقد زواج، أما نكح امرأته أي اقترب منها. مراعاة الخلق و الدين في الزواج : اللطيفة الثانية في قوله تعالى: ![]() ﴿ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] إشارة لطيفة إلى أن الذي ينبغي أن يراعى في الزواج الخلق والدين، لا الجمال ولا الحسب و المال: ﴿ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] لأن هذا الشيء الذي يعجب بالمرأة يستهلك سريعاً، وتبقى أصالتها، وأخلاقها، وتربيتها، ودينها، وعفتها، ووفاءها، الشيء الذي يعجب الرجل بالمرأة يستهلك سريعاً، وتبقى الأشياء الأصيلة هي التي تحكم نجاح الزواج، لذلك ورد عن رسول صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ وَلا تَزَوَّجُوهُنَّ لأمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ )) [ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] المغفرة قبل دخول الجنة إلا في الآية التالية من باب مراعاة النظير في البلاغة : اللطيفة الثالثة: من المعلوم أن المغفرة قبل دخول الجنة، لذلك قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 133] أما في هذه الآية فقدمت الجنة هنا برعاية مقابلة النار قال تعالى في هذه الآية: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة البقرة: 221] هنا تأخرت المغفرة على الجنة خلافاً لنظام القرآن الكريم، تأتي المغفرة أولاً ثم الجنة ثانية، هذه مراعاة النظير في البلاغة. المطابقة و المقابلة : هناك شيء سادس في هذه الآية ما يسمى بالمقابلة، عندنا مطابقة وعندنا مقابلة، فالمطابقة مثلاً في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾ [ سورة النجم: 43] هذه مطابقة: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ [ سورة النجم: 44] أما المقابلة فتداخل طباقين أو أكثر: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة البقرة: 221] المقابلة: الأمة يقابلها العبد، والجنة تقابلها النار، هذه المقابلة بالبلاغة، إذاً هناك مقابلة، وتقديم الجنة على المغفرة، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا تنكح النساء لحسنهن لا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ وَلا تَزَوَّجُوهُنَّ لأمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ )) والفرق بين نكح بمعنى عقد العقد، ومعنى اللقاء الزوجي. الأحكام الشرعية لهذه الآية : 1 ـ يجوز الزواج من الكتابيات : الآن مع الأحكام الشرعية لهذه الآية: الكتابيات يجوز الزواج منهن، والدليل قول الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾ [سورة المائدة: 5] أي أحل لكم أن تتزوجوا: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [سورة المائدة: 5] ففي نص هذه الآية يجوز الزواج من الكتابيات، لكن هناك سؤال الآن: هل المرأة التي تعيش الآن في أوروبا وأمريكا هل هي كتابية أم وثنية ؟ يغلب على الظن أن انتماء هؤلاء النسوة في الغرب إلى الدين المسيحي انتماء معدوم أو شكلي لذلك هناك فتوى تحرم الزواج من الكتابيات لأنهن لسن كتابيات. 2 ـ ارتباط هذه الآية بقوة الدين : الشيء الثاني: حينما كان الإسلام قوياً، هذه الآية مرتبطة بقوة الدين، لأن الابن يتبع أقوى الأبوين، أما إذا كان أقوى الأبوين هي المرأة، ودينها هو المسيطر والأقوى وهو في بلادهم، ففي الأعم الأغلب أن الأبناء ينشؤون على دين أمهم، هذا خطر كبير، عندنا في الفقه حقيقة، هي باب سد الذرائع، أي زراعة العنب لا يمكن أن تكون محرمة، إلا في حالة واحدة إذا زرع العنب ليباع لمعاصر الخمر، عندئذٍ يحرم العنب وتحرم زراعته لا لذاته بل لعلة خارجة عنه هو أنه يزرع ليباع في معاصر الخمر. إذاً المرأة الكتابية، إذا كان من الممكن أن يتبع أولادها دين أمهم، أو أن يتبع الأولاد دين أقوى الأبوين، أو أن هذه المرأة ليست كتابية إطلاقاً، إنما هي ملحدة، علمانية، وثنية، إذاً هناك تحريم للزواج منهن من باب سد الذرائع. على كلٍّ ابن عمر رَضِي اللَّه عَنْهما ذهب إلى تحريم نكاح الكتابيات، وكان إذا سئل عن نكاح رجل الكتابية؟ قال: حرم الله المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله تعالى، أما حجة الجمهور في إباحة الزواج من الكتابية هو أن لفظ المشركات لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [ سورة البقرة: 105 ] فقد عطف المشركين على أهل الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة، أي هؤلاء شيء، وهؤلاء شيء آخر. الأخطار التي تتأتى من زواج المسلم بكتابية أكبر بكثير من الإيجابيات : إذاً ظاهر لفظ المشركات لا يتناول الكتابيات، هذه حجة جمهور العلماء، واستدلوا لما روي عن السلف في إباحة الزواج بالكتابيات فقد قال قتادة في تفسير الآية: إن المراد بالمشركات مشركات العرب، اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه، أي وثنيات العرب، وعن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزوج الكتابية فقال: لا بأس به، فقلت: أليس الله سبحانه وتعالى يقول: "ولا تنكحوا المشركات"، فقال إنما تلك المجوسيات، وأهل الأوثان، هذا رأي جمهور الفقهاء. وقالوا: لا يجوز أن تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة، لأن البقرة من أول ما نزل في المدينة، والمائدة من آخر ما نزل، والقاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم لا العكس، هذه حجة أخرى لجمهور العلماء الذين يجيزون الزواج بالكتابيات. واستدلوا بما روي أن حذيفة تزوج كتابية، فكتب عمر إليه خلِّ سبيلها، فكتب إليه أحرام أن أتزوجها فأخلي سبيلها؟ قال: لكن لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تتعاطوا المنحرفات منهن. وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، لقوله عليه السلام:" سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ". أيها الأخوة: موضوع الزواج بالكتابية موضوع خلافي، هناك من يحرم، وهناك من يحلل، ولكل فريق أدلته، إلا أن الذي يهمنا الآن أن الأخطار التي تتأتى من زواج المسلم بكتابية أكبر بكثير من الإيجابيات، أكبر خطر إلا أن الأولاد يتبعون أقوى الأبوين، وربما نشأ الأولاد على دين أمهم، وعلى انحراف أمهم، وهذا شيء خطير. المشركون الذين يحرم تزويجهم : من هم المشركون الذين يحرم تزويجهم؟ قال تعالى: ﴿ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] دلت هذه الآية على حرمة تزويج المشرك بالمسلمة، أي المسلمة لا يمكن أن تتزوج بمشرك، والمراد هنا بالمشرك كل كافر لا يدين بدين الإسلام، فيشمل الوثني، والمجوسي، والكتابي، والمرتد عن الإسلام، كل هؤلاء يحرم تزويجهم بالمسلمة، والعلة في ذلك أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فللمسلم أن يتزوج بالكتابية، وليس للكتابي أن يتزوج بالمسلمة، وقد بين الله جل جلاله السبب بقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ [ سورة البقرة: 221 ] أي يدعون إلى الكفر، والذي هو سبب دخول نار جهنم، فالرجل له سلطة وولاية على المرأة، فربما أجبرها على ترك دينها، وحملها على أن تدين بالإسلام، والأولاد يتبعون الأب، فإذا كان الأب غير مسلم رباهم على غير الإسلام، فيصير الولد تابعاً للأب، وهذه مشكلة كبيرة، طبعاً هذه الحجة بالإجماع لا يجوز للمسلمة أن تتزوج لا بكافر، ولا بوثني، ولا بكتابي، ولا بمرتد، لأن للزواج نظاماً، الرجل هو الأقوى، وهو المسيطر، لو أن الأقوى هو المسلم ربما حمل امرأته على الإسلام، أو ربما ربى أولاده تربية إسلامية، وفي الأعم الأغلب قد لا يستطيع، فكيف بالعكس؟ لا يجوز إطلاقاً. عندنا نقطة دقيقة جداً هي أن المسلم يؤمن بسيدنا موسى، ويؤمن بسيدنا عيسى، ويعظم سيدنا موسى، ويعظم سيدنا عيسى، لذلك لو أن مسلماً تزوج كتابية، ليس هناك تناقضاً، هو يؤمن بالأنبياء الذين جاؤوا بالتوراة والإنجيل، بينما هي لا تؤمن بالذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، أي اختلاف الدين، إذا كان الزوج غير مسلم فهناك أذى كبير أما العكس فليس فيه أذى، لأن المسلم يؤمن بدين زوجته، وبنبي زوجته، إذاً يحترمها من جهة، وهو القائد، وهو صاحب القوام. خمسة أحكام مستنبطة من الآية التالية : نصل من هذا الدرس إلى هذه النقاط التالية: أولاً: حرمة الزواج بالمشركة الوثنية التي ليس لها كتاب سماوي. ثانياً: حرمة تزويج الكفار من النساء المسلمات، أيضاً هذا حرام. ثالثاً: إباحة الزواج من الكتابية إذا لم يخش الضرر على الأولاد، أي عندنا إباحة وعندنا سد ذرائع، إذا أدى الزواج بالكتابية إلى ضياع الأولاد، وإلى انحرافهم، وإلى اتباع دين أمهم، لا يجوز. رابعاً: التفاوت بين الناس بالعمل الصالح فالأمة المؤمنة أفضل من الحرة المشركة. خامساً: المشرك يجهد نفسه لحمل المؤمنة على الكفر بالله فلا يليق أن يقترن بها. هذه خمسة أحكام مستنبطة من هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة البقرة: 221] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 08-15-2018 الساعة 07:25 AM
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : كتم العلم والاجر علية . سورة البقرةالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( السادس ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تعريف الكتمان : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس من: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [ سورة البقرة: 159-160 ] أيها الأخوة الكرام، الكتمان: الإخفاء والستر، والكتمان بشكل أخص ستر الحديث، كتمته كتماً وكتماناً، والكتم: ترك إظهار الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره، وقد يكون هذا الكتمان بمجرد ستر، وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر مكانه، واليهود قاتلهم الله ارتكبوا كلا الأمرين، أخفوا الحقائق ووضعوا مقولات مكانها ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ هذا هو الكتمان. من خشي غير الله سكت عن الحق : أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [ سورة الأحزاب: 39 ] لو أن الداعية خشي غير الله لسكت عن الحق، أي كتم العلم، كتم الحكم الشرعي، كتم حقيقة الدين، كتم ما ينبغي أن ينطق به، وإذا تكلم بخلاف الحق، تكلم بخلاف الحق إرضاءً لمن يخاف منه، وسكت عن الحق إرضاءً لمن يخاف منه، تكلم بخلاف الحق إرضاءً لمن يخاف منه، وكتم الحق إرضاءً لمن يخاف منه، ماذا بقي من دعوته؟ انتهت دعوته، إذاً تكاد هذه الصفة تكون جامعةً مانعةً، تكاد هذه الصفة تكون مترابطةً مع الموصوف ترابطاً وجودياً: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [ سورة الأحزاب: 39 ] تعريف البينات و الهدى : أيها الأخوة، البينات: الآيات الواضحات الدالة على الحق، البينات آيات واضحات قد تكون عقليةً أو حسيةً، تعلمون أنني حينما أمسك بشيء أعرف وزنه ونعومته، و أرى لونه، وقد أسمع صوته، هذه بينات حسية أدركها بالحواس الخمسة، أما حينما أدرك أن في هذا المسجد طاقةً كهربائية فلا أراها، ولكنني أرى آثارها نقول: هذه الآثار- تألق المصابيح، وتكبير الصوت، وحركة هذه المراوح- آثار طاقةٍ كهربائية، أنا أعتقد جازماً أن هناك طاقة كهربائية بالطريقة العقلية، بالاستدلال العقلي، فالبينات قد تكون حسيةً، وقد تكون عقليةً، وسمي البيان بياناً لكشفه عن المعنى المقصود، وقد ورد في الأثر أن: "البيان يطرد الشيطان"، بيّن وضح. كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يمشي ليلاً مع زوجته صفية رأى صحابيين جليلين فقال: على رسلكما فوقفا، قال: هذه زوجتي، قالوا: أفيك نشك؟ قال: لئلا يدخل عليكما الشيطان. وعلى هذه القصة، أو على هذا الموقف النبوي الكريم تبنى آلاف الحقائق، وضح، بيّن، أعطِ الدليل، بيّن القصد: ((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ)) [ ابن ماجه عن العرباض ] والبينات بالمعنى المخصوص: ما أنزله الله في التوراة والإنجيل من أمر محمد عليه الصلاة والسلام، في التوراة والإنجيل ذكر الله عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال في كتابه العزيز: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [ سورة الصف: 6 ] أما الهدى، كتموا البينات حسية كانت أو عقلية وكتموا الهدى، والهدى كل شيء دلك على الخير، كل شيء دلك على الرشد من الهداية، الهدى ما تهتدي به من الخير إلى الرشد إلى السلامة إلى السعادة، يهديهم سبل السلام، قال بعض العلماء: "المراد بالهدى الآيات الهادية إلى وجوب الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام، ووجوب اتباعه،عبر عنها بالمصدر مبالغةً، هؤلاء يكتمون البينات، الأدلة الحسية والعقلية الدالة على وجود الله، ووحدانيته، وكماله، وعلى نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى منهجه القويم. أقصى عقاب ينزل بالإنسان أن يلعنه الله عز وجل : الكلمة الثالثة: أولئك يلعنهم الله، أي يطردهم ويبعدهم من رحمته، ولعل أخطر عقاب ينزل بالإنسان أن يلعنه الله، لعل أقصى عقاب ينزل بالإنسان أن يلعنه الله، أي يبعده، بل إن الحجاب يوم القيامة هو العذاب الأكبر، قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾ [ سورة المطففين: 15 ] جزاء المؤمنين يوم القيامة : أما المؤمنون فقال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [ سورة القيامة: 22-23 ] وقد ورد في الحديث الشريف أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما نرى البدر ليلة النصف. وقد ورد أيضاً أن الذي يرى وجه الله عز وجل يوم القيامة يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة. لذلك هناك جنة عرضها السموات والأرض فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، فيها حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، جنات تجري من تحتها الأنهار، وفوق كل هذا نظرة إلى وجه الله الكريم، هذا ما تعنيه الآية الكريمة: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة يونس: 26 ] أي الجنة، ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ النظر إلى وجه الله الكريم، وهل فوق هذا من مقام؟ نعم وفوق هذا ﴿ورِضْوَان منَ الله﴾ جنة، نظرة، رضوان. الكافر ملعون عند الله و الملائكة و الناس أجمعين : أما هؤلاء الكفار الذين أساؤوا في الدنيا، وبنوا مجدهم على أنقاض الناس، بنوا مجدهم على خوفهم، بنوا غناهم على فقرهم، بنوا عزهم على ذلهم، بنوا حياتهم على موتهم، فهؤلاء عن ربهم محجوبون، ويلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون. هؤلاء الذين يلعنوا كما قال بعض المفسرين: هم الملائكة والأنبياء وجميع الناس، الإنسان أحياناً يكون ملعوناً عند الله، وعند الخلق، وعند نفسه، لأن فطرته تلعنه. ليس العار أن تخطئ ولكن العار أن تبقى مخطئاً : ثم قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [ سورة البقرة : 160] أي رجعوا عن الكتمان وبينوا، هذا ماذا يعطينا؟ يعطينا أنك إذا كنت على خطأ، إذا كنت منحرف العقيدة ثم بدت لك الحقيقة، ما الذي يكفر عنك ذنبك؟ أن ترجع إلى الصواب، وأن تعلن هذا الرجوع، كان سيدنا عمر وقافاً عند كتاب الله، لذلك هناك فضيلة قلما ينتبه إليها أحد، ما هذه الفضيلة؟ الرجوع إلى الحق، لا تأخذك العزة بالإثم، قل: كنت مخطئاً، قل: هذه غابت عن ذهني، استغفر ربك من كل عقيدة فاسدة، وعد إلى الصواب، ولا تخش لومة لائم، أما هؤلاء الذين يركبون رؤوسهم، ويصرون على أخطائهم الشنيعة، حفاظاً على مكانتهم فإنهم ساء ما يفعلون، لا تعلم أنت حينما تعود إلى الحق وترجع إليه كم يرفعك الله عنده إلى أعلى عليين، لا تخشَ الفضيحة، لا تخش أن يقول الناس: كان مخطئاً، إذا قال الناس: كان مخطئاً وعاد إلى الصواب هذا أفضل ألف مرة من أن تركب رأسك وتبقى على الخطأ. عندي مقولة أقولها دائماً: ليس العار أن تخطئ ولكن العار أن تبقى مخطئاً، ليس العار أن تجهل لكن العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تنحرف ولكن العار أن تبقى منحرفاً، وما دام القلب ينبض فباب النجاة مفتوح، باب التوبة مفتوح، باب التصحيح مفتوح، باب الصلح مع الله مفتوح على مصراعيه، أصل اللعن الإبعاد والطرد. أصل التوبة الرجوع والندم : أيها الأخوة الكرام: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [ سورة البقرة : 160] رجعوا عن الكتمان، وأصل التوبة الرجوع والندم، وأصلحوا أي أصلحوا ما أفسدوا بأن أزالوا الكلام المحرم، إنسان ألّف كتاباً كله ضلالات وهو على فراش الموت رفع أصبعه إلى الله، وتاب من هذه الأفكار التي بثها في الكتاب، هل تقبل هذه التوبة؟ لا، إنه تاب ولكن كتابه لم يتب، لابد من أن تبين، لابد من أن تصحح، لابد من أن تصرح، لابد من أن تصدر كتاباً آخر تقول: كنت على خطأ وعدت إلى الصواب، هذا الذي يبتغي وجه الله، هذا الذي يبتغي وجه الله عز وجل لا تعنيه مكانته بقدر ما يعنيه أن يكون على الحق. أصلحوا أي أصلحوا بكلامهم ما أفسدوا بكلامهم، أصلحوا بعملهم ما أفسدوا بعملهم، وبينوا أي أظهروا للناس ما كانوا كتموه من أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى الضيق. وأنا التواب الرحيم، التواب صيغة مبالغة، و صيغة المبالغة إذا عزيت لأسماء الله الحسنى فتعني شيئين، تعني أنه شديد التوبة كماً ونوعاً، أي يتوب على أكبر ذنب، ويتوب عن مليون ذنب، وأنا التواب الرحيم. إخفاء أهل الكتاب أوصاف النبي محمد من كتبهم و كتمهم الحق : أيها الأخوة الكرام، أهل الكتاب في توراتهم وإنجيلهم ذكر دقيق لأوصاف محمدٍ صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [ سورة الصف: 6 ] إلا أن هؤلاء أهل الكتاب حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وبعثه الله رحمة للعالمين، أخفوا أوصاف النبي من كتبهم، وامتنعوا عن أن يصرحوا بها بألسنتهم، فكتموا الحق، ولعل هذا هو سبب نزول هذه الآية، بعض الصحابة سألوا نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم فأنزل الله فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 159] للآية التالية لطائف كثيرة منها : 1 ـ الكتاب أي جنس الكتاب الذي ينزله الله عز وجل على أنبيائه : أيها الأخوة الكرام، لهذه الآية لطائف كثيرة، اللطيفة الأولى الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 159] في الكتاب، قال: الكتاب أي جنس الكتاب الذي ينزله الله عز وجل على أنبيائه يعني التوراة والإنجيل، هذه الـ اسمها الـ الجنس كأن تقول: والعصر إن الإنسان لفي خسر، الإنسان جنس الإنسان كائن من كان، لأنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، إذاً مضي الزمن يستهلكه، فالخسارة المحققة هو أن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، إن الإنسان الألف واللام، الـ الجنس، إن جنس الإنسان لفي خسارة، وهنا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾ أي في الكتب المنزلة السابقة، الـ الجنس، أو إن قلت: المقصود بالكتاب التوراة والإنجيل المعهودين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أصبحت الـ العهد. 2 ـ الالتفات : هناك شيء آخر، قال: أولئك، كلكم يعلم أن أولئك اسم إشارة يفيد الشيء البعيد تقول: ذا، وذلك، ذلك تفيد الشيء البعيد، وذا تفيد الشيء القريب، أولاء أمامك، أولئك بعيدون عنك، ماذا يفيد هذا البعد؟ هو ليس بعداً ولكنه إبعاد، الشيء القميء تبعده عنك، أولئك يلعنهم الله في آية أخرى: ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴾ [ سورة الإنسان: 27 ] هذا البعد في الإشارة يفيد إلى دناءتهم، وإلى انحطاطهم، وإلى أنهم عملوا عملاً أغضب الله عز وجل هذه اللطيفة الثانية، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، جواب أولئك جملتان فعليتان، يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ماذا تعني الجملة الفعلية؟ تعني الاستمرار، يلعنهم الله، الفعل المضارع تقريباً يساوي اسم الفاعل، فلان قائم، فلان دارس، فلان يدرس، المضارع يفيد الاستمرار، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [ سورة الصافات: 102 ] يرى كثيراً، استمرت هذه الرؤية فانظر ماذا ترى؟ المضارع يفيد الاستمرار، المضارع يكافئ التركيب الاسمي، التركيب الاسمي يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والانقطاع، دخل فلان حدث الدخول وانقطع الدخول، أكل فلان حدث الأكل وانتهى الأكل، نام فلان حدث النوم وانتهى النوم، أما فلان يأكل، فلان يدرس ففيه استمرار، فلان دارس اسم، فأقرب فعل إلى التركيب الاسمي هو الفعل المضارع، لذلك حينما أراد الله عز وجل أن يبين عمق العلاقة بين المؤمنين قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [ سورة الحجرات: 10 ] تركيب اسمي، مسند ومسند إليه، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ أولئك يقتضي السياق أن يقال: أولئك نلعنهم، الله متكلم فلماذا قال: أولئك يلعنهم الله؟ هذا أسلوب في البلاغة اسمه الالتفات، الكلام له سياق، سياق المتكلم، أو سياق المخاطب، أو سياق الغائب، في القرآن أسلوب بلاغي رائع، أحياناً ينقطع أسلوب المخاطب ويأتي أسلوب الغائب، ينقطع أسلوب الغائب ويأتي أسلوب المخاطب أو المتكلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 159 ] أي عدلت هذه الصيغة عن أن تكون أولئك نلعنهم إلى قوله تعالى أولئك يلعنهم الله، أي عدلنا من الإضمار إلى الظاهر، وهذا التركيب اسمه التفات، والالتفات هدفه إحداث تأكيد لفت نظر. 3 ـ الجناس المغاير : اللطيفة الثالثة: يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون هذا جناس، اسمه جناس مغاير، أي جناس بين الفعل والاسم، ما الجناس؟ توافق كلمتين باللفظ واختلافهما في المعنى، هل في القرآن جناس؟ نعم، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ [ سورة الروم : 55] الساعة الأولى قيام الساعة، والساعة الثانية ساعة زمنية، يقيني بالله يقيني أي يقيني بالله يحفظني، هناك أمثلة كثيرة على الجناس، هذا جناس مغاير يلعنهم اللاعنون الأولى فعل والثانية اسم من مادة لعن، أنتم أحياناً تتأثرون بكلام الله لكن قد لا تملكون تعليل هذا التأثر، أما علماء البلاغة فيبينون أين وجه الجمال في هذه الآية؟ فيها التفات، فيها تركيب فعلي يفيد الاستمرار، فيها مضاعفة الخبر، فيها جناس مغاير، ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ 4 ـ صيغ المبالغة : اللطيفة الرابعة: وأنا التواب الرحيم، جاءت مبالغة أتوب على كل العباد، أتوب مهما كانت ذنوبهم كبيرة، أتوب عليهم مهما كانت ذنوبهم كثيرة، مهما كانت كبيرة، ومهما كانت كثيرة، هذا معنى أنا التواب الرحيم. الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية : 1 ـ هذه الآية نزلت في أحبار أهل الكتاب و لكنها تشمل كل من يكتم العلم : أيها الأخوة الكرام، لابد من وقفةٍ عند الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية الكريمة. الحكم الأول: أصل هذه الآية نزلت في أحبار أهل الكتاب، ولكن القاعدة الشهيرة دققوا في هذه القاعدة، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، العبرة بعموم اللفظ مع أنها نزلت في أحبار اليهود وعلماء النصارى إلا أنها تعني كل من يكتم العلم إلى يوم القيامة، كل عالم يعرف الحكم الشرعي ويكتمه خوفاً أو طمعاً تنطبق عليه هذه الآية، فلذلك أمانة العلم أمانة كبيرة جداً، العلماء كما قال عليه الصلاة والسلام ورثة الأنبياء، أبو حنيفة النعمان رأى غلاماً أمام حفرة قال: "إياك يا غلام أن تسقط، فقال: يا إمام بل أنت إياك أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم". أنا لا أبالغ إذا قلت: إن أكبر مصيبة تصيب المسلمين أن تهتز مثلهم العليا، وأعداء الدين لا يعنيهم شيء أكثر من أن يهزوا هذه المثل العليا، والإنسان إذا فقد المثل الأعلى انتهى، يضيع، والمثل الأعلى حقيقةٌ مع البرهان عليها. أيها الأخوة الكرام: الأظهر أن هذه الآية نزلت في الذين يكتمون العلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] وقد فهم الصحابة الكرام من هذه الآية العموم، الحقيقة أيها الأخوة القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ، ليس كتاباً إخبارياً، إنه منهج حيوي، منهج حياة المسلم، فحينما تفهم كل آية أنها نزلت في زيد أو عبيد، وفي هذه المناسبة، وهذه عن فلان، وهذه عن فلان، جعلت كتاب الله كتاب تاريخ، كتاب أخبار، مع أنه كتاب هداية وبيان، فصحابة رسول الله رضوان الله عليهم فهموا هذه الآية لا على أنها خاصة باليهود والنصارى بل فهموها على أنها عامة تشمل كل من يكتم العلم، وأمانة العلم إظهاره. والحقيقة من كتم علماً في دين الله يحتاج إلى بثه ونشره ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) وفي الأعم الأغلب إنسان يسكت يكتم العلم خوفاً أو طمعاً، ودققوا في هذه المقولة من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى، عن أحد أصحاب رسول الله روي أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بحديث، أي أنت جالس بجلسة، وانطرح موضوع، وتعرف حكم الشرع فيه، وتعرف الآية الكريمة، وتسكت حفاظاً على مكسب، أو حفاظاً على منصب، من يفعل هذا تنطبق عليه هذه الآية. 2 ـ لا يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن أو تعليم العلوم الدينية : الحكم الثاني وهو دقيق جداً، العلماء استدلوا من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 159 ] على أنه لا يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن، أو تعليم العلوم الدينية، لأن الآية أمرت بإظهار العلم ونشره، وعدم كتمانه، ولا يستحق الإنسان أجراً على عمل يلزمه أداءه، هل يمكن أن تأخذ أجرة على أدائك للصلاة؟ يروى طرفة أن إنساناً جاهلاً في البادية أقنعوه أن يصلي، وأغروه أن يعطى من القمح الشيء الكثير عند الحصاد فصلى، أعطوه حين حل الموعد كيساً واحداً، هو يطمع بأكياس كثيرة، فقال: أنا كنت أصلي بلا وضوء، أي هل يمكن أن تأخذ أجراً على الصلاة؟ مستحيل، لذلك لا يجوز أن يأخذ الإنسان أجراً على تعليم القرآن لأنه فرض، قال: إلا أن المتأخرين من العلماء رأوا تهاون الناس، وعدم اكتراثهم بالعلم الشرعي، وعدم إتقانهم القرآن الكريم، فأجازوا من باب السياسة الشرعية وتحقيقاً للمصلحة، أباحوا أولاً أخذ الأجر على تعليم القرآن، عندنا ثلاثمئة ألف طالب في التعليم الإعدادي هؤلاء يحتاجون إلى مدرس تربية إسلامية يعلمهم القرآن الكريم والسنة والفقه، هذا متفرغ تفرغاً تاماً، وله أهل وأولاد، العلماء المتأخرون أجازوا أو أباحوا أخذ الأجر على تعليم القرآن، الحقيقة يوجد موقف دقيق لمن كان متفرغاً له. لعلي أجمع بين الرأيين، إنسان له عمل، وله تجارة، وله وظيفة، وله دخل، وتفوق في القرآن الكريم وعلمهم، مثل هذا لا ينبغي أن يأخذ أجراً إطلاقاً، وتنطبق عليه فتوى العلماء القدامى السلف الصالح، لأن تعليم العلم واجب، ولا يمكن أن تعطى أجراً على واجب، كما أنه لا يمكن أن تعطى أجراً على أداء الصلاة كذلك، حينما تفلت الدين من أيدي الناس، وضاعت هذه العلوم الشرعية، ولم يكترث الناس بدينهم، أجاز الفقهاء المتأخرون أخذ الأجر على القرآن الكريم، بل أوجبوا، صار هناك إنساناً متفرغاً أي مدرساً يحمل شهادة شرعية، ولا يعمل إلا بالتدريس، وعنده ست وثلاثون ساعة تدريس في الجمعة، وله زوجة وأولاد، المنطق والفطرة والمصلحة تقتضي أن نعطي هذا المدرس راتباً يعيش به، هنا الجواز. الفيصل في ذلك: إذا كنت متفرغاً تفرغاً تاماً لتعليم القرآن لك أن تأخذ أجراً عليه، أما إذا كنت تملك دخلاً آخر ولم تكن متفرغاً تفرغاً تاماً لا يجوز أن تأخذ أجراً على تعليم القرآن لأنه واجب، وواجبٌ ألا تكتم العلم، هناك آية أخرى دقيقة جداً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 174 ] من كان متفرغاً تفرغاً تاماً لتعليم القرآن فله أن يأخذ أجراً عليه : صدقوني أيها الأخوة إذا مثلنا عطاء الله عز وجل مثلاً بألف مليار وأنت تقاضيت على تعليم القرآن مئة ليرة فكم أنت خاسر، كم أنت خاسر عندما تأخذ على تعليم القرآن ثمناً قليلاً، وتزهد في عطاء الله عز وجل، ممكن أن تمسك ورقة صغيرة وتظنها ورقة بيضاء تكتب عليها عملية حساب ثم تمزقها، ثم تكتشف أنها شك بألف مليون، يمكن أن تفقد عقلك، هذا الذي يتعامل مع الدين ارتزاقاً، يشتري به ثمناً قليلاً، لذلك من الشيء الذي لا يصدق أن يقبل مؤمن أجراً على تعليم القرآن، أن تطمع بعطاء بشر، وتزهد بعطاء خالق البشر، أما إذا كان في تفرغ تام كما قلت قبل قليل مدرس تربية إسلامية عنده ستون ساعة، نصاب تدريس كامل، وله زوجة وأولاد، مصلحة المسلمين تقتضي أن نعطيه أجراً، مصلحة المسلمين، أما إنسان له عمل وغير متفرغ، علم القرآن، وعلم التجويد، علم التفسير، فهذا لا ينبغي أن يتقاضى أجراً إطلاقاً. هناك قول لطيف قال: علوم الشريعة تكاد تضيع مع الأخذ بفتوى المتأخرين من إباحة أخذ الأجرة على التعليم فكيف لو أخذنا بفتوى المتقدمين، ومنعنا أخذ الرواتب والأجور؟ إذاً لم يبق من يعلم هذا الدين. أي تقتضي طبيعة العصر، طبيعة ازدحام الأعمال، طبيعة التكاليف العالية أن نفرغ أناساً كثيرين، وأن نغنيهم، وأن ندعهم يعلمون الناس القرآن الكريم، هذه مصلحة المتأخرين. أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون أفدنا من هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [ سورة البقرة: 159-160 ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :عمارة المساجد . سورة التوبةالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( السابع ) الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.عمارة المساجد : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من: "آيات الأحكام"، وآية اليوم: عمارة المساجد وهي قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [ سورة التوبة : 17-18] أيها الأخوة الكرام، أن يعمروا من عمارة المساجد، وعمارة المساجد تطلق على عمارة المساجد، وإصلاح المساجد، وتوفير حاجات المساجد، ومرافق المساجد، وخدمات المساجد، وتطلق أيضاً على لزوم المسجد، والإقامة فيه لعبادة الله عز وجل. العمارة نوعان؛ عمارة حسية وعمارة معنوية : العمارة نوعان، عمارة حسية أن نبني البنيان، وأن نطلي الجدران، وأن نؤسس المسجد بما يحتاج، وأن نوفر له مرافقه من إضاءة، وماء، وكهرباء، وتكبير صوت، وفرش، هذه عمارة حسية، وكل من ساهم في إعمار المسجد من هذه الزاوية بنى الله له قصراً في الجنة، المهندسون، العمال، المخططون، المتعهدون، أعضاء الجمعية التي أسست من أجل بناء المسجد، المتبرعون، المساهمون، كل من له نصيب في بناء مسجد، وكسوة مسجد، وتأسيس مسجد، وتوفير الخدمات للمسجد، فهو ممن يعمر مساجد الله، هذا هو المعنى الأول، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ )) [ متفق عليه عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ] إلا أن البناء ورد في آية ثانية: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾ [ سورة النور: 36 ] لم يقل أن تبنى بل أن ترفع، فينبغي أن يكون بيت الله يليق بدين الله، ينبغي أن يكون بيت الله يليق بهذا الدين العظيم، لا ينبغي أن تكون أبنيتنا أكثر رحابةً، وأكثر أناقةً من بيوت الله فهذا دليل تعظيم شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، ولكن أن تكون كلفة هذه الزخرفة تساوي بناء مسجدين الأولى أن نبني مسجدين، أحياناً كلفة زخرفة المساجد تساوي بناء مسجد آخر، ونحن في أمس الحاجة إلى مسجد آخر، لذلك ينبغي أن يكون المسجد واسعاً فيه كل حاجات المصلي؛ من إضاءة، ومن فرش، ومن ماء بارد، وماء ساخن في الشتاء، ومن تكبير صوت، من دون إسرافٍ، ومن دون أن تكون الزخرفة تزيد عن كلفة البناء بأكمله. العمارة نوعان عمارة حسية وعمارة معنوية وهي أن تأتي إلى بيت الله، بيت الله يجب أن يكون مكتظاً بالمصلين، يجب أن يستقطب كل من حول المسجد، لا أن تجد في مسجد كلف ثمانين مليوناً سبع مصلين في الفجر، والله هذه مشكلة، هذا المسجد عمر بناءً ولم يعمر عبادةً، قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ [ سورة التوبة : 17] لأن الكافر والمشرك له عقائد تتناقض مع الإسلام، يعظم شيئاً لا يعظمه الإسلام، فلو سمحت لمشرك أن يأتي بيت الله الحرام لأفسد الدين هناك. المشرك هو عين النجاسة أينما حلّ أفسد : وكما تعلمون الأجانب حينما يأتون إلى بلد هم بحاجة إلى ملهى، بحاجة إلى ناد، بحاجة إلى أن يشربوا الخمر، فإذا سمحنا للمشرك أن يدخل مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام فقد شوهنا هذه المعالم المقدسة، فلذلك ربنا عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة التوبة : 28] بكلمة نجس دقة رائعة، لم يقل نجسون لو قال هم نجسون كل شيء نجس يتطهر، أما قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ عين النجاسة، أنت مثلاً بإمكانك أن تطهر قطعةً أصابها بول بالماء سبع مرات، لكن هل بإمكانك أن تطهر البول نفسه؟ هو عين النجاسة، فالمشرك كما وصفه الله عز وجل هو عين النجاسة أينما حل أفسد، أينما حل بحث عن المرأة، أينما حلّ بحث عن الشراب، أينما حل بحث عن الإفساد. حبط العمل إما أنه سقطت قيمته أو سقط شكله : لذلك ﴿مَا كَانَ﴾ أي مستحيل، أشد صيغ النفي في القرآن الكريم ما كان، أي لا يمكن وغير معقول ولا نرضى ولا نريد ولا نسمح، لأن حركاتهم، وسكناتهم، وسلامهم، ولقاءهم، أساسه الإفساد، إذا التقوا ليحتفلوا بشيء لابد من أن يشربوا نخب هذا المشروع، يضعون الخمر في الكؤوس، هذا احتفالهم بإنشاء بناء، أو بإعمار مؤسسة إلى آخره. ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ [ سورة التوبة : 17] ﴿شَاهِدِينَ﴾ أي مقرين ومعترفين وذلك بإظهار آثار الشرك والوثنية، ﴿حَبِطَتْ﴾ ضاعت وذهب ثوابها، أيها الأخوة حبط العمل إما أنه سقطت قيمته أو سقط شكله، العمل السيئ عمل أحبطه الله، والعمل الطيب إذا كان لغرض سيئ فهذا عمل فقد ثوابه، إما أن تفقد شكل العمل الطيب، أو أن تفقد قيمته عند الله عز وجل، لو أن إنساناً فعل عملاً طيباً ولكن بنية خبيثة نقول: حبط عمله، لو أن إنساناً أنشأ ملهى ليفسد الناس، وليجني أرباحاً طائلة من هذا الملهى، نقول: حبط عمله، الذي أنشأ ملهى حبط عمله شكلاً ومضموناً، وسقط عمله في خندق الإفساد، أما من أنشأ مشروعاً طيباً وقال: هذا عمل إنساني، إما هدفه تكوين ثروةٍ طائلة، أنشأ مستشفى والشيء المعلن أنه عمل إنساني، أما الهدف الكبير أن يبتز أموال الناس إلى درجة غير معقولة، إلى درجة تصبح قراءة الحساب تسبب الجلطة، هذا عمل في ظاهره إنساني إلا أنه حينما يسلك أصحابه فيه ابتزاز كبير، واستغلال لحاجة الناس إلى الشفاء والمعالجة، فهذا عمل ظاهره إنساني لكن الله أحبطه أي أسقط قيمته. إقامة الصلاة الإتيان بها على الوجه الأكمل : ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [ سورة التوبة : 18] لمَ لم يقل صلى؟ أقام الصلاة، أنت تقول: أقيم البناء، لا تقول: بني البناء، هناك تمهيدات، هناك شروط، هناك استقامة، ينبغي أن يسبقها، هناك وضوء، هناك طهارة، طهارة الثياب، طهارة البدن، والمكان، واستقبال القبلة، ودخول الوقت، هناك شروط لصحة الصلاة، شروط سلوكية، وشروط شعائرية، فلذلك الله عز وجل قال: ﴿أَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي سبق إقامة الصلاة استقامة. قال العلماء: إقامة الصلاة الإتيان بها على الوجه الأكمل معتدلةً مقومةً بسائر شروطها وأركانها. الخشية في اللغة : ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ أي لم يخف إلا الله، والخشية في اللغة معناها الخوف، هذه بعض معاني الكلمات التي وردت في هذه الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [ سورة التوبة : 17-18] المعنى المخالف: إذا كان لا ينبغي للمشرك أن يعمر مساجد الله فهل ينبغي للمؤمن أن يرتاد أماكن المشركين؟ أماكن لهوهم؟ مقاصفهم حيث الاختلاط؟ حيث الخمور؟ حيث الأغاني؟ حيث التفلت؟ كما أنه لا ينبغي للمشرك أن يدخل بيت الله عز وجل كذلك لا ينبغي للمؤمن أن يرتاد أماكن المشركين، لأنه لا يوجد انضباط فيه. الحكمة من منع الله المشركين من إتيان بيوته : لماذا منع الله المشركين من إتيان بيوت الله؟ قال: لأن المشرك في باطنه وظاهره يتناقض مع دين الله وعظمته، لا ينبغي للمشرك أن يرتاد بيوت الله لأنه سيؤذي المصلين، بحركاته، وكلماته، وتصرفاته، وتفلته، أحياناً امرأة سائحة تدخل إلى بيت من بيوت الله بأبهى زينة، بشيء لا يحتمل، الحمد لله عندنا في الشام يعطونها عباءة ترتديها لئلا تؤذي المصلين إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله، قال: هؤلاء المشركون ضاعت أعمالهم، وذهب ثوابها وهم في جهنم خالدون، لا يخرجون من النار، ولا يخفف عنهم من عذابها من شيء بسبب كفرهم وإشراكهم، أما عمارة المسجد فإنما تحصل من المؤمنين بالله، المطيعين له، المصدقين باليوم الآخر، الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخشون الله حق الخشية، فهؤلاء المتقون لله جديرون بعمارة بيوت الله، وهم أهل الله. الحكمة من نزول الآية التالية : أيها الأخوة، روي أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر العباس بن عبد المطلب وهو عم النبي، وحول هذه القصة قصص كثيرة، وأكثر الروايات تؤكد أن العباس عم رسول الله قد أسلم سراً في مكة، وكان عين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يرسل له الأخبار تلو الأخبار عن كل شيء يحدث في مكة المكرمة وله علاقة بالمسلمين، ولكن العباس عم رسول الله من حكمته أنه كتم إيمانه لتبقى له هذه المهمة التي خدم بها المسلمين، وتروي الروايات أنه شارك المشركين في موقعة بدر، لماذا شاركهم؟ لئلا يكشف نفسه، فلو كشف نفسه انتهت مهمته، والنبي يعلم إسلامه فلماذا لم يخبر أصحابه بأنه مسلم؟ لأنه لو أخبر أصحابه لأنهى مهمته، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقتلوا عمي العباس"، لو لم يقل ذلك ربما قتله أصحاب النبي لأنه مشرك، لذلك من تتمة هذه القصة أن رؤساء قريش أُسروا يوم بدر، وفيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله فعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ [ سورة التوبة : 17] يروي بعض أصحاب رسول الله أنه قال في نفسه: ينهانا عن قتل عمه وأحدنا يقتل في الحرب أباه وأخاه، ما فهم توجيه النبي ثم كشف في نهاية المطاف أن العباس بن عبد المطلب كان مسلماً، وكان عين النبي، وقدم للنبي صلى الله عليه وسلم خدمات جليلة، والنبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يكشف مهمته، وسمح له أن يشترك مع الكفار في معركة بدر، وقد وقع أسيراً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام وجه أصحابه بألا يقتلوا عمه العباس لأنه مسلم، لكن لو أنه قال: لأنه مسلم كشفه، فقال هذا الصحابي: بقيت عشر سنين أتصدق رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله، حينما قال عليه الصلاة والسلام: "لا تقتلوا عمي العباس" ما قالها عن عصبية بل قالها عن علم، ولكن الحكمة تقتضي أن يقتصر على هذه الكلمة. مسجد الله هو البيت الحرام من نطق بالشهادة دخله : الجمهور قرأ ما كان للمشركين أن يَعمُروا مساجد الله، وقرأ بعضهم أن يُعمروا، يَعمروا ماضيه ثلاثي، أما يُعمروا ماضيه رباعي، أعمر يُعمر، ومعنى أعمر أي أعان على عمارته، يُعمر يعين على عمارة المسجد، أما الجمهور فقرأ: أن يَعمُروا أي أن يساهموا أو أن يزوروا المسجد، والجمهور يقرأ: ما كان للمشركين أن يَعمُروا مساجد الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمر: يُعمروا مساجد الله، ومن خلال هذه القراءة قد نستنبط أن مسجد الله هو البيت الحرام. مرة كان هناك مناظرة عالمية بين أحد علماء المسلمين وبين أحد كبار علماء النصارى في أمريكا، فسأله أحد الحاضرين: هل بالإمكان أن تكون هذه المناظرة في مكةَ المكرمة؟ أراد هذا السائل أن يجر العالم الذي يناظر هذا القس إلى ذكر هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وكان العالم الجليل ذكياً جداً قال له: أنا عندما قدمت إلى بلدكم أمريكا قدمت كل الوثائق التي طلبت مني، أبرزت وثائق، وقدمت تصاريح، حتى سمح لي بالدخول أما مكة المكرمة فيكفي أن تنطق بلسانك لا إله إلا الله وأهلاً بك في مكة، دخولها سهل جداً يقتضي أن تعلن الشهادة، تعلن الإسلام وأهلاً بك في مكة، فوت عليه أن يجره إلى أن يذكر هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة التوبة : 28] من لطائف التفاسير : 1 ـ الله سبحانه وتعالى أطلق المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً : أيها الأخوة: من لطائف التفاسير، اللطيفة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى أطلق المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً، الحكم الشرعي الآن لا يمكن للمشرك أن يدخل إلى مكة المكرمة، والذين ذهبوا إلى الحج أو العمرة يرون في مدخل مكة طريقاً خاصاً للمسلمين ينتهي بهم إلى مكة، وطريقاً خاصاً ينتهي بغير المسلمين إلى مكان بعيد عن مكة، قال، أطلق الله المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً هو المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فهو في علم الأصول من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص، كيف؟ ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة البقرة : 19] مستحيل المقصود أصبع واحد أطلقنا الجمع وأردنا الفرد، أحياناً نطلق الخاص على العام، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة الأنفال : 60] ﴿قُوَّةٍ﴾ عام ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ عطفنا الخاص على العام، أحياناً نعطف العام على الخاص، أحياناً نطلق العام ونقصد الخاص، كل هذا لحكمة بلاغية رائعة، فهنا أطلق الله المساجد وأراد بهذا الإطلاق المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فهو من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص. 2 ـ العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به : اللطيفة الثانية، العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به، يوجد عندنا حقيقة وعندنا مظاهر لها، المسلم حقيقته أنه آمن بالله، وانصاع إلى أمره، لكن مظهره يصلي، مظهره يغض بصره، مظهره يصوم رمضان، مظهره يؤدي زكاة ماله، هذه مظاهر ولها حقيقة، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية قال: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾ [ سورة التوبة : 17] ذكر العلة أنهم يظهرون الكفر، هناك لكفرهم مظاهر، علامات، ولكن العلماء يقولون: العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به، الحكمة من ذلك الإنسان أحياناً ينطوي على كفر أو شرك، لكن لا يبدو منه ما يؤكد هذه الحقيقة، فأنت بين شك ويقين، أما حينما يكفر يسب الدين، مثلاً تكلم شيئاً يؤكد حقيقته، فصار شركه قطعياً، صار كفراً بواحاً، فلذلك علة أن الله ذكر مظاهر الشرك ولم يذكر حقيقة الشرك هو أنك إذا أظهرت مظاهر الشرك فقد أكدت حقيقة الشرك، أي الشرك مع مظاهره شرك مقرون بالإقرار، والكفر مع مظاهره كفر مقرون بالإقرار، إنسان ساكت وهو كافر ليس له مظهر أما حينما يسب، حينما يسخر من الصلاة، حينما يسخر من شعائر الله، فسخريته وكلامه وتهجمه دليل أنه أتى بالدليل على أنه كافر. وكلكم يعلم أن الكفر كفر اعتقادي، وكفر سلوكي، وكفر كلامي، فالذي يسب الدين وقع في الكفر الكلامي، والذي يمسك بالمصحف ويرميه أرضاً وقع بالكفر السلوكي، والذي يعتقد أن هذا المصحف ليس كلام الله إنه من عند رسول الله، من عند محمد بن عبد الله، هذا كفر اعتقادي، وهذه الأنواع الثلاث من الكفر تخرج الإنسان من ملة الإسلام. 3 ـ أمْر المؤمنين بعمارة المساجد يتناول عمارتها وتنظيفها واعتيادها للعبادة : اللطيفة الثالثة، أمر المؤمنين بعمارة المساجد يتناول عمارتها، وترميمها، وتنظيفها، وتعظيمها، ويتناول أيضاً اعتيادها للعبادة والذكر وطلب العلم، أنت مؤمن من أخص خصائص إيمانك أنك تعمر مساجد الله، تسهم في بنائها. حدثنا أخ كريم من أن رجلاً من أهل الغنى أراد أن يبني مسجداً في أحد أحياء دمشق، بحث عن أرض مناسبة، وجد أرضاً مناسبة، ومساحتها جيدة، وفاوض صاحبها، صاحبها رجل يعمل حاجباً في مدرسة، ودخله في الشهر ثلاثة آلاف ليرة، وقد ورث هذه الأرض من قريب، ولا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض، هذا الثري الذي أراد إنشاء مسجد فاوضه على سعرها، واتفقا على مبلغ قريب من أربعة ملايين، وتم الاتفاق، وقرئت الفاتحة، وكتب هذا الثري شيكاً لصاحب الأرض بمليوني ليرة على أن يعطيه الباقي عند الفراغ، بعد أن وقع الشيك وناوله إياه، قال له: الذي أرجوه منك أن نلتقي غداً في الأوقاف، فقال له: لماذا الأوقاف؟ قال: من أجل أن نصرح لها أن هذه الأرض لبناء مسجد، قال: أنت تريد أن تشتري هذه الأرض كي تنشئ عليها مسجداً؟ قال: نعم، قال: هات الشيك، أخذ الشيك ومزقه، قال: أنا أقدمها لله بدلاً منك، وقدمها لوجه الله، هذا ماذا أنفق؟ أنفق ماله كله، عمارة المساجد من أجلِّ الأعمال لأن خير البلاد مساجدها وشرها أسواقها، بالمسجد هناك صلاة، وذكر، ودرس علم، وحقائق تتلى، هذا أنفق ماله كله، يقول هذا الثري: والله ما من وقت شعرت فيه أنني صغير أمام رجل كبير كهذا الموقف، رأى نفسه صغيراً جداً أمام هذا الإنسان الفقير الذي لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض وقدمها من أجل بيت من بيوت الله، ورفض أن يأخذ ثمنها، وقال: أنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل. أحد أكبر خصوصيات المسلم أنه يعمر مساجد الله : لذلك أحد أكبر خصوصيات المسلم أنه يعمر مساجد الله، والمؤمن في المسجد كالسمك في الماء، روحه في المسجد، ترتاح نفسه، ويطمئن قلبه في المسجد، لذلك أمر الله المؤمنين بعمارة المساجد أي إعمارها، وترميمها، وتنظيفها، وتعظيمها، ودخولها للصلاة، والعبادة، والذكر، وطلب العلم. هناك معنى ثان: وصونها عما لم تبنَ له من الخوض في أحوال الدنيا، ورد في الأثر: (( جمعت المال مما حلّ وحرم وأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي)) لذلك سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: "ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس- من هذه الثلاث - ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها"، معنى هذا أن الجنازة تخاطبك. سمعت عن رجل سجل شريطاً مؤثراً جداً قبل أن يموت، بعد أن مات أوصاهم أن يُسمعوا من حول القبر هذا الشريط، فالميت في القبر والمشيعون حول القبر يستمعون إلى صوت الميت يناديهم: أنا الآن في القبر تحت أطباق الثرى، لا ينفعني مالي، ولا مكانتي، ولا بيتي، ولا أولادي، ولا زوجتي، تركت كل شيء وأنا رهن عملي... أي هذا الميت ألقى كلمة قبل أن يموت بليغة فصيحة، وأوصى أهله أن يُسمعوا المشيعين هذه الكلمة، والحقيقة إن في معالجة جسد خاوٍ لعبرة، وكفى بالموت واعظاً يا عمر. 4 ـ من آمن بالله وأقام الصلاة وأتى الزكاة فعسى أن يكون من المهتدين : اللطيفة الرابعة، حينما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [ سورة التوبة : 18] آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وأتى الزكاة، ولم يخشَ إلا الله، واستقام على أمره، قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ عسى تفيد الشك، عسى إذا قالها الله تفيد غلبة الظن وليست قطعاً، لا تعني القطع، عسى أولئك أن يكونوا، فهذا الذي آمن، وعرف الله، واستقام على أمره، وصلى، وصام، وآمن بالله واليوم الآخر، هذا عسى أن يكون من المهتدين، فما قولك بالذي يجاهر بالكفر والعصيان؟ الأحكام الفقهية المستنبطة من هذه الآية : 1 ـ المراد بعمارة المساجد بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها : الأحكام الفقهية التي يمكن أن تستنبط من هذه الآية: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [ سورة التوبة : 18] كثيرة من أبرزها: المراد بعمارة المساجد بناؤها، وتشييدها، وترميم ما تهدم منها، وهذه هي العمارة الحسية يدل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة )) [ابن ماجه وابن خزيمة عن جابر بن عبد الله] 2 ـ المؤمن مأمور بارتياد المساجد والصلاة فيها والذكر فيها وتلاوة القرآن : المعنى الثاني: والمراد بعمارتها الصلاة، والعبادة، وأنواع القربات، وطلب العلم، والدليل قوله تعالى: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾ [ سورة النور : 36] هذه العمارة المعنوية، فالمؤمن مأمور بعمارة المسجد عمارةً ماديةً من بناء، وترميم، وتأسيس، وتزيين، ومأمور بعمارتها المعنوية من ارتيادها، والصلاة فيها، والذكر فيها، وتلاوة القرآن، وطلب العلم، ومن علامة الإيمان ارتياد المساجد. شيء آخر: المراد بالمساجد في هذه الآية كما قال بعض المفسرين: المراد هو المسجد الحرام وحده لأنه المفرد العلم، الأكمل، الأفضل، قبلة المساجد كلها، وسبب النزول يؤيد هذا القول، وهو مروي عن عكرمة أن يعمروا مسجد الله، المقصود به بيت الله الحرام، وقال، آخرون المراد به جميع المساجد لأنه جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً. والحقيقة أن الظاهر يفيد التعميم والذين خصصوا اعتمدوا على قراءة. 3 ـ نهي الله تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله : الحكم الثالث هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟ أخذ بعض العلماء من الآية أنه لا يجوز أن يستخدم الكافر في بناء مسجد لأنه من العمارة الحسية، وقد نهى الله تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله، والظاهر جواز استخدام الكافر لأن الممنوع إنما هو الولاية أن يتولى الكافر تسيير أمور المسجد، أما أن يستخدم في عمل كنحت حجارةٍ، أو بناء، أو نجارةٍ، فلا يبدو أن الآية تمنع ذلك، إذا استخدمته كعامل لا يوجد مانع، أما أن تستخدمه كمشرف، كمسير، كموجه، كصاحب قرار فلا يجوز، هذا حكم آخر. من يسهم في بناء مسجد يسهم في الدعوة إلى الله عز وجل : أيها الأخوة، ملخص هذه الآيات من أخص خصوصيات المؤمن عمارة بيوت الله بناءً، وتأسيساً، وترميمياً، وإصلاحاً، وتعظيماً، ومن أخص خصائص المسلم إعمار بيوت الله ارتياداً، وصلاةً، وذكراً، وتلاوة، وطلب علم، وتعليم علم، وخير البلاد مساجدها، وشرها أسواقها، وطوبى لمن كان له سهم في بناء مسجد، لأن كل صلاة تنعقد في هذا المسجد، وكل ذكرٍ، وكل مجلس علم، وكل توبة، في صحيفة الذي بنى المسجد، والذين يقولون: لا كيان بلا أرض، لا دعوة إلى الله بلا مكان، أين ندعو؟ في البيوت، عندك خمسة محلات، ستة محلات، أما بيت الله فيسع خمسة آلاف شخص، لا كيان بلا أرض، لا دعوة بلا مسجد، فالذي يسهم في بناء مسجد يسهم في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنا والله أهنئ كل الذين سمح الله لهم وأجرى على أيديهم الخير لبناء المساجد، والعناية بها، والحقيقة في هذا البلد الطيب حركة بناء مساجد تفوق المعقول، أي الذي بني في عشر سنوات من المساجد لم يبنَ في مئة سنة، في مئات السنين سابقاً، وهذا من فضل الله، ودليل أن هناك عودة إلى الله، وأن هناك يقيناً أن خلاصنا في الدين وحده، فكل إنسان ساهم في بناء مسجد، في تأسيس مسجد، في كسوة مسجد، في حلّ مشكلة مسجد، في ترميم مسجد، في إعلاء مسجد، في تعظيم مسجد، في ارتياد المسجد، شجع الناس على حضور مجالس العلم له أجر، ارتادها طالب علم، ارتادها معلماً، ارتداها مصلياً، ارتادها ذاكراً، فأن تكون في بيت الله أحد خصوصيات إسلامك. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :جزاء محاربة الله - اوليائة - قوانينةالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( الثامن ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من يتحرك حركة لا تتوافق مع منهج الله فهو مجازاً يحارب الله ورسوله : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن من: "آيات الأحكام"، والآية اليوم: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [سورة المائدة: 33] أيها الأخوة، الله جلّ جلاله لا يُحَارَب لأنه قوي، ولأنه عزيز، ولأن أمره هو النافذ. ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [سورة يس: 82] ولكن محاربة الله عز وجل نفهمها فهماً مجازياً، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب علينا، فالذي يحمل الناس على التفلت من منهج الله يفعل عكس ما أراد الله عز وجل، الله عز وجل يريد أن يتوب علينا، أن نهتدي إليه، ونسعد في الدنيا والآخرة، وهناك أناس يريدون أن يفسُد الناس، يحملونهم على المعصية والفساد، فحينما تتحرك حركة لا تتوافق مع منهج الله عز وجل فأنت مجازاً تحارب الله ورسوله، إن شجعت الناس على السرقة والله نهى عن السرقة فإنما تحارب الله ورسوله، إن شجعت الناس على الزنا والله حرم الزنا فإنما تحارب الله ورسوله، إن شجعت الناس على الفساد في الأرض والله ينهى عن الفساد في الأرض فإنك تحارب الله ورسوله، فأشقى الأشقياء إطلاقاً هو الذي يقف في خندقٍ مُعَادٍ للدين، هو الذي يتحرك حركة ليطفئ نور الله عز وجل، ويسفه الدعاة إلى الله، لتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويعم الفساد في الأرض، هذا يحارب الله ورسوله. الدين أقدس شيء في الحياة : نحن أيها الأخوة في الأنظمة المدنية هناك مخالفة تقتضي أن تدفع خمسمئة ليرة، أو مخالفة تدفع فيها ألفاً، مخالفة تقتضي أن تدفع خمسين ألفاً، أما حينما تخون أمتك، وتعطي العدو معلومات خطيرة عن وطنك، وإمكانياته، في الأعراف كلها وفي الأنظمة كلها يسمى هذا خيانة عظمى، والخيانة العظمى جزاؤها القتل، الإعدام، لماذا نعاقب إنساناً بخمسمئة ليرة؟ ونعاقب إنساناً بالإعدام؟ لأن العقاب يتناسب مع حجم الجريمة، أقدس شيء في الحياة هو الدين، في الدعاء الشريف أيها الأخوة: "اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا-عصمة أمرك بالدين- وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا"، حينما يحارب الدين تحارب عصمة الناس، حينما يحارب الدين يحارب النظام والانضباط، وحينما يحارب الدين يحارب حفظ الأنساب، فحينما نتصور مجتمعاً بلا دين، يكون هذا المجتمع مجتمعاً متفلتاً، منهاراً، تعم فيه الجريمة، والسرقة، والموبقات، واختلاط الأنساب، وفساد الأمر، لذلك تعد أكبر جريمة في الإسلام هذا الذي يحارب الله ورسوله، إن أغرينا الناس بأعمال فنية تحط بأخلاقهم، وتبعدهم عن طريق الحق، وتخرجهم من عفتهم وقناعاتهم ببيوتهم، أو تجعلهم كالحيوانات، فهذا فساد في الأرض، وهذا نوع من محاربة الله ورسوله. المحاربة من الحرب والحرب ضد السلم : بشكل أو بآخر أي شيء يقربك من منبع السعادة هذه دعوة إلى الله، وأي شيء يبعدك عن منهج الله عز وجل هذا نوع من محاربة الله ورسوله: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ﴾ [سورة المائدة: 33] أيها الأخوة، المحاربة من الحرب، والحرب ضد السلم، والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال، والمراد بها في الآية: محاربة أولياء الله، وأولياء رسوله، هؤلاء الذين أناط الله بهم نقل الدين، وتوضيحه، وإلقاء العلم، جعلهم الله قدوة للآخرين، هؤلاء الذين التف الناس حولهم، إن أردت أن تزعزع مكانتهم وتطعن بهم من دون سبب أو دليل إنما تحارب الله ورسوله. أيها الأخوة، أقدس شيء في الحياة المثل الأعلى، فإذا ضعضعته، وزعزعته، وشوهت صورته، سقطت مع المثل، ومع المبادئ، والأشخاص، ومع المتدينين سقط الدين، هناك نقطة دقيقة جداً هي أن قلة قليلة جداً من الناس تستطيع أن تفرق بين المبادئ المجردة والذين يعتنقونها، بين أصل الدين والمتدينين، بين أصل الإسلام وبين المسلمين، لكن الكفرة لا تكاد تستطيع أن تفرق بين حقيقة الدين وبين المتدينين، فهناك عوام الناس يفهمون الدين من رجال الدين، يفهمون الحق ممن يدّعون أنهم على حق. أي إنسان آمن بالله حق الإيمان و استقام على أمره فهو ولي من أولياء الله : فيا أيها الأخوة، المراد هنا في محاربة الله عز وجل كما قال المفسرون: محاربة أولياء الله عز وجل، وأولياء رسوله، والجواب الدقيق جداً من هو ولي الله؟ هناك تعريف بسيط جامع مانع، من ولي الله؟ ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [سورة يونس: 62-63] أي إنسان آمن بالله حق الإيمان، استقام على أمره، فهو ولي من أولياء الله، ولا يحتاج الولي إلى كرامة، ولا إلى خرق للعادات، ولا إلى أن يمشي على وجه الماء، ولا إلى أن يطير في الهواء، هذا كله الولي غني عنه. لأن بعض العلماء يقول: إن أعظم كرامة هي كرامة العلم، فإذا آمنت بالله حق الإيمان وانعكس إيمانك استقامة وعملاً صالحاً فأنت ولي من أولياء الله. محاربة الله محاربة لأوليائه و رسوله : أخواننا الكرام، آية ذكرتها لكم كثيراً لكن نحتاجها في هذا الموضوع: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [سورة التحريم: 4] أي يا ربي من هي هذه المرأة التي إن لم تتب فإن الله جلّ جلاله هو الولي؟ والنبي ولي، والمؤمنون، والملائكة، العبرة من هذه الآية، أنك حينما تفكر أن تحارب الله ورسوله، أنك حينما تفكر مجرد تفكير أن تقف في خندقٍ معادٍ للدين، يجب أن تعلم من الطرف الآخر؟ أنت ممكن أن تقف أمام إنسان من بني جلدتك، لكن لا يمكن أن تقف أمام خالق الأكوان، لا يمكن أن تحاول أن تنال من هذا الدين الذي هو دين الله، لذلك محاربة الله كما وردت في بعض التفاصيل وفي آيات الأحكام محاربة أولياء الله، وأولياء رسوله، والطعن بالأنبياء، وبالذين سخرهم الله عز وجل لإلقاء العلم وخدمة الخلق بلا سبب ودليل وبلا مبرر مزاجاً، تعنتاً، هذا الطعن بمن أناط الله بهم الدعوة إلى هذا الدين نوع من محاربة الله. الإنسان حينما يختل توازنه الداخلي وتعاقبه فطرته قد يصاب بالشلل : الشيء الملاحظ وهذا أقوله كثيراً: الإنسان يحقق أحياناً توازناً نفسياً، متى يختل هذا التوازن؟ الإنسان له فطرة سليمة، لو أن الإنسان عمل السيئات، وارتكب الموبقات، وأكل المال الحرام، واعتدى على أعراض الناس، لو لم يستطع أحد أن يحاسبه، لو لم يصل إليه قانون، أو لم يكن مداناً أمام الخلق، الحقيقة أنه يختل توازنه الداخلي، وأن فطرته تعذبه، كأمراض الكآبة، الشعور بالنقص، وخز الضمير، الضيق النفسي والضجر، ردود الفعل القاسية هذه كلها تعبيرات داخلية عن اختلال التوازن، الإنسان أحياناً ينهار خارجياً وإذا انهار خارجياً كل الناس يعرفونه، أما هناك أشخاص فبهذه العين تراه كبيراً لكن من داخله منهار، الإنسان متى ينهار من داخله؟ حينما يخرج عن فطرته، فالذي يعتدي على أعراض الناس ينهار من داخله، درسنا في الجامعة في مادة الصحة النفسية عن مرض مشهور جداً اسمه الهستيريا، وهي عند عامة الناس هو مجنون مهستر، أما بالتعريف العلمي الهستيريا شلل عضوي من دون سبب عضوي ونفسي شلل كامل، الإنسان حينما يختل توازنه الداخلي وتعاقبه فطرته أشد العقاب قد يصاب بالشلل. طبعاً درسنا في الكتاب أن هناك حالات ترد في كتب علم النفس، طبيب وهو يعالج مريضاً ذا مرض مستعصٍ عُضال مد يده إلى ابنته معتدياً عليها هذه اليد شلّت، لو فحصت هذه اليد أو العضو عند كل أطباء الأعصاب ليس هناك أي خلل، لكن الشعور بالذنب والخيانة معاقبة الفطرة للإنسان، ولاسيما إن كانت نقية، هي التي سببت هذا الشلل، الذي هو شلل عضوي بغير أسباب عضوية، قال: هذا المرض لا يعالج إلا أن نقنع الإنسان أنه لم يقترف إثماً، إلا أن نخفف عليه. حدثني أخ: إنسان يركب مركبة في مدينة الساعة الثالثة بعد منتصف الليل دهس طفلاً أرسله والده ليأتي له بحاجة من بعض المحلات في أيام الصيف، والناس يسهرون، ويمتد بهم السهر، دهس هذا السائق الطفل، وتابع سيره، هذا السائق بقي أكثر من عشرين يوماً لم يذق طعم النوم، فذهب إلى طبيب نفسي فقال له: لن تستطيع أن تنام إلا إذا أدّيت ديّة هذا الغلام، أداء هذه الديّة تخفف عنك. المعركة بين الحق و الباطل معركة أزلية أبدية : أيها الأخوة، هناك محاسبة ذاتية شئت أم أبيت، قد ترى الشخص ملء السمع والبصر، ولكن حينما يكون معتدياً آكلاً للمال الحرام، يبني مجده على أنقاض الناس، تتعلق به حقوق الناس، يسعد ويشقى من حوله، يأكل ويجوع من حوله، يكتسي ويعرى من حوله، هذا الذي يبني مجده على حساب الآخرين يختل وينهار من الداخل، الآن الذي يختل توازنه الداخلي ماذا يفعل؟ كي يستعيد هذا التوازن يبحث عن عيوب الطرف الآخر، وعن عيوب أهل الإيمان، أو عن عيوب ليست فيهم يتوهمها ويكبّرها، يبالغ فيها ليستعيد توازنه. أحياناً الإنسان يفوته قطار العلم إذا رأى أصدقاءه في أعلى مرتبة في الدنيا يختل توازنه، لِمَ لَمْ أكن مثلهم؟ يتألم، ما الذي يريحه؟ أن يبحث في حياتهم عن مشكلات كبيرة جداً، هذه المشكلات إذا بحث عنها ووجدها يستريح، يقول قي نفسه: أنا لا أملك هذه المشكلات، فهذه قاعدة نفسية دقيقة جداً، أنت حينما تخرج عن منهج الله هذا المنهج المتوافق مع الفطرة يحدث في الداخل انهياراً، أو اختلال توازن، هذا الاختلال لا يمكن أن تستعيده إلا إذا أقنعت نفسك أن الطرف الآخر الذي لم يسقط كما سقطت ليس جيداً، فعند كل إنسان منحرفٍ عاصٍ رغبة جامحة إلى تضخيم عيوب المؤمنين، والبحث عنها، والتنقيب فيها، وتضخيمها، وإلى المبالغة فيها، من أجل أن يرتاح. إنسان دخله محدود لا يعنيه من أصحاب الدخل غير المحدود إلا شقاءهم، يقول: ليسوا مرتاحين أنا مرتاح أكثر منهم. إنسان اشترى مركبة من نوع معين، وكان يتمنى أن يركب مركبة أخرى، فإن رأى في الأخرى بعض العيوب يرتاح، استعاد توازنه، هذه قضية دقيقة جداً. لذلك هناك معركة أبدية أزلية بين أهل الحق وأهل الباطل، أهل الباطل يبحثون عن عيوب المؤمنين يكبرونها يضخمونها. أحد أسباب سعادة المؤمن أن وعد الله له بالجنة يمتص كل متاعب الحياة عنده : ذات مرة إنسان أراد أن يعترض وقد يكون صادقاً في اعتراضه قال: تقول لي: المؤمن سعيد، أنا أراه غير سعيد، قلت: لمَ؟ قال: لأن كل المشكلات التي يعاني منها الناس يعاني منها، قلت له: والله صحيح كأن تكون هناك موجة حر يشعر هو مثل الناس بهذه الموجة، أو أزمة مواصلات يشعر بها مع الناس، فكل أزمات الحياة يعانيها المؤمن فأين سعادته؟ قلت له: لن تراه غير سعيد؟ قال: لأنه محروم من كل شيء، وكله عنده حرام، فهو يعاني من أزمات الناس كلها، وهو فوق ذلك يشعر أنه مقيّد، غير المسلم يبدو أنه طليق. ألهمني الله مثلاً قلت له: لو أن إنساناً له دخل قليل جداً، ألفا ليرة في الشهر، وعنده ثمانية أولاد، وبيته مستأجر، وهناك دعوى إخلاء، وحياته تعيسة جداً، لا يجد قوت يومه ولهذا الرجل عم يملك خمسمئة مليون، وليس له أولاد، ومات بحادث فجأة، فثروته لمن؟ لهذا التعيس الفقير، لكن انتقال هذا المبلغ له يحتاج إلى وقت، ومعاملات، وبراءة ذمة، ومتابعة، وحصر إرث.. فيا ترى من ساعة موت عمه إلى ساعة قبض المبلغ قد يكون هناك عام، لماذا هذا الفقير التعيس في هذا العام من أسعد الناس؟ حياته هي هي ما أكل لقمة زائدة، وما لبس معطفاً زائداً، وما جاء للبيت بشيء إطلاقاً، لكنه دخل في الوعد، كلما رأى بيتاً فخماً يقول: هذا سأشتريه، وكلما رأى مركبة فخمة هذه سأقتنيها، وكلما ذهب إلى المصيف ورأى بيتاً جميلاً قال: هذا سأشتريه، دخل في الوعد، لذلك أحد أسباب سعادة المؤمن أن وعد الله له بالجنة يمتص كل متاعب الحياة: ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ [سورة القصص: 61] الشعور النقي الطاهر عند المؤمن يرفعه عند الله عز وجل : بعض أصحاب رسول الله الذين خاضوا معارك شهيرة جداً في التاريخ كان معهم أمراض كثيرة، بعضهم كان يقود المعركة وهو منبطح على بطنه من شدة الآلام التي يعاني منها، ما الذي يمتص كل هذه الآلام؟ أحياناً الإنسان يفقد أحد أعضائه أو بصره، أو يكون بيته صغيراً، أسرة كبيرة، دخل قليل، بجسمه علل كثيرة، وهو من أسعد الناس، وعد الله له بالجنة، وشعوره أنه راضٍ لله، وأن الله يحبه، وأنه نجا من فتن المال وفتن النساء وفتن الحياة الدنيا، هذا الشعور النقي الطاهر هو الذي يرفعه عند الله عز وجل. ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [سورة المائدة: 33] أيها الأخ، عدّ للمليار قبل أن تفكر أن تحارب الله ورسوله، أن تفسد إنساناً، أن تضعضع عقيدة إنسان، أن تسفه استقامة إنسان، أحياناً شاب مستقيم طاهر يسأله أحدهم: كم دخلك؟ يقول له: أربعة آلاف، يجيبه، فقط؟ ما هذه الحياة التي تعيشها؟ يسفه له حياته، إن رأيته مستقيماً أثني على استقامته، والله يا بني أنت موفق في حياتك لأن الله عز وجل سوف يكافئ المستقيمين، عليك أن ترفع معنويات المستقيم، وتعمل له مكانة، لا تقيسه بدخله بل بإيمانه، وعمله، وإنجازه. الراحة في طاعة الله والاستقامة على أمره : هناك شخص يحاول دائماً أن يقلل من شأن المؤمن، ويضخم من شأن الفاسق، هذا يفعله بعض المؤمنون وهم لا يشعرون، فلان بيته أربعمئة متر، يعيش فوق الريح، مرتاح، كيف هو مرتاح ولا يصلي؟ مرتاح ويشرب الخمر، نساؤه كاسيات عاريات، ودخله حرام أين هي الراحة؟ الراحة في طاعة الله والاستقامة على أمره. ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [سورة المائدة: 33] فأكبر جريمة على الإطلاق أن تحارب الله ورسوله، فهذه المحاربة تبدأ بأن تطعن بإنسان مؤمن، تجد شخصاً أحياناً حوله عشرة أشخاص يدعوهم إلى الله، ويعلمهم القرآن، وتجويده، من أستاذك؟ فلان، مباشرة يبحثون عن بعض العيوب ويكبرها له، فأنت ماذا فعلت؟ أردت أن تقطعه عنه، هذا الذي يبحث عن إفساد العلاقات، وعن تباعد الناس، وعن تزيين الدنيا، وتقليل شأن الآخرة، وهذا الذي يجعلك تشك بأي إنسان يقول لك: لا يوجد أحد جيد من الناس، هكذا بكل بساطة، من دون تدقيق ودليل، هذا الذي يسيء الظن بالآخرين بلا دليل وسبب يحارب الله ورسوله، أو أحياناً يحيطك بجو من اليأس كأن يقول: لا أمل بالإصلاح وبالتدين، الناس كلها فاسدة، كلهم يخلفون وعودهم، يأكلون المال الحرام، لم يعد هناك مجال، يقطع أمامك كل الآمال. الإفساد هو كل شيء يخرج عن طبيعته : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ [سورة المائدة: 33] الفساد ضد الصلاح، وكل شيء يخرج عن وضعه الذي يكون به صالحاً، ماء نقي عذب فرات، الماء الفاسد له لون، أو طعم، أو رائحة كريهة، أخرجته عن صفته التي أرادها الله بها. شاب طاهر، إفساده أن تدله على معصية، فتاة مؤمنة طاهرة فسادها أن تحملها على معصية، بيت طاهر فساده أن تقيم مشكلة بين الزوجين، إفساد العلاقات والنفوس حتى الإفساد المادي، إفساد الأجواء ببعض الغازات، إفساد الماء ببعض الفضلات، كل شيء يخرج عن طبيعته هو الإفساد. تناسب العقاب مع عظم الجريمة : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾ [سورة المائدة: 33] التقتيل المبالغة في القتل بحيث يكون حتماً لا هوادة فيه، ولا عفو من ولي دم، التقتيل كأن تقول: قطع الشيء أو قطعه أي إلى أقسام كثيرة جداً، أي بالغ في قتله، أو يصلب والتصليب المبالغة في الصلب، أو تكرار الصلب كما قال الشافعي، ومعنى الصلب أن يربط على خشبة منتصب القامة، ممدود اليدين، وربما طعن ليعجل في قتله، هذا الصلب، الأمة حينما تقدس دينها تعاقب الذي يحارب الله ورسوله، أو يسعى في الأرض فساداً بشتى أنواع العقاب، كما أن أية أمة تعاقب الذي يخونها بالقتل والإعدام، لأنه سبب خطراً على الأمة بأكملها، فدائماً العقاب يتناسب مع عظم الجريمة. تغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد : ﴿ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ﴾ [سورة المائدة: 33] تقطع يدهم اليمنى أولاً، فإذا عاد إلى السرقة تقطع رجله اليسرى، فقد قطعت يداه ورجلاه من خلاف. ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [سورة المائدة: 33] عندنا قاعدة أيها الأخوة، أنه لا يمكن أن تُغلب مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة، نغلب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، مصلحة الجماعة في أن يضرب بيد من حديد على كل من يعتدي على دين الله وعلى شرعه وسلامة المجتمع. من لطائف الآية التالية : 1 ـ ذكر المحاربة ذكر مجازي : أيها الأخوة، من لطائف هذه الآية أن ذكر المحاربة - محاربة الله عز وجل ﴿ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ﴾ - ذكر مجازي، إذ أن الله سبحانه وتعالى لا يُحارب ولا يُغالب لما له من صفات الكمال، والقوة، والقدرة، وتنزهه عن الأضداد والأنداد، فالكلام على حذف المضاف: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [سورة المائدة: 33] الدين متمثل برجال الدين، متمثل بالمؤمنين، هؤلاء المؤمنون أولياء الله، إذا حاربتهم وأردت أن تقمعهم، وتطفئ نور الله من خلال تعذيبهم، والتنكيل بهم، فهذا نوع من محاربة الله عز وجل. إن عنت مريضاً فكأنما عنت الله عز وجل، إن أطعمت جائعاً فكأنما أطعمت الله عز وجل، إن أقرضت مؤمناً فكأنما أقرضت الله عز وجل، إن عاديت ولياً فكأنما عاديت الله عز وجل، إن حاربت داعية فكأنما حاربت الله عز وجل، إن كسوته فكأنما كسوت الله عز وجل، إن عدته فكأنما عدت الله عز وجل. إذا إنسان ضرب إنساناً في الطريق ما الذي يحدث؟ قد لا يحدث أي شيء، أما إذا ضرب شرطياً فاعتدى على الدولة، لأن هذا الشرطي يمثل الدولة، أليس كذلك؟ فقد تضرب أي إنسان دون أن يحدث شيء، على أساس خصومة، أما حينما تعتدي على إنسان يرتدي بذلة رسمية فكأنك اعتديت على الدولة، طبعاً هذا مثل، إذا اعتديت على مؤمن، إذا أردت أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، أنت زعزعت ثقة الناس بالدين، إن أردت أن تطعن بامرأة محجبة كلهن فاسدات –المحجبات- هل بهذه البساطة هكذا؟ معناها المحجبة فاسدة ماذا تفعل؟ أنت تطعن بأصل الدين، من أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه، لذلك عبّر ربنا عز وجل عن عظم أذية المؤمنين، أذية أولياء الله، لأنك إن حاربت هذا الولي فكأنما حاربت أولياء الله، بالمقابل لو أكرمت أهل العلم أن تجعلهم في مرتبة عليّة أنت ماذا فعلت؟ تدّعم هذا الدين. 2 ـ النفي من الأرض يكون بالطرد والإبعاد : اللطيفة الثانية في هذا التفسير قال: النفي من الأرض يكون بالطرد والإبعاد والحبس، فقد روي عن مالك أنه قال: النفي هو السجن، الإنسان ممنوع بالسجن أن يقرأ الصحف لماذا؟ إن قرأ الصحف لم يعد مسجوناً، على صلة مع أخبار الناس ومع ما يجري، لو أعطينا إنساناً مذياعاً وصحفاً وشاهد كل شيء وهو في السجن لم يعد مسجوناً، إنسان يجلس في بيته أياماً طويلة، مادام على اتصال مع العالم الخارجي يقرأ الكتب، ويسمع الأخبار، ويتابع أخبار الناس لم يعد مسجوناً، فالنفي من الأرض هو السجن، ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، إنسان طليق يركب مركبته، ويذهب إلى الزبداني، أو إلى الساحل، أو إلى حلب، أو إلى بريطانيا، أو اليابان.. هو طليق، أما حينما تسجنه تنقله من سعة الدنيا إلى ضيقها، إلى مكان ضيق، يجلسون سنوات وسنوات، فقال: النفي من الأرض يكون بالطرد والإبعاد اسمه إبعاد وأصبح هناك مصطلحاً قبل سنوات: المبعدون الذين أبعدوا عن أرضهم. قال بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ المؤمن سعادته تنبع من داخله، وغير المؤمن سعادته تنبع مما حوله، إذا لم يتوفر التكييف يقول لك: لا يعاش في هذا البيت، إذا لم يتوفر الأكل الجيد، أو المركبة المريحة، أو البيت الواسع، سعادته في بيت جميل ومركبة. مرة أردت أن أتحدث مع رجل جاء من أوربا سألته وحدثته عن الدين قليلاً قال لي: هذا الموضوع لا يعنيني إطلاقاً، ولا أهتم له، ولا أبحث عنه، أنا يعنيني ثلاثة أشياء؛ بيت جميل، ومركبة، وامرأة جميلة فقط، أهدافه واضحة تماماً، أما هذا الذي تتحدث عنه فلا علاقة له إطلاقاً، فالنفي هو السجن، ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فكأنه إذا سجن نفي من الأرض لأنه لا يرى أحبابه، ولا ينتفع بشيء من لذائذ الدنيا وطيباتها، فصاروا يُنفَون من الأرض إما أن يُبعَدوا، وإما أن يسجنوا، وكلاهما يؤدي المعنى نفسه. الآية الكريمة التي نحن في الحديث عنها: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة: 33-34] ارتباط أواخر الآيات بمعانيها أشد الارتباط : أيها الأخوة، هذه الآية محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فساداً تأتي بعدها آيات جريمة السرقة. ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [سورة المائدة: 38] الأصمعي - والأصمعي عالم كبير من علماء اللغة- قال: قرأت هذه الآية وإلى جنبي أعرابي فقلت: والله غفور رحيم سهواً بدل أن يقول: والله عزيز حكيم، فقال الأعرابي: كلامُ مَنْ هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعِد، فأعدت والله غفور رحيم، قال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت فقلت: والله عزيز حكيم، فقال: أصبت هذا كلام الله، قلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، أتحفظه؟ لا لم أحفظه، قال: فمن أين علمت أني أخطأت؟ قال: يا هذا عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع، لا تتناسب والله غفور رحيم مع واقطعوا أيديهما، أقول: هذا يدل على ذكاء الأعرابي، وشدة الترابط والانسجام يبن صدر الآية إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم، إذا إنسان غير حافظ القرآن فضّل أن يكملها من عنده، وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، لا ليست هكذا. ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [سورة المائدة: 118] أي إنسان إذا أراد أن يعفو قد يحاسب، لم عفوت عنه؟ إلا الله إذا أراد أن يعفو عن إنسان ليس في الكون كله جهة تحاسبه: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [سورة المائدة: 118] أواخر الآيات مرتبطة بمعانيها أشد الارتباط. الله عز وجل بدأ بالسارق لأنه أقدر على السرقة و بالزانية لأنها أقدر على الإثارة : شيء آخر أيها الأخوة: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾ [سورة المائدة: 38] بدأ الله بالسارق لأنه أقدر على السرقة من المرأة وأما: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾ [سورة النور: 2] فبدأ بالزانية لأنها أقدر على إثارة الرجل من شيء آخر، وهناك رجل ملحد اعترض على الشريعة الإسلامية قال: يد قطعت بخمس مئين عسجد وديَت، إذا قطعت يد بحادث ديتها خمسمئة دينار ذهبي، الإنسان يعمل بيده لو قطعت يد الإنسان بحادث فديتها خمسمئة دينار ذهبي قال: يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار *** لو أنها سرقت ربع دينار تقطع، لو أنها قُطِعَت خطأ ديتها خمسمئة دينار، ما هذا التناقض؟ ربع دينار تقطع، وإن قطعت خطأ فديتها خمسمئة دينار! يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار *** أجابه بعض الحكماء قال له: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري *** لمّا كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، اثنان دماؤهم تعم جسمهم إذا المقتول شهيد ماذا تقول؟ مضرج بدم الشهادة، إذا كان مرتكباً جريمة تقول: ملطخ بدم الجريمة، دم الجريمة شيء، ودم الشهادة شيء آخر، طبعاً الموضوع طويل جداً حول آية محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فساداً: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾ [سورة المائدة: 33] أكبر جريمة على الإطلاق أن يزني رجل متزوج بامرأة متزوجة : بعض العلماء حمل جريمة الزنا للمحصن مع المحصنة بالرجم حتى الموت، هل هناك من جريمة على الإطلاق أكبر من أن يزني رجل متزوج محصن بالزواج وله أولاد بامرأة متزوجة ومحصنة بالزواج ولها أولاد؟ ثم تطلق من زوجها لأنها خانته، يشرد الأولاد، وتنهار هذه الأسرة، هل هناك أشد من هذه الجريمة؟ لذلك حكم الزاني المحصن الرجم حتى الموت، وحكم الزانية المحصنة الرجم حتى الموت، لأنهما لم يزنيا فقط بل كأنهما يزنيان أمام الناس، كيف تم ضبط هذه الجريمة؟ أربعة شهود مع أنهما لا يباليان فيما يفعلان من هنا من هذه الآية حمل حكم الرجل حتى الموت: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ [سورة المائدة: 33] ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾ [سورة النور: 2] موضوع صون المال شيء مهم جداً : رأفة أهل الغرب بالإنسان السارق من أن تقطع يده، ورأفة أهل الغرب بالإنسان الزاني من أن يعاقب سبب هذا الإحصاء الذي قرأته قبل عشرين عاماً، في عام خمسة وستون هناك إحصاء فيدرالي في أميركا أن كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو اغتصاب، أو سرقة، وفي علمي الآن كل عشر ثواني يموت إنسان في الإيدز في أميركا! وهناكي تحقيقات عن بعض البلاد الإسلامية التي كانت تطبق قطع اليد، والآن تساهلت كثيراً، شيء لا يصدق يمكن أن نرسل رواتب محافظة في أقصى الجنوب بمئات الملايين بشاحنة مكشوفة، بلاد فيها جهل، وعنف، ولكن لأن حدّ السرقة مطبق فالناس في أمن، لي قريب جاء من هذه البلاد قلت له: تسير وحدك في الليل الطريق موحش؟ وهو شاب قال: أنام في السيارة ثم أتابع السير! بهذه البساطة؟ نعم لأن حدّ السرقة مطبق في هذا البلد، حدثني أخ قال: أنا أركب وأهلي في السيارة عليها كل حاجاتنا في بلد لا تطبق قطع اليد كنت مضطراً إلى أن أنزل الأغراض، وأرفعها إلى الطابق الرابع، وبذلت جهداً، في بلد آخر بعد مئة كيلو متر تطبق قطع يد السارق قال: فتركت المركبة على حالها ونمت نوماً عميقاً! موضوع مصونية المال شيء مهم جداً، على كلٍّ هذه الآية لها بحث طويل إن شاء الله يتاح لنا وقت آخر لبحثها. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : غض البصر - 1 - سورة النورالفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( التاسع ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ترتيب الآيات القرآنية في السورة الواحدة ترتيب توقيتي : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من: "شرح آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] أيها الأخوة الكرام، كلكم يعلم أن ترتيب الآيات القرآنية في السورة الواحدة ترتيب توقيتي، أي أن الله جل جلاله أوحى إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ضع هذه الآية في مكان كذا، وهذه الآية بعد الآية كذا، فالترتيب توقيفي. مناسبة الآية التالية مع ما قبلها : إذاً ما مناسبة هذه الآية مع ما قبلها؟ ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] هذه الآية جاءت بعد آية الاستئذان في دخول البيوت، والإنسان إذا دخل بيتاً ربما وقعت عينه على عورة، فالأكمل لمن دخل بيتاً بعد أن استأذن أهله أن يغض بصره، جاءت هذه الآية بشكل عام لتشمل الذين دخلوا البيوت، والذين يمشون في الطرقات، دخول البيت، بيت الغير مظنة للإطلاع على العورات، وقد جيء بهذه الآية على شكل حكم عام كلف به المؤمنون جميعاً حتى يشمل المستأذن، وغير المستأذن، وقد ورد في أسباب النزول أن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءه صحابيان طبعاً النص عن علي رَضِي اللَّه عَنْه أن رجلاً مرّ على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأصح أن نقول رجلاً - في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة، ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان، أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذا استقبله الحائط فشق أنفه، فقال: وَاللَّهِ لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره أمري، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذه عقوبة ذنبك، وأنزل الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] غض البصر أطهر للأخلاق و أبعد عن مظنة الريبة : إذاً الله جلّ جلاله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يحث المؤمنين على أن يغضوا أبصارهم عما لا يحل لهم، وأن يحفظوا فروجهم عن المحرمات، ويبين لهم أن ذلك أطهر لأخلاقهم، وأبعد بهم عن مظن الريبة، وسوء السمعة: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ﴾ [ سورة النور: 30] هذه الآية دقيقة جداً: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ﴾ [ سورة النور: 30] فيغضوا، هناك فعل أمر محذوف: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ﴾ [ سورة النور: 30] أي غضوا أبصاركم، والمؤمنون سريعو الاستجابة. إغلاق البصر وصرف البصر كلاهما غض للبصر : شيء آخر: غض البصر؛ إطباق الجفن على الجفن، أي أغمض عينيه، هذا غض للبصر، وأحياناً غض البصر أن تصرف البصر إلى جهة أخرى، هذا غض للبصر، إما إطباق جفنٍ على جفن، أو إرخاء جفن، أو تحويل النظر، كله يدخل تحت غض البصر، أحياناً امرأة تمشي من على يمينك، فإن نظرت إلى شمالك فقد غضضت البصر عنها، امرأة تقف على شرفة فإن نظرت إلى الأرض غضضت البصر عنها، لكن أحياناً تركب مركبة وامرأة أمامك في المقعد الأول - مركبة عامة - وهي بأعلى درجة من التبرج، بإمكانك أن تغض البصر بإطباق جفن على جفن، بإمكانك أن تغض البصر، وبإمكانك أن تصرف البصر، إغلاق البصر وصرف البصر كلاهما غض البصر. قل يا محمد للمؤمنين، يا من آمنتم بي، يا من آمنتم بوجودي، وكمالي، ووحدانيتي، يا من آمنتم أن كل السعادة بالقرب مني، قل للمؤمنين إن أردتم القرب مني غضوا أبصاركم: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [ سورة النور: 30] كلمة " من " دقيقة جداً ويتفرع عنها أحكام شرعية كثيرة منها : 1 ـ من هنا أصلية و هي للتبعيض : إلا أن كلمة " من " دقيقة جداً، ويتفرع عن كلمة من أحكام شرعية كثيرة، قال: ﴿ مِنْ﴾ حرف جر أصلي، و تعلمون أن حروف الجر أصلية وزائدة، إذا قلت: أكلت بالملعقة، هذه الباء حرف جر أصلي، ما معنى أصلي؟ أنك إذا حذفته فسد المعنى، احذف الباء أكلت الملعقة، هذا ليس معقولاً، المعنى فاسد، وهناك باء تعرب حرف جر زائد. ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [ سورة التين: 8] احذف الباء، أليس الله أحكم الحاكمين، صحيح، فهذه المعنى ما وجدت في الصف من أحدٍ، أي ما وجدت أحداً، من زائدة، أما هنا فأصلية معنى أصلية أنها تؤدي معنى أساسياً، أما معنى زائدة فتؤكد المعنى، فرق كبير بين حرف الجر الأصلي، الذي يتوقف عليه معنى أساسياً وبين حرف جر الزائد، هذا حرف الجر الزائد يؤكد المعنى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [ سورة التين: 8] أبلغ من أليس الله أحكم الحاكمين، دخلت إلى الصف فما وجدت فيه أحداً، غير فما وجدت فيه من أحدٍ، إذاً هذه المن أصلية للتبعيض، أي غضوا أبصاركم عن بعض النساء اللاتي لا يحللن لكم، أما زوجتك فانظر إليها، أمك انظر إليها، أختك انظر إليها، ابنتك انظر إليها، ابنة ابنتك انظر إليها، ابنة ابنك انظر إليها، خالتك انظر إليها، عمتك انظر إليها، امرأة أجنبية غض البصر عنها، فهذه من للتبعيض تبعيض المُبصَر الذي تنظر إليه، غض البصر عن بعض النساء اللاتي لا يحللن لك، أما اللواتي يحللن لك، فلك أن تنظر إليهن ولا شيء عليك، هذا المعنى الأول. 2 ـ تبعيض المبصر : المعنى الثاني: تبعيض المبصِر، أنت إذا نظرت إلى من تحل لك عدا الزوجة، أي أمك، أختك، ابنتك، عمتك، خالتك، ابنة ابنك، ابنة ابنتك، لا ينبغي أن تدقق، أن تحملق، أن تملأ عينك من تفاصيل جسم أختك، أو أمك، أو ابنتك، لا، انظر نظرة إجمالية دون أن تدقق، فالمعنى الأول تبعيض المُبصَر، المعنى الثاني تبعيض المبصِر. 3 ـ تبعيض الزمن : المعنى الثالث: تبعيض الزمن، نظرت إلى امرأة لا تحل لك تمشي في طريق ومنعطف حاد، لما وصلت إلى المنعطف رأيت امرأةً أمامك بأبهى زينة، انطبعت صورتها في ذهنك، غض البصر عنها فوراً، فالنظرة الأولى لك، والثانية عليك، صار عندنا ثلاثة تبعيضات، تبعيض المُبصَر إليه، وتبعيض المُبصر، وتبعيض الزمن، انظر إلى اللواتي يحللن لك، أما الأجنبيات فغض البصر عنهن، أي غض البصر عن بعض النساء، أو إن نظرت إلى من تحل لك عدا الزوجة، ينبغي ألا تملأ عينك منها، يجب أن تنظر نظراً معتدلاً أي غض البصر نوعي، وحينما تفاجأ بامرأة وقد نظرت إليها خطأً فيجب أن تغض البصر فوراً، فسمح لك أن تنظر إلى بعض النساء، وأن تغض البصر عن بعضهن الآخر، هذا أول معنى، وحين سمح لك أن تنظر إلى اللواتي يحللن لك من المحارم عدا الزوجة، لا ينبغي أن تملأ العين، ولا أن تدقق في التفاصيل، وألا تتابع الخطوط، ينبغي أن تكتفي بنظرة إجمالية أي ليست مركزة تركيزاً شديداً. 4 ـ إذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك فالنظرة الأولى لك والثانية عليك : المعنى الرابع: أنك إذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك، الأولى لك والثانية عليك صار هناك أول تبعيض، وثاني تبعيض، وثالث تبعيض: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [ سورة النور: 30] من ينظر إلى المرأة ليس عند الله بمكان يخاطب فيه : لماذا قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [ سورة النور: 30] ولم يقل يا أيها الذين آمنوا غضوا أبصاركم؟ قال: لأن هذا الذي ينظر إلى المرأة ليس عند الله بمكان يخاطب فيه، قل لصاحبك أن يفعل كذا، هو أقل من أن يخاطب، لأنه ينظر إلى امرأة، قل له أن يغض البصر، ليس الأمر ابتداء، هو ينظر قل له ألا ينظر، هو في مكانة أقل من أن يخاطبه الله مباشرةً، هذا معنى جديد بالآية، لكن من أروع ما في الآية أن الأمر بغض البصر جاء قبل الأمر بحفظ الفرج، لأن طريق حفظ الفرج غض البصر، الله عز وجل بدأ بالسبب، وانتهى بالنتيجة، إن أردت أن تحفظ فرجك من الزنا أغلق الباب من أوله، أول الباب إطلاق البصر، معظم النار من مستصغر الشرر، كل الشر يأتي من إطلاق البصر، أي هذه الجريمة هي جريمة في الحقيقة أي جريمة الزنا تبدأ بإطلاق البصر، فحينما أغلقنا أول باب من هذه الجريمة، أغلقنا أسباب الجريمة، والشريف ليس الذي يهرب من الخطيئة، لكن الذي يهرب من أسباب الخطيئة. الإنسان لن يتمكن من حفظ فرجه إلا بغض بصره : لكن هل انتبهتم إلى الآية الكريمة؟ ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [ سورة النور: 30] ولم يقل: ويحفظن من فروجهم، أي هناك نظر مسموح به، مسموح أن تنظر إلى زوجتك، إلى أمك، إلى ابنتك، إلى أختك، إلى عمتك، إلى خالتك، إلى بنت بنتك، إلى بنت ابنك، مسموح أن تكون لك النظرة الأولى والثانية عليك، مسموح أن تنظر بعض النظر من محارمك، لكن موضوع الفرج لا يوجد ولا حالة يتساهل بها ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ ليس يحفظوا من فروجهم: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [ سورة النور: 30] هذا كلام خالق الكون، الفرج لا يوجد فيه حل وسط ، هذه أكبر جريمة، لذلك جاء حفظ الفرج مطلقاً، ولم يأتِ قبله حرف تبعيض، أي لا يوجد حالة مستثناة، لا يوجد حالة مسموح بها، لا يوجد حالة مقبولة، لا يوجد حالة معفو عنها، لا يوجد حالة إطلاقاً: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [ سورة النور: 30] أي لن يتمكنوا من حفظ فروجهم إلا بغض أبصارهم. الزنا معصية فيها قوة جذبٍ كبيرة فعلى الإنسان الابتعاد عن أسبابها : ماذا أقول لكم؟ الزنا معصية فيها قوة جذبٍ كبيرة، فإن كنت أنت خارج منطقة الجذب لا يوجد مشكلة، وإذا دخلت منطقة الجذب فهنا الخطر، إطلاق البصر يدخلك إلى منطقة الجذب، صحبة الأرذال تدخلك إلى منطقة الجذب، مشاهدة الأعمال الفنية الساقطة تدخلك إلى منطقة الجذب، قراءة الأدب الرخيص ينقلك إلى منطقة الجذب، أما الإنسان إذا امتنع عن كل هذا فلا يصيبه شيء، الخلوة تنقلك إلى منطقة الجذب، الخلوة، والقراءة، والمشاهدة، وصحبة الأرذال، وإطلاق البصر، هذه كلها تنقلك إلى منطقة الجذب، فإذا دخلت هذه المنطقة لابد من أن تنجذب إلى آخر المطاف، لذلك الحيطة، والحرص، والورع أن تكون خارج هذه المنطقة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ [ سورة البقرة: 187 ] أبيح النظر إلا ما استثني منه، ومنع الجماع إلا ما استثني منه، الأصل في الجماع المنع، أما الأصل في البصر فالإطلاق، لك أن تنظر إلى الشمس، لك أن تنظر إلى القمر، لك أن تنظر إلى بستان، إلى بحر، إلى أشجار، إلى ورود، إلى الرجال، إلى الصغار، إلى الكبار عدا المرأة، لأن الله ركب في كيانك غريزةً من أقوى الغرائز، فإن نظرت إليها لابد من أن تنتهي هذه النظرة إلى خطوة أكبر وأكبر قد تصل إلى الفاحشة، لذلك ربنا عز وجل منعنا من أول خطوة، قال له: غض بصرك، والحقيقة قد يقول إنسان: هذا الغض لا افهمه أنا ماذا فعلت لو نظرت إلى امرأة؟ لم تكلمها، ولم تحدثها، ولم تنتقص منها شيئاً، لكنك إذا نظرت كان هذا النظر سبباً لخطوة أقرب، والأقرب إلى الأقرب، ويجد الإنسان نفسه أمام فاحشة دون أن ينتبه. النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور : أخواننا الكرام، ما من مقالة علمية تركت في نفسي أثراً في هذا الموضوع كهذه المقالة، أن الإنسان حينما يثار الدماغ يفرز مادة تعطل المحاكمة، بهذه الحقيقة العلمية تفهم كيف يتورط أشخاص مهمون جداً بحماقة كهذه الحماقة، لأنه عندما صار هناك خلوة تعطلت المحاكمة، صار هناك إطلاق بصر تعطلت المحاكمة، وأنا أقول لكم كلاماً دقيقاً: الإنسان حينما تعلو درجة استثارته ربما وقع على من يحرم عليه، قال عليه الصلاة والسلام: الإنسان إذا شرب الخمر ربما وقع على عمته أو خالته، زنا المحارم أساسه تجاوز الحدود، قال العلماء: النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور، فكان حراماً لأنه يفضي إلى حرام، قلت لكم سابقاً ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، طريق الواجب واجب، أسباب الفرض فرض، أسباب السنة سنة، أسباب المعصية معصية، إذا كان النظر خطوة أولى إلى الزنا فهو محرم لا لأنه زنا بل لأنه يفضي إلى الزنا، لكن النبي عليه الصلاة والسلام سمى نظر الإنسان إلى امرأة لا تحل له زنا النظر، فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس، والأذن تزني وزناها السماع، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه: ((عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي)) [مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخرة)) [ أبي داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ] وتحديد زمن الأولى لا يعلمه إلا الله، أنت حينما تقع عينك على امرأة يجب أن تغض البصر لو الإنسان أطال ثانيتين من يعرف هذا ؟ الله وحده. ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [ سورة غافر: 19 ] العفة أبرز صفة من صفات المؤمن : أحد أبرز صفات المؤمن العفة، قد يقول أحدهم: لماذا أمرنا الله هكذا؟ لو أنه سمح لنا أن ننظر وانتهى الأمر، كيف تدخل الجنة؟ كيف تدفع ثمن الجنة؟ لو لم يكن هناك محرمات لما كان هناك جنة، أنت كائن أودعت فيك الشهوات، وأمرت أن تضبطها، هذه الجنة، الجنة في شهوات وعملية ضبط فقط، لو لم يكن هناك شيء محرم كيف تتقرب إلى الله؟ فالمحرمات سبب دخول الجنة. ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [ سورة الزمر: 87 ] غض البصر يقابله الحور العين : لولا أنا كنا في الأرض، وأمرنا بغض البصر وغضضنا البصر، وأمرنا بضبط اللسان وضبطنا اللسان، وأمرنا بأن نفعل الخير وفعلنا الخير، لما دخلنا الجنة: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾ [ سورة الزمر: 87 ] مقابل هذا الغض، وهذا الضبط هناك حور عين، الله وعدك بشيء، كمال مطلق، لا يوجد إنسانة في الأرض كاملة أبداً، إن ارتفع مستوى شكلها ساءت أخلاقها، وإن ارتفع مستوى أخلاقها لا تعجب زوجها، أي الحياة مركبة أي ليست في كمال مطلق، من أجل ألا تركن إليها، وهذه نعمة كبرى، الكمال المطلق لله عز وجل، وهذا من أجل النعم التي أنعم الله بها علينا. غض البصر وحفظ الفرج أطهر للقلب وأنقى للدين : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] أي ما ذكر من غض البصر وحفظ الفرج أطهر لقلوبهم، وأنقى لدينهم، وأبعد عن الزنا، ﴿ذَلِكَ أَزْكَى﴾ مبالغة، أي في أعلى درجات النزاهة، في أعلى درجات القداسة، في أعلى درجات الطهر، الحقيقة الإنسان يرقى عند الله بعفته، العوام يتحدثون عن أشخاص يقولون لك: نفسه خضراء، مراهق بالستين، أي في سن العبادة، في سن الوقار، في سن التقوى، في سن الدعوة إلى الله، في سن الإعداد للآخرة، هو يتتبع سقطات الناس، ويتتبع عوراتهم، وينظر إلى محارمهم، ويتغزل، ويعلق، كما ورد في الحديث القدسي: "أحب ثلاثاً، وحبي لثلاث أشد؛ أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد". غض البصر يقيّمه الله عز وجل : إذاً ما علاقة هذه الآية؟ ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] أحياناً الإنسان يكون ماشياً مع صديقه المؤمن يغض بصره، ويخاف على سمعته، أما إذا كان لوحده فقد يتساهل، معنى هذا أن الله عز وجل خبير أن هذا الغض ليس لله، هو لعبد الله، من يعرف هذه الحقيقة؟ أحياناً الإنسان أمام الآخرين يبدو بأعلى مظهر، يبدو عليه الورع، والتقى، والعفة، أما إذا سافر فيطلق بصره، إذا استقامتك اختلفت بين السفر والحضر، وبين الخلوة والجلوة، وبين أن تكون مع إخوانك المؤمنين، فأنت حريص على سمعتك النقية، تبالغ في غض البصر مع المؤمنين، وتتساهل فيما بينك وبين الآخرين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] أي هذا الغض يقيّمه الله عز وجل، والحقيقة وهي دقيقة جداً أن غض البصر وحده ليس في الأرض، ولحكمة أرادها الله تشريع يحضره، أبداً، هل سمعت بحياتك طبع مرسوم تشريعي قانوني أقره مجلس الشعب بغض البصر؟ بأي دولة بالعالم، بأي نظام بالعالم هذه مسموحة، لا يوجد إنسان يسألك إن وقفت بالطريق تنظر إلى امرأة لماذا تنظر إليها؟ أبداً التحرش موضوع ثان، أما إطلاق البصر فلا أحد يسألك، معنى ذلك هذه عبادة إخلاص، هناك أشياء القانون حظرها، والتشريعات الأرضية حظرتها، والقرآن حظرها، فإن تركتها نقول: الله أعلم، إما أنه يخاف الله، وإما أنه يخاف عبد الله. قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ آية في الفروع لا في الأصول : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30] ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه آية في الفروع لا في الأصول، عامة الناس يخاطبون بأصول الدين، أما المؤمنون فيخاطبون بفروع الدين، لذلك إنسان ليس مؤمناً لا يصلي إطلاقاً، لا يعترف بأحقية هذا الدين، تقول له: غض بصرك، كلام لا معنى له عنده إطلاقاً، يسخر منك، لا تبلغه هذا الأمر إلا إذا علمت أنه مؤمن بالله، لا تبلغه هذا الأمر إلا إذا تيقنت أنه مؤمن بالله، لأنه: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ما قال: قل للناس، يا أيها الناس غضوا أبصاركم، لا، لا ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لمن آمن يغض، الغض إما إطباق جفن على جفن، وفي حالات بإمكانك أن تغض البصر إطباق جفن على جفن، قاعد في سيارة، مركبة عامة، وامرأة أمامك ممكن أن تغمض عينيك، هذا غض البصر، أما امرأة تمشي على يمين الطريق، فإن نظرت إلى اليسار فأنت غضضت البصر، امرأة في شرفة إن نظرت إلى الأرض غضضت البصر، فالغض إما صرف، وإما إغماض، النبي قال: اصرف بصرك، سُئل عن النظرة المفاجئة، قال: اصرف بصرك. ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ ﴾ [ سورة النور: 30] أحياناً ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ﴾ أما " من " فرائعة جداً، من تارةً للمبصَر، وتارةً للمبصِر، وتارةً للزمن، للمبصر إذا نظرت إلى من تحل لك عدا الزوجة، ينبغي ألا تدقق، وألا تملأ العين من هذا الشكل، ولا من هذه الخطوط، ينبغي أن تبقى بالنظرة الإجمالية، الواحد بنته بالبيت، والدته، وأخته أحياناً في سريرها، في فراشها، ينبغي أن تنظر نظرة عامة، هذا الكمال، أما أن تنظر إلى خطوط جسمها فأعوذ بالله، ولو أختك، ولو ابنتك، ولو والدتك، هذه أول ناحية المُبصر، الثاني المُبصَر، الثالث النظرة المفاجئة، زمناً، تبعيض زمني، تبعيض مُبصر، تبعيض مُبصَر. من ازداد ورعه ازداد مستوى غض بصره : ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ الفرج لا يوجد فيه استثناءات أبداً إطلاقاً. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾ [ سورة المعارج: 29-31 ] ليس مسموحاً إلا الزوجة، أو ملك اليمين، أما بالبصر فمسموح أن تنظر إلى الأخت، والعمة، والخالة، والبنت، طبعاً أم الزوجة أيضاً تدخل، والربيبة. ﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾ [ سورة النور: 30 ] أنقى، وأطهر، وأكمل، وأشرف، وأعلى، وأقرب إلى الله: ﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾ [ سورة النور: 30 ] ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [ سورة النور: 30 ] الله يعرف الدوافع، والأهداف، والحجم، والتضحية، ومستوى غض البصر، هناك مستوى حازم جداً، و هناك أقل حزماً، هناك نظرة إجمالية، وهناك عدم تدقيق، وكلما ازداد ورعك ازداد مستوى غض بصرك. الإنسان لن يقطف ثمار غض البصر والحجاب إلا إذا كان المؤمنون جميعاً مطبقون : ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ سورة النور: 30 ] سأقف عند كلمة ﴿جَمِيعًا﴾ قبل شرح الآية الطويلة، أي إذا تاب المؤمنون جميعاً، إذا تحجبت النساء جميعاً، وإذا غض الناس طرفهم جميعاً، عشنا في مجتمع نظيف، مجتمع هادئ، مجتمع ساكن، مجتمع لا اضطراب فيه، مجتمع لا فورة فيه، لا فتنة فيه، حدثني أخ جاء من مكة المكرمة والمدينة، الحجاب هناك إلزامي، قال لي: شهر شهران ثلاثة، ولا تقع عيني على وجه امرأة، معنى هذا لا يوجد مثيرات، لا يوجد تشويش، لا يوجد فتنة مستعرة، لا يوجد إنسان يبذل جهداً كبيراً ، أي إذا تبتم إلى الله جميعاً قطفتم ثمار غض البصر، وثمار حجاب المرأة، أوضح مثل، إنسان له مئة صديق عنده لوحده هاتف، ليس له قيمة، أنت مكلف أن تغض البصر، لكن لن تقطفوا ثمار غض البصر وثمار الحجاب إلا إذا كان المؤمنون جميعاً مطبقون لهذا الأمر. إن تاب المؤمنون إلى الله جميعاً غضوا أبصارهم وحجبوا نساءهم : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وأنا في العمرة والحج أشعر أن الحياة في مكة والمدينة، لأنك لا ترى امرأة سافرةً إطلاقاً، واللباس كله فضفاض، عباءة لا تظهر أي خطوط للجسم، ولا حجم الأعضاء، تعيش أسبوعاً، أسبوعين، شهراً، شهرين و أنت مرتاح، لا يوجد إثارة، و لا مجاهدة، فإذا تاب المؤمنون إلى الله جميعاً، غضوا أبصارهم، وحجبوا نساءهم، شعرت بقيمة هذا الأمر في مجتمع المسلمين. الطالب ينصرف إلى جامعته، طالب بالثماني عشرة سنة، متى سيتزوج؟ بالثلاثين، أمامه اثنتا عشرة سنة، إذا لم يكن هناك أي مثيرات يعيش براحة نفسية، منصرف كلياً إلى دراسته، وإلى بناء مستقبله، أما طالب عمره ثماني عشرة سنة ذاهب إلى الجامعة رأى امرأة كما خلقها الله، كل ثيابها تصف حجم أعضائها، يضطرب، يقع إثم انصرافه عن ربه على هذه المرأة التي اعتدت عليه، هذا عدوان، مركب في أعماقه هذه الغريزة، هي استثارت شهوته، ولا تسمح له أن يقترب منها، هذا شيء مستحيل. غض البصر والتوبة والحجاب لن نقطف ثمارها إلا إذا كانت عامة : لذلك أيها الأخوة: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة النور: 31 ] جميعاً لها معنى دقيق، فإذا كان هناك إنسان عنده هاتف لوحده، وله مئة صديق، لا قيمة لجهازه، أما لو أن كل واحد منهم عنده جهاز، فأصبح له قيمة كبيرة جداً، أي إنسان تتصل به، وكذلك غض البصر والتوبة، لا نقطف ثمارها ولا ثمار الحجاب إلا إذا كانت عامة، لكن ليس معنى هذا الكلام إذا كنت في مجتمع لا يطبقها أنت معفى منها، أعوذ بالله، لابد من غض البصر، ولابد من تحجيب النساء، ولكن نتمنى أن يشيع هذا بين الناس، مرة نظرت إلى صف بصورة بالجريدة رأيت الثلثين محجبات، وَاللَّهِ شي جميل، فكلما اتسع نطاق الحجاب، ارتاح الشباب، وانصرفوا إلى أعمالهم، وبناء مستقبلهم، وهذا غض البصر يشبه إنساناً عنده مطمورة، كلما غض بصره وضع ليرة ذهب، يوم الزواج يفتحها فيجد عنده ألف ليرة ذهبية، لأن الإنسان عف عن الحرام أكرمه الله بالحلال الطيب، الزواج لا يوجد فيه حل وسط، إما قطعة من الجحيم، أو نعيم الدنيا. ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾ [ سورة البقرة: 201] المرأة الصالحة حسنة الدنيا، التي إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك، فإذا الإنسان عف عن الحرام ثم جاء وقت زواجه وجد كل الذي فعله أمامه، وكافأه الله عليه. الآية التالية آية مهمة جداً وهي من أهم آيات الأحكام : إن شاء الله في الدرس القادم نشرح الآية الكريمة: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ سورة النور: 30 ] وهذه آية مهمة جداً وهي من أهم آيات الأحكام، أي أكبر شهوتين أودعتا في الإنسان شهوة المال، وشهوة النساء، لذلك جاءت التشريعات الإلهية مفصلة، وافية، كافية في هذين الموضوعين، وها نحن نتابع هذا الموضوع إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التوجة الى الكعبة - سورة البقرة الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام الدرس : ( العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التوجه إلى الكعبة في الصلاة : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس العاشر من: "آيات الأحكام"، والآية اليوم: التوجه إلى الكعبة في الصلاة، قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة البقرة : 142 ] دققوا أيها الأخوة، لو وقفنا عند هذه الآية التي فيها إعجاز لأن الله سبحانه وتعالى قال: سيقول، هل قالوا بعد؟ لا، سيقول! من هم الذين سيقولون؟ السفهاء، هذه صفة مدح أم ذم؟ صفة ذم، ربنا جلّ جلاله يقول: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [ سورة البقرة : 142 ] هؤلاء السفهاء سمعوا أنهم معنيون بهذه الآية، المنافقون والكفار والمشركون هؤلاء هم السفهاء الذين أشارت إليهم هذه الآية، هؤلاء سمعوا هذه الآية، لو أنهم سكتوا ماذا فعلوا؟ لأبطلوا كلام الله! القرآن يصفهم بأنهم سفهاء، وأنهم لم يقولوا بعد هذا الكلام بدليل السين. ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [ سورة البقرة : 142 ] الله جلّ جلاله طليق الإرادة : لو أن هؤلاء المنافقين والكفار والمشركين أرادوا أن يبطلوا هذا الكلام لسكتوا فقط وما قالوا شيئاً! معنى ذلك أن الإنسان مع أن الله جعله مختاراً مخيراً لكن حكمة الله تقتضي في بعض الأحيان أن يسلب هذا الاختيار لذلك قالوا: (الله جلّ جلاله طليق الإرادة ) فإذا أراد للعبد أن يأخذ اختياره أخذه، وإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبّ لبّه! (( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ)) [ابن ماجة النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلابِيُّ] هل هناك آية تشبه هذه الآية؟ أبو لهب: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [ سورة المسد: 1-5 ] لو أن أبا لهب حينما سمع هذه الآية توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد أمامه أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ماذا فعل أبو لهب؟ كذب هذه الآية، من أجل أن تعلموا أن الله طليق الإرادة، وأن: (( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ)) [ابن ماجة النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلابِيُّ] وأن الله إذا أراد أمراً سلب من كل ذي لبّ لبّه، وأن الإنسان ضعيف أمام مشيئة الله عز وجل. الإنسان أمام قدرة الله و مشيئته لا شيء : هاتان الآيتان تكفيان شاهداً على هذا، آية: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾ [ سورة البقرة : 142 ] طبعاً أبو لهب لو تكلم لأبطل القرآن! أما السفهاء فلو سكتوا فقط، من أجل أن تعلموا أنهم اتهموا بأنهم سفهاء، ولم يقولوا بعد، بل قال: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾ [ سورة البقرة : 142 ] إذاً يجب أن تعلم أنك أمام قدرة الله لا شيء، وأمام مشيئة الله لا شيء، وأمام إرادة الله لا شيء، وأن قلبك بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، ولكن لصالحك! مثلاً: الإنسان حينما يتخذ قراراً حكيماً، الله عز وجل يملأ قلبه أمناً وطمأنينة، هو بين أصبعيه لصالحه، وأحياناً يتخذ قراراً خاطئاً يملأ قلبه خوفاً وضيقاً وضياعاً، فما جعل الله قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابعه إلا ليعينه على نفسه فقط! إما دعماً وتطميناً أو تحذيراً وتخويفاً. تعريف السفه في اللغة : فالآية اليوم: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [ سورة البقرة : 142 -143] نقف وقفة متأنية عند بعض الكلمات: من هو السفيه بقوله: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ السفيه هو الذي لا يحسن التصرف، السفه ضد الحلم، خفة وسخافة يقتضيهما نقصان العقل، عقل ضعيف، إدراك ساذج، يتبعه خفة وسخف، ولذلك يسمى السفيه سفيهاً لأنه ليس عاقلاً، ولأن في تصرفاته خللاً، لهذا يسمى سفيهاً، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ [ سورة النساء: 5] من أطرف ما قرأت أن المدخن الغني حينما يدخن ويشتري بماله هذا الدخان يسمى سفيهاً، فإذا كان فقيراً يسمى مبذراً لأنه في معصية. في الحقيقة اللغة مرت بمراحل، وهي تنتقل من المرحلة المادية إلى المرحلة المعنوية، فالسفه في أصل كلام العرب الفطنة والرقة، نقول: ثوب سفيه أي ثوب رقيق، رديء النسج، بالياً، سفهته الرياح أي أمالته، السفه ضد الحلم، إنسان عقله ضعيف، تصرفاته سخيفة، خفيفة، وليست هادئة. ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ ﴾ [ سورة البقرة : 142] كلّ إنسان يعصي الله مدموغ بالسفاهة والغباء والجهل : بالمناسبة يوجد آية قرآنية جميلة جداً يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [ سورة البقرة : 130] أي كل إنسان يعرض عن دين الله ولا يأتمر بما أمر، ولا ينتهي عما نهى عنه وزجر فهو سفيه، بمعنى أنه ضعيف الإدراك والتصرفات، والشيء اللطيف في هذه الآية أنك تعرض عن شيء لأنه حقير وبسيط، لأنه غير متقن، إلا أنك إذا أعرضت عن الدين المعرض هو السفيه، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [ سورة البقرة : 130] فإذا نظرت إلى إنسان يشرب الخمر يمكن أن تحكم عليه بأنه سفيه لأنه يعصي خالق الكون، لو كان عاقلاً ما عصى الله عز وجل، لأنه يعصي ولا يدري ماذا سيفعل الله به، وماذا أعدّ له من عذاب أليم في الدنيا، لأنه يعصي ولا يفكر في مستقبل أيامه، لذلك كل إنسان يعصي الله يسمى سفيهاً، بل كل إنسان يعصي الله مدموغ بالسفاهة والغباء والجهل. علم الله علم كشف لا علم جبر : ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ [ سورة البقرة : 142] معنى ولاهم أي صرفهم، ولى عن الشيء أو تولى عنه أي انصرف، هو استفهام - كما قال العلماء- على جهة الاستهزاء والتعجب. الحقيقة أن النبي الكريم أمر بالتوجه إلى بيت المقدس واليهود كانوا يعمرونه، أنت لا تدين بديننا وتتجه إلى قبلتنا؟! فالأنبياء السابقون كلهم كانوا يتجهون إلى بيت المقدس، والنبي الكريم بما أنه جاء ليحيي سنّة أبيه إبراهيم فأراد أن يتوجه إلى الكعبة التي بناها إبراهيم، فكانت رغبة النبي عليه الصلاة والسلام التوجه إلى الكعبة! لذلك حينما جاء الأمر الإلهي بالانصراف عن بيت المقدس والتوجه إلى بيت الله الحرام قال الله عز وجل: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ [ سورة البقرة : 142] وهذا يدل على علم الله عز وجل، وعلم الله كما تعلمون علم كشف لا علم جبر. القبلة من المقابلة وأصلها الحال التي يكون عليها المقابل : ﴿قِبْلَتِهِمُ﴾ هي القبلة من المقابلة وهي المواجهة، وأصلها الحال التي يكون عليها المقابل، ثم خصّت للجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة. فالكلام دائماً له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي، فهذه الجهة التي نتجه نحوها في الصلاة تسمى قبلة بالمعنى الاصطلاحي، وأما كل شيء أمامك فيقال له قبلة ولو كنت متجهاً نحو الشمال! هذا المعنى اللغوي، أما الاتجاه نحو الجنوب فهو القبلة بالمعنى الشرعي. ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ [ سورة البقرة : 142] هذا شأن الله عز وجل يأمركم أن تتجهوا نحو بيت المقدس، أو نحو بيت الله الحرام، لله المشرق والمغرب. الأمة العربية التي منها النبي الكريم خير أمة أخرجت للناس : أكبر شرف لهذه الأمة أن الله اختارها لتكون أمة وسطاً أي وسيطة بينه وبين عباده، بصراحة أقول لكم: كل إنسان ينتمي إلى هذه الأمة شرفه الله عز وجل، شرفه بأن جعله وسيطاً بينه وبين خلقه، لكن العلماء لهم موقف لطيف هو أن الأمة العربية التي منها النبي الكريم وصفت بأنها خير أمة أخرجت للناس قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [ سورة آل عمران: 110] ومن أدق معاني كنتم أصبحتم، لأن هذا القرآن بلسان عربي مبين، ولأن الله عز وجل جعله قرآناً عربياً، أي وفق لغة العرب. الله عز وجل اصطفى أمة العرب لتكون أمة وسيطة بينه وبين خلقه : معنى الآية الكريمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ [ سورة آل عمران: 110] أي بعد أن أنزل عليكم هذا القرآن، وجاء منكم النبي عليه الصلاة والسلام، أصبحتم خير أمة، أي الله عز وجل اصطفى أمة العرب لتكون أمة وسيطة بينه وبين خلقه، قد يقول أحدهم: ما لهؤلاء العرب لهم أخطاء كثيرة؟ الجواب هو أن كل عربي استجاب لله ولرسوله فهو من أمة الاستجابة، وكل عربي لم يستجب لله ولرسوله فهو من أمة التبليغ، والذي لا يستجيب ليس له عند الله أية ميزة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال : 24] فإن استجبت فأنت من أمة محمد أمة الاستجابة، وأنت من الأمة المكرمة، وأنت من خير الأمم بشرط أن تستجيب، فإن لم تستجب فأنت من أمة التبليغ، وهذه الأمة ليس لها أدنى قيمة عند الله عز وجل! ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ [سورة المائدة: 18 ] ليس لكم أي ميّزة، فأنت إن استجبت كنت من خير أمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ [ سورة آل عمران: 110] علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر : لكن الآية واضحة جداً، هذه الخيرية معللة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [ سورة آل عمران: 110] فأنت تصبح عند الله خيراً إذا دعوت إليه، أمرت بمنهجه وبالمعروف، ونهيت عن المنكر، حللت الحلال وحرمت الحرام، بينت الحقيقة وصوبت الرأي، دللت على الله، إن استجبت فأنت من أمة الاستجابة، وأنت من خير أمة أخرجت للناس وإن لم تستجب: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ [سورة المائدة: 18 ] فليس لك أي ميزة، نرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من أمة الاستجابة. الفضائل وسط بين طرفين : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [سورة المائدة: 143 ] أي عدولاً، خياراً، قال أوسطهم: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴾ [سورة القلم: 28 ] أي خيرهم وأعدلهم، خير الأشياء أوسطها، والغلو والتقصير مذمومان، دائماً عندنا وسطية وتطرف نحو اليمين ونحو الشمال، فالتطرف مذموم يميناً أو شمالاً والتوسط محمود، والفضيلة وسط بين طرفين، الجبن مذمة، والتهور مذمة، والشجاعة بينهما، الإنفاق باعتدال فضيلة، البخل رذيلة، الإنفاق بسفه رذيلة، دائماً الفضائل وسط بين طرفين. ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [سورة المائدة: 143 ] أنتم وسطاء بين الله وبين خلقه، وأنتم متوازنون معتدلون. كل تطرف ينتهي إلى السقوط : لذلك أيها الأخوة كل تطرف ينتهي إلى السقوط، وكل اعتدال وتوسط يستمر، لذلك كل الفرق التي تفرقت انتهت، أما التي لزمت الكتاب والسنة فارتقت، معنى رياضي لطيف، دائماً المركز متوسط ويجمع كل الأطراف، أما الطرف فلا يجمع شيئاً! الخلل دائماً في الأطراف، أما التوسط ففيه إحكام. ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة البقرة: 143 ] الصحابة الذين اتجهوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل أن يتجهوا إلى الكعبة صلاتهم صحيحة: هؤلاء الصحابة الذين اتجهوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل أن يتجهوا إلى الكعبة ما حكم صلاتهم؟ صحيحة مئة بالمئة! لأن الله جلّ جلاله ما كان ليضيع؟ ماذا تعني كلمة إيمانكم؟ صلاتكم، لو فرضنا أن إنساناً اجتهد واتجه نحو الشمال وصلّى ثم اكتشف أن القبلة من جهة أخرى فصلاته صحيحة! ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [سورة البقرة: 143 ] الحقيقة أن مكة المكرمة في عهد المشركين كلها أصنام فبعد حكمة أرادها الله أمر النبي بالتوجه إلى بيت المقدس. تمني النبي الكريم أن يتجه نحو بيت الله الحرام لأنه موطن أبيه إبراهيم : ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] عليه الصلاة والسلام يتمنى أن يتجه نحو بيت الله الحرام لأنه موطن أبيه إبراهيم، والكعبة بناها أبوه إبراهيم، والنبي الكريم جاء ليحيي سنة إبراهيم! أنتم في الصلاة ماذا تقرؤون؟ ألا تقولون: اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل إبراهيم؟ النبي الكريم قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى! ماذا دعا إبراهيم؟ ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [سورة آل عمران: 164 ] سيدنا إبراهيم دعا ربه أن يبعث في هذه الأمة من يُعرفها بالله عز وجل، قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، من تعريف النبي لنفسه هو دعوة أبيه إبراهيم، لذلك يقول الله عز وجل: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] أي حينما كنت مكلفاً أن تتجه نحو بيت المقدس كنت تتمنى أن تتجه إلى بيت الله الحرام لأن اليهود هكذا قالوا: لا تؤمن بديننا وتتجه إلى قبلتنا؟ ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] أمر إلهي، حيثما كنتم. على الإنسان أن يولي وجهه أثناء صلاته إلى جهة الكعبة : لكن أنا أتمنى على الأخوة الكرام أن يعوا هذه الحقيقة، بيت الله الحرام فيه الكعبة المشرفة، فيا ترى نحن نتجه إلى نقطة أم إلى خط؟ طبعاً هذا موضوع خلافي بين المذاهب، أما الأرجح والأقوى والأسهل والأبسط فأن نتجه إلى خط، إلى جهة الكعبة، أما إذا أردنا أن نحكم اتجاهنا إلى الكعبة بالذات فهذا يوقعنا في حرج شديد! فولّ وجهك شطره أي جهته، أي المسجد الحرام: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] لأن الله عز وجل ما أرادنا أن نكون في حرج شديد: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [سورة البقرة: 185 ] ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] الصلاة هي الفرض الذي لا يسقط بحال : اليوم كنت مع بعض الأخوة الكرام ذكرت لهم أن الصلاة هي الفرض الذي لا يسقط بحال، هي الفرض المتكرر، لماذا قلت: المتكرر؟ لأن بعض أركان الإسلام لا يتكرر، شهادة أن لا إله إلا الله تنطق بها مرة واحدة وانتهى الأمر، أما الصلاة ففرض متكرر، الصلاة وحدها لا تسقط، الحج يسقط عن الضعيف والذي لا يستطيع، والصيام يسقط عن المسافر والمريض، والزكاة تسقط عن الفقير، والشهادة ينطق بها مرة واحدة، أما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال فهو الصلاة! لكن العلماء قالوا: الصلاة فيها من معنى الصيام أنك إذا أردت أن تصوم رمضان لا تستطيع أن تأكل ولا أن تشرب، لكن بإمكانك أن تتكلم في أي موضوع، لكنك وأنت في الصلاة لا تأكل ولا تشرب ولا يباح لك التكلم في أي موضوع، إذاً الصلاة فيها من الصيام معنى الانقطاع التام عن الطعام والشراب والكلام، وفيها من موضوع الحج أنك في أثناء الصلاة تتجه إلى بيت الله الحرام، وفيها من موضوع الزكاة أنه حينما تقتطع من وقتك وقتاً لتؤدي فيه الصلاة الوقت أصل في كسب المال، هل يستطيع إنسان أن يكسب مالاً بلا وقت؟ لا يوجد، فالوقت أصل لكسب المال، أنت حينما تقتطع من وقتك وقتاً بأداء الصلاة كأنك أنفقت المال الذي يأتيك بهذا الوقت، أوضح مثال: إنسان يبيع أشياء بالمفرق وهناك زبائن باستمرار، فحينما يغلق محله التجاري ويتجه إلى المسجد ليصلي ماذا فعل؟ فوّت على نفسه مالاً وهذا يعد من معنى الزكاة، ففيها من معنى الحج الاتجاه إلى القبلة، وفيها من معنى الصيام ترك الطعام والشراب وحتى الكلام، وفيها من معنى الزكاة أن الوقت الذي تنفقه في الصلاة هو أصل في كسب المال، وقد فوّت عليك مالاً بسبب أدائك للصلاة، وفيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفيها الاتصال بالله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] تعريف المجرم : الحقيقة الإنسان المجرم من هو؟ الذي يتحرك بخلاف ما يعلم، الإنسان حينما يتحرك بجهل لا أقول: معذور لكن جرمه أقل، أوضح مثال: القاضي أو المفتي الذي يفتي بجهل يحاسب، أما المفتي الذي يفتي بخلاف ما يعلم فيعد مجرماً، والقاضي الذي يقضي بجهل يحاسب، إلا أن القاضي الذي يقضي بخلاف ما يعلم، يعلم أن هذا صاحب حق ويفتي بخلاف ما يعلمه هذا ظلم شديد : ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] الحكمة البالغة من كلمة شطر : ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [سورة البقرة: 144 ] الشطر بمعنى الجهة والناحية كما في هذه الآية، ويكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ومنه قول النبي الكريم: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَلا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ يَمْلآَنِ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالْوُضُوءُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ وَكُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا )) [الدرامي عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ] أي ولِّ وجهك إلى جهة الكعبة، لا إلى عين الكعبة، لأن عين الكعبة يوقعنا في حرج شديد ونحتاج إلى قياسات طبوغرافية، فالعبرة أن تتجه إلى الله عز وجل، فالحكمة البالغة كلمة شطر أي إلى جهة الكعبة لا إلى عينها لأنه يسبب الحرج. من أسباب نزول هذه الآية : من أسباب نزول هذه الآية: ((عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلاهَا صَلاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ )) [صحيح البخاري عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ] هناك روايتان: أحد الروايتين أن المسلمين في أثناء صلاتهم توجهوا نحو بيت الله الحرام، وغيروا وجهتهم، فمر رجل فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي الكريم قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ماذا نقول فيهم؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة : 143] نقتبس من هذا أنت بإخلاص شديد، ورغبة صادقة، وبطاعة لله، التزمت مع إنسان ثم اكتشفت أنه ليس على حق، لك نيّتك، ولك صدقك وحرصك، ولك استقامتك، ولا تتألم، هذا كله محسوب عند الله أعمال صالحة. من لطائف هذه الآية الكريمة أن دين الإسلام دين وسطي : من لطائف هذه الآية الكريمة أن دين الإسلام دين وسطي: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [سورة المائدة: 143 ] في أي شيء أناس قتلوا المسيح بن مريم؟ هم ما قتلوه، لكن حاولوا قتله، واليهود قتلوا الأنبياء، وهناك أناس آخرون ألّهوا الأنبياء، فالإسلام لم يؤلف ولم يقتل وسطاً، في بعض الأديان حرموا عليهم الزواج، وبعض الشعوب الآن ترتكب كل الموبقات، والإسلام وسطي، لو توفر الوقت أو النفَس الطويل لوجدت أن الإسلام بكل شيء وسطي، والذي حدث أيها الأخوة أن العالم كما تعلمون قبل سنوات وسنوات كان منقسماً إلى شقين: شرق وغرب، شرق يقدس الجماعة، ويدوس الفرد بقدمه، وغرب يقدس الفرد و لو بنى مجده على أنقاض الجماعة، هذا متطرف، وهذا متطرف، والحمد لله رب العالمين كلما تقدم الزمان يعود المتطرفون إلى الوسطية مقهورين لا عودة عبادة ولكن عودة قهر، فترى كل الذين تطرفوا شرقاً و تطرفوا غرباً يعودون إلى الوسطية التي جاء بها الدين، فأنا لا أنسى أحد كبار الزعماء في أميركا قال: إن هناك خمسة أخطار تهدد أميركا، والله أنا في ذهني حينما سمعت هذا النبأ بشكل سريع جداً تصورت ما هي هذه الأخطار؟ اتحاد أوربا أم الشرق الأقصى بتقدمه الصناعي الهائل؟ اليابان؟ ما هي هذه الأخطار؟ ثم جاء ذكرها: أن أحد أكبر هذه الأخطار تفرق الأسرة، وانحلال الأخلاق، وشروع المخدرات، وانتشار الجريمة، حينما تركوا الدين وقعوا في هذه الموبقات، والآن هناك دعوة إلى التمسك بالأخلاق لوجود الانهيار الخلقي المتعاظم: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [سورة المائدة: 143 ] مثلاً إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، وهناك موقف إذا أساء إنسان إليك تكيل له الصاعَ عشرة أصواع، هذا تطرف، وهذا تطرف، الوسطية هو جزاء سيئة سيئة مثلها: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ [سورة النحل: 126] الوسطية في الإسلام هي الحل الوسطي للمجتمعات البشرية : والله أتمنى أن يطول بي الحديث عن الوسطية، أنا لي خطبة إذاعية عن الوسطية، شرحت مواقف دقيقة جداً، وضربت أمثلة دقيقة جداً عن موضوع الوسطية في الإسلام، والوسطية في الإسلام هي الحل الوسطي للمجتمعات البشرية شرقاً وغرباً، لذلك الذين تطرفوا نحو تقديس الفرد عادوا إلى الجماعة، والذين تطرفوا نحو تقديس الجماعة عادوا إلى الفرد، وأكدوا حريته، وأعطوه حياته الفردية، وضمنوا له كرامته وحريته وممتلكاته، إذاً هناك توسط. يروي بعض المفسرين المعاصرين حينما قال الله عز وجل: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ [سورة النور: 35] الإسلام ليس شرقياً ولا غربياً، فمن السذاجة أن تقول: الإسلام فيه رأسمالية وديموقراطية، الإسلام إسلام، نسيج وحده، نظام إلهي من السماء، ولا ينبغي أن توازن الإسلام بأي منهج أرضي، أو منهج شرقي أو غربي. الإسلام إسلام فقط لا يقبل الموازنة مع النظم الشرقية ولا الغربية : هناك من يتمسح بما جاءنا عن الشرق أو الغرب، الإسلام إسلام فقط، لا يقبل الموازنة لا مع النظم الشرقية ولا مع النظم الغربية. ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [سورة المائدة: 143 ] مثلاً: هل تصدقون في بلاد كأميركا الآن هناك جامعات ليس فيها اختلاط، لا عن دين، ولا عن عبادة لله عز وجل، ولكن وجدوا أن عدد اللقطاء في حدائق الجامعات لا يعد ولا يحصى، وأن الجامعة أصبحت بؤرة للزنا، فاضطروا إلى تأسيس جامعات للذكور فقط وللإناث فقط، أليس هذا هو التوسط؟ ترك التعليم تطرف، وأن نَزُجَ الفتاة كما خلقها الله بين الشباب، والشباب في ريعانهم، وفي أوج تألقهم، مفسدة وأية مفسدة، فدائماً بقناعتي أن كل تطرف سيعود إلى الوسط مقهوراً، أما أنت أيها المسلم فدينك وسطي، هل منعك دينك من الزواج؟ لا لم يمنعك، هل سمح لك بالزنا؟ لا لم يسمح، هذا الوسطية، المرأة مباحة لك ولكن بالزواج، هل منعك دينك من العمل؟ لا بل على العكس، هل سمح لك أن تكسب المال بطريق غير مشروعة؟ لا لم يسمح، أهل الشرق تطرفوا شرقاً، وأهل الغرب تطرفوا غرباً، والإسلام وسطي بينهما، وينبغي ألا تسمح لنفسك أن توازن بين الإسلام وما في الشرق وما في الغرب، الإسلام هو الإسلام. القرآن الكريم منهج الله ليس شرقياً ولا غربياً : أحياناً من باب التوضيح يقول لك: القرآن نثر؟ لا ليس نثراً، شعر؟ لا ليس شعراً، القرآن قرآن فقط، نثر مسجع، لا تقل: القرآن نثر ولا شعر، صح أن كلام العرب شعر ونثر، ولكن القرآن ليس شعراً وليس نثراً، إنه قرآن منهج الله ليس شرقياً ولا غربياً، إنه الإسلام، هذا شيء مريح للنفس أنا أقول: لا شرقية ولا غربية ولكنها علوية من السماء، في قوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [سورة البقرة: 143 ] قال: هذه في اللغة استعارة تمثيلية حيث مثل عمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه، في اللغة أشياء لطيفة جداً، فالذي يرتد عن دينه كأنه انقلب على عقبيه، وقع وسقط، استعارة تمثيلية، وهي تأتي بعدَّة صور متتابعة. كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه *** أي شبّه غبار المعركة فوق رؤوس المقاتلين والسيوف البيضاء اللامعة الصاعدة والهابطة كأنه ليل تهاوى كواكبه، هذه استعارة تمثيلية، الذي يرتد عن دينه كأنه انقلب على عقبيه، هذه استعارة تمثيلية. الصلاة أكبر دليل على الإيمان : الله عز وجل سمّى الصلاة إيماناً لأنها أكبر دليل على الإيمان، لا خير في دين لا صلاة فيه، الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، الصلاة سيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات. أيها الأخوة، استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لكن العلماء استثنوا؛ قبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المريض جهة راحته، وقبلة المسافر جهة دابته، تستثني أحياناً استقبال القبلة، إنسان اجتهد وتوهم القبلة نحو الشمال فصلى صلاته صحيحة، إلا أن الخلاف بين العلماء حول ما إذا كان الواجب أن نستقبل عين الكعبة أم أن نستقبل جهتها؟ الحل الوسط أنك إذا رأيت الكعبة لا بد من أن تتجه إلى عينها، لذلك في بيت الله الحرام ترون خطوط دائرية ذات لون أزرق كل إنسان يصلي في المسجد الحرام ينبغي أن يتجه إلى عين الكعبة، لذلك العلماء والقائمون على هذا البيت راعوا هذه الحقيقة فرسموا خطوطاً منحنية، أينما كنت في بيت الله الحرام يجب أن تتجه لا إلى جهة الكعبة بل إلى عين الكعبة، أما إذا كنت خارج المسجد لا ترى عين الكعبة يجزئك ويكفيك التوجه إلى جهة الكعبة، طبعاً موضوع خلافي كما قلت قبل قليل فالشافعية والحنابلة قالوا: إلا أن الواجب استقبال عين الكعبة أما الحنفية والمالكية فقالوا: استقبال جهة الكعبة. أيها الأخوة الكرام: يمكن أن نستنبط من هذه الآيات أن المعول عليه اتجاه القلب إلى الله عز وجل، وأن حكمة الصلاة الاتصال بالله، ويجب أن تراعي مع حكمة الصلاة أحكام الصلاة، لذلك والذين هم على صلاتهم دائمون قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [سورة المعارج: 34 ] هذه أحكام الصلاة، ونرجو الله سبحانه وتعالى في درس قادم أن ننتقل إلى آية من آيات الأحكام جديدة نرجو الله سبحانه وتعالى أن نوفق في شرحها. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاسلامي, الفقة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الفقة الاسلامى 2 | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 93 | 09-12-2018 08:57 AM |
| اصول الفقة - علم القياس | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 3 | 09-09-2018 10:25 AM |
| الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 22 | 05-07-2018 04:24 PM |
| هذا هو المجتمع الاسلامي ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 8 | 09-24-2017 08:44 AM |