المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفقة الاسلامى 1


السعيد
08-15-2018, 06:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الاول )


الموضوع : تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
في طريق الإنسان إلى الله مرحلتان؛ مرحلة التعرف عليه ومرحلة طاعته :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من دروس: "آيات الأحكام"، ولابد من مقدمة أقدم بها إلى هذا الموضوع الجديد.
كلكم يعلم أن في طريق الإنسان إلى الله مرحلتين، مرحلة التعرف عليه، ومرحلة طاعته، إن صحّ أن نقول: المرحلة المكية والمرحلة المدنية، بتعبير ثالث بعد أن نعرفه من خلال آياته نطيعه من خلال أحكامه، فالذي وصل إلى نوع من المعرفة حملته على الرغبة في طاعة الله قد يسأل ما حكم هذا الشيء؟ وما موقف الشرع من هذا الشيء؟ هل هذا الشيء حلالٌ أم حرام أم مكروه أم مستحب أم مندوب أم فرض أم سنة؟ المؤمن الصادق لا يشغله شيء بعد معرفة الله إلا معرفة أمره ونهيه، لأنه فرغ من عقد العزم على طاعة الله بقي ماذا يرضي الله؟ أين أمر الله؟ ماذا يحب الله؟ فلذلك كأننا بدأنا في موضوع فقهي من أوسع الأبواب، أوسع الأبواب آيات القرآن الكريم المتعلقة بالتشريع، هذا باب في العلوم الدينية اسمه آيات الأحكام، يدرس في معظم كليات الشريعة في العالم الإسلامي.
واخترته لكم لأنه على جانب من العمق والمتعة في وقت واحد، الدرس العام يحتاج إلى شيء مبسط، وشيء ممتع، وشيء مفيد، لعل الله سبحانه وتعالى يوفقني إلى تحقيق هذا الهدف.
جنون البقر من أخطر الموضوعات و المشكلات :
أحد آيات الأحكام هي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 172-173 ]
هذه أحد آيات الأحكام، فما الأحكام التي تنطوي عليها؟ لابد من أن نقف عند مفردات هذه الآية، وعند معناها التفصيلي، وعند الأحكام الشرعية المستنبطة منها، وعند بعض القواعد اللطيفة التي تنفعنا في حياتنا، أي قبل أن نخوض في التفاصيل أكبر مشكلة تعاني منها أوربا اليوم مشكلة جنون البقر، ما هذه المصيبة الكبيرة؟ ثلاثة عشر مليون بقرة يجب أن تحرق، ثمنها ثلاثون مليار جنيه إسترليني، السبب: لأنهم أطعموها طحين اللحم الميت، يوجد شيء اسمه طحين اللحم، الجيف، الحيوانات الميتة، أمعاء الحيوانات، كل شيء ليس له أي ثمن هذا يجفف ويطحن ويطعم للبشر فلما أطعم البقر خلافاً لسنة الله عز وجل، البقر حيوان يعيش على النبات، فلما أطعمناه طحين اللحم الميت المجفف جن البقر، هذا تشريع الله عز وجل، فموضوع جنون البقر هذا الموضوع الذي يعد من أخطر الموضوعات، ومن أخطر المشكلات، حتى كل الصناعات المأخوذة من مشتقات البقر تسبب جنون البقر، والمشكلة بين إنكلترا وأوربا كبيرة جداً. على الإنسان أن يثني على المنعم ويستخدم النعمة فيما يرضيه :
إذاً لابد من أن نعرف أحكام هذا الشرع العظيم؟
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 172-173 ]
قال: الشكر، الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، الشكر تنفيذه على شكلين: إما أن تثني على المنعم، أو أن تستخدم النعمة فيما يرضيه، والأكمل أن تجمع بينهما أن تثني على المنعم، وأن تستخدم النعمة فيما يرضيه، فنعمة البصر ينبغي أن تستخدمها وفق منهج الله فلا تقع عينك على عورة لمسلم، ولا تنظر إلى ما حرم الله أن تنظر إليه، وألا تملأ عينيك من الحرام، فإذا غضضت بصرك عن محارم الله فهذا نوع من شكر نعمة البصر، وإذا كففت أذنك عن سماع الغناء فهذا نوع من شكر نعمة السمع، وإذا قادتك قدماك إلى المسجد فهذا نوع من شكر نعمة الحركة، وإذا نطق لسانك بذكر الله فهذا نوع من شكر نعمة التكلم، فأول شيء بالشكر أن تعترف أن هذه النعمة من الله فتثني عليها، والشيء الثاني أن تستخدم هذه النعمة فيما أمر الله، نعمة المال ينفق المال في طاعة الله، نعمة الصحة تنفق في العبادات، نعمة المكانة الاجتماعية تنفق في إحقاق الحق وإبطال الباطل. الإهلال رفع الصوت :
أهل لغير الله به، كلمة نرددها كثيراً، الإهلال رفع الصوت، أهل بكذا أي رفع صوته بكذا، إهلال الصبي صياحه عند الولادة، أحياناً يصيح ويموت بعد ثانية، تختلف مسألة الميراث، إن صاح ومات فهناك حساب، وإن لم يصح ونزل ميتاً فهناك حساب آخر، أحكام دقيقة جداً، صوت بكاء الطفل ومات قد تتحول ملايين من جهة إلى جهة ما دام الصبي ورث من أبيه، فلما مات ورّث أخوته، أما إذا لم يهل الصبي ما ورث شيئاً، أحياناً يكون هناك بنات فقط إن جاء ميتاً البنات لهن الثلثان، وإن كانت واحدة فلها النصف، أما أهل ومات تغيرت مسألة المواريث كلها، إهلال الصبي صياحه بعد الولادة، أهل الحاج رفع صوته بالتلبية لبيك اللهم لبيك.
أصل الإهلال من رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعملت العرب هذه الكلمة لرفع الصوت مطلقاً، وكان المشركون إذا ذبحوا ذبيحةً ذكروا اسم اللات والعزة وما أهل به لغير الله، إذاً فهمنا ما معنى أهل به لغير الله، اضطر، أي حلت به الضرورة وألجأته إلى أكل ما حرم الله.
تعريف البغي :
أيها الأخوة، هذه وقفة بسيطة عند بعض الكلمات، نتابع الحديث عن الكلمات أيضاً، البغي، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة البقرة: 173 ]
البغي قصد الشيء، وقد تستخدم لقصد الفساد، أصلها قصد الشيء مطلقاً يا باغي الخير أو يا باغي الشر، ثم استعملت في الشر فقط، البغي أن تقصد الشر. مخاطبة الله عامة الناس بأصول الشريعة والمؤمنين بفروع الشريعة :
أولاً بين الشرع الحكيم قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 172 ]
ذكرت قبل يومين أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس قاطبةً، يخاطبهم ويأمرهم أن يؤمنوا به، أما إذا آمنوا به فيخاطبهم بفروع الشريعة، يخاطب الله عامة الناس بأصول الشريعة، ويخاطب المؤمنين بفروع الشريعة، لأنه لا معنى لإنسان لم يعرف الله عز وجل، ولم يؤمن بوجوده أن يخاطبه الله عز وجل، حينما قال الله لك: يا أيها الذين آمنوا أي يا من آمنت بي، يا من آمنت بي خالقاً، مربياً، مسيراً، واحداً، موجوداً، كاملاً، يا من آمنت أن طاعتي هي الفوز العظيم، افعل كذا ولا تفعل كذا.
أول شيء يا أيها الذين آمنوا، أي حكم شرعي سبق يا أيها الذين آمنوا هذا الحكم موجه للمؤمنين، فلا معنى أن تطالب إنساناً ملحداً بتطبيق هذه الآية، من السخف والغباء أن تطالب إنساناً لم يؤمن بالله بتنفيذ مضمون هذه الآية، يقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا، يا من آمنت بي افعل ولا تفعل.
المراد من الطيبات الرزق الحلال، كلوا من، من للتبعيض، أنت الآن آمنت بالله وآمنت أن طاعته هي الفوز العظيم، تقول: أين طاعته؟ أين حكمه؟ أين أمره؟ أين نهيه؟ جاء الجواب أنت تقول في الصلاة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[ سورة الفاتحة: 6-7 ]
يقول الله لك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 172 ]
فهذا الأمر افعل ولا تفعل أمر تكليفي لمن آمن بالله عز وجل الطيبات الرزق الحلال. الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع :
الحقيقة ما هو الشيء الطيب؟ أو ما الحكم في تقييم الشيء طيباً أو غير طيب؟ العقل، عقل الآخرين في بلاد الغرب دعاهم إلى أن يأكلوا شيئاً خبيثاً، عقلهم دعاهم إلى أن يأكلوا لحم الخنزير، في بعض الشعوب يأتون بقرد حي يضعونه في صندوق، ويضعون في رقبته قيداً، ويقطعون طرف رأسه الأعلى، ويأكلون من دماغه بالملعقة وهو حي، إذا أردنا أن نقول: العقل حكم، في بعض البلاد يأكلون الثعابين، الحديث عن الطعام والشراب عند الشعوب حديث لا ينتهي، هناك طعام تخرج من جلدك إذا رأيته، لا الذوق مقياس ولا العقل مقياس، ولكن الشيء الطيب الذي أحله الله، والشيء الخبيث الذي حرمه الله، هذه هي القاعدة، لذلك عند العلماء قاعدة أصولية الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع، والعقل من دون وحي أعمى لا يصلح مقياساً أبداً.
كل ما أحله الله طيب وكل ما حرمه خبيث :
لذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 172-173 ]
الطيبات: الرزق الحلال، كل ما أحله الله فهو طيب، وكل ما حرمه الله فهو خبيث، انتهى الأمر، من أنت؟ خالق الكون قال لك: كُل هذا ولا تأكل هذا، يعرضون أحياناً لحم الخنزير بطريقة مغرية، شرائح وقطع، ومفروز بحسب الأضلاع، لما قال الله عز وجل ولحم الخنزير إنما حرم عليكم الدم ولحم الخنزير، فلحم الخنزير خبيث هذا مقياس المؤمن، لك خالق هو الخبير، هو العليم، هو الحكيم، هو الذي ينفعك، هو الذي يعلم ما ينفعك وما يضرك، لذلك الطيبات ما أحله الله والخبائث ما حرمه الله.
سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: "المراد طيب الكسب لا طيب الطعام".
مثلاً لو جاء الإنسان بلحم من أعلى مستوى، وطبخه مع أعلى أنواع الأرز، ووضع السمن البلدي، ينفذ كلام الله: كلوا من طيبات، أطيب شيء اللحم مع الرز مع السمن البلدي، ماذا قال سيدنا عمر: "الطيبات هي المراد بطيب الكسب لا طيب الطعام"، أي مثلاً لو إنسان دخله حلال مئة بالمئة واشترى شيئاً من الطعام غير جيد، طعام درجة خامسة وأكله، هذا الطعام تنطبق عليه هذه الآية كلوا من طيبات ما كسبتم، لأن الطيب هو طيب الكسب لا طيب الطعام، وإذا الإنسان فرضاً له دخل حرام، دخل غير مشروع، واشترى أطيب طعام موجود في السوق، هذا طعام خبيث لا لذاته بل لأنه اشتري بمال حرام، نحن يوجد عندنا في الفقه قضية دقيقة نقول: هذا حرام لذاته أو حرام لغيره، فالإنسان إذا تناول لحم الخنزير نقول: تناول الحرام لذاته، أما إذا تناول لحم الضأن ولم يدفع ثمنه فنقول هذا العمل حرام لكن لغيره لا لذاته.
قول سيدنا عمر رائع "المراد طيب الكسب لا طيب الطعام"، يؤيده الحديث الشريف. دور السنة المشرفة في بيان ما أنزل الله عز وجل :
الآن دور السنة المشرفة والمطهرة في بيان ما أنزل الله عز وجل، قال الله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾
[ سورة البقرة: 267 ]
ما هو الشيء الطيب؟ بينه النبي، هؤلاء الذين يقولون نكتفي بالقرآن الكريم هؤلاء يعصون القرآن الكريم لأن الله عز وجل يقول: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
[ سورة الحشر: 7 ]
هو الذي يبين لكم، كلمة طيبات من يشرحها لنا؟ النبي الكريم أنزل عليه القرآن ليبين للناس ما نزل إليهم، يقول عليه الصلاة والسلام: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
اجمع هاتين الآيتين: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾
وَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾
هل يوجد فرق؟ النبي عليه الصلاة والسلام استنبط من هاتين الآيتين أن المؤمنين أمروا بما أمر به المرسلون. كل إنسان مأمور أن يفعل ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام :
هل يوجد شاهد آخر؟ نعم قال تعالى:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة هود: 112 ]
إياك أن تقول إذا صعب عليك الأمر: أنا لست نبياً، من قال لك إنك نبي؟ أنت لست نبياً بالتأكيد ولكنك مأمور أن تفعل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام: ((.. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
الآن دخلنا في موضوع جديد، يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما كسبتم الشيء الطيب هو الذي تدفع ثمنه من دخل حلال، معنى ذلك أن أهم شيء في حياتك دخلك الحلال، دخلك الحلال يجعل كل مشترياتك المباحة طيبة، والدخل الحرام يجعل كل مشترياتك المباحة خبيثةً، هكذا المعنى. الأصل في الأشياء الإباحة والأشياء المباحة لا تعد ولا تحصى :
الآن يوجد شيء آخر قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173 ]
لماذا لم يذكر الله تعالى الأشياء التي أحلها لنا؟ يوجد قائمة: البطيخ، والموز، والخيار، والتفاح، لماذا اقتصر الله عز وجل على المحرمات؟ قال: لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والأشياء المباحة لا تعد ولا تحصى، ولكن الأشياء المحرمة محدودة، لذلك قالوا: لما أباح الله تعالى لعباده أكل ما في الأرض من الحلال الطيب وكانت وجوه الحلال كثيرة بيّن لهم ما حرم عليهم، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الأشياء الإباحة والمحرمات قليلة، لذلك بلاغة وحكمة نذكر الأشياء المحرمة، أحياناً تقول لإنسان: اسكن في هذا البيت، ممكن أن تقول له: استعمل الحمام، والمطبخ، وغرفة الضيوف، شيء بديهي قلت له: اسكن هذا البيت وأعطيته المفتاح، أما تقول له: إياك أن تنسى الغاز مفتوحاً، قضية خطيرة تعطيه تنبيهين، أما الأشياء الذي أبحتها له في البيت فلا تعد ولا تحصى، ما دام الشيء المباح غير محدود إذاً لا نذكره. الأشياء المحرمة امتحان للإنسان أهو وقاف عند حدود الله أم يقتحمها ؟
يوجد شاهد آخر قال تعالى:
﴿ وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 19 ]
لو إنسان عدد المشروبات المباحة ليمون، برتقال.... خمسون ستون ثمانون مشروباً مباحاً، والمحرم الخمر فقط، أنواع اللحوم المباحة لا تعد ولا تحصى المحرم الخنزير، قد يقول أحدهم لماذا التحريم؟ لو أن الله عز وجل ما خلق الخمر وما خلق الخنزير نقول: لا يمكن أن يكون هناك طاعة إلا بالمحرمات، إذا كان كل شيء مباح لا يوجد جنة، التغى التكليف، التغى حمل الأمانة، التغى القرب من الله عز وجل، لابد من شيء محرم ليمتحن الإنسان أهو وقاف عند حدود الله أم يقتحمها؟
سئل النبي عليه الصلاة والسلام وهو البليغ قال: أنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ماذا يلبس المحرم؟ قال عليه الصلاة والسلام: لا يلبس القميص ولا السروال، والبس ما شئت، أي قميص مخيط لا تلبسه، سروال لا تلبسه، والبس ما شئت، البلاغة في الإيجاز، نضر الله رجلاً أوجز في كلامه واختصر على حاجته. الالتفات في اللغة العربية :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 172]
لم يقل: واشكروني، بل قال: واشكروا لله، هذا اسمه في البلاغة الالتفات، صيغة الكلام دائماً بين متكلم ومخاطب وغائب، أحياناً السياق متكلم أو مخاطب أو غائب، من روائع القرآن الكريم أن السياق مخاطب يصبح غائباً واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، قال: هذا الالتفات يورث المهابة لله عز وجل، واشكرونا، واشكروا لله، هذا نوع من الالتفات. المجاز في القرآن الكريم :
إنما حرم عليكم الميتة، كيف؟ لابد من كلمة محذوفة، إنما حرم عليكم أكل الميتة يقاس على هذا أشياء كثيرة في كتاب الله، قال تعالى:
﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾
[ سورة يوسف : 82]
القرية تسأل ما المعنى إذاً؟ اسأل أهل القرية، نقول: اجتمع مجلس الوزراء، الكراسي اجتمعت أم من على الكراسي؟ هذا اسمه مجاز مكاني، مجاز زماني، مجاز سبب،ي مجاز مسبب، هذا في البلاغة موضوع طويل.
إنما حرم عليكم الميتة أي أكل لحم الميتة حرم عليكم، ولو قال: أكل الميتة هنا عندنا نقطة دقيقة لماذا هذا المجاز؟ لو قال: إنما حرم عليكم أكل الميتة لك أن تبيعها، ولك أن تنتفع منها، ولك أن تتاجر بها، ولك أن تستخدمها لغير الأكل، لا، حرم عينها والشيء الذي حرم عينه ممنوع أن تنتفع به من كل الوجوه، لا يباع ولا يشترى، ولا يستخدم أي استخدام، إلا أن لحم الخنزير قال: التابع تابع، الشحم تابع للخنزير، والعظم تابع، وكل ما في هذه الدابة تابع للحم. تحريم الميتة تحريم مطلق :
الآن يوجد عندنا موضوعات دقيقة نبدأ بها؛ أول موضوع نوهت له قبل قليل: هل المحرم في آية الميتة الانتفاع أم الأكل؟ أولاً: هذا موضوع خلافي، لماذا الإنسان بحاجة إلى أحكام شرعية؟ لو استنبط بعقله المحدود يستنتج أحكاماً مضحكة، أما الفقهاء في موضوع معين فوضعوا الآيات، وضعوا الأحاديث، وضعوا الناسخ، وضعوا المنسوخ، وضعوا الأحاديث وتاريخ ورود الحديث، المطلق، والمخصص، والعام، هناك مجموعة مداخلات من أجل أن تستنبط حكماً شرعياً دقيقاً، الآن نقف عند هذا الموضوع الدقيق، قال: لما حرم الله الأكل حرم البيع والانتفاع بشيء منها لأنها ميتة، لما قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 172-173 ]
لو قال: إنما حرم عليكم أكل الميتة صار الأكل ممنوعاً أما الانتفاع فمسموح، أما حينما ألغى الأكل فصار المنع مطلقاً إلا ما استثناه الدليل، التحريم أصاب عين الشيء صار الكل محرماً إلا إن جاء دليل يخالف ذلك، بعض العلماء قال: لا إنما المحرم هو الأكل فقط بدليل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 172-173 ]
بعض العلماء قال: لا، التحريم يتناول سائر وجوه المنافع، فلا يجوز الانتفاع بالميتة على وجه أي لا يجوز أن تطعمها الكلاب، ولا الجوارح، أرأيتم إلى عظمة الفقه الإسلامي؟ لا يجوز أن تطعمها الكلاب ولا الجوارح، لأن هذا ضرب من الانتفاع بها، والتحريم أصاب عين الشيء لا أصاب أحد حالاته، فالله عز وجل حرم الميتة تحريماً مطلقاً معلقاً بعينها، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها إلا أن يخص بدليل يجب التسليم به، إذاً جنون البقر سببه أنهم أطعموا لحم الميتة للبقر فجنت وما جنون البقر إلا من جنون البشر حينما خالفوا منهج ربهم. الميتة حرام بالنص القاطع وقد وردت فيها أحاديث كثيرة :
الحكم الثاني، بالمناسبة هل يوجد فرق بين ميّت وميْت في اللغة؟ الميْت الذي مات أما الميّت فالذي سيموت، الدليل قال تعالى:
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾
[ سورة الزمر: 30 ]
وما كان ميّت رسول الله، فالميْت الذي مات حقيقةً والميّت الذي كتب عليه الموت مع وقف التنفيذ، فكلنا ميتون: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾
[ سورة الزمر: 30 ]
أما الذي كتبت نعوته على الجدران ودفن تحت الأرض فهذا ميْت، ما حدّ الميتة؟ ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل أو قتل بغير زكاة شرعية، إذا الحيوان في أوربا مقتول بالصعق يجوز أكله؟ لا يجوز، إن لم يسمَ عليه لا يوجد مانع سمِّ أنت، يوجد عندنا في الذبح شيئان؛ الشيء الأول: أن تزكي الحيوان، أن يخرج دمه كله، الشيء الثاني: أن تكبر الله عليه، إذا التكبير لم يتم فأنت كبر، أما إذا التزكية ما تمت فهذا اللحم ميت لا يجوز أكله إطلاقاً، تعريف الميت: ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل أو قتل بغير زكاة شرعية وكان العرب في الجاهلية يستبيحون الميتة فلما حرمها الله تعالى جادلوا المؤمنين، وقالوا كلاماً مضحكاً، لا تأكلون مما قتله وتأكلون مما قتلتم أنتم بأيديكم، طبعاً الجواب دقيق جداً الإنسان عندما يذبح الخروف أو الدابة وينفذ طريقة رسول الله يقطع أوداجها فقط، ويبقي رأسها متصلاً بها، قلب الدابة ينبض ثمانين نبضة بمركز كهربائي ذاتي، أما حينما يبقى الرأس موصولاً بالجسد يأتي أمر استثنائي من الدماغ يرفع النبضات إلى مئة وثمانين نبضة عندئذ القلب مهمته بعد الذبح إخراج الدم بأكمله، فلما خرج الدم وهو موطن الجراثيم، الآن إذا أردنا أن نستنتخ جرثوماً ماذا نفعل؟ أين نزرعه؟ في الدم، فالدم طبعاً ليس كل دم، الدم المسفوح، أما الدم في الإنسان فنجس؟ لا لأنه يصفى، الرئتان تصفي الدم تخلصه من ثاني أكسيد الكربون وتعطيه الأوكسجين، والكليتان تصفي الدم من حمض البول، والغدد العرقية تصفي الدم، ثلاث مصاف، فلذلك الدم المحرم هو الدم المسفوح.
لا تأكلون مما قتله وتأكلون مما قتلتم أنتم بأيديكم، الميتة حرام بالنص القاطع وقد وردت فيها أحاديث كثيرة.
الآن فهمنا شيئاً جديداً أن اللحم الذي لا يذبح بالطريقة الشرعية لا يزكى، لا يخرج دمه، لحم ميت لا يجوز أكله، لا تقل: سمِّ الله وكُل، يوجد حكم شرعي، اللحم الذي قتل صعقاً بالكهرباء محرم أكله، اللحم لا يؤكل إلا إذا زكي زكاةً شرعية، إذا ذبح من أوداجه وخرج دمه بأكمله. السمك الذي نصطاده من البحر حلال طيب :
إلا أن هناك أحاديث تخصص هذا المطلق، قال عليه الصلاة والسلام:
((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ))
[ ابن ماجة عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
موضوع السمك مشكلة يأتي إنسان منطقي ويقول: يا أخي إذا كان التحريم له أسباب علمية كيف نأكل السمك؟ وإذا كان أكل السمك مباحاً كيف نذبح الخروف؟ لو أكلناه نفسه الشيء نفسه، لكنه اكتشف وهذا من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام أن السمك حينما يصطاد ينتقل دمه كله إلى غلاصمه وكأنك ذبحته، وفي قول آخر للنبي عليه الصلاة والسلام عن البحر: ((عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحَلالُ مَيْتَتُهُ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
السمك الذي نصطاده من البحر حلال طيب، لذلك الأجانب يكذبون ورب الكعبة، تأتينا علب سمك كتب عليها ذبح على الطريقة الإسلامية، ما فرقوا بين السمك وغير السمك، ما دامت هذه الكلمة ترضيهم اكتبوها لهم، هذا السمك ذبح على الطريقة الإسلامية، سمك السردين أخرجوها واحدة واحدة كبروا الله وذبحوها، إذاً إنهم يكذبون، طبعاً أبيح الجراد والسمك، إذا الإنسان ما أحب أن يأكل الجراد لا يوجد مانع، الإباحة غير الإلزام.
حرام هذا اللحم يا رسول الله؟ قال: لا ولكن تعافه نفسي إلا في حادثة غريبة سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه أمسك ضباً وأكله أمام النبي، وسيدنا خالد من قريش من أسرى بالمستوى الاجتماعي راقية جداً، كيف أكله والنبي عافته نفسه؟ قال: لا ولكن تعافه نفسي، فلما رأى النبي الكريم سيدنا خالد يأكل لحم الضب قال: خالد سيف من سيوف الله، بربكم هل هناك من علاقة بين أكل لحم الضب وبين أن هذا الصحابي الجليل سيف من سيوف الله؟ سيدنا خالد أكل لحم الضب ليوحي لجنوده أنكم مقدمون على فتوح كبيرة وكثيرة وقد تحتاجون إلى أكل لحم هذا الضب، وأنا سأبدأ قدوةً لكم، لكم بي أسوة، أدرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما أكل هذا اللحم الذي تعافه نفس النبي إلا ليكون قدوةً لجنوده، فقال: خالد سيف من سيوف الله، الشيء الدقيق أن النبي قال هذا الكلام بعد أن رأى خالداً يأكل لحم الضب، وطن نفسه على الجهاد، والجهاد في الصحراء، والصحراء فيها ضب قد يفتقد المقاتلون اللحوم الأخرى وليس أمامهم إلا لحم الضب وما حرمه النبي. خنزير الماء موضوع خلافي بين الفقهاء :
الآن يوجد عندنا موضوع ثان في البحر شيء اسمه خنزير البحر، بعض الأئمة حرمه لاسمه فقط، لأن اسمه خنزير، وبعض الأئمة ما حرمه، ولكن لا يحب أن يأكله لأن كل حيوان اصطيد من البحر فهو حلال، هذا مذهب مالك، أكثر الفقهاء يجيزون أكل جميع دواب البحر حيها وميتها وهو مذهب مالك، وتوقف أن يجيب في خنزير الماء فقال: أنتم تقولون خنزيراً وأنا أتقيه ولا أراه حراماً، وبعضهم قال: محرم لاسمه، فهذا موضوع خلافي.
اختلاف العلماء في الجنين الذي ذبحت أمه وخرج ميتاً :
الآن ذبحت حيواناً وجدت في رحم أمه جنيناً هل لك أن تأكل الجنين الذي ذبحت أمه ذبحاً شرعياً؟ الجواب: اختلف العلماء في الجنين الذي ذبحت أمه وخرج ميتاً هل يؤكل أم لا؟ قال أبو حنيفة: "إنه لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح لأنه ميتة"، وقد قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173 ]
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: "يؤكل لأنه مزكى بزكاة أمه"، واستدلوا بحديث رسول الله: ((زكاة الجنين زكاة أمه))
[ تاريخ أصبهان عن جابر]
وقال مالك: "إذا تمّ خلقه ونبت شعره أكل وإلا فلا"، وقال القرطبي: "إن الجنين إذا خرج بعد الذبح ميتاً يؤكل لأنه جرى مجرى العضو من أعضائها"، أحد أعضاء الذبيحة اعتبر عند القرطبي، إلا أن الذين حرموا أكله قالوا: "زكاة الجنين زكاة أمه ليس هذا معناه أن تأكل الجنين، ولكن الجنين يزكى كما تزكى أمه" هذا الذي قالوه، أي انظر إلى الأدلة كيف تختلف، ولكرامة الإنسان على الله سمح له أن يستنبط الأحكام الشرعية من الأدلة الكلية، وقَبِل الله جل جلاله أن نتعبده بالاجتهادات الفقهية. تحريم الانتفاع بالميتة من غير الأكل :
السؤال قبل الأخير: هل يجوز الانتفاع بشحم الميتة وجلدها كطلاء السفن ودبغ الجلود؟ وحجته أن الآية إنما هي في تحريم الأكل خاصةً ويدل عليه قوله تعالى:
﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الأنعام: 145 ]
الجمهور انتبه الآن، إذا قرأت وفتحت كتاب فقه ورأيت كلمة الجمهور أنا أنصحك أن تكون مع الجمهور أونس، قد ينفرد فقيه بحكم كن مع الجمهور لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))
[أخرجه الطبراني عن أبي بصرة الغفاري]
كن مع الجمهور، الجمهور يذهب إلى تحريم الانتفاع بالميتة من غير الأكل، حرمت عليكم الميتة أي الانتفاع بها، التحريم صب على عينها بأكل أو بغيره، فجعلوا الفعل المقدر هو الانتفاع وليس الأكل، حرم عليكم الانتفاع بالميتة أكلاً، أو بيعاً، أو شراءً، أو طلاءً، أو ما شابه ذلك استدلوا بقول النبي الكريم: (( قَاتَلَ اللَّهُ يَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا))
[ مسلم و أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
معنى ذلك التحريم يشمل الانتفاع لا الأكل، هذا الحديث يدل على أن الله عز وجل إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، لا يجوز البيع، ولا الانتفاع بشيء من الميتة إلا ما ورد به نص واضح. الدماء التي في العروق لا حرمة فيها :
آخر شيء في الموضوع أحياناً إنسان يأكل الفروج ويجد فيه وريداً أو وعاء دموياً فيه جلطة، أي يوجد أثر دم، هذا الدم هل هو محرم؟ اسمعوا الجواب، اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس، لا يؤكل، ولا ينتفع به، ولا تنسوا أن هناك طعام يطعم للدواجن، دم مجفف مسحوق، فأول مشكلة عاناها العالم جنون البقر، ولعل المشكلة القادمة جنون الدجاج لأنه يأكل الدم المجفف، والناس عندما لا يعبؤون بشرع الله عز وجل مشكلة كبيرة، هناك أكثر البلاد تستورد طحين اللحم المجفف، اللحم الميت، وتستورد طحين الدم المجفف كي يأكله الدجاج.
قال: اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به وقد ذكر الله تعالى هنا الدم مطلقاً وقيده في الأنعام:
﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الأنعام:145 ]
المطلق الآية الكريم: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173 ]
هذا مطلق، والمطلق مقيد؟ لا ليس مقيداً، وحمل العلماء المطلق على المقيد ولم يحرموا إلا ما كان دماً مسفوحاً وورد عن عائشة رضي الله عنها: "لو أن الله تعالى قال أو دماً مسفوحاً لتتبع الناس ما في العروق ".
إذاً انظروا استنباط السيدة عائشة أو دماً مسفوحاً لتتبع الناس ما في العروق من دم، إذاً الدماء التي في العروق لا حرمة فيها، انتهى، المحرم الدم المسفوح، وكذلك الكبد والطحال مجمع على عدم حرمته وإن كان في الأصل دم، السوداء أكله مسموح، والطحال أكله مسموح، مع أن الدم يتواجد أو يوجد في الطحال والكبد بكميات كبيرة جداً.
الإمام القرطبي يقول: أما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى، والذي تعم به البلوى اليوم الدم في العروق، ليس من المعقول أن تمسك قطعة اللحم وتبحث عن الشرايين والأوردة، وتحضر مجهراً وتنظر، أين يوجد دم معفو عنه، الدم المحرم هو الدم المسفوح، أما الدم الباقي في العروق فهذا غير محرم. الخنزير محرم بلحمه ودمه وشحمه وعظامه وجلده :
الشيء الآخر أن الخنزير محرم بلحمه ودمه وشحمه وعظامه وجلده، كل شيء محرم، أخ من أخواننا استورد برقم كبير جداً جلوداً من أجل الصناعة، ثم تبين أن هذه الجلود جلود خنزير، سأل علماء كثيرين أفتوا له أنه محرم أن تنتفع بجلد الخنزير، والله أتلفها فيما أعتقد وخسر ثمنها، وهذا هو الحكم الشرعي، يحرم أن تنتفع بالخنزير لحماً، وشحماً، ودماً، وجلداً، وعظماً، لذلك هذا الجيليه الرجراج، هذا مصنوع من العظام، وإذا كان مستورداً من بلاد أجنبية فأغلب الظن مصنوع من عظم الخنزير، وعظم الخنزير محرم إلا إذا كان مستورداً من بلاد تسحق عظم الغنم والبقر، والأحوط هذه اللقمة نستغني عنها لأنه يوجد مشكلة في هذه المادة الرجراجة إذا كانت من عظم الخنزير محرم أكلها، أرأيتم إلى دقة الشرع؟
في حالات الضرورة يأكل الإنسان من دون أن يبغي المعصية ويأكل الحد الأدنى:
آخر شيء:
﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾
البغي: أن يأكل الميتة من دون حاجة، عاد: أن تأكل فوق الحد الأدنى، فمن اضطر غير باغ هو لا يبغي أن يأكل ما حرم الله، لا يبغي أن يأكل لحم الخنزير، لا يبغي أن يأكل الميتة إلا أنه مضطر يكاد يموت جوعاً، فمن اضطر غير باغ لا يبغي المعصية، يبغي أن يحافظ على حياته، ولا عاد من العدوان أكل حتى شبع، لا يجب أن تأكل ما يسد به الرمق، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 173 ]
هذه الآيات نستنبط منها إباحة الأكل من الطيبات للمؤمنين، وأنّ شكر الله واجب على المؤمنين، لأن نعم الله لا تعد ولا تحصى، والإخلاص في العبادة إن كنتم إياه تعبدون، والله جل جلاله حرم على عباده الخبائث وأحل لهم الطيبات، وفي حالات الضرورة تأكل من دون أن تبغي المعصية وتأكل الحد الأدنى لا الحد الأقصى.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 06:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام


الدرس : ( الثانى )


الموضوع : الهدي واحكامة





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
وقفة عند ألفاظ الآية التالية :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الحج: 36-37 ]
هذه الآية من سورة الحج هي الآية السابعة والثلاثون، وهي من آيات الأحكام التي تستنبط منها أحكاماً تعبدية.
أولاً: لو وقفنا وقفةً عند ألفاظ هذه الآية البدن جمع بدنة وهي اسم للواحد من الإبل، ذكر كان أم أنثى، وسميت بذلك لعظم بدنها، ضخامة جثتها، وقد اشتهر إطلاقها في الشرع على البعير يهدى للكعبة تقرباً إلى الله تعالى.
المرأة التي لا تستطيع أن تطوف طواف الإفاضة لحكم شرعي عليها ذبح بدنة أي ناقة. ﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ﴾
[ سورة الحج: 36 ]
صواف جمع صافة وهي التي صفت قوائمها للذبح، والبعير ينحر قائماً، ويوجد قراءة صواف، فالصافن الدابة التي تقوم على ثلاثة أرجل، وكان بعض العرب يربطون إحدى رجليها فتقف على ثلاثة لئلا تنطلق. ﴿ وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾
[ سورة الحج: 36 ]
وجبت أي سقطت، جنوبها جمع جنب وهو الشق، أي إذا سقطت على الأرض، وسمي الجانب الذي يسقط على الأرض جنوباً جمعاً إشارةً إلى أن الدابة إذا ذبحت وقعت، فإذا وقعت وفارقت الحياة الآن يجوز سلخها وأكلها. القانع هو الذي رضي بقضاء الله وقدره :
﴿ وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ﴾
[ سورة الحج: 36 ]
القانع هو الذي رضي بما قسمه الله له، وكما تعلمون أحد أكبر أسباب السعادة أن ترضى عن الله، وأن ترضى بما قسمه الله لك، والإنسان لا يسعد إلا إذا قبل ذاته، قبل جسمه، وقبل إمكاناته، وقبل رزقه، وقبل قدر الله فيه، فإذا أردت أن تسعد فاعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم عليم، لا يقضي إلا بالخير، وأن الإيمان بالقضاء والقدر يذهب الهم والحزن، هذا هو القانع الراضي بما قدمه الله له، إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي - مقاومته هشة إذا اغتنى عصى- لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، فلذلك القانع هو الذي رضي بقضاء الله وقدره، وهو العفيف المتجمل، والإنسان أيها الأخوة حينما يكون فقيراً أي جعل الفقر مادة امتحانه مع الله تعالى، نجاحه في هذه المادة أن يرضى، وأن يصبر، وأن يتعفف، وأن يتجمل، فإذا نجح اغتنى إلى أبد الآبدين، وقد يكون الغنى مادة ابتلائه مع الله، فإذا تكبر واستعلى وأنفق ماله في معصية الله رسب وسقط فشقي إلى أبد الآبدين، لا عبرة لهذه السنوات المعدودة التي يقضيها الإنسان، إما في فقر امتحن به، أو في غنى امتحن به.
أيها الأخ الكريم: أنت ممتحن مرتين، ممتحن فيما أعطاك، وممتحن فيما منعك، عطاؤه امتحان ومنعه امتحان. تعريف المعتر و المحروم و السائل :
أما المعتر فهو الذي يتعرض للسؤال، هو الذي يسأل، هو الذي يقتحم على الناس، يسألهم العطاء، هذا يذكرنا بقوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة المعارج: 24-25 ]
المحروم هو القانع الذي يخجل أن يسأل فيحرم، أما السائل فهو الذي يطلب.
إذاً كلمة وجبت جنوبها أي سقطت جنوبها، أي وقعت وقد فارقت الحياة، وكلمة القانع هو الذي يرضى بقضاء الله وقدره، فيتعفف ويتجمل ولا يسأل، وأما المعتر فهو الذي يسأل ويطلب، وأما الصواف أي نحرت واقفةً صافةً أرجلها، وأما البدن جمع بدنة وهي النوق ذكراً كانت أم أنثى، وقد غلبت هذه التسمية على الناقة التي تساق لتذبح في الكعبة، أو في المنطقة التي هي حرم تقرباً لله عز وجل. الله تعالى سخر للإنسان السموات والأرض تسخيرين؛ تسخير تعريف وتسخير تكريم :
أيها الأخوة الكرام، قال بعض العلماء: سبب نزول هذه الآية أن العرب في الجاهلية كانوا يذبحون الذبائح، ويقطعون لحومها، ويجعلون هذه اللحوم حول الكعبة، ويلطخون الكعبة بدمائها، هذا السلوك الذي كان سائداً في الجاهلية أراد الله سبحانه وتعالى أن يرشد المسلمين إلى فعل آخر هو كما جاء في هذه الآية.
أولاً: يبين الله عز وجل أنه سخر هذه الأنعام لبني آدم، أيها الأخوة معنى التسخير معنى دقيق جداً ينبغي أن نستوعبه، الكون كله الكون يعني السموات والأرض، الكون مصطلح حديث ما سوى الله، في القرآن ورد السموات والأرض، أي الكون، والكون ما سوى الله، الله جل جلاله سخر لنا السموات والأرض تسخيرين، تسخير تعريف، وتسخير تكريم، أي هذا التسخير مهمته أن نعرف الله، لأن الله لا تدركه الأبصار ولكن الكون كله مظهر لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، العقول تتعرف إلى الله من خلال صنعته، ومن خلال حكمته، ومن خلال نظامه، ومن خلال تسييره، ومن خلال قدرته، إذاً البدنة مسخرة للإنسان، ومعنى مسخرة أن هذا الحيوان الكبير مذلل، طفل صغير يقوده، إنسان يذبحه، بينما العقرب غير مذللة، والأفعى غير مذللة، والضبع غير مذلل، وهناك عشرات الحيوانات التي لا نستطيع أن ننتفع بها لأنها غير مذللة، فإذا رأيت بقرةً تنقاد لصاحبها يحلبها، وتخدمه، وتقدم له لحمها، وجلدها، وحليبها، فهذا تسخير، لذلك من هو الذي كرمه الله عز وجل؟ الإنسان، عندك حيوان مسخر لإنسان، الإنسان مسخر له، والحيوان مسخر، من هو أعلى مرتبةً عند الله ؟ الإنسان، لأن الكون كله سخر له، أما أن يسخر الإنسان لجهة غير الله فهذا لا يليق بإنسانيته، أي يسخر الإنسان لجهة غير الله.
من سخر علمه وقدرته وماله لله عز وجل فهو ممن وفى ما عاهد عليه الله :
لذلك الإنسان أحياناً يرضى عن شيء أو يرفضه، في الأعم الأغلب الإنسان حينما يرفض شيئاً يحتقره، قد ترفض بيتاً لا يعجبك، قد ترفض فتاةً لا تعجبك، حينما تخطب، قد ترفض شريكاً لا تعجبك أخلاقه، ترفض والرفض مبني في الأعم الأغلب على الاحتقار، أما إنك إذا رغبت عن هذا الدين فإنك تحتقر نفسك، إن أبيت أن تكون خاضعاً لهذا الدين فقد هانت نفسك عليك، ما عرفت قيمتها، وما عرفت أنها خلقت لتعرف الله عز وجل، جعلتها تابعةً لجهة غير الله، جعلتها مسخرةً لغير الله، جعلتها أحد أخطاء جهةٍ أرضية، فلذلك لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله، لا يليق أن يكون محسوباً على غير الله، سمعت عن عالمٍ رفع الله شأنه كثيراً فسئل مرةً: ما هذا المقام الذي نلته؟ فأجاب إجابةً دقيقةً ورائعة قال: لأنني محسوب على الله، أي أنت لا تكن محسوباً على جهة أرضية، لا تكن محسوباً على إنسان، لا تكن محسوباً على فئة، لا تكن محسوباً على جماعة، كن محسوباً على الله، ومعنى محسوباً على الله ليس معنى هذا أنك متفوق ولكن أنت رباني، قال تعالى:
﴿و لَكن كونُوا ربَّانييَن﴾
[ سورة آل عمران: 79]
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام: 162]
أي آية قرآنية الإنسان إذا قرأها اقشعر جلده، يخاطب الله سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يقول له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه: 41]
أنت حينما تسخر علمك، وقدرتك، ومالك، ووقتك، وذكاءك، وطلاقة لسانك، ومكانتك الاجتماعية، حينما تسخرها لله عز وجل فأنت ممن وفى ما عاهد عليه الله. الاستثناء لتأكيد القاعدة :
ثم يقول الله عز وجل:
﴿ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ﴾
[ سورة الحج: 36]
القرآن مجمل ومفصل في هذه الآية أجمل الخير بكلمة، لكم فيها خير، أما في آيات أخرى فيقول الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ* وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة يس: 71-73 ]
وما جنون البقر عنكم ببعيد، حينما جنت البقر اضطروا إلى إحراق ثلاثة عشر مليوناً من البقر، ثم هذا العدد الكبير ثلاثون مليار جنيه إسترليني لأنه جن، لأنه لم يعد مذللاً، أحياناً أخواننا الكرام الاستثناء لتأكيد القاعدة، القاعدة قد تكون غائبة عن الأذهان، حقيقة صارخة جداً قد تغيب عن الأذهان يأتي الاستثناء ليؤكدها، أو ليلفت النظر إليها، أي كل ثانية أو أقل أو أكثر يولد طفل في العالم، هذا الطفل في قلبه ثقب بين الأذينين، لأن الطفل في رحم الأم لا يتنفس، لذلك الدم لا يذهب إلى الرئتين، التنفس غير وارد، لا يوجد هواء في الرحم، لذلك جعل الله ثقباً بين الأذينين، بدل أن ينتقل الدم من الأذين إلى الرئة إلى البطين ينتقل من الأذين إلى الأذين، حينما يولد الطفل- هكذا قال العلماء - بقدرة قادر تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، لكن ربنا جل جلاله من بين المئة ألف حالة سليمة تكون حالة واحدة غير سليمة، هذا الثقب يبقى مفتوحاً، يصاب هذا الطفل الصغير بمرض اسمه داء الزرق، لأن القلب حينما ينبض الدم يختار الطريق السهل بدل أن يذهب إلى الرئة فيصفى من غاز أكسيد الكربون ويأخذ الأوكسجين فيصبح أحمراً قانياً، ينتقل من أذين إلى أذين، فيبقى الدم أزرقاً، ومعنى أزرقاً أي فيه غاز الفحم، فهذا الدم لا يصلح للتغذية، فترى الطفل الصغير منهكاً، لي صديق له بنت مصابة بهذا المرض، ماتت في العام العاشر تقريباً، لا تقوى على صعود الدرج إطلاقاً، تتعب لأدنى جهد، ولن ينجو من هذا المرض الطفل إلا أن تجرى له عملية يجب أن يشق صدره، وأن يفتح قلبه، وأن تدخل رقعة بين الأذينين، عملية معقدة جداً، العشرون الثلاثون ألف حالة، المئة ألف حالة، النصف مليون ولادة كلها سليمة، لماذا أبقى الله بعض الولادات غير سليمة؟ هذا استثناء من القاعدة، وهذا الاستثناء لتأكيد القاعدة، أو لتلتفت إلى القاعدة، الإنسان أحياناً يغيب عن نعمة، يغيب عن حكمة، يغيب عن شيء ثمين قدره الله له، الاستثناء أحياناً يؤكد القاعدة، قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾
[ سورة يس: 71-72 ]
نحن نعجب بالمركبات الفارهة ولكن بحوثاً علمية تقول: إن ركوب الفرس يقي القلب والكبد والكليتين من الأمراض الخطيرة، بل إن ركوب الحصان صحة، أما هذا الرفاه الشديد الذي يحيط بالإنسان حينما يركب مركبةً فربما سبب له بعض الأمراض. الخير في الآيات التالية جاء مفصلاً :
على كلٍّ قال تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ* وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة يس: 71-73 ]
إذاً هنا جاء الخير مفصلاً، هناك آية أخرى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 5 ]
كلمة لكم أي خلقت خصيصاً لكم، فيها دفء أي الصوف الذي نأخذه من ظهور الأنعام شيء لا يقدر بثمن، كل الخيوط التي صنعت تقليداً للصوف لا ترقى إلى مستواه، لذلك الألبسة المصنوعة من صوف صناعي ثمنها أقل بكثير من الألبسة المصنوعة من صوف طبيعي، لأن طول هذه الشعرة مناسب جداً للغزل، وهذه الشعرة كما سمعت مفرغة من الهواء مثقوبة، لذلك الإنسان إذا ارتدى ثياباً صوفيةً أصيلة يشعر بدفء غريب، قال تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُون* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النحل:5-7 ]
الإنسان يذبح الأنعام ليطعم الجياع ويتقرب بها إلى الله عز وجل :
الآن الخيل في معظم بلاد العالم شيء ثمين جداً، بل إن بعض هذه المخلوقات التي أكرمنا الله بها يفوق ثمنها ثمن أغلى سيارةٍ موجودة في الأرض.
أيضاً البدن من شعائر الله، الشعيرة: العلامة، أي علامة من علامات هذا الدين، الإنسان يذبح هذه الأنعام ليطعم الجياع ويتقرب بها إلى الله عز وجل.
﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الحج: 36]
هذه الإضافة إضافة تشريف، تقول: بيت الله الحرام، كعبة الله، دين الله، شرع الله، رسول الله، إذا أضيف الشيء إلى ذات الله عز وجل نقول هذه الإضافة تشريف. الحكمة من ذبح الدابة بقطع أوداجها :
﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾
كأن في هذه الآية إشارة إلى أن الإبل تذبح واقفةً، كلكم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نذبح الأنعام بقطع أوداجها لا بقطع رقبتها، وهذه حقيقة لم يتح للعصور السابقة أن تلقي ضوءاًً على سر هذا التشريع، إلا أنه الآن عرف بفضل التقدم العلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، القلب مهمته بعد الذبح إفراغ دم الدابة كله، لأن الدم موطن الجراثيم والأوبئة، والدم كما تعلمون محرم أكله، لأن فيه كل الأمراض والجراثيم والأوبئة وما شاكل ذلك، لذلك لابد من أن تؤكل الذبيحة بلا دم، القلب مهمته بعد الذبح إخراج الدم من الذبيحة، لو قطع رأس الذبيحة لانقطع عن القلب الأمر الاستثنائي، القلب ينبض مرتين بأمر نظامي، ثمانون ضربة في الدقيقة، وأمر استثنائي يأتيه من الدماغ، قد تصل ضربات القلب إلى مئة وثمانين، فإذا قطع الرأس قطع عن القلب الأمر الاستثنائي، وأبقي الأمر النظامي، فهذا النبض الضعيف أو النبض البطيء لا يخرج الدم كله من الذبيحة، لذلك النبي أمر بقطع أوداجها من أجل أن يعمل القلب بسرعةٍ كبيرة جداً فيخرج كل دم الدابة من جسمها، عندئذٍ تصبح الدابة مزكاة، لذلك لابد من أجل أن تأكل من لحم دابةٍ لابد من أن تذبح وفق الشريعة الإسلامية، تسمي الله، تكبر عليها، وتذبحها ذبحاً حتى يخرج الدم كله منها. بعض الأحكام الشرعية المستنبطة من الآية السابقة :
بعض الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية، اتفق العلماء على أن البدنة اسم للواحد من الإبل ذكراً كان أو أنثى كما قلت قبل قليل، تطلق على الإبل باتفاق، وقد اشتهر في الشرع إطلاقها على البعير الذي يهدى إلى الكعبة، واختلفوا هل تطلق البدنة على البقرة باعتبار أنها تجزئ في الهدي والضحية عن سبعةٍ كالبعير على مذهبين المذهب الحنفي أن البدنة تطلق على البقرة، والبدنة أي البقر و الإبل فكلمة البدنة من المشترك اللفظي.
فمن نذر بدنةً أجزأته بقرة هذا حكم شرعي، أي كفته بقرة فهي مثلها في اللفظ والحكم:
((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَّةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ))
[ مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
وعن ابن عمر أنه قال: (( لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر))
[ الدر المنثور عن ابن عمر]
هذا المذهب الحنفي، أما المذهب الشافعي فلا تطلق البدنة بالحقيقة إلا على الإبل، وإطلاقها على البقر من باب المجاز، فلو نذر بدنةً لا تجزئه بقرة، وبهذا قال مجاهد، وبهذا أخذ الإمام الشافعي ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: ((تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة))
[مسلم عن جابر بن عبد الله ]
فهذا يدل على أن البدنة شيء والبقرة شيء آخر.
ما دمنا أيها الأخوة نشرح آيات الإحكام إذاً لابد من استنباط الأحكام الشرعية من هذه الآية.
1 ـ البدنة تطلق على البقرة وتطلق على الناقة سواءً بسواء :
الحكم الأول كما قدمت قبل قليل: البدنة تطلق على البقرة وتطلق على الناقة سواءً بسواء، فمن نذر أن يذبح بدنةً أجزأته بقرة، هذا على المذهب الحنفي، أما عند السادة الشافعية فالبدنة شيء والبقرة شيء آخر، تطلق البدنة على الناقة حقيقةً وعلى البقرة مجازاً.
2 ـ الهدي الذي يقدم في الحج تقرباً لله عز وجل لا يكون إلا من النعم :
الحكم الثاني: أجمع العلماء على أن الهدي الذي يقدم في الحج تقرباً لله عز وجل لا يكون إلا من النعم، من الإبل والبقر، والغنم والماعز، كلمة الأنعام تعني الإبل والبقر والغنم والماعز، والحاج لا يستطيع أن يقدم هدياً إلا من النعم، أما الذكر والأنثى بالنسبة للأضاحي فهو سواء.
الآن الأفضلية، اتفق العلماء على أن الأفضل أن تذبح الإبل ثم البقر ثم الغنم على الترتيب، لأن الإبل أنفع للفقراء، والبقر أنفع من الشاة وأقل ما يجزئ عن الواحد شاة، أما البدنة فتجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة، أي أنت كفرد لك أن تقدم سبع بدن أو شاة، نحن في موضوع الزكاة نرجح الأنفع للفقراء، كلكم يعلم أن نصاب الفضة سبعة آلاف ونصاب الذهب أربعون ألفاً فعند دفع الزكاة نرجح نصاب الفضة لماذا؟ لأنه أنفع للفقراء، وفي ذبح الأضاحي والهدي الذي يقدم لله عز وجل من الحاج في الحرم الأفضل الناقة ثم البقرة ثم الشاة، أهدى النبي عليه الصلاة والسلام مئة من الإبل وكان هديه عليه الصلاة والسلام هدي تطوع.
3 ـ الأكل من لحوم الهدي :
الحكم الثالث: الأكل من لحوم الهدي، أمر الله تعالى الأكل من لحوم الهدي في قوله جل ثنائه:
﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾
[ سورة الحج: 28]
كلوا منها وأطعموا وهذا الأمر يتناول بظاهره هدي التمتع وهدي التطوع، هدي التمتع: الإنسان إذا أحرم بعمرة ثم تحلل وبقي متحللاً إلى أن جاء يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بحج، لأنه أحرم بعمرة وتمتع ثم أحرم بحج عليه هدي جبر، هذا هدي التمتع.
أما إذا أحرم بعمرةٍ وبقي محرماً إلى الحج نقول له: قارن هديه هدي شكر، يمكن أن تأكل من لحم الهدي إذا كان تمتعاً أو إذا كان شكراً لله عز وجل. الهدي الواجب بسبب ارتكاب بعض محظورات الحج :
أما الهدي الواجب بسبب ارتكاب بعض محظورات الحج، هذا اختلف الفقهاء من الأكل منه، رجل لا يسمح له بالحج فاضطر أن يدخل الحرم غير مرتد ثياب الإحرام، هذا عليه هدي، هدي جزاء، العلماء اختلفوا في هدي الجزاء أيؤكل منه؟ اتفقوا على أن هدي التمتع وهدي الشكر يؤكل منه ويطعم منه الفقراء، أما هدي الجزاء فهناك اختلاف في المذاهب، أبو حنيفة النعمان والإمام أحمد يجيزون الأكل من هدي التمتع وهدي القران وهدي التطوع ولا يجيزون أن نأكل من هدي الجزاء، ممنوع الأكل من هذا الهدي، هدي الجزاء للفقراء كله، وقال مالك رحمه الله: يأكل من هدي التمتع والقران والهدي الذي ساقه لفساد حجه أو لفوات بعض واجبات الحج لا ينبغي أن يأكل منه، وجزاء الصيد أيضاً وما نذره للمساكين هذا كله لا يؤكل منه، نأكل من هدي التطوع، من هدي التمتع، وهدي القران.
الشافعي أيضاً لا يجيز الأكل من الهدي الواجب مثل دم الجزاء، وجزاء الصيد، وهدي التمتع والقران، وإفساد الحج، وكذلك ما كان نذراً أوجبه على نفسه، الشافعي يقدم كله لله عز وجل أما ما كان تطوعاً فله أن يأكل منه ويهدي ويتصدق، فأباح الأكل من هدي التطوع فقط.
أيها الأخوة: هذه الأحكام المتعلقة بالأكل، أما نحن غير الحجاج إذا كنا في بلدنا نفذنا الأضحية التي أمرنا الله بها، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا ))
[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه الأضحية يمكن أن تأكل منها وأن تطعم منها الأصدقاء وأن تطعم منها الفقراء.
4 ـ وقت الذبح ومكانه :
الحكم الرابع: وقت الذبح ومكانه، وقت ذبح الهدي يوم النحر وأيام التشريق الثاني والثالث والرابع من أيام عيد الأضحى لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ وَكُلُّ فِجَاجِ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ ))
[ أحمد عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ]
فإن فاته وقت ذبح الهدي الواجب قضاءً فإن فات وقته ذبح الهدي والواجب قضاءً وأثم بالتأخير، مكان الذبح سواء أكان واجباً أو تطوعاً هو الحرم لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
[ سورة المائدة: 95 ]
ومحله هو الحرم، فيجوز أن يذبح في مكان من الحرم في مكة ومنى وغيرها من حدود الحرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ ))
[ ابن ماجة و الدرامي عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ]
تعظيم الهدي والتقرب به إلى الله من شعائر هذا الدين العظيم :
أيها الأخوة الكرام، هذه الآيات تشير إلى تعظيم الهدي، والتقرب به إلى الله تعالى، لأنه من شعائر هذا الدين العظيم، والهدي والأضحية لا تكون إلا من الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، والأفضل في الإبل ثم في البقر ثم في الغنم، وفي إراقة دماء الهدي نفع للفقير والحصول على مرتبة التقوى لقول الله عز وجل:
﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الحج: 37 ]
والنسك بالأضاحي فيه إحياء لذكرى الفداء بإسماعيل مع أبيه الخليل عليهما السلام حينما أمر بذبح ولده في المنام. الآية التالية إحدى آيات الأحكام المتعلقة بذبح الهدي والأضاحي :
هذه الآية التي قال الله تعالى فيها:
﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الحج : 36-37]
هذه إحدى آيات الأحكام المتعلقة بذبح الهدي والأضاحي للحجاج ولغير الحجاج، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا الخير.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 06:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثالث )


الموضوع : صلاة الجماعة فى الحرب





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الآيات التالية أكبر دليل على فرضية الجماعة :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من: "آيات الأحكام" والموضوع اليوم صلاة الخوف، قال تعالى:
﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا * وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 101-107 ]
أيها الأخوة، هذه الآيات أو مطلع هذه الآيات تعد أكبر دليل على فرضية الجماعة لماذا؟ هل من وضع حرج؟ هل من وضع صعب؟ هل من وضع شديدٍ كأن تكون مشتبكاً مع العدو وجهاً لوجه في خط المواجهة الأول في السلاح الأبيض ومع ذلك يجب أن تصلي جماعة؟ الجماعة رحمة و الفرقة عذاب :
ألم يكن من الممكن ونحن نقاتل، ونحن في خط المواجهة الأول، ونحن نلتحم مع العدو أن يصلي كل منا على حدة؟ هل هناك وضع أشد من هذا الوضع؟ هل هناك وضع أصعب من هذا الوضع؟ هل هناك موقف أصعب من هذا الموقف؟ ومع ذلك يجب أن تصلي في جماعة، فكيف إذا كنت في سلام وفي أمن؟ وفي بلدتك وفي بيتك؟ لا يوجد مشكلة أبداً أحجمت عن صلاة الجماعة، كنت بعيداً عن الجماعة لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ))
[ أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ]
((عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ))
[ ابن ماجة و أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ]
كلما حدثتك نفسك أن تبقى وحدك، أن تعيش وحدك، ألا تكن مع أحد، ألا تكن مع المؤمنين، اقرأ هذه الآية: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾
[ سورة النساء: 101-102 ]
الضرب في الأرض السير و أعلى أنواعه أن يخرج الإنسان مجاهداً لنشر الحق :
أيها الأخوة الكرام، ضربتم، الضرب في الأرض السير، ضربتم في الأرض أي سرتم، أي سافرتم، والسفر سمي سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أتعرفه؟ قال: أعرفه، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: هل جاورته؟ قال: لا، قال: هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه.
الضرب في الأرض هو السفر، أعلى أنواع الضرب في الأرض أن تخرج مجاهداً لنشر الحق، أقل من هذا أن تخرج فاراً بدينك من الفتنة، غير هذا أن تخرج طالباً للعلم، غير هذا أن تخرج مبتغياً الرزق، غير هذا أن تخرج سائحاً متعظاً بآيات الله في الآفاق، أي السياحة البريئة الشرعية التي لا معصية فيها ولا انحراف، وما سوى هذا السفر غير مشروع.
قال: الضرب في الأرض السير فيها، قال تعالى:
﴿ وآخرونَ يضربونَ في الأرْضِ﴾
[ سورة المزمل :20]
أي يسافرون. القصر نوعان؛ قصر عدد هو قصر السفر وقصر هيئةٍ هو قصر الخوف :
تقصروا:
﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾
تقصروا: القصر هو النقص، ويحتمل أن يكون القصر في عدد الركعات، أو النقص في هيئة الصلاة، طبعاً قصر الخوف حالة نادرة جداً، أي لو غلب على يقينك أنك إذا صليت قتلت ماذا تفعل؟ تصلي لكن بهيئة خاصة، لك أن تصلي واقفاً، لك أن تصلي مضطجعاً، لك أن تصلي مستلقياً، لك أن تصلي بأجفان عينيك، لك أن تصلي وشفتاك مطبقتان، عندنا قصر عدد هو قصر السفر، وقصر هيئةٍ هو قصر الخوف، لكن الصلاة كما تعلمون هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال.
الإسلام أركانه خمسة، شهادة أن لا إله إلا الله مرةً واحدة في العمر، إذاً تشهد وتنتهي الشهادة، الصلاة، الصيام يسقط عن المريض والمسافر، الزكاة تسقط عن الفقير، الحج يسقط عن غير المستطيع، ما هي الفريضة التي لا تسقط بحال؟ الصلاة يجب أن تؤدى في كل الأحوال، تقصر عدداً في السفر وتقصر نوعاً في الخوف.
قال الراغب في مفردات القرآن: "قصر الصلاة جعلها قصيرةً بترك بعض أركانها ترخيصاً"، في مفردات القرآن، قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها وكل هذه الألفاظ صحيح. الفتنة هي الابتلاء والاختبار و تستعمل في الخير والشر :
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾
[ سورة النساء: 101]
الفتنة الابتلاء والاختبار، تستعمل في الخير والشر، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 35 ]
أنت مفتون بالمال، ومفتون بنقص المال، مفتون بوفرته وبنقصه، مفتون بالزواج وغير الزواج، مفتون بالصحة والمرض، كل ما أعطاك الله عز وجل مادة امتحانك معه، والذي حرمك مادة امتحانك معه، إلا أن الفتنة كالبلاء تستعمل بالشدة والرخاء، لكنها في الشدة أظهر، فلان فتن أغلب الظن أن معظم الناس يفهمون فتن بمعنى انحرف أما هي بأصل اللغة ففتن بالخير، عرضت عليه عملاً صالحاً قال: حباً وكرامة، نقول: فتن فنجح، عرضت عليه الخير فرفض نقول: فتن فرسب، إلا أن استعمال الفتنة بالشر أظهر وأكبر.
عدواً مبيناً، أي عدواً ظاهر العداوة، يوجد أعداء أخفياء يبطنون العداوة، هؤلاء خطيرون جداً، أما الذي يظهر لك العداوة فهذا مريح واضح. حقيقة الدين أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل على الله :
الحِذر والحَذر من خاف شيئاً اتقاه، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( المؤمن كيس فطن حذر))
[ رواه الديلمى والقضاعى عن أنس]
لا كما قرأه بعض ضعاف اللغة كيس قطن، يشرح الدرس قال: قال عليه الصلاة والسلام: المؤمن كيس قطن، فقال له: يا سيدي ما معنى كيس قطن؟ قال له: قلبه أبيض ولين فسرها. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾
[ سورة النساء : 71]
هذه سبهللة، دعها وتوكل، ليست من الدين. ((قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ))
[ الترمذي عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ]
حقيقة الدين أن تأخذ بالأسباب وأن تتوكل على الله، إنك إن اعتمدت عليها أشركت وإن لم تأخذ بها عصيت، نظام دقيق جداً، حينما لا تعبأ به أنت تحتقره، واحتقار النظام احتقار للمنظم، هذا كلام خطير أقوله لكم، ابنك مرض يجب أن تأخذه إلى الطبيب، ولابد من أن تصغي إلى نصائح الطبيب، ولابد من أن تستعمل الدواء، ولابد من أن تتصدق، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ أحمد عَنْ جَابِرٍ ]
بأصل التصميم لكل داء دواء، بقي على الطبيب أن يوفق إلى تشخيص الداء، وبقي على الطبيب أن يوفق إلى وصف الدواء المناسب، فإذا فعلت أنت هذا ذهبت إلى الطبيب، وقد شخص لك الداء، ووصف لك الدواء، واشتريت الدواء، بقي شرط أخير فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله، من أجل أن تضمن إذن الله عز وجل قال عليه الصلاة والسلام: ((داووا مرضاكم بالصدقة))
[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]
هذا الموقف الصحيح، إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل، ولا تقل حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن تستنفذ الأسباب. احترام النظام الإلهي احترام للمنظم :
الأخذ بالأسباب احترام للنظام الإلهي، واحترام النظام احترام للمنظم، لذلك المسلمون عندما تخلفوا تخلفهم كان بسبب إهمالهم للأسباب.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾
[ سورة النساء : 71]
عليك أن تأخذ بكل الأسباب ثم تتوكل على الله، أي احذروا واحترسوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، والحقيقة الإنسان قد يغفل عن حاجاته أما أخطر مرض يصيب النفس البشرية فأن تغفل عن الله عز وجل، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا، ما من شيء يردي ويهلك كأن تكون غافلاً عن الله عز وجل، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: "عجبت لثلاث، عجبت لمؤمل والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط عنه الله أم راض". العبادة أصلها النية الصحيحة أما المعاملات مادامت وفق الشرع فهي صحيحة :
فليس عليكم جناح ، الجناح هو الإثم من جنحت أي عدلت عن المكان، جنحت المركبة أي انحرفت عن خط سيرها، الجنحة المخالفة، قضيتم فرغتم وانتهيتم أي أديتم، فإذا قضيت الصلاة أي أديت.
﴿اطمأننتم﴾
آمنتم وأصل الطمأنينة سكون القلب أي إذا زال الخوف عنكم. ﴿كتاباً موقوتاً﴾
أي فرضاً محدوداً بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها، يوجد حكم فقهي دقيق لو إنسان أراد متعمداً أن يصلي الفجر قبل أن يؤذن طبعاً من شرط الصلاة آذان الفجر - دخول الوقت من شرط الصلاة - لو أن إنساناً تعمد أن يصلي الفجر قبل أن يؤذن وصلى صلاته باطلة، بعد حين تبين أنه صلى بعد الفجر يوجد عنده خطأ بساعته تبقى صلاته باطلة لأن النية أصل في العبادة، إنما الأعمال بالنيات، هو عملياً صلاها في وقتها، يوجد خطأ في الساعة، هو صلاها في وقتها ولكن لأنه نوى أن يصليها قبل وقتها صلاته باطلة، ولو اكتشف بعد حين أنه صلاها في وقتها غير مقبولة، أما في المعاملات النية ليس لها علاقة أنت بعت كأساً ما نيتك؟ مادمت أنك بعته صحيحاً بسعر صحيح لم تكذب ولم تدلس انتهى الأمر، هذا بيع صحيح.
لو أن إنساناً مقيماً في حمص مثلاً ولأبيه دكان في حمص، واغتصب هذه الدكان اغتصاباً، وباعها بوكالة مزورة عن أبيه، هذا عمل باطل، ثم عاد إلى الشام فإذا أبوه قد توفي قبل أن يبيع الدكان اغتصاباً بيعه صحيح.
دققوا في المثل، أول مثل لو أردت أن تصلي الفجر قبل دخول الوقت ثم تبين لك أنك صليت في وقته المناسب الصلاة باطلة لأن العبادة أصلها النية الصحيحة، إنما الأعمال بالنيات، أما المعاملات مادام المعاملات وفق الشرع فهي صحيحة.
أنت تستطيع أن تقول: البيع باطل إذا كان البائع ينوي أن يبيع حتى يكثر ثروته أو حتى ينفع المسلمين؟ هذه ليس لها علاقة، مادام باع حاجة سلمها وقبض ثمنها وسعرها معتدل، وصار إيجاب وقبول فالبيع جائز، دققوا في هذا، فكرة باع المحل اغتصاباً ثم تبين أن أباه مات قبل أن يبيعه وهو وريثه الوحيد البيع صحيح.
إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً، أي فرضاً محدداً بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها. الحياة شاقة من يرجو فيها رحمة الله يثيبه الله على عمله جزاء وافياً :
الآية الكريمة: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾
ابتغاء القوم أي طلبهم، أن تبتغيهم، أن تلاحقهم، أن تطلبهم بالحرب، والقوم هنا الكفار، هذه الآية أيها الأخوة لها عندي مكانة كبيرة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
[ سورة النساء : 104]
الحياة شاقة، أهل الدنيا مساكين يدأبون، يتعبون، يجتهدون، يجتمعون ، يخططون، يبذلون أموالهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال : 36 ]
تصور شابين أجمعا أن يتزوجا، شراء البيت، ودفع ثمن البيت، وتأسيس البيت، والبحث عن زوجة، وعقد القران، وهدايا، وفترة خطوبة، وحفلات، والأهل، ومشاكل الأهل، أي مجموعة متاعب لا يعلمها إلا الله، يأتي شاب مؤمن يبحث عن زوجة صالحة ويعاني كل هذه المتاعب، ويأتي شاب متفلت يعاني كل هذه المتاعب، لكن هذا يرجو رحمة الله، يرجو الجنة، يثيبه الله على كل متاعبه جزاءً وافياً، وذاك على تعبه وسهره وعلى مشقته لا يؤجر على عمله. أعداؤنا يتعاونون على باطلهم ونحن نتفرق على حقنا :
الشيء العجيب كيف يجتمع الناس على باطلهم ويتفرق المؤمنون على حقهم؟ كيف يتعاون أهل الباطل على خمسة بالمئة من القواسم المشتركة وكيف يختلف المسلمون على خمسة وتسعين بالمئة من القواسم المشتركة؟ أليس هذا وصمة عار في حق المسلمين؟ أينما ذهبت في شتى بقاع الأرض، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾
[ سورة النساء : 104]
التفرقة، والطعن، وعدم التعاون، والازدراء، والتقليل من قيمة الآخرين، ودعوى التفرد، هذه كلها أمراض المسلمين، أعداؤنا يتعاونون على باطلهم ونحن نتفرق على حقنا، أعداؤنا يتعاونون على خمسة بالمئة من القواسم المشتركة ونحن نختلف وبيننا خمسة وتسعون بالمئة مشترك. ربط الرجاء بالعمل الصالح :
أيضاً الآية الكريمة:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
الله عز وجل ربط الرجاء بالعمل الصالح، الرجاء إن لم يدعم بعمل صالح لا قيمة له، يغدو تمنياً، وقد قال الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾
[ سورة النساء : 123]
الله عز وجل لا يتعامل معنا بالتمنيات، التمني بضاعة الحمقى، كم طالب في القطر؟ يوجد تقريباً مئة ألف طالب ثانوية، كلهم يتمنون النجاح بعلامات عالية، من الذي ينجح بعلامات عالية؟ الذي يسعى، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، الذي يسعى هو الذي يفوز، لذلك قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
الانتقاد سلاح الضعفاء و المخفقين في أعمالهم :
يوجد نموذج بشري مرفوض، مستريح، مسترخ، همه تقييم الناس، همه الحكم عليهم، همه أن يكون وصياً عليهم، همه أن يوزع الألقاب عليهم، هو لا يفعل شيئاً، أنا أقول كلمة طرفة في علم العقيدة نحن نؤمن أن النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، وحده، أما في غير علم العقيدة فنحن نظن أن هناك إنسان لا يخطئ لكنه ليس هو النبي؟ الذي لا يعمل طبعاً لا يغلط، من يعمل يخطئ ومن لا يعمل لا يخطئ، ويوجد شخص لا يعمل، لا يقدم شيئاً، أنا أعجب من إنسان يقرأ كتاباً يكون الكتاب فيه جهد عشر سنوات، أي حتى كتب الكتاب المؤلف أخرج آلاف الكتب أو مئات الكتب، أي عصارة تجربته، عصارة أفكاره، يأتي إنسان لا يستطيع أن يكتب سطراً واحداً يقول: يوجد أخطاء كثيرة، هذا الشيء لا يحتمل قبل أن تنتقد هل بإمكانك أن تأتي بمشاعره؟ قبل أن تزدري عملاً عظيماً هل بإمكانك أن تقلده؟ الإنسان إذا كان هناك بوناً واسعاً بينه وبين من يصنعون شيئاً ثميناً لا ينبغي أن ينتقدهم، هذا سلاح الضعفاء، وسلاح المخفقين في أعمالهم.
الله عز وجل يريد اليسر للإنسان :
المعنى الإجمالي لهذه الآيات، يا أيها الذين آمنوا أي إذا سافرتم وسرتم في الأرض للجهاد، أو للتجارة، أو السياحة، أو غير ذلك، قلنا في بداية الدرس: هناك سفر جهاد، وسفر لطلب الرزق، وسفر للسياحة البريئة الشريفة المستقيمة، سفر الجهاد إما فراراً بدينك، أو لنشر العلم، أو لصد العدو، كلها لله، ويوجد سفر للرزق، ويوجد سفر للسياحة، أي سياحة أمتي الجهاد، والعياذ بالله صار عندنا مصطلحات جديدة؛ سمعت مرة بمصطلح الأخبار من إذاعة غربية السياحة الجنسية، أي يسوح ليزني، يسوح ليرتكب الكبائر، يسوح ليرى ما لا ينبغي أن يراه.
إذا قلنا: سياحة، المقصود سياحة المؤمنين، وهي أن يتعرفوا إلى ملكوت الله، ليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من الصلاة المفروضة، تصلون الرباعية اثنتين، لأن الإسلام دين يسر، فالله سبحانه وتعالى يريد اليسر لكم، لك أن تصلي في السفر أربع ركعات، الظهر ركعتان والعصر ركعتان، والمغرب على حاله، والعشاء ركعتان، والفجر على حاله، حكم قصر الصلاة تصلى الرباعية ركعتين من دون سنن، إلا أن سنة الفجر تصلى والوتر يصلى، سنة الفجر مؤكدة، والوتر يصلى في السفر ويقضى بالحضر، وركعتا الفجر تصلى في السفر والحضر، أما صلاة قصر الخوف فاتفقنا قبل قليل أن هناك قصر عدد وقصر هيئة، قصر العدد في السفر وقصر الهيئة في الحرب، أو في الخوف.
الله يحبنا أن نجتمع وأن نؤدي العبادات جماعةً :
إذا كنت يا محمد مع أصحابك في الحرب وأردت أن تصلي بهم إماماً فاقسمهم طائفتين، طائفةً تقف معك في الصلاة، وطائفةً أخرى تحرسك ومعهم أسلحتهم، فإذا سجدت الطائفة الأولى وأدركوا ركعة فليتأخروا وليتقدم من لم يصلِ فليصلِّ معك، أي المقاتلون ينقسمون إلى فئتين؛ فئة تصلي مع رسول الله ركعة واحدة، والفئة الثانية تحرسها بالأسلحة ثم تتقدم الثانية فتصلي مع النبي ركعة ثانية والأولى تحرسهما، كما قلت في أول الدرس: هذا أكبر دليل على أن الله يحبنا أن نجتمع، وأن نؤدي العبادات جماعةً، وصلاة الفرد في جماعة تعدل صلاته منفرداً بسبع وعشرين ضعفاً.
((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ ))
[ مسلم عَنْ عُثْمَانَ ]
الله جل جلاله يأمر المؤمنين ألا يضعفوا عن قتال الكفار، لو إنسان طرح السؤال إذا كان الكافر أقوى منك بكثير فكيف لا تهنوا في ابتغاء القوم؟ الحقيقة الله عز وجل مع المؤمنين، وإذا الله معنا فمن علينا؟ وإذا كان الله علينا فمن معنا؟ الله عز وجل أقوى الأقوياء إذا كان مع المؤمنين انتهى الأمر، لذلك المعركة بين حقين لا تكون لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حق وباطل لا تدوم لأن الله مع الحق، أما بين باطلين فلا تنتهي عندئذ ننظر من هو الأقوى؟ من هو الأذكى؟ من هو الأكثر حيلةً؟ من أقام أمر الله بما هو به مستطيع كفاه الله ما لا يستطيع :
قال: الله عز وجل أمر المؤمنين ألا يضعفوا عن قتال الكفار، وأنا أقول لكم: الله جل جلاله ما كلفنا أن نعد لأعدائنا القوة المكافئة بل كلفنا أن نعد لأعدائنا القوة المتاحة، هذا الأمر يعطينا تفاؤلاً كبيراً، المسلم أحياناً لضعف إيمانه يقول لك: ماذا أفعل مع الأعداء؟ عندهم ترسانة أسلحة، عندهم قنابل نووية، عندهم تكنولوجيا عالية جداً، أقمار صناعية تغطي الأرض كلها، يجد أن النصر مستحيل، وهذا كلام غلط لأن الله عز وجل قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 60 ]
وانتهى الأمر، أنا عليّ أن أعدّ ما أستطيع وعلى الله الباقي وإلا لا يوجد أمل، لكن الله سبحانه وتعالى ما كلفنا فوق طاقتنا، كلفنا المتاح، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾
[ سورة الرعد : 11]
إذا أقمت أمر الله بما أنت به مستطيع كفاك الله ما لا تستطيع. كيفية الصلاة في الحرب :
و عن أبي عياش الزرقي قال:
((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ فَاسْتَقْبَلَنَا الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ فَقَالُوا قَدْ كَانُوا عَلَى حَالٍ لَوْ أَصَبْنَا غِرَّتَهُمْ ثُمَّ قَالُوا تَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ قَالَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام بِهَذِهِ الآيَاتِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ( وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ) قَالَ فَحَضَرَتْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذُوا السِّلَاحَ قَالَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا سَجَدُوا وَقَامُوا جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا فِي مَكَانِهِمْ ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ وَجَاءَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ قَالَ ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ فَلَمَّا جَلَسَ جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْصَرَفَ قَالَ فَصَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعُسْفَانَ وَمَرَّةً بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ))
[ النسائي عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ ]
تصور أن الصلاة على المسلم غالية جداً، لو أن المسلمين صلوا صلاة الظهر جميعاً، وأغمضوا أعينهم، ووضعوا أسلحتهم، هذه فرصة ذهبية للعدو، فرصة رائعة للعدو أن ينقض عليهم، ويهزمهم، فصلِّ بهم إماماً، واقسمهم طائفتين، طائفة تصلي معك والطائفة الثانية تأخذ أسلحتها وتحرس، فإذا أدت الأولى معك ركعة واحدة تأخرت وجاءت الثانية وصلت معك ركعة وحرستها الأولى، صلينا جماعة وقد أخذنا حذرنا. الله عز وجل أعطى الإنسان بعض الرخص للتخفيف عنه :
بهذه الآية لطائف كثيرة، من هذه اللطائف الله عز وجل حينما قال:
﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾
[ سورة النساء : 101]
الحقيقة الصلاة هنا تقصر للخوف، ولكن حَمِل السفر على الجهاد فكما أنك في الجهاد تقصر في السفر تقصر، لأن السفر قطعة من العذاب، ولأن السفر مظنة هلاك، قديماً كان الإنسان يسافر فرضاً من مكة إلى الشام يقطع الصحراء وحده، يوجد وحوش، و قطاع طرق، الآن الطرقات واضحة، والمركبات مكيفة، والطائرات، وخلال ساعتين تكون في طرف الدنيا، شيء عجيب السفر الآن ميسر جداً، الآن خلال ساعتين تكون في جدة، كانوا أشهر بأكملها، ومع ذلك حتى الآن السفر فيه خطر، أنت جالس تتناول طعام الغذاء، تسمع الأخبار: وقد مات جميع ركابها أربعمئة وخمسين راكباً، هذا شيء يقع دائماً، السفر مظنة هلاك والسفر قطعة عذاب، لذلك الفقهاء حملوا السفر على الجهاد فكما أنك في الجهاد تقصر كذلك في السفر تقصر.
سيدنا عمر سأل النبي عليه الصلاة والسلام، مالنا نقصر في الصلاة وقد أمنا - أي أصبحنا آمنين- ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ ))
[ الترمذي عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ]
أي الله عز وجل أعطاك هذه الرخصة، يوجد شخص متشدد اقبلها؟ الإنسان أحياناً في السفر يكون متعباً، ينتظر في أماكن انتظار السيارات، يبحث عن فندق، يعيش بعذاب، لا يوجد طمأنينة، المقيم انتقل إلى بيته، وبيته معروف، دخل خلع ثيابه، تناول طعامه، استلقى، أما المسافر فيبحث عن فندق، يبحث عن مطعم، ركب خمس ساعات في السيارة تعب، رحمة به صلِّ ركعتين.
لذلك الأحناف يرون أن قصر الصلاة واجب، في الحج أحياناً يكون الحج في الأيام الحارة، الحر لا يحتمل، أصلي في مقر البعثة، نصلي قصراً ونحن في الحج، الإمام حنفي والأحناف يرون أن القصر واجب لأن الله تصدق علينا بهذه الرخصة فلنقبل صدقته. الإنسان يجتهد ظناً وتكلفاً أما النبي فيرى ورؤيته حق :
من لطائف هذه الآيات أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خاطبه الله جل جلاله:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾
[ سورة النساء : 105]
أي بما عرفك وأعلمك وأوحى إليك، وسمى العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية، تقول: رأيت العلم نافعاً أي علمت العلم نافعاً، لكن دققوا في هذا التفصيل. سيدنا عمر كان يقول: "لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، هذه ممنوعة، فإن الله لن يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم"، أما أنت تقول: اجتهدت وليس أراني الله، أكثر الناس يقولون: هكذا الله أراني، من أنت؟ هل أتاك وحي؟ هذا ممنوع.
لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، هذه ممنوعة، فإن الله لن يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه لأن الرأي من رسول الله كان مصيباً، ولأن الله كان يريه إياه وهو منا ظن وتكلف، نحن نجتهد ظناً وتكلفاً، أما النبي فيرى ورؤيته حق. قصر الصلاة :
الآن قصر الصلاة، أولاً: تقصر الصلاة في السفر مطلق السفر والدليل قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾
[ سورة النساء : 101]
مجاهدون، فارون بدينكم، طالبون العلم، متاجرون، سائحون، وإذا ضربتم في الأرض أي سرتم في الأرض، إذاً قصر الصلاة لمطلق السفر هذا أول حكم، عند السادة الشافعية والإمام أحمد قصر الصلاة رخصة إن شئت أخذت بها، وإن شئت لم تأخذ بها، رخصة، وعند الإمام أبو حنيفة القصر واجب، وأن الركعتين في السفر هما تمام صلاة السفر، والإمام مالك القصر عنده سنة وليس واجباً، وهذه على أربعة مذاهب، الشافعية استدلوا بحكمهم من أن الله عز وجل يقول: ﴿ليسَ عليكُمْ جُنَاح أن تقصُرُوا منَ الصَّلاة ﴾
عبارة ليست عليكم جناح لا تعني الفرضية أي لا تأخذون، لا تعاتبون، إذاً القصر رخصة، لك أن تأخذ بها ولك ألا تأخذ، أما الأحناف فأخذوا قول سيدنا عمر حينما قال: "صلاة السفر ركعتان تمام"، وأنت في السفر تمام الصلاة ركعتان، والنبي التزم هذا في أسفاره كلها. ((كَانَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ أَمِيرًا عَلَى فَارِسَ فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنِ الصَّلاةِ فَكَتَبَ ابْنُ عُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ ))
[ الترمذي عن عَوْن الأَزْدِيَّ ]
((عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يُصَلِّي إِلا رَكْعَتَيْنِ وَيَقُولُ يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ))
[ الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ]
هذه أدلة الأحناف وابن عمر يقول: ((عن ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَقْبَلَ وَأَقْبَلْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ فَحَانَتْ مِنْهُ الْتِفَاتَةٌ نَحْوَ حَيْثُ صَلَّى فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلاءِ قُلْتُ يُسَبِّحُونَ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لأَتْمَمْتُ صَلاتِي يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ))
[ البخاري عن ابْنَ عُمَرَ]
الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه من هذه الأدلة مجتمعة عدّ القصر واجباً، يجب أن تقصر، وتمام الصلاة ركعتان، الإمام الشافعي ليس عليكم جناح أخذ من هذا أنها رخصة. أي سفر يبيح قصر الصلاة ؟
أما السؤال فأي سفر يبيح قصر الصلاة؟ طبعاً فوق ثمانين كيلو متراً، وينبغي أن تنوي الإقامة أكثر من ثلاثة عند الشافعي، وأكثر من خمسة عشر يوماً عند الأحناف، أما السفر الذي يبيح قصر الصلاة فسفر الطاعة، أي الجهاد، الفرار بالدين، طلب علم، التجارة، السياحة الإسلامية، أي نظيفة جداً، بريئة جداً، لا يوجد فيها معصية، الفقهاء قالوا: لمطلق السفر ولو كان في معصية، لكن صعب أن تتصور إنساناً يسافر ليعصي، حتى قاطع الطريق يجب أن يقصر في الصلاة، أي قصر هذا؟ هذا قاطع طريق، هذا مرتكب جرائم، هذا مفسد في الأرض، هذا ينبغي أن تقطع أيديه وأرجله من خلاف، على كلِّ السفر الذي يبيح قصر الصلاة السفر في طاعة أو السفر المباح.
مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة :
الآن يوجد عندنا حكم ثالث ما مقدار السفر الذي تقصر فيه الصلاة؟ أهل الظاهر قالوا: قليل السفر وكثيره سواء في جواز القصر أو عدمه، معقول إنسان يقيم في الشام ودراسته في حلب جاء من حلب إلى الشام قصر، وخرج من الشام إلى حلب قصر، ليس معقول، يجب أن يعتمد مركز إقامته، لو فرضنا أن إقامته كلها في حلب وهو أساسه من الشام يعد حلب مركز إقامة، فإذا جاء إلى الشام يقصر، أما المركزان إقامة؟ يصلي دائماً القصر مستحيل.
طبعاً الآن مسافة قصر الصلاة تقدر بثمانين كيلو متراً، تقريباً من دمشق إلى النبك، تقصر الصلاة دون ذلك لا يوجد قصر صلاة، صلاة الخوف كما ذكرنا قبل قليل: يصلي النبي عليه الصلاة والسلام، أصحابه فئتان فئة تصلي معه ركعة واحدة، والفئة الثانية تحرس بأسلحتها، ثم تأتي الثانية تصلي الركعة الثانية والأولى تحرس، أما في حالات الخوف الشديد بغير الحرب فلك أن تصلي كما تشاء، قصر صلاة الخوف قصر هيئة وقصر صلاة السفر قصر عدد.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 07:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : الشقاق الزوجى . سورة النساء




الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تشريع ربنا في حلّ مشكلة الشقاق بين الزوجين :
أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الرابع من: "شرح آيات الأحكام"، وقد ذكرت لكم من قبل أن في القرآن الكريم آيات تشريعية، وأننا إذا فهمنا هذه الآيات التشريعية دخلنا إلى الفقه من أوسع أبوابه، فالفقه الإسلامي مصدره الأول القرآن الكريم، ونحن مع آيات تمس كل بيت على الإطلاق، آيات تتعلق بالشقاق الزوجي، ما من بيت من البيوت إلا وهناك مشكلة بين الزوجين تقل أو تكثر، تصغر أو تكبر، الآية الكريمة من سورة النساء، وهي الآية الرابعة والثلاثون والخامسة والثلاثون، وهي قوله تعالى:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا* وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 34 ـ 35]
هذا تشريع ربنا في حل مشكلة الشقاق بين الزوجين. شرح بعض مفردات الآية السابقة :
أولاً مع المفردات: ﴿ قَوَّامُونَ﴾
جمع قوام، وقوام صيغة مبالغة من القيام على الأمر، القيام بالأمر: حفظه ورعايته والإشراف عليه، فالرجل قوام على امرأته أي كما يقوم الوالي على رعيته بالأمر، والنهي، والحفظ، والرعاية، والتربية، والتأديب؛ أي أن الرجل له مرتبة القيادة في البيت، ليس قائماً على أمر البيت، قواماً، صيغة مبالغة، أي أعلى درجة من درجات الرعاية، والمراقبة، والحفظ، والتوجيه، والتعليم، والتدريب يعني كأن الرجل قائم على أهل بيته، قائم بخدمتهم، وقائم بإصلاحهم، وقائم بتربيتهم، وقائم بالإشراف عليهم، وقائم بإصلاح اعوجاجهم، وقائم بإرشادهم، ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
هذا تشريع الله عز وجل. ﴿قَانِتَاتٌ﴾
من القنوت، دوام الطاعة، المراد أنهن مطيعات لله عز وجل، مطيعات لأزواجهن، وطاعة الزوج من طاعة الله، ما لم يأمر بمعصية، فإذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها، ربع دينها طاعتها لزوجها ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾
أصل القنوت دوام الطاعة. ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾
لنشوز هو العصيان، تؤدي الطاعة، النشز هو المكان المرتفع، كأن النشوز في المرأة على أنها استكبرت على أن تطيع زوجها، خرجت عن أمره، عصت أمره، أرادت أن تتحداه، هذه امرأة ناشز، أي مستكبرة، تخالف توجيهات رب الأسرة ، قال: النشوز بين الزوجين كراهة كل واحد منهما لصاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾
أي ذكروهن بما أوجب الله عليهن من الطاعة، وحسن المعاشرة، الموعظة ذكرها بواجبها، ذكرها بما عليها، ذكرها بخصائصها، ذكرها بكمالها كامرأة مسلمة. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾
أي على الفرش، والهجر في المضاجع هو أن يوليها ظهره ولا يقترب منها، أو أن يعزل فراشه عن فراشها، كلاهما يؤدي المعنى نفسه، أن يدير ظهره إليها، ولا يقترب منها، أو أن يعزل فراشها عن فراشه. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾
لشقاق: الخلاف والعداوة، مأخوذ من الشق، بمعنى الجانب، لأن كلاً من الزوجين يكون في طرف، هو في طرف وهي في طرف. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ ﴾
الحكم: هو القاضي الذي يستمع إلى الفريقين ويحكم بينهما. تفضيل الرجال على النساء لسببين :
أيها الأخوة الكرام، الآية:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل للرجل درجة الرئاسة، والقيادة، والتدبير، والإشراف، والحفظ، لسبب ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِما﴾
هذه باء السببية، أي بسبب ما منحهم الله عز وجل من عقل، وتدبير، وما خصهم به من كسب، وإنفاق، أي الرجال مفضلون في القيادة على النساء لسببين، سبب وهمي، وهو أن الله سبحانه وتعالى أودع في الرجل قوة إدراكية تزيد عن المرأة، وأودع فيه نظرة موضوعية، ونظراً بعيداً، بينما المرأة أعطاها شيئاً آخر، أعطاها قوة انفعال، وحساً مرهفاً، وانفعالاً شديداً، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
هذه صفة وهمية، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
كسبوا المال وأنفقوه، هذه صفة كسبية، هناك سببان وراء أن الله سبحانه وتعالى جعل الرجل هو القيم في الأسرة. النساء على قسمين :
1 ـ نساء صالحات :
أما النساء فعلى قسمين، نساء صالحات، ونساء ناشزات، الصالحات اللاتي يطعْن الله عز وجل ورسوله وأزواجهن فيما لا معصية فيه، بل إنهن صالحات وقانتات، أي يداومن على الطاعة، طاعة مستمرة، وليست في ظروف طارئة، الآية الكريمة
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾
أي إذا غاب عنها زوجها، تحفظ له ماله فلا تضيعه، تحفظ نفسها فلا تفرط بشرفها وعرضها لغير زوجها.
الحقيقة أنا فيما أعلم وفيما يبدو أن معظم الأخوة المؤمنين المتزوجين يذهبون إلى أعمالهم وهم مطمئنون إلى أن زوجاتهم لا يمكن أن يفرطن بأنفسهن، أو أن يطمعن في غير أزواجهن، وهذه نعمة كبرى لا يعرفها إلا من فقدها، وأنت في عملك، وأنت مسافر، مطمئن إلى أن الزوجة التي في البيت لا يمكن أن تتساهل مع إنسان لا بكلمة، ولا بنظرة، ولا بإظهار عضو إطلاقاً: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾
تحفظ نفسها، وتحفظ مال زوجها، هذه المرأة الصالحة ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾
أي بتوجيه الله عز وجل.
2 ـ نساء ناشزات :
الصنف الثاني: وهن النساء الناشزات المتمردات، المترفعات على أزواجهن، اللواتي يتكبرن ويتعالين عن طاعة الأزواج، فعليكم أيها الرجال أن تسلكوا معهن طريقاً يتميز بالمراحل التالية.
أول شيء: النصح والإرشاد، الوعظ، بين لها، وضح لها، ذكرها، اسمعها شريطاً، اقرأ كتاباً، وضح لها حكم الله، حكم رسوله، حق الزوج، واجب الزوجة، بيّن لها كل شيء، هذه مرحلة التبيين، مرحلة التوضيح، مرحلة الوعظ والإرشاد، مرحلة أن تجعلها على علم بما أمرها الله به، أن تجعلها مطلعة على ما جاء في السنة عن حقوق الزوج، وواجبات الزوجة، فإن لم يجد الوعظ والإرشاد والتذكير، فعليكم بالمرحلة الثانية، وهي أن تهجرهن في المضاجع، إما كما قلت قبل قليل: بأن تعطيها ظهرك، أو أن تجعل نومك في مكان بعيد عنها، هذا هو الهجران في المضاجع، لا تكلموهن، ولا تقربوهن، هذه المرحلة الثانية بعد الوعظ والإرشاد، فإن لم ترتدعن بالموعظة والإرشاد، ولا بالهجر، وترك الكلام، فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح.
وقفة متأنية عند لكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح :
هناك وقفة عند هذه الكلمة: لكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح، أنا أضع بين أيديكم بعض الأمثلة لو أن شاباً يتيماً في محلك التجاري، أخطأ خطأ يحتاج إلى تأديب، إن أدبته وأبقيته ورعيته أفضل أم أن تدع تأديبه وتطرده من المحل فيتفلت؟ أي شيء في صالحه؟ أن تؤدبه وأن يبقى في المحل تحت إشرافك وتحت رعايتك وتحت إكرامك أم أن تدع تأديبه من قبيل الورع الكاذب ثم تطرده من المحل وتجعله يتفلت من كل طريق ومن كل منهج؟ لمصلحته أن تؤدبه، وأن تبقيه، أي امرأة ناشزة انحرفت، وسلكت طريقاً غير صحيح، وعصت أمر زوجها، منعها أن تدخل بيت الجيران لأنه يعلم فسادهن، فدخلت عنوةً، واقتبست منهن أشياء لا ترضي الله؟ ماذا ينبغي أن يفعل الزوج؟ أن يطلقها أم أن يجعل لها ما يسميه علماء التربية خبرة مؤلمة؟ أحياناً الطفل الصغير يقترب من المدفأة، تأتي بعض الأمهات وتمسك بيده، وتضعها على المدفأة لمرة واحدة، هذا من أجل أن يكتسب خبرة مؤلمة تبعده عن المدفأة، يا ترى لو أذقنا بعض مساحة ضئيلة من إصبعه حرارة المدفأة، فخاف منها وابتعد عنها هذا أفضل أم أن نجعله يقتحم المدفأة فيحرق يده أو رأسه؟ الأمثلة دقيقة، أنا حينما أعطي هذا الغلام الصغير خبرة مؤلمة هذه الخبرة المؤلمة تجعله يبتعد عن هذه المدفأة ابتعاداً كلياً، هذا أفضل ألف مرة من أن أمتنع عن تأديبه، وعن إعطائه هذه الخبرة المؤلمة، ثم يقتحم المدفأة، ويحرق رأسه، أو بعض أطرافه، يتيم عندك في محلك التجاري إن ضربته حتى أورثته خبرة مؤلمة منعته أن يسرق وأبقيته عندك في المحل ورعيته ووجهته وأكرمته أفضل أم أن تمتنع عن ضربه ثم تطرده من المحل التجاري؟
نصعد درجة ثالثة: زوجة في البيت منحرفة، تخالف منهج الله، تستنكف عن طاعة زوجها، تتحدى زوجها، الأولى أن يؤدبها وأن يبقيها على عصمته يرعاها ويحفظها أم أن يطلقها ويرتاح منها؟ لذلك موضوع الضرب في حالات نادرة جداً، إذا كان أهون الشرين الشر الأكبر أن تطلقها، وأن تجعلها تفسد، فلذلك إن لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح، ضرباً رفيقاً يؤلم ولا يؤذي، فإن أطعنكم فلا تلتمسوا طريقاً لإيذائهن
﴿ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾
هذه الكلمة إذا قرأها الإنسان، واستوعبها ترتعد مفاصله، أحياناً الإنسان يستضعف امرأته، يقول: لا أحد لها، يظلمها، يضربها، يذلها، يحملها على عمل شاق لا تستطيعه، مثل هذا الرجل ربنا كبير، سوف ينتقم منه.
مرةً عليه الصلاة والسلام، مرّ بصحابي يضرب غلاماً له، قال عليه الصلاة والسلام: "اعلم أبا ذر أن الله أقدر عليك منك عليه"، فالرجل الذي يظلم زوجته ويهينها ويحملها ما لا تطيق يجب أن يعلم أن الله هو العلي الكبير، وهو قادر على أن ينتقم منه، وعلى أن يجعله يقع في ورطة ليس لها حل. طريقة حلّ الشقاق بين الزوجين :
الآن الزوج واع، راشد، عاقل، زوجته ناشز، لو أن هناك حالة جديدة، هو يكرهها وهي تكرهه، هو يتجاوز حدوده معها، وهي تتجاوز حدودها معه، هذه حالة شقاق.
الأولى زوجة صالحة، طائعة، قانتة، حافظة للغيب بما حفظ الله.
الحالة الثانية: زوجة ناشز مستعلية، مستكبرة، منحرفة، هناك وعظ، وهجران، وضرب.
الحالة الثالثة: زوج يكره زوجته، والزوجة تكره زوجها، وهناك بغض متبادل وخصومة متبادلة، ما الحل؟ قال: إذا كان النفور لا من الزوجة فحسب بل من الزوجين، فأمر الله تعالى بإرسال حكمين عدلين واحد من أقربائها، وواحد من أقرباء الزوج يجتمعان، وينظران في أمريهما، ويفعلوا ما فيه المصلحة، إن رأيا التوفيق وفقا، وإن رأيا التفريق فرقا، فإذا كانت النوايا حسنة، والقلوب ناصحة، بورك لهما في وساطتهما، وأوقع الله في طيب نفسهما وحسن سعيهما الوفاق والألفة بين الزوجين، وقد شرع الله عز وجل هذين الحكمين كي يعيدا المياه إلى مجاريها، والألفة بين الزوجين، والمحبة التي أرادها الله عز وجل بين الزوجين.
أسباب نزول الآيات المتعلقة بالشقاق الزوجي :
تروي كتب أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في سيدنا سعد بن الربيع، مع امرأته حبيبة بنت زيد، وكان سعد من النقباء، وهما من الأنصار، ذلك أنها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أفرجته كريمتي فلطمها، فقال عليه الصلاة والسلام: لتقتص من زوجها، فانصرفت مع أبيها فقال عليه الصلاة والسلام: ارجعوا هذا جبريل أتاني، وأنزل الله عز وجل:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
فقال عليه الصلاة والسلام أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذي أراده الله هو الخير. الله جل جلاله علل والتعليل رحمة بالآمر للمأمور :
أخواننا الكرام، عندنا خمسة أحكام من هذه الآية، أحكام تشريعيه دقيقة.
الحكم الأول: الله جل جلاله علل، الإله يأمر ولا يعلل، بل إن إنساناً قوياً عادياً جداً يعطي أمراً بلا تعليل، وبلا شرح، نفذ ثم اعترض، لكن الله في عليائه خالق السموات والأرض يعطي أمراً مع التعليل، التعليل هو تقريب الأمر إلى المأمور، والتعليل رحمة بالآمر للمأمور :
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
الأول وهبي، طبيعة الرجل تؤهله للقيادة، لاحظ لو أن أماً استجابت لعاطفتها في تربية أولادها، الأولاد ينشؤون متواكلين، ضعيفي الشخصية، أما الأب الحازم الذي يربي أولاده بعقله لا بعاطفته، فينجح في تربية أولاده، الأول وهبي، والآخر كسبي، وأورد القرآن الكريم العبارة بصيغة المبالغة، قال: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
إشارة إلى أن للرجل كامل القيادة، والإشراف، والولاية، والتوجيه. تفضيل الرجل على المرأة بعقله و تفضيل المرأة على الرجل بعاطفتها :
الاستنباط الثاني: قال صاحب الكشاف (الزمخشري ): "ذكروا في فضل الرجال أموراً منها العقل، والحزم، والعزم، والقوة، والرجال منهم الأنبياء، وفيهم الإمامة العظمى، والإمامة الصغرى، هم مكلفون بالجهاد، وبالأذان، وبالخطبة، وبالشهادة في الحدود، وفي القصاص، وفي الزيادة في الميراث، والولاية في النكاح، وإليهم الانتساب، وغير ذلك هذه خصائص الرجال :
﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
أما كلمة : ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
فكلمة دقيقة جداً جداً، ما قال الله عز وجل بما فضل الرجال عن النساء، ما قال بما فضلهم عليهن، لا، قال : ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
ماذا نفهم من هذه العبارة المعجزة؟ نفهم منها أن الرجل أفهم من المرأة تارةً، وهي أفضل منه تارةً أخرى، الطفل إذا مرض من أقرب إليه أمه أم أبوه ؟ أمه، من يحن عليه أكثر؟ أمه، من ترعاه أكثر؟ أمه، الأمر إذا احتاج إلى عاطفة، من هي المؤهلة؟ الأم، إذاً هي مفضلة عليه بعاطفتها، وهو مفضل عليها بعقله، هو مفضل عليها باهتمامه بالقضايا الكبرى، هي مفضلة عليه باهتمامها بشؤون المنزل، قد تطرب إن وجدت منزلها نظيفاً، إن رأت أولادها يرتدون أجمل الثياب، إن قدمت إلى أسرتها طعاماً طيباً هي تتباهى بهذا، هذا من شأن المرأة لا من شأن الرجل، ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
تفوق المرأة في حالات و تفوق الرجل في حالات أخرى :
شيء آخر: الآن إنسان يملك مالاً كثيراً، عنده مركبة تعطلت، يقف أمام المختص بأدب جم، هو الآن أقل منه، هذا الذي يصلح المركبة الآن أفضل من هذا الذي يقف أمامه، في هذا الموضوع بالذات هذه آية ترد كثيراً.
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 32]
مرة الرجل يتفوق، ومرة المرأة تتفوق، تفضيل مطبق لا يوجد، هناك حالات التي تحل المشكلة المرأة، بما لها من قلب كبير، من عاطفة جياشة، من إحساس مرهف، من تودد لزوجها، تضحي من أجل أولادها، إذاً هي الآن أفضل منه، وأحياناً الموقف يحتاج إلى قرار حازم الرجل الآن أفضل منها، إذاً لو أن الله قال: بما فضلهم عليهن ليس هذا هو المعنى، المعنى كل موقف، في هذا الموقف الرجل أفضل، في هذا الموقف المرأة أفضل، وهكذا، فهذا الكلام يحتمل المعنيين: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
تفضيل الرجل على المرأة تفضيل جنس على جنس لا فرد على فرد :
ولكن قال علماء النفس: هذا التفضيل تفضيل جنس على جنس لا فرد على فرد، بمعنى: قد تجد امرأة أعقل من مئة رجل، وأكثر ثباتاً من مئة رجل، وأكثر حكمة من مئة رجل، وقد تجد رجلاً أكثر عاطفة من مئة امرأة إذا قلنا:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
أي أن جنس الرجال متفوق على جنس النساء، أما الأفراد فلا، أي ما كل امرأة أقل من الرجل، وما كل رجل أعلى من المرأة، إذا قلنا: أعلى، أي في الاختصاص، في العزم، والحزم، وقوة الإرادة، والإدراك البعيد، أما في العاطفة والإحساس، والوفاء، والحب، فالمرأة تتفوق عليه، إذاً هي مرة تتفوق عليه، وهو مرة يتفوق عليها، الإشارة اللطيفة في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر إلا الإصلاح ، ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
هي الأصل إن رأيا أن الإصلاح أولى وفقا بينهما، وإن رأيا أن التفريق أولى فرقا بينهما، لكن القرآن لم يذكر إلا الإصلاح. الحكم الوسيط ينبغي أن يفكر في الإصلاح لا في التفريق :
﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
ماذا نستنبط من هذه الإشارة اللطيفة ؟ العلماء قالوا: الله جل جلاله يوجه الحاكمين، إلى أن ينبغي ألا يدخرا وسعاً في الإصلاح، فإن في التفريق خراباً للبيوت، وفي التوفيق ألفةً، ومودة، ورحمة، غرض الإسلام الجمع بين القلوب على المحبة والوئام، أي هذا الحكم ينبغي ألا يفكر بالتفريق أبداً، في النهاية قد يفرق، لكن ينبغي ألا يفرق، ألا يفكر بالتفريق، ينبغي أن يفكر بالإصلاح.
إنسان شكا زوجته إلى أخيها أول ما قال له أختك تفعل معي كذا وكذا قال له: طلقها أفضل لك، الحكم الوسيط ينبغي أن يفكر في الإصلاح، لذلك ربنا عز وجل ما ذكر غير الإصلاح ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
أي كأن التوفيق الإلهي مرتبط بإرادة الإصلاح لا إرادة التفريق، هذا الكلام موجه إلى بعض أخوتنا المحامين، أحياناً ترفع له قضية تفريق، قد تبدو مصلحته المادية بالتفريق، لكن عليه أن يؤثر صالح الزوجين، الآية الكريمة: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
لماذا من أهله ؟ الأهل قريبون جداً من الزوجين، يعرفون خبايا الأمور، دقائق المشكلة، قرب الأهل من المشكلة أهلهما إلى أن يكونوا هما الحكمان. الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية الكريمة :
نعود إلى الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية الكريمة.
أولاً: خطوات إصلاح الشقاق الزوجي، النصح، والإرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة لقوله تعالى:
﴿ فعظوهن ﴾
ثانياً: الهجران بعزل فراشه عن فراشها، وترك معاشرتها لقوله تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾
ثالثاً: الضرب غير المبرح قال بسواك، ونحوه، تأديباً لقوله تعالى: ﴿ واضربوهن﴾
رابعاً: إذا لم تُجْد كل هذه الوسائل ينبغي التحكيم لقوله تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
وأما الضرب فقد وضحه عليه الصلاة والسلام بقوله: "فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح"، قال ابن عباس وعطاء: "الضرب غير المبرح بالسواك"، وقال قتادة: "ضرب غير شائن و ألا يوالي الضرب في مكان واحد، وأن يتقي الوجه فإنه مجمع المحاسن، وألا يضربها بسوط، ولا بعصا، وأن يراعي التخفيف بهذا التأنيب على أبلغ الوجوه" هذا الضرب لمن؟ إياكم أن تفهموا أنه للزوجة، أصبح لمن؟ لزوجة ناشزة، منحرفة، التي تستعصي على زوجها، تعصيه تحدياً، تعصيه فيما يفسدها، يعصيه فيما يطغيها، تعصيه فيما تصل فيه إلى الطلاق إن ترك عندها خبرة مؤلمة، وأبقاها عنده أفضل ألف مرة من أن يطلقها، وأن يكسرها بالتعبير النبوي، وكسرهن طلاقهن، أي الضرب هو أهون الشرين، خبرة مؤلمة للمرأة المنحرفة الناشز، النبي عليه الصلاة والسلام سئل: ((عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ: أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوِ اكْتَسَبْتَ وَلا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إِلا فِي الْبَيْتِ ))
[ أخرجه أبو داود عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ]
ومع أنه مباح في حالات نادرة جداً، ومع امرأة منحرفة جداً وبسواك، والقصد أن تدع عندها خبرةً مؤلمة، قال العلماء: تركه أفضل. العقوبات مشروعة على الترتيب :
الحكم الثاني: هل هذه العقوبات مشروعة على الترتيب أم على التخيير؟ يعني إنسان نشأ بينه و بين زوجته خلاف له أن يضربها مباشرة؟ هناك أقوال كثيرة، أما أرجحها فعلى الترتيب، لا تستطيع أن تهجر قبل أن تعظ، تعظ أولاً، وتهجر ثانياً، وتضرب ثالثاً، وتبعث حكماً من أهلك، وحكماً من أهلها، رابعاً على الترتيب.
وقال بعض العلماء: الوعظ عند خوف النشوز، والهجر عند ظهور النشوز، والضرب عند استمرار النشوز، عند الخوف وعظ ، عند الظهور هجر، عند الاستمرار ضرب، عندنا حكم جديد وعظتها فاتعظت، لا يباح لك أبداً أن تستعمل الدرب الأعلى
﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾
إن استخدمت أحد العلاجات وصلحت به يجب أن توقف العلاج ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾
معناها في معصية، امرأة تعصي زوجها، تتحداه، وفي الأعم الأبلغ تعصي ربها، لأن الطاعة في معروف، إذا أمرها أن تستر وجهها، أو أن تخفض من صوتها، أو ألا تدخل إلى هذا البيت الفاسد، في الأعم الأبلغ الأمر بالمعروف، قال أحد التابعين: يعظها فإن هي قبلت قضي الأمر، وإلا هجرها، فإن هي قبلت قضي الأمر، وإلا ضربها، فإن هي قبلت قضي الأمر، وإلا بعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها.
سيدنا علي يقول: "يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، وإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين". هل يجوز للحكمين أن يكون من غير الأقارب ؟
عندنا سؤال: هل يجوز للحكمين أن يكون من غير الأقارب؟ بعض العلماء قال: يجب أن يكونوا من الأقارب، لأن القريب أعلم ببواطن الأمور، وأقرب إلى الصلح، وبعضهم قال: يستحب أن يكونا من الأقارب، لو أن القاضي عين حكمين غريبين الحكمان يصحان أن يحكما بين الزوجين، أحياناً يكون الزوجان غريبين ليس لهما أقارب، رفعا أمرهما إلى القاضي المسلم، في بلد مسلم، فلابد للقاضي من أن يكلف حكمين ليسا قريبين، إذاً بعضهم قال: يجب أن يكونا قريبين، وبعضهم قال: يستحب يكونا قريبين، لأن القريب أقرب وأعلم، وأحرص على الوفاق
﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
صار هناك شقاقاً، شقاق مزمن مستمر، العلماء قالوا: الكلام موجه إلى الأسرتين معاً، لأن كل أسرة حريصة على نجاح زواج ابنتها، أو نجاح زواج ابنهم، فكأن الأسرتين يتعاونان على نجاح هذا المشروع فإذا صار هناك خللاً، فالخطاب موجه إلى الأسرتين، ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين :
عندنا حكم خامس: الحكمان هل يجوز لهما أن يفرقا بين الزوجين من دون أذنهما؟ الجواب: لا، لأنه:
﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾
هما مفوضان في الصلح، وأما في التفريق فلابد من أن يستأذن الزوجين، أحياناً يكون الزوج غاضباً غضباً شديداً، والزوجة أشد غضباً منه، لكن في النهاية لا يستغنيا عن بعضهما، الآن فورة، كل إنسان يتكلم كلاماً قاسياً جداً، فالحكم في الأعم الأرجح لا يجوز أن يتخذ قراراً بالتفريق، دون أن يوافق عليه الزوجان، هو مفوض بالصلح فقط: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾
هو مفوض من قبل الله بالصلح، فإذا أصلح بينهما فقراره نافذ، أما إذا أراد التفريق فلابد من موافقة الزوجين، لعل الزوجين يتراجعان.
أبو حنيفة رَضِي اللَّه عَنْه يقول: "ليس للحكمين أن يفرقا إلا برضا الزوجين". منهج المسلمين في معالجة الشقاق الزوجي :
أيها الأخوة: هذه الآية منهج للزوجين، أولاً: البيت مؤسسة تحتاج إلى قائد، من هو المؤهل؟ الذي تفوق في فن القيادة، عقل راجح، إدراك بعيد، والذي ينفق، يكسب المال وينفقه هذا هو القائد، الزوجة صالحة أو غير صالحة، إن كانت صالحة فهي طائعة قانتة حافظة لمال زوجها في غيبته، وحافظة لنفسها في غيبته، أما الشاذة المنحرفة، فهذه توجه أولاً، وتهجر ثانياً، وتضرب ضرباً غير مبرح بترك خبرة مؤلمة تحول بينها وبين أن تكسر وبين أن تطلق وهو أهون الشرين، والعلماء أجمعوا على أن تركه أفضل.
والشيء الأخير إذا كان هناك شقاقاً مزمناً، مستحكماً، لابد من التحكيم
﴿ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾
مفوضان بالصلح، وينبغي ألا يفكرا إلا بالصلح أما حينما يتخذان قراراً بالتفرق لابد من موافقة الزوجين، هذا منهج المسلمين في معالجة الشقاق الزوجي. الهجران يكون في البيت :
أضيف فكرةً مهمةً جداً متعلقة بآية أخرى.
﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾
[ سورة الطلاق: 1]
الهجران في البيت، المرأة إذا خرجت من بيت زوجها، أصغر مشكلة بينها وبين زوجها قد تنقلب إلى أكبر مشكلة وقد تنتهي بالطلاق، أما إذا بقيت في بيت الزوجية فأكبر مشكلة تتضاءل، وتنتهي بالصلح لذلك: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾
هذا منهج الأسرة المسلمة في معالجة الشقاق الزوجي.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 07:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الخامس )


الموضوع : الزواج من مشركة او كتابية او مشرك او كتابى





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شرح لبعض مفردات الآية التالية :
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس من: "شرح آيات الأحكام"، والآية اليوم قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[سورة البقرة: 221]
أيها الأخوة الكرام، كما هي خطة الدرس مع مفردات هذه الآية: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾
أي لا تتزوجوا الوثنيات، اللواتي يعبدن الأوثان، والمشركة في التعريف الدقيق هي التي تعبد الأوثان، وليس لها دين سماوي، ومثلها المشرك وقال بعضهم: إن المشركات تعم الكتابيات لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
[سورة التوبة: 30]
إلى قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[سورة الطور: 43]
الأمة المؤمنة؛ المملوكة بملك اليمين، وهي التي تقابل الحرة، هذه الكلمة وردت في آية أخرى جمعاً، قال تعالى: ﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
[سورة النور: 32]
هذا أمر، لكن العلماء قالوا: هو أمر ندب. أنواع الأمر في القرآن الكريم :
هناك أمر وجوب، وأمر ندبٍ، وأمر إباحةٍ، وأمر تهديد، أمر الندب أي أن هذه الآية وجهت إلى مجموع الأمة http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7528/ar-7528/01.jpg
إذاً ينبغي أن تعمل الأمة مجتمعةً وأولي الأمر معاً على تزويج كل من لا زوج ولا زوجة له، يعني أي فرد ليس له طرف آخر، امرأة كانت أو رجلاً، فالمرأة يجب أن نعمل على تزويجها، ثيباً كانت أو بكراً، والرجل أرملاً كان أو أعذباً، يجب أن نعمل على تزويجه، والحقيقة العمل على التزويج يكون بتسهيل سبل الزواج، تسهيل سبل الزواج لمن لا زوجة له، أو لمن لا زوج لها، أمر ندب من خلال هذه الآية:
﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
[ سورة النور: 132 ]
الأيامى؛ جمع أيم؛ والأيم هو الشخص الذي لا طرف آخر له، شاب أعذب، أيم فتاة عذباء، أيم رجل أرمل، أيم امرأة أرملة، أيم كل رجل لا زوجة له، أو امرأة لا زوج لها، يجب أن نسعى لتزويجه أو لتزويجها، لأن الزواج سنة الله في خلقه هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾
إذاً يجب أن نسعى جميعاً لتحقيق هذه الآية، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح))
[ أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي رهم السمعي ]
الأمة المؤمنة بالله ورسوله أفضل من الحرة المشركة :
الآية أيها الأخوة،
﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7528/ar-7528/02.jpg
أي: أيها المؤمنون لا تتزوجوا المشركات، إلا أن يؤمن بالله ورسوله، فإذا آمن بالله ورسوله لك الحق أن تتزوجها ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
أي أمة، جارية، مؤمنة بالله، تعرف ربها، تعرف حق زوجها، تعرف حقائق دينها، تتحجب عن الأجانب، تصدق بلسانها، ترعى زوجها، ترعى أولادها، هذه الأمة المؤمنة تأخذ بيد أولادها إلى الله، تأخذ بيد أولادها إلى الجنة، تعين زوجها على طاعة الله، تحصنه، تكون في عونه ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾
أي مؤمنة بالله وبرسوله أفضل من حرة مشركة، المشركة بجمالها ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
كل المسلمين يقرؤون القرآن الكريم، فإذا قرأ الإنسان القرآن الكريم، وانتهى من قرأته، وقال: صدق الله العظيم، ثم أراد أن يتزوج فبحث عن امرأة ذات منصب، وجمال ولم يعبأ برقة دينها، ولم يهتم بتركها الصلاة، و لم يهتم أنها نشأت في بيت غير مؤمن، في بيت متفلت، هذا الذي يفعل هذا، ويقرأ القرآن الكريم، ما قال حقيقة: صدق الله العظيم، سلوكه لا يؤكد أنه صدق ربه، ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
لأنه: "من تزوج المرأة لجمالها - كما ورد في بعض الأحاديث - أذله الله، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك". من اتخذ قراراً ارتجالاً في ساعة غفلة جرّ عليه متاعب لا تعد و لا تحصى :
أيها الأخوة الأكارم، في الحياة شيء اسمه قرار مصيري، أي قرار تتبعك تبعاته إلى نهاية الحياة، ساعة من ساعات اتخاذ القرار اتخذت قراراً أن تتزوج مشركة، أنت مسافر في بلد غربي تزوجت مشركة، هذا القرار المرتجل ربما جرّ عليك عواقب لا تنتهي إلى نهاية الحياة، لك من هذه الزوجة أولاد، وأولادك شيء ثمين جداً، إنهم فلذات أكبادك، فإذا سلكت في تربيتهم طريقة غير إسلامية لا تحتمل، وإذا أرادت أن تعود إلى بلدها وتأخذهم لا تحتمل، وإذا سايرتهم فيما تفعل لا تحتمل، وإن أقررتها على عملها لا تحتمل، وإن رأيت أولادك يعادونك بسبب توجيهاتها لا تحتمل، وإن رأيت أولادك قد سلكوا ديناً آخر لا تحتمل، فهذا القرار الذي تتخذه ارتجالاً في ساعة غفلة تجر عليك متاعبه متاعب لا تعد ولا تحصى، لذلك ربنا عز وجل يقول:
﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
لي صديق ذهب إلى بلد شمالي، ودرس هناك الرياضيات، وتزوج من هناك، جاءني مرة مع أولاده إلى المسجد، وعينه مليئة بالدموع قال لي: إنها تربيهم على الإلحاد، ماذا أفعل؟ هي أمهم، والطفل يتعلق بأمه وتأخذهم كل عام إلى بلادها تمضي شهراً أو أكثر، تلقنهم مبادئ الإلحاد، وتربيهم تربية لا تتصل بمبادئ الإسلام، وهو لا يستطيع لا أن يطلقها، ولا أن يبقيها، ولا أن يربي أولاده، ولا أن يهملهم، ولا أن يدعهم. قرار الزواج هو أخطر قرار يتخذه الإنسان في حياته :
أخواننا الكرام، لعلي لا أبالغ إذا قلت: إن أخطر قرار تتخذه هو قرار الزواج، البيت تبيعه، والحرفة تغيرها، والمركبة تستبدلها، أما الزوجة أم أولادك، أم فلذات أكبادك، فماذا تفعل بها؟ لذلك ربنا عز وجل يقول:
﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
أي الذي عنده زوجة تعينه على طاعة الله، تطيعه إذا أمرها، تحفظه إذا غاب عنها، تحفظه في نفسها، و ماله، تسره إذا نظر إليها، هذه نعمة كبرى من نعم الله عز وجل، لذلك لا ينبغي أن نفرط بزوجة مؤمنة، ولا أن نستهين بها، ولا أن نقسو عليها، ولا أن نحملها ما لا تطيق، لأننا إذا فعلنا ذلك كفرنا بنعمة الزوجة الصالحة، والدنيا كلها متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة: ﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
زواج الإنسان من فتاة مؤمنة هو أحد أكبر الأسباب التي تقربه من الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام: البارحة زارني صديق، قال لي: خطبت امرأة تروق لي، رأيت من سوء أخلاقها، ومن رقة دينها، ومن تفلتها، ومن هبوط مستوى أهلها ما لا يطاق، و أنا الآن أبحث عن مؤمنة ولا أزيد عليها صفة واحدة، أية فتاة بصرف النظر عن شكلها، وعن قوامها، لا أطالب إلا بصفة واحدة أن تكون مؤمنة، دفع الثمن باهظاً وله منها ولدان، يا أيها الأخوة الكرام: القضية خطيرة جداً، ومصيرية:
﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
طبعاً كل واحد منكم وأنا معكم حولنا قصص كثيرة جداً عن أناس ذهبوا إلى بلاد الغرب وتزوجوا مشركة، وهم يئنون من الألم، يكاد قلبهم يتفطر من الندم، تكاد نفسهم تنسحق من القهر. الزوجة المشركة تقود زوجها إلى النار :
إذاً:
﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
لماذا ؟ قال: ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7528/ar-7528/03.jpg
هذه الزوجة المشركة تقود زوجها إلى النار، تفلتها، تكشفها، إباحيتها.
لي قريب له ابن درس في بلاد الغرب، وجاء بامرأة، قال لي: و الله الشيء الذي لا أحتمله أن هذه المرأة تحاول أن تمارس حمام الشمس على السطح، والبيوت كلها حولها تشرئب إليها، حمام شمسي شبه عارية، على سطح البناء، وحولها أبنية مرتفعة، والنوافذ كلها مطلة عليها، هكذا، هذه المشركة التي جاء بها ابنه من بلاد الغرب، بلاد الغرب لهم عادات لا يحتملها إنسان مسلم ولا ثانية، أي شيء طبيعي جداً أن تخونه مع أي إنسان آخر، قضية بسيطة وكأنها لم تفعل شيئاً، ويخونها وكأنه لم يفعل شيئاً، وهناك قصة مشهورة تعد نموذجاً لهؤلاء الذي يعيشون متفلتين من منهج الله.
في هذه البلاد البعيدة التي تفلتت من كل منهج سماوي، شاب رأى فتاة أعجبته فاستأذن والده من الزواج منها، قال له: يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فلما رأى فتاة ثانية فأعجبته، استأذن أباه ثانية، قال: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري أيضاً، فلما رأى فتاة ثالثة أعجبته فاستأذن أباه ثالثة، قال: لا يا بني إنها أختك أيضاً وأمك لا تدري، ضجر الشاب أشد الضجر من والده، فشكا إلى أمه، قالت له: خذ ما شئت ولا تبالي فإنك لست ابنه وهو لا يدري.
هكذا، هكذا يعيشون، سمعت من أحد الأصدقاء عن خبير مقيم في بلدنا، مضى على إقامته سنتان ونصف، أقام حفلة لأصدقائه في العمل بمناسبة أنه أنجب طفلاً، بقي هنا سنتان ونصف أخبرته زوجته أنها وضعت طفلاً، فقالوا له: هذا ليس منك، قال: ليس مشكلة، لقد أنجبت غلاماً وها أنا أدعوكم للاحتفال بهذا الغلام، فوضى لا تنتهي، قلت لكم قبل درسين أو أكثر: في الوزارة البريطانية الجديدة أحد وزرائها وزير الصحة، يقول في مؤتمر صحفي أنه شاذ جنسياً، في مؤتمر صحفي ولا يستحي بذلك، هؤلاء. ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
أنت كمؤمن عندك شيء واحد يجب ألا يعلو عليه شيء، أي شيء يقربك من الله يجب أن تفعله، وأي شيء يبعدك عن الله يجب أن تتركه، وزواجك من فتاة مؤمنة هو أحد أكبر الأسباب التي تقربك من الله عز وجل. أسباب نزول الآية السابقة :
هناك بعض العلماء الذين يتحدثون عن سبب نزول هذه الآية، قال: روي أن هذه الآية نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي الذي كان يحمل الأسرى من مكة إلى المدينة، وكانت له في الجاهلية صلة بامرأة تسمى عناقاً، فأتته و دعته إلى الخلوة؟‍‍ قال: ويحك إن الإسلام قد حال بيننا، قالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئاً، فنزلت هذه الآية:
﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
هذه مشركة، الإمام السيوطي يقول: لا ليست هذه قصة هذه الآية، ولكن سبب نزولها ما روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحه، وكانت له أمة سوداء، وأنه غضب عليها فلطمها، ثم إنه فزع فأتى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره خبرها، فقال له النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما هي يا عبد الله؟ قال يا رسول الله: هي تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله، فقال يا عبد الله: هذه مؤمنة، فقال الصحابي الجليل: والذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، وفعل، فعابه ناس من المسلمين، فقالوا: نكح أمة وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رغبة في أحسابهن فنزلت هذه الآية، هاتان القصتان وردتا في أسباب نزول هذه الآية. الفرق بين نكح فلان فلانة و نكح فلان امرأته :
طبعاً لاحظتم في الآية:
﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
أما الثانية: ﴿ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7528/ar-7528/04.jpg
الحقيقة لا تنكحوا بضم التاء هنا لأنه رباعي، الفعل الرباعي أنكح نكح وأنكح، نكح ثلاثي مضارعه ينكح: ﴿ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
أما أنكح فلان فلانة فصار فعلاً متعدياً رباعياً، مضارعه: ﴿ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
قال: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
الواو للحال، لو هنا بمعنى إن، وإن أعجبتكم، من لطائف التفسير، المراد بالنكاح هنا العقد بالإجماع، كلمة نكح امرأة أي عقد عليها عقد الزواج، نكح بمعنى عقد، المراد بالنكاح هنا العقد بالإجماع، أي لا تتزوجوا المشركات، والمراد بالنكاح العقد لا الوطء أي إجراء العقد اسمه عقد نكاح، وقيل إنه لم يرد في القرآن الكريم بمعنى الوطء أصلاً، لأن القرآن يكني وهذا من لطيف ألفاظه، قال ابن جني: سألت أبا علي عن قولهم نكح المرأة فقال: فرقت العرب بالاستعمال فرقاً لطيفاً حتى لا يحصل الالتباس، إذا قالوا: نكح فلان فلانة أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها، أما إذا قالوا: نكح امرأته، أو زوجته فأرادوا المجامعة، الوطء، فإذا ذكر: نكح فلان فلانة أي عقد عليها عقد زواج، أما نكح امرأته أي اقترب منها. مراعاة الخلق و الدين في الزواج :
اللطيفة الثانية في قوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-7/7528/ar-7528/05.jpg

﴿ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
إشارة لطيفة إلى أن الذي ينبغي أن يراعى في الزواج الخلق والدين، لا الجمال ولا الحسب و المال: ﴿ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
لأن هذا الشيء الذي يعجب بالمرأة يستهلك سريعاً، وتبقى أصالتها، وأخلاقها، وتربيتها، ودينها، وعفتها، ووفاءها، الشيء الذي يعجب الرجل بالمرأة يستهلك سريعاً، وتبقى الأشياء الأصيلة هي التي تحكم نجاح الزواج، لذلك ورد عن رسول صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ وَلا تَزَوَّجُوهُنَّ لأمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ، وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ ))
[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
المغفرة قبل دخول الجنة إلا في الآية التالية من باب مراعاة النظير في البلاغة :
اللطيفة الثالثة: من المعلوم أن المغفرة قبل دخول الجنة، لذلك قال تعالى:
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 133]
أما في هذه الآية فقدمت الجنة هنا برعاية مقابلة النار قال تعالى في هذه الآية: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[سورة البقرة: 221]
هنا تأخرت المغفرة على الجنة خلافاً لنظام القرآن الكريم، تأتي المغفرة أولاً ثم الجنة ثانية، هذه مراعاة النظير في البلاغة. المطابقة و المقابلة :
هناك شيء سادس في هذه الآية ما يسمى بالمقابلة، عندنا مطابقة وعندنا مقابلة، فالمطابقة مثلاً في قوله تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾
[ سورة النجم: 43]
هذه مطابقة: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾
[ سورة النجم: 44]
أما المقابلة فتداخل طباقين أو أكثر: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[سورة البقرة: 221]
المقابلة: الأمة يقابلها العبد، والجنة تقابلها النار، هذه المقابلة بالبلاغة، إذاً هناك مقابلة، وتقديم الجنة على المغفرة، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا تنكح النساء لحسنهن لا تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ وَلا تَزَوَّجُوهُنَّ لأمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالُهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ أَفْضَلُ ))
والفرق بين نكح بمعنى عقد العقد، ومعنى اللقاء الزوجي. الأحكام الشرعية لهذه الآية :
1 ـ يجوز الزواج من الكتابيات :
الآن مع الأحكام الشرعية لهذه الآية: الكتابيات يجوز الزواج منهن، والدليل قول الله عز وجل:
﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾
[سورة المائدة: 5]
أي أحل لكم أن تتزوجوا: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾
[سورة المائدة: 5]
ففي نص هذه الآية يجوز الزواج من الكتابيات، لكن هناك سؤال الآن: هل المرأة التي تعيش الآن في أوروبا وأمريكا هل هي كتابية أم وثنية ؟ يغلب على الظن أن انتماء هؤلاء النسوة في الغرب إلى الدين المسيحي انتماء معدوم أو شكلي لذلك هناك فتوى تحرم الزواج من الكتابيات لأنهن لسن كتابيات.
2 ـ ارتباط هذه الآية بقوة الدين :
الشيء الثاني: حينما كان الإسلام قوياً، هذه الآية مرتبطة بقوة الدين، لأن الابن يتبع أقوى الأبوين، أما إذا كان أقوى الأبوين هي المرأة، ودينها هو المسيطر والأقوى وهو في بلادهم، ففي الأعم الأغلب أن الأبناء ينشؤون على دين أمهم، هذا خطر كبير، عندنا في الفقه حقيقة، هي باب سد الذرائع، أي زراعة العنب لا يمكن أن تكون محرمة، إلا في حالة واحدة إذا زرع العنب ليباع لمعاصر الخمر، عندئذٍ يحرم العنب وتحرم زراعته لا لذاته بل لعلة خارجة عنه هو أنه يزرع ليباع في معاصر الخمر.
إذاً المرأة الكتابية، إذا كان من الممكن أن يتبع أولادها دين أمهم، أو أن يتبع الأولاد دين أقوى الأبوين، أو أن هذه المرأة ليست كتابية إطلاقاً، إنما هي ملحدة، علمانية، وثنية، إذاً هناك تحريم للزواج منهن من باب سد الذرائع.
على كلٍّ ابن عمر رَضِي اللَّه عَنْهما ذهب إلى تحريم نكاح الكتابيات، وكان إذا سئل عن نكاح رجل الكتابية؟ قال: حرم الله المشركات على المسلمين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله تعالى، أما حجة الجمهور في إباحة الزواج من الكتابية هو أن لفظ المشركات لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى:
﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة البقرة: 105 ]
فقد عطف المشركين على أهل الكتاب، والعطف يقتضي المغايرة، أي هؤلاء شيء، وهؤلاء شيء آخر. الأخطار التي تتأتى من زواج المسلم بكتابية أكبر بكثير من الإيجابيات :

إذاً ظاهر لفظ المشركات لا يتناول الكتابيات، هذه حجة جمهور العلماء، واستدلوا لما روي عن السلف في إباحة الزواج بالكتابيات فقد قال قتادة في تفسير الآية: إن المراد بالمشركات مشركات العرب، اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه، أي وثنيات العرب، وعن حماد قال: سألت إبراهيم عن تزوج الكتابية فقال: لا بأس به، فقلت: أليس الله سبحانه وتعالى يقول: "ولا تنكحوا المشركات"، فقال إنما تلك المجوسيات، وأهل الأوثان، هذا رأي جمهور الفقهاء.
وقالوا: لا يجوز أن تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة، لأن البقرة من أول ما نزل في المدينة، والمائدة من آخر ما نزل، والقاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم لا العكس، هذه حجة أخرى لجمهور العلماء الذين يجيزون الزواج بالكتابيات.
واستدلوا بما روي أن حذيفة تزوج كتابية، فكتب عمر إليه خلِّ سبيلها، فكتب إليه أحرام أن أتزوجها فأخلي سبيلها؟ قال: لكن لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تتعاطوا المنحرفات منهن.
وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، لقوله عليه السلام:" سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ".
أيها الأخوة: موضوع الزواج بالكتابية موضوع خلافي، هناك من يحرم، وهناك من يحلل، ولكل فريق أدلته، إلا أن الذي يهمنا الآن أن الأخطار التي تتأتى من زواج المسلم بكتابية أكبر بكثير من الإيجابيات، أكبر خطر إلا أن الأولاد يتبعون أقوى الأبوين، وربما نشأ الأولاد على دين أمهم، وعلى انحراف أمهم، وهذا شيء خطير.
المشركون الذين يحرم تزويجهم :
من هم المشركون الذين يحرم تزويجهم؟ قال تعالى:
﴿ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
دلت هذه الآية على حرمة تزويج المشرك بالمسلمة، أي المسلمة لا يمكن أن تتزوج بمشرك، والمراد هنا بالمشرك كل كافر لا يدين بدين الإسلام، فيشمل الوثني، والمجوسي، والكتابي، والمرتد عن الإسلام، كل هؤلاء يحرم تزويجهم بالمسلمة، والعلة في ذلك أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فللمسلم أن يتزوج بالكتابية، وليس للكتابي أن يتزوج بالمسلمة، وقد بين الله جل جلاله السبب بقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾
[ سورة البقرة: 221 ]
أي يدعون إلى الكفر، والذي هو سبب دخول نار جهنم، فالرجل له سلطة وولاية على المرأة، فربما أجبرها على ترك دينها، وحملها على أن تدين بالإسلام، والأولاد يتبعون الأب، فإذا كان الأب غير مسلم رباهم على غير الإسلام، فيصير الولد تابعاً للأب، وهذه مشكلة كبيرة، طبعاً هذه الحجة بالإجماع لا يجوز للمسلمة أن تتزوج لا بكافر، ولا بوثني، ولا بكتابي، ولا بمرتد، لأن للزواج نظاماً، الرجل هو الأقوى، وهو المسيطر، لو أن الأقوى هو المسلم ربما حمل امرأته على الإسلام، أو ربما ربى أولاده تربية إسلامية، وفي الأعم الأغلب قد لا يستطيع، فكيف بالعكس؟ لا يجوز إطلاقاً.
عندنا نقطة دقيقة جداً هي أن المسلم يؤمن بسيدنا موسى، ويؤمن بسيدنا عيسى، ويعظم سيدنا موسى، ويعظم سيدنا عيسى، لذلك لو أن مسلماً تزوج كتابية، ليس هناك تناقضاً، هو يؤمن بالأنبياء الذين جاؤوا بالتوراة والإنجيل، بينما هي لا تؤمن بالذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، أي اختلاف الدين، إذا كان الزوج غير مسلم فهناك أذى كبير أما العكس فليس فيه أذى، لأن المسلم يؤمن بدين زوجته، وبنبي زوجته، إذاً يحترمها من جهة، وهو القائد، وهو صاحب القوام. خمسة أحكام مستنبطة من الآية التالية :
نصل من هذا الدرس إلى هذه النقاط التالية:
أولاً: حرمة الزواج بالمشركة الوثنية التي ليس لها كتاب سماوي.
ثانياً: حرمة تزويج الكفار من النساء المسلمات، أيضاً هذا حرام.
ثالثاً: إباحة الزواج من الكتابية إذا لم يخش الضرر على الأولاد، أي عندنا إباحة وعندنا سد ذرائع، إذا أدى الزواج بالكتابية إلى ضياع الأولاد، وإلى انحرافهم، وإلى اتباع دين أمهم، لا يجوز.
رابعاً: التفاوت بين الناس بالعمل الصالح فالأمة المؤمنة أفضل من الحرة المشركة.
خامساً: المشرك يجهد نفسه لحمل المؤمنة على الكفر بالله فلا يليق أن يقترن بها.
هذه خمسة أحكام مستنبطة من هذه الآية التي هي قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[سورة البقرة: 221]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 07:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( السادس )


الموضوع : كتم العلم والاجر علية . سورة البقرة







الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تعريف الكتمان :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس من: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 159-160 ]
أيها الأخوة الكرام، الكتمان: الإخفاء والستر، والكتمان بشكل أخص ستر الحديث، كتمته كتماً وكتماناً، والكتم: ترك إظهار الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره، وقد يكون هذا الكتمان بمجرد ستر، وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر مكانه، واليهود قاتلهم الله ارتكبوا كلا الأمرين، أخفوا الحقائق ووضعوا مقولات مكانها ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾
هذا هو الكتمان. من خشي غير الله سكت عن الحق :
أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 39 ]
لو أن الداعية خشي غير الله لسكت عن الحق، أي كتم العلم، كتم الحكم الشرعي، كتم حقيقة الدين، كتم ما ينبغي أن ينطق به، وإذا تكلم بخلاف الحق، تكلم بخلاف الحق إرضاءً لمن يخاف منه، وسكت عن الحق إرضاءً لمن يخاف منه، تكلم بخلاف الحق إرضاءً لمن يخاف منه، وكتم الحق إرضاءً لمن يخاف منه، ماذا بقي من دعوته؟ انتهت دعوته، إذاً تكاد هذه الصفة تكون جامعةً مانعةً، تكاد هذه الصفة تكون مترابطةً مع الموصوف ترابطاً وجودياً: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 39 ]
تعريف البينات و الهدى :
أيها الأخوة، البينات: الآيات الواضحات الدالة على الحق، البينات آيات واضحات قد تكون عقليةً أو حسيةً، تعلمون أنني حينما أمسك بشيء أعرف وزنه ونعومته، و أرى لونه، وقد أسمع صوته، هذه بينات حسية أدركها بالحواس الخمسة، أما حينما أدرك أن في هذا المسجد طاقةً كهربائية فلا أراها، ولكنني أرى آثارها نقول: هذه الآثار- تألق المصابيح، وتكبير الصوت، وحركة هذه المراوح- آثار طاقةٍ كهربائية، أنا أعتقد جازماً أن هناك طاقة كهربائية بالطريقة العقلية، بالاستدلال العقلي، فالبينات قد تكون حسيةً، وقد تكون عقليةً، وسمي البيان بياناً لكشفه عن المعنى المقصود، وقد ورد في الأثر أن: "البيان يطرد الشيطان"، بيّن وضح.
كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يمشي ليلاً مع زوجته صفية رأى صحابيين جليلين فقال: على رسلكما فوقفا، قال: هذه زوجتي، قالوا: أفيك نشك؟ قال: لئلا يدخل عليكما الشيطان.
وعلى هذه القصة، أو على هذا الموقف النبوي الكريم تبنى آلاف الحقائق، وضح، بيّن، أعطِ الدليل، بيّن القصد:
((قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))
[ ابن ماجه عن العرباض ]
والبينات بالمعنى المخصوص: ما أنزله الله في التوراة والإنجيل من أمر محمد عليه الصلاة والسلام، في التوراة والإنجيل ذكر الله عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال في كتابه العزيز: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
[ سورة الصف: 6 ]
أما الهدى، كتموا البينات حسية كانت أو عقلية وكتموا الهدى، والهدى كل شيء دلك على الخير، كل شيء دلك على الرشد من الهداية، الهدى ما تهتدي به من الخير إلى الرشد إلى السلامة إلى السعادة، يهديهم سبل السلام، قال بعض العلماء: "المراد بالهدى الآيات الهادية إلى وجوب الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام، ووجوب اتباعه،عبر عنها بالمصدر مبالغةً، هؤلاء يكتمون البينات، الأدلة الحسية والعقلية الدالة على وجود الله، ووحدانيته، وكماله، وعلى نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى منهجه القويم. أقصى عقاب ينزل بالإنسان أن يلعنه الله عز وجل :
الكلمة الثالثة: أولئك يلعنهم الله، أي يطردهم ويبعدهم من رحمته، ولعل أخطر عقاب ينزل بالإنسان أن يلعنه الله، لعل أقصى عقاب ينزل بالإنسان أن يلعنه الله، أي يبعده، بل إن الحجاب يوم القيامة هو العذاب الأكبر، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
[ سورة المطففين: 15 ]
جزاء المؤمنين يوم القيامة :
أما المؤمنون فقال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾
[ سورة القيامة: 22-23 ]
وقد ورد في الحديث الشريف أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كما نرى البدر ليلة النصف.
وقد ورد أيضاً أن الذي يرى وجه الله عز وجل يوم القيامة يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة.
لذلك هناك جنة عرضها السموات والأرض فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين، فيها حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، جنات تجري من تحتها الأنهار، وفوق كل هذا نظرة إلى وجه الله الكريم، هذا ما تعنيه الآية الكريمة: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
[ سورة يونس: 26 ]
أي الجنة، ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾
النظر إلى وجه الله الكريم، وهل فوق هذا من مقام؟ نعم وفوق هذا ﴿ورِضْوَان منَ الله﴾
جنة، نظرة، رضوان. الكافر ملعون عند الله و الملائكة و الناس أجمعين :
أما هؤلاء الكفار الذين أساؤوا في الدنيا، وبنوا مجدهم على أنقاض الناس، بنوا مجدهم على خوفهم، بنوا غناهم على فقرهم، بنوا عزهم على ذلهم، بنوا حياتهم على موتهم، فهؤلاء عن ربهم محجوبون، ويلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون.
هؤلاء الذين يلعنوا كما قال بعض المفسرين: هم الملائكة والأنبياء وجميع الناس، الإنسان أحياناً يكون ملعوناً عند الله، وعند الخلق، وعند نفسه، لأن فطرته تلعنه.
ليس العار أن تخطئ ولكن العار أن تبقى مخطئاً :
ثم قال تعالى:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة البقرة : 160]
أي رجعوا عن الكتمان وبينوا، هذا ماذا يعطينا؟ يعطينا أنك إذا كنت على خطأ، إذا كنت منحرف العقيدة ثم بدت لك الحقيقة، ما الذي يكفر عنك ذنبك؟ أن ترجع إلى الصواب، وأن تعلن هذا الرجوع، كان سيدنا عمر وقافاً عند كتاب الله، لذلك هناك فضيلة قلما ينتبه إليها أحد، ما هذه الفضيلة؟ الرجوع إلى الحق، لا تأخذك العزة بالإثم، قل: كنت مخطئاً، قل: هذه غابت عن ذهني، استغفر ربك من كل عقيدة فاسدة، وعد إلى الصواب، ولا تخش لومة لائم، أما هؤلاء الذين يركبون رؤوسهم، ويصرون على أخطائهم الشنيعة، حفاظاً على مكانتهم فإنهم ساء ما يفعلون، لا تعلم أنت حينما تعود إلى الحق وترجع إليه كم يرفعك الله عنده إلى أعلى عليين، لا تخشَ الفضيحة، لا تخش أن يقول الناس: كان مخطئاً، إذا قال الناس: كان مخطئاً وعاد إلى الصواب هذا أفضل ألف مرة من أن تركب رأسك وتبقى على الخطأ.
عندي مقولة أقولها دائماً: ليس العار أن تخطئ ولكن العار أن تبقى مخطئاً، ليس العار أن تجهل لكن العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تنحرف ولكن العار أن تبقى منحرفاً، وما دام القلب ينبض فباب النجاة مفتوح، باب التوبة مفتوح، باب التصحيح مفتوح، باب الصلح مع الله مفتوح على مصراعيه، أصل اللعن الإبعاد والطرد. أصل التوبة الرجوع والندم :
أيها الأخوة الكرام:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة البقرة : 160]
رجعوا عن الكتمان، وأصل التوبة الرجوع والندم، وأصلحوا أي أصلحوا ما أفسدوا بأن أزالوا الكلام المحرم، إنسان ألّف كتاباً كله ضلالات وهو على فراش الموت رفع أصبعه إلى الله، وتاب من هذه الأفكار التي بثها في الكتاب، هل تقبل هذه التوبة؟ لا، إنه تاب ولكن كتابه لم يتب، لابد من أن تبين، لابد من أن تصحح، لابد من أن تصرح، لابد من أن تصدر كتاباً آخر تقول: كنت على خطأ وعدت إلى الصواب، هذا الذي يبتغي وجه الله، هذا الذي يبتغي وجه الله عز وجل لا تعنيه مكانته بقدر ما يعنيه أن يكون على الحق.
أصلحوا أي أصلحوا بكلامهم ما أفسدوا بكلامهم، أصلحوا بعملهم ما أفسدوا بعملهم، وبينوا أي أظهروا للناس ما كانوا كتموه من أوصاف محمد صلى الله عليه وسلم، هذا المعنى الضيق.
وأنا التواب الرحيم، التواب صيغة مبالغة، و صيغة المبالغة إذا عزيت لأسماء الله الحسنى فتعني شيئين، تعني أنه شديد التوبة كماً ونوعاً، أي يتوب على أكبر ذنب، ويتوب عن مليون ذنب، وأنا التواب الرحيم. إخفاء أهل الكتاب أوصاف النبي محمد من كتبهم و كتمهم الحق :
أيها الأخوة الكرام، أهل الكتاب في توراتهم وإنجيلهم ذكر دقيق لأوصاف محمدٍ صلى الله عليه وسلم يؤكد هذا قول الله عز وجل:
﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
[ سورة الصف: 6 ]
إلا أن هؤلاء أهل الكتاب حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وبعثه الله رحمة للعالمين، أخفوا أوصاف النبي من كتبهم، وامتنعوا عن أن يصرحوا بها بألسنتهم، فكتموا الحق، ولعل هذا هو سبب نزول هذه الآية، بعض الصحابة سألوا نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه، وأبوا أن يخبروهم فأنزل الله فيهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 159]
للآية التالية لطائف كثيرة منها :
1 ـ الكتاب أي جنس الكتاب الذي ينزله الله عز وجل على أنبيائه :
أيها الأخوة الكرام، لهذه الآية لطائف كثيرة، اللطيفة الأولى الآية الكريمة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 159]
في الكتاب، قال: الكتاب أي جنس الكتاب الذي ينزله الله عز وجل على أنبيائه يعني التوراة والإنجيل، هذه الـ اسمها الـ الجنس كأن تقول: والعصر إن الإنسان لفي خسر، الإنسان جنس الإنسان كائن من كان، لأنه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، إذاً مضي الزمن يستهلكه، فالخسارة المحققة هو أن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، إن الإنسان الألف واللام، الـ الجنس، إن جنس الإنسان لفي خسارة، وهنا: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾
أي في الكتب المنزلة السابقة، الـ الجنس، أو إن قلت: المقصود بالكتاب التوراة والإنجيل المعهودين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أصبحت الـ العهد.
2 ـ الالتفات :
هناك شيء آخر، قال: أولئك، كلكم يعلم أن أولئك اسم إشارة يفيد الشيء البعيد تقول: ذا، وذلك، ذلك تفيد الشيء البعيد، وذا تفيد الشيء القريب، أولاء أمامك، أولئك بعيدون عنك، ماذا يفيد هذا البعد؟ هو ليس بعداً ولكنه إبعاد، الشيء القميء تبعده عنك، أولئك يلعنهم الله في آية أخرى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴾
[ سورة الإنسان: 27 ]
هذا البعد في الإشارة يفيد إلى دناءتهم، وإلى انحطاطهم، وإلى أنهم عملوا عملاً أغضب الله عز وجل هذه اللطيفة الثانية، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، جواب أولئك جملتان فعليتان، يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ماذا تعني الجملة الفعلية؟ تعني الاستمرار، يلعنهم الله، الفعل المضارع تقريباً يساوي اسم الفاعل، فلان قائم، فلان دارس، فلان يدرس، المضارع يفيد الاستمرار، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة الصافات: 102 ]
يرى كثيراً، استمرت هذه الرؤية فانظر ماذا ترى؟ المضارع يفيد الاستمرار، المضارع يكافئ التركيب الاسمي، التركيب الاسمي يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والانقطاع، دخل فلان حدث الدخول وانقطع الدخول، أكل فلان حدث الأكل وانتهى الأكل، نام فلان حدث النوم وانتهى النوم، أما فلان يأكل، فلان يدرس ففيه استمرار، فلان دارس اسم، فأقرب فعل إلى التركيب الاسمي هو الفعل المضارع، لذلك حينما أراد الله عز وجل أن يبين عمق العلاقة بين المؤمنين قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة الحجرات: 10 ]
تركيب اسمي، مسند ومسند إليه، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾
أولئك يقتضي السياق أن يقال: أولئك نلعنهم، الله متكلم فلماذا قال: أولئك يلعنهم الله؟ هذا أسلوب في البلاغة اسمه الالتفات، الكلام له سياق، سياق المتكلم، أو سياق المخاطب، أو سياق الغائب، في القرآن أسلوب بلاغي رائع، أحياناً ينقطع أسلوب المخاطب ويأتي أسلوب الغائب، ينقطع أسلوب الغائب ويأتي أسلوب المخاطب أو المتكلم، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 159 ]
أي عدلت هذه الصيغة عن أن تكون أولئك نلعنهم إلى قوله تعالى أولئك يلعنهم الله، أي عدلنا من الإضمار إلى الظاهر، وهذا التركيب اسمه التفات، والالتفات هدفه إحداث تأكيد لفت نظر.
3 ـ الجناس المغاير :
اللطيفة الثالثة: يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون هذا جناس، اسمه جناس مغاير، أي جناس بين الفعل والاسم، ما الجناس؟ توافق كلمتين باللفظ واختلافهما في المعنى، هل في القرآن جناس؟ نعم، قال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾
[ سورة الروم : 55]
الساعة الأولى قيام الساعة، والساعة الثانية ساعة زمنية، يقيني بالله يقيني أي يقيني بالله يحفظني، هناك أمثلة كثيرة على الجناس، هذا جناس مغاير يلعنهم اللاعنون الأولى فعل والثانية اسم من مادة لعن، أنتم أحياناً تتأثرون بكلام الله لكن قد لا تملكون تعليل هذا التأثر، أما علماء البلاغة فيبينون أين وجه الجمال في هذه الآية؟
فيها التفات، فيها تركيب فعلي يفيد الاستمرار، فيها مضاعفة الخبر، فيها جناس مغاير، ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
4 ـ صيغ المبالغة :
اللطيفة الرابعة: وأنا التواب الرحيم، جاءت مبالغة أتوب على كل العباد، أتوب مهما كانت ذنوبهم كبيرة، أتوب عليهم مهما كانت ذنوبهم كثيرة، مهما كانت كبيرة، ومهما كانت كثيرة، هذا معنى أنا التواب الرحيم.
الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية :
1 ـ هذه الآية نزلت في أحبار أهل الكتاب و لكنها تشمل كل من يكتم العلم :
أيها الأخوة الكرام، لابد من وقفةٍ عند الأحكام الشرعية المستنبطة من هذه الآية الكريمة.
الحكم الأول: أصل هذه الآية نزلت في أحبار أهل الكتاب، ولكن القاعدة الشهيرة دققوا في هذه القاعدة، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، العبرة بعموم اللفظ مع أنها نزلت في أحبار اليهود وعلماء النصارى إلا أنها تعني كل من يكتم العلم إلى يوم القيامة، كل عالم يعرف الحكم الشرعي ويكتمه خوفاً أو طمعاً تنطبق عليه هذه الآية، فلذلك أمانة العلم أمانة كبيرة جداً، العلماء كما قال عليه الصلاة والسلام ورثة الأنبياء، أبو حنيفة النعمان رأى غلاماً أمام حفرة قال: "إياك يا غلام أن تسقط، فقال: يا إمام بل أنت إياك أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم".
أنا لا أبالغ إذا قلت: إن أكبر مصيبة تصيب المسلمين أن تهتز مثلهم العليا، وأعداء الدين لا يعنيهم شيء أكثر من أن يهزوا هذه المثل العليا، والإنسان إذا فقد المثل الأعلى انتهى، يضيع، والمثل الأعلى حقيقةٌ مع البرهان عليها.
أيها الأخوة الكرام: الأظهر أن هذه الآية نزلت في الذين يكتمون العلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وقد فهم الصحابة الكرام من هذه الآية العموم، الحقيقة أيها الأخوة القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ، ليس كتاباً إخبارياً، إنه منهج حيوي، منهج حياة المسلم، فحينما تفهم كل آية أنها نزلت في زيد أو عبيد، وفي هذه المناسبة، وهذه عن فلان، وهذه عن فلان، جعلت كتاب الله كتاب تاريخ، كتاب أخبار، مع أنه كتاب هداية وبيان، فصحابة رسول الله رضوان الله عليهم فهموا هذه الآية لا على أنها خاصة باليهود والنصارى بل فهموها على أنها عامة تشمل كل من يكتم العلم، وأمانة العلم إظهاره.
والحقيقة من كتم علماً في دين الله يحتاج إلى بثه ونشره ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
وفي الأعم الأغلب إنسان يسكت يكتم العلم خوفاً أو طمعاً، ودققوا في هذه المقولة من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى، عن أحد أصحاب رسول الله روي أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بحديث، أي أنت جالس بجلسة، وانطرح موضوع، وتعرف حكم الشرع فيه، وتعرف الآية الكريمة، وتسكت حفاظاً على مكسب، أو حفاظاً على منصب، من يفعل هذا تنطبق عليه هذه الآية.
2 ـ لا يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن أو تعليم العلوم الدينية :
الحكم الثاني وهو دقيق جداً، العلماء استدلوا من قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 159 ]
على أنه لا يجوز أخذ الأجر على تعليم القرآن، أو تعليم العلوم الدينية، لأن الآية أمرت بإظهار العلم ونشره، وعدم كتمانه، ولا يستحق الإنسان أجراً على عمل يلزمه أداءه، هل يمكن أن تأخذ أجرة على أدائك للصلاة؟ يروى طرفة أن إنساناً جاهلاً في البادية أقنعوه أن يصلي، وأغروه أن يعطى من القمح الشيء الكثير عند الحصاد فصلى، أعطوه حين حل الموعد كيساً واحداً، هو يطمع بأكياس كثيرة، فقال: أنا كنت أصلي بلا وضوء، أي هل يمكن أن تأخذ أجراً على الصلاة؟ مستحيل، لذلك لا يجوز أن يأخذ الإنسان أجراً على تعليم القرآن لأنه فرض، قال: إلا أن المتأخرين من العلماء رأوا تهاون الناس، وعدم اكتراثهم بالعلم الشرعي، وعدم إتقانهم القرآن الكريم، فأجازوا من باب السياسة الشرعية وتحقيقاً للمصلحة، أباحوا أولاً أخذ الأجر على تعليم القرآن، عندنا ثلاثمئة ألف طالب في التعليم الإعدادي هؤلاء يحتاجون إلى مدرس تربية إسلامية يعلمهم القرآن الكريم والسنة والفقه، هذا متفرغ تفرغاً تاماً، وله أهل وأولاد، العلماء المتأخرون أجازوا أو أباحوا أخذ الأجر على تعليم القرآن، الحقيقة يوجد موقف دقيق لمن كان متفرغاً له.
لعلي أجمع بين الرأيين، إنسان له عمل، وله تجارة، وله وظيفة، وله دخل، وتفوق في القرآن الكريم وعلمهم، مثل هذا لا ينبغي أن يأخذ أجراً إطلاقاً، وتنطبق عليه فتوى العلماء القدامى السلف الصالح، لأن تعليم العلم واجب، ولا يمكن أن تعطى أجراً على واجب، كما أنه لا يمكن أن تعطى أجراً على أداء الصلاة كذلك، حينما تفلت الدين من أيدي الناس، وضاعت هذه العلوم الشرعية، ولم يكترث الناس بدينهم، أجاز الفقهاء المتأخرون أخذ الأجر على القرآن الكريم، بل أوجبوا، صار هناك إنساناً متفرغاً أي مدرساً يحمل شهادة شرعية، ولا يعمل إلا بالتدريس، وعنده ست وثلاثون ساعة تدريس في الجمعة، وله زوجة وأولاد، المنطق والفطرة والمصلحة تقتضي أن نعطي هذا المدرس راتباً يعيش به، هنا الجواز.
الفيصل في ذلك: إذا كنت متفرغاً تفرغاً تاماً لتعليم القرآن لك أن تأخذ أجراً عليه، أما إذا كنت تملك دخلاً آخر ولم تكن متفرغاً تفرغاً تاماً لا يجوز أن تأخذ أجراً على تعليم القرآن لأنه واجب، وواجبٌ ألا تكتم العلم، هناك آية أخرى دقيقة جداً: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 174 ]
من كان متفرغاً تفرغاً تاماً لتعليم القرآن فله أن يأخذ أجراً عليه :
صدقوني أيها الأخوة إذا مثلنا عطاء الله عز وجل مثلاً بألف مليار وأنت تقاضيت على تعليم القرآن مئة ليرة فكم أنت خاسر، كم أنت خاسر عندما تأخذ على تعليم القرآن ثمناً قليلاً، وتزهد في عطاء الله عز وجل، ممكن أن تمسك ورقة صغيرة وتظنها ورقة بيضاء تكتب عليها عملية حساب ثم تمزقها، ثم تكتشف أنها شك بألف مليون، يمكن أن تفقد عقلك، هذا الذي يتعامل مع الدين ارتزاقاً، يشتري به ثمناً قليلاً، لذلك من الشيء الذي لا يصدق أن يقبل مؤمن أجراً على تعليم القرآن، أن تطمع بعطاء بشر، وتزهد بعطاء خالق البشر، أما إذا كان في تفرغ تام كما قلت قبل قليل مدرس تربية إسلامية عنده ستون ساعة، نصاب تدريس كامل، وله زوجة وأولاد، مصلحة المسلمين تقتضي أن نعطيه أجراً، مصلحة المسلمين، أما إنسان له عمل وغير متفرغ، علم القرآن، وعلم التجويد، علم التفسير، فهذا لا ينبغي أن يتقاضى أجراً إطلاقاً.
هناك قول لطيف قال: علوم الشريعة تكاد تضيع مع الأخذ بفتوى المتأخرين من إباحة أخذ الأجرة على التعليم فكيف لو أخذنا بفتوى المتقدمين، ومنعنا أخذ الرواتب والأجور؟ إذاً لم يبق من يعلم هذا الدين.
أي تقتضي طبيعة العصر، طبيعة ازدحام الأعمال، طبيعة التكاليف العالية أن نفرغ أناساً كثيرين، وأن نغنيهم، وأن ندعهم يعلمون الناس القرآن الكريم، هذه مصلحة المتأخرين.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون أفدنا من هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 159-160 ]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 07:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( السابع )


الموضوع :عمارة المساجد . سورة التوبة




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.عمارة المساجد :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من: "آيات الأحكام"، وآية اليوم: عمارة المساجد وهي قوله تعالى:
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 17-18]
أيها الأخوة الكرام، أن يعمروا من عمارة المساجد، وعمارة المساجد تطلق على عمارة المساجد، وإصلاح المساجد، وتوفير حاجات المساجد، ومرافق المساجد، وخدمات المساجد، وتطلق أيضاً على لزوم المسجد، والإقامة فيه لعبادة الله عز وجل. العمارة نوعان؛ عمارة حسية وعمارة معنوية :
العمارة نوعان، عمارة حسية أن نبني البنيان، وأن نطلي الجدران، وأن نؤسس المسجد بما يحتاج، وأن نوفر له مرافقه من إضاءة، وماء، وكهرباء، وتكبير صوت، وفرش، هذه عمارة حسية، وكل من ساهم في إعمار المسجد من هذه الزاوية بنى الله له قصراً في الجنة، المهندسون، العمال، المخططون، المتعهدون، أعضاء الجمعية التي أسست من أجل بناء المسجد، المتبرعون، المساهمون، كل من له نصيب في بناء مسجد، وكسوة مسجد، وتأسيس مسجد، وتوفير الخدمات للمسجد، فهو ممن يعمر مساجد الله، هذا هو المعنى الأول، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ ))
[ متفق عليه عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]
إلا أن البناء ورد في آية ثانية: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾
[ سورة النور: 36 ]
لم يقل أن تبنى بل أن ترفع، فينبغي أن يكون بيت الله يليق بدين الله، ينبغي أن يكون بيت الله يليق بهذا الدين العظيم، لا ينبغي أن تكون أبنيتنا أكثر رحابةً، وأكثر أناقةً من بيوت الله فهذا دليل تعظيم شعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب، ولكن أن تكون كلفة هذه الزخرفة تساوي بناء مسجدين الأولى أن نبني مسجدين، أحياناً كلفة زخرفة المساجد تساوي بناء مسجد آخر، ونحن في أمس الحاجة إلى مسجد آخر، لذلك ينبغي أن يكون المسجد واسعاً فيه كل حاجات المصلي؛ من إضاءة، ومن فرش، ومن ماء بارد، وماء ساخن في الشتاء، ومن تكبير صوت، من دون إسرافٍ، ومن دون أن تكون الزخرفة تزيد عن كلفة البناء بأكمله.
العمارة نوعان عمارة حسية وعمارة معنوية وهي أن تأتي إلى بيت الله، بيت الله يجب أن يكون مكتظاً بالمصلين، يجب أن يستقطب كل من حول المسجد، لا أن تجد في مسجد كلف ثمانين مليوناً سبع مصلين في الفجر، والله هذه مشكلة، هذا المسجد عمر بناءً ولم يعمر عبادةً، قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 17]
لأن الكافر والمشرك له عقائد تتناقض مع الإسلام، يعظم شيئاً لا يعظمه الإسلام، فلو سمحت لمشرك أن يأتي بيت الله الحرام لأفسد الدين هناك. المشرك هو عين النجاسة أينما حلّ أفسد :
وكما تعلمون الأجانب حينما يأتون إلى بلد هم بحاجة إلى ملهى، بحاجة إلى ناد، بحاجة إلى أن يشربوا الخمر، فإذا سمحنا للمشرك أن يدخل مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام فقد شوهنا هذه المعالم المقدسة، فلذلك ربنا عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 28]
بكلمة نجس دقة رائعة، لم يقل نجسون لو قال هم نجسون كل شيء نجس يتطهر، أما قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
عين النجاسة، أنت مثلاً بإمكانك أن تطهر قطعةً أصابها بول بالماء سبع مرات، لكن هل بإمكانك أن تطهر البول نفسه؟ هو عين النجاسة، فالمشرك كما وصفه الله عز وجل هو عين النجاسة أينما حل أفسد، أينما حل بحث عن المرأة، أينما حلّ بحث عن الشراب، أينما حل بحث عن الإفساد. حبط العمل إما أنه سقطت قيمته أو سقط شكله :
لذلك
﴿مَا كَانَ﴾
أي مستحيل، أشد صيغ النفي في القرآن الكريم ما كان، أي لا يمكن وغير معقول ولا نرضى ولا نريد ولا نسمح، لأن حركاتهم، وسكناتهم، وسلامهم، ولقاءهم، أساسه الإفساد، إذا التقوا ليحتفلوا بشيء لابد من أن يشربوا نخب هذا المشروع، يضعون الخمر في الكؤوس، هذا احتفالهم بإنشاء بناء، أو بإعمار مؤسسة إلى آخره. ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 17]
﴿شَاهِدِينَ﴾
أي مقرين ومعترفين وذلك بإظهار آثار الشرك والوثنية، ﴿حَبِطَتْ﴾
ضاعت وذهب ثوابها، أيها الأخوة حبط العمل إما أنه سقطت قيمته أو سقط شكله، العمل السيئ عمل أحبطه الله، والعمل الطيب إذا كان لغرض سيئ فهذا عمل فقد ثوابه، إما أن تفقد شكل العمل الطيب، أو أن تفقد قيمته عند الله عز وجل، لو أن إنساناً فعل عملاً طيباً ولكن بنية خبيثة نقول: حبط عمله، لو أن إنساناً أنشأ ملهى ليفسد الناس، وليجني أرباحاً طائلة من هذا الملهى، نقول: حبط عمله، الذي أنشأ ملهى حبط عمله شكلاً ومضموناً، وسقط عمله في خندق الإفساد، أما من أنشأ مشروعاً طيباً وقال: هذا عمل إنساني، إما هدفه تكوين ثروةٍ طائلة، أنشأ مستشفى والشيء المعلن أنه عمل إنساني، أما الهدف الكبير أن يبتز أموال الناس إلى درجة غير معقولة، إلى درجة تصبح قراءة الحساب تسبب الجلطة، هذا عمل في ظاهره إنساني إلا أنه حينما يسلك أصحابه فيه ابتزاز كبير، واستغلال لحاجة الناس إلى الشفاء والمعالجة، فهذا عمل ظاهره إنساني لكن الله أحبطه أي أسقط قيمته. إقامة الصلاة الإتيان بها على الوجه الأكمل :
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 18]
لمَ لم يقل صلى؟ أقام الصلاة، أنت تقول: أقيم البناء، لا تقول: بني البناء، هناك تمهيدات، هناك شروط، هناك استقامة، ينبغي أن يسبقها، هناك وضوء، هناك طهارة، طهارة الثياب، طهارة البدن، والمكان، واستقبال القبلة، ودخول الوقت، هناك شروط لصحة الصلاة، شروط سلوكية، وشروط شعائرية، فلذلك الله عز وجل قال: ﴿أَقَامَ الصَّلَاةَ﴾
أي سبق إقامة الصلاة استقامة.
قال العلماء: إقامة الصلاة الإتيان بها على الوجه الأكمل معتدلةً مقومةً بسائر شروطها وأركانها. الخشية في اللغة :
﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
أي لم يخف إلا الله، والخشية في اللغة معناها الخوف، هذه بعض معاني الكلمات التي وردت في هذه الآية: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 17-18]
المعنى المخالف: إذا كان لا ينبغي للمشرك أن يعمر مساجد الله فهل ينبغي للمؤمن أن يرتاد أماكن المشركين؟ أماكن لهوهم؟ مقاصفهم حيث الاختلاط؟ حيث الخمور؟ حيث الأغاني؟ حيث التفلت؟ كما أنه لا ينبغي للمشرك أن يدخل بيت الله عز وجل كذلك لا ينبغي للمؤمن أن يرتاد أماكن المشركين، لأنه لا يوجد انضباط فيه. الحكمة من منع الله المشركين من إتيان بيوته :
لماذا منع الله المشركين من إتيان بيوت الله؟ قال: لأن المشرك في باطنه وظاهره يتناقض مع دين الله وعظمته، لا ينبغي للمشرك أن يرتاد بيوت الله لأنه سيؤذي المصلين، بحركاته، وكلماته، وتصرفاته، وتفلته، أحياناً امرأة سائحة تدخل إلى بيت من بيوت الله بأبهى زينة، بشيء لا يحتمل، الحمد لله عندنا في الشام يعطونها عباءة ترتديها لئلا تؤذي المصلين إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله، قال: هؤلاء المشركون ضاعت أعمالهم، وذهب ثوابها وهم في جهنم خالدون، لا يخرجون من النار، ولا يخفف عنهم من عذابها من شيء بسبب كفرهم وإشراكهم، أما عمارة المسجد فإنما تحصل من المؤمنين بالله، المطيعين له، المصدقين باليوم الآخر، الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويخشون الله حق الخشية، فهؤلاء المتقون لله جديرون بعمارة بيوت الله، وهم أهل الله.
الحكمة من نزول الآية التالية :
أيها الأخوة، روي أن جماعة من رؤساء قريش أسروا يوم بدر العباس بن عبد المطلب وهو عم النبي، وحول هذه القصة قصص كثيرة، وأكثر الروايات تؤكد أن العباس عم رسول الله قد أسلم سراً في مكة، وكان عين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يرسل له الأخبار تلو الأخبار عن كل شيء يحدث في مكة المكرمة وله علاقة بالمسلمين، ولكن العباس عم رسول الله من حكمته أنه كتم إيمانه لتبقى له هذه المهمة التي خدم بها المسلمين، وتروي الروايات أنه شارك المشركين في موقعة بدر، لماذا شاركهم؟ لئلا يكشف نفسه، فلو كشف نفسه انتهت مهمته، والنبي يعلم إسلامه فلماذا لم يخبر أصحابه بأنه مسلم؟ لأنه لو أخبر أصحابه لأنهى مهمته، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا تقتلوا عمي العباس"، لو لم يقل ذلك ربما قتله أصحاب النبي لأنه مشرك، لذلك من تتمة هذه القصة أن رؤساء قريش أُسروا يوم بدر، وفيهم العباس بن عبد المطلب، فأقبل عليهم نفر من أصحاب رسول الله فعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبي طالب يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: وهل لكم من محاسن؟ قالوا: نعم إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت الآية:
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 17]
يروي بعض أصحاب رسول الله أنه قال في نفسه: ينهانا عن قتل عمه وأحدنا يقتل في الحرب أباه وأخاه، ما فهم توجيه النبي ثم كشف في نهاية المطاف أن العباس بن عبد المطلب كان مسلماً، وكان عين النبي، وقدم للنبي صلى الله عليه وسلم خدمات جليلة، والنبي عليه الصلاة والسلام أبى أن يكشف مهمته، وسمح له أن يشترك مع الكفار في معركة بدر، وقد وقع أسيراً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام وجه أصحابه بألا يقتلوا عمه العباس لأنه مسلم، لكن لو أنه قال: لأنه مسلم كشفه، فقال هذا الصحابي: بقيت عشر سنين أتصدق رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله، حينما قال عليه الصلاة والسلام: "لا تقتلوا عمي العباس" ما قالها عن عصبية بل قالها عن علم، ولكن الحكمة تقتضي أن يقتصر على هذه الكلمة. مسجد الله هو البيت الحرام من نطق بالشهادة دخله :
الجمهور قرأ ما كان للمشركين أن يَعمُروا مساجد الله، وقرأ بعضهم أن يُعمروا، يَعمروا ماضيه ثلاثي، أما يُعمروا ماضيه رباعي، أعمر يُعمر، ومعنى أعمر أي أعان على عمارته، يُعمر يعين على عمارة المسجد، أما الجمهور فقرأ: أن يَعمُروا أي أن يساهموا أو أن يزوروا المسجد، والجمهور يقرأ: ما كان للمشركين أن يَعمُروا مساجد الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمر: يُعمروا مساجد الله، ومن خلال هذه القراءة قد نستنبط أن مسجد الله هو البيت الحرام.
مرة كان هناك مناظرة عالمية بين أحد علماء المسلمين وبين أحد كبار علماء النصارى في أمريكا، فسأله أحد الحاضرين: هل بالإمكان أن تكون هذه المناظرة في مكةَ المكرمة؟ أراد هذا السائل أن يجر العالم الذي يناظر هذا القس إلى ذكر هذه الآية:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
وكان العالم الجليل ذكياً جداً قال له: أنا عندما قدمت إلى بلدكم أمريكا قدمت كل الوثائق التي طلبت مني، أبرزت وثائق، وقدمت تصاريح، حتى سمح لي بالدخول أما مكة المكرمة فيكفي أن تنطق بلسانك لا إله إلا الله وأهلاً بك في مكة، دخولها سهل جداً يقتضي أن تعلن الشهادة، تعلن الإسلام وأهلاً بك في مكة، فوت عليه أن يجره إلى أن يذكر هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة : 28]
من لطائف التفاسير :
1 ـ الله سبحانه وتعالى أطلق المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً :
أيها الأخوة: من لطائف التفاسير، اللطيفة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى أطلق المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً، الحكم الشرعي الآن لا يمكن للمشرك أن يدخل إلى مكة المكرمة، والذين ذهبوا إلى الحج أو العمرة يرون في مدخل مكة طريقاً خاصاً للمسلمين ينتهي بهم إلى مكة، وطريقاً خاصاً ينتهي بغير المسلمين إلى مكان بعيد عن مكة، قال، أطلق الله المساجد وأراد بهذا الإطلاق مسجداً واحداً هو المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فهو في علم الأصول من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص، كيف؟
﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 19]
مستحيل المقصود أصبع واحد أطلقنا الجمع وأردنا الفرد، أحياناً نطلق الخاص على العام، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنفال : 60]
﴿قُوَّةٍ﴾
عام ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
عطفنا الخاص على العام، أحياناً نعطف العام على الخاص، أحياناً نطلق العام ونقصد الخاص، كل هذا لحكمة بلاغية رائعة، فهنا أطلق الله المساجد وأراد بهذا الإطلاق المسجد الحرام على رأي بعض المحققين، وعبر عنه بالجمع لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فهو من باب إطلاق العموم وإرادة الخصوص. 2 ـ العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به :
اللطيفة الثانية، العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به، يوجد عندنا حقيقة وعندنا مظاهر لها، المسلم حقيقته أنه آمن بالله، وانصاع إلى أمره، لكن مظهره يصلي، مظهره يغض بصره، مظهره يصوم رمضان، مظهره يؤدي زكاة ماله، هذه مظاهر ولها حقيقة، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية قال:
﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾
[ سورة التوبة : 17]
ذكر العلة أنهم يظهرون الكفر، هناك لكفرهم مظاهر، علامات، ولكن العلماء يقولون: العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله هي نفس الكفر لا الشهادة به، الحكمة من ذلك الإنسان أحياناً ينطوي على كفر أو شرك، لكن لا يبدو منه ما يؤكد هذه الحقيقة، فأنت بين شك ويقين، أما حينما يكفر يسب الدين، مثلاً تكلم شيئاً يؤكد حقيقته، فصار شركه قطعياً، صار كفراً بواحاً، فلذلك علة أن الله ذكر مظاهر الشرك ولم يذكر حقيقة الشرك هو أنك إذا أظهرت مظاهر الشرك فقد أكدت حقيقة الشرك، أي الشرك مع مظاهره شرك مقرون بالإقرار، والكفر مع مظاهره كفر مقرون بالإقرار، إنسان ساكت وهو كافر ليس له مظهر أما حينما يسب، حينما يسخر من الصلاة، حينما يسخر من شعائر الله، فسخريته وكلامه وتهجمه دليل أنه أتى بالدليل على أنه كافر.
وكلكم يعلم أن الكفر كفر اعتقادي، وكفر سلوكي، وكفر كلامي، فالذي يسب الدين وقع في الكفر الكلامي، والذي يمسك بالمصحف ويرميه أرضاً وقع بالكفر السلوكي، والذي يعتقد أن هذا المصحف ليس كلام الله إنه من عند رسول الله، من عند محمد بن عبد الله، هذا كفر اعتقادي، وهذه الأنواع الثلاث من الكفر تخرج الإنسان من ملة الإسلام.
3 ـ أمْر المؤمنين بعمارة المساجد يتناول عمارتها وتنظيفها واعتيادها للعبادة :
اللطيفة الثالثة، أمر المؤمنين بعمارة المساجد يتناول عمارتها، وترميمها، وتنظيفها، وتعظيمها، ويتناول أيضاً اعتيادها للعبادة والذكر وطلب العلم، أنت مؤمن من أخص خصائص إيمانك أنك تعمر مساجد الله، تسهم في بنائها.
حدثنا أخ كريم من أن رجلاً من أهل الغنى أراد أن يبني مسجداً في أحد أحياء دمشق، بحث عن أرض مناسبة، وجد أرضاً مناسبة، ومساحتها جيدة، وفاوض صاحبها، صاحبها رجل يعمل حاجباً في مدرسة، ودخله في الشهر ثلاثة آلاف ليرة، وقد ورث هذه الأرض من قريب، ولا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض، هذا الثري الذي أراد إنشاء مسجد فاوضه على سعرها، واتفقا على مبلغ قريب من أربعة ملايين، وتم الاتفاق، وقرئت الفاتحة، وكتب هذا الثري شيكاً لصاحب الأرض بمليوني ليرة على أن يعطيه الباقي عند الفراغ، بعد أن وقع الشيك وناوله إياه، قال له: الذي أرجوه منك أن نلتقي غداً في الأوقاف، فقال له: لماذا الأوقاف؟ قال: من أجل أن نصرح لها أن هذه الأرض لبناء مسجد، قال: أنت تريد أن تشتري هذه الأرض كي تنشئ عليها مسجداً؟ قال: نعم، قال: هات الشيك، أخذ الشيك ومزقه، قال: أنا أقدمها لله بدلاً منك، وقدمها لوجه الله، هذا ماذا أنفق؟ أنفق ماله كله، عمارة المساجد من أجلِّ الأعمال لأن خير البلاد مساجدها وشرها أسواقها، بالمسجد هناك صلاة، وذكر، ودرس علم، وحقائق تتلى، هذا أنفق ماله كله، يقول هذا الثري: والله ما من وقت شعرت فيه أنني صغير أمام رجل كبير كهذا الموقف، رأى نفسه صغيراً جداً أمام هذا الإنسان الفقير الذي لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض وقدمها من أجل بيت من بيوت الله، ورفض أن يأخذ ثمنها، وقال: أنا أولى منك أن أقدمها لله عز وجل.
أحد أكبر خصوصيات المسلم أنه يعمر مساجد الله :
لذلك أحد أكبر خصوصيات المسلم أنه يعمر مساجد الله، والمؤمن في المسجد كالسمك في الماء، روحه في المسجد، ترتاح نفسه، ويطمئن قلبه في المسجد، لذلك أمر الله المؤمنين بعمارة المساجد أي إعمارها، وترميمها، وتنظيفها، وتعظيمها، ودخولها للصلاة، والعبادة، والذكر، وطلب العلم.
هناك معنى ثان: وصونها عما لم تبنَ له من الخوض في أحوال الدنيا، ورد في الأثر:
(( جمعت المال مما حلّ وحرم وأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي))
لذلك سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: "ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس- من هذه الثلاث - ما سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها"، معنى هذا أن الجنازة تخاطبك.
سمعت عن رجل سجل شريطاً مؤثراً جداً قبل أن يموت، بعد أن مات أوصاهم أن يُسمعوا من حول القبر هذا الشريط، فالميت في القبر والمشيعون حول القبر يستمعون إلى صوت الميت يناديهم: أنا الآن في القبر تحت أطباق الثرى، لا ينفعني مالي، ولا مكانتي، ولا بيتي، ولا أولادي، ولا زوجتي، تركت كل شيء وأنا رهن عملي... أي هذا الميت ألقى كلمة قبل أن يموت بليغة فصيحة، وأوصى أهله أن يُسمعوا المشيعين هذه الكلمة، والحقيقة إن في معالجة جسد خاوٍ لعبرة، وكفى بالموت واعظاً يا عمر.
4 ـ من آمن بالله وأقام الصلاة وأتى الزكاة فعسى أن يكون من المهتدين :
اللطيفة الرابعة، حينما قال الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 18]
آمن بالله، واليوم الآخر، وأقام الصلاة، وأتى الزكاة، ولم يخشَ إلا الله، واستقام على أمره، قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
عسى تفيد الشك، عسى إذا قالها الله تفيد غلبة الظن وليست قطعاً، لا تعني القطع، عسى أولئك أن يكونوا، فهذا الذي آمن، وعرف الله، واستقام على أمره، وصلى، وصام، وآمن بالله واليوم الآخر، هذا عسى أن يكون من المهتدين، فما قولك بالذي يجاهر بالكفر والعصيان؟ الأحكام الفقهية المستنبطة من هذه الآية :
1 ـ المراد بعمارة المساجد بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها :
الأحكام الفقهية التي يمكن أن تستنبط من هذه الآية:
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة التوبة : 18]
كثيرة من أبرزها: المراد بعمارة المساجد بناؤها، وتشييدها، وترميم ما تهدم منها، وهذه هي العمارة الحسية يدل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة ))
[ابن ماجه وابن خزيمة عن جابر بن عبد الله]
2 ـ المؤمن مأمور بارتياد المساجد والصلاة فيها والذكر فيها وتلاوة القرآن :
المعنى الثاني: والمراد بعمارتها الصلاة، والعبادة، وأنواع القربات، وطلب العلم، والدليل قوله تعالى:
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾
[ سورة النور : 36]
هذه العمارة المعنوية، فالمؤمن مأمور بعمارة المسجد عمارةً ماديةً من بناء، وترميم، وتأسيس، وتزيين، ومأمور بعمارتها المعنوية من ارتيادها، والصلاة فيها، والذكر فيها، وتلاوة القرآن، وطلب العلم، ومن علامة الإيمان ارتياد المساجد.
شيء آخر: المراد بالمساجد في هذه الآية كما قال بعض المفسرين: المراد هو المسجد الحرام وحده لأنه المفرد العلم، الأكمل، الأفضل، قبلة المساجد كلها، وسبب النزول يؤيد هذا القول، وهو مروي عن عكرمة أن يعمروا مسجد الله، المقصود به بيت الله الحرام، وقال، آخرون المراد به جميع المساجد لأنه جمع مضاف فيعم ويدخل فيه المسجد الحرام دخولاً أولياً.
والحقيقة أن الظاهر يفيد التعميم والذين خصصوا اعتمدوا على قراءة.
3 ـ نهي الله تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله :
الحكم الثالث هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟ أخذ بعض العلماء من الآية أنه لا يجوز أن يستخدم الكافر في بناء مسجد لأنه من العمارة الحسية، وقد نهى الله تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله، والظاهر جواز استخدام الكافر لأن الممنوع إنما هو الولاية أن يتولى الكافر تسيير أمور المسجد، أما أن يستخدم في عمل كنحت حجارةٍ، أو بناء، أو نجارةٍ، فلا يبدو أن الآية تمنع ذلك، إذا استخدمته كعامل لا يوجد مانع، أما أن تستخدمه كمشرف، كمسير، كموجه، كصاحب قرار فلا يجوز، هذا حكم آخر.
من يسهم في بناء مسجد يسهم في الدعوة إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة، ملخص هذه الآيات من أخص خصوصيات المؤمن عمارة بيوت الله بناءً، وتأسيساً، وترميمياً، وإصلاحاً، وتعظيماً، ومن أخص خصائص المسلم إعمار بيوت الله ارتياداً، وصلاةً، وذكراً، وتلاوة، وطلب علم، وتعليم علم، وخير البلاد مساجدها، وشرها أسواقها، وطوبى لمن كان له سهم في بناء مسجد، لأن كل صلاة تنعقد في هذا المسجد، وكل ذكرٍ، وكل مجلس علم، وكل توبة، في صحيفة الذي بنى المسجد، والذين يقولون: لا كيان بلا أرض، لا دعوة إلى الله بلا مكان، أين ندعو؟ في البيوت، عندك خمسة محلات، ستة محلات، أما بيت الله فيسع خمسة آلاف شخص، لا كيان بلا أرض، لا دعوة بلا مسجد، فالذي يسهم في بناء مسجد يسهم في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنا والله أهنئ كل الذين سمح الله لهم وأجرى على أيديهم الخير لبناء المساجد، والعناية بها، والحقيقة في هذا البلد الطيب حركة بناء مساجد تفوق المعقول، أي الذي بني في عشر سنوات من المساجد لم يبنَ في مئة سنة، في مئات السنين سابقاً، وهذا من فضل الله، ودليل أن هناك عودة إلى الله، وأن هناك يقيناً أن خلاصنا في الدين وحده، فكل إنسان ساهم في بناء مسجد، في تأسيس مسجد، في كسوة مسجد، في حلّ مشكلة مسجد، في ترميم مسجد، في إعلاء مسجد، في تعظيم مسجد، في ارتياد المسجد، شجع الناس على حضور مجالس العلم له أجر، ارتادها طالب علم، ارتادها معلماً، ارتداها مصلياً، ارتادها ذاكراً، فأن تكون في بيت الله أحد خصوصيات إسلامك.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 07:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثامن )


الموضوع :جزاء محاربة الله - اوليائة - قوانينة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من يتحرك حركة لا تتوافق مع منهج الله فهو مجازاً يحارب الله ورسوله :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن من: "آيات الأحكام"، والآية اليوم:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[سورة المائدة: 33]
أيها الأخوة، الله جلّ جلاله لا يُحَارَب لأنه قوي، ولأنه عزيز، ولأن أمره هو النافذ. ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[سورة يس: 82]
ولكن محاربة الله عز وجل نفهمها فهماً مجازياً، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب علينا، فالذي يحمل الناس على التفلت من منهج الله يفعل عكس ما أراد الله عز وجل، الله عز وجل يريد أن يتوب علينا، أن نهتدي إليه، ونسعد في الدنيا والآخرة، وهناك أناس يريدون أن يفسُد الناس، يحملونهم على المعصية والفساد، فحينما تتحرك حركة لا تتوافق مع منهج الله عز وجل فأنت مجازاً تحارب الله ورسوله، إن شجعت الناس على السرقة والله نهى عن السرقة فإنما تحارب الله ورسوله، إن شجعت الناس على الزنا والله حرم الزنا فإنما تحارب الله ورسوله، إن شجعت الناس على الفساد في الأرض والله ينهى عن الفساد في الأرض فإنك تحارب الله ورسوله، فأشقى الأشقياء إطلاقاً هو الذي يقف في خندقٍ مُعَادٍ للدين، هو الذي يتحرك حركة ليطفئ نور الله عز وجل، ويسفه الدعاة إلى الله، لتشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويعم الفساد في الأرض، هذا يحارب الله ورسوله. الدين أقدس شيء في الحياة :
نحن أيها الأخوة في الأنظمة المدنية هناك مخالفة تقتضي أن تدفع خمسمئة ليرة، أو مخالفة تدفع فيها ألفاً، مخالفة تقتضي أن تدفع خمسين ألفاً، أما حينما تخون أمتك، وتعطي العدو معلومات خطيرة عن وطنك، وإمكانياته، في الأعراف كلها وفي الأنظمة كلها يسمى هذا خيانة عظمى، والخيانة العظمى جزاؤها القتل، الإعدام، لماذا نعاقب إنساناً بخمسمئة ليرة؟ ونعاقب إنساناً بالإعدام؟ لأن العقاب يتناسب مع حجم الجريمة، أقدس شيء في الحياة هو الدين، في الدعاء الشريف أيها الأخوة: "اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا-عصمة أمرك بالدين- وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا"، حينما يحارب الدين تحارب عصمة الناس، حينما يحارب الدين يحارب النظام والانضباط، وحينما يحارب الدين يحارب حفظ الأنساب، فحينما نتصور مجتمعاً بلا دين، يكون هذا المجتمع مجتمعاً متفلتاً، منهاراً، تعم فيه الجريمة، والسرقة، والموبقات، واختلاط الأنساب، وفساد الأمر، لذلك تعد أكبر جريمة في الإسلام هذا الذي يحارب الله ورسوله، إن أغرينا الناس بأعمال فنية تحط بأخلاقهم، وتبعدهم عن طريق الحق، وتخرجهم من عفتهم وقناعاتهم ببيوتهم، أو تجعلهم كالحيوانات، فهذا فساد في الأرض، وهذا نوع من محاربة الله ورسوله.
المحاربة من الحرب والحرب ضد السلم :
بشكل أو بآخر أي شيء يقربك من منبع السعادة هذه دعوة إلى الله، وأي شيء يبعدك عن منهج الله عز وجل هذا نوع من محاربة الله ورسوله:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ﴾
[سورة المائدة: 33]
أيها الأخوة، المحاربة من الحرب، والحرب ضد السلم، والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال، والمراد بها في الآية: محاربة أولياء الله، وأولياء رسوله، هؤلاء الذين أناط الله بهم نقل الدين، وتوضيحه، وإلقاء العلم، جعلهم الله قدوة للآخرين، هؤلاء الذين التف الناس حولهم، إن أردت أن تزعزع مكانتهم وتطعن بهم من دون سبب أو دليل إنما تحارب الله ورسوله.
أيها الأخوة، أقدس شيء في الحياة المثل الأعلى، فإذا ضعضعته، وزعزعته، وشوهت صورته، سقطت مع المثل، ومع المبادئ، والأشخاص، ومع المتدينين سقط الدين، هناك نقطة دقيقة جداً هي أن قلة قليلة جداً من الناس تستطيع أن تفرق بين المبادئ المجردة والذين يعتنقونها، بين أصل الدين والمتدينين، بين أصل الإسلام وبين المسلمين، لكن الكفرة لا تكاد تستطيع أن تفرق بين حقيقة الدين وبين المتدينين، فهناك عوام الناس يفهمون الدين من رجال الدين، يفهمون الحق ممن يدّعون أنهم على حق. أي إنسان آمن بالله حق الإيمان و استقام على أمره فهو ولي من أولياء الله :
فيا أيها الأخوة، المراد هنا في محاربة الله عز وجل كما قال المفسرون: محاربة أولياء الله عز وجل، وأولياء رسوله، والجواب الدقيق جداً من هو ولي الله؟ هناك تعريف بسيط جامع مانع، من ولي الله؟
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[سورة يونس: 62-63]
أي إنسان آمن بالله حق الإيمان، استقام على أمره، فهو ولي من أولياء الله، ولا يحتاج الولي إلى كرامة، ولا إلى خرق للعادات، ولا إلى أن يمشي على وجه الماء، ولا إلى أن يطير في الهواء، هذا كله الولي غني عنه.
لأن بعض العلماء يقول: إن أعظم كرامة هي كرامة العلم، فإذا آمنت بالله حق الإيمان وانعكس إيمانك استقامة وعملاً صالحاً فأنت ولي من أولياء الله. محاربة الله محاربة لأوليائه و رسوله :
أخواننا الكرام، آية ذكرتها لكم كثيراً لكن نحتاجها في هذا الموضوع:
﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾
[سورة التحريم: 4]
أي يا ربي من هي هذه المرأة التي إن لم تتب فإن الله جلّ جلاله هو الولي؟ والنبي ولي، والمؤمنون، والملائكة، العبرة من هذه الآية، أنك حينما تفكر أن تحارب الله ورسوله، أنك حينما تفكر مجرد تفكير أن تقف في خندقٍ معادٍ للدين، يجب أن تعلم من الطرف الآخر؟ أنت ممكن أن تقف أمام إنسان من بني جلدتك، لكن لا يمكن أن تقف أمام خالق الأكوان، لا يمكن أن تحاول أن تنال من هذا الدين الذي هو دين الله، لذلك محاربة الله كما وردت في بعض التفاصيل وفي آيات الأحكام محاربة أولياء الله، وأولياء رسوله، والطعن بالأنبياء، وبالذين سخرهم الله عز وجل لإلقاء العلم وخدمة الخلق بلا سبب ودليل وبلا مبرر مزاجاً، تعنتاً، هذا الطعن بمن أناط الله بهم الدعوة إلى هذا الدين نوع من محاربة الله. الإنسان حينما يختل توازنه الداخلي وتعاقبه فطرته قد يصاب بالشلل :
الشيء الملاحظ وهذا أقوله كثيراً: الإنسان يحقق أحياناً توازناً نفسياً، متى يختل هذا التوازن؟ الإنسان له فطرة سليمة، لو أن الإنسان عمل السيئات، وارتكب الموبقات، وأكل المال الحرام، واعتدى على أعراض الناس، لو لم يستطع أحد أن يحاسبه، لو لم يصل إليه قانون، أو لم يكن مداناً أمام الخلق، الحقيقة أنه يختل توازنه الداخلي، وأن فطرته تعذبه، كأمراض الكآبة، الشعور بالنقص، وخز الضمير، الضيق النفسي والضجر، ردود الفعل القاسية هذه كلها تعبيرات داخلية عن اختلال التوازن، الإنسان أحياناً ينهار خارجياً وإذا انهار خارجياً كل الناس يعرفونه، أما هناك أشخاص فبهذه العين تراه كبيراً لكن من داخله منهار، الإنسان متى ينهار من داخله؟ حينما يخرج عن فطرته، فالذي يعتدي على أعراض الناس ينهار من داخله، درسنا في الجامعة في مادة الصحة النفسية عن مرض مشهور جداً اسمه الهستيريا، وهي عند عامة الناس هو مجنون مهستر، أما بالتعريف العلمي الهستيريا شلل عضوي من دون سبب عضوي ونفسي شلل كامل، الإنسان حينما يختل توازنه الداخلي وتعاقبه فطرته أشد العقاب قد يصاب بالشلل.
طبعاً درسنا في الكتاب أن هناك حالات ترد في كتب علم النفس، طبيب وهو يعالج مريضاً ذا مرض مستعصٍ عُضال مد يده إلى ابنته معتدياً عليها هذه اليد شلّت، لو فحصت هذه اليد أو العضو عند كل أطباء الأعصاب ليس هناك أي خلل، لكن الشعور بالذنب والخيانة معاقبة الفطرة للإنسان، ولاسيما إن كانت نقية، هي التي سببت هذا الشلل، الذي هو شلل عضوي بغير أسباب عضوية، قال: هذا المرض لا يعالج إلا أن نقنع الإنسان أنه لم يقترف إثماً، إلا أن نخفف عليه.
حدثني أخ: إنسان يركب مركبة في مدينة الساعة الثالثة بعد منتصف الليل دهس طفلاً أرسله والده ليأتي له بحاجة من بعض المحلات في أيام الصيف، والناس يسهرون، ويمتد بهم السهر، دهس هذا السائق الطفل، وتابع سيره، هذا السائق بقي أكثر من عشرين يوماً لم يذق طعم النوم، فذهب إلى طبيب نفسي فقال له: لن تستطيع أن تنام إلا إذا أدّيت ديّة هذا الغلام، أداء هذه الديّة تخفف عنك.
المعركة بين الحق و الباطل معركة أزلية أبدية :
أيها الأخوة، هناك محاسبة ذاتية شئت أم أبيت، قد ترى الشخص ملء السمع والبصر، ولكن حينما يكون معتدياً آكلاً للمال الحرام، يبني مجده على أنقاض الناس، تتعلق به حقوق الناس، يسعد ويشقى من حوله، يأكل ويجوع من حوله، يكتسي ويعرى من حوله، هذا الذي يبني مجده على حساب الآخرين يختل وينهار من الداخل، الآن الذي يختل توازنه الداخلي ماذا يفعل؟ كي يستعيد هذا التوازن يبحث عن عيوب الطرف الآخر، وعن عيوب أهل الإيمان، أو عن عيوب ليست فيهم يتوهمها ويكبّرها، يبالغ فيها ليستعيد توازنه.
أحياناً الإنسان يفوته قطار العلم إذا رأى أصدقاءه في أعلى مرتبة في الدنيا يختل توازنه، لِمَ لَمْ أكن مثلهم؟ يتألم، ما الذي يريحه؟ أن يبحث في حياتهم عن مشكلات كبيرة جداً، هذه المشكلات إذا بحث عنها ووجدها يستريح، يقول قي نفسه: أنا لا أملك هذه المشكلات، فهذه قاعدة نفسية دقيقة جداً، أنت حينما تخرج عن منهج الله هذا المنهج المتوافق مع الفطرة يحدث في الداخل انهياراً، أو اختلال توازن، هذا الاختلال لا يمكن أن تستعيده إلا إذا أقنعت نفسك أن الطرف الآخر الذي لم يسقط كما سقطت ليس جيداً، فعند كل إنسان منحرفٍ عاصٍ رغبة جامحة إلى تضخيم عيوب المؤمنين، والبحث عنها، والتنقيب فيها، وتضخيمها، وإلى المبالغة فيها، من أجل أن يرتاح.
إنسان دخله محدود لا يعنيه من أصحاب الدخل غير المحدود إلا شقاءهم، يقول: ليسوا مرتاحين أنا مرتاح أكثر منهم.
إنسان اشترى مركبة من نوع معين، وكان يتمنى أن يركب مركبة أخرى، فإن رأى في الأخرى بعض العيوب يرتاح، استعاد توازنه، هذه قضية دقيقة جداً.
لذلك هناك معركة أبدية أزلية بين أهل الحق وأهل الباطل، أهل الباطل يبحثون عن عيوب المؤمنين يكبرونها يضخمونها.
أحد أسباب سعادة المؤمن أن وعد الله له بالجنة يمتص كل متاعب الحياة عنده :
ذات مرة إنسان أراد أن يعترض وقد يكون صادقاً في اعتراضه قال: تقول لي: المؤمن سعيد، أنا أراه غير سعيد، قلت: لمَ؟ قال: لأن كل المشكلات التي يعاني منها الناس يعاني منها، قلت له: والله صحيح كأن تكون هناك موجة حر يشعر هو مثل الناس بهذه الموجة، أو أزمة مواصلات يشعر بها مع الناس، فكل أزمات الحياة يعانيها المؤمن فأين سعادته؟ قلت له: لن تراه غير سعيد؟ قال: لأنه محروم من كل شيء، وكله عنده حرام، فهو يعاني من أزمات الناس كلها، وهو فوق ذلك يشعر أنه مقيّد، غير المسلم يبدو أنه طليق.
ألهمني الله مثلاً قلت له: لو أن إنساناً له دخل قليل جداً، ألفا ليرة في الشهر، وعنده ثمانية أولاد، وبيته مستأجر، وهناك دعوى إخلاء، وحياته تعيسة جداً، لا يجد قوت يومه ولهذا الرجل عم يملك خمسمئة مليون، وليس له أولاد، ومات بحادث فجأة، فثروته لمن؟ لهذا التعيس الفقير، لكن انتقال هذا المبلغ له يحتاج إلى وقت، ومعاملات، وبراءة ذمة، ومتابعة، وحصر إرث.. فيا ترى من ساعة موت عمه إلى ساعة قبض المبلغ قد يكون هناك عام، ‍لماذا هذا الفقير التعيس في هذا العام من أسعد الناس؟ حياته هي هي ما أكل لقمة زائدة، وما لبس معطفاً زائداً، وما جاء للبيت بشيء إطلاقاً، لكنه دخل في الوعد، كلما رأى بيتاً فخماً يقول: هذا سأشتريه، وكلما رأى مركبة فخمة هذه سأقتنيها، وكلما ذهب إلى المصيف ورأى بيتاً جميلاً قال: هذا سأشتريه، دخل في الوعد، لذلك أحد أسباب سعادة المؤمن أن وعد الله له بالجنة يمتص كل متاعب الحياة:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[سورة القصص: 61]
الشعور النقي الطاهر عند المؤمن يرفعه عند الله عز وجل :
بعض أصحاب رسول الله الذين خاضوا معارك شهيرة جداً في التاريخ كان معهم أمراض كثيرة، بعضهم كان يقود المعركة وهو منبطح على بطنه من شدة الآلام التي يعاني منها، ما الذي يمتص كل هذه الآلام؟ أحياناً الإنسان يفقد أحد أعضائه أو بصره، أو يكون بيته صغيراً، أسرة كبيرة، دخل قليل، بجسمه علل كثيرة، وهو من أسعد الناس، وعد الله له بالجنة، وشعوره أنه راضٍ لله، وأن الله يحبه، وأنه نجا من فتن المال وفتن النساء وفتن الحياة الدنيا، هذا الشعور النقي الطاهر هو الذي يرفعه عند الله عز وجل.
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
[سورة المائدة: 33]
أيها الأخ، عدّ للمليار قبل أن تفكر أن تحارب الله ورسوله، أن تفسد إنساناً، أن تضعضع عقيدة إنسان، أن تسفه استقامة إنسان، أحياناً شاب مستقيم طاهر يسأله أحدهم: كم دخلك؟ يقول له: أربعة آلاف، يجيبه، فقط؟ ما هذه الحياة التي تعيشها؟ يسفه له حياته، إن رأيته مستقيماً أثني على استقامته، والله يا بني أنت موفق في حياتك لأن الله عز وجل سوف يكافئ المستقيمين، عليك أن ترفع معنويات المستقيم، وتعمل له مكانة، لا تقيسه بدخله بل بإيمانه، وعمله، وإنجازه. الراحة في طاعة الله والاستقامة على أمره :
هناك شخص يحاول دائماً أن يقلل من شأن المؤمن، ويضخم من شأن الفاسق، هذا يفعله بعض المؤمنون وهم لا يشعرون، فلان بيته أربعمئة متر، يعيش فوق الريح، مرتاح، كيف هو مرتاح ولا يصلي؟ مرتاح ويشرب الخمر، نساؤه كاسيات عاريات، ودخله حرام أين هي الراحة؟ الراحة في طاعة الله والاستقامة على أمره.
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
[سورة المائدة: 33]
فأكبر جريمة على الإطلاق أن تحارب الله ورسوله، فهذه المحاربة تبدأ بأن تطعن بإنسان مؤمن، تجد شخصاً أحياناً حوله عشرة أشخاص يدعوهم إلى الله، ويعلمهم القرآن، وتجويده، من أستاذك؟ فلان، مباشرة يبحثون عن بعض العيوب ويكبرها له، فأنت ماذا فعلت؟ أردت أن تقطعه عنه، هذا الذي يبحث عن إفساد العلاقات، وعن تباعد الناس، وعن تزيين الدنيا، وتقليل شأن الآخرة، وهذا الذي يجعلك تشك بأي إنسان يقول لك: لا يوجد أحد جيد من الناس، هكذا بكل بساطة، من دون تدقيق ودليل، هذا الذي يسيء الظن بالآخرين بلا دليل وسبب يحارب الله ورسوله، أو أحياناً يحيطك بجو من اليأس كأن يقول: لا أمل بالإصلاح وبالتدين، الناس كلها فاسدة، كلهم يخلفون وعودهم، يأكلون المال الحرام، لم يعد هناك مجال، يقطع أمامك كل الآمال. الإفساد هو كل شيء يخرج عن طبيعته :
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾
[سورة المائدة: 33]
الفساد ضد الصلاح، وكل شيء يخرج عن وضعه الذي يكون به صالحاً، ماء نقي عذب فرات، الماء الفاسد له لون، أو طعم، أو رائحة كريهة، أخرجته عن صفته التي أرادها الله بها.
شاب طاهر، إفساده أن تدله على معصية، فتاة مؤمنة طاهرة فسادها أن تحملها على معصية، بيت طاهر فساده أن تقيم مشكلة بين الزوجين، إفساد العلاقات والنفوس حتى الإفساد المادي، إفساد الأجواء ببعض الغازات، إفساد الماء ببعض الفضلات، كل شيء يخرج عن طبيعته هو الإفساد. تناسب العقاب مع عظم الجريمة :
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾
[سورة المائدة: 33]
التقتيل المبالغة في القتل بحيث يكون حتماً لا هوادة فيه، ولا عفو من ولي دم، التقتيل كأن تقول: قطع الشيء أو قطعه أي إلى أقسام كثيرة جداً، أي بالغ في قتله، أو يصلب والتصليب المبالغة في الصلب، أو تكرار الصلب كما قال الشافعي، ومعنى الصلب أن يربط على خشبة منتصب القامة، ممدود اليدين، وربما طعن ليعجل في قتله، هذا الصلب، الأمة حينما تقدس دينها تعاقب الذي يحارب الله ورسوله، أو يسعى في الأرض فساداً بشتى أنواع العقاب، كما أن أية أمة تعاقب الذي يخونها بالقتل والإعدام، لأنه سبب خطراً على الأمة بأكملها، فدائماً العقاب يتناسب مع عظم الجريمة. تغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد :
﴿ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ﴾
[سورة المائدة: 33]
تقطع يدهم اليمنى أولاً، فإذا عاد إلى السرقة تقطع رجله اليسرى، فقد قطعت يداه ورجلاه من خلاف.
﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[سورة المائدة: 33]
عندنا قاعدة أيها الأخوة، أنه لا يمكن أن تُغلب مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة، نغلب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، مصلحة الجماعة في أن يضرب بيد من حديد على كل من يعتدي على دين الله وعلى شرعه وسلامة المجتمع. من لطائف الآية التالية :
1 ـ ذكر المحاربة ذكر مجازي :
أيها الأخوة، من لطائف هذه الآية أن ذكر المحاربة - محاربة الله عز وجل
﴿ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ﴾
- ذكر مجازي، إذ أن الله سبحانه وتعالى لا يُحارب ولا يُغالب لما له من صفات الكمال، والقوة، والقدرة، وتنزهه عن الأضداد والأنداد، فالكلام على حذف المضاف: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
[سورة المائدة: 33]
الدين متمثل برجال الدين، متمثل بالمؤمنين، هؤلاء المؤمنون أولياء الله، إذا حاربتهم وأردت أن تقمعهم، وتطفئ نور الله من خلال تعذيبهم، والتنكيل بهم، فهذا نوع من محاربة الله عز وجل.
إن عنت مريضاً فكأنما عنت الله عز وجل، إن أطعمت جائعاً فكأنما أطعمت الله عز وجل، إن أقرضت مؤمناً فكأنما أقرضت الله عز وجل، إن عاديت ولياً فكأنما عاديت الله عز وجل، إن حاربت داعية فكأنما حاربت الله عز وجل، إن كسوته فكأنما كسوت الله عز وجل، إن عدته فكأنما عدت الله عز وجل.
إذا إنسان ضرب إنساناً في الطريق ما الذي يحدث؟ قد لا يحدث أي شيء، أما إذا ضرب شرطياً فاعتدى على الدولة، لأن هذا الشرطي يمثل الدولة، أليس كذلك؟ فقد تضرب أي إنسان دون أن يحدث شيء، على أساس خصومة، أما حينما تعتدي على إنسان يرتدي بذلة رسمية فكأنك اعتديت على الدولة، طبعاً هذا مثل، إذا اعتديت على مؤمن، إذا أردت أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، أنت زعزعت ثقة الناس بالدين، إن أردت أن تطعن بامرأة محجبة كلهن فاسدات –المحجبات- هل بهذه البساطة هكذا؟ معناها المحجبة فاسدة ماذا تفعل؟ أنت تطعن بأصل الدين، من أساء الظن بأخيه فكأنما أساء الظن بربه، لذلك عبّر ربنا عز وجل عن عظم أذية المؤمنين، أذية أولياء الله، لأنك إن حاربت هذا الولي فكأنما حاربت أولياء الله، بالمقابل لو أكرمت أهل العلم أن تجعلهم في مرتبة عليّة أنت ماذا فعلت؟ تدّعم هذا الدين. 2 ـ النفي من الأرض يكون بالطرد والإبعاد :
اللطيفة الثانية في هذا التفسير قال: النفي من الأرض يكون بالطرد والإبعاد والحبس، فقد روي عن مالك أنه قال: النفي هو السجن، الإنسان ممنوع بالسجن أن يقرأ الصحف لماذا؟ إن قرأ الصحف لم يعد مسجوناً، على صلة مع أخبار الناس ومع ما يجري، لو أعطينا إنساناً مذياعاً وصحفاً وشاهد كل شيء وهو في السجن لم يعد مسجوناً، إنسان يجلس في بيته أياماً طويلة، مادام على اتصال مع العالم الخارجي يقرأ الكتب، ويسمع الأخبار، ويتابع أخبار الناس لم يعد مسجوناً، فالنفي من الأرض هو السجن، ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، إنسان طليق يركب مركبته، ويذهب إلى الزبداني، أو إلى الساحل، أو إلى حلب، أو إلى بريطانيا، أو اليابان.. هو طليق، أما حينما تسجنه تنقله من سعة الدنيا إلى ضيقها، إلى مكان ضيق، يجلسون سنوات وسنوات، فقال: النفي من الأرض يكون بالطرد والإبعاد اسمه إبعاد وأصبح هناك مصطلحاً قبل سنوات: المبعدون الذين أبعدوا عن أرضهم.
قال بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ المؤمن سعادته تنبع من داخله، وغير المؤمن سعادته تنبع مما حوله، إذا لم يتوفر التكييف يقول لك: لا يعاش في هذا البيت، إذا لم يتوفر الأكل الجيد، أو المركبة المريحة، أو البيت الواسع، سعادته في بيت جميل ومركبة.
مرة أردت أن أتحدث مع رجل جاء من أوربا سألته وحدثته عن الدين قليلاً قال لي: هذا الموضوع لا يعنيني إطلاقاً، ولا أهتم له، ولا أبحث عنه، أنا يعنيني ثلاثة أشياء؛ بيت جميل، ومركبة، وامرأة جميلة فقط، أهدافه واضحة تماماً، أما هذا الذي تتحدث عنه فلا علاقة له إطلاقاً، فالنفي هو السجن، ينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها، فكأنه إذا سجن نفي من الأرض لأنه لا يرى أحبابه، ولا ينتفع بشيء من لذائذ الدنيا وطيباتها، فصاروا يُنفَون من الأرض إما أن يُبعَدوا، وإما أن يسجنوا، وكلاهما يؤدي المعنى نفسه.
الآية الكريمة التي نحن في الحديث عنها:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة المائدة: 33-34]
ارتباط أواخر الآيات بمعانيها أشد الارتباط :
أيها الأخوة، هذه الآية محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فساداً تأتي بعدها آيات جريمة السرقة.
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[سورة المائدة: 38]
الأصمعي - والأصمعي عالم كبير من علماء اللغة- قال: قرأت هذه الآية وإلى جنبي أعرابي فقلت: والله غفور رحيم سهواً بدل أن يقول: والله عزيز حكيم، فقال الأعرابي: كلامُ مَنْ هذا؟ قلت: كلام الله، قال: أعِد، فأعدت والله غفور رحيم، قال: ليس هذا كلام الله، فتنبهت فقلت: والله عزيز حكيم، فقال: أصبت هذا كلام الله، قلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، أتحفظه؟ لا لم أحفظه، قال: فمن أين علمت أني أخطأت؟ قال: يا هذا عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع، لا تتناسب والله غفور رحيم مع واقطعوا أيديهما، أقول: هذا يدل على ذكاء الأعرابي، وشدة الترابط والانسجام يبن صدر الآية إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم، إذا إنسان غير حافظ القرآن فضّل أن يكملها من عنده، وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، لا ليست هكذا. ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[سورة المائدة: 118]
أي إنسان إذا أراد أن يعفو قد يحاسب، لم عفوت عنه؟ إلا الله إذا أراد أن يعفو عن إنسان ليس في الكون كله جهة تحاسبه: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[سورة المائدة: 118]
أواخر الآيات مرتبطة بمعانيها أشد الارتباط. الله عز وجل بدأ بالسارق لأنه أقدر على السرقة و بالزانية لأنها أقدر على الإثارة :
شيء آخر أيها الأخوة:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ﴾
[سورة المائدة: 38]
بدأ الله بالسارق لأنه أقدر على السرقة من المرأة وأما: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾
[سورة النور: 2]
فبدأ بالزانية لأنها أقدر على إثارة الرجل من شيء آخر، وهناك رجل ملحد اعترض على الشريعة الإسلامية قال: يد قطعت بخمس مئين عسجد وديَت، إذا قطعت يد بحادث ديتها خمسمئة دينار ذهبي، الإنسان يعمل بيده لو قطعت يد الإنسان بحادث فديتها خمسمئة دينار ذهبي قال:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
***
لو أنها سرقت ربع دينار تقطع، لو أنها قُطِعَت خطأ ديتها خمسمئة دينار، ما هذا التناقض؟ ربع دينار تقطع، وإن قطعت خطأ فديتها خمسمئة دينار!
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
***
أجابه بعض الحكماء قال له:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***
لمّا كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، اثنان دماؤهم تعم جسمهم إذا المقتول شهيد ماذا تقول؟ مضرج بدم الشهادة، إذا كان مرتكباً جريمة تقول: ملطخ بدم الجريمة، دم الجريمة شيء، ودم الشهادة شيء آخر، طبعاً الموضوع طويل جداً حول آية محاربة الله ورسوله والسعي في الأرض فساداً: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾
[سورة المائدة: 33]
أكبر جريمة على الإطلاق أن يزني رجل متزوج بامرأة متزوجة :
بعض العلماء حمل جريمة الزنا للمحصن مع المحصنة بالرجم حتى الموت، هل هناك من جريمة على الإطلاق أكبر من أن يزني رجل متزوج محصن بالزواج وله أولاد بامرأة متزوجة ومحصنة بالزواج ولها أولاد؟ ثم تطلق من زوجها لأنها خانته، يشرد الأولاد، وتنهار هذه الأسرة، هل هناك أشد من هذه الجريمة؟ لذلك حكم الزاني المحصن الرجم حتى الموت، وحكم الزانية المحصنة الرجم حتى الموت، لأنهما لم يزنيا فقط بل كأنهما يزنيان أمام الناس، كيف تم ضبط هذه الجريمة؟ أربعة شهود مع أنهما لا يباليان فيما يفعلان من هنا من هذه الآية حمل حكم الرجل حتى الموت:
﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾
[سورة المائدة: 33]
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ﴾
[سورة النور: 2]
موضوع صون المال شيء مهم جداً :
رأفة أهل الغرب بالإنسان السارق من أن تقطع يده، ورأفة أهل الغرب بالإنسان الزاني من أن يعاقب سبب هذا الإحصاء الذي قرأته قبل عشرين عاماً، في عام خمسة وستون هناك إحصاء فيدرالي في أميركا أن كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة قتل، أو اغتصاب، أو سرقة، وفي علمي الآن كل عشر ثواني يموت إنسان في الإيدز في أميركا! وهناكي تحقيقات عن بعض البلاد الإسلامية التي كانت تطبق قطع اليد، والآن تساهلت كثيراً، شيء لا يصدق يمكن أن نرسل رواتب محافظة في أقصى الجنوب بمئات الملايين بشاحنة مكشوفة، بلاد فيها جهل، وعنف، ولكن لأن حدّ السرقة مطبق فالناس في أمن، لي قريب جاء من هذه البلاد قلت له: تسير وحدك في الليل الطريق موحش؟ وهو شاب قال: أنام في السيارة ثم أتابع السير! بهذه البساطة؟ نعم لأن حدّ السرقة مطبق في هذا البلد، حدثني أخ قال: أنا أركب وأهلي في السيارة عليها كل حاجاتنا في بلد لا تطبق قطع اليد كنت مضطراً إلى أن أنزل الأغراض، وأرفعها إلى الطابق الرابع، وبذلت جهداً، في بلد آخر بعد مئة كيلو متر تطبق قطع يد السارق قال: فتركت المركبة على حالها ونمت نوماً عميقاً! موضوع مصونية المال شيء مهم جداً، على كلٍّ هذه الآية لها بحث طويل إن شاء الله يتاح لنا وقت آخر لبحثها.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 07:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : غض البصر - 1 - سورة النور





الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ترتيب الآيات القرآنية في السورة الواحدة ترتيب توقيتي :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من: "شرح آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
أيها الأخوة الكرام، كلكم يعلم أن ترتيب الآيات القرآنية في السورة الواحدة ترتيب توقيتي، أي أن الله جل جلاله أوحى إلى النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ضع هذه الآية في مكان كذا، وهذه الآية بعد الآية كذا، فالترتيب توقيفي. مناسبة الآية التالية مع ما قبلها :
إذاً ما مناسبة هذه الآية مع ما قبلها؟
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
هذه الآية جاءت بعد آية الاستئذان في دخول البيوت، والإنسان إذا دخل بيتاً ربما وقعت عينه على عورة، فالأكمل لمن دخل بيتاً بعد أن استأذن أهله أن يغض بصره، جاءت هذه الآية بشكل عام لتشمل الذين دخلوا البيوت، والذين يمشون في الطرقات، دخول البيت، بيت الغير مظنة للإطلاع على العورات، وقد جيء بهذه الآية على شكل حكم عام كلف به المؤمنون جميعاً حتى يشمل المستأذن، وغير المستأذن، وقد ورد في أسباب النزول أن رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاءه صحابيان طبعاً النص عن علي رَضِي اللَّه عَنْه أن رجلاً مرّ على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والأصح أن نقول رجلاً - في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة، ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان، أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذا استقبله الحائط فشق أنفه، فقال: وَاللَّهِ لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره أمري، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هذه عقوبة ذنبك، وأنزل الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
غض البصر أطهر للأخلاق و أبعد عن مظنة الريبة :
إذاً الله جلّ جلاله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يحث المؤمنين على أن يغضوا أبصارهم عما لا يحل لهم، وأن يحفظوا فروجهم عن المحرمات، ويبين لهم أن ذلك أطهر لأخلاقهم، وأبعد بهم عن مظن الريبة، وسوء السمعة:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ﴾
[ سورة النور: 30]
هذه الآية دقيقة جداً: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ﴾
[ سورة النور: 30]
فيغضوا، هناك فعل أمر محذوف: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ﴾
[ سورة النور: 30]
أي غضوا أبصاركم، والمؤمنون سريعو الاستجابة. إغلاق البصر وصرف البصر كلاهما غض للبصر :
شيء آخر: غض البصر؛ إطباق الجفن على الجفن، أي أغمض عينيه، هذا غض للبصر، وأحياناً غض البصر أن تصرف البصر إلى جهة أخرى، هذا غض للبصر، إما إطباق جفنٍ على جفن، أو إرخاء جفن، أو تحويل النظر، كله يدخل تحت غض البصر، أحياناً امرأة تمشي من على يمينك، فإن نظرت إلى شمالك فقد غضضت البصر عنها، امرأة تقف على شرفة فإن نظرت إلى الأرض غضضت البصر عنها، لكن أحياناً تركب مركبة وامرأة أمامك في المقعد الأول - مركبة عامة - وهي بأعلى درجة من التبرج، بإمكانك أن تغض البصر بإطباق جفن على جفن، بإمكانك أن تغض البصر، وبإمكانك أن تصرف البصر، إغلاق البصر وصرف البصر كلاهما غض البصر.
قل يا محمد للمؤمنين، يا من آمنتم بي، يا من آمنتم بوجودي، وكمالي، ووحدانيتي، يا من آمنتم أن كل السعادة بالقرب مني، قل للمؤمنين إن أردتم القرب مني غضوا أبصاركم:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
[ سورة النور: 30]
كلمة " من " دقيقة جداً ويتفرع عنها أحكام شرعية كثيرة منها :
1 ـ من هنا أصلية و هي للتبعيض :
إلا أن كلمة " من " دقيقة جداً، ويتفرع عن كلمة من أحكام شرعية كثيرة، قال:
﴿ مِنْ﴾
حرف جر أصلي، و تعلمون أن حروف الجر أصلية وزائدة، إذا قلت: أكلت بالملعقة، هذه الباء حرف جر أصلي، ما معنى أصلي؟ أنك إذا حذفته فسد المعنى، احذف الباء أكلت الملعقة، هذا ليس معقولاً، المعنى فاسد، وهناك باء تعرب حرف جر زائد. ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾
[ سورة التين: 8]
احذف الباء، أليس الله أحكم الحاكمين، صحيح، فهذه المعنى ما وجدت في الصف من أحدٍ، أي ما وجدت أحداً، من زائدة، أما هنا فأصلية معنى أصلية أنها تؤدي معنى أساسياً، أما معنى زائدة فتؤكد المعنى، فرق كبير بين حرف الجر الأصلي، الذي يتوقف عليه معنى أساسياً وبين حرف جر الزائد، هذا حرف الجر الزائد يؤكد المعنى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾
[ سورة التين: 8]
أبلغ من أليس الله أحكم الحاكمين، دخلت إلى الصف فما وجدت فيه أحداً، غير فما وجدت فيه من أحدٍ، إذاً هذه المن أصلية للتبعيض، أي غضوا أبصاركم عن بعض النساء اللاتي لا يحللن لكم، أما زوجتك فانظر إليها، أمك انظر إليها، أختك انظر إليها، ابنتك انظر إليها، ابنة ابنتك انظر إليها، ابنة ابنك انظر إليها، خالتك انظر إليها، عمتك انظر إليها، امرأة أجنبية غض البصر عنها، فهذه من للتبعيض تبعيض المُبصَر الذي تنظر إليه، غض البصر عن بعض النساء اللاتي لا يحللن لك، أما اللواتي يحللن لك، فلك أن تنظر إليهن ولا شيء عليك، هذا المعنى الأول. 2 ـ تبعيض المبصر :
المعنى الثاني: تبعيض المبصِر، أنت إذا نظرت إلى من تحل لك عدا الزوجة، أي أمك، أختك، ابنتك، عمتك، خالتك، ابنة ابنك، ابنة ابنتك، لا ينبغي أن تدقق، أن تحملق، أن تملأ عينك من تفاصيل جسم أختك، أو أمك، أو ابنتك، لا، انظر نظرة إجمالية دون أن تدقق، فالمعنى الأول تبعيض المُبصَر، المعنى الثاني تبعيض المبصِر.
3 ـ تبعيض الزمن :
المعنى الثالث: تبعيض الزمن، نظرت إلى امرأة لا تحل لك تمشي في طريق ومنعطف حاد، لما وصلت إلى المنعطف رأيت امرأةً أمامك بأبهى زينة، انطبعت صورتها في ذهنك، غض البصر عنها فوراً، فالنظرة الأولى لك، والثانية عليك، صار عندنا ثلاثة تبعيضات، تبعيض المُبصَر إليه، وتبعيض المُبصر، وتبعيض الزمن، انظر إلى اللواتي يحللن لك، أما الأجنبيات فغض البصر عنهن، أي غض البصر عن بعض النساء، أو إن نظرت إلى من تحل لك عدا الزوجة، ينبغي ألا تملأ عينك منها، يجب أن تنظر نظراً معتدلاً أي غض البصر نوعي، وحينما تفاجأ بامرأة وقد نظرت إليها خطأً فيجب أن تغض البصر فوراً، فسمح لك أن تنظر إلى بعض النساء، وأن تغض البصر عن بعضهن الآخر، هذا أول معنى، وحين سمح لك أن تنظر إلى اللواتي يحللن لك من المحارم عدا الزوجة، لا ينبغي أن تملأ العين، ولا أن تدقق في التفاصيل، وألا تتابع الخطوط، ينبغي أن تكتفي بنظرة إجمالية أي ليست مركزة تركيزاً شديداً.
4 ـ إذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك فالنظرة الأولى لك والثانية عليك :
المعنى الرابع: أنك إذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك، الأولى لك والثانية عليك صار هناك أول تبعيض، وثاني تبعيض، وثالث تبعيض:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
[ سورة النور: 30]
من ينظر إلى المرأة ليس عند الله بمكان يخاطب فيه :
لماذا قال الله عز وجل:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
[ سورة النور: 30]
ولم يقل يا أيها الذين آمنوا غضوا أبصاركم؟ قال: لأن هذا الذي ينظر إلى المرأة ليس عند الله بمكان يخاطب فيه، قل لصاحبك أن يفعل كذا، هو أقل من أن يخاطب، لأنه ينظر إلى امرأة، قل له أن يغض البصر، ليس الأمر ابتداء، هو ينظر قل له ألا ينظر، هو في مكانة أقل من أن يخاطبه الله مباشرةً، هذا معنى جديد بالآية، لكن من أروع ما في الآية أن الأمر بغض البصر جاء قبل الأمر بحفظ الفرج، لأن طريق حفظ الفرج غض البصر، الله عز وجل بدأ بالسبب، وانتهى بالنتيجة، إن أردت أن تحفظ فرجك من الزنا أغلق الباب من أوله، أول الباب إطلاق البصر، معظم النار من مستصغر الشرر، كل الشر يأتي من إطلاق البصر، أي هذه الجريمة هي جريمة في الحقيقة أي جريمة الزنا تبدأ بإطلاق البصر، فحينما أغلقنا أول باب من هذه الجريمة، أغلقنا أسباب الجريمة، والشريف ليس الذي يهرب من الخطيئة، لكن الذي يهرب من أسباب الخطيئة. الإنسان لن يتمكن من حفظ فرجه إلا بغض بصره :
لكن هل انتبهتم إلى الآية الكريمة؟
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
[ سورة النور: 30]
ولم يقل: ويحفظن من فروجهم، أي هناك نظر مسموح به، مسموح أن تنظر إلى زوجتك، إلى أمك، إلى ابنتك، إلى أختك، إلى عمتك، إلى خالتك، إلى بنت بنتك، إلى بنت ابنك، مسموح أن تكون لك النظرة الأولى والثانية عليك، مسموح أن تنظر بعض النظر من محارمك، لكن موضوع الفرج لا يوجد ولا حالة يتساهل بها ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
ليس يحفظوا من فروجهم: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
[ سورة النور: 30]
هذا كلام خالق الكون، الفرج لا يوجد فيه حل وسط ، هذه أكبر جريمة، لذلك جاء حفظ الفرج مطلقاً، ولم يأتِ قبله حرف تبعيض، أي لا يوجد حالة مستثناة، لا يوجد حالة مسموح بها، لا يوجد حالة مقبولة، لا يوجد حالة معفو عنها، لا يوجد حالة إطلاقاً: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾
[ سورة النور: 30]
أي لن يتمكنوا من حفظ فروجهم إلا بغض أبصارهم. الزنا معصية فيها قوة جذبٍ كبيرة فعلى الإنسان الابتعاد عن أسبابها :
ماذا أقول لكم؟ الزنا معصية فيها قوة جذبٍ كبيرة، فإن كنت أنت خارج منطقة الجذب لا يوجد مشكلة، وإذا دخلت منطقة الجذب فهنا الخطر، إطلاق البصر يدخلك إلى منطقة الجذب، صحبة الأرذال تدخلك إلى منطقة الجذب، مشاهدة الأعمال الفنية الساقطة تدخلك إلى منطقة الجذب، قراءة الأدب الرخيص ينقلك إلى منطقة الجذب، أما الإنسان إذا امتنع عن كل هذا فلا يصيبه شيء، الخلوة تنقلك إلى منطقة الجذب، الخلوة، والقراءة، والمشاهدة، وصحبة الأرذال، وإطلاق البصر، هذه كلها تنقلك إلى منطقة الجذب، فإذا دخلت هذه المنطقة لابد من أن تنجذب إلى آخر المطاف، لذلك الحيطة، والحرص، والورع أن تكون خارج هذه المنطقة، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾
[ سورة البقرة: 187 ]
أبيح النظر إلا ما استثني منه، ومنع الجماع إلا ما استثني منه، الأصل في الجماع المنع، أما الأصل في البصر فالإطلاق، لك أن تنظر إلى الشمس، لك أن تنظر إلى القمر، لك أن تنظر إلى بستان، إلى بحر، إلى أشجار، إلى ورود، إلى الرجال، إلى الصغار، إلى الكبار عدا المرأة، لأن الله ركب في كيانك غريزةً من أقوى الغرائز، فإن نظرت إليها لابد من أن تنتهي هذه النظرة إلى خطوة أكبر وأكبر قد تصل إلى الفاحشة، لذلك ربنا عز وجل منعنا من أول خطوة، قال له: غض بصرك، والحقيقة قد يقول إنسان: هذا الغض لا افهمه أنا ماذا فعلت لو نظرت إلى امرأة؟ لم تكلمها، ولم تحدثها، ولم تنتقص منها شيئاً، لكنك إذا نظرت كان هذا النظر سبباً لخطوة أقرب، والأقرب إلى الأقرب، ويجد الإنسان نفسه أمام فاحشة دون أن ينتبه. النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور :
أخواننا الكرام، ما من مقالة علمية تركت في نفسي أثراً في هذا الموضوع كهذه المقالة، أن الإنسان حينما يثار الدماغ يفرز مادة تعطل المحاكمة، بهذه الحقيقة العلمية تفهم كيف يتورط أشخاص مهمون جداً بحماقة كهذه الحماقة، لأنه عندما صار هناك خلوة تعطلت المحاكمة، صار هناك إطلاق بصر تعطلت المحاكمة، وأنا أقول لكم كلاماً دقيقاً: الإنسان حينما تعلو درجة استثارته ربما وقع على من يحرم عليه، قال عليه الصلاة والسلام: الإنسان إذا شرب الخمر ربما وقع على عمته أو خالته، زنا المحارم أساسه تجاوز الحدود، قال العلماء: النظر إلى المحرم من أقوى الدواعي إلى الوقوع في الفجور، فكان حراماً لأنه يفضي إلى حرام، قلت لكم سابقاً ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، طريق الواجب واجب، أسباب الفرض فرض، أسباب السنة سنة، أسباب المعصية معصية، إذا كان النظر خطوة أولى إلى الزنا فهو محرم لا لأنه زنا بل لأنه يفضي إلى الزنا، لكن النبي عليه الصلاة والسلام سمى نظر الإنسان إلى امرأة لا تحل له زنا النظر، فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها اللمس، والأذن تزني وزناها السماع، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه:

((عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي))
[مسلم عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: يَا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخرة))
[ أبي داود عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ]
وتحديد زمن الأولى لا يعلمه إلا الله، أنت حينما تقع عينك على امرأة يجب أن تغض البصر لو الإنسان أطال ثانيتين من يعرف هذا ؟ الله وحده. ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
[ سورة غافر: 19 ]
العفة أبرز صفة من صفات المؤمن :
أحد أبرز صفات المؤمن العفة، قد يقول أحدهم: لماذا أمرنا الله هكذا؟ لو أنه سمح لنا أن ننظر وانتهى الأمر، كيف تدخل الجنة؟ كيف تدفع ثمن الجنة؟ لو لم يكن هناك محرمات لما كان هناك جنة، أنت كائن أودعت فيك الشهوات، وأمرت أن تضبطها، هذه الجنة، الجنة في شهوات وعملية ضبط فقط، لو لم يكن هناك شيء محرم كيف تتقرب إلى الله؟ فالمحرمات سبب دخول الجنة.
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾
[ سورة الزمر: 87 ]
غض البصر يقابله الحور العين :
لولا أنا كنا في الأرض، وأمرنا بغض البصر وغضضنا البصر، وأمرنا بضبط اللسان وضبطنا اللسان، وأمرنا بأن نفعل الخير وفعلنا الخير، لما دخلنا الجنة:
﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾
[ سورة الزمر: 87 ]
مقابل هذا الغض، وهذا الضبط هناك حور عين، الله وعدك بشيء، كمال مطلق، لا يوجد إنسانة في الأرض كاملة أبداً، إن ارتفع مستوى شكلها ساءت أخلاقها، وإن ارتفع مستوى أخلاقها لا تعجب زوجها، أي الحياة مركبة أي ليست في كمال مطلق، من أجل ألا تركن إليها، وهذه نعمة كبرى، الكمال المطلق لله عز وجل، وهذا من أجل النعم التي أنعم الله بها علينا. غض البصر وحفظ الفرج أطهر للقلب وأنقى للدين :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
أي ما ذكر من غض البصر وحفظ الفرج أطهر لقلوبهم، وأنقى لدينهم، وأبعد عن الزنا، ﴿ذَلِكَ أَزْكَى﴾
مبالغة، أي في أعلى درجات النزاهة، في أعلى درجات القداسة، في أعلى درجات الطهر، الحقيقة الإنسان يرقى عند الله بعفته، العوام يتحدثون عن أشخاص يقولون لك: نفسه خضراء، مراهق بالستين، أي في سن العبادة، في سن الوقار، في سن التقوى، في سن الدعوة إلى الله، في سن الإعداد للآخرة، هو يتتبع سقطات الناس، ويتتبع عوراتهم، وينظر إلى محارمهم، ويتغزل، ويعلق، كما ورد في الحديث القدسي: "أحب ثلاثاً، وحبي لثلاث أشد؛ أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد". غض البصر يقيّمه الله عز وجل :
إذاً ما علاقة هذه الآية؟ ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
أحياناً الإنسان يكون ماشياً مع صديقه المؤمن يغض بصره، ويخاف على سمعته، أما إذا كان لوحده فقد يتساهل، معنى هذا أن الله عز وجل خبير أن هذا الغض ليس لله، هو لعبد الله، من يعرف هذه الحقيقة؟ أحياناً الإنسان أمام الآخرين يبدو بأعلى مظهر، يبدو عليه الورع، والتقى، والعفة، أما إذا سافر فيطلق بصره، إذا استقامتك اختلفت بين السفر والحضر، وبين الخلوة والجلوة، وبين أن تكون مع إخوانك المؤمنين، فأنت حريص على سمعتك النقية، تبالغ في غض البصر مع المؤمنين، وتتساهل فيما بينك وبين الآخرين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
أي هذا الغض يقيّمه الله عز وجل، والحقيقة وهي دقيقة جداً أن غض البصر وحده ليس في الأرض، ولحكمة أرادها الله تشريع يحضره، أبداً، هل سمعت بحياتك طبع مرسوم تشريعي قانوني أقره مجلس الشعب بغض البصر؟ بأي دولة بالعالم، بأي نظام بالعالم هذه مسموحة، لا يوجد إنسان يسألك إن وقفت بالطريق تنظر إلى امرأة لماذا تنظر إليها؟ أبداً التحرش موضوع ثان، أما إطلاق البصر فلا أحد يسألك، معنى ذلك هذه عبادة إخلاص، هناك أشياء القانون حظرها، والتشريعات الأرضية حظرتها، والقرآن حظرها، فإن تركتها نقول: الله أعلم، إما أنه يخاف الله، وإما أنه يخاف عبد الله. قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ آية في الفروع لا في الأصول :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30]
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
هذه آية في الفروع لا في الأصول، عامة الناس يخاطبون بأصول الدين، أما المؤمنون فيخاطبون بفروع الدين، لذلك إنسان ليس مؤمناً لا يصلي إطلاقاً، لا يعترف بأحقية هذا الدين، تقول له: غض بصرك، كلام لا معنى له عنده إطلاقاً، يسخر منك، لا تبلغه هذا الأمر إلا إذا علمت أنه مؤمن بالله، لا تبلغه هذا الأمر إلا إذا تيقنت أنه مؤمن بالله، لأنه: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
ما قال: قل للناس، يا أيها الناس غضوا أبصاركم، لا، لا ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
لمن آمن يغض، الغض إما إطباق جفن على جفن، وفي حالات بإمكانك أن تغض البصر إطباق جفن على جفن، قاعد في سيارة، مركبة عامة، وامرأة أمامك ممكن أن تغمض عينيك، هذا غض البصر، أما امرأة تمشي على يمين الطريق، فإن نظرت إلى اليسار فأنت غضضت البصر، امرأة في شرفة إن نظرت إلى الأرض غضضت البصر، فالغض إما صرف، وإما إغماض، النبي قال: اصرف بصرك، سُئل عن النظرة المفاجئة، قال: اصرف بصرك. ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ ﴾
[ سورة النور: 30]
أحياناً ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ﴾
أما " من " فرائعة جداً، من تارةً للمبصَر، وتارةً للمبصِر، وتارةً للزمن، للمبصر إذا نظرت إلى من تحل لك عدا الزوجة، ينبغي ألا تدقق، وألا تملأ العين من هذا الشكل، ولا من هذه الخطوط، ينبغي أن تبقى بالنظرة الإجمالية، الواحد بنته بالبيت، والدته، وأخته أحياناً في سريرها، في فراشها، ينبغي أن تنظر نظرة عامة، هذا الكمال، أما أن تنظر إلى خطوط جسمها فأعوذ بالله، ولو أختك، ولو ابنتك، ولو والدتك، هذه أول ناحية المُبصر، الثاني المُبصَر، الثالث النظرة المفاجئة، زمناً، تبعيض زمني، تبعيض مُبصر، تبعيض مُبصَر. من ازداد ورعه ازداد مستوى غض بصره :
﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾
الفرج لا يوجد فيه استثناءات أبداً إطلاقاً. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج: 29-31 ]
ليس مسموحاً إلا الزوجة، أو ملك اليمين، أما بالبصر فمسموح أن تنظر إلى الأخت، والعمة، والخالة، والبنت، طبعاً أم الزوجة أيضاً تدخل، والربيبة. ﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾
[ سورة النور: 30 ]
أنقى، وأطهر، وأكمل، وأشرف، وأعلى، وأقرب إلى الله: ﴿ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾
[ سورة النور: 30 ]
﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور: 30 ]
الله يعرف الدوافع، والأهداف، والحجم، والتضحية، ومستوى غض البصر، هناك مستوى حازم جداً، و هناك أقل حزماً، هناك نظرة إجمالية، وهناك عدم تدقيق، وكلما ازداد ورعك ازداد مستوى غض بصرك. الإنسان لن يقطف ثمار غض البصر والحجاب إلا إذا كان المؤمنون جميعاً مطبقون :
﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[ سورة النور: 30 ]
سأقف عند كلمة ﴿جَمِيعًا﴾
قبل شرح الآية الطويلة، أي إذا تاب المؤمنون جميعاً، إذا تحجبت النساء جميعاً، وإذا غض الناس طرفهم جميعاً، عشنا في مجتمع نظيف، مجتمع هادئ، مجتمع ساكن، مجتمع لا اضطراب فيه، مجتمع لا فورة فيه، لا فتنة فيه، حدثني أخ جاء من مكة المكرمة والمدينة، الحجاب هناك إلزامي، قال لي: شهر شهران ثلاثة، ولا تقع عيني على وجه امرأة، معنى هذا لا يوجد مثيرات، لا يوجد تشويش، لا يوجد فتنة مستعرة، لا يوجد إنسان يبذل جهداً كبيراً ، أي إذا تبتم إلى الله جميعاً قطفتم ثمار غض البصر، وثمار حجاب المرأة، أوضح مثل، إنسان له مئة صديق عنده لوحده هاتف، ليس له قيمة، أنت مكلف أن تغض البصر، لكن لن تقطفوا ثمار غض البصر وثمار الحجاب إلا إذا كان المؤمنون جميعاً مطبقون لهذا الأمر. إن تاب المؤمنون إلى الله جميعاً غضوا أبصارهم وحجبوا نساءهم :
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
وأنا في العمرة والحج أشعر أن الحياة في مكة والمدينة، لأنك لا ترى امرأة سافرةً إطلاقاً، واللباس كله فضفاض، عباءة لا تظهر أي خطوط للجسم، ولا حجم الأعضاء، تعيش أسبوعاً، أسبوعين، شهراً، شهرين و أنت مرتاح، لا يوجد إثارة، و لا مجاهدة، فإذا تاب المؤمنون إلى الله جميعاً، غضوا أبصارهم، وحجبوا نساءهم، شعرت بقيمة هذا الأمر في مجتمع المسلمين.
الطالب ينصرف إلى جامعته، طالب بالثماني عشرة سنة، متى سيتزوج؟ بالثلاثين، أمامه اثنتا عشرة سنة، إذا لم يكن هناك أي مثيرات يعيش براحة نفسية، منصرف كلياً إلى دراسته، وإلى بناء مستقبله، أما طالب عمره ثماني عشرة سنة ذاهب إلى الجامعة رأى امرأة كما خلقها الله، كل ثيابها تصف حجم أعضائها، يضطرب، يقع إثم انصرافه عن ربه على هذه المرأة التي اعتدت عليه، هذا عدوان، مركب في أعماقه هذه الغريزة، هي استثارت شهوته، ولا تسمح له أن يقترب منها، هذا شيء مستحيل. غض البصر والتوبة والحجاب لن نقطف ثمارها إلا إذا كانت عامة :
لذلك أيها الأخوة:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة النور: 31 ]
جميعاً لها معنى دقيق، فإذا كان هناك إنسان عنده هاتف لوحده، وله مئة صديق، لا قيمة لجهازه، أما لو أن كل واحد منهم عنده جهاز، فأصبح له قيمة كبيرة جداً، أي إنسان تتصل به، وكذلك غض البصر والتوبة، لا نقطف ثمارها ولا ثمار الحجاب إلا إذا كانت عامة، لكن ليس معنى هذا الكلام إذا كنت في مجتمع لا يطبقها أنت معفى منها، أعوذ بالله، لابد من غض البصر، ولابد من تحجيب النساء، ولكن نتمنى أن يشيع هذا بين الناس، مرة نظرت إلى صف بصورة بالجريدة رأيت الثلثين محجبات، وَاللَّهِ شي جميل، فكلما اتسع نطاق الحجاب، ارتاح الشباب، وانصرفوا إلى أعمالهم، وبناء مستقبلهم، وهذا غض البصر يشبه إنساناً عنده مطمورة، كلما غض بصره وضع ليرة ذهب، يوم الزواج يفتحها فيجد عنده ألف ليرة ذهبية، لأن الإنسان عف عن الحرام أكرمه الله بالحلال الطيب، الزواج لا يوجد فيه حل وسط، إما قطعة من الجحيم، أو نعيم الدنيا. ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة البقرة: 201]
المرأة الصالحة حسنة الدنيا، التي إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك، فإذا الإنسان عف عن الحرام ثم جاء وقت زواجه وجد كل الذي فعله أمامه، وكافأه الله عليه. الآية التالية آية مهمة جداً وهي من أهم آيات الأحكام :
إن شاء الله في الدرس القادم نشرح الآية الكريمة:
﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[ سورة النور: 30 ]
وهذه آية مهمة جداً وهي من أهم آيات الأحكام، أي أكبر شهوتين أودعتا في الإنسان شهوة المال، وشهوة النساء، لذلك جاءت التشريعات الإلهية مفصلة، وافية، كافية في هذين الموضوعين، وها نحن نتابع هذا الموضوع إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 07:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( العاشر )


الموضوع : التوجة الى الكعبة - سورة البقرة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
التوجه إلى الكعبة في الصلاة :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس العاشر من: "آيات الأحكام"، والآية اليوم: التوجه إلى الكعبة في الصلاة، قال تعالى:
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة : 142 ]
دققوا أيها الأخوة، لو وقفنا عند هذه الآية التي فيها إعجاز لأن الله سبحانه وتعالى قال: سيقول، هل قالوا بعد؟ لا، سيقول! من هم الذين سيقولون؟ السفهاء، هذه صفة مدح أم ذم؟ صفة ذم، ربنا جلّ جلاله يقول: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾
[ سورة البقرة : 142 ]
هؤلاء السفهاء سمعوا أنهم معنيون بهذه الآية، المنافقون والكفار والمشركون هؤلاء هم السفهاء الذين أشارت إليهم هذه الآية، هؤلاء سمعوا هذه الآية، لو أنهم سكتوا ماذا فعلوا؟ لأبطلوا كلام الله! القرآن يصفهم بأنهم سفهاء، وأنهم لم يقولوا بعد هذا الكلام بدليل السين. ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾
[ سورة البقرة : 142 ]
الله جلّ جلاله طليق الإرادة :
لو أن هؤلاء المنافقين والكفار والمشركين أرادوا أن يبطلوا هذا الكلام لسكتوا فقط وما قالوا شيئاً! معنى ذلك أن الإنسان مع أن الله جعله مختاراً مخيراً لكن حكمة الله تقتضي في بعض الأحيان أن يسلب هذا الاختيار لذلك قالوا: (الله جلّ جلاله طليق الإرادة ) فإذا أراد للعبد أن يأخذ اختياره أخذه، وإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبّ لبّه!
(( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ))
[ابن ماجة النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلابِيُّ]
هل هناك آية تشبه هذه الآية؟ أبو لهب: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾
[ سورة المسد: 1-5 ]
لو أن أبا لهب حينما سمع هذه الآية توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد أمامه أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ماذا فعل أبو لهب؟ كذب هذه الآية، من أجل أن تعلموا أن الله طليق الإرادة، وأن: (( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ))
[ابن ماجة النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلابِيُّ]
وأن الله إذا أراد أمراً سلب من كل ذي لبّ لبّه، وأن الإنسان ضعيف أمام مشيئة الله عز وجل. الإنسان أمام قدرة الله و مشيئته لا شيء :
هاتان الآيتان تكفيان شاهداً على هذا، آية: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾
[ سورة البقرة : 142 ]
طبعاً أبو لهب لو تكلم لأبطل القرآن! أما السفهاء فلو سكتوا فقط، من أجل أن تعلموا أنهم اتهموا بأنهم سفهاء، ولم يقولوا بعد، بل قال: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾
[ سورة البقرة : 142 ]
إذاً يجب أن تعلم أنك أمام قدرة الله لا شيء، وأمام مشيئة الله لا شيء، وأمام إرادة الله لا شيء، وأن قلبك بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، ولكن لصالحك! مثلاً: الإنسان حينما يتخذ قراراً حكيماً، الله عز وجل يملأ قلبه أمناً وطمأنينة، هو بين أصبعيه لصالحه، وأحياناً يتخذ قراراً خاطئاً يملأ قلبه خوفاً وضيقاً وضياعاً، فما جعل الله قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابعه إلا ليعينه على نفسه فقط! إما دعماً وتطميناً أو تحذيراً وتخويفاً. تعريف السفه في اللغة :
فالآية اليوم:
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 142 -143]
نقف وقفة متأنية عند بعض الكلمات: من هو السفيه بقوله: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾
السفيه هو الذي لا يحسن التصرف، السفه ضد الحلم، خفة وسخافة يقتضيهما نقصان العقل، عقل ضعيف، إدراك ساذج، يتبعه خفة وسخف، ولذلك يسمى السفيه سفيهاً لأنه ليس عاقلاً، ولأن في تصرفاته خللاً، لهذا يسمى سفيهاً، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾
[ سورة النساء: 5]
من أطرف ما قرأت أن المدخن الغني حينما يدخن ويشتري بماله هذا الدخان يسمى سفيهاً، فإذا كان فقيراً يسمى مبذراً لأنه في معصية.
في الحقيقة اللغة مرت بمراحل، وهي تنتقل من المرحلة المادية إلى المرحلة المعنوية، فالسفه في أصل كلام العرب الفطنة والرقة، نقول: ثوب سفيه أي ثوب رقيق، رديء النسج، بالياً، سفهته الرياح أي أمالته، السفه ضد الحلم، إنسان عقله ضعيف، تصرفاته سخيفة، خفيفة، وليست هادئة. ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ ﴾
[ سورة البقرة : 142]
كلّ إنسان يعصي الله مدموغ بالسفاهة والغباء والجهل :
بالمناسبة يوجد آية قرآنية جميلة جداً يقول الله عز وجل:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
[ سورة البقرة : 130]
أي كل إنسان يعرض عن دين الله ولا يأتمر بما أمر، ولا ينتهي عما نهى عنه وزجر فهو سفيه، بمعنى أنه ضعيف الإدراك والتصرفات، والشيء اللطيف في هذه الآية أنك تعرض عن شيء لأنه حقير وبسيط، لأنه غير متقن، إلا أنك إذا أعرضت عن الدين المعرض هو السفيه، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
[ سورة البقرة : 130]
فإذا نظرت إلى إنسان يشرب الخمر يمكن أن تحكم عليه بأنه سفيه لأنه يعصي خالق الكون، لو كان عاقلاً ما عصى الله عز وجل، لأنه يعصي ولا يدري ماذا سيفعل الله به، وماذا أعدّ له من عذاب أليم في الدنيا، لأنه يعصي ولا يفكر في مستقبل أيامه، لذلك كل إنسان يعصي الله يسمى سفيهاً، بل كل إنسان يعصي الله مدموغ بالسفاهة والغباء والجهل. علم الله علم كشف لا علم جبر :
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾
[ سورة البقرة : 142]
معنى ولاهم أي صرفهم، ولى عن الشيء أو تولى عنه أي انصرف، هو استفهام - كما قال العلماء- على جهة الاستهزاء والتعجب. الحقيقة أن النبي الكريم أمر بالتوجه إلى بيت المقدس واليهود كانوا يعمرونه، أنت لا تدين بديننا وتتجه إلى قبلتنا؟! فالأنبياء السابقون كلهم كانوا يتجهون إلى بيت المقدس، والنبي الكريم بما أنه جاء ليحيي سنّة أبيه إبراهيم فأراد أن يتوجه إلى الكعبة التي بناها إبراهيم، فكانت رغبة النبي عليه الصلاة والسلام التوجه إلى الكعبة! لذلك حينما جاء الأمر الإلهي بالانصراف عن بيت المقدس والتوجه إلى بيت الله الحرام قال الله عز وجل:
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾
[ سورة البقرة : 142]
وهذا يدل على علم الله عز وجل، وعلم الله كما تعلمون علم كشف لا علم جبر. القبلة من المقابلة وأصلها الحال التي يكون عليها المقابل :
﴿قِبْلَتِهِمُ﴾
هي القبلة من المقابلة وهي المواجهة، وأصلها الحال التي يكون عليها المقابل، ثم خصّت للجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة.
فالكلام دائماً له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي، فهذه الجهة التي نتجه نحوها في الصلاة تسمى قبلة بالمعنى الاصطلاحي، وأما كل شيء أمامك فيقال له قبلة ولو كنت متجهاً نحو الشمال! هذا المعنى اللغوي، أما الاتجاه نحو الجنوب فهو القبلة بالمعنى الشرعي. ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾
[ سورة البقرة : 142]
هذا شأن الله عز وجل يأمركم أن تتجهوا نحو بيت المقدس، أو نحو بيت الله الحرام، لله المشرق والمغرب. الأمة العربية التي منها النبي الكريم خير أمة أخرجت للناس :
أكبر شرف لهذه الأمة أن الله اختارها لتكون أمة وسطاً أي وسيطة بينه وبين عباده، بصراحة أقول لكم: كل إنسان ينتمي إلى هذه الأمة شرفه الله عز وجل، شرفه بأن جعله وسيطاً بينه وبين خلقه، لكن العلماء لهم موقف لطيف هو أن الأمة العربية التي منها النبي الكريم وصفت بأنها خير أمة أخرجت للناس قال تعالى:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
ومن أدق معاني كنتم أصبحتم، لأن هذا القرآن بلسان عربي مبين، ولأن الله عز وجل جعله قرآناً عربياً، أي وفق لغة العرب. الله عز وجل اصطفى أمة العرب لتكون أمة وسيطة بينه وبين خلقه :
معنى الآية الكريمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
أي بعد أن أنزل عليكم هذا القرآن، وجاء منكم النبي عليه الصلاة والسلام، أصبحتم خير أمة، أي الله عز وجل اصطفى أمة العرب لتكون أمة وسيطة بينه وبين خلقه، قد يقول أحدهم: ما لهؤلاء العرب لهم أخطاء كثيرة؟ الجواب هو أن كل عربي استجاب لله ولرسوله فهو من أمة الاستجابة، وكل عربي لم يستجب لله ولرسوله فهو من أمة التبليغ، والذي لا يستجيب ليس له عند الله أية ميزة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال : 24]
فإن استجبت فأنت من أمة محمد أمة الاستجابة، وأنت من الأمة المكرمة، وأنت من خير الأمم بشرط أن تستجيب، فإن لم تستجب فأنت من أمة التبليغ، وهذه الأمة ليس لها أدنى قيمة عند الله عز وجل! ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[سورة المائدة: 18 ]
ليس لكم أي ميّزة، فأنت إن استجبت كنت من خير أمة: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :
لكن الآية واضحة جداً، هذه الخيرية معللة:
﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: 110]
فأنت تصبح عند الله خيراً إذا دعوت إليه، أمرت بمنهجه وبالمعروف، ونهيت عن المنكر، حللت الحلال وحرمت الحرام، بينت الحقيقة وصوبت الرأي، دللت على الله، إن استجبت فأنت من أمة الاستجابة، وأنت من خير أمة أخرجت للناس وإن لم تستجب: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[سورة المائدة: 18 ]
فليس لك أي ميزة، نرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من أمة الاستجابة. الفضائل وسط بين طرفين :
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[سورة المائدة: 143 ]
أي عدولاً، خياراً، قال أوسطهم: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴾
[سورة القلم: 28 ]
أي خيرهم وأعدلهم، خير الأشياء أوسطها، والغلو والتقصير مذمومان، دائماً عندنا وسطية وتطرف نحو اليمين ونحو الشمال، فالتطرف مذموم يميناً أو شمالاً والتوسط محمود، والفضيلة وسط بين طرفين، الجبن مذمة، والتهور مذمة، والشجاعة بينهما، الإنفاق باعتدال فضيلة، البخل رذيلة، الإنفاق بسفه رذيلة، دائماً الفضائل وسط بين طرفين. ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[سورة المائدة: 143 ]
أنتم وسطاء بين الله وبين خلقه، وأنتم متوازنون معتدلون. كل تطرف ينتهي إلى السقوط :
لذلك أيها الأخوة كل تطرف ينتهي إلى السقوط، وكل اعتدال وتوسط يستمر، لذلك كل الفرق التي تفرقت انتهت، أما التي لزمت الكتاب والسنة فارتقت، معنى رياضي لطيف، دائماً المركز متوسط ويجمع كل الأطراف، أما الطرف فلا يجمع شيئاً! الخلل دائماً في الأطراف، أما التوسط ففيه إحكام.
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[سورة البقرة: 143 ]
الصحابة الذين اتجهوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل أن يتجهوا إلى الكعبة صلاتهم صحيحة:
هؤلاء الصحابة الذين اتجهوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل أن يتجهوا إلى الكعبة ما حكم صلاتهم؟ صحيحة مئة بالمئة! لأن الله جلّ جلاله ما كان ليضيع؟ ماذا تعني كلمة إيمانكم؟ صلاتكم، لو فرضنا أن إنساناً اجتهد واتجه نحو الشمال وصلّى ثم اكتشف أن القبلة من جهة أخرى فصلاته صحيحة!
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾
[سورة البقرة: 143 ]
الحقيقة أن مكة المكرمة في عهد المشركين كلها أصنام فبعد حكمة أرادها الله أمر النبي بالتوجه إلى بيت المقدس. تمني النبي الكريم أن يتجه نحو بيت الله الحرام لأنه موطن أبيه إبراهيم :
﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
عليه الصلاة والسلام يتمنى أن يتجه نحو بيت الله الحرام لأنه موطن أبيه إبراهيم، والكعبة بناها أبوه إبراهيم، والنبي الكريم جاء ليحيي سنة إبراهيم! أنتم في الصلاة ماذا تقرؤون؟ ألا تقولون: اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل إبراهيم؟ النبي الكريم قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى! ماذا دعا إبراهيم؟ ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
[سورة آل عمران: 164 ]
سيدنا إبراهيم دعا ربه أن يبعث في هذه الأمة من يُعرفها بالله عز وجل، قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، من تعريف النبي لنفسه هو دعوة أبيه إبراهيم، لذلك يقول الله عز وجل: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
أي حينما كنت مكلفاً أن تتجه نحو بيت المقدس كنت تتمنى أن تتجه إلى بيت الله الحرام لأن اليهود هكذا قالوا: لا تؤمن بديننا وتتجه إلى قبلتنا؟ ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
أمر إلهي، حيثما كنتم. على الإنسان أن يولي وجهه أثناء صلاته إلى جهة الكعبة :
لكن أنا أتمنى على الأخوة الكرام أن يعوا هذه الحقيقة، بيت الله الحرام فيه الكعبة المشرفة، فيا ترى نحن نتجه إلى نقطة أم إلى خط؟ طبعاً هذا موضوع خلافي بين المذاهب، أما الأرجح والأقوى والأسهل والأبسط فأن نتجه إلى خط، إلى جهة الكعبة، أما إذا أردنا أن نحكم اتجاهنا إلى الكعبة بالذات فهذا يوقعنا في حرج شديد! فولّ وجهك شطره أي جهته، أي المسجد الحرام:
﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
لأن الله عز وجل ما أرادنا أن نكون في حرج شديد: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾
[سورة البقرة: 185 ]
﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
الصلاة هي الفرض الذي لا يسقط بحال :
اليوم كنت مع بعض الأخوة الكرام ذكرت لهم أن الصلاة هي الفرض الذي لا يسقط بحال، هي الفرض المتكرر، لماذا قلت: المتكرر؟ لأن بعض أركان الإسلام لا يتكرر، شهادة أن لا إله إلا الله تنطق بها مرة واحدة وانتهى الأمر، أما الصلاة ففرض متكرر، الصلاة وحدها لا تسقط، الحج يسقط عن الضعيف والذي لا يستطيع، والصيام يسقط عن المسافر والمريض، والزكاة تسقط عن الفقير، والشهادة ينطق بها مرة واحدة، أما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال فهو الصلاة! لكن العلماء قالوا: الصلاة فيها من معنى الصيام أنك إذا أردت أن تصوم رمضان لا تستطيع أن تأكل ولا أن تشرب، لكن بإمكانك أن تتكلم في أي موضوع، لكنك وأنت في الصلاة لا تأكل ولا تشرب ولا يباح لك التكلم في أي موضوع، إذاً الصلاة فيها من الصيام معنى الانقطاع التام عن الطعام والشراب والكلام، وفيها من موضوع الحج أنك في أثناء الصلاة تتجه إلى بيت الله الحرام، وفيها من موضوع الزكاة أنه حينما تقتطع من وقتك وقتاً لتؤدي فيه الصلاة الوقت أصل في كسب المال، هل يستطيع إنسان أن يكسب مالاً بلا وقت؟ لا يوجد، فالوقت أصل لكسب المال، أنت حينما تقتطع من وقتك وقتاً بأداء الصلاة كأنك أنفقت المال الذي يأتيك بهذا الوقت، أوضح مثال: إنسان يبيع أشياء بالمفرق وهناك زبائن باستمرار، فحينما يغلق محله التجاري ويتجه إلى المسجد ليصلي ماذا فعل؟ فوّت على نفسه مالاً وهذا يعد من معنى الزكاة، ففيها من معنى الحج الاتجاه إلى القبلة، وفيها من معنى الصيام ترك الطعام والشراب وحتى الكلام، وفيها من معنى الزكاة أن الوقت الذي تنفقه في الصلاة هو أصل في كسب المال، وقد فوّت عليك مالاً بسبب أدائك للصلاة، وفيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفيها الاتصال بالله عز وجل:
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
تعريف المجرم :
الحقيقة الإنسان المجرم من هو؟ الذي يتحرك بخلاف ما يعلم، الإنسان حينما يتحرك بجهل لا أقول: معذور لكن جرمه أقل، أوضح مثال: القاضي أو المفتي الذي يفتي بجهل يحاسب، أما المفتي الذي يفتي بخلاف ما يعلم فيعد مجرماً، والقاضي الذي يقضي بجهل يحاسب، إلا أن القاضي الذي يقضي بخلاف ما يعلم، يعلم أن هذا صاحب حق ويفتي بخلاف ما يعلمه هذا ظلم شديد :
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
الحكمة البالغة من كلمة شطر :
﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[سورة البقرة: 144 ]
الشطر بمعنى الجهة والناحية كما في هذه الآية، ويكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ومنه قول النبي الكريم: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَلا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ يَمْلآَنِ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالْوُضُوءُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ وَكُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ))
[الدرامي عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ]
أي ولِّ وجهك إلى جهة الكعبة، لا إلى عين الكعبة، لأن عين الكعبة يوقعنا في حرج شديد ونحتاج إلى قياسات طبوغرافية، فالعبرة أن تتجه إلى الله عز وجل، فالحكمة البالغة كلمة شطر أي إلى جهة الكعبة لا إلى عينها لأنه يسبب الحرج. من أسباب نزول هذه الآية :
من أسباب نزول هذه الآية:
((عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلاهَا صَلاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ ))
[صحيح البخاري عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]
هناك روايتان: أحد الروايتين أن المسلمين في أثناء صلاتهم توجهوا نحو بيت الله الحرام، وغيروا وجهتهم، فمر رجل فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي الكريم قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ماذا نقول فيهم؟ فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة : 143]
نقتبس من هذا أنت بإخلاص شديد، ورغبة صادقة، وبطاعة لله، التزمت مع إنسان ثم اكتشفت أنه ليس على حق، لك نيّتك، ولك صدقك وحرصك، ولك استقامتك، ولا تتألم، هذا كله محسوب عند الله أعمال صالحة. من لطائف هذه الآية الكريمة أن دين الإسلام دين وسطي :
من لطائف هذه الآية الكريمة أن دين الإسلام دين وسطي:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[سورة المائدة: 143 ]
في أي شيء أناس قتلوا المسيح بن مريم؟ هم ما قتلوه، لكن حاولوا قتله، واليهود قتلوا الأنبياء، وهناك أناس آخرون ألّهوا الأنبياء، فالإسلام لم يؤلف ولم يقتل وسطاً، في بعض الأديان حرموا عليهم الزواج، وبعض الشعوب الآن ترتكب كل الموبقات، والإسلام وسطي، لو توفر الوقت أو النفَس الطويل لوجدت أن الإسلام بكل شيء وسطي، والذي حدث أيها الأخوة أن العالم كما تعلمون قبل سنوات وسنوات كان منقسماً إلى شقين: شرق وغرب، شرق يقدس الجماعة، ويدوس الفرد بقدمه، وغرب يقدس الفرد و لو بنى مجده على أنقاض الجماعة، هذا متطرف، وهذا متطرف، والحمد لله رب العالمين كلما تقدم الزمان يعود المتطرفون إلى الوسطية مقهورين لا عودة عبادة ولكن عودة قهر، فترى كل الذين تطرفوا شرقاً و تطرفوا غرباً يعودون إلى الوسطية التي جاء بها الدين، فأنا لا أنسى أحد كبار الزعماء في أميركا قال: إن هناك خمسة أخطار تهدد أميركا، والله أنا في ذهني حينما سمعت هذا النبأ بشكل سريع جداً تصورت ما هي هذه الأخطار؟ اتحاد أوربا أم الشرق الأقصى بتقدمه الصناعي الهائل؟ اليابان؟ ما هي هذه الأخطار؟ ثم جاء ذكرها: أن أحد أكبر هذه الأخطار تفرق الأسرة، وانحلال الأخلاق، وشروع المخدرات، وانتشار الجريمة، حينما تركوا الدين وقعوا في هذه الموبقات، والآن هناك دعوة إلى التمسك بالأخلاق لوجود الانهيار الخلقي المتعاظم: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[سورة المائدة: 143 ]
مثلاً إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، وهناك موقف إذا أساء إنسان إليك تكيل له الصاعَ عشرة أصواع، هذا تطرف، وهذا تطرف، الوسطية هو جزاء سيئة سيئة مثلها: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾
[سورة النحل: 126]
الوسطية في الإسلام هي الحل الوسطي للمجتمعات البشرية :
والله أتمنى أن يطول بي الحديث عن الوسطية، أنا لي خطبة إذاعية عن الوسطية، شرحت مواقف دقيقة جداً، وضربت أمثلة دقيقة جداً عن موضوع الوسطية في الإسلام، والوسطية في الإسلام هي الحل الوسطي للمجتمعات البشرية شرقاً وغرباً، لذلك الذين تطرفوا نحو تقديس الفرد عادوا إلى الجماعة، والذين تطرفوا نحو تقديس الجماعة عادوا إلى الفرد، وأكدوا حريته، وأعطوه حياته الفردية، وضمنوا له كرامته وحريته وممتلكاته، إذاً هناك توسط.
يروي بعض المفسرين المعاصرين حينما قال الله عز وجل:
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾
[سورة النور: 35]
الإسلام ليس شرقياً ولا غربياً، فمن السذاجة أن تقول: الإسلام فيه رأسمالية وديموقراطية، الإسلام إسلام، نسيج وحده، نظام إلهي من السماء، ولا ينبغي أن توازن الإسلام بأي منهج أرضي، أو منهج شرقي أو غربي. الإسلام إسلام فقط لا يقبل الموازنة مع النظم الشرقية ولا الغربية :
هناك من يتمسح بما جاءنا عن الشرق أو الغرب، الإسلام إسلام فقط، لا يقبل الموازنة لا مع النظم الشرقية ولا مع النظم الغربية.
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[سورة المائدة: 143 ]
مثلاً: هل تصدقون في بلاد كأميركا الآن هناك جامعات ليس فيها اختلاط، لا عن دين، ولا عن عبادة لله عز وجل، ولكن وجدوا أن عدد اللقطاء في حدائق الجامعات لا يعد ولا يحصى، وأن الجامعة أصبحت بؤرة للزنا، فاضطروا إلى تأسيس جامعات للذكور فقط وللإناث فقط، أليس هذا هو التوسط؟ ترك التعليم تطرف، وأن نَزُجَ الفتاة كما خلقها الله بين الشباب، والشباب في ريعانهم، وفي أوج تألقهم، مفسدة وأية مفسدة، فدائماً بقناعتي أن كل تطرف سيعود إلى الوسط مقهوراً، أما أنت أيها المسلم فدينك وسطي، هل منعك دينك من الزواج؟ لا لم يمنعك، هل سمح لك بالزنا؟ لا لم يسمح، هذا الوسطية، المرأة مباحة لك ولكن بالزواج، هل منعك دينك من العمل؟ لا بل على العكس، هل سمح لك أن تكسب المال بطريق غير مشروعة؟ لا لم يسمح، أهل الشرق تطرفوا شرقاً، وأهل الغرب تطرفوا غرباً، والإسلام وسطي بينهما، وينبغي ألا تسمح لنفسك أن توازن بين الإسلام وما في الشرق وما في الغرب، الإسلام هو الإسلام. القرآن الكريم منهج الله ليس شرقياً ولا غربياً :
أحياناً من باب التوضيح يقول لك: القرآن نثر؟ لا ليس نثراً، شعر؟ لا ليس شعراً، القرآن قرآن فقط، نثر مسجع، لا تقل: القرآن نثر ولا شعر، صح أن كلام العرب شعر ونثر، ولكن القرآن ليس شعراً وليس نثراً، إنه قرآن منهج الله ليس شرقياً ولا غربياً، إنه الإسلام، هذا شيء مريح للنفس أنا أقول: لا شرقية ولا غربية ولكنها علوية من السماء، في قوله تعالى:
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
[سورة البقرة: 143 ]
قال: هذه في اللغة استعارة تمثيلية حيث مثل عمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه، في اللغة أشياء لطيفة جداً، فالذي يرتد عن دينه كأنه انقلب على عقبيه، وقع وسقط، استعارة تمثيلية، وهي تأتي بعدَّة صور متتابعة. كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
***
أي شبّه غبار المعركة فوق رؤوس المقاتلين والسيوف البيضاء اللامعة الصاعدة والهابطة كأنه ليل تهاوى كواكبه، هذه استعارة تمثيلية، الذي يرتد عن دينه كأنه انقلب على عقبيه، هذه استعارة تمثيلية. الصلاة أكبر دليل على الإيمان :
الله عز وجل سمّى الصلاة إيماناً لأنها أكبر دليل على الإيمان، لا خير في دين لا صلاة فيه، الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، الصلاة سيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات.
أيها الأخوة، استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لكن العلماء استثنوا؛ قبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المريض جهة راحته، وقبلة المسافر جهة دابته، تستثني أحياناً استقبال القبلة، إنسان اجتهد وتوهم القبلة نحو الشمال فصلى صلاته صحيحة، إلا أن الخلاف بين العلماء حول ما إذا كان الواجب أن نستقبل عين الكعبة أم أن نستقبل جهتها؟ الحل الوسط أنك إذا رأيت الكعبة لا بد من أن تتجه إلى عينها، لذلك في بيت الله الحرام ترون خطوط دائرية ذات لون أزرق كل إنسان يصلي في المسجد الحرام ينبغي أن يتجه إلى عين الكعبة، لذلك العلماء والقائمون على هذا البيت راعوا هذه الحقيقة فرسموا خطوطاً منحنية، أينما كنت في بيت الله الحرام يجب أن تتجه لا إلى جهة الكعبة بل إلى عين الكعبة، أما إذا كنت خارج المسجد لا ترى عين الكعبة يجزئك ويكفيك التوجه إلى جهة الكعبة، طبعاً موضوع خلافي كما قلت قبل قليل فالشافعية والحنابلة قالوا: إلا أن الواجب استقبال عين الكعبة أما الحنفية والمالكية فقالوا: استقبال جهة الكعبة.
أيها الأخوة الكرام: يمكن أن نستنبط من هذه الآيات أن المعول عليه اتجاه القلب إلى الله عز وجل، وأن حكمة الصلاة الاتصال بالله، ويجب أن تراعي مع حكمة الصلاة أحكام الصلاة، لذلك والذين هم على صلاتهم دائمون قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾
[سورة المعارج: 34 ]
هذه أحكام الصلاة، ونرجو الله سبحانه وتعالى في درس قادم أن ننتقل إلى آية من آيات الأحكام جديدة نرجو الله سبحانه وتعالى أن نوفق في شرحها.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 04:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع :خطبة المراة واستحقاق المر - سورة البقرة





الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
التعريض هو الإيماء والتلويح من غير كشف وإظهار :
أيها الأخوة الكرام، مع "آيات الأحكام"، ومع الدرس الثاني عشر، والآية اليوم خطبة المرأة واستحقاق المهر، قال تعالى:
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة: 235]
أيها الأخوة الكرام: لا جناح عليكم، أي لا لوم عليكم، ولا إثم عليكم، وليس عليكم شيء فيما فعلتم، ولا جناح عليكم فيما عرضتم، التعريض هو الإيماء والتلويح من غير كشف وإظهار، وهو أن تُفهم المخاطب بما تريد بإشارة من دون تصريح، وهو مأخوذ من عرض الشيء أي جانبه .
أراد معاوية ابن أبي سفيان مرة أن يأخذ البيعة لابنه يزيد، فجمع كبراء القوم وطلب منهم أن يتحدثوا عن يزيد، أكثرهم أثنى على يزيد إرضاء لمعاوية، فيهم تابعي جليل اسمه الأحنف بن قيس، هذا التابعي الجليل بقي صامتاً، فأحرج الحاضرين بهذا الصمت وأربك المجلس، قال له معاوية: تكلم يا أحنف، فقال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فكان تلميحاً وتعريضاً أبلغ من التصريح، فالإنسان يستطيع أحياناً أن يعبر عن أدق أفكاره تلميحاً و تعريضاً لا تصريحاً، وهذا من البلاغة. التورية في اللغة :
لسان العرب من أوسع معاجم اللغة، ماذا ورد في هذا اللسان حول عرض بالشيء؟ قال: عرض بالشيء لم يبينه، والتعريض خلاف التصريح، والمعاريض التورية عن الشيء، وفي الحديث:
((إن في المعاريض لممدوحة عن الكذب))
[ البيهقي على عمر]
كان عليه الصلاة والسلام في الهجرة ومعه سيدنا الصديق رأى رجلاً، والنبي مطلوب حياً أو ميتاً، ومئة ناقة يأخذها من يأتي به حياً أو ميتاً، رجل دمه مهدور، سأل هذا الرجل سيدنا الصديق من هذا؟ المؤمن لا يكذب قال: هو رجل يهديه الطريق، هو لم يكذب لأن النبي يقصد الطريق إلى الله، ماذا فهم منه؟ فهم الطريق إلى المدينة، هذا اسمه التورية، التورية كلام له معنى قريب ومعنى بعيد، إن نطقت به فهم المعنى القريب، وأنت تقصد المعنى البعيد، مثلاً: رجل يهجي أناساً عرف بالبخل، قال: بيض المطابخ لا تشكو إمائهم طبخ القدور ولا غسل المناديل
***
مطبخهم نظيف دائماً، فهذا أسلوب من أساليب اللغة، وفي الحديث: ((إن في المعاريض لممدوحة عن الكذب))
[ البيهقي على عمر]
والتعريض في خطبة المرأة أي يتكلم بكلام يشبه خطبتها دون تصريح، والله فلانة ممتازة، الله يهنئ من يأخذها، أي التعريض، وأنا أرجو الله عز وجل أن يرزقني امرأة كفلانة، هذا اسمه التعريض بخطبة المرأة، أو قال: إنها نافقة –مطلوبة-، أو قال: إنها إلى خير.
هذه أول كلمة: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة: 235]
الله سبحانه وتعالى لا يحب التنافس على الدنيا :
بالمناسبة بضم الخاء خُطبة، وبكسر الخاء خِطبة، الخُطبة بضم الخاء أن تقف بين الناس خطيباً، والخِطبة بكسر الخاء أن تطلب يد امرأة لتكون زوجة لك، الكلمة الثانية يقول عليه الصلاة والسلام:
((لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه))
[ الشافعي عن ابن عمر]
هذه من السنة ألا تشتري على شراء أخيك، وألا تخطب على خطبة أخيك، لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب التنافس على الدنيا، فإذا خطبت امرأة وعلمت أن فلاناً خطبها، يجب أن تقف إلى أن يبت أمرها، فإن تابع الأمر انسحبت، وإن رفع يده أقبلت، أما أن تعرض نفسك عليهم وأن تزيد عليه فهذا لا يجوز ولا يليق بالمؤمنين، ويقاس على هذا أشياء كثيرة: ((ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
ما يفعله بعض التجار يقول لصانع كم يعطيك معلمك؟ يقول له: خمسة آلاف، فيقول له: أنا أعطيك ستة، دعه وتعال إليّ، هذا محرم. أكمنت الشيء إذا سترته وكمنته إذا صنته :
الآية الكريمة:
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾
[سورة البقرة: 235]
سترتم وأضمرتم، أكننا الشيء أي أخفيناه، ممكن أن يفكر الإنسان بامرأة دون أن يقول كلمة، الزواج سنة، وشيء مشروع، وحاجة أساسية، لك أن تعرض ولك أن تقل بنفسك، أحد علماء اللغة يقول: أكمنت الشيء إذا سترته وكمنته إذا صنته، ومنه قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾
[سورة الصافات: 49]
عقد الزواج أقدس عقد على الإطلاق :
﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾
[سورة البقرة: 235]
والمقصود بالسر هو النكاح، واستعير السر بالنكاح لأن النكاح يكون سراً بين الزوجين، أي لا تواعدوهن بالزواج وهن في حالة العدة، فالعدة شيء ثمين جداً، ولقداسة هذا العقد لا ينعقد عقد الزواج إلا بوليّ، وشاهدين، ومهر، وإيجاب، وقبول، أقدس عقد على الإطلاق: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾
صدق أيها الأخ الكريم: أنه ليس في حياة الإنسان عقد أكثر قداسة من عقد الزواج، فهذا العقد يبيح لك ما لا يستطيع والدها ولا أخوها ولا قريبها أن يرى منها واحد بالألف مما ترى منها أنت. ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾
[سورة النساء: 21]
هذا العقد المقدس. من اشترط الخدمة في عقد الزواج أسقط قيمته الأخلاقية والدينية :
يقول بعضهم: هل المرأة ملزمة أن تخدم زوجها؟ بعض الخطباء يقولون على المنبر: لا، ولا يستطيع زوجها أن يجبرها، وهذا الكلام ليس بصحيح، لأن السيدة فاطمة وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تخدم زوجها خدمة شاقة، إلى درجة أنها طلبت من أبيها خادماً، فلم يعطِها خادماً، وقال: "يا فاطمة لا أؤثرك على فقراء المسلمين" فلو كان للحكم الشرعي أنه لا يجوز للرجل أن يجبر زوجته على الخدمة لما سمح النبي الكريم لعلي بن أبي طالب أن تخدمه فاطمة خدمة شاقة، لكن أيها الأخوة انظروا: لو أننا شرطنا في عقد الزواج الخدمة انقلب هذا العقد المقدس إلى عقد خدمة، سقطت قيمته الأخلاقية والدينية وأصبح عقد خدمة.
الرجل لكسب الرزق والمرأة لتربية الأولاد وخدمة البيت :
أنا لا أنسى هذه القصة وهي توضح لكم هذا تماماً: لي صديق يحمل شهادة عليا في اللغة الإنجليزية، عمل في مكتب لاستيراد أجهزة نادرة، مدير المكتب عنده ضيوف، هذا الصديق مدرس ويحمل إجازة في اللغة الإنجليزية، ويعمل في هذا المكتب مترجماً، يوجد ضيف عند صاحب العمل، و هذا الصديق ليس لديه عمل كثيف فقدم الضيافة له، هذا عمل لطيف فيه مبادرة طيبة، وفيه تواضع وشعور أننا أسرة واحدة، استمر هذا الأمر حوالي عاماً، موظف مترجم على التلكس، فمدير هذه المؤسسة أجرى تنظيمات إدارية وعمل مهمات للموظفين، وهذا الأخ الكريم عمل أحد مهماته أن يترجم ويصنع الضيافة، فترك العمل منذ اليوم الثاني! حينما نشترط عليه صنع الضيافة سقط عقد الترجمة ليحل محله عقد الضيافة، لو افترضنا أن الزوجة كتبنا في عقد الزواج أنها ملزمة أن تطبخ وأن تنظف الصحون وتربي الأولاد وأن تفعل وأن تفعل...أصبح عقد خدمة، وخرج عن كونه عقد زواج مقدس، لذلك العرف هو الذي يجبر الزوجة على أن تعمل في البيت، والزوج يجبر على أن يكسب الرزق، وهذه المرأة التي سمع الله شكواها من فوق سبع سموات حينما رآها عمر في الطريق نزل عن دابته، واستمع، ووقف بأدب يستمع إليها،عجب من حوله! فأنت أمير المؤمنين من هذه التي تقف على قدميك وتنزل من على الدابّة وتستمع إلى شكواها؟ قال: أنا أستمع إلى شكواها والله جل جلاله استمع إلى شكواها من فوق سبع سموات! قالت: إن زوجي تزوجني وأنا شابة، ذات أهل، ومال، وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وذهب مالي، وتفرق أهلي، قال: أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، هناك تقسيمات ، الرجل لكسب الرزق، والمرأة لتربية الأولاد، وخدمة البيت، هذا الشيء معروف.
الحكمة من عدم زواج المرأة قبل انقضاء عدتها :
لذلك هذا العقد لأنه مقدس جداً يحتاج إلى إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهدي عدل، وفي حالة الطلاق أو الموت لقدسية هذا العقد لا ينفصل فوراً، لابد له من ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وعشرة أيام حتى ينفصل العقد، هذه الفترة التي تبقى فيها الزوجة معتدة لزوجها، لا يجوز أن تتزوج في هذا الوقت، طبعاً هناك حكم كثيرة أحد هذه الحكم لئلا تختلط الأنساب وقد ورد في السنة أنه:
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره))
[ أبو داود و الدارمي عن رويفع بن ثابت الأنصاري]
مزارع عنده بستان، وماء كثير، وفاض عنه الماء فسقى به زرع غيره، ماذا عليه؟ ما فعل شيئاً. ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره))
[ أبو داود و الدارمي عن رويفع بن ثابت الأنصاري]
النبي عرض بهذا الكلام عن أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة قبل مضي العدة، لأنه قد تحمل منه، وينسب الحمل إلى غيره، إلى زوجها الأول، أو قد تحمل من زوجها الأول وينسب الحمل إليه، بهذا تختلط الأنساب.
لذلك لابد من انقضاء العدة، وقد يقول أحدهم: يا أخي من عشرين عاماً لم يقترب من زوجته؟ نقول له: العدة حداد على الزوج لها حكم عديدة منها: براءة الرحم من ماء الزوج الأول، ومنها حداد على الزوج، ومنها أن هذا العقد لقدسيته لا يمكن أن ينفصل قبل مضي ثلاثة قروء إن كانت مطلقة، أو قبل مضي أربعة أشهر وعشرة أيام إن كان ميتاً. تسمية النكاح بالعقدة :
الآية الكريمة:
﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾
[سورة البقرة: 235]
لماذا سمي النكاح عقدة؟ سمى النبي عليه الصلاة والسلام النكاح عقدة لأنه كالعقدة لا تحل، لذلك عندما سألت السيدة عائشة النبي عليه الصلاة والسلام أتحبني؟ أو قالت له: كيف حبك لي؟ قال: كعقدة الحبل، فكانت تسأله من حين لآخر مداعبةً كيف العقدة يا رسول الله؟ يقول لها:على حالها، يوجد حقيقة بالزواج أخواننا الكرام ونرجو الله أن يعيننا على تطبيقها: من السهل جداً أن ينشأ حب بين الزوجين في مقتبل الحياة الزوجية، ولا أعتقد أنه يوجد زوجين على وجه الأرض إلا ومروا بفترة عاطفة، واندفاع، ومحبة، وولع، واهتمام، وانشغال، لكن البطولة أن تبقى على حدّ معقول من الحب، والمودة، والاحترام المتبادل، والرغبة في اللقاء الثنائي على أمد طويل، إن هذا الحب الصاعق عند معظم الناس حب صاعق ثم يبرد شيئاً فشيئاً حتى تغدو الحياة الزوجية مملة، ورتيبة ولا معنى لها، فإذا الإنسان أطلق بصره في الحرام ولم يسلك سنة رسول الله تغدو الحياة الزوجية مملة ورتيبة ولا معنى لها، أما إذا طبق سنة رسول الله في علاقته بزوجته أرجو الله سبحانه وتعالى أن تبقى حرارة المودة بين الزوجين، والاحترام، اليوم جاءني هاتف تقول لي امرأة: زوجي لا يسمح لي أن أزور أهلي إلا في الشهر مرة ولمدة ساعتين فقط، وبكت على الهاتف، هذا تعنت وقسوة وظلم، الأب أب، والأم أم، أبوها بالنسبة إليك عم، وأمها بالنسبة إليك ليست أماً لكن هي أمها، وهو أبوها، فالإنسان عندما يظلم تغدو الحياة الزوجية رتيبة ومملة ولا معنى لها، فكما قلت قبل قليل: البطولة أن تحافظ على حد أدنى من الحرارة والود والتفاهم إلى أمد طويل ،أما معظم الناس فليس حبهم جارفاً ويعقبه سأم ونفور بين الزوجين بسبب عدم تطبيق السنة، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[سورة النساء: 19]
ما كل زواج يبنى على الحب أحياناً يبنى على مصلحة راجحة، عندك أولاد وهؤلاء الأولاد إذا ربيتهم تربية عالية هذه ذخيرتك العظمى. من بنى زواجه على طاعة الله تولى الله التوفيق للزوجين :
أيها الأخوة، في المثل: "يا عاقد اذكر حلاً " أعرف رجلاً أحب امرأة فتزوجها فكتب على نفسه مليون ليرة مقدماً ومليون ليرة مؤخراً، ثم نشب خلاف بينهما، ونفر منها، وأمامه تسديد المليونين، ولا يملك منها شيئاً، أكثر المتزوجين يقولون: حبر على ورق، بل هو دين ممتاز، ويمكن للزوجة إذا نشب خلاف بينك وبينها لا سمح الله أن تضعك في السجن، أليس كذلك؟ "فيا عاقد اذكر حلاً":
((أحبِبْ حَبيبَكَ هونًا مّا....، وأبغِض بغيضَك هونًا ....))
[ الترمذي عن سويد بن عمرو]
هذا التهور، أما أنا فقناعتي أن الزواج إذا بني على طاعة الله تولى الله في عليائه التوفيق للزوجين، والعلاقة تستمر، والزواج أبدي، مرة قرأت في بعض المجلات أن كل ألف حالة زواج ثلاث وستون بالمئة من هذه الحالات تنتهي إلى الطلاق بأميركا، وفي أوربة ستة وثلاثون بالمئة من هذه الحالات تنتهي إلى الطلاق، وعندنا أقل بكثير، عشرة تقريباً، هذه نعمة كبرى، معظم حالات الزواج مستمرة، الحقيقة هناك عوامل للطلاق: إذا عدمت الكفاءة والتبيين والوضوح، فدائماً الجهالة تصغي إلى المنازعة، ونلاحظ أن الشباب حينما يتزوجون يتهيبون أو يدخلون في التفاصيل، وعدم دخولهم في التفاصيل هو الذي يسبب الطلاق بعد حين، كن واضحاً وبيّن اتجاهك الكامل، بيّن موقفك من الاختلاط، موقفك من الحجاب، موقفك من أجهزة اللهو، موقفك من هذا الشيء، فكل شيء بدون تصريح ينتهي إلى الخلاف، فكل طرف في ذهنه مطامح، والثاني عنده مطامح معاكسة، بعد حين يصطدم الأمر، وينشأ الفراق، وطلاق المرأة كسرها، كما ورد في الحديث الصحيح، ومن بلاغة القرآن الكريم سمى عقد الزواج عقدة: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾
[سورة البقرة: 235]
فهذه عقدة لا ينبغي أن تنفك. الطلاق صمام أمان للحياة الزوجية :
عندنا بالإسلام والحمد لله الزواج شيء مقدس، لكن هناك فتحة يمكن عند الضرورة أن تنفذ منها، فوعاء البخار مصمم على إغلاق محكم حتى يصعد الضغط، لكن يوجد فتحة فيها مادة تسيح بدرجة معينة، فإذا كان الضغط قد بلغ درجة قد يؤدي إلى انفجار، هذه الفتحة تسيح، ويخرج البخار، ونتلافى الانفجار، الطلاق هكذا تماماً إذا بلغ الضغط بالزوجين درجة أنهما تباعدا وافترقا وعاش كل منهما في مكان واتخذت عشيقاً، واتخذ عشيقةً، فالطلاق أولى عندئذٍ، فالطلاق صمام أمان للحياة الزوجية، لكن لا ينبغي أن يستعمل بغير حكمة بشكل سريع، أو ارتجالي:
((تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش))
[ الديلمي عن علي]
كيف ينهى النبي عن الطلاق وقد أباحه الله عز وجل؟ كأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يقول: "تزوجوا امرأة عن بحث طويل ودراسة مستفيضة بحيث إذا اخترتموها لا تحتاجون إلى تطليقها بعد حين"، الله عز وجل يحيرنا: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾
[سورة البقرة: 235]
حذرنا أن نفكر بالنكاح، العزم ليس كالفعل دائماً، عزمت على الذهاب عزمي يصبح ذهابي، كأن العزم إرادة وأنت منهي لا عن فعل عزم النكاح منهي عن عزم عقدة النكاح، منهي عن العزيمة قبل أن تنهى عن الفعل. أحكام العدة :
﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾
[سورة البقرة: 235]
الكتاب العدة التي قررت للزوجة، ومن أحكام العدة: المرأة في الأشهر الثلاثة أو الأربعة وعشرة الأيام ينبغي ألا تتزين، وينبغي ألا تلبس الألوان الفاقعة والحارة، وينبغي ألا تحدث أحداً، وينبغي ألا تخرج من المنزل إلا لضرورة قصوى وفي النهار حصراً، هذه بعض أحكام العدة . علم الله عز وجل أكبر وعيد للإنسان :
الآية الكريمة:
﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾
[سورة البقرة: 235]
هذا وعيد وهذا يسمى في القانون مؤيداً قانونياً: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾
[سورة البقرة: 235]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
علم الله عز وجل أكبر وعيد، أنا أعلم ماذا تفعل، الله يعلم وسيعاقب: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
[سورة البقرة: 235]
لا ينبغي أن تطمع بحلم الله، هو يعلم لكنه حليم، فأنت إذا علمت أنه يعلم استقمت على أمره، وإذا علمت أنه حليم بادرت إلى التوبة من معصيته، عندما يبلغ الكتاب أجله تنقضي العدة، فاتقوا عقاب الله عز وجل ولا تخالفوا أمره، وفيه معنى التهديد والوعيد، وحليم يمهل العقوبة فلا يعجل بها، والله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. على الإنسان ألا يطمع بحلم الله :
إذا أحدكم ارتكب معصية والله عز وجل أسدل عليه ستره، لا ينبغي أن تطمع به، فالله أعطاك ستراً، فالله من عطفه ورحمته وحرصه على سلامتك يعطيك فرصة للتوبة، فإذا استهنت بحلم الله يؤتي العقاب شديداً، إن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله شديد العقاب، واعلموا أن الله غفور حليم، الآية الثانية:
﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة البقرة: 236]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 04:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : رمى المحصنات كرامة الانسان








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. كرامة الإنسان شيءٌ خطيرٌ جداً ومهمٌ جداً :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور : 4-5 ]
أيها الأخوة الكرام، هذه الآية لو أردنا أن نفهمها فهماً موسَّعاً لعرفنا أن كرامة الإنسان شيءٌ خطيرٌ جداً ومهمٌ جداً. هذه المرأة التي قُذِفت بالزنا، أو اتُهِمَتْ في عرضها؛ وهي بريئةٌ، عفيفةٌ، حصان، هل أصابها أذىً مادياً؟ الجواب: لا، ولكن كلمة قيلت في حقها فجرحت عفَّتها، وجرحت شرفها، لذلك تجدون العقاب أليماً جداً، إذاً مجتمع المؤمنين مجتمعٌ متماسك، والإنسان يعيش بكرامته، فمعنى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
أي يقذفونهنَّ بالزنا، وأصل الرمي القذف بالحجارة، واستُعير هذا المعنى وأصبح مجازياً حينما يقذف إنسانٌ امرأةً بلسانه ويتهمها بالزنا. تعريف المحصنات :
من هنَّ المحصنات؟ العفيفات، الطاهرات، المستقيمات، جمع محصنة، وقال تعالى:
﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ﴾
[ سورة الأنبياء: 91]
وأصل الإحصان المنع، والحصن هو بناءٌ يمنع العدو من الوصول إلى ساكن الحصن.. ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾
[ سورة النور : 4]
شهداء جمع شاهد، الشاهد رجل أم امرأة؟ الشاهد رجل، لأن الكلمة الدقيقة: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾
[ سورة النور : 4]
فالمعدود المذكَّر يأتي عدده مؤنثاً، والمعدود المؤنث يأتي عدده مذكراً..
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة النور : 4]
تكلَّم كلمة، يُجلَد أمام الناس، تكلَّم كلمة، تهدر كرامته فلا تقبل شهادته، ثم إن هذا الإنسان مُتهم بالفسق، وحسبه تهمة زعزعت مكانته في المجتمع. استنباطات لطيفة من الآية السابقة :
1 ـ حادثة الإفك عملية فرز دقيقة للمؤمنين :
أولاً: هناك استنباطات لطيفة جداً من هذه الآية؛ هذه الآية نزلت عقب حديث الإفك، وقد تحدثت عنه في الدرس الماضي، تحدثت كيف أن السيدة عائشة رضي الله عنها، وهي زوج النبي عليه الصلاة والسلام، هذه المرأة الطاهرة الشريفة، كيف أن بعضاً منهم تحدَّث عنها واتهمها بالزنا، وهي بريئةٌ منه، وقد أنزل الله براءتها في كتابه الكريم، آياتٍ تتلى إلى يوم القيامة وكيف أن هذا الحادث حادث كشف خبايا الناس، الذي يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا روَّج هذا الخبر، والمؤمن الطاهر ظنَّ في نفسه خيراً فامتنع عن ترويج الخبر، وكأن هذا الحادث عملية فرز دقيقة للمؤمنين، فهذه الآيات التي قرأتها قبل قليل نزلت في حديث الإفك، وكأن حديث الإفك سبب لنزول هذه الآيات.
أما لو أن الإنسان رمى إنساناً أنه بارد، لو قال عنه: لا ينفق المال الكثير. فهذا رميٌ ولكن ليس بالزنا، هذا الرمي الذي دون الزنا لا يوجب الحد، الآية متعلقةٌ بمن يرمي امرأةً محصنةً بالزنا، قال تعالى:
﴿ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
ما من حدث يحتاج إلى أربعة شهداء إلا الزنا :
أجمع العلماء على أن المراد برمي المحصنات رَمْيَهُنَّ بالزنا، والدليل أن آيات الزنا تقدَّمت هذه الآية، السياق العام حديثٌ عن الزنا. امرأةٌ محصنةٌ ترميها بصفةٍ على خلاف ما هي عليها، المحصنة ما الصفة التي هي خلاف ما هي عليها؟ الزنا، زانيةٌ أو محصنة، إذاً الرمي هنا رميٌ بالزنا لامرأةٍ محصنةٍ.
شيءٌ آخر: انعقد إجماع العلماء على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا، فلو أن إنساناً اتهم امرأة بأنها تقف على النافذة طوال النهار؛ تتأمَّل الرائحين والغادين، هذا لا يوجب الحد، أي اتهامٍ دون الزنا لا يوجب الحد، استنباطاً من قول الله عزَّ وجل:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
المحصنة، الصفة المعاكسة لها هي الزنا..
ما من حدث يحتاج إلى أربعة شهداء إلا الزنا، ما سوى الزنا يكفي شاهدين، في أكثر القضايا الحقوقية يكفي شاهدان لإثبات قضيَّة، أما في موضوع الزنا، لأنه يمس كرامة الإنسان، ويمس في المرأة أثمن ما تملك، فالمرأة الشريفة الطاهرة أثمن شيءٍ تملكه سُمعتها، وشرفها، وعفَّتها، فإذا اتهمتها بعكس ذلك فهناك شرط قوي جداً، لابدَّ من أن تأتي بأربعة شهداء يشهدون الحادثة الحقيقي. إذاً لا حدَّ برميٍ دون الزنا، والدليل: أن السياق في الآيات سياقٌ فيه حديثٌ عن الزنا.
والدليل الثاني: أن المحصنات هنَّ العفيفات، ويقابل هذه الصفة الزانيات.
والدليل الثالث: على أن الشهداء الأربع هؤلاء لا تُطلب شهادتهم مجتمعين إلا في جريمة الزنا. 2 ـ تخصيص النساء المحصنات إلا أن الاتهام بالزنا يوجب الحد ذكراً كان أو أنثى :
شيءٌ ثان من لطائف التفسير: تخصيص النساء المحصنات - سؤال دقيق - لو أن إنساناً اتهم رجلاً بالزنا، هل هذا الاتهام يوجب الحد؟ الآية محصنات..
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾
[ سورة النور : 4]
لو إنسان اتهم شخصاً بالزنا هل يجب عليه الحد؟ هل يُجلد ثمانين جلدة إذا كان بريئاً؟ يُجلد ثمانين جلدة، لأن الأصل أن الإنسان كرامته لا تُجزَّأ ذكراً كان أو أنثى، لكن السياق هنا عن السيدة عائشة، بل إن المرأة أشدُّ تضرراً باتهامها بالزنا من الرجل، وأهل المرأة أشد تضرراً من أهل الشاب، إلا أن الاتهام بالزنا يوجب الحد ذكراً كان أو أنثى. عِرْضُ الإنسان هو موطن الذم والمدح فيه :
ولكن لنوسِّع المعنى قليلاً، ما هو عِرْضُ الإنسان؟ عرضه موطن الذم والمدح فيه أي سمعته، لو أردتم أن تفهموا هذه الآية فهماً دقيقاً جداً، أي اتهامٍ لشخصٍ كائناً من كان، يتهمه في أثمن شيءٍ يعتزُّ به هذا يوجب الحد، نحن نفهم هكذا على البديهة أن الموضوع متعلِّق بالنساء، لو اتهمت رجلاً بالزنا لوجب أن يُجلد المتهم ثمانين جلدة صوناً لكرامة الإنسان. الإنسان يعيش بالخبز والماء، يعيش بالطعام والشراب، ماذا قال السيد المسيح؟ قال: " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ".
الإنسان يحيا بكرامته، يحيا بعزَّته ، لذلك أي سلوكٍ من شأنه أن يجرح كرامة الإنسان هذا سلوك غير شرعي، أي ضبطٍ للأمر على حساب كرامة الإنسان هذا ضبطٌ غير شرعي..
قال له: يا أمير المؤمنين إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله‍! أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
المرأة كالرجل تماماً :
أخواننا الكرام... محور الدرس هو أنه كما أنك تعيش باستنشاق الهواء، وتناول الطعام والشراب، أنت تعيش بكرامتك، جسمك يحتاج إلى الطعام والشراب، ونفسك تحتاج إلى الكرامة، لذلك إن أردت الكرامة موفورةً فاستقم على أمر الله، الاستقامة عين الكرامة.
أول وهم عند بعض المسلمين أنك إذا اتهمت امرأةً بالزنا هذا يوجب الحد، لكنك إذا اتهمت إنساناً بالزنا، شيء ليس له حد؟ لا، المرأة كالرجل تماماً، والرجل كالمرأة تماماً، إذا اتهمت شاباً طاهراً عفيفاً أنه زان، سافر إلى بلد بعيد وزنا ماذا فعلت أنت؟ أنت ارتكبت جريمة بحق هذا الإنسان، لأنك اتهمته بأعزِّ ما يملك، لذلك تخصيص النساء في قوله:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
لخصوص الواقعة، لأن هذه الآية نزلت في السيدة عائشة، خصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع، ولأن إيذاء الأهل بقذفهن أشد وأكبر، وإلا فلا فرق بين الذكر والأنثى في الحُكم، لذلك قبل أن تقذف إنساناً بالزنا عُدَّ للمليون، لو أن هذا الإنسان رفع عليك قضية لوجب أن تُجْلَد ثمانين جلدة، ماذا فعلت؟ قلت: فلان يزني.. ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))
[الترمذي: عن أبي هريرة ]
كلمة. قالت عن السيدة صفية: " إنها قصيرة ". قال: " يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بمياه البحر لأفسدته " الاستقامة عين الكرامة :
درسنا اليوم هو كما أن جسمك يحيا بالطعام والشراب، نفسك تحيا بالكرامة، والكرامة طريقها الاستقامة، الاستقامة عين الكرامة..
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
[سورة يونس: 26]
الإنسان حينما يحسن، حينما يستقيم، حينما ينضبط، لا يجلب لنفسه الذُل ولا الهوان.
وبعض المفسرين قدَّروا كلمة: والذين يرمون الأنفس المحصنات، الأنفس كل جمعٍ مؤنث، الأنفس ذكوراً كان أو إناثاً، فيكون اللفظ شاملاً للنساء والرجال، وقد حُكي هذا عن ابن حزمٍ، والأرجح أنه من باب التغليب.
ما هو باب التغليب؟ باب التغليب تأتي امرأةٌ مؤمنةٌ طاهرةٌ تقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 119]
هي امرأة، والآية موجَّهة للذكور- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- لم يقل الله عزَّ وجل: يا أيتها المؤمنات، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فهل تستطيع هذه المرأة لأن الآية موجَّهة إلى الذكور ألا تتقي الله؟ لا، نقول: أية آيةٍ خوطب بها الرجال هي حكماً متعلِّقةٌ بالنساء من باب التغليب، ما التغليب؟ دخلت إلى بيت فيه مئة امرأة ورجل، أو تسعٌ وتسعون امرأةً ورجل، ماذا تقول أنت؟ تقول: دخل أشخاصٌ إلى هذا البيت، ما قلت: دخلت. بل قلت: دخل. رجل واحد مع تسعين امرأة تستخدم الفعل المذكر على باب التغليب.
من هما الوالدان؟ الأب والأم، فهل الأب يلد؟ يقول لك: الوالد الكريم. الأب لا يلد بل الأم هي التي تلد، كيف سمينا الأب والد؟ من باب التغليب. ما القمران؟ الشمس والقمر، ما الأسودان؟ التمر واللبن، اللبن أبيض، الأسودان التمر واللبن، هذا بحث في اللغة اسمه باب التغليب، فحينما قال الله عزَّ وجل: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
أي المحصنات ذكوراً وإناثاً. 3 ـ من قذف غير العفيف من الرجال والنساء لا يحدُّ حدَّ القذف :
ولكن إنسان يتباهى بالزنا، يقول: أنا في اليوم الفلاني بالمكان الفلاني كنت مع فلانة، هذه التي ماتت، وأقامت مؤتمراً صحفياً بُثَّ على محطات الفضاء وشاهده أكثر من سبعمئة مليون وقالت: إنني في اليوم الفلاني بالمكان الفلاني زنيت مع فلان، فهذه التي صرَّحت بالزنا، وتباهت بالزنا، هل إذا قذفتها بالزنا يجب عليك الحد؟ الجواب: لا..
المرأة المحصنة العفيفة هذه إذا اتهمتها بالزنا يجب عليك الحد، بالمقابل رجل يتباهى بمغامراته النسائية، يتباهى بانحطاطه الخُلقي، يتباهى بشذوذه. أنا لا أنسى أنني سمعت بالأخبار قبل بضعة أشهر وزير الصحة البريطاني، في مؤتمر صحفي، يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانيَّة قال: أنا شاذ جنسياً. فإذا اتهمت هذا الإنسان، أو ذكرته بما قال عن نفسه، هل يعد هذا قذفاً؟ لا. فاللطيفة الأخيرة أن التعبير بالإحصان إشارة دقيقة إلى أن من قذف غير العفيف من الرجال والنساء، لا يحدُّ حدَّ القذف، هذا الفاسق والفاجر لا غيبة له.
(( اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس))
[ الجامع الصغير: عن " بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ]
طبعاً حدّ القذف للمؤمنين، للمحصنين، للأتقياء، للعفيفين، لمن تهمه كرامته. حكم الله لقاذف المحصنة :
حكم الله لقاذف المحصنة، الجلد بثمانين جلدة، إهدار كرامته الإنسانية برد شهادته، تفسيقه بجعله في زمرة الفاسقين، لذلك ورد في الأثر أن:
(( قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))
أي قبل أن تتحدث عن فلانة، وأنها ليست مستقيمة، والله أعلم أين تذهب؟ والله أعلم من يأتي إلى بيتها؟ قبل أن تقول كلاماً لست متأكداً منه عُدَّ للمئات، عُدَّ للألوف لأن هناك حساب شديد: (( قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))
قذف المحصنات عمل خطير لا تكفيه التوبة :
الآن هناك نقطة دقيقة جداً، الآية الكريمة:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[ سورة النور : 4]
هل انتهى؟ إنسان قذف محصنة، حُكِم عليه بالإعدام، إلى جهنم وبئس المصير؟ لا يوجد أمل؟ قال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور : 5 ]
لأن هذا العمل جريمة كبيرة جداً لا تكفيه التوبة، الآن لو عندك موظف سرق، قال لك: تبت. هل تقبل توبته؟ لابدَّ من تجريب إلى فترة طويلة جداً، حتى يبدو صلاحه، أو حتى تتأكَّد من صلاحه، ولأن هذا العمل جريمة كبيرة جداً لا تكفيه التوبة.. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾
[ سورة النور : 5 ]
أي صلح حالهم، أو رمَّموا هذا الخطأ، إما استسمحوا، أو فعلوا شيئاً يرمِّم هذا الخطأ. حاجة القذف إلى أربعة شهداء يشهدون عندئذٍ يوجب الحد :
هناك آيات أخرى قال تعالى:
﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ﴾
[ سورة البقرة: 282]
أما هنا: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة الطلاق: 2]
هنا لأنها جريمة خطيرة، أي شاهدٍ يكفي من دون قيد، أربعة شهداء يشهدون عندئذٍ يوجب الحد، هذه الشهادات توجب الحد. أنواع الوحي :
أيها الأخوة... ما معنى الإحصان في اللغة؟ - الآن دخلنا في موضوع لطيف -كنت أضرب عليه مثلاً قديماً: أن كلمة وحي لها في القرآن معانٍ عديدة..
﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا*وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا*وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا*يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾
[ سورة الزلزلة: 1-5]
هذا وحيٌ للجماد، أي أمر، و.. ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾
[ سورة النحل: 68]
هذا وحي غريزة.. ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
[ سورة القصص: 7]
هذا وحي إلهام، و.. ﴿ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ﴾
[ سورة يوسف: : 3]
هذا وحي رسالة، صار هناك وحي أمر، وحي غريزة، وحي إلهام، وحي رسالة. الوحي للجمادات أمر، الوحي للحيوانات غريزة، الوحي للإنسان العادي إلهام، الوحي للأنبياء رسالة. معنى الإحصان في اللغة :
1 ـ العفة :
الإحصان، هل وردت هذه الكلمة بمعنى واحد؟ لا، السياق يختلف، من معاني الإحصان العفة، قال تعالى:
﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا ﴾
[ سورة المائدة: 5]
بمعنى العفيفات. 2 ـ الحرة :
من معاني الإحصان الحرة..

﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ﴾
[ سورة النساء: 25]
أي الجارية، الأمة إن أتت بفاحشةٍ فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب، المحصنات النساء الحرائر. إذاً أول معنى العفيفة، الثاني الحرَّة. 3 ـ المتزوجات :
وفي قوله تعالى:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾
[ سورة النساء: 23]
إلى قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ ﴾
[ سورة النساء: 24]
أي المتزوجات، أية امرأةٍ تسمىَّ محصنة بمعنى أنها متزوجة فقط، وقد تكون غير مستقيمة، أي أنه إذا جاء السياق بموضوع الزواج أي متزوجة. 4 ـ إنسان محصن أي مؤمن :
أما الحديث الدقيق الذي ورد في بعض الكتب يقول عليه الصلاة والسلام:
((من أشرك بالله فليس بمحصَن))
[ الموطأ عن ابن عمر]
إنسان محصن، أي مؤمن، أي أن هناك منهج يسير عليه، هناك قيود يتقيَّد بها، هناك قيَم يؤمن بها، هناك منهج، هناك دستور، بحياته نعم ولا، بحياته يجوز ولا يجوز، بحياته ينبغي ولا ينبغي، بحياته حلال وحرام، بحياته حق وباطل، بحياته جنة ونار، المسلم محصن وغير المسلم متفلِّت، يقول عليه الصلاة والسلام: ((من أشرك بالله فليس بمحصَن))
[ الموطأ عن ابن عمر]
شروط للقذف و القاذف و المقذوف :
كيف يقام الحد؟ نحن في درس فقه، وأعلى مستويات الفقه أن تستنبط الأحكام الشرعيَّة من آيات الله الكريمة، فنحن إن أردنا أن نطبق حكم القذف؛ أن يُجلَد القاذف ثمانين جلدة، هل هناك شروط للقذف؟ قال: هناك شروط للقاذف، وشروط في المقذوف، وشروط في القذف نفسه.
القاذف يجب أن يكون عاقلاً، لأنه إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، وينبغي أن يكون بالغاً، لأن الطفل إذا قذف ليس مكلَّفاً، طبعاً يؤدَّب لكن لا يقام عليه الحد لأنه ليس في مستوى تطبيق التكاليف، والاختيار، من كان مكرهاً لا يجب عليه الحد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))
[ ابن ماجة عن ابن عباس ]
فالاختيار، والبلوغ، والعقل، هذه شروط تجعل القاذف محلاً لإيقاع عقوبة القذف وهي جلده ثمانين جلدة.
- الحكم الثالث: الشروط التي ينبغي توافرها في المقذوف..
يتناول جميع العفائف حُرَّةً كانت أم رقيقة، إلا أن الفقهاء شرطوا في المقذوف خمسة شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفَّة عن الزنا. إن توافرت هذه في المقذوف وقذفه قاذف، استحقَّ حدَّ القذف وهو جلده ثمانين جلدة. إلا أن العلماء وقفوا عند قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((من أشرك بالله فليس بمحصَن))
[ الموطأ عن ابن عمر]
إنسان كافر، إنسان فاجر، إنسان فاسق، مثل هذا الإنسان لا يتورَّع عن الزنا، لذلك لا يقام حد القذف على غير المسلم، أو لا يقام حد القذف على من قذف غير مسلمٍ لأن غير المسلم مظنة التفلُّت من القيم والمنهج. الفرصة التي منحها الله للمذنبين :
أيها الأخوة الكرام... مرةً ثانية أريد أن أقف عند الفرصة التي منحها الله للمذنبين. لو قرأت القرآن كلَّه تجد أنه ما من آيةٍ فيها وعيدٌ إلا بعدها آيات فتح باب التوبة، الله عزَّ وجل يحب التوابين، فحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور: 5]
معنى ذلك ما هو أكبر ذنبٍ على الإطلاق؟ ما هو الذنب الذي لا يُغفر؟ هو الشرك، وقد أجمع العلماء على أن كل الآيات التي تشير إلى أن هذا الذنب لا يغفر، حيث قال الله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[سورة النساء: 84]
ما لم يتُب، فإذا تاب غُفِر له شركه، الحديث أن الله لا يغفر إذا مات الإنسان على هذه الحالة، أما إذا تاب فانتهى الأمر.
أنا قرأت عن سيدنا عمر رضي الله عنه، أن رجلاً جاءه واستفتاه في قضية فقال: لي أختٌ زنت وأقيم عليها الحد وتابت، وجاء الآن من يخطبها، أأذكر له ما كان منها؟ ". فقال له: والله لو ذكرت له ما كان منها لأوجعتك ". وفي رواية: " لقتلتك ". معنى ذلك أن الإنسان إذا تاب تاب الله عليه..
" وإذا تاب العبد توبةً نصوح أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ".
ولا يعرف طعم التوبة إلا من تاب، طعم التوبة رائعٌ جداً، الله عزَّ وجل يشعرك أنه تاب عليك، الله عزَّ وجل يملأ قلبك طمأنينةً، يملأ قلبك حبوراً إذا تبت إلى الله توبة نصوحَة، والإنسان ينبغي أن يتوب من قريب لا من بعيد، أي إذا طال عليه الأمد قسا قلبه فأصبح طريق التوبة صعباً، وكل إنسان يتوهَّم أن القضية سهلة أنا أرتكب هذا الذنب ثم أتوب، إذا انطلق من هذا المنطلق لن يستطيع أن يتوب، الإنسان يجد أهون توبة أول مرة، أول توبة سهلة جداً، أما حينما تتكرَّر الذنوب فتصبح التوبة عسيرةً وصعبةً، ويشعر المذنب أن بينه وبين الله حُجُباً كثيفة. أي ذنبٍ مهما كان كبيراً معه فُتِحَ باب التوبة :
لذلك:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور: 5]
معنى وطِّن نفسك أي ذنبٍ مهما كان كبيراً معه فُتِحَ باب التوبة: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر: 53 ]
بل إن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن، بل.. (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة... مرة ثانية: ((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
و..: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
اللعن من أشد أنواع الوعيد الذي يتوعَّد الله به العصاة :
الكفر كلمة أساساً، وهدم بيتٍ زوجيٍ بكلمة، وهدر كرامة إنسان بكلمة، والإيقاع بين شخصين بكلمة، وتسبب بفسادٍ عريض بكلمة، فالإنسان قبل أن يتكلَّم يجب أن يعُد أعداداً كبيرةً جداً حتى لا يحاسب على كلامه، و.. " من عدّ كلامه من عمله فقد نجا ". والآية الكريمة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا ﴾
[ سورة النور : 23]
واللعن من أشد أنواع الوعيد الذي يتوعَّد الله به العصاة، إن شاء الله هذا الموضوع يحتاج إلى تتمة، وإلى توسيع في موضوع أن القاذف إذا قذف إنساناً، وهذا الإنسان تاب توبة نصوح، أو القاذف إذا تاب هل يقام عليه الحد؟ هناك عدة أسئلة إن شاء الله نجيب عنها في الدرس القادم، على أساس أن هذا الموضوع أكثر الناس في مجالسهم يتكلَّمون بكلام غير مسؤول، يتهمون، ويوزعون ألقاب العفة وغير العفة، على الرجال والنساء، فلابدَّ من معرفة الأحكام الدقيقة المتعلّقة في موضوع القذف، والقذف يعد جريمة في منهج الله عزَّ وجل، صوناً لكرامة الناس، ولحقوقهم الأدبيَّة، ولعزَّتهم التي يحيون بها.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : مرتبة اولى الفضل - سورة النور








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
الآية التالية على إيجازها تعلِّمُنا أشياء كثيرة :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث عشر من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى من سورة النور:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هذه الآية على إيجازها تعلِّمُنا أشياء كثيرة، أوَّلاً: لا يأْتلِ أيْ لا يحْلف، الألِيَّة الحلْف، يأتَل أيْ يحْلف، ومنه قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هذه الآية على إيجازها تعلِّمُنا أشياء ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾
الألِيَّة الحلْف. نزول الآية التالية في عائشة وفيمن قال لها ما قال :
أيها الأخوة،
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾
أيْ لا يحْلف، ﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾
أصحاب الصَّلاح والدِّين، ﴿وَالسَّعَةِ﴾
المراد بها أصحاب المال، فالله جمع بين الفضْل وبين السَّعَة في الرِّزْق، ﴿ أَنْ يُؤْتُوا﴾
أيْ أن يُعطوا، وهناك نقطة دقيقة جدًّاً، فقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
أيْ حلفوا ألا يعطوا، وفي لغة العرب قد تُحْذف لا النافيَة من جواب القسَم، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿ يُبيِّن الله لكم أن تضِلُّوا﴾
[ سورة النساء:176 ]
أيْ ألا تضِلُّوا فلا يأْتَل أي لا يحلف، فأن يؤتوا في الآية معناها لا يأتوا، حلفوا ألا يؤتوا، ﴿وَلْيَعْفُوا﴾
أي يغفروا الزّلات ويصْفحوا، قال تعالى: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الآية نزلت في عائشة، وفيمن قال لها ما قال! قال أبو بكر أبوها- وكان ينْفق على مسطح لِقَرابتِهِ وحاجته، وقد ضمَّه إلى عِياله في الرعاية والوِلاية والإنفاق-: والله لا أنفقُ على مسطح شيئًا أبدًا، ومعه الحقّ! إنسانٌ يحسن لإنسان، وينفقُ عليه، ويتولَّى أمْرَه، وهذا الإنسان يُقابلُهُ بأنْ يُروِّجَ حديثًا كاذبًا على ابنتهِ الطاهرة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ما فعَلَ الصِّديق حينما نزلَت هذه الآية وقد برِّئَتْ بها ابنتُهُ إلى أن قال: والله لا أُنفق على مسطح شيئًا أبدًا، بعد أن قال عن عائشة ما قال، وأدخَلَ عليها من الحزن والألَم ما أدْخل قال عليه الصلاة والسلام: (( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
الإنسان لا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبهُ، ولا يستقيم قلبهُ حتى يستقيم لسانه، يستقيم اللّسان فيستقيم القلب فيَسْتقيم الإيمان. نشاط الإنسان الكلامي أوْسعُ نشاط :
والحقيقة أيها الأخوة أنَّ نشاط الإنسان الكلامي هو أوْسعُ نشاط، فالفقير والغني، والفارغ والمشغول، والسَّعيد والحزين، والمقيم والمسافر، له نشاط كلامي مستمرّ، فإذا عَدَدْت الكلام جزءاً من عملك نجَوْت، أما إن عددْتهُ بعيدًا عن عملك الصالح أو الطالح فقد هلَكتَ:
(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
فَبِكَلِمَةٍ قد تفرّق بين زوْجين، وبِكَلمةٍ قد تفرِّق بين شريكين، وبِكَلمةٍ قد تفكِّك أسْرةً، وبكلمةٍ قد تهدمُ بناءً، وبِكَلمةٍ قد تورِثُ ضغينةً وحِقْدًا، وبِكَلمةٍ قد تُسبِّبُ حربًا ضروسًا.
يُرْوى أنَّ بعض الحروب التي طَحَنَتْ عشرات المئات من الألوف سببُها سوء الترجمة، خطأ في الترجمة، في الجاهليّة أحد سادة العرب مدَّ رجلهُ وقال: من كان خيرًا منِّي فلْيضْربْها، فقام واحدٌ وضربها فنشِبَتْ حرْب دامَت عشر سنوات أكلت الأخضر واليابس، وسمعتُ عن إنسان جاءتْهُ أخبار عن ابنته لا ترضي، وكأنَّه شكّ في عفّتها فأراد أن يتأكَّد هل هي حامل، فأخذ عيِّنةً للتحليل، وفي المخبر العيّنة انْكسرَت، وسالَت في الأرض، فخاف الموظّف من سيّده فأعطى النتيجة الإيجابيّة من باب الاحتياط، فلما جاء الأب ليتأكَّد من التحليل قال له صاحب المخبر مبروك! البنت حاملة، فذهب وأطلق عليها النار وقتلها!! كلمةٌ فقط!! مبروك هي حامل؛ قادَت الأمور إلى جريمة: (( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
يجب أن تعدَّ كلامك من عملك، الجَهَلَة والعوام يقولون: ما الذي حدث؟ ما قلنا إلا كلمة واحدة!! هذه الكلمة فرَّقَتْ بين زوجين، وشتَّتَتْ أُسْرة، وهذه الكلمة هدَّمَت شركة، وهذه الكلمة انتَهَتْ بِجَريمة: (( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
وحَسْبكم ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمَعَ زوجتهُ عائشة رضي الله عنها تصف ضرَّتها بأنَّها قصيرة، فقال لها: (( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
من أحسن لوجه الله ينبغي ألا يتأثر بموقف المحسَن إليه :
سيّدنا الصدّيق حينما سمع من مسْطحٍ الذي ينفق عليه، ويتولّى أمرهُ، وقد ضمَّهُ إلى أسرته أنَّه يتكلّم عن ابنته، فلمَّا نزلَتْ براءة عائشة قال: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبداً، ولا أنفعُهُ بِنَفْعٍ أبداً بعد الذي قاله في عائشة ما قال، وأدخلَ عليها من الحُزْن ما أدخل، فأنزل الله في ذلك:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النور: 22 ]
فقال أبو بكر: والله إنِّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجَعَ إلى مسطح فأنفقَ عليه، وفي بعض الروايات أنفقَ عليه ضعف ما كان ينفق عليه من قبل، وهذا الحكم وهذه الآية منهجٌ لنا جميعاً، إن كنتَ أحْسنْت إلى إنسان، وهذا الإنسان أساء إليك، فإن كنتَ تُحسِنُ إليه لذاته معك الحق أن تقطع الإحسان، أما إن كنت تُحسن إليه لوَجْه الله فينبغي ألا تتأثّر بِمَوقفهِ. اليمين ينبغي ألا يكون حاجزاً عن العمل الصالح :
وأخرج ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان مسطح مِمَّن توَلَّى كِبْرهُ من أهل الإفْك حينما قال تعالى:
﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة النور: 11 ]
تكبير هذا الحدث وتضخيمهُ وتَرْويجُهُ، وكان قريبًا لأبي بكر، وكان في عِيالِه، فحَلَفَ أبو بكر رضي الله عنه ألا يُنيلَهُ خيرًا أبدًا، فأنزَلَ الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
قالتْ: فأعادهُ أبو بكر إلى عياله وقال: لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا تحَلَّلْتُها وأتَيْت الذي هو خير، وهذا حكم ثان، حلفْتَ يمينًا ألا تفعل خيرًا، ما الذي يأمرك به الشرع؟ أن تُكَفّر عن يمينك، وأن تفعلَ خيرًا، حلفْت يمينًا ألا تقرض أحدًا ينبغي أن تتحلَّلَ من يمينك وأن تقرض الناس بعد ذلك، حلفْت يمينًا ألا تزور أختك، تحلّل من يمينك وزُرْ أختك، فلا ينبغي أن يكون اليمين حاجزاً عن العمل الصالح، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾
[ سورة البقرة: 224 ]
وفي رواية أخرى أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم دعا أبا بكر وتلا عليه الآية: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
فقال: ألا تحبّ أن يغفر الله لك يا أبا بكر؟ فقال: بلى، قال له : فاعْفُ عن مسطحٍ وتجاوَز عنه، مسطح الذي فعل بك ما فعل، والذي تكلّم ما تكلّم، والذي أدخل عليكم من الحُزْن ما أدْخل، فقال أبو بكر: لا جرَم والله لا أمنعُهُ معروفًا كنتُ أوليه قبل اليوم، فكان يُعطيه ضِعْفَي ما كان يعطيه، هذا موقف سيّدنا أبو بكر. علامة المُخْلص أنَّه لا يتأثّر بِرُدود الفعل :
لذا أنت إن فعلْت خيراً إن فعلْتهُ لِزَيْد أو عُبَيْد وكان ردّ فعلهم سيّئًا لك أن تقطع عنهم ما كنتَ تفعل، أما إن كنتَ تفعلُ هذا لِوَجْه الله تعالى، فقال تعالى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾
[ سورة الإنسان: 9 ]
علامة المُخْلص أنَّه لا يتأثّر بِرُدود الفعل، ولو أنَّ الناس أساؤوا إليه، وتكلّموا ما تكلّموا، ولو أنَّهم تطاوَلوا ؛ تفعل هذا لوَجه الله تعالى وحدهُ. الآية التالية شهادة عظيمة من الله جلّ جلاله بِفَضْل الصّديق :
أيها الأخوة الكرام، هذا منهج، وهذا توجيه، وهذا تعليم، أما الشيء اللَّطيف وقد لا ننتبه إليه أنّ الله سبحانه وتعالى حينما يقول: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هذا شهادة عظيمة من الله جلّ جلاله بِفَضْل الصّديق، ولا شكّ أنَّ هذه الآية تُشير إليه بِإجماع العلماء، وإجماع المسلمين فلا يخطر في بال الإنسان شخصٌ آخر، حينما يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
من المقصود في هذه الآية؟ سيّدنا الصّديق، إذاً ما معنى كلمة أولي الفضل؟ لعلّك تفهم هذه الكلمة على أنّها تعني صاحب المال إذاً والسَّعة؟ أَيُعْقل أن يمدح الله إنسانًا بالدنيا؟ لو أنّه مدح الناس بالدنيا لمدَحَ الكفار، هؤلاء الأغنياء والأقوياء، والذين يصولون، ويجولون، ويمرحون، ويرتعون، وينتهكون الحرمات، ويقترفون الآثام، أَيُعقل أن يمدحهم الله تعالى بدُنياهم لو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء ، أريد أن أصل من هذا الكلام إلاّ أن كلمة " أولو الفضل " هذا مدحٌ في الدين لا في الدنيا، لا يليقُ بالله عزّ وجل أن يمدحَ أحد عبادهِ بِدُنياه، هو أعطاه الدنيا، وإذا مُدح الإنسان بالدنيا فهناك الكفار والفجار والمنحرفون الذين يفعلون من الأعمال ما يندى له الجبين، أَيُعْقَلُ أن يُمْدح الإنسان في الدنيا في كتاب الله؟ إذًا من هم أولو الفضل؟" أولو الفضل في الدّين، فهذه شهادة من الله جلّ جلاله لِسيّدنا الصِّديق؛ الذي ما طلعَت شمس على رجل بعد نبيّ أفضل من أبي بكر، وهذا ما قالهُ بعض العلماء إنَّه أفضل الصحابة على الإطلاق، "لو وُزِنَ إيمان الخلق مع إيمان أبي بكر لرجَح إيمان أبي بكر"! "ما طلعَت شمس على رجل بعد نبيّ أفضل من أبي بكر"، "سُدُّوا كلّ خوخةٍ إلا خوخة أبي بكر ما ساءني قطّ"، "ما دَعَوْتُ أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كَبْوَة إلا أخي أبا بكر ؛ أعطاني مالهُ، وزوَّجَني ابنتَهُ، وما ساءني قطّ، فاعْرِفوا له ذلك".
أجمعَ المُفسِّرون من دون استثناء على أنَّ المراد من قوله تعالى أولو الفضل أبو بكر رضي الله عنه، وهذه الآية تدلّ على أنَّه كان أفضلَ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لأنَّه تعالى ذكرهُ في معرض المدح، والمدح من الله تعالى في الدنيا غير جائز، لا يمكن أن يمدح الله إنسانًا بالدنيا؛ لأنَّ الدنيا أهْوَنُ على الله من جناح بعوضة، أيُمكن أن يمدحَ أحداً بالدنيا؟ فتَعَيَّن أن يكون المراد من الفضل في الدِّين، إذًا أفضل الصحابة على الإطلاق سيّدنا أبو بكر بِنَصّ هذه الآية. أفضل الصحابة على الإطلاق سيّدنا أبو بكر بِنَصّ هذه الآية :
قال بعض العلماء: ولو أُريد به الفضل بالدنيا لكان قوله: والسَّعة تكريرًا لا معنى له قال تعالى:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
إذا كان الفضل هو الغنى، والسَّعَة هي الغنى، فالتَّكرار لا معنى له، فلمَّا أثْبت الله الفضل المطلق وجَبَ أن يكون أفضلَ الصحابة على الإطلاق بعد رسول الله.
وقال أبو السّعود: أولو الفضل منكم؛ أيْ في الدِّين، وكفى به دليلاً على فضل الصّديق رضي الله عنه، هذه شهادة من الله، طبعًا قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
[ سورة التوبة: 40]
علو شأن الشخص الذي كنَّاهُ الله تعالى مع جلاله بِصيغة الجمع :
وردَ أيضاً ما يشير إليه في القرآن الكريم مرّة ثانية، قال تعالى:
﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
شيءٌ أيضًا دقيق، هذا خطاب بِصيغَة الجمْع، والمراد به أبو بكر الصّديق، فأنت أحيانًا تُخاطب إنسانًا بالجمع، تقول له: زرْناكم فلمْ نجدْكم، أتَيْناكم فلمْ نحْظَ بِلِقائِكم، أعْطَيْتُمونا ونحن لكم شاكرون، وأنت تخاطب شخْصًا، فأنت أقلّ منه تُخاطبُهُ تعظيمًا، لكن خالق السموات والأرض، هذا الذي نصَرَ دينهُ ونصر رسولهُ، لا يوجد إنسانٌ أخلص لإنسان كسيِّدِنا الصِّديق لرسول الله في الهجرة كان يمشي أمامه تارةً، وخلفهُ تارةً، وعن يمينه تارةً، وعن شماله تارةً، يقول له ما لك يا أبا بكر؟ فيقول: والله يا رسول الله أخشى عليك الطّلب فأمشي وراءك، أخشى عليك أحدًا من أمامك فأمشي أمامك، كلّ هذا من شدّة محبّته وإخلاصه، فأنت حينما تنصر النبي تنصر الله، وحينما تنفق مالك في سبيل الحق فهذا المال يقعُ في يد الله قبل أن يقع في يد هؤلاء.
الاستنباط الثاني، أنَّ الله جلّ جلاله خاطبهُ بصيغة الجمع، والمراد به أبو بكر الصّديق رضي الله عنه.
قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله: فانْظر إلى الشخص الذي كنَّاهُ الله سبحانه وتعالى مع جلاله بِصيغة الجمع، كيف يكون علُوّ شأنه عند الله؟
قلتُ لكم قبل قليل: أنت إنسانٌ لك قريب كبير في السنّ، رجلٌ في عملك أكبر منك، أنت تحت جناحه، إذا خاطَبْتهُ بالجمع كان هذا مقبولاً أمَّا إلهٌ عظيم يُخاطب سيّدنا الصديق بالجمع تكريمًا له، فهذه شهادة ثانية ما بعدها من شهادة، هناك كلمة يقولها بعض الصوفيّين: إنَّ جبريل نزل وقال له: يا محمّد أبْلغ صاحبك أنَّ الله راضٍ عنه، فهل هو راضٍ عن الله؟ أنت عندما يكون لك مكانة عند الله؛ شيءٌ لا يوصَف، عند خالق الكون، وعند الأزليّ الأبَدي، عند الواحد الأحد، الفرْد الصَّمد، الذي بيده كلّ شيء، إن كانت لك حُظْوَةٌ عندهُ تشعر بِطُمأنينة ما بعدها طمأنينة، فالآن بأيّ مجتمعٍ إذا كان للإنسان حُظوَة فهو في قِمّة المجتمع، عند الملك هل يخشى أحدًا في كلّ هذا المجتمع؟ إن كانت لك حُظوَةٌ عند إنسان عظيم تشعر بِطُمأنينة ما بعدها طمأنينة فكيف إذا كانت لك حظوَةٌ عند مالك الملوك؟ عند خالقِ السموات والأرض؟ خصائص السيّدة عائشة :
أيها الأخوة، هناك بعض الأشياء المتعلّقة بهذه الآية؛ من خصائص السيّدة عائشة رضي الله عنها، هي قالَت عن نفسها: "لقد نزلَ جبريل عليه السلام بصورتي في راحَتِهِ حينما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يتزوَّجَني، ولقد تزوَّجني بِكرًا وما تزوَّجَ بكْرًا غيري ولقد تُوُفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وإنّ رأسهُ لفي حِجري، ولقد دُفنَ في بيتي، ولقد حفَّتْهُ الملائكة في بيتي، وإنّ الوحي ليَنْزلُ عليه في أهله فيتفرَّقون عنه، وإنه كان ينزل عليه وأنا معه، وإنِّي لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزلَتْ براءتي من السماء، ولقد وُعِدْت مغفرةً، ورزقًا كريمًا"، وكلّ هذا من خصائص السيّدة عائشة التي اتَّهَمها أهل الإفك بالفاحشة. على الإنسان ألا يروِّج خبرًا يطْعنُ بأهل الحق بِصَرْف النَّظَر عن صحَّته أو عدم صحَّته:
ولكن أريد أن أضعَ بين أيديكم هذه الحقيقة: إيَّاك أن تُروِّجَ حديثًا فيه إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، لو فرضنا إنسانًا سمعَ خبرًا غير صحيح عن رجل له صبْغة دينيَّة؛ هذا الخبر لا تُروِّجُهُ، وهذا استنباط، بِصَرْف النّظَر عن كون هذا الخبر صدقًا أو كذبًا، لا تُزَعْزِع ثقة الناس بأهل الحق، لا تزعزع ثقة الناس بِرِجال الدِّين، قد يكون هذا الخبر غير صحيح، هناك شخص لِمُجرَّد أن يستمع إلى خبر يُذيعُهُ بين الناس، كفى بالمرء إثمًا أن يحدِّث بِكُلّ ما سمع، وأهل الكفر والفجور لا يحْلو لهم شيء إلا أن يطْعنوا بأهل الحق، من دون تحقّق، ومن دون تثبّت، مثلاً شاربو الخمر قد يتَّهمون إنسانًا لا يشربها بأنّه يشربها من غير دليل، من أجل أن يُضَعضِعوا ثقة الناس بالدّين، فأنت إيَّاك أن تكون حلقةً في هذا المؤامرة القذرة، لا تروِّج خبرًا يطْعنُ بأهل الحق، بِصَرْف النَّظَر عن صحَّته أو عدم صحَّته.
إن أردْنا أن نستنبط من هذه القصَّة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النور: 19 ]
ماذا فعل؟ ما فعلَ شيئًا إطلاقًا إلا أنّه أراد أن تشيع الفاحشة، فكيف بالذي يُشيعُ الفاحشة، فالآية دقيقة جدًّاً، إن أحْببْتَ أن تشيع الفاحشة أوْعَدَ الله بهذا عذابًا في الدنيا والآخرة هذا في الذي أحبَّ أن تشيع ولم يفْعل شيئًا، ولم ينطق بكلمة، ولم ينبس ببِنت شفة، فكيف إذا روَّجَها هو؟! لذلك كما يقولون: اتِّهام المحصَنَة وقذفها يهدم عمل مئة سنة. عدم بُطْلان العمل بارتِكاب الذنوب :
وفي درسٍ سابق فيما أذكر بيَّنْتُ لكم أنَّه لا فرْق بين الذّكَر والأنثى، إنسان لم ترهُ بِعَيْنك يرتكب الفاحشة، تقول: أغلب الظنّ أنَّه يرتكب الفاحشة!! لا، هذا قذف، وجزاء من يقول هذا ثمانون جلْدة، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ﴾
[ سورة النور: 4 ]
قذف المحصنات كقذْف المحصنين، وقذف النساء كقَذْف الرجال، وقذف الرجال كقذْف النساء، أجْمعَ المُفسِّرون على أنَّ المُراد من قوله تعالى: ﴿ أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور: 22]
مسْطَح، لأنَّه كان قريبًا من أبي بكر، وكان من المساكين، وكان من المهاجرين، و مِمَّن يلوذ بِأبي بكر، وكان قد وقع في حديث الإفك وقذف عائشة، ثمَّ تابَ بعد ذلك، ولا شكّ أنَّ القذف من الذنوب الكبائر، وقد احتجَّ أهل السنَّة والجماعة بهذه الآية على عدم بُطْلان العمل بارتِكاب الذنوب، فهو له عمل، وله ذنب كبير، فهذا الذنب الكبير لا يلغي عمله السابق، ويؤكِّد هذا النبي عليه الصلاة والسلام حينما ارْتكبَ حاطب بن أبي بلتعة الخيانة العظمى، وأبلغَ قريشًا أنَّ محمّدًا سيَغْزوكم فخُذوا حِذْركم، ماذا قال سيّدنا عمر؟ قال: دَعْني أضرب عُنُقَ هذا المنافق، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال له: لا يا عمر، إنَّه شهِدَ بدْرًا! أرأيْت إلى هذه الرحمة أو إلى هذا الإنصاف؟ فإذا كان لك عمل عند الله تعالى فهذا لا يُهْدر، أما العمل الثاني فتُحاسبُ عليه، وتُعاقَبُ عليه أشدّ العقاب، ولكنَّ العمل السيئ لا يُبْطل العمل الصالح، وهذا اسْتنباط مريح وبِشارة، لك عمل، ولك إنفاق، واتِّصال بالله، ولكن لك أخطاء واجتهادات خاطئة وكلمات غير جيّدة، فهذه الكلمات تُحاسب عليها، وهذا العمل محفوظ عند الله تعالى.
قال: وجه الاستدلال أنّ الله سبحانه وتعالى وصفَ مسْطحًا بِكَونه من المهاجرين في سبيل الله، بعد أن أتى بالقذف، الآية: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الله تعالى أثْبتَ لِمسطح أنَّه هاجر في سبيل الله، ثمّ ارْتكبَ كبيرة، والكبيرة له عليها عذاب عظيم، ولكن هل هذه الكبيرة تلغي هجرته في سبيل الله؟ قال له: لا يا عمر إنَّه شهد بدْرًا على سيّدنا حاطب بن بلتعة، إذًا هذه بِشارة؛ وهي أنّ عملك الصالح محفوظ، أما عملك الآخر فسوف تحاسب عليه حساباً شديداً، فدلّ على كونه مهاجراً لم يسقطْ لإقدامهِ على القذفِ. من أشرك فقد حبط عمله :
وقد قال العلماء: لا يحبط العمل إلا بالإشراكْ، الإنسان إذا أشركْ فقد حبطَ عمله، إذا ارتكب مخالفة يحاسب عليها ويعاقبْ، وقد يعاقب أشدَّ العقابْ، لكن هذه المخالفة مع إيمانه بالله وتوحيدهِ له لا تلغي عملهُ الصالح، إما إذا أشرك فقد حبطَ عملهُ، ولا يحْبِطُ العمل إلا الرِّدَة والعياذُ بالله، الشرك والرِّدَة بمعنى أن يرْتّد عن دينهِ، أن يعود كافراً:
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
من استحلّ المعصية فقد وقع في الردة :
إلا أن هناك ملاحظة دقيقة إذا اسْتَحللتَ المحارم وقعتَ في الرِدَّة، أو تأكل الربا وأنت مقتنِع بأنك لا تفعل شيئاً؛ الإنسان إذا ارتكب معصية، ولم يعبأ بأنّها معصية بل قال: هي حلال أي إذا استحلّ ما حرّم الله، وإذا وقعَ فيما حرّم الله، فأي معصية يعاقب عليها، لكن حينما يقع إنسان في معصية، ويعلم بأنّها معصية هو مؤمن إلاّ أنّه أصبحَ عاصياً، والعاصي يعاقب أما حينما يستحلُ معصيةً فقد وقعَ في الرِدَّة.
إذاً من ارتكب معصية أو استحلّ فرضاً، أو لم يقبل فرضاً فرضه الله عليه، إذا استحليت الحرام أو حرّمت الحلال فقد حبط عملك، ومن يكفر بالإيمان فقد حبطَ عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين، ومن ارتدّ منكم عن دينهِ فيمت وهو كافر فأولئك حبطتْ أعمالهم في الدنيا والآخرة هذا أول حكم.
العفو والصفحْ عن المسيء حسن والإسلام يسعُ الناس جميعاً :
الحكم الثاني هل العفو عن المسيء واجب؟ اتفق الفقهاء على أن العفو والصفحْ عن المسيء حسن والإسلام يسعُ الناس جميعاً قال تعالى:
﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هنا أمر، هل هذا أمر أم نذَبْ؟ إذا كان أمراً كل إنسان ما عفا عن خصمِهِ أصبح عاصياً، من حقكَ، وجزاءُ كلُ سيئة سيئةٌ مثلها، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
[ سورة الشورى: 39 ]
من حقكَ أنْ تأخذ مالكَ من الناس؛ ولكن حينما أمرك الله أن تعفو و تصفحْ هذا أمرُ ندبْ وليس أمرَ وجوب.
عندنا حالة إذا غلب على ظنِّك أن عفوك عنه يصلحُهُ فيجب عليك أن تعفو عنه، وإذا غلب على ظنِّك أن انتصارك منه يؤدِّبهُ فينبغي أن تنتصرَ منه، مثلاً سائق أرعن يسْتَهتِرْ بأرواح المواطنين، يستخفُ بهم، فإذا قتل طفلاً خطأً، وأنت عفوت عنه يتابع انحرافه، أما إذا أدّبته، وأدخلته السجن، ولم تعفُ عنه، وإن غلب ظنُّك على أن عفوك يصلحهُ فينبغي أن تعفو عنه، وإذا غلب على ظنِّك أن أخذك حقك منه يؤدِّبهُ فينبغي أن تنال منهُ. إلاّ أن العلماء أجمعوا على أنّ قوله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الأمر هنا للندبْ، والإرشادْ، وليس للوجوب لأن الإنسان يجوزُ له أن يقتّص مِمَن أساء إليه فلو كان العفو واجباً لما جازْ طلب القصاصْ، ومما يدّلُ على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الشورى: 40 ]
من أراد أن يكون من أولي الفضل فليصل من قطعه و ليعفُ عمن ظلمه :
أما النّبي عليه الصلاة والسلام فتأكيداً لهذا الحكم يقول:
((لا يكون العبد ذا فضل ...))
قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الله عزّ وجل مدحَ سيدنا الصديق بأنه من أولي الفضل؛ إذا إنسان انتصر من خصمِهِ، وأخذ منه بقدرِ ما نالهُ منه، لا شيء عليه لكن مقبول، فأما قوله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
إن كنت تريد أن تكون من أهل الفضل، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه))
[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]
فأنت اختر هناك مقبول، وجيّد، وجيّد جداً، وامتياز أي شرف؛ إذا انتصرت من خصمك، ونلت منه، وجزاءُ كلُ سيئة سيئةٌ مثلها، فأنت مقبول ولا شيء عليك، لكنك إن صفحت عنه، وارتفعت إلى مرتبة أولي الفضل فهذا هو درسنا اليوم، كيف سيدنا الصديق أمره الله أن يعفو عمّن أساء إليه أيّما إساءة، أي إساءة تغفر أما أن يتّهم ابنتك الغالية بأنها زانية بدون أن يتحقق بدون دليل، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: ((إن فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني ))
[النسائي عن المسور بن مخرمة]
أحياناً الإنسان يتقرب من شخص بأولادهِ، الابن بضعةٌ من أبيه، بعيداً عن صَلاحِهِ أو عدم صَلاحِهِ يمكن أن يكون الابن وسيلة لتصل إلى قلب أبيهْ، فلذلك الشيء الدقيق هنا أنك إذا عفوتَ عمّن أساء إليك أشدّ الإساءة فأنت من أهل الفضلِ، والحديث معروف: (( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
وقال أيضاً: ((لا يكون العبد ذا فضل -استنباطاً من هذه الآية- حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه))
[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]
ندب العفو عن المسيء :
لذلك يُندبُ العفو عن المسيء لقوله تعالى:
﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هنا "ألا" حرف حض. ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
أنت عندك إمكان أن تناجي ربّك، يا ربّي إذا كان يرضيك أن أعفو عن هذا الإنسان الذي ظلمني فأنا أعفو عنه، أنا أريدُ رضاك يا ربّ، المؤمن أمام رضا الله كل شيء يهون، في بعض الحالات يسيء إليك إنسان إساءة لا تغتفر لكن نظيرة أن الله يحبُّك ويرفعك إلى مرتبة أولي الفضل بعفوك عن أخيك فاعف عنه إذاً قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 1 ]
و الحديث الشريف : ((بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس، إذ رأيناه ضحك ، حتى بدت ثناياه، فقال عمر : ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال : رجلان جثيا بين يدي رب العزة عز وجل ، فقال أحدهما : خذ لي بمظلمتي من أخي . قال الله : أعط أخاك مظلمته. قال: يا رب، لم يبق من حسناتي شيء . قال الله تعالى للطالب : كيف تصنع بأخيك، ولم يبق من حسناته شيء؟ قال : يا رب ، فيحمل من أوزاري » ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبكاء ، ثم قال: « إن ذاك ليوم عظيم يحتاج فيه الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله عز وجل للطالب: ارفع بصرك، فانظر في الجنان، فيرفع رأسه، فقال : أرى مدائن من فضة ، وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال جل وعز: هذا لمن أعطاني الثمن. قال: يا رب ، ومن يمتلك ثمن هذا ؟ قال : أنت تملكه . قال: بم؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب ، فقد عفوت عنه، فيقول: خذ بيد أخيك، وأدخله الجنة » قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ))
[ أبو داود عن أنس]
قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
قانون الالتفاف و الانفضاض :
اسمحوا لي أن أقول لكم: إن هناك آية قرآنية مثل المعادلة الرياضية تماماً قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
أي يا محمد بسبب رحمةٍ في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليِّناً مع الخلق فالتفّ الناسُ حولك فأحبُّوك، ولو لم تكن لك هذه الصلة بنا استقرّت في قلبك القسوة فكنت فظاً غليظَ القلب فانفضّ الناسُ من حولك، فأين المعادلة؟ اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، فظاظة، انفضاض؛ يلتّفُ الناس حول الرحيم، وينْفضُّوا من قاسي القلب، وعلامة الإيمان رحمة الله في قلبك، وعلامة البُعْد عن الله القلب القاسي، وإنّ أبْعَدَ قلْبٍ عن الله هو القلب القاسي، وإذا أردتم رحمتي فارْحَموا خلقي، والراحمون يرحمهم الرحمن، وارْحموا من في الأرض يرحمكم مَن في السماء، لا تنتقِم ولا تُحاسِب الناس، أنت أحْسِنْ إليهم لِوَجه الله، أنت سيّدهم. ((لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه))
[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]
فَيُنْدَبُ العفوُ عن المسيء لقوله تعالى: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
لقد علَّقَ الله المغفرة بالعفو والصَّفْح. من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فلْيأت الذي هو خير :
الحكم الثالث في هذه الآية: ذهب الفقهاء إلى أنّه من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها ينبغي له أن يأتي الذي هو خير، وأن يُكفِّر عن يمينه، فأكثر الناس في ساعة الغضب يحلف يمينًا، لن أزور أختي، لن أتصدَّق، لن أُقرضَ أحدًا، لن أفْعل خيراً، الحكم الشرعي يجب عليك بأمْر النبي عليه الصلاة والسلام:
((من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير))
[ مسلم عن أبي هريرة]
هذا هو الحكم الشرعي، ولا أحدَ يحْتجّ باليمين، النبي الكريم يأمرك أن تكفِّر عن يمينك، وأن تأتي بالذي هو خير، لذلك قالوا: تجب الكفارة بالحنث في اليمين سواءٌ أكان الحانث في أمرٍ فيه خير أو غير ذلك؛ خير أو شرّ فالحنث في اليمين يوجب الكفارة.
هناك رأْي مرجوح أنّ الذي يأتي بما هو خير ليس عليه كفارة، لكن الاستدلال ضعيف، ولكن الأرجح والأقوى أنّه بِمُجرّد أن تتحلّل من يَمينك أو أن تحنث بها عليك الكفارة، والفرْق بين التَّحلّل والحنْث، أنَّ دَفعُ الكفارة قبل الحنث تحلُّل، ودفع المال بعد الحنث كفارة، قبل الحنث أيْ قبل مخالفة اليمين، قبل أن تخالف دفعْت؛ هذا تحلل، وبعد المخالفة كفارة فصار أوَّل حكم وثاني حكم وثالث حكم. آية اليوم تعلمنا الأخلاق و مقابلة الإساءة بالإحسان :
أيها الأخوة، والله هذه آية مهمّة جدًّاً، هذه تعلّمنا الأخلاق، تعلّمنا أنَّ هناك مرتبة مقبول، ومرتبة أولي الفضْل، أولو الفضل أن تصلَ من قطعَك، وأن تعْفُوَ عمَّن ظلمكَ، وأن تعْطِيَ من حرمك، وألا تقابل المسيء بالإساءة، قابِلْ إساءتهُ إليك بالإحسان إليه، والدليل الأخير قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة فصلت: 33-34]
أيْ اِدْفع السيّئة لا بالحُسنى، ولكن بالتي هي أحْسَن، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت:34-35]
دخل عمَير على رسول الله والخنزير أحبّ إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي، لا توجد عداوة، عوِّدْ نفسكَ قلبًا منفتِحًا، وقلبًا طيِّبًا، وقلبًا يعفو، وقلبًا صافيًا، والله عز وجل هو العفوّ، وهو الكريم والغفار، وهو الذي يتجاوَزُ عن إساءتنا، فتَعَلَّمَ من الله عز وجل كيف يعْفُوَ على عباده المُذْنبين.
أتمنَّى من أخواننا الكرام إن كانت هناك خصومة أو مشكلة بين شخصين اِذْهب واعْتذِر، أو قدِّم هديَّة، أو حاوِلْ أن تُبادِرَ أنت، لا تجعل بينك وبين أحدٍ حقْدًا، ولا بغْضًا، ولا قطيعةً، ولا هوَّةً كبيرة، وهذه آية العفْو، إن أردْت أن ترتفع إلى مستوى أهل الفضل فاعْفُ عمَّن ظلمك، وصِلْ من قطَعَكَ، وأعط مَن حرمَكَ.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : اية التوجة الى الكعبة - سورة البقرة




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين. الآية التالية تُشير إلى إعجاز القرآن الكريم :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع عشر من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي: آية التَّوجّه إلى الكعبة في الصلاة، هناك حقائق كثيرة، وأحكام فقهيّة كثيرة، وحِكَمٌ بالغة تُستنبط من هذه الآية.
ربّنا عز وجل يقول:
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة: 142 ]
الحقيقة هذه الآية وحدها تُشير إلى إعجاز القرآن الكريم، هؤلاء السفهاء لم يتكلّموا بعد وقد وُصفوا أنَّهم سفهاء، فلو أنّهم سكتوا ولم يتكلَّموا لأبْطلوا هذا الكلام، وأبْطلوا كلام الله عز وجل من أجل أنْ نعْلمَ أنَّ الله سبحانه وتعالى إرادتهُ طليقة، ولا شيء يحكمه، فهؤلاء السفهاء مخيَّرون، ولكن مع هذه الآية سلبَ اخْتِيارهم، الذي يُعْطي يأخذ، هم مُخَيَّرون، لو فكَّروا قليلاً أنّهم وُصِفوا سفهاء، وسفهاء لأنَّهم سيَقُولون ما ولاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فإذا فكَّروا قليلاً وسكتوا، ولم يتكلَّموا أبْطَلوا هذه الآية، وهذا دليل أنَّ الله سبحانه وتعالى مالكُ كلّ شيء، إن أعطاك الاختيار فَبِمَشيئته، وفي أيَّة لحظةٍ يسْلُبُه منك، لذا وردَ في الحديث الشريف أنَّ الله تعالى إن أراد إنفاذ أمْرٍ أخذ من كلّ ذي لبّ لبَّهُ! يُشبِهُ هذه الآية قول الله عز وجل: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾
[ سورة المسد: 1-5 ]
لو أنَّ أبا لهبٍ ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام بِمَوقفٍ تمثيلي وأعْلَنَ إسْلامه وشهد أن لا إله إلا الله لأبْطَلَ سورةً بأكملها، يُسْتنبط من هذه الآية، ومن هذه السورة أنَّ الإنسان إن كان مُخَيَّرًا فإن الله تعالى شاء له أن يكون ذا مشيئةٍ، وفي أيَّةٍ لحظةٍ يسْلبُ منه هذه المشيئة ويغدو في قبضة الله عز وجل. إن خصّ الله شيئاً بِخَصيصة أصبح مقدَّساً :
قال تعالى:
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة: 142 ]
هناك معنى دقيق هنا، لا يوجد شيء في الأرض مُقدَّس إلى ذاته، مُقدَّس إذا أشار الله إليه، أو إذا رفعَهُ الله، لِطَبيعةٍ فيه هو مقدَّس؟ لا، لكن لأنّ الله تعالى اتَّخَذ الكعبة بيتًا له، واتَّخَذ البيت الحرام بيتًا له، صار هذا البيت مقدَّسًا، فالذي يتَّخذ هذا البيت الحرام بيتًا له، ويأمر نبيَّهُ أن يتوجَّه نحو بيت المقدس، قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾
[ سورة البقرة: 142 ]
إذاً الشرق له، والشمال له، والغرب له، والمغرب له، والأمكنة كلّها له، وكذا الأزمنة، فالشيء المقدَّس لذاته لا يوجد، أما هناك شيء مقدَّس لغيره فالله عز وجل خصَّ هذا الشيء بِخَصيصة فصار مقدَّسًا. أدب النبي صلى الله عليه و سلم :
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
قد نرى تقلبّ وجهك في السماء" من شدَّة أدب النبي عليه الصلاة والسلام اسْتحيا أن يسأل الله أن يتوجَّه إلى بيت الله الحرام، ولكنّ وجهه كان يتقلّب في السماء، ويتمنَّى أن يتَّجه إلى بيت الله الحرام قبلة سيّدنا إبراهيم، قال تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
من لطائف التفسير لهذه الآية :
1 ـ الله عز وجل يعلمُ ما سيَكُون عِلْم كشْفٍ لا علم جَبْرٍ :
أيها الأخوة الكرام، من لطائف التفسير لهذه الآية، طبعًا سيقول السفهاء من الناس هذا يدلّ على علْم الله، الله عز وجل يعلمُ ما سيَكُون عِلْم كشْفٍ لا علم جَبْرٍ.
والشيء الآخر؛ أيَّة فائدةٍ تُستفاد أنَّ الله تعالى أخبرنا عن قول السفهاء؟ أوَّلاً: إخبارهُ لنا يبيِّنُ لنا أنَّ الله تعالى علمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وشيءٌ آخر هو أنَّ وَقْعَ هذا التكذيب يكون مُخَفَّفًا إذا أخبرنا الله به من قبل.
2 ـ الأمكنة أمكنة الله والشيء المقدَّس هو الذي يخصّهُ الله بِخَاصَّة :
اللَّطيفة الثانيَة، ذكرتها قبل قليل؛ وهي أنَّ كلّ الأمكنة لله عز وجل، وأنَّ الأرض الله، وأنّ البلاد بلاد الله، وأنَّ الأمكنة أمكنة الله، وأنَّ الشيء المقدَّس هو الذي يخصّهُ الله بِخَاصَّة، أما شيءٌ مقدَّسٌ لذاته ولِخَصائص فيه؛ فهذا شيءٌ لا يقبلهُ العقل، ولا تقوم به حجَّة.
3 ـ الإسلام في أصله وسَطِيّ :
النقطة الثالثة في هذه الآية، قوله تعالى:
﴿ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
الوسطيَّة هي الكمال، والوسَطِيَّة هي الاعتدال، والكمال وسط بين طرفين، والفضيلة وسَطٌ بين نقيضين، فالتَّهَوّر نقيصة، والجبْن نقيصة، والشجاعة بينهما، إتلاف المال نقيصة، وإمساك المال نقيصة، والكرم بينهما، والخوف القاتل نقيصة، والطمأنينة الساذجة نقيصة، وبينهما رجاء مغفرة الله، وخشيَة عذابه، لو درسْت كلّ مكارم الأخلاق لوجدْت كلّ فضيلة هي وسطٌ بين طرفين، بل إنّ الإسلام في أصله وسَطِيّ؛ في عقيدته وفي منهجه، أقرّ أنَّ الإنسان لحْمٌ ودم وروح، فَلَبَّى حاجات روحِهِ، ولبَّى حاجات جسده، أقرّ أنّ الإنسان يعيش في الدنيا وقد خُلِقَ للآخرة، فكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهمّ أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا"، فالإسلام في عقيدته، في منهجه، في تشريعه وسطٌ.
المرأة، سمحَ لك أن تتزوَّج، هناك أنظمةٌ وَضْعِيَّة تُحرِّم النساء! وهناك أنظمةٌ وضْعِيَّة تُبيح النساء كلهنّ، كلاهما موقف متطرّف، فأنت لك أن تتزوَّج امرأة وهي زوجتك ومنها أولادك أما الفوضى الجنسيّة فهي مرْفوضة، وهذا التَّبتّل غير المعقول مرفوض.
في كسْب المال، أمرك أن تكسب المال الحلال، وما حرَّم عليك كسب المال مطلقًا لكن حرَّم عليك كسْب المال الحرام. الله جلّ جلاله لِكرامة هذه الأمّة عنده جعلها متوسِّطة بينه وبين خلقه :
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
بعضهم قال: أمّة وسطًا أيْ من الوَساطَة، أيْ الله جلّ جلاله لِكرامة هذه الأمّة عند الله جل جلاله جعلها متوسِّطة بينه وبين خلقه، فالله جلّ جلاله كلّف هذه الأمَّة أن تنشر الحق، لذلك أيها الأخوة كلّ مسلم يسْعى لِنَشْر الهدى يُحقّق وسَطِيَّة هذه الأمّة، وكلّ مسلك يسْعى لإطفاء نور الله عز وجل يُناقض وسَطِيَّة هذه الأمَّة، فأنت كإنسان من هذه الأمَّة يجب أن تكون وسيطًا بين الله وبين خلقِه، وإنَّ من أعظم الأعمال على الإطلاق أن تكون سببًا في هداية الخلق.
أيضًا المسلمون في دينهم القويم لم يقتلوا أنبياء الله، كما أنّهم لم يؤلِّهوهم فهذا بحث يطول، وتُكْتبُ عن مجلَّدات ؛ وسَطِيَّةُ الإسلام، والعالم اليوم سيَعُود مقْهورًا إلى الإسلام، سيَعُود إلى الإسلام لا تعبُّدًا، ولكنَّهُ حينما تطرَّف دفعَ الثَّمَن باهظًا فعاد إلى الوَسَطِيَّة والاعتدال. 4 ـ ربُّنا عز وجل أمرَ النبي أن يتوجَّه إلى بيت المقدس لِيَعْلمَ من يتَّبع الرسول :
اللَّطيفة التي تلي ذلك قوله تعالى:
﴿ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
أحيانًا يتمسَّك الإنسان بالمظاهر وينسى اللّبّ، فالعرب في الحجاز يرغبون أن يتوجَّهوا إلى البيت الحرام، فجاء الأمر الإلهي بالتَّوَجُّه إلى البيت المقدس! لماذا؟ هذا الأمر جاء لِيَعْلمَ الله من يتَّبع الرسول، أي أنت مُتَمَسِّك بماذا؟ متمسِّك بِجِهة؟ بمكان؟ بشيء مادِّي؟ أم مُتمسِّك بالله عز وجل؟ وهذا الذي يأْبى أن ينْصاع لأمر الله عز وجل، ويتمسَّك بِتَقاليد ما أنزلَ الله بها من سلطان، هذا وثَني!! أنت عبْد لله، وأيّ شيءٍ جاءك عن الله عز وجل ينبغي أن تقبلهُ، وينبغي أن تعتقد أنّ الله تعالى حكيمٌ حِكمةً بالغة، فموضوع القِبْلة العرَب يتمنَّوْن مِلَّة أبيهم إبراهيم، يتمنَّون ويطْمحون أن يتَّجهوا إلى بيت الله الحرام، ولكنّ الله عز وجل أراد أن يمتحنهم، وهذه العمليّة اسمها فرْز علمي، من هو المتمسّك بالمكان وبالأوثان وبالأحجار؟ ومن هو المتمسّك بِطاعة الواحد الدَّيان؟ فربُّنا عز وجل أمرَ النبي أن يتوجَّه إلى بيت المقدس، وهو يعلم بعد حين سيَسْمح أن يتوجَّه إلى البيت الحرام، قال تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
5 ـ العلم باللّغة هو الرؤية :
وهناك لطيفة بلاغيَّة، وهي أنَّ العلم باللّغة هو الرؤية، والرؤية تعني العلم هكذا قال بعض العلماء، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾
[ سورة الفيل : 1]
أنت لم ترهم، ولكنَّك علِمْتَ قصَّتهم من إخبار الله تعالى، فقد يستخدم القرآن كلمة الرؤية للعلم، أو كلمة العلم للرؤية، فقوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أي إلا لِنَرى من يتَّبع الرسول ممَّن ينقلب على عقِبَيْه، وهناك تفسير آخر وهو وجيهٌ جدًّاً، وهو أنّك إذا سمِعْت إخبار الله لك يجب أن تأخذ هذا الإخبار وكأنَّك تراه أمامك رأْيَ العَيْن، يجب أن تستقبل إخبار الله أنت كمؤمن وكأنَّك تراهُ رأْيَ العين، فالعرب كانت تضعُ العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم. 6 ـ الله تعالى عالم بالأشياء كلّها قبل وُقوعها :
شيءٌ آخر، الله تعالى عالم بالأشياء كلّها قبل وُقوعها، وإنّما تأويل الآية:
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أيْ لِيَعْلم رسولي وأوليائي، وهنا ضُربَ مثلٌ لطيف، قال: شأن العرب إضافة أتباع الرئيس إلى الرئيس، تقول: فتحَ عمر سواد العراق، عمر في المدينة مُقيم‍! فمن فتحَ العراق؟ جيش عمر، فأتباع عمر، يمكن أن تقول: فتح عمر العراق، يمكن أن تقول: جبا خراجها، هذا على لغة العرب، فإذا أردنا أن نطبّق هذه القاعدة على هذه الآية، قال تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أي إلا ليعْلم رسولي وأوليائي من يتَّبعُ الرسول، لأنّ الله يعلم، ولكن نريد أن نعلم نحن، فأحيانًا يكون إنسان بِنَفسه شَهوَة خفيَّة غير ظاهرة، في ظاهره صلاح واسْتِقامة، هذه الشَّهْوَة الخفيَّة التي ينْطَوي عليها يعلمها الله وحدهُ، والله جلّ جلاله لا يحتاج أن يعلم ما في نفس هذا الإنسان لأنَّه يعلم فلماذا يكشفها؟ لماذا يضعُ الله جلّ جلاله هذا الإنسان في ظرْف صعْبٍ يكشف حقيقتهُ؟ هو أنَّ الله يعلم، ولكنَّه يريدُ أن يُعْلم هذا المخلوق، وهذا الإنسان، وهذا المؤمن المتوهِّم أنَّه على خِلاف ما يكون، هو يريد أن يُعْلم من حولهُ، فالله عز وجل غنيّ عن أن يعلم لأنَّه يعلم، ولكنَّه إذا كشف الإنسان فلِيُعْلِمَ الإنسان لِيُعالِجَهُ في الدنيا قبل أن يموت، فربّنا عز وجل يعلمُ السرّ وأخفى، ويعلم ما تُسرُّه، ويعلم ما يخفى عليك. من هو المتنطّع ؟
أما في كلمة:
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
الإنسان أحيانًا ينتكسُ انْتِكاسةً كبيرة، حينما ينقلبُ على عقِبَيْه، أرْجو الله سبحانه وتعالى أن أضعَ بين أيديكم هذه الحقيقة؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون...))
[ مسلم عن ابن مسعود]
" من هو المتنطّع؟ الذي يُحَمِّل نفسه ما لا يطيق، إذا حمَّلْت نفسكَ ما لا تطيق ثمَّ أُصبْتَ بِنَكْسةٍ حادّة فأنت المسؤول، فلذلك الإنسان يجب أن يطبّق سنَّة النبي بِحَذافيرها، أما أن يحرِّم على نفسِهِ ما ليس محرَّمًا عليه فهذا تنطّع، وهذا مبالغة، وخروج عن منهج الله عز وجل، لك حاجات مادِّيَّة يجب أن تعمل وتُخطِّط لِمُستقبلٍ مريح، أما أن تنطلق في حبّ الله، ولا تخطِّط شيئًا لِمُسْتقبلك، ثمَّ تُفاجأ أنّك وحْدك محروم من كلّ شيء، وأنّ كلَّ مَن حوْلكَ في عيشة راضِيَة، ربَّما أُصِبْت بِنَكْسةٍ حادَّة خَسِرْت كلّ تعبك الماضي، فإنَّ الله لا يملّ حتى تملُّوا، افْعلوا ما تستطيعون، هلك المتنطِّعون هلك المتنطِّعون، إنَّ المنبتّ لا أرضاً انقطع، ولا ظهْرًا أبقى، يجب أن تمشي باعتدال، ووفْق سنَّة النبي، وسنَّة النبي عليه الصلاة والسلام توصِلُكَ إلى أعلى مستوى، ولسْتَ أكثر خشوعًا من النبي صلى الله عليه وسلّم، مستحيل، ولسْتَ أكثر ورعًا، ولا حرصًا من النبي عليه الصلاة والسلام، والقصَّة معروفة لديكم لما أحد التابعين أراد أن يُحْرم من مكان أبْعد من المكان الذي أحرمَ منه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له أحد الأصحاب: لا تفعل! فقال: وماذا عليّ؟ فقال: تُفْتن!! قال: كيف أُفْتن؟ فقال: أيّ فِتْنة أشدّ من أن ترى نفسك سبقْت رسول الله! لا تعمل عملاً يزيد عن سنّة النبي، إذا فعلْتَ عملاً يزيد عن سنّة النبي ربّما أُصبْت بِنَكسةٍ خطيرة، إنسانٌ يزْهد في الدنيا فلا يعمل، ويزْهد في الزواج فلا يتزوّج، يزْهد في تأمين حاجاته فَيُحْرم، فهذا الإنسان الآن جيّد، ولكن ما أدْراك أنَّه سَيُصابُ بِنَكْسةٍ خطيرة جدًّاً، فَكُنْ معْتَدِلاً ووَسَطِيًّاً، ومتَّبِعًا لأثر النبي صلى الله عليه وسلّم، فالذي يقْفو أثر النبي لا يخطئ، والذي يقفو أثر النبي لا ينتكس، والذي يقفو أثر النبي لا يُصاب بِخَيْبة أمل، فأنت يجب أن تدرس، لو قلتَ: الدراسة مضيعة للوقت، وأنا مشْغول في حبّ الله، جيّد هذا الكلام، ولكن هل تُطيق أن ترى بعد حين كلَّ مَنْ حوْلك في مراتب علِيَّة، وأنت وحْدكَ دونهم جميعًا، قد يأتي الشيطان ويقول لك: هذا هو الدِّين جعلكَ في مؤخِّرة الرَّكْب!! يجب أن تكون في المستوى الذي يليق بك، أن تكون في الوضع الذي يناسبك، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إنَّ المنبتّ لا أرضاً انقطع، ولا ظهْرًا أبقى))
[ البيهقي عن جابر بن عبد الله]
إنسان واحد ولا يوجد غيرهُ سمحَ له النبي أن ينفق كلّ ماله وهو سيّدنا الصِّديق أما سيّدنا عمر فما أخذ إلا نصْف ماله رحمةً به. الجُهود عند الله تعالى محفوظة :
أنا سبحانه الله مع هذه الآية أتحسَّر، فأتمنَّى أن يكون خطَّك البياني صاعِداً صعوداً مسْتمرًّاً، أما أنَّ هذه الحالة فلا تعجبني؛ صُعود حادّ، وهبوك وسقوط مريع! هذا يحْصل من عدم التوازن، ومن اختلال التوازن، أما أنت كمُؤمن ينبغي أن تصعَد صعودًا مستمرًّاً متوازنًا إلى ما شاء الله، حتى الموت نقطة على هذا الخطّ، وهذا كما قال تعالى:
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أحيانًا يقول لك أحدهم: أنا فقط لا أُصلّي!! الصلاة عماد الدِّين من أقامها فقد أقام الدِّين، ومن هدمها فقد هدم الدِّين، لا خيْرَ في دينٍ لا صلاة فيه، وهي سيّدة القربات، وغرَّة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات. فربّنا عز وجل يقول: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
ما علاقة هذه الآية بمناسبتها؟ بعض الصحابة تساءلوا؛ هذا الذي مات قبل أن يصلّي نحو الكعبة؛ ما حالهُ مع الله؟ جاء الجواب: حاله جيّد جدًّاً، هذا الإيمان، طاعته للنبي إيمان، صلاته باتِّجاه بيت المقدس إيمان، وقد وافتْهُ المنيَّة قبل أن يتَّجه إلى البيت الحرام، وهذا قد نستنبط منه شيئًا لطيفًا جدًّاً، أنت لو فرضْنا أنَّك كنت في طريق معيَّن ثمّ غيَّرْت هذا الطريق جهْدك في الطريق الأوَّل محفوظ عند الله عز وجل لا يُنتقصُ منه شيء، لأنَّك كنت وقتها في طاعة الله، والآن أنت في طاعة الله، فالجُهود عند الله تعالى محفوظة، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
الصلاة إيمان والإيمان صلاة :
القرآن الكريم دقيق جدًّاً، سمَّى الصلاة هنا إيمانًا، معناه الصلاة إيمان، والإيمان صلاة، فإيمان من دون صلاة كلام فارغ، وإيمان من دون صلاة ثقافة، إيمان من دون صلاة تعصّب، أما الإيمان فمن لوازمه الاتِّصال، لأنّ الصلاة هي الفرْض الوحيد الذي لا يُلْغى أبدًا، فالشهادة مرَّة واحدة، والصِّيام يسقط عند المرض والسَّفر، والحجّ يسقط عند المرض والفقْر، والزكاة تسقط عند الفقر، والشهادة تؤدَّى مرَّةً واحدة، والفرْض المتكَرِّر الذي لا يسقط بِحال هو الصلاة، ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدِّين، من أقامها فقد أقام الدّين، ومن تركها فقد هدم الدِّين، فلِعَظمة الصلاة وأهمِّيَتها كان عليه الصلاة والسلام يقول:
((...وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))
[ أخرجه النسائي وأحمد عَنْ أَنَسٍ ]
وكان يقول: ((يَا بِلاَلُ أَقِمْ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا))
[ أخرجه أبو داود وأحمد عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ]
وتقول السيّدة عائشة: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يحدِّثنا ونحدِّثهُ فإذا دخل وقت الصلاة فكأنَّه لا يعرفنا ولا نعرفهُ!!"
وهذه هي الصلاة التي أرادها الله عز وجل، فالإنسان صلاته إيمانه، وإيمانه صلاته، فصلاة الصحابة الكرام إلى بيت المقدس هل يُعقل أن تضيع عليهم فضائلها؟ لا لأنَّ صلاتهم طاعة لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم، إذًا اتَّّفقَ العلماء كما قال الإمام القرطبي على أنَّها نزلَت فيمن مات وهو يصلّي إلى بيت المقدس، لما روِيَ عن ابن عباس أنَّه قال:
لمّا وُجِّه النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس فأنزل الله سبحانه وتعالى: وما كان الله ليُضيع إيمانكم،
فسمَّى الصلاة إيمانًا لاشتمالها على نيَّة وقَوْلٍ وعمل. القواعد تُسْتنبط من القرآن الكريم :
الحقيقة هناك نقطة باللّغة دقيقة، نحن نعلم أنَّ قد للتقليل مع المضارع، وقد للتحقيق مع الماضي، فلان قد ينجح، احتمال نجاحه قليل، أما فلان قد نجَح، فمؤكَّد، لكنَّ القواعد تُسْتنبط من القرآن، فالعلماء قالوا: قد نرى قد هذه تفيد التكثير لا التقليل، ولأدب النبي عليه الصلاة والسلام مع ربّه اسْتحيا أن يسأله التوجُّه إلى البيت الحرام، كان ينظر إلى السماء، وهذا يعني أنّ الله تعالى يعلم ما تنطوي عليه، يعلمُ خواطرك ومشاعرك، ويعلمُ طموحاتك، وما يدور في خلدك، إذًا قد تفيد التكثير هنا كما قال العلماء.
وقد من معانيها أنَّها تقلب المضارع ماضيًا، كيف أنَّ كلمة لاَم الأمر تقلب المضارع أمرًا، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
[ سورة الحج: 29 ]
لام أمر، وكيف أنَّ لْم تقلب المضارع إلى ماض، تقول: فلان لمْ يكتب لمْ ينجح أي ما نجَحَ، فلَمْ تقلب المضارع إلى ماض، ولام الأمر تقلب المضارع إلى الأمر، وقد تقلب المضارع إلى الماضي، أيْ قد رأيْنا تقلّب وجهك كثيرًا في السماء كلمة تقلّب فيها شدَّة، والشدّة تفيد التكثير، مثلاً كسَرَ تعني أصبحَ هذا الكأس قطعتين، أما كسَّرَ فهي تعني أنّه جاء بِمِطرقة وجعلهُ مئة ألف قطعة، فَكَسَرَ غير كسَّرَ، وغَلَقَ الباب غير غلَّقَ الباب، وقطعَ اللَّحم غير قطَّعَ اللَّحم، وقلَب وجهه غير قلَّبَ وجهه، فالتَّقلّب كثير وهناك معنى المبالغة هذه الشدَّة تفيد التَّكرار. أعلى فهْمٍ لكلام الله عز وجل هو فهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم :
كيف علِمَ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الطواف حوْل الكعبة سبعة أشواط؟ قال تعالى:
﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
[ سورة الحج: 29 ]
بالمناسبة يجب أن تعلموا أنَّ أعلى فهْمٍ على الإطلاق لكلام الله عز وجل هو فهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وابن القيّم رحمه الله يقول: "إنَّ أعلى علْم أنْ تكتشف كيف استنبط النبي هذا الحكم من أية آية" النبي عليه الصلاة والسلام قرأ القرآن وقال السنَّة، تقريبًا من دون تمحيص ستّمئة حديث، هذه السنّة في رأي بعض العلماء هي فهْم النبي صلى الله عليه وسلّم لِكِتاب الله، بعضهم قال: لمَ لمْ يفسِّر النبي كلام الله؟ سنَّتهُ كلّها تفسير لِكَلام الله، حتَّى إنّ بعض العلماء يقولون إذا جاء الكتاب مع الحِكمة فالكتاب هو القرآن والحكمة هي السنَّة. الله عز وجل عبَّرَ عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارةً إلى مراعاة الجهة دون العَين :
الشيء الآخر؛ ربّنا عز وجل عبَّرَ عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارةً لطيفةً إلى أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العَين، هنا عندنا مشكلة، فهناك أشخاص متنطِّعون، وهناك أشخاص شكليّون، يقول لك: الصلاة باطلة في هذا المسجد‍! لو جاء مهندس طبوغرافي، ورسم الزوايا، وأخذ جدار المسجد قبْلةً، وصمَّمَهُ على سمت الكعبة، لكانت هناك درجتان أو ثلاث عن الكعبة إذًا الصلاة باطلة، وهذا يحدث، حدَّثني أخ كان بأمريكا: أن الكبير والكبير جدًّاً الذي يمزِّق الأمَّة المسلمة هناك هو أنّه يمكن أن تتوجَّه من هذه الجهة هكذا، أو من هذه الجهة هكذا، والخلاف مشتعل بين هؤلاء.
الله عز وجل عبَّرَ عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارةً لطيفةً إلى أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العَين، فإذا قلت: هذا المسجد يجب أن يكون هذا الحائط قبلة، مطابقًا على خطّ متعامِدٍ مع جداره القبلي، واصلٌ إلى عَين الكعبة، لن تجد في الأرض كلّها مسجداً على هذه الطريقة، فالمتنطِّعون، والشَّكليُّون، والذين يُحبُّون إثارة الفِتَن يقولون: لا تصحّ الصَّلاة بهذه المساجد، لأنَّ التَّوَجُّه للكعبة غير صحيح، لكنّ العلماء بعد قليل ترَوْن على أنّ القبلة جهة وليس نقطة، فإن كانت القبلة جهة، فكلّ المساجد صحيحة، وكلّ التَّصْميمات صحيحة، فهذه إشارة في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
ما قال لك: شطر الكعبة، فالتَّوَجّه إلى المسجد أصبح جهةً، قال تعالى: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أما خطاب القرآن الكريم للنبي وحده، قال تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
مع أنّ الخطاب لأمَّته جميعًا، قال: هذا له معنى دقيق؛ أوَّلاً: تعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام، وثانيًا: تنفيذ لرَغبَتِهِ، وثالثًا لتَقْتَدِيَ أمَّته به من بعده. معنى المسجد الحرام في القرآن :
1 ـ المسجد الحرام أي الكعبة :
الآن نقفُ وقفةً متأنِّيَة عند: معنى المسجد الحرام في القرآن، المعنى الأوّل؛ المسجد الحرام أي الكعبة لقوله تعالى:
﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أي جهة الكعبة، لا إلى عَيْنِها. 2 ـ المسجد الحرام هو المسجد الحرام كلّه :
والمعنى الثاني؛ المسجد الحرام هو المسجد الحرام كلّه، فالذي حجّ أو اعتمر، هذه المساحة المحاطة بِجِدار، وفيها المآذن، والمسعى، والمطاف، هذا كلّه المسجد الحرام، هذا المعنى الثاني، ويؤكّد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام..."
[رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة]
وفي حديث آخر: (( لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
فالمعنى الأوّل المسجد الحرام الكعبة، والمعنى الثاني المسجد الحرام أي المسجد الحرام. 3 ـ المسجد الحرام أي الحرَم :
المعنى الثالث؛ المسجد الحرام أي الحرَم، الذي عنده كُتيِّبات عن مناسك الحجّ هناك رسْم بالمسجد الحرام، يبدأ من ينْبع، وينتهي بالجعرانة، أي أماكن الإحرام المنطقة أو الخطّ الذي مرّ بأماكن الإحرام هي الحرم، عندك كعبة، ومسجد حرام، وحرَم، فالحرم خطّ يمرّ بِكُلّ أماكن الإحرام في هذه البلاد المقدّسة، وهذا المكان اسمه الحرم.
4 ـ مكَّة المكرَّمة بِأكملها هي المسجد الحرام :
المعنى الرابع مكَّة المكرَّمة بِأكملها هي المسجد الحرام، والدليل: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
[ سورة الإسراء : 1]
5 ـ المواقيت :
المعنى الخامس، المواقيت، الحرم المحدّد بالمواقيت، إذًا من الكعبة إلى المسجد إلى مكَّة إلى المواقيت، في القرآن الكريم وفي السنّة ذِكْر المسجد الحرام يعني هذه الأشياء كلّها.
استقبال القبلة فرْض من فروض الصلاة لا تصِحّ الصلاة بدونها :
الآن السؤال الدقيق؛ هل يجب استقبال عَيْن الكعبة أم يُكتفى باستقبال جهتها؟ وأقول لكم: هذا موضع خلاف كبير بين المسلمين، وهذا لِتَخَلُّفهم يختلفوا على هذه الموضوعات، هل يجب استقبال عَيْن الكعبة أم يُكتفى باستقبال جهتها؟ استقبال القبلة فرْض من فروض الصلاة، لا تصِحّ الصلاة بدونها إلا ما جاء في صلاة الخوف والفزع، ومن صلاة النافلة على الدابة أو السفينة، ومن صلاة المريض، فقبلة المريض جهة راحته، وقبلة المسافر جهة دابَّته، وقبلة الخائف جهة أمْنِهِ، وهذه حالات استثنائيَّة، وما سِوى هذه الحالات القبلة نحو الكعبة، فكان عليه الصلاة والسلام يُصلِّي على راحلته حيثما توجَّهَتْ به، وفيها نزلَ قوله تعالى:
﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 115 ]
أما الخلاف هل الواجب استقبال عَين الكعبة أم جهتها؟ ذهب الشافعيَّة والحنابلة إلى أنَّ الواجب استقبال عَين الكعبة، وذهب المالكيَّة والأحناف إلى أنَّ الواجب استقبال جهة الكعبة، ولمّا أضعُ بين أيديكم الأدلّة ينشأ عند المؤمن ما يُسمَّى بالفكر الفقهي. أدلَّة الشافعيَّة والحنابلة الذين قالوا بِوُجوب استقبال عَين الكعبة :
أدلَّة الشافعيَّة والحنابلة، الذين قالوا بِوُجوب استقبال عَين الكعبة، أوَّل دليل قول الله عز وجل:
﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
وجْه الاستدلال أنَّ المُراد من الشَّطر الجهة المُحاذِيَة للمصلّي، والواقعة في سمته، فثَبَتَ أنَّ استقبال عَين الكعبة واجب، هذا أوّل دليل، وأما في السنّة ففيما رُوِي عن أسامة بن زيْد أنَّه قال: "لمَّا دخل النبي البيت دعا في نواحيه كلّها، ولمْ يُصلّ حتى خرج منه، فلمَّا خرجَ صلَّى ركعتين في قِبَل الكعبة، وقال: هذه القبلة، فهذه الكلمة تفيد الحصر، فثبتَ أنَّه لا قبلة إلا عَين الكعبة، وأما القياس فأنّ مبالغة النبي في تعظيم الكعبة أمْرٌ بلغَ مَبْلغ التواتر، والصلاة من أعظم شعائر الدِّين، وتوقيف صِحَّتها على استقبال عَين الكعبة يوجِبُ مزيد الشَّرَف، فوَجَب أن يكون مشروعًا، وقالوا أيضًا: كَون الكعبة عَينُ القبلة أمْرٌ مقطوعٌ به، وكوْنُ غيرها قبلة أمْرٌ مشْكوك فيه، ورعاية الاحتياط في الصلاة أمْرٌ واجب، فوَجَب توقيف صحَّة الصَّلاة على استقبال عَين الكعبة، هذه حجَّة من الكتاب والسنَّة، ومن فِعْل النبي عليه الصلاة والسلام والقياس، هذه أدلَّة الشافعِيَّة والحنابلة. أدلَّة المالكِيَّة والأحناف :
الآن أدلَّة المالكِيَّة والأحناف، أما الكتاب فظاهر في قوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
ولمْ يقل شطْر الكعبة، فإنَّ من استقبل الجانب الذي فيه المسجد فقد أتى بما أمر الله سواء أصاب عَين الكعبة أم لا، توجَّهْت نحو المسجد، وهو كبير جدًّاً، يُشكِّل خطًّاً وجهةً فأيّ مسجد في الأرض ولو اختلف درجتين أو ثلاث إذا حسبْنا على جهة الكعبة فلا مشكلة. البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم :
وأما السنَّة فقَوْل النبي الكريم:
((ما بين المشرق والمغرب قبلة))
[ ابن كثير عن أبي هريرة]
فمعنى القبلة خط تمتدّ من الشرق إلى الغرب، ففي أيّ مكان أنت في العالم إذا اتَّجهت نحو هذا الخطّ؛ نحْوَ الجنوب فقد اتَّجَهْت إلى الكعبة، كلام لطيف، وهناك حديث آخر: ((البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرَم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها و مغاربها))
[ ابن كثير عن ابن عباس]
منطقة الحرَم كلّها منطقة كبيرة جدًّاً، طولها مئة وأربعون كيلو متراً، بين حدود المدينة المنوَّرة وحدود جدَّة، إلى حدود الجنوب، وإلى الشمال، منطقة على شكل إجَّاصة، كلّ هذه المنطقة هي جهة القبلة، وهكذا قال النبي، فبناء الكعبة قبلة لأهل المسجد، طبعًا ثابتٌ إذا كنت في المسجد، في الحرَم يجب أن تتَّجِه إلى عَين الكعبة، كلّ إنسان حجَّ أو اعْتمر، يجد خطوطاً زرقاء منْحَنِيَة في كلّ الحَرم، من أجل أن تقف باتِّجاه الكعبة تمامًا، فإذا كنت داخل المسجد الحرام يجب أن تتَّجه نحو عين الكعبة، فالبيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم كلّه قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمَّتي، وهذا القول قويّ جدًّاً. رَوْعة الإسلام أنَّ كلّ المسلمين متوحِّدون يتَّجهون جميعًا في صلاتهم إلى بيت واحد :
قال: وأما عمل الصحابة فهو أنَّ أهل مسجد قِباء - دقِّقوا في ورع أصحاب رسول الله - كانوا في صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين البيت المقدس، مستدبرين الكعبة، المدينة بالشمال، فإذا اتَّجهوا نحو البيت المقدس اسْتقبلوا البيت المقدس، واسْتدْبروا الكعبة، وهذا اسمهُ مسجد القبلتين، والقبلتين متعاكستين، سمعْتُ مجدَّداً ألْغَوا قبلة المسجد الأقصى فيجب أن يصلِّي الإنسان مرَّةً هنا، ومرَّةً هنا وهذا خلاف السنَّة، فلكي لا يقع أحد الإشكال ألْغَوا القبلة في اتّجاه المسجد الأقصى، فقال: كان بعض الصحابة بالمدينة في صلاة الصبح مستقبلين بيت المقدس مستدبرين الكعبة فقيل لهم: إنَّ القبلة قدّ حُوِّلَت إلى الكعبة وهم في الصلاة، فاسْتداروا وهم في الصلاة مئة وثمانين درجة، من غير طلب دلالة، ولمْ يُنْكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلّم، فهل يستطيعون من غير بوصلة، ومن دون إحداثيات، ومن دون علم طوبوغرافيا أن يتوجَّهوا إلى عين الكعبة ؟ مستحيلٌ هذا! فتوجَّهوا نحو الجنوب اجْتهادًا، قال: النبي ما أنكر عليهم ذلك، وسُمِّيَ مسجدهم بِمَسْجد القبلتين، ومعرفة الكعبة لا تُعرف إلا بأدلَّة هندسيّة يطول النَّظر فيها، أما الآن فأُطمئنكم والحمد لله، إدارة المساحة صنَعَت خارطة للقبلة، أيّ مسجد في أيّ مكان في بلادنا يأتي خبراء من هذه الإدارة، ويضعون خطًا يتَّجه إلى عَين الكعبة احْتِياطًا، وبيوت الله الحديثة جدًّاً، قبلتها على مستوى الدَّرجات! وهذا شيء جديد والخارطة عندي، خارطة سَمْت الكعبة، فأيّ مسجد ينشأ الآن بإشارة من إدارة المساحة يأتي خبير، ويرسم الخطّ الذي يتَّجِه سَمْتهُ إلى عين الكعبة احتياطًا، فكيف أدركوها في عَين الصلاة؟ وفي ظلمة الليل؟ فالجهة إلى عَين الكعبة غير مطلوب، والمطلوب التَّوَجّه إلى الجنوب.
قال: وأما المعقول فيتعذَّر ضبط عين الكعبة عن قريب من مكَّة فكيف بالذي هو في أقاصي الدنيا من مشارق الأرض ومغاربها؟ ولو كان استقبال عَين الكعبة واجبًا لوَجَبَ أن لا تصحّ صلاة واحدٍ قطّ! لأنّ أهل المشرق وأهل المغرب يستحيل أن يقفوا في محاذاة نيِّف وعشرين ذراعًا من الكعبة، ولا بدّ أن يكون بعضهم قد توجَّه إلى جهة الكعبة، ولم يُصِبْ عيْنها فالتَّرجيح أنَّ رأي المالكيَّة والأحناف أقوى بِكَثير، ودفْعًا للفِتَن والمشاحنات وللأخذ والردّ، يجب أن نعدّ مع السادة المالكيَّة والأحناف أنَّ جهة الكعبة هي جهة الجنوب، خطّ ممتدّ بين المشرق والمغرب يمثّل جهة الكعبة، والقضيَّة اعْتِباريَّة، القضيّة أنَّ كلّ المسلمين يتَّجهون إلى مكان واحدٍ هذا شيء رائع، وهذا نظام، فرَوْعة الإسلام أنَّ كلّ المسلمين متوحِّدون، ومن علامات توحُّدهم أنَّهم يتَّجهون جميعًا في صلاتهم إلى بيت واحد.
حُكم الصلاة على الكعبة يُشْبهُ حكم صلاة المسافر في الطائرة :
هناك حكمان لطيفان؛ هل تصحّ الصلاة فوق ظهر الكعبة؟ بِرَبِّكم هل رأيْتم في كلّ حياتكم إنساناً جاء بِسُلَّم، أو سُمِحَ له لِيَصْعد إلى سقف الكعبة فيُصلِّي عليها؟ والسؤال الدقيق الثاني؛ إذا كنت في الطائرة ألسْت فوق الكعبة؟ ما الحكم إذًا؟! الجواب الدقيق أنَّ القبلة هي حزْمةٌ تصعد من أعماق الأرض إلى أعالي السماء، وهذه هي القبلة، فإذا كنت في طائرة وتوجَّهْت نحو الكعبة لا نحو عَينها أرضًا بل نحو خطِّها علوًّاً، لم يكن هناك طائرة، لذا حُكم الصلاة على الكعبة يُشْبهُ حكم صلاة المسافر في الطائرة، هو فوقها وأعلى منها، ولا يمكن أن تنظر إليها نظْرة علوّ، قال: الكعبة حدودها من أعماق الأرض إلى أعالي السماء، فأيّ مكان في الجوّ إذا توجَّهْت نحو الكعبة أيْ إلى عمود خارجٍ منها إلى أعالي السماء تصح صلاتك، هذا الحكم.
قال: القبلة هي الجهة من قرار الأرض إلى عنان السماء، هذه هي الكعبة لذلك يصحّ الطواف بالطابق الثاني في الحجّ، لأنَّ الكعبة من تحت، ويصحّ الطواف على السطح، عندنا طابق أوَّل أرضي، وطابق أوّل، وسطح، بكلّ هذه الطوابق يصحّ الطواف، من أعماق الأرض إلى عنان السماء.
كيفية النَّظر في الصلاة :
آخر شيءٍ، قال: المصلِّي وهو في الصلاة، إلى أين ينظر؟ يسْتحبّ أن يكون نظر المصلِّي إلى مَوضع سُجوده، في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدَمَيه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى موضع حجْرهِ، وهذا نظر المُصلّي في الصلاة.
هناك استثناء، إذا كنت تُصلّي في المسجد الحرام ينبغي أن تنظر إلى الكعبة، إلى عَينها، إذا الواحد أتيح له أن يحج أو يعتمر، وصلى في المَسْعى، فالحقيقة النَّظر إلى الكعبة شيءٌ لا يوصف من الجمال، أن تنظر إلى عَين الكعبة في الصلاة، لا يجد عَين الكعبة في النظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدَمَيه، وفي السجود إلى موضع أنفه وفي القعود إلى موضع حجْرهِ.
الصَّلاة وحدها تجمعُ أركان الإسلام كلّها :
أيها الأخوة الكرام، حكمة هذه الآية أنَّها توحِّدُ المسلمين، وقال العلماء في ختام هذا الدرس: هناك بالصلاة معنى الصيام، ومعنى الحج، ومعنى الشهادة، ومعنى الزكاة.
الصَّلاة وحدها تجمعُ أركان الإسلام كلّها، معنى الحجّ أنَّك في الصلاة تتوجَّه إلى البيت الحرام، ومعنى الزكاة أنَّك تقتطعُ من وقتك الثمين وقْتًا لِتُصلِّي، والوقت أصْلٌ في كسْب المال، إذا لم يوجد وقت لا يوجد كسْب مال، ومعنى الصِّيام أنَّك تمتنع عن الطّعام والشراب الصلاة أبلغ تمتنع عن الطعام والشراب والحركة والكلام، ففي الصلاة معنى الصيام، ومعنى الحج، ومعنى الزكاة، ومعنى الشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله، في القعود الأخير، فالصلاة وحدها جمَعَت أركان الإسلام كلّها، وهي باتِّجاه الكعبة، لذا الإنسان إذا طُرق بابه وكان هناك خبْطاً شديداً وهو في أوَّل ركعة ماذا يفعل؟ إذا بإمكانه فتْح الباب، والرجوع إلى مكانه دون أن يتكلّم كلمة صلاته صحيحة شرط أن يبقى متَّجِهًا نحْو الكعبة، إذا الباب أمامك يمكن أن تفتحهُ وترجه، وإذا خلفك يمكن أن ترجع شرط البقاء متَّجِهًا نحو الكعبة، معنى ذلك التَّوجّه نحو الكعبة شرط في صحَّة الصلاة، والصَّلاة لا تصحّ إلا في حالات نادرة، راكب بالطائرة من دمشق إلى حلب أو موسكو باتِّجاه الشمال، وأردْت أن تُصلِّي صلاةً نافلةً، نقول لك: أيُّها المسافر قبلتك جهة الطائرة: إنسانٌ وضَعوهُ باتِّجاه الشمال، ومُستلق، وعمليَّة جراحِيَّة ولا يستطيع الحركة، نقول له: أيها المريض قبلتك جهة راحتك، وإنسان يلْحقُه عدوّ شرس من الجنوب فتوجَّه نحْو الشمال، نقول له أنت أيّها الهارِب قبلتك جهة أمنك، وجهة دابَّتك، وجهة راحتك؛ هذه هي الاستثناءات، وما سوى ذلك لا بدّ من أن تتَّجِه لا إلى عَيْن الكعبة بل إلى جهة الكعبة، وأدلَّة السادة المالكيَّة والأحناف أقْوى بِكثير من أدلَّة الشافعيَّة والحنابلة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علّمنا، وأن يلهمنا الصواب والخير.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع :الحجر على مال السفية - سورة النساء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين. من هو السفيه ؟
أيها الأخوة الكرام، نحن مع دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾
[ سورة النساء: 5-6 ]
أيها الأخوة، حينما يقول الله عز وجل ولا تُأتوا السفهاء! من هو السفيه؟ أصلُ السَّفَه في اللّغة الخفَّة والحركة، رجلٌ سفيه إذا كان ناقص العقل، خفيف الحلم، أو الذي لا يُحْسن التَّصرّف، أو يبذِّر ماله في غير الطُّرق المشروعة، هذا هو السفيه.
وفي قاموس الكشاف، السُّفهاء المبذِّرون، الذين يبذِّرون أموالهم وينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يد لهم بإصلاحها، وتثميرها، والتَّصرّف فيها. المال قِوام الحياة الدنيا والآخرة :
أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أي جعَل الله بأموالهم قيامًا، فالمال أساسي في الحياة، فبالمال تتزوَّج، وبالمال تشتري بيتًا، وبالمال تنفق على نفسك، وعلى أهلك، وعلى أولادك، بالمال تنفق في سبيل الله، وبالمال ترقى، فكأنَّ المال قِوام الحياة الدنيا والآخرة لذلك جعله الله قيامًا، والقيام قالوا واحد قوَّمَهُ أو قيَّمَهُ أي ثمَّنَهُ، قوامًا وقيامًا بمعنى واحد، أي المال قوام الحياة، قوام الحياة الدنيا ووسيلةٌ إلى الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أنت يمكن أن تقوم حياتك بالمال، شابّ حقَّق خبرةً معيَّنة، ووصلَ إلى عمل، وفي هذا العمل دخْل خطَب، تزوَّج، استأجر بيتًا، أنفقَ على زوجته، وجاءهُ أولاد، وربَّاهُم، أسَّسَ أسرة، فهذا المال الذي كسبَهُ مبارك، قوامُ حياته، وقوام أسرته، لذلك أيّ إنسان يقلِّل قيمة المال بين أيدي الناس يُحاسبُه الله تعالى حِسابًا عسيرًا، أيّ إنسان يُقلِّل القوَّة الشِّرائيَّة للمال بِجَشعٍ شخصي يُحاسبهُ الله حسابًا عسيرًا، لأنَّه عطّل أخطَر قيمة للمال، وهي قِوام الحياة. الله جلّ جلاله نهانا في الآية التالية أن نُمَكِّن السفهاء من التَّصرّف بمالنا :
من هو السَّفيه؟ هو الذي ينفقُ مالهُ بلا حِكمةٍ، وبلا تبصُّرٍ، لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أيها الأخوة، الله جلّ جلاله نهانا في هذه الآية أن نُمَكِّن السفهاء من التَّصرّف بمالنا، والسفهاء هم الصِّغار، أو النِّساء غير العاقلات، أو الرجل الذي فقدَ عقله، أو اخْتلّ تصرّفهُ، أو بدَّد ماله، فإما أنَّه طفل صغير، وإما أنَّها امرأة خرقاء، وإما رجلٌ اخْتلّ، هذا هو السَّفيه، والسَّفيه هو الذي لا يحسنُ التَّصرّف، والسَّفيه الذي يُبدِّدُ ماله بلا طائل، وسيأتي معنا بعد قليل السَّفيه يحجَر على تصرّفاته.
أما حينما يكبر هذا اليتيم، وهذا الصغير، وتأنَسُ منه رُشدًا، وعقلاً، وحكمةً، فيجب أن تؤدِّيَ له مالهُ، ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾
أي الصغار ﴿ أَمْوَالَكُمُ ﴾
التي جعلها الله لكم قيامًا، ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾
فيها سيأتي بعد قليل أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وجَّهنا أنْ نتَّجِر بأموال اليتامى، لئلا تأكلها الزكاة، يجب أن نُطعم اليتيم لا من أصل ماله بل من ريْع ماله، لم يقل تعالى وارزقوهم منها، من التبعيض، ولكن قال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾
وفرْق كبير بين أن نرزقهم منها، نقتلع من أصل المال مالاً ننفقه عليهم، وبين أن نرزقهم فيها، أيْ أن نأخذ من رَيْع المال مالاً ننفقُه عليهم، ويبقى أصل المال صحيحاً، قال تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
أيْ بلغوا التكليف، بإمكانه أن يتزوّج، وقد خضع للأمر والنَّهي، صار بالغًا بالمعنى البيولوجي، وبالمعنى الشرعي. من لمس من اليتيم عقلاً وحكمةً وحُسْن تصرّف فعليه أن يرد له ماله :
قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
يجب أن يُضاف إلى سنّهم سنّ البلوغ أن تأْنسَ منهم رشْدًا، وهذه أوَّل إشارة بالقرآن إلى ما يسمى بالعُمر العقلي، والعمر الزَّمني، قد يكون هذا الطّفل في الثالثة عشرة وعقلهُ في التاسعة، العلماء الآن يقولون: الإنسان له عمْر زمني، وهو أتفَهُ أعماره، وله عُمْر عقلي، وهناك رواكز لهذا العمر، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
هذا السن الفيزيولوجي، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
عقلاً وحكمةً وحُسْن تصرّف، قال تعالى: ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
النهي عن الإسراف في أموال اليتامى :
إنسان معه مال يتيم ينفق منه ما يشاء، يقيمُ الولائم، بعض الورعين، لا يأكلون في بيتٍ فيه متوفَّى‍! لأنَّ هذا المال لم يعُدْ للمُتَوَفّى، وصار لأولاده القُصَّر، فلا معنى أن نأكل من وليمة بِمَال أيتام قُصَّر، قال تعالى:
﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
تنفق منها بِقدْر ما تستطيع، حتى إذا كبر هذا اليتيم قلت له: انتهى مالك، أنفقْتهُ عليك. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
وسأشرحُ بعد قليل ماذا يعني أن تأكل بالمعروف؟ على الإنسان أن يوثّق كل شيء :
قال تعالى:
﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
لعلَّه يقول: لم آخُذْ منك مالي، وهذا الحكم ينسحِب على حالات كثيرة جدًّاً وثِّقْ كلّ شيء، إنْ وثَّقْتَ كلّ شيء لن تصل إلى المحاكم، ولن تصل إلى قصر العدل، وثِّقْ كلّ شيء قال تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا* لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾
[ سورة النساء: 6-7 ]
أسباب نزول الآية التالية :
أيها الأخوة، أسباب نزول هذه الآية، كان أهل الجاهلية لا يُورِّثون النِّساء ولا الوِلْدان الصغار شيئًا، والآن في بعض القرى، وفي بعض الأرياف لا يُورِّثون البنت إطلاقًا وهذا مخالف للشريعة، ومن غيَّرَ منهج الله عز وجل في الميراث فله عذاب عظيم، لا يورِّثون البنات إطلاقًا، وهذا فِعْل أهل الجاهليّة، ولا الوِلدان الصغار شيئًا، ويجعلون الميراث للرجال الكبار، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى:
﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
ورُويَ عن ابن عباس أنَّه قال: "كان أهل الجاهليّة لا يورِّثون البنات ولا الصِّغار الذكور حتى يُدْركوا، فمات رجلٌ من الأنصار يُقال له أوْسُ بن ثابت، وتركَ ابنَتَين، وابْنًا صغيرًا، فجاء ابنا عمِّه فأخذا ميراثهُ كلّه، فقالَت امرأتهُ لهما: تزوَّجا بهما، وكان بهما دمامةٌ فأبيَا، فأتتْ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخبرتهُ فنزَلَت الآية: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
لا تُحرِّكا من الميراث شيئاً فقد أُخبرْت أنَّ للذَّكر والأنثى نصيبًا. كلُّ إنسان عليه أن يتَّبعَ منهَجَ الله في تَوْريث أمواله :
ثمّ نزل قول الله تعالى:
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾
[ سورة النساء: 11 ]
نقف عند هذه النقطة قليلاً؛ أيّ رجل مسلم يفكِّر أن يُعطي الذكور، ويحرم الإناث، فقد وقعَ في إثمٍ كبير، وقد يلقى الله وهو عليه غضبان، وقد يعبدُ الله ستِّين عامًا، فإذا أضرَّ بالوَصِيَّة تجبُ له النار، والإنسان قبل أن يُغيِّر منْهج الله في الميراث لِيُفَكِّر كثيرًا، لِيَتَأمَّل مليًّاً لأنّ الله له بالمرصاد، سيَلقى الله، كيف تلقى الله وأنت ظالم؟ الله أعطى هذه البنت وتحرمها أنت؟ ما الحجَّة في ذلك؟ يقول لك: لكي لا يذهب المال إلى الصِّهْر، مَن هو الصِّهْر؟ زوْجها، وهو أقرب الناس إليها، وما شأنك به أنت؟ أنا لا أتكلّم من فراغ، إنسانٌ تركَ ثرْوَةً خياليَّة، وله سبع بنات وابن، الابن أخذ من كلّ إخوته البنات وكالة عامَّة، ولم يعْطهم من هذا المال شيئًا‍! الأخوة الذكور يُهَيْمِنون على الإرث ويأخذون معظمه، هذا ظلمٌ شديد، والإسلام منهجٌ كامل، إيَّاك أن تظنّ أنَّ الإسلام صلاة فقط، وعبادات شعائريّة فقط، إنَّه معاملات، والدِّين المعاملة فكلُّ إنسان عليه أن يتَّبعَ منهَجَ الله في تَوْريث أمواله وفْقَ ما أمر الله. من لطائف التفسير :
1 ـ أن هذا المال مال المجموع :
لطائف هذا التفسير، قال تعالى في آية اليوم:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾
[ سورة النساء: 5]
ماذا قال؟ أموالكم، المعنى الدقيق ليس هكذا؛ ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، عندك طفلٌ صغير ورث عن أبيه مبلغًا كبيرًا، هذا الطّفل سفيه أو امرأة حمقاء لا ينبغي أن تضعَ المال بين يديها، تنفقه على زينتها، وتحرمُ أولادها، رجلٌ اخْتلَّ عقلهُ، وبيَدِهِ مالٌ وفير، وله أولاد كثيرون، فبالأصل: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، لكن هذه اللَّطيفة القرآنيّة، واللَّطيفة البلاغيَّة أيْ هذا المال مال المجموع، مثلاً: هذه المدينة فيها كتلة نقديّة ينتفعُ بها المجموع، كيف؟ إذا وُظِّفَت في التِّجارة انتفَعَ بها مئات ألوف الناس، إن وُظِّفَت في الصِّناعة انتفَعَ بها مئات الألوف، إن وظِّفَت في الزراعة انتفع بها مئات الألوف، أما إذا أخذها صاحبها، أصحاب الأموال الطائلة أخذوا أموالهم، ووضعوها في بلاد الغرب، وأنفقوا رَيْعَهَا على ملاذّهم وشهواتهم، حرموا منها هذه الأمَّة، فهو في الأصل لك، ولكن ينبغي أن تنفقهُ في الطُّرق المشروعة حتى ينتفعَ منه الناس جميعًا، إنسان معه مئة مليون، أسَّس مشروعًا، ويحتاج إلى ثمانمئة موظَّف، وظَّفَ العمّال، وأصبح لهؤلاء العمَّال دخْل ثابت، بحثوا عن زوجات، وتزوَّجوا وسكنوا في بيوت، أنجبوا أولاداً، ثمانمئة أسرة أُسِّسَتْ من هذا المعمل الذي أُنفقَ المال فيه، فنحن نقول: هذا المعمل لفلان، إلا أنَّ النَّفْع كان عميمًا، فكأنَّ المسلمين جميعًا مشتركون في منفعة المال بِطَريقة غير مباشرة، يقول لك: هذا المعمل حقَّق خمسمئة وظيفة، يُسمُّونها فرْصة عمل، فإذا كانت الأموال التي يملكها الأفراد الأغنياء وُظِّفَت في مشاريع حيويَّة، وأساسيَّة، ونافعة، مع أنّ هذا الغنيّ يملك هذا المعمل، وله أرباحٌ طائلة، إلا أنّ أُناسًا كثيرين انتفعوا من هذا المال، إذًا كلّ هذا المعنى ينطوي بِكَلمة؛ ولا تؤتوا السفهاء؛ ما قال أموالهم وإنَّما أموالكم، فأنتم لا تملكون هذا المال، وهو ملْكهم، ولكنَّه نُسِبَ إلى الأوصِياء نِسْبة نفْعٍ عامّ فأنت لك نصيبٌ من هذا المال، أما هذا الغنيّ فأنشأ معمَلاً، وظَّفَ أُناسًا، طرحَ سلْعةً في السوق رخيصة، انتفعَ بها الناس، واشتراها معظم الناس، حقَّقَتْ لهم حاجات، سدَّت حاجات، كلّ هذه المعاني بكلمة ولا تؤتوا السفهاء أموالكم. مال أخيك هو مالك من زاوية وجوب المحافظة عليه :
هناك معنى آخر، قال تعالى:
﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[ سورة النساء: 5]
لِمَ لمْ يقل الله عز وجل: ولا تأكلوا أموال بعضكم؟ قال: ولا تأكلوا أموالكم، لأنّ مال أخيك هو مالك، من زاوية واحدة، من زاوية وجوب المحافظة عليه يجب أن تحافظ عليه وكأنَّه مالك، فلأَن تمْتَنِعَ عن أكله بالحرام من باب أولى، فهذه لطائف بلاغِيَّة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾
[ سورة النساء: 29]
إذا الإنسان المؤمن قتل أخاه فقد قتل نفسه، ضعَّفَ المجتمع، وأوْرثَ حِقْدًا، وربَّما قتل ثأْرًا، ربّما قتلَ حدًّاً، فإذا قتلْت أخاك فقد قتلْت نفسكَ، قال تعالى: ﴿ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 29]
فهذا القرآن كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه، كفَضْل الله على خلقه ويمكن أن تستنبط من كلام الله حِكَمًا لا تنتهي، ولطائف لا تنتهي وهذه أوَّل لطيفة. المال مِلْكُ جميع المسلمين بالنَّفع غير المباشر :
المال مِلْكُ جميع المسلمين بالنَّفع غير المباشر، النَّفعُ المباشر ملك صاحبه، أما بالنَّفع غير المباشر فمِلْك جميع المسلمين، والفِكرة واضحة، غَنِيَّان مع كلّ واحد مئة مليون، أحد الغنيَّيْن وضع أمواله في بنك في أمريكا، فقد يملكهُ يهودي، وأخذ الفوائد، وأنفقها على ملذَّاته، وعلى شهواته، ولم ينتفع أي إنسان في بلده، وإنسانٌ آخر أنشأ بها مشروعًا حَيوِيًّا في بلده، وظَّفَ ألفَ عاملٍ، وعرضَ سِلْعةً رخيصة، نافسَتْ السِّلَع المُستورَدة، فالناس اشْتَرَوا هذه السّلعة بسِعْر معتدلٍ، وغطَّت حاجاتهم، أنت انتفعْتَ انتفاعًا غير مباشر من مال أخيك، وهذا المال ربح أرباحًا طائلة، وعليه زكاة، وزّع الزكاة على فقراء المسلمين، هذا دفعٌ ثالث، فكلّ أنواع الانتفاع غير المباشرة هذه حقَّقَت لكلّ المسلمين، أصابت كلّ المسلمين، أما صاحب المال المباشر، وصاحب المال بالذات فهو الذي يربح، دفع ضريبة، والذي وضع ماله في بلاد أجنبية ما دفع ضريبة، فالضريبة جاءت للخزانة، الدولة عليها نفقات، فدفع ضريبة، ودفع زكاة، وأمَّنَ مئة ألف فرْصة عمل، وطرح سلْعةً في السوق رخيصة ومعتدلة، وانتفع الناس، فالمعنى أنّ كلّ المسلمين انتفعوا بهذا المال بِشَكل غير مباشر، بالشكل المباشر صاحبهُ، بالشكل غير المباشر المسلمون، وبهذا الشكل غير المباشر قال تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أنتم لكم منها نصيب غير مباشر، لذلك هناك قاعدة إذا اغتنى أخوك فكأنَّما اغْتَنَيْت أنت، إذا حولك عشرة أشخاص كلّهم تحت الخطّ الأحمر، هؤلاء عبءٌ عليك، أما إذا كانوا جميعًا فوق الخطّ الأحمر، فهؤلاء هم دَعْمٌ لك، إذا أخوك اغتنى دعمك، وإذا افتقر حمَّلك ما لا تُطيق، فإذا اغتنى أخوك فكأنَّما اغْتنيْت أنت، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[ سورة النساء: 5]
2 ـ الله عز وجل سمَّى المال قيامًا :
الآن، الله عز وجل سمَّى المال قيامًا، فالمال وسيلة هدفه أن تقوم حياتك عليه فقوام الحياة مسبّب، والمال سبب، سُمِّيَ الشيء بنتائجِهِ، قد تقول: رعَينا الغيث، أنت ترعى الكلأ، سُقْت غنمك فرعَت الكلأ، أنت ماذا قلت: رعيْت الغيث، سمَّيْت الشيء بِسَببه، هذا الكلأ سببه المطر، رعينا الغيث سمَّيت هذا الشيء بسببه، أما هذا المال فلا تأكلوا أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، أي جعلها الله قيامًا لكم، سمَّينا الشيء بِنتائجه، هذا من المجاز العقلي في البلاغة، أن تُسمِّيَ الشيء بنَتيجته، أو أن تُسمِّيَ الشيء بسَببِهِ، أو أن تسمِّيَ الشيء بمكانه، أقرّ مجلس الوزراء، باللغة المجلس مكان الجلوس، خمسون كرسياً اجتمعوا أم أنّ الوزراء أقرّوا؟! هذا مجاز عقلي، إذا قلت: أقرّ مجلس الوزراء هذا المرسوم أي أنّ الذين على هذه الكراسي سمّينا الإنسان بمكان جلوسه، قال تعالى:
﴿ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾
[ سورة يوسف: 82]
القرية لا تسأل، واسأل أهل القرية، هذا مجاز عقلي، فإما أن تعبِّر عن الشيء بسببه، أو بِنَتيجته، أو بمكانه، أو بزمانه، لذلك الآية هنا، لمَّا كان المال سبباً بِبَقاء الإنسان، وقيام شؤون حياته، ومعاشه، سمَّاه الله تعالى بالقيام إطلاقًا لاسم المُسبَّب على السَّبب على سبيل المبالغة، وكان السَّلَف الصالح يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أتركَ مالاً يُحاسبني الله عليه خيرٌ من أن أحتاج الناس، أحيانًا الإنسان يضجر من المال لكنّ المال يُحقّق لك كرامتك، فأَن تتْعبَ في تحصيله، وأن تتْعب في تنميَّته، وفي استثماره، أفضل ألف مرّة من أن تُذلّ عند حاجته.
3 ـ أن يتمتع صاحب المال بحكمة لينفق ماله :
اللّطيفة الثالثة ؛ قال تعالى:
﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
ما قال آنستم منهم الرشد لأنّه لا يوجد من بلغ الرشد كلّه، معناها لو بلغ الثمانين لا يُعطى له ماله، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
نكِرَة، أيْ حكمة في إنفاق المال، أما يا ترى حكيم بِملبسه ومأكله، أذواقه عالِيَة، وتصرّفاته راقيَة، مواقفه عالِيَة، مستحيل أن يصل إلى الرشد المطلق، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
أي حكمةً في إنفاق هذا المال، قال تعالى: ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
بين الرشد وبين رشدًا مسافة كبيرة جدًّا، هذه اللطيفة الثالثة.
4 ـ إن كان الرجل غنيًا فلْيستعفف و ليستثمر المال من دون فوائد :
اللطيفة الرابعة، الله عزّ وجل قال:
﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
طبعًا يسْتَعْفِف من الفعْل عفَّ، أما عفَّ شيء واستعفّ شيء آخر، فعفَّ فِعْل أما اسْتعفَّ طلبَ العفَّة، العفَّة حينما تُطلب غير حينما تقع دون طلب، إنسان صدْفةً عثرَ على هذا الشيخ، أما إذا طلبه، وجهد في الوُصول إليه فهذا أبْلغ، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
مال اليتيم موضوع للاستثمار في يد رجل، إن كان الرجل غنيًا فلْيستعفف يجب أن يستثمره له مجَّانًا من دون فوائد، ومن دون أرباح، ومن كان غنيًّا فليستعفف، ما يكون عفيفًا صدفة، وما تكون عفَّتهُ طارئة، ومن دون قصْد، فلْيَسْتعْففْ أي فلْيَطلب العفَّة، ولْيَحْرص عليها، ولْيتثبَّتْ منها فلْتَكن أمامه، وهدفًا له، فلْيَسْتعفف. تفسير الأكل بالمعروف :
قال تعالى:
﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
أدقّ تفسير للأكل بالمعروف أن تأخذ أجْر المثل أو حاجتك أيّهما أقلّ، وضعَ معك اليتيم مئة ألف، الاتّفاق نصف للمال، ونصف للجهد، ربحهُ بالسنة ثلاثون ألفًا، لك أنت خمسة عشر ألفًا، خمسة عشر لا يكفونك لِمَصروف السَّنة، لكن يجب أن تأخذ خمسة عشر ألفًا للسنة، هذا هو أجر المثل، أما إن وضع عندك مليونًا، وربحه مئتا ألف، لك مئة ألف، فأنت تكفيك خمسة عشر ألفًا بالشَّهر مثلاً، يجب أن تأخذ حاجتك، الآن إذا كان الرّبح أكثر من حاجتك تأخذ حاجتك، وإذا كان أجر المثل أقلّ من حاجتك تأخذ أجر المثل، وهذا معنى فلْيأكل بالمعروف، إما أن تأخذ أجر المثل وإما أن تأخذ حاجتك أيّهما أقلّ، إن كنتَ غنيًّاً ينبغي أن تتعفَّف عن أكْل أموال اليتامى، ولو كان بالحقّ، وإن كنتَ فقيرًا يجب أن تأكل بالمعروف.
رُويَ أنَّ رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله إنّ في حجري مال يتيم أفآكل من ماله؟ فقال: بالمعروف، غير متأثّل مالاً، ولا واقٍ مالكَ بِمَالِهِ، ما هذا المعنى الدقيق؟ متأثّل أي أن تأخذ بغير حقّ، أما ولا واقٍ مالَك بِمَاله، فلو كنتَ تاجرَ أقمشةٍ هناك أنواع أرباحها ثابتة ومعروفة، ورائجة، وتُباعُ دائمًا، كأنّها مبلغٌ من المال ومطلوبة دائمًا وبالتعبير العامي بيَّاعة! إذا كان له أقمشةً من هذا النوع كأنّ له مالاً، بيعُها سهل، لا إشكال، أرباحها جيّدة، وهناك نوعٌ من القماش وهو جميلٌ جدًّاً، ولكن لم يدخل بعد إلى الأسواق، هناك احتمال الرّبح، واحتمال ألا يربح، ماذا يفعل التاجر غير المستقيم؟ معه مال أيتام، يشتري صفقة من هذا النوع الحرِج بهذا المال، فإن ربحَ أرباحًا طائلة أدْخل ماله الأساسي في مثل هذه الصّدقات، فجعل هذه الصَّفْقة حقلاً للتجربة، فإذا خسر يقول: لا يوجد نصيب، ونحن سعينا، لكنْ من يعلم أنَّك اسْتخدمتَ هذا المال للتجربة، جعلته حقل تجارب، وجعلتهُ جس نبْض للأسواق، ووسيلة للتَّعرّف على نوع البضاعة، وهذا لا يعلمهُ إلا الله، ولا تجعل مالك دون ماله، إذا أنت إيمانك قويّ، وورِع، ومعك مال يتيم تشتري بهذا المال الصَّفقة التي ترى أنّها أرْبح الصَّفقات، الصَّفْقة التي بيعها شبه محقّق، وأرباحها شبه مؤكّدة، هذا هو الورع، أما استخدام مال اليتيم في صفْقة لا يُدْرَى أترْبحُ أم تخسر، ليجسّ بها السوق، وتكون درءاً لماله، فهذا محرَّم، قال له: ولا واقٍ مالك بماله. من كان فقيرًا فلْيَأكل بالمعروف :
سألهُ سؤال ثان: عندي يتيم أفأضربهُ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ممَّا كنت ضاربًا منه ولدك! الذي عنده من صلبه، ارتكب مخالفة كبيرة جدًّاً فضربهُ، يحقُّ لك أن تضرب اليتيم من الذَّنب الذي تضرب منه ولدك.
سمعتُ قصَّة، أنا لا أعتمدها، ولكن يُستأنس بها، امرأة لها أولاد، ولها أولاد من زوجها، فكانت تسقي أولاد زوجها نصف الكأس حليبًا ونصفه ماء، أما أولادها فالكأس كلّه حليب، أولادها حليب كامل الدّسَم أما أولاد زوجها فنصف الكأس حليب ممزوج مع الماء! أقرب الناس لهذه المرأة رآها في المنام مرّات عديدة وهي تحترق، وتقول له: الحليبات!! الظّلم شديد، إذًا قال تعالى:
﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
العِفَّة مقصودة ومن كان فقيرًا فلْيَأكل بالمعروف. الحكمة من التفصيل و الإطناب في الآية التالية :
الآية الكريمة:
﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
لو أنّ الله تعالى قال: للرجال وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون المعنى نفسه، ولكن ماذا نستفيد من هذا التفصيل ومن هذا الإطناب؟ قال تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
مبالغة في العناية بالنساء، أيْ المرأة لها نصيب في الإرث كالرجل تمامًا، فجاءَت في جملة مستقرّة، للرجال نصيب وللنساء نصيب، أما لو قال: للرجال والنساء نصيب، فالمرأة ما استقلَّت بِجُملةٍ مسْتقلّة، فمن أجل العناية التامَّة ولِتَنبيه العرَب في الجاهليّ‍ة إلى أنّ عملهم غير صحيح، ذكر الله هذه اللطيفة في الآية. من أكبر الكبائر أكْل مال اليتيم :
شيءٌ آخر، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ﴾
[ سورة النساء: 10 ]
الإنسان يأكل في رأسه؟ يأكل في رجله؟ يأكل في بطنه؟ أنا أرى بِعَيني هذا شيءٌ بديهي، أنا أسمع بأُذني شيء بديهي، قال: هذه مبالغة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾
[ سورة النساء: 10 ]
مجاز عقلي، أي أكلوا طعامًا أوْدى بهم إلى النار، سمَّينا الشيء بِنَتيجَتِهِ، رعَيْتُ الغَيْث سمَّيْتُ الشيء بِسَببه، أكلْت النار، أي أكلتُ مالاً حرامًا أوْدى بي إلى النار، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 10 ]
لذلك من أكبر الكبائر أكْل مال اليتيم لذلك ربّنا عز وجل قال: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 32 ]
ابتعدوا عن أسبابه. الإنسان كلّما ضعف اشتدّ الإثم في ظلمه :
وقال: ولا تقربوا أموال اليتامى، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾
[ سورة الإسراء: 34]
أما هذا الوعيد الشديد لهؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى، قال: لأنَّه ضعيف، والإنسان كلّما ضعف اشتدّ الإثم في ظلمه، أما طفلٌ ضعيف!! مرَّةً كنت عند قصَّابٍ أشتري لحماً، جاء طفلٌ صغير يشتري لحمًا، طلب من اللَّحام- ويبْدو لمريضة - قطعة لحم نادرة ضمن العضلات واسمها الشَّهبايَة وهي طريَّة جدًّاً، هذا اللَّحام بحث له عنها، قطعها ونظَّفها وفرمها له وأعطاها له، أنا كبِرَ بِنَظري بِشَكل كبير؛ لأنَّه طفلٌ صغير لا يستطيع التَّمييز، ولا يوجد حتى من يُحاسبه، فكلّما ضعف الإنسان أمامك أصبح وكيلهُ الله تعالى، يمكن أن يكون القويّ وكيل نفسه، يناقشك ويطالبك ويتواقحُ معك، تخافُ منه، أما امرأة جاهلة تعطيها بضاعة سيّئة جدًّاً وأكثر الباعة فِسْقًا وفُجورًا فهؤلاء الذين يسْتغلُّون جهْل الشاري، ومن هنا ورد في الحديث: (( غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
تستغلّ جهل الإنسان وضعفه، تعطيه بضاعة سيّئة بِسِعر عال، هذه خيانة. كلّما ضعف الطَّرف الآخر اشْتدّ الوعيد من الله على من ظلمه :
لذلك الله عز وجل قال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾
[ سورة النساء: 10]
هل يستطيع اليتيم أن يُحاسبك؟ هل يعرف أن يناقشك؟ أين الحسابات؟ وأين الصفقات؟ لا يعرف! هل يعرف أن يميِّز بين صفْقة وأخرى؟ لا يقدر أن يفعل شيئًا، فكلّما ضعف الطَّرف الآخر اشْتدّ الوعيد من الله على من ظلمه، لذلك ظُلم النِّساء كبير عند الله تعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى أصحابهُ في حجَّة الوداع بالضَّعيفين، المرأة واليتيم.
مثلاً تصوَّر بطلاً بالملاكمة، يصعد منصَّة مصارعة مع طفل عمره أربع سنوات أو أكثر، يضربهُ ضربًا يطرحهُ عشرة أمتار، والناس تصفِّق له!! الناس يصفِّقون لمبارزة من هو في وزنه وحجمه، فإذا كان هناك صراع بوَزن متساو كان هناك تصفيقاً، أما بطل بالمصارعة يضرب طفلاً عمره ثلاث سنوات ويسمّى بطلاً!! طبعًا مثل صارخ، وفي العلاقات الاجتماعيّة هناك كائن مثل الطفل، وهناك عملاق؛ حوت وديناصور فإذا أكل هذا الكبير هذا الصغير، هل يُعدُّ هذا شطارةً؟ لا، أبدًا، هذا ظلم، بطولتك مع الضُّعفاء أن تُنصفهم، والحقيقة الإنسان يخاف من شخصٍ لا ناصرَ له إلا الله، وكلّ إنسان يظلم الضعيف يكون ارتكبَ إثمًا كبيرًا. كلما نما شعور الإنسان بالمسؤولية كان عند الله أعظم :
الإيمان قَيد الفتك، ولا يفتك مؤمن، كلَّما كان الطَّرف الثاني ضعيفاً يجب أن تعدّ للمليون قبل أن تظلمه، ويجب أن تعتقد أنّ الله تعالى خصمك، قال سيّدنا عمر بن عبد العزيز دخلَت عليه زوجته فاطمة فرأتْهُ يبكي على مُصلاّه، مالكَ تبْكي؟ فقال: دعيني وشأني، مالكَ تبْكي؟ فقال: دعيني وشأني، أصرَّتْ عليه، فقال: والله نظرتُ في الفقير الجائع، وابن السبيل، والكبير الضائع، يمكن ذكر عشرة نماذج أو خمسة عشر، الأرملة، واليتيم، والفقير، والشيخ الكبير، والعاجز، والمريض، قال: فعلمتُ أنّ الله تعالى سيَسْألُني عنهم جميعًا، وأنَّ خَصْمي دونهم رسول الله فلهذا أبكي، الإنسان مسؤول، سيّدنا عمر قال: والله لو تعثّرَت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها! لمَ لمْ تُصلح لها الطريق يا عمر؟ كلّما نما شعورك بالمسؤوليّة كنتَ أعظمَ عند الله، مسؤول عن هذا الطفل الصغير الذي أهْملْت تربيَّته، عن هذه الزوجة التي ظلمتها، وعن هذا الشريك الذي تجاوَزْت عليه، وعن هذا الجار الذي استضعفْته، أنت مسؤول.
الأحكام الشرعيّة من هذه الآية :
1 ـ المراد بالسّفهاء النساء والصغار والرجال المسرفون :
الآن الأحكام الشرعيّة من هذه الآية، قال: المراد بالسّفهاء الصِّبيان والأولاد الصّغار الذين لم يكتمل رشدهم، والمراد بالسفهاء النساء المسرفات، المرأة المسْرفة سفيهة، قد تشتري حاجات متْرفة وغاِليَة جدًّاً كي تتباهى، وتُحمِّلُ زوجها ما لا يطيق، هذه امرأة سفيهة، وبالمناسبة الذي ينفق مالهُ بلا جَدْوى يعدُّ سفيهًا، فأيّهما أثْمَن الوقت أم المال؟ الوقت، والدليل إذا الإنسان أُصيب بِمَرضٍ عُضال، وكانت هناك عمليّة تُجْرى ببَلَدٍ بعيد تكلّفُ ثمن بيته، واحتمال نجاحها ستون بالمئة، هل يتردَّد ثانيّة في بيْع بيته والسَّفر لإجراء هذه العمليّة؟ هو ماذا فعل؟ أنفقَ كلّ ما يملك قوام حياته من أجل أن يعيش سنوات معدودة، ثانية ؛ نقصه دسَّام لقلبه، زراعة كليَة، لذا مرَكَّبٌ في أعماق أعماقك أنّ الوقت أثْمن من المال بِدَليل تنفق المال كلّه من أجل أن يزداد عمرك سنوات معدودة، إذاً الذي ينفق المال بلا جدوى يُعَدُّ سفيهًا، فما حكم من ينفق الوقت بلا جدوى؟ أشدُّ سفاهةً، كلّ إنسان يضَيِّعُ الوقت...بالساعة الواحدة وراء لعبة الطاولة، ووراء المسلسلات، ووراء الشاشة، كلام فارغ، غيبة، نميمة، سهر، واختلاط، واستهلاك للوقت، واستهلاك رخيص مع المعاصي، هذا أشدّ سفاهةً، صراحةً لو أنّ أحدًا أمامك، وإن كان هذا المثل لا يعقل أن تراه أمامك، إنسان أخرج خمسين ألفًا، وجاء على الحاوِيَة وحرقها !! هل يمكن أن تحترم هذا الإنسان؟! مستحيل، تكون مجنونًا إن احترمتهُ، والله الذي ينفق وقتهُ بغير معرفة الله، وفي غير ما خلق له أشدّ انحرافًا من هذا الإنسان، الوقت أثْمَن من المال.
قال: المُراد بالسُّفهاء النّساء المسرفات، سواءً أَكُنَّ أزواجًا أو أمَّهات أو بنات.
شيءٌ آخر ؛ السّفهاء كلّ من لمْ يكن له عقلٌ يفي بِحِفظ المال صار السفيه رجلاً، والسفيه امرأة، والسفيه طفلاً، طبعًا الطّفل معذور لأنّه صغير؛ وهذه سفاهة خَلقِيَّة، أما المرأة المسرفة فهذه سفاهة كَسْبِيَّة، والرجل المُسرِف سفاهة كَسْبِيَّة، فالسّفهاء نساء وصغار ورجال.
2 ـ وُجوب الحجْر على السفيه :
الآن الحكم الشرعي الثاني؛ هل يُحْجر على السَّفيه؟ الفقهاء اسْتدلُّوا بهذه الآية على وُجوب الحجْر على السفيه، إذا الإنسان كان إنفاق ماله عَشْوائيًّاً يمكن أن يقدِّم أولاده أو أقرباءه شكوى إلى القاضي الشرعي فَيُصْدر أمرًا بالحَجْر على تصرُّفاته لأنَّه سفيه، ويُعَيَّن له وصِيٌّاً.
3 ـ بلوغ السنّ المعيّن مع العقل الراجح فقط في إنفاق المال :
النقطة الدقيقة هنا، قوله تعالى:
﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6]
هناك عمر عقلي، وعمر زمني، بلغَ سنَّ البلوغ، هذا عمر زمني، ثلاثة عشر عاماً، الآن نحتاج إلى العمر العقلي، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾
[ سورة النساء: 6]
هذه نقطة دقيقة جدًّاً، خالقنا بيَّن أنّ هناك عمر عقلي، وعمْر زمني، إنسان بلغَ ولم يكن راشدًا لا يُعطى مالهُ، عاقلٌ وغير بالغ هذا لا يُعْطى ماله، لا بدّ من أن يجتمعا؛ بلوغ السنّ المعيّن مع العقل الراجح فقط في إنفاق المال.
4 ـ الوصيّ الغني عليه أن يستعفف عن أكل أموال اليتامى والفقير ليأكل بالمعروف :
الحكم الرابع؛ هل يُباحُ للوصيّ أن يأكل من أموال اليتامى؟ الوصيّ الغني فلْيَستعفف، والوصي الفقير فلْيأكل بالمعروف، والمعروف حاجته أو أجر المثل أيّهما أقلّ.
هناك حكم فرعي، وهو أنَّ الوصيّ الفقير إذا أكل بالمعروف ثمَّ اغتنى فيما بعد عليه أن يعيد المال إلى اليتيم، هو ضامِنٌ لهذا المال، وكأنَّه أخذهُ قرْضًا، هذا حكم فرعي أيضًا.
5 ـ وُجوب الإحسان إلى اليتامى والخشْيَة عليهم :
أدقّ حكم في هذا الاعتداء على أموال اليتامى من الكبائر التي توجب عذاب النار، من هذه الأحكام وُجوب الإحسان إلى اليتامى، والخشْيَة عليهم كما يخشى الإنسان على أولاده من بعده.
تنفيذ حُكْم الميراث من ألْزَم لوازم المؤمن؛ أن تُشْهِدَ على تسليم اليتيم مالاً شهادة موثَّقة إيصال مع شُهود، أو بكاتب العدل.
6 ـ الإنفاق على اليتيم لا من أصل ماله بل من رَيْع ماله :
الإنفاق على اليتيم لا من أصل ماله بل من رَيْع ماله، وعدم اتِّخاذ مال اليتيم دريئة لِمَالك تجسّ به نبْض السوق، والحجْر على السفهاء من الأحكام الشرعيّة، هذا هو ديننا، دينٌ دقيق، فيه دِقّة بالغة، هذه آية السّفهاء، وأكل أموال اليتامى بالباطل.
من حضر قسمة الإرث فليعط شيئاً جبراً لخاطره :
ثمّ نختم هذا الدرس بهذه الآية الكريمة:
﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 8]
هذه الوصيّة الواجبة أي هناك قسْمة، وإرْث، وهناك أناس لا يرثون ولكنَّهم حضروا هذه القسمة فأعطوهم شيئًا يجْبر خاطرهم، قال تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾
[ سورة النساء: 9]
أنت عامِلْ مال اليتيم في ماله كما تتمنَّى أن يُعامَل ابنك من بعدك إذا تيتَّم، الوعيد الخطير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 10]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع :اية الرضاع - سورة البقرة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آية الرّضاع :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس عشر من: "آيات الأحكام" والآية اليوم آية الرضاع قال الله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
الوالدات جمع والدة، والوالدان جمع والد، لكن التي تلد هي المرأة، فلم سمي زوجها والداً؟ قال بعض العلماء: روعي في إطلاق كلمة والد على الأب أنه وزوجته أصلٌ في إنجاب المولود، فالوالدان الأب والأم، هذا اسمه في اللغة التغليب، الشمسان الشمس والقمر، القمران الشمس والقمر، الأسودان التمر واللبن، في اللغة العربية طريقة اسمها التغليب، لو دخل تسع وتسعون امرأة ورجل نقول: دخل الرجال، لو دخل تسع وتسعون طالبة و طالب نقول: تسع وتسعون طالب وطالبة، فالوالدان يعني الوالد والوالدة، أي الرجل والمرأة، الأب والأم، ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾
الحولين: السنتين، من حال الشيء إذ انقلب، والحول كما قال الراغب في كتابه (كلمات القرآن): السنة اعتبارها بانقلابها، ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾
أي فطاماً، عن تشاور عن استشارة واتفاق ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾
أن تطلبوا الإرضاع. في الآيات السابقة لطائف بلاغية منها :
1 ـ إن جاء الأمر على صيغة الخبر فهو أكثر تأثيراً :
أيها الأخوة: في هذه الآيات لطائف بلاغية، وأحكام فقهية، فاللطيفة البلاغية الأولى أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
هذه صياغة خبرية، لكن هذه الصياغة تفيد الأمر، أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، قال العلماء: إن جاء الأمر على صيغة الخبر فهو أكثر تأثيراً، أي شأن الوالدة أنها ترضع وليدها، ولا تسمى الوالدة والدة إن استنكفت عن إرضاع ولدها، فهذا أمر جاء على صيغة الخبر، ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾
أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، هذه الآية يشبهها ومن دخله كان آمناً، أي يا أيها المؤمنون اجعلوه آمناً أمراً تكليفياً وليس أمراً تكوينياً، هناك آية ثالثة مشابهة: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
[ سورة النور: 26 ]
أي اجعلوا الطيبين للطيبات، واجعلوا الطيبات للطيبين، هذا أمر تكليفي وليس أمراً تكوينياً، لو أنك فهمت الآية على أنها أمر تكويني لوجدت زوجاً صالحاً عنده زوجة شريرة، فإذا كان الأمر تكوينياً فهذا الشيء مستحيل أن يكون، لو أن الأمر تكويني كيف تنشأ فتنة في بيت الله الحرام وتنشأ ضحيتها مئات الألوف قبل عدة أعوام؟ ومن دخله كان آمناً! أي اجعلوه آمناً، واحرصوا أن يكون الطيبات للطيبين، والوالدات يرضعن أولادهن، أي أرضعن أولادكم، هذه نماذج، الطيبون للطيبات، ومن دخله كان آمناً، والوالدات يرضعن أولادهن، الصياغة خبرية، أي أمر تكويني، أما الحقيقة فالأمر إنشائي، أمر تكليفي، أرضعن أولادكن وينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، واحرصوا على أن يكون بيت الله الحرام آمناً، هذا هو المعنى.
2 ـ الشيء الكامل في الرضاعة هو أن يرضع الابن من ثدي أمه حولين كاملين :
اللطيفة الثانية في هذه الآية قال تعالى:
﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
أن الله عز وجل قال: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
لما قال الله عز وجل وعلى المولود له؟ المرأة هي التي تنجب، هي التي تلد، ولكن الولد ينسب لأبيه، استنباطاً من قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
الشيء الكامل في الرضاعة هو أن يرضع الابن من ثدي أمه حولين كاملين، لكن للتأكيد على أن يبقى على ثدي أمه حولين كاملين، جاءت كلمة كاملين هذا من باب التأكيد.
بالمناسبة أخ كريم أمضى في أميركا ثلاثين عاماً وهو يحمل أعلى شهادة في الطب، قرأ دراسة جادة، عميقة، دقيقة، حول حليب الأم، ووجد أن حليب الأم له أثر كبير وخطير في نمو الدماغ، وفي القدرات العقلية، وقد أجريت تجارب للذكاء في أكثر شعوب العالم، فكانت دولة من دول المحيط الهادي إحدى جزر الباسفيك نتائج امتحان أطفالها كان في المقام الأول، وأميركا كان ترتيبها في الدرجة السابعة عشرة من حيث ذكاء الأطفال، الشيء الذي لا يصدق أن هذه الجزيرة ليس فيها إرضاع صناعي إطلاقاً، الأطفال جميعاً يرضعون من أثداء أمهاتهم، الآن حليب الأم له أثر خطير في نمو الذكاء عند الطفل. حليب الأم له أثر خطير في نمو الذكاء عند الطفل :
المقام لا يسمح بالتفاصيل لكن بعض اللقطات: حليب الأم يتبدل في أثناء الرضعة الواحدة، وهذا فوق طاقة البشر، لو فحصنا نسب الدسم إلى الماء في أول الرضاع أي المصة الأولى وحللنا نسب الدسم إلى الماء مع المقارنة بالمصة الأخيرة لوجدنا اختلافاً، عشرون بالمئة الماء يزيد عن الدسم في نهاية الرضعة، عشرون بالمئة الدسم يزيد عن الماء في بداية الرضعة، هل بإمكان إنسان مهما علا شأنه ومهما دق علمه ومهما تملك من أدوات التحليل أن يغير تركيب الحليب في أثناء الرضعة الواحدة؟ حليب الأم فيه مناعة الأم، فكل ما في دمها من مناعات ومن طاقات ينتقل إلى وليدها، حليب الأم يهضم في غضون أقل من ساعة، بينما حليب القوارير يحتاج إلى ثلاث ساعات، حليب الأم يؤخذ معقماً، ولا يحتاج للتعقيم، ويكون بارداً في الصيف ودافئاً في الشتاء، جاهزية قصوى، حليب الأم فيه مواد تمنع التصاق الجراثيم على الأمعاء، حليب الأم في أوله فيه مادة مذيبة، الطفل الصغير بعد ولادته لئلا تلتصق الأمعاء بعضها ببعض هناك مادة شحمية سوداء تملأ الأمعاء أثناء الولادة، ففي أكثر من عشرين ساعة ثدي الأم يفرز مادة صمغية تذيب الشحم الأسود من أجل أن يكون الطريق سالكاً، هذا كله من تقدير الله عز وجل، جميع معامل حليب الأطفال في العالم ملزمة أن تكتب على عبواتها: لا شيء يعادل حليب الأم، مهما رأيت في الأسواق من علب حليب للأطفال، ومهما قرأت على لصاقاتها من نسب، ومقادير، وتعليلات، ومن توافقات، لا شيء يعدل حليب الأم، وأحد أسباب سرطان الثدي عند النساء امتناع المرأة عن الإرضاع، حليب الأم شيء لا يصدق من مكوناته، وخصائصه، وتعقيمه، وجاهزيته، وحرارته، ومناعة الأم، ومضادات الجراثيم الذي يحويها، وأكثر الأولاد الذين يرضعون إرضاعاً صناعياً يصابون بإنتانات معوية، وهو من أكثر أمراض الأطفال، فلذلك المؤمن يطبق منهج الله عز وجل ، ولاسيما في هذا التصميم الرائع أن الطفل يجب أن يرضع من ثدي أمه: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
كثيرات جداً النساء اللواتي من أجل الحفاظ على شبابهن يمتنعن عن إرضاع أولادهن، هؤلاء النسوة معرضات أكثر من غيرهن إلى سرطان الثدي، كأنه عقاب لأنها امتنعت عن تغذية طفلها بحليبها، بالمناسبة هذا الحليب حساس جداً فالهزات النفسية والشدة النفسية التي تصيب الأم قد تفقدها حليبها، لذلك الزوج الشاب إذا أنجبت له زوجته ينبغي أن يحيطها بكل رعاية، وبكل عناية، واسترخاء، حفاظاً على هذا الحليب الذي لا يقدر بثمن، والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. 3 ـ العداوة بين الزوجين لا ينبغي أن تكون سبباً لإيذاء المولود البريء :
اللطيفة الثالثة:
﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
أحياناً إذا حصل فراق بين الزوجين، ويوجد طفل رضيع، المرأة المطلقة تمتنع عن إرضاع ابنها كيداً لزوجها، والزوج أحياناً يأخذ ابن امرأته المطلقة من بين يديها ليؤلمها، فهذا لا يجوز: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
تطلق المرأة ويأتيها خاطب جديد، والخاطب لا يقبل الولد فينبغي على الزوج المطلق ألا يؤذي زوجته التي خطبت وتزوجت بإلزامها أن ترضع هذا الولد، وإذا تعلقت به تعلقاً شديداً لا ينبغي للزوج أن يحرمها منه، وإذا أرادت أن تغيظ زوجها بأن تدع له هذا الطفل الرضيع وليس في إمكانه أن يرضعه فقد عصت ربها، إنها آية دقيقة.
فالعداوة بين الزوجين لا ينبغي أن تكون سبباً لإيذاء المولود البريء لكن قبل أن تطلق عد للمليون، بالحقيقة الطلاق أبغض الحلال إلى الله لأن كسر المرأة طلاقها، كيف أن عقد الزواج أقدس عقد، أما الفصل بين الزوجين فله آثار سلبية جداً على الأولاد، فالابن يتمزق، هذه أمه وهذا أبيه، فإذا انحاز إلى أمه غضب أبوه وبالعكس، فالمعلمون يعرفون هذه الحقيقة، تجد طفلاً غير متوازن، شرساً، عنيفاً، مهملاً، مقصراً، لو بحثت في أمره لوجدت أمه مطلقة، فاقد الحنان، فاقد الركن الركين، فتربية الأولاد مسؤولية كبيرة، وأتمنى من كل زوجين إن أنجبا ولداً واحداً أن يضعا حظوظهما تحت أقدامهما من أجل أولادهما، الأب الراقي الذي يرجو الله والدار الآخرة لو حصل مشكلة مع زوجته مادام هناك أولاد فمن الجريمة أن تحقق مصالحك على حساب أولادك، امرأة كانت أو رجلاً.
4 ـ الولد أضيف مرة للأب ومرة للأم ليستعطف الله قلبهما :
قال بعض العلماء: إضافة الولد إلى كل منهما:
﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
هذا الولد أضيف مرة للأب ومرة للأم، قال: ليستعطف قلبهما، فهذا الطفل طفلكما أنتما الاثنان، فلا ينبغي من أجل عداوة بينكما أن تسحقاه.
5 ـ الالتفات في سياق الكلام يعطي الكلام حيوية ونشاطاً :
واللطيفة الخامسة في قوله تعالى:
﴿ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
التفات من الغيبة إلى الخطاب، كلكم يعلم أن في اللغة ثلاثة أساليب: أسلوب الغائب والمتكلم والمخاطب، القرآن الكريم فيه أسلوب اسمه الالتفات الحديث والوالدات غائب، ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
كل هذا الكلام غائب فجأة، ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾
أصبح الكلام خطاباً، الالتفات في سياق الكلام يعطي الكلام حيوية ونشاطاً، الكلام على أسلوب الغائب فجأة على أسلوب المخاطب، الأحكام الشرعية: من هم هؤلاء الوالدات اللواتي ينبغي أن يرضعن أولادهن حولين كاملين؟ هم النساء المطلقات أم الزوجات؟ العلماء قالوا: هن المطلقات، ودليل هؤلاء بأن النفقة واجبة على الزوج المطلق، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
فهذه النفقة الواجبة تكون عند الطلاق، أما في أثناء بيت الزوجية فمن الطبيعي أن ينفق على زوجته وهي ترضع ابنها، فسياق الآيات رأى بعض العلماء أنها تعني المطلقات، وقال بعضهم: إنها تعني الزوجات، والدليل أن المرأة التي ترضع ابنها بعد طلاقها ليس على زوجها الكسوة لها عليه النفقة فقط، فالكسوة تعني أنها عنده، أما الرأي الثالث وهو الأرجح أن المراد بالوالدات العموم، جميع الوالدات سواءً كن متزوجات مع أزواجهن أو مطلقات، فأية أم لها طفل في سن الرضاع زوجة كانت أو مطلقة عليها أن ترضع ابنها. قضية إلزام المرأة بإرضاع ابنها :
الآن قضية إلزام المرأة بإرضاع ابنها قال بعض العلماء: أنه على الأم إرضاع ولدها لظاهر قوله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
فهو أمر في سورة الخبر هذا مذهب مالك، الرضاع واجب على الأم في حال الزوجية وهو حق عليها، أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، سيدنا موسى قال: وحرمنا عليه المراضع قال العلماء: تحريم منع لا تحريم تكليف، من أجل أن يعيد أمه إليه حرم عليه كل المراضع، وجاءت أخته تراقبه عن بعد وقد أشارت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، لذلك قالوا: هناك أمران ونهيان وبشارتان، ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
أمران، ﴿ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾
نهيان، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ بشارتان، قال: المرأة إذا كانت عند زوجها يجب عليها في المذهب المالكي أن ترضع ولدها، وهناك حالة ثانية: إذا لم يقبل الصبي ثدي غير أمه فيجب على أمه أن ترضعه وجوباً، ولو كانت مطلقة أو إذا فقد الأب، أما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج، امرأة طلقت طلاقاً باتاً بينونة كبرى، ليس عليها وجوباً الإرضاع، أما جوازاً فيجوز أن ترضع، فعليه أن يستأجر مرضعة اسمها ظئر إلا أن تشاء هي إرضاعه فهي أحق بذلك، ولها أجرة المثل بمذهب الإمام مالك يجب على الأم إرضاع ولدها إن كانت عند الأب أو امتنع ابنها عن التقام أي ثدي آخر، أو كان الأب مفقوداً، أما إذا طلقت المرأة طلاقاً بائناً فليس عليها الإرضاع وجوباً ولكن على الزوج أن يؤمن مرضعة، فإن طلبت الأم أن ترضع ابنها فهي أولى به، ولكن لها نفقة وأجر المثل. أما جمهور الفقهاء فقد ذهبوا إلى أن هذا الأمر أمر ندب كقوله تعالى: ﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾
[ سورة النور: 32 ]
فعل أمر، وكلكم يعلم أن هناك أمر وجوب: ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾
هناك أمر ندب: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
وهناك أمر تهديد: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
وهناك أمر إباحة: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
الجمهور قال: هذا أمر ندب، الدليل عند الجمهور أن الله عز وجل قال: ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
الله عز وجل ألم يكن يعلم أنه سيكون هناك حليباً مجففاً للأطفال وقوارير خاصة؟ ما هذه الآيات مادام العالم كله يرضع إرضاعاً صناعياً؟ فلم هذه الأحكام؟ هنا الاستنباط الخطير لا يجوز أن يرضع الطفل إلا من ثدي أمه أو امرأة أخرى لأن البوم شاسع جداً بين حليب الأم أو المرضعة وبين القوارير، فحليب البقر فيه مواد بروتينية خمسة أمثال ما يحتمل جهاز الطفل الهضمي، لذلك هناك آفات قلبية ووعائية، تنشأ مع هذا الطفل حينما يكبر بسبب الإرضاع الصناعي، فالله عز وجل يعلم السر وأخفى وما سيكون، الآن العالم كله حليب قوارير وخفيفة الوزن ومعقمة وكل شيء جاهز. أي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به :
لم يقول الله عز وجل؟
﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
معنى ذلك في أي وقت لابد أن يرضع الابن من امرأة، أمه أو مرضعة، الآن موضوع الإرضاع يحرم كما يحرم النسب، أي نسب يحرم؟ قال الجمهور: إن الرضاع التي يتعلق به حكم التحريم ويجري به مجرى النسب بقوله عليه الصلاة والسلام: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))
[متفق عليه عن عروة بن الزبير]
فأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به، رجل عمره ثمانون عاماً يقول: أنا يتيم، اليتيم من كان دون الحلم، وأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به، الإرضاع الذي يحرم والذي يجري مجرى النسب، والذي ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام هو: ((....ما كان في الحولين))
[ الدار قطني عن ابن عباس]
وتستدل بقوله عز وجل: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
واستدلوا أيضاً بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين))
[ الدار قطني عن ابن عباس]
أبو حنيفة رحمه الله تعالى ذهب إلى أن مدة الرضاع المحرم سنتان ونصف، بقول الله عز وجل: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾
[ سورة الأحقاف: 15]
الصفات الخاصة بالنساء لا تؤنث بل تذكر :
الحكم الرابع: كيف تقدر نفقة المرضع؟ ملاحظة الصفات الخاصة بالنساء لا تؤنث بل تذكر، تقول: امرأة طالق، وامرأة مرضع، وامرأة ثيب، وامرأة بكر، وامرأة حائض، كلها صفات مذكرة، لأن التأنيث والتذكير نحتاجه إذا كان هناك صفة يشترك بها النساء والرجال نقول: عامل وعاملة، معلم ومعلمة....أما امرأة طالق فلا يوجد رجل مطلق، امرأة حائض، ثيب، بكر،...إلا أن هناك لفتة بلاغية: لو قلت: امرأة حاملة، أو قلت: امرأة حامل،هل بينهما فرق؟ أيهما أصح؟ إذا قلنا: حاملة على ظهرها، أما حامل ففي بطنها، فالحمل على الظهر قاسم مشترك بين الذكور والإناث، وهذا يسهل التفريق، امرأة مرضعة، وامرأة مرضع، يوجد كلمة مرضعة:
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ*يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
[ سورة الحج: 1-2]
المرأة المرضعة هي امرأة تضع ولدها على صدرها، لأن الرجل أيضاً بإمكانه أن يضع طفلاً على صدره، أما المرأة المرضع فهي المرأة التي في طور الإرضاع، قد تكون هي في الشام وابنها في بيروت، بعد قليل تسافر إلى بيروت كي ترضعه، وهي في الشام اسمها امرأة مرضع، هي في طور الإرضاع، أما إذا وضعت ابنها على صدرها فصارت مرضعةً، فالآية الكريمة: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾
وابنها على صدرها وهي في طور الإرضاع تلقيه من شدة الخوف، والله سمعت عن أسرة من بعض البلاد وقع زلزال ومن شدة الخوف حملت الكيس فيه أحذية مكان ابنها، وخرجت مسرعة وكل ظنها أنه ابنها، هذه القصة ذكرتني بهذه الآية ولما أصبحت في عرض الطريق تذكرت أن ابنها في البيت: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
[ سورة الحج: 2]
نفقة المرضع تكون على قدرة حال الأب من السعة والضيق :
قال: النفقة تكون على قدرة حال الأب، من السعة والضيق لقوله تعالى:
﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
وقد دلّ على هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾
[ سورة الطلاق: 7 ]
والنفقة على الأب وجوباً، لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
ملخص للأحكام المستنبطة من الآيات السابقة :
ملخص الأحكام: أن الأم أحق بإرضاع ولدها في الحولين، وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه.
الحكم الثاني: أن الذي يلزم الأب في فترة الرضاع إنما هو عامان،
﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾
تفسيرات كثيرة أوجهها: أن الذي يرث هذا الطفل هو المكلف بالإنفاق عليه، لقاعدة أصولية "الغرم بالغنم"، أحياناً طفل يولد قد يرث ملايين، فإذا مات بعد ساعة تنتقل هذه الملايين إلى ورثته، إخوته الكبار أحياناً أو أمه أو أبوه، ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾
الغرم بالغنم، الذي يرث هذا الغلام هو مكلف في إرضاعه، بعضهم قال: المراد بالوارث هو وارث الأب، وبعضهم قال: المراد بالوارث هو الباقي، من والي الولد بعد وفاة الآخر؟ أقرباء الأم أو أقرباء الأب، هؤلاء هم الورثة، أما أرجح الأقوال فوارث الطفل هو المكلف على إرضاعه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضح لديكم أن الله عز وجل لا يغيب عنه شيء حينما قال: ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
فلابد بمنهج الله، وبعلم الله، ولسلامة الطفل، ولسلامة الأم من أن ترضعه امرأة، أماً كانت أو مرضعة، أما الإرضاع الذي يفعله معظم الناس اليوم فهذا له مضاعفات، والذي قرأته بمصادر موثوقة أنه يسبب آفات وعائية قلبية في المستقبل، ويضعف القدرات العقلية، حدثني طبيب أن جزيرة في بريطانية ولنفرض فيها خمسة آلاف، فحص أهل الجزيرة واحداً واحداً من حيث الضغط، فكان الجميع بخير، السبب هؤلاء لا يأكلون الملح والإنسان يأخذ حاجته من الملح من التفاحة، إذا أراد الجسم يأخذ حاجته من الملح من أي شيء يأكله، أكثر الأغذية فيها كلور الصوديوم، أما استعمال الملح بشكل كثيف فهذه عادة غذائية سيئة، وكلما تقدم العلم تجده يقترب من المنهج الإلهي، ومن أصل الفطرة، وأكمل الكمال أن تكون وفق الفطرة، فهذا درس للشباب إذا تزوجتم إن شاء الله لا تفكر إطلاقاً إلا بالإرضاع الطبيعي، وهيئ للزوجة الجو المريح، والحالة النفسية المريحة، لأن هناك انعكاسات سلبية على المرضع، هذه بعض الحكم من ذلك. التربية تبدأ والطفل في بطن أمه :
حينما كنا في الجامعة حدثنا أستاذ الصحة النفسية قال: هناك تجارب أجريت لو أن أُماً أرضعت ولدها بقسوة، هناك تجارب تحتاج بعض الوقت فالطلاب يتابعون البحث لمدة ثلاثة أعوام، وهناك فريق عمل آخر يتابعه لبعد سنوات محددة، ففي تجارب أجريت على أطفال أرضعوا بعنف، وأطفال أرضعوا برقة وحنان، فكان هذا واضح في سلوكهم المستقبلي، الطفل العنيف مربى تربية قاسية، ومحروم من الرحمة والعطف من قلب كبير، لذلك حتى الإرضاع الأم ترضع ابنها، بين أن ترضعه بحنان وبترميم وبرحمة وتضمه وتقبله كثيراً، والآن من أغرب ما قرأت هناك كتاب يبحث في علم نفس الجنين: أن الأم إذا كانت نادمة على هذا الحمل يعذبها الطفل في بطنها كثيراً، وأن الأم المدخنة يتأثر جنينها كثيراً بالدخان، وقد نسيت من هذا الكتاب ما قرأته، لكن يوجد به شيء عجيب: بل إن الأم التي تقرأ القرآن يسكن جنينها، فالتربية تبدأ والطفل في بطن أمه، إذا وجد الفرح بهذا المولود فهذا ينعكس عليه، تراه حملاً خفيفاً، الله عز وجل قال:
﴿ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ﴾
وهناك حمل ثقيل جداً ومتعب لا تنام أمه الليل، إذا كانت كارهة لهذا المولود، هذا الجنين يتعبها كثيراً، فعندما نستقبل المولود كأنه هدية من الله عز وجل، الأم والأب سعيدا،ن هذا يهيئ جواً نفسياً للمولود وهو في بطن أمه، الصلاة والتلاوة تنعكسان على الجنين، الدخان والشدة النفسية تنعكس على الجنين، وهناك أبحاث كثيرة جداً لا أذكرها كلها، أنا قرأت عن طفل ليس له دماغ دماغه سائل، أي الإدراك معدوم تماماً، عاش شهراً أو شهرين، يبكي بكاء مراً فإذا دخلت أمه عليه سكت، هذا الطفل لا يدرك ما حوله فكيف لا نعرف؟ أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحقيق الفطرة، فالإنسان أحياناً يطبق منهج الله عز وجل ينعكس هذا على أسرته سعادة وتوفيقاً وطمأنينة.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : (السابع العاشر )


الموضوع : الحج - سورة ال عمران








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آية الحج :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من: "آيات الأحكام"، وآية اليوم آية الحج وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 96-97 ]
أيها الأخوة الكرام، بين يدي هذه الآية الحج رحلةٌ إلى الله، الله جلّ جلاله في كل مكان وفي كل زمان، ولكن شاءت حكمته أن يتخذ في الأرض بيتاً، ليكون الذي يأتيه معبراً عن أن تلبية دعوة الله لزيارة بيته أغلى عنده من بيته وأولاده وعمله وماله.
لأن الحج أيها الأخوة عبادةٌ متميزة فيها تفرغٌ وتفريغ، تؤدي الصلاة وأنت في بلدك، تصوم وأنت في بلدك، تؤدي الزكاة وأنت في بلدك، إلا الحج فلا يؤدى إلا في مكانٍ مخصوص، وفي وقتٍ مخصوص، لابد من أن تترك بيتك، وزوجتك، وأولادك، وعملك، وكل المظاهر الدنيوية التي تحيط نفسك بها، لابد من أن تخلع كل الأقنعة التي تشوه الإنسان.
فالحج أيها الأخوة في العمق من أرقى العبادات، بل هو عبادة العمر، الصلاة شحنة روحية تشحن بها في اليوم خمس مرات، وكأن هذه الشحنة تكفيك للفرض الثاني، ولكن صلاة الجمعة شحنةٌ أسبوعية، وكأن هذه الشحنة الروحية تكفيك للأسبوع القادم، ورمضان شحنةٌ سنوية، وكأن هذه الشحنة تكفيك لرمضان القادم، لكن عبادة العمر، الشحنة التي ينبغي أن تؤدى في العمر مرة واحدة، والتي يمكن أن تلقي الله بها، هي شحنة الحج. الله عز وجل جعل الحج الرحلة قبل الأخيرة كي تنزع الأقنعة :
الإنسان أيها الأخوة ينمو، ينمو في جسمه، ينمو في ماله، ينمو في علمه، ينمو في أتباعه، ينمو في مكانته، هذا النمو يزداد ويزداد إلى أن يأتي ملك الموت لينتزع منه كل شيءٍ حصَّله في ثانية واحدة، فلا زوجة، ولا ولد، ولا عمل، ولا مال، ولا مكانة، ولا مُتَع، إنما هي مساحةٌ ضيقة يحشر فيها الإنسان عند موته، فهذه هي الرحلة الأخيرة، وسيشيع إلى مثواه الأخير، بيوتنا مثوىً مؤقَّت، لابد من يومٍ جميعاً نخرج من البيت بشكلٍ أفقي ولا نعود، مغادرة بلا عودة، هذه الرحلة الأخيرة، وجعل الله الحج الرحلة قبل الأخيرة كي تنزع الأقنعة.
انظر إلى حجاج بيت الله الحرام، مهما علا شأنك، مهما كثر مالك، لابد من إزارٍ ورداء ترتديهما، ولابد من أن تطوف مع عامة المسلمين، فليست هناك مرتبة أبداً، ممكن أن تحجز في أكبر فندق، ممكن أن تكلفك الحجة خمسمئة ألف، ولكن لابد من أن تطوف حول الكعبة مع عامة المسلمين، ولا بد من أن تقف في عرفات، ولابد من أن تعاني الازدحام، ولابد من أن تخلع عنك كل أقنعة الدنيا.
الإنسان في الدنيا يرتدي ثياباً تتناسب مع مكانته، ومع أذواقه، ومع دخله، فالثياب جزء من الدنيا، والإنسان أحياناً يتعطَّر، ويغتسل، ويقلِّم، ويحلق، هذا نعيم الدنيا، ولكنك في الحج لا تستطيع لا أن تتعطر، ولا أن تقلِّم، ولا أن تحلق، ولا أن ترتدي بدلةً أنيقةً، بل إنك إن حججت بيت الله الحرام، وارتديت ثياب الإحرام، عرفت نعمة الثياب المخيطة، عرفت ما معنى أنك ترتدي ثوباً مخيطاً محيطاً، لا مخيط ولا محيط في الحج، إذاً أراد الله عز وجل أن تنزع عنك الأقنعة التي تشوِّه حقيقتك ورسالتك في الحياة، رحلةٌ قبل الأخيرة.
تناسب العطاء مع الداعي :
شيءٌ آخر: هل في الأرض إنسان يدعوك إلى بيته دون أن يعطيك شيئاً، دون أن يقدِّم لك شيئاً، إلهٌ عظيم يدعوك إلى زيارة بيته في مكة المكرمة، فالعطاء يتناسب مع الداعي، إذا دعاك ملك لتناول طعام الغداء، ماذا ستأكل؟ فلافل؟ مستحيل، لابد من أن تأكل أثمن الطعام، وأطيب الطعام، إذا قدم لك ملكٌ هدية، ماذا يقدم لك؟ قلم رصاص أم بيت؟ فهو بيت الله في بلدك.
إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر، ورد في الأحاديث القدسية أن:
((إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه في رزقه، لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم))
[كنز العمال عن أبي هريرة]
الله عز وجل في الحج يعطي الإنسان عاملاً روحياً :
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾
[ سورة البقرة: 125 ]
معنى مثابةً؟ مثابة مصدر ميمي من ثاب، ثاب بمعنى رجع، وشاءت حكمة الله البالغة أن يكون هذا البيت في منطقة حارّة، وفي منطقة لا نبات فيها، الجمال هناك صفر، صحراء، جبال سوداء، جو حار، ازدحام لا يحتمل، ومع ذلك إن ذهبت إلى هذه البلاد ملبياً دعوة الله عز وجل تقول: " لبيك اللهم لبيك " يتجلى الله على قلبك تجلياً تنسى الدنيا وما فيها، ولا شيء تتمناه وأنت هناك إلا ألا تكون هذه الزيارة الأخيرة، يا رب لا تجعل هذه الزيارة آخر عهدي بالبيت، لشدة السرور، لشدة السعادة التي تنتاب زوَّار بيت الله الحرام، يتمنون ألا يخرجوا من بيوتهم إلا لزيارة الحرمين الشريفين.
معنى ذلك الله عز وجل جَمَّد كل عوامل السرور المادية، جمَّدها وأعطاك عاملاً آخر روحياً، أما لو كان بيت الله الحرام في مكان جميل، في منطقة خضراء، في نسيم عليل، في مناظر جميلة، على مدى العام، وذهب الحاج إلى هناك، واستمتع بهذه المناظر، وبهذا الطعام الطيب، وبهذه النسمات العليلة، تختلط الأمور، يا ترى كان سعيداً بوسائل السعادة المادية أم كان سعيداً بقربه من الله؟ الحج قرب من الله :
الحقيقة الحج قرب من الله، هو الله معك في كل مكان، أما حينما تذهب إليه في بيته الحرام فتدفع الثمن باهظاً.
إنسان مقيم بأمريكا، يقطع ثلاثين ساعة طيراناً ليصل إلى بيت الله الحرام، يدفع مبالغ طائلة ليطوف حول الكعبة ويقول: "لبيك اللهم لبيك". فالله عز وجل جعلك بهذه الفريضة تدفع الثمن باهظاً، والعطاء على قدر الثمن، وتقريب للأمثلة: لو أن طالباً والده أستاذ رياضيات، أعطاه درس رياضيات، لأن الدرس بلا ثمن، والأستاذ أبوه، القضية سهلة، لا يهتم، أما لو عمل طوال الصيف عملاً شاقاً، وجمع مبلغاً من المال، ثم دفع للأستاذ كل درس ألف ليرة، فتجده كتلة اهتمام، كتلة انتباه.
الحج مدفوع ثمنه باهظ، طبعاً هناك ثمن مادي، وهناك ثمن معنوي، الإنسان قد يجمع لسنواتٍ طويلة جداً نفقات الحج، قد يدفع ثمناً آخر؛ ازدحام، حر، من أجل أن يلبي دعوة الله عز وجل، فلذلك الوقوف بعرفة مكان حار، شخص جاء من الهند، من باكستان، من الصين، من أمريكا، من أوروبا، من بلاد الشام ليجلس بين ملايين مملينة، والحر لا يحتمل، ويناجي ربه دافع الثمن، لابد من أن يأتي عطاءٌ يقابل هذا الثمن، كأن الله أراد أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، هناك قرب ثمنه قليل، أراد الله أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، فلذلك هذه عبادة العمر، قال تعالى:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 96]
الإنسان حسي، الإنسان له جسم، له دم، له لحم، له أعصاب، لأنه حسي، لحكمةٍ بالغةٍ جعل الله له بيتاً في مكة، قال: تعال إليّ، تعال حتى أريحك من هموم الدنيا، تعال كي تذوق طعم القرب مني، تعال كي تشعر بسر وجودك وغاية وجودك. الحج صلح مع الله وتسوية حسابات :
شكلياً، ويعود الحاج كما ذهب، أما أنا أقول لكم: والله الذي لا إله إلا هو كما ورد: "من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له"، ما معنى المغفرة؟ عمر بكامله، تشعر أنك عدت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، تشعر كأنك ولدت من جديد، تشعر كأنه ليس هناك شيئاً تحاسب عليه، انتهى كل شيء.
((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة]
فالحج صلح مع الله، وتسوية حسابات، وطي صفحات الماضي كلها، هذا الحج المبرور، ليس له جزاءٌ إلا الجنة، فلذلك ادعُ الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حج بيته الحرام. الحج عبادة بدنية تحتاج إلى إنسان قوي البُنية :
الملاحظة التي تؤلمني أحياناً قبل أن نبدأ الحديث عن آيات الحج، هو أن الحج كأنه للمتقدمين في العمر، تجد إنسان بالثمانين، بالخامسة و السبعين، بالسبعين، بالستين، فالحج عبادة بدنية تحتاج إلى إنسان قوي البُنية، هناك سعي، وطواف، وسفر، وحر، فالإنسان عندما يؤخر الحج إلى وقت يصبح عاجزاً عن أداء مناسك الحج، لا يعد حكيماً، أما ما كنت أغبط أحداً في الحج إلا الشباب؛ يطوفون بصحةٍ عالية، يسعون، يمشون إلى عرفات مشياً على أقدامهم، هناك صعوبات الانتقال، والازدحام، وحجز الأماكن، شاب يذهب إلى عرفات مشياً، هناك طريق مكيف إلى هناك، ويعود مشياً، فأتمنى أن الإنسان إذا أراد أن يحج وهو فريضة أن يبكِّر لا أن يؤخر، كلما بكر قطف ثمار الحج يانعة، وأن الحج فريضة.
شرح لبعض مفردات الآية :
﴿أَوَّلَ بَيْتٍ﴾
أي أول بيت للعبادة، فالبيت الحرام أول المساجد على وجه الأرض. ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾
أي جُعل متعبداً لهم: و ﴿ بِبَكَّةَ﴾
اسم لمكة، وقيل: سميت هكذا لأنها تَبُكّ أعناق الجبابرة. جعل الله هذه البلدة آمنةً. وأما: ﴿ مُبَارَكًا ﴾
هناك بركة حسية، وبركة معنوية، ولا تعرف البركة الحسية إلا إذا ذهبت إلى هناك، كل شيءٍ في العالم يجلب إلى مكة وإلى المدينة، ترى أشياء تحير العقول، الله عز وجل وصف هذا في القرآن الكريم: ﴿ يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة القصص: 57 ]
والبركة المعنوية أن الناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها يتوجهون لهذه البقعة المقدسة، وأنا أقول لكم هذه الحقيقة: إنك إن كنت في بيت الله الحرام لا يمكن أن تشعر أنك في السعودية أبداً، لا تشعر أنك في بلد، هذا بيت الله، ضمن بيت الله الحرام، وضمن المسجد النبوي لا تشعر إلا أنك مع الله ورسوله فقط، إن خرجت تشعر أنك في بلد إسلامي، و له رموز، أما ضمن الحرمين فلا تشعر إلا أنك مع الله ومع رسوله، هذه البركة المعنوية. ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾
أي هدايةً لهم و: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هذه آية محيِّرة، هذه ليست أمراً تكوينياً ولكنها أمرٌ تكليفي، وفرقٌ كبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي، لو قلنا: إنها أمر تكويني، فقد حدث في هذا البيت قتل في عام ألف وأربعمئة للهجرة، وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر، هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني فلا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوب: ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية فهذا أمر تكويني، لا أمر تكليفي. الفرق الكبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي :
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هل هو أمر تكويني أم تكليفي؟ هو أمر تكليفي، أي اجعلوه آمناً، يأمرنا الله عز وجل أن نجعله آمناً، يأمرنا أن نشدد في توفير الأمن للحجاج، لذلك الحاج أحياناً يجد في هذه الديار، يقظة عالية المستوى، لا يتألم أبداً بالعكس يرتاح، هذه اليقظة العالية جداً لصالح من؟ لصالح الحجاج، يجب أن تطوف وأنت مطمئن، وأن تسعى وأنت مطمئن، وأن تجلس في البيت وأنت مطمئن. ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أي يجب أن يكون آمناً، فرق كبير بين أمرٍ تكويني وأمر تكليفي.
هناك رأي لبعض العلماء: أنه من دخله دخولاً صحيحاً كان آمناً يوم القيامة من عذاب الله، وهذا المعنى أيضاً مقبول، والقرآن حمَّال أوجه. وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر، هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني فلا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوباً عليها: ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية فهذا أمر تكويني لا أمر تكليفي. أحد أسباب الاستطاعة أن تملك الزاد والراحلة:
أما كلمة: ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾
السبيل هو إمكان الوصول إلى هذا البيت، فلابد من أن يكون معك مال، ولابد من راحلة، ولابد من أمن الطريق، ولابد من موافقة السلطان، فقد تجد الإنسان أحياناً يضجر يقول: لم يسمحوا لي. إذا لم يسمحوا لك فلست مستطيعاً وانتهى الأمر، أحد أسباب الاستطاعة أن تملك الزاد، وأن تملك الراحلة، وأن يكون الطريق آمناً، وأن يسمح لك السلطان، فإذا السلطان لم يسمح لك، فأنت لست مستطيعاً، إن لم تملك الزاد والراحلة، والعلماء قالوا: الزاد والراحلة وأجرة المبيت في مكة والمدينة، الله ما أراد أن ينام الحجاج في الطرقات، ما أراد أن يشوه الإسلام، الإنسان الحاج إنسان متميز، إنسان يؤدي عبادة عالية، أما أن ترى مئات الألوف ينامون في الطرقات فوق بعضهم، والعورات مكشوفة، فهذا ليس من فقه الحج في شيء.
لست مستطيعاً إطلاقاً إن لم تملك الزاد، والراحلة، والطعام، والشراب، والإقامة في مكة والمدينة في بيوت.
لذلك أنا يعجبني أن بعض البلاد الإسلامية لا تسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام إلا بعد أن يتوافر له حد أدنى من المال يمكنه من أن يجلس في أماكن جيدة، وأن يركب مركبات جيدة، وأن يأكل طعاماً جيداً، وأن يؤدي المناسك وهو مرتاح، وهذا شيء يرفع الرأس، وهذا إنسان مسلم، هذا سفير المسلمين، ثم إنه فوق ذلك لا يسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام في بعض هذه البلاد، في أقصى جنوب آسيا، إلا إذا أدى امتحاناً نظرياً وعملياً، أما وهو في مكة فيسألك: أين قبر رسول الله؟ حاج بمكة- أعوذ بالله - فهل القبر بمكة موجود؟
أو يرتكب بعض المحظورات بسذاجةٍ وبجهلٍ كبير، وهذا شيء غير معقول.
أو إنسان يقف في الكعبة يوم عرفات، والله الحج مريح، لا يوجد فيه أحد، نعمة.
أو نسيان عرفات، يطوف حول الكعبة في يوم عرفة، ويقول لك: لا يوجد ازدحام، والناس كلها؟ الآن كانوا يطوفون. هذا جهل كبير.
إنسان حج في بلد إسلامي، ويحتل مركزاً مرموقاً، يسأل: كيف كان الحج؟ فيجيب والله الحج جيد، والحمد لله الأمور كلها ميسرة، ولكن كنت أتمنى أن يكون الحج على مدار العام أيسر للازدحام. هذا لم يفهم ، هو في جهل كبير حتى عند بعض المثقفين هناك جهل كبير.
فلذلك أنا أتمنى ألا يحج بيت الله الحرام إلا من كان يملك إقامةً وأداءً للمناسك بكرامةٍ عالية، وإلا من يتقن مناسك الحج، وحِكَم الحج، ويؤدي امتحاناً نظرياً وعملياً حتى يكون هناك سفيراً للمسلمين. لطائف هذه الآية :
1 ـ الله سبحانه وتعالى اختار البيت العتيق بفريضة الحج وجعله قبلةً لأهل التوحيد :
هناك لطائف في هذه الآية؛ اللطيفة الأولى: هي أن الله سبحانه وتعالى اختار البيت العتيق بفريضة الحج، جعله قبلةً لأهل التوحيد، أي أينما ذهبت في العالم يجب أن تتجه إلى الكعبة، هذا عملية توحيد، دين التوحيد ودين الوحدة، أينما ذهبت؛ إلى كندا، إلى أقصى الشرق، إلى اليابان، لابد من أن تبحث عن جهة الكعبة.
والكعبة كما قال بعض العلماء: تكون في المتوسط الهندسي للقارات الخمسة، لو رسمت القارات الخمسة على مستوى، وأخذت نقاطها المتباعدة أقصى النقاط، ومددت محاوراً، الشيء المذهل أن مكة المكرمة تقع في الوسط الهندسي، الوسط الهندسي معناه تقاطع المحاور، لو جئت بمربع ووصلت بين زواياه الأربعة بخطوط، مكان تقاطع المحورين هو الوسط الهندسي، لو جئت بمستطيل ووصلت بين زواياه الأربعة بخطوط محورية، مكان التقاطع هو الوسط الهندسي، فمكة المكرمة في الوسط الهندسي الرياضي للقارات الخمسة، هذه لطيفةٌ أولى.
2 ـ هذا البيت بني بتوجيهٍ من الله والمنفِّذ هو إبراهيم والمبلِّغ هو جبريل :
وهذا البيت بني ولكن بتوجيهٍ من الله عز وجل، الآمر هو الله، والمنفِّذ هو الخليل سيدنا إبراهيم، والمبلِّغ هو جبريل، والمساعد هو سيدنا إسماعيل، هل هناك بناء أشرف من هذا البناء؟ الآمر بالبناء هو الله، والمنفذ أبو الأنبياء، والمبلغ جبريل، والمساعد مساعد المهندس سيدنا إسماعيل، والأمن الذي في هذا البيت استجابةٌ لدعوة إبراهيم.
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 126 ]
فهذه الثروات الباطنية في هذه البلاد ليست لأصحابها إنما هي لخدمة الحجاج، وتشعر أن هناك توفير للحاجات يفوق حدّ الخيال، كل شيء تتمناه تجده أمامك، هذا الشيء بسبب أن هناك وفرة، ومخزوناً، وثروات باطنية، يقولون: هذه البلاد فيها أكبر احتياطي نفط في العالم. ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة البقرة: 126 ]
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾
[ سورة العنكبوت: 67 ]
3 ـ الذي يطابق الكُفر ألا تحج بيت الله الحرام :
بالآية لطيفة رائعة جداً وهي قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هذه هو سياق الآية، ومن لم يحج قال: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
فالذي يطابق الكُفر ألا تحج بيت الله الحرام: (( مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ))
[الترمذي عن علي]
أن يموت غير مسلم، أن يموت كافراً، لذلك العلماء قالوا: من الكفر أن تكون مستطيعاً أن تحج ولا تحج بيت الله الحرام، من الكفر والدليل: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
الحج قفزة نوعية :
وقد يقول أحدكم: لماذا يقول الله عز وجل:
﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
الحقيقة الذي يفهم أحياناً من هذه الآية أن بالحج نقلة، لو أن إنساناً شارداً، فقد أقسم لي رجل قال لي: أنا ملحد، له زوجة لا تنجب، فتصورت أنها إذا حجَّت بيت الله الحرام لعل الله يرزقها ولداً، فأصرَّت عليه أن يحج معها ليكون محرماً لها - لأنه زوجها - فقال لي: أنا أؤدي المناسك ولا أصلي، وقد أديتها وأنا جنب أحياناً، لكن في النهاية وأنا هناك تبت إلى الله وعدت مؤمناً.
قصدي من هذا الكلام أنه من المستحيل أن تصل إلى هناك دون أن تتأثر، هناك تجلّ خاص، أحياناً الإنسان يصلي في بلده وكأنه يسبح بعكس اتجاه النهر، أما هناك فتصلي وكأنك تسبح باتجاه النهر.
رجل آخر حدثني: له زوجة معها مرض عضال، وتمنت عليه أن يحج معها، فأول طواف، وثان طواف ولا شيء، وهو قد حجز بفندق خمس نجوم، والحجز غير موجود هو معتاد على السفر المريح والتنظيمات قال لي: ضجرت ضجراً شديداً وقررت أن أعود إلى الشام دون أن أتابع الحج. توسلت له بكل ما تملك، فبقي.
قال لي: ثاني يوم أو ثالث يوم بدأ الطواف، وثاني طواف انعقد الاتصال بالله عز وجل، بكى بكاءً شديداً، وعاد إلى الشام إنسان آخر مئة بالمئة.
أنا أضرب هذه الأمثلة الحادة، لا يوجد إنسان يذهب إلى هناك إلا ويذوق من الله طعم القرب، وكم من إنسان منكر ذهب إلى هناك فآمن بالله، إذا ذهب إنسان منكر يؤمن، إذا ذهب مؤمن يرتقي، إذا ذهب مرتق يزداد رقياً، هناك قفزة نوعية بالحج، دائماً هناك صعود. الله عز وجل فصل العوامل المادية والعوامل الروحية :
مرة ثانية أقول لكم: مستحيل أن تقصد بيت الله الحرام بنيةٍ مخلصة وألا تذوق من طعم القرب الذي تذوب النفوس له.
والله بعرفات يتجلى الله على عباده تجلياً ينسيهم كل متاعب الدنيا، والجو حار، وهذه المفارقة العجيبة، فالإنسان يسر بهذا الجو اللطيف، يسر بعدم الازدحام، يسر بالمناظر الخلابة، أما أن تسر إلى أعلى درجة تعرفها في حياتك، وأنت في مكان لا تتوافر فيه أي شرط من شروط السرور؟!! معنى هذا هناك سرور روحي، الله عز وجل فصل العوامل المادية والعوامل الروحية، هناك سرور روحي محض، ومن ذاق عرف، والذي حج بإخلاص يعرف هذه الحقيقة.
قال العلامة أبو السعود: وضعت
﴿ومن كفر﴾
قال: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
وضعت كلمة ﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴾
موضع من لم يحج. ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أي ومن لم يحج، وضعت كلمة: ﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴾
في موضع ومن لم يحج تأكيداً لوجوبه، وتشديداً على تاركه، لذلك من مات ولم يحج كما قال عليه الصلاة والسلام: ((فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا))
[الدارمي عن أبي أمامة]
يموت غير مسلم لأنه كفر، عندنا كفر شمولي، و عندنا كفر جزئي، الكفر الجزئي أن تنكر أمراً إلهياً، أو ألا تعبأ بأمر إلهي، أو ألا تستجيب لأمر إلهي. أبلغ طريقة في الأمر أن يأتي على طريقة خبر :
قال علماء البلاغة: في هذه الآية عندنا بالتركيب اللغوي صيغة إنشاء وصيغة خبر، أحياناً يأتي الخبر ليدل على الإنشاء فمثلاً قال تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
هذا خبر، لكن الله جل جلاله يقول: يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن. فقال: أبلغ صيغة في الأمر أن يأتي على شكل خبر، لأن الأمر يقتضي عدم التنفيذ، مثلاً لو قلت لابنك: اذهب إلى السوق واشتر طعاماً وإياك أن تتأخر. لما نهاه عن التأخر قفز إلى ذهنه أنه يمكن أن يتأخر، صار التأخر محتملاً، إياك أن تأخذ من المال شيئاً لنفسك، نبهه، أما حينما يأتي الابن البار فيذهب إلى السوق وينفذ أمر والده، ما أعطاه احتمال تصور العكس، فأحياناً يأتي الأمر على شكل خبر. ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، الله عز وجل نهى عن الزنا، كيف نهى عن الزنا؟ بالخبر، قال: ﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾
[ سورة القرقان: 68]
أي أن شأن المؤمن أنه لا يزني، لا يوجد ولا تزني. لا أريد أن أزني. أبلغ طريقة في الأمر أن يأتي على طريقة خبر. ﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾
[ سورة القرقان: 68]
مثلاً: ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
[سورة النور: 26]
أيضاً هذا أمر جاء على صيغة الخبر، أي يا أيها الأولياء احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات، لا تزوج ابنتك لإنسان غني لكنه جاهل، وابنتك ديِّنة، وصالحة، وتحفظ كتاب الله، احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات هذا أمر جاء على صيغة خبر. ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أمر جاء على صيغة الخبر. ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
أمر جاء على صيغة الخبر، وأيضاً جاءت هذه الآية: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أمر جاء على صيغة الخبر أو النهي. التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع أما التركيب الاسمي فيدل على الثبات :
التركيب الاسمي دائماً يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والانقطاع، دخل، دخل فلان إلى المسجد، هذه دخل مرة واحدة، والفعل انتهى، وانتهى الدخول، التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع أما التركيب الاسمي فيدل على الثبات والاستمرار، فالآية جاءت أمراً ونهياً على صيغة الخبر، وجاءت بالتركيب الاسمي، ثم جاءت على مستوى التعميم.
﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هذا تعميم، أي إنسان إذا ذهب إلى بيت الله الحرام لابد من أن يقطف الثمار، الإبهام ثم التبيين. حكم حج الفقير والعبد :
العلماء قالوا في حكم حج الفقير والعبد، لا يجب على الفقير الحج لعدم الاستطاعة، ليس مكلفاً أن يتدين، أو الغني ليس مكلفاً أن يرشي لكي يحج، عبادة تبدأ بمعصية، معقول؟! ليس مكلفاً، سُمح لك الحمد لله، ما سُمح لك لست مستطيعاً، الفقير ليس مكلفاً أن يتسوَّل ليحج، ولا أن يستجدي، ولا أن يبذل ماء وجهه، لأن هذا الحج فرضٌ على المستطيع، ولكن لو أن فقيراً حج إلى بيت الله الحرام، هذا الحج الذي حجه الفقير يسقط عنه الفرض، وكأنه حجه غنياً، هذا هو الحكم الفقهي بالإجماع.
وجود المحرم شروط من شروط حج المرأة :
أما موضوع المَحْرَم للمرأة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
لذلك المرأة يضاف إلى استطاعتها شرطٌ جديد وهو وجود المحرم، والله الآن والذي يؤلم جداً أن هناك من يعقد زواجاً صورياً، من أجل أن تحج بيت الله الحرام، أقدس عقد في الوجود عقد الزواج يتخذ ذريعة لأن تذهب امرأةٌ إلى الحج، وكأنها أفقه من الفقهاء، الله ما كلفك بالحج، هناك من يعقد زواجاً صورياً، ولهذا الزواج متاعب كثيرة جداً.
إنسان عقد عقداً على امرأة كي تحج معه بيت الله الحرام لأنه صار زوجاً لها، وجد أنها غنية، فلم يطلقها بعد الحج، قال: لعلها تموت وأرثها. تنشأ مشكلات، وكم من زواجٍ صوري انتهى إلى الدخول في المدينة، صار هناك دخولاً، ولا يوجد تناسب أبداً، هذا شيء من أخطاء المسلمين الفاحشة، أنه لكي نتوصل إلى حج بيت الله الحرام نجري زواجاً صورياً، أو نعصي الإله، أو نفعل شيئاً لا يرضي الله عز وجل، هذا كله ممنوع.
فالمرأة إن لم يكن معها محرم فليست مستطيعة الحج، هذا طبعاً باتفاق العلماء، هناك اجتهاد للشافعية: إذا كان هناك جمعاً غفيراً مأموناً فقط لحج الفريضة.
الآن هناك من يحججن بيت الله الحرام حجة نفلٍ من دون محرم، فإذا فتوى للإمام الشافعي أو للسادة الشافعية لأداء حجة الفريضة فقط، مع وجود جمعٍ غفير من النساء اللواتي يؤمن السفر معهن. وهذه حالة محدودة جداً، أما امرأة تسافر للحج من دون محرم، والحج ليس فرضاً بل نفلاً، فهذا شيء مخالف لما قاله العلماء جميعاً. قواعد الشرع ضمان لسلامة الإنسان وليست قيداً لحريته :
الآن استنباط آخر قال: إذا كان الإسلام لم يسمح للمرأة أن تسافر لأداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم، والحج أحد أركان الإسلام كما نعلم، وهو فريضة، فكيف يسمح الناس لبناتهم بالسفر إلى بلادٍ بعيد، أو إلى بلادٍ أجنبية، بحجة الدراسة وطلب العلم، وليس معهن محرم؟
والله إنسان لولا أنه قال لي هو بنفسه أنا لا أصدق، قال لي: والله أنا كنت أعمل في المملكة، وزوجتي أرسلتها مع سائق إلى الشام، سيارة تكسي مع سائق، هو وهي وحدهما في الطريق، معقول هذا الكلام؟! كم هناك من جهل، فقواعد الشرع ضمان لسلامتك وليست قيداً لحريتك، فإذا كانت المرأة ممنوعة أن تذهب إلى أداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم فلأن يكون هذا محرماً عليها في السفر العادي من باب أولى لأداء فريضة ممنوع أن تذهب.
طبعاً الحج مرة واحدة، الفريضة، أما النفل فأكثر من مرة، إلا أنه إذا كان الإنسان عليه واجبات وقصر فيها، لولي أمر المسلمين أن يمنع حجة نفلٍ أدت إلى ترك واجب، فإذا ابن في سن الزواج، ويخشى عليه أن تزل قدمه، والأب يحج كل سنة، نقول له: حج حجة الفرض وزوج ابنك، هذا أولى، أولى ألف مرة.
حتى إن الإمام ابن المبارك كان في طريقه إلى الحج، فوقع نظره على فتاةٍ صغيرة تنقب في القمامة، حتى رأت طائراً ميتاً، حملته وركضت إلى بيتها، تبعها فإذا أسرةٌ فقيرة لا تملك ما تأكل إلا هذا الطائر الميت، فدفع لها بنفقة الحج وعاد إلى بلده، ورأى هذا الإمام العظيم أن إسعاف هذه الأسرة أولى من أداء حجه.
الآن كم إنسان يحج كل سنة مرة؟ كل سنة يحج، وعليه واجبات كثيرة جداً مقصر فيها، وكم إنسان يرتكب معصية لكي يحج؟ وكم إنسان يعمل عقد زواج صوري لكي يحج؟ وكم إنسان يرشي لكي يحج؟ هذا كله لا يجوز، هذه أرقى عبادة لا تؤدى إلا خالصة لوجه الله تعالى.
من حجّ أكثر من مرة كل حجة تكون أرقى وأعمق وأكثر اتصال بالله من التي سبقتها :
أما تكرار الحج كما قلت في مطلع الدرس:
((إن عبدا أصححت له جسمه ووسعت عليه في رزقه لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم))
[ كنز العمال عن أبي هريرة]
فممكن إذا كان الإنسان ميسوراً، والإنسان أدى ما عليه من واجبات، زوّج أولاده، لا يوجد مشكلة وميسور، أن يحج كل خمسة أعوام، هذا ممكن، أما الآن نستنبط أيضاً أن كل حجة تحجها أرقى من التي سبقتها، إذا حج الإنسان مرتين أو ثلاث، كل حجة تكون أرقى، وأعمق، وأكثر اتصال بالله من التي سبقتها، فالميسور والمستطيع إذا حج أكثر من مرة لا يوجد مانع.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : الحج والعمرة ـ الاستنباطات الفقهية من الحج



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آيات متعلِّقة بالحج :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن عشر من دروس: "آيات الأحكام"، ولأننا على مشارف فريضة الحج، فاخترت لكم الآيات المتعلِّقة بالحج، والتي يستنبط منها الأحكام الشرعيَّة قال تعالى:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة البقرة : 196-197]
الاستنباطات الفقهيَّة من الآيات السابقة :
1 ـ الهدي الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المُعتمر هديةً منه لأهل الحرم :
أيها الأخوة الكرام، الاستنباطات الفقهيَّة من هذه الآية كثيرةٌ جداً، فمن هذه الاستنباطات: الهدي في هذه الآية يطلق على الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المُعتمر، هديةً منه لأهل الحرم، أصل الهدي من الهديَّة، هؤلاء الذين يعكفون على تيسير مناسك الحج للحجاج، هديتك لهم هذا الهدي الذي هو قوام حياتهم، هذا أصل الهدي.
من غير سببٍ موجب، نحن عندنا هدي جبر، وعندنا هدي شكر، وعندنا هدي جزاء، وعندنا هدي إحصار..
﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
أيها الأخوة الكرام، الاستنباطات الفقهيَّة من هذه الآية كثيرةٌ جداً، فمن هذه أي من أحرم بعمرةٍ ثم تحلل إلى وقت الحج فأحرم، هذا عليه هدي تمتعٍ، أي هدي جبر نقصٍ، أما من حج مفرداً، حجَّ فقط وبقي محرماً إلى يوم عرفة فهذا لا شيء عليه، أما إذا حج قارناً، أي أنه أحرم بعمرةٍ، وبقي محرماً إلى أن أحرم بحجٍ، فهذا عليه هديٌ، لكنه هدي شكرٍ لا هدي جبرٍ، أن الله آتاه قوة، وآتاه جَلَداً، أعطاه قوة على تحمُّل هذه العبادة، فعليه شكرٌ لله عزَّ وجل هدي شكرٍ، أما الذي تمتع من العمرة إلى الحج فعليه هدي جبرٍ، أما الذي أُحصر أي منعه مرضٌ، أو منعه عدوٌ، أو منعه أمرٌ قاهر عن أن يتابع الحج فعليه هدي إحصار، أما الذي يقع في بعض محظورات الإحرام، لو دخل الحرم بثيابه خطأً، فعليه هديٌ، لو ترك واجباً من واجبات الحج، عليه هديٌ..
صار عندنا أربعة أنواع للهدي؛ هدي جبر للمتمتع، وهدي شكر للقارن، وهدي إحصار، وهدي جزاء.
والهدي اسمٌ على مسمى، هديةٌ يقدمها الحاج إلى أهل الحرم. الشريعة رحمةٌ كلها عدلٌ كلها مصلحةٌ كلها :
أخواننا الكرام، لا أنسى هذه الكلمة التي قالها بعض العلماء:" الشريعة رحمةٌ كلها، الشريعة عدلٌ كلها، الشريعة مصلحةٌ كلها، الشريعة حكمةٌ كلها -لأنها من عند الخالق- أية قضيةٍ خرجت من الحكمة إلى خلافها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة ".
فإلى عدة سنوات كان يأتي إلى بيت الله الحرام عدد كبير يقترب من مليون، أو مليونين، هؤلاء يذبحون الخراف التي لها ثمن باهظ، يلقونها في العراء، يذبح ويلقي، أدَّى النُسُك، فهذه الغنمة لحم، والجو حار جداً تتفسَّخ خلال ساعات، أقسم لي أحد الأخوة الكرام -وهو يسكن في منطقة قريبة من منى- أن رائحة اللحوم المتفسِّخة لا تغادر هذه المنطقة ولا في ثلاثة أشهر، تصور مليون غنمة ذُبِحَت وأُلقيت في العراء، أهذا هو النُسك؟ أهذا هو أمر الله عزَّ وجل؟ أهذه هي الشريعة؟ لا والله، الهدي هديةٌ تقدمها إلى أهل الحرام، هدية يجب أن تصل إلى البطون، يجب أن تؤكل، يجب أن يأخذها الفقراء، إذاً كل منسك ينبغي أن يكون حكيماً لصالح الأمة، مبنياً على العدل.
قرأت مرَّة خبراً في جريدة أنه تمَّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في أستراليا ودُفِنَت في باطن الأرض، للحفاظ على أسعار الغنم في العالم، ألا تشعر أن هؤلاء متوحشون؟ متوحشون، كم أمة تموت من الجوع؟ الصومال، السودان، بنغلادش، هذه الدول الفقيرة التي تموت من الجوع، عشرون مليون غنمة يطلق عليها النار، وتُدفن للحفاظ على أسعار اللحم العالية.
لكن مليون غنمة تُذبح وتُلقى في العراء، يجب أن يصل هذا الهدي إلى محله، يجب أن يصل إلى بطون الفقراء، فالحاج الذي يذبح ويلقي هذا ليس حاجاً، ولا فقيهاً، ولم يعرف مناسك الحج، الآن أُلغي هذا، لن تستطيع أن تذبح إلا في المسلخ، والمسلخ يذبح، ويبرِّد، ويرسلها إلى فقراء المسلمين في العالم، فهذا معقول، الآن شيء مقبول أن هذا اللحم انتهى إلى بطون الجياع.
2 ـ الحج فريضة مقدَّسة جداً إن بدأها الإنسان فعليه أن يتمها :
أما معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
أتموا..أي إذا بدأت ينبغي أن تتابع، ليست قضية مزاجيَّة، والله أنا الحج لم يعجبني سأرجع، هذه بالحج ليست واردة إطلاقاً.. ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
فريضة مقدَّسة جداً، إن بدأت عليك أن تتم، وقال بعض العلماء: " إتمام الحج والعمرة أن تأتي بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما ظاهراً بأداء المناسك، وباطناً بالإخلاص لله تعالى من غير رياءٍ ولا سمعة ". كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: ((اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا وَلا سُمْعَةَ))
[ابن ماجة عن أنس بن مالك]
أحياناً الإنسان يحج فتجد الزينات، والسجاد، و العراضات، وإطلاق الرصاص، والاحتفالات، والولائم، صار اسمه الحاج.. ((اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا وَلا سُمْعَةَ))
[ابن ماجة عن أنس بن مالك]
والحج كما قال عليه الصلاة والسلام: ((الْعَجُّ وَالثَّجُّ؟))
[ الترمذي عن أبي بكر ]
3 ـ تناقض الرفاه غير المعقول بالحج مع مناسك الحج :
كذلك تقصي الرفاه غير المعقول بالحج يتناقض مع مناسك الحج، إنسان حجز فندقاً من ذوات النجوم الخمسة، في أيام الحج ليتمتَّع، ليترفَّه، فكافأه الله على هذا - طبعاً ليس حراماً أن تحجز هذا الفندق، أنا لا أقول هذا حرام - لكن تقصي الرفاه بأنه تاه عن هذا الفندق ثلاثة أيام في منى، ولم يهتد إليه، الحج أساسه العج والثج، الحج الرحلة قبل الأخيرة، الحج أن تخلع كل مظاهر الدنيا، كل مظاهر الزينة، أن تؤدي المناسك متقنةً ظاهراً، ومخلصةً باطناً. قال بعض العلماء:

إذا حججت بمالٍ أصله سُحُتٌ فما حججت ولكن حجَّت العيرُ
لا يقبل الله إلا كل خالصةٍ ما كل من حج بيت الله مبـرورُ
* * *
4 ـ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ من أساليب التوكيد في القرآن الكريم :
فما معنى قوله تعالى:
﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾
المعنى واضح، أما ﴿ كَامِلَةٌ ﴾
فقال: هذا يقاس على قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾
[ سورة الحج: 46]
ولكن أين محلها في الأساس؟ هي في الصدور، تحصيل حاصل، قال: هذا من أساليب التوكيد في القرآن الكريم.. ﴿ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 38]
هذا من أساليب التوكيد: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾
[ سورة الأحزاب: 4]
القول أين يتم؟ لو قلنا: تلك عشرةٌ. أحياناً يستخدم العدد للتكثير، فإن أردنا العدد بمعناه الحسابي.. ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
يقول لك: دفعت المبلغ بالتمام والكمال، إذا نقدته عشر ليرات ذهبية بالتمام والكمال بالتمام عشرة، بالضبط، وبالكمال أي كلها جديدة، حروفها حادة، بالتمام والكمال، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
[ سورة المائدة: 3 ]
5 ـ مناسك الحج لا تؤدَّى إلا في مكانٍ واحد :
أما الاستنباط الخامس:
﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾
[ سورة البقرة: 199 ]
أي ممكن أن يكون هناك تمايزاً في أي مكان في العالم، هناك فندق خمس نجوم، وفندق أربع نجوم، وثلاث نجوم، ونجمتان، ونجمة، وهناك فندق نجومه مطموسة - من الدرجة العاشرة- وهناك مكان لا يحتمل أن ينام فيه حيوان أحياناً، مبيت، فيه مراتب، والمركبات مراتب؛ هناك مركبة خشنة متعبة، و مركبة فخمة جداً، والبيوت مراتب، وكل شيء بالحياة مراتب، إلا مناسك الحج فهي لا تؤدَّى إلا في مكانٍ واحد.
مهما كنت غنياً لابدَّ من أن تطوف حول الكعبة ضمن الزحام، مهما كنت غنياً لابدَّ من أن تسعى بيت الصفا والمروة مع عامة الناس، ملك، غير ملك، غني، قوي، أي إنسان، مناسك الحج توحِّد المسلمين، وهناك مكان آخر يتوحَّد المسلمون فيه، هو بيت الله، أنت خارج المسجد هناك مدير عام، و معاون مدير، و موظَّف كبير، و رئيس دائرة، و حاجب، أما يوم الجمعة فيستطيع الحاجب أن يجلس في الصف الأول إذا جاء مبكراً، والمدير العام قد لا يتاح أن يجلس إلا في آخر صف إذا جاء متأخراً.
بيت الله، هذه من عظمة هذا الشرع، يجوز أن تشعر أنك أقل من فلان خارج المسجد؛ بالدائرة، بالمستشفى، بالمدرسة، بالمعمل، بالحي، هناك بيت فخم، وهناك ساكن في ملحق، بيت أربعمئة متر، وشخص ساكن بقبو، هناك تفاوت، أما بالمسجد فلا يوجد تفاوت، يوم الجمعة هناك خطبة الجمعة، أو في الصلوات الخمسة، أو في دروس العلم، تشعر أنك تساوي أي إنسان مهما علا، هنا مراتب دنيا لا توجد. الحج تواضع و خضوع لله وعبوديَّة :
لذلك كان عليه الصلاة والسلام جالس مع أصحابه، وعن يمينه غلامٌ صغير وعن يساره كبار الصحابة، فجيء بضيافة، فحسب السنة بدؤوا بالنبي ثم من على يمين النبي، الذي على يمينه طفل صغير والذي على يساره كبار الصحابة، قال له:
((يَا غُلامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ))
[البخاري عن سهل بن سعد]
طفل صغير، هذا الإسلام عدل مُطلق، لا يوجد مراتب، أجمل ما في الإسلام أنه بالمسجد وبالحج لا توجد مراتب، الإنسان أحياناً يرتدي ثياباً يقول لك: ثمن البدلة ثمانون ألفاً. ممكن أن يرتدي ثياباً غالية جداً، أما في الحج فيرتدي منشفتين لا يوجد غيرهما، منشفة بيضاء، هذا من عظمة الإسلام.. ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾
[ سورة البقرة: 199 ]
أنت مع الناس، لذلك أخواننا إذا أتيح لكم أن تحجوا أو أن تعتمروا، إيَّاك ثم إياك ثم إياك أن تذهب إلى هناك وأنت ناظر إلى مكانتك، إلى رتبتك، إلى ما على كتفك، إلى ما على صدرك، إلى ما في جيبك، إياك هناك أنت عبدٌ لله.
الإنسان في بلده لو كان في المطار مثلاً ينتظر إنساناً، مهما كان مُتعباً، هل رأيتم في مطار دمشق إنساناً يجلس على الأرض من تعبه؟ لا من أجل مكانته. هناك في الحج شيء طبيعي جداً مهما كنت عليَّ المقام تجلس على الأرض.
إذا كان هناك سيارة عامة قلنا لإنسان: تأخذ عشرة آلاف وتركب على السطح، على ظهر السيارة، أو باص نقل داخلي هكذا في المدينة، أما في بلده إن قلنا له: خذ خمسة آلاف واصعد اركب على السطح، فلا يقبل، هذا الشيء في الحج شيء طبيعي جداً، كبار الشخصيات بعرفات نصف تحت ونصف على سطح المركبة.
الحج تواضع، الحج خضوع لله، الحج عبوديَّة، هذه كلها أقنعة، نحن تقنَّعنا فيها؛ أنا اسمي كذا، وهذا قبل اسمه يضع: د. وهذا قبل اسمه عميد، هذه كلها أقنعة مزيَّفة، أنا حجمي المالي كذا، أنا ثيابي من المحل الفلاني، أنا ثيابي كلها مستوردة، أنا سيارتي كذا، هذا كله هناك ملغي، دع الدنيا في بلدك وتعال عبداً لله عزَّ وجل، هذا كله من معاني: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾
[ سورة البقرة: 199 ]
أنت والفقير سواء، من عظمة هذا القرآن الكريم.. 6 ـ الحج عبادةٌ بدنيةٌ ماليةٌ شعائريَّة تؤدَّى في مكان وزمان مخصوصين وهيئةٍ خاصَّة :
﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
جاء الحج ثلاث مرات، الأول: أن الحج، أي زمان الحج أشهرٌ معلومات، إنسان حج من بلد عربي، والله وكما سمعت يحتل منصباً رفيعاً في وزارة، قريب من معاون الوزير، وهو في العودة يحدث زميله قال له: والله الحج شيء مرتَّب، أي فيه عناية فائقة، و خدمات عالية، و الله شيء جميل، ولكن والله أنا ألوم هؤلاء السعوديين. قال له: لماذا؟ قال له: لو عملوه على مدار السنة لكان أفضل، لأن هناك ازدحام. هذا لا يفقه من الحج شيئاً، لو جعلوه على مدار السنة، الله ماذا يقول؟ ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
في مكان مخصَّص، وفي زمان مخصَّص، وفي نُسُك مخصَّص، الحج عبادةٌ بدنيةٌ ماليةٌ شعائريَّة، تؤدَّى في مكان مخصوص، وفي زمان مخصوص، وعلى هيئةٍ خاصَّة.
فأول كلمة حج أي زمان الحج.. ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
أي من دخل في مناسك الحج، كلمة حج الثانية لها معنى ثان.. ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
آخر كلمة تعني في زمان الحج، وفي مكان الحج. الاستخدام من أروع ما في البيان العربي :
يقولون بالبلاغة: عندنا شيء اسمه الاستخدام. أنا أقول لإنسان عنده بستان فيها نبع ماء، وله ابن، أقول له: أقرَّ الله عين الأمير، وأجرى له ماءها، وكفاه الله شرَّها. أقرَّ الله عين الأمير، أي عين قلبه، كفاه الله شرها أي عين الحسود، أجرى له ماءها أي عين الماء، فالاستخدام أن نستخدم كلمة ثم نستخدمها ثانيةً بمعنى آخر من معانيها، ونستخدمها ثالثةً بمعنى ثالث، هذا من أروع ما في البيان العربي..
﴿ الْحَجُّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
زمان الحج.. ﴿ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
نُسك الحج.. ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
أي في أيام الحج، وفي أمكنة الحج، هذا أيضاً استنباط لطيف بالآية الكريمة. 7 ـ الحج دعوة والعمرة زيارة :
بعض الأحكام الشرعيَّة: العمرة بين أن تكون واجباً لقول الله عزَّ وجل:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
وبين أن تكون سُنَّةً، على كلٍّ الحج دعوة والعمرة زيارة، كلام دقيق، ما دام الحج في وقت مخصوص فهو دعوة، أنت تقيم وليمة يوم الخميس الساعة الثانية، هذه دعوة تدعو إليها من تشاء، أما كل إنسان بإمكانه أن يزورك في بيتك متى يشاء، الزيارة على مدار السنة أما الحج ففي أوقات محددة، فالحج دعوة، والعمرة زيارة، ومن معاني الدعوة أن تقول: "لبيك اللهم لبيك".
إلا أن الإنسان إذا حج عدة مرات فالأولى أن يكتفي بالعمرة، ليتيح المجال لمن لم يحج أن يحج البيت، لأن هناك درجة من الازدحام تؤذي الحجاج جميعاً، وكأنها تصرفهم عن مناسك الحج لشدة الازدحام. 8 ـ الإحصار :
الشيء الثاني: الإحصار، فالإحصار الإنسان أحياناً تنشأ معه مشكلة، أو مرض خطير، ماذا يفعل؟ الله قال:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
قال: الإحصار - عند السادة الأحناف- يكون من كل حابسٍ يحبس الحاج عن البيت؛ من عدوٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ضلال راحلةٍ، أو موت محرمٍ في الطريق.
إنسان مثلاً حبسه عن البيت عدو، صار هناك مشكلة أمنية بديار الحج، أو مرضاً خطيراً، أو خوفاً، أو ضاعت كل أمواله فلم يستطع أن يكمل، أو ضلَّت راحلته، أو زوجةٌ مات زوجها في الطريق لا تستطيع أن تُكمل، هذا اسمه إحصار.
من بعض المذاهب لا إحصار إلا من حصر العدو، أما عند الأحناف فالإحصار موسَّع، كما قلت قبل قليل: من عدوٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ضلال راحلةٍ، أو موت محرم الزوجة.
المحصر يذبح الهدي ويحلِق، وبهذا قد تحلَّل، لذلك بعضهم يحتاطون في نيَّة الحج وفي التلبية يقول: لبيك بحجٍ إلى بيتك الحرام، أو حيثما حبسني حابس. تنشأ أحياناً مشكلة كبيرة في الصحة، فربنا عزَّ وجل شرعه حكيم، وفيه رحمةٌ للعالمين. أنواع الحج :
ذكرت قبل قليل في أول الدرس: أن هناك حج مفرد وهو ما يفعله أكثر الحجاج السوريين، يحرم بالحج فقط، أما كل إنسان حينما تمضي أيام الحج - أي حينما يمضي اليوم الرابع من العيد - فبإمكانه أن يأتي بعمرة ويبقى مفرداً ولا شيء عليه، المُفرد ليس عليه هديٌ الهدي على المتمتع، وعلى القارن، وعلى من ارتكب إحدى محظورات الإحرام، والهدي على من أُحصر، أما المفرد فلا شيء عليه، إلا أن المفرد بإمكانه أن يأتي بعمرةٍ بعد انقضاء أيام الحج ولا شيء عليه.
نحن عندنا إنسان آفاقي، وإنسان أهله حاضرو المسجد الحرام، عندنا المواقيت؛ ميقات أهل الشام، ميقات أهل العراق، ميقات أهل اليمن، هذه المواقيت تشكل شكلاً اسمه الحرم، من كان داخل الحرم فيحرم من بيته، هذا من أهل الحرم، من كان آفاقي، أي مكان إقامته خارج منطقة الحرم فهذا الذي يحرم من الحرم، من مداخل الحرم، لبيت الله الحرام.
شروط المتمتع :
إذا كان الإنسان ميسوراً وأراد أن يتمتع فهناك شروط، أول شرط: طبعاً المتمتع يحرم بعمرة، ويأتي إلى بيت الله الحرام، فيطوف البيت سبعة أشواط، ويسعى بين الصفا والمروة، ويصلي ركعتين، ويحلق، ويتحلَّل، الآن ليس محرماً، قد يقبع في مكة يومين، ثلاثة، خمسة عشر يوماً، بحسب مجيئه للحج، فهذه الأيام يمضيها بثيابه العاديَّة، ويغتسل، يتعطَّر، يقلِّم أظافره، يحلق لأنه متمتع.
اليوم الثامن من ذي الحجَّة يحرم من بيته، من فندقه، من مكان إقامته، وينطلق، هذا جاء بعمرة، وتمتَّع، وجاء بحجة، هذا اسمه متمتِّع، من أجل أن يُقبل تمتعه هنا شروط، من هذه الشروط تقديم العمرة على الحج، فلو حجَّ ثم اعتمر لا يكون متمتِّعاً.
ومن هذه الشروط أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، أشهر الحج شوال، ذو القعدة، ذو الحجَّة.
من شروط التمتع أن يحج في تلك السنة..
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
أي في سفر واحد عمرة وحج، الشرط الرابع: ألا يكون من أهل مكة لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
الخامس: أن يحرم بالحج من مكة، فإذا عاد إلى الميقات فأحرم لا يلزمه دم، ما عاد متمتعاً، لو أحرم أن يحرم من مكة، أحرم من مكة صار متمتعاً، لو عاد إلى منطقة الحرم إلى بدايتها وأحرم، صار حاجاً لم يعد متمتعاً. الإسلام دين عظيم يسع كل الحالات :
طبعاً هناك سؤال هو: هل يجوز أن نحرم للحج قبل أشهر الحج؟ هذا سؤال أحياناً يكون غير منطقي، قال لي أخ: من يومين أذاعوا بمحطة فضائية أنه لا يقبل الهدي إلا إذا سقته معك من بلدك. فنظرت أنا فيه مستغرباً. فقال لي: ما قولك؟ قلت له: والله جرب خذ معك جملاً في الطائرة، تحتاج لعشرة مقاعد، فهل يعطون الجمل بطاقة طائرة؟ الطريق إلى الحج حصراً بالطائرة، هناك شيء غير منطقي، هناك تبدلات، الأحكام تتبدل مع تبدل الظروف، هذا شيء غير طبيعي.
وقف خطيب على منبر قال: كل إنسان يصرف مئة ليرة أربع خمس وعشرينات أكل الربا، لأن الله قال: يداً بيد وسواءً بسواء، فاستنبط أن المئة صاروا أربع، صار في فضل وقع بالربا.
هكذا عقليات متحجرة، هكذا تفكير متزمت ينفر الناس من الدين، بالبديهة بعض الدول الأجنبية عندهم بالقضاء شيء اسمه: المحلفون، يأتون بخمسين شخصاً من الطريق، مثلاً شخص عادي قد يكون جاهلاً، أمياً، سمَّاناً، متجوِّلاً، شخصاً، يأتون بهم ويسمعونهم وقائع الجريمة، تجد هناك فطرة بالإنسان سليمة، هؤلاء الجهلاء الأميون، غير المتعمِّقين، لم يدرسوا الحقوق، ولا يوجد عندهم أي خبرة بالقضاء، والله الأصابع تشير إلى فلان، أن فلاناً مجرم، هؤلاء اسمهم محلفون، هؤلاء على الفطرة، هؤلاء يمثلون الضمير البشري.
قل لإنسان: أنا ذبحت غنمة، وألقيتها بالطريق، والحرارة ست وخمسون، وأنا أديت الحمد لله مناسك الحج. هل هذا الدين دين الله؟ تتلف مالاً ثميناً جداً الناس في أمس الحاجة له، تتلفه وتجعله يسبب تلوث البيئة وأنت حاج؟ لا والله أنت ما فهمت شيئاً بالحج.
أحياناً تنشأ ظروف، أريد أن أًقبّل الحجر، معقول أعمل معركة هذا بكوعي، وهذا أدفعه بصدري حتى أصل إلى الحجر؟!! مرة كان لي تعليق مضحك قلت لهم: تصوروا أباً حوله ثمانية أولاد، عنده ابن شرس، فأحب هذا الابن الشرس أن يكسب رضا والده، مسك أول أخ ضربه على وجهه دفعه جانباً، أمسك بالثاني وركله بقدمه، أمسك الثالث خبطه على وجهه، حتى تفرقوا، وجاء ليقبل يد والده. والله هكذا أرى أناساً عند الحجر وحوشاً، معقول؟ أنت جئت من بلاد بعيدة دافع مئات الألوف، من أجل سنة تضحي بفريضة تؤذي الحجاج؟.
مرة أحد أخواننا العلماء جزاه الله الخير - من باب الدعابة - قال لي: أنا مذهبي شافعي، فدخلت لكي أطوف، فبالطبع هناك نساء، وبشكل خطأ امرأة مست يدها يدي، فكيف يخرج من الطواف، والآن الوضوء خارج الحرم تحتاج ساعة، أو ساعتين لتخرج وتتوضأ وترجع، قال: تقلدت الإمام الحنفي، وأنا أطوف انتقلت من شافعي لحنفي، جاء إنسان زنجي داس على رجلي أدماها، الدم سال، انتهى الطواف صار هناك دماً سائلاً قلدت المالكي أيضاً. قال لي: بدأت شافعياً، صرت حنفياً، انتهيت مالكياً، فكذلك هذه الاجتهادات نعمة كبيرة.
أنا مرة كنت في البعثة، فجاءت امرأة من ريف دمشق تسأل أحد العلماء: أنها جاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة ماذا تفعل؟ فما نظر لوضعها قال لها: عليك بدنة. أي أن تذبح جملاً، ثمنه مئة ألف. فبركت مثل الجمل، هذه الحجة تنتظرها من ثلاثين سنة، كل ما تملك جمعته لهذه الحجة، هذا الحكم الشرعي؟ عند الأحناف عليها ذبح بدنة، عند الشافعة عليها أن تغدو أميرة الحج، ينتظرونها، سبعة أيام تطهر وتطوف، وتأتي عند الإمام مالك تطوف البيت ولا شيء عليها.
تصور إنسانة بالحج معها ملايين، وسألتنا نقول لها: عليكِ بدنة، ادفعي مئة ألف للفقراء وأطعميهم، فلا مانع. إنسانة لها ابن مقيم بجدة وزوجها تاجر نقول لها: اجلسي عند ابنك سبعة أيام وبعد أن تنتهي تطوفين بالبيت. إنسانة فقيرة لا أحد ينتظرها ليس معها قرش زيادة عن نفقة الحج نقول لها: طوفي ولا شيء عليكِ.
انظر إلى الإسلام وعظمته، يسع كل الحالات؛ يسع حال امرأة فقيرة، يسع حال امرأة غنية، يسع حال إنسان ليس ملتزماً بعمل، حر، تاجر ليس عليه دوام.
مثلاً هناك أربعة ملايين حاج، لو أرادوا أن ينفروا من المزدلفة في وقت واحد كانوا ماتوا دهساً، عند الإمام مالك لك أن تنطلق من مزدلفة بعد العشاء، والله هذا شيء سهل، عند الإمام الشافعي بعد الثانية عشرة، عند أبي حنيفة بعد الفجر، الأربعة ملايين توزعوا على ثلاثة، فصار مليون بمليون بمليون، شيء جميل، تنوع الاجتهادات يغطي كل الحالات، بالإنسان هناك ثوابت ومتغيِّرات؛ بالثوابت الأحكام قطعية، بالمتغيرات الأحكام ظنية.
في الظروف الصعبة يجب على الإنسان أن يختار الأسهل وبالرخاء يختار الأحوط :
أرجو الله سبحانه وتعالى أن أنقل لكم هذه الحقيقة، في وقت الشدة يجب أن تأخذ بالأسهل، وفي الرخاء يجب أن تأخذ بالأحوط، فالنبي رجم الجمرات وكان معه ألفا حاج، إذا صار بدلاً من الألفين مليونا حاج، والمكان واحد، يجب أن يكون الإنسان عنده حكمة، يقول لك: أنا حججت ثلاث مرات ومعي زوجتي، الإنسان يخرج مُصَفَّحاً من الازدحام، فأي إقبال، وأي بكاء، ينسحق الإنسان سحقاً، وإذا رأى امرأته تنسحق بين الرجال فهل يعرف أن يتجه لله عز وجل؟ أنا بالليل رجمت، بالليل هناك متر بينك وبين الذي يقف بجانبك، تبكي، تبتهل، تدعو.
فبالظروف الصعبة يجب أن تختار الأسهل، بالرخاء تختار الأحوط، خذها قاعدة، وأنا أرى أنه لا ينبغي أن يكون الإفتاء في الحج على مذهب واحد، ممنوع، أرى، وأصر، وأتمنى أن يكون في بعثة الحج أربعة مفتيين؛ مفتي حنفي، شافعي، مالكي، حنبلي، الحنبلي أهون شيء، لكن عند العوام الحنبلي أصعب شيء، يقول له: هل ستسوقها حنبلية؟ ما الحنبلية؟ الإمام الحنبلي كان أورع الناس لنفسه، وكانت فتاواه أسهل الفتاوى، فهو شديد على نفسه، هناك شخص لنفسه يأخذ كل الرُخص، إذا سئل يعطي أصعب شيء، هذا موقف غير صحيح.
9 ـ محرَّمات الإحرام :
الحكم التاسع: محرَّمات الإحرام؛ الجماع ودواعيه، من لمس، شهوة، تقبيل، إفحاش في الكلام، إلخ، هناك جهل يا أخوان، هناك جهل كبير، أنا والله أربأ بإخواننا الحجاج أن يقعوا في هذا الجهل، حدثني أحد رؤساء الأفواج: إنسان قبَّل زوجته أمام الناس بالحج. هل أنت حاج؟ أنت تريد ملهى، لا تريد حجاً.
هناك شخص بمكة يقول لك: أين قبر النبي؟ هنا لا يوجد قبر النبي، قبر النبي بالمدينة، قال له وهو بالكعبة: أخي أين القبلة؟ قال له: هذه الكعبة. فقال له: أنا أقول لك القبلة وليس الكعبة، فأين القبلة؟ قال له: هذه الكعبة. جهل مطبق.
بلغني أن في بعض الدول الإسلامية أنه لا يمكن أن تحج قبل أن تدخل دورة لمدة ستة أشهر؛ نظري وعملي، تجد هذا الحاج من شرق آسيا يمثل بلده أعلى تمثيل، أدب، يعرف كل المناسك، نظافة، أماكن راقية، سيارات مكيفة، تجده يقعد حيث انتهى به المجلس، لكن نحن أصحاب الرسالة، نحن الوسطاء بين الله وخلقه، إلينا جاءت الرسالة، ونحن الغلط من عندنا، والفوضى من عندنا، والنوم بالطرقات، ويقول له: أين قبر النبي وهو بمكة؟ إنسان دعا بالحج أن يبعث الله له ولداً، فالتقى مع زوجته بعرفات، فربما أتاه ولد مثلاً، شيء مخيف، أخطاء فاحشة.
والله مرة من باب الطرفة أنا كنت موكلاً بفحص رؤساء الأفواج، رأيت رئيس فوج لم يعجبني، قلت له: إذا كان هناك امرأة مسنة، عمرها ثمانون سنة، ما تمكنت أن تهرول بين الميلين الأخضرين، ماذا عليها؟ تأمَّل، وتأمل، وتأمل وقال لي: والله بطل حجها يا أستاذ. قلت له لماذا؟ قال لي: لأن هذه الهرولة ركن من أركان الحج. هذا سوف يدير مئة حاج بالحج؟!، هناك جهل مطبق، علاجه العلم، تفقهوا قبل أن تحجوا، جميل جداً أن تكون فقيهاً بالحج، ولطيفاً.
من أجل سنة نضحي بفريضة، من أجل سنة نرتكب كل الأعمال القبيحة، فتصور هكذا صف جامعي، صف رابع رياضيات، فيه ثلاثة عشر طالباً، وكل الأساتذة دكاترة كبار، دخل إلى الصف حوالي ستين أو سبعين من الأميين وقعدوا معهم، فما بقي هناك محاضرة، ولا فهم، ولا شيء، انتهى العلم، فالإنسان يجب أن يكون دقيقاً، أنت تمثل بلدك، الحقيقة أنا أريد أن أقول لكم كلمة: الحاج سفير بلده.
تجده حاجاً يرفع اسم بلده إلى الأوج؛ وحاجاً يضع سمعة بلده في الوحل من تصرفاته، والله في بعض البلاد الإسلامية عندهم لطف ورقة بالغة، وهناك أناس غير ذلك.
التفقه قبل الحج :
الشيء المؤلم أن هناك ثلاثمئة راكب في هذه الطائرة، تجد عندما يصعدون يتقاتلون، لك محل على البطاقة، بطاقة صعود عليها محل لا يتغير لو وقفت بهدوء، وطلعت بانتظام، أنت حاج تجعل موظفاً يسمعك كلمة قاسية، أنت ضيف الله، ضيف الرحمن، لك مكانتك، فالإنسان بقدر ما يحترم نفسه فالناس يحترمونه، فهذه مشكلة.
والله أنا ذهبت لبلاد سافرت من فترة إليها، كان هناك موظفاً عند العمود، يجب أن يقف الشخص الثاني عندي، هناك خط أحمر، لكي يتكلم معه براحة، لا يوجد أحد عنده، هناك خط أحمر، الأول عند الموظف و الثاني بعد ثلاثة أو أربعة أمتار، هنا تقف والكل في غاية الانضباط، هذا النظام، والنظام حضارة، النظام رقي، أتمنى إذا أكرمنا الله بالحج أن يكون الإنسان لطيفاً، ظله خفيف، تفقهوا قبل أن تحجوا، طبعاً من محرمات الإحرام اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي، والمخاصمة، والمجادلة.
مرة بهذه الخيام، خيام مفرقة بعرفات يزيلون الفوارق فتصير صلاة جماعة كاملة، فواحد من الحجاج أزال أحد الحواجز بين خيمتين لتصير صلاة جماعة، لأن هناك خطبة، فواحد من الحجيج سب بالدين، من رواد عرفات، لماذا أزلتم الحاجز؟ فأنت لماذا جئت إلى هنا؟ الحج مثل الجامعة، تعد جامعة راقية جداً، أرقى عبادة، وهناك أناس يذهبون إلى الحج بشكل غير معقول، قال عليه الصلاة والسلام:
((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة]
الحج فرصة للصلح مع الله عز وجل :
آخر شيء بهذا الدرس قال: " من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ".
فأنت هل تعرف ماذا يوجد بالحج؟ الحج فرصة كي تصطلح مع الله، فرصة كي تمحى عنك كل الذنوب، فرصة قد تبدأ بها مع الله بصفحة جديدة، فلا شيء، رجعت كيوم ولدتك أمك، الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن نكون قدوة للآخرين، وإذا الإنسان حج، فالحج يحتاج إلى إعداد كثير، إلى تفقُّه، إلى علم، إلى أخلاق راقية جداً، طبعاً أنا ذكرت أمثلة حادة جداً يجب أن تسامحوني، ذكرت أمثلة حادة جداً، و هناك والله أيضاً حجاج كبار، ومهذبون، وأتقياء، وخاشعون، طبعاً الحالات النادرة هي صارخة لكن لا تعني أن الحجاج هكذا لكن هناك حالات من هذه الحالات.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : الصلاة على النبى - سورة الاحزاب







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الله عز وجل أوجب علينا أن نصلي على النبي :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع عشر من: "آيات الأحكام"، ومع قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
أيها الأخوة، من لطائف تفسير هذه الآية أن الله عز وجل أوجب علينا أن نصلي على النبي، فالعلماء بين من يرى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجب من الواجبات الدينية، وبين من يرى أنها سنة مؤكدة لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
فكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب. الجملة الاسمية في القرآن الكريم تعني الثبات والاستمرار :
الشيء الأول أن هذه الجملة
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾
جملة اسمية، وكلكم يعلم أن الجملة نوعان؛ اسمية وفعلية، فالاسمية هي الجملة المصدرة باسم، والفعلية هي الجملة المصدرة بفعل، قد تأتي جملة اسمية وخبرها فعل، فهذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
(إن) حرف مشبه بالفعل، (الله) لفظ جلالة اسمها منصوب، (وملائكته) معطوف، (يصلون) فعل مضارع خبر الجملة أي خبر اسم إن، فمع أن في هذه الجملة فعلاً مضارعاً إلا أنها جملة اسمية لأنها مصدرة باسم. من لطائف السورة السابقة :
1 ـ الأمر الإلهي جاء على صيغة جملة اسمية مصدرة باسم وجاء خبرها فعلاً :
ماذا تعني الجملة الاسمية في القرآن الكريم؟ تعني الثبات والاستمرار،
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
أية جملة اسمية تعني في القرآن الكريم الثبات والاستمرار، لأن التركيب الاسمي من شأنه الثبات والاستمرار، أما التركيب الفعلي فمن شأنه الحدوث والانقطاع، تقول: العلم نافع، هذه حقيقة ثابتة دائمة، أما دخل طالب، فالدخول تم وانتهى، فالتركيب الاسمي يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والانقطاع.
فالشيء المستمر الذي يعم نفعه ويتجدد فعله يأتي في القرآن الكريم بصيغة اسمية، فأول لطيفة أن هذا الأمر الإلهي جاء على صيغة جملة اسمية مصدرة باسم، وجاء خبرها فعلاً، وقد قال بعض العلماء: إن الخبر الفعلي يعني تجديد هذه الصلاة بشكل مستمر، أمر دائم والتجديد مستمر. الإنسان حينما يتصل بالله عز وجل يتألق و يطهر قلبه و تسمو نفسه :
لو أردنا أن نقف قليلاً عند حكمة هذا الأمر، الإنسان حينما يتصل بالله عز وجل يتألق، يطهر قلبه، تسمو نفسه، يطمئن فؤاده، تشرق أساريره، فهناك بالحياة الإنسانية ما يسمى بتشابك النفوس، أنت اجلس مع إنسان له صلة بالله ترتاح، وتطمئن، وتحب أن تبقى معه، اجلس مع إنسان بعيد عن الله تتضايق منه، وتتمنى أن يمضي الوقت سريعاً، وأن تبتعد عنه، فالأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف، أي هناك طريق للهدى أن تتعلم، طريق آخر لسلامة النفس أن تكون مع المؤمنين، لهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 119 ]
أنت راقب نفسك إن جلست مع أهل الدنيا تشعر بالضيق، قد تعجب بهم ولكن لا ترتاح معهم، أما إن جلست مع أهل الإيمان تطمئن النفس، ويرتاح القلب، وتشرق الأسارير، يؤكد هذا سيدنا حنظلة لمّا مرّ به الصديق ورآه يبكي فقال له: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى- القصة معروفة عندكم - قال له: أنا كذلك يا أخي، والنبي الكريم يقول: "لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة". كل نفس لها وهج وإشعاع وحرارة :
يجب أن تراقب نفسك إذا كنت وحدك في البيت، أو في العمل، أو في دكانك، أو في مكتبك التجاري تحل مشكلات لك حالة، وحينما تجلس مع أهل الإيمان، وحينما تدخل بيت الله عز وجل لك حالة أخرى هي حالة الطمأنينة، والسرور، والسعادة، السبب أنك أنت مع نفوس مؤمنة فاشتبكت النفوس، فالقوي يأخذ بيد الضعيف، الموصول يأخذ بيد المقطوع، المتألق يأخذ بيد الفاتر، القريب يأخذ بيد البعيد، وهذه حكمة صلاة الجمعة، وهذه حكمة صلاة الجماعة، الصلاة صلاة وأنت في المسجد قد تجد إنساناً متفوقاً أقرب إلى الله منك، أكثر اتصالاً بالله، أكثر استقراراً، فحالته النفسية الراقية ناتجة عن اتصاله، هذه لها إشعاع.
الآن هذه العلبة ليس لها إشعاع، أما المصباح فله إشعاع، مكانه في هذا المكان وأشعته تسري في كل مكان، وكذلك المؤمن في إشعاع، فأنت حينما تكون مع الصادقين، مع المؤمنين، مع الأتقياء، مع المحبين، مع الموصولين، تقتبس منهم تماماً كما إذا كنت أمام مصباح متألق يأتيك من نوره، تماماً كما إذا كنت أمام مدفأة متوهجة تأخذ من دفئها، تماماً كما إذا كنت أمام مكيف في الصيف يعطي هواءً بارداً تأخذ من هذا الهواء البارد.
فشيء دقيق وحساس أنك إذا كنت مع المؤمنين تقتبس منهم، تقتبس من طمأنينتهم، تقتبس من كمالهم، تقتبس من اتصالهم بالله عز وجل، هذه هي فلسفة الصلاة على النبي اللهم صلِّ عليه، أي وأنت مع رسول الله لك حال آخر، وأنت مع أصحابه الكرام لك حال آخر، وأنت مع كبار المؤمنين لك حال آخر، وأنت مع أولياء الله لك حال آخر، عملية تمازج نفوس.
قد يؤكد هذا المعنى أنك إذا جلست مع نفر من علماء الطب تشتهي الطب، إن جلست مع التجار تشتهي أن تكون تاجراً، يصبح هناك عدوى، يصير تشابك نفوس، كل نفس لها وهج وإشعاع وحرارة، هذا الوهج والإشعاع والحرارة يصل إلى النفس الثانية، وهذا سرّ الصحبة، وأول آية في هذا الموضوع:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 119 ]
ودليل آخر: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
إذاً وأنت في طريق الإيمان شيء مهم جداً البيئة التي تعيش فيها، الزملاء الذين هم حولك، الأقرباء الذين تزورهم، الجيران الذين تجاورهم، المجتمع الذي يحتضنك، هذا مهم جداً. النبي عليه الصلاة والسلام قمة الكمال البشري :
لذلك من الصعب أن تستقيم وأنت في بيئة متفلتة، من الصعب أن تستقيم وأنت مع أناس ضائعين شاردين، قمة الكمال البشري النبي عليه الصلاة والسلام، أشدّ الناس خشية هو رسول الله، أشدّهم قرباً هو رسول الله، أسعدهم هو رسول الله، أكملهم هو رسول الله، فالله عز وجل أراد أن تقتبس من هذا الكمال البشري، يعد النبي عليه الصلاة والسلام قمة الكمال البشري، فإن جلست إليه إما أن تستفيد من علمه، وإما أن تستفيد من حاله، له علم وله قال وله حال، له كلام يقوله، وله حال تشعر به، لذلك أمرنا أن نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الأمر النبوي الإلهي:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
الإله إذا صلى على النبي أي تجلى عليه برحماته، تجلى عليه بأنواره، تجلى عليه بالقربات، تجلى عليه بالإشراقات عن طريق الملائكة، الملائكة وسائط، معنى الآية إن أردتم أن تقتبسوا من أحواله.. إن أردتم أن تقتبسوا من أنواره.. إن أردتم أن تقتبسوا من سعادته فصلوا عليه، أي كونوا قريبين منه باتباع سنته، بذكره، بذكر شمائله، بذكر أخلاقه، بذكر فضائله، بذكر بطولاته، هذا أمر متجدد، دائماً الحق مجرد أما القدوة فمجسمة، فأنت بحاجة إلى حق مجرد وقدوة مجسمة، الحق المجرد القرآن والسنة، أما القدوة المجسمة فالنبي عليه الصلاة والسلام. الصلاة على النبي من قبل المسلمين هي تعظيم له :
الله إذا صلى على النبي تجلى عليه، غمره برحماته، ألقى في قلبه أنواره، طمأن قلبه لأنه قربه، والملائكة هم الوسطاء، والمؤمنون هم المستفيدون، الإله يعطي والملك واسطة والمؤمن مستفيد.
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
قال بعض العلماء: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليس لحاجته إليها، هو لا يحتاجها لأن الله أكرمه، وأعلى شأنه، ورفع قدره، ورفع ذكره، وأعطاه، وجعله سيد الأنبياء وسيد الرسل، وجعل له مقاماً محموداً لا ينبغي إلا لواحد من خلقه، وأمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن ندعو له بالوسيلة، هو غني عن صلاتنا ولكن صلاتنا من أجلنا، قال العلماء: ليس النبي عليه الصلاة والسلام محتاجاً إلى صلاتنا بل وليس محتاجاً إلى صلاة الملائكة لأن الله صلى عليه، انتهى كل شيء.
إنما الصلاة على النبي من قبل المسلمين هي تعظيم له، وانتفاع من رحمة الله التي تنزل على قلبه، لذلك ورد في بعض الأحاديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق".
لأنه لو قدم كافر خدمة عالية جداً وأنت ملت إليه بحكم فطرتك التي فطرت عليها هذا الميل إلى كافر مقطوع، بعيد، منكر، جاحد، هذا الميل إلى هذه النفس قد تقتبس منها بعدها، وضيقها، وضجرها، واضطرابها، لذلك عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات، والمعنى المخالف عند ذكر المنقطعين تشمئز القلوب، إذا إنسان دخل إلى بستان جميل، وحديقة ورود هذا جميل جداً يقف عند كل وردة، هذه حمراء، وهذه فواحة الرائحة، وهذه بيضاء ناصعة، أما إذا وقف على حاوية وأراد أن ينقب في الحاوية فطعام متفسخ، لحم نتن، قشور لها رائحة كريهة، لذلك بذكر الصالحين تتنزل الرحمات وبذكر المعرضين تتنزل الشقاوات.
2 ـ صلاة الله على النبي هي الرحمة أما صلاة المؤمنين فهي الدعاء :
الآن جرب في سهرة أو لقاء أو نزهة تتحدث عن أصحاب رسول الله تجد بعد حين الوجوه تألقت، العيون أصبحت زئبقية، الخدود توردت، النفوس اطمأنت، ويقال: والله شعرنا بسرور وصار هناك تجلياً، اجلس الجلسة نفسها مع الأشخاص أنفسهم وتحدث عن إنسان لئيم، عن مجرم، عن منحرف، تجد أن النفوس ضاقت، تفرق الجمع، تشتت الشمل، ضجر من في المجلس، فعود نفسك إذا جلست أن تتحدث عن الصالحين.
المعاجم تقول: الصلاة دعاء، فإذا قلنا: إن الله وملائكته يصلون هذا المعنى لا يليق بالله عز وجل، الله من يدعو‍! أنت تدعو الله لكن الله من يدعو؟ فالصلاة دعاء واستغفار ولكن هذا المعنى لا يليق بالله عز وجل، فإذا عزيت الصلاة إلى الله فهذا المعنى لا يليق بالله عز وجل.
الصلاة من الله بمعنى الرحمة، الرحمة ما هي؟ من أدق الأسماء، عطاء الله عز وجل إجمالاً يسمى رحمة، إذا طمأن قلبك رحمة، إذا أصحح لك جسمك رحمة، إذا ملأ قلبك سعادة رحمة، إذا ملأ نفسك بروداً رحمة، فرحمة الله تبدأ من الحالة النفسية إلى الحالة الجسمية إلى العلاقات الاجتماعية، أحياناً يدافع عنك إذاً رحمك، أحياناً يعلي قدرك إذاً رحمك، لذلك قالوا: صلاة الله عز وجل على النبي هي الرحمة، أما صلاة المؤمنين فهي الدعاء، الدعاء أو الاتصال أو التعظيم.
وقال بعض العلماء: الصلاة من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، وهما يشتركان بالعناية بالمرحوم والمستغفر له وهذا هو القاسم المشترك بينهما، العناية من الله تجليات الرحمة، من الملائكة الاستغفار، من المؤمنين الدعاء، لأن الآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
المؤمنين دعاء، والملائكة استغفار، والله جلّ جلاله تجلّ وتنزل الرحمات.
3 ـ حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
و هناك لطيفة ثالثة: الله جلّ جلاله أمرنا بالصلاة على النبي فقال:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
طبعاً قل أنت: أنا صليت على النبي، أما الصلاة التي علمنا إياها النبي فهي: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، قل أنت: أنا صليت عليك يا رسول الله، العلماء قالوا: لأنك لن تستطيع أن توفيه قدره ولا حقه ولا مكانته اطلب من الله أن يصلي عليه، لماذا عدلنا عن قول لقد صلينا عليه؟ تقول: صلينا عليه، لا.. تقول: اللهم صلِّ على محمد، لأننا يا رب عاجزون عن أن نوفيه حقه، أنت إذا صليت عليه وفيته حقه.
إنك يا ربنا أعلم بما يليق به فنحن عاجزون عن توفيته حقه، قاصرون عن معرفة الثناء عليه، لقد أوكلنا الأمر إليك، تدبر سرّ هذه الجملة: اللهم صلِّ على محمد فإن هذا المعنى نفيس ودقيق، يقول لك: قدرني، أي أنا ليس بالإمكان أن أعطيك حقك يا رب اجزه عني كل خير، هذا هو المعنى.
وبعضهم قال: معنى قولنا اللهم صلِّ على نبينا محمد أي يا رب عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره، ومثوبته، وإعطائه المقام المحمود. ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ فَقُلْنَا إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ فَقَالَ إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا))
[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ]
أنت بحاجة إلى تيار كهربائي ذهبت إلى مركز توزيع وضعت هذا الشريط وأخذت تياراً قوياً بشكل أو بآخر، النبي عليه الصلاة والسلام مهبط تجليات الله، الأنوار والإسرارات، والإشراقات كلها عند النبي، فأنت أردت أن تأخذ منه شيئاً بالصلاة عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم لما صعد درجات المنبر: آمين، ثم قال: ((رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك))
[ البيهقي عن أبي هريرة]
رغم أنفه أي خاب وخسر.
والحديث الثالث: يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
إذا أردت أن توسع هذا المعنى هو المعنى اللهم صلِّ على سيدنا محمد، لو أردت أن توسعه أن تعيش في كمالات النبي، تعيش في رحمته، تعيش في رأفته، في عدله، في عبادته، في محبته، في تواضعه، في إنصافه، في مؤاثرته، إذا كنت تعيش مع أخلاق النبي فأنت تصلي عليه حقيقة، أنت لا حظ نفسك تسير في الطريق وحدك راكب سيارة، سافرت إلى حلب الحديث الذي يجري مع نفسك حول ماذا؟ المؤمن أكثر حديثه مع نفسه عن رسول الله، هذه حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
أيها الأخوة الكرام، بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر للوجوب، فتكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه، وتكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالتلفظ بكلمة التوحيد من حيث الوجوب.
وقد اختلف بعض العلماء في حكم الصلاة على النبي هل تجب في كل مجلس؟ هي واجبة لكن في كل مجلس أم كلما ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم أم هي مندوبة؟ طبعاً هي واجبة في العمر مرة، قال بعضهم: هي واجبة كلما ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: تجب في المجلس مرة واحدة، أي لو إنسان قال: النبي الكريم، ممكن لأنه في المجلس صلى عليه مرات عديدة.
وبعضهم قال: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد أو مجلس، ولا يكفي أن تكون في العمر مرة واحدة، السبب لقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
يصلون فعل مضارع يفيد الاستمرار، الذين قالوا بالوجوب يقولون: كلما ذكر اسم الرسول صلى الله عليه سلم الله جلّ جلاله أمرنا أن نصلي عليه لأن الأمر يفيد التكرار، ثم لما ورد من الوعيد الشديد لمن لم يصلِّ على النبي كقوله صلى الله عليه وسلم: ((الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ))
[ الترمذي عن علي ]
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَجْلِسٍ فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا كَانَ مَجْلِسُهُمْ تِرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
وقول جبريل: ((رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك))
[ البيهقي عن أبي هريرة]
فقال النبي الكريم: آمين.
لذلك القائلين بالوجوب أن تكثر من الصلاة عليه كلما ذكر وفي كل مجلس وبشكل مستمر، إذاً هذه عند هؤلاء تفيد الوجوب، الصلاة على النبي واجبة على الاستمرار كلما ذكر وفي كل مجلس.
قال: وذهب جمهور العلماء إلى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قربة وعبادة كالذكر، والتسبيح، والتحميد، وأنها واجبة، ومندوبة، ومسنونة، في كل وقت وحين، وأنه ينبغي الإكثار منها لما صح عنه صلى الله عنه وسلم أنه قال: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا))
[ الدارمي عن أبي هريرة ]
ولابن مسعود قول رائع يقول: "الذي يقتضيه الاحتياط ويستدعيه معرفة علو شأنه صلى الله عليه وسلم"، أي الاحتياط يقتضي أن تصلي عليه كلما جرى اسمه، هذا ملخص الملخص، وإلى هذا ذهب الجمهور جمهور العلماء. أسرار الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم :
أيها الأخوة، الصلاة على النبي لها أسرار كثيرة، أي لو أردنا أن نضيف معنى جديداً إذا صليت على النبي تذكر سنته الفعلية والقولية، إذا صليت على النبي تذكر كماله، إذا صليت على النبي تذكر رحمته، لا بدّ لكل إنسان من شخصية يعيشها، وشخصية يتمنى أن يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، فإذا كانت شخصية النبي هي الشخصية التي تتمنى أن تكونها دائماً فأنت تصلي عليه حقيقة، أي حقيقة الصلاة عليه أن تجعله الشخصية التي تتمنى أن تكونها.
ممكن أن تدخل إلى البيت وليس هناك طعاماً، طالما أن النبي دخل إلى بيته ولم يجد طعاماً ماذا فعل؟ تذكر النبي، النبي حليم ورحيم وعنده حكمة ولا ينفجر على زوجته.
فمعنى الصلاة على النبي أنت مع كمال النبي، مع أخلاق النبي، مع سمت النبي الحسن، مع رحمته الجياشة، مع حلمه الذي لا حدود له، مع رحمته، مع حلمه، مع وقاره مع هيبته، هذه هي الصلاة على النبي، أي بالإضافة إلى النظريات والمعلومات والعقائد والأفكار عندك شخص، فيه كمال بشري رفيع جداً، يمثل أعلى درجة من الكمال البشري، وهو قدوة لك، فالصلاة عليه تعني تذكر كماله، تذكر رحمته، تذكر حلمه، تذكر عفوه، هذا هو التذكر، فهذا يعد حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : (العشرون )


الموضوع : الولاء والبراء - سورة ال عمران





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الولاء والبراء أخطر شيء في حياة المؤمن :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من دروس: " آيات الأحكام "، والآية اليوم قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
أخطر شيء في حياة المؤمن ما يسمى بالولاء والبراء، فحينما يوالي الكافرين يجر إلى دينهم، أو إلى أخلاقهم، أو إلى تصوراتهم، أو إلى سلوكهم، فهذه آية خطيرة جداً، بعد الإيمان بالله لا بدّ أن تراجع كل العلاقات السابقة، كل العلاقات الاجتماعية يجب أن تدرس، وأن تصنف، وأن تراجع وفق مناهج الدين، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، علاقات العمل لا شيء عليها، أي علاقة مع أي إنسان إن لم تؤذ أحداً ولم تدفع ثمن هذه العلاقة من دينك لا شيء عليها، أما أي علاقة يكون ثمنها على حساب دينك فهذه علاقة خطيرة. على المؤمن ألا يوالي أعداء الله عز وجل :
آية اليوم:
﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 26 ]
بعد أن بين الله جلّ جلاله أنه واهب الملك ونازع الملك، المعز والمذل، القادر على كل شيء، بعد أن بيّن لك أنه وحده العزيز الحكيم، ولا منجى ولا ملجأ لك منه إلا إليه قدم لك هذا التوجيه وهذا الأمر: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
نبه الله المؤمنين إلى أنه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، كيف توالي عدو الله؟ كيف تميل معه؟ كيف تقف إلى جانبه؟ كيف تحبه وهو لا يحب الله؟ كيف تحترمه وهو يعصي الله؟ كيف تمنحه ودك وهو يجافي دين الله عز وجل؟
فقضية خطيرة جداً أن توالي أعداء الله، العلاقات علاقات العمل هذا موضوع آخر، أي إنسان كنت تحت إمرته تقوم بواجبك خير قيام وتحترمه بحكم منصبه، هذا شيء آخر، حديثنا ليس عن علاقات العمل التي لا تؤثر في دين الإنسان، حديثنا عن الولاء، عن الحب الداخلي، عن الولاء النفسي، عن العلاقات الحميمة التي تجعل من هذين الإنسانين يشتبكان نفسياً، يؤثر كل منهما بالآخر، فالعلاقات الحميمة علاقات خطيرة والآية عن هذه العلاقات. من استعان بأعداء الله فقد نقص دينه :
إذاً لا ينبغي للمؤمنين أن يوالوا أعداء الله، أو أن يستظهروا بهم، أن يستعينوا بهم، أن يتكلوا عليهم، أن يعتدّوا بهم، أن يفتخروا بهم، وهذا منزلق خطير للمؤمنين، قد يكون لمؤمن قريب من أهل الدنيا من الأقوياء، من الأغنياء، من المتفلتين، لمجرد أن تعتز به، وأن تتكئ عليه، وأن تجعله مع الاحتياطي الذي يدعمك في وقت الشدة فقد نقص إيمانك، وقد نقص دينك، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
لا تستظهر به، ولا تعتمد عليه، ولا تفخر به، ولا تركن إليه، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة هود : 113]
أسباب نزول الآية التالية :
لحكمة بالغة بالغة ولأسلوب تربوي رفيع ربنا جلّ جلاله حينما يرى مؤمناً يعتز بغير المؤمن، ويركن إليه، و يفتخر به، يخيب ظنه به، يلهم هذا القوي أن يتخلى عنه، أو أن يقف موقفاً منكراً منه تأديباً من الله له، ينبغي أن تكون الرغبة فيما عند الله تعالى وعند أوليائه دون أعدائه.
قال بعض علماء التفسير: نزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين يوالون رجالاً من أهل الكتاب، فقال لهم بعض أصحاب رسول الله: اجتنبوا هؤلاء واحذروا مصاحبتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا النصيحة فنزل قول الله تعالى:
﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت فقد كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال له عبادة: يا رسول الله إن معي خمسمئة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله قوله: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
وللنبي عليه الصلاة والسلام مقولة شهيرة: "لا نستعين بمشرك على مشرك". والمسلمون ماداموا يعلقون الآمال على الكفار، ماداموا ينتظرون من الكفار أن ينصفوهم، ماداموا ينتظرون الفرج والمدد وتحريك الأمور من غير المسلمين فقد ضلّوا سواء السبيل. لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية ؟
الآن السؤال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية؟ هو ينهاهم أم ينفي عنهم؟ قال علماء التفسير: يصح الوجهان، يصح أن تكون الآية على النحو التالي إن الله ينهى المؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وقد يقول قائل: وقد تصح نافية، أي شأن المؤمنين لا يتخذوا الكافرين أولياء، قال بعضهم هذه أبلغ كقوله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
لم يقل يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكم، شأن الوالدة أن ترضع ابنها، قال تعالى ﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾
نفى الله عن المؤمنين الزنى، هذا أبلغ من أن ينهاهم فيقول: لا تزنوا، هذا شأنهم، النهي فيه تصور المخالفة، لو أنك قلت لابنك: اشتر بهذه الدراهم لبناً وإياك أن تأخذ من هذا المبلغ شيئاً وكان خالي الذهن من أن يأخذ فلما نهيته أصبح في باله أن يأخذ، قال: النهي عن الشيء فيه تصور وقوعه، لذلك الآيات التي تخبر ولا تنهى أبلغ، أي ومن دخله كان آمناً، أي اجعلوه آمناً، الطيبون للطيبات أي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، آيات كثيرة جاءت في أسلوب الخبر وهي في الحقيقة أسلوب الإنشاء، هي في الحقيقة أمر أو نهي، جاء على صيغة الخبر، قال: هذا أبلغ، يا بني إياك أن تأتي بعد الساعة التاسعة، لم يكن يخطر في باله أن يتأخر فلما جاء النهي تصور النهي، أما إذا قلت له: ليس عندي ولد يأتي بعد الساعة التاسعة إطلاقاً هذا خبر يفيد النهي لكن يمنع تصور العكس.
لذلك قال بعض المفسرين: لا يتخذ المؤمنون هذه لا نافية، أي ليس من شأن المؤمنين أن يتخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين. أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً :
أما الأولياء فهي جمع ولي، من هو الولي في اللغة وفي هذه الآية؟ الناصر والمعين، لا تستعن بمشرك، لا تأخذ برأي مشرك، لا تستنصح بمشرك، يعطيك الخلط والشرك وحب الدنيا والمعصية، قال تعالى:
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
إياك أن تطع من أغلفنا قلبه عن ذكرنا، لا تستنصر بهم أي المشركين، لا تستعن بهم، لا تركن إليهم، لا تعبأ بالقرابة التي بينك وبينهم، أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً. ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
[سورة المجادلة: 22]
لا قرابة، ولا زمالة، ولا جوار، ولا معرفة سابقة مادام كافراً.. مادام منكراً منهج الله عز وجل، لا يعبأ بكل تعليمات الله عز وجل، هذا ينبغي أن تحدد علاقتك معه علاقة عمل، علاقة سلام، أما سهرات ونزهات وعلاقات وشراكات فهذه علاقات حميمة لا يتضرر منها إلا المؤمن، كأس ماء نظيف وكأس ماء قذر اخلطهما من الذي يتضرر؟ كأس الماء النظيف فقط أما الكأس الثاني فلا يتأذى.
إنسان يرتدي ثوباً كله أقذار وشحم وزيت أسود، عانق إنساناً يرتدي ثوباً أبيضاً ناصعاً من الذي يتأذى؟ صاحب الثوب الأبيض أما الثاني فلا يتأثر، غير المؤمن مستعد أن يسمعك أقبح نكتة وأحقر نكتة، أنت تستحي وهو مرتاح، هو يريد أن يستفزك، تعليقاته لاذعة، ونظراته وقحة، ووصفه قذر، وعلاقاته مصلحية، فليس لك مصلحة أن تقيم علاقة ودّ بينك وبين كافر، فإن فعلت فهذه علامة خطيرة جداً، ومن يتولهم فإنه منهم، لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، في آية: ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم، لذلك أخوك المؤمن أقرب إليك من أي إنسان كائناً من كان. على المؤمن أن يعيش في مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط :
قال: لأن العلاقة بين المؤمنين والكفار إذا استحكمت وتمتنت ربما استحسنت أعمالهم، عش مع أهل الدنيا شيئاً فشيئاً تقنع بأعمالهم: تقول: هم فرحون نحن متزمتون، شيئاً فشيئاً تستمرق معاصيهم وتقنع بانحرافهم، لأن الإنسان ابن بيئته، أخطر شيء البيئة فإذا اختار بيئة صالحة ارتقى بها، وإذا اختار بيئة سيئة هبط بها، لذلك الإنسان حينما يعيش كل يوم وراء أعمال فنية ساقطة فيها انحرافات لو أدمن عليها صار هذا العمل طبيعي عنده، إذا عاش يومياً يتابع المسلسلات، والخيانات، والعلاقات الآثمة كلها، والأساليب الملتوية، والذكاء موظف في الشر، والإنسان أناني مصلحته فوق كل شيء، وهذا البطل الذي يعطى كل أسباب الرفعة، يشرب الخمر، ولا يعبأ بحلال أو حرام، فالإنسان حينما يعيش هذه الأجواء كل يوم يرى أن هذه الأجواء طبيعية، أي كيف يمكن أن تقنع ابنتك بالدين وبالعفة وبالطهارة إذا مدمنة على مسلسلات ملخصها أن الفتاة تفعل ما تشاء وتلتقي مع من تشاء وتقيم علاقة مع من تشاء ولا يستطيع أبوها ولا أخوها أن يحاسبها؟ إذا كان هذا هو النموذج فكيف تطلب من ابنتك أن تكون منضبطة؟ أن تكون صاحبة حياء؟ أن تكون عفيفة؟ أن تكون وفية؟ فمشكلة كبيرة جداً، لا بدّ أن يعيش المؤمن مع المؤمنين، لا بدّ من أن يعيش قيمهم، لا بدّ من أنه يعيش سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط، مجتمع تعظيم حرمات الله، إن عشت مع هذا المجتمع كنت منهم لأن المرء مع من أحب، وهؤلاء القوم لا يشقى بهم جليسهم، والصاحب ساحب.
إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق :
أخواننا الكرام، هذا المعنى خطير، لذلك وردت فيه آيات كثيرة، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾
[سورة آل عمران: 118]
لا يكن لك إنسان قريب منك جداً غير مستقيم، هذا يثبط عزيمتك، يوغر صدرك، يقلل من أعمالك الصالحة، يغريك بالدنيا. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾
[سورة آل عمران: 118]
﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
[سورة المجادلة: 22]
مستحيل أن تمنحه ودك، هو يحارب الله ورسوله، يسفه دين الله، يزدري الأنبياء والمرسلين، وتقول: فلان لبق ناضج، فكره مفتوح، أخلاقي، تمدحه، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، أما إذا واليته فلست مؤمناً، إذا مدحته أغضب الله عز وجل. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[سورة المائدة 51]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾
[سورة الممتحنة 1]
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[سورة التوبة 71]
﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾
[سورة التوبة 67]
على المؤمن ألا يتخذ الكافر ولياً:
إلا أن الآية دقيقة جداً في الاستثناء الذي سيأتي بعد قليل قال تعالى:
﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾
[سورة آل عمران: 28]
إلا أداة استثناء، والمعنى بالضبط: لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة حينما تتقون منهم ما ينبغي أن يتقى، فلو أن هذا الطرف قوي، وجاحد، وتوعد بالقتل، أو بسلب المال كله، يتقي أن يهدر دمه رخيصاً، ويتقي أن يؤخذ ماله كله: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
أي لا تتخذوهم أولياء في أي حالة إلا في حالة واحدة حينما تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى كالقتل، وسلب المال كله، عندئذ أنتم معذورون، أحياناً تجامله لكي لا يظن أنك متديناً، تجامله لكي لا يأخذ عنك فكرة أنك محافظ مع التقاليد، أما حينما يصل الأمر إلى القتل، أو إلى أخذ المال كله، وفي أخذ المال كله، فهلاك الإنسان هذه حالة واحدة ونادرة فيها استثناء.
أي إلا أن تتقوا شيئاً يتقى في الأصل، أخذ عنك فكرة سيئة وماذا يحصل؟ أخذ عنك فكرة أنك صاحب دين وماذا يحصل؟ أما إلا أن تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى من إيذاء لا يحتمل، أو قتل، أو سلب للمال، قال: كالقتل أو سلب المال كله. الله سبحانه وتعالى يتولى بنفسه معالجة من يوالي الكفار و يمنحهم وده :
أما هنا فالآية:
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
أحياناً الله عز وجل يسوق لهذا الإنسان معالجة عن طريق أحد الأشخاص، وأحياناً يتولى الله سبحانه وتعالى بنفسه معالجة الإنسان، تأتي الأحداث من فعل الله مباشرة، قال: هذا الذنب أن توالي الكفار، وأن تمنحهم ودك، وأن تقيم معهم علاقات حميمة، وأن تثني عليهم، وأن تحبهم إذا أعطوك، أو منحوك، أو رفعوا قدرك، أن تصبح مدافعاً عنهم، أن تتعامى عن أخطائهم، أن تبرز محاسنهم، أن توقع الناس في حيرة، قال: هذه حالة تستوجب أن يعاقب الله صاحبه مباشرة. موالاة الكفار من أسوأ الأعمال :
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
قال: هذا تهديد عظيم مشعر بأن هذا العمل من أسوأ الأعمال، ومن أقبحها، ومن أبعدها عن روح الإيمان، أي يحذركم الله عقاباً يتولاه بنفسه لا عن طريق الإنسان، أي يحذركم الله عقاباً لا يرفعه عنكم أحد، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له. ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
ولم يقل وإليه المصير بل قال: وإلى الله المصير، وذكر لفظ الجلالة تعظيماً لله عز وجل، مصيرك إلى الله فكيف توالي أعداءه؟ مصيرك إلى الله فكيف تمحضهم ودك؟ كيف تعينهم على المؤمنين؟ أقول لكم هذه الكلمة: أي مؤمن يعين كافراً على مؤمن ليس فيه من الإيمان ولا ذرة. ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
سيعاقبكم، وعنده نار إلى أبد الآبدين، فالإظهار إظهار لفظ الجلالة لزرع الروعة والمهابة في نفوس المؤمنين.
طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام ردّ مشركاً ذات جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع رسول الله يوم بدر، فقال: "ارجع فلن أستعين بمشرك". من منع من ممارسة شعائر دينه لا بدّ له من أن يبحث عن مكان يعبد الله فيه :
إلا أن المحافظة على النفس والعرض والمال مطلوب في الحالات النادرة جداً لك أن تتقي منهم ما ينبغي أن يتقى، إلا أن العلماء فصلوا قال: العداوة مردها إلى سببين اثنين: عداوة أساسها الاختلاف في الدين، وعداوة أساسها الأغراض الدنيوية الكمال والمتاع والإمارة، إذا كان الموضوع دنيوياً ففيه حكم، وإذا كان الموضوع دينياً ففيه حكم.
إذا كان العدو يحارب دينك، ولم يسمح لك أن تؤدي فرائضك، ولا أن تحفظ نساءك، فلا بدّ من أن تهاجر، ومن لم يهاجر وقع في إثم كبير، إذا كان العداء دينياً، والعدو قوياً، ومنعك من أن تصلي، أو من أن تحجب امرأتك، أو من أن تقيم شعائر الله، فيجب أن تفر بدينك، ويجب أن تعبد الله في أرض وأنت مرتاح، الآية الكريمة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾
[سورة النساء: 97]
شيء مخيف، إلا: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾
[سورة النساء: 98]
إذا منعت أن تصلي، منعت أن تقوم بشعائر دينك، منعت أن تكون مستقلاً في بيتك، هذا حصل في إسبانيا، حصل في بعض البلاد قديماً، أي قد لا يستطيع مسلم أن يصلي، ولا أن يغلق بابه، إذا ضبط يغتسل يوم الجمعة يقتل، إذا ضبط في العيد يصنع حلويات يقتل، فحينما تمنع أن تمارس شعائر دينك لا بدّ أن تبحث عن مكان تعبد الله فيه، وإلا فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً.
الاستثناء النساء والأطفال هؤلاء لا يستطيعون الهجرة فهؤلاء معفو عنهم ولهم رخصة. كل شيء له ثمن أما الدين فواقعي و لكل الناس :
أخواننا الكرام، كل شيء له ثمن أما الدين فواقعي، الدين لكل الناس، وفيه حد أدنى وحد أعلى، إليكم هذه القصة: مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه، طبعاً السيف فوق رأسه، وقال للثاني: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا، قال إني أصم ما سمعت قالها ثلاثاً فضرب عنقه، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئاً له، وأما الآخر الذي قال أشهد أنك رسول الله لمسيلمة فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه".
سيدنا عمار بن ياسر مجبر على أن يقول كلمة في حق النبي فقالها فنجا، فجاء إلى النبي خائفاً فقال له: كيف قلبك؟ قال، مطمئن، فقال: وإن عادوا فعد لا عليك.
أما سيدنا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك ومالك؟ قال: والله لا أحب أن أكون في أهلي ومالي وعافيتي عندي ويصاب رسول الله بشوكة فصلبوه.
الإسلام فيه حد أدنى وحد أعلى، الأدنى معذور رخصة، انظر كلام النبي ما أجمله؛ أما الأول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه، كلاهما ناج، لكن أحدهما بمكانة أعلى من الآخر، أما من كانت عداوته مع العدو القوي على مال، أو دنيا، أو أمارة، فاختلف العلماء في وجوب الهجرة فقال بعضهم تجب لقوله تعالى:
﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
[سورة البقرة 195]
وبدليل النهي عن إضاعة المال: "من قتل دون ماله فهو شهيد"، وقال آخرون: "لا تجب لأنها مصلحة دنيوية، ولا يعود على من تركها نقصان في الدين"، أي أنت ساكن في بلد أخذ منك شيء لكن دينك لم يتأثر، مادام الدين سليماً ليس هناك مشكلة، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال: "الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها". مداراة الناس تكون بإظهار المحبة :
الآن هناك نقطة دقيقة جداً ينبغي أن أقولها لكم وهي: مداراة الناس بإظهار المحبة والود والموافقة، و عدم ضرر الغير، و عدم مخالفة أصول الدين، هذه من الحكمة، لك جار غير مسلم، تلقي عليه تحية الصباح أو المساء، المسلم لطيف ودود مؤنس ليس فيه مشكلة أبداً مادام أنك لم تجامله، لكن المجاملة والمداراة إذا أدت إلى إيقاع الأذى بمسلم لا تجوز إطلاقاً، أما إذا ليس فيها أي مشكلة فليس منها مانع، وهذه ليست التي نهى الله عنها، الله نهى عن أن تؤذي المسلم، نهى أن تنجذب إلى الكفار، أن تسلك سلوكهم، أن تحبهم، فينقلك حبك لهم إلى معصية هذا الذي نهى الله عنه.
ملخص الدرس لعبة شدّ الحبل، إذا أمكن أن تشدهم ليس هناك مانع، اجلس معهم، إذا أمكنك أن تشدهم إلى الله، أن تقنعهم بالدين، أن تحببهم بالإسلام اجلس، أما إذا خشيت أن يسحبوك إلى ما هم فيه، أن يسحبوك إلى سهرة مختلطة، إلى منكرات، أن يقنعوك أن هذا الإسلام لا يصلح لهذا الزمان، وليس معك حجة قوية، فإياك أن تجلس معهم.
أما إذا كانت هذه المودة:
(( من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمة الله ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
(( من أعان ظالماً سلطه الله عليه ))
[الديلمي في الفردوس بلا سند عن ابن مسعود]
أول ضحايا من أعانه، فإذا أدت المودة إلى إيقاع الأذى بالناس لا يجوز، أدت إلى أن تنجر إليهم لا يجوز، أما لم توقع أذى بأحد، وأنت في حصن حصين، وأنت قوي، وأقوى منهم بحجتك، وبنائك النفسي، فليس هناك مانع، كن لطيفاً، أطلق وجهك تجاههم. أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا :
أيها الأخوة الكرام، هذه آية من أدق الآيات في حياة الناس، الولاء والبراء، يجب أن توالي المؤمنين وأن تتبرأ من الكفار و المنحرفين، من أجل أن يسلم دينك يجب أن تحيط نفسك ببيئة مسلمة، بيئة مؤمنة، لا بدّ لك من مرجع ديني، لا بدّ لك من منهل تستقي منه، لابدّ لك من مسجد تأوي إليه، لا بدّ لك من تغذية دورية في العلم والخلق، هذا الذي ينبغي أن نكون عليه، ولن نستطيع أن نتفلت من مغريات الحياة الدنيا إلا إذا عشنا في مجتمع نقي صاف، أي إنسان مسلم، وزوجته محجبة، وبيته إسلامي، يقوم بنزهة في مقهى، المقهى ليس لك، غناء، وطاولة، ونساء كاسيات عاريات، هذا المكان ليس لك، لا تختلط لأن لك مكانك الخاص، لك سهراتك الخاصة، لك حفلاتك الخاصة، لا يصح أن المؤمن ينشئ عرساً فيه غناء ورقص، نحن العرس الإسلامي له ترتيب آخر، فيه كلمة ومديح لرسول الله، لا تقلد الكفار وتنجذب إليهم فيسحبوك وبعد حين تقنع بما هم عليه، إذا قنعت بما هم عليه كما قال عليه الصلاة والسلام: ((...يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلٍ ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا، أن نكون معهم في حفلاتهم، في اختلاطهم، في متعهم، في مسلسلاتهم، هذه كلها قيم منحطة، أما أنت بما أنك مؤمن قيمك الصحابة، المرأة قدوتها وقيمها الصحابيات الجليلات، أنت قيمتك القرآن والسنة وتاريخ الصحابة الكرام، وليس الممثلين والممثلات، ليس هؤلاء الذين ينبغي أن تقتدي بهم، فلا بدّ أن تكون بعيداً عن كل بؤرة نتنة، عن كل بؤرة سيئة، هذا هو مضمون الآية: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الحادى العشرون )


الموضوع : الامانة - سورة النساء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأمانة ثلاثة أنواع؛ :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
أيها الأخوة الكرام، هذه الآية أصل في موضوع الأمانة، الأمانة شيء وضع بين يديك، وأنت مخير إما أن تحسن وإما أن تسيء، شيء وضع بين يديك إما أن تعطيه حقه أو ألا تعطيه حقه، هذه حقيقة أساسية في الأمانة.
العلماء قالوا: الأمانة ثلاثة أنواع: أمانة متعلقة بالإنسان، وأمانة متعلقة بالله عز وجل، وأمانة متعلقة بالآخرين، أي أمانة هي حق الله، وأمانة هي حق نفسك، وأمانة هي حق الآخرين، لنبدأ بالأمانة المتعلقة بحق نفسك. الأمانة :
أول شيء: الله عز وجل جعل نفسك التي بين جنبيك أمانة بين يديك، فإما أن تعرفها بربها، وتحملها على طاعتها، وعلى التقرب من الله عز وجل، فتسعدها في الدنيا والآخرة، الأمانة كما يفهمها الناس تعني: إنسان وضع عندك مبلغ من المال، ثم جاءك بعد حين وطالبك بالمبلغ، هذا فرع صغير من فروع الأمانة، أودع عندك مال، لكن مفهومات الأمانة واسعة جداً لدرجة أنها تشمل الحياة كلها، لذلك جاء قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
الأمانات جمع، معنى ذلك نفسك أمانة، ابنك الذي أناطه الله بك أمانة، ابنتك التي جعلك الله عليها قيّماً أمانة، حرفتك التي ترتزق منها أمانة، فإما أن تنصح المسلمين وإما ألا تنصحهم، طبك أمانة، هندستك أمانة، تدريسك أمانة، أي عمل على الإطلاق أمانة، بل إن الطرف الآخر يعد هو الأمانة، فالطالب بين يدي معلمه أمانة، إما أن تعلمه وإما ألا تعلمه، إما أن تهذبه وإما ألا تهذبه، إما أن ترفق به وإما أن تقسو عليه، إما أن تثني عليه فترفع معنوياته وإما أن تحطمه، الطالب أمانة، الموكل عند المحامي أمانة، المريض عند الطبيب أمانة، الجندي عند قائده أمانة، الشاري عند البائع أمانة، إما أن تغشه وإما أن تنصحه، وقد تنصحه بالبضاعة وتغشه بالثمن، المواطن الذي يقف أمام الموظف يسأله أن يوقع له هذه المعاملة أمانة، إما أن توقع له ببساطة وإما أن تضع له العراقيل حتى تبتز ماله.
شيء غريب هذه الآية الكريمة من أوسع الآيات التي تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، الأمانة الكبرى نفسك التي بين جنبيك. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس : 9-10 ]
الأمانة التي تليها أهلك، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾
[ سورة التحريم: 6]
زوجتك أمانة قد تسعدك ولا تؤدي لها حقها، حقها عليك أن تأخذ بيدها إلى الله، هي تسعدك، تطبخ لك، وتنظف لك بيتك، وتربي أولادك، ترى كل شيء على أكمل ما يكون، ولكنك لم تدلها على الله، لم تعبأ برقة دينها، لم تمحضها النصيحة. الأمانة تدور مع الإنسان أينما اتجه :
أيها الأخوة، والله الذي لا إله إلا هو كلمة أمانة لو عرفناها على حقيقتها لارتعدت مفاصلنا، الله عز وجل سيسأل كل إنسان عما استودع عنده من أمانة، إذاً شيء أودع عندك وأنت مخير لك أن تحسن ولك أن تسيء، لك أن تنصف ولك أن تظلم، لك أن تعطي ولك أن تمنع، صدقوني أيها الأخوة ما من حرفة على وجه الأرض إلا وتنطوي تحت هذه الآية، أنت بإمكانك أن تبيع دواء قد انتهى وقته دون أن يشعر هذا الذي اشتراه وهو صغير، أو امرأة لا تقرأ ولا تكتب، مكتوب باللغة الأجنبية نهايته سنة سبع وتسعين ونحن بالثماني والتسعين ولا تدقق، فهذا المرأة التي جاءت إلى الصيدلي أمانة، إما أن يؤدي الأمانة إلى أهلها فينصحها ويعطيها الدواء الصحيح أو أن يغشها.
إذاً كملخص لهذه المقدمة الأمانة شيء وضع بين يديك وأنت مخير بإمكانك أن تفعل كل شيء تحسن أو تسيء، تعطي الحق أو تبخس الحق، تنصح أو لا تنصح، تصدق أو لا تصدق، فإذا فهمنا الأمانة بهذا المفهوم الواسع الأمانة تدور مع الإنسان أينما اتجه، قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 72 ]
من أوجه تفسيرات الآية أن الأمانة نفسك التي بين جنبيك، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآيات : 9 – 10 ]
تزكي نفسك بأن توصلها بالله، تزكي نفسك بأن تحملها على تطبيق منهج الله، تزكي نفسك بأن تتقن عباداتك، تتلو كتاب الله، تؤدي الصلوات الخمسة كما أراد الله، تصوم رمضان كما أراد الله، تحج البيت كما أراد الله، بهذه الطريقة تؤدي حق نفسك كأمانة بين يديك. كل شيء متعلق بالإنسان أمانة في عنقه :
الآن من حولك، من حولك أمانة في عنقك، هناك أب يحسن تربية أولاده وأب يضيع، الذي ترك ابنه هملاً، والذي أطلق لابنته العنان، والذي لم يرع أسرته، هذا ضيع الأمانة، الأبوة مسؤولية، والزوجة أمانة عند الزوج، والأولاد أمانة عند الأب، انتقلنا من نفسك التي بين جنبيك إلى أهلك الذين حولك، إلى حرفتك التي ترتزق منها هي أمانة، وما أوسع المفارقات في الحرف، فبينما ينمو الغش على قدم وساق وبينما يكون النصح بشكل مدهش.
البارحة أخ من أخواننا المحامين قال لي: إذا جاءك موكل وتعلم أنت علم اليقين أن دعواه خاسرة لأنه ليس معه وثيقة إطلاقاً، والقانون لا يقبل إلا بوثيقة والدعوى خاسرة لو تسلمها أكبر محامي، فلمجرد أن تقول: أنا أربحها لك وأعطني دفعة مقدمة فقد خان هذا المحامي الأمانة.
والمريض الذي يأتي إلى الطبيب لمجرد أن يعلم الطبيب أن هناك طبيباً أقدر على معالجة المريض منه ويبقيه عنده ولا يدله على من هو أقدر منه في المعالجة فقد خان الأمانة، وسع الموضوع، وسع في الحرف كلها، في التجارة والصناعة والزراعة، هذا الذي يشتري منك هذه الفاكهة أو هذه الخضرة هذه أمانة، قد تعطي هذا النبات الهرمون المسرطن تنمو الحبة نمواً رائعاً وتعطي لوناً رائعاً تبيعها بسعر مرتفع ولكن على حساب صحة الناس.
الموضوع واسع جداً قد تنشئ معملاً للثلج فنوع المياه التي تستعملها أمانة، إما أن تستعمل مياه نظيفة أو مياه آبار ملوثة، فإذا استعمل هذا الثلج في الشرابات انتقلت هذه الجراثيم إلى الناس، والله الذي لا إله إلا هو أكاد أقول لكم ما من حركة ولا سكنة ولا موقف في الحياة إلا ويتصل بهذه الآية، نفسك أمانة يجب أن تعرفها بالله، نفسك أمانة يجب أن تحملها على طاعة الله، نفسك أمانة ينبغي أن تزكيها، نفسك أمانة يجب أن تصطبغ بصبغة الله، نفسك أمانة يجب أن تعرفها بسرّ وجودها وغاية وجودها، وزوجتك أمانة، وأولادك أمانة، أولاد أخوك أمانة، وجيرانك أمانة، وإخوتك أمانة انصحهم، وزملاؤك في العمل أمانة، لا تعبأ بانحرافهم بل دلهم على الله بلطف ورقة، ثم حرفتك أمانة.
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة:14-15]
لا إيمان لمن لا أمانة له :
لذلك الآيات التي وردت في الحديث عن الأمانة والحض على أدائها كثيرة، قال تعالى الآية ذكرتها قبل قليل:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 72 ]
والآية الأخرى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 27 ]
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا إيمان لمن لا أمانة له ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أنس بن مالك]
ذكرت البارحة مع بعض الأطباء أحياناً طبيب ناشئ يعين في قضاء في ناحية كطبيب شرعي، وتأتيه قضية إذا كتب الوفاة طبيعية يأخذ خمسة ملايين ليرة، وإذا كتب الوفاة جنائية لا يأخذ شيئاً إلا أن علمه أمانة، فلو كتب خلاف الواقع خان الأمانة، دققوا بأي كلمة وأي حركة تخون الأمانة ولاسيما في غش البضاعة، وفي الإعلان عنها، وفي تزويد مواصفاتها، وفي معاملة الناس، قال له: افتح البطن وأخرج له السرطان وخذ خمسة وعشرين ألفاً وإن كان ميئوس من شفائه، سرطان من الدرجة الخامسة ومنته، وليس هناك أمل من الشفاء، هذا خان الأمانة، كلفت المريض بعشرة تحاليل وأنت بحاجة إلى واحد والتسعة مناصفة بينك وبين المحلل خنت الأمانة، حتى في المساحات ركبت منجور مسح، المنجور أمانة، حتى الحسابات، حتى في الحسومات، كل شيء أمانة. الأمانة مع الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته :
أنا بطريقي أفكر في تعريف جامع مانع للأمانة، وجدت شيئاً وضع تحت تصرفك، أنيط أمره إليك، وأنت مخير ومعك منهج، رأيت هذه العناصر تجمع كل أنواع الأمانة، شيء وضع بين يديك، وأطلقت يدك فيه، ومعك منهج من خالق الكون، وأنت مخير فإما أن ترعى هذا الشيء، أو لا ترعاه، إما أن تصدق أو لا تصدق، تحسن أو لا تحسن، تنصح أو لا تنصح، تعتني أو لا تعتني.
أحياناً الطبيب على عجل من أمره لا يسأل المريض على نوع الحساسية، يعطيه دواء يسبب صدمة فيموت، يقول: انتهى أجله، لا، هذا الكلام خطأ، هذا الإنسان يحاسب، لو دخلنا في هذا الموضوع لوجدنا أن هذه الآية تدور مع الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته، إنسان جاء من السعودية بسيارته في طريق البر احتاج أن يغير زيت علبة السرعة وقف في محطة، صاحب المحطة أمر طفلاً أن يغير الزيت، الطفل لم يحكم إغلاق الفتحة، على طول الطريق سال هذا الزيت واحترقت هذه العلبة، الحرارة خمس وخمسون تحت أشعة الشمس وقفت السيارة، خرج صاحب السيارة وفتح غطاء المحرك ما فهم، أصابته ضربة شمس ومات، وقعت هذه الحادثة، هذا الذي جاءك يطلب منك تغيير الزيت هذا أمانة عندك ، أنت كلفت طفلاً أن يغير له الزيت لعل الطفل قادر على فتح الغطاء وصب الزيت أما إحكام الإغلاق فهذا يجب أن يتم بيدك أنت لأنه أمانة.
من حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً :
أيها الأخوة، إذا حاسبنا أنفسنا حساباً عسيراً كان حسابنا يوم القيامة يسيراً، لي صديق عنده بنت صغيرة ، أي شيء لا يصدق بما آتاها الله من جمال، وفطنة، وذكاء، وهي في الصف الثالث، هي تمشي في الطريق صحن من هذه الصحون تفلت من مكانه وقع على الأرض وجاء فوق رأسها فقتلها، جيء بهذا الذي ركب الصحن فوجد أن الصحن له أربعة براغي ركب اثنين فقط، طبعاً موضوع الصحن شيء ثان ليس لنا دخل به، أما قصر في واجبه في تركيب هذا الصحن فقتل طفلة.
لذلك الأمانة واسعة جداً، لو فهمنا هذه الآية فهماً صحيحاً والله الذي لا إله إلا هو لارتعدت مفاصلنا، كل إنسان يحاسب عما أنيط به، قبل أن تطلع على وضع المسلمين في العالم، وقبل أن تنزعج وتثور وتغضب، أنت أديت الأمانة فيما يخصك؟ أديت الأمانة في عملك؟ أديت الأمانة في أسرتك؟ كم من طفل شارد لم يجد أباً رحيماً ولا أما رؤوماً ولا عناية ولا تثقيف ولا اهتماماً بالتربية والمنزل مضطرب والطعام غير موجود؟ الأب شارد والأم شاردة ضيعوا الأمانة، فابدأ أنت إنسان لك أمانة، نفسك أمانة، زوجتك أمانة، ابنك أمانة، ابنتك أمانة، جارك أمانة، لك أخ أمانة، لك أخت أمانة، لك عمة أمانة، لك خالة أمانة، حرفتك أمانة، زبونك أمانة، المريض أمانة، الموكل أمانة، الطالب مع المعلم أمانة، المواطن أمام طاولتك أمانة، ممكن أن تضع له عراقيل، ممكن أن تقول: تعال غداً وهو من حلب سيضطر إلى أن ينام في فندق، وأن يضع مبلغاً ضخماً أقله مئة ليرة، تعال غداً، وأنت تشرب فنجان القهوة مع صديقك، جاء فطالبك بتوقيع المعاملة فأفسد عليك الحديث، تعال غداً هذا أمانة.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93 ]
أحياناً نضع مبيضات للمواد الغذائية، مواد كيماوية مؤذية ضارة، أما حينما تنصع هذه المادة الغذائية فيرتفع سعرها، ولا نعبأ بصحة الناس، ولاسيما الذين يعملون في المواد الغذائية هي أمانة من أعظم الأمانات. عظمة الدين في الوازع والقانون في الرادع :
عظمة الدين في الوازع، والقانون في الرادع، القانون خارجي، كنت في أمريكا قبل فترة راكب سيارة وجدت أصوات، قلت: ما هذا الصوت؟ قال: هذا يشعرني أن بعد مسافة جهاز رادار، يسير بسرعة كبيرة عندما سمع الصوت يخفف من سرعته، سار حسب القانون، معنى هذا أن المدنية الحديثة والقوانين قائمة على الردع الخارجي، فلما انقطعت الكهرباء في نيويورك مرة تمت في ليلة واحدة مئتا ألف سرقة، فلما اضطرب حبل الأمن في سان فرانسيسكو أو في لوس أنجلوس مرة الخسارة قدرت بثلاثين ملياراً، فالنظام الغربي أساسه الردع، القاعات مراقبة، تشتري حاجة إن لم تدفع ثمنها تخرج من المخرج هناك قوس، اللصاقة التي عليها تتفاعل مع القوس فتصدر صوتاً مزعجاً معناه أنك لم تدفع ثمنها، الكل يدفع لكن لا فضل لهم في هذا الدفع، انتهت الأمانة.
أما النظام الإسلامي فقائم على الوازع، قال: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله؟
الإيمان يعني أن تؤدي الأمانة مطلقاً والدين يعني الوفاء بالعهد :
الفكرة الدقيقة يقول عليه الصلاة والسلام:
((لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ))
[أبو يعلى عن أنس بن مالك]
الإيمان يعني أن تؤدي الأمانة مطلقاً، والدين يعني الوفاء بالعهد، والإيمان يعني أداء الأمانة بمعناها المطلق الواسع، وقال عليه الصلاة والسلام: ((... إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
الكلمة التي لا تفارق الإنسان هي الأمانة، أديت حق هذا الإنسان؟ أديت حق هذا الطالب؟ أديت حق هذا المريض؟ أديت حق هذا الموكل؟ أديت حق هذا المواطن؟ أديت حق هذا الجندي؟ أديت حق أولادك؟ أديت حق زوجتك؟ أديت حق نفسك؟ إذاً شيء وضع بين يديك، وأنيط أمره إليك، أطلقت يدك في تصريفه، معك منهج إلهي وأنت مخير، فإما أن تؤدي هذه الأمانة وإما ألا تؤديها، لذلك الذي يعتمر ويذهب إلى زيارة النبي عليه الصلاة والسلام ويقف أمام قبره الشريف يقول: أشهد أنك بلغ الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد. النبي حمل أمانة التبليغ والعلماء حملوا أمانة التبيين والولاة حملوا أمانة الرعاية :
النقطة الدقيقة أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام حمل أيضاً أمانة التبليغ، والعلماء حملوا أمانة التبيين، والولاة حملوا أمانة الرعاية، سيدنا عمر كان يتجول في المدينة مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، رأيا قافلة قد اتخذت طرف المدينة طرفاً لها، قال له: تعال نحرس هذه القافلة، فبكى طفل في خيمة من الخيام فقام عمر وذهب إلى أم الغلام وقال: أرضعيه، فأرضعته فسكت ثم بكى ثانية فقال: أرضعيه فأرضعته فسكت، ثم بكى ثانية فغضب عمر وقال: يا أمة السوء أرضعيه، عندئذ غضبت وقالت: ما شأنك بنا إنني أفطمه، قال: ولمَ؟ قالت: لأن عمر - ولا تعرف أن من تكلمه هو عمر - لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، أي التعويض، يستحق هذا الابن التعويض بعد الفطام، فأنا أفطمه كي أخذ التعويض، فما كان من هذا الخليفة العملاق إلا أن ضرب جبهته وقال: ويحك يا بن الخطاب كم فقتلت من أطفال المسلمين، رأى نفسه أساء للأطفال، الصغار يفطمون قبل أوانهم كي تأخذ أمهم العطاء، ولما ذهب كي يصلي بأصحابه ما سمعوا قراءته من شدة بكائه، كان يقول: يا ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أما رددتها فأعزيها؟
ولما سأل أحد الولاة: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو قاتل؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: إن الله قد استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر حرفتهم، إذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته رأته يبكي في مصلاه، قالت له: مالك تبكي؟ قال: دعيني وشأني، ألحت عليه، قال: نظرت في الفقير والعاجز والأرملة والمسكين وذو العيال الكثير وابن السبيل وغيرهم فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم هو رسول الله فلذلك أبكي.
من يخاف من الله لا يستطيع أن يهمل واجباته أبداً :
كل إنسان مظلوم في ذمة من ظلمه، وكل إنسان مهضوم حقه في ذمة من هضم حقه، وكل إنسان يعاني من مشكلة كبيرة، وكل إنسان قادر على أن يحل هذه المشكلة ففي ذمته، فلذلك الإنسان لما يقف بين يدي الله عز وجل يسأله الله عز وجل، شيء مخيف بإمكانك أن تحق الحق ولم تحقه، بإمكانك أن تنصف فلاناً وما أنصفته، بإمكانك أن ترحم فلاناً وما رحمته، بإمكانك أن تزيل هذا المنكر و ما أزلته، هناك تقصير كبير من الإنسان، لذلك والله الذي لا إله إلا هو لو علم الناس ما ينتظرهم من حساب دقيق لانخلع قلبهم، ألم يقل الله عز وجل؟
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93 ]
ألم يقل الله عز وجل؟ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
أمثلة كثيرة لا تنتهي في كل شيء، في كل حرفة، في كل صناعة، في كل زراعة، الفران إذا كان عنده موظفون لا يعتنون بالنظافة، لو واحد منهم دخل للخلاء ولم يغسل يديه وعجن بهما العجين ماذا فعل هذا الفران؟ لو كان هناك حشرات تدخل مع الطحين وتخبز، هذا الإنسان أمانة عندك، لذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
جمع، أدِّ الأمانة، إنسان صباحاً قال: أنا أرسلت إليك من درعا مريضاً داوه، هل تستطيع أن تدعه؟ لا تقدر الله يحاسبك، ساقه لك ليتلقى العلاج حتى يرتاح، الذي عنده حساسية أو عنده ضمير حي إن صح التعبير أو عنده خوف من الله الكلام الأدق لا يستطيع أن يهمل واجباته أبداً. ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة الحياة وتشهد به العقول :
إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة الحياة وتشهد به العقول، ولا بدّ للمجتمع الإسلامي أن يحكم فيه بالعدل كي يأمن الضعيف سطوة القوي، ماذا قال سيدنا الصديق؟ قال: إن القوي ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه، وإن الضعيف قوي عندي حتى أخذ الحق له، العدل كما يروى في الكتب أن حجراً عَبَدَ الله خمسين عاماً، ووضعه الله في أس كنيف أي بمرحاض، قال: يا رب عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أس كنيف؟ قال: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، أي هذا المكان أشرف لك ألف مرة من أن تكون في مجلس قاض ظالم.
عدل ساعة يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً، والله أحياناً يأتيه طالب يشتكي على طالب يضرب الطالبين معاً ويطردهما، ماذا فعل المعلم؟ كان بحق هذين الطالبين مجرماً، أين العدل؟ طالب مظلوم مرجعه معلمه، اشتكى ضرب الاثنين وارتاح، تكون معلماً وتحاسب!! تكون مدير دائرة تقرب إنساناً و تبعد آخر!! إنسان له إجازات و آخر لا يوجد له إجازة!! إنسان له تعويضات وآخر لا يوجد له تعويض لأسباب لا ترضي الله عز وجل، كل إنسان سوف يحاسب.
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
العدل و الإحسان :
يقول الله أيضاً: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
هذه الآية لطيفة جداً أي إذا كان هناك قضية لا يتسع لها العدل يسعها الإحسان، أحياناً أخ يشتكي يقول: ليس له عندي شيء، أنا المحضر آخذته من المحافظة وهو خال، وهذه الدكان يجب أن تهدم، قلت له: معك الحق لكن الله يأمرك بالإحسان، إنسان عنده محل وليس عنده غيره صار في الطريق، كما أنت مأمور بالعدل مأمور بالإحسان، لذلك الله عز وجل ذكر العدل في أماكن كثيرة قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾
[ سورة الأنعام: 152 ]
أحياناً هناك حوادث السير، أحياناً هناك بعض المخالفات، تأتي شهادة تنقذ الموقف، راكب سيارة وصار حادث والسائق بريء دعيت إلى الشهادة ليس عندي وقت، أنت إذا قدمت الشهادة الحقيقية أنصفت السائق وأنقذته من ورطة كبيرة جداً، فالشهادة واجبة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾
[ سورة البقرة: 282]
﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة ص: 26]
العدل أقرب للتقوى :
﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة: 8]
يروى أن رجلاً يهودياً اشتكى على سيدنا علي لسيدنا عمر، فقال عمر: قم يا أبا الحسن وقف إلى جانب الرجل، فوقف وحكم سيدنا عمر بالعدل وانتهى المجلس، سيدنا علي تغير وجهه وقال: أوجدت عليّ؟ قال: نعم، قال: لمَ لم تقل لي يا علي وقلت با أبا الحسن؟
القاضي شريح، سيدنا علي فقد درعاً غالياً جداً وجده عند يهودي فرفع الشكوى وهو أمير المؤمنين، رفع الأمر إلى القاضي شريح، وقف سيدنا علي وهو أمير المؤمنين أمام هذا الخصم، قال له: أمعك بينة؟ قال: الحسن والحسين، قال: لا تقبل شهادة الابن لأبيه، قال: النبي بشرهما بالجنة؟ لا تقبل شهادة الابن لأبيه، شهادة الابن لأبيه مرفوضة.
سمعت قصة لكنها مؤثرة جداً، إنسان موظف ساكن في بيت رفع الأجرة مرتين وثلاث وأربع حتى بلغت نصف دخله، لكن صاحبة البيت تريد أن تطرده من البيت ليس عنده طريق آخر، فسألت محامياً فأرشدها إذا أثبتِ أنه فاسق فاجر أي سلوكه منحرف نخليه من البيت، فقدمت دعوى إلى القاضي أنه كان يكشف عورته أمام جارته، دعوة فجور، والرجل مستقيم، ويغض بصره، وملتزم، فالقاضي سألها من عندك من الشهود؟ فقالت: ابنتي، قال: لا تقبل شهادة البنت لأمها، قالت: عندنا طالبة في البيت تسكن نأتيك بها، فعرضوا عليها الأمر فقالت: أنا أشهد معكم، فأكرموها إكراماً وأطعموها الطعام، أي قدموا لها خدمات خلال الشهر كثيرة، فلما جاء يوم الدعوى جيء بهذه الطالبة سألها القاضي، فقالت: والله يا سيدي هذا الإنسان لو رآني عن بعد مئة متر لغض بصره، وما لمحته في حياتي يطلق بصره في امرأة، وهو من أرقى الناس، هذه الطالبة ذكية جداً، لو رفضت لجاؤوا بمن يشهد شهادة كاذبة فقالت: أنا أشهد وفي نيتها أن تشهد بالحق والدعوى سقطت فوراً، أي شهادة حق لا تقدر بثمن، والله هو الحق، لذلك العلماء قالوا: ليس بين المظلوم وبين الله حجاب، اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فليس بينه وبين الله حجاب، وإياك أن تظلم لأن الظلم مرتعه وخيم، والإنسان في الدنيا قبل الآخرة يعجل له العقاب إذا كان ظالماً، عقوق الوالدين والجور يعجل لهما العقاب في الدنيا قبل الآخرة، الأمة في خير إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( إنَّما أَهلك الذين قبلكم أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))
[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]
هذا هو الإسلام. عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
قرأت أن سيدنا عمر أقام الحد على أحد أولاده، وقال له: حينما تلقى وجه ربك قل: إن أبي أقام عليّ الحد، وسيدنا عمر كان إذا أراد أن ينفذ أمر دعا أهله وخاصة أمره وقال: إني أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، و أيم الله لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، قال العلماء: فصارت القرابة من عمر مصيبة.
رأى مرة إبلاً سمينة في الطريق قال: لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لابنك عبد الله فغضب وقال: ائتوني به، فلما جاؤوا به قال: لمن هذه الإبل؟ قال: لي، ماذا فعلت اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت؟ وأين الخطأ والمعصية؟ قال له: ويقول الناس ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، فقال له: بع هذه الإبل وخذ رأسمالك وردّ الباقي إلى بيت مال المسلمين.
مرة اشتهى اللحم فخاطب بطنه قائلاً: "قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المؤمنين".
مرة جاءته هدية من عامله على أذربيجان وهو في المدينة، وأذربيجان في الاتحاد السوفيتي سابقاً قبل أن يتفكك، فتح الهدية طعام نفيس وضع لقمة في فهمه ثم استدرك فقال: يا هذا أكل عندكم عامة المسلمين من هذا الطعام؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، فلفظها من فمه ووبخ الوالي وقال: كيف يعنيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون؟ وقال: أعطوها لفقراء المدينة فحرام على بطن عمر أن يأكل طعاماً لا يأكله فقراء المدينة.
وضع أمامه لحم من جزور وقدمت له قطعة من سنام الجزور وهي أطيب ما في الجزور، فبكى وقال: "بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها".
ومرة سأله أحد الولاة قال: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم لست أقدر على استرجاعه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت؟ قال: يا سبحان الله أتستأذنني في تعذيب بشر وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين فإن حلفوا فأطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من ألقى الله بدمائهم.
العدل أروع ما في الحياة :
العدل، قرأت مرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقف زعيم رئيس وزارة في بريطانيا وسأل وزراءه واحداً واحداً، وزير الصناعة كيف المعامل عندك يا مستر فلان؟ قال له: كلها مخربة، سأل وزير الزراعة: كيف المحاصيل؟ قال: ليس عندنا محاصيل الأرض محترقة، سأل وزير الخزانة: كيف الخزانة عندك؟ قال: لا يوجد شيء، بلاد منهارة بعد حرب، فسأل وزير العدل عنده: كيف العدل عندك؟ قال: بخير، فقال له: كلنا إذاً بخير، هذه قيمة كبيرة العدل، الله هو العدل، وهو أروع ما في الحياة.
أطفال يقفون في المدينة مرّ سيدنا عمر فتفرقوا إلا واحداً بقي واقفاً بأدب، قال له يا غلام لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك، البريء يجب ألا يخاف، والمذنب ينبغي أن يخاف، بهذا ترقى الأمة.
الأمانة شيء بين يديك أمره أنيط لك :
أيها الأخوة الكرام، كملخص للدرس: الأمانة لها مفهوم موسع جداً، شيء بين يديك، أمره أنيط لك، أنت محكم فيه، معك منهج إلهي، وأنت حر فيما تفعل، فإما ن تؤدي حقه وإما ألا تؤدي حقه، وهذه الأمانة تبدأ بأمانة الله، له أوامر وله نواه، هل أديت الأوامر وهل انتهيت عن النواهي؟ ليس الولي الذي يمشي على الماء ولا الذي يطير في السماء ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، ثم هذه النفس التي جعلها الله بين جنبيك أمانة في يديك هل زكيتها أم دنستها؟
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس : 9-10 ]
ثم الزوجة والأولاد، ثم حرفتك، ثم أهلك الأباعد، ثم كل حركة وسكنة وأنت مخير ومعك منهج هل أديت الأمانة في أي موضوع؟ إذاً ما من موضوع إلا ويدور مع الأمانة. ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
فأدِّ الأمانة واحكم بالعدل تدخل الجنة بسلام.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثانى العشرون )


الموضوع : الوفاء يالعقود - سورة المائدة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
توفية حق الله عز وجل بالتمام و الكمال شيء من المستحيلات :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس: "آيات الأحكام"، وآية اليوم من سورة المائدة وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
أوفى ووفّى، الأولى رباعية والثانية رباعية، إلا أن الأولى مخففة والثانية مشددة، والتي هي مشددة أبلغ من المخففة، ومن أوفى بعهده من الله، وإبراهيم الذي وفّى، وقد وردت هذه الكلمات في القرآن الكريم، المشددة فيها معنى المبالغة، قال تعالى: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾
[ سورة الأعراف: 102 ]
المقصرون كم مرة عاهدوا الله عز وجل ثم نقضوا عهدهم؟ الحجاج في بيت الله الحرام كلهم عند الحجر الأسود يقولون: عهداً لله على طاعته، إذا عادوا إلى بلادهم غيروا وبدلوا، وكأن عهداً لم يكن بينهم وبين الله، لذلك حينما تقرأ هذه الآية: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم: 37 ]
تشعر أن هذه النبي كان وفياً لعهد الله، وفّى ما عليه، طبعاً وفّى مجازاً، أما أن توفي حق الله تعالى بالكمال والتمام فهذا من المستحيلات، لكن توفيه نسبياً، من الذين وفوا نسبياً سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. الثبات على المبدأ خلق رفيع :
بالمناسبة أنت حينما تعاهد خالق الكون على الطاعة ينبغي أن يكون هذا العهد في السراء والضراء، في المنشط والمكره، في ضيق الدنيا وفي بحبوحتها، في المرض والصحة، في الغنى والفقر، قبل الزواج وبعد الزواج، هذا هو العهد، لا تعاهد إنساناً بل تعاهد خالق الأكوان، لذلك ربنا عز وجل قال:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[سورة الأحزاب: 23]
أجمل ما في المؤمن ثباته على المبدأ، والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه، من الخلق الرفيع الثبات على المبدأ، ثابت لا يغير، ولا يبدل، ولا يعدل، ولا يتكاسل، ولا يتوانى. الحركة تغير معنى الكلمة رأساً على عقب المبالغة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
العقود جمع مفرده عقد، أما العقد فشيء آخر، دقة اللغة، عَقد وعِقد، مَنصِب ومنصَب، مسافة كبيرة جداً، بَر وبِر وبُر، البَر اليابسة، والبُر القمح، والبِر الإحسان، خَلْق خَلِق خُلق، الخُلق الأخلاق، والخَلِق البالي، والخَلْق البنية، كان عليه الصلاة و السلام تام الخَلْق والخُلق، قَدَمَ قَدُمَ قَدِمَ، كل شيء له معنى حركة تغير المعنى رأساً على عقب، العقود جمع عقد، العِقْد الحلي الذي تلبسه المرأة، العَقْد في الأصل الربط، واللغة انطلقت من المعاني المادية إلى المعاني المجازية، فالعَقد في الأساس الربط ومنها العقدة، والسيدة عائشة رضي الله عنها كانت تسأل النبي عليه الصلاة والسلام كيف حبك لي؟ يقول لها: كعقدة الحبل، عقدة لا تنفك تسأله من حين إلى آخر كيف العقدة؟ يقول على حالها.
عقدت البيع لفلان، ربطت هذا الوديع بالعقد الأكيد لفلان، عقد بيع ربط المبيع بالذي اشترى، واليمين التي تنعقد للمستقبل تسمى عقداً لأن الحالف ربط نفسه بالمحلوف في المستقبل، قال: والله لأفعلنّ كذا وكذا، قيد نفسه بعمل يفعله في المستقبل، فهذه اليمين تسمى عقداً لأنها ارتباط.
تفسير قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ : ما معنى قوله تعالى؟
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
المعنى الأول: أوفوا بالعقود التي بينكم وبين الله، أنت عبد وقد عاهدت الله في عالم الأزل على أن تأتي إلى الدنيا وأن تعبده، فعبادة الله عقد بينك وبينه، لهذا يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
من مقتضيات إيمانكم أن توفوا بالعقود التي بينكم وبين ربكم، أي واحد منا لأنه إنسان مسلم مؤمن مرتبط بعقد مع الله، أن يطيعه، وأن يعبده، وأن يتعرف إليه، وأن يزكي نفسه، وأن يجعلها صالحة لعطائه يوم القيامة، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
أي أوفوا بالعقود التي بينكم وبين الله، وكل إنسان عاهد الله عز وجل حينما عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، هناك عقد -سبحان الله- الإنسان حينما يوفي ما عليه لله عز وجل يشعر براحة، يشعر بقيمته الإنسانية، يشعر أنه في عين الله كبير، ولأن تسقط من السماء إلى الأرض أهون من أن تسقط من عين الله، وقد تخرق العهد الذي بينك وبين الله ولا يطلع أحد على ذلك إلا الله، العبرة أنت، العبرة أن تكون عظيماً أمام نفسك لا أن تكون حقيراً أمام نفسك، عبر عنه علماء النفس بالانهيار الداخلي، الإنسان قد يكون ذكياً، وقد يكون طليق اللسان، وقد يكون عنده قوة إقناع كبيرة، وقد يخرق الستر بينه وبين الله، قد يخون أمانة الله، قد يخون عهد الله ولا أحد يطلع، إلا أن إطلاعه على ذاته بحدّ ذاته يسقطه من عين ذاته، والإنسان حينما يكون منهاراً داخلياً لا يستطيع أن يكون ناجحاً في العلاقات الخارجية، أي أهم شيء في حياة الإنسان إن صحّ التعبير الصمود الداخلي، متماسك، فقير ليس مشكلة، ضعيف ليس مشكلة، قد تكون ضعيفاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً لكنك مطيع لله عز وجل وأنت في نظر الله كبير، وأنت عند الله لك مقام كبير، أما يمكن أن تكون في أعلى مقام عند الناس ولكن عند الله صغار. ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾
[ سورة الكهف: 105 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾
[ سورة غافر: 10 ]
الله يمقتهم، لو سألتموني ما هو أعلى شعور إنساني يسعد الإنسان؟ أن يشعر أنه في طاعة الله، أو في رضوان الله، أو في عين الله، هذا الشعور لا يقدر بثمن، خالق الكون يقول لك: إنك بأعيننا. المقام الذي ينبغي أن يسعى إليه كل مؤمن أن تكون العلاقة بينه وبين الله عامرة :
يروى أن سيدنا جبريل جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: "قل لصاحبك أن الله راض عن أبي بكر فهل هو راض عن الله؟"، الله عز وجل كما أنك تخطب وده فهو يخطب ودك، كما أنك تشكره يشكرك، كما أنك وفي له فهو وفي لك، هناك مودة أعلى، في المجتمع البشري من يكون على صلة متينة جداً بالملك هذه أعلى ميزة ينالها إنسان في مجتمع، أما أن تكون لك علاقة طيبة، أن تكون العلاقة بينك وبين الله عامرة فشيء لا يقدر بثمن، هذا هو المقام الذي ينبغي أن يسعى إليه كل مؤمن.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا ﴾
[ سورة مريم: 96 ]
هذا الود، لما أنا يواددني إنسان، يبتسم في وجهي، يصافحني بحرارة، يزورني، وأحياناً يكرمني، يدعوني إلى تناول طعام، هذا إذا أردت أن تخطب ود إنسان تفعل ذلك، أما إذا أراد الله أن يودك ماذا يفعل؟ تيسير الأمور من مودة الله عز وجل، أن يملأ قلبك غنى من مودة الله،أن يلهمك الصواب من مودة الله، أن يؤتيك الحكمة من مودة الله، أن يسعدك في بيتك من مودة الله عز وجل، أن يكثر الذين يحبونك من مودة الله. ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 72 ]
من معاني أوفوا العقود :
1 ـ العبادات التي ألزمنا الله بها يجب أن نؤديها وفي أدائها توفية للعقود :
لذلك المعنى الأول للعقود أدوا الفرائض، وأدوا الواجبات، وأدوا المندوبات، والتزموا بأدائها.
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾
[ سورة النساء: 103 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 183]
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة المعارج: 24-25]
العبادات التي ألزمنا الله بها يجب أن نؤديها، وفي أدائها توفية لهذه العقود، هذا أول معنى. 2 ـ العقود التي تقع بينك وبين الآخرين عليك ألا تنقضها :
المعنى الثاني: العقود التي تقع بينك وبين الآخرين، أنت وقعت عقداً لا تنكل بهذا العقد، ألزمت نفسك بشيء لا تقصر، عاهدت الآخرين على أن تفعل كذا وكذا لا تنقض عهدك مع الآخرين، المسلمون على شروطهم.
حدثني أخ كريم عنده بيت بمساكن دمر، عرضه للبيع، جاءه بعض الأشخاص، جاءه شاب ساومه على البيت فاتفقا على أن يبيعه إياه بمئتين وتسعين ألفاً، قال له: لنكتب العقد؟ قال: ليس هناك حاجة ائت بالمبلغ وسأسطر لك التنازل، في اليوم التالي جاء من يدفع في هذا البيت ثلاثمئة وخمساً وعشرين ألفاً، بلغ الشاري الأول هذا العرض الجديد، يوم السبت حسب الموعد جاء ومعه المبلغ دخل عليه قال له: المبلغ جاهز؟ قال: جاهز، كتب له عقد تنازل ووقعه فدهش، معقول إنسان يدفع له زيادة ولا يتحرك حركة وينفذ العقد الأقل، بعدما وقع العقد وصار التنازل قال له: هل صحيح أن هناك من دفع مبلغاً أكبر؟ قال: نعم، ولكن لا أبيع ديني بخمسة وثلاثين ألفاً، بعد فترة رتبوا على مالك البيت سبعة وعشرين ألفاً زيادة فالشاري ماذا فعل؟ دفع المبلغ ولم يخبر صاحب البيت وهو على صاحب البيت، هذه علاقة إيمانية، لو كانت علاقتنا فيما بيننا إيمانية لكان حالنا غير هذا الحال، دعاوى القضاء لا تعد ولا تحصى، العلاقات بين الناس ساءت، أما لو أن هناك علاقات إيجابية ووفاء بالعقد، يقال: الآن يوجد أزمة سكن، هذا خلط بل أزمة إسكان، مئات بل مئات الألوف من البيوت المغلقة التي لا تؤجر، السبب: المستأجر لو أعطاك وعداً أن يخرج لا يخرج، تَمَلّك البيت، الناس فقدوا المصداقية، الإنسان حينما يفقد المصداقية انتهى.
حدثني رجل قال: طالبان على مقعد الدراسة بعد حين طويل صار الأول من تجار البناء المشهورين، والثاني بقي في عمل متواضع، عنده بقالية متواضعة، فلما أراد الثاني الزواج ليس هناك بيت، ذهب إلى صديقه تاجر البناء قال له: أنا عندي بيوت للبيع لا للإيجار، فقال له: عهد الله لأن أجرتني بيتاً من بيوتك وجاء من يشتريها أخليها لك في يومين، هذا الصديق رقّ قلبه للصديق الثاني وأجره قبواً في أبي رمانة، سكن فيه أربع أو خمس سنوات ليس هناك بيع، جاء فجأة من يشتري هذا البيت والأسعار تضاعفت، فجاء صاحب البيت إلى صديقه المستأجر وطرق بابه وقال له: أنت عاهدتني أن تخرج من البيت في يومين حينما يجيء من يشتري هذا البيت، والآن جاء من يشتريه، معك ستة أشهر، قال له: أنا على عهدي، بعد يومين طرق باب صاحب البيت صديقه قال: هذه المفاتيح جزاك الله خيراً، الصديق صعق هناك أزمة سكن مستحكمة، الآن هناك شيء اسمه عقد سياحي، أي هناك أمل أن تأخذ بيتاً لستة أشهر، و لكن في ذلك الوقت لم يكن هذا الشيء، هذا ما صدق لعله يمزح، فركب مركبته واتجه إلى البيت، فتح البيت لا شيء فيه، ومنظف، كل شيء كامل جاهز للسكن، لما أغلق الباب وذهب فتح باب الجيران بربك كم أخذ المستأجر منك فروغاً؟ قال: لم يأخذ مني شيئاً هو عاهدني أن يعطيني البيت وأعطاني إياه وما أخذ مني شيئاً، قالوا: والله باع كل أثاث بيته بثمن بخس، والآن هناك فندق في الشام رخيص، فهذا الصديق سأل عن الفندق وذهب إليه، قال له: والله لترجع إلى البيت ولأبيعك إياه بسعر يوم سكنته، وكل ما دفع من أجرة من ثمن البيت وأثاث البيت عليّ، والله هكذا شخص يلغي قانون الإيجار كله.
قال لي أخ: أعرنا إنساناً بيتاً ليدهن بيته لمدة أسبوع، هذه السنة الخامسة عشرة وهم في المحاكم، المسلمون عند شروطهم، أحياناً يقول لي أخ يكبر في عيني: أنا مستعد أن أسكن في خيمة وألا أنقض عهدي مع صاحب البيت، أخ كان من إخواننا في مرتبة عالية جداً ساكن جانب جامع النابلسي انتهت خدمته وهو موظف في الجيش، طرق على صاحب البيت وقال: هذا المفتاح جزاك الله عني خيراً، صعق الرجل ولم يصدق.
أنا أقول لكم: من سابع المستحيلات أن إنساناً يوفي عهد الله في علاقته مع الآخرين وأن يبقى في الدرجة البعيدة إلا في المقدمة، وما من إنسان خرج من بيته وفاءً لعهد الله إلا وأسكنه الله أفضل البيوت، هناك أخ آخر قال لي: أنا ساكن في بيت، هذا الكلام في الأزمات المستحكمة لا يمكن أن تجد بيتاً للسكن ولا في سنة، ساكن في بيت صاحبة البيت قالت له: إن أردت البيت يجب أن تخرج منه؟ قال لها: أنا حاضر، ففي وقت عصيب جداً قالت له: أريد البيت، ووقع عقد تنازل لأربعة أشهر وأصبح بلا بيت، بعد حين دعانا إلى بيت اشتراه أفضل من البيت الأول بمئات المرات، وتوفيق الله عز وجل لا يصدق، وانتقل إلى بيت أكبر وأجمل دعيت إليه، سألته عن قصته فقال: والله صاحبة البيت لها بنت عانس جاءها خاطب فليس عنده بيت قالت لأمها: يا أمي قولي لفلان أن يعطينا البيت لعلي أتزوج به، فاستجاب المستأجر وخرج، ذهبت هذه الفتاة للعمرة طوال الطريق تدعو لهذا المستأجر أن يهبه الله بيتاً خيراً من البيت المستأجر، وهذا الذي حصل، أنت تتعامل مع الله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
من كان مع الله فلن يضيعه :
المسلمون عند شروطهم، لا تخف لن تضيع، الله لن يضيعك، لا تعتمد على مادة في القانون، في القبر ليس هناك قانون بل شرع، لا تستند على مادة تقول: أنا محام، الحامي هو الله، أعرف رجلاً اغتصب بيتاً و عنده بيت أصغر من بيته، بطريقة معقدة جداً وكّل محامياً ووصل إلى حكم لصالحه بطريق غير مشروع، عندئذ اضطرت صاحبة البيت المسكينة أن تبيعه البيت بثلث ثمنه، وقع عقداً، ثلاثون يوماً كان تحت أطباق الثرى.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
والله أيها الأخوة لو هذه الآية وحدها طبقها المسلمون لكانت حياتهم غير هذه الحياة، يقول: كل الطرق مسدودة، لا يوجد زواج لأنه لا يوجد بيوت، البيوت موجودة لكن ليس هناك وفاء بالعقود، ولكن إذا وجد الوفاء بالعقود تحل مشكلات كل الشباب. من نقض عهده فليس بمؤمن :
أنا اخترت هذه الآية: لو أوفينا بالعقود لكنا في حال غير هذا الحال، كلما ضاقت سبل الزواج اتسعت سبل الزنى، يقال: أغلقوا عشرين بيت دعارة بالحي الفلاني في يوم واحد، طرق الزواج كلها مغلقة لأنها تحتاج إلى بيوت، إذاً طرق الدعارة أصبحت مفتوحة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
[سنن ابن ماجة ]
اسمعوا الحديث: ((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
لا يوجد دين لا يوجد عهد، صلِّ ما شئت وصم وتمسح بمظاهر الدين ما شئت لست مؤمناً لا ورب الكعبة إذا نقضت عهدك مع من عاهدت.
إذاً العقود التي بينك وبين الله، والعقود التي بينك وبين الناس ينبغي أن تؤديها لتكون مؤمناً وإلا فلست بمؤمن. قضية العقود قضية مقدسة :
الآن لو وسعنا هذا الموضوع، عقد أدبي وعدت ابنك بدراجة، هذا وعد، والوعد عقد، ووعد الحر دين، فأنت يجب أن تنفذ ما وعدته، أو اقتصد في طرح الوعود، عود نفسك الشيء الذي لا تستطيع أن تفي به لا تعد، أحياناً تجد شخصاً يلعب بالمبادئ، يكون عنده موظف يقول له: أريد أن أشاركك كلمة قالها ونسيها، هذا الموظف عاش في أحلام، غداً أصبح شريكه، وينزل اسمي على لوحة، ويبني على ذلك آمالاً، لكن صاحب المحل تكلم هذه الكلمة ولا يعني منها شيئاً، حينما يصاب هذا الموظف بخيبة أمل مع صاحب المحل، وصاحب المحل يصلي وبالمسجد، أحياناً يكفر الإنسان الجاهل بالدين من خلال نقض عهد لإنسان يتمسح بالدين، قضية العقود قضية مقدسة، ودائماً وأبداً:
((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
أحد أصحاب رسول الله في أثناء الهجرة قبضوا عليه ليقتلوه، فقال: عهداً لله إن أطلقتموني لن أحاربكم أبداً، أطلقوا سراحه سرّ به النبي، بعد فترة هناك غزوة هذا الصحابي من شدة فرحه بالجهاد انضم لهذه الغزوة، قال له النبي: ارجع ألم تعاهدهم ألا تقاتلهم؟ فرجع، عقد منعه أن يقاتل معه لأنه عاهدهم. المبادئ التي جاء بها الإسلام هي سبب انتشاره في الخافقين :
قلت مرة: هذه المبادئ التي جاء بها الإسلام هي سبب انتشار الإسلام في الخافقين، انتشار الإسلام في أطراف الدنيا، وصول الإسلام إلى الصين وإلى إسبانيا وإلى مشارف باريس وإلى وسط أوربا، هناك لوحة في متحف بينا تمثل الجندي العثماني بقيادة محمد الفاتح لما وصلوا إلى مشارف بينا، هذه اللوحة تصور جنوداً عثمانيين يشترون العنب من فتيات نمساويات يدفع لها الثمن، ويغض بصره عنها، لما غضوا بصرهم وصلوا إلى بينا، فلما نظروا غزوا في عقر دارهم، قال عليه الصلاة والسلام:
(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
ويوم تخلت أمته عن سنته وخالفتها هزمت بالرعب مسيرة عام. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
من مقتضيات إيمانك أن تفي بالعقد الذي بينك وبين الله، ومن مقتضيات إيمانك أن تفي بالعقد الذي بينك وبين الناس، فهذا العقد مقدس. العقد الزوجي أقدس عقد ينبغي أن يكون مصوناً ومقدساً من اللعب والعبث :
لكن ما هو أقدس عقد على الإطلاق؟ هو العقد الزوجي.
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾
[ سورة النساء: 21 ]
هذا العقد الذي يبيح للزوج أن يرى من زوجتها ما لا يراه أبوها ولا ولدها، عقد مقدس، فهذا الذي يستهين بهذا العقد حتى يشتري سيارة يعمل عقد زواج صوري، اسمه عقد زواج سيارة، مرة فترة منع بيع السيارة إلا بشروط قاسية جداً بين الأقارب، فصار هناك شيء اسمه عقد زواج سيارة حتى يبيع السيارة يتزوجها وبعدها يطلقها، وحتى يذهب إلى الحج ينشئ عقد زواج شكلي، نلعب بدين الله لنحج في غياب المحرم؟ تعقد عقداً على زوج صورة فهو زوجها، وكم من زواج شكلي أصبح حقيقياً في الحج، هذا أقدس عقد ينبغي أن يكون مصوناً ومقدساً من اللعب والعبث. من كذب أو خان انتهى كمؤمن :
يا أيها الأخوة، لا تصخُ نفسي من أن أخرج من هذه الآيات، لأن هذه الدين كله بعهدك، دينك بالوفاء، دينك أن تكون عند الكلمة التي تكلمت بها، والإنسان حتى في علاقاته المادية من هو التاجر الذي يحقق نجاحاً كبيراً؟ هو التاجر الصادق الذي لا يخلف وعده، أي ورد في بعض الأحاديث أن: "خير الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا".
والله الأسواق تشهد حماقات، وإخلاف للعهود، ونقض للوعود، وتدليس، وكذب، وتزوير، ما لا سبيل إلى وصفه، لذلك السوق سوء، غش وكذب، قلت لكم مرة: دلال يريد أن يبيع بيتاً يصلي إلى الشمال في الليل حتى أوهم الشاري أن البيت قبلي وهو شمالي، البيت عال، خمسة طوابق يتكلم بقصة عند كل ميدة لا يحس الشاري بالارتفاع، لو صعد البيت بشكل مستمر لا يتحمل، تجد تدليساً وكذباً وغشاً واحتيالاً، هذه حالة المسلمين في أيام تأخرهم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة:
(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ : فَأَقُولُ : بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ : سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
أي أنت مؤمن، فأنت في عقد مع الله أن تطيعه، والحديث معروف لديكم لما أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه معاذ فقال له: (( هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))
[ متفق عليه عن معاذ]
أي والعياذ بالله لا يمضي أسبوع إلا ويصلني ست أو سبع قصص أن صانعاً خان معلمه وسرقه، لا يوجد أمانة ولا ذمة، الإنسان عندما يأكل مالاً حراماً انتهى، لما يخون انتهى، يقول عليه الصلاة والسلام: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[ أحمد عن أبي أمامة ]
إذا خان أو كذب ما عاد مؤمناً انتهى كمؤمن.
فيا أيها الأخوة الكرام، إذا عقدت عقداً أو شراكة أو وعدت ابنك أو جارك فعليك أن تفي بعهدك، هذا حال المسلمين هان أمر الله عليهم فهانوا عليه، نقضوا عهودهم وإذا نقضوا عهدهم مع الله دقق الحديث الصحيح الذي يعد من دلائل نبوة النبي: ((... إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ))
[ ابن ماجه عن ابن عمر]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثالث العشرون )


الموضوع : رحمة الله عند الاستماع للقران - سورة الاعراف






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
رحمةُ الله كلمةٌ جامعة لعطائه وعطاءُ الله يبدأ من كل شيء يريح الإنسان :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
إن قرأتَ أنت القرآنَ موضوعٌ آخر، تقرأه أنت، و للقراءة آدابٌ كثيرةٌ مكانها غيرُ هذا الدرس، الآن إن استمعتَ إلى القرآن، و إذا قرئ من قِبَل غيرِك، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
أما لعلكم ترحمون، رحمةُ الله كلمةٌ جامعة مانعةٌ لعطاء الله، و عطاءُ الله يبدأ من كل شيء يريح الإنسان إلى سعادته النفسية، و إلى سعادته الأبدية، فإذا آتاك حكمةً، فالحكمةُ التي آتاك اللهُ إياها فاستخدمتها في كل خير هي من رحمة الله، إذا آتاك حكمة لقول الله عز وجل: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[سورة البقرة: 269]
و إذا آتاك صبراً، فالصبرُ من نعم الله الكبرى، أي الواحد له محلٌّ تجاري، و عنده موظَّف اختلف معه فطردَه، فلما طرده اشتكى عليه و دلَّ على مستودعاتٍ فيها بضاعة لها إشكال، صودِرت هذه البضاعة و كُلِّف بضريبة باهظة جدًّاً، جعلته يقتل هذا الموظَّف، فحُكِم ثلاثين سنةً في السجن، و لو أنه صبر فإن المالَ يعود، لا تعلم مقدارَ نعمة الصبر، الإنسان بالصبر يتلقَّى قضاءَ الله و قدره بالرضا، فإذا رضيتَ عن الله عز وجل آثارُ المصيبة سريعًا ما تزول، و تنساها و تصبح ذكرى. من آتاه الله الصبر و الحكمة و الأمن فهو أسعد إنسان :
إذا اللهُ عز وجل آتاك الصبرَ، قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل: 127]
الإنسان أحياناً لضعف الصبر ينتهي و ينهار، آلاف الحالات، مرضٌ عُضال، مرض خبيث تلقَّاه الإنسانُ بالإيمان و الرضا بقضاء الله و قدره، شُفِيَ الإنسانُ من هذا المرض، و إنسان ثانٍ بلَّغه الطبيبَ المرضَ و قال له: معك أربعة أشهر، في اليوم الثاني مات، وما تمكَّن أن يصبر، فإذا اللهُ عز وجل آتاك الصبرَ، و آتاك الحكمةَ، و آتاك الرضا فأنت أسعدُ الناس، إذا آتاك الشعورَ بالأمن، لعلكم ترحمون، أعطاك الشعورَ بالأمن، أعطاك الرضا عن الله، أعطاك الصبر، و أعطاك الحكمةَ، أعطاك راحةَ البال، قال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾
[سورة محمد: 5]
أعطاك مكانةً عاليةً في المجتمع، ألقى حبَّ الناس في قلبك، ألقى حبَّك في قلوب الناس، هذه من رحمة الله عز وجل، و رحمة الله عظيمة جدًّاً، كلمة لإنسان محترَم له منصبٌ رفيع، و له مكانةٌ، عطاؤه سليم، الملِك إذا أراد أن يعطيَ هديَّةً فماذا يقدِّم؟ ملك، أقلُّ شيء بيت، و أقلُّ شيء مركبة فاخرة، فلذلك قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
التعرف إلى كلمة رحمة في القرآن الكريم :
دقِّق، واحد جمع، و أكثرُ الناس يكسبون أرزاقاً، أما الواحد فتجاوز مرحلةَ كسب الرزق إلى مرحلة الجمع، و بين الناس و بين الطبقة الغنية هناك عدَّة عبارات، فلان حجمُه مئتا مليون، و فلان حجمه ثمانمئة مليون، هناك عبارة أخرى، فلان يحكي بخمسمئة مليون أي هذا تجاوز مرحلة الرزق و كسب الرزق، و دخل في مرحلة الجمع، ماذا قال الله عز وجل:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 32 ]
رحمة الله، أن تكون أثيراً عند الله، أن يكون لك مقعد صدق عند مليك مقتدر، أن يهبك اللهُ الحكمة، أن يهبك الصبرَ، أن يهبك صلاح البال، انزِل، أن يهبك أولاداً صالحين، الابنُ الصالح و اللهِ أيها الأخوة لو وُزِن ذهبًا فهو أغلى، الابن الصالح قرَّةُ عين والده، لك ابن سمعته طيَّبة، و أخلاقه عالية، بارٌ في خدمتك، الابن الصالح أضخم من أكبر ثروة في العالم، لعلكم ترحمون، أنا أتمنى أيَّة آيةٍ في كتاب الله فيها كلمة رحمة، أن تعرف ما معنى كلمة رحمة، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة آل عمران: 132]
و قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
و قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 56]
و اللهُ إذا أعطى أدهش. السعادة الزوجية من رحمة الله عز وجل :
يمكن أن تُدعى إلى طعام عشاء، تُدعى إلى حفل، إلى عقد قران، و تُقدَّم لك الضيافات الفاخرة جداً، أما أحياناً فتُدعى إلى بيت الله، على الأرض، كرسي مُريح لا يوجد، كأس من الشاي لا يوجد، كان عليه الصلاة و السلام إذا دخل المسجد قال:
((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))
[مسلم عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ]
إذا الإنسانُ وهبه اللهُ سعادة زوجية، هذه من رحمة الله، السعادة الزوجية، إذا وهبه امرأةً صالحة تسرُّه إن نظر إليه، تحفظه إن غاب عنها، و تطيعه إن أمرها، هذه من رحمة الله، هناك نِعمٌ لا يعرفها كثيرٌ من الناس، الإنسان يخرج من بيته إلى عمله مطمئنًّاً أشدّ الطمأنينة إلى أن زوجته طاهرة عفيفة، هذه الطمأنينة من نعمة الله الكبرى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
يهبك زواجاً سعيداً و يهبك أولاداً أبراراً، و يهبك رزقاً حلالاً، كم مصلحة مبنية على الحرام؟ فتح ملهى، قال لي: في خمسة و أربعين يوماً أرباحه ثمانية ملايين ليرة، مبلغ ضخم، و لكن قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
[سورة يس: 12]
كلُّ معصية في هذا الملهى، و كل انحراف، و كل فسق، و كل فجور، و الأغرب من ذلك يموت صاحبُ الملهى و يبقى الملهى مستمراً إلى أمد طويل، و كل شيء جرى في هذا الملهى في صحيفة الذي بناه، الميت روحه ترفرف فوق النعش تقول: "يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المالَ مما حلَّ حرُم، فأنفقتُه في حِلِّه و في غير حلِّه، فالهناءُ لكم و التبعةُ عليَّ " شيء كبير. كلمة الرحمة يجدها الإنسان في الصلاة و في تلاوة القرآن و في الإحسان :
بدأتُ بكلمة:
﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
و لو أن أحدكم أيها الأخوة قرأ القرآنَ و تتبَّع آيات الرحمة، شيء رائع جداً، تجدها في الصلاة، و تجدها في تلاوة القرآن، و تجدها في دخول مساجد الله، و تجدها في الإحسان، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 56]
و حبَّذا لو تُتُبِّعت هذه الآيات و أخذت جدولاً بها، رحمةُ الله عز وجل العطاءُ المطلقُ يبدأ من الجسم، صحة، يمرُّ في الأسرة، زواجٌ ناجح، و يصل إلى الأولاد، أولادٌ أبرارٌ، إلى السمعة، و إلى المكانة، إلى الأمن، الشعورُ بالأمن لا يُقدَّر بثمن، قال تعالى: ﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
[ سورة قريش:4]
الخطّ البياني صاعد. الموت نقلةٌ نوعية من نظام إلى نظام :
و لو جاء الموتُ، الموت نقلةٌ نوعية من نظام إلى نظام، أما الخط البياني فصاعد، و أجمل دعاء: "اللهم اجعل نعم الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة "،" ألا يا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة "
لي صديق له والدٌ، هذا الوالد من أثرياء هذه البلدة الكبار، دخلتُ مرة إلى بيته ما شاء الله، أربعمئة متر، فيه زينة، و فيه أجنحة شرقية و أجنحة غربية، تكييف و تدفئة و تُحف، الفاز ثمنه بالملايين، فاز كبير صيني، أثاث بيته من أرقى مستوى، يأتيه بالطائرة بالبريد الجوي، تُوفي، في أيام مطيرة جدًّاً أشتُري له قبرٌ، و الجنازة و صلت إلى القبر فُتح القبرُ مياه سوداء في القبر، سئل ابنُه ماذا نفعل؟ قال: ضعوه، وُضع هذا في قبر و المياه السوداء تجري فيه، يقول مديرُ معمله وهو يحضر معنا أحياناً، قال لي: أسبوع بأكمله ما تناولت لقمةً من الطعام، أُيُعقل أن فلاناً معلَّمه هنا يُدفن، الدعاء الرائع: "اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة"، " ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٌ عارية يوم القيامة، ألا يا رُبَّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة " أما المؤمن فنرجو اللهَ سبحانه و تعالى أن يكرمنا اللهُ جميعا فيجعل نعمنا في الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة، كلمة:
﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 56]
و قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 32 ]
الاستماع للقرآن أن تصمت و الإنصاتُ أن تُعمِل عقلك في آيات الله :
و قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
إذا قرأ القرآنَ قارئٌ غيرُكم فاستمعوا له، أي لا يجوز أن تتكلم و القرآن يُتلى، أحيانا تستمع إلى القرآن في المذياع، و حديث و سؤال و جواب ومناقشة وخصومة، و القرآن يُتلى، هذا خلاف هذه الآية، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾
[سورة الأعراف: 204]
يجب أن تستمع للقرآن، الواحد استمع فسكت، شارد في القضية الفلانية و الفلانية، و الدنيا الفلانية، و البضاعة الفلانية، و اللقاء الفلاني، و الدعوة الفلانية، و القرآنُ يُتلى، أنت استمعت و لكنك لم تنصت الإنصات هو التدبُّر، و الاستماع هو الصمت، فالاستماع أن تصمت و أما الإنصاتُ فأن تُعمِل عقلك في آيات الله، مهمَّتان، أن تسكت و أن تفكِّر، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
قال: هذه الآية وردت عامَّة في وجوب الاستماع و الإنصات عند قراءة القرآن مطلقة، عندنا قاعدة أصولية: المطلق على إطلاقه، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
هناك تعزية، هناك عيد مولد، هناك عيد قِران، بالمذياع، أنت جالس ابنُك يقرأ القرآنَ: ﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ﴾
[سورة الأعراف: 204]
الزوجة جالسة و زوجها يقرأ القرآن، في كل الأحوال و في كل الأوقات و في كل الظروف و في كل الهيئات و في كل الأشكال، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
حالُ المؤمن في الصلاة إذا قرأ الإمام القرآن أن يستمع و ينصت لعله يُرحم :
الآن إذا قرئ القرآن في الصلاة، أنت مؤتمٌّ، و الإمام يقرأ، لا يجز أن تفكِّر في شيء غير القرآن الذي يُتلى، سألني إنسان و قال لي: أنا أفكِّر في عظمة الله، قلت له: هذا غلط، أنت في صلاة و الإمام يقرأ القرآن، يجب أن تفكِّر في الذي يقرأه، صار هناك انتظام، و لو كنت تفكِّر في عظمة الله، عظمة الله مكانها وقتٌ آخر، أما أنت في صلاة فحالُ المؤمن في الصلاة أنه إذا قرأ الإمام القرآن عليه أن يستمع و أن ينصت، لعله يُرحم.
وجهات نظر العلماء مع أدلَّتهم حول سماع القرآن :
إلا أن استماع المؤتمِّ بإمام موضع خلافيٌّ بين العلماء، و سأضع بين أيديكم وجهات نظر العلماء مع أدلَّتهم حول سماع القرآن، هل نقرأ مع الإمام؟ هل نصمت مطلقاً في الصلاة السرِّية و الجهرية؟ أم أن نقرأ مطلقاً في الصلاة السرية و الجهرية؟ أم أن ننصت في الجهرية و نقرأ في السرية؟
اختلف العلماءُ في الحكم إذا كان الناسُ خلف الإمام، هل يجب عليهم الاستماع و الإنصات، و يسقط عنهم فرضُ القراءة، أم لا يجب عليهم بل عليهم أن يقرأوا، سواء في ذلك جهرية الإمام أو سريَّته ؟
ذهب الأحنافُ إلى أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقاً، لا في صلاةٍ جهرية و لا في صلاة سرية، و اللهِ في الصلاة الجهرية الحقُّ معهم، و شيء منطقي و قوي، إمام فصيح يقرأ القرآن بصوت جهوري و بأحكام رائعة، يختار آيات جميلة، ما معنى أن تقرأ معه أنت؟ النبيُّ عليه الصلاة و السلام سمع بعضَ أصحابه يقرأ معه القرآن:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أما أن تقف وراء الإمام في صلاة العصر لا تفعل شيئاً أبداً، الإنسان يجد نفسه محرَجاً، هكذا، لعلك وقفتَ خلف رسول الله و أنت صامت الدموع تنهمر، هذا رسول الله، و لكن أنت تصلي خلف إمام غير رسول الله، لعل الإمام أبا حنيفة أنه حال المقتدي من حال الإمام إلا أن الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن يصمت و ألا يقرأ القرآن إذا كان خلف الإمام، لا في صلاة جهرية و لا في صلاة سرية وضعُه أن يقف صامتاً.
هناك جماعة أخرى ذهبوا إلى أن المأمومَ يقرأ إذا أسرَّ الإمام، و لا يقرأ إذا جهر الإمامُ، وهو قولُ عروة بن الزبير، و القاسم بن محمد، و الزهري، و الإمام مالك، المذهب المالكي مذهب معتدل، و مذهب قريب من الفطرة، أنت وراء الإمام في صلاة سرية تقرأ، وراء الإمام في صلاة جهرية لا تقرأ، الأحناف لا تقرأ لا في صلاة سرية و لا في صلاة جهرية، المالكية تصمت في الصلاة الجهرية و تقرأ في الصلاة السرية.
و ذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المأموم يجب أن يقرأ مطلقاً أكان في صلاة سرية أم في صلاة جهرية، لذلك أحياناً تُفاجأ أنه إلى جانبك إنسان مذهبه شافعي، الإمام يقرأ الفاتحة و هو يقرأ معه الفاتحة، أنا أميل في هذا الموضوع للمذهب المالكي. فضلُ كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه :
أيها الأخوة، على كلٍّ يعنينا:
﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
النص الشهير: "إن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه "، لو دخلت إلى مكتبة فيها مئة ألف كتاب، القرآن الكريم وحده في كفَّة و المئة ألف كتاب في كفة ثانية، المئة ألف كتاب من تأليف بني البشر، و القرآن الكريم كلام خالق البشر، و فضلُ كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، لا يوجد كتابٌ بشكل مطلق إلا و فيه بعض الأخطاء، لأن العصمة للأنبياء، والله عز وجل حقٌّ مطلق، أما ما سوى الأنبياء فيصيب و يخطئ، لا يوجد كتاب ليس فيه خطأ، مهما بدا لك الكتاب رائعاً، هناك كتاب من أشهر الكتب أُلِّف في العصور القديمة كان مؤلَّف الكتاب يتوهَّم أن الإنسان إذا أكل أكلاً حارًّاً يصعد بخارُ الطعام إلى دماغه، كأن المعدة مفتوحة و الجوف فارغ و الدماغ فوق و صعد البخار إلى فوق، كتاب محترم جدًّاً لا يوجد كتاب على الإطلاق تقرأه إلا و فيه بعض الخلل إلا كلام الله عز وجل، لا يأتيه الباطل، فموقف الإنسان من كلام الله موقف كبير، أحياناً القرآن فيه أصول العلوم كلها. آداب الضيافة :
قلت مرة لإنسان: هل تصدِّق أن آداب الضيافة كلها في سطر واحد في كتاب الله، قال لي: أين؟ قلت له: في قصة أيضاً، سيدنا إبراهيم حينما جاءه الضيوف قال:
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ﴾
[سورة الذاريات: 26]
راغ: انسلَّ خفية، هناك إنسان يأتيه ضيوفٌ يصنع لهم عشاءً، يستحي الضيف، لا شكراً، أنا من عادتي لا أتعشَّى، و هو من عادته أنه يتعشَّى دائماً، الضيف لا يُسأل، سيدنا إبراهيم راغ إلى أهله انسلَّ خفية، و ما سأله، قال تعالى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
سرعةُ تقديم الطعام، اثنان: عدم سؤال الضيف، و سرعة تقديم الطعام قال تعالى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
أكلٌ طيِّبٌ، الآن أنا شاهدتُ في بعض الضيافات وُضع الطعام ووُضعت الفاكهة و الحلويات، و صاحب البيت مشغول بحديث معيَّن، و الأكل بقي ساعة و ما قال صاحب البيت للضيوف: تفضَّلوا، الضيف مستحيل أن يمدَّ يده مباشرة من عنده، لا يستطيع، وقد يكون جائعاً قال تعالى: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ﴾
[سورة الذاريات: 26]
﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
قدَّم الطعام سريعاً، قال تعالى: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
شيء نفيس، قال تعالى: ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾
[سورة الذاريات: 27]
أحياناً يضع لك صحن السلطة أمامك و صحن اللحم بعيد عنك، و الطاولة كبيرة أنت تأكل السلطة: ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾
[سورة الذاريات: 27]
من يقرأ القرآن يجد فيه قواعد و قوانين عن كل شيء :
توزيعُ الطعام على المائدة فيه آدابٌ، أحياناً تجتمع الأطباقُ الفاخرةُ في جهة، و الأطباقُ غيرُ الفاخرة بجهة أخرى، و الناسُ جالسون في الأطراف، و الطبقُ يتوزَّع، طبقٌ هنا و طبقٌ هنا، و هكذا، أو أمام الضيف إبريق ماء كبير و كؤوس و خبز و لا مكان للأكل، قال تعالى:
﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾
[سورة الذاريات: 27]
ما سأل و جاء بالطعام سريعاً، و كان الطعام طيباً و قرَّبه إلى الضيف، و دعاه إلى أن يأكل، هذا كلام الله عز وجل، فأنت عندما تقرأ القرآن تجد فيه قواعد و قوانين. احتمالات الآية التالية :
قال تعالى:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
هناك عالم من علماء البلاغة وضع عشرة احتمالات لهذه الآية، أي احتمال آخر ليست قرآناً، مثلاً لو قال: الدواب على الله رزقها، ليس قرآناً، اختل القصر، ما من دابة غير الدواب على الله رزقها، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، أنا دخلت إلى صفٍّ، قلت: طلابُ الصف لهم عندي مكافأة، الطلاب الحاضرون أمامي، و هناك طالب غائب له مكافأة؟ بالنص لا، أما إذا قلت: ما من طالب في هذا الصف إلا و له عندي مكافأة، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع، مريض أو غائب أو مطرود له مكافأة، انظر: ما من دابة، نملة سمراء على صخرة صمَّاء في ليلة ظلماء لها عند الله رزق، وعَلٌ يعيش في رؤوس جبال هيمالايا له عند الله رزق، سمكة في أعماق المحيطات لها عند الله رزق، قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
إذًا لما حذفنا " من " هذا الكلام ليس قرآناً، و حذفنا " ما و إلا" النفي و الاستثناء ألغينا القصر، الدواب كلها اللهُ يرزقها، ليست قرآناً، الله يرزقها أو لا يرزقها، ليس هناك إلزام أما على فتفيد الإلزام: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
فعلى تفيد الإلزام، "دابة" تنكير شمول، فلو جاءت معرَّفة اختلَّ المعنى، الدابة منكَّرة تنكير شمول، و من لاستغراق أفراد النوع، و ما للاستثناء و القصر، و على تفيد الإلزام. طريقة انتقال الطعام لك باختيارك أما هو فهو لك :
﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
مستقرها: أين هي؟ و مستودع طعامها: أين هو؟ أنت في الشام مثلاً، هناك في سرغايا بستان تفاح، الشجرة الرابعة الغصن الخامس خمس تفاحات على الغصن، هذه لك، مثلاً، أما طريقة وصول هذا التفاح إليك فباختيارك، قد يأكل الإنسان هذه التفاحات ضيافة، و قد يأكلها شراءً، وقد يأكلها هدية، و قد يأكلها سرقة، وقد يأكلها احتيالاً، و قد يأكلها تسوُّلاً، تسوُّل أو سرقة و هدية أو شراء أو ضيافة، طريقة انتقال هذا الطعام لك باختيارك، أما هو فهو لك، قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
كل آية في القرآن الكريم شفاء للنفس :
صدِّقوني أيها الأخوة قد تُمضي عشرين سنة، و أربعين سنة، و خمسين سنة، و هذا القرآن لا تنقضي عجائبُه، و كل حرف فيه قانون، و كل حرف فيه قاعدة، و كل حرف فيه دستور، و كل حرف فيه سنة، شيء دقيق جداً، لذلك قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ﴾
[سورة الأعراف: 204]
أنا أقول لكم: لا شيء في حياة إنسان- أيِّ إنسان - يعلو على أن يفهم كلام الله، لأن كلام الله منهج لهذا الإنسان، إنسان يكره زوجته، ماذا يفعل؟ يطلِّقها، هناك توجيه، النبيُّ عليه الصلاة و السلام قال: ((لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا توجيه النبي، أنا أقول لكم هذه الكلمة: إذا الإنسان ألزم نفسه أن يقرأ كل يوم بضع صفحات من كتاب الله، إذا عنده فراغ وهو متقاعد يقرأ جزءاً، وإذا عنده أعمال كثيفة جدا يقرأ خمس صفحات الحدَّ الأدنى، صدِّقوني لا يمكن إلا وأن تجد فيما تقرأ حلًّاً لمشكلة، إجابة عن سؤال، وتوجيه لعمل جيِّد، دائما أنت مع الحقيقة المطلقة، فالإنسان إذا ابتعد عن كتاب الله ابتعد عن توجيه الخالق، و عن توجيه الصانع، ابتعد عن الحقيقة المطلقة، مثلاً له جار غنيٌّ، تفلُّت و كفر و فسق و فجور و استعلاء و غطرسة و كبرياء، هو من بيته إلى المسجد و غضُّ بصر و استقامة و ليس معه مال، دخلُه محدود، و ساعة عطلة يختلُّ توازن المؤمن يا رب هذا لا يعرف شيئاً اسمه صلاح، و كفر و فجور و عنده أموال لا تأكلها النيران، وهذا المستقيم لا يجد قوت يومه اقرأ القرآن، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
[سورة آل عمران: 196-197]
و قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
ألا ترتاح؟ ترتاح راحة كبيرة، قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل الآية: 97 ]
و قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 21 ]
كل آية أيها الأخوة شفاء للنفس. الأمراض النفسية تتلاشى بقراءة القرآن الكريم :
أساساً القرآنُ شفاءٌ للناس، و اللهُ عز وجل سمَّى القرآن شفاء، شفاء لما في الصدور، و سمى العسل شفاء الأبدان، عندك القرآن و العسل، للجسم العسل، للنفس القرآن الكريم، قال تعالى
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الإسراء: 82 ]
وقال تعالى: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾
[سورة التوبة: 21]
و اللهِ شيء جميل، إنسان يمشي في الطريق وجد مساحات وطرقات و حدائق وأمامه السيارات كلها سوداء، ييئس؟ لا: قال تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء: 77]
لا تكفي هذه الآية: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾
[سورة النساء: 77]
قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[سورة التوبة: 38]
لا ترضي هذه الآية. و اللهِ أيها الأخوة، لا يمكن أن يبقى عندك مرضٌ نفسي، ولا ضيق، و لا خوف، و لا قلق، و لا تشاؤم، و لا سوداوية، كل هذه الأمراض النفسية تتلاشى إذا قرأتَ القرآن، إذا قرأته حق قراءته، وتلوته حقَّ تلاوته، و حق التلاوة أن تتلوه تلاوة صحيحة، وأن تفهمه، و أن تتدبَّره، و أن تطبِّقه، اقرأْ وافهم و طبِّق. تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة، أختم هذا الدرس بالعودة إلى منطلقه، وهو أن الإنسان إذا استمع إلى القرآن، أو إذا سمع القرآنَ يُتلى بشكل مطلق في أيِّ مكان و في أي زمان، وحتى داخل الصلاة عليه أن يستمع و أن ينصت، و الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن ينصت، رأيُ الصحابة الكرام، ابنُ مسعود و سعد و جابر و ابن عباس و أبو الدرداء و أبو سعيد و زيد بن ثابت و أنس، كلُّ هؤلاء الصحابة الكرام ذمُّوا من قرأ خلف الإمام، فقد روى عبدُ الرحمن بن أبي ليلى عن عليٍّ كرم الله وجهه أنه قال:" من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة ".
وعن زيد بن ثابت قال:"من قرأ خلف الإمام مُلِئ فمُه تراباً " و روي عنه أنه:" من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له " أي لا صلاة كاملة له، و قال الشعبي:" أدركت سبعين بدريًّاً كلُّهم يمنعون المقتدي من القراءة خلف الإمام ".
وهناك أخبار كثيرةٌ عن رسول الله تؤكِّد هذا، بعض الرجال صلى خلف رسول الله و قرأ القرآن، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
و في حديث آخر أن النبي عليه الصلاة و السلام: ((عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ]
و أُخرِج عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))
[ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ]
قراءة الإمام قراءة للمؤتمِّ، والإمام الشافعي يحتج بحديث عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
[البخاري عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ]
التوفيق بين المذهبين أن قراءة الإمام هي قراءة للمؤتمِّ، فالمؤتم قرأ الفاتحة من خلال الإمام، و في حديث عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))
[ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ]
روايات كثيرة، أما المالكية كما قلت فمذهبهم مذهب معتدل، فالمؤتم ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية، و ينبغي أن ينصت في الصلاة الجهرية، و رجل قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فهذه الآية من آيات الأحكام، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
يجب أن تسكت وهذا هو الاستماع، و يجب أن تتدبَّر وهذا هو الفهم، و يجب أن تطبِّق، فإذا استمعتَ و فهمتَ و طبَّقتَ فقد تلوتَ القرآن حقَّ تلاوته.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الرابع العشرون )


الموضوع : انواع الناس - سورة الانفال





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أصناف المؤمنين :
أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الرابع و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 72-73]
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[ سورة الأنفال: 75]
أيها الأخوة، من خلال هذه الآيات يتبدَّى أن المؤمنين أربعةُ أصناف؛ صنف آمن و هاجر، و صنف آوى و نصر، و صنف آمن و لم يهاجر، و صنف آمن و هاجر بعد الفتح، آمن و هاجر بعد الحديبية، أي هاجر في وقت متأخِّر، كأن هذه الأصناف الأربع نماذج بشرية إيمانية متكرِّرة، الفئة الأولى آمنت وضحَّت بمكان إقامتها، وضحَّت بجذورها، و ضحَّت بكيانها، و تركت كلَّ شيء في سبيل الله، فئة أخرى متمكِّنة، في ديارهم، و في بيوتهم، معهم أموالهم، استقبلوا هؤلاء المهاجرين، آووا و نصروا. الإنسان إما أن يؤمن و يهاجر أو أن يؤوي و ينصر :
لو أردنا أن نبحث اليومَ عن مثل هؤلاء، أحياناً طالب علم جاء من أماكن بعيدة لا أحد له في الشام، و لا بيت له، و لا عمل له، إنسان من سكان هذه البلدة الطيِّبة متمكِّن و قوي، له بيت، و له محلٌّ، وله إمكانات، فالأول جاء إلى هنا في سبيل الله، جاء ليطلب العلمَ، أو جاء ليفرَّ بدينه، صار هناك اضطهاد ديني، صار هناك تطهير عرقي، صار هناك قتل على الهوية، إنسان فرَّ بدينه، أو إنسان جاء ليطلب العلم، و إنسان مؤمن متمكِّن في بلده، في بيته و له دخل، و له محلٌّ، و له إمكانات، و له عمل، فهذان الصنفان متكاملان، آمن و هاجر و آوى و نصر، و هذان النموذجان مستمران إلى يوم القيامة، فإما أن تؤمن و تهاجر، و إما أن تؤوي و تنصر.
البطل هو الذي يؤمن في الوقت المناسب :
أعجبتني كلمةٌ قالها أحدُهم، قال: إن لم تكن داعية تبنَّ داعياً، أي تبنَّ طالبَ علم، هو الآن طالب علم، هو الآن لا أحد يعرفه، الآن هو خامل الذِّكر، لكن بعد حين سيغدو علَماً من أعلام الأمة، فإن لم تكن داعية أعِن داعية، أكرم طالبَ علم، أسكِنه في بيت، قدِّم له بعض المساعدات، كأن هذين النموذجين يحتاجهما الإسلامُ في كل وقت، إنسان آمن و هاجر، و إنسان آوى و نصر، فالصنف الأول المهاجرون أصحابُ الهجرة الأولى قبل غزوة بدرٍ، و بالمناسبة دائماً السَّبقُ له مكانة كبيرة في الإسلام، أنا دائما أحبُّ أن أنقل الحقائق إلى واقعنا، دعوةٌ عمرها ربعُ قرنٍ، هؤلاء الأوائل الذين حضروا و استجابوا و لم يكن معهم أحد يُعدُّون على أصابع اليدِ، هؤلاء لهم مكانة كبيرة جدًّاً، لأنهم من السابقين، أحياناً الدعوة تكبُر، و يزداد عددُ أفرادها فيغدو الانضمامُ إليها مفخرة، أما في وقت كانت عبئاً، لذلك ليسوا سواء، من آمن من قبل الفتح و هاجر، هذا الذي آمن و هاجر، هذا كان مضطهداً، كان خائفاً، ضحَّى بالغالي و الرخيص، و النفس و النفيس، أما بعدما قوِيَ الإسلام أصبح الدخولُ إليه مغنماً، أحياناً يكون الدخول في الإسلام مغرماً، و أحياناً يصبح الدخولُ في الإسلام مغنماً فالإنسان البطل هو الذي يؤمن في الوقت المناسب، و هذا ينقلنا إلى حقيقة، لماذا كان الأنبياءُ في أول دعوتهم ضِعافاً؟ النبيُّ كان ضعيفاً، كان يمرُّ على عمَّار بن ياسر و هو يُعذَّب و يُجلد، لا يستطيع أن يفعل شيئاً، يقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة " سيد الأمة ضعيف، رجل كافر مشرك منحرف ينكِّل بالمسلمين، و يعذِّبهم، و لا يستطيع النبيُّ و كلُّ أصحابه أن يفعلوا شيئاً، لو أن الأنبياءُ كانوا أقوياء لدخل الناسُ في دين الله أفواجاً، لا عن قناعة، و لا عن محبَّة لله، و لا عن تعبُّد، و لكنهم دخلوا خوفاً أو طمعاً، إذا القويُّ أعطى أمراً يطيعه كثيرون، بعضهم يطيعه خوفاً من بطشه، و بعضهم يطيعه طمعاً فيما عنده، الطاعتان لا قيمة لهما، أما الضعيف إذا دعاك إلى الحق و كأنه قبولُ فهذا الحق عبء عليك، و مخاطرة بمصالحك، و اقتلاعاً من جذورك، هذه البطولة لها ثمن باهظ.
الصحابة الكرام دفعوا الثمنَ و نحن قطفنا الثمرة :
أنا أقول لكم أيها الأخوة، نحن نقطف ثمارَ الدين، تخرج من بيتك، ترتدي ثيابك، و تمشي في الطريق، و تدخل المسجد، ما أحد يقول لك كلمة، لا أحد يسألك، هذه نعمة لا تُقدَّر بثمن، أن تدخل بيتَ الله وأنت آمن، و أن تستمع إلى درس العلم وأنت آمن، و تذهب بعد الدرس لتنام و أنت آمن، لكن في بلاد إسلامية لا تستطيع أن تدخل المسجد، هذه حقيقة، فالصحابة الكرام دفعوا الثمنَ، و نحن قطفنا الثمرة، الصحابة الكرام خاطروا بأرواحهم، اُقتُلعوا من جذورهم، وضحُّوا بمصالحهم، و نحن ننعم بانتصاراتهم، هذه بلاد الرومان، فتحوها و بذلوا الغالي و الرخيص، ابنُ عم النبي سيدنا جعفر، قُطعت يدُه اليمنى فأمسك الراية بيده اليسرى، قطعت اليسرى فأمسك الرايةَ بعضديه، ثم قُتِل، له خمسة أولاد، زارهم النبيُّ بعد أن وصله نبأُ استشهاده، أمُّهم طيَّبتهم و عطَّرتهم و دهنتهم، و هيأت الخبز و الطعام، تنتظر زوجها جعفر، جعفر استُشهد، تولى النبيُّ صلى الله عليه و سلم بنفسه إبلاغهم هذا النبأ المحزِن، تخفيفاً من مُصابهم، الصحابة الكرام دفعوا الثمن، و نحن قطفنا الثمرة، ما العبء الذي تحمله إذا استقمتَ على أمر الله؟ إذا قلتَ: لا إله إلا الله؟ فهذا الصنف الأول.
من هاجروا مبكِّراً هم الأكمل و الأفضل عند الله عز وجل :
و الصنف الثاني هؤلاء الصحابة الأنصارُ:
((عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَمَا سُقْتَ فِيهَا فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
[البخاري عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
لا يوجد موقف أروعُ من طالب علم و أخ مقيم أكرمه، قدَّم له بعض المساعدات، و أسكنه في بيت، و أعانه على صعوبة الحياة، لطلب العلم.
لذلك بالمناسبة: إنفاق المال لا يكون في مكان أصوب منه من إنفاقه على طلبة العلم الشرعي المخلصين، هذا يدرس ليعود خطيباً، و ليعود داعية، و ليعود مديرَ معهد شرعي، فأنا أقول لكم نماذج إيمانية مستمرة، الذي أمن وهاجر، و الذي آوى و نصر، الذين هاجروا مبكِّراً هم الأكمل و الأفضل عند الله عز وجل. وفاء النبي الكريم للأنصار :
أيها الأخوة؛ الصنف الثاني الأنصار، قال عليه الصلاة و السلام لما وجدوا عليه في أنفسهم:
(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فَغَضِبَتْ الْأَنْصَارُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا بَلَى قَالَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ ))
[البخاري عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
حينما فتح مكة خافوا أن يبقى فيها: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ وَقَالَ مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا قَالَ فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ قَالَ وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ قَالُوا وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ ))
[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا هو الوفاء، و كان عليه الصلاة و السلام يقول: (( عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مَرَّ أَبُو بَكْرٍ وَالْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَالَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ قَالَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ))
[البخاري عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
و أنا و اللهِ أتمنى أن أرى دائماً إنساناً سافر ليطلب العلم، و إنساناً حضنه، و أكرمه، و لا أكتم أن هذه البلدة الطيبة- و هذا من فضل الله علينا - لها سمعةٌ طيبة جداً في إكرام طلاب العلم، بل إن طلاب العلم الشرعي يؤثرونها على بلاد أخرى أكثر شهرةً منها، لكن هنا يجدون الدفء، و العلم الصحيح، و الروحانية العالية، و الإكرام البالغ، و هذه حقيقة. المؤمنون بعضهم أولياء بعض :
أيها الأخوة؛ قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
هذه صفة للمؤمنين، أي بعضهم يعين بعضاً، بعضهم ينصح بعضاً، و بعضهم يكرم بعضاً، و بعضهم يأخذ بيد بعضه الآخر، تعاون، و تناصح، و تباذل، و تزاور، و تضحية، و إيثار، بعضهم أولياء بعض. جهاد المال إنفاقُه أو تركه :
الآية التي ذكرتها قبل قليل قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
جهاد المال إنفاقُه أو تركه، إنسان له بيت بمكة، و له أملاك، و له أراض، تركها، هذا لم ينفق، و لكنه ترك، هذا جهاد سلبي، الذي يضحِّي بمصالحه جاهد بماله في سبيل الله، أحد الصحابة في أثناء الهجرة أُلقي القبضُ عليه ليعيدوه إلى مكة، قال: خذوا كل مالي و اتركوني، أين مالك؟ دلَّهم عليه، في المكان الفلاني، في بيته، خبَّأه في مكان، دلَّهم عليه ليأخذوه كلَّه، و نجا بجلده إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال له النبيُّ " ربح البيعُ أبا يحيى " تجارة، و قد ربحت التجارةُ، حينما تقدِّم كلَّ مالك و تنال رضا ربِّك فأنت أكبر رابح، فجهاد المال تركُه أحياناً، جهاد المال إنفاقه. أجمل ما في حياة المؤمنين الحبّ و الودّ والتعاون الذي بينهم :
و قال تعالى:
﴿ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
هذا لا يعني أن في المؤمنين، و هذا يتناقض أن يكون المؤمنون متعادين متباغضين الأصل أن يكونوا متعاونين، متباذلين، متناصحين، الأثر القدسي. ((عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ اللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))
[أحمد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ]
أجمل ما في حياة المؤمنين هذا الحبُّ الذي بينهم، هذا الودُّ الذي بينهم، هذا التعاون الذي بينهم، هذا الإيثار الذي بينهم، الحياة قاسية، و الحياة أحياناً متعِبة، و الحياة أحياناً مشحونة بالمتاعب و المصائب و الهموم و الأحزان، و لحكمة بالغة بالغة شاءها اللهُ كذلك ما الذي يخفِّف من شدَّتها و قسوتها؟ هذه الأخوة الصادقة بين المؤمنين، لذلك أغلى شيء في الحياة أخٌ في الله. المؤمن يضحِّي فيأخذ الثمنَ أضعافاً مضاعفة :
الشيء الذي يلفت النظر قال:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
لم يأخذوا موقفاً، وما ضحَّى، آثر مصالحه على آخرته، آمن، قال: و اللهِ هذا الإنسان رسول، و لا ينطق عن الهوى، و الذي ينطق به هو القرآن، هو كلام الرحمن، لكن - و هذا نموذج موجود - مصلحته فوق إيمانه، تجارته فوق طلبه للعلم، دائماً مشغول، و إذا نشأ معه وقت فارغ من حين إلى آخر يأتي، الأصل مصلحته، أما المؤمن فالأصل مسجده، الأصل طلبه للعلم، الأصل آخرته، الأصل رضوان ربِّه، لذلك يضحِّي وهو يأخذ الثمنَ أضعافاً مضاعفة: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
الذي يرقى بالإنسان أن يسلك الطريق الصحيح لا أن يمدح فقط :
كنتُ ذكرت سابقاً: إنسان معه مرض جلدي علاجه الوحيد التعرُّض للشمس فقال مرة وهو في بيت قميء مظلم، قال: الشمس ساطعة، خير إن شاء الله، قال: الشمس في رابعة النهار، مشرقة، أشِّعتها ممتازة، أشعتها مفيدة، هذا الكلام لا ينفعك ما لم تخرج إلى أشعة الشمس.
ألقيتُ كلمة اليوم في احتفال بعيد المولد، قلت: إنسان لا يقرأ و لا يكتب، و له قريب يحمل أعلى شهادة و علمية، كلما جلس: قريبي معه دكتوراه، قريبي معه دكتوراه دولة، قريبي له مؤلفات، هذا الكلام لو تحكيه ألف سنة أنت تبقى في مكانك و هو في مكانه، لو حدَّثتنا عن أخيك أو عن قريبك المتعلم العالم المؤلِّف، أنت أنت، لا ترقى إلا إذا سلكت طريقه، نحن في عيد المولد، نجتمع و نسمع نشيداً في مديح رسول الله، نستمع إلى كلمات رائعة في أخلاق رسول الله، جميل رسول الله صلى الله عليه و سلم، له مكانة عند الله، لا يزيدها مدحُك إطلاقاً، مهما مدحته هو حيث هو، و لا يحتاج إلى مديحك، بالمناسبة لو أنك فعلت العكس لا يتأثَّر إطلاقاً، احتل عند الله مكانة عالية، احتل أعلى مقام، وصل إلى سدرة المنتهى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، رأى من آيات ربه الكبرى، أنا أقول لكم كلاماً دقيقاً الآن: عندنا احتفال وراء احتفال وراء احتفال، شيء رائع جداً، جميل جداً أن نحتفل، لكن الأجمل منه أن نسلك طريق النبي، و أن نقتفيَ أثره، فهذا الذي يثني على قريبه و على شهاداته و على مؤلَّفاته، هو لا يقرأ و لا يكتب هوهو، و قريبه في عليائه.
ذكرت شيئاً ثانياً مفيداً سأذكره هنا الآن، إنسان زار قبرَ النبي عليه الصلاة و السلام، و صلى في محراب النبي، و بكى بكاءً شديداً، جميل جداً، ضربت هذا المثل، لو أستاذ عالم كبير، عنده مئتا مؤلَّف، و يحمل دكتوراه، و له مكانة في سماء العلم لا تضاهيها مكانة، و له مكتب فخم، و عنده حاجب، و الحاجب أميٌّ، ففي أثناء غيابه جاء هذا الحاجب و جلس على مقعده وراء مكتبه، ما الذي حصل؟ هل صار عالماً؟ هو هو، و سيده هو هو، أما لو أن هذا الحاجب أخذ ابتدائية، وثيقة إتمام مرحلة، ثم أخذ إعدادية، ثم أخذ شهادة ثانوية، ثم دخل الجامعة، سار في طريق سيده، فالذي يرقى بك لا أن تمدح، الذي يرقى بك أن تسلك، هذه أهمُّ نقطة في هذه المناسبة، الذي يرقى بك أن تسلك لا أن تمدح، امدح ما شئت هو هو، لا يزيده مدحُك شيئاً، و لا ينقص ذمك من قدره شيئاً، و مرة قلت كلمة: أنت معك كيلو معدن، معدن كلمة عامية، إذا أوهمتنا أنها ذهب و صدَّقناك وهي معدن خسيس أنت الخاسر الأول، نحن جميعا صدَّقنا أن هذا الكيلو ذهب، عيار أربعة و عشرين، لو معك كيلو ذهب و نحن توهَّمنا أنه معدن خسيس أنت الرابح الأول، فخيرُك منك، و شرُّك منك.
المؤمنون بعضهم أولياء بعض يتعاونون على الإيمان أما الكفار فيتعاونون على العدوان
هنا حكم شرعي؛ قال تعالى:
﴿ وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
أي إذا استطعت أن تعين إخوانك المضطهدين الذين لم يهاجروا لا مانع، قال تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
إلا إذا كانت هناك معاهدة، و من بنود هذه المعاهدة عدم التدخل في شؤون الطرف الثاني، هذا شيء له حكمة، أما الشيء الخطير فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
المؤمنون بعضهم أولياء بعض، و لكن يتعاونون على الإيمان، أما هؤلاء فيتعاونون على العدوان، و فرقٌ كبير بين تعاون أهل الشرك و الكفر، و بين تعاون أهل الإيمان، يتعاونون على الخير، على إحقاق الحق، و على نصرة الضعيف، و على إزالة المنكر، و على حلِّ مشكلات الناس، لكن الكفار يتعاونون على شيء آخر، على إطفاء نور الله، على الطعن في الحق، على إضعاف المسلمين، على نهب ثرواتهم، على إبقائهم في جهل شديد، تجهيل و تجويع و تعذيب، هذا الذي يفعله الكفار. عدم تحقق التعاون و التناصر بين المؤمنين يؤدي لانتشار الظلم و الفتنة :
ثم قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
أي إذا أنتم ما آويتم و ما نصرتم و ما آمنتم و هاجرتم، و ما آمنتم و جاهدتم، وما كنتم أولياء لبعضكم بعضاً، إن لم تحقِّقوا هذا التعاون، و هذا التآلف، و هذا التناصر، وهذا التبادل، و هذا التناصح. ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
الكافر إذا قوي - و العياذ بالله - يحرق الأخضر و اليابس، يهلك الحرث و النسل، لا يبقي و لا يذر، و هذا ترونه بأمِّ عينكم، شعوب تموت من الجوع، عشرون مليون رأس غنم يُطلق عليها الرصاص في أستراليا، و تُدفن ليبقى سعرُ اللحم مرتفعاً، و شعوب تتمنى لقمة طعام، شعوب تعاني من مجاعات، و عشرون مليون رأس غنم يطلق عليها الرصاص و تُدفن ليبقى السعرُ مرتفعاً، كُتل من الزبدة تعادل أهرامات مصر تُلقى في البحر، ليبقى سعر الزبدة مرتفعاً، السوق المشتركة، و الشعوب جلد على عظم، و الصور ترونها، جلد على عظم فقط، فإذا الكافر استلم زمام الأمور في العالَم فهو وحش لا يرحم، و يعيش وحده على أنقاض الناس، أما المؤمن فسيدنا صلاح الدين فتح القدس كان رحيماً، أما لما فُتحت من قِبَل الفرنجة سبعون ألف قتيل ذُبحوا في يومين، حقيقة ثابتة في التاريخ، فلذلك: ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
من لا يؤمن و لا يهاجر و لا يجاهد ليس بمؤمن :
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾
[ سورة الأنفال: 74]
هذه الآية التالية لها هدف، هدفها أن الذي لا يؤمن و لا يهاجر و لا يجاهد الجهاد الدعوي، جهاد الإنفاق، و لا يؤوي و لا ينصر، هذا ليس مؤمناً، ذكرت أن دائرة كبيرة جداً كل من قال: في الكون خالق دخل في هذه الدائرة، و لكن هذا لا ينجو، ضمن هذه الدائرة الكبيرة جداً دائرة ثانية، كل من دخل الدائرة الثانية هذا إيمانه منجّ، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله هو الإيمان المنجِّي، هذا الإيمان يمكن أن ينجِّي صاحبَه من الهلاك، في وسط هذه الدائرة نقطةٌ هي النبوة، فكل إنسان قال: لهذا الكون خالقٌ دخل في الدائرة الكبرى، هذا خاضع للمعالجات و المصائب و الشدائد، أما إذا وصلت إلى الدائرة الثانية إلى دائرة أن إيمانه حمله على طاعة الله الآن صار هناك وضعٌ جديدٌ، هذا وضعٌ مُريحٌ، الدائرة الثالثة دائرة النبوة التي فيها عصمة عن كل خطأ في القول أو في العمل.
الآن هناك ناسٌ ضعاف، لما الناسُ كلهم دخلوا في دين الله أفواجاً دخلوا، فيه مغانم الإسلام، كان مغرماً فصار مغنماً، لما صار مغنماً دخل الناسُ في دين الله أفواجاً، هذا قانون ثابت، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 75]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
08-15-2018, 05:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الخامس العشرون )


الموضوع : معاملة المشركين - سورة التوبة





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الدعوة إلى الله فرضُ عين على كل مسلم :
أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الخامس و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم من سورة التوبة، و هي قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 6]
أول حقيقة هو أنه من مات و لم يحدِّث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من نفاق، و أعلى أنواع الجهاد: الجهاد الدعوي، وهذا متاح لكل مسلم في كل بلاد المسلمين، أعلى جهاد الجهاد الجهاد الدعوي، و هذا متاح لكل مسلم، و لا شكَّ أنكم تعلمون علم اليقين أن الدعوة إلى الله فرضُ عين، قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 108 ]
و لا شك أنكم تعلمون علم اليقين أن التواصي بالحق أحد أركان النجاة قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
خطورة الدعوة أنها ينبغي ألا تتَّجه لمن هو متمسِّك بالإسلام بل للطرف الآخر :
الحقيقة الثانية؛ هؤلاء الأخوة المؤمنون في المساجد، هؤلاء طرف واحد، كلنا طرف واحد، بطولتنا أن تدخل من الطرف الآخر إلى حيِّز المؤمنين عناصر جديدة، لا أنسى مرة كنا في أحد المساجد في احتفال بعيد المولد، و قام أحد الخطباء و ألقى كلمة قيِّمة، ثم قام خطيب آخر وعقَّب على الأول فقال: كلُّنا طرف واحد، المهم الطرف الآخر، هؤلاء عباد لله شردوا أو غابت عنهم الحقائق، أو وصلهم الإسلامُ مشوَّها، مهمة المسلم أن يوضِّح الحقيقة، و أن يجليَ الأمر، و أن يصحِّح الغلط، فلذلك خطورة الدعوة أنها ينبغي ألا تتَّجه لمن هو متمسِّك بالإسلام، ينبغي أن تتَّجه للطرف الآخر، هؤلاء عباد لله، و الله عز وجل حريص على هدايتهم، فإذا خاطبتهم بالعقل وكنت صادقاً، وواضحاً، و معك الحجَّة القوية، ينضمون إليك، و تتوسع دائرة المسلمين، جاء إنسان من أمريكا عند الحج و حجَّ بيت الله الحرام، و في أيام منى ألقى محاضرة وصلني بعضُ فقراتها محاضرة رائعة، قال: نحن أقوى قوة في العالم، لكننا بشر، فإذا أقنعتمونا بإسلامكم كنا بجانبكم، و كانت قوتُنا لكم، هذا الطرف الآخر إنسان له عقل، و عنده عاطفة، و عنده فطرة، و عنده متطلَّبات، و عنده أساسيات، و عنده حاجات أساسية، فإذا وُفِّق المسلمُ لمخاطبته بمنطق سليم، و حجة قوية، و بدليل ناصع، و كان مخلصاً و كان موفَّقاً في عمله، هذا الإنسان أصبح مؤمناً، و أصبح منضمًّاً إلى صفوف المؤمنين.
الجهاد الدعوي أفضل أنواع الجهاد وهو متاح لكل المسلمين :
لذلك درسنا اليوم هذه الآية، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
الآن كيف يستجيرك؟ يطلب العلم، يريد أن يفهم عن الإسلام شيئاً، و يريد أن يفهم عن هذا الكتاب شيئاً، فكل إنسان يتجفجف و يتقلًّص و ينكمش، لا يحتمل أن يجلس مع إنسان شارد، مع إنسان من الطرف الآخر، هذا ليس فقيهاً في الدين، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
هناك نقطة دقيقة جداً، لمكانة الدين الإسلامي من مكارم الأخلاق، و للإشارة إلى أنه ليس الغرضُ من فرض الجهاد سفكُ الدماء، إنما المهمُّ أن تأخذ بيد هؤلاء إلى الإيمان، هذا هو المطلوب، لذلك الجهاد الدعوي أفضل أنواع الجهاد وهو متاح لكل المسلمين، من يمنعك أن تفهم كلام الله؟ من يمنعك أن تحدَّث أخًا صديقاً زائراً زميلاً جاراً عن هذه الآية؟ من يمنعك أن تتخلَّق بأخلاق الإسلام؟ من يمنعك أن تكون مخلصاً للآخرين؟ شيء بيدك، فهذه الآية على خلاف ما يفهمها معظمُ الناس أن هذا مشرك، هذا إنسان، انتماؤه لإنسانيته أقوى من أيِّ انتماء، فأنت إذا أيقظت عقله و تلطفت معه و كنت ليِّناً معه جمعت الحسنيين، يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة: 8]
العدل مع المؤمن و الكافر :
من هم الطرف الآخر بالنسبة للمؤمنين؟ الكفار، المؤمن من الذي يبغض؟ الكافر على الرغم من هذا الشنآن - البغضاء - ينبغي ألا يحملكم بغضُكم للطرف الآخر ألا تكونوا عادلين معهم، قال تعالى:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة: 8]
إذا كنت مكلَّفاً أن تكون منصفاً مع مسلم، فأنت مكلَّف أن تكون منصفاً مع غير المسلم ألفَ مرة، لأنك إذا أخطأت مع مسلم عزا الخطأ إليك، أما إذا أخطأت مع كافر فيعزو الخطأ إلى دينك، لذلك أنت على ثغرة من ثُغر الإسلام فلا يُؤتين من قِبَلك.
ورد أنه جاء رجل إلى سيدنا عليٍّ كرم الله وجهه، هذا الرجل من المشركين فأتى محمداً صلى الله عليه و سلم بعد انقضاء الأجل لسماع كلام الله، فسيدنا علي سأل النبيَ عليه الصلاة و السلام ماذا نفعل؟ قال: اقرأ قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
ما يستنبط من الآية السابقة :
يُستنبط من هذه الآية أمور: أولاً: قد يكون هذا المستجير طالباً لسماع القرآن، هناك مسلمون لا يحبِّون أن تعطي مصحفاً لغير المسلمين، لعل هذا المستجير يطلب سماع القرآن، أو يطلب سماعَ أدلة على أحقِّية الإسلام، إما أن يطلب سماعَ القرآن، أو أن يطلب سماعَ أدلة على أحقية الإسلام، و أنا سمعت من شخص أثق بإيمانه أن عشرين ألف بريطاني أعلنوا إسلامهم بسبب قراءة كتاب سلمان رشدي، طبعاً لا لأنهم قرؤوا الكتاب، بسبب هذا الكتاب، لأنهم وجدوا في الكتاب تزويراً لا يُحتمَل، لا يُعقل أن يكون نبيُّ المسلمين بهذا المستوى، فبحثوا عن مصادر صحيحة لهذا الدين فلما قرؤوا أسلموا، و ذكرت لكم كثيراً أن الإنسان أحياناً بمناسبات عديدة يكون عقله منفتحاً، معه منطق، و معه حجة، و معه دليل، أخلاقه دمثة، هذا عنصر جذب، و مرة ثانية و ثالثة نحن جميعاً طرف واحد، بطولتنا أن نقنع الطرف الآخر، بلغني أن طالباً جامعياً متمسِّكاً بدينه، له أبٌ يؤمن بأنه لا إله- أي ملحد - والده أستاذ جامعي، و له زملاء على شاكلته، ففي مناسبة عيد المولد أقام هذا الابنُ حفلاً في البيت، و توسَّل إلى أبيه أن يحضر هذا الحفل هو و زملاؤه، الابن برجاءٍ حارٍّ و الأبُ استجاب لابنه و دعا زملاءه، و هذا الابن دعا عدداً من علماء دمشق الكبار، و كلَّفهم بإلقاء بعض الكلمات عن أحقِّية هذا الدين، و عن أحقية هذا القرآن، و الذي حصل أن عدداً من هؤلاء استجاب و انضمَّ إلى صف المؤمنين، طبعاً دعوة ذكية جدا، و لي قريب جاءه مولودٌ، و اقترحتُ عليه أن يقيم حفلاً، بدل أن يأتي هؤلاء ليهنِّئوه، و يقدموا الهدايا و أحاديث في شؤون تافهة، اقترحت عليه أن يقيم حفلاً بمناسبة عيد المولد، و أن يدعو من يثق بعلمه، و يلقي كلمة أقسم لي بالله، و أنا ألقيت هذه الكلمة أنه في الأسبوع القادم ثلاثة من الحاضرين جاؤوا من أقصى مكان في دمشق لحضور خطبة الجمعة في النابلسي.
الموقف العفيف والصدق و الأمانة دعوة صارخة و لو لم ينبت الإنسان ببنت شفة :
درسنا اليوم هذه مهمته، عليك بالطرف الآخر، الطرف الآخر عبد لله، و اللهُ يحبهم و يحرص على إيمانهم، و على توبتهم، فكلما كنت ذكياً، و كلما كنت حصيفاً، و كلما كنت أخلاقياً، و كلما كنت واعياً، و كلما كنت واضحاً، كلما كانت حجَّتك أقوى استطعت أن تكسب الطرف الآخر.
أنا أذكر أخًا من إخواننا قدَّم إجازة إلى المدير العام لستة أيام، قال له: لا يوجد مجال، عندنا ازدحام عمل، قال له: هذه استهلكتها، قال له: كيف تستهلكها؟ قال: استهلكتها في صلاة الظهر، يحضر كل يوم ربع ساعة صلاة و درس صغير، فجمَّعهم فكانوا ستة أيام، فقدم إجازة شُده هذا المدير، أقسم لي بالله - و أنا لا أعرفه - في الدرس القادم حضر درس الجمعة، لفت نظره هذا الموظَّف، الموظف ورِع، صلاة الظهر مع ربع ساعة للدرس جمَّعها فصاروا ستة أيام، قدَّم فيها إجازة فالاستقامة تلفت النظر، و ذكرت لكم سابقاً قول النبي عليه الصلاة و السلام: (( استقيموا يُستقم بكم ))
[ الطبراني عن سمرة ]
الموقف العفيف دعوة، و الموقف الأخلاقي دعوة، و الصدق دعوة، و الأمانة دعوة، هذه دعوة صارخة و لو لم تنبت ببنت شفة، قال تعالى: ﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
بعض العلماء قال: حتى يسمع جميع كلام الله، و قيل: حتى يسمع بعض سور القرآن الكريم، إنسان سألك فصار لزاماً عليك أن تجيبه. الطلاب الأجانب على الإنسان أن يؤمنهم و يحترمهم :
حينما قال الله عز وجل:
﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
يجب أن يكون مطمئناً مرتاحاً، هناك من يحاوره بهدوء من دون ضغط، هناك من يفهِّمه، و لو طال به الأمدُ، حتى يسمع كلام الله، هناك رأي حتى يسمع كلام الله كله، يأتي طلاّبٌ أجانب أحياناً يجلسون و يحضرون الدروس، شيء جيِّد جداً، يجب أن تعدَّهم ضيوفاً، أن تحترمهم، و أن تؤمِّنهم. من دخل دار الإسلام لغرض شرعي وجب تأمينه :
يُؤخذ من هذه الآية، هناك استنباط ثالث عند الفقهاء الحنفية أنه إذا دخل دارَ الإسلام رجلٌ مستجير لغرض شرعي، كسماع كلام الله، أو دخل بأمان التجارة وجب تأمينه، بحيث يكون محروساً من نفسه و ماله إلى أن يبلغ دارَه التي يأمن فيها، ممكن أن يمكث حتى يسمع كلام الله كله، و يمكن أن يطلب أدلةً على أحقية الدين، و يجب أن يكون آمناً في بلاد المسلمين، و لا يخفى عليكم أن هذه البلدة - و الحمد لله - يقصدها طلاب كثيرون من أنحاء العالم، لِما يرون من رعاية طلاب العلم رعاية فائقة، و الحمد لله.
تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام :
يؤخذ من هذه الآية التي أُدرجت في آيات الأحكام أنه يجوز تأمينُ الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام، أحياناً الإنسان يكون في حرب مع المسلمين، يجوز أن يكون غيرَ مقتنع فينضمُّ إلى المسلمين، ليفهم الإسلام، حتى لو كان حربياً يجب أن تكون يقظاً معه، لكن لا بدَّ من أن تسمعه كلام الله و أن تؤمِّنه، الآن يُعبَّر عن هذا باللجوء السياسي، في العصر الحديث، و لكن هنا اللجوء ديني، سمعت طُرفة أنه لما قرَّروا إحراقَ البقر في بريطانيا، إحراق البقر المصاب بالجنون بسبب أنهم أطعموها طحين اللحم، طحين لحم الجيف، و طبعا لحم الميتة محرَّم، فلما أطعموه للبقر جُنَّ البقر، و كان هذا الجنون من جنون البشر، سمعت طرفة أنه في بلاد في شرق آسيا يعبدون البقر، أعطوا بقر بريطانيا حقَّ اللجوء الديني، لأنهم يعبدون البقر فلا بدَّ من أن يعطوهم حقَّ اللجوء الديني إلى بلاد الهند، لكن هذا الخطأ الكبير في إطعام البقر طحين اللحم سبَّب خسارة تقدر بثلاثة و ثلاثين مليار جنيه إسترليني، و لا بدَّ من إحراق ثلاثة عشر مليون بقرة، و أول إنتاج في بريطانيا إنتاج لحوم البقر، إذًا جوازُ تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام، هذا استنباط أول.
تعليمُ كل من التمس أن نعلِّمه شيئاً من أمور الدين :
الاستنباط الثاني؛ يجب تعليمُ كل من التمس منا أن نعلِّمه شيئاً من أمور الدين، إنسان طلب أن يتعلم، لذلك لا يمكن أن يؤخذ على التعليم الديني أجر، لأنه فريضة، إلى أي مكان تذهب لا بد لك من مبلغ يكون في جيبك، إلى طبيب، إلى محام، إلى مهندس، إلى خبير، إلى مستشار، لكنك تدخل إلى بيوت الله لتأخذ كل أنواع العلوم الدينية بلا مقابل، قال: و يجب على الإمام أن يحفظ هذا المستجير، و أن يمنع الناسَ من أن ينالوه بشيء من الأذى، لأن هذا هو المقصود.
الآن ماذا يحصل؟ يحصل أن شاباً يذهب إلى بلد و يأتي بزوجة، هناك أهل يرفضون هذه المرأة الأجنبية رفضاً كلياً، و يسيئون معاملتها، هؤلاء ماذا يفعلون؟ هي امرأة ليست مسلمة، رأت من المسلمين قسوة و رفض، و في بعض الأحيان كانوا يضربونهم ضرباً مبرَّحاً لأنها ليست مسلمة، هذا جهل كبير، هذه التي أتت إلى بلاد المسلمين هي تمتحن هؤلاء المسلمين، تنظر ماذا يفعلون معها، فإذا وجدت منهم الرِّقة و العطف، و بالمناسبة سيدنا زيد بن حارثة كان عند النبي عليه الصلاة و السلام، فلما علم أبوه أنه عند النبي جاء و معه مالٌ كثير ، أبوه و عمه قالا للنبي الكريم: اطلُب ما تشاء فداءً لهذا الغلام، قال: أنا لا آخذ منكم شيئاً، خيِّروه، فلما سألوه قال: و اللهِ لا أرضى، أريد أن أبقى عند النبي- عند محمد- لم تكن قد جاءته البعثة بعد، فقالوا: ويحك يا زيد، أتؤثر هذا الرجل على أبيك و عمك و أمك؟ قال: لقد رأيت منه ما أنساني أبي و أمي، هكذا الإيمان، فإذا الإنسان مثلاً معه زوجة غير مسلمة، وجدت لطفاً و مودة و احتراماً، طبعاً تُسلم،الدخولُ في الإسلام ليس صعباً، و لكنه يحتاج إلى أدب، و إلى معاملة لطيفة، يقولون: إن أهل سمرقند بلغهم أن هناك خطأ في فتح بلادهم، فتح البلاد ينبغي أن يتدرج بالخطوات التالية:
أولا: يُعرض عليهم الإسلام، فإن قبلوه فلا حرب، و إن لم يقبلوه تُعرض عليهم الجزية، فإن دفعوها فلا حرب، فإن أبوا أن يدفعوها يُحاربون، يبدو أن سمرقند فُتحت بغير هذا التدرج، حوربت مباشرة و فُتحت، ذهب وفد سرًّاً من أهالي سمرقند إلى مركز الخلافة في دمشق، لعند سيدنا عمر بن عبد العزيز، أعلموه بالأمر، فأرسل معهم قصاصة ورق إلى قائد الجيش هناك:" اخرُج من سمرقند، و اعرِض عليهم الإسلام، فإن أبوا فأعرض عليهم الجزية، فإن أبوا فحاربهم " قصاصة ورق، أيُعقل أن يخرج جيش من بلدة كبيرة بقصاصة ورق؟ الناس كانوا بين مصدِّق و مكذِّب فلما عرضوا على قائد الجيش هذا الكتاب أعطى الأوامر لينسحب، فلما رأوهم بهذه الأخلاق قالوا: ابقوا نحن راضون بكم، و أُلغي الموضوع، الإسلام فيه قواعد دقيقة صارمة.
أيّ إنسان من الطرف الآخر طلب أن يعرف عن الإسلام شيئاً فيجب أن تعرِّفه :
قال: يجب على الإمام أن يبلِّغه مأمنه بعد قضاء حاجته، طبعاً هذه الآية لها نصٌّ و لها مفهوم، لها معنى دقيق، و لها معنى واسع، المعنى الواسع، أي إنسان من الطرف الآخر طلب أن يعرف عن الإسلام شيئاً يجب أن تعرِّفه، و أن تطمئنه، هناك أخ من يومين أرسل لي صفحة من قصة نادرة، شاب سوري ذهب إلى بريطانيا، استأجر غرفة في بيت، صاحبة هذا البيت يبدو أنها محافظة على دينها، قالت له: يا بني لا أسمح لك أن تشرب الخمرَ و لا أن تأتي بالفتيات لهذا البيت، قال لها: أنا هكذا بالأساس، هو شاب مسلم، فعاش عندها أربع سنوات رأت منه العجب باستقامته و عفَّته، وصدقه و أمانته، حتى أنها أرادت أن تزور أهله في الصيف، فجاءت إلى الشام في الصيف، و أُكرمت إكراماً شديداً، وعادت، فلما أنهى دراسته ذهب أخوه إلى بريطانيا فدلَّه على البيت، و لما علمت أنه أخوه رحَّبت به و سكن عندها أربع سنوات أخرى، و انتهت الدراسة، و عاد الشابان إلى دمشق، بعد سبع أو ثمان سنوات تأتي رسالة من السفارة البريطانية لهذا البيت، أن هناك أمراً هاماً فقابلونا، ذهبا إلى السفارة، فإذا بهذه المرأة قد وافتها المنيةُ، و قبل أن توافيها أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين، و المبلغ ضخم جداً، هذان الشابان اشتريا مزرعة، أعتقد نحو صيدنايا السهل، مزرعة كبيرة، مزروعة بالزيتون و كتبا على مدخل هذه المزرعة: هذه المزرعة إنتاجها وقفٌ للمحسنة البريطانية فلانة، و يبدو أن السفارة علمت بذلك فجاء السفير بنفسه و زار هذه المزرعة، كذلك الطرف الثاني فيه وفاء، فهذه المزرعة كل إنتاجها يُنفق على روح هذه المحسنة، طبعاً القضية تحتاج إلى تفصيل و لأحكام شرعية لسنا في صددها الآن، و لكن يعنيني من هذه القصة أن شابين مسلمين لأنهما كانا مستقيمين عفيفين صادقين نشأ تعاون، و أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين.
أنا كنتُ في الحج مرة رأيت رجلاً هيئته تدل على أنه من أوروبا، سألت عنه فقالوا: إنه ألماني غربي، سبب إسلامه أنه سكن عنده طالب سوري، و عنده فتاة جميلة جداً، حاول صاحب هذا البيت والد هذه الفتاة جاهداً أن يرى هذا الشاب ينظر إلى ابنته، دون جدوى، كان يغضُ بصره، فجلس و حاوره حواراً طويلاً فأسلم على يديه، و صار مسلماً، الإنسان إذا استقام صار داعية، الدعوة سهلة جداً، كن صادقاً و كن أخلاقياً، عندك بيض؟ عندي، جديد؟ لا و الله ليس جديداً، جاري عنده جديد، من يفعل هذا الآن؟ كان السلف الصالح إذا باع استفتح وجاءه زبون يقول له: أنا استفتحت، زر جاري، اشتر من عند جاري أنا استفتحت.
كلمة حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ المقصود منها حتى يسمع تأويل القرآن وتفسيره وتوضيحه :
أيها الأخوة؛ هذه الآية:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 6]
هنا استنباط ثان، يا تُرى حتى يسمع كلام الله فقط؟ نسمعه الكلام فقط أم يحتاج هذا الكلام إلى شرح و إلى تبيين؟ و الحقيقة يمكن أن يسمع كلام الله بمسجِّلة و بشريط، من قارئ، و بصوت شجيٍّ، العبرة أن نشرح هذا الكلام، ففضلُ المفسِّر كبير جداً، أنت أمام آية قد تفهمها فهماً غير صحيح، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة السجدة: 13]
على ظاهر الآية المعنى منفِّرٌ، اللهُ عز وجل قادرٌ أن يهدي الناس جميعاً، و لكن لم يشأ ذلك ﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾
والمعنى الدقيق أننا لو شئنا أن نلغي اختياركم، و أن نجبركم على شيء ما لما أجبرناكم إلا على الهدى، أنتم مخيِّرون، تقتضي أمانةُ التكليف أن تكونوا مخيَّرين، معنى الجبر معنى نقيض، و معنى مزعِج، و معنى يشب اضطراباً في العقيدة، أما معنى التخيير فشيء آخر، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الإنسان: 30]
بالمعنى الظاهري غير العميق أن مشيئة الإنسان مربوطة بمشيئة الله عز وجل، فهذا الإنسان إن لم يشأ الله له الهدى لا يهتدي، هي على ظاهرها تحتاج إلى شرح، لولا أن شاء الله لكم لما شئتم، و مشيئتكم من فضل الله عز وجل، فالمعنى معنى شكر و ليس معنى جبر، قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس: 7-8 ]
ليس معنى ألهمها أنه خلق فيها الفجور، لا، فطرها فطرة عالية بحيث إذا فجرت تعلم أنها فجرت، معنى رائع جداً، فأنت بحاجة إلى تأويل هذا الكتاب، و لماذا في الكتاب آيات تحتاج إلى تأويل؟ ليتلقَّى الناسُ العلم عن المعلِّمين، من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال فهو ينتقل من محال إلى محال، و كلمة يسمع كلام الله المقصود حتى يسمع تأويله، و حتى يسمع تفسيره، و حتى يسمع توضيحه و تبيينه، فالبطولة في التفسير، و في التأويل و الشرح، و في التعليق. من اعتمد على ما سوى الله فقد أشرك :
هناك ملاحظة ثانية، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾
[سورة التوبة: 6]
ليس شرطاً أن يكون مشركاً بالمعنى الضيق للكلمة، أن يعبد بوذا مثلاً، لا، الشرط واسع جداً، و له معنى واسع جداً، إنسان معتمد على ماله ينبغي أن تبيِّن له أنه من اعتمد على ماله ضلّ، وإنسان معتمد على قوته يجب أن تبيِّن له أنه من اعتمد على قوته زلَّ، يجب أن تبين له أنه إذا اعتمدت على سوى الله فقد أشركت، حتى لو اعتمدت على ذاكرتك، قد تفقد الذاكرة، الذاكرة لا ضمان لها أبداً، الضمان حفظ الله لك، و الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، و لشدة تعقيد الإنسان، تعقيد خلقه بمعنى إعجاز الله في خلقه، الله عز وجل خلق خلقاً معجِزاً، جسم الإنسان فيه آيات باهرات، فهذا الخلق المعجز الذي خلقه الله عز وجل يحتاج إلى فهم دقيق، فالإنسان فيه عقل، و فيه فطرة، فالشرك أن تعتمد على ما سوى الله، فأنت بيِّن، و الدين كلُّه توحيد، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد و ليس شرطاً أن يكون غير مسلم، قد يكون مسلماً واقعاً في شرك خفي، اعتمد على ماله، إنسان قال مرة كلمة، قال: المال يحلُّ كل مشكلة، و الدراهم مراهم، الله بعث له مشكلة لا تُحل بالمال أبداً، فالإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، و الإنسان شروط معقدة جداً تجعله سليماً، إذا اختلَّ شرط واحد، نسب دقيقة جداً، نسب في الدم، نسب في الهرمونات، نسب في الفيتامينات، إذا اختلَّت نسبة تصبح حياته جحيماً، فالإنسان أحيانا يشرك وهو لا يشعر، فلا بد أن تبيِّن له، و دائما الآيات لها معنى ضيِّق و لها معنى واسع، و أوضح مَثلٍ قولُه تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾
[سورة يوسف: 19]
في قصة سيدنا يوسف، كل شيء يسير فهو سيارة، فالجمل سيارة، و الدابة سيارة، والقافلة سيارة، فالمعنى الضيق هذه المركبة المبنية على محرك انفجاري، وقود سائل، أما السيارة بالمعنى الواسع فهو كل شيء يسير، هذا معنى الشرك هنا قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾
[سورة التوبة: 6]
إنسان خائف من جهة قوية، أو معتمد على قوته، أو معتمد على ماله، معتمد على ما سوى الله عز وجل، هذا مشرك، يجب أن تبيِّن له، بهذا التوسيع للآية صار كلُّ إنسان عنده ضعف في الإيمان، و عنده إشراك بيِّن، أنت مكلَّف أن تصبر عليه، هناك كثير من الدعاة ضيِّقو الخلق فإذا سألته سؤالا: من خلق الله؟ يكفِّرك و يخرجك، هو سؤال طُرح عليك لا بد له من جواب، فكل إنسان يضيق ذرعاً بسؤال قد يجده محرِجاً، هذا ليس عالماً، لا بد من أن يتَّسع صدرُه لأيِّ سؤال. كلمة التوحيد هي الأصل في القرآن الكريم :
قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 6]
الإنسان ليس عاراً ألا يعلم و لكن العار أن يبقى جاهلاً، ليس عاراً أن يجهل و لكن العار أن يبقى جاهلاً، و ليس العار أن يخطئ و لكن العار أن يبقى مخطئاً، و الإنسان يتنامى، و أما الشرك بالله عز وجل فهو على العلل، لو قرأت القرآن كله تجد كلمة التوحيد هي الأصل في القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :
القرآن كله ملخَّصه، قال تعالى:
﴿ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
و قال تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
هذه فحوى دعوة الأنبياء جميعاً، لذلك الإيمان بالله فقط قد لا ينجي، إبليس قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص: 82 ]
أما الإيمان فـهو لا إله إلا الله، و الدليل قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
[سورة محمد: 19]
ما قال: فقل، أما قول النبي عليه الصلاة و السلام في بعض الأحاديث: ((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))
[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]
الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله ليس إيماناً منجِّياً، و لا قيمة له و لا يُعبأ به، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
إذا تفيد تحقُّق الوقوع بينما إنْ تفيد احتمال الوقوع :
أما كلمة " إنْ " في قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
إن تفيد احتمال الوقوع، أي هذا المشرك قد يأتي و قد لا يأتي، لو استخدمنا إذا، قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾
[سورة النصر: 1-3]
إذا تفيد تحقُّق الوقوع، بينما إن تفيد احتمال الوقوع، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات: 6]
إن جاءكم: يأتيكم أو لا يأتيكم، قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
[سورة النصر: 1]
لا بد من أن يأتي نصر الله، لأن إذا تفيد تحقق الوقوع. كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب :
هنا قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
أجره، أمر، و كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هنا الاستجارة قد تكون علمية، هنا يسأل السائل، العالم أمانة علمه أن يبيِّن للناس، و لا يكتم علمه عن أحد، فكل إنسان طلب منك الإجابة عن سؤال يجب أن تجيب، و هذه أمانة العلم، و العالم الذي لا يجيب أو يترفَّع عن الإجابة خان أمانة العلم: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
يسمعه مقروءاً قراءة صحيحة، و يسمعه مفسَّراً، أقوى من ذلك حين يراه مطبَّقاً. أيُّ دعوة إلى الإسلام إن لم تكن مطبَّقة في المجتمع لا تنجح :
الآن هناك مشكلة، الطرف الآخر لا يصدِّقون أيّ فكر ما لم يروا واقعاً يطبِّق هذا الفكر، إنسان مثلاً أتى بنظرية في البناء نادرة، بناء بلا حديد، كلام على ورق مكتوب، فلابد من أن يبني بناء وفق هذه النظرية، فإن نجح البناءُ نجحت النظرية، هذا كلام دقيق، أيُّ دعوة إلى الإسلام إن لم تكن مطبَّقة في المجتمع، و إن لم يقطف المجتمعُ ثمارها هذه الدعوة لا تنجح، لذلك الطرف الآخر عنده حجة قوية، أنه أروني مجتمعاً طُبِّق فيه الإسلام، و حُلَّت كلّ مشكلاته، بالعكس المجتمعات الإسلامية فيها مشكلات كثيرة جداً، بسبب وجود تخلُّفيْن في هذه المجتمعات، تخلف عن روح العصر، و تخلُّف عن قواعد الدين، تخلف ديني و حضاري بآنٍ واحد، فالأمور غير واضحة، متشابكة، فلذلك قال تعالى:
﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
حتى يسمعه و يفهمه و يتدبَّره و حتى يراه مطبَّقاً، أحياناً موقف خطأ يلغي ألف محاضرة، و الدليل واضح، إنسان ألقى على ابنه عشرات المحاضرات في الصدق، لو طُرق الباب، و قال: بابا فلان، فقال له: قل له ليس هنا، هذه تهدم ألف محاضرة، ألف محاضرة تُهدَم بهذه الكلمة، الموقف العملي أبلغ من الموقف النظري، لذلك يتعلَّمون بعيونهم لا بآذانهم. ملاحظة هامة :
أخواننا الكرام؛ هناك مشكلة في هذا المسجد مشكلة الإذاعة، أخٌ كريم جزاه الله خيراً جاءني من طرف المسجد و قال لي: لم نسمع شيئاً و الأخوات المؤمنات في السُّدة لا يسمعن شيئاً، و مرة جلس إمام المسجد هنا و قال لي: لم أسمع شيئاً، و الأجهزة مكلفة تسعون ألف، و خطيب المسجد قال: هل تسمعون حتى ندفع الأموال؟ فقالوا: سمعنا، دفعوا المال، فالأجهزة غير صحيحة، فلا بدَّ أن ننتقل إلى جامع النابلسي لأسبوعين فقط، ريثما تتم إصلاحها، و كثير من الأخوة تركوا الدرس لأنه لا يسمع شيئاً، ما استفدنا شيئاً، و مبالغ مدفوعة كبيرة جداً على هذه الأجهزة، و غير صحيحة، غشٌّ حتى في المساجد، فإن شاء الله نحن نقيم الدرس القادم في النابلسي، أسبوعان فقط ريثما نعطي الأخوة الكرام فرصة لتصليح الأجهزة، و أنا سمعت الشكوى منذ شهر، الإمام جلس هنا و قال لي: لم أسمع شيئاً، و أخواننا هناك لم يسمعوا شيئاً، و فوق السدة لم يسمعوا شيئاً، غير معقول، الإنسان إذا لم يسمع لا يتمُّ الدرس، أنا ألاحظ انصرافاً عن الدرس، السبب هو الصوت و بذلنا محاولات، و ما نجحت الآن، إن شاء الله في هذين الأسبوعين تصلح.
إذًا درسنا القادم لأسبوعين فقط إن شاء الله، و سيكون هناك إعلان في جامع النابلسي، درس الاثنين في جامع النابلسي لمدة أسبوعين أو ثلاثة ريثما تُصلَّح الأجهزة هنا تصليحاً جيداً.



والحمد لله رب العالمين







الختام

منال نور الهدى
08-15-2018, 09:34 PM
بارك الله بك وجزاك الله ألف خير
جهد مستحق وطرح قيم بإذن الله تعالى
في أمان الله وحفظه

آفراح
08-16-2018, 11:49 AM
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية

السعيد
08-16-2018, 01:11 PM
تسلمين اختى افراح

السعيد
08-16-2018, 01:12 PM
تسلمين اختى منال على حضورك الدائم