| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التمهيدالعقيدة والاعجاز الدرس : ( 00 ) تمهيد لماذا خلقنا؟ ما هي وسائل التعرف إلى الله؟ هل العقل يحيط بكل شيء أم أنه محدود؟ ما هي طبيعة الفطرة الإنسانية؟ كيف نجعل الشهوات وسيلتنا للارتقاء في نظر الإله؟ كيف تكون المصائب رحمة؟ ما الذي ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة؟ هل الإنسان مخير أم مسير؟ كيف يمكننا إدارة الوقت بشكل حضاري؟ متى يضعف إيمان المرء ومتى يقوى؟ أسئلة كثيرة ومهمة يسألها كل إنسان، ومجموعة محاضرات العقيدة والإعجاز المميزة والتي ألقاها الدكتور محمد راتب النابلسي تجيب عنها وعن الكثير غيرها في كتاب من 1200 صفحة. هذا الكتاب يتصل بالجانب المعرفي من العبادة، ويلقي الضوء على العقيدة الإسلامية من زاوية جديدة. لقد حبى الله الإنسان دونا عن جميع المخلوقات بالعقل، والإنسان دونا عن جميع المخلوقات قبل حمل الأمانة التي أشفق من حملها السموات والأرض والجبال، ومن أجل ذلك كلف الإنسان من قبل الإله بالعبادة وعمارة الأرض. ![]() إلا أن لهذا التكليف مقومات وأدوات، يقع في مقدمة هذه المقومات الكون الذي سخره الله للإنسان تسخير تعريف وتكريم والذي لا يختلف على وجوده إثنان. الكون بسماواته وأرضه، بكل ما فيه مظهر لوجود الله ووحدانيته، وكماله، ومظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا الكون هو الثابت الأول في العقيدة، ولو تاه الناس، لو شرد الناس، لو اختلف الناس، لو تمزق الناس، لو تراشقوا تهم التكفير، فهناك شيء ثابت، أن هذا الكون يدل على الله. ثم يأتي العقل، والإنسانُ العاقلُ يعيش حياةً هادئةً، حياةً فيها سلامةٌ، فيها سعادةٌ، لأنه أخذ ما له، وتركَ ما ليس له، تحرّكَ بحجمِه، بنَى علاقاتِه بوضوحٍ، فأحبّه الناسُ، وكسبَ مالاً حلالاً، وأسّس أسرةً، وربّى أولاده، استعملَ عقلَه في الآخرةِ فكسبَها، واستعملَ عقلَه في الدنيا فربحَها. ![]() إلا أن العقلَ وحْده لا يعدّ مرجعاً لأمورِ الدِّينِ، فكما أنّ العينَ لا يمكنُ أنْ ترى إلاّ بضوءٍ، فالضوءُ يسمحُ للعينِ أنْ ترى الأشياءَ، فكذلك العقلُ يحتاجُ إلى وحيِ السماءِ ليهتديَ إلى الحقيقةِ المطلقةِ . ثم تأتي فطرة الإنسان كمقوم من مقومات تكليفه، فلقد أودعَ اللهُ في مداركِ الأفكارِ، وفي مشاعرِ الوجدانِ ما تُدرَكُ به فضائلُ الأخلاقِ ورذائلُها، وهذا ما يجعلُ الناسَ يشعرون بقبحِ العملِ القبيحِ، وينفرون منه، ويشعرون بحسنِ العملِ الحسَنِ، ويرتاحون إليه، وبذلك يمدحون فاعلَ الخيرِ، ويذمّون فاعلَ الشرِّ. فالنفسُ الإنسانيّةُ منذ تكوينها وتسوِيَتِها أُلهِمَتْ في فطرتِها إدراكَ طريقِ فجورِها وطريقِ تقواها، وهذا هو الحسُّ الفطريُّ الذي تدرِكُ النفسُ به الخيرَ من الشرِّ. إنّ الفطرةَ و العقلَ مَلَكَتَانِ للإدراكِ البشريِّ، وطريقانِ للمعرفةِ الإنسانيّةِ، يكمِّلُ كلٌّ منهما الآخرَ لمعرفةِ الحقِّ والباطلِ، وتمييزِ الخيرِ من الشرِّ، والحسَنِ من القبيحِ. ولكنّ العقلَ لا يستطيعُ أن يُلزِمَ صاحبَه بالصوابِ، فكم من إنسانٍ يتمتّعُ بأعلى ثقافةٍ، ومع ذلك هو يدخِّنُ، فالمعلومةُ وحْدها لا تكفي، بل لا بد مِن إرادةٍ تدعِّم هذه المعلومةَ. وأمّا الفطرةُ فقد تُطْمَسُ، وقد تُشَوَّهُ، وقد تمحقُها البيئةُ، ما الذي بقيَ ثابتاً في حياةِ المسلمين ؟ إنه الوحيُ، وحيُ السماءِ. هذا الوحيُ هو الحقُّ الصّرفُ، وهو الميزانُ، و هو القيمةُ المطلقةُ، فالكتابُ والسنّةُ إن نعتصمْ بهما فلنْ نضلَّ أبداً. أيضا ركب الله في كيان الإنسان شهوات إلا أن الشهواتُ حياديةٌ، وليست هي سببَ فسادِ العالَمِ، بل إنّ سوءَ استخدامِها هو سببُ فسادِ العالَمِ. ![]() بل أكثر من ذلك يمكن للإنسان أن يتقرب من الله عن طريق الشهوات، فإيّاك أن تتّهِمَ الشهواتِ، فلولاها لمَا ارتقيتَ إلى ربِّ الأرضِ والسماواتِ، ولولاها لمَا دخلتَ الجنّةَ. ثم يأتي أهم وأخطر مقوم ألا وهو حرية الاختيار، فاللهُ سبحانه وتعالى أعطانا حريةَ الاختيارِ ليثمِّنَ عملَنا، وإلا لمَا كان للعملِ الصالحِ قيمةٌ، ولا للعملِ السيّئِ قيمةٌ، ولما حوسِبَ الإنسانُ على عملِه. كل هذه المقومات من كون، وعقل، وفطرة، ومنهج، وشهوة، واختيار، كل هذا يتم على مسرح مكاني هو الأرض، وفي ظرف زماني هو العمر، فالعمر رأس مال الإنسان في حياته الدنيا، إذا أنفقه الإنسان في تزكية نفسه كان ثمناً لجنة ربه. أخيرا هذا الكتاب المهم يطـرح موضوعاته الخطيرة بأسـلوب سـهل مبســط ، ويقـرب أفكـاره إلـى الأذهـان عـن طريـق الربـط بالواقـع وضـرب المثـل، ومما يزيد من أهمية هذه المجموعة من الدروس أنها تظهر في كل فصل من فصولها جانب من جوانب الإعجاز العلمي القرآني، فإذا أردت أن تجول جولة، وترجع، وقد امتلأ قلبك بالإيمان، إن أردت أن تبتعد عن كل هذه الخلافيات في الأرض فحسبكم الكون معجزة، في كل شيء في الكون يدل على الله، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : التمهيد - علة وجود الانسان - 1العقيدة والاعجاز الدرس : (الاول ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الأول من دروس العقيدة والإعجاز. الإنسان كائن متحرك: 1 – حركةُ الإنسان ناتجةٌ عن دوافع فيه: بادئ ذي بدء، الإنسان كائن متحرك، هناك كائن سكوني، قطعة الخشب هذه سكونية، لكن الإنسان كائن متحرك، ما الذي يحركه ؟ دوافع أودعها الله فيه، أودع فيه حاجة إلى الطعام، أودع فيه حاجة إلى الزوجة، أودع فيه حاجة إلى تأكيد الذات، هو كائن متحرك. 2 – حاجاتُ الإنسان الأساسيةُ ثلاثٌ: ![]() وقد أودع الله فيه حاجات أساسية ثلاثا، الأولى إلى الطعام و الشراب و الثانية إلى الزواج و الثالثة إلى تأكيد الذات، ولولا هذه الدوافع الثلاثة لما رأيت شيئاً على وجه الأرض، لأنك بحاجة ماسة إلى الطعام و الشراب، تعمل، وبالعمل تبني، هذا أنشأ مدرسة، أو مستشفى، أو رصف طريقاً، أو صنع خزانة، أو درس طبا، أو درس هندسة، لأن الإنسان بحاجة إلى الطعام والشراب إذاً هو يعمل، وحينما يعمل يبني، لذلك الله جعل العمل ابتلاء لنا، نصدق أو لا نصدق، نتقن أو لا نتقن، نخلص أو لا نخلص. 3 – بين الجماد والنباتِ: لكن بالمناسبة تعريف الجماد أنه شيء يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاثة، وله وزن، هذا الجماد. أما النبات فشيء أيضاً يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاثة، وله وزن، لكنه ينمو، هذا الفرق، بينما الحيوان شيء يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاثة، وله وزن، وينمو كالنبات ويتحرك، ويمشي الحيوان، أما الإنسان فشيء يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاثة، وله وزن، وينمو، ويتحرك، ويفكر. إذاً أشرف شيء في الإنسان عقلُه، أودع الله فيه قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية غذاؤها العلم، فما لم تطلب العلم، ما لم تبحث عن الحقيقة، ما لم تسع إلى الحقيقة، ما لم تؤمن فقدتَ قيمتك الإنسانية، أصبحت حياة الإنسان حيوانية، لذلك الإنسان من دون علم هو كالبهيمة، والدليل: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾ [ سورة الجمعة ] ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ [ سورة الفرقان ] بل كأنهم: ﴿ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ (4)﴾ [ سورة المنافقون ] أيها الإخوة: النقطة الدقيقة الأولى أن الإنسان كائن متحرك، أما يوجد كائنات جامدة سكونية لا تتحرك، ما الذي يحركنا ؟ الحاجة إلى الطعام، لذلك الله عز وجل لما أراد أن يثبت بشرية الأنبياء ماذا قال ؟ قال: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ [ سور الفرقان: من الآية 20 ] أي هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون إلى ثمن الطعام، إلى أن يعملوا في الأسواق، إذاً: هذا دليل بشريّتهم، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق. غذاء العقل والقلب والجسم: لذلك أيها الإخوة الكرام، الإنسان كائن فيه عقل يدرك، وفيه قلب يحب، وفيه جسم يتحرك، العقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، وما لم تلبَّ الحاجات الثلاث، ما لم تطلب العلم، وما لم تطلب الحب مع الله عز وجل، وما لم تطلب حاجتك الأساسية من الغذاء والنوم والراحة فقد تطرفت. تفادي التطرف في تلبية غذاء على حساب آخر: ما الفرق بين التطرف والتفوق ؟ التفوق أن تلبيَّ كل الحاجات دفعة واحدة، أن تعمل على الخطوط الثلاثة تطلب العلم، وتنمي القلب، وتعتني بالجسم، بينما التطرف أن ينمو عقلك على حساب قلبك، أو ينمو قلبك على حساب عقلك، أو أن تنمو عضلاتك على حساب عقلك و قلبك، الفرق كبير بين التطرف و بين التفوق، وقد ذكرت لكم من قبل أن الإنسان ما لم يهتم بعلاقته بربه، وبعلاقته بأهله، وبعلاقته بعمله، وبعلاقته بصحته، فإن أي خلل في أحد هذه البنود الأربعة ينعكس على البنود الثلاثة. متى تصح حركة الإنسان: الآن الإنسان كائن متحرك، هذه الحركة متى تصح ؟ الحركة قد تصح، وقد لا تصح، قد تكون هادفة، وقد تكون عشوائية، قد تكون مثمرة، وقد تكون مخفقة، فالبطولة لا أن أتحرك، لكن البطولة أن تأتي حركتي وفق الهدف الصحيح. ![]() إنسان جائع، أو إنسان في حالة عطش شديد، وهو على مشارف الموت، وأمامه طرق عديدة، بطولته لا أن يتحرك، بطولته أن يتحرك نحو الماء، لأن سلامته بالماء، إذاً: الإنسان كائن متحرك، فيه عقل يدرك، فيه قلب يحب، فيه جسم يتحرك، هذه الحركة لا تصح إلا إذا عُرف الهدف. أوضح مثل: ذهبت إلى بلد غربي، نزلت في بعض الفنادق، استيقظت في اليوم الأول، سألت: هذا اليوم إلى أين أذهب ؟ نقول: أنت لماذا جئت إلى هنا ؟ نسألك لماذا جئت إلى هنا ؟ فإن قلت: أنا أتيت طالب علم نقول له: اذهب إلى المعاهد والجامعات، يقول: أنا جئت سائحاً، نقول له: اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، يقول: أنا جئت تاجراً، نقول: اذهب إلى المعامل والمؤسسات. الحقيقة الدقيقة: لا تصح حركتنا في الحياة، أول كلمة قلتها: الإنسان كائن متحرك، هذه الحركة لا تصح، ولا تكون سليمة ولا تكون مثمرة، ولا تكون ناجحة إلا إذا عرفت الهدف من وجودك في هذا المكان. أحياناً تتحرك السيارة حركة طائشة فتسقط في الوادي، يموت كل ركابها، فالبطولة لا أن تتحرك، انظر إلى الناس صباحاً كلهم يتحركون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى *إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ [ سورة الليل] كل شخص في باله شيء يسعى إليه، فالبطولة لا أن نتحرك، البطولة أن تأتي حركتنا وفق الهدف الصحيح، لذلك قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [ سورة الكهف ] لابد من أن تكون الحركة وفق هدف، مع الأسف الشديد أجريَ استبيان، وسئل ألف إنسان: ما الهدف الذي تسعى إليه ؟ فكان الجواب: أن ثلاثة بالمئة من الذين أجري عليهم الاستبيان أهدافهم واضحة، والسبعة والتسعين بالمئة حركة عشوائية بلا هدف، لذلك أنا أقول دائماً: إما أن تخطط، أو أن يُخطط لك، إما أن تفعل، أو يُفعل بك، إما أن ترسم هدفًا لك أو يُرسم لك هدف ماكر من أجل أن تكون مستَغلاً. العلم قضية خطيرة: لذلك قضية العلم قضية خطيرة، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾ [ سورة النساء] وأنا أقول دائماً أيها الإخوة الكرام: أعظم كرامة للإنسان هي كرامة العلم، هي كرامة لا تحتاج إلى خرق للعادات، لذلك الآية الدقيقة: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) ﴾ [ سورة النساء] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً (14﴾ [ سورة القصص ] إذاً: أنت حينما تذهب إلى بلد غربي كي تنال الدكتوراه، بلاد واسعة جميلة، فيها مقاصف، فيها متنزهات، فيها مسارح، فيها دور سينما، فيها ملاهٍ ليلية، فيها شوارع منحطة، فيها أماكن جميلة، فيها متاحف، فيها آثار، فيها جامعات، فيها مدارس، فيها معامل، فيها مؤسسات، فيها مقاصف، أنت حينما تعرف أنك في هذا البلد من أجل هدف واحد، و هو نيل الدكتوراه، دقق الآن ما الذي يحدث ؟ إذا كان هدفك واضحاً تختار مئات بل ألوف الوسائل التي تعينك على تحقيق الهدف. ذهب طالب إلى بلد غربي للدكتوراه، أول شيء يستأجر بيتاً إلى جانب الجامعة توفيراً للوقت و الجهد والمال، يصادق طالباً يتقن اللغة الفرنسية، يشتري مجلة متعلقة باختصاصه، يزور معرضاً علمياً ليزداد علماً باختصاصه، أنت حينما يتضح هدفك تُرشد إلى الوسائل المعينة على تحقيق هدفك، لذلك أول حقيقة: لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سر وجوده و غاية وجوده. متى يسعد الإنسان: 1 – معرفةُ الهدف في الحركة اليومية: شيء ثان: متى يسعد ؟ يسعد إذا جاءت حركته في الحياة وفق الهدف الذي رسمه لنفسه، الدليل: إنّ طالباً على مشارف امتحان مصيري، له أصدقاء يحبونه ليسوا في الجامعة لهم أعمال حرة، أرادوا أن يأخذوه معهم إلى متنزه جميل، هو يحبهم، ويحبونه، والمكان جميل جداً، والطعام فاخر، و المناظر رائعة، لكنه على مشارف امتحان مصيري، إذا أخذوه مرغماً لماذا يشعر بضيق شديد ؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه، يشعر بانقباض، هذا الطالب لو قبع في غرفة مظلمة، وقرأ الكتاب المقرر، وفهمه، واستوعبه يشعر براحة كبيرة جداً، من أين تأتي الراحة ؟ حينما تأتي الحركة مطابقة للهدف، إذاً: أنت تصح حركتك إذا عرفت سر وجودك، وأنت أيضاً تسعد إذا جاءت حركتك مطابقة لهدفك، هذه كلها مسلمات. 2 – الإنسان مفطور على حب وكمال وسلامةِ واستمرارِ وجودِه : أيها الإخوة الكرام، من الثابت أيضاً أن الإنسان مفطور أو مجبول أو بالتعبير المعاصر مولَّف على حب وجوده، اعترفت بهذا أم لم تعترف، أأقررت بهذا أم لم تقر، مفطور مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، أي لا يوجد شخص من بين الستة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض في القارات الخمس إلا و هو حريص حرصاً لا حدود له على حب وجوده و على حب سلامة وجوده و على حب كمال وجوده و على حب استمرار وجوده. مَن منا يتمنى المرض ؟ من منا يتمنى الفقر ؟ من منا يتمنى أن يفقد حريته ؟ أبداً، هذه قواسم مشتركة في الأرض، ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ الفطرة واحدة، الخصائص واحدة، الأهداف واحدة. متى أحقق سلامة وجودي: لذلك أيها الإخوة، أنا متى أحقق سلامة وجودي ؟ أنت أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع حكيم، صانع خبير، ومع هذا الصانع تعليمات التشغيل والصيانة، فأنت انطلاقاً من حبك لذاتك، من حبك لوجودك، من حبك لسلامة وجودك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا (15) ﴾ [ سورة الجاثية ] 1 – بمعرفة علاقة المعصية بنتائجها: حينما تنطلق من أن تعليمات الصانع فيها نتائجها، وأن المعصية فيها نتائجها، وأن العلاقة بين الأمر ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، وأن العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة. ![]() للتوضيح: حينما تُنهَى عن أن تقترب من خط التوتر العالي، إذا اقتربت فلا داعي إلى الشرطة، و لا إلى الضابطة القانونية، ولا إلى تسطير مخالفة، التيار نفسه يعاقبك، إذا اقتربت من التيار إلى مسافة أقلَّ من ثمانية أمتار يصبح الإنسان قطعة من الفحم، إذاً: القضية ليست مخالفة ضبطت، وليست إنسانا وضع نظاما حاسبك، الأمر أعقد بكثير، لذلك حينما تؤمن أن العلاقة بين الأمر ونتائجه، وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة تستقيم على أمر الله طلباً للسلامة. لعل هذا الدرس من دروس المقدمات، مقدمات العقيدة، العلاقة بين الأمر والنهي علاقة علمية، قد تكون علاقة وضعية. أحياناً بلد بدافعٍ من حفاظه على قوة عملته يمنع تحويل العملة، فلو أن مواطناً حمل معه عملة صعبة، وغادر بها يحاسب حساباً شديداً، وفي بلاد أخرى لا يحاسَب، إذاً: نقول: هناك علاقة وضعية، أي أنّ أولي الأمر ارتأوا أن يحاسبوا من يخرج العملة الصعبة من بلده، العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة وضعية، وليست علمية. لو أن أباً منع ابنه أن يستخدم هذا الباب، وللبيت بابان، فمنع ابنه من استخدام الباب الأول، وسمح بالباب الثاني، لو أن ابنه استخدم الباب الأول، والباب من أجل الخروج، لكن الأب منع ذلك، نقول: العلاقة بين المنع والعقاب علاقة وضعية، لأن الأب وضَعها، لذلك معظم القوانين علاقة وضعية، لكن أوامر الشرع علاقة علمية، أي كل أمر فيه بذور نتائجه، و كل نهي فيه بذور نتائجه، أنت بهذا تكون فقهياً. الفقيه إذا رأى لوحة كتب عليها: " ممنوع التجاوز حقل ألغام "، لا يحقد على واضع اللوحة، ولا يراها حداً لحريته، بل يراها ضماناً لسلامته. 2 – طاعة الخالقِ الخبير العليم: لذلك أيها الإخوة، تتحقق سلامة وجودك حينما تطيع الخبير: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾ [ سورة فاطر ] خبير بسلامتك، خبير بسعادتك، خبير بنشاطك، خبير بمآلك، إذاً: سلامة الوجود يحققها اتباع تعليمات الصانع، أي افعل ولا تفعل، لذلك المؤمن يقول أحياناً: أنا لا أكذب، هذا جيد، يطبق تعليمات الصانع، أنا لا أغتاب، جيد جداً، أنا لا آكل المال الحرام، جيد جداً، لكن الاستقامة طبيعتها سلبية، أكثر كلمات الاستقامة مسبوقة بما النافية، ما آكل مالاً حراماً، بارك الله، ما أكذب، ما بغش، ما أغتاب، ما أزني، ما أشرب خمراً، ما أقتل، جيد، السلامة تحتاج إلى استقامة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾ [ سورة فصلت] الآن أنت مفطور على حب وجودك، وعلى حب سلامة وجودك، وعلى حب كمال وجودك، كمال الوجود يحتاج إلى قرب من الله، قال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾ [ سورة الرعد] 3 – القربُ من الله: لا طريق للسعادة إلا أن تكون قريباً من الله: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (124) ﴾ [ سورة طه] والله قرأت بحثاً عن أربعمئة إنسان، وهي دراسة مطولة مجهدة عن أربعمئة إنسان في قمم النجاح، أكثرهم انتحر، لأنه أراد الدنيا فقط، ونسي الآخرة: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾ [ سورة طه] لذلك أحد كبار المهندسين في العالم صمم جسر استنبول الأول الذي يربط قارتي آسيا وأوربا، و هذا الجسر يعبره في اليوم ثلاثمئة ألف سيارة، في أثناء افتتاح الجسر ألقى بنفسه في البوسفور، فذهبوا إلى غرفته بالفندق فإذا ورقة كتب عليها: لقد ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً فأردت أن أذوق طعم الموت. إن الحياة من دون معرفة الله حياة جوفاء، حياة تافهة، حياة لا قيمة لها، لذلك مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾ [ سورة محمد] ذاقوا طعمها في الدنيا: فلو شاهدت عيناك مـن حسننـا الذي رأوه لمـا وليت عنا لغيرنا ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا ولـو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضـحى قتيلاً بحبنا ولـو نسمت من قربنا لك نسمة لمتّ غـريباً واشتيــاقاً لأجلنا *** أيها الإخوة الكرام: السعادة الحقيقية أن تتصل بالله: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾ [ سورة طه] ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾ [ سورة الرعد] هذه حقيقة، البطولة أن تكشفها في مقتبل العمر، لا أن تكشفها في نهاية العمر: ﴿ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً (158) ﴾ [ سورة الأنعام] خيار الناس مع الإيمان خيار وقت: إخوتنا الكرام، خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، أنت معك مليون خيار قبول أو رفض، قد ترفض هذه الوظيفة لضآلة دخلها، وقد ترفض هذه الزوجة، أو هذه الفتاة إذا خطبتها، لأن ثقافتها لم تعجبك، وقد ترفض هذا البيت لصغر مساحته، لكنك إذا رفضت الإيمان تحتقر نفسك: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) ﴾ [ سورة البقرة ] كيف تحق استمرار وجودك: خيارك مع الإيمان خيار وقت، إذاً: سلامة الوجود بإتباع تعليمات الصانع، وكمال الوجود بالتقرب إلى الله، بقي الشيء الثالث، واستمرار الوجود بتربية الأولاد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) [ صحيح عند ابن خزيمة] ![]() مرة توفي أحد خطباء دمشق الكبار، كان خطيباً بالأموي، وأجري له حفل عزاء كبير في الجامع الأموي، في آخر يوم اعتلى ابنه المنبر، وألقى خطبة كأبيه، فقلت في نفسي: والله لم يمت أبوه إذاً، هناك استمرار. حينما تتزوج، وتنجب الأولاد كما قال سيدنا عمر: << و الله إني أقوم إلى زوجتي، و ما بي من شهوة إلا ولداً صالحاً، أرجو الله أن ينفع الناس من بعدي >>. حينما تتزوج، وتفكر أن يكون أولادك أولاداً صالحين، والحديث الشريف يؤكد هذا المعنى: (( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ )) فأنت تحقق سعادتك بالتقرب منه، التقرب من الله إيجابي. الاستقامة: أنْ تقول: أنا ما كذبت، ما غشيت، ما اغتبت، ما سرقت، ما خنت، كلها نفيٌ، لكن العمل الصالح أنْ تقول: يا رب، أنا بذلت أي دفعت من مالي، بذلت من وقتي، بذلت من جهدي، جئت إلى مجلس علم، أنا أجلس في البيت مرتاحاً، على أريكةٍ مريحة، وهناك شاي، وقهوة، وضيافة، وفواكه، وأمامي، و زوجتي أمامي، لكن أنا جئت إلى المسجد، وركبت ساعة بالسيارة، و لدرس ساعة، والعودة ساعة من أجل أن أطلب العلم يا رب، فلذلك التقرب من الله إيجابي، ليس فيه نفيٌ، يا رب، أنا حضرت درساً، أنا بذلت علماً، أنا ألفت كتاباً، أنا أسست جمعية، أنا أنشأت ميتماً، أنا أنشأت مستوصفاً، أنا أعنت على الخير، أنا بنيت مسجداً. لذلك أيها الإخوة الكرام، تسلم باستقامتك، وتسعد بعملك الصالح، و العمل الصالح يرفعك، و تستمر بتربية أولادك. إن أردت أن تستمر فربِّ ولداً يدعو لك من بعدك، ربِ ولداً صالحاً: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) ﴾ [ سورة الطور] أي ألحقنا بهم أعمال ذريتهم. أهمية المنهج الإلهي: أيها الإخوة الكرام، من أجل أن نعلم قيمة المنهج قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾ [ سورة الرحمن ] بالترتيب، وهنا سؤال كبير: أيعقل أن يُعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يخلق ؟ ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾ [ سورة الرحمن ] هذا غير معقول، لكن علماء التفسير قالوا: هذا الترتيب ترتيب رتبي، وليس ترتيبًا زمنيًا، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، والمثل واضح جداً، آلة بالغة التعقيد، غالية الثمن، عظيمة النفع، استوردتها، وهناك خطأ بالاستيراد، لم يرسل لك تعليمات التشغيل والصيانة، إن استخدمتها من دون تعليمات تتلفها، وتخسر ثمنها، وإن جمدتها خوفاً على سلامتها عطلت ثمنها، أليست تعليمات المعمل الصانع أهم منها ؟ ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾ [ سورة الرحمن ] كل مصيبة ومعصية بسبب الجهل والخروج عن تعليمات الخالق: أؤكد لكم أيها الإخوة الكرام أنه ما من مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن تعليمات الصانع، و ما من خروج عن تعليمات الصانع إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به. إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. إن طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً. مرة دخلت إلى ثانوية في دمشق، وهي من أقدم الثانويات، درست فيها سنوات طويلة، كُتب في مدخلها لوحة بخط أكبر خطاط: رتبة العلم أعلى الرتب. إذاً: أيها الإخوة الكرام، ما من إنسان في الستة آلاف مليون على وجه الأرض إلا وهو يتمنى السلامة والسعادة، وقد فطر كل إنسان على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، سلامة الوجود بطاعة الله، بالاستقامة على أمره، وكمال الوجود بالقرب منه، واستمرار الوجود بتربية ولد صالح ينفع الناس من بعدك، ويكون استمراراً لك. ما هي علة وجود الإنسان: 1 – عبادة الله وحده هي علّةُ وجود الإنسان: الآن ما علة وجودنا في الأرض ؟ في البداية قلت: حينما تعرف سر الوجود تصح الحركة، ما علة وجودنا على سطح الأرض ؟ نفتح القرآن الكريم، يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ [ سورة الذاريات ] العبادة علة وجودنا على سطح الأرض: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ [ سورة الذاريات ] فعلة وجودنا العبادة، أنت حينما تعبد الله حققت الهدف من وجودك. 2 – مفهوم العبادة يضيق ويتّسع: ولكن العبادة مفهوم يتسع كثيراً جداً، و ضيق، يضيق عند الجهلة إلى أن يُتوهم أداء الصلوات والصيام والحج والزكاة، ويتسع، ويتسع، ويتسع إلى أن يصبح منهجاً كاملاً لكل شؤون الحياة، يبدأ من فراش الزوجية، و ينتهي بالعلاقات الدولية، منهج كامل، و أي إنسان يتوهم العبادة بأن صلى، و صام، و حجّ، و زكّى فهو واهم أشد الوهم. لا أريد أن أبالغ إن قلت: قد يصل منهج الله عز وجل إلى خمسمئة ألف بند، منهج الله يدور معك في كل أوقاتك، وفي كل شؤون حياتك، إن دخلت إلى البيت فهناك سنة نبوية دعاء خاص، إن جلست إلى الطعام، إذا نظرت إلى الزوجة، إذا نظرت إلى نفسك في المرآة: اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي، إذا خرجت من البيت: الله إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل، أو أَذل أو أُذل، أو أجهل أو يُجهل علي، إذا قمت بعمل جراحي، وأنت طبيب: الهم إني تبرأت من حولي و قوتي، و التجأت إلى حولك و قوتك يا ذا القوة المتين. 3 – كل حركةٍ في الحياة منوطة بحكم شرعي: عندنا أمر فرض، أمر واجب، أمر ندب، أمر استحباب، أمر تحسين، عندنا شيء مباح، عندنا شيء مكروه تنزيهاً، شيء مكروه تحريماً، شيء حرام، ما من حركة، ولا سكنة، و لا نشاط، و لا صلة، و لا قطع، و لا غضب، و لا رضا إلا ويغطّيه حكم فقهي. 4 – وجوبُ طلب العلمِ الضروريِّ: ![]() لذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، كيف تطيع الله إن لم تعرف أمره و نهيه ؟ حضور مجلس علم لمعرفة الأمر والنهي، وليس العلم شيئا لك الخيار فيه، لابد من طلب العلم، الذي ينزل بالمظلة يمكن أن يجهل شكل المظلة، يا ترى دائري، بيضوي، مربع، مستطيل، يمكن أن يجهل نوع القماش، خيوط صناعية، أو طبيعية، يمكن أن يجهل كم عدد الحبال، وما نوع خيوطها، وما ألوان الحبال، هناك عشرات المعلومات والمعطيات في المظلة قد يجهلها المظلي، لكنه إذا جهل شيئاً واحداً ينزل ميتاً، طريقة فتحها، طريقة فتح المظلة علم ينبغي أن يُعلم بالضرورة. تقود مركبة قد تجهل من أية مادة صنعت المكابح ؟ كيف جعلت هذه المركبة انسيابية الخطوط ؟ يا ترى ضغط، صب، تطريق ؟ كيف صنع المحرك ؟ ما آلية المحرك ؟ قد تجهلها كلياً، لكن كيف توقف المركبة مستحيل أن تجهل هذه الحقيقة، وإلا كان الحادث محققا، فإقلاع المركبة، وإيقاف المركبة، وانحراف المركبة أشياء يجب أن تعلم بالضرورة، لا خيار لك فيها. أؤكد لكم قد تكون طبيباً تحمل أعلى شهادة، بورد بأمريكا، ببريطانيا ( إف آر إس )، أعلى شهادة في الطب، بفرنسا ( أك ري جي )، عندنا بورد عربي، قد تحمل أعلى شهادة، وأنت في الدين أميٌّ، كما أن عالم الدين إذا أطلعته على تخطيط قلب هو أميّ، لكن الطبيب يفهم منها كل شيء، من هذه الخطوط، إذاً: لو معك شهادة علمية قد تكون في الدين أمياً، إذاً: هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة، وهذا العلم فرض عين على كل مسلم، أما تاريخ التشريع الإسلامي فهو فرض كفاية، الفقه المقارن فرض كفاية، أدلة الفقهاء الكبار فرض كفاية، علم التجويد غرض كفاية، علم الفرائض فرض كفاية، أما كيف تؤدي الصلوات الخمس ؟ كيف تصوم ؟ كيف تحج ؟ كيف تبيع ؟ كيف تشتري ؟ كيف تتزوج ؟ حقوق الزوجة، حقوق الزوج، هناك جزء و كم كبير من الدين يجب أن يُعلم بالضرورة تماماً كطريقة فتح المظلة، إن لم تعلم فتح المظلة ينزل الإنسان ميتاً. إنّ إنسانا مظليًّا بلغوه أن أول زر يضغطه تفتح، إذا ما فتحت فهناك زر آخر تضغطه تفتح، إذا ما فتحت فهناك زر ثالث تضغطه تفتح، وعندما تنزل إلى الأرض تجد سيارة تأخذك للثكنة، كبس أول زر ما فتحت، الثاني ما فتحت، الثالث ما فتحت قال: أحلى ألاّ نجد سيارة أيضاً. إذاً: هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة، هذا علم أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والقسم الفقهي المتعلق بشؤونك الشخصية وبحرفتك: أنت تاجر أحكام البيع والشراء. أنت محامٍ، أو طبيب، أو مدرس، أحكام الجعالة أن أجر الطبيب يأخذه لا على الإنجاز، يأخذه على بذل العناية فقط، كل حرفة لها أحكام معينة، فما لم تطلب الأحكام الشرعية تقع في المعاصي والآثام، ومن دخل السوق من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى، طلب العلم ليس شيئاً ترفاً، شيء مصيري، لأنّ بعد الموت جنة ونارًا، لماذا قدم الله الموت على الحياة ؟ قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (2) ﴾ [ سورة الملك ] لأن خيارات الإنسان عندما يولد مليار خيار أمامه، يا ترى سيكون مهندساً أم طبيباً أم طياراً. ثمة في ة حدودية، دخل موجه تربوي إلى مدرسة ابتدائية، وأوقف طالبا، رآه نبيهاً، قال له: أنت يا بني، حينما تكبر ماذا تحب أن تكون ؟ هناك جواب تقليدي: طبيب، أستاذ، طيار، ضابط، عالم، قال له: مهرب. إذاً: أيها الإخوة الكرام، هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة، هو العلم الديني، أركان الإيمان، أركان الإسلام، كتاب الله، تفسير كتاب الله، تفسير حديث رسول الله، نحن في ذكرى المولد مثلاً، قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾ [ سورة الحشر] كيف نأتمر بما أمرنا، وكيف ننتهي عما عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي أمرنا، و ما الذي عنه نهانا ؟ إذاً طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، أنت عرفت الله، كيف تطيعه ؟ يجب أن تعلم أمره، فلذلك قضية معرفة الأحكام الشرعية شيء أساسي، جزء أساسي من حياتك ليس من باب الترف، ولا من باب تمضية أوقات الفراغ، شيء أساسي. أيها الإخوة الكرام، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً جداً، هو أنه لابد من طلب العلم. أنت راكب مركبة، وهناك لوحة البيانات، دقق إن فهمت هذا التألق تألقاً تزيينياً احترق المحرك، و توقفت المركبة، و ألغي السفر، و تعطل الهدف، و دفعت خمسين ألفاً بأسعار اليوم، أما لو علمت أن هذا التألق تألق تحذيري لا تزييني أوقفت المركبة، أضفت الزيت، فسلم المحرك، وتابعت السير، وحققت الهدف، هذا الكلام دقيق جداً. البطولة في فهم ما يقع: الآن المشكلة مع التواصل الإعلامي، ما يحدث في أي مكان بالعالم يصل إليك بدقائق، الآن البطولة لا أن تطلع على ما يجري، البطولة أن تحسن فهم ما يجري. في وقت مضى كان أهم شيء أن تصل إلى الخبر، قديماً جداً كان الناس يقفون على أبواب المدن ينتظرون الركبان، الآن هناك تواصل إعلامي مذهل، وثورة إعلامية، كل شيء يقع تراه بعد دقائق. البطولة لا أن تطلع على الذي وقع أن تفهم سر الذي وقع، تماماً كضوء الزيت تألق، البطولة لا أن تقول: لقد رأيته قد تألق، طبعاً رأيته تألق فعلاً البطولة أن تعلم لماذا تألق هل هو ضوء تزييني أم ضوء تحذيري ؟ هنا المشكلة، إذاً لابد من طلب العلم. حقيقة الإنسان بضعة أيام: لابد من أن تبحث عن الحقيقة، لذلك حينما قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ [ سورة العصر ] ![]() كل إنسان خاسر لا محالة، لماذا ؟ لأن مضي الزمن يستهلكه، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة. أنت بضعة أيام، والله أيها الإخوة الكرام، ما وجدت تعريفاً جامعاً مانعاً شافياً محكماً للإنسان كهذا التعريف: بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، فالبطولة لا أن تعد العمر عدّاً تصاعدياً، لا أن تقول: لقد بلغت الستين، يجب أن تقول كلاماً مزعجاً: كم بقي لي ؟ إذا مضى الذي مضى كلمح البصر في الأعم الأغلب يمضي الذي بقي كلمح البصر، فجأة النعي على الجدران، كان شخصاً فأصبح خبراً. مرة كنت بطائرة من المغرب إلى دمشق، في تونس وقفت بعض الوقت، كانت نافذتي على مكان البضائع فنزل نعش، هذا سافر على مقعد راكبًا، ومعه بطاقة طائرة، ومعه جواز سفر، ثم أصبح بضاعة، كان شخصاً فأصبح بضاعة، تخليص جمركي، ووثائق. كل إنسان خاسرإلا... لذلك أيها الإخوة الكرام، البطولة أن تعد العمر عداً تنازلياً، الآن: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا ﴾ [ سورة العصر ] من هو الذي ينجو من الخسارة ؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾ [ سورة العصر ] أي ابحث عن الحقيقة، واعمل، وافقه، وادعُ إليها، واصبر على البحث عنها، والعمل بها، والدعوة إليها كي تنجو من الخسارة: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾ [ سورة العصر ] خاتمة: نحن مادامت علة وجودنا عبادة الله عز وجل ؛ ففي اللقاء القادم إن شاء الله يكون الحديث عن حقيقة العبادة، وأنواع العبادة، ومستويات العبادة، والعبادة التعاملية، والشعائرية، و ما إلى ذلك. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : العبادة - علة وجود الانسان - 2العقيدة والاعجاز الدرس : ( الثانى ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العبادة: 1 – العبادةُ هي علّةُ وجودِ الإنسان: أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثاني من دروس العقيدة و الإعجاز، وموضوع الدرس اليوم، العبادة. العبادة علة وجودنا على وجه الأرض، فلو أن طالباً سافر إلى بلد غربي لينال درجة الدكتوراه ليس له في هذا البلد من هدف إلا هذه الشهادة، نقول له: إن علة وجودك في هذا البلد نيل الدكتوراه، وأيّ شيء في هذا البلد يقربه من هدفه فهو مشروع، وأي شيء يصرفه عن هذا الهدف فهو غير مشروع. 2 – اختيار الوسائل المشروعة لتحقيق الهدف المشروع: ![]() فإذا علمت أن العبادة علة وجودك على وجه الأرض، وهذا هو الهدف الكبير، إذاً يجب أن تختار من جزئيات حياتك، ومن معطيات بيئتك ما له علاقة بهذا الهدف، وهذا هو النجاح كل النجاح، وهذا هو الفلاح كل الفلاح، وهذا هو الفوز كل الفوز، علة وجودك أن تعبد الله، كما أن الطالب علة وجوده أن ينال هذه الدرجة. حينما تتضح الأهداف تتضح الوسائل، وإذا أبلغتكم مع الأسف الشديد أن سبعة وتسعين بالمئة من الشباب في بلاد نامية لا يعرفون أهدافهم إطلاقاً يعيش هكذا بحكم وجوده بحكم الصوارف والمغريات والدوافع، لذلك لا شيء يعلو عن أن تعرف سر وجودك، وغاية وجودك، أو لا شيء يعلو عن أن تعرف عن علة وجودك، لقد أخبرنا القرآن الكريم بأن علة وجودنا أن نعبده، الدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ [ سورة الذاريات ] 3 – المفهوم الواسعُ للعبادة: لكن كلمة عبادة قد تفهم فهماً ضيقاً جداً، وهذه هي الطامة الكبرى، وقد تفهم فهماً موسعاً جداً، وهذه البطولة. مثلاً: أي شيء يسير يسمى سيارة، قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ (19) ﴾ [ سورة يوسف ] ![]() أيّ شيء يسير بالمفهوم الواسع لكلمة سيارة، أيّ شيء يسير، بالمفهوم الضيق المركبة التي تتحرك على عجلات بقوة من محرك انفجاري فيه وقود سائل، فإذا فهم المسلمون العبادة على أنها صلاة وصيام، وحج وزكاة، والنطق بالشهادة، ليس غير، ابتعدوا بُعد الأرض عن السماء عن فهم حقيقة دينهم، لأن الإسلام كما قال عليه الصلاة والسلام: (( بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ )) [ البخاري عن ابن عمر ] الإسلام شيء، والأركان الخمس شيء آخر، الأركان دعائم، الإسلام بناء، منهج، مجموعة قيم أخلاقية، منظومة مبادئ، سلسلة أوامر، مجموعة نواه، هذا هو الإسلام، الإسلام منهج تفصيلي. وصدقوا أيها الإخوة، ولا أبالغ إن قلت: إنه يقترب من خمسمئة ألف بند ؛ في كسب مالك، في إنفاق مالك، في زواجك، في طلاقك، في تربية أولادك، في تعاملك مع الناس، مع مَن هم أقوى منك، مع مَن هم أضعف منك، مع مَن هم في مستواك، في حلك، في ترحالك، في سفرك، في حضرك، في فقرك، في غناك في حالة السلم في حالة الحرب منهج تفصيلي فكيف ضغطه المسلمون إلى خمس عبادات شعائرية ؟ 4 – الدين ليس في المسجد !!! كيف أصبح الإسلام، هو الذي يصلي فقط ؟ هنا الطامة الكبرى، ما لم نفهم العبادة فهماً موسعاً، ما لم نفهمها منهجاً مفصلاً، ما لم نفهمها فضلاً عن الشعائرية افعل ولا تفعل، فنحن بعيدون عن حقيقة الدين، ودائماً وأبداً الطرف الآخر يريدون أن يحصروا الدين في المسجد فقط، أنت هنا مسلم، لكنك خارج المسجد تأكل وتشرب، وتلتقي وتحتفل، وتمارس كل الشهوات، وتقيم كل الحفلات التي ترضي والتي لا ترضي، الإسلام في المسجد، الذي أقوله بالعكس: أنت في المسجد تأخذ تعليمات الصانع، وأنت في المسجد تقبض الثمن، إن حضرت مجلس علم، أن تتلقى تعليمات الصانع، أما إذا دخلت لتصلي يتجلى الله عليك في المسجد، فيمنحك الرضا، يمنحك الحكمة، يمنحك القرب، يمنحك السعادة، يمنحك الأمن، المسجد لتلقي التعليمات، والمسجد لقطف الثمرة، دينك في مكتبك، دينك في عيادتك، دينك في غرفة العمليات، دينك في مكتب المحامي، دينك في زراعة الأرض، هل تستخدم الهرمونات المسرطنة ؟ دينك في وظيفتك، هل تضع العصي في العجلات أمام المواطنين لتبتز أموالهم، أم تقدم لهم خدمة، وهم دافعوا الضرائب، دينك في عملك، دينك في بيتك، دينك في حفلاتك، دينك في كسب مالك، دينك في إنفاق مالك، الدين النصيحة، الطامة الكبرى أن نفهم العبادة مفهوماً ضيقاً، أن نقصرها على الصلاة والصيام. النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه الكرام: من هو المفلس ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ )) [ مسلم، الترمذي ] أيها الإخوة، علة وجودك في الدنيا العبادة، علة وجودك في الدنيا أن تعرف الله، وأن تعرف منهجه، بل أن تعرف الله معرفة تدفعك إلى تطبيق أمره، وأن تعرف الآخرة معرفة تمنعك مِن أن تؤذي مخلوقاً كائناً من كان، وأن تبتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة، أن توظف مالك وعملك، ووقتك وخبرتك، وقدراتك ومهاراتك في سبيل الله عز وجل. العبادة مفهوم واسع جداً، وأسأل الله جل جلاله أن يمكنني في هذا الدرس أن أوضح العبادة. ما معنى العبادة: ![]() أيها الإخوة الكرام، من التعاريف الجامعة المانعة للعبادة أنها: طاعة، فالذي لا يطيع الله لا يعبده، بشكل مختصر العبادة الطاعة. نحن في حياتنا ليس هناك إعجاب سلبي في الإسلام، ما شاء الله دين رائع، دين حضاري، دين الفطرة، لكنك لا تطبقه. أحب شاب فتاة في بلاد الغرب، فاستأذن والده بالزواج منها، فأقام عليه الدنيا، وتوعده أن يتبرأ منه، ماذا يفعل ؟ بعد شهر عرض عليه شيئاً، يا أبت، لو أنها أسلمت فجاء الجواب إيجابياً، قال له: لا مانع، اختل توازن هذا الشاب من الفرح، فانطلق إلى المكتبة، واشترى لها كتباً باللغة الإنكليزية لتقرأها، وتستوعب الإسلام كي تسلم، ثم يوافق أبوه على الزواج منها، أعطاها الكتب، لكنها ذكية جداً، طلبت منه إجازة أربعة أشهر كي تقرأ الكتب بهدوء، وبعيداً عن ضغوطاته وعن تمنياته، ومرت عليه هذه الإجازة كأربع سنوات، عدّ الوقت بالدقائق والثواني، فلما انقضت هذه الأشهر الأربعة اتصل بها، وسمع منها كلمة اختل لها توازنه فرحاً، قالت له: لقد أسلمت، إذاً: حقق الهدف، لكنها قالت كلمة ثانية، قالت: ولكنني لن أتزوجك، لأنك بحسب ما قرأت لست مسلماً. والله لا أبالغ، والله لا أبالغ، والله لا أبالغ، هذا معظم حال المسلمين، والده مسلم، أمه مسلمة، يصلي، يحج، أما في بيته، وعمله، وكسب ماله، وإنفاق ماله، وقضاء أوقات فراغه، وهواياته، ولهوه، ولعبه، ومبادئه، وقيمه، وطموحاته، وتمنياته ليس مسلماً، لذلك هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾ [ سورة مريم ] ملخص العبادة: العبادة طاعة، طاعة طوعية، وما من إنسان إلا ويطيع القوي طاعة قسرية، هل تسمى الطاعة القسرية عبادة ؟ مستحيل، طاعة طوعية، الله عز وجل أرادنا أن نأتي إليه طائعين بمبادرة منا، أن نأتيه محبين، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) ﴾ [ سورة البقرة ] ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ(29) ﴾ [ سورة الكهف] إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾ [ سورة الإنسان ] ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148)﴾ [ سورة البقرة ] طاعة طوعية، لا يكفي أحياناً أن تقتنع أنك إذا نظمت وقتك، ونمت باكراً، واستيقظت صباحاً باكراً، ودرست فالساعات الصباحية تعدل أضعاف ما في النهار، فنمت باكراً وفق السنة، واستيقظت باكراً وفق السنة، وتبتغي أنت أن تحرز الدرجة الأولى في الامتحان، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، ما عبد الله من أحبه، ولم يطعه، كما أنه ما عبد الله من أحبه، ولم يطعه، ولا من أطاعه، ولم يحبه، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية. قال بعض العلماء: العبادة غاية الخضوع وغاية الحب، غاية الاستسلام، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، فيها جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي، الجانب السلوكي هو الأصل، لا يمكن أن نقطف من الدين شيئاً إن لم نستقم على أمر الله، وإذا شئت فقل: يمكن أن يضغط الدين كله بكلمة واحدة، هي الاستقامة، كما يمكن أن تضغط التجارة كلها بكلمة واحدة، ألا وهي الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً، وإن لم تستقم فلست ديناً. هناك إسلام فلكلوري، وخلفية إسلامية، وأرضية إسلامية، ونزعة إسلامية، واهتمامات إسلامية، وأقواس إسلامية، وفي زخرفة إسلامية، ورسم إسلامي، وطموحات إسلامية، وثقافة إسلامية، وآلاف الأشياء الإسلامية، لكنها شيء، والإسلام شيء آخر، ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام. إذاً: مركز الثقل ثلاثة خطوط، اللون الأحمر على كلمة سلوك، طاعة طوعية، أساسها معرفة يقينية، حرف عريض، حرف أسود، حرف أحمر، التركيز على كلمة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية. زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكمـا إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما *** ليس هذا هو الإيمان، الإيمان معرفة يقينية، لو أن أهل الأرض جميعاً كفروا، أهل الأرض ستة آلاف مليون، وأنت واحد منهم، لو أن ستة آلاف مليون عدا واحد كفروا فأنت لا تكفر يقيناً، في كل خلية في جسمك، وفي كل قطرة، في دمك تجد الإيمان، الإيمان بالله موجودا وواحدا وكاملا، الإيمان بأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب، الإيمان بالنبيين، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى. أيها الإخوة، أساسها معرفة يقينية، لكن ما سمعت إنساناً نام مساءً استيقظ ومعه دكتوراه، يقول لك: ثلاثا وثلاثين سنة لم أعرف الراحة، ولم أعرف النوم، ولم أعرف لقاء مع صديق، ولم أعرف نزهة، حتى أضيف إلى اسمه حرف دال، كان يكتب اسمه من دون شيء، صار بحرف الدال، ثلاث وثلاثون سنة دراسة، الإنسان يتوهم أنه مؤمن، متى حضرت درس علم ؟ متى اقتنيت كتاباً ؟ متى قرأت كتاباً ؟ متى قرأت القرآن الكريم ؟ متى قرأت السنة ؟ متى فكرت ماذا يأمرك الله ؟ متى قلت لماذا أنا في الدنيا ؟ ما سر وجودي، ما غاية وجودي ؟ متى تأملت؟ متى تفكرت ؟ متى قرأت ؟ متى التحقت بمسجد ؟ متى حضرت درساً ؟ أنا مؤمن إيماني أقوى من إيمانك، وهو غارق في المعاصي والآثام، سبحان الله !!! كل حرفة لها اختصاصيون، كل حرفة لها أرباب، لها خبراء، إلا أن الدين عند عامة الناس كأنه كلأ مشاع، كل إنسان يتحدث في الدين على مزاجه، هذه ما قنعت بها، من أنت ؟ يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ *** أحيانا تكون في وزارة الخارجية، وفيها مستخدم يقول لك: عيّنا فلانًا سفيراً، مَن أنت حتى تعينه سفير ؟ فيأخذ مرتبة الوزير، عيناه سفيرا. فلذلك أيها الإخوة، العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، اسأل نفسك: هل التزمت بدرس علم ؟ هل قرأت كتاباً وانتفعت منه ؟ هل لخصته ؟ هل نقلت كلمة حق للآخرين ؟ تسبقها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، حاجتك إلى الجمال أساسية، أنت بحاجة إلى أن تكون سعيداً إلى أن تحيى حياة جميلة، إلى أن تتصل بالله، إلى أن تكون في جنة عرضها السماوات والأرض، لذلك هؤلاء الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة تحركوا بدافع من حبهم للجمال في وقت غير مناسب. نحن في دار عمل وتعب لا دار تنعم ورفاه: الطالب في مدرسة، المقعد من خشب، والزاوية قائمة، والجو أميل للبرودة، والوظائف كثيرة، والسبورة ممتلئة، والمدرس يتكلم، هذا مكان دراسة، هذا مكان طلب علم، هذا مكان تحصيل، هذا مكان تقشف، هذا مكان أن تكون أميل إلى الجوع، لأن البطنة تذهب الفطنة. لو أن طالباً في الدرس أراد أن يكون له مقعد وثير كمقاعد الطائرات، يصبح سريراً، وأمامه المشروبات، القهوة، والشاي، والموالح، والفواكه، وبعض الألعاب، وراديو صغير، وشاشة صغيرة، يريد أن يترفه، هذا ليس مكان ترفه، هذا مكان عمل، لكن بعد أن تأخذ الدكتوراه تترفع، تنشئ غرفة خاصة، مكتبًا خاصًا، غرفة استقبال، غرفة نوم مريحة، ومنظرا طبيعيا. نحن في دار عمل، ولسنا في دار أمل، نحن في دار تكليف، ولسنا في دار تشريف، نحن في دار مسؤولية، نحن في دار هي إعداد لدار أبدية، يا ليتني قدمت لحياتي، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لأحد لحكمة بالغة، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، لأن الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي. ورد في بعض الحديث عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: (( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ )) (مسند الإمام أحمد) قد تتنعم، وقد تسر، إنْ في شراء بيتك، أو في زواج، أو في جلوسك مع أهلك، لكن القصد إرضاء الله، القصد تحقيق هدف، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، الله عز وجل لا يضنّ علي بالتنعم، تتنعم دون أن تجعله هدفاً وحيداً. مشكلة الناس اليوم أنهم يجعلون التنعم هدفاً وحيداً، واسألوا الفلاسفة حينما تتخذ اللذة هدفاً، فإنها تنقلب إلى ألم، لذلك خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه، وهو لا يشعر، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) [ الترمذي ] ![]() سأل ملك وزيره قال له: مَن الملك ؟ قال: أنت يا سيدي، ليس هناك ملك إلا أنت ملك قال له: لا ملك الملك رجل لا نعرفه ملك، ولا يعرفنا ملك له بيت يأويه، وملك وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في إرضائنا، وإنا إن عرفناه جهدنا في إحراجه، لذلك: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية. أيها الإخوة الكرام، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة الدليل، قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾ [ سورة محمد ] إنها جنةٌ في الدنيا، وذاقوا بعضها، إنها جنة القرب، لذلك قال بعض العلماء الشعراء: فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمـــا وليت عنا لغيرنا و لو سمعت أذناك حسن خطـابنا خلعت عنا ثياب العجب وجئتنا و لو ذقت من طـعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا و لو نسمـت من قربنا لك نسمة لمت غريباً واشتياقاً بقربنــا ولو لاح من أنوارنا لك لائــح تــركت جميع الكائنات لأجلنا *** أيها الإخوة، الحاجة إلى الجمال أساسية في الإنسان، والدين أول ثمراته السعادة، لذلك في قلب المؤمن من السعادة ما لم وزع على أهل بلد لكفاهم، في قلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لطمأنهم، في النفس فراغ لا يملؤه المال، ولا الزواج، ولا المرأة، ولا المنصب، ولا المتع، لا يملؤه إلا الإيمان، وهذا الذي يبحث عنه الإنسان في وقت متأخر في حياته، وكان يتمنى أن يبحث عنه في وقت مبكر من حياته. أقسام العبادة: 1 – العبادة الشعائرية: أيها الإخوة الكرام، ننتقل إلى موضوع آخر، أن العبادة تقسم إلى عبادة شعائرية وإلى عبادة تعاملية. العبادة الشعائرية: الصلاة: تقف تقرأ الفاتحة، وبعض القرآن الكريم، وترفع، وتسجد، وتقعد وتسلم. الصيام: تدع الطعام والشراب من الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والذي منعك الله منه أيضاً. الحج: تقصد مكة بيت الله الحرام، وتطوف، وتسعى، وتقف في عرفات، وتؤدي مناسك الحج. الزكاة: تدفع زكاة مالك. النطق بالشهادة: تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، هذه عبادات شعائرية. 2 – العبادة التعاملية: لكن الحجم الأكبر والأخطر هو العبادات التعاملية، شاهدُها الكبير أن النجاشي ملك الحبشة سأل المسلمين الذين هاجروا إليه، وفي مقدمتهم سيدنا جعفر، قال له: حدثني عن الإسلام، قال أيها الملك: (( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ...)) [ أحمد ] حقيقة العبادة التعاملية: العبادة الشعائرية قيم أخلاقية، أو انضباط أولاً، وفعل للخيرات ثانياً. العبادة التعاملية استقامة وعمل صالح، الاستقامة سلبية، والعمل الصالح إيجابي، العبادة الشعائرية أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج، والعبادة التعاملية ألا تكذب، وألا تأخذ ما ليس لك، وألا تعتدي على إنسان لا مادياً ولا معنوياً، ولا من أي نوع من أنواع الاعتداء. المشكلة الكبرى، والطامة الكبرى أن المسلمين توهموا أن العبادة هي العبادة الشعائرية فقط، فإذا وصلى، وصام، وحج، وزكى أدى كل شيء، ووقف عند هذا الحد. العبادة الشعائرية لن تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية: وأخطر ما في هذا الدرس أن العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، طالبوني بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء. الصلاة: عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )) [ ابن ماجه ] العبادات الشعائرية في أعلى درجة. ![]() ثمة طرفة لإنسان من تركيا عنده وليمة، اشترى كمية من اللحم كبيرة، وعنده قِط أكل هذا اللحم، والقط له خرير يسميه العوام أورادًا، فهذا التركي نظر إلى هذا القط، كاد يتميز من الغيظ، قال له: أوراد شوك أمنات يوك. هذه المشكلة، إمام مسجد معين في مدينة لندن، نقل إلى بلدة في ظاهر لندن إلى مانشيستر، والقصة واقعية، فاضطر أن يركب المركبة كل يوم مع السائق نفسه، في أحد المرات صعد إلى المركبة فأعطى السائق قطعة نقد كبيرة، وردّ له السائق البقية، عدها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق، مسلم ورع يعرف الحقوق، فلما جلس في المقعد، قال: لا بد أن أؤدي الزيادة إلى السائق حينما أنزل، لكنه استرخى قليلاً، وقال: إنها شركة عملاقة، ودخلها فلكي، والمبلغ يسير، وأنا في أمسّ الحاجة إليه، فلا علي أن آخذه، لا تستعجلوا بالحكم على هذا الإمام، لكن لما أراد أن يغادر المركبة دون أن يشعر مدّ يده إلى جيبه، وأعطى السائق عشرين بنساً، ابتسم السائق، قال له: ألست أنت إمام هذا المسجد ؟ قال له: بلى، قال: حدثت نفسي قبل يومين أن آتيك في المسجد لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك. الذي أرسل لي هذه الرسالة بالبريد الإلكتروني قال: هذا الإمام وقع مغشيًا عليه، أغمي عليه، لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها لو أبقى المبلغ في جيبه، فلما صحا من غفوته قال: يا رب، كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً . وضعت يدي على مشكلة المسلمين يبيع دينه بيمين كاذبة، يبيع دينه بتصريح كاذب، يبيع دينه باغتصاب بيت، يبيع دينه باغتصاب شركة، يبيع دينه باعتداء على أعراض الآخرين، وهو مسلم. فلذلك أيها الإخوة، الدين كله مجموع بكلمة استقامة، وما لم نستقم يصبح الدين تراثاً ومنتجاً أرضياً، وثقافة عامة وفلكلوراً، وعادات وتقاليد، وهذا واقع المسلمين، والحقيقة المرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح. ((... لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )) الصوم: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )) [ البخاري، الترمذي أبو داود، ابن ماجه، أحمد ] ورب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، أول فقرة انتهت الصلاة، الفقرة الثانية انتهى الصيام. الفقرة الثالثة: الحج: مَن حج بمال حرام، و وضع رجله في الركاب، و قال: لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك، و لا سعديك، و حجك مردود عليك. انتهى الحج. الزكاة: بقيت الزكاة، قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾ [ سورة التوبة: الآية 53] الشهادتان: بقي النطق بالشهادة: قال عليه الصلاة والسلام: (( من قال: إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله )) [ ورد في الأثر ] إذاً: العبادات الشعائرية، ومنها الصلاة والصيام، والحج والزكاة، والنطق بالشهادة لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية. أحذر ما يكون بينك وبين أخيك من حقوق: ما معنى قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (10) ﴾ [ سورة إبراهيم ] من للتبعيض، يعني يغفر لكم بعض ذنوبكم، أي ذنب يغفر ؟ ما كان بينك وبين الله فقط، أما الذنب الذي بينك وبين الناس هذا لا يغفر إلا بالأداء أو بالمسامحة، لذلك يتوهم معظم المسلمين أنهم إذا صاموا رمضان إيماناً واحتساباً، وإذا قاموا رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم، وقد أجمع العلماء على أن الله يغفر لهم الذنوب التي بينه وبينهم فقط، أما الذنوب التي بينهم وبين العباد فلا تغفر إلا بالأداء والمسامحة، لأن حقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، بينما حقوق العباد مبنية على المشاححة. ومعظم المسلمين يتوهمون أنهم إذا حجوا بيت الله الحرام رجعوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، أيضاً الذنوب التي بينهم وبين الله تغفر في الحج، أما التي بينهم وبين الناس فلا تغفر. أيها الإخوة، هل من عمل أعظم على الإطلاق من أن يقدم الإنسان حياته في سبيل الله ؟ والجود بالنفس أقصى غاية الجود، هل من عمل على الإطلاق يرقى إلى أن يقدم الإنسان نفسه في سبيل الله ؟ اسمعوا قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ )) [ مسلم، أحمد ] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (( تُوُفِّيَ رَجُلٌ فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ، فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قُلْنَا، دِينَارَانِ، فَانْصَرَفَ فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ فَأَتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانِ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُحِقَّ الْغَرِيمُ، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ: مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا مَاتَ أَمْسِ، قَالَ: فَعَادَ إِلَيْهِ مِنْ الْغَدِ، فَقَالَ: لَقَدْ قَضَيْتُهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ )) [ أحمد ] عَن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ )) [ أحمد ] حقوق العباد مبنية على المشاححة، وحقوق الله مبنية على المسامحة. أيها الإخوة، الحقيقة الأولى في هذا اللقاء الطيب العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية. لا بد في الاستقامة في المعاملة: العبادات التعاملية أن تكون صادقاً كفى، بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب. المؤمن لا يكذب، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [ أحمد ] أن تكون أميناً والأمانة ليست نسبية بل حدية بمعنى يستوي عند المؤمن التبر والتراب الليرة والمليار ليرة الحرام حرام، المؤمن أمين، المؤمن صادق، المؤمن عفيف، لا يعتدي على أعراض الآخرين، ولا يطلق بصره في الحرام، المؤمن رحيم، المؤمن منصف، المؤمن متواضع، الإيمان مجموعة قيم أخلاقية، إنما بعثت معلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، الإيمان هو العطاء، وليس الأخذ، بطولتك في أن تعطي، لا في أن تأخذ. ألف أحدُهم كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهداه إليه، قال: " يا من جئت الحياة فأعطيت، ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، ومشكلات الناس عبادتك ". حقيقة العبادة التعاملية: أن تكون مستقيماً، أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، عادلاً، متواضعاً، حليماً، رحيماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. أيها الإخوة الكرام، الأصل في العبادة التعاملية لذلك سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما كان معتكفاً في مسجد رسول الله في رمضان لقي واحداً كئيباً قال له: مالي أراك كئيباً ؟ قال: والله ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال: لمن ؟ قال: لفلان، فقال ابن عباس: أتحب أن أكلمه لك ؟ قال: إذا شئت، فقام ابن عباس من معتكفه، لفت نظره رجل قائلا: يا ابن عباس، أنسيت أنك معتكف ؟ قال: والله ما نسيت، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر، وأشار بيده إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، والعهد به قريب، ودمعت عيناه، والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. أنا أقيس لو أن أماً تحب الله كثيراً، فاستيقظت الساعة الرابعة صباحاً، وصلت قيام الليل، وبكت، وقرأت القرآن، وفي الساعة السادسة تعبت كثيراً، عندها خمسة أولاد، قالت لهم: دبروا شأنكم، يا بني ونامت، الغرفة باردة، الطعام غير موجود، أحد أولادها ما كتب وظيفة، والثاني ما حفظ الدرس، والثالث ثيابه غير نظيفة، والرابع حذاءه غير نظيف، والخامس أخذ شطيرة ما لفها بمادة عازلة، فانتقل الزيت إلى الكتب، فلما ذهبوا إلى المدرسة، هذا تلقى ضرباً من معلمه على ترك وظيفته، وهذا على ترك كتابه، وهذا على عدم هندامه، وهذا على حذائه، أولادها الخمسة تلقوا عقاباً قاسياً، والغرفة باردة، ولا أكل، أنا أقول باجتهادي الشخصي، وأرجو أن أكون على صواب: إن هذه الأم لو استيقظت قبل طلوع الشمس بساعة، ودفأت الغرفة، وهيأت الطعام، وراقبت وظائف أولادها، وراقبت هندامهم، وراقبت أدواتهم، هيأت لهم شطائر مرتبة محفوظة بأكياس عازلة، مع قطع فواكه، وودعتهم إلى الباب، ولم تطمئن عليهم حتى ركبوا في السيارة، أنا أرى أن هذه الأم التي ما صلت قيام الليل أقرب من الله مليون مرة عن الأولى، لأن الثانية عبدت ربها فيما أقامها، أقامها أماً، لأن الثانية عبدت ربها العبادة التعاملية، وأضافت إلى عبادتها الشعائرية العبادة التعاملية. العبادات التعاملية فرض، فرض حتمي على كل مسلم، أنا أقول: أضيفوا إلى عبادتكم الشعائرية العبادات التعاملية، والله سمعت صاحب هذا القبر لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. عندنا عبادات شعائرية، وعبادات تعاملية، والعبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، والذي أتمناه على إخوتنا جميعاً أن يضيفوا إلى عباداتهم الشعائرية العبادات التعاملية حتى يقطفوا ثمار الإسلام. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : العبادة - عبادة انفاق المال والوقت - وعبادة العصر والجهادالعقيدة والاعجاز الدرس : ( الثالث ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العبادة هدفُ الإنسان في الأرض وعلُّة وجوده فيها: ![]() أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثالث من دروس العقيدة والإعجاز، وقد كان موضوع الدرس السابق العبادة، التي هي علة وجودنا، وسوف أنقل لكم استبياناً أجري على ألف شاب حول سؤال واحد: ما الهدف الذي تسعى من أجله ؟ فكانت الأهداف ضبابية، والأصح أن ثلاثة بالمئة من هؤلاء الشباب يعرفون أهدافهم الواضحة، والإنسان حينما لا يعرف سر وجوده، وغاية وجوده يتحرك حركة عشوائية، قد لا تثمر لا سلامة ولا سعادة، فلذلك أول شيء ينبغي أن نعرفه لماذا نحن في الدنيا ؟ ما علة وجودنا ؟ وقد بدأت هذا الموضوع في الدرس السابق حينما قلت في قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ [ سورة الذاريات ] والآية واضحة، الآية واضحة وضوح الشمس، وهي بمصطلح الأصوليين قطعية الدلالة، العبادة علة وجودنا. العبادةُ معنى واسع لا يضيق في العبادات الخمس: ولكن الاختلاف بين المسلمين في مفهوم العبادة، فمن فئة يتوهمون أن العبادة لا تزيد على أداء العبادات الشعائرية ؛ من صلاة، وصيام، وحج، لكنْ هناك أناس يعرفون أن العبادة لها مغنى واسع جداً، صدق أو لا تصدق في كل حركة وسكنة، في كل كلمة، في كل عطاء ومنع، وصلة وقطيعة، وابتسامة وعبوس، ورضا وغضب، هناك عبادة تدور معك. لا تصح العبادة الشعائرية إلا إذا صحت العبادة التعاملية: حينما تفهم أن العبادة تدور مع الإنسان في كل أوقاته، وفي كل أحواله، وفي كل شؤون حياته، عندئذ نعبد الله حق العبادة، لذلك في اللقاء السابق تحدثنا عن العبادة الشعائرية، وعن العبادة التعاملية، وكان محور الدرس أن العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وبينت قول بعض العلماء: تركُ دانقٍ من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام، وبينت أنه كما قال عليه الصلاة والسلام: (( لأن أمشي مع أخ في حاجةٍ خير لي من أن أعتكف في مسجدي هذا )) [ الطبراني عن ابن عمر ] لذلك نتابع هذا الموضوع بتوسيع مفهوم العبادة، بل بالحديث عن العبادة كما ينبغي، بل كما أرادها الله، بل هي حقيقة الدين أن تعبد الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ(21) ﴾ [ سورة البقرة ] أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) ﴾ [ سورة الملك ] ![]() الذي يعد الهدف عنده واضحاً يمشي سوياً على صراط مستقيم باتجاه هدفه، والذي لا يعرف علة وجوده، ولا غاية وجوده يمشي مكباً على وجهه، لذلك ذكرت في لقاء سابق أنك إذا كنت في مدينة، ولك في هذه المدينة هدف واضح جداً فإنك تختار الوسائل التي تحقق هذا الهدف، هذا هو الإنسان السوي الصحيح العاقل الفالح الناجح، أما حينما لا تعرف لماذا أنت في هذه البلدة تكون الحركة عشوائية، والحركة غير مجدية، والآية التي تقصم الظهر: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) ﴾ [ سورة الكهف ] وهذا ينطبق على نصف المتعلم، فلا هو متعلم فينتفع بعلمه، ولا هو جاهل فيتعلم، لذلك من الناس من لا يدري، و لا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه. إذاً: في اللقاء السابق كانت هناك أفكار دقيقة جداً حول العبادة التعاملية، والعبادة الشعائرية، العبادة التعاملية أن تكون صادقاً أميناً، عفيفاً رحيماً، متواضعاً منصفاً، وعادلاً. والعبادة الشعائرية ؛ أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج، وأن تزكي، وأن تشهد أنه لا إله إلا الله. مفهوم آخر للعبادة: عبادة الهوية: 1 ـ عبادة الهوية: الآن هناك تقسيم للعبادة بشكل آخر: 1 – عبادة الغني إنفاقُ المال على الوجه الصحيح: أولاً: هناك عبادة الهوية، مَن أنت ؟ كل إنسان له دور اجتماعي. أولا: هذا رجل، وهذا امرأة، هذا ذكر، وهذا أنثى. ثانياً: مَن هذا الرجل ؟ رجل غني، هويته أنه من أهل الغنى، هذا الرجل قوي من وصفه الاجتماعي أنه يحتل منصباً رفيعاً، فهو قوي، معه توقيع، بجرة قلم يحق حقاً، ويبطل باطلاً، يقر معروفاً، ويزيل منكراً، هذا الرجل عالم، هويته عند الناس داعية عالم. أوّلُ شيء في هذا اللقاء الجديد ـ إن شاء الله ـ: من أنت ؟ هناك عبادات كقاسم مشترك بيننا جميعاً، يجب أن نصلي جميعاً، فالصلاةُُ هي العبادة الشعائرية الأولى، ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، والصلاة سيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات. نحن جميعاً نصلي هذه عبادة مشتركة، بل هذا قاسم مشترك بيننا جميعاً، جميعاً نصوم، جميعاً نؤدي زكاة أموالنا إن بلغت أموالنا النصاب، جميعنا يحج بيت الله الحرام إذا كان أحدُنا مستطيعاً وغنياً. ![]() لكن هناك عبادات متعلقة بهويتك: مَن أنت ؟ أنت غني العبادة الأولى إنفاق المال، وما أعطاك الله هذا المال إلا لتنفقه في سبيل الله، إلا من أجل أن تسعد بإنفاقه في الدنيا والآخرة، بل إلا من أجل أن تنافس العلماء، الدليل: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْكِتَابَ، وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ )) [ متفق عليه ] أول سؤال: مَن أنت ؟ أو اسأل أنت نفسك هذا السؤال، المؤمن الغني يجب أن يعلم علم اليقين أن الله ما أعطاه هذا المال إلا ليكون عوناً له على دخول الجنة، ولكم أيها الإخوة الكرام حقائق كثيرة بإمكان أصحاب الأموال أن يصِلوا إلى أعلى مراتب الجنة، لأن المال قوة، المال قوام الحياة: هذا التاجر الذي يكسب المال الحلال، وينفقه في مصالح المسلمين هو عند الله مع النبيين والصديقين، التاجر الصدوق مع النبيين و الصديقين، لأنه كما يمكنني أن أقنعك بأفكاري يمكنني أن أملك قلبك بمالي، لذلك العبادة الأولى لأصحاب الأموال إنفاق أموالهم، بأموالهم يرأبون الصدع، بأموالهم يلمون الشمل، بأموالهم يمسحون الدموع عن وجوه اليتامى، بأموالهم يزوجون الشباب و الشابات، بأموالهم يهيئون البيوت للفقراء، بأموالهم يطعمون الطعام، بأموالهم يرعون الأيتام، بأموالهم يعطون عطاء يملك القلوب، لذلك أول عبادةٍ عبادةُ الهوية، مَن أنت ؟ اتفقنا قبل قليل على أن هناك عبادات مشتركة، قواسم مشتركة، نحن جميعاً نصلي، ونصوم، ونؤدي زكاة أموالنا، و حج، و نطق بالشهادة، ولكن بعد أداء هذه العبادات الشعائرية التي هي قواسم مشتركة هناك عبادات متعلقة بهوية الإنسان، الغني أول عبادة يكلف بها إنفاق المال، لأن الله جعل هذا المال مكنة له على طاعة الله، الدليل: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (77) ﴾ [ سورة القصص] هذه واحدة، الآية واضحة جداً، قضية المال أيها الإخوة الكرام قد ينزلق الإنسان، ويصبح في خدمة المال، ويصاب بمرض بالنسبة إلى النفس كالمرض الخبيث بالنسبة إلى الجسم: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) ﴾ [ سورة التغابن] الشح مرض، والشحيح أيها الإخوة يعيش فقيراً ليموت غنياً، لذلك ورد في بعض الآثار أن روح الميت ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة علي. بل إن أندم الناس يوم القيامة رجلٌ دخل ورثته بماله الجنة، ودخل هو بماله النار، فالغني عبادته الأولى إنفاق المال لذلك: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾ [ سورة البقرة] من أدق المعاني لهذه الآية: أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة إن لم تنفقوا، والشواهد لا تعد و لا تحصى. 2 – عبادة القويِّ إنصاف المظلوم ونصرةُ الضعيف: أنت من ؟ أنت قوي العبادة الأولى إحقاق الحق، إنصاف المظلوم، أن تأخذ للضعيف من القوي، وأن تأخذ للفقير من الغني، وأن تأخذ للمظلوم من الظالم، أنت بجرة قلم تصدر قراراً، لذلك الأقوياء أحياناً يترنمون بكلمة مسؤول كبير، ولو عرفوا معنى هذه الكلمة لارتعدت فرائصهم من هذه الكلمة، مسؤول كبير: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾ [ سورة الحجر] لذلك حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، القوة مسؤولية، والمال مسؤولية. يا أيها الإخوة الكرام، قد تعلو مرتبة الإنسان بالمال، وقد تعلو بالمنصب، وقد تعلو بالعلم، وكلما علت مرتبة الإنسان اتسعت دائرة خياراته في الأعمال الصالحة. 3 – عبادة القائم على التعليم: معلّم بصف معه صلاحيات تصيب ثلاثين طالباً، لكن مدير مدرسة صلاحياته تغطي أربعمئة طالب، لكن مدير التربية صلاحياته لمحافظة بأكملها، أما وزير التربية فبيده المناهج، يمكن أن يصلح المناهج، وأن يكلف أناساً بتأليف كتب من أعلى مستوى، وأن يضبط الأمور، فكلما علت مرتبتك اتسعت دائرة الأعمال الصالحة التي تتاح لك، لذلك الممكَّنون في الأرض يتاح لهم من الأعمال الصالحة ما لا يتاح لغيرهم، وكلمة ( مُمَكَّن في الأرض ) تعني أن تكون قوياً، و تعني أن تكون غنياً، وتعني أن تكون عالماً. أوّل عبادة عبادةُ الهوية أنت من ؟ القوي له عبادة فضلاً عن العبادات الشعائرية التي هي قاسم مشترك بين كل الناس، القوي له عبادة إحقاق الحق، إنصاف المظلوم، أن يأخذ للمظلوم من الظالم، للضعيف من القوي، للفقير من الغني، أن ينصف، أن يعدل، وعدلُ ساعة يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً. فأول عبادةٍ عبادةُ الهوية، الغني بإنفاق ماله. 4 – عبادة العالم تعليم الناس الخير لوجه الله: ![]() والعالم بإنفاق علمه، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً (39) ﴾ [ سورة الأحزاب ] دققوا. ﴿ وَيَخْشَوْنَهُ ﴾ [ سورة الأحزاب ] الذين يبلغون رسالات الله لهم صفات لا تعد ولا تحصى، ولكن الله أغفلها جميعها، واكتفى بصفة واحدة. ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ (39) ﴾ [ سورة الأحزاب ] إذا خشي الذي يبلغ رسالة الله غير الله فسكت عن الحق خوفاً منه وتكلم بالباطل إرضاء لهم ماذا بقي من دعوته ؟ انتهت دعوته، إذاً هناك صفة واحدة جامعة مانعة كافية أن تخشى الله وألا تخشى إلا الله وألا تأخذك في الله لومة لائم. أيها الإخوة، العبادة الأولى عبادة الهوية، إن كنت عالماً فعبادتك الأولى أن تعلم العلم لوجه الله تعالى، وإن كنت قوياً فأن تحق الحق، وأن تبطل الباطل، وإن كنت غنياً فأن تنفق المال في سبيل الله. 5 – عبادة المرأة خدمةُ زوجها وأولادها: ![]() وإن كنتِ امرأة فالعبادة الأولى أن ترعى المرأة زوجها وأولادها، اعلمي أيتها المرأة، و أعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله. أضرب مثلاً دائماً وأكرره، لأنه مناسب جداً، امرأةٌ صلت قيام الليل، وبكت في الصلاة، وخشع قلبها، وذابت محبة لربها، وعندها خمسة أولاد، في الساعة السادسة تعبت كثيراً فطلبت من أولادها أن يتدبروا شأنهم، الأكل غير موجود، الغرفة باردة، بعض أولادها لم يكتب وظيفته، بعض أولادها هندامه غير حسن، بعض أولادها يحتاج ثيابه إلى إصلاح، انطلقوا إلى المدرسة، هذا ما كتب وظيفته، والثاني على هندامه ملاحظة، والثالث كتابه فيه آثار زيت من الشطيرة التي ما وضع لها كيس نايلون، الكل أُهِينوا، أنا أقول: هذه المرأة لو استيقظت قبل طلوع الشمس بنصف ساعة، ودفأت الغرفة، ووضعت الطعام، وهيئت الشطائر لأولادها، وراقبت وظائفهم، راقبت هندامهم، راقبت ثيابهم، راقبت محفظتهم، ودعتهم إلى أن يستقلوا السيارة، أنا أرى أن هذه المرأة أقرب إلى الله مليون مرة من الأولى، لأن الأولى كانت عابدة لله، لكن الثانية عبدت ربها فيما أقامها. إذاً: أول عبادة هي عبادة الهوية، من أنت ؟ لك عبادة خاصة، لذلك إذا فطن الناس إلى هذه الحقيقة كان حال المسلمين في حال آخر، مِن هنا قال سيدنا علي رضي الله عنه: << قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمَه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ـ الآن دققوا ـ فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره >>. أعيد القول مرة ثانية: << قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمَه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره >>. وشر الناس من باع آخرته بدنيا غيره. أيها الإخوة، هذه عبادة الهوية. اسأل نفسك من أنت ؟ أنت غني لك عبادة، قوي لك عبادة، عالم لك عبادة، أنتِ امرأة لكِ عبادة خاصة، اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله. أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة، أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: مَن هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاد، فأبت لزواج من أجلهم، وهي تنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول الجنة. هذه عبادة الهوية، لذلك يجب أن تعبد الله فيما أقامت، كملخص يجب أن تعبد الله فيما أقامك. 2 ـ عبادة الظرف: هناك عبادة الظرف، إنسان له أب مريض، وعنده بعض مجالس العلم يحضرها، أيهما أولى أن يجلس مع أبيه ليرعاه، ويقدم له ما يحتاج، ويؤنسه، أم أن يدعه، ويهمله، وأن يأتي إلى عبادة ثانية ؟ نقول له: لا، هذه عبادة الظرف، وهي مقدمة على أية عبادة عدا الفرائض طبعاً، يجب أن ترعى أباك، العبادة الأولى لمَن له أب مريض أن يرعى الأب المريض، العبادة الأولى لمن عنده ضيف أن يكرم الضيف، العبادة الأولى لمن ابنه في الامتحان أن يهيئ له الجو المناسب للدراسة، العبادة الأولى لمن يرى ابنته قد شبت، وآن أوان زواجها أن يسعى لزواجها، العبادة الأولى لمن يرى ابنه في ريعان الشباب والفتن مستعرة، والدنيا ترقص العبادة الأولى أن يزوج ابنه، هذا معنى دقيق جداً، هذه العبادة الثانية، عبادة الظرف، الضيف يكرم، والمريض يعالج، والطالب تهيئ له أجواء الدراسة، وهناك آباء عقلاء جداً في أيام الامتحان تلغى كل الزيارات واللقاءات والحفلات، هذا جو امتحان، الأسرة كلها مستنفرة من أجل أبنائها، جو هادئ، تقديم طعام مناسب، عناية، سهر، فكم مِن طالب رسب في الشهادة الثانوية لأن أباه وأمه لم يوقظاه إلى وقت الامتحان، يجب أن تكون هناك وسائل للعناية بالأولاد. لذلك أيها الإخوة، ونحن أيضاً نتحدث عن عبادة الظرف، وهناك قصص كثيرة مؤلمة جداً، أن الإنسان لا يعرف الأولويات، أبوه مريض، ويقوم بعبادة أقلّ بكثير من ثواب تمريض أبيه، لذلك لا يقبل الله نافلة أدت إلى ترك واجب. عندك شاب في ريعان الشباب، والفتن مستعرة، وكل سنة تأتي بعمرة، وكل سنة تحج، ولك ثلاثون حجة، زوج ابنك، أنا أرى أنك حججت مرة إلى خمس، بارك الله بك، ونفع بك، هنيئاً لك، لكن ابنك يتلوى ويتمنى أن تكون له زوجة تحصنه، أنا أقسم بالله لكم أن الإنسان حينما يزوج أولاده في هذا الزمان بالذات، في زمان الفتن، والله له عند الله أجر كبير، لكن ليس هذا بمعنى أن تدع حجة الفريضة، وحج كل خمس سنوات حجة، لكن ينبغي أن تهتم بأولادك، وأن تزوجهم، وأن تحصنهم، مَن لهم غيرك ؟ اسمعوا هذه الكلمة: الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أولادك فمَن لهم غيرك ؟ ![]() والله أعرف أبًا زوج عنده ولدين، وهو زواج جيد، والله حينما يقف أمامهما كأنهما جنديان أمام لواء في الجيش من شدة الأدب والاحترام والمحبة، إنسان زوج ابنه شيء عظيم، هذا عمل كبير، لكن هناك آباء عقليتهم متخلفة جداً، يقول: أنا نشأت عصاميًا، والله أعرف إنساناً عنده أكثر من عشرة أبنية، وجمع بعض الإخوة مبلغاً لتأمين بيت لشاب، ووالده عنده عشرة أبنية، ويقول: أنا نشأت عصاميًا، وابني يدبّر أمره، فهذه قسوة بالغة الآن، فلذلك الأب النظامي الكامل هو الذي يهتم بأولاده، وهناك آباء أبطال، يبيع أحدهم بيتا بأرقى أحياء دمشق، ويسكن خارج المدينة، ويشتري خمسة بيوت بثمن بيته، وهناك بيوت ثمنها ثلاثون إلى أربعين مليونًا لزوج وزوجته، وعنده أربع أولاد يتلوون من الشعور بالوحشة، بلا زوجة، اسكن في بيت بعشرة ملايين، واشتر بيوتًا لأولادك بالباقي. أعرف آباء والله أغنياء جداً، يأتي خطّاب كثيرون لابنته، ومعها بيت، هذا يسمونه عرضًا، هذه البنت معها بيت، هل زوّجتها بهذه الطريقة ؟ كثير من الشباب المؤمنين الصادقين ما عندهم بيت، فيجدون بنتًا معها بيت، وهذه نعمة، وهناك آباء عندهم عقل راجح جداً، عن طريق هذا البيت تم الزواج الجيد والناجح. إذاً: هذه عبادة الظرف. 3 ـ عبادة الوقت: الآن عبادة الوقت، وقت فجر، هذا الوقت ليس وقت حسابات، ولا غسل سيارات، هذا وقت عبادات، هذا وقت قراءة القرآن، هذا وقت الصلوات، هذا وقت الأذكار، عَن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) [ النسائي ] عبادة الوقت ؛ أن تعطي لكل وقت حقه، إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل. النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً في ريعان الشباب يقرأ القرآن، أو يتعبد الله في وقت العمل، فسأله: (( مَن يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك )) [ ورد في الأثر ] دقق، هذا وقت عمل، أخوك أعبد منك، لأنه يكسب المال الحلال، وينفقه على مَن يلوذ به. إن لله عملاً بالليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل . إذاً النوع الثالث من العبادات عبادة الوقت، الفجر وقت صلوات وأذكار، والتجاء على النهار، في أثناء النهار وقت عمل، سيدنا عمر رأى من لا يعمل في وقت العمل فقال: << إنما أنزل هذا القرآن ليعمل به، أفتخذت قراءته عملاً >>. 4 ـ عبادة العصر: بين عصر المبادئ والأشخاص والأشياء: أيها الإخوة، لكن هناك عبادة سوف نقف عندها وقفة متأنية، إنها عبادة العصر، عبادة العصر بادئ ذي بدء العصور متنوعة، هناك عصر المبادئ، والأشياء والأشخاص في خدمة المبادئ، وهذه العصور أرقى العصور في تاريخ البشرية، الأشخاص والأشياء في خدمة المبادئ، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ (24) ﴾ [ سورة التوبة ] أشخاص. ﴿ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا (24) ﴾ [ سورة التوبة ] أشياء: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ (24)﴾ [ سورة التوبة ] مبادئ، في عصر مبادئ كالعصر الإسلامي الأول، مَلك من ملوك الغساسنة اسمه جبلة ابن الأيهم جاء مسلماً، رحب به عمر، في أثناء طوافه حول الكعبة داسَ بدوي من فزارة طرف إزاره، فانخلع الإزار من كتفه، وهو ملِك، وهذا الذي داس رداءه من عامة الناس، بالتعبير المعاصر من سوقة الناس ودهمائهم وعامتهم، من الدرجة الدنيا، ضربه ضربة هشمت أنفه، هذا البدوي يعيش في مجتمع المبادئ فيه مقدسة، فذهب إلى عمر واشتكى، سيدنا عمر استدعاه، وقد صاغ شاعر معاصر الحوار شعراً، قال له عمر : أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ قال جبلة الملك: لست ممن ينكر شيا أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي قال له عمر: أرضِ الفتى لابد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشــمن الآن أنـفـك وتـنال مــا فعلتـه كفك قال: كيف ذاك يا أمير المؤمنين هو سوقة وأنا عرش وتاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟ قال له: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا قال: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ أنا مرتدٌ إذا أكرهتني قال: عالَم نبنيه كل صدع فيه يداوى وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى العصر الآخر عصر أشخاص، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) ﴾ [ سورة القصص ] لذلك دائماً وأبداً هناك أنبياء، وهناك أقوياء ففي عصر الأشخاص أي الأقوياء ملكوا الرقاب ولم يملكوا القلوب، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأقوياء عاش الناس لهم، لذلك أحب الناس الأنبياء، وخافوا من الأقوياء. النوع الثاني من العصور عصر الأشخاص، فالمبادئ والأشياء في خدمة الأشخاص، هذا عصر أشخاص، لكن قد يكون الشخص قوياً، لكنه مصلح، حالة بين أن تكون مثالية وأن تكون مؤلمة جداً عصر الأشخاص، لكن الطامة الكبرى في النوع الثالث عصر الأشياء. خطب شاب فتاة فقال والدُها: له يا بني، عندك بيت ؟ قال: طبعاً، قال: أحضر ورقة الطابو، فأحضرها، عندك مركبة، قال: نعم، قال: هات ورقة الميكانيك، عندك معمل، هات الرخصة، بيت ومعمل ومركبة، زوجه ابنته، زاره في المحل التجاري، وهو عند أصدقائه، فقال له: هذا زوج ابنتي، فتهجم أحدهم وقال له: معقول !!! هذا ليس مسلماً، قال له: أنت غير مسلم ؟ قال: ما سألتني عن ديني إطلاقاً. هذا عصر أشياء. الآن مثلاً: الإنسان كل قيمته بمساحة بيته، بنوع الكسوة، بنوع الفرش، بمركبته، برقم يأتي بعد الماركة، قيمته بالخلوي الذي يملكه، قيمته بأجهزته، حينما تكون الأشياء هي المسيطرة تكون المبادئ والأشخاص في خدمة الأشياء، وهذه هي الطامة الكبرى. من عبادات العصر: 1 – الجهادُ البنائي: ![]() الآن ننتقل إلى عبادة رابعة عبادة العصر، وهذا موضوع مهم جداً، لأنه يعني جميع المسلمين: إذا أراد الطرف الآخر إفقار المسلمين فالعبادة الأولى استصلاح الأراضي، وإنشاء السدود، واستخراج الثروات، وتطوير الصناعات، والاكتفاء الذاتي، والتصدير، وجمع الثروات، كي نؤمن بهذه الثروات حاجات المجتمع، فأنت حر إذا كنت قوياً، وما لم تتفوق في دنياك فلا يحترم دينك، وما لم تكن قوياً فلا تملك قرار نفسك، هذه حقيقة، ما الذي يغطي هذا الكلام ؟ القرآن الكريم، دقق: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] جاءت كلمة ( قوة ) نكرةً، العلم قوة، والصناعة المتينة قوة، والصناعة الاستراتيجية قوة. أحيانا نسمح بإنشاء مشاريع، أكثر هذه المشاريع سياحية وخدمية، لكن ليس عندنا صناعة استراتيجية، ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج، وتستخدم آلة لا تصنعها، وويل لأمة تشتري السلاح شراءً، إذاً، ليس قرارها بيدها، فلذلك عبادة العصر قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] الآن الدول النووية أنا متأكد قد تمضي خمسون عاماً قادمة، وليست مضطرة أن تستخدم السلاح النووي، لكن هذا السلاح النووي يعد ردعاً قوياً لمن حولها، إذاً، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] كلمة (من قوة ) جاءت نكرة، والتنكير شمولي، ففي عهد النبي عليه الصلاة والسلام القوة رباط الخيل، بعد حين القوة المنجنيق، بعد حين المدافع، بعد حين المدرعات، الآن الطائرات، لاحظتم لبنان البنية التحتية كلفت أربعين مليارا هدمت في شهر عن آخرها بالطيران، فما لم تملك سلاحاً جوياً فعالاً فلست قوياً، إذاً: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] هذا سماه العلماء عطف الخاص على العام، كي ننتبه ما القوة ؟ القوة سلاح، القوة سلاح متطور، مثلاً طائرة مداها المجدي سبعة كيلو مترات، ومدرعة مداها المجدي ثلاثة كيلو مترات، يمكن لطائرة واحدة أن تدمر مئة دبابة واحدة بالمدى، يومكن لطائرة ألاّ ترى إلا هدفين على بعد خمسة كيلو مترات، ويمكن لطائرة أن ترى ثمانية عشر هدفًا على بعد مئتي كيلو متر، إذاً قضية قوة قضية خطيرة جداً. ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] السلاح قوة، والسلاح المتطور قوة، والأقمار الصناعية قوة، والمعلومات قوة، والمعنويات قوة، والتأهيل قوة، التدريب قوة، والتنظيم قوة، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] وقد لا تحتاجون إلى استخدام القوة، لكن هذه القوة ترهب، لذلك هناك بعض الدعاة يخشى كلمة ترهبون به عدو الله، يقول: صرنا إرهابيين، هذا الإرهاب في الآية من أجل ألا يكون إرهاباً، هذا الإرهاب لمنع الإرهاب، ترهبون به عدو الله. حدثني أخ من بلد إسلامي مجاور لبلد إسلامي، لكن المسلمين في البلد الأول مضطهدون جداً، البلد الآخر لما فجر قنبلة نووية قال لي: والله معاملة أولي الأمر للمسلمين للبلد المجاور انتقل مئة وثمانين درجة لزيادة اهتمام، قال تعالى: ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] إذَا أراد الطرف الآخر إفقارنا ينبغي أن نستعد، هذا اسمه الجهاد البنائي، أن نبني بلدنا، أن نبني أمتنا، أن نستخرج ثرواتنا، أن نستصلح أراضينا، أن ننشئ السدود، أن نطور الصناعات، أن نكتفي ذاتياً، هذه عبادة، وإلا فكما ترون المليار ونصف المليار مسلم عندهم ثروات لا تعد ولا تحصى، بلد واحد محتل الآن، أكبر احتياطي نفط في العالم فيه، أربعمئة وخمسون مليار برميل، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] هذه العبادة الأولى، عبادة الجهاد البنائي، العامل يتقن، والمزارع يتقن، والمدرس يتقن، والطبيب يتقن، والمهندس يتقن، وكل إنسان حرفته تعد أداة قوته، تطوير صنعته، والرقي بها أحد أكبر الواجبات الدينية. 2 – الجهادُ العلمي الدعوي: الآن لو أراد الطرف الآخر إضلالنا فالعبادة الأولى ترسيخ معالم هذا الدين، والرد على الشبهات الرد، وعلى التخرصات، توضيح القيم، توضيح المبادئ، لذلك أحياناً الدعوة إلى الله تعد من أعظم أنواع الجهاد، لذلك قد يوازي مداد العلماء دماء الشهداء، هذا يقوم بعبادة تأصيل المبادئ، وترسيخ القيم، والرد على الشبهات، وإحقاق الحق، هذه عبادة أيضاً. إذاً: العبادة جهاد بنائي، أعدوا لهم، وهناك عبادة ترسيخ المبادئ، عبادة دعوية، نريد دليلا، قال تعالى: ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾ [ سورة الفرقان ] سمى الله تعليم القرآن الكريم وتوضيح معانيه وترسيخ مبادئه سمى هذا العمل جهاداً كبيراً، وجاهدهم بالقرآن جهاداً كبيرا، هذه عبادة ثانية في العصر. 3 – المناشط الإسلامية لتحصين الشباب: عندنا عبادة ثالثة، إذا أراد الطرف الآخر إفسادنا بثمانمئة محطة، منها محطات إباحية، الهدف إكرامنا أم إفسادنا ؟ الهدف إفسادنا لا إكرامنا، فلذلك أن تحصن شبابك وشاباتك بمناشط إسلامية، بمدارس إسلامية، بجامعات إسلامية، ببدائل إسلامية خير تحصينٍ، مادام الطرف الآخر يريد إفسادنا فلا بد من بدائل، أحياناً يربط بالمسجد منتجع، هذا يستقطب الصغار يملؤون به وقتهم، ويلعبون، ويسرون بهذه المنتجعات، هذا من أجل ألا يفسد شبابنا، هذه العبادة الثالثة. الأولى: الإغناء، تطوير، البناء. الثانية: التوضيح والترسيخ. الثالثة: عبادة المناشط الإسلامية تحصين الشباب والشابات. 4 – الجهاد القتالي: وإذا أراد الطرف الآخر إذلالنا يجب أن نضحي بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، حينما احتل بعض الدول الغربية بلاداً إسلامية، وكان فيها مقاومة كبيرة جداً، أنا أعتقد أنهم يعدون في المستقبل للمليون قبل أن يفكروا باحتلال بلد آخر، إن أرادوا الإذلال تصدى الناس لهذا العدو الغاشم، هذه عبادة أيضاً، هذه عبادة الجهاد القتالي، في عندنا جهاد دعوي، قال تعالى: ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾ [ سورة الفرقان ] عندنا جهاد بنائي، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) ﴾ [ سورة الأنفال ] 5 – جهاد النفس: عندنا جهاد نفسي، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (69) ﴾ [ سورة العنكبوت ] غض بصره، ضبط لسانه، حرر دخله، هذا جهاد نفسي، وهو أول أنواع الجهاد، والمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، فهناك جهاد نفسي، وجهاد بنائي، أعدوا لهم، وجهاد دعوي، وجاهدهم به جهاداً كبيراً. الجهاد القتالي قال تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) ﴾ [ سورة الحج ] هذه عبادات كلها. بين أخلاق الدعوة وأخلاق الجهاد: لكن هناك أخلاق الدعوة وهناك أخلاق الجهاد، أخلاق الدعوة، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾ [ سورة فصلت ] أخلاق الجهاد، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (73) ﴾ [ سورة التوبة ] الفرق واضح تماما، وأكبر شيء يزعج أن تختلط عند بعض الدعاة أخلاق الجهاد بأخلاق الدعوة، أخلاق الدعوة: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾ [ سورة فصلت ] ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (125) ﴾ [ سورة النحل ] أخلاق الجهاد، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ (73) ﴾ [ سورة التوبة ] أيها الإخوة، هذه كلها من قبيل أنواع الجهاد، بدءاً من الجهاد النفسي، إلى الجهاد الدعوي، إلى الجهاد البنائي، إلى الجهاد القتالي، هذه عبادة العصر، إن أراد الطرف الآخر إفقارنا أغنينا بلادنا بالعمل الدؤوب والمتقن، إن أرادوا إضلالنا رسخنا معالم الدين، رددنا على الشبهات، إن أرادوا إفسادنا حصنّا شبابنا وشاباتنا، إن أرادوا إذلالنا بذلنا الغالي والرخيص والنفس والنفيس. هذه بعض معان العبادة أيها الإخوة، وقد رأيتم كيف أنها تدور مع الإنسان في كل أوقاته، وفي كل شؤون حياته. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقومات التكليف : تمهيدالعقيدة والاعجاز الدرس : ( الرابع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مقدمة تذكيرية: أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الرابع من دروس العقيدة والإعجاز، وقد أنهينا في الدرس الماضي مفهوم العبادة الواسع، وكيف أن العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، وكيف أن العبادة تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، وفي كل أوقاته، وفي كل أماكنه، وفي كل حركاته وسكناته، وبينت أن هناك عبادة شعائرية كالصلاة والصوم والحج، وأن هناك عبادة تعاملية كالصدق والأمانة والعفة، ثم بينا عبادة الهوية، الغني له عبادة متميزة، والعالم له عبادة متميزة، والحاكم له عبادة متميزة، والمرأة لها عبادة متميزة، وأن هناك عبادة الظرف، عندك ضيف، عندك قريب، عندك مريض، عندك ابن على مشارف الامتحان، وهناك عبادة العصر، إن أراد الطرف الآخر إفقارنا فالعبادة استخراج الثروات، واستصلاح الأراضي، وتأمين المشاريع، كي نكفي الأمة عن أن تستجدي من جهات لا ترضي الله، وبينت أيضاً كيف أن العبادة عبادة العصر والظرف والهوية، وهذه عبادات هي منهج تفصيلي يبدأ من العلاقات الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية. مقومات وثوابت التكليف: الآن ننتقل إلى موضوع جديد، ألا وهو أن الله عز وجل حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات التكليف، ما مقومات التكليف ؟ بماذا أعبده ؟ قلت في لقاء سابق: نحن بالكون نعرفه، وبالشرع نعبده، المقوم الأول من مقومات التكليف، وسوف نمضي بها إن شاء الله دروساً كثيرة، لكن في هذا الدرس سوف أجمع كل المقومات كموجز، والتفصيلات تأتي في دروس قادمة. المقوم الأوّل: الكون: ![]() الشيء الذي لا يختلف عليه اثنان في الأرض هو هذا الكون، الشمس شمس، القمر قمر، الليل ليل، النهار نهار، الجبال، البحار، البحيرات، الأنهار، الأسماك، الأطيار، النباتات، الجمادات، المعادن، أشباه المعادن، المخلوقات، هذا الكون هو الثابت الأول ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، هذا الكون قرآن صامت، هذا الكون يمكن أن يقرأ فيه أي إنسان، عربيًا كان أو غير عربي، هذا الكون لا يختلف عليه اثنان، هذا الكون ينتفع به كل إنسان، لذلك يعد الكون أكبر ثابت من ثوابت الإيمان، الكون يدل على الله، ففي الكون حكمة تدل على الحكيم، وفي الكون رحمة تدل على الرحيم، وفي الكون تسيير يدل على المسير، وفي الكون مخلوقات تدل على الخالق، وفي الكون لطف يدل على اللطيف، وفي الكون جمال يدل على الجميل، كأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، وهذا الكون ثابت متفق عليه، والكل يخضع له، لذلك في عصور الاضطرابات العقدية، في عصور الفتن والضلالات يبقى الكون هو الثابت الأول، مهما يكن الإنسان معانداً أو عنيداً أو مستكبراً كيف لا يخضع لآيات تأخذ بالألباب ؟ كيف لا يخضع لمجرة تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ؟ وأن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، كم يقطع في الدقيقة ؟ كم يقطع في الساعة ؟ كم يقطع في اليوم ؟ كم يقطع في الشهر ؟ في السنة ؟ في العشرين مليار سنة، قال تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) ﴾ [ سورة الذاريات ] المــاء: ![]() في هذا الماء خاصة لولاها لما كان هذا الدرس، لما كانت هذه المدينة، لما كان هذا البلد، لما كان إنسان على وجه الأرض، الماء شأنه كشأن أي عنصر، بالتسخين يتمدد، وبالتبريد ينكمش، لو بردناه ينكمش، وينكمش إلى درجة زائد أربع، فتنعكس الآية بآلية مذهلة، فيزداد حجمه، فإذا ازداد حجمه قلّت كثافته، فإذا قلّت كثافته طفا على سطح الماء، وامتنعت البحار أن تتجمد، لكن لو أنه تابع انكماشه لزادت كثافته، فغاص في أعماق البحر، ولتجمدت البحار، ولانعدمت الأمطار، ولمات النبات، ولمات الحيوان، ولمات الإنسان، هذه خاصة في الماء. أيها الإخوة، والله الذي لا إله إلا هو يمكن أن نمضي كل أعمارنا في التفكر في خلق السماوات والأرض، هذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ لذلك الكون شيء ثابت. هذه الجبال مَن نصبها ؟ من جعل في قمم الجبال ينابيع ماء ؟ ما معنى ينبوع ماء في قمة الجبل، لا بد أن تكون هناك تمديدات لجبل أعلى من أجل الوعول التي تعيش في قمم الجبال. ![]() في بعض البلاد إندونيسيا سبعة عشر ألف جزيرة، في كل جزيرة نبع ماء يتناسب مع مساحتها، وأمطار الجزيرة لا تكفي لإمداد هذا النبع، فيأتي هذا الماء من اليابسة من منطقة واسعة جداً فيها أمطار غزيرة، مَن مدّد هذه التمديدات ؟ والله أيها الإخوة، نحن إذا تفكرنا في خلق السماوات والأرض نوضع أمام عظمة الله، الكون كله ينطق بوجوده، وبوحدانيته، وبكماله، وحينما يتيه الإنسان في القيل والقال، يتيه الإنسان في التمزقات العقدية، في الضلالات، في اختلافات لا تنتهي، يكون الكون هو الثابت الأول، الذي خلق الأكوان إله عظيم، كامل كمالاً مطلقاً، الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾ [ سورة الواقعة ] التفكُر في الكون عبادةٌ: لذلك ما من عبادة أعظم من عبادة التفكر، التفكر هو السبيل إلى الله، بل إن التفكر في آيات الله الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية هو الباب الوحيد إلى الله، ومعظم السور المكية تبدأ بآيات كونية، قال تعالى: ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) ﴾ [ سورة الشمس ] ﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) ﴾ [ سورة الفجر ] آيات كثيرة تدعونا بأمر واضح صارخ، قال تعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (101) ﴾ [ سورة يونس ] ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) ﴾ [ سورة الطارق ] ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾ [ سورة عبس ] آيات كثيرة تبدأ بـ ( أولم يرَ ). أيها الإخوة الكرام، آيات الكون في القرآن الكريم منهج لنا، رؤوس موضوعات للتفكر، هذا الماء من يخزنه لك في الجبال ؟ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾ [ سورة الحجر ] لنا وقفة متأنية عند الكون، ولكن في هذا الدرس نسير على مقومات التكليف سيراً سريعاً. الكون الثابت الأول، الكون لا يختلف عليه اثنان، الكون أهل الأرض قاطبة معجبون بعظمة خالقه، لذلك هذا الكون سخر للإنسان يوم حمل الإنسان الأمانة، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72) ﴾ [ سورة الأحزاب ] يوم قَبِل الإنسان حمْلَ الأمانة سخر له ربه ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، لأنك من بني البشر، أنت المخلوق المكرّم، الأول رتبة، فمَن عرف نفسه عرف ربه، لأنك من بني البشر، لأنك إنسان أنت سيد البشر، أنت المخلوق المكرّم، ولكن هذا المخلوق الأول إما أن يكون فوق الملائكة، وإما أن يكون دون الحيوان، فقد رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ركِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) ﴾ [ سورة البينة ] خير ما برأ الله. أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر *** أتعلم أنك إن عرفت ربك كنتَ فوق الملائكة ؟! أيها الإخوة، الله عز وجل له آيات كونية ينبغي أن نتفكر بها، وله آيات تكوينية، وهي أفعاله ينبغي أن ننظر إليها، الآية الكريمة تؤكد هذا المعنى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) ﴾ [ سورة الأنعام ] لا أملَ إلا في الإسلام: ![]() الذين وقفوا في خندق مُعادٍ لرسول الله وأصحابه أين هم ؟ في مزبلة التاريخ، الّذين وقفوا معه أين هم ؟ في أعلى عليين، هؤلاء الذين أرادوا إلغاء الإسلام أين هم ؟ آلاف الطغاة الذين أرادوا إلغاء الإسلام، ماتوا والإسلام باق، حتى قال بعض العلماء الأجانب: " أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اليوم اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام ". كل النظم الوضعية أصبحت في الوحل، ولم يبقَ على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام ملاذ الجميع. أيها الإخوة، بالكون تتفكر، وبأفعال الله تنظر، تصوروا حالات حادة جداً، فرعون الجبار الطاغية، الحاقد القوي، معه جيش عرمرم بأسلحة فتاكة، حقد دفين، يتبع شرذمة من أتباع سيدنا موسى، فإذا بهم أمام البحر فهل مِن أمل ؟ إطلاقاً الأمل صفر، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) ﴾ [ سورة الشعراء ] والله أيها الإخوة، كلمة لا أرتوي من تردادها، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يستطيع في الكون أن ينال منك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ شيء يصعب تصوره لذلك: كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعك وإذا أعطاك من يمنعه ثم من يعطي إذا ما منع *** ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي (12) ﴾ [ سورة المائدة ] إذاً: سيدنا موسى ضرب البحر، فأصبح طريقاً يبساً، هذه القصة لمن ؟ له أم لنا ؟ لنا، القرآن نزل بعد سيدنا موسى، هي لنا، إياك أن تيئس، إياك أن تتطامن، إياك أن تحس بالإحباط، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) ﴾ [ سورة آل عمران ] الموقف الصحيح من الآيات الكونية والتكوينية والقرآنية: إذاً: في آياته الكونية نتفكر، وفي آياته التكوينية ننظر، وفي آياته القرآنية نتدبر، تفكر، وانظر، وتدبر تعرف الله، إن عرفته عرفت كل شيء، إن وصلت إليه وصلت إلى كل شيء، إن نلت رضاه نلت كل شيء، لذلك أقول دائماً كلمة مؤثرة: يا رب ماذا فقدَ من وجدك ؟ ما فقد شيئاً، وماذا وجد من فقدك ؟ لم يجد شيئاً، أموال لا تأكلها النيران، بيوت، مركبات منوطة بدقات القلب، فإذا توقف القلب فقد كل شيء، وخسر كل شيء، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (15) ﴾ [ سورة الزمر ] إذاً: في الآيات الكونية نتفكر في الآيات التكوينية، ننظر في الآيات القرآنية، نتدبر طريق معرفة الله، طريق آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، وأصل الدين معرفته، وفي الأثر: (( ابن آدم، اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء )) الكون ثابت، ألف وثلاثمئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الكون، سدس القرآن الكريم يتحدث عن الكون، من أجل أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، الآية الأصل في هذا الباب: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾ [ سورة آل عمران ] المقوم الأول هو الكون، وهو الثابت الأول، ولا خلاف عليه إطلاقاً بين شعوب الأرض، وبإمكان أي إنسان في الأرض أن يقرأ في الكون، قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ [ سورة العلق ] المقوم الثاني: العقل: لقد أعطانا الله عز وجل العقل، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) ﴾ [ سورة الرحمن ] للتقريب: إنسان لا يملك من الدنيا إلا بيتاً، لكنه غالٍ جداً، وباعه بعملة صعبة، ومعه في جيبه الأول جهاز يكشف له العملة المزورة، ومعه في الجيب الثاني أوراق فيها أرقام العملة المزورة، وباع البيت بعملة صعبة، ولم يستخدم الجهاز فإذا بالعملة مزورة، هو خاسر خسارة كبيرة جداً، لكنه هو السبب لم يستخدم جهاز كشف العملة المزورة، كما أنه لم يقرأ أرقام العملة المزورة، الأرقام هو الشرع، والجهاز هو العقل، فلذلك العقل ثاني أكبر مقوم من مقومات التكليف العقل، وهو مناط التكليف. مبادئ العقل: السببية والغائية وعدم التناقض: ![]() والعقل جهاز بالغ التعقيد مبني على مبادئ ثلاثة: مبني على مبدأ السببية، ومبدأ الغائية، ومبدأ عدم التناقض، أي أنك أيها الإنسان من خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً من دون سبب، ومن خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً من دون غاية، ومن خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً متناقضاً، إنسان حاضر وغائب في وقت واحد في دمشق وحلب، هذا مستحيل في العقل، لكن الشيء الدقيق أن نظام الكون نظام سببي، وفي عالم الكون لا شيء يحدث بلا سبب، ولا شيء يحدث بلا غاية، وليس في الكون تناقض، وعقلك فيه مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض، إذاً: العقل هو المقوم الثاني. دورُ العقل في معرفة الله: مهمةُ العقلِ التأكُّدُ من صحة النقل ثمّ فهمُه: ولكن ما دور العقل في معرفة الله ؟ العقل له مهمتان: أصل الدين هو النقل، الوحي المتلو، القرآن الكريم ، والوحي غير المتلو السنة، أصل الدين معرفة الله، العقل قبل النقل، مهمته التأكد من صحة النقل، وبعد النقل مهمته فهم النقل، لكن الأصل في الدين النقل، ولن يكون العقل حكَماً على النقل، والعقل قبل خمسين سنة لا يصدق أن قرصاً فيه سبعة آلاف كتاب، وكل عنوان بأربعين جزءا، وكل جزء فيه أربعمئة صفحة، وكل صفحة فيها ثمانين سطرا، في كل سطر خمس وثلاثين كلمة، وكل كلمة فيها خمسة حروف، وكل حرف مشكّل، هذا قرص واحد فيه سبعة آلاف عنوان، العقل مرتبط بالواقع، أما الوحي فمرتبط بالخالق، فلذلك الأصل هو الوحي، والعقل للتأكد من صحة النقل أولاً، ولفهم النقل ثانياً. العقل متطابق مع قوانين الكون: أروع ما في الموضوع أن العقل متطابق تماماً مع قوانين الكون، ولولا هذا التطابق لم يكن قيمة للعقل إطلاقاً. في الكون لكل شيء سبب، ولكل شيء غاية، ليس في الكون تناقض، وعقلك لا يفهم شيئاً بلا سبب. للتقريب: سافرت إلى اللاذقية، أطفأت الأنوار، أرتجت الباب، ليس مع أحد مفتاح هذا البيت إطلاقاً، عدت بعد أسبوع، فرأيت المصابيح متألقة، لماذا ترتعد فرائصك ؟ مثلاً: لو دار حوار غير ذكي بين الزوج وزوجته، قال لها: المصابيح متألقة، قالت له أطفئها، ليس الموضوع في إطفائها، ولكن مَن دخل البيت في غيابي ؟ لا يمكن أن تصدق أن المصابيح تألقت بذاتها هكذا العقل، والعقل مناط التكليف، والعقل أداة معرفة الله، ومبادئ العقل متناسقة مع مبادئ الكون لذلك قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) ﴾ ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ (17) ﴾ [ سورة الغاشية ] ﴿ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) ﴾ [ سورة غافر ] ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) ﴾ [ سورة الصافات ] لكن العقل ـ الآن دققوا ـ بالضبط كهذه العين، هذه العين لو أنها ترى بأعلى درجة، اثنتي عشرة على عشر، وليس هناك ضوء فلا قيمة لهذه العين، والعقل من دون وحي لا قيمة لهذا العقل، العين والضوء يتكاملان، والعقل والوحي يتكاملان، الوحي للعقل كالضوء للعين، لذلك العقل من دون وحي لا يصلح، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) ﴾ [ سورة المدثر ] العقل يحتاج إلى وحي، وأي شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به، إذاً: العقل مناط التكليف، والعقل أداة معرفة الله، والعقل مهمته قبل النقل التأكد من صحة النقل، وبعد النقل لفهم النقل، ولن يكون العقل حكماً على النقل. المقوم الثالث: الفطرة: لك فطرة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾ [ سورة الروم ] الفطرة متوافقة مع منهج الله: بنيتك النفسية متوافقة توافقاً تاماً مع منهج الله، وأي أمر أمرك الله به ترتاح نفسك إذا طبقته، تماماً كمركبة من أغلى الأنواع، لكنها مصممة للطريق المعبد، فإذا سرت بها في طريق وعر تكسرت، ولم تلبِ حاجتك، لأنها مصممة لطريق معبد، أنت مصمم لمنهج الله، فإذا طبقت منهج الله شعرت بسعادة لا توصف، الله أمرك أن تكون صادقاً، فإذا صدقت تحس براحة كبيرة جداً، أمرك أن تكون أميناً، فإذا كنت أميناً أحسست براحة عجيبة، أمرك أن تكون رحيماً، فإذا رحمت من حولك أحسست براحة عجيبة لذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾ [ سورة الروم ] هذه الخصيصة النفسية الفطرة، الإسلام دين الفطرة، كل شيء أمر الله عز وجل به ترتاح فطرتك له، بل إن الله جل جلاله سمى الشيء الذي تنكره نفسك منكراً، وسمى الشيء الذي تعرفه نفسك أنه عمل طيب معروفاً، فالأشياء التي تنكرها بأصل فطرتك هي المنكرات، والأشياء التي تعرفها بأصل فطرتك هي المعروف، كلمة معروف ومنكر تؤكد تطابق الفطرة مع الشرع، لذلك قال الله عز وجل: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾ [ سورة الشمس ] أنت لست بحاجة إلى من يلفت نظرك حينما تفعل فعلاً جيداً تعرف أنك أصبت، وإن لم تفعل فعلاً جيداً تعرف أنك أخطأت، بل هذه الفطرة وأستسمحكم عذراً بالحيوانات أيضاً، فالقطة حينما تخطف قطعة لحم تأكلها بعيداً عنك، أما إذا أطعمتها هذه القطعة فتأكلها أمامك، لأنها بفطرتها أحست أنها أخطأت حينما أخذت قطعة لحم عنوة أو سرقة، مع أنها غير مكلفة طبعاً. الكون، العقل، الفطرة. المقوم الرابع: الشهوةُ: أهمية الشهوة مقوماً للتكليف: ![]() الله عز وجل أودع فينا الشهوات، وميلاً إلى المرأة، إلى المال، إلى الجمال، إلى الراحة، إلى البيت المريح، إلى المركبة الفارهة، الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال، يحب النوال العطاء، والكمال والجمال، هذه شهوة، وما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها تارة شاكرين، وتارة صابرين، فالشهوة كالمحرك، والعقل كالمقود، والشرع كالطريق، فحركتك في الحياة بدافع الشهوات، ولو لم يكن هناك شهوات ما رأيت على وجه الأرض شيئاً، لا بيتًا، ولا جسرًا، ولا طريقًا، ولا معملًا، ولا مدرسة، ولا مستشفى، إذا لم يكن هناك حاجة للطعام والشراب، ولا حاجة للمرأة، مثل هذه الطاولة تتركها مليون سنة مثلما هي، لا تتزوج، ولا تأكل، ولا تشرب، وكان من الممكن أن يكون الإنسان كالجماد، لا يتحرك، لا يفعل شيئاً، لكن أودع فيك الشهوات، تمشي في الأسواق، تبحث عن عمل، تبحث عن دخل من أجل أن تتزوج، تأتي الزوجة، تبحث عن دخل آخر من أجل تربية الأولاد، إذاً حينما وصف الله أنبياءه بأنهم بشر قال تعالى: ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ (7)﴾ [ سورة الفرقان ] هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى المشي في الأسواق، هذا شأننا جميعاً، تبحث عن عمل من أجل أن تشتري بيتاً، تستأجر بيتاً، كي تتزوج، كي تنجب، إذاً: الشهوات أودعها الله فينا قال تعالى عنها: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (14) ﴾ [ سورة آل عمران ] كل شهوة لها قناة شرعية نظيفة تسري من خلالها: دققوا في هذا الكلام الدقيق: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل له قناة نظيفة تسري خلالها، ليس هناك حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، أودع فيك حب المال، وأبواب الكسب المشروع على مصارعه، وهناك كسب غير مشروع، الشهوة تمثل مئة وثمانين درجة، يمكن بدافع الشهوة أن تتحرك بزاوية مفتوحة تساوي مئة وثمانين درجة، لكن الكسب المشروع تسعون درجة، وغير المشروع تسعون درجة، فالمؤمن يحصر نشاطه في كسب المال في التسعين درجة الأولى، وغير المؤمن له عمل، ويسرق، ويغش، ويدلس، ويحتال، ويغتصب، فلذلك الشهوة مفتوحة مئة وثمانين درجة، المؤمن يتقيد بالحيز المسموح به من قبل الله، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ (86) ﴾ [ سورة هود ] المرأة: عندك زوجة، ولك أخوات بنات، تجلس معهم، الوالدة، الأخوات، العمات، الخالات، الأخت، بنت الأخ، ابنة الأخت، هذه المحارم، لكن امرأة لا تحل لك ممنوع أن تقيم علاقة معها في حيز الإيمان، هذه الشهوات. المال: هناك تجارة، ووظيفة، وهبة، وعمل حر، وزراعة، وتجارة، و صناعة، لكن لا سرقة، ولا اغتصاب، ولا غش، ولا احتكار، كل أنواع المعاصي في كسب المال محرمة. العلو في الأرض: أيضاً العلو في الأرض، شهوة ثالثة، أن تكون شيئاً مذكورا، أن يشار إليك بالبنان، اطلب العلم، تعلم العلم، اعمل أعمالاً صالحة ليشار لك بالبنان. مرة عالم من علماء بلد إسلامي كبير سافر إلى لبريطانية لإجراء عملية، يقولون، أكثر من مئة ألف اتصال ورسالة جاءت من أنحاء العالم الإسلامي للاستفسار عن صحته، فإذاعة لندن استغربت، شيء غير طبيعي، أجرت معه مقابلة، قالت له: ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ ماذا يجيب ؟ أجاب إجابة رائعة قال: لأنني محسوب على الله، وأنت كمؤمن محسوب على الله. ![]() إذاً: العلو في الأرض قد يكون في طاعة الله، قد يكون بخدمة الخلق، قد يكون بنشر العلم، قد يكون بالأعمال الصالحة، وقد يكون بالأذى، وقد يكون بكسب غير مشروع، ينتهي ببيت فخم، ومركبة فارهة، وعلاقات وولائم، وفنادق وسفر وسياحة. أنت عندك حاجة أساسية للطعام للحفاظ على وجودك، وعندك حاجة أساسية للمرأة، للحفاظ على نوعك، وعندك حاجة أساسية إلى أن تكون ذا أهمية للحفاظ على ذكرك، فهذه كلها محققة ضمن منهج الله عز وجل، ومحققة بغير منهج الله، لذلك ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، اطمئن فلا حرمان، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50) ﴾ [ سورة القصص ] الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، يتزوج، ويوم العرس أطلقت أبواق المركبات، ألا يستحيون ؟ لا، لا يستحيون، هذا شيء شرعي، هذا الزواج شرعه الله، ما من خجل أبداً، هي زوجته. أحيانا يعقد عقد على بنت يأتي الخطيب بعد العقد طبعاً فيبقى للساعة الثانية، لا أحد يتكلم ولا كلمة، هي زوجته، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها. إذاً: الكون، والعقل، والفطرة، والشهوة. المقوم الخامس: الحرية ( الاختيار ): قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29) ﴾ [ سورة الكهف] ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) ﴾ [ سورة الإنسان ] ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا (148) ﴾ [ سورة البقرة] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) ﴾ [ سورة الأنعام] الإنسان من جهة التكليف مخيَّرٌ: ![]() هذه مقولة المشركين، لو أن الله أجبرنا على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرنا على المعصية لبطل العقاب، ولو تركنا هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً. الإنسان مخير، وفي اللحظة التي يتوهم فيها الإنسان أنه مسير فقد أخطأ، هو مسير فيما لا يكلف، مسير في كونه ذكراً أو أنثى، هل أحد سألك: ماذا تحب، ضع إشارة ضرب في هذا المربع، أنت لست مخيرا في هذا، أنت في هذا مسير، هل أحد سألك: من تحب أن تكون أمك وأبوك، كلنا مسيرون في أمهاتنا وآبائنا، هل أحد سألك: أين تحب أن تولد، في شيكاغو، أو في دمشق، مكان ولادتك، زمن ولادتك، عصرك، كونك ذكرًا أو أنثى، أمك وأبوك، هذه قدر من الله، لكن العلماء أجمعوا على أن الذي سيرت فيه هو لمصلحتك، وليس في إمكانك أبدع مما أعطاك، ويوم القيامة حينما يكشف لك سر كونك ذكراً أو أنثى، أو من أي أب أنت، من أي أم، في أي بلد، في أي مكان، في أي زمان، قدراتك، شكلك، وسامتك، إلى آخره، يجب أن تذوب محبة لله على أنه اختار لك الأصلح، بهذا أنت مسير، أما فيما كلفت أنت مخير فقال لك: أقم الصلاة، فهل لا تصلي، قال لك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ [ سورة التوبة ] أنت أتيت إلى المسجد، وهناك ملهى أيضاً، ومقهى إنترنت، مواقع إباحية، أمرك أن تكون مع الصادقين، أتيت إلى المسجد، أنت فيما كلفت به مخير، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ (29)﴾ [ سورة الكهف] وفي اللحظة التي تتوهم أنك لست مخيراً ألغي الثواب والعقاب، وألغي التكليف، وألغيت الأمانة، وألغيت الجنة والنار، وأصبحت الحياة الدنيا تمثيلية سمجة. هل تصدق مسابقة لتعيين موظف يتقدم ثلاثة آلاف، وألفت لجان، وتم الفحص، فحص لغة، وفحص ثقافة عامة، وشهادات، وعلامات، والذي سوف يعين معروف قبل المسابقة ؟ مستحيل أن يكون هكذا، فلذلك في اللحظة الذي تتوهم فيها أنك أنت في كل شيء مسير فقد ألغيت الدين، ألغيت الجنة والنار، وألغيت الثواب والعقاب والتكليف، ألغيت كل شيء، لذلك سيدنا عمر لما جاءه شارب خمر قال: << أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر علي ذلك ـ العوام يقولون: طاسات معدودة، بأماكن محدودة، هكذا ابتلاه الله، الله ما ابتلاه، هو اختار لنفسه ـ فقال سيدنا عمر: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>، لا تقل لي: الله قدر علي ذلك، قل: أنا أخطأت، الله أمرني بالخير، وأنا أخطأت. لاختيار أحد مقومات التكليف، الشهوة أحد مقومات التكليف، والفطرة أحد مقومات التكليف، والعقل أحد مقومات التكليف، والكون أحد مقومات التكليف. المقوِّم السادس: الشرعُ: بقي الشرع، في البلد أوزان بكل محل، أوزان بكيلوين، نصف كيلو، ربع أوقية، نصف أوقية، لو أحضر رجلٌ نارا، وأذاب الرصاص الذي تحت الوزن، أنقصه مئة غرام، كيف نكشف الخطأ يكون عندنا في البلدية وزن نظامي، وزن معتمد، وزن هو المقياس، وزن هو الضابط، الشرع هو الضابط، الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فإذا أرشدك فكرك إلى شيء أنكره الشرع، وأنت رأيته حسناً فعندك خلل كبير، يجب أن تتوافق موازينك مع موازين الشرع، الحرام حرام، الاختلاط ممنوع، الزنا حرام، ليس عملاً مقبولاً، لكن في عصور التفلت يصبح عملاً مقبول، كونه منتشراً في العالم، هذا لا يغير من تقييمه عند الله عز وجل. إذًا: الشرع أيضاً من مقومات التكليف، المنهج، الشرع مقوم أساسي من مقومات التكليف، لذلك العقل قد يضل، والشرع ضابط. أنا أعطيك مسألة، أقول لك حلها، لكن قبل أن تتعب نفسك هذا هو الجواب، فإن قادك الحل إلى هذا الجواب فالحل صحيح، فإذا قادك الحل إلى جواب آخر فاعلم أنك مخطئ، ولما تتوهم أن ثمة معصية ما فيها شيء في الدين، ماذا فعلنا ؟ والله ضرورية الآن، نحن في عصر جديد، هذا عصر العلم، عصر المرأة نصف المجتمع، لما تتوهم شيئًا خلاف الشرع فأنت مخطئ، المرأة نصف المجتمع، ومكرمة أشد التكريم، وما من دين، وما من منهج أعطى المرأة حقها، وكرمها كما كرّمها الإسلام. لما فتح النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم مكة، ودعته بيوتاتها ليبيت عندهم، قال: انصبوا خيمة عند قبر خديجة، ونصب لواء النصر أمام قبرها، ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ (6)﴾ [ سورة الطلاق] الضابط عند ضلال العقل وانطماس الفطرة: لكن الفساد مرفوض، التبذل مرفوض، إظهار المفاتن مرفوض الخلوة مرفوضة، إذاً: الشرع هو الحكَم، الحسن ما حسنه الشرع، و العقل قد يضل، والفطرة قد تنطمس، فما الضابط ؟ الشرع وزن مركزي في البلدية، فأي وزن شككنا فيه نأتي به إلى البلدية، ونعرضه على هذا الوزن الأساسي، هذا هو الشرع، والله عز وجل أعطانا فوق هذا الوقت وعاء عملنا، وأنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك. وفي درس قادم إن شاء الله نبدأ هذه المقومات بالتفصيل. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقومات التكليف : الكون -1- الكون طريق إلى معرفة اللهالعقيدة والاعجاز الدرس : ( الخامس ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام، مع دروس العقيدة والإعجاز، ومع الدرس الخامس. مقدمة تذكيرية: أيها الإخوة، في دروس سابقة بينت لكم أن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، ولأنه قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وقد كلف أن يعبد الله، وما كلفه الله أن يعبده إلا بعد أن أعطاه المقومات، وتحدثت في لقاء سابق عن هذه المقومات بشكل مجمل، تحدثت عن الكون، وعن العقل، وعن الفطرة، وعن الشهوة، وعن حرية الاختيار، وعن الوقت الذي هو غلاف العمل، الآن بدأنا بالمقومات تفصيلاً، ويقع على رأس هذه المقومات الكون. الكون لا يختلف فيه شخصان مهما اختلفت ديانتهما: ![]() أيها الإخوة، أريد أن أضعكم في صورة دقيقة، الكون هو الثابت الأول، شمس لا يستطيع أن ينكرها أحد، مسلم، غير مسلم، منافق، مستقيم، غير مستقيم، علماني، ملحد، الشمس وجودها صارخ، وفيها حقائق يخضع لها الإنسان، ومن خمسة آلاف مليون عام هي متقدة، وإلى خمسة آلاف مليون عام أخرى بتقدير العلماء متقدة، حجمها يكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، ألسنة اللهب التي تخرج منها تزيد على مليون كيلو متر، الحرارة على سطحها ستة آلاف درجة، في باطنها عشرون مليون درجة، لو ألقيت الأرض فيها لتبخرت في ثانية واحدة. يخضع لهذه الحقائق المسلم وغير المسلم، والكافر والملحد والعلماني، إن أردت شيئاً يعد في الدين أكبر شيء ثابت فهو الكون، لأن الكون مظهر لعظمة الله، يشفّ عن أسماء الله الحسنى، ومن خلال الكون ترى قدرة الله، من خلال الكون ترى رحمة الله، من خلال الكون ترى لطف الله عز وجل، فلذلك لو أن الإنسان تاه في الخلافيات، كل يدعي وصلاً بليلى، كل يدعي أنه على حق، هذا الكون الذي سخره الله للإنسان تسخير تعريف وتكريم، هو الشيء الثابت الأول، من ينكر الشمس ؟ من ينكر القمر والليل والنهار والأرض والجبال والوديان والأنهار والبحيرات والبحار والأطيار والأسماك والنباتات ؟ وخلق الإنسان ؟ فإذا أردت أن تجول جولة، وترجع، وقد امتلأ قلبك بالإيمان، إن أردت أن تبتعد عن كل هذه الخلافيات في الأرض فحسبكم الكون معجزة، في كل شيء في الكون يدل على الله، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد *** أيها الإخوة، عنوان هذا اللقاء الخامس هو الكون، ويحتاج إلى عدة لقاءات. بالكون تعرف الله: أيها الإخوة، أنت بالكون تعرف الله، لذلك افتح القرآن الكريم، وتتبع السور المكية، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) ﴾ [ سورة الفجر ] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)﴾ [ سورة الشمس ] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [ سورة الشمس ] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [ سورة يونس ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [ سورة عبس ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [ سورة الطارق ] هذه السور المكية طافحة بالآيات الكونية، لماذا ؟ لأن طريق معرفة الله التفكر في خلق السماوات والأرض والدليل، قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [ سورة الأعراف ] لا طريق إلى الإيمان إلا في التفكر في خلق السماوات والأرض، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾ [ سورة الأحزاب ] هل كان ظلوماً جهولاً بحمل الأمانة ؟ إذا حملها ووفاها حقها فليس ظلوماً، ولا جهولا. الكون مسخر للإنسان تسخيرين: ![]() الكون إذاً مسخر للإنسان تسخيرين، تسخير تعريف، وتسخير تكريم، والكلام دقيق جداً، أيّ شيء أمامك، كأس الماء، ابنك الذي أمامك، زوجتك، الطعام الذي أمامك، الجبل الذي أمامك، الوردة التي أمامك، أي شيء في الكون مسخر لك أيها الإنسان، أي شيء، ومسخر لك تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم، فأنت تعرف الله من خلال الشمس والقمر، والليل والنهار، والنجوم والمجرات، والأبراج والكازارات، والمذنبات، وتعرف الله من الجبال والأنهار، والبحار والأطيار، من طعامك، من ابنك الذي أمامك، وتعلم علم اليقين كيف كان خلية واحدة لقحت خلية ثانية، فإذا هو طفل كامل النمو، يتكلم، ويفكر له عينان، وله أذنان، وله أنف، وهيكل عظمي، وعضلات، وجلد، وجهاز هضم، وجهاز قلب ودوران، وجهاز عصبي، وجهاز إفراز، وكليتان، وشعر جسمك آية. حينما يتيه الناس، ويخوضون في خلافيات لا تنتهي فالثابت الأول الذي يشف عن عظمة الله، عن وجوده، وعن وحدانيته، وعن كماله، موجود، وواحد، وكامل، هو الكون، لذلك قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [ سورة يونس ] ما موقفك من آيات الأمر والنهي: أيها الإخوة، كلام دقيق أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، حينما تقرأ القرآن، وهو كلام الواحد الديان، تقرأ آية فيها أمر، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ أن تأتمر، هذا القرآن كلام خالق الأكوان، مستحيل أن تقرأه دون أن يكون لك مهمة في أثناء قراءته، دون أن يكون لك موقف، تقرأ آية فيها أمر، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [ سورة النور ] ما الفعل الذي ينبغي أن تفعله إذا قرأت آية فيها أمر ؟ الجواب أن تأتمر، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [ سورة الحجرات ] وما موقفك إذا قرأت آية فيها نهي ؟ الموقف أن تنتهي، وما الموقف إذا قرأت آية فيها وصف للجنة ونعيمها، والنار وعذابها ؟ أن تسعى إلى الجنة، وأن تتقي النار ولو بشق تمرة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾ [ سورة الحاقة ] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)﴾ [ سورة الحاقة ] ما الموقف الذي ينبغي أن تقفه ؟ أن أسعى إلى الجنة، وأن أتقي النار، وإذا قرأت آية عن هلاك الأمم السابقين، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [ سورة الأنعام ] ينبغي أن تتعظ. ما موقفك من الآيات الكونية؟ ملخص كلامي: ما من آية تقرأها إلا وينبغي أن تقف منها موقفاً، فإذا قرأت ألف آية كونية ما الموقف الذي ينبغي أن تقفه من هذه الآيات ؟ أن تتفكر في هذه الآيات، إذاً: حينما تقرأ القرآن، وتمر بآية كونية هذا منهجك في التفكر من أجل أن تعرف الله، الله عز وجل لا تدركه الأبصار، مستحيل، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [ سورة الأعراف ] إذاً: مستحيل وألف ألف مستحيل أن نرى الله في الدنيا، لكن عقولنا يمكن أن تصل إليه، فالكون مسخر لنا تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم. موقف الإنسان من تسخير الكون تعريفاً وتكريماً: دقق، لو أن إنسانا قدم لك هدية، جهاز هاتف متطور جداً، معه ذواكر، معه إجابة آلية، كأنه موظف عندك، يقول لك: من بلغك في أي ساعة، وترك رسالة، ويعطيك إشارة للرسالة، واحد قدم لك هذا الجهاز، وهو من اختراعه، ما الذي ينشأ عندك ؟ جاءك هذا الجهاز هدية، ثم هو من اختراع المهدي، ينشأ عندك شعوران، الأول تعظيم هذا الإنجاز العلمي، والثاني الامتنان ممن قدمه لك، لأن الله سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم، فرد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، دقق فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، الآن استمع إلى هذه الآية: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [ سورة النساء ] لمجرد أن تؤمن، وأن تشكر فقد حقت الهدف من وجودك، عندئذ تتوقف المعالجات، كيف ؟ إنسان توقفت كليته، الطبيب صورها، فإذا هي معطلة، قال له: بد من استئصالها، الموعد بعد أسبوعين، خطر لهذا الطبيب خاطر، أن يعيد التصوير قبل العملية، أعاد التصوير، فإذا هي تعمل فهل يتابع العملية ؟ لمجرد أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، ولمجرد أن تشكر فقد حققت الهدف من وجودك، وعندئذ تتوقف كل أنواع المعالجات، دقق: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [ سورة النساء ] ![]() أيحب أن يعذبنا ؟ أيحب أن يفقرنا ؟ أيحب أن يمرضنا ؟ مستحيل، هو غني عن تعذيبنا. عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) [أخرجه مسلم] أقول لكم: الكون بسماواته وأرضه، بكل ما فيه مظهر لوجود الله ووحدانيته، وكماله، ومظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا الكون هو الثابت الأول في العقيدة، لو تاه الناس، لو شرد الناس، لو اختلف الناس، لو تمزق الناس، لو تراشقوا تهم التكفير، فهناك شيء ثابت، أن هذا الكون يدل على الله، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ [ سورة آل عمران ] هو الثابت الأول، وقد سخر لنا لأننا قبلنا حمل الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [ سورة الأحزاب ] لأننا قبلنا حمل الأمانة كانت المكافأة لنا أن سخر لنا ما في السماوات، وما الأرض جميعاً منه تسخير تعريف وتسخير تكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، فإذا آمنت الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، وشكرت النعم التي أفاضها الله عليك فقد حققت الهدف الأكبر من وجودك. تسخير التعريف: الآن إلى بعض التفاصيل، تعريف وتكريم، يعني القمر ننتفع به، القمر تقويم في السماء، قبل الساعات وقبل التقاويم أول يوم ثاني يوم ثالث يوم رابع يوم أربعة عشر بدر، قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة يونس ] تقويم ننتفع به، وآية تدلنا على الله، أي الوظائف أكبر ؟ مهمة التعريف أكبر بكثير، الوظيفة الكبرى أن تعرف الله من خلاله، والوظيفة الثانية أن تنتفع به في الدنيا. الغرب استفاد من الجانب الوظيفي للكون: ![]() بالمناسبة، العالم الغربي حقق الوظيفة الثانية بشكل معجز، انتفع من الدنيا، واستمتع بها من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، والمؤمنون يجب أن ينتفعوا من الوظيفة الأولى، أن يتعرفوا إلى الله، ولا يمنع أن يضموا إلى أنهم تعرفوا إلى الله من خلال هذا الكون أن ينتفعوا به، هم مقصرون، لذلك هناك علم بخلقه، هو أصل في صلاح الدنيا، وعلم بأمره، أصل في طاعة الله، وعلم به، لذلك المؤمنون يجب أن ينتفعوا بالمهمة الكبرى لهذا الكون، وأن ينتفعوا أيضاً في دنياهم به، أما الذين شردوا عن الله أخذوا الوظيفة الثانية فقط. للتوضيح: رجلٌ فقير جداً دخله لا يسمح له أن يشتري به لعقة عسل، ورجلٌ آخر ما ذاق العسل في حياته، فقير، لكن درس، ووقع تحت يده كتاب عن العسل، قرأه فهطلت دموعه، معقول، فيه شفاء للناس، صيدلية كاملة، كتاب مفصل، بحث مطول عن العسل، وعن فوائده، والآيات، فسجد لله شكراً له على هذه المعرفة التي امتن الله بها عليه، دقق، هذا الفقير الذي ما أتيح له أن يلعق لعقة عسل واحدة حقق الهدف الأكبر من خلق العسل الأكبر، وإنسان بالتعبير الدارج شبع من العسل، وما تفكر في هذا العطاء الكبير، عطل أكبر هدف من أهداف خلقه. أحيانا إنسان يمشي في الطريق أمام بائع ورود، حياته، ونمط حياته، ودخله لا يسمح له أن يقتني ورودًا للمناسبات فقط، وهناك أشخاص أغنياء جداً، الورد جزء أساسي في حياتهم، دائماً عندهم باقات ورد، الفقراء ما عندهم هذه الإمكانية، لكن لو مر فقير أمام بائع ورد، وشاهد الزنبق، وشاهد ألوان، شاهد الروائح، فخشع لله، فقد حقق الهدف من وجوده، مع أنه لم يقتن الورد. لا بد من خرق النعمة إلى المنعم: أنا أتمنى عليكم أن لا يكون الإنسان كالدابة تأكل وتشرب، ولا تعرف ربها، البطولة أن تخرق النعمة على المنعم أن يخشع قلبك من هذه النعم. والله أيها الإخوة، يقولون: شدة القرب حجاب، أنت تستيقظ، وتفرغ ما عندك من أذى، هذه نعمة كبيرة جداً، كان عليه الصلاة والسلام يقول: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، يا رب لك الحمد، أذقتني لذة الطعام، ما أخذ السيروم، وأبقيت في قوته، شعرت بنشاط، وأذهبت عني أذاه، الطرق كلها سالكة، لن تكون مؤمناً كما أرادك الله إلا إذا عرفت نعمه. تنام النوم من نعم الله الكبرى، تنام ملأ العين، تتباعد الأعصاب، تنقطع السيالة العصبية، تبتعد عن العالم، كل هذا التعب يذهب عنك، تستيقظ كالحصان، هل تقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وإليه النشور ؟ بطولتك كمؤمن أن تخرق النعمة إلى المنعم، بينما أهل الدنيا بقوا في النعمة، واستمتعوا بها، ولم يعرفوا المنعم. تصور لو دخلت إلى بيت، ووجدت طعاما نفيسا جداً، أكل مثل الوحش، ثم خرج، هذا الذي دعاك صاحب البيت قل له: شكراً، جزاك الله خيراً، الطعام طيب، أكرمتنا، بالغت في إكرامنا، معقول لإنسان يستمتع بالدنيا استمتاع البهائم، وبالتعبير ؟ يستمتع ويستعلي، يستمتع ويسب الدين، يستمتع ويحتقر الناس، يستمتع ويسخر الناس لشهواته، هذا وحش، لذلك إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب، إرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى. حينما يكشف الإنسان لؤمه تنعم بهذا الكون، تنعم بزوجة، بأولاد، أكل طيب، الطعام، وهو لا يصلي، ولا يعرف الله، ويؤذي عباد الله، الله عز وجل يعجب من صبرهم على العذاب، قال تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [ سورة البقرة ] فلا بد من أن تخرق النعمة إلى المنعم، أن تشكر الله، إنسان أكل فشبع، الحمد لله، سيدنا عمر عنده ضيف من أذربيجان قال: يا أم عبد الله، ما عندك من طعام ؟ قالت: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال: هاته لنا، أكل وشرب، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا. ألاحظ الآن قبل الطعام العصير، وبعد ذلك مقبلات وسلطات، وفتات، وحساء، وبعد ذلك لون أول، ثم لون ثان، أكلة رز، أكلة خضار، لحومات مشوية، ثم فواكه، وحلويات، وهوة، يأكل ويرفس. أيها الإخوة، قضية مهمة جداً أن تعرف المنعم، عندك بيت، مأوى، كان النبي الكريم يقول: الحمد لله الذي آواني، وكم من مما لا مأوى له. عندك مفتاح بيت، تدخل إلى بيتك، تنام، تغتسل، تأكل، زوجتك أمامك، أولادك أمامك، لا يهم، كبير البيت كبير صغير، هذا بيت مؤقت، اقرءوا النعوات، وسيشيع إلى مثواه الأخير، يكون ثمن البيت مئة وثمانين مليونًا، آخرته إلى مقبرة باب صغير، تصور مترًا ونصفًا بنصف متر من التراب. والله قبل فترة توفي إنسان، فكنت في التشييع، لاحظت البلاطة أضيق من الحفرة بعشرة سنتمترات، حفار القبر وضع أحجارا لا على التعيين بهذه الفراغات، وردم التراب، أنا تصورت أنه نزل فوق الميت كيلوين من التراب، وكان الميت رجلا كثير النظافة جداً، وأنيقًا جداً، هذه الحياة، فلذلك الإنسان قبل أن يغادر الدنيا هل عرف الله ؟ هل شكره ؟ كان تعظم عند النبي النعمة مهما دقت. هذا الكأس يا أيها الإخوة، كلام دقيق جداً، وزير سأل ملكًا، هارون الرشيد، قال: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري هذا الكأس من الماء إذا منِعت عنك ؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصفي ملكي الآخر. مرة توفي ملك، قلت في الدرس، هذا الملك عرض عليه أن يعمل في قصره ضارب آلة كاتبة على أن يشفى من مرضه الخبيث، ويتخلى عن ملكه، كان ملكًا فصار ضارب آلة كاتبة بقصره، والله لا يتردد لحظة أن يشفى من مرضه الخبيث، وأن يعمل موظفًا صغيرًا في قصره، الذي عنده صحة، حواسه كاملة، أجهزته كاملة، حركته جيدة، ما عنده مرض عضال، أنا أقول دائماً يا أيها الأخوة، (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) [الترمذي عن عبد الله بن محصن ]. بحذافيرها. سأل ملك وزيره: من الملك ؟ قال: أنت، قال: لا الملك، رجل لا نعرفه، ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإنا إن عرفناه جهدنا في إحراجه. فيا أيها الإخوة، أهم نقطة في الدرس ؛ أن الله سخر لنا هذا الكون تسخير تعريف وتكريم، موقفك من التعريف أن تؤمن، وموقفك من التكريم أن تشكر، وحينما تؤمن وتشكر تكون قد حققت الهدف من وجودك، وعندئذ تتوقف جميع المعالجات، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [ سورة الشورى ] (( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر )) [ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]. ((إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ )) [أخرجه مسلم] لابد للدعوة من العلم بالآيات الكونية: إذاً، الكون الثابت الأول، مهما اختلف الناس، وتمزق الناس، وتراشق الناس التهم، كل يدعي وصلاً بليلى، كل يدعي أنه على حق، هذا الكون هو الثابت الأول، يخضع المسلم وغير المسلم، والعبقري وغير العبقري، والملحد والعلماني، شيء ثابت، لذلك الآن لا تنجح الدعوة إلا إذا اعتمدت على العلم، لأن العلم تطأطأ له الرؤوس جميعاً. اطرح أي موضوع بمجتمع لا تعرفه، تقوم الدنيا عليك ولا تقعد، اطرح أي موضوع في الدين، قل لهم: الربا حرام، من قال ذلك ؟ المال لا يجمد، قل لهم: هذا حرام، هذه حرية، أي موضوع اطرحه الآن مع مجتمع لا تعرف طبعاً تجد معارضة شديدة، أما قل لهم: الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وهناك نجم ببرج العقرب اسمه قلب العقرب، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، معقول، ما تفلسف، سكتوا، ما هذا، يقول: لا إله إلا الله. أنا الآن لا أرى من طريق للدعوة إلى الله أقوى من أن تأتي بالآيات الكونية التي تخضع لها الرقاب، فلذلك الكون أكبر ثابت في الإيمان، ويمكن هذا الكون إذا تفكرت فيه كما أمرك الله أن يمتلأ قلبك إيماناً بالله، وتعظيماً له. مراتب النظر في الآيات القرآنية والكونية والتكوينية: ![]() بالمناسبة، أيها الإخوة، الله عز وجل له آيات كونية، هذا الكون، وله آيات تكوينية، أفعاله، البراكين، الزلازل، الصواعق، الفيضانات، الأعاصير، الجو المعتدل، الأمطار المعتدلة، له آيات كونية، خلقه، وله آيات تكوينية، أفعاله، وله آيات قرآنية، كلامه، فأنت إذا أردت أن تعرفه عليك أن تتفكر في آياته الكونية تفكراً، وأن تنظر في آياته التكوينية، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾ [ سورة الأنعام ] وأن تتدبر آياته القرآنية من أجل أن تعرفه، ينبغي أن تتفكر في آياته الكونية، وأن تنظر في آياته التكوينية، وأن تتدبر آياته القرآنية، هذه طرق معرفة الله عز وجل، لكن لا بد من تنويه دقيق جداً، أنه ينبغي أن تبدأ بآياته الكونية، وينبغي أن تثني بآياته القرآنية، القرآن يضيء لك، واجعل آياته التكوينية المرحلة الثالثة، لو بدأت بها فهي حقل ألغام، ترى شعوبًا غارقة في المعاصي والآثام غنية جداً، مستقرة جداً، وشعوبًا تعاني ما تعاني، وهي مسلمة، فأنت ما عندك إمكان أن تفهم حكمة الله إلا بحالة واحدة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلم الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾ [ سورة القصص ] أنت ما عندك إمكان أن تكشف حكمة الله إلا بحالة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلمه، لذلك أنا أفضل أن ترجئ النظر في آياته التكوينية إلى المرحلة الثالثة، أما التفكر في خلقه فواضح جداً، كلما ازددت تفكراً ازددت يقيناً بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، أما أفعاله فتحتاج إلى تريث قليلاً. مثلاً: أنت تستمع إلى معلم درس رائع جداً، فضرب طالبًا، إذا كنت طفلا صغيرا فإنك تقول: هذا الأستاذ ظالم، إذا كنت زميله، هذا الطفل ابنه، وفيه تقصير شديد فضربه، لأنك قريب منه تعرف حكمته، فأنا أتمنى على الإنسان أن يبدأ بالتفكر في خلق السماوات والأرض، ويثني بتدبر القرآن الكريم، وفي النهاية ينظر بأفعاله. مثلاً: قد تنشأ مشكلة كبيرة في مجتمع، حرب أهلية، يمكن أن تفهما فهمًا. أنا أذكر مرة أني كنت ماشيًا في الطريق، استوقفني إنسان، قال لي: إذا جاء إنسان إلى عمله، وفتح محله التجاري، وسمع إطلاق رصاص، ومد رأسه، فجاءت رصاصة في عموده الفقري فانشل فوراً، قال لي: ما ذنب هذا ؟ كنت أمشي في أحد أسواق دمشق، وخرج إنسان من محله التجاري فاعترضني، وقال: أنت خطيب، وقال: أليس العمل عبادة ؟ قلت: نعم، قال: ما ذنبه ؟ قلت: لا أعلم. والله أيها الإخوة، أخ كريم من إخواننا بعد عشرين يومًا يمشي معي يحدثني، قال لي: لنا جار ساكن في الطابق الذي فوقنا مغتصب بيتًا لأولاد أخيه الأيتام، وخلال سنوات طويلة يرفض أن يعطيهم البيت، وهو بيتهم، وهم في أمسّ الحاجة إليه، واشتكوا عليه لأحد علماء دمشق من حي الميدان، فاستدعاه العالم، ورفض أشد الرفض، فالتفت هذا العالم ـ توفي رحمه الله ـ كان شيخ القراء، فخاطب الأولاد، أن هذا عمكم، ولا يليق بكم أن تشتكوا عليه، اشكوه لله، هذا الكلام كان الساعة التاسعة مساءً، الساعة التاسعة صباحاً كان مشلولا. القصة من آخر فصل لا معنى لها، إنسان بريء، جاء ليفتح محله التجاري حتى يكسب رزق أولاده، سمع إطلاق رصاص، مد رأسه، فجاءت رصاصة في عموده الفقري، فانشل فوراً. أنا لا أعلم إلا أن يعلمك إنسان، لما عرفت الفصل الأول توضح الأمر. أفعاله الله التكوينية لا تتمكن أن تفهمها بسهولة فسلّم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، هناك حكمة بالغة. لذلك أيها الإخوة، عندنا آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية، الآيات الكونية يجب أن تتفكر فيها، الدليل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾ [ سورة آل عمران ] هذه الكونية التكوينية، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [ سورة الأنعام ] حدثني أخ قال: أنا محام، وكنت في دعوى، وجئت بشاهد كاذب، وكلف أن يدلي بشهادة، وقبلها، عليه أن يحلف اليمين، وأن يضع يده على المصحف، والموضوع في فيلا قيمتها خمسون مليونًا، يمكن أن تغتصب عن طريق هذا الشاهد الكاذب، وشهد، وضع يده على المصحف، وأقسم بالله أن يقول الحق، ولم يقل الحق، قال الكذب، قال: والله أمامي رفع يده، أمسك طرف الطاولة، أقسم، ورفع يده، بقي واقفًا هكذا، انزعج القاضي، قال له: أنزل يدك، كان ميتًا، لما ضعفت يده وقع، قال: والله أمامي، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [ سورة الأنعام ] لكن بالمناسبة، أتمنى عليكم من أعماقي أن تنتبهوا إلى هذه الفكرة، يمكن أن تسمع ألف قصة من آخر فصل، ما لها معنى أبداً، بل مشوشة، لكن يمكن بحسب علاقاتك المعينة أن يكون عندك خمس قصص تعرفها من أول فصل، والله ينبغي أن تسجد لله لعدله، عدل مطلق، لكن نحن مشكلتنا كل شيء نسمعه من آخر فصل، وهو كلام ليس له معنى، سلم إلى الله، سلم إلى عدالته، إلى رحمته، ولا يظلم ربك أحدا. أيها الإخوة الكرام، كلمة، وما كان الله ليظلمهم، هذه صياغة في اللغة اسمها نفي الشأن، وعندنا حالة اسمها نفي الحدث، وعندنا نفي الشأن، لو أن واحدًا سأل شخصًا، قال: هل أنت جائع، يقول له: لا، نفى حدث الجوع، لو قال له: هل أنت سارق ؟ وهو إنسان محترم جداً، هل يقول له: لا، فقط، ليس معقولا، يقول له: ما كان لي أن أسرق، يعني هذا الشيء خلاف طبيعتي، وخلاف مبادئي، وخلاف قيمي، ولا أرضى به، ولا أقره، وأعنف عليه، وأرفضه، وأحتقر فاعله، هذا اسمه نفي الشأن، صيغة نفي الشأن، وما كان الله، قال: ليظلمهم، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُظلم الإنسان، قال تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [ سورة غافر ] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾ [ سورة الزلزلة] ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [ سورة الروم] ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [ سورة الأنبياء] مرة أخ من إخواننا في لبنان في أثناء أحداث لبنان بالثمانينات، انتقل إلى الشام، وسكن بالشام، ركب في السيارة فوقع في حادث، هو سببه، والحادث سبب ضررا لسيارة ثانية، فأنا توقعت صاحب السيارة أن ينزل من سيارته غاضبًا، وصوته عالٍ، شيء عجيب جداً، نظر إليه، المركبة لبنانية، قال له: مسامح، ورجل منعم لا يفرح إذا وفر ألفين ليرة، لكن شاهدته بكي، رأيت دمعة هطلت من عينه، سألته: ما السبب لأن تبكي ؟ قال: لا والله، أنا منذ سنتين إنسان سوري معه أهله محجبات ضربني بالسيارة، ما أحببت أن أفسد عليه النزهة، قلت له: مسامح. لو تدقق لوجدت شيئا تقشعر له الأبدان، لكن مشكلتنا كل واحد منا معه ألف قصة من آخر فصل، ما لها معنى، هذا مرض خبيث، هذا حادث، أنت لا تعلم، ولكن الله يعلم، سلم. لذلك نبدأ بالآيات الكونية، نثني بالآيات القرآنية، ثم تكشف لنا بعض الحقائق في أفعاله التكوينية. هذا المحامي ذكر لي قصة ثانية، قال: أنا شهدت قرارًا بإعدام إنسان قاتل، وأنا كنت وكيله، قال له القاضي، بلغه، قال لي: بلغته، قال له: أنت قاتله ؟ قال: لا، أنا ما قتلته، إعدامه بعد أيام، رغب أن يحضر إعدامه قبل أن يضعوا الحبل برقبته، قال له: الآن كل شيء ذهب، وانتهى، وأنا سوف أشنق هذا القاتل، ما قتلته أنا، القاتل غيره، منذ ثلاثين عامًا، كان رئيس مخفر وجاء ضابط فرنسي أعطاه إنسانًا ليعدم، وضعه في الإسطبل، وهرب، فجاء بإنسان بدوي وضعه محله، وأعدموه ثاني يوم منذ ثلاثين سنة. إذا دققت وجدت الشيء الذي تقشعر منه الأبدان، أما إذا ما دققت ترى شعوبًا مسلمة تضطهد، تحتل أراضيها، قتل، كما ترون، ما نستطيع نحن أن نفهم إلا إذا أعلمنا الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [ سورة الروم] حكمة إلهية، قد تكون ترقية، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [ سورة القصص] هذا ليس من شأنك، هذا من شأن الله، دعك من هذا كله، فلذلك عندنا آيات كونية نتفكر بها، آيات تكوينية نرجئها للمرحلة الثالثة، آيات قرآنية نتدبرها، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [ سورة محمد] خاتمة: أيها الإخوة الكرام، طرق معرفة الله آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، وفي كل هذه الآيات ما يكفي لمعرفته ولمحبته، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، و أحب من أحبني، و حببني إلى خلقي، قال: يا رب، إنك تعلم أني أحبك، و أحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني التفكر، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني. إذاً: لا بد أن يكون في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه، تعظيم من خلال آياته، ومحبة من خلال نعمه، وخوف من خلال بلائه. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقومات التكليف : الكون -2- الايات الدالة على عظمة الله العقيدة والاعجاز الدرس : ( السادس ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مقدمة: أيها الإخوة الكرام، مع الدرس السادس من دروس العقيدة والإعجاز ![]() وكنا قد بدأنا بموضوع في العقيدة محوره مقومات التكليف، وأن علة وجود الإنسان على سطح الأرض أن يعبد الله عز وجل، والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، وبينا في درس سابق أن المقومات هي: الكون والعقل والفطرة والاختيار والشهوة والوقت، وأجملت في لقاء قبل السابق، وبدأنا في الدرس الماضي بالمقوم الأول، وهو الكون، وتحدثنا أن الكون هو الثابت الأول في الإيمان، لأنه يشف عن إله عظيم موجود وواحد وكامل، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، بل إن الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، ويشف عن الكمالات الإلهية، ولكن لا بد من وقفة متأنية عند بعض ما في الكون من آيات باهرات دالة على عظمة الله. توطئة للآيات الكونية الباهرة الدالة على عظمة الله: 1- كيف يشهد الله لنبيه بصدق رسالته: إن الله عز وجل حينما يبعث رسولاً ومعه منهج، معنى منهج افعل ولا تفعل، فيه أمر ونهي، فيه حرام وحلال، فيه واجب وفرض ![]() فهذا النبي الكريم والرسول الكريم معه منهج، والمنهج فيه تقييد، والإنسان المتفلت من أي منهج لا يروق له أن يخضع لمنهج، لذلك رد فعل الناس حينما يأتيهم رسول معه منهج أن يكذبوه، قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾ ( سورة الرعد ) فلا بد من أن يشهد الله لخلقه أن هذا الإنسان الذي أرسله هو رسوله، كيف يشهد ؟ الحقيقة الله عز وجل لا تدركه الأبصار ولكن تصل إليه العقول لا أقول تحيط به، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ ( سورة البقرة ) خرق نواميس الكون: ![]() ولكن الله عز وجل يجري على يد هذا الرسول خرقاً لنواميس الكون، هذا الخرق لا يخلقه إلا خالق السماوات والأرض، إذاً: خرق النواميس شهادة الله لهذا الرسول أنه رسوله، هذا جرى مع الأنبياء السابقين، لأن كل نبي له قوم، فالمعجزة حسية، وهي كعود الثقاب، تألقت وانطفأت، وأصبحت خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، ولكن بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام بعثة عامة لكل الأمم والشعوب على مدى القرون، ولنهاية الدوران، وكتابه كتاب خاتم، هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وكتابه خاتم الكتب. 3-الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: إذاً: لا يمكن أن تكون المعجزة خرقاً للنواميس حسية تقع مرة واحدة، وتنتهي، فتصبح خبرا يجرؤ كل واحد على تكذيبه، إذاً: لا بد من أن تكون معجزة النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن في حلقة عنوانها العقيدة والإعجاز، لا بد من أن تكون معجزة النبي عليه الصلاة والسلام معجزة مستمرة، ولن تكون مستمرة، لأن النبي سيرتحل إلى الرفيق الأعلى، ولن تكون مستمرة إلا إذا كانت علمية، من هنا يكون الإعجاز في القرآن والسنة. 4-النبي لم يشرح الآيات الكونية: في القرآن عدد كبير جداً يقترب من ألف أو يزيد من الآيات الكونية، وفي هذه الآيات سبق علمي، أي إشارة إلى حقيقة لم تكن معروفة من قبل، وسيمضي سنوات وسنوات وعقود وحقب، وهذه الحقيقة لا يعرفها أحد، إلى أن يظهر التطور العلمي الجديد، فإذا بالعلم يكشف عن هذه الحقيقة، إذاً: الإعجاز في القرآن الكريم آيات تشير إلى حقائق لم تكن معروفة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يلفت النظر أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يشرح هذه الآيات، لماذا ؟ الله أعلم، أنا أرجح أنه لم يشرحها بتوجيه من الله، أو باجتهاد منه، وحكمة عدم شرحها أنه لو شرحها شرحاً مبسطاً يتناسب مع أفهام من حوله لأنكرنا نحن عليه، ولو شرحها شرحاً عميقاً، لأن الله أراه آياته كلها، لو شرحها شرحاً عميقاً لأنكر عليه أصحابه، فتُركت هذه الآيات كإعجاز لهذا القرآن، وكشهادة الرحمن على أن محمد عليه الصلاة والسلام رسوله. ![]() إذاً: الإعجاز محوره الأساسي أنت تقرأ الآية، فإذا بأحدث بحوث علمية تؤكدها، ولم يكن هذا معروفاً من قبل، إذاً: الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن، قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ ( سورة الواقعة ). جواب القسم، قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾ ( سورة الواقعة ). وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه. الآن سأضع بين أيديكم بعضاً من هذه الآيات. بعض الآيات الكونية الباهرة الدالة على عظمة الله: 1 – سرعة الضوء: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ إخوتنا الكرام، العالم الفيزيائي الشهير أنشتاين الذي جاء بالنظرية النسبية، والتي قلبت مفاهيم الفيزياء والطاقة والقدرة والحركة في العالم، هذه النظرية تقوم على أنه اكتشف السرعة المطلقة في الكون، إنها سرعة الضوء، وأي شيء سار مع الضوء أصبح ضوءًا، وأي جسم سار مع الضوء يؤدي هذا المسير إلى توقف الزمن، كيف ؟ ![]() هذا اللقاء الطيب يصدر عنه موجات كهرطيسية إلى الفضاء الخارجي، لو أمكن لإنسان افتراضاً أن يصنع مركبة سرعتها كسرعة الضوء، وتمشي هذه المركبة مع أمواج الضوء، هذا المنظر يبقى إلى أبد الآبدين، ويكون كل مَن في هذا المجلس بعد مئة عام تحت أطباق الثرى، وهذا المنظر مستمر، إذا سار الإنسان مع الضوء توقف الزمن، فإذا سبقه تراجع الزمن، ومن الممكن افتراضاً لو صنعت مركبة تمشي بأسرع من الضوء، ومعنا أجهزة للالتقاط هذه الموجات لرأينا رأي العين موقعة بدر، وموقعة أحد، والخندق، والقادسية، وموقعة حطين، لرأينا هذا رأي العين، هذا كله شيء افتراضي، إذا سرنا مع الضوء توقف الزمن، وإذا سبقنا الضوء تراجع الزمن. عُقد مؤتمر في موسكو البلد كان يرفع شعار ( لا إله )، عقد مؤتمر الإعجاز العلمي الخامس في موسكو، وهذه معجزة ؛ أن يعقد مؤتمر الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في بلد كان يرفع شعار ( لا إله، والمادة كل شيء )، عرضوا في هذا المؤتمر بحثا مطولا عندي أصله، وسأقدم لكم تلخيصه. 2 – دورة القمر حول الأرض: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ( سورة الحج ). ![]() الله عز وجل يخاطب العرب، مما تعدون أنتم، لأن العرب كانوا يستخدمون التقويم القمري، ويعدون السنوات القمرية، القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، الآن دققوا، وأنا أطالب إخوتي الصغار طلاب العلم ممن ينتسب إلى المدارس، ودرس شيئا من الرياضيات، القمر يدور دورة حول الأرض لو أخذنا مركز الأرض ومركز القمر، نصل بينهما بخط، قال الرياضيون والمهندسون هذا الخط طوله نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض وحسابها سهل جداً، نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر مع المسافة بينهما هذا الخط نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، ضرب 2 قطر، ضرب 3،14 المحيط، ضرب 12 بالسنة، ضرب ألف بألف سنة، طالب من طلاب المرحلة الإعدادية بآلة حاسبة يمكن أن يحسب لنا كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام،هذا الرقم بالكيلو مترات ودائماً حساب السرعات المسافة على الزمن أليس كذلك ؟ بين دمشق وحماة مئتا كيلو متر قطعناها في ساعتين، كم هي السرعة ؟ مئة، المسافة على الزمن، لو قسمنا المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثوان اليوم، اليوم كم ساعة ؟ أربع وعشرون، ستون بستين بأربع وعشرين، اليوم أربع وعشرون ساعة، الساعة ستون دقيقة، الدقيقة ستون ثانية، لو قسمنا هذا الرقم على ثوان اليوم، لأن الله قال: ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ يعني أنكم تعدون دورة القمر حول الأرض، ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، لو قسمنا الرقم على ثوان اليوم لكانت سرعة الضوء الدقيقة 299752، فما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، وفي هذه الآية المؤلفة من بضع كلمات تنطوي بها هذا الاكتشاف الذي تاه به الغرب، وهو النظرية النسبية التي تتحدث عن سرعة الضوء، وهناك إشارة قرآنية قبل ألف وأربعمئة عام يؤكدها العلم الحديث في عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين، هذا من الإعجاز. 3 – دورة الأرض حول الشمس: شيء آخر، أيها الإخوة الكرام، الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي بيضوي، وهذا المسار الإهليلجي يعني أن هناك قطرين، قطرا أدنى، وقطرا أعلى، الأرض تمشي بكم ؟ سرعة الأرض في الثانية الواحدة ثلاثون كيلو مترا، نحن بدأنا الدرس قبل ستة عشر دقيقة، لو بدأنا قبل عشر دقائق، الأرض تقطع في الثانية ثلاثين كيلو مترا، في الدقيقة ضرب ستين، ألف وثمانمئة كيلو متر في عشر دقائق، الآن نحن سرنا في الفضاء الخارجي حينما قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، حتى الآن ثمانية عشر ألف كيلو متر، هذه حقائق بسيطة من مسلّمات علم الفلك، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾ ( سورة النمل ) ![]() هذه الأرض قطعنا في عشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلو متر، وفي عشر دقائق أخرى ستة وثلاثين ألفا، وإذا كان الدرس ستين دقيقة يكون الرقم فلكيا. الأرض تسير بسرعة ثلاثين كيلو مترا في الثانية، لكن على مسار بيضوي، هناك قطر أكبر وقطر أصغر، الآن هي هنا سارت، ووصلت إلى هنا المسافة فصغرت، قانون الجاذبية متعلق بالكتلة والمسافة، فكلما زادت الكتلة زادت الجاذبية، وكلما قلّت المسافة زادت الجاذبية، الكتلة ثابتة، أما المسافة فقصرت، فصار هناك احتمال كبير جداً أن تنجذب الأرض إلى الشمس، وإذا انجذبت إليها تبخرت في ثانية واحدة، وانتهت الحياة على سطح الأرض، تبخرت بجبالها وبحارها وقطبيها وصخورها وقاراتها، لذلك، قال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ ( سورة الزمر ) الأرض هنا ترفع سرعتها، هذه السرعة إذا ارتفعت نشأت قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فبقيت الأرض على مسارها، الآن دققوا، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ( سورة فاطر ) تمعن في هذه النعمة الربانية:إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا: إنّ تبدل سرعة الأرض بحسب المسافة بينها وبين الشمس، هذا التبدل من أجل أن يبقيها على مسارها، وبقاء الأرض على مسارها آية من آيات الله الدالة على عظمته. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾( سورة فاطر ) ![]() هذه الآية تندرج في الإعجاز العلمي، الآن الأرض تابعت سيرها، وصلت إلى هنا، سرعتها زائدة، وقوة الجذب ضعفت، وقوة النبذ أشد، وهناك احتمال كبير أن تبقى سائرة في الفضاء الكوني، وعندئذ تصبح حرارة الأرض مئتين وسبعين تحت الصفر، الصفر المطلق، وهو موت محقق، فالأرض إذا انجذبت إلى الشمس تتبخر في ثانية واحدة، وإذا تفلتت من جاذبيتها يكون الدمار من شدة البرد، هنا تخفض الأرض سرعتها لينشأ من انخفاض السرعة قوة نابذة أقلّ تكافئ القوة الجاذبة الأقل، فتبقى على مسارها، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ( سورة فاطر ) هناك عالم اقترح لو أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس لسارت في الفضاء الكوني، وأردنا أن نرجعها للشمس قال: نحتاج لمليون مليون حبل فولاذي، وكل حبل قطره خمسة أمتار، ومعنى حبل فولاذي قطره خمسة أمتار أي يحمل مليونين طن قوة جذبه، نحن عندنا قوى الشد وقوى الضغط، بالضغط أقسى عنصر الماس، أما بالشد فأمتن عنصر فهو الفولاذ المضغوط، لذلك ( التلفريك ) والمصاعد والجسور المعلقة كلها فولاذ مضفور الأمتن يقاوم قوى الشد، والأقسى يقاوم قوى الضغط، الإسمنت على الضغط السنتمتر مكعب من الإسمنت يحمل خمسمئة وخمسين كيلوا، أما على الشد فيكسر بخمسة كيلو، إذاً: لا بد من إسمنت مسلح بالحديد، وإلا ينهار البناء، نحتاج لمليون مليون حبل فولاذي لإعادة الأرض إلى جاذبية الشمس، إذا زرعناها على سطح الأرض يكون بين كل حبلين خمسة أمتار، فلا زراعة، ولا صناعة، ولا معامل، ولا بناء، ولا إبحار، ولا سفن، ولا مواصلات، ولا، شمس، غابة الحبال تحجب أشعة الشمس، فتنتهي الحياة، الآن دقق: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ (سورة الرعد) أي بأعمدة لا ترونها، قوى الجاذبية موجودة، لكن لا نراها، نمشي داخلها. هناك بناء لكلية الطب من عشرة طوابق، هل يمكن لأهل الأرض مجتمعين أن يبنوا بناء من عشرة طوابق ليس له علاقة بالأرض، تحته فارغ هواء ؟ مستحيل، هكذا الكون، هناك قوى ترابط، لكن لا تراها بالعين، تمشي خلالها، نحن نحتاج إلى دعائم، لذلك: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ (سورة الرعد) هذه الآيات من آيات الله الدالة على عظمته. 4 – أدنى منطقة في الأرض غور فلسطين: غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أيها الإخوة الكرام، بعد اكتشاف أشعة الليزر، هذه الأشعة تنطلق، وتعود إذا اصطدمت في جسم، استخدمت هذه الأشعة الآن لقياس المسافات الطويلة بالميليمترات ![]() و يمكن أن نقيس المسافة بيننا وبين القمر على مستوى الملليمترات، والآن مع المهندس جهاز، يقف في طرف البيت فيضغط فتنطلق أشعة من الجهاز، وتصطدم بالجدار، وتعود، يقول لك: ثلاثة عشر مترا وسبعمئة وخمسين مليمترا، بعد اكتشاف أشعة الليزر قيست المسافات في الأرض، وقيس غور فلسطين، فكان أعمق نقطة على اليابسة، أعمق نقطة في البحر خليج مريانة في المحيط الهادي، والتاريخ يؤكد أن المعركة التي جرت بين الروم والفرس في غور فلسطين، وقد قال الله عز وجل: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الروم ). هذا سبق علمي، الآن اكتشف أن غور فلسطين أعمق نقطة على سطح اليابسة، وقد سافرت إلى غور فلسطين قبل الاحتلال، ونحن في الطريق مكتوب: هنا سطح البحر، نزلنا ستمئة متر تحت سطح البحر، قال تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الروم ). وهذه الآية تندرج مع الإعجاز العلمي. 5 – نطفة الرجل هي التي تحدد نوع الجنين: ![]() شيء آخر، قالوا: الإنسان أحياناً تنجب زوجته البنات فيغضب أشد الغضب، وهناك رجال من الحمق إلى درجة أنهم يطلقون زوجتهم التي تنجب لهم البنات، مع أن العلم أثبت أن المرأة لا علاقة لها إطلاقاً بنوع الجنين، الذي يحدد نوع الجنين النطفة، وليست البويضة، هذا نتيجة بحوث علمية متعلقة بعلم الأجنة، فإذا قرأنا القرآن الكريم: ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ ( سورة النجم ). لا من بويضة، وهذه أيضاً آية تندرج تحت آيات الإعجاز العلمي. 6 – عالَم الذرة وحركةُ الكون: الآن اكتشف أن كل عناصر الكون مؤلف من ذرات، وأن الذرة أصغر وحدة وظيفية لا بنائية ![]() والذرة عالَم قائم بذاته، نواة ومسارات وكهارب، وسرعات، والصورة المشهورة دائرة فيها عدة مسارات، على هذه المسارات الكهارب التي تدور حولها، كل شيء في الكون يتحرك هذا الخشب، هذا الحجر، أي شيء تقع عينك عليه يتحرك، كأس البلور، الطاولة، الكرسي، أي شيء تقع عينك عليه يتحرك، هذا علم الذرة، قال تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ( سورة يس ). من الذرة إلى المجرة، ومن المجرة إلى الذرة، كل شيء يدور، الله عز وجل قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ ( سورة الطارق ) 7 – طبقةُ الأثير: يفهم من هذه الآية أن بخار الماء يصعد إلى السماء، فيرجع مطراً، ثم اكتشف أن البث الكهرطيسي في البث الإذاعي، وأرسلوها إلى الفضاء، فعادت، ما الذي أرجعها ؟ اكتشف أن هناك طبقة اسمها طبقة الأثير ترجع هذا البث إلى الأرض، ولولا هذه الطبقة لما كان بث إذاعي إطلاقاً ![]() الإذاعة تبث أمواجها إلى السماء إلى طبقات السماء العليا هذه الطبقة طبقة الأثير هي التي ترد هذه الأمواج إلى الأرض لا كان في بث إذاعي ولا كان في بث مرئي إطلاقاً لولا طبقة الأثير، حملنا الآية معنى جديد: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ ( سورة الطارق ) ثم اكتشف أن كل كوكب في الكون يدور في مدار مغلق حول كوكب آخر، بحيث يرجع إلى مكان انطلاقه النسبي، إذاً، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ ( سورة الطارق ) العظمة أن هذه الصيغة تحتمل رجوع بخار الماء مطراً، وتحتمل رجوع البث الكهرطيسي بثاً، وتحتمل رجوع الكوكب إلى مكان انطلاقة النسبي، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ ( سورة الطارق ) 8 – ظاهرة انتثار الضوء: أيها الإخوة، رواد الفضاء لما صعدوا بمركبة إلى الفضاء الخارجي الذي حصل أن أحد الرواد بعد ردح من الوقت، أي بعد أن قطع خمسة وستين ألف كيلو متر باتجاه الفضاء، الخمسة وستون ألف كيلو متر هي طبقة الهواء، وفي بالهواء ظاهرة اسمها انتثار الضوء، بمعنى أن أشعة الشمس حينما تسلط على ذرات الهواء، هذه الذرات تعكسها على ذرات أخرى، لذلك تجد في الأرض مكانا فيه أشعة الشمس ومكانا فيه ضياء الشمس ![]() النهار فيه ضوء، وما كل مكان فيه أشعة الشمس، لكن كل مكان فيه ضوء، هذا اسمه انتثار الضوء، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء خمسة وستين ألف كيلو متر صار الفضاء الخارجي أسود سواداً عجيباً، فصاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، وكان هاك عالم مسلم كبير من علماء الفلك في المحطة نفسها التي سمع بأذنه صيحة رائد الفضاء: لقد أصبحنا عميا، الآن افتح القرآن الكريم: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ ( سورة الحجر ) هذه الآية نتدرج أيضاً تحت باب الإعجاز العلمي، سبق علمي فيه إشارة إلى قانون من قوانين الكون، جاء به القرآن، واكتشفه الإنسان بعد ألف وأربعمئة عام، هذه أدلة قاطعة على أن هذا القرآن الكريم كلام الله، قال تعالى: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ ( سورة الحج ) 9 – كروية الأرض: في المنطق: من كل فج بعيد، من الصين، من اليابان، من أمريكا، الآية قالت: عميق، ما معنى عميق ؟ لمَ لمْ يقل: من كل فج بعيد ؟ لأن الكرة إذا ابتعدت عن نقطة فيها خط منحنٍ يصبح الفج عميقا، لو كانت الأرض مسطحة لكانت: لكل فج بعيد، أما لأنها كرة فلكل فج عميق، هناك انحناء، وعمق الخطوط المنحنية التي على سطح الأرض خطوط تشكل انحناء، والانحناء معه عمق، لو كان الخط مستمرا هكذا لقال: وعلى كل ضامر يأتين من كل فج بعيد، ولأن الأرض كرة فإنه: من كل فج عميق، وهذه الإشارة إلى كروية الأرض. هناك إشارة أخرى، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ ( سورة الرعد ) ![]() ما مِن شكل هندسي تستمر عليه الخطوط على ما لا نهاية إلا الكرة، وأيّ شكل آخر كالمكعب فيه حرف، الموشور، أو متوازي المستطيلات فيه حرف، أما الكرة فلا حرف لها، لذلك الخطوط تمشي عليها مستمرة، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ ( سورة الرعد ) الآن هناك إشارات، قال تعالى: ﴿ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾ ( سورة الحج ما مِن شكل هندسي أمام منبع ضوئي يدور إلا ويتداخل الضوء مع الظلام، نحن في أثناء النهار هناك شمس، وفي أثناء الليل ليس هناك شمس، لكن من وقت الفجر إلى وقت الشروق هناك تداخل بين الليل والنهار، ولا يكون هذا التداخل إلا في الكرة، ولو كانت الأرض مكعبة فإن الشمس تشرق فجأة، وتغيب فجأة، لكنّ الشمس تغيب، ويبقى نورها مستمراً لفترة طويلة إلى العشاء، إلى غياب الشفق الأحمر، قال تعالى: ﴿ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾ ( سورة الحج ) أيضاً هذه الآية من الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل. 10 – الحاجز بين البحرين: رواد الفضاء حينما ركبوا مركبتهم، وصوروا وجدوا خطاً بين كل بحرين، خطّا بين البحر الأبيض والأحمر في قناة السويس، وخطا بين البحر الأحمر والبحر العربي في باب المندب، وخطأ بين البحر الأبيض والأسود في البوسفور، وخطا بين البحر الأبيض والأطلسي في جبل طارق، لما بحثوا في هذا الأمر وجدوا في الخط تباين لونين، هذا التباين يعني أن لكل بحر مكوناته وملوحته، وخصائصه وكثافته. ![]() ذهبت مرة إلى العقبة، ووضعت في فندق على البحر، وضعت قدمي في ماء البحر، وجدت ماء البحر في العقبة خفيفا جداً، يحس كل إنسان أن ماء البحر الأحمر خفيف، والبحر الأبيض أثقل، ومن حيث الكثافة والملوحة والمكونات والخصائص لكل بحر له مكوناته وخصائصه وملوحته بشكل واضح، ولا تختلط مياه بحر بمياه البحر الآخر، افتح القرآن الكريم: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ( سورة الرحمن ) حار فيها العلماء، إلى أن كشف العلم حقيقة هذه الآية، مرج البحرين، البحر متلاطم، حتى إن بعض علماء البحر الألمان جاءوا بكمية ضخمة من قصاصات الورق وضعوها عند الخط، وهناك صور من البحر تشعر بوجود الخط كجدار، فمياه البحر لها خصائصها، وهذه القصاصات لم تنتقل أبداً. ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ ( سورة الرحمن ) وهذه أيضاً آية تندرج تحت آيات الإعجاز العلمي. 11 – خصائص الماء: الآن كأس الماء، هل تصدقون أن لهذه الماء خاصة، لو لم تكن لما كان هذا الدرس، ولما كان هذا المسجد، ولما كانت هذه المدينة، ولما كان إنسان على سطح الأرض، بهذا الماء خاصة لولاها لما كانت حياة لا إنسانية، ولا حيوانية، ولا نباتية، لماذا ؟ لأن كل شيء على التسخين يتمدد، كل شيء من دون استثناء. ![]() نظرياً لو سخت صخور البازلت لأصبحت سائلاً، والبراكين صخور البازلت تمشي كالأنهار، ولو رفعت الحرارة أيضاً لتبخرت، وهناك بخار البازلت، وهذا قانون عام في الأرض، أيّ عنصر يتمدد بالتسخين، , ينكمش بالتبريد، هذا قانون مطرد شامل له استثناء واحد في الماء، لولا هذا الاستثناء لما كانت حياة على سطح الأرض إطلاقاً، ما هذا الاستثناء ؟ هذا الماء شأنه كأي ماء، إذا سخنته يتمدد، وإذا بردته ينكمش لكن في أثناء التبريد من أربعين إلى أربع درجات ينشأ انقلاب، بدل أن ينكمش يزداد حجمه، سبحانك يا رب، الكثافة علاقة الحجم بالوزن، وحدة الكثافة الماء علاقة الحجم للوزن، والماء بشكل واحد لما تبرده تحت أربعة يتوسع ويتمدد، بعكس قوانين الأرض، لذلك لما تأتيها البحارَ موجاتُ برد شديدة تتجمد، ولما تتجمد تقلّ كثافتها، فتطفوا، وتبقى أعماق البحار سائلة ودافئة، وفيها الكائنات، وهذا الثلج يذوب في أشهر الصيف، أما لو كان الماء كأي عنصر آخر إذا بردناه انكمش، فزادت كثافته، فغاص في أعماق البحر حقبا وراء حقب، وقرونا وراء قرون تتجمد جميع البحار، وينعدم التبخر، وتعدم الأمطار، ويموت النبات كله، ويتبعه الحيوان، وآخر من يموت هو الإنسان، وتنتهي الحياة. كلما شربت كأس ماء فتذكّر أن في هذا الماء خاصة لولاها لما كانت حياة على سطح الأرض، هذه الدقة البالغة، لذلك هناك آية عظيمة دالة على عظمة الله، أن هذا الماء عند الدرجة زائد أربع يتوسع، والدليل: ائت بقارورة واملأها ماء، ثم أحكم إغلاقها، وضعها في الثلاجة، بعد أربع ساعات تراها قد تحطمت. بالمناسبة، الماء إذا أراد أن يتمدد فما مِن قوة في الأرض تمنعه، الآن جبال الرخام تقتلع عن طريق التمدد، تحفر ثقوب في الصخور، وتملأ ماء، وتبرد فتخرج كرة أو مكعبة من الرخام، وهناك محرك مصنوع من خلائط معدنية عالية جداً، إذا لم يضع الإنسان في المحرك مادة مضادة للتجمد يتشقق المحرك، وحتى ماء العين، والفضل لله عز وجل فيها مادة مضادة للتجمد، لو سافر واحد إلى القطب، هناك درجة الحرارة سبعون تحت الصفر، وماء العين يلامس الهواء الخارجي، فلا بد من تجمد العين، وفقد البصر، لذلك أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد. 12 – خاصية التبخّر وعلاقتها بالأمطار: الآن الهواء يحمل بخار الماء، لكن يحمل بخار الماء بكميات متناسبة مع حرارته، فالهواء الحار يحمل كميات بخار أعلى، إذا بردته يتخلى عن بعض الأجزاء، لولا هذا القانون ما كانت أمطار أبداً، تسلط أشعة الشمس على البحار فتسخن، فتتبخر مياه البحار، وتصبح بخارا يحمله الهواء، الهواء يسير إلى منطقة باردة، يبرد نسب بخار الماء المتعلقة بالحرارة، فلما يبرد يتخلى الهواء عن بعض بخار الماء على شكل قطرات فتكون الأمطار. ![]() شيء دقيق جداً أيها الإخوة، الهواء إذا سخنته يتخلخل، فيصبح ضغطه منخفضا، وإذا بردته يتراكم، فيصبح ضغطه مرتفعا. ينتقل الهواء من الضغط المرتفع إلى الضغط المنخفض، قم تجربة، دفئ غرفة الجلوس بشكل جيد، وشق الباب لسنتين، وضع شمعة عند فتحة الباب، فإنك ترى لهيب الشمع نحو الداخل، في الخارج الهواء بارد مضغوط ضغطا عاليا، الضغط العالي يتجه نحو الضغط الأخف، الهواء ساخن في الغرفة، ضغط الهواء فيها أقلّ، لذلك الطائرات أحيانا في الأماكن الحارة إلى أن تحلق في الجو تحتاج إلى مسافة أكبر، الهواء مخلخل لا يحملها سريعاً، في الأماكن الباردة تصعد هكذا، وفي الأماكن الدافئة تصعد هكذا، الهواء مخلل، هذا نظام، لذلك الله عز وجل جعل الماء من آيات الله الدالة على عظمته، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) التفكر في آيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية سبيلٌ لمعرفة الله: أيها الإخوة الكرام، طبعاً هذا غيض من فيض ![]() آيات الله الدالة على عظمته لا تعد ولا تحصى، ولكن من أجل أن تعرف الله يجب أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الجاثية ) والآيات كما تعرفون آيات كونية، هذه التي تحدثنا عنها، وهناك آيات تكوينية هي أفعال الله، وهناك آيات قرآنية، هي كلام الله، وطريق معرفة الله التفكر في آياته الكونية، وفي آياته التكوينية، وفي آياته القرآنية، وإذا فعلنا هذا اقتربنا من معرفة الله عز وجل، ومعرفة الله أصل الدين، (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء )) [ ورد في الأثر ]. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقومات التكليف : العقل -1- العقل أداة لمعرفة الله ـ العقل وعلاقته بالنقلالعقيدة والاعجاز الدرس : ( السابع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مقدمة تذكيرية: أيها الإخوة الكرام، مع الدرس السابع من دروس العقيدة والإعجاز، وقد تحدثنا من قبل عن مقومات التكليف، وذكرنا بأن الكون هو الثابت الأول، وهو من أول مقومات التكليف، وأن العقل الصريح هو أيضاً من مقومات التكليف، وأن الفطرة السليمة وأن الشهوة التي نرقى بها مرتين صابرين وشاكرين، وأن الحرية التي منحنا الله إياها تثمن عملنا، وأن الشرع هو ميزان على ميزاني العقل والفطرة، وأن الوقت هو غلاف هذا التكليف، وقد أنهينا في دروس سابقة موضوع الكون، وموضوع الآيات الدالة على عظمة الله من خلال الكون، أما الآيات الدالة على عظمة الله فسوف تكون في كل درس إن شاء الله. من مقومات التكليف: العقل: والآن ننتقل إلى موضوع العقل، وهو أصل من أصول الكبيرة في الإنسان. 1 – الآيات الدالة على العقل كثيرة: ![]() بل إنّ الآيات التي تذكر العقل ومشتقاته، وما يتصل به تقترب من ألف آية، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ ( سورة يس ) ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾ ( سورة الغاشية ) ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)﴾ ( سورة الأنعام ) الآيات التي تتصل بالعقل، وما يلوذ به تقترب من ألف آية. 2 – الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك: كلكم يعلم أيها الإخوة أن الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، وأن الإنسان ينبغي أن يلبي حاجة العقل، وحاجة العقل العلم، وينبغي أن يلبي حاجة القلب، وحاجة القلب الحب، كما ينبغي أن يلبي حاجة الجسم، وحاجة الجسم الطعام والشراب، فالذي يلبي هذه الحاجات الثلاث يتفوق، والذي يلبي حاجة دون الثانية يتطرف، والفرق كبير بين التفوق والتطرف، الإنسان نفس هي ذاته، هي المخاطَبة، هي المعاتبة، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي تسمو، هي التي تسفل، هي التي تحب، هي التي تبغض، هي التي تشكر، هي التي تكفر، هي التي تنصف، هي التي تجهد، نفس الإنسان ذاته، لا تموت، ولكنها تذوق الموت، والموت يعني أن تنفصل ذات الإنسان عن الوعاء الذي هي فيه، وهو الجسد، عن طريق توقف الإمداد الإلهي، وهي الروح، الروح هي الإمداد الإلهي. للتقريب: كالكهرباء في الآلة، يتوقف الإمداد الإلهي، وتنفصل ذات الإنسان عن الوعاء، وهو الجسم، فيكون الموت، ولا يغيب عن أذهانكم أن هذا المصباح الكهربائي إما أن نقطع عنه الكهرباء فيكون الموت، وإما أن نحطمه، والتيار واصل، فيكون القتل، الموت انقطاع الإمداد، أما القطع فتخريب الجسم بحيث لا يستطيع أن يستقبل الإمداد الإلهي، فيكون الموت. على كلٍّ، البطولة أن تعتني بنفسك، لأنها خالدة الآبدين، لكنه مع الأسف الشديد الحضارة الغربية بكل إنجازاتها تعتني بالجسد فقط، وتنتهي إنجازات الحضارة الغربية عند الموت، بينما إنجازات الحضارة الإسلامية تبدأ مع الولادة، ولا تنتهي، ولا إلى أبد الآبدين. هناك حقيقة دقيقة، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)﴾ ( سورة الزخرف ) النفس البشرية تذوق الموت. العقل قوة إدراكية لا بد من تلبية حاجاتها بالعلم: ![]() أيها الإخوة الكرام، أودع الله في الإنسان العقل، وهو قوة إدراكية، وهو حاجة عليا على المعرفة، وما لم تلبَّ هذه الحاجة يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به أبداً، ما لم تلبَّ هذه الحاجة العليا، ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة، ما لم يبحث عن سر وجوده، ما لم يبحث عن غاية وجوده، ما لم يبحث عن الرسالة التي حمله الله إياها، ما لم يبحث عن التكاليف التي كلفه الله إياها، ما لم يسأل من أين وإلى أين، ولماذا، ما لم يتفرغ لمعرفة الحقيقة، ما لم يطلب العلم يهبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به. الناس رجلان: عالم ومتعلم، ولا خير فيما سواهما، << يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة >>. << الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم >>. هذا كلام سيدنا علي. هكذا تموت النفس: إذاً: العقل قوة إدراكية، وما لم تلبَ هذه القوة الإدراكية يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته، ويقترب من البهيمية، لذلك قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾ (سورة النحل ) موت النفس، قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾ (سورة الفرقان ) ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (سورة المنافقون ) ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ (سورة فاطر ) أيها الإخوة الكرام، لا يمكن أن تؤكد ذاتك إلا إذا طلبت العلم لا يمكن أن تؤكد إنسانيتك إلا إذا طلبت العلم. العقل مجموعة مبادئ: أيها الإخوة، هذا العقل ما هو ؟ هو مجموعة مبادئ. المبدأ الأول: السببية: المبدأ الأول: مبدأ السببية، إذ إن عقلك لا يمكن أن يفهم شيئا بلا سبب، إذا أقفلت باب بيتك، وليس أحد يملك مفتاحا آخر، وسافرت، وأطفأت المصابيح، فلما رجعت رأيت عن بٌعد النوافذ وراءها ضوء، تقلق قلقاً لا حدود له، تقول لك زوجتك: لماذا أنت قلق ؟ من دخل إلى البيت ؟ لأن عقلك لا يمكن أن يصدق أن هذه المصابيح تألقت من ذاتها، هذا العقل لا يفهم شيئاً إلا بسبب. المبدأ الثاني: الغائية: ![]() كذلك لا يفهم شيئاً بلا غاية، لماذا وضع هذا الشيء في هذا المكان، ما الغاية ؟ مرة كنت في العمرة، هناك مكتبة مصاحف في الحرم النبوي، لكن سقف هذه المكتبة مائل، لماذا ؟ تحتوي مصاحف، لئلا يخطئ معتمر فيضع شيئاً لا يليق فوق المصاحف، جعل سقف هذه المكتبة مائلاً، لا تفهم هذا الميل إلا لهذا الهدف، واضرب على ذلك آلاف الأمثلة، لماذا ترى سيارة وراءها سلسلة تجرها على الأرض، لا تفهمها، مع أنه لا علاقة لك بالشاحنات إطلاقاً، إلى أن يأتيك الخبر، إذا جاءت صاعقة هذه السلسلة تفرغها، وتنجو المركبة من الاحتراق، فالعقل البشري لا يفهم شيئاً بلا سبب، ولا يفهم شيئاً بلا غاية. المبدأ الثالث: عدم التناقض: ولا يقبل التناقض، هل تصدق أنه في الساعة الثامنة مساءً إنسان موجود في دمشق وفي حلب بآن واحد، مستحيل العقل يرفض التناقض، ولا يفهم شيئاً إلا بسبب، ولا يفهم شيئاً إلا بغاية، لكن الشيء الرائع أن أصل قوانين الكون أصلها سببية وغائية وعدم التناقض، ولولا التطابق التام بين مبادئ العقل وقوانين الكون لتعطل العقل عن مهمته الكبرى، وهي معرفة الله عز وجل، لو أن الكون ليس فيه مبدأ السببية، شيء يخلق فجأة بلا سبب، العقل يرتبك، لو بالعكس، في الكون مبدأ السببية، أما العقل لا يوجد هذا المبدأ، تقول: ما دام السبب ليس ضرورياً لحدوث شيء فهذا الكون بلا خالق، لكن ترى الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، مَن خلق الدجاجة الأولى ؟ من مسبب الأسباب ؟ الله جل جلاله، إذاً: الله عز وجل عن طريق مبدأ السببية يأخذك برفق إلى ذاته، هو مسبب الأسباب، وعن طريق مبدأ الغائية يأخذك برفق إلى الغايات التي تتوخاها مما حولك. البقرة كمية الحليب التي تقدمها كل يوم تفوق عشرة أضعاف حاجة وليدها، لمن الحليب ؟ لنا، قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ ( سورة النحل ) لو تابعت هذا الموضوع مبدأ السببية، مبدأ الغائية، مبدأ عدم التناقض، لرأيت أن العقل أداة معرفة الله، والشيء الرائع أن توافق مبادئ العقل مع قوانين الكون هو الذي جعل للعقل فاعلية عالية جداً. مهمة العقل محدودة: ![]() لكن العقل مهمته محدودة، كيف ؟ تماماً كمحل تجاري يبيع مواد غذائية، فيه ميزان، لكنه ميزان راقٍ جداً، وغالٍ جداً، فيه ذواكر، هذا الميزان على أنه بمستوى رفيع جداً، لكن مهمته محدودة، يمكن أن تستخدمه بين خمس غرامات وخمسة كيلوات، لو أردت أن تزِن بهذا الميزان مركبتك، وضعته على الأرض، وسرت فوقه لحطمه، هل لك أن تقول: ليس جيداً لأنه تحطم، نقول لك لأنك استخدمته بخلاف ما صنع له مهمته محدودة هذا يقودنا إلى أنه في ميزان . أدوات اليقين في دائرة المحسوسات والمعقولات والإخباريات: دائرة المحسوسات، ودائرة المعقولات، ودائرة الإخباريات، المحسوسات أداة اليقين بها الحواس الخمس، المصباح متألق، صوت المروحة مسموع، هذا اللون بني، هذا خشب محفور، أداة اليقين في دائرة المحسوسات الحواس الخمس فقط، أو استطالاتها الميكروسكوب استطالة لحواس، والتلسكوب استطالة للحواس، المجهر، والمرصد باللغة الفصحى المجهر، والمرصد أداتان لاستطالة الحواس، لكن كل شيء مادي أداة معرفته الحواس الخمس، هذه الدائرة لا خلاف فيها إطلاقاً. ولكن الدائرة الثانية دائرة المعقولات، الدائرة التي أداة اليقين بها العقل، العقل مهمته أن يرى شيئاً مادياً، أو يرى آثار شيء مادي يحكم عليه من دون أن يراه، يرى آثار أقدام فيقول: الأقدام تدل على المسير، يرى جدول ماء فيقول: والماء يدل على الغدير، يرى بعرة يقول: تدل على البعير، يرى دخانا من وراء جدار فيقول: لا دخان بلا نار، هذه مهمة العقل، تعطيه آثار شيء يؤمن بالشيء، شيء غابت ذاته، وبقيت آثاره أداة اليقين به هو العقل، المصابيح متألقة، هذه آثار الكهرباء، صوت مكبر الصوت، آثار الكهرباء، إذاً: مهمة العقل هو أداة يقين في دائرة المعقولات، أي أشياء غابت ذواتها، وبقيت آثارها، هذا مجال العقل مهمته محدودة بهذه الدائرة، فالشيء الذي ظهرت ذاته وآثاره كهذا الكأس ظهرت ذاته وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس، باليد الملمس، بالجلد البرودة، والحرارة بالجلد أيضاً، المنظر بالعين، لو لها صوت بالأذن، الشيء المادي ظهرت عينه وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس، أما إذا رأينا دخانا، ولم نر النار نقول: عين النار غابت عنا، بقيت آثار النار، وهو الدخان، العقل يحكم ويقول: لا دخان بلا نار. أما إذا غابت ذات الشيء وآثاره معاً فالعقل يتعطل، لا وظيفة له، هذه الدائرة الثالثة دائرة الإخباريات، الماضي السحيق من دائرة الإخباريات، ما بعد الموت من دائرة الإخباريات، الملائكة، الإيمان بالملائكة من دائرة الإخباريات، الإيمان بالجن من دائرة الإخباريات، شيء ظهرت ذاته وآثاره، هذا تابع للدائرة الأولى المحسوسات، الحواس الخمس أداة اليقين به، شيء غابت ذاته، وبقيت آثاره، هذا تابع لدائرة المعقولات، العقل أداة اليقين به، شيء غابت عينه وآثاره، أداة اليقين به الخبر الصادق، شيء واضح جداً، دخلت إلى بيت فرأيت إبريق ماء، أو كأس ماء، هذه الدائرة الحسية، رأيت الكهرباء متألقة، التألق آثار الكهرباء، تقول: في البيت كهرباء، إما من الشبكة العامة، أو من مولدة، وإذا رأيت خزانة مقفلة فلا يمكن مهما تكن ذكياً وعاقلاً أن تعرف ما بداخل هذه الخزانة، فجاءك صاحب البيت، وقال: هذه خزانة كتب، أضع فيها كتبي الثمينة، فأخبرك بها. الحكمة تقتضي وضع كل شيء في موضعه المناسب: هناك شيء ظهرت ذاته وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس، وشيء غابت ذاته، وبقيت آثاره، أداة اليقين به العقل، وشيء غابت عينه وآثاره أداة اليقين به الخبر الصادق، بطولتك أن تضع أي قضية في الدين مكانها الصحيح، أما حينما تريد أن تناقش الدائرة الثالثة بعقلك فإن عقلك يرتبك. ![]() قد يقول لك إنسان لا يؤمن بالله: ائت لي بدليل على وجود الملائكة، ليس هناك دليل، أريد دليلا علميا على وجود الملائكة، أريد دليلا علميا على وجود الجن، أريد دليلا علميا على وجود الدار الآخرة، هذه قضايا إخبارية. هناك شيء دقيق جداً، لما يخطئ الداعية، ويعالج موضوعات إخبارية أمام من ينكر أصل هذا الدين فيقع في ارتباك شديد، وليس معه دليل، بطولتك أن تضع أية قضية في مكانها الصحيح، قضية حسية، قضية عقلية، قضية إخبارية. أيها الإخوة، أنت أحياناً تدخل إلى بناء جامعة، هو بناء فخم بحدائق غناء، ومدرجات رائعة، فيها كواتم للصوت، فيها مقاعد وثيرة، فيها سبورة متحركة، فيها تكبير صوت، فيها جهاز عاكس، فيها أبنية للطلبة، وأبنية إدارية، ومخابر، ومدرجات، وقاعات، ومسرح، هذا كله تدركه بعقلك، ولكن هل تستطيع أن تعرف من هو رئيس الجامعة ؟ مستحيل، مَن هم عمداء الكليات، مستحيل، ما النظام الداخلي في قبول الطلاب وفي نجاحهم وفي طردهم وفصلهم، مستحيل، العقل وحده لا يكفي، لا بد من النقل، فعندنا عقل، وعندنا نقل. كل ما عجز العقل عن إدراكه أخبرنا الله به: الفكرة الدقيقة: أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، وما دام هذا الميزان ميزان محل لبيع المواد الغذائية فإنه يعجز عن وزن سيارتك، وصانع السيارة وضع لك لوحة داخلية عليها وزن السيارة بالضبط، أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به. أيها الأخوة يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن هذه العين مهما تكن حادة البصر، أحياناً يفحص المرء عينيه، يقول له الطبيب: اثنا عشر على عشرة، آخر صف يعرفه تماماً من حيث الاتجاهات، الصف قبل الأخير عشرة على عشرة، أما الأخير فاثنا عشر على عشرة، هذه العين مهما تكن حادة البصر فلا قيمة لها إطلاقاً من دون نور يتوسط بينك وبين المرئيات، فلو جلس إنسان أعمى مع إنسان حاد البصر في غرفة ليس فيها نور يستويان تماماً، فكما أن العين لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينها وبين المرئيات فالعقل لا قيمة له من دون وحي يرشده، فالضوء للعين كالوحي للعقل، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾ ( سورة المدثر ) معنى ذلك أن العقل البشري من دون وحي السماء يضل ويزل، وينحرف، وهذا الذي نعانيه مع الحضارة الغربية، عقل فقط، هم يعملون في ظلام دامس، والمسلمون نائمون في ضوء الشمس. العقل الصريح والعقل التبريري: الآن هناك عقل صريح، وهناك عقل تبريري، العقل الصريح يقودك إلى الحقيقة، لكن العقل التبريري تستخدمه لغير ما صنع له، كيف ؟ من الممكن أن تقتني آلة تصوير غالية الثمن جداً، ويمكن إذا استخدمتها في تصميم الأغلفة والبطاقات والتقاويم والمذكرات أن تربح أرباحاً طائلة، لكنك استخدمتها لتزوير العملة، فدخلت السجن، الآلة نفسها إما أن تستخدمها في أعمال فنية تجارية رائجة ذات أجر عالٍ جداً، وإما أن تستخدمها في عمل يحرمه القانون، فتكون هذه الآلة سبباً في دخول السجن، فالعقل من دون وحي قد يكون سبباً لهلاك صاحبه، قال تعالى: ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15)﴾ ( سورة العلق ) ![]() الناصية مقدمة الرأس، مكان اتخاذ القرار، مكان المحاكمة، ناصية كاذبة خاطئة، فحينما يتخذ الإنسان قرارا خاطئا يكون عقله هو السبب. للتقريب: عند إنسان بيت غالي الثمن، وباعه بالعملة الصعبة، وفي جيبه جهاز يكشف له العملة الصعبة، الآن هناك أجهزة تضع العملة الصعبة عليه فيظهر على الشاشة لون، إذا كان لونًا برتقاليا فالعملة صحيحة، وإذا كان لونا آخر فالعملة مزيفة، باع هذا الإنسان بيته بسعر غالٍ جداً، وفي جيبه جهاز لكشف العملة المزورة، ولم يستخدمه، هذا العقل، في جيبه الآخر أرقام العملات المزورة، هذا الشرع، فلا استخدم عقله، ولا رجع إلى الشرع، ففوجئ أن العملة كلها مزورة فضاع بيته، وهو السبب في ذلك. فلذلك أيها الإخوة، العقل الصريح هو العقل الذي يقودك إلى الخير، إلى الفلاح، إلى النجاح، إلى الإيمان بالله، إلى طاعة الله، إلى خدمة الخلق، إلى الإقبال على الله، وأما العقل التبريري فكأن تحتل بلداً، وتزعم أنك احتلته من أجل الحرية والديمقراطية، فإذا الواقع عكس ذلك، نهب للثروات، وقتل للبشر بلا حساب، لذلك أخطر شيء العقل التبريري، هذا عقل ساقط محتقر، يغطي الشهوات، يغطي الانحرافات، يغطي التفلت، وكلما جلست مع إنسان عاص، واستمعت إلى تبرير أعماله فهو يستخدم عقله التبريري، وكلما التقيت مع إنسان عاقل مستقيم مؤمن يستخدم عقله الصريح، لذلك الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط خط النقل الصحيح وخط العقل الصريح وخط الفطرة السليمة وخط الواقع الموضوعي، العقل الصريح النقل الصحيح الفطرة السليمة الواقع الموضوعي. أيها الإخوة، كما قلت قبل قليل: العقل حينما تستخدمه لخلاف ما خلق له يكون سبب الدمار، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴾ ( سورة المدثر ) لكن العقل يستنير بوحي السماء، ويستنير بتوجيهات الخالق الصانع الحكيم. أيها الإخوة، حينما يقول الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾ ( سورة الرحمن) بين العقل والمنهج: الآن مع العقل والمنهج، أيعقل أن يعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يخلق أيعقل ؟ كيف هو تفسير الآية ؟ إنّ ترتيب الآية ترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، فلا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، لذلك القرآن هو المنهج، كآلة غالية الثمن، عظيمة النفع، معقدة الصنع، الشركة التي اشتريتها منها نسيت أن ترسل لك تعليمات، فأنت إذ استخدمتها من دون تعليمات أعطبتها، وإن خِفتَ عليها جمدت ثمنها، أليست التعليمات أهم من الآلة، هذا معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾ ( سورة الرحمن) جاء تعليم القرآن مقدماً على خلق الإنسان تقديماً رتبياً لا تقديماً زمنياً. خطوط حمراء لابد من مراعاتها في موضوع العقل: العقل يمكن أن يصل بك إلى الله، ولكن لا يمكن أن تحيط بعقلك بالله عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ( سورة البقرة: 255) كمركبة أقلتك إلى شاطئ البحر لكنك بهذه المركبة الأرضية لا تستطيع أن تخوض بها عباب البحر، ولا أمواج البحر، والذي قلته قبل قليل: أيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، وكأن العقل حصان تركبه إلى باب السلطان، فإذا دخلت قصر السلطان دخلت وحدك، فأنت بعقلك وصلت إلى الله، أما إذا أمرك الله بأمر فينبغي أن تنصاع له، تماماً كما لو أن إنسانا بحث عن طبيب في أعلى مستوى من العلم والإخلاص والفهم والمراس والتجربة الكفاءة، فلما وصل إلى الطبيب بعقله قال له: إياك وتناول الملح، لن تستطيع أن تحاوره، عقلك أوصلك إليه يجب أن تأخذ أمره بحسب إيمانك بتفوق هذا الطبيب. لكن العقل كحياتنا فيها خطوط حمراء، كذلك أمام العقل خطوط حمراء كثيرة جداً، لكن أبرز هذه الخطوط: ![]() (( تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا )) [ الجامع الصغير عن ابن عباس بسند ضعيف ] إنّ العقل أعجز من أن يتفكر في ذات الله كما قلت قبل قليل، والعقل موضوعه مادي، وذات الله لا يمكن أن يحيط به عقل، لذلك من أعمل عقله في ذات الله ربما هلك، وربما اختل، وربما أصيب بالجنون، يقول عليه الصلاة والسلام: (( تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا )) إذاً هناك خطوط حمراء لا بد أن تراعى في موضوع العقل. أيها الإخوة، من البطولة ألا تعرض على المشككين في الدين القضايا الإخبارية، فإن عرضت هذه القضايا الإخبارية وقعت في حرج شديد، لأن هؤلاء لن يدركوا ما معنى أن هذا الموضوع موضوع إخباري، أي أن العقل لا يستطيع أن يخوض فيه إطلاقاً، هذا موضوع إخباري صرف. من آيات الله الكونية: أمّن جعل الأرض قراراً: الآن ننتقل إلى شيء آخر، من آيات الله الدالة على عظمته قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ ( سورة النمل: 61) الأرض مستقرة، وهي تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متر في الثانية، وفي الدقيقة ألف وثمانمئة، ودرْسنا هذا خمسون دقيقة، الآن اقتربنا من تسعة آلاف كيلو متر، ومن دمشق إلى الرياض بالطائرة ألف ومئة كيلو متر، نحن على الأرض، وهي في دورتها حول الشمس قطعنا تقريباً تسعة آلاف كيلو متر، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ( سورة النمل: 88) مع هذه الحركة الأرض مستقرة. مرة زرت مسجدا في استنبول، الدليل السياحي أخذني إلى المحراب، وأطلعني على عمود رخامي، والجامع مبني من سبعمئة عام، وطلب مني أن أدير العمود، العمود له قاعدة، وله غطاء، دار معي في فضاء ميليمتر واحد، سبعمئة عام ما ضغط هذا العمود، لو ضغط لا يتحرك، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ ( سورة النمل: 61) الأبنية ثابتة، والدليل الزلازل، ففي مدينة أغادير المغربية في ثلاث ثوان غاصت تحت سطح الأرض، حتى إن فندقا من ثلاثين طابقا اسمه بقي الفندق على الطابق الثلاثين، غاص الفندق كله إلى الأرض، فأصبح اسم الفندق شاهدا له، نزل هذا الفندق ثلاثين طابقاً تقريباً، إذاً: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ ( سورة النمل: 61) لذلك ينبغي أن نعرف نِعَم الله بوفرتها لا بزوالها، هذا المعنى الأول. الآن هذا الكأس لماذا يبقى على الطاولة ؟ لأن له وزناً، ما هو الوزن ؟ هو انجذاب الشيء إلى مركز الأرض. أيها الإخوة الكرام، نحن نعيش نعمة لا نعرفها إلا إذا فقدناها. إنّ رواد الفضاء حينما توجهوا إلى القمر من الأرض، والقمر في منطقة اسمها انعدام الجاذبية، هذه المنطقة ليست خاضعة لا إلى الأرض، ولا إلى القمر، إذاً: الإنسان هناك لا وزن له، ينام على فراشه فيستيقظ وهو في سقف المركبة، يمسك حاجة فتبقى في الهواء، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ ( سورة النمل: 61) من جعل الأشياء تستقر على سطح الأرض ؟ هذه نعمة، الأثاث ثابت، المكتبة ثابتة، الحاجات ثابتة، لها وزن، وأنت ثابت، لو انتقل الإنسان إلى سطح القمر لكان وزنه تقسيم ستة، إن كان وزنه ستين كيلوا في الأرض فوزنه في القمر ستة كيلوات، لو ركب رائد فضائي المركبة، ودخل منطقة انعدام الوزن ليس له وزن أبداً، ورحلات الفضاء تؤكد ذلك، الوزن هو انجذاب الشيء إلى مركز الأرض، وهذه نعمة كبرى، الأشياء لها وزن، وهناك استقرار. معنى امن جعل الأرض قراراً: المعنى الأول: أول معنى: من جعل الأرض قراراً مستقرة، هذا العمود الرخامي في المسجد يدور، لماذا يدور ؟ لأن هناك فراغا لا يزيد على ميليمتر، ولو ضغط البناء ميليمترا لما دار، هذه علامة إتقان البناء، والأرض مستقرة، أما بالزلازل فيقول لك: سبعة على سُلّم ريختر، انتهى كل شيء، وهناك زلازل تدمر كل شيء، إذاً: المؤمن يعرف نعمة الله بوجودها لا بزوالها، نعمة استقرار الأرض. أحيانا يركب إنسان طائرة فيتوهم الأرض أكثر أمناً، الأرض نفسها حينما تضطرب لا تبقي ولا تذر، وقبل سنوات عدة زلزال في القاهرة، والزلازل موجودة في الأرض، فإذا كانت منطقة فيها استقرار فهذا من نِعم الله عز وجل، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ ( سورة النمل: 61) هذا المعنى الأول. المعنى الثاني: ![]() المعنى الثاني: من جعل الأشياء لها وزن، تضعها هنا فتبقى في مكانها، لو ما كان هناك وزن فإنك تغادر البيت وترجع فتجد كل حاجة بمكان آخر، لكنك ترجع وتجد كل شيء ثابتا، هذا أيضاً من نِعم الله عز وجل، والآية الكريمة: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾ ( سورة النحل) ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ ( سورة الأنعام:65) الزلازل، أو كما يحدث في بعض البلاد المجاورة. إذاً: أيها الإخوة، حينما يتفكر الإنسان في خلق الله عز وجل، حينما يتأمل في عظمة الله يزداد تعظيماً لله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ( سورة النمل: 88) أنت واقف مستقر. المعنى الثالث: لكن هناك معنى آخر: كيف أنت مستقر، وأنت واقف، مع أن قاعدة استناد جسمك عن طريق قدميك لا تكفي، فأي مجسّم للإنسان يحتاج إلى قاعدة استناد تزيد على سبعين سنتيمترا، القدم لطيفة جداً، هذا الاستقرار، هذا الوقوف، هذا التوازن بفضل جهاز بالغ التعقيد، اسمه جهاز التوازن، ففي الأذن قنوات فيها سائل، والسائل سطحه أفقي، فإذا مال الإنسان، وبقي السائل أفقياً وصل إلى مكان في القناة لم يكن فيها سائل، فيدرك الإنسان أنه مال فيصحح وضْعَه، لولا هذه القنوات الثلاث لما استطاع إنسان أن يقف على سطح الأرض، بل يقع، والدليل: الميت يقع، ولا يقف، لتعطُّل هذا الجهاز. لما يفكر الإنسان أن استقراري على الأرض بفضل نظام الجاذبية، واستقراري على الأرض بفضل سكون الأرض مع حركتها، مع أنها تسير، وكما قلت قبل قليل: نحن قطعنا في هذا الدرس تسعة آلاف كيلو متر، ومحيط الأرض أربعون ألفا، قطعنا تسعة آلاف كيلو متر بسرعة ثلاثين كيلو متر في الثانية، والأرض مستقرة، والأشياء لها وزن أيضاً، والإنسان جهز بقنوات التوازن، وهذا من حكمة الله عز وجل، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ( سورة البقرة: 164) التفكر في الكون أقصر طريق لمعرفة الله تعالى: أيها الإخوة، دائماً وأبداً أردد هذه المقولة: التفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، لأنه يضعك أمام عظمة الله، وإذا قلت: العقل، ولعلي أقصد به الفكر، فتفكرك في خلق السماوات والأرض سبب معرفتك لله، فلذلك هذا اللقاء الطيب عنوانه: العقيدة والإعجاز، والإعجاز أن تتفكر في هذه الآيات، واستقرار الأرض شيء آخر. حينما تذهب إلى أستراليا، على الكرة أستراليا في الأسفل، تذهب إلى هناك فترى السماء فوقك، والأرض من تحتك، شيء يحير، إذاً: ما هو العلو ؟ هي الجهة المقابلة لمركز الأرض، هذا نظام، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ ( سورة النمل: 61) تنعم بالاستقرار، أمن جعل الأشياء لها وزن، إذًا: أنت على الأرض أضعاف مضاعفة وزنك وحجمك، ولكان وزنك مئتي كيلو، ولو لم يكن هناك قنوات توازن لاحتجت إلى قنوات كأقدام الفيل، فيصبح المشي أشغالاً شاقة، هذا التفكر يعرفك بالله عز وجل، وبدقة صنعك، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ ( سورة النمل: 61) ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾ ( سورة التين ) أيها الإخوة الكرام، إلى متابعة موضوع العقل في اللقاء القادم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقومات التكليف : العقل -2- العقل يتكامل مع الوحي ومرتبط بالواقعالعقيدة والاعجاز الدرس : ( الثامن ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مقدمة وتذكير: أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثامن من دروس العقيدة، والإعجاز، وهذه الدروس تتحدث عن مقومات التكليف، وفي دروس سابقة تحدثت عن الكون كأحد مقومات التكليف، وتحدثت عنه كأول ثابت من ثوابت الإيمان، ثم انتقلنا إلى العقل كأداة لمعرفة الله عز وجل، وهو مناط التكليف، وبينت أن علاقته بالنقل التأكد من صحة النقل قبل النقل، ثم فهم النقل بعد النقل، ولن يكون العقل حكماً على النقل، ونتابع الحديث عن العقل في هذا الدرس الثاني. الأمانة والإنسان: كلكم يعلم من مسلَّمات الإيمان أن الإنسان هو المخلوق الأول، الأول رتبة، ولمجرد أنك إنسان، أنت المخلوق الأول، لأن الله حينما عرض على الخلائق كلها الأمانة أشفقن منها، وقال الإنسان: أنا لها يا رب، وتصدى لحمل الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ ( سورة الأحزاب ) نفسك أمانة لابد من تزكيتها: هل تعلم من أنت ؟ أنت المخلوق الأول الذي قبل حمل الأمانة، أنت فوق الملائكة إن أديت الأمانة، ولا سمح الله ولا قدر الإنسان دون الحيوان إذا خان الأمانة، فما الأمانة ؟ نفسك التي بين جنبيك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾ ( سورة الشمس ) النجاح كل النجاح، الفوز كل الفوز، التفوق كل التفوق في أن تزكي نفسك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ﴾ ( سورة الشمس ) خالق السماوات والأرض يقول لك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ ( سورة الشمس ) تزكيها بأن تعرفها بخالقها، تزكيها بأن تعرفها بمنهج خالقها، تزكيها بأن تحملها على طاعة خالقها، تزكيها بالبذل، بذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس، تزكيها بالاتصال بالله، إن زكيتها في الدنيا كانت التزكية ثمناً لجنة عرضها السماوات والأرض. ![]() الإنسان مخلوق للجنة، لذلك يمكن أن يقسّم الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم وأعراقهم وأنسابهم وطوائفهم ومذاهبهم إلى زمرتين: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾ (سورة الليل) أول زمرة صدقت أنها مخلوقة للحسنى أي الجنة، أنت مخلوق للجنة فقط، وأنت في الدنيا من أجل أن تدفع ثمن الجنة، لذلك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾ (سورة الليل) الترتيب معكوس، لأنك صدقت بالحسنى اتقيت أن تعصي الله، ولأنك صدقت بالحسنى، وعلمت علم اليقين أن ثمن الجنة هو العمل الصالح، فبنيت حياتك على العطاء، وهناك فرق صارخ بين المؤمن وغير المؤمن. هذا هو النجاح الحقيقي: إنّ المؤمن يبني حياته على العطاء، غير المؤمن على الأخذ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، فإن أخذت ولم تعط، أو أعطيت ولم تأخذ فأنت بالحالة الأولى من أتباع الأقوياء، وفي الحالة الثانية من أتباع الأنبياء. لذلك أيها الإخوة الكرام، حينما تقرأ قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ ( سورة الشمس ) ترى أن هذا هو النجاح الحقيقي، والله الذي لا إله إلا هو لو أن إنسانًا يملك كما يملك ( بيل غيت ) تسعين مليارًا، وإنسانا فقيرا في التعتيم، إن حضر لم يُعرف، وإن غاب لم يُتفقد، وعرف الله، وزكى نفسه أفضل مليار مرة من الذي جمع أكبر ثروة في الأرض، لأن الدنيا دار انقطاع، وقف القلب انتهى كل شيء، كل الأموال المنقولة وغير المنقولة تصير إلى غيرك، تسكن بيتاً فخماً، لكن مصيرك إلى القبر، تتمتع بمكانة كبيرة إلى القبر، لك مركبة فارهة مصيرُك إلى القبر والله أيها الإخوة الكرام، ما وجدت على سطح الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنساناً أعقل ممن أعد لهذه الساعة، ساعة لقاء الله عز وجل، فلذلك لأنك إنسان المخلوق الأول، أنت مرشح إما أن تكون فوق الملائكة، ولا سمح الله ولا قدر، أو أن يكون الإنسان دون الحيوان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ( سورة البينة ) الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) ﴾ ( سورة البينة ) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ ( سورة البينة ) أيها الإخوة الكرام، دققوا، ابتغوا العزة عند الله، لا يليق بك أن تكون لغير الله، إن كنت لغير الله تحتقر نفسك: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ( سورة البقرة ) إن كنت مجيراً لغير الله أنت بهذا تحتقر نفسك، أنت ممكن أن ترفض ملايين الأشياء لأنك تحتقرها، إلا إذا رفضت الدين فإنك تحتقر نفسك: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ ( سورة البقرة ) فلذلك لأنك من بني البشر، لأنك إنسان أنت في الأصل عُرضت عليك الأمانة وقلت: أنا لها يا رب، بينما جميع الخلائق أشفقوا منها، لذلك الحيوان ركب من شهوة بلا عقل، رُكِبَ المَلَك من عقل بلا شهوة، أما الإنسان رُكِبَ من شهوة عقل، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان. العقل:الجهاز المعقد: أيها الإخوة الكرام، نحن في موضوع العقل، تصور العقل جهاز حاسوب من أعلى مستوى لا يزال العقل عاجزاً عن فهم ذاته. مرة قرأت في مقالة أنه لو أخذنا حياً من أحياء مدينة عملاقة في العالم الغربي كلها ناطحات سحاب، وكل هذه ناطحات السحاب فيها صمامات من الداخل والخارج، لا ترقى إلى مستوى العقل، هناك مئة وأربعين مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، والخلايا القشرية أربعة عشر مليار خلية في مكان لا يزيد على حبة العدس، والذاكرة فيها سبعون مليار صورة، هناك في مكان المحاكمة، وفي مكان الاستقراء، والاستنتاج، والرؤية، والسمع، والبصر، وقشرة الدماغ فيها كل المدركات، وفيها كل المفهومات: أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ![]() لذلك أيها الإخوة الكرام، العقل جهاز بالغ التعقيد، عاجز عن فهم نفسه، وهو أداة لمعرفة الله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ ( سورة الرحمن ) ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ ( سورة يس ) ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ ﴾ ( سورة الغاشية ) ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ( سورة الصافات ) ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾ ( سورة الزمر ) الآيات التي تتحدث عن العقل ولوازمه تقترب من ألف آية. العقل محدود الإدراك محدود الاستعمال: عظمة الإسلام أنه وسطي، لم يلغ دور العقل كما في بعض الأديان، يقال: الإيمان فوق العقل، ولو جُعل العقل كالعالم الغربي يتحكم بالدين، إن حكمت العقل بالدين فأنت معتزلي، وإن ألغيت العقل فقد ألغيت أداة معرفة الله، الإسلام وسطي. أيها الإخوة الكرام، نحن حينما نبالغ بقيمة العقل نجعله أداة مطلقة للمعرفة، وأداة محدودة. مرة ثانية: ميزان دقيق حساس فيه ميزات هائلة، غالٍ جدا، لكنه محدود الاستعمالات، من خمس غرامات إلى خمسة كيلوات، ضمن هل الوزنين رائع جداً، أما إذا كلفته بعمل فوق هذه الحدود فلا يلبيك، العقل محدود، العقل يجب أن يرى شيئاً مادياً، ويحكم عليه، يجب أن يرى أثراً يصل من هنا إلى المؤثِّر، يجب أن يرى حكمة يصل من الحكمة إلى الحكيم، يجب أن يرى تسييراً ينتقل من التسيير إلى المسير، يجب أن يرى بناء ينتقل من البناء إلى الباني، يجب أن يرى نظاماً ينتقل من النظام إلى المنظم، فالعقل مختص بهذه المهمة، شيء غابت عينه وبقيت آثاره. دخلت إلى الجامعة في أيام الصيف، ليس هناك دوام، تأملت في القاعات، في المدرجات، في الحدائق، في المخابر، في الإدارات، في بيوت الطلبة، في بيوت الأساتذة، في الموقع، في الإطلالة، استنبطت آلاف الحقائق عن مصممي الجامعة، يتمتعون بعلم وبذوق وبجمال في أذواقهم، وبخبرة عالية، وفيها مرافق عامة تلافت كل أخطاء الماضي يمكن أن تستنبط من بناء الجامعة ما لا نهاية له من المعلومات، لكن لن تستطيع أن تعرف من خلال بناء الجامعة من هو رئيس الجامعة، و لا من هم عمداء كلياتها، ولا نظام القبول فيها، ولا نظام النجاح فيها، ولا قيمة الأقساط فيها، هذه لابد لها من كتاب. العقل يتكامل مع الوحي: الآن دقق، العقل يتكامل مع الوحي، أي شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرك الوحي به، بعقلك تستنبط أن هذا الكون لابد له من خالق، يأتي الوحي و يقول: ﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ ( سورة الأحقاف ) ![]() بهذا العقل يرى ملاحظة دقيقة جداً، أن الحياة قصيرة، والحظوظ متفاوتة، هناك قوي وضعيف، غني وفقير، ووسيم ودميم، رحيم وقاسٍ، وظالم ومظلوم، ومُتحكم ومتحكم به، مُستغل ومستَغل، والحياة قصيرة، ويأتي الموت، وينهي كل شيء، العقل لا يقبل ذلك، لابد من حياة أخرى تسوى فيها الحسابات، يأتي الوحي، ويقول: ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ ( سورة التوبة ) يأتي في الوحي اليوم الآخر، يوم الدين، يوم تسوية الحسابات: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ( سورة الفاتحة ) لذلك أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، فالعقل والوحي يتكاملان. ما علاقة الوحي بالعقل؟ لكن مرة ثانية والأمر ضروري جداً ما علاقة الوحي بالعقل ؟ العقل مرتبط بالواقع، أما الوحي فمرتبط بالحقيقة المطلقة، وذكرت في لقاء سابق فيما أذكر أن إنساناً مات قبل خمسين عاماً، لا يصدق أن تجمع سبعة آلاف كتاب في قرص واحد، و لا يقبل، كذلك لا يقبل أن تمسك بجهاز صغير تخاطب أطراف الدنيا، الآن هذا مقبول، العقل مرتبط بالواقع، والوحي مرتبط بالحقيقة المطلقة، لذلك الأصل هو الوحي، والعقل لفهم الوحي، وللتأكد من صحة النص. علاقة العقل بالنقل ؛ قبل النقل للتأكد من صحة النص، وبعد النقل لفهم النص، هذا هو الموقف الكامل. لا يتناقض العقل مع النقل: ![]() لكن إخواننا الكرام، لا يمكن أن يتعارض العقل مع النقل، لسبب بسيط ؛ أن العقل مقياس أودعه الله فينا، ولأن النقل كلام الله وبيان المعصوم، فهما فرعان من أصل واحد، فإذا تعارضا فلعدم قطعية أحدهما، فقد يتعارض نص موضوع غير صحيح مع العقل، هذا ممكن، وقد تتعارض نظرية لم تثبت بعد مع الوحي، أما إذا توافر في الوحي القطعية وفي العقل القطعية فإن تلازم العقل مع النقل حتم واجب، لأن العقل والنقل فرعان من أصل واحد، وهذه أعظم ميزة في هذا الإسلام العظيم، إسلامنا علمي، وما مِن شيء جاء به الدين، وقال العقل: لا، أما أيّ دين أرضي، أي مذهب أرضي العقل يقول: ألف لا، ولا مع مضي الزمن، هذه واحدة. الحق دائرة تتقاطع فيه أربع خطوط: لو وسعنا هذا الأمر أنا أرى أن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، الآن دققوا في كل كلمة أقولها: خط النقل الصحيح، لأن هناك نقلاً غير صحيح، إما أنه حديث موضوع، أو تأويلٌ غير صحيح لنص صحيح، إما النص غير صحيح، أو التأويل غير صحيح، وخط العقل الصريح. تحدثت في لقاء سابق عن أن هناك عقلاً صريحاً، وهناك عقل تبريري، لذلك: الخط الأول: خط النقل الصحيح. والخط الثاني: خط العقل الصريح. والخط الثالث: الواقع الموضوعي، لأن هناك واقعاً مزوراً، مثلاً: شيء من أحداث الساعة، أيّ عمل في الأرض يشار بأصبع الاتهام للمسلمين، أي عمل عنيف في الأرض بادئ ذي بدء يشار بأصبع الاتهام إلى المسلمين، مع أن هناك أخاً كريماً مقيمًا في بلد غربي بعيد أجرى دراسة كلفته جهداً كبيراً، أحصى أعمال العنف في هذا البلد الكبير البعيد القطب، فإذا نصيب المسلمين من أعمال العنف ثلاثة بالمئة فقط، هناك واقع مزور، هناك اتهام. والخط الرابع: خط الفطرة السليمة. ما هو الحق: ![]() إذاً: ما هو الحق ؟ الحق ما جاء به النقل الصحيح، وقبِله العقل الصريح، وارتاحت إليه الفطرة السليمة، وأيده الواقع الموضوعي، هذا هو الحق. بالمناسبة، كلمة الحق وردت في القرآن مئات المرات ما هو الحق ؟ يعرف الحق إن عرفنا الباطل، الباطل الشيء الزائل والعابث، الحق إذاً الشيء الثابت والهادف. أحياناً تنصب خيمة سيرك، خيمة لأسبوعين، والسيرك للتسلية، ما فيه شيء، وأحياناً يبنى بناء ضخم ليكون جامعة، فالجامعة هادفة لتخريج قادة للأمة، وتعليم الجيل الصاعد العلوم الصحيحة، الجامعة هدفها واضح، وبنيت لتبقى، وهناك جامعات من عام ألف وخمسمئة موجودة الآن في العالم الغربي. لذلك أيها الأخوة الكرام، الحق الشيء الهادف والثابت، عرفه الله بأنه نفي عن أن تكون أفعاله باطلة، إن الباطل كان زهوقا، ونفى اللعب، واللعب عمل عابث بلا هدف، صار الحق الشيء الثابت والهادف. يمكن أن تجري تصنيفا لكل ما ترى عيناك، هناك أشياء، لعب ولهو، واللهو أن تلهو بالخسيس عن النفيس، واللعب أن تقوم بعمل بلا هدف، لعب النرد، فإذا لعب الرجلُ إلى الساعة الثالثة بالليل هل يصبح دكتورا ؟ هل يصير تاجرا كبيرا ؟ هل يصبح صاحب مؤسسة ؟ ومع الأسف الشديد معظم نشاطات الناس في البلاد النامية نشاطات عابثة بلا هدف، وتضييع للوقت. مبادئ العقل: مبدأ السببية،الغائية،وعدم التناقض: أيها الإخوة الكرام، ذكرنا في لقاء سابق عن العقل أن فيه مبدأ السببية، ومبدأ الغائية، ومبدأ عدم التناقض. 1 – مبدأ السببية: هل يصدق عقلك أن طائرة من أحدث الطائرات صنعت في مستودع حديد، وضعنا فيه الديناميت، وفجرنا الديناميت، فإذا بطائرة، هل هناك واحد بالمليار وخمسمئة مليون إنسان يقبل هذا ؟ الطائرة نتيجة خبرات مئة عام ومهندسين وخبراء، وخبراء بالقوانين وبالفيزياء والكيمياء، وبالفلك والجو والآلات، وبالحركة، ومقاومة الرياح، وأموال طائلة، معقول طائرة تنتج من انفجار لمستودع حديد ؟ ائت إلى مطبعة فيها حروف، وفيها حبر، وفيها ورق، ضع فيها قنبلة، وانتظر أن تجد قاموسا رائع جداً من ألف صفحة، الأفعال مرتبة، أسماء الأفعال، المضارع، عين المضارع، الأفعال بالأحمر، الشرح بالأخضر، أو قاموس أعلام، هل هذا ممكن ؟ ممكن أن يحدث انفجار بمطبعة فيها حروف، وفيها حبر، وفيها ورق، فينتج قاموس ؟ مستحيل. أيها الإخوة، بعض العلماء ألف كتابا عنوانه: ( الله يتجلى في عصر العلم )، كاتب أمريكي، في فصل منه يقول: ذرة الحمض الأميني لا تكفي ذرات الكون أن تصنعها صدفة، لذلك العقل لا يقبل شيئًا بلا سبب، سبحان الله، والكون فيه نظام السببية، فكأن الله يأخذك بلطف، أن لكل شيء سبباً، وهذا المسبب له سبب، وهذا المسبب له سبب، إلى أن تصل إلى مسبب الأسباب. في العقل إله عظيم يأخذ بيدنا إليه، من هو مسبب الأسباب ؟ الله جل جلاله، نظام السببية أساسه أن الله عز وجل عن طريق هذا النظام في خلقه، وعن طريق هذا القانون في عقلك يأخذك إليه بلطف، الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، أول دجاجة من خلقها ؟ هو مسبب الأسباب. شيء آخر، مرة وجدت قرص بلور مكتوب عليه: أن هذا القرص يمنع فوران الحليب، اشتريته، وضعته في أسفل الوعاء، ملأته في الحليب، فالحليب لم يفر، المشكلة حلت، لكن في العقل لم تحل المشكلة، عندك حاجات عقلية أحياناً حلت، لكن لم تحل في الفكر، قرص بلور تضعه في قعر وعاء فيه حليب، والحليب بعد أن يغلي لا يخرج من الوعاء، هذا ليس معقولا، والله فيما أذكر بقيت أبحث عن السر أسبوعا حتى مع مداولة مع أساتذة في التعليم الثانوي، هذا القرص له مثل قبة صغيرة، له فتحة واحدة، لما يغلي الحليب تخرج الفقاعات من فتحة واحدة كثيفة جداً، تثقب القشطة فيتوقف فوران الحليب، وفي الأصل القشطة مادة كتيمة الفقاعات، تصعد من كل الجهات نحو الأعلى، فالحليب يفور، أما هذا القرص فقد جمع الفقاعات، وأخرجها من مكان واحد، فالفقاعات أصبحت مثل الصاروخ، ثقبت هذه الطبقة الكتيمة في أعلى الحليب، فحلت المشكلة. أحيانا يكون عندك مشكلات لا تحل إلا أن تفهمها على أساس السبب، كيف أن الحليب لا يفور في هذا الوعاء ؟ 2 – مبدأ الغائية: مثلاً: الغائية، لماذا الدماغ في الجمجمة ؟ لأنه أخطر جهاز في الإنسان، حساس جداً، ولماذا بين الدماغ والجمجمة سائل لامتصاص الصدمة، رواد الفضاء صمموا مركبات الفضاء فقلدوا الدماغ، الكبسولة التي فيها الرواد بينها وبين جسم المركبة سائل، فحينما يكون ارتطام في طبقة الهواء هذه الصدمة توزَع على كامل الجسم، والآن قد يقع طفل على الأرض تسمع لصوت رأسه مع البلاط رنينا، ومع ذلك لا يتأثر، هذا السائل المحيط بالدماغ يمتص الصدمة، ويوزعها على كامل مساحة الدماغ، لماذا العين في المحجر ؟ أي إنسان وقع على الأرض فقد بصره، هي في حصن حصين، الغاية من وضع العين في المحجر أن تحفظ، والغاية من وضع النخاع الشوكي في العمود الفقري أن يحفظ، والغاية من وضع معامل كريات الدم الحمراء وهي أخطر معمل في الإنسان في نقي العظام أن تحفظ، والغاية من وضع الرحم في الحوض أن يحفظ، الرحم في قرار مكين ضمن عظم الحوض، والنخاع الشوكي ضمن العمود الفقري، والدماغ ضمن الجمجمة، والعين ضمن المحجر، والقلب ضمن القفص الصدري. ![]() التفكير لا بالأسباب بل بالغاية، ما غاية وضع القلب في القفص ؟ لو واحد تلقى ضربة قوية تلقاها العظام القلب في حرز حريز، ما حكمة أن الشعر ما فيه أعصاب حس ؟ من أجل أن تهذب شعرك، وإلا تحتاج إلى عملية في المشفى، لأن فيه أعصاب حس، كل عملية حلاقة يجب أن تذهب إلى المستشفى، وأن تجري عملية حلاقة مع التخدير الكامل، ما حكمة وجود أعصاب حس في الأسنان ؟ حتى إذا وصل النخر إلى عصب الحس لا تنام الليل، تذهب وتصلح السن بدل أن تفقده، لو أن فكرك جال جولات لماذا المفصل نحو الداخل ؟ لو لم يكن مفصل، فما غاية هذا المفصل ؟ من أجل أن تأكل، لو ما عندك مفصل يجب أن تنبطح على الأرض، وتأكل مثل الهرة تماماً، لماذا في المثانة عضلات ؟ من أجل أن تفرغ ما فيها في وقت قليل، وإلا تحتاج إلى ربع ساعة أو نصف ساعة لو ما عندك عضلات ضغط، لماذا عندك مثانة ؟ لأن الكلية تفرز في كل عشرين ثانية قطرة بول، لو ما عندك مثانة تحتاج إلى حفّاظات فتبقى خمس ساعات، لما فكرك يجول بخلقك ؟ لتعرف عظمة الله عز وجل، لماذا أودع الله في طحال الطفل الصغير كمية حديد تكفيه سنتين ؟ لأن حليب الأم ما فيه حديد، فدون أن تشعر تفكر بالسبب وتفكر بالغاية. مرة شاهدت مسجلة لها أزرار هنا، لها هنا نتوء أعلى من مستوى الأزرار، ونتوء ثانٍ هنا لماذا ؟ أريد الغاية، في أصل تصميم في المسجلة فيه نتوءان بارزان أعلى من مستوى الأزرار، لو أن الأزرار وقعت لا تتحطم، تقي تحطم الأزرار. حدثتكم في درس سابق أني كنت في العمرة في مكتبة مصاحف في الحرم النبوي، سقف المكتبة مائل، لماذا ؟ قد يأتي معتمر دون أن يشعر يضع شيئا لا يليق أن يكون فوق المصحف، لذلك جعل غطاء المكتبة مائل، أنت لاحظ حالك، كل نشاطك الفكري يتحرك وفق السبب والنتيجة، والسبب والغاية، العقل مبدؤه سببي وغائي. 3 ـ عدم التناقض: عدم التناقض: لو أن إنسانًا متهم بقتل إنسان، والجريمة بدمشق، وهذا الإنسان جاء بتقرير من محافظ حلب أنه كان عنده وقت وقوع الجريمة، ماذا يفعل القاضي ؟ يبرئه، لأن العقل لا يصدق أن إنسانا في آن واحد بدمشق وحلب، وما دام جاء بتصريح من رجل مسئول، أنه كان عندي الساعة الثانية عشرة، وقد وقعت الجريمة الساعة الثانية عشرة في دمشق، ما دام أثبت أنه كان في حلب في هذه الساعة إذاً هو بريء، في أثناء التفكير، التفكير شيء ممتع جداً، هذا العقل أكبر هدية من الله، نشاطه واسع جداً، أنا لاحظت طفلا أول ما بدأ يمشي هناك قطعة حلويات، والغرفة لها مقاعد على شكل ( يو )، فالقطعة هنا، وهو واقف هنا، ليس بإمكانه أن يمشي، فمشى على أطراف المقاعد كلها، إلى أن وصل إلى هدفه، هو فكر في الهدف الذي يجب أن يسير إليه بعكس الاتجاه حتى يصل إليه. الموقف الكامل من الأسباب: أيها الإخوة الكرام، الآن عندنا شيء، الله عز وجل جعل لكل شيء سببا، العالم الغربي يتوهم أن السبب خالق النتيجة، وليس الأمر ذلك، السبب لا يخلق النتيجة، ولكنه يأتي قبل النتيجة، من الذي يخلق النتيجة ؟ هو الله عز وجل، لذلك قال بعض علماء العقيدة: عندها لا بها، يعني عند إرادة الله، لا بالأسباب. الآن عندنا موقف كامل، وموقف ناقص، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب أيها المؤمن، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذا كلام دقيق، ويحتاجه الناس جميعاً، عندك سفر بمركبتك، تجري مراجعة دقيقة جداً، العجلات، المكابح، الزيت، التوصيلات كلها، أخذت الأسباب، لكن الأخذ بالأسباب لا يعني سلامتك، السلامة يخلقها الله لك، لذلك تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء هذا الموقف الكامل، لذلك العالم الغربي، أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألهها، ونسي الله، والعالم الشرقي لم يأخذ بها، فوقع في وادي المعصية، والذي أخذ بها، واعتمد عليها وقع في وادي الشرك، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، والذي ينظم هذه الحقيقة الحديث الشريف: (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) [ أبو داود] أنا أستسلم، وأقول: انتهينا، ما بيدي شيء. مرة قرأت قصة عن شيخ الأزهر، كان طالب علم، وانتسب إلى الأزهر، ما نجح، فترك الدراسة، وهو جالس بقريته رأى نملة صعدت على الحائط، بعد مسافة مترين وقعت، فأعادت الكرة عدّ محاولاتها ثلاثا وأربعين محاولة، فاستحى من النملة، وعاد، ودرس، وصار شيخ الأزهر، تقول: انتهيت، ما بيدنا شيء، العالم الغربي قوي جداً، بيده كل شيء، بيده أسلحة فتاكة، بيده الإعلام، بيده المال، بيده التحالفات، (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ )) قال تعالى: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) (( وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ )) خطط، خذ بالأسباب، اسأل، ابحث، دقق، لذلك الإسلام ليس سكونياً، الإسلام حركي، وليس سلبياً، الإسلام إيجابي، (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) متى يحق لك أن تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل ؟ إذا بذلت كل المستطاع، بذلت كل الجهد، إنسان درس بأعلى درجة جاءه مرض مفاجئ قبل الامتحان حال بينه وبين الامتحان، الآن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لكن ما درس، وما نجح، يقول: هكذا ترتيب الله، الله ما كتب لي أن أنجح، لا، أنت كسلان، هذا كلام غير مقبول، الحديث دقيق جداً: (( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ )) من الإعجاز القرآني:فلا أقسم بمواقع النجوم أيها الإخوة، نحن في هذه السلسلة من الدروس تحت عنوان العقيدة والإعجاز، عندنا بعض الدقائق من أجل موضوعين في الإعجاز، الموضوع الأول هو من أهم الموضوعات في الحقيقة، مواقع النجوم، بين الأرض، وأقرب نجم ملتهب إليها أربع سنوات ضوئية، الضوء يقطع في الثانية الواحدة 300 ألف كم، كم يقطع في الدقيقة ؟ ضرب 60، في الساعة ضرب 60، في اليوم ضرب 24، في العام ضرب 365، في أربع سنوات ضرب أربعة، هذا الرقم هو المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب إليها، لو أردنا أن نصل إلى هذا الكوكب بمركبة أرضية الناتج كم ساعة نحتاج ؟ لو قسمناه على 24، كم يوما نحتاج ؟ لو قسمنا على 365 كم سنة نحتاج ؟ من أجل أن نصل إلى هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب إلى الأرض بمركبة أرضية نحتاج إلى 50 مليون عام بسرعة 100 كم، أقرب نجم ملتهب إلى الأرض نحتاج أن نصل إليه بمركبة أرضية إلى 50 مليون عام، أربع سنوات ضوئية تعني 50 مليون عام من أجل أن تعرف ما معنى أربع سنوات أرضية، الرحلة إلى هناك تستغرق خمسين مليون عام، الإنسان عمره سبعون سنة، متى نصل إلى نجم القطب الذي يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية ؟ متى نصل إلى المرأة المسلسلة ؟ مجرة تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، متى نصل إلى نجم اكتشف حديثاً يبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية ؟ الآن إذا قرآنا قوله تعالى يقشعر جلدنا: ﴿(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾ ( سورة الواقعة ) ![]() وكلمة مواقع تعني أن صاحب الموقع ليس في الموقع، ولكن عالم الفلك لو وقف عند كلمة مواقع لخر ساجداً لله، بقي الضوء يمشي بسرعة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الثانية، بقي يمشي عشرين مليار سنة حتى وصل ضوءه إلينا، أما النجم فسرعته 240 ألف كيلومتر في الثانية، أين هو الآن ؟ فهذا المكان ليس نجماً، المكان موقع، أي شيء تراه في السماء غير صحيح، أنت واقف على ساحل البحر، ورأيت الشمس قد نزلت تحت الأفق، هي نزلت قبل ثماني دقائق، لأن بين الأرض والشمس ثماني دقائق ضوئية حتى وصل إشعار النزول بعد ثماني دقائق، الشمس غابت حقيقة قبل ثماني دقائق، كل شيء تراه في الكون، ترى تاريخ السماء، ولا ترى واقع السماء، قال تعالى: ﴿(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾ ( سورة الواقعة ) هدف الإعجاز أن تؤمن أن الذي خلق الأكوان هو الذي خلق الإنسان، وأن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) ﴾ ( سورة الواقعة ) أيها الإخوة الكرام، التفكر في آيات الله عز وجل أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعك أمام عظمة الله، هذه اللقطات الإعجازية إن شاء الله تكون في كل درس من دروس العقيدة والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مقومات التكليف :الفطرة -1-الفطرة وخصائص النفسالعقيدة والاعجاز الدرس : ( التاسع ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أيها الإخوة الكرام، مع الدرس التاسع من دروس العقيدة والإعجاز، وقد عالجنا في دروس سابقة مقومات التكليف، وبدأنا بالكون، ثم بالعقل، واليوم ننتقل إلى الفطرة. من مقومات التكيلف: الفطرة: الآيات التي أشارت إلى الفطرة: الآية الأولى: في أي الآيات أشار الله إلى الفطرة ؟ في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ( سورة الشمس ) النفس تعرف بالفطرة فجورها وتقواها: جبلت هذه النفس جبلة عالية، حيث إنها إذا أحسنت شعرت بشكل طبيعي ابتداءً من دون تعليم، من دون توجيه أنها أحسنت، وإذا أساءت شعرت ابتدأً من دون توجيه ولا تعليم أنها أساءت، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ ( سورة الشمس ) إن فجرت فجورها، وإن اتقت تقواها، عندك مشعر ذاتي، أنت بالفطرة تعرف خطأك من دون أن تنبه إليه، أنت بعقلك تعرف ربك، وبفطرتك تعرف خطأك، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ( سورة الشمس ) أيها الإخوة، لولا هذه الفطرة لما تألم إنسان من معصية، فلو أن جبلته جبلت على معصية فكلما عصى ربه ازداد راحة وانسجاماً مع نفسه، ولكن لأنك مفطور فطرة عالية، مفطور على الكمال، مفطور على الرحمة، على الإنصاف، على العدل، على الصدق، على الأمانة، جبلتك، فطرتك، بنيتك النفسية، خصائصك تحب الرحمة، فإذا رحمت المخلوقات تنام قرير العين، تنام مرتاحاً، تنام مطمئناً، تنام سعيداً. لذلك أيها الإخوة، لمجرد أن تتوب إلى الله، وأن تصطلح معه تصطلح مع نفسك، وترتاح نفسك، وتطمئن نفسك، وتسعد نفسك: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ ( سورة الشمس ) كيف سواها الله عز وجل ؟ سواها حيث إذا فجرت تعرف أنها فجرت، وإذا استقامت تعرف أنها استقامت. من صفات المسيْ والمذنب:النهيار الداخلي: ![]() إن علماء النفس وصفوا حالة تصيب الإنسان المسيء بصفات عديدة، منها: الانهيار الداخلي: فإذا بنى الإنسان مجده على أنقاض الناس، بنى غناه على إفقارهم، بنى أمنه على إخافتهم، بنى عزه على إذلالهم، ينهار من الداخل، يشعر بصغار، تصيبه الكآبة، والكآبة مرض العصر، فأية نفس خرجت عن منهج الله خرجت أيضاً عن فطرتها، خرجت أيضاً عن مبادئها، خرجت أيضاً عن جبلتها. من خصائص النفس: أيها الإخوة، من أرقى خصائص النفس أنها جبلت على الكمال، أنها توافقت مع منهج الله، فما من أمر أمرك الله به إلا وفطرتك ترتاح له، وما من أمر نهاك الله عنه إلا وفطرتك تتألم منه، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس ) الفطرة متوافقة تماماً مع منهج الله، كيف أن العقل متوافق توافق تاماً مع قوانين الكون، بني الكون على السببية، والعقل لا يفهم شيئاً إلا بسبب، وبني الكون على الغائية، والعقل لا يفهم شيئاً بلا غاية، كذلك بني منهج الله على الصدق والأمانة، والعدل والإنصاف، والرحمة، والنفس البشرية لو أنها عاصية، ولو أنها آثمة لا ترتاح إلا للصدق والأمانة، والعدل والإنصاف: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس ) حدثني أخ سافر إلى بلاد الغرب، نزل في بعض الفنادق، رأى لوحة على السرير كتب عليها: إن لم تنم في هذه الليلة فالعلة ليست في فرشنا، إنها وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك، إنها كثيرة. في قلب المؤمن من الراحة النفسية والطمأنينة والسكينة والهدوء ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، لأن المؤمن التائب انسجم مع نفسه، اصطلح مع نفسه، جاءت حركته متوافقة مع خصائصه، هذه آية من آيات الفطرة، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ (سورة الشمس ) الآية الثانية: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ (سورة الروم:30) أن تقوم، وأن تقف، معنى ذلك أن الأمر في غاية الأهمية، والإنسان أحياناً يكون جالسًا، إذا حزبه أمر وأقلقه أمر، أو جدّ أمر يقف، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ (سورة الروم:30 ) بكليتك، بكل اهتمامك، بكل طاقتك، بكل حركاتك وسكناتك، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ (سورة الروم:30) أن تقيم وجهك للدين حنيفاً، هذه الإقامة للدين حنيفاً هي نفسها فطرتك التي فطرت عليها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ (سورة الروم:30) أيها الإخوة الكرام، هذه حقائق في أي مكان في الأرض، في أي زمان الخطأ خطأ، والصواب صواب، بل إن أروع ما في هذا الدين العظيم أن الله سمى الأعمال القبيحة في ميزان الشرع منكراً، لأن الفطر السليمة تنكرها ابتداءً، وسمى الأعمال الصالحة في ميزان الشرع معروفاً، لأن الفطر السليمة تعرفها ابتداءً، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ (سورة الروم:30) هكذا فطرنا، فطرنا على طاعة الله، فطرنا على الصدق والأمانة، والإحسان، والإنصاف والعدل، والرحمة والعفو، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الروم) هذه الآية الثانية، فإذا توجهت إلى الدين بكل إمكاناتك، بكل اهتمامك، بكل طاقاتك، هذا التوجه هو نفسه ما جٌبِلتَ عليه، وما فطرت عليه، وما أراحك. الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه ﴾ (سورة القيامة) لا يمكن أن تخدع كل الناس لكل الوقت: يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا مستحيل وألف ألف مستحيل، أما أن تخدع نفسك ثانية واحدة فهذا مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ (سورة القيامة) المذنب يعلم علم اليقين أنه مذنب، وقد لا يعترف، وقد يكابر، وقد يركب رأسه، ولكن في أعماقه يعلم أنه مذنب، هذه فطرتك، قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ (سورة القيامة) الآية الرابعة: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ (سورة الحجرات: 7) للتوضيح: حينما تضع أمام أنفك وردة فواحة الرائحة لماذا تشعر براحة كبيرة ؟ لأنك مجبول على حب الرائحة الطيبة، لكن هناك حيوانات تعيش في المياه السوداء، وكأنها في عطور، أن تستمتع بالشيء الجميل هذا في الأصل ليس في الجميل فقط، بل في فطرتك، أن تستمتع برائحة طيبة هذا لا يعود إلى أن الوردة لها رائحة طيبة، يعود إلى أنك أيضاً جُبلت على قبول هذه الرائحة، والدليل: هناك كائنات أخرى تستمتع بأنتن الروائح، الخنزير أكلته المفضلة خنزير متفسخ، أكلته المفضلة لحم الجيف. أحياناً يمشي الإنسان في الفلاة فيشعر برائحة يكاد يخرج من جلده، حيوان متفسخ، وهو أكلةُ الخنزير المفضلة، أطيب طعام يشمه من أعماقه الجيف واللحوم المنتنة والجرذان الميتة، معنى ذلك أنك حينما تستمتع بشيء طيب من الطعام والشراب، أو حينما تشم رائحة طيبة، فاستمتاعك بهذه الأشياء لا لأن الرائحة طيبة فقط، لأنك في أصل تركيبك مجبول على حب هذه الرائحة، وهذا من تكريم الله لك. انظر إلى دجاجة إنها تأكل كل شيء، حتى براز الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ (سورة الإسراء) ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ (سورة الحجرات: 7) أربع آيات في كتاب الله تتحدث عن الفطرة، وفي حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري ومسلم عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: (( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ )) [ مسلم ] الشيء القبيح لا ترتاح له، بل تقلق مِن فعله، تقلق أشد القلق، والدعاة إلى الله يُسألون عن أشياء لم يرتح السائل لها، آلاف الأشياء تفعلها وأنت مطمئن، لأنها متوافقة مع الفطرة، لكن هناك شيء أقلقك فتسأل عنه، لأنه خالف الفطرة، إذاً: الآيات الكريمة والحديث الصحيح يؤكد أن الإنسان جُبِل على فطرة عالية. من خصائص النفس: لو أردنا أن نتابع خصائص النفس. أيها الإخوة الكرام، من أولى خصائص النفس، وأنا أتمنى أن يجهد العلماء لمعالجة موضوعات تحت عنوان: علم النفس الإسلامي. 1 – كل نفس ذائقة الموت: الحقيقة الأولى في خصائص النفس: أن كل نفس ذائقة الموت، ومعنى ذائقة لا أنها تذوق الموت، والإنسان مؤلَّف من ذات هي نفسه التي بين جنبيه، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي تحب، هي التي تبغض، هي التي تسمو، هي التي تسهو، هي الطائعة، هي العاصية، هي المؤمنة، هي الكافرة، هي التي لا تموت، هي التي مصيرها إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفذ عذابها، هي ذات الإنسان، وقد خاطبها الله بقوله تعالى: ![]() ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ ( سورة الفجر) أو: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ ( سورة القيامة) أو: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ ( سورة يوسف: 53) ذاتك، من أنت ؟ نفسك هذا وعاء الجسم، وعاء النفس، في داخل الجسم ترى من عينين، تنتقل، لها الأصوات من أذنين، تعبر عن ذاتها باللسان، تنتقل من مكان إلى مكان عن طريق الرجلين، تبطش باليد، تستخدم جهاز الفكر، هذه التي تخاطب، والتي تعاتب، هي ذاتك، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ (سورة الشمس ) مَن حملها على معصية الله، من أبقاها غافلة عنه، لذلك: ( قد أفلح ) في القرآن تعني النجاح كل النجاح، والفلاح كل الفلاح، والفوز كل الفوز، والتوفيق كل التوفيق، والتفوق كل التفوق، أن تزكّي نفسك، أي أن تؤهّلها لدخول الجنة، ثمن الجنة تزكية النفس، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ (سورة الشمس ) 2 – البشر من نفس واحدة: من خصائص النفس أن الله خلق البشر من نفس واحدة، من خصائص واحدة، الإنسان هو الإنسان، في أي مكان وزمان، (( يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها )) [ ورد في الأثر ] ![]() خصائص البشر واحدة، فأيّ إنسان على وجه الأرض يحب الجمال، ويحب الكمال، ويحب النوال، خصائص ثابتة، مسلم أو غير مسلم، ملحد، علماني، بعيد، قريب، أيّ نفس إنسانية تحب الكمال، قد يكون الذي يحب الكمال ناقصاً، قد يكون مجرماً قد يكون لصاً، يقول اللص لإخوانه اللصوص: اقسموا بالعدل، فطرته العدل، لكنه يخالف فطرته. أيها الإخوة، خصائص النفس واحدة، تحب الكمال، أن تحب الكمال شيء، وأن تكون كاملً شيء آخر، أن تحب الرحمة شيء، وأن تكون رحيماً شيء آخر، الفطرة تعني أنك تحب الكمال، تحب العدل، تحب الإنصاف، تحب الكرم، تحب السخاء، تحب الرضا، خصائص البشر واحدة، الكمال موقف أخلاقي فيه وفاء، الجمال، الوردة الجميلة، الطفل الجميل، المنظر الجميل، البحر الجميل، الجبل الأخضر الجميل، أيّ شيء جميل تحبه النفس، والنوال العطاء، لو أن واحدًا كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرِّجل، مائل الذقن، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، منحك بيتاً، فإنك تذوب محبة له، على قماءة شكله، تحب النوال، وتحب الكمال، وتحب الجمال، الكمال أخلاقي، والجمال قد يكون حسيًا، والنوال عطاء، هذه خصائص النفس البشرية. 3 – الإنسان خلق هلوعا: من خصائص النفس البشرية أن الإنسان خلق هلوعا، ما معنى هلوع ؟ القرآن فسر الهلوع، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ﴾ (سورة المعارج) لا يحتمل. إنّ طبيبًا فحص مريضًا معه ورم خبيث منتشر، قال له: هذا المرض ينهي أجلك بعد أربعة أشهر، تدبر وقتك، اكتبْ وصية، نظم أمورك، مات في اليوم الثاني، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ (سورة المعارج) يقلق على حياته، يقلق على رزقه، يقلق على من يلوذ به، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ (سورة المعارج) لو لم يكن هلوعاً لما تاب إلى الله، لو أن الإنسان لا يخاف، فبلغوه بخبر ورم خبيث، خير إن شاء الله، ما من مشكلة، لا يتوب إلى الله، أما إذا لاح إلى الإنسان شبح مشكلة ـ لا سمح الله ـ عافاكم الله جميعاً، أنا والله من أدعيتي التي أتأثر بها: " اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء "، أكرموا عزيز قوم ذُلَّ، وغني افتقر، وعالم ضاع بين الجهال، لذلك خُلق الإنسان هلوعا، هذا ضعف في أصل خلقه لمصلحته، ألا ترى أن بعض الآلات الغالية جداً فيها وصلة ضعيفة جداً تسمى ( الفيوز )، كومبيوتر صناعي ثمنه ثلاثون مليونًا، لو جاءت شحنة كهربائية عالية جداً لأحرقته، لكن فيه وصلة ضعيفة جداً، فإذا جاء التيار عالياً ساحت هذه الوصلة، وقطعت عنه التيار، وسَلِم الجهاز، هذا الضعف في أصل تصميم الجهاز لصالح الجهاز، وهكذا الإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ (سورة المعارج) ومعنى: إذا مسه الشر جزوعا، يقلق أشد القلق يطرب، لا ينام الليل، وإذا مسه الخير منوعا، لأنه إذا مسك الخير تكون منوعًا، فترقى بالصدقة، والمال محبب، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْث ﴾ِ (سورة آل عمران: 14) لأن المال محبب، فبإنفاقه يرقى به، والشيء الذي لا تحبه إذا أنفقته هل تشعر برقي ؟ عندك ثوب بالٍ قديم لا ترتديه إطلاقاً، هو عبء عليك، ولا مكان له في البيت فتصدقت به، هل ترقى بهذا التصدق ؟ الشيء الجديد، الطعام الطيب، المال إن أنفقته تَرْقَ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ ( سورة المعارج) المصلي قد ينجو من هذا الضعف الخلقي، وهو ضعف في أصل خلق الإنسان، لكنه لصالح الإنسان، الآية الثانية: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ ( سورة الإسراء) يريد أشياء قريبة، فإذا اختار الآخرة يعاكس فطرته، فإذا عاكس فطرته ارتقى عند الله، يريد شيئًا مستعجلا جاهزا، أحياناً يدعى إلى عمل دخله كبير جداً فيه مئات الشبهات، شبهات في العمل، في الدخل، يريد المال سريعاً، يأتي المؤمن فيقول: معاذ الله، إنه ربي أحسن مثواي، يبحث عن شيء ينفعه بعد الموت، اختار هدفا بعيدا عن متناول يده، بهذا الاختيار يرقى الإنسان، لأنه عجول، إذا اختار هدفاً بعيداً يرقى بهذا الاختيار، لو كان في الأصل مَهُولا لا يرقى باختيار الآخرة أبداً. 4 – وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا الآية الثالثة: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾ ( سورة النساء) خلق الله الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه، لذلك أحياناً يكون الإنسان في حالات قوياً جداً، فيستغني بقوته عن الله، قد يكون غنياً جداً فيستغني بماله عن الله، والآية واضحة جداً: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾ ( سورة العلق ) رأى نفسه مستغنياً عن الله عز وجل، لذلك بطولة المؤمن أنه مفتقر دائماً إلى الله عز وجل. إذاً: من خصائص النفس أنها تذوق الموت ولا تموت، ومن خصائص النفس أنها خلقت من نفس واحدة، من صفات وسمات مشتركة بين كل البشر، ومن خصائص النفس أن: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ ( سورة المعارج) ومن خصائص النفس: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ ( سورة الإسراء) ومن خصائص النفس: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾ ( سورة النساء) هذا الكلام يقترب مما يسمى بعلم النفس الإسلامي. خصائص الإنسان حيادية: لكن أيها الإخوة، هناك ملاحظة دقيقة جداً: أن كل خصائص الإنسان حيادية، بمعنى أنه يمكن أن ترقى بها على أعلى عليين، ويمكن أن تهوي بها إلى أسفل سافلين. مثلاً: الإنسان يحب التقليد، إن قلدت مؤمناً ارتقيت، وإن قلد فاسقاً هلكت، التقليد حيادي، الإنسان يغار، إن غار من مؤمن حافظٍ لكتاب الله يرقى، وإن غار من إنسان غارق في الزنا يهلك، فالغيرة حيادية. بالمناسبة، لأن الإنسان مخير فكل خصائصه حيادية، التقليد خصيصة، طفل يقلد أباه، وهو يصلي، وطفل إنسان فاسق يقلده، وهو يفسق، التقليد صفة حيادية، أساساً من صفات المؤمنين أن أولادهم في الأعم الأغلب مؤمنون، ومن صفات الكفار والفاسقين قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً ﴾ ( سورة نوح) فالطفل بحسب ما يرى يقلِّد، فالتقليد صفة في الإنسان، يمكن أن توظف في الخير أو في الشر، فإنْ صحبت المؤمنين تمنيتَ أن تكون مثلهم، وإن صحب الإنسانُ أهلَ الفسق والفجور تمنى أن يكون مثلهم، لذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ ( سورة التوبة ) عش في أجواء إيمانية، عش مع المؤمنين، لا تصاحب إلا مؤمناً، لا تصاحب إلا من يرقى بك إلى الله حالُه، ويدلُّك على الله مقالُه، صفات الإنسان كلها حيادية، سمات الإنسان كلها حيادية، خصائص الإنسان كلها حيادية، يمكن أن تكون سلَّماً ترقى به، أو دركات تهوي بها، لذلك التقليد من خصائص الإنسان المؤمن، قال تعالى: 5 – التقليدُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْم ﴾ ( سورة الأحزاب ) غير المؤمن يقلِّد أهل الفجور والانحراف والفسوق والعصيان. لذلك من خصائص الإنسان التقليد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري: (( لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ، ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ )) [ البخاري ومسلم ] ![]() هذا هو التقليد، إذا قلّدتَ مؤمناً في سَمته الحسن، في ورعه، في استقامته، في إنفاقه، في عبادته، ترقى عند الله، والذي يقلد فاسقاً يسقط من عين الله، ودائماً وأبداً هؤلاء النجوم والأعلام والقادة، مدير مستشفى، مدير مدرسة، معلم صف، إذا دخن أمام طلابه فقد أغراهم بالدخان، ويعاقَب مرتين، مرة لأنه أخطأ، ومرة لأنه قُلِّد مِن قِبَل مَن يراه كبيراً. أيها الإخوة الكرام، الحسد مثلاً، الحسد أن تتمنى ما عند الآخرين، هذه خصيصة، لكنها حيادية. التقيت مع مؤمن، رأيت سمته وأدبه، ومحبته لله، وتألق وجهه وورعه، وعلمه واستقامته، وأعماله الطيبة، تمنيت أن تكون مثله، لا حَسَدَ، أي لا غبطة إلا في اثْنَتيْنِ، إنسان ينفق ماله في الليل والنهار، وإنسان ينفق علمه في الليل والنهار، الصفة نفسها، الخصيصة نفسها، إذا تأملت حياة فاسق فاجر كل يوم في نادٍ، كل يوم في فندق، كل يوم مع فتاة، إذا استخدمت خصيصة التقليد تتمنى أن تكون مثلهم، إذاً: التقليد صفة حيادية. الحسد أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك لتصل إليك، هذا مستوى، وهناك مستوى أسوء ؛ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك، وهناك أسوء وأسوء ؛ أن تكتب، أن توغر صدر سيده عليه بتقرير . لذلك أيها الإخوة، ما من خصيصة من خصائص النفس إلا وهي حيادية، سلم ترقى بها أو دركات تهوي بها، قد لا تصدقون أن هذه الفطرة موجودة عند الحيوانات أيضاً، الدليل: ألقِ لهرة أمامك قطعة لحم تأكلها أمامك، لو أنها خطفتها تأخذها، وتعدو بها بعيداً عنك، لأنها شعرت أنها في الحالة الثانية أنها كانت معتدية. بين الفطرة والصبغة: 1 – الفطرة: الآن مع موضوع الفطرة والصبغة، الفطرة أن تحب الخير، وقد لا تكون خيراً، الفطرة أن تحب العدل، وقد لا تكون عادلاً، الفطرة أن تحب الرحمة، وقد لا تكون رحيماً، هذه الفطرة، الفطرة شيء، حب الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيء آخر. 2 – الصبغة: أما إذا اتصلت بالله جل جلاله صلة محكمة استقرت في نفسك الكمالات، الله رحيم، وأي مؤمن يتصل به يصبح رحيماً، الله عز وجل عدل، وأي مؤمن يتصل به تراه عادلاً، الله عز وجل لطيف، وأي مؤمن يتصل به يشتق منه اللطف، أنت في الحالة الأولى فطرتك سليمة، أما في الثانية فهي صبغة، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ ( سورة البقرة ) ![]() الفطرة أن تحب الكمال، لكن الصبغة أن تتخلق بالكمال، الفطرة أن تحب الرحيم، لكن الصبغة أن تكون رحيماً، الفطرة أن تحب العدل، لكن الصبغة أن تكون عادلاً، الصبغة من خصائص المؤمنين، لأنهم اتصلوا بالله عز وجل، لذلك قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ( سورة آل عمران ) أيْ: بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، لذلك إذا ابتعدتَ عن الله يغدو القلب قاسياً، وإذا اقتربتَ منه يغدو القلب رحيماً، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الزمر ) عندنا صبغة وفطرة، الفطرة أن تحب الكمال، لكن الصبغة أن تكون كاملاً، الفطرة من صفات البشر جميعاً، لكن الصبغة من صفات المؤمنين. بين الطبع والتكليف: ![]() هناك شيء آخر، هناك طبع وهناك تكليف الطبع، أقرب إلى الجسم، طبعك يقتضي أن تبقى نائماً إلى ما بعد الشمس، أما التكليف فيأمرك أن تستيقظ قبل طلوع الشمس، طبعك يقتضي أن تملأ عينيك من محاسن النساء، لكن التكليف يأمرك أن تغض البصر، طبعك يقتضي أن تأخذ المال، لكن التكليف يأمرك أن تنفقه، طبعك يقتضي أن تخوض في فضائح الناس مستمتعاً بها، والتكليف يأمرك أن تسكت. أيها الإخوة الكرام، الطبع مناقض للتكليف، ومن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ ( سورة النازعات ) إذاً: أنت لا ترقى عند الله إلا إذا خالفت طبعك، لذلك طاعة الله تنسجم مع الفطرة، وتتناقض مع الطبع، ومن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة. من الإعجاز العلمي في القرآن:إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا: أيها الإخوة الكرام، لو انتقلنا إلى موضوع في الإعجاز العلمي: كلكم يعلم أن الأرض تدور حول الشمس، لكن في مسار بيضوي، ومعنى مسار بيضوي أنه يشبه البيضة، المسار البيضوي فيه قطر صغير وقطر طويل، الأرض تقطع في الثانية الواحدة ثلاثين كيلو متر في دورتها حول الشمس، لو أنها هنا في الطرف الطويل، وسارت على مسارها، ووصلت إلى هنا في القطر الصغير، ما الذي يمكن أن يقع ؟ نظام الجاذبية متعلق بالمسافة، ونظام الجاذبية متعلق بالكتلة، الكتلة ثابتة، لكن حينما تقلّ المسافة بين الأرض والشمس فهناك احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة، وانتهت الحياة، لأن حرارة باطن الشمس عشرون مليون درجة، تتبخر الأرض فوراً، لذلك ما الذي يحصل ؟ الأرض عاقلة، الأرض جماد، الأرض حينما تقترب من القطر الأصغر ترفع سرعتها وحينما ترفع سرعتها ينشأ من رفع سرعتها قوة جديدة نابذة تكافئ القوة الجديدة الجاذبة، فتبقى الأرض على مسارها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ( سورة فاطر ) من آيات الله الدالة على عظمته أن الأرض تسرّع إذا اقتربت من القطر الأصغر لينشأ من سرعتها الطارئة قوة نابذة طارئة تكافئ القوة الجاذبة الطارئة من قلّة المسافة بينها وبين الشمس، يد من ؟ صنع مَن ؟ تصميم من ؟ قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ( سورة الزمر) فإذا تابعت الأرض سيرها، ووصلت إلى القطر الأطول زادت المسافة، و ضعفت الجاذبية، وهناك احتمال أن تتفلت الأرض من الجاذبية، وتسير في الفضاء الكوني، وعندئذ تصبح الأرض قبراً جليدياً بمئتين وسبعين درجة تحت الصفر، وتنتهي الحياة، هذه يد الله العظيمة، ماذا تفعل الأرض هنا ؟ تخفض من سرعتها لينشأ من تخفيض السرعة الطارئة قوة نابذة أقلّ تكافئ القوة الجاذبة الأقل، وتبقى على مسارها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ( سورة فاطر ) أن لا تخرج الأرض عن مسارها هذا من آيات الله الدالة على عظمته. بعض العلماء يقول: " لو أردنا أن نرجعها إلى الشمس، لو أنها شردت، وانفلتت، قال: نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، والحبل الفولاذي الذي قطره خمسة أمتار يستطيع أن يقاوم من قوى الشد مليوني طن، فالأرض مرتبطة بالشمس بقوة جذب تساوي مليون مَليون ضرب مليونين، أيْ اثنين أمامها ثمانية عشر صفرًا، كل هذه القوة من أجل أن تحرف الأرض في مسارها ثلاثة ميليمترات في الثانية، لينشأ مسار مغلق، هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه، قال: ولو أردنا أن نعيدها إلى الشمس، وزرعنا على سطحها مليون مَليون حبل فولاذي المفاجأة أن المسافة بين كل حبلين خمسة أمتار، نحن أمام غابة من الحبال، فلا بحار، ولا إبحار، ولا سفن، ولا طرق، ولا أبنية، ولا زراعة، ولا شيء. الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ ( سورة الرعد ) يعني بعمد لا ترونها، هذه قوى الجذب، لذلك الآيتان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ( سورة فاطر ) والآية الثانية: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ ( سورة الرعد ) هاتان آيتان في القرآن الكريم بعد اكتشاف حقائق الجاذبية، وحقائق الفلك وحقائق الأرض تبين أن هاتين الآيتين من الإعجاز العلمي الذي يشير إلى عظمة الله عز وجل. أيها الإخوة الكرام، نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درس قادم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاعجاز, العقيدة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 3 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| و الناظر في هذه العقيدة ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 6 | 01-21-2019 07:21 AM |
| العقيدة الطحاوية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 22 | 09-16-2018 02:18 PM |
| [ذائقة نورانية] العقيدة الاسلامية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 68 | 06-21-2018 03:20 PM |
| من الاعجاز القرآني | ابوفهد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 4 | 08-30-2016 10:03 AM |
| الاعجاز الاقرآني | دلير عبدالله | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 5 | 09-08-2013 12:41 PM |