| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#81 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الرغبةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وقفة متأنية عند هذه الآية : أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم منزلة الرغبة, قال تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [سورة القلم الآية: 32] قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [سورة الأنبياء الآية: 90] ما من منزلةٍ من منازل مدارج السالكين, إلا ولها أصْلٌ في الكتاب الكريم، أو سنّة النبي عليه أتمّ الصلاة وأتمّ التسليم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [سورة الأنبياء الآية: 90] ولا بدّ لنا من وقْفةٍ عند هذه الآية، من السَّهل أن ترجو رحمته دون أن تدفع الثَّمَن، ومن السَّهل أيضًا أن تقنط من رحمته لِجَهلٍ مسْتحْكِم, ولكنّ البطولة أن تعبُدَهُ راجيًا وخائفًا، راغبًا وراهبًا، رغبةً ورهبةً, الوضْع المتوازن يحتاج إلى بطولة، أما التطرّف فسهلٌ جدًّا, أبٌ بإمكانه أن يكون سهلاً فَيُعْصَر، وبإمكانه أن يكون عنيفًا جدًّا، كلا الحالتين سهلةٌ على الأب، أما الأب الذي يرجو أولاده عطاءه، ويخافون غضبهُ, في الوقت نفسه هذا أب مُرَبٍّ حكيم، وبالمقابل المؤمن الصادق يعبد الله رغبًا ورهبًا، إذا عرف من رحمته لا يطمع بها فَيُقصِّر، وإذا عرف من عقابه لا يدْفعُه العقاب إلى أن ييْأس. أكمل موقف قاله سيّدنا عمر: والله لو علمْتُ أنّ الله معذِّبٌ واحدًا لَخِفْتُ أن أكون أنا، ولو علمْتُ أنّ الله راحمًا واحدًا لرجَوْتُ أن أكون أنا. ما الفرق بين الرغبة والرجاء؟ : لكنّ العلماء فرَّقوا بين الرغبة والرجاء، قالوا: الرّجاء طمع والرغبة طلب، طمعٌ وطلبٌ، أو الرجاء ثمرةُ الطَّمع، تطْمعُ فترْغَبُ, فإنَّه إذا رجا الشيء طلبهُ، والرغبة من الرَّجاء كالهرب من الخوف، فمن رجا شيئًا طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئًا هرب منه. وهذا يقودنا إلى قانون، قانون التعامل مع المحيط، الإنسان في تعامله مع المحيط يسْلُك القانون التالي: يُدْركُ فيَنْفَعِلُ فيَسْلُك يتحرّك, أوْضَحُ مثلٍ: كنتَ في بستانٍ, فرأيْتَ أفعى, انطبق شكلها على شبكيّة العين, إحساس, انتقَلَتْ هذه الصورة إلى الدّماغ؛ إدراك بِحُكم المفهومات التي تعرفها في المدارس, ومن خلال التعامل الاجتماعي, أنّ فلاناً لدَغَتْهُ الأفعى فمات، الأفعى سمُّها قاتل، وهناك أفعى خطيرة جدًّا، معلومات وصَلَت إليك فكوَّنَتْ مفاهيم، فهذه الصورة حينما تنتقل إلى الدّماغ تصبحُ مفهومًا مُدْركًا، الإدراك يُحْدث اضطراباً، ما دامَتْ أفعى وهي قريبة منك، وهناك خطر أن تلدغكَ فلا بدّ أن تضطرب، علامة صحَّة الإدراك الاضطراب، وعلامة صحّة الاضطراب السلوك، إما أن تقتلها وإما أن تهرب منها، إدراك انفعال سُلوك، فإن لم يصحّ الإدراك لا يكون انفعال، وإن لم يكن هناك انفعال ليس هناك سلوك. مثلاً: لو أنَّ واحدًا قال للآخر: انتبِه على كتفك عقرب, وبقي هادئاً جدًّا، ثم التفت إليه وابتسَم, وقال له: أنا أشكرك على هذه الملاحظة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكِّنَني أن أكافئك عليها, هذا الموقف الهادئ جدًّا، هل معنى ذلك: أنّ الذي سمع كلمة عقرب فهمها؟ لم يفهمها أبداً, إدراك انفعال سلوك، هذا هو القانون، ومن ألطف ما في الأمر: أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((النَّدَمُ تَوْبَةٌ)) [أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه] التوبة تحتاج إلى علم, وإلى حال, وإلى سلوك، فالنبي اختصر بالنَّدم وهو الحال، شرح الحديث قالوا: هذا الحال يوجبهُ علم، وينْتُجُ عنه سُلوك، هذا الحال له سبب، وله نتيجة، سببه العلم، نتيجته السُّلوك, فالراجي طالب، والخائف هارب، والدليل: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] علامة صِدْق الرّجاء العمل، الله عز وجل ربط الرجاء بالعمل, فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 19 ] أراد الآخرة وسعى لها سعيَها وهو مؤمن، يعني بِشَكلٍ أو بآخر: إن لم يُتَرجم العلم إلى عمل فلا قيمة له، إن لم يُتَرجم الإيمان إلى سلوك فلا قيمة له، إن لم يُترْجم التوحيد إلى تقوى لا قيمة له: وعالم بعِلْمه لم يعملَن مُعَذَّبٌ من قبل عبّاد الوثن الراجي طالب، والخائف هارب، والرغبة هي الرجاء, حقيقة الرجاء طمَع يحتاج إلى تحقيق، طمعٌ في مغيَّبٍ عنك, مَشْكوك في تَحصيله, وإن كان متحقِّقًا بِذاته، الجنّة مُتحقِّقة بذاتها، ولكن القلق أن يُسْمحَ لي أن أدخلها أو أن لا أدخلها. لا تقلق على الإسلام إنّه دين الله : بالمناسبة: الشيء بالشيء يُذْكر: الإنسان أحيانًا يستمع إلى الأخبار, يتوهَّم أنَّ الإسلام انتهى، الإسلام يواجه معركة مصير في كل مكان في العالم، في شمال الأرض وجنوبها، وفي شرقها وغربها, أعداء المسلمين أقوياء وأشِدَّاء وقُساة، ويرَوْن الإسلام عدُوًّا لدودًا، لا تقلق على الإسلام إنّه دين الله، والله بيَدِهِ كلّ شيء، إن أراد شيئاً يقول له: كُنْ فيكون ، زُلْ فيَزُول، أضربُ لكم مثالاً: في بعض الروافع الكهربائيّة في معامل الحديد, ترفع عشرون أو ثلاثون طنًّا عن طريق الكهرباء، وكلّكم يعلم أنّ الكهرباء تشكِّل مساحة مغناطيسيّة، فإذا أحطْنا سطح الرافعة بِوَشيعة كهربائيّة, يصبح فيها قوّة جذب كبيرة جدًّا، فقد تحمل هذه الرافعة عشرين طُنًّا، ولا يستطيع أقوى الرّجال أن يأخذ منها قطعة واحدة، أما عامل هذه الرافعة لو ضَغَط الزرّ ربع ميلي لسقَطَ كلّ ما عليها, قطَعَ الكهرباء، وانتهى المغناطيس، ووقع كلّ الحديد، أقوى قوّة في الأرض, لو أراد الله عز وجل تدميرها, لقال: كُن فيكون، زُل فيَزُول، قال تعالى: ﴿فجعلنا عاليَها سافلها﴾ أقرب مثل زلزال تركيا الأوّل، والثاني كذلك زلزال كبير جدًّا, ذهب ضحِيَّته مئات القتلى, وآلاف الجرحى, وعشرات ألوف المُشرَّدين. هم يبْنون السُّدود لِيَمْنعوا الماء عنَّا، الخبراء قالوا: لا بدَّ من تفريغ السُّدود, وإلا كانتْ الطامّة الكبرى، وأُفْرِغَت السُّدود وانتقلت المياه إلى أصحابها قهْرًا، الله عز وجل قهَّار، فالراجي طالب، والخائف هارب, والرغبة هي الرّجاء بالحقيقة، والرجاء طمعٌ يحتاج إلى تحقيق، أيْ طمعٌ في مُغَيَّبٍ عن الراجي مَشكوك في تحصيله, وإن كان متحقِّقًا في ذاته كالجنّة هي مُتَحَقِّقة، ولكنّ القلق أن يُسْمح لنا بِدُخولها أو أن لا يُسْمح. متى تتولد الرغبة؟ : النُّقْطة الدقيقة جدًّا: متى تتولَّد الرغبة؟. إنسان عندهُ محلّ، وهذا المحلّ يعجبه، وعينه تقرّ به، جاءهُ إنسان وقال له: اعْمل مكتب استيراد, تبيع زبوناً واحداً, وتربح عشرة أضعاف ربْحك الحالي، تربح أرباحًا طائلة ومكانتك ستصبح عالية، لأنه لا علاقة لك بالتعامل اليومي مع الزبائن, فصاحب المحلّ لمّا سمع هذا الكلام, رغب أن يكون بائع جملة ومُسْتوْرِداً, متى تولَّدَت الرغبة؟ من الإدراك، العلم، وكذا الأمر في الدين, إذ لا يمكن أن تتولّد لك رغبة في الدار الآخرة, ولا في السّعي إلى الجنّة، ولا في طاعة الله, إن لم تعْلَم، فالعِلْم أساس. وبالمقابل: كما أنّه لا يمكن أن ينشأ لدَيْك خوفٌ حقيقيّ من مَعْصِيَة, إلا إذا أدْركْتَ ماذا تعني المعصِيَة؟ تعني حجابًا عن الله عز وجل، بل إنّ أشدّ عِقابٍ يُعاقبُ به الإنسان كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] الحِجاب، فأنت تُطيع بِقَدْر عِلْمِك، وتنتهي عن مناهي الله بِقَدر علمك، فالعلم يُوَلّد الرغبة في العمل، والرغبة في التَّرك. مثلاً: إنسانٌ يُدَخِّن، تقول له: يا أخي, التدخين قد يُسبّب سرطاناً, وأزمة قلبيّة، جلْطة, يُسبّب داء المُوات، تأتيه بالأدلّة القاطعة, وبالبُحوث العِلميّة الجامعة, والحقائق الناصِعَة، ومع ذلك يُدَخِّن، أما حينما يُصاب في قلبهِ، أو بِجَلْطة في دمِهِ، أو بِوَرمٍ في صدْره، يدعُ الدّخان فوْرًا، ولكن متى ودعهُ؟ حينما يُدْرك خطر الدخان عن طريق المُعايَنَة، من هو العاقل؟ هو الذي لا يحتاج أن يكون هو التجربة، لا يتَّعِظ بنَفسِهِ بل بِغَيره. العلم حاجة عليا في الإنسان : لي صديق, له خال دارس في جامعات غَرْبِيَّة، وله منْصب رفيع، وله مكانة كبيرة, ولكنّه مُدْمِن على الدخان، أُصيب بِمَرض خبيث، زارهُ صديقي في المستشفى، فقال هكذا باسْتِكبار: هذه السيجارة لها معي حِسابٌ طويل, لقد سبَّبَتْ لي ورمًا في الرّئة، وبعد أن أُشْفى من هذا المرض، سأُحاسِبُها حِسابًا عسيرًا، لكنّ هذا المرض لمْ يُمْهِلْهُ حتى يُحاسبَها حسابًا عسيرًا, قضى عليه. قرأتُ بِكِتاب عن الدّخان: أنّ إنسانًا مَشْهور جدًّا في الترْويج لبعض أنواع الدخان, وله قِوام مُعَيَّن، ويلبس لباس راعي البقر، إلخ ... هذا الإنسان مات في رَيْعان الشباب بِسَرطان في الرئة بِسَبب الدّخان, وهو على فراش الموت, قال هذه الكلمات: كنتُ أكذبُ عليكم الدخان قتَلَنِي. إذًا: حينما يترسَّخُ العلم تُخْلقُ الرّغبة في الطاعة، أو الرغبة في ترْك المعْصِيَة، أوائلُ هذه الرغبة تتولَّد من العلم، لذلك: إن أردْت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردْت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معًا فعليك بالعلم. الخُطْوَة الأولى والأساسيّة والمهمّة: أنْ تعلَمَ، العِلْم حاجةٌ عُليا في الإنسان، حاجةٌ تليقُ بإنسانِيَّته، كلُّ مَن طلبَ العلم أكَّدَ أنَّه إنسان، ومن عزَفَ عن طلب العلم ألْغى إنْسانِيَّته، وحافظ على بَهيمِيَّتِهِ. هذه المقامات في الإسلام : كلُّكم يعلم: أنّ في الإسلام مقامات ثلاث: مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان. وبالمناسبة: أنا لا أرغبُ أبدًا أن أضيف مصطلحًا لم يرِد لا في الكتاب ولا في السنّة، لا أستخدم أيّ مصطلح, ونحن مع المضامين، ولسْنا مع العناوين، هذه المصطلحات مزَّقَت الأمّة, وهذه المصطلحات شقَّت صفوف الأمّة، مصطلحات كثيرة، أنت مع الكتاب والسنّة، مع ما جاء في القرآن، ومع ما جاء من النبي العدنان صلى الله عليه وسلّم, وهذا هو الإسلام. مصطلحاً: الإسلام أن تنْصاعَ لأمر الله، والإيمان أن تقْبِلَ عليه، والإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه, فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، هذا مقام الإحسان, تحقيق مقام الإحسان أن يفْنى الإنسان بِحُبّ الواحد الدَيَّان، أن يفْنى بِحُبِّه, وأن يخاف منه، وأن يرْجُوَ رحمتهُ، وأن يتوكَّل عليه، وأن يتبتَّلَ إليه، وليس فوق ذلك المقام مقام. مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنَّك تراه, فإن لم تكن تراه فإنّه يراك. أيها الأخوة, الإنسان إذا تعمَّق في الإيمان الحقائق, تتَّضِح له شامخةً صارخة، يكاد المؤمن يعلم الغيب، وهو لا يعلم الغيب، وذلك لِمَعرفته بالقوانين، الإنسان منْحرِف, ولا بدّ من أن يؤدِّبَهُ الله تعالى، وإنسان مُحْسن، لا بدّ من أن يكرمَهُ الله تعالى، معرفتهُ بالقوانين تعطيهِ نفسًا في الفراسة الصحيحة. من لوازم الرغبة : الرّغبة من لوازمها الرِّعايَة, إن كنتَ راغبًا في شيءٍ عليك أن ترْعاهُ، إن اكْتَمَلَتْ الرغبة, اكْتَمَلَ معها خُلُق الرِّعاية الإيمانيّة, العِلْم كيف يُراعى؟ يُحْفظ ويُعْمَلُ به، آفاتا العلم: أن يُنْسى وأن لا يُعْمَلَ به. الآن: إذا كان هناك رغبة صادقة, لا بدّ من أن يتْبَعَ هذه الرغبة الصادقة عملٌ يؤكِّدها، فَرِعايَةُ العلم بالحفْظ، ورِعايَة العلم بالعمل. نقطة دقيقة : هناك نقطة أتمنَّى أن تكون واضحة لديكم: أخواننا الكرام يحضرون دروس العلم كثيرًا، ويتأثَّرون ويخرجون بانطِباع عن الدّرس, هذا الانطباع لا يلْبث أن يُنسى، فإذا كلّما حضرْت الدرس، ترك الدرس انْطِباعاً ضبابياً, ثم لا تلْبَث أن ينسى الدرس، هنا مشكلة، هذا العلم كيف يتراكم؟ وكيف ينقلب إلى تعليم؟ وكيف ينقلب إلى طلاقة لِسان؟ وكيف ينقلب إلى دعوَة إلى الله عز وجل؟. فالشيء الثابت: أنّ الإنسان يطلب العلم ثمّ يُعَلِّم، يتلقَّى ثمّ يُلْقي، يأخذ ثمّ يعطي، هل يُعقل أن يعيش الإنسان طوال عمره في طلب العلم؟ هذا كلام غير مقبول، فما السبيل إلى أن أتذكّر ما سمعتهُ؟ هذا يحتاج إلى مُذاكرة. وأنا أنصح كلّ أخواننا أربعة أو خمسة بِحَسب القرابة، وبِحَسب المسكن، بِحَسب الجِوار والزمالة بالعمل على مستوى أسرة داخليّة، إذا جلسْتَ مع أخيك ساعةً واحدة، ومع بعض أخوانك الذين تجمعهم معك جامعة، جامعة الجِوار، أو جامعة العمل، أو جامعة القرابة، يتّفقون بعد انتهاء العمل يجلسون ويتذاكرون، أنت بالنّهاية تطلب العِلْم كي تُعَلِّم، تتلقّى كي تُلقي، وتأخذ كي تُعطي، العطاء يحتاج إلى تركيز، لذلك الذاكرة تُدَرَّب, حاوِلْ أن تكتب أجْمَلَ ما سمعْت، ثمَّ حاوِل أن تحفظَ أجْمَلَ ما كتبْتَ، وأنت عند أهلك طالب علم، فأنت مظنَّة عِلْم، ومظنَّة صلاح، لك أبٌ بعيد عن جوّ العلم، ولك أخ، ولك جار، ولك صهر، ولك ابن عمّ، تُسأل أنت دائمًا، وتُدْعى إلى احتفال، إلى عقْد قِران، إلى نُزْهة، إلى سهرة، إلى وليمة، إلى لقاء، تبقى ساكتًا, هذا غير معقول, تطلب العلم كي تُعَلِّم، من أجمل ما في الحياة أن تأخذ وأن تعطي، فإذا الإنسان حاوَلَ أن يكتب في البيت أجْمَلَ ما سمِع, ويحفظ أجمل ما كتب، بعد حينٍ تصبحُ له ذخيرة كبيرة جدًّا من المعلومات، دفتر صغير ورقيق في الجيب، سمع آية وطرب لِمَعناها سجلها. قيدوا العلم بالكتابة : سمِعَ مرَّةً قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور الآية: 55 ] الدِّين موصوف، ما قال: وليُمَكِنَنَّ لهم دينهم, ولكن قال: الذي ارتضى لهم، معنى ذلك: أنّ الدِّين الذي يرتضيه الله لنا هو سبب تمكيننا في الأرض، استنباط منطقي صرف, فإن لمْ نُمَكَّن, معنى ذلك: أنّ الدِّين الذي نُمارسُهُ لم يرْتضه الله لنا، لذلك لمْ يُمَكِنَّا في الأرض، وهذا معنى لطيف جدًّا، وهو يحلّ مشكلة كبيرة، فهذه الآية تُكْتب على دفْتر، ويُشار إلى المعنى، دفتر صغير، سمعت معنى آية، أو حديث، أو حِكْمَة، حقيقة, حكم فقهي، هذه ذخيرة في جَيْبك ، فإن أردْت أن تحفظ فاكتُب، وإن أردْت أن تُلقي فسَجّل، إن أردْت أن تعِظ فدَقِّق، فالعِلْم آفتهُ أن تنساه. لو قال الواحد: حدَّثنا سفيان بن عيينة, عن فلان, عن فلان, عن فلان, فساق ثلاثاً وثلاثين راوِيَة, والحديث: أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: من كان فيه خَصْلتان دخل الجنة، أما الأولى فقد نسِيَها الراوي، وأما الثانية فقد نسيتها أنا, لم يبْقَ شيء، هذه مشكلة، يأتي لِيَتَكَلَّم فلا يذْكُر شيئًا، فقَيِّدُوا العِلْم بالكتابة. من مفسدات العمل : قال: إذا اكتمَلَتْ رغبَتُهُ, اكْتَمَلَ مع رغْبته خُلقُ الرِّعاية، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص، والإحسان هو الإتقان، والإخلاص أن يكون خالصًا لله تعالى، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص, ويحفظ العمل من مُفْسِداته. مثلاً: أعطى ثمّ منَّ بعْد عطائِهِ، فالمنّ أذْهَبَ ثواب عطائه. هذه مراتب العلم والعمل : وقال العلماء: مراتب العلم والعمل ثلاثة: رواية هي مجرّد النقل وحمْلُ المرْوِيّ، ودِرايَةٌ هي فهمهُ وتعَقُّلُ معناه، ورعايةٌ هي العمل بِمُوجِبِه، ما علمهُ وبِحَسب مُقتضاه، ما قولكم بهذا المثل: أنت أمام خارطة لِقَصْر، الخارطة واضحة جدًّا، وقد رسمها أكبر مهندس, مساحات، الطابق الأوّل, والثاني, والثالث، غرف النوم، وغرف الجلوس, الشرفات, الحدائق، نسب الجدران، كلّ التفاصيل في هذه الخارطة، هذا نوع من العلم، فالذي أعطاك هذه الخارطة أعطاكَ علمًا، ولكن أنت ليس عندك بيت، معك خارطة فقط, أما هناك عالم يدلّك على طريق القصر كي تسْلُكها، وهناك عالم ثالث يدخلك إلى القصر لِتَسْكنهُ، فإنسان قدَّم لك خارطته، وإنسان دلَّك على الطريق الموصِلِ إليه، وإنسان أعانك على أن تدخلهُ، وأن تسكنه, وأن تستقرّ به، وفرقٌ كبير بين أن تمْتلك خارطة قصْر وبين أن تملك قصر، وبين أن تمتلِكَ صورة سيارة وبين أن تملك السيارة, فمراتب العلم ثلاثة: رِوايَةٌ؛ حدَّثنا فلان عن فلان، وهي مجرّد النقل وحمْلُ المرويّ، ودِرايةٌ هي فهمه وتعقُّل معناه، ورعايةٌ هي العمل بِمُوجبه, روايةٌ ودِراية ورعاية، ترْوي النصّ، وتفهم النصّ، وتعمل بالنصّ, لذلك قال الله عز وجل في معْرض مديح المؤمنين، قال: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [سورة البقرة الآية: 121] علماء التفسير فسَّروا حقّ تِلاوته: أن تنطق به صحيحًا، وأن تفْهمهُ, وأن تعمل به. ما حق التقوى؟ : قال: النَّقَلة همُّهم الرّواية. والعلماء همّهم الدراية، والعارفون بالله همّهم الرِّعايَة، واحد روى، والثاني درى، والثالث رعى، وقد ذمّ الله عز وجل من لم يرعَ ما اختاره وابتدعهُ من الرهبانيّة حقّ رعايتها، ما معنى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 102] أيْ ارْعَوا التقوى. قال: حقّ التقوى أن تُطيعهُ فلا تعصيه، أن تذكرهُ فلا تنساه، أن تشكرهُ فلا تكفرهُ. تعليق رائع : قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [سورة الحديد الآية: 27] هناك تعليق رائع: لأنّ الله ما كتبها عليهم، لم يستطيعوا رعايتها, من هو الخبير؟ الله جلّ جلاله، إذا سمَحَ الله لك بالزواج، وحرمْت أنت نفسكَ من الزواج زهدًا وورعًا، أنت تحرَّكْتَ حركة بِخِلاف فِطْرتك التي فُطِرْت عليها، لن تستطيع رِعايَة هذا المسْلكَ الذي ابْتَدَعْتهُ. أجْمَل ما قيل في هذا المقام: أشدُّكم خشيَةً لله عز وجل أنا، أنام وأقوم، أصوم وأفطر, أتزوج النساء، آكل اللّحم، هذه سنّتي، فمن رغب عنها فليس من أمَّتي, قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [سورة الحديد الآية: 27] لأنَّهم ابْتَدَعوها ولم تَرِد في منهجهم, إذًا لن يستطيعوا رعايتها حقّ الرعاية، ما كتبناها عليهم, هم حينما كتَبُوها على أنفسهم, اِدَّعَوا أنَّه ابْتِغاء رِضْوان الله، ولأنَّها لم تُكْتَب عليهم, لمْ يستطيعوا رعايتها، فما رعَوْها حقّ رعايتها. في هذا المعنى الدقيق, الله جلّ جلاله ذمّ من لمْ يرْعَ قُرْبةً ابْتَدَعها لله تعالى، لم يرْعها حقّ رعايتها، فكيف بِمَن لم يرْعَ قُرْبةً شرعها الله؟ القُربة التي لم يُشَرِّعها الله, عاتب الذين ابْتَدَعوها أنَّهم لم يرْعَوْها حق رعايتها، فكيف بالذي لا يرعى عبادة شرعها الله عز وجل، وهي متوافقةٌ مع طبْعِهِ، ومع طاقته, وقدرته, وإمكاناته؟. من أركان الرعاية : الآن: من أركان الرِّعاية: رعايَة الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسط مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها، ثلاث صفات: رِعايَة الأعمال أن تأخذ الوضع المعتدل منها، فالإفراط تطرّف، والتفريط تطرّف، وأن تُلقي بِنَفسِكَ إلى التهلكة تهوّر، وأن تجمد عن ملاقاة العدوّ جبْنٌ، والوضْع الوسَطِيّ أن تكون شجاعًا بِتَعَقُّل، أن تمْسِكَ المال بُخلاً، وأن تُلْقِيَهُ جزافًا إسرافًا ، أما الوضْع الوسطي كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 67 ] أوّل شيء: رعاية الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسَط, -وقالوا: الفضيلة وسَطٌ بين طرفين-. مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها. الإنسان إذا رأى عملهُ كبيرًا حجَبَهُ عن الله عز وجل، لو كان لك عملٌ كالجبال, يجب أن ترى أنّ الله تفضَّل به عليك، ولولا أنّ الله عز وجل تفضَّل به عليك, لأخذْت ولم تُعْطِ . قف عند هذه المحطة : مرَّةً أخ طلبَ مِني أن يشتغل, اتَّصَلْتُ بإنسان عندهُ معمل، أخٌ كريم وأنا أُحسِنُ الظنّ به، فاعْتذَر اعتذارًا لم أقْبلْهُ، وهو ذكيّ جدّا، قلتُ له: مع أنَّك ذكيّ جدًّا, الله عز وجل قادِرٌ أن يجعلكَ تقف في صفّ طويل عند جمعِيَّة خيريَّة, لتأخذ خمس مائة ليرة وتُوَقِّع, فأنت إذا أعطيت هذا من فضْل الله عليك، الذي يعطي يجب أن لا يرى أنّه يعطي، يجب أن يرى أنّ الله تفضَّلَ عليه ومكَّنَهُ من أن يُعطي، والذي يتكلّم ويُلقي درساً يجب أن يشعر أنّ الله تفضَّل عليه أن جَعَلَ قُلوب المؤمنين تهْفو إليه، ولو انْصرفوا عنه من يستمع إليه. أنا أرى أنّ الذي يأخذ منك المال له فضْلٌ عليك، ولو رفضَ حرمَكَ هذا العمل, والذي يأخذ منك العلم له فضلٌ عليك, لأنَّه لو انصرفَ عنك تُلقي الدرس على مَنْ؟ العِبْرة أن لا ترى لك عملاً، أن لا تزهوَ به، أن لا يكون العمل حجابًا بينك وبين الله, أن لا ترى هذا العمل، وأن تستصْغِرَه. إذا إنسان أسْدَى إليك معروفًا يجب أن تسْتكبره، وأن لا تنْساهُ مدى الحياة, وأنت إن قدَّمْت لإنسانٍ معروفًا, يجب أن تستصْغِرَهُ, وأن تنْساه، وهناك أناسٌ بالعكس، إذا عُمِلَ معه أعمال كالجبال ينْساها، وإذا قدَّم لإنسان شيئاً بسيطاً, لا يزال يمنّ به عليه حتى يخرج من جِلْدِهِ، يقول له: لحم كتفك من خيري, كلامٌ فيه حُمْقٌ وتَطاوُل، وسوءُ أدبٍ مع الله, ويقول لك: أنا معيل, أنت مُعال ولسْتَ مُعيل، المُعيل هو الله. يقول الإمام الشافعي: لو أنّ السماء من رصاص، والأرض من نُحاسّ، والخلقُ كلّهم عِيالي ما حملْتُ همًّا، لأنّ الله هو الرزاق ذو القوّة المتين. ما علامة رضى الله عن العبد وقبول عمله؟ : وقد قيل: علامة رضاء الله عنك: إعراضك عن نفسك، وعلامة قبول عملك: احتِقاره واسْتِقلاله وصِغَره في قلبك، ما قولكم بِعَمل النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ الإسلام الآن: مليار ومائتا مليون إنسان, في مشارق الأرض ومغاربها، أينما ذهبْت؛ في أمريكا هناك ثلاثة آلاف مسجد, وبفرنسا هناك ألف مسجد، بأمريكا هناك عشرة ملايين مسلم، بفرنسا الإسلام هو الدِّين الثاني، أينما ذهبْت تجدُ منارات إسلامِيَّة، مَن نشَرَ هذا الحق؟ في صحيفة من نحن؟ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم, ومع ذلك اسْتَمِع إلى قوله: جهْدُ المُقِلّ!. فالتواضع أمر أساسي بالإيمان، ومن علامة إعراضك عن نفسك، وعلامة قبول عملك: احتِقاره واسْتِقلاله وصِغَره في قلبك. لماذا تستغفر الله عقِبَ الصلاة؟ : لماذا تستغفر الله عقِبَ الصلاة؟! أوّل ما تنتهي الصلاة تقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، لماذا؟ أنت كنتَ في عبادة، وكنت قائمًا تصلّي. علَّمَنا النبي -عليه الصلاة والسلام-: وأنت في عبادة راقِيَة, يجب أن تستغفر, وأن تشكر الله عز وجل, أنْ قوَّاك على هذه العبادة، وإن كان هناك تقصير فيها, لا بدّ أن تستغفر. شيء طريف : هناك شيء طريف سأقوله لكم، سمعتُه مرَّةً من طبيب فتأثَّرْتُ, قال: هناك حبّ نفسي، وحبّ عقلي، وهناك بغض نفسي، وبغض عقلي, الإنسان أحياناً بالشتاء يجد فاكهة حامضة لا يحبّها، أما إن قالوا له: أنّ هذه الفاكهة تُذيب الكوليسترول، وتذيب الشُّحوم، ولها أثر كبير جدًّا، وفيها فيتامينات ومعادن، هو لا يحِبّها، ولكن بِقَدر ما سمِعَ عن فوائدِها, فصار يشربها ويأكلها، هذا نُسَمِّيه حُبّ عقلي. أحياناً تكون أمامك أكلة من أطْيَب الأكلات لكن لا تُناسبك، تبغضها لأنك لا تحبّها بل لأنّها تؤذيك، فالإنسان كلّما ارتقى مُستواه, لا يتعامل مع الحبّ النفسي، والبغض النفسي، يتعامل مع الحبّ العقلي، والبغض العقلي، إذًا في النهاية: ينبغي أن نتعامل مع أنفسنا بالحبّ والبغض العقلي, لا بالحبّ والبغض النفسي, الحبّ العقلي أن تطبّق منهج الله عز وجل. و: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به)) كلَّما ارْتَقَيْت تصبحُ مُيولك وفق منهج الله عز وجل. اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#82 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الهمةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هذا العامل المؤثر في النوع البشري : أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في مدارج السالكين، مع الدرس الثمانين من هذه الدروس، والمدْرج اليوم منزلةُ الهِمَّة. أيها الأخوة الكرام، النوع البشري شيءٌ عظيم، لو نظرْتَ إلى طبقٍ من البيْض، التفاوُت بين حبّات البيْض تفاوُتٌ بسيط، لا يزيدُ على بِضْع غرامات، ولكن في عالم البشر قد تجِدُ إنسانًا بِقَلبِهِ الكبير، وهِمَّتهِ العلِيّة, وأهدافِهِ النبيلة كالجبل، وتجِدُ إنسانًا آخر، لِضَعفِ هِمَّتهِ, ولِسُخْف مَطلبِهِ كأنّه ذُبابة، النوْع البشريّ نوعٌ مكرَّم، أُعْطِيَ الإنسان طاقات هائلة, فالإنسانٌ الذي يستخدمُ هذه الطاقات الهائلة في معالي الأمور، سيكون عظيمًا من عُظماء البشَر، وإن كان معه رسالة, فهو نبيّ كريم، أو رسول عظيم, وهناك من لا يستخدم هذه الطاقات, فيتحمّلُ من أجلها الحسرات إلى أبد الآبدين، وهناك من يستخدمُ هذه الطاقات في الشرّ, فهُم المجرمون والطّغاة، النَّوْع البشريّ نَوْعٌ مُحَيِّر, مِن إنسانٍ يكْبُر ولا ترى كِبَرَه, فيتضاءلُ أمامهُ كلّ كبير، إلى إنسان يصْغُر ولا ترى صِغَره، فيتعاظَم عليه كلّ حقير، العامل المؤثّر في هذا الموضوع هو الهِمّة. لو سألْت إنسانًا ضعيف الهِمّة: ما هدَفُك؟ أنْ يأكلَ, وأن يشْرَبَ, أن يسْكُن في بيتٍ, وأن يتزوّج امرأة، فإذا حقّق هذه المطالب تنتهي كلُّ أهدافِهِ، أما النبي -عليه الصلاة والسلام- هَمُّه هِدايةُ الخلق، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((لو تعلمون ما أعلم, لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلاً)) فالله عز وجل لا ينظرُ إلى شكلك، ولا إلى صورتك، ولكن إلى همِّكَ وهِمّتِكَ, إنسانٌ جد همّه أن يأكل ويستمتع بالحياة، همُّه أن يعيشَ وحيدًا مرتاحًا من كلّ همّ، لكنْ هناك من همُّه هِدايَة الخَلْق، فأنت تكْبُر عند الله بِقَدر ما تحْمِلُ من هُموم المسلمين. هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى أعلى عليين ؟ : والإنسان كما قلتُ قبل قليل: طاقات كبيرة جدًّا, فقد تجدُ إنسانًا تركَ آثارًا عِلْميّة مُذْهلة، وعاشَ عُمْرًا محدودًا كأيّ عُمْر, ترك مائتي مؤلّف. هناك علماء كِبار يُعَدُّون من المُجدِّدين في الدِّين، يعني فِكرُه وكتُبُه على كلِّ لِسانٍ، بعْد ألفِ عامٍ، وفي كلّ قُطرٍ من أقطار المسلمين، ما هذه الهِمة التي كان ينْطوي عليها يومَ كان حيًّا يرْزق؟ على كلٍّ؛ الإنسان يصِل إلى أعلى عِلِيِّين إذا اسْتغلَّ هذه الطاقات التي أوْدَعَها الله فيه، فعلى مستوى الدّنيا: الإنسان شابّ في الأربعينات، ثرْوتهُ تزيدُ عن تِسعين مليار دولار، صاحبُ مايكروسوفت، شابّ بالأربعينات، هل حصَّل هذه الثَّرْوَة جُزافًا؟ لا، هِمَّتهُ في تَحصيل المال مُذْهلة، وإنسانٌ آخر تركَ خمسين مليونًا قتيلاً مثل هتلر، في الحرب العالميّة الثانيّة, وَحْش وطاغِيَة وجبّار، فالإنسان والنوْع البشري عجيب، هناك طاقات كبيرة جدًّا، وليس هناك حلّ وسَط إذا صعدت بهذه الطاقات فتكون أعلى من كلّ ملَكٍ, كما قال الإمام عليّ -كرّم الله وجهه-: رُكِّبَ المَلَكُ من عقْلٍ ولا شهوَة، ورُكِّب الحيوان من شَهوةٍ ولا عقْل، ورُكِّبَ الإنسان من كِلَيْهِما, فإن سما عقلهُ على شهوتِهِ كان فوق الملائكة، وإن سمَت شهوتهُ على عقله كان دون الحيوان. أسئلة موجهة إليك : ما الذي يهمّك؟ وما الذي يقلقك؟ ما الذي تصْبو إليه؟ ما الذي ترجوه؟ تعيشُ مع من؟ وتعيشُ لِمَن؟ تُرضي مَن؟ وتُغْضِبُ من؟ تنفقُ على مَن؟ تَصِلُ مَن؟ تَقْطَعُ مَن؟ مَن أنت؟ قلْ لي ما الذي يغضبُك, أقل لك من أنت؟ قل لي ما الذي يرضيك, أقلْ لك من أنت؟ قلْ لي ما مِقياسُ الفوز عندكَ, أقل لك من أنت؟ قلْ لي إلى ما تسْعى, أقُل لك من أنت؟ ما الذي يُحزنُكَ, أقل لك من أنت؟ أيُّ شخْصٍ ترنو إليه, أقُلْ لك من أنت؟ فالمسافات كبيرة جدًّا, والإنسان مخلوق ومجبول، لِيَكون أعلى المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 70 ] هل تريد أن تصل إلى الله؟ إليك الوسائل التي هي في متناول يديك : لتصل إلى الله وسائل هي في متناوَل يدَيك، شرْعُ الله واضِحٌ لديك, الحلال بيِّنٌ والحرام بيّن، بِمُجرّد أن تَدَعَ الحرام، وأن تقبلَ على الحلال, فقد ارْتقيْت عند الله عز وجل. ((لا يزال ابن آدم يتقرَّبُ إليّ بالنوافل حتى أُحبّه -بالنوافل، بِصَلاة النافلة، بِصَدقة النافلة، بِطَلبِ العِلْم، وخِدمةِ أخٍ مؤمن بِتَرْبيَة ولدٍ، بدَعْوةٍ إلى الله تعالى-, إذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سمْعهُ الذي يسمعُ به, وبصرهُ الذي يُبصرُ به، ويدهُ التي يبطشُ بها، ورِجلهُ التي يمشي بها, ولئِن سألني لأعطينّه، ولئِن دعاني لأجيبه)) فأنْ تكون عند الله محبوبًا شيءٌ في متناوَل يدك، هناك مُلوك بيَدِهم شُؤون كلّ الممْلكة، ولكنْ لن تستطيع أن تصلَ إليه، هو بيَدِهِ كلّ شيء، يمْلكُ مال ممْلكته، يمْلكُ كلّ شيءٍ فيها، ولكن لا سبيل إلى أن تصلَ إليه، لكنّ ملِكَ المُلوك قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110 ] اِعْمَل عملاً صالحًا لا تبتغي به إلا وَجه الله تعالى، أقْرِض الله قرضًا حسنًا، أيّ إنسان، أيّ مخلوق، أيّ نبات، هو مخلوقٌ لله عز وجل, إذا اعْتَنَيْت بِنباتٍ سقَيْتَهُ ماءً، إذا اعْتنيْتَ بِهِرّة عمل صالح. تعرف قصة المرأة التي غفرَ الله لها, سقَتْ كلبًا في الصّحراء، طريق الوُصول إلى الله بين يديك، كلّ هؤلاء الذين هم أمامك مخلوقات لله عز وجل, فإن أحْببْتَ الله أحببْتَ مخلوقاته, فكُنْتَ بهم رحيمًا، وكنت بهم رؤوفًا، كنت لهم منصفًا، أعنْتَهُم على شؤون دينهم، الإنسان التافه هو الذي يعيشُ لِشَهوَتِهِ، تافِهٌ لا قيمة له. بمن تتعلق هذه الآيات؟ : قال تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 124] وقال تعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [سورة الكهف الآية: 105] قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [سورة المنافقون الآية: 4] قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [سورة المدثر الآية: 50-51 ] قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان الآية: 44] قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [سورة الأعراف الآية: 176] قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [سورة الجمعة الآية: 5 ] علو الهمة من الإيمان : فالقضيّة مصيريّة، والقضيّة خطيرة، أنت المخلوق الأوّل، أنت المخلوق المكرّم، وأنت المخلوق المكلّف، تجدُ إنسانًا همّه شيءٌ تافهٌ جدًّا, همّه مركبة أحيانًا، وهمّه بيت، وهمّه زوجة، ولا يريد فوق ذلك شيئًا, عُلُوّ الهِمّة من الإيمان. سيّدنا عمر -رضي الله عنه- ماذا أراد؟ أراد أن يقيم الحقّ في الأرض. سيّدنا الصدّيق, هذا الإنسان اللطيف الناعم الرقيق النحيل، جيَّشَ جيشًا بعد حُروب الردّة، وفتَحَ به بلاد المسلمين، وقال: والله لو منعوني عِقال بعيرٍ كانوا يُؤدُّونه لِرَسول الله -صلى الله عليه وسلّم- لقاتلْتُهم عليه، هِمَّة عاليَة. وهذا سيّدنا عثمان أنفقَ مالهُ كلّه، جيَّشَ جيشًا بأكمله، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ما ضرّ ما فعل عثمان بعد اليوم)) إذا قرأنا تاريخ الصحابة، والله نجدُ أنفسنا لا شيءَ أبدًا. قف هنا : مرَّة رَكِبْت من المدينة إلى مكّة بِسَيّارة، طريق طويل، أربعمائة وخمسون كيلو متر, والمركبة تسير على المائة والثمانين ومكيّفة، كيف قَطَعَ النبي هذا الطريق على ناقة؟ هل هناك ناقة مكيّفة؟ لا، فكيف قَطَع الطريق على ناقةٍ وكان مطاردًا, وكان مهدورًا دمُه، وقد وُضِعَت مئة ناقة لِمَن يأتي به حيًّا أو ميِّتًا؟ وكيف تبِعَهُ سُراقة, وقال: يا سُراقة, كيف بِكَ إذا لبِسْت سِوارَي كِسرى؟! إنسانٌ مُلاحقٌ ومهدورٌ دمُه يدفعُ لمَن يقتلهُ مئة ناقةٍ, يقول لِسُراقة: يا سُراقة, كيف بِكَ إذا لبِسْت سِوارَي كِسرى؟!. معنى ذلك: أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان موقنًا أنّه سيَصِلُ إلى المدينة، وسيُنشىء دولةً هناك، وسيُحاربُ الفرْس، وسوف تأتي الغنائم إلى المدينة، وهذا الذي حصلَ بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام, جاءَت الغنائم إلى المدينة, فلم ير الرجلان بعضَيْهما، وقد رفعا رُمْحيهِما من ارتفاع كتلة الغنائم، فسيِّدُنا عمر قال: والله إنّ الذي أدَّى هذا لأمينٌ، جواهر وتيجان وحليّ، فقال سيّدنا عليّ -كرَّم الله وجهه-: يا أمير المؤمنين, أعَجبْت من أمانتهم! لقد عففْتَ فعَفُّوا، ولو ركعت لركَعوا. أُناسٌ عُظماء قال له: قلْ لي من الذي مات في نهونْد؟ فقال الرسول: ماتَ خلق كثير لا تعرفهم، فبكى سيّدنا عمر, وقال: ما ضرّني أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟. هل تركت بصمات في المجتمع؟ : أن يكون لك عمل عظيم, لا يعرفهُ أحد, تبتغي به وجه الله تعالى, وكَخِدْمة للخلْق، تركْت بصمات في المجتمع، وتركْت أثرًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 120] كان أمة، يعني هو في قلب أمّة، فأنت بِقَلب كم من واحد؟ هل تركْت بصماتٍ في المجتمع؟ هل تركْت علمًا؟ أو ولدًا صالحًا؟ أو مؤلّفاتٍ؟ تركْت مؤسسّة خيريّة؟ أو دعوة إلى الله تعالى ناصعة واضحةٌ بيّنة؟ . الإنسان إذا انتقلَ إلى رحمة الله تعالى، ماذا يقول الناسُ عنه؟ إذا كان ترك الدنيا فقط لا يُقال ولا كلمة، الله يرحمه، فقد كان بيته جميلاً رائعاً, هذا كلامٌ لا يُقال، أو لقد كان عنده ثلاث سيارات؛ أحدها للسفر, والثانية للبلد، والأخيرة للنقل, هذا كلام لا يُقال، ولكن يقال: انتفَعَ الناس بِعِلْمه، أو عملَ عملاً عظيمًا. الهم مبدأ الإرادة : هذا موضوع خطير، منزلة الهمّة, منزلةٌ من منازل إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين، والهمّة فِعْلَةٌ من الهمّ، وهو مبدأ الإرادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [سورة يوسف الآية: 24] الهمّ مبدأ الإرادة، الانبعاث، الإنسان ما الذي يبعثُه؟ . خُذْ ألْف إنسانٍ نائمٍ على فراشٍ وثير، في أيّام الشتاء الباردة، والفراش دافئ, ونام قبل ساعتَين، وقد أذَّنَ لِصَلاة الفجْر المؤذِّن، فصاحِبُ الهمّة العاليَة يتجافى جنبُه عن المضاجِع، وينطلقُ إلى الله لِيُصلّي، وصاحِبُ الهمّة القليلة يبقى نائمًا، صاحبُ الهمّة العليّة ينفقُ مالهُ ابتغاء مرضاة الله, وصاحب الهمّة القليلة ينفق ماله على نفسه مستمتعًا به، والحقيقة: أنّ الهمّة هي المحرِّك والهمّة لها علاقة بالمعرفة. هل تتعلق الهمة بالعلم؟ : مرّة كنَّا في جلسة فقُدِّمَت حلويات فاخرة جدًّا، هناك طبيب قلب ما أكلَ، فيها قشطة, فهو من شِدّة ما يرى من انسداد الشرايين عند مرضاه كلّ يوم، وهو يعلمُ أنّ هذه المادّة الدّسِمَة هي التي تشُدّ هذه الشرايين، كرِهَها كراهية علميّة، فهي طيّبة جدًّا لكنْ كرهها. تجد إنسانًا يجري في أيّام البرْد، في أيام المطر، والناس جميعًا في بيوتهم جالسون، عندهُ قناعات, قناعاته العاليَة أعْطَتْهُ هذه الهِمّة. هناك طالب يدرسُ حتى الثانية فجْرًا، في همّته أن يكون طبيبًا لامعًا وهو في الشهادة الثانويّة، وتحتاج كليّة الطبّ إلى علامات عاليَة، لذلك يعْزفُ عن لقاءٍ مع صديق، عن نزهة، عن سهرةٍ مع أهله، عن وليمةٍ, عن خروجٍ من البيت، يعكف على الكتاب، لأنّ هدفهُ كبير، فهمّته عاليَة, كلّما كبرَ الهدف تعْلو الهمّة، وكلّما اشْتدّ العلم تعلو الهمّة، فالهِمّة متعلّقة بالعلم، ومتعلّقة بِعِظَم الهدف. أحيانًا تجدُ إنسانًا بالسِّتين أو السبعين، لا رغبةَ له في تأسيس مشروعٍ ضَخم، لأنّ لا همّة له، أما الشابّ في أوّل حياته تجدُه يندفِع إلى تأسيس أي مشروع، عندهُ آمال كبيرة، هذا في الدنيا أما في الآخرة: إذا الإنسان تطلّع إلى الآخرة تعلُو هِمّته، ويزداد شَوْقُه، ويبْذلُ الغالي والرخيص، والنّفْسَ والنفيس. بين العامّة مَقولةٌ يقولونها دائمًا: أنّ قيمة كلّ امرئ ما يُحسن. وهناك مقولةٌ أصحّ من هذه المَقولة: قيمة كلّ امرئ ما يطلبُ. فما الذي تطلبُه أنت؟. لم خلق الله الإنسان, ومتى يعاتبه؟ : أحدهم وقفَ على باب ملكٍ، طلبَ قلم رصاص, ثمنهُ نصف ليرة, كَمْ هو ضعيفُ الهمّة؟ ما دُمْتَ وقفْت على باب ملِكٍ, فاطْلُب سيارة أو بيتًا, اُطْلُب منصِبًا رفيعًا, فالله عز وجل خلقَنا لِيُسْعدنا، فإذا رآنا نختارُ الدّنيا يُعاتبُنا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 38 ] قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [سورة النساء الآية: 77] معظمُ الناس يتَّجه إلى المباحات، يعتني بها إلى أقصى درجة, فجأةً تأتيه المنيّة في أوْج نشْوَتِهِ، يُغادرُ الدّنيا وهو حريصٌ على البقاء فيها. من هو الإنسان العاقل؟ : حدّثني أخٌ يعمل بأمريكا بالطبّ، قال لي: كلّما وجدْتُ مريضًا على وشك الموت، يعاني من انهيار أعصاب، أحيانًا يصيح، وأخرى يشتم, وأحيانًا يقول: أُعطيك كلّ ما تريد, اشْفني، لأنّه وضَعَ البيضَ كلّه في سلّة واحدة. الإنسان العاقل يوزّع أهدافهُ بين الدنيا والآخرة، أما الذي وضَعَ كلّ أهدافه في الدنيا, ثمّ اكْتشفَ فجْأةً أنّ الدنيا زائلة, فقد خسر خسراناً مبيناً, والله تأتي ساعات على من يُفارقُ الدّنيا ينسى فيها كلّ اللّذائذ التي في الدنيا, يقول: لمْ أر خيرًا قطّ !. متى يكون العبد همته عالية؟ : قيمة العبْد إذا تعلَّقَت بالحقّ تعالى طلبًا صادقًا محْضًا، فتِلْك هي الهمّة العاليَة، فأيّ همّة تعلّقت في الدنيا فهي هِمّة دَنِيَّة، وأيُّ هِمّة تعلَّقَتْ بالحق تعالى فهي هِمّة علِيَّة. ((ومن شَغَلَهُ ذِكْري عن مَسألتي, أعْطَيْتُهُ فوق ما أُعطي السائلين)) أنت هِمَّتُك تتَّجِهُ إلى مَنْ؟ إن كانت هِمَّتُكَ تتَّجِهُ إلى الحقّ جلّ جلاله, فأنت من عُظماء البشَر، سَمَوْت عن الضَّعْف البشري، فالأنبياء هم بشرٌ في الأساس، لكنّهم لأنّهم تَجْري عليهم كلّ خصائص البشر كانوا سادة البشَر، همْ قِمَمٌ لأنّهم بشر، انتَصروا على ضعفهم البشري، أما إذا الإنسان خضَع لضَعْفه البشريّ أصبحَ تافهًا، لكلّ عصْرٍ هناك للبيئة معالم الخطّ العريض للمجتمع، دَهْماءُ الناس وسوقتهُم يستجيبون لهذه البيئة, يقول لك: أنا مع الناس ، إن أحسنوا أحْسنْت، وإن أساؤوا أسأْت, والناس يقلد بعضهم بعضًا، فالخطّ العريض في المجتمع، والأكثريّة مقلّدة. قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يكن أحدكم إمَّعَة)) [أخرجه الترمذي في سننه] أما الأبطال فلا يتأثّرون بالبيئة، ولا يستجيبون لِضَغْط البيئة، بل هم يؤثِّرون في البيئة, يُحْدثون تغْييراً جِذرياً في المجتمع، هؤلاء الذين تركوا بصمات كما يقولون. فقال: همّة العبْد إذا تعلَّقَت بالحقّ, تعالى طلبًا صادقًا خالصًا مَحْضًا, فَتِلْك هي الهمّة العاليَة التي لا يقْدرُ معها على المهلة، ولا يتمالكُ صبْرهُ، لِغَلَبَةِ سُلطانِهِ عليه، وشِدّة إلزامها إيّاه لِطَلبِ المقصود، ولا يلتفتُ عنها إلى ما سوى أحكامها, وصاحبُ هذه الهِمّة سريعٌ وُصولهُ، وظفرُهُ بمطلبه، ما لمْ تُعِقْهُ العوائق، أو تقطعهُ العلائق، أو تصرفْهُ الصوارف. انظر إلى همة عمر بن الخطاب في الاتصال بالله عز وجل : والإنسانُ يلاحظ نفسهُ حينما يستيقظ صباحًا, أوّل خاطر يأتي إليه، هناك أشخاص وهم على فراش الموت, يسألون عن أشياء دنيوية، يقول: هل وصَلَتْ البِضاعة؟! هل خلُصَتْ ؟! هل صببْتُم السّقف؟! أما سيّدنا عمر بعد أن طُعِنَ، وكان يُصلّي بالمسلمين الفجْر، أوّل ما فعله بعد أن صحا, قال: هل صلّى المسلمون الفجْر؟ انظروا إلى هِمّته، هِمَّتهُ في الاتّصال بالله عز وجل. انظر إلى همة عمر بن الخطاب في رعاية رعيته وإكرامهم : سيّدنا عمر كان في المدينة، ومعه سيّدنا ابن عوف، وجدا قافلةً قد استقرَّت في ظاهر المدينة، فقال: تعال نحْرُس هذه القافلة -عملٌ صالحٌ لِوَجه الله، وهو خليفة المسلمين-, يبدو أنَّ طِفلاً بكى، فقام عمر إلى أُمّه, وقال: أرْضِعيه، فلمّا بكى ثانيَةً, قال: أرضِعيه، فلمّا بكى ثالثةً ويبدو أنّه غضبَ، فقال: ألا ترضِعينَهُ؟ فقالَتْ: ما شأنُكَ بنا؟ قالَت: إنَّني أفْطِمُهُ, قال : ولِمَ تُفطِميه؟ قالت: لأنّ عمر لا يُعطينا العطاء إلا بعد الفِطام, يُقال: أنّ هذا الخليفة العظيم ضربَ جبهتهُ, وقال: ويْحَكَ يا عمر، كم قتَلْت من أطفال المسلمين؟! وصلّى صلاة الفجر، فلم يستمع أصحابُه إلى قراءته من شدّة خُشوعه وبُكائِه، وكان يدعو ويقول: يا ربّ، هل قبلْت توبتي فأهنئ نفسي, أم ردَدْتها فأُعزِّيَها؟. خوفهُ من الله، وهِمَّتهُ في رعايَة رعِيَّتِهِ وإكرامهم، هو اجْتهَدَ أن يُعْطِيَ العطاء بعد الفِطام، يعني التعويض العائلي, لكنْ ما كان يخْطُر في بالهِ, أنَّه حينما أمرَ أن يُعْطَى العَطَاء بعد الفِطام, هناك أُمّ تفْطِمُ ابنها قصْرًا، ثمَّ أمر أن يعطي العطاء بعد الولادة. من ملامح صاحب الهمة العالية : 1-صون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني : أوَّلُ ملامِحِ هذه الهِمَّة العاليَة: هي صوْنُ القلب عن وحْشَة الرغبة في الفاني, لا يرتاح من الدنيا، له من الدنيا ما يقيم أوَدهُ، ويسترُ عَوْرتَهُ، هو يُلبّي رغْبتَهُ المشروعة، أما التوسُّع، البذْخ، التَّرَف، الإسراف، العلوّ في الأرض، هذا ليس من هِمَّة المؤمن، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 83 ] يأكلُ لِيعيش، يسْترُ جسمهُ كما أمره الله عز وجل، يتزوّج وفْق سنَّة النبي صلى الله عليه وسلّم، يأكل، ويشرب، ويلبسُ من دون إسرافٍ ولا مَخْيلَة، هذا هو شأْنُ المؤمن، أما الإسراف، الترَف، التبذير, الظهور بِمَظهر كبير جدًّا، هذا ليس من شأن المؤمن. أوّل نبضات هذه الهِمّة: أنّ قلْبَ صاحبِ هذه الهمّة يسْتوحِش من الدنيا الفانيَة ويتعلّق بالباقيَة, المؤمن وهو في المسجد كالسّمكة في الماء، المنافق كالعصفور في القفص, وإن كان اسم العصفور لا يليق به، أو كالجرذ في المصيَدَة، منافق ضعْهُ في مكان، في سوق فيه نساء حَسْناوات غاديات ينْتعِش قلبهُ هناك, أما إن أتَيْتَ به إلى المسجد يتضايَق، هو يحبّ المناظر، ويحبّ الناس. كثير من المؤمنين أسْمعُ عنهم, إذا أقاموا نزهةً بِمَكانٍ جميلٍ مع أهلهم، الطَّرَف الآخر ينتقدونهم: ما هذه النُّزْهة؟! النزهة في نظرهم أن يقْعُدوا بِمَقهى مزدحِم، والأغاني تصْدَع، وصوت الطاولات والنَّرْد، والنّساء كاسيات عاريات، وغناءٌ عالٍ، وازْدِحام، هناك يجد السرور، أما المؤمن يجد السرور بِمَكانٍ جميلٍ بعيدٍ عن الناس، يوَحِّدُ ربّه ويدعو ربّهُ، فالهِمّة العالية أنّ من لوازمها: أنّ القلب يسْتوحِش الدنيا، ويأْنسُ بالحق. الإنسان يسافر أحياناً، فإذا به من جامعٍ إلى جامعٍ، يعيش في جنّة، ويسافر إنسانٌ آخر فتَجِدُه من مَلهى إلى مَلهى. انظر إلى همة هذا الزائر من الخليج : مرّة كنتُ بِدَرسٍ في الطاووسيّة, فجاءَ أخٌ من الخليج, حضَر الدّرْس, وأراد أشرطة وكُتباً، فقال لي: الْتَقيْت بالعالم الفلاني، والجامع الفلاني, وحضرْت درسًا لفلان، وحضر عندنا وحضر الدروس، فهو جاء من بلد إلى بلد ليبْحث عن العلماء، والدعاة إلى الله، وهناك إنسان يبحث ببَعْض الأحياء، هناك أحياء بالشام لا ترضي الله عز وجل يذهبُ، يقول لسائق السيارة: خُذني إليها مباشرة. فالهمّة العاليَة تسْتوحشُ من الدنيا الفانية, والفانية هي الدنيا وما عليها، فالقلب قلبُ صاحب الهمّة العاليَة يزْهدُ فيها وفي أهلها: إليك عنّي يا دنيا فقد طلّقْتُك بالثلاث, -كما قال سيّدنا عليّ؛ شأنك خطير، أمدك قصير-, غُرِّي غيري. وأما الراغبون فيها فأرواحهم وقلوبهم في وَحشةٍ من أجسامهم، إذْ فاتها ما خُلقَت له, فهي في وحشة لفواته. فرْق كبير بين زاهدٍ في الدنيا وبين متعلّقٍ بها، الزاهدون في الدنيا يرونها موحشةً لهم, لأنّها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم. هذا هدف المؤمن الصادق : أحيانًا أخوة كرام يجلسون في مَجْلسٍ، في بيت، يدورُ حديثٌ عن الله عز وجل، عن الآخرة، وعن كمال الله، وعن كمال الأنبياء، يقول لك وهو صادق: كُنَّا في جّنة، وقد تكون الغرفة متواضعة جدًّا، جلسوا على الأرض، وقُدِّمَت لهم ضيافة بسيطة جدًّا، يقول لك: كنَّا في جنّة, وأحيانًا تكون في مكانٍ جميلٍ جدًّا، وفخْمٍ جدًّا، ولكن لا سرور، هذه السكينة يُلقيها ربّنا على من يشاءُ من عباده. الزاهدون في الدنيا ينظرون إليها بالبصائر، والراغبون فيها ينظرون إليها بالأبصار. الراغب يراها بِعَينِهِ، هناك مركبة جميلة جدًّا، وهناك امرأة جميلة، وهناك بيت جميل وقصر جميل، أما المؤمن فهو يرى بالبصيرة، يرى أنّها فانيَة، لا بدّ من أن يدَعها إلى جنّة عرضها السموات والأرض. طالبته زوجته بشيءٍ من الدنيا, فقال: والله إنَّ في الجنّة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنّ على الأرض لغلبَ نور وجهها ضوء الشّمس والقمر، فلأَنْ أُضحِّي بكِ مِن أجلهنّ أهْوَنُ مِن أن أضحِّي بهنّ من أجلكِ. فصاحبُ الهمّة العاليَة تحْملُه هِمَّته على الرّغبة في الدار الباقيَة لا في الدار الفانية، وبالمناسبة: المؤمن الصادق هدفهُ الله عز وجل، هِمَّتهُ العاليَة تقتضي أنّ أيّ شيءٍ يقرِّبُه من الله عز وجل يتعلّق به، وأيّ شيءٍ يُبعدُه عن الله ينقطِعُ عنه، صديق مؤمن، وحديثهُ عن الله، يتعلّق به يزورهُ، ويحرصُ على صُحبته، وصديقٌ آخر دُنْيَوي، كلّ حديثه عن الدنيا، والطّعام والشراب والنّساء، يبتعِدُ عنه المسجدُ يأوي إليه, والأسواق ينفرُ منها، فكُلّ شيءٍ يقرِّبُك من الله تتمسَّك به، وكلّ شيءٍ يبعِدُك عن الله تعالى تبتعِدُ عنه. ما أهم شيء في حياتك؟ : تكادُ تكون الهمّة محرّك، والمركبة بلا محرّك, ولو أنّها جميلة, ولونها زاهٍ، وفَخْمة في مقاعدها، ولكن من دون محرك لا قيمة لها, فالمحرِّك أساس المركبة، وأنت في الطريق إلى الله عز وجل, أهمّ شيءٍ في حياتك هذه الطاقة المحرّكة، وهذه الهمّة العليّة، ولا تَنْسَوا المقولة الثابتَة التي وردَت في الأثر: عُلُوُّ الهمّة من الإيمان. كلّما ازداد إيمانك علَتْ همّتك، يصبحُ همّك طلب العلم، هناك بالإنسان حاجات عُليا، وحاجات دنيا، صاحبُ الهمّة العليّة تستيقظُ عندهُ الحاجات العليا، طلبُ العلم يأتي في رأس هذه الحاجات العليا، وصاحبُ الهِمّة الدنِيَّة حاجاتهُ دُنيا، حاجاته كما ورد: ((تعِسَ عبد الدّرْهم والدّينا، تعسَ عبدُ البطن، تعسَ عبد الخميصة)) الذي يَعتني بِثِيابِه إلى درجة أنّه يكرهُ أن يُصلّي للحِفاظ على أناقة ثِيابِهِ مثلاً، هذا عبْدٌ للخميصة، والذي همّه الطعام والشراب، وهمّه النّساء، وهمُّه الدّرهم والدِّينار، هؤلاء عبيد ، مَن هم الأحرار؟ الذين همّهم الله عز وجل. كان عليه الصلاة والسلام تعْظُم عندهُ النّعمة مهما دقَّتْ. لأنّه يعظّمُ المنعِم، لكن لم يكن يغضبُ للدنيا أبدًا, سيّدنا الصّديق لمْ ينْدَم على شيءٍ فاتَهُ من الدّنيا قطّ. 2- يأنف أن ينزل من مقامه العالي إلى مقام أهل الدنيا : صاحبُ الهمّة العاليَة يأنَفُ أن ينْزلَ من مقامِهِ العالي إلى مقام أهل الدّنيا، فهو ليس متكبِّرًا، ولكنْ في مُستوى رفيع، أضْربُ لكم مثلاً: لو أنّ طالبًا حصّل عِلْمًا من أعلى مستوى، وكان في صُفوف عاليَة في الجامعة واختِصاصهُ نادر، وأمامه آفاق واسعة جدًّا، هذا لو جلسَ مع أُناسٍ تافهين من سُوقَة الناس وعامّتهم، حديثهم كلّه مزاحٌ رخيص, تعليقات سخيفة وكلمات ساذجة، ينفرُ منهم نفورًا شديدًا، لأنّه هو في واد وهم في واد، فأكْبَرُ نِعمة مِن نِعَم الله أن يكون هؤلاء الذين على شاكِلَتِك, وفي المستوى العلمي الذي أنت فيه، في مُستوى النّقاء الذي أنت فيه، في مُستوى الطُّهْر الذي أنت فيه، وفي مستوى الهِمّة العليّة التي أنت فيها، هذا أعظمُ عطاءٍ إلهي، لذلك الله عز وجل اختارَ النبي, واختارَ له أصحابهُ, ومن مهمّات المؤمن: ألا يصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامه إلا تقيّ. صاحب مؤمنًا تتذاكَر معه العِلْم، فتَرْقى به، ويرقى بك، صاحب مؤمنًا عندهُ حياء لا يتكلّم إلا الكلمة الراقيَة، صاحب مؤمنًا عندهُ كرَم, صاحِب مؤمنًا عندهُ رحمة، صاحب مؤمناً سِتِّير لا يفْضحُك، صاحِب مؤمنًا شُجاعًا لا يخذلُك، صاحب مؤمناً مخلصًا لا يُسْلمُك، صُحبة المؤمنين جنّة في الدُّنيا، إذا كان بالدّنيا جنّة، هي أن تصْحَبَ مؤمنًا، كلّه أخلاق عاليَة، أدَب، وورَعٌ، أنَفة, وعِفّة, وحِشْمة، ولا تصاحب إنساناً دُنيَوياً دنيئاً، خسيساً، غدّاراً، كذّاباً، أنانياً، مخادعاً. 3- صاحب الهمة العالية يطلب ربه طلباً تاماً بكل معنى واعتبار في عمله : قال: صاحب الهمّة العاليَة يطلبُ ربّهُ طلبًا تامًّا بكلّ معنًى واعتبار في عمله، يطلبُ ربّه بعمله، فعملُه مُتقَن، فيه صِدق وأمانة، وعبادته ومناجاته، ونومه، ويقظته، وحركته، وسُكونه، وعُزلته، وخلْطَته, وسائر الأحوال، لقد انْصبغَ قلبهُ بالتوَجُّه إلى الله تعالى أيَّما صِبغة، وهذا الأمْر إنَّما يكون لأهل المحبّة الصادقة. نهاية المطاف : شيءٌ عجيبٌ، مع أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بشَّر. سيّدنا عمر بالجنّة, سألَ عمر سيّدنا حذيفة بعد وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام-: بِرَبِّكَ هل أنا مع المنافقين؟ فقال حذيفة: معاذ الله يا أمير المؤمنين. ما تفسيرُ ذلك؟ مِن شِدّة خوفِهِ من الله تعالى, ومن شِدَّة حِرصِهِ على طاعة الله تعالى، ومِن شِدّة تعلُّقِهِ بالآخرة، مع أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بشَّرهُ بالجنّة, قال له: أُنْشِدُك الله, هل جاء اسمي مع المنافقين؟ كان حذيفة أمينَ سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، أما الآن تجِدُ إنسانًا غارقًا بالمعاصي ويقول لك: أنا إيماني أقْوَى من إيمانك, غارقٌ بالمعاصي والموبقات, ويدَّعِي أنّ إيمانه إيمان الصدِّيق، وهذه وقاحةٌ في الإنسان. قد تَجِدُ ملكاً بيَدِهِ كلّ أمور مملكته، ولكن لا طريق إليه، لا سبيل إليه، لكنّ الله عز وجل ملِك الملوك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] أنت حينما تنتهي عمّا نهاك الله عنه، وحينما تعملُ صالحًا تصِلُ إلى الله تعالى، والله عز وجل ينتظرُك. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#83 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة التوكل - 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من علامة إيمان المرء: أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة التوكُّل. هذه المنزلة وردت في القرآن الكريم في آيات كثيرة جداً، فالله سبحانه وتعالى ربط التوكل مع الإيمان، فقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 23] فمن علامة إيمانكم، ومن لوازم إيمانكم، بل من خصائص إيمانكم: أن تتوكلوا على الله. وفي آية ثانية: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 12] فإن كنت متوكلاً على جهةٍ ما، ينبغي أن تتوكل على الله. وفي آية ثالثة: يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق الآية: 3] قد تتوكل على إنسان فيقصِّر، أو لا يستطيع، أو ينسى، أما إن توكلت على الواحد الديان فهو حسبك؛ يكفيك، ويحميك، ويغنيك. وفي آيةٍ أخرى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 4] وفي آيةٍ أخرى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [سورة الملك الآية: 29] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [سورة النمل الآية: 79] ملمح رائع في هذه الآية : يا محمد: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [سورة النمل الآية: 79] وفي هذه الآية ملمحٌ رائع: حينما تكون على الحق، تتوكل على الله, وإن توكلت على الله فهو حسبك، يكفيك، ويغنيك، ويؤيِّدك، وينصرك، ما دمت على الحق، فتوكل على الحق وهو الله عز وجل: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [سورة النمل الآية: 79] هذه الآية تتحدث عن التوكل من زاوية أخرى : قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 81] هو الذي يكفي ولا يكفي سواه، إن توكَّلت على حيٍ يموت فقد يخيب ظنك، وقد تصاب بالإحباط، أما إن توكلت على الحي الذي لا يموت، أنت الفالح والناجح، فإذا عزمت وتولدت عندك إرادة جازمة في فعل شيء, توكل على الله، لأن الله قادر على أن يحبط عزيمتك، وقد قالوا: عرفت الله من نقض العزائم. فمهما درست الموضوع وأحكمته, ومهما غطَّيت كل الاحتمالات، ومهما تمكَّنت من السيطرة عليه، فإن لم تأتك معونة الله عز وجل، لن تنجح في عملك، وتوكل على الحي الذي لا يموت: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] كل آيةٍ تتحدَّث عن التوكل من زاوية. علامة المؤمن : آيةٌ أخرى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [سورة إبراهيم الآية: 12] فالله عز وجل بيَّن ووضَّح السبيل إلى التوكل عليه، وقد وصف المؤمنين بأنهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران الآية: 173] علامة المؤمن: الثبات, مهما أوهمه خصومه أنهم سيدمّرونه، أو سيغلبونه، أو يكيدون لأنه متوكل على الله عز وجل: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 55-56] هذا ما وصف الله المؤمنين : وفي آيةٍ أخيرة يصف الله المؤمنين فيقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 2] أستخلص من هذه الآيات: أنك لن تستطيع أن تتوكل على الله إلا إذا كنت على الحق وكنت مؤمنًا، وإذا توكلت عليه يكفيك، وإذا أحكمت أمرك ولم تتوكل على الله، فكل هذا الجهد الكبير ضائعٌ, لأن الله هو الموفِّق: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [سورة هود الآية: 88] من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام : من أسماء النبي -صلى الله عليه وسلم- المتوكِّل، وتوكله أعظم توكل، لأن التوكل يتبع الإيمان، فكلما ازداد إيمانك ازداد توكُّلك، لذلك آية كريمة خاصةٌ بالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول الله فيها: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [سورة النمل الآية: 79] مما يدعو إلى العجب!! : والذي يدعو إلى العجب: أن تجد إنساناً مستقيماً، وهو خائف، لماذا الخوف؟ ألا تعبد إلهاً قوياً؟ ألا تعبد إلهاً بيده كل شيء؟ ألا تعبد إلهاً هؤلاء الأقوياء بيده؟ في قبضته؟: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 56] كيف تعبده ولا تثق بقدرته؟! كيف تعبده ولا تثق بعدله؟! كيـــف تعبده ولا تثق بحمايته لأوليائه؟!!. من لوازم مقام التوكل : وفي الصحيحين: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ, قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ, وَلَا يَتَطَيَّرُونَ, وَلَا يَكْتَوُونَ, وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)) مقام التوكل مقام كبير جداً، مقام التوكل من لوازمه: أنه يملأ قلب الإنسان أمناً. متى يكون التوكل سهل؟ : وفي صحيح البخاري: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ, قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيـــْهِ السَّلَام, حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ, وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَالُوا: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا, وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) فإن كنت مستقيماً، وكنت في مرضاة الله، وكنت في مظلة الإسلام والمنهج، فالتوكل سهل جداً، أما حينما تنحرف تخجل أن تتوكل على الله، لأنّك محجوب، والحجاب كما أنه يمنع الصلاة يمنع التوكل، والتوكل يحتاج إلى قرب من الله، وإلى إخلاص, وصدق, واستقامة، فإن كنت على الحق فلست توكل على الله. من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام : ومن أدعية النبي -عليه الصـلاة والسلام-: ((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ, وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ, وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ, وَبِكَ خَاصَمْتُ, اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي, أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ, وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. ما معنى هذا الحديث؟ : ثم إن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام الترمذي, عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ, لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ, تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)) قبل أنْ يسافر أحدُنا, يهيّئ كل شيء في البيت، يهيئ طعامًا يكفيه مدة سفره، ويعطي الأهل مبلغًا من المال، ويوصي بهم, مَن يمدُّ لهم يد العون عند الحاجة، ويعطيهم رقم هاتفه في السفر، وهو على صِلة دائمـة بهم، ويقول: توكلت على الله، وسلمتهم إلى الله، ما تركت سببًا من أسباب الرعاية إلا اتّخذته، بعد ذلك يتوكل على الله، وسيِّد المتوكلين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. توكل غريب جداً : وهناك توكل غريب جداً: هو توكل سيدنا إبراهيم, حينما أمره الله عز وجل أن يضع زوجته وابنه في وادٍ غير ذي زرعٍ، وأن يغادر، فقالت له زوجته: إلى أين؟! تعجبت, ماء ما في، لا ماء ولا طعام، أرض جرداء قاحلة جافة، إلى أين؟ ثم استدركت، قالت: آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم, هذا التوكل المطلق، من دون أي سبب، والعبودية المطلقة أيضاً فعلها سيدنا إبراهيم، حينما قال له ربه أن يذبح ابنه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [سورة الصافات الآية: 102] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ, لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ, تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا)) ما ترويه الكتب : تروي الكتب: أن رجلاً صالحاً اسمه حاتم الأصم، هذا الرجل أراد أن يحج بيت الله الحرام، ويبدو أنه لا يملك ما يكفي للنفقة على عياله، وتاقت نفسه إلى الحج، فاستأذن أولاده وزوجته فلم يأذنوا له: إلى أين؟ إلى مَن تتركنا؟ إلا أن بنتاً له صالحةً, قالت له: يا أبتِ اذهب فأنت لست برازق، الله يرزقنا، فيبدو أنهم سكتوا، وكأن كلمتها ألقت على قلبه طمأنينةً, فرحل، وذهب إلى بيت الله الحرام حاجاً، بعد أيامٍ نفد الطعام والشراب، فدخل أولاده وزوجته على هذه البنت الصالحة الطيِّبة ليعنِّفوها: أين الطعام؟ مَن يأتينا بالطعام؟ أنت قلتِ لأبيكِ: اذهب وحج بيت الله الحرام فإنك لست رزَّاقاً، ماذا نفعل؟. تروي القصة: أن هذه البنت دخلت إلى غرفتها، وتوسلت إلى الله عز وجل أن يرزقها ، فالذي حصل أن أمير المدينة كان في جولة تفقدية، وصل إلى بيت حاتم الأصم, فشعر بعطشٍ شديد، فقال لأحد رجاله: آتوني بكأسٍ من الماء، طرقوا باب حاتم الأصم, وقالوا: الأمير يطلب كأس ماء، أهل البيت اجتهدوا أن يكون الكأس نظيفاً، والماء بارداً, هذا الأمير شرب حتى ارتوى، وأذاقه الله أطيب طعمٍ لهذا الماء، فلما انتهى من شربه قال: بيت مَن هذا ؟. قالوا: بيت حاتم الأصم. قال: هذا الرجل الصالح؟. قالوا: نعم. فقال: لنسلم عليه. قالوا: هو في الحج. قال: إذاً له علينا حق، معه صرة من ذهب فأعطاهم إياها، ولم يكتفِ بهذا، قال لمَن حوله: من أحبني فليفعل فعلي. فجأة انهالت الدنانير الذهبية على أهل هذا البيت، واغتنوا لعام تقريباً، دخلوا على هذه البنت الصالحة، فإذا هي تبكي، قالوا لها: ما لكِ تبكين، وقد أغنانا الله عز وجل؟!. قالت: أبكي لأن إنساناً نظر إلينا فأغنانا، فكيف لو نظر إلينا خالق الأكوان؟!: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [سورة النمل الآية: 79] دعاء الخروج من البيت : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ, تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ, لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ, يُقَالُ له حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ, فَيتَنَحَّى لَهُ الشيطان, فَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟)) [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما] كلما خرجت من بيتك لاقتْك أخطـارٌ؛ حادث سير، طغيان ظالم، صفقة خاسرة, جُهِل عليك، ضللت، عصيت، كذبت، فإذا قلت قبل أن تخرج من البيت: ((بِسْمِ اللَّهِ, تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ, لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ, يُقَالُ له حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ, فَيتَنَحَّى لَهُ الشيطان, فَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟)) هذا ما قاله بعض العلماء : وقال بعض العلماء: التوكل نصف الدين، والنصف الثاني هو الإنابة، ذلك أن الدين استعانةٌ وعبادة، جُمع القرآن في الفاتحة، وجمعت الفاتحة في إيّاك نعبد وإياك نستعين, فالدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، التوكل نصف الدين. لبعض العلمـاء قول رائع، يقول: العلم كلـه باب من التعبُّد، والتعبُّد كله باب من الورع، والورع كله باب من الزهد، والزهد كله باب من التوكل. منزلة التوكل من أوسع المنازل وأجمعها : قال: هذه المنزلــة من أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورةً بالنازلين لسعة متعلَّق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، فأهل السموات والأرض المكلفون, وغيرهم في مقام التوكل, وإن تباين, متعلَّق توكلهم, فأولياؤه وخاصَّته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصر الدين, وإعلاء كلمة الله، وجهاد أعدائه، وفي محابه, وتنفيذ أوامره. إنسانٌ يتوكل على الله لنشر الدين، لإقرار الحق، لتفريج غمِّ المسلمين، لهداية الناس, وإنسان يتوكل على الله لشراء بيت مثلاً، أو لزواج، وإنسان يتوكل على الله لشيء صغيرٍ جداً ، كلهم متوكلون، ولكن التفاوت بين المتوكلين في مضمون التوكّل, ومن دون هؤلاء، إنسان يتوكل على الله في استقامة، وحفظ حاله مع الله، تعنيه نفسه فقط، فتوكُّله متعلّق بذاته، يرجو الله أن يبقيه مستقيماً منيباً خاضعاً، الأنبياء والصديقون يتوكلون على الله من أجل عموم الناس، من أجل هداية الناس، من أجل ترسيخ الحق، وإبطال الباطل. ومن دون هؤلاء أناسٌ يتوكلون على الله في شؤون الدنيا؛ من رزقٍ، أو عافيةٍ، أو زوجةٍ، أو ولدٍ ونحو ذلك. ما أفضل أنواع التوكل؟ : العلماء قالوا: أفضل أنواع التوكل على الإطلاق التوكل في الواجب، أي واجب الحق ، واجب الخَلق، واجب النَفس، وأوسعه التوكل في التأثير في مصلحةٍ دينية، أو دفع مفسدةٍ دينية، أعلى أنواع التوكل: أن تتوكل على الله لجلب مصلحةٍ دينيةٍ للخلق، أو لدفع مفسدةٍ عنهم ، هذا أعلى توكل، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم، ثم الناس بعد في التوكل على حسب هِمَمِهِم ومقاصدهم, فمن متوكل على الله في حصول مُلْكٍ، ومن متوكل على الله من أجل رغيف. ثم قالوا: ومَن صَدَقَ توكُّله على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوباً له كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطاً مبغوضاً كانت العاقبة مفسدة كبيرة له. الفكرة هنا دقيقة: إنسان يتوكل على الله في معصية, ذلك إنسان جاهل، همُّه أن ينجح في هذا الدور في التمثيل، أو همها أن تنجح في هذا الدور في التمثيل: تدعو ربَّها وتتوكل عليه, في أمر لا يحبه الله، فقد تنجح، لكن هذا الشيء إذا نجحت فيه، حصل من نجاح توكلها على الله مفسدةٌ لها كبيرة، وهذا شيء مشهور بين مَن يعمل في حقل الفن، وإن كان مباحاً حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعة، والله أعلم. والخلاصة: توكل في شأن سامٍ واجب ديني، الواجب الديني إما عام أو خاص, الأنبياء والمرسلون ومَن ينوب عنهم في إبلاغ الحق، يتوكلون على الله لترسيخ الإيمان في قلوب الناس، ولدفع المفسدة الدينية عنهم، دون هؤلاء؛ مَن يتوكل على الله من أجل سلامة استقامته وحسن خاتمته وحده، أما الذين يتوكلون على الله في شأن من شؤون الدنيا، فإن كان طاعة، أو كان مباحاً نجوا، وإن كان مفسدة هلكوا. التوكل من أعمال القلب : العلماء قالوا: التوكل من أعمال القلب. ومعنى ذلك: أنه عمل قلبي, ليس بقول اللسان, ولا بعمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات، فالقلب حينما يعبد الله يتوكل عليه, وهلك المسلمون, لأن التوكل نُقِلَ من القلب إلى الأعضاء، لا، التوكل داخلي، الأعضاء يجب أن تأخذ بالأسباب، أما القلب يفوِّض أمره إلى الله، أما إذا عكست الآية، نُقِلَ التوكل من القلب إلى الأعضاء، صار تواكلاً. أناس كسالى سألهم عمر -رضي الله عنهم-: من أنتم؟. قالوا: نحن المتوكلون. قال: كذبتم, المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله. من تعاريف التوكل : من الناس مَن يتوهم أن التوكل بابٌ من أبواب المعارف والعلوم, فيقول: هو علم القلب بكفاية الرب. ومنهم من يفسره بالسكون، وخمود الحركة، اجلس، تدبر ألا تدبر، توكّل على الله, لا تفعل شيئاً، يأتيك رزقك إليك، هذا أسوأ أنواع التوكل، توكل الكسالى، توكل الحَمْقى, توكل العاطلين عن العمل. وقال بعضهم: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب، وهو ترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار. هذا أسوأ نوع من أنواع التوكل، يتوكل بأعضائه وأجهزته لا بقلبه، التوكل مكانه القلب، والأعضاء من أجل العمل والحركة والسعي. قال بعضهم -ولهذا القول معنى-: التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد. هذا معنى جيد. وقال بعضهم الآخر: التوكل هو الرضا بالمقدور. وقال بعضهم -وعلى هذا القول تحفُّظ-: التوكل هجر العلائق، ومواصلة الحقائق. يعني لا يتزوج، ولا يعمل، ولا يسعى، هجر العلائق ومواصلة الحقائق. هذه حقيقة التوكل : أما الحقيقة: أن التوكل حالٌ مركبة من مجموع أمور، لا تتم حقيقة التوكل إلا بها, وكل إنسان عرَّف التوكل من زاوية, أشار إلى أحد عناصر التوكل، ولم يشر إلى كل شروط التوكل، قال: أولى هذه الشروط: معرفة بالرب وصفاته؛ من قدرته، وكفايته، وقيومته, وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته، وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل. أول شيء في التوكل أن تعرف الله الذي ينبغي أن تتوكل عليه، أن تعرفه قوياً، وأن تعرفه قادراً، وأن تعرفه غنياً، وأن تعرفه رحيماً، وأن تعرفه سميعاً، وأن تعرفه بصيراً، وأن تعرفه مجيباً، وأن تعرف أن الأمر كله بيده، إن عرفت هذا توكلت عليه. لا يصح التوكل من فيلسوف، ولا ممَّن يؤمن بأن للإنسان فعل، فالله عز وجل هو الفعَّال، لا يقع شيءٌ في كونه إلا بأمره، فإذا توهَّمت أن إنساناً ما، له قدرة على أن يفعل شيئاً, دون أن يرجع إلى الله, أو دون أن يريد الله، فهذا شرك، كل مَن ينسب الفعل للمخلوق فقد أشرك، فقال: هذا لا يتوكل على الله، ما يربط بين أفعال العباد وبين مشيئة الله عز وجل. وهناك مَن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشيئة، هذا الإنسان لا يمكن أن يتوكل على الله، فلا بد من أن تصح عقيدتك، حتى يصح توكلك. ما ينبغي أن تعرفه : شيء دقيقٌ جداً ينبغي أن تعلمونـه: لا يمكن أن يتناقض التوكل مـع الأخذ بالأسباب ، بل يتكاملان، ليس معنى المتوكل أنه لا يأخذ بالأسباب، المتوكل يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، الموقف الكامل للمؤمن، وما أندر هذا النموذج، أنت ماذا تجد؟ تجد مؤمنًا يتوكل ولا يأخذ بالأسباب، أبسط شيء: يأكل فاكهة دون غسيل، فإن قيل له: يا أخي اغسلها, قال: سمِّ الله، لا يضر مع اسمه شيء، هذا جهلٌ، يتوكل دون أن يأخذ بالأسباب, إنسان آخر يأخذ بالأسباب ولا يتوكل. الغرب مثلاً: يأخذون بالأسباب بأروع ما تكون ولا يتوكلون على الله، يتوكل عليها، وقع في الشرك، الشرق لا يأخذ بها ويتوكل، الأول أشرك والثاني عصى، وكلاهما لا يوفـق، ينبغـي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ففي الهجرة لم يدع سبباً إلا أخذ به، فلما وصلوا إلى الغار, توكل على الله، واستسلم له. فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا, فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟)) سافر صلى الله عليه وسلم مساحلاً واختبأ في غار ثـور، وكلَّف إنسانًا يمحو الآثار, وإنسانًا يأتيه بالأخبار، وإنسانًا يأتيه بالطعام، واستأجر خبيرًا مشركًا، ولم يترك حيلةً إلا وأخذ بها، هذا التعبُّد، هذا الأخذ بالأسباب، ولما وصلوا إليه توكل على رب الأرباب، هذا الكمال، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، تريد أن تسافر، لا بـد من فحصٍ دقيق للسيَّارة؛ العجلات، ضغط العجلات، الزيـت، المكبح, جهاز التوازن، ثم تقول: يا رب سلِّمني، يا رب أنا بحفظك ورعايتك، أخذتَ بالأسباب وتوكّلت على الله، أما إذا لم تفحص المركبة وقلت: يا من لا يوجد غيرك، فقد اختل شرط التوكل، لم تأخذ بالأسباب. إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها فقد أشركت، وإن لم تأخذ بها فقد عصيت, والمؤمن الكامل يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ويتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. خلاصة القول : نصف الدين: إياك نعبد وإياك نستعين، العبادة إنابة إلى الله اتصال، ونستعين توكل, فإن تحدثنا عن التوكل نتحدث عن نصف الدين، ولن تستطيع أن تتوكل على الله إلا إذا كنت على الحق المبين، أما إنسان شارد، ولا يخطر في باله أن يتوكل، بل لو خطر في باله أن يتوكل, يستحي أن يتوكل، يتوكل على من يعصيه!؟ يتوكل على من يغضبه!؟ مستحيل. دعاء الختام : الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين, اللهم أعطنا ولا تحرمنـا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثــر علينا، أرضنا وارض عنا, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#84 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة التوكل - 2 -علاقة التوكل بالاخذ بالاسبابالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مشكلة العالم الإسلامي : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثاني والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي كنا فيها في الأسبوع الماضي منزلة التوكل، ونستمر في هذا الدرس إن شاء الله على هذه المنزلة. أيها الأخوة الكرام, لا بدّ من ربط التوكل بالأخذ بالأسباب، ولا أبالغ إذا قلت: إن هذا الموضوع خطير، ذلك أن مشكلة العالم الإسلامي هو أنه فهم التوكل قعوداً، وكسلاً، وتواكلاً, ونسي أن الأخذ بالأسباب جزء من الدين، وأن المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء, ويتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، وأن عالم الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها فأشرك، وأن عالم الشرق لم يأخذ بها فعصى، والأخذ بالأسباب والتوكل على الله عز وجل كلاهما شرط لازم غير كاف، وهذا الدرس تحتاجونه في كل دقيقة من دقائق حياتكم، في كل وقت، في الصباح والمساء, في العمل وفي البيت، قد تأخذ بالأسباب وتنسى الله، وتظن أن هذه الأسباب وحدها كافية لتحقيق الهدف، وقعت في الشرك الخفي وأنت لا تدري، فإذا تابعت هذا الموقف لا بد من أن يؤدبك الله, فمع أنك أخذتَ بالأسباب يبطل فعلها، ويصاب بخيبة أمل ويصعق، ما الذي حصل؟ إنه أله الأسباب، واعتمد عليها, ونسي الله عز وجل، ولا تقل: أن هذا شيء بعيد. إن أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- وهم على ما هم عليه من قرب من الله عز وجل, توهموا بعد فتح مكة أنهم أقوياء وأنهم كثر، فاعتمدوا على كثرتهم وقوتهم, وقالوا: لن نغلب من قلة، فجاءت غزوة حنين, قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 25] وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام. ما هما الدرسان البليغان اللذان نأخذهما من بدر وحنين؟ : وكنت أقول لكم دائماً: نحن في درسين بليغين؛ درس بدر ودرس حنين، درس بدر افتقر أصحاب النبي إلى الله عز وجل فتولاهم الله، ودرس حنين قالوا: نحن, اعتمدوا على قدرتهم، وعلى قوتهم، وعلى عددهم، فتخلى الله عنهم. وهذا الدرس يقع كل يوم مع كل مسلم، إن كنت مدرساً تعد الموضوع إعداداً جيداً، وتظن أن هذا الإعداد وحده كافٍ لإنجاح الدرس، وتنسى أن تقول: يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك, إن كنت طبيباً, تعتمد على علمك, وتنسى أن تتوكل على الله، إن كنت مهندساً، إن كنت موظفاً، إن كنت تاجراً، تستخدم خبرتك في التجارة، وتنسى أن تقول: يا رب هيئ لي صفقة رابحة, فحينما تنسى أن تدعو الله عز وجل, وتعتمد على خبرتك، وعلمك، وقوتك، ومالك، وأسرتك, وعلى من حولك، وعلى من فوقك، وعلى من تحتك، وعلى أتباعك، يتخلى الله عنك، هذا درس بليغ. ما يعانيه المؤمن : بل إن أكثر شيء يعانيه المؤمن: هو أنه يأخذ بالأسباب ويخيب ظنه لأنه اعتمد عليها، ولا يأخذ بالأسباب ويخيب ظنه لأنه لم يأخذ بها، موقف دقيق، طريق ضيق، عن يمنيه واد سحيق وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها وقعت في واد الشرك ، وإن لم تأخذ بها وقعت في واد المعصية، ولعل الشيء الذي يحتاجه المسلمون اليوم، وقد تألب عليهم كل الناس، وكل الشعوب, وواجهوا حرباً عالمية ثالثة، إنما هم محتاجون إلى أن يأخذوا بالأسباب, ويتوكلوا على الله, فلو توكلوا ولم يأخذوا بالأسباب لا يستحقون نصر الله عز وجل، ولو أخذوا بالأسباب ولم يتوكلوا لا يستحقون نصر الله عز وجل، النصر يحتاج إلى إعداد, وهو أخذ بالأسباب، وإلى إيمانٍ, وهو توكل على الله. قال العلماء: من نفى الأسباب فتوكله مدخول, ما معنى هذا الكلام؟ : قال العلماء: من نفى الأسباب فتوكله مدخول. أي فيه خلل, توكله غيــر صحيح، وهذا عكس ما يظهر من رأي السذج من الناس، كل وسمِّ الله لا تغسلها، لا يضر مع اسمه شيء، ابنه مرض الله هو الشافي، هذا كله كلام جهل مطبق، خذ ابنك إلى الطبيب، واختر طبيباً جيداً، واشترِ الدواء الجيد، ونفذ تعليمات الطبيب بحذافيرها, وبعدها قل: يا رب أنت الشافي، لا شافي غيرك، إن قلت أنت الشافي ولم تعالج ابنك، لست مطبقاً لمنهج الله، وإن عالجت ابنك ونسيت أن تقول: يا رب أنت الشافي, لم تكن مطبِّقًا لمنهج الله، يجب أن تعالجه، وأن تفتقر إلى الله، يجب أن تأخذ موقفاً علمياً, إن لم تأخذ موقفاً علمياً لا تعد مطبقاً لمنهج الله عز وجل. إن نفاة الأسباب: من ينفي سببًا لا يستقيم لهم توكل البتة، وإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سبباً في حصول المدعو به. إنِ اعتقد الإنسانُ أن توكلَه لا قيمة له، يقول: المقدَّر كائن توكلت أو لم أتوكل، المقدر كائن أخذت بالأسباب أو لم آخذ، الشافي هو الله، تداويت أو لا، هذا كلام مرفوض كلياً، وكلام غير صحيح، وغير شرعي، وغير أصولي، ولا يقبل، والله عز وجل جعل الدعاء أحد الأسباب. هل هناك إنسان يشبع من دون أن يتناول الطعام؟ أو إنسان ينجب من دون أن يتزوج ؟ أو إنسان يقطف ثمرة من دون أن يزرعها؟ هذا مستحيل، فإن الله جعل النبات سببه إلقاء البذرة في الأرض، وجعـل خروج الماء من الأرض بسبب حفــر البئر، وجعل إنجاب الولد بسبب الزواج, وجعل الشبع بسبب تناول الطعام، وجعل الري بسبب شرب الماء، فلو قلت: هذا الري مقدر من الله عز وجل شربت أم لم أشرب، ومقدر لي أن أشبع أكلت أو لم آكل، لماذا أنت في أمور الطعام والشراب، وحفر الآبار، واستنبات النبات، وإنجاب الأولاد، تعتمد على الأسباب، ولا تعتمد عليها في شؤون حياتك كلها؟ أعداء الدين يأخذون على المسلمين تواكلهم، بينما المؤمن الصادق يأخذ بكل الأسباب ويتوكل على الله. مقولة لعمر خلدها التاريخ : سيدنا عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ- مر بقرية, فوجد أن كل الفعاليات فيها بيد غير المسلمين، فعنفهم تعنيفاً شديداً، فقالوا: -كما يقول الآن: من أخرج الله من أرضهم ثروة طائلة فعاشوا في بحبوحة كبيرة, يقول لك: الله عز وجل سخر لنا هؤلاء، يركبون مركباتهم، ويستخدمون آلاتهم، ويتنعمون بكل وسائل الحضارة اليوم على أنها من صنع الكفار، ونحن مكرمون عند الله، سخرهم الله لنا، هذا كلام يقوله الجاهل-. قال عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ-: كيف بكم إذا أصبحتم عبيدًا عندهم؟ أدرك بعمق إيمانه وصواب نظرته, أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف. خبر طريف : قبل أشهر تقريباً, قرأت خبرًا طريفًا عن أضخم شركة صوتيات في اليابان, هي شركة سوني, توفي صاحب الشركة، فقبل أن يموت قال كلاماً فيه مغزى، قال: حينما احتلت أمريكا بلدنا وقهرتنا أردت أن أنتقم منها، أتقنت صنعتي إلى درجة أنها غزت أسواق أمريكا، وأن هذا البلد الكبير القوي المتحكم, اشترى من أجهزتي وصناعتي أكثر مما باع العالم كله من هذا الشراب المعروف, هذا نوع من أنواع القوة. إذا أتقنا عملنا، أتقنا صناعتنا، اكتفينا بزراعتنا، لم نكن عالة على أحد، أكرمنا الله عز وجل, أما قولنا: سخرهم الله لنا، هذا كلام مضحك، نحن مستهلكون، والمستهلك فقير جداً، والمنتج قوي وغني، فتعمير محرك طائرة, يكلِّف خمسة ملايين دولار, والدولار بخمسين ليرة سورية, فالحاصل 250 مليون ليرة سورية، محصول قمح كم دونم؟ تعمير محرك واحد، هم يأكلون ثروتنا إن هم اشتروا منها بأبخس الأسعار، وينهبوننا ثانية إذا هم باعونا، قد نبيعهم ثرواتنا بأرخص الأسعار, جاءت فترة على دول النفط باعوا نفطهم بأقل من كلفته، برميل النفط بـ 6.5 دولار، وبيع بـ 8 كلفته 8.5, فإذا باعونا التكنولوجيا نشتريها بأثمان خيالية، بأرقام فلكية، لأنهم منتجون ونحن مستهلكون، نحن كمسلمين يجب أن نعي المشكلة، هم يريدوننا أن نبقى مستهلكين، وهذا يعجبهم, يأخذون ثرواتنا بأقل الأثمان، ويبيعوننا بضاعتهم بأعلى الأثمان، لأننا متوكلون، نحن لنا الله، هذا كلام مضحك، اعقل وتوكل. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: ((قَالَ رَجُلٌ لرَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ, أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)) [أخرجه الترمذي في سننه] كل واحد منا بحرفته، يجب أن يكون الأول، أن يتقن، أن يعمــل ليلاً نهاراً، أنت مسلم, أنت سفير المسلمين, صاحب الحرفة أتقنها، وإتقان العمل جزء من الدين. إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه. فإذا أتقنت عملك ارتقيت، لماذا أنت تعيش في الدنيا؟ من أجل عمل صالح, وهل من عمل صالح أعظم من أن تتقن عملك، وأن تنفع به المسلمين؟ . في مجالات نصدر، المصدر المسلم غير متقن، وغير صادق، وغير مخلص، يبيع بضاعة عينات، ويقدم لهم بضاعة أخرى، فنصدر مرة واحدة، وتغلق الأسواق في وجوهنا، هذا هو التواكل. هذا ما ذكره كتاب السيرة : إن كُتّاب السيرة حينما يذكرون: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قبيل معركة بدر، رفع يديه إلى السماء حتى كاد رداءه ينزاح من كتفه، يقول: يا رب, إن تهزم هذه الجماعة، أو هذه الفئة، لن تعبد بعد اليوم، لماذا كان النبي قلقاً؟ أنجح تفسير لهذا القلق: أنه خشي أن يكون مقصراً في الأخذ بالأسباب، أنت حينما تأخذ بالأسباب, وتتوكل على الله, الله عز وجل لن يخيبك، أما نحن فأعمالنا غير متقنة، نرجئ ونسوِّف ونستهلك. الإنسان الشرقي في أوربا, اسمه: أي بي أم, أمّا إن شاء الله, تعني لا يحقق وعده، ويتهرب من تحقيق وعده بكلمة: إن شاء الله, التي لم يعُد مفهومها إسلاميًا، لأنه يسوِّف ويماطل، إن شاء الله، معناها لا يدفع, أما إذا عقد العزم على إنجاز ما وعد, فإنه يقول: إن شاء الله تعالى، إن أبقاني الله حياً، يقولها بطريقة إسلامية صحيحة: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الكهف الآية: 23 - 24] لكن يستخدمها المسلمون للتنصل من أداء الحقوق، تأتي غداً, إن شاء الله آتي، معناها لن آتي، اسمه آي، إن شاء الله، ب بكرة, تأجيل، كله تأجيل، الشيء بين يديه، أعطني هذه المعلومة غدًا، ب الأم، لا بأس, ماذا حصل؟ قصرنا وأتلفنا المادة وخسرنا المناقصة, ماذا حصل؟ يسمونه أي بي أم، هذا من تقصير المسلمين، أما المؤمن: أولاً: لا يسوف، ولا يستخدم كلمة إن شاء الله إلا كما أرادها الله عز وجل، ولا يسمح لنفسه أن يكون سبباً في ضياع المال. عليه الصلاة والسلام توضأ من قعبٍ، من إناء، ففضلت فيه فضلة, فقال عليه الصلاة والسلام: ((ردوها في النهر ينفع الله بها قومًا آخرين)) حفاظًا على الماء، عقيدة ربما آمن بها بعضُ الناس، يقولون: إن التوكل والدعاء عبودية محضة، لا فائدة لهما إلا ذلك، ولو ترك العبد التوكل والدعاء, ما فاته شيء مما قدر له، هذا الكلام مرفوض، فإنّ الله جعل التوكل سببًا للعطاء، وجعل الدعاء سببًا للإجابة, وبالمناسبة: ما أمرك أن تتوكل عليه إلا ليعينك، ما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك، وما أمرك أن تكون معه إلا ليكون معك، وما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك، وما أمرك أن تعبده إلا ليكرمك، هذا شيء دقيق. من سنن الله في خلقه : من سنن الله في خلقه: أنه قضى بحصول الشيء إذا فعل العبد سببه، فمن لم يأت بالسبب امتنع المسبب، هذا قانون. فالولد يأتي بعد الزواج، والشبع يأتي بعد الأكل، والري يأتي بعد الشرب, والحج يأتي بعد السفر، إنسان لا يتحرك، ولا يسأل، ويدعـو الله أن ييسِّر له حجَّة، وهو يقــول: ومقتدر وقادر، لا يتحرك ولا يسعى، دخول الجنــة تحتاج إلى إسلام، وإلى إيمان، وإلى طاعة للواحد الديان، فكل إنسان ترك الأخذ بالأسباب حرم المسبب، وإنّ الله عز وجل لا يمكن أن يستجيب لإنسان قاعد: يا رب ارزقني، يا رب أعطني، يا رب ارفع شأني، يا رب علمني، أما حينما تقوم وتتحرك, فحينها يستجيب الله عز وجل لك. أضرب مثلاً: مركبة توقفت، ترفع يديك إلى السماء: يا رب لا تقطعني، يا رب أصلحها لي, يا رب أنت الواحد الأحد، هذا لا يجدي، افتح غطاء المحرك، وابحث عن سبب التوقف، وقل: يا رب ألهمني العلة، فإنّ الله يعينك، ما دمتَ آخذًا بالأسباب فإنّ الله يعينك، فلا يستجيب الله للداعي إلا إذا تحرك في الأخذ بالأسباب، والعوام لهم كلمة لطيفة: عبدي قم أقم معك. أرأيت إلى الطير التي ضرب الله بها مثلاً في التوكل, تغدو من العش خماصاً, وتعود بطاناً؟ لقد تحركت، وخرجت من عشها، والحركة بركة، تحرك، وابحث، واسأل، واطرق الأبواب، ولا تقل: أُغلِقت في وجهي. ((إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ، وَلَكِــنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ, فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ)) ما حكم من يترك الأخذ بالأسباب؟ : هناك من يترك الأخذ بالأسباب, ويقول: إذا كان قد قضى لي, وسبق في الأزل حصول الولد والشبع والري والحج ونحوها، فلا بد من أن يصل إلي، تحركت أو سكنت، تزوجت أو تركت, سافرت أو قعدت، وإن لم يكن قد قضى لي, فلن يحصل لي أبداً, فعلت أو تركت، هذا كلام مرفوض. ولقد سمعتُ مرات عديدة من بعض الأشخاص المرضى, يقولون : إذا الله كاتـــب لي الشفاء أشفى, عولِجت أو لم أعالج، وإذا كتب الله لي المرض سأمرض، عولِجت أو لم أعالج، هذا كلام مرفوض, وهو منتشر بين العوام لا بين طلاب العلم. يقول أحد العلمـاء: هل يعد هذا من العقلاء؟ بل إن البهائــم أفقه منه، فإن البهيمة تسعى بالهداية العامة بالسبب، تذهب لتشرب، تبني عشاً كي يقيها الحر والقر. من شروط التوكل : وقال بعض العلماء: التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بهــا المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل. الآن: التوكل أحد شروطه الأخذ بالأسباب، التوكل والدعاء يلتقيـان أحد شروطهما الأخذ بالأسباب، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب, صار الأخذ بالأسباب أحد شروط التوكل، ومن تمام التوكل ألا تركـن إليها، أن تأخذ بها دون أن تركن إليها، وعبادتي الشهيرة تأخذ بها وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، في الدراسة، في التجارة، في السفر، في الصحة، في الزواج. خطـب امرأة فوافق, وقال قبل الرضى بها: هي نصيبي، اسأل عنها، ربما يمثِّلون دور الأتقياء، وربما يكذبون أو يدلِّسون، وقبل أن تقول: هي لي، واللهُ كتبها زوجًا لي, ابحث وتحرَّ, لعلك تجد في هذه الزوجة حقائق مُرّة. ما تفسير هذه الآية؟ : إن أروع ما قرأته في تفسيره قوله تعالى: ﴿الطيبون للطيبات﴾ قال: ينبغي أن يكـون الطيبون للطيبات، هذا معنى، يعني احرصوا أن يكون الطيبون للطيبات، يعني أمرًا تكليفيًا وليست أمراً تكوينياً، يجب أن تجتهد، وأن تسأل، وأن تحقق، وأن تدقق، وأن تتمهل، قبل أن تبرم وإلا تندم, إنّ الله أمرك أن تأخذ بالأسباب، وجعلك خليفتــه في الأرض، وأعطاك حرية الحركة، وقال لك: استشِر واستخِر وارجع إلى أهل الذكر: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 43] وقال لك: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 59] هكذا المسلمون بعامة، والمسلمون في بلاد الشرق بخاصة، في أمسِّ الحاجة إلى أنْ يعلموا أن التوكل شيء، والأخذ بالأسباب شيء آخر، وأنهما لا يتناقضان، بل يتكاملان، بل إنه من شروط التوكل أن تأخذ بالأسباب. ما المغزى من هذا المقطع؟ : أحياناً طفل يرسب في صفه، ويقصِّر في دراسته، مباشرة يقول الأب: هذا لا يصلح للدراسة, كن حكيما عالِج سبب تقصيره، هيئ له أستاذًا خاصًّا، اجلس معه قليلاً، حبب إليه المدرسة، خذ بالأسباب. أنا أعرف امرأة, طموحها أن يكون ابنها طبيباً، رسب في البكالوريا, فأخذت بكل الأسباب, رسب عددًا من المرات ولم تيأس إلى أن أصبح طبيباً، كل قضية لها أسباب، كره المدرسة، غيِّر له المدرسة، كره الأستاذ, وفِّق بينهما، ارفعْ معنوياته، كل شيء له سبب. معلم عنده طفل مشاكس مشاغب, بحث فوجد أمه مطلقة، سلوكه الشاذ بالمدرسة سببه أن أمه مطلقة، يفتقد للعطف والحنان, وعوضه المعلِّم بطريقة أو بأخرى، كلف والده أن يأتي بهدية للصف، تقويم يعلق، وانضبط الابن, كل شيء له حل، لما يكون تفكيرك تفكيرًا سبباً تتفوق، وعندما يكون تفكيرك تواكلاً وإرجاء, تكون الأمور كلها جامدة. لفتة نظر : لفت نظري في الشعوب الأخرى دأبُها على العمــل، وإتقانها له، ويؤلمني في بلاد المسلمين عدم إتقانها للعمل وميلها إلى الراحة. النبي -صلى الله عليه سلم- قال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا)) [أخرجه ابن ماجه في سننه] في سفرتي الأخيرة إلى أمريكا، وكان شروق الشمس على الساعة الثامنة، في الخامسة والنصف الطرقات مزدحمة بالناس الذاهبين إلى العمل، عندنا للحادية عشرة لا توجد حركة, والمحلات التجارية مغلقة، ولا دائرة، هل هذا من الإسلام؟ أين قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا)) فإذا برمج الإنسانُ نفسَه؛ رتَّب أموره، سجل مواعيده، ومنجزاته, تفوَّق، نحن بحاجة إلى نظام، بحاجة إلى أن نأخذ بالأسباب، معنا الحقُّ وغيرنا معه الباطل، على باطلهم يتفوقون ، وعلى حقنا نقصر. متى يستقيم توكل العبد؟ : لا يستقيم توكلُ العبد حتى يصحَّ له التوحيدُ: إذا رأيت الأمرَ بيد زيد أو عُبَيدٍ، وتوكلتَ على من ليس بيده الأمر، فهذا من ضعف التوحيد، ورأيت أن الأمرَ بيد فلان، فلا تأخذ بالأسباب، ولا تتوكل على الله، ولكنْ تتجه إلى فلان، فلان عبد ضعيف فقير، وهذا مما يتناقض مع التوكل لأنه الشرك الخفي. كل إنسان يتعامل مع أشخاص على أنهم يرفعون أو يخفضون، يعطون أو يمنعون, يسعدون أو يشقون، ويعتقد أنهم كذلك، فإنّ توكله ضعيف، لك قريب قوي، فتعلِّق الأمل عليه، ولا تسأل اللهَ ذلك، بل نسيت الله عز وجل، هذا هو الشرك الخفي، لذلك لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له التوحيد، بل التوحيد حقيقة التوكل، والله عز وجل وحده هو المعطي والمانع, والرافع والخافض, والمعز والمذل وحده، فأي توحيد اختل ميزانه, اختل معه التوكل، فأنت إن أيقنت أن الله بيده الأمر كله تتوكل عليه، أما إن توهمت أن الأمر بيد غيره تتوجه إلى غيره. هذه حقيقة التوكل : وقال العلماء: حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك, فالتوكل معلول ومدخول، وعلى قدر التوحيد يكون التوكل، فالعبد متى التفت إلى غير الله عز وجل, أخذ الالتفات شعبة من شعب قلبه، فنقص من توكله على الله، بقدر ذهاب تلك الشعبة, ومن هنا ظننا الظن: أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب. أنت مؤمنٌ وموحِّدٌ وترى أن الأمر كله بيد الله، ولكن الله جعل لكل شيء سببًا، تتوسَّط فلانًا، وتكتب استدعاءً، وتقدِّم اعتراضًا، وترفع مذكرة، وتقيم دعوى, وتأخذ بالأسباب كلها، هذا التوكل صحيح، إياك ثم إياك أن تتوهم أن الأخذ بالأسباب يتناقض مع التوكل، لا والله، أما التوكل يتناقض مع الشرك الخفي، الإنسان حينمــا يشرك مع الله جهة قوية, عندئذٍ ينسى الله عز وجل ولا يتوكل. التوكل محله القلب، والأخذ بالأسباب محله الجوارح، فإذا عكس الأمر انتهى التوكل، التوكل مكانه القلب، فأنت تأخذ بالأسباب وقلبك معلق بالله، أما الذي لا يأخذ بها وقلبه معلق بغير الله هذا فقد ركني التوكل. التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها, الأعضاء والجوارح مكان الأخذ بالأسباب، القلب مكان التوكل، هذه نقطة ثانية. ما علاقة التوكل بالتوحيد؟ : النقطة الثالثة: علاقة التوكل بالتوحيد: أنت تتوكل ويصح التوكل إذا أخذت بالأسباب. سيدنا عمر سأل أناسًا فقراء: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، فقال رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله. مرة رجل وجد بالطواف في أثناء الحج لوزة، رفع عقيرته ونادى: من صاحب هذه اللوزة؟ سمعه عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ-، وكان يكره التظاهر، قال له: كلها يا صاحب الورع الكاذب. إن شاء الله في درس قادم نتابع موضوع التوكل, والحمد لله رب العالمين. نهاية المطاف : الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبة وسلم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#85 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة التوكل - 3 -علاقة التوكل بحسن الظن بالله التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما سبق ذكره : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولا زلنا في منزلة التوكل. تحدثت في الدرس الماضي عن علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب، وبينت أنه لا يتناقض الأخذ بالأسباب مع التوكل، لأن التوكل محله القلب، والأخذ بالأسباب محله الأعضاء، ومتى نقل التوكل إلى الأعضاء كان التواكل، والتواكل دمر الأمة الإسلامية، وما من موضوع المسلمون في أشد الحاجة إليه أكثر من أن يفهموا معنى التوكل، أن يأخذوا بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكلون على الله وكأنها ليست بشيء، يأخذ بالأسباب على أنها أسباب, وقد أُمِر الإنسان أن يأخذ بالأسباب، لكن قلبه معتمد على الله، مستسلم له, مفوض له، راض بحكمه. وبينت أيضاً علاقة التوكل بالتوحيد، وأن الإنسان إن ضعف توحيده ضعف توكلـه. أنت حينما تدعى إلى أن تعتمد على زيد، وتتوهم أن الأمر بيد عُبيد، يضعف اعتمادك عليه، إذا دعيت إلى أن تعتمد على زيد، وأنت متوهم أن الأمر بيد عبيد، لن تتوكل على زيد، لأن وهمك يصور لك أن الأمر بيد عبيد، فكلما ضعف التوحيد ضعف التوكل، وكلما أيقن الإنسان أن الأمر بيد الله وحده, وأنه لا رافع ولا خافض, ولا معز ولا مذل، ولا معطي ولا مانع، ولا قابض ولا باسط إلا الله, جعل همه هماً واحداً فكفاه الله الهموم كلها، وعمل لوجه واحد فكفاه الله الوجوه كلها، هذا في الدرس الماضي. ما علاقة التوكل بحسن الظن بالله؟ : وأقف مليًّا عند علاقة التوكل بحسن الظن بالله: ذكرت مرة أن الإنسان في علاقاته مع بني البشر، يدعو إنساناً إذا كان موجوداً، ويدعوه إذا كان قريباً منه، ويدعوه إذا كان يسمعه، ويدعوه إذا كان قادراً على تلبية طلبه، ويدعوه إذا كان محباً له، فإذا دعوتَ الله عز وجل، فأنت مؤمن بوجود الله, مؤمن بسمعه وبصره وعلمه، مؤمن بقربه، مؤمن بقدرته، مؤمن بمحبته، فكيف يتوكل الإنسان على الله وهو سيء الظن به؟. لك أن تفهم هذه الآية كما ورد تفسيرها في بعض الكتب : حينما تقرأ قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 23] بإمكانك أن تفهم هذه الآية كما ورد تفسيرها في بعض الكتب، أضرب مثلاً: لو أنّ نجارًا عنده لوحتان من خشب، وضــع إحداهما باباً لبيت الخلاء، ووضــع الأخرى باباً لقصر، ألك أن تقاضيه؟ لا، لأن اللوحتين ملكه، هكذا كلام يقال، ولكن ما قولك لو فهمنا قوله تعالى: لا ....: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 23] وأضرب لذلك مثلاً آخر: أجرى أستاذٌ امتحاناً, وصحَّح الأوراق، وعرض السلم على السبورة, ووزع الأوراق، فكل طالب تتبع ما كتب وما يستحق, فإذا بدرجته أخذها دقيقة جداً، دون زيادة أو نقصان، فقال الأستاذ: هل من سؤال؟ كل الطلاب سكتوا، ما الذي أسكتهم؟ عدله. لِمَ لا تفهم قوله تعالـى هكذا: عدلُه أسكت الألسنة، أم هناك معنًى آخر: وهو أن الإنسان مقهور بالوسيلة؟. أنت ينبغي أن تكـون في حلب غداً، فلا بد من سيارة، فالسيارة وسيلة، والغاية حلب. أنت مضطر إلى الماء لمزرعتك، لا بد من حفر بئر، فحفر البئر وسيلة، والهدف إخراج الماء، أنت مضطر أن تأكل قمحاً، لا بد من زرع القمح، الإنسان ضعيف، ومن أنواع ضعفه أنه مقهور بالوسائل، الإنسان لضعف بصره يستخدم الميكروسكوب، ولقصور بصره يستخدم التلسكوب, ولضعف يده يستخدم المباضع، لا يستطيع بإصبعه فتح بطن إنسان، لا بد له من مشرط, فكل أداة يستخدمه الإنسان هي امتداد لأعضائه، أو وسيلة يتغلب بها على ضعفه، فالإنسان مقهور بالوسيلة, أما ربنا عز وجل لكمال قدرته كن فيكون، ما في عند الله وسائل، فإذا إنسان تطفل وسأل: لماذا فعل الله هكذا؟ كأنه يجعل الله عز وجل في صفة الإنسان، يعني يحتاج إلى وسيلة ليحقق غاية، لذلك جاء الجواب من الله عز وجل: ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس الآية: 82] الإنسان مقهور بالوسيلة، لكن الله عز وجل منزه، ولكمال قدرته أمره ينفذ فوراً. متى يضعف التوكل عند الإنسان؟ : حتى إن بعض علماء التوحيد قالوا كلمة: كن تحتاج إلى وقت. هذه قالها الله للتقريب ، بين أمره وبين تحقيق أمره مسافة زمنية، قال هذا تقريباً لعلمِنا، أما أن تفهــم: ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ أنّه قد يضع إنسانًا أمضى حياته في طاعة الله في النار، لماذا؟ لأنـه: ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ ولماذا يضع إنساناً أمضى حياته في المعاصي في الجنان؟ قال: لأنه ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ فإذا توهمت أن الله قد لا تتوكل عليه, فإنّ سوء الظن بالله يضعف التوكل، كما أن عدم الأخذ بالأسباب يتناقض مع التوكل، وكما أن ضعف التوحيد يضعف التوكل، فإنّ سوء الظن بالله عز وجل يضعفه أيضاً، أنت حينما تتعامل مع إنسان قوي ليس عنده قاعدة، ولا يسأل عن أخطائه، قلما تعتمد عليه، أما إذا كان يملك قواعد واضحة فأنت مطمئن. سؤال لمريم الآية أضعها في قوس . القرآن الكريم كله قواعد : قال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ الآية: 17] قاعدة هي: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى الآية: 30] قاعدة هي: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾ [سورة النساء الآية: 147] قاعدة هي: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾ [سورة الجن الآية: 16] قاعدة هي, يعني أنّ القرآن كله قواعد، نبحث في القرآن الكريم عن القواعد، أو عن السنن، أو بحسب مصطلح القرآن الكريم عن الكلمات: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام الآية:34] في القرآن قوانين المقدمات تفضي إلى النتائج : في القرآن قوانين المقدمات تفضي إلى النتائج حتماً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [سورة النحل الآية: 97] في أي بلد، وبصرف النظر عن أوضاع أي بلد، وبصرف النظر عن الشدة التي قد تحيط ببلد، وبصرف النظر عن تفلت الناس من منهج الله, ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [سورة طه الآية: 124] التعامل مع الله سهل جداً، إنه تعامل مع قوانيــن، لأن الله من رحمته جعل للتعامل معه قواعد. من الطرق التي رسم الله لنا لكي نصل إليه : والله عز وجل رسم لنا كي نصل إليه ألف طريقٍ وطريق، منها الصدقة. قال عليه الصلاة والسلام: ((بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلاَءَ لا يَتَخَطَّى الصَّدَقَةَ)) ((صدقة السر تطفئ غضب الرب)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط] الصدقة طريق، والدعاء طريق، الاستغفار طريق، والصلاة طريق، والصيام طريق, وبر الوالدين طريق، ورعاية الأيتام طريق، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لأن الله يحبنا، ويحب أن يرحمنا، لذلك رسم لنا ألف طريقٍ وطريق، أما الإنسان القوي، قد لا تستطيع أن تصل إليه طوال حياتك، أما ربنا عز وجل رسم لنا آلاف الطرق، فلذلك حسن الظن بالله, يحبنا, يريد أن يتوب علينا، خلقنا ليسعدنا: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [سورة هود الآية: 119] خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليغفر لنا إذا استغفرناه، ليعيننا إذا استعنا به، ليجيبنا إذا دعوناه، ليعطينا إذا سألناه، ليتوب علينا إذا تبنا إليه، حسن الظن بالله يحملك على التوكل عليه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 23] من لوازم الإيمان : فالتوكل من لوازم الإيمان، ومن لم يتوكل على الله فهو بعيد عن الإيمان. قال العلماء: على قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه. وهذا ما دفع بعض العلماء إلى أن يفسروا التوكل بحسن الظن بالله. والنبي -ليه الصلاة والسلام- وهو في مرض الموت، قدم له دواء لذات الجنب، وهو مرض خطير، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك مرض ما كان الله ليصيبني به. من باب حسن الظن بالله، وأنا أقول لكم: المؤمن المستقيم لا يفضحه الله، يلبسه تهمة باطلة يدمره, هذا مستحيل، من باب حسن الظن. يجب أن تعتقد : قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة الطور الآية: 48] بل إن بعض العلماء قال: الآيات التي هي موجهة للنبي -عليه الصلاة والسلام-, هي بشكل أو بآخر بحسب إيمان المؤمن موجهة إليه أيضاً بالتبعية، فإذا قال الله عز وجل: ﴿فإنك بأعيننا﴾ وكل مؤمن على قدر إيمانه، وعلى قدر توحيده، وعلى قدر استقامته، وعلى قدر إخلاصه هو بعين الله عز وجل، يجب أن تعتقد أن الله لا يتخلى عنك، يجب أن تعتقد أن الله حينما قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [سورة التوبة الآية:51] ﴿لنا﴾ لم يقل علينا، فرق شاسع بين أن تقول: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ وبين أن تقول: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا، الكلام الدقيق: أن حسنَ الظن بالله يدعو إلى التوكل عليه، إذ لا يتصور توكلٌ على من ساء ظنك به، ولا توكل على من لا ترجوه -والله أعلم-. إذاً: أحدُ أسباب حسنِ التوكل حسنُ الظن بالله، أحدُ أسباب التوكل الصحيح التوحيدُ، أحدُ شروط التوكل الأخذُ بالأسباب. ما العلاقة بين التوكل وبين استسلام القلب لله عز وجل؟ : وهناك علاقة أخرى بين التوكل وبين استسلام القلب لله عز وجل: طفل صغير عمره أربع سنوات في بيت والده، إذا ارتفع سعر الوقود السائل لا يهتمُّ الطفل، والده لا يملك قوت يومه لا يهتم, الأب يحمل همًّا كبيرًا، والابن مرتاح، لا يهتم لطعام، ولا لشراب، ولا لتدفئة، ولا لثياب، همه عند والده، يعني المؤمن من باب أولى، ما دام الله عز وجل هو الغني الغنى المطلق، وهو القادر على كل شيء، وهو الرحيم، وهو اللطيف، وهو السميع، وهو المجيب، ينبغي أن يستسلم. هذه مهمتك : لك أيها المؤمن مهمة واحدة أن تطيعه فقط، والباقي على الله، قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 66] انتهت مهمتك عند الطاعة، ولا تسأل؛ يا ترى يعطيني؟ هو حكيم، يعطيني كثيراً, لا أدري يعطيني قليلاً فأنا راضٍ، يعافيني فالحمد لله، مرضتُ فأنا صابر على حكم الله، يعطيني زوجة من الدرجة الأولى الحمد لله، من الدرجة العاشرة الحمد لله، يعطيني أولادًا متفوقين يا ربي لك الحمد, مقصرين يا ربي أعن على تربيتهم، حالة استسلام رائعة، المؤمن لا همَّ له، همُّه اللهُ عز وجل, وهو حكيم، وعليم، وسميع، ومجيب، وقريب، فحينما تضع همك في الله عز وجل يكفيك الهموم كلها، وهذا يحتاج إلى استسلام. طفل لا يملك ديناراً ولا درهماً, والده غني، هل يشعر هذا الطفل؟. فالعلماء قالوا: هذا الطفل غنيٌّ بغنى أبيه. لو لم تجد بجيبه ولا درهم فهو غني، والآن أقول لكم: لو أن المؤمن فقير بالمعنى المادي هو غني عند الله، لأنه إذا سأله أعطاه، وإذا دعاه أجابه، وإذا ابتهل إليه لبّاه، وإن استغاثة أغاثه، وإذا استنصره ينصره، وإن استعان به أعانه، وإن سأله أعطاه، وإن تاب إليه تاب عليه، فالمؤمن غني بالله عز وجل، هناك حالات للتعفف لا يمكن أن تفسر إلا بحالة واحدة, هي ثقة الإنسان بالله عز وجل. المؤمن عزيز : أحد الخلفاء حج بيت الله الحرام, والتقى بعالم جليل، وقال له: سلني حاجتك، أراد أن يتقرب إلى الله في تلبية حاجة هذا العالم، فقال له: والله إني لأستحي أن أسأل غير الله في بيت الله, فالتقاه خارج بيت الله، قال له: سلني حاجتك، قال له: والله ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها، ثم ألح عليه، قال له: سلني حاجتك، قال له: أريد أن تدخلني الجنة، وأن تنقذني من النار, قال له: هذه ليست لي، قال له: إذًا: ليس لي عندك حاجة. ما هذه العفة؟ المؤمن عزيز، لا أجمل من إكرام الغني للفقير، والأجمل من ذلك: تعفف الفقير عن مال الغني، ثقة بالله عز وجل. تعديل في هذا البيت الشعري : ملك الملوك إذا وهب, هذا بيت شعر، والبيت أصله: لا تسألن عن السبب، أنا عدلته: مَلِكُ المُلُوكِ إِذَا وَهَـب ْ قُمْ فَاسَأَلَنْ عَنِ السَّبَـبْ اللَّهُ يُعْطِي مَنْ يَشَــاءُ فَقِفْ عَلَى حَــدِّ الأَدَبْ الذي أعطاه يعطيك، والذي أكرمه يكرمك، والذي قربه يقربك، والذي أعانه على حفظ كتاب الله يعينك أنت أيضاً، والذي يسأله يعطيه، لماذا تحب أن تكون تحت رحمة إنسان ؟ كن تحت رحمة الواحد الديان، فاستسلام القلب إلى الله، وانجذابه إليه، وقطع المنازعات هو التوكل. في قلب المؤمن من التوكل والاستسلام والراحة ما لو وُزِّع على أهل بلد لكفاهم، وفي قلب غير المتوكل من القلق والخوف والضياع والتوتر ما لو وُزِّع على أهل بلد لأشقاهم. نقطة مهمة : يقال: المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل. لا، ليس هذا صحيحاً، والدليل: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أنصارياً على بعض أصحابه، وقد ورد في السيرة: أن هذا الأنصاري كان ذا دعابة، فَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: ((بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَرِيَّةً, وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ, فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ, وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا, وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا, ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا, فَجَمَعُوا حَطَبًا, فَأَوْقَدُوا نَارًا, فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ, فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ, إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ, فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا, إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)) لا تقبل من إنسان شيئًا إلا بالدليل، ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل، والكلمة القاطعة الحاسمة: الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله. كان عمر وقافاً عند كتاب الله، فالله عز وجل هو الحكيم، وهو العليم، وهو القوي. ملمح لطيف في هذه الآية : هناك ملمح لطيف في قول ربِّنا عز وجل: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 12] قيدت معصية النبي في معروف. مرة كنت في الحج أو العمرة لا أذكر، حضرت درسًا في الحرم بين المغرب والعشاء، الذي يلقي هذا الدرس قال: رجل محب لله عز وجل, قال له ابنه: إنني لا أحب اليقطين فقتله، لأن النبي كان يحب اليقطين، حبه لليقطين ليس حكماً شرعياً، هو قضية شخصية، أنا استنكرت هذا الكلام. هذه مهمة عدو الدين : تسمع أن ثلاثين رجلاً قتلوا في تركيا, جريمة من غير ذنب، لا، هذا ليس من الدين في شيء. ((يا ربي أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي؛ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي لأحد بسوء, أحبني, وأحب من أحبني, وحبّبني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي)) دائماً عدو الدين يسعى جاهداً لتنفير الناس من الدين، أو لتشويه صورة المؤمن، بشكل يدعو للنفور الشديد. إذا كان ابن ما أحب اليقطين, لا شيء عليه، أما إذا ما صلى، إذا ما صام، هنا المشكلة، فدائماً الإنسان قبل أن ينطق، يجب أن يقول كلاماً يحبب العباد إلى الله عز وجل، لذلك قال بعض العلماء: العوام لئن يرتكبوا الكبائر, أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، أهون بكثير، بل إن الله عز وجل حينما ذكر بعض المعاصي والأثام، رتبها ترتيباً تصاعدياً, بدأ بالفحشاء والمنكر, والإثم والعدوان, والشرك والكفر, وجعل في رأس هذه المعاصي: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 33] كتب عليه الكفر قبل أن يخلق، وجاء إلى الدنيا وأجبره على أن يكون كافراً، أجبره على أن يزني، أجبره على أن يشرب الخمر, واستحق جهنم إلى الأبد، ما قولك بهذا الكلام؟: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 148] عقيدة الجبر عقيدة أهل الشرك، فهناك كلام منفر، هناك من يقول كلامًا فيقطع الناس عن الله عز وجل، ينفرهم من الله عز وجل، يبعدهم عن الدين. ما العبر التي نستخلصها من هذا الدعاء النبوي؟ : استسلام القلب لله، وانجذابه إليه, وأن يكون العبد بين يدي ربه, كالميت بين يدي مغسله. اللهم كما دعا النبي الكريم في الطائف: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي, وهواني على الناس يا رب المستضعفين، إلى من تكلني .....؟ -إلى أن يقول- إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، لكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له الظلمات، و صلح عليه أمر الدنيا والآخرة, أن تنزل بي سخطك، أو تحلّ علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)) يجب أن تستسلم، لأن الله كماله مطلق، ولله الأسماء الحسنة فادعوه بها. ما العلاقة بين التوكل والتفويض؟ : وقال بعضهم: التوكل إسقاط التدبير، والاستسلام لتدبير الواحد الكبير، في غير الأمر والنهي، وفوق الاستسلام التفويضُ، وهناك علاقة بين التوكل والتفويض، والتفويض هو روح التوكل، وهو إلقاء الأمور كلها إلى الله عز وجل، وإنزالها به طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطراراً، كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره كل أموره إلى أبيه، العالم بشفقته عليه, ورحمته به، وتمام كفايته، وحسن ولايته وتدبيره، فالابن الضعيف يرى أن تدبير الأب خير من تدبيره لنفسه. ورد في بعض الأدعية النبوية: ((اللهم خر لي واختر لي)) بربِّك! لو دخلت إلى صديق لك يبيع قطع الذهب والماس، قال لك: عندي هدية، اختر من هذه القطع ما يعجبك, أنت ذكي جداً، قلت: لا والله، أنت اختر لي، إذا كان يحبك حباً جماً ماذا يفعل؟ أنت استعرت خبرته، واستعرت محبته وإخلاصه، فانتقى لك أغلى قطعة، لأنك قلت له: أنت اختر لي، قال لك: اختر قطعة من هذه القطع، قد يكون حجمه كبيرًا، وقد يكون حجمها صغيرًا فيها الماس، وثمنها خمسة أضعاف، لما قلت له: اختر لي أنت، وهو يحبك، وهو كريم, سوف يختار لك أغلى قطعة في محله، لأنك قلت له: خر لي واختر لي، وأنت حينما تفوض، وحينما تستسلم، وحينما تحسن الظن بالله، وحينما توحد، بعد أن تأخذ بالأسباب، وتتوكل عليه، سيأتيك أفضل من أي سعي وكد. ((من شغله ذكري عن مسألتي, أعطيته فوق ما أعطي السائلين)) لكن نحتاج إلى حسن ظن بالله، فإذا أخذت بالأسباب وكأنها كل شيء, وتوكلت على الله وكأنها ليست بشيء، ثم قوي توحيدك، وحسن ظنك, واستسلمت إلى الله، وفوضت أمرك إليه، فإنه ينقلك إلى درجة هي أروع درجة في الدين، درجة الرضا عن الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سورة المائدة الآية: 119] الرضا عن الله ثمرة من ثمار التوكل : كان رجل يطوف حول الكعبة, فقال: يا رب, هل أنت راضٍ عني؟ وكان وراءه الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا, هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك، قال: يا سبحان الله ! من أنت يرحمك الله؟ قال له: أنا محمد بن إدريس، قال له: كيف أرضى عنه وأنا أطلب رضاه؟ قال له: يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله. فأي إنسان حتى إذا كان ضعيف الإيمان، حتى إذا كان ما فيه إيمان إطلاقاً، إن أعطاه الله صحة رضي عن الله، وأعطاه الله مالاً رضي، أو أعطاه الله عزاً، وزوجة، وأولاداً ، ومكانة رضي عن الله، هذا شيء بديهي، لكن البطولة: أن ترضى عنه وأنت مريض، وأنت ضعيف، وأنت فقير، وفي بيتك مشكلة، وفي أولادك مشكلة، هنا الامتحان. بربكم: هل رأيتم إنساناً واحداً يمتحن مركبة في طريق نازل؟ لا تمتحن المركبة إلا في الطريق الصاعد، والإنسان لا يمكن أن يمتحن في الرخاء، لا يمتحن إلا في الشدة, والأنبياء الكرام وعلى رأسهم النبي -عليه الصلاة والسلام-: مروا بمضائق صعبة جداً، وكل مؤمن صادق لا بد من أن يمر بمضائق على قدر إيمانه. ((أشد الناس بلاء الأنبياء, وأنا أشدهم بلاء ثم الأمثل فالأمثل)) وطِّنْ نفسك، أنت راضٍ عن الله في الرخاء والشدة، وفي المنشط وفي المكره، وفي إقبال الدنيا وإدبارها، بزواج أو من دون زواج، بدخل أو من دون دخل، بالصحة أو بالمرض, بإقبال الدنيا أو بإدبارها، أنت راضٍ عن الله، هذا المؤمن: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] أما ضعاف الإيمان قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 12] هؤلاء ضعاف سقطوا، إذاً هذا الحال: حال التفويض ينقلك إلى مرتبة الرضا عن الله عز وجل، والرضا عن الله عز وجل من أعلى الدرجات، بل هو ثمرة من ثمار التوكل. ماذا تستنتج من هاتين القصتين؟ : حدثني إنسان يعمل في فعل الخير، قال لي: دخلت على إنسان, حجمه المالي كبير جداً, فشكا لي حاله وبيته وزوجته وأولاده هموم كالجبال، قال لي: لحكمة أرادها الله عز وجل, في اليوم نفسه جاءتني امرأة محجبة تطلب مساعدة، سألتها عن مكان سكنها، فقالت خارج دمشق، في المساء التقى مع جمعية خيرية، أخذ عنوانها، بعد ما انتهى الاجتماع, قال لهم: هناك امرأة يجب أن نزورها لنتحقق من حالتها، فقاموا معه، ودخلوا البيت، والبيتُ تحت درج, المنطقة المنخفضة دورة مياه، الأعلى بقليل حمام, الأعلى غرفة، مع فتحة صغيرة سماوية تحت درجة، البيت نظيف, أولاد كالزهور، لباسُهم نظيف، والزوج مريض، مستلقٍ على السرير، البيت قطعة من الجنة, المرأة المحجبة المؤمنة طلبتْ المساعدة، هي ألف ليرة في الشهر، قالوا: بل هي ألفا ليرة، فقالت له: لا ألف تكفي أجرة البيت. الله عز وجل على كل شيء قدير، يشقي الإنسان وهو غني، وقد يسعده وهو فقير، هي السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، فربنا عز وجل إذا تجلَّى على قلب إنسان, ملأه غنًى، وملأه طمأنينة واستقراراً وتفاؤلاً، فأنت ترضى عن الله. هذه بطولتك في المحنة : لذلك: يا ربي لك الحمد والشكر والنعمة والرضى، بعد أن تقول: سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد والشكر والنعمة والرضى، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، أن ترضى عن الله هذا قمة الإيمان, تعرفه، ترضى عنه في كل ما يعطيك، إذا قلت: يا ربي لك الحمد أنا راضٍ عنك فقد نجحت، وإذا نجحت أزاح الله عنك كل بلاء، فإذا رضيت ارتقيت عند الله عز وجل، بطولتك: أن تقول وأنت في محنة: يا ربي لك الحمد، لأن المحن هي في الحقيقة منح، المحنة منحة، والشِّدة شَدَّة إليه. التوكل ينتهي بك إلى الرضا : أخ من أخواننا كان شارداً، وكان مسرفاً على نفسه في المعاصي، لا صلاة، ولا صوم, ولا شيء إطلاقاً، ثم عرف الله عز وجل على أثر محنة قاسية جداً, مرِض مرضًا شديدًا، أدخله المستشفى، قال لي: وأنا على طاولة العناية المشددة بكيت، قلت له: يا رب, أتحب أن ألقاك عارياً؟ أعطني فرصة كي أتوب إليك، فمنحه الله فرصة، ولزم الدروس، وأحكم صلاته، وشعر أنه هو إنسان آخر. قال لي مرة: أناجي ربي, قلت له: يا رب, كل هذه السعادة في القرب منك, لِمَ لَمْ ترسل لي هذا المرض قبل عشر سنوات؟ كل هذه السعادة. إذاً: التوكل له علاقة، التوكل ينتهي بك إلى الرضى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سورة التوبة الآية: 100] ما معنى هذه الآية؟ : وهناك معنى آخر: إذا لم تكن الآن راضيًا فسوف ترضى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [سورة الضحى الآية: 5] يرضيك فيما بعد، يقول الطبيب للمريض: تحمل الآن وسترتاح بعد ذلك، نحن الآن بطور المعالجة، الحزن خلاق، والإنسانُ أيام الشدة يتألق، والحزن يقربك من الله عز وجل، ويدعوك إلى الاستسلام، الحزن يذيقك طعم القرب منه، هذا كلام قطعي. كل ما يبتلى به المؤمن تكفير وتقريب : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ, فَقَالَ: ((مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتْ: الْحُمَّى, لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا, فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى, فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)) كل ما يبتلى به المؤمن تكفير وتقريب. ورد في الأثر القدسي: ((وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء, شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه)) إذا كان الله عز وجل فضل علينا، وكنا على شفي القبر طاهرين، المؤمن حينما يرى مقامه في الجنة, وهو على فراش الموت, يقول: لم أر شراً قط، والكافر -والعياذ بالله- حينما يرى مكانه في النار, يقول: لم أر خيراً قط. يكون ساكن بأحلى بيت, معزوم أكثر من ألفي عزيمة، لم يترك مكان بالعالم إلا وقد زاره، ونازل بمئة فندق خمس نجوم, يقول لك: لم أر خيراً قط. سيدنا علي يقول: يا بني, ما خير بعده النار بخير, وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور, وكل بلاء دون النار عافية. كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله : قد يكون الإنسان في الدرجة الاجتماعية السفلى، ولكنه عند الله كبير، فلا توازن نفسك مع أحد، وازن نفسك مع منهج الله، فإذا كنت مطيعاً لله, أنت الأولي, فأنت في الدرجات العليا، وإنّ قلامة ظفرك تساوي مليار إنسان مترف غنيٍّ بعيد عن منهج الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [سورة إبراهيم الآية:42] كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، إذًا: أنت بالطاعة نم قرير العين، فأنت الفائز: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 71] أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أن نتمثل هذه المنازل، ومن هذه المنازل منزلة التوكل. دعاء الختام : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبة وسلم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#86 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة الشوقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما أصل هذه المنزلة؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الشوق إلى الله عز وجل, أصل هذه المنزلة من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 5] ﴿يرجو لقاء الله﴾ أي هو مشتاق إلى الله، هذه المنزلة تنطلق من هذه الآية، وكأن الله عز وجل يطمئن هذا المشتاق: أنه لا بد من أن تصل إلى مطلوبك، لا بد من أن تصل إلى محبوبك، لا بد من أن تقر عينك بالله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 5] أنتم الآن في دار عمل والآخرة دار الجزاء، نحن في دار التكليف والآخرة دار التشريف, نحن في دار السعي والآخرة دار اللقاء، لذلك المؤمن وعده الله عز وجل بجنات عرضها السموات والأرض, هذا ورد في معنى قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [سورة يونس الآية: 26] الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، وهناك مرتبة فوق الزيادة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [سورة التوبة الآية: 72] فالدرجة الأولى الجنة وما فيها؛ من أنهار، وأشجار، وحور عين، وولدان مخلدون، ثم ما فيها من نظر إلى وجه الله الكريم، ثم ما يناله المرء من رضوان الله عز وجل, لقول الله عز وجـل: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ هذه الجنة تحقق للمشتاق بغيته، ولكن المشتاق في دار العمل, فلو غرق في أحوال أضعفت عمله، لذلك قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 5] رسالة فيها اطمئنان للمؤمن : اطمأن أيها المؤمن، ولعله إذا قرأت قوله تعالى يذوب قلبك: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [سورة الضحى الآية: 5] وكأن هذه الآية تشير إلى أن المشتاق سيصل إلى محبوبه. تعزية وتسلية في هذه الآية : قال: هذه الآية في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 5] في هذه الآية تعزية للمشتاقين وتسلية لهم؛ أي أن الله عز وجل يعلم أنه من كان يرجو لقاءه فهو مشتاق إليه، لقد أجل له اللقاء، ولكن كل آت قريب، وفي النهاية سيصل إلى محبوبه. وقد كان عليه الصلاة والسلام يسأل الله عز وجل في دعائه الشريف الطويل: ((أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ, وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ, فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ, اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ, وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)) بعضهم يدعو عقب الصلاة, فيقول: اللهم أعن على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك, وارزقني الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم. رسالة تهنئة : فهنيئاً لمن اشتاق إلى الله، سيغدو الموتُ تحفتَه، وسيغدو الموتُ عرسَه. حدثني بعض الأطباء الذين يعيشون في بلاد أمريكا قال: الإنسان يتوافر في حياته؛ الغنى, والرفاه, والراحة, والأشياء التي يحرص عليها، لذلك من أكبر مصائبه: قربُ الموت منه، فيصاب بانهيار عصبي, وبحالة فزع، أو هلع لا توصف، لماذا؟ لأن آماله كلها وضعها في الدنيا، والموت مصير كل إنسان, أما هذا المؤمن ماذا فعل؟ وضع آماله في الآخرة، قدم ماله أمامه، فسرَّه اللحاقُ به، جاهدَ نفسه وهواه، فسرَّه أن يلقى الله وهو عنه راضٍ، بذل من ماله ومن وقته وجهده وعلمه الشيءَ الكثيرَ، فهو في رضوان الله عز وجل: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [سورة الغاشية الآية: 25 -26] هذا حال المؤمن عند الموت : تصور إنسانًا قيل له: اذهب إلى بلاد أوربا, واحصل الدكتوراه, ولك في بلدك أعلى منصب, وأجمل بيت، وأفضل امرأة، وأغلى سيارة، فهناك درس, وعمـل في مطاعم, و الحراسة، إنه عمل شاق مجهد خطر، عاش حياةً خشنة، ذاق من الحياة ما فيه مشقة وجهد، نال الدكتوراه، صدق الشهادة، اشترى بطاقة العودة، ذهب إلى المطار, وضع رجله في سلم الطائرة، هذه اللحظة هي أسعد لحظة في حياة هذا الطالب، لأنه انقضى عهد التعب، والعمل الشاق، والسهر، والجهد، والطعام الخشن، والمأوى القنوء، والدخل القليل، والجهد الكبير، إلى أعلى منصب، وأجمل بيت, وأفضل امرأة، وأغلى سيارة، هذا هو المفهوم المادي. فهكذا حال المؤمن، انقضى وقـت التكليف، وانقضى مجاهـدة النفس والهوى، وانقضت متاعب الحياة، وانقضت مقلقاتها، وبقيت الجنـة، فلذلك لا يعقل أن يكون المؤمن إلا مشتاقاً لله عز وجل. هذه قصة سعد بن الربيع : من سيرة رسول الله -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه: عقب إحدى الغزوات تفقد أحد أصحابه، وهو سعد بن الربيع، سأل عنه فلم يدرِ عنه شيئاً، كلف أحد أصحابه أن يتفقده في أرض المعركة, ذهب فوجده في النزع الأخيـر، قال: يا سعد بن الربيع, أنت بين الأموات أم مع الأحياء؟ قال: أنا مع الأموات، قال له: كلفني النبي أن أتفقد حالك، قال له: أبلغ رسول الله مني السلام، وقل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. ما معنى ذلك؟ أنه كان في أعلى درجات الشوق إلى الله عز وجل, وأعلى درجات السعادة. عبارة كتبت على قبر : أحد أخواننا الكرام توفاه الله قبل شهرين، مرة حج بيت الله الحرام، ولما عاد ذهبت لتهنئته, فقال لي كلمة طربت لها, قال لي: يا أستاذ, ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، فقال لي ابنه البارحة: كتبت هذه العبارة على شهادة قبره، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني. فهذا المؤمن الذي أمضى حياته في طاعة الله، وضبط أعضائه وجوارحه, وأنفق من ماله ووقته وجهده وخبرته وعلمه، وكان مصدر رحمة للناس، ومصدر أمن وعطاء للناس, هذا الذي أمضى حياته كلها، أيعقل أن لا يشتاق إلى الجنة؟. هذا الفرق الصارخ بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن : سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: تاقت نفسي إلى الإمارة, فلما بلغتها, تاقت نفسي إلى الخلافة, فلما بلغتها، تاقت نفسي إلى الجنة. فالجنة مطلـب كل مؤمن، لذلك الفارق الصارخ بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن: أن المؤمن مشتاق إلى الجنة، بينما غير المؤمن تعد مقدمات الموت مفزعة له. رجل صالح، وكان محسنًا، وله أيادٍ بيضاء، كان إذا دخل عليه إنسان, يسأله صدقة لجمعية خيرية، أو لمشروع إنساني, يقول له: افتح الصندوق وخذ ما تريد ولا تعلمني، أنشأ مسجدًا، ثم أصيب بمرض عضال، أُخبِر من المستشفى، واتصلوا بأهله ليعلموهم أنه سيموت بعد يومين، له صديق حميم طلبه، وقال له: أنا قرب أجلي, وأعطاه تعليمات كيف ينهي علاقاته التجارية؟ قال له: في ثلاث صفقات؛ صفقة دفع ثمنها، باعها وانتهت، ووزع أرباحها على أولادي, الصفقة الثانية والثالثة هذه ألغهما فلم يعُد في عمري بقية، وفي اليوم الثاني جمع أهله وأصهاره وبناته وأولاده جميعاً وودعهم، وله شيخ بالشام, -الآن ليس في دمشق رده الله بالسلامة-، في اليوم الثالث جاء شيخه مع نخبة من أخوانه، وقرؤوا له القرآن والتهليل، وكما قيل له بالهاتف: في الساعة الواحدة رجعت نفسه إلى بارئها, بعد ما اغتسل, وأنهى كل علاقاته، الشيء العجيب في القصة: أنه إنسان لا يخاف الموت، لأن عمله طيب: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 158] ﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 157] تحت أي باب تندرج هذه القصص؟ : أنا أقول لكم بشكل واقعي: الموت يخافه الإنسان، يخافه حينما يرى نفسه مقصراً. سيدنا علي يقول: والله لو علمت غداً أجلي, ما قدرت أن أزيد في عملي. قصص كثيرة جداً, تجد فيها المؤمن يستقبل الموت وهو راضٍ وهو مستبشر. قرأت تاريخ سبعين صحابياً جليلاً، لفت نظري في هذه التواريخ كلها شيء مشتركٌ يجمع بين هؤلاء كلهم, كانت أسعد لحظات حياتهم ساعة لقاء ربهم، هذا كله يندرج تحت الشوق إلى الله عز وجل. متى يخاف الإنسان الموت؟ : قال لي أخ: أنا أخاف الموت، قلت له: إذا ضبطت نفسك ضبطاً شديداً, واستقمت, وعملت أعمالاً صالحة يومية متكررة، فإنّ عملك الصالح، واستقامتك الشديدة, هذه تجعلك تشتاق إلى الله, ويخفُّ قلقُ الموت عندك، ومن الواضح جلياً أنه كلما ازدادت الذنوب، وانكشفت العيوب، وابتعد الإنسان عن الله عز وجل, ازداد خوفه من الموت، بل إن الشارد عن الله عز وجل يكاد قلبه ينخلع من منظر الآس والقبور، وبعض الناس يخافون أو يتشاءمون إذا سمعوا القرآن الكريم، بينما المؤمن استقامته وعمله الطيب يدفعانه إلى أن يشتاق إلى لقاء الله عز وجل. متى يشقى الإنسان ومتى يسعد؟ : إذاً: أصل هذه المنزلة: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 5] فالله سبحانه وتعالى جعل من هذه الآية تعزية للمشتاقين وتسلية لهم. وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك. وكان عليه الصلاة والسلام دائم الشوق إلى لقاء الله، لم يسكن شوقه إلى لقائه قط، ولكن الشوق مئة جزء، تسعة وتسعون له, وجزء مقسوم على الأمة بأكملها. فعلى المرء أن يقيم علاقة متينة مع الله، وأن يكون له اتصال شديد، وإقبال عالٍ، ومحبة لله عز وجل، هذه تمتص كل آلام الدنيا ومتاعبها ومقلقاتها، إن لم يكن القلب مشتاقًا لله عز وجل لامتلأ خوفاً، وقلقاً، وندماً، وحزناً, وأسفاً، وضياعاً، وقلقاً، وتشتتاً، هذا القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، فإذا ذكرت الله عز وجل أنساك اللهُ همومَ الدنيا، وإن غفلت عن الله, فو اللهِ الذي لا إله إلا هو, لتَنْبُعَنَّ المقلقات والمثبطات وأسباب الحزن نبعاً أمامك، قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 213] وأوضح آية في هذا الموضوع: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد الآية: 28] فالقلوب لا تطمئن إلا بذكر الله. من آثار المحبة : إنّ الشوق أثر من آثار المحبة، المحبة شعور، من آثار المحبة: الشوق إلى الله عز وجل, وحكم من أحكامها، بل إن الشوق هو سفر القلب إلى المحبوب في كل حال، ولعلّ بعضكم مرَّ بهذه التجربة. فلو خطبت فتاة راقت في عينك، وأحببتها حباً جماً، وأنت جالس في البيت تتصورها, الآن نائمة، الآن تدرس، صورة هذه الفتاة لا تغادر مخيلتك، هذا هو الشوق، فإذا كنت مشتاقاً لها, فأنت معها شئت أم أبيت، ولو أنها في طرف الدنيا الآخر، الإنسان جسمه مقيد، أما نفسه فطليقة. أمٌّ لها ابن في أمريكا، هي معه، في غرفته، وهي في بلدها تتصوره. فالشوق إلى الله من نتائجه الحتمية: أنك معه, فهو سفر القلب إلى المحبوب على كل حال. تعريف الشوق : وقال بعضهم: الشوق هو اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وأركِّز على قضية أحوال القلب، لأنّ الدين من دون أحوال يغدو ثقافة وحذلقة ومعلومات، وكل إنسان يحصِّل هذه المعلومة، حتى كما قال بعضهم: إن حال رجل في ألف, أبلغُ من مقالة ألف في واحد. إنسان محب لله حقيقة، وقَّافٌ عند كتاب الله، مشتاقٌ إلى الله، حال إنسان مؤمن صادق في ألف، بينما ألف مقال لا يؤثر في واحد, وألف مقالة فصيحة لا تغيِّر واحدًا، وواحد يغيِّر ألفًا بحاله، واتصاله بالله, وشوقه إلى الله، وعزيمته القوية، وصدقه الشديد، بينما ألف قول أجوف خال من الإخلاص، لا يؤثر في واحد، لهذا الأنبياء كانت حياتهم معجزة. معادلة رياضية : أحد الصحابة كان يخدم النبي -عليه الصلاة والسلام-، يصرفه مساء، فينام على عتبة البيت, يخدم النبي -عليه الصلاة والسلام- في انجذاب شديد، فأنت كلما انجذبت إلى الله انجذب الناس إليك: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد، كنت ليِّناً لهم، والاتصال من ثماره الرحمة, والرحمة من ثمارها اللِّين، واللِّينُ يجعل الناس يلتفون حولك، والانقطاع عن الله عز وجل، من نتائجه الوبيلة: قسوةُ القلب، والقلب القاسي صداه غلظة وفظاظة، والغلظة والفظاظة يجعلان الناس ينفضان عنك، فاتصال ورحمة ولين والتفاف, وانقطاع وقسوة وغلظة وانفضاض، معادلة رياضية, فالشوق أثر من آثار المحبة، وحكم من أحكامها، إيمان من دون حب, إيمان من دون شوق، علم غزير من دون حال صادق، كالجسد من دون روح. لا أحد يتأمل ميتاً، ربما كان هذا الميت محبوباً مؤمناً لطيفاً، إذا دخل إلى بيته، هشَّ له أولاده وبشُّوا، فإذا مات خافوا أن يدخلوا غرفته، ما الذي حدث؟ سُحِبَت الروحُ، فصار مخيفاً, وسِّع الأمرَ؛ إسلام من دون حب، جسدٌ من دون روح، أما الدين فحبٌّ وشوق، تجد المؤمن كالمِرجَل لا يتعب، يعمل ليلاً ونهاراً، دون تعبٍ أو كلل، عنده محرك، هو الحب. أنواع الحب في الله : أستاذ بالجامعة, له باع طويل في علم النفس، يعد أحد كبار علماء النفس، أحيل إلى التقاعد, أول مرة يقام له حفل وادع من أرقى الحفلات، وقد كنت حاضر، قام وألقى كلمة قال فيها: كل إنسان يجد في نفسه حاجة إلى أن يُحِبَّ، أو أن يُحَبَّ، فليس من بني البشر، لأنك إنسان ينبغي أن تحب، وينبغي أن تحرص على أن تحب, وقال بعدها: والحب أنواع، في أعلاها أن تحب الله, لأنه منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ثم أن تحب الحقيقة، وأن تكون مع الحقيقة ولو أزعجتك. أنا أعبر عن هذا: لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، ثم أن تحب من أمرك الله أن تحبهم، ولبعض العلماء قولٌ رائع قال: هناك حب في الله وهو عين التوحيد، وحب مع الله وهو عين الشرك، فإذا أحببت إنسانًا فمحبته زادتك حباً في الله، ومحبة هذا الإنسان عين التوحيد: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [سورة التوبة الآية: 62] بضمير المفرد، لأن إرضاء رسول الله عين إرضاء الله, وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله، أما إذا أحببت إنساناً، وحبك لهذا الإنسان أبعدك عن الله فهذا حب مع الله، إذا كانت محصلة هذا الحب قرباً من الله فهذا حب في الله، وإذا كانت محصلة هذا الحب بُعداً عن الله فهذا حب مع الله, الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك. إليكم هذه الأمثلة على أنواع الحب في الله : إنسان له شريك, قوي في التجارة، وإدارته للشركة عالية، أرباح طائلة، هذا يحبه, فجلس معه ونسي صلاة العصر، اقترح رفع مستوى المطعم فوافقه، واقترح بيع الخمر في المطعم ففرِح بفكرته، لقد رضي أن يباع الخمر في هذا المطعم، لأنه حريص على الدخل، وهو يحب شريكه هذا حبًّا مع الله، هذا حب هو عين الشرك, أما إذا أحببت إنسانًا, فزادتك محبته حباً لله, فهذا الحب في الله، لذلك حبُّ المؤمنين حبٌّ في الله، وحبُّ العلماء العاملين المخلصين حبٌّ في الله، وحبُّ التابعين حب في الله، وحبُّ تابعي التابعين حبٌّ في الله, وحبُّ أصحاب رسول الله حبٌّ في الله، وحبُّ النبي حبٌّ في الله، وحبُّ المساجد، وحبُّ الأعمال الصالحة، وحبُّ كل شيءٍ يقربك من الله عز وجل, هو حبٌّ في الله، وكل شيء إذا أحببته ضعفت صلاتك، أو سهوت عن صلاتك، وإذا أحببته نسيت أمر ربك، هذا حب مع الله. ما قيل عن الشوق أيضاً : والشوق: هو احتياج القلوب إلى لقاء المحبوب. وقيل: هو احتراق الأحشاء وتقطيع الأكباد. المحب يبكي. حدثني أخ قال لي: كنت في الحج, فأصابني حال عالية, صرت أبكي، قال: كل من حولي: ما بالك؟ الأصل أن تبكي، والأصل أن الشوق يجعله يبكي، ويضطرب, ويتحرك الشوق، فالأصل في الحاج المؤمن أن يبكي، وهو حول الكعبة، وفي عرفات، وفي أثناء السعي والطواف. وقال يحيى بن معاذ: علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات, علامة الشوق: أن تبتعد عن كل شهوة تقطعك عن الله عز وجل. قف هنا : مرة رجل له دعوة, سأل تلاميذه الصغار، قال له: يا بني, أنت لماذا تغض بصرك عن النساء؟ في طالب أراد أن يتملق شيخه، قال له: يا سيدي, أنا إذا نظرت إلى فتاة أكرهها، أمقتها، قال له: كلامك غير واقعي، فإنّ الله عز وجل زين المرأة في قلوب الرجال، ثم سأل طالبًا ثانيًا وثالثًا، حتى أجابه أحدهم إجابة رائعة، قال له: يا سيدي, أنا لي اتصال بالله عز وجل، ولحرصي على هذه الصلة أغض بصري، لأني لو أطلقت بصري لانقطعت صلتي بالله ، فما دامت هذه الصلة أنا حريص عليها حرصاً شديداً, إذاً أنا أغض بصري، مع أن النظرة للمرأة محببة، هذا الواقع، الكلام الواقعي مريح. بالعكس العلماء قالوا: العلم الوصف المطابق للواقع مع الدليل. الآية الكريمة لعلها مناسبة لهذا المقام: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [سورة الجمعة الآية: 6 - 7] معنى ذلك: الإنسان الذي يكون عمله سيئًا, لا يتمنى الموت، ولا يشتاق إليه. واكربتاه يا أبتي، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه. هذا مؤشر قوي جداً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة الجمعة الآية: 6 -7] من علامة الشوق : قال أحد العلماء: علامة الشوق حب الموت مع الراحة والعافية، لا تخلُّصًا من مرض عضال. حدثني أخ قال لي: كنت في فرنسا, وعرضوا برنامجًا عن مأوى العجزة، وكلُّ من فيه كبار في السنِّ, فكلما سُئِلت واحدة: ما هي أمنيتك؟ تقول: الموت، فالإنسان يتمنى الموت في حالات صعبة فلا يجده. هناك حالات يتمنى الإنسانُ فيها الموت، أما علامة الشوق إلى الله حب الموت مع الراحة والعافية، لعل هذا شيء يفوق مستوانا، أن تحب الموتَ وأنت في عافية تامةٍ، وأنت في راحة تامة. ما الفائدة من ذكر أحوال نحن لسنا في مستواها؟ : سيدنا يوسف لما أُلقيَ في الجب, لم يقل: توفني وألحقني بالصالحين، ولما أُدخِل السجن لم يقل: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين، ولكن قال: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين, لما صار عزيزَ مصرَ في أعلى درجة من القوة، والهيمنة، والغنى، والمكانة: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 101] النبي -عليه الصلاة والسلام- ألم يخيره الله عز وجل بين زهرة الدنيا وبين أن يرفعه إليه؟ فقال: بل الرفيق الأعلى، النبي قبل وفاته بقليل, ماذا قال؟. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ((خَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ, فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ! إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ الْعَبْد, وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا, قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ, إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ, وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ, وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ, إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ)) وقد يقول أحدكم: ما الفائدة من ذكر أحوال نحن لسنا في مستواها؟ هي هدف، اجتهد كي تكون في هذا المستوى، نحن بعيدون عن هذه الأحوال، ونرجو الله أن نكون في مستواها ، علينا أن نجتهد حتى نصل إلى مستوى هذه الأحوال. وقيل عن الشوق أيضاً : وقال بعضهم: الشوق ارتياح القلوب للوجد، ومحبة اللقاء بالقرب مِمَّن أكرمه الله عز وجل بحجة مقبولة. وهو في عرفات قد يبكي كثيراً، هذا البكاء يورثه طمأنينة ما بعدها طمأنينة, يشعر أن الله قِبَلَه، وأن الله عفا عنه. وقد قال بعض العلماء: من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله قد غفر له فلا حج له. يجب أن يغلب على ظنك أن الله غفر لك. هل الشوق يزول باللقاء أم لا؟ : سؤال: هل الشوق يزول باللقاء أم لا؟. إنسان مشتاق إلى الله عز وجل، إذا اتصل بالله, يا ترى هذا الاتصال يخفف الشوق؟ بعضهم قال: نعم، وبعضهم قال: لا، الذين قالوا نعم، الشوق هدفه الاتصال، فلما صار الاتصال برد الشوق، وآخرون قالوا: لا، هناك فرق بين الشوق وبين الاشتياق، أنت كلما رأيت من جمال المحبوب زدت شوقاً إليه، لذلك المؤمن الصادق لا يضعف شوقه مع شدة قربه. اللهم صل عليه كان يمضي بعض الليل في صلاة وتهجد: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 78 - 80] هذا ما قاله الجنيد عن مقام الشوق : قال بعضهم: الشوق سفر القلب إلى المحبوب، فإذا قدم عليه ووصل إليه، صار مكان الشوق قرة عينه به، وهذه القرة تجامع المحبة ولا تنافيها. قيل لبعضهم: هل تشتاق إلى الله؟ قال: لا، أعوذ بالله، ما هذا الكلام!؟ قال: إنما الشوق إلى غائب، وهو حاضر معي. هكذا أجاب, إنما الشوق إلى غائب ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ وفعلاً: في أي مكان لك أن تناجيه، في أي مكان لك أن تدعوه، في أي مكان لك أن تسأله، في أي مكان لك أن تسبحه، وأن توحده، وأن تكبره. وقال الجنيد: الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق فيه، أجلُّ مقام أن تكون مشتاقاً إلى الله عز وجل، لذلك النبي الكريم كان يقول: ((يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا)) نرجو الله أن نكون كذلك. تقول السيدة عائشة: كان عليه الصلاة والسلام يحدثنا ونحدثه, فإذا حضرت الصلاة, فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه. يحدثنا ونحدثه كواحد منا، فإذا حضرت الصلاة, فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه, من شدة شوقه إلى الله عز وجل. هل يوجد في الدنيا مقام أعلى من هذا المقام؟ : وقال بعضهم: أهل الجنة دائماً في شوق إلى الله، مع قربهم منه ورؤيتهم له. وكل واحد منا يحاسب نفسه، له ساعة مع الله، يبكي فيتأثر, فيشعر أنه ملك شيئًا عظيمًا، هذا من حبِّ الله لك. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ بِيَدِهِ, وَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ, فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ, لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ, تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّ عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) ما رأيت في الدنيا مقاماً أعلى من هذا المقام: أن يحبك رسول الله. إذا أحبَّك المؤمنون يحبونك, فهو علامة طيبة جداً، أما إذا كان أهل الفسق والفجور يحبونك, فهذه وصمة عار في حقك، يجب أن يحبك المؤمنون، يجب أن يشتاق لك المؤمنون، وأن يأنس بك الناس، لا أن يحبك أهل الغرور وأهل الفسق والفجور. من علامة الحج المبرور : لا أحد يذهب إلى بيت الله الحرام إلاّ وهو مشتاق إلى الله عز وجل، يلبِّي دعوة الله قائلاً: لبيك اللهم لبيك، فكأن الله يقول له: تعال يا عبدي، تعال إلي كي تذوق طعم القرب مني ، تعال إلي كي أريحك من هموم كالجبال، تعال إلي وذق حلاوة مناجاتي، يقول له العبد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك، هذه التلبيةُ إجابةٌ لنداء يقع في قلب المؤمن، الآن وصل إلى بيت الله الحرام، أيعقل أن يدعوك اللهُ إليه، ولا تجد شيئاً هناك؟ لا بد من أن تجد شيئاً نفيسًا. أجمل ما قرأت عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [سورة البقرة الآية: 125] مثابة مصدر ميمي، من ثاب، وثاب بمعنى رجع، من علامة الحج المبرور: أنك إذا حججت بيت الله الحرام، تتمنى أن تعود إليه كل عام، لذلك بعض الحجاج دون أن يشعروا، في أثناء طواف الوادع يقولون: اللهم لا تجعل هذا الحج آخر عهد لنا بالبيت، كل إنسان حج حجاً مقبولاً, يتمنى أن يحج كل عام، حتى إنه قد ورد في بعض الأحاديث, أنه: إذا أصححت لعبدي جسمه، ووسعت عليه في المعيشة، وأتت عليه خمسة أعوام، لم يثب إلي لمحروم. هناك آية ثانية لها علاقة بهذا المقام: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [سورة طه الآية: 84] هو مشتاق إلى الله عز وجل. لم أطال موسى عليه الصلاة والسلام الحديث مع الله؟ : يروى: أن سيدنا موسى -عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- لما قال له ربُّنا عز وجل في المناجاة: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [سورة طه الآية: 17] ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ﴾ -يريد أنْ يطيل اللقاء، ثم قال في استحياء-: ﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه الآية: 18] هنا غلب عليه الأدب، أطال الحديث، ثم غلب عليه الأدب، فإذا سمح اللهُ عز وجل له أن يتابع الحديث, يقول له: يا موسى وما تلك المآرب؟: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾ [سورة طه الآية: 18] هذه الإطالة في الحديث في أثناء المناجاة أيضاً من شوق هذا النبي الكريم إلى الله عز وجل. كل أنواع المحبة للنبي وأصحابه وللمؤمنين الصادقين هي عينها محبة الله عز وجل : الإنسان يقف أمام حجرة النبي -عليه الصلاة والسلام- ويبكي، هذا الإنسان الذي جاء الحياةَ الدنيا فأعطى ولم يأخذ، هذا الذي بذل كل جهده من أجل سعادتنا، هذا الذي كرم الإنسان، هذا الذي قدس العقل، هذا الذي أعطى ولم يأخذ، هذا الذي جعله الله فوق الناس جميعاً, فعاش بين الناس كأنه واحد منهم، هذا الذي قال: اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون، فقد يبكي الإنسان وهو أمام مقام النبي -عليه الصلاة والسلام- بكاء شوقٍ إليه، والشوقُ إلى النبي الكريم شوقٌ إلى الله، والشوق إلى أصحاب رسول الله شوقٌ إلى الله، كل أنواع المحبة للنبي وأصحابه وللمؤمنين الصادقين هي عينُها محبة الله عز وجل، فهذا حب في الله، وهو عين التوحيد. نهاية المطاف : ورد في الأثر: أنه خرج داود -عليه السلام- يوماً إلى الصحراء منفرداً, فأوحى الله تعالى إليه: ما لي أراك منفرداً؟ فقال: إلهي استأثر على قلبي شوقي إلى لقائك، فحال بيني وبين صحبة الخلق، فقال الله عز وجل: ارجع إليهم، فإنك إن أتيتني بعبدٍ آبقٍ, أثبتك في اللوح المحفوظ جهبذاً. الإنسان يؤثر الوحدة، يصلي ويقرأ قرآن فيبكي، أما إذا أنت ذكرت الله, بتعريف الخلق به: هذا أوقع عند الله، هناك ذكر تعبدي، وهناك ذكر تعريفي بالله عز وجل، وهناك ذكر لبيان عظمة الله, وهناك ذكر أساسه أن توضح للناسَ أمر الله ونهيَه، وقد تبادر إلى فعل الأمر وترك النهي فهذا أعظم أنواع الذكر، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [سورة البقرة الآية: 152] اذكروني لعبادي أذكركم، ارجع فإنك إن أتيتني بعبد آبق, أثبتك في اللوح المحفوظ جهبذاً. هذا معنى قول النبي الكريم: ((لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحداً, خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] ((خير مما طلعت عليه الشمس، وخير لك من الدنيا وما فيها، وخير من حُمرِ النعم)) يبدو أن الأنعام ذات اللون الأحمر هي أغلى شيء. أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا الخير. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#87 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الوقتالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما تعريف الزمن, ولم هو أخطر شيء في حياة الإنسان؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإيّاك نستعين، والمنزلة اليوم هي منزلة الوقت، ولا أُبالغ إذا قلتُ: إنّ الوقت أخطرُ شيءٍ في حياة الإنسان, لأنّه رأسُ ماله الوحيد، ولأنّه أثمنُ ما يملك، بل إنّ الإنسان هو وقت، هو بضعةُ أيّام، كلّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه. مفهوم الزّمن مفهوم دقيق ومعقّد، الله سبحانه وتعالى خلق الكون، وجعلهُ متحرِّكًا، قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة يس الآية: 40] والزمن هو البعد الحركي الرابع للأشياء، فالنقطة إذا تحرّكت رسمت خطاً، والخطّ إذا تحرّك رسمَ سطحًا، والسّطح إذا تحرّك رسم حجمًا، والحجم إذا تحرّك شكَّل وقتًا، فكلّ شيءٍ متحرّك يتحرّك ضمن زمن. بِمَعنى آخر: أنّ الحدث الشيء الذي يقع, لا بدّ له من مكان يحويه، فالإنسان لا يمكن أن يتصوّر حدثًا بلا مكان، يقول لك: فلان هدم بيته، أين بيته؟ فلان مرض ابنه، أين يقيم ابنه ؟ فكلّ حدثٍ يحتاج إلى مكان، كما أنّ كلّ حدثٍ يحتاج إلى زمان، مكان يحويه، وزمان يضمُّه ، وكلّ حدثٍ يحتاج إلى محدث، وكلّ حدَثٍ يحتاج إلى غاية، فالإنسان لا يفهمُ حدثًا بلا غاية، فالحدَث له مكان زمان ومُحْدِث وغاية, الزّمن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان لأنّه وعاء عمله. العاقل يرشد استهلاك الوقت : انظر إلى إنسانٍ يملك الملايين في أوربا وأمريكا أغنياء بأرقام فلكيّة، سبعةٌ وتسعون مليار دولار يملكها شابّ في الثانية والأربعين, هذا لو جاءتْهُ المنيّةُ فجأةً ما قيمة هذا المال؟ الوقت أهمّ من المال، والدليل: أنّ إنسانًا أُصيب بِمَرضٍ عُضال, وهناك جهة في بعض البلاد الغنيّة, يمكن أن تُجرى له عملية في هذا البلد، لكنّ كُلفة العمليّة بِثَمن بيتِهِ, لا يتردَّد ثانيةً واحدة في بيع البيت, وإجراء العمليّة، ذلك لأنّه مركَّبٌ في أعماقه؛ أنّ الوقت أثْمن من المال, يبيعُ بيته الوحيد الذي لا يملك غيره ليُجريَ هذه العمليّة التي يتوهَّم أنَّها تُمِدُّ في أجله بضْع سنين، هكذا الإنسان. وكلّنا نعلم أنّ الإنسان إذا أمْسكَ مئة ألف ليرة وأحرقها أمامك, تحكمُ عليه بالسَّفه والجنون والخلل العقلي قطعًا، لأنّ إتلاف المال يُعدّ سفاهةً، وقد قال الله عز وجل: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [سورة النساء الآية: 5] وبما أنّ الإنسان إذا أتلف مالهُ يُعدُّ سفيهًا، فإذا أتلف وقتهُ فهو أشدّ سفاهةً, فالعاقل يرشّد استهلاك الوقت، كما قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-3] عن عملٍ لا قيمة له، عن حديث فارغٍ، عن متعةٍ رخيصةٍ، عن مناقشةٍ لا جدوى منها ، عن خصومةٍ لا يعدّ المنتصر فيها منتصرًا، ولا المنهزم منهزمًا، وكم من قضيّة تافهةٍ تستهلك أوقات الناس؟. ما أثمن شيء في حياة المؤمن؟ : وقد مرَّ بعض الصالحين بِمَقهى, ورأى فيه أُناسًا يلعبون النَّرْد, فقال: يا سبحان الله! لو أنّ الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناهُ منهم. إنّ المؤمن الصادق الذي عرف الله عز وجل، وعرف سرّ وُجوده, وغاية وُجوده، لا يجدُ شيئًا أثمن في حياته من الوقت، ينفقهُ بِتَخطيط دقيق، وحِرْصٍ شديد، ومُتابعةٍ دائمة، لأنّ الإنسان بضعة أيّام, كلّما انقضى يوم منه انقضى بضعٌ منه. أين نجد معنى الوقت في القرآن الكريم؟ : أليْسَت هذه منزلة من منازل مدارج السالكين؟ أين نجدُ معنى الوقت في القرآن الكريم؟ في سورة العصر، يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [سورة العصر الآية: 1-2] كيف يخسر؟ مُضيّ الزّمن وحدهُ يستهلكهُ، نحن جميعًا من دون استثناء ينقص عمرنا ، كلّ واحدٍ منَّا له نهاية ثابتة، ونحن متحرّكون نحو نهايةٍ ثابتة، كلّ ثانية، وكلّ دقيقة تقرّبنا من هذه النهاية الثابتة، إذًا نحن في خسارة، لأنّ مُضيَّ الزّمن يستهلكنا، هذا الشيء يتّضح, فيمن يستأجر بيتًا سياحيًّا, الأيّام تمضي سريعًا، أوَّل الشّهر وآخر الشّهر, الشّهر الأوّل والثاني والثالث والرابع والخامس ثمّ تفضّل! ينتقل إلى بيت آخر، يقول لك: مَضَتْ عليّ هذه الشّهور كلمْح البصَر. فلو أنّ إنسانًا استأجر سيّارة, يمرّ الوقت معه سريعًا، فالوقت شيءٌ دقيق جدًّا هو أنت، ورأسُ مالك، ووِعاءُ عملك، والعاقل هو الذي ينفق وقتهُ إنفاقًا مرشَّدًا, إنفاقًا استثماريًّا لا إنفاقًا استهلاكيًّا، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر الآية: 1-3] وقتٌ تُمضيه في معرفة الله, هو وقتٌ مستثْمَر وليس ضائعاً، وقتٌ تمضيه في معرفة منهجه, هذا وقتٌ مستثمَر ليس ضائعًا، وقتٌ تمضيه في العمل الصالح, وبِخِدمة الخلق، وفي رعاية الضعيف، وفي رعاية اليتيم، وفي عيادة المريض، وفي تعليم العلم، وفي الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفقّد الفقراء والمساكين والبائسين، وإقامة بيوت الله تعالى، كلُّ عملٍ يفضي بك إلى الجنّة فعلهُ هو استثمارٌ للوقت، ثمّ كلُّ وقتٍ تتواصى بالحق به مع الناس هو استثمارٌ له، ومصيبة تأتيك وأنت صابرٌ عليها فتتحمّلها، فإنّ وقتَ هذا التَّحمّل مستثمر وليس ضائعًا، هذه السورة تُعَدّ أصلاً في موضوع الوقت الذي ورد ذكرهُ في القرآن الكريم. آية أخرى تشير إلى معنى الوقت : هناك آيةٌ أخرى تُشير إلى معنى الوقت, قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [سورة البقرة الآية: 148] الإنسان مخيّر، وهو يُوَلِّي وِجهته نحو الخير أو نحو الشرّ، نحو الحقّ أو الباطل، نحو المبدأ أو الشّهوة، نحو خدمة الناس أو استهلاك جُهودهم، خدمتهم أو استخدامهم، نحو إكرام الناس أو ابتزاز أموالهم، الوقت يجري، فاستبقوا الخيرات، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [سورة البقرة الآية: 148] أنت في فرصةٍ ذهبيّة محدودة. تصوّر إنسانًا يؤدّي امتحانًا لمادّة أساسيّة في سنة التخرّج والأسئلة كثيرة، هل يمكن أن يعبث بأشيائه؟ مثلاً: هل رأيتم طالباً في الأرض وهو على منضدة الامتحان يعبثُ بِساعته؟ أو يعدّ ما في جيْبِهِ من مال؟ مستحيل، هو في امتحان، وكلّ دقيقة متعلّقة بِمَصيره, وكلّ دقيقة متعلّقة بعلامة من علامات النجاح. أنا أضرب لكم أمثلة في أوقاتٍ حرجةٍ، قضيّة وقت الامتحان، ووقت أداء امتحان شفوي، هو أيضاً وقت حرج، كلمة وسارعوا، الوقت كالسّيف إن لم تقطعه قطعَكَ، فالآية الكريمة: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾ [سورة البقرة الآية: 148] في أية مكانة أنت، أو في أيّ مكان أنت. بيت شعر : قال الشاعر: لا تَأمَنِ المَوْتَ فِي طَرْفٍ وَلاَ نَفَسٍ وَإِنْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجَّابِ وَالْحَـــرَسِ فَمَا تَزَالُ سِهَامُ الْمَوْتِ نَــــافِذَةً فِي جَنْبِ مَدَّرِعٍ مِنْهَا وَ مُتَّـــرِسِ أَرَاكَ لَسْتَ بِـوَقَّافٍ وَلاَ حـَـــذِرٍ كَالحَاطِبِ الخَابِطِ الأَعْوَادَ فِي الْغَلَسِ تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَـالِكَـهَا إِنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَــبَسِ إنسانٌ غارقٌ في عملٍ لا يُرضي الله تعالى فوافتْهُ المنيّة، هذه مصيبة، وإنسانٌ غارق في المال الحرام فوافتْهُ المنيّة، إنسانٌ غارقٌ في المباحات فوافتْهُ المنيّة، انتقل من كلّ شيء إلى لا شيء. ما معنى: سارعوا؟ : معنى ذلك: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 133] سارعوا: هنا فيها مَلْمَحٌ للوقت. الوقت يمضي سريعًا، يوم، ثم أسبوع، ثمّ شهر، ثمّ سنة، وعَقْد، كلّ واحد منكم يسترجع بَعض ذكرياته سنة الثمانين، الآن نحن في سنة ألفين, كيف مضَت هذه السنوات العشرون؟ كلمْح البصَر. هكذا يمضي الوقت : أنا كنت مدير ثانويّة في إحدى المحافظات, دعاني أحدُهم إلى وليمةٍ في هذا المكان، مضى على عملي التدريسي والإداري في هذه الثانويّة ثلاثون عاماً، أكثر الطلاّب أصبحوا بسنٍّ كبيرة، بعضهم أطبّاء، وبعضهم في سلك الجيش، وفي سلك الشّرطة, ثلاثون عامًا كيف مضَتْ؟ بينما كنتُ في هذه البلدة مديرًا للثانويّة، وبعد زيارتي الثانية بعد ثلاثين سنة، كيف مضَت هذه الأعوام الثلاثون؟ كَلَمْح البصَر، فالوقتُ يمضي سريعاً، نحن كلّنا حاضرون، لكن ما بين غمْضة عينٍ وانتباهها, يُعلّق نعيُه على الجدران -رحمه الله تعالى- لقد كان صالحاً، لم تكن به علّة. من هو العاقل؟ : حدّثني أخ, فقال: أنا أُصلّي في أحد مساجد المزّة، وهناك أخٌ يصلّي معنا دائماً، لا يغيبُ ولا يوماً، لكنه ذو دعابة, وكلّ يوم له طرفة, ويُسمِعُنِي إيّاها في الطريق بعد انتهاء الصلاة، والبارحة خرجنا معاً من المسجد, وكان في حالة عادية جدًّا، بكامل صحّته وحيويّته ونشاطه، بكل تألّقه ومرحه، فَذَكَر بعض الطُّرَف, وذهبَ كلٌّ منَّا إلى بيته، ورأيته ظهراً في بعض مواقف السيارات بدمشق، أقْسَم لي بالله العظيم أنّه صلى عليه بعد العصر, كان معنا في المسجد فجراً، ولمحتهُ ظهراً في موقف السيارات، وصلَّيْتُ عليه صلاة الجنازة وقْت العصر، هكذا الدّنيا, الموت يأتي فجأةً والقبر صندوق العمل. ما رأيتُ أعقلَ من إنسانٍ يعمل لهذه الساعة التي لا بدّ منها، كلُّ ما تجمِّعهُ في الدّنيا تخسرهُ في ثانيةٍ واحدة إلا أن تكون تقيًّا: ((واكربتاه يا أبتاه، قال: لا كرْب على أبيك بعد اليوم, غدًا نلقى الأحبّة؛ محمَّدًا وصحبهُ)) إليكم هذه الآيات التي تشير فيها إلى معنى الوقت : إذًا: المعنى الثاني للوقت، هو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 133] الآية الثالثة, قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحديد الآية: 21] الآية الرابعة، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [سورة طه الآية: 40] جئتَ في الوقت المناسب، وفي الوقت الذي أنت في أشدّ الحاجة إلى المناجاة: ﴿على قَدَرَ﴾ يعني في الوقت المناسب، لذلك قالوا: كلّ شيءٍ له أوان، ومن تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه، كلّ شيء لهُ أجل، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 5] قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] من معاني هذه الآية : إذا هناك وقت مناسب للعطاء، اُطلُبْ, واصدُقْ, وأخْلصْ، وألِحَّ في الدعاء، لكنّ الجواب يأتي بِحِكمةِ حكيم في الوقت المناسب. أحياناً الإنسان يضْجر من بقائه عازباً بلا زوجة، ولكنّ الله عز وجل قد هيَّأ له امرأةً صالحةً تسرُّه إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعهُ إن أمرها، هيّأ له هذه الفتاة في وقتٍ مناسب، فالإنسان صابر، ويرضى بقضاء الله وقدره، فلو تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [سورة طه الآية: 40] أي جئتَ في الوقت المناسب، وقد قال بعض الشعراء: نَالَ الْخِلاَفةَ إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ هناك معنى آخر: لمّا جاء موسى برسالة الله عز وجل, كان الناس أحْوَجَ ما يكونون إلى رسالته, وحينما جاءَتْ بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام-, كان الناس أحوَجَ إلى بِعْثته، وكلّ شيء يأتي في الوقت المناسب بتَقدير حكيم عليم، إذْ آن أوانُه. من تعاريف الوقت : بعض التعاريف للوقت، قال: ظرف الكون، أي ظرف الفعل، وِعاء العمل، العمل يحتاج إلى مظلّة من وقت، وأرضيّة من مكان، وهذا في اللّغة العربيّة يُسمَّى ظرف مكان وظرف زمان, تقول: جلسْتُ جنْب النَّهر، فإعراب جنب: ظرف مكان، وسافرت صباحاً، إعراب صباحاً: ظرف زمان, عندنا ظرف مكان وظرف زمان، لكن إيّاك أن تقول: متى كان الله تعالى؟! لأنّ الله خالق الزمان، فلا يُقال متى كان؟ ومتى لم يكن؟ الزمان من خلْق الله عز وجل، فأن تقول: متى كان الله؟ كلامٌ لا معنى له. أحيانًا الإنسان يتورّط في تَساؤلاتٍ غير صحيحة، يقول لك: الله، هل يعلم ما سيكون ؟! الله يعلم ما سيكون يوم الخميس, هذا جعل الله قد احتواه الزمان، الزمان من خلْق الله عز وجل، لا يمكن أن يحْتويَ اللهَ شيءٌ، لا مكان ولا زمان، لذلك قالوا، -والقول منسوب إلى سيّدنا عليّ -كرَّم الله وجهه-: علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. أقسام الزمن : بالمناسبة: شيءٌ بديهي أنّ الزَّمَن أقسامٌ ثلاثة: اللّحظة الراهنة -الساعة التي أنت فيها الآن- وزمنٌ مضى، وزمنٌ لم يأت، والحقيقة الخطيرة: أنّه ما مضى فات، ولا يمكن أن يُستردّ، ولا أن يستعاد. والعقلاء دائماً لا يفكّرون في الماضي إطلاقًا، كان البيت ثمنه ستّ آلاف ليرة، والآن ثمنه ستّة ملايين, ليتني أخذتُ بيتاً في ذلك الوقت، هذا الكلام فارغ، شيءٌ كان ولن يعود، ما مضى فات. يقول لك: أيام زمن البعثات سهل، ولو ذهبتُ لرجعْتُ بدكتوراه، وصرت في الجامعة، ما رضيتُ أنا حينها ويندم, الأغبياء دائمًا يتحسّرون، ويندمون، ويجترّون همومهم، ليس من صفة العاقل أن يبحث في ما مضى, فإنّ ما مضى فات, انتهى بِخَيره وشرّه، جملةً وتفصيلاً: ما مضى فات، والمؤمّل غيب. يقول لك: غدًا أبيع هذا القدر من العسل, فأشتري به قطيعًا من الغنم، أربّي هذا الغنم، ويتوالد ويكثر، وأبيعه فأُصبح غنياً، ثم أشتري بيتًا، وأخطب فتاةً جميلةً وأتزوّجها، وأُنجبُ أولادًا وسأؤدِّبهم تأديباً دقيقاً, فأمسك العصا وضرب بالقدر فسال العسل عليه، وطارَتْ كلّ أحلامه, هذا هو المستقبل: ما مضى فات والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها. فلا نملك إلا هذه الساعة. ورد في الأثر: أنّه هلك المسوّفون. المتخلّفون في الحياة دائماً يربط هممهُ العاليَة بِحَدَث مستقبلي لن يصل إليه، يقول لك: بعد أن أُنهي دراستي أُصلّي, علق بالجامعة اثني عشرة سنة، كلّ سنة بثلاث سنوات، ويقول لك: حتى أتزوّج أوّل الصّيف بِمَجيء رمضان: هلك المسوّفون. كلّ إنسان يربط توبته إلى الله بِزَمن مستقبلي, هو إنسان ضعيف الإرادة والشّخصيّة، يجبُ أن تتوب في لحظتك الراهنة، أما أن تقول غدًا، فالهمّة تبرد. الدنيا ساعة اجعلها طاعة : قال لي أحدهم: خدمْتُ إنسانًا لِوَجْه الله تعالى، فجاءني مساءً, ووضَعَ لي مبلغًا ضخمًا في ظرف, وقال لزوجته: هذا لفلان نظير خدمته، قال لي: ارتعدت فرائسي، وغضبتُ، وزمْجَرْتُ، ونويتُ توبيخهُ وتعْنيفهُ، وسأُلقي هذا المبلغ في وجهه لأنّه يحتقرني، أنا خدمْتُه لوجه الله، يُعطيني هذا المبلغ نظير خدمتي له، ألا يعرف نزاهتي وإخلاصي؟ في اليوم الثاني وجد نفسه أنّه قد برد، وثالث يوم, قلت: ربّما هذه طيبة نفس، ورابع يوم قلت: دعهم لي, قال : فجاء لصّ فسرقَ كلّ ما في البيت, فعرفْتُ الذَّنْب، هلك المسوّفون، لا تسوّف، نوَيْت أن تفعل الخير افْعَلْهُ فورًا: ما مضى فات، والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها. لا نملك إلا هذه الساعة. و: الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طمّاعة عوّدها القناعة. هذا ما قاله الشافعي : الإمام الشافعي -رضي الله عنه- يقول: صَحِبْتُ علماء القلوب، وانتفعتُ منهم بِكَلِمَتَين، سمعتهم يقولون: الوقت سيف إن قطعتهُ وإلا قطَعَك. ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((اغتنم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك. -في أثناء الحجّ ما غبِطْتُ أناساً كما غبطْت الشباب في الحجّ، الطواف والسعي يحتاجان إلى جهد، والمتقدّم في السنّ يطوف ويسعى بشكلٍ صعب-. وصحّتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك)) ريح الجنة في الشباب : إنّ زوجي تزوَّجني وأنا صغيرة، ذات أهلٍ ومالٍ وجمالٍ وأولاد، فلمّا كبِرَت سنِّي، وذهب بطني, وتفرّق أهلي، وذهب مالي طلَّقني، كلّ إنسان لا بدّ أن يتغيّر، هو شابّ كله طاقة حيويّة ونشاط، تجد الشاب يصعد الدّرج وينزل في لمح البصر، أما المتقدّم في السنّ فيصعد درجة ويرتاح. سمعتُ عن رجلٍ, كان شرسًا مع والده, يحملُ بغْلاً، ويصعد به في الدرج إلى أبيه، ويقول له: أعطني دراهمه وإلا ما أنزلتهُ لك، قال لي أحدهم: رأيتهُ في آخر حياته يرجو سائق الحافلة أن ينزلهُ قبل الموقف أمتار، لأنّه لا يستطيع المشي, فالإنسان يتغيّر: ((اغتنم شبابك قبل هرمك)) هناك أشخاص يأتون إلى بيوت الله، ولكن في الثمانينات، ليتهم جاؤوا وهم شباب، ما من شيءٍ يحبّه الله كشابّ مؤمن، وما من شيءٍ أكرم على الله. عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده] شابّ في مقتبل الحياة, يغضّ بصره، ويضبط لسانه، ويصلّي أوقاته، وينفق مالهُ، ريحُ الجنّة في الشباب، أمّا الآن: فتجد الرَّجُلَ أمضى حياته في المعاصي والآثام والغفلة والتّرَف والفجور، ولمّا دنا منه الموت جاء فصلّى، لم يعد له شيءٌ، فجاء إلى المسجد، ونحن نتمنّى أن نرى الشباب في المساجد, أن نرى الواحد في مقتبل الحياة يصطلح مع الله تعالى، ويُطيع الله عز وجل: مَا مَضَى فَاتَ وَالْمُؤَمَّلُ غَيْبٌ وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا قف عند هذا الكلام : هناك كلام لطيف؛ وقد قيل: أنت بين خمسة أيّام: يومٌ مفقود وهو ما مضى، ويومٌ مشهود وهو ما أنت فيه، ويومٌ مورود وهو ساعة الموت، ويومٌ موعود وهو يوم القيامة، ويومٌ ممدود إما في جنّة يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفذ عذابها، وأخطر هذه الأيّام الخمسة اليوم المشهود، ما أنت فيه. قف عند هذا البيت لأحمد شوقي : الشاعر أحمد شوقي له بيت مشهور: دَقَّاتُ قَلِبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ: إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقُ وَثَوَانِ القلب يدقّ فتوقّف، وانقطع نفسُهُ، جاء الطبيب ووضع المصباح في عينه فما تأثّر، ثمّ جاء بمرآة ووضعها على أنفه, فلا يوجد بخار ماء، أمسك بيدِه فلم يجد نبْضًا، حينها يقول: عظَّم الله أجركم, هل يوجد منّا من لا يصير إلى هذا الحال؟! القلب يضخّ في الساعة ثماني متر مكعّب من الدمّ. إنسان عاش ستّين سنة تقريباً, يضخّ من الدمّ ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم, لكن عند الموت يصير من أهل الآخرة، وانتهى الأمر. الوقت نسبي يطول ويقصر : أيها الأخوة الكرام, رأى بعضهم الصدّيق -رضي الله عنه- في منامه, فقال له: أوْصني، فقال له: كُنْ ابن وقْتِك. وقت الفجر في الصّلاة، أما في النهار فهناك عمل صالح، والليل في بيتك، كُنْ ابن وقْتِ. بالمناسبة: هناك موضوع فرعي، الوقت نسْبي يطول ويقصُرُ، قال بعض الشّعراء الأندلسيّين: إِنْ يَطُلْ بَعْدَكَ لَيْلِي فَلَـكَمْ بِتُّ أَشْكُو قِصَرَ اللَّيْلِ مَعَكْ دَقِيقَةُ الأَلَمِ سَــــاعَهْ وَسـَاعَةُ اللَّذَّةِ دَقِيقَـــهْ أكثركم يسهر مع شخصٍ يحبّه حباً جماً، يبدأ اللّقاء الساعة السابعة، وينتهي الساعة الواحدة ليلاً, كيف مضَت هذه الساعات الخمس أو الستّ؟ كلمْح البصَر، إذا كان هناك انتظار لسؤال وجواب، يمكن خمس دقائق تمرُّ كساعة, فالوقت يخِفّ على المؤمنين، ويثقل على الكافرين، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر الآية: 46] من ستّة آلاف سنة، كلّ سنة ثلاث وخمس وستون يوماً، وكلّ يوم مرّتين صباح مساء ، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر الآية: 46] فالإنسان المؤمن ينوِّرُ اللهُ عز وجل له قبرَهُ، والقبرُ إما حفرة من حفرِ النار، أو روضة من رياض الجنة، فَوَقْت العذاب يطول كثيراً، ووقت السرور يمضي سريعاً، إذا كان أحدُنا عند طبيب الأسنان ولا يتحمَّل قلبهُ البنج، وفي أثناء حفر السنّ وصل إلى العصب، فلو استمرّ الحفر دقيقة, لكان بالنسبة للمريض ساعة، دقيقة الألم ساعة، وساعة اللذّة دقيقة، فالوقت يطول ويقْصُر. من سير الصالحين : كان أحد علماء دمشق الأجلاّء عنده معهد شرعي، الله عز وجل أمدَّ بعُمُرِه، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ, أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] كان يرى الشابَّ في الطريق فيقول له: يا بنيّ، أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدّك تلميذي, عاشَ سِتّةً وتسعين عاماً، وبدأ بالتدريس في الثامنة عشر، وتوفّي في الثامنة والتّسعين، ثمانون سنة في تدريس أجيال تلو أجيال، وكان منتصب القامة، حادّ البصر ، ومرهف السّمع، لم تسقط له سنٌّ وكان حيويًّا ونشيطًا، وإذا سئِلَ: ما هذه الصحّة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بنيّ, حفظناها في الصّغَر فحفِظَها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقيًّا عاش قويًّا. وكلٌّ منّا يطمح أن يجعله الله في صحّة تامّة في خريف عمره، وهذا يحتاج إلى تقوى لله عز وجل واستقامة، وإنَّ هذه الجارحة إن حفظتها حفظها الله لك, والعين إذا بكَتْ من خشْية الله, فإنّ الله عز وجل يضْمنها لك أن تبقى سليمةً إلى نهاية الحياة، وكذا السّمع والأُذن واللّسان والبصر. من أدعية النبي : والدعاء الشريف: عَنِ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: ((قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ, حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ, وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ, وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا, وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا, وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا, وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا, وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا, وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا, وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا, وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا, وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا)) نهاية المطاف : أيها الأخوة، الوقت كالسّيف إن لم تقطعهُ قطَعَك، الوقت هو أنت، كلّما انقضى يوم انقضى بضْعٌ منك، الوقت رأسُ مالك الوحيد، الوقت أثْمَنُ شيءٍ تملكهُ، الوقت وِعاءُ عملك، والمؤمن يرشّد استهلاك وقته، ولا يستهلك وقته إلا فيما يُجْدِي، بل إنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا العمر القصير, ثلاث وستون سنة قلبَ وجْه الأرض، ونشر الحقَّ في المشرقين والخافِقَيْن، وفي أطراف الدنيا، لذلك أقسم الله بعُمُرِهِ, فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 72] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#88 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مراتب الهداية - 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مراتب الهداية : 1-مرتبة التكليم : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، وفي هذا الدرس نتحدّث عن مراتب الهداية، أعلى هذه المراتب على الإطلاق من حيث النوع: تكليم الله عز وجل لعبده يقظةً بلا واسطة، بل منه إليه ، وهذه أعلى مراتبه كما كلّم اللهُ موسى بنَ عمران صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 164] أي لا يوجد اتّصال أشد وأقوى من أن يكلِّم اللهُ إنسانًا. نقطة مهمة : أيها الأخوة، هناك نقطة ينبغي أن تكون واضحةً لديكم: وهي أنّ الاختصاص ليس من لوازمه التفضيل، فلو أنّ ضابطًا كبيرًا يركب طائرة ويطير، لا يمكن أن يكون أعلى من قائد الجيش كلّه، مع أنّ هذا الضابط الطيار له اختصاص في الطيران، بينما قائد الجيش قد لا يطير، إلا أنّ مرتبة قائد الجيش أعلى من مرتبة الطيّار، فذكرتُ هذا التحفظ لأنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- سيّد الخلق قاطبةً، وحبيب الحق، وهو سيّد ولد آدم، وهو أعلى مخلوقٍ خلقه الله عز وجل، ومع ذلك لمْ يكلّمه، فالعلماء قالوا: الاختصاص لا يقتضي التفضيل، أما من حيث طبيعة العلاقة بين الإنسان وخالقه، فأعلى درجة هي التكليم. هل من اختص بمرتبة التكليم يعد في أعلى مقام؟ : قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 143] لم يقلْ هذا شكًّا في وُجوده كما يدّعي بعضهم، بل قال: هذا طمعًا في رؤيته بِدافعٍ من شوقه, فقال تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [سورة الأعراف الآية: 143] إنّ الطبيعة البشريّة في الحياة الدنيا لا تحتمل رؤية الله تعالى، لكنّ الله عز وجل وعد المؤمنين بأنهم سوف يرَون ربّهم في الجنّة، كما يرون القمر ليلة البدر، وقد أثبتَ الله تعالى هذا في قرآنه الكريم، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة الآية: 22-23] وبيّن الله عز وجل أنّ أشد عذابٍ على الإطلاق: أن يُحجب الإنسانُ عن ربّه، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] هذه مرتبة من حيث نوع العلاقة هي أعلى مرتبة، لكنْ من اختصّ بها لا يُعد في أعلى مقام. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ, لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ, أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ)) [أخرجه الترمذي في سننه] لذلك نقول بعد الأذان, كما علَّمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ, وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ, آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ, وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ, حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) متى يعلو مقام العبد عند الله؟ : قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [سورة الإسراء الآية: 78-79] ما علاقتنا بهذا الكلام؟ بِقَدْرِ قوّة اتّصالك يعلو مقامُك، وبقدْر إحكام اتّصالك يعلو مقامك عند الله تعالى بشكلٍ أو بآخر. إذا كان هناك مركز كبير لتحويل الكهرباء، يتلقّى المدّ من خطّ توتّر عال, قوتُه ثمانون ألف فولط، هذا المركز يمكن أن يضيء مدينة -ولله المثل الأعلى-. النبي -عليه الصلاة والسلام- من شدّة قربه من الله, يتلقّى من الله تعالى شيئًا لا يوصف، قال تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [سورة النجم الآية: 16] قال علماء البلاغة: هذا هو الإيجاز الفني، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 56] هذه التغذية، أما الأخذ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 56] فالتغذية من الله والاقتباس من المؤمنين. هل تعرف هذه الحقيقة؟ : لذلك أنت قد تلتقي بإنسان صالح تقول: أنسَ قلبي به وشعرتُ بسعادة، قد تكون السهرة متواضعة، وفي بيت متواضع، والضيافة متواضعة، تقول: ما شعرنا بالوقت، وكان هناك سرور، لأنّ حال هذا الصالح انْعكس عليك، فشعَرْتَ بهذه السعادة, فكيف لو أُتيح لك أن تتّصل بنبيٍّ؟. سيّدنا ربيعة خدم النبي -عليه الصلاة والسلام-, فلمّا أمره أن ينصرف إلى البيت مساءً, بقيَ نائمًا على عتبة باب النبي, من شدّة انجذابه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فإذا أُتيح لك اللّقاءُ برجل صالحٍ تقول: أنس قلبي به، لأنّك شعرت بقربٍ من الله تعالى، ولا شكّ أنّكم تعرفون هذه الحقيقة: فقد يتجلّى الله على أُناسٍ في مجلس ذِكْر كهذا المجلس، والملائكة تحفّهم, والرحمة تغشاهم، والسكينة تتنزّل عليهم, لأنّهم ذكروا الله عز وجل. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لشدّة اتّصاله بالله تعالى, صار التجلّي الإلهي عليه كثيفًا، وأيّ إنسان يتّصل به بطريقة أو بأخرى؛ يذكره, ويذكر سنّته, ومواقفه, وشمائله, وأدبه الرفيع يذوب شوقًا إليه، وهذا الكلام تقريبٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 56] فقد تنوَّر آلاف البيوت من مركز تحويل واحد، لكن هذا المركز التحويلي يقتبس من التوتّر العالي أعلى طاقة، إن صحّ أنّ في الحياة إنسان سعيد بحاله فهذا هو. علام يدل هذا الشاهد؟ : أذكرُ لكم شاهدًا على هذا: عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ: ((-وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ, قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ!؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا, -الآن دقّقوا-, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)) وأما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيننا ولا ينام قلبنا. بم وصفت حياة الأنبياء؟ : فإذا كنت أنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- كان لك حالٌ مسعد، وإذا كنت عند صدِيق فلك حال مسعد، إذا كنت عند مؤمن كبير فلك حال مسعد، إذا كنت عند عارف بالله تعالى فلك حال مسعد، وإذا كنتَ مع موصول فأنت موصول، هذا معنى قول بعض علماء القلوب: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلّك على الله مقاله. ولا يستطيع المؤمن مهما سما وعلا أن يفعل شيئًا أكثر مِنْ ذلك، يدلّك على الله بكلامه، وينهض بك إلى الله بحاله، لذلك قالوا: حال واحدٍ في ألف أبلغ من ألف قول في واحد. ألف إنسان، وكل إنسان يحضر محاضرة بقي فيها شهرين؛ معلومات, وأدلّة, وشواهد, وقصص, ومنطلقات, وموازنات، ألف محاضرة تلقى على واحد, يفوقُها أنّ واحدًا موصولا بالله يؤثّر في ألف، وألف ليسوا موصولين لا يؤثّرون في واحد، لذلك كانت حياة الأنبياء إعجازًا. فهل يعقل من إنسان: يعيشُ ثلاثًا وستين سنة، جاءه الوحي في الأربعين، ثلاث وعشرون سنة عاشَ في بلادٍ قاحلةٍ, مجذبةٍ جافّة، لا رزع فيها، مع أُناسٍ بدْو رحّل، بعيدين عن الثقافة والعلم والحضارة والتفوّق، إنسان واحد في ثلاثة وعشرين عامًا يصنعُ معجزةً؟ مليار ومئتا مليون مسلم وقد مضى على إسلامهم أكثر من ألف وخمسمئة عامٍ، هذا معنى قول بعض علماء القلوب: حالٌ واحدٍ في ألف أقوى من قول ألفٍ في واحد. 2- مرتبة الوحي المختص بالأنبياء : المرتبة الثانية مرتبة الوحي المختصّ بالأنبياء، أعلى مرتبة من حيث النوع: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 164] والمرتبة الثانية: الوحي المختصّ بالأنبياء: لماذا قيّدْتُ هذه الكلمة؟ ذلك لأنّ الوحي في القرآن على أربع مراتب، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [سورة الزلزلة الآية: 1-5] إذا توجّه الوحي إلى جماد فهو أمر تكوينيٌّ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أوحى إلى النحل ، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 68] وحي الحيوانات هو وحي غريزي، أما حينما أوحى الله إلى أمّ أن أرضعيه، قال تعالى : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 7] هذا وحي إلهام، أما إذا قال الله عز وجل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ﴾ [سورة يوسف الآية: 3] هذا وحيُ نبوّة، فالوحي أمرٌ تكويني، أو أمرٌ غريزي، أو إلهام، أو إرسال رسول من الملَك إلى نبيّ من الأنبياء، فالمرتبة الثانية: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء الآية: 163] 3- مرتبة إرسال الرسول : المرتبة الثالثة: هي مرتبة إرسال الرسول الملَكي إلى الرسول البشري, فيوحي إليه ما أمره الله عز وجل أن يوصله إليه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى الآية: 51] 4- مرتبة التحديث : وهناك مرتبة رابعة اسمها: مرتبة التحديث. ونحن الآن دخلنا بمـراتب لا علاقة لها بالنبوّة؛ مرتبة التكليم، ومرتبة وحي النبوّة، ومرتبة إرسال الرسول، هذه المراتب الثلاث خاصّة بالأنبياء, الآن نزلنا إلى درجة تحت الأنبياء، هي مرتبة التحديث. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ, وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ, فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)) من شدّة قربه من الله، فالله عز وجل يحدّثه بطريقة أو بأخرى، أرأيتم إلى مراتب الهدى؟ أما هذا المقطوع عن الله تعالى من أيّ مرتبة هو؟ المقطوع عن الله تعالى بِمَعصيَة، أو المحجوب بِعَيبٍ. الدعاء الشريف: اللهمّ لا تقطعنا بِقَواطع الذنوب، ولا تحجبنا بقَبائح العيوب. الخُلُق السيّءُ والعيبُ الذميمُ هذه تحجب والذنب يقطع، لذلك أشدّ شيءٍ على الإنسان أن يُحَجَبَ بِعَيبٍ قبيح، أو أن يقطع بذنبٍ قبيح. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ, وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ, فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)) 5- مرتبة التصديق : العلماء قالوا: إنّ الصدّيق أعلى من المحدَّث. المرتبة التي تأتي بعد الأنبياء هي مرتبة الصدّيقين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [سورة النساء الآية: 69] السيّدة مريم كانت صدّيقة النساء، وسيّدنا أبو بكر كان صدّيق هذه الأمّة, أي إنسانٌ قريبٌ من مقام النبوّة، فكلّ ما يقوله النبي يصدّقه، لأنّه يراه, فمثلاً: لو ذهب شخصٌ إلى بلدة، وعرف معالمها, وهو جالسٌ في مجلس إنسان, تحدّث عن هذه البلدة، يقول له: صحيح، صدقت، لأنّ الذي يقول هذا يعرفه، فمرتبة الصدّيقيّة هي أوّل مرتبة تأتي بعد مرتبة النبوّة، ومرتبة المحدّث تأتي بعدها، فسيّدنا عمر -رضي الله عنه- كان مُحَدَّثًا، كان يقول: ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر. قال بعض العلماء: الصدّيق استغنى بكمال صدّيقيّته، ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشْف, لكن لا تسمحوا لأحد أن يقول لكم: حدّثني قلبي عن ربّي بشيءٍ يخالف الشريعة, فكلّ ما مِن شأنه أن يكون إشراقًا أو إلهامًا أو كشفًا أو... أو ... فلا بدّ من أن ينضبِطَ بالكتاب والسنّة. ما تفسير هذه الرؤيا؟ : يُروى أنّ أحدهم في عهد العزّ بن عبد السلام رأى النبي -عليه الصلاة والسلام-, يقول له: إنّ في مكان كذا وكذا كنزًا فخُذهُ ولا تدفع زكاته، فجاء هذا الإنسان إلى العزّ بن عبد السلام، وقال: رأيتُ كذا وكذا, فقال: اذْهب إلى مكان كذا وكذا واحفِر وخُذ الكنز وادفع زكاته ، لأنّ فتوى النبي -عليه الصلاة والسلام- في حياته أبلغ من فتواه في منامك. فأيّ منامٍ يُعزى إلى النبي يخالف الشريعة ينبغي ألاّ نصدّقه. طرفة : هناك طرفة يقولون: قام المسؤول الكبير في الأوقاف، وقال له شخصٌ: رأيت النبي -عليه الصلاة والسلام- البارحة وهو يهديك السلام، ويطلب منك أن أكون عندك في الوزارة موظَّفًا، وأن تعتني بي، فهذا المسؤول على جانبٍ من الذّكاء، قال: الساعة الثانية عشرة، فقال هذا المسؤول: وأنا رأيتهُ الساعة الرابعة بعدك، وقال لي: إنّه كذّاب فلا تصدّقه. ديننا ليس ديــن منامات ولا كرامات، ولا ديـن شطحات وخزعبلات، وتأمّلات وتأوّهات, ديننا دين منهج ووحي. من هم أهل الذكر؟ : من أدقّ ما تعني به كلمة: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون﴾ مَن هم أهل الذِّكْر؟ الذِّكْر في أيّ معنى ورد في القرآن الكريم، اسألوا أهل الوحي، نحن عندنا حقّ لا يأتيه الباطل أبدًا هو الوحي، فكلّ إنسان مختصّ بالوحي, متقنٌ له, ويعرف معاني كلام الله تعالى، ومعاني سنّة رسول الله: ﴿اسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون﴾ فهذه المرتبة مرتبة الصدّيقيّة فوق مرتبة المحدَّث. 6- مرتبة الإفهام : المرتبة السادسة: هي مرتبة الإفهام، وهذه المرتبة يمكن أن تجتمع في وليّ وفي نبيّ ، قال تعالى: ﴿وداود وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 78-79] عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: ((سُئِلَ عَلِيٌّ: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً, إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا, قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا)) إذًا: أن تفهم عن الله شيئًا ونصّ الوحييْن الكتاب والسنّة فهذه مرتبة، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [سورة الأنبياء الآية: 79] فهِم النص فهمًا عميقًا، فإذا قرأت قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 8] وفهمْت من هذا النصّ أنّ الله خلق في النفس الفجورَ، وخلق فيها التقوى من دون سبب منها, فأنت لم تؤتَ فهمَ كلام الله تعالى، أما إذا فهمْتَ معنى قول الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 7-8] على أنّ الله تعالى خلق الإنسان على جِبِلّة عالية راقية, بحيث إن فجرَت أو اتّقيْت تعرف معرفةً ذاتيّة من دون وسيط أنّها فجرَت أو اتَّقَتْ، هذا فهمٌ صحيح، وفهمٌ راقٍ لكتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [سورة الأنبياء الآية: 79] هذا عنوان الصديقية : سيّدنا عمر -رضي الله عنه- كتب كتابًا لأبي موسى الأشعريّ -رضي الله عنهما-, يقول فيه: الفهم الفهم فيما أُدليَ إليك. فالفهم مرتبة عالية جدًّا يؤتيها الله عز وجل للصادقين، يفهم النصّ على ما أراده الله تعالى. كنت أقول مرّة: لو قال لك إنسان: اسقن ماءً، فأنت قد تجتهد أن تأتيه بكأس فضيّة, نقشَ عليها آية الكرسي مثلاً أو بإبريق، أما أن تأتيه بخُبز فأنت ما فهمت كلامه، فقد تجتهد في الوعاء وفي الأسلوب. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة السجدة الآية: 13] إن أوتيتَ فهمًا لكتاب الله عز وجل, تفهم هذه الآية على أنّ الله عز وجل أكرمك بالاختيار وأكرمك بالتكليف وبِحَمل الأمانة، فلو ألغى هذه الكرامة، ألغى اختيارك وتكليفك وحمْلَكَ للأمانة, وأراد أن يجبرك على شيء، ما أجبرك إلا على الهدى، وهذا هو المعنى الصحيح، وليس المعنى الذي يتبادر إليه الذّهن، وهو أنّ الله تعالى ما أراد الهداية للبشريّة. قال: فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصدّيقيّة، وينشـــرُ الولاية النبويّة، وفيه تفاوُت بين مراتب العلماء، حتى عُدّ ألف لواحد، وواحد لألف، وهذا حسب الفهْم. هذا ما أوتي به ابن عباس : سيّدنا ابن عباس -رضي الله عنهما- كان شابًّا صغيرًا، قرأ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان عنده شيوخ الصحابة، وكان أحدَثَهُم سناً ابن عباس, فتألّموا على أنّ هذا الصغير ليس في مستوانا، وأدرك عمر اعتراضهم، فجمعهم وسألهم عن هذه الآية، فإذا ابن عباس -رضي الله عنه- الذي هو أحدثهم سناً يقول: إنّ نَعْوَة النبي -عليه الصلاة والسلام-, نُعِيَ النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] 7-مرتبة التبيين : وعندنا مرتبة سابعة هي مرتبة التبيين: وقد تحدّثنا عن مرتبة التكليم, ومرتبة الوحي، ومرتبة إرسال الرسول، وعن مرتبة التحديث، وعن مرتبة التصديق، ومرتبة التفهيم، والآن ننتقل إلى مرتبة التبيين. الإنسان حينما تتّضح الحقائق أمامه اتّضاحاً جلياً، يصبحُ طليقاً في بيانه، وكلّ إنسان يتعثّر في البيان, معنى ذلك: أنّ الحقيقة غيرُ واضحة أمامه، بشكلٍ مبسّط: إنسان ألقى نظرة على ساحة عامّة, عيناه حادّتان والساحة قريبة منه، تجدهُ يصِف لك ما رأى بدِقّة متناهيَة، من أين جاء صوابه في الوصف؟ من رؤيته الصحيحة، ووُضوح الأشياء أمامه، أما إذا كان بعيدًا, قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة فصلت الآية: 44] قد لا تتّضح لديه الرؤية، فالذي يبيّن أسماء ربّنا الحسنى، وصفاته الفضلى، وأخلاق الأنبياء وكمالهم، وانسجام القرآن، وصحّة السنّة، وعلّة كلّ شيء، وحكمة كلّ شيء، فهذا الذي يبيّن, ينطلق من رؤية صحيحة، وأعلى أنواع العلم ما كان رؤيةً، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [سورة الأنفال الآية: 29] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 28] إنسان يركب مركبة، والطريق فيه حفر، وآكام، وتحويلات، وصعوبات، وصعود, ونزول, إنْ كان معه إضاءة شديدة، فكلّ شيء أمامه واضحٌ ولا يتعثّر. فيا أيها الأخوة, قضيّة التبيين أساسها الوُضوح، ولنا متابعة لهذا الموضوع في درسٍ آخر. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#89 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الدهشة التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الدهشة. أولا هذا الموضوع: ما من مؤمن على وجه الأرض إلا وله منه معاناة، ذلك أن المؤمن لمجرد أن يصطلح مع الله، ويتوب إليه, ويقبل عليه, ويلتزم منهجه، يدخل في سعادة لا توصف، وكأن الأرض كلها لا تَسَعُهُ، من شدة السعادة التي يمتلئ بها قلبه، وهذا الكلام ينطبق على كل مؤمن، تعرف إلى الله, واصطلح معه, وتاب إليه, وأقبل عليه، هذه منزلة الدهشة. إليكم الأمثلة لتقريب هذه المنزلة : لأقرّب لكم هذه المنزلة: إنسان يكون في حالة برد شديد, يكاد عظمه يتصدّع من شدة البرد، فإذا دخل بيتاً فيه تدفئة راقية، خلال عشر دقائق يشعر براحة لا توصف، لكن بعد عشر دقائق يألف هذا الجو الدافئ، الجو الدافئ هوهو لم يتغير، لكنه أَلِفَ هذا الجوَّ، فإذا توهم أن هذه السعادة التي حصلها حينما دخل هذا البيت فُقدت فهو واهمٌ، لكن تأثيرها فيه ضعف. يقول سيدنا الصديق: بكينا حتى جفت مآقينا. فكل واحد مع الله شهر عسل، في أول الأيام ساعات الإقبال، ساعات التوبة، ساعات الإنابة, ساعات الدخول إلى عالم الإيمان، ساعات الطهارة, هي سعادة ما بعدها سعادة. إنسان تاب إلى الله يقول: أنا بقيت عمراً مديداً أدخل بيتي بعد صلاة الفجر عائدًا من الملاهي، في أول ليلة تاب فيها إلى الله, استيقظ قبل صلاة الفجر، وكأن الدنيا كلها لا تسعه من شدة الفرح. أقول لك كلمة صريحة: إن لم تشعر بهذا الفرح الذي لا يوصف, لأنك أصبحت عبدًا منيبًا لله، عبدًا طائعًا له، لأنك اصطلحت مع خالقك، لأنك أقبلت عليه، لأنك أخلصت له، إن لم تقل: أنا أسعد الناس قاطبة، أو إن لم تقل: أنا أسعد الناس إلا يكون أحدهم أتقى مني، فهذا ضعف في الإيمان، لكن هذه المرحلة لا تستمر. لنضرب مثلاً آخر: إنسان خطب فتاة، شاب مستقيم بعيد عن كل معصية، وكل انحراف، أيام الخطبة يقول لك: أنا أعيش في الجنة، يجلس معها ساعات طويلة, وهو في غاية الشوق, ساعات على الهاتف، بعد سنتين يأتي من عمله متعباً, لا تستطيع أن تكلمه كلمة، أين الساعات على الهاتف؟ الزوجة هي هي، شكلها هو هو، أخلاقها هي هي، و لكن ألِفَها، لك مع الله دهشة، و لكن الله عزوجل لو أبقاك في هذه الدهشة في شكل مستمر لا تعمل، بل تجلس، لأنك سعيد، لكن الله عز وجل لحكمة بالغة يحجب عنك هذه الأحوال، من أجل أن تقوم, وأن تسعى إلى الله عز وجل، والإنسان في أي لحظة يستطيع أن يستعيد أيام شبابه الروحي مع الله. علام تحض هذه الآية؟ : قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] آيةٌ واحدةٌ واللهِ لو لم يكن في كتاب الله إلا هي لكفت، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا، أن تتصل به، وتقبل عليه، وتلوذ بحماه، تشعر أن الله يحبك، وأنك بعين الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] فليكن عمله صالحاً، وليكن في خدمة الخلق. اسأل نفسك هذا السؤال : مرة سمعت مناجاة فاهتزَّ لها قلبي: يا ربي لا يحلو الليل إلا بمناجاتك، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك. تجد المؤمن قد بنى حياته على العطاء، يعطي من ماله ووقته وعلمه وخبرته وجاهه ومكانته وإتقانه لبعض الحرف، هو يعطي من أجل أن يرضى الله عنه، بنى حياته على العطاء, والعطاء سمة أساسية في حياة المؤمن. أنت أسال نفسك سؤالاً: ماذا أعطيت؟ وماذا قدمت لله عز وجل؟ وماذا قدمت للمسلمين؟ وماذا فعلت من فعل تلقى الله به، ناصع الجبين, مستنير الوجه؟ اسأل نفسك كل يوم, لأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فالمؤمن بنى حياته على العطاء، والكافر بنى حياته على الأخذ, ولذلك الأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، والأقوياء أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، والناس جميعا أتباع قوي أو نبي، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، وكل واحد من البشر تابع لقوي أو نبي، فإن كان تابعاً قوياً فسلاحُه قوَّتُه يقهر بها الناس، ويبتزُّ بها أموالهم، وإن كان سلاحُه كماله ملك قلوب الناس، والمؤمن سلاحُه الكمالُ، والكافر سلاحه القوة، والمؤمن يملك القلوب، والكافر يملك الرقاب، بالبر يُستعبد الحر. علام يبني إيمانه المؤمن, وماذا اتقى, وما المكافأة العاجلة له في الدنيا؟ : قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [سورة الليل الآية: 5] أعطى أعطى بشكل مطلق. وفي علم الأصول: الفعل إذا غاب مفعوله أطلق مدلوله. أعطى ماذا؟ أعطى كل شيء، لا يوجد إنسان على وجه الأرض ليس عنده ميزة، يقول الطبيب: أنا يمكن أن أعالج بعض المرضى الفقراء مجاناً لوجه الله، ويقول المحامي: أنا يمكن أن أدافع عن إنسان فقير لا يملك أجور المرافعة لوجه الله، ويقول إنسان معلم: أنا يمكن أن أعلم طالباً فقيراً لوجه الله. ومرة قال لي طبيب أسنان: جاءتني مريضة تعمل في حقل التعليم, ومقدَّمة أسنانها تالفة، فمظهر فمها حينما تبتسم أو تتكلم منظر غير مريح، وطالباتها لعلهنَّ يضحكنَ إذا انفرجت شفتاها، فجاءته لتصلح أسنانها، والمبلغ فوق طاقتها فاعتذرت، قال لي: أردت أن أقوم بهذا العلم لوجه الله، قال لها: لا عليك من الأجرة تعالي, قال لي: بقيت شهرين أو ثلاثة أصلح لها أسنانها، يقول هذا الطبيب: شعرت بسعادة لا توصف, لأن هذا العمل خالص لوجه الله، هكذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 9] فأنت علامَ تبني إيمانك؟ الإيمانُ يبنى على العطاء، والكفرُ يُبنَى على الأخذ، هذا يذكِّرني أن النملة -كما قرأت عنها- فيها جهاز ضخ وجهاز مصّ، فإن التقت النملة الشبعى نملًة جائعًة, تعطيها من عصارة هضمها عن طريق جهاز الضخ، وإن كانت جائعةً تأخذ من رحيق أختها عن طريق جهاز المص، قلت: الناس رجلان: رجـل يستخدم جهاز المص دائماً، ورجل يستخدم جهاز الضخ دائماً, المؤمن يضخ دائماً والكافر يمص، يقول لك: مصَّ دمِي. أحيانا الإنسان يبتزُّك, ويجعلك بقرة حلوباً, وهو لم يقدم لك شيئاً. قال تعالى:﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [سورة الليل الآية: 5] ومع إعطائه اتقى أن يعصي الله، أعطى واتقى، لكن هذا العطاء وهذا التقوى مبنيان على إيمان بالله، لأنه صدق بالحسنى، صدَّق أنّ الإنسان مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض، صدَّق أنّ الإنسانَ مخلوقٌ للجنَّة، وأنّ ثمنَ الجنة الإحسان، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن الآية: 60] صدق بالحسنى واتقى أن يعصي الله عز وجل، وأعطى من كل ما أعطاه الله، المكافـأة العاجلة في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [سورة الليل الآية: 7] الأمور ميسرة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة الطور الآية: 48] الأمور سهلة: اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً . انظر إلى هذه المطابقة : بالمقابل: قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ [سورة الليل الآية: 8] هذا يسمونه في البلاغة المطابقة، قال الشاعر: فَتَرْفعُ بِالإِعْزَازِ مَنْ كَانَ جَاهِلاً وَتَخْفضُ بالإِذْلاَلِ مَنْ كَانَ يَعْقِلُ المطابقة معنيان متعاكسان؛ خير وشر، حق وباطل، ليل ونهار، أبيض وأسود، فإذا جاءت مجموعة معان تقابل مجموعة معان على التسلسل, هذه صارت مقابلة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [سورة الليل الآية: 5] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ [سورة الليل الآية: 8] أعطى واتقَّى واستغنى، وصدّق بالحسنى وكذب بالحسنى، هذه في البلاغة المقابلة، الطرف الثاني بخِل أن يعطي، يستخدم جهاز المص فقط، يأخذ كل شيء ولا يعطي شيئاً، واستغنى عن طاعة الله ولم يعبأ، ذنب المنافق كالذبابة على وجهه، وذنب المؤمن كالجبل جاثم على صدره: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [سورة الليل الآية: 9] لم ير مبلغ علمه ومنتهى أمله إلا الدنيا. الآن: أول عقاب له في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [سورة الليل الآية: 10] انظر إلى هذا القانون : واللهُ عز وجل لحكمةٍ يريدها يُسقِط الإنسانَ من علوٍّ، انظر إلى هذا القانون: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [سورة الليل الآية: 5-10] هو حينما بخِل، وحينما استغنى عن طاعة الله, من أجلِ أن يجمعَ المالَ الوفيرَ، وحينما لم يعبأ بالآخرة, فلم ينفق منه شيئاً، من أجلِ أن تنموَ ثروته، قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [سورة الليل الآية: 11] فالإنسان ما جمّعه في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة. ما العبرة من هذا الكلام؟ : لكلِّ داخلٍ دهشةٌ، هذه الدهشةُ يذوقها كلُّ مؤمن، لكن هذه الدهشة لا تلبث أن تفتر، إن لكل شيء فورة، ثم هذه الفورة تهدأ، فمن هدأت فورته على طاعة الله فهنيئاً له، والإنسان يبكي في الصلاة، يبكي أثناء القراءة، ويأتي وقت هذه المعاني القدسية ألِفَها، والأحوال النفسية عاشها، وهو في طاعة الله دائماً، فالدهشة انتهت، فهناك أخ حينما ضعف تأثير هذا الحال عنده تراجع، لذلك هذه الدهشة وهذه الفترة ذاقها سيدنا حنظلة. فَعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ: ((-وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ, قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ!؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] وهذا من أدب الصديق الرفيع، الأدب الرفيع ألا تمدح نفسك في معرض إنسان شقي بنفسه, إنسان قال لك: عندي ولد متعب، لا تقل: الله يرضى عن ابني لا يوجد أبرَّ منه، وهذا كلام مزعج, إنسان شكا لك زوجته، لا تقل: أنا لي زوجة الله يرضى عنها، لا يوجد منها، هذا نوع من التحدي, المؤمن وهو في الدرس له حال عال، هو مع المؤمنين في مذاكرة علم، حال عالٍ هو في صلاته، في ذكره في تلاوته له حال، أما أحيانا دخل إلى بيته, ويريد أن يأكل، هذه الحال العالية غاب عنها، إذا غاب عنه حال, فهذا شيء طبيعي، لأن دوام الحال من المحال، وما سمي الحال حالاً إلا لأنه يحول ويتحول، العبرة أن تكون مستقيماً، والحال إن أتى فرحب به وإن غاب عنك وأنت مستقيم فلا تتأثر, لأن الله عز وجل يقلبنا ذات اليمين وذات الشمال. مرة نجد في قلوبنا حالاً راقية نسعد بها، ومرة ننكر قلوبنا، العبرة أن تكون مستقيماً دائماً. أخطر شيء في الدين : لذلك أخطر شيء في الدين ما يطرحه العامة، من أنه ساعة لك وساعة لربك، ساعة له يعصي الله فيها وساعة لربك يطيع الله فيها، هذا مرفوض كلياً، لكن ساعة وساعة، أي ساعة إقبال وساعة فتور, ساعة تألق وساعة عادية. كيف في الجامعة هناك مقبول، وهناك جيد، وجيد جداً، وامتياز، وشرف, في ساعة الفتور عند الله مقبول، وفي الساعة لربك هناك تألق وإقبال، فلذلك حالة الدهشة هذه تصيب كل مؤمن في أول الطريق، لكن بعد حين يألف الإيمان، ويألف القرآن، ويألف طاعة الواحد الديان، يألف أن يكون مستقيماً، ويألف أن يضبط بصره، ويألف أن يحرر دخله، ويألف أن يكون إنفاقه فيما يرضي الله عز وجل، فهذه النقطة دقيقة جداً، والحقيقة: ليس في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة إلا آية واحدة تصف حالة الدهشة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [سورة يوسف الآية: 31] سر نجاح الدعوة : زرتُ حاجًّا جاء فسألته عن شيء تأثر له، فقال لي: حينما رأيت الكعبة دُهشت وبكيت, فاللقاء الأول مدهش، لكن اللقاء الثاني والثالث أقل دهشة. فأنا أطمئن الأخوة الكرام: أنه إذا كان يشكو ضعف أحواله مع دوام استقامته فلا ضير عليه، أما إذا كان هناك تقصير في الاستقامة، أو هناك خرق لحدود الله، أو هناك مخالفات، نقول له: هذا الحال الذي يزعجك هو انعكاس المعاصي. على كلٍّ؛ ورد عند بعض الصالحين: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله. وورد أيضاً: أن قولَ واحدٍ في ألفٍ أبلغُ من قولِ ألفٍ في واحدٍ. فالإنسانُ الموصول إذا تكلم يؤثر في ألف، وألف متكلم مقطوعين عن الله عز وجل لا يؤثرون في واحد، لذلك سرُّ نجاح الدعوة الإخلاصُ. هذه الآية معادلة رياضية : لذلك: هذا يقودنا إلى قانون آخر، وما أروع هذا القانون، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] هذه الآية معادلة رياضية: أي يا محمد, بسبب رحمة استقرت في قلبك, من خلال اتصالك بنا كنت ليِّنا، فلما كنت ليِّنا التف الناس حولك, وأحبوك وانتفعوا بك، وفدوك بأرواحهم، ولو كنت مقطوعاً عنا لاستقر في قلبك القسوة، والقسوة تنعكس غلظة وفظاظة، ولانفض الناس من حولك، أين المعادلة؟ اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض، فإن أردت أن يلتف الناسُ حولك فكن متصلاً بالله، حتى تستقر الرحمةُ في قلبك، حتى تنعكس لِينًا، حتى يألفك الناس, وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ)) في قلبه رحمة متأججة، وكأن رحمة الله عز وجل هي مطلق عطائه. ((الراحمون يرحمهم الله)) ((إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي)) الراحمون في رضوان الله عز وجل، هذه واحدة. من هو الحكم على الآخر؛ الحال على العلم أم العلم على الحال؟ : عندنا حال الذي هو الدهشة، وعندنا علم، فدائماً العلماء قالوا: العلم حكَم على الحال. لو أن إنسانا رأيته طليق الوجه، منبسط السرائر، حيوي المظهر، لأنه ارتكب معصية، العلم أقوى من الحال، هذه المعصية معصية ولها عقاب، وكان جاهلاً، فرح بهذه المعصية، فمن هو الحَكَمُ على الآخر؟ الحال على العلم أم العلم على الحال؟ العلم على الحال، والعلماء قالوا: هناك حال شيطاني، -إذا الإنسان يبتغي أن يقترف معصية فيها لذة له، وتمكن من هذه المعصية تراه فرحاً، لكن الله عز وجل ماذا قال؟ قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [سورة يونس الآية: 58] عليك أن تفرح بالطاعة، وأن تفرح بالقرب من الله، لا أن تفرح بالمعصية-، والعلماء قالوا: هناك حال شيطاني: الحال السارة التي تأتي عقب معصية، هذه حال شيطانية، والكآبة التي تأتي عقب المعصية حال رحمانية، هذه الفطرة، أما السرور الذي يأتي عقب طاعة، هذه حال رحمانية. فأنت انظر العلم هو الحكم، العلم دائماً وأبدا حكم على الحال، لا تعبأ بحال لا يغطيه العلم. بم يفرح المؤمن وبم يفرح الكافر؟ : وأنا أقول لكم بصراحة: ممكن لإنسان في ذهنه رغبة جامحة لشيء لا يرضي الله، فإذا وصله تألق وجهه، حقق مراده، فالعبرة أن تفرح بطاعة الله، قال تعالى: ﴿قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [سورة القصص الآية: 76] طغى و بغى، ونسي المبتدا والمنتهى، قال تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 76] لا تفرح بما أوتيت من الدنيا فإن الله لا يحب الفرحين: قل ما الذي يفرحك, أقلْ لك مَنْ أنت؟. المؤمن يفرح بطاعة الله، يفرح المؤمن إذا أجرى الله على يديه خيراً، والمؤمن يفرح أشد الفرح إذا وُفِّق لطاعة، وُفق لهداية إنسان، وُفق لفهم كتاب الله، وفق لشرح كتاب الله، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما] والكافر يفرح لأنه ملَك الدنيا. هذا الفرق بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة الغربية : أحد زعماء بريطانيا له كلمة، قال: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا, لذلك علَّق بعضهم: على أن الحضارة الإسلامية حضارة ضبط الذات، بينما حضارة الغربيين حضارة السيطرة على الطبيعة، والمسلم مسيطر على ذاته. هناك حماقات وجرائم يرتكبها الكفار، وهذا تحت سمعكم وبصركم، يندى لها الجبين. مرة قرأت مقالة في مجلة أصيلة، عن بيع العبيد في أمريكا، تأتي البواخر إلى أفريقيا, ويسوقون العبيد سوقاً بقوة الحديد والنار, ويضعونهم في عنابر البواخر مقيدين بالسلاسل، ويموت نصفهم في الطريق، ويبقى الميتون إلى جانب الأحياء طوال الطريق إلى أمريكا، إلى أن تتفسخ جثثهم، يأخذونهم ليعملوا في الحقول بلا مقابل، بعد ما قرأت هذه المقالة، استعباد العبيد من أفريقيا، خجلت من أن أنتمي إلى الجنس البشري، الكافر قلبه كالصخر، وحش، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 130] وليس بعيداً عن سمعكم وأبصاركم ما يجري في العالم اليوم، مئات الألوف في أفريقيا الجنوبية تم ذبح خمسمائة ألف في يوم، راوندا، وفي كوسوفو، وفي البوسنة، وفي ألبانيا، وفي الشيشان، يقولون: تطهير عرقي. من علامات قيام الساعة: موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لِمَ يقتل ولا المقتول فيم قتل؟. لما فتح الفرنجةُ القدسَ، سبعون ألف إنسان ذُبحوا في ليلة، لما سيدنا صلاح الدين -رحمه الله تعالى- فتحَ القدسَ، جاءته امرأة ضاع ابنُها، بقي واقفاً إلى أن أعادوا لها ابنها، وما ظلم واحدًا، ولا أخذ جنديٌّ من إنسان حاجته، بل إن هؤلاء الذين خرجوا من القدس سُمح لهم أن يبيعوا حاجاتهم بأثمانها. هكذا الإسلام: الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن. تصور ما جرى في البوسنة والهرسك، وما جرى في ألبانيا وكوسوفو، وما جرى في الشيشان، لو أن المسلمين ملكوا، لا يفعلون شيئاً من هذا القبيل, المؤمن مقيّد بمنهج. قيل: يا رسول الله مثِّل بهم فقد مثّلوا بعمك، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي. ولو كنت نبياً هناك إله، وهناك أمر ونهي، وهناك حق وباطل، وهناك شيء يجوز ولا يجوز، المؤمن يعيش منظومة قيم، ويحلو لي أن أشبّه الإنسان الكافر بدابة متفلتة، أما المؤمن فمنضبط بمنهج الله، فأنت سعادتك أن تكون منضبطاً، في حياتك محرمات، أنت لست تتحرك كما تتمنى. من هو الأحمق؟ : هناك شخص يعمل في تصليح السيارات, ولي قريب كان جاراً له، جاء شخص بسيارة جديدة جداً وفيها خلل، الذي جاءه أدرك أنّ صاحب السيارة جاهل، وحريص على سيارته، فحصها, فقال له: في المحرك خلل كبير، تكلفك عشرة آلاف ليرة، صاحب السيارة لا يعرف أن يناقشه، قال له: أصلحها، يقول لي قريبي وهو جار له: أصلحها في خمس دقائق، لا تكلف إلا مائة ليرة، أول يوم أخذ أهله إلى الزبداني بها، وثاني يوم ذهبوا إلى المطار، وثالث يوم إلى وادي بردى، في رابع يوم جاء صاحب السيارة استلمها ودفع عشرة آلاف ليرة، قال لي: دفعها نقدا وعدًّا، لكن هذا المصلح ذكي جدا، ذكر له أشياء معقدة في المحرك، وخوّفه ووهّمه، وابتز ماله ودفعه، فقال له قريبي: أيُعقَل ما فعلت؟ فقال له: هكذا أصول العمل، وهو يضحك ومسرور، عشرة آلاف مع ثلاث نزهات بها، وكان له ابن يعمل في مخرطة, تدخل ذرة فولاذ في عينه في القرنية، أخذه على لبنان، كلَّفته العملية ستة عشر ألف ليرة لبنانية، والليرة اللبنانية مائة وستون قرشاً سورياً، يقرب من خمسة وعشرين ألف. قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبن، قال: عبدي قد عاقبتك ولم تدر. يفرح الإنسان أنه ذكيٌّ وحصل مالاً حراماً بذكائه، لن تكون ذكيًّا في تحصيل أموالك إلا إذا كنتَ في طاعة الله، وأي إنسان لا يُدخِل اللهَ جل جلاله في حساباته اليومية يكون أحمق، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [سورة البروج الآية: 12] وفي الحديث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] بطولتك: أن تضع رأسك على الوسادة, وليس لأحد من الخلق حق عندك، ولا دابة, و لا كلب, ولا قطة، ليس لمخلوق له حق عندك، هذه بطولتك، ولو كنت فقيراً، ولو كنت ضعيفاً، ولو كنت مريضاً, ولو كنت مضطهداً، بطولتك: أن تكون بريئاً من تعلق الحقوق بك، أما إذا كان الإنسان ظالماً وبنى مجده على أنقاض الآخرين، وبنى غناه على إفقارهم، وبنى أمنه على خوفهم، بنى حياته على موتهم فهو جبان. قف عند هذه الكلمة : أقول لك هذه الكلمة: هناك إنسان يعيش للناس هم الأنبياء، وهناك أناس يعيشون لإنسان، فبين أن تكون في خدمة الخلق، وبين أن يكون الخلق في خدمتك؛ لا تفرح لا بمال وفير، ولا بمكانة عالية, ولا بحظ رائع، افرح بطاعة الله، وكل إنسان يفرح بشيء لا يرضي الله أحمق، غبي، والعلم حكم على الحال، وليس الحال مقياساً، ضعاف العقول بين الناس، ترقص لهم الدنيا أحياناً، تجدهم يضحكون، ضحك، واستعلاء، وتعليقات لاذعة، ومشية فيها كبر، وسيارته فارهة، يفرح بشيء سخيف، أما المؤمن فيفرح بطاعة الله، يفرح أنه في رضوان الله، يفرح أنه في خدمة الخلق، يفرح أنه ينام الليل وليس لأحد عنده حق أبداً. المؤمن وقاف عند كتاب الله : قيل لأحدهم, يبدو أنه داعية, شاب أحبّه الناس كثيراً, والتفوا حوله, فالطرف الآخر أصابتهم الغيرة والحسد، بدؤوا يتكلمون في حقه كلاماً غير صحيح، فجاء رجلٌ بشخص إلى هذا الداعية, فقال له: إنني أشفق عليك مما يقوله الناس عنك، قال له: هل سمعت مني عنهم شيئا؟ قال له: لا، قال له: عليهم فأشفق. عوِّد نفسك لا تقابل من عصى الله فيك إلا أن تطيع الله فيه. قال شخص لآخر: لقد اغتبتني، قال له: ومن أنت حتى أغتابك؟ لو كنت مغتابا أحداً لأغتبت أبي وأمي, لأنهم أولى بحسناتي منك. المؤمن موقن أنه إذا اغتاب، فإنّ هذا المغتابَ سيقف لك يوم القيامة ويأخذ من حسناته ، والمؤمن وقاف عند كتاب الله، ومقياس الدنيا لا قيمة له، قد تكون فقيراً وتكون عند الله كبيراً. وقف النبيُّ لأحد أصحابه, فقال له: ((أهلاً بمن خبّرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي يا سول الله؟ قال له: نعم؛ خامل في الأرض علَم في السماء)) قد تكون شاباً لا تملك من الدنيا شيئاً. ما معنى خافضة رافعة؟ : قلت مرة: كنت في مؤتمر في المغرب، وجلسنا في أرقى فندق في المغرب، واستيقظت على صلاة الفجر، وسمعت صوت قرآن نديّ مع الفجر، نظرتُ من الشرفة, فإذا عامل الحديقة يصلِّي الفجر على الحشيش بصوت شجيٍّ, واللهِ غلبَ على ظني أن هذا الذي يصلي بهذا الصوت الشجيِّ أقرب إلى الله مِن كل مَن في الفندق, والمؤتمر إسلامي طبعاً، إنسان موصول بالله هذا بطل، ومرتبتك الاجتماعية لا قيمة لها أبداً، قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [سورة الواقعة الآية: 1-3] مَنْ كان في أعلى عليِّين ولم يكن يعرف الله عز وجل يهبط إلى أسفل سافلين، والذي كان في أسفل سافلين وكان قد عرف الله عز وجل، لذلك: خافضة رافعة. تعريف المفلس : هذا الحديث يقصم الظهر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ, فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] تعريف المفلس بالسهل البسيط: من لا درهم له ولا متاع. المفلس يصلي ويصوم، لكنه شرس في تعامله مع الخلق، عباداته التعاملية سيئة جداً، لذلك هذا مفلس. حديث خطير : وعَنْ ثَوْبَانَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا, فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا, قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, صِفْهُمْ لَنَا, جَلِّهِمْ لَنَا, أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ أخْوَانُكُمْ, وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا)) [أخرجه ابن ماجه في سننه] لهم خلوات فيها معصية، أما مواقفهم المعلنة رائعة، ممثلون، والتمثيل الآن دقيق، يمثِّل عليك فتظنه تقياً نقياً ورعاً، فإذا هو فاجر. احفظ هذه الكلمة : أقول هذه الكلمة واحفظوها: إذا كان معك كيلو من الذهب الخالص, وظن الناس أن هذا من المعدن الخسيس، من هو الرابح؟ أنت، الآن لو أن معك كيلو من المعدن الخسيس وأوهمتَ الناسَ أنه ذهبٌ، فصدّق الناسُ كلامَك، فمن هو الخاسر؟ أنت، خيرك منك، وشرك منك، كن مع الله واضحاً. هذا عالم الإيمان : والخلاصة: أنّ كل مؤمن يدخل في عالم الإيمان له دهشة، عالم الإيمان له دهشة، وله أحوال مسعدة, ولكن هذه الأحوال لا تلبث أن تضعف، ضعف هذه الأحوال مع بقاء الاستقامة لا ضير فيه أبداً، الحال موجود لكن بشكل أَلِفْتَهُ أنت، وأحياناً يدخل الإنسان إلى بيت فيُدهش، له إطلالة رائعة، ومساحة كبيرة, أثاث فاخر، منطقة هادئة، اسأل أصحاب البيت: هل هم مدهوشون كهذا الداخل؟ أبداً، لأنهم أَلِفُوه. قد تدخل إلى مكتب وزير، مكتب فخم جداً، وأثاث من أفخم ما يكون، اسأل صاحب المكتب: هل هو مندهش مثلك؟ أبداً، الدهشة مؤقتة، فإذا دُهش الإنسان، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ [سورة يوسف الآية: 31] أحياناً الإنسان يُدهش بفتاة، تزوجها، هل يبقى مدهوشاً بها؟ تخف الدهشة إلى أن تتلاشى, فلذلك الدهشة مؤقتة، العبرة بالاستقامة، واحفظ هذه الكلمة: دائماً العلم حكم على الحال, لأن هناك حالاً رحمانياً وحالاً شيطانياً. من أعظم الأعمال : شاهدت شخصاً فرض على إنسان مدان مبلغاً ضخماً جداً، في وقته كان مبلغاً ضخماً ثلاثمائة ألف، كان الدولار بثلاثة ليرات وثمانين قرشاً، فرض عليه مبلغاً ضخماً، فخضع له، الأول يستطيع أن يدفعه عشرين ضعفاً، طلب منه ثلاثمائة ألف، وجد الذي قبض المبلغ في وجهه تألقاً، ويكاد وجهه يضيء من الإشراق، هل هذا موصول بالله؟ لا, هذا شيطان، فيمكن أن يتألق وجهك، ويمكن أن تشعر بسرور بالغ متى حققت هدفك، وقد يكون الهدف غير مشروع عند الله عز وجل، فلا تعتد بالحال اعتدّ بالعلم, أما إذا كان حالك مغطى بالعلم. أنت جالس جلسة مع بعض الناس, وتكلمت كلاماً طيباً، كلاماً واضحاً، كلامًا معه دليل، بحال قوي، فتأثروا تأثراً بالغاً، ورأيت معظمهم عقد التوبة، أنت فرحت, معك الحق بفرحك، هذا من أعظم الأعمال، هذه صنعة الأنبياء، فأنت يمكن أن تفرح مليون مرة, وكل هذا الفرح مغطى بالقرآن والسنة، فرحك مشروع، دائماً زن فرحك بمقياس الشرع، وإياك أن تقيم فرحك بمطلق الفرح. ما هو الفرح المشروع وما هو الفرح غير المشروع؟ : قال تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 76] قال تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [سورة يونس الآية: 58] ينبغي أن تفرح بفضل الله عز وجل، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [سورة يونس الآية: 58] وبالمقابل: قال تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 76] معنى ذلك: أن هناك فرحاً لا يحبه الله، وهناك فرح يحبه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [سورة يونس الآية: 58] هذا فرح مشروع، وقال تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 76] هذا فرح غير مشروع، فالبطولة أن تفرح فرحاً مشروعاً. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#90 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاملالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و الثمانون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والدرس اليوم منزلة الأمل، الأمل في الدنيا مهلكة، والأمل في الآخرة رحمة، يقول الله عز وجل: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] شتَّان بين مَنْ يعِده اللهُ وعدًا حسناً، وبين من ينطبق عليه قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 44] الأمل في الدنيا مهلكة، والإنسان يفكر أن يعيش عمرًا مديدًا، وأن يبني بيوتًا، وأن يمتِّع نفَسه بمباهِج الحياة، وأن يكون كزيد أو عُبيد، وأن يشتري مركبة, وأن يؤسس عملاً، وأن يعيش في مكان جميل، الأمل في الدنيا مهلك، ولكن الأمل نفسه إذا كان في الآخرة فهو مسعد، لأن الأمل في الآخرة يمتص كل متاعب الدنيا. مداخلة : أراد إنسانٌ أن يجري مداخلة في موضوع ذكرته، كلمة مداخلة كلمة حيادية، قلت: المؤمن سعيد، قال لي: لا واللهِ ليس سعيداً، هو مثل الناس تماماً، يصيبه ما يصيبهم, ويقلقه ما يقلقهم، ويتعبه ما يتعبهم، خرجت من مداخلته بمثل، قلت له: تصور إنسانًا عنده ثمانيةُ أولاد، وله دخل محدود جداً، أربعة آلاف، وبيته بالأجرة، وعنده دعوى إخلاء، كيف يعيش هذا الإنسان؟ هذا الدخل ماذا يفعل به؟ لو أن لهذا الإنسان عمًّا لا ينجب أولاداً، يملك خمسمائة مليون, مات في حادث فجأة، هذه الثروة الطائلة لهذا الابن الأخ الفقير, بحكم القوانين والأنظمة وبراءة الذمة لا يستطيع أن يأخذ من إرث عمه قرشاً واحداً قبل سنة، لماذا هو في هذه السنة من أسعد الناس، مع أنه لم يتمكَّن أن يأخذ قرشاً واحداً، ولا أن ينال لقمة طيبة، ولا أن يرتدي ثوبًا جميلاً؟ الذي أسعده هو الأمل، كلما رأى بيتاً جميلاً يقول: هذا سأشتريه، و كلما رأى مركبة فارهة قال: هذه سأقتنيها, دخل في الأمل، فالأمل مسعد، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] ما الذي يسعد المؤمن, وما الذي يمتص كل همومه؟ : ما الذي يسعد المؤمن, وما الذي يمتص كل هموم المؤمن؟ وعد الله له بالجنة، والجنة وعدٌ حقٌّ من قِبل الحقِّ، فيها ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلبِ بشرٍ، لا همّ ولا حزن، ولا ولد عاق، ولا زوجة سيئة، ولا مغص, ولا التهاب, ولا ورم خبيث، ولا دسام قلب, ولا شريان قلب مسدود، ولا قثطرة, ولا أزمة، ولا أزمة نقود، هناك جنة عرضها السموات والأرض، لهم ما يشاؤون فيها، الدنيا دار عمل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ [سورة الانشقاق الآية: 6] أما الآخرة فدارُ جزاءٍ الدنيا دارُ تكليف، والآخرة دارُ تشريف الدنيا دارُ عمل، والآخرةُ دارُ أملٍ، الدنيا دار التزام والآخرة دار جزاء. فالأمل منزلة يتمتع بها المؤمنون، ولكن الأمل عند المؤمنين في الآخرة، بينما أهل الدنيا يتأملون في الدنيا، هذا الذي استلقى على ظهره, وفوقه قِدر عسل، وقال: سوف أبيع هذا العسل، وسوف أشتري غنماً، والغنم يتوالد، وسأغدو إنساناً غنياً, وسوف أتزوج، وأنجب أولادًا، وإذا عصاني ولدٌ ربَّيته، فرفع عصاه وضرب فانكسرت القدر وسالت فوقه، هكذا أهل الدنيا يأتيهم ملك الموت في أحرج الأوقات. قصة رمزية : هناك قصة رمزية تقول: إنسان كان ضائق النفس أراد أن ينتحر، من شدة فقرِه ويأسه من الحياة، جاءه ملك الموت فقال له: أنا أدلك على حرفة تغتني بها، اعمل طبيباً، قال له: ماذا أفعل؟ قال له: إن رأيتني أقف إلى رأس المريض فإياك أن تعالجه، لأنه سيموت قطعاً، اهرب، وإن وجدتني أمام رجلي المريض فعالجه، فلا بد من أن يشفى، أي شيء تعطيه إياه سيُشفى به، قال الشاعر: إِنَّ الطَّبِيبَ لَهُ عِلْمٌ يَدُلُّ بِـــهِ إِنْ كَانَ لِلنَّاسِ فِي الآجَالِ تَأْخِيرُ حَتَّى إِذَا مَا انْتَهَتْ أَيَّامُ رِحْلَتِـهِ حَارَ الطَّبِيبُ وَخَانَتْهُ الْعَقَاقِيــرُ فهذا نفّذ وصية ملك الموت, واشترى محفظة، ووضع فيها سوائل ملونة، فإذا دعي إلى مريض، إن رأى ملك الموت عند رأسهم يعود راجعاً، إن رآه عند قدميه يعالجه، هذه النقطتان قبل الطعام، هذه بعد الطعام، يتفنن في وصفاته، لأن المريض سوف يُشفى، ذاع صيتُه، وتألق نجمُه, وزاد دخلُه، وعاش في بحبوحة، وإذا بِبِنْتِ الملِك تَمرضُ، فاستُدْعِي هذا الطبيب الألمعي المشهور الذي ما مِنْ إنسان عالجه إلا وشُفي على يديه، لأنه على اتفاق مع ملك الموت، فهذا الملك لشدة تُّعلقه بابنته, قال: من يعالجْ لي ابنتي ويشفِها أجعلْه وليًّا للعهد، دخل على هذه البنت المريضة، فإذا ملَكُ الموت عند قدميها، فكاد يختل توازنه من شدة الفرح ، عالجها كما هي العادة وشُفيت شفاءً تامًّا, والملِك نفّذ وعده, وجعله ولي العهد، وصار ملكاً، ويومَ عرسه وزواجه وتسلمه منصب ولي العهد, جاءه ملك الموت، قال له: الآن، قال: الآن؟ قال له: لو أنك أخذتني وقتها لكان أيسر لي. فأهلُ الدنيا يصعدون, ويصعدون، ويصعدون، وهم في أعلى نقطة يسقطون، هذا هو الأمل في الدنيا، قد تعتني ببيتك، ويوم الانتهاء من كسوته يأتيك الأجل، يوم نيله الدكتوراه يأتيه الأجل، يوم زواجه يأتيه الأجل، يوم رواج تجارته يأتيه الأجل، فمن كان أملُه في الدنيا فهو هالك. اقرأ هذا الحديث : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: ((خَطَّ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطًّا مُرَبَّعًا, وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ, وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ, وَقَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ, وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ, أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ, وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ, وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ, فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا, وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه] هذا هو الأمل المهلك : كنت أدرس في ثانوية، ونشأ عندي ساعة فراغ، فدخلت على مدير الثانوية, أجلس عنده هذه الساعة, وكان صديقي، شكا لي همه وضجره، وقال: أنا سأسافر إلى بلاد شمال أفريقيا لأدرِّس هناك خمس سنوات، كان هناك نظام اسمه نظام الإعارة، يبدو أنه هيّأ موافقة، وقال لي: لن آتي في أيام الصيف إلى بلدي، أمضي صيفية في فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا، أربعة بلاد، أريد أن أشاهد معالمها؛ ريفها، متاحفها، طبيعة الحياة فيها، بعد خمس سنوات أعود إلى بلدي, وأقدِّم طلبا للتقاعد، وآتي بمبلغ لا بأس به, أفتح به محلاً تجاريًّا, أبيع فيه التحف، عندئذ يكبر أولادي ويتسلمون العمل مكاني، وآتي بعد الظهر ساعة أسمر فيها مع أصدقائي، وتابع الحديث، والساعة انتهت، وقد حدثني فيها عن عشرين سنة قادمة، فودَّعته و ذهبت إلى درسي، ثم ذهبت إلى بيتي ظهراً، وعندي عمل في مركز المدينة مساء، ذهبت إلى هذا العمل, وأردت أن أذهب إلي بيتي مشياً، نظرت إلى أحد الأعمدة -أعوذ بالله!- نعيه في اليوم نفسه، واللهِ الذي لا إله إلا هو في اليوم نفسه رأيتُ نعيَه. هذا هو الأمل المهلك، فالإنسان يحلم, ويأتيه مَلَكُ الموت, فيلغي كل آماله، وكل شطحاته وتصوراته, الأمل في الدنيا مهلك، أما إذا علّق الإنسان أمله في الآخرة وعمل للآخرة ، وقدّم مَاله أمامه سره اللحاق به، وعلّم العلم، وبذل من ماله الشيء الكثير، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وتعلم القرآن وعلّمه، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب, وآوى الغريب، ولزم دروس العلم, وخدم المؤمنين، واتصل برب العالمين، هذا ماذا يفعل؟ هذا عَقَدَ أمله في الآخرة. هذا حال المؤمن : إنسان يحج أو لا يحج، يسمحون له أو لا يسمحون له، قدم طلباً للسفارة فأعطوه الموافقة, ويوم أخذ الموافقة صار في الحج، هو لا يزال في دمشق، صار في مكة والمدينة، يذهب إلى المدينة أولاً أو إلى مكة، مع أي فوج يذهب أم يذهب وحدي، أرأيت إلى هذا الإنسان؟ لأنه عقد أمله بالحج، فصار في الحج، لذلك قالوا: المؤمن يعيش في الآخرة وهو في الدنيا. سألوا مرة طالباً, نالَ الدرجة الأولى على مدارس البلد كلها في الشهادة الثانوية: ما سرُّ هذا التفوق؟ فأجاب إجابة رائعة, قال: لأن لحظَة الامتحان لم تفارق مخيلتي أبداً. المؤمن الصادق يعيش في الآخرة، هو من أبناء الآخرة، يعيش في جنة قبل أن يصل إليها، فلذلك قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 6] في الدنيا، لقد عاش في الجنة وهو في دنياه. هذا أمل المؤمن : مرة حدثني إنسان, فقال لي: عندي سفرة إلى بلد بعيد، لما أخذت الموافقة, كنت هناك فوراً نفسياً وشعوريًّا، فالمؤمن له أمل في الآخرة، أمله أن يرحمه الله، ويعفو الله عنه، وأمله أن يدخله الجنة، وأمله أن يكون مع الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، هذا الأمل ينسيه كل متاعب الدنيا، فهذه مرتبة، ولكن بشرط أن يكون هذا الأملُ متوجِّهًا إلى الآخرة، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 21] وأنت في الدنيا وازن بين بيت وبيت. الفرق بين مراتب الدنيا وبين مراتب الآخرة : حدثني أخ كان في مؤتمر في الهند، قال لي: رأيت شيئاً لا يصدق، قال لي: بيت قطعة من النايلون، مع قطعة من قماش، مع قطعة من كرتون, متران في مترين، والأرض تراب، قال لي: هذا بيت، وهناك بيت في القاهرة, ثمنه واحد وعشرون مليون دولار، ألف مليون ليرة سورية، هذا بيت وهذا بيت، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 21] في أي بلد قد تجد بيتاً ..... قال لي أحدُهم: هناك حنفية تساوي ثمن بيت، فإذا بيت مساحته أربعمائة متر، كلّف مئات الملايين, يشبه بيتاً مساحته خمسون متراً ثمنه مائة وخمسون ألف، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 21] مراتب الدنيا لا تعني شيئاً، قد تعني العكس، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 44] لا تعني شيئا، بحدها الأدنى، وقد تعني العكس، لكن مراتب الآخرة مراتب تعني كل شيء, مراتب ثابتة وأبدية. ما الفرق بين اللذة والسعادة؟ : هناك نقطة: إنسان سألني: ما الفرق بين اللذة والسعادة؟ قلت له: أين الثرى من الثريا؟ اللذة أولاً: طبيعتُها حسية، ومصدُرها خارجي، وتأثيُرها متناقص، تعقُبها كآبة، تنتهي بموت الإنسان، فانتهت كل اللذائذ، فلمَّا يموت الإنسانُ هل يأكل شيئاً؟ والسعادةُ طبيعتُها نفسيةٌ، ومصدرُها ذاتيٌّ، متناميةٌ، وتتصل بنعم الآخرة، فالإيمان يهيئ لك سعادة، بينما الدنيا تقدم لك لذة، وفرق كبير بين اللذة وبين السعادة، ولا أمل إلاّ أن تعقد الأمل على الله عز وجل. كن بما في يدي الله أوثقَ منك بما في يديك. قالوا: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن أردت أن تكون أكرمَ الناس فاتق الله، وإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك. لذلك هذه السكينة التي يلقيها الله في قلب عبده المؤمن، فيسعد بها ولو فَقَدَ كلَّ شيء، وإذا حُجِبتْ عنه هذه السكينةُ يشقى بفقدِها ولو ملك كلَّ شيء، هذه السكينةُ إحدى ثمار الإيمان اليانعة، فالمؤمن يُلقِي اللهُ في قلبه السكينةَ، وتحفُّه الملائكةُ، وتغشاه الرحمةُ، ويهديه اللهُ إلى سواء السبيل. أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا الخير. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 74 | 08-08-2018 07:11 AM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |
| التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 55 | 07-10-2018 03:58 PM |