المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التربية الاسلامية - مدارج السالكين


السعيد
07-17-2018, 01:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الاول )


الموضوع : المقدمة






تمهيد :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( من عرف نفسه عرف ربه ))
فالإنسان من دون جميع المخلوقات , يتمتع بما وهبه الله عزّ وجل بقوة إدراكية ، فإذا غفل عن سر وجوده , وعن حقيقة وجوده , وعن مهمته في الدنيا , فقد ضلَّ سواء السبيل ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾
[سورة الكهف الآية : 103]
يجب أن نقف قليلاً عند كلمة الأخسرين ؛ إنها جمع الأخسر , والأخسر : اسم تفضيل , الأشد خسارة .
الإنسان في الدنيا قد يخسر ماله ويعوضه ، قد يخسر مركزه ويعوّضه ، ولكن الإنسان في الآخرة : حينما يكتشف أنه ضلَّ سواء السبيل ، وحينما يكتشف أن أمامه شقاءً أبدياً ، لا يُقال له : خاسر , يقال له : أخسر ، خسر نفسه , وخسر الآخرة الأبدية , وضيَعها من أجل لعاعة من الدنيا , كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا .
إذا : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[سورة الكهف الآية : 103-104]
فالناس مختلفون :
منهم من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، ومنهم من يدري ولا يدري أنه يدري فهذا غافلٌ فنبّهوه ، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهلٌ فعلّموه ، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه .
إذاً : الإنسان دون جميع المخلوقات , زوده الله بقوة إدراكية .
إذا قلت لكم : إن أعظم شيء خلقه الله في الأرض أو في الكون هو العقل البشري , لا أكون مبالغاً ، الإنسان به يرقى ، وبه ينحط , الإنسان هل هو إلا عقل يدرك وقلب يحب ؟ والعلاقة بين العقل والقلب كما ورد في الحديث الشريف :
(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))
كلما رجَحَ عقلك ازداد حبك .
انطلاقاً من أنه : (( من عرف نفسه عرف ربه ))
يجب أن نعرف أنفسنا من نحن ؟
ماهويتنا ؟
لئلا تستهلكنا الحياة ، الحياة تستهلك الناس من عملٍ , إلى نومٍ , إلى راحةٍ , إلى متعةٍ , إلى ندوةٍ , إلى سهرةٍ , إلى نزهةٍ , إلى لقاء , إلى خصومةٍ , إلى مجادلةٍ , ويأتي الأجل وقد ضيّع الإنسان كل شيء , فمن أجل أن لا تستهلكنا الدنيا , ومن أجل أن لا نكون ضحية الجهل , الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾
[سورة الطلاق الآية: 12]
علة وجود الإنسان .
كأن علّة وجودنا في هذه الأرض أن نعلم ، ويبدو أن العلم إذا كان كما أراد الله عزّ وجل ينقلب إلى عمل ، وإذا صحّ العمل , سَعِدَ الإنسان في الدنيا والآخرة .
قال الله عزّ وجل :
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
العبادة في الأصل : غاية الخضوع إلى الله عزّ وجل ، غاية الاستسلام ، غاية المحبة ، غاية التوجه , والإنسان يتوجه إلى الله ويعبده , ويحبه , ويستسلم له إذا عرفه , وإذا توجه إليه يسعد لقربه , ولذلك خلقه .
ويقول الله عزّ وجل :
﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾
أنت أيها الإنسان مهمتك الأولى أن تعبد الله عزّ وجل .
الإنسان هو المخلوق الأول , لأنه قَبِلَ حمل الأمانة , سَخّرَ الله له ما في السماوات والأرض , حَملُ الأمانة مأخوذ من قوله تعالى : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 72 ]
هذه الأمانة عُرضت على جميع المخلوقات في عالم الأزل ، أشفقن منها , وحملها الإنسان , لأنه حملها , استحق أن يسخّرَ له ما في السماوات وما في الأرض , وتعلمون أن المسخّرَ له أقربُ دائماً من المُسخّر , المسخّرُ له وهو الإنسان أكرمُ على الله من المسخّر ، لذلك الله عزّ وجل يقول :
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 70]
أنت المخلوق الأول في هذا الكون ، المخلوق المكرّم ، أنت مكلّفٌ بالأمانة ، مكلّفُ بهذه النفس التي بين جنبيك .
أنت كائن ؛ لك جسد , ولك نفس , ولك روح , في أرجح الأقوال ذاتك , ذاتك التي وصفها الله عزّ وجل بأنها ذات الصدور , والله عليم بذات الصدور , قال تعالى : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾
[سورة الفجر الآية: 26-28]
ذاتك التي هي موضع الأمر والنهي ، وهي التي تؤمن وتكفر ، وهي التي تسعد وتشقى ، وهي التي ترضى وتغضب ، وهي ذات الإنسان التي خلقها الله عزّ وجل , لتبقى في أبد الآبدين , إنها نفسك .
لك جسد , والله سبحانه وتعالى بطريقةٍ أو بأخرى ربط الجسد بالنفس ، هذا الجسد وعاءٌ لها ، حاملٌ لها , ثوبٌ لها ، رداءٌ لها ، وهذا الجسد شيءٌ مؤقت ينتهي عند الموت , فالذي يبالغ في إمتاع جسده , والعناية به , ويهمل نفسه , وهذا حال أهل الأرض ، تعيس تعيس , ماذا قال بعض زعمائهم ؟: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا , سيطروا على الطبيعة على حدِ زعمهم , ولكن لم يسيطروا على هذه النفس , أنفسهم لم تسعد ، تمتعت أعضاؤهم ، تمتعت حواسهم ، ولكن نفوسهم لا تسعد , لأن فِطرة الله عزّ وجل التي فطر الإنسان عليها , لا تسعد إلا بقربه , الدليل :
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 30]
أن تقيم وجهك للدين حنيفاً , وأن تُقبل على ربك , وأن تلتزم أمره ونهيه , هو الوضع الطبيعي للنفس البشرية .
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾
المفارقة : أن أهل الغرب اعتنوا بأجسادهم , ولكن هذه النفس الغالية التي كرّمها الله عزّ وجل وضعوها في الوحول , وضعوها في الشهوات الخسيسة .
أنت لك نفس , هذه النفس تذوق الموت ولا تموت ، هي خالدةٌ ؛ إما في جنةٍ يدوم نعيمها , أو في نارٍ لا ينفذ عذابها , هذه النفس تسعد بقربها من الله , وتشقى ببعدها عنه , قال الله عزّ وجل : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[سورة طه الآية: 124]
لن تجد إنساناً واحداً على وجه الأرض سعيداً , وهو بعيد عن الله عزّ وجل , فهذه الحالة مستحيلة .
بعض المفسرين تساءلوا حول هذه الآية : ما بال الملوك ، ما بال الأغنياء ، ليس عندهم ولا مشكلة ؟ الأمور كلها موفورة لديهم , فأجاب بعضهم : بأنه ضيق القلب , ضيق القلب : هو الذي عناه الله عزّ وجل من قوله تعالى :
﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ﴾
وجه اهتمامك إلى هذه النفس التي بين جنبيــك ، وانتبه لها .
يقول سيدنا عمر : تعاهد قلبك , فالإنسان إذا أصاب عينــه عارضٌ ، يقلق قلقاً شديداً , ويذهب إلى أمهر الأطباء , ويبذل مئات الليرات ليطمئن , هذا الحـــرص على سلامة العين ، وعلى أن تتمتع بها طوال حياتك , هو كحرص الدعاة إلى الله , بل هم أشد حرصاً على أنفسهم , وعلى طهارتها , وعلى سلامتها , وعلى اصطباغها بالكمال , من حرصهم على أعينهم إذا أصابها عارض . الإنسان : نفس وجسد وروح .
الروح في رأي بعضهم : قوة الله أودعها الله في الإنسان .
فالعين ترى بالروح .
هذا الكبد : الذي له خمسة آلاف وظيفة دون روح لا قيمة له ، أما بالروح له وظائف يعجز عن إدراكها العلماء فضلاً عن معرفة كنهها .
هذا الكظر ، هذا البنكرياس ، هذه الأمعاء .
هذه العين : بإمكانها أن ترى الفرق بين لونين بينهما واحد من 800 ألف درجة , لو أننا درّجنا اللون الأخضر ثمانمئة ألف درجة , العين البشرية تفرّق بين درجتين .
العين ترى بالروح ، والأذن تسمع بما أودع الله في هذه الأذن فيما يبدو قوة السمع , فإذا ذهبت الروح , أصبح الإنسان جثة هامدة , فالروح قوة الله عزّ وجل يستردها عند الموت ، والجسد يبلى ، النفس هي التي تبقى ، هنيئاً لمن اعتنى بنفسه , نظر إلى أمراضها , نظر إلى عللها , نظر إلى ما يسعدها , نظر إلى ما يشقيها .
الإنسان نفسٌ , هي ذات الإنسان , هي المعنية بالخطاب , هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، هي التي ترضى ، هي التي تسخط ، هي التي تسعد ، هي التي تشقى ، وله وعاءٌ هو الجسد , وفيه قوة محركة هي الروح .
الإنسان حينما قَبِلَ الأمانة , استحق أن تسخر له السموات والأرض , والله سبحانه وتعالى منّ عليه بهذا العقل , العقل قوة إدراكية يميز بها الإنسان عما سواه من المخلوقات ، أعطاه فِطرة , ربنا عزّ وجل قال :
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 6-8 ]
هناك تفسير لهذه الآية يتصل بفطرة الإنسان , يعني الإنسان إذا فعل شيئاً مخالفاً لفطرته يتألم ، إذا خرج عن قواعد فطرته يشعر بالضيق ، حتى إن الأجانب حينما يصفون الأمراض النفسية , من جملة هذه الأمراض الشعور بالكآبة , هذا مرض يعقب الانحراف , لو أن هذا الإنسان ما وصله الحق , ولا بلغه الحق , إن فطرته وحدها كفيلة كي تنبهه إذا انحرف , هذه هي الفطرة .
قال تعالى :
﴿ ألهمها فجورها ﴾
هذه النفس , لأنها فُطرت فِطرةً عالية جداً , إذا هي انحرفت , تشعر بانحرافها , وتضيق بهذا الانحراف , هذا معنى : ألهمها فجورها وألهما تقواها , وإذا اتقت الله عزّ وجل , وكانت عند الأمر والنهي , وكانت مطيعةً له , ترتاح هذه النفس وتسعد , هذا معنى : ﴿ ألهمها فجورها وتقواها ﴾
مقومات التكليف :
أعطانا الكون , وأعطانا العقل ميزاناً , ولكن أتمنى على أخوتنا الأكارم أن يعلموا : أن هذا الميزان يشبه إلى حدٍ كبير العين , مهما دقت العين تحتاج إلى ضوء لترى به ، والعقل مهما نما ومهما رجح يحتاج إلى نورٍ إلهي يهتدي به ، العقل وحده يضل , والعقل دون نورٍ رباني يزل .
العقل قوة إدراكية , وهو ميزان , والشرع ميزانٌ على الميزان ، أعطانا كوناً , وأعطانا عقلاً , وأعطانا فِطرةً , والفِطرة ميزان نفسي , والعقل ميزان علمي , وأعطانا بعد كل هذا : حرية الاختيار , كي تُثمّنَ أعمالنا , وأعطانا شهواتٍ نرقى بها إلى الله صابرين وشاكرين , وأعطانا فيما يبدو لنا قوةً نحقق بها إرادتنا هذا فيما يبدو , أما في الحقيقة الفِعلُ فِعلُ الله عزّ وجل , هذه المقومات مقومات التكليف : يجب أن تكون ماثلةً بين أيدينا .
أولاً : أنت كائن لك نفسٌ وروحٌ وجسد .
ثانياً أنت مكلّف , مكلّفٌ ومكرّمٌ ، ومخلوق أول , مكلّفٌ بنفسك , والدليل قوله تعالى :
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 9-10 ]
مراحل الهدى :
الله سبحانه وتعالى بعد أن خلقنا , هدانا في القرآن الكريم , آية تقول :
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
﴿ فمن اتبعَ هدايَ فلا يضل ولا يشقى ﴾
الهدى على أربعة مراحل : 1-هداية الحواس الخمس :
الله سبحانه وتعالى أعطاك الحواس الخمس , هذه هداية تشترك فيها مع كل المخلوقات :
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾
[سورة طه الآية: 49-50]
هداه بالعينين , بالسمع , بالإدراك , بالحركة , بالشمِ , بحواسه الخمس , هداه بعقله .
2-هدى الوحي :
الهدى الثاني هو : هدى الوحي , أنت كمخلوق رحمة الله بك واسعة ، وحرصه عليك شديد :
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
[سورة القيامة الآية: 36]
بلا أمر وبلا نهي , حينما أنزل الله الكتب على أنبيائه ، هذا هو الهدى هدى الوحي :
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾
[سورة الكهف الآية: 13]
3-4هدى التوفيق ثم الهدى إلى الجنة :
هدى التوفيق ؛ إذا آمنت بالله عزّ وجل , ينقلك من حالٍ إلى حال , ومن مقامٍ إلى مقام ، يلهمك فِعلَ الخيرات وترك المنكرات , يمكنّك من الدعوة إلى الله ، يعطيك مالاً تنفقه في سبيل الله ، هذه المقومات مقومات الأعمال الصالحة عند بعض العلماء : هدى التوفيق ، الهدى العام ، هدى الوحي ، والهدى الأخير هو : الهدى إلى الجنة .
الإنسان :
مخلوق أنت كي تعبد الله عزّ وجل , الإنسان قد يأخذ وقد يعطي ، المخلوق لا يستطيع أن يأخذ إلا بقدر استيعابه , لكن الإنسان حينما جاء إلى الدنيا , جاء ليعمل الصالحات , وبهذه الصالحات , وهذه المؤثرات , وهذه التضحيات , يشعر أن الله يحبه ، بهذا الشعور الدقيق يقبل عليه ، بإقباله عليه يأخذ أكثر مما يعطى غيره , هذا هو سِرُ حمل الأمانة , يعني أنت جئت إلى الدنيا لتؤاثر الله على كل شيء : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾
[سورة النازعات الآية: 40-41]
أنت لك طبعٌ وعندك تكليف، وغالباً الطبع يتناقض مع التكليف, أنت مكلفٌ أن تغض بصرك, وطبعك يدعوك إلى النظر، أنت مكلفٌ أن تصلي الفجر في وقته, وطبعك يدعوك إلى النوم، أنت مكلفٌ أن تصمت عند الغيبة والنميمة, وطبعك يدعوك إلى ذكر هذه القصص الغريبة، أنت مكلفٌ أن تنفق المال, وطبعك يدعوك إلى كسب المال، قال تعالى: ﴿ فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى ﴾
إذاً: من هذا التعارض بين الطبع وبين التكليف يرقى الإنسان، لكن في الشهوات يرقى مرتين؛ يرقى صابراً ويرقى شاكراً، إذا غض بصره عن محارم الله، إذا امتنع عن أكل المال الحرام يرقى صابراً, أما إذا أنفق أو إذا مارسَ هذه الشهوة وفق القناة التي سمح الله بها يرقى شاكراً, فأنت ترقى مرتين بالشهوة؛ ترقى صابراً وترقى شاكراً, عليك أن تعبد الله عزّ وجل, وهذا سر وجودك . ﴿ وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾
مقامك أن تعبده, ولن تعبده إلا إذا عرفته, ولكن كيف تعرفه؟.
الحقيقة هناك مصادر عِدة لمعرفة الله عزّ وجل .
أولاً : جاءك خطابٌ منه وهو القرآن الكريم , فإذا قرأت القرآن , وتدبرته , أو جلست في مجلس علمٍ , وتعلمت تفسيره وأحكامه , فهذا باب كبير من أبواب معرفة الله عزّ وجل .
ثانياً : وهناك باب آخر جاء في القرآن الكريم , إذا تأملت في خلق السموات والأرض , رأيت عظيم الصنعة , ودقة الصنعةِ , والحكمة والعلم ، كأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى .
معك القرآن مصدر لمعرفة كلامه , والكون مصدر آخر , وأفعاله مصدر ثالث . أنواع المعرفة بالله كما فرقها الغزالي :
الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- فرّق بين أنواع ثلاثة قال : هناك من يعرفه ، وهناك من يعرف أمره ، وهناك من يعرف خلقه .
1-العلم بخلقه :
فخلقه : العلوم العصرية؛ الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الجيولوجيا، الفلك، الفيزياء النووية، الفيزياء الكيميائية، الكيمياء العضوية، الكيمياء المعدنية, هذه كلها فروع معرفة خلقه, العلم في هذه الموضوعات نما نمواً مذهلاً, إذا تأملت في خلق السموات والأرض, ترى دقة الصنعة، ترى الاتقان، ترى الإعجاز، ترى أن هذه الصنعة تكشف عن علمٍ, وعن حكمة, وعن تقديرٍ, وعن رحمةٍ, وعن إكرامٍ، فأشياء كثيرة خُلقت خصيصاً لك .
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾
[سورة ياسين الآية: 72]
2-العلم بأمره :
العلم الثاني : العلم بأمره، الله عزّ وجل له أمرٌ وله نهي, وهذا الأمر مأخوذ من كتاب الله أولاً, ومن سنته ثانياً, ومن الإجماع والقياس ثالثاً ورابعاً, والعلم بأمره يقتضي الدراسة والاستماع والمطالعة والحفظ والتذكر, يعني الطريقة المدرسية لا بد من أن تقرأ, ولا بد من أن يعلمك معلم, ولا بد من أن يثقفك مثقف, ولا بد من أن تسأل, ولا بد من أن تجاب, ولا بد من أن تحفظ, ولا بد من أن تذكر, هذا العلم بأمر الله .
3-العلم به :
أما العلم بالله شيء آخر, وربما الباعث لهذا الدرس, أن تزداد معرفتنا بالله عزّ وجل, العلم بالله طبيعته ليست من طبيعة العلم بأمره وخلقه، العلم بأمره وخلقه: هذان الاثنان يحتاجان إلى الطرق المعروفة في اكتساب العلم, الطرق المعروفة؛ الدراسة، القراءة، المتابعة، الحفظ، التذكر, ولكن العلم بالله عزّ وجل هذا له طبيعة خاصة, الإمام الغزالي لخصها بكلمتين قال: جاهد تُشاهد, والنبي عليه الصلاة والسلام لخصها في الحديث قال:
(( من عَمِلَ بما عَلم -من طبّق الشرع تماماً- أورثه الله عِلمَ مالم يعلم ))
يعني أنت أمام معرفة الله عزّ وجل, لا تحتاج إلى قراءةٍ كمعرفة أمره وخلقه، تحتاج إلى غض بصرٍ, وإلى تحرير دخلٍ، وإلى ضبط نفسٍ، وإلى صيانة الجوارح عن المعاصي، وإلى الإحسان، وإلى البذل، وإلى العطاء، كلما ازددت قرباً من الله عزّ وجل, قذف الله في قلبك النور، ازداد قربك من الله, وازداد قلبك إشراقاً . صلة العبد بربه :
المُعَوَلُ عليه ، قوله تعالى :
﴿قد أفلح من زكاها﴾
مؤمن يكذب ، مؤمن يتساهل, يفعل بعض المعاصي, لن تنعقد الصلة بينه وبين الله أبداً، وما لم تنعقد هذه الصلة, لا تقطف ثمار الدين، الدين يصبح حركات، الصلاة يصبح طقوساً، الصلاة والصوم والحج تنقلب إلى طقوس ، والمعلومات تنقلب إلى ثقافات، والثقافة تُملّ, والطقوس تُملّ, لهذا وصف الله المنافقين بأنهم: ﴿إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى* يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلاً﴾
في الدين ثمرات يانعات، هذه السعادة سعادة أبدية، وطمأنينة نفسية، وشعور بأن الله يحبك، بأن الله راضٍ عنك، وسمو في النفس، وبعد عن سفاسف الأمور، فجوانح المؤمن نقية طاهرة, لا تحقد، لا تبغض، لا تنتقم، لا تنافق، لا تخنع، هذه النفس الأبية التي جاء وصفها في القرآن الكريم, لن تسطيع أن تمتلكها, إلا إذا اتصلت بالله عزّ وجل .
جاهد تُشاهد, يمكن أن تعرف أمر الله إذا كنت ذكياً, ولك ثقافة جيدة, وعندك المراجع الكافية, يمكن أن تقرأ قراءةً متقنةً, وأن تلّخص, وأن تراجع, وأن تذاكر, وأن تؤدي امتحاناً, وأن تنال شهادةً, هذا بإمكانك, لكنه لن يتجلى الله على قلبك إلا إذا كنت مستقيماً، إلا إذا كنت عند الأمر والنهي, فالسرّ سرُ أن تسعدَ بالدين, أن تُقبل على الله ربِ العالمين, والله لا يقبل إلا طيباً, إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً, وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين .
نحن أمام علمٍ بالله، هذا العلم بالله طبيعته غير طبيعة العلم بأمره والعلم بخلقه . النبي :
بعضهم قال النبي عليه الصلاة والسلام :
أقواله شريعة , وأفعاله طريقة , وأحواله حقيقة .
أقوله شريعة :
كل شيءٍ أمر به فهو تشريع ، كل شيء نهى عنه فهو تشريع ، كل شيء أقرّه فهو تشريع ، كل شيء سكت عنه فهو تشريع . أفعاله :
كيف صلى ؟ نحن أمام فقيه , أمام عالم بالشريعة وعالم بالطريقة ، عالم الشريعة يقول : يجب أن تستقبل القِبلة ، ويجب أن تكــون طاهراً ؛ طاهر البدن وطاهر الثوب , وأن يكون المكان طاهراً ، ويجب أن تقف منتصب القامة ، ويجب أن تقرأ الفاتحة وسورةً أو ثلاث آيات , وأن تركع مطمئناً , هذه الشروط والأركان والواجبات والسنن والمستحبات , هذه حركات الصلاة الظاهرة ، هذه يعرفها علماء الشريعة معرفة يقينية ، أما علماء الطريقة يقولون لك : يجب أن تستقيم على أمر الله حتى تصلي , يجب أن تغض البصر ، أن تحرر الدخل ، يلزمونك بالاستقامة كي تنعقد لك الكرامة , هذا من عمل علماء الطريقة .
وأحواله حقيقة :
ما أن تتقلبَ في معرفة اللهِ من حالٍ إلى حال ، ومن مرتبةٍ إلى مرتبة ، ومن منزلةٍ إلى منزلة , فهذا من اختصاص علماء الحقيقة .
هذا العلمُ بالله كما قال الإمام الغزالي : جاهد تُشاهد .
في كلمة قالها أعجبتني : ثمنه من غير طبيعة , الشيء المعروف : أن العلم يحتاج إلى كتاب , وإلى قراءة , وإلى تلقي , وإلى تعلم , ولكن العلم بالله يحتاج إلى استقامة , وكأن النبي عنى هذا المعنى حينما قال :عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ))
[أخرجه الدارمي في سننه]
يقول الإمام الغزالي : إن هذا العلم بالله ثمنه باهظ , ونتائجه باهرة .
يقرأ إنسان كتاباً, وهو مقيم على معصية، يعطي نفسه ما تشتهي, يفعل ما يريد, ويقرأ, وهو ذكي الحافظة، ذكي الفكر، قوي الحافظة, يستوعب, وهذا الثمن بسيط، ولكن ثمن العلم بالله ثمن باهظ, إذا كان هناك شهوةً تقيم عليها، إذا كان هناك معصيةً تصر عليها، فالطريق إلى الله مسدود, لن يسمح لك أن تقترب، لن يسمح لك أن تسعدَ به، لن يلقي على قلبك من نوره, ومن تجلياته, ومن جلاله, إلا إذا آثرته على كل شهواتك, وعلى كل خلقه, لذلك حينما قال الله عزّ وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
قالوا اللغو: كلُ ما سِوى الله .
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
الإمام الغزالي قال : هناك أربعة مستويات لفهم هذا الحديث .
المستوى الأول : أن تُطّهر أعضاءك من النجاسات والقاذورات ، المؤمن نظيف بالمعنى المادي .
المستوى الثاني : أن تُطّهــــر جوارحك من المعاصي والآثام .
المستوى الثالث : أن تُطّهر نفسك من الأخلاق المذمومة ؛ الغضب ، الكبر ، الحسد .
المستوى الرابع : أن تُطّهــر قلبك مما سوى الله .
أربعة مستويات لطهارة البدن ثمنها باهظ .
ألا إن سلعة اللهِ غالية .
إنسان يطــــوف حول الكعبة ويقول : يا ربي هل أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال : هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال : يا هذا من أنت ؟ قال : أنا محمد بن إدريس , قال : وكيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ قال : إذا كان سرورك بالنِقمةِ كسرورك بالنِعمةِ فقد رضيت عن الله .
الثمن باهظ , أن تضع كل الشهوات تحت قدمك ، أن تضع كل الرغبات تحت قدمك ، أن تقول : إلهي أنت مقصودي ورِضاكَ مطلوبي .
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[الآية: 111 سورة التوبة ]
أنفسهم وأموالهم : في أكثر آيات القرآن, قدّمَ الله المالَ على النفس, لسهولةِ إنفاقه أمام النفس، الإنسان ينفق الأسهل فالأصعب، إنفاق المال أسهل من إنفاق النفس, إلا في هذه الآية, قدّمَ النفسَ على المال لأنه هو الأصل, لأن النفسَ هي الأغلى, والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الجودِ .
نحن الآن على مستوى الحياة الدنيا: إنسان ينال دكتوراه, وهو نائم, مسترخ, مستلق في فراشه, دائماً مع رفاقه, يمضي الساعات الطِوال في القيـــل والقال, وفي المُزاح, ويأخذ الدكتوراه, مستحيل!! لا بد من أن ينقطع، لا بد من أن يؤثر الدراسة على كلَ شيء، من أجل شهادة دنيوية, أتريد مقاماً عند الله؟ أتريد مقعدَ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر؟ أتريد أن يحبك خالق الكون؟ هذا يحتاج إلى بذل، إلى انضباط, الثمن باهظ جداً, الثمن: أن تضع كل الرغبات تحت قدمك, الوقت كله لله عزّ وجل .
الشيء الثاني: قال له: يا سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندكم أم عندنا؟ ما عندكم وما عندنا؟ قال: عندكــم ربع العشر، أما عندنا العبد وماله لسيده, وقتك, ومالك, وطاقاتك, وذكاؤك, وفكرك, وعضلاتك, وبيتك دائماً لله عزّ وجل .
الكلمة الثانية للإمام الغــزالي : والنتائج باهرة جداً, إذا علمت أمر الله فقط, هذه الأوامر, والنواهي, والدقائق, والتفصيلات, والأدلة, والقواعد الأصولية, كلها محشوةٌ في الدماغ، تجد عنده قدرة رائعة جداً للإجابة عن أي سؤال, ومع ذلك: إذا مرت امرأة في الطريق على جانبٍ من الجمال, ملأ منها عينيه, غريب!! هذا عالمٌ بأمر الله, وليس عالماً بالله عزّ وجل, إن عصيت الله لا تعرفه, أنت لا تعرفه, لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت, لو أنك تعرفه حق المعرفة, لما اجترأت على معصيته إطلاقاً, أنت تعرف أمره ولا تعرفه، لو عرفته لما عصيته, هذا ماعناه النبي عليه الصلاة والسلام: ((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله))
فالمعلومات التي تنالها من كتاب, وتحفظها جيداً, وتؤدي بها امتحاناً وتنجح, هذه كلها محشوةٌ في الدماغ، لكن النفسَ في وادٍ آخر, قد تشتهي المعصية، قد تشتهي العمل الذي لا يُرضي الله .
يقول الإمام الغزالي: النتائج باهرة جداً, يعني العلم بالله يشيع في النفس الإنسانية فيسمو بها، كيف تُحس بهذا؟ إنك إن جلست مع إنسان من أهل الدنيا, ترى دناءته، ترى سخافة عقله، ترى تعلّقه بالسفاسف، ترى أنانيته، تُحس أن بينك وبينك دورٌ شاسع, دورٌ كبير,
العلم بالله يحتاج إلى طاعة, وإلى بذل, ماذا قال النبي؟ سُئل عن الإيمان, قال عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان عِفةٌ عن المطامع عِفةٌ عن المحارم))
الإيمان: الصبر والسماحة, إذا جاءك شيء بالأمر التكويني مزعج، عليك الرضا, لأن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين, إذا جاءك أمر الله التكويني ترضى به, الصبر, وإذا جاءك الأمر التكليفي تنفق، فأنت بين صبرٍ وبين بذلٍ، الصبر تلقي والبذل عطاء, فالإيمان الصبر والسماحة، يجب أن نضع أيدينا على جوهر الدين .
قصة أقولها كثيراً: هذا البدوي الراعي الذي قال: أين الله؟ حينما أغراه سيدنا عمر أن يعطيه الشاة, ويأخذ ثمنها دون علم صاحبها .
ما ذاق طعم الإيمان إلا من استقام على أمر الله، وما ذاق طعم الإيمان إلا من أقبل عليه ، وما ذاق طعم الإيمان إلا من ائتمر بأمره .
الإمام الجنيد سُئل: من وليُ الله؛ أهو الذي يمشي على وجه الماء, أم الذي يطير في الهواء؟ قال: لا، الولي ُكلُ الولي: الذي تجده عند الأمر والنهي, هذا وليُ الله .
فالعلمٌ بخلقه؛ الجامعات كلها في أنحاء العالم تُعلّم الناس القوانين والقواعد التي أودعها الله في هذا الكون, وحتى هذه القوانين: يمكن أن تكون طريقاً إلى الله عزّ وجل, الطبيب إذا أراد أن يعرف الله عزّ وجل من خلال الدقائق التي يقرؤها, يمكن أن يكون عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله, الطبيب الذي يتمنى أن يكون طبيباً ذائع الشهرة, ويكسب الآلاف المؤلفة, هذا لا يرى في آيات الله شيئاً, يقرأ ولا يرى شيئاً، لكن الطبيب الذي يريد أن يعرف الله من خلال عِلمه, يصبح عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله, ويصبح أيُ علِمٍ من العلوم الأرضية العصرية الكونية باباً إلى الله عزّ وجل، متعلّق بمشيئة الطالب .
عِلم الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة, نُلخص القراءة, والمذاكرة, والتلخيص, والحفظ, وأداء الامتحانات بكلمة مُدارسة .
عِلمُ الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة, وتبقى نتائجه في الدماغ, والعلم بأمر الله يحتاج إلى مُدارسة, وتبقى نتائجه في الدماغ, الفكرة هي تُفسّر لكم: أن إنساناً يعرف أن هذا حرام ويفعله, هذا عَلِمَ الأمر ولم يعرف الله عزّ وجل، عَرَفَ أمره ولم يعرفه . المراحل التي مر بها النبي :
فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بمرحلتين ؛ المرحلة المكيّة والمرحلة المدنّية .
المرحلـة المكيّة : تعريفٌ باللهِ عـزّ وجل .
والمرحلـة المدنيّة : تعريفٌ بأمره , وأيةُ دعوةٍ إلى الله تتجاهل هذا الترتيب , وتبدأ بتعريف الناس بالأمر قبل تعريفهم باللهِ عزّ وجل , هي دعوةٌ ليست ناجحة , تنشأ الحيل الشرعية , ما دام عَرَفَ أمره ولم يعرفه, يحتال على تطبيق أمره .
موضــوع الحيل الشرعية, في أغلبه بعد عن الله، هذا الموضـوع أساسه: إذا وضعت زكاة مالك في رغيف, وقدّمته إلى فقير, وقلتَ له: خذه هِبةً مني، وبعد أن أخذه, سألته: أتهبني إياه وخذ مائة ليرة؟ الرغيف فيه خمسة آلاف, من يفعل هذا عَرَفَ الأمرَ ولم يعرف الآمر، مشكلتنا: يجب أن نعرف الآمر قبل الأمر، يجب أن نعرف الله قبل أن نعرف أمره، وإذا عرفنا الله وأمره معاً لا مانع، أما أن نبدأ بأمره فقط دون أن نعرفه, أغلب الظن أن الذي عَرَفَ أمره لا يطبّقُ أمره، بل يحتال على هذا الأمر كي لا يطبّقه، فالعِلمُ بالأمرِ، والعِلمُ بالخلقِ، والعِلمُ باللهِ, أساسه طاعةُ اللهِ عزّ وجل, ويجب أن يكون الحديث الشريف: من عَمِلَ بما عَلم, ورّثه الله عِلمَ مالم يعلم.
يعني أنت إذا اتقيت الله عزّ وجل, طبّقت أمره كله, عندئذٍ يأتيك العلم الذي نتحدث عنه في هذا الدرس, وفي دروس قادمة إن شاء الله تعالى .









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 01:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى )


الموضوع : الحب - تزكية النفس وسلامة القلب 1





تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 2]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/01.jpg
العبادة تمام الخضوع للهِ عزّ وجل، أما ملخصاً: إعرابها حال , يعني إذا عبدت الله عزّ وجل , يجب أن تكون حالك المرافقة لهذه العبادة هي الإخلاص، إذا عبدت الله عزّ وجل واستسلمت لأمره وتوجهت إليه, ينبغي أن تكون حالك التي ترافق هذه العبادة حالة الإخلاص .
في الإنسان شيءٌ ظاهر هذه الجوارح، وشيءٌ باطن القلب, للجوارح عبادة، وللقلب عبادة .
حينما سأل سيدنا داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حينما سأل ربه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/02.jpg

((يا ربي, أيُ عبادك أحبُ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبُ العباد إليّ؛ نقيُ القلبِ, نقيُ اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء, أحبني وأحبَ من أحبني, وحببني إلى خلقي, قالَ: يا ربي, إنك تعلمُ أني أحبك, وأحبُ من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قالَ: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي, فالآلاء من أجلِ أن يشعر القلب بعظمة الله، والنعماء من أجلِ أن يشعر القلب بمحبة الله، والبلاء من أجلِ أن يشعر القلب بالخوف من الله))
القلب له عبادة، يجب أن يمتلئ القلب تعظيماً للهِ عزّ وجل، إنما يخشى الله من عباده العلماء، يجب أن يمتلئ القلب حباً باللهِ عزّ وجل, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
[سورة البقرة الآية: 165]
يجب أن يمتلئ القلب خوفاً من الله تعالى, لا بد من التعظيم، ولا بد من الخوف، ولا بد من المحبة .
هذا الدرس له هوية خاصة, هذا القلب الذي بين جوانحنا، هذه النفس التي هي ذاتنا التي أمرنا الله عزّ وجل أن نزكيّها, أين نحن من تزكيتها؟ أين وصلنا؟ ماذا قطعنا؟ كم بقي أمامنا؟ .
تزكية النفس وسلامة القلب :
محور هذا الدرس إن شاء الله تعالى : تزكية النفس وسلامة القلب , وأن يكون القلب مفعماً بالمشاعر التي أرادها الله عزّ وجل .
الفكرة الأولى : الحب .
الحقيقة : لو استعرضتم كتاب الله عزّ وجل, لوجدتم أنه أكثر من مئة آية أو تزيد, تتحدث عن الحب, الحب مادته في القاموس حَبَبَ, ميلُ القلب, فقلبُ المؤمن لا بد من أن يميل إلى الله عزّ وجل, لا بد من أن يميل إلى الله .
لو أن الإنسان طبّق الأشياء الظاهرة, ولم يجد في قلبه ميلاً إلى الله, لم يجد في قلبه أُنساً بالله, يجب أن يُراجع نفسه, أحياناً تفعل شيء, وترى أن هذا الشيء الذي فعلته لم يحقق الهدف, تُراجع نفسك, فنحن نريد في هذا الدرس أن يُراجع الإنسان قلبه, هل هو سليمٌ كما أراد الله عزّ وجل؟:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
هل أنا أشدُ حباً لله؟:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
كلمة أحبَّ ويحبُّ, مادة الحب في القرآن, تزيد عن مئة آية, فما الحب؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/03.jpg
أول فكرة في الموضوع , هناك مقولةٌ شهيرة : أن الربَّ ربٌ والعبدَ عبدٌ, الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء, لا يشبه عباده, حاشا وكلا, كلُ ما خَطَرَ في بالك, فالله سبحانه وتعالى خِلاف ذلك .
الربُ ربّ والعبدُ عبد, ولا نسبة بينهما، ليس بمتجزئ, ولا بمتبعضٍ, ولا صورةٍ, ولا متلونٍ, ولا يسألُ عنه بأين هو, لأنه خالقُ المكان، ولا بمتى هو لأنه خالقُ الزمان، وكل ما خَطَرَ ببالك فالله خلاف ذلك، عَلِمَ ما كان, وعَلِمَ ما يكون, وعَلِمَ ما لم يكون لو كان كيف كان يكون, كلام سيدنا علي .
نسبةٍ بين العبد وبين الربّ, قال العلماء: إنه الحب, هناك علاقةٌ بين العبدِ وبين الربّ, العبد يحب الله عزّ وجل, والله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 54]
والله سبحانه وتعالى يحب المؤمنين والمؤمن أشدُ حباً لله .
هناك علاقةٌ بين العبد وبين الرب, إنها علاقة المحبة .
قال بعض العلماء: إن الكون كله دليل أن الله سبحانه وتعالى قاهرٌ, إرادته هي القاهرة:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾
[سورة الرحمن الآية: 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/04.jpg
فاتجاه الإنسان إلى اللهِ وحبه له, دليلُ أن الله سبحانه وتعالى أسماؤه حسنى, المخلوقات جاءته مقهورة، أما الإنسان جاءه مُحباً، وشتان بين أن يأتي المخلوق مقهوراً وبين أن يأتي محباً, هو الاختيار؛ أنت تأتي ربك طائعاً، مختاراً، مستسلماً، طواعيةً، فتنتسب إليه:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾
[سورة الإسراء الآية: 53]
هذا تشريف, علماء البلاغة يقولون: هذه نِسبةُ تشريف, عبادي, أُضفنا إلى ذاته العظيمة، أُضفنا إلى ذاته إضافة تشريف وتكريم.
﴿قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾
هذه الفكرة الأولى . الفكرة الثانية : العبادة .
العبادة التي من أجلها خُلقنا، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية:56]
العبادة لو فقدت معنى الحب ليست عبادة, لو فقدت العبادة معنى الحب أصبحت طاعة ، وقد تطيع من لا تحبه، قد تحب من لا تطيعه، أما إذا أحببته وأطعته فقد عبدته .
من تعريف العبادة: غاية الخضوع مع غاية الحب, هذه هي الفكرة الثانية في موضوع الحب .
الفكرة الثالثة : مظاهر وروح الإسلام .
الإسلام له مظهر, في صلاة؛ نتوضأ, ونقف, ونقرأ, ونركع, ونسجد، في صيام، في حج، في زكاة، في تعامل تعامل يومي، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، أحكام المواريث، أحكام البيوع، هذا كله أحكام ظاهرة، هذه الأحكام روحها محبة الله عزّ وجل، فإذا خلا الدين من الحب, أصبح الدين جسداً بلا روح http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/05.jpg
الحب مُحرك والعقل مقود, أنت بالعقل تقود نفسك إلى الطريق الصحيح أو إلى الهدف الصحيح، أو أنت بالعقل تحافظ على بقائك على الطريق ولا تَزِلُ بك القدم, ولكنك بالحب تتحرك، تسير، تنطلق .
المعلومات, ودقائق العلم, والأفكار الدقيقة, واللّفتات العقلية, والثقافات مهما تعمّقت، كان لها شهرةٌ ذائعة، قِوامها الحب, فإذا خلا العلم من الحب, أصبح جسداً بلا روح, المنافقون:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الاية: 41-42]
الإيمان والحب :
نحن نتحدث عن موضوع الحب, لأنه أصلٌ في الإيمان.
((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لِما جئت به))
والآية التي قلتها قبل قليل : ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ﴾
لا بد من أن تُحبَ الله ورسوله قبل كلِ شيء, يا عمر كيف أصبحت؟ قال: واللهِ يا رسول الله, أصبحت أحبك أكثر من أهلي, وولدي, والناسِ أجمعين, إلا نفسي التي بين جنبي , قال: يا عمر لمّا يكمل إيمانك بعد -إلى أن قال له مرةً ثانية-: الآن يا رسول الله أحبك أكثر من أهلي, وولدي, والناسِ أجمعين, حتى نفسي التي بين جنبي, قال: الآن يا عمر .
الآيات, والأحاديث الصحيحة الثابتة, وأقوال أصحاب رسول الله المتعلقة بالحب كثيرةٌ جداً جداً .
بعض الأحاديث الضعيفة: ((ألا لا إيمان لمن لا محبة له))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/06.jpg
قال: أهل الحب فازوا بشرف الدنيا والآخرة معاً, الحقيقة: أن الإنسان لا بد من أن يحب, الإنسان عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب, والبطل الذي يعرف من يحب .
قد تُحب امرأةً، قد تُحب مسكناً، تُحب مهنةً، تُحب مُتعةً، تُحب لذّةً، تُحب صديقاً، تُحب أخاً، تُحب بلداً، تُحب مكاناً، تُحب زماناً، ولكن المؤمن نَظَرَ, فرأى كلَ من عليها فان, ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام, فأحبَّ الله، إما أن تُحبَ شيئاً فانياً, وإما أن تُحب الباقي على الدوام .
الإنسان لمّا يموت -هكذا جاء في الأحاديث الشريفة- يخاطبه الله عزّ وجل في الليلة الأولى في قبره يقول: عبدي رجعوا وتركوك, أول يوم الحزن شديد، ثم يخف الحزن، الثريات كانت مغطاة بقماش, أزيح القماش، الصور قلبوها أعادوها كما كانت، بعد أسبوع صار يضحك ويبتسم في البيت، بعد أسبوعين أولَمَ وليمة، بعد شهر ذهب يتنزه، أين الميت؟ نسوه, يقول له: عبدي رجعوا وتركوك, وفي التراب دفنوك, ولو بقوا معك ما نفعوك, ولم يبقَ لك إلا أنا, وأنا الحيُّ الذي لا يموت.
أتحبُ الشيء الفاني أم تُحب الباقي؟ قال: أهلُ الحب ذهبوا بخير الدنيا والآخرة, بل ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة, لِقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((المرء مع من أحب))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
ألا يكفينا هذا الحديث؟ المرء مع من أحب, المؤمن مع الله .
الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً, قال له: عبدي لي عليك فريضة, ولك عليَّ رزق, فإذا خالفتني في فريضتي, لم أخالفك في رزقك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/07.jpg
فأنت تأكل وتشرب, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تُوّفقَ في تجارتك, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تكون صحتك طيبة قوية, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تكون غنيّاً, ليس معنى هذا أن الله يحبك، قارون آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبةِ أولي القوة، أن تكون قوياً, ليس معنى هذا أن الله يحبك, فرعون قال: أليس لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/08.jpg
الحب شيء والرحمة شيء آخر، علماء التوحيد قالوا: محبة الله لعباده صِفةٌ زائدة على رحمته, أنت قد ترحم إنساناً سيئاً، قد ترحم إنساناً جاهلاً، قد ترحم إنساناً لئيماً, يعني: الأب يطعم أولاده جميعاً, ولكن الأب أحياناً قلبه يتجه إلى أحدِ أولاده, فاتجاه قلب الأب إلى أحدِ أولاده, هذه صفة زائدة على رحمته بهم, الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً، يرحم عباده جميعاً، يعطي عباده جميعاً :
﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 20]
لكن الله سبحانه وتعالى لا يحب إلا المؤمنين الصادقين .
إذاً: الحب شيء ثمين جداً، الحقيقة: سِلعةُ الله غالية:
أحبابنا اختاروا المحبة مذهـــباً وماخالفوا في مذهب الحب شرعنا
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمّا وليــــت عنّا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حُسنَ خِطابنــا خلعت عنـك ثياب العُجبِ وجئتنا
ولو ذُقـــت من طعمِ المحبةِ ذرّةً عذرت الذي أضـحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمـت من قربنا لك نسمــةٌ لمتَ غريباً واشتيـــاقاً لقربنا
فما حُبنا سهلٌ وكـل من ادعـــى سهولته قلنـــا له: قد جهلتنا
فأيسر ما في الحب للصب قتلـــه وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
فالحب ثمنه باهظ, لذلك قال: ألا إن سِلعةَ الله غالية, لكن المشكلة: أُناس كثيرون يدّعون الحب, خاضوا بحار الهوى وما ابتلوا, قضية سهلة : كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقرُ لهم بذاكَ
ادّعاء الحب سهلٌ جداً, لذلك لمّا أعرض بعض المدرّسين عن الخوض في موضوعات الحب، موضوعات القلب سببه: أن كل إنسان مما هبَّ ودبّ, يدّعي أنه محبٌ لله عزّ وجل, الدعوة سهلة, يقول لك: أنا أحب الله, فقال: لمّا كَثُرَ مدّعو المحبة, طولِبوا بإقامة البيّنة .
إذا توفي رجل وله أموال, فطرق الباب طارق, وقال: أنا لي عنده مائة ألف, فيعطى المبلغ، وإذا طرق الباب طارق وقال: أنا لي عنده نصف مليون, أيعقل أن يعطي الورثة كلَ من يدّعي أن له عندَ الميتِ مبلغاً؟ لا بد من سؤاله: أمعك إيصال؟ معك سند؟ هل هناك شهود ؟ أمعك بيّنة؟ أمعك دليل؟.
دعوى الحب عريضة جداً وواسعة جداً, لمّا كَثُرَ الأدعياء, طولِبوا بإقامة الدليل والبيّنة, والدليل طبعاً قيل: لو يعطى الناس بدعواهم, لادعى الخليُّ حُرقةَ الشجيّ, لمّا كَثُرَ مدعّو المحبة طالبهم الله بالدليل, قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
تعصي الإله وأنت تُظهر حبه ذاكَ لعمري في المقامِ بديعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحّبَ لمن يحبُ يطيع
أتمنى على كل أخ مؤمن, أن لا يسمح لنفسه، أن لا يسمح لخاطره, أن يقول: أنا أحبُ الله وهو مُقيم على مخالفة أمره, هذه وقاحة، هذه دعوى كاذبة، هذا سوءُ أدب، هذا ذنبٌ يضيفه إلى ذنوبه .
لو أنَّ أباً تناولَ أطيبَ الطعام أمام أولاده, والأولاد ساكتون, وقال لهم: أنا أحبكم يا أولادي, هذه الكلمة ذنبٌ جديد يضافُ إلى ذنوبه, لأن فعله يتناقض مع قوله .
فلذلك لا أحد يدعّي, ولا أحد يقول: أنا أحبُ الله, إذا كانَ مقيماً على معصية, لأنك إذا أقمت على معصية, معنى ذلك: أن اللّذةَ التي تأتيك من هذه المعصية أغلى عليك من الله عزّ وجل، أغلى عليك من رضوان الله . ومعنى :
﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/09.jpg
إذا أطعت زوجتك وعصيتَ ربك, فإنك محبٌ لزوجتك أكثرَ من حبك لربك، قولاً واحداً بالدليل القطعي: إذا آثرت بيتاً على طاعة الله, في الإقامة, فيه شُبُهة، في اقتنائه شُبُهة، إذا آثرت مسكناً، آثرت تجارةً مشبوهة على طاعة الله عزّ وجل، آثرت طريقة في كِسبِ المال على طاعة الله عزّ وجل، آثرت أن تكون مع ابنك على غير ما يرضي الله، آثرت أن تُرضي جارك, آثرت أن ترضي شريكك على حسابِ طاعتك لربك, بالدليل القطعي: إنك تُحبُ هذا الذي آثرته أكثر مما تُحبُ الله .
أما المؤمنون: ﴿والذين آمنوا أشدُ حباً لله﴾
وكلُّ من يتبّع النبي عليه الصلاة والسلام محبٌ لله .
الله عزّ وجل يقول: يصف المؤمنين بأنهم يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم, أنت قد تطيع الله ومع ذلك تخاف لومة لائم, أما في مستوى أعلى من هذا المستوى: الطاعة محبة, أن لا تخافَ في الله لومةَ لائم هذه محبةٌ أعلى، أن تجاهدَ في سبيل الله نفسكَ وهواك، أن تضع كل شيء في سبيل الله, هذه محبةٌ أعلى، أن تبيع نفسك ووقتك وجهدك وخِبرتك واختصاصك وكُلَ ما تملك هذه محبةٌ أعلى, الطاعة درجة, والجهاد درجة أعلى, والبيع درجة أعلى, لكنك إذا بِعتَ كلَّ شيء, نِلتَ كلَّ شيء, الله سبحانه وتعالى أكرمُ الأكرمين، إذا بِعته كلَّ شيء أعطاكَ كلَّ شيء وزيادة .
والله الذي لاإله إلا هو, لو أردده آلاف المرات لا أشبع منه .
من شَغَلَه ذكري عن مسألتي, أعطيته فوق ما أعطي السائلين .
إذا كنت مشغولاً بذكر الله وطاعته, مشغولاً بالتقرب إلى الله وخدمة خلقه, مشغولاً بإرضاء الله، تأتيك الدنيا وهي راغمة .
هم في مساجدهم والله في حوائجهم.
كنّ لي كما أريد, أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد, ولا تعلمني بما يصلحك.
من أحبّنا أحببناه, ومن طَلَبَ منّا أعطيناه, ومن اكتفى بنا كنّا له وما لّنا .
إذا بعت الله عزّ وجل وقتك وجهدك وخِبرتك وطاقتك وعضلاتك, بعته كلَّ شيء, نِلتً كلَّ شيء.
يا ربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وَجَدَ من فقدك؟ واللهِ ما وجد شيئاً .
إذا سلّمت لي في ما أريد, كفيتك ما تريد, وإن لم تُسلّم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تُريد, ثمَ لا يكون إلا ما أريد . http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/10.jpg
الحقيقة: الحديث عن المحبة موضوع شاق, لو قلتُ لك: صفّ لي العسل, ماذا تقول؟ العسل حلوُ الطَعمِ, والسكر حلوُ الطَعم، أنا آتيك بعشرات الأصناف, بمئة صنف, كلها حلوة الطعم, أريد العسل, تقول لي: حلوُ الطَعم, لزج القوام, والقطر لزج القوام, هل تستطيع اللغة أن تصف بدقة بالغة طعم العسل؟ لو أن إنساناً كَتَبَ مجلداً عن طعم العسل, يغني عن هذا المجلّد, أن تلعق لعقة عسلٍ واحدة.
واللهِ أريد أن ألقي عليكم أمثالاً, لا حُباً بطرح الأمثال, لأن لها محاذير بصراحة, ولكن بين ادعّاء الحب وبين أن تكون مُحباً مسافة كبيرة جداً, من قال: خمسمئة مليون ليرة سورية, أيُّ إنسان يستطيع أن يقول: خمسمئة مليون ليرة, وقد لا يملك ثمن رغيف خبز, ولكن شتان بين من يقول هذا الرقم وبين من يملكه, كم هي المسافة كبيرة بين من يقول: خمسمئة مليون وبين من يملك هذه الملايين الخمسمئة؟ .
والله الذي لا إله إلا هو, يكاد الفرق نفسه، بين من يدّعي المحبة وبين من يحب, يعني مثلاً: كل إنسان بإمكانه أن يدعّي الحب, ولكن يدعّي الحب وهو من أشقى الأشقياء، يدعّي الحب وقلبه مقفر، يدعّي الحب وهو خائف، يدعّي الحب وهو قلق، يدعّي الحب وهو ممزق، يدعّي الحب وهو ضائع, ولكنك إذا أحببت الله فعلاً, وألقى الله نوره في قلبك, وأطلقَ لسانك بالحكمة, هذه المشاعر لا تُقدر بثمن .
قلت لكم مرةً: أن أكثر الأمراض أسبابها حالات نفسية صعبة, فالحالة النفسية مهمة جداً, الإنسان يرتفع بحالته النفسية وينخفض بحالته النفسية :
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
لذلك هناك إدارات بكاملها: إدارة التوجية المعنوي لرفع الحالة المعنوية للجنود .
إذا كنت تنطوي على قلبٍ متصلٍ باللهِ, مفعمٍ بالحب, لك حالةٌ معنويةٌ طيبةٌ جداً, هذه لها ثمن .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/11.jpg
على كُلٍ؛ كلمة الحب: إذا أردنا أن نبحث في اشتقاقاتها اللغوية, إلى أيّ الأبوابِ تعود؟ قال بعض العلماء: الحب مأخوذٌ من الصفاء والبياض, تقولُ: حَببُ الأسنانِ؛ أيّ بياض الأسنان ، فالحبُ فيه صفاءٌ وفيه بياض, والبياض له معانٍ كثيرة في المجتمعات، والحب بمعنى العلّو, والظهور شيء عالٍ، سامٍ، صارخ، ظاهر، تقول: حبب الماءِ فقاعات الهواء التي تعلو الماء, والحب: اللزومُ والثبات:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية:23]
يعني أنت عاهدت الله عزّ وجل في المنشطِ والمكرهِ، في السرّاءِ والضرّاءِ، في الغِنى والفقرِ، في الصحةِ والمرضِ، في إقبال الدنيا وإدبارها، في الراحةِ وفي التعبِ، في كلِ شيء تُعاهدُ خالقَ الكون.
فمن معاني الحب اللزوم والثبات, تقولُ مثلاً: حبَّ البعيرُ؛ أي بَرَكَ ولم يقم .
المعنى الرابع: الحب بمعنى اللبّ, قال بعضهم: الحبُّ لبابُ الدين, وبالدين مظاهر, يجب أن نؤديها كاملةً, ويجب أن نحترمها, ولكن لبَّ الدين هو أن تُحبَ الله عزّ وجل، الإيمان أن تُحبَ الله عزّ وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام .
والمعنى الخامس: الحب هو الحِفظُ والإمساك, ومنه حِبُ الماء أي وعاء الماء، الصفاء والبياض، العلو والظهور، اللزوم والثبات, اللباب، الحِفظُ والإمساك, هذه كُلها المعاني المستفادة من كلمة الحب .
تعريف الحب
الحقيقة: الحب شعور داخلي لا يظهر، له مظاهر مادية, كل شيء في داخل النفس له ما يؤكده في خارجها .
العلماء تنوعت تعريفاتهم للحب, قال بعضهم: المحبة هي الميل الدائم للقلب الهائم.
في ميل إلى الله, أما أهل النِفاق ينسون الله، يغرقون في دنياهم، يغرقون في مشكلاتهم، يتيهون في الحياة، لكن أهل الإيمان يذكرون الله كثيراً, لأنهم يحبونه كثيراً, ومن أحبَّ شيئاً أكثرَ من ذكره, قاعدة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/12.jpg
لو فرضنا إنساناً, قدّمَ لكَ خِدمة ثمينة, راقب نفسك؛ بأول لِقاء تحكي عنه، تأتي للبيت تحكي عنه، تلتقي مع صديق تتكلم عنه, راقب نفسك خِلالَ أسبوعين أو أكثر, كلما التقيت بإنسان تحدثتَ عنه, من أحبَ شيئاً أكثرَ من ذِكره .
إذاً: علامة حُبِ الله عزّ وجل أن تُكثر من ذِكره .
وقيلَ في الحب: إيثار المحبوب على جميع المصحوب. جلسةٌ ممتعةٌ, وذِكرٌ للهِ عزّ وجل، نُزهةٌ رائعةٌ, ومجلسُ علمٍ للهِ عزّ وجل, طعامٌ نفيسٌ, وخِدمةٌ لإنسانٍ طيب .
إذا كنت مُحباً لله دائماً وأبداً, تؤثر مرضاة الله عزّ وجل على حظوظ نفسك, حتى المباح, لكن الإنسان إذا أخذَ من الدنيا نصيبه, دون أن تشغله عن طاعةٍ, أو عن أداءِ صلاةٍ, أو عن مجلسِ علمٍ, أو عن قضاء واجبٍ, فهذا ليسَ من الدنيا, لأن الدنيا قِوام الحياة لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/13.jpg
ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته, ولا من ترك آخرته لدنياه, إلا أن يأخذَ منهما معاً, فإن الأولى مطيةٌ للثانية .
وقيلَ الحب: موافقة الحبيب في المشهدِ والمغيب، الإنسان يصلي في المسجد, يتقن صلاته حِفاظاً على مكانته, لكن إذا كانَ وحده خالياً يصليها سريع، إذا كنتَ أمامَ مشهدٍ ممن يعجبون بك لك موقف, فإذا كنتَ وحدك لك موقف، إذا كنت في بلدك لك موقف، إذا كنت في بلدٍ أجنبي لك موقف، إذا كنت في موضعٍ مراقبٍ فيه لك موقف، إذا كنت في موضعٍ لستَ مراقباً فيه لك موقف .
لذلك ورد في بعض الأحاديث:
((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله))
دَخَلَ في النِفاق . من علامات الحب :
1- استكثار القليل من ذنوبك, واستقلال الكثير من طاعتك :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/14.jpg
المحبون للهِ عزّ وجل مهما قلت ذنوبهم يخشونه, ومهما كَثُرت طاعاتهم يستقلونها، أما المنافقون: لو فعلَ عملاً صالحاً, يملأ الدنيا صخباً وضجيجاً, وينمُّ به, ويقول: فعلتُ كذا وكذا.
من علاماتِ المُحب: أنه يستكثر القليل من ذنوبه, ويستقلُ الكثير من طاعته, دائماً خائف , لذلك قيلَ: ذنبُ المؤمن كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره, وذنبُ المنافق كأنه ذبابة لا قيمة لها .
2- معانقة الطاعة ومباينة المخالفة :
وقيلَ: الحب: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة؛ دائماً مع الطاعة، دائماً مبتعدٌ عن المعصية ، مع الطاعة, مقتربٌ من الطاعة مبتعدٌ من المعصية, هذه من علامات الحب .
3- أن تهب كلك لمن أحببت:
ومن علامات الحب: أن تَهَبَ كُلَكَ لمن أحببت, فلا يبقى لك منه شيء .
سيدنا الصدّيق أعطى ماله كله لسيدنا رسول الله، قالَ: يا أبا بكر ماذا أبقيتَ لنفسك؟ قال: الله ورسوله, هذا ليسَ حكماً شرعياً، هذا موقف, لأن الله سبحانه وتعالى جعل المال قِوامَ الحياة، أما لو إنسان غَلَبَهُ حبه, وأنفقَ جزءاً كبيراً من ماله، الله سبحانه وتعالى يقبل اجتهاده, ويكافئه على هذا الكثير بأكثرَ منه .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/15.jpg
بعضهم قالوا: أن تَهَبَ إرادتكَ وعزمكَ وأفعالكَ ونفسكَ ومالكَ ووقتكَ لمن تحب, وتجعلها جميعاً حبساً في مرضاته ومحابه, فلا تأخذُ منها إلا ما أعطاكَ هو، سمح لك بالزواج تزوجت، سمح لك أن تأكل أكلت، لا تأخذ من الدنيا من كلِ هذا الذي تملكه, إلا ماسمح لك هو أن تأخذه فقط, دون زيادة, دون إسراف, دون كِبر .
قال: جرت مساءلة في مكة المكرّمة بين علماءٍ كُثر, وكان الجُنيدُ أصغرهم، الإمام جُنيد هذا الذي قيل له: من وليُّ الله؟ قالَ: الذي تجده عندَ الحلال والحرام, فلما تحاوروا وسألَ بعضهم بعضاً, وكانَ الجُنيدُ أصغرهم سِناً, فقالوا: هاتِ ما عِندكَ يا عراقي, فأطرقَ رأسه ودمعت عيناه, ثم قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه، متصلٌ بربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطقَ فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكنَ فمعَ الله، فهو باللهِ وللهِ ومع الله, قالَ: فبكوا جميعاً, وقالوا: ما على هذا مزيد.
عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه, نفسه تحتَ قدميه, يخضعها لطاعة الله, يحملها على مرضاة الله, لا يثأرُ لها أبداً, ذاهبٌ عن نفسه، متصلٌ بربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إلى الله بقلبه، إن تكلم فبالله، وإن نطقَ فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكنَ فمعَ الله، فهو باللهِ وللهِ ومع الله .
أهل الحب، أهل الإيمان، أهل الإحسان، أهل التقوى، أهل القرب، بيّنوا أن للحب وسائل, فالله عزّ وجل من رحمته جعل إليه طرائق, أحياناً جهة من الجهات, ليس لك إليها سبيل, الطريق مغلق, مهما حاولت، لكنَ الله سبحانه وتعالى جعلَ الطرائقَ إلى الخالق -كما يقال-: بعدد أنفاس الخلائق .
من الطرائق أن تكون محبوباً عند الله :
فقيل : من الطرائق أن تكون محبوباً عند الله عزّ وجل :
أولاً : قراءة القرآن بالتدبّر والتفهم لمعانيه وما أُريدَ به .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/16.jpg
قالوا : تؤخذُ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه، قراءة القرآن بالتدبر, والتفهم لمعانيه, وما أُريدَ به, يجب أن تقرأه, وأن تفهمه, وأن تُطبقه كما أراد الله عزّ وجل .
وقد قالَ العكبري: تؤخذُ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه .
ثانياً : التقرب إلى الله بالنوافل .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/17.jpg
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ))
في الصلوات، في الصيام، في الإنفاق، في المال حقٌ سِوى الزكاة، بالأعمال الصالحة ، بخدمة الخلق، بدوام ذِكره . ثالثاً : المداومة على ذكر الله .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41]
الأمر منصب على الذِكر الكثير، لا على الذِكر فقط، على كلِ حالٍ؛ باللسان والقلب، والعمل والحركة، نصيبك من محبة اللهِ على قدرِ نصيبك من الذِكر .
رابعاً : أن تؤثر محابه على محابك عند غلبات الهوى .
الرابع: أن تؤئر محابه على محابك عند غلبات الهوى, أحياناً ينشأ صِراع، إذا آثرت ما يحب على ما تُحب فأنتَ المحب، أما إذا غَلَبتكَ نفسك, وآثرت ما تُحبُ على ما يحب, فقد ضَعفَ حبك . خامساً : مشاهدة بره وإحسانه وآلائه .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/18.jpg
مشاهدة برّه وإحسانه وآلائه، التأمل في الآيات، تذّكر النِعم، تأمل العطايا، يعني النبي الكريم كان إذا أفرغَ ماعنده قال: الحمد لله الذي أذاقني لذّته, وأبقى فيَّ قوته, وأذهبَ عني أذاه.
كانت تعظمُ عنده النعمةُ مهما دقت, فهذا من علامات الحب, إذا شربت كأس ماءٍ، إذا استيقظتَ صباحاً نشيطاً: الحمد لله، إذا تمتعتَ بسمعك وبصرك وقوتك: الحمد لله, دائماً أنتَ مع النِعم, وأنتَ شاكرٌ لهذه النِعم .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/19.jpg
قال أيضاً: من علامات الحب: انكسار القلب بكليّته إلى الله، أبواب الله كثيرة, هناك باب واسع وسريعٌ, ليسَ عليه ازدحام, إنه باب الانكسارِ، الانكسارِ إلى اللهِ عزّ وجل, كلما ازدادَ حبك, جئته منكسراً, معلناً عن فنائكَ في ذاته .
من علامات حبك لله قال: مجالسة المحبين الصادقين, لا تُحبُ إلا المحبين، إذا مالَ قلبكَ إلى أهلُ الدنيا, وأردتَ أن تكون معهم, وأن تُقيم علاقاتٍ وشيجة معهم وهم بعيدون, سرعان ما تعود .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2531/20.jpg
علامة البعد عن الله عزّ وجل: كلما كنتَ محباً, تمنيت أن تكون مع المحبين في مجالسهم، في جلساتهم، في خلواتهم, مجالسة المحبين الصادقين, والتقاط أطيب ثمرات كلامهم, كما تُنتقى أطايبُ الثمر .
كنت محباً للهِ عزّ وجل, فكلُ شيء يقطعك عن الله عزّ وجل تَفرَ منه, فِرارك من وحشٍ كاسر، نظرةٌ تبعدك عن الله, فبالغ في غض البصر، شبهة في لقمة ابتعد عنها .
النبي عليه الصلاة والسلام تأخّر عليه الوحيُ فقالَ:
((يا عائشة, لعلّي أكلتُ تمرةً من تمرِ الصدقةِ وأنا لا أدري))
هذه بعض الأشياء التي إذا فعلتها, كانت هذه الأشياء وسيلةً إلى أن تنالَ حبَّ اللهِ عزّ وجل, وإذا ذقتَ طعمَ الحب, يعني كما قالَ الشاعر : لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : (الثالث )


الموضوع : المحبة - تزكية النفس وسلامة القلب 2







وسائل القرب إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الأكارم ؛ انتهينا في الدرس الماضي إلى عشر وسائل , تقرّب الإنسان من الله عزّ وجل , وقد تدخله منزلة المحبة , من هذه الوسائل :
قراءة القرآن الكريم ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 35]
العلماء فسّروا الوسيلة تفسيرات شتى .
فالعلم وسيلة .
والعمل الصالح وسيلة .
وعلماء القلوب يبينون : أولاً : قراءة القرآن .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/01.jpg
أن من وسائل القرب إلى الله عزّ وجل ، من وسائل أن تبلغَ منزلة المحبة :
أن تقرأ القرآن متدبّراً , متفهمّاً , مطبقّاً ؛ هذه وسيلة .
ثانياً : الإتيان بالنوافل .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/02.jpg
ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل :
أن تقوم بالنوافل . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((قال الله تعالى : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ , وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ , وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
والحديث واضح .

ثالثاً : الذكر .
ومن وسائل بلوغ العبدِ محبة الله عزّ وجل :
أن يكثرَ من ذِكره , لقول الله عزّ وجل :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41]
رابعاً : الإيثار .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/03.jpg
ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل :
المداومة على ذكره , وإيثار محابه على محابك ، الإنسان قد يقع في ظروف صعبة، قد ينشأ عنده صِراع ، إما أن يرضي الله عزّ وجل وإما أن يرضيَ نفسه ، إما أن يبتغي الدارَ الآخرة وإما أن يبتغي الدنيا ، إذا آثرتَ محابَّ اللهِ على محابك , فقد سِرتَ في طريق المحبة .
خامساً : ملئ القلب بأسمائه الحسنى .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/04.jpg
ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل تنفيذاً لِقولِ الله تعالى :
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾
أن يجولَ قلبك في أسماء الله الحسنى وصِفاته الفضلى ، يعني أن يملأ اسمُ الله عزّ وجل قلبك ، أن تُشغَلَ به عما سِواه ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-2]
قالَ علماء التفسير: الخشوعُ في الصلاةِ من فرائض الصلاةِ لا من فضائلها .

سادساً : التفكر .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/05.jpg
الوسيلة الأخرى لبلوغ محبة اللهِ عزّ وجل :
مشاهدة برّه وإحسانه , أن تُفكّرَ دائماً بالنِعم التي أنعم الله بها عليك ؛ نِعمةُ الوجود ، نِعمةُ الإيمان , نِعمةُ الصحة ، نِعمةُ الأهلِ والأولاد ، نِعمةُ المأوى ، نِعمةُ معرفة اللهِ عزّ وجل .
سابعاً : الانكسار له .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/06.jpg
ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل :
أن تأتيه من باب الانكسار.
قال علماء القلوب :
إن أبواب اللهِ كثيرة ، إن أسرعها وأوسعها وأقلّها ازدحاماً بابُ الانكسار ، أنا عندَ المنكسرةِ قلوبهم , لا يدخل النار من كان في قلبه مثقالَ ذرّةٍ من كِبر, لأن الكِبر يتناقض مع العبودية لله عزّ وجل .
ثامناً : الخلوة .
إكثار مجالس الخلـــوةِ مع الله عزّ وجل .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/07.jpg
إذا أردتَ أن تُحدّثَ الله عزّ وجل فادعوه ، وإذا أردتَ أن يُحدثّكَ الله عزّ وجل فاقرأ القرآن , إذا أردتَ أن تُحدّثَ الله عزّ وجل فادعوه أكثر من دعائه ، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في كلِّ أطواره وأحواله يدعو الله عزّ وجل ، إذا دخلَ بيته ، إذا خرجَ من بيته ، إذا واجهَ مشكلةً ، إذا أصابته سرّاء ، إذا أصابته ضرّاء ، إذا تناولَ طعاماً ، إذا دخلَ بيتَ الخلاء ، إذا ارتدى ثوباً جديداً ، إذا لاحَ شبح مصيبةٍ ، إذا لاحت بشائر الرحمة .
لذلك كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى , ينبئكم كيفَ كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الله في كلِّ أحواله ؟ .
تاسعاً : مجالسة المحبين .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/08.jpg
ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل :
مجالسة المحبين الصادقين , لقول الله عزّ وجل :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
أتلاحظون: ما من توجيهٍ من هذه التوجيهات إلا مدعومٍ بآيةٍ أو حديثٍ صحيح؟.



عاشراً : الابتعاد عن كل شيء يبعدك عن الله .
أن تبتعدَ عن كل ما من شأنه أن يبعدك عن الله عزّ وجل أو أن يقطعك عنه, ورأسُ الحِكمةِ مخافة الله، رأس الحِكمةِ أن تخافَ على هذه الصِلة أن تنقطع http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/09.jpg
لذلك تبتعد عن المخالفات والمعاصي ابتعاداً كبيراً جداً, وقلبكَ فارغٌ, خوفاً من أن تقعَ في مشكلةٍ, أو معصيةٍ, أو مخالفةٍ, أو صغيرةٍ تحجبكَ عن اللهِ عزّ وجل .
هذه العشرةُ بنود , والعشر وسائل تنفيذٌ لقول الله عزّ وجل :
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾
القرآن وسيلة : قراءةً ، فهماً ، تدبراً ، عملاً .
النوافل وسيلة : صلاة الضحى http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/10.jpg
الصدقات التي فوق حق الله عزّ وجل , في المال حقُ سوى الزكاة ، كثرة ذكره , بَرِئَ من النِفاق من أكثَرَ من ذِكر الله ، بَرِئَ من الشح من أدى زكاة ماله ، بَرِئَ من الكِبر من حملَ حاجته بيده , أن تؤثر في كلِّ الأحوال : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
أن تؤثرَ جانبَ الله على جانبك ، محابَ اللهِ على محابك ، الآخرة على الدنيا ، العملَ الصالح على النفع ، وأن تجولَ في أسماءِ الله الحسنى وصفاته الفضلى , وأن ترى برّهُ وإحسانه , وأن تأتيه منكسرَ القلب , وأن تُكثّرَ من خلواتك مع الله عزّ وجل ، تُحدثه بالدعاء , ويُحدثكَ بتلاوة القرآن ، وأن تُجالسَ المحبين الصادقين ، وأن تبتعد عن كل ما من شأنه أن يقطعك عن اللهِ عز وجل .
يا أيها الأخوة الكرام ؛ هذه البنود العشرة لو حاولتم أن ترسخوها في أذهانكم ، وكلما أردتم أن تستذكروا أنكم في دارِ عمل , وأنكم في وقتٍ عصيب ، بمعنى أن كلَّ ثانيةٍ من حياتكم , لها شأنٌ خطير في آخرتكم ، لو أننا آثرنا العَمَلَ على الإعجاب بهذه البنود , مهما أُعجبتم بها ، مهما تأثرّتم بها تأثراً شكليّاً , ما لم تكونوا في مستواها , لن تقطفوا ثمارها ، لذلك العملَ العمل .
منزلة المحبة .
أيها الأخوة الأكارم ؛ الكلام في منزلة المحبة له طرفان :
الله سبحانه وتعالى يحبُّ عباده , والمؤمنون الصادقون يحبون الله عزّ وجل , هذا شيء ثابتٌ عندَ كلِّ العلماء , والدليل : أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 54]
بعضهم فسّرَ المحبةَ بالإحسان ، يعني محبة الله للمؤمن : أن يُحسن إليه , أن يرحمه ، ولكن العلماء المتعمقين يرونَ أن محبةَ اللهِ لعباده المؤمنين صِفةٌ زائدةٌ على رحمته وإحسانه إليهم , أنتَ قد ترحم إنساناً ولا تحبه ، قد تشفقُ عليه ولا تحبه ، قد تعطف عليه ولا تحبه ، قد تحسنُ إليه وأنتَ لا تحبه ، ولكنَ محبة الله لعباده المؤمنين صِفةٌ زائدةٌ على رحمته وإحسانه ، فما كلُّ رحمةٍ وإحسانٍ حبٌ من اللهِ لعبده المؤمن .
هذا الخطأ الكبير الذي يتوهمه بعض الناس , من أنَ الله سبحانه وتعالى إن أعطى الإنسان صحةً أو مالاً أو جاهاً أو شأناً فإنه يحبه , يقول لك : ربي يحبني ، والمقولة : إذا الله أحبَّ عبده , أراه ملكه , كلام لا معنى له .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/11.jpg
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هل تصدقون أن الخلقَ خلقُ اللهِ لهذا الكون , وأنَّ الأمرَ الكتب السماوية , وأنَّ الثواب , وأنَّ العقاب , هي في الأصلِ تنبعُ من محبة ، الحبُّ أصلُ الكونِ ، الخلقُ والأمرُ والثوابُ والعقابُ أساس كلِّ ذلك : محبة الله سبحانه وتعالى لخلقه .
نحن أمام مجموعة آيات ومجموعة أحاديث تتعلق كلها بالمحبة , إذاً : يمكن أن يكون هذا الدرسُ تفسيراً لكتاب الله ولسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم , ولكن من زاوية موضوعٍ واحد .
الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88]
﴿إلا من أتى الله بقلبٍ سليم﴾
وأحد العارفين توفاه الله عزّ وجل , ورآه أحد تلامذته في الرؤيا , فقالَ : يا سيدي ما فعلَ الله بك ؟ فأجابَ إجابةً تنخلعُ لها القلوب , قالَ يا بني : طاحت تلك العبارات ، وذهبت تلك الإشارات ، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل .
قد تؤلف ، قد تدعو ، قد يلمع اسمك ، قد يعلو نجمك ، ولكن الذي ينفعك في القبرِ , هذه الركيعات , وهذا الاتصالُ باللهِ عزّ وجل , وهذا القلبُ السليم , وتلكَ المحبة الصادقة , وهذا الإخلاص الشديد . القلب السليم .
انطلاقنا في هذا الدرس , لا من ظواهر الدين ، لا من عباداته المشروعة ، لا من أعماله التي ألزمَ عباده بها ، ولكن من هذا القلب الذي قالَ الله عنه :
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
الحقيقة : الدين له لُبّ .
كلٌ منكم يأكل الفاكهة , أطيبُ ما فيها لُبّها , وقشورها لها وظيفةٌ مهمةٌ جداً , ولكنك لا تأكلها , القِشر له وظيفة , واللُبّ له وظيفة .
تعهّدُ القلب ، سلامة القلب ، تزكية النفس .
أن يمتلئَ القلب حباً ، أن يمتلئَ إخلاصاً , أن يمتلئَ توكلاً ، أن يمتلئَ استسلاماً ، أن يمتلئَ رِضىً بقضاء الله وقدره ، أن يمتلئَ طمأنينةً ، أن يمتلئَ ثقةً بعدالة الله , هو القلب السليم .
ننطلق من قولِ اللهِ عزّ وجل : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 9-10]
أنا لا أحبُ أبداً أن أُحدثَ في الإسلامِ مصطلحاتٍ جديدة , لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/12.jpg
فالمنهج الإلهي من قرآنٍ وسُنةٍ صحيحة منهجٌ كاملٌ كمالاً مطلقاً , يوصلُ الإنسان إلى أعلى الدرجات, ولسنا بحاجةٍ إلى منهجٍ آخر, ولسنا بحاجةٍ إلى إضافاتٍ جديدة, ولكن أن تُحبَ الله عزّ وجل شيءٌ ثابت في الكتاب والسُنة :
عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))
الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي تتحدثُ عن الحب كثيرةٌ جداً وأساسيةٌ جداً .
كما أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرَ في الحديث الصحيح عن الإسلام : أن تشهدَ أنه لا إله إلا الله , وأن تقيم الصلاة , وأن تؤتي الزكاة , وأن تصوم رمضان , وأن تحجَ البيت إن استطعتَ إلى ذلك سبيلاً , وأن الإيمان أن تؤمن بالله , وملائكته , وكتبه , ورسله , واليوم الآخر , والقدر خيره وشره , وتحدثَ عن الإحسان وهي مرتبةٌ فوق الإسلام وفوق الإيمان .
الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنكَ تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
هذا هو الإحسان . فالحديث عن الإحسان عن مرتبةٍ فوقَ مرتبة الإسلام , الانصياع للهِ عزّ وجل ، وفوق مرتبة الإيمان الإقبال على الله عزّ وجل , إنها مرتبة الإحسان , أن تعبدَ الله كأنكَ تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
حديثنا عن مرتبة الإحسان ، عن تزكية النفس : ﴿قد أفلحَ من زكاها وقد خابَ من دساها﴾
عن القلبِ السليم . ﴿يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون﴾
عن جوهرِ الدين . آيات الحب :
الآية الأولى : ومن الناس من يتخذ من دون الله ....
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
[سورة البقرة الآية: 165]
هذه الآية الأولى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾
من دون الله, من عباده أنداداً, يا تُرى هل هذا العبدُ الذي اتخذته نِداً للهِ عزّ وجل هو إلهٌ؟ لا, وما قال من اتخذه أنه إله، ما قالَ أحدٌ أن هناك إله آخر، أو ربٌ آخر، أو خالقٌ آخر، ولكنك إذا اتخذتَ من دونِ اللهِ جِهةً، شخصاً، إنساناً, تحبه كحبِ الله؛ أي كما ينبغي أن يُحبَ الله عزّ وجل بالذلِّ له، وبالتعظيم، وبالطاعة، وبالدعاء، بالذل بينَ يديه، فقد اتخذته إلهاً وأنتَ لا تدري, اتخذته محبوباً، وسنداً، وملجأً، ومرجعاً، اتخذته وليّاً، ليس معنى هذا أن تدعو إلهاً آخرَ مع الله, لا, وأنتَ لكَ طابعٌ إسلامي، وأنتَ مسلمٌ فيما يعرفُ الناسُ عنك، وأنتَ لكَ زيٌّ ديني، وأنتَ لك صلاتك وصيامك وحجك وزكاتك, وأنتَ معدود بين المسلمين . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾
هذه من للتبعيض . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً ﴾
يتخذُ نِداً لله لا في الخلقِ ، فالكفار قالوا : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
إبليس قال : ربي فبعزتك, ما أنكرَ أن له رباً, لم يقل: ليس لي رب, قال: ربي فبعزتك .
ليسَ معنى ذلك أن تُنكر وجود الله, ولا أن تتخذَ إلهاً آخر تعبده من دون اللهِ، أما أن تُحبَ، أن تتذللَ، أن تُعظمَ، أن تدعوَ، أن تطيعَ غيرَ اللهِ, فقد اتخذتَ هذا نِداً من دون الله، وأحببته كما ينبغي أن يُحبَ الخالق، كما ينبغي أن يُحبَ الإله، كما ينبغي أن يُحبَ الربّ، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾
[سورة البقرة الآية: 165]
الذين آمنوا أشدُ حباً للهِ: من حبِ هؤلاءِ الذينَ اتخذوا من دون الله أنداداً، حبُ هؤلاء الذينَ اتخذوا من دونِ اللهِ أنداداً لأندادهم, أقلُّ بكثير من حبِّ المؤمنين للهِ عزّ وجل:
﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الشعراء الآيات: 97-98]
هذا موقفٌ عصيب في جهنم :
﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/13.jpg
من لوازم العبودية التشريع، من لوازم الألوهية أن تعبده وحده، من لوازم الربوبية التشريع، فإذا قَبِلتَ شرعاً غيرَ شرعَ اللهِ عزّ وجل، إذا أُعجبتَ بنظامٍ وضعيٍ غيرِ نظام اللهِ عزّ وجل، إذا رأيتَ أنَ الإنسان قادرٌ على أن يُشرّع، على أن يضعَ نظاماً صحيحاً، جامعاً مانعاً، فقد سويته برب العالمين، هذا الذي وضعَ النظام، وهذا الذي وضعَ التشريع، وهذا الذي وضعَ لكَ منهجاً تسير عليه منهجٌ أرضيٌ, لا علاقةَ له بمنهج السماء، هذا كأنكَ اتخذته رباً مُشرّعاً . ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
اليهود اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله, حتى رجال الدين لهم حجمهم, يجب أن لا يكبر حجمهم عن الحجم الذي وضعهم الله فيه، ينقلون لك عن رسول الله سنته المطهرة، ينقلون لك ما في كتاب الله من أحكام, ومن توجيهات, ولا يستطيع واحدٌ كائنٌ من كان, أن يضيفَ شيئاً على منهج القرآن ومنهج النبي العدنان، هذا الحجم الحقيقي، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد ولد آدم يقول: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 15]
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
هذا حجم النبي, وهو سيد ولد آدم, فهل هناك إنسان آخر يعلم الغيب؟ هل هناك إنسان آخر يملك لك نفعاً وضراً؟ هل هناك إنسان آخر يملك لك أن يرفعك أو أن يخفضك؟.
الآية الثانية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ....
أيها الأخوة الأكارم ؛ الآية الثانية التي تقصم الظهر:
كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقـــــر بذاكَ
لما كَثُرَ مدعّو المحبة طولِبوا بالدليل . سؤالٌ مُحرج :
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
لا تستطيع أن تدعي أنك تُحب الله عزّ وجل, وأنتَ مخالفٌ لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تستطيع أن تدعي أنك مُحبٌ لله عزّ وجل, وفي بيتك، وفي تصرفاتك، وفي بيعك وشرائك، وفي تعاملك، وفي علاقاتك، وفي جِدّكَ، وفي لَهوكَ، وفي مرحكَ، وفي طعامك, وشرابك, ونزهاتك, وأفراحكَ, وأتراحكَ, شيءٌ مخالفٌ لسنّةِ النبي .
فهذه الآية فيها علاقة ترابطية: إن كنتَ محباً لله عزّ وجل اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام، وإن اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام نقلتكَ إلى محبة الله، إن شئتَ أن تأخذَ هذه الآية صعوداً أو نزولاً، إن اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام نقلتكَ إلى محبة الله, وإن أحببتَ الله فِعلاً كما تدعي, من لوازم محبتك لله عزّ وجل: أن تتبع سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام .
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
اتبعوا سُنّتي , جاء الجواب : ﴿ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
معنى يحببكم : جواب الطلب .
فيا تُرى ما المعَولُ عليه: أن تحبه أم أن يحبك؟.
الإنسان الظالم قد يحب قاضياً عادلاً, ولكن القاضي العادل لا يحب هذا الخصم الظالم، الإنسان الناقص قد يحب الكامل, ولكن هذا الكامل لا يحب الناقص، الإنسان البخيل قد يعظّم الكريم, ولكن هذا الكريم لا يحب البخيل، إذاً: ليس المُعَولُ عليه أن تُحبَ الله عزّ وجل بقدر ما المُعَولُ عليه أن يحبك الله عزّ وجل, يجب أن يحبك, لأنه إذا أحبك أسعدكَ إلى الأبد، أما إذا رحمك في الدنيا, وأحسنَ إليك, وانتهت الدنيا, وجدت المصير المشؤوم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 222]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/14.jpg
فمحبة الله عزّ وجل لها مفتاح, مفتاحها: غُضَ بصرك, واستقامتك على أمر الله وصدقك.
أيها الأخوة الأكارم ؛ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى , استنبطَ استنباطاً ذكياً جداً من قول الله عزّ وجل :
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
[سورة المائدة الآية:18]
ادعّاء, إذ كلُ يدّعي وصلاً بليلى، فأجابهم الله عزّ وجل: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾
المعنى المخالف لهذه الآية: لو أن الله عزّ وجل أقرّكم على حبكم له وحبه لكم, لمّ عذّبكم؟ فاستنبطَ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الله لا يعذبُ أحداً، فكيف بكم إذا عرفتم: أن حُبَ اللهِ عزّ وجل ينجيكم من كلِّ عذاب؟ وحقُّ الله على عباده أن يعبدوه، وحقهم عليه أن لا يعذبهم، و ضمانة من الخالق أن تعيش حياةً مباركةً, خيرّةً, ناعمةً لكَ, فيها عملٌ طيب، لكَ فيها إقبالٌ على الله، لكَ فيها استسلامكَ له . الآية الثالثة : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ....
الآن آية ثالثة من آيات المحبة :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 54]
أحياناً: يمن إنسان على الله بأنه أدى ما عليه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 17]
من السهل أن يُقبلَ الإنسان على الدين، شيء جيد وطيب؛ لكنَ البطولة الاستمرار، الإنسان أحياناً يتوب إلى الله عزّ وجل, النقلّة المفاجئة: من الكفر, من الضياع, من المعصية, من الشتات, من اللؤم, من وحول الدنيا, من الأعمال السيئة, من المعاصي والآثام, النقلة المفاجئة: إلى الطاعة, والطُهر, والعفاف, والاستقامة, نقلة مُسعدة جداً، ولكن هذه السعادة المتألقة, هذه السعادة لها وقتٌ, ثم يضعف تأثيرها, لوجودها باستمرار، يضعف تأثيرها باستمرارها، هناك أناس يملّون, يسأمون, ينتكثون, يعودون إلى ما كانوا عليه .
ومن علامة الإيمان: أن يكره المؤمن أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار، فالبطولة بالثبات والاستمرار .
كما تعرفون جميعاً في معركة الخندق, لمّا اليهود نكثوا عهدهم مع رسول الله, والأحزاب جاءتهم من كلِ جانب, وأصبح الإسلام قضية ساعات ليسَ غير, قال بعضهم:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 12]
أما المؤمنون الصادقون:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
أنتَ تُعارض خالق الكون، الذي أتمناه على كلِ مؤمن هذا العهد الغليظ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾
[سورة النساء الآية: 21]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/15.jpg
في السرّاء، في الضرّاء، أثناء الامتحانات، بعد الامتحانات, في مواسم البيع والشراء، في الصحة، في المرض، في الغنى، في الفقر، في الطمأنينة، في الخوف، في ربيع العمر، في وسط العمر، في خريف العمر، عاهدتَ خالقَ الكون وبعته بيعاً قطعيّاً.
لذلك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
الآية الثالثة في علامات الحب: إذا كان الله يحبك فهذه صفتك .
﴿أذلةٌ على المؤمنين﴾
متواضع لهم، في خدمتهم، تعطف عليهم، تشفق عليهم، إذا عزَّ أخوك فهم أنت؛ أما الحسد والضغينة, وتُحطيم من نافسكَ, ومن فاقكَ, ومن وفقه الله في الدعوة إلى الله، هذا ليسَ من أخلاق المؤمنين: ﴿أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين﴾
لطيفة قرآنية :
السؤال اللطيف اللغوي: لماذا قالَ الله عزّ وجل: أذلةٍ على؟ .. باللغة لا يوجد أذلةٍ على!! في اللغة يوجد: أذلةٍ لي، فلان ذليل لفلان، هذا بحث في اللغة رائع, اسمه التضمين, إذا عدينا فعلَ ذلَّ بـ على, ضمناه معنى أشفقَ، فهذا الذليل للمؤمن يعني يحبه، ويتواضع له, ويشفق عليه .
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شرف كَبِيرِنَا))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
﴿أذلةٍ على المؤمنين﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/16.jpg
قالَ بعض العلماء في تفسير هذه الآية: للمؤمنين كالولدِ لوالده, وكالعبدِ لسيده, وعلى الماكرين كالسبعِ على فريسته, عزيز, لا تأخذه في الله لومةُ لائم, الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾
بالعكس والعياذُ بالله، قوي على المؤمن, يراه ضعيفاً, لا سندَ له, يقوى عليه، وأما الأقوياء يهابهم, ويخضع لهم, ويتذلل لهم, ويستجزي منهم, وينافق لهم، أما المؤمنون هو متأكد أنهم ضُعاف مستضعفون, لذلك يقوى عليهم, إن كنتَ تقوى على المؤمنين, وتستعدي عليهم, وتخنع أمام الأقوياء, فتأكد أنك لستَ محباً لله ورسوله .
العلامة الأولى : أن تكون مع المؤمنين كالولدِ للوالد، كالعبدِ للسيد؛ تذللاً, وخضوعاً, وشفقةً, وعطفاً, ومحبةً, ومعاويةً, ومؤاثرةً, وأن تكون على أهلِ الإعراضِ والكفرِ قوياً .
العلامة الثانية : يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم، بأموالهم، بأوقاتهم، بعضلاتهم، بخبراتهم، بكلِ ما يملكون, ومعنى يجاهدون: يبذلون أقصى الجهد، ربنا عزّ وجل قال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 52]
فهمُ كتاب الله, والغوص في معانيه, وتوضيحها للناس, أحدِ أنواع الجهاد، ضبط النفسِ أحد أنواع الجهاد، المؤاثرةُ أحد أنواع الجهاد، جهاد العدوِ أحد أنواع الجهاد .
العلامة الثانية : يجاهدون في سبيل الله بالنفسِ واليدِ واللسان والمال، وهذا يؤكد حبَّ الله عزّ وجل .
الثالثة : ولا يخافون في اللهِ لومةَ لائم، ناس أخافونني، لوم, واحد لامك فصرفكَ عن مجلس العلم، إنسان لامك صرفكَ عن طاعتك، إنسان أخافكَ صرفكَ عن هذا العمل الصالح، إنسان حذّرك أخافك .
ثلاث علامات : أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومةَ لائم, هذه علامات صادقة ثلاث على حبك للهِ وحبِّ اللهِ لك .
معنى لا تأخذه في اللهِ لومة لائم, فسّرها العلماء: لا تأخذه عن الله, عن طريق حبِّ الله، عن طريق طاعة الله، عن طريق العلم، عن طريق البذلِ، عن طريق العطاء، عن طريق القربِ، عن طريق مجالس العلم، لا تُذهبه عن هذه الطاعات لومةُ لائم .
أمن تذكرُ الجيران بذي سلمٍ يا لائمِ في
الهوى العذري معذرة كفَّ الملامُ
فلو أنصفتَ لم تُلَمِ
لو أنصفتَ لم تُلَمِ
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾
[سورة هود الآية:28]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/17.jpg
هذا الذي يلومك ما ذاق الذي ذقته, هذا الذي يلومك ما ذاق طعمَ قربك, هذا الذي يلومك ما ذاق طعمَ توفيق الله لك, هذا الذي يلومك ما ذاق طعم أنَّ الله نوّر قلبكَ بالإيمان, هذا الذي يلومك ما ذاق طعم طهارة القلب, ما ذاق طعم طهارةِ النفس، ما ذاقَ شيئاً من هذا، مقاييسه كلها ماديّة بالدرهمِ والدينار, لذلك قالَ عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ, وعبدَ الدِّرْهَمِ, وَالْقَطِيفَةِ, وَالْخَمِيصَةِ, إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ, وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ثلاث علامات: أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومةَ لائم, إذا كانت فيك فأنتَ من أهل الحب, الله يحبك وأنتَ تحبه، هؤلاء الذين عُبِدوا من دونِ الله: السيد المسيح، سيدنا العُزير .
الآية الرابعة : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ....
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 57]
هنالكَ في الآية مقامات ثلاث :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/18.jpg
المقام الأول : الحبُّ يعني ابتغاء القرب ، من المعلوم قطعاً أنك لا تتنافس إلا في قربِ من تحب قربه ، شخص لا تحبه ، لئيم ، هل أنتَ حريص على زيارته ؟ على أن تكونَ إلى جانبه ؟ على أن تتنزه معه ؟ على أن تسهرَ معه ؟ مستحيل , من الثابتِ قطعاً أنك لا تحب قُربَ إلا من ترجو قُربه , من تحب قُربه ، وحب قُربه هو في الأصل حبٌ لذاته ، بل محبة ذاته أوجبت محبة المؤمنين ، إذ في محبة الله عزّ وجل حياة القلوب , ونعيم الأرواح , وبهجة النفوس , وقرّةُ العيون , وأعلى نعيم الدنيا والآخرة .
فهذا الذي قال : مساكين أهلُ الدنيا ، واللهِ الذي لا إله إلا هو, لو ذاقَ الإنسان طعمَ الحب, لسعد سعادة لا تساويها سعادة, إنسان يملك أموال الدنيا كلها, وما عَرَفَ الله يقول مسكينا، جاء إلى الدنيا وخرجَ منها, وما ذاقَ أجملَ ما فيها، إن أجملَ ما فيها أن تكون من اللهِ قريباً، لذلك:
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾
يوجد وسائل كثيرة، أيُّ هذه الوسائل تقرّبه إلى الله أكثر يبادر إليها .
إنفاق المال, يبادر إلى إنفاق المال، حضور مجالس العلم, يبادر إلى حضور مجالس العلم, تعلّم القرآن, قراءة السنّة, خدمة الضعفاء والمساكين يسارع إليها .
علامة هؤلاء الصادقين يرجون رحمة الله، يخافون عذابه، يبحثون عن وسيلة, يبتغون القربَ من الله عزّ وجل، هذه آية خامسة تتعلق بالحب . الآية الخامسة : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي....
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/19.jpg
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 52]
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى  إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى  وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾
[سورة الليل الآية: 19-21]
ليسَ في قلبه إلا همٌ واحد, أن يكون الله راضياً عنه:
إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي
يا ربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وَجَدَ من فقدك؟. الآية السادسة : وإن كنتن تردن الله ورسوله....
آية دقيقة جداً موجهةٌ إلى نساء النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 29]
معنى ذلك: أن هناك إرادتان .
﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
إرادة الدار الآخرة ليست عينَ إرادة الله عزّ وجل.
وإرادة الله عزّ وجل ليست عينّ الدار الآخرة, والدليل: العطف, والعطف يحتوي المفارقة والتغاير، أعطن قلماً ودفتراً، القلم غير الدفتر، العطف يقتضي التغاير . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
قال: هذا الذي يبتغي الدارَ الآخرة من أجل ما فيها؛ من حورٍ عين، ومن عسلٍ مصّفى، ومن لبنٍ لم يتغير طعمه، ومن جناتٍ تجري من تحتها الأنهار, المؤمنون يبتغون رشدَ الله عزّ وجل, والدليل: أن الإمام عليّ كرّمَ الله وجهه قال: في العُبّادِ ثلاثة؛ العبيد وهم يعبدونه خوفاً من ناره، والتجار يعبدونه طمعاً في جنته، والأحرار عَرفوا أن لهم ربّاً فأطاعوه, وما مقصودهم جنات عدنٍ, ولا الحور الحِسانُ, ولا الخيامُ, سِوى نظر الحبيب فلا منافه, وهذا مقبض القول الكِرام .
تقبل دعوة إنسان عظيم جداً, دعاك إلى تناول طعام الغذاء، دخلت, تفضل, وجدت الطعام النفيس والطنافس, أينَ الداعي؟ والله مشغول, تفضل وكُلْ, كُلْ .
إذاً : ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾
إذاً : يجب أن تبتغي وجه الله .
لذلك: أعظم ما في الجنة رؤية وجه الله، أعظم عقابٍ في النار حجبهم عن ربهم:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ  إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[سورة القيامة الآية:22-23]
يرى المؤمن ربه كما يرى القمرَ في ليلة البدر، ويغيب من نظرة واحدة خمسين ألف عامٍ من خشية النظر .
إذاً :
﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾
في مرتبة الإيمان مرتبة, تفوق الخوف من العقاب, والسعي إلى الثواب، هؤلاء عاملون أجراء، أما المحسنون مرتبة الإحسان, اسمعوا الآن: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 133-134]
يوجد صنف آخر : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ  أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 135-136]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/20.jpg
هؤلاء عاملون بأجر وهؤلاء محسنون, شتانَ بين الفريقين، مرتبة الإحسان شيء ومرتبة الإسلام والإيمان شيءٌ آخر .
جاء في الصحيح: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
((صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا, فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلاةَ, فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ, فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أُبَيٌّ, غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ, فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ, ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ, وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ, أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي, اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ, وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ, وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى, وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ, وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ, وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ, وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ, وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ, وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ, فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ, وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ, اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإيمَانِ, وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ))
الناس يخافون من الموت، المؤمن يقول له: يا رب, إذا كانت الحياة خيراً لي فأحيني, وإذا كان الموت خيراً لي فأمتني . دعاء رائع جداً .
ترى وجهاً مُقبلاً على الله, تقول له: كالبدر، تحارُ في جماله، تحارُ في تألقه، فكيف لو نظرتَ إلى وجه النبي عليه الصلاة والسلام؟ فكيف إذا نظرَ المرء في الجنة إلى وجه الله عزّ وجل؟
أسألك لذة النظر إلى وجهك, وأسألك الشوقَ إلى لقائك, من غيرِ ضرّاءٍ مُضرة, ولا فتنةٍ مُضلة، اللهم زيّنا بزينة الإيمان, واجعلنا هداة له .
من الأحاديث الصحيحة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ, وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
أمر الله وسنّة النبي أن تكون أحبَّ إليه مما سواه، تجد نفسك بحفلة، في تقاليد معينة، طقوس جديدة استحدثت, وسنّة النبي معطلة, لا, أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواه, وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله.
لا مصلحة, ولا علاقة, ولا نسب, ولا قرابة, ولا شراكة .
ثلاث علامات؛ أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواه، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعودَ للكفرِ بعد إذ أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار .
عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: من عادى لي وَلِيّا فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ؛ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله، تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
يقال: إن لحوم العلماء مسمومة، لا أحد يتحدث عن العلماء, هؤلاء مصابيح الدنيا وسرد الآخرة, فليس من شأنك أن تقيّمهم, ولا أن تبحثَ في شأنهم, دعهم في ربهم, عليك أن تُطبقَ سنّة النبي عليه الصلاة والسلام؛ بالصدقات, بقيام الليل، بصلاة الضحى، بخدمة الضعفاء والمساكين، بحلِّ مشكلات الناس, ببذلِ كلَ ما آتاه الله عزّ وجل من قوةٍ في سبيل مرضاته http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2534/21.jpg
وإذا أحبَ الله العبد, دعا جبريل فقال: إني أحبُّ فلاناً فأحبه, فيحبه جبريل, ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه, فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القَبول في الأرض .
والدعاء الشريف: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ, وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ, اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي, وَأَهْلِي, وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
تحبُّ المال أعطاك المال، تحب زوجة تروق لك أعطاكَ إياها، تحب بيتاً واسعاً بلّغكَ إياه ، تحب منصباً رفيعاً أعطاك إياه, ماذا ستفعل به؟ .
قال: اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله قوةً لي فيما تحب.
يا ربي اجعلني أسخّر هذا المال لمرضاتك، وأسخر هذا البيتَ للدعوة إليك، وأسخر هذه المركبة لخدمة عبادك، أسخر هذا المنصب لنُصرة الضعفاء والمساكين .
اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويتَ عني ما أحب, مثلاً الزوجة وسط, لو أنها أفضل من هذه, لشغلَتكَ عن الله عزّ وجل, فاجعله فراغاً لي فيما تُحب، الدخل محدود نِعمة, معناها متفرغ لله عزّ وجل، لو أنه أعطاك كما تريد, لضاقت أوقاتك عن حضور مجلس علم .









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : الاخلاص







الإخلاص :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الرابع من سلسة دروس تعبد القلب بما ينبغي له أن يكون عليه من رضوان الله تعالى ، في درسين سابقين تحدثنا عن موضوع المحبة , وكيف أن المحبة هي روح الدين ؟ واليوم ننتقل إلى موضوع جديد ألا وهو الإخلاص .
الآية الأولى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ...........
أيها الأخوة الأكارم ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
أمِروا أن يعبدوا الله مخلصين، الحالة الداخلية هي الإخلاص, والحالة الخارجية هي العبادة . الآية الثانية : فاعبد الله مخلصا له الدين .
وآية أخرى : يقول الله سبحانه وتعالى :
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 2]
الآية الثالثة : قل الله أعبد مخلصا له ديني...........
وفي آية ثالثة :
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾
[سورة الزمر الآية: 14]
الآية الرابعة : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ..........
وفي آية رابعة :
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
[سورة المُلك الآية: 2]
الفضيلُ- رحمه الله تعالى- فسّرَ:
﴿أيّكم أحسن عملاً﴾
أن يكون العمل صواباً وخالصاً؛ صواباً وفق السُنّة، وخالصاً ما ابتغي به وجه الله . الآية الخامسة : قل إنما أنا بشر مثلكم ...........
وفي آية أخرى :
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
الإشراك هنا إشراكٌ في النيّة, فمن كان يرجو لقاء ربه, فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً, لا يشرك في قصده ولا نيّته أحداً مع الله عزّ وجل .
الآية السادسة : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ...........
وفي آية أخرى يقول الله عزّ وجل :
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 125]
فإسلام الوجهِ لله عزّ وجل إسلامٌ القصد والعمل للهِ عزّ وجل، والإحسان متابعة النبي عليه الصلاة والسلام .
آيات كثيرة كلها حولَ محورٍ واحد : أُمرتَ أن تعبد الله وأن تكون هذه العبادة في إخلاصٍ لله عزّ وجل .
انطلقت من هذا الموضوع من قول النبي عليه الصلاة والسلام:
((يا معاذُ, أخلص دينك يَكفِكَ القليلُ من العمل))
وانطلقت في هذا الموضوع من قوله تعالى : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 23]
عملٌ عظيمٌ؛ عظيم بلا إخلاص, يجعله الله هباءً منثوراً, وعملٌ قليلٌ مع الإخلاص يتقبلّه الله عزّ وجل, وربما كان هذا العمل مع الإخلاص سبباً لنجاةِ صاحبه من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرى .
يقول عليه الصلاة والسلام يخاطبُ سيدنا سعد بن أبي وقاص:
((يا سعدُ, إنكَ لن تُخلّفَ فتعملَ عملاً تبتغي به وجه الله تعالى, إلا ازددتَ به خيراً ودرجةً ورِفعةً))
[أخرجه البخاري ومسلم]
ما من عملٍ تعمله تبتغي وجه الله تعالى, إلا ازددتَ به خيراً ودرجةً ورِفعةً. المخلص وغير المخلص :
وقد يسألُ سائل كيفَ أعرفُ ما إذا كنت مخلصاً أو غيرَ مخلص ؟
هناكَ إجابات عديدة أبرزها :
أن يستوي عندك مدح الناس وذمهم , هذه علامةٌ طيبة .
أن تبتعدَ عن الرياء , معنى الرياء : أن تُرائي الناس .
علامةٌ ثالثة : ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[سورة القيامة الآية: 14-15]
لِحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل : جَعَلَ الإنسانَ مطلّعاً على نفسه , يعرف سرّها ونجواها، يعرف انحرافها واستقامتها ، يعرف إخلاصها ورياءها ، يعرف أمانتها وخيانتها ، هذا سِرٌ من أسرارِ هذه النفسِ البشرية :
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾
[سورة الليل الآية: 19-21]
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا, فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ, ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ, وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ, وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ, فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ))
فإذا أخلصتَ العملَ لله, ونصحتَ ولاة الأمور, ولَزِمتَ جماعة المسلمين, لا يمكن أن ينطوي قلبكَ على غلِّ لأحد .
النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا بعض المقاييس قالَ : (( بَرِئ من الكِبرِ من حملَ حاجته بيده))
وقالَ عليه الصلاة والسلام : ((وبَرِئ من النِفاقِ من أكثَرَ من ذِكرِ الله))
مقياس آخر : (( وبَرِئ من الشُحِ من أدى زكاةَ ماله ))
هذا مقياس رابع : (( وبَرِئ من الغلِّ من أخلصَ في العمل, ونصحَ ولاةَ الأمر, ولَزِمَ جماعة المسلمين ))
إذا لَزِمتَ جماعة المسلمين, ماذا يعني لك؟ هل عندك دليلٌ على أن جماعة المسلمين على حق؟ دائماً ما عليه مجموع المسلمين حق عليه أهلُ السُنّةِ والجماعة حق, ما أجمعَ عليه المسلمون حق, الدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا تجتمع أمتي على خطأ ))
الأمة بمجموعها معصومة، والنبي عليه الصلاة والسلام بمفرده معصوم: (( لا تجتمع أمتي على خطأ ))
إذا كنتَ مع جماعة المسلمين, مع مجموع المسلمين, مع ما هم عليه المسلمون مع جمهور العلماء, فقد بَرِئ قلبكَ من الغِلّ .
سُئلَ عليه الصلاة والسلام عن الرجلِ, يقاتل رياءً, ويقاتل شجاعةً, ويقاتل حميّةً, أيُّ ذلك في سبيل الله؟.
عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا, وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً, فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ, قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا, فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ]
موتٌ على حمية, وموتٌ على رياء, وموتٌ على شجاعة, كلها ليست في سبيل الله، من قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله, والشيء المخيف: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرَ عن أولِ من تُسعّرُ بهم النار يوم القيامة، قالَ عليه الصلاة والسلام: قارئ القرآن إن رآى بقراءة القرآن، والمجاهد الذي يجاهد حميةً أو شجاعةً أو رياءً، والمتصدقُ بماله الذي يبتغي من صدقته, أن يقول الناس: فلان فعلَ كذا وكذا .
الذين فعلوا ذلك ليقال: هذا قارئٌ, وفلان شجاع, وفلان متصدق, ولم تكن أعمالهم خالصة لوجه الله. الإخلاص :
لماذا اخترتُ موضوع الإخلاص؟ لأنه موضوعٌ خطيرٌ جداً، قد يكون لكً عملٌ كالجبال, ولكن تبتغي به الدنيا, تبتغي به السُمعة, تبتغي به الوجاهة, تبتغي به أن تصرفَ وجوه الناس إليك, تبتغي به المديح, تبتغي به الرِفعة .
موضوع المحبة موضوعٌ خطير, وموضوع الإخلاصِ موضوعٌ أخطر .
الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية يقول : (( أنا أغنى الأغنياء عن الشِرك, من عَمِلَ عملاً أشرَكَ فيه غيري, فهو للذي أشركَ فيه, وأنا منه بريء ))
يعني هذا العمل أكثره لله وقليل منه لزيد أو عبيد، الله سبحانه وتعالى كلُّ هذا العمل لا يقبله, سهمين من مائة لزيد أو عبيد و 98 سهم لله, هذا العمل عند الله كله مرفوض .
إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً, والطيبُ هنا ما كانَ العملُ خالصاً لوجه الله تعالى, لذلك القصد أن ننتبه لقلوبنا، أن نتفحصَ أعمالنا، أن ندققَ في نوايانا، أن نتفحصَ نفوسنا، أن نتأملَ الغايات البعيدة التي وراءَ أعمالنا .
في حديثٍ قدسيٍ آخر: يقول الله عزّ وجل للمرائي يومَ القيامة: (( اذهب فخذ أجرك ممن عَمِلتَ له لا أجرَ لكَ عندنا ))
أنتَ عَمِلتَ لمن؟ لفلان؟ خذ أجركَ منه .
وفي الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا تَحَاسَدُوا, وَلا تَنَاجَشُوا, وَلا تَبَاغَضُوا, وَلا تَدَابَرُوا, وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ, وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ, وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ))
إنسان وسيم الطلعة, عريض المنكبين، ضخم الجثة، لا ينظر الله إليه, كلكم يعلم حديثَ الأحنف بن قيس الذي وصفه الواصفون, فقالوا: كانَ قصيرَ القامة، أسمرَ اللون، أحنفَ الرِجل, مائلَ الذقنِ, ناتئَ الوجنتين، غائرَ العينين، شيء من قُبيحِ المنظر, وهو مع ذلك سيد قومه, إن غَضِبَ غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيفٍ, لا يسألونه فيما غضب, وكان إذا علمَ أن الماءَ يفسد مروءته ما شربه .
إن الله لا ينظر إلى أجسامكم: مهما يكن جسمك، مهما يكن وصفك، مهما يكن طولك ، مهما يكن لونك، مهما تكن عيناكَ واسعتين، مهما يكن شكلك جذاباً، مهما يكن لباسك أنيقاً، مهما تكن العطور منك فواحة .
بعض العلماء قال: يدخل في الصرر بيتكم، مركبتكم، أثاث البيت، الحاجات الثمينة التي تقتنيها، الإمام عليٌّ كرّمَ الله وجهه, يتحدث عن علامات آخر الزمان: يكون فيه قيمة المرء متاعه, لا قيمة المرء ما يحسن. ((إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))
أعمالكم في الظاهر وقلوبكم في الباطن .
يجب أن يكون القلبُ مفعماً بالإخلاص لله عزّ وجل .
أثرٌ مرويٌ عن الله عزّ وجل في حديثٍ قدسي: ((الإخلاص سِرٌ من سري, استودعته قلبَ من أحببته من عبادي))
سر من أسرار الحق، لذلك غير المخلص بحاجة ملحّة إلى أن يستجدي الثناء, أما المخلص تشعر أنه لا يحتاج ثناءك, لأن إخلاصه لله أكسبه صِلةً مُسعدةً مع الله عزّ وجل, فهو لن يستجدي ثناء الناس ومديحهم، هذا الذي يهتم اهتماماً كبيراً لثناءِ الناسِ, في إخلاصه شائبة، في إخلاصه خلل.
ماذا قالَ العلماء عن الإخلاص؟
أحاديثُ قدسيّة , وأحاديثُ صحيحة , وآياتٌ قرآنية , تجعلُ الإخلاصَ نصف العمل , العمل له ظاهر وله باطن , في الظاهر ينبغي أن يكون وفقَ السُنّة , وفي الباطن ينبغي أن يكون مخلصاً .
قال بعض العلماء الإخلاص :
إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة .
الإنسان يدخل المسجد ليصلي , كان مع أصدقائه , يدخل معهم ليصلي , ويصلي , لكن ما أفردَ الله عزَ وجل في هذه الطاعة , صلّى حياء ، صلّى مجاملةً ، صلّى مسايرةً ، صلّى ليجلبَ مدح الناسِ له ، فأيُّ عملٍ يفعله الإنسان , يستجلبُ به مديح الناس , هذا عملٌ بعيد عن الإخلاص .
الإخلاص : إفراد الحق سبحانه بالقصدِ في الطاعة .
من تعريفات الإخلاص :
تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين.
من رآني ؟ رآني فلان , يعني حينما ينشأ في قلبِ الإنسان رغبة أن يطلّعَ الناسُ على عمله , يرتاح راحةً كبرى , هذه الراحة من ضعفِ الإخلاص .
بعضهم قال :
الإخلاص: التوقي من ملاحظة الخلقِ على نفسك .
لا يعنيك أمر الخلق لاحظوا أو لم يلاحظوا .
بعضهم قال :
من شَهِدَ في إخلاصه الإخلاص , فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص .
مرةً ثانية :
من أخطر موضوعات الدعوة إلى الله عزّ وجل ، موضوع الإخلاص , لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح متواترٍ , يُعّدُ أصلاً من أصول الدين :
عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ , وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى , فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا , أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يتزوجها , فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
قيمة العملِ تنبع من نيتك .
كما قال بعض أخوتنا الأكارم :
الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن .
من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله.
العمل يستوي في الظاهر وفي الباطن, والرياء أن يكون الظاهر خيراً من الباطن، والصدق في الإخلاص أن يكون الباطن خيراً من الظاهر, إذا استوى الظاهر مع الباطن، إذا استوت عبادتك في خلوتك كعبادتك في جلوتك, إذا استوى عملك في السر كعملك في العلانية، إذا استوى ظاهرك مع باطنك فأنت مخلص, الحد الأدنى الأساسي أن يستوي الظاهر مع الباطن، السريرة مع العلانية.
قال بعضهم :
الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق .
مشغولٌ بالله عمّا سِواه ، ومن تزيّنَ للناسِ بما ليسَ فيه سقطَ من عين الله, ولئن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله .
قيل لأحد العلماء واسمه سهل التستري: أيُّ شيء أشدُ على النفسِ؟ قالَ: الإخلاص, لأنه ليسَ للنفسِ فيه نصيب، ليس هناك شهوة الإخلاص يرويّها، ليس هناك حظُ نفسٍ الإخلاص يحققه ، الإخلاص عِبء على النفس, ربما أمرك الإخلاص أن تفعلَ شيئاً مخالفاً لرغبة النفس, النفس ترغب أن ترتفع, الإخلاص يأمرك أن تبتعد عن مواطن الرِفعة .
الإخلاص أن لا تطلبَ لعملكَ شاهداً غير الله عزّ وجل, ما دامَ اللهُ قد رآك هذا شيء كاف, ما الذي يحصل مع الناس؟ الإنسان يتمنى أن يراه الناس في أحسن حالاته، إذا صلّى صلاةً خاشعة, وشعر أن الناس رأوه يبكي, ترتاح نفسه, معنى ذلك هو يبتغي السمعة، إذا عمل عملاً صالحاً, وشعر أن أحداً علمَ هذا العمل, ترتاح نفسه.
قال :
الإخلاص أن لا تطلبَ على عملكَ شاهداً غير الله عزّ وجل ولا مجازياً سواه .
أن لا تطمع بشاهد ولا مجاز, هذا هو الإخلاص.
قال أحد العلماء :
ما أخلص عبدٌ قطُ أربعين يوماً , إلا ظهرت ينابيع الحِكمة في قلبه , وأجراها الله على لسانه .
أربعون يوماً في إخلاصٍ شديد , ترى أن الله سبحانه وتعالى أنطقكَ بالحكمة ، سددَ خطاك , ألهمك الصواب , عَمّرَ قلبكَ بالإيمان , غَمَسَكَ في سعادةٍ لا يعلمها إلا الله .
قال بعض العلماء :
إذا أخلصَ العبد , انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء .
ندخل في موضوع آخر ألا وهو تعريف الإخلاص ، ذكرنا آيات , وأحاديث صحيحة , وأحاديث قدسية , وأقوال بعض العلماء عن الإخلاص, وكيف أن الإخلاص هو نصف الدين؟ الدين عمل وحال، الحال الداخلي يجب أن يكون إخلاصاً لله عزّ وجل, والظاهر هو العمل .
قال الإخلاص : تصفية العمل من كلِّ شائبة .
تقول: هذا الحديد نسبة الشوائب فيه مرتفعة, إذاً: سعره متدنٍ, قد ينكسر، كلما قلّت نسبة الشوائب في الحديد ارتفع ثمنه، وكلما زادت هذه النسبة قلّت قيمته .
الإخلاص تصفية العمل من كلِّ شائبة .
قال بعضهم : أن لا يمازج العمل ما يشوبه من شوائب النفس .
إما طلبُ التزيّنِ في قلوب الخلق, أو طلب مدحهم، أو الهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم، أو طلب خدمتهم ومحبتهم، أو طلب قضاء حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب: أن تريد ما سوى الله بعملك . درجات الإخلاص :
الدرجة الأولى : أن لا ترى لك عملاً .
قد يكون لك عملٌ عظيم ، وما دمت تراه لك عملاً ضخماً , فهذا من عدم الإخلاص , لأنك رأيت لك عملاً مستقلاً عن الله عزّ وجل , والشيء الثابت : أن العملَ الصالح بتوفيق الله , وأنتَ في الصلاة تقرأ كلَّ يوم : إيّاكَ نعبدُ وإيَّاكَ نستعين , ولا حولَ عن معصية الله إلا بالله , ولا قوة على طاعته إلا به .
الإنسان إذا نظرَ إلى عمله , واستعظمَ عمله , وعرفَ حجمَ عمله , وباهى بعمله , وألقى الأضواء على عمله , ومنَّ الناس بعمله , وقال : أنا فعلتُ كذا وكذا , رؤية العملِ ضخماً نوعٌ من ضعفِ الإخلاص .
النبي عليه الصلاة والسلام قالَ في بعض أدعيته : اللهم أنا بك وإليك، أنا قائمٌ بك، كلُّ ما عندي من فضلك، وإليك قصدي كله إليك.
هذا الدعاء : اللهم أنا بك وإليك, يعني أنتَ قائمٌ بالله, ذكاؤك, خبراتك, أعمالك, توفيقاتك, إنفاقك, دعوتك, هذه كلها بالله, ويجب أن تكون لله, كنّ به وله, فإذا قلت: أنا بما عندي, هذه قالها قارون, قال: إنما أوتيته على علمٍ عندي, دعاءٌ مختصرٌ اختصاراً شديداً, اللهم أنا بك وإليك, الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾
[سورة الإنسان الآية: 30]
لولا أن الله سبحانه وتعالى سمحَ لك أن تكون هكذا ما كنت، لولا أن الله سبحانه وتعالى أمدك بهذا العمل لما كنت، لولا أن الله سبحانه وتعالى جمعك مع أهل الحق ما كنتَ هكذا، لولا أنه أعطاك قوة وأعطاك مالاً ما كنتَ هكذا .
حينما تنظر إلى عملك فهذا ضعفٌ في إخلاصك، أما إذا فنيتَ عن رؤية عملك, ورأيت أن هذا العمل العظيم الذي أجراه الله على يديك, إنما هو محض فضلٍ من الله عزّ وجل, هذا بعض ما في الإخلاص من معنى .
يقول عليه الصلاة والسلام في بعضِ الأحاديث الشريفة:
((إذا أراد ربك إظهارَ فضله عليك, خلقَ الفضلَ ونَسبه إليك))
واحد قالَ كلمة أعجبتني قال: المؤمن صفيحة ذهب, فإذا ظنَّ أنه ممتلئٌ ذهباً, أُفرغت هذه الصفيحة من الذهب, فبقيت صفيحة, فإذا عزى الفضل إلى صاحبه, وهو الله سبحانه وتعالى, بقي هذا الذهب في هذه الصفيحة, وكان ثميناً جداً, يعني أنتَ بفضلِ الله لا بفضلك، بقوة الله لا بقوتك، بعلم الله لا بعلمك, ماذا قال الله عزّ وجل تأكيداً لهذا المعنى؟ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 21]
آية واضحةٌ كالشمس :
﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدٍ أبداً ولكن الله يزكّي من يشاء﴾
أخلاقك العليّة الرضيّة, صلاتك المتقنة، تهجدك، إقبالك، ذِكرك، عملك الصالح، دعوتك إلى الله، قوة تأثيرك في الناس، هذا فضلٌ من الله عزّ وجل، فإذا رأيته منك, فهذه الرؤيا فيها ضعفٌ في الإخلاص، آية ثانية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 21]
هذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 7]
إنسان له عمل، الله عزّ وجل أجرى على يده الخير، وكان هذا العمل صالحاً، ورأى هذا العمل من جهده, ومن ذكائه, فقد ضَعُفَ إخلاصه, قال: كمن يرى أنه جميل الصورة, هو لم يخلقَ نفسه, لا, هذا من فضل الله عليه .
الإنسان مما يُضعفُ إخلاصه, أن يطالبَ الله بجزاءٍ على عمله: يا رب هكذا فعلت يا رب؟ أين الجزاء؟ أين الثواب؟ أين رحمتك؟.
مثل لطيف وإن كان مبالغ به، دائماً في الأمثلة, ينبغي أن تكون الأمثلة حادةً أحياناً, والقصة وقعت: إنسان ذهبَ ليلقي قمامته في الحاوية, فإذا في الحاوية كيسٌ أسود, فيه حركة, أطلَّ على هذا الكيس, وأمسكه, فإذا غلامٌ صغير, وُلِدَ لتوه, أخذه من الحاوية, وتوجّه به إلى مستشفى, ووضعه في حاضنة, واعتنى به عنايةً فائقة, ثم جلبه إلى البيت, وأحسنَ رعايته وتربيته, إلى أن صارَ هذا المولود طفلاً, وكَبُرَ الطفلُ, وأدخله في أفضل دار حضانة, ونقّله إلى مدرسة ابتدائية, ثم إلى إعدادية, وثانوية, وأنفقَ عليه, حتى حصّلَ أعلى شهادات, وصارَ طبيباً, ولم يكتفِ أن يكون طبيباً, أرسله إلى بلادٍ غربيّةٍ, وحصّلَ أعلى شهادات الطب, وفتحَ هذا الطبيب عيادةً, وأقبلَ الناس عليه, ونما دخله كثيراً, واشترى بيتاً فخماً, ومركبة فارهة, وصار له اسمٌ لامع, وصيتٌ ذائع, ومرةً شعرَ وليُّ نعمته, الذي رباه, الذي التقطه من الحاوية, شعرَ بألم في أمعائه, فتوجّه إلى هذا الطبيب الذي رباه, وعالجه الطبيب, وشخّصَ له المرض, وصفَ له الدواء, وخطرَ في بالِ هذا الطبيب, أن يأخذَ أجراً من سيده ومولاه وربيب نعمته، أليسَ تفكير هذا الطبيب أن يأخذَ أجرةً من هذا الإنسان بالذات جريمة؟ فهذا الذي يطالب الله بجزاءِ عمله ضعُف إخلاص:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 1]
يؤكّد هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام في معركة مؤتة, أرسلَ إليها جيشاً, وعلى رأسه زيد بن ثابت, فإذا قُتلَ زيد, فالقائد جعفر, فإذا قُتلَ جعفر, فالقائد عبد الله بن رواحة, ما الذي حصل؟ حينما دارت رحى المعركة سريعاً, ما سقطَ سيدنا زيد شهيداً, أخذَ الراية منه سيدنا جعفر, وسريعاً ما سقطَ شهيداً, جاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة, وكان شاعراً, ورأى صاحبيه تساقطاً تِباعاً بسرعةٍ بالغة, يبدو أنه تردد وقال :
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ
إن تفعلي فعلهما رضيتِ وإن توليـــتِ فقد شقيتِ
ثم أخذَ الراية فقاتلَ بها حتى قُتل .
نريد من هذه القصة: أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بلغه النبأ, جمعَ أصحابه, وقالَ لهم: أخذَ الراية أخوكم زيد, وقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذَ الراية أخوكم جعفر, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامه في الجنة, وسكتَ النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سكتَ النبي عليه الصلاة والسلام, قَلِقَ أصحابه على عبد الله بن رواحة, قالوا: يا رسول الله! ما فعلَ عبدُ الله؟ قالَ: ثمَّ أخذَ الراية أخوكم عبدُ الله, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه .
مرتبته هبطت درجة, لأنه تردد ثلاثين ثانية، تردد, لا في إنفاق ماله، لا في أن يذهبَ معكَ ليخدمكَ في موضوعٍ ما، ما تردد ليستقبلكَ في بيته، تردد في بذلِ نفسه في سبيل الله، ومع ذلك هبطت مرتبته درجة.
لذلك: هذا الذي يريد من الله تعويضاً على استقامته، وعلى إخلاصه، وعلى عمله، وعلى دعوته، وعلى بذله, إذا أردتَ تعويضاً من الله عزّ وجل على عملك, فهذا يقدحُ في إخلاصك, هيّ نقطة ثانية: أنتَ في خدمة خلقِ الله عزّ وجل لأنك عبدٌ له .
الإنسان حينما يرضى عن نفسه، وحينما تُعجبه نفسه، وحينما يرتاح لها، وحينما يثني عليها, وحينما ينزهها، وحينما يعتقد فيها العِصمة، وحينما يعتقد فيها الكمال، هنا قد قُدحَ في إخلاصه, لأنَ الناسَ جميعاً عدا النبي عليه الصلاة والسلام ليسوا معصومين، ما من واحدٍ إلا وله نقطة ضعفٍ, والدليل:
أنَّ أحدَ التابعين رِضوان الله عليهم قالَ: التقيتُ بأربعين صحابياً, ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً, هؤلاءِ أصحاب رسول الله, الذين رضيَ الله عنهم, والذين كانوا مع رسولِ الله في السرّاءِ والضرّاء، في المنشطِ والمكره، الذين ذللوا الغالي والرخيص, والنفسَ والنفيس، ومع ذلك قالَ أحد التابعين: التقيتُ بأربعين صحابياً, ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً, لِعِظمِ حق الله عليهم, فإذا رضي الإنسان عن نفسه, وأعجبته نفسه, وأثنى على نفسه, ورأى نفسه إنساناً متفوقاً, هذا مما يقدحُ في إخلاصه .
أشياء ثلاثة تقدحُ في إخلاص الإنسان، الشيء الثالث أن تعجبه نفسه، أن يُثنى عليه، أن يبرئها, أن لا يتهمها، وأما السلفُ الصالح فكانوا يتهمونَ أنفسهم, ويحسنون الظنَّ بغيرهم, هذه أخلاق المؤمن, إن رأيتُ قد ألمّت بأخي مصيبة أُحسن الظنَّ به, قل: هذه مصيبة رفعٍ، وإن ألمّت بيَّ مصيبة أتهمُ نفسي, أما العكس: العكس غير صحيح، إن ألمّت بيَّ مصيبة أُبرئ نفسي، وإن ألمّت مصيبةٌ بأخي أتهمه, هذا ليسَ من الدين في شيء .
والشيء الثاني: أن تُطالبَ الله بأجرةٍ على عملك, وكأنك لا تعرفُ فضله عليك: ﴿هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾
والشيء الأول: أن تلاحظَ عملك, أن تكون معتداً به, مفتخراً به، عملك بارزٌ أمامك، تثني عليه, أو تنتظرُ الثناء عليه .
هذه الأشياءُ الثلاثة تقدحُ في إخلاصِ العبدِ مع ربه سبحانه وتعالى. عمر بن الخطاب :
الحقيقة: قد نقف مشدوهين أمام عمر, ثاني الخلفاء الراشدين، سيدنا عمر عملاق الإسلام، سيدنا عمر حينما كان مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما في المدينة, يطوفان في أسواقها في الليل, رأيا قافلةً قد حطت رحالها في بعض أطراف المدينة, قالَ: يا عبد الرحمن, تعالَ نحرس هذه القافلة لوجه الله تعالى, فوقفا يحرسانها, يبدو أن طفلاً صغيراً بكى, فتوجه عمر إلى أمه, وقال: يا أمة اللهَ أرضعي طفلك، بعدئذٍ بكى مرة ثانية, توجه إليها, وقالَ: يا أمة الله أرضعي طفلكِ، بكى مرة ثالثة فغضب, وكان غضوباً حاداً.
-النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((الحِدةُ تعتري خيارَ أمتي))
توجه إلى هذه المرأة وقالَ: يا أمةَ السوء أرضعي ولدكِ, فقالت: دعنا يا رجل ما شأنك بنا؟ إنني أفطِمه، قالَ: ولِمَ تفطمينه؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعدَ الفِطام -المعاش التقاعدي, التعويض العائلي, لا يستحق عند عمر إلا بعدَ الفِطام, إني أفطِمه- قال: يروي التاريخ: أن عمرَ بن الخطاب صاحَ صيحة صُعِقَت الناسُ، قال: ويحك يا بن الخطاب, كم قتلتَ من أطفال المسلمين؟ وقال لها: تعالي غداً, وأصدرَ أمراَ أنَّ العطاء للأطفال يُصرفُ عِندَ الولادة لا بعدَ الفِطام .
ويروي أصحابه: أنه صلّى بهم الفجر, فما استطاعوا أن يفهموا الآيات التي قرأها, لشدة بكائه, وكان يقول لربه: هل قَبِلتَ توبتي فأُهنئ نفسي, أم رددتها فاُعزيّها؟.
ولما جاءه رسولٌ من أذربيجان, هذا الرسول -كما تعلمون- كره أن يطرقَ بابه ليلاً, فتوجه إلى المسجد, فإذا في المسجد رجلٌ يصلي ويبكي, قالَ: من أنتَ يرحمك الله؟ قالَ: أنا عمر, قالَ: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ قالَ: أنا إن نِمتُ ليلي كله أضعتُ نفسي أمام ربي, وإن نِمتُ نهاري أضعتُ رعيتي, بقي معه حتى أذّنَ الفجر, وصلّى معه, وأخذه إلى البيت, وقال: ما الذي أقدمك إلينا؟ قال: يا أمير المؤمنين, معي هدية من عاملك على أذربيجان, فتحها عمر, فإذا بها طعامٌ نفيس, أكلَ لُقمة واحدة، قالَ: يا هذا, هل يأكلُ عندكم عامةُ المسلمين هذا الطعام؟ قالَ: لا, هذا طعام الخاصّة, فقال: حرامٌ على بطنِ عمر أن يذوقَ حلوى لا يطعمها فقراء المسلمين, والقصص التي تروى عن هذا الخليفة الراشد كثيرة جداً . مرةً جاءه ملك, جَبَلَة مَلِكٌ في الجزيرة, مَلِكٌ غساني, جاءه مسلماً، طبعاً رحّبَ به, وأسلمَ هذا الملك, وطافَ بالكعبة, فجاءَ بدويٌ داسَ طرفَ إزاره, فلما داسَ طرفَ إزاره, وهو لا يدري ولا يقصد, انخلعَ عن كَتِفه إزاره, فالتفتَ إلى هذا البدوي الملك جَبَلة, وضربه ضربةً هشمّت أنفه, هذا البدوي ليسَ له إلا عمر, توجه إليه, وقالَ: يا أمير المؤمنين, فلان لطمني هذه اللطمة, وهشمَّ أنفي, خذّ لي الحقَ منه، طلبه عمر, في إنسان صاغ هذا الموقف صياغةً أدبيّةً, قال له:
أصحيح ما ادعّى هذا الفذاريُّ الجريح؟
قالَ جَبَلَة:
لست ممن يكتم شيئاً أنا أدبّتُ الفتى أدركتُ حقيّ بيديَّ
قالَ عمر:
أرض الفتى لا بد من إرضائه ما زال ظـفرك عابئٌ بدمائه
أو يهشمـــنَّ الآن أنـفكوتنـــالَ ما فعــلته كفك
قالَ:
كيفَ ذاك يا أمير المؤمنين؟
هو سوقةٌ وأنـا عرشٌ وتاج
كيفَ ترضى أن يَخِرَّ النجمُ أرضاً؟
فقالَ عمر:
نزوات الجاهلية ورياح العنجرية قد دفناها
أقمنا فوقها صرحاً جديداً
وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً
فقالَ جَبَلَة:
كانَ وهمــاً ما جــــرى في خَلدي
أنني عنـــدكَ أقوى أعز
أنا مرتدٌ إذا أكرهتني
فقالَ عمر:
عُنُقُ المرتدُ بالسيفِ تُحزعالمٌ نبنيه كلُّ صدعٍ فيه بشبا السيفِ يداوى
وأعزُّ الناس بالعبدِ بالصعلوكِ تساوى
هذا موقف .
ولمّا امتحنَ أحدَ ولاته, وقالَ: يا فلان, ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ قالَ: أقطعُ يده, قالَ: إذاً: فإن جاءني من رعيتكَ من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك, إن الله قد استخلفنا عن خلقه, لنسدَ جوعتهم, ونسترَ عورتهم, ونوفّرَ لهم حِرفتهم, فإن وفيّنا لهم ذلك, تقاضيناهم شكرها, إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل, فإذا لم تجد في الطاعةِ عملاً, التمست في المعصيةِ أعمالاً, فاشغلها بالطاعة قبلَ أن تَشغلكَ بالمعصية .
طبعاً: هذه بعض المواقف, وله مواقف لا يعلمها إلا الله, كان عملاق الإسلام, ليسَ هذا الموضوع, هذا الموضوع تعرفونه, ولكن علاقة هذه القصص بهذا الدرس: كيف يقول عمر: ليتَ أمَّ عمر لم تلد عمر, ليتها كانت عقيمة؟ كيف يقول عمر: أتمنى أن أقدُمَ على ربي لا ليَّ ولا علي؟ لأنه كانَ مخلصاً لله, لأنه رأى عِظم حقِّ الله عليه، عِظم حقِّ الله عليه مهما عبده، مهما أخلص له، مهما بذلَ من وقته، مهما بذلَ من جهده، مهما بذلَ من ماله، لا يؤدي شيئاً من حقِّ الله عليه .
هذا الذي يمنُّ على الله عزّ وجل ما عَرَفَ الله, ما ذاقَ طعمَ الإخلاص:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 17]
إذا أطلق الله لسان الإنسان بالحق, إن كان مخلصاً يقول: يا ربي لك الحمد, الذي سمحت لي أن أقولَ عنك كلاماً طيباً، يا ربي لكَ الحمد, سمحتَ لي أن أكون من عبادك الصالحين، يا ربي لكَ الحمد والشكر على أن قيّضت ليّ من يهديني سواء السبيل, هذا المخلص، أما الذي يدلُّ بعمله يقول: أنا فعلت, هذا بعيد عن أن يكون مخلصاً لله عزّ وجل .
الذي يعنينا أن نكونَ مخلصين لله عزّ وجل في كلِّ أعمالنا, لأن الله عزّ وجل طيبٌ ولا يقبلُ إلا طيباً, وإن الله أمرَ المؤمنينن بما أمرَ به المرسلين .
ومرةً ثانية: علامة الإخلاص: أن يستوي العمل في السرِّ والعلانية, في الباطن والظاهر, العلامة الثانية: أن يستوي المدح والذم عندك:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غِضابُ
وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمـين خراب
إذا صحَّ منك الوصل فالكلُّ هيّن وكل الذي فوقَ الترابِ ترابُ
العلامة الثالثة: ألا تطلبَ شهوداً على عملك إلا الله, وألا تطلب الجزاء على عملك إلا الله, لست محتاجاً لمن يشهد لك عملك.
أحدهم ذهب إلى المسجد, عنده مال, وينوي أن يذهب إلى الحج, فقال: أدخل المسجد, وأتفحص وجوه المصلين, أيهم كان أشدَ خشوعاً أدفعُ له هذا المال, وقف في زاوية, وتأملَ وجوه المصلين, فرأى أحدهم يعصر نفسه, ويغمض عينيه, ويتطامن, أعجبه خشوعه, فتوجه إليه بعد الصلاة, وقال: أنا واللهِ أحببت صلاتك, ومعي مالٌ أريد أن أودعه عندكَ, لأنني ذاهبٌ إلى الحج, قالَ له: وأنا أيضاً صائم سيدي, فقال له: صيامك لم يعجبني .
أنا ألبي رغبة كل أخواننا, يصرّ بعضهم ألا يدفع مبلغاً للمسجد, حتى توضع رخامة باسمه، المحسن الكبير فلان الفلاني, أنا أعاني هذا, لا يقبل إلا بلوحةٍ عليها اسمه, هذا ضعفٌ في الإخلاص، الله عزّ وجل رآك ماذا فعلت, وعَلِمَ فعلك, وما تفعل من خيرٍ يعلمه الله .
العلامة الرابعة: أن تؤثره على كلِّ ما سِواه، العلامة الخامسة: الخلق كلهم عنده سواسية, والله سبحانه وتعالى هو قصده ومبتغاه .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-17-2018, 02:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس )


الموضوع : العلم







منزلة العلم :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الخامس من دروس جامع العثمان، ندخل الآن في موضوعٍ جديد, أو منزلةٍ جديدة من منازل: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, ولا أبالغ إذا قلت: إنها من أرقى المنازل، إنها منزلة العلم .
الله سبحانه وتعالى ما اعّتمد في قرآنه الكريم إلا قيمة العلم، هناك قيمة المال, وقيمة القوة, وقيمة الصحة, وقيمة الغِنى, وقيمة الجمال, كلُّ هذه القيّم ما اعّتمدها الله عزّ وجل للترجيح بين خلقه، لكن قيمة العلمِ وحدها كانت معتمدةً في القرآن الكريم, حيث قال الله عزّ وجل:
﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
إنها من أرقى المنازل, هذه المنزلة إن لم تصحب السالكَ من أول قدمٍ, يضعها على طريق الإيمان حتى تنتهي به الطريق, فهو على غير طريق, إن شبهنا طريق الإيمان بطريق معبّدة وطريق غير الإيمان, طريقٌ ترابية, فما لم يعتمد سالكُ طريق الإيمان العلمَ, والعِلمَ وحده, فهو على غير الطريق .
يجب أن نؤمن أنَّ هناكَ طريقاً إلى الله, ليس هناك طريقٌ أخرى, إنها طريقُ العِلم, لأن الله سبحانه وتعالى يقول مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام يقول:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
[سورة طه الآية: 114 ]
لم يقل: زدني مالاً، ولا زدني شأناً، ولا زدني وجاهةً.
الإمام الجُنيد من كبار أئمةِ الدين, مشهودٌ له بالعِلمِ والفضل, له كلمةٌ دقيقة يقول: الطرقُ كلها مسدودة على الخلق, إلا على من اقتفى آثارَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, يعني أيُّ طريقٍ إلى الله عزّ وجل دون أن تقتفيَّ أثرَ النبي عليه الصلاة والسلام, هذه الطريق ليست سالكة إنها مسدودة, ويقولُ أيضاً: مذهبنا هذا مقيدٌ بأصول الكتاب والسُنّة .
أنتَ معك كتاب ومعك سُنّة، هما منهجاك إلى الله عزّ وجل, توزن أفعالك وأحوالك بالسنة، هذا الفعل مطابقٌ للسُنّة، أقرّه النبي، فعله النبي أم لم يفعله, يجب أن تتخذ من السُنّةِ ميزاناً لأفعالك .
هذا الشعور بأنني غير هؤلاء الناس، أنا فوقهم، هذا الشعور سوي؟ هذا الشعور صحي أم شعور مرضي؟ يجب أن تزين أفعالكَ وأحوالكَ بالكتاب والسُنّة، إذا كنتَ حريصاً على آخرتك, إذا كنتَ حريصاً على سعادتك، على نجاتك, كيف تزين أفعالكَ وأحوالكَ بالكتاب والسُنّة إن لم تعرف الكتاب والسُنّة؟ هما الميزان.
فمعرفة الكتاب والسُنّة شرطٌ أساسي, لتستخدم الكتاب والسُنّة ميزاناً في أفعالكَ وأحوالك.
ومن لم يتهم خواطره فلا يعدُ في ديوان الرجال، يعني ما كلُ خاطرٍ يأتيك حق، ما كلُ خاطر يَرِدُ عليك موافقٌ للكتاب والسُنّة، يجب أن تزين الخواطر، أن تزينَ الأقوال، أن تزينَ الأفعال، أن تزينَ الأحوال، الأفعالُ والأحوالُ والأقوالُ والخواطر .
ومن شروط التوبة: العلم, كيف تعرفُ أن هذا ذنب؟ كيف تتوب من ذنبٍ لا تعرفه ذنباً؟ مستحيل, إنسان يتوب من ذنب لا يعرفه أنه ذنب .
أولُ مرحلةٍ من مراحل التوبة: العلم، أن تعلم الحلال والحرام، ما يجوز وما لا يجوز، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يصح وما لا يصح، ما هو مقبول عند الله وما هو غير مقبول.
يقول بعض العلماء: كلُّ فعلٍ يفعله العبدُ بغيرِ اقتداءٍ فهو عيشِ النفسِ، إما أن تكونَ مع رسول الله وإما أن تكون مع هواك، إذا فعلت، تصرفت، فكرت، جاءتك الخواطر، جاءتك المشاعر، ولم تزنها بالكتاب والسُنّة, فهذه من رعونات النفس ومن حظوظ النفس .
جهتان لا ثالثَ لهما: إما أن تكونَ مع الكتاب والسُنّة مع منهج الله عزّ وجل, وإما أن تكونَ مع هواك, فكلُّ فعلٍ يفعله العبدُ بغيرِ اقتداءٍ فهو عيشِ النفسِ، أنتَ مع حظوظِ نفسك، مع رعوناتِ نفسك، مع مطالبِ نفسك .
ويقول بعض العلماء: من عملَ عملاَ بلا اتباعِ سُنّة فباطلٌ عمله .
يتضح من هذه الأقوال أنه لا بد من معرفة السُنّة، لا بد من قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنَّ كلَّ موقفٍ من مواقفه, وكلَّ تصرفٍ من تصرفاته, إنما هو تشريع لنا، فأقواله وأفعاله وأحواله وإقراراته, هذه كلها العلم بها فرضُ عين, لأنها المنهج .
قالَ بعضهم: الصحبة مع الله عزّ وجل بحسنِ الأدبِ, ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله باتباعِ سُنّته, ولزومِ ظاهر العلمِ، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة، ومع الأهل بحسن الخلق، ومع الأخوان بدوام البِشر، ومع الجهالِ بالدعاءِ لهم بالرحمة، ومع الحافظيّن بإكرامهما واحترامهما، ومع النفسِ بالمخالفة، ومع الشيطان بالعداوة .
قالَ بعضهم: من أمّرَ السُنّة على نفسه قولاً وفعلاً نطقَ بالحِكمة, ومن أمّرَ الهوى قولاً وفعلاً نطقَ بالبِدعة، إذا أمرّتَ الهوى, وكلُّ بدعةٍ ضلالة, وكلُّ ضلالةٍ في النار، يؤكدُ هذا قول الله عزّ وجل :
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾
[سورة النور الآية: 54]
آيةٌ قطعية الدلالة,
﴿إن تطيعوه تهتدوا﴾
يعني طاعة النبي عليه الصلاة والسلام هي الهدى .
بعضهم قال: العِلمُ قائد والخوفُ سائق، الخوف يدفعكَ إلى بابِ الله, والعِلمُ يقودكَ إلى الله، والنفسُ حرونٌ بينَ ذاكَ وذاك، النفس حرون وجموح وخدّاعة وروّاغة فاحذرها, وراعِها بسياسة العلم, وسُقها بتهديد الخوف, يتّمُ لكَ ما تريد .
الإنسان إذا قاده العِلمُ إلى الله, أراحه الله من المصائب, فإن لم يقده العلم إلى الله, سخّرَ الله له بعض المصائب, كي تدفعه إلى باب الله, يعني إما أن تأتيه طوعاً وإما أن تأتيه كرهاً، إما أن تأتيه بدافعٍ من إيمانك به, وإما أن تأتيه بدافعٍ من خوفك منه، إن أتيته بدافعٍ من إيمانك, هذا أرقى لكَ عند الله عزّ وجل من أن تأتيه بدافعٍ من خوفك .
وكما يقول بعض العلماء: صيدلية الله عزّ وجل أدويتها كثيرةٌ جداً جداً جداً, من ملايين الأبواب يمكن أن تصبح الحياة جحيماً لا يطاق، لذلك الإنسان حينما يقوده العِلمُ, الله سبحانه وتعالى يطمئنه, فإذا اطمأن على جهله, واطمأنَ على انحرافه, عندئذٍ يدفعه الخوف إلى باب الله عزّ وجل .
بعضهم يقول: ما لنا وللعِلم، نحن نأخذُ علمنا من الحيّ الذي لا يموت, وأنتم تأخذونه من حيٍّ يموت، عِلمنا من الله مباشرةً, وعِلمكم من أشخاصٍ يموتون، عِلمنا عِلمُ نبعٍ وعِلمكم عِلمُ جمعٍ .
قيلَ لأحدهم: ألا ترحلوا حتى تسمعَ من عبد الرزاق؟ فقالَ: وما يصنعُ بالسماعِ من عبدِ الرزاق من يسمع من الخلاّق .
هناك أشخاصٌ يحتقرون معرفة الكتاب والسُنّة، ما أفعل بهذا؟ أنا ليَّ مشربٌ مباشر من الله عزّ وجل أستقي منه علمي .
هناك من يقول: إن هذا الكلامَ جهلٌ وكلامَ شيطاني, فلولا هؤلاء الذين نقلوا لك أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, هل كنتَ تعرف سُنّته؟ هذه العبادات التي بيّنها النبي وفصلّها, أنّى لكَ أن تعرفها, لولا أنها نُقلت إليك ورويت لك؟ فهذا الذي يقول: أنا أستغني عن كلِّ علمٍ ظاهريّ, وأنا قلبي موصولٌ بالله عزّ وجل, هذا كلامٌ غير صحيح .
لذلك قالوا: من أحالكَ على غير من أخبرنا وحدثّنا, فقد أحالكَ إما على خيالِ صوفيٍ, أو على قياسِ فلسفيٍ, أوعلى رأيٍ نفسي, أنتَ ماذا تريد؟ تريد دين الله عزّ وجل, تريد شرعه, تريد قرآنه, تريد سُنّة نبيه, فإذا ألغيتَ الكتابَ والسُنّة, أنتَ مع من؟ مع خيال, مع طيف, مع تجاوز, مع قياس فلسفي, مع رأي نفسي, وأنتَ لستَ مع الكتابِ والسُنّة.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 32 ]
هناك عِلمٌ وهناك حال، العلم أن تعرف الله عزّ وجل، أن تعرف ربوبيته، أن تعرف ألوهيته، أن تعرف وحدانيته، أن تعرف أسماءه الحسنى، أن تعرف صفاته الفضلى، هذا هو العلم، أن تعرف أمره ونهيه، أن تعرف حدوده، أن تعرفَ في كلِّ موقف: ماذا ينبغي لكَ أن تفعل؟ هذا هو العلم, وأما الحال أن تشعر بمشاعر مسعدة .
أيهما خير العِلمُ أم الحال؟ أجابوا عن هذا السؤال, بأن نفعَ الحال لا يتعدى صاحبه, هو مسرور وحده، لكن ربنا عزّ وجل قال :
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 120]
بينَ أن تكونَ في قلوبِ الآلاف, بين أن يكون أثركَ في قلوبِ المئات والآلاف المؤلفة, بينَ أن يكونَ عِلمكَ قد انتشرَ بين الناسِ كلهم فاستفادوا منه، وبين أن تستمتع وحدك ولا أحدَ معك بهذا الحال .
فقالوا: الحالُ لا يتعدى صاحبه، أما العِلمُ كالغيثِ, يقعُ على الوديان, والآكام,ِ ومنابت الشجر، العِلم عام بينما الحال خاص، خاصٌ بكَ وحدك, لا ينتقل إلى أهلك, ولا إلى أولادك, ولا إلى جيرانك, ولا إلى أيّةِ جهةٍ أخرى، لكنَ العلم نفعه عميم .
ويقولون أيضاً: دائرة العلم تسعُ الدنيا والآخرة, أما دائرة الحال تضيق عن غير صاحبها, وربما ضاقت عنه .
سُميَّ الحالُ حالاً, لأنه يتحول, ليس مضموناً, ليس ثابتاً, لا تستطيع أن تنقله للآخرين, ولا تستطيع أن تصرفه, ولا يمكن أن تبيعه, ولا أن تقدمه, شيء خاصٌ بك، لكن الذي يتعلم يؤتيه الله حالاً, لأن الحال ثمرة من ثمار طاعة الله عزّ وجل, إذا أطعته طاعة تامة. ((من عَمِلَ بما علم, أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم))
إذا أطعتَ الله عزّ وجل في كلِّ شؤونك، في كلِّ حركاتك وسكناتك، عندئذٍ يتوج الله لكَ هذه الطاعة بحالٍ طيب تسعدُ به, أما إذا بحثتَ عن الحال وحده وسعيتَ إليه, وأهملتَ ما سواه من العلم والمعرفة والعملِ, فهذا الحال لا ينفعك, ولا يغنيك من الله شيئاً .
ويقولون أيضاً: العلمُ هادٍ والحال الصحيح مهتدي به، كلّ إنسان إذا حقق هدفه, يشعر بحال مسعدة, حتى إن اللصَ لو سرقَ مالاً كثيراً, ورأى أن هذا العمل عادَ عليه بمبلغٍ كبير, يشعر بنشوة .
الحال في تعريفه الدقيق: حينما تصبو إلى شيء وتحققه, تشعر براحة، هذه الراحة ميزانها العلم, إذا صبوتَ إلى حقٍ, وحصلّته, وارتحتَ مع الحق, فالعلم يقول لك: هذا حال طيب, أما إذا فعلتَ شيئاً منكراً, وحققته بالتمام والكمال, وشعرت براحة الإنجاز, هذا الحال غير صحيح, هذا حال غير حالَ أهلِ الإيمان .
يعني أنتَ بالعلم تعرف ما إذا كان هذا الحال رحمانياً أو شيطانياً، أما أن يأتي الإنسان حالة سرور هذه ممكنة، إذا جاءت حركتك اليومية موافقةً لمهمتك تشعر براحة، إذا سافرت إلى بلدٍ أجنبي لتعقد صفقة رابحة, ورأيت البضاعة مناسبةً, وسعرها مناسباً جداً, ووقعّتَ العقد ، ساحَ خيالكَ بالأرباح الطائلة التي سوف تجنيها, من هذه البضاعة تشعر براحة كبيرة، تشعر بسرور، هذا السرور يقيّم بالعلم .
والعلم تَرِكةُ الأنبياءِ وتراثهم، الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً, ولكن ورّثوا هذا العلم, فمن أخذَ منه أخذَ بحظٍ وافر .
العلم تراثُ الأنبياء، والذي يتعلم العِلم هو من أهلهم, ومن عصبتهم, ومن مرّاتهم، سلمان منّا آلَ البيت، نِعمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله يعصه، من هم أهل الله؟ الذين تعلموا القرآن, وعرفوا عظمته, وعرفوا أحكامه، العلمُ حياة القلوب، القلب لا يحيا إلا بالعلم، العلم نور البصائر، الله عزّ وجل سمّى كتابه نوراً مبيناً، العلم شِفاءٌ للصدور، إذا عرفتَ هذا الحكم ، إذا عرفتَ أن هذا العمل يرضي الله, هذا لا يرضيه, تشعر براحة، ما دام عملكَ يقع موافقاً لمنهج الله عزّ وجل, هناكَ راحة كبيرة .
العلم رياض العقول، الإنسان عقل ونفس وجسد، العقل غذاؤه العلم، والجسد غذاؤه الطعام والشراب، والقلب غذاؤه الحب, فإذا لم تتعلم حصل هناك عرج, اختلال في التوازن، العلمُ لذّةُ الأرواح, من ذاقَه عرف, ما من شيء أحبُّ إلى المؤمن من مذاكرةِ العلم، العلم أُنسُ المستوحشين، العلم دليل المتحيرين، العلم هو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال، العلم هو الحاكم المفرّق بين الشكِ واليقين, والغيِّ والرشاد, والهدى والضلال، بالعلم يُعرفُ الله، بالعلم يُعبدُ الله، بالعلم يُذكر الله، بالعلم يوحّدُ الله، بالعلم يحمد، بالعلم يمجّد، بالعلم اهتدى إلى الله السالكون، من طريق العلم وصلَ إليه الواصلون، من باب العلم دخلَ عليه القاصدون . أنا أقول لكم: ما من عملٍ أجلُّ وأعظمُ وأخطرُ في حياتكم من طلب العلم، وأيُّ علمٍ هذا ؟ معرفة الله عزّ وجل، وكيف تعرف الله عزّ وجل؟ يجب أن تعرف القرآن الله عزّ وجل, يقول:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 1]
الكتاب يعدل خلقَ السموات والأرض، الكون كله في كفة والكتاب في كفة، لذلك إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالبِ العلم رِضىً بما يصنع، بالعلم تُعرف الشرائع والأحكام، بالعلم تميّز الحلال من الحرام, بالعلم تصل الأرحام، بالعلم تعرف مراضي الحبيب، بالعلم تكون إلى الله قريب، العلم هو كلُّ شيء، الطريق السالك الوحيد إلى الله عزّ وجل أن تعلم، أن تعرفه، أن تعرف كتابه، أن تعرفَ سُنّة نبيه، أن تعرف الأحكام الشرعية، أن تعرف سيرة سيد المرسلين ، لذلك حينما تنكشف الحقائق, وحينما يُكشف الغطاء, لا يندم الإنسان في حياته كلها, إلا على ساعةٍ مضت, لم يتعرّف إلى الله فيها، وقلت لكم دائماً: إن أبواب الدنيا مغلّقة, ولا تدخلها إلا بمبلغٍ كبير, لكن أبواب الحق مفتّحة لكلِ داخل, وبلا أجر, وبلا صعوبات, وبلا عقبات .
العلم إمام والعمل مأموم، لا يمكن أن يصحَّ عملك إلا إذا صحَّ علمك، لا يمكن أن يصلحَ عملك إلا إذا صلحت عقيدتك، العلم إمام والعمل مأموم، العلم قائد والعمل تابع، العلم هو الصاحب في الغربة, والمُحدّث في الخلوة, والأنيس في الوحشة, والكاشف عن الشبهة .
واحد أقرض إنساناً مبلغاً من المال لشراء بيت، صاحب البيت قال له: سأعطيك أجرة, إن ساهمتَ معي في شراءِ هذا البيت, ولكَ هذه الأجرة، أخذها وفرح بها, فحينما انتهت مدة القرض, أعاد المبلغ إلى صاحبه, وقطعَ عنه الأجرة, هو أكل الرِبا وهو لا يدري, هذه شُبُهة أم أجرة؟ لا, هذا رِبا, أما الأجرة أن تتملك هذا البيت, وتأخذ أجرة حصتك منه, فإذا أردتَ أن تسترد ثمن حِصتكَ, يُقيّمُ البيتُ تقييماً جديداً, وإذا هَلَكَ البيت, فعليك لا على ساكنه .
فالعلم يكشف لك الشبهات، والغِنى الذي لا فقر على من ظَفِرَ بكنزه بعده، والكنف الذي لا ضيعةَ على من آوى إلى حِرزهِ، هو غِنىً وملجأ، مذاكرته تسبيح، البحثُ عنه جهاد، حينما تأتي من مكانٍ بعيد لتتعلم العلمَ الصحيح, فهذا السير إلى هذا المكان, أو إلى أيّ مكان آخر جهاد، طلبه قُربى، بذله صدقة، بذله ومُدارسته تعدِل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم من حاجتك إلى الطعامِ والشراب .
الإمام أحمد يقول: الناس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعامِ والشراب, لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشرب في اليوم مرة أو مرتين, أما حاجته إلى العلم بعدد أنفاسه، إن الرجلَ يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً, كلمة, نظرة, نظرةٌ فيها عدوان, وكلمةٌ فيها سخرية, ونظرة فيها استهزاء, ومشاعر شيطانية, ما الذي يكشف لك هذا؟ العلم .
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: طلبُ العلم أفضلُ من الصلاة النافلة, وأبو حنيفة يرى هذا الرأي, وقالَ ابن وهبٍ: كنتُ بين يدي الإمام مالك رضي الله عنه, فوضعت ألواحي -يعني دفاتري- وقمت لأصلي, فقال الإمام مالك إمام دار الهجرة: ما الذي قمت إليه بأفضل مما قمتَ عنه؟.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 7 ]
في بعض الآراء, يجوز أن نقف عند قوله تعالى:
﴿والراسخون في العلم﴾
بل الرأي المتوازن أنكَ أردتَ بتأويل الآيات المتشابهات, أو الآيات التي تتحدث عن ذات الله عزّ وجل, يجب أن تقف عند ﴿ومايعلم تأويله إلا الله﴾
أما إذا أردتَ القرآن الكريم ما هو واضح الدلالة, لك أن تقول: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم .
العلم كما نُقِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث المعروف, يحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عدوله, ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين، تحريف الغالين : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾
[سورة المائدة الآية: 77 ]
هناك من يغلو في الدين، فالعلماء الصادقون ينفون عن العلم تحريف الغالين وتأويل المبطلين, هو حجةُ الله في أرضه, ونوره بين عباده, وقائد العباد إلى الله عزّ وجل, ودليلهم إلى جنته, ويكفي من شرفه أن فضلَ أهله على العباد كفضلِ القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكواكب، فضلُ العالم على العابد كفضلِ القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكواكب .
ولقد رحلَ كليمُ الله موسى عليه الصلاة والسلام في طلب العلم هو وفتاه, حتى مسهما النصب في سفرهما, في طلبِ العلم, حتى ظَفِرَ بثلاث مسائل, وهو من أكرم الخلق على الله وأعلمهم, ويكفي شرفاً لمن يطلب العلم, أن الله سبحانه وتعالى أمرَ نبيه الكريم, فقال:
﴿وقل ربي زدني علماً﴾
. العلم نوعان جلي وخفي .
العلم نوعان : نوعٌ جليّ ونوعٌ خفيّ .
النوع الجليّ على أنواعٍ ثلاثة أحدها : علمٌ تتعلمه بالحواس الخمس , سماه بعض علماء العقيدة: اليقين الحسي، أنتَ ترى بعينكَ هذه المصابيح متألقة, وهذا المسجد نظيف, أنتَ تُحسُ أن هذا الجو معتدل, تسمع أنَّ هذا الصوت صوت فلان، هناك معارف جليّة تتوارد إليك عن طريق الحواس, هذه سماها العلماء اليقين الحسي، وهناك معارف تتوارد إليك عن طريق التعلّم، طريقة السمعيات أن تلقي السمعَ:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
[سورة ق الآية: 37 ]
فالأذن مسلكٌ من مسالك العلم، يعني إما أن تتأمل وإما أن تأخذَ الحقائقَ جاهزة، والنوع الثالث هو: العلم الذي يأتيك عن طريق الاستدلال العقلي, وهذا يسمى أيضاً اليقين الاستدلالي، فيقين إخباري ويقين استدلالي ويقين حسي؛ يقين حسي عن طريق الحواس الخمس، يقين استدلالي عن طريق العقل، يقين إخباري عن طريق الأذن، رأيتُ أو سمعتُ أو فكرتُ، حتى إن بعضَ المفسرين يقول: إذا جاءت كلمة الفؤاد بعد السمع والبصر, فإنما تعني الفِكر:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36 ]
عندك علمٌ جليّ وعلمٌ خفيّ، العلم الجليّ ما جاءكَ عن طريق الملاحظة, عن طريق الحواس الخمس, أو ما جاءك عن طريق السماع, أو ما جاءك عن طريق الاستدلال العقلي, وقد يأتيك العلم عن طريق المشاعر, وقد يأتيك عن طريق الاستنباط, أو عن طريق الاستنتاج, هناك طرائق كثيرة يأتيك العلم منها, هذا هو العلم الجليّ, الذي قالَ عنه النبي عليه الصلاة والسلام: ((من عَمِلَ بما عَلم))
تعلمت من مجلس عِلمٍ, أن النظرة إلى النساء محرمة، تعلمت في مجلس العلم أن نقلَ الكلام إلى جهةٍ, قيلَ الكلام فيه نميمة, وهذا محرم, هذا إذا عَمِلتَ بما علمت .
الآن: علمّكَ الله عِلمَ ما لم تعلم .
قال: والعلم الثاني هو العلم الخفيّ, علم القلب, والحديثُ عنه شيّق، العلم الجليّ يحتاج إلى مُدارسة, يحتاج إلى مطالعة, يحتاج إلى حفظ, يحتاج إلى سماع, لكن إذا طبقّتَ كلَّ ما عرفته عن الله عزّ وجل, هناكَ شيء ثمينٌ جداً يتوارد إليك .
قال: هذا العلم الخفيّ ينبت في القلوب الطاهرة.
من بعض معاني هذه الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
[سورة الواقعة الآية: 79]
هذا العلم الخفيّ الذي يكرم الله به بعضَ العباد, هذا ثمنه القلب الطاهر، عبدي طهّرتَ منظرَ الخلق سنين, أفلا طهرّتَ منظري ساعة؟ ما هو منظر الله عزّ وجل؟ هو القلب:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
هذا العلم لا ينبت إلا في القلوب الطاهرة التي في الأبدان الزكية، معنى الزكية التي ما أكلت حراماً قط.
((يا سعدُ, أطب مطعمكَ تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
غُذيَّ بالحلال ما أكلَ حراماً .
وهذا العلم يحتاج إلى رياضةٍ خالصة، الرياضة تدريبات شاقة من ذكرٍ لله عزّ وجل, من صلاة النوافل, من قيام الليل, من تلاوة القرآن, من خدمة الخلق, هذه سماها بعض علماء القلوب الرياضة, قلبٌ طاهر, وبدنٌ زكي, ورياضة خالصة, وهِمةٌ عليّة, وأسماع صاغية, هذه بعض شروط العلم الخفي, الذي نوّهَ به النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ((من عَمِلَ بما علم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم))
هذا معنى قوله عزّ وجل: ﴿واتقوا الله﴾
. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
[سورة الأنفال الآية: 29 ]
ما الفرقان؟ النور، هذا النور يقذفه الله في القلب, وثمنه تقوى الله عزّ وجل، وتقوى الله طاعته، إن تطيعوا الله عزّ وجل يقذف الله في قلوبكم نوراً, ترون به الخير خيراً والشرَ شراَ, هذا العلم الخفي يسميه العلماء تارة المعرفة, ويسميه العلماء تارةً الإلهام, ويسميه العلماء تارةً البصيرة, ويسميه تارة الحِكمة، فالحِكمة والبصيرة والإلهام والمعرفة أسماء لمسمى واحد .
إما أن يكون العِلمُ كسبيّاً أو إشراقيّاً، العلم الكسبيّ ثمنه المُدارسة وثمنه طاعة الله عزّ وجل، أما العلم الإشراقي هو الذي سنتحدثُ عنه قليلاً في هذا الدرس .
كما قلتُ قبل قليل: قلبٌ فيه غِلّ, فيه حِقد, فيه حسد, فيه كِبر, فيه استعلاء, هذا القلب لن يقذف الله به نوراً أبداً، لن يتجلى عليه أبداً، لن يتحفَ صاحبه بمعرفةٍ إشراقية أبداً, طهّر قلبك ليكون بيتَ الرب، طهّر قلبك ليكون أهلاً أن يقذف الله به نوراً .
الأبدان الزكية، استقم في عملك المال الذي في حوزتك, هذا من كسبك, كيف كسبتَ هذا المال؟ هل كسبتَ هذا المال من طريق مشروع أو غير مشروع؟ إذا كان كسبُ المال مشروعاً والقلب طاهراً والبدن زكياً، هل تقرّبتَ إلى الله بالنوافل؟.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((قال الله تعالى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ, وإن استعاذ بي أعذته, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ, يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
من كانت له هذه الرغبة الجموح, وهذا الإلحاح الصادق, في أن يصلَ إلى شيءٍ من العلم الخفيّ, الذي عبّرَ الله عنه بالحِكمة تارةً, وبالبصيرةِ تارةً, وبالمعرفةِ تارةً, وبالإلهامِ تارةً, إذا أردت هذا العلم فدونك الثمن؛ قلبٌ طاهر, بدنٌ زكي, رياضةٌ خالصةٌ لله عزّ وجل، لا ليعرف الناسَ أنك صليتَ قيام الليل، لا ليعرف الناس أنكَ أحسنتَ إلى فلان، لا, رياضةٌ خالصةٌ للهِ عزّ وجل, وبعد هذا وذاك هِمةٌ عليّة، المنافقون وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ، وأسماعٌ صاغية, يعني عندئذٍ يسمعكَ الله عزّ وجل ما لا يسمع الآخرين، يريكَ ما لا يري الآخرين .
قال: يا صاحبَ رسول الله نافقت؟ قالَ: كيف ذلكَ يا حنظلة؟ قال: أكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين, فإذا عافسنَّا الأهلَ ننسى, قالَ: انطلق بنا إلى رسول الله، ماذا قالَ عليه الصلاة والسلام؟:
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا إِذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا, وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ, وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا, وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالأوْلادَ, قَالَ: لَوْ تَكُونُونَ, أَوْ قَالَ: لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ, وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ, وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ))
قلبٌ سليم من البغضاء, من الحسد, من التعالي, من الكِبر, من الأنانية، بدنٌ زكيٌ من المال الحرام, مطهّر, كسبٌ حلال، رياضةٌ خالصة, هِمةٌ عليّة, آذان صاغية، عندئذٍ تنالُ شيئاً من هذا العلم الخفيّ الذي خصَّ الله به أحبابه .
قالَ: هِمةُ الأنبياء تعلّقت في شيئين؛ تعلّقت بالعليّ الأعلى وهو الله سبحانه وتعالى, وتعلّقت بصلاح الخلق, كلما ارتقت مرتبتك, اتسعت دائرة اهتمامك .
مثل حسيّ: اصعد إلى هذا الجبل, كلما صعدت مسافة, اتسعت دائرة الرؤيا, فإذا وصلتَ إلى قمة الجبل, رأيتَ دمشقَ كلها, كلما ارتفعتَ نحو الأعلى, اتسعت دائرة الرؤيا, وكلما ارتقيت إلى الله عزّ وجل, اتسعت دائرة اهتمامك, وكلما هبطت المرتبة, ضاقت دائرة اهتمامك, أجد طعامي, وشرابي, وبيتي, وأهلي, وأولادي, فأنا بخير وعلى الدنيا السلام، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال:
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ, وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ, أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ, مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ, والله لَوْ تعلمون مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا, وَما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُش, وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ, لوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
قال: اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون .
فإذا لم تشعر بعاطفةٍ نحو كلِّ مخلوق, فالمرتبة مضطربة .
الإلهام هو ما يعنيه العِلمُ الخفيّ, الإلهام هو فهم خاص، هو ثمرة من ثمرات العبودية لله عزّ وجل، الإلهام جزاء الصدق مع الله .
الإلهام كما ورد في قول الإمام عليٍّ كرّمَ الله وجهه حينما سُئل: هل خصّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ دون الناس يا آل بيته؟ فقال الإمام عليٌّ كرّمَ الله وجهه: لا, ما خصّنا بشيء، والذي فلقَ الحبَّ وبرأّ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 21]
هذا عطاءٌ عظيم أن تفهم كتاب الله، أن تفهم حقيقة الآيات, مراميها البعيدة, مدلولاتها الصحيحة، هذا شيء عظيم جداً, من العلم الخفيّ الذي يُعّدُ نتيجةً لتطبيق العلم الجليّ .
كلُّ هذا الدرس وإلى دروسٍ كثيرةٍ إن شاء الله محور هذه الدروس: من عَمِلَ بما عَلم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم.
لا تطمع بهذه المعرفة، لا تطمع بهذا الإلهام، لا تطمع بهذه البصيرة، ولا بالحكمة، إلا إذا دفعتَ الثمن, والثمن أن تتعلم العِلمَ الجليّ, وأن تُطبقه، أحكام الصلاة، أحكام الصيام، أحكام الحج، أحكام البيوع، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، العارية، الوكالة، الكفالة، هذه العلاقات الاجتماعية لا بد من أن تكون وفقَ الشرع، إذا طبقتَ الشرع, منَّ الله عليك بشيء آخر .
هذا العلم الخفيّ يسمى بصيرة، والدليل قول الله عزّ وجل:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 108 ]
فكلُّ من يدعو إلى الله عزّ وجل بلا بصيرة, فهو في نصِ هذه الآية غير متبعٍ لرسول الله، إذا كنتَ متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فيجب أن تدعو على بصيرة .
معنى بصيرة: أن تعرف المُراد, أن تعرف فكرة دقيقة عن فلسفة الوجود, عن سرِّ الحياة, عن سرِّ وجود الإنسان في الدنيا, هكذا يقولون: نظرية الكون والحياة والإنسان، أين كنت؟ إلى أين المصير؟ ما جدوى الحياة الدنيا؟ ما أفضل شيء تفعله في الدنيا؟ هذه البصيرة .
الحكمة :
أما الحِكمة ، فلنا عندها وقفةٌ متأنية , الحكمة يقول الله عزّ وجل : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة البقرة الآية: 269]
بنصِ القرآن الكريم : ﴿ومن يؤت الحِكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾
قال الحِكمة في كتاب الله نوعان ؛ قد تأتي مفردةً وقد تأتي مع الكتاب : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 129]
إن جاءت مفردةً فلها معنى , وإن جاءت مع الكتاب فلها معنى آخر .
قال : الحِكمة منفردة هي النبوة .
أو : هي علم القرآن .
أو : هي كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : علمُ القرآن ناسخه ومنسوخه , محكمه ومتشابهه , مقدمه ومؤخره , حلاله وحرامه وأمثاله .
الحِكمة منفردة النبوة ، أن يعلمك الله القرآن بكلّ ماتعني هذه الكلمة .
وقال الضحاك : الحِكمة هي القرآن والفهم فيه .
وقال مجاهد : هي القرآن والعِلمُ والفِقهُ .
وقالَ بعض العلماء : هي الإصابة في القولِ والعمل .
أن يأتي قولكَ صحيحاً مصيباً , وعملكَ صحيحاً مصيباً .
وقال بعض العلماء : هي معاني الأشياء وفهمها .
وقال الحسن : الورعُ في الدين , هذه مؤداها .
أما إذا جاءت الحِكمة مع الكتاب فتعني السُنّة .
﴿يعلمهم الكتاب والحِكمة﴾
أي السُنّة , لأن الله عزّ وجل يقول : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
الله سبحانه وتعالى بيّنَ أن النبي عليه الصلاة والسلام من مهمته الأساسية : أن يبيّنَ للناسِ ما نُزّلَ إليهم ، فحيثُ ما جاءت الحِكمة مع الكتاب فهي السُنّة .
كذلك قال الإمام الشافعي : أجمل ما قيل في الحِكمة , هو قول الإمام مجاهد : إنها معرفة الحق والعمل به , والإصابة بالقولِ والعمل .
والحِكمة حكمتان : حِكمة علميةٌ وحِكمةٌ عملية .
فالحِكمة العلمية : أن تطلّعَ على بواطن الأمور ، أن تعرف الخلفيات ، أن تعرف ما بين السطور ، أن تعرف المدلولات ، أن تعرف القصد البعيد ، أن تعرف المؤدى , هذه حِكمةٌ علمية .
وأما الحِكمة العملية : فهي أن تضعَ الأمر في موضعه ، أن تضعه في حجمه , وفي موضعه , وفي أوانه دون زيادة أو نقصان , أو تعجيل أو تأخير .
أحياناً تقول لفلان: واللهِ ما أحكمك! بحجمه, وفي وقته, وفي مكانه, دون زيادة أو نقصان, أو تقديم أو تأخير, من طلبَ الشيء قبلَ أوانه عوقِبَ بحرمانه, ما كلُّ ما يعلم يقال, وما كلُّ ما يقال له رجال, ولا إذا وجِدَ الرجال آنَ الأوان, هناك ما يُعلم ولا يقال، وهناك ما يُقال لكن لا لكلِّ الناس، في شيء يُقال لزيد, لا في هذا الظرف, فيحب أن تعرف, ماذا ينبغي أن تقول؟ ولمن تقول؟ وفي أيّ وقتٍ تقول؟ هيّ الحكمة, يقابل الحِكمة الطيش والحمق .
لذلك: فسّروا الحِكمة بقولهم: الحِكمة فِعلُ ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي .
الخلاصة :
الحقيقة: هذا الدرس ليسَ هدفه أخذَ العِلم، هدفه الحفز, يعني أن يندفع الإنسان إلى طلبِ المزيد, لا أن يكتفيَّ بأنه صلّى, وصام, وفعلَ ما أُمر بشكلٍ شكلي, مفرّغ, أجوف, لا ينبغي أن يبقى على هامش الدين, أن يغوصَ في أعماقه, فإذا عَمِلتَ بما عَلمت, علّمكَ الله عِلمَ ما لم تعلم، وعِلمُ ما لم تعلم هو الحِكمة .
الله عزّ وجل أعطى فِرعون المُلك وهو لا يحبه، وأعطى قارونَ المال وهو لا يحبه، ولكن هؤلاء الذين يحبهم ماذا أعطاهم؟:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 22]
هذا الثمن, كن مُحسناً, يؤتِكَ الله حُكماً وعِلماً .
بالمناسبة: أيُّ شيء تفتخر بملكه تتركه عند الموت، لكن العلم والحِكمة يستمران معك إلى ما بعد الموت, وإلى أبدِ الآبدين .
قرأت كلمةً في إحدى المدارس, من أقدم الثانويات في دمشق, بخط خطاط مشهور, في مدخل الثانوية, كلما وقعت عيني على هذه اللوحة, أشعر بخشوع خاص: رتبةُ العِلمِ أعلى الرُتب، أعلى رتبةٍ تصلها أن تعرف الله عزّ وجل, فإذا عرفته عرفت كلَّ شيء . ((ابن آدم اطلبني تجدني, فإذا وجدتني وجدتَ كلَّ شيء, وإن فِتكَ فاتكَ كلَّ شيء, وأنا أحبُّ إليكَ من كلِّ شيء))
النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل, ترفع السيدة عائشة رجليها، قال: لأن غرفته الصغيرة لا تتسع لصلاته ونومها .
ماذا قال سيدنا عليّ؟ قال: فلينظر ناظرٌ بعقله: أنَّ الله أكرمَ محمداً أم أهانه حينَ زوى عنه الدنيا؟ فإن قالَ: أهانه فقد كذب, وإن قال: أكرمه فقد أهانَ غيره حيثُ أعطاه الدنيا .
النبي عليه الصلاة والسلام تزوج السيدة خديجة, هو في الخامسة والعشرين, وهي في الأربعين, وبقيَّ معها خمسة وعشرين عاماً, ربع قرن, ما فَكَرَ في أخرى، الإنسان الآن تكون سنّه مقاربة لسنّ زوجته, يندب حظه دائماً, يقول لك: تزوجتها كبيرة, يجب أن تعرف ما هو المقصود؟ النبي عليه الصلاة والسلام عاش بدخل محدود، سكن في بيت صغير، كان حجمه المالي قليلاً، ياربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وجدَ من فَقَدك؟.
قرأتُ مرةً كلمة, قال: مساكين أهلُ الدنيا, جاؤوا إلى الدنيا, وخرجوا منها, وما عَرَفوا أجملَ ما فيها، إنَّ أجملَ ما فيها؛ معرفة الله عزّ وجل, والأُنس به, والقُربُ منه .
فيا أيها الأخوة الأكارم, ليسَ القصد من هذا الدرس أخذُ العِلم، القصد هو الحفز إلى الله، أبواب مُفتحة، أبواب الجنة مفتّحةٌ على مصارعها، أبواب جهنم ليست مفتّحة, أبواب جهنم باهظة, ثمها باهظ، أما أبواب الجنة مفتوحة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((اشتقتُ لأحبابي, قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا أنتم أصحابي, أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر, أجرهم كأجر سبعين، قالوا: مِنّا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: ولِمَ؟ قال: لأنكم تجدونَ على الخير مِعواناً ولا يجدون))








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس )


الموضوع : الاستقامة









تمهيد :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السادس من دروس جامع العثمان , وعدتكم في لقاءٍ سابق , أن يكون هذا الدرس في موضوع الاستقامة , وكنت قد قلت لكم :
حينما تحدثنا في موضوع الحب أو منزلة المحبة , أن الحب أصلٌ من أصول الدين .
وحينما تحدثنا عن الإخلاص ، قلت لكم إن الإخلاص هو كلُّ شيء .
وحينما تحدثنا عن العلم ، قلت لكم العلم أساس الدين .
وأنا اليوم أقول لكم :
الاستقامة عين الكرامة , لأن كلَّ ثِمار الدين , وكلَّ ما في الدين من سعادةٍ , وسكينةٍ , واطمئنانٍ , وتوفيقٍ , وشعورٍ بالأمن , وشعورٍ بالتفوق , وشعورٍ بالفوز ، خطيرة وثمينة , لا يقطفها الإنسان إلا إذا استقام على أمر الله , فبين الذي يستمع كثيراً ولا يطبّق , وبين الذي يستمع ويطبّق بونٌ شاسع . منزلة الإستقامة :
ماذا وردَ في القرآن الكريم عن الاستقامة ؟ الآية الأولى :
ربنا سبحانه وتعالى في سورة فُصلّت , الآية الثلاثون يقول :
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الاية: 30]
ربنا الله هذه ليست كلمة تُقال ، لكنها بحثٌ ذاتي ، بحثٌ طويل ، الإيمان لا يتأتى بكلمةٍ تقولها , ولكن ببحثٍ ذاتيٍ طويل تبحثه , فنهاية المطاف , ونهاية هذا البحث , ونهاية التأمل , ونهاية التفكر , ونهاية التدبر , أن تقولَ : ربيَّ الله .
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
ذكرَ الله عزّ وجل في هذه الآية ثمرتين من ثمار الاستقامة :
ألا تخافوا ولا تحزنوا .
وقد يخاف الناس , وقد ينخلعُ قلبُ الناس لخطرٍ داهمٍ , وقد يقلقون , وقد يُقهرون ، أما ربنا سبحانه وتعالى يصف هؤلاء المستقيمين بأنهم يتمتعون بشيئين :
ألا تخافوا ولا تحزنوا .
لا تخافوا مما هو آت , ولا تحزنوا على ما فات ، وهل من شعورٍ يدمّر السعادة الإنسانية كالخوف أو الندم ؟.
إنَّ من أمضِّ المشاعر, ومن أشدها إيلاماً : أن تندمَ على شيء فات , وأن تقلقَ للمستقبل .
القلق والندم صفتان ملازمتان للمنحرفين , دائماً يندم على ما فات , ودائماً يقلق لِما هو آت . فالمستقيم كما وعدَ الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
لما قالوا ربنا الله ثمَّ استقاموا ، تكوّنت قناعاتهم بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الربّ , وهو الربٌّ وحده , يجب أن تؤمن بأن الله هو الخالق , وأنه لا خالقَ سِواه , وأنه هو الربّ , وأنه لا ربَّ سِواه , وأنه هوَ المُسير , وأنه لا مُسير سِواه .
عبّرَ علماء التوحيد عن هذه الحقائق بقولهم :
وحدة الخلق ، وحدة الربوبية ، وحدة الإلوهية . الآية الثانية :
في سورة الأحقاف : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأحقاف الاية: 13-14]
الذي أتمناه على أخوتي الكرام ؛ أن ينزِعوا من أذهانهم هذا المفهوم الخاطئ , المفهوم الساذج ، كلما طالبتهم بالاستقامة يقول لك أحدهم :
أنا لست نبياً !!
ومن قال لك إن الاستقامة خاصة بالأنبياء ؟!!!
من قال لك ذلك ؟!!!
إليكَ الدليل القطعي ، القطعي في ثبوته والقطعي في دلالته : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة هود الاية: 112]
استقم : فِعلُ أمرٍ يفيد الوجوب . ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
النبي عليه الصلاة والسلام فسّرَ هذه الآية فقال : إن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين .
كلما دعوتَ إنساناً إلى أن يستقيم رفعَ عقيرته وقال : أخي أنا لست نبياً , لا تكلفني ما لا أطيق , هذا كلامٌ فيه ضلالٌ كبير , وفيه زيغُ خطير . ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
هذه الآية وردت في سورة هود ، لذلك حينما قالَ عليه الصلاة والسلام : شيّبتني هود ؛ يعني سورة هود ، والذي شيّبَ النبي فيها هذا الأمر الخطير .
أنتَ أيها الأخُ الكريم ؛ تطلب من الله الكرامة ، تطلب من الله أن ينصرك الله على أعدائك ، أن يوفقك ، أن يرفع شأنك , أن يستخلفكَ في الأرض ، أن يمكّن لكَ دينك ، وهو يطلب منك الاستقامة , إذا أردتَ أن تكون أكرمَ الناس فاتقِ الله ؛ أي استقم على أمرِ الله .
ما الاستقامة ؟
قال بعضهم : إنها ضدُ الطغيان .
ما معنى طغى ؟ خرجَ عن الخط المستقيم .
طغى : خرجَ عن المنهج .
طغى القطار : إذا خرجَ عن سكته .
طغت السيارة : إذا خرجت عن الطريق المعبّد إلى وادٍ سحيق ، والله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان , خلقَ له منهجاً , وقالَ الله عزّ وجل : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
[سورة الرحمن الاية: 1-4]
قدّمَ الله تعليم القرآن على خلقِ الإنسان، هذا التقديم ليسَ تقديماً زمنيّاً, لا يُعقلُ أن يعلّمَ القرآن, ثمَّ يُخلق هذا, مستحيل, لكن هذا التقديم تقديم رُتبي, فما قيمة الإنسان بلا منهج؟ ما قيمة هذه الآلة المعقدة بلا تعليمات؟ ما قيمة هذه الجامعة بلا نظامٍ داخلي؟.
الاستقامة أن تلزمَ المنهجَ الإلهي, أن تلزم أمرَ الله وسُنّة نبيه, والطغيان أن تحيدَ عن هذا المنهج؛ في عقيدتك, في تصرفاتك, في كسبِ المال, في إنفاق المال, في علاقاتك, في جِدّكَ, في لَهوكَ, في إقامتكَ, في سفركَ, في علاقاتك الداخلية, في علاقاتك الخاصة جداً, في علاقاتك العامة.
أيها الأخوة الأكارم ؛ متى تخرج عن منهج الله؟ لا بد من أن تعرف هذا المنهج, حتى تعرف ما إذا كنتَ قد خرجتَ أو لم تخرج، كيف تعرف أنك خرجت عن هذا المنهج إن لم تعرف المنهج؟ إذاً: طلب العِلمِ فريضة, طلبُ الفِقهِ حتمٌ واجبٌ على كلِّ مسلم، طلب العلمِ أساس الاستقامة, وطلب العلم أساس التوبة, كيف تتوب من ذنبٍ قبلَّ أن تعرفَ أنه ذنب؟ وكيف تستقيم على منهج الله قبلَ أن تعرف منهج الله عزّ وجل؟.
الخطوة الأولى ، الحركة الأولى ، الموقف الأول ، الهمُّ الأول ، الاهتمام الأول : أن تعرف منهجَ الله عزّ وجل ، أمره ونهيه .
الآية الثالثة :
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة فصلّت الاية: 6]
هنا أضيف معنى جديداً : استقيموا إليه , قد تستقيم إلى زيدٍ أوعُبيد ، قد تستقيم لتنالَ مكانة عندَ فلان, قد تتسلمُ عملاً ذا عائدٍ كبير ودخلٍ كبير, من حرصكَ على هذا الدخل, تستقيم في هذا العمل, ولكن استقامتك من أجلِ أن يرضى صاحب العمل, فأنت استقمتَ لا إلى الله عزّ وجل, استقمتَ إلى زيدٍ أو عُبيد, هنا في معنى جديد :
﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾
هذا يشبه قول الله عزّ وجل : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾
[سورة المدثر الاية: 7]
قد توضعُ في ظرفٍ تؤمر أمراً تعسفيّاً, وأنتَ ضعيف, وليس في إمكانكَ أن تقولَ: لا, إنكَ تصبر, ولكن تصبر وأنتَ مقهور, ليسَ هذا الصبر هو الذي أراده الله عزّ وجل، الله عزّ وجل يقول : ﴿ولربّكَ فاصبر﴾
بالمناسبة : كلما تذللتَ إلى الله رفعكَ الله، وكلما صبرتَ لله أعزكَ الله، وكلما كنتَ خاضعاً لله أخضعَ الله الآخرين إليك، وكلما هِبتَ الله هابَكَ الناس، وكلما نُزعت من قلبكَ هيبة الله, نُزعت من الناس هيبتك, قواعد ... قوانين ... الإنسان لو أنه يفهم ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام فهماً عميقاً, إذا فهمَ ما قاله النبي على أنه قواعد ثابتة, قوانين مثلاً: عفّوا تعفُ نساؤكم.
كلما غضضتَ بصركَ عن محارم الله, الله سبحانه وتعالى حفظَ لكَ زوجتكَ من أن تَزِلَّ قدمها. ((برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
((ما أكرمَ شابٌ شيخاً لسنه, إلا قيض الله له من يكرمه عندَ سنه))
[أخرجه الترمذي في سننه]
((من أرضى الله بسخطِ الناس, رضي عنه الله وأرضى عنه الناس))
هذه قواعد, لو عرفتَ أن هذه القواعد حتميّة واقعةٌ لا محالة, لأنها من عندِ خالق البشر, من عندِ خالق الكون، القضية: أن تقف من هذا الأمر أو هذه القاعدة موقف المصدّق, موقف المهتم، والطريق إلى ذلك: كلما عَظُمَ عِندكَ ربك كلما عَظُمَ أمرك .
إذا تفكرّتَ في خلقِ السموات والأرض, وازدادت خشيتك لله عزّ وجل, تُعظّمُ أمرَ الله عزّ وجل، لهذا قال أحد أصحاب رسول الله, أظنه سيدنا بلال: لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت .
فاستقيموا إليه : يجب أن تكون استقامتك خالصة إليه, قد يأتي أمرٌ إلهي متوافقٌ مع أمرٍ وضعي, فالسرقةُ حرامٌ في شرعِ الله, وحرام في قوانين الناس, فالذي يمتنع عن السرقة لا تدري: أهوَ خوفٌ من عِقاب البشر أم خوفٌ من عِقاب خالق البشر؟ القضية هنا مختلطة، أما هناك أوامر ينفردُ بها الدين وحده, أمركَ بغض البصر, فحينما يستجيب المؤمن لهذا الأمر, مع أنه ليسَ في الأرض كلها قانون أو أمرٌ, يحظّرُ عليك أن تنظرَ إلى امرأةٍ في الطريق، حينما تنفذُ أمراً ينفرد به الدين, هذا يؤكد لك أنك مخلصٌ لله عزّ وجل، غضُّ البصر مدرسة, لأن كلَّ من يغضُ بصره عن محارم الله, يشعر في قرارةِ نفسه أنه لا يبتغي بهذا الغض إلا وجه الله, لأنَّ الناسَ لا يعنيهم هذا الأمر, ولا يوجّهونَ هذا التوجيه . الآية الرابعة :
ومعنى جديد الاستقامة :
﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾
[سورة الجن الآية: 16-17]
الطريقة مستقيمة إذا استقاموا عليها, إذا تابعوا هذا السير المستقيم: ﴿لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾
أول ثِمار الاستقامة : أن تكونَ في بحبوحة, هذا كلام خالق الكون، كلام الله عزّ وجل، هذه الأمطار الشحيحة, المعدلات المتدنيّة, انحباس ماء السماء، هذه الظاهرة إلهية, الحقيقة: إن الله عزّ وجل حينما يقول في كتابه الكريم : ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾
الناس لو استقاموا على أمر ربهم, لانهمرت السماء بمائها، لذلك كلما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السماء, وكلما رَخُصَ لحم النساء غلا لحم الضأن، علاقات ثابتة، وكلما هانَ الله على الناس هانوا عليه .
الإنسان حينما لا يبالي أكان دخله من حلالٍ أم من حرام, بعد عن الاستقامة، كلما هانَ أمر الله على الناس هانوا عليه، ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 65]
هذه البراكين والصواعق, وما يشبه الصواعق القذائف: ما أقسى بأسها ﴿قل هو القادر على أن يبعثَ عليكم عذاباً من فوقكم﴾
أو من تحت أرجلكم الزلازل, ما أقصى بأس الإنسان!: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 130]
هذا عقابٌ من الله عزّ وجل . ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾
من ثمار الاستقامة من خلال هذه الآيات : ألا تخاف مما هو آت, وألا تحزنَ على ما قد فات، أنتَ في منجاةٍ من القلق ومن الندم، والقلق والندم حالتان نفسيتان تدمران الصحة النفسية.
يجب أن تستقيم على أمر الله كما أُمرَ النبي أن يستقيم على أمر الله، أنتَ بهذا الأمر واحد، الاستقامة يجب أن تكون في سبيل الله, ابتغاء مرضاة الله, لا ابتغاء زيدٍ أو عُبيد .
والاستقامة من ثِمارها : أن الله سبحانه وتعالى يفرّجُ عنك, يزيلُ عنكَ كلَّ كرب, كلَّ هم, كلَّ حزن, كلَّ ضيق, كلَّ قلق . أقوال الخلفاء الراشدين بالإستقامة :
إلى الخلفاء الراشدين الهادين المهديين ، الذين حدثنا عليه الصلاة والسلام عنهم .
عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ:
(( صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا, فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً, ذَرَفَتْ لَهَا الأعْيُنُ, وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ, قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا, قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ, وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا, فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ, يَرَى بَعْدِي اخْتِلافًا كَثِيرًا, فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ, وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ, وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ, فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي ]
أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
ماذا قالَ سيدنا الصديّق عن الاستقامة؟ قالَ: ألا تُشركَ باللهِ شيئاً، تطيعَ إنساناً وتعصي ربك فقد أشركتَ به، رأيتَ طاعته أغلى من طاعة الله، أن تتبعَ هواك وتعصي أمرَ الله عزّ وجل, أشركتَ نفسكَ مع الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 23 ]
هذا فهمٌ عميقٌ جداً للاستقامة، الاستقامة عندَ هذا الصحابيّ الجليل, عندَ سيّدِ الصحابةِ والتابعين, عِندَ من لم تطلع شمسٌ على رجلٍ خيرٍ منهُ, وسيدنا عمر لمّا كان مع أصحابه الكِرام, أحدهم أرادَ أن يتقرّبَ منه, قالَ: واللهِ ما رأينا أحداً أفضلَ منكَ بعدَ رسول الله, فما كان من هذا الخليفة العظيم, إلا أن نظرَ في أصحابه محدّقاً ومستنكرّاً، أحدهم قال: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك, قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه: لقد كذبتم جميعاً وصدق، جعلَ سكوتَ هؤلاء جميعاً كذِباً .
قال: كنتُ أضلَّ من بعيري, وكانَ أبو بكرٍ أطيبَ من ريح المِسك ...
سيدنا الصدّيق يقول: الاستقامة ألا تُشركَ باللهِ شيئاً, اعلم عِلمَ اليقين: أن تعصي الله عزّ وجل, فتجدَ في هذه المعصية أنها مغنمٌ, هنا الشِرك، رأيتَ هذا الإنسان؛ إذا أطعته وعصيتَ الله, وقعتَ في الشركِ وأنتَ لا تدري.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
سيدنا عمر عملاق الإسلام, قالَ عن الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي, أن يجدكَ حيثُ أمرك, وأن يفتقدكَ حيثُ نهاك, ولا تراوغ روغانَ الثعلب, الحل يعقد على فتاة صغيرة في سن الرضاع, ثم تأتي زوجة أخيه فترضعها, فإذا هي أمُّ زوجته من الرضاع, ثمَّ يطلّقُ هذه الفتاة الرضيع، زوجة أخيه هي أمُّ زوجته على التأبيد, له الحقُّ أن يراها, هذا اسمه روغان الثعلب كما قال سيدنا عمر, حيلة شرعية, وكأن الله لا يدري ما يحصل، وكأن الله عالمُ السرِّ والنجوى لا يدري .
عثمان بن عفان رضي الله عنه :
سيدنا عثمان ماذا قال عن الاستقامة؟ قال: استقاموا؛ أي أخلصوا العمل لله، سيدنا عثمان ألقى الأضواء على الإخلاص بالاستقامة سيدنا عمر على العمل، سيدنا الصدّيق على العقيدة، التركيز عندَ الصدّيق كان على الشِرك، المنحرف مشرك، سيدنا عمر التركيز على العمل، سيدنا عثمان على الإخلاص, وكلهم من رسول الله ملتمسون. علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
أما سيدنا عليّ رضيَّ الله عنه وابن عباس قالوا: استقاموا؛ أيّ أدَوّا الفرائض، من أين جاء بها؟ الحديث الشريف:
((ما عُبدَ الله بأفضلَ مما افترضه عليكم))
أداء الفرائض مُقدمٌ على كلِّ شيء. ((اتقِ المحارمَ تكن أعبدَ الناس, وارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس))
سيدنا الحسن رضي الله عنه :
سيدنا الحسن قال: استقاموا على أمر الله؛ عَمِلوا بطاعته واجتنبوا معصيته، اجتنبوا معصيته؛ أيّ تركوا بينهم وبينها هامشَ أمان .
بعض العلماء يقول: استقاموا؛ أي استقاموا على محبته وعبوديته.
كما قلت لكم دائماً: العبودية غاية الخضوع مع غاية الحب، هذا معنى استقاموا.
أحاديث عن الاستقامة :
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كما ورد في صحيح مسلم: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الإسْلامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ, قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: بَعْدَكَ, قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
قل: آمنت بالله ثم استقم, هذا هو الدين كله .
إذا الإنسان آمن بالله ولم يستقم, لم يفعل شيئاً, مع أن الاستقامة لا بد لها من إيمانٍ بالله, إنسان على وشكِ الموتِ عطشاً, عَرَفَ أن في هذه الجهةِ نبعٌ فياض, فيه ماء نميرٌ زُلال ، لم يذهب إليه، هذه المعرفة ما قيمتها؟ ماتَ عطشاً, هذه حقيقة, هذا ملخص الملخص.
لهذا ربنا عزّ وجل يقول : ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه فمن كان يرجو لقاء ربه﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الأنفال الآية: 72]
ما قيمة إيمانك؟ ما قيمة كلِّ قناعاتك؟ كلّ الحقائق التي عرفتها إن لم تتخذ موقفاً عمليّاً، إن لم تنته، إن لم تأتمر، إن لم تفعل، إن لم تصل, إن لم تقطع، إن لم تغضب، إن لم ترضَ، إن لم تعطِ, إن لم تمنع؟ لا قيمة لكلِّ قناعاتك .
النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيحٍ, رواه الإمام أحمد في مسنده, عَنْ ثَوْبَانَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ دينكم الصَّلاةُ, وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إلا مُؤْمِنٌ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
النبي عليه الصلاة والسلام كما قالَ عن نفسه -أوتي جوامعَ الكلم- .
((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))
لكَ أن تفهمَ هذا الحديث فهمين :
الأول : أنكَ إذا استقمتَ على أمر الله, لن تحصي الخيرات التي تتأتى من هذه الاستقامة ، سعادة نفسية ، توفيق في العمل ، سرور ، طمأنينة , شعور بالراحة ، شعور بالتفوق , هذا كله من لوازم الاستقامة .
من علامات الاستقامة أن يقول المستقيم : ليس في الأرض من هو أسعدُ مني، المؤمن مُبتلى، المؤمن قد تأتيه بعض المكاره, ولكن ليسَ معنى هذا أنه ليسَ بسعيد, سعادته داخلية, شعوره أنَّ الله يحبه هذا مُسعد، شعوره أن الله راضٍ عنه هذا مُسعد، شعوره أنه على منهج الله هذا مُسعد، شعوره أن الله وعده بالجنة هذا مُسعد, فالإنسان المؤمن سعيدٌ في داخله, ولا يمنع أن يُبتلى في ظاهره .. يبتلى ..: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 155]
الإنسان لا بد من أن يُبتلى : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
[سورة الملك الآية: 2 ]
((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))
الثاني :
وللحديث معنى آخر : في حالات إذا الإنسان دخل بالوسواس , فالقضية صعبة جداً ، فيمكن أن يُفهم هذا الحديث , أن الإنسان لا يدخل في حالة الوسواس , يشك ؛ توضأ أم لم يتوضأ ؟ الماء تبلّغ أم لم يتبلّغ ؟ أعاد الوضوء مرة ثانية وثالثة ورابعة , دخل بما يسمى الوساوس ، فهذا المعنى الآخر قد يكون من هذا الباب .
الاستقامة هيَّ السداد، السداد يعني أن تصيب الهدف, وفي حالات قد لا تستطيع شيء فوقَ طاقتك، إذاً لا بدَ من المقاربة, المقاربة كما قالَ عليه الصلاة والسلام:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: ((سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا, فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ))
أهون الشرّين, أحياناً الإنسان يُفرض عليه وضعان, عليه أن يختارَ أهونهما، أهون الشرّين سماها النبي عليه الصلاة والسلام: مقاربة, له أخت ليست ملتزمة على أمر الله, هل يقاطعها أم يصلها؟ إن قاطعها تزداد انحرافاً، وإن وصلها لا تصلي، نقول له: صِلها, إنكَ إن وصلتها لعلها تهتدي، يقول لكَ: ليست مستقيمة، أهون الشريّن أن تصلها, أحياناً أنتَ مضطر أن تفعل ما هو قريب من الاستقامة, لا في الأحكام الشرعية ولكن في المعاملات . ((سددوا وقارِبوا, واعلموا أنه لن ينجو أحداً منكم بعمله, قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قالَ: ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضله))
إذا أعطيناك مفتاح بيت, ثمنه ثلاثين مليوناً, المفتاح ثمنه عشرون ليرة, ظننت أن البيت مِلكُكَ, أنتَ أخذتَ مفتاح البيت ولم تدفع ثمن البيت، البيت فضلٌ من الله عزّ وجل مثل للتقريب, أنتَ حينما تستقيم على أمر الله, دفعتَ ثمن الجنة أم دفعتَ ثمن مفتاح الجنة؟ اشتريتَ مفتاح الجنة, ولم تشترِ الجنة بكاملها, الجنة محضُ فضلٍ من الله عزّ وجل، فرقٌ بين أن تشتري المفتاح وبين أن تشتري الجنة، فالجنة برحمة الله كما قالَ عليه الصلاة والسلام .
حتى أخواننا الكرام ما يقعوا في تناقض بينَ هذا الحديث الصحيح الذي خرّجه علماء الحديث وبين آياتٍ كثيرةٍ تقول: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 32 ]
نوّفق بين هذه الآيات وبين هذا الحديث, التوفيق سهل جداً، كنتُ قد ضربتُ لكم مثلاً من قبل: أن شاباً في الصف العاشر, توفيَّ والده، والده فقير, له عمٌ غني, قالَ العمُ لابن أخيه: ابن أخي إن أردتَ أن تدرس, فأنا أنفقُ عليكَ, وعلى أهلك، هذا الشاب نال أعلى شهادة بالطب, فتح عيادة، تألقَ اسمه, وذاعَ صيته, وكبرَ دخله، وصارَ في بحبوحةٍ, التقى العم مع ابنِ الأخ, فقال العم لابنِ أخيه: يا بنَ أخي, لقد نِلتَ ما نلتَ؛ بجهدك, وسعيك, واجتهادك, وعرقك, وكدِّ يمينك, وعرقِ جبينك, هذا الكلام صحيح؟ قال له ابن الأخ: واللهِ يا عمي, لولا فضلك واللهِ لما كنتُ بهذا المقام .
هو العم, لو أنَّ ابنَّ أخيه لم يجتهد, ما تابعَ الإنفاقَ عليه, ولو أنّه كانَ مجتهداً, ولم يتوافر له عمٌ ينفقُ عليه, لما نالَ هذه المرتبة, فنقول: إن ما حصّله من هذه المرتبة الاجتماعية والعلمية, سببها, مفتاحها: اجتهاده والفضلُ فيها لعمه .
فإذا قالَ عليه الصلاة والسلام:
((سددوا وقارِبوا, واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله, قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قالَ: ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضله))
فالعمل مهما كانَ مستقيماً، مهما كانَ البذلُ كبيراً, لا يكفي لدخول الجنة, هو مفتاحٌ للجنة, ربنا عزّ وجل جعل الاستقامة والأعمالَ الصالحة مفتاحاً لدخول الجنة, أما دخول الجنة بفضلِ اللهِ عزّ وجل .
مثل آخر للتوضيح: إذا أب وعد ابنه بدراجة غالية الثمن, إذا هو نالَ الدرجة الأولى على رفاقه, هذا الطالب نالَ الدرجة الأولى, حملَ الجلاء, وتوجه من فوره إلى بائع الدراجات, قال له: أعطني هذه الدراجة, وهذا الجلاء تفضل, أيعطيه إياها؟ هل قال له الأب: خذ الدرجة الأولى, وخذ هذه الدراجة من عند هذا البائع؟ لا بد من دفع الثمن من قِبل الأب ..
أيها الأخوة الأكارم ؛ الاستقامة بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))
شطرٌ كبير من الاستقامة؛ استقامة اللسان. شروط الاستقامة :
لكن بعض العلماء قال: الاستقامة فيها ستة شروط, والمعنى دقيق جداً, قالَ: اجتهادٌ في العمل، واقتصادٌ فيه، ووقوفٌ عندَ حدود العِلم، وإخلاص للمعبود، ومتابعةٌ للسُنّة.
اجتهادٌ في العمل: أحياناً الإنسان يعمل عملاً شكلياً, صلى؛ هذه الصلاة التي أرادها الله عزّ وجل, صام؛ هذا الصيام الذي أراده الله عزّ وجل, تصدق, دفعَ زكاة ماله, بالعكس عنده بضاعة فاسدة, قدّمها إلى جمعية, وقال: أخي, هذه زكاة مالي, في بضائع الناس ليسوا بحاجة لها، الناس بحاجة إلى طعام وشراب أحياناً، لاحظت ملاحظة بالجمعيات الخيرية, باركَ الله بها جميعاً, لكن كل شيء كسد عند التجار يقدمونه لهذه الجمعيات, من حِسابِ زكاةِ أموالهم, هذا اجتهاد بالعمل, لا والله ليس اجتهاداً، تطاولَ بعض التجار على الله عزّ وجل, وعدَّ الضريبة من الزكاة, شعر براحة عظيمة، طعام كرهته نفسه فقدمه للفقراء, هذا لا يجوز أبداً، الاجتهاد أن تبذلَ غاية الجهدِ.
لهذا قالَ الله عزّ وجل :
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة التغابن الآية: 16 ]
استنفذوا كل استطاعتكم, فهموها فهماً آخر معاكساً, يعني بعض الجهد, الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة التغابن الآية: 16]
أنتَ تريد أن تصلي, فصلِ في غرفة خاصة, لو صليت في غرفة الجلوس, لا بد من أن تنصرف لِما يقال حولك, فلو صليتَ في غرفةٍ خاصةٍ بعيدةٍ عن الأصوات, معنى ذلك: أنك بذلتَ جهداً في هذه العبادة، لو صليتَ وأنت حاقن, أيةُ صلاةٍ هذه؟ صليت وأنت جائع!! فهمتك أن تنتهي من هذه الصلاة .
المقصود: بذلُ الجهدِ في العمل، زكاة مالك دفعتها لأول مستحق دون اجتهاد, يجب أن يُدفع المال لمن هو يستحقه تماماً, ففي دفع الزكاة, بالحج أخذت الرُخص كلها ارتحت.
قالَ: حججنا, صليت العصر بجدة يوم عرفة, ركبنا السيارة, الطرقات فارغة إلى مكة, طفنا طواف القدوم وسعينا, لا يوجد ازدحام, خرجنا من مكة إلى عرفات, الطريق فارغ, أول ما وجدنا الازدحام توقفنا، الشمس ما غابت بعد, غادرنا والطرقات فارغة، هذا هو الجهد يا ترى؟ بالصلاة مثلاً, بغض البصر ..
قالً العلماء: من تصيّد الرُخص من كلِّ المذاهب رقَّ دينه, يتبعُّ أيَّ مذهب بشرط أن يكون فيه رخصة .
بالاستقامة أيها الأخوة ؛ الاقتصاد .
الاقتصاد أن تسلك بين طرفي الإفراطِ والتفريط, أن لا تتعنتَ في الدين، أن تغلوَ في الدين, العوام تقول: لا إفراط ولا تفريط .
مثلاً: أنتَ ورع جداً, غيور جداً على زوجتك، من غيرتك على زوجتك, رفضتَ أن تأخذها إلى الطبيب, أنت أخذتَ جانبَ الغلوِّ في الدين, أنتَ أورعُ من سيد المرسلين؟ أنتَ أشدُ ورعاً من العلماء العاملين؟ فالانحراف عن الاستقامة له مظهرين: إما الإفراط أو التفريط .
الاستقامة أول شرط من شروطها: أن تبذلَ غاية الجهدِ، وثانياً: أن تقفَ الموقف المعتدل بين الطرفين, أنت زاهد, أعرضتَ عن الدنيا إعراضاً كليّاً .
زوجة شكت زوجها لسيدنا عمر, أن زوجها كانَ صوّاماً قوّاماّ, يبدو أنه لم ينتبه لقولها, قال لها: باركَ الله في زوجك، أحد الصحابة انتبه أنها تشكوه ولا تثني عليه, قال: إنها تشكو زوجها, قال: فاحكم أنتَ بينهما, فحكم أن يعطيها كل أربعة أيام يوماً, لأنه لو عنده أربع زوجات, للواحدة منهنَّ حق يوم .
الاستقامة: أن تعطي لكل ذي حقٍ حقه، أن تؤدي الحقوق تماماً، لا أن تُفرّط ولا أن تُفرط.
مرة قال لي أخ: طُلب منه أن يصنع أبيات مصاحف رفض, وهو في أشدِّ الحاجةِ إلى المال, لماذا رفض؟ قال: لأن الذي كلّفه بهذا العمل, ليسَ مسلماً من أهل الكتاب, من قال لك: إنَّ هذه استقامة؟ لكَ أن تتعاملَ معه شِراءً أو بيعاً !!!:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾
[سورة النساء الاية: 171]
من الانحراف عن الاستقامة أن تُفرّط أو أن تُفرط، ما دام الشرع سمح للطبيب الأجنبي, أن يرى المرأة المسلمة, أما إذا في طبيبة أولى, طبيبان مسلم وغير مسلم, المسلم أولى, أما حينما يكون المرض خطيراً, وفي طبيب متخصص بهذا المرض فلا حرج .
سيدنا رسول الله في الهجرة, اختار خبيراً للطريق ليسَ مسلماً, أحياناً الخِبرة لا بدَ منها ..
الصفة الثانية: الاقتصاد, أي السلوك بين طرفي الإفراط, وهو الجورُ على النفوسِ والتفريط بالإضاعة .
النبي ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال:
((رَوِحوا القلوبَ ساعةً بعدَ ساعة, فإنَّ القلوبَ إذا كلّت عَميت))
سيدنا معاذ صلى بأصحاب رسول الله, فأطال الصلاة, فقالَ: ((أفتّانٌ أنتَ يا معاذ؟))
إذا صلى النبي وحده أطالَ الصلاة, أما إذا صلى إماماً, كان أخفهم في تمام صلاته .
في كسب المال, يقول لك: العمل عبادة, أين الصلاة؟ ترك صلاته أو أهمل صلاته, وأهمل دروس العلم كلها, لم يعد يقرأ القرآن, أخي العمل عبادة, أفرط أو ترك العمل من أجل العبادة.
قال: من يطعمك؟ قالَ: أخي، فقال: أخوك أعبدُ منك, لهذا الجسدِ عليكَ حق, ولأهلكَ عليكَ حق, ولأولادكَ عليكَ حق, ولعملكَ عليكَ حق, فأعطِ كلَّ ذي حقٍ حقه.
أحياناً الشيطان : ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾
[سورة الأعراف الاية: 17]
يأتيكَ عن اليمين افعل هذا، دع هذا العمل فيه شبهة، فتبقى بلا شغل، بلا دخل, ضاع، أفتى, حرّم الحلال، بلا مال، ثم جاءه الشيطان, قال له: أنت مستقيم والله لم يعطك شيئاً .
أيام في حالات انتكاس خطيرة جداً، السبب: أنه لم يأخذ المنهج المعتدل، لما ترك العمل, عاش أزمات مالية, تفاقمت في ساعات ضعفه .
وقوفاً مع ما يرسمه العلم، ما معنى الأمر والنهي؟ الأمر أن لا تفعل كذا, والنهي أن تفعل كذا، أراد أن يصوم صياماً طويلاً, لما صام تعطل عن عمله, فاضطرب نفسياً, النبي الكريم أمر بالصيام اثنين وخميس أو ثلاثة أيام في الشهر، فلما زادَ ذلك انعكس على حالته النفسية .
هذه الاستقامة: عملٌ مع بذل الجهدِ، اقتصادٌ بين الإفراط والتفريط، متابعةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إخلاصٌ في هذا العمل، وقوفٌ عندَ الأمر والنهي .
السلف الصالح كانوا يُركزّون على أصلين خطيرين؛ الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسُنّة, قالَ بعض السلف: ما أمرَ الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريطٍ وإما إلى إفراط, ولا يبالي الشيطان بأيهما ظَفِرَ زيادةً أو نقصاناً .
النبي عليه الصلاة السلام يقول لعبد الله بن عمرو بن العاص: (( يا عبد الله بن عمرو, إن لكلِّ عاملٍ شِرّةً .
-شِرّةً: هي الفورة, الإنسان حينما يؤمن, ينتقل من الضياع إلى الهدى، من الشقاء إلى السعادة، من التفلت إلى الانضباط، ما كان يصلي, وجد في الصلاة سعادة كبيرة، لمّا غض بصره, شعر بسعادة ثانية، لمّا حضر مجلس علم شعر بسعادة، هذه سمّاها النبي: الشِرّة, يعني فورة, هذه الفورة رائعة جداً, لكن لها خطران، ولكلِّ شِرّةٍ فترة, بعد هذه الفورة فترة, كما قال سيدنا الصدّيق: بكينا حتى جفت مآقينا, فكل مؤمن له فترة-.
ولكلِّ شِرّةِ فترةً, فمن كانت فترته إلى سُنّةٍ أفلح, ومن كانت فترته إلى بِدعةٍ خابَ وخسر))
فالإنسان وهو في الفورة, يجب أن ينضبط بالشرع, لو فرضنا بالفورة دفع كل ماله, فلما جاءت الفترة ندمَ على ذلك, فامتنع عن دفع الصدقات, انتهى إلى بِدعة .
كلُّ الخير كما قالَ بعض العلماء: في اجتهادٍ باقتصاد وإخلاصٍ باتباع, اقتصاد بين الإفراط والتفريط مع الاجتهاد والإخلاص مع الاتباع, يعني اقتصادٌ في سبيلٍ وسُنّةٍ خيرٌ من اجتهاد في خِلاف سبيلٍ وسُنّةٍ, قال: فاحرصوا على أن تكون أعمالكم على منهج الأنبياء عليهم السلام .
الآن: ما الذي يُخرجُ من الاستقامة؟ قال: الرياءُ في الأعمال يخرج من الاستقامة, الرياء والفتور والتواني, على المستقيم أن يفرّقَ دائماً بينَ الأمر والنهي, والثواب والعقاب, والموالاة والمعاداة, وبين ما يحبه الله وبين ما يبغضه, وبين ما يرضيه وبين ما يسخطه .
مناسبة: نتحدث حديثاً سريعاً عن الحيل الشرعية لأنه الموضوع بالاستقامة, أولاً: بعضهم يحتج بِفعل سيدنا يوسف, لمّا وضع في رحلِ أخيه صواع الملك, وقال: أيتها العير إنكم لسارقون, والقصة معروفة عندكم بهذه الحيلة, احتجزَ أخاه عِنده، فبعض الذين يسلكون الحيل الشرعية, يحتجون بهذا الموقف, مع أن هذا الموقف هو حيلة, ولكن كي يأتي بأبيه وأخوته ليسكنوا عنده في مصر ليكرمهم, إذا إنسان لا يأخذ إطلاقاً منكَ شيئاً, وأنتَ احتلتَ على أن تعطيه على شكل قرض مثلاً, هذه حيلة مقبولة, في حيل رائعة جداً .
إنسان متنعنتاً, وعليك مساعدته, قد تسلك معه حيلةً كي تساعده, فالحيلة في أصلها مشروعةٌ, إن كانت لجلبِ خيرٍ أو لدفعِ شرٍ, أما إذا كانت الحيلة للتحلل من بعضِ أوامر الله عزّ وجل, فهذه حيلةٌ شيطانيةٌ مرفوضة.
مثلاً: من الحيل الشائعة: أنتَ معكَ نِصاب المال, قبل أن يحولَ الحول تَهبُ جزءاً منه لابنكَ, تتفق معه, بعد شهرين يعيد المال لك, يهبُ جزءاً من ماله لشخص قبلَ أن يأتي الحول، النِصاب ما تم، بعد أن يمضيَ الحول, يسترجع هذه الهِبة, هذه حيلة .
الحيلة الثانية: يشتري حاجة من بائع, ثم يردها له بعد مجيء الحول، هذه حيلة في إسقاط الزكاة .
في حيلة في التعامل بالربا: بيع العينة, العينة: أن تضع حاجة أمامك تبيعها ديناً بسعر ونقداً بسعر, تبيعها للمشتري ديناً بمائة ليرة, ثم تشتريها منه بثمانين ليرة نقداً, هذا بيع العينة, هذا رِبا, لكن بشكل بيع وشراء .
أحياناً تطلّقُ المرأة طلاقاً فيه بينونة كبرى من زوجها, فيقوم زواج شكلي, هذا التيس المستعار, يعقد زواجاً شكلياً, ثم يطلّق, ثم تعود لزوجها الأول, أحياناً يُرهنُ العِقار والرهن لا يستعمل, ثم يَهبُ لكَ صاحِبُ العَقار منفعته, أنت أقرضته مبلغاً, وضع عندك عِقاراً رهناً, فأنت سكنت بالعِقار, هذا القرض جرَّ نفعاً, هو على شكل رهن, والرهن لا يستعمل صاحب العِقار, وهبك الانتفاعَ به, عملت حيلة, كسبتَ فائدةً من هذا القرض وهكذا, كلُّ هذه الحيل حرامٌ, لأنها احتيالٌ على الشرع, للتفلت من أوامر الله عزّ وجل, ولكن الحيل الجائزة لجلبِ الخير أو لدفعِ الشر, لجلب الخير كما فعل سيدنا يوسف, احتال على أخيه عن طريق وضع صواع الملك في رحله, ثم فُتشَ هؤلاء, وظهرَ صواع الملك في رحلِ أخيه فاحتجزه, من أجلِ أن يأتي بأبيه وأخوته, ويكرمهم في مصر .
كلُّ حيلة تنتهي بصاحبها إلى التفلتِ من أوامر الشرع, هي حيلةٌ باطلةٌ حرامٌ، أما الحيلة التي تجلب الخير وتدفع الشر, فهي حيلةٌ مقبولةٌ في الشرع .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:16 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع )


الموضوع : منزلة الخلق







تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السابع من دروس مدارج السالكين , منزلة اليوم منزلة الخُلق , وقبل أن نقفَ عند بعض الآيات الكريمة التي تتعلق بالخُلق , منطلقةً من قول الله عزّ وجل واصفاً نبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
أود أن أمهّدَ لهذا الموضوع بتمهيدٍ قصير ...
كما أقول لكم دائماً : مطلبٌ ثابتٌ عندكم جميعاً , وعندي , وعندَ كلِّ إنسانٍ على وجه الأرض ؛ أن يَسلمَ , وأن يَسعد ، ونحنُ في عصرٍ ما أكثرَ الآراء , وما أكثرَ المذاهب , وما أكثرَ التفسيرات , وما أكثرَ الاتجاهات , ففي زحمةِ تماوج الأفكار , واضطرابها , وتداخلها في هذه الزحمة , ما من نِعمةٍ أعظم من أن تكتشف الحقيقة التي أرادها الله عزّ وجل لتكونَ لكَ مِنهاجاً , نِعمٌ كثيرة , قد تنعمُ بالصحة ، قد تنعمُ بوفرة المال , قد تنعمُ بالمكانة ، قد يكون لكَ أهلٌ وأولاد على ما تريد , ولكن تأكد , كلُّ شيءٍ أنتَ تعتز به في الدنيا , ينتهي عندَ الموت , ولكنَ الشيء الذي لا يُقدّرُ بثمن , ولا يعلو عليه , ولا أثمنُ منه , أن تعرف الحقيقة , لأنكَ إذا عرفتَ الحقيقة , عَمِلتَ وفقها , فإذا عَمِلتَ وفقها , سَعِدتَ في دنياكَ وأُخراك .
عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ : (( يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ , إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأهْلِ الْبَقِيعِ , فَانْطَلِقْ مَعِي ))
فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ , فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ , قَالَ : (( السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ , لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ , لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ , أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ , يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا , الآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأُولَى))
(( أقبلت الفِتن كقطع الليل المُظلم ))
كل شيء يمكن أن يزور ، ويُبدّل , ويُغيّر ، فالإنسان في زحمةِ هذه الفِتن , وفي تضارب الآراء , واختلاف التفسيرات , وتعاكس التوجهات , كلٌّ يدعّي وصلاً بليلى , كلٌّ يدعّي أنه على حق , في هذه الزحمة لا شيء أثمن من أن تكونَ على حقٍ فعلاً ، لا شيء أثمن من أن تكونَ على حقٍ حقيقةً ، لذلك العمل أساس السعادة , وأساس صواب العمل , أن تعرف الحقيقة .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ أضربُ لكم هذا المثل , وكنتُ قد ضربته لكم سابقاً :
لو دخلتَ إلى غرفةٍ , وفيها ألفُ قطعةٍ صفراء اللون , بعضها من الذهب الخالص ، بعضها من الذهب بأعيرةٍ متفاوتة , بعضها من النُحاس المُلبس بالذهب ، بعضها من النُحاس المُلمع ، بعضها من أخسّ المعادن , ألا ينبغي لكَ أن تنتقيَ ما كان ذهباً خالصاً ؟.
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ في زحمةِ تضارب الآراء, واختلاف التوجهات, وظهور الفِتن كقطع الليل المُظلم, يتبعُ أولها آخرها, لا بد من معرفة الحقيقة, من هي الجهة في الكون الوحيدة التي معها الحقيقة, معها الحقيقة المُطلقة, معها الحقيقة التي لا زيغَ فيها؛ لا خلل، لا اضطراب، لا شائبة؟ إنها الله, أيّةُ جِهةٍ أرضيّة تخطئ وتصيب, تفلح وتُخفق، تستقيم وتنحرف ، تعطي ما هو صحيح وما هو مغلوط، ما هو مقبول وما هو مرفوض، ولكنَّ الله وحده الحقُّ المبين، ولكنَّ الله وحده الذي خلقَ الكون, وخلقَ الحياة, وخلقَ الإنسان, وسوفَ نعود إليه, ولن نَسعدَ إلا إذا كُنّا على منهجه .
فلذلك ليسَ غريباً، وليس شططاً أن يقفَ الإنسان ليُراجع حساباته، ليُراجع أفكاره، ليُراجع تصوراته، ليُراجع ممارساته اليومية، ليُراجع سلوكه .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أن نعرفَ الحقيقة، أن نعرفَ المنهج, أن نعرفَ القانون الحقيقي, الذي هو يتحّكمُ بالمخلوقات، هو سِرُّ السعادة .
أنت أمام باب عليه أقفال شديدة, تصور لو أردتَ أن تكسِرَ هذه الأقفال, أو أن تخلعَ هذا الباب, أو أن تهدِمَ هذا الحائط, كم تحتاج من جهد, ومن طاقة, ومن ضجيج, ومن خصومات؟ لو جِئت بمفتاح صغير, وزنه عشرون غراماً, وضعته في القفل المُحكم, فضغطتَ هكذا, ففُتحَ الباب, أليسَ هذا العمل أذكى وأرقى وأنجى وأنجح وأربح وأريح؟ كل شيء له مفتاح, السعادة لها مفتاح، التوفيق له مفتاح، أن تُحقق الهدف الذي خُلقتَ من أجله له أسباب, فلما الإنسان يتقصّى الحقائق، يتعرّف إلى خالق الكون، ألف سؤال وسؤال .
أحياناً تقرأ آية : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الروم الآية: 47]
﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 103]
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 141]
هذه الآية, إذا رأيتَ الواقع يُخالفها, فأنتَ أمام تفسيرين؛ إما أن تُكذّب القرآن, وإمّا أن تقول: هذا الكلام لا معنى له, هذا كلام غير واقعي, غير مُطبّق, وقعتَ في الكُفرِ وأنتَ لا تدري, وإمّا أن تسأل هذه الآية: ﴿ولن يجعلَ الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾
ما تفسيرها ؟ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور الآية: 55]
إن رأيتَ الواقع على خِلاف هذه الآية, بِم تُفسّرُ هذا؟ تقول: القرآن شيء غير واقعي, لا يتحقق, كأنه ليسَ كلامَ الله, وقعتَ في الكفر، أم أن تقول: لا بدَ أنَّ هناكَ شرطاً لم يتحقق : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
كل إنسان قال: أنا مسلم, هو مسلم؟ كل إنسان قال: أنا مؤمن, هو مؤمن؟ كل إنسان قال: أنا أفعلُ كذا, هو يفعلُه؟ لئلا تقعَ في مشكلةٍ خطيرةٍ, وهي أن تَشُكَّ في مصداقية القرآن, يجب أن تتنوّر، يجب أن تتحقق، يجب أن تتبصر، يجب أن تقف عندَ المعنى الدقيق للآية، يجب أن تسأل ....: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 43]
يجب أن تتحقق, لأن أخطر ما في الحياة أن تَشُكَ في عقيدتك, أخطر ما في الحياة أن تهتز عِندكَ المُثل، أخطر ما في الحياة أن تَشُكَ في أنَّ هذا الكلام ليسَ كلامَ الله، أو أنه كلام الله, ولكن الواقع ما أكدّه, هذه مشكلة خطيرة جداً . قلتُ لكم سابقاً: أكبرُ مصيبةٍ هي أصغرُ من أن يُصاب الإنسان بعقيدته أو بدينه, فلهذا بعيداً عن تداخل الآراء، عن اضطراب الآراء، عن اضطراب التفسيرات، أريدُ الحقيقة الخالصة، أريدُ المنهج الصحيح الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام, نبعٌ عذبٌ كالماء الزُلال, عذبٌ فرات, سارَ هذا النبع, جاءه عدو من الروافد رفدته, رافدٌ نقيٌّ, ورافدٌ غير نقيّ, ورافد فيه ماءٍ آمنٍ, ورافدٌ فيه فضلات, وصلنا إلى نهاية هذا النهرِ, فإذا هو مياهٌ سوداء, ما العقلُ؟ العقلُ أن أذهبَ إلى النبع .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا يصلحُ آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلَحَ به أولها .
قلت لكم مرة: سيارة توقفت, هذا السائق لو خرجَ من السيارة, وملأَ الجوَ صخباً وضجيجاً وصياحاً وتوسلاً وبكاءاً وعويلاً ودعاءاً, يا رب أنا انقطعت, السلوك علمي, لا والله ، السلوك العلمي أن تفتح غِطاء المُحرّك, وأن تنظر أينَ الخلل؟ .
في مشكلة في العالم الإسلامي, دائماً نشكو, لماذا تشكو؟ الله تخلّى عنّا, هل تخلّى الإله عنّا؟ غير معقول !!:
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 4]
إذاً: هناك خلل في حياتنا، في فهمنا للدين، في استقامتنا، في سلوكنا .
مثلاً: لو أنَّ طالباً على موعدٍ مع امتحانٍ خطير, هناك عشر مواد, لو أنه أتقنَ المواد التسعة, وأهملَ مادة, ولم ينجح، نحن مع احترامنا لجهده, واجتهاده, وتفوقه في هذه المواد التسعة, لكنه لأنه أهملَ المادة الأخيرة العاشرة, هذه الدراسة ذهبت أدراج الرياح، هذا الجهد الذي بذله في أثناء العام الدراسي تلاشى ....
مثل آخر: هذه المركبة من أجل أن تسير, لا بد لها من أجهزة, أهملتَ أحدَ الأجهزة, بقيت في مكانها، ماذا أفادكَ اعتناؤك بها؟ ما أفادكَ شيئاً .
الإسلام مشكلته إما أن تأخذه كله, وإما أن تقطفَ ثماره, هي المشكلة, فكل فرد مبدئياً عليه أن يُراجع نفسه على المستوى الفردي, وجد الطريق مسدوداً، هنا لم يوفق، هنا لم ينجح، هنا لم يتحقق الهدف، بقيت نفسه كنفوس الآخرين, لم ترق نفسه في هذا المجال, في خلل, دينُ الله ينبغي أن يكونَ واضحاً, وينبغي أن يكونَ مقنناً, في قواعد, يهمل الناس هذه القواعد, ويحسبون أنفسهم مسلمين, وكأنهم يعاتبون الله عزّ وجل, إذا بدا لهم أنه تخلى عنهم, ماذا نفذتَ أنتَ من الإسلام؟ هل طبقتَ الإسلام في بيتك؟ هل حررتَ دخلكَ من كلِّ شُبهة؟ هل ضبطت مشاعرك؟ هل كنتَ كما يريد الله حتى تطالبه أن يكون لكَ كما تريد؟ هل أنت على منهجه؟ هل أنتَ في مرضاته؟ هل أنتَ أخذتَ دينه جملةً وتفصيلاً؟ هل طبقّتَ أوامره بحذافيرها؟ إن لم تكن كذلك, لا ينبغي أن تعتب, ولا ينبغـي أن تقول: لِمَ يكونُ هكذا؟ لِمَ يحدث هكذا؟ أينَ الله عزّ وجل؟ .
هذه أسئلة كبيرة جداً, إن لم تملك الجواب الصحيح عليها, فأنتَ في مشكلة, أنتَ تُعامل خالقَ الكون, لو عاملتَ إنساناً, يقول لكَ: لا أستطيع، إمكانياتي محدودة، هذه ليست بيدي، مع هذا الإنسان ألف عذرٍ وعذر أن لا يُنجدكَ, أما إذا عاملتَ الخالق هو مطلق, كن فيكون, زُل فيزول, كلُّ شيء بيده, وخاضعٌ له, بيده ملكوت السموات والأرض, لا يعزب عنه شيء في الأرضِ ولا في السماء .
فإذا دعوتَ الله أن يغيثكَ بالمطر, ولم يغثك بالمطر, معناها في خلل, تقنين الله عزّ وجل ليس تقنين عجز بل تقنين تأديب, أريد أن يأخذ الإنسان الإسلام مأخذاً جِديّاً، أن يأخذه كمعادلات رياضية, أن يأخذه كقوانين حتمية، أن يأخذه كسُنّة كونية، أن يأخذه كمنهج تفصيلي ، أن يأخذه كقواعد قطعية، إذا فهمتَ الدينَ هكذا, قطفتَ ثِمارَ الدين, وكنتَ أسعدَ الناس بهذا الدين, وشعرت بمعنى اسم السلام, الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي, شعرت بالطمأنينة, وملكتَ التفسير الصحيح لِما يجري ...
الإنسان أحياناً بحاجةٍ ماسّة لأن يملكَ التفسير الصحيح لِما يجري حوله, لأنَّ الدين متكامل، الدين يغطي كلَّ شؤون الحياة, يغطي كلَّ نشاطات الحياة، يغطي كلَّ مناحي الحياة، فالدين ليسَ أن تصومَ وأن تُصلي فقط، وليسَ أن تبحثَ عن أحكام البيوع وأحكام كذا، الدين يقدم لكَ تفسيراً دقيقاً للكونِ والحياةِ والإنسان .
فلهذا: يعني سؤال كبير جداً, القرآن الكريم إذا درسناه, يجب أن ندرسه دِراسةً متأنيّة، يجب أن نتدبرّه، ارجعوا إلى كتاب الله في كلِّ شيء, منهجٌ . ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
يعني مثلاً: حينما يتوجه المسلمون إلى أنَّ الدين: أن تؤدي هذه العبادات من صومٍ وصلاةٍ وحجٍ وزكاة, ويغفلُ المسلمُ عن أنَّ الدين هو في استقامة الجوارح, وفي استقامة اللسان, وفي طلبِ الأسباب, والتوكل على الله عزّ وجل, هل يُعقلُ أن يكونَ الدينُ مظهراً للضعفِ؟ لا والله, هل يُعقل أن يكونَ الدينُ مظهراً للخنوعِ، مظهراً للكسلِ، مظهراً للقعودِ؟ لا والله, لذلك نحن إذا طبقّنا أكثرَ أوامر الدين, وأغفلنا بعض الأوامر, ما قطفنا ثمار الدين إطلاقاً ، وأخطرُ ما في الأمرِ أن يعزوَ الإنسان خطأه إلى ربه, الله عزّ وجل كتابه واضح:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 69]
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
[سورة الحج الآية: 38]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 7]
فالإنسان في زحمةِ الفِتن, وفي زحمةِ اضطراب الأفكار والمقاييس, وفي زحمةِ اختلاط الأوراق, وفي زحمةِ تداخل التفسيرات, عليه أن يعودَ إلى النبع, إلى كتاب الله, وأن يقرأهُ, وأن يشعرَ بمصداقيته, لأنَّ كلَّ كلمة قالها الله عزّ وجل, حقيقة قطعيّةٌ ثابتةٌ, الوقائع دائماً تؤكدها, وهذا الكلام أنا متأكد أنَّ كلَّ واحد منكم معه عليه أدلةٌ من حياته اليومية، ما من مصيبةٍ أصابته إلا بسببٍ وجيه، ولأمرٍ خطير, ولِعلاجٍ سريع، فإذا بدأ يفهم على الله عزّ وجل, لماذا كانَ هذا الأمر؟ ولماذا لم يكن؟ لماذا وُفقتُ إلى هذا الأمر؟ ولماذا لم أُوفق إلى هذا الأمر؟ عندئذٍ يشعر أنَّ الدين أعطاه الحقيقة المطلقة التي هي أثمن ما في الوجود, أثمن ما في الوجود أن تعرف الحقيقة, انعكاس الحقيقة على حياتك الخاصة، على حياتك العامة، وعلى حياتك البيتية، وعلى مهنتكَ, انعكاسٌ رائع, وعلى مجموع الأمة . منزلة الخلق :
يلفتُ نظري سيدنا جعفر, سأله النجاشي : حدثنا عن هذه الدعوة التي جاءَ بها نبيكم .
وقفتُ عندَ هذا الكلام ملياً , وأُعيده كثيراً .
يقول :
أيها الملك , كُنّا قوماً أهلَ جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكلُ الميتة , ونأتي الفواحش ، ونُسيء الجِوار , ويأكلُّ القويُّ مِنا الضعيف ، حتى بعثَ الله فينا رجلاً ، نعرف أمانته , وصدقه , وعفافه , ونَسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده , ولنوحده , ولِندعَ ما كانَ يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان , وأمرنا بصدق الحديث , وأداء الأمانة , وصلة الرحم , والكفِّ عن المحارم والدماء .
بربكم : سيدنا جعفر , هذا الصحابي الجليل , ماذا فهم من الإسلام ؟
مكارم الأخلاق , فهمَ الدين خُلق ، فهمَ الدين استقامة ، فهمَ الدين صدق ، فهمَ الدين إخلاص ، فهمَ الدين رحمة ، فهمَ الدين وقوف عندَ حدود الله ، فهمَ الدين توحيد .
هذا الذي يأكل مالاً حراماً , ويتجاوز حدود الله عزّ وجل , ويلبّي نداء المؤذن كلما أذّن , هذا الإنسان ألا يزوّر الدين ؟ ألا يشوّهُ حقيقته ؟.
أذكر قول الإمام عليٍّ كرّمَ الله وجهه : أنَّ قوام الدين والدنيا أربعة رجال :
عالمٌ مستعملٌ علمه , وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم ، قلت : إذا ضيّعَ العالم علمه , استنكفَ الجاهل أن يتعلم .
أنت كمسلم بصراحة أقولها , أنت عند أهلك ، عند والدك ووالدتك ، عند زوجتك ، عند أولادك ، عند أخوتك ، عند جيرانك ، عند من هم دونك ، عند من هم فوقك ، عند أصحابك ، عند زملائك ، عند مجتمعك ، عند بلدتك ، عند أمتك ، أنت محسوب على المسلمين , أنت مسلم , الناس لا يعبؤون بصلاتك ولا بصيامك ، يعبؤون بمعاملتك ، بذمتك ، بصدقك ، بعفتك ، بطهارتك ، بخلقك ، بتواضعك ، بعفوك ، فإذا ما أحبَّ الناس الإسلام من خلال سلوكك فأنتَ لستَ مسلماً ، إذا ما عشقَ الناس الدين من خلالك أنت لستَ مؤمناً ، إذا ما قالَ الناس هذا هو الدين , يا الله ما أروع الدين ! أهذه تربية المسلمين ؟ أهذه تربية الدين ؟ إن لم تكن كذلك فلستَ مسلماً .
لعلك رأيته يصلي في المسجد , قال له : نعم , قال : أنت لا تعرفه , هل جاورته ؟ هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ هل سافرت معه ؟ .
بإمكانك أن تكون أكبرَ داعيةٍ إلى هذا الدين وأنت ساكت, ليرى الناس منكَ العفاف , أنتَ إذا ذهبتَ إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام ماذا ترى؟ ترى أناساً يبكون أمام مقامه, يا ربي هؤلاء ما رأوه، ما عاملوه، ما أخذوا منه شيئاً، ما أعطاهم شيئاً، لماذا هم يبكون أمامه؟ لأنَّ هذا النبي العظيم ما قالَ شيئاً خالفه في سلوكه، ما تكلّمَ كلمةً فعلَ عكسها، كانَ صادقاً مع نفسه، كانَ رحيماً بالناس، كانَ مثلاً أعلى، كانَ قدوةً صالحة .
الإنسان حضرَ مجالسَ العلم, واستمع إلى إلقاء المحاضرة, وتأثرَ بها, ولم يطبّق ما سمع, هذه حالة مرضية, يقسو قلبه, يتعود على السماع بصير, لكن ليسَ مطبّقاً لِما يسمع، لا يقطف ثِمارَ ما يسمع، ثم يملّ, أعطه سيارة لا تسير, يوم غسلها، يوم لمعّها، يوم نظفّها، ما قطف ثِمارها, ثم يملّ منها، أما إذا رَكِبها, ونقلته إلى مكان جميل هوَ وأهله, قطفَ ثِمارها, شعرَ بقيمتها .
أنا الذي أريده: أن تذوقَ طعم القرب، أن تذوق طعمَ الحب، أن تذوق طعمَ الصِلةِ بالله عزّ وجل، أن تشعرَ أن الدين نقلكَ من الجحيم إلى النعيم، أن تشعرَ أن الدين نقلك من الضياعِ إلى اللُقيا، أن تشعرَ أن الدين نقلك من الهموم التي بعضها فوق بعض إلى الإشراقات التي يلي بعضها بعضاً، إن لم تكن أسعدَ الناس فما قيمة هذا الدين؟ أنت مع خالق الكون، لا يحزن قارئ القرآن .
يجب أن يكون شعارنا أيّةُ آيةٍ قرآناها، أو أيّةُ آيةٍ فهمنا تفسيرها، أو أيُّ حديثٍ فهمنا معناه, ينبغي أن يكون شُغلنا الشاغل أن نطبّقه, كي نقطفَ ثِماره، لو حدثّتَ الناس آلاف المرات, بل عشرات آلاف المرات, أنَّ الصدق ينجي, وأنتَ لم تكن كذلك, تملُّ من هذا الكلام, لكن دائماً كن صادقاً حتى مع الحيوان .
هذا المُحدّثُ الشهير, الذي قصدَ البصرة من المدينة, فلما رأى الرجل الذي جاء ليأخذَ عنه الحديث, قد كذبَ على فرسه, سكت وعاد إلى حيثُ كان, هذا الذي يكذب على فرسه, ليسَ أهلاً أن يكونَ مُحدثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أنا أقولها لكم بصراحة: يجب أن يكونَ بيتك جنّة, كيف فعل النبي؟ كان إذا دخلَ بيته بسّاماً ضحاكاً، هدفه الأكبر أن يهدي أولاده، أن يهدي أهله، يجب أن يكون عملك خلية نحل, يجب أن يتعلم الناس من تعاملك التجاري؛ الصدق والاستقامة والرحمة والنزاهة والأمانة, هذا الذي نعوّلُ عليه, سمعنا كلاماً كثيراً, خُطباً رنانة, كتابات رائعة، بلاغة ناصعة، أفكاراً مُنظمة ، ولكنَ التطبيق هو الذي نحن نُقصّرُ فيه .
لذلك : ترى المساجد ملآى , وهناك من يشكو الكذب والاحتيال , وأن تأخذَ ما ليسَ لكَ , وأن تبغي على شريككَ , على خليقكَ , يجب أن يكون البيت جنّة , والعمل في نزاهة , وفي كلّ مكان صحيح .
الآية الأولى : وإنك لعلى خلق عظيم .
نقيم الناس, فنصف بعضهم بالغنـى، وبعضهم بالقـوة، والآخـر بالذكاء، ورابعهم بالحِنكة والسياسة, فلان نَصِفه بالجمال، أو بالصحة، أو بتحصيل أعلى الشهادات، ولكنَّ هذا النبي الإنسان الأول, المخلوق الأول, وصفه ربه :
﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾
فسّرَ هذه الآية : وإنكَ لعلى دينٍ عظيم , يعني جعل الخُلق هو الدين , وجعلَ الدين هوَ الخُلق , وكلاهما يعني شيئاً واحداً , أنتَ أخلاقي , أنتَ مؤمن , هذا تفسير ابن عباس والإمام مجاهد , وإنَكَ لعلى دينٍ عظيم , بأنَّ هذا الدينَ كله مكارمُ أخلاق .
سيارة ألغينا مُحركها, الأبواب ممتازة، المقاعد وثيرة، العدادات متألقة، الطِلاء لماع، المُحرك من السيارة, يعني ألغينا السيارة, في طيارة عند الشيخ رسلان, هذه طائرة؟ هذه مطعم وليست طيارة, لأنها لا تطير, الطيارة تطير .
أقول لكم: إذا ألغينا الأخلاق، إذا ألغينا الخُلق الحسن، إذا ألغينا السموَ النفسي، إذا ألغينا الطهارة القلبية من الدين, فقد ألغينا الدين كله .
أروع تفسير للإمام مجاهد وابن عباس : ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾
الدين هو الخُلق والخُلق هو الدين. هذه أول آية .
الإمام الحسن قالَ: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾
الآية الثانية: ادفع بالتي هي أحسن ....
وإنكَ لعلى آدابِ القرآن، القرآن بينَ أيديكم قال لك:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[سورة فُصلّت الآية: 34]
الآية الثالثة : وقولوا للناس حسنا .........
هذه الآية ليست كي تقرأها وتأتي بأحكامها, لا, كي تدفعَ بالتي هيَّ أحسن:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 83]
الآية الرابعة : خذ العفو وأمر بالعرف .....
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 199]
الآية الخامسة : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
يجب أن تقرأ القرآن قراءةً , تستنبط منها آيات الأخلاق .
مرة حدثناكم, أتمنى على كلِّ أخٍ كريم أن يقرأ القرآن, ليستنبطَ من هذه القِراءةِ الأوامر والنواهي، وأن يقرأ القرآن ليستنبطَ من هذه القِراءة القوانين والسُنـن، وأن يقرأ القرآن ليستنبطَ منه مكارمَ الأخلاق, هذا الذي أتمناه على كلِّ أخٌ كريم, أن يجعلَ هذا القرآن وما فيه من قيّمٍ أخلاقيّةٍ دستوره . الآية السادسة : وعاشروهن بالمعروف ......
زوجتك:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 19]
افتح التفسير: ليست المعاشرة بالمعروف, أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها, بل أن تحتمل الأذى منها, هذا دينك, دينك مع زوجتك, أن تحتمل الأذى منها، دينك مع أولادك, أن تُحسنَ إليهم .
الآية السابعة : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ............
دينك مع والديك :
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 8]
دينك مع جارك، دينك مع السائل، دينك مع الفقير . خلق النبي :
درسنا الآن :
﴿إنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾
إنكَ لعلى آداب القرآن, ما هذا الأدب؟ قالَ: أدبّني ربي فأحسنَ تأديبي .
وتأديب الله للنبـي عليه الصلاة والسلام توجيهاته في القرآن الأخلاقية، والسيدة عائشة تقول: كانَ خُلُقهُ القرآن .
الإله عادل، إذا الناس أفلحوا جميعاً, جاء الخير للمجموع، وإذا أبَوا جاء الشر .
عَجِبَ ربكم من قومٍ يساقونَ إلى الجنةِ بالسلاسل ، من أطاعني دخلَ الجنة , ومن عصاني فقد أبى .
أنا أدعو إلى الله, أنصحُ الناس, ولكن إذا رأيتُ إعراضاً من الناس, وتفلتاً, وانكباباً على حُطام الدنيا, وتشبثاً بالشهوات, ماذا أفعل؟ أنغمسُ معهم؟ لا والله, هذا الذي أتمناه على كلِّ أخ، إن يئستَ من مجتمعك فعليكَ بنفسك، إن يئستَ ممن حولك, فعليكَ بخاصةِ نفسك ودع عنك أمرَ العامة، إذا رأيتَ شُحاً مُطاعاً, وهوىً متّبعاً, وإعجابَ كلَّ ذي رأيٍ برأيه, فعليك بنفسك, كل إنسان يرى نفسه مِحور العالم, كل إنسان متشبث, كل إنسان مادي وشهواني وأناني, وأنا هذا رأيي, وأنا صحيح, وأنت غلطان, حينما ترى الأمور اختلطت وتداخلت, والفِتن استعرّت, عليكَ بخاصةِ نفسك, بمعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 105]
إنكَ لن تستطيعَ أن تفعلَ شيئاً قبلَ أن تُصلحَ نفسك, لا تقدر أن تؤثّر بمخلوق كائناً من كان, قبلَ أن تكون أنتَ في المستوى المطلوب, علينّا أن نهتم بأنفسنا، نهتم بزوجاتنا، ببناتنا، بأولادنا، ببيوتنا, إذا كلّ واحد منكم جعلَ بيته إسلاميّاً, هذا الطريق الصحيح, لأنه الضجيج والعويل والصُراخ لا يفعل شيئاً, كالذي وقفت سيارته, فجعلَ يصرخ, ويستغيث, ويعاتب الأقدار, ويتألم, ويبكي, افتح غطاء المحرك, وانظر أين العطل؟ وهذا المجتمع أساسه البيوت، أساسه الأسرة، الأسرة هي اللَبِنةُ الأولى، إذا أردتَ أن تنجوَ من عذاب الله، إذا أردتَ أن تنجوَ من الفِتن, إذا أردتَ أن تنجوَ من المِحن، إذا أردت أن تنجو من البلاء: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة فُصلّت الآية: 18]
سيدنا يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 87-88]
هذه الآية الكريمة: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾
إنكَ لعلى دينٍ عظيم، والمعنى الثاني: إنكَ على آدابِ القرآن .
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ((أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ, أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ, قَالَتْ: لا تَفْعَلْ, أَمَا تَقْرَأُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
؟ فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَدْ وُلِدَ لَهُ)) في نقطة دقيقة: نسمع دروساً عشرين سنة، في كتب، في أشرطة، في مؤلفات، في خُطب، يعني في ذخيرة إسلامية لا يعلمها إلا الله, ومع ذلك هناك تقصير، هناك تفلت, هناك تسريب لبعض الشهوات، تجد مستودعاً فيه ثقب, مهما تملؤه تجده فارغاً, اسمع مليون خطبة فالعبرة بالتطبيق، العبرة بالانضباط، ادخل إلى البيت, وافتح دفترك، أين المخالفات؟ المخالفات المتعلقة بالزوجة في خروجها، في مظهرها، في الاختلاط، في العلاقات، بالبنات، بالأولاد، بعملك، بكسبك, في ذممك، في واجباتك. ((يا سعدُ, أطب مطعمكَ تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
أطب مطعمك, أفضل شيء أن نعود إلى التطبيق, كي يتجلّى الله على قلوبنا، كي نشعر بنعيم الدين، كي نشعر بلذّةِ القرب، كي نشعر باطمئنانِ الحب .
قال: الآية الكريمة:
﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾
قال: هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق كلها, خذ العفو: أنظر لكلمة خذ، أنت معقول أن تعطي إنساناً شيئاً مؤذياً, خذ هذه الساعة, هذه إلكترونية، خذ هذا القلم، خذ هذه القطعة من الذهب، خذ هذه القطعة من الماس، كلمة خذ من خالق الكون, الملك ماذا يعطي المتفوق أو البطل؟ يعطيه قلم رصاص, يعطيه بيتاً، يعطيه سيارة، كلمة خذ من الله, معناها شيء عظيم جداً, ماذا تأخذ؟ خذ العفو .. موقف شديد الإيلام: عندما ذهب النبي إلى الطائف, ودعا أهلها, فسَخِروا منه، كذبوا دعوته، ردوّه ردّاً قبيحاً, ضربوه بالحجارة, ماذا قال؟: اللهم اهدِ قومي, لم يتخل عنهم, لم يقل: اهدِ هؤلاء, لا .
اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون .
ثلاثة أشياء بالدعاء: لم يتخل عنهم، واعتذرَ عنهم، ودعا لهم، أنت عندك الإمكانية أن تفعل هذا, إذا أصابك شر من إنسان, تتمنى أن تقطعه إرباً, أليسَ كذلك؟.
﴿خذ العفو وأُمر بالعرفِ وأعرض عن الجاهلين﴾
اُعفُ عمن ظلمك، اُعفُ عمن أساء إليك, يقولون: أنَّ هذه الآية الكريمة, النبي عليه الصلاة والسلام وقفَ عِندها, فسألَ جبريل: ما هذا؟ قالَ جبريل: لا أدري حتى أسأل، فسألَ جبريل ربه, ثمَ رجعَ إليه, فقالَ: يا محمد, إنَّ الله يأمركَ أن تصلَ من قطعك، وأن تعطيَ من حرمك, وأن تعفوَ عمن ظلمك.
هذه خذ العفوَ، هذا الذي قطعكَ زره في بيته، هذا الذي حرمكَ أعطه، هذا الذي ظلمكَ اعف عنه، هذه الآية جمعت مكارم الأخلاقِ كُلها, إذا قُلنا: كٌلِها على الأخلاق, لأنَّ كلمة مكارم جمع وأخلاق جمع, جمعت مكارم الأخلاق, إذا قلنا: كُلّها على المكارم، إذا قلنا: كُلِها على الأخلاق . وأُمر بالعرفِ: العُرف ما جاء به القرآن, ما جاء به الشرع، أنت كمؤمن لن تستطيع أن تدعوَ إلا إلى الشرع, لأنَّ الشرع شرعُ خالق الكون، الشرع تعليمات الصانع، الشرع تعليمات هذه الآلة, فإذا أحببت نفسكَ وأُمر بالعرفِ .
لكَ أعداءٌ كثيرون، قال له: يا ربي - سيدنا موسى بالمناجاة- يا ربي لا تبقِ لي عدواً، قالَ: يا موسى هذه ليست لي .
لكَ أعداء، لكَ خصوم، لكَ حاسدين، لكَ ناس منتقدين .
﴿وأعرض عن الجاهلين﴾
ارتفع عن هذه المرتبة, اصعد إلى مستوى أرقى, لا تكن في هذا المستوى . ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾
﴿خذ العفو وأُمر بالعرفِ وأعرض عن الجاهلين﴾
قال أنسُ رضي الله عنه: ((كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناسِ خُلقاً))
حُكي لنا عن رجل, كان مفتي قبل خمسين عاماً في هذه البلدة, وكان من الصالحين الأتقياء, قال: كان قاضياً, دخلت عليه امرأةٌ, يبدو أنها وهي تصعد الدرج, خرجَ منها صوتٌ قبيح، فاحمرَّ وجهها, وخَجِلت خجلاً شديداً, وقالت لأختها: سمعنا القاضي, وتألمت كثيراً، فلما وصلت إليه, سألها عن اسمها, فأجابته، قالَ: ما سمعت, ارفعي صوتك يا أختي, أنا لم أسمع، رفعت صوتها, فقالَ لها: أنا ما سمعت, أنا لا أسمع, قالت لها: شايفة معناها ما سمعنا, خُلق هذا، خُلق عظيم, خجلت, لا تحرجها، كلما ارتقى مستواك, لا تُحمّر وجه أحد، لا تُحرج أحداً.
النبي عليه الصلاة والسلام لمّا كان مع أصحابه, وقد تناولوا لحمَ جَذور, وأصحابه كلهم أعلام, فظهرت رائحة كريهة, وكانوا جميعاً قد توضؤوا, وصلّوا الظهر, وتناولوا الطعام, وها قد أذنَّ العصر, من هذا الذي سيقوم ليتوضأ؟ هذا يتمنى أن تنشقَّ الأرض وأن تبتلعه, فقالَ عليه الصلاة والسلام: كلُّ من أكلَّ لحمَ جذورٍ فليتوضأ, فقالوا: كُلنا أكلنا, قالَ: كلكم فليتوضأ .
ما هذا؟ من أين تأتي بهذا الخُلق؟ تجد بعض الناس, يهمه أن يُحرج غيره، يضايقه، يكذبه أمام الناس, أوقعه في موقف حرج .
من جاءه أخوه متنصّلاً, فليقبل منه مُحقاً كان أم مُبطلاً, كإنسان مؤمن يقول لك: أنا لم أتكلم هذه الكلمة على العين والرأس, فعلاً أنتَ لم تتكلمها وأنا قَبِلت, لا يوجد شيء يرفعكَ إلا أن تكونَ أخلاقيّاً .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْن,ِ كَانَ عَرَقُهُ اللُّؤْلُؤَ, وَكَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ, وَمَا مَسِسْتُ دِيبَاجًا قَطُّ وَلا حَرِيرًا وَلا شَيْئًا قَطُّ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِهِ))
يعني أيام تمسك يد شخص, تجدها خشنة كالمبرد، في أشخاص لهم عمل بالأقمشة, فتجد يده ناعمة, يعني عنده حساسية بالغة ..
قال سيدنا أنس: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألينَ من كفِّ رسول الله، ولا شممت رائحة قطُّ أطيبَ من رائحة رسول الله، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ.
تجد أناساً يطرقون, يغضبون, يكسرون الصحون, ويسبّون, ويشتمون, ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ, وما قالَ لشيءٍ فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟ متفقٌ عليه, هذه أخلاق رسول الله .
يا ترى أنت مع الناس هكذا؟ مع أخوانك، مع أولادك، مع جيرانك، مع زملائك، عندك هذا اللين، الرحمة، العطف, يسألون: أنت من شيخك؟ أين تحضر؟ خذنا معك, الآن بالعكس: يقول لك: هذا الذي علّمك شيخك؟ عندما تغلط معه, يقول: هذا الذي تعلمته بالجامع؟ هكذا الدين؟ يجب أن يشتهي الناس أن يكونوا مثلك .
عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأنْصَارِيِّ, سَأَلْتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ, قَالَ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ, وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ, وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
هل لاحظتم في كل حياتكم إنساناً يمزج الماء وبالحليب أمام المشتري؟ لا أحد يعملها, أين يضعون الماء بالحليب؟ بالمنزل يعملون هذه العملية, فكل شيء تكره أن يطّلعَ عليه الناس فهو إثم, المؤمن يصل لدرجة ما في عنده ازدواجيّة أبداً, داخله مثل خارجه, بمنزله مثل الطريق, سريرته كعلانيته, ما في قلبه على لسانه, ما في لسانه في قلبه، لن تكونَ مؤمناً صادقاً إلا بالتوحّيد, أما الازدواجيّة موقفين، لسانين، موقف مُعلن، موقف حقيقي, هذا الموقف الازدواجي، وهذا الموقف التمثيلي، وهذا الموقف الخُلّبي، وهذه تتكلمها وتحلف بالله وأنتَ لستَ كذلك, ليسَ هذا من الدينِ في شيء .
((البِرُّ حُسنُ الخُلق, والإثمُ ما حاكَ في صدركَ, وكرهتَ أن يطلّعَ عليه الناس))
هذا مقياس .
وفي الترمذي: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قـَالَ: ((مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ, وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ))
إذا بالغ الإنسان في الاستقامة, وبالغ بالتمسك بمكارم الأخلاق، يصل لدرجة يشعر أنَّ الله يحبه, هذا الشعور لا يُقدّر بثمن, كأنه غالٍ على الله, يشعر عندما قال الله: فإنكَ بأعيننا, كأنه كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 96]
أن يكون له مودة مع أعلى إنسان بالبلد, يدخل عليه متى شاء, تجده يخوّف الناس كُلّهم, فما بالك إذا كان خالق الكون يحبك؟ يرضى عنك؟.
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾
[سورة الفتح الآية: 18]
ألا تغار من الصحابة الكِرام؟ والباب مفتوح أن يرضى الله عنك، مفتوح الآن في هذا العصر، ليس لكَ زوجة، ليسَ لكَ أقرباء، ليسَ لكَ أخوات, ليسَ لكَ أم، ليسَ لكَ أب، ليسَ لكَ جيران، ليسَ لكَ مهنة تكون نصوحاً فيها, صادقاً فيها, كريماً, رحيماً.
أيام تدخل امرأة فقيرة على صيدلية, ينقصها ليرتين, يقول: اذهبي وأحضريهما، ليرة أيام اذهبي وأحضريها، تكون امرأة عجوز, أليس عندكَ رحمة؟ قل: سامحتك ..
فكلما ارتقى الإنسان ينشأ في قلبه رحمة، ينشأ تسامح، ينشأ عطف، وهذا كله من الخُلق، تقل مُبالغ في الموضوع ..
كتاب قرأته قِراءة متينة جداً وحفظته, تناقش فيه كلّ الناس, لا تظن أنَّ الله راضٍ عنك ، العلم ضروري جداً, والعالم على العين والرأس، أما لو كان الذي قرأ الكتاب وحفظه وفهمه أخلاقه سيئة ما أُفلح .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: تَقْوَى اللَّهِ, وَحُسْنُ الْخُلُقِ, وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ))
هذا اللسان؛ الكذب، الغيبة، النميمة، السخرية، الفحش، البذاءة، الدجل، التزوير، التدليس, سُباب، شتائم، هذا اللسان .
الفم: أهم شيء الداخل من لقمة حرام, والخارج من كلمة سوء.
أكثر ما يُدخل الناس النار الفمُ والفرجُ, شهوة الطعامِ وشهوة الفرجِ, وأكثر ما يُدخل الناسَ الجنة: تقوى الله وحُسنُ الخُلق .
عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ))
صام يوم عاشوراء, وخلقه ضيق, وآخر لم يصم، الأخلاقي الذي خلقه حسن لو لم يصم سبق الصائم، واحد صلى قيام الليل, وفي اليوم الثاني خلقه ضيق ويسب ويشتم, والذي لم يصل قيام الليل وبقي نائماً, وفي اليوم الثاني خلقه حسن أفضلُ منه، أما الأفضل من هذا وذاك, من صلى قيام الليل وكان خلقه حسناً, هذا أفضل طبعاً . عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا, وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ, فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هناك جبابرة, المتكبرون مقطوعون عن الله عزّ وجل .
هذا الموضوع طويل إن شاء الله, يحتاج إلى درس قادم, على كُلٍ؛ من الأخلاق الأساسيّة: الصبر، والعِفة، والشجاعة، والعدل، ومن أساسيات الانحرافات الأخلاقيّة: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب, وأساس الأخلاق: أن تكونَ بين الإفراط والتفريط، هذه كلها موضوعات إن شاء الله نأخذها في درس قادم .
على كلٍ؛ ليس لهذه الدروس من قيمةٍ إطلاقاً, إلا إذا تجسدت في السلوك، إلا إذا طُبقت في البيوت, إلا إذا طُبقت في الطريق، إلا إذا طُبقت في الحوانيت، في الدوائر، في المعامل، في المصانع، في المتاجر، في المزارع, إلا إذا طبقتَ هذه الأخلاقَ في حياتكَ اليومية، عندئذٍ تقطفُ ثمارها .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن )


الموضوع : السماع









منزلة السماع :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن من دروس مدارج السالكين, منزلة اليوم هي: منزلة السماع, الإنسان لـه نشاطات أساسية، فهو يتكلم, فهناكَ أحكامٌ كثيرة جداً ذكرهـا النبي عليـه الصلاة والسلام متعلقـةً بالكلام؛ الغيبة، والنميمة، والفُحش، والبذاءة، والتغرير، والكِبرُ، وما شاكلَ ذلك, وحسبكم قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]
الحديث والكلام نشاطٌ أساسي من أنشطة الإنسان, النظر أيضاً نشاط من أنشطة العين, لذلك وردت آياتٌ وأحاديث تتعلق بموضوع النظر، لكن منزلة اليوم هي: منزلة السماع . .
كلكم جميعاً أتيتم إلى بيتٍ من بيوت الله ، أتيتم لماذا ؟!!
كي تأكلوا ؟!! لا والله .
كي تتكلموا ؟!! لا .
كلكم يسمع .
إذاً : السماع نشاط , نشاطٌ أساسي أن تستمع .
هناكَ أماكن لهوٍ يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى الموسيقا .
هناك أماكن أخرى يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى حِوار بين الممثلين .
هناك أماكن يأتيها الناس من كلِّ جانب يستمعون فيها إلى الغناء .
هذه الأذن لها نشاطات عديدة ، أما أن تأتي بيتَ الله عزّ وجل لتستمعَ إلى الحق , فهذا نشاطٌ أثنى الله على فاعليه .
قبلَ أن نَخوضَ في الموضوع , أريد أن أضع بين أيديكم هذا المثل , يعني أنت إما أن تأتي إلى بيتٍ فيه طبخٌ نفيس, فتأكلَ من الطعام ما لذَّ وطاب, دون أن تبذلَ جهداً إطلاقاً, تجلس على المائدة، توضع لكَ المقبلات، ألوان الطعام الفاخر، تأكل، تتذوق، تشعر باللذة، تُحس بالشبع، وإما أن تذهبَ إلى السوق, وأن تختار الخضار، وأن تغسلها، وأن تُقطّعها، وأن تطبخها، وأن تنتظر الساعات الطويلة كي تنضج، يعني إما أن تصنع طعاماً أنت, وإما أن تأكله جاهزاً، فإذا أردتَ أن تُفكّرَ أنتَ في الكون، أن تستخدمَ عقلكَ في الكون، أردتَ أن تتأمل, أردتَ أن تبحثَ بحثاً ذاتياً, فهذا نشاط العقل، أو أن تستمعَ إلى الحق جاهزاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾
[سورة ق الآية: 37 ]
سنأتي بعدَ قليل على مرتبة السماع، أتكفي وحدها أم أنها مفتاح العِلم؟ بعد قليل يتضحُ كلُّ هذا, على كُلٍ؛ السماع اسمُ مصدرٍ كالنبات، الله سبحانه وتعالى أمرَ به .
أنتم الآن تُنفذونَ أمرَ الله عزّ وجل, الله سبحانه وتعالى أمرَ به في كتابه, وأثنى على أهله, وأخبرَ أن البشرى لهم .
نحن اليوم في منزلة السماع , عبادةٌ من أرقى العبادات .
أن تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله , وتُلقي أذناً صاغية . الآية الأولى :
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[سورة البقرة الآية: 285]
الآية الثانية :
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة الزمر الآية: 18]
هذه آية خبر, لكنها جاءت في معرضِ الأمر . الآية الثالثة :
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة مريم الآية: 38]
صيغة أسمع بهم , هذه صيغة تعجب ، تقول : ما أعدلَ القاضي أعدلّ به ، ما أجملَ القمرَ أجملّ به ، فصيغة أجملّ به , هذه صيغة من صيغ التعجب , يعني ما أشدَّ صممهم في الدنيا ! وما أشدَّ سمعهم في الآخرة !.
﴿أسمع بهم وأبصر﴾
كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب :
إذا قرأت القرآن, لا تظن أنَّ الأمر؛ أن تصومَ, وأن تصلي, وأن تَحُجَ, وأن تُزكي، أيّةُ صيغة أمرٍ في القرآن تقتضي الوجوب، مرتبتها كمرتبـة الصلاة، إذا قرأتَ القرآن ومرّت بكَ صيغة أمر, فعل أمر, أو فعل مضارع قبله في لام الأمر, أو صيغة خبرية جاءت في معرض الأمر مثلاً : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 233]
يعني: أيتها الوالدات أرضعنَّ أولادكن، يجب أن تعرفَ معنى الأمر في البلاغة، في أمر وجوب, وأمر ندب, وأمر تهديد, وأمر استحسان, وأمر إنكار .. إلى آخره، لكن يجب أن تعرف أنَّ هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب .
الآية الرابعة :
إذا تلوتَ قوله تعالى :
﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 108]
اسْمَعُوا : فعل أمر . ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ﴾
الآية الخامسة :
وقال تعالى :
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة التغابن الآية: 16 ]
الآية السادسة :
وقال تعالى :
﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 46 ]
الآية السابعة :
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة الزمر الآية: 17-18]
الآية الثامنة :
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 204]
السماع هنا غير الإنصات ، السماع شيء والإنصات شيء آخر , قد تنصت وعقلكَ يجول في موضوعاتٍ شتى ، أما الأمر أن تستمع وأن تُنصت ، يعني أن تسكت وأن تُعمِلَ فِكركَ في هذا الذي تسمعه ، أن تتدبر هذا الذي تسمعه .
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾
الآية التاسعة :
وقال:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 83]
يعني أنت إذا ارتديت ثيابك , وأتيتَ بيتَ الله عزّ وجل , لتمارسَ عبادةً اسمها السماع , فأنتَ في عبادة , وأنتَ في ذِمة الله , والملائكة تضعُ أجنحتها لكَ يا طالبَ العلم , وهم في مساجدهم والله في حوائجهم ، ست آيات أنتَ مأمورٌ أن تستمع .
الفرق بين الإسماع والسماع :
أما البِشارة التي سأزفها لكم : أنَّ الإسماعَ من الله , والسماعَ من العباد , دليلٌ قطعيٌ على أن الله عَلِمَ في الإنسان الخير، ما دام قد أسمعكَ الحق، ما دام قد سمحَ لكَ أن تأتي إلى بيت الله، ما دام قد أنطقَّ المُتكلّم بالحق, وجعلك تستمع الحق, فهذه بِشارةٌ لك , الدليل :
الإسماع من الله والسماع من الإنسان دليل خيريّة الإنسان , دليل قطعي , يعني ما دام الله عزّ وجل ساقكَ إلى بيت الله , وأنطقَ المتكلّم بالحق , وجعلكَ تستمعُ إليه ، قبلَ أن تفعلُ شيئاً , ما دامَ هذا قد حدث , فهذا دليلٌ قطعيٌ على أن الله :
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 23 ]
الآية هذه فيها دليل قطعي ، حينما ساقكَ إلى سماعِ الحق , وحينما أنطقَ المتكلّم بالحق , فهذا دليلٌ قطعيٌ وبِشارةٌ أزفها إليكم جميعاً , والدليل : القرآن الكريم :
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾
لو أنه أسمعهم وليسَ فيهم الخير ماذا يحدث ؟ أسمعته الحق وليسَ فيه الخير ماذا يحدث ؟ . ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
أعرضوا، استهزؤوا، سخروا، سئموا، ملّوا، استكبروا، هذا كلام نعرفه، هذا كلام ليسّ لهذا الزمان، مشغولون، عندنا أعمال كثيرة جداً. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
الله سبحانه وتعالى أخبرَ عن أعدائه أنهم هجروا السماع , فقالَ تعالى :
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾
[سورة فُصّلت الآية: 26]
بيّنوا أخطاء ، بيّنوا تناقضات . ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ ﴾
هؤلاء الذين ينهون عن السماع هم أعداء الله عزّ وجل، فكلّ إنسان يصرفكَ عن مجالس العلم، يثنيكَ عن حضورها، يُزهّدكَ فيها، يُقللُ شأنها في نظرك، يُبعدكَ عنها، يدعوكَ إلى سمر, إلى طرب, إلى نزهة, على حساب هذه المجالس, هذا من أعداء الله عزّ وجل بالآيات القرآنية القطعية .
أيها الأخوة ؛ العلماء يقولون : إنَّ السماع رسول الإيمان إلى القلب ، السماع رسول وداعيه ومُعلّم ، وكم في القرآن من قوله : أفلا يسمعون ؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة الحج الآية: 46]
ربما كانت النجاة في سماع الحق, الإنسان قد يبلغُ صدقه درجةً, يبحثُ هو عن الحق بدافعٍ ذاتي؛ يتأمل، يفكر، يبحث، يناقش، يحاور، هذا الحق, هذا الصدق في طلب الحق، إذا بلغَ مرتبةً عاليةً, صارَ صاحبه يبحثُ ذاتياً عن الحق, مبادرةً منه, في درجة أقل؛ أنكَ إذا سمعتَ الحق تُسرُّ به، جاءك الحق جاهزاً, كما قلتُ قبل قليل: إما أن تأكل طعاماً طيباً لذيذاً نفيساً دونِ جهدٍ, ولا دفعِ ثمنٍ, ولا طولِ وقتٍ, ولا معاناةٍ, ولا مشقةٍ, وإمّا أن تصنعَ أنتَ الطعام.
هناك وضعٌ يجمعُ بين الشيئين, أنا الذي أراه: أنَّ البحثَ الذاتي لا يُقدّرُ بثمن, ومن أخذ البلاد بعد حرب, يهون عليه تسليم البلاد, كلّ شيء يأتيك بلا جُهد, تنساه سريعاً، تزهد به كثيراً، يتفلتُ منك، أما الذي يأتيكَ بجهدٍ جهيد لا تنساه أبداً, هل هناكَ حلٌ للجمعِ بينَ ميزةِ السماع السهلة البسيطة وبين ميزة التأمل الصعبة؟ قدّرَ الله عليك أن تستمعَ إلى الحق, لا أن تصنعه، لا أن تؤلفه، هل هناكَ من حالةٍ بالإمكان أن أجمع بين ميزات السماع وميزات العقل والتأمل؟ أن أحضر مجالس العلم, وأن أتأمل فيما قيل, وأن أُناقش, وأن أُدقق, وأن أُحقق, وأن أسأل, وأن أستوضح, وأن أُقيّم, وأن أُثمّن, وأن أُحاور, وأن أكتب, وأن أقول؟ عندئذٍ تتبنى هذه الأفكار .
لا بد للأخ الكريم من جلسةٍ في الأسبوع، إما وحده أو مع صديقٍ له، يتذكرُ ما قيل، يناقش فيما قيل، يُرسّخُ ما قيل، هل حولَ هذا التوجيه دليلٌ قرآني؟ يعني أنت مأمور بعد ما حضرت مجلس علم وتعبت, مأمور أن تقعد مع أخيك، أو مع زوجتك، أو مع صديقك، أو مع من يلوذ بكَ, وتقول له: تعالَ ندرس ماذا قيلَ في هذا الدرس؟:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 46]
من رسول الله، في هذا القرآن، في هذه السُنّة . ﴿ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾
نحن بحاجةٍ إضافةً إلى سماع مجالس العلم, إلى جلسة، إلى تأمل، إلى تحقق، إلى تبصر، إلى تدقيق، إلى سؤال، إلى جواب، إلى محاورة، إلى تفحص، إلى تفنيد, هذه كلها من دواعي أن يرسخَ العلم .
لو فرضنا أنكَ تحضر مجلس علم منذ عشر سنوات، لو كنتَ في سهرةٍ, في ندوةٍ, في احتفالٍ, في نزهةٍ, وأنت مظنة صلاح, وأنت طالب علم, وأنت من تلاميذ فلان, وأنت من رواد المساجد, يقولون لك: أخي حدثّنا تفضل, يجد نفسه لا يستطيع أن يقولَ شيئاً, أين هذه الدروس؟ أين إعجابك؟ أين تأثرك؟ أين بُكاؤك؟ هذه مشاعر آنيّة رافقت الدرس, أما إذا جلستَ جلسةً متأنيّة, تأملّتَ فيما قيل، راجعتَ ما قيل، تبصّرت فيما قيل، دققت، تحققت، سألت، أجبت ، ذاكرت، هذه الحقائق تملكها .
هناك شيء تسمعه ويتفلتُ منك, وهناكَ شيء تملكه, الذي أراه أنكَ إذا تأملّتَ فيما سمعت وحدكَ أو معَ أخيك, فهذا من أسباب أن تملك الذي سمعته .
تقرأ كتاباً ممتعاً جداً، تقرؤه خلال أربعة أيام، وأنتَ في غاية المتعة، قرأته وانتهى الأمر، لو قالَ لكَ إنسان: ماذا فهمتَ من هذا الكتاب؟ تقول له: واللهِ كتاب رائع، كتاب ممتع، كتاب لطيف، استمتعتُ به, ماذا تذكر من أفكاره؟ هنا تقع في حرج, والله يا أخي لا أتذكر شيئاً, هذه القراءة بهذا الجهد البسيط لا تجدي, ولا تُقدّم ولا تؤخّر، أما لو كلما قرأتَ فكرةً, وقفتَ عندها, وتأملتها, ولخصّتها, ملكتَ الكتاب, وأنتَ في الطريق، وأنتَ مع صديق، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في نزهة، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في جلسة، بإمكانك أن تقول: قال المؤلف كذا وكذا, وجاء بالدليل الفلاني, وبيّن رأيه كذا .
لذلك: أيّ سماع دون جهدٍ, فإنَّ هذا المسموع سريعاً ما تنساه .
لذلك قالوا: إنَّ ثلاثاً وتسعينَ بالمئة مما تقرؤه تنساه بعدَ سبعة أيام، لا بد من التحقق، لا بد من المُدارسة أنتَ ومن تُحب, على مستوى صديقين، على مستوى قريبين، على مستوى جارين، على مستوى بلدة، على مستوى قرية، على مستوى حي، على مستوى مهنة، على مستوى حرفة، لا بد من المذاكرة حتى يرسخَ هذا العلم, وإذا رَسَخَ هذا العلم ملكته, فإذا ملكته حدثّتَ به، فإذا حدثّتَ به زكا, العلم يزكو على الإنفاق .
قال له: يا بني العلم خير من المال, لأنَّ العِلمَ يحرسكَ, وأنتَ تحرس المال, والمال تُنقصه النفقة, والعلم يزكو على الإنفاق, يعني يزداد على الإنفاق .
قال :
السماع أصلُّ العقلِ .
والكفر أنواعٌ ثلاثة :
كفرٌ جهلي ، وكفرٌ جحودي ، وكفرٌ حُكمي .
إذا الإنسان أمسكَ بالمصحف, ورماه على الأرض, فهذا كافر ولم يتكلم ولا كلمة, هذا كافر حُكماً .
أما إنسان مصالحه بالكُفر , فهو يردُّ الحقَّ جحوداً واستكباراً , هذا اسمه كفر جحودي أو عِنادي .
لكنَّ الكفر الجهلي : الإعراض عن التأملُ في خلقِ السموات والأرض , والإعراض عن سماعِ ما يقوله العلماءُ في الدين .
عدم السماعِ طريقٌ إلى الكفرِ الجهلي .
عدم السماع ، الإعراض عن السماع , الانصراف عن السماع ، طريقٌ إلى الكُفرِ الجهلي . ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 17]
.. وما أنتَ بمصدّقٍ لنا, الإنسان يصدق ماذا؟ شيء يعرفه, كل خِبرة عِشتها، كل تجربة ألمّت بك، إذا قرأتَ عنها تتفاعل معها .
لو فرضنا امرأةٌ لا تنجب, عِندها مشاعر مؤلمة، عندها طموحات، عِندها تمزقات، عِندها شعور بالقلق، عِندها اضطراب، لو أنَّ هذه المرأة قرأت قِصةً, تُعالج مثيلاتها, لتفاعلت معها ولبكت, الإنسان متى يبكي؟ إذا قرأ قصته، إذا قرأ مأساته، إذا قرأ مشاعره .
لماذا في عقود القِران يقف المنشدون, وينشدون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا ترى إنساناً يبكي ويذوب بكاءاً, وإنسان عينه لا تدمع؟ هذا الذي يبكي, عاشَ هذه المعاني التي قالها المنشدون, فحرّكت فيه المشاعر، أما هذا الذي لم يبك, بعيدٌ عن هذه المعاني، لهذا قالَ بعضُ الحكماء, قال: الشعر والإنشاد مصباحٌ كمصباح علاء الدين, يكشفُ لكَ عن كنوزكَ المخبوءةِ في أعماقِ نفسك, ولكنه ليس بالكيس المملوء الذي يفرغُ في خزائنكَ الخاوية ".
الذي عنده حب لله, إذا سَمِعَ شعراً, يصفُ الحبَّ لله عزّ وجل, ذابَ قلبه شوقاً، فمشاعركَ متعلقة بخبراتك، فأيُّ شيء حرّك لكَ هذه الخبرات, نقل لك هذه المشاعر .
.. مثلاً: رِثاء ولد, في شعر عباسي أموي رائع جداً في رِثاء الأولاد، من الذي إذا قرأ القصيدة يبكي ويجهش في البكاء؟ هو إنسان فَقَدَ ابنه, وقرأ هذه القصيدة, إذاً: يتجاوب معها, يشعر .
السماع أصلُ العقل , وأساس الإيمان الذي انبنى عليه , وهو رائدُ الإيمان وجليسه ووزيره ، أما المشكلة في المسموع , تسمعُ ماذا ؟ لا يوجد سهرة على مستوى الأرض إلا وفيها كلام, تسمع أحياناً حديثاً فيه غيبة، حديثاً ساقطاً عن النساء, طُرفاً لائقة وغير لائقة، أخباراً معينة، حكايات، قصصاً مسليّة، فالإنسان يسمع دائماً, لكنَّ البطولة تسمع ماذا؟.
أنواع أصحاب السماع :
1-صنف يسمع بطبعه ونفسه وهواه :
قال: أصحاب السماع هؤلاء الذين يسمعون, أصناف ثلاثة, قال: صِنفٌ منهم يسمع بطبعه ونفسه وهواه, هذا يحب الغناء, يعشق هذا المغني أو هذه المغنية, يعشق هذه المسرحية أو هذه التمثيلية, هذه القصة, يسمع بشهوته، يسمع بطبعه، يسمع بهواه، هذا سماعه متعلقٌ بشهوته، لذلك إذا أدمنَ السماع انتهى كإنسان .
في إنسان قال: بعض المآسي العامة للشعوب سببها: انغماس الناسِ في الغناء، يعيشون سكارى في الغناء, أصبحوا يلهون بعد أن كانوا جادين .
2-صنف يسمع بعقله لا بشهوته :
النوع الثاني: قال: هناك من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته, وعقله لا يسمع إلا القرآن، لا يسمع إلا أقوال الصحابة، لا يسمع إلا الحق، لا يسمع إلا العلم، هذا يسمع بعقله لا بشهوته، الشهوة تحتاج لغناء, ولطُرف, ولأعمال فنية, وتمثيليات, ومسرحيات, ومسلسلات, هذه شهوة الإنسان, أما بعقله فيسمع الحق، يسمع كتاب الله عزّ وجل, لا يجتمعُ في الإنسانِ قرآنٌ وغِناء, لأنَّ كُلاً منهما يطرد الآخر، القرآن يطرد الغناء, والغناء يُبعد القرآن، فهؤلاء الذين يدمنون سماع الغناء, يسأمونَ من القرآن، يملّونَ منه، يضجرونَ منه, لا يجتمع غناءٌ وقرآن, وقد قالَ عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ, وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
3-منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره :
النوع الثالث: منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره, كما في الحديث القدسي: ((فبيَّ يسمع وبيَّ يُبصر))
يعني يُبصر بنور الله, ويسمعُ بالله عزّ وجل, هذا أرقى أنواع السماع، يعني عندئذٍ يسمعُ ما لا يسمعه الآخرون .
النبي عليه الصلاة والسلام دخلَ بستانَ أنصاري, فرأى جملاً، هذا الجمل لمّا رأى النبي عليه الصلاة والسلام حنّ, يعني ذرفت عيناه، تقدّمَ منه النبي, ومسحَ ذفرتيه, وآنسَ الجمل, وقال: من صاحبُ هذه البهيمة؟ ائتوني به, بعد قليل جاء فتى من الأنصار, قالوا: هذا صاحب الجمل, قالَ: يا هذا ألا تتق الله في هذه البهيمة التي ملّككَ الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنكَ تجيعه وتُدئبه.
شكا إليّ: هذه مرتبة السماع تسمع بالله .
أحياناً تسمع الأصوات العذبة, وكأنها تُسبّح الله عزّ وجل، في وقت الفجر تسمع صوتَ العصافير, هناكَ من يسمعُ صوتَ العصافير, وهناكَ من يسمعُ تسبيحاً للهِ, من خلال هذه الأصوات .
في شيء يقوله عامّة العلماء: ثلاثة في الطريق, وإنسان يبيع زعتر بري، واحد سمع انظر ترى بِرّي, وواحد سمع الآن ترى بِرّي, وواحد سمع ما أعظم بِرّي, أنت سمعت كما أنتَ على الشيء لا كما هو عليه, لأن مرتبتك سمت, قالَ عليه الصلاة والسلام: ((أعرف حجراً بمكة, كانَ يسلّم علي ّوأسلّمُ عليه, ولمّا انتقل من جذع النخلة إلى المِنبر, حنَّ إليه الجذعُ, فكان يقفُ على المِنبر, ويضع يده على الجِذعِ, إكراماً له))
لأنه حنَّ إليه .
ينشأ أيام بينك وبين الطبيعة مشاركة وجدانية كلما شفّت النفس, قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ حَنْظَلَةَ الأسَيِّدِيِّ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ كُنَّا, فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ, فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ كُنْتُمْ تَكُونُونَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي تَكُونُونَ عَلَيْهَا عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ, وَلأظَلَّتْكُمْ بِأَجْنِحَتِهَا))
أصحاب السماع ثلاثة :
منهم من يسمعُ بشهوته , وهناك من يسمع بعقله ، من مجلس علم إلى مجلس علم, من قرآن , إلى حديث , إلى سيرة , إلى سير الصحابة , إلى موضوع علمي , يسمع بعقله , هذا ينمو نمواً كبيراً جداً .
أما النوع الثالث : هؤلاء يسمعون بالله , هي كرامات . .. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 18-19]
إذا شفّت نفسه وضعت, يتفاعل مع المخلوقات .
أحد الشعراء يركب فرسه أثناء الحرب, وجاءت السهام إلى صدر الفرس:
فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحسم
ازوّر: تألمَ هذا الفرس, لو كان يدري .
ما المحاورة اشتكى ولكان لو علمَ الكلام مُكلّمي
يضرب إنسان هـرة, تبتعدُ عنـه, وتنظر إليه, وكأنهـا تخاطبـه, ماذا فعلتُ لكَ؟ لماذا ضربتني؟ فكل ما ارتقت مشاعر الإنسان, يُحس على الآخرين ما يدور في خَلَدهم .
يا أخي أُطمئنك, المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعون، ويعقل ما لا يعقلون، ويفكر بما لا يفكرون، ويشتهي ما لا يشتهون، ويخاف ما لا يخافون, هذا مؤمن عرفَ الله، عرفَ الدنيا، عرفَ حقيقتها، عرفَ مهمته فيها، له أفكاره، له مشاعره، له أحاسيسه ، له قيّمه، له طموحاته . أنواع المسموع :
1-مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به:
أما المسموع قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه، وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به .
كان الشيخ بدر الدين -رحمه الله- هذا كان شيخ الشام من أشهر المشاهير, كان لا يستطيع أحدٌ أن يقول كلمةً عن إنسان في مجلسه, يعني أول كلمة: اسكت, اسكت أظلم قلبي, فكل ما كان مجلسك مجلس علم ووقار وحلم، مجلس دعوة إلى الله، مجلس بيان عن الله عزّ وجل، مجلس إرشاد، مجلس أمر بالمعروف ونهي عن المُنكر، كلما كنتَ في درجة أرقى .
2-مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه :
قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه, وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به، ومسموعٌ يبغضه ويكرهه, ونهى عنه, ومدحَ المعرضين عنه .
3-مسموع مباح :
ومسموعٌ مباحٌ, أخي كم اليوم الحرارة؟ والله 8-3 خير إن شاء الله, كم كانت كمية المطر في بلدكم؟ 23 ميليمتر, هذا مسموع لا حرام ولا حلال, ما أسعار الخضار اليوم؟ في مسموع مباح, مسموع يحبه الله ويرضاه، مسموع يبغضه ويكرهه .
قال: هذا المسموح مباح مأذونٌ فيه لا يحبه ولا يبغضه .
النبي الكريم دخل إلى مسجد, رأى رجلاً تحلّقَ الناس حوله, قال: من هذا؟ قالوا: هذا نسّابة -فالنبي بأسلوب تربوي- قال: وما نسّابة؟ فقالوا: هذا يا رسول الله يعرف أنساب العرب, قالَ: هذا عِلمٌ لا ينفعُ من تعلّمه, ولا يضّرُ من جَهِلَ به .
في أشياء لا تُقدّم ولا تؤخّر, والإنسان وقته ثمين, قال: حكمه حُكمُ سائر المباحات من المناظر والمشام والمطعومات والملبوسات .
إذا أنت في مجلس, وتكلم أحدهم في موضوع, وقع, أخي أنهي لنا الحديث, أنت أهنته، لم يتكلم شيئاً حراماً، لم يتكلم غيبة ولا نميمة ولا كذباً، لمّا أنت أسكته فقد أهنته، هذا مباح لا إثم فيه، بالعكس كان النبي يسمع، يسمع من التجّار, ويحدثهم بالتجارة أولاً, ثم عن اللهِ ثانياً .
فمن أساليب الدعوة: إذا أنت بمجلس, في موضوع عن المياه, عن الأمطار, عن البركان الفلاني, عن الخبر الفلاني, أنت ليسَ لكَ حق أن تُعرض عنه، تشمئز من حديثه, ما دام مُباحاً، ما دام مُباحاً استمع معهم, كُن أديباً في استماعك, وتراه يُصغي للحديث بسمعه وبقلبه, ولعله أدرى به, اسمع معهم, ثمَّ دُلّهم على الله عزّ وجل، هناك أشخاص متزمتون, لا يسمح أن تتكلم كلمة, هو يتكلم أو كما يريد هو, اسمعوا الآية الكريمة:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159 ]
من هو؟ الحديث عن من؟ عن رسول الله, هذا سيد الخلق، هذا الذي يوحى إليه، هذا المعصوم، ومع ذلك:
﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾
فمن أنت إذاً؟ أنت لا يوحى إليك، ولا في معك معجزة، ولست بمعصوم، ولستَ على خُلق عظيم، فإذا كان الذي على خُلقٍ عظيم, ويوحى إليه, والمعصوم, وسيد الخلق, أمره الله عزّ وجل, قال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾
أنت: من أنت؟ ليسَ معك سُلطة أن تعمل شيئاً, الذي معه سُلطة, مأمور باللطف والإنسانية, والحلم والمغفرة والعفو, فأنتَ لا تملكُ شيئاً .
قال: فمن حرّمَ هذا النوعَ الثالث, فقد قالَ على الله ما لا يعلم, الذي يُحرّم كلاماً مُباحاً لا حراماً ولا حلالاً, قالَ: على الله ما لا يعلم وحرّمَ ما أحلّه الله، ومن جعله ديناً وقربةً؟ يقول لك: الشغل عبادة, يتكلم للساعة الواحدة بالشغل, والأسعار, والصفقة الفلانية, وفلان ربح كذا, وفلان لم يربح, وفلان ضرب فلاناً, فقد كذبَ أيضاً, وشرعَ ديناً لم يأذن به الله, وضاهى بهذا المشرك, في كلام يحبه الله، وكلام لا يحبه الله، وكلام مُباح .
عِندنا السماع الإيماني، نريد السماع المطلوب، أنت جلست جلسة، كنت بحفلة, بنزهة, بسهرة, بجلسة, باجتماع, راكب مركبة عامــة إلى حلب خمس ساعات بجانبك رجل, يهمك أن تعرف السماع ما حُكمه؟ قال: السماع الذي مدحه الله في كتابه, وأمرَ به, وأثنى على أصحابه, وذمَّ عنه المُعرضين, ولعنهم, وجعلهم أضلَّ من الأنعام, قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[سورة المُلك الآية: 10]
السماع طريقٌ للنجاة، طريقٌ للنعيم:
﴿لو كنّا نسمع ما كُنا في أصحاب السعير﴾
الإعراض عن سماع الحق طريقٌ إلى جهنم، وسماع الحق طريقٌ إلى الجنة .
قال: هو سماعُ آياته المتلوة، سماع القرآن الكريم, هذا المنهج, هذا الكتاب المقرر، هذه تعليمات الصانع، هذا الكتاب الذي فيه قوانين الله عزّ وجل .
إذا واحد أحب أن يفتح شركة تجارية في دولة أجنبية, أول شيء يطلب نظام التجارة في هذا البلد، فأنت في كون الله, أول شيء يجب أن تعرفه: قانون الله في أرضه؛ الحلال، الحرام، المكروه، المندوب، المُباح، الواجب، الشيء المُجدي، غير المُجدي، الحق، الباطل، الخير، الشر . أنواع السماع :
1-سماع إدراك :
قال: هذا السماع ثلاثة أنواع؛ سماع إدراك، وسماع فهمٍ وعقلٍ, وسماع إجابةٍ وقبول, أنت مثلاً جالس في محاضرة, وتكلّم المًحاضر عن بعض أمراض القلب، أحياناً وأنت جالس, سمعت بأدب, وسمعت ناقل أو حكى عن أعراض الدخان, عن مضار الدخان, هذا المحاضر , محاضرة دقيقة بليغة, فيها حقائق علمية, عرض عليك صور عمليات جراحية بالرئتين, آثارها بالقلب, بالأوردة, بالشرايين, أما محاضرة رائعة, وهذا الإنسان السامع يُدخن, سمعها وفهمها, لكن لم يترك التدخين, ما نقول لهذا السماع؟ نقول: هذا سماع إدراك، أدرك هذه المحاضرة وفهمها, لكن لأنه لم يُقلع عن التدخين, نقول: أنتَ استمعتَ إليها سماعاً بدائياً من الدرجة الأولى .
2-سماع فهم وعقل :
يأتي إنسان ثانٍ يسمع المحاضرة, معناها الدخان يرفع لي التوتر الشرياني، والدخان يُرسّب المواد الدهنية بالشرايين، والدخان يُقرّب أجلي, عن الدخان يضيق الدسامات، والدخان يُسبب احتمال سرطان بالشفتين والرئتين ....
معقول أن أكون عبداً لهذا الدخان؟ معقول أن يكون مسيطراً علي؟ هنا سمع وتدبّر وعقل، هذا سمع المحاضرة بمستوى أرقى, الأول سمع وفهم فقط, هذا سمع وفهم, وأجرى محاورة، أجرى مناقشة، أجرى تقييم، ثمّن الأفكار، وازنها، نظر إلى وضعه، إلى سنه، إلى دخله، أولاده، قيمة صحته، يا ترى صحتي أغلى أم الدخان أغلى؟ لمّا دخل التأمل والتدبر, هذا سماع من نوع ثانٍ .
3-سماع إجابة وقبول :
أما عندما أمسك بعلبة الدخان, ووضعها في سلة القمامة, وقال: يا ربي عهداً لك أن لا أذوقَ هذه بعدَ اليوم, هذا السماع المطلوب .
سمّوا العلماء أول سماع: سماعَ فهمٍ, والثاني: سماع تدبر, والثالث: سماع استجابة .
في آية قرآنية تؤكد هذا المعنى, أنه سمع هذه المحاضرة, ولكن كأنه لم يسمعها, إذا مشى رجل في طريق ببستان, على كتفه عقرب, قال له أحدهم: يا أخي انتبه, على كتفك في عقرب وخطير, فقال له: شكراً جزيلاً, وأنا شاكر جداً لهذه الملاحظة, خبرني من أين أنت؟ والعقرب على كتفه, أنا والله شاكر لك، يا ترى سمع ما حكى له؟ لا, هو سمع, لكن إما لم يفهم، أو لغته غير عربية، أو لا يعرف ما العقرب؟ لو أنه فهم عليه, وتأملَ معنى كلامه, كان قفز مباشرة ولم يكلّمه ولا كلمة, جاءت آية, أثبتَ الله لهم السماع, ونفى عنهم السماع, مثل سورة الروم :
﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 6-7]
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 21]
﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾
هم لا يسمعون, ماذا أراد الله بالسماع؟ ماذا أراد؟ التطبيق, الإجابة .
قال: وسماعُ فهمٍ, وسماعُ عقلٍ, وسماع استجابة . الآن: إلى الآيات ؛ سماع الفهم :

﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾
[سورة الجن الآية: 1-2 ]
﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 30]
سماع الإدراك: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 80]
﴿إنكَ لا تُسمع الموتى﴾
الموتى سمعوا, لكن باعتبار لم يتحركوا، لم يتدبروا، لم يتأملوا، فكأنهم لم يسمعوا : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[سورة فاطر الآية: 22]
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 23]
سماع الاستجابة : هذا أرقى أنواع السماع .
انظر إلى الناس, ألف مليون مسلم, يوجد سؤال: هل هؤلاء من أمة سيدنا محمد؟ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 110 ]
نحن خير أمة والله جميل، أخي نحن أعظم الأمم, هناك جواب علمي, يعطيك التفريق العلمي بينهما.
الجواب الدقيق: العلماء قالوا: هناكَ أمةُ الدعوة وهناكَ أمةُ الاستجابة، كل إنسان مسلم دعاه الله إلى الإسلام، وأنزلَ على النبي القرآن ليكونَ منهجاً له، فكل منتمٍ إلى المسلمين ولو بالهوية, هذا أمةُ الدعوة, أما الذي طبّق, فأمةُ الاستجابة, فأنتَ إذا بُلّغتَ الدعوة, دخلتَ في نِطاق أمةِ محمدٍ أمة التبليغ، أما إذا طبقّتَ أوامر الله عزّ وجل دخلتَ في نِطاق الاستجابة.
﴿فكنتم خيرَ أمةٍ﴾
ليسَ المقصود أيّ انتماء للنبي، هذه أمةُ الاستجابة, والدليل: ما عِلةُ هذه الخيرية؟ ﴿تأمرون بالمعروفِ وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾
فلو لم تؤمنوا بالله, ولم تأمروا بالمعروف, ولم تنهوا عن المنكر, أنتم لستم معنيينَ بهذه الآية, الآية ليست لكم, فأنتَ اسأل نفسك: أنا من أمةِ التبليغ أم من أمةِ الاستجابة؟ فرقٌ كبير بينَ أمةِ التبليغ وبينَ أمةِ الاستجابة .
يعني أب غني, ومُقتدر ماديّاً, وعالم, عنده خمسة أولاد، عَرَضَ عليهم جميعاً أن يدرسوا, حتى أعلى شهادة في العالم بورد, العرض للكل والأب غني، إلا أنَّ واحداً من الأبناء, قَبِلَ هذا العرض ودرس وتفوق, نقول: أولاده كلهم دُعوُا إلى هذه الشهادة, ولكنَّ بعضهم استجاب, فالبطولة ليسَ أن يُعرض عليكَ الإسلام، ولا أن تكونَ من أمةِ محمدٍ بالشكلِ أو بالإبلاغِ، البطولة أن تكون من أمته المستجيبين لدعوته .
فالإنسان ما لم يكن مُطبّقاً لأوامر الله, ليتأكد أنه ليسَ من أُمةِ مُحمد, حيث ما وردت الأمةُ المُحمدية في القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الجمعة الآية: 2 ]
هؤلاء أمة الاستجابة, إذاً: الآيات هنا تُبين أنَّ هناك سماع إدراك، سماع تدبر، سماع استجابة ..
الآية الأخيرة :
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[سورة البقرة الآية: 285 ]
﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾
هذه الآية متعلقة بالاستجابة, وكلّ الجوامع بالعالم الإسلامي بعد الخطبة، بعد الصلاة يقولون: سمعنا وأطعنا, غفرانك ربنا وإليكَ المصير, ومعهم مخالفاتهم، تقصيراتهم، الغيبة، النميمة، كسب المال الحرام، ما هذه؛ سمعنا وأطعنا؟ أما اليهود قالوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 46 ]
فاليهود سمعوا وعصوا ربهم .
في فقرتين أخيرتين قال :
المؤمن يسمع الآيات , لا يسمع الأبيات , سمّاعٌ للقرآن لا سماعٌ لمزاميرالشيطان ، سمّاعٌ كلام ربِّ الأرضِ والسماء , لا سمّاعٌ قصائدَ الشعراء ، سمّاعٌ للمراشد لا للقصائد ، سمّاعٌ للأنبياءِ والمرسلين , لا سمّاعٌ للمغنينَ والمطربين .
أنتَ تمارس نشاطاً خطيراً بالحياة السماع قال: السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جِوار علاّم الغيوب
أحياناً تسمع حديثاً قدسياً, فيقول لك: فعلَ في نفسي فِعلَ السحر، حديث قدسي يحملكَ على التوبة, وعلى الإقلاع عن ذنبٍ, قال: السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جِوار علاّم الغيوب
سائقٌ يســوق الأرواح إلى ديـــار الأفـراح
محركٌ يثير ساكن العزمات إلى أعـــلى المقامات
منادٍ ينادي للإيمــــــــان
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 193 ]
دليلٌ يسير بالركبِ في طريق الجِنان .
داعٍ يدعو القلوبَ بالمساءِ والصباح .
من قِبَلِ فالق الإصباح؛ حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح .
موضوع السماع موضوع دقيق جداً .
ندخل في السماع المذموم, قال: هذا السماع يُبغضه الله تعالى ويكرهه, ويَمدحُ المُعرضَ عنه, وهو سماعُ كلُّ ما يضرُّ بالعبدِ في قلبه ودينه، أيُّ شيء تسمعه أضرَّ بدينكَ وقلبكَ, فهذا السماع لا يجوز أن يكون, كسماع الباطل, إلا إذا تضمنَ رده وإبطاله, وقصدَ أن يتعلمَ ضدهُ، وكسماعِ اللغوِ الذي مدحَ التاركين لسماعه, قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 55]
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 72 ]
اللغو :
ما هو اللغو؟ تعريف اللغو : قال محمد بنُ الحنفيّة , هذا من أحفاد سيدنا علي : اللغو هنا الغناء .
وقالَ الحسن وغيره: أكرموا أنفسهم عن سماعه:
﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾
فإذا كنت مؤمناً فعلاً, لا تقبل أن تستمع إلى الباطل, ولا إلى غيبة, ولا إلى نميمة, ولا إلى فُحش, ولا إلى بذاءة, ولا إلى تغرير, ولا إلى قصة ساقطة, ولا تقرأ أيضاً .
قالَ ابنُ مسعود: الغِناءُ يُنبتُ النِفاقَ في القلب كما يُنبتُ الماء البقلة، وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنه ما اعتاده أحدٌ إلا نافقَ قلبه وهو لا يشعر .
الدين بالاستقامة, أنتَ تطلب من الله الكرامة, وهو يطلبُ منكَ الاستقامة .
قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, الشيئان اللذانِ لا يجتمعان: الضدان, مثالُ ذلك: الظلمةُ والنور، وجود النور ينفي الظُلمة, ووجود الظلمةِ ينفي النور، الأبيض والأسود ضدان, لا, متعاكسان، التعاكس غير الضد، يجوز أن يكون عندك لوحة فيها أبيض وأسود .
فهناكَ شيئان متعاكسان, وشيئان ضدان متناقضان، معنى متناقضان: يعني أحدهما ينقض وجود الآخر, فلان عالم جاهل, مستحيل, هذا فهو إما عالم وإما جاهل, إذا هذه الغرفة مضيئة مظلمة, كلام غير صحيح, هذا إما مضيئة وإما مظلمة .
احفظوا هذه القاعدة: القرآن والغناء ضِدان متناقضان, أحدهما ينقض وجود الآخر .
سيدنا ابن مسعود قال: الغناء يُنبت النِفاقَ في القلب كما يُنبت الماءُ البقل, لا يليق بمؤمن أن يسمع غناء إطلاقاً، لكن حتى لا أكون قاسياً على الأخوان, الاستماع شيء والسماع شيء, إذا كنت راكباً سيارة عامة, وفي مذياع, وفي غِناء, هذا ليس اسمه استماع, هذا سماع. الحديث الشريف: من استمعَ إلى صوتِ قينةٍ .
جلس بإرادته، باختياره، بالبيت، حضّروا لنا القهوة، افتح يا بني لنسمع, هذا الاستماع, لكن راكب سيارة عامة, والسائق له ذوق خاص, تقول: اللهم إنَّ هذا منكرٌ لا أرضى به، أما إذا قدرت أن تُسكته لك أجر .
قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, إلا طردت إحداهما الأُخرى، قال: وقد شاهدنا نحن وغيرنا, ثِقلُ القرآن على أهلِ الغِناء وسماعه, أبداً؛ أهل الغناء أثقل شيء عليهم القرآن, إذا وضعوا القرآن ربع ساعة, يقول لك: طويلة, ربع يكفي, خمس دقائق, كانت نصف ساعة, صارت ربع ساعة، عشر دقائق، دقيقتين، أهلُ الغِناء يستثقلون القرآن .
لذلك: في أشخاص إذا الإمام قرأ آية زائدة لا يتحمل, تجده يُضيّع ساعات طويلة, وهو واقف, في كلام فارغ, أما آية زيادة, لا يتحمل .
بعض الشعراء قال:
ثَقُلَ الكتاب عليهم لمّا رأوا تقييده بأوامرٍ ونواهٍ
الغناء لا أوامر فيه ولا نواهي، أما هنا في: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30 ]
هو ينظر ويأخذ حريته، ثقيلة هذه الآية عليه: ثَقُلَ الكتاب عليهــم لمّا رأوا تقييـده بأوامــرٍ ونواهٍ
وعليهم خفَّ الغناءُ لمّا رأوا إطلاقه في اللهوِ دون مناهي
يا فِرقةً ما ضرَّ دينَ محمـــدٍ وجنــى عليه ومِلّهُ لله
سمعوا له برقاَ ورعداً إذ حوى زجراً وتخويفاً بفعلِ مناهٍ
ورأوه أعظمَ قاطعٍ للنفسِ عن شهواتها يا ويحها المتناهي
وأتى السماع موافِقاً أغراضها فلأجلِ ذاكَ غدا عظيمَ الجاهِ
عندنا أهلُ القرآن وأهلُ الغناء وهما يتناقضان، وعندنا السماع المذموم، والسماع المشكور، والسماع المشكور ثلاثة أنواع؛ سماعُ فهمٍ، وسماعُ عقلٍ، وسماعُ استجابة .









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : الذكر








منزلة الذكر :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس التاسع من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين , منزلة اليوم : منزلة الذِكر .
الحقيقة : أنَّ الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يأمرنا فيقول :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41-44]
قال بعض العلماء : كلُّ جارحةٍ من جوارح الإنسان لها عبادة , فعبادة العين أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله , وأن تنظرَ بها إلى ملكوت السموات والأرض مفكراً ومتعظاً ، الأذن لها عبادة ، اليد لها عبادة ، أما عبادة القلب فهي الذِكر ، ففي كل جارحةٍ من جوارح الإنسان عبادة مؤقتة , والذِكر عبودية القلب واللسان , وهي غير مؤقتة ، عبادة القلب الذِكر , لذلك ربنا عزّ وجل قال :
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الذِكرُ منشور الولاية ، الذي من أُعطيه اتصل ، ومن مُنعه عُزل ، من أُعطيَّ الذِكرَ اتصلَّ بالله عزّ وجل , ومن مُنعه عُزل ، وهو قوت القلوب التي متى فارقها , صارت الأجساد لها قبوراً .
القلب دون ذِكرٍ لله عزّ وجل الجسم قبرٌ له ، ميتٌ في ميت ، الذِكرُ عِمارة الديار , داركَ لا تحيا إلا بذكر الله , فإذا انعدمَ منها الذِكرُ , أصبحت داراً ميتةً كالقبر التي إذا تعطلت صارت بوراً ، الذِكر سلاح المؤمن , الذي يقاتل به قُطّاعَ الطريق , فإذا خلا من سلاحه , أصبحَ عُرضةً للقتلِ من قِبل قطاع الطريق ، بالذكر تطفئ حريق الشوق إلى الله عزّ وجل ، بالذِكرِ يكون الذِكرُ دواءً لقلبكَ اللهفان .
الذي أريد أن أقوله لكم : إنَّ ذِكرَ اللهِ حياةٌ للقلوب . والله سبحانه وتعالى يقول :
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]

الحسن البصري هذا من التابعين ، والتابعون هؤلاء الذين التقوا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
ثلاثة أجيال : جيلُ الصحابة وجيلُ التابعين وجيلُ تابعي التابعين .
هذه الأجيال كانَ فيها الإسلام نقيّاً .
فالحسن البصري - رحمه الله تعالى - كانَ يقول :
تَفقدّوا الحلاوة في ثلاثةِ أشياء :
في الصلاة ، وفي الذِكرِ , وفي قراءة القرآن , فإن وجدتم وجدتم , وإن لم تجدوا حلاوةً في الذِكرِ والصلاة وتلاوة القرآن , فاعلموا أنَّ البابَ مُغلق .
أحياناً الإنسان يشعر أنَّ هناكَ حِجاباً بينه وبينَ الله ، يشعر أنَّ أبواب السماء مُغلّقةٌ في وجهه ، يفتح القرآن ويقرأ , لا يشعر بشيء أبداً ، يجلس ليذكر لا يشعر بشيء ، يقوم ليصلي لا يشعر بشيء , معنى ذلك : أنَّ البابَ مُغلق ، لماذا أُغلقَ البابُ في وجهه ؟ لِعلةٍ في عمله , فالمؤمن متبصّر ، هؤلاء الذين يصلّون , ويقرؤون القرآن , ولا يعرفون ما إذا كانَ قلبهم متصلاً أو مقطوعاً , هؤلاءِ على هامشِ الحياة .
سيدنا عمر قال : تعاهد قلبك , يعني الذي لا يملك الحس المرهف أن يشعر , يقول لكَ : اليوم أنكرت قلبي ، اليوم شعرتُ أن صلاتي لا طعمَ لها , اليوم قرأتُ القرآن فلم أشعر بحلاوة تلاوته ، هذا الذي أحسَّ على قلبه , وشعرَ بقربه , هذا إنسان حيّ , أمّا الذي غفلَ عن الله عزّ وجل , فاستوت غفلته مع صحوته , يعني هو لم يصحو حتى يشعر أنه غَفل , غفلَ مستمراً , لذلك حينما يسأل : هل أنتَ متصل ؟ يقول لكَ : نعم ، هو ما ذاقَ الاتصال حتى يشعر بالهجران . لذلك :
فما حُبنا سهلٌ وكلُّ من ادعى سهولته نقول له : قد جهلتنــــا
فأيسرُ ما في الحبِّ للصبِّ قتله وأصعبُ مـن قتلِ الفتى يومَ هجرنا
الحسن البصري قال :
تفقدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء : في الصلاة , وفي الذِكرِ , وفي قراءة القرآن .
وربنا عز وجل يقول : ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]
الإنسان ليس له حق أن يُهمل قلبه , يقول لكَ : أنا أُصلي الحمد لله ، أنا مُسلم عقيدتي صحيحة , شيء جميل , لكن هذا القلب ألا ينبغي أن يكونَ حيّاً ؟ ألا ينبغي أن يكونَ مُقبلاً ؟ ألا ينبغي أن يكونَ مُحبّاً ؟ ألا ينبغي أن يمتلئ مشاعر نبيلة من خوفٍ إلى حبٍ إلى تعظيمٍ ؟ فالذي يهمل قلبه ويعيشَ على هامش الحياة , هذا أغفلَ جانباً كبيراً جداً من الدين .
إذاً مقياس القرب : حلاوة الذِكرِ ، حلاوة الصلاة ، وحلاوة تلاوة القرآن .
هذا مقياس .
فإذا كان الباب مغلقاً معناها في حِجاب ، معناها الله عزّ وجل أغلقَ في وجهكَ الباب ، لأنه ليسَ راضٍ عن عملك , ابحث في الخلل ، ابحث في الزلل ، ابحث في الانحراف ، في تقصير .
قال : بالذِكرِ يصرعُ العبدُ الشيطان كما يصرعُ الشيطان أهلَ الغفلةِ والنسيان .
الشيطان إما أن تصرعه بالذِكرِ , وإما أن يصرعكَ بالغفلة , فأنتَ بين ذاكرٍ أو غافل ، تصرعُ الشيطان بذكركَ لله عزّ وجل , ويصرعكَ الشيطان بغفلتكَ عن الله عزّ وجل .
الذِكرُ روح الأعمال الصالحة ، العمل الصالح دون ذكر ميت ، والإنسان إذا ماتَ قلبه , وعَمِلَ عملاً صالحاً , أغلب الظن أنه يتجه بهذا العمل إلى إرضاء الناس , يقع في النِفاق ، فإذا عَمِلَ عملاً صالحاً ولم يشكره الناس عليه تألم وضجر ، وطلبَ واستجدى منهم المديح ، استجداء المديح علامةٌ خطيرةٌ على موت القلب , إذا خلا العملُ من الذِكرِ , كان كالجسد الذي لا روحَ فيه . قول العلماء في الذكر:
في القرآن الكريم , الذِكر ورد فيه آيات كثيرة جداً , يقول بعض العلماء :
إن ذِكرَ الله عزّ وجل وردَ في القرآن الكريم على عشرةِ وجوه :
الوجه الأول : أنَّ الله أمر بالذِكرِ مطلقاً وأمرَ به مُقيّداً .
والوجه الثاني : أنه نهى عن ضده وهو الغفلةُ والنسيان ، هناك نهيٌ قطعيٌّ عن الغفلةِ والنسيان أمركَ به ونهى عن ضده .
والثالث : علّقَ الفلاحَ باستدامته وكثرته , فلاحك ، نجاحك ، نجاتك ، تفوقك ، سعادتك ، علّقها باستدامة الذِكرِ وكثرة الذِكرِ .
الرابع : الله عزّ وجل أثنى على أهل الذِكرِ , وبيّنَ أنه أعدَ لهم الجنة والمغفرة .
والخامس : أخبرَ عن خسران من لها وسها , أمر ونهي , وفلاح وإخفاق , وثناء وخسارة .
والسادس : ثمَّ إن الله سبحانه وتعالى جعلَ ذِكره جزاءً لذِكر عباده له .
السابع : أخبرَ الله عزّ وجل أن أكبر شيء هو ذِكر الله , بل هو أكبر من كلِّ شيء .
الثامن : أخبرَ أنَّ الإنسان لا ينتقعُ بآيات الله إلا ذكرَ الله عزّ وجل .
التاسع : أنَّ الله سبحانه وتعالى جعلَ الذِكرَ قرينَ الأعمالِ كلها .
الآن : إلى هذه الوجوه وجهاً وجهاً .
الوجه الأول : أنَّ الله سبحانه وتعالى أمرَ به مطلقاً ومقيّداً .
الأمر المطلق :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 41 ]
هذا أمر مطلق والمُطلق على إطلاقه ، يعني إذا قراتَ القرآن ذكرتَ الله ، وإذا أمرتَ بالمعروف ذكرتَ الله ، وإذا قلتَ : الله الله ذكرتَ الله ، وإذا حَمدته ذكرته ، وإذا سبّحته ذكرته ، وإذا وحدته ذكرته , وإذا كبّرته ذكرته ، وإذا دعوته ذكرته ، أمرَ الله عزّ وجل بِذكره في القرآن ذِكراً مُطلقاً : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾
[ سورة الأحزاب الآيات : 41 – 43 ]
الأمر المقيد :
الله عز وجل أمرَ بذكره ذِكراً مقيّداً , قال تعالى : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 205]
يعني الذِكر يجب أن يُقيّد بالتضرع ، بالتذلل ، بالخضوع ، وخيفةَ , يعني يجب أن تذكره متضرعاً وخائفاً ، جهراً وسِراً ، يجب أن تذكره في سِركَ وقلبك , ويجب أن تذكره بلسانكَ وقولك .
الوجه الثاني : نهى عن الغفلة والنسيان.
الله عزّ وجل نهى عن الغفلة والنسيان ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 205 ]
غَفَلَ عن ماذا ؟ غَفَلَ عن ذِكر الله :
أيا غافلاً تبدي الإساءة والجهلا متى تشكر المولى على كلِّ ما أولى ؟
عليكَ أياديه الكِرام وأنت لا تراها كأن العــينَ حـــولاءُ أو عميا
لأنتَ كمزكومٍ حوى المِسكَ جيبه ولكنه المــحروم ما شـمه أصلاً
يعني أكبر خطر يعيشه الإنسان أن يكونَ غافلاً .
الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا .
قال تعالى : ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 83]
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾
[سورة الطور الآية: 45]
يأتي يومٌ يُصعقُ الإنسان كانَ غافلاً فَعرفَ الحقيقة بعدَ فوات الأوان , فربنا عزّ وجل نهانا عن أن نغفلَ عنه , الحياة تجذبكَ إليها , قد تُستهلك من عملٍ إلى عمل , ومن لقاءٍ إلى لقاء , ومن مشروعٍ إلى مشروع , ومن صفقةٍ إلى صفقة , ومن اهتمامٍ إلى اهتمام , ومن متعةٍ إلى متعة , أنتَ مستهلك , لذلك : العمل لو درَّ عليكَ ألوف الألوف , واستهلكَ وقتكَ كله , فأنتَ في خسارةٍ كبيرة ، إذا استهلكَ عملكَ كلَّ وقتك , فأنتَ في خسارةٍ كبيرة , لأنه جعلكَ من الغافلين : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 19]
أمركَ بالذِكرِ مطلقاً , أمركَ به مقيّداً ، تضرعاً وخيفة ، سِراً وجهراً ، بقلبكَ وبلسانك ، ونهاكَ عن ضده , نهاكَ عن الغفلة ، ونهاكَ عن النسيان .
﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 205 ]
﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 19 ]
نسيانهم لله أنساهم سِرَّ وجودهم ، نسيانهم لله أنساهم مهمتهم ، نسيانهم لله أنساهم حقيقتهم ، نسيانهم لله أنساهم التكليف ، أنساهم الأمانة , أنساهم العمل الصالح . الوجه الثالث : علق الفلاح بذكر الله .
شيءٌ آخر : الله سبحانه وتعالى علّقَ الفلاحَ بذكر الله ، الفلاح يعني تقول عن إنسان نجحَ في حياته , يعني أتقن عملاً معيناً , ودرَّ عليه هذا العمل رزقاً وفيراً , تزوج , وسكنَ بيتاً مريحاً , وله مركبة , وله مكانة اجتماعية , واعتنى بصحته , يقول الناس : فلان ناجح في الحياة , النجاح شيء له بريق , وليست البطولة أن تنجح في الدنيا وحدها , أهل الدنيا نجحوا في الحياة ، الأغنياء نجحوا في الحياة ، الأقوياء نجحوا في الحياة ، يعني أصحاب الحظوظ نجحوا في الحياة , ولو أنَّ مالهم مغتصباً من غيرهم ، ولكنَّ البطولة أن تنجحَ في الحياة الآخرة , أن تنجحَ في الدار الآخرة , ذلكَ هو النجاح ، ذلكَ هو الغِنى ، ذلكَ هو التفوق ، ذلكَ هو الفوز .
لذلك سيدنا علي قال : الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله، الله عزّ وجل علّقَ الفلاحَ بالإكثار من ذِكر الله, إذا أردتَ أن تُفلح في الدنيا والآخرة، إذا أردتَ أن تفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، إذا أردتَ أن تتفوق، إذا أردتَ أن تنجح، إذا أردتَ أن تكون من السعداء، فربنا عزّ وجل ربطَ ذِكره بالفلاحِ, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 45]
هذا قرآن، كلام خالق الكون :
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
اذكروا الله في أنفسكم ، اذكروه في ألسنتكم، اذكروا الله للناس، ما من جلسةٍ، ما من لقاءٍ، ما من سهرةٍ، ما من نزهةٍ, ألا ويجب أن يذكر فيها الله, إذا ذكرتَ الله عزّ وجل امتلأ القلب طمأنينةً, واستبشر الناس من حولك, وعلت البسمة الوجوه، فإذا ذكرت الدنيا تفرّق الناس، إذا ذكرتَ الدنيا حَزِنَ بعض الناس، إذا ذكرتَ الدنيا نفرَ منك بعض الناس . ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
الوجه الرابع : الله عزّ وجل أثنى على أهل الذِكرِ .

فالله سبحانه وتعالى أثنى على أهله فقال : ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 35]
ليسَ الأمر أن تذكره, ولكنَ الأمر أن تُكثرَ من ذِكره : ﴿ والذاكرين الله كثيرا ًوالذاكرات أعدَّ الله لهم جميعاً مغفرةً وأجراً عظيماً﴾
الوجه الخامس : أخبرَ عن خسران من لها وسها.
نهانا عن أن نغفلَ عنه وبيّنَ الخسران الكبير, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 9]
فإذا إنسان قال: أنا والله مشغول, شغلتني الدنيا، شغلني عملي، شغلتني بعض مباهج الحياة عن حضور مجلس علمٍ, هذا ممن انطبقت عليه الآية الكريمة:
﴿ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾
الوجه السادس : جعلَ ذِكره جزاءً لذِكر عباده له .
الحقيقة : هل نصدق أنَّ العبدَ إذا ذكرَ الله عزّ وجل الله في عُلاه يذكره؟ .
دخل على النبي الكريم رجل, يبدو أنه من عامّة صحابته, رجل فقير، قال النبي الكريم: أهلاً بمن أخبرني جبريل بقدومه، قالَ: أومثلي, قالَ: نعم يا أخي؛ خامِلٌ في الأرضِ علمٌ في السماء.
ربنا عزّ وجل يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[سورة البقرة الآية: 152]
إنسان ذو قيمة ذكر صديقه, لا ينسى الصديق هذا الذِكر, صورة يطبعها ويكبّرها لأنها حوتهما، كيف يضيّفه؟ كيف يصافحه؟ كيف استقبله؟ كيف ودّعه؟ وكلما زاره إنسان يريه الصورة, فما بالك إذا كان الذكر لك الله؟. الوجه السابع : أكبر شيء هو ذِكر الله .
ربنا عزّ وجل قال : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
﴿ولذِكرُ الله أكبر﴾
يعني أكبر من كلِّ طاعة، أكبر من كلِّ عمل، لأنَّ ذِكرَ الله هو محطُ الرِحال ومنتهى الآمال، به تسعد، أكبر ما في الصلاة، أكبر من الركوع والسجود، ومن القيام . ﴿ولذكرُ الله أكبر﴾
الله عزّ وجل ختمَ به الأعمال الصالحة كلها، ختمَ به مثلاً الصيام , قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 185]
الناس في رمضان في أيام العيد يُكبّرون الله عزّ وجل، لماذا شُرعَ التكبير بعدَ الصيام؟ هكذا قالَ الله عزّ وجل: ﴿ولتكملوا العِدّة ولِتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون﴾
وختمَ بالذِكر الحج , فقال : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾
[سورة البقرة الآية: 200]
ختمَ به الصيام، وختمَ به الحج، وختمَ به الصلاة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾
[سورة النساء الآية: 103]
وختمَ به الجمعة : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة الجمعة الآية: 10]
الوجه الثامن : لا ينتقعُ بآيات الله إلا ذكرَ الله عزّ وجل .
الحقيقة : أنَّ الذاكرين وحدهم هم الذين ينتفعون بآيات الله ، الإنسان الغربي استمتعَ بالدنيا إلى أقصى درجة، عَرَفَ خصائص المواد, استغلّها استغلالاَ رائعاً، ولكن ما نَفَذَ منها إلى المُنعم، فالآيات الكونية؛ المجرات، الشمس، القمر، الليل، النهار، خلق الإنسان، الذريّة، الأولاد، الزوجة، النباتات، هذه المظاهر الطبيعية التي خلقها الله عزّ وجل, الذاكر لله ينتفع بها وغير الذاكر لا ينتفع بها, فالذي تعجبُ له أنَّ طبيباً مثلاً درسَ جسم الإنسان، درسَ الأعضاء، الأجهزة، الأنسجة, خصائص جسم الإنسان، دقة الصنع، دقة العمل، الفيزيولوجيا، رأى من معجزات الله في خلق الإنسان الشيء الكثير, لأنه ما ذَكَرَ الله من قبل هذه الآيات ما تأثّرَ بها, ماذا قال الله عزّ وجل؟:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 190-191]
فكرة مهمة جداً: قد تكون أنتَ من رواد الفضاء, وترى بأمِّ عينكَ الأرض كرةً في الفضاء، قد تكون من علماء الطِب، قد تكون من علماء الذرّة، قد تكون مهندساً، طبيباً، عالِماً في الفيزياء، في الكيمياء، في الرياضيات، عالِماً في النبات، الحيوان, قد ترى العجبَ العُجاب ، خلق الخلية، قد ترى وظائف الخلايا، قد ترى أشياء دقيقة جداً, لا يُسمح لغيركَ أن يراها, ومع ذلك إن لم تكن ذاكراً لله عزّ وجل الذِكرَ الكثير, لا تنتفعُ بهذه الآيات, لا ينتفعُ بآيات الله إلا من ذكرَ الله عزّ وجل . الوجه التاسع : جعلَ الذِكرَ قرينَ الأعمالِ كلها .
الذِكر كما قال بعض العلماء : يجب أن يُصاحبَ جميع الأعمال ، فالله سبحانه وتعالى قال:
﴿أقم الصلاة لذكري﴾
يجب أن يصحبَ الصلاة, ويجب أن يصحبَ الصيام, ويجب أن يصحبَ الحج, بل هو روحُ الحج .
قَالَتْ عَائِشَةُ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 45]
معناها الذِكر يجب أن يُرافقَ كلَّ عمل, هذه الآيات التي وردَ فيها الذِكرُ. الأحاديث التي وردت بخصوص الذكر :
أما الأحاديث :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ, فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ, يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ, فَقَالَ: سِيرُوا, هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ, قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
الحقيقة: الإنسان إذا شَرِبَ كأسَ ماء, تسميته قبل الشرب, وحمده بعدَ الشرب, هو ذِكر الله عزّ وجل، إن ألقى على ابنه نظرة, تذكرَ أن هذا الابنَ الذي ملأَ البيتَ بهجةً, كانَ في الأصلِ نُقطةً من ماءٍ مهين، إذا أمسكَ تفاحةً ليأكلها, تذكرَ خالِقَ هذه التفاحة, كيفَ أبدعها وجعلها بهذا الحجم, وبهذا القِوام, وبهذه الرائحة, وبهذا الطعم, وبهذا الشكل, وبهذا الوقت المناسب في نضجها؟ يعني كلما عاينتَ شيئاً من خلق الله عزّ وجل, يجب أن تذكر الله، هذا المؤمن دائماً ذاكر لا يغفل، يعني إذا نظرَ إلى الشمس, إذا نظرَ إلى القمر, إذا نزلت الأمطار, هبت الرياح . وفي المُسند مرفوعاً من حديث أبي الدرداءِ رضي الله عنه: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ, وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ, وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ, فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ, وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى))
ما قولكم؟ خيرٌ لكم من كلِّ شيء .
عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ , قَالَ : ((أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ: لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
إذا مجموعة أخوان التقوا في سهرة، التقوا في دعوة، وذكروا الله عزّ وجل وذكروا آياته، ذكروا أوامره، ذكروا نواهيه، ذكروا صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ذكروا أعمال أصحابه، ذكروا ما عنده من نعيمٍ مقيم، ذكروا عذابه فخافوا، ذكروا نعيمه فاشتاقوا، ذكروا جلاله فخشوه, هذا المجلس مجلس علمٍ، مجلس ذِكرٍ, مجلس مذاكرةٍ بين الأخوة, لذلك الإنسان لا بد له من جلسةٍ مع ربه, وجلسةٍ مع أخيه، إذا جلستَ مع أخيك, وحدثّته عن ربك, انطلقَ اللسانُ بذكرِ الله، هذا الحديث يجب أن يكون في أعلى موضع من مواضع قلوبنا .
عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ : ((أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
يكفيكَ شرفاً إذا ذكرتَ الله عزّ وجل أنَّ الله عزّ وجل يباهي بكَ الملائكة.
الآن: أغلب الناس يسهرون, يجتمعون، ويولمون وليمة، في هذه الجلسة يتحادثون في أمور الدنيا, بالبيع وبالشراء, بالتجارات, بالأخبار التي يسمعونها, وينفضُّ المجلس, وينتهي الأمر, لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ((خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإسْلامِ, وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا, قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
إذا جلستَ مع أخيك تذاكر العِلم، إذا جلستَ مع أخيك لتذكر الله عزّ وجل، لتحدثّه وليحدثك، تتلو عليه بعض آيات القرآن الكريم، لتفسرها له، لتنصحه لينصحكَ، لتقفَ على سُنّةٍ نبوية، لتقفَ على موقفٍ شريفٍ لأصحاب رسول الله، إذا فعلتَ هذا, فأنتَ ممن ينطبقُ عليكَ هذا الحديث .
قال: ((ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا لنذكر الله, ونحمده على ما هدانا للإسلام, ومنَّ علينا، قالَ: ما أجلسكم إلا ذلك؟))
اصدقوني ما في نية ثانية؟ أيام الأخ يأتي للجامع بباله أن يلتقي بفلان, يعلم أنه يوجد في هذا المجلس, النيّة اختلفت, قد يأتي الإنسان إلى بيت الله عزّ وجل, لا يرجو إلا رضاء الله عزّ وجل .
إنسان كانَ في المسجد ينشدُ ضالةً, النبي عليه الصلاة والسلام غَضِبَ منه، كأنه دعا لا وجدتها .
الله عزّ وجل قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
[سورة الليل الآية: 1-4]
هؤلاء الذاكرون جلسوا ليذكروا الله عزّ وجل, لا قصد الطعام, والشراب, ولا الضيافة, ولا الشوق, ولا اللقاء .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ, فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ, قَالَ: لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))
والحقيقة : ربنا عزّ وجل يختم عملَ الإنسان بحسب حياته , إذا كانَ في حياته طائعاً ، إذا كانَ في حياته منيباً ، يختم حياته وهو في صلاة , أشخاص أعرفهم , وهو ساجد قبضه الله عزّ وجل , في طاعة , في عبادة .
عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيَّانِ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ خَيْرُ الرِّجَالِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ, وَقَالَ الآخَرُ: إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا, فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ, قَالَ: لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
هذا أعظمُ عملٍ تفعله، يبدو أنكَ إذا ذكرتَ الله اتصلتَ به, وهذه قِمةُ العبادات كلها، الصلاة من أجل الصِلة، الحجُ من أجل الصِلة، الصيام من أجل الصِلة، الزكاة من أجل الصِلة ، غَضُ البصرِ من أجل الصِلة، تحريّ الحلال من أجلِ الصِلة، كلُّ عباداتك, وكلُّ طاعاتك, ومعاملاتك, وإحسانِكَ من أجلِ الصِلة، فإذا اتصلتَ بالله عزّ وجل, فقد حققتَ الهدفَ من وجودك.
قَالَ حَسَنٌ الأَشْيَبُ رَاشِدٌ, أَبُو يَحْيَى الْمَعَافِرِيُّ: ((أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ, عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ؟ قَالَ: غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الْجَنَّةُ))
إذا عاملت إنساناً, رأيتَ منه وفاءً، حياءً، شهامةً، مروءةً، رحمةً، عطفاً، لُطفاً، يجب أن تحكم أنَّ هذا الإنسان له مجلسُ ذِكرٍ يحضره، له مشرب، له نبع يرتوي منه، له صِلةٌ بالله عزّ وجل، ما من إنسانٍ يرحمك, أو يعطفُ عليك, أو يُنصفك, أو يفي بعهده, إلا وله صِلةٌ بالله عزّ وجل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾
[سورة العلق الآية: 9-12]
انظر إلى عمله، انظر إلى أخلاقه، انظر إلى لؤمه، انظر إلى قذارته، إلى أنانيته، إلى إخلافه الوعد، إلى إيثاره مصالحه، انظر إليه عمله يُنبئكَ بحاله . ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾
إنسان آخر .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَنْ يُنْجِيَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَاغْدُوا وَرُوحُوا, وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ, وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
سافرت, اذكر الله في سفرك، رأيتَ جبلاً شامخاً، رأيتَ بحراً مضطرباً، رأيتَ سماءً صافيةً، رأيتَ بلاداً لا تعرفها، في سفرك، في حَضرك، في إقامتك، في تجارتك، في نزهتك، في سكونك، في حركتك، " اغدوا وروحوا واذكروا ".
من كانَ يحبُ أن يعلم منزلته عندَ الله, فلينظر كيفَ منزلة الله عنده؟ يعني ساحة نفسك إن صحَّ التعبير: ما الذي يشغلها؟ قد تكون الدنيا هي التي تشغلها، وقد يكون ذِكرُ اللهِ عزّ وجل هو الذي يشغلها، فإذا أردتَ أن تعرفَ ما للهِ عِندك، أردت أن تعرفَ ما لكَ عندَ الله, فانظر ما للهِ عِندك .
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السّلامَ, وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ, عَذْبَةُ الْمَاءِ, وَأَنَّهَا قِيعَانٌ, وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ))
يجب أن تسبحه، أن تنزهه، وأن تمجّده، ويجب أن تحّمده، وأن توحّده، وأن تكبّره، وهذا ذِكرُ الله عزّ وجل, يعني أحياناً تُحدثنا عن آية كونية في الفلك، عن آية في خلق الإنسان ، هذا من تسبيح الله, هذا من تكبيره, لا تفهموا من هذا الكلام أن تقول: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! هذا ذِكر أيضاً, ولكن إذا عرضتَ علينا آيةً من آيات الله الباهرة, فعرضُ هذه الآية نوعٌ من أنواع الذِكر، إذا عرضتَ هذه الآية سبحنا الله عزّ وجل، كبرنّاه، عظمّناه، وحدنّاه .
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ, وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ, مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ما دامَ قلبه غافِلاً عن ذِكرِ الله فهو ميت .
عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه ، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه : مَثَلُ الحيِّ والميِّت ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
هذا البيت يجب أن يكون مُفعماً بِذكر الله، بتلاوة القرآن, أما بيوت المسلمين اليوم كُلها غِناء, في أيّ وقت الأغاني تصدح في أرجاء البيت، فالبيت الذي يُذكر الله فيه بيتٌ حيّ، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه بيتٌ ميت، قالَ بعضُ الشعراء:
فنسيان ذِكر الله موت قلوبـــهم وأجسامهم قبلَ القبورِ قبـورُ
وأرواحهم في وحشةٍ من جسومهم وليسَ لهم حتى النشورِ نشورُ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ , أَنَّهُ قَالَ : ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ, ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي, وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ مِنَ النَّاسِ, ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ))
أنواع الذكر :
1-ذكر الله عز وجل وذكر أسمائه وصفاته :
هناكَ ثلاثةُ أنواعٍ للذِكر: ذِكرُ الله عزّ وجل, وذكِرُ أسمائه وصفاته, الله ربنا، الله خالقنا، الله إلهنا، وجود الله عزّ وجل، وحدانيته، كمالاته، أسماؤه الحسنى، صفاته الفُضلى، لذلك: إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسماً من أحصاها دخلَ الجنة .
إذا فهمتَ هذا الاسم، فهمتَ تعريفه، فهمتَ مظاهره، فهمتَ براهينه، فهمتَ تطبيقاته، هذا ذِكر, باب من أبواب الذِكر, أن تذكرَ الله خالقاً مربيّاً مسيّراً، وأن تذكره في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى .
2-أن تذكر أمره :
النوع الثاني: أن تذكرَ أمره, ما حُكم هذا الشيء؟ الأمر والنهي, والحلال والحرام، المكروه، المباح، المندوب، الواجب، في كل شيء, في تجارتك، في بيعك، في شرائك، في طعامك، في شرائك، أيجوز هذا؟ لا يجوز، هذا باب آخر من باب الذِكر, يعني أن تذكرَ الله وأن تذكرَ أمره، أن تذكرهُ كي تعرفه, وأن تذكرَ أمره كي تعبده, تذكره لتعرفه وتذكرَ أمره لتعبده، هذا نوعٌ آخر من أنواع الذِكر .
3-ذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي :
النوع الثالث: ذِكرُ الآلاءِ والنعماءِ والإحسانِ والأيادي, الكون, الشمس، القمر، الماء في درجة +4 ينكمش، يزداد حجمه خِلافاً لكلِّ الأجسام, هذه آية من آيات الله, لولا هذه الآية لما كُنّا أحياء, كلُّ عنصر إذا برّدته ينكمش, فإذا سخنّته يتمدد، إلا الماء في درجة +4 إذا بردّته يزداد حجمه, لولا هذه الخاصّة, لما بقيت حياةٌ على وجه الأرض .
مثلاً: آية النبات أنها تأخذ غاز الفحم وتطرح الأوكسجين, هذه آية عظيمة جداً, الثقب في القلب ثقب بوتال, لولا هذا الثقب لما نما الجنين, ولولا أنه يُغلقُ عِندَ الولادة لما عاشَ الطفل, آية القلب، آية الرئتين، آية الأعصاب، العضلات، الأجهزة، هذا الطعام، النبات، الجذور، النُسغ الصاعد، النُسغ النازل، في آيات بالنبات لا يعلمُها إلا الله، آيات بالحيوان، آيات بالإنسان، آيات بالأكوان، فهذا نوعٌ من الذِكر .
تذكر الله عزّ وجل خالقاً ومربيّاً ومسيّراً أسماءه وصفاته، وتذكر أمره ونهيّه, وحلاله وحرامه، وتذكر آلاءه ونِعمه .
الذِكر أنواع: نوعٌ يتواطأ عليه القلبُ واللسانُ وهو أعلاهُما، واحد ذهبَ ليَحُج فطاف, أُخذَ بالكعبةِ, فنَسيَّ أشواط الطواف, فسألَ شيخه, قال: يا بنيّ لقد طُفتَ بربِّ البيت, ولم تَطف بالبيت, فذهبَ ليطوفَ ثانيةً, وضبطَ الأشواط, ونسيَّ ذِكرَ الله عزّ وجل، قالَ: يا بنيّ, لقد طُفتَ بالبيت ولم تطف بربِّ البيت، المرة الثالثة جمعَ قلبه على الله, وضبطَ الأشواطَ بشكلٍ صحيح, قالَ له: الآن طُفتَ بالبيت وربِّ البيت, فأعلى أنواع الذِكر في صلاة: تقرأ القرآن وقلبكَ مع الله .
الإمام الغزالي يقول: أعلى درجات ثواب القرآن الكريم, أن تقرأه في بيتٍ من بيوت الله, في صلاةٍ قائماً, الصلاة في المسجد، وأنتَ قائم، وتقرأ القرآن, وذِكرٌ بالقلبِ وحده, وهذا في الدرجة الثانية، وذِكرٌ باللسان المُجرد, وهذا بالدرجة الثالثة .
وقالوا: ذِكرُ العبدِ ربّه محفوفٌ بِذكرين: ذكركَ الله ذكرته فذكرك, ذَكركَ قبلَ أن تذكرهُ, وذَكركَ بعد أن ذكرته، قال تعالى:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[سورة البقرة الآية: 152]
((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم))
وهناك ذِكرُ الثناء, إذا قلتَ: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, هذا ذِكر الثناء، وإذا قُلت: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَ من الخاسرين, هذا ذِكرُ الدُعاء، فأنتَ إذا سبحّتَ الله, أو وحدّته, أو كبرّته, أو حمدّته, فقد ذكرته, وإذا دعوته فقد ذكرته . أدعية مأثورة :
يجب أن تحفظ بعض الأدعية :
اللهم إني أعوذُ بكَ من الذلِّ إلا لك , ومنَ الفقرِ إلا إليك , ومنَ الخوف إلا منك ، أعوذُ بكَ من عُضال الداء , ومن شماتة الأعداء , ومن السلبِ بعد العطاء .
اللهم ما رزقتني مما أحب , فاجعله عوناً لي فيما تُحب , وما زويتَ عني ما أُحب , فاجعله فراغاً لي فيما تُحب .
اللهم أنا بكَ وإليك ، اللهم استر عوراتنا , وآمِن روعاتنا , وآمنّا في أوطاننا .
فالإنسان يكون ماشياً في الطريق, يتلهّى بنظرٍ عابث, لو أنه دعا الله عزّ وجل أقامَ الصِلة معه.
إذاً: ينبغي للمؤمن أن يحفظَ أدعيةً أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم .
في أدعية جميلة جداً :
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبينَ معصيتك, ومن طاعتكَ ما تُبلّغنا بها جنتك , ومن اليقين ما تُهونُ به علينا مصائبَ الدنيا , ومتعّنا اللهم بأبصارنا وأسماعنا وقوتنا ما أحييتنا , واجعله الوارِثَ مِنّا ... إلى آخر الدعاء .
أقدمت على عمل :
اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي , والتجأتُ إلى حولكَ وقوتكَ وعلمكَ يا ذا القوةِ المتين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا .
فالدعاء ذِكر, فالإنسان إذا دخلَ بيته في دعاء، إذا خرجَ من بيته في دعاء.
اللهم أعوذ بِكَ من أن أظلِمَ أو أُظلم, أو أجهلَ أو يُجهلَ عليّ, أو أضِلَّ أو أُضل.
أقدمَ على عمل: أسألكَ خيره وخيرَ ما خُلِقَ له.
ركب دابّته, ركب مركبته, فهذه الأدعية إذا حَفِظها, وأفضل كتاب بهذا الموضوع كتاب الأذكار للإمام النووي, أذكار النبي عليه الصلاة والسلام, حتى إنَّ الذي يقربُ أهله, يدعو لئلا يأتيه ولد يجعل حياته جحيماً، فالدعاء ذِكر, والتسبيح, والتحميد, والتهليل, والتوحيد, والتكبير, أيضاً ذِكر .
ففي الذِكر ذِكرُ سناء, وذِكرُ دعاء, وذِكرُ رعاية, إذا قلت: الله معي, الله ناظرٌ إليّ, الله شاهدي, هذا ذِكر رعاية، فيجب أن تُنوعَ في الذِكر, ذِكرُ الدعاء, وذِكرُ الثناء, وذِكرُ الرعاية .
الأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة, فهي متضمنة الثناء على الله, والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به .
قالَ عليه الصلاة والسلام: أفضلُ الدعاءِ الحمد لله .
قيل لسفيان بن عُيينة: كيف جعلها النبي دُعاءً؟ قال له: أما سَمعتَ قولَ الشاعر:
أأذكرُ حاجتي أم قد كفاني جِباؤكَ إنَّ شيمتكَ الحِباءُ
إذا أثنى عليكَ المرءُ يوماً كفاه من تعرضه الثنـاءُ
إذا دخل أحدهم بيتك, وقال لك: أنا أعرفك كريماً وسكت، ألا تفهم منها شيئاً هذه؟ لم يقل: أريد منكَ شيئاً، قال لك: أنا أعرفكَ عفواً, وعَمِلَ معكَ ذنب، ألا يعني الثناء عليك, أنه يُطالِبكَ أن تعفوَ عنه؟.
ثناؤكَ على الله عزّ وجل نوعٌ من أنواع الدعاء .
النبي الكريم يقول: أفضلُ الدعاءِ الحمدُ لله .
الخلاصة :
الحقيقة: هذا الدرس قيمته في تطبيقه, فإذا الإنسان دعا قبلَ أن ينام، عندما يستيقظ، إذا خرجَ من بيته، دخلَ إلى عمله، أقدم على عمل مهم، قبلَ أن يعقد صفقة، هذا الدعاء هوَ صِلة بالله، هو استعانة بالله، فأنتَ إذا دعوتَ الله في كلِّ أحوالكَ فأنتَ من الذاكرين، إذا حَمِدته وأثنيتَ عليه فأنتَ من الذاكرين، إذا قلت: الله معي, الله شاهدي, الله ناظرٌ إليّ, فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأت القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا سمعتَ القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا جلستَ تستمع إلى تفسير القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا فسرّته فأنتَ من الذاكرين، إذا أمرتَ بالمعروف فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأتَ كتابَ فِقهٍ فأنتَ من الذاكرين .
كلُ عملٍ ابتغيتَ به وجهَ اللهِ, وذكرتَ الله فيه, فأنتَ من الذاكرين, لذلك: كـأنَّ الذِكرَ هو غاية العبادات ومنتهى آمال العابدين .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( العاشر )


الموضوع : اتخاذ الاسباب







أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس العاشر من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين .
منزلة الأخذِ بالأسباب :
أيها الأخوة الأكارم ؛ منزلة اليوم لستُ مُبالغاً إذا قلت: إنها من أخطر المنازل , بل إنها من أشدِّ المنازل حاجةً إليها , يعني ما مرَّ على المسلمين في تاريخهم وقتٌ هم في أمسّ الحاجةِ إلى هذه المنزلة منهم في هذا الوقت , وقد تعجبونَ من عنوانها ، إنها منزلة الأخذِ بالأسباب , أو كما سمّاها ابنُ القيم: إنها منزلة رعاية الأسباب , وقبلَ أن أُفصّلَ في هذه المنزلة , أتمنى أن أُوفقَ إلى مقدمةٍ قصيرةٍ تلقي ضوءاً على هذه المنزلة .
تمهيد :
الشيء الذي يلفتُ النظر : أنَّ النجاحَ في الحياة يُعزى إلى صِحة التصور، وأنَّ الإخفاقَ فيها يُعزى إلى سوء التصور ، فلو أنَّ طالباً حققَ نجاحاً عالياً في امتحانٍ ما ، هذا النجاح يُعزى إلى حُسن تصور الطالب , لضبطه للوقت , ولاستخدامه للوقت , ولإتمامِ ما يجبُ أن يُتمه , فإذا أخفق فيجب أن نتساءل : لعلَّ هناكَ خطأً في تصوره .
ما الذي جعلَ المسلمون في فجر الإسلام وفي عقود الازدهار يتفوقون , والله سبحانه وتعالى يُمكّنهم , ويستخلّفهم , وتُرفرف راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ؟ وما الذي جعلهم بعدَ وقتٍ معين في مؤخرةِ الأمم ؟ لماذا كانت كلمتهم هي العليا وليست كلمتهم عُليا في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا أقوياء في وقت وليسوا كذلك في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا دُعاة ورُعاة للأمم , فلماذا أصبحت الأمم ترعاهم وتتولى الوصاية عليهم ؟ .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/01.jpg
هذا سؤالٌ كبير , القرآن هو هوَ , والسُنّة هي هيَ , والعلم هناك ازدهار في العلم , هناك ازدهار في نشر العلم ، ما الذي جعلَ المسلمون السابقون في القِمة , وما الذي جعلَ بعضهم في الحضيض ؟ لماذا كانوا مُثلاً عُليا ؟ لماذا فتحوا البلاد ؟ لماذا رحموا العباد ؟ هذه أسئلة كبيرة .
لا شك أنَّ أصحابَّ النبي عليهم رِضوان الله شيء فَهِموا الإسلام فهماً صحيحاً ، ولا شك أنَّ الرعيلَ الأخير الذي جاء في آخر الزمان فَهِمَ الإسلامَ فهماً سيئاً .
من باب التوضيح :
إنسان عنده شركة سيارات كبيرة جداً , كل يوم ينفجر بسياراته 100 إطار ، لماذا ؟ ما السبب ؟ وشركة أخرى لا ينفجر إطار في الشهر مرة مثلاً , ماذا نقول ؟ نقول : لعلَّ مديرَ هذه الشركة أعطى تعليمات إلى جعل ضغط الهواء ضغطاً عالياً لا يتناسب مع الجو , فكلما أسرعت هذه المركبة تمدد الهواء وانفجرَ الإطار , فالخطأ في عقل مدير هذه الشركة ، الذي أعطى هذه التوجيهات بشكلٍ مغلوط ، فكلما انفجرَ إطار , يأتي هذا المدير ويوبخ صاحبَ المركبة ، العاقل والعالِم يقول : هناك خطأ في التصميم ، هناك خطأ في المنهج ، هناك خطأ في الفهم , هناك خطأ في التصور ، هذا المدير العام لهذه الشركة الضخمة : يجب أن يعلم أنَّ الإطار يجب أن يكون له ضغط للهواء في الصيف معين , نحن حينما نرى أخطاء كثيرة , في تمزق ، في تبعثر ، في ضعف ، في ركون للدنيا ، في رغبة في مُتع الحياة ، في عِداء ، في تباغض ، في تحاسد ، في ضعف عام , هناك خطأ في التصور , كأنَّ هذه المنزلة التي نحن بصدد الحديث عنها , كأنها إجابةٌ شافيةٌ لِما يعاني المسلمون من مشكلات .
هناك مشاعر عاطفية إسلامية هذه نحترمها ولكن لا تكفي ، هناك شعور إسلامي جيد , كل مسلم يتمنى أن يكون المسلمون بوضع مقبول ، بوضع ممتاز ، بوضع عزيز ، بوضع قوي , بوضع فيه تفوق ، لا شك هذه العواطف نحترمها , ولكن هل تكفي العواطف ؟ هل يكفي أن أتعاطف مع الإسلام والإسلام يُعاني ما يُعاني ؟ أينَ الخطأ ؟ أينَ الخلل ؟ أينَ الضعف ؟ أصحابُ النبي من طينةٍ أخرى ، من بُنيةٍ أخرى , لا والله , يعني الإله تغيّر ؟ لا والله , هو هو, الله سبحانه وتعالى أسماؤه حُسنى, وصفاته فُضلى, وهو معنا أين ما كُنّا؟ معنا من قبل , ومعنا الآن , ومعنا من بعد, الإله هو هو ، القرآن هو هو ، الحق هو هو .
تصور العلماء للدين شيء مهم جداً , ومن هنا كانت هذه المنزلة , اسمها منزلة رعاية الأسباب ، وأقول لكم دائماً :
﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ﴾
يعني أنتَ إذا بإمكانك أن تُقنع الآخرين أن هذا هو الصواب فيها ونعمت , وإن لم يكن بإمكانك أن تُقنعهم افعل ما أنتَ قانعٌ به , تنل من الله كلَّ الوعود , وتقطفَ كلَّ الثِمار ، وإن أقنعتَ الناس بأن يفعلوا ما هوَ صواب , كان الفرجُ عاماً . لماذا تفوق الصحابة والتابعين ؟
الموضوع يشمل كل مسلم .
في كل مهنة .
في كل حِرفة .
هذا السؤال الكبير : لماذا تفوقَ أصحاب النبي ؟ لماذا تفوقَ التابعون ؟ لماذا كانوا مستخلفينَ في الأرض ؟ لماذا كانت كلمتهم هي العُليا ؟ لماذا كانوا مُمكنين ؟
ولماذا نحن متخاذِلون ؟ لماذا نحن ضعفاء ؟ لماذا كلمتنا ليست هي العُليا ؟ ما السر ؟.
أقول لكم بكل تأكيد هناك خطأ في التصور .
يعني مثلاً : لو أوهمنا سائق مركبة , أن ضوء الزيت إذا تألق يكون تسليةً لك , وهو في الحقيقة خطر على المُحرك ، فالذي فَهِمَ سِرَّ هذا الضوء الأحمر في العدادات التي أمامه يقف فجأة ويضيف الزيت ، والذي ظنَّ أنَّ هذا الضوء للتسلية يتابع السير , فإذا بالمركبة يحترق مُحركها , ويدفع المبالغ الطائلة لإصلاحها , أحياناً لا يهمني الخطأ بالواقع , يهمني الخطأ أين ؟ في التصور , لمّ المُحرك احترق ؟ ما السبب ؟ لِظنِّ السائق أن ضوءَ الخطر الذي تألق ليُسلّيهُ لا ليُنذرهُ .
الأخذ بالأسباب والتوحيد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/02.jpg
في ضوء هذا التمهيد نشرحُ هذا الموضوع , تجد المسلم يتوكل على الله في أعماله , لا يُتقن عمله ويتوكل ، لا يأخذ بالأسباب ويتوكل ، وقلبه مشرك ، بقلبه يعتمد على زيد أو عُبيد , وعمله ظاهره متوكل ، هذا خطأ مزدوج والعكسُ هوَ الصواب , يجب أن يتوكلَّ بقلبه , وأن يسعى بعمله ، والأحداث والظروف والصِدامات في العصور الحديثة تؤكد هذه المقولة .
قال :
من منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين : منزلة رعاية الأسباب , ذلكَ أنَّ التوحيد : ما تعلمت العبيد أفضلَ من التوحيد .
أن تقول : لا إله إلا الله , لا مُسير لا ربَّ إلا الله , لا خالِقَ إلا الله , لا معطيَ إلا الله , لا مانعَ إلا الله , لا مُعزَ إلا الله , لا مُذلَ إلا الله , لا باسطَ إلا الله , لا قابضَ إلا الله ، هذا التوحيد .
والتوحيد له مستويان :
مستوى قولي لساني , وهذا سهل جداً .
ومستوى نفسي .
فكم من موحدٍ مُشرك ؟ كم من موحدٍ بلسانه مشركٍ في قلبه في جنانه , يقول : لا إله إلا الله بلسانه , وكلُّ اعتماده على فلان , وكلُّ ثِقته بماله , كلُّ اعتماده على قوته , كلُّ اعتماده على أولاده , كلُّ اعتماده على أهله ؟ هذا موحد مُشرك بآن واحد , يؤكد هذا قول الله عزّ وجل :
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
يا ليت هذا الخطأ في التصور أو في العقيدة يبقى في العقيدة ، هذا ينعكس في السلوك , ينعكس في حياتنا العامة ، ذلكَ أنَّ التوحيدَ يقتضي القيامَ بالأسباب الظاهرة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/03.jpg
أخي ابنك مريض , يقول : سلّمته لله , هذا الكلام هوَ الجهلُ بعينه ، أنت بالرياضيات مُقصّر , يقول : أنا الله عزّ وجل يُكرمني , كل سنة أدعوه دعاءاً حاراً فيوفقني , هذا هو الجهلُ بعينه ، هذه البضاعة لا تُباع معك , تقول : سبحان الله ! أنت عندما اشتريتها , كنت دقيقاً بشرائها , درست السوق , درست النوعية , درست السعر , أخذت بضاعة سيئة بسعر مرتفع , انظر لهذا الموقف الذي فيه جهل ، ما دام المسلمون في هذا الجهل , يعزون أخطاءهم إلى القدر ، كلما وجدَ مشكلة بحياته , يقول لكَ : أخي الله لم يسمح , الله لم يرد , الله لم ييسر , الله لم يجبر , هذا الموقف الذي كانَ الصحابة على عكسه .
قال: التوحيد إذا كنتَ موحداً , إذا رأيتَ يدَ اللهِ لا يدَ غيرها ، إذا رأيتَ أنَّ الأمر كله بيد الله ، إذا رأيت أنَّ الله هو كلُّ شيء ، قال : يجب أن تأخذَ بالأسباب كل الحركات والأعمال ، ويجب أن تعتبرها , يعني أن تحترمها , أن تهتمَّ بها ، ويجب أن لا تُهملها ، ويجب أن لا تُعطلها ، النجاح في الامتحان يحتاج إلى دراسة ، النجاح في التجارة يحتاج إلى دراسة , السوق نوع البضاعة , وأسعار البضاعة , والكمية المناسبة , والتصنيف المناسب , وعرض البضاعة بشكل جيد , كلٌّ شيء يجب أن تأخذَ بأسبابه ، إذا أردتَ أن تنتمي إلى أمةٍ كانت فيما مضى أمةً رائدةً للأمم , إذا أردتَ أن تنتمي لأمةٍ كانت في مقدمة الأمم , هذه الأمة بدأت كما فعلَ النبي عليه الصلاة والسلام .
مثل تعرفونه دائماً: هل في الأرضِ كلها إنسانٌ, يستحقُ النصرَ والتأييد والعون كرسول الله؟ أكمل إنسان رسول الله، يوحى إليه، جاء بالإسلام، ومع ذلك: ما فرّطَ في الأخذِ بالأسباب قيدَ أنملة .
التوحيد إذا كنتَ موحداً, يجب أن تأخذَ بالأسباب, وأن لا تهملها, وأن لا تُعطلها, وأن تعتمدها, تعتمد أن تأخذها, لأنَّ هذا من لوازم التوحيد، أما إذا عزلتها, وأهملتها, واحتقرتها, وتجاوزتها, فأنتَ لستَ موحداً .
فموقف الاستكانة، موقف التقصير، موقف الكسل، موقف التسيب، هنا خسران ووضعك سيء، ليسَ هذا موقفاً صحيحاً إسلامياً, الموقف الإسلامي ابنكَ مريض, يجب أن تأخذه إلى الطبيب, وأن تختار أفضل طبيب, وأن تشتري الدواء الصحيح, وأن تعطيه الدواء بعنايةٍ فائقة, وأنتَ في كلِّ هذه الحركات تقول: يا رب لا شافي إلا أنت, بهذا يُصبحُ حالُكَ طيباً، بهذا تقوى، بهذا ترقى، بهذا تستحقُ تأييد الله، بهذا تستحقُ نصرَ الله، بهذا تستحقُ إكرامَ الله عزّ وجل .
في نقطة دقيقة: دائماً التطرف سهل، مثلاً: أب سهل جداً, أن يكون ليّناً, ضعيف الشخصية، لا يحتاج هذا إلى ذكاء, كل قضية ساكت، ابنه تطاول ساكت، ابنته تأخرت غير آبه، ابنته وضعها لا يُناسب لا تحتج، صهره مُقصّر يغض الطرف، زوجته مهملة لا يناقش، وسهل أن تكون عنيفاً, كل غلطة تضرب، كل غلطة تسب، الموقف العنيف سهل, واللين سهل ، أما الموقف البطولي: أن تكونَ في الوقت نفسه مرغوباً ومرهوباً، أن يرجوكَ من معك, وأن يخافَ منك .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/04.jpg
ألا تكونَ ليّناً فتُعصر, وألا تكونَ قاسياً فتُكسر, ألا تُؤله الأسباب.
سمعتُ عن قصة طبيب, اكتشف أن الجري شيءٌ له آثار في صحة القلب, لا يعدلها شيء، هو يجري كلَّ يوم, ويكتب المقالات, ويتحدث, وينصح, لكنه اعتمد على الجري وحده ، وظنَّ أنَ الجريَّ هو كلُّ شيء، وظنَّ أنَّ الذي يجري لا يموت، وأنَّ الذي يجري لا يمرض ، وأنَّ الصحةَ كلها في الجري، ودبّجَ المقالات، وكتب الأحاديث، ونصح الناس، وكان يجري كلَّ يوم ساعتين فأكثر، وماتَ وهو يجري, وكان في ريعان الشباب, هذا ما فعل هذا الطبيب؟ ألّهَ الأسباب هذه حالة .
وفي إنسان يتوكل على الله, ويهمل الأسباب, ويتوكل على الله بسذاجة، فالتوكل مع إلغاء الأسباب سذاجة وجهل، وتأليه الأسباب جهل، هذه غلط وهذه غلط، لا ترقى إلا بأخذكَ بالأسباب, وتوكلكَ على ربِّ الأرباب, هذا الكلام دقيق جداً, يمس كل مسلم، يمس كل صاحب مصلحة، كل صاحب مهنة، كل صاحب معمل، كل تاجر، كل مدرّس، كل مهندس, كل طبيب, كل أب، كل أم، كل زوجة، هذا يمسُّ كلَّ الناس .
لن تكتحلَ عيناك برؤية المسلمين أقوياء, لهم الكلمة العُليا، رعاة للأمم بعدَ أن كانوا رعاة للغنم, لن ترى المسلمين قادة، لن تراهم في الصدارة, إلا إذا طبقوا هذا الموقف الدقيق, من السهل أن تأخذَ بالأسباب وتعتمدَ عليها وتؤلِهها، ومن السهل أن تدعها وأن تعتمدَ على الله ساذجاً, ولكن البطولة أن تأخذَ بالأسباب وأن تتوكل على الله .
عَنْ جَابِرٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يُنْجِيَهُ عَمَلُهُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ))
هل هناك أوضح من هذا الحديث: ((اعملوا واعلموا أنَّ أحداً منكم لن ينجيه عمله))
طبّق كلَّ القواعد الصحيّة، أما إذا طبّقتها, واستغنيتَ بها عن الله, وألهتها, لن تنجوَ من المرض, يجب أن تأخذَ بها, وأن تعتمدَ على الله عزّ وجل, وأن ترجوَ الله .
اعملوا واعلموا, ادرس وتوكل، وانتق البضاعة الجيدة بالسعر المناسب, ثم توكل في بيعها على الله عزّ وجل, أقم كلَّ الأسباب, وتوكلّ على ربِّ الأرباب, هذه منزلة رعاية الأسباب .
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا, وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ, فَرَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: لا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ, ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾إِلَى قَوْلِـهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾))
اعمل واعلم أنكَ مُيسرٌ لِما خُلقتَ له, خُلقتَ ليرحمكَ الله عزّ وجل, حينما تعمل الطاعات, فقد حققتَ المُراد الإلهي، فإذا عَمِلتَ المعاصي, وأنتَ قد خُلقتَ للرحمة والإكرام, فلا بد من العِلاج .
النبي عليه الصلاة والسلام هذا الذي لا ينطقُ عن الهوى, كلام النبي يُمثل تعليمات الصانع, قالَ: يارسولَ الله! أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقىً نسترقي بها، وتُقاتاً نتقي بها، هل تردُ من قدر الله شيئاً؟ أحياناً مُحاكمة ساذجة إذا الدواء أخذته, والله كتبَ لي أن أمرض يُفيدني, قلتَ له: لا، إذا الله عزّ وجل كتبَ ليَّ الشفاء, الدواء يُشفيني, لا, إذاً: اترك الدواء, هذه محاكمة الجهل .
عَنْ أَبِي خِزَامَةَ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا, وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا, وَتُقًى نَتَّقِيهَا, هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ))
هيَّ أيضاً من قدرِ الله، إنكَ إذا استخدمتَ الدواء, فررتَ من قضاء الله وهو المرض, إلى قضاء الله وهو الشِفاء، المرض قضاء الله, والشِفاء قضاء الله, فررتَ من قضاء الله إلى قضاء الله, هذا الموقف الدقيق, لن نرقى، لن نقوى، لن نعلو، لن نُعز، لن نُستخلف، لن نطمئن، إلا إذا كُنّا هكذا .
القصة الشهيرة التي حدثتكم عنها كثيراً وهيَ: أنَّ سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما سافرَ إلى الشام, وقفَ على أبواب الشام, وكانَ فيها الطاعون, فرجعَ عمر, خافَ أن يدخلَ بأصحابِ رسول الله إلى الشام, فقال له أبو عُبيدة: يا أمير المؤمنين, أتَفِرُ من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيركَ قالها يا أبا عُبيدة, أفِرُ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، الطاعون قدر الله والشفاء قدر الله, وأنا فررتُ من قدر الله إلى قدر الله, ثمَّ نادى في الجيش: هل فيكم من سَمِعَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في الطاعون؟ انظر للأدب, قال: هذا تعليم لنا .
يعني ممكن أن يكون أمير المؤمنين, وسأل أصحابه: هل سَمِعَ أحدكم عن رسول الله في هذا الموضوع؟ أجيبوني.
يعني أنتَ إذا كُنتَ لكَ مكانة علمية, لا تستنكف أن تسألَ الآخرين، تزدادُ عندهم مكانةً, ليسَ هذا طعناً في عِلمك, اسأل .
سيدنا عمر, عِملاق الإسلام, أمير المؤمنين, قال لأصحابه: هل منكم من سَمِعَ شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في الطاعون؟.
عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ, سُلِّطَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ, أَوْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ, فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ, وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا))
هذا موقف علمي .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/05.jpg
أحد العلماء كان في بلد أجنبي, والتقى مع عالِم من كِبار عُلماء الجراثيم, وسأله هذا السؤال: يعني إذا كان في بلدة فيها مرض سارٍ, ماذا يجب أن نفعل؟ عالِم بعيد عن الإسلام بُعدَ الأرضِ عن السماء, ولا يعلم ما الإسلام؟ ولا ما القرآن؟ ولا ما حديثُ النبي العدنان؟ سُئل هذا السؤال: مرض سارٍ وبائي في بلد, ماذا ينبغي أن نفعل؟ قالَ: أولاً: نضربُ حولَ هذا البلد نِطاقاً، نمنع الدخول إليه، من أجل العدوى، فالخطر لا في المرضى، في حَمَلةِ هذا الجرثوم, كيفَ كشفَ النبي هذه الحقيقة؟ طبعاً: إذا كانَ الطاعون في بلد فلا تدخلوه, لأنَّ فيه عدوى, أما لا تخرجوا منه؛ هذه لا تُعرف إلا بالمخابر، لا تُعرف إلا بعد تحليل دم إنسان صحيح سوي, هذا حامل جرثوم .
سنسمع مجموعة آيات ؛ مثلاً : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾
[سورة الحجر الآية: 21]
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾
[سورة الحجر الآية: 19]
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 49]
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾
[سورة يس الآية: 39]
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة المزمل الآية: 20]

﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾
[سورة الطلاق الآية: 3]
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 2]
﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾
[سورة عبس الآية: 18-19]
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 18]
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
[سورة الشورى الآية: 27]
كم آية ؟ كُلها بقدر ، قال : المعنى في كلِّ هذا خلقه بنظام وترتيب، خلقه بقدر, هناك سٌنن، هناك أسباب، هناك مُسببات، هناك نتائج، فإذا كانَ تصميم الكون وفق الأسباب والنتائج, وفقَ التقدير الدقيق، وفق الحساب الدقيق، وفق النظام الرائع، أنتَ أيها المؤمن؛ يا من تدعي أنكَ مؤمنٌ بالله، هل يليق بك أن تُهملَ نظام الله عزّ وجل؟ أن تُهملَ هذه السُنن؟ أن تُهملَ هذه المعطيات؟ ألاّ تبالي بهذه القواعد؟ ألاّ تبالي بهذا التقدير؟.
من لم يأخذ بالأسباب :
أنا أصدقكم القول: كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب, فهو سيء الأدب مع الله عزّ وجل، كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب ويحتقرها, ولا يبالي بها, ولا يأخذُ بها, فهو يُسيء الأدبَ مع الله عزّ وجل، لو أنَّ إنساناً ركبَ مركبته, ولم يُراجعها قبلَ السفر, لعل هناك قطع تالفة، لعل هناك حاجات ناقصة، لعل هناك خلل في المِكبح، إن لم تُراجع هذه المركبة, وفوجئتَ بحادث, أو بطارئ, أو بانقطاع, فأنتَ لم تأخذ بالأسباب, ولم تتأدب مع الله عزّ وجل، لا نرقى ولا نقوى ولا نستحقُ نصر الله عزّ وجل, ولا نستحق تأييده وعونه وحِفظه, إلا إذا تأدبنا مع سُننه.
يعني أنت عندك مدرسة, فيها نظام دقيق, قلت: الدخول الساعة الثامنة، جاءك طالب وهو ابن صديقك الساعة التاسعة, ما دام المدير نظّم هذا النظام, قال: يُغلق الباب الساعة الثامنة, وعلى المتأخر أن يبقى خارج المدرسة, هذا نظام, إذا كنتَ تُقدّر صاحبَ هذه المدرسة, تُجِلُّ هذا النظام, وتتقيد به, وتحترمه .
الآن اسمعوا الكلمة الدقيقة: ما من مؤمنٍ يُهمل الأسباب, ويستخفُ بها, ولا يعبأ بها, ولا يعتني بها, ويُهملها, ويدّعي أنه متوكل, فهو كاذب, وهو مسيءٌ للأدب, ولا يستحقُ نصر الله, ولا تأييده, ولا حِفظه, لا أقول لكَ: يجب أن تأخذَ بالأسباب الكاملة, قد تكون الكاملة ليست في مقدورك, وأنت في قرية, ولا يوجد غير طبيب واحد في العاصمة, أطباء كثر أعلم بكثير, لكن ليس بإمكانك الوصول إليهم, أن تاخذ هذا الابن إلى هذا الطبيب المتواضع, هذه كلُّ أسبابك, هذا الذي تملكه، أنا أقول: يجب أن تأخذ بالأسباب المتاحة لكَ, أنا لا أطالبك أن تأخذ بالأسباب المُطلقة، بالأسباب المتاحة, إن أخذتَ فقد تأدبتَ مع الله عزّ وجل .
السقوط له قانون معروف, كل أخواننا الطلاب درسوه بالفيزياء, قانون السقوط, أنت لا تقدر أن تُلقي بنفسكَ من طائرة متوكلاً دون مظلة, هذه نقطة مهمة جداً, هذا القانون قائم فهمته أو لم تفهمه, بجلته أو لم تبجله، صدقته أو لن تصدقه، كذلك في كل شيء آخر لا ينبغي أن تُقدمَ عليه دون أن تأخذَ بالأسباب، عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ تخلف المُسلمين، عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ ضعفهم، عدم الأخذِ بالأسباب هو سبب تخلي الله عنهم .
مدير مدرسة وضع نظاماً دقيقاً, يأتي ابن صديقه مُخالفاً لهذا النظام, أليست في مخالفة هذا النظام احتقار لهذا المدير؟ أليسَ من سوءِ الأدب ألا تُبالي بهذا النظام؟ فكل إنسان يهمل الأخذ بالأسباب, ويفعل ما يحلو له؛ بلا تروّ، بلا دقة، بلا حسابات، بلا دراسات، فهو إنسان بعيد عن الدين، ودائماً أعداء الدين يتهمون المسلمين بأنهم متواكلون، بأنهم حالمون، بأنهم عاطفيون, بأنهم يثارون لأتفه الأسباب، وتضعف هِممهم لأتفه الأسباب, أنتم على حق, الأولى بنا أن نأخذ بالأسباب, أن نقوى، الكلام لطالب ادرس جيداً تفوق، لمدرس، لمهندس، لعامل، لصانع، لتاجر، يجب أن تكونَ في عملكَ الأول، إذا فعلنا كلنا هذا نرقى .
الآن : اسمعوا آيات ثانية :
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 57]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/06.jpg
الله عزّ وجل هل هو بحاجة إلى المطر كي ينبت الزرع؟ إذا أراد إنباتَ الزرع هل هوَ مضطرٌ كما هو الإنسان إلى إنزال المطر؟ عبّرَ عن هذا علماء العقيدة بنفي العِلةِ الغائية عن الله عزّ وجل, أنتَ كإنسان إذا أردتَ أن تأكلَ خبزاً, لا يمكن أن تأكل هذا الخبز, إلا إذا زرعت القمح, ونبتَ القمح, وحصدت القمح, وطحنتَ القمح وخبزته، فأنتَ كإنسان مقهورٌ بالأسباب لا تقدر, إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى يجب أن ننفيَ عنه العِلة الغائية:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
[سورة يس الآية: 82]
الآن كل الآيات خِلاف هذه الفِكرة, اسمع:
﴿فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات﴾
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 164]
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة المائدة الآية: 16]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 105]
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 52]
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 182]
كلها باء السببية, هذا بما قدمت أيديكم، الأرض أحياها بالأمطار، الأشجار أثمرت بالماء, كيف نوّفق بين أن الله سبحانه ليسَ مقهوراً بالأسباب, وهذه الآيات كلها تؤكد الأسباب؟ هذا نظام الكون, هو إذا أرادَ شيئاً يقول له: كُن, ولكن جعلَ إنباتَ النبات عن طريق المطر, والمطر عن طريق السحاب, والسحاب عن طريق الشمس, والشمس عن طريق البحر، مُسطح مائي كبير، أشعة شمس مُسلطة, تبخر، تكاثف السُحب، تأتي الرياح تُحرك السُحب، هذه السُحب مشحونة بِقوى كهربائية معينة، هذه السُحب لها درجة حرارة معينة، تدخل في منطقة باردة تبرد, وإذا بردت بخار الماء يحمل بدرجة 30 فرضاً خمسة غرامات ماء المتر المكعب ، من الهواء يحمل بدرجة 30 خمسة غرامات بخار ماء, فإذا بردّتَ هذا الهواء, يتخلى عن نصف الماء، فكل طبقة هواء مُحملة ببخار الماء, إذا دخلت في منطقة باردة, تتخلى عن جزء من بخار الماء, ينعقد على شكل حبات مطر, فيكون المطر المطر يحيي الزرع، كل الحياة أسباب، هذا المولود بسبب زواج فلان من فلانة، هذه المزرعة بسبب زرع البذور .
ربنا عزّ وجل نظّمَ الكون وفق الأسباب, وأودعَ فيكَ عقلاً, لا يفهم الشيء إلا بسببه، العقل في مبدأ السببية والكون أساسه الأسباب، العقل في مبدأ الغائية والكون أساسه الغايات .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/07.jpg
قال: والقرآن مملوءٌ كله من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية, والثواب والعقاب على الأسباب بطرقٍ متنوعة, فيأتي مثلاً بباء السببية، مرة باللام لام التعليل، مرة بأن التعليلية، مرة بكي التفسيرية، مرة بذكر الوصف، مرة بالتعليل الصريح, يعني آيات لا تعد ولا تُحصى, تُرينا أنَّ الله عزّ وجل حينما خلقَ الكون نظّمه، لتجده في سن الـ 18 مهذباً راقياً, عنده حياء وخجل, دون تربية, آباء يقولون لك: سلّمته لله, يتفاجأ بعد فترة أنَّ ابنه سيء الخُلق، منحرف الطِباع، هذا كلام لا يعني شيئاً, الخُلق والاستقامة تريد التربية، تريد الاهتمام، تريد الرعاية، يجب أن تكون راعياً دائماً، تأخذه معك، تراقبه، تنصحه, مرة بالإكرام، مرة بالشِدة، مرة بالتهديد، مرة بالوعيد، مرة بالوعد، مرة بالمكافأة، مرة بالعقاب، مرة بالهجران، تسأل متى جاء؟ ومتى ذهب؟ ومن صديقه؟ ومع من يمشي؟ وأين كنت سهران؟ وأريد أن أرى بيتَ صديقك, تريده وأنت غافل عنه, وأنت تاركه وهامله، تريد أن تفتح عينيك, تجد ولداً على أخلاق، على علم، على فهم، مستحيل هذا الكلام, هذا كلام السُذج، كلام الجهلة .
يا أخوان, كلما تركنا الأسباب تقهقرنا، كلما تركنا النظام الذي خلقه الله عزّ وجل تراجعنا، كلما أهملنا هذه السُنن والنواميس تخلّفنا.
قال تعالى:
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 29]
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 85]
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
في نظام, التعامل مع الله سهل جداً، في قواعد عامة, مثلاً: مدير عام بمؤسسة, بمعمل, بمدرسة, بمستشفى, وضع نظاماً, قال لك: كلّ إنسان يمضى عليه سنة, لا يتأخر إطلاقاً, له كتاب شكر، إذا مضى سنة ولم يأخذ ولا تقرير طبي, له كتاب شكر ثانٍ، إذا مضى سنة ولم تسحق له عقوبة, له كتاب شكر ثالث، إذا مضى سنة ولم يأخذ بحقه تقصير أو تقرير تفتيشي, له كتاب شكر رابع .
حينما يُتاح لنا أن نُرسل إنساناً في بعثة خارجية نقول: من الذي معه خمسة كُتب شكر؟ أعطاك نظاماً دقيقاً هذا المدير؛ لا محاباة, ولا قرابة, ولا واسطة, ولا زُلفى, فالتعامل مع هذا المدير مريح, لا أحد أفضل من أحد, كلهم سواء, وفق نظام دقيق، لكن لو كان في محاباة, وهذا ابن عمه, وهذا أخوه, وهذا ابن حارته, وهذا يقدّم له الهدايا, وضع هذا, وأقالَ هذا, التعامل مع هذا الإنسان صعب جداً, شخص مزاجي, إذا أردتَ أن تتعرف إلى الله عزّ وجل, الخلقُ كلهم عِندَ الله سواء.
لا أنسى هذا القول لسيدنا عمر, قال له: يا سعدُ, سعدُ بن أبي وقاص هذا الذي ما فدى النبي صلى الله عليه وسلم إنساناً غيره, قال له: ارمِ سعدُ فِداكَ أبي وأمي, سيدنا عمر قال له: يا سعدُ لا يُغرّنكَ أنكَ خالُ رسول الله, وفداك بأُمه وأبيه, فالخلق كلهم عِندَ الله سواسية, ليسَ بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له, أنا ابن فلان، الحي الفلاني، ابن العائلة الفلانية، دخلي كذا, حجمي كذا، كلام فارغ .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/08.jpg
هذه المعاني رائعة جداً، التعامل مع الله مريح, لأنه في قوانين:
﴿إنَّ أكرمكم عِندَ الله أتقاكم﴾
أقرب إنسان إلى الله من أطاعه كائناً من كان, اسمعوا وأطيعوا, هكذا قال النبي, ولو تولى عليكم عبدٌ رأسه كالذبيبة, عبد مستقيم على العين والرأس.
سيدنا بلال قال له أحد أصحاب النبي بساعة غضب: يا بنَ السوداء, غَضِبَ النبي غضبةً ما غَضِبَ مثلها, قال له: إنكَ امرؤ فيكَ جاهلية, فهذا الصحابي الجليل وضع خده على الأرض, وقال: يا بلال, طأ على خدي بقدمك كي يرضى رسول الله، ضع قدمكَ فوقَ خدي حتى يرضى عني رسول الله، لا أحد أفضل من أحد .
سيدنا بلال يأتي إلى المدينة, فيخرج عمر لاستقباله، أبو سفيان زعيمُ قريش, يقف بباب عمر ساعات, دون أن يؤذنَ له, وهو يرى بلال وصُهيب يدخلان ويخرجان بلا استئذان, غير معقول هذا, فلما دخلَ عاتبه, قال له: زعيم قريش, سيد قريش, يقف ببابك ساعات طويلة, وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان!؟ قال له: أنتَ مثلهما؟ بالإسلام لا أحد أحسن من أحد، أنتَ وطاعتك، أنتَ واستقامتك، أنتَ وإخلاصك، أنتَ وعملكَ الصالح، فالتعامل مع الله مريح جداً لوجود قوانين . قوانين القرآن :
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الآية: 30]
لذلك: التعامل مع الله, لا تحتاج إلى يمين تحلفه له, ولا شهادة, قال له: والله يا ربي لم أعمل هذا الشيء, شاهدك أنك لم تعمل شيئاً, ولا تحتاج إلى وصل، فالتعامل مع الله عزّ وجل مريح, لأنه في قواعد دقيقة، والقرآن قواعد:
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 33]
﴿ذلك جزاء الظالمين﴾
﴿ذلكَ جزاء المحسنين﴾
﴿هل نجازي إلا الكفور﴾
اسمعوا بعض الكلمات الدقيقة لبعض العلماء, قال: الموّحد المتوكل لا يطمئن إلى الأسباب، لا يعتمد عليها؛ ولكن يعتمد على الله عزّ وجل، لا يطمئن إليها, ولا يرجوها, ولا يخافها, ولا يركن إليها, ولكن يكون قائماً بها, ناظراً إلى الله عزّ وجل, تقدر أن تعمل هذا, أن تقوم بأعلى أنواع الأسباب، تُهاجر. هجرة النبي اعتمد على الأسباب :
اللهم صلِّ عليه هاجر خبير بالطريق، إنسان يأتيه بالزاد، إنسان لمحو الآثار، إنسان للأخبار، سارَ مُغرّباً, اتجه مُساحِلاً، دخلَ في غار ثور، أخذَ بالأسباب كُلِها، وبعدها توكل على الله، قال له: لقد رأونا, قال له: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 198]
قال له: لو نظرَ أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال له: يا أبا بكر, ما ظنكَ باثنين الله ثالثهما؟ أخذَ بكل الأسباب وتوكل على الله .
أتمنى على كل أخواننا الكرام، كل إنسان بعمله، بمهنته، باختصاصه، بدراسته، بوظيفته, بمصنعه، بمعمله، بدكانه، ألا يتسبّب, ألا يجهل، ألا يهمل، أبسط شيء يأكل تفاحة ولم يغسلها, يقول لك: سمِّ بالله وكُل, هذا هو الجهل بعينه .
قالَ عليه الصلاة والسلام:
((من أكلَ الترابَ فقد أعانَ على قتل نفسه))
((من أكلَ فاكهةً دونِ أن يغسلها فقد أعان على قتل نفسه))
فاسمعوا: الموّحد المتوكّل لا يطمئن إلى الأسباب، ولا يرجوها, ولا يخافها, ولا يركن إليها, ولكن يأخذُ بها. المفهوم الصحيح للتوكل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2528/09.jpg
قال: فلا يصحُّ التوكلُ شرعاً وعقلاً إلا عليه سبحانه وحده, فليسَ في الوجود سببٌ تامٌ مُنجٍ إلا مشيئته وحده, لا يُنجيكَ من أيِّ شيء إلا أن يشاء الله لكَ النجاة, لا يُنجيكَ من كلِّ شيء إلا أن يشاء الله لكَ النجاة, أما أنت يؤتى الحَذر من مأمنه, يا ربي لا ينفعُ ذا الجد مِنكَ الجد، أصحاب العقول الأذكياء, لا ينفعهم ذكاؤهم مع الله، أيام التجار يعبّرون عن هذا الكلام, يقول لك: مع الله لا ذكي.
تاجر أربعين سنة بالتجارة, خمسين سنة, عنده خبرات طائلة, يشتري صفقة خاسرة, يُفلّس من ورائها.
إذا أراد ربكَ إنفاذَ أمرِ, أخذَ من ذوي العقول عقولهم, ثمَّ ردها لهم فَنَدِموا، لا ينفعُ حذرٌ من قدر .
ما الذي ينجيك؟ أن يشاء الله لكَ النجاة، ما أسباب النجاة؟ أن تأخذَ بالأسباب، واللهِ مستقيم استقامة تامة, لم ترف عيني على امرأة, ولا تكلّمت بكلمة, الآن سأصلي وأبكي, لا تبكي, أنتَ لا تقرأ قوله تعالى: إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, والله يسد عليك، معجب في عُجب سد عليك، لن تستطيع أن تفعلَ شيئاً إلا بمعونة الله عزّ وجل، ولن يقبلكَ بلا أسباب، لن يعينك إلا أن تأخذَ بالأسباب وأن تعتمدَ عليه.
قالَ له: يا رب أنا بالجبر قوي, لكن بالهندسة ضعيف يا رب, فرسبَ بالجبر, قالَ له: يا ربي الجبر والهندسة عليك, دخل طالب إلى الامتحان, مؤتمر برلين أين عُقد؟ بقي ربع ساعة, أين عُقد؟ مكتوب مؤتمر برلين أينَ عُقد؟ الله عزّ وجل أغلق على قلبه بالدراسة, بالطب, بالهندسة, كل إنسان مُعتد بنفسه, متكل على علمه, على خبرته, تجده يرتكب حماقات, كيفَ فعلتَ هذا؟ هذا من العُجبِ بالذات .
قال: ليسَ في الوجود سببٌ تامٌ موجِبٌ إلا مشيئته وحده, فهو الذي سببَ الأسباب, وجعلَ فيها القِوى والاقتضاء .
فإذا جمعتَ بينَ التوحيد وبينَ إثباتِ الأسباب, استقامَ قلبك على السير إلى الله، ووضحَ لكَ الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع الأنبياء والرسل, وهو الصراطُ المستقيم, صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم.
قيمة هذا الدرس ليسَ في معلوماته، في تطبيقه, أتمنى من كل أخ من أخواننا الكِرام في عمله, في دراسته, هذا الموقف الذي ينجي: أن تأخذَ بالأسباب وأن تعتمد على الله سبحانه وتعالى .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع : الاتصال بالله





منزلة الاتصال :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درسٍ جديد من مدارج السالكين , ومنزلة اليوم :
منزلة الاتصال .
تمهيد :
الحقيقة : حول هذه الكلمة لا أدري من أين أبدأ ؟
إذا قلتُ لكم : إنَّ الدين كله من أجل أن تتصل بالله عزّ وجل , لا أكون قد ابتعدتُ عن الحقيقة .
إذا قلتٌ لكَ : إنَّ العباداتِ كلها من أجل أن تتصلَ بالله عزّ وجل , لا أبتعد عن الحقيقة .
إذا قلتُ لكَ : إنَّ تسخير السموات والأرض لهذا الإنسان , من أجل أن يعرف الله عزّ وجل , ويتصل به , فيسعدَ بهذا الاتصال , لا أكون قد بالغت .
بل إنَّ الاتصال هو غاية الغايات , بل هو حال أهل الجنة , إنَّ كلَّ ما شرعه الله عزّ وجل من عباداتٍ , ومن معاملاتٍ , ومن تنظيماتٍ , من أجل أن تتفرغ لمعرفة الله , وللاتصال به .
رمضان من أجل أن تتصل به ، الحج من أجل أن تتصل به ، الزكاة من أجل أن تتصل به ، الصلاة من أجل أن تتصل به .
إن قلتُ لكم : إنَّ الاتصالَ بالله عزّ وجل غاية الغايات , فهذه حقيقةٌ لا ريبَ فيها , بل الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نكونَ ربانيين .
الرباني : هو الإنسان الذي يسعى لُحسنِ علاقةٍ بالله عزّ وجل ، لحُسنِ اتصالٍ به .
حقيقة الكون :
لأنَّ في الكون حقيقةً واحدة ، هذا الكون بمجراته ، بكزاراته ، بنجومه ، بمذنباته , بكواكبه السيّارة ، بكواكبه ، بأرضه , ببحاره ، بأسماكه ، بأطياره، بنباتاته ، هذا الكون كله مُستمدٌ وجوده من الله عزّ وجل :
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 255]
في الكونِ حقيقةَ واحدة وهي الله ، لذلك :
أيُّ سلوكٍ ، أيٌّ فِكرٍ , أيُّ اطلاعٍ ، أيُّ تعلمٍ يُقرّبَكَ من هذه الحقيقة فهو مشروع .
وأيُّ شيء يُبعدكَ عن هذه الحقيقة فهو مُحرّم .
ليسَ في الكونِ إلا الله , الحقيقة الأولى والأخيرة , هو الظاهر والباطن , هو الأول والآخر . معاني الإتصال :
فقلتُ لكم في أول الدرس : لا أدري من أينَ أبدأ ؟ المرتبة اليوم مرتبة الاتصال .
الاتصال هو الدين .
الاتصال هوَ سِرُ وجودكَ في الأرض .
الله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا , ورحمته بأن نتصلَ به .
إنكَ إن اتصلت بمخلوقٍ على شيء من الميزات تسمو .
إنكَ إن اتصلت اتصالاً بصرياً بمنظر جميل تسعد .
إنكَ إن اتصلت اتصالاً سمعياً بنغم جميل تطرب .
إنكَ إن اتصلت بحقيقةٍ علمية تستمتع .
فكيفَ إذا اتصلتَ بالحقيقة الأولى والأخيرة ، بِسرِ القوة في الكون ، بِسرِ الحِكمة ، بِسرِ الرحمة ، بِسرِ الغِنى , بِسرِ القدرة ؟ .
الدين كله اتصال .
الكون خُلقَ من أجل أن تعرفه , وما معرفة الله عزّ وجل إلا وسيلةٌ لغاية ، الغاية أن تسعدَ بهذه المعرفة ، أن تسعدَ بهذا القرب .
لذلك : منزلة الاتصال منزلة لها طعمٌ خاص , لأنها سِرُ الدين ، لأنها جوهر الدين ، لأنها هيَ الدين ، لأنها سِرٌ وجودكَ في الأرض .
خلقتُ لكَ ما في الكون من أجلك فلا تتعب , وخلقتكَ من أجلي فلا تلعب , فبِحقي عليك لا تتشاغل بِما ضَمِنته لكَ عما افترضه عليك .
لو شاهدت عيناك من حُسـننا الذي رأوه لَمـا وليتَ عنّا لغيرنا
ولو سمعت أذناكَ حُسنَ خِطابِنا خلعتَ عنكَ ثياب العُـجبِ وجئتنا
ولو ذُقـت من طعم المحبة ذرةً عذرتَ الذي أضـحى قتيلاً بِحبنا
ولو نسمت مـن قربنـــا لك نسمةٌ لّمُتَ غريباً واشتياقا لِقربنا
فما حُبنــا سهلٌ وكلُّ من ادعى سهولته قُلنــا له: قد جَهِلتنـا
الآن : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الآية: 19]
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 45]
أنا في حيرة بالغة ، هذا موضوع المواضيع ، هذا هو الدين كله , أن تكونَ لكَ صِلةٌ بالله حَسنة ، لذلك كلما ارتقى إيمانك , امتلكتَ ما يُسمى بميزان دقيق , لو أنكَ تكلمتَ كلمةً فيها استعلاء , لشعرتَ بالبعدِ عن الله عزّ وجل ، لأنَّ الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيباً ، الكامل لا يُقربُ إلا الكامل ، أنت على مستوى من الإيمان , لا تستطيع أن تُجالس إنساناً بذيء اللسان , لا يمكن أن تجلس معه , أنتَ على مستوى من إيمان , لا يمكن أن تُجالس إنساناً خائناً , إنساناً فُاحشاً .
فالموضوع :
الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الوحيدة في الكون , وكلُّ الكون يستمدُّ وجوده من الله عزّ وجل ، يستمدُّ خصائصه ، صفاته من الله , ليسَ في الكون إلا الله , هذا هو التوحيد , وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .
في الكون حقيقتان :
1- الله عزّ وجل هوَ كلُّ شيء .
2- والاتصال به كلُّ شيء .
فأول فكرة : الله هو الحقيقة الأولى والأخيرة الوحيدة , والاتصال به هو جوهر الدين .
نحنُ صائمون من أجلِ أن نتصلَ به ، نصلي من أجلِ أن نتصلَ به ، نحجُ البيت الحرام , ندفع عشرات الألوف , ندعُ أولادنا وأهلنا وأعمالنا , ونذهب إلى بلادٍ حارة , حيثُ الازدحام , من أجلِ أن نشعرَ أننا فعلنا شيئاً من أجله , حتى نُقبلَ عليه ، حتى نتصلَ به ، حتى نسعدَ بهذا الاتصال ، هذا مقام الاتصال بالله عزّ وجل .
فأنا أعتقد : أنَّ المؤمن بعد حين من إيمانه , بعد فترة يملك ميزاناً دقيقاً , أيُّ عملٍ يُقربه من الله يفعله , وأيُّ عملٍ يبعده عنه يدعه , وميزانه نفسه ، القصة التي إذا حدثتَ الناسَ بها شعرتَ بانقباض , وشعرتَ بحجابٍ بينكَ وبين الله , هذه معصية معناها ، كلما شفّت نفسك أصبحت نفسك ميزاناً , وكلما بَعُدَ الإنسان عن الله عزّ وجل , أصبحَ ميزانه غير دقيق , لذلك المؤمن ذنبه كجبلٍ جائمٍ على صدره ، بينما الكافر ذنبه كالذبابة .
أنواع الاتصال :
قال الاتصال أنواع :
اتصال اعتصام , واتصال شهود , واتصال وجود .
1- الاعتصام :
أول أنواع الاتصال أن تعتصمَ بالله , أن تُطبقَ أمره بحذافيره ، أن تكونَ ورعاً ، قال تعالى :
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 103]
أحياناً: إنسان يتفضل على إنسان بعطاء كبير جداً, فهذا المُعطى يَتَقصّد أن يُرضي المُعطي بكلِّ أسلوب، بأيّة طريقة، بأيّ موقف، فإن كان يعلم أنَّ هذه الرائحة يُحبها عطّره بها ، إن كان يعلم هذا الكتاب يُحبه قدّمه له، همه الأول والأخير أن يتقرّبَ من هذا المُحسن، لذلك المؤمن يصبح في النهاية همه الأول: أن يتقربَّ من خالقه؛ بالاستقامة، بالأعمال الصالحة، بخِدمة الخلق، بالصبر, بالتحمل، بمجاهدة النفس والهوى .
فقال أول أنواع الاتصال : اتصال الاعتصام , ومن يعتصم بالله , طبّق أمره عزّ وجل ، بشكل مُجسد : حينما تتحرك الأم في الطريق , ومعها طفلها الصغير, يلحقها ويعتصم بها، يُمسك ثوبها أحياناً، شعور الالتصاق، شعور الحب، شعور الانتماء، إمساك الطفل بيد أمه, أو بثوب أمه, أو حينما يحيطها بذراعيه, هذا دليل الحب، دليل الشوق، دليل الانتماء، دليل القرب ، المؤمن بشكل أو بآخر: اعتصامه بالله عزّ وجل عن طريقِ طاعته لله عزّ وجل .
إذا مرت امرأةٌ في الطريق, فإذا ألقى عليها نظرةً, شعرَ بالبعدِ عن الله عزّ وجل, لأنَّ هناكَ نهي, فإذا غضَّ بصره عنها شعرَ بالقرب، إذا رأى مسكيناً فرقَّ له شعرَ بالقرب، إذا رأى سائلاً صادقاً فأعطاه شعرَ بالقرب، إذا رأى إنساناً أساء إليه, وبإمكانه أن يعفوَ عنه, في عفوه عنه يقرّبه منه, يعفو عنه، الإنسان المؤمن في سبيل الله عزّ وجل يضع نفسه تحتَ قدميه لا ضعفاً ولكن تواضعاً، قال: هذا اتصال الاعتصام .
2- الشهود :
واتصال الشهود : أن ينتقل من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان .
الإيمان معه ذوق ، معه رؤيا ، الإسلام معه تطبيق ، لو أنه طبّقَ أمرَ الله عزّ وجل تطبيقاً دقيقاً فهوَ مسلم ، فهو معتصم بحبل الله ، معتصم بأمر الله ، أما إذا بَعُدَ اعتصامه بأمره أقبلَ عليه , صارَ اتصاله اتصال شهود ، كان اتصال اعتصام صار اعتصام شهود .
أما إذا بلغَ مرتبة الإحسان فاتصاله أصبح اتصال وجود ، بينَ إعتصامٍ وشهودٍ ووجود .
الآيات , قال تعالى:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
[سورة الحج الآية: 78]
الإنسان يفتخر بعلاقته بفُلان, يراه مكسباً كبيراً, وأحياناً إنسان يستحيي من علاقته بفُلان، ربنا عزّ وجل يقول:
﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنِعمَ المولى ونِعمَ النصير﴾
آية ثانية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة آل عمران الآية: 101]
أنتَ في أكملِ حالاتك حينما تعتصم بالله عزّ وجل .
آية ثالثة : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 146]
تابوا, وأصلحوا, واعتصموا, تمسكوا بالاستقامة, لذلك الاستقامة عينُ الكرامة:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة هود الآية: 112]
أنتَ تطلب من الله الكرامة, وهو يطلبُ منكَ الاستقامة .
آية رابعة: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾
المعنى الأول : أن تعتصمَ بالله فهذا نوعٌ من أنواع الاتصال به ، أن تعتصمَ به فهذا نوعٌ للاتصال به ، أو أن تستقيم على أمره فهذا يدفعكَ إلى الاتصالِ به، أن تطيعه يرفعُ لكَ الحِجاب, هناك حُجبٌ كثيفة, كلُّ معصيةٍ حِجاب, فإذا أطعته رفعَ لكَ الحِجاب، هذا اتصالُ الاعتصام .
الاعتصام نوعان ؛ اعتصام توكل, أنتَ متوكل عليه اتكالاً حقيقياً, مستعين به، مفوضٌ له، ملتجئ إليه، مستعيذٌ به، مُسلمٌ إليه، مستسلمٌ لأمره، هذا نوع .
النوع الآخر: الاعتصام بالوحي؛ أي الاعتصام بالقرآن بأمره ونهيه، إما اعتصام علمي، أو اعتصام نفسي، إن اعتصمت بقرآنه وسُنّةِ نبيهِ, فأنتَ متصلٌ بالله اتصالَ اعتصام وحي, أما إذا اتكلتَ عليه، وفوضتَ إليه، وسلّمتَ إليه، وأطعته، وأرحتَ قلبكَ من هم الدنيا، واخترته على من سِواه, هذا اعتصام من نوع آخر .
من معاني أن تعتصم بالله بكتابه أو بوحيّه: أن تُحكّمَ القرآن دونَ آراءِ الرِجال، فُلان له رأي، النظرية الفلانية، آراء الناس, ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، ليست بشيء أمام مواجيد القرآن، وأذواق القرآن، وقِيم القرآن، وما في القرآن, علامة اعتصامك بالله .
الاعتصام نوعان؛ اعتصام بكتابه اعتصام علمي، اعتصام استسلام وتفويض وتوكل اعتصام نفسي، فيجب أن تستسلم نفسكَ لله عزّ وجل, وأن يستسلم عقلكَ له، بمعنى أن خالقَ الكون, هذا كلامه, هو الحق، هو الصدق، هو المُحكم، هو الدقيق، هو الواقع، هو المصداقية .
أما اتصال الشهود : هو اتصال الحال والمعرفة ، قضية فكرية ، في قضية نفسية ، شَهِدتَ كماله فأحببته، اقتربتَ منه, فشعرتَ بطعم القرب, فَلَزِمتَ القُرب، أصبحَ هذا حال, كُنتَ في العقلِ والطاعةِ، كُنتَ في العِلم والعمل, فأصبحت في الحال والمعرفة، العِلم والعمل مرتبة، والحال والمعرفة مرتبة ثانية .
الحديث عن اتصال الوجود، من أينَ جاءَ المؤلفُ بهذه العبارة اتصال الوجود؟ أخذه عن الحديث القدسي: ((ابنَ آدم اطلبني تجدني, فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيء, وإن فِتُكَ فاتكَ كلَّ شيء))
أول مرحلة : رأيتَ أن هذا القرآن كلامُ خالِقُ الكون، يجب أن تُطبّقه, هذا اعتصام وحي، اتصال اعتصام وحي، ثم رأيته أهلاً أن تتكلَ عليه, توكلتَ عليه, هذا اعتصام استسلام، اتصال اعتصام استسلام، لكن الآن بعدَ أن استقمتَ على أمره, وتوكلتَ عليه, رأيتَ من جماله ، رأيتَ من كماله، رأيتَ من لطفه، رأيتَ من رحمته.
الآن: دخلنا في مرتبة أخرى من مراتب الاتصال وهي: اتصال الشهود, اتصال الشهود ينعكسُ على قلب المؤمن بحال ومعرفة، المعرفة أرقى من العِلم السابق، والحال أرقى من شعور الانتماء إلى الله عزّ وجل، صار لكَ حالٌ مع الله عزّ وجل, هذه مرتبة ثانية . 3- الوجود :
أما المرتبة الثالثة : وصلتَ إلى شيء, وقد ثَبَتَ هذا الشيء بينَ يديك، وجدته، وجدتَ الله عزّ وجل كلَّ شيء، وجدتَ نفسكَ تعرفه وأنتَ مُقبلٌ عليه، إذاً: هذا الكنز الذي حصلتَ عليه, أصبحَ مِلكاً بينَ يديك, كنزُ المعرفة، كنز الطاعة، كنز الحب، هذه المرتبة الثالثة سماها بعضُ العلماء: مرتبة الوجود.
من بلغ هذه المرتبة قال: إذا تابَ إليه وجده غفوراً رحيماً، وإن توكلَ عليه وجده حسيباً كافياً، وإن صدق في الرغبة إليه وجده قريباً مُجيباً، وإن صدقَ في محبته وجده حبيباً، وإن صدقَ في الاسغاثة به وجده كاشفاً للكربِ مُخلّصاً منه، وإن صدقَ في الاضطرارِ إليه وجده رحيماً مغيثاً، وإن صدقَ في اللجوء إليه وجده مؤمّناً من الخوف، وإن صدقَ في الرجاء وجده عِندَ حُسنِ ظنه.
هذا معنى الحديث القدسي:
((ولئن سألني لأعطينه، إن دعاني لأجيبنّه، إن سألني لأجيبنّه))
وجدَ الله عزّ وجل, فبينَ الاعتصام تمسك بالطاعة، وبين الإقبال على الله الشهود، وبين الوجدان وهو أعلى مرتبة في مراتب المؤمنين .
بالوجود كنتَ تريدُ منه، المرتبة الأعلى أصبحتَ تريدُ، من أحبنا أحببناه, ومن طلبَ منّا أعطيناه, ومن اكتفى بنا عمّا لنا, كُنا له وما لنا, طبعاً: هذا الكلام أقول لكم كلاماً نظرياً؛ لكن من سَلَكَ طريق الإيمان, وحرصَ على طاعة الرحمن، وبذلَ الغالي والرخيص، والنفسَ والنفيس, وجَهِدَ أن يكونَ عِندَ الله محبوباً, يعرفُ معنى هذا الكلام, كما قال بعضُ العُلماء: لا يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثرُ الرسول، لا يعرفُ الشوقَ إلا من يُكابده, ولا الصبابة إلا من يعانيه.
الإنسان يتزوج، يسعد في زواجه، إنسان رقيق المشاعر، جميل الصورة، مؤنس، مُطلّع، ذكي مثلاً، مصدر سعادة وأُنس للآخرين، فالزواج يُسعد, فلو أنَّ إنساناً تعرّفَ إلى الله عزّ وجل, وهو مصدر الجمال، مصدر الكمال، مصدر القوة، مصدر الغِنى, هذا الذي نحرص عليه حُسنُ الصِلةُ بالله عزّ وجل، هو مقام ولكن كونوا ربانيين, والرباني الذي يسعى لُحسنِ صِلةٍ بالله عزّ وجل .
الآن: فُلان وجد نفسه، أو وجد ربه، معنى وجد نفسه: يعني أصبحت نفسه طوعَ بنانه، هناك نفسٌ تُعاند صاحِبها, يحملها على الطاعة فلا يستطيع، يحملها على الصدق فلا يستطيع، يحملها على غض البصر لا يستطيع، غارق بالمعاصي, كلما جاهد نفسه أن تستقيمَ على أمر الله لا يستطيع، في مرتبة عالية بالإيمان نفسه طوعُ بنانه، تَغُضُ البصر بيُسر، تصدق بيُسر، تبتعد عن الدنيا بيُسر, دون صراع، دون مجاهدة, معناها مَلَكَ نفسه، إما أن تَملِكه نفسه وإما أن يملكها، وإما أن تقع المُشادةُ بينكَ وبينها, تملِكها مرةً وتَملِككَ مرة أخرى، لكن بمرتبة الوجود, مَلكتَ نفسكَ واسترحت.
ربنا عزّ وجل قال:﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾
[سورة الذاريات الآية: 54]
يعني بلغتَ أيها النبي مرتبةً, لستَ ملوماً عِندنا, ولا عِندَ الخلق, ولا عِندَ نفسك:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
الخُلق عِندك ليس صِراعاً، الإنسان يكون في مجلس, يأتي ذِكر فُلان, يبدأ يحكي عنه ويسكت, أحياناً يُستفز من إنسان, يتمنى أن يكيل له الصاع صاعين, يُحجب, وقع بصراع، هذه مرتبة طيبة جداً, لكن هناك أرقى منها, أرقى أن تكونَ متمكناً من الخُلقِ الحسن:
﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾
هذه مرتبة الوجدان, وجدتَ نفسكَ؛ أي أصبحت طوع بنانك، أصبحت منقادةً لك، أصبحت في خِدمتك، وجدتَ ربك، كلما سألته أجابك، كلما دعوته لبّاك، كلما عرضتَ عليه حاجةً أعطاكَ إياها، كلما التفتَ إليه وجدتَ سعادةً, معناها وجدتَ نفسكَ ووجدتَ ربكَ، طبعاً هذه مرتبة ثالثة؛ يأتي قبلها الاعتصام، الاستقامة، اعتصام نفسي، اعتصام علمي، بعدها المشاهدة، الاتصال بالله عزّ وجل، والشعور بالقُرب، يأتي بعدها الوجدان، وجدان النفس ووجدان الله عزّ وجل . تفاصيل :
نعود مرةً إلى بعض التفصيلات , نتحدثُ مرة ثانية مع بعض التفصيل عن اتصال الاعتصام .
اتصال الاعتصام :
الإنسان يكون له قصد دنيوي, فأول مرحلة من مراحل الاعتصام: أن تُصححَ القصد، لماذا أنتَ هنا في هذا المسجد؟ في قصد، لماذا قُلتَ هذا الكلام؟ لماذا وقفتَ هذا الموقف؟ لماذا أعطيتَ هذا العطاء؟ لماذا منعت؟ لماذا غضبت؟ لماذا رضيت؟ لماذا أحببت؟ لماذا كرهت؟ ما الدافع وراء كلِّ هذه المواقف؟ هل الدافعُ رِضوان الله عزّ وجل؟ إن كُنتَ كذلك فأنتَ في مرتبة الاعتصام، في تصحيح القصد، ثم تقوية الإرادة، الاعتصام يحتاج لإرادة.
انظر إلى الناس, أكثرهم قناعات جيدة, لكن التطبيق ضعيف، يوجد شيء مفقود, عنصر الإرادة الذي يعينُ على تطبيق القناعات, فالإنسان حينما يُصححُ قصده تقوى إرادته, وبعدها يتحققُ له حالٌ طيبٌ مع الله عزّ وجل, تحقيق الحال، تقوية الإرادة، تصحيح القصد, هذا كله متعلقٌ بالاعتصام, لن تكونَ معتصماً بالله إلا إذا صحَّ قصدك، وقويت إرادتك، وصَلُحَ حالك .
تفسير آخر: تصحيح القصد يحتاج إلى إفراد المقصود, لا يوجد إلا الله عزّ وجل، نعيش بمجتمع, لكَ رئيس بالدائرة، لكَ مرؤوس، لكَ زوجة، لكَ أولاد، لك جيران، يَهُمكَ سِمعتُكَ عندهم، يَهُمكَ مكانتك عندهم، فربما اتجه القصد إلى غير الله, إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي، لا تأخذكَ في الله لومة لائم، لا تخشى إلا الله، لا ترجو إلا الله, أنتَ الآن أفردته بالمقصود وجمعت الهمَّ عليه .
تصفية الإرادة، وتقويتها، تخليصها من الشوائب، ومن تعلقات السِوى والأعواض, لن تكونَ الإرادة قوية إلا إذا أردت الله وحده, فإذا أردتَ سِواه تشعبت الإرادة، هذه الحزمة الضوئية تبعثرت, تشتت، وتحقيق الحال لا يكون إلا بالتطبيق, مستحيل أن تتعلم ولا تطبق, وأن تشعر بحالٍ طيب مع الله عزّ وجل, دائماً حالك حال أهل الدنيا, في قلق، في ملل، في حيرة، في سأم، في ضجر، لكنك إذا طبقتَ ما علمت, عَمِلتَ بما علمت, الله سبحانه وتعالى تفضلَّ عليكَ بحالٍ مُسعد .
اتصال الشهود :
الدرجة الثانية اتصال الشهود , قال : خلاص الشهود من الاعتلال, شهود ضبابي، شهود معه ضعف، شهود نوبي، شهود غير مستمر، وغِناه عن الاستدلال, وسقوط شتات الأسرار, كلامٌ دقيق .
يقول لكَ شخص: في البيت يوجد كهرباء, طبعاً بالنهار, تقول له: ما الدليل؟ يبحث لكَ عن دليل، أما لو دخلتَ البيت ليلاً, ورأيت الثُريا متألقة, هل تحتاج إلى دليل؟ الوجود يُغني عن الدليل، فلذلك الاتصال بالله عزّ وجل اتصال الشهود من شوائبه أن يفتقر إلى دليل، ومن شوائبه التشتت، أما اتصال الشهود لا اعتلال فيه، ولا استدلال، ولا شتات أسرار، في توحد, هذه الأحوال وهذه المقامات, من ذاقَ عرف، والطريق إلى الله عزّ وجل سالكة، وكل إنسان يقدر في كل وقت أن يتقرّب من الله عزّ وجل، الله عزّ وجل يُسترضى .
الوسيلة :
قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 35]
هذه الوسيلة ما معناها؟
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾
العمل الصالح وسيلة، العمل الصالح منوع؛ في أعمال في البيت، أعمال في المهنة، أعمال في الطريق، أعمال مع الجيران، أعمال ماديّة، أعمال معنوية، الابتسامة عمل، المعاونة عمل, إذاً : الآن الوسيلة هي العمل الصالح: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]

أيضاً: ألا تُحس إذا اطلّعت على حقيقة عن الله عزّ وجل لم تكن تعرفها من قبل, شعرت بالقرب من الله عزّ وجل, إذاً: العلم وسيلة, العِلم وسيلة والعملُ وسيلة, ألا تُحس أحياناً أنكَ إذا جالستَ أهلَ الحق؛ جلست مع مؤمن، سافرت معه، سهرتَ عنده، زرته، ألا تُحس أن حالكَ مع الله أقرب مما لو جلست مع كافر، مع مُعرض، مع بعيد، مع مُنكر، مع مُنافق؟ أن تكونَ مع أهل الحق, هذه وسيلة، المعرفة وسيلة، العمل وسيلة، والبيئة الصالحة وسيلة.
سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ, كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ, لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ, وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ, أَوْ ثَوْبَكَ, أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً))
الوحدةُ خيرٌ من الجليس السوء, ولكنَّ الجليسَ الصالحَ خيرٌ من الوحدة, وسيلة أخرى؛ العلم والعمل, وأن تختارَ أخواناً مؤمنينَ طيبين تعيش معهم دائماً .
العبادات, نوافل العبادات، قراءة القرآن، صلوات النفل، صيام النفل، هذا وسيلة للقرب من الله عزّ وجل، الدعوة إلى الله وسيلة, قال أحد العلماء: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
وأنتَ تتوضأ وجدت نملة في المغسلة, وكادت تغرق في ماء الوضوء, فتوقفت عن الوضوء وأنقذتها, إذا وجدت إنساناً ضعيفاً, أعنته, أليس هذا عملاً صالحاً؟ .
يا أيها الأخوة الأكارم, العمل الصالح ثمن اللقاء مع الله عزّ وجل: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾
من أجل رفع مستوى المعرفة بالله عزّ وجل, ما السبيل؟ التفكر, كلما تفكرتَ في ملكوت السموات والأرض, ازدادت المعرفة بالله عزّ وجل، وكلما ازددتَ به معرفةً, ازددتَ به قرباً .
الذي أتمناه على كلِّ أخٍ كريم, أن يعلمَ عِلمَ اليقين: أنَّ الاتصالَ بالله هو كلُّ شيء في الدين, وأنه لا خيرَ في دينٍ لا صلاة فيه, وأن أيّةَ معصيةٍ إذا شعرتَ أنها أبعدتك عن الله عزّ وجل, أوقعت بينكَ وبينه جفوة, يجبُ أن تبتعدَ عنها، لو جلست مع إنسان, وشعرت أن هذا الإنسان أبعدكَ عن الله عزّ وجل, الأولى أن تبتعدَ عنه، الأولى أن توالي من يوالي الله عزّ وجل ورسوله، لهذا جاءت الحمية اجتماعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 51]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 13]
يوجد شيء اسمه: عدوى نفسية، جلست مع إنسان مُحب لله, تشعر بأشواق لله عزّ وجل، تشعر أنَّ مستوى إيمانك ارتفع، تشعر بشوق إلى طاعة الله، إلى العمل الصالح, إن جلستَ مع أهلِ الدنيا تشتاقُ إلى الدنيا, إن جلستَ مع أصحاب الشهوات تُحبُّ الشهوات, فلذلك: الصاحب ساحب.
قل لي من تُجالس؟ أقل لكَ من أنت
هذا الاتصال ماذا يُقابله؟ ألم يقل لها: يا وِصال كُنتِ سبب الاتصال, فلا تكوني سببَ الانفصال، يقابله الانفصال .
قال: فليحذر القريب من الإبعاد، والمتصل من الانفصال، فإنَّ الحقَ جلّ جلاله غيور، لا يرضى ممن عرفه ووجدَ حلاوة معرفته, واتصلَ قلبه بمحبته والأُنسِ به, وتعلقت روحه بإرادة وجهه الأعلى, أن يكون له التفاتٌ إلى غيره البتة, فحينما تلتفت إلى غير الله حصلت الجفوة، وحصل الانقطاع .
سيدنا إبراهيم لمّا حصل التفات إلى ابنه, أمره أن يذبحه, فالاتصال خشية الانفصال .
الحقيقة الأولى في الكون هي :
الله عزّ وجل .
وأيُّ شيء يُقربّكَ من الله عزّ وجل يجب أن تفعله ، وأيُّ شيء يُبعدكَ عنه يجب أن تجتنبه ، بدءاً بالأوامر والعبادات والأعمال الصالحة والنوافل ، وترك المحرمات والمكروهات وكلّ شيء يُلهي عن ذِكر الله عزّ وجل , لا تكون في مستوى الإيمان الحق , إلا إذا ذاقَ قلبكَ طعمَ القُرب , والقُربُ مبذولٌ بينَ يديك , في طاعته واجتنابِ معصيته .
قال : إذا ضُربَ القلبُ بسوطِ البُعدِ والحِجاب , سُلّطَ عليه من يسومه سوءَ العذاب . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
[سورة المائدة الآية: 18]
استنبط الإمام الشافعي من هذه الآية: أنَّ الله عزّ وجل لا يُعذبُ أحبابه، إذا أحبكَ الله عزَ وجل لا يُعذبك، إذا أحببته لا تُعذب، قد ينسى المرء أن من قصّرَ بالعمل ابتلاه الله بالهم، الهم مشكلة كبيرة, مصيبة البُعد عن الله عزّ وجل, وصارَ قلبّه محلاً للجيفِ والأقذار، وبُدِلَ بالأُنسِ وحشةً, وبالعزِّ ذلاً، وبالقناعةِ حِرصاً، وبالقُربِ بُعداّ وطرداً، وبالجمعِ شتاتاً وتفرقةً .
اسمعوا هذا الحديث القدسي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ, جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ, وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ, وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ, وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ, جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ, وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ, وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
لذلك الإنسان مهما تعلّم عليه أن يعمل: ومن عَمِلَ بما عَلم ورّثه الله عِلمَ ما لم يعلم.
لن تذوقَ طعم القرب، ولا طعم الحال الطيب مع الله عزّ وجل، ولا طعم التوفيق، ولا طعم الطمأنينة، إلا إذا أطعتَ الله عزّ وجل .
قال بعضهم: احذروا الله فإنه غيور, لا يُحب أن يرى في قلبِ عبده سِواه، القلب منظر الربّ، لا يُحب الله عزّ وجل أن يراك ملتفتاً إلى سواه, عندئذٍ كيفَ يعالجك؟ يجعل الأذى عن طريق هذا الإنسان الذي التفتَ إليه .
يؤكدُ هذا قولَ النبي عليه الصلاة والسلام:
((لو كنتُ متخذاً من العِبادِ خليلاً, لكانَ أبو بكرٍ خليلي, ولكن أخٌ وصاحبٌ في الله))
قال: من غيرته جلَّ جلاله: أنَّ صفيّه آدم لمّا ساكنَ بقلبه الجنة, وحرصَ على الخلودِ بها, أخرجه منها، وأنَّ إبراهيم خليله, لمّا أخذَ إسماعيل شُعبةً من قلبه, أمره بذبحه, طبعاً هذا حال الأنبياء, أما أنت إن تعلقت بشيء تعلقاً شديداً ينكسر، الإنسان يتعلق بشيء يزهو به, فيرتكب غلطة كبيرة فتجده يَصغُر.
الله غيور, الشِرك عِنده ذنب عظيم، لأنك اتجهت لغير الله عزّ وجل, إذا لم تتجه لغيره, ولكن علاقتك معه فترت, تأتي مشكلة, لأن الله عزّ وجل يُحب أن يسمعَ صوتَ عبده اللهفان، ناجيه مختاراً قبلَ أن تناجيه مضطراً .
قال بعضهم: لا إله إلا الله, ما أشدَّ غبنَ من باعَ أطيبَ ما في الحياة في هذه الدار المتصلة بالحياة الطيبة هناك, والنعيم المقيم بالحياة المُنغصّة المُنكّدة المُتصلة بالعذاب الأليم .
إذا الإنسان باع الآخرة بهذه الدنيا، الدنيا مؤقتة؛ دار ابتلاء وانقطاع وامتحان، فما أشدَّ غُبنَ هذا الذي باع آخرته بدنياه، بل إنَّ بعض العارفين يقول: مساكين أهلُ الدنيا, جاؤوا إليها وخرجوا منها, ولم يذوقوا أطيبَ ما فيها, إنَّ أطيبَ ما فيها الاتصال بالله عزّ وجل .
جرّب مع أنَّ الله لا يُجرّب ولا يُشارط, لكن لو أنكَ بالغتَ في استقامتكَ, لوجدت الله سبحانه وتعالى معكَ في كل أحيائك .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : الغرباء فى الدين









الغرباء .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثاني عشر من دروس مدارج السالكين . الآية الأولى :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/01.jpg
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾
[سورة هود الآية: 116]
هذه الآية تدل دلالةً قطعيةً على أنَّ الناجينَ قِلة ، وعلى أنَّ المستقيمين قِلة ، وعلى أنَّ الطائعينَ قِلة ، فإذا وجدتَ نفسكَ في عصرٍ ما مع القِلة الطائعة بعيداً عن الكثرة العاصية ، مع القِلة المنيبة بعيداً عن الكثرة المعرضة ، مع القِلة المتبّعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام بعيداً عن الكثرة التائهة والضالة , فهذه علامة طيبة , لأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وبدلالةٍ قطعية , يؤكد أنَّ أكثرَ من في الأرضِ مجرمين .
الآية الثانية :
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 116]
هناك شعور ينتاب المؤمن , يا رب كلُّ هؤلاء الناس على خِلاف الحق ، أكثرُ هؤلاء الناس ليسوا على الطريق المستقيم ، أيهما على حق : أنا أم هم ؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/02.jpg
لِئلا تقعَ في هذا الصِراع ، لِئلا تشعرَ بالوحشة ، لِئلا تشعرَ بأنكَ وحيدٌ في هذا المجتمع التائه ، لِئلا تُحس أن الحقَّ مع هؤلاء الأكثرية , فتقول : لعلي على ضلال أنا وحدي ، لِئلا تقع في هذه المشاعر التي لا ترتاح لها , جاءت الآية الكريمة تؤكدُ : ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾
بقيةٌ قليلةٌ ينهونَ عن الفسادِ في الأرض ، معنى ذلك :
أنَّ الفسادَ ظهرَ وعمّ ، وأنَّ هذه القِلةَ القليلة تنهى عن الفساد في الأرض .
لو عرضتَ أمرها على الناس لرأوها فِئةً تائهةً .
لو أُتيحَ لكَ أن تقبضَ مالاً كثيراً من شُبُهةٍ ورفضته تُتهمُ في عقلك .
لو أُتيحَ أن تكونَ في نزهةٍ مع أًصحابك , النزهة مختلطة , ورفضتَ هذه النزهة , لاتهمت في عقلك .
لو جاءكَ خاطِبٌ لابنتكَ من مستوىً رفيع في ماله وفي جاهه وفي عمله , ورفضتَ هذا الخاطب لرِقةٍ في دينه تُتهمُ بعقلك , فلِئلا تقعَ في هذه المشاعر ، جاءت الأحاديث الشريفة تؤكد فحوى هذه الآية . أحاديث شريفة تؤكد فحوى الآيات :
الحديث الأول :
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ , أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا , ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ , فَطُوبَى للغُرَبَاءِ ))
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : (( الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لينحازن الإيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَيَأْرِزَنَّ الإسْلامُ إِلَى مَا بَيْنَ هذين الْمَسْجِدَيْنِ , كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, وعبد الله بن أحمد في المسند]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/03.jpg
الناس خرجوا في الطرقات بلا احتشام , وبلا وقار , وبلا تستر , وبلا انضباط , تَبِعوا الأجانب في أزيائهم ، لو أنَّ ثيابَ المرأةِ الأجنبيّة تبذلّت , لتبذلّت المرأة المسلمة معها اتباعاً لها ، لو دخلوا جُحرَ ضبِّ خَرِبٍ لدخلتموه ، فحينما ترى أنَّ الكثرة الكثيرة خرجوا في الطرقات بلا حجاب , بلا احتشام , بلا وقار ، تتبعوا عادات الأجانب عادةً عادة ، قلّدوهم في كلِّ شيء ، قلّدوهم في احتفالاتهم المُختلطة ، قلّدوهم في إنفاقهم المُترف ، قلّدوهم في أكلهم المالَ الحرام ، قلّدوهم في العلاقات الربوية ، قلّدوهم في تفلت الناس من منهج الله عزّ وجل ، إنَّ رأيتَ مجتمعاً هكذا صِفته , وأنتَ غريبٌ عنه , لا ترضى به , تُنكر ما فيه ، فهذه بِشارةٌ طيبةٌ على أنك من الغرباء ، يعني أيها المؤمن لا تشعر بالوحشة ، وحشتك طبيعية جداً , وحشتك من الناس طبيعية ، بل هيَ شعورٌ صحيّ للمؤمن .
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( بدأ الإسلام غريباً , وسيعود غريباً كما بدأ , فطوبى للغرباء , قيلَ : يا رسول الله ! ومن الغرباء ؟ الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس ))
البطولة :
أن تُتاح لكَ الدنيا من أوسع أبوابها .
أن يُتاح لكَ أن تكونَ في أعلى المراتب .
لكنَّ هذه المرتبة التي يطمحُ لها الناس , أساسها إيقاع الأذى بالناس ، أو إضلال الناس ، أو إفساد العلاقات ، فمهما كانت هذه المرتبةُ مغريّةً , لوجود شُبهةٍ فيها تبتعدُ عنها .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/04.jpg
إذاً : (( يصلحون إذا فَسَدَ الناس ))
حينما يَعمُّ الفسادُ في الأرض .
أكثر الناس لا يبالون أكانَ كسبهم حلالاً أم حراماً ؟؟؟
أكثرُ الناس لا يبالون أكانت علاقاتهم مع بعضهم مشروعةً أو غيرَ مشروعة ؟؟؟
أكثرُ الناس لا يبالون إذا كانت أعمالهم أساسها طاعة أو معصية ؟؟؟
جاءته وظيفةٌ دخلها كبير ولكن في ممارسة هذا العمل بعضُ المعاصي فرفضها !!
لو عرضتَ قصته على الناس لاتهموه بالجنون ، يشعر بغربة ، حتى أهله , حتى أمه , حتى أبوه .
أعرف رجلاً آخر , جاءه عرضٌ لِبضاعةٍ لا تُرضي الله عزّ وجل , عشرة آلاف قطعة صنّعها وخذ ثمنها , ولكن إذا صنّعتَ هذه القِطع , فقد أعنت على الإثم والعدوان , ثيابٌ ترتديها النساء في المسابح لا تُرضي الله عزّ وجل , وهو في أشدِ حالات الضيق فرفضها .
الإيمان ليسَ كما يظنُ الناس .
الإيمان ليسَ صلاةً وصياماً فقط .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/05.jpg
ليسَ عبادات شكلية جوفاء كما هيَ عندَ الناس .
الإسلام مواقف ، الإسلام منهج متكامل ، الإسلام يدخل في دقائق عملك اليومية ، يدخل في مهنتك ، في حرفتك، في بيتك ، في نزهتك ، في لهوك ، في جِدّك ، في سفرك ، في حَضرِك ، الإسلام يعني تقريباً مئة ألف بند ، عندما المسلمون اختصروه إلى أربع خمس عبادات شكليّة , وفيما سِوى هذه العبادات , هم على أهوائهم , وفقَ نزواتهم ، وفقَ ما يحلو لهم ، وفقَ مصالحهم ، وفقَ طموحاتهم الدنيوية ، فصلوا الدينَ عن الدنيا , وجعلوا الدنيا في واد والدينَ في واد ، لذلك بلغوا ألف مليون في العالم وليست كلمتهم هي العليا , لا أقول سفلى ؛ لكن ليست هي العليا , مع أنَّ الله يقول : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور الآية: 55]
والحديث الصحيح : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: ((يَا أَكْثَمُ , اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ , يَحْسُنْ خُلُقُكَ , وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ , يَا أَكْثَمُ , خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ , وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ , وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ , وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
لو أنَّ عددَ المؤمنين الصادقينَ في الأرض اثنا عشر ألف رجل ما غُلِبوا , فكيفَ إذا كانوا ألفَ مليون ؟ ماذا يعني ذلك ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/06.jpg
القضية عندَ الله ليست بالمظاهر ، المظاهر الإسلامية الصارخة , والمصاحف , والأشرطة , والخُطب ، والجوامع ملأىَ بالمُصلين ، هذه مظاهر ، تُبشر بالخير ، ولكن ليست كذلك عِندَ الله ، عِندَ الله عدد المسلمين هو عدد الطائعين ، عدد المُلتزمين .
من وليُّ الله : أهو الذي يطير في الهواء ؟
قال : لا .
أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟
قال : لا .
الوليُّ كلُّ الوليّ الذي تجده عِندَ الحلالِ والحرام .
فيا أخي الكريم ؛ إسلامك في معملك ، إسلامك في دكانك ، إسلامك في وظيفتك ، إسلامك في بيعك وشرائك ، إسلامك في تعاملك ، إسلامك في جوارحك ، في مهنتك ، هذا هو الإسلام .
أول حديث :
((طوبى للغرباء , قيلَ : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس))
الحديث الثاني :
حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام : (( طوبى للغرباء , قيلَ : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يزيدون إذا نقصَ الناس ))
ما معنى يزيدون إذا نَقَصَ الناس ؟ يعني إذا قلَّ أهلُ الخير زادَ خيرهم , وإذا قلَّ أهل المعروف زادَ معروفهم ، وإذا قلَّ أهلُ الورع زادَ ورعهم ، وإذا قلَّ أهلُ الالتزام زادَ التزامهم ، الذين يزيدون في المعروف , وفي الورع , وفي الطاعة , وفي القربات , وفي البذل , وفي التضحية إذا نَقَصَ الناس . الحديث الثالث :

عَنِ الأعْمَشِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الأحْوَصِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الإسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا , وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ , فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ , قِيلَ : وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/07.jpg
قبيلة خرجَ منها واحدٌ أو اثنان , تعرّفا إلى الله عزّ وجل , وطبقّا أمرَ النبي , وجاهدا في سبيله , وبذلا الغالي والرخيص , والنفسَ والنفيس , فهذا نَزَعَ من القبيلة ، الأكثرية مُقيمةٌ على أكلِ الرِبا ، وعلى لَعِب الميسر ، وعلى متابعة الأعمال الفنية الساقطة ، صارَ الناسُ موحدين بنزعاتهم التي لا تُرضي الله عزّ وجل .
الإنسان وعاء , أخطر ما في الوعاء , ماذا يُصبُّ فيه ؟ أنت ما الذي يغذيك ثقافيّاً ؟ الغذاء المعروف معروف الطعام والشراب , أما هذه النفس هي وعاء , ماذا يُصبُّ فيها ؟ أخبار الفنانين ، أخبار أهل الدنيا ، أخبار الساقطين والساقطات ، ما الذي تقرؤهُ ؟ ما الذي تستمعُ إليه ؟ ما الذي تُشاهده ؟ هذا الوعاء ماذا يُصبُّ فيه ؟ لن يخرجَ منه إلا مثلَ الذي يصبُّ فيه ، فإذا ملأتَ وعاءك من أخبار الفنانين فلن تتكلّمَ إلا عنهم ، وإن ملأتَ وعاءكَ من أخبار أهل الدنيا , وكيف سافروا ؟ وكيف تزوجوا ؟ وكم بذلوا ؟ والمُتع التي مارسوها ؟ والشهوات التي غَرِقوا فيها ؟ والأفعال الخسيسة التي فعلوها ؟ لن تستطيع أن تتحدثَ إلا عن هؤلاء ، أما إذا ملأتَ وعاءكَ من كتاب الله , ومن سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام , ومن بطولات أصحاب رسول الله , راقب نفسك ؛ إذا أردتَ الحديث لن تتحدثَ إلا عن هؤلاء , هذا الذي قاله الأجداد : كلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ .
أخطر ما في الأمر أن تُراقب من الذي يُغذيك؟ عندك مصادر مسموعة، وعندك مصادر مقروءة، وعندك مصادر مشاهدة, هذه المصادر, فلن تتكلم إلا من هذا الذي تستمعُ إليه، ما يخرج منك من جنس ما تُغذى به، قل لي: ماذا تقرأ, أقل لك: من أنت؟ قل لي: ماذا تُشاهد, أقل لك: من أنت؟ قل لي: ماذا تسمع, أقل لك: من أنت؟ .
قال : ((فطوبى للغرباء, قيلَ: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: النُزّاعُ من القبائل))
تجد أسرة كبيرة في علاقاتها ، اختلاط ، مع احتفالات ، تجد مطاعم كلها إكراماً لشهر رمضان المبارك , تقدّم وجبات نفيسة وطيبة , ونساء ورجال بأبهى زينة , وبلا صلاة ، يقول لك : سهرنا للساعة الثانية ونمنا , أين السَحور بقي ؟ وأين الفجر ؟ هكذا الناس . الحديث الرابع :
حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا , وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ , إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا , فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ , الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي ))
((الذين يُحيون سٌنّتي ويعلمونها الناس))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/08.jpg
النبي له سُنّة :
كلٌّ يدعي أنه يحبُ رسول الله , وقد قالَ الله عزّ وجل : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 31]
لا أصدّق أن تدّعي حُبَّ رسول الله أو حُبَّ الله عزّ وجل وأنتَ مُخالفٌ سُنّته، علامة حُبكَ للهِ عزّ وجل : اتباع سُنّة نبيه .
يحيون السنة بالتطبيق , وينشرونها بالتعليم ، يحيونها بالتطبيق , وينشرونها بالتعليم . ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 33]
أجمعَ المفسرون على أنَّ هذه الآية تعني: أنه إذا كانَ النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم, بينَ أصحابه, لن يُعذبوا، وأنه إذا كانت سُنّته مُطبقةً في من بعده لن يُعذبوا، فأنتَ متى لا تُعذب؟ في حالتين؛ إما أن تكونَ مع النبي الكريم شخصيّاً، وإما أن تكونَ سُنّته معك مُطبقةً في بيتك, نعم لا تُعذب .
الحديث الخامس :
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي , فَقَالَ :
مَا يُبْكِيكَ ؟
قَالَ :
يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ , وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا , فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ , إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأبْرَارَ الأتْقِيَاءَ الأخْفِيَاءَ , الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا , وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا , قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى , يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
تأتي الفِتن كقطع الليل المُظلم , إلا من رَحِمَ ربك ، إلا من نجاه الله عزّ وجل ، بعيدٌ عن هذه الفِتنة , هناكَ فِتنٌ تدعُ الحليمَ حيران ، المؤمن الصادق يُنجيه الله عزّ وجل , من هذه الفِتن .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/09.jpg
أخفياء لا يُحبون الشُهرة ، أتقياء لا يحبون المعصية ، أبرياء ليسوا متهمين ، إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يُعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فِتنةٍ عمياء مظلمة كما قال عليه الصلاة والسلام :
((ابتغوا الرِفعةَ عِندَ الله))
هم لا يسعونَ إلى رِفعةٍ بين الناس , إلى رِفعةٍ عِندَ الله عزّ وجل .
البطولة : أن تحجز مكانةً عِندَ الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[ سورة القمر الآية: 54-55]
لك مكان عِندَ الله ، لكَ مكانة عِندَ الله، تشعر أنَّ الله يُحبك ، تشعر أنكَ على المنهج الصحيح ، تشعر أنكَ في الطريق الصحيح ، تشعر أنتَ متجهٌ إلى الهدفِ الصحيح ، هذا الشعور يُغنيكَ عن مدحِ الناس ، وعن الرِفعةِ بينَ الناس ، وعن تسليط الأضواء ، وعن الشُهرة ، وعن الشأن ، وعن الجاه ، هذه كلها تستغني عنها بشعوركَ أنَّ الله يُحبك .
من هم الغرباء .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/10.jpg
يقول مؤلفُ هذا الكتاب :
هؤلاءِ هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ، لِقلّتهم في الناس ، لِقلتهم سُـموا غُرباء ، مدينة فيها خمسـة ملايين , أيام تجد فيها حوالي 100 سـائح , 200 سـائح , سُـميَّ هؤلاء السـياح غرباء , لأنهم قِلةٌ ، قال : سُموا غرباء لِقلتهم , فإنَّ أكثرَ الناسِ على غيرِ هذه الصفات .
قال :
أهلُ الإسلام غرباءٌ في الناس , المسلمون إذا وضعتهم مع عامّةِ الشعوب ، 450 مليون في الهند يعبدون البقر - أعوذ بالله - تمشي البقرة في الطريق , تقطع الطريق ، يبقى الطريق مُعطّلاً ساعات طويلة , تدخل البقرة إلى بائع الفاكهة , فتأكل من هذه الفاكهة ما لذَّ وطاب , وصاحب البقالية مغتبطٌ أشدَ الاغتباط ، في الأعياد يضعون روثَ البقر على أثاثِ بيوتهم , أرقى أنواع العطورات ، 350 مليون يقولون : لا إله , ما في إله في الشمال , عقيدتهم الإلحاد ، تذهب للغرب 30 % من الزِنا زِنا المحارم , الأب مع ابنته ، والأخ مع أخته ، والابن مع أمه ، 30% إحصاء دقيق جداً , هذا كلام علمي , 30% من الزِنا زِنا المحارم ، والأمراض الجنسية بأعداد وبائية ، كذا مليون يُمارسون الشذوذ الجنسي مع بطاقات , مع هويات يفتخرون بها ، معناها المسلمون المقصّرون غرباء أمام هؤلاء ، الزواج في أمريكا عياره سنة أو سنة ونصف فقط , لأتفه سبب تنفصم العلاقة الزوجية ، يعني أن يكون للزوجة عِدة أصدقاء , تغيب أياماً عن البيت , أسبوع , أسبوعين , وضع طبيعي جداً .
كان أحد الخبراء عِندنا في بلدنا, فعَمِلَ احتفالاً لطيفاً, بقيَّ عندنا أكثر من عام ونصف, قال: جاءني مولود, أنت أين كنت؟ أنتَ في الشام مقيم, وزوجتكَ هناك, جاءه مولود, فعمل احتفال بمجيئه، والله المسلمون غرباء أمام هذه المجتمعات, طبعاً في أمثلة كثيرة جداً .
فقال: أهلُ الإسلام في الناسِ غرباء، والمؤمنونَ في أهلِ الإسلامِ غرباء، المؤمن الصادق مع عامة المسلمين غريب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/11.jpg
قال: أهلُ العِلمِ في المؤمنين غرباء, المُتبحر في العِلم, الذي عرَفَ سِرَّ وجوده, والهدفَ فيه، وعَرَفَ حقيقةَ الدنيا، وعَرَفَ عِظَمَ المسؤولية، ورأىَ أنَّ الكونَ كله مُسخرٌ للإنسان، يرى أنَّ الوقتَ ثمين جداً, وأنه لا يُمضي وقته إلا في عملٍ صالح, فإذا وازنَ نفسه مع المؤمنين, يرى نفسه غريباً عنهم .
قال: وأهلُ السُنّة الذين يميزونها من الأهواء والبِدع، يعني أصحاب العقائد الصحيحة, وأصحاب التحقيق العلمي في السُنّة، الحديث موضوع, وهذا الحديث ضعيف, وهذه بِدعة النبي لم يقلها, يوجد عِنده صحوة, هؤلاء أيضاً غرباء عِندَ عامةِ أهلِ العِلم .
هذه القضية، قضية كل ما ارتفع مستوى الإنسان تقلّ الدائرة, مثل الهرم تماماً, إذا أنت مع أول قاعدة واسعة جداً, صعدت درجة القاعدة قلّت، كلما صَعِدتَ في هذا الهرم ضاقت القاعدة, لذلك لو جاء النبي, أيُّ نبي, وجلسَ مع مؤمنين, لا أُبالغ: يرى نفسه غريباً عنهم .
((أبيتُ عِندَ ربي يطعمني ويسقيني))
((لو علمتم ما أعلم, لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/12.jpg
الأنبياء لو وزِنوا بالمؤمنين يصبحوا غرباء, قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 116]
فأنت افتخر وكُن مع الأقليّة، كُن واحداً كألف لا ألفاً كأُف, الله عزّ وجل قال:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾
[ سورة الكهف الآية: 105]
حدثني شخص قال لي: كنت في بلد أجنبي, إقلاع الطائرة الساعة الثانية بعد منتصف الليل, طلبت سيارة أجرة, جاءتني إلى الفندق, قال لي: في الطريق أيام شتاء, أيام الثلج والأمطار, وبرد شديد, وجدتُ صفاً من الناس, أقسمَ لي وهو تلميذٌ لي سابقاً, أقسمَ لي أنَّ هذا الصف يزيد طوله عن ثلاثة كيلو مترات, فسأل السائق: ما هذا؟ والساعة الثانية بعد منتصف الليل, قال له: أُذيع الليلة أنه سيوزعُ اللحم الساعة الثامنة صباحاً, قلت: يا الله! قال: في هذا المجتمع, الزِنا ثمنه قِطعة من الحلوى, قطعة واحدة تأخذ أجمل فتاة, قلت هذه الكلمة وصِرت أُكررها: هانَ الله عليهم فهانوا على الله، هانَ الله عليهم فهانوا على الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/13.jpg
يعني في مجتمعٍ المعصية, بلا تحرش، بلا قلق, بلا وجل، بلا خوف، بلا شعور بالمسؤولية، ما دامَ الله قد هانَ عليهم إلى هذه الدرجة، إذاً: هم هانوا على الله، ما دامَ لحم النساء قد رَخصَ إلى هذا المستوى, إذاً: غلا لحم الضأن إلى هذا المستوى، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماء السماء, فالبطولة: أن يكون الإنسان مع القِلة المؤمنة، أن يكونَ مع الغرباء, كي ينجو من عذاب الله عزّ وجل .
تعقيب صغير ...
قال: هذه الغُربة تكون في مكان دون مكان، يعني إذا كنتَ في بلدة كدمشق, أدامها الله علينا، المساجد ممتلئة، أُناسٌ صالحون كثيرون، قلوبهم فيها رحمة, والله وفي صحوة دينية طيبة جداً، المساجد ممتلئة في كلِّ الأوقات، في التراويح، في الفجر، يعني أُناسٌ طيبون مقبلون على الدين, ربما لا تحس أنكَ هنا غريب، لكن لو ذهبت إلى بلدٍ أجنبي, ورأيتَ الزِنا على قارعة الطريق، لا تحتمل .
شخص ذهبت إلى فرنسا، وقفت على نهر السين، شاهدت شاباً كئيباً, ولغتي الفرنسية ضعيفة، قلت: أتمرن فيه، فاقتربت وسألته, فقال له: أنا أريد أن أنتحر، قلت له: لماذا ؟ قال: الحياة لا معنى لها عندي، قلت له: ما الذي يزعجك؟ قال: أحبُ فتاة فأخذها مني أبي, الأب عندنا مُقدّس, الأب كل هدفه ابنه، هدفه أن يزوجه، هدفه أن يأخذ له بيتاً، عندنا العلاقات طيبة, إذا اطمأنَ على مستقبلهم يرتاح الأب، هذا الأب, أما ذلكَ الأب: نافسَ ابنه على فتاة, فيجوز أنت في دمشق لا تكون غريباً تُحس بارتياح، أينما كنت؛ مساجد وآذان وقرآن, هذه نعمةٌ كبرى.
قال: قد تكون في مكان دون مكان، وفي وقت دون وقت، وبين قومٍ دون قوم، يجوز بالشام نفسها حي مُحافظ وحي غير مُحافظ، أيام رمضان غير بعد رمضان, على كلٍ؛ هناك تفاوت في هذه النسبة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/14.jpg
قال: أهلُ الله عزّ وجل لا يأوون إلا إلى الله, ولا ينتسبون إلا إلى رسول الله, ولا يدعو له إلا إلى الله, هذه الغُربة اسم على غير مُسمى، صاحب هذه الغُربة لا يُحس بالغُربة، يُحس بالأُنس, لأنه مع الله عزّ وجل، هو عِندَ الناس غريب، عِندَ الناس كأنه شاذ, لكن هوَ عِندَ الله مُقرّب، الله عزّ وجل يؤنسه, يتجلى على قلبه .
قال: هذه الغُربةُ لا وحشةَ على صاحبها, بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحشَ الناس, إذا الناس خافوا وقلقوا, بوادر زلزال ارتعدت فرائص الناس، المؤمن ماذا يقول؟ يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 158]
إلى أينَ الذهاب؟ إلى الله عزّ وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 157]
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
[ سورة يس الآية: 26]
الإنسان يُحب الحياة, هذا كلام واقعي، لكن لو فرضنا: لاحَ شبحُ الموت لمؤمن ومستقيم, وعمله طيب, وحياته في طاعة الله، أتظن أنه يخاف من الموت؟ يتمنى أن يعيش أطول عُمر, حتى أكون معك واقعياً, خيركم من طالَ عُمره وحَسُنَ عمله، لكن لو لاحَ له شبحُ الموت فمرحباً به .
قصص غريبة جداً :
أحد تجار البلد, أصابه سرطان بالدم, بقدرة قادر, وقضية المستشفى, اتصلت بالمنزل لتُعلمهم بالنتيجة, في هاتف بجانبه, فرفع السماعة، ابنه رد على الهاتف, قال له: أبوك منته, ثلاثة أيام ويموت, سَمِعها بأذنه, زاره أصحابه, فقال لهم: انتهى الفيلم, في صفقة ألغاها, وصفقة أوصى بها, وجمع أولاده, وودعهم, وتغسّل, وأحد العلماء زاره الساعة الواحدة, وقرؤوا له الأوراد والتهاليل, والساعة الثانية كان توفي، لكن الشيء الذي لفت النظر: أنه لم يكن جزعان، كان إذا دخل شخص يطلب منه مساعدة, يفتح الصندوق, ويقول له: خذ قدر ما تحتاج, ولا تقل لي: قدر الكمية .
واحد دخل المستشفى, معه سرطان بالأمعاء، كلما دخلَ عليه زائر يقول: يا رب اشهد أنني راضٍ عن الله, يا ربي لكَ الحمد, إلى أن توفاه الله, الإنسان يتمنى أن يعيش أطول عمر, أما لو لاحَ له شبح الموت, لا يوجد عنده هذا الجزع, إلى أين ذاهب؟ كلُّ هذه الحياة لهذه الساعة مهيأة.
هذه غُربةٌ لا وحشةَ فيها, بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحش الناس, وأشدُّ ما تكونُ وحشته إذا استأنسوا, فوليه الله ورسوله والذين آمنوا, وإن عاداه أكثرَ الناس وجَفوه .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ, مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هذا غريب معناها .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ: فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ, أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ, وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ: فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ, جَمَّاعٍ مَنَّاعٍ, ذِي تَبَعٍ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/15.jpg
أنت إذا شاهدت مؤمناً مستقيماً, ولو كانت مرتبته الدنيوية وسط, فلا تتطاول عليه, لأنَّ الله كبير، لو كان ضارب آلة كاتبة بدائرة, وأنتَ مدير عام, لا تقل: أنا ربكم الأعلى, لو كان مستخدم, انتبه. ((رُبَّ أشعثَ أغبر ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب, لو أقسمَ على الله لأبرّه))
قَالَ : ((سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا, فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ))
معنى البطولة :
أن تكون أنت متواضع, وتعرف أن المراتب عِندَ الله, ليست كما هيَ عِندَ الناس، الناس يحترمون الغني, ويحترمون القوي, ويحترمون صاحب الشهادات العليا, يحترمون الوسيم الجميل, ويحترمون الصحيح, ويحترمون المُتكلَم, ويحترمون الذكي، أما ربنا عزّ وجل يُحب الطائعين. ((أحبُّ الطائعين وحُبي للشابِ الطائعِ أشد ، أحبُّ المتواضعين وحُبي للغني المتواضع أشد ، أحبُّ الكرماء وحُبي للفقير الكريم أشد))
(( ألا أُخبركم عن ملوك أهلِ الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله, قال: كلُّ ضعيفٍ أغبرَ ذي طمرين لا يُؤبه له, لو أقسم على الله لأبرّه ))
صفات الغرباء :
قال صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم :
أول صِفةٍ لهم : هيَ التمسك بالسُنّة إذا رَغِبَ الناسُ عنها ، صلاته مهمة جداً ، غضُّ بصره مهمٌ جداً ، لا يكون في اختلاط مهمٌ جداً ، ما يكون في شُبُهة بالدخل مُهمٌ جداً .
في حديث فيه بِشارة لكم جميعاً إن شاء الله تعالى ، قال: جُعِلَ للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسكَ بدينه, أجرَ خمسينَ من الصحابة .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/16.jpg
عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ , فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ ؟
قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟
قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا , سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : (( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ , وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ , حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا , وَهَوًى مُتَّبَعًا , وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً , وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ , فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ , وَدَعِ الْعَوَامَّ , فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا , الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ , لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))
قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَة ,َ قِيل :َ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ , قَالَ : (( بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ))
في بعض الروايات : قالوا : http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2543/17.jpg
((لِم ؟ قالَ : لأنكم تجدونَ على الخير مِعواناً ولا يجدون))
إذا الإنسان استقام, أهله أقرب الناس إليه يرفضونه, زوجته أحياناً ترفضه، شريكه لا يرضى, يقول لك: نبيع خمراً الزبائن تخف، يصبح درجة رابعة، المطعم أخذناه خمس نجوم ينزل إلى مستوى أربع نجوم .
في بعض المدن السورية, بائع من أهل الصلاح, بائع لحم, كتب على باب دكانه: ممنوع شرب الخمر بأمر الرب, والرزق على الله, فأقبل الناس عليه، أما سمعت بمصر, من عادات المحلات التجارية عِند افتتاحها, يأتي قارئ قرآن ويقرأ قرآن, فيوجد محل بجانبه محل غير مُسلم، فأحضرَ القارئ, وقال له: اقرأ, فالقارئ قرأ: والتين والزيتون, وقال له: قل لهم: عِندنا أيضاً حُمُّص ....
القصد: أنَّ الغُربة نِعمة وليست نِقمة، إذا كنتَ غريباً, فهذه بِشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : النفاق







النِفاق .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث عشر من دروس مدارج السالكين , موضوع اليوم عنوانه : النِفاق .
ولماذا كانَ هذا الموضوع ؟
هناكَ أسباب وجيهةٌ وخطيرةٌ تدعو إلى معرفة هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين , ولا أدلَّ على خطورة هذا الموضوع , من أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه قال لحذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه : يا حذيفة , ناشدتك بالله , هل سماني لكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم - أي من المنافقين - ؟ قالَ : لا ولا أُزكّي بعدكَ أحداً , ولا أدلَّ على خطورةِ هذا الموضوع , من أنَّ الحسنَ البصري رضي الله عنه قال : ما أمِنَ النِفاقَ إلا مُنافق , وما خافَ النفاقَ إلا مؤمن , فيجب أن نعرفَ هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين .
أيها الأخوة الأكارم ؛ النِفاقُ داءٌ عُضالٌ باطن , ومعنى باطن : أنه قد يكون مستشريّاً في نفس المؤمن وهو لا يدري، فمن كانَ مطمئناً من هذا المرض ربما كانَ منافقاً، قد يمتلئُ منه الرجل وهو لا يشعر, فإنه أمرٌ خَفي على الناس, وكثيراً ما يخَفى على من تلبسَّ به, فيزعم أنه مصلح, وهو في الحقيقة مُفسد, أحدنا إذا كان يخاف على سلامة إيمانه، إذا كانَ يخاف على مكانته عِندَ ربه، إذا كانَ يخشى الله واليومَ الآخر، إذا كانَ يخشى أن يُحبطَ الله عمله، إذا كانَ يخشى أن يكونَ له صورة وله حقيقةٌ أخرى لا يرضاها الله عزّ وجل، فليُدقق في هذا الدرس .
أنواع النفاق :
العلماء قالوا النِفاق نوعان :
نوعٌ أكبر ونوعٌ أصغر .
النوع الأكبر:
يوجِبُ الخلودَ في النار في دركها الأسفل , قال تعالى :
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 145]
المشكلة : المنافق يصلي مع الناس ، ويصوم مع الناس ، وله زيٌّ إسلامي ، ويحضر جماعاتهم .
فالنوع الأكبر : يُوجب الخلودَ في النار في دركها الأسفل .
لأنَّ المنافقَ هذا يُظهر للمسلمين ؛ إيمانه بالله , وإيمانه بالملائكة , وبالكتب , وبالرسل , وباليوم الآخر ، وهو في الباطن مُنسلخٌ من ذلك كله ، لا يؤمن بأنَّ الله تكلّمَ بكلامٍ أنزله على بشر ، يهديهم بإذنه ، ويُنذرهم بأسه ، ويُخوّفهم عِقابه ، هذا الإنسان المُنافق هَتكَ الله سِترهُ وكشفَ سِرّه ، وجلّى لعباده أمره ، ليكون الناسُ منه على حذر .
وذكر الله سبحانه وتعالى كما تعلمون في القرآن الكريم , وفي مطلع سورة البقرة أربعَ آياتٍ تتعلق بالمؤمنين .
أصناف العالمين أصنافٌ ثلاثة ؛ مؤمنٌ وكافرٌ ومنافق .
فالمؤمنون خصّهم بأربع آيات :
﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة البقرة الاية: 1-5]
والكفار خصّهم بآيتين : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 6-7]
وأما المنافقون :
فتحدثَ عنهم في ثلاث عشرة آية لخطورتهم , ولاستشراء النِفاق في صفوف المؤمنين .
لذلك المؤمن القضية سهلة , مؤمن , مستقيم ، عقيدته صحيحة ، مخلص ، مُقبل ، مُنيب ، مُحب ، ورع .
والكافر لا يستحي بكفره من كلامه ، من تعبيراته ، من حركاته ، من سكناته .
فأنتَ تعرفُ المؤمن وتعرفُ الكافر ، ولكن هذا الشخص الثالث الذي يُظهر لكَ من الإيمان ما فيه الكفاية وهو مُنافق ، قال : هذا النوع الثالث هو النوع الخطر .
الله سبحانه وتعالى خصّه بثلاث عشرة آية لكثرتهم، لكثرة المنافقين، ولِعموم الابتلاء بهم، وشِدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإنَّ بليّة الإسلام بهم، والذي يقوله الناس دائماً: أخشى ما نخشاه على الإسلام لا من أعدائه بل من أدعيائه المنافقين، لأنَّ هؤلاء المنافقين يفجرونه من داخله، إذا هاجمه أعداء الدين، أخذَ المؤمنون الحيطة, ولكنَّ المنافقين في صفوف المؤمنين ، بينهم، في مساجدهم، معهم، في أعمالهم .
قال: فكم من معقلٍ للإسلام قد هدموه؟ وكم من حِصنٍ له قد قلعوا أساسه وخرّبوه؟ وكم من عَلمٍ قد طمسوه؟ وكم من لواءٍ له مرفوعٍ قد وضعوه؟ وكم ضربوا أساسه بالمعاول فهدّموه؟ لذلك ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 11-12]

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 8]
أربع آياتٍ للمؤمنين ، آيتان للكفار ، ثلاث عشرة آية للمنافقين لكثرتهم , ولخطورتهم ، ولإفسادهم ، ولانحرافهم ، ولأنَّ الناسَ قد يَلبَسُ عليهم أمرهم .
من صفات المنافقين :
1-مفارقة الوحي :
أول صِفة من صفات المنافقين, قال: اتفقَ المنافقونَ على مفارقة الوحي، كلام الله عزّ وجل عِندَ المؤمنين له شأنٌ عظيم, بينما كلام الله عزّ وجل عِندَ المنافق, يتحرك في الحياة لا وفقَ كلام الله بل وفقَ هواه، ما أمرَ الله به, ما نهى عنه, ما وضحهُ, ما بينّهُ, ما سَنّهُ, تراه ينطلق من مصالحهِ، من ثقافته أحياناً، من طموحاته غير المشروعة، ولا يعبأ بكلام اللهِ، ولا بحدوده، ولا بأوامره, ولا بنواهيه، ربنا عزّ وجل وصفهم فقال:
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 53]
عِندهم آراء, وعقائد, ومواقف, وتنظيمات لا تمت للدين بصِلة،
﴿كلُّ حِزبٍ بما لديهم فرحون﴾
هؤلاءِ هم المنافقون. 2- يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا :
وأيضاً : يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً ، والذي يجمعهم جميعاً : أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ، قوله تعالى :
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 221]
فإذا طرقَ بابه خُطّابٌ كثيرون, يختار الغني ولا يعبأ بالمؤمن, إذاً: قال الله عزّ وجل:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
[سورة البقرة الآية: 276]

لا يُبالي بهذه الآية, يأكل الرِبا ويوكِله، هذا هو النِفاق, لعلكَ تراه يصلي، لعلكَ تراه يصوم، لا قيمة لهذه الصلاة ولا لهذا الصيام .
اتخذوا هذا القرآن مهجوراً؛ ما هجرَ تِلاوته, ولكن هجرَ تطبيق أحكامه، ما جعله في حياته, جعله وراء ظهره, جعله خارج اهتمامه, فالإنسان الذي لا يعبأ بكلام الله، ولا يتخذه دستوراً، ولا ينطلق في حياته من أحكامه، فهذا منافقٌ منافقٌ منافقٌ . 3-صم بكم عمي فهم لا يرجعون :
صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين: قالَ الله عزّ وجل:
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 18]
عيناه لا تريه آيات الله عزّ وجل, تريه مباهج الدنيا، عينه تلتقط المباهج، الزخارف، المٌتع، المال، ما فيها من زينة، أما أن تلتقط عينه آيات الله الدالة على عظمته، ليسَ هذا من صفات المنافق:
﴿صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون﴾
إن ألقيتَ عليه الموعظة كانَ كالأصم، إن تكلّمَ تكلّمَ بالدنيا، لسانه يتلعثمَ في ذِكر الله، لا يذكر الله إلا قليلاً، يذكر الدنيا, إذا ألقيت عليه حديثاً عن الله عزّ وجل تململ وتثاءب, وقال: دعكَ من هذا الحديث، أما إذا ألقيت عليه حديث الدنيا, أصغت أذناه, وبرقت عيناه, وتألّقَ, ربنا عز وجل.
قال: صمٌ بكمٌ عميٌ؛ أصمّ عن سماع الحق، أبكم عن أن يذكروا الله عزّ وجل، عمي عن آيات الله الكونية, فهم لا يرجعون إلى الله عزّ وجل, أتلفت قلوبهم الشبهات والشهوات.
يا أخي ما قولك في إيداع المال في مصارف أجنبية؟ هناك من أفتى بهذا، هذا شُغله الشاغل، ما قولك بهذا الكتاب؟ قراءات معاصرة, هذا شغله الشاغل، ما قولك بهذه الفتوى للعالم الفلاني بجواز أكل الرِبا بنسبٍ قليلةٍ؟ أتلفَ قلبه الشبهات والشهوات, وغَلَبت نواياهم السيئة على مقاصدهم الحسنة, فكأنه كما قال الله عزّ وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 10]
الأمراض التي في قلوبهم انقلبت إلى أعمال، فكيف يزداد المرضُ مرضاً إذا استحكمَ في النفسِ وانقلبَ إلى سلوك؟ .
4-الرياء :
لهم علامات يُعرفون بها , باديةٌ لمن تدبرها ، من أوضحها الرياء , وهو أقبحُ مقامٍ يقفه الإنسان , الازدواجية , لهم ظاهر ولهم باطن ، لهم موقف مٌعلن , ولهم موقف حقيقي , لهم عبادةٌ يعبدون الله بها في بيوتهم ، ولهم عبادة يعبدون الله بها أمام الناس ، أساس مواقفهم الرياء ، وقعدَ بهم الكسلُ عمّا أُمروا من أوامر , فأصبح الإخلاص عليهم ثقيلاً .
كيفَ وصفهم الله عزّ وجل ؟ قال تعالى :
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
درسنا الآن :
بعض الآيات التي تصف المنافقين ، هذا كلام الله عزّ وجل ، فإذا الإنسان بريء من هذه الأوصاف , فأنعم به وأكرم ، وليحمد الله عزّ وجل ، ونرجو الله جميعاً أن نكونَ ممن نجاهم الله من النِفاق ، وإن كانَ متلبّساً ببعض الصفات والقلب ينبض , إذاً : المجال مفتوح , باب التوبة مفتوح ، باب الإخلاص مفتوح ، باب الإصلاح مفتوح .
الصِفة الرابعة :
أنهم يراؤون الناس ، ولا يذكرون الله إلا قليلاً ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى . 5-التذبذب والحيرة :
من صفات المنافقين : التذبذب والحيرة ، مع هؤلاء أم مع هؤلاء ؟ مع رفاق السوء أم مع المؤمنين ؟ مع دورِ العِبادة أم مع دورِ اللهو ؟ لا يسخو لا بهذا ولا بذاك :
﴿في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً﴾
قالَ أحدهم : كالشاة العائرة بين الغنمين , تعيرُ إلى هذه مرةً وإلى هذه مرةً , ولا تستقر مع إحدى الفئتين .
إذا كان أحد الناس جلس مع المؤمنين طابَ له المجلس ، فإذا جلسَ مع الكفار , أو مع أهل الدنيا ، أو مع أهل البُعدِ ، فسُرَّ معهم واستمرأَ حديثهم ، وطابت له جلستهم ، فهذه علامة النِفاق ، لو كانَ مؤمناً حقاً لا يرتاح للكفار ، ولا لحديثهم ، ولا لمزاحهم ، ولا لأنماط سلوكهم ، ولا لأوضاعهم .
لذلك النبي الكريم وصف المنافقَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ, تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً, وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً, لا تَدْرِي أَهَذِهِ تَتْبَعُ أَمْ هَذِهِ؟)) قال تعالى : ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 143]
هو وزوجته ، زوجته نوعاً ما مُحجبّة , يجلس في مكان عام , حيث الغناء والطرب والاختلاط والمشروبات , هذا المكان ليسَ مكانك , أنت مسلم ، أنت مؤمن ، أنت مع المؤمنين ، لا تسخو نفسه بترك هذه الحفلات .
والله سمعت بعض النِسوة المحجبّات , يذهبنَّ إلى حفلاتٍ في الفنادق , حفلة مختلطة , فيها شرب الخمر , كيف تسوغُ لنفسكَ أن تأتي مع امرأتك إلى هذا المكان ؟ هكذا وصف المنافقين ؛ كالشاة العائرة بين الغنمين , تيعرُ إلى هذه مرة وإلى هذه مرة , ولا تستقرُ مع إحدى الفئتين .
﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾
ومن يضلل الله فلن تجدَ له سبيلاً . 6- يتربصون الدوائر بأهل الكتاب والسنة :
صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين : يتربصون الدوائر بأهلِ الكتاب والسُنّة , دائماً على حسد ، دائماً على تربص ، فإن كانَ لهؤلاء المؤمنين فتحٌ من الله , قالوا : ألم نكن معكم ؟ نحن معكم يا أخي ، نحن مؤمنون ، نحن أعنّاكم ، نحن دعمناكم ، قال : فإن كانَ لهم فتحٌ من الله , قالوا : ألم نكن معكم ؟ وأقسموا على ذلك بالله جهدَ أيمانهم ، وإن كانَ لأعداء الكتاب والسُنّة من النُصرة نصيب , قالوا : ألم تعلموا أنَّ عقدَ الإخاءِ بيننا وبينكم مُحكم , نحن معكم ضد المؤمنين ، وأنَّ النسب بيننا قريب ؟ ربنا عزّ وجل قال :
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 141]
هذا الموقف المتذبذب مع الأقوى دائماً, مع الأعز, هذا موقف المنافق .
7- الازدواجية :
الحقيقة : المنافق قد يُعجبُ السامعُ بقوله, لحلاوته, ولينه, ويُشهد الله على ما في قلبه، يقول لك: شَهِدَ الله أني أُحبك، يُشهِد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام, قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
[سورة البقرة الآية: 204]
خصم عنيد، خصم شديد، عدو لدود، ومع ذلك له كلام أحلى من العسل، وله قلبٌ أمرُّ من الصبر، هذه من صفات المنافق، تكاد تكون الازدواجية مِحور أساسي في هذه الصفات, المؤمن الحق ما في قلبه على لسانه، وما قاله بلسانه في قلبه، وعلانيته كسريرته، وسريرته كعلانيته، وباطنه كظاهره، وظاهره كباطنه، المؤمن متوّحد في اتجاه، المنافق مزدوج.
فهذه نصيحة لكل أخ مؤمن؛ اجعل الصلاة في البيت كما هي في المسجد، غضُ بصركَ في الطريق وأنتَ وحدك كما لو كنت بين المؤمنين، راقب الله عزّ وجل، لا تأخذكَ في الله لومة لائم، لا تعبأ بكلام الناس، لا تأخذ مواقف أمام الناس، لا تكن لكَ مواقف أخرى في البيت.
((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله))
((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخلّط))
8-الفساد في الأرض :
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[سورة البقرة الاية: 205]
يُفسد العلاقة بين الزوجين، أخته متزوجة وزارها, ماذا قدّمَ لكِ زوجك في العيد؟ ما قدّمَ لكِ شيئاً؟ هذا السؤال أفسدَ العلاقة بينَ الزوجين، إن جلس مع شريك, ماذا يُعطيك شريكك فقط 30 %؟ والله قليل!! كيف ترضى معه بهذا الشكل؟ أفسدَ العلاقة بين الشريكين، بين الزوجين، بين الأخوين، بين الجارين:
﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسدَ فيها ويهلكَ الحرثَ والنسل والله لا يُحب الفساد﴾
9-الصد عن حكم الله وعن حكم رسول الله :
المنافق كلام الله عليه ثقيل، لا تركن نفسه إلى كلام الله، لا ينصاعُ له، إذا حاكمتهم إلى صريح الوحي, وجدتهم عنه نافرين, وإن دعوتهم إلى حُكم كتاب الله وسُنّة رسوله, رأيتهم عنه مُعرضين, ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾
[سورة النساء الاية: 61]
كتاب الله بيننا، ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام بيننا، المنافق لا يرضى لا بكتاب الله ولا بكلام رسول الله، يرضى برأيه الشخصي، أو بحكم القاضي، أو برأي المحامي .
10-كثرة حلف الأيمان :
المنافق من علاماته : كثيرُ حلفِ الأيمان بلا سبب ، كثرةُ حلفه للأيمان دليل خلل داخلي، فأحدهم تسبقُ يمينه كلامه، لم يكذبكَ أحد, ما أحد كلّفكَ أن تحلف اليمين، ما أحد دعاك إلى حلف اليمين, يحلف الأيمان الكاذبة دون أن يُستحلف، لاعتقاده الداخلي أنَّ الناسَ لا يصدقونه، هناك خلل داخلي في شخصيته، فربنا عزّ وجل قال:
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾
[سورة المجادلة الآية: 16]
اتخذوا أيمانهم وقايةً، دريئةً يدرؤون بها تشكيكَ الناس في أقوالهم، هذه كلها آيات قرآنية, كثرة حلف الأيمان، الصدُّ عن حُكم الله وحُكمِ رسوله، الفساد في الأرض، إفساد العلائقَ بينَ الناس، له كلامٌ أحلى من العسل, وقلبٌ أمرُّ من الصبر، يتربصون بالمؤمنين الدوائر, مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يراؤون الناسَ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى، لا يذكرون الله إلا قليلاً، هذه صفاتهم المُستنبطة من آيات الله البيّنات .
11-النكثة :
المنافق كأنه إنسان سارَ في رحلة في الصحراء، بعد حينٍ: من الوقت أو بعدَ مسافةٍ من المكان شعرَ بالتعب والإعياء فنكثَ راجعاً، لم يتابع المسير. فربنا عزّ وجل قال:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾
[سورة المنافقون الاية: 3]
بعد ما آمن, رأى في الإيمان قيوداً، حدوداً، وتكاليف, ومجالس علم، وغض بصر، وهذه حرام وهذه حلال، بعدَ أن عاهدَ الله عزّ وجل, وسارَ في أولِ طريق الإيمان, رأى الإيمان عِبئاً عليه، رآه ثقيلاً، رأى التكاليف تكاليف باهظة، لذلك انتكثت روحهُ, وعاد القهقرى, وتركَ المؤمنين يتابعون الطريق، قال تعالى:
﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبعَ على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾
بعد أن آمن كفر، وهذا واضح، بعد ما حضر مجالس العلم سنة، انتكث وعادَ إلى شهواته وأهوائه، وعادَ إلى رفاق السوء، وعادَ إلى انطلاقه إلى المعاصي كيفما يشاء، فهذه النكثة هيَ نكثات المنافقين . 12-قد تعجبك أجسامهم لكن قلوبهم مغايرة لها :
قد يكون هذا المنافق حَسَنَ القامة، له جسم رائع، له قامة مديدة، له وجه وسيم، له عضلات مفتولة، له ذكاء، له لسان طليق، له بيان ساحر, قال الله عزّ وجل:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 4]
شخصية، شكل وأناقة وعطر، رفاه وجلسات متقنة وكلام متقن .
﴿وإن يقولوا تسمع لِقولهم كأنهم خُشبٌ مُسندة يحسبونَ كلَّ صيحةٍ عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون﴾
عن الغذاء وليس لها ثمر ومُسندّة، يعني أيّ دفع يجعلها في الأرض، من أروع التشابيه، المؤمن ليسَ ساذجاً، يؤخذ بشخص طويل القامة، أنيق المظهر، طليق اللسان، ذكي العقل، لكن خبيث النفس، ضعيف الإيمان، شهواني، له خلفيّة سيئة، المؤمن ذو بصيرة، اتقوا فِراسةَ المؤمن فإنه ينظر بنور الله .
قال سيدنا علي: نحن نعرف الرجالَ بالحق ولا نعرف الحقَ بالرجال، المؤمن مقياسه دقيق جداً، يعني أن يفعل المؤمن فعلاً منافياً للشرع, هذا الشخص ساقطٌ بنظر المؤمن، أن يعتقدَ اعتقاداً مخالفاً لكتاب الله, هذا الشخص ساقطٌ في نظر المؤمن، أما الذي يُعجب بالناس، بأجسامهم، بأطوالهم، بحركاتهم، بسكناتهم، بفصاحتهم، بطلاقتهم، ولا ينظر إلى انحرافاتهم, وإلى أخطائهم، وإلى بُعدهم عن أمر الله عزّ وجل وعن سُنّة النبي, فهو إنسان ساذج . 13- يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول :
قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول، فالصبح عِندهم طلوع الشمس, والعصر عِندهم الغروب، وينقرونها نقرَ الغراب إذ هيَ صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، يلتفتون فيها التفات الثعلب, ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم, صلى في البيت أو في دكانه، يهجر المسجد, هذه صفة المنافقين .
14- إذا أصابَ المؤمنون عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءهم ذلكَ وغمهمم :
من علامة المنافقين :
إذا أصابَ المؤمنين عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءه ذلكَ وغمهُ، على المستوى الفردي: لك أخ مؤمن, الله عزّ وجل رفع شأنه, تتألم، أطلق لسانه, تتألم, تتضايق، جعل له شأن في المجتمع تتضايق، تبحث عن عيوبه، تبحث عن سقطاته، تُبرزها للناس, هذه علامة النِفاق .
من علامة الإيمان :
أنَّ المؤمن إذا رأى أخاه المؤمن, قد أطلق الله لسانه, ورفع شأنه, يفرحُ له, ويكون في خدمته وعونه, الحق واحد, لأنه إذا عزَّ أخوكَ فهُن أنت، المؤمنون شركاء في أعمالهم الصالحة، الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً دعم بعمله أخاه المؤمن، مؤمنون كانوا في زيارة شخص أحدهم, انطلقَ في الحديث عن الله عزّ وجل, إذا سكتَ الباقون, لهم مِثلُ أجره، لأنَّ العِبرة أن يصل هذا الحق إلى هذا الإنسان، أما التنافس والتنطع وعرض العضلات ليسَ هذا من صفات المؤمن، أخوك انطلقَ في الدعوة إلى الله كُن معه أنت، كُن معيناً له، كُن دعماً له، لا تحاول أن تُبرز سقطاته الموهومة عِندك، ربنا عزّ وجل قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 120]
يتضايق, يُعلن عن حسده، يُعلن عن غيرته، يُعلن عن ضيقه، لا يتمنى لهذه الدعوة أن تنتشر، لا يتمنى لهذا المؤمن أن يظهر، لا يتمنى له أن يعلو عِندَ الناس .
﴿إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكم سيئةٌ يفرحُوا بها﴾
يعني فإذا أصابَ هذا المؤمن مصيبة, يفرح المنافق, وقد يُعلن عن فرحه، إذا فرح عاقبه الله عزّ وجل، فإذا أعلن عن فرحه ازدادَ العِقاب، الله عزّ وجل كرهَ طاعتهم، لِخُبثِّ قلوبهم, وفسادِ طواياهم, ثبطهم عنها، أقعدهم، أبغضَ قربهم منه، لميلهم لأعدائه, طردهم عنه, وأبعدهم، أعرضوا عن وحيه فأعرضَ عنهم، أشقاهم وما أسعدهم، حكمَ عليهم بُحكمٍ عدلٍ لا مطمعَ لهم في الفلاحِ بعده. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 46]
لأتفه سبب يترك مجالس العلم, لماذا ربنا ثبّطَ عزائمهم؟ قال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، يوهنون القِوى، يوهنون العزائم، يضعِفون المعنويات، يُيئسوا، لهم كلمات فيها استهزاء، لهم كلمات فيها تجريح، هم ميالون للدنيا، قال:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[سورة التوبة الاية: 47]
15-أن النص القرآني ثقيل عليهم :
المنافق من دلائل نِفاقه : أنَّ النص القرآني ثقيلٌ عليه ، قال : ثَقُلت عليهم النصوص فكرهوها، أعياهم حملها، ألقوها عن أكتافهم ووضعوها, تفلتت منهم السُنن فلم يحفظوها، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 9]

إذا الله عزّ وجل أمرَ بأمر, وأنت شعرت بكراهية لهذا الأمر, فهذه علامة النِفاق، المؤمنون يفرحون بما أُنزل إليهم, أما المُنافق يرى أمرَ الله ثقيلاً عليه . 16-ولتعرفنهم في لحن القول :
هم أسرّوا النِفاق, لكن الله عزّ وجل أظهرَ بعضَ علاماته على صفحات وجوههم, وظهرَ نِفاقهم من فلتاتِ لسانهم، أحياناً: فلتات اللسان تُعبّر عن الجنان، قاعدة .
شخص لا تحبه أنت, وجاء ذِكره, وشخص حي يُرزق, تقول: الله يرحمه لم يمت, ما مات, معنى هذا: أنكَ تتمنى موته, هذه فلتات اللسان، أحياناً: تحضر قائم حُزن, تتكلّم بكلمة, وكأنك تتمنى لهذا الحُزن أن يستمر, لا تنتبه, هذه فلتات اللسان, لها عِندَ علماء النفس معانٍ كثيرة جداً، فالمنافقون من صفحات وجوههم, ومن فلتات لسانهم, يعبّرونَ عن ما في قلوبهم، ربنا عزّ وجل قال:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 29-30]
تجد المؤمن وجهه مُشرق، فيه براءة بوجهه، فيه نور، فيه صفاء، فيه إقبال، وجه المنافق تجده في نوع من الغَبَرَة، وجهه أسود، سواد معنوي، وجهه فيه قتامة، وجهه فيه انحباس، قال:
﴿أم حَسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرجَ الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾
لحن القول هو : فلتات اللسان . ﴿والله يعلم أعمالهم﴾
17-مآلهم يوم القيامة :
من صفات المنافقين أيضاً: لمّا ربنا عزّ وجل قال في سورة الحديد:
﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
[سورة الحديد الآية: 13-14]
المنافقون في الدنيا كانوا مع المؤمنين، معهم في مساجدهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في الحج، في رمضان، في الصيام، هم معهم, مختلطونَ معهم، يوم القيامة يتوقف بهم المسير على الصراط المستقيم, فيقولون للمؤمنين:
﴿انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً﴾
لم تكن أعمالكم في الدنيا صالحة، لم تكن هِممكم في الدنيا عالية, لم تكن نواياكم مُخلصة ، الدنيا مكان العمل، وفيها يُقتبسُ النور.
ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، قالوا: ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم بالدنيا, وتربصتم، وارتبتم، وغرّتكم الأماني حتى جاء أمرُ الله وغَركم بالله الغَرور .
انظر كم صِفة؟ ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم, يعني أحببتم الدنيا وجعلتموها كلَّ همكم, وجعلتموها مَحطَ رِحالكم, وتربصتم بالمؤمنين, تمنيتم أن يصيبهم السوء ، تربصتم بالمؤمنين تمنيتم الدمارَ لهم، إذا جاءهم الخير ضاقت نفوسكم به، وارتبتم في كلام الله عزّ وجل، ما كنتم على يقينٍ من كلام الله عزّ وجل، ارتبتم في وعده وفي وعيده، ارتبتم في حلاله وفي حرامه، وغرّتكم الأماني، تمنيتم الدنيا وحدها واغتررتم بها, حتى جاءَ أمرُ الله, وغرّكم بالله الغَرور .
الغَرور هو الشيطان, وعدكم وأوهمكم أنه من كانَ من أُمةِ مُحمدٍ عليه الصلاة والسلام يشفع له النبي, يكفي أن تكون من أمةِ مُحمدٍ, فالنبي مُحمد صلى الله عليه وسلم يشفعُ لكَ يومَ القيامة دونِ قيدٍ أو شرط هكذا, فانطلقتم إلى المعاصي، وإلى الشُبهات، وإلى المخالفات, وإلى الدنيا، وإلى المغانم والمكاسب .
يُروى أنَّ سيدنا حُذيفة بنَ اليمان, سَمِعَ رجلاً يقول: اللهم أهلك المُنافقين, فقال: يا بن أخي, لو هَلَكَ المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قِلة السالكين, يعني بِشارة من سيدنا حذيفة بن اليمان إلى أنَّ الكثرة الكثيرة من الناس يعني من هذا القبيل .
سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه, أسرَّ إليه النبي عليه الصلاة والسلام أسماء المنافقين, فسيدنا عمر يعلم ذلك, فقال له: يا حذيفة, ناشدتك بالله! هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا, ولا أُزكي بعدكَ أحداً, لا تحرجني, اسمك غير وارد, ولا أُزكي بعدكَ أحداً .
ابن مُليكة يقول: أدركتُ ثلاثينَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النِفاقَ على نفسه, ما منهم أحدٌ يقول: إنَّ إيمانه كإيمانِ جبريلَ وميكائيل .
إذا شككت بنفسك دائماً, لعل في نِفاق، لعل في تقصير، فهذه علامةٌ طيبة، وإذا في طمأنينة ساذجة، أنا مؤمن الحمد لله، أنا بزمن صعب، أنا عملي كسبعين من أصحاب رسول الله، أنا في زمن القابض على دينه كالقابض على الجمر, إذا كان بهذه النفسية أنت مطمئن، مرتاح تماماً، وما في مشكلة عِندك إطلاقاً، هذه علامة خَطِرة, هذه علامة النِفاق، علامة الإيمان أن تخشى النِفاق، وعلامة النِفاق ألا تخشى منه .
الحسن البصري -كما قلتُ لكم- قال: ما أمِنَ النِفاق إلا مُنافق، وما خافه إلا مؤمن، وكانَ بعضُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونَ اللهَ, فيقولون: اللهّمَ إني أعوذُ بِكَ من خشوعِ النِفاق، قيلَ: وما خشوع النِفاق؟ قال: أن يُرى البدنُ خاشعاً, والقلبُ ليسَ بخاشع, بالصلاة يظهر الخشوع شيء, وقلبه ليس بخاشع .
قال بعضهم: النِفاق يُزرعُ, ينبتُ له ساقان؛ ساقُ الكذب وساقُ الرياء، ويُسقى بعينين؛ عينِ ضعفِ البصيرة وعينِ ضعفِ العزيمة، يعني رؤيته غلط, وإرادته ضعيفة, وفي عنده كذب, وفي عنده رياء، يعني أربع دعائم للنِفاق: الكذب والرياء وضعف البصيرة وضعف العزيمة, رؤيته مضطربة، عزيمته ضعيفة، يعتمدُ الكذب، ويعتمدُ الرياء.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
فالكذب ليسَ من صفات المؤمن .
قال: إذا تمت هذه الأركان الأربعةُ, استحكمَ نبات النِفاق, ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرفٍ هار, فإذا شاهدوا سيلَ الحقائق, يوم تُبلى السرائر, ويبعثرُ ما في القبور, ويُحصّلُ ما في الصدور, تبيّنَ لهم يومئذٍ من كانت بِضاعته النِفاق, فهي كالسراب, يحسبه الظمآن ماءً, حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً, ووجدَ الله عِنده فوفّاه حِسابه والله سريع الحساب . ملخص الدرس :
من علامات النِفاق :
أنَّ المُنافق إذا عاهدَ خان , وإذا وعدَ أخلف ، وإذا قالَ كذب لم يُنصف ، وإذا دُعي إلى الطاعةِ تلكأ ، وإذا قيلَ لهم : تعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسولِ صدفوا ، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أعراضهم أسرعوا وانصرفوا ، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزيِ والخُسران .
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
[سورة التوبة الاية: 75-77]
هذا الذي يسميه كُتّاب السيرة: حمامة المسجد ثعلبة, كانَ يصلي خلف النبي، ما فاتته تكبيرة الإحرام خلفَ سيدِ الأنام، كان فقيراً, قال له: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، يبدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام له بصيرة في هذا الإنسان، قال: يا ثعلبة, قليلٌ تؤدي شُكره خيرٌ من كثير لا تؤدي شكره، قالَ: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، قال: يا ثعلبة, قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثير يٌطغيك، قالَ: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، فقال: ربي ارزق ثعلبة كيفَ شئت؟ ومتى شئت؟ اشترى غنماً, والغنم توالدت, ملأت طرقات المدينة بشكلٍ عجيب، بمدةٍ قصيرة, صارَ من أغنى الأغنياء، ما عادَ يُصلي خلفَ سيد الأنام، ما عادَ يُحصّل تكبيرة الإحرام خلف سيد الأنام، غاب عن مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، غاب غيبة طويلة جداً ، النبي سأل عنه، تجد الواحد بعد الزواج لم نعد نشاهده، بعد ما صار تاجراً لم نعد نشاهده, الله عزّ وجل ورسوله أولى باهتمامك, فالنبي بعثَ برسول لثعلبة يطالبه بالزكاة، فيقول لرسول رسول الله: قل لصاحِبكَ: ليسَ في الإسلام زكاة، قال له: أهوَ صاحبي وليسَ صاحِبكَ؟ أجمعتَ إلى ترك الزكاة الكُفرَ برسول الله؟ عِندئذٍ نَزَلَ فيه وفي أمثاله هذه الآية: ﴿ومنهم من عاهدَ الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكوننَ من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم مُعرضون فأعقبهم نِفاقاً في قلوبهم إلى يومِ يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : الخشوع







منزلة الخشوع .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الرابع عشر من دروس مدارج السالكين , درسنا اليوم منزلة الخشوع .
كلمة الخشوع وردت في القرآن الكريم , قال تعالى :
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-2]
معنى الفلاح .
الذي يُلفت النظر أن كلمة قد أفلحَ في القرآن , وردت في آياتٍ عِدة فقط :
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة الأعلى الآية: 14]
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 9-10]
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
كلمة قد أفلح من خالق الكون ، يعني كلُّ المقاييس الأرضية تتعطل أمام هذا المقياس ، يعني يا عبادي الذي أفلحَ منكم , ونجح , وتفوق , وفاز , وكان عاقلاً , وسأسعدهُ إلى الأبد , من فعلَ كذا وكذا .
المؤمن على قدرِ إيمانه بالله عزّ وجل , وعلى قدرِ تعظيمه لكلامه , يأخذُ هذه الآيات بحجمها الحقيقي .
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
بعض المفسرين قالوا : الخشوع في الصلاة لا من فضائلها بل من فرائضها .
وفرقٌ كبير بينَ أن تقول :
الخشوع في الصلاة من فضائل الصلاة .
وبينَ أن تقول الخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة .
ما معنى أفلحَ ؟ ما دمنا قد وصلنا إلى كلمة أفلحَ . ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-2]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
[سورة الأعلى الآية: 14-15]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[سورة الشمس الآية: 9-10]
الفلاح منَ الفِلاحة , والفِلاحةُ من فَلِحَ وفَلَحَ : شقَّ الأرضَ , وألقى فيها الحب , ومنه الفلاّح , ومنه عِلمُ الفِلاحة .
هذا الفلاّح إذا شقَّ الأرض , وألقى في الأرض , الحب ماذا تعطيه الأرض ؟ تعطيه سبعمائة ضعفٍ بنصِ القرآن الكريم :
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 261]
أنت حينما تعطي واحداً , وتأخذ سبعمائة ضعف , فهذا رِبحٌ وفير , وهذا فلاح , وهذه تجارة , وهذا فوز ، يعني أراد الله عزّ وجل أن يضرب مثلاً لِفلاح المؤمن مع ربه، لِفلاح المؤمن في الآخرة بشيء منتزعٍ من حياتنا اليومية، الفلاح الذي يلقي حبةً, كمعلومات جانبية, مثلاً: بعض بذور الخضراوات, تعطي أربعة ملايين ضعف, البندورة مثلاً البذرة الواحدة تعطي أربع ملايين ضعف وزنها خضاراً, من ثمار هذا النوع، هناك بذور تعطي أضعافاً مضاعفة .
يعني ربنا عزّ وجل حينما قال :
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾
بعض علماء اللغة يقولون :
سبعة وسبعون وسبعمائة لا تعني الكم بل تعني التكثير .
كأن يقول أحدنا باللغة الدارجة : قلت لك ستين مرة لا أحبُ هذا الشخص ، هو هل قال ستين ؟ كلمة ستين يستخدمها العوام للتكثير فقط .
ففي اللغة العربية سبعة ومضاعفات السبعة لا تعني الكم بل تعني التكثير ، فلما ربنا عزّ وجل قال : ﴿ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ﴾
ليسَ القصد إعطاء رقم أو كم مُحدد بل القصد التكثير ، يعني أنتَ إذا أتيتَ يومَ القيامة وقد أطعمتَ لقمة , تجدها عِندَ الله كجبلِ أُحد .
لذلك :
الفلاح في الدنيا لا أن تستهلك الوقت أن تستثمره ، لا أن تستهلك المال أن تستثمره ، لا أن تستهلك نعمة الأمن أن تستثمرها في معرفة الله ، لا أن تستهلك نعمة الصحة أن تستثمرها , دائماً بين المؤمن وغير المؤمن استهلاكٌ أو استثمار ، المستهلك يُذهب طيباته في الحياة الدنيا ، كما أمسك سيدنا عمر تفاحة , نظرَ إليها مليّاً , يبدو أنه اشتهاها , فقال : أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت ، يعني إن أكلتها فقد استهلكتها , وإن أطعمتها فقد استثمرتها ، ففرقٌ بين المؤمن وغير المؤمن كالفرق بين الاستهلاك والاستثمار . الخشوع والفلاح :
منزلة الخشوع دخلت في الفلاح ، والخشوع في الصلاة ليسَ من فضائل الصلاة بل من فرائض الصلاة .
الآية الأولى :
والقرآن الكريم يقول :
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
الآية الثانية :
تعالوا بنا إلى بعض آيات القرآن الكريم الأخرى عن الخشوع ، قال تعالى :
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
الله عزّ وجل يُذكر صباحاً ومساءً , في المساجد ، في الخُطب , في شهر الصيام ، في تلاوة القرآن ، ولا سيما في العالم الإسلامي ، الله عزّ وجل يُذكر لكن ردُّ الفِعل مُنعكسُ الذِكرِ عِندك ، هل هوَ خشوعٌ أم تلبدُ حِسٍ ؟ ربنا عزّ وجل قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾
يبدو أنًّ الإنسان أحياناً يصدأ قلبه , أو تُصبح عباداته شكليّةً ، الإنسان بحاجة إلى تجديد إيمان .
أقول لكم هذه الكلمة :
الإنسان عرفَ الله ، آمنَ به ، استقامَ على أمره ، صلى خمسَ مرات في اليوم .
أمراض تصيب المؤمنين :
تصبحَ العبادةُ جوفاء ، تؤدى العبادة كطقسٍ من الطقوس ، أن يصلي وقلبه غير خاشع ، أن يصوم وقلبه غير خاشع ، أن يَحُجَ البيت وهو كالسائح تماماً , ينظر هنا وهنا .
لذلك الخشوع هو سِرُّ العبادات ، الخشوع روحُ العِبادة ، فالعِبادة التي ليسَ فيها خشوعٌ عِبادةٌ جوفاء ، عِبادةٌ أقربُ ما تكون إلى الطقوس ، والأديان الوثنية دائماً فيها حركات وإيماءات وسكنات , هذه الحركات والسكنات في الديانات الوثنية , يسميها علماء الاجتماع بالطقوس ، طقوس البوذية ، طقوس السيخية ، طقوس هذه الديانة ، حاش لله أن تكونَ الصلاة والصيام والحج في الإسلام طقوساً ، إنها عبادات .
ما الفرق بين العبادات وبين الطقوس ؟
الطقوس لا معنى لها , ولا غاية لها ، ولا معقولية فيها .
لا معنى ولا غاية .
ولكنَّ العبادة ربنا عزّ وجل جعلَ لها غاياتٍ عظمى , وحِكمٍ فضلى ، قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 103]
تطهير النفس من أدرانها ، وتزكيتها بالفضائل ، ثمرة من ثمار الزكاة ، الصيام , قال تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 183]
التقوى , الحج . ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 97]
يعني إذا علمتَ أنَّ الله يعلم, حُلت كلُّ مشكلاتك، ما معنى: إذا علمتَ أنَّ الله يعلم؟ يعني إذا علمتَ أنَّ الله يعلم لا يمكن أن تعصيه .
مرة دخلت إلى محل تجاري, في مدينة عربية، لفت نظري في المحل التجاري شاشة تلفزيون, ورأيتُ فيها رجلاً يكتب على الشاشة في النهار، من هذا الرجل؟ يبيع قطع كهربائية ، فلّما اخترت قطعةً, قال لي: هي في المستودع فوق الطابق الخامس, اذهب إلى هناك, وانتق ما يُعجبك, فذهبت إلى هناك, فإذا المحاسب كان عليه آلة تصوير تلفزيونية, صاحب المحل في مكان البيع يراقب هذا المحاسب، قلت: سبحان الله! هذا المحاسب عليه هذه الآلة التي تنقل صورته إلى صاحب المحل في مكان البيع، يعني هو تحت المراقبة الدائمة، لو حكَّ رأسه لرآه صاحب المحل، لو غادرَ الطاولة لرآه صاحب المحل، قلت: هذه طريقة, يعني لا تجعل هذا الموظف, بإمكانه أن يتحرك, ولا أن يغيب, ولا أن يتشاغل, ولا أن يسترخي, ولا أن يقرأ مجلة أو جريدة، لا يقدر, لأنه في مراقبة دائمة .
قلت: لو عَلِمَ الإنسان أنَّ الله يُراقبه هكذا في بيته، في عمله، في سفره، في استلقائه، في فراشه، مع زوجته، مع أولاده، أثناء قضاء حوائجه، أثناء علاقاته بالآخرين، لو عَلِمَ الإنسان أن الله بإمكانه أن يراقبه هكذا, هل بإمكانه أن يعصيه؟ لا والله, أن تعلمَ أنَّ الله يعلم فقد انتهت المشكلة كلها .
العبادات كلها معللة:
إذاً : الحج مُعلل ، الصلاة , الزكاة معللة ، الصيام مُعلل .
الصلاة :
قال تعالى :
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
الصلاة مُعللة , قال تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الآية: 19]
القُرب , قال تعالى : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
ذِكر , قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
[سورة النساء الآية: 43]
صار الذِكر، والوعي، والقرب، الصلاة نور, القلب يستنير بالصلاة، الصلاة طهور، القلب يطهر بالصلاة .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ:
((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ, يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا, مَا تَقُولُ ذَلِكَ: يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا, قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِن الْخَطَايَا))
الصلاة مُعللة في القرآن وفي السُنّة، والصيام مُعلل، والزكاة مُعللة، والحج مُعلل، والعبادات كلها مُعللةٌ بمصالح العِباد، فهل يحّقُ لنا أن نُسميَّ الصلوات أو الصيام أو الحج طقوساً إسلامية؟ أعوذ بالله, كلمة طقوس هذه توصف بها الحركات المُبهمة غير الهادفة التي لا معنى لها, التي نجدها في الديانات الأرضية، أما الإسلام فيه العبادات، لذلك العبادة في الإسلام روحها الخشوع . الحج :
إنسان ذهبَ إلى الحج , أقول لكم بصراحة دون مجاملة : واحد سُمِحَ له أن يذهبَ إلى الحج, ودفع مبالغ طائلة, وركب الطائرة, وغادر بلده, وترك محله, وترك أهله, وترك أولاده, ازدحام, وحر, ونفقات, وانتظار بالمطار سبعة أيام, أو سبع ساعات, أو عشر ساعات, يعني لا أُصدق أنَّ الحاج طافَ حولَ الكعبة وما شعرَ بشيء، ذهبَ إلى عرفات, وأقام ساعات طويلة, جلس مثل السائح, والله الخيمة حر أين الطعام؟ أين يوجد مكيف؟ جلس ونام قليلاً وارتاح, حتى غابت الشمس, ثم جاء إلى مِنى .
يعني أنا لا أُصدق أنَّ خالقَ الكون أمركَ أن تترك بلدك, وأن تركب الطائرة, أو أن تمشي على قدميك, أو أن تركب الجمل, وأن تقطع المسافات الشاسعة, وأن تُنفق عشرات الألوف, وأن تتحمل مشاق السفر للتواجد في مكان اسمه الكعبة، والله لا أُصدق ذلك إلا أن يكون في هذا الطواف الخشوع والإقبال, والشعور بالقرب, والشعور بتلقي التجلي من الله عزّ وجل, أن تذهبَ إلى عرفات دونَ أن تشعرَ بشيء إلا أنكَ وُجِدتَ في عرفات .
لطيفة :
يعني أيام عِند الفقهاء بعض الآراء , تدعو إلى التساؤل :
إنسان هارب من الناس , ومرَّ بعرفات خطأً لثانية واحدة في أيام الحج صحَّ حجهُ ، إذا كان هارباً , والناس يتبعونه , دخلَ في منطقة عرفات لثانية واحدة , صحَّ حجهُ .
الفقهاء ينظرون إلى الأحكام الظاهرة , يعني إذا تواجدتَ في عرفات وقتاً قصيراً مهما كانَ قصيراً صحَّ الحج , خالق الكون لا يُعقل أن يأمركَ , أن تدعَ أهلكَ , وبيتكَ , وتجارتكَ , وأن ترتدي الثياب البيضاء الخشنة غير المخيطة , وأن تتحمل مشاق السفر , ومشاق الحج , ومشاق الازدحام , والانتظار الطويل , ليتواجد جسمكَ في عرفات دون أن تخشع ، دون أن تبكي ، دون أن تذوب كما تذوب الشمعة ، لا والله , ليسَ هذا الحج , الحج قُرب ، الحجُ إقبال ، الحجُ اتصال ، الحجُ ذوبان في محبة الله عزّ وجل .
أقول لكم : أريد أن أُفرّق بينَ العبادات كما أرادها الله عزّ وجل، وبين الطقوس التي نلمحها في كلِّ الديانات، يعني في طقوس كثيرة جداً يفعلها الهنود، يفعلها الأفارقة، يفعلها الهنود الحمر في أمريكا؛ حركات، إيماءات، تمتمات لا معنى لها, ولا غاية لها, ولا هدفَ لها ، أما تحجُ البيت بأمرِ خالق الكون, ولا تشعر أنَّ هذا الحج أجملُ رحلةٍ, قُمتَ بها في تاريخ حياتك، هكذا الحج، فربنا قال:
﴿واسجد واقترب﴾
قال: ﴿أقم الصلاة لِذِكري﴾
قال: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾
﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾
قال له قم فصلِّ فإنك لم تُصلِّ .
الآية الثانية في منزلة الخشوع : ﴿ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبهم لِذِكر الله﴾
هذا القلب خاشع يشعر بالحب ، القلب وجل . ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 2]
العين تدمع، الوجه يُشرق، الجلد يقشعر، الأعصاب تضطرب, هل يبكي الإنسان من ذِكر الله؟ هذه العين ألم تبكي مرةً لِذِكر الله حباً، خوفاً، طمعاً، خشوعاً؟ هكذا الصلاة. هذه ألم يأنِ: إلى متى أنت يا عبدي هكذا؟ إلى متى أنتَ في هذه الجفوة؟ إلى متى أنتَ في هذه القطيعة؟ إلى متى تُنكر قلبكَ ولا تبحثُ عن حلٍ لهذا؟ إلى متى أنتَ في هذا البُعد؟ يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني, فوقع في قلب هذا المؤمن, أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدري, ألم أحرمكَ لذّةَ مناجاتي؟.
هل تُصدّق أنكَ إذا شربتَ الماءَ واقفاً خِلافاً للسُنّة, ثم أقبلتَ على الصلاة, تشعر في حِجاب خفيف، إذا أخّرتَ الصلاة عن وقتها، إذا فعلتَ شيئاً خِلاف السُنّة تشعر بالجفوة، تشعر بالبُعد، بالمقابل إذا كنتَ دائماً من سُنّة رسول الله، إذا كنتَ دائماً مع الأمر والنهي، إذا كنتَ دائماً مع الله عزّ وجل, ألا تشعر بسعادةٍ لا توصف؟ والله الذي لا إله إلا هو جميع شروط الحياة تتعطل، يعني كيفما كان بيتكَ، وكيفما كان دخلكَ، وكيفما كانت صحتكَ، وكيفما كان مستوى معيشتكَ، وكيفما كانت مكانتكَ، كلُّ هذه الشروط الظاهرة عندئذٍ تتساقط أمام عينيك, لأنه لا قيمةَ لها .
المعاني اللغوية والشرعية للخشوع .
الآن : الخشوع معناه الانخفاض ، خشعَ رأسه أي أخفضَ رأسه ، حنى رأسه ، والدليل ربنا عزّ وجل قال :
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾
[سورة الغاشية الآية: 1-2]
راقب أنت صور المجرمين بالصحف، لصوص أُلقيَّ القبضُ عليهم, بصرهم أينَ هوَ؟ في الأرض،
﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوهٌ يومئذٍ خاشعة﴾
فالخشوع هو انخفاض الرأس, إمّا لِذلٍ, أو لشعورٍ بالنقص, أو لشعورٍ بالذنبِ, أو ما شاكلَ ذلك، فالخشوع هو الانخفاض والذلُّ والسكون، من معاني الخشوع السكون, والدليل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾
[سورة طه الآية: 108]
انخفاض الرأس مع الذُلِّ مع السكون, الحركة الزائدة في الصلاة, هذه بعيدة عن الخشوع .
النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً حركته في الصلاة غير طبيعية, فقال عليه الصلاة والسلام:
((لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه))

الحركة، التحرك، ميلان دائماً، في أشخاص يحب أن يتحرك حركة نواس أثناء الصلاة, ليسَ هذا هو الخشوع، لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه، يعني الخشوع هو انخفاض الرأس مع الشعور بالذلِّ لله عزّ وجل، كلما تذللتَ لله عزّ وجل ازددتَ عِزّاً، وكلما تذللت لمخلوق ازددتَ ذُلاً .
اجعل لربكَ كلَّ عِزكّ يستقر ويثبتُ فإذا اعتززتَ بمن يموت فإنَّ عِزكَ ميتُ
إذا الإنسان كانَ عزيز النفس مع الناس, وكانَ بينه وبينَ الله ذليلاً أو متذللاً, وضع رأسه على الأرض, وسجد, وبكى, وناجى, وابتهل, ودعا, واستجار, واستنجد, واستغاث, واستعطف, وأعلنَ عن نقصه, وعن ضعفه, وعن فقره, وعن تقصيره, وأثنى على الله لِما هو أهله، هكذا الصلاة خضوع لله، تذلل، سكون, تأكيد الانخفاض, ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة فُصلّت الآية: 39]
ما معنى خاشعةً؟ منخفضة،
﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾
الخشوع الانخفاض، والخشوع الذُل، والخشوع السكون، هذه معاني الخشوع, هذه المعاني اللغوية ما المعاني الشرعية؟.
قال: الخشوع قيام القلب بينَ يدي الرب بالخضوع والذلِّ والجمعِ عليه، يعني ملتفت إليه, خاشع خاضع، ذليل، مُنقاد إلى الله عزّ وجل، هذا المعنى الشرعي للخشوع, قال بعضهم: الخشوع: الانقياد للحق . علامات الخشوع :
قال : الخشوع من علاماته خمودُ نيران الشهوة , وإشراق نور الله في القلب .
الإنسان بين نار الشهوة ونور الله ، بينَ النارِ وبينَ النور ، بينَ نار الشهوة وبين إشراق نور الله في قلبه ، فإذا استعرت الشهوة في جسده فهو بعيدٌ عن الخشوع ، وإذا أشرقَ نور الله في قلبه اقتربَ من الخشوع ، الخشوع اتقاد نور الله ، وعدم الخشوع استعار نارِ الشهوة .
النور الإلهي :
أنتَ بينَ شهوةٍ ونور ، بينَ نار الشهوة ونور الحق ، لذلك ..
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي فأرشدني إلى تركِ المعاصي
وأنبأني بأنَّ العِلمَ نـــورٌ ونور الله لا يُهدى لعاصـي
وكلمة نور لا يعرفها إلا من ذاقها ، يعني صفاء النفس ، استقامة الإنسان ، إقباله على الله ، انقياده لله ، أن يقفَ وقته في سبيل الله ، يشعر بشعور لا يوصف لا يعرفه إلا من ذاقه ، يعني أنتَ بينَ اتقادِ نارِ الشهوة في جوانحك وبينَ إشراق نور الله في قلبك .
هل عندنا آيات في القرآن الكريم تؤكد أنَّ للهِ نوراً يُقذف في قلب المؤمن ؟.. الآية الأولى :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 28]
الآية الثانية :
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾
[سورة النور الآية: 40]
الآية الثالثة :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
[سورة الأنفال الآية: 29]
تُفرّقونَ به بينَ الحقِ والباطل .
الآن : هل تصدقون أن سِر السعادة الرؤيا الصحيحة .
وسِر الشقاء الرؤيا غير الصحيحة ؟ .
الإنسان :
متى يُخطئ ؟
متى ينحرف ؟
متى يعصي ؟
متى يبتعد ؟
متى يتورط ؟
إذا رأى أنَّ في المعصية فلاحاً ، لا يرتكب الإنسان المعصية إلا إذا ظنَّ أنَّ في المعصية نجاحاً وفلاحاً وذكاءً وكسباً ومغنماً ، أعمى البصيرة لو أنه رأى رؤيةً صحيحة لرأى في المعصية دماراً وهلاكاً وبُعداً وشقاءً وتراجعاً , لن يعصي الإنسان ربه إلا إذا عميت بصيرته .
سِر التفوق وسِر النجاح أن يتقدَ في قلبكَ نور الله عزّ وجل , أو أن يُلقى نور الله في قلبك , ترى به الخيرَ خيراً والشرَّ شراً ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام من دعائه الشهير: اللهم أرِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه , وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه .
ألا تقرؤون أحياناً في الجريدة , عن إنسان تورط, وارتكب جريمة, وبعد ساعات أُلقي القبض عليه, وسيقَ للمحاكمة, وحُكمَ عليه بالإعدام, هذا حينما أقدم, أينَ عقله؟ أعمى القلب, توّهمَ في هذه الجريمة مغنماً, طبعاً هذه حالة حادة، حالات أخف, يعني إذا الإنسان توهم أنه إذا نظر إلى النساء في الطريق, وملأ عينه منهن, فهو يُسر بهذا النظر, هل هذه الرؤيا صحيحة؟ لا, أعمى القلب .
إذا توهمَ الإنسان أنه إذا كذبَ باعَ بضاعته، إذا حلفَ اليمين باعَ بضاعته، أنه إذا احتال على الناس فهو ذكي، هذه آثار الرؤيا المشوّهة، فلذلك الإنسان لا يصحُ عمله إلا إذا صحت رؤيته، ولا يشقى إلا إذا ساءَ عمله، ولا يسوء عمله إلا إذا عَمِيت بصيرته, رؤيا, صحة عمل, سعادة، عمى, سوء عمل, شقاء، هذا تقسيم قطعي مهما قسّمتَ الناس، أغنياء وفقراء، أذكياء وأغبياء، متحضرين همجيين، يعني من أي تقسيم شئت, عرق أصفر، عرق أحمر، عرق أبيض . التذلل لله تعالى من الخشوع :
الإمام الجُنيد يقول : الخشوع تذلل القلوب لعلاّم الغيوب .
أنا أُطمئنكم إذا الإنسان له مع الله مواقف تذلل وخشوع , لن يُذلّه الله أمام الناس، مرة كنتُ أُشيع جنازة طبيب من أطباء البلد, له فضل على هذه البلدة توفي, في بيننا زيارات, فذهبت لتشييع جنازته، وصلتُ إلى المسجد الذي تُقام فيه صلاة الجنازة، لفت نظري, لي أصدقاء بمناصب رفيعة في البلد, في الجامعة, منصب رفيع جداً, على مستوى عميد، فأنا وإياه كُنا في مدرسة واحدة, وفي صف واحد، دخلت إلى المسجد, وصليت صلاة الجنازة, فلما خرجت, وجدته واقفاً خارج المسجد, ولم يدخل، يعني قلت: يا رب استكبرَ أن يُصلي, هو أكبر من أن يدخل بيتَ الله عزّ وجل, ويضع رأسه على الأرض؟ سؤال كبير، يحمل شهادة عُليا، ذكي، هنا توقفت قلت: الذي يدخل المسجد, يضع رأسه على الأرض خشوعاً لله عزّ وجل, لن يُذلّه الله خارج المسجد, في مواقف ذُل نعوذ بالله منها، لمّا ربنا عزّ وجل يهين إنساناً ..
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة الحج الآية: 18]
قلتُ لكم مرة : طبيب من أطباء البلد الأوائل, وكانَ في اختصاصه فريداً, لكنه كانَ ماديّاً، كان طبيباً نسائياً، ما يقبل أن يتحرك إلى امرأة بحالة خطيرة إلا بليرة ذهبية وعربة, لم يكن في سيارات, قصة قديمة جداً ليرة ذهب وعربة، بعضُ أهلِ المريضة يضطرون إلى بيع الفراش من تحتها, كي تُقدّمَ أجرة الطبيب سلفاً, هذا الطبيب لم يرحم الناس, ولم يُشفق عليهم, وكانَ ماديّاً وأنانيّاً، أمضى سنوات طويلة, تزيد عن عشر سنين, ملقى في قبوٍ من أقبية البلدة, فقد لفظه أهله, لأنه فلج, تنكرت له زوجته، تنكرَ له أولاده، وضعوه في قبو البناء، وعمّر بناء يُعد البناء الأول في بعض أحياء دمشق, حجر مُزخرف, أنشأ البناء، وزيّنه، وكساه، وفرشه، وفق أذواقه الخاصة, فلما استقرت له الدنيا, ورقصت له, جاءه المرض العُضال، تحملّهُ أهله أيام, بل أسابيع, ثم وضعوه في القبو, فكان يطلب زوجته، أين فلانة؟ لا ترد عليه، يطلبها بإلحاح، بعد خمس أيام تأتي، تُكلّمه كلمة قاسية, بعد فترة نُقلَ إلى قبو آخر, لأنَّ رائحته أصبحت كريهة, نُقل إلى قبو بعيد عن البناء, لأنه أساء للبناء .
تدخل مسجد, تضع رأسك لله، خشوعاً لله، ويُذلّكَ الله في آخر حياتك، يتخلى عنك، لا والله، هذه دخول المساجد, حضور مجالس العلم، قراءة القرآن، محبة الله عزّ وجل، هذا كله ينعكس في المجتمع عِز وشأن وكرامة ورِفعة لكَ، الله عزيز: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 8]
أنتَ غالٍ على الله لا يُسلّمُكَ لأحد، لا يتخلى عنك، تجد الأمور تجري لمصلحتك، تجري لترفعك، تجري لترفع من شأنك، هكذا المؤمن فعلاً غالٍ على الله عزّ وجل، فأنت إذا كنت مؤمناً فعلاً تلقّى ثمرات الإيمان .
فأنا أقول لكم: الخشوع الخضوع، تُحب أن تخضع, أما أبلغ من هذا الخضوع خضوعك لأمر الله عزّ وجل، قال لك: غُض بصرك, يعني الأمر ليس يعجبك, أين أذهب بعيوني؟ ما هذا الكلام؟ أمرك بغض البصر، فإذا كنتَ خاشعاً لله, فأنتَ خاضعٌ له، وأنتَ مُتذلل له، وأنتَ ساكن أمامه .
العلماء جميعاً أجمعوا على أنَّ الخشوع محله القلب, إذا واحد مشى بين الناس, مطأطئ الرأس كثيراً, وأكتافه مالت, صار خاشعاً, لا والله, ارفع رأسك, واجعل قامتك مديدة, كُن عزيزاً، متى مَوتَ علينا ديننا، الخشوع في القلب ليسَ في الجوارح، ارفع رأسك, وحَسّن لِباسك, ونظّف رِحالك, وكُن شامةً بينَ الناس, واشعر بِعزة الدين.
النبي عليه الصلاة والسلام قال: الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح .
النبي رأى رجلاً يعبثُ بلحيته في الصلاة, فقالَ عليه الصلاة والسلام:
((لو خشعَ قلبُ هذا لخشعت جوارحه))
لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه، الخشوع مكانه في القلب ومظهره في الجوارح .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ, لا يَخُونُهُ, وَلا يَكْذِبُهُ, وَلا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ, وَمَالُهُ, وَدَمُهُ, التَّقْوَى هَا هُنَا, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ, أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
وقال بعض العارفين: حُسنُ أدبِ الظاهر عنوان أدب الباطن, والله في جلسة ما فيها أدب، على مقعد، أيام تجد شخص في مقتبل حياته, يقعد ويضع قدماً فوق قدم ويميل, من أنت؟ اجلس جلسة هكذا دون ميلان, دون قدم فوق قدم, اجلس بأدب, في جلسة ما فيها خشوع, ما فيها أدب أساساً .
بعضهم رأى رجلاَ خاشعَ المنكبين والبدن, فقال: يا فلان, الخشوع هاهنا, وأشار إلى صدره, لا هاهنا وأشار إلى منكبيه, الخشوع في القلب .
حتى النبي عليه الصلاة والسلام, لمّا رأى رجلاً من أصحابه الكرام, يتبختر في مشيته أمام الأعداء, قال:
((إنَّ الله يكره هذه المشية, إلا في هذا الموطن, بل إنَّ التكبر على المتكبر صدقة))
كان أصحاب النبي أذكياء جداً, وكانوا أعزّة .
خُبيب بن عدي, أرادَ كفار مكة أن يقتلوه, والقتل صلبٌ, عليهم أن يُثبتوه في جِذعِ نخلة, ويرمونه بالسِهام حتى يموت، انظروا عِزة المؤمن, اقترب أبو سفيان, قال له: أتُحبُ أن يكونَ مُحمدٌ مكانك وأنتَ مُعافى؟ قال له: والله ما أُحبُّ أن أكون في أهلي وولدي, وعندي عافية الدنيا ونعيمها, ويُصاب رسول الله بشوكة, هذا الجواب, فقال: ما رأيت أحداً يُحبُّ أحداً كَحُبِّ أصحابِ مُحمدٍ مُحمداً .
الإنسان ليس له حق أمام كافر, أن يتذلل, ويشكو له همه . ((من جلسَ إلى غنيٍ فتضعضعَ له ذهبَ ثُلثا دينه))
ليس له حق أن يشكو لغير المؤمن، هو إذا اشتكى للمؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، سيقول لك: يا أخي أطل بالك، اصبر، الله كريم، الله يمتحنك, الذي عِندَ الله ليسَ عِندَ العبد، هكذا يقول لك المؤمن، أما الكافر فيقول: قلت لك: هذا الطريق ابتعد عنه, لم تقبل مني، قلت لك: أضعتَ حالكَ بهذه الطريقة، قلتُ لك: لا تحضر مجالس العلم، هذه سببها لم يعينوك، منعوك من الوظيفة يقولها شاقياً .
فلذلك إياك أن تشكو همّكَ لغير المؤمن, وإذا كنت بطلاً, كما قال سيدنا يعقوب: إنما أشكو بثي وحُزني إلى الله, ويُعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.
إذا كنتَ بطلاً فاجعل الشكوى لله عزّ وجل، لا تشكو إلى إنسان, لأنَّ هذا الإنسان كائناً من كان, لن يستطيع أن يفعلَ معكَ شيئاً، لا يملك لكَ نفعاً ولا ضراً، لكَ مع الله ساعات قُرب، في قيام الليل لا تجد بيتاً، أنت محتاج لزوجة صالحة مؤمنة لا تجد، كله لا يضع الحِجاب، شعرت بضيق, يا ترى لكَ مع ربك ساعة خشوع, ساعة إقبال, هكذا الله عزّ وجل قال:
إذا كان ثلث الليل الأخير, نزلّ ربكم إلى السماء الدنيا, فيقول: هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مُستغفرٍ فأغفرَ له؟ هل من طالبِ حاجةٍ فأقضيها له؟ حتى ينفجر الفجر.
إذا لم يكن لكَ مع الله ساعات قُرب، ساعات تهجد، ساعات مناجاة، ساعات توسل، ساعات استعطاف، ساعات إعلان عن نقص الإنسان، ساعات ثناء على الله عزّ وجل، ليس لكَ مع الله ساعات أبداً, أليست لكَ مع الله مودة؟. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 96]

بعض العلماء قالوا: ود مع الله، بعضهم قال: ود مع الخلق، على كُلٍ القرآن حمّال أوجه .
بعض الصحابة وهو حذيفة, وكان حذيفة خبيراً بالمنافقين, مر بنا الدرس الماضي, قال: إياكم وخشوع النِفاق، فقيل له: وما خشوع النِفاق؟ قال له: أن ترى الجسدَ خاشعاً والقلب ليسَ بخاشع .
يعني وأنت تصلي بين الناس, لا تظهر خشوعاً غير موجود, أنصحك لوجه الله، لا تكن عندك ازدواجية, كن إنسان واحد وليس إنسانيين، فسيدنا حذيفة يقول: إياكم وخشوع النِفاق، قيل: وما خشوع النِفاق؟ قال له: أن ترى الجسدَ خاشعاً والقلب ليسَ بخاشع .
ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً, طأطأَ رقبته في الصلاة, فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك, ليسَ الخشوعُ في الرِقاب, إنما الخشوع في القلوب .
أحدهم ملأ الحرمَ المكيَّ صخباً وضجيجاً, وجد لوزة, قال: من صاحب هذه اللوزة؟ فقيل له: كُلها يا صاحب الورع الكاذب, كُلها وخلّصنا .
يقول: أنا بين السنّين في سمسمة, يا ترى تُفطّر هذه؟ تعبر امرأة فينظر لها وخائف أن تُفطره السمسمة، ما هذا التناقض؟ خائف أن تفطره السمسمة, يحلف يمين كاذب بالبيع والشراء, يُحضر أشياء نادرة جداً, ويخاف أن تكون مُخالِفة للشرع, هذا خشوع النِفاق, المؤمن واضح، قال له: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك, ليسَ الخشوعُ في الرِقاب, إنما الخشوع في القلوب .
ورأت السيدة عائشة رضي الله عنها شباباً, يمشونَ ويتماوتون في مشيتهم, فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء نُسّاك، فقالت: كانَ عمر بن الخطاب, إذا مشى أسرع، وإذا قالَ أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعمَ أشبع، وكانَ هو الناسِكُ حقاً, هكذا الناسِكُ, ما رأيتُ أزهدَ منه .
الفُضيل يقول: كان يُكره أن يُريَّ الرجل الناسَ من الخشوع أكثرَ مما في قلبه, وقال حذيفةُ رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، بغير بلاد تجده يعد النقود بالصلاة, يُخرج المحفظة ويعدها، يضبط الساعة، يمر شخص تجده ينظر إليه لم يبق إلا أن يُكلّمه، صلاة ليسَ لها معنى إطلاقاً, ويجوز بلا وضوء .
قال: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة, أولاً صلاة بلا خشوع, ثمَّ لا صلاة, ورُبَّ مصلٍ لا خيرَ فيه, ويوشك أن تدخلَ مسجد الجماعة, فلا ترى فيهم خاشعاً, أقسمَ لي واحد بالله كانوا بوليمة, وصلّوا أربع صفوف, حوالي 150 رجلاً, والإمام نسيَّ ركعة, ولا واحد تذكر من الحاضرين, ولا واحد .
وقال سهلُ: من خشعَ قلبه لم يَقرب منه الشيطان .
الخشوع: افتقار إلى الله عزّ وجل، بعدٌ عن مُراءاة الخلق, وتجريدٌ لرؤية الفضل .
الفقرة الأخيرة من الخشوع: أن الخاشع ما زويَّ عنه من الدنيا, أو ما لحقه منها من ضررٍ وأذى فهو مِنةٌ أيضاً, لا تنسى أنَّ للهِ عليكَ نعمتين . بقيَّ في الدرسِ نقطتان :
1-أن تبتعد عن المراءاة :
الأولى أنَّ الخشوع أن تبتعد عن المُراءاة ، يعني إذا كنت دائماً مع الناس, وليست لكَ خلوة مع الله عزّ وجل, اللقاء مع الناس المستمر, يُضعف فيكَ الخشوع، يعني أنت أردتَ أن تبكي في الصلاة, وجودك مع أُناس كثيرين, ربما حالَ بينكَ وبينَ البكاء, فلا بدَ من صلاةٍ تؤديها في البيت، أدِّ السُنّةَ في البيت، أدِّ الوترَ في البيت، صل قيام الليل في البيت، أدِّ النوافل في البيت، صل وحدك في الغرفة، أما اللقاء مع الناس المُستمر دون أن تكون لكَ مع الله خَلوةٌ أبداً, هذا ربما أضعفَ فيكَ الخشوع، لأنَّ الإنسان مع الناس يُراقب الناس وهو لا يدري .
ثبت في السُنّة إحياء الليالي بشكل جماعي, هذا لم يرد عندَ رسول الله، أن تُحييَ ليلة العيد في بيتك، تقرأ القرآن، تذكر، تتهجد، تدعو، تتوسل، تبكي، تستعطف، هذا كله وارد, فلذلك أولاً البعدُ عن مُراءاة الخلق، مما يزيد الخشوع أن تبتعدَ عن مُراءاة الخلق .
2-لا ينبغي أن تكون حريصاً على أن يظهر خشوعك أمام الناس :
في شيء آخر: إذا كنتَ خاشعاً, وتمنيتَ أن يراكَ الناس خاشعاً, فهذا مما يُضعف الخشوعَ فيك، يعني أفضلُ أنواع الخشوع أن تُخفيَ هذا الخشوع، إنسان يتمنى أن يبكي أمام الناس, يا أخي ما شاء الله على القلب الذي له, ما هذه الأحوال؟ ما هذا الحب؟ دخل بالنِفاق وهو لا يدري .
شيئان يُضعفان الخشوع : أن تكون مع الناس دائماً, لا بدَ من غارِ حِراء بشكل متقطع, لا بدَ من غارِ حِراء, لا بد من خلوةٍ مع الله, من أجل أن يزدادَ الخشوع، ولا ينبغي أن تكونَ حريصاً على أن يظهر خشوعكَ أمام الناس, فإنَّ هذا الحِرصَ وحده يُضعف الخشوع .
قال : رقصت الفضيلةُ تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها .
الفضيلة حينما ترقص تيهاً بنفسها، هذا التيهُ هو نقيصة وليسَ فضيلة .
وسيدنا علي يقول رضي الله عنه: أفضلُّ الزُهدِ إخفاء الزُهدِ .
في شخص حريص أن يكون أمام الناس خاشعاً، أنتَ كُن خاشعاً مع الله ولا تُعلّق كبير أهميةٍ على مرأى الناسِ لك.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع موضوعات مدارج السالكين.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع : السكينة





منزلة السكينة :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ منزلة اليوم منزلة السكينة , قال بعضهم :
هذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب .
يعني المؤمن يعمل , والله سبحانه وتعالى يُكافئ , فالذي يأتي من الله , هذه منازل المواهب ، والذي يأتي من كسب العبد هذه منازل المكاسب .
فالسكينةُ من منازل المواهب لا من منازل المكاسب .
الاستقامة من المكاسب ، تحرّي الحلال من المكاسب ، مجاهدة النفس والهوى من المكاسب .
السكينةُ من المواهب ، فأنتَ تتحرك نحو الله عزّ وجل , والله يتجلى على قلبك ، أنتَ تستقيم والله يُكرّم , التكريم مواهب والاستقامة مكاسب ، أنتَ تغضُ بصركَ عن محارم الله , والله يوهبكَ حلاوةً في قلبكَ إلى يوم تلقاه , هذه الحلاوة من المواهب وهذا الغضُ من المكاسب ، المكاسب شيء والمواهب شيءٌ آخر , بل إنَّ المواهبَ من ثمرات المكاسب .
أول فكرةٍ في هذه المنزلة وهي : أنَّ منزلة السكينة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب .
الحقيقة :
هذه الدروس دروس تفسير , ولكن نختار من القرآن الكريم الآيات المتعلقة بموضوع واحد , لأنَّ القرآنَ هو كلُّ شيء , ماذا نعمل ؟
نأخذ آيات السكينة ونفسرها .
نأخذ آيات الحب ونفسرها .
نأخذ آيات الإخلاص ونفسرها .
فكأنَّ هذا الدرس درسٌ من نوعٍ آخر ، تفسيرٌ موضوعي متمحورٌ حول موضوعٍ واحد , والآيات التي تدعم هذا الموضوع تأتي تِباعاً .
الآية الأولى :
قال تعالى :
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 26 ]
﴿على رسوله وعلى المؤمنين﴾
ويجب أن نعلمَ الشيء الذي يَخصُ النبي عليه الصلاة والسلام , للمؤمن منه نصيبٌ بقدرِ إيمانه ، بقدرِ إخلاصه ، بقدر إقباله ، إذا فهمتَ قوله تعالى : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾
[سورة الطور الآية: 48]
هذا الخطاب موجهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام , ولكن يجب أن تعلم أنكَ إذا استقمتَ على أمره , وأقبلتَ عليه , وأخلصتَ له , فلكَ من هذه الآية نصيب .
كما أنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين , كذلك الله عزّ وجل يعطي المؤمنين بعضَ ما يعطي المرسلين ، الرؤيا الصادقة كما قال عليه الصلاة والسلام : جزءٌ من ستٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة ، للنبي معجزة وللوليِّ كرامة ؛ المعجزة خرقٌ للعادات , والكرامة خرقٌ للعادات .
باب البطولة مفتوحٌ على مصراعيه ، باب التفوق مفتوح , الله هو الله في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكان , لا يتبدل ولا يتغير ولا يتحول ، بل إنَّ بعضَ الأزمنة : أجرُ المستقيم فيها أعظم بكثير من أجر المستقيم في زمان آخر , كما قال عليه الصلاة والسلام :
((اشتقت لأحبابي , قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: أنتم أصحابي، أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر, أجرهم كأجر سبعين, قالوا: مِنا أم منهم؟ قالَ: بل منكم, قالوا: ولِم؟ قال: لأنكم تجدونَ على الخير معواناً ولا يجدون))
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
هذه أول آية . الآية الثانية :
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
الآية الثالثة :
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾
[سورة الفتح الآية: 4]
الآية الرابعة :
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾
[سورة الفتح الآية: 18]
الآية الخامسة :
﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾
[سورة الفتح الآية: 26]
القاسم المشترك بين هذه الآيات : السكينة .
هل بإمكانكم أن تستنبطوا قاسماً مشتركاً في كلِّ هذه الآيات ؟ قاسم مشترك :
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾
في سورة الفتح . ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾
في بيعة الرضوان . أسباب نزول هذه الآيات :
أذكر لكم مناسبات هذه الآيات كلها : أخبرَ سبحانه وتعالى عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين, في مواضع القلق والاضطراب، في مواضع الشِدة، كلُّ هذه الآيات فيها قاسم مشترك واحد, وهو أنَّ المؤمنين في مواضع الشِدة، في مواضع الاضطراب، في مواضع الخوف، في مواضع المِحن، تأتي السكينة، قد تأتي مصيبة يَفرَقُ لها الإنسان، ينهارُ لها، تخورُ قِواه، ينسحق، أما المؤمن تأتي سكينة الله على قلبه, فتجعل وقعَ هذه المصيبة عليه برداً وسلاماً، حتى لو نزلَ بلاءٌ عام، حتى لو اشتدت المِحن، حتى لو ضاقت الأمور، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُنزل سكينته على المؤمنين كمكافأةٍ لهم على استقامتهم .
يوم الهِجرة :
﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ﴾
وهو في الغار . ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
ويوم حُنين ، ويوم الحديبية ، كلها مواطن قلق واضطراب وخوف وشِدة ، وأنتَ أيها المؤمن, لا سمحَ الله ولا قَدّر, ولكن إذا جاءَ بأسُ شديد، أو جاءت شِدةٌ، أو جاءَ قلقٌ، أو جاءَ خوفٌ أو اضطراب، فالله سبحانه وتعالى يَخُصّكَ بسكينةٍ, تجعلُ قلبكَ في بردٍ وسلام، وفي أمنٍ وأمان، وفي طمأنينةٍ وراحة، وهذا بعضُ ما يُعامل الله به المؤمنين الذين عرفوه في الرخاء، فإذا جاءت الشِدة عرفهم الله عزّ وجل .
أحد العلماء كان يقول : إذا اشتدت عليه الأمور أقرئ آيات السكينة .
وقال مؤلف الكتاب : ولقد جربت أنا أيضاً قراءة هذه الآيات عندَ اضطراب القلب بما يردُ عليه , فرأيتُ لها تأثيراً عظيماً ، وهذه نصيحة ، وهذه وصفة ، وهذا توجيه ، إذا اشتدت الأمور، إذا اضطرب القلب، إذا نزلت المِحن, فاقرؤوا آيات السكينة, لأنَ السكينة مما يخص به الله تعالى المؤمنين.
تعريف السكينة :
أصلُ السكينة : الطمأنينة والوقار .
فلان في سكينة قلبه مطمئن ، من الداخل طمأنينة من الخارج وقار ، الحركة السريعة ، الاضطراب ، الفزع ، الصياح ، العويل ، البكاء ، هذا كله انهيار عصبي .
فالسكينة في أدقِّ تعاريفها : طمأنينةٌ في القلب , وسكونٌ في الجوارح .
من الداخل ومن الخارج ، هناك أشخاص يتقنون التمثيل ، يكون قلبهم في جناحِ طائر , ومع ذلك يضبطون أعصابهم الخارجية ، ولكنَّ السكينة في حقيقتها ؛ سكونٌ داخلي وسكون خارجي ، راحةٌ قلبية وهدوءٌ في الأعضاء والأعصاب .
قَالَ :
((سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يُحَدِّثُ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأحْزَابِ, وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ, حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ, وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ, فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ, وَهُوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا, فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا, وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا, إِنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا, وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا, قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا))
النبي في غزوة الخندق ، في وقت الشِدة ، في وقت المِحن , في وقت الاضطراب ، في وقت الخوف ، في وقت أصبحَ الإسلامُ في خطر ، أصبحَ وجود الإسلام في خطر ، بقي للإسلام بحسبِ نظرِ الناظر ساعات , في هذا الوقت الشديد , كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يحفر الخندقَ مع أصحابه , وقد وصلَ الترابُ إلى جلدة بطنه , وهو يرتجز بأبيات عبد الله بن رواحة .
من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : إني باعِثٌ نبيّاً أُميّاً، ليسَ بفظٍ ولا غليظ، ولا صخّابٍ في الأسواق، ولا متزينٍ بالفُحش، ولا قوالٍ للخنى، أُسدده لكلِّ جميل، وأهَبُ له كُلَّ خُلقٍ كريم، ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه، والبِرَّ شعاره، والتقوى ضميره، والحِكمة مقولته، والصِدقَ والوفاءَ طبيعته، والعفوَ والمعروف خُلُقه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعته، والهُدى إِمامه، والإسلامَ مِلته، وأحمدَ اسمه, هكذا ورد في بعض الكتب المتقدمة عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم .
يعنينا من هذا القول وذاكَ الوصف :
ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه .
المؤمن في سكينة، المؤمن كالجبل الراسخ، المؤمن لا يفزع، لا ينهار، لا يخرج عن أطواره، لا يُحطّم الأواني إذا غضب، لا يدفع الأبواب، لا ينطلق لسانه بالسُباب، المؤمن في سكينة، في حلم، وكادَ الحليمُ أن يكونَ نبيّاً، والحلم سيد الأخلاق .
في شيء مهم جداً: السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها, وسكنت إليها الجوارح, وخشعت, واكتسبت الوقار, وأنطقت اللسان بالصواب والحِكمة، وحالت بينه وبين قول الفُحشِ والخنى، واللهوِّ والهجر, وكلِّ باطل .
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : كُنّا نتحدّثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لِسانِ عمر وقلبه .
لا أدري ما السكينة ؟ أعرفُ نتائجها ؛ الطمأنينة ، الشعور بالرِضا ، الشعور بالتفوق ، الشعور بالأمن ، في قلب المؤمن من الأمن ما لو وُزِعَ على أهلِ بلدٍ مذعورين لكفاهم ، لأسكنَ خوفهم ، هذه السكينة ، نتائجها باهرة ، هي تجلّي الله عزّ وجل ، هي نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن ، طمأنينةٌ يزرعها في قلبه .
قال : هذه السكينةُ إذا سكنت في القلب أنطقت اللسان ، أنطقت اللسان بالحِكمة ، أنطقت اللسان بالموعظة ، أنطقت اللسان بالحقيقة .
سيدنا ابن عباس قال : كُنا نتحدثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لسان عمر وقلبه .
من كرامات صاحب السكينة :
ينطقُ بكلامٍ دون تحضير ، دون إعداد ، دون تخطيط ، دون مطالعة ، دون مراجعة ، دون مدارسة .
القلب الذي أنزلَ الله عليه السكينة , ينطِقُ بكلامٍ عن غير فكرةٍ منه ، ولا رواية ، ولا هِبةٍ ، يستغربه هو من نفسه ، يقول : أنا في حيرة ، والله تكلمتُ كلاماً ما أعددته , وليسَ في إمكاني أن أُعيده , كانَ فتحاً من الله عزّ وجل ، هذه من آثار السكينة ، ويستغربهُ هوَ من نفسه كما يستغرب السامِعُ له ، وربما لا يعلم بعد انقضائه بِما صدرَ منه .
أكثر الأخوة الأكارم أحياناً في ساعات الإشراق، في ساعات الإقبال، في ساعات السكينة، ينطلقُ لسانه مع الناس بكلامٍ عجيب، مِلؤهُ الحق، مِلؤهُ الحقيقة، مُنظم، قوي، مع الدليل, مع الحُجّة، فيه قوة تأثير، لو كلّفتَ هذا المُتكلّم الذي نَطَقَ أن يُعيدَ كلامه لما استطاع .
لذلك: هنا موطن القصيد، لماذا فُلان يتكلّم فلا يؤثر، وفُلان يتكلّم فيفعل في النفوسِ فِعل السِحر؟ هذا هو الفرق، هذا الذي تكلّمَ عن ثقافةٍ, ودراسةٍ, ومطالعةٍ, وتردادٍ, وروايةٍ, وحِفظٍ, وتذكرٍ, وقراءةٍ, وذكاءٍ, هذا الكلام ما أيّده الله بروحٍ منه، أما الذي تكلّمَ عن سكينةٍ أودعها الله في قلبه, وهي ثمرةٌ من ثمار إيمانه, واستقامته, وإخلاصه, وورعه, وتضحيته, و مؤاثرته، هذا الكلام الذي ينطقُ به الثاني يودعُ الله فيه الروح، يودعُ الله فيه قوة التأثير، وهذا يُستنبط من بعض قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة المجادلة الآية: 22]
قد تعجب، قد تجد الفصاحة، والبيان, والإتقان، والعبارة المُحكمة، والشاهد المؤيد، ولا تجد التأثير، وقد تجد التأثير مع شخصٍ أقلَّ فصاحةً، وأقلَّ عِلماً، وأقلَّ إطلاّعاً، وأقلَّ ثقافةً، هذا التفسير الوحيد للذين يؤثرون في الآخرين, لأنَّ الله سبحانه وتعالى أنزلَ على قلبهم السكينة .
العلماء قالوا: أكثرُ ما تكون هذه السكينة عِندَ الحاجة, وعِندَ صِدق الرغبة من السائل والمُجالس، إن صار في سؤال لله عزّ وجل بصدقٍ وحرارة, الله سبحانه وتعالى يُنزلُ هذه السكينة, فإذا هيَ كلامٌ سديد، فإذا هيَ روحانية، فإذا هيَ تجلّ، فإذا هيّ قوة تأثير .
في تعريفاتٍ دقيقةٍ للسكينة : أنَّ السكينةَ نورٌ وقوةٌ وروح، فالنور يكشف الله لكَ بالسكينة, التي هي في بعض أجزائها نور، يكشف لكَ عن دلائل الإيمان وحقائق اليقين، يجعلكَ تُميزُ بينَ الحق والباطل، وبينَ الهدى والضلال، وبينَ الغيِّ والرشاد، وبينَ الشكِ واليقين، يعني صاحبُ السكينة صاحبُ رؤيا، صاحبُ السكينة صاحبُ نور، هكذا قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ, وَالصَّلاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
السكينة في بعض معانيها : نورٌ يقذفه الله في القلب , ترى به الحقَ حقاً والباطلَ باطلاً .
صاحب السكينة لا ينخدع ، صاحبُ السكينة لا يغتر بظواهر الأشياء عن حقائقها ، صاحب السكينة لا يرى رؤيةً مشوشةً ولا ضبابيةً , بل يرى رؤيةً صحيحةً ودقيقةً .
قلنا : السكينة نورٌ وقوةٌ وروح .
الروح توجب كمالَ اليقظة ، توجب الحضور، توجب البعدَ عن الغفلة ، توجب التأهبَ للقاء الله عزّ وجل ، عنده روحانية ، عنده حياة ، قلبه يقظ ، سريع التأثر ، سريع الاستجابة ، سريع التحسس بالخطأ، في حياة .
فمن معاني السكينة :
المعنى الأول : النور الذي يٌقذف في قلب المؤمن , فيُريه الخيرَ خيراً والشرَ شراً .
من معاني السكينة : الروحانية التي يملكها .
يقظة النفس ، لا غفلة ، لا بُعد ، لا انغماس بالشهوات ، في صحوة ، في محاسبة دقيقة ، في شعور بالرِضا ، والقوة توجب له الصِدقَ , وصحة المعرفة , ويقهر بهذه القوة داعي الغيّ .
من لوازم السكينة :
1-أنها تعطيك قوة تقهر بها دواعي الشهوات :
أحياناً : داعي الشهوة يغلب الإنسان , يقول لك : غُلبت ، وقد نُسمي العاصي الذي يبكي بعد معصيته مغلوباً, هناك من يعصي ويتبجّح، هناك من يعصي ويفتخر، هناك من يعصي ويتباهى بهذه المعصية، هذا هو الفاجر، أما هناكَ من يعصي ويبكي، الذي يعصي ويبكي مغلوب، معنى مغلوب: قوة الشهوةُ فيه غلبت عقلهُ .
من لوازم السكينة : أنها تُعطيكَ قوةً، بهذه القوة تقهر دواعي الشهوات، الإنسان دائماً في صراعٍ بين عقله وشهوته، بينَ إلهامات الملائكة ووسوسة الشياطين، بينَ دواعي الجسد الأرضية ودواعي الروح السماوية، فكلما كانت السكينة في قلب المؤمن, اكتسبَ قوةً يقهر بها دواعي الشهوة .
السكينة في جانب منها جانب نوراني، وجانب منها جانب روحاني، وجانب منها جانب قوة, تقهر بها الشيطان, تقهر بها نوازع الجسد, تقهر بها وسوسة إبليس، تقهر بها قِوى الأرض، نورُ وحياةٌ وقوة، بالنور ترى، وبالحياة تسعد، وبالقوة تقهر، رؤيةٌ صحيحة، ونفسٌ سعيدة، وسلاحٌ ماضٍ، هذا معنى: أنزلَ سكينته على رسوله وعلى المؤمنين, هذه هيَ السكينة.
حتى الإنسان أحياناً: العاصي لو أنه تابَ إلى الله توبةً نصوح, يمنحه الله بهذه السكينة قوةً, يغلب بها شهوتهُ، كانَ مغلوباً فصارَ غالباً، كانَ مقهوراً فصارَ قاهراً، كان ضعيفاً فصارَ قوياً، كانَ تبعاً لأهوائه, فصارَ يقودها وفق الحق .
2-محاسبة النفس :
من معاني السكينةِ أيضاً, وهذا شيءٌ مهمٌ جداً: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق، من ثمراتها: نور يُريكَ الحقَّ حقاً والباطلَ باطلاً، روحانيةٌ تُبعدُ عنكَ كلَّ الأحزان، قوةٌ تقهرُ بها الشيطان، من معانيها: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق.
محاسبة النفس: حاسِبوا أنفسكم قبلَ أن تُحاسَبوا, وزِنوا أعمالكم قبلَ أن توزنَ عليكم.
والله سبحانه وتعالى أثنى على النفسِ اللوامة, هناكَ نفسٌ مطمئنة, ونفسٌ لوامةٌ, ونفسٌ أمارةٌ بالسوء، فالنفس اللوامة أثنى الله عليها, فقال:
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[سورة القيامة الآية: 1-2]
هذه نفسٌ أثنى الله عليها، إذا كُنتَ تُحاسب نفسك, لماذا قلتَ هذا الكلام؟ لماذا وقفتَ هذا الموقف؟ لماذا عبستَ في وجه فُلان؟ لماذا سَخِرتَ منه؟ لماذا دفعتَه بيدك؟ لماذا حرمتَ فُلاناً؟ لماذا أعطيتَ فُلاناً؟ .
لا يَكمل إيمان المؤمن إلا إذا حاسبَ نفسه حساباً عسيراً، لن يكونَ المؤمن صادقاً إلا إذا كانَ حِسابه لنفسه عسيراً، فأنتَ حاسب لِئلا تُحاسب، إن لم تُحاسب حوسبت .
((من حاسبَ نفسه حِساباً عسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة يسيراً، ومن حاسبَ نفسه حِساباً يسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة عسيراً))
من اطمأنَّ في الدنيا خافَ في الآخرة، من خافَ في الدنيا اطمأنَ في الآخرة. ((لا يجتمعُ خوفانِ وأمنان؛ إن خِفته في الدنيا طمأنكَ يوم القيامة، وإن لم تخفه في الدنيا أخافكَ يوم القيامة))
قال: إنَّ زكاةَ النفسِ وطهارتها موقوفٌ على مُحاسبتها، لا تطهر ولا تزكو، الطهارة تنظيف والزكاة تعطير، التحليّة والتخليّة، التطهير والاصطباغ، النفسُ لا تطهر ولا تزكو إلا بالمُحاسبة, لا محاسبة في انحراف، في طغيان، في تمادي، في تطاول .
الحسن رضي الله عنه قال: إنَّ المؤمن واللهِ لا تراه إلا قائماً على نفسه.
يعني يُحاسبها، يسألها، يُسيء الظنَّ بها، ما أردتُ بكلمة كذا, ما أردتُ بهذا، مالي ولهذا؟ واللهِ لا أعود إليه .
الإنسان إذا حاسبَ نفسه, رأى عيوبها ونقائصها، من الحُمق الشديد: أن ترى في الآخرين عيوبهم ولا ترى في نفسك العيوب، أن ترى أدقَّ العيوب في الآخرين ولا ترى أكبرَ العيوب في نفسك، وإذا ظننتَ نفسكَ كاملاً فهذا من أكبر العيوب، أكبرُ عيبٍ أنتَ فيه: أن تُحسنَ الظنَّ في نفسك وأن تسيء الظنَّ في الآخرين، والكمال أن تفعلَ العكس, أن تُسيء الظنَّ بنفسك وأن تُحسنَ الظنَّ بالآخرين، الكمال إذا فعلتَ معروفاً مع إنسان أن تنساه، والكمال إذا فعلَ معكَ أحدٌ معروفاً ألا تنساه أبداً, هذا هو الكمال, هذه محاسبة النفس، من لوازم السكينة: محاسبة النفس, صار في حياة في يقظة . 3-ملاطفة الخلق :
ومن لوازم السكينة: ملاطفة الخلق، معاملتهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به, هذا المقياس من أروع المقاييس, هذا القول للنبي عليه الصلاة والسلام لو طبّقه الناس, لأغلقت المحاكم أبوابها . ((عامل الناس كما تُحبُ أن يُعاملوك))
عامل هذا الموظف كما تحب أن تعامل، عامل زوجة ابنكَ كما تُحب أن يُعاملَ ابنتكَ زوجها، هذا مقياس دقيق في كلِّ حركات الناس وفي كلِّ سكناتهم .
يعني هذا الذي فعله النبي: جاء رجل إلى النبي, وقال: يا محمد ائذن لي بالزِنا, في حضرة أصحاب النبي، فغضبَ أصحاب النبي, وهمّوا أن ينهروه، منعهم النبي من أن يفعلوا قال: تعال يا عبد الله, تعال اقترب مني -آنسهُ- قال: أَتُحبه لأمك؟ فكاد يغلي الدم في رأسه قال: لا، قال: ولا الناسُ يحبونه لأُمهاتهم، أتُحبه لأختك؟ أتُحبه لابنتك؟ أتُحبه لزوجتك؟ قال: دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم, وما شيءٌ أحبَّ إليَّ من الزنا, وخرجتُ من عِنده, وما شيء أبغضَ إليَّ من الزنا, طبّق القاعدة .
أنت وراء الطاولة موظف أمامك مُراجع، لو كنتَ مكان هذا المُراجع, أتُحبُ أن يُماطلكَ؟ أتُحبُ أن يؤجلكَ؟ أتُحبُ أن لا ينظرَ إليك؟ أتُحبُ أن يُهملكَ؟ أنت الآن زوج, لو أنكَ مكان هذه الزوجة, أتُحبُ أن تكونَ مظلوماً؟ أتُحبُ أن تكون معذّباً؟ لا, يعني هذا مقياس لا أجمل منه, ولا أدقَّ، ولا أوضح، مقياسٌ دقيق، عامل الناس كما تُحبُ أن يُعامِلوك، عاملهم بالإنصاف.
قال: ملاطفة الخلق: أن تعاملهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به من اللطفِ، لا ينبغي أن تعاملهم بالعنفِ والشدّةِ والغِلظة, قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
علّموا ولا تُعنِفوا, فإنَّ المُعلمَ خيرٌ من المُعنّف، فإنَّ ذلك يُنفّرهم, ويغريهم بالبُعدِ عنه, ويُفسدُ حبهُ في قلوبهم .
أنتَ يجب أن تربحَ الناس لا أن تخسرهم، بذكاءٍ شديد، وحِكمةٍ بالغة، وبذلٍ كبير، وصبرٍ عظيم، وحِلمٍ وافر, يمكن أن تربحَ الناس، وبتصرفٍ واحدٍ أحمقٍ، تصرف أرعن، كلمة قاسية، كلمة نابية، تخسر الناس، جهودٌ كبيرة تبذلها كي تربحهم، تصرّف واحد أحمق تخسرهم ، فمن لوازم السكينة محاسبة النفس ومُلاطفة الخلق .
هذه الآية رائعة جداً:
﴿ولو كنتً فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾
يخاطب الله من؟ يخاطب النبي، يخاطب الذي معه القرآن المؤيد من الله عزّ وجل، يخاطب المعصوم، حتى المعصوم, حتى المؤيد بالوحي, لو كانَ فظاً, لَنَفَرَ الناسُ من حوله .
أنا أُلاحظ ملاحظة: تجد الأب قاسياً مع أولاده, يظن نفسه مع قسوته, يجب أن يُحبه أولاده, لأنه والدهم، لا, لا يكفي أن تكونَ أباً حتى تُحب, لا بُدَّ من أن تكونَ كاملاً حتى تُحب ، يحترمونك ولكن لا يُحبونك, الحُب ليسَ بيدهم، إذا كنتَ قاسياً، قاسياً في كلماتك مع أولادك ، توبخهم أمام الآخرين، تستعلي عليهم، تُسكتهم، تُخزيهم أمامَ زوجاتهم مثلاً، وإذا كُنتَ أباً لهم, لا يُحبونك .
يجوز إذا كان ابنك مؤمناً, يخاف من غضب الله, لذلك يُرضيكَ في ظاهره، أما أنتَ لا تستطيع أن تملكَ قلوبهم إلا بكمالك .
خذوا هذه القاعدة: الإنسان له قلبٌ وله قالب, مهما كنتَ قوياً, مهما كنتَ مسيطراً, لا تستطيع أن تمتلكَ إلا القالب، لكن كمالُكَ يجعلُكَ تمتلك القلوب، القلب لا يُمتلك إلا بالكمال, أما الجوارح ......
الآن الطُغاة في العالم, الناسُ يخافونهم، يخضعون لهم، يُنفذون أمرهم بأدقِّ حذافيره, خوفاً من بطشهم، فالطغاة ماذا مَلكوا؟ مَلكوا القوالب، لكنَّ الأنبياء مَلكوا القلوب.
الفرق بين العالم داعية مثلاً: مدير مؤسسة, مدير مدرسة, مدير ثانوية, مدير مستشفى, هذا معه سُلطة, بإمكانه أن يوبّخ, وأن يقطع الراتب, وأن يكون كلامه قاسياً, والناس يخافونه، موظف يعني رزقه مُعلّق بالمدير العام حسب الظاهر، فإذا عاقبه وخضع ليست هذه بطولة، البطولة أن تمتلكَ القلوب، البطولة أن تمتلكَ قلوب الناس بكمالك .
لو فرضنا إنساناً من أتفه الناس، من أقلّهم عِلماً, أقلّهم شأناً، أقلّهم فهماً، أقلّهم حِكمة، لو معه سِلاح واجه أعظم إنسان, وشَهَرَ عليه السلاح فخضع, هذه قوة لا قيمة لها إطلاقاً، هذه قاعدة: لن تستطيع أن تمتلكَ القلوب إلا بكمالك، لكنَّ بقوتك تمتلك القوالب, بإمكانكَ وأنتَ الأبُ القوي وابنكَ الضعيف أن تُخضعه، أن تعطيه أمراً قاسياً، ولكنكَ لا تكونُ أباً بطلاً إلا إذا جعلتَ ابنكَ يهواك لكمالك .
يعني: واحد له ابن عاق وشرس ومنحرف، وكان الأب من حين لآخر, يقول لابنه: يا بني, أنت لا تصبح رجلاً، وهذا الابن في غفلة من الزمن, صار بمركز قوي جداً، فأحضرَ أباه مقيداً, وقال له: تفضل وانظر لي, ألا ترى منصبي؟ فقال له والده: تصبح بهذه المكانة, لكن لا تصبح رجلاً .
يعني حينما جاء بأبيه بهذه الطريقة, معناها أنه غير رجل, فالقوة ليسَ لها قيمة, الله جعل الله الأنبياء ضعفاء .
سؤال دقيق جداً: أليسَ الله قادراً على أن يجعلَ النبي إنسان قوي جداً؟ حِكمة الله أنَّ النبي قوته بكماله، فقد يكون النبي أضعفَ الناس: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾
[سورة هود الآية: 38]
كانوا يسخرون منه، النبي يمكن أن تُكذّبهُ، ويمكن أن تسخرَ منه، ويمكن أن تُعارضه، ويمكن أن تصفه بالجنون, قال تعالى:
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾
[سورة الدخان الآية: 14]
أليسَ كذلك؟ وُصف بأنه كاهن، وبأنه ساحر، وبأنه مجنون، لأنه ضعيف, عظمةُ النبي أنَّ الذي آمنَ به, ما آمن به خوفاً, ولا آمن به طمعاً، لا دنيا عنده، لا أملكُ لكم نفعاً ولا ضرّاً، لا دنيا يُعطيك إياها, ولا قوة تخاف منه، لماذا آمنتَ به؟ لما ضحيتَ في سبيل أن تؤمن به بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس, لأنَّ كماله أسركَ .
يعني: حِكمة الله عزّ وجل في جعل الأنبياء ضعفاء في بادئ الأمر، لو كانوا أقوياء لآمنَ الناس بهم جميعاً إيماناً شكليّاً ظاهريّاً، إيماناً فارغاً لا قيمة له أبداً، كما لو كلّفنا أُناساً ضِعافاً أن يقولوا هذه الكلمات, يقولونها .
قال له: ولوعادوا عُد إلى ما قُلت, ولا شيءَ عليك، هذا إكراه .
حِكمةُ أنَّ الله عزّ وجل جعلَ النبي ضعيفاً, كي يؤمنَ به المؤمنون لا عن خوفٍ يُضعفَ قيمة إيمانهم, ولا عن طمعٍ يُضعفُ قيمةَ إيمانهم، آمنوا به بمحضِ اختيارهم, دونِ إغراءٍ أو ضغطٍ .
قال: ليسَ للقلبِ أنفع في معاملته للناس من اللطف، يعني الإنسان باللطف يملك القلوب, هذا التوجيه الإلهي:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[سورة فُصّلت الآية: 34]
قال: أنتَ باللطفِ تُعامل إما صاحباً أو حبيباً أو عدوّاً، الصاحب تستديم مودته، والغريب تكسب مودته، والعدو تُليّنُ غضبه، شخص لا يعرفك إذا لاطفته كسبته، وشخصٌ يعرفكَ إذا لاطفته دامت مودته لك، وشخصٌ عدوٌّ لكَ إذا لاطفته خفّت عداوته أو تلاشت .
أنت مع إنسان غريب أو قريب أو عدو، الغريب حيادي؛ لا يعرفُكَ, لا يُحبُكَ, لا يُبغِضُكَ, إذا لاطفته ملكتَ قلبه، والذي يعرفُكَ إذا لاطفته استمرت مودته، والعدو خفّت عداوته.
الحِكمةُ كلُّ الحِكمةِ أن تكونَ ودوداً مع الناس, ورأسُ العقلِ بعدَ الإيمان بالله التوددُ إلى الناس . ((بُعثتُ بمداراة الناس))
أيضاً: يعني لو استعرضنا الأحاديث الشريفة التي تدعو إلى أن تكونَ مع الناسِ رحيماً.
عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا فِي أَخْلاقِ النَّاسِ, وَقَالَ عبد الله بْنُ بَرَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ, أَوْ كَمَا قَالَ. 4-مراقبة الحق سبحانه وتعالى :
الآن: من لوازم السكينة: مراقبة الحق سبحانه وتعالى، في ثلاثة بثلاثة: النور والروح والقوة, بالنور ترى, وبالروح تأنس, وبالقوة تقهر عدوكَ الشيطان, والسكينة: محاسبة النفس وملاطفة الخلق ومراقبة الحق، هي ثلاثة: أنت والناس والله عزّ وجل, مع نفسك بالمحاسبة, ومع الناس بالمدارة, ومع الله بالمراقبة .
لذلك: اعبد الله كأنكَ تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
والإنسان يجب أن يستحي من الله حقَّ الحياء، قيلَ: وما حقَّ الحياء؟ قال: أن تحفظَ الرأسَ وما وعى, والبطنَ وما حوى, وأن تذكر الموتَ والبِلى.
هذا الرأس حوى العينين, حوى الأذنين, حوى اللسان, حوى الدماغ, أن تحفظَ الرأسَ وما وعى من المعاصي والآثام، وأن تحفظَ البطنَ وما حوى من أكلِ المال الحرام، وأن تذكرَ الموتَ والبِلى .
الحقيقة: السكينة كما قلنا في مطلع هذا الدرس من ثمرات الإيمان، السكينة من المواهب لا من المكاسب، السكينة وردت في مواطن الاضطراب والشِدّة, يعني في الأزمات, في اضطراب القلب, في المِحن, في النوازل, تأتي السكينة, لتكونَ برداً وسلاماً على المؤمن, بلسماً للمصاب .
الحقيقة: أحد أسرار أنكَ إذا التقيتَ بمؤمن تأنسُ به وترتاحُ لهذه الجلسة، اسأل الناس إذا التقوا بمؤمن إيمانه كبير يسعدونَ بهذا اللقاء, ما سِرُّ هذه السعادة؟ أنَّ الله سبحانه وتعالى تجلّى على قلبه بالسكينة, فإذا اتصلوا به, أو تعاملوا معه, أو جلسوا إليه, أو صاحبوه, سَرت إليهم هذه السكينة التي في قلبه، لذلك قالوا: الصاحب ساحب, لذلك قالوا: لا تُصاحب إلاّ من ينهضُ بك إلى الله حالك أو يَدُلّكَ على الله مقاله، اجعل صاحبكَ إنساناً ذا عقلٍ راجح, وذا قلبٍ مُفعمٍ بالسكينة, لذلك تسعدُ به، وهذا سِر السعادة بينَ المؤمنين، هذا سِر السرور الذي ينجم عن لِقاء المؤمن بأخيه المؤمن .
عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ:
((دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ, فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا, حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاتَهُ, جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ, فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ, فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ, وَقَالَ: أَبْشِرْ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ, وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ, وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ, وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ))
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُنزلَ على قلوبنا السكينة فهيَّ من ثمرات الإيمان .
اسأل واحد مؤمن, مؤمن حديثاً, تجد في قلبه سعادة عجيبة، يكاد يقول لكَ: ليسَ في الأرض من هو أسعدُ مني، ما السر؟ السِر لمّا تاب توبة نصوح, أنزلَ الله على قلبه السكينة .
قد تجد إنساناً فقيراً, مرتبته الاجتماعية في الدرجة السفلى، قد يكون حاجباً, قد يكون إنساناً ضعيفاً فقيراً لا شأنَ له، مغموراً لا أحد يعرفه، بيته صغير، زوجته من الدرجة الخامسة مثلاً، دخله قليل، فإذا تجلّى الله على قلبه بالسكينة, كانَ أسعدَ من ملوك الأرض، هذا الذي قالَ عنه البسطامي أبو يزيد: واللهِ لو يعلمُ الملوك ما نحن عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف, هذه السكينة .
هذا الذي قاله بعض علماء النفس: إنَّ الله يُعطي الصِحةَ والذكاءَ والمالَ والجمالَ للكثيرينَ من خلقه, ولكنه يُعطي السكينة بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين "
قد يكون الإنسان جميلاً لكنه شقيّ، قد يكون ذكياً لكنه مُنحط، قد يكون قوياً لكنه لئيم، قد يكون صحيح الجسم لكنه مريض النفس، يعطي الصحة والمالَ والذكاءَ والجمال للكثيرينَ من خلقه، ولكنه يُعطي السكينةَ بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين, تكادُ تكون السكينةُ هي أكبر ثمرات الإيمان هي السعادة .
وردني سؤال يقول: هل يجوز إغماض العينين في الصلاة عِلماً إما لخشوعٍ أو لتمعّنٍ في كلمات الله؟.
الحقيقة: المُصلي كما في السُنّة, ينظر إلى موضع سجوده، وحِكمةُ أن يكونَ عيناه مفتوحتان, يعني في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, في كان البلاد صحراء, وفيها عقارب وأفاع, فالإنسان لِئلا يكونَ مضطرباً أو قلقاً, إذا فتحَ عينه يطمئنُّ أكثر، أما إذا أعانه إغماضُ عينيه على الخشوع فالإغماضُ أولى .
لو دخل مسجد كهذا المسجد, وتأمل في هذه الزخارف في أثناء الصلاة, ربما كانت صلاته في هذا المسجد مع إغماض العينين أولى، فإغماض العينين إذا أعانَ على الخشوع مشروع, أما إذا أغمضت عينيك فأصحبتَ مضطرباً, مكان لستَ مطمئناً له، مكان خطر مثلاً في بريّة تصلي, لعل تمر أفعى أو عقرب أو شيء, لا, افتح عينيك لِئلا تقلق، أما إذا أغمضتَ عينيك, وأعانكَ إغماضُ عينيك على الخشوع, فالإغماض مشروع، العِبرةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-2]
والخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة لا من فضائلها، فأيُّ شيء أعانكَ على الخشوع ينبغي أن تفعله، لو أنت أمام شيء غريب, تتأمله في أثناء الصلاة, بَعُدتَ عن الصلاة, إذاً: أغمض عينيك .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع : الصدق







منزلة الصدق :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السادس عشر من مدارج السالكين ، منزلة اليوم : منزلة الصِدق .
وإذا تحدثنا عن الصِدق كمنزلةٍ من مدارج السالكين , فيجب أن يخطرَ في بالكم عن هذه الكلمة كلُّ شيء , إلا ما يفهمهُ عامّةُ الناس , من أنَّ فُلاناً صادق إذا تكلّمَ وفقَ الواقع .
كلمة الصدق في القرآن الكريم أكبر بكثير , من أن يأتي كلامكَ مُطابِقاً للواقع , وبعدَ حين إن شاء الله سوف يتضح هذا المعنى جليّاً من خلال بعض الآيات والأحاديث . الآيات التي تتحدث عن الصدق :
على كُلٍ ؛ لنستعرض الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة الصِدق .
كلمة الصدق لا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ كلَّ الدرجات العُلى التي ينالُها المؤمن إنما بسببِ صِدقه .
لا أقول : أن يكونَ صادقاً في حديثه , بل لهذه الكلمة معنىً أكبر بكثير .
الآية الأولى : كونوا مع الصادقين .
أول آية من آيات هذا الدرس , وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
أطيعوا الله , اتقوا الله ، وربما أراد الله عزّ وجل أن يُبيّن لنا من أجل أن تطيعوه, كونوا مع الصادقين، كأنَّ أثرَ المجتمع الذي حولك، أثرُ البيئةِ التي حولك والأصدقاء، أثرَ الأقرباء والمعارف والجيران لها تأثير، اتقوا الله, ومن أجل أن تستطيعوا أن تتقوه, كونوا مع الصادقين, لا بدَّ من أن تكونَ مع صادقٍ, هذا المعنى الأول .
يبدو أنَّ الصادق يُعطيكَ من خِبرته وعِلمه، يعطيكَ من حالِه وقاله، يعطيكَ من أخلاقه، فلا بدَّ أن ترى الدينَ مُجسّداً في شخص .
الدين كأفكار، كأخبار، كمعلومات, لا يفعلُ في الإنسان فِعلَ المثل الأعلى، المعلومات والأخبار والآثار لا تحمل على السلوك القويم, كما لو رأيتَ بأُمِ عينيكَ إنساناً تعيشُ معه, تمثّلَ هذا الدين, موقفٌ واحدٌ أخلاقي يقفه مؤمن, له تأثيرٌ كبيرٌ جداً في نفسِ المُتعلّم, لذلك: لو أنَّ بالإمكان أن يجريَ التعليم على مستوى الدول العالمية دون معلّم, عن طريق الكتاب, لوفرّنا ألوف ألوف الملايين, ولكن لا بدَّ من المُعلّم.
الإنسان يقول لكَ: أنا مؤمن, وله بيئةٌ سيئة، له أصدقاءُ سوء، له قُرناءُ سوء، له جيرانُ سوء، يقيمُ معهم, وينسجمُ معهم, ويندمج معهم, ويسهرُ معهم, ويُمضي ساعاتٍ طويلة معهم, وهو مُستمتع معهم, وهو مؤمن, هذا مستحيل, لا بدَّ من حِميّة، لا بدَّ من أن تُجري تبديلاً جذريّاً في علاقاتكَ الاجتماعية .
((لا تُصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامكَ إلا تقي))
لكَ أن تُقيمَ علاقة عمل مع أيّ إنسان في حدود العمل، تُقدم له ما عندك, يعطيك الثمن بكلامٍ طيب، بسلامٍ، بوداعٍ، بترحيبٍ، بطلاقةِ وجهٍ، أمّا أن تُقيمَ علاقةً حميمةً مع إنسانٍ بعيدٍ عن الله عزّ وجل, ليسَ هذا من الإيمان في شيء, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 13]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 51]
الآية الأولى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾
كُن معهم لتأخذ عنهم, لتأخذَ من عِلمهم, من آدابهم, لتأخذَ من أحوالهم, من ورعهم, لتأخذَ من أخلاقهم, من مُثلهم, كُن معهم، راقِبهم، اسألهم، استفتهم، حاوِرهم: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾
لذلك: ((يدُ الله مع الجماعة, ومن شذَّ شذَّ في النار))
((عليكم بالجماعة, وإيّاكم والفُرقة, فإنَّ الشيطانَ مع الواحد, وهوَ من الاثنين أبعد, وإنما يأكلُ الذئبُ من الغنم القاصية))
مرتبة الصديقين هي المرتبة الأولى من مرتبة النبوة .
وقال تعالى :
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾
[سورة النساء الآية: 69]
الصديقين : المرتبة الأولى التي تلي مرتبة النبوة ، قال تعالى : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 75]

أبو بكر الصديق, المرتبة الأولى التي تلي مرتبة النبوة مرتبة الصديّقيّة، نرجو الله عزّ وجل أن يجعلنا من الصادقين . ﴿وحسنَ أولئكَ رفيقاً﴾
أن تكونَ مع الصادقين, خالق الكون يقول لك: ﴿وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً﴾
هذا هوَ الرفيق الذي يجب أن تَعضَّ عليه بالنواجذ، هذا الرفيق الذي ينبغي أن تُلازمه: ﴿وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً﴾
إنَّ الأثرَ الذي يحدث من خلال تعامل الأخوة المؤمنين أثرٌ بليغٌ جداً، يعني أخ يتعلّم من أخ الصدق، من أخ آخر الورع، من أخ ثالث الزُهد، من أخ رابع الاستقامة, فإذا مجتمعك مجتمع مؤمن، علاقاتك، نُزهاتك، مجالسك، سهراتك، ندواتك، في أفراحك، دائماً كُن مع المؤمنين . الآية الثانية : فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم .
آيةٌ ثانية من آيات الصِدق، الله سبحانه وتعالى خالق الكون يُخبرنا: أننا إذا كُنا صادقين فهوَ خيرٌ لنا، يقول الله عزّ وجل:
﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 21]
الخيرُ كله في الصِدق, والسوءُ كله في الكذب، فلو صَدقوا الله لكانَ خيراً لهم .
هل تصدّقون :
أنَّ أركانَ الإيمان ، وأركانَ الإسلامِ ، بمجموعها أساسها الصِدقُ ؟
إليكم الدليل قال تعالى :
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 177]
﴿آمنَ بالله واليوم الآخر والملائكةِ والكتاب والنبيينَ﴾
هذه أركانُ الإيمان . ﴿وآتى المالَ على حبه ذوي القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلينَ وفي الرِقاب وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساءِ والضرّاءِ وحينَ البأسِ﴾
أركان الإسلام مع الأخلاق هي :
أركان الإسلام , وأركان الإيمان , والأخلاقيات ، والتعامليات . ﴿أولئكَ الذينَ صَدقوا﴾
لأنهم صَدقوا آمنوا, لأنهم صدقوا أسلموا, لأنهم صدقوا تَخلّقوا بأخلاق الإسلام. معنى الصدق .
كلمة صِدق تأخذُ معنىً آخر غيرَ المعنى الذي يتبادر إلى أذهان الناس .
فُلان صادق ؛ يعني يتكلّم الصدق , صادِقٌ في طلبه :
إمّا أن يُطابِقَ الواقِعُ الخبر، وإمّا أن يكونَ كلامُكَ مطابقاً للواقع , فأنتَ صادقٌ في لسانك .
وإمّا أن يأتيَ عملكَ مُصدّقاً لقولك , هذا صِدقُ السعيِ .
الشيء الخطير أنه : إذا لم يكن الإنسان صادقاً , فلا بدَّ من أن يكونَ كاذباً , كيف ؟ قال تعالى :
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 24]
من هو َالمُنافق ؟ الإنسان الكذّاب : يقول ما لا يؤمن ، يُعبّرُ عما ليسَ في نفسه ، يتزيّنُ بما ليسَ في قلبه ، يُظهر ما لا يُبطن , يُعلن ما لا يُخفي ، دائماً بحياته في ازدواجية ، له مواقف مُعلنة ومواقف مُبطّنة ، له علانية مقبولة وله سريرة ممقوتة ، له كلامٌ لينٌ لطيف , وله قلبٌ قاسٍ حقود حسود ، والكذبُ والنِفاقُ متطابقان تماماً .
أيها الأخوة الأكارم ؛ الإيمانُ أساسه الصِدق , والنِفاقُ أساسه الكذب ، مُنافق يعني كذّاب ، مؤمن يعني صادق , صادق مع نفسه , وصادق مع ربه , وصادق مع الناس .
أحياناً الإنسان في انسجام داخلي فيما بينه وبينَ نفسه, هذا الانسجام الداخلي معناه : أنه صادقُ مع نفسه ، وأحياناً فيما بينه وبينَ اللهِ العلاقة عامِرة .
نقول : صادقٌ مع ربه ، فإذا عامل الناسَ باستقامةٍ فهو صادقٌ مع الناس , العبدُ لا ينفعه يوم القيامة , ولا يُنجيه من عذاب النار إلا أن يكونَ صادقاً , قال تعالى :
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية: 119]
الحقيقة الأولى :
هناك كما يقول بعضُ العُلماء : صِدقٌ في اللسان , وصِدقٌ في العمل , وصِدقٌ في الحال .
صادِقُ اللسان يأتي كلامه مُطابِقاً للواقع ، صادق العمل يأتي فِعلهُ مطابقاً للسانه ، صادِقُ الحال يأتي لسانه مطابقاٌ لِما في قلبه , وما في قلبه لِما في لسانه .
يعني: لا بد من أن تكون صادق اللسان والحال والقلب والعمل ، صادقَ اللسانِ , وصادقَ الجوارح , وصادقَ القلب . الحقيقة الثانية :
الصِدق ينتهي بكَ إلى مرتبة الصدّيقيّة , والدليل : عَنْ عبد الله رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ, وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا, وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ, وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا))
إذا إنسان صادق في فِعل الخيرات, الله عزَّ وجل يتولى هِدايته إلى الخير، إذا الإنسان صادق في هداية الخلق, الله عزَّ وجل يتولى إلهامه بالطريقَ المُناسب, والأسلوب المناسب, والعبارة المناسبة, والفِكرة المناسبة, والموقف المناسب.
صادِقٌ في تزويج ابنتك من مؤمن, يهديكَ الله إلى الشاب المؤمن، صادقٌ في إصلاحِ زوجتك, يهديكَ الله إلى الأسلوب المناسب لإصلاحِها, اللهُ الهادي, أنتَ عبدُ الهادي ولستَ هادياً, فإذا صدقتَ مع الله هداكَ الله, صادقٌ في تأسيس عملٍ حلالٍ, يُغنيكَ عن سؤال الناس, الله يهديك، صادقٌ في أن تلتقي برجلٍ من أهل الحق, الله يهديكَ إليه, إذا كنتَ صادقاً في معرفة الحقيقة, لا بدَّ من أن تَصِلَ إليها، إذا كنتَ صادقاً في أن تلتقي بأهل الحق, لا بدَّ من أن تلتقي بهم, لأنَ الله يهديك عندئذٍ، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
أنا حينما أشعر أنَّ الإنسان صادقٌ في طلبِ الحقيقة, واللهِ أشعر أنَّ كلَّ خليةٍ في جسمي تنطق له: أبشر, لا بدَّ من أن تعرف الحقيقة المُطلقة، صادقٌ في أن ترى أهلَ الحق, أبشر, لا بدَّ من أن تلتقي بهم، صادقٌ في أن تهدي الناسَ إلى الله, لا بدَّ من أن يضعكَ الله في هذا المقام، لكنَّ الله عزّ وجل لا يتعاملُ أبداً مع التمنيات, ولا يتعامل أبداً مع الرغبات غير الصادقة, لذلك في عقبات، العقبات لإثبات الصِدق .
فإذا إنسان صادق في حفر بئر مثلاً, يحفر متر, مترين, خمسة، خمسة عشر، لم يجد مياه، 20، 30، يقول لك: حفرت 80 متراً, ودفعت 300 ألف, معناها صادق في البحث عن الماء.
في شخص ليس مهتم بالأرض, ولا يُعلّقُ عليها كبيرُ أهميّة, نصحوهُ أن يحفرَ بئراً خمسة أمتار, بعيدة المياه:
أخلق بذي الصبرِ أن يحظى بحاجته ومُدمن القرعِ للأبواب أن يَلِجَا
النملة تُعلمنا الصِدق, تصعد وتقع مرات عديدة, يعني على الأخ أن يعرف الحقيقة ، أنتَ في تعاملكَ مع الله, لا بدَّ من أن يظهرَ صِدقك، قد تشعر بوحشة, بانقباض, بضيق, قد يَقِلُ دخلك, ويتكاثر الناسُ ضِدك, قد تواجه عقبات ومعارضات وتآمرات, قد تواجه خصوماً وحُسّاداً, قد تواجه ضغوطاً من داخل البيت, ومن حولك, من جيرانك, من زملائك, ماذا تفعل؟ لا زِلتَ مُصِرّاً على طلب الحق . لماذا الابتلاء ؟
ربنا عزّ وجل لا بدَّ من أن يمتحنَ المؤمنين , ولو أنَّ فيهم رسول الله ، في غزوة الخندق :
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 11]
أين وعود رسول الله؛ تُفتحُ عليكم بلاد قيصر وكسرى؟ .
أنتَ يا سراقة تضع تاج كسرى على رأسك؟ .
قال له : ((يا عديّ بن حاتم, لعله إنما يمنعكَ من دخولٍ في هذا الدين, ما ترى من حاجتهم, وايمُ الله! ليوشكنَّ المال أن يفيضَ فيهم حتى لا يوجد من يأخذهُ، ولعلكَ يا عديَّ بن حاتم, إنما يمنعكَ من دخول هذا الدين ما ترى من كثرةِ عدوّهم, وايمُ الله! ليوشكّنَّ أن تسمعَ بالمرأة البابلية تَحُجُ هذا البيتَ على بعيرها لا تخاف، ولعله إنما يمنعكَ من دخول في هذا الدين, أنكَ ترى أنَّ المُلكَ والسُلطانَ في غيرهم, وايمُ الله! ليوشكّنَّ أن ترى القصورَ البابليّةَ مُفتحةً للمسلمين))
قبائل متناحرة متباغضة في الجزيرة, شظف العيش, وخشونة العيش والحروب, وهؤلاء الضِعاف المتخلّفون في مقياس العصر, هؤلاء سيفتحون بلاد قيصر وكِسرى, دولة من الدول المتخلّفة جداً, الآن نقول لها: أنتِ ستنتصرين على دول الشرق والغرب, مستحيل . ﴿هُنالكَ ابتليَّ المؤمنون﴾
جاء الأحزاب, ما اجتمعَ في الجزيرة جيشٌ, يعدُ عشرة آلاف مُقاتل, اجتمعوا جميعاً, لا على محاربة المسلمين, لا, يا ليت ذلك, لا على غزوهم في عُقرِ دارهم، على استئصالهم من جذورهم, على إبادتهم, ليست حرب الخندق حرباً تقليدية، حرب إبادة، حرب استئصال، واليهود الذين عاهدوا رسول الله, نقضوا عهدهم كعادتهم, كُشِفَ ظهره: ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾
الإسلام بقي ساعات, ساعات انتهى كله, إلى أن قالَ أحدهم: أيعُدنا صاحبكم أن تُفتحَ علينا بلادُ قيصر وكِسرى , وأحدُنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟!! ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾
هذا يسمونه حديثاً: الفرز، الفرز العلمي, عندك صف مثلاً: كلهم وجوه مُقبلة ونشيطة, لكن أجريت امتحان, انفرزوا, 30 واحد راسب، 12 ناجحين، 2 متفوقين، واحد أولي, فربنا عزّ وجل دائماً يُجري امتحانات, امتحانات مُفاجئة .
أنت مُطمئن, أنت مؤمن مرتاح، مؤمن ولكَ مكان بالجنة, حجزته من الآن, والناس كلهم لا يفهمون فقط, أنتَ تفهم, فيضعك ربنا بظرف صعب, فإذا أنت لست مؤمناً، بل مشرك خائف, تقع بالحرام وأنتَ لا تدري: ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 12]
يقول المنافقون : وعدنا بملك قيصر وكِسرى , وما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً , أما :

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
هذا المؤمن، عاهدت خالق الكون في السرّاء والضرّاء، في الصحة والمرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، قبلَ الزواج وبعدَ الزواج, في البحبوحة وفي الضيق، في انقباض النفس وفي طلاقة النفس، القلب له أحوال, تمر ساعات كأنكَ طائر من الفرح مسرور, الله عزّ وجل تجلّى عليك، يمر حين آخر يحجُبُ عنكَ هذا الحال الطيب, تُحس بوحشة؛ انقباض، بسأم، بضجر، بملل، وأنتَ أنت .
هم الأحبة إن جاروا وإن عَدلوا فليسَ لي عنهم معدِلٌ وإن هم عدلوا
واللهِ وإن فتتوا في حُبـهم كبدي باقٍ على حُبــهم راضٍ بما فعلوا
هل هذا حالُكَ مع الله ؟ يا ربي أنا راضٍ , لكن دائماً كُن محتاطاً ، قُل له كما قالَ النبي الكريم : لكنَّ عافيتكَ أوسعُ لي .
لا تكن مُعتداً بنفسك, يا ربي امتحن، يا ربي أنا راضٍ بما تفعله، أنا راضٍ بحكمك، أنا راضٍ بقضائك، راضٍ بنصيبي من أيِّ شيء، راضٍ بهذه الزوجة, وبهذا العمل, وراضٍ بهذا البيت, وبهؤلاء الأولاد, أنا راضٍ, لكنَّ عافيتكَ أوسعُ لي يا رب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
إنسان على الفقر مستقيم، على الغِنى لا نعرف, هو بِمنصب متواضع جداً مَلك، وضعوه مديراً عاماً بعد عنك، قبل الزواج رائع, بعد الزواج امتنع عن حضور مجالس العلم، قالت له زوجته: أليسَ يكفيك ما استمعت؟ نحن لا نريد أن نُمتحن امتحاناً ونسقط, يعني هذه الآية, يجب أن تبقى في أذهانكم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
قال: ((إنَّ الصِدقَ يهدي إلى البِر, وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة, وإنَّ الرجلَ لَيصدُقُ حتى يُكتبَ عِندَ الله صديّقاً، وإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور, وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار, وإنَّ الرجلَ لَيكذِبُ حتى يُكتبَ عِندَ اللهِ كذّاباً))
الآية الثالثة : وقل رب أدخلني مدخل صدق ........
يوجد عندنا آية دقيقة جداً وخطيرة , يقول الله عزّ وجل :
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 80]
ما معنى أدخلني مُدخلَ صِدق ؟
دخلنا على التجارة، دخلنا على الجامعة، سافرنا، دخلنا على الزواج، دخَلَ الشيء أصبحَ في داخلهِ .
قالَ العلماء معنى :
﴿أدخلني مُدخلَ صِدق﴾
أن يكونَ هذا الدخولُ إلى هذا الشيء لله, أبتغي به وجه الله, وبالله, أستعينُ بالله, وبأمر الله, أُنفذُ أمره فيه, وأبتغي مرضاة الله, للهِ, وباللهِ, وبأمرِ الله, وابتغاء مرضاة الله.
يجب أن يكونَ زواجكَ هكذا؛ أن تختارَ المرأة الصالحة، وأن تُعاملها كما أمرَ الله، وأن تبتغي من هذا الزواج مرضاة الله عزّ وجل, أسست معملاً، أسست دكاناً، أسست تجارة، تعينت بوظيفة، سافرت بعثة, يعني أيُّ عملٍ تعملهُ , يجبُ أن يكونَ لله, وبالله, وبأمر الله, وابتغاءَ مرضاة الله, هذا معنى : ﴿أدخلني مُدخلَ صِدق﴾
ما معنى وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ ؟
أما المُشكلة الخطيرة : أن ربُنا قال : ﴿وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ﴾
تجد هذا الإنسان أقدمَ على هذا العمل, يبتغي وجه الله, وباللهِ, وبأمرِ اللهِ, وابتغاء مرضاة الله، حينما أصبحَ في داخله, وعلا شأنهُ, أو كَثُرَ ماله, أو اتسعت تجارتهُ, فخرجَ كاذباً، دخلَ صادقاً فخرجَ كاذباً, هُنا المُشكلة, فالبطولة: لا في الدخول, في الخروج, البطولة كلُ البطولة: في أن تخرج لا في أن تدخل, الدخول سهل، مثل الحرب دخولها سهل جداً, أبسطُ شيء أن تدخلَ الحرب, لكنَّ أصعبَ شيء أن تخرُجَ منها، قد تخرجَ منها مُدمّراً .
القصة تعرفونها, وأقولها لكم دائماً: سيدنا معاوية رضي الله عنه, كانَ يتحادثُ مع عمرو بن العاص, وكان من دُهاة العرب, قال: يا عمرو, ما بلغ من دهائك؟ قالَ: واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً إلا أحسنتُ الخروجَ منه, قال: يا عمرو, لستَ بداهية, أمّا أنا واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً أحتاجُ أن أخرُجَ منهُ .
أقول لكم: الدخول سهل أما الخروج ليسَ بسهل، تجد إنساناً, كان فاسقاً تاب, والتحق بجماعة دينية, أول شهر شهرين يغلي غلياناً، يتّقدُ اتقاداً، يمشي فوقَ الأرض من شِدة الفرح، بعد فترة تجد انطفأ هذا اللهب, وخبا هذا البريق، واتبعَ هواه وانتكث, نحنُ نريد الثبات، نريد الاستمرار .
يقول عليه الصلاة والسلام : (( سَدِّدُوا, وَقَارِبُوا, وَاعْلَمُوا, أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ, وَأَنَّ أَحَبَّ الأعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))
احرص على أن تثبت في كلِّ شيء, في الدفع: اجمع واطرح وقسّم واضرب, قل: أنا أتخلى من دخلي عن مائة ليرة في الشهر، هذه المائة ليرة كل شهر على مدى سنتين, ثلاثة, أربعة, خمسة, أفضل مليون مرة من خمسة آلاف مرة واحدة فقط, وبعدها تندم على عدم دفعك, لَزِمتَ مجلسَ عِلم اثبت، تأتي أنتَ ابتغاء مرضاة الله، أنتَ تأتي لتزورَ بيتَ الله, لا بدَ من أن يُكرمكَ الله بعلمٍ, بحكمةٍ, بتوفيقٍ في عملك, بطلاقةٍ في لسانك, باتزانٍ في تصرفاتك, ببركةٍ في مالك, في أهلك, في أولادك, أنتَ في ذِمة الله, الإنسان لا يؤثر الدنيا على الآخرة .
من آثرَ دُنياه على أخرته خَسِرَهُما معاً, ومن آثرَ أخرته على دُنياه رَبِحَهُما معاً .
فهذه الآية خطيرة جداً: ﴿ربي أدخلني مُدخلَ صِدقٍ وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ واجعل لي من لَدُنكَ سُلطاناً نصيراً﴾
الآية الرابعة : واجعل لي لسان صدق ........
يوجد عندنا شيء آخر سيدنا إبراهيم قال :
﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 84]
يوجد عندنا مُدخل صدق, وعندنّا مُخرج صدق، دخلنا على تجارة استقامة, شركاء حلفوا على كتاب الله؛ لا رِبا، لا فائدة، لا بِضاعة مُحرّمة، لا كذب، لا غش, شيء جميل, اتسعت هذه التجارة, ونمت, وصار لها فروع, سافروا ودخلوا على فنادق فخمة، دخلوا على متنزهات, على ملاهٍ، دخلوا بصدق لكن ما خرجوا بصدق، تعاملوا مع الفوائد واختلف وضعهم كليّاً .
فنحن في مُدخل صدق وفي مُخرج صدق؛ في التجارة, وفي السفر, والزواج, وفي العلم، طالب العلم متواضع معك؛ ليسانس، دكتوراه، لا مانع، لكن بعد ما أصبحت بهذا اللقب, أصبحتَ إنساناً آخر, أصبحتَ تزدري أُمتكَ الإسلامية، أصبحتَ ترى أنَّ الدين لا يصلحُ لهذا العصر, هذا دخل .
أخي أنا أريد أن أُسافر, وأن أدرس, حتى أُصبح دعماً للإسلام, باركَ الله فيكَ, مُدخل صدق, لكن عُدتَ إنساناً آخر، عُدتَ إنساناً ترى أن الدين لا جدوى منه, وأنَّ هذه الأمة متخلّفة جداً، هؤلاء هم الأشخاص الراقون، يُمضي سنوات, وهو يُثني عليهم, ونسي الإيدز, ونسي تبادل الزوجات, ونسي زِنا المحارم, ونسي هذا السقوط المُريع الأخلاقي والاجتماعي, لكن انبهر بجسر, ببناء شامخ, بحديقة, بمواصلات منتظمة, باتصالات, بسيارات فخمة, فعاد إنساناً آخر, هذا دخل مُدخل صدق, ذهب لأخذ الدكتوراه, حتى يكون دعماً للمسلمين, فعاد ضِدَ المسلمين، هذا دخلَ مُدخلَ صِدقٍ, ولم يخرج مُخرجَ صِدقٍ .
يا أخوان, البطولة لا في الدخول, في الخروج, البطولة في الثبات، هذه الفورات لا تفرح بها .
يعني: مرة طالب عِلم التقى بعالم, الطالب مندفع, أحوال وبكاء, قال له: يا بني, الله يُثبتّك، فقد رأى مثيلاً له من قبل, فورات كثيرة ثم همود وهدوء, قال له: الله يُثبّتكَ يا بني, وفعلاً البطولة في الثبات, في أن تبدأ بسرعةٍ مستمرة, أو بتسارع، ثمَّ تباطؤ, هذا شيء ليسَ في مصلحة المؤمن .
عندنا مُدخل صدق واضح, لله, وبالله, وبأمر الله, وابتغاء مرضاة الله، تجارته, وزواجه, وشهاداته, ومعمله, ونظرته, وحركاته, وسكناته .
ولِسان صدق: يا ترى هذا اللسان؛ يتكلّم عن الحقيقة أم عن الكذب؟ عن الحق أم عن الباطل؟ عن الآخرةِ أم عن الدنيا؟ عن القيم أم عن الشهوات؟ عما يُرضي الله أم عما يُرضي الشيطان؟ .
أيام تجد الإنسان مُسخّراً لخدمة الشيطان، إذا تحدث عن الدنيا زيّنها للناس, زهّدهم في الآخرة, حببهم في الدنيا, روّجَ لهم المعاصي, يسّرَ عليهم الذنوب, شجعهم على ارتكاب الموبقات, دفعهم إلى الانغماس في الشهوات, هذا لسان كذب، يا ترى: هل لكَ لسان صدقٍ أم لسان كذب؟ .
أُرسل ابني إلى بريطانيا ليدرس اللغة؟ نعم أرسله, ضروري جداً, أنت تعرف ماذا هناك؟ سيقيم مع أسرة, وأغلب الظن سيصبح زنا, وسيصبح انحراف, وسيعود إنساناً آخر, أتقن اللغة الإنكليزية, لكن فقدَ دينه كليّاً, أرسله مباشرةً، مثلاً: ابنتي جاءها فُلان لكن لا يُصلي , غير مهم, لسان كذب؛ ينصحكَ بالانحراف, وبالسقوط, وبالانغماس بالدنيا، ربنا عزّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم قال:
﴿واجعل لي لسانَ صِدقٍ في الآخرين﴾
. الآية الخامسة : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ........
الآن :
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة يونس الآية: 2]
يوجد عندنا : مُدخل صدق ، مُخرج صدق ، لسان صدق ، وقدم صدق :
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 54-55]
أصبح عندنا خمسة أشياء :
مُدخل صدق ، مُخرج صدق ، لسان صدق ، قدم صدق ، مقعد صدق , مقعد الصدق هو الجنة . ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 54-55]
أحياناً من باب التقريب: يكون المهندس متفوقاً جداً, قدّم لأمته خدمة كبيرة جداً, اكتشف مثلاً ثروة معدنية، رئيس الجمهورية أحب أن يُكرمهُ, وضعه بجانبه، كلُّ الوزراء شاهدوه أمامهم؛ معززاً ومكرّماً ومبجّلاً, يلتف نحوه, ويبتسم بوجهه, ويحييه باحترام بالغ, فهذا مقعد صدق عِندَ هذا الإنسان الحاكم -ولله المثلُ الأعلى- أنت مؤمن, لكَ في الجنةِ مقعدُ صدق، لكَ مكانتكَ عندَ الله، لكَ منزلتك، لكَ شأنك، الله عزّ وجل وفي، الله عزّ وجل كريم، شكور، هو الشكور .
فأنت في الدنيا خائف, منطلق إلى بيت الله، منطلق إلى تعلّم العلم، تغضُ بصركَ عن محارم الله، تٌعاكس أهواءك وميولك، تُنفق من مالك, من وقتك, وبالآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 54-55]
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]

﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
هذا هو التنافس الشريف، التنافس في طلب الجنة، التنافس في رِضوان الله عزّ وجل ، التنافس في طاعة الله، هذا هو التنافس الذي يُحبه الله عز وجل, أما قدمُ الصِدق: فَفُسرَ بالجنة, وفُسّرَ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم, وفُسّرَ بالأعمال الصالحة .
علاقة الحق مع الصدق .
الحقيقة : كلمة الحق تلتقي مع الصدق ، ما الحق ؟ نقول :
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾
[سورة الحجر الآية: 85]
الحق: الشيء الثابت الهادف, خُلِقَ ليبقى, وعرفنا هذا المعنى من أضداد الحق, قال عزّ وجل:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾
[سورة ص الآية: 26]
خلقناهما بالحق وما خلقناهما باطلاً؛ الباطل: الشيء الزائل, الحق: الشيء الثابت, خلقنا السموات والأرض بالحق:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 16]
معناها: الحق خِلاف الباطل، والحق خِلاف اللعب، اللعب هو: أن تعملَ عملاً لا هدفَ منه، صار معنى الحق الثابت غير الزائل, والهادف غير العابث، الحقُ يلتقي مع الصدق, فالحقُ صدقٌ غير كذب, ودائمٌ غيرُ زائلُ, ونافعٌ غيرُ ضار, نافع ودائم وواقع .
الحقيقة : الإنسان إذا كان صادقاً , أول ثمار الصدق :
طمأنينة في القلب , قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي :
عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ:
((قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ, فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ, وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما]
الكذّاب أو المنافق أو الكافر, دائماً في قلق، دائماً في ريب، دائماً في شك .
بعضُ الكلمات في الصدق، قال بعضُ العلماء: الصدقُ الوفاءُ للهِ بالعمل، أخطر شيء في حياة المؤمن: أن يكون حجم كلامه أكبر من حجم عمله، إذا كان حجم عملك أكبر أحسن، تعمل بصمت، أكبر دولة إسلامية الآن تعد 150مليون, أسلمت بلا كلام, بالعمل, إندونيسيا، إذا كان حجم عملك أكبر من حجم كلامك أفضل، أما الحد الأدنى أن يكونَ حجمُ عملك كحجم كلامك.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ, وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
هذا الحديث ممكن أن تقرأه وتحفظه، وتحفظ ضبطه, ومن رواه، في أي كتاب، تجلس على مجلس تتصدر المجلس, تقول: قال عليه الصلاة والسلام, والناس منصرفون إليك, وتدخل للبيت على شِجار, وعلى كلمات قاسية, كل كلامك ليسَ له قيمة، القيمة فقط فيما تفعله في البيت, لا فيما تقوله عندَ الناس .
تعريف الصدق: الوفاء لله بالعمل, الكلامُ كلهُ لا قيمةَ له، الوفاءُ للهِ بالعمل، كانَ في مَهنةِ أهله, هل تفعلُ أنتَ هذا؟ .
كان إذا دخلَ إلى بيته بسّاماً ضحّاكاً.
قالَ:
((أكرموا النساء, فو الله ما أكرمهنَ إلا كريم, ولا أهانهنَ إلا لئيم, يغلبنَّ كلَّ كريم, ويغلبهنَّ لئيم, وأنا أُحبُ أن أكونَ كريماً مغلوباً, من أن أكونَ لئيماً غالباً))
هل أنتَ كذلك؟ لذلك أتمنى على أخ أن يُدقق فيقول: ما حجم محفوظاتي؟ ما حجم أعمالي؟ إذا في فرق كبير, مشكلة كبيرة جداً، يجب أن يكونَ حجمُ عملك مبدئياً بحجم أقوالك , أنفِقوا: هل تُنفق أنت؟ غضوا أبصاركم: هل تَغُض بصرك؟ كونوا حُلماء: هل أنتَ حليم؟ تسامحوا: تسامح أنت؟ هذه البطولة .
أحد تعريفات الصدق: أن يأتي فِعلكَ مُطابقاً لقولك، أول كلمة تحدثتها: أن يأتي فعلكَ مُطابقاً لقولك .
وقيلَ: الصِدق: موافقة السِرِّ للنُطقِ, أن يأتي ما في القلب كما في اللسان، واللهِ يا أخي مشتاقون لك, يا أهلاً وسهلاً, أطلت الغياب, عندما يذهب ترتاح, الآن رحبت به, وعبّرت عن محبتك, وشوقكَ له, وعن اهتمامك, هذا كذب هذا, الصدق موافقة السِرِّ للنُطقِ .
تعريف ثالث: الصِدقُ استواء السِرِّ والعلانية .
في تعاريف أصعب, قال: الصدقُ: القولُ بالحقِّ في مواطن الهالكة, موطن عصيب يمكن أن تُضحي بحريتك أو بحياتك, تقول كلمة الحق ولا تخاف, وعندئذٍ يتولى الله عزّ وجل حِفظكَ وتأييدكَ ونصرك .
يروى عن الحجاج, بلغه عن الحسن البصري كلاماً لا يحتمل, فجاء بالنِطع, فالنطع هو قماش يوضع عليه, من تُقطع رقبته حتى الدم, لا يؤثر بالأثاث, وجاء بالسياف, وقال: أحضروه، أحضِروه ليقتله, فلما دخل تمتم الحسن البصري، لمّا دخل على الحجاج, رحّبَ به, وسلَمَ عليه, وأجلسهُ إلى جانبه، هذا السيّاف صُعق, لماذا دعوته يا سيدي؟ لتضرب عُنُقه, ثم طلب منه الدعاء, وودعه إلى الباب .
أنا لا أذكر القصة بتفصيلاتها, إلا أنه سأله, ماذا قلت؟ استعان بالله عزّ وجل, فقالوا: الصِدق: القول بالحق في مواطن الهالكة .
أيام أنت إذا تكلّمت بالحق, تُنقذ إنساناً من هلاك, في أشخاص يتهيبون, هذا من الصدق، وقيلَ: كلمة الحق عِندَ من تخافهُ وترجوه, إمّا أنه مُعلّق آمالاً كبيرة عليه, فتكلّمَ كلمة غير صحيحة, وبقيت صامت, دعها له, أين الصدق؟ أين النصيحة؟ أينَ الأمر بالمعروف؟ أينَ النهيُ عن المنكر؟ فحينما ترجو إنساناً أو تخافُ منه, صار الكلام دقيقاً جداً معه, لا بدَّ من أن تقول كلاماً يرضى عنه أو ترضيه به, ليسَ هذا هو الصِدق، الصدقُ ألا تخاف في الله لومةَ لائم، ألا تأخذكَ في الله لومة لائم .
الجُنيد قال: الصادقُ يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ مرة, والمٌرائي يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة .
أنا توقعت أن يكون هناك خطأ مطبعي بالعكس, الكاذب يتقلّب في اليوم أربعين مرة, والصادق يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة .
المُرائي الشيطان أراحهُ، الشيطان أراح المُرائي, لأنه يُحققُ أهدافَ الشيطان, أما الصادق؛ من صلاة, إلى صدقة, إلى أمر بالمعروف, إلى انقباض, ما السبب؟ إلى زيارة مريض، من حال إلى حال، من منزلة إلى منزلة، من خوف إلى رجاء، من ثقة برضاء الله إلى قلق، من طُمأنينة إلى حُزن، من سعادة إلى شحوب, شِدةُ صِدقه, وشِدةُ حرصه على رِضوان الله عزّ وجل, يجعله في أحوال عديدة جداً, متقلّب تقلّب الصادق .
إذا طالب لا يدرس إطلاقاً, كُلما سألوه: الحمد لله جيد, لا يوجد عِنده مُشكلة, لأنه لا يدرس، أما الذي يدرس, هذه النقطة لم يفهمها, يريد أستاذاً، يريد زميلاً، يريد مُلخّصاً، يُريد قرطاساً, يثور وينفعل, هذا الذي نوى على النجاح، أما الذي لا يقرأ لا يوجد عنده مشكلة, العلم كله واضح, معناها لا يقرأ شيئاً أبداً, لو أنه يقرأ, لم يكن كلُ شيء واضحاً، ما دام يقرأ ويحاول أن يفهم, كان كله واضحاً .
فالكذّاب المرائي يثبُتُ على حاله أربعينَ عاماً, بينما الصادق يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ حالاً, يسأل هذه القطعة, انكسرت معي, فمن يدفع ثمنها؛ أنا أم على الزبون؟ يسألكَ في عمله، بصلاته، بذكره، بورده، بقيام ليله، بغض بصره، بعلاقته مع زوجته, يُتعُبكَ الصادق، خائف على مكانته عِندَ الله، خائف على استقامته، خائف على دينه، يتقلّب, هذه الصلاة أقامها، الذِكر أجاد فيها، قرأ القرآن، حفظ أم لم يحفظ، أما الآخر على حالة واحدة.
أحدهم دهس اثنين، مات الأول والثاني لم يمت، الذي مات يصيح, فقال له: مات ولم يتكلّم, لأنه مات, الذي لا مشكل عنده معناها ميت، أمواتٌ غيرُ أحياء، أما الحي له سؤال، له جواب، له قضية، له مشكلة، هكذا قالَ الجُنيد: الصادقُ يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ مرة, والمٌرائي يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة .
الصِدقُ منزلةٌ هيَ أمُ المنازل، لا أُبالغ إذا قلت: إنَّ المنازلَ كلها أساسها أن تكونَ صادقاً مع الله عزّ وجل، يعني التفت إلى الله, ودع الخلقَ جانباً، عكس الصدق الكذب أو الرياء، والرياء من الشِرك, والحديث الشهير:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ, فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى, فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ, أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي, فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ))
آخر ما يُقالُ في هذا الدرس : أنَّ الصِدقَ يهدي ..
أنت حينما تكون صادقاً مع الله, يتولى الله نقلكَ, من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام، ومن درجة إلى درجة، ومن طريقة إلى طريقة، ومن فهمٍ إلى فهم، هذا التطوير والرُقيّ أساسه الصِدق .
اللهم اجعلنا من الصادقين؛ الذينَ إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع العاشر )


الموضوع : الحياء









منزلة الحياء .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع عشر من دروس منازل السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الحياء , هذه المنزلة مُستنبطة من كتاب الله عزّ وجل .
الآيات التي تتحدث عن الحياء .
الآية الأولى : ألم يعلم بأن الله يرى ....
قال تعالى :
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
[سورة العلق الآية: 14]
أحدنا إذا اكتشفَ أنه حينما فعلَ هذا الفِعل كانَ فُلانٌ يراه، إن كانَ هذا الفِعلُ شنيعاً يذوبُ كما تذوبُ الشمعةُ المُشتعلة، فما بالك إذا كانَ خالِقُ الكون ربُّ العالمين الذي منحكَ الحياة يراكَ في تقلّبك؟ .
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213-218]
يراكَ في فِراشِكَ، يراكَ في بيتكَ، يراكَ في خلوتك، يراكَ في جلوتك، يراكَ في أثناء بيعك، يراكَ في حديثك .
أساسُ الحياء :
أنَّ الله يرى , لذلك الآية الأولى في موضوع الحياء :
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
قبل هذه الآية : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
[سورة العلق الآية: 9-14]
مواقفك، نصائحك، إرشاداتك, ما تُبطن وما تٌعلن:
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
هذه أول آية . الآية الثانية : إن الله كان عليكم رقيبا ....
آية أخرى في الحياء ، هذه الآياتُ وحدها تكفي الإنسان :
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
[سورة النساء الآية: 1]
أنتَ تحتَ المراقبة, ويا ليتك تشعر حينما تشعر أنكَ تحتَ المراقبة كيف تكون؟ ليتكَ توازن نفسكَ, حينما تشعر أنَّ إنساناً يُراقُبك, وبيده حولٌ وطور, وبإمكانه أن يفعلَ معكَ ما يفعل, إذا شعرتَ أنه يُراقبُك, وأنكَ تحتَ مُراقبته, كيفَ تنضبط؟ كيفَ تستحيي؟ يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
يعني إذا قرأت أنَّ هذا الطريق مُراقب بالرادار, هل تُسرع؟ إذا أسرعت, تُلتقطُ صورةٌ لمركبتك, وتُحاسبُ حِساباً عسيراً، إذا دخلتَ إلى مكان للبيع, وقرأتَ أنَّ هذه الصالة مُراقبة تلفزيونياً, كيف تتحرك؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
هذه أمثلة للتوضيح ولله المَثلُ الأعلى .
يعني: الإنسان إذا كان أمام شخص من أسرته, عالي الشأن, رفيع المقام، أخلاقي، له شأنه في الحياة، إذا دخلَ عليكَ البيت, كيفَ تستقبله: بثياب متبذلة؟ كيفَ تُحدّثه: ترفعُ صوتكَ أمامه؟ تُلقي عليه كلاماً سخيفاً بذيئاً فاحشاً؟ هذا إنسان من لحمٍ ودم من طينتك . الآية الثالثة : يعلم خائنة الأعين ....
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[سورة غافر الآية: 19]
لو أنكَ في غُرفتكَ وحدك, وغرفة جيرانك مفتوحة النوافذ, ووقفت امرأة على هذه النافذة, لا يستطيعُ رجلٌ في الأرض أن يُحاسبك, ولا أن يكتشفَ أنكَ تنظرُ إليها، إذا خانت العين ونظرت، من يعلم؟ الله سبحانه وتعالى:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
هذه الآيات ، أما الأحاديث : الأحاديث التي تتحدث عن الحياء .
الحديث الأول : الحياء من الإيمان ....
أما الأحاديث : في الحديث الصحيح من حديثِ ابنِ عمرَ رضيَ الله عنهما: عَنْ سَالِمِ بْنِ عبد الله, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ, وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
حديثٌ نعرفهُ جميعاً, ولكن لو وقفنا عنده وقفةً متأنية, لكشفنا العجبَ العُجاب، هُناكَ خُلُقٌ يُعدُ من لوازم الإيمان, فمن لم يكن مؤمناً, لا يمكن أن يكونَ متحليّاً بهذا الخُلُق .
هناك خُلق إذا توافرَ لا بدَّ من أن يكونَ الإنسان عديم الإيمان .
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
فإذا كّذّبَ أو خان ليس مؤمناً، المؤمن لا يكذب، إن كانَ حييّاً فهو قطعاً مؤمنٌ, لأنَّ الحياء لا يكون إلا عن إيمان الخُلُق, الذي يؤكدُ وجوده عِندَ الإيمان هو الحياء، والخُلُق الذي ننفي معه الإيمان الكذب والخيانة, لذلك قال عليه الصلاة والسلام توفيراً للوقت والجهد: دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ "
لو كانَ مؤمناً لكانَ حييّاً, ما دام لا يستحيي, إذاً: ليسَ مؤمناً، والحياءُ من الإيمان . الحديث الثاني : الحياء لا يأتي إلا بخير ....
عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ ))
فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ : مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ : إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا , وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً .
كيفما تحركت الحياء يُقدّمُ لكَ كلَّ خير، تستحيي أن تعصي الله لأنه يُراقبك، تستحيي أن تؤذي الناس لأنَّ الله يُراقبك، تستحيي أن تأخذَ ما ليسَ لك لأنَّ الله معك، الحياءُ لا يأتي إلا بخير. الحديث الثالث : الحياء شعبة من الإيمان ....
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيق,ِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ))
أعطاك النبي أعلى درجات الإيمان : أن توّحدَ الله عزّ وجل ، أن ترى يدَ الله وحدها تعمل في الكون، أن ترى أنهُ لا إله إلا الله هذه أعلاها، التوحيد نهاية العِلم, إذا وحّدت حُلّت كلُّ مشكلاتك, لأنَّ كلَّ علاقاتك أصبحت مع جِهةٍ واحدة وهي الله, فإذا جمعتَ كلَّ العلاقات مع جِهةٍ واحدة استرحتَ وأرحت، لذلك نهاية المطاف أن تُوّحدَ الله عزّ وجل، نهاية النهاية أن تكونَ موّحداً، وأكثر المؤمنين يقعون في الشِرك الخفيّ, بدليل قول الله عزّ وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
هنا في هذه الآية, تعني كلمة مشركون: أي الشِركَ الخفيّ وليسَ الجلي, هذا أعلى مرتبة، وأدناها: أن تقوم بعمل صالح بسيط: أن تُميطَ الأذى عن الطريق, أن تُزيحَ حجراً من طريق الناس، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان .
الإيمان اعتقاد, والإيمان سلوك, والإيمان خُلُق، أن تُميطَ الأذى سلوك، أن تستحيي من الله خُلُق، أن تعتقدَ أنه لا إله إلا الله عِلم.
الإيمان أخذ منحى علمياً، منحى سلوكياً، منحى خُلقياً .
في الحياء :
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ :
((كَانَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا, فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ, عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
كان يستحيي , وجّهَ امرأة مرةً , وقال :
((أيتها المرأة, خُذي فِرصةً ممسكةً تتبعي بها أثرَ الدم, فقالت: يا رسول الله! كيف أتتبعُ بها أثرَ الدم؟ يروي أصحابهُ أنه علت وجهه حُمرة -حُمرة الحياء- وارتبك النبي عليه الصلاة والسلام, وقالَ: يا سبحان الله! تطهرينَ بها -يعني ليسَ في إمكانه أن يعطي مزيداً من التفصيلات- فأخذتها السيدة عائشة جانباً, وعلّمتها كيفَ تطهرُ بها))
كانَ حيياً .
هذا الذي لا يستحيي , له نظراتٌ وقحة، له عِباراتٌ بذيئة، له سلوكٌ جافٍ ، هذا الذي يُحرج الناس يوقعهم في الحرج، يُحمّرٌ وجوههم، يتلذذ برؤية وجوههم وهم يرتبكون, هذا ليسَ مؤمناً، المؤمن يستحيي, ويستحيي أن يوقعَ أحداً في الحرج .
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا تُحمّروا الوجوه))
لا تتكلم كلمة تجعل أخاكَ يضطرب، تجعل أخاكَ يرتبك، تجعل أخاكَ يحمّرُ وجهه خجلاً، لقد أسأت إليه .
كلكم يعلم : أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانَ مدعواً مع أصحابه إلى وليمة, صلّوا جميعاً الظهر, وتناولوا طعام الغداء, وكانَ لحمَ جزور, صدرت رائحةً من أحدهم, وأذّنَ العصر-وهذا الواحد يجب أن يقوم ليتوضأ, وأنا أظن يتمنى أن يغور في باطن الأرض، وأن لا يفُتضحُ أمام الناس، ماذا فعلَ النبي؟-, قال: ((كلُّ من أكلَ لحمَ جذور فليتوضأ, قالوا: يا رسول الله! كُلنا أكلنا هذا اللحم, قالَ: كلكم فليتوضأ))
أرادَ ألا يُحرجَ هذا الإنسان، أرادَ ألا يُخذِله، أرادَ ألا يُربِكهُ، أرادَ ألا يجعله في وضعٍ حرج .
كانَ أشدَ حياءً من العذراءِ في خِدرها, فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناهُ في وجهه .
وفي الصحيح: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ, إِذَا لَمْ تَسْتَحْ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ))
لهذا الحديث تأويلات: التأويل الأول وهو ضعيف, يعني إذا فعلتَ فِعلاً, أو إذا أقدمتَ على فعلٍ مُباحٍ مشروعٍ, لا يُستحى منه عادةً فاصنعه، إذا أردتَ أن تشتري لأهلكَ طعاماً, وأنتَ عالي الشأن, هذا عمل مشروع وشريف, وهو وسام شرف, ومن حملَ حاجته بيده بَرِئ من الكِبر، فإذا كانَ هذا الأمر مشروعاً فافعله, هذا المعنى ضعيف, ولكن المعنى الشائع الذي أقرّهُ جمهور العلماء: أنكَ إذا فقدتَ الحياء فاصنع ما تشاء, عندئذٍ فقدتَ مقومات الأدب، فقدتَ مقومات الخُلُق، هذا فافعل ما تشاء أو فاصنع ما تشاء, هذا أمرُ تهديد . الحديث الرابع : استحيوا من الله حق الحياء ....
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))
ربنا عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 102]
هذه غير اتقوا الله، طالَبَكَ النبي بكمال التقوى، وإذا قال الله عز وجل:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
[سورة الحج الآية: 78]
لم يطالَبَكَ بالجِهاد بأصل الجِهاد، طالَبَكَ بكمال الجِهاد. يعني: أنتَ مأمور بالتقوى وبِحقِّ التقوى, أيّ بكمال التقوى, ومأمورٌ بالجهاد وبكمال الجهاد, ومأمور بالحياء وبكمال الحياء.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))
ليسَ هذا الحياء المُتعارف بين الناس، ليس هذا الحد الأدنى من الحياء، يوجد بالرأس عين, هذه العين: هل تستحي؟ هل تَغُضُ بصرها عن محارم الله، أم تتبعُ بِها عورات المُسلمين ؟ هل تنظر بكتاب أخيك بفضول ماذا يكتب؟ هل وجدتَ في الغرفة كتاباً أو دفتراً وفتحته وتأملتهُ بفضول؟ هذا ليسَ من الحياء, الدفتر ليسَ لكَ، المحفظة ليست لكَ, لماذا فتحتها؟ مكتبٌ ليسَ لكَ, لماذا جلستَ وراءهُ وفتحتَ الدروج؟ . ((أن تحفظَ الرأس وما وعى))
العين، الأذن إذا استمعت إلى مزاحٍ رخيص جنسي, هل تطرب له, أم تشمئزُّ منه, أم تقوم عن هذا المجلس, فلا تقعد بعدَ الذكرى؟ الأذن, العين, اللسان, هل جرى لِسانُكَ بكلماتٍ بذيئة، كلماتٍ فاحشة؟ تعلّم من كتاب الله كيفَ يكون الأدب؟: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5-7]
هل تشعر أنَّ في هذا الكلام ما يجرحُ الحياء؟ ما يُحرج؟ افتح أيّ كتاب فقه، ترى أشياء بأسمائها، العورات بأسمائها، والمواقف والاتصالات واللقاءات بتفصيلاتها, الإنسان قد يستحيي .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
[سورة النساء الآية: 43]
طفل صغير بمجلس علم يقرأ القرآن: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾
لم يفهم من هذه الآية أكثر من أن يلمسَ الإنسانُ امرأة لمسة. بالقرآن في أشياء لطيفة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام كيفَ تكلّم؟ رأى أحدَ بناته -فيما أذكر- وعليها ثيابٌ رقيقة, فقال: يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ .
أية كلمةٍ تنتقيها سوف تُثير الغريزة الجنسية, قال: ((يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ))
أيُّ عظمٍ هذا؟ كلمة عظم مُنَفّرّة. هذا الذي تَغزّلَ, وقال: إن سلمى خُلقت من قصبٍ؛ قصبِ السُكّرِ لا عظم الجمل, وإذا قرّبتَ منها بَصلاً, غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل, هذا ليس غزلاً, بصل وجمل, فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ))
.
اللسان: تعلّم كيف يكون مُهذّباً؟ كيف تُعلّم أولادكَ التهذيب في الكلام وفي التعبير؟:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))
ما قولكم: إنَّ الله عزّ وجل حيي؟ .
إنَّ الله تعالى حييٌ كريم, يستحيي من عبده إذا بسطَ إليه يديه, أن يردهُما خائبتين.
يستحي الله عزّ وجل .
قال بعضهم: الحياءُ من الحياةِ، علامة حياة القلب: لكَ قلبٌ حي إذاً أنتَ تستحيي، القلبُ ميت إذاً لا تستحيي, الحياءُ من الحياة, قِلةُ الحياة علامةُ موت القلب، كلما كانَ القلبُ أحيا كانَ الحياءُ أتم .
قال الجُنيد رحمه الله تعالى: العلماء أنسب كلمة رحمهم الله تعالى, إذا قلت: رضي الله عنهم بمعنى دعاء, أما بمعنى تقرير هذا لأصحاب النبي وحدهم, لأنَّ الله عزّ وجل قالَ في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾
[سورة الفتح الآية: 18]
إذا قلت عن عالمِ رضي الله عنه, فالمقصود: أرجو الله أن يرضى عنه, دُعائية, أما إذ قلت عن الصحابي: رضيّ الله عنه, تقريرية, والأَولى أن تقول: رحمه الله تعالى. الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، أَكمَلّ, لأنَّ كلمة رحمه الله تعالى لا توقع في لَبس واضحة, ليسَ صحابيّاً .
تعريف الحياء في رأي الجنيد :
الإمام الجُنيد رحمه الله تعالى قال :
الحياءُ رؤية الآلاء مع رؤية التقصير .
من هاتين الرؤيتين يتوّلدُ في النفس حالةٌ اسمُها :
الحياء .
إذا واحد قدّمَ لكَ شيئاً ثميناً , وأنتَ لم تُقدّم له شيئاً وقابلته , تستحي منه , عَمَلَ لكَ ولائم كثيرة , وزاركَ في البيت , ولا يوجد عندكَ شيء , تجد نفسك مضطرباً محرجاً , تقول له : والله لا تؤاخذنا ، تفسير بسيط من رؤية الفضلِ مع رؤية التقصير, يتولد في الإنسان المؤمن حالةُ اسمها :
الحياء .
فضلُ الله عزّ وجل عميم , والدليل :
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
والإنسان مهما قدّم لا يستطيع أن يُوفَي. قد يقول أحدكم: هذه الآية:
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
[سورة النجم الآية: 37]
ماذا تعني؟ سيدنا إبراهيم حينما ابتلاه الله بالتكليف, وفّى ما عليه، نَفذَّ الأمر، ولم يستطع أن يُكافئ حضرةَ الله عزّ وجل على إحسانه, مستحيل .
إذاً: لا أحد يستطيع أن يَرُدَ الجميلَ إلى الله عزّ وجل, حتى إذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضله عليك, خلقَ الفضلَ ونَسَبهُ إليك, لكنَّ هذا الحياء؛ الفضل عميم والجهد قليل, إذاً: ينشأ حالة اسمُها الحياء، من لوازم هذه الحالة: تركُ القبائح, وتركُ التفريط مع أصحاب الحقوق، ما دام لا تقدر أن تُكافئ خالِقَكَ على إحسانه لك, لا أقلَّ من أن تدعَ ما نهاكَ عنه .
رأي الفضيل بن عياض : قلة الحياء من علامات الشقاء .
الفُضيل بنُ عياض ؛ هذا القاضي الجليل قال :
خمسٌ من علامات الشقاء : القسوة في القلب ، وجمود العين , وقِلة الحياء ، والرغبةُ في الدنيا ، وطولُ الأمل .
هذه خمسُ علاماتٍ من علاماتِ شقاء الإنسان :
قِلةُ حيائه , وقسوة قلبه , وجمودُ عينه , ورغبته الجامحة في الدنيا , وطولُ أمَلِهِ فيها .
وقال السرّيُّ الثقفي : إنَّ الحياءَ والأُنسَ يطرقان القلب , فإن وجدا فيه الزُهدَ والورع أقاما , وإلا ارتحلا .
وقالَ يحيى بنُ مُعاذ : من استحيا من اللهِ مُطيعاً , استحيا الله منهُ وهوَ مذنبٌ .
معنى جميل جداً , أنتَ تُطيع الله تستحي منه, وأنتَ في طاعته, فإذا زُلّت قدمُك، فإذا سَبَقَكَ لِسانُك، فإذا وقعتَ في مُخالفة، عندئذٍ الله عزّ وجل يستحيي مِنكَ أن يُعاقبك .
((عبدي اعرفني في الرخاء أعرفكَ في الشِدة، عبدي كَبِرت سِنك, وضَعُفَ بصرك, وشابَ شعرك, وانحنى ظهرك, فاستحيي منّي, فأنا أستحي مِنك))
أيام تنفعل, أنت تضرب ابنك الصغير, عمره خمس سنوات، كل ما كبر الابن بعد ما تضربهُ تتألم كثيراً, إذا كبر كثيراً يبقى في قلبه ألم لأشهر منك, كلما كبرَ الإنسان أو كبر سنّهُ أو مقامه أو قدرهُ فالعقاب مؤلم، يتضاعف العِقاب، فإنسان شابَ في الإسلام, اللهُ عزّ وجل حيي, يستحي ربُنا عزّ وجل أن يُعذّبَ ذا الشيبةِ المُسلم .
إنَّ الله لَيُباهي الملائكة بالشاب المؤمن , يقول : انظروا عبدي تركَ شهوتهُ من أجلي .
مرةً ثانية : حياء الله عزّ وجل وَضّحهُ العلماءُ , فقالوا : إنه حياءُ كرمٍ , وحياءُ بِرٍ , وحياءُ جودٍ , وحياءُ جلال .
فإنه تباركَ وتعالى حييٌ كريم , يستحي من عبده , إذا رفعَ إليه يديه , أن يَرُدهُما صُفراً , ويستحيي أن يُعّذبَ ذا شيبةٍ شابت في الإسلام .
أقولها مرة ثانية : من كان يستحيي , يستحيي أن يُخالف أنظمة البشر, لِئلا يقع في الخطأ, خالفتَ نظام السير وأوقفكَ, من هو مسؤول عن هذا النِظام؟ وسألكَ: أعطن أوراقك, وأعطن مستندات هذه السيارة, ولماذا خالفت؟ الذي يتمتع بِخُلق الحياء, يستحيي أن يقعَ في المخالفات, حتى في الأنظمة الوضعية, لِئلا يقفَ موقفاً حَرِجاً، لِئلا يصغُر، لِئلا ينكمش . أوجه الحياء جملة وتفصيلاً :
بعض العلماء قال الحياء على عشرةِ أوجه :
حياءُ جِنايةٍ ، وحياءُ تقصير ، وحياءُ إجلال ، وحياءُ كرم ، وحياءُ حِشمة , وحياءُ استصغار نفس ، وحياءُ محبة ، وحياءُ عبودية ، وحياءُ شرفٍ وعِزّة ، وحياءُ المُستحيي من نفسهِ .
إليكم التفصيلات :
1-حياء الجناية :
فأما حياءُ الجناية : فمنه حياءُ آدمَ عليه السلام , لمّا فرَّ هارباً من الجنة , قالَ تعالى : أفِراراً مني يا آدم ؟ قالَ : لا يا ربي بل حياءً منك .
أيام الإنسان يستحيي أن يواجه إنساناً عظيماً بمخالفة , فهذا ليسَ حياء الهروب , حياء التعظيم ، حياء الجناية .
أحياناً الإنسان يكون له ابن, فيخطىء الابن : أين فلان؟ مختفٍ, إذا كان الابن توارى حياءً , الأب يتسامح حتى لا يُصبح في إحراج ، الابن خاف واستحى بذنبه , هذا حياء الجناية .
2-حياء التقصير :
أما حياءُ التقصير: كحياء الملائكة , الذين يُسبحّونَ الليل والنهارَ ولا يفترون, فإذا كانَ يومُ القيامة, قالوا: سبحانكَ ما عبدناكَ حقَّ عِبادتك, هذا حياء التقصير, النبي عليه الصلاة والسلام جعل عمله الصالح كله، وعملهُ ليسَ في الأرضِ كُلِها منذُ آدم وإلى يوم القيامة, عملٌ أعظمُ من عملِ النبي, رحمةٌ مُهداة، نِعمةٌ مُزجاة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 107]
كلُ عملهِ رآه قليلاً, فقالَ عنه: يا ربي إنهُ جِهدُ مُقِل, هذا التواضع, جُهدُ مُقِل عمل النبي، ألفان ومئتا مليون مُسلم في شتى بِقاع الأرض على رُقعةٍ واسعةٍ جداً, هذه دعوة النبي, ومعَ ذلك قال: يا ربي إنهُ جِهدُ مُقِل, هذا حياء التقصير .
3-حياء الاجلال :
حياءُ الإجلال: هو حياءُ المعرفة قدر معرفة العبدِ بربه يكونُ حياؤهُ منه، كلما ارتقت معرفتك ارتقى حياؤك, هذا سماه العلماء الإجلال .
سيدنا النبي لمّا قدّم الوسادة لزيد الخير, قالَ:
((واللهِ إني لا أتكئ في حضرتك))
استحيا أن يتكئ في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام .
النبي عليه الصلاة والسلام وهو نبي هذه الأمة, ما رؤي ماداً رجليهِ قط في حياته بينَ أصحابه . 4-حياء الكرم :
وحياءُ الكرم كحياء النبي من القوم الذينَ دعاهم إلى وليمة زينب, وجلسوا وأطالوا الجلوس, فقامَ واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا .
أحياناً يكون يغلي غلياناً, لشدة الارتباطات والأعمال, يأتيه شخص مُحب, يجلس يستمتع بالحديث يأنس, من السهل أن تقول له: انصرف, ولكن على صاحب الحياء صعبةٌ جداً , تراه يتمزق, والتمزق أهونُ عندهُ من أن يصرفهُ, هكذا فعلَ النبي, دعا أصحابه إلى وليمة زينب, جلسوا وأطالوا الجلوس, والنبي في حرجٍ شديد, فاستحيا أن يقول لهم: انصرفوا .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
5- حياء الحشمة :
قال حياءُ الحِشمة : كحياء علي بن أبي طالب رضي الله عنه, استحيا أن يسألَ النبي عليه الصلاة والسلام عن المذي, سائل شفاف يخرج قبل المنيّ, هذا يا ترى ينقض الوضوء, يحتاج إلى وضوء أم يحتاج إلى غُسل، سيدنا علي زوج ابنة رسول الله, فاستحيا أن يسألَ أباها وابنتهُ عِندهُ .
العلماء استنبطوا: لا يصح ولا يليق أن تتحدثَ بأمرٍ نسائي أمام والد زوجتك, وأمام أخوتها, ولو كان في تورية.
الإنسان يحكي عن العلاقات الزوجية والأحكام الشرعية بشكل مُهذّب جداً وبشكل راقٍ جداً، لكن إذا كان والد زوجته موجود وأخوات زوجته, الأكمل ألا يتحدث به أبداً, اقتداءً بسيدنا علي بن أبي طالب, الذي استحيا أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن المذي, لأنَّ ابنتهُ عِندهُ, لمكان ابنته من رسول الله .
كنت مرة بجلسة في العيد, يتحدث الأخ كلاماً لطيفاً متعلّقاً بالزواج وبالعلاقات الزوجية أمام أخي وزوجته، فأخو زوجته ينتقل إلى صورة, قد يأباها الأخ أو الأب مثلاً, أو قد لا يُحب أن يتخيل ما يجري. فلذلك: من الكمال أن لا تتحدث عن أشياء مباحة, وأشياء مُهذّبة فيها كنايات لطيفة أمام أقرباءِ زوجتك, هذا من الحياء .
6-حياء الاستحقار والاستصغار :
قال: وحياءُ الاستحقار والاستصغار: كحياء العبدِ من ربه عزّ وجل, حين يسألهُ حوائجه, احتقاراً لشأنِ نفسهِ, واستصغاراً لها .
يقولون: أن نور الدين الشهيد رحمه الله, الذي رفعَ اسمَ المسلمين عالياً, والذي قضى على سبعٍة وعشرين جيشاً أوروبيّاً, جاؤوا ليغزوا بلادنا في العصور الوسطى غزو الفِرنجة، يقال: أنه سجد, هكذا قرأت ولا أدري مبلغَ هذا من الصحة, سجد قُبيلَ المعركة الفاصلة, وقال: يا رب, من هو نور الدين حتى تنصرهُ؟ انصر دينك .
يعني: من أنا حتى تنصرني؟ يا رب أنا أحقر من ذلك, انصر دينكَ يا رب, فإذا الإنسان رأى عبوديته, ورأى أنه لا شيء, ما فعلَ شيئاً، ما قدمَ شيئاً، فاستحيا من الله, هذا حياء العبودية لله عزّ وجل .
فسّرَ بعض العلماء هذا الحياء حياء الاستصغار؛ إمّا لتعظيم المسؤول وهو اللهُ عزَ وجل, أو لوقوع السائل ببعض الذنوب, إما السائل مُذنب على استحياء, أو أنَّ المسؤول عظيم جداً .
7-حياء المحبة :
أما حياءُ المحبة : فحياءُ المُحبِّ من محبوبه , حتى إذا خطرَ المحبوب في قلب المُحبِّ في غيبتهِ , هاجَ حُبُهُ , وظهرَ هذا في وجههِ , ولا يُدرى ما سببهُ ؟
8-حياء العبودية :
حياء العبودية : حياءٌ ممتزجٌ من محبةٍ وخوفٍ ومشاهدة .
9-حياء الشرف والعزة :
أما حياء الشرف والعِزّة : إذا الإنسان له مقام كبير, المُعلّم, الأب, في الخمسينات, عنده خمس بنات متزوجات, عنده أصهار, له أولاد شباب, وله أحفاد, يمزح مزحاً ساقطاً, يتلصص على النساء, يُضبط أنه يتلصص، مُراهقةُ في سِنٍ متأخر, كما قال الله عزّ وجل: ((وأبغضُ العصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشد))
من دخلَ الأربعين دخلَ في أسواق الآخرة .
سن الأربعين سن التقوى والصلاح, سن الإنابة والقرآن والحفظ والتهيئةَ, رحلة: ستة أيام يُلهو؛ سبت أحد اثنين ثلاثاء يوم الأربعاء, تجده يُخطط للعودة, كيف نعود بالسيارة العامة أو الخاصة بالقطار؟ إذا كان عمر المرء ستين، إذا كانت الستين ستة أيام، أول عشر سنوات السبت, وثاني عشر سنوات الأحد, والثالثة 30 الاثنين, والرابعة الثلاثاء، والخامسة الأربعاء، خامس مرحلة, من دخلَ الأربعين دخلَ في أسواق الآخرة .
فإذا إنسان له مقام , له عمل في الجامعة ، أب راقٍ ، صاحب معمل ، مدير مستشفى , لا يليق به أن يقرأ موضوعاً سخيفاً , أو يتواجد عنده مجلة من نوع معين, أو يمزح مزحاً معيناً, أو يرتكب حماقة معينة, هذا لا يليق بالإنسان العادي, فكيفَ بالمؤمن؟ . 10-حياء المرء من نفسه :
حياءُ المرءِ من نفسهِ : هو حياء النفس الشريفة , هذا أرقى أنواع الحياء ، وأنتَ وحدكَ في البيت .
أحياناً الإنسان إذا رأى نفسه كريمةً عفيفةً شريفةً صادقةً, رِضاؤهُ عن نفسهِ يُسعدهُ، إذا الإنسان ارتكب حماقة فيما بينه وبينَ نفسهِ, ولا أحدَ على وجه الأرض اطلّعَ عليها, يكفيه ألماً أنه احتقرَ ذاتهُ. فلذلك الإنسان الشريف يسعى إلى أن يرضى عن نفسهِ، إذا رضي عن نفسهِ شعرَ باعتزازِ إنسانيته .
قال العلماء: إذا استحيا الإنسان من نفسهِ, فاستحياؤهُ من غيرهِ من باب أَولى.
أنواع الحياء :
1-حياء الرقابة :
أحدُ أنواع الحياء المُهمة حياءُ الرقابة : وهو حياءٌ يتولّدُ من عِلمِ العبدِ بنظر الحقِّ إليه .
مرة دخلت إلى محل تجاري -القصة قديمة-, وجدت شاشة تلفزيونية بالمحل, وعلى الشاشة شاب على طاولة, يكتب في دفاتر محاسبة, فعلمت أنَّ صاحب المحل التجاري في الطابق العلوي, عنده محاسب, فلا أدري لماذا فعلَ هذا؟ لكن وضع فوقَ هذا المحاسب آلة تصوير تلفزيونية, وعندهُ في المكتب هذه الشاشة, تُريه ما يفعلُ هذا المُحاسب, في ثماني ساعات. قلت: هذا المحاسب ما دام مُراقباً ثماني ساعات مستمرة، كل حركاته وسكناته محسوبة، كلما نظرَ صاحب المحل رآه ماذا يعمل؟ تصور نفسك مُراقباً أربعاً وعشرين ساعة.
بعض مدراء المدارس غلط غلطة كبيرة, ووضع بكل صف جهاز لاقط، أحبَّ أن يسمع كل أستاذ ماذا يتكلّم؟ فأصبح الموقف حرجاً. كل أستاذ له أحواله مع الطُلاب؛ أحدهم نزع الجهاز، الثاني قطع الشريط .
على كُلٍ؛ المراقبة المستمرة صعبة جداً, لكن ربنا لطيف, مع أنه معك دائماً ويُراقبك, لكن لا تشعر بثِقل المُراقبة, هذا أحد أنواع الحياء, حياءٌ يتولد من علم العبدِ بنظر الحقِ إليه, لذلك يستقبح كلُ جناية, وتحلو له كلُّ مجاهدة، يستقبح الجِناية وتحلو له المجاهدة في سبيل الله ، لأنَّ الله عزّ وجل يُراقبك ويسكت عن الشكوى .
متى يبتعد العبد عن حال المراقبة؟ :
الذي يشتكي كثيراً بعيد عن حال المراقبة, لأنه قال له: ألك حاجة؟ قال له: مِنك؟ قال : لا, من الله، قال له: عِلمهُ بحالي يُغني عن سؤالي .
إذا الإنسان شعر أنَّ الله يُراقبه يسكت لسانه, ماذا يتكلّم؟ قال له: عبدي كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلُحك .
لا تُكلّف نفسكَ أن تتكلم بما تحتاج, أنا أعرفُ كُلَّ حاجاتك، أعرفُ كلَّ رغباتك، أعرفُ كلَّ ما يُزعجك، أعرف كُلَّ ما يؤلِمك، كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلُحك .
قال: هذا حياءُ المراقبة, يحمل صاحبهُ على المجاهدة, ويُحملهُ على استقباح الجناية, ويجعلهُ يسكت.
عِلمهُ بحالي يُغني عن سُؤالي.
أرقى أنواع المراقبة: أن يخشى المُحِبُّ إذا فعلَ مخالفةً أن ينقطعَ عن محبوبه، هذا الخوف الذي قال عنه النبي: رأسُ الحِكمة مخافة الله. لا خوفَ عِقابهِ بل خوفَ البُعدِ عنه .
2-الشعور أن الله معك :
من أرقى أنواع الحياء : الشعور أنَّ الله معك، كلكم يعلم أنَّ مَعِيّةَ الله نوعان: مَعِيّةٌ عامة وهي مَعِيّةُ العِلم الإلهي:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
والمَعِيّةُ الخاصة: مَعِيّةُ الحِفظِ والتأييدِ والنصرِ والإكرام. قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 128]
أما : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
هذه مَعِيّةٌ عامة ، اللهُ مع كلِّ إنسان , حتى معَ العُصاة ، حتى معَ المُنحرفين , لكن إذا قال : ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
[سورة المائدة الآية: 12]
قال: هذه مَعِيّةٌ خاصة, مَعِيّةُ الرعاية والحِفظِ والنصرِ والتأييد.
3-القرب :
القُرب أكّدهُ القرآن الكريم, فقالَ الله عزّ وجل:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
إني قريب, القُرب أن تُحس أنَّ الله معك, أو أنَّ الله قريبٌ مِنك, هذا شعور من لوازم الإيمان، ولا تأتي معصية إلا إذا أحسست أنَّ الله لا يراك, أو أنَّ الله بعيدٌ عنك .
على كُلٍ؛ بعضُ أهلِ القلوب لهم وقفاتُ طويلة عندَ ما يُسمى بِحال المراقبة، حال المُراقبة أن تشعر دائماً أنَّ الله يُراقبك، وأنه مُطلّعٌ على سريرتك وعلى علانيتك، وعلى حركاتك وعلى سكناتك، وعلى أقوالك وعلى كُلِّ ما يَصدرُ عنك, هذا الشعور وحده يكفي أن تستقيمَ على أمره, ويؤكّدُ هذا: أنكَ إذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم ما تفعل:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾
يعني: هذا هو الإيمان؛ أن تعبدَ الله كأنكَ تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إما أن تراه أو هو يراك .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : الارادة





منزلة الإرادة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع عشر من دروس منازل السالكين , ومنزلة اليوم , منزلةٌ يحتاجها كلُّ مؤمن إنها :
منزلة الإرادة .
قيمة هذه المنزلة تُكمنُ في أنَّ كلَّ إنسانٍ أو أنَّ كلَّ مؤمن , يتمنى أن يكونَ أفضلَ مما هوَ عليه , ما الذي يمنعهُ من أن يكونَ كما يتمنى ؟ ضعفُ إرادته , لا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ من أخطر الموضوعات المطروحة في مدارج السالكين هذا الموضوع .
يعني : من مِنّا لا يتمنى أن يكونَ من أعلى المؤمنين ، من أكملهم إيماناً ، من المتقين ، من المُحسنين ، ممن تَخلّقَ بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم , ممن رزقهُ الله عملاً صالحاً ، ممن أتقنَ صلاتهُ ، ممن أنفقَ ماله في سبيل الله ، ممن دامَ ذِكرهُ ، ممن طَهُرَ قلبهُ ، ممن أقبلت نفسه , لماذا ؟
لماذا نحن دائماً دونَ ما نتمنى ؟!!
لماذا هناكَ مسافةٌ بينَ ما نحنُ عليه وبينَ ما يجبُ أن نكونَ عليه ؟!!
هنا تكمن قيمة هذا الدرس , إنها الإرادة .
تمهيد :
قبلَ أن أدخلَ في تفصيلات هذا الدرس ، مرةً كنتُ أركبُ مركبةً عامةً , في طريقي إلى دمشق , من المحافظات الشمالية , لمّا وصلت إلى شارع العدوي , الذي قُبيلَ دمشق , أذكر أنَّ الليل في منتصفه , أو في ثُلثهِ الأول , وأذكر أنَّ الوقتَ كانَ شديدَ البرد , رأيتُ رجلاً يرتدي ثياباً رياضيّة ويجري , قلت : في الشام أكثر من خمسة ملايين , كلهم إلى جانب المدافئ , والمقاعد الوثيرة , ويتناولون الطعام الطيب ، أو غير الطيب ، مع أهلهم وأولادهم , وهذا يجري بهذا البرد !! .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/02.jpg
ليسَ من السهلِ أن تَملِكَ إرادةً تقوى بها على عاداتك , على مألوف حياتك ، على أن تركنَ إلى الدفء , إلى بيتك , مع أولادك , أن تأكل ما تشتهي , هذا يركض في وقتٍ شديد البرودة , وفي وقتٍ يألفُ الناسُ أن يقبعوا في بيوتهم .
قلت :
متى نشأت عِندهُ هذه الإرادة الحديدية ؟
متى غَلَبَ نوازِعَ نفسهِ الطبيعية ؟
متى قَويَ على نفسه ؟
هُنا السؤال متى ؟
لماذا تسعٌ وتسعون في المائة من الناس يركنون إلى عاداتهم ، إلى طبيعة أجسامهم ، إلى الراحة ، إلى الدفء ، إلى الكسل العضلي .
ولماذا هذا يجري في هذا الوقت ؟
ما الذي دفعهُ ؟
ما الذي قوّىَ إرادتهُ ؟
ما الذي جعلهُ يتميز من بين مئات الألوف ؟
بل من بين عشرات الألوف أو بِضعة الملايين .
هذا لو أنه اطلع اطّلاعاً واسعاً على ما في عِلم الطِب من أنَّ : القلب إذا صَلُحَ صَلُحَ الجسدُ كُله ، وإذا فسدَ فسدَ الجسدُ كُله ، وأنَّ هذا القلب يُقويّهِ الجري ويُضعفهُ الكسل ، وأنَّ الإنسانَ إذا أهملَ قلبهُ , عانى في خريفِ عُمُرهِ أشياءَ كثيرة ، يبدو أنَّ هذا الشاب الذي يجري في هذا الوقت , وفي هذه الظروف القاسية ، يبدو أنَّ عِلمهُ واطّلاعهُ كوّنا عِندهُ الإرادةَ القوية .
فدرسُنا كُلهُ في فكرتين :
إذا كانَ هناكَ فرقٌ كبير بينما أنتَ عليه وبينما يجب أن تكونَ عليه , هذه المسافة الكبيرة سببها ضعفُ الإرادة , وضَعفُ الإرادة سببها نقصُ العِلم ، إذاً :
العلمُ هو الطريقةُ الوحيدةُ إلى الله ، إذا ازداد عِلمُك قَويت إرادتُك ، إذا قَويت إرادتُك وصلتَ إلى ما تصبو إليه .
فهذا ملخص الملخص , قبل أن نبدأ بالتفصيلات , لماذا تضعف عن أن تكونَ كما تريد ؟ لأنَّ عِلمكَ بما تُريد يحتاجُ إلى مزيد .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/03.jpg
ضربت مثلاً واحداً , أما أنتم : لكم أن تضرِبوا عشرات الأمثلة .
يعني أعرف رجلاً يُقبل على الطعام الدسم إقبالاً عجيباً , وله مركبة يستعملها لمسافة مائة متر ، كسل ونهم وطعام دسم ، في الثانية والثلاثين توفي ، طبعاً هذا الجسد له قوانين ، طبعاً مع الاحتفاظ بعقيدتنا بأنَّ لكلِّ إنسانٍ أجلاًّ لا يتقدم ولا يتأخر , ولكنَّ الله عزّ وجل جعلَ لكلِ شيء سبباً , لكن هذا الإنسان إقبالهُ على الطعام الدسم , وإقبالهُ على استعمال مركبته بشكلٍ دائم , وعزُوفهُ عن أن يبذلَ جهداً من ضعفِ إرادته , وضعفُ إرادتهِ بسببِ نقصِ علمهِ بقواعد هذا الجسم .
نَحُلُ بهذا الدرس مُشكلة كبيرة ، كلما تاقت نفسكَ إلى أن تكونَ في مستوىً أرقى مما أنتَ فيه , اعلم عِلمَ اليقين أنَّ هذا يعود إلى ضعفِ إرادةٍ فيك , وهذه الإرادة ضَعُفت لنقصِ العلمِ الذي تحويه , كلما ازددتَ علماً ازددتَ إرادةً ، وكلما ازددتَ إرادةً بلغتَ المستوى الذي تصبو إليه , عالج نفسك .
هذا الدرس , درسُ هذا المسجد له طبيعةٌ خاصة , كيفَ أنَّ الجسد له قوانين , وله أساليب , ولهُ عِلل , ولهُ أدواء , وله أسباب , وله مُسببات ؟ كذلك النفس .
الإرادة :
الآن :
نبدأ بالدرس , قال تعالى :
﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 52]
﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾
إذاً : هناكَ من يريد وجه الله , والذي يُريد وجه الله اسمهُ مُريد ، وأكثر علماء القلوب يسمّونَ تلاميذهم مُريدين ، معنى مُريد : يعني أرادَ وجه الله ، أرادَ الله ورسولهُ .
قالَ تعالى : ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾
[سورة الليل الآية: 19-21]
هذه الآية الثانية المتعلّقة بالإرادة . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 29]
﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
هُنا المُشكلة , ماذا تُريد ؟ هذا أكبر سؤال ....
هناكَ من يريد الدنيا من خلال الدين ...
هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليزدادَ دخلهُ , ليُكثُرَ زبائنهُ ...
هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليتعلّمَ أشياء يتصدّرُ بِها المجالس ...
وهناكَ من يُريد اللهَ ورسوله . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾
تعريف الإرادة :
أُورد لكم طائفةً من تعاريف علماء القلوب بالإرادة أو بالمُريد .
الإرادة : مُطلقة .
المُريد : من أرادَ الله ورسوله .
الإنسان بِلا عِلم ، بِلا توجيه ، بِلا مجلس عِلم ، بِلا مُرشد ، بِلا مشرب ديني ، بِلا تزويد ، إنسان له جسد ، له شهوات ، له مطالب ، غالِباً يستجيبُ لشهواتِ جسمهِ ، غالِباً يَركنُ للراحة ، يعني من الطبيعي جداً أن تُصليَّ الصبح بعدَ الشمس , ما دامَ جِسمُكَ مستريحاً في الفراش ، هذا الجسد يتمنى أن يبقى نائماً ، وهذا الجسد يتمنى أن يقبعَ في البيت لا أن يأتي إلى مجلس علم ، وهذا الجسد يتمنى أن يأكلَ كثيراً ، وهذا الجسد يتمنى أن تكون له زوجة كما يشتهي ، فالإنسانُ دونِ علمٍ , دونِ مجلسِ علمٍ ، دونِ توعيةٍ ، دونِ اطلاّعٍ ، دونِ معرفةٍ ، ينساق مع شهواتهِ .
فقال : الناسُ غالِباً يُعرّجونَ على أوطان الغفلة ، ويجيبونَ دواعي الشهوة ، ويخلدونَ إلى أرض الطبيعة ، ومن أرادَ الله ورسولهُ ينسلخُ عن كلِّ ذلك . هذا أول تعريف .
الصلاةُ ذِكر , وإذا كانَ الإنسانُ منسجماً في عملهِ , لا يتمنى أن يُصلي ، إذا كان مُنسجماً , يقوم بعمل رائع , له أجرٌ كبير , يتمنى أن يبقى بِلا صلاة ساعاتٍ طويلة ، فالإنسان دون علم ، دون معرفة , ينسجم معَ عملهِ فلا يُصلي ، ويبقى نائماً فلا يُصلي الفجر ، ويأكلُ دونِ حساب ، ويمزح , ويتكلّم , وينهشُ أعراضَ الناس , ويغتاب , كلُّ هذا انسجاماً مع غفلتهِ .
تعريفُ آخر للمُريد الصادق .
من هو المُريد ؟ الذي يُريد اللهَ ورسولهُ .
تعريفه : نهوض القلب في طلب الحق .
هذا الحُطيئة هجا أحد زعماء القبائل , اسمهُ : الزبرقان , قال له بيتاً , يُعدُ الآن شِعارَ كلِّ إنسان , ظاهر معناه مديح , قال له :
دع المكارمَ لا ترحل لبُغيتها واقعد فإنكَ أنتَ الطاعِمُ الكاسي
أما باطنه فهجاء مقذع , ما لكَ وما للمكارم ؟ أنتَ مُطعمٌ , مكسو , اقبع في البيت , كُل , اشرب , وتنزّه , واسهر , واسمر , والتق مع من تُحب , وامزح , وافرح , ما لكَ وللمكارم ؟ دع المكارم , أما الذي يُريد اللهَ ورسولهُ قِلقٌ دائماً , لا يُطمئنهُ إلا أن يرضى الله عنه ، قِلقٌ دائماً , لا يُطمئنهُ إلا أن يشعر أن الله يُحبه ، لذلك : نهوض القلب في طلب الحق , هذا تعريفٌ آخر من تعريفات المُريد .
تعريفٌ ثالث : لوعةٌ تُهَوِنُ كلَّ روعة .
فليتكَ تحــلو والحيـاةُ مريرةٌ وليتكَ ترضى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بـيني وبينـكَ عامِرٌ وبيني وبينَ العـالمين خرابُ
إذا صحَ مِنكَ الوصلُ فالكلُ هينٌ وكلُّ الذي فوق التُرابِ تُرابُ
هذا الذي يُريد الله ورسوله ، يهونُ عليه كلُ صعب ، يسهُل عليه كلُ مُحال ، يبتغي مرضاة الله عزّ وجل بأيّ ثمن .
قال بعضهم : المُريد من كانَ في قلبهِ لوعةٌ ، ولذعةٌ في فؤادهِ , وغرامٌ في ضميرهِ ، وانزعاجٌ في باطنهِ ، ونيرانٌ تتأججُ بينَ جوانحهِ , هذا هو المُريد .
المُريد يقشعّرُ جِلدهُ إذا ذُكِرَ الله ، يَجِلُ قلبهُ , تنهمرُ دموعهُ , يُحبُّ الله . ليس لك حجة :
أقول لكم مِراراً وتكراراً ، هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة ...
النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تعرفَ الله .
النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تُحِبَ الله .
النفوسُ جميعها مستعدةٌ لأن تكونَ ممن سَعِدَ بُقربِ الله عزّ وجل .
لكن مرةً ثانية وثالثة : نقصُ العِلمِ يؤدي إلى ضعفِ الإرادة ، وضعف الإرادة يؤدي إلى وجود مسافةٍ كبيرةٍ بين ما أنت عليه وما ينبغي أن تكونَ عليه .
أنا أظن أنَّ أكثرَ المؤمنين في قلبهِ لوعة , يتمنى أن تكونَ صلاتهُ أفضلَ مما يُصلّي ، يتمنى أن يكونَ صيامهُ أفضلَّ مما هوَ يصوم ، يتمنى أن يكونَ حجهُ أفضلَ مما شعرَ في الحج ، يتمنى أن تكونَ صدقتهُ أكبر , أكثر وأشدَّ إخلاصاً ، يتمنى أن يكونَ وِردهُ في صحوةٍ لا في غفلة ، يتمنى من أن تكونَ استقامتهُ من أعلى مستوى ، ما دام هناك شعور بالتقصير , فليعلم الإنسان عِلم اليقين : أنَّ هذا التقصير مبعثهُ إلى ضعف الإرادة .
لي صديقٌ زارَ أحدَ أقربائهِ في المستشفى , وقد أُجريت له عملية جراحية في رئتيه ، بسبب الدُخان , قال له : حينما أخرجُ من المستشفى , لي حِسابٌ عسيرٌ مع هذه الدخينة , يعني هذه السيكارة ، لكنَّ مرضهُ كانَ عُضالاً , ولم يسمح لهُ هذا المرض أن يَخرُجَ من المستشفى , مات .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/04.jpg
حينما كانَ يدّخن سنواتٍ طويلة , وهو على مستوى رفيع من الثقافة , لماذا ضَعُفت إرادته عن أن يُقلعَ عن التدخين ؟ لأنهُ لم يُعاين أضرار التدخين ، أما حينما دخلَ إلى المستشفى , واستؤصلت أجزاءٌ كبيرة من رئتيه , بسبب المرض الخبيث , عندئذ امتلكَ إرادةً حديديةً , يعني يتمنى أن يُمزّقها , عبّرَ عن هذه الإرادة : أنهُ إذا خرجَ من هذه المستشفى , فلهُ معها حِسابٌ عسير , ولكنَّ المرضَ العُضال , لم يسمح لهُ أن يخرجَ من المستشفى , إذاً : لاحظ متى قويت إرادتهُ ؟ حينما رأى المرضَ الخبيث منتشراً في رئتيه , عندئذٍ امتلكَ إرادةً قوية .
أبداً : لاحظ نفسك , حينما يُعاني الإنسان من آلامٍ في كُليتيه آلامٍ مُبّرحة , وقد يكون من عُشاق الشاي , يشرب في اليوم عشرين كأساً , تراهُ فجأةً يُقلع عنه ، نحنُ كُنا نرجوك أن تُقللَ منه , لم تكن ترض ، أما حينما ذاقَ آلام الكُليتين ونوبات الحصيات , عندئذٍ أقلعَ عنه .
بقيَّ الفرق بينَ أن تملكَ الإرادةَ بعدَ فوات الأوان , وبينَ أن تملِكها في الوقت المناسب , لا بدَّ من أن تملِكها بعد أن تدفعَ الثمن ، أما البطل هو الذي يملكُها بالعِلم لا بالتجربة , لا بدَّ من أن تَمِلكَ إرادةً قوية , إما أن تملكها بعدَ أن تدفع الثمنَ باهظاً , وبعدَ فوات الأوان , وعندئذٍ لا تستفيد من هذه الإرادة القوية ، وإما أن تملكَ الإرادة القوية , بسببِ العِلمِ الذي تُحصّلهُ وأنتَ في مُقتبل العمر , هذا هو الفرق .
صفة المريد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/05.jpg
قال بعض العلماء :
من صفات المُريد أنه يتحبب إلى الله بالنوافل ، بصلاةٍ نافلةٍ ، بصومٍ نفلٍ ، بتلاوةِ قرآنٍ ، بذِكر كثير ، وصدقةٍ كثيرة ، الذي يتحبب إلى الله بالنوافل , هذه صفاتٌ في المُريد .
والمُريدُ أيضاً :
هو الذي يأنسُ بالخلوة .
هناك شخص يقول لك : اجتماعي , لا يستطيع أن يجلسَ وحده أبداً ، يجلسَ وحدهُ , يشعر بالوحشة ، والاستئناس بالناس , كما يقول بعض العلماء : من علامات الإفلاس .
أما المُريد الصادق لهُ معَ ربهِ خلوات ، وله مع ربهِ جلوات ، يأنَسُ إذا جلسَ وحدهُ في الغرفةِ , يذكرُ الله ، يأنسُ بتلاوة القرآن .
ذكرت البارحة في درس الأحد : أنَّ غارَ حِراء , الشابُّ القوي المتين , مفتول العضلات , لا يستطيع أن يصلَ إليه , إلا بساعاتٍ طويلة مع الجُهدِ الشاق , يمكن أن تَصِلَ إليه بساعتين أو بثلاثة , ولكن أن تستطيع أن تنامَ هُناكَ وحدك في الليل , والأرضُ كُلُها أفاعي وعقارب ، قلت : ما الذي جعلَ النبي عليه الصلاة والسلام يقبعُ في هذا الغار الليالي ذوات العدد ؟ إنَّ أُنسهُ الشديدَ بالله , طغى على وحشة المكان , وإذا كُنتَ مُريداً صادقاً مع الله , ربما شعرتَ بهذا الشيء ، كلما ازدادَ قُربُك ازدادَ أُنسُك ، وإذا ازدادَ أُنسُكَ باللهِ عزّ وجل , غَلَبَ على وحشةِ المكان .
من علامة المُريد الصادق ...
أنه يأنَسُ بالخلوة ، ويؤثر أمرَ الله تعالى على كلِّ شيء ، ويستحيي من نظرِ اللهِ إليه , يستحيي أن ينظرَ اللهُ إليه في حالةٍ لا تُرضيه ، ويبذل جُهدهُ في ابتغاء مرضاة الله ، ويتعرضُ لكلِّ سببٍ يوصِلُ إليه .
يا ترى : بحفظِ القرآن ؟
يا ترى : بخِدمة الصالحين ؟
يا ترى : بالدعوةِ إليه ؟
يا ترى : بالتواضع ؟
يا ترى : بماذا ؟
كُلما بَلَغَهُ أنَّ هذا الطريق يوصِل إلى الله سَلَكَهُ .
كُلما سَمِعَ أنَّ هذا العمل يُقرّبُ فعله .
كُلما دَرِي أنَّ هذا الشيء إذا ابتعدَ عنهُ يقترب من الله عزّ وجل , يُبادر فيبتعد عنه .
والقناعة من صفات المُريد الصادق , يقنعُ بما قَسمهُ اللهُ له ، دائماً المُريد صابر , وقَنوع , وراضٍ , والذي يُريد الدنيا وزينتها , دائماً لجوج , وناقم , وساخط , وقلبُ المُريد لا يَقرّ إلا إذا وصلَ إلى الله عزّ وجل ، يُثلجُ قلبهُ أن يرضى الله عنه .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/06.jpg
وقيلَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة .
وقيلَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة .
يعني النوم عندهُ حينما تنهار أعصابهُ ينام ، حينما يغلِبهُ النوم ينام ، أمّا أن يجعلَ النومَ أحدَ مُتعِ الحياة ، يهيئ نفسهُ للنوم , ينام نوماً عميقاً ، ليسَ هذا من علامات المُريد , والدليل :
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 16]
قالَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة , وأكله فاقة , وكلامهُ ضرورة , هذا الذي يُريد الله ورسوله .
لأحدِ العلماء كلمةٌ خطيرة , قالَ : من لم تَصحَّ إرادتهُ ابتداء , فإنه لا يزيده مرور الأيامِ إلا إدباراً .
يعني إذا الإنسان في بداياتهِ لم يُرد الله ورسولهُ , كُلما مرَت الأيام تزيدهُ بُعداً , وسأماً , وضجراً , ومللاً , وكسلاً , وانصرافاً , إلى أن ينقطعَ عن اللهِ عزّ وجل .
يعني إذا بدأتَ طريقَ الإيمان , بدأتهُ غيرَ صادقٍ , ما صحت إرادتك في طلب الحق ، إذا بدأت الإيمان لطلبِ الدنيا , تجد أنَّ الأيام كلما مرت أبعدتك , جعلتك تسأم ، يقول لك : والله مللنا كلاماً , سمعناه كثيراً ، تجده يُصلّي متكاسلاً ، يصوم متأففاً ، يحجُّ تاجراً ، يذكرُ لاهيّاً ، يُسبّحُ غافلاً ، يقوم بالواجبات شكلاً , صورةً ، عباداتهُ جوفاء ، تِلاوتهُ عرجاء .
وقالَ بعضهم : المُريد إذا سَمِعَ شيئاً من علوم القوم ، سَمِعَ شيئاً فَعَمِلَ به , صارَ حِكمةً في قلبهِ إلى آخرِ عُمُرِهِ .
التطبيق العملي :
يعني مثلاً :
سَمِعَ أنَّ أمرَ اللهِ عزّ وجل أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله , هذا توجيه إلهي ، فغضَّ بصره عن محارم الله , فشعرَ بحلاوةٍ ملأت قلبهُ ، صارَ هذا حكيماً , لأنه مُجرّب , سَمِعَ التوجيهَ نظريّا , وطبّقهُ عمليّاً , فشعرَ بحلاوةٍ في قلبه إلى آخرِ عمره , يقول : أنا فعلتُ كذا وكذا , وشعرتُ بكذا وكذا .
سَمِعَ أنه ما تركَ عبدٌ شيئاً لله , إلا عوّضهُ اللهُ خيراً منهُ في دينهِ ودُنياه ، سَمِعَ بهذه الحِكمة , فعرضت لهُ الدنيا مع شُبُهةٍ , فتركها , وازوّرَ عنها , وابتعدَ عنها , فآتاه الله خيراً مما فقدهُ , صارَ حكيماً ، صار بالتعبير الحديث : صاحب تجربة ، صار صاحب خِبرة ، صار يُعاين كما قالَ العُكبُري : القرآن الكريم تؤخذُ ألفاظهُ من حُفّاظهِ , وتؤخذُ معانيه ممن يُعانيه ، صار في معناه .
قال : وإذا تكلّمَ هذا الحكيم , الذي سَمِعَ من كلامِ القوم , فطبّقهُ , فقطفَ ثِمارهُ , فذاقَ طعمهُ , فصارَ حكيماً ، الآن إذا تكلّمَ به , انتفعَ به من سَمِعهُ ، وقديماً قالوا : الكلامُ الذي يخرجُ من القلب , يدخلُ إلى القلب بِلا استئذان ، والذي يخرجُ من الفم لا يُجاوز الأذان .
متى يمكن أن ينتفعَ الناسُ بكلامك ؟
إذا استمعتَ أنتَ إلى الحق , وطبّقتهُ , وقطفت ثِمارهُ ، لمستَ فوائده ، فتكلّمتَ عن تجربةٍ .
انتهت إلى مكان جميل , وعاين المكان , وسُرَّ به سروراً عظيماً , وعادً إلى بلده , الآن :
إذا ذكرَ لكَ مذاق من مُتعةٍ وسرور , ينقل لكَ شعوره , تشتهي أنت أن تذهبَ إلى هذا المكان .
إذا وصفَ لكَ الواصف , وكان وصفهُ عن تجربة حقيقية , ينقل لك كلَّ شعوره , فإذا قال لكَ : والله أنصحكَ أن تذهب إلى مكان كذا في قضاء إجازتك ، تسألهُ : هل ذهبت إليه ؟ يقول : لا والله ؛ لكن هكذا وصفوه لي , تبقى أنتَ فاترِ الهِمة , لأنَّ كلامهُ لم ينتقل إليكَ مع الشعور .
قال : وإذا تكلّمَ بهِ انتفعَ به من سَمِعهُ , ومن سَمِعَ شيئاً من علوم القوم , ولم يعمل به , كانَ حكايةً يحفظُها أياماً , ثمَ ينساها .
مر معنا بعلم التربية ...
أنَّ أسوأَ أنواع التعليم هو التعليم اللفظي ، تُقدّم للطالب آلاف المعاني في ألفاظ , لأنَّ الطالب لم يعش هذه التجارب ، لم يعش هذه الحقائق , سمعها بأذنهِ , إذا أدى بها امتحاناً ، حَفِظَ الكتابَ كلمةً كلمة , وأدى به امتحاناً .
أنا أقول لكم هذا الكلام المُضحك ...
الطلاب الذين ينجحون في الشهادات , لو دُعوا إلى تقديم الامتحان نفسهِ بعدَ عام , لرسبوا جميعاً , لماذا ؟ لأنَّ التعليم لفظي ، هذه المعلومات حَفِظوها , فلّما جاء الامتحان , كتبوها , لأنها لم تُكن عن تجربةٍ , ولا عن إحساسٍ , ولا عن خِبرةٍ , لكن لاحظ نفسك : إذا عانيتَ تجربةً لا تنساها حتى الموت , يمضي عليها ثمانون عاماً وأنتَ تذكرها ، لذلك أرقى أنواع التعليم : التعليم عن طريق الخبرات والتجارب .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/07.jpg
سمعت ببعض بلاد الغرب , المهندس يذهب إلى الحقول , في مساعدة كبار المهندسين , طالب هندسة لا يدخل إلى قاعة التدريس , قبل أن يمضيَّ ستة أشهر مع المهندسين ، يرى الطبيعة , يرى الإسمنت , يرى البناء كيف ينشأ ؟ يرى هذه الألفاظ .
يعني : فرقٌ كبير بين واحد مثلاً لم ير البحر إطلاقاً ، قرأ مقالة عن البحر , ورأى صورة عن البحر ، وقرأ قصيدة عن البحر ، هل أنا يا بحر منكَ لستُ أدري ؟ قرأ قصيدة عن البحر , ونظر إلى صورة عن البحر ، هذا البحر عِندهُ فكرة , قرأها , ينساها , أما لو أنَّ هذا الإنسان ذهب إلى البحر , وسَبَحَ فيه , وكادَ يغرق , وشَعرَ أنه كادَ يموت , لولا أحداً أنقذه في آخر لحظة ، هذا يعرف ما البحر ؟ وما معنى موج البحر ؟ وما معنى ملوحة البحر ؟ يعرفُها , تجربة لا ينساها أبداً .
أما الآن : لو أنَّ إنساناً فرضاً , ما أُتيحَ له أن يذهبَ إلى البحر , وقرأ مقالةً عن البحر ، أسأله بعدَ ثلاثة أيام ماذا تذكر منها ؟ يقول لكَ : لا شيء ، وإذا ذكرَ بالمائة خمسون ، وبعدَ أسبوعين لا يذكر شيئاً ، هذا التعليم اللفظي ، أما لو أخذناه إلى البحر , وسَبحَ فيه , وذاقَ طعمَ ملوحتهِ , ورأى الأسماكَ فيه , وركبَ متنَ البحر , وشعرَ بالموج , وانخلعَ قلبهُ خوفاً , وكادَ يغرق ، هذه التجارب لا ينساها حتى الموت .
فإذا كانت معلوماتك بالدين كأن تقرأ مقالة عن البحر , وأنتَ ما عرفتَ البحر , وما رأيتَ البحر , ولا سبحتَ في البحر , ولا ذُقتَ طعم البحر , ولا أوشكتَ على الغرق فيه , فكلُّ معلوماتك سطحية وسرعان ما تنساها .
لذلك : تؤخذ ألفاظهُ من حُفاظّهِ , وتؤخذ معانيه ممن يُعانيه ، أما إذا كان لكَ مع الله تجربة , إذا ذُقتَ طعمَ القُربِ فعلاً ، إذا ذُقت طعمَ الاستقامة ، إذا ألقى الله في قلبكَ السكينة ، إذا شعرتَ براحة الإيمان ، إذا شعرتَ بأنَّ الله يُحبك ، إذا أنفقتَ من مالِكَ فآتاكَ الله عشرةَ أمثال ، إذا آثرتَ مرضاة الله عزّ وجل فعوّضكَ الله خيراً مما فقدك ، كلُّ حديثٍ شريف ، وكلُ آيةٍ كريمة تُطبُقها وتقطف ثمارها , أنت الآن داعية أصبحت , لأنكَ إذا تكلّمت , تركتَ أثراً عميقاً في نفوس الناس ، إذا دعوتَ إلى الله , وعبّرتَ عن خِبراتكَ الإيمانيّة , فعلتَ في نفوس الناس فِعلَ السِحر , لأنكَ تتحدثُ عن تجربة ، دعوا في أذهانكم مقالة البحر ، مقالة حفظتها , قصيدة حفظتها ، صور تأملتها , وأنتَ لم تره إطلاقاً .
لذلك : أحد الشعراء وصفَ مُدعيّ التصوف , قال :
خاضوا بِحار الهوى دعوى وما ابتلّوا
يعني : الإنسان كأس ماء ، ماء حقيقي لو وضعها في جيبهِ , لسالَ الماءُ إلى الأرض ، أيُعقلُ أن يخوضَ بحراً دونَ أن يبتل ؟ كأسُ ماء واحد يملؤهُ بللاً , ويخوض بحراً ولا يبتل !؟ هذه الدعاوى :
خاضوا بِحار الهوى دعوى وما ابتلّوا .
فالذي أتمناه على كلِّ أخٍ منكم , إذا أرادَ أن يدعو إلى الله , إيّاهُ أن ينطلقَ من معلوماتٍ سمعها , أو من أفكارٍ نُقلت إليه , أو من كتاب قرأهُ ، إن فعلَ هذا لا يستطيع أن يؤثّرَ في إنسان ، أما إذا كانت له مع الله تجربة , إذا كانت له مع الله أيام ، إذا كانت له مع الله أحوال ، إذا كانَ قد آثرَ جانبَ الله ، إذا كانَ قد تركَ شيئاً لله ، إذا ذاقَ طعمَ القُرب ، إذا ذاقَ حلاوة الحُب ، إذا كانَ كذلك , نقول له : عندئذٍ ادع إلى الله ، كلامُكَ عندئذٍ يفعلُ في الناس فِعلَ السحر ، وقد وُصِفَ النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر وليسَ بساحر , لِشدةِ قوةِ تأثيرهِ من الناس ، من أينَ جاءت قوة التأثير ؟ من المعاناة , من الحبِّ الذي امتلأَ في قلبه .
ومن سَمِعَ شيئاً من علوم القوم ولم يعمل به , كانَ حكايةً ؛ يحفظُها أياماً ثمَّ ينساها .
أنا حينما كُنتُ في التدريس , كنتُ أطلب من طلابي , في أولِ درسٍ ألتقي بهم , أقول لهم : هُناكَ وظيفة ، اكتبوا لي حدثاً بارزاً في حياتكم وقعَ فعلاً , حينما أتلّقى الوظائف , أجدُ العجبَ العُجاب , لأنَّ الطالب إذا تكلّمَ عن مأساةٍ عاناها , أو عن شيء ملأَ قلبهُ فرحاً , يُصبحُ أديباً ، أسلوب قوي ، معاناة ، عاطفة صادقة ، فكلُّ طالبٍ حينما ينطلقُ في كتابته من تجربةٍ حقيقيةٍ , من مأساةٍ , من حدثٍ مُفرحٍ ، يُصبحُ في مستوىً أدبيٍّ أرقى بكثير من مستواه الأصلي ، لأنَّ جوانحهُ وعواطفهُ وخبراتهِ كُلها تضافرت على إنجاح هذا الموضوع ، لذلك يبقى لكلِّ طالبٍ في ذهني صورة .
وقالَ يحيى بن مُعاذ : أشدُّ شيء على المُريد معاشرة الأضداد ، إذا كُنتَ فعلاً مُريداً صادقاً , أصعبُ شيء في حياتك , أن تُضطرَ أن تُرافِقَ إنساناً بعيداً عن الله عزّ وجل ، تشمئزُ من مُزاحِهِ ، ومن حركاتهِ ، ومن سكناتهِ ، ومن نظراتهِ ، ومن تعليقاتهِ ، ومن ملاحظاتهِ ، أنتَ نقيٌ كالثوبِ الأبيض , وهو قذر أسودُ الثوبِ , الذي امتلأ من المياه الآسِنةِ والوحولِ القذرةِ , أما إذا أقمتً علاقاتٍ حميمةً مع أُناسٍ بعيدين عن الله عزّ وجل , وأحببتهم ، آثرتَ صحبتهم ، أمضيتَ معهم وقتاً ممتعاً ، فهذه علامةٌ خطيرةٌ جداً على أنكَ بعيدٌ عن الإيمانِ بُعداً كبيراً .
يعني : أيُعقل أن تخرُجَ من الحمام , وقد تألّقَ جسدك, وارتديتَ أجمل الثياب , وأنظفها , وأشدها عِطراً , وأن تمرَّ على أُناسٍ , يسبحونَ في ماءٍ آسنٍ أسود , وروائح هذا الماء , تزخمُ الأنوف ؟ أيُعقلُ أن تتمنى أن تكونَ معهم وأنتَ بهذه النظافة ؟ لا يُمكن ، أنتَ في نظافةٍ , وفي طُهرٍ , وفي عطرٍ , وفي نقاءٍ , وفي صفاءٍ , وهم في قذارةٍ , وفي دنسٍ , وفي رجسٍ , وفي نجاسةٍ .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2538/08.jpg
لذلك : إذا ألِفتَ أهلَ الدنيا , وأحببتهم , وضحكتَ لمُزاحهم , وأنِستَ بقُربهم , وأمضيتَ معهم ساعات طويلة , فاعلم عِلمَ اليقين ، أنكَ واحدٌ منهم , وأنكَ لا تنتمي إلى الدين إطلاقاً , إنما هوَ ادعاءٌ فارغ ، أما إذا شعرتَ أنكَ لا تحتمل أن تُمضي ساعات طويلة مع أهل الدنيا , مع أهل الإعراض , مع أهل الفِسق والفجور .
واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو مزحةٌ رخيصة , إذا سمعهُ المؤمن , يكادُ يخرجُ من جِلدهِ , من شدةِ التأذي ، بينما تجدُ أُناساً آخرين , ينثنونَ من الضحك ، يهتزونَ نشوةً لهذا المُزاح ، علامةُ إيمانك : أنَّ هذا المُزاح أللأخلاقي , القذر , تأباهُ نفسك , إن رأيت إنساناً مُتلاعِباً كذوباً ذكيّاً ، إن أُعجبتَ به فأنتَ مِثله , أما إذا احتقرت خِداعهُ ونِفاقهُ وانحطاطهُ فأنتَ مؤمن , لذلك : لا بدَ من أن تكونَ متميزاً عن أهلِ الدنيا .
أشدُ شيء على المُريد : مُعاشرةُ الأضداد من كانوا ضِدهُ في السلوك , للموضوع تتمة رائعة جداً , يقول :
المُريد الصادق أيّةُ حركةٍ يتحركها في الدنيا , يزينُها بمقياسٍ واحد ، هل تُقرّبهُ من الله أم تُبعِدهُ ؟ حتى تجارتهُ , حتى حِرفتهُ , حتى مهنتهُ , حتى حركتهُ وسكناته , حتى نزهاتهُ , حتى إجازاتهُ , حتى كلُّ حركاتهِ ، إن كانت حركتهُ تُبعدهُ عن الله عزّ وجل لا يفعلُها ، إذاً : في كلِّ نشاطهِ يقصدُ وجهَ الله عزّ وجل , لذلك : إلهي أنتَ مقصودي ورضاكَ مطلوبي .
قال : لا بدَّ من ثلاثة أشياء حتى تَبلُغَ ما تريد أيها المُريد ؛ لا بدَّ من نفسٍ مستعدةٍ قابلة , والنفسُ لا تستعدُ ولا تقبل إلا إذا تعلّمت , إذاً : العِلمُ هو الطريق الوحيد ، ولا بدَّ من دعوةٍ مستمعة، أنت نفس مستعدة , ودعوة حقيقية صحيحة , أساسُها الحق , أساسُها العدل , أساسُها الواقع , أساسُها الفِطرة , أساُسها المنطق ، ولا بدَّ من أن يكونَ الطريقُ خاليّاً من العوائق ، فإذا أزلتَ العوائق , ووفقتَ إلى دعوةٍ صحيحة, وكُنتَ مستعداً لقَبولِها , بسبب العلمِ الذي تعلمتهُ , صارَ الطريقُ إلى الله سالكاً والوصول محققاً .
آخر فِكرةٍ في الدرس : هو أنّ المُريد تنتابهُ حالتانِ أساسيتان ؛ حالة القبض وحالة البسط ، الحقيقة : القبض يأتي من الخوف والبسطُ يأتي من الرجاء ، القبضُ لسببين ؛ إما لتقصيرٍ , أو لمعصيةٍ , أو لتركِ حقوقٍ لا تؤدى , وهذا السبب يقتضي التوبة والتصحيح ، وإما أن لا يدري المُريد لهذا الانقباض سبباً , عندئذٍ عليه أن يصبر , فلعلَّ في هذا حِكمةً تتضحُ لهُ بعدَ حين ، وأما البسط يشعر بنشوة , بإقبال , بمعنويات مرتفعة جداً , هنا منزلق أن يتيهَ على الناسِ بهذا الحال ، أن يُعجبَ بنفسهِ ، أن يرى نفسهُ فوقَ الناس ، عندئذٍ ينزلقُ من هذا الحال المريح إلى حالٍ أخرى لا تُرضي الله عزّ وجل , فإذا جاءَ الانقباض , فابحث عن السبب , فإن عرفتهُ فتُب منهُ , وإن لم تعرفهُ فاصبر على حِكمة الله عزّ وجل حتى ينجليَّ الموقف ، وإن جاءَ الانبساط , فإيّاكَ أن يستخفّكَ الانبساط , فتقعَ في زهوٍ , أو في كبرٍ , أو استعلاء على الناس , وعندئذٍ تكونُ قد امتحنت ورسبتَ في الامتحان .
ملخص المُلخص : يجب ألا يُخرجكَ البسطُ عن الاستقامة , ولا أن يُخرجكَ البسطُ أيضاً على أن لا تكونَ أديباً بينَ يدي الله عزّ وجل .
الخاتمة :
هذه لمحةٌ سريعةٌ عن منزلة الإرادة , أُلخصّها بكلمتين : إذا كانَ بينما أنتَ فيه , وبينَ ما تتمنى أن تكونهُ مسافةٌ كبيرة , فاعلم أنَّ هذا بسببِ ضعفٍ في إرادتك , وضعفُ الإرادةِ في الأصلِ نقصٌ في العلمِ .
عُدنا : إلى أنَّ العِلمَ هو الطريق الوحيد إلى الله عزّ وجل , وما من طريقٌ إلى الله إلا طريقُ العِلمِ .
فإذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعلم , وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهما معاً فعليكَ بالعِلم ، والعِلمُ لا يُعطيكَ بعضهُ إلا إذا أعطيتهُ كُلكَ , فإذا أعطيت بعضكَ لم يُعطِكَ شيئاً , ويظلُ الإنسانُ عالِماً ما طَلَبَ العِلم , فإذا ظنَّ أنه قد عَلم فقد جَهل .









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : المراقبة







منزلة المراقبة .
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس التاسع عشر من دروس مدارج السالكين , ومنزلة اليوم :
منزلة المراقبة .
هذه المنزلة ذاتُ أهميةٍ كبيرةٍ في طريق الإيمان , لأنَّ الإنسانَ إذا أيقنَ أنَّ الله يُراقِبهُ , استقامَ على أمره , فَسَعِدَ في الدنيا والآخرة .
الآيات القرآنية المتعلقةُ بهذه المنزلة .
الآية الأولى :
يقول الله عزّ وجل :
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 235]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾
يعني يجب أن تعلمَ أنَّ اللهَ يعلم ، فإذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم , أخذتَ الحِذرَ من أن تعصيهُ , وهذا هو سِرُ النجاح مع الله عزّ وجل . الآية الثانية :
آية ثانية من آيات المراقبة , وهي قولهُ تعالى :
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 52]
لا شكَ أنَّ أحدنا إذا عَلِمَ أنهُ مُراقب, فإنهُ يُبالغُ في الانضباط، يُبالغُ في مراجعةِ نفسهِ, في كلماتهِ، وفي حركاتهِ، وفي سكناتهِ، هذا إذا راقبهُ إنسان, والإنسان مراقبتهُ محدودة, يستطيع أن يكتب ما قُلت, وأن يُصوّر ما تحركّت, ولكنهُ لا يستطيع أن يكشف ما في نفسك, ولا ما في ذهنك، المراقبة المحدودة من قِبِلِ إنسانِ ضعيفٍ مثلك, تدعوكَ إلى الانضباط التام, فكيف لو علمتَ أنَّ الواحدَ الديّان يُراقِبُك؟ أنَّ الله عزّ وجل الذي يعلم السرَّ وأخفى مُطّلعٌ عليك؟ ناظرٌ إليك؟ يعلمُ سِركَ وجهرك؟ ما أخفيتَ وما أعلنت؟ ما أبطنتَ وما أظهرت؟
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾
لا عليك فقط؛ بل على خصومكَ وعلى سائر المخلوقات . الآية الثالثة :
من آيات المراقبة قوله :
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
وهذه معيّةٌ عامة ، الله سبحانه وتعالى معَ كلِّ مخلوق ؛ مؤمن كانَ أم كافر .
الآية الرابعة :
يقول الله عزّ وجل : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
[سورة العلق الآية: 14]
مُطلّعٌ عليك . الآية الخامسة :
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾
[سورة الطور الآية: 48]
يعني: الإنسان في عين الله، بمعنى أنه يراه، وفي معنى آخر: أنه يحفظهُ، نقولُ: هذا الابنُ في عينِ أمهِ, يعني أمهُ تحوطهُ بالرعاية والاهتمام, بمعنى أنها تعلمُ أينَ هوَ؟ وماذا يفعل؟ وبمعنى أنها تحوطهُ بالرعاية والاهتمام .
الآية السادسة :
الآية الأخيرة في هذا الباب :
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[سورة غافر الآية: 19]
وما من مخلوقٍ على وجه الأرض, يستطيع أن يكشفَ خيانةَ العين إلا الله، هو وحدهُ يعلم خائنة الأعين، وأنا دائماً أسوق هذه الآية ذلكَ المثل: طبيبٌ مسموحٌ له أن ينظرَ إلى جسدِ المرأة, لكنَّ الشرعَ سمحَ لهُ أن ينظرَ إلى موضع العِلّةِ فقط, فلو سبقتهُ عينهُ إلى مكانٍ آخر, هذا شيءٌ لا يستطيعُ مخلوقٌ أن يطلّعَ عليه إلا الله .
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾
وقد تكونُ في بيتك وحدك, تفتحُ نافذةُ جارك, تقفُ أمامها امرأة، لا يمكن لأحدٍ أن يطلّعَ على هذه المخالفة, لو ملأتَ عينيكَ منها إلا الله، فإذا نظرت يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور .
إذاً : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
كلُّ هذه الآيات تتضافر ليكونَ منها منزلة, يجب أن يتحلّى بها المؤمن, وهي منزلة المراقبة, يعني أن يشعر وأن يوقن أنَّ الله يُراقبهُ . أحاديث شريفة تتعلق بهذه المنزلة :
إلى السُنّة :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ, فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ, فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ, وَمَلائِكَتِهِ, وَكُتُبِهِ, وَبِلِقَائِهِ, وَرُسُلِهِ, وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ, قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ, وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمَ الصَّلاةَ, وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ, وَتَصُومَ رَمَضَانَ, قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))
حتى في بعض الأدعية النبوية يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك))
المراقبة : دوام علمِ العبدِ وتَيقُنِهِ باطلاّعِ الحقِّ عليه سبحانهُ وتعالى على ظاهره وعلى باطنه ، فاستدامتهُ لهذا العِلمِ واليقين هي : المراقبة .
سؤال الآن :
لو أنهُ من حينٍ لآخر , شعرتَ أنَّ الله يُراقبك , هل أنتَ في حال المراقبة ؟
الجواب : لا !!!
إذا دامَ هذا الشعور , وشعرتَ أنَّ الله يُراقبك في كلِّ أحوالك ، في حركاتك وسكناتك ، في كلِّ نشاطاتك ، في خلوتك , في جلوتك ، في لهوِكَ , في جِدك ، في عملك , في بيتك ، في الطريق ، إذا سافرت إلى أماكن بعيدة , إذا استدامَ حالُ المُراقبة ، إذا استدامَ شعورُكَ أنَّ الله يعلم , وأنَّ الله مُطلّعٌ عليك , وأنَّ الله يُراقِبك .
فأنتَ في مرتبةٍ من أرقى المراتب , ومن أهم المراتب , ومن أكثرها فائدةً لك , إنها :
حالُ المُراقبة .
المراقبة ثمرةٌ من ثمار العِلمِ, لأنَّ الله سبحانه وتعالى رقيبٌ عليك .
مثال :
لو دخل إنسان إلى متجر , وكان خبيراً بما في هذا المتجر ؛ من أجهزة , وآلات , ورأى آلات تصوير , وٌضعت في زوايا متعددة من المتجر , وقرأ لوحةً كبيرة كُتبَ عليها : الصالة مراقبة تلفزيونياً ، إذا قرأ اللوحة , ورأى الأجهزة , أيُعقل أن يدخلَ إلى زاويةٍ ميتةٍ , فيأخذُ حاجةً ويضعُها في جيبه ؟ مستحيل , هُنا أيقن أنهُ مُراقب .
موظفٌ في شركة, ذهبَ إلى بلدٍ أجنبي, ودخلَ صالةً من صالات البيع, ورأى حاجةً غالية الثمن, خفيفة الوزن, وشعرَ أنَّ أحداً لا يُراقبهُ, فأخذها ووضعها في جيبه, وعندَ الباب أُلقيَّ القبض عليه, وسيقَ إلى سِفارته, لينال جزاء عملهِ, وكانت فضيحة, وهو موظفٌ على مستوىً عالٍ، إذاً: لأنهُ ظنَّ أن أحداً لا يعلم, تورّطَ في هذه المخالفة، فلو عَلِمَ أنَّ القاعة مراقبة, وأنَّ هناك آلات تصوير تُصوّر وتُسجّل, أو أنَّ هناك لوحة كُتبَ عليها: القاعة مُراقبة، أنا أضرب لكم أمثلة بسيطة، إذا شعرتَ أنَّ الله مُطّلعٌ عليك, وأنتَ في البيت .
من لم يكن له ورعٌ يصدهُ عن معصية اللهِ إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله .
إذاً : كلُّ عملهِ نِفاقٌ ورياءٌ, أمّا إذا كانت خلوتهُ كجلوتهِ, سِرّهُ كعلانيتهِ، ظاهِرهُ كباطِنهِ، فهذا الذي ينجحُ ويُفلح . ((ركعتان من ورع خيرٌ من ألفِ ركعةٍ من مُخلّط))
مُخلّط : هو الذي خلطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً . أقوال العلماء في مقام المراقبة .
الآن إلى أقوال العلماء في مقام المراقبة , أو في مرتبة المراقبة , أو في منزلة المراقبة , كما وردت في مدارج السالكين ، قيلَ :
من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ .
أحياناً الإنسان يسمح لخواطره, أن يَردها أشياء لا تُرضي الله, يتصور معصية، يتخيل أنهُ يعصي الله، يسوحُ خيالهُ في متاهات البُعدِ عن الله, إذا سَمَحَ لخواطرهِ أن تجولَ في المعاصي, أغلبُ الظن : أنَّ هذه الخواطر إذا تُركت على عواهنها, انقلبت إلى معاص .
أنا أقول لكم كلاماً واضحاً: الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل, ولكن إذا سمحت لخواطركَ بالشطط, ربما زلّت قدمك, فانقلبت الخواطر إلى عمل، وشيءٌ آخر هو: أنَّ مُعظمَ الذين عَصوا ربهم معاصٍ كبيرة, هم في الأساس ما أرادوا أن يعصوا هذه المعصية, ولكن خاطِرٌ، فنظرةٌ، فكلامٌ، فابتسام، فموعدٌ، فلقاءٌ، ففاحشةٌ, أساسُها خاطر.
فلذلك من باب الوقاية, ومن باب الورع: لا تسمحُ لخواطِركَ أن تجولَ في المعاصي, مع أنكَ لا تُحاسب على الخواطر, لكن نخافُ أن تدعها تجول, عندئذٍ تضعفُ عن مقاومتها, فإذا أنتَ أمامَ معصيةٍ .
مرة ثانية :
من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ .
بالمناسبة في قول لطيف :
من تركَ ما اشتبهَ عليه من المعاصي , كانَ لِما استبانَ أترك .
إذا قضية شُبُهة, تركها ورعاً, هو من بابٍ أولى أنه لن يقترفَ المعاصي البيّنة، ومن وقع فيما اشتبهَ به, كان لِما استبان أوقع, ومن تجرّأَ وارتكبَ معصيةً, يعدُّ شُبهةً عِندَ الناس, في المرحلة التالية سوف يتجرأ, ويقع في المعصية البيّنة الواضحة .
قالَ الجُنيد :
من تحقق في المُراقبة , خافَ على فواتِ لحظةٍ من ربهِ لا غير .
يعني إذا كُنتَ في حال المراقبة , وشعرتَ أنَّ الله معكَ دائماً , وأنهُ مُطّلعٌ عليك , وأنهُ يعلمُ سِرّكَ ونجواك , خِفتَ أن تُضيعَ لحظةً من حياتك .
وقال ذو النون :
علامة المراقبة : إيثارُ ما أنزلَ الله , وتعظيمُ ما عظّمَ الله , وتصغيرُ ما صغّرَ الله .
يعني لاحظ نفسك، قيَمك، مقاييسك، تنطبق على الكتاب والسُنّة، أحياناً تُعظّمُ شيئاً حَقّرهُ الله, معناها قيِمك غير إسلامية، قيِمك غير رحمانية، وأحياناً في أشخاص إذا خرجَ من بيتهِ بثياب النوم, يَعدُ هذا عملاً همجيّاً غيرَ حضاريّ, عملاً بشعاً قبيحاً جداً، أما إذا خرجت امرأته ترتدي أحدثَ الثياب, وتُبرز من مفاتنها ما ينبغي أن يخفى, يُعدُ هذا رٌقيّاً, انظر للإنسان, هذا عظّمَ ما حقّرهُ الله, وحقّرَ من ما عظّمهُ الله, فيجب أن تُلاحظ أن تكون مقاييسك وقيمك وزوايا النظر, متوافقةً تماماً معَ ما في الكتاب والسُنّة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( طوبى لمن وَسِعتهُ السُنّة ولم تستهوهِ البِدعة ))
وقالَ إبراهيم الخواص :
المراقبة خلوص السرِّ والعلانية للهِ عزّ وجل من الداخل ومن الخارج .
وقيلَ :
أفضلُ ما يُلزمُ الإنسان نفسهُ في هذه الطريق ؛ المحاسبة والمراقبة وإيقاعَ عملهِ مع الحُكم الشرعي .
أن تُراقب نفسك, بعد المُراقبة في مُحاسبة, راقبنا هذا الطالب, إذا بهِ يَغُش في الامتحان, نكتب تقريراً نعطيه الصفر, إذا راقبَ نفسهُ, ثمَّ حاسبها, وبعدَ أن حاسبها, انتقل إلى مرحلة إيقاعِ عملهِ وفقَ الشريعة, راقب وحاسب, ووفقَ بين حركته وبين العلم الشرعي ..
قال :
إذا جلستَ للناسِ , فكُن واعظاً لقلبكَ ونفسك , ولا يَغُرّنكَ اجتماعهم عليك , فإنهم يُراقبونَ ظاهرك , والله يُراقب باطنك .
لا تغترَّ أن يجتمعَ الناسُ عليك, لأنهم يملكون أن يُراقِبوا ظاهِرك, وأنت طبعاً ذكي, سوف تجعل من ظاهركَ ظاهراً صالحاً، لكنَّ الواحدَ الديان يُراقب قلبك, فاجهد أن تُحاسب نفسك قبلَ أن يُحاسبكَ الله عزّ وجل .
قال :
العلماء مجمِعون على أنَّ مراقبة الله تعالى في الخواطر سببٌ لِحفظها في حركات الظواهر , فمن راقبَ الله في سِرّهِ , حَفِظهُ في حركاتهِ , في سِرّهِ وعلانيتهِ .
أنتَ في حال المُراقبة, تعبد الله باسم الحفيظ, والرقيب, والعليم, والسميع, والبصير, هذه الأسماء الحُسنى الخمس, كُلُها تؤدي معنى المُراقبة, إذا تكلّمت فهو سميع، وإذا تحركت فهو بصير، وإذا أضمرت فهو عليم، وإذا خرجتَ من بيتك فهو الرقيب، وإذا عَمِلتَ عملاً فهو الحفيظ، في نسخة كلّ حركاتك مُسجلّة عِندَ الله عزّ وجل .
حفيظٌ ورقيبُ وبصيرٌ وسميعُ وعليمٌ, الحركة بصير، الكلام سميع، الإضمار ما في الداخل عليم، الحفيظ الأعمال مُسجّلة موثّقة، المُراقب يعني لكَ بالمرصاد .
﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾
[سورة الفجر الآية: 1-5]
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
[سورة الفجر الآية: 6-14]
الآية دقيقة جداً ليس فقط بالمرصاد، يُعاقب على ما اقترفتهُ يداك، معنى بالمرصاد أنه يراكَ وسوفَ يُعاقبُك، الآن: الحاكم يكتفي أن يضبط مخالفات الناس فقط, القضية سهلة جداً, يكفي أن يكتشف أنك تبيع بسعر أعلى, في ضبط, في سجن, وفي حُكم عُرفي، فلما ربنا يقول:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
من لوازم أنه بالمرصاد . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾
من ألطفِ ما وُصِفَت به هذه المنزلة :
أنَّ مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام, بينَ تعظيمٍ مُذهل, ومُداناةٍ حاملة, وسرورٍ باعث، لاحظ نفسك إذا جاءكَ ضيف, له حجم معين بالمجتمع، صديق يحمل شهادة ثانوية متفوق, فدخلَ عليكَ أستاذ جامعي, لاحظ نفسك, تستقبل الأستاذ الجامعي, وتنظر إليه, وتُحدّثهُ, وتنصرفُ إليه بكليّتك, وتنسى أنَّ في الغرفةِ طالب آخر, ماذا حصل؟ هذا الإنسان الثاني صرفكَ عن الأول, فإذا أنت في بعض ساعاتك, في عملك, في حرفتك, في مكتبك, في متجرك, في معملك, في بيتك, في شيء صرفَكَ عن أنَّ الله يُراقُبك, هذا الحال حالٌ خطيرة .
من علامة صِدق المُراقبة :
أن شيئاً مهما بدا عظيماً لك, لا يصرفُكَ عن ملاحظةِ عظمةِ اللهِ لك التي تُراقُبك .
لذلك : أهل الله، أهلُ القُرب، المؤمنون الصادقون، لا تغيب عظمة الله عن أذهانهم أبداً, بدليل أنَّ هذا الاستعظام للهِ عزّ وجل لا يصرِفهم إلى غير الله .
فهذه الحال امتلاء القلب من عظمة الله عزّ وجل, بحيثُ يذهلُ عن تعظيم غيره, دخلت غرفة, على الطاولة جريدة تقرؤها، في قطعة ثمينة لا تمسكها, لا تُقلّبُها، في شخص آخر لا تلتفتُ إليه .
أُلاحظ أحياناً: تُقابل إنساناً في نظرك مهم, تجد الجلسة بأدب, والاتجاه نحوهُ بأدب, لا يعبث بمسبَحة أمامهُ, ولا يقرأ جريدة, لأنه شعرَ أنَّ هذا الذي أمامه شخص مهم, بيده مثلاً قضية أساسية, فلماذا نحنُ مع مخلوق, في مقياس المجتمع عظيم, نقفُ متأدبين, ننصرفُ إليه بكليّتنا, لا نعبثُ بسُبحة, ولا نقرأ جريدة, ولا نلتفتُ عنه إلى غيرهِ؟ .
لذلك حال المراقبة من لوازمهِ : ألا تنصرفَ عن تعظيم الله عزّ وجل إلى تعظيم من سِواه, من لوازم هذا الحال: سيرٌ إلى الله، متابعةٌ لهذا السير، حضور القلبِ مع ذلك، تعظيم الله عزّ وجل، الذهول بعظمتهِ عمّا سِواه, هذه كلها من لوازم المراقبة, ومن فقرتها الأولى التي هي التعظيم المُذهل.
تجد ذنبُ المنافق كأنهُ ذُبابة, يقول لك بعد ارتكابه الذنب: ماذا حصل؟ كل المستهترين بالقيم الدينية إذا سألتهم: لماذا فعلتم هذا؟ يجيبون: هل خربت الكرة الأرضية؟ إذا ملأَ عينيه من حرام, وجد مبرراً، المعصية سهلة عندهُ، وكلما ارتقى مقامك عِندَ الله, يُصبحُ الذنب كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدرك، كُلما صَغُرَ الذنبُ في عينيك, كُلما قلَّ مقامُكَ عِندَ الله, وكُلما كانَ الذنبُ كبيراً, كَبُرَ الذنبُ في عينيك, كانَ مقامُكَ عِندَ الله كبيراً, وصَغُرَ هذا الذنب, القضية دقيقة جداً.
إنسان يرتكب مخالفة، يقترف معصية، وينام مرتاحاً لا يقلق, إذا الإنسان تكلّم كلمة, وشعر بثقلها, ويوجد إنسان سجلّها عليه، لا ينام ليلتها, يتحول, لا حول ولا قوة إلا بالله, أترى أنَّ الله عزَ وجل عظيم عظمةً, بحيثُ لو ابتعدتَ عنهُ, أو وقعتً في معصيتهِ, تشعر كأنكَ سقطتَ من السماءِ إلى الأرض؟ هكذا حال المؤمن .
الآن :
في موضوع أتمنى أن لا يبدو لكم خيالياً, قالَ: أن تشعرَ أنَّ الله يُراقُبك, وأنهُ معك, وأنكَ مستقيم على أمره، قال: هذا الشعور يبعثُ في نفسكَ فرحةً عظيمة ولذّةً, لا توجد في أيِّ شيءٍ في الدنيا .
يعني: اسأل أهل الدنيا, الذين أكلوا أطيب الأطعمة, في أرقى الأماكن, وفي أجمل المناظر، يقول لك: طعام لا يوصف، والذين غَرِقوا في الملذاتِ إلى قِمةِ رأسهم, والذين حصّلوا المجدَ من كلِّ أطرافه, هؤلاءِ لو عَرفوا الله, وذاقوا طعمَ القُرب, يقسمونَ بالله أنَّ كلَّ اللذائذ التي تمتعوا بِها من قبل, لا تَعدِلُ لحظة إقبالٍ على الله عزّ وجل .
لذلك: إذا المؤمن قال, وحَلَفَ يميناً مُعظّماً: واللهِ ليسَ في الأرضِ من هوَ أسعدُ منّي, إلا أن يكونَ أتقى مني, لا يحنثُ بيمينه، أنتَ حينما تتصل مع الأشياء الجميلة؛ من طعامٍ, من شرابٍ, من جوٍ باردٍ في الصيف, من جوٍ دافئٍ في الشتاء, من مناظر خلاّبة, يعني أيّ شيء الله أعطاه مسحة من الجمال, الله هوَ الجميل .
أحياناً: ربنا عز وجل يتجلّى على البحر بالجمال, يقول لكَ: سهرنا سهرة على البحر لا أنساها, أمواج لطيفة, نسمات عليلة، تركب بالبحر, تشعر بالسرور, مياه صافية, تكاد ترى قعرَ البحر، صفحة الماء كالزيت، هذا تجلّى الله على هذا البحر باسم الجميل، فإذا تجلّى عليه باسم الجبار, يكادُ القلبُ ينخلع .
أيام ربنا له أفعال, هذه باسم الجميل، تنظر في وجه طفلٍ بريء, لا ترى في هذه الأرض كُلها أجمل من هذا الوجه، كُلُهُ صفاء، كُلُهُ براءة، كُلُهُ ذاتيّة، وأحياناً تنظر إلى وجه كُلُهُ نِقمة، في أفعال, البراكين, يقول لك: 80 ألف إنسان تحت الأنقاض، مدينةٌ أصبحت للأشباح، أصبحت أثراً بعدَ عين، تُحس اسم الجبّار .
أيام تنظر إلى غابة في الربيع, تسمع أصوات العصافير, تشعر باسم الجميل، فربنا أسماؤه كثيرة جداً, يتجلّى في كلِّ أفعالهِ ببعضِ أسمائهِ، أيام اسم اللطيف يقول لكَ: من هنا مرت الرصاصة, شعري احترق, لكلِّ شيء حقيقة, وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ, حتى يعلم أنما أصابهُ لم يكن ليُخطئهُ .
وقف في رأس الوادي السحيق، معلوماتهُ بالقيادة ضعيفة, المِقود مضبوط نحوَ الوادي, وقبل أن يُشعل المُحرّك, أرخى المِكبح, فانطلقت نحو الوادي, شخص أعرفهُ, وزرتهُ في البيت, إلى أسفل الوادي, هو وزوجتهُ وأولادهُ, ولم يُصابوا إلا برضوضٍ, وبعض الكسور الخفيفة, ومن ينظر إلى السيارة يقول: أنه لا بدَّ من أن رُكابها ماتوا جميعاً, اسم اللطيف لطف الله عزّ وجل, أيام تجد اسم اللطيف اسماً واضحاً جداً .
أوضح شاهد على اسم اللطيف: حينما يذوب سِن الطفل الصغير شيئاً فشيئاً، أنت مهما كنت طبيباً ناجحاً, مهما كنت رحيماً, لا بد من إبرة بنج، لا بد من غرز الإبرة بالنيرة، وإذا كان البنج غير ناجح, وأثناء قلع الضرس, وأثناء قطع العصب, يخرج المريض من جلده من الألم, أليسَ كذلك؟ أما ربنا لطيف, انظر كيفَ تُقلعُ أسنان الطفل الصغير الأولى, وهو يأكل, يجد كأنه يوجد في بحصة بفمه, فيكون ضرسهُ, كيف انقطع العصب؟ كيف ذاب السِن؟ اسم اللطيف .
الهواء يدلُ على اسم اللطيف, بيننا لا يحجُبُنا، يعني لا شيء الهواء، الهواء يحمل طائرة 350 طن، 150طن وزن الطائرة، 150طن وزن الوقود, و50 طن وزن الركاب، وعلى الهواء محمولة، الهواء إذا تحرك يقلع مُدناً بكاملها, عِندي صور مدن كبيرة, أصبحت أثراً بعدَ عين قاعاً صفصفاً .
مر إعصار سيليكون, سرعته ثمانمئة ميلي بالساعة، واحد كان ساكن ببيت, في مدينة, جاءها إعصار, ما رأى من بيتهِ إلا مُحرّك سيارته بعد 5 كيلو متر, عَرفهُ من الرقم المُحرّك, تَهُب نسمات أحياناً, تشعر بسرور لا يوصف, اسم اللطيف, نفس الرياح، سرعة شديدة تُدمر كلَّ شيء بأمر ربها .
من ثمار المراقبة :
اسم المُراقبة , إذا أنت شعرت أنَّ الله يُراقِبُك , من ثِمار المُراقبة :
استقمتَ على أمره تماماً , وأحسنتَ إلى خَلقه , وأقبلتَ عليه .
يجب أن تشعرَ بسرورٍ ولذةٍ, لا تجدُهما في شيء آخر، فالذين أكلوا أطيب الطعام, والذين سكنوا أفخر البيوت, والذين تزوجوا أجملَ الزوجات, والذين علا شأنُهم, حتى صاروا من عَلية القوم, اسألهم جميعاً, لو أنَّ هؤلاء عَرفوا الله بعدَ ذلك, وأقبلوا عليه, اسألهم وأنتم في أوجِ عظمتكم، وأنتم في أوجِ قوتكم، وأنتم في أوجِ استمتاعِكم بالدُنيا, هل ذُقتم هذه السعادة التي الآن تعيشونها؟ يقولون واللهِ بِملء فمهم: لا والله .
حتى إنَّ بعضَ البلاد الإسلامية, زارها رجل سائح, فوجئ أنَّ كُلَّ القبور, عليها تواريخ قليلة جداً، هذا عمرهُ سبع سنوات, ماتَ في السنة السابعة، هذا في السنة الخامسة، هذا في السنة السابعة عشر, شيء عجيب! نعرف 80، 65، 40، وستة, هذه القرية لا تؤرّخ حياة الإنسان إلا بعد أن يعرف الله، هذا عَرَفَ الله في الـ 45, إذاً: الآن بدأت حياتهُ, مات في الـ 55, يعني عمرهُ عشر سنوات، يعني العمر الذي تمضيهِ في الجهل وفي المعصية, حينما تعرفُ الله يتمزق القلب, كيفَ أمضيتَ العمر في المعصية؟ .
تجدُ اللذّةَ, وفرحة القلب، وقُرّةَ العين، وليسّ له نظيرٌ يُقاس به، وهو حالُ أهلُ الجنة ، حتى قالَ بعضُ العارفين: إنه لَتَمرُ بي أوقاتٌ أقولُ فيها: إن كانَ أهلُ الجنة في مثل هذا, إنهم لفي عيشٍ طيب .
حتى إنَّ بعضهم فَهِمَ كلام النبي عليه الصلاة والسلام: أبو بكرٍ في الجنة, ما فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ سوفَ يدخلُ الجنة, فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ: الآن في الجنة، في جنة القُرب، هو سيدخلُها؛ لكن الآن في جنة.
وأنا أقول لكم: اجهد مع الله في طاعتهِ, وفي التقرّبِ إليه, وفي خدمة عباده, وكل جُهدكَ, وعضلاتكَ, ووقتكَ, وطاقتكَ, وعلمِكَ, وأهلِكَ, أن تَقِفَ كلَّ هذا في سبيل الله، فإذا سمحَ لكَ بالقُرب، إذا تجلّى على قلبك، إذا ألقى في قلبكَ السكينة, عندئذٍ تعرِفُ طرفاً من مقام أهل الجنة .
وأنا أقول لكم الآن كلمة دقيقة: أحدكم لو التقى بإنسان من أصدقائهِ القُدامى, وجلس معهُ ساعة من حديثهُ, يشعر أنهُ مقهور، أنهُ ضائع، أنهُ تائه، أنهُ شقي، أنهُ خائف، أنهُ متمزق، أنهُ يخافُ كلَّ شيء، أنهُ يُحسُ بالقهر، اجلس مع مؤمن, تجد معنوياته عالية كثيراً، يشعر أنَّ خالقَ الكون يُحبهُ، يشعر أنه في عين الله, في رعايتهِ، يشعر أنَّ الله لن يتخلى عنه، تبدل الضائع, أخي لازم نعمل فحص دوري, بسبب السرطان, شيء يُخيف هذا, لو ليسَ معه سرطان, ولو عاش ثمانين سنة دون سرطان، هذا ذاق طعم السرطان ثمانين سنة، لأنكَ إذا كُنتَ تخافُ شيئاً فأنتَ فيه، أنتَ من خوف المرض في مرض .
أهلُ الدُنيا, حينما ابتعدوا عن الله عزّ وجل قَلِقوا, يخافون أمراضاً خبيثة، يقول لكَ: أخي في إحصاء مُخيف في أمريكا, كلّ ستة أشخاص, يموت واحد بمرض القلب، ثلث الوفيات من أمراض القلب، وكل النساء يخافون من سرطان الثدي، تجد فحصاً دورياً, شيء يُخيف, وفي أيضاً أمراض الدماغ, يقول لكَ: يخاف انفجار بالدماغ, سُبات, انتهى, إذا كل واحد يقرأ عن الأمراض لا ينام الليل، يخاف من أمراض المعدة والأمعاء، أو أمراض القلب والشرايين، أو أمراض الدماغ والأعصاب، أو يخاف إنساناً في مركبته ينام, يدخل به, يدهسهُ, ينقطع عمودهُ الفقري, يصبح مشلولاً، فإذا الإنسان بَعُدَ عن الله عزّ وجل فالحياة موحِشة، شيء مُخيف جداً، انظر للمؤمن, إذا سافر يقول: يارب أنتَ الرفيق في السفر, والخليفةُ في الأهلِ والمالِ والولد، أحياناً يصاب الابن بحرق, يصبح هذا الابن مصدر شقاء للأسرة كلها, مصدر شقاء طوال حياته, فأنت تخاف من التشوه, يأتيك مولود مشوّه, لمّا تخاف من المرض تمرض ، أما إذا كُنتَ مع الله, الله عزّ وجل يُطمئُنك:
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
.
أنا أقول لكم: زوال الكون أهون على الله من أن يتخلّى عن مؤمن, أو أن يُضيّعَ مؤمناً, أو أن يجهدَ المؤمنَ في طاعة الله, ويجعلهُ في مؤخرة الركب، ليسَ هذا من أخلاق الله عزّ وجل .
يا أخوان, كلمة وإن كانت قاسية تحملّوها, قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ، إذا صلاتهُ شكليّة، تِلاوتهُ شكليّة، ولا مرة بكى ولا مرة، ولا مرة قلبهُ اضطرب حُباً لله عزّ وجل، ولا اقشعر جلدهُ ولا مرة شعوراً بخشية الله عزّ وجل، ما شعر أنهُ هو غالٍ على الله، كل العبادات شكليّة يؤديها، قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ, فإنَّ للإيمان حلاوةً, من لم يَذُقها فليرجع, وليقتبس نوراً, يجد به حلاوة الإيمان: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾
[سورة الحديد الآية: 13]
أتحبون الدليل؟: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
ذاق, الإيمان له طعم، إذا أكلت قطعة حلوى, من نوع جديد, من الكيلو 350 ل0س, وأكلت فجلة, هل يستويان مذاقاً؟ .
((ذاقَ طعمَ الإيمان؛ من رضيَّ باللهِ رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ رسولاً))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
إذا ما في ذوق راجع نفسك، أعد حساباتك، راقب أين الخلل؟ أين المعصية؟ أين يوجد الشِرك؟ أين يوجد تعلّق في الدنيا؟ أين التقصير؟ راقب, إذا ما شعرتَ بهذا القُرب, وما شعرتَ بهذا الحُب, وما شعرتَ بهذا السمو, وما شعرتَ بهذه السعادة, راجع حساباتك .
حديثٌ آخر: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ, وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
إذا واحد من الأخوان المؤمنين, له رفيق لا يُصلّي, وعاصي لله, وهو في أعلى درجات الغِنى والرفاه والبحبوحة، إذا قالَ هذا الصديقُ الأول, المُستقيمُ على أمرِ الله: هنيئاً لفُلان، أقول لكم: إيمانهُ صِفر، لو أنهُ ذاق طعمَ الإيمان, لما تمنىَ أن يكونَ مكانهُ .
أقول لكم هذا الكلام: إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, وأنتَ في أشدِ حالاتِ الحِرمان من المال, من الصِحة, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, أن تكون مكانَ إنسانٍ صحيح الجسم لكنهُ عاصٍ، قوي الجسم لكنهُ عاصٍ، رفيع المكانة لكنهُ عاصٍ، كثير المال لكنهُ عاصٍ, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة أن تكونَ مكانه، بحالاتهِ، بمعاصيه، اعلم عِلم اليقين أنكَ لا تعرفُ الله, وما ذُقتَ من الإيمانِ شيئاً, وكلُّ عملكَ مردودٌ عليك، هكذا قالَ النبي: ((من كانَ اللهُ ورسولهُ أحبَّ إليه مما سِواهُما))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
قالت له زوجته: أريد كذا وكذا, قال: اعلمي يا فُلانة, أنَّ في الجنةٍ من الحورِ العين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلهن, أهون من أن أُضحي بِهن من أجلكِ .
المؤمن حياته غير قابلة للمساومة, لأنَّ اللهَ ورسولهُ أحبُّ إليه مما سِواهُما، مهما أوذي في الله, لا يعصي الله, وتجد إنساناً آخر على كلمة, ترك الصلاة, لا أريد, على كلمة حذّرهُ بها فاسق, تركَ دروسَ العِلم كُلها, يرى ذلك راحة له, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[سورة الحج الآية: 11]
ومن كان يُحبُ المرءَ لا يُحبهُ إلا لله: لكَ أخ تُحِبهُ لله، لستَ زبون عِندهُ, وليسَ هو زبون عِندك, ولا في قرابة, ولا في صداقة, ولا في مصالح، إطلاقاً لا تُحبهُ إلا لله, لا علاقة دنيوية بينكَ وبينهُ, هذه علامة الإيمان .
ومن يكرهُ أن يعود في الكُفرِ بعدَ إذ أنقذهُ الله, كما يكرهُ أن يُلقى في النار . الثواب :
يقول أحد العلماء : إذا لم تجد بالعمل حلاوةً في قلبكَ وانشراحاً فاتهمهُ .
اتهم قلبك , فإنَ الربَّ تعالى شكور؛ يعني لا بدَّ من أن يُثيب العامل على عملهِ في الدنيا , من حلاوةٍ يجدُها في قلبهِ .
يمكن وضعنا يدنا على معنى دقيق جداً من معاني الثواب .
أخي لك ثواب اعمل , شغلة فيها ثواب ، كلمة ثواب يُرددها الناسُ عشرات المرات , بل مئات المرات في اليوم الواحد .
قبلَ أن ننُهيَّ الدرس , لا بدَّ من توضيح معنى الثواب .
مرةً ثانية : كلمة الثواب تتناقلها الألسن , كُلَّ يومٍ عشرات, بل مئات المرات، هذه الشغلة فيها ثواب، اعمل هكذا لكَ ثواب، هذا العمل الله يُثيبك عليه، ما معنى الثواب؟ هُنا في معنى دقيق, الله عزّ وجل من أسمائهِ الشكور، معنى شكور: أنكَ إذا عَملتَ عملاً صالِحاً, ألقى في قلبِكَ سروراً وطمأنينةً وسكينةً وسعادةً, كأجرٍ فوريٍّ يُقدمهُ لك مُعجّل، فإذا عَمِلتَ عملاً صالحاً, ولم تشعر بشيء إطلاقاً, فاعلم عِلمَ اليقين: أنَّ هذا العمل فيه خلل، إمّا في النية, أو في القصد, أو في مُطابقتهِ للسُنّة، إن لم تشعر بسعادةٍ لا توصف من خِلال أعمالكَ الصالحة التي تبتغي بها وجهَ الله عزّ وجل, معنى ذلك: أنَّ أجرَ الله عزّ وجل المُعجّل لم يَصِلك، إذا الأجر لم يصل, معناها العمل لم يُقبل، معناها العمل لم يُرفع إلى الله عزّ وجل.
فإذا الإنسان ابتغى بعملهِ إرضاء الناس, أو ينتزعَ إعجاب الناس, أو أن يُثني الناسُ عليه, يفعلُ أعمالاً صالحةَ كالجبال, ومعَ ذلك قلبهُ مُتصحّر, والله أخدم كثيراً ولا أُحس بشيء.
المعنى اللغوي: ما معنى ثابَ إلى رُشدِهِ؟ يعني عادَ الثواب, يعني عادَ، يعني أنتَ إذا فعلت عملاً صالحاً, العائد الذي يعودُ عليك, هو شعوركَ بالسعادة, لذلك المؤمنون الصادقون إذا عَمِلوا الصالحات, تمتلئُ قلوبُهم سعادةً، وما السعادة التي تمتلئُ بها قلوبهم, إلا أجرٌ مُعجّلٌ أعادهُ الله عليهم في الدنيا .
معنى الثواب: هذه السعادة التي يشعرُ بها المخلِصون المستقيمون المنضبطون, فإذا الإنسان له أعمال صالحة كثيرة وكبيرة, وما شَعَرَ من خِلالِها أنَّ قلبهُ قد اهتز طرباً, وانتشى سعادةً, فليُراجع نفسهُ مرةً ثانية, هذا حال المُراقبة .
يعني: إذا شعرتَ أنَّ الله يطلّعُ عليك, واستقمتَ على أمرِهِ, وأخلصتَ لهُ, جاءكَ الإحسان، جاءكَ السرور، جاءتكَ السعادة التي هي مُشجعٌ كبير في الدنيا .
إن شاء الله تعالى ننتقل في درسٍ قادمٍ إلى منزلة جديدة من منازل مدارج السالكين, في فَهمِ معنى: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين .










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 08:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( العشرون )


الموضوع : اليقين







منزلة اليقين :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درس من دروس مدارج السالكين , ومنزلة اليوم :
منزلة اليقين .
لأنَّ بعضهم أيقن فتحرك واستقام , وأعطى ومنع وبذل , وبعضهم كانَ شاكاً ومُتردداً فأحجم ، فإذا أردتَ أن تُفسّر الإحجام والإقدام ، الاستقامة وعدمها التضحية والحِرص ، لا يُفسّر هذا إلا باليقين , وإذا ذهبتَ في حياتكَ اليومية , وراقبتَ نفسك ، الأشياء التي توقِنُ بها تنطلقُ إليك ، والأشياء التي أنتَ شاكٌ فيها تُحجمُ عنها .
العامل الأساسي الذي يدفعُكَ إلى الحركة هو اليقين .
ورد في الأثر:
((تباركَ الذي قسمَ العقلَ بين عبادِهِ أشتاتاً، إنَّ الرجلين ليستوي عملهُما وبِرهُما, وصومُهُما وصلاتُهما, ويختلفانِ في العقلِ, كالذرّةِ جنبَ أُحد, وما قسَمَ الله لِعبادهِ نصيباً أوفرَ من العقلِ واليقين))
الموقن يدفعُ زكاةَ مالهِ ، الموقن يفني شبابهُ في طاعة الله , الموقن يُقضّي عُمُرهُ في معرفة الله .
أما غير الموقن : تراهُ مُحجماُ متردداً متريثاً مترقّباً , يعني في حيرةٍ في ضياع . الجلاس وعمه .
والقصة التي مرت بِنا من قبل شهيرة :
أحد أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله , لما بلغَ مرتبة اليقين , أصابتهُ نكسة , فعِندهُ طفلٌ صغير ربيبهُ , ابن زوجتهِ , وقد أغدقَ عليه من النِعم , ومن الرعاية والرحمة , ما لا سبيلَ إلى وصفه , دعا النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه لتهيئةِ أنفسهم لمعركة مؤتة , رآهُ مُحجِماً قاعداً متريثاً منتظراً لا يتحرك ، بينما أصحاب النبي عليهم رضوان الله تحركوا وبذلوا وجهّزوا واستعدوا , هو جالس ، فكانَ هذا الطفل الصغير لشدة توّقد الإيمان في قلبهِ , يُبلّغُ عمهُ زوجَ أمهِ , أن يا عماه فُلان فعلَ كذا ، فُلان فعلَ كذا ، فلما ضاقَ به ذرعاً , قال له : يا جُلاس , لو كانَ محمدٌ صادقاً لكُنا شراً من الحُمر .
هذه كلمة الكُفر ، متردد ، ليسَ واثقاً ، ليسَ متيقناً ، والحقيقة : إذا الإنسان تردد وقع في مشكلة كبيرة .
فهذا الطفلُ الصغير قالَ : واللهِ يا عماه , ما على وجهِ الأرضِ بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ أحبَّ إليَّ منك , ولكنكَ نطقتَ بكلمة الكُفر , ولأُبلّغنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم .
ما أراد أن يُبلّغ النبي من وراء ظهرهِ , واضح , هذه كلمة الكُفر , ويجب أن يعلم النبي عليه الصلاة والسلام ماذا تقول ؟ أنت معدود من أصحابه , كيفَ تقول : لو أنَّ محمداً صادقٌ فيما يقول , لكُنا شراً من الحُمر ؟ .
يعني : لو أنه صادق في دعواه , أنه نبي , ولن نستجب له , لكُنا شراً من الحُمر , فذهبَ هذا الطفلُ الصغير إلى النبي عليه الصلاة والسلام , وقالَ : يا رسول الله , تكلّمَ عمي : كيتَ وكيت , استدعاهُ النبي عليه الصلاة والسلام , وسألهُ عن قولتهُ هذه , فأنكرها , قالَ : هذا كذّاب يا رسول الله ، هذا أنا أحسنتُ إليه , وأنعمتُ عليه , وأغدقتُ عليه ، وهو يفعلُ هذا بحقّي ، وأصحابُ النبي عليهم رضوانُ الله , يعني مالوا إلى تصديق عمّهِ وتكذيب الغُلام ، نظرَ إليه النبي عليه الصلاة والسلام , فإذا بوجهه قد اصطبغَ وجهه بالحُمرة خجلاً من هذا الموقف العصيب , ولم يلبثُ أن تنزّلَّ الوحيُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد أكّدَ الوحيُّ قولة الصغير ، قالَ تعالى :
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
[سورة التوبة الآية: 74]
عندئذٍ كبّرَ النبي عليه الصلاة والسلام , وأمسكَ الغلامَ من أُذنهِ , وقالَ : يا غلام , صَدّقكَ ربُك , عندئذٍ اعترف عمهُ بما قال ، وقال : يا رسول الله ! اغفر لي هذه الزلّة , وتابَ توبةً نصوحاً , وكانَ من أشدِ الناسِ إكراماً لهذا الغُلام , لأنَّ توبتهُ كانت على يده , ولو أنَّ هذا الغلام سكت لبقيَّ منافقاً , كانت توبة العم على يدِ هذا الغُلام .
الذي جعلهُ يُحجم ويتردد وينجل , عدم اليقين ، وإذا أردتَ أن تُفسّرَ التقصير والإحجام , والميل إلى الدنيا , وعدم وجود الهِمة العالية , فينبغي أن تُفسّرَ كلَّ ذلك بضعفِ اليقين .
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾
[سورة التكاثر الآية: 5-6]
﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾
لو بلغَ اعتقاد الإنسان مرتبة اليقين, لباعَ نفسهُ للهِ عزّ وجل, أيُّ إحجامٍ, أيُّ تقصيرٍ, أيُّ تقليلٍ من شأنِ الإيمان, يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف اليقين .
ربُنا عزّ وجل ما أرادَ منك أن تؤمنَ متردداً :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 15]
الله عزّ وجل ما رضيَّ لكَ أن تؤمنَ شاكاً:
﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ﴾
الله عزّ وجل ما أمركَ أن تؤمن, وأعطاكَ الأدلة الضعيفة, قالَ:﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾
[سورة الذاريات الآية: 20]
هذا الموضوع دقيق جداً, حتى في حركاتكَ اليومية، لن تتحرك إلا إذا أيقنت، لن تُحجم عن شيءٍ يَضُرك إلا إذا أيقنتَ بضرره، لا تمتنع عن تصرفٍ إلا إذا أيقنت بخطورته، لا تُقدمُ على شراءِ شيء إلا إذا أيقنتَ بالربح, أبداً, اليقين هو المُحرّك، وما لم توقن, تبقى في شكٍ, وترددٍ, ووهمٍ, وإقدامٍ, وإحجامٍ, وتريثٍ, وتفرجٍ, أما حتى تنتقل إلى مرتبة العمل, لا بدَّ من اليقين, وأبوابُ اليقين مُفتحةٌ على مصارعها في الدنيا، وفي الأرضِ آياتٌ للموقنين، يعني في الإيمان أدلّة ليست مُقنعةً فحسب, بل هي قاطِعةٌ .
خصوصية أهل اليقين .
الله عزّ وجل خصَّ أهلَ اليقين بالهدى والفلاح, قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 4-5]
لأنهم أيقنوا :
﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾
خصوصية أهل النار .
أمّا أهل النار:
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 32]
لسنا متأكدين, أبداً, الأمر واضح جداً، الإحجام، النِفاق، الضعف، البُخل، عدم دفع المال، عدم بذل الوقت في سبيل الله، عدم التعرّف إلى الله، عدم تلاوة القرآن، تغليبُ الدنيا على الآخرة، الوقوع في الشُبُهات، التقصير في الواجبات، كلُّ هذه الأمراض هي أعراضُ لمرض واحد هو: ضعفُ اليقين .
من علامات آخر الزمان :
أن يفشوَ ضعفُ اليقين في الناس .
تجد المساجد ممتلئة .
لو دخلتَ إلى بيوت هؤلاء : أجهزة اللهو .
لو دخلتَ إلى متاجرهم : التعامل ربوي .
لو دخلتَ معهم في لقاءاتهم : اختلاط ، اختلاط في العلاقات الاجتماعية ، وتقصير في الواجبات الدينية ، وتسيّب في الانضباط الشخصي .
ما سِرُّ ذلك ؟ هو ضعفُ اليقين .
أُعيدُ مرةً ثانية وثالثة ورابعة : إذا أيقنت أنكَ إذا فعلتَ هذا الأمر, لا تنجو من عذابٍ أليم في الدنيا، لا تنجو من عشرين عاماً في السجن تُقضيها، لا أقول أغلب الظن, قطعاً: تُحجم عن اقتراف هذه المُخالفة .
الذي أتمناه على كلِّ أخٍ كريم: أن ينقلَ معرفتهُ باللهِ عزّ وجل من مستوى الاعتقاد غير الجازم إلى مستوى الاعتقاد الجازم, الإنسان أحياناً يُقصّر, إذا قصّر, يأتي العِلاج الإلهي مرة, اثنتين وثلاث, ألا ينبغي أن تستنبط: أنَّ لكلِّ سيئةٍ عِقاباً, وأنكَ لا تنجو من عذاب الله, إلا إذا استقمتَ على أمره, وأنَّ هذا الضعف في اليقين, هو سبب هذا التردي, من مشكلة إلى مشكلة .......؟
لذلك العلماء قالوا: اليقين روحُ أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح, روحُ أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح, وهيَّ حقيقة الصديّقيّة, كلما قال النبي شيئاً, يقول له الصدّيق: صدقت يا رسول الله, صدقت صدقت, بلغتَ حدَّ اليقين .
إنسان عادي قد لا يُبالغ في غسل الخُضار, أما إذا في جائحة، وباء، ادخل إلى بيت الطبيب، لأنهُ يُعالج باليوم آلاف الحالات، آلاف الإسهالات، آلاف الإنتانات، آلاف الأمراض، كُلُها بسبب التلوث من الخضار .
انظر إلى الطبيب, حيثُ يأمر أهله أن تغسلَ الخضار بالمواد المٌعقّمة يوميّاً, لماذا؟ بلغَ عِلمهُ حدَّ اليقين, أما عامة الناس ربما لا يبلغُ علمهم حدَّ اليقين, تراهم يترددون .
لا ترضين أحداً بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص, ولا يرده عنك كراهة كاره، وإن الله بقسطه وعدله, جعل الروح والراحة في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك.
في رواية أخرى: إنه من ضعف اليقين أن تُرضي الناسَ بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، أن تَذمهم على ما لم يُؤتكَ الله، إنهُ من ضعف اليقين .
يعني: إذا لم توقن أنَّ هذه النعمة من الله عزّ وجل، إذا جاءتكَ من إنسان, انكببتَ عليه مادِحاً وشاكراً ومُثنيّاً, ولم تتيقن أنها من عِند الله عزّ وجل, لذلكَ وقعتَ في الشِرك وأنتَ لا تدري, إنهُ من ضعف اليقين أن تُرضي الناس بسخط الله .
معنى ذلك: أيّ إنسان إذا استجاب لإنسان على حساب طاعتهِ لِربه، إذا جامَلَ زوجتهُ وسايرها في أمرٍ لا يُرضي الله، يجب أن يمتحن نفسهُ، يجب أن يوقن أنه غيرُ موقن، يجب أن يعلم أنهُ لا يعلم، يجب أن يتأكد أنهُ في شكٍ من أمرِ دينه، لأنه حينما تُرضي مخلوقاً وتعصي خالِقاً, أنتَ لستَ متأكداً من غضبِ الخالق، لستَ متأكداً من أنَّ هذا يُسخُطه، لستَ متأكداً من أنَّ هذا لا يُرضيه، لذلك فعلته .
وهنا: لا تُرضيّنَّ أحداً بسخطِ الله، ولا تحمدنَّ أحداً على فضل الله، ولا تذمنَّ أحداً على ما لم يؤتِكَ الله، فإنَّ رِزقَ الله عزّ وجل لا يسوقه إليكَ حِرصُ حريص، ولا يردّهُ عنكَ كراهية كاره، وإنَّ الله بعدلهِ وقسطه جعلَ الروحَ والفرح في الرِضا واليقين، وجعلَ الهمَّ والحُزن في الشكِ والسُخط .
كنتُ مرة أضرب لكم بعض الأمثلة, أُعيدهُا مرات عديدة, لأنه مناسب جداً في هذا الوقت: شخص فقير جداً, عِندهُ أولادٌ ثمانية, دخلهُ قليل جداً, حياتهُ خشنة جداً، دخلهُ أقل من مصروفه، يعني يُعاني من أزمات لا تُحصى, لهُ عم يملك ثلاثمائة مليون, وليسَ له أولاد, وتوفي في حادث, كلُّ هذه الثروة آلت إليه قطعاً, هو الوريث الوحيد، لكن إلى أن يصلَ هذا المبلغ إلى يديه, هُناك إجراءات وتعقيدات وبراءات ذمة ومتابعة معاملات إلى آخر ذلك ......، لماذا هذا الإنسان خلال هذه الفترة التي لم يقبض دِرهماً واحداً, هو من أسعد الناس, لماذا؟ لأنهُ موقنٌ بأنه سيصير غنيّاً، فيمضي هذه الفترة يقول: هذه الفيلة سأشتريها جيدة، وهذه المركبة سأقتنيها، وهذا الطعام سآكلهُ، وهذا اللِباس سأرتديه, دخل باليقين، أيقنَ بأنه سيكونُ غنيّاً, كلُّ هذه الثروة آلت إليه، من فقرِ مُدقع إلى غِنىً جيد .
هذا مثل طبعاً مُركّب تركيباً, لم يقع هذا الشيء, لكن هذا التركيب, من أجل أن نكشف: من أنَّ الإنسان يسعد لو أيقن، يعني أنت إذا أيقنت أنَّ الله عزّ وجل يُحبك وراضٍ عنك, وأنكَ إذا انتقلتَ إلى الدار الآخرة, أغلبُ الظن أنَّ الله سيرحمك, وأنَّ لكَ في الجنةِ مكاناً, هذا اليقين يجعلُكَ تمتصُ كلَّ المصائب, وكلَّ المتاعب, وكلَّ الهموم, وتعيشُ في هذا الوعد الرباني العظيم:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 61]
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 60]
الآن: إذا إنسان فرح في الدنيا, ما الدليل يقينهُ في الآخرة ضعيف؟ لِضعفِ يقينهِ بالآخرة فَرِحَ بالدنيا، أما لوعَرَفَ الدنيا على حقيقتها ما فَرِحَ بها .
إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دارُ استواء, ومنزلُ ترحٍ لا منزلُ فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء, قد جعلها اللهُ دارَ بلوى وجعلَ الآخرة دارَ عُقبى, فجعلَ بلاءَ الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعلَ عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضاً, فيأخذ ليُعطي ويبتلي ليُجزي.
لو فرضنا تلّة, عليها قصر فخم جداً، وإنسان يسير على قدميه, والطريق وعرة, ليتملّك هذا القصر، وإنسان يركب أفخر مركبة, وهو سينتهي به المطاف إلى أن يُعدم، في الظاهر هذا يركب مركبة فخمة جداً, لكن مصيرهُ معروف، وهذا الذي يمشي على قدميه, ويبذل جهداً كبيراً, سيكون نزيلاً لهذا البيت الفخم وسيتملّكهُ، لو التقيا في الطريق, أيقول الذي يركبُ المركبة الفخمة لهذا الفقير: ما أسوأ حظك؟ أيقول هذا الفقير لهذا الذي يركب المركبة: هنيئاً لكَ المركبة؟ لا, لِجهلِ كُلٍ منهما بمصيرهِ, يتمنى هذا أن يكونَ مكانَ هذا, وهذا يزدري هذا, بسببِ جهلِ كُلٍ منهما مصيرهِ، أما المؤمن قولاً واحداً: لا يتمنى أن يكون مكانَ أهلِ المعصية, ولو كانوا في أعلى درجات النعيم والرفاه والغِنى والقوة .
الحق المبين :
آية ثانية , يقول الله عزّ وجل :
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
[سورة النمل الآية: 79]
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
الحق هو اليقين : ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[سورة المدثر الآية: 47]
﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
الموت يقين والحق يقين .
الإنسان لماذا لا يتوكل؟ الآن: الإنسان يمرض مرضاً عضالاً, لماذا ييأس؟ لأنه ليسَ موقناً أنَّ الله قادرٌ على شِفائه, ضعف يقين, لو أيقنَ أنَّ الله يشفيه, مهما يكن مرضهُ عُضالاً, لَمَا أصابه اليأس أبداً، الفقير لماذا ييأس؟ لأنَ يقينهُ بأنَّ الله بقدرته أن يُغنيه, ضعيف هذا اليقين، لو أيقنَ لَمَا يئس، أخطر أمراض النفس: اليأس, والقنوط, والكآبة, والسوداوية .
قرأتُ كلمةً أعجبتني: يارب لا كربَ وأنتَ الرب, لا كرب مع وجود الرب, أنتَ عبدهُ, وباب التوبة مفتوح, باب العطاء مفتوح .
إذاً: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
قال العلماء: إذا وصلَ اليقين إلى القلب, امتلأَ نوراً وإشراقاً, وانتفى عنهُ كلُّ ريبٍ وسخط وهمٍ وغم, فامتلأَ محبةً للهِ, وخوفاً منهُ, ورِضىً به, وشُكراً له, وتوكّلاً عليه, وإنابةً إليه, فهو مادةُ جميع المقامات والحامل لها ".
يقول الجُنيد: اليقينُ هو استقرار العِلم .
مثل أدعهُ بينَ أيديكم: الإسمنت يُفحص في المعامل بمتانتهِ, هوَ يتحمل قِوى الضغط بشكل كبير جداً بالسنتيمتر مكعب من الإسمنت, يتحمّل بالمواصفات القياسية الصحيحة خمسمائة كيلو, نصف طن, لو وضعنا نصف طن على سنتيمتر مكعب من الإسمنت, لتحملّها قبل أن ينسحق نصف طن، في المواصفات الوسط 200 كيلو، أما يُفحص الإسمنت بالشد، تُصب مكعبات من الإسمنت، تُلقط بملاقط من الأعلى، وملاقط من الأسفل، الملقط السُفلي ككفة الميزان, يوضع الكيلو, يكسر في نوع, لا ينكسر إلا على 2 كيلو, في نوع على ثلاثة, على أربعة, على خمسة، تُمتحن قوة تماسك الإسمنت على أيِّ وزنٍ يُكسر هذا المُكعب، هذا المثل لو طبقناهُ على المؤمنين, تجد مؤمناً إيمانهُ وسط, أما على إغراء معيّن, أو على ضغط معين, تضعُف هِمتهُ, وانساق مع شهوتهِ, وتخلّى عن طاعتهِ لربهِ .
إذاً: هذا المؤمن يقينه ضعيف, كُلما زادَ اليقين زادَ التماسك، فالمؤمن الصادق مهما ألّمت بهِ المِحن, ومهما ضاقت عليه الدُنيا, ومهما تلّقى ضغطاً كبيراً, ومهما تعرّضَ لإغراءٍ شديد.
إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي .
كُلما ارتفعَ اليقين, ارتفعَ التماُسك, وارتفعَ الصمود, يعني باللغة التي نستعملها: يصمدُ أمام كلِّ إغراء, وتحتَ أيِّ ضغط، والإنسان أحياناً ينهار لضغطٍ قليل أو لإغراءٍ قليل، فإذا انهارَ إيمانه لضغطٍ أو لإغراء, معنى ذلك: يجب أن يُعيدَ حساباتهِ كُلها, فإيمانهُ ضعيف .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي, لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ, وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ, وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ, وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ, وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ))
قال: اليقين هو استقرار العِلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغيّر في القلب, وقالَ أبو بكر الورّاق: اليقين مِلاكُ القلب, وبهِ كمالُ الإيمان, وباليقينِ عُرِفَ الله, وبالعقلِ عُقِلَ عن الله، واليقين على ثلاثة أوجه, ثلاثة أنواع؛ يقين خبر، ويقين دليل، ويقين مشاهدة .
لو فرضنا في جدار, قال لكَ إنسان: وراء هذا الجدار نار, هذا الإنسان صادق عندك, هذا يقين خبر, بعد قليل رأيتَ الدُخان يتصاعد, لا دُخان بِلا نار, صار في عنّدنا دليل ، كان في معك يقين إخباري, صار معك يقين استدلالي, توجهّتَ نحو الجدار, والتففت وراءَ الجدار, فإذا النار تشتعل، صار معك يقين شهودي، من اليقين الإخباري, إلى اليقين الاستدلالي, إلى اليقين الشهودي. أنواع اليقين :
1-يقين خبر :
فاليقين إذاً أنواعٌ ثلاثة: يقين خبر سكون القلب إلى خبر المُخبر وتوثّقهُ به.
يعني إذا كان المُتكلّم صادقاً, فأنتَ تثِقُ بكلامهِ وتُصدّقهُ, فهذا يقينُ الخبر, فإذا كان الله هو المُتكلّم, خالق الكون, وإذا كانَ هذا الكلامُ قرآن, وإذا كانَ هذا الكلامُ حديثاً لرسول الله متواتِراً صحيحاً, هذا يقين إخباري, ويكفي المؤمن دليلاً أو دافعاً لتطبيق أمرِ الله أنهُ أمرُ الله ، الإنسان إذا بحث عن حِكمة لا بأس, ليُعلّمَ الناسَ الحِكمة, ولكن إذا أيقنَ أنَّ هذا أمرُ الله, ولو لم يفقه الحِكمة, يكفيهِ دافعاً إلى تطبيق أمر الله عزّ وجل .
2-يقين الدلالة :
المستوى الثاني: يقين الدلالة، فإذا جاءت حقيقة مع البُرهانِ عليها, ربنا عزّ وجل قال :
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
قال لكَ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾
لكن في آيات أُخرى قال:﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 101]
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾
[سورة الغاشية الآية: 17-20]
إذاً: ربنا عزّ وجل معَ أنهُ خالقٌ, ورب, ومُسيّر, وموجود, وواحد, وكامل, أعطاكَ الأدلة على وجوده، والأدلة على كماله، والأدلة على وحدانيته، فأنتَ في الآيات الكريمة, عِندكَ يقين إخباري ويقين استدلالي .
3-يقين المكاشفة :
أما الدرجة الثالثة: يقينُ المُكاشفة، مرة ثانية: إنسانٌ تثقُ بكلامهِ إلى أقصى الحدود, أخبركَ أنَّ وراء الجدارِ ناراً، رأيتَ الدخان يتصاعد, قلتَ: لا دُخانَ بلا نار يقين استدلالي، توجهّتَ نحو الجدار, ورأيتَ النارَ تشتعل, هذا يقين شهودي, والمؤمن يرتقي من يقينٍ إخباري إلى يقين استلالي, إلى يقين شهودي .
لكن بالمناسبة: ما كلُّ مفردات الإيمان يمكن أن تكونَ شهوداً، وما كلُّ مفردات الإيمان يمكن أن تكونَ استدلالاً، بل إنَّ من مفردات الإيمان ما هو إخباري محض, فالحديثُ عن الجنةِ والنار، والجِنِّ والملائكة، والصراط والميزان، والبرزخ والقبر وعذاب القبر، والحديثُ عن الأزل, عن جمعِ النفوس في الأزل، هذا كلهُ يقين إخباري, ولن يكونَ شهوديّاً ولا استدلالياً.
تبقى في الإيمان مفردات, يبقى اليقينُ بها يقيناً إخباريّاً, لذلك: الذي لا يستطيعُ عقلُكَ أن يصلَ إليه, يجبُ أن تُصدّقَ بهِ، الذي لا يستطيعُ عقلُكَ أن يصلَ إليه استدلالاً, إذا آمنتَ باللهِ عزّ وجل يقيناً استدلالياً, عندئذٍ تؤمن بما أخبركَ اللهُ به تصديقاً .
في الإيمان: إيمان تصديقي وإيمان تحقيقي، بعضُ مفردات الإيمان لا يُمكن أن تؤمنَ بها إلا تصديقاً؛ كالإيمان بالجِنِ مثلاً, أو الإيمان بالملائكة, قال الله عزّ وجل في آيات كثيرة عن الملائكة, إذاً: أنتَ مؤمن بالملائكة إيمان تصديقي .
الآن: إذا ارتفع المؤمن إلى مستوى الإيمان الشهودي, أو يقين المُكاشفة, أو اليقين الشهودي, بحيثُ يصير المُخبرُ به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم, إنني أراك .
قال: يا زيد عرفتَ فالزم, إني لكَ ناصحٌ أمين, كيفَ أصبحت؟ أصبحتُ بعرش ربي بارزاً, وكأني بأهلِ الجنة يتنعمون, وبأهل النارِ يتصايحون.
يعني بلغَ إيمانهُ مرتبة الشهود .
قال بعضهم: رأيتُ الجنة والنارَ حقيقةً, قيلَ: وكيف؟ قال: رأيتُهما بعيني رسول الله .
بالمناسبة: كلُّ المؤمنين من دون استثناء إيمانهم بالجنة والنار إيمان إخباري، يقين إخباري، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإيمانهُ بالجنة والنار إيمانٌ شهودي, لأنه في الإسراء والمعراج, أكرمهُ الله عزّ وجل بأن أطلعهُ على ما سيكون، رأى بأُمَ عينه أهلَ الجنةِ وأهلَ النار, وأحوالَ أهل الجنة وأحوال أهل النار، النبي وحدهُ إذا تكلّمَ عن الجنة وعن النار يتكلّمُ عن مُشاهدة .
لذلك: إذا ذهبَ إنسان إلى مكان, ورآهُ رأيَّ العين, وأخبركَ عنهُ, تشعر أنهُ يؤثّرُ فيه, أما إذا قرأ عن هذا المكان, وأخبركَ عنهُ, يعني ينقل شيئاً من كتاب, ويلقيه في أُذُنك, أما لو أنهُ عاشه وتأثّرَ به, لكان تأثيرهُ فيكَ أبلغ .
لذلك: أراد الله عزّ وجل أن يكون النبي وحدهُ, تكريماً لهُ, إذا حدّثَ أُمتهُ عن الجنة والنار, يُحدّثُهم كحديث المشاهد .
أركان علم اليقين :
أركان عِلم اليقين, قال: قَبولُ ما ظهرَ من الحق, وقَبولُ ما غاب, والوقوف على ما قامَ بالحق، كيف؟ قَبولُ ما ظهرَ من الحق تعالى؛ أوامرهُ ونواهيه وشرعهُ ودينهُ, هذا كُلهُ ظهرَ على لسان نبيهِ صلى الله عليه وسلم, فأنتَ كمؤمن تتلقاهُ باليقين, كما قُلنا قبلَ قليل .
في عندك أوامر ونواهٍ، في عندك سُنن، في عندك مكروهات، في عندك مستحسنات ، هذه كُلها جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لكن في أشياء غابت عنك, أخبركَ بها النبي, هذه أيضاً يجب أن تتلقاها كما لو أنها يقينٌ .
فالإيمانُ بالغيب الذي أخبرَ اللهُ به, والإيمان بالجنة والنار, والصِراط والميزان, والحسابِ وما قبلها, من تشقق السماءِ وانفطارها, وانتثار الكواكب, ونسف الجبال, وطي العالم وما قبل ذلك؛ من البرزخ ونعيمهِ وعذابهِ, هذه كُلُها تقبلها, لأنَّ الله أخبرنا بها يقين إخبار.
قبول هذا كُلِهِ, يُعدُّ إيماناً وتصديقاً ويقيناً, هذا هو اليقين, بحيثُ لا يُخالجُ القلبَ شُبُهةٌ ولا شكٌ ولا نسيانٌ ولا غفلةٌ, فإن لم يهلك يقينُ الإنسان, بقي إيمانهُ قوياً, وبقي عملهُ صالحاً .
الآن بعضُ ثِمار اليقين, قالَ: الأُنسُ القرآن الكريم, يقينُكَ أنَّ هذا الكلامَ كلامه, وأنَّ الجنة والنارَ مصيرُ البشر, وأنَّ هذا الكونَ خلقهُ لتعرِفهُ, هذا اليقين, يحملكَ إذا قرأت القرآن على أن تأنسَ بهِ .
مثلاً: إذا قُرئ القرآن, تجد إنساناً يبكي, وإنساناً لا يُبالي, وإنساناً يُعرض, أخي غيّر المحطة, لماذا؟ هو اليقين .
الخلاصة :
ملخص الدرس كلامٌ دقيقٌ جداً:
إنهُ من ضعف اليقين أن تُرضي الناسَ بسخطِ الله، مقياس دقيق جداً: حينما تؤثر رِضى إنسانٍ ماء, ولو كانَ أقربَ الناسِ إليك على طاعتكَ لله, فاعلم عِلمَ اليقين أنكَ ضعيفُ اليقين، فاعلم أنكَ لا تعلم، فاعلم أنَّ إيمانكَ ضعيف، وإنهُ من ضعفِ اليقين أن تَحمِدَ الناسَ على فضل الله, إذا الله عزَّ وجل تفضلَّ عليك بشيء وعزوتهُ إلى الناس، تفضّلَ عليك بشفاء ولدك عزوتهُ إلى الطبيب وحدهُ، أما الإيمان؛ أنَّ الله أكرمني بالشفاء على يدِ هذا الطبيب, فللهِ المِنةُ والفضل, ولهذا الطبيب مني الشكرُ والعِرفان, هذا الإيمان .
إنهُ من ضعف اليقين: أن تّذُمَّ الناسَ على ما لم يؤتِكَ الله مع عدم الموافقة, تُزمجر وتضطرب, وتكون لهُ الكلمات القاسية, الله عزّ وجل منعهُ أن يوافقَ لك، إذا كُنتَ موقِناً بأنهُ لا إلهَ إلا الله, فاللهُ عزّ وجل هو الذي ألقى في قلبهِ ألا توافق، إنهُ من ضعف اليقين: أن تُرضي الناس بسخط الله, وأن تحمِلهم على فضل الله, وأن تَذُمّهم على ما لم يؤتِكَ الله، إذا عزوتَ الحرمانَ إلى البشر, فهذا من ضعف اليقين, وإنَّ الله كما قالَ عليه الصلاة والسلام:
لا ترضين أحداً بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص, ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله, جعل الروح والراحة في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك.
كل أنواع الهموم والأحزان, مردها الشكُ بوعد الله, والسخط على قضاء الله, الحزن والهم، الآلام النفسية كلها أسبابُها: الشك في ما وعدكَ الله به, والسخطُ على قضاء الله, والسعادة النفسية كلها أساسها اليقين والرِضا, أيقنتَ بوعد الله ورضيتَ بقضائه .
نحنُ أمام امتحان صعب، أيام الإنسان يقول لكَ: يا أخي اخترعوا شيئاً رائعاً جداً, من طبيب تأخذ ورقة, فتكشف لكَ إن كان معكَ السُكر, أو ليسَ معك, ورقة من الصيدلية, كثير في الآن وسائل للفحص الذاتي في البيت، هذا الحديث جميل جداً, يكشف لكَ إيمانك, إذا أردتَ مُشعّر لمستوى إيمانك, تريد تعييراً دقيقاً لمستوى إيمانك.
هذا الحديث: أن تُرضيَّ الناس بسخط الله, فأنتَ لا تعرف الله, والدليل:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
بقي أحد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾
أنواع الأموال؛ بيت, أرض, مزرعة, دكان منقولة أو غير منقولة: ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾
فتربصوا حتى يأتي الله بأمره .
يعني: إذا آثرتَ هذا البيت على طاعة الله, إذا آثرتَ هذه التجارة المُحرّمة التي فيها الشُبُهات على طاعة الله عزّ وجل, معنى ذلك: أنَّ هذه التجارة أحبَّ إليك من الله ورسولهِ, الطريق إلى الله غير سالك: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾








والحمد لله رب العالمين

آفراح
07-18-2018, 11:41 AM
بورك فيك وجوزيت كل خير على الطرح القيم
تحية

السعيد
07-18-2018, 01:12 PM
تسلمين اختى افراح على تواجدك الدائم

السعيد
07-18-2018, 01:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و العشرون )


الموضوع : الافتقار







منزلة الفقر :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الواحد والعشرين من دروس منازل السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الفقر .
تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ من عَرَفَ نفسهُ عَرَفَ ربه ، الإنسانُ أولُ صِفة من صفاتِهِ أنهُ مُفتقرٌ إلى ربهِ ، فإذا استغنى عن ربهِ , فقد وقعَ في شرِّ أعمالِهِ ، لذلك حقيقة العبودية هي الافتقار إلى الله عزّ وجل ، حقيقة الإنسان هي أنهُ فقير ، حقيقة هذا المخلوق الذي سخر الله لهُ الكونَ من أجلهِ , أنهُ مُحتاجٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء , فلذلك حينما يغيبُ الإنسانُ عن هذه الحقيقة ، حينما يغفلُ عنها، حينما يظنُ نفسهُ على خِلافِ ما هوَ عليه , فقد وقعَ في جهلٍ كبير .
الجهل والعلم والفرق بينهما :
يا أخوة الإيمان ؛ تعريف الجهلِ في أبسطِ تعاريفهِ : أنهُ ما خالفَ الواقع .
يعني :
إذا قُلت ؛ هذا إبريق ماء , هذا الكلام فيهِ جهل .
إذا قلت ؛ هذا كأس حليب وهو ماء ، هذا الكلام فيهِ جهل .
ما تعريفُ الجهل ؟ ما كانَ خِلافَ الواقع , فأنتَ لكَ واقع ، لكَ واقع راهن ، حقيقة صارخة ، شِئتَ أم أبيت ، أحببتَ أو كرهت , أن تتوهم أنكَ على خِلاف ما أنتَ عليه , فأنتَ قد وقعتَ في جهلٍ كبير .
بالمناسبة : ما تعريفُ العِلم ؟
العلم هو إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل .
يعني :
إذا رأى الطبيب أنَّ ارتفاع الحرارة وارتفاع الضغط مؤشرانِ لمرضِ كذا , وكانَ ارتفاع الضغطِ وارتفاع الحرارة مؤشران على مرضٍ آخر , فإذا شخصَ مرضاً غيرَ المرض الذي يُعانيه المريض , فهذا التشخيص فيه جهل , يجبُ أن نعلمَ ما الجهل ؟.
في مراتٍ سابقة عرّفتُ العِلمَ :
بأنهُ علاقةٌ ثابتة بينَ شيئين مقطوعُ بصحتها , يؤكدّها الواقع عليها دليل .
علاقةٌ بينَ شيئين يعني قانون .
كلُّ المعادنِ تتمددُ بالحرارة مقطوعٌ بصحتها , لو لم يكن مقطوعاً بصحتها , لكانَ الوهمُ والشكُ والظن ، يؤكدها الواقع , لو لم يؤكدها الواقع لكانت جهلاً ، عليها دليل , لو لم يكن عليها دليل لكانت تقليداً .
ما التقليد ؟
حقيقةٌ تفتقرُ إلى دليل .
ما الجهل ؟
ما خالفَ الواقع .
ما القطع ؟
ما كان بعيداً عن الشكِ والوهمِ والظن , هذا هو العِلم .
فيجب أن نعلم ، يجب أن نعتقد أنَّ العِلم :
إدراكُ الشيء على ما هوَ عليه .
فَهم هذه الآية كما أرادها الله ، حُكمُ هذه القضية كما جاءَ بهِ رسول الله ، حقيقة الكون ، حقيقة الإنسان ، حقيقةُ الحياة الدنيا ، حقيقةُ ما بعد الموت ، ما قبلَ الموت كذا ، حقيقةُ المال لهُ دورٌ معين , يعني إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه فأنتَ عالِم , لكن لو أردتَ أن تُحدّثَ الناسَ بهذا الشيء لطالبوكَ بالدليل .
إذا أدركتَ كلَّ شيء على ما هو عليه ومعكَ الدليل فأنتَ عالِم .
ويا حبذّا لو أنَّ دِماغنا أو فِكرنا أو عقلنا , كما يقول الناس : محشوٌ بالحقائق , المشكلة : أن تجد رجلاً دماغهُ محشوٌ بالأباطيل ، بالأوهام ، بالخرافات ، بالجهل , الجهل شيء , قد تفهمُ الجهلَ فهماً بسيطاً ، قد تفهمُ الجهلَ عدمُ المعرفة , لا , الجهل معرفة لكنها مغلوطة ، الجاهل إنسان يعلم , لكن يعلم أفكاراً ومقولات لاعلاقة لها بالواقع , يعني : إذا أردتَ أن تُلقي ماءً معَ مِلح في طريقِ زوجٍ لعلهُ يُحبُ زوجتهُ , هذا جهل , لأنهُ لا علاقة أبداً بينَ هذا وذاك .
في أحد عُلماء دمشق الأكارم , توفي رَحِمهُ الله , له كرامات كثيرة , فجاءهُ أحد طُلاب العِلم , وقال له : يا سيدي , أرجوكَ رجاءً حاراً , أن تأخذني إلى الحج , أن تدفُعني , هو يظنُ هذا الأخ , أن هذا الشيخ لهُ كرامات , فإذا دفعهُِ صارَ في مكة , وفي مكة يوفر نفقات السفر ورسوم الدخول وما إلى ذلك , ثم يجذِبهُ إلى الشام ، فلما طلبَ منهُ هذا الطلب , نظرَ إليه , رآهُ جاهلاً ، قالَ له : غداً تعالَ إليّ ، أخذهُ إلى التكية السليمانية , وأمرهُ أن يحلِفَ يميناً بالطلاق , ألا يقولَ لأحدٍ ما سيجري معهُ , وحلفَ هذا اليمين , وأوقفهُ على حافة البحرة الكبيرة في هذا المسجد , ودفعهُ إلى الماء .
إذا هناكَ إمكان أن تنفي عن ذهنكَ كُلَّ الجهل ، ما معنى الجهل ؟ معلومات غلط ، نحنُ أُمةُ محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة , شيء جميل , إذاً : لنفعل ما نشاء , هذا هو الجهل .
عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ :
((سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ , فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ , وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا , لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي , ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ , قَالَ أَبُو حَازِمٍ : فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ , وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا , فَقَالَ : هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلاً , فَقُلْتُ : نَعَمْ , قَالَ : وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فِيهِ , قَالَ : إِنَّهُمْ مِنِّي , فَيُقَالُ : إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ , فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي))
إذا تعلّقتَ بِفكرةِ , أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة يشفعُ لكَ , وأنتَ واقعٌ في ذنوبٍ كثيرة , فهذا جهل .
إذاً : هذا الذي أرجوه في هذا الدرس , أن تعلم أنَّ حقيقة العِلم : إدراكُ الشيء على ما هو عليه بدليل ، وأنَّ طبيعة الجهل إدراكُ الشيء على خِلافِ ما هوَ عليه .
أبسط مثل ؛ أنتَ عِندكَ مركبة ، قيل لكَ ؛ هذا الضوء الأحمر في علبة السُرعة إذا تألّق , معنى ذلك أنهُ يُسليك , وحقيقةُ هذا الضوءِ الأحمر أنهُ إذا تألّق , فهناكَ خطرٌ كبير , يجب أن تقف فوراً , وأن تضع الزيت في المُحرك , فإذا قُلتُ لأحدِكم ؛ هذا الضوء يتألّق للتسلية , ليكونَ زينةً للسيارة , زينة أثناء الطريق , قد يتألق , هذا الكلام فيهِ جهل ، فإذا أمكنكَ أن تنفي عن معلوماتك , وعن معتقداتك , وعن تصوراتك , وعن أفكارك , وعن مقولاتك , كلَّ ما له علاقةٌ بالجهل , فأنتَ بطل .
لذلك :
إذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم .
هذه المُقدّمة : أردتُ أن أصل إلى أنَّ لكَ طبيعة ، أن ترجو هذه الطبيعة أو أن لا ترجوها ، أن تُحبّها أو أن لا تُحبها ، أن ترضى عنها أو أن لا ترضى عنها , بحثٌ آخر , أمّا أنتَ لكَ واقع , واحد عندهُ بيت ، هذا البيت المتوافر في هذا الوقت , أعجبكَ لم يُعجِبُك ، كبير صغير ، مُشرق مُظلم ، أُجرة مُلك , هذا البيت يجب أن توفّق أغراضكَ وفقَ هذا البيت . حقيقة الإنسان :
الآن : أنتَ لكَ حقيقة أعجبتكَ أم لم تُعجِبك ، رضيتَ عنها لم ترض عنها ، أنتَ عبدٌ لله ، مُفتقرٌ إلى اللهِ في كلِّ شيء ، لا تملِكُ شيئاً .
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[سورة آل عمران الآية: 26]
دِماغك مُلك الله عزّ وجل ، وأنتَ معك دكتوراه بالفيزياء , من أعلى جامعة في أمريكا , ربنا عزّ وجل يعمل تعديلاً طفيفاً , تُصبح مجنوناً , لستَ مالِكاً لدماغك ، ولستَ مالِكاً لقلبك ، ينبض بإحكام والدسامات مضبوطة ، لستَ مالِكاً لرئتيك ، لستَ مالِكاً لعضلاتك لأعصابك . ﴿قل اللهم مالِكَ المُلك﴾
كلُّ شيءٍ يُملّك , الله سبحانهُ وتعالى مالِكهُ , هذه حقيقة إذا أيقنتَ بها , تجد نفسكَ مُنساقاً إلى الله عزّ وجل , لأنهُ لا وجودَ لغيرهِ .
يعني : يدُ من تعمل في داخل الأعصاب ، لو أنَّ نقطة دم تجمدت في بعض الشرايين في الدِماغ , في هذا المكان شلل ، في هذا المكان ذهاب عقل , في هذا المكان ذهاب ذاكرة ، بيد الله عزّ وجل .
فهناكَ حقيقةٌ صارخةٌ هي موضوع هذا الدرس : ما هذه الحقيقة ؟ هوَ أنكَ مُفتقِرٌ إلى الله في كلِّ شيء , والله عزَّ وجل قادِرٌ على كلِّ شيء .
راكب طائرة , تُحلّقُ بهِ على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم فوق أوروبا , احترقت الطائرة في الجو , وتصدعت , وسقطت , ومات جميع ركابِها , عدا راكباً واحداً , أُيعقل أن تحترق طائرة على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم فوق غابات الألب في أوروبا , وأن ينجوَ أحدُ رُكابِها ؟ هذا الراكب كانَ مقعدهُ مكان تصدع الطائرة , عندما تصدعت وقع ، نزلَ على خمسة أمتار من الثلج مكدسّة فوقَ أغصان من السرو , هذه الأغصان مع خمسة أمتار ثلج , كانت كالوسائد التي امتصت هذه الصدمة , فنزلَ واقفاً . ﴿قل اللهم مالِكُ المُلك﴾
وأعرفُ رجلاً آخر , بعيداً عن الدينِ بُعداً كبيراً , مُسرفاً في المعاصي , لسببٍ تافهٍ جداً , وهو في أوجِ حياته , وأوجِ نشاطهِ , وأوجِ جبروتهِ , قبضهُ الله عزّ وجل , أراد أن يُعدّل مكان جهاز كهربائي على الحائط , فرفعهُ قليلاً , فلما اضطر أن يستعمِلهُ , طلب كرسياً , هذا الكرسي وقف عليه , فدخل في مقعدهِ , أُخذَ إلى مستشفى , فبقي فيها خمسةَ عشرة يوماً , وتوفي في المستشفى .
الله أنقذ إنساناً , وقع من طائرة على ارتفاع ثلاثة وأربعين ألف قدم , وهذا لهذا السبب التافه قبضهُ الله عزّ وجل .
يجب أن تعلم أنكَ فقير , الله عزّ وجل لأتفه الأسباب يُعطيكَ كلَّ شيء ، ولأتفه الأسباب يأخذُ مِنكَ كلَّ شيء .
برغي في جهاز في السيارة ما كان مشدوداً , فالزيت نَزل من هذا المكان , الجهاز اضطرب ، اختل ، توقفت السيارة ، خرج صاحِبُها ليتفقد الخلل ، ضربة شمس قضت عليه , يعني هذا الصانع لو أنهُ ضبط هذا البُرغي لما مات , فـ : ﴿قل اللهم مالِكُ المُلك﴾
مُفتقر إلى الله في كل شيء .
هذا هو التمهيد لهذا الدرس ، يعني في حقيقة واقعة , هكذا أرادها الله , ولكن قبلَ كلِّ شيء , لماذا أرادَ الله أن نكونَ فقراء ؟ هُنا السؤال .
الحقيقة الأولى :
أنتَ فقير , معنى فقير ؛ أي مُفتقر , هُناك الفقر الذي أراده الله في بعض الآيات : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 60]
هذا موضوع آخر ، موضوعٌ آخر بعيد عن درسنا كُلَّ البُعد ، لكن حينما قال الله عزّ وجل : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[سورة فاطر الآية: 15]
الأصحاء والأقوياء والأغنياء والأذكياء , كلُّ الناس ، قويّهم وضعيفهم ، غنيهم وفقيرهم ، كبيرهم وصغيرهم ، ذكيهم وغبيّهم ، وسيمُهم وذميمُهم . ﴿يا أيها الناسُ أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني﴾
بهذا المعنى أنتَ فقير .
الآن السؤال : لماذا أنتَ فقير ؟
سِرُّ سعادتنا أن نكونَ فقراء , لأننا إذا افتقرنا إلى الله أقبلنا عليه , فإذا أقبلنا عليه سَعِدنا بِقُربِهِ ، أما إذا استغنينا عنهُ شقينا باستغنائِنا عنه .
فلما ربنا عزّ وجل قال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾
[سورة النساء الآية: 28]
يا عبادي , أنا خلقتكم ضعفاء كيّ تحتموا بي ، كي تُقبِلوا علي ، كي تلتجئوا إلي ، كي تستنجدوا بي ، كي تستعينوا بي ، ولو أنيّ خلقتكم أقوياء , لاستغنيتم بقوتكم , فشقيتم باستغنائكم .
أول فكرة : هناكَ حقيقةٌ راهنة : يجبُ أن تقبلها , اقبلها أو لا تقبلها , هي حقيقة لا بدَّ من أن تستوعِبها.
الفكرة الثانية : أنتَ فقير .
الفكرة الثالثة : أنتَ فقير لمصلحتك ، لمصلحة سعادتك ، لمصلحة دينك ، لمصلحة دُنياك ، لمصلحة آخِرتك ، لمصلحة إقبالِك . معنى الفقر :
فقر بمعناها الشائع , ليست مُرادة في هذا الدرس ، إنسان دخلُهُ أقلُّ من مصروفِهِ ، إنسان يُعاني ضيقَ ذاتِ اليد ، إنسان يحتاج إلى مساعدة , هذا هوَ الفقير عِندَ الناس , أما عِندَ علماءِ القلوب وأنتَ في أعلى درجات الغِنى فقير .
ربنا عزّ وجل أحياناً يُرسل للإنسان مُصيبة لا يستطيع دفعها , ولو أنهُ يملك أموالَ الدنيا .
كُنتُ مرة عندَ طبيب قلب , جاءه هاتف أمامي من رجل , يبدو أنهُ من أغنى الأغنياء , بعدَ أن انتهت المكالمة , الطبيب أخبرني عن ذلك ، قالَ المُتكلّم للطبيب : يا أيها الطبيب , إلى أيّ مكان نأخذهُ ؟ لأنه لا يوجد أمل , قال : ندفعُ أيَّ مبلغٍ مهما بلغ , قال : لا يوجد أمل , قال : نأخذهُ إلى أرقى بلدٍ في العالم , قال : لا يوجد أمل , المرض من الدرجة الخامسة , وأيّ إنسان إذا أراد أن يستأصلهُ , لا بدَّ من أن ينمو مباشرةً ، أنا شعرت , والله اقشعرَّ بدني , شعرت أنَّ هُناكَ مصائب لا يحُلها المال ولِتملك ما تملك .
إذاً: أنتَ فقير , فالذي معهُ مال , وظنَّ نفسهُ بالمال يحل كل مشكلة , معناها جاهل , موضوع الورع والتقوى , معناها جاهل ، معلوماته غلط ، هناكَ مصائب لا يَحُلها المال مهما كانَ وفيراً .
أنتَ قوي , ربنا عزّ وجل قادر في حالات يُمرّغُكَ في الوحل ، يُذيقكَ ألوان الهوان وأنتَ قوي .
أحبّ أحدهم أن يعقد قبل يومين مؤتمراً صحفياً , وثاني يوم انتحر , وزير الداخلية , وأنتَ في أعلى درجات القوة ، ثاني يوم في أدنى درجات الضعف , فإذا قلت : أنا قوي فأنتَ جاهل ، القوي هوَ الله عزّ وجل , إذا قلت : أنا لي شكلٌ وسيم ، حادث واحد يشوهك ، هُناك أطباء للتجميل , هُناك زرع جلد , هناك ..... الجمال يذهب فجأةً , والقوة تذهب فجأةً , والمال يذهب فجأةً .
في رجل , له قصة تكاد لا تُصدّق , رجل كرهَ الإقامة في هذا البلد ، ففكر وخطط وصمم ، باع معملهُ ومحله التجاري , وباع بيتهُ , وباع سيارتهُ , وجمّعَ هذه الأموال , وحوّلها إلى بلدٍ , يعني حيثُ البحبوحة والرخاء , ليشتري البيت الفخم , ويعيش بالفوائد ، حيث نوى أن يضع مبلغاً ضخماً في المصرف , فوائدهُ تكفيهِ لأعلى درجات الإنفاق ، لغلطة بسيطة في إيداع المبلغ , أودعهُ باسم مستعار لليوم التالي , هذا الإنسان أدركَ أنَّ هذا المبلغ لهُ صار في اليوم التالي , قال : ليسَ لكَ عِندي شيء , فَقَدَ ثروتهُ كُلَها في تصرفٍ أحمق .
فأنا أُركّز على أنكَ فقير , يعني أنتَ بقوتكَ مُفتقر إلى الله ، وأنتَ قوي مُفتقر ، دعكَ من الضعيف , وأنتَ قوي مُفتقر ، وأنت غني مُفتقر ، وأنتَ صحيح مُفتقر ، ودائماً في حِكمة أرادها الله عزّ وجل أنهُ : إذا الإنسان مُختص بأحد فروع الطب , ويعتدّ باختصاصه , ويعتني بصحتهِ عنايةً بالغة ، اعتدادهُ بعِلمهِ ونسيانهُ أنهُ فقير .
شيء غريب أنَّ بعضَ الأطباء المُتخصصين بأمراض الهضم يُصابون بقرحة في المعدة ، بعض أطباء المتخصصين بأمراض معينة يُصابون بالأمراض نفسها , لماذا ؟ لأنَّ الإنسانَ فقير , فإذا ظنَّ أنهُ غيرُ فقير أدّبهُ الله عزّ وجل , لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام :
((مِنْ مأمَنِهِ يؤتَى الحَذِرُ))
هذا المثل : يُرْوَى عن أكْثَمَ بن صيفي التميمي ، أي أن الحَذَرَ لا يدفع عنه ما لا بد له منه ، وإن جَهِدَ جَهْده ، ومنه الحديث : ((لا ينفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ))
إذا أردتَ أن تكونَ أقوى الناس فتوكل على الله ، إذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك . الإفتقار :
معنى الفقر العام الشائع بين الناس : إنسان دخلهُ أقل من مصروفه , يحتاج لمساعدة , هذا المعنى لا يعنينا في هذا الدرس إطلاقاً , يعنينا قولهُ تعالى :
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[سورة فاطر الآية: 15]
الحقيقة ؛ الإنسان متى يشعر بافتقاره ؟
هُناكَ طريقان :
إمّا أن تعرِفَ الله عزّ وجل وإمّا أن تعرِفَ حقيقةَ نفسك .
والمعرفة لها ثلاث طُرق :
إمّا أن تتأمل , وإمّا أن تقرأ , وإمّا أن تنظر .
التأمل في الكون : أخالِقُ هذا الكون ضعيف ؟ لا والله قوي .
الكون يُنبِئُكَ ببعضِ الحقائق وأفعالُ الله عزّ وجل تُنبِئُك .
أفعال الله عزّ وجل دائماً وأبداً يُريكَ الله لأفعالِهِ آياتٍ باهرات ، يُريكَ غنيّاً افتقرَ فجأةً ، ويُريكَ فقيراً اغتنى ، يُريكَ قويّاً أذلّهُ الله ، يُريكَ ضعيفاً أعزّهُ الله ، ألم تقل جاريةٌ في قصر العزيز , حينما رأت يوسفَ عليه السلام , كيفَ كانَ عبداً في قصرِ العزيز , ثمَّ كيفَ صارَ عزيزَ مِصر , حينما رأتهُ في موكِبهِ , قالت : سُبحانَ من جعلَ العبيدَ ملوكاً بطاعتهِ , ومن جعلَ الملوكَ عبيداً بمعصيته .
الحقيقة : في درسٍ سابق بيّنتُ أنَّ الإنسان بإمكانهِ أن يكشِفَ الحقائق من خِلال التجارب , ولكن متى ؟ بعدَ فوات الأوان , إذاً : لا قيمة لها ، في الثمانين أُدرك أنهُ القضية الفولانية هكذا , نحنُ إذا تعلّمنا العِلم ، نحنُ إذا فَهِمنا كلامَ ربّنا ، نحنُ إذا فَهِمنها سُنّة رسول الله ، نعرِفُ الحقائق في وقت مُبكّر ، نستفيدُ منها .
لذلك : دعاني اليوم في صلاة الفجر , أن أبيّن هذه الفِكرة : أنه حينما قالَ فِرعون : آمنتُ بالذي آمنت به بنو إسرائيل ، حينما أعلنَ فِرعون إسلامهُ في نص القرآن الكريم , وقالَ : وأنا من المُسلمين , فِرعون الذي قالَ : أنا ربكم الأعلى ، فِرعون الذي ذبّحَ أبناء بني إسرائيل ، فِرعون الذي استحيا نِساءهم ، فِرعون الذي قال : ما أرى لكم من إلهٍ غيري ، هذا فرعون , هذا الطاغية , ما الذي دعاهُ إلى أن يؤمن بأنهُ لا إلهَ إلا الله حينما أدركهُ الغرق , وأن يقولَ بالحرف الواحد : وأنا من المسلمين ؟ .
استنبطت من هذه الآية : أنَّ الموضوع ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن ، ليسَ هذا هو الموضوع ، الموضع أن تؤمن في وقت مناسب أو غير مناسب أو بعدَ فوات الأوان فقط ، هذه كلمة دقيقة جداً أقولُها لكم : الموضوع ليسَ أن تؤمن أو أن لا تؤمن , لا والله ما هكذا الموضوع , الموضوع لا بدَّ من أن تؤمن , والدليل : أكفرُ كُفّارِ الأرض آمن , ولكن متى ؟ آمن بعدَ فوات الأوان ، بعد أن لا ينفعهُ إيمانهُ ، آمنَ وقد أمضى حياتهُ في معصية الله .
فأُعيد عليكم هذه المقولة : ليسَ الموضوع أن تؤمن أو أن لا تؤمن , هذه مُعادلة مغلوطة ، الموضوع إمّا أن تؤمن في الوقت المناسب , وإما أن تؤمن في الوقت غير المُناسب ، إمّا أن تؤمن قبلَ فوات الأوان , وإما أن تؤمن بعدَ فوات الأوان , لأنَّ فِرعون آمن وأسلم , لكنَّ الله عاتبهُ قال : ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 91]
أيُّ طالِبٍ إذا دخلَ الامتحان , وأخفقَ في الإجابة , يخرج من الامتحان , يفتح الكتاب , عَرَفَ الجواب ، متى عَرَفَ الجواب ؟ بعدَ فوات الأوان , يأخذ الصِفر وقد عَرَفَ الجواب , قضية زمن , فنحنُ قضية إيماننا بالله قضية زمن فقط , إمّا أن نؤمن ونحنُ أصحاء أشداء أقوياء في مُقتبلِ حياتنا حتى نستفيدَ من إيماننا ، وإمّا أن نؤمن بعدَ فوات الأوان بعدَ أن لا ينفعُ الندم .
فمرة ثانية : عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقائق , وحاول أن تنزع من ذاكِرتكَ ومن ذهنكَ كل خرافة وكل جهل، الجهل معلومة غلط ، الجهل مقولة غلط ، الجهل تصور غلط ، الجهل إدراك غلط ، الجهل فلسفة غلط ، يعني قد تحمل أعلى شهادة في الأرض , وهناك في الذهن آلاف المعلومات المغلوطة .
أول فكرة :
عوّد نفسك أن تتعامل مع الحقائق , لا مع الخرافات ، لا مع الأوهام ، لا مع الشكوك ، لا مع الظنون ، لا مع التقليد , لا مع فكرةٍ بِلا دليل .
الفكرة الثانية :
أنتَ لكَ حقيقة ، لكَ واقع ، يعني أنتَ معك مركبة , قوتها 5 حصان ، عندك بضاعة 5 طن , متألم ندمان , بحثُ آخر ، هذه المركبة لا تحمل إلا خمسمائة كيلو ، هذا واقع ، فإمّا أن تُحملّها ما لا تُطيق فتُصيبُها بالخلل , وإمّا أن تتعامل معها تعاملاً واقعياً .
أنا ما أرى أنَّ المُسلم إنسان خيالي ، ولا إنسان حالم ، ولا إنسان مُخرّف , ولا إنسان عايش في أوهام ، دائماً أهلُ الدنيا يشمئزون من كل تجاوز للواقع , لستَ واقعيّاً , أنا أقول لكم : المؤمن الحق في أعلى درجات الواقعية , أنت أيها الإنسان فقيرٌ إلى الله .
في إنسان بأحد المصحات العقلية , يعني في مهجع رقم 6 ، هذا المهجع - والعياذُ بالله - بدرجة متطورة جداً , لا يُبقي على جِسمه ثياباً كما خلقهُ الله ، ويأكل من بِرازهِ , شيء لا يتصور , إنسان له أجهزة , ودماغ , وشرايين , وأوردة , وعضلات , وأعصاب , وعضلات قوية , يتحرك , ويأكل , ويتكلّم , لكن في خلل في عقله , فصارَ يأكلُ بِرازهُ , وحدثني أحدُ من أثِقُ بهِ , أنَّ له قريبةً يضعونها على سرير , ويربطونها بأربطة , ليمنعونها من أكلِ بِرازها .
أنتَ فقير إلى الله , فقير في عقلك ، فقير في عضلاتك .
لمّا قالَ النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف .
عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : ((قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ , اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ , وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ , وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا , وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا , وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا , وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا , وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا , وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا , ولا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا , وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا , وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا))
يعني : كل عَظَمة الإنسان إن كانَ له عَظَمة متعلقة بعمل أجهزتهِ .
فلو توقفت كليتاه عن العمل , هُنا المُشكلة , انقلبت حياتهُ إلى جحيم .
لو انسدّت قناةُ العين , فسالَ الدمعُ من على خدهِ وخرش خدهُ حياتهُ جحيم .
إذا أُصيب جهاز التوازن في الأذن الوسطى بالعطب يقع لا يقف , جهاز التوازن , أنت لولا هذا الجهاز , تحتاج إلى قاعدة استناد 60 - 70 سم , والدليل : انظر إلى النماذج البشرية في المحلات التجارية , دقق في الأرض , ترى لها قاعدة استناد 70 سم , التمثال الذي يُلبسونه الثياب , بائعو الثياب الجاهزة عِندهم تماثيل , هذه التماثيل من أجل أن تقف , تحتاج إلى قاعدة استناد قطرها 70 سم ، فأنتَ لِحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل جعلَ لكَ قدمين صغيرتين لطيفتين تتناسبا مع قِوامك بفضل جِهاز التوازن , جهاز التوازن ثلاث قنوات : فيها سائل , فيها أهداب , لمّا الإنسان يميل , فيتحرك السائل , ويبقى مستوى السائل , ولمّا القوس مال , فيمس الأهداب , فيتحسس الإنسان , ويأخذ الاحتياط , هذا سِر ركوب الدراجة , أساساً لولا جهاز التوازن لا يستطيع إنسان ركوب دراجة ، فأنتَ مُفتقر إلى الله ، مُفتقر إلى الله بمادة أودعها الله في عينيك تمنع التجمد , لو ذهبت إلى فلندا إلى الدائرة القطبية , بإمكانكَ أن تضعَ على عينيك كمامات لتحميهما من البرد , مستحيل , لا بد من أن ترى طريقك , وهذا السائل مُلامس للجو الخارجي , أودعَ الله فيكَ هذه المادة .
أخواننا الأطباء - جزاهم الله عنّا كلَّ خير - حينما درسوا الطِب , وجدوا أنَّ حياة الإنسان تقوم على آلاف الشروط , الغدة النُخامية ملكة الغُدد الصماء , لو أصابها خلل ، الغدة الدرقية لو أصابها خلل ، الكظر , الإنسان شاهد أفعى , صورة الأفعى انطبعت على الشبكية , في الشبكية صار في إحساس 130 مليون مخروط , والعصب البصري 900 ألف عصب , نقل الصورة إلى الدماغ , والدماغ أدرك بحسب المفهومات , المفهومات بحث قائم بذاته , الطفل حينما يحبو يرى أفعى لا يخافُ منها , يُخيفهُ أبوه منها , يُنبأ أنها مؤذية , دخل المدرسة من خلال تعامله مع الواقع , ينشأ عندهُ مفهوم الأفعى , فإذا رأى الأفعى استحضرَ هذا المفهوم فخافَ منها ، لمّا خاف الدماغ أبلغ النظام الهرموني , وعلى رأسهِ الملكة , وهي الغدة النُخامية , أبلغها أنَّ هُناك خطراً ، الغدة النُخامية تُبلغ الكظر غُدتان فوق الكُليتين ، الكظر يُرسل أربعة أوامر هرمونية مباشرةً ، أول أمر يُرسِلهُ إلى القلب يُسرع , كان النبض 80 صار 180 – 150 , من أجل أن يسير الدمُ سريعاً إلى العضلات ، هرمون ثان يضيق لمعة الأوعية , لأنَّ الإنسان ليسَ بحاجة إلى شكل وردي , بحاجة إلى دم للعضلات , كي يهرب , أو كي يُقاوم ، هرمون ثالث يُسرّع الرئتين ، هرمون رابع يطرح كميات سُكر في الدم جديدة , وأنتَ لا تدري , فأنتَ مُفتقر في أجهزتك إلى آلاف الأجهزة عشرات الأجهزة والغُدد الصمّاء .
يعني مرض السُكر ما هو ؟ يعني البنكرياس يفرز مادة الأنسولين ، الأنسولين تساعد على احتراق السُكر في درجة 37, إذا قلّت هذه المادة يحتاج إلى حُقن أنسولين .
لا مفر من هذه الحقيقة : المُشكلة : أنَّ هُناك حقيقة لا بدَّ من أن تتعاملَ معها , أعجبتكَ أو لم تُعجِبك ، قَنِعتَ بها أو لم تقنع بِها ، رضيتَ بها أو لم ترض ، إنكَ فقير إلى الله , لهذا قال بعضُ العارفين بالل ه:
وما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
وما لي سوى قرعي لبابك حيلة فإذا رددت فأي باب أقرع ؟
أنتَ بالافتقار إلى الله غني .
من هو الغني ؟
أول فكرة :
أن تتعامل مع الحقائق .
ثاني فكرة :
اعلم عِلمَ اليقين : أنكَ فقير ؛ أيّ مُفتقر , أيّ مُحتاج .
الفكرة الثالثة :
لماذا جعلكَ الله فقيراً ؟ كي تُقبِلَ عليه , كي تستعينَ بهِ , كي تلجأَ إليه , كي تسعدَ بقُربِهِ .
الفكرة الرابعة : أنكَ إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله فأنتَ الغني , إذا كُنتَ مُفتقراً في قوتك إلى الله فأنتَ القوي , هذه أهم فكرة الذي يشعر بالغِنى , من كان له اعتماد على جِهة غنيّة جداً ، يعني طالب في بجيبه ليرة , وطالب ليسَ بجيبهِ ولا قرش , لكنَّ له أب لو طلب منه مليون لأعطاه , أيهما أغنى ؟ حسب الظاهر الأول معه ليرة والثاني لا يملك ولا ليرة , أمّا الأول ليسَ لهُ أب , يتيم , معهُ هذه الليرة فقط , أمّا الثاني ليسَ في جيبهِ ليرة , لكنَّ له أب يملك مئات الملايين , وهو يُحبهُ حُباً جمّاً , يطلُبَ منه يعطيه ما يشاء .
إذا الله عزّ وجل أفقر إنساناً أو حرمهُ شيئاً ، لا يُلقينَّ في روعِهِ أنَّ هذا إهانة لهُ . العطاء والحرمان :
قاعدة :
موضوع دقيق جداً مستنبط من قولهِ تعالى :
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[سورة الفجر الآية: 15-17]
الله قال : كلا , لماذا قال : كلا ؟ كلا أداةُ ردعٍ ونفي , يعني ليسَ إعطائي لكم إكراماً وليسَ حِرماني لكم إهانةً , عطائي ليسَ إكراماً ومنعي ليسَ حِرماناً , عطائي ابتلاء وحرماني دواء .
القاعدة الأساسية الذهبية : أنَّ كلَّ شيء آتاكَ الله إياه , لا يُمكنُ أن يُسمى نِعمةً إلا إذا استخدمتها في طاعة الله .
فالمال تعريفهُ في علم العقيدة : ابتلاء , أنفقتهُ في طاعة الله صارَ نعمة , أنفقتهُ في معصية الله صارَ نقمة .
الزوجة نعمة ؟ لا , تزوجتها حملتها على طاعة الله أصبحت نعمة , تركتها وشأنها تفسد وتُفسد هي نقمة , لذلك :
إيّاك أن تقول لإنسان آتاه الله مالاً ؛ هنيئاً لكَ , لا تقل له : هنيئاً لكَ , إلا إذا رأيتهُ يُنفقُ هذا المالَ في طاعة الله ، لا تقل لإنسان يتمتع بقوة جيدة ؛ هنيئاً لك , لا تقل له : هنيئاً لك إلا إذا استخدمَ هذه القوة في طاعة الله .
هذه قاعدة أساسية : كلُّ حظوظ الدنيا بدءاً بالمال ومروراً بالصحة والذكاء والجمال والقوة , هذه الحظوظ هي في نص القرآن الكريم ابتلاء . ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاهُ ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول - هو هذه مقولته - ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول – هو - ربي أهان كلا ﴾
لا هذا صحيح ولا هذا صحيح .
ليسَ عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء وحرماني دواء .
يعني : أيها الإنسان , إذا ابتلاك اللهُ بشيء لا تشعر بالهوان , الله منع عني , وأعطى غيري , الله لا يُحبني , لا , أشعر أنَّ الله يُحبُك ولأنهُ يُحبُكَ ابتلاك .
وفي الحديث الشريف : إذا أحب الله عبداً ابتلاه ، فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه , قيل : وما اقتناه ؟ قال : لم يترك له أهلاً ولا مالاً .
ما قيل عن الفقر والغنى :
وقال بعض العلماء : الفقر والغِنى ابتلاء من الله لعبدِهِ .
كم قال الله تعالى : ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربهُ فأكرمهُ ونعمّهُ فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدرَ عليه رِزقهُ فيقول ربي أهانن كلا ﴾
أي ليسَ كلُّ من وسّعتُ عليه وأعطيتهُ أكون قد أكرمته , ولا كلُّ من ضيقتُ عليه وقتّرتُ عليه أكونُ قد أهنتهُ , طيب : ما هو الإكرام ؟.
الآن : الله عزّ وجل نفى أن يكونَ إعطاؤهُ المال أو الصحة أو القوة أو الذكاءَ أو أي شيء آخر إكراماً ، ونفى أن يكونَ الحرمان من هذه إهانةً ، ليسَ إكراماً في توافرها وليسَ إهانةً في تقتيرها .
من هو المكرم ؟
إذاً :
ما تعريف الإكرام ؟
من هو المُكرّم ؟
من يذكر آية واضحةً وضوح الشمس جليّةً جلاءَ النهار , تؤكد أنَّ الإكرام هو كذا ؟ ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
[ سورة يوسف الآية : 22 ]
الجواب : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[ سورة الحجرات الآية : 13]
المُكرّم هو الطائعُ للهِ عزّ وجل ، إذا أردت أن تعرف من هوَ المُكرّم حقيقةً ، إذا رأيتهُ مستقيماً على أمر الله .
ليسَ الوليُّ من يطيرُ في الهواء , ولا من يمشي على وجه الماء , ولكنَّ الوليَّ كلَّ الوليّ من تجدهُ عِندَ الأمرِ والنهي . حقيقة الافتقار :
ما حقيقة الافتقار إلى الله ؟
قبلَ أن نختمَ الدرس هُناك حقائق لا بدَّ من ذِكرِها .
أولاً :
الافتقار إلى الله في ظاهِرهِ تذلل , تجد رجلاً متعجرفاً , أنا فعلتُ كذا , أنا قادر أن أُنفق كذا , أنا قادر أن أُمرّغَ به الوحل , ممكن , هذا الموقف فيه استغناء واستعلاء , ومعظم المقطوعين عن الله عزّ وجل , لا بدَّ من أن تلمح في سلوكهم هذا الاعتزاز والغرور والاستعلاء والغطرسة والعُنجهية .
ماذا تستنبط من هذه القصة ؟
القصة التي تعرفونها جميعاً : لمّا أحد الملوك اسمه جَبَلةَ بن الأيهم , جاء سيدنا عمر مُسلماً , في أثناء الطواف داس إزاره أحد الأعراب من فزارة بدوي , فالتفت نحوه وهشمه بضربة أصابت أنفه , فاشتكى إلى عمر رضي الله عنه , فجاء طلب هذا الملك , كان ملك الغساسنة , قال له : أصحيحٌ يا بن أيهم ما ادعى هذا الفزاريُّ الجريح ؟

قال : لستُ ممن يكتمُ شيئاً أنا أدّبتُ الفتى أدركتُ حقيّ بيديَّ
قال : أرض الفتى لا بدَّ من إرضائه ما زال ظِفرُكَ عالقاً بدمائهِ
أو يُهشـــــمنَّ الآن أنفُك وتنـــال ما فعـلتهُ كفُك
قال : كيــــفَ ذاكَ يا أمـير هو سوقـةٌ وأنا عـرشٌ وتاج
كيفَ ترضى أن يَخِرَّ النجمُ أرضاً ؟
قال له عمر : نزوات الجاهلية ورياح العُنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً
وتساوى الناسُ أحراراً لدينا وعبيداً
قالَ : كانَ وهمــاً ما جرى في خَلَدي أنني عِنـــدكمَ أقـوى وأعز
أنا مرتدٌ إذا أكرهتني
قال : عُنقُ المُرتـد بالسيفِ تُحزّ عالمٌ نبنيه كلُّ صدعٍ فيه بشبا السيفِ يداوى
وأعزُّ الناسِ بالعبدِ بالصعلوكِ تساوى
هذا موقف , فالإنسان لمّا يأخذ موقفاً فيه استعلاء وتكبّر وغطرسة وعنجهية وعرض عضلات وتجبّر , يبدو للناس أنهُ قوي وعزيز , يأتي المؤمن يأخذ موقفاً آخر , موقف التواضع والاستكانة إلى الله عزّ وجل , موقف الاعتراف بالضعف , موقف الاعتراف بالتقصير , يعني تواضع .
اعلم هذا :
أيُهُما أحبُّ للنفس ؟ هنا سُئِل أحد العلماء , قال : الفقر له بداية وله نهاية وظاهر وباطن ، بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ بالله .
ما في إنسان تواضع لله كرسول الله , دخلَ مكةَ فاتحاً وقد أخرجتهُ وأصحابهُ , وائتمرت على قتلهِ , ونكّلت به وبأصحابهِ ، دخلها فاتحاً , كادت ذؤابة عِمامتهِ تُلامِسُ عُنُقَ بعيرهِ تواضُعاً لله عزّ وجل ، ولا أعلمُ مخلوقاً على وجه الأرض نالَ عِزّاً وشرفاً كرسول الله .
فإذا أنت مُفتقر لله عزّ وجل فيما يبدو للناس , درويش هذا درويش ، متواضع زيادة , إذا كُنتَ مُفتقراً إلى الله عزّ وجل هذه بدايتُك , أمّا نهايتُك أنتَ العزيز ، أنتَ رفيعُ الشأن ، أنتَ مرهوب الجانب ، أنتَ الذي يهابُكَ الناس , فقال : بدايتهُ التذللُ إلى الله ونهايتهُ العِزُّ ، ظاهِرهُ العُدم , قد تملك ألوف الملايين وأنتَ فقير ، أنتَ من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وقد لا تملكُ شيئاً وأنتَ غني .
لذلك النبي الكريم قال : ((أنتَ من خوف الفقر في فقر))
يعني : توقّعُ المصيبةِ مصيبةٌ أكبرُ منها .
إذاً : ظاهِرُ الفقرِ العُدمُ وباطِنهُ الغِنى .
إذا الإنسان افتقر إلى الله , ما الذي يحصل ؟
سؤال :
إذا الإنسان افتقر إلى الله ما الذي يحصل ؟
إنهُ يستغني بهِ ، وإذا استغنى بهِ صارَ أغنى الأغنياء ، من هوَ الغنيُّ الحقيقي ؟ هو المُفتقر , لهذا أروعُ كلمة قالها الإمامُ عليُّ كرّمَ اللهُ وجهه قال :
الغِنى والفقر , وسكت , قال : بعدَ العرضِ على الله .
لا يسمى الغنيُّ غنيّاً الآن ، ولا الفقيرُ فقيراً ، غني غِنى طارئاً لسنواتٍ معدودة ، وفقراً طارئاً ، لكنَّ الغِنى الحقيقي أن تُطيعَ الله , وتأتيهِ يومَ القيامةِ ناجيّاً من عذابه , فقال : الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله .
قالَ بعضهم : إذا صحَّ الافتقارُ إلى الله تعالى صحَّ الاستغناء بهِ , لن تستغنيَّ بهِ إلا إذا افتقرتَ إليه ، إن لم تفتقر إليه لا تستغني بهِ ، لا يَصِحُ استغناؤك إلا إذا افتقرتَ إليه , وإذا صحَّ الاستغناءُ بالله عزّ وجل كَمُلَ غِناك .
أعلى درجات الغِنى أن تكونَ في أدنى درجات الفقر , هذه من المُفارقات .
اسمع هذا الجواب لهذا السؤال :
سُئِلَ بعضُهم : أنفتقرُ إلى اللهِ أم نستغني بهِ ؟ فقالَ : كِلاهُما كِلاهُما , يجبُ أن تفتقرَ إليهِ أولاً , حتى تستغني بهِ ثانياً .
إذا كُنتَ في كُلِ حالٍ معي فعن حملِ زادي أنا في غِنى .
كُن مع الله ترى الله معك , واترك الكُلَّ وحاذر طمعك , وإذا أعطاكَ من يمنعهُ , ثمَّ من يُعطي إذا ما منعك .
أحد العلماء قال : غداً لا يوزنُ الفقرُ والغِنى ولكن يوزنُ الصبرُ والشُكر . الخاتمة :
خاتمة القول :
فلذلك حقيقةٌ يجب أن نعترفَ بها في الأساس : تعامل مع الحقائق , وإيّاكَ كمؤمن أن تتعامل مع الأوهام أو الخرافات أو الجهل ، وما الجهل ؟ هو اعتقادٌ مُخالفٌ للواقع ، ما العلم ؟ إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل ، ما الجهل ؟ إدراكُ الشيء على خِلاف ما هو عليه بلا دليل , فالتعامل مع الحقائق .
ثانياً : هناك حقيقةً صارخة , وهيَ أنكَ مُحتاجٌ إلى الله في كلِّ شيء .
الحقيقة الثالثة : أنَّ الافتقارَ لمصلحتك , لو أنَّ الله جعلكَ غنيّاً , لاستغنيتَ بغِناكَ عن الله , فشقيتَ باستغنائك ، جعلكَ مفتقراً إليه , كي تكونَ مفتقراً مُقبِلاً مُلتجئاً مُعتزّاً , حتى تسعدَ بهذا .
الفكرة الأخيرة :
الغِنى الحقيقي طريقهُ الافتقار إلى الله , وهذا هو حجمُكَ الحقيقي ، ورَحِمَ اللهُ عبداً عَرَفَ حدّهُ فوقفَ عِندهُ .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : الايثار







منزلة الإيثار .
أيها الأخوة ؛ مع الدرس الثاني والعشرين من دروس مدارج السالكين , في منازل إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الإيثار .
هذه المنزلة مأخوذةٌ من قولهِ تعالى :
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
السمة والصفة والفرق بينهما .
يعني إذا قُلت :
إنَّ في المؤمنِ سِمةً , ومعنى السِمة غيرُ الصِفة ، قد تعود عشرات الصفات إلى سِمةٍ واحدة ، فالسِمةُ أعمقُ وأوسعُ شمولاً .
فإذا قُلت :
إنَّ من سِمات المؤمن ، من خصائصهِ ، من كُليّاتهِ ، من الصفات الكبرى التي يتصفُ بها .
يعني بالتعبير الحديث جداً من مواقفهِ الأساسية : الإيثار .
ومن صِفات الكافر والفاسق والفاجر : الأَثَرَةَ , الكافر يؤثِرُ ذاتهُ على كلِّ نفس ، يبني حياتهُ على موت الناس ، وغِناهُ على فقر الناس ، ومجدهُ على أنقاض الناس ، وأَمنهُ على خوف الناس .
بينما المؤمن من خصائصهِ الكُبرى وصِفاتهِ العُظمى وسِماتهِ الأساسية : أنهُ يُؤثِرُ الآخرين على نفسه , والدليل :
هؤلاء الأنصار أثنى الله عليهم , فقال :
﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
طبعاً : إذا آثرتَ الآخرين وأنتَ في بحبوحةٍ كبيرة فهذه مؤاثرة ، فهذا كرم ، أما أن تكونَ في خصاصة , هذا يُذكّرُنا بالحديث القُدسيّ : ((أحبُ الأسخياء وحُبي للفقير السخيّ أشد، أُحبُ الكُرماء وحُبي للفقير الكريم أشد))
لأنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول : ((رُبَّ دِرهمٍ سَبَقَ ألفَ دِرهم))
فالإيثارُ : لاحظ الآية : ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
أمّا الخصاصة تُضاعِفُ قيمة إيثارهم .
القسم الثاني من الآية : ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
يُقابل الإيثار الشُح .
الإنسانُ بينَ شُحٍ وإيثار ، إن كانَ مؤمناً فهو يؤثر ، وإن كانَ غير مؤمنٍ فهو شحيح .
الشحيحُ حريصٌ على ما ليسَ في يدهِ ، يُنفق لَلامَهُ لماذا تُنفق يا رجل ؟ هذا المال دعهُ لكَ , ادخره لوقت الشِدة , لماذا تُنفق !!؟ أمجنون أنت ؟
الشحيحُ حريصٌ على ما ليسَ في يدهِ ، فإذا حصلَ هذا في يدهِ , كانَ بهِ أشح , وبَخِلَ بإخراجه , والبخلُ صِفةٌ ماديّةٌ أساسُها الشُح ، من الداخل شُح ، من الخارج بُخل ، ومن يوقَ مرض الشُح ، هذا مرض عُضال : ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الحشر الآية : 9 ]
فالبخلَ سلوكُ النفسِ الشحيحة ، والعطاءُ سلوكُ النفسِ المؤاثِرة الكريمة . يقول عليه الصلاة والسلام : (( إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ , فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ , أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا , وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا , وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا ))
[أخرجه أبو داود في سننه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
مرة ثانية : السِمةُ الأساسيةُ ، الصِفةُ الثابتة ، الحركة اليومية لغير المؤمن هي الشُح ، والصفة البارزة للمؤمن هي المؤاثرة والإيثار. مراتب العطاء :
قالَ عبد الله بن المبارك : سخاء النفسِ عمّا في أيدي الناسِ أفضلُ من سخاء النفسِ بالبذل .
الإنسان إذا تعففَ عن أموال الناس - هذا أولُ مراتب الإيثار - فإذا أعطاهم كانَ أرقى , العطاء لا يُبنى إلا على التعفف , تتعففُ أولاً وتُعطي ثانياً .
الحقيقة في ثلاث مراتب متعلّقة بالعطاء :
المرتبة الأولى : الإيثار .
أعلى هذه المراتب هي الإيثار ، الإيثار سُمي إيثاراً ؛ لأنهُ يُعطي الكثير ويُبقي القليل .
المرتبة الثانية : السخاء .
أما إذا أعطيتَ القليل وأبقيتَ الكثير , فهذه منزلة هي أقلُّ من منزلة الإيثار بكثير اسمها السخاء , سخت نفسُكَ بهذا العطاء , أعطيت القليل وأبقيتَ الكثير .
المرتبة الثالثة : الجود .
فإذا أعطيتَ بقدرِ ما أبقيت فهذا هو الجود .
فإذا أعطيتَ الكثير وأبقيتَ القليل فهذا هو الإيثار .
الإيثارُ ، الجودُ, السخاءُ ، ثلاثُ صفاتٍ أساسيةٍ للمؤمن .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ :
يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَلا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلانًا ؟
قَالَ :
(( سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً , فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ]
الأنانية , فالإنسان بينَ الأثرةِ والمؤاثرة ، بينَ أن يُفضّلَ ذاتهُ وبينَ أن يُفضّلَ غيره ، المؤمن دائماً يبتغي رِضوان ربهِ , يُفضّلُ رِضوانَ ربهِ ، هو المؤمن لا يؤثر الآخرين إلا ابتغاءَ مرضاة رب العالمين ، إذاً ماذا يفعل ؟ يتخذُ من إكرام الناسِ ومن إيثارهم على نفسهِ سبيلاً إلى الله عزّ وجل ، فالطريقُ إلى اللهِ أساسه الإيثار ، والقطيعةُ مع الله أساسُها الأثرة , الشُح , فأنتَ بينَ الأثرةِ والإيثار ، بينَ الجودِ وبينَ الشُح ، بينَ أن تُعطي وبينَ أن تأخذ , وقد صدقَ من قال :
إذا أردتَ أن تعرِفَ مقامك أمن أهل الدنيا أنت أم من أهل الآخرة دقق :
ما الذي يُفرِحُك ؟ ما الذي يُسعِدُك ؟ أن تُعطي أم أن تأخذ ؟
إذا كانَ الذي يُفرِحُكَ أن تُعطي , فأنتَ وربِّ الكعبةِ من أهل الآخرة , وإذا كانَ يُفرِحُكَ أن تأخذ فأنتَ قطعاً من أهل الدنيا .
صِفتان أساسيتان ، سلوكان عامّان ، حركتان ثابتتان : إمّا أن تكونَ من أهلِ الأثرة , وإمّا أن تكونَ من أهل المؤاثرة .
سيدنا قيس بن سعد بن عُبادة رضي الله عنهُما كانَ من الأجواد المعروفين , حتى إنه مَرِضَ مرةً , فاستبطأَ أخوانهُ في العيادة , فسألَ عنهم ، فقالوا : إنهم كانوا يستحيون مما لكَ عليهم من الدين , الدين الذي عليهم حالَ بينهم وبينَ أن يعودوك ، فقالَ سيدنا سعدُ بن عبادة : أخزى الله مالاً يمنعُ الأخوان من الزيارة ، ثم أمر مناديّاً يُنادي من كانَ لقيسٍ عليهِ مالٌ فهوَ مِنهُ حِلٌ , فما أمسى حتى كُسِرت عتبةُ بابِهِ , لكثرةِ من عاده . مراتب الجود :
1-الجود بالنفس :
عشرة أنواع أو مراتب للجود , سأُفصّلُ فيها إن شاءَ الله تعالى , فلعّلَّ أحدنا يتخلّقُ ببعضها أو بأكثرِها أو بأقلِها ، فقالوا :
أحد هذه المراتب ربما كان أعلاها على الإطلاق : الجودُ بالنفس .
هذا الذي يُقتلُ في ساحة المعركة شهيداً، هذا الذي قدّمَ للهِ ذاتهُ, قدّمَ نفسهُ، والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الجود.
النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكرَ للشهيدِ صفاتٍ تكادُ لا تُصدّق, أُولى هذه الصفات: أنَّ الله سبحانه وتعالى يجعلُ طريقةَ قتلِهِ ليست مؤلِمةً أبداً, ويجعلُ دَمَهُ له رائحةُ المِسك، ويرى منزلتهُ بالجنةِ قبلَ أن يُقتل:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 169]
ولكن بقوانين لا علاقةَ لها بقوانين الدنيا، لذلك الجودُ بالنفس وهو أعلى مراتِبهِ، وكم من حفرياتٍ تمت في بلاد الرافدين فعُثِرَ على جُثث الصحابة بعدَ ألفٍ وثلاثمائة عامٍ كما هي؟ وكم من حفريات تمت في اليرموك فعُثِرَ على أجساد الصحابةِ كما هي؟ والشهداءُ الذين قدّموا أرواحهم في سبيل الله, هؤلاء لهم أعلى الدرجات، أعلى درجة في الجود أن تجودَ بنفسك.
2-الجود بالرياسة :
في درجة ثانية عاليةٌ جداً, وهي الجودُ بالرياسة:
لك مكانة رفيعة ضحيّتَ بها في سبيل الله, إنسان يكون لهُ منصب رفيع أو مكانة معينة, فإذا أرادَ أن يستقيمَ على أمر الله, وإذا أراد أن يرضي الله عزّ وجل, لا بدَّ من التخلّي عن هذا المنصب, أو عن هذه المكانة, أو عن هذه المنزلة، المكانة التي يحتلّها الإنسان شقيقةُ الروح, فلذلك كثيرٌ من الذين كفروا واستكبروا وكابروا, وأبَوا أن يؤمنوا أو يُسلِموا, حِفاظاً على مكانتهم, وحفاظاً على مركزهم, وحفاظاً على رياستهم, فإذا ضحى الإنسان بمكانتهِ أو برياستهِ أو بمنصِبهِ أو بمنزِلتهِ في سبيل ربه, فقد آثر الله على مكانتهِ.
أمّا هُنا المُشكلة, المُشكلة وكما أقول دائماً: رُبما تأخذون عليّ أنني أستخدمُ هذه العبارة كثيراً: زوالُ الكونِ أهونُ -هذه العبارة ما رأيت عبارةً تُعبّرُ عمّا في نفسي خيراً منها - على الله من أن يُضيّعَ مؤمناً آثَرَ رِضاه.
آثرتَ رِضاه ويُضيّعُك؟ آثرت رِضاه ويُخزيك؟ آثرتَ رِضاه ويجعلُكَ في مؤخرة الركب؟ آثرتَ رِضاه ويُفقِرُك؟ آثرتَ رِضاه ويُشقيك؟ هذا شيء مستحيل في ذات الله عزّ وجل, لأنهُ الكريم، إنه الشكور، فأكثرُ الناس يقولون: إذا فعلتَ كذا وهو طاعة يُصيبُكَ كذا وكذا، أهكذا؟ لأنكَ أطعتَ الله عزّ وجل دفعتَ هذا الثمن الباهظ؟ لكن ما الذي يحصل؟ قد يتراءى لكَ: أنكَ إذا أطعتَ الله, جاءكَ ضررٌ كبير، وشقاءٌ طويل, لكنكَ لشدةِ حُبِكَ لله عزّ وجل تؤثِرُ ما عِندَ الله من سعادة وتُضحّي، الذي يحصل أنَّ الله سبحانه وتعالى يُبدّلُ القوانين من أجلك وهي الكرامة، فهذا الذي كانَ من الممكنُ أن يثورَ ويغضب لهذا الموقف الذي وقفته, يعطِفُ ويُقدّرُ ويُبجل هذا الموقف, ويعودُ الموقف الخطير موقِفاً مُسعِداً.
أحد أخواننا الكِرام له عمل مع شركة أجنبية, ودخلهُ كبير جداً منها, وهؤلاء الموظفون يحملون في حقائبهم الخمرة إذا اشتروها من بعض المحلات, فحينما رأى مركبتهُ يوضعُ فيها الخمر, أبى عليه إيمانهُ, وأبت عليه مروءتهُ واستقامتهُ وغيرتهُ وحُبه لله عزّ وجل, فنوى أن يُضحي بكلِّ هذا الراتب الضخم, وبكلِّ هذه الوظيفة ذات الدخل المُرتفع, ويقول: لا أسمحُ أبداً لأحد أن يركب في مركبتي ومعهُ مشروبٌ حرام، فالمفروض أنَّ هؤلاء يستغنون عنهُ, وهناكَ عشراتٌ بل مِئاتٌ يتهافتونَ على أقدامهم, ليعملوا معهم براتبٍ ضخم، وحصل عكس ما متوقّع, تمسّكوا بِهِ, وبالغوا في تكريمهِ, وأغدقوا عليه من العطايا, وأَمِنوهُ على بيوتهم, وعلى أموالهم، على عكسِ ما أنتَ متوقّع.
وأقول لكَ هذا الكلام, وأعني ما أقول: إذا جاءكَ عرضٌ أو جاءكَ موقفٌ بينَ موقفين؛ إمّا أن تُطيعَ الله عزّ وجل, تُضيّع هذا الكسب الكبير, هذه الدنيا العريضة, هذا المركز المرموق, وإمّا أن تقبلهُ على معصية الله، قول جميل ورائع:
إذا آثرتَ الآخرة على الدنيا كَسِبتَ الآخرة والدُنيا، وإذا آثرتَ الدُنيا على الآخرة خَسِرتَ الدنيا والآخرة, فالجودُ بالرياسة هو ثاني مراتب الجود.
3-الجود براحته ورفاهيته :
وأمّا المرتبة الثالثة: فالجود براحتهِ ورفاهيتهِ:
الإنسان يدخل إلى بيتهُ يتناول طعام الغداء، يستلقي على السرير، يستيقظ حولَهُ أهلهُ وأولاده، بإمكانهِ أن يبقى مُستمتعاً في بيتهِ، يطلب من حين لآخر ما لذَّ وطاب، لكنهُ تركَ البيت, وتركَ المقعد الوثير, وتركَ الزوجة الوفيّة, وتركَ الأولاد الذينَ هم كالعصافير، تَرَكَ كُلَّ أؤلئك, وركبَ السيارة الأولى, ورَكِبَ الثانية, وقد يكون فيها ازدحام, ليصلَ إلى بيت الله, ليحضُرَ مجلس عِلم، أنتَ بماذا جُدت؟ جُدتَ براحتك ورفاهيتك، طُرِقَ بابُك في وقتِ راحتك: من الطارق؟ فُلان، هذا وقتُ نومي, أبلِغوه أنني لستُ مستعداً لاستقباله الآن, آثرتَ الراحة, أمّا إذا نهضت، وأجبتَ طلبه، ورددتَ لهفته وأغثتهُ، بماذا جُدتَ أنت؟ جُدتَ أنتَ براحتك ورفاهيتك, الجودُ براحة الإنسان ورفاهيتهِ, هذا أيضاً من الجود.
4-الجود بالعلم :
المرتبة الرابعة: الجودُ بالعِلم.
-أول واحدة بالنفس، الثانية بالمكانة والمنزلة، الثالثة بالراحة, في أُناس لا يمكن أن يُضحّوا بأوقاتِ راحتهم, لا يُمكن أن يُضيعوا قيلولتهم كُلَّ يوم, لا يُمكن أن يُضيعوا سهرتهم كُلَّ يوم, لو أنَّ الناسَ تَعِبوا كثيراً هو عليهِ أن يرتاح, هذا أيضاً من ضعفِ الإيمان-.
المرتبة الرابعة: الجودُ بالعِلم وبذله:
وهو من أعلى مراتب الجود, لأنهُ من أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً, أنَّ إنساناً كان ضائعاً، تائهاً، شارداً، شقيّاً، بيتهُ جحيم، مُشكلاتهُ كثيرة، دللتهُ على الله, فاستقام على أمرِهِ، فشعرَ بالسعادة والطمأنينة، تيسّرت أعمالهُ، يَسّرَ الله له دخلاً وفيراً، يَسّرَ الله له زواجاً سعيداً، فحينما التقيتَ بهِ, بالَغَ في شُكرِك, وأثنى على دعوتك, وقالَ لكَ: جزاكَ الله عنيّ كُلَّ خير، كُلُّ أعمالي في صحيفتك، أنتَ سببُ هِدايتي, ألا تشعر وأنتَ تستمعُ من هذا الإنسان لهذا الثناء: أنَّ الله يُحِبُك, وأنَّ الله قد رَضي عنك, وأنَّ هؤلاءِ الخلق عيالُ الله, وأنَّ أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله؟ ألا تشعر بالغِبطة أن يستخدِمكَ الله في الخير؟ ألا تشعر بالاعتزاز أن تكونَ موظفاً عِندَ الله عزّ وجل؟ ألا تشعر بالقُرب حيثُ أنَّ الله سبحانهُ وتعالى أجرى على يدكَ الخير؟ هذا شعور -يا أيها الأخوة- لا يعرِفهُ إلا من ذاقهُ.
في مجلة كُنتُ أقرؤها, هي مُترجمة كُلُّها, يعني مرة قرأتُ فيها كلمتين في مؤخرة صفحةٍ فارغة، يعني بعض المجلات يكون باقي نصف صفحة فارغة يضعون فيها حِكمة, قرأتُ هذه الكلمة ولا أنساها حتى الموت: إذا أردتَ أن تسعد فأسعِدِ الآخرين.
إذا أردتَ أن تسعد فأدخل على قلبِ الناس السرور.
مرة جاءني مُنجّد للبيت معهُ صانع، يبدو أنه فقير جداً, وجههُ كالح ومُعذّب، أنا شعرت من ملامح وجهه، من لون وجهه، من جمود نظرته، أنهُ طفل هيّن على الناس كثيراً، فنريد أن نأكل, تعال يا أخي تعال كُل معنا فتمنّعُ وخاف, تعالَ كُل، قال لي: أكلت، ألححتُ عليه أن يأكل ورحّبتُ به وابتسمتُ له, أشرقَ وجههُ، شَعَرَ كأنهُ بينَ أهلِهِ، هكذا المؤمن.
طفل صغير, أجير, مُنجد, خائف، هيّن على الناس, من أسرة فقيرة، وجههُ كالح، أكرمتهُ, ودعوتهُ إلى الطعام, وأثنيتُ عليه, حتى استأنس, أنتَ مؤمن, هذا عبد لله.
مرة قرأت حدثاً لا أنساه: الإنسان بنيانُ الله وملعونٌ من هَدَمَ بُنيانُ الله.
هذا الطفل تجعله يخاف، تُشقيه، تبتزُّ ماله, فكلّما ارتفعت معرفتُكَ بالله عزّ وجل, تشعر بعطف على الخلقِ كُلِهم، تشعر بمودة لكُلِّ المخلوقات:
هؤلاء عيالُ الله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
فالرابعة: الجودُ بالعِلم.
يعني أنتَ ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعاً، لو فرضنا وجدت ابن صديقك ضائع, والأب على نار, قلق عليه, وشوقاً إليه، هذا الابن ابن الصديق, لو أطعمتهُ شطيرة أو ألبستهُ ثوباً وتركتهُ ضائعاً والأب يغلي، لو أنكَ أطعمتهُ وسُقتَهُ إلى أبيه حتى قرّت عينهُ بِهِ, ألا تشعرُ أنَّ سوقَكَ هذا الطفل الضائع إلى أبيه أعظم عملٍ تُقدّمهُ لأبيه؟ يعني أنت قد تُطعم الفقير، لكن هذا الفقير إذا أطعمتهُ, ثم دللتهُ على الله, حتى عَرَفَ الله، حتى أنابَ إليه، حتى رَجَعَ إليه، حتى لاذَ بِحِماه, ألا تشعر أنَّ هذا العمل هو أعظمُ عمل عِندَ الله عزّ وجل؟ أن تَرُدَّ إليهِ عِبادهُ الشاردين التائهين الضالين الذين شَقوا بالبُعدِ عنهُ, لذلك: الله شكور، ما معنى شكور؟ أيّ يشكر لك عَمَلَك, ويجعلُ كُلَّ أعمالِ الذين هديتهم إليه في صحيفتك, كُلُّ أعمالِهم في صحيفة من كانَ سبباً في هدايتهم؛ لذلك نقول نحنُ جميعاً:
اللهم أجزِ عنّا سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم- ما هو أهلُه.
كُلُّ أعمالُنا في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام.
من مراتب الجود بالعلم :
أن تبذله لمن يسألك عنه :
أيها الأخوة, الجودُ بالعِلم لهُ مراتب, من الجودِ بالعِلمِ: أن تبذُلهُ لمن لم يسألكَ عنهُ.
هؤلاء جبابرة العلماء, إذا ما سألت وتذللت وخضعت وانتظرت لا يُجيبُك، أمّا من مراتب الجود بالعِلم: أن تبذِلهُ لمن لا يسألُكَ عنه.
يعني أنتَ راكب في مركبة عامّة من هُنا إلى حلب, وبجانبك صديق, فسألتهُ عن عمله، عن اسمه, أنِستَ لهُ, حَدثّهُ عن الله عزّ وجل ولو لم يسألك، لكَ صديق، لكَ ابن, لكَ جار، لكَ موظف في محلك، هذا لو أنهُ ليسَ طالِباً للعِلم، ليسَ راغباً فيه، بعيداً عن أجوائهِ، حاول أن تُلقي عليه بعضَ العِلم، جُسَّ نبضَهُ بهذا العِلم، قدّم لهُ شيئاً لطيفاً، شيئاً مُحبباً، شيئاً ممتعاً، شيئاً مثيراً، لعلّهُ يتفاعلُ بِهِ، أعِنهُ على دُنياه، دارِهِ، ابذل شيئاً من الدنيا من أجل الآخرة ، فهذه المرتبة أن تبذلهُ لمن لم يسألكَ عنهُ، بل تطرحهُ عليه طرحاً, هذه مرتبة عالية في تعليم الناس.
أن يقدم للسائل جواباً شافياً تاماً مستقصياً :
في مرتبة أخرى: أنَّ السائلَ إذا سألكَ عن مسألةٍ استقصيتَ لهُ جوانِبها:
شخص تسألهُ فيقول لكَ: لا يجوز, لماذا لا يجوز؟ ما الدليل؟ لا يشرح, لأنه ضيق الصدر, هنُاكَ أطباء يصفون الدواء, يقول للمريض: استعمل الدواء, والمريض يتمنى معرفة مرضه, فيضن الطبيب على المريض بكلمة أو بتفصيل أو ببيان.
مرة زرت طبيباً, على ظهر الوصفة كتب اسم المرض وتشخيصهُ وشرح للمريض, هذا المرض هكذا, وشِفاؤهُ عاجل إن شاء الله, ألقى في قلبهِ الطُمأنينة, ففي عالِم لا يُجيبُكَ إلا إذا سألتهُ, وفي عالِم حتى إذا ساءلته يُعطيكَ جواباً مُقتضباً, أمّا أن يشرح، أن يُبيّن، أن يأتي بالدليل، الغناء حرام؟ حرام طبعاً, لماذا حرام؟ الدليل: أول آية وثاني آية وأول حديث وثاني حديث -بارك الله- الآيات هكذا معناها, هكذا تفسيرها.
فالمرتبة الثانية أن يُقدّمَ له جواباً شافيّاً تامّاً متقصيّاً.
قال بعض العلماء: كان إذا سُئلَ عن مسألةٍ, ذكرَ في جوابِها مذاهِبَ الأئمةِ الأربعة إذا قدر، ومأخذَ الخِلاف، وترجيحَ القول الراجح، وذكرَ متعلقات المسألة التي رُبما تكونُ أنفعَ للسائل, فيكونُ فرحه بتِلكَ المُتعلقات واللوازم أعظمُ من فرحهِ بمسألته.
ألا يقتصر في المسألة على أحد جوانبها :
من جودِ الإنسان بالعِلم: ألاّ يقتصرَ في المسألة على أحدِ جوانِبِها:
مثلاً: النبي الكريم سُئل عن الوضوء بماء البحر, فقالَ عليه الصلاة والسلام:
((هو الطهورُ ماؤهُ -أليس هذا هو الجواب ؟ ألم ينته الجواب ؟- الحِلُّ ميتتهُ))
هذه زيادة, لو أنهُ قال: الطهورُ ماؤهُ, انتهى الجواب, قالَ: الحِلُّ ميتتهُ، أجابكَ وزاد.
مثلاً: سألوه -صلى الله عليه وسلم- عن الحُكمِ في بيع الرُطب بالتمر, فقالَ عليه الصلاة والسلام: ((أينقصُ الرُطبُ إذا جف؟ -التمر جاف والرُطبُ طري, البلح- قالوا: نعم, فالَ: فلا إذاً))
لو قال لهم: لا يجوز, لماذا؟ لو بِعتَ تمراً بِرُطب الوزن واحد, بعد يومين الرُطب جف, صار الكيلو نصف أو ثلاثة أرباع الكيلو, فلا يوجد تكافؤ, فلمّا نهى عن هذا البيع, أرادَ أن يُبيّن العِلة صلى الله عليه وسلم, فقالَ: أيجفُ الرُطبُ؟ قالوا: نعم, قال: إذاً فلا.
أعطاك العِلّة هُنا, هذه العِلّة عقليّة, أنت إذا كان سألكَ إنسان قد تُعطيه العِلة النقليّة، الدليل النقليّ، لكن أكمل جواب: أن تُعطيهُ الدليل العقلي والنقلي، أيجوزُ للمرأة أن تكشِفَ عن وجهها؟ تقول: لا, لماذا؟ الآية الأولى والآية الثانية والآية الثالثة وخمسة أحاديث, الآية الأولى فسّرها ابنُ عباس كذا, وفسّرها القُرطُبي كذا, وفسّرها الإمام مالك كذا, هذا دليل نقلي والعقلي موطن الجمالِ كُلهِ في الوجه, هذا الدليل العقلي، فإذا سُئِلتَ عن شيء قدّم الدليل العقلي والدليلَ النقليّ, فإذا جمعتَ بين العقلي والنقلي, فقد استوفيت المسألة, وأجبتَ إجابةً صحيحة.
هذا من أخلاق النبي -عليه الصلاة والسلام- في بذلِ العِلم، واحد ضَمِنَ بستاناً, فجاءت جائحةً أتلفت كُلَّ المحصول في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال عليه الصلاة والسلام: (( لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا, فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ, فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا, بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ]
بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟ يعني بِعتهُ هذه الثِمار على الأشجار, وجاءت جائحةٌ, فأتلفت كُلَّ شيء, الآن تُطالِبهُ بثمانين ألف ثمن, ماذا؟ يعني المفروض أن يبيع المحصول, ويربح, ويعطيك ثمن المحصول، أمّا هذه الجائحة قضت على كُلِّ المحصول, أنتَ الآن تُطالِبهُ بثمن هذا المحصول, لوجود اتفاق، فالنبي الكريم قال: ((إن بِعتَ من أخيكَ ثمرةً, فأصابتها جائحةٌ, فلا يحلُّ لكَ أن تأخذَ من مالِ أخيكَ شيئاً))
يُقاس عليها أنه: ومن ينكل يدفع خمسين ألف.
لو نكل فُلان أخذتَ منهُ هذا المبلغ مُقابل ماذا؟ أنتَ عِندكَ خيارين؛ إمّا أن تُقيلهُ ولكَ أجر وإمّا أن تُلزِمهُ بالبيع، إمّا أن أرفعَ الأمرَ إلى القاضي, فيلزِمهُ بالبيع, لأنَّ فيهِ إيجاباً وقبولاً, وخالياً من كلّ تدليس وغش, وإمّا أن أعفو عنهُ, وأٌقيلَ عِثارهُ, لي عِندَ الله الأجر، الأولى عدل والثانية إحسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 90]
أما في كثير من الباعة يشتري الإنسان حاجة لا تزال في غِلافِها, أرادَ أن يعيدها, تخسر هذه مائة ليرة, هذه المائة ليرة بِمَ أخذتها؟ لكَ أن تقول له: لا أُقيل عِثارك، البيع تم، ولكَ أن تُقيلَ عِثارهُ، أمّا أن تُقيلَ عِثارهُ بثمن هذا الثمن بِلا عِوض, فقال عليه الصلاة والسلام:
((فلا يحلُّ لكَ أن تأخذَ من مالِ أخيكَ شيئاً, بِمَ يأخذُ أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟))
بيّن العِلة، بيّن أن هذا عقد بيع عقد معاوضة, لا بدَّ من عِوضٍ مكانَ الثمن، كلُّ عقود البيوع عقود معاوضة، لذلك اليانصيب حرام بِلا عِوض. 5-الجود بالنفع بالجاه :
أحياناً: في مرتبة أُخرى من مراتب الجود, هي: الجودُ بالنفعِ بالجاه:
يعني أنتَ لكَ مكانة عِندَ فُلان, وليّ قضيّة عِند فُلان, أتذهبُ معي إليه؟ يقول لكَ: أنا واللهِ لا أبذِلُ ماءَ وجهي لأحد، إذاً بخيل, ما دام أنا على حق، وأنا أُطالب بحق، وهذا الإنسان متعنت لكنهُ يخشاك ويرهبُ غضبك، ولكَ عليه دالّة فاذهب معي إليه، كُن شفيعي له، يقول لكَ: لا أنا لا أبذِلُ ماءَ وجهي أبداً لأحد، إذاً شحيح.
شخص لحاجاتي, لا يمكن أن أذهبَ إليه إطلاقاً, لكن طرقَ بابي أخٌ كريم, ولهُ عِندهُ حاجة, قُلتُ: أذهبُ معكَ إليه، قلتُ: لو أنَّ قضيتي عِندهُ, مهما كَبُرَ حجمُها لا أذهبُ إليه, لكن من أجلكَ أذهب, هكذا ينبغي أن نفعل, وهذا اسمه: الجودُ بالنفعِ بالجاهِ؛ كالشفاعة, والمشي مع الرجلِ إلى ذي سُلطانٍ, ونحوهِ, وهوَ زكاةُ الجاهِ, جميل هذا التفكير, زكاةُ الوقتِ: حضور مجالس العِلم والصلاة أولاً، زكاةُ الجاهِ: أن تشفعَ لمظلومٍ عِندَ من يأتمرُ بأمرك, يعني مثلاً: تحل قضية إنسان، تمسح جِراح إنسان، إذا لبستَ ثيابك, وذهبتَ إلى فُلان, وأمضيتَ من وقتِكَ ساعتين, أشعر أنَّ المؤمن الصادق لا يمكن أن يبخل بوقته إذا ذهبتَ إلى بيتِ هؤلاء يردّونَ لهُ زوجتهُ, تجمعُ بينَ زوجين، تمسحُ الأسى عن أطفالِهما، وهذا لا يُكلّفُكَ إلا أن تذهبَ إلى بيت أهلِ الزوجة, وتُقنعهم بِردِّ ابنتهم إلى زوجها, ولكَ عليهم دالّة ويرهبونك, لذلك:
أفضلُ شفاعةٍ أن يشفعَ الرجلُ بينَ زوجين في نِكاح.
6-الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه :
والمرتبةُ السادسة في الجودِ: الجودُ بنفعِ البدنِ على اختلاف أنواعِهِ: كما قالَ عليه الصلاة والسلام:
(( كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ, كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ, وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ, وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ, وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ, وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]
صدقة, مُتفقٌ عليه, إنسان يحمل أغراضاً ينوءُ بِها, وأنتَ شاب, وشخص يستأهل أن تكونَ في خِدمتهِ, فحملتَ عنهُ حاجاتِهِ, بذلت الآن عضلات، بذلت جهداً عضلياً, هذه صدقة, إذا سِرتَ مع إنسان في شدّةِ قدميك هذه صدقة، إذا واحد في الطريق تبعثرت حاجاتهُ, والطريق مزدحم, وعكفتَ على هذه الحاجات, وجمعتها لهُ, هذا عمل طيب. 7-لجود بالعرض :
ومن أغربِ أنواع الجود: الجودُ بالعِرض، والعِرضُ في التعريف الدقيق: موطن المدحِ والذمِّ في الإنسان.
فأبو ضُمضُم من الصحابة الكِرام, كانَ إذا أصبحَ قال: اللهم إني لا مالَ لي -أنا فقير يا رب- أتصدقُ بهِ على الناس, وقد تصدقتُ عليهم بِعِرضي, فمن شتمني أو قذفني فهو في حِلٍ, فقال عليه الصلاة والسلام: من يستطيعُ منكم أن يكونَ كأبي ضمضم فليفعل.
لا يملك شيئاً من حُطام الدنيا, فقال: إذا واحد شتمني, أو تحدّثَ عنيّ بالسوء, فأنا أُسامحهُ, تصدّقتُ على الناس بموطن المدحِ والذمِّ فيَّ, بعرضي, هذا نوع من أنواع الجود.
8-الجود بالصبر :
في نوع آخر: الجود بالصبر:
إنسان لهُ ابن, فسيارة دهست ابنهُ, وصار في كسر، يقدر أن يأخذ تقريراً شرعياً, ويدفع السائق مبالغ طائلة, والسائق مستقيم, والحادث قضاء وقدر, وعن غير قصد, ورآه قدّم وبذل وأسعف وجهد, وليسَ له دخل كبير إطلاقاً, سلّم الولد, فأنتَ عفوتَ عنه, بعد أن اطمأنَّ الأبُ على ابنهِ, وصار في نوع من العناية الفائقة، فإذا عفوت عنهُ، فهذا جود منك, أما إذا كان عفوكَ عنه يدفَعُه إلى أن يتجاوز حدود الآخرين هذا لا يجوز، أما إذا كان في عفوِكَ عنهُ تكريماً لهُ, وتقديراً لشعورِهِ الأخلاقي, فربما في بعض المواطن, يُعدُ العفو عنهُ مكرُمة، الدليل:
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 45]
واحد جرح الآخر، له حق المجروح أن يقتصَّ من الجارح, قال: فمن تصدّقَ بهِ فهوَ كفارةٌ له:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الشورى الآية: 40]
واحد خطب وعقد القِران, بعد أيام نَدِمَ ندماً شديداً، عليه نِصفُ المهر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 178]
إذا أهل الفتاة عَفَوا عن هذا الخاطب النادم, وسامحوه بنصف المهر, فهذه صدقةٌ لهم تُعد.
9-الجود بالخلق والبشر والبسطة :
المرتبة التاسعة: الجودُ بالخُلِقِ والبِشرِ والبسطة:
يكون عِندكِ موظفون، عِندكَ صُنّاع، لكَ مكان قيادي, مُعلّم مثلاً، مدير، مدير مستشفى، مدير مؤسسة، يعني أحياناً من حولك يؤنسهم أن تبتسمَ في وجوههم، يَضِنُّ عليهم بابتسامة، يَضِنُّ عليهم بكلمة شُكر، يعطيكم العافية لا يقولها, يدخل والجميع يقفون إجلالاً له وهو معرض عنهم، جلس, أعطوني القهوة، قُل: السلام عليكم, عافاكم الله, دخل الحاجب: كيف صحتك يا بُنيّ؟ كيف أحوالك؟ هل أنت بحاجة لشيء؟ هذا لا يُقلل من قدرك, أنتَ مُدير عام, وهذا حاجب, لا يُقلل من قدرك, ففي جود بطلاقة الوجه، بالسلام، بالسؤال، بالكلمة الطيبة، هذا من الجود, الدليل:
عَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ:
((رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ, لا يَقُولُ شَيْئًا إِلا صَدَرُوا عَنْهُ, قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ, قَالَ: لا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلامُ, فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ, قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ, قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ, الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ, وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ, وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ أَوْ فَلاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ, قَالَ: لا تَسُبَّنَّ أَحَدًا, قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلا عَبْدًا وَلا بَعِيرًا وَلا شَاةً, قَالَ: وَلا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ, وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ, إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ, وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ, فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ, وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الإِزَارِ, فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ, وَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ, وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ, فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ, فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ))
[أخرجه أبو داود ]
هذا معروف أن تبتسم لأخيك، طبعاً لأخيك هو مستغنٍ عنك, أمّا أن تبتسم لموظفٍ عِندك، أن تبتسم لصانعٍ صغير، يتمنى أن تبتسم بوجهه، يتمنى أن يسمعَ مِنكَ كلمة مؤنسة. 10-أقل مراتب الجود: أن تترفع عما في أيدي الناس :
أقلُّ مراتب الجود أن تترفعَ عما في أيدي الناس, هذا الجود السلبي, في إنسان يطمع بأموال الناس، يراقبون, إذا تعففتَ عن أموال الناس, فهذا أحد أنواع الجود.
لكن -إن شاء الله- في موضوع دقيق جداً, وأعلّقُ عليه أهميةً كُبرى في موضوع الجود, أرجو الله سبحانهُ وتعالى أن يُتاحَ لي في درسٍ قادم.
هو موضوع المؤاثرة: أن تؤثِرَ مخلوقاً على حظِكَ من الله عزّ وجل, هذا تَزِلُّ بهِ أقدامُ كثيرين وهم لا يشعرون, هذا الموضوع -إن شاء الله- سأوفيهِ حقهُ في الدرس القادم, يعني لا مؤاثرةَ في الخير والخيرُ كُلهُ في المؤاثرة، يعني أن أُوثر إنسان ولا أُصلي وأنا أُحدثهُ عن الله عزّ وجل, لا, آثرتهُ على صلاتك، آثرتهُ على طاعةِ ربك، آثرتهُ على حظِكَ من الله عزّ وجل، هذا موضوعٌ دقيقٌ دقيق, وأكثرُ المؤمنين قد تَزِلُ أقدامهم فيه, فينبغي -إن شاء الله تعالى- في درسٍ قادم أن نوفّيهُ حقهُ.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و العشرون )


الموضوع : الشكر









منزلة الشكر :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درسٍ جديد من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم هي منزلة الشُكر .
تمهيد :
أولاً يقول الله عزّ وجل :
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 147]
هذه الآية أصلٌ كبير من أُصول الدين , يعني إذا شكرتم وآمنتم , أو إذا شكرتم بعدَ أن آمنتم , أو إذا آمنتم وشكرتم , ما يفعل الله بعذابكم ؟
معنى ذلك : أنكم حققتم الهدفَ الكبير الذي من أجلهِ خُلقتُم .
يعني : يتوقف العذاب والمعالجة , وأنواع البأساءِ والضرّاء , وأنواع الهموم والأحزان , بمجرّدِ أن تشكروا بعدَ أن تؤمنوا .
لا نُبالغ إذا قُلنا : إنَّ عِلّةَ وجودكَ على الأرض أيها الإنسان , أن تتعرفَ إلى الله , وأن تشكرهُ .
قد يسأل سائل : لِمَ لا يكون الهدفُ أن تتعرفَ إلى الله وتصبِرَ على حُكمهِ ؟ لِمَ اختارَ الله الإيمان مع الشُكر ؟ إليكم التفسير ، لا بدَ من مثل :
إذا قُدّمت لكَ هديةٌ ثمينة , جهاز , أنتَ في أمسِّ الحاجةِ إليه , وهذا الجهاز يُقدّمُ لكَ خدمات كبيرة , قُدّمَ لكَ بلا ثمن , كهديةٍ خالصةٍ لك , ما ردُ الفِعل عِندك ؟ .
ردُ الفِعل أنكَ تتأملُ هذا الجهاز ، تتعرف إلى مُصممهِ ، إلى من اخترعهُ ، إلى دِقةِ أجزائه ، إلى أداءِ وظائفهِ ، إلى تعقيد تركيبهِ ، كُلما تأملّتَ في دقائق الجهاز , ازددتَ إعجاباً بصانعهِ , أو ازددتَ إيماناً بِعلمهِ الرفيع , وفضلاً عن ذلك , قُدِّمَ لكَ هديةً , تشعر أنكَ ممتن .
الآن :
أنتقل من هذا المثل إلى السموات والأرض , الله سبحانهُ وتعالى سخّرَ للإنسانِ ما في السموات وما في الأرض جميعاً , كلُّ هذا الكون مُسخّرٌ لهذا الإنسان تسخيرين :
تسخيرَ تعريف وتسخير تكريم .
أرادَ الله عزّ وجل من خِلالِ خلق السموات والأرض أن يُعرّفكَ بذاتك , وأرادَ من خِلالِ خلق السمواتِ والأرض أن يمتلئَ قلبُكَ امتناناً , أن تؤمن أن تشكر , فقد حققتَ الهدفَ الكبير من وجودكَ على وجه الأرض ، لأنَّ الكون مُسخّر تسخيرَ تعريف , والتعريف يقتضي الإيمان ، وتسخيرَ تكريم , والتكريم يقتضي الشُكر .
إذا عرفتهُ وهو المُنعم , وشكرتهُ وهو المُتفضّل , فقد بلغتَ أقصى درجات الإيمان , لذلك عِندَ هذه المرتبة تتوقف كلُ أنواعِ المُعالجات , لأنَّ الله سبحانهُ وتعالى يقول :
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 21]
يرجعون إلى الهدف الذي من أجلهم خُلِقوا , يرجعونَ إلى مُهمتهم , إلى تكليفهم , إلى سرِّ وجودهم ، إذا رجعتَ إلى اللهِ , وقد عرفتهُ وشكرتهُ , وقد رأيتَ نِعمهُ , فقد حققتَ الهدفَ من وجودك ، لذلك يجبُ أن تَعُدَ الشُكرَ غايةَ وجودكَ على وجه الأرض ، إن شكرت بعد أن آمنت .
بالمناسبة لن تشكرَ قبلَ أن تؤمن :
﴿وكانَ الله شاكراً عليماً﴾
مثلاً :
إنسان زاركَ , وأنتَ مريض , ومعهُ هدية , وضعها في مدخل البيت , ودخلَ على غُرفَتِكَ , وأنتَ لا تعلم , ماذا قدّمَ لكَ من هدية , وجلسَ عِندكَ بعضَ الوقت , ثم انصرف , هل يُعقلُ وأنتَ لا تعلمُ , أنهُ جاءَ بهدية أنت تشكرهُ على الهدية ؟ متى تشكر ؟ إذا عَلِمت ، إذا جاءَ ابنُكَ , وهمسَ في أُذُنك : أنَّ فُلان قد قدّمَ لكَ هديةً , فحينما يودعُكَ , تشكرهُ على هديتهِ .
من لوازم الشُكرِ العِلمُ والإيمان ، تؤمن فتشكر , هذا الذي في ضوئه نفهم قولهُ تعالى : ﴿وكانَ الله شاكراً عليما﴾
ً
لأنهُ يعلم فهو شاكر، فمن لوازم الشُكرِ العِلمُ بالنِعمةٍ , لن تشكُرَ قبلّ أن تؤمن ، إذا آمنتَ , من لوازم الإيمان أنكَ تشكر ، إذا آمنتَ وشكرت فقد حققتَ الهدفَ الكبيرَ الكبير الذي من أجلهِ قد خُلِقت .
لم يبق الشُكرُ موضوعاً جانبيّاً , يجب أن نعرفهُ , لا , أخطرُ موضوعٍ في حياتك ، إن لم تشكر تُعذّب ، بنص الآية الكريمة : ﴿ما يفعلُ الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾
المعنى المُخالف : إن لم تؤمنوا عُذبتم ، إن آمنتم ولم تشكروا عُذبتم , أما إن شكرتم ولم تؤمنوا هذا مستحيل , أمّا إن آمنتم ولم تشكروا تُعذّبوا ، إن لم تُؤمنوا تُعذّبوا ، من لوازم الإيمان الشُكر .
بادئ ذي بدء :
الشُكرُ نِصفُ الإيمان , لقولِ النبي عليه الصلاة والسلام :
الإيمان نصف شُكر ونِصفُ صبر .
أنتَ بينَ شيئين :
بينَ نِعمةٍ ظاهرةٍ لا بدَ من أن تشكرَ الله عليها , وبينَ نعمةٍ باطنةٍ هي المصيبة لا بدَ من أن تصبر ، فأنتَ بين سرّاء وضرّاء ، رخاء وشِدّة ، إقبال وإدبار ، بحبوحة وضيق ، صِحة ومرض ، قوة وضعف ، غِنى وفقر .
أساسُ الكون الاثنينية :
فالغِنى والفقر , والصِحةُ والمرض , والشِدّةُ والرخاء , وإقبالُ الدنيا وإدبارها .
فأنتَ بينَ حالين :
بينَ حالِ الصبرِ في حالة المصيبة , وبينَ حالِ الشُكرِ في حالة الرخاء ، والذي يؤكدهُ ، عليه الصلاة والسلام يؤكد هذا المعنى قولهُ صلى الله عليه وسلم :
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ .
فَقَالَ : (( أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ ؟ ))
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمِمَّ تَضْحَكُ ؟
قَالَ : (( عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ , إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ , وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ ))
هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( الإيمان نِصفانِ : نصفٌ شُكرٌ ونِصفُ صبرٌ ))
أولاً : الله سبحانه وتعالى أمَرَ بالشُكرِ , ونهى عن ضِدهِ , وأثنى على أهلهِ , ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ , وجعله غاية خلقهِ , ووعدَ أهله بأحسنِ جزائهِ , وجعلهُ سبيلاً لمزيد عطائهِ , وحارساً وحافظاً لنعمتهِ , وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ , واشتقَّ لهم اسماً من أسمائهِ , فإنهُ سبحانه وتعالى هو الشكور ، وهوَ يوصِل الشاكرَ إلى مشكورهِ , وهو الله سبحانهُ وتعالى , بل يُعيد الشاكِرَ مشكوراً , وهو غايةُ الربِ من عبيده , شيء خطير جداً , غايةُ الربِ من عبيده وأهلهُ هم القليل من عِباده . الآيات المتعلقة بالشكر :
والآن مع الآيات :
الآية الأولى : واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 172]
يعني علامةُ صِحةِ عبادتكم شُكرُ الله عزّ وجل . الآية الثانية : واشكروا لي ولا تكفرون .
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
[سورة البقرة الآية: 152]
﴿ وَاشْكُرُوا لِي ﴾
أُمِرنا بالشُكر ونهينا عن ضِدهِ : ﴿ وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾
﴿ وَاشْكُرُوا ﴾
أمر إلهي , وكلُ أمرٍ في القرآن يقتضي الوجوب : ﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾
وأثنى على أهله . ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة النحل الآية: 120-121]
كانَ عليه الصلاة والسلام تعظُمُ عِندهُ النعمةُ مهما دقّت .
لو شَرِبَ كأسَ ماء: يا ربي لكَ الحمد، لو ارتدى ثوباً جديداً ، لو دخلَ إلى بيته , رأى أهلهُ وأولادهُ في صحةٍ جيدة ، لو كانَ معهُ ثمنُ طعامهِ ، لو خرجَ بأتمِّ عافيةٍ .
كانَ عليه الصلاة والسلام إذا دخلَ إلى الخلاء وخرجَ منهُ , قال :
((الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني))
وكانَ يقول أيضاً : ((الحمد لله الذي أذاقني لذّتهُ, وأبقى فيَّ قوتهُ, وأذهبَ عنّي أذاه))
إذاً : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ ﴾
وقالَ عن سيدنا نوح :
﴿ إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾
هل أنتَ عبدٌ شكور ؟ .
كانَ يُصلّي قيامَ الليل حتى تتورمَ قدماه , تقول لهُ السيدةُ عائشة : (( أتعبتَ نفسكَ , وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر , فيقول عليه الصلاة والسلام للسيدة عائشة : يا عائشة , أفلا أكونُ عبداً شكوراً ؟ ))
الآية الثالثة : لعلكم تشكرون .
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 78]
جعلَ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ , سخّرَ لكم كُلَّ شيء لعلكم تشكرون , فغايةُ الخلقِ هو الشُكر .
الآية الرابعة : واشكروا له إليه ترجعون .
وقالَ تعالى :
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 17]
الآية الخامسة : وسنجزي الشاكرين .
هذه بعضُ آيات الشُكر , قال تعالى :
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 145]
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 7]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 5]
تعريف الشكر .
أُعيد على مسامعكم التعريفات الجامعة المانعة للشكر ، لقد أمرَ الله بهِ :
﴿واشكروا لي ولا تكفرون﴾
ونهى عن ضِدهِ : ﴿ولا تكفرون﴾
وأثنى على أهلهِ : ﴿إنهُ كانَ عبداً شكوراً﴾
ووصفَ بهِ خواصَّ خلقهِ أبا الأنبياء , سيدنا إبراهيم , وجعلهُ غاية خلقهِ وأمرهِ : ﴿لعلكم تشكرون﴾
ووعدَ أهلهُ بأحسنِ جزائهِ : ﴿وسيجزي الشاكرين﴾
وجعلهُ سبباً لمزيد فضلهِ : ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾
وحارساً وحافظاً لنعمتهِ, وأخبرَ أنَّ أهلهُ هم المنتفعونَ بآياتهِ: ﴿إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لكلِ صبّارٍ شكور﴾
واشتقَّ لهُ اسماً من أسمائهِ الشكور، فإنهُ سبحانهُ هو الشكور, وهو يوصِلُ الشاكِرَ إلى مشكورهِ .
يعني من الطُرق السالكة إلى الله عزّ وجل أن تشكرهُ, الشُكرُ طريقٌ إلى الله, بل إنهُ يُعيدُ الشاكِرَ مشكوراً , تشكر فتُشكر , قال تعالى : ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 22]
أعادَ الشاكِرَ مشكوراً ، ورضاء الربِّ عزّ وجل عن عبدهِ في الشُكر :
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة الزُمر الآية: 7]
وقِلةُ أهلهِ في العالمين , تدلُ على أنهم هم خواصُّ أهلهِ , قال تعالى :
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
ما أقلَّ الشاكرين .
وفي الصحيحين : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قامَ حتى تورمّت قدماه, فقيلَ له: ((تفعلُ هذا, وقد غفرَ الله لكَ ما تقدّمَ من ذنبِكَ وما تأخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا أكونُ عبداً شكوراً))
وقالَ عليه الصلاة والسلام لمعاذ: ((واللهِ يا معاذ إني لأُحِبُك -هذه شهادة ، هذه مرتبة عليّةَ نالها هذا الصحابي الجليل- فلا تنسى أن تقولَ في دُبُرِ كُلِ صلاة : اللهم أعنّي على ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادتك))
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دعائه : ((رَبِّ أَعِنِّي وَلا تُعِنْ عَلَيَّ, وَانْصُرْنِي وَلا تَنْصُرْ عَلَيَّ, وَامْكُرْ لِي وَلا تَمْكُرْ عَلَيَّ, وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي, وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ, رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا, لَكَ ذاكراً, لَكَ رَهَّابًا, لَكَ مِطْوَاعًا, لَكَ مُخْبِتًا, إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا, رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي, وَاغْسِلْ حَوْبَتِي, وَأَجِبْ دَعْوَتِي, وَثَبِّتْ حُجَّتِي, وَسَدِّدْ لِسَانِي, وَاهْدِ قَلْبِي, وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
دعاء جميل جداً .
معنى كلمة الشُكر باللغة, قال: أصلُ الشُكرِ في وضع اللسان: ظهور أثر الغذِاء على الأبدان, أكل فظهرَ أثرُ الطعام على بدنهِ امتلاء وتورُداً وصِحةً وقوةً, فأصلُ الشُكرِ أن يظهرَ أثرُ الغِذاءِ في الأبدان, هذا في المُعجم في القاموس, يُقال: شكرت الدابةُ, تشكرُ شَكراً, على وزنِ سَمِنت, تسمنُ سَمناً, إذا ظهرَ عليها أثرُ العلف, ودابةٌ شكور, إذا ظهرَ عليها من السِمنِ فوقَ ما تأكل, وتُعطى من العلف .
وفي صحيح مُسلم: حتى إنَّ الدوابَّ لتشكرُ من لحومهم, أي لتسمنُ من كثرةِ ما تأكلُ مِنها .
وفي المعنى المجازي: ظهور أثر النعمة على العبدِ، قد تظهرُ ذِكراً, يا ربي لكَ الحمد في لِسانهِ، وقد تظهرُ امتناناً في قلبهِ، وقد تظهرُ عملاً في سلوكهِ .
الحقيقة : الشُكر لهُ درجات ، أثرُ النِعمة على العبد : قد تظهرُ النعمة عِندَ العبدِ تعبيراً بلِسانهِ , وشعوراً بقلبهِ , وسلوكاً في فعلهِ , فهُناكَ شُكرٌ قوليّ وشُكرٌ قلبيّ وشُكرٌ فعليّ .
وفي المناسبة أُولى درجات الشُكر: أن تعرفَ أنَّ هذه النعمةَ من الله .
أُولى درجات الشُكر ذو طبيعةٍ علمية ، وثاني درجات الشُكر ذو طبيعةٍ نفسيّة ، وثالثُ درجاتُ الشُكرِ ذو طبيعةٍ سلوكيّة . تعلم فتمتن فتتحرك , والتحرك كما قالَ الله عزّ وجل : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
قواعد الشكر :
1-خضوع الشاكر للمشكور :
قال: الشُكر أساسهُ خمسُ قواعد, خضوع الشاكر للمشكور: إن لم تخضع لله فلستَ شاكراً، علامة الشُكر الطاعة:
تعصي الإله وأنتَ تُظهِرُ حبهُ ذاكَ لعمري في المقال بديعُ
لو كانَ حُبُكَ صـادقاً لأطعتهُ إنَّ المُحبَّ لمن يُـحب يُطيعُ
أُولى علامات الشُكر: أن تخضع للمشكور, أن تخضع لله، فمن فعلَ ما يشتهي, وأطلقَ لشهواتهِ العِنان, وتحرّكَ وفقَ هوى نفسهِ, وقالَ: يا ربي لكَ الحمد, فليس شاكر, وسلوكه وانحرافه وكسب ماله والتدليس في البيع والشراء واليمين الكاذبة ما هذه؟ يا ربي لكَ الحمد .
علامة الشُكرِ: طاعة الله عزَّ وجل إن لم تُطع فلستَ شاكراً .
2-حبه له:
فقال: الشُكرُ مبنيٌّ على خمسِ قواعد: خضوع الشاكرِ للمشكور وحبهُ له, يعني يجبُ أن يمتلئَ قلبُكَ حُباً لله, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 54]
3-4-5 الاعتراف بالنعمة وثناؤه عليه بها وألا يستعملها فيما يكره :
والاعترافُ بالنِعمة: إذا حققتَ نجاحاً, لا ينبغي أن تقول: هذا جُهدي, إنما أُوتيتهُ على علمٍ عندي, هذه خبرات, هذه سنوات طويلة, من الخِبرة تراكمت بعضُها فوقَ بعض, حتى حصلّت هذه المرتبة, هذا كُفر, إذا عَزوتَ النِعمة إلى ذاتك, فهذا نقيضُ الشُكر:
﴿واشكروا لله ولا تكفرون﴾
وثناؤهُ عليهِ بها, وألا يستعملها فيما يكره . كيف تكون شاكراً .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من استعملَ قوتهُ في معصية الله فليسَ شاكراً ، من استعملَ عينهُ في معصية الله , من نظرَ بها إلى حُرُمات المُسلمين ، حينما تستخدمُ الجارحة في معصية الله , فأنتَ لا تشكر الله .
عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ, أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ, فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ, وَهُوَ يَقُولُ:
((حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, قَالَ: وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا, قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: ذَاكَ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ, أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
يجب أن تعتقد: أنَّ هذه العين إذا غضت عن محارم الله, أغلبُ الظنِّ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذه الأُذن إن لم تسمع بها إلا ما يُرضي الله, أغلبُ الظنِ أنَّ الله يحفظُها لك, وأنَّ هذا اللسان إذا كانَ رطباً بذكر الله, أغلبُ الظنِ أنكَ تتمتعُ بهِ إلى آخر الحياة, وأنَّ هذا الفِكر إذا أعملته في آيات الله, أغلب الظنِ أنكَ لا تَخرَف, من تعلّمَ القرآن, متعهُ الله بعقلِهِ حتى يموت.
قيلَ: في الشُكرِ حدهُ الاعتراف بنعمةِ المُنعِمِ على وجهِ الخضوع, في اعتراف على وجه الإقرار, في اعتراف على وجه الخضوع، فإذا اعترفت بنعمة الله وخضعتَ لهُ فأنتَ شاكر, هذا الذي قُلناه قبلَ قليل: من علامة الشُكرِ الطاعة، وقيلَ: الثناءُ على المُحسن بِذكرِ إحسانهِ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
[سورة الضحى الآية: 11]
وقيلَ: هو عكوفُ القلب على محبة المُنعِمِ, والجوارح على طاعتهِ, وجريان اللسان بذكرهِ, والثناءِ عليه, معرفةٌ وتعبيرُ وامتنان وسلوك كما قُلنا قبل قليل .
وقيلَ: الشُكرُ مُشاهدةُ المِنّةَ وحِفظُ الحُرمة, وما ألطفَ ما قالَ حمدون القصّار: شُكرُ النِعمةِ أن ترى نفسكَ فيها طُفيليّاً, أن ترى نفسكَ لا شيء, فأنتم هو الحقُ لا غيركم, فيا ليت شِعري أنا من أنا .
يعني: كُلما صَغُرتَ في عينِ نفسك كُلما كَبُرتَ عِندَ الله، وكُلما كَبُرت نفسُك صَغُرتَ عِندَ الله. وقال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكر .
ماذا قالَ الله عزّ وجل؟ قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة النحل الآية: 18]
من معاني هذه الآية: هل يُقال لإنسان خُذ هذه الليرة وعُدّها؟ هذه ليرة واحدة, ماذا أعدُ فيها؟ يقول الله عزّ وجل: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾
قالَ بعضُ العُلماء : إنكَ إن أمضيتَ الحياة كُلها, لتُحصيَّ بركاتِ نعمةٍ واحدةٍ, أنعمها الله عليك, نعمة البصر، نعمة السمع، نعمة النُطق، نعمة الشم، نعمةُ جريان الدمع في القناة الدمعية, لولاها لاضطررت أن تمسحَ الدموعَ من على خدكَ دائماً, إلى أن يحفرَ الدمعُ في خدِك أخدوداً, لأنَ الدمعَ قلوَي, فهذه القناةُ الدمعية بين محجر العين وبين الأنف سالكة, وهي من أدقِّ الأنابيب في الجسم, هذه نعمة, نعمة السمعِ, نعمة البصرِ، نعمة الشعر .
لو أنَّ الله سبحانهُ وتعالى جعلَ في الشعر أعصاباً حسيّة, إلى أينَ أنتَ ذاهب يا أخي؟ إلى المستشفى لأُجري عملية حِلاقة, تحتاج تخديراً كاملاً, لكنَّ الشعرَ فيه أعصاب حركية, ولكن ليسَ فيهِ أعصاب حسيّة, لكلِّ شعرةٍ؛ وريدٌ, وشريانٌ, وعضلةٌ, وعصبٌ مُحركٌ, وغدةٌ دهنيةٌ, وغدة صدغية, وليسَ في الشعرِ عصبُ حِسي, أين يا أخي؟ والله إلى المستشفى لأُجري عملية تقليم أظافر, لم ربنا عزّ وجل لم يجعل في الأظافر أعصاب حِس؟ هذه نِعمةٌ كُبرى.
هذه المثانة التي أكرمَ الله الإنسان بِها, تجعلُكَ تجلس ساعات طويلة، تُسافر، تُلقي محاضرة، تستمع، تدخل إلى مسجد، تجلس مع أهلِكَ ساعات طويلة, وأنتَ لستَ بحاجة إلى إفراغ المثانة, لولا المثانة لكُنتَ مُضطراً أن تُفرِغَ البولَ كُلَ دقيقة, لأنَّ كُلَّ عشرين ثانية بالضبط, تنزِلُ من كلَّ كُليةٍ نُقطةُ بول, كل عشرين ثانية, فهذه المثانة تجمعُ هذا البول بخمس ساعات, وأنتَ نظيفُ مُعطّر, مرتاح مُطمئن, وإذا أردتَ أن تُفرِغَ هذه المثانة, فقد جعلَ الله لها عضلات, لولا هذه العضلات, لا بدَ من تنفيس هواء لها, لا نقدر .
ائت بقارورة, واجعل فوهتها نحو الأسفل, وسُدَّ قعرها بإحكام الماء يبقى فيها, لا بدَ من تنفيس, طيب لولا عضلات المثانة لما أمكنَ إفراغ المثانة, هذه نعمة. التنفس حركتهُ لا إرادية .
يعني: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾
أنتم عاجزون عن إحصاء النِعم، أنتم عاجزون عن إحصاء فضائلِ نعمةٍ واحدة، فلأن تكونوا عاجزين عن شُكرِ النِعم من بابِ أولى.
يعني إذا واحد جاءه مولود, وجاءته هدايا كثيرة, أيُهُما أهون: أن يُمسك قلم وورقة ويُسجّل هذه الهدايا أم أن يَرُدَّ هذه الهدايا؟ كتابتها على ورقة عملية سهلة جداً, فالإنسان عاجز عن أن يشكُرَ فضائِلَ نِعمة واحدة، فلأن يكونَ عاجِزاً عن شُكرِها من بابِ أولى, أو لا أن يكونَ عن شُكرها, فهو عن شُكرها أعجز .
قالَ أبو عثمان: الشكرُ معرفةُ العجزِ عن الشُكرِ، هذا كلام سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك .
يعني إذا قُلت: يا ربي لا أُحصي ثناءاً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك, فحينما عجزتَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك .
لو سألنا إنساناً على شط البحر المتوسط, هذا البحر كم ليتر؟ قالَ لكَ: هذا 23مليون و850 ليتر, معناها جاهل, أما إذا قال: واللهِ لا يمكن أن نعرف كم ليتر؟ عدم معرِفتهِ بعدد ليترات ماء البحر, هي معرفة لحجم البحر الكبير، عدم المعرفة معرفة, لو قال لكَ: هذا البحر كذا ليتر، لهذا قالَ بعضُ علماء التوحيد: اللهُ سبحانهُ وتعالى عينُ العٍلمِ بهِ عينُ الجهلِ بهِ، وعينُ الجهلِ بهِ عينُ العِلمِ بهِ .
يعني إذا قلت: يا رب أنا عاجز عن معرفة فضلك, هذا أحدُ أنواع المعرفة, أمّا نحنُ نُصلي له, ماذا علينا أكثرُ من ذلك؟ هذا هو الكُفر, يعني أن ترى أنَّ نعمة الله محدودة, وقد أديتها بالصلاة, وانتهى الأمر .
لذلك قال سيدنا الصدّيق: العجزُ عن الإدراكِ إدراك، إذا اعترفتَ بعجزِكَ عن الإدراك, فهذا نوعٌ من الإدراك.
قال أبو عثمان: الشُكرُ معرفة العجزِ عن الشُكرِ .
وقالَ الجُنيد: الشُكرُ أن لا ترى نفسكَ أهلاً للنِعمة, أن ترى الله سبحانه وتعالى تفضّلَ عليك.
وإذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضلهِ عليك, خلقَ الفضلَ ونسبهُ إليك .
وقالَ أحدُ العلماء: الشُكر استفراغ الطاقة, ويشُكرُ العامةِ على المطعمِ والمشربِ والملبسِ وقوتِ الأبدان .
عوام الناس إذا رأى في بيتهِ مؤونة، معهُ في جيبهِ مال، صحتهُ طيبة، الحمد لله الله مفضلها، لكنَّ خواصَّ المؤمنين يشكرُ على معرفة الله، يشكرُ على العِلم الذي تفضّلَ اللهُ بهِ عليه، يشكر على نعمةِ الإيمان، على نعمةِ الصبر .
سيدنا عمر قال حينما أصابتهُ مصيبةٌ, قالَ: الحمدُ للهِ ثلاثاً: الحمد للهِ إذ لم تكن في ديني، والحمد للهِ إذ لم تكن أكبرَ منها، والحمدُ للهِ إذ أُلهمتُ الصبرَ عليها .
قال: شُكر الخاصّة شكرٌ على التوحيدِ والإيمانِ وقوت القلوب .
الجُنيد كانَ صبيّاً, سألهُ أحدُ العلماء, قال: يا غلام, ما الشكر؟ فقالَ: الشُكرُ أن لا يُستعانَ بشيء من نِعم الله على معاصيه, فقالَ: من أينَ لكَ هذا؟ قالَ: من مُجالستك.
وقيلَ: من قصّرت يداهُ عن المكافآت, فليُطل لِسانهُ بالشُكر .
من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه, فإن لم تجدوا فادعوا لهُ .
كلمة جزاكَ اللهُ عنّي كُلَّ خير, إذا أردتم التحقيقَ الدقيق, هذه الكلمة لا تصح إلا إذا عجزتَ عن أن تُكافئَ النِعمة بنعمةٍ مثلها, إذا عجزتَ عن المُكافئة, قل: جزاكَ الله عني كُلَّ خير, أما أن تكتفي بها دائماً, كُلما قُدمت لكَ خِدمة، أخي الله يجزيك الخير وانتهى الأمر, هذا ليسَ شُكراً .
الشُكرُ معهُ المزيدُ أبداً, كلام دقيق: إذا كُنتَ في نِعمةٍ, وحَرِصتَ على أن تستمر, وعلى أن تبقى, وعلى أن لا تزول, فحصنّها بالشُكر, وإذا أردتَ أن تزيد, فَزِدها بالشُكر, فالشُكر حِصنُ, أو يحولُ بين النِعمةِ وبين زوالِها, ويدفعُ إلى المزيدِ منها, لقولهِ تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾
والحديث القُدسي: ((إني والإنس والجن في نبأٍ عظيم، أخلقُ ويُعبدُ غيري، وأرزقُ ويُشكرُ سِواي, خيري إلى العِبادِ نازل, وشرّهم إليَّ صاعد، أتحببُ إليهم بِنعَمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي, وهم أفقرُ شيء إليّ، من أقبل عليَّ منهم, تلقيتهم من بعيد، ومن أعرضَ عني منهم, ناديته من قريب, أهلُ ذِكري أهلُ مودتي ))
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 96]
((أهلُ شُكري أهلُ زيادتي، أهلُ معصيتي لا أُقنطّهم من رحمتي, إن تابوا فأنا حبيبهم, وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم, أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من الذنوبِ والمعايب, الحسنةُ عِندي بعشر أمثالها وأزيد, والسيئة بِمثلها وأعفو, وأنا أرأفُ بعبدي من الأمِ بولدها))
وقيلَ: من كتمَ النِعمةَ فقد كفرها, ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها، وهذا مأخوذٌ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ, قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ))
أمّا هذا الكلام دقيق جداً, هُناك من يُظهر النِعمة على بيتهِ, وعلى جِسمهِ, وأولادهِ, كِبراً واستعلاء, وهُناكَ من يُظهُرها حمداً وشُكراً, شتّانَ بين الحالتين .
على كُلٍ؛ لهذا الموضوع تتمة, أرجو الله سبحانه وتعالى في درسٍ آخر أن نتابع هذا الموضوع, الذي كما قلتُ قبلَ قليل: موضوع كبيرٌ جداً, بل هو سِرُّ خلقِ الإنسانِ في الدنيا، ونرجو الله سبحانهُ وتعالى أن ينفعنا بِما علّمنا, وأن يُعلّمنا ما جَهِلنا .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و العشرون )


الموضوع : الوجد







منزلة الوجد .
أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الرابع والعشرين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, ومنزلة اليوم هي منزلة الوجد . تمهيد .
أيها الأخوة الأكارم ؛ في الدين فضلاً عن عقيدتهِ, وعن عباداتهِ, وعن معاملاتهِ, وعن تنفيذ أوامرهِ, وعن اجتناب نواهيه, في الدين الحقيقي مشاعر، مشاعر يتذوقها المؤمن، هذه المشاعر لها شأنٌ كبير في مسيرتهِ إلى الله عزّ وجل .
يعني إذا بقي الدين معلومات، أفكار، قناعات، فلسفات، علم كلام، قيل وقال، الإنسان ينصرفُ عنهُ، وإذا بقي الدين أعمالاً مُجهِدة الإنسان يتعب، في الدين شيء أُسميه الآن : وجد بحسب موضوع الدرس ، هذه مشاعر, هذه المشاعر تغمرُ القلب، ربما كانت هذه المشاعر المُسعِدة التي تغمُر القلب دافعاً حثيثاً لمتابعة الطريق .
هذه المشاعر ثابتةٌ, في قول النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين, من حديثِ أنسِ بن مالك رضيَّ الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ قال:
(( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
الإيمان لهُ حلاوة، الإيمان في أذواق، في مشاعر مُسعدةَ، في أحاسيس طيبة، لكن أُفضّل كلمة مشاعر, لأنَّ الأحاسيس يغلبُ عليها الطابعُ الحسيّ المادي، والمشاعر يغلبُ عليها الطابعُ النفسي .
مثلاً قبلَ أن نمضي في الحديث في هذا الموضوع, الإنسان يتاجر ويشتري بضاعة بسعر، ويبيعها بسعر جيد, ويحقق رِبح يقبِضهُ نقداً خلال ساعة أو ساعات, يشعر بسرور، تجدهُ يتكلّم بمرح، عيونهُ تلمع، وجنتهُ تتورد، يميل إلى المزاح، يحاول أن يستلطف الآخرين, هذه كُلها علامة الفرح, لأنهُ فَرِحَ بِربحِ هذه الصفقة، لو أنهُ درسَ دراسةً عُليا, وأمضى سنةً بُجهدٍ شاق, ثُمَّ قدّمَ امتحانا, وبعدَ شهرٍ قرأَ اسمهُ في لوحة الإعلانات, وقد نالَ هذه الشهادة العُليا بتقدير امتياز, تجدهُ خلال أسبوع في أعلى درجات سعادتهِ, يشعر بسعادة حقيقية .
لو أنَّ إنساناً سافر إلى مكان جميل, وليسَ في قلبهِ هموم, ويملكُ المالَ الكافي, مستمتعاً بالمناظر الجميلة, وبأهلهِ, وأولادهِ, والأمور كُلُها منتظمة, يشعر بسعادة, هذه السعادة كُلُها مؤقتة, لكن إذا اتصلَ بالله عزّ وجل من خِلال استقامتهِ على أمر الله، من خلال أعمالهِ الطيبة، يذوقُ طعمَ الإيمان، يذوق حلاوة الإيمان، يقول لكَ: ليسَ في الأرض من هوَ أسعدُ منّي، هذا فضلاً عن عقيدتهِ الصحيحة، فضلاً عن طاعتهِ لله، فضلاً عما ينتظره من نعيمٍ مُقيم ، فضلاً عن تنفيذهِ أوامِرَ الله، فضلاً عن تَخلُّقهِ بأخلاقِ رسول الله، فضلاً عن كُلِّ ذلك .
في الدين مشاعر مُسعِدة, هذه المشاعر المُسعِدة بمثابة المُحرك في طريق الإيمان, فإذا ضَعُفت هذه المشاعر أو تلاشت, أصبحَ الدينُ ثقافةً، معلومات، أفكار، مناقشات، قيل وقال ، عِلم ، كلام، كُتب، مقالات، تأليف، مراجع، مصادر، فهارس, انقلبَ الدين إلى معلومات، والمعلومات يعني الإنسان أحياناً يملُّها، أو يسأمُ منها، أو ينصرفُ عنها, وإذا بقي, يعملُ الأعمال الصالحة، ويخدمُ الآخرين، ويعطفُ على المساكين والفقراء، ويغيثُ الملهوفين دون أن يكونَ لهُ اتصالٌ بربِّ العالمين, حتى الأعمال الصالحة تُملّ, يقول لكَ: يا أخي مللتُ حياتي, الناس سيئون, ما الذي يجعَلَكَ تُغِذُ السير في طريق الإيمان؟ أن تذوقَ طعمَ الإيمان؟ هذه المشاعر المُسعِدة التي تغمر قلبَ المؤمن, إنها موضوع هذا الدرس, مرتبةُ الوجد .
قالَ بعضُ الشُعراء:
هل الوجدُ إلا أنَّ قلبي لو دنا من الجمرِ قيدَ الرُمحِ لاحترقَ الجمرُ
يعني قلبهُ متأجج , أحياناً تجلس مع إنسان منطفئ، يعني يملُّ كُلَّ شيء, ويُملُّ الجلوسَ, معهُ قلب فارغ من أي شعور إنساني، أحياناً تجلس مع إنسان يُعطيكَ من تأججهِ الشيء الكثير. الدافع إلى طريق الإيمان .
درسنا اليوم هذا الباعث النفسي ، هذا التأجج القلبي ، هذه السعادة القلبية ، هذا الحال إن صحَّ التعبير : الذي يُسعِدُ الإنسان ويدفعُه قُدُماً في طريق الإيمان .
هذا الكلام أله أصلٌ في السُنّةِ الثابتة : وردَ في الصحيحين , من حديثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
يعني الليرة والمليون تحت قدمهُ, إذا كان الله يُرضيه أن يُقدّمَ هذا المبلغ, يُقدّمُ مالهُ، يُقدمُ روحهُ، يُقدمُ وقته، لا يرضى من زوجتهُ أن تعصي الله ولو أدبرت عنهُ، ولو توتّرَ الجو بينهما، هذا الذي اللهُ ورسولهُ أحبُ إليه مما سِواهما, يذوقُ طعمَ الإيمان, أما كُلما وقعتَ في صِراع آثرتَ جانبَ الدنيا, أخي فيها فتوى هذه, والعلماء أجازوها, الناس, هذا بلاء عام يا أخي, كلما وقع صراع بين ما يُرضي الله وبينَ ما يُحققُ مصالِحُه,و مالَ إلى جانبِ مصالحهِ .
آثرَ الدنيا على الله ورسوله، آثرَ رِضاء زوجتهِ على الله ورسوله، آثرَ رِضاء شريكهِ على الله ورسوله، آثرَ تحقيقَ أرباحٍ فيها شُبُهات على اللهِ ورسوله، حيثُما تُؤثِرُ شيئاً من الدنيا على الله ورسوله, لا تذوقُ طعمَ الإيمان, يُصبِحُ القلبُ متصحّراً، جافاً، جلموداً، صخريّاً .
ولي منه أولياءَ الله عزّ وجل ذُكِرَت الله بِه, لو رأيتَ مؤمناً ذاقَ طعمَ الإيمان, بمجردِ أن تقعَ عينكَ عليه, تذكرُ الله عزّ وجل، تتمنى أن تتوب، تتمنى أن تُصلي، تتمنى أن تعمل الصالحات . ((أولياءُ أُمتي إذا رُؤُا, ذُكِرَ الله بهم))
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
يعني تنشأ في مجتمع المؤمنين علاقات عجيبة جداً؛ لا قرابة, ولا نسب, ولا مصلحة, ولا جِوار, ولا زمالة في العمل, ولا آمال, ولا مُصاهرة, تجدُ أنكَ تُحبُ أخاكَ في الله حُباً لا يوصف, لو جلستَ معهُ ساعاتٍ طويلة, تشعر هل من مزيد؟ إذا أحببتَ أخاكَ المؤمن دون أن تكون هُناك مصلحة علاقة، نسب، مُصاهرة، زمالة، جِوار، مشروع مستقبلي, أبداً, لا تبتغي منهُ جزاءاً ولا شكوراً، لا تُحبهُ إلا لله، إذا أحببتَ أخاكَ المؤمن لوجه الله تعالى دونِ مصالح, ذُقتَ طعمَ الإيمان .
هذه علامة ثانية: قال : (( وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
هذا الذي آمن واستقام على أمر الله, إذا نَدِمَ على توبتهِ, يقول لكَ: والله رفاقي مبسوطون, وأنا ذهبت, والتحقت بالجامع, وأصبحت مُقيّداً, وإذا قصّرت يحاسبونني, وإذا ذهبت إلى المكان الفولاني يؤاخذونني, هذا الذي نَدِمَ على أنهُ آمن، أو يتمنى أن يعودَ كما كان ، هذا ماذا قطعَ من الإيمان؟ .
من علامة الإيماني: مثلاً إنسان ساكن في بيت قميء، مُظلم، فيه رطوبة، بحي مزدحم, يعني مُشكلات لا تُعد ولا تُحصى، نُقِلَ إلى بيتٍ واسعٍ, فخمٍ, مشمسٍ, في حيٍ راقٍ, هل يتمنى أن يعود لهذا البيت؟ مستحيل, كان يعمل في وظيفة متواضعة, ودوامها طويل, وحولِهِ ضغط شديد، وشيء من الإذلال، ودخلهُ لا يكفيهِ ثلاثة أيام، اشتغل بالتجارة, وربح أرباحاً طيبة، أصبحَ سيد نفسهُ، دوامهُ بيدهُ، يتمنى أن يعود كما كان موظفاً؟ يكون مجنوناً .
فإذا الإنسان آمن إيماناً حقيقياً، واتصل بالله اتصالاً حقيقياً، وذاق طعمَ الإيمان، وشعرَ كيفَ كان، في أيِّ الوحول كان، كان مع القاذورات، كان مع أشخاص على درجة من الانحطاط، في مِزاحهم، في علاقاتهم، في سفرهم، في شراكتهم، في مُرافقتهم، مُزاح على أنانية, على حقارة, على حبِ الذات, على استعلاء, على مُزاح غليظ, فصاحبَ أُناساً طيبين طاهرين, أخلاقهم طيبة, يتمنى أن يعودَ لهؤلاء المجرمين؟ هذه أمثلة من واقع الحياة .
فلذلك: وأن يكرهَ أن يعود في الكُفرِ بعد إذ أنقذهُ الله منهُ كما يكرهُ أن يُلقى في النار.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
هذا الإنسان ذاقَ طعمَ الإيمان, والأصح: ذاقَ حلاوة الإيمان, الإيمان لهُ حلاوة .
آيةٌ ثانية تؤكِدُ هذه المنزلة: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 14]
حقيقة حلاوة الإيمان .
هُنا في سؤال دقيق: سيدنا جعفر مثلاً, ما الذي دعاهُ حينما جاءَ سيفٌ فقطعَ يمينهُ وأصبحت يدهُ على الأرض؟ لماذا لم يترك فرسهُ فجأةً ويقول يدي؟ وا أسفاه على يدي؟ لماذا أمسكَ الراية بيدهِ الثانية, جاءت ضربة سيفِ ثانية قطعت يدهُ اليُسرى, فمسكَ الرايةَ بعُضُدِيه؟ هنا في سؤال دقيق: هو بشر من بني البشر, ما الذي جعلهُ يتحمل هذه الآلام, آلام قطعِ اليد الأولى والثانية ويصبر؟ إنها حلاوة الإيمان .
سيدنا خُبيب: حينما أرادوا أن يصلبوه, فطلبَ أن يُصلي ركعتين قبلَ أن يُصلب, وقد هُيئَ الجدار, وهُيئت السِهام, ليُصلبَ على جِذعِ نخلة, ويُلقى بالسِهام حتى يموت, قيل لهُ: أتحبُ أن يكونَ محمدٌ مكانك وأنتَ في أهلك؟ والله شيء غريب، والله الإنسان يبيع أهلهُ في هذه الحالة, يبيع دينهُ, ويبيع إيمانه, هكذا الناس, ما الذي جعلَ هذا الصحابي الجليل ينتفضُ ويقول: واللهِ ما أُحبُ أن أكون في أهلي وولدي, -جالس في بيتهُ, زوجتهُ أمامه, وأولادهُ أمامهُ, وطعام طيب، بالشتاء البيت دافئ تدفئة مركزية, وبالصيف تكييف, الورود على الطاولة، ألوان الطعام والشراب، كل أجهزة اللهو موجودة, قالَ-: واللهِ ما أحبُّ أن أكونَ في أهلي وولدي, وعِندي عافيةُ الدنيا ونعيمُها, ويُصابُ رسولَ الله بشوكة؟ انظر: ما الذي جعلهَ يموت عن أن يكفر بمحمد، يموت صلباً، السهام تلوشهُ؟ .
طيب هذه المرأة التي فقدت زوجها وأباها وابنها وأخاها, يعني لا يمضي ألف سنة حتى تُصاب امرأة بوقت واحد؛ بزوجها, وابنها, وبأخيها, وبأبيها, وقد عَلِمت بموتهم جميعاً في معركة أُحد, تقول: ما فعلَ رسول الله! تُريد أن تسألَ عن رسول اللهِ فقط, ماذا في قلبِها؟ لو لم يكن في قلبِها حلاوة الإيمان لما فعلت هذا .
يعني ظهر من الصحابة أفعال العقل لا يُصدقُها, لولا ما ذاقوه من حلاوة الإيمان .
أنا مرة سألت طبيب قلب, قُلت له: صِف لي بعضَ حالات الوفاة التي يعانيها بعض المرضى, يعني مريض بالقلب, جاءتهُ الوفاة, والله ذكرَ لي قصصاً غريبة, قال لي: بعض الناس يضرب نفسه، وبعضهم يصفرُّ وجهه, ذكرتُ لهُ قصة سيدنا ربيعة, النبي الكريم تفقّدهُ, وقال: ابحثوا لي عنهُ، ذهب صحابي إلى أرض المعركة, رآهُ بينَ القتلى, لكنهُ يتنفس, قال لهُ: يا ربيعة, أمرني النبي أن أسألَ عنك, هل أنتَ بينَ الأحياء أم بينَ الأموات؟ قالَ لهُ: أنا بينَ الأموات .
قال لهُ: بلّغ رسولَ الله مني السلام, وقُل له: جزاكَ اللهُ عنّا خيرَ ما جزى نبياً عن أُمته, وقُل لأصحابِهِ: لا عُذرَ لكم إذا خُلِصَ إلى نبيّكم وفيكم عينٌ تطرُف.
في أيّةِ سعادةٍ هذا الإنسان؟ في أيّةِ سعادة وهو يُفارق الدنيا؟ .
أقول لكم الآن كلمة: ذاقَ حلاوة الإيمان, إذا ذُقتَ حلاوة الإيمان, واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو, يستوي عِندكَ التِبرُ بالتُراب, الذهب مثلُ التُراب .
سحرة فرعون لمّا ذاقوا حلاوة الإيمان:
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 71]
بماذا شعرَ هؤلاء؟ .
الملكة بلقيس حينما تخلّت عن مُلكِها دفعةً واحدة, قالت: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 44]
الإنسان سهل يتخلى عن مُلكهِ, هكذا بلحظة, ماذا شعرت؟ هذه حلاوة الإيمان .
عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, قال:
((أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
سيدنا الصدّيق أعطى كل مالهُ لرسول الله، قالَ: يا أبا بكر! ماذا أبقيتَ لك؟ قالَ: اللهَ ورسولهُ .
سيدنا أبا يحيى وهو في الهجرة, تَبِعهُ كُفارُ قريش, وألقوا القبضَ عليه, ليعيدوه إلى مكة، قالَ: إذا أعطيتكم كُلَّ مالي أتتركوني؟ قالوا: وأينَ مالُك؟ قالَ: في مكة, المكان الفلاني, فخلّوا عن سبيلهِ, وانطلق إلى النبي عليه الصلاة والسلام, وحدّثَ النبيَّ بما حصل، قالَ: رَبِحَ البيعُ أبا يحيى, رَبِحَ البيعُ أبا يحيى .
يعني أنا أقول لكم: الذي يجعل المؤمن يُضحّي المال تحت قدمهُ، الدنيا كُلها إذا تعارضت معَ دينهِ لفظها ورفضها, هو حلاوة الإيمان, إذا ذاقَ حلاوة الإيمان، والله إذا ذاقَ حلاوة الإيمان لا يُضحّي بشيء، يجد لكل معصية فتوى, إذا لم يذق حلاوة الإيمان مع مصالحهُ, مع الدنيا, مع شهواتهُ, مع رغباتهُ, يحتاج إلى دين خاص، يُصلي صلاة لا تُكلّف، يُصلي ويصوم ويحج ويُزكي، لكن يريد مصالحهُ وشهواتهُ وتجاراتهُ وحركاتهُ وسكناتهُ، فإذا الإنسان ما ذاقَ حلاوة الإيمان, لن يستقيم على أمر الله .
﴿وربطنا على قلوبهم﴾
يعني وألقينا في قلوبهم من حلاوة الإيمان, ومن مواجد أهلِ الحُب, ألقينا في قلوبهم معاني القُرب، ألقينا في قلوبِهم أنوار الحق، ألقينا في قلوبهم تجليات، ألقينا في قلوبهم السكينة، حتى ظهرت منهم هذه الأعمال البطولية, شيئاً لا يُوصف, لو قرأتم تاريخَ أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم, لوجدتم أنهم بشر ولكن ليسوا كالبشر, لا لشيء, إلا أنَّ الله عزّ وجل ألقى في قلوبهم محبته، ألقى في قلوبهم حلاوة الإيمان، ألقى في قلوبهم أنوارهُ، ألقى في قلوبهم تجلياتهُ، ألقى في قلوبهم سكينتهُ .
قال : ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربُنا ربُّ السموات والأرض لن ندعوَ من دونهِ إلهاً لقد قُلنا إذاً شططاً﴾
أهلُ الكهف كانوا يعيشون في ظِلِ سُلطانٍ كافر, وكانوا في بحبوحةٍ, وفي حياةٍ واسعةٍ ناعمةٍ إلى أقصى الحدود، تركوا حياة البذخ والترف والنعيم والشهوات، ولجؤوا إلى كهفٍ خَشِنٍ مظلِمٍ مُخيفٍ, لكنَ الله عزّ وجل ألقى في قلوبهم حلاوة الإيمان .
لذلك: هذا ما قالهُ بعض العارفين بالله: لو يعلمُ الملوكُ ما نحنُ عليه, لقاتلونا عليه بالسيوف.
بقلب المؤمن سكينة، تجلّى أنوار، مشاعر مُسعِدة، شعور بالأمن، شعور بالرِضا، شعور بأنَّ اللهَ راضٍ عنك، الشيء الذي لا يوصف, لذلك من أجلِ هذا يتحمّلُ كلَ شيء, يصبرُ على الطاعات، يصبرُ عن الشهوات .
الإنسان شب في أول حياتهُ، امرأة سافرةٌ متبذلةٌ في ثيابِها, تكشِفُ عن مفاتِنها، ما الذي يجعلهُ يَغضُ طرفهُ عنها؟ والله هيَ جميلة, وقد ركّبَ الله حُبَ النساء, ما الذي يجعلهُ يُديرُ وجههُ عنها؟ أنهُ ذاقَ حلاوة الإيمان, فلو أنهُ نظرَ إليها فقدَ حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان أغلى عِندهُ من النظرِ إليها .
صحابي جليل, لهُ زوجة يُحبها جداً، قالت لهُ: أُريد كذا وكذا، قال لها: إنَّ في الجنة من الحورِ العين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نور وجهها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلِهن, أهون من أن أُضحي بِهنَّ من أجلك .
أُم سيدنا سعد قالت لهُ: إمّا أن تكفر وإمّا أن أدعَ الطعام، قالَ: يا أمي, لو أنَّ لكِ مئة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدةً, ما كُنتُ لأكفُرَ بمحمد, فكُلي إن شئتِ أو لا تأكُلي.
هذا درسُنا الوجد .
فإذا أردتَ أن يمتلئَ قلبُكَ بالوجد، بالحُب، بالمشاعر المُسعِدة, أردتَ أن تذوقَ حلاوة الإيمان، أنا أدُلُكَ على الطريق: أولاً: أطع الله عزّ وجل, طاعتُكَ للهِ وحدها, تغمرُ قلبكَ بالمشاعر المُسعِدة, لو الله عزّ وجل لم يُلق على قلبِ هؤلاءِ هذه السعادة؛ لآثروا الدنيا، ولانشغلوا بملذاتها، ولغفلوا عن ذِكرِ الله عزّ وجل، ولاتبعّوا الشهوات . مراتب الوجد :
الآن أربع مراتب للوجد :
1-التواجد :
أول مرتبة : التواجد, هذه الصيغة فيها معنى التصنع، التباكي, التمرض, التواجد, التغابي, وزن تفاعلَ: بمعنى تصنّعَ الشيء: ليسَ الغبيُّ سيداً في قومهِ لكنَ سيدَ قومهِ المتغابي
أحياناً المتغابي: يكون أعلى درجة من أنواع الذكاء، ويكون هو ذكي جداً، لكن الموقف يقتضي ذلك, يتغابى .
التواجد, يتباكى, يعني عملية تصنع الوجد، التواجد: عملية تصنُع الوجد .
قال: هذه أول مرتبة وهي أضعفُ المراتب، اختلفَ العُلماء في هذه المرتبة: مقبولة أم مرفوضة؟ قال: إذا أرادَ بالتواجد أن يكتسبَ ثناءَ الآخرين مرفوضة، أمّا إذا أرادَ بالتواجد أن يصِلَ من خِلالها إلى حقيقة الوجد مقبولة، لقول النبي الكريم: وَقَالَ: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ .
وَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
أنتَ تعمل نفسكَ متأثراً, وتتباكى, وتُغمض عينكَ, وتحاول أن تبكي, هذا التواجد, عملية تصنُع الوجد, فإن فعلتها لانتزاع إعجاب الناس, هذا نِفاق, والله وهذه المرتبة مرفوضة ، أمّا إن فعلتها لعلكَ تُحصّلُ الوجدَ الحقيقي مقبولة .
في عنّا أثر: عن سيدنا عُمر يؤكدُ ذلك: سيدنا عمر رأى النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر يبكيان في شأنِ أسارى بدر, وما قَبِلوا منهم من الفِداء, فقالَ عُمر رضي اللهُ عنه: أخبراني ما يُبكيكُما, فإن وجدتُ بُكاءاً بكيت, وإلا تباكيت, هذه مرتبة مقبولة من جهة، مرفوضة من جهة، مقبولة إذا أرادَ صاحِبُها أن يصلَ من خلالها, أن يصلَ إلى الوجد الحقيقي, تأسيّاً بالنبي عليه الصلاة والسلام, حينما قال:
((إنما العِلمُ بالتعلُم، إنما الحِلمُ بالتحلّم، إنما الكرمُ بالتكرَم))
يعني أنت غضوب بالأصل, لكن النبي أمرنا بالحِلم, وضغط الأعصاب, وأنت من الداخل تغلي غلياناً, لكنك ضابط لأعصابك, وتصك أسنانك, وتعُض على يديك, لم تفعل شيئاً , هذا التحلّم، مرة على مرة، الله عزّ وجل يصبِغُ عليكَ خُلُقَ الحِلم، تُصبح حليم أصلي, الأولى حليم تطليع، تُصبِحُ حليماً أصالةً, وطبعاً هكذا النبي علَمنا: إنما الحِلمُ بالتحلّم، إنما الكرمُ بالتكرَم .
زاركَ ضيف من محل بعيد, تُعاكس نفسكَ, وتعمل له عشاء، لكن مرة مع مرة تُصبِحُ كريماً جواداً, إنما الكرمُ بالتكرّم .
فقال: هذا التواجد تصنعُ الوجد, إذا كان صاحِبهُ فعلهُ رياءً وسُمعةً, لينتزعَ إعجابَ الناس، ليبتزَّ أموالهم .
فهذا الخُلق مرفوض، أما إذا فعلهُ ليجلبَ بهِ الوجدَ الحقيقي, هذا الخُلُق مقبول, هذه مرتبة . 2-المواجيد :
المرتبة الثانية: المواجيد, يعني تقرأ القرآن تُحِس بسعادة، تذكُر الله عزّ وجل تُحِس بسعادة، تدعو الله دُعاءً صادِقاً حقيقيّاً في السجود, يا ربي احفظني، يا ربي ألهمن الخير، يا ربي سدد خُطاي، يا ربي أعن على نفسي، يا ربي إني تبرأتُ من حولي وقوتي, دُعاء صادق تُحِس بسعادة, دُعاء صادق تُحِس بسعادة، ذِكر حقيقي تُحس بسعادة، تِلاوة قرآن تُحِس بسعادة.
قال: هذه المواجيد نتائج الأوراد والتلاوات والعبادات والطاعات, الطاعات والعبادات والأذكار والأوراد والتفكرات والأدعية, هذه كُلها تُسبب مواجيد, هذه المرتبة الثانية .
3-الوجد :
المرتبة الثالثة: الوجد, قال: هوَ ثمرة أعمال القلوب, من أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنعَ لله، فقد ذاقَ حلاوة الإيمان, القلب لهُ عمل:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
القلب إذا انصرفَ عن الدنيا, والتفتَ إلى الله عزّ وجل, هذا العمل اسمهُ: عمل القلب ، من ثِمار عملِ القلبِ الحُب, الوجد, هذا الذي قالَ عنهُ النبي صلى الله عليه وسلم:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
4-الوجود :
أما المرتبة الرابعة: الوجود, يعني أن تجدَ الله، أن تصلَ إليه، أن تعبدهُ كأنكَ تراه، أن تراهُ في كُلِّ شيء، أن تراهُ من خِلالِ كُلِّ شيء، أن تراهُ فوقَ كُلِّ شيء، أن ترى يدهُ فوق يدِ كُلِّ مخلوق:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
أن تراهُ معكَ حيثُما ذهبت، حيثُما توجهت وصلت إلى الله، هذه نهاية طريق الإيمان ، هذه نهاية المطاف .
التواجد : تصنُع الوجد .
المواجيد : مشاعر مُسعِدة , تعقِبُ الأوراد والأذكار والطاعات وتِلاوة القرآن.
الوجد : ما يشعر بهِ قلبُكَ من حُبٍ للهِ عزّ وجل , هذا الوجد من ثمرةِ أعمال القلوب .
أما الوجود : أن تجدَ الله .
كيفَ أرخميدس حينما وضعَ يدهُ في حوض الماء, فشعرَ بقوةٍ تدفعُها نحوَ الأعلى، فخرجَ من الحمام يقول: وجدُتها وجدُتها .
فلذلك الإنسان يمضي عليه ثلاثون عاماً، عشرون عاماً، عشرة أعوام دروس عِلم، مجالس عِلم، بذل، تضحية، دفع أموال، صدقات، خِدمة الناس، خِدمة أهل الحق, مع تِلاوة قرآن، طلب عِلم, يقول لكَ: تعبان, لم أرتح اليوم, إذا في نهاية المطاف وصلَ إلى الله, وصلَ إلى كُلِّ شيء، إذا في نهاية المطاف وجدَ الله, وجدَ كُلَّ شيء، يا ربي ماذا وجدَ من فقدك؟ وماذا فقدَ من وجدكَ؟ .
هذه أعلى مرتبة في مرتبة الوجد: الوجود, أن تجدَ الله، يعني أن تراهُ في كُلِّ شيء، أن تشعُر منهُ بأنكَ قريبٌ منهُ, وأنهُ قريبٌ منك، أن تشعر بوجودهِ في كُلِّ قِصةٍ تسمعُها, هوَ الفعّال، هو الحكيم، أعطى هذا، منعَ هذا، رفعَ هذا، خفضَ هذا، أعزَّ هذا، أذلَّ هذا، أكرمَ هذا، منعَ هذا، ترى يدَ الله تعملُ في الخفاء، إليهِ يرجُعُ الأمرُ كُلهُ، تفهم الأمور كلها فهماً آخر، تفهم كُل شيء تسمعهُ فهماً من خِلالِ رؤيتِكَ للهِ عزّ وجل، هذه عقيم، هذه جاءت بأولاد ذكور، هذه بأولاد إناث، هذا زوج سعيد بزوجتهِ، في سبب، الله عادل، هُناك أعمال تُبرر لهُ هذه السعادة .
كيف نصل الى مرتبة الوجد؟ :
سؤال كبير جداً :
كيفَ نصِلُ إلى مرتبة الوجد ؟
العُلماء قالوا : هُناك ثلاثة منافذ للوجد : السمع ، والبصر ، والفِكر .
1-عن طريق السمع :
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
تسمع الحق في مجلس عِلم, أنتَ بشر ولكَ فِطرةَ عالية, تسمع حديثاً عن كرم الله عزّ وجل، عن عظمة الله فتهتز، منذُ يومين كُنتُ في عقد قِران, فتكلّمتُ نقطة من نقاط عِلم الفلك, شعرت صار في هزّة، لا إله إلا الله معقول!! شعرت كأنها أحدثت صدمة. فإذا واحد استمع, يعني أصغى للحق مرات عديدة, حصلت له هزة .
يعني هو الإنسان التاجر, يُتاجر ثلاثين عاماً، يشتري صفقة واحدة, فيربح مِنها إلى ولد ولده، وأيضاً المؤمن ساعة من ساعات نفحات الله عزّ وجل, لا يعرف بالدرس بأوله أم بآخرهِ أم بنصفه, درسين وثلاث ولم يشعر بشيء، قد يأتي درس, يصل الحديث إلى شِغاف قلبهِ، المُتكلّم أحياناً يضع على جُرحِك, يُعطيكَ الحل, تشعر فتقول: إي والله، لا إله إلا الله وتكون التوبة النصوح, ويكون الصُلحُ معَ الله عزّ وجل, لا تعرف، فالسماع طريق؛ احضر مجالِسَ العِلم، استمع للدروس، يجوز في درس من الدروس تتألق .
يعني كأنهُ في قِوى كامنة بهذا الدرس تفجرّت، في مشاعر جاشت، في مطامح تحققت.
كما قُلتُ لكم مرة: أحد العارفين, أظنهُ ذو النون المصري, حدثتُكم عن هذا في خُطبة الجمعة الأسبوع الماضي, هذا رجل يقول لكَ: أنا في حيرة, قُلتُ: أينَ قلبي؟ يعني في شعور بالضيق, رأى امرأة تفتحُ الباب, وتُلقي ابنها خارِجَ البيت, وهو يبكي، ضربتهُ, وألقتهُ خارِجَ البيت, وأغلقت الباب، هذا الطفل تلّفت يميناً وشِمالاً, فصارَ يبكي، عادَ إلى بيتِ أمهِ, وطرقَ الباب, قالَ: يا أُمي, من يقبلني إن طردتني؟ إلى أينَ أذهب؟ فنظرت إليهِ من خُرمِ الباب, فرأتهُ يبكي، فتحت الباب، وأخذتهُ وقبلّتهُ، ووضعتهُ في حِجرِها، وقالت: يا قُرّةَ عيني, يا عزيز نفسي, أنتَ حملتني على أن أفعلَ بِكَ ما فعلت, لو أطعتني لم تر منّي ما تكره، هذا ذو النون المصري, صاحَ بأعلى صوتهِ, قالَ: وجدتُ قلبي .
يعني أخذَ من هذه القِصة عِبرةً عميقةً جداً: أنَّ الله عزّ وجل لا ملجأَ منهُ إلا إليه، إذا أنتَ خِفتَ من إنسان, تهرب منهُ إلى واحد آخر، أما إذا خِفت من الله عزّ وجل, ما في إلا الله, لا ملجأَ منكَ إلا إليك، فهذا الطفل أدركَ إلى أين يذهب؟ لا يوجد سِوى أُمهُ، هيَ طردتهُ، ليسَ لنا سِوى الله عزّ وجل, والله أنا أجمل كلمة أقولها: يا رب ليسَ لي إلا أنت, ما في غيرك .
كل ما وثِقتَ بإنسان تجدهُ، إذا وضعت ثِقَتُكَ بإنسان, والله هذه الشغلة فوق طاقتي يا أخي، ليست بيدي لا تؤاخذني، طبعاً بنعومة أنسحب, أما إذا كان واحد وضع ثِقتهُ بالله عزّ وجل, يا رب ليسَ لي إلا أنت, فلذلك: السمع طريق, احضر مجالِسَ العِلم لا تزهد فيها، هذه موائد الرحمن، وحينما تحضُرُ مجالِسَ العِلم تدفعُ زكاةَ وقتِك، وحينما تدفعُ زكاةَ وقتِك أنتَ في بيت الله, واللهُ في حاجتك, وحاجةِ أهلِكَ وأولادك, هم في مساجِدهم والله في حوائجهم, وإذا الإنسان ضنّ بوقتهُ الثمين عن أن يحضر مجلس عِلم، الله عزّ وجل يمكن أن يهدِرَ لهُ أربعة أخماس وقته في موضوعات سخيفة وأشياء تافهة .
ركّب المُحرّك خِلال ثماني ساعات, فنسي قشرة, ففكهُ مرةً ثانية, نسيها أثناء تركيب الآلات, يكون في قطعة مكانها, أول حركة فينساها, يُنسيه إياها الله عزّ وجل, يعمل ثماني ساعات, أنا اليوم لن أذهبَ للدرس ثماني ساعات أهدرها لهُ والدرس ساعة, ذهبَ مِنكَ ثماني ساعات .
قال لي أخ: لشدة ضغط الأهل عليّ, تركنّا درس الجمعة, أخ يحضر معنا, وإنسان كريم جداً, وصل إلى بقين لكي يُملئ الماء, شاهدَ شاباً ناعماً, قالَ لهُ: أعطني عم لكي أملؤهُ لكَ, فذهبت محفظتهُ, قالَ لي: فيها الهوية, وفيها ميكانيك السيارة, وفيها إجازة السوق, عملت ثمانية أشهر حتى حصّلتها, فإذا واحد لهُ ترتيب، لهُ مجالس عِلم لا يُغيّر, هذا وقت الله عزّ وجل، هذه مائدةُ الرحمن. السماع .
2-3 عن طريق البصر والفكر :
الآن : البصر, شاهدت كأس الماء، شاهدت ابنك الصغير، شاهدت الكواكب بالليل، القمر، الشمس، الليل، النهار، الرياح، الأمطار، الكواكب، الثِمار، الأزهار، الأطيار, إذا الإنسان مرَّ على الآيات مرور الِلئام, ولا نقول : مرور الكِرام , يكون غافلاً , فالسمع طريق , والبصر طريق , والتفكر طرق ، الآيات :
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة الحج الآية: 46]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[سورة محمد الآية: 24]
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 8]

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 44]
طريق الوجد : السماع ، والرؤيا ، والتفكّر .
أفعالُ اللهِ تراها بعينك، وكتابهُ تتدبرهُ بِفِكرِك، والحقُ تسمعهُ بأُذُنِك, اسمع الحق بأُذُنِك، وانظر للآيات بعينك، وتدبّر كتاب الله بِفِكرِك , لا تعرف من طريق التدبر, أو من طريق التفكر, أو من طريق النظر, أو من طريق السماع, تنقدحُ في نفسِكَ محبةُ الله عزّ وجل, وإذا انقدحت في نفسِكَ محبةُ الله, وصلتَ إلى كُلِّ شيء.
لكن العُلماء تساءلوا عن هذا الوجد, الذي يتأتى من سماع تفسير آية، من سماع حديث قُدسي، يعني مرة سمعت حديث:
حدثني أبي عن جدي عمر بن الخطاب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تبارك وتعالى: من شغله ذكري عن مسألتي, أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.
الإنسان ينقدح عِندهُ هِمة عالية من وراء حديث واحد, يعني يا ربي, ماذا فقدَ من وجدكَ؟ وماذا وجدَ من فقدكَ؟ تُهِز مشاعِركَ هذه الكلمات .
العلماء قالوا: هذه المشاعر المُسعِدة التي تلي سماع حقيقة، أو نظر إلى آية، أو تدبّر القرآن, إمّا أن تستمر وإمّا أن تنتهي, فالسعيد دائماً له مستوى, سمعت تفسير آية, لكن تفسيراً رائعاً جداً فتأثرّت, صار معك كما يقولون صدمة, صدمة عاطفية, هكذا الله عزّ وجل بهذا الكرم, خلقني حتى يُكرمني, خلقني حتى يُسعدني .
توبة فتاة :
قُلتُ لكم مرة: مُدرّسة أُلزِمت أن تُدرّس الفقه والتفسير, هيَ تُعطي الرياضيات، وهيَ مُعارة إلى دولة، أُلزِمت أن تُدرّس هذه المادة، هيَ عادية كغيرها من الفتيات، فتحت كتاب التفسير, أول درس آيات الحِجاب قرأتها, هذه الآيات أحدثت فيها صدمة, صارت تبكي أمام الطالِبات, قالت: معذِرةً اقرؤوا ما شِئتم, دعوني مع نفسي هذه الساعة, وكانت توبتُها عن طريقِ تِلاوةِ آياتِ الحِجاب .
مرة تقرأ صفحة قرآن، تقرأ مقالة عن الله عزّ وجل, عن عظمة الله، تسمع درس عِلم، تُفكّر في قضية، تُخاطب نفسك, منافذ الوجد: السماع والنظر والتفكّر, وقد تأتي النتائج مستمرة أو آنية، يعني أنتَ بهذا المستوى, حضرت مجلس عِلم ارتقيت, فالبطولة: ارتقيت ثمَّ ستُتابع هكذا, لمّا ارتقيت وعُدت إلى مكان ما كُنت وأكملت, هُنا المُشكلة .
بالحج صار سرور كثير، بعد الحج عُدتَ إلى ما كُنتَ عليه، خسرتَ هذا التأثير، جاءَ رمضان حصل تأثير بالغ، بعدَ رمضان فقدتَ التأثير, عُدتَ إلى ما كُنتَ عليه, فالبطولة: إذا الإنسان ارتقى درجة؛ إمّا عن طريق السماع, أو عن طريق النظر, أو عن طريق التفكّر, يُحافظ عليها, فالمؤمن حياتهُ هكذا, ارتقى أكمل, ارتقى أكمل, ارتقى أكمل, في صعود مستمر ، أمّا المُقصّرِون يرتقي في رمضان, وبعد رمضان, يعود كما كان، يحج ويعود, دائماً بين نزول وصعود, أمّا المؤمن الصادق صاعد باستمرار, كُلّ ما حصّل مكسب يُتابِعهُ، أمّا غير المؤمن أو إيمانهُ ضعيف, كُل ما حصّل مكسب مع شيء من التسيُّب, من أخذ حظ النفس, تجدهُ فقدهُ فعادَ إلى ما كانَ عليه .
هذه المرتبة مرتبة الوجود, تنتصرُ بِها على بشريتك، أنتَ بشر تُحبُ أن تأكل وتشرب، تُحِبُ النساء، تُحِبُ العلّوَ في الأرض, هذه كُلُها شهوات أودعها الله في الإنسان, ما دام الإنسان لم يبلغ مرتبة الوجد, بشريتهُ منتصرةٌ عليه، عبدٌ لشهوتهِ .
أخرج البخاري والبيهقي: عن أبي هريرة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة ))
أنتَ عبدٌ لشهواتِك ، شهواتُكَ منتصرةٌ عليك, شهواتُكَ مُتحكِمةٌ فيك، شهواتِكَ تقودُكَ إلى حيثُ تُريدُ هيَ, أنتَ تابع لها, أمّا إذا وصلتَ مرتبة الوجد انتصرتَ على بشريتك، أصبحت هذه الشهوات في خِدمتك مُسخّرةً لك، يعني نهاية المطاف: أن ينتصرَ الإنسانُ على بشريته, وأن يتحررَ من عبوديتهِ لِذاته, وأن يُصبِحَ عبداً لِربه, وإذا أصبحَ عبداً لله, فقد بلغَ أعلى مرتبةٍ في الأرض: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
لم يعد هُناك أهواء، ولا مصالح، ولا شهوات، ولا في حظوظ نفس، يفعل ما يُرضي الله لا ما يُرضي نفسهُ .
قال :
((يا محمد, أمرني ربي أن أكونَ طوعَ إرادتك, لو شِئتَ لأطبقتُ عليهم الجبلين, قالَ: لا, اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون, لعلَّ الله يُخرِجُ من أصلابهم من يُوحد الله))
هذه الأنوار تجعل الإنسان إذا التقى معك, يذوب محبة لله ولرسولهِ، تجعل الإنسان ينسى حظوظ نفسهِ إذا التقى مع مؤمن .
فنحنُ نريدُ من هذه المرتبة: أن ينتصرَ الإنسانُ على شهواتهِ, والعلماء قالوا: الناسُ في هذا المقام ثلاث: عبدُ محضٌ، وحرٌ محضٌ، وبينَ بين.
البعيد عن الله عبد محض, عبد لشهواته, تفكيرهِ في خِدمة شهواتهِ, إذا قالَ لكَ واحد: انصحني, تُفكّر, خُذ هذه, تنصحهُ ببضاعة كاسدة عِندك, ممكن أن تتحرك دون نقود, أبداً, فحص دفع، عاد في اليوم الثاني ليسأل, ادفع مرة ثانية، غير ممكن أن يُقدّم خِدمة أو نصيحة أو مشورة أو معاونة إلا بِربح, لا يقبل, فهذا عبد محض، وفي إنسان تحرر كُليّاً من شهواتهُ, صارَ حُرّاً محضاً، وفي إنسان طريق الإيمانَ بينَ بين؛ مرة يغلب نفسهُ ومرة تغلِبهُ .
الحرُ من تخلّصَ من رفقِ الماء والطين, وفازَ بعبودية ربِّ العالمين, فاجتمعت لهُ العبودية والحريّة، فعبوديتهُ من كمالِ حريتهِ، وحريتهُ من كمالِ عبوديتهِ، ويظلُّ أبداً في ارتقاء, كُلما نظرَ إلى مواقع لُطفِ اللهِ بهِ, حيثُ أهلّهُ لِما لم يؤهّل لهُ أهلَ البلاء .
من هم أهلُ البلاء؟ إذا واحد سألكَ: من هم أهلُ البلاء؟ يا أخي الحياة كُلها بلاء، كلها مصائب، كلها هموم، في فقر، في مرض، في ذُل، في سجون, هل تعرِفون من هم أهلُ البلاء؟ واللهِ أصحاء غافلون عن الله عزّ وجل, قالوا: أهل البلاء هم أهلَ الغفلةِ والإعراض.
مثل الحصان جسمهُ، تحليل ممتاز، تخطيط ممتاز، حركات أعضائهُ كُلها ممتازة، دخلهُ كبير، مكانتهُ قوية، مركزهُ كبير، لكن في غفلةٍ عن الله, هذا هوَ من أهلِ البلاء, أهل البلاء هم أهلَ الغفلةِ والإعراض .
أرجو الله سبحانهُ وتعالى, أن يجعلنا من هؤلاء الذينَ أحبوا اللهَ, وذاقوا حلاوةَ الإيمان, لكن دونَ هذه المرتبة جهدٌ كبير، دونَ هذه المرتبة صبرٌ طويل، دونَ هذه المرتبة جِهادٌ مرير: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و العشرون )


الموضوع : الثقة







منزلة الثقة .
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الخامس والعشرين من مدارج السالكين ، منزلة اليوم منزلة الثِقة .
النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ طويل يقول :
حديث علي : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته , فقال :
((المعرفة رأس مالي, والعقل أصل ديني, والحب أساسي, والشوق مركبي, وذكر الله أنيسي, والثقة كنزي, والحزن رفيقي, والعلم سلاحي, والصبر ردائي, والرضا غنيمتي, والعجز فخري, والزهد حرفتي, واليقين قوّتي, والصدق شفيعي, والطاعة حبي, والجهاد خلقي, وقرة عيني في الصلاة))
الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن هوَ ثِقَتُكَ باللهِ عزّ وجل، الكنزُ الذي لا يُقدّرُ بثمن بتقرير النبي عليه الصلاة والسلام, أن تكونَ واثقاً بالله، وقد وردَ في بعض الأحاديث:
عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ, وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ, وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا, أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ))
أنا أُتابعُ كلمة الثِقة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((الثِقةُ كنزي))
أي الثِقةُ بالله عزّ وجل.
وإذا أردتَ أن تكونَ أغنى الناس فكُن بِما في يدي الله أوثقُ منكَ بما في يديك.
والحقيقة: الثِقةُ باللهِ عزّ وجل ثمرةٌ من ثِمارِ الإيمان, أو ثمرةٌ من ثِمارِ المعرفة, إذا عرفتهُ وثقتَ به .
فأُمُ موسى عليه السلام ماذا قال الله لها؟ قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 7]
كلام غريب!! إذا خِفتِ عليه فألقيه في اليم: ائتني بامرأة من مليون امرأة, تضعُ ابنها في صندوق, وتُلقيه في النهر، لماذا ألقت أُمُ موسى وليدها الحبيب في النهر؟ لِثِقتها بأنَّ الله عزّ وجل سيحفظهُ.
لذلك:
﴿فإذا خِفتِ عليه فألقيه في اليمِ ولا تخافي ولا تحزني﴾
وأنا في طريقي إلى المسجد, خطرَ على بالي هذا المثل: لو أنكَ في طائرة, وهي تُحلّق على ارتفاع أربعين ألف قدم, وجاء إنسان وفتحَ لكَ بابها, وقالَ: انزل وتأكد أنَ في الأرضِ مُسطحاً مرناً, يمتصُ هذه الصدمة, وسوفَ تنزِلُ سالِماً, أتُلقي بنفسك؟ في حالة واحدة: إذا كُنتَ واثِقاً من هذا القول إلى درجة خيالية تُلقي بنفسك، لكن لن تُلقي بنفسِكَ من باب الطائرة إلا إذا كُنتَ واثقاَ من النجاة .
هؤلاء المظليون, كيف يُفتحُ لهم باب الطائرة ويُلقونَ بأنفسهم؟ لا بدَ من أنَ هذه المظلة مدروسة دراسة علمية؛ مساحتها, وطريقة فتحها, ومقاومة الهواء, ووزنُ المظلي, هذا كلهُ مدروس بدقة, فلذلك بِلا وجل ولا خوف يُفتحُ بابُ الطائرة, ويُلقي هذا المظلي بنفسهِ في الهواء، تُفتحُ المِظلة, وينزل رويداً رويداً، موضوع الثِقة .
يعني أنت مثلاً: متى ترفض دخلاً كبيراً فيهِ شُبُهة؟ لِثِقَتِكَ بأنكَ إذا تركتهُ لله عوّضكَ الله خيراً منه، متى ترفضُ عملاً لا يُرضي الله؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا فعلتَ ذلكَ غَضِب الله عليك, وإذا غَضِبً الله عليك خَسِرتَ كُلَّ شيء، متى ترفضُ أن تُعينَ ظالماً؟ لِثِقَتِكَ أنكَ إذا أعنتهُ كُنتَ أولَ ضحاياه.
قال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم.
وفي الخبر: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعان ظالماً سلطه الله عليه))
القرآن الكريم حينما تقرؤه, والسُنّةُ المطهّرةُ حينما تقرؤها, إذا كُنتَ واثِقاً أنَّ هذا كلام خالِقُ الكون, وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعدهُ أو وعيدهُ، وأنَّ زوالَ الكون أهونُ من ألا يتحققَ وعد النبي ووعيدهُ، عندئذٍ تَثِقُ بأنَّ هذا القرآن كلامهُ, وأنهُ واقعٌ لا محالة, لذلك تخشاهُ.
لا أُبالغ: يُمكن أن يُجمعَ الإيمانُ كُلهُ في كلمة واحدة, أنكَ واثقٌ مما جاء في القرآن الكريم، تضعُ الدنيا تحتَ قدميك، تضعُ كّلَّ مباهج الدنيا تحتَ قدميك, إذا حَمَلتكَ على معصية الله أو إذا حَجَبتكَ عن الله، ولو سألتَ مؤمناً: لماذا أنتَ تُطيع الله عزّ وجل؟ لو سألت مؤمناً صادقاً: ما الذي يحمِلكَ على طاعتهِ؟ يقول لكَ: لأنني مُتصلٌ بهِ, وأخشى على هذه الصِلة أن تنقطع, وهذا أقوى جواب، لماذا تغضُ بصركَ عن محارم الله؟ لأنكَ موصول بالله بهذه الطاعة, فإذا أطلقتَ بصركَ في محارم الله حُجِبتَ عن الله, وما دام الله أغلى ما تملك, أغلى شيء في حياتك, لذلك حريصٌ أنتَ على أن تكونَ متصلاً بهِ, هذا سِرُ الطاعة .
فالنبي عليه الصلاة والسلام ما كانَ مُبالِغاً حينما قال:
((الثقة كنزي))
وما كان مُبالِغاً حينما قال: ((عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ وَلا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ, وَلَكِنِ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ, وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا, أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ))
فلذلك: يمكنُ أن يُضغطَ الإيمانُ كلهُ، والمعرفةُ كُلها، واليقينُ كُلهُ في كلمةٍ واحدة: هو أنكَ واثِقٌ بالله، واثِقٌ من أنَّ اللهَ لا يُضيّعُ عبدهُ المؤمن.
زوال الكون أهون على اللهِ من أن يُضيّعَ مؤمناً أطاعه.
سبحانكَ إنهُ لا يَذِلُ من واليت ولا يَعُزُ من عاديت.
سيدنا رسول الله كانَ مع أصحابهِ, وكانوا فقراء، ضعفاء، مقهورين، محتاجين, وكانت ثقتهم بربهم لا حدود لها.
لمّا التقى بهِ عُديِ بن حاتم, قالَ له: لعلكَ يا عُديُ بن حاتم, إنما يمنعكَ من دخولٍ في هذا الدين, ما ترى من حاجتهم, وايمُ الله! ليوشِكنَّ المالُ أن يفيضَ فيهم, حتى لا يوجد من يأخذهُ. واثق.
أنا إن رأيتُ شاباً مستقيماً, ضابطاً لجوارحه، ضابطاً لمشاعره، يصلي آناء الليل وأطرافَ النهار، يغضُ بصرهُ عن محارم الله، يتحرّى الحلال، مستعدٌ أن يُضحي بكلِّ شيء من أجلِ مرضاة الله عزّ وجل, أقول لهُ وأنا واثِقٌ مما أقول لهُ, كثقتي بأنَّ هذه شمسٌ في رابعةِ النهار: الله سبحانهُ وتعالى سيوفِقُك، وسيرفعُك، وسيُعِزُّك، وسيُعطيك, وسيُقرُّ عينَك, أبداً, الإيمان كلهُ أن تكونَ واثقاً بالله.
هناك أسئلة تَرِدُ كثيراً: يا أخي إذا ما فعلت هذا أسرق؟ إن لم أضع المال في المكان الفلاني -مكان الشُبُهة والحرمة وكذا- ينسرق المال؟ هذه ثِقَتُكَ بالله؟ لأنكَ أطعتهُ ضيّعَ اللهُ مالك، إن لم أُعلّم ابنتي في الجامعة وفي المراحل العُليا تُطلق, فإذا طُلِقت لا بُدَ لها من عمل, فكرَ بطلاقِها قبلَ أن يُزوِجُها، تفكيرهُ في الطلاق قبلَ الزواج، هذه ثِقَتُكَ بالله؟ إذا ربيّتَ ابنتكَ تربيةً صالحةً طيبةً على طاعة الله, ظَنُكَ أنَّ الله سيأتيها بزوج, وأولُ ما يفعلهُ معها أنهُ يُطلقُها هكذا, هذه ثِقَتُكَ بالله عزّ وجل؟.
الموضوع واسع جداً، كُلُ المعاصي التي يقترفُها الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله، كُلُ اليأسِ الذي يُصابُ بهِ الناس لِضعفِ ثِقتهم بالله، كُلُ القنوط حينما يطيعُ مخلوقاً ويعصي خالِقاً ضعيفُ الثِقةِ بوعدِ الله, رأى أنَّ إرضاء هذا المخلوق أثمنُ من رِضاءِ الله عزّ وجل، وأنَّ سخطَ هذا المخلوق أعظمُ عِندهُ من سخطِ الله، ليسَ واثِقاً بكلام الله، ولا واثِقاً بِما عِندَ الله من نعيمٍ مُقيم، ولا ما عِندَ الله من عذابٍ أليم. فلذلك: إذا ضغطنا الإيمانَ كُلَهُ, والمعرفةَ كُلَها, واليقينَ كُلَهُ بكلمة واحدة: إنها الثِقة، ولم يُبالغ النبي الكريم حينما قال: والثِقةُ كنزي. مراتب الثقة :
العلماء قالوا :
التفويضُ لله ، والتسليمُ لقضاء الله ، والتوكل .
مرتبة التفويض ومرتبة التسليم ومرتبة التوكل أساسُ هذه المراتِبِ كُلِها :
الثِقة
مرتبة التفويض :
أنتَ لا تُفوِض إلا من تَثِقُ بهِ ، الواحد مِنّا من يُسطّر لآخر وكالة عامّة ، عامة , يعني بإمكانِ هذا الوكيل أن يبيعَ أملاكِكَ كُلِها ، بإمكانهِ أن يُطلِّقَ مِنكَ امرأتك .
أنتَ لمن تُعطي وكالة عامة ؟
لمن تَثِقُ بهِ .
أساس التعامُل هو الثِقة . فهل في الكونِ كُلِهِ جِهةٌ أجدرُ بثِقَتِكَ من اللهِ عزّ وجل ؟
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾
[سورة النساء الآية: 87]
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[سورة التوبة الآية: 111]
حتى إنَ بعضَ العلماء حينما قال : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
[سورة الفيل الآية: 1]
والله أنا ما رأيت ، أحضر لي واحداً رأى هذا الحادث .
لِمَ لم يقل الرب : ألم تسمع ؟
معقولة , سمعنا , قرأناها في التاريخ .
أما ألم تر ؟
من رأى مِنّا ما فعلهُ أبرهةُ بالكعبة ، العلماء قالوا : لأنَ إخبارَ اللهِ يقينٌ كيقين المُشاهدة ، إخبار الله عزّ وجل يقينٌ كيقين المُشاهدة ، لذلك وردَ قولهُ تعالى :
﴿ألم تر كيفَ فعلَ ربُكَ بأصحاب الفيل﴾
ثِقة . (( ما ترك عبد لله أمراً لا يتركه إلا لله , إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))
إذا كُنتَ واثِقاً من قول النبي, تُضحي بِكُلِ شيء, ولا تُضحي بطاعة الله عز وجل, وعِندَئذٍ يأتيكَ كُلُ شيء, ضحّ بِكُلِ شيء إرضاءً للهِ عزّ وجل, يأتيكَ كُلُ شيء.
هل في الأرضِ كُلِها إنسان , يرى في المنام أنهُ يذبحُ ابنهُ , يقول له في اليوم التالي : يا بني إني أرى أني أذبَحُكَ , فانظر ماذا ترى ؟ قالَ : يا أبت افعل ما تؤمر.
لا يوجد بالأرض كُلها إنسان واحد , عِندهُ استعداد لِمنامٍ رآهُ في الليل, أن يذبحَ ابنهُ حبيب قلبِهِ، مُهجة فؤادِهِ، أن يضعَ السكينَ على رقبتهِ, مستحيل, لكن لماذا فعلَ هذا النبي العظيم؟ لأنهُ واثقٌ من رحمة الله، واثِقٌ من أنَّ أمرَ اللهِ فيه حِكمةٌ بالِغة، وأنَ أمرَ الله لا بدَ من أن يُنفّذ، لكن لمّا انطلقَ لتنفيذهِ, كانَ الفِداءُ الذي تعرفونهُ جميعاً.
موضوع الثِقة ممكن , وأنت راكب مركبة , تتطلع على ساعة السُرعة على مؤشر السُرعة ، فهذا المؤشر حركتهُ تتناسب مع السُرعة تماماً ، يعني إذا كان 20- 20، 40 - 40 ، 100 – 100 .
ويجب أن أقول لكَ مرةً ثانية : إنَّ مؤشِرَ الثِقة يتناسب مع إيمانك ، إيمانك 5 % فالثِقة 5 % ، إيمان 50 - 50 الثِقة ، الإيمان 80 - 80 .
كُلما ارتفعَ مستوى الإيمان , ارتفعَ معهُ مؤشر الثِقة , إلى أن تؤمر بشيء , غير معقول , لكنكَ واثِقٌ من أنَّ الله عزّ وجل لن يُضيعك .
أكثر التُجار يتعاملون وفق أعراف وأساليب، يأتي تاجر مؤمن يُخالف هذه الأعراف, هذه شُبُهة لا أفعلُها, يُقال له: أنتَ مجنون، ضيّعتَ عليكَ رِبحاً وفيراً، جمدّتَ هذا المال سنوات طويلة, دون أن تأخذ رِبحاً أو فائدةً, هكذا العاقل؟ هو واثِقٌ أنهُ إذا أطاع الله عزّ وجل لن يُضيعهُ الله أبداً, لن يُضيعهُ أبداً, لذلك أحياناً تتعارض القوانين الأرضية التي تعارفَ الناسُ عليها مع الأوامر الإلهية, هُنا يظهر المؤمن, الناسٌ جميعاً يدعونكَ إلى أن تفعلَ كذا وكذا, هكذا التِجارة, هكذا البيع والشراء, هكذا إخفاء العيب, هكذا ينبغي أن تفعل، والنبي عليه الصلاة والسلام يُعطيكَ أمراً آخر، فإذا كُنتَ واثِقاً من أنَ هذا النبي العظيم لا ينطق عن الهوى, وكلامهُ وحيٌ يوحى, وأنَّ هذا الوحيَ من عِندِ الله, وأنَّ الله هو الصانع, وهذه تعليمات الصانع، تفعل ما يأمرك به نبيك.
إذا عندك آلة معقّدة وغالية, بِربك تُلقيها أمام أي إنسان ليُصلحها لكَ؟ والله قبلَ أن تُعطيها إياه, تسألُ عنهُ, وعن خِبرتهِ, وعن أعمالهِ السابقة, وعن صِدقهِ, وعن أمانتهِ, وعن ذكائه قبلَ أن تُعطيهُ جهازاً, أخي قد يسرق منهُ, لن تُعطيهُ هذه الساعة إلا إذا وثقتَ من عِلمهِ وأمانتهِ، لن تُعطيهُ مبلغاً من المال ليستثمرهُ لك, إلا إذا كُنتَ واثِقاً من أمانتهِ ومن خِبرتهِ في وقتٍ واحد .
الثِقةُ أساس .
فلذلك أنتَ لن تُفَوِضَ للهِ عزّ وجل إلا إذا وثقتَ من حِكمته ورحمته .
اللهم خِر لي واختر لي , هذا تفويض .
اللهم اجعل محبتكَ أحبَّ الأشياء إلي , ورضّني بقضائِك , حتى لا أُحِبَ تعجيلَ ما أخّرت ولا تأخير ما عجلّت .
واثق أنت لكلِ شيء أوان , فإذا تعجلّتَ الشيء قبلَ أوانهِ عوقِبتَ بحرمانهِ , فثِقتُكَ بالله عزّ وجل هي إيمانُك ، مؤشر الثِقة يتناسب طرداً مع مؤشر الإيمان ، كُلما زادَ الإيمان زادت الثِقة ، فأنتَ إذا واجهتَ مُشكِلةً تُفوّض : يا ربي أنا راضٍ ، أنا فوضتُكَ فيما تُريد , افعل بي ما تُريد ، أنا واثِقٌ من رحمتك يا ربي ، واثِقٌ من حِكمتك ، واثِقٌ من تدبيرك ، من عدالتك ، من عِلمِك ، بما ينطوي عليه قلبي من نوايا , تقدمت في الامتحان لم تنجح , بعد ما فوضت لم تنجح , أنتَ الآن أمام حالة أُخرى ما هي ؟
التسليم ، التفويض قبلَ النتائج , والتسليم بعدَ النتائج ، فلا بُدَ من أن تفوض ، ولا بُدَ من أن تُسلّم ، لا بُدَ من أن تُفوض قبلَ النتائج , ولا بُدَ من أن تُسلّم بعد النتائج ، والتفويض والتسليم أساسهُ الثِقة ، والتفويضُ والتسليمُ مع الثِقةِ , هذه كُلُها هيَ التوكل ، والتوكل : ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 81]
لذلك: ياربي إذا كُنتَ معي فمن عليّ, وإذا كُنتَ عليَّ فمن معي؟.
يا أبا بكر! ما ظُنُكَ باثنين الله ثالِثُهما؟:
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
يقول عليه الصلاة والسلام : ((إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله تعالى، وأن تحمدهم على رزق الله تعالى، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله, إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، وإن الله بحكمته وجلاله: جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط))
يعني كل الأحزان إذا شككتَ برحمة الله، بعدالتهِ، بحِكمتهِ، برحمتهِ, بعطائهِ، بقدرتهِ، بعلمهِ, ما دام هُناك شك, في أحزان لا تنتهي، وفي سُخط, دائماً ساخط، من صفات الكافر أنهُ يتسخّط كُلَ شيء, كُل شيء لا يُعجِبهُ, كُل شيء ينتقدهُ, لا يرى يدَ الله عزّ وجل تفعلُ ما تُريد، لا يرى حِكمة الله عزّ وجل، لكن الرِضا حال قلبي ليسَ عملاً إرادياً.
فالعلماء قالوا: من لم يقدر على الرِضا ظَفِرَ باليقين، لم يرض لكنه موقن أنَّ هذا العمل نتائجهُ لصالِحه، وإن لم يظفر باليقين فعليه بالصبر, إمّا أن ترضى، وإما أن توقن، وإما أن تصبر، إن ظَفِرتَ بالرِضا فهذه مرتبةٌ جيدة, وإن لم تظفر بها فعليكَ باليقين بأنَّ النتائج لِصالِحك لقول الله عزّ وجل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
وإن لم تظفر باليقين فعليكَ بالصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
مرتبة التسليم :
الآن التسليم لله عزّ وجل , قال : هُناكَ تسليمان :
تسليمٌ لأمرِهِ التكليفي ، وتسليمٌ لأمرهِ التكويني .
1-تسليم لأمره التكليفي :
يعني طلّقتها المرة الأولى والثانية والثالثة , بانت مِنكَ بينونةً كُبرى ، فلا تَحِلُ لكَ حتى تَنكِحَ زوجاً غيرك , يا أخي أريد أن أُعيدها , معناها أنت لم تُسلّم أنَّ هذا التشريع من عِندِ خالِق الكون، أول مرة مُمكن لكَ أن تُعيدها, والمرة الثانية مُمكن, أما الثالثة غير معقول، معناها أنتَ لا تُريدُها, فلابُدَ من أن تُجرّب غيرك, فإذا أزعجت غيركَ, فالعِلةُ مِنها عندئذٍ تُطلق, فإذا انزعجت من غيركَ ما لعلة منها وإن رضيت بهِ فالعِلةُ مِنك, هكذا التشريع.
يا أخي, الصيام ثلاثين يوم بالصيف, هذه الطاقة العاملة تضعف، الإنسان يهبط مستوى نشاطهُ بالعمل, لماذا الصيام؟ أنتَ لا تعرفُ الله أبداً، ما دام هُناك اعتراض على أمره التشريعي، الحج: لماذا الطواف؟ لماذا السعي؟ لماذا الوقوف بعرفة؟ لماذا البلاد حارة لهذه الدرجة؟ يا أخي يجعلها كالبلاد المعتدلة؟ ما عرفتَ حِكمة الله عزّ وجل، كُلما اعترضتَ على أمرٍ تكليفي من عِبادةٍ أو معاملة أو خُلُقٍ فأنتَ لا تعرِفُ الله عزّ وجل، فعلامة المؤمن أن يُسلّم لأمر الله التكليفي.
لذلك: ربنا عزّ وجل قال:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
تحكيمُ النبي عليه الصلاة والسلام هو تحكيمُ الشرع, وبعدَ موت النبي عليه الصلاة والسلام كيفَ تحكيمهُ؟ أن تعودَ إلى سُنّتهِ، إذا عُدتَ إلى رأيهِ في حياتهِ فرأيُهُ سُنّة، وإذا عُدتَ إلى سُنتهُ بعدَ مماتهِ فقد حكّمتهُ :
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾
الإنسان حينما يرضى بالتحكيم فقد وثقَ بالمُحكّم، إذا قالَ لكَ فلان: لا, أنا لا أقبله إن لم يكن واثِقاً بالمُحكّم, لا يقبل أن تقبلَ بالتحكيم, أن يُحكّمَ النبي عليه الصلاة والسلام, هذه مرتبة.
المرتبة الثانية : ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ﴾
يعني معقول أنهُ لا يحكم لي؟ غير معقول, لا أرضى إذا لم يحكم لي مثلاً, أنتَ قَبِلت لكن مع القبول قلق، كيفما حكم فأنتَ راضٍ: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ﴾
وبعدَ أن يحكُم: ﴿ويُسلّموا تسليماً﴾
يوجد صحابي جليل احترق, لأنهُ لمّا النبي الكريم نهى عن قتل عمهُ العباس, قالَ في نفسهِ: يأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا, -فسّرَ التوجيه تفسيراً آخر, تفسيراً عصبياً, عمهُ لا نقتلهُ, أمّا نحن آباؤنا يقتلون لا بأس, هوَ عمهُ, كان قد أسلمَ من قبل غزوة بدر, والنبي الكريم إذا قال: إن عمي قد أسلم, فَقَدَ مهمتهُ الخطيرة في مكة, كان يُقدّمُ للنبي أخباراً دقيقةً عن ما تُجمِعُ عليه قريش، فلو أعلنَ أنَّ عمهُ قد أسلم انتهى دورهُ، ولو لم يأمر أصحابهُ ألا يقتلوه يقتلونه في الحال، ولو لم يشترك عمهُ في الحرب, لَشُكَ في ولائهِ لقُريش، إذا لم يشترك بالحرب عمه مُشكلة, وإذا قال النبي: أنَّ عمي أسلم مُشكلة، وإذا قال: اقتلوه مشكلة، أليسَ لكَ ثِقة بالنبي؛ أنهُ حكيم وليسَ مُتعصبّاً لا لأهلِهِ ولا لأعمامهِ؟.
هذا الصحابي قال-: أيأمُرنا ألا نقتلَ عمهُ ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا, فسّرها تفسيراً آخر قال: بقيت عشر سنوات وأنا أتصدق وأُصلي لعلَ اللهَ يغفِرُ لي.
هذا الظن السيء : ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
يجب أن تستسلم لأمر الله التشريعي، أمركَ بأوامر كثيرة وعليك الطاعة, نحن نقرأ القرآن: قُم واسجد، لم يعجبهُ، نحنُ نقرأ الآن جالسين, هكذا النبي فعل، كُلما مرّت آية فيها سجدة سجدَ للهِ عزّ وجل, ما دام في اعتراض وعدم قبول لأمر الله عزّ وجل التكليفي التشريعي, فهُناك خلل في الإيمان. 2-تسليم لأمره التكويني :
قال النوع الثاني : التسليمُ لأمر الله التكويني, يعني هذا الإنسان لم يأته أولاد, جاءتهُ زوجة سيئة جداً، هكذا شاء القدر, دخلهُ قليلٌ جداً، لهُ ابن فيهِ عاهةٌ منذُ الولادة، هكذا الله يُريد , ألستَ واثِقاً من حِكمته، من رحمته، من عِلمه، من عدالته؟ قال: هذا هو الرِضاءِ بالقضاءِ والقدر.
في نقطة مهمة جداً في القضاء والقدر: قضاء ليسَ لكَ أن ترفضهُ، وقضاء يجبُ أن ترفضهُ, كيف؟ .
ما كُلُ قضاءٍ وقدر يُستسلمُ لهُ، الابن ساخن, حرارته أربعون, قضاء وقدر, ألا تُعالجهُ؟ ليس قضاءً وقدراً، في قضاء يجبُ أن تستسلمَ لهُ, وفي قضاء ثانٍ يجبُ ألا تستسلمَ لهُ, يجبُ أن تبذِلَ جهدكَ في معالجته, ابنك ضعيف في الدراسة, اعتن بهِ، درّسهُ، اجعل لهُ برنامجاً مُكثّفاً.
لي أقرباء عندهم ابن, أربع سنوات أعاد الثانوية العامة, والدتهُ مصممة أن يكونَ طبيباً، أربع سنوات شهادة ثانوية, وسبع سنوات بالجامعة, وصار طبيباً, هذا نتيجة التصميم, هكذا تستسلم مباشرةً, ابني لا يصلح للعلم، ليس بوسعهِ الدراسة, تريث قليلاً, في قضاء يجب أن تستسلم لهُ، وفي قضاء يجب أن تُعالِجهُ.
لذلك قالوا: في قضاء وفي مقضيّ، القضاء من الله مباشرةً, أمّا المقضي عن طريق إنسان, أيام شخص يتجاوز حدوده, أتستسلم لهُ؟ أتُطمِّعهُ؟ لكن إذا وقفت في وجهه, ونيتُكَ أن توقِفهُ عِندَ حدهِ, وأن تردعهُ عن مثلِ هذا العمل, هذا عمل طيب, فما كُل قضاء يُستسلمُ لهُ.
بل إنَّ علماء العقيدة فرقّوا بينَ القضاء والمقضيّ، إنسان تجاوز الحد، هو حينما فعلَ هذا بأمر الله, لكن أنتَ عليكَ أن ترفضَ هذا العمل، أن تؤدبهُ، أن توقِفهُ عِندَ حدهِ، هُنا الفرق بين الفقيه وغير الفقيه, اتركهُ, هكذا يُريد, هكذا الله يُريد، لا, هذا موقف ضعيف.
إنسان مثلاً تجاوز حدهُ بالسرعة, فدهسَ طفلاً, أخي هكذا الله يُريد, لا, هذا يُعاقب الإنسان، يُعاقب ويدفع الدية جزاء تقصيره وجزاء تهوره وطيشه, أخي هذا قضاء وقدر ليسَ لهُ علاقة, هو حينما فعلَ هذا بقضاء الله وقدرهِ، لكن هذا لا يعني أن يُعفى من المسؤولية, وإلا أصبحنا في فوضى.
فلذلك: هُناكَ أحكامٌ يؤمرُ الإنسانُ أن يستسلمَ لها، وأحكام لا بدَ من أن تُعالِجها كما أنَّ الله عزّ وجل أمرَ بذلك.
في نقطة مهمة جداً :
أن الله عزّ وجل وجودهُ بيّن ظاهر, لا يحتاج إلى دليل، بالفِطرة تؤمن بوجودهُ، وكُلُ الكون يدلُّ عليه، أنتَ محتاجٌ لا إلى دليلٍ على وجود الله, ولكنكَ محتاجٌ إلى دليلٍ يوصِلُكَ إلى الله، يعني الله موجود, وأنت آمنت بوجودهُ، أمّا الدليل: كيفَ تَصِلُ إليه؟ كيفَ تبتغي مرضاتهِ؟ كيفَ تتصلُ بهِ؟ كيفَ تنعمُ بقُربِهِ؟ أنتَ بحاجة إلى دليل موصِل إلى الله لا إلى دليل يُثبت لكَ وجودهُ, إبليس قالَ له: ربي فبعزتِكَ, الشيطان الرجيم مؤمن بوجود الله, ومؤمن بعِزتِهِ.
فكل إنسان ظن نفسهُ أنهُ مؤمن بالله عزّ وجل, يعني مؤمن بوجودهُ, يعني أنا مؤمن, لا ليسَ هذا القصد، القصدُ: لا أن تؤمنَ بوجودهِ فحسب, بل أن تتجهَ إليه، بل أن تتصلَ بهِ، بل أن تَصلَ إليه.
كلمة فُلان وصلَ إلى الله, واللهِ لا أستطيع أن أُعبّرَ عنها, يعني إذا وصلَ إلى الله رآهُ في كُلِ شيء، فرآهُ فوقَ كُلِ شيء، رآهُ معَ كُلِ شيء، ما رأى في الأرض جهةً متصرفة إلا الله عزّ وجل, هذه الرؤيا, وإذا رأيتَ هذه الرؤيا, استقمتَ على أمرهِ, وعكفتَ على مرضاتهِ، وأقبلتَ عليه, وسَعِدتَ بِقُربهِ، فرقٌ كبير بينَ أن تؤمن بوجودهُ وبينَ أن تسعى إليه. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
المشكلة: ليست أن تؤمن أو أن لا تؤمن بوجوده, هذه قضية مفروغ منها, لأنَّ ربنا ماذا قال؟ قال:
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 10]
دعاكَ إلى عبادته، دعاكَ إلى طاعته، دعاكَ إلى شُكره، أمّا أنه دعاكَ إلى أن تؤمن بوجودهُ, هذه قضية مفروغ منها.
خطر ببالي مثل: شخص أمامك, وزنهُ 120 كيلو, طويل, ويلبس ثياباً جميلة، ومتعطّر, أخي أنتَ موجود, وقّع لي هُنا، هوَ أكبر من توقيعهُ، يعني وجودهُ أهم من توقيعهُ، توقيعهُ إذا غاب عنكَ.
قالَ: يا إمام متى كانَ الله؟ فقالَ لهُ: ومتى لم يكن؟ .
المشكلة ليست أن تؤمن بوجودهُ, المشكلة كيفَ تصل إليه؟ كيفَ تأنسُ بهِ؟ كيفَ تُقبِلُ عليه؟ كيفَ تتصلُ بهِ؟ كيفَ تسعدُ بِقُربِهِ؟ هُنا المشكلة:
﴿قل إنما أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إليّ أنما إلهكم إلهٌ واحد فمن كانَ يرجو لقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً﴾
نحن في الحقيقة: كُل جهدنا، وكُل عملنا، وكُل مسعانا، وكل التدريس، والتوجيه، والبيان، والتحليل, والأدلة: كيفَ نَصِلُ إليه, وليسَ كيفَ نوقن بوجودهُ؟ هذه قضية مفروغ منها , الطالب مثلاً: يقينهُ بالفحص ثابت, أمّا المُشكلة كيفَ ينجح في هذا الفحص؟ محتار يا أخي, الفحص لا بدّ منهُ, فحص الشهادة الثانوية لا بدَ منهُ، لا أعتقد في المئة ألف طالب يُقدمون شهادة ثانوية كُل سنة, في طالب واحد يشُك أن الامتحان وقع, الشك في نجاحهُ أو عدم نجاحهُ ، أمّا الامتحان قائم, فهذه نقطة مهمة جداً.
أهلُ الكلام المتشدقون يأتونَ بِكُلِ شيء على وجود الله، أمّا أهلُ القُرب يبحثونَ عن دليل يُوصِلُ إلى الله, فرقٌ بينَ من يُقيم لكَ الدليل على وجودهُ, ومن يُقيم لكَ الدليل على الوصول إليه.
الحقيقة: هذا الدرس من مستوى غير دروس ترسيخ الإيمان، هذه الدروس أساسُها كيفَ نصل؟ كيفَ يكون القلب سليماً؟ كيفَ نُقبل؟ كيفَ نستسلم؟ كيفَ نفوّض؟ كيفَ نتوكل؟ كيفَ نثق؟ فنحنُ لا في مقولة نؤمن أو لا نؤمن، نحنُ في مقولةِ نصل, وكيفَ نصل؟ ومتى نصل؟ وإذا وصلنا ماذا نفعل بعدَ الوصول؟.
رجل دعاكَ إلى دارهِ, قُلتَ للرسول: لا آتي معكَ إلا إذا جئتَ بدليل على وجود من أرسلكَ, ودليل على أنهُ مُطاعٌ في أهلهِ, ودليل على أنهُ أهل لاستقبال الضيوف, يقول لكَ: لا تأت, في شخص وجودهُ فوق الشُبُهات، وكرمهُ فوق الشُبُهات، ودعاك فما عليكَ إلا أن تُلبّي الدعوة.
قال: المُتكلّم, المُتفلسف, يبحثُ في المكانِ والزمانِ, والجواهر والأعراض والأكوان، مهمتهُ مقصورةٌ عليها, لا يعدوها ليصلَ منها إلى المُكوّن وعبوديتهِ, أمّا السالِكُ إلى الله, في شخص آمن بوجود الله، في شخص سالك إلى الله.
لذلك العُلماء ثلاثة كما قال بعضُ العارفين :
عالِم بالشريعة .
أخي هذه حُكمها كذا، وهذه حُكمها كذا، وهذه مُباح، وهذه واجب، وهذه فرض، وهذه سُنّة ... إلى آخرهِ. هذا عالِم بالشريعة، وفي عالِم أرقى ؛ عالِم بالطريقة ، عالِم الشريعة : إذا دخلَ الوقت توضأ , والوضوء لهُ فرائض , ولهُ سُنن , ولهُ مستحبات , ولهُ آداب , دخل الوقت ، استقبل القبلة ، طهّر بدنك ، طهّر ثوبك ، طهّر المكان ، كبّر تكبيرة الإحرام ، اقرأ دعاء الثناء ، الفاتحة , هذا عالِم الشريعة .
عالم بالطريقة .
عالِم الطريقة أرقى , يُعطيكَ أحكام الصلاة , ويقول لكَ : غُضَّ بصركَ عن محارم الله ، تقصّى أن يكونَ دخلُكَ حلالاً، لا تنقطع عن اللهِ بينَ الصلاتين، امضِ الوقتَ بالدعاء, فإذا أذّنَ الظُهر, رأيتَ نفسكَ أهلاً للصلاة, إذا كبّرتَ للإحرام, شعرتَ أن نفسكَ قد سرت إلى الله عزّ وجل, هذا عالِم الطريقة .
يعني يُبيّن لكَ الطريقة التي تقعُ فيها العِبادةُ على نحوٍ يُرضي الله، عالِم الشريعة يقول لكَ: الصيام: تركُ الطعام والشراب وسائر المُفطرات, من طلوع الفجر الصادق إلى غياب الشمس بنيّة, هذا تعريف الصيام, لكن عالِم الطريقة يقول لكَ: لا بدَ من قيام الليل، لا بدَ من الأذكار، لا بدَ من تلاوة القرآن، لا بدَ من الصدقات في رمضان، لا بدَ من الاعتكاف حتى يؤتي الصيام ثِمارهُ.
عالم بالحقيقة .
أمّا عالِم الحقيقة فوقَ عالِم الطريقة، عالِم الحقيقة: هو الذي يُسلِكُكَ إلى الله، وجودهُ مفروغ منهُ، وطاعتهُ بديهية، آمنتَ بوجودهِ, وبأسمائهِ, وبوحدانيتهِ, وبكمالهِ، وعرفتَ منهجهُ، وطبقّتَ منهجهُ، بقي عليك أن تسلُكَ إليه.
مثلاً: أنتَ شاهدت طبيباً, قال لكَ: هذا أستاذ في الجامعة, صباح الخير, لو سلّمتَ عليه مليون مرة, لا تعرف سِوى أنهُ طبيب في الجامعة أستاذ، أمّا لو جلستَ في إحدى محاضراتهِ, أول محاضرة وثاني محاضرة, فرق كبير بينَ من يُسلّمُ عليه من موظفين إداريين في الكليّة, وبينَ من يحضُر محاضراتهِ اليومية، هذا يُسلّمُ عليه ومعرفتهُ بهِ ثابتة لا تزيد، أمّا هذا الذي يحضر محاضراتهُ, كُلما ألقى محاضرةً جديدة كَبُرَ في نظرهِ, يا أخي هذا من فلتات الزمان, هذا عالِم كبير, هذا حُجّة, هذا لهُ سُمعة على مستوى العالم, هذا أحد ثلاثة في العالم, أمّا إذا لم تحضر ولا مُحاضرة لهُ, وكُلما شاهدتهُ سلّمتَ عليه بلفظ طبيب وأستاذ وصباح الخير وكيف الحال؟ لكن معرفتك بهِ ثابتة.
فالقضية لا أن تؤمن بوجود الله فقط, أن تَصِلَ إليه، أن تُنمّي معرِفتكَ بهِ، أن تزدادَ قُرباً منهُ، أن تذوقَ حلاوة قُربهِ، أن تسعى إلى بلوغِ مرضاتهِ, فالعالِمُ الذي يُسلِكُكَ إلى الله عزّ وجل هو عالِمُ الحقيقة، والذي يُعطيكَ القواعد كي تؤدي العبادات كما أراد الله هو عالِمُ الطريقة، والذي يعرِفُ أحكامَ الشريعة بدِقةٍ بالغة هو عالِمُ الشريعة, ولا يكونُ عالِم الطريقةِ عالِماً بالطريقةِ إلا إذا كانَ عالِماً بالشريعة، ولا يكونُ عالِم الحقيقةِ عالِماً بالحقيقةِ إلا إذا كانَ عالِماً بالطريقةِ وعالِماً بالشريعة.
الآن
الشريعة : الهيكل الإسمنتي للدين .
الطريقة : الكسوة .
الحقيقة : الأساس .
فأنتَ لو فرضنا : أطلعكَ على خرائط لبناء بناية , يقول لكَ : انظر حساب الإسمنت وتكعيب الإسمنت ، انظر حساب الحديد ، انظر للطابق الأرض ، ما هذه الخرائط ؟ شيء جميل , لكن أنتَ لا تملكُ بيتاً , يا ترى أيُهما أرقى ؛ أن تُقدّم لكَ خرائط بناء فخم أمّ يُقدم لكَ منزل فخم تسكُنهُ وقد بُنيَ على أُسس علمية ؟.
فلذلك : هُناك عالِم يُلقي درسهُ ، وهُناكَ مُربٍ ، العالِم ألقى الدرس وانتهى الأمر, الذي عرف والذي لم يعرف سواء، أمّا المُربي يتتبع تلاميذهُ, يحاول أن يُفهّم, مدى يقينهُ، مدى استقامتهُ، مدى فهمهُ، مدى استيعابهُ، المتابعة هيَ تربية وإلقاء الدرس تعليم. الخلاصة .
الموضوع الأخير قال :
التسليم الذي أساسهُ الثِقة بالله عزّ وجل هو : أن تتخلص من كُلِ شُبُهةٍ تُعارض الخبرَ الإلهي .
يعني الله أخبر أنَّ آدم أبو البشر, يا أخي والله شيء يُحير, علمونا أنَّ داروين يقول: إنَّ الإنسان أصلهُ قِرد, وقال: في مستحاثات, وفي حلقة مفقودة, فالله أخبرَ بوجود آدم, لا يوجد قرد, أنتَ تقول في قرد مثلاً, والله شيء يُحير, فمعناها: ما في تسليم لله عزّ وجل لم تُسلّم، أنتَ قرأت أنَّ الأرض كوكب في مراحل متأخرة جداً ابترد وصار أرضاً, أما ربنا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾
[سورة فُصلّت الآية: 11]
الأرض مخلوقة قبل السماء, هكذا ربنا عزّ وجل قال، إذا في عِندكَ شُبُهات تعترض بها على إخبار الله عزّ وجل, فالله عزّ وجل قال كلمة واحدة, قال:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾
[سورة الكهف الآية: 51]
إذا أحدنا لهُ ابن عمرهُ عشر سنوات, وكان قد اشترى محلاً تجارياً قبل ثلاثين سنة, جالس في مجلس, يقول: أنا والله المحل الفلاني أخذتهُ من فُلان, يقول الابن: بابا من فلان أخذتهُ, أنتَ كُنت وقتها، أنتَ عندما أخذتهُ أنا أين كُنت؟ فالذي يعترض الكون, كان أصلهُ كذا, يقول الله :
﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ ﴾
ما كانوا معي: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾
لم تكونوا أنتم وقتها، تتفلسفون على ماذا تتفلسفون؟ ليس أصل الإنسان قرداً، فلما يكون في عندك شُبُهات, هذه الشُبُهات تعترض بها على إخبار الله عزّ وجل, فهذا من عدم التسليم، وعدمُ التسليم من عدمِ الثِقة .
أو في عندك شهوة مُصرّ عليها, هذه الشهوة تُعارض بها أمراً إلهياً، قال لكَ الله: غُض بصركَ, يا أخي هذا الزمان صعب، أين نذهب بأعيننا؟ يُمثلّ لكَ تمثيلاً, أنكَ تمشي هكذا, تجد واحدة أمامك، على اليمين واحدة، على اليسار واحدة، إلى فوق, تجد في النافذة جالسة واحدة, أين أذهب بعيني؟ يعني مستحيل، يعني الله كلفكَ بشيء فوق طاقتكَ؟ الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
فعدم الاستسلام سببهُ: إمّا شُبُهة تُعارِضُ إخبار الله عزّ وجل، وإمّا شهوة تُعارِضٌ أمره، وأنتَ بينَ شهوةٍ وشُبُهة، الشُبُهة تمنعُكَ من أن تستسلم, وعدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة, والشهوة تمنعُكَ من أن تستسلم.
وعدم الاستسلام أساسهُ عدم الثِقة ، أو إرادة تُعارض الإخلاص , يعني : إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي.
هوَ يُريد أن يعرف الناس, أنه قد حج حجي, واحد دخلَ للجامع, نوى على الحج, ومعهُ مبلغ من المال, يبحث عن شخص أمين, يُعطيه إياه كأمانة, فدخل للمسجد, وتفرّس بالناس, وجد واحداً في خشوع بصلاتهِ زائد, يُغمض عينيه, فقال: هذا بُغيتي, فلما جاء لِعِندهِ قال لهُ: أنا أريد أن أذهب للحج, ومعي مبلغ من المال, وأُريد أن أضعهُ عِندكَ أمانة, فقالَ لهُ: أنا أيضاً صائم سيدي, فقالَ له: لكن صيامكَ لم يُعجبن, فتجد شخصاً أحياناً ليسَ عِندهُ إخلاص لله عزّ وجل, يجعل الدين تجارة، يجعل الدين شيئاً رخيصاً، يبتغي بالدين عَرَضَ الدنيا, فالله عزّ وجل أمرهُ بالإخلاص, وهوَ يُريد الدنيا من خلال الدين, هذا إذاً لا يستسلم.
القلب السليم .
وفي إنسان, الله عزّ وجل يقول مثلاً:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة هود الآية: 119]
يقول لكَ: لا, الله خلقنا لُيعذبنا، يا أخي, لا راحة في الدنيا، يعني الله كلامهُ غير صحيح, أنتَ لكَ رأي غير ما يقولهُ الله عزّ وجل، فإذا نجوتَ من شُبُهةٍ تُعارِضُ إخبارَ الله, أو من شهوةٍ تُعارِضُ أمرَ الله, أو من إرادةٍ تُعارِضُ الإخلاصَ لله, أو من تفسيرٍ أو فلسفةٍ تُعارضُ ما جاءَ في كتاب الله, إذا نجوتَ من كُلِّ ذلك, فأنتَ ذو قلبٍ سليم, واسمع قولهُ تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
القلبُ السليم: خلا من شُبُهةٍ, وخلا من شهوةٍ, وخلا من إرادةٍ خِلاف الإخلاص لله, وخلا من عقيدةٍ, أو تفسيرٍ, أو رأيٍ خِلاف ما وردَ في كتاب الله, إذ نجوت من كُلِ أُؤلئك, فأنتَ ذو قلبٍ سليم, وأنتَ الناجي بفضل الله عزّ وجل.
العلماء قالوا: إنَّ التسليم يكادُ يرقى بالإنسان إلى مرتبة الصديقيّة، ومرتبةُ الصديقيّة أعلى مرتبةٍ بعدَ النبوة، النبوة, الصديقيّة:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 75]
سيدنا أبو بكر الصدّيق، أعلى مرتبة في الإيمان مرتبةُ الصديّقية, فإذا استسلمت إلى الله عزّ وجل، فوضت واستسلمت ووثقت، لا في شُبُهة, ولا في شهوة, ولا في إرادة غير مُخلِصة, ولا في تفسير خِلاف ما جاء في القرآن، نجا قلبُكَ من هذه الأمور الخمسة, فأنتَ في مرتبة التسليم, والتسليمُ أساسهُ الثِقة, والثِقةُ أساسُها معرفة الله, ومعرفةُ الله هيَ كُلُ شيء, ورضي الله عن سيدنا عليٍّ حينما قال: أصلُ الدينِ معرِفتهُ.
يعني: بينَ الذي يعرف والذي لا يعرف بونٌ شاسع.
مرة كنت حاضراً في مكان, توفي صاحب البيت, فذهبنا إلى مواساة أهله, دخلَ أخوه وسبَّ الدين, لماذا مات أخي؟ هذا لو كان يحضر مجالس عِلم, لو كان يعرف الله عزّ وجل، فيعرف الأجل، يعرف ما عِندَ الله بعدَ الموت, جاهل جهلاً فاضحاً وقذراً, جهلاً بشعاً, قال: لماذا مات أخي؟
واحد توفيت زوجتهُ, عمرها 60 سنة, ولها أُخت عمرها 90سنة, فقال: لو ماتت تلك, هذا جهل.
فلذلك: الإنسان كُلما نما عقلهُ ونما إيمانهُ, قلَّ كلامهُ، لَزِمَ الصمت, وسبّحَ الله وحَمِدَ اللهَ على كُلِ شيء.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و العشرون )


الموضوع : التوبة







منزلة التوبة :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السادس والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين ، والحقيقة : مرتبة اليوم هي مرتبة التوبة .
ومرتبة التوبة بابها كبيرٌ جداً ، لا يكفيها لا درسٌ ولا درسان ولا أكثرُ من ذلك ، ولكن أردتُ كتقديمٍ لهذه المرتبة :
أن يتعرّفَ الإنسان إلى أنواع المعاصي ، أنواع الجنايات ، كيفَ يتقّي الإنسان الشيء إن كانَ جاهِلاً به .
تمهيد :
كُلكم سمعتم إمّا مباشرةً أو بالوساطة , أنَّ هذه المواد البلاستيكية حينما تترافق مع الحرارة أو مع الدهنيات , تنحلُ في الطعام , وأنَّ هذه المادة المُنحلّةَ في الطعام مهما قلّت , تُسببُ تراكماتٍ في الجسم , تُفضي في أغلب الأحيان إلى أورامٍ سرطانية , وهو حديث البلد اليوم , لا ينبغي أن يقترنَ الحرُ مع هذه المادة ، ولا الدهنيات مع هذه المادة ، لا ينبغي أن يُسخّنَ الخُبزُ على النارِ مباشرةً , إلى آخر ذلكَ الموضوع الخطير .
الناس يتقونَ هذه الأخطار ، متى بدؤوا يتقنونها حينما عرفوها ، لا يمكن أن تتوب قبلَ أن تعرف .
عندما الإمام الغزالي -رضي الله عنهُ- جعلَ من أركان التوبة :
العِلم والندم والسلوك .
ما من توبةٍ إلا وأولها عِلم وأوسطها ندم وآخرها سلوك .
ذو ثلاثِ شُعب :
شُعبةٌ متعلقةٌ بالماضي : الإصلاح .
شُعبةٌ متعلقةٌ بالحاضر : الإقلاع .
شُعبةٌ متعلقةٌ بالمستقبل : العزيمة .
يُصلِحُ ما مضى , ويُقلِعُ من فورِهِ عن الذنب , ويعزِمُ في قلبهِ ألا يعودَ إليه أبداً .
هذه الشُعبُ الثلاثة : شُعبُ السلوك وقبلَ السلوك حالة الندم الشديد وقبلَ الندم الشديد العِلم .
فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال : (( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ))
[ أخرجه البزار في مسنده وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ]
فسّرَ العُلماء هذا الحديثَ الموجز الجامعَ المانع : بأنهُ لا ندمَ من دونِ عِلم ، لا بدَ للندمِ من عِلمٍ سببهُ ومن سلوكٍ أوجبهُ , النبي كلامهُ موجز عليه الصلاة والسلام ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ, أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ, أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ, وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ, وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ, أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرْضِ, فَوُضِعَتْ فِي يَدِي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
قال : ((الندمُ توبة))
الإنسان متى يندم ؟ يندم حينما يعلم ، وإذا نَدِم ماذا يفعل ؟ يُقلع ، ويُصحح ، ويعزم .
أيها الأخوة ؛ هذه الموضوعات موضوعات خطيرة , وكلمة خطيرة في اللغة لها معنيان ، تقول :
القمح مادة خطيرة في حياة الأمة .
يعني : إذا فقد القمح كانت المجاعة ، وإذا وجدت المجاعة وجدت مشكلة كبيرة جداً ، لكن إذا فقدت أزهار تقدّم في الأفراح ، لو مُنِعَ استيرادُ الأزهار ، لو مُنِع استيرادُ العطورات ، الأمة تبقى كما هيَ ، فنقول : القمحُ مادةٌ خطيرة , ليسَ معنى هذا أنها تتفجر , لا , يعني : وجودها مُهمٌ جداً في حياتِنا , فالمؤمن مُذنب تواب ، يعني أكبر شيء في حياة المؤمن التوبة , لأنهُ مُذنِبٌ تواب ، لأنهُ لا يخلو من ضعفٍ , ومن صحوةٍ , ومن علمٍ , ومن ندمٍ .
موضوع التوبة موضوع خطير جداً , ولأنهُ موضوع خطير , يجبُ أن يشغل مِنّا حيّزاً كبيراً ، فباب التوبة كبيرٌ جداً , قد نحتاجُ فيه إلى أربعة دروس , ولكن أردتُ أن أبدأ بالعِلم , لن تتوبَ من الذنب إلا إذا عَلِمتَ أنهُ ذنب ، لن تُقلِعَ عن معصيةٍ إلا إذا عَلِمتَ أنها معصية ، لن تبتعِدَ عن إثمٍ إلا إذا عَلمتَ أنهُ إثم .
لا يمكن أن تتحرك بِلا عِلم ، الحركة بِلا علم حركة طائشة ، حركة غير مُجدية ، حركة قد تكون مؤذية ، حركة قد تكون مُدمرةَ , تماماً كسيارةٍ لها مُحركٌ فعّال , ولكنها بِلا مقود ، المِقودُ هو العِلم ، والحركةُ هيَ المُحرك ، فالحركة بِلا عِلم ؛ حادث , تدهور , سقوط في وادٍ, تصادم , أما العِلم يقود الحركة إلى الوجهة الصحيحة .
فلذلك يمر معنا في القرآن الكريم مثلاً :
كلمة فِسق ، كلمة شِرك ، كلمة كُفر ، كلمة إلحاد ، كلمة إثم ، كلمة عدوان ، كلمة معصية ، كلمة كذب على الله .
لا أرى موضوعاً أخطر في حياتِنا من أن نعرفَ بالضبط ماذا تعني كلمة كُفر ؟
وماذا تعني كلمة شِرك ؟
وماذا تعني كلمة فِسق ؟
وماذا تعني كلمة إلحاد ؟
وماذا تعني كلمة إثم ؟
وماذا تعني كلمة فجور ؟
وماذا تعني كلمة عُدوان ؟
هذه كلماتٌ خطيرة مُهلِكةَ .
إنسان يتعامل مع مواد متفجرّة لا يعرِفُ خواصّها قد تودي بحياتهِ ، يجب أن تعرف ما معنى قنبلة ؟ ما معنى قنبلة ؟ نُزِعَ أمانُها ، ما معنى قُنبُلة ؟ أُشعِلَ فتيلها ، ما معنى قُنبُلة قد انفجرت ؟ لو رأيت بقايا قنبلة قد انفجرت لا خطر فيها ، فما دام تعامل الإنسان في الحياة مع شهوات ، مع علاقات ، فمِثلُ هذه المصطلحات خطيرةٌ جداً جداً . هذه سلسلة المحرمات في الشرع :
خطرَ في بالي والله هو الموفق , أن نبدأَ بأكبرِ معصيةٍ في الدين , أكبر معصية ، أكبر إثم ، أصلُ الآثام ، أصلُ أنواع الشِرك .
أقول : أصل الشِرك ، أصل العدوان ، أصل الفِسق ، أصل الفجور ، أصلُ الكفر .
ما هوَ هذا الذنب ؟
لا هو زِنا , ولا هو خمر , ولا هو قتل ، ذنبٌ كبيرٌ كبير , ويبدو في نظر الناسِ صغيراً صغيراً ، الحكم هو كتاب الله ، لِنَعُد إلى كتاب الله , قال :
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 33]
قال : هذه محرّمات .
قال : ثم انتقلَ إلى ما هو أعظمُ منها بالتسلسل بالقرآن الكريم . ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾
هذه أعلى ، قال : ثمَ انتقلَ منهُ إلى ما هوَ أعظمُ منهُ . ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
قال : ثمَ انتقلَ منهُ إلى ما هوَ أعظمُ منهُ , أعظم من الفواحش والزِنا فاحشة ، من اللِواط واللِواط فاحشة ، من شربِ الخمر وشُربِ الخمر فاحشة . ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
أعظمُ من الفواحش ما ظهرَ منها وما بطن . ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾
وأعظمُ من الشِركِ باللهِ الأكبرُ منهُ والأصغر . ﴿وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
تطاول على الخلق ، ثم انتقلَ إلى ما هو أعظم . ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
لأنكَ إذا قُلتَ على الله ما لا تعلم , حرّمتَ الحلال أو حللتَ الحرام ، وصفتَ اللهَ بِما لا يليقُ بهِ ، نفيتَ عنهُ ما أثبتهُ لنفسهِ ، أثبتَ له ما نفاهُ عن نفسهِ . ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
أعظم المحرمات وأشدها إثماً الكذب على الله .
في نظرِ علماء التفسير : أعظمُ المحرمات وأشدُها إثماً فإنهُ يتضمنُ الكذبَ على الله ، وأن تنسِبَ إلى الله ما لا يليقُ به ، وأن تُغيّرَ دينهُ ، وأن تُبدّلَ دينهُ ، وأن تنفي ما أثبتهُ ، وأن تُثبِتَ ما نفاه ، وأن تُحققَ ما أبطلهُ ، وأن تُبطِلَ ما حققهُ ، وأن تُعادي من والاه ، وأن تُوالي من عاداه ، وأن تُحِبَ ما أبغضه ، وأن تُبعِضَ ما أحبه ، وأن تصفهُ بما لا يليقُ به في ذاتِهِ وأفعالِهِ وأقوالِهِ .
أخطرُ شيء في الكتاب الكريم : أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , فقبلَ أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , فكر وتدبر ، قبلَ أن تقول : هذا حلال ، قبلَ أن تقول : الرِبا لم يُحرّم منهُ إلا النِسب المرتفعة , إذا كُنتَ واقعاً في هذه المعصية , أينبغي أن تجعلها طاعة ؟ إذا كُنتَ مُبتلى بهذه المعصية , أينبغي أن تجعلها تشريعاً ؟ إذا كانت المرأةُ قد ابتُليت بتقصيرٍ في حِجابِها , أينبغي أن تجعلَ هذا التقصيرَ شرعاً , وأن تقول على اللهِ ما لا تعلم ؟
فرقٌ كبير أن تعصي الله وأن تجعلَ هذه المعصية مُباحةً بين الناس ، فرقٌ كبير أن تعصي الله وأنتَ نادم , أن تعصي الله وأنتَ وَجِل , أن تعصي الله وأنتَ مستحيي , وأن تجعلَ من هذه المعصية تشريعاً , تجعلها مباحةً لا شائبةَ فيها ، لأنَّ كُلَ من اتبعّكَ , وصدقّكَ , وسارَ في هذا الطريق , فكُلُ معاصيهِ في ذِمَتِك , وفي رقبتك , وسوف تُحاسُبُ عنها .
لذلك : سُبحانكَ يا ربي , كيفَ تدرجتَ بهذه المعاصي والمحرمات إلى أن وصلتَ إلى أعلاها حُرمةً ؟ قالَ :
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
المشكلة : أنَّ الإنسان إذا عصى ربهُ , وعَرَفَ أنهُ يعصيه , طريق التوبةِ سالك , وبابُ التوبةِ مفتوح , ورحمةُ اللهِ واسعة ، ولكن إذا أقنعتَ الإنسان أنَّ هذه ليست معصية , لو فعلها مائة عام لا يتوبُ منها , يلقى اللهَ عاصياً ، يلقى اللهَ تائهاً ، يلقى اللهَ شارِداً ، يلقى اللهَ آِثماً ، يلقى اللهَ مُعتديّاً .
فلذلك هؤلاء الذين يلعبون بدين الله , يحرّمون ما أحلهُ الله ، أو يحللون ما حرّمهُ الله ، أو يسمحون ببعض التجاوزات وطبيعة النفس طبيعةٌ دقيقة ، لمجردِ أن تخرج عن فِطرتها وقعت في حِجابها مع الله عزّ وجل ، هؤلاء الذين يلعبون بدين الله , لهم حِسابٌ عسيرٌ في الدنيا والآخرة .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ جاء الإمامَ أحمدَ ابنَ حنبل وفدٌ من مغرب العالم الإسلامي من الأندلس , والسفر قبلَ مائتي عام أو قبلَ ألف عام ليسَ كاليوم , أربعةُ أشهر في الطريق , وفدٌ جاءَ إلى المشرق , ليسألَ الإمامَ أحمدَ بنَ حنبل , العالِمَ الأول , والفقيه الأول , عن ثلاثين سؤالاً ، ما كانَ من هذا الإمام الجليل إلا أن أجابَ عن سبعة عشرة سؤالاً , فلمّا قيل : وأينَ الإجابات المتبقية ؟ قالَ : لا أدري ، قالوا : الإمامُ أحمدُ بنُ حنبل لا يدري ؟ جئناكَ من أقاصي الدُنيا وأنتَ العالم الأول , قالَ : قولوا لأهل المغرب : الإمام بنُ حنبل لا يعلم , لأنهُ لو قالَ : وهوَ لا يعلم , وقعَ في إثمٍ كبير .
وهذه نصيحتي لِكُلِ أخ , كل واحد منكم , بينَ أهلهِ ، بينَ جيرانهِ ، بينَ زملائهِ ، في المعمل ، في السكن ، في النزهة ، مظنة صلاح ، أنتَ تحضر مجالس عِلم ، أنتَ من طلاب العِلم ، أنتَ عالِم ، أنتَ شيخنا يا سيدي ، ما حُكمُ هذه القضية ؟ إيّاكَ أن تُفتي , إيّاكَ أن تتسرع , تبصّر ، عُد إلى كتاب الله ، عُد إلى سُنّةِ رسول الله ، عُد إلى فهمِ كتاب الله كما ينبغي ، عُد إلى فهمِ السُنّةِ كما ينبغي ، استأنس ، اسأل , دقق ، تأمّل ، تحقق ، طالع قبلَ أن تقول لهُ : هذه حرام وهذه حلال .
أنا لم أكن أتصور , أنهُ أعظم شيء حرّمهُ الله فوق الزِنا , وفوقَ شرب الخمر , وفوقَ القتل , وفوق الشِرك , وفوقَ الكُفر , لأنهُ أصلُ الشِرك .
يعني : ماذا قالَ عُبّاد الأصنام لمن دعوهم إلى أن يعبدوا الله ؟ قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللهِ زُلفى .
هكذا عُلِموا, عبدوا الأصنام وهُم في ذهنهم أنهم ما فعلوا شيئاً.
أيهُما أخطر: أن تعبُدَ الصنم أو أن تعتقدَ أن عبادة الصنم شيء مُباح ومقبول ؟ الخطأ في العقيدة أخطر بكثير , لأنكَ إذا أخطأتَ في العقيدة لن تتوبَ أبداً مهما امتدَ بِكَ العُمر ، أمّا إذا أخطأتَ في السلوك أغلبُ الظن أنكَ سوفَ تتوب , ما دُمتَ تعلمُ أنهُ ذنب , وأنهُ إثم , وأنهُ عُدوان , وأنهُ معصية , فأنتَ لا بدَ من أن تتوب عاجِلاً أو آجِلاً ، لكنكَ إذا علِمتَ أنها ليست بمعصية .
لذلك : أخطرُ شيء في الدين أن تصلَ إلى ينابيعهِ ، أن تضعَ يدكَ على جوهرهِ ، أن تصلَ إلى أُصولهِ ، أن تصلَ إلى خطهِ الصحيح ، من هُنا قالَ عليه الصلاة والسلام : ((ابنَ عُمر دينكَ دينك, إنهُ لحمُكَ ودَمُك, خُذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا))
من هُنا قالَ عليه الصلاة والسلام : (( إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ))
تصوّر : الذين يُروّجونَ المعاصي , أحدكم فتح نادياً ليلياً , تُرتكب فيه كُل الموبِقات ، إنسان آخر كتاباً , أثارَ فيه شُبُهاتٍ على الإسلام , وجعلَ من السلوك المُعاصر تشريعاً , أن تقفَ المرأةُ بثياب السباحة أمامَ أبيها وزوجها وأخيها وابنها , لا شيء عليها .
هذا الذي يفتتح نادياً ليلياً , تُرتكبُ فيه كُلُ المعاصي الكبيرة , لو وُزِنَ هذا العمل مع من تكلّمَ على اللهِ ما لا يعلم , فحللَ حراماً أو حرم حلالاً ، أو أثارَ شُبُهةً ، أو نفى عن اللهِ ما أثبتهُ عن نفسهِ ، أو أثبتَ لهُ ما نفاهُ عن نفسهِ ، أو غيّرَ سُنّة النبي ، أو جاءَ بأحاديثَ موضوعة ليُضللَ الناسَ بها إثمُ , الذي ألّفَ كتاباً , وهو قابِعٌ في بيتهِ , أنيقُ المنظر ، لطيف المعشر ، بيتهُ نظيف ، لهُ زوجة , ولهُ أولاد , ما فعلَ هذا ؟ .
لو كُشِفَ الغطاء , لرأيتم هذا الذي ضللَ الناس ، وأفسدَ عقائدهم ، وحرّمَ عليهم الحلال ، وأحلَّ لهم الحرام ، وسوّغَ لهم انحرافات العصر ، وجعلها مغطاةً بآياتٍ قرآنية ، وافترى على الله الكذب ، وافترى على النبي الكذب ، ووجهَ النصوص توجيهاً شهوانيّاً , هذا إثمهُ عِندَ اللهِ أضعافٌ مضاعفةٌ تصِلُ إلى المليون , عن هذا الذي افتتحَ ناديّاً ليليّاً , تُرتكبُ فيه كلُ الموبقات ، ما الدليل ؟ قالَ تعالى : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 191]
لو أن إنساناً قتلَ فتاةً , هذا قاتل ، يُحاكم بجريمة القتل ، ويُساقُ إلى المِشنقة ، فإذا تابَ قبلَ أن يُقامَ عليه الحد ، كانَ هذا الحدُ كفّارةً له ، أمّا إذا أفسدَ فتاةً , ودلّها على طريق المُنكر ، وجعلها فتاةً بغيّاً ، وأمضت حياتها في البغي والدعارة والانحراف ، وأنجبت فتيات ساروا على نهجِها ، وماتت , وخلفتها ذٌريّةٌ إلى يوم القيامة , تعدُ بمئات الألوف , بل بمئات الملايين ، كُلُهنَّ فاسدات ، واللهِ هذا الذي أفسدَ تِلكَ الفتاة , وسببَ هذا الجيلَ من الفاسِدات , يعني لو أنهُ قتلها لدخل الجنة , هذا معنى قول الله عزّ وجل :
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ﴾
يا أخي العرب في الجاهلية كانوا يئِدونَ البنات , هذه جريمة كبيرة , معك حق , لأنهُ ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 8-9]
لكنكَ إذا أفسدت ابنتكَ , وقلت للناس : أنا أُحب أن أُربي بناتي تربيةً استقلالية , أنا لا أُعارِضُها أبداً ، لها أن تخرُج كما تشاء ، ولها أن تُصاحب من تشاء ، ولها أن تأتي إلى البيت متى تشاء , هكذا التربية الحُرة , نحنُ في عصر النور ، لو وأدتها لكانَ خيراً لها من هذا العمل ، لو وأدتها ماتت إلى الجنة ، أما حينما أفسدتها فسدت وأفسدت .
لذلك : يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن مشاهد يوم القيامة : أن الفتاة التي فسدت , وكان أبوها سبباً في فسادها , تقول : يا ربي , لا أدخُل النار حتى أُدخِلَ أبي قبلي .
الأُبوة مسؤولية يا أخوان ، مسؤولية خطيرة جداً , هذا الابن أنتَ قدوته , أنتَ القدوة .
فلذلك : لا أُبالغ هذا قرآن كريم ، أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أن تقول للناس : لماذا حرّمَ اللهُ إطلاقَ البصر في النساء , لو أنَّ الوجهَ عورة ؟ هذا الاستنباط غير صحيح ، هذا استنباط فاسد ، أنتَ إذا قُلتَ هذا , ماذا فَهِمَ الناسُ مِنك ؟ وموطن الجمالِ كُلِهِ في الوجه ، والوجهُ أكبرُ فِتنةٍ في المرأة ، فحينما تقول : هذه مسموح , وهذه مُباح , وهذا خيال ليسَ حقيقة , إذا نظرتَ إلى شيء يُثير على هذه الشاشة الصغيرة , هذا ليسَ حقيقة يا أخي , هذا خيال ، وإذا سمعتَ الصوتَ من المذياع فهوَ صدى وليسَ حقيقة ، الغناء صدى ومنظر الإشارة خيال , لم يعد شيء في الدين , ماذا بقي من الدين ؟.
مرة واحد قال في بلد إسلامي , لكن مُقصّر جداً في تطبيق أحكام الشريعة , قال : لم يبقَ في هذا البلد إلا الصلاة , ويعني الصلاة الشكليّة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع .
أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أكبرُ معصيةٍ في الدين , لأنكَ أصبحتَ مُضللاً ، لأنكَ أفسدتَ العقائد ، لأنكَ أفسدتَ السلوك , قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[سورة النجم الآية: 32]
قالَ لي أخ من أخواننا الكِرام ؛ سأل رجل وهو مظنةُ عِلم , قال له : ما معنى اللمم ؟ قال لهُ : كلُ ذنبٍ ليسَ عليه حد , النميمة ليسَ عليها حد ، والنبي يقول : (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ , قَالَ سُفْيَانُ : وَالْقَتَّاتُ النمامُ ))
معناها: إطلاق البصر، والكذب، والغش, لا بأس بها, الحد يعني القتل والجلد فقط, والآية تقول : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
فإذا فَهِمنا اللمم : كُلُ معصيةٍ ليسَ عليها حد ، لم يعُد شيء في الدين ، انتهى الدين .
طبعاً: لو التقيت مع مليون مسلم, لا تجد فيهم قاتلاً واحداً, القاتل والزاني قلائل جداً, ماذا قالَ عليه الصلاة والسلام؟: أنظر في هذا الحديث :
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ , أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ, أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ((قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ , وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))
[ أخرجه الترمذي ]
يعني بعدَ أن جاءَ النبي، بعدَ أن جاءَ القرآن، هل ترى صنماً يُعبد من دون الله؟ هذا شيء غير موجود إطلاقاً, ولن يحدث إلى يوم القيامة, لكن:
قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ , ولكن رضي مما دونَ ذلك ، مما تحقِرونَ من أعمالِكم ، وهذه مُشكلةُ المسلمين .
يقول لكَ : أخي أنا لا أزني، لا أشرب خمراً، لا أسرق، هذه ليسَ عليها خِلاف, لأنها كبائر، هذه كبائر مُهلِكة، النظر, والمصافحة, وأكل المال الحرام, والغش, والتدليس, والكذب, والاحتكار, والمواقف المزدوجة, والمقاييس المزدوجة, والنِفاق, وموقف مُعلن وموقف مُبطّن , في مليون معصية، مليون معصية كُلُها تحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، فهذا الذي لا يسرق أو لا يزني أو لا يكذب, يعني ماذا فعل؟ هذه أشياء بعيدة عن حياة المُسلم بُعداً كبيراً.
ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 116]
يقول: أنا أتحمل وزرها, ضعها في ذمتي, من أنت؟ من حضرتُك حتى تقول: ضعها في ذمتي؟ يقولونَ:
هذا عِندنا غيرُ جائزٍ ومن أنتم حتى يكون لكم عِندُ؟
من أنتم؟ ما حجمُكَ عِندَ الله؟
النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يأتي بشيء من عِندهِ, لو شاء الله ما تلوتهُ عليكم، وقال:
﴿ ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
النبي الكريم مُبلّغ, فمن أنت؟ فلذلك: المُسلم وقافٌ عِندَ كتاب الله.
قالَ بعَضُ السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحلَّ اللهُ كذا وحرّمَ كذا, فيقول اللهُ: كذبت, لم أُحِلَ كذا ولم أُحرّم هذا.
يعني التحليل والتحريم بالرأي المُجرّد, بِلا بُرهان من اللهِ ورسوله, ذنبٌ كبيرٌ جداً, قد يفوقُ الشِرك، قد يفوقُ الكُفُر، لأنهُ أصلُ الشِرك وأصلُ الكُفر.
عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلانٌ وَفُلانٌ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ, وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
لماذا؟ قال: لأنَّ كُلَ شيء أُضيفَ إلى الرسول فهوَ حُكماً مُضافٌ إلى المُرسل، إذا أضفتَ إلى الرسولِ شيئاً هذا مُضاف إلى المُرسل.
يعني إذا كان وزير خارجية وقف في مؤتمر, وتكلّم بكلام, هذا الكلام ليسَ من عِندهِ, هذا مُكلّفُ بهِ, والذي أرسلهُ مُقِرٌ بهِ، فإذا أضفتَ إلى الرسول شيئاً ما قالهُ, فكأنما أضفتهُ إلى الله عزّ وجل, لذلك ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 21]
من أظلم؟ أظلم اسم تفضيل، أي ليسَ في البشرِ كُلِهم إنسانٌ أشدُ ظُلماً ممن افترى على اللهِ كذباً.
قال: أنّىَ بالتوبةِ لمن لم يعلم أنها بِدعة, كيفَ يتوب الإنسان إذا لم يعلم أنَّ هذا الذي يفعلهُ بِدعة؟.
الافتراء على اللهِ عزّ وجل, يُغلِقُ باب التوبة، فأنتَ قبل أن تسأل, اسأل من تَثِقُ بِعلمهِ، وقبلَ أن تتكلم تكلم عن عِلم، لا تسأل إلا أهلَ العِلم، ولا تنطِق إلا عن عِلم، وإلا الإثمُ كبير, لأنهُ دينُ الله، لأنَّ الدينَ هو الشيء المصيريُّ في حياة الإنسان.
من ألوان المحرمات أيضاً الإثم والعدوان .
من ألوان المُحرمات : الإثمُ والعُدوان .
كُلُكم يعلم أنَّ الإثم والعدوان وردَ في القُرآنِ كثيراً, قالَ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[سورة المائدة الآية: 2]
قالوا: البِرُّ صلاحُ الدنيا, إذا تساعدَ الناس بإنشاء مساكن للشباب هذا بِر، إذا اتفقوا على تخفيف المهور هذا بِر، إذا اتفقوا على تأمين أعمال للعاطلين هذا بِر، وتعاونوا على البِر , صلاحُ الدُنيا, والدُعاء الشهير:
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عِصمةُ أمرِنا, وأصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا.
فتعاونوا على البِر والتقوى, -البِر: صلاح الدُنيا والتقوى صلاحُ الآخرة، قال-: ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان.
كُلُكم يعلم من قبل: أنَّ في القرآنِ كلمات, تأتي مثنى مثنى, وعُلماء التفسير يقولون: إذا جاءت مثنى مثنى, فلِكُلِّ كلمةٍ معنىً دقيق، أمّا إذا جاءت فُرادى, رٌبما تعني الواحدة معنى الكلمتين معاً, والدليل على ذلك:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 60]
قالَ بعضُ العلماء: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
يعني إذا قُلت للفقراءِ فقط, يعني الفقراء والمساكين، وإذا قُلت : ﴿وآتى المالَ على حُبهِ مسكيناً﴾
يعني الفقراء والمساكين, فإذا افترقا اجتمعا, وإذا اجتمعا صار للمسكين تعريف دقيق, وللفقير تعريف دقيق، المسكين من يعجزُ عن العمل، أمّا الفقير من دخلهُ أقلُّ من حاجتهِ ، فالفقير شيء والمسكين شيء آخر, هذا تمهيد.
الإثم والعدوان, إذا قُلتَ: الإثم فقط, يعني الإثمَ والعدوان، وإذا قُلتَ: العدوانَ فقط, يعني الإثمَ والعدوان, لأنَّ العدوان هوَ في أصلِهِ عدوانٌ على أمر الله, قال لكَ: افعل، لم تفعل ، قال لكَ: لم تفعل فعلت، تركُ الأمرِ أو فِعلُ النهيِ هو العُدوان، أنتَ اعتديت على الشرع، تحديتَ الشرع، خرقتَ حدودَ الشرع، لم تُبال بالأمر ولا بالنهي، فالعدوانُ هو عُدوانُ على أمر الله, وكلُ عدوانٍ على أمرِ الله صاحِبهُ آثم, الإثم عدوان, والعدوان إثم, وإذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا.
لكن الإثم قال: تحريمُ جِنس أمّا العدوان تحريم قدر, يعني أنتَ اشتريت أرضاً, فلمّا أردتَ أن تُسوّرها, زِدتَ مِتراً من أرضِ جارِك, هذا عدوان, تملكُ الأرضِ في الأصلِ جائز, أنتَ تملّكتَ الأرضَ التي دفعتَ ثمنها, وأخذتَ من جارِكَ مِتراً ليسَ لكَ، فتحريم الجِنس الزِنا إثم, كُلُ أنواع الزِنا مُحرّمة، الخمر إثم، اللِواط إثم، لكن لو أخذتَ ما ليس لك، لو بِعتَ الحاجة بثمن مرتفع, وراعيتَ فيه الأجل, صار في معصية قدر لا معصية جِنس, فالإثمُ تحريمُ جِنسٍ كالكذب والزِنا والخمر وما إلى ذلك، والعدوان تحريمُ قدرٍ, الزيادة عدوان, مثلاً بالبيع والشراء, بيعُ الغرر، التدليس مثلاً، الغبن الفاحش, هذا عدوان, أصل البيع حلال، فلمّا أخذتَ فوقَ ما ينبغي صارَ عدواناً. العدوان نوعان :
1- نوعٌ في حقِّ الله .
2- ونوعٌ في حقِّ العِباد .
فمن أباحَ الزِنا فقد اعتدى على شرع الله، من أباحَ ممن أُبيحَ لهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5-6]
من أتى حائضاً , الزوجة مُباحة , لكنَّ إتيانها في أيام الحيض , هذا عُدوان على شرع الله ، فالعدوان ؛ إمّا على شرع الله , أو على حقوق العِباد .
يعني أُبيحَ للطبيب أن ينظُرَ إلى مريضته , فإذا نظرَ إلى قدرٍ آخر , ليسَ محتاجاً إليه , تجاوزَ الحد , فتحريمُ الجِنسِ إثم ، وتحريمُ القدرِ عُدوان .
الفحشاء والمُنكر ، الإثم والعدوان ، الإثم تحريم جنس , والعدوان تحريم قدر ، إذا اجتمعا افترقا , وإذا افترقا اجتمعا
أمّا الفحشاءُ والمُنكر .
قال : الفحشاءُ صِفةٌ لموصوفٍ قد حُذِفَ تجريداً بقصدِ الصِفة, يعني: الفعلةُ الفحشاء, والخصلةُ الفحشاء, وكُلُ ما ظهرَ قُبحُها لِكُلِ أحد, واستفحشهُ كُلُ ذي عقلٍ سليم, وفِطرةٍ سليمة, كُل شيء الطبع ينفِرُ منه، والعقل السليم ينفِرُ منه، كُل شيء ظَهَرَ قُبحهُ فهو فحشاء، خصلة، سلوك، فعل.
أمّا المُنكر: صِفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أيضاً؛ أي الفِعلُ المُنكر الذي تستنكِرهُ العقول والفِطر, يعني: الفحشاء عمل قبيح شائن, لا يشُكُ اثنان في أنهُ شائن, أمّا المُنكر: العقل السليم والفِطرة السليمة تستنكر هذا الأمر, فالفحشاء والمُنكر أيضاً كالإثمِ والعدوان, إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
يعني: هذه التسميات, أو هذه التعاريف الدقيقة, فيما يتعلّق بالمحرمات مهمة جداً, مثلاً: الفرق بين المعصية والفجور: الفجور إعلان للمعصية، لو خالفَ أحدهم أمرَ الله في رمضان وأفطر، هذا عاصٍ ومعصية كبيرة جداً، لكن إذا أفطرَ أمامَ الناس فقد فَجر.
على كُلٍ؛ إن شاء الله نحنُ في دروسٍ قادمة, سوف نُحاول أن نُتابع هذه المصطلحات الدقيقة, وأن نقفَ عِندَ التعاريف وعِندَ المدلولات التي أرادها الله سبحانهُ وتعالى من هذه المصطلحات, كلمة تُعدُ خاتمة الدرس.
مرةً ثانية أقول لكم: ((إنَّ هذا العِلمَ دين فانظروا عمن تأخذونَ دينكم))
الإنسان يميل إلى الرُخص، إلى الفتاوى التي تُيسر الأمر، لكن حينما يأتي مَلَكُ الموت ، وحينما نصلُ إلى وقت الحساب، قد نُفاجأ أنَّ هؤلاءِ الذينَ أفتوا لنا, وسمحوا لنا ببعض المعاصي على أنها مُباحات, لم يكونوا مُحقين في هذا, والمصيبة كبيرة جداً, ليسَ هُناكَ إصلاح. ﴿ولاتَ حينَ مناص﴾
وليسَ الحينُ حينَ فِرار، الإنسان في الدنيا قد يتلافى بعض الشر، قد يتلافى العِقاب بطريقةٍ أو بأخرى، ولكنَّ الإنسانَ إذا لَقي اللهَ عزّ وجل, وقد أقامَ على معصيةٍ, وتعلّقَ بحبالٍ من عنكبوت، بفتاوى من أُناسٍ مُغرضين, فقبلَ أن تقول: هذا حلال أو هذا حرام، هذا يجوز، هذا لا يجوز، لا تنطِق بغيرِ عِلم, ولا تسأل إلا أهلَ العِلم، لا تسأل إلا من تَثِقُ بِعلمِهِ، لا تستفت إلا من تَثِقُ بورعهِ، لا تطلب شيئاً إلا بالدليل, لا ترفض شيئاً إلا بالدليل، لأنَّ: ((هذا العِلمَ دين فانظروا عمن تأخذون دينكم))
نصيحة :
أيها الأخوة الأكارم ؛ يعني أنا أقول لكم الآن كلمة مُخلصاً لكم بها: ما لم تستقم على أمر الله، ما لم تترك المُنكر كُليّاً، ما لم تترك المعاصي جميعاً، فالطريق إلى الله ليست سالكة, ممكن أن تحضر موالد, وأن تطربَ طرباً شديداً، ممكن أن تقرأ كتاباً, وأن يملأَ الكتابُ عقلَك ، ممكن أن تكون طليق اللسان, وأن تؤثر في الحاضرين, هذا كُلُهُ ممكن؛ ممكن أن تتكلم, وأن تستمع, وأن تقرأ, وأن تؤلف، وممكن أن تطرب بالمديح النبوي, وأن تقوم بِكُل ما يُسمى بالتقاليد الإسلامية، ويُمكن أن تدعو الناسَ إلى البيت, وأن تقيم مولداً, وأن تأتي بأرقى فرقة مُنشِدة, وأن تأتي بأطيب طعام, وأن تدعو وجهاء المجتمع, وأن تدعو كِبارَ العُلماء لإلقاء الخُطب, كُلُهُ ممكن؛ ولكنَّ الشيء الذي لا يُقبلُ تركهُ أن تُقيمَ على معصية، ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ, أو على مخالفةٍ, أو على انحرافٍ, أو ما دُمتَ استبحتَ مُنكراً بفتوى معيّنة, أو ما دُمتَ قَبِلتَ تقصيراً وأصررتَ عليه, فالطريق إلى اللهِ ليست سالكة, لا والله, يقول لك: أنا أحضر يوم الجمعة, والسبت, والأحد, والاثنين, والخميس, والخطبة الفولانية، وأقرأ كُتباً، وعِندي مكتبة، ولي لقاءات مع أخوان كِرام، ولي نشاط ديني، ولي مؤلفات, ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ, فالطريقُ إلى اللهِ ليست سالكة.
وكُنتُ أذكرُ مثلاً, لعلّهُ شطحة أو لعلّهُ مُبالغة: لكَ مائة مؤلَف إسلامي في السوق، مائة مؤلف، وكُل مؤلف يتحدثُ بهِ الرُكبان، وأنتَ مُقيم على معصية, مُصِر على معصية، وإنسان آخر لا يقرأ ولا يكتب, وقد عافاهُ اللهُ من هذه المعصية, هوَ أعلمُ مِنك, والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ))
أنا أقول لكَ: قد تعرِفُ أمرَ الله، تعرِفُ الحلال، والحرام، والواجب، والمُباح، والمُستحب، والمندوب، والمكروه، والمكروه كراهية تحريمية، وكراهية تنزيهية، والحرام المُطلق، وقد تتحدثُ عنها بطلاقة، ولكن معرِفة الأمرِ شيء، ومعرِفةَ اللهِ شيء آخر، معرِفة الأمرِ علامتها أن تَعرِفَ الأمر.
العالِم بأمر الله اسأله، إذا سألتَ هذا العالِمَ بأمرِ الله مائة سؤال, فأجاب مائة إجابة صحيحة, فهوَ عالِم بأمر الله، لكن إذا رأيتهُ يُخالف أمرَ اللهِ في واحدة, معرفتهُ باللهِ ضعيفة, ونرجو لهُ أن تزداد، فحتى نكسب الوقت, وحتى يكون مجيئنا للمسجد مُثمراً, وذهابنا للبيت مُثمراً، حتى يكون هذا الوقت الثمين، كل واحد منكم تركَ أهلهُ, وزوجتهُ, وأولادهُ, وبيتهُ, مكان جلوسه في غرفة الجلوس، لهُ أولاد، لهُ أصدقاء, تركَ الكل وجلسَ على الأرض, فإذا استمع, وأُعجِب بالدرس, ولم ينطلق إلى التطبيق، إلى الالتزام التام، إلى محاسبة النفس حساباً دقيقاً، إذا لم ينتقل إلى هذا الطور, أقول لهُ: نمت ثقافتكَ الدينية نمواً كبيراً, ولكنَّ معرِفتكَ بالله لم تنمو, لأنَّ معرفة الله عزّ وجل أساسُها طاعتهُ، ولا تعرفُ الله إلا إذا جاهدتَ نفسكَ وهواك.
فنحنُ وأرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن تكونوا كذلك, أن نتعاونَ جميعاً على البِرِ والتقوى، وأن نتعاونَ على بلوغِ الهدفِ الكبير من معرفة الله, ومعرفةِ منهجهِ, وتطبيق منهجهِ ، ويُحاسب أحدكم نفسهُ حساباً دقيقاً دقيقاً في كُلِّ شيء.
هُناك دعوات تُعطي الأخ بحبوحة, واحد رأى سيئاتهِ مد البصر, ثمَّ غفرَ الله لهُ بكلمةٍ قالها, القضية سهلة, هذا الحديث لهُ تفسير, لهُ تفسير دقيق, هذا الحديث كما يفعل الفُقهاء, يوضع على الطاولة, وإلى جانبهِ عشراتُ الأحاديث المُشابِهة، من الخطر الكبير أن تفهمَ حديثاً وحدهُ على انفراد.
الحديث الثاني: من قالَ لا إله إلا الله بحقها دخلَ الجنة, قالوا: وما حقُها؟ قالَ: أن تحجزه عن محارم الله.
فأيام الإنسان يتعلّق بخيط من عنكبوت, يقول لك الشيخ, قال: إذا إنسان قال: لا إله إلا الله دخل الجنة, قضية سهلة.
تصوروا أنَّ الجامعة كل واحد يقول جامعة دمشق ثلاث مرات, نُعطيه دكتوراه بالطِب مثلاً, لا تحتاج إلى جهد, لا تحتاج إلى علامات عالية ثلاث مرات, يقولها بصوت مرتفع، ممكن إنسان يصل إلى الجنة بكلمة قالها, الله عزّ وجل قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
وقال: لا إله إلا الله حِصني, من دخلها أمِنَ من عذابي، وقال: لا إلهَ إلا الله لا يسبِقها عمل.
يعني: قبلَ أن تقولها, لا يوجد عمل صالح, في شِرك لأنهُ، وإذا قُلتها ولا تتركُ ذنباً, هذه الأحاديث, اجعل هذا الحديث مع هذه الأحاديث بشكل منظومة.
فأنا أخوفُ ما أخاف على الأخوة الأكارم, أن يتعلّق بحديث سَمِعهُ, ويُعطيه الحرية الكاملة للحركة, ويتساهل بالطاعات شيئاً فشيئاً, إذ الطريقُ إلى اللهِ مسدود، صلاتهُ شكلية، صيامهُ شكلي، حجهُ شكلي، صارت ثقافتهُ إسلامية، وعواطفهُ إسلامية، مِثلُ التُركي عِندهُ كيلو لحمة, وعِندهُ هِر, أكل الكيلو سَرِقةً, وجلسَ القِط يعمل وِرداً لوحده, القِط له وِرد, نظرَ التركي إليه وكان مغتاظاً كثيراً, قالَ له: أوراد كثيرة وأمانة غير موجودة.
تجد ثقافة، عواطف، موالد، مجالس سرور، ثياب فضفاضة، مسواك، مصاحف مُعلّقة، كلهُ مذهّب، لكن ما في استقامة، وما دام لا يوجد استقامة, الطريق إلى الله غير سالك، الصلاة شكلية.
أيام تجد برتقالة يتم تقشيرُها بعناية, ثم يعودون ويطبّقونها ككرة ويضعونها على الطاولة، هيَ برتقالة منظرها, لكن ما فيها شيء هيَ فارغة، لِئلا يُفرّغَ الدينُ من مضمونهِ, حتى ما يُصبح الدين شكلاً بلا مضمون، الاختلاط حاصل، كسب مال حرام مشروع، إطلاق بصر مسموح به، سماع غِناء لا شبعة منه، مشاهدة ما لا يُرضي الله مقبول, كُل شيء موجود ومع ذلك: ثقافة إسلامية, ومكتبة إسلامية, وأناشيد, وتفاسير, ولقاءات, وموالد, أنا أخوفُ ما أخاف أن يُفرّغَ الدينُ من مضمونه، أمّا والله ساعة صِدق مع الله عزّ وجل, ترفعُكَ إلى أعلى عليين, فالاستقامةَ الاستقامة.
((ابن عُمر دينكَ دينك, إنهُ لحمُك ودمُك, خُذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا))
أنا أقول: الموالد, وأنا مُغرم بالموالد, وحضرتُ في هذا الشهر, يعني بِضع عشرات إلى خمسين أو سبعين مولد، وتأثرت تأثُراً كبيراً، أنا أقصد أن لا يكون الإنسان شكلياً, احتفلنا وجلسنا وطربنا, بقي شيء, لم تعمل شيئاً بعد، يجب أن نقوم بطاعة اللهِ عزّ وجل، يعني جميل جداً أنَّ المستقيم يعمل مولداً, ويدعو أخوانه, وأقرباءه, وأصحابه, وفرقة إنشاد, ويتوزع المُلبّس, والحلويات, ويُتلى ذِكر اللهِ عزّ وجل, ونستمع إلى شمائل النبي, هذا كُلهُ جيد، لكن نبقى على الموالد فقط, واحتفالات, وأشرطة, وكُتب, وما في استقامة, لا تُدقق, ما هذه؟ لا تدقق؟ هذه حرام.
أكثر المسلمين في الشام، يحدث عُرس, يصعد العريس, ويجلس أمام مائة امرأة كاسية عارية, يقول لكَ: العريس أخلاقي, كيف أخلاقي؟ كلهُ يتفجّر، كُل البارود مع النار ينفجر، ما في عنّدنا بارود بالكيمياء لا ينفجر، فنحنُ نُريد الالتزام, نُريد واحداً كألف ولا نُريد ألفاً كأُف، لا نُريد كثرة كثيرة, نريد قِلة قليلة لكن مستقيمة ملتزمة.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و العشرون )


الموضوع : انواع الفسوق





تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السابع والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين .
الحقيقةُ :
أنَّ الدرسَ الماضي كانَ حولَ أنواع المعاصي ، وبيّنتُ لكم في وقتهِ :
أنَّ أشدَ المعاصي خطراً , أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أو أن تستمعَ ممن لا يعرفُ الله .
أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , أو أن تُلقي أُذناً صاغيةً لمن لا يعرفُ الله .
لأنَّ الانحرافَ في فهم الحقائق يُسببُ الشِركَ , وهوَ أكبرُ الكبائر ، ويُسببُ الفسوقَ والعصيان ، ويُسببُ كُلَّ معصيةٍ كفرعٍ من فروع الجهل بالله ، يؤكدُ هذا قول الله عزّ وجل :
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
أخطر شيء في العقيدة أن تعرفَ الله ، وأخطر شيء على العقيدة أن تظُنَ باللهِ ظنَ الجاهلية ، أن تظنَ اللهَ في صفاتٍ هو مُنزّهٌ عنها ، أن تظنهُ يُعامل عبادهُ معاملةً ، هو عليٌّ كبير : ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 43]
أيها الأخُ الكريم ؛ يجبُ أن تعلمَ عِلمَ اليقين أنَّ أيَ خللٍ في فهمِكَ لحقائق التوحيد , يُقابِلهُ خللٌ خطيرٌ في سلوكك ، وبما أنَّ الجنة كما قالَ اللهَ عزّ وجل : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 32]
فالخلل في العقيدة يُقابلهُ خلل في السلوك .
فالذي أتمنى على كُلِ أخٍ كريم ألاّ يقبلَ شيئاً عن اللهِ إلا بالدليل القطعي من كتابِ اللهِ ومن سُنّةِ رسولهِ ، وألاّ يقبلَ أيَّ تأويل إلا وفقَ الأصول التي اعتُمِدت في فهم كتاب الله , لأنَّ انحراف الدين أساسهُ أن يُضافَ إليه شيء , أو أن يُحذفَ منهُ شيء , أو أن يُؤول على غير ما أرادَ الله ، الإضافةُ تزوير , والحذفُ تزوير , وسوء التأويل تزوير , ونحن كمسلمين يهمُنا أن نستقي الإسلامَ من ينابيعه الصافية ، أن نعودَ إلى أُصولهِ الثابتة , لأنهُ قد أُضيفَ إليه ما ليسَ منهُ , وحُذِفَ منهُ ما هوَ أصيلٌ فيه , وفي أحسن الحالات : أُوِلت آياتهُ على نحوٍ لا يُرضي الله عزّ وجل , هذا مُلخصُ الدرس الماضي . أنواع الفسوق :
الدرس اليوم :
كما أنَّ هُناكَ خطراً كبيراً في أن تظنَ باللهِ غيرَ الحقِ ظنَّ الجاهلية ، هُناكَ خطرٌ كبير في أن تنحرفَ في السلوك ، لذلك هذا الدرس : أنواعُ الفسوق .
وكلمة فِسق وردت في القرآن الكريم بعددٍ كبير , ربما كانت كلمةً خطيرةً جداً في الدين , يعني من باب التقريب :
لو أحدنا كلفتهُ بشراء حاجات معينة , ولم يُنجز لكَ كُلَ هذه الحاجات , وصببتَ عليهِ كُلَ غضبك , فقال : يا سيدي , هُناك عشرةُ أسبابٍ حالت بيني وبينَ شرائي هذه الحاجات , فسألتهُ أنت : ما هذه الأسباب ؟ قال لكَ : أولاً لا أملك ثمن هذه الحاجات , فتُحس بحاجة إلى أن يُتابع التسعة , هذا أخطر سبب .
أقول لكم الآن قياساً على هذا المثل : الإنسان حينما يفسُق , انتهى كُلُ شيء , يعني تُصبِحُ صلاتهُ شكليّةً ، يقوم إلى صلاتهِ متكاسلاً ، تُصبِحُ عبادتهُ صوريّةً ، يصومُ رمضانَ صيامَ البهائم جوع وعطش فقط ، يُصبحُ حجهُ حجاً من نوع الرحلة والسياحة , يعود إلى بلده ويُحدثُكَ عن الطرقاتِ والجسور , أمّا هذه الفريضة التي فرضها اللهُ علينا , لماذا ؟.
فحينما يقعُ الإنسان في الفِسق , فقد فُرِّغَ الدينُ من مضمونه بالضبط , فُرِّغَ الدينُ من مضمونه , يعني برتقالة قشّرتها بإحكام , ثمَ رتبتَ القشرة كما لو أنها لم تُقشّر , لكنها لا لُب فيها , هذا معنى تفريغُ الدينِ من مضمونه .
فدرسنا اليوم عن الفِسق , وهذه كلمة خطيرة , وأقول لكم دائماً أيها الأخوة : نحنُ في حياةٍ قصيرة ، العمرُ ثمين ، والوقتُ قليل ، والمهمةُ كبيرة ، والامتحان صعب ، فما لم نأخذ هذه المصطلحات مأخذاً جِديّاً , ونُترجمُها إلى واقع نعيشهُ , فإنَّ المشكلة تُعدُ مشكلةً لا يُستهانُ بِها .
الفِسقُ في كتاب اللهِ عزّ وجل نوعان : مفردٌ مُطلق ، ومقرونٌ بالعصيان .
الدرس الماضي كما تذكرون , تحدثنا عن الفحشاءِ والمُنكر ، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وحينما تقرؤونَ في كتاب الله كلمة إثم وعدوان ، في كتاب الله لا يُمكن أن يكون هُناكَ تكرار , لأنَّ كُلَ كلمةٍ تعني شيئاً دقيقاً .
الإثم : ما كانَ محرّماً لذاتِهِ ، والعدوان : ما كانَ مُحرّماً لقَدرهِ , كيف ؟ .
الزِنا مُحرّمٌ لِذاتهِ ، شُربُ الخمرِ مُحرّمٌ لِذاتهِ ، أما العدوان أن تأخُذَ ثمنَ هذه السِلعة أكثرَ مما ينبغي ، أخذُ الثمنِ مُباح , أمّا أن تزيدَ في الثمن هذا عُدوان , يعني تجاوز الحد , في حد مسموح بهِ ، فمعصيةُ العُدوان معصيةُ قدرٍ لا معصيةُ جِنسٍ ، الإثم معصيةُ جِنس ، أمّا العدوان معصيةُ قدر .
الفحشاء والمُنكر : الفحشاء شيء تأباهُ الفِطرة ، والمُنكر شيء يأباهُ العقل ، العقلُ إذا أنكرَ شيئاً فهو مُنكر ، والنفسُ إذا رفضت شيئاً فهو فحشاء ، فهذه المصطلحات القرآنية يجبُ أن نفهمها فهماً دقيقاً جداً , لأنها أصلٌ في تعامُلِنا مع اللهِ عزّ وجل .
يعني مثلاً : ما الخطر في ذلك ؟ أن تكونَ مُتلبساً في الفسقِ وأنتَ لا تدري ، وأن تكونَ مُتلبساً بالكُفرِ وأنتَ لا تدري ، وأن تكونَ مُتلبساً بالشِركِ وأنتَ لا تدري ، أو أن تتهمَ نفسكَ بالفِسقِ وأنتَ ليسَ بفاسق ، عدمُ فهم المصطلحات يُسبب اضطراباً في العلاقة مع النفس , لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : نفسُكَ مطيتُكَ فارفق بِها .
لابدَ إذاً من معرفة المصطلحات بشكلٍ دقيق .
فالفسوقُ في كتاب اللهِ نوعان : مفردٌ مُطلقٌ , وفِسقٌ مقرونٌ بالعِصيان . الفسوق المفرد نوعان :
المُفرد نوعان : فسوق كُفر يُخرِجُ عن الإسلام .
يعني في فِسق من تَلّبسَ بهِ فهوَ كافر , سوف نأتي على الأمثلة بعدَ قليل .
وهُناكَ فسوقٌ لا يُخرِجُ عن الإسلام .
الفسوقُ والفِسقُ المقرون بالمعصية كقولهِ تعالى :
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 7]
1- فسوق الكفر .
الآن فِسقُ الكُفرِ قالَ تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 26-27]
نقضُ عهدِ اللهِ فِسقُ كُفرٍ .
يعني في أعمال إذا عملها الإنسان , شعرَ وكأنهُ سقطَ من السماءِ إلى الأرض ، شعرَ وكأنهُ سقطَ من عين الله , هذا فِسقُ الكُفرِ , نقضُ عهدِ اللهِ ، الارتداد إلى المعاصي ، من علامة الإيمان : أن يكرهَ أن يعودَ في الكُفرِ كما يكرهُ أن يُلقى في النار ، فمن ارتدَّ إلى المعاصي , من ارتدَّ إلى الجحود , من اعتقدَ أنَّ هذا الدينَ خُرافة , ومن سلكَ سلوكاً مُنحرفاً يؤكد ذلك .
الحقيقة : أنَّ هُناكَ لِسانٌ يُكذّب وأنَّ هُناكَ سلوكٌ يُكذّب، وأقول لكم وأنا أعني ما أقول: أنَّ تكذيبَ السلوك أخطرُ من تكذيب اللسان, أنتَ بإمكانكَ أن تزورَ طبيباً, وأن تتعالجَ عِندهُ, وأن يصف لكَ الدواء, وأن تُصافِحهُ, وأن تشكرهُ ممتناً, وأن تعطيهُ أجرهُ, فإذا ذهبتَ إلى البيت, عدمُ شِرائِكَ الدواء اعتقاداً مِنك أنَّ هذا الطبيب لا يفهم, عدمُ شِراء الدواء هوَ التكذيب, كذبّتَ عِلمهُ من حيثُ لا تدري، مُصافحتُكَ لهُ، ثناؤكَ عليه, كلامٌ فارغ، فأن ترى إنساناً في العالم الإسلامي يقول لكَ: ليسَ هُناكَ آخره, هذا قل ما يوجد، لكن أن تجد أُناساً كثيرين همُهم الوحيد هوَ الدُنيا, ولا تجد لهم في الآخرةِ أيَّ مطمح، وليسَ في سلوكهم ما يؤكد ذلك, فهذا نوعٌ من التكذيب بالآخرة.
فلذلك: نقضُ عهد اللهِ، ليسَ شرطاً أن يقول إنسان: أنا نقضتُ عهدَ اللهِ, حينما يرتدُ إلى الفِسقِ والكُفر، حينما يرتدُ إلى المعاصي، حينما يحتال.
مثلاً: مرة حدثني شخص, فقال لي: واحد يبيع خُضار نوعين؛ نوع الكيلو بعشر ليرات ونوع بليرتين، النوع بليرتين سيء جداً, وضعَ في كيس من النوع الممتاز, وعلى وجه الكيس وضع من النوع السيء, وقالَ له: زِن لي, فإذ بهم 6 كيلو × ليرتين = 12 ليرة.
إنسان في وعيهُ يقنِص البائع وهوَ لا يدري، فهذا ليس فِسق عادي، معناها لا يرى أنَّ اللهَ يراه، حينما ينحرفُ الإنسان انحرافاً خطيراً, لا يرى أنَّ اللهَ يراه، حينما يُلبّسُ إنساناً تهمةً, هو بريءٌ منها, ويقنِصهُ بها, ويبتزُّ مالهُ بِها, هذا فِسق خطير جداً، يتصرّف وكأنَّ اللهَ غير موجود، فِسقُ الكُفرِ إنسان يتصرف, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود, وكأنَّ اللهَ لا يُحاسب.
أنتَ تُحِسُ أحياناً أنَّ الإنسان ينغلب، فيتوب ويبكي ويتأثر، حينما خرجَ عن أمرِ الله فقد فسق، لكن هذا الفِسق, فِسق أساسهُ أنهُ غُلِبَ غلبتهُ نفسهُ، طغت عليهِ شهوتهُ، نَدِمَ ندماً شديداً, هذا فِسق.
ولكن هُناك إنسان يتحرك, ويبني مجدهُ على أنقاض الناس, ويبني غِناهُ على فقرهم, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ إطلاقاً, وكأنَّ اللهَ لا يُحاسب, هذا فِسق أساسهُ الكُفر، حينما رأى أنَّ اللهَ غيرُ موجودٍ, وأنَ اللهَ في السماء, مع أنَّ اللهَ يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
يعني مثلاً: لو أنَّ إنساناً مُراقب بجهاز تلفزيوني, وقد رأيتُ هذا في محل تجاري، رأيت جهازاً بجانب صاحب المحل, في الشاشة مُحاسب يُجري الحسابات في الطابق العلوي، هذا صاحب المحل, يُراقب هذا الموظف مراقبةً تامةً، لو أنَّ هذا الموظف أخذَ سِنةً من النوم, وأمسكَ مجلةً, وقرأها في أثناء الدوام الرسمي, ماذا نقول؟ هو مُراقب, لكن هذا الموظف يتصرّف وكأنهُ غير مُراقب.
إذاً: الشيء الخطير أن تتحرك مع الناس، أن تستغِلَ قوتكَ، أو أن تستغِلَ حاجةَ الناسِ إليك، أو أن تستغِلَ حاجتهم إلى سِلعةٍ عِندكَ فتبتزُهم, وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود.
امرأة لها بيت, قالَ لها زوجها: إن لم تكتُبي لي هذا البيت فسوفَ أُطلِقُكِ، هيَ ضعيفة, توفيَ أبوها, وأخوتها مسافرون, وخشيت على مكانتها عِندهُ, فكتبت لهُ البيت, في اليوم التالي طلّقها، بعدَ أن أصبحَ البيتُ بيدهِ, ماذا نقول؟ كيفَ فعلَ هذا وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود؟ وكأنَّ اللهَ لا يقتصُّ مِنهُ؟.
لذلك: من الغباء الشديد الشديد, ومن الحُمقِ الذي لا حدودَ لهُ: أن تتحرك وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود, لكنَّ اللهَ كبير.
أنا أذكر إنساناً, شاهد سيارة عليها مفتاحُها, ورآها جيدة جداً من أعلى مستوى, بلدنا والحمدُ لله فيها أمن, فركبها وانطلق بِها، فسَمِعَ أنَّ في المقعد الخلفي طفلاً صغيراً رضيعاً, هذا شيء مزعج, فأمسكهُ من رقبتهِ وخنقهُ ورماهُ في الطريق, وتابعَ سيرهُ, وظنَّ أنهُ ذكيٌ جداً بهذا العمل, ذكيٌ جداً.
سيارة من أعلى مستوى, من أحدث موديل، بعد حين كانَ يركبُها معَ زوجتهِ وأولادهُ في المقعد الخلفي دخلت به سيارةٌ كبيرة, فقتلت ولديه فوراً, وأصابت زوجتهُ بعشرين أو ثلاثين كسراً, وهو في حالة خطيرة، فلما أُخذِت زوجتهُ إلى المستشفى, قالت: الله كبير.
أنا أقول لكم: من أسابيع جاءتني مخابرة هاتفية, قالت لي امرأة: إنَّ ابني ألقى بِهرّةٍ من الطابق السابع, انزعجَ منها فأمسكها وألقاها إلى الأرض، فجاءت ميتة، قُلتُ لها: واللهِ إمّا أن تُسارِعوا إلى صدقةٍ تُطفئ غضبَ اللهِ عزّ وجل, وإمّا أخشى أن يموتَ ابنُكِ بالطريقة نفسها التي قُتِلت بها هذه الهِرة، لأنَّ الله كبير.
هذه نقطة، أنتَ تقول: فُلان فاسق، أيام الإنسان يفوتهُ وقت صلاة, هذه كبيرة, لكن لا يوجد وراءها شعور أنَّ اللهَ غير موجود, أيام الإنسان يتكلّم كلمة يُغلب أحياناً، يتكلّم ويتألم ويدفع صدقة هذه فِسق، لكن في فِسق أساسهُ المغلوبية، أساسهُ أنهُ غُلِب، وفي فِسق أساسهُ أنهُ لا يرى اللهَ عزّ وجل.
﴿يضل بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ﴾
إفساد علاقات، إذا كانَ هذا التلميذ عِندَ هذا العالِم, لا, هذا دجّال، يعني رغبتهُ الجامحة أن يُفسدَ العلاقات بينَ المُعلّم والمُتعلّم، وبين الشريك وشريكه, وبين الزوج وزوجه، وبين الأخِ وأخيه، وبينَ الجارِ وجاره، وبين الأبِ وابنه، وبين الابن وأبيه: ﴿الذين ينقضون عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقه ويقطعون ما أمرَ اللهَ بهِ أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾
وقوله عزّ وجل: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 99]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 20]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾
هذا فِسق الكُفر . ﴿فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾
فِسقُ الكُفرِ, والدليل: ﴿فمأواهم النار كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾
2- الفسق الذي لا يخرجك عن ملة الإسلام .
أما الفِسق الذي لا يُخرِجُ عن الإسلام, وهي قولهُ تعالى في سورة البقرة:
﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 282]
يعني: تطلب شاهد من المحكمة, لهُ مصلحة, لهُ عمل, بعد أن ضيّعتَ لهُ يوم بِكاملهِ : شُكراً سيدي، الله يعطيك العافية، جاء لمصلحتك وترك عملهُ, بقيَ بلا دخل، فإذا أضررتَ كاتباً أو شهيداً, فهذا فِسق؛ لكنَّ هذا الفِسق لا يُخرِجُكَ عن مِلة الإسلام, يوجد يمين ليسَ لهُ كفّارة, الغموس ليسَ لهُ كفّارة, لماذا؟ لأنها تُخرِجُ صاحِبها من الإسلام, وتغمِسهُ في النارِ غمساً، سماها النبي اليمين الغموس, لأنها تغمِسهُ في النار.
واحد وضع عِندكَ مئة ألف ليرة, ولم يأخذ وصل, هوَ واثق مِنك, توفي, يعلمُ أولادهُ ذلك, جاؤوك بعد وفاة أبيهم, أُمورنا واضحة, معكم إيصال؟ أبوكم كان غلطان, فأقاموا دعوى عليه، القاضي ليسَ معهُ دليل, فيلجأ القاضي إلى ما يُسمّى باليمين الحاسمة، دعاهُ لحلف اليمين , جاء الفرج, فحلَفَ يميناً كاذبةً, أنَّ فُلان ليسَ لهُ عِندهُ شيء، هذه اليمين أُقسم بالله تُلغي عقيدتكَ وصلاتكَ وصيامك وحجك وزكاتك, وانتهى كُل شيء, وتُخرِجُكَ من ملة الإسلام, وتغمِسُكَ في النار.
لذلك: هذه اليمين لا كفّارةَ لها، يوجد لنا أخوان كِرام, يتورعون عن حلفِ اليمين, ولو كانوا صادقين، يقول لكَ: شغلة خَطِرة, خُذ مبلغكَ, والله يُسامحكَ، يعني يتفادى بحلفِ اليمين كُلَّ شيء, لكن:
﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾
فسوق المعصية :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
هذا الفاسق سمع إشاعة نقلها، لا يُسمى هذا فِسق كُفر، هذا فِسق معصية:
﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
بالمناسبة: كُلَ حدثٍ وقعَ في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, هذا الحدث له دلالةٌ كبيرةٌ جداً، أسوق لكم مثلاً تعرِفونهُ جميعاً:
لمّا النبي عليه الصلاة والسلام صلّى الظُهرَ ركعتين, فقال لهُ بعضُ أصحابهِ, وكانوا مؤدبين ومهذبين, أدبّهم القرآن, قالَ لهُ أحدهم: يا رسول الله! أقَصُرت الصلاة أم نسيت؟ صلّينا ركعتين فقط, فالنبي عليه الصلاة والسلام ما سبقَ أن نسي إطلاقاً، قالَ: كُلُ هذا لم يكن, فقال هذا الصحابي بأدب: يا رسول الله! بعضهُ قد كان, فأتمَّ ركعتين, وسجدَ سجود السهو, وقالَ: إنما نُسيّتُ كي أسُن، أسُن لكم سجود السهو.
لو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يسه ولا مرة في حياته, لكانَ هذا الحُكمُ مُعطلاً فقال: إنما نُسيّتُ وليسَ نسيتُ, لقولهِ تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 6-7]
الآن: اسمعوا هذه القصة التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, لتروا أنَّ هذه الآية التي جاءت في قولِهِ تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
قال: هذه الآية أُنزلت في الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط, أحدُ أصحابِ رسول الله, لمّا بعثهُ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم إلى بني المُستلق بعدَ الوقعةِ مُصدّقاً, وكانَ بينهُ وبينهم عداوةٌ في الجاهلية، فلمّا سَمِعَ القومُ بِمقدمهِ, تلّقوهُ تعظيماً لأمرِ رسولِ الله, رحّبوا به، فحدثّهُ الشيطان أنهم يُريدونَ قتلهُ فهابَهم, ورجعَ من الطريقِ إلى رسول الله, وقالَ: يا رسول الله! إنَّ بني المُستلق منعوا صدقاتِهم, وأرادوا قتلي, فغَضِبَ النبي عليه الصلاة والسلام، فبلغَ القوم رجوعهُ -النبي بعثَ لهم إنساناً لمهمةٍ نبيلةٍ, يُكذبوا النبي, ويمنعوا صدقاتهم, ويهمّوا بقتلهِ, وقتلُ الرسولِ إهانة للمُرسل- فأتوا رسولَ الله, هم رأوهُ مُقدِماً, مُقبِلاً عليهم, ثمَ عاد, خافوا أنهُ جاءهُ خبر من النبي أن عُد، لعلَّ النبي غاضِبٌ عليهم، فأرسلوا وفداً إلى النبي, قالوا: يا رسول الله! سمعنا برسولك, فخرجنا نتلقاهُ ونُكرِمُهُ ونؤدي إليه ما قَبِلنا من حقِ الله, فبدا لهُ بالرجوع, فخشينا أنهُ إنما ردّهُ في الطريق كتابٌ مِنك, لغضبٍ غضبتهُ علينا, وإن نعوذُ باللهِ من غضبهِ وغضبِ رسولهِ.
صار في تناقض, فالنبي عليه الصلاة والسلام رسولهُ قال شيئاً وهؤلاء قالوا شيئاً، رسولهُ قال: منعوني الزكاة وهمّوا بقتلي، وهؤلاء قالوا: نحنُ ننتظرهُ لنُكرِمهُ ونُرحبَ به ونُعطيهُ الزكاة فرجعَ, ما الذي أرجعهُ؟ لعلكَ أنتَ أرسلتَ كتاباً له أن يرجع, أم لعلكَ غاضِبٌ علينا, ونعوذ باللهِ من غضب اللهِ ومن غضبِكَ.
النبي الكريم كما قال الله عزّ وجل, لمّا جاءهُ الهُدهُد, قالَ: وجدتُ امرأة تملكهم وكذا وكذا, قالَ: سننظر أصدقتَ أم كُنتَ من الكاذبين, المؤمن يُحقق .
فالنبي أرسلَ سيدنا خالدَ بن الوليد خفيةً, وأمرهُ أن يُخفي عليهم قدومهُ, وقال له: انظر فإن رأيتَ منهم ما يدلُ على إيمانهم, فخُذ منهم زكاةَ أموالهم, وإن لم تر ذلكَ, فاستعمل فيهم ما تستعمل في الكُفار، ففعلَ ذلكَ خالدٌ, ووافاهُم, فسَمِعَ منهم أذانَ صلاتي المغرِبَ والعِشاء, الجماعة يُصلون ، وأخذَ منهم صدقاتِهم، ولم ير منهم إلا الطاعةَ والخير, فرجعَ إلى النبي صلى اللهُ عليه وسلم, وأخبرهُ الخبر, فنزلَ قولهُ تعالى: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
هذا الصحابي لعداوةٍ سابِقةٍ بينهُ وبينهم, ولخوفٍ أصابَ قلبهُ, لكن لم يكفر الصحابي, ليسَ هذا فِسقُ كُفرٍ، هذا فِسق معصية, واللهُ توابٌ رحيم.
بالمناسبة: أيام يكون الفاسِق فِسقهُ ليسَ من نوع الكذب, فاسق مثلاً يُطلق بصرهُ في الحرام, وحدّثكَ بحديث, هو فِسقهُ لا من جهة الكذب بل من جهة إطلاق البصر, فالقرآن الكريم ما ألغى رواية الفاسق, قال: تحققوا منها.
إذا إنسان تحدّثَ لكَ عن إنسان، لا ترضى إلا أن تستمع إلى الطرف الآخر، يتكلّم كيف يشاء، وإذا أردتَ أن توّفر وقتكَ, اجمع الاثنين معاً, ويلتغي أربع أخماس الكلام، ممكن أن يُحدِثُكَ ثلاث ساعات عن الواحد، إذا الواحد أمامهُ يُحدّثُكَ خمس دقائق فقط, لكي تُوِفر وقتك, لا تقبل أن تسمع من زوج, إذا كان طبعاً الزوجة قريبتكَ على زوجتهُ, ولا من الزوجة على زوجها, اجمع الاثنين معاً وليتكلما، ينظر كل واحد للآخر، تنظر هي لن تتكلم, الرجل جالس أمامها, هو حي يُرزق, فقبلَ أن تحكُمَ على إنسان, لا بدَ من أن تستمعَ من الطرفين, والأولى أن تجمعهُما معاً, عندئذٍ تختصر الوقت والجهد.
لكن من كانَ فِسقهُ من طرف الكذب, وقد عُرِفَ بالكذبِ كثيراً وتكراراً, بحيثُ يغلِبُ كذِبهُ على صِدقهِ, فهذا لا يُقبلُ خبرهُ ولا شهادتهُ، كُل مؤمن له بالمجتمع الإسلامي اعتبار, لهُ مكانة، إذا فَسق تُردُّ شهادتهُ، يعني أكبر إهانة توجه للإنسان: أن تُردُّ شهادتهُ.
سمعت في بعض البلاد, إذا بائع غشَّ في البيع لا يُعاقب, لا ضبط ولا سجن, ولكن لوحة توضع على محله التجاري: هذا الإنسان يغشُ في البيع والشراء, ينتهي.
سمعت في حمام معدني ببعض البلاد الأجنبية, طبعاً هذا المثل لهُ معنى, في مائهِ مادة تتفاعل مع البول, ولو واحد كان غير حضاري, أو غير مؤمن فبالَ في هذا الماء, فتخرج بقعة بنفسجية فوقهُ, فيلتقطونهُ كما تُلتقط الفأرة, ويوضع في غرفة زجاجية, على مدخل هذا الحمام مكتوب أنهُ: هذا الإنسان يبولُ في الحمام, هذه أكبر من سجن, الفضيحة وهدر الكرامة شيء خطير جداً، فيكفي أنَّ الفاسق إذا فَسق تُردُ شهادتهُ, وردُ شهادة الفاسق طعنٌ في مكانتهِ.
الإنسان يعيش بكرامته، يعيش بمكانته، قد يكون فقيراً رافعَ الرأس، قد يكون عملهُ شاقاً رافعَ الرأس، أما إذا وقعَ في شيء يصغُرُ من عين الله فهذه المصيبة، الحقيقة: المصيبة أن تكونَ عاصياً لله، المصيبة أن تكذب، المصيبة أن تخون، المصيبة أن تفعلَ شيئاً لا يُرضي الله, ربنا عزّ وجل علّمنا عن طريق النبي, يعني في أشدِ حالاتهِ.
مرة مع السيدة عائشة تسألهُ: يا رسول الله! أيُّ يومٍ صعبٍ مرَ بِكَ؟ أصعب أيام حياتك ، هيَ ظنت يوم أُحد, قالَ: لا, يومَ الطائف.
إنسان متوجه بعد أن يكاد ييأس من قومِهِ قُريش, توفيت زوجتهُ, السند الداخلي, توفيَ عمهُ أبو طالب, السند الخارجي, من الداخل صار في وحشة, ومن الخارج صار في خلل, وكُلُ قُريش ضِدهُ, توجه إلى الطائف مشياً على قدميه, وفي الطائف السخرية والاستهزاء والتكذيب حتى والإيذاء ، قالَ: إنَّ أشدَ يومٍ أتى عليّ يوم الطائف, قالَ: إن لم يكن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالي, ولكَ العُتبى حتى ترضى, لكنَ عافيتكَ أوسعُ لي.
هذا درس لنا مهما ضاقت الأمور: يا ربي هذا قدرك, وهذا قضاؤك, وأنا راضٍ به.
إن لم يكن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالي, ولكَ العُتبى حتى ترضى, لكنَ عافيتكَ أوسعُ لي.
يعني هناك كلمات لسيدنا عُمر, أنا أقولُها كثيراً, لأنني أشعر أنها بليغة, ما أصابتهُ مصيبةٌ, إلا قالَ الحمدُ للهِ ثلاثاً: الحمدُ للهِ إذ لم تكن في ديني، ما دام الدين سليماً, صائماً ومصلياً, ويغُض بصرهُ, ودخلهُ حلال, وإنفاقهُ حلال, مؤدية لواجباتهُ الدينية والأُسرية, بار بوالديه, ومُحسن لزوجتهِ, وعطوف على أولادهُ, لا يكون في شغل الله يُدبّر, ما دام لا يوجد معصية, القضية سهلة جداً, يعني الدنيا تأتيكَ وهيَ راغمة.
وأوحى ربُكَ إلى الدُنيا, أنهُ من خدمني فاخدميه, ومن خدمكِ فاستخدميه, ومن أصبحَ وأكبرُ همهِ الآخرة, جعلَ اللهُ غِناهُ في قلبِهِ, وجمعَ عليهِ شملهُ, وأتتهُ الدنيا وهيَ راغمة.
توضّحَ لدينا: الفِسقُ الذي يُخرِجُ من مِلةِ الإسلام, والفِسقُ الذي لا يُخرِجُ من مِلةِ الإسلام، يعني إذا غُلِبتَ, الصحابي خاف عداوة قديمة وخاف, النبي قَبِلَ عُذره, لكن لم يُخرِجهُ من الإسلام, أمّا هذا الذي يقطعُ ما أمرَ اللهُ بهِ أن يُوصل، هذا الذي يحلف يميناً غموساً ليقتطعَ بها مال امرئ مُسلم بغير حق, هذا يتصرّف وكأنَّ اللهَ غيرُ موجود إطلاقاً.
قال: والفسوق الذي تجبُ التوبةُ منهُ أعمُّ من الفسوق الذي تُردُ به الروايةُ والشهادة, أيضاً يوجد درجات, لو فرضنا إنساناً, نظرَ إلى امرأة نظرةً لا تَحِلُ لهُ, هذا فُسق, بل هذا يَرُدُ الشهادة, لا, لكن لو أدام النظر، لو كانَ من شأنهِ أن ينظر.
أنا اقول لكم قصة واقعية: رجل يسكن في المزة, عِندهُ خمسُ بنات متزوجات، لهُ هِواية ليست شريفة, يركب السيارة العامة من المزة إلى المرجة, ويمشي في أيام الصيف في طريق الصالحية ذهاباً وإياباً، ذهاباً وإياباً ليُمتعَ عينيه بالنساء الكاسيات العاريات, لا يتكلّم ولا يبتسم, إلا أنهُ ينظر، هذا الرجل يسكن في بيت، جارهُ صديقٌ لي, جارهُ المُلاصق, ابتلاه اللهُ بمرضٍ في عينيه, هذا المرض اسمهُ: ارتخاء الجفون, كُلما أراد أن ينظرَ إليك, أمسكَ جفنيه بِكلتا يديه, ورفعهُما حتى يراك, فإذا تركهُما انحدرا, فربنا عزّ وجل جعلَ جزاءَ هذه المعصية من جِنسِ العمل، مرض ارتخاء الجفون, في أمراض لا نعلمُها نحنُ.
فكُل فِسق لهُ ترتيب عِند الله عزّ وجل، عِنده خمس بنات متزوجات, وهو متزوج, ومُحصن, وله أصهار, ولهُ أولاد, وله أحفاد, المعصية بِسن متأخر قذرة جداً.
أحُبُ الطائعين وحُبي للشاب الطائع أشد, وأُبغض العُصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشد.
هناك فِسق يوجِبُ التوبة ولا تُردُ بهِ الشهادة، في فِسق تُردُ بهِ الشهادة ولا يُوجِبُ الكُفر.
يعني دائماً أقول لكم كلمة دقيقة: من علامات ضيق الأُفق: رؤيتكَ لونين أبيض وأسود, فإن وجدتَ إنساناً زلّت قدمهُ في معصية صغيرة, هذا كافر, هذا مرض خطير مستشر بين الجماعات الدينية.
مرة النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ زينبَ أن تتزوج أو غير زينب, النتيجة: ما أحبتهُ, قالت لهُ: يا رسول الله! إني أكرهُ الكُفرَ بعدَ الإيمان ، يعني لم أُحبهُ, لذلك القاضي لا يمكن أن يمضي العقدُ سليماً صحيحاً, إلا إذا سَمِعَ بإذنهِ من فم المخطوبة, أنها قَبِلت به، موافقة الأب, لأنهُ يعرف الرِجال, وموافقة البِنت لأنهُ زوجُها, فقالَ عليه الصلاة والسلام: لو تُراجعيه، لو تقبلي بهِ، قالت: يا رسول الله! أفتأمُرني؟ قالَ: لا, إنما أنا شفيع.
النبي الكريم ما وضعَ مكانتهُ الدينية في أمرٍ شخصي, هذا أمر شخصي, فأنا أردتُ من هذه القصة: أنكَ إذا وجدتَ إنساناً, لهُ معصية مُخالفة, إيّاكَ أن تتهمهُ بالكُفر، لو اتهمتهُ بالكُفر, أصبحت الهُوةُ بينكَ وبينهُ سحيقة، اقبلهُ، ذكّرهُ، يوجد أبيض وأسود, أما عندَ خبراء الألوان في مليون لون بينهُما.
مثلاً: الكمال في الحِجاب: أن يُسترَ الوجه, لكن أتوازي فتاةٌ, تلبِسُ معطفاً فضفاضاً, وقد غطت رأسها, وبقي مساحةٌ صغيرة من وجهها, وترتدي ثياباً سابغةً؟ هذه لا توازى بامرأة فاسِقة تكشِفُ عن مفاتِنُها، أتمنى أن يُسترَ وجهُها لا شك, لكن أنتَ ليسَ لكَ الحق: أن تجعل هذه كهذه, لا, في فرق بينهُما, فأنتَ تُريد معياراً دقيقاً، إنسان نظر، إنسان لمس، إنسان باشر , الثلاثة معاً, لا, النظر زِنا, والمس زِنا, والمباشرة زِنا, لكن هذا الزِنا من نوع, وهذا من نوع, وهذا من نوع, أمّا أبيض أو أسود, فهذا أُفُق ضيق, فربنا عزّ وجل يُقدّر كُل شيء.
يعني: كُل شيء لهُ حجم عِندَ الله عزّ وجل, فأردتُ من هذا: في فِسق يوجِب التوبة، في فِسق تُردُ بهِ الشهادة، في فِسق يُخرِجُ من المِلّة، فأنتَ إذا التقيت مع إنسان, وأردتَ أن تنصحهُ لا تُبالغ، إذا بالغت, نفرتَ منهُ, ونفرَ مِنك.
وقد قالَ بعضُ العُلماء: الفِسقُ أخصُ بارتكابِ النهيِ, ولهذا يُطلقُ عليه كثيراً: ﴿وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم﴾
يعني: إذا شيء نهى الله عنهُ وارتكبتهُ, يُسمى في القرآنِ فِسقاً, والمعصيةُ تركُ الأمرِ , المعصية ترك الأمر, أمّا الفِسق ارتكاب النهي, الشرع بشكل مُجمل أمر ونهي، افعل ولا تفعل، إذا قال لكَ: لا تفعل, تأكد أنَّ النفسَ البشرية تتمنى أن تفعل, وإذا قال لكَ اللهُ: افعل, النفسُ البشرية تتمنى ألاّ تفعل، لأنكَ لا ترقى عِندَ اللهِ عزّ وجل إلا إذا خالفتَ نفسكَ، لأنَّ للنفسِ طبع والأمرُ الإلهي يُخالفُ هذا الطبع، لذلك سُميَّ الأمرُ تكليفاً لأنهُ ذو كُلفةٍ, غضُ البصر, الإنسان مع سجيتهِ يتمنى أن ينظر، والإنسان مع طبعهِ يتمنى أن لا يستيقظ على صلاة الفجر النوم ألذ، ومع طبيعتهِ يتمنى ألاّ يُنفِقَ المال قبضهُ لهُ شعور آخر، فيوجد أمر ويوجد نهي, فإذا فعلتَ ما نهى اللهُ عنهُ, فهذا بالقرآن يكثُرُ ذِكرهُ بالفِسقِ، وإذا تركتَ ما أُمرتَ بهِ, فهذا يغلِبُ عليه اسمُ المعصية.
والتقوى: تجمعُ الأمرين معاً، التقوى أن تتقي أن تقعَ فيما نُهيتَ عنهُ, وأن تترُكَ ما أُمرتَ بهِ، أن تتقي غضبَ الله, فإذا أمركَ بشيء, فالتقوى أن تفعلهُ, وإذا نهاكَ عن شيء, فالتقوى أن لا تفعلهُ.
الآن دخلنا بموضوع آخر: في فِسق سلوكي, وفِسق اعتقادي, لمّا ربنا عز وجل قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
إذا إنسان أنكرَ الإسراء, ماذا يُعدُ في علمِ العقيدة؟ يُعدُ كافراً, لماذا؟ لأنَ دلالةَ الآية قطعي، الدلالة قطعية، إذا أنت أنكرت نصاً قطعي الثبوت والدلالة فقد كفرت، طيب لمّا ربنا قال:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾
[سورة النجم الآية: 8-9]
الآيات توحي أنَّ النبي عُرِجَ بهِ إلى السماء, لكن لا دليلاً قطعياً على أنهُ عُرِجَ بهِ إلى السماء:
من أنكرَ المِعراج فقد كفر.
إذا أنكرتَ شيئاً ذا دليلٍ قطعي فقد كفرت، إذا أنكرتَ شيئاً ذا دليلٍ ظنيّ فقد فسقت، فالفِسق الاعتقادي خطير, أن تُنكِرَ شيئاً يعني ينبغي أن تعتقدَ بهِ، أما إذا أنكرتَ شيئاً يجبُ أن تعتقدَ بهِ فقد كفرت.
أمّا فِسقُ الاعتقادِ كفسقِ أهلِ البِدعِ, الذين يؤمنون باللهِ ورسولهِ واليوم الآخر, ويُحرّمون ما حرّمَ اللهُ, ويوجِبونَ ما أوجبَ اللهُ, ولكنهم ينفونَ كثيراً مما أثبتَ اللهُ ورسولهُ جهلاً وتأويلاً وتقليداً لغيرهم.
يعني: إذا أنت نفيتَ عن اللهِ عدالتهُ, أخي سبحان الله, الله يعطي الحلاوة لمن ليسَ له أضراس, هل تعلم أنكَ فسقت فِسقاً اعتقادياً بهذا الكلام؟ نفيتَ عن الله العدالة، نفيتَ عنهُ الحِكمة.
فإذا نفيتَ عن اللهِ ما أوجبهُ لنفسهِ فقد فسقتَ فِسقاً إعتقاديّاً، أمّا التوبة: أن تُعلِنَ على الملأ الذينَ أنكرتَ هذا أمامهم, أن تُعلِنَ عكسَ ذلك, ولم تُقبلَ توبتكَ ما لم تُبين عكسَ الذي قُلتهُ من قبل, ماذا قالَ الله عزّ وجل؟:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 159-160]
لكن الفاسِق فِسقاً, يُخرِجُ من المِلّة, هذا مأواهُ النار, والدليل: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 67]
هذا فِسق يُوجِبُ الكفُر. الخلاصة :
اتضح معنا في هذا الدرس: أنَّ كلمة فِسق متدرجة, فِسق يوجِبُ التوبة، فِسق تُردُ بهِ الشهادة، فِسق كما تعلمون موضوع تعرفونهُ جميعاً: إذا الإنسان كذب, فقد وقعَ في النِفاق, لأنَّ آية المنافق ثلاث: إذا حدّثَ كذب.
من عاملَ الناسَ فلم يظلمهم, وحدثّهم فلم يكذبهُم, ووعدهم فلم يُخلِفهُم, فهو ممن كَمُلت مروءته, وظهرت عدالتهُ, ووجبت أُخوته, وحَرُمت غيبتهُ, من كذبهم سقطت عدالتهُ, من ظلمهم سقطت عدالتهُ، من أخلفهم سقطت عدالتهُ؛ لكن في بالشرع دقّةَ بالغة: في سقوط عدالة وفي جرح عدالة.
إبريق زجاجي, إذا جئت بمطرقة وكسّرتهُ قطعاً صغيرة, وقد يُشعرُ هذا الإبريق، فجرحُ العدالةِ شيء, وسقوط العدالة شيء آخر.
عالِم الحديث الشهير, الذي جاء من المدينة المنورة إلى البصرة, ليتلّقى حديثاً عن أحدِ الرواة, لمّا رآهُ يوهِمُ فرسهُ: أنَّ في ثوبهِ شعيراً, لتُقبِلَ عليه, فاقتربَ منهُ, ولم يجد في الثوب شيئاً, فعادَ أدراجهُ إلى المدينة, وعدَّ هذه الحادثة تكفي لِردِ الحديث عنه, جُرِحت عدالتهُ.
لذلك الأكل في الطريق يجرحُ العدالة, يمشي حافياً، أن تُطفف بتمرة، أن تأكل لقمة من حرام، أن تصحبَ الأراذل، أن يعلو صوتُكَ في البيت، أن تتحدثَ عن النساء، أن تُطلِقَ لفرسكَ العِنان، أن تقودَ بِرذوناً، أن تبولَ في الطريق, هذا كُلهُ يجرح العدالة، أنتَ مؤمن، أنتَ سفير هذا الدين، تُمثل هذا الدين، يعني الإنسان حتى ثيابهُ جزء من دينهُ, يعني لا أقول لكَ: يجب أن تكونَ غالية, أبداً, يمكن أن تكونَ الثيابُ متواضعةً جداً, ولكنها نظيفة, نظيفة فقط, الإسلام نظيف ، فدائماً وأبدا ً:
(( عَنْ قَيْسِ بْنِ بِشْرٍ التَّغْلِبِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, وَكَانَ جَلِيسًا لأَبِي الدَّرْدَاءِ, قَالَ: كَانَ بِدِمَشْقَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ, وَكَانَ رَجُلاً مُتَوَحِّدًا, قَلَّمَا يُجَالِسُ النَّاسَ, فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ, قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نِعْمَ الرَّجُلُ, خُرَيْمٌ الأَسَدِيُّ, لَوْلا طُولُ جُمَّتِهِ, وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ, فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا, فَعَجِلَ فَأَخَذَ شَفْرَةً, فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنَيْهِ, وَرَفَعَ إِزَارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ, ثُمَّ مَرَّ بِنَا يَوْمًا آخَرَ, فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةً تَنْفَعُنَا وَلا تَضُرُّكَ: فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى أخْوَانِكُمْ, فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ, وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ, حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ, فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلا التَّفَحُّشَ, قَالَ أَبو دَاود: وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
وكانَ إذا مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام: يُعرفُ بريح المِسك.
إذاً: حتى الآن أنواع المعاصي التي نحنُ في صددها: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, أكبر معصية هيَ أساس كُل المعاصي, إذا واحد اعتقد من شخص جاهل, أنهُ مهما فعلت, أنتَ من أُمةِ مُحمد, وأمةِ مُحمدٍ مرحومة, والنبي عليه الصلاة والسلام لن يدخُلَ الجنة قبلَ أن يُدخلَ أُمتهُ كُلها إلى الجنة, وانتهى الأمر, هذا الكلام يخرج منهُ ملايين المعاصي, إذا توهمّتَ هكذا, اسمع الآيات: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
[سورة الزمر الآية: 19]
هل هُناك أوضح من هذه الآية؟
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَ فَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
الشفاعةُ حق, ولكن لها تفسير راقٍ جداً, أرقى من هذا الفهم الساذج للشفاعة, فأخطر شيء في الدين: أن تقولَ على الله ما لا تعلم, طبعاً آتي بمثل واحد, هُناك آلاف الأمثلة, يعني أن تعتقد أنك أُجبِرتَ على كُلِ معاصيك, ولا حيلة لكَ فيها إطلاقاً, ثم ساقكَ اللهُ إلى جهنم, لتبقى فيها أبدَ الآبدين, والقرآن الكريم, عشرات الآيات بل مئات الآيات تؤكدُ ندمَ الفاسقين.
لو أنَّ الأمرَ كذلك, هل هُناك ندم؟ ما ندم، مُجرّدِ الأمرِ والنهيِ فأنتَ مُخيّر، أو ما قالهُ سيدنا عمر, لمّا قالَ له أحدهم: إنَّ الله قدّرَ عليَّ ذلك, قالَ: أقيموا عليه الحَد مرتين؛ مرةً لأنهُ شَرِبَ الخمرَ, ومرةً لأنهُ افترى على الله.
فالإنسان دائماً إذا كانَ مُقصّراً أو كانَ مُتلبساً بمعصيةٍ, يميلُ إلى أن يعزوَ هذا إلى الله, للأقدار, أما إذا صلى قيام الليل لا يقدر, يقول لك: أنا صليت قيام الليل، إذا فعل عملاً صالحاً تصدّق, يعزيها لحالهُ, يقول لكَ: أنا اليوم عملت كذا, أمّا إذا كان وقع في معصية, هكذا قدّرَ اللهُ عليّ, هذا الكلام مُضحك, لماذا الطاعةُ تعزوها إلى نفسك وتعزو المعصية إلى الله عزّ وجل؟: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 28]
فالفِسق الاعتقادي خطير جداً، الكُفر أن تُنكر, أمّا الفِسق أن توجب ما نفاهُ اللهُ عن نفسهِ, أو أن تنفي عنهُ ما أثبتهُ على نفسهِ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و العشرون )


الموضوع : النفاق







تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين .
ونحنُ قبلَ درسين أو أكثر : بدأنا في موضوع التوبة , وقبلَ أن ندخُلَ في صُلبِ موضوع التوبة , بدأنا في ذِكرِ المعاصي والذنوب التي ينبغي أن نتوبَ منها ، وتحدثنا من قبلُ عن أنَ أكبرَ المعاصي أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وتحدثنا عن الفحشاء والمُنكر، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وتحدثنا عن أنواع الفِسق , وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يُخرِجُ من المِلّة ؟ وكيفَ أنَّ هُناكَ فِسقاً يوجِبُ التوبة .
منزلة النفاق :
وننتقلُ اليوم , ولستُ أُبالغ إلى أخطرِ موضوعٍ من موضوعات الإيمان , ألا وهو النِفاق , لأنَّ أخطرَ الأمراض في عالم الطِب هي : الأمراضُ التي لا أعراضَ لها .
هُناكَ أمراضٌ لها آلامٌ لا تُحتمل ، ليست خطيرة , لأنها في وقتٍ مُبكر تكشِفُها ،
ولكنَّ أخطرَ الأمراض هي : الأمراض التي لا يُصاحِبُها ارتفاع حرارةٍ ولا آلامُ مُبرّحةٌ , إنما هيَ أمراضٌ تتسلل تسلُلاً بطيئاً إلى أن تستفحلَ فجأةً , وعندئذٍ يستحيلُ الدواء .
ذكرتُ هذا لأنَّ الذي يخافُ أن يكونَ مُنافقاً قولاً واحداً ليسَ مُنافقاً , لكن المنافق لا يدري أنه منافق , يحسبُ أنهُ مؤمن , هذا الذي يُفسّرُ بهِ أن تأتي ثلاث أو أربعُ آيات في مقدمة القرآن الكريم , وفي أولِ سورةٍ منه تتحدثُ عن المؤمنين ، وفي آيتين فقط يتحدثُ القرآن عن الكافرين ، وفي ثلاث عشرة آية يتحدثُ عن المنافقين .
عندما الإنسان يتكلّم كلام الكُفر, هذا الإنسان ليسَ خطراً أبداً، لأنَّ الناسَ يحذرونهُ, لأنَّ كفرهُ بواح, مهما يكن كفرهُ شديداً الناسُ يحذرونهُ، أمّا الذي يُخشى منهُ: هذا الذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, فالذي تظنهُ مؤمناً وهو كافر, هو المنافق لهُ مظهر وله مخبر، لهُ موقفٌ مُعلن ولهُ موقفٌ حقيقي، لهُ سلوك خارجي ولهُ اعتقاد داخلي، المنافق أخطرُ إنسانٍ في المجتمع الإسلامي.
لذلك: هذا الذي تزيا بزيّ المسلمين، وصلى صلاتهم، وصام صيامهم، وحجَّ حجهم، وأدى زكاة مالِهِ كما يؤدون، ولبّسَ على المُسلمين, وهو يكيد لهم, ويحاول أن يُطفئ نور اللهِ عزّ وجل بطريقةٍ أو بأخرى, هذا ليسَ مكانهُ في النارِ كما هو مكان الكُفار, بل مكانهُ في الدركِ الأسفلِ من النار, هذا معنى قولهِ تعالى:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 145]
وكُلُكم يعلم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما نزلَ قولهُ تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 84]
أودعَ سِراً لسيدنا حُذيفة بن اليمان, وأعطاهُ أسماءَ سبعةَ عشرة مُنافقاً, أمرهُ إذا توفاهُ اللهُ عزّ وجل ألا يُصلّى عليهم، أمّا أن يأتي عمر بن الخطاب عِملاق الإسلام، الخليفة الراشد، الذي كان فذّاً عبقريّاً, يسألُ حذيفةَ بن اليمان, ويقول له: أُنشِدكَ الله: هل ذكرَ النبي صلى الله عليه وسلم اسمي مع المنافقين؟ هذا لِعِظَمِ حقِّ اللهِ عليه.
أيها الأخوة, مهما اتهمتم أنفسكم, فأنتم تعملون ما هي صفات المؤمن؟ المؤمن كثير الاتهام لنفسه، دقيقٌ في حِسابهِ، عسيرٌ في محاسبةِ نفسه، يُراجع نفسهُ كثيراً، يتهمُ نفسهُ كثيراً، يلومُها كثيراً, حتى إن الله سبحانه وتعالى أثنى على تلكَ النفس اللوامة، أمّا هذا الذي يمدحُ نفسهُ, ويظنُ بِها خيراً, ويُحسن الظنَ بها, وهي ليست كذلك, فهذا على شُعبةٍ من شُعبِ النِفاق.
الآن :
النِفاق خطورتهُ أنَّ الإنسانَ يمتلئُ منهُ وهو لا يشعر ، والنِفاقُ خطورتهُ أنهُ يخفى على الناس ، إذا أحدهم قال : ليسَ هُناكَ إله, مع أن هذا الكلام هو الكُفر, لكن أنا أرى: هذا الكلام ليسَ لهُ خطورةٌ على المجتمعِ أبداً, لأنَّ الناسَ لا يصدقونهُ ويحذرونهُ ويبتعدون عنهُ ويتهمونهُ بالكُفر, أمّا هذا الذي يقول كما يقول الناس, ويصلي صلاتهم, ويصوم صيامهم, ويكيدُ للمسلمين, هذا مُنافق.
يعني: إذا الإنسان جاء بالآيات, ووجهها توجيهاً ليوافقَ روحَ العصر، جاء بآيات وفسّرها تفسيراً يُكرّس في انحرافات العصر فرضاً، فرّغَ الإسلام من مضمونهِ, وهو يقول: قال الله جلَّ جلاله, والنبي عليه الصلاة والسلام, هُنا الخطر, لأنَ هذا سُمٌّ في دسم, دسم مع السُم.
أنواع النفاق :
1-النفاق الأكبر :
الحقيقة: النِفاق نوعان: نِفاقٌ أكبر، ونِفاقٌ أصغر, النِفاق الأكبر يوجِبُ الخلودّ في النار, ليسَ دخول النار فقط, يوجب الخلود في النار, لكن نعوذ بالله من هذا النوع, النِفاق الأكبر: أن تُنكرَ كُلَّ شيء في الدين, وأن ترفضَ هذا الدين جملةً وتفصيلاً, وألا تعتقدَ لا بما جاءَ بهِ النبي ولا بما نزلَ بهِ القرآن، لكنكَ بدافعٍ من مصالحكَ وذكائِكَ, ترى أن مصالِحكَ كُلها لا تصونُها إلا إذا أظهرتَ للناس أنكَ منهم, هذا هو النِفاق الأكبر الذي يوجب الخلودَ في النار, بل في دركِها الأسفل, وهو أن يُظهِرَ الإنسان للناسِ إسلامه, إيمانهُ بالله, وملائكتهِ, وكُتبهِ, ورُسلهِ, واليوم الآخر.
إذا كُنت في بلد مُطبّقٌ فيه الدين تطبيقاً كاملاً, وسارعتَ إلى الصلاة كُلما أذّنَ المؤذّن, لأنهُ لو لم تذهب, هُناك سجن, وهُناك عقوبات كبيرة, فإذا غادرتَ بلدكَ إلى بلدٍ غربيّ, انغمست في الملذاتِ والزِنا والخمرِ إلى قِمةِ رأسك, هذا الذي يصلي في بلدهِ كُل وقت بوقته, ويحجُ البيت ويطوف ويسعى, ويدفع زكاة مالهُ, لأنَّ عليه مراقبة شديدة, فإذا لم يفعل عوقب وجُلد و.... إلخ, فإذا خرجَ من بلدهِ إلى بلدٍ أورُبي, انغمسَ في الزِنا والخمر إلى قِمةِ رأسهِ, أليسَ هذا هو النِفاق الأكبر؟ لا يعبأُ بشيء من أوامر الله عزّ وجل, بل هو لا يقبلُها, بل لا يعتقدُ بها.
أردتُ أن أقرأ عليكم في سورة البقرة في مطلعها الصنفين من أصناف المنافقين, فالصِنفُ الأول: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 17-18]
هذا النِفاق الأكبر: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾
2-النفاق الأصغر :
أما النِفاق الأصغر:
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 19-20]
لكنهُ لم يذهب بسمعهم وأبصارهم, لأنهُ ينتظر أن يهتدوا وأن يؤمنوا.
فالمنافق إمّا إنسان مؤمن بالله, لكن إيمانهُ ضعيف, وغَلبتهُ نفسهُ, فانساقَ مع شهواتهِ, فهذا النِفاق الأصغر, الذي نرجو لصاحبهِ أن يؤمن, وأن يهتدي, وأن يتوب، وأمّا النِفاق الأكبر: فهو أن تُنكرَ أصلاً كُلَ ما جاء بهِ النبي عليه الصلاة والسلام, وأن تُنكرَ هذا الكتاب, لكنكَ تفعلُ أفعال المُسلمين تمشيّاً مع مصالِحك.
لعلَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :
(( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا, ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ, ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا, فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعٍ: بِرِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ, فَوَ اللَّهِ إِنَّ أَحَدَكُمْ أَوِ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ, فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ, فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا, قَالَ آدَمُ: إِلا ذِرَاعٌ))
هذا الذي قصدهُ النبي, إنهُ في الأصلِ يعملُ بعملِ أهلِ الجنة, لكنهُ هو من أهلِ النار, هو كافرٌ كفراً بوُاحاً, ولكن يتظاهر. الآيات القرآنية التي تتحدث عن صفات المنافقين :
الحقيقة: في سورة التوبة وصفٌ دقيقٌ دقيق للمنافقين، وفي سورة المنافقين وصفٌ دقيقٌ لهم، وفي ثنياتِ السور الأخرى وصفٌ لهم, أمّا الذي أتمناهُ على كٌلِ أخٍ مؤمن: أن تكونَ صفات المنافقين واضحةً في ذهنهِ وضوحاً جليّاً, ليعرف أينَ هو من هؤلاء؟ وفي هذا الدرس إن شاء الله تعالى سنقف عِندَ آيات المنافقين آيةً آية, نقفُ عِندها وقفةً متأنية, لنرى الأبعاد التي تعنيها تلكَ الآيات, فلعلها تكونُ مقياساً، يمرض الإنسان أحياناً, فيعطيه الطبيب قائمة مسجّل عليها بعض الأطعمة التي يجب أن يمتنع عنها لا ليأكُلها.
وقفنا عِندَ آيات المنافقين في هذا الدرس من أجلِ هذا, من أجلِ أن نحذرَ أن نكونَ من هؤلاء, وأن نحذرَ أن تنطبِقَ علينا صِفاتِ بعضِ هؤلاء، المنافقون جميعاً متفقون على شيء واحد, وهو تركُ الاهتداء بالوحي, أنت إنسان تحتاج إلى منهج، تحتاج إلى دستور، تحتاج إلى قانون، ما المنهج الذي تسيرُ عليه؟ ما القانون الذي يُقننُ تصرفاتك؟ ما الدستور الذي تهتدي به ؟ المنافقون جميعاً أنكروا الوحي ورفضوه, والدليل: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 53]
الوحيُ في واد, ومبادئهم وأفكارُهم وقيمُهم وأساليبُهم وحركاتُهم في وادٍ آخر:
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
والشياطين كما تعلمون يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً, يعني مُلخصُ هاتين الآيتين أنهُ : ﴿ما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولهُ أمراً أن يكونَ لهم الخيرةُ من أمرهِ﴾
أنتَ كمُسلم, هذا حِكمُ اللهِ في الرِبا, وهذا حُكمُ اللهِ في العلاقةِ مع النساء, وهذا حُكمُ اللهِ في الغيبة, وهذا حُكمُ اللهِ في الزواج, فإذا رفضتَ حُكمَ اللهِ, ولو كانَ الرفضُ داخليّاً, فأنتَ شئتَ أم أبيت وقعتَ في خندقِ المنافقين, يعني المنافقون اتخذوا هذا القرآن مهجوراً, يعني كتابٌ لا يصلُحُ لهذا الزمن، كتابٌ نتبرّكُ بهِ ولكن ليسَ هوَ الدستور، ليسَ هوَ القانون، كتابٌ نتلوهُ على الأموات، كتابٌ نقرؤهُ نتقوى, كتابٌ فصيحٌ جداً إذا قرأناهُ استقامت ألسِنتُنا, معناها اتخذتهُ مهجوراً, هذا الكتاب لم تر أنهُ الدستور الكامل. 1-في قلوبهم مرض .
الحقيقة أول صِفة من صِفات المنافقين : في قلوبهم مرضٌ , هذا المرض حُبُ الدنيا، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام :
(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ))
[أخرجه أبو داود عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ]
حُبُ الدُنيا هوَ الذي يحمِلُ على معصية الله, هو الذي يحملُ على أن تأخذَ ما ليسَ لك, هوَ الذي يحمِلُ على أن تطغى وعلى أن تبغي, لذلك: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 10]
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
فلمّا أصرّوا على هذه الشهوات وتشبثوا بِها: ﴿فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾
أطلقهم إليها لعلّهم يتخلصونَ منها, ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون على اللهِ عزّ وجل.
إذاً: أساس النِفاق حُبُ الدُنيا، وحُبُ الدنيا عبّرَ الله عنه بكلمة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾
أحياناً المنافق لسببٍ أو لآخر, يستمع إلى خُطبة, أو يجلس في مجلس عِلم, إذا انفض المجلس, لو سألتهُ عن كلمةٍ واحدةٍ, أٌلقيت في هذا المجلس, لا يتذكر, عن آية واحدة، عن تفسيرِ حديثٍ واحد، عن مِحور الدرس، عن عنوان الدرس, لا يتذكر، إذا خرجوا من عِندِ رسولِ الله, قالوا: ما قالَ آنِفاً؟ والله لا أتذكر، لم نفهم شيئاً, فربنا عزّ وجل وصفهم, فقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾
يقول الحجاج مرة : رأى شخصاً يُصلي قاعداً في دُكانهِ , وهو يبيعُ بعض الأواني , ودُكانهُ سقفُها مرتفع , وعِندهُ سُلّم , وهُناك رفوف بعضُها فوقَ بعض , فقالَ لهُ : باللهِ عليك هذا الإناء , اختار أعلى واحد , أرِني إياه بنشاط , وضعَ السُلّم , وصعد وجاء بهِ ، قال : لا , ليسَ هذا الذي بجانبهِ , فصعد , وجاءَ بهِ , أرادَ الحجاج أن يمتحنَ صِدقهُ مرتين , وثلاثة , وأربع مرات , وهو يصعد ويهبِط , بعدئذٍ قال : تُصلي قاعداً في دُكانِك وأنتَ في البيع والشِراء نشيطٌ جداً .
أيام الإنسان يقول لكَ: الإمام طوّلها, يعني يكون قد قرأ آية زيادة, توقفهُ على باب الجامع, تُحدِثهُ ساعة على الواقف, وأنتَ مبسوط, استكثر آية يتلوها الإمام في صلاة الفجر زائدة, ووقفَ ساعةً يُحدِثُكَ في حديثٍ سخيف, وهو لا ينزعج.
فلذلك: المؤمن في المسجد كما يقولون كالسمكِ في الماء, والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص, يعني متضايق: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾
2-المخادعة.
من علاماتِهم كما تعرفون: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : قَالَ مِسْعَرٌ : أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ , لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ , فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ , فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :
(( يَا بِلالُ, أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا ))
(( عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ ))
إذاً: الذي يقومُ إلى الصلاةِ كسلاناً: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
هذه صِفةٌ ليست طيبةً في حقِ المُسلم، ذِكرهُ للهِ قليل، يعني إذا خُضتَ معهُ في موضوعٍ دُنيوي, خاضَ فيهِ إلى قِمةِ رأسهِ, فإذا دخلتَ في موضوعٍ ديني ينظر لساعتهِ, ويقول لكَ: تعذرُني عِندي موعد، ساعة ونصف يستمعُ إليك بنهم, ما دام الموضوع في التجارة والمشاريع والاستيراد والتصدير وأسعار العُملات, أمّا إذا دخلتَ في موضوعٍ ديني اعتذر فوراً.
فلذلك :
﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً﴾
المنافق مشكلتهُ أنهُ يجعلُكَ في حيرة لا هو مع المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هو مع المنافقين مع الكُفار فتظنهُ كافراً وتستريحُ منهُ.
يعني أحياناً تجد طالباً لا يدرس, فلو دخل في صنعة كانَ قد تعلمّها, وكان قد أتقن الصنعة, لكان خيراً له, فالطالب ليس بطالب, وقتهُ مُعطّل, ليسَ بطالب ليتعلّم, ويأخذ شهادات عُليا, ويتفوق, ويصبح طبيباً، محامياً، مهندساً، مدرساً، ولا هو إنسان أتقن عملاً, يكسب منهُ رِزقهُ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 143]
لو كان مؤمناً صادقاً, قطف ثِمار الإيمان, شعر بالراحة, فتيسرت أُمورهُ, وتجلى اللهُ على قلبِهِ, وألقى اللهُ في قلبهِ نوراً, شعر بطمأنينة، حياتهُ سعيدة، بيتهُ سعيد, ولو كان كافراً لانطبق عليه قولهُ تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
يعني: خُذها وخلصني, لا هو من المؤمنين فيقطِفُ ثِمارَ الإيمان, ولا هوَ من الكافرين حتى يخرُجَ من العناية المُشددة.
البارحة حضرت مولداً, رجل أُصيب بحادث سير, وقُطعت يدهُ بهذا الحادث, بعدَ أن شُفيَ من الأعراض الجانبية من هذا الحادث, أُقيمَ لهُ مولد جيد, فألقى فيه بعضُ العُلماء كلمات, فأنا خطرَ في بالي هذا المعنى: لو أن شابين, واحد طالب مدرسة, والثاني بِلا دراسة وبِلا عمل, طالب المدرسة إذا تأخر يُحاسب، إذا لم يحفظ الدرس يُحاسب، لم يكتب وظيفة يُحاسب، نسيَ الكتاب يُحاسب، مرة أحضر والدكَ، مرة وقّع تعهد، مرة قف خارج الدرس، فهو يشكو همهُ لهذا العاطل عن العمل, فقالَ له: أنا أعوذ بالله, من يجرؤ على محادثتي, لا أحد, يقول لي: أحضر والدك, أو اعمل تعهد, ولا شيء أبداً, لكن يوجد جواب لطيف كثيراً, أنتَ خارج المدرسة، هذا مستقبلهُ معروف, هذا طبيب آخرتهُ.
فلمّا الله عزّ وجل يُهمِلُ الإنسان, تجده يزداد قوة ومنعة وغِنى, وهو غارق في المعاصي, يفتخر ليسَ فيه مرض, وليسَ عِندهُ مشكلة, وشغلهُ جيد, فهذا الشاب الذي لا في العير ولا في النفير، لا في التعليم ولا في المِهن ولا في الحِرف, سائب.
يعني قد تكون بعض العبارات قاسية لكنها مُعبّرة, دابة سائبة لا قيد يُقيدهُا، ولا قانون يحكمهُا، ولا قيم تُقيّمهُا، ولا شرع يهتدي به، ولا كتاب يُطيعهُ، يفعلُ ما يشاء بِلا حِساب.
فلذلك: الإنسان إذا شعرَ أنَّ اللهَ يُتابِعهُ, وأنَّ اللهَ يُحاسِبهُ على حركاتهِ وسكناتهِ وخطواتهِ, فهذه من نِعم الله الكُبرى, أنتَ في العناية المُشددة.
قالَ له: عِظني ولا تُطل, قالَ له: قُل: آمنت باللهِ ثم استقم، قالَ: أُريد أخفَ من ذلك -هذه ثقيلة- فقالَ لهُ: إذاً فاستعدَ للبلاء.
فالمؤمن مُبتلى.
في قصة غريبة جداً: في صحابية, لها زوج لم يمرض مرة بحياتهِ، لا مرض ولا مُشكلة، والمال بين يديه موفور، وصحتهُ طيبة، فخافت أن يكون منافقاً، فذهبت إلى النبي لتشكُوهُ، لا تُريد هذا الزوج, غير معقول أن يكون مؤمناً!!! المؤمن مُبتلى، يُحاسب، يُعاتب، مرة يمرض، مرض يتألم، مرة يُضيّق اللهُ عليه.
قال يا محمد: أتُحبُ أن تكونَ نبيّاً ملكِاً أم نبيّاً عبداً؟ قال: بل نبيّاً عبداً أجوعُ يوماً فأذكُرهُ, وأشبعُ يوماً فأشكرهُ.
هذا لا يوجد به شيء, لا وجع رأس, ولا ألم, ولا هم, ولا حُزن, فذهبت زوجتهُ إلى النبي لتشكوهُ, ولعلّها تبعدُ عنهُ, وكانَ في رِفقتِها, وقعَ في الطريق, فتعثرت قدمهُ, فقالت: ارجع انتهى الأمر, يعني أصبحتَ مُبتلى, فالمؤمن ضمن العناية المشددة.
الله عزّ وجل لمّا يُحاسِبُك في الدنيا, هكذا ورد في بعض الأحاديث: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام زار أحد أصحابه وكانَ مريضاً، قالَ: يا رسول الله! ادع اللهَ أن يرحمني, فيبدو أنَّ النبي سألَ اللهَ أن يرحمهُ, فقالَ اللهُ عزّ وجل: كيفَ أرحمهُ مما أنا بهِ أرحمُ؟ وعِزتي وجلالي لا أقبِضُ عبدي المؤمن, وأنا أُحبُ أن أرحمهُ, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كانَ قد عَمِلها سُقماً في جسده, أو إقتاراً في رِزقه, أو مصيبةً في ماله أو ولده, حتى أبلُغَ منهُ مِثلَ الذر, فإذا بقي عليه شيء, شددتُ عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيومَ ولدتهُ أُمهُ.
أنا أقول لكم, وأنا صادق في هذا الكلام: إذا أحدكم يتابعه الله عزّ وجل, يُتابِعهُ تماماً, كُلما زلّت قدمهُ, جاء العِقاب, ليفرح, لأنهُ في العناية المُشددة، وإذا رأى نفسهُ يُسيء ولا يُحاسب, معناها ليحزن, لأنهُ خارِجُ العناية المُشددة, تماماً كهذا الذي يقول: أنا لا يتكلم معي أحد ولا كلمة, أنتَ خارج المدرسة، أنتَ فلتان طبعاً, لا يوجد هُناك من يُحاسِبُك، فالمنافقون مُذبذبين بينَ ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء:
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 88]
3- يدور مع مصالحه :
المنافق إذا كان لهُ قضية, يعني قضية تجارية, خصومة تجارية، دين، عِندهُ حاسة سادسة, إذا كانت تُحل عِندَ العُلماء, يقول: أنا يا أخي أُريد الشرع, لأنَّ القانون يجوز أن يكون ضِدهُ, أمّا الشرع معهُ، تجده يُريد العُلماء, أخي أنا أُريد حُكم الله، وأحياناً يشعر بالحاسة السادسة, أنَّ الشرع ليسَ معهُ, أمّا القانون معهُ, يقول: أنا أُريد المحكمة, نحنُ في بلد فيه محاكم, فدائماً يُلاحق مصلحتهُ, إذا تُحل قضيتهُ مع الشرع صار مع الشرع، تُحل مع القانون صار مع القانون، هذه أيضاً صِفة من صِفات المنافقين:
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 141]
نحنُ معكم, نحنُ منكم وفيكم. 4-المنافق طليق اللسان :
المنافق طليق اللسان، يعني أحياناً عِندهُ قوة إقناع، فصيح أحياناً, قالَ تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
[سورة البقرة الآية: 204]
﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
بالمناسبة: وهذه القصة التي أقولها لكم, وأنا أُعدُها من أخطر القِصص: لو كنت طليق اللسان, وعندك بيان، عندك قوة إقناع, واستطعت أن تنتزع حُكماً لا من فُلان أو عِلان, لا من شيخ أو غير شيخ, أن تنتزعَ حُكماً لصالِحِكَ من فمِ رسولِ الله, وهل أعظم من رسول الله؟ من فمِ الصادق المصدوق؟ من فمِ المعصوم؟ من فمِ سيدِ الخلق؟ من فمِ حبيب الحق؟ ولم تُكن على الحق, لا تنجو من عذاب الله, والدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا))
ما قولُكم: علاقتكَ مع من؟ مع الله عزّ وجل, لا تنجو, فالذي يريد فتوى من فُلان ففتى لكَ, ولو النبي فتى لكَ, لو لم تكن على الحق, واستصدرتَ من النبي فتوى, لا تنجو من عذاب الله, هذا من ضعف الإيمان، من الشِرك الخفي: الإنسان إذا أخذ فتوى, يقول: أخي إن شاء الله يتحمل وزرها, في هذه الحال لا تنجو أنتَ من عذاب الله، لو استصدرتَ فتوى من زيد, لو استصدرتها من رسول الله لا تنجو, وهذا الدليل القطعي. 5-الفساد في الأرض :
قال:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[سورة البقرة الآية: 205]
المنافق مُفسد, معنى مُفسد: يعني الشيء يُخرجِهُ عن طبيعته, الماء طاهر, لا لونَ له، لا رائحةَ لهُ، لا طعمَ لهُ، هذه صفاتهُ، ما معنى إفساد الماء؟ تلويثهُ, أخرجتهُ عن طبيعتهُ، هذه الفتاة طاهرة، نقية، شريفة، خجولة، صاحبة حياء، إذا أخرجتها من حيائها، أخرجتها من عِفتها، أخرجتها من صونِها, ففسدت, بأي غطاء تحت اسم: مشاركة أو المرأة نصف المجتمع , المنافق مُفسد وهو لا يشعر:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
أحياناً يُفسد فتاة وقد تكون ابنتهُ، يقول لكَ: أُحب أن أُربي ابنتي تربية استقلالية, لها أن تفعل ما تشاء, وأن تُصاحب من تشاء, وأن تأتي متى تشاء, هكذا التربية الحديثة, لمّا أطلقتَ لها العِقال, وانطلقت كما تشاء, وهي ضعيفة الإيمان, فربما أغواها فتى، ربما جرتها فتاة إلى مكانٍ لا يُرضي الله عزّ وجل, أنتَ أفسدتها.
لذلك الجواب يوم القيامة, تقولُ لهُ: يا ربي لا أدخلُ النار حتى أُدخلُ أبي قبلي, هو الذي أفسدني.
يعني إن رأى ابنهُ لا يُصلي ولا يستقيم, لكنهُ متفوق في دراستهُ, يكون مرتاحاً تماماً ، يُريدُ مستقبلهُ الدنيوي فقط, حتى إذا أرسلهُ إلى بلد أجنبي ليتعلّم اللغة, ولا يحفلُ بما يفعلهُ في هذا البلد من موبِقات, المُهم أنهُ عادَ متمكناً من اللغة, هو يُفسد, قد يفسد بين شريكين، بين أخوين، بين جارين, على كُلٍ؛ إفسادُ الشيء أن يخرُجَ عن صلاحهِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
6-المنافق لا يرضى بحكم الله :
المنافق لا يرضى بِحُكمِ الله عزّ وجل, والدليل:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾
[سورة النساء الآية: 61]
لا يقبل حُكمَ اللهِ عزّ وجل, لأنَّ شهواتِهِ تغلِبُهُ. 7-اتخاذه الأيمان المغلظة :
والمنافق يشعر أنهُ غير مُصدّق, فأحياناً يُلقي كلامهُ, ويدعمهُ بالأيمان المُغلّظة, لِمَ اليمين؟ لِمَ تحلف؟ من يُكذبُك؟ يشعر أنهُ غير مُصدّق، ليسَ نظيفاً من الداخل، ليسَ صافياً، قال :
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 2]
النبي عليه الصلاة والسلام: كانَ إذا غزا, وعادَ من غزوتهِ, يجلس لسماعِ أعذارِ المؤمنين, في أُناس تخلّفوا, فمرة عادَ من غزوةٍ, واصطفَّ المخلفونَ, وسَمِعَ أعذارهُم, واحِداً واحِداً, كُلُ واحدٍ أقسمَ أيماناً مُغلّظةً, أنهُ كان مشغولاً، أنهُ كان مريضاً، زوجتهُ مريضة, استمعَ إلى سبعين رجل, ثم جاء مؤمن صادق, قالَ: واللهِ يا رسول الله! حينما دعوتنا إلى الجِهاد, ما كُنتُ في وقتٍ أنشطَ من هذا الوقت, ولكنني تخلّفت, فالنبي الكريم تبسّم, وقال: أمّا هذا فقد صدق, معناها السبعين كانوا كاذبين وأمّا هذا فقد صدق، وهذا الذي مع رِفاقهِ الاثنين الذينَ أمرَ اللهُ عزّ وجل بمقاطعتهم خمسينَ يوماً, ثمَ تابَ اللهُ عليهم.
كُن صادقاً مع الله، كُن صادقاً مع نفسك، أمّا الكذب سهل, لكن إذا كذبت سقطت من عين الله, وانتهى الأمر: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
8-ظاهره يختلف عن باطنه :
قال:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 4]
يعني: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 171]
أمّا في أُمور دُنياهم متفوقون.
يعني أيام الإنسان يكون الله قد أعطاه هيئة، طول، فخامة، لون، عيون واسعة، جبهة عريضة مثلاً، طليق اللسان، أنيق جداً, ما قيمةُ هذا؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾
مثقف ثقافة عالية, يتفلسف عليك دائماً, أما عِندَ الله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
الأحنف بن قيس: كان قصير القامة، أسمرَ اللونِ، غائرَ العينين، ناتئَ الوجنتين، مائِلَ الذقن، أحنفَ الرِجلِ، ضيقَ الجبهةِ، ليسَ شيء من قُبحِ المنظر إلا وهوَ آخذٌ منهُ بنصيب, وكانَ مع ذلكَ سيدَ قومِهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب، وكانَ إذا عَلِمَ أنَّ الماءَ يُفسدُ مروءته ما شربهُ.
مرة كان عِند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه, يأخذُ لابنهِ يزيد البيعة, فتكلّمَ الناسُ في مدحِ يزيد, وبقيَ الأحنفُ صامتاً, فصمتهُ أحرجَ المجلس, قالَ: تكلّم يا أحنف, قالَ: أخافُ الله إن كذبت, وأخافُكم إن صدقت, فكانَ تلميحاً أبلغَ من تصريح, وكانَ معَ ذلكَ سيدَ قومهِ, إذا غَضِبَ غَضِبَ لغضبتهِ مائة ألف سيفٍ لا يسألونه فيمَ غَضب.
إذاً: الأمور الشكلية الظاهرية لا قيمةَ لها عِندَ اللهِ أبداً.
عن أَبِي هُرَيْرَةَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
مرة شخص قال لي: أنا عملي قذر, فعلاً عملهُ قذر, لكن غني من أهل اليسار، بعد يوم اضطررت أن أُصلح مركبتي عِند إنسان مؤمن, فهو مرتد لِباساً, لونه أزرق, من الشحم والوحل صارَ أسود, أتقن عمله, وأخذَ سعراً مُعتدلاً, قُلت: والله هذا عملهُ نظيف, وذاك عمله قذر, أحياناً يكون وضعك خَشن جداً مُتعب, لكن يوجد استقامة، يوجد صِدق، في إخلاص، في انضباط، في طاعة لله عزّ وجل، فأنتَ عِندَ اللهِ عظيم. ((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب, لو أقسمَ على اللهِ لأبرّه))
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
10-يتألم إذا أصاب المؤمن خيراً ويفرح إذا أصابه الشر :
المنافق: إذا كان المؤمن أصابهُ خير يحزن ويتألم جداً, قال تعالى:
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 50]
المنافق يُحب أن يُحكى على المؤمن، يُحب أن تشيعَ الفاحشة بينَ المؤمنين, يقول: ألم أقل لكَ: كلهُ خلط، كلهُ هراء؟ يتمنى بدعوة إلى الله أن تتحطم، يتمنى إنسان مؤمن في موطن إعجاب الناس يُحكى عليه: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
دائماً يتربص بالمؤمنين, فإذا أصابهم الخير تألمَ جداً, وإذا أصابهم الشر ارتاح, إذاً: هو ليسَ منهم, هو في خندقٍ آخر، ما دام فَرِحَ لما أصابهم, وتألم لِما يُسرُهم, إذاً: هوَ في خندقٍ آخر. 11-المنافق مادي :
قال:
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 46]
المنافق مادي, إذا أنفقت مالاً أمامه, يقول لكَ: بِلا جنون حافظ على المال وأبقيه لكَ ، إذا خدمت إنساناً يقول لكَ: ما بِكَ؟ ما يأتيكَ منه؟ يُثبط عزيمتكَ دائماً, كالجمر يُصب عليه ماء، تكون مُتقداً حماساً, وتُحب أن تعينَ الناس, يقول: اجلس في بيتك واسترح, ما بِكَ؟ والناس ليسَ منهم سِوى وجع الرأس؟ إن أنفقت أمامهُ, اتهمكَ بالجنون, احفظ على قرشك, أبقيه معك:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة يس الآية: 47]
هذا قول الكافرين أيضاً. 12-المنافق يضعف العزيمة ويثبط الهمم :
قال:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 47]
المنافق يُضعّف العزيمة، يُثبّط الهِمم، يجعل المادي أزكى، والمؤمن المندفع لِخدمة الخلق يجعلهُ أحمق، فدائماً تجلس معهُ, ترى نفسكَ صغيراً أمامهُ، هو مادي صاحٍ, يقول: أخي أُريد أن أُديّن, لا تُديّن أحد, العملة تنزل أسعارها فتخسر أكثر, فيمنعُكَ أن تُديّن، يقول لكَ: الآن يوجد تضخم نقدي 17% كل سنة, كيف تُديّن نقودك؟ لسنة ذهبَ خُمس مالكَ, فدائماً ضعيف الهِمة, ويُضعِفُ هِمةَ الآخرين، إذا قال لكَ: أنا أُصلي الصبح حاضر بالمسجد, يقول لكَ: والله يا أخي بالليل لا تخرج من بيتك, أنسبُ لكَ, أنا أنصحك, يُريدُك ألا تُصلي بالمسجد ، إن حضرتَ الدرس, أخذوا اسمك, يعني همهُ أن يُخوّفك، همهُ أن يُضعف لكَ هِمتك، همهُ أن يُبعِدُكَ عن الحق، همهُ أن يمنعكَ من إنفاق المال، لو ساعدت إنساناً فيُحب أن تبتعد عن هذه المساعدة. لذلك: الله عزّ وجل قال:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
13-المنافق يكره حكم الله :
المنافق يكرهُ حُكمَ الله, قال:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 9]
يعني يُحب الاختلاط، أين تعيشون أنتم؟ هل سنأكل زوجتكَ؟ يكرهُ حُكم الله عزّ وجل:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
الحقيقة أنَّ سورة التوبة كما قلتُ قبلَ قليل, وسورة المنافقين على الحكاية, هاتان السورتان فيهما وصفٌ دقيقٌ دقيق لأحوال المنافقين, فلذلك نحنُ إذا قرأنا هاتين السورتين, واستنبطنا بعضَ الآيات التي تصفُ المنافقين, كما يسألُ المريض الطبيب: أعطني قائمةً بالممنوعات, حتى لا أتورطَ فيها أبداً, والمؤمن كذلك.
يعني: أدق موقف للمنافقين, أدق موقف يوم القيامة في سورة الحديد الآية 13، المنافق كان مع المؤمن في الدنيا, في جامع واحد، في حجٍ واحد، يعني مظهره كالمؤمن تماماً, فيوم القيامة كما قالَ الله عزّ وجل: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
[سورة الحديد الآية: 13-14]
فتنتم أنفسكم في الدنيا، وتربصتم بالمؤمنين، تتمنون أن يأتيهم الشر، وارتبتم بكتاب الله، وغرّتكم الأمانيّ, كانت الدنيا تملأ قلوبكم, حتى جاءَ أمرُ اللهِ, وهو الموت, وغرّكم باللهِ الغرور, فاليومَ لا يؤخذُ منكم فديةٌ ولا من الذين كفروا: مأواكم النارُ هي مولاكم وبئسَ المصير .
موقف مؤلم جداً.
يعني لمّا النبي عليه الصلاة والسلام: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ, أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ))
عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ, فَبَكَتْ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ, فَبَكَيْتُ, فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ, فَلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ, وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤوا كِتَابِيَهْ﴾, حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ: أَفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شِمَالِهِ أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ))
يعني في هذه المواقف الثلاث, لو وقعت عينُ الأم على ابنها لا تعرفهُ, لِهولِ الموقف، الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾
[سورة الحج الآية: 1-2]
ما قال: كُلُ مُرضعٍ، لو قال: كُلُ مُرضعٍ, يعني امرأة تُرضع ابنها في طورِ الإرضاع, أمّا كُلُّ مُرْضِعَةٍ ابنها على ثدييها تلقيهِ وتهرب.
يوم القيامة,: لو وقعت عينُ الأمِ على ابنها لا تعرفهُ، قال: فإذا وقعت عينُ الأمِ على ابنها في غير هذا الموطن, غير الصِراط والميزان وإذا الصُحفُ نُشِرت, تقول لهُ: يا بني, جعلتُ لكَ صدري سقاءً, وحِجري وِطاءً, وبطني وِعاءً, فهل من حسنةٍ يعودُ عليَّ خيرُها اليوم ؟ يقول لها ابنُها: ليتي أستطيع ذلك يا أُماه, إنما أشكو مما أنتِ منهُ تشكين.
هُنا الموقف مؤلم: ﴿ألم نكن معكم﴾
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾
يعني حسنة لله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾
في الدنيا كُنتم غافلين: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾
﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
هُنا وصف المنافقين دقيق: ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ﴾
يتمنونَ أن يأتيهم الشر، وارتبتم بما جاءَ في كتاب الله, كلامُ اللهِ ليسَ مِلء سمعِكَ وبصرِك: ﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ﴾
في بالك أحلام, بيوت ومراكب ونساء وحدائق غناء وسفر حولَ العالم ورصيد كبير, تنام فيأتي ببالك خواطر من هذا النوع: ﴿وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾
الموت: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
الشيطان، يقول لكَ: أنتَ لستَ من أُمةِ محمد, هذه أُمتهُ مرحومة, النبي لن يدخُلَ الجنة حتى يُدخِلَ كُلَ أُمتهِ قبلهُ، تطمئن, الشيطان أسماه الله الغَرور, لأنهُ يَغُرُ المنافق ويُمنّيه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 22]
والمنافق الشهير ثعلبة, الذي كانَ حمامةَ المسجد, وكانت لا تفوتهُ تكبيرةُ الإحرام خلفَ سيدِ الأنام، رآهُ النبي مرةً بثوبٍ بالٍ, قالَ: كيفَ حالُكَ يا ثعلبة؟ قالَ: حالي كما تراني. -ما هذه الحياة؟.
تجد المؤمن: الحمد لله, ويكون عاطلاً عن العمل, ويكون عِندهُ أمراض بجسمهُ, فيقول: الحمدُ لله, تجد شخصاً يقول لكَ: الحياة لا تُعاش, ما هذه الحياة؟ دائماً ناقم, قالَ لهُ: حالي كما تراني-.
قالَ لهُ: يا ثعلبة قليلُ تشكرهُ خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك، قليلُ يكفيك خيرٌ من كثيرٍ يُطغيك فقالَ له: ادع اللهَ أن يجعلني غنيّاً -ألحَّ عليهِ كثيراً-, فتوجهَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى اللهِ عزّ وجل, ودعا له بالغِنى, هذا كثُرت أموالهُ, وملأَ قطيعُ أغنامهِ شِعابَ المدينة, وصارَ غنيّاً, وغابَ عن مجلسِ النبي عليه الصلاة والسلام.
-بصراحة أقولها لكم: أحياناً يكون الإنسان بِلا عمل, لا يغيب عن درس, فإذا وجدَ عملاً صغيراً, لم نعد نُشاهدهُ, أينَ أنت؟ واللهِ مشغول يا أستاذ, لا يجوز هذا، هذا مجلس عِلم, حبذا ولو أنتَ في قِمةِ انهماكِكَ في العمل, أن تُحافظَ على مجالس العِلم، غاب عن المسجد- فالنبي أرسلَ لهُ من يُطالِبهُ بزكاةِ مالِهِ, فقالَ لهُ: قُل لِصاحِبكَ, قالَ: أو ما تراهُ صاحِباً لك؟ ليسَ في الإسلامِ زكاة, قالَ: جمعتَ معَ النِفاق الكفر, نزلَ في حقهِ قولهُ تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 75-77]
يا رب إذا أكرمتني فلسوفَ أعمل كذا، هذا المنافق يُريد أنَّ اللهَ يُكرمهُ، يعطيه بيتاً، يجعلهُ تاجراً، ربنا عزّ وجل يعطيه ما يُريد, فإذا هو ينكثُ عهدهُ مع الله عزّ وجل.
هذه الصفات مخيفة, فأرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن نستوعِبها, وأن نخافَ من أن تنطبقَ علينا, كما نخافُ مرضاً عُضالاً, لأنَّ المرضَ العُضال ينتهي معَ الموت، ولكنَّ هذا المرض النفسي يبدأُ بعدَ الموت.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و العشرون )


الموضوع : الكفر







الكفر .
مع الدرس التاسع والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين ، ومنذ أسابيعَ عِدة , بدأنا بعضَ الموضوعات المتعلقة بأنواع المعاصي ، تحدثنا عن أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وعن الفحشاءِ والمُنكر ، وعن أنواعِ الفِسق ، وعن أنواعِ النِفاق ، وعن بقية المعاصي ، واليوم : الحديثُ عن الكُفر . تمهيد .
الحقيقة : من الأمراضِ الخطيرة الوبيلة التي ابتلي بها المسلمون :
أنَّ بعضهم يُكفّرُ بعضاً ، والتكفير شيء خطير وشيء كبير ، ومن كفّرَ أخاهُ فقد كفر .
أن تقول : فُلان مؤمن وفُلان كافر ، أن توزعَ الألقاب , هذا ليسَ من شأنِ الإنسان , هذا من شأنِ الواحد الديّان .
ومعَ ذلك : فالذي أتمناهُ من كُلِ قلبي , أن تتضحَ لكم الصورة الدقيقةُ حولَ معنى الكُفر .
مرةً ثانية وثالثة أقول : من السذاجةِ , وضيقِ الأُفقِ , والجهلِ الفاضحِ ، أن تظنَ أنَّ للكلمة في القرآنِ معنىً واحداً , وأوضحُ مثلٍ على ذلك :
كلمة الوحي ....
فالله سبحانهُ وتعالى أوحى إلى الأرض ؛ أي أمرها .
وأوحى إلى النحل ؛ أي أعطاها الغريزة .
وأوحى إلى أُمِّ موسى ؛ أي ألهمها .
وأوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ؛ أي أرسلهُ رسولاً , وأنزلَ عليه القرآنَ عن طريقِ سيدنا جبريل .
وكذلكَ الشِرك ...
هذا المُصطلح يضيق , حتى يكونَ الشِركَ الأكبر الذي يعبدُ بوذا ، ويتسع حتى يشملَ المؤمن إذا اعتمدَ على زيدٍ أو عُبيد ونسيَ الله عزّ وجل , فهُناكَ شِركٌ أكبر وهُناكَ شِركٌ أصغر .
الشِركُ الأكبر لا يُغفر , والشِركُ الأصغر يُغفر .
كلمة شِرك تتسع وتضيق .
وكلمة فِسق ...
كما تحدثنا في درسٍ سابق ، هُناكَ فِسقٌ يُخرِجُ من المِلّة ، يُخرِجُ من دينِ الإسلام , وهُناكَ فِسقٌ يوجِبُ التوبة .
والنِفاقُ نِفاقٌ أكبر ونِفاقٌ أصغر .
وكذلكَ الكُفر.
هذه المصطلحات الدقيقة في القرآن تتسع معانيها وتضيق , وسياقُ الآيات وسياقُ الأحاديث الشريفة هو الذي يُحدد اتساعَ المعنى أو ضيقهُ .
استخدمُ أحياناً بعض الأمثلة :
كلمة سيّارة ...
مفهوم السيّارة يتسع إلى أن يشمل الدابة ، أليست تسير ؟ كلُ شيء يسير , والدليل :
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 19]
ويضيقُ مفهوم السيّارة , حتى ينحصرَ في مركبةٍ , تتحركُ بمُحركٍ انفجاريٍ , يعملُ على الوقود السائل .
من السذاجة , من ضيقِ الأُفق , من الجهل الفاضح : أن تفهمَ الكُفرَ على حدٍ واحد .
من تركَ الصلاةَ فقد كفر .
فلان لا يُصلي كافر .
من تركَ الصلاةَ إنكاراً –لحِقها- إنكاراً لفرضيّتها فقد كَفر ، ومن تركها تهاوُناً فقد فَسق ، وفرقٌ كبير بينهما ، لأنَّ الذي يموتُ كافراَ مُخلّدٌ في النار , أكبرُ تُهمةٍ توجهُها إلى الإنسان على الإطلاق , أن تقول : فُلان كافر, كأنكَ تقولُ لهُ : أنتَ خالدٌ مُخلّدٌ في النار، فالإنسان قبلَ أن يتفوّه بكلمة كُفر ، وقبلَ أن يُكفّر ، وقبلَ أن يُنصّبَ نفسهُ وصيّاً على الناس ، وقبلَ أن يُقيّمَ الناس ، عليه أن يعرف أن هذا شيء فوقَ مكانتهِ , لقولِ اللهِ عزّ وجل :
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 17]
هذه مُقدّمة .
ودائماً وأبداً : ضِعاف التفكير محدودوا الأُفق عِندهم لونانِ فقط : أبيضٌ وأسود ، إمّا أنهُ كما قُلتُ في الدرس السابق : إمّا أنهُ قُطبُ زمانهِ ، وحيدُ دهرهِ ، فلتةُ عصرهِ ، نجمٌ متألق ، علّمٌ كبير رضي اللهُ عنهُ وأرضاه , وإمّا الشيخُ الأكفر كما يقولون , يعني لا تبتعدوا كثيراً : عالِمٌ جليل , نعتهُ بعضُهم بأنهُ سُلطانُ العارفين الشيخ مُحيِ الدين , ونعتهُ بعضُهم بأنهُ الشيخُ الأكفر , هذه الميوعة في المقاييس ، وهذه الحركة الواسعة جداً في التقييم ، هذا من علامات التخلّف , دائماً الرجل لهُ ميزات ، كلُ إنسانٍ يؤخذُ منهُ ويُردُ عليه ، وأنتَ قيمتكَ كمؤمن أنكَ مُنصف , ومعنى أنكَ مُنصف , أنكَ كما قالَ عليه الصلاة والسلام : (( لا يُخرِجُكَ الرِضا عن العدل , ولا تُوقِعُكَ الكراهيةُ في الظُلم ))
يعني كما قالَ عليه الصلاة والسلام : ((أُمِرتُ أن يكونَ صمتي فِكراً، ونُطقي ذِكراً، ونظري عِبرةً، أن أصِلَ من قطعني، أن أعفوَ عمّن ظلمني، أن أُعطيَ من حرمني، أُمرتُ بالقصدِ في الفقرِ والغِنى، وكلمة العدلِ في الغضبِ والرِضا))
ألم يرد في الأحاديث الشريفة : (( الشِرك أخفى من دبيب النملةِ السوداء , على الصخرةِ الصمّاء , في الليلة الظلماء ، وأدناهُ أن تُحِبَ على جَور ))
يعني : لكَ صديق جائر ، منحرف , لكنكَ تُحبهُ ، لكَ معهُ مصالح ، تأتيكَ منهُ مكاسب ، تحبهُ , وتعلم أنهُ يجورُ على بعض الناس , فهذا شِرك . (( وأن تُبغِضَ على نصيحة ))
إنسان نصحكَ , وهوَ صادق ومخلص, لكنهُ جرحك فكرهتهُ وحقدتَ عليه, هذا شِرك.
قبلَ أن ندخل في تعريف الكُفر , الذي أتمناهُ على كُلِ أخٍ كريم : أن يُنحي نفسهُ جانباً عن تقييم الناس , وعن تنصيب نفسهِ وصيّاً عليهم , وعن توزيعِ الألقابِ والتُهم على الناس , وكأنهُ لا يُخطئ , وكأنهُ معصوم , وكأنهُ هوَ الأصل , وهوَ المقياس , وكأنما عليهِ هوَ الدين , وما سِوى ذلك لا شأنَ لهُ بِهم , ليسَ معنى كلامي هذا : أن ترى إنساناً يشربُ الخمر , لعلّهُ وليٌّ كبير , لا , هذا جنون ، أن ترى إنساناً غارقاً في المعصية , تقول : لا نعرف يا أخي , الله جعل سِرّهُ في أضعف خلقه , لا , هذا اضطراب في المفاهيم ، المعصية معصية ، والخمر خمر ، والزِنا زِنا ، فلان لا يُصلي , لا نعرف , لعله رُفِعَ عنهُ التكليف , ما هذه السحبة ؟ لا يُصلّي , هذا تارك الصلاة ، شارب خمر ، زانٍ ، أمّا أن تُعطي لإنسان عاصٍ هالة ومكانة , وتقول : قد يكون وليّاً !! هذا انحراف ، أن تُكفّرَ إنساناً بصغيرة هذا انحراف ، وأن تُصبِغَ على إنسان الوِلاية وهوَ مُقيم على معصية هذا انحراف ، هذا انحراف وذاكَ انحراف ، نحنُ مقياسُنا الشرع , لكن لو رأيتَ عاصيّاً تقول : الآن فُلان يعصي , لكن غداً لا أعلم , لعلّهُ يتوب , ولعلّهُ يسبِقُني ، هذا الموقف الأديب ، الموقف المُنصف ، الموقف المعتدل ، والذي يدمى لهُ القلب : أنَّ المسلمين على ضعفهم , وعلى تفرقّهم , متعادون ، يتقاذفون التُهم ، يتقاذفون التكفير لأتفه الأسباب .
حسبُكَ ببعض البلاد الإسلامية التي تتهمُ الإنسان بالشِرك , إذا هوَ زارَ النبي عليه الصلاة والسلام , كلمة شِرك أهونُ عِندهم من شربةِ ماء , مباشرةَ مُشرك ، إذا قال : يا رسول الله مُشرك ، إذا قالَ : يا ربي بجاهِ حبيبكَ محمد , مُشرك لقد أشركت , إذا صلّى وقال : اللهمَ ربَ هذه الدعوة التامة , قرأ الدعاء , دعهُ ، إذا كان في مسجد قبر , ونحنُ لا نصلي إلى هذا القبر , في زاوية ميتة من المسجد , وبُنيَ قبلَ أربعمئة عام , هذا الجامع لا يجوز الصلاة فيه ، نحنُ أخطر شيء في الدين التطرّف يميناً أو يسارا ، هذا الغلو في الدين , في غلو سلبي وفي غلو إيجابي ، فبينما أنتَ معَ أُناس كُل شيء لهُ فتوى , مثلُهم كمثلِ أفسقِ البُلدان , يكفي أن تتصلَ , امرأة تشعرُ بحاجةٍ إلى رجل , بأي رجل , هذا الاتصال الهاتفي عقد زواج ، غلوّ ؛ فإمّا أن ترى أُناساً تحللوا من أحكام الدين , وأصبحَ دينُهم يُسايرُ أيَّ انحلالٍ , وإمّا أن ترى أُناساً يُكفرّونَ على صغيرة .
يعني إن أعطيتهُ عِطراً فيه كحول , قفزَ وكادَ يخرجُ من جِلدِهِ , لأنَّ هذا نجس , هذه نجاسة حُكمية كما قالَ عنها العُلماء , بل هيَ نجاسةٌ معفوٌ عنها , هذا الكحول لو شربهُ الإنسان لَسَكِر , فهذه النجاسة ليست حقيقية يُطهّرُ بهِ ، فنحنُ آفةُ المُسلمين في الغلو سلباً أو إيجاباً ، إمّا أن نُذيبَ أوامرَ الدين , حتى يُصبحَ الدينُ سائلاً يمكن أن يوضع في أي وِعاء .
في بعض البُلدان : يأتي الشيخ إلى العُرس , لِيُبارِكَ الزوجين , والزوجةُ في أبهى زينة , كاسيةٌ عارية , كما يفعل بعضُ رجال الدين الآخرين , لا أُريد أن نُذيب أُمور الدين , الدين دين , الدين مقاييس صُلبة ، مقاييس جامدة , صِراط مستقيم ، أو أن نُكفّرَ الإنسانَ , إذا قالَ : يا رسول الله ، أو أن نُكفّرهُ إذا انحرفَ انحرافاً طفيفاً , فالتكفير يُسبب الأحقاد . هذه المُقدّمة لا بُدَ منها لبحثٍ موضوع الكُفر . أنواع الكفر :
الكُفرُ عِندَ العلماءِ نوعان :
كُفرٌ أكبر ، وكُفرٌ أصغر .
فالأصغر موجِبٌ لاستحقاق الوعيد دونَ الخلودِ في النار .
كُلُكم يعلم : أنهُ يخرجُ من النار من كانَ في قلبهِ مثقالُ من خير .
فالكُفرُ الأصغر هوَ الذي يُوجبُ الوعيد , وعيدَ اللهِ عزّ وجل , ولكنهُ لا يخلدُ صاحبهُ في النار , يخرجُ منها .
يقولُ عليه الصلاة والسلام فيما رواهُ الإمامُ مُسلم والإمامُ أحمد, عن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ, وَالنيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ))
[أخرجه الإمام مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
الآن النياحة على الميت : ضرب الوجه ، تمزيق الشعر ، شق الصدر ، الولولة , هذه كُفر , كما قالَ عليه الصلاة والسلام .
يقولون عن الميت : الجسر تحطّم , أين الله عزّ وجل ؟ تسمع كلمات في مناسبات الحزن كُلُها كُفر , جهل , كأنَّ هذا الذي توفي هوَ الرزّاق , وهوَ القيّوم ، وهوَ الحي الذي لا يموت ، كُل إنسان يموت , فلذلك الاعتدال في الحزن من علامة الإيمان , والمبالغة في الحزنِ من علامة الجهل .
سيدنا إبراهيم توفي , كل أب يعرف ذلك , لا يوجد أجمل من طفل صغير وديع كالوردة , إذا ارتفعت حرارته , الأب لا ينام الليل , فنزلت دمعةٌ من عينِ رسول الله على خدهِ , قال له أحد أصحابهِ :
(( أتبكي يا رسول الله ؟ قالَ : نعم , إنَّ العينَ لتدمع , وإن القلبَ ليحزن , ولا نقولُ ما يُسخط الربّ , وإن عليكَ يا إبراهيم لمحزونون ))
هذا عمل طبيعي ، من قال لكَ : أنَّ المؤمن لا يتألم لمصيبة ؟ هذا كلام فارغ ، كلام خيالي ، كلام حالِم ، المصيبة مصيبة , لكن المؤمن يتلقّاها بصدرٍ جميل , يراها من عِندِ الله عزّ وجل , وما عِندَ اللهِ كُلهُ خير ، أمَا النياحة , والضرب , والتمزيق ، فاعتراض على القضاء والقدر .
قبل شهر تقريباً , إنسان توفي فجأةً , فذهبنا إلى أهلهِ لنواسيه , جاء أخوه وسب الدين , وقال : لماذا يموت أخي ؟ قيمة هذا الرجل صفر مُكعّب , كُل إنسان يموت , ومن قال لكَ : أنَّ الأجل على هوى الإنسان .
ففي عنّدنا كُفر أصغر يوجب استحقاقَ الوعيد , لكن لا يخلدُ صاحبهُ في النار . الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر :
اثنتانِ من أُمتي بهما كُفرٌ .
سأُوضح لكم الفكرة :
أنتَ إذا كفرت بالخالق , والرب , والمُسيّر , والحكيم , والعليم , والرحمن الرحيم , وكفرتَ برسول الله , وبهذا القرآن , هذا كُفر أكبر .
أمّا هذا الأمر لم تُطبقهُ ؟ لماذا ؟ لأنكَ لا تعرفُ قيمتهُ , فأنتَ كافر بهذا الأمر .
يعني الكُفر : عدم تطبيق أمرٍ فرعيٍ من أُمور الدين , كُفرٌ أصغر .
مثلاً إذا قالَ لكَ اللهُ عزّ وجل :
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 221]
الآن : أحضر لي واحداً مُسلماً , عِندهُ بنت بسن الزواج , جاءهُ خاطب شاب , مؤمن مستقيم , له مجلس عِلم , يخشى الله , يخاف الله , في قلبهِ رحمة , عِندهُ إنصاف , لكن منزلهُ صغير , في أحد أطراف دمشق , وعملهُ متواضع , ودخلهُ محدود ، ثمَ يأتي خاطب , لهُ معمل , ولهُ سيارة فخمة , ولهُ بيت واسع , وشاب وسيم , لكن لا يُصلي , يُصلي الجمعة فقط , وإذا أحرج بالمناسبات فيشرب , إذا كانت أسرة مسلمة , قالت : هذه الموافقة على زواج هذا الشاب الموسِر , الغني الوسيم , رقيق الدين , هذا كُفرٌ بهذه الآية , معناها : أنتَ هذه الآية غير مؤمن بها , لكن كُفر أصغر وليسَ أكبر .
الأكبر : كفرَ بالله , كفرَ بوجودهِ , وبرحمتهِ , وبعلمهِ , وبغناه , وبقدرتهِ , وبكتابهِ , وبرسولهِ , كل الدين يُشاهدهُ على أنهُ خُرافة , أفيون الشعوب , حالات الضعف الإنساني تتمثل بالدين ، الإنسان ضعيف , يحتاج إلى قوة يلتجئ إليها , فهوَ توهّمَ هذا الدين , هذا كُفر أكبر , أمّا المال أغراه , وغَلبتهُ نفسهُ , ورأى السيارة الفخمة , والبيت الواسع , والمعمل , والشكل , لكن ليسَ فيه دين , يقول لكَ : سيهدى , نحنُ إن شاء الله ! نأخذهُ إلى الجامع ، يفضلونه , ويطمعون بهدايته , والخوف أن يغويهم , فلمّا الإنسان يختار زوجاً لابنتهِ على غير مقياس الله عزّ وجل , أليسَ هذا كُفر بهذه الآية ؟ بهذا التوجيه ؟ بهذا الحُكم ؟ بهذا المقياس ؟ .
فنُفرّق بين الكُفر الأكبر , الكُفر الشمولي الكُلي , والكُفر الأصغر الذي فيه مخالفة لأمر إلهي , والمخالفة هذه أساسها : الإنسان غير قانع بحكمة هذا الأمر , يقول لكَ : سبحان الله ! أجد صعوبة في تطبيقه , هذا أحد أنواع الكُفر .
الكفر بشكل مطلق :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ , وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ))
[أخرجه مسلم في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( من أتى كاهِناً أو عرّافاً , فصدّقهُ بما يقول , فقد كفرَ بما أنزلَ اللهُ على محمد ))
عندما ربنا قال : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
باللهِ انظر لي بالفنجان , ويتنبأ لكَ قبضة ، لكَ عدو ، شخص يريد أن ينفعكَ ، أنتَ حينما تسألهُ عن المستقبل , فأنتَ كفرت بهذه الآية , كلمة لا يعلم الغيب , فأنتَ لستَ مؤمناً بها , هذا كُفر , لكن نستطيع أن نقول : خرجَ من المِلّة ، بجهنم خالداً مُخلّداً , غير معقول هذا الكلام .
عَنْ جَرِيرٍ قال , قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ :
(( اسْتَنْصِتِ لي النَّاسَ , فَقَالَ : لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا , يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
يعني هذه الحروب , وهذه المنازعات , وهذه التفرقة , وهذا التشتت , والتشرذم , والتبعثر كما يقولون ، وكُلٌ يدّعي وصلاً بليلى , وكُلٌ يتهم الآخر ، هذا الوضع المتمزق , هذا سمّاهُ النبي كُفر , لكن كُفر بقولهِ تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 103]
كُفر: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 46]
كُفر بما دعا إليه النبي للمسلمين :
كالبنيان المرصوص ، لا تحسسوا ، لا تجسسوا ، لا تنابزوا ، لا تدابروا ، لا تحاسدوا ، لا تنافسوا , وكونوا عِبادَ الله أخواناً .
أنتَ هذه الأحاديث لم تعبأ بها , فأنت كافرٌ بها ، قال تعالى : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
إذا لم تحكم بما أنزلَ الله , فهذا كُفرٌ بما أنزلَ الله ، إن لم تحكم في موضوع واحد , بحُكمٍ أنزلَ اللهُ فيه حُكماً , فقد كفرتَ بهذا الحُكم , وإن رفضتَ القرآنَ كُلَهُ , فقد كفرت بالقرآن , كما قلتُ في أول الدرس :
بين الأبيض والأسود آلاف الألوان الرمادية , آلاف الألوان الرمادية , الإيمان إيمان ، والكُفر كُفر ، وبينمُها درجاتٌ شتى .
ابن عباس قال : ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأؤلئكَ هم الكافرون , ليسَ بِكُفرٍ ينقلُ عن المِلّة , بل إذا فعلهُ فهوَ بهِ كُفرٌ ، بهِ بعضُ الكُفر هذا كلام ابن عباس ، وليسَ كمن كفرَ باللهِ واليوم الآخر.
قالَ عطاء : هوَ كُفرٌ دونَ كُفرٍ , وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ , وفِسقٌ دونَ فِسقٍ .
هذا الكلام ليسَ معناهُ أن يطمئنَ الإنسان ، أنا أخافُ من التطرف إن نحوَ اليمين وإن نحوَ الشِمال ، هؤلاءِ الخوارج الذين كفروا لأصغر الذنوب انحرفوا ، وهؤلاء الذين تسامحوا فقالوا : لا يضرُ مع الإيمان معصية أيضاً انحرفوا .
في فِرقة تقول : لا يضرُ مع الإيمان معصية .
ما دُمتَ قد آمنتَ بالله , فهذا الذي يفعلهُ أن نصل , إذا آمنتَ بالمسيح , فإنه يُخلّصُك , انتهى الأمر , افعل إذاً ما تشاء .
أنواع الكفر الأكبر :
أمّا الكُفر الأكبر , فهوَ ستة أنواع :
كُفرُ تكذيب ، وكُفرُ استكبار , وكُفرُ إباءٍ مع التصديق ، وكُفرُ إعراض ، كُفرُ شك ، وكُفرُ نِفاق , وكُل نوع له آيات خاصة بهِ .
1-كفر تكذيب :
أمّا كُفرُ التكذيب : هوَ اعتقادُ كَذِبِ الرُسل .
يعني إذا اعتقدَ الإنسانُ أنَّ الأنبياء أُناسٌ أذكياء, جمعوا الناسَ حولهم, وابتدعوا هذه الكُتب من بناتِ أفكارهم, وهدفُهم الزعامة ونيلُ المكاسب في الدُنيا, من اعتقدَ هذا الاعتقاد, فقد كفرَ كُفرَ تكذيب, لذلك أخطر شيء في العقيدة: أن تعتقد أنَّ النبي يقرأ ويكتب, إذا اعتقدتَ أنَّ النبي يقرأ ويكتب, ماذا فعلت؟ مهّدتَ الطريق لزعمٍ خطير, وهوَ أنَّ هذا القرآنَ من عِندهِ، قضية عبقرية وذكاء، قضية تألُق ذُهن، قضية بطولة, كُفرُ التكذيب: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل, وهذا القِسمُ قليلٌ في الكُفار, لماذا؟ لأنَّ اللهَ أيدَ رُسلَهُ, وأعطاهم من البراهين والآيات على صِدقهم, ما أقامَ بهِ الحُجة, وأزالَ بهِ المعذرة.
قالَ تعالى عن فِرعونَ وقومهِ :
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 33]
معناها: لمّا النبي يُمسك العصاة, فإذا هيَ ثُعبانٌ مُبين, السحرة خرّوا ساجدين, هذا ليسَ سِحر، حينما يضربُ البحرَ بعصاه, فإذا هوَ طريقٌ عظيم, هذا ليسَ بسحر، فالله سبحانهُ وتعالى أيّدَ أنبياءهُ بمعجزات خارقة, وأيّدَ النبي عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن, تلكَ المعجزة الخالدة على مدى الدهور.
كُنتُ أقرأُ هذه الآية الكريمة :
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
[سورة الرعد الآية: 2]
كانت تستوقفني كلمة ترونها :
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾
ترونها: قيد معنى هذه السموات التي رُفِعت بغيرِ عَمدٍ مرئية, لكنها مرفوعةٌ بأعمدةٍ غير مرئية, هذا هو المعنى الدقيق.
وكُنتُ في هذا الأسبوع, أُطالعُ كتاباً في الفيزياء عن الجاذبية, لفتَ نظري في هذا الكتاب, أنَّ المؤلّف قال: هذه الشمس تجذِبُ الأرض بِقوى هائلة, ولو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, أو أنَّ الشمس انعدمت فيها الجاذبية فجأةً, ماذا يحصل؟ هذه الأرض تنطلق في الفضاء الخارجي, في متاهات الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, والحرارةُ التي كما قالَ عنها العُلماء: هيَ الصِفرُ المُطلق, الصِفر المُطلق مئتان وسبعون درجة تحت الصفر, هذا فرضيّة علمية.
لو أردنا أن نربِطَ الأرض بالشمس بحِبال من الفولاذ المضفور, حتى تبقى الشمسُ مع الأرض تدور، تصورنا فجأةً أنَّ الشمس فجأةً انعدمت فيها قِوى الجذب, فالأرض إذاً لا ترتبط بالشمس بفِعل قانون العطالة, هذا القانون لطيف جداً, الأجسام المتحركة ترفض الوقوف, والدليل: إذا كُنت راكباً سيارة, ومر طِفل صغير, واضطر السائق أن يستعمل المِكبح فجأةً, أنتَ تقفز من مقعدكَ, لماذا؟ لأنكَ جسم مُتحرّك, فلّما وقفت السيارة بِفعل المكبح, أنتَ رفضتَ أن تقف, ودليل رفضك تابعتَ المسير, لذلك لا بدَ من أحزمة الأمان, لماذا نستخدم حِزام الأمان؟ لكي يبقى وجودكَ مُرتبطاً بالسيارة, حتى إذا توقفت فجأةً, أنتَ بحسب قانون العطالة تتابع المسير، والأجسام الساكنة ترفض الحركة, فإذا ركبتَ مركبةً وانطلقت, تشعر أنَّ المقعدَ الخلفي يدفعُ ظهركَ نحوَ الأمام, لماذا؟ لأنكَ ترفضُ الحركة.
لو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, وانطلقت في الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, وحيثُ انعدام الحركة, والبرودة الشديدة, والموت المُحقق, لو أردنا أن نُبقي الأرضَ مع الشمس, قال: لاحتجنا إلى مليون مليون كبل فولاذي, قُطرُ كُلِ كبلٍ خمسة أمتار, وهذا العدد مليون مليون, لو بُرزت على سطح الأرض, ووصلت إلى الشمس, بطول قدره مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر, لغطّت هذه الحبال فضاءَ الأرض, ولرأيتَ بينَ الحبلِ والحبلِ مقدارُ حبلِ بالضبط، لو زرعنا هذه الحِبال على سطح الكرة الأرضية برها وبحرِها, لكانَ بينَ الحبلين حبلٌ فقط, ولحجبت هذه الغابة من الحِبال أشعة الشمس.
بالمناسبة: الميليمتر مربع من الفولاذ, يُقاوم مئتي كيلو شد, والكبل الواحد من الفولاذ, الذي قطرهُ خمسة أمتار, يُقاوم مليوني طن، فإذا احتجنا مليون مليون طن, وكُل طن يُقاوم قِوى شد مليونين، مليونين ضرب مليون مليون، هل تصدقون: أنَّ كُلَ هذه الحِبال من أجلِ أن تحرفَ الأرض عن مسارها المستقيم ثلاثة ميليمتر كل ثانية, حتى ينشأ للأرض مساراً إهليلجي مُغلق حولَ الشمس؟ .
هذا معنى قولهِ تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾
لو أنها بأعمدة, مُشكلة كبيرة جداً, كُل خمسة أمتار يوجد كبل, أينَ الأبنية؟ وأينَ الشوارع؟ وأينَ الحقول؟ وأين المزارع؟ .
إذاً: الكُفرُ الأكبر: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
2-كفر الإباء والاستكبار :
الآن: كُفرُ الإباءِ والاستكبار.
يعني أحياناً مثلٌ مُصغّر: يكون أب فاسق, مُنحرف, شهواني, دخلهُ حرام، يأتيه من صُلبهِ ابنٌ طاهر مستقيم, يعني هذا الأب يستكبر عن أن يُصغي لنصائح ابنهِ, لو أنَّ ابنهُ تكلّم, لَسَمِعَ منهُ الحق, ولكنَ مكانة الأب أحياناً, واستعلاءه, وقوَتهُ المالية, وشأنهُ الاجتماعي, هوَ الذي يمنعهُ من أن يُصدّق, أو من أن يستسلم, أو من أن يؤمن، كُفر الإباءِ والاستكبار كَكُفرِ إبليس, إنهُ لم يجحد أمرَ الله, ولا قابله بالأبكار, ولعله تلقّاهُ بالإباءِ والاستكبار, يعني هذا يُشابههُ من عَرَفَ صِدقَ النبي, وأبى أن يؤمنَ بهِ:
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 47]
كلام فِرعون.
طبعاً لمّا فِرعون رأى أنَّ العصاة أصبحت ثُعباناً مُبيناً, ونزعَ يدهُ فإذا هيَ بيضاء للناظرين, قالَ: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾
هذا إذا كُفر استكبار وإباء: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 10]
اليهود يعرفونهُ أنهُ رسول الله كما يعرفون أبناءهم, ومعَ ذلك كفروا بهِ، والحقيقة: الإنسان السعيد الموّفق لا يمنعهُ أن يأخُذَ الحِكمة من صغير.
ألم أقل لكم في درسٍ سابق: سيدنا أبو حنيفة النعمان رضيَ الله عنه, مرَّ بغلامٍ صغير, أمامهُ حُفرة, قال لهُ: يا غلام, إيّاكَ أن تسقط, قالَ: بل أنتَ يا إمام إيّاكَ أن تسقط, إنّي إن سقطتُ سقطتُ وحدي, وإنكَ إن سقطتَ سقطَ العالمُ معك؟.
ألم يقُل عبد الله بن الزُبير لسيدنا عُمر رضي الله عنه: أيها الأمير, لستَ ظالماً فأخشى ظُلمك, ولستُ مُذنباً فأخشى عِقابك, والطريقُ يَسَعُني ويَسَعُك؟.
الكُفر الثاني والعياذُ بالله: كُفر الإباءِ والاستكبار.
أحياناً موظفون في دائرة, أو مُدرّسون في مدرسة, أو تُجّار في سوق, أحدُ هؤلاء يطلبُ العِلم بإلحاحٍ شديد, ويصدق معَ الله, ويبذل ويُقدّم ويفعل ويترك حتى يوفقهُ الله, وحتى يُلقي اللهُ في قلبهِ نوراً, وحتى يُطلقَ لِسانهُ, من هؤلاء الذين يستكبرونَ عن دعوتهِ؟ زملاؤه, هذا كان البارحة معنا.
كُنت في أحد ضواحي دمشق, يوجد قصّاب, أُحدثهُ, فقالَ لي: أبو الحسن كردي كُنّا سويةً لحامين, فقُلت: أين الثرى من الثريا؟ هوَ قارئ كبير.
يعني أرادَ هذا القصّاب أن يرتفعَ إلى مستوى هذا القارئ الكبير, أقول هذا الكلام: لمّا الإنسان يطلب العِلم, فيصبح لهُ شأن آخر, قد ينسى الناسُ أنهُ نجار أو أنهُ قصّاب, صار لهُ مكانة عليّة.
أنا أقول لكم هذا الكلام, وإن شاءَ الله واثق من كلامي, هذه كلمة:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
هذه للنبي عليه الصلاة والسلام, ولكُلِ مؤمنٍ منها نصيب, يعني أنتَ تخطُبُ وُدَّ الله، تجهدُ لطاعتهِ، تُمضي وقتاً طويلاً في طلب العِلم الشريف, في خدمة الخلق, في نُصح الخلق, وتبقى مغموراً وراء الصفوف, وراءَ الركب, لا, اللهُ عزّ وجل يُعلي قدركَ بينَ الناس.
ألم أقل لكم في درسٍ سابق: إذا أحببتَ الله, ألقى حُبكَ في قلوبهم, في قلوب الناس؟ إذا خِفتَ من الله, ألقى الخوفَ مِنكَ في الناس، إذا هِبتَ الله, ألقى عليكَ هيبةً عظيمة، إذا اشتغلتَ بالله, أصبحتَ شُغلَ الناس الشاغل. هذه:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
3-كفر الإعراض :
يوجد عندنا كُفر ثالث: هوَ كفُر الإعراض.
مرة التقيت مع رجل أجنبي, من بلد أجنبي, مندوب شركة, وحدثتهُ عن اللهِ قليلاً, فقالَ كلمةً لا أنساها، قالَ هذه الكلمة, وعلى أثرِ كلمتهِ تذوقتُ قولهُ تعالى:
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 23]
بعدَ أن حدّثتهُ قليلاً عن الكون, وعن خالِق الكون, وعن ماذا بعدَ الموت؟ قالَ: كُلُ هذه الموضوعات لا تعنيني, ولا أهتمُ بها, ولا أُفكرُ فيها, ولا أبحثُ عنها, إنما يعنيني امرأة جميلة, وسيارةٌ فخمة, ومنزلٌ كبير, قلتُ: صدقَ اللهُ العظيم:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ﴾
وليسَ فيهم الخير . ﴿ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
هذا كُفر الإعراض.
يمثلهُ رجلٌ عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام, لا صدّقهُ ولا كذّبهُ، لا والاهُ ولا عاداهُ ، ولا أصغى إليه أبداً, قالَ هذا الرجل للنبي.
أقول لكَ كلمةً: إن كُنتَ صادقاً فأنتَ أجلُّ في عيني من أن أرُدَ عليك, وإن كُنتَ كاذباً فأنتَ أحقرُ من أن أُكلّمكَ, لا أُصغي إليك, ولا أستمع إلى دعوتك, ولا أُصدقُك ولا أُكذّبُك, ولا أُواليك, ليس لي علاقة, هذا الوضع موجود عِندَ بعض الناس, لا يهزّهُ شيء أبداً.
أحدهم هجا شخصاً, قال: لا يُبالي أبداً, وإذا بالَ, فمن بالَ يبولُ, لا بالَ يُبالي لا يُبالي, غير مهتم, لا بهذه الدعوة, ولا بفهم كتاب الله, ولا بالوعد والوعيد، يعيش لِذاتهِ, يعيش للحظتهِ ، يعيش لحظوظ نفسهِ، فهذا كُفر إعراضي, ونعوذ بالله منه؛ هوَ في واد والدين في واد، هوَ في تجارته, في تنمية ثروته, في حاجات نفسه الأساسية, في تزيين بيتهُ, في تبديل سيارتهُ, في حظوظ جسمه, في سياحة حول العالم, فنادق خمس نجوم, وحفلات, ومجتمع مخملي ناعم كما يقولون, هُنا همُهم، كُلُّ الدين لا شيء, وإذا احتال الذكي يُجامل: ما شاء الله! الله يُبارك فيك يا سيدي, وما فيه من الدين شيء، في كلمات يتكلمها الناس, لا معنى لها أبداً، الله عزّ وجل يُحاسب على العمل والاتزان. 4-كفر الشك :
بقيَ علينا كُفرُ الشك، كُفرُ الشك قال: فإنهُ لا يجزِمُ بصدقهِ ولا بكذبهِ, لستُ أدري, ولماذا لستُ أدري؟ لستُ أدري.
يقول لكَ: شيء لا أُصدقُ أحداً, داخل في حالة الشك, والحقيقة: لو اشترى بيتاً, يا ترى هذا البيت عليه رهن؟ بأمورهُ المادية ليسَ عِندهُ شك, كُلهُ باليقين, كلهُ بالسندات, وكشف القيد العِقاري, ويأخذ براءة ذمة, وهذه عليك وهذه علي.
لماذا الإنسان بأمور دنياه دقيق جداً, وعلى اليقين يسير؟ يعمل لهُ عقد عِند محام, يُقيّدهُ كُل ضريبة, قبلَ هذا التاريخ على البائع, طلب القيد العقاري, وطلب الكشف المالي, ولم يُبق شيئاً, لماذا أنتَ في الدنيا باليقينيات دائماً وفي الآخرة في الشك؟ لا نعرف, يجوز ألا يكون في آخرة، والله شيء يُحير, كُل هؤلاء الناس يتكلمون على أهوائهم, ليسَ عِندُه تبني موقف, هذا كُفر الشك.
الحقيقة: كُفر الشك, الإنسان مُحاسب عن شيء واحد, لو أردتَ الأدلة القطعية لوجدتها:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
لو أردتَ الأدلة القطعيّةَ لوصلتَ إليها، دُللتَ عليها، لمستها بيدك، ولكنكَ تُريد أن تعيشَ في شك، في قصيدة لأحد الشعراء المهجريين, يعني مئات الأبيات كُلها: لستُ أدري, بعدَ هذا يقول: ولماذا لستُ أدري؟ قال: لستُ أردي.
أحياناً تجلس في مجلس هذا الشخص, لا يوجد عِندهُ إلا التشكيك, لا أعتقد, لا لا، أحدهم ذهبَ للأزهر, فلم يدرس, انغمسَ في اللهو في القاهرة, لمّا عاد إلى بلده, فأمام أهله وأهل قريته, أصبحَ عالِماً جليلاً, ووالدهُ ينتظرهُ, فلَبِسَ زيّ العلماء, وجلسَ بمجلس, ولا يفهم شيئاً إطلاقاً, فعلّموه, كل سؤال مُحرج, قل في المسألة قولان, فجاءه واحد خبيث, فقال لهُ: أفي اللهِ شكٌ؟ فقالَ لهُ: في المسألة قولان, فضربوه ضرباً مبرحاً.
فالشخص هذا دائماً يُشكك, إن تكلّمتَ لهُ بآية, يقول: هذه آية بالقرآن؟ طبعاً وافتح القرآن وشاهدها، ليسَ عِندهُ رغبة بالبحث عن آية في القرآن الكريم, هذا كُفرُ الشك.
5-كفر النفاق :
بقيَ علينا كُفرُ النِفاق, هذا المنافق واحد كافر, من ألد أنواع الكُفّار, لكن مصالِحهُ مع المُسلمين, أو يعيش في بلد إسلامي، أو يعيش في بلد أولو الأمرِ متمسكونَ بالإسلام، فلذلك يفعل كُل ما يرضى عنهُ المُسلمون, أمّا إذا خرجَ من هذا البلد, غَرِقَ في الفِسقِ والفجور, هذا الكُفر هوَ كُفرُ النِفاق, أن يُظهِرَ بلسانهِ الإيمان, وينطوي بقلبهِ على التكذيب, هذا النِفاق الأكبر, الذي قالَ اللهُ في حقهِ:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 145]
6-كفر الجحود :
آخر نوع من أنواع الكُفر: هوَ كُفر الجحود، الجحود الإلحاد، فلان مُلحد قال: لا إله، ما في إله, لكن الله عزّ وجل، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, أطلعنا على مصيرهم, وعلى شأنهم في العالم، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, هذا كُفرهم كُفرُ جحود، قال: إمّا أن يكونَ جحوداً عامّاً أو جحوداً خاصاً، من نفى عن اللهِ رحمتهُ, هذه الزلازل, والبراكين, والمجاعات, والحروب, والأمراض, ما هذه الرحمة؟ هذا كُفر جحود خاص؛ جحدَ رحمةَ الله، أو جحدَ عِلمهُ، أو جحدَ حكمتهُ، ويكفي أن تقول: الله يعطي الحلاوة للذي ليسَ لهُ أضراس, هذا كُفر جحود, تتهمُ الله بأنهُ ليسَ حكيماً.
مرة واحد توفيت زوجته, ولها أخت أكبر منها بعشر سنوات, قالَ: كنتَ خُذ تلكَ يا رب, أبقها لي, هذا جحود؛ جحدَ حِكمة الله، جحدَ رحمتهُ، جحدَ عِلمهُ، جحدَ قدرتهُ، الآن: إذا واحد أصابهُ مرض عُضال, وتيقّن أنَّ اللهَ لا يقدر أن يشفيهُ, طيب لماذا؟ هكذا قال الطبيب, هذا مرض مستعصٍ.
أخ كريم حدثني, والدتهُ مريضة, الأطباء قالوا: مرضُها عُضال, ولن تصل إلى المستشفى، فدعت ربها عزّ وجل, وتصدّقت, ولجأت إليه, وقد عافاها الله.
يعني من السذاجة أن تظن أنَّ المرض العُضال ليسَ لهُ دواء, لهُ دواء, وهوَ الشفاء الذاتي، أنتَ إذا صدّقتَ الله عزّ وجل:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
يشفيك.
في مُدرّسة في فرنسا, أصابها مرض عُضال, ورم خبيث في صدرها, وقالَ الطبيب: إنَّ حياتها لا تزيد عن عشرين يوماً تقريباً, ذهبت إلى مكة المُكرّمة, لتُنهي حياتها هُناك, وطافت ثمانية عشرة طوافاً حولَ الكعبة, وهيَ غارقةٌ في البُكاء, وفي الالتجاء, وفي إعلان التوبة, وفجأةً وبعدَ هذا الطواف الشديد, بدأت الآلام تنحسر إلى أن شُفيت شِفاءً تاماً, ولها قِصةٌ مُبكيةٌ, ألّفت كتاباً, واسمهُ: لا تنس الله. آلاف القِصص.
لي صديق, خمسة أطباء أجمعوا على أنَّ بهِ سرطاناً بالرئة من الدرجة الخامسة، بالتصوير الشعاعي، وبالخزعات، وبالفحص المخبري في دمشق, وفي لندن، والعمر لا يزيد عن عُشر, وانحسر هذا المرض, والرجل لا يزال حيّ يُرزق, وصديقي انحسرَ انحساراً كاملاً, ولهُ في شِفائهِ التام ما يزيدُ عن عشر سنوات.
فإذا اعتقدتَ أن الله لا يستطيعُ أن يشفيكَ, أو واقع في ورطة مالية مثلاً مُفلس, فالله عزّ وجل يخلُقُ من الضعف قوة، هُنا عظمةُ الإيمان, لا يأسَ معَ الإيمان، يا ربي لا كربَ وأنتَ الرب, لا كربَ وأنتَ الرب, ما دامَ هُناكَ رب, كُل شيء بيده, وقادر على كُلِ شيء, وهوَ أرحمُ بِنا من أنفِسنا, لا كربَ يا رب وأنتَ الرب.
كُفرُ الجحود الخاص: أن ترى أنَّ الصلاة لا معنى لها في هذا الزمن, أخي عصرنا عصر دوام, وعمل كثيف, وارتباطات, ومواصلات, وما في وقت لنصلي, ولا في وقت لنتوضأ, هذه أنا عِشاء أُصلي, وأطلب من الله المغفرة مساءً, هذا الذي يُنكر فرضية الصلاة أو الصوم, ببعض البلاد الإسلامية اعتبروه أنهُ يُضعِف الإنتاج فألغوا الصوم, طيب: إذا جحدتَ الصوم, أو جحدتَ الصلاة, أو جحدتَ الزكاة, أو رأيتَ أن تحريمَ الرِبا شيء مُربك, لماذا المسلمون متأخرون؟ لأنَّ دينهم صعب يقيدهم, أمّا الأجانب طليقون, هذا كُفرُ جحود, لكنه خاصاً وليسَ عاماً. الخلاصة :
على كُلٍ الكُفرُ كما قُلنا قبلَ قليل :
كُفرٌ أكبر وهو الذي يوجب الخلودَ في النار .
وكُفرٌ أصغر وهو الذي يوجب التوبة , ويوجب تحققَ الوعيد إذا لم يتب صاحبه .
وتكفير الناس هذا ليسَ من شأن الناس , هذا من شأنِ ربِّ الناس , وأنتَ في أعلى درجات , ورعكَ إن رأيتَ عاصيّاً ادع لهُ أن يتوب , واذكر اللهَ عزّ وجل على أن نجّاكَ من هذه المعصية ، أمّا أن تُنصّبَ نفسكَ وصيّاً على الناس , توزع ألقاب الكُفر والإيمان على الناس , أو تضيقُ نظرتُكَ فتعتقدُ بصلاحِ جماعتكَ فقط , وتُكفّرُ بقية الجماعات , فهذا من ضيق الأفق , ومن أمراض المسلمين الوبيلة , وهذا الذي فرّقهم وشرذمهم وفتتهم , وجعلهم ضِعافاً في العالم .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثلاثون )


الموضوع : الشرك









الشرك :
مع الدرس الثلاثين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, وقد أمضينا دروساً عِدة في أنواعِ الذنوب والآثام ، تحدثنا عن الفحشاء والمُنكر ، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وتحدثنا عن أنواع الفِسق , وعن أنواع النِفاق , وعن أنواعِ الكُفر , وعن أكبرِ ذنبٍ من هذه الذنوب , وهوَ أن يقولَ الإنسان على اللهِ ما لا يعلم , وبقيَ علينا موضوعٌ من هذه الموضوعات وهوَ الشِرك , وربما تظنونَ أنني أُبالغ , ولكنني في الحقيقة أقولُ : إنَّ الشِرك هو من أخطر الذنوب التي يقعُ بها الإنسان , لماذا ؟!.
لأنكَ إذا أشركتَ باللهِ عزّ وجل , توجهتَ إلى غير الله , لا تجدُ شيئاً ، لا تجدُ نافعاً ، لا تجدُ ضاراً ، لا تجدُ مُعيناً ، لا تجد سعادةً , يعني هؤلاء الذين قالوا : ما تعلمّت العبيد أفضلَ من التوحيد .
ما تجاوزوا الحقيقة , وما وقعوا في المبالغة ، هؤلاء الذين أرجعوا أكثرَ الذنوبِ إلى الشِرك .
الحقيقة : الشِرك من أوسع الأبحاث , ويكفينا أنَّ كلمة التوحيد , هيَ شهادةُ أن لا إلهَ إلا الله .
على كُلٍ ؛ شأنُ هذا الموضوع كشأنِ الموضوعات الأخرى ، الشِرك تتسعُ دائرتهُ حتى يشملَ أن تعتمدَ على غير الله ، وتضيقُ دائرتهُ حتى تدعي إلهاً غيرَ الله . أنواع الشرك :
1-الشرك الأكبر :
كما هيَ العادة في منهج البحث , في هذه الموضوعات , هُناكَ شِركٌ أكبر وهُناكَ شِركٌ أصغر ، الشِركُ الأكبر لا يُغفر إلا بالتوبة , إذ أنَّ أيةَ آيةٍ قرآنيةٍ وأظنُهما آيتين فقط :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 48]

أجمعَ العلماءُ على أنَ هذا الشِرك الذي لا يُغفر إذا ماتَ صاحبهُ وهو مُشرك , أمّا إذا تاب تابَ اللهُ عليه ، لذلك يُعقّبون على الآيةِ بقولهم : إنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشركَ بهِ إن لم يتُب ، الشِرك الأكبر أن تتخذَ للهِ نِداً .
الآن يقول لكَ قائل : طبعاً يوجد من الشِرك الأكبر نوعان , هؤلاء الذين يعبدون آلهةً في هذا العصر , بوذا , هذه الديانات في شرقي آسيا التي تُتخذُ من بعضِ الشخصيات الموهومةِ آلهةً تعبُدها من دون الله , هذا شِرك أكبر .
لكن هذا من فضل الله عزّ وجل , المسلمون في عالمهم الإسلامي بعيدون عن أن يقعوا في هذا الشِرك الفاضح , لكنَّ هُناكَ شِركاً أكبر , لا يأخذُ هذا الشكل الفاضح : أن تتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاً , ولم أقل : أن تتخذَ غيرَ الله , أن تتخذَ من دون الله , لأنَّ اللهَ واحدٌ أحد فردٌ صمد , إن اتخذتَ غيرهُ فلا بُدَ من أن يكونَ دونهُ , ما قال : أن تتخذَ غيرَ اللهِ إلهاً , لا , قالَ : أن تتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاً ، وهذه المسافة بينَ هذا الذي اتخذتهُ نِدّاً من دون الله وبينَ خالق الكون , لا يُمكن أن يُوازنَ بينهما , يعني صفر مع القيمة المطلقة ، لا شيء معَ كُلِ شيء ، ضعفٌ معَ منتهى القوة ، جهلٌ معَ منتهى العِلم ، قسوةٌ مع منتهى الرحمة .
أيام نقول : هذا دونَ هذا , يكون بينهما درجة , نقول : هذا دونَ هذا بكثير , لكنهما يجتمعان في نسبة ، أمّا إذا اتخذَ الإنسانُ من دونِ اللهِ نِدّاً , لا يمكنُ أن يكونَ هذا المُتخذُ نِداً من دون الله , أن يُوازنَ بشكلٍ أو بآخر معَ خالق الكون , يعني القيم المُطلقة معَ التلاشي المُطلق ، عبدٌ ضعيف تستعين بهِ ، تستهديه ، تجهدُ في إرضائه ، تخافُ من سخطهِ ، تُعلّق الآمال عليه ، تربط حياتكَ كُلها من أجلهِ ، ما من جهةٍ , لا أقول : ما من مخلوقٍ , ما من جهةٍ في الكون تستحقُ أن تُفني حياتكَ من أجلِها ، تستحقُ أن تُمضي شبابكَ من أجلِها ، إلاّ أن يكونَ خالِقَ الكون , هوَ أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة . 2-الشرك الأصغر :
في شِرك أكبر وشِرك أصغر ، الشِركُ الأصغر المؤمنون مُبتلونَ بهِ , لقولهِ تعالى :
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
لكَ مُعاملة في وزارة ، ولكَ ابن عم في هذه الوزارة , لا بأس بهِ ، فأنتَ مرتاح , هذا ابن عمي لا يُقصّر , هذا شِرك ، نسيتَ الله واعتمدتَ على قريبك ، هذا الشِرك الذي يُبتلى بهِ المؤمنون , بسببِ ضعفِ إيمانهم , هذا هوَ الشِركُ الأصغر ، أدناهُ أن ترضى عن إنسان , وهوَ مُقيمٌ على معصية , كما قالَ عليه الصلاة والسلام : الشِركُ أخفى من دبيبِ النملةِ السوداء على الصخرةِ الصمّاء في الليلة الظلماء , وأدناهُ أن ترضى على معصية , وأن تغضبَ على عدل ، أن تسخطَ على عدلٍ وأن ترضى على جورٍ ، أن ترضى على جور أو أن تسخطَ على عدل فهذا شِرك :
أن ترضى على جور :
يعني هذا الذي جارَ على غيرهِ , لكنهُ نفعكَ , رضيتَ عنهُ , ونسيتَ رِضاءَ اللهِ عزّ وجل .
وأن تسخطَ على عدل :
وُجهِت لكَ نصيحةٌ مُحقّة , أنتَ تألمت فغضبت , أنتَ قد أشركتَ نفسكَ معَ اللهِ عزّ وجل , هذا الشِرك الأصغر .
نرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن يعافينا منهُ , ويحتاج إلى مجاهدة, ومتابعة , ومراقبة دقيقة للقلب , وأن تفهمَ على اللهِ عزّ وجل , كُلما اعتمدتَ على غيرهِ , كيفَ يأتيكَ بالعلاج ؟ وكيفَ يُخيّبُ آمالكَ بغيرهِ ؟ هذا موضوع , والشِركُ الأكبر موضوع .
أنواع الشرك الأكبر :
الشِرك الأكبر نوعان : شِركٌ فاضح وشرك غيرَ الفاضح .
شِركٌ فاضح :
يعني أن تقول بوذا إله كما يقول السيخ أو الهندوس أو هؤلاء الذين لهم ديانات وثنية في أنحاء متفرقة من العالم .
لكنَّ الشِركَ الأكبر غيرَ الفاضح هوَ :
أن تتخذَ من دونَ اللهِ نِدّاً , هُنا المشكلة .
قد يقول لكَ إنسان : أيُعقلُ أن أتخذهُ نِدّاً ؟ أهوَ إله ؟ أهوَ الذي خلقَ الكون ؟ أهوَ الذي سيّرَ الشمسَ والقمر ؟ نقول له : لا , من لوازم الإله : أن تحبهُ ، وأن تعبدهُ ، وأن تُعظمّهُ ، فيكفي أن تُعظّمَ جهةً أرضية , وأن تُحبها حُباً حقيقيّاً , ويكفي أن تطيعها في معصية الله ، فهذه الجهة الأرضية , ولو كانت إنساناً , أنتَ أشركتها معَ الله , لا في مقام الألوهية بل في لوازم الألوهية ، لا في المقام الإله خلقَ السموات والأرض ، الإله مُسيّر ، الإله مُربّ ، لا في مقام الألوهية والربوبيةِ بل في لوازم الألوهية والربوبية .
مثلاً : من لوازم الأب الحُب ، من لوازم الأُبوة الطاعة ، من لوازم الأُبوة أن تُرضي هذا الأب ، فإذا لم تُكن مُطيعاً لأبيك فرضاً , ولم تكن مُحبّاً لهُ ، ولم تُكن خاضعاً لفضلهِ ، وتوجهتَ بكُلِ إمكاناتِكَ لخدمة شخصٍ غريب , وعوتبتَ في هذا الموضوع , تقول : أيعقلُ أن يكون هذا أبي ؟ يقول : لا , ليسَ أباك هذا , نعلمُ ذلك ولكنكَ عاملتهُ كما ينبغي أن تُعاملَ أباك .
هذا الذي واقع في شِركٍ أكبر , نحنُ لا نقول لهُ : أنتَ تدّعي أنهُ خلقَ الكون , لا , نعلمُ ذلك وتعلمُ أنتَ ذلك ، ولكنكَ أشركتهُ مع اللهِ عزّ وجل في لوازم الألوهية , وهوَ التعظيم والعِبادة والحب , هذا الشِرك الأكبر غير الفاضح .
هُناكَ من يُحاول التلفيق , يعني يُحب أن يجمع بينَ إشراكهِ الكبير , بأن اتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاَ , يُعظّمهُ ويُحبهُ ويُطيعهُ , ولا يعبأُ بطاعةِ اللهِ , ولا بحُبهِ للهِ , ولا بتعظيمهِ للهِ , وكيفَ يوفّقُ هذا الإنسان بين هذا الشِرك الأكبر وبينَ ما هوَ واضحٌ كالشمس من أنَّ اللهَ خلقَ السموات والأرض ؟ لذلك الله سبحانهُ وتعالى يقول :
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾
[سورة الزمر الآية: 3]
﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
هذا اسمهُ تلفيق , يعني يحبُ أن يجمع بينَ عقيدتهِ الشركيّة وبينَ التوحيد , نحنُ نتخذهم شفعاء لنا عِندَ الله .
طبعاً قبلَ قليل : حدثتكم عن أنَّ الشِركَ الأكبر , ليسَ معناهُ أن تدعيَّ أنَّ هذا الذي اتخذتهُ من دون الله , هوَ خالِق الكون ، هوَ ربُّ السموات والأرض ، هوّ المُسير , لا , لكن لوازم الألوهية : التعظيم والمحبة والطاعة , أنتَ فعلتَ معَ هذا النِدّ للهِ عزّ وجل , الذي هوَ من دون الله , فعلتَ معهُ ما ينبغي أن تفعلهُ مع الله , قالَ تعالى : ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 97-98]
عندنّا سؤال : لماذا تروجُ هذه الأفكار الوثنيةُ في العالم ؟ يقول لكَ : أربعمئة ، خمسمئة مليون أتباع بوذا ، ستمئة مليون أتباع كذا ، السيخ عددهم كذا مليون ، أربعمئة مليون هندوسي , كلهم يعبدون بقرة أو صنماً أو وثناً ، طيب : أينَ عقولُهم ؟
الجواب هوَ : أنَّ هذه الآلهة المزعومة ليسَ لها منهج يُقيّدُكَ في حركتكَ اليومية فاتّباعُها سهل .
هُناكَ طقسٌ تفعلهُ كُلَ أسبوع , أو كُلَ يوم , وانتهى الأمر , لكَ أن تفعل ما تشاء ، لكَ أن تأكلَ من أموال الناس ما تشاء ، لكَ أن تُمارِسَ الشهوات كيفما تشاء .
فلذلك : دائماً المناهج الشركية الوضعية , لها ميزة عند أهل الدنيا , ليسَ لها منهج , فالانتماء لها سهل جداً , لا يُكلّفُ شيئاً ، لكنَ اللهَ سبحانهُ وتعالى إذا أردتَ أن تنتميَ إلى دينهِ , فهُناكَ افعل ولا تفعل ، هُناك قنوات نظيفة والباقي كُلُهُ مُحرّم ، فلذلك إذا أردتَ أن تتعرف إلى سِرِ انتشار هذه الديانات الوضعية , وهذا الشِرك الذي لا يقبلهُ عقل , ذلك لأن الانتماء إليه سهل .
واحد ذهب للهند , وجد في مقام بوذا فواكه من أنواع لا يرقى إليها , وهم تُقدّمُ هذه الفواكهُ إلى هذا الإله يوميّاً , ثمَّ تقصّى الحقائق , كُلُ هذه الفواكه في النهاية , يأكُلها من يعملون في هذا المعبد , فهم يُبالغون ، لا يقبلُكَ هذا الإله إلا إذا جوّدتَ له الفاكهة من أجلهِ .
يعني من أجلِ أن يأكُلها هو مساءً , لأنَّ هذا الصنم لا يأكل .
والشيء الغريب : ترى هُناك أشخاص مثقفون , يحملون شهادات عُليا , كيفَ أنَ هذا الإنسان يُعطّلُ عقله ؟ فلذلك : الله عزّ وجل يوم القيامة سيسأل هذا الإنسان هذا السؤال الكبير : عبدي أعطيتُكَ عقلاً فماذا صنعتَ فيه ؟ أينَ عقلُك ؟ أنتَ تقبل أن تقبض عملة مزيّفة لثمن بيت تسكنهُ ولا تملكُ غيرهُ , ومعك جهاز صغير يكشفُ لكَ زيفَ هذه العُملة من دونِ أن تستخدمهُ , فإذا صُعقتَ لهذا الخبر المؤسف وصِحتَ , يُقال لكَ كلمة بسيطة جداً , فيها استهزاء : ما دُمتَ تملكُ هذا الجهاز لِمَ لم تستخدمهُ ؟ وما دامَ اللهُ عزّ وجل قد أعطانا عقلاً , فإذا أشركَ الإنسانُ مع الله عزّ وجل ، هذا الإنسان مؤاخذ , أينَ عقلُك ؟.
أنا أُسمي العقل أداة المعرفة ، وقد وردَ في القرآن وصفٌ لهُ ، اسم وصفي ، قالَ : ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
[سورة الرحمن الآية: 7]
الله أعطاكَ ميزاناً ، ميزاناً دقيقاً ، ولا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ أثمنَ ما في الكونِ هوَ العقل , بل إنَّ أعقدَ ما في الكونِ على الإطلاق هو العقل , يعني ما في عضو في الكون , لا في النوع البشري فحسب في الكون , بالغ التعقيد , واسع الإمكانات , كالعقل البشري , فإذا عطلّتهُ فقد ضللتَ ضلالاً مُبيناً .
سِرُ تهافت الناس على الديانات الوثنية , هوَ أنَّ هذه الديانات ليسَ فيها منهج ، ليسَ فيها قيد ، ليسَ فيها حدٌ من حرية الإنسان ، ليسَ فيها منعٌ لشهواتِهِ ، هذا سِرُ رواجِها لا لذاتِها , بل لِما ينتجُ عنها من تفلت أيِّ قيمةٍ أو أيِّ نظام .
كيفَ نردُ على هؤلاءِ الذينَ أشركوا باللهِ ما لم يُنزّل به عليهم سُلطاناً :
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
الردُ عليهم : بأنَّ الشفاعةَ التي وردت في القرآن الكريم لها شروط ، قالَ تعالى : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 255]
لا تقعُ الشفاعةُ لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذنِ اللهِ تعالى ، ولا يشفعُ الشافعُ إلا بإذنِ اللهِ تعالى ، ولا يشفعُ الشافعُ إلا من رضيَ اللهُ عنهُ ، الدليل قالَ تعالى :
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 28]

اللهُ سبحانهُ وتعالى , من هوَ الذي يرضى عنهُ , حتى يسمحَ للنبي عليه الصلاة والسلام أن يشفعَ لهُ ؟ قالَ : من ماتَ غيرَ مُشرك .
يعني الذي أشرك لا يستحقُ الشفاعة ، وإذا بلغتَ التوحيد فقد بلغتَ كُلَ شيء . نهاية العلم التوحيد .
أقول لكم كلمات قُلتها كثيراً , لكن أتمنى أن تكونَ في موطن اهتمامكم نهاية العِلم :
التوحيد .
لن تُخلِصَ إلا إذا كُنتَ موحِداً ، إن لم تكن موحداً , تتمنى أن تُرضي الناس , وتخشاهم , وترجوهم , وتستعطفهم , وتشعر بقدرتهم عليك , هم يرفعونك , وهم يضعونك ، شفاؤك على أيديهم , وخلاصك ومصيرك بيدهم ، ما دُمتَ لم توّحد فهذا شِرك ، والشِرك معهُ خوف ، معهُ تبعثر ، معهُ تشرذم ، معهُ تبديد بالطاقات ، لذلك :
نهاية العِلم التوحيد .
لا إلهَ إلا الله حِصني من دخلها أمِنَ من عذابي ، لا إلهَ إلا الله لا يسبِقُها عمل ولا تتركُ ذنباً .
لا إلهَ إلا الله فيها نفي وإثبات ...
لا إلهَ : أي لا مُسيّرَ ، لا حركةَ لا سكنةَ ، لا عطاءَ لا منعَ ، لا رفعَ لا خفضَ ، لا إعزازَ لا إذلالَ ، لا قبضَ لا بسطَ ، لا توفيقَ لا إخفاقَ إلا بالله .
فلذلك : لن تُخلص إلا إذا وحّدت .
وهذا المثل أضرِبهُ دائماً , وأُعيدهُ , وفيه فائدة ...
لكَ قضية مهمة جداً في دائرة , إذا أنتَ عَلِمتَ عِلمَ اليقين أنَّ في كُلِ هذه الدائرة المؤلفة من أربعة آلاف موظف , لا يوجد إلا إنسان واحد , من صلاحيتهِ أن يوافق لكَ على طلبك , هوَ المدير العام ، إذا أيقنت لن تسألَ سِواه ، ولن تتجهَ إلى أحدٍ آخر ، ولن تُقدّمَ هديةً إلى أحدٍ غيرهِ ، ولن تبذِلَ ماءَ وجهِكَ إلى أحدٍ إلا هذا المدير العام , فإذا قيل لكَ خطأً أو وهماً أنهُ فُلان , هوَ بإمكانهِ أن يوافق , تتجهُ إليه ، تصبُ عليه كُلَ اهتمامك ، تتوسل إليه ، تُعلّقُ عليه الآمال , هذا هوَ الشِرك .
وقد ضربتُ مثلاً آخر في أثناء تدريسي السابق أيضاً , الآن مناسب أن نُعيدهُ ...
إنسان لهُ في حلب مبلغ كبير كبير , تُحلُ بهِ كُلُ المشكلات , ويجب أن يقبضهُ في ساعةٍ معينة , وتوجهَ إلى محطة القطارات , وركبَ القطار المتجه إلى حلب ، قد يرتكب وهو في القطار آلاف الأغلاط , قد يدفع ثمن بطاقة للدرجة الأولى , ويجلس خطأً في الدرجة الثالثة , ممكن ، قد يجلس بعكس اتجاه سير القطار يُصاب بالدوار ، قد يجلس مع شبابٍ متشاكسين , يملؤون القاطرة صخباً وضجيجاً , قد يتضور جوعاً , ولا يعلم أنَّ في القطار مطعماً ، قد ينسى بعضَ حاجاتهِ في القاطرة ، لكن ما دامَ في القطار المتجه إلى حلب , وما دامَ هذا القطار سيصل في الوقت المناسب , فالقضية سهلة , كُلُ هذه الأغلاط نتجاوزها .
ولكن الخطأ الذي لا يُغتفر :
أن تتجه إلى محطة القطار , وأن تصعد إلى القطار المتجه إلى درعا , وأنتَ تُطمئن نفسكَ , بعدَ قليل نصل إلى حلب , ثمَ تُفاجأ وأنتَ في درعا أنَّ هُنا درعا .
طيب : أينَ حلب ؟ هذا الخطأ الذي لا يُغتفر .
يعني أن تتجهَ إلى غير الله ، أن تُعلّقَ على غير الله الآمال ، أن ترجو غيرَ الله ، أن تخافَ من غير الله ، أن تظنَ أنَ الرِزقَ بيد فُلان ، أن تظن أنَّ فُلاناً بإمكانهِ أن يرفعك , بإمكانهِ أن يضعكَ ، بإمكانهِ أن يُعطيك ، بإمكانهِ أن يمنعك , هذا الشِرك , هذا الشِركُ الذي لا يُمكن أن يُغتفر , لأنهُ إذا اتجهتَ إلى الله وكُنتَ مُخطئاً غفرَ لك ، إن كُنتَ جاهلاً علّمك ، إن كُنتَ مستوحشاً آنسك ، إن كُنتَ ضعيفاً قوّاك ، إن كُنت فقيراً أغناك ، إن كُنتَ مُنقبضاً بشّرك ، لكنكَ إذا اتجهتَ إلى غير الله فقد أشركت .
واحد معهُ آلام الزائدة لا تحتمل , ما دام في طريقهِ إلى المستشفى , ودخل المستشفى , وفي عناية جيدة , وفي أطباء مهرة , وفي أدوية جيدة , وفي موظفين مخلصين , فالقضـية انحلت ، لكن لو اتجهَ إلى مكان آخر , فإذا هوَ مدرسـة أو فندق مثلاً , ماذا يفعل هُنا ؟ .
فلذلك موضوع الشِرك يا أخوان من أخطر الموضوعات في الدين , وأقول لكم بملء فمي :
لا نجدُ إنساناً يعصي اللهَ عزّ وجل إلا لأنَ فيه بعضَ الشِرك .
لأنهُ لماذا يعصي الله ؟ يعصيه ليستمتعَ بشيء نهى اللهُ عنهُ .
إنَّ سعادة القُرب أبلغُ بكثير من لذّة المعصية لكنهُ لا يدري .
أتعصيه من أجل أن يزدادَ مالُك ؟ اللهُ بيده المال ، فجأةً يُدمّرُ المال .
أنتَ اسأل نفسك لماذا أعصي الله ؟ يعني من أجل أن أُمتّع نفسي بما حرّمهُ الله عليّ .
الانقباض الذي يحصل من مخالفة أمر الله عزّ وجل لا يُحتمل ، بينما السعادة التي تحصل من طاعة الله عزّ وجل لا توصف .
لماذا أعصيه ؟ لأنني أرى في هذه المعصية خيرٌ لي , هذا هوَ الجهل .
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 57]
أينَ الله ؟
أيُعقل أنكَ إذا اهتديتَ إلى الله خُطّفتَ من أرضك ؟
والذي يقول : أخي أنا إن استقمت مِتُ من جوعي , هذا منتهى الجهل ، منتهى الحُمق .
يقول المحامي : إذا أنا صدقت ليسَ عِندي زبائن , يجب أن أُطمّعُهم , أنَّ الحُكم مضمون , غلط هذا الكلام , هذا شِرك بالله عزّ وجل ، يعني يجب أن تعلم :
أنَّ أيَّ إنسانٍ يعصي الله لا يعصيه إلا لأنهُ أشركَ بالله ، إمّا أنهُ أشركَ نفسهُ أو أشركَ غيرهُ ، أمّا لو تجرّدتَ عن كُلِ شِرك , لرأيتَ نفسكَ في طريق الحقِ شِبراً شِبراً .
الشفاعةُ التي وردت في القرآن الكريم , لا تكونُ إلا لمن رضيَ الله عنه ، ولن تُعطى إلا لمن رضيَ اللهُ لهُ قولاً :
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى﴾
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾
واللهُ لا يرضى من عِبادهِ الشِرك , لذلك من ماتَ غيرَ مُشرك , نالتهُ شفاعةُ النبي ، أمّا من ماتَ مُشرِكاً , حُرم من هذه الشفاعة .
في مشكلة : أنهُ هُناك إنسان يدّعي التوحيد , إذا نظرتَ إلى عملهِ , وإلى حركاتهِ وسكناتهِ , وجدتَ عملهُ , وحالهُ يُكذّبُ توحيدهُ .
ما أطعتَ فلاناً وعصيتَ الله إلا لأنكَ رأيتَ فُلاناً أكبرَ من الله , ما خِفتَ من فلان أكثرَ من خوفِكَ من الله إلا لأنكَ عظمّتهُ فوقَ ما تُعظّم الله عزّ وجل , فلذلك المعصية قد تبدو صغيرة , لكن المؤشر كبير على جهل فاضح باللهِ عزّ وجل .
ربنا عزّ وجل قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 41]
لا أعتقد أن في القرآن آية بأنَ ذلكَ الذي اعتمدَ على غير الله ، اتجهَ إلى غير الله ، اتكلَ على غير الله ، علّقَ آمالهُ على غير الله , كمن تمسّكَ ببيت العنكبوت , حركة أصابعهِ تُحطمُ هذا البيت :
﴿كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾
يوجد عندنا موضوع دقيق جداً : هوَ أنتَ حينما تعتمد على فُلان ، يعني فُلان لا بُدَ من أن يكونَ أحدَ أربعةِ أشخاص :
إمّا أنهُ مالِكُ هذا الكون ، أو مالِكُ جزءٍ منه شريك مع الله فيه ، أو ظهيرٌ , أو مُعين ، أو شفيع .
مالك ، شريك ، ظهير ، شفيع .
أنتَ إذا دخلت إلى مكان , وتوجهت إلى إنسان , هذا الإنسان أغلب الظن , بحسب هذا التوجه , مالِك المكان , وإذا لم يكن مالكاً , فلهُ النِصف , شريك .
إذا واحد زار بستاناً , دعاهُ مالك نِصف البستان , فلو قالَ له الثاني : أخي أين أنتَ داخل ؟ فيقول : فُلان دعاني , كلام معقول , داخل لِعند النصف الثاني , فهذا الذي اتخذتهُ إلهاً من دون الله , إمّا هوَ خالق الكون , أو شريك في الخلق , أو ظهير مُعين لله عزّ وجل , له دالة أو شفيع , استمعوا إلى قول الله عزّ وجل , قال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 22]
ليسَ مالِكاً , وليسَ شريكاً , وليسَ معيناً , وليسَ شفيعاً ، من هوَ إذاً ؟ هوَ لا شيء , هذا معنى قول الله عزّ وجل :
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الإخلاص الآية: 1]
فلذلك موضوع الشِرك من أخطر موضوعات الدين .
لن تعصِ اللهَ إلا إذا أشركت ، لن ترجو غيرَ الله إلا إذا أشركت ، أنا لا أقول الشِرك الجلي , ولا أقول الشِرك الفاضح , أن تتخذَ في البيتِ صنماً تعبدهُ من دون الله , هذا انتهى .
وقد قالَ عليه الصلاة والسلام :
(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ, إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ, يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا: هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ]
الطريق الموصل إلى الله هو العلم .
عندما الإنسان ينطلق إلى مخالفة , ينطلق لماذا ؟ لمنفعةٍ ماديةٍ أو شهوةٍ تقضيها , فلو عَلِمتَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالىَ هوَ المُسعد , وأنهُ لن يُسعِدكَ بمعصيتهِ , ولن تسعدَ إلا بطاعتهِ , ما عصيتهُ .
أيُ خطأٍ ترتكبهُ هوَ في الأصل خطأ في العِلم ، أيُ خطأٍ ترتكبهُ في السلوك أساسهُ جهل .
فلذلك أكادُ أقولُ :
إنَّ العِلمَ وحدهُ هوَ الطريق الموصل إلى الله عزّ وجل , وإذا أردتَ أن تتأكد التق مع صديق من أصدقائكَ القُدامى , واجلس معهُ ساعة , ولاحظ كيفَ أنكَ أنتَ في مجالس العِلم التي تتابع حضورها , كيفَ أنَّ المعلومات والقناعات والحقائق تراكمت شيئاً فشيئاً فشيئاً حتى ولّدت قناعةً ثمينةً , هذه القناعات جعلتكَ تستقيم على أمر الله .
فلذلك : أثمنُ ما في الحياة الدنيا أن تعرفَ الله , لأنكَ إن عرفتهُ عبدتهُ , وإن عبدتهُ سَعِدتَ بقربهِ في الدنيا والآخرة .
أقول لكَ مُلخص المُلخص : هذا الدين أكثر من مئات بل ألوف الملايين من مؤلفات الإسلام , كُلُ هذه المؤلفات يمكن أن تُضغط بثلاث كلمات :
يجب أن تعرفَ اللهَ حتى تعبدهُ , فإذا عبدتهُ سَعِدتَ بقُربهِ .
لذلك المؤمن لا يرى غيرَ الله ، ليسَ عِندهُ حِقد ، هذا الحِقد المُدمر من أين يأتي ؟ من الشِرك .
واحد عِندهُ في العمل التجاري صانع اختلف معهُ , فهذا الصانع أبلغ جهات معينة ، أنهُ هُناك بضاعة في المستودعات غير نظامية، فجاءت هذه الجهات وكلفتهُ بـ ستمئة ألف قصة من اثنتي عشرة سنة ، امتلأَ هذا التاجرُ حِقداً على هذا الصانع وقتلهُ , فحُكمَ عليه ثلاثينَ عاماً في السِجن ، لماذا نشأَ هذا الحِقدُ الشديد في قلبِ هذا التاجر ؟ لأنهُ رأى أنَّ هذا التدمير الذي أصابهُ من هذا الإنسان , هذا هوَ الشِرك .
فالشِرك فيه حِقد يا أخوان ، والشِرك فيه خوف ، يعني : إذا واحد شاهد حيواناً مُخيفاً , أو مجموعة حيوانات مخيفة , كُلها مفترسة وشرسة وجائعة , وهوَ بِلا سلاح , يموت من الخوف ، أمّا إذا أيقنَ : أنَّ كُلَ هذه الحيوانات مربوطة بإحكام , بيد جهة رحيمة وعادلة ومُنصفة , لا يخافُ منها , يخافُ ممن يقبضُ زمامها , هكذا قال سيدنا داود :
﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
حقيقة الأمراض النفسية التي يعاني منها الإنسان .
أيها الأخوة الأكارم ؛ واللهِ لا أُبالغ :
الحِقد أساسهُ الشِرك ، الخوف أساسهُ الشِرك ، المعصية أساسُها الشِرك .
أكادُ أقول : إنَّ كُلَ الأمراض النفسية ليست بأمراض , ولكنها أعراض لمرضٍ واحد وهوَ الشِرك , كلام دقيق , إنَّ كُلَ الأمراض النفسية : الخوف ، النِفاق ، الإنسان لماذا يُنافق ؟ لأنهُ يُرضي لهذا الذي يُنافق لهُ يُرضيه , لماذا يُرضيه ؟ لأنهُ يرى أنَّ لهُ شأناً , وأنَّ هذا الذي يُنافقُ لهُ بإمكانهِ أن يُعطيه شيئاً ثميناً , أو بإمكانهِ أن يحرمهُ من شيء ثمين .
النفاق أساسهُ الشِرك ، الحِقد أساسهُ الشِرك ، الخوف أساسهُ الشِرك ، المعصية أساسُها الشِرك .
يعني أنتَ تظن بالمعصية هُناكَ لذّة , لكنَّ اللهَ يَخلُق معَ اللذّة شقاء , ومع الشقاء فضيحة , ومعَ الفضيحة دماراً ، أمّا لو آمن أنَّ الله عزّ وجل لا يُسعدهُ إلا بطاعتهِ , وهو في الطريق الصحيح سعد .
فلذلك أقول لكم مرةً ثانية : إنَّ أكثرَ الأمراض النفسية , وإذا أردتُ أن أجزم : إنَّ كُلَ الأمراض النفسية ما هيَ في حقيقتها إلا أعراضٌ لمرضٍ واحد وهوَ الشِرك .
لذلك : تستغرب أنَّ الأنبياء على اختلافهم ، واختلاف أقوامهم , واختلافِ عصورهم وأزمانِهم ، جاؤوا بدعوةٍ واحدة ، أعتقد في سورة :
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 73]
العبارة نفسها قالها سيدنا صالح , وسيدنا هود , وسيدنا لوط , وسيدنا إبراهيم , نبيٌ نبي , حتى إنَّ اللهَ عزّ وجل لخّصَ كُلَ هذه العبارات في عبارةٍ واحدة , قال :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
هذا الدين كُلهُ ، الدين عقيدة وعمل ، العقيدة هيَ التوحيد ، والعمل هوَ الطاعة والتقوى ، لذلك قالوا : نهاية العِلم التوحيد , ونهاية العمل التقوى .
الطاعة , من حيث السلوك نهاية النهاية أن تُطيعَ اللهَ عزّ وجل ، من حيث العِلم نهاية النهاية أن توحّدَ اللهَ عزّ وجل ، فإذا وحدّتهُ وعبدتهُ فقد حققتَ كُلَ ما في الدين وما بقيَ إلا القشور ، إذا وحدّتهُ وعبدتهُ حققتَ كُلَ ما في الدين ، بل وضعتَ يدكَ على جوهر الدين ، بل كُنتَ أنتَ الديّنَ الحقيقي ، بل كُنتَ أنتَ الذي اتبعتَ النبي عليه الصلاة والسلام ، توحيد وطاعة , والتوحيد طريقهُ التفكّر في خلق السموات والأرض .
يقول لكَ :
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 59]
يقول لكَ : هذا الزواج كان غير سعيد , كأنَّ اللهَ ليسَ لهُ علاقة , الزواج أخطر حدث في حياتك , ما دام :
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾
هذه الزوجة الله عزّ وجل ساقها لك لتكونَ مكافأةً على ما فعلتهُ قبلَ الزواج ، إن كُنتَ عفيفاً فالزواج مُسعد ، وإن كنت منحرفاً قبلَ الزواج فالزواج مُشق ، فما دام : ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾
صندوق خشبي , فيه طفل رضيع مولود حديثاً في نهر : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 7]
عِندَ الله لا خطأ أبداً , كُل شيء بِحساب ، حركة أوراق الأشجار ، حركة الأغصان ، يقول لكَ : رصاصة طائشة , لا يوجد طائشة عِندَ الله , هذه عِندَ الناس ، عِندَ الله مصيبة ، عِندَ الله لا يوجد خطأ أبداً , شظية ، رصاصة طائشة ، قصف عشوائي , هذا كُلهُ عِند البشر , أمّا عِندَ الله لا يوجد عشوائي .
﴿كُل شيء بقَدر﴾
لكُلِ شيء حقيقة , وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ , حتى يعلم أنَّ ما أصابهُ لم يكن ليخطئهُ , وما أخطأه لم يكن ليصيبهُ .
أيها الأخوة ؛ أنا ناصحٌ لكم كُلما ارتقى توحيدكم سَعِدتم ، وارتحتم ، وأرحتم ، واطمأننتم ، ووثقتم بفضل اللهِ عزّ وجل .
النهاية :
أن لا ترى مع اللهِ أحداً , لا يوجد سِوى الله , واللهُ كبير .
إذا أردتَ المُلخص :
اللهُ موجود , ولا يوجد غيرهُ , وكامل .
ثلاث كلمات تلخّص تسعةً وتسعينَ اسما : واجبُ الوجود لا إلهَ غيرهُ . ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
فإذا عرفتهُ , عرفتَ كُلَ شيء , واللهِ إذا فاتكَ فاتكَ كُلُ شيء ، وإذا وجدتهُ وجدتَ كُلَ شيء ، وإذا لم تجدهُ لم تجد شيئاً ، وإذا كانَ اللهُ معكَ من عليك ؟ لا أحد ، وإذا كانَ عليكَ من معك ؟ لا أحد .
التوحيد هو العلاج لهذه الأمراض .
يعني : موضوع الشِرك موضوع أساسي في الدين ، هوَ الدينُ كُلهُ ، هوَ الحياة ، هوَ الراحة النفسية ، هوَ الثقة بالله ، هوَ الطمأنينة ، هوَ الشجاعة ، من أينَ تأتي الشجاعة ؟ الخوف من الشِرك ، الحِقد من الشِرك ، النِفاق من الشِرك ، الفجور من الشِرك ، التملّق من الشِرك ، استجداء المديح من الشِرك , ما في موقف ضعيف لكَ إلا أساسهُ الشِرك ، ما في موقف تصغُر فيهِ أمام الناس إمّا خائف منهم أو ترجو ما عِندهم .
الطمع كما قالوا : الطمع أذلَّ رِقابَ الرِجال ، لا تقف موقفاً سليماً إلا بسبب الطمع ، والطمع ما أساسهُ ؟ تطمع بمال فُلان , أنتَ لم تطمع بفضل الله عزّ وجل :
ملك الملوك إذا وهب قُم فاسألن عن السبب
اللهُ يُعـطي من يشاء فقِف على حـدِ الأدب
لن تكونَ عزيزاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ شجاعاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ عفوّاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ جريئاً إلا بالتوحيد ، لن ترضى إلا بما قَسَمهُ اللهُ لكَ إلا بالتوحيد ، التوحيد يشفي الإنسان من آلاف الأمراض .
تجد إنساناً صحيحاً معافى , أجرى تحليلاً , وجد جميع التحاليل كاملة , ويكون عِندهُ مئة مرض نفسي مُدمّر , وهذه الأمراض تبدأُ آثارُها بعدَ الموت ، أمراض الجسد تنتهي عِندَ الموت ، أمراض النفس تبدأُ بعدَ الموت خطيرة جداً ، مثلاً : حقد ، حسد ، خوف ، نِفاق ، فجور .
لو معكَ مِنظار دقيق : لا تُشهد إنساناً موقفهُ طفلي , أو عندهُ موقف يتحجّم فيه , أو صَغُرَ من عينك , إلا بسبب أنهُ أشركَ في هذه اللحظة ، يعني شاهدَ إنساناً منه نفع فتملّقَ لهُ , تملّق ، مدح ، كَذَب ، بالَغ ، تكلّم على غير قناعةٍ , صَغُرَ في نَظَرِكَ, لأنهُ أشرك , أبداً , فلن تَصِلَ إلى أعلى مقام إلا بالتوحيد ، وحُسبُكَ أنَّ اللهَ عزّ وجل جعلَ فحوى رسالات الأنبياءِ كُلهم :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
أقول لكَ : إنَّ الدين كُلهُ معرفة ، عبادة ، سعادة , طيب العِبادة لن تكون إلا بالمعرفة , والعبادة من لوازمها الحتمية السعادة , فربُنا اكتفى بها .
في نقطة مهمة جداً : التوبة عِلم ، ندم ، إقلاع ، عمل . قالَ النبي : الندمُ توبة .
طيب : لماذا لم يقل الثلاثة ، لِمَ اكتفى بواحدة ؟ قالَ : لأنَ هذا الندم لن يكونَ إلا بالعِلم , وأن لا بُدَ من أن يُولّدِ العمل ، فما دام هوَ مُعلّق على شيء , ومن لوازمهُ شيء نكتفي بهِ ، لذلك قالَ اللهُ عزّ وجل : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
لم يحك المعرفة , العبادة لا بُدَ لها من معرفة ، العبادة لا بُدَ من أن تنتهي بالسعادة .
هذا الذي أتمنى أن يكونَ بينَ أيديكم في هذا الدرس هوَ :
أنَ الشِرك أكبرٌ وأصغر .
الأكبر فاضح وغير فاضح .
الأصغر مما ابتليَ بهِ المؤمنون , لكن كُل مؤمن لهُ مستوى من الشِرك ، في مؤمن قلَّ ما يوحّد ، وفي مؤمن قلَّ ما يُشرك , لكن في شرك أصغر .
يعني : الأم التي تعتني بابنها , أو تمنح ابنها كُلَ حُبها , مع أنهُ مُقيم على معصية , هذا فيه شيء من الشِرك ، لمّا أنتَ صديقُكَ لا يُصلي , أو ترك الصلاة , وأنتَ لم تهتم , لأن هناك مصلحة مشتركة , هذا شِرك , أمّا إذا كُنتَ مُوحّداً لا تأخُذكَ في اللهِ لومةُ لائم .








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )


الموضوع : الكبائر





ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الواحد والثلاثين من دروس مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين، الحقيقة: في دروسٍ سابقة عِدّةَ, تحدثنا عن أنواع الذنوب، تحدثنا عن الإِثمِ والعدوان، وعن الفحشاء والمنكر، وعن أنواع الفِسق، وعن أنواع الشِرك، وعن أنواعِ الفجور، وعن أنواع الكُفر، وتحدثنا عن أعظم هذه الذنوب وهيَ: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, واليوم ننتقلُ إلى موضوعٍ جديد, من سلسلةِ هذه الموضوعات التي نقدّمها لكم, تمهيداً لأخطرِ موضوعٍ في حياة المؤمن, ألا وهوَ التوبة.
من مراحل التوبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/01.jpg
ذكرتُ لكم سابقاً: أنَّ الإنسانَ لا يتوبُ من ذنبٍ لا يعلمهُ ذنباً، فأولُ مرحلةٍ من مراحل التوبة: أن تعرف ما الذنب؟ ما الشِرك الخفي؟ ما الكُفر؟ ما الفجور؟ ما الإثم؟ ما العدوان؟ ما الفحشاء؟ ما المُنكر؟ ما هذا الذنب العظيم: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم؟ فلن يتوبَ الإنسانُ من شيء, هوَ عِندَ اللهِ ذنبٌ عظيم, إلاّ إذا عَلِمَ خطورةَ هذا الذنب, وما يؤولُ إليه صاحبهُ, من عذابٍ في الدنيا, وشقاءٍ في الآخرة.
ففي سلسةِ هذه الموضوعات التي تنتهي إن شاء الله تعالى بموضوع التوبة, نحنُ اليوم مع موضوع الكبائر، وقبلَ أن أخوضَ في تفاصيل هذا الموضوع, لا بُدَ من بعض الأمثلة:
ترتكب مخالفة سير، العملية تتراوح بين مبلغٍ يسير, أو حجز السيارة أسبوع أو أسبوعين, أو سحب شهادة, أو ما إلى ذلك ....., لكن حياتك سليمة, ترتكب مخالفة تُكلّف شهرين سجن، ترتكب مخالفة ثلاث سنوات، تزوير وثيقة رسمية ست سنوات, كتم معلومات ست سنوات، جريمة قتل خمس وعشرون سنة، خيانة عظمى إعدام, أليسَ كذلك؟ .
في كُل مجتمع بشري أنظمة وقوانين, بعضُها خفيف بعضُها جنحة، بعضها جناية وبعضها جريمة، وفي مخالفات مدنيّة وفي مخالفات جزائية، هكذا, كذلك: من السذاجة أن تظنَ أنَّ كُلَ معصيةٍ معصية، هُناكَ معصيةٌ تستطيع أن تقول: يا رب ندِمتُ على فِعلِ هذا, تشعر أنَّ اللهَ غفرَ لك، هُناكَ معصيةٌ لا تستطيع أن تتوب منها بهذه السهولة, لا بُدَ من دفعِ مبلغٍ كبير, لا بُدَ من ترميم, لا بُدَ من فعلٍ كبير يُغطي هذه المعصية، لكن أخطر فكرة أتمنى عليكم أن تكونَ بينَ أيديكم: هوَ أنهُ من السذاجةِ أن تظن أنكَ إذا عَصيت تتوب, بابُ التوبةِ مفتوح, واللهُ غفورٌ رحيم: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/02.jpg

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الحجر الآية: 49]
والقضية سهلة, هُنا الخطورة, كُلما كَبُرَ الذنب صَعُبَ عليك أن تتوبَ منه, بالضبط: كُلما كَبُرَ الذنب صَعُبَ عليك أن تتوبَ منه, لا تظن أنَّ الذنب كما لو أنكَ تمشي على الرصيف نزلتَ من على الرصيف ثمَ عُدتَ إليه, لا, هذه فِكرة ساذجة، هُناك معاصٍ تُبعِدُكَ عن الله إبعاداً كبيراً، هُناك معاصٍ يُحسُ صاحِبُها أنهُ ملعون وبعيد عن رحمة الله، هذه الفِكرة الخطيرة هيَ مِحورُ هذا الدرس, هُناك كبائر، وهُناك صغائر، الصغائر التوبةُ منها سهلة.
على مستوى مركبة: هُناك حادث يُصلّح في ساعة يُكلّفُكَ مئة ليرة, في حادث يُكلّف مئتي ألف، في حادث تُصبح المركبةُ قطعتين، أو تُصبحُ مسطحةً تحتاج إلى مئات بل إلى قريب من مليون ليرة إصلاح, مِثلُ هذه السيارة كُلهُ حوادث, لا, في حادث طفيف، حادث أكبر، أكبر، فالكبائر محور هذا الدرس.
من الكبائر :
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 31]
يظلُ المُسلمُ بخير ما لم يسفك دماً، الزِنا كبيرة، شُربُ الخمرِ كبيرة، السرقةُ كبيرة، القتلُ كبيرة، قذفُ امرأةٍ محصنةٍ كبيرة، فلذلك موضوعُ هذا الدرس: الكبائر, لا شك أنَّ هذا الموضوع خِلافي, معنى خِلافي: أي أنَّ السلفَ الصالح اختلفوا في تحديد الكبائر من سبعة إلى سبعين إلى سبعمئة.
على كُلٍ؛ في كتاب مشهور اسمهُ: الكبائر للإمام الذهبي, عد فيهِ سبعين كبيرة طبعاً استنبطها من كتاب الله ومن سُنةِ رسولِ الله ومن الآثار الصحيحة، نحنُ الآن مع النصوص المُحكمةِ مع كتاب الله, ومع سُنّةِ رسولِ الله في الصحيحين, وهوَ أعلى أنواع الحديث. 1-اليمين الغموس:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/03.jpg
من حديثِ الشعبيّ: عن عبدِ الله بن عَمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ:
((الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
اليمين الغموس: أن تحلِفَ باللهِ عن قضيةٍ سابقةٍ أنكَ ما أخذتَ هذا المبلغ وقد أخذتهُ ، يعني حينما تحلِفُ باللهِ لتأكُلَ حقَ مُسلِمٍ, فهذا اليمين اسمهُ: اليمين الغموس, وسُمي غموساً: لأنهُ يغمِسُ صاحبهُ في النار, وهذا اليمين الغموس لا كفارةَ لهُ, لأنكَ إن حلفتهُ خرجتَ من الإسلام, تحتاج إلى تجديد إسلامِك, وإلى تجديد إيمانِك.
2- عقوق الوالدين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/04.jpg
روي عن أنس رضي اللّه عنه قال:
((ذكر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الكبائر، فقال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
لذلك أنصحكم جميعاً: ألاّ تُشارك عاقّاً لوالديه, لأنهُ لا خيرَ فيهِ لوالديه, أيمكنُ أن يكونَ فيه خيرٌ لكَ؟ من باب أولى: أقربُ الناسِ إليه والداه, أولُ من أسدى لهُ معروفاً والداه, فإذا كانَ الإنسانُ عاقّاً لوالديه فلا خيرَ فيه، لذلك: ليعمل العاقُ ما شاءَ أن يعمل, فلن يدخُلَ الجنة، الإشراكُ بالله, وعقوق الوالدين, وقتلُ النفسِ طبعاً, قتلُ النفسِ بغير حق, لمّا القاضي يُمضي حُكماً بإعدام القاتل, هذا قتل نفس, لكن هذا بالحق, والقتلُ -كما قيل- أنفى للقتل:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 179]
3- الإشراك بالله وقتل النفس بغير الحق:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/05.jpg
أمّا إذا قُلنا: القتل نقصد بهِ بغير الحق, طبعاً قتلُ النفسِ بالحق من خصائص الحاكم فقط، قتلُ النفسِ بالحق من اختصاص أُولي أمرِ فقط, ولا يستطيع آحادُ المسلمين أن يُقيموا هذا الحد، لا حد القتل, ولا حد الرجم، ولا أيّ حد من الحدود، الحدود منوطةٌ بالحاكِمِ المُسلم دفعاً للفوضى.
إذاً: الإشراكُ بالله، عقوق الوالدين، قتلُ النفسِ، اليمين الغموس.
في الصحيحين معطوفة على في الصحيحين، وفيهما عن عبدِ الرحمن بن أبي بكرَ, عن أبيه, عن النبي صلى الله عليه وسلم:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا, فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ, قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ))
لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يُحب أن تضيعَ الحقوق ولا يُحبُ الذُل. وقد وردَ في الأثر:
((أنَّ عدل ساعةٍ خيرٌ من عِبادةِ سبعينَ عاماً))
سبعون سنة تعبد الله خيرٌ من كُلِ هذه العِبادة, أن تَعدِل, لأنَّ اللهَ هوَ العدل, ويُحب العدل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/06.jpg
وقد شكا حجرٌ إلى اللهِ عزّ وجل, قال: ((يا ربي عبدُتكَ خمسينَ عاماً, وتضعني في أُسِ كنيف –بيت الخلاء وضعتني يا ربي-, فقيلَ له: تأدب يا حجر, إذ لم أجعلكَ في مجلسِ قاضٍ ظالم))
يعني في هذا المكان في الكنيف, أشرفُ لكَ ألفُ مرة من أن تكونَ في مجلسِ قاضٍ ظالم، وكُل واحد منا قاضٍ، أحياناً قاضٍ بين أولادك، بينَ شركائك، بينَ جيرانك، ليسَ شرطاً أن يكونَ في الحياةِ منصِبُكَ القضاء, لا, حينما يُحتكمُ إليك فأنتَ قاضٍ.
عدلُ ساعةِ خيرُ من عبادةِ سبعينَ عاماً.
وهذا الذي دخلَ إلى بيت, وقتلَ الرجل, وقال لزوجتهِ: أعطني كُلَ ما عِندكِ, أعطتهُ سبعة دنانير ذهبية, فقتلَ ابنها الأول, فلما رأتهُ جاداً في قتل الثاني, أعطتهًُ مذهبةً, أعجبتهُ جداً, فإذا عليهُما بيتان من الشعر قرأهُما فأُغميَ عليه: إذا جارَ الأميرُ وحاجبـاهُ وقاضِ الأرضِ أسرفَ في القضاءِ
فويـلٌ ثمَ ويـلٌ ثمَ ويـلٌ لقاضِ الأرضِ من قاض السمـاءِ
وأنا أقول لكم هذا الكلام: p ويلٌ ثمَ ويــلٌ ثمَ ويـلٌ لقاض الأرضِ من قاض الســماءِ
ويلٌ لإنسانٍ ظلمَ مخلوقاَ ضعيفاً.
((اتقوا دعوة المظلوم ولو كانَ كافراً))
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا, فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ, قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ))
عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ, قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ, ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ, قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
أن تقول: فُلان يُعطيني، وفُلان يؤذيني، وفُلان يُبعدني، وفُلان كُل آمالي مُعلّقةٌ عليه:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 151]
4- الزنا:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/07.jpg
لأنَّ الزِنا كبيرة, أما أن تزني بامرأةِ جارِك, فهذا من أكبر الكبائر، لذلك: النبي عليه الصلاة والسلام بلغهُ أنَّ رجلاً سافر, وأوصى جاره بأهلهِ, فزنا بزوجةِ جارهِ, ومن أغربِ الصُدف: أنَّ كلبَ جارهِ قتلهُ, فقالَ عليه الصلاة والسلام: خانَ صاحبهُ, والكلبُ قتلهُ, والكلبُ خيرٌ منه.
عنترة العبسي في الجاهلية كان يقول:
وأغضُ طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
فأنزلَ اللهُ تعالى تصديقَ قول النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 68]
وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرةَ رضيَ اللهَ عنهُ, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ, قلنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ, وَالسِّحْرُ, وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ, وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ, وَأَكْلُ الرِّبَا, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ, وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
((من سحرَ فقد كَفر))
((من أتى ساحراً فلم يُصدّقهُ, لم تُقبل لهُ صلاةُ أربعين صباحاً, ولا دعاءُ أربعينَ ليلة, من أتى كاهناً فصدقهُ فقد كفر بما أُنزلَ على محمد))
ربنا عزّ وجل يقول في آية رائعة جداً, في سورة التكوير:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 8-9]
يعني كُل مخلوق يُقتل بِلا سبب حتى العصفور, لو قتلتَ عصفوراً لغير مأكلةٍ, جاءَ يومَ القيامةِ ولهُ دويٌ كدويّ النحل, يقول: يا ربي سلهُ لِم قتلن؟
لذلك: الصيدُ دونِ حاجةٍ إلى طعامٍ مضطرٍ لهُ حرام, لأنهُ قتلُ نفسٍ بغير حق, وإتلافُ مالٍ, ومخالفةُ أمرٍ.
5- أكل أموال اليتامى:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/08.jpg
اللهُ عزّ وجل لم يقُل: ولا تأكلوا أموال اليتامى, قال:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 34]
تقربوا أبلغ, يعني إيّاكَ أن يختلط مالكَ بمالهِ، فإذا اختلطَ مالهُ بمالك, ربما أخذتَ منهُ وأنتَ لا تشعر, وأنتَ لا تدري, فافرز ماله جانباً, ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ: الهروب من لقاء العدو هذه كبيرة، "وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ: قذفُ مُحصنةٍ يهدمُ عملَ مئة سنة، الإشراك، عقوق الوالدين، قتلُ النفس، اليمين الغموس، أُضيفَ لها في الحديث الثاني: قولُ الزور، أُضيفَ لها في الحديث الثالث: أن تُزاني حليلة جارك، وأن تقتلَ ولدكَ مخافةَ أن يأكلَ معك، أُضيفَ لها في الحديث الرابع: الشِركُ, وأكلُ الرِبا, وأكلُ مال اليتيم, والتوليّ يومَ الزحفِ, وقذفُ المحصنات الغافلات المؤمنات.
6- أن يسب المرء والديه:
وروى شُعبة, عن سعدِ بنِ إبراهيم, سمعتُ حميدَ بنِ عبد الرحمن يُحدّثُ عن عبدِ الله بن عمرٍ رضيَ الله عنهُما, عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ, قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ, وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ))
طبعاً: أن يَسُبَ الرجلُ والديه كبيرة جداً, لكن وكأنَ للنبي عليه الصلاة والسلام يوجهها توجيهاً آخر, قال: وكيفَ يَسُبُ الرجل والديه؟ الأب مُقدّس جداً, حتى إن أكبرَ سُبّةٍ في الأدب العربي في الجاهلية, أن تقول لخصمِكَ: لا أبا لك. سئمتُ تكاليفَ الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لكَ يسأمِ
يعني إذا أردتَ أن تَسُبَ إنساناً, قُل لهُ: لا أبَ لك, أنتَ بِلا أب, لمّا ربنا عزّ وجل قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
بدأَ بالأب, لأنَّ الأب موطن الاعتزاز الاجتماعي.
((أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ, قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ, وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ))
يعني: إذا أسأتَ للناس حتى حملتهم على أن يَسُبوا الأب, فكأنكَ أنتَ سببتَ أباك, كلام واضح كالشمس.7- النهش في أعراض الناس:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/09.jpg
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ, وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ))
نهش في أعراض الناس، تتحدث عنهم بغير حق، دون دليل، دون تثبّت، دون تأكد، قصة تُروّجها للتسلية، تتهمهُ في دينهِ وهوَ بريء، تتهمهُ في ذِمتهُ وهوَ بريء، تتهمهُ في عِرضهِ وهوَ بريء هكذا ....., خطب من عِندنا, وتزوج من أخرى, لا بُدَ من أن نُجرّحهُ, يا أخي هذا لا يجوز, نتهمه بدينه، وندعي أنهُ يشرب, أمتأكدٌ أنهُ يشرب؟ لأنَّ الخطبة لم تنجح, زعمنا أنه يشرب، يُجرّح بِلا سبب، بِلا دليل، بِلا تأكيد، بِلا بينّة، يُتهمُ في عقلهِ، يُتهمُ في دينهِ، يُتهمُ في أخلاقهِ, هذه من أكبر الكبائر. والمشكلة أيها الأخوة: هذا الذي اتهمتهُ وهوَ بريء, اسمعوا مني: في عِندك حل واحد في الدنيا, حل واحد: أن تذهبَ إليه, وأن تعتذرَ منهُ, وأن تطلبَ منهُ السماح, وأن تعقِدَ جلسةً أخرى كالتي عقدتها من قبل, وأن تذكُرَ ذلكَ للناس حتى تنجوَ من عذاب الله, وإلا يأتي يومَ القيامة, فيأخذ من حسناتك, ويعطيكَ من سيئاتهِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ, قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي, مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ, فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ, فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))
أقول لكم هذا الكلام, وأنا أعني ما أقول: إذا كان سبقَ وأن اغتبتَ, سارع إليه, واعتذرَ منهُ, واعقد جلسةَ مشابهةً للذي تكلمتَ فيها, واذكر للناس أنك تكلّمت بحق فُلان كلاماً غيرَ صحيح, وأنك تعتذر منهُ, وهوَ منهُ بريء, وإلا سوفَ يأخذُ من حسناتِك, وسوفَ يطرحُ عليكَ سيئاته, انتبه.
إنَّ من أكبر الكبائر: استطالة الرجل في عِرضِ أخيه المسلم بغير حق.
لستَ متأكداً, فكيفَ إذا كفّرتهُ بِلا سبب؟ كُلما خالفَ رأيهُ رأيكَ تُكفرّهُ، كُلما خالفَ اجتهادهُ اجتهادكَ تُكفّرهُ، يعني إذا قُلتَ: يا رسولَ الله, فأنت مُشرك.
إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.8- الأمن من مكر الله:
الآن: عن الصحابة, وعن عبد الله بن مسعود قالَ: أكبر الكبائر: الشِركُ بالله، والأمن من مكرِ الله.
مُقيم على معصية، مُقيم على دخل حرام، مُقيم على اختلاط لا يُرضي الله، لكَ علاقاتٌ من وراءِ زوجتك لا تدري بها، وتُصلي, أنتَ ماذا تفعل؟ أنتَ آمنٌ من مكرِ الله؟ يعني الله عزّ وجل هكذا يدعُكَ تَغُشُ الناس!:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
هكذا ببساطة: تزور هذا البيت, وليست زيارتك بريئة, وتدّعي أنكَ مُسلم, وأنكَ تُصلي, والمسبحة بيدك، تُتمتم دائماً: لا إله إلا الله, سبحان الله!؟ لا بُدَ من أن تُكشف, ولا بُد من أن تُفتضح.
9- القنوط من رحمة الله:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/10.jpg
لذلك: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ, أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ الْجَنْبِيَّ, حَدَّثَهُ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
((ثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ, وَعَصَى إِمَامَهُ, وَمَاتَ عَاصِيًا, وَأَمَةٌ أَوْ عَبْدٌ أَبَقَ فَمَاتَ, وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا, قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبَرَّجَتْ بَعْدَهُ, فَلا تَسْأَلْ عَنْهُمْ, وَثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ, فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ, وَإِزَارَهُ الْعِزَّةُ, وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ, وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ))
يوجد أمل, ألا يقدر الله عزّ وجل أن يُخلّصكَ مما أنتَ فيه؟ أي هذا المرض: ألا يستطيع الله عزّ وجل أن يشفيكَ منهُ؟ هذا هوَ المرض الخطير، ليسَ مرضهُ العُضال, لكنَ المرضَ يأسهُ من رحمة الله, أين؟: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
واليأسُ من روحِ الله، اليأسُ والقنوطُ من الكبائر، لا أمل في الزواج, لا يوجد عِندي بيت ودخلي لا يكفيني، هل هذه المشكلة تستعصي على الله عزّ وجل؟ أو يفهم الأمور أنهُ جِهاد بالعالم, يفعلون ما يريدون, وكُلُ هذه الشعوب لِخدمتهم, أينَ الله عزّ وجل؟ هذا كلام فيه يأس, هذا فيه قنوط، القنوط من رحمة الله، واليأسُ من روح الله، والأمنُ من مكر الله، والشِرك من الكبائر.
10- الإصرار على الصغائر يحولها لكبائر:
قالَ سعيد بن جبير: سألَ رجلٌ ابن عباس عن الكبائر: أسبعٌ هُم؟ قالَ: هُنَ إلى السبعمئة أقرب, إلا أنهُ لا كبيرةَ مع الاستغفار, ولا صغيرة مع الإصرار.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/11.jpg
يعني: إذا كُنتَ مُصرّاً على مصافحة امرأةٍ أجنبيةٍ, دائماً ليسَ فيها شيء, معَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إني لا أُصافح النساء))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
مُصافحة المرأة الأجنبية إذا أصررتَ عليها, وأكّدتَ إباحتها, وهيَ محرّمةٌ بنص الحديث الشريف, هذه كبيرة، والكبيرة نفسها لو تُبتَ منها أصبحت صغيرة.
لا كبيرةَ مع الاستغفار, ولا صغيرة مع الإصرار.
يعني مثل سريع أضرِبهُ كثيراً: الطريق عريض, وعلى يمينهِ وادٍ سحيق, عرضهُ ستون متر, وأنت في الوسط, وتقود مركبة، حرفُ المِقودِ تسعونَ درجةً فجأةً, هذه كبيرة, لماذا؟ لأنها تودي إلى الوادي بسرعة, أمّا لو انحرف سنتيمتراً واحداً, وثبتَ هذا السنتيمتر بعد مئة متر, سيقع بالوادي, إذا أصررتَ على الصغيرة, انقلبت إلى كبيرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/12.jpg
سُميت صغيرة؛ لأنهُ يسهُل الاستغفار منها مباشرة, عادت إلى مكانها، لكن إذا أصررت, وما دام مُصِر, ففي الآخرة على الوادي.
لا صغيرة مع الإصرار, ولا كبيرةَ مع الاستغفار.
وقالَ هذا الصحابي الجليل: كُلُ شيء عُصيَ اللهُ بهِ فهوَ كبيرة. الدليل: لا تنظر إلى صِغر الذنب, ولكن انظر على من اجترأت.
كُلُ شيء عُصيَ اللهُ بهِ كبيرة.
من عَمِلَ شيئاً منها فليستغفر اللهَ, فإنَّ اللهَ لا يُخلّدُ في النارِ, إلا من كانَ راجعاً عن الإسلام, أو جاحداً فريضةً, أو مُكذباً بالقدر.
أمّا كُل ذنب يمكن أن تتوبَ منهُ.
وقد قالَ عبد الله بن مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: ما نهى اللهُ عنه في سورة النساء من أولِها إلى قولِهِ تعالى:
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 31]
كيفَ استنبط العلماء الكبائر؟ :
الآن السؤال الكبير: كيفَ استنبطَ العلماء الكبائر؟ فهذا الجواب, جواب أحد العلماء قالَ: كُل ذنبٍ ختمهُ اللهُ بنارٍ, أو بغضبٍ, أو لعنةٍ, أو عذابٍ.
اقرأ أنتَ القرآن:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 7]
كبيرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 57]
كبيرة: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
[سورة الفتح الآية: 6]
كبيرة: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 8]
كبيرة, أيُّ ذنبٍ خُتمَ بنارٍ, أو بغضبٍ, أو لعنةٍ, أو عذابٍ هوَ كبيرة.
تعريف الكبيرة :
في تعريف آخر للكبيرة: هي ما أوعدَ اللهُ عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة:http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/13.jpg

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 38]
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة النور الآية: 2]
أيُّ ذنبٍ في القرآن الكريم, أوعدَ اللهُ به حدّاً في الدنيا, أو عذاباً في الآخرة, فهوَ كبيرة.
تعريف ثالث: ما سمّاهُ اللهُ في القرآن كبيراً فهوَ كبيرة:
﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 2]
﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 2]
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة لقمان الآية: 13]
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
[سورة يوسف الآية: 28]
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 16]
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
أيّةُ كلمةٍ في القرآن عظيم كبير، كبير عظيم، فهذا يعني أنَّ هذا الذنبَ من الكبائر.
11- الابتداع في الدين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/14.jpg
ومن أكبر الكبائر: أن تبتدعَ في الدينِ ما ليسَ فيه، لأنَّ المُذنب يتوب من الذنب, أمّا المُبتدع يرى أنهُ على صواب، المُبتدع الذي جاءَ بعقيدةٍ لا أصلَ لها، أو بسلوكٍ لا أصلَ لهُ، أو نهى عن شيء أباحهُ الله، أو أمرَ بشيء حرّمهُ الله، أو حَرَفَ العقيدة وفقَ أهوائهِ ومصالحهِ, كُلُ من جاءَ بشيء ليسَ من الدينِ فهوَ مُبتدع, والمُبتدع هوَ من أكبر الكبائر, هوَ نفسهُ كبيرة, التعليل, قال: لأنَّ البِدعة لا يُتابُ منها, والمعصيةَ يُتاب منها.
إذا إنسان يعتقد أنَّ هذا العمل غلط ونفسهُ غلبتهُ, أغلب الظن أنهُ يتوب منه إن عاجلاً أو آجلاً, لكن إذا اعتقد أنه لا يوجد شيء, كيفَ يتوب منه؟ إذا اعتقدَ اعتقاداَ قطعيّاً أنَ هذا الشيء مُباح, أو أنَّ هذه الفكرة صحيحة, هذا لا يتوب منها:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾
[سورة الكهف الآية: 103-104]
لذلك: المُبتدع لا توبة لهُ, لأنهُ لن يتوب. قال: كلُ ذنبٍ عليه عقوبةٌ في الدنيا مشروعةٌ محدودةٌ؛ كالزِنا, وشُربِ الخمرِ, والسرقةِ, والقذفِ, أو عليه وعيدٌ في الآخرة كأكلِ مال اليتيم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 10]
هذه كبيرة, والشربُ في آنية الفضةِ والذهبِ، وقتلُ الإنسانِ نفسهُ كبيرة، وخيانته أمانتهُ ونحو ذلك, هذه كُلُها كبائر.
عَرفنا ما الكبيرة؟ فيها كلمة عظيم، فيها لعن، فيها غضب، فيها وعيد بالنار، والذي جاء في الحديث الشريف، الإمام الذهبي جمعها سبعينَ كبيرة, وأتمنى على الله عزّ وجل أن يحتاطَ الإنسانَ, وأن يعرفَ بالضبط ما الكبائر حتى لا يقعَ فيها.
قال: المُحسن من إكرام الله لهُ: إذا زلّت قدمهُ, حسناتهُ تشفعُ لهُ.
فإذا الإنسان وقع في مأزق, النبي علّمنا الدعاء: يا رب, إن كُنتُ فعلتُ هذا العمل خالصاً لوجهك ففرّج عني الآن, معناها الإنسان: لهُ أن يتوسل إلى اللهِ عزّ وجل بأعمالهِ الصالحة السابقة.
قالَ لي تاجر من تجّار الغنم الكِبار: كُنتُ في البادية مع قطيع غنم اشتريتهُ -قصة قديمة-, قالَ لي: وضللنا الطريق, وأصابنا عطشٌ شديد, كِدتُ أهلكُ أنا ومالي, فصليت ركعتين, وقُلتُ لهُ: يا رب, مرة راودتني امراةٌ عن نفسها فعففت وخفتك, يا رب إن كُنت تركتها خشيئةً منك فأنقذنا الآن, وما هوَ إلا وقتٌ قصير, حتى رأى بدوياً, دلّهُ على مكانٍ فيه ماء.
فمنَ السُنّة الإنسان أن يتوسل إلى الله عزّ وجل بصالح عملهِ.
12- عدم الخوف من الله والاستهانة مع الصغيرة تلحقها بالكبيرة:
في نقطة مهمة جداً سأقرؤها لكم بدقة, قال: الكبيرة التي يقترن بها حياءٌ وخوفٌ واستعظامٌ، -إذا اقترنَ بها حياءٌ من الله وخوف واستعظام لِما فعل, قال-: هذه الكبيرة تُلحق بالصغائر, والصغيرةُ إذا اقترنَ بها قِلةُ حياءٍ, وعدم مبالاة, وترك الخوف والاستهانة, تُلحق بالكبائر.
وهذه الكلمة يقولها معظم الناس: ماذا فعلنا يا أخي؟ إذا نظرنا ماذا يحصل؟ أكلناها. الله عزّ وجل قال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]
أنتَ حينما نظرت, ونفسكَ غَلبَتَكَ, واستحييت من الله, وبادرتَ إلى التوبة, وتصدقت, فالله يجعلُها صغيرة، أما إذا قُلت: ماذا صنعت؟ أين نذهب بأعيننا؟ هذا استخفاف بأمر الله عزّ وجل, معَ أنَّ اللهَ عزّ وجل لا يُكلّفُ نفساً إلا وسعها، استخفاف بأمر الله.
الكبيرة مع الحياء تلحق بالصغائر:
فإذا الكبيرة اقترنت بالحياء, والخوف, والاستعظام تُلحقُ بالصغائر، فإذا الصغيرةُ اقترنت بقلةِ الحياءِ, وعدم المبالاة, وترك الخوف, والاستهانة بها تُلحقُ بالكبائر. سيدنا يونس -كما تعلمون-, حينما ضَجِرَ من قومِهِ وتركهم, فكأنهُ بشكل أو بآخر تخلّى عن رسالتهِ, فربُنا عزّ وجل جعلهُ في بطن الحوت, لكن بعدَ أن أنقذهُ, قال:
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 143-144]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/15.jpg
إذاً: تسبيحهُ السابق شَفعَ لهُ هذه الذلّة, أرجو الله أن أكونَ مصيباً في قولي, يعني المؤمن غالٍ على الله, إذا لكَ سابقة فضل، لكَ ماضٍ مجيد معَ الله، لكَ جهادك في سبيل الله, جِهاد نفسك وهواك، تُبذل، تُنفق من مالك، فإذا عثرت, فالله سبحانهُ وتعالى يجبرُ عثرات الكِرام؛ ماضيك المُشرّف، طاعتكَ المديدة، حُبك لله عزّ وجل، إنفاقك في سبيل الله، هذا يشفعُ لكَ عِندَ الله, بمعنى أنهُ يُقيلُ عِثارك إذا زلّت قدمُك -لا سمح الله-, لا يتخلى الله عنك, هذا الماضي الطيب, يدعو إلى أن يتولى اللهُ معالجتك معالجة دقيقة.
أحياناً: الإنسان يغلط, فيسوق الله من الشدائد ما يحملهُ على التوبة, ليسَ ذلكَ إلا لكرامة العبد على ربه.
إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ عدّلَ لهُ بالعقوبة.
يعني أنتَ إمّا أن تكون مُهملاً من قِبل الله عزّ وجل, وإمّا أن تكونَ في العناية المشددة، فإذا لك ماضٍ طيب، فيه صدق مع الله، فيه عبادة إلى الله، فيه خدمة الناس، فيه معرفة كتاب الله, هذا الماضي, هذا الذي يدعو إلى أن تكونَ في العناية المشددة, ليسَ معناها لا تُعاقب, لكن الله عزّ وجل لا يتخلّى عنك، ما دُمت قد سبقت منكَ الحُسنى, فلا بُد من أن يتولى اللهُ معالجتك, هذا استُنبط من قوله تعالى:
﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
قول لا إله إلا الله دون عمل لا تدخل الجنة:
في نقطة مهمة جداً, أتمنى على الله عزّ وجل أن تنكشفَ لنا جميعاً.
يوجد أحاديث كثيرة مُفادُها: أنهُ من قال لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة.
ففي أشخاص مُغرِضون, يفهمون هذا الحديث على غير ما أرادهُ النبي، يفهمونَ هذا الحديث أنهُ قُل: لا إلهَ إلا الله وانتهى الأمر, فكُل الذنوب مغفورة، كُلُّ الانحرافات مستورة، لا , المعنى أعمق بكثير.
المعنى: كلمة لا إلهَ إلا الله نور, نور ساطع, بشكل مادي: إنسان معهُ مصباحٌ منير, والطريق مُظلم, في بالطريق حُفر, وفي أكمات، في أفاعٍ، في ثمرات، في أحجار، في أشواك ، إنسان سوي, وعاقل, وبالغ, وراشد, ومُدرك, وبصرهُ حاد, ومعهُ مصباحٌ منير, أيُعقل أن أن يقعَ في الحفرة وهوَ يراها؟ لا يُعقل، أيُعقل أن يُمسكَ بالأفعى وهي أفعى؟ مستحيل، بمصباحِكَ المنير تتقي الحفرة، وتأكُلُ الثمرة، وتبتعدُ عن الشوك، وتقتلُ الأفعى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/16.jpg
إذاً: من قال لا إلهَ إلا الله نوّرت قلبهُ، فكيفَ يُغفرُ لأهلِ لا إلهَ إلا الله؟ لأنهم إذا قالوها فِعلاً لا يرتكبونَ ذنباً بهذا المعنى, ليسَ معناها أن ترتكبَ الذنوب, وأن تقول: لا إلهَ إلا الله, لا, هذا فهم ساذج، يعني:
لا إلهَ إلا الله حِصني, من دخلها أمِنَ من عذابي، لا إلهَ إلا الله نور في القلب.
الله ماذا قال؟ قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة التحريم الآية: 8]
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[سورة الحديد الآية: 12]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 28]
قال: هذا النور يُحرِقُ الشهوات والشُبُهات، كُلما اشتدَ النور أضاءَ ما حولهُ, ورأيتَ الحقَ حقاً والباطلَ باطلاً, رأيتَ كُلَ شيء.
يعني الإنسان مفطور على حُبِ ذاتهِ، سائق السيارة: أيُعقل أن يجد حفرة, والطريق مُعبّد, والحفرة عميقة أن ينزل فيها؟ مستحيل, إذا رآها فعلاً فهيَ لا إلهَ إلا الله, هذا التوحيد، نور في القلب، نورٌ يقذفهُ الله بالقلب, فإذا غُفر لأهل لا إله إلا الله, لأنهم وَقوا أنفسهم بهذا النور من أن يقعوا في ذنب, هذا هوَ المعنى.
كل حديث فيه "من قال" يعني من قال وعمل:
الشيء الثاني: الذي أتمناهُ عليكم: هوَ أنَّ كُلَ حديثٍ تقرؤونهُ فيه كلمة قال، من قالَ, من دعا، إيّاكم أن تظنوا أنكَ إذا قُلتَ بلسانك, قطفتَ ثِمارَ هذا الحديث، القول باللسان لا يُقدّمُ ولا يؤخّر, ولا يُغير شيئاً, ما لم يكن القلبُ حاضراً, والقلبُ خاشعاً، ما لم تكن في مستوى الحديث, في مستوى الدعاء, لن يؤثرَ الدعاء, ولن يؤثرَ القول, هذه حقيقة, مثلاً يقول لكَ: أنا عِندي وساوس, تأتيني كوابيس في الليل, أقول لهُ: ليسَ عِندي إلا حل واحد:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 200]
تقول: قلتها كثيراً ولم أستفد, أنتَ قُلتها بلسانك, إن لم تقلها وأنتَ حاضر القلب، وأنتَ مُدرِكُ لمعناها، إن لم تقلها وكأنها تجري في دمك, لن تقطفَ ثِمارَ هذا القول، فحيثما قرأتَ في السُنةِ, أنهُ من قال: لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة، من قال: سبحانكَ اللهم مئة مرة غُفرَ له.
يعني إذا سبحّتَ الله فعلاً, الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر, اذكرهن مليون مرة لا يحدثُ شيء، أمّا لو سبحّتَ اللهَ فعلاً, أي نزهّتهُ ومجدّتهُ, ولو وحّدتهُ سبحان الله، ولو حَمِدتهُ والحمدُ لله، ولو كبرّتهُ، أنتَ سبحّتهُ وحَمِدتهُ ووحّدتهُ وكبرّتهُ, فأنت تعرفه, وما دُمتَ تعرفهُ:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾
[سورة الكهف الآية: 46]
فالكلامُ يبقى كلاماً ما لم يكن القلبُ مواطئاً لهُ، وما لم يكن الخشوع ملامساُ لهُ، وما لم يكن الإدراك معنيّاً بهِ، فكل قول تقرؤهُ في الكتاب والسُنّة لا قيمةَ لهُ إلا إذا حضرَ القلبُ معك.
مثلاً: من قالَ في يومٍ: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ مئة مرة, حُطت عنهُ خطاياه, أو غُفرت ذنوبه.
الكلام صحيح بمعنى, وغلط بمعنى آخر، صحيح ما دُمت قد سبّحتَ الله فِعلاً, انتهى كُل شيء, فأنتَ عرفتهُ، أما إذا قُلت: سبحانَ الله, سُبحانَ الله, ومرّت امرأة ونظرت إليها, قلها مليون مرة لن تُقدّم ولن تؤخر، لا تكن شكليّاً أيها الأخ, ديننا أعظم من ذلك.
مستحيل أن تقبل جامعة, أن تعطيك إجازة بأن تقول إجازة مئات المرات، إجازة الليسانس أربع سنوات دراسة, وكل سنة فيها اثنتا عشرة مادة, وكل مادة فيها ثلاثون كتاب, ومراجع, وحلقات بحث, تحس وكأنك ذُبت ذوباناً بعد أربع سنوات، جامعة عادية لا بد فيها من دراسة, ومن مناهج, ومن كُتب, ومن امتحانات, معقول أن تقول: سبحان الله, ولم يعد هُناكَ ولا ذنب؟ هذا والله عمل سهل.
كُل مال حرام, وافعل ما تشاء, واذهب إلى أي مكان يُغضب الله عزّ وجل, وفي المساء يكفي أن تقول مئة مرة: سبحان الله, تحتاج إلى ربع ساعة, فالدين أعظم من ذلك، إذا وردَ معكَ بالسُنة كلمة من قال: سبحان الله, يعني قلبه تفطّر من تعظيم الله عزّ وجل، سبحان الله ودموعهُ على خدهِ، سبحان الله وجلدهُ مقشعّر، سبحان الله وقد عَزَمَ على التوبة فعلاً، من قالَ: سبحان الله, وفي معها توبة, ومعها خشوع, ومعها خشية لله, غُفرت لهُ كُلُ ذنوبهِ, فإيّاكم أن تفهموا هذه الأحاديث على ظاهرها، الأقوال وحدها لا قيمة لها، فبإمكان أيِّ إنسان مهما كانَ بعيداً عن الله أن يقولها.
كلما ارتفعت مرتبة الإنسان تصبح الصغائر في حقه كبائر:
بقيَ بحثٌ أخير: بالنسبة لكل إنسان لهُ ذنوب, يعني سيدنا ابراهيم أُمرَ أن يذبحَ ابنهُ, ماذا فعل؟ كُلما ارتفعت مرتبة الإنسان, تُصبحُ الصغائر في حقهِ كبائر, هُنا في نقطة جديدة:
يجوز أن أجد رجلاً في الأساس عاصياً, شارب خمر، زانياً، عندما تركَ الزِنا وترك الخمر, أُراه أصبح ولياً، هذا وليّ, لأنهُ ترك الزِنا والخمر فقط! لكن كُلما سِرتَ إلى الله, يمكن المؤمن الراقي يُعاتب على كلمة قالها، يُعاتب على نظرة نظرها؛ لذلك قالوا: حسناتُ الأبرار سيئات المُقرّبين.
سيدنا ابن رواحة ماذا فعل؟ عيّنهُ النبي عليه الصلاة والسلام قائداً رقم ثلاثة في معركة مؤتة, وأول قائد سيدنا زيد قُتل, وثاني قائد قُتل سيدنا جعفر, وجاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة, الموت سريع جداً تريّث, كانَ شاعراً قال:
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ
إن تفعلي فعلهُما رضيتِ وإن توليـتِ فـقد شـقيتِ
أخذَ الراية وقاتلَ بها حتى قُتل, ماذا عمل؟ ماتَ في سبيل الله، النبي عليه الصلاة والسلام قال: أخذَ الرايةَ أخوكم زيد, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامهُ في الجنة, ثم أخذَ الرايةَ أخوكم جعفر, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامهُ في الجنة, ثمَ سكتَ النبي عليه الصلاة والسلام, فلما سكتَ النبي, قَلِقَ أصحابهُ على عبد الله, قالوا: ما فعلَ عبدُ الله؟ قالَ: ثمَ أخذَ الراية أخوكم عبد الله, وقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى في مقامهِ ازوراراً عن صاحبيه، درجتهُ هَبَطت. مرة تكلّمتُ قصة نصفُها وقع, ونِصفُها أكملتهُ من عِندي, الذي وجدَ بالحاوية كيساً أسود يتحرك, فإذ به طفل مولود حديثاً, فأخذهُ وربّاه ... إلى آخره, أنا أكملتُها, خرجّهُ طبيباً, وقد زوجّهُ ابنتهُ, وأخذ له عيادة, صار من ألمع أطباء دمشق, فهذا الطبيب مرةً, رأى عمهُ يمشي في الطريق على قدمين, قالَ: يا فُلان أوصلني إلى البيت, ففكرَ أربع ثوانٍ, وقالَ لهُ: تفضل, هذه الأربع ثوانٍ بحق هذا الطبيب جريمة, أليسَ كذلك؟ كُنتَ في الحاوية, وانتشلكَ من الحاوية, وخرّجكَ طبيباً, تقول له: تفضل لكي أُوصلكَ, بعد تردد, التردد جريمة؛ فالإنسان كُلما علا مقامهُ, تصبح الصغائر في حقهِ كبائر.
ما الدرس الذي يجب أن نأخذه من غزوة حنين؟ :
ما فعلَ أصحاب رسول الله في حنين؟ هم كانوا ثلاثمئة, انتصروا بأُحد, بالخندق, الآن أصبحوا عشرة آلاف, أكبر قوة ضاربة في الجزيرة, فقالَ أحدهم: لن نُغلبَ اليومَ من قِلّة, فقط هذه الكلمة, قال:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
مباشرةً جاء العِقاب، حتى إنَّ النبيَ عليه الصلاة والسلام أمسكَ حفنة من تراب, وألقاها على وجوه الكفار, وقالَ: شاهت الوجوه:
أنا النبي لا كذب أنا ابنُ عبد المُطلب
عندها تماسك الصحابة, وألقى الله في قلوب أعدائهم الخوف وولوا مُدبرين.
الواحد في أول الإيمان يقول مليون كلمة, ولا يجري لهُ شيئاً.
الآن: اجلس مع واحد يقول لكَ: أنا ألف مرة أنا عملت، أنا كذا، أنا كذا، ما دام ترك الكبائر, يُهيئ لهُ الله معالجة لاحقة، فكُلما عَلا مقامك, تصبح الصغائر في حقِكَ كبائر.
يعني يجوز مؤمن ينظر نظرة بغير حق, فينحجب شهراً أو شهرين، يجوز أن يتكلّم كلمة لا تُرضي الله, فينحجب أربعة أسابيع، فإذا انحجبت لسبب صغير, معناها: مقامك كبير.مقامك كبير عند الله عندما يحجبك بسبب صغيرة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2606/17.jpg
دققوا في هذه الكلمة: إذا حُجبت لسببٍ صغير, معناها مقامك كبير.
منذ يومين زارنا أخ مع ابنه الصغير، سبحان الله! لم أنتبه للصغير, فقال لي: ابني أحبَ أن يُسلّم عليك, أكثر من يومين أو ثلاثة, وأنا متألم جداً وخجلان, كيفَ هذه تفوتني؟ أنا لم أنتبه لهُ، فالإنسان كلما شعر أنهُ انحجب بذنب, إن شاء الله عزّ وجل يكون قد غفر له، الإنسان إذا عرف ذنبه فيُحاسب حِساباً دقيقاً.
أحياناً: تتكلم كلمة, تمس واحداً, فتبقى شهراً محجوباً عن الله عزّ وجل, أيام ابتسامة تسبب لكَ الحجاب, فانتبه, كُلما عَلا مقامك, فالذنب الصغير يصبح في حقكَ كبيراً.
بعض العلماء قال: أنَّ سيدنا إبراهيم لهُ ابن نبي, فنحنُ إذا كان ابننا قد صلّى أمامنا صلاةً شكليّة, يطير عقلنا فرحاً به, نبي ابنٌ من أنبياء الله, يظهر تعلّق قلبه بابنه, قالَ لهُ: اذبحهُ, ماذا فعل؟ يجوز أي أب ابنه استقام, وصلّى, وأخلص, وأحبهُ, وانشغل به, فالله يكافئهُ على هذا العمل, أما الإنسان إذا علا مقامهُ جداً, يجب أن لا يتحوّلَ عن الله أبداً.
الخاتمة
على كُلٍ؛ نحنُ نعرف أن الإنسان إذا علا مقامهُ عِندَ الله, الشيء الصغير يحجبهُ عن الله فليدقق، يؤكدها:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
والمفسّرون قالوا: الفاحشة في حق نساء النبي: أن يُطالبن النبي بمصروف زائد.
يعني طبخة بالجمعتين مرة واحدة, هذا هو, يعني أحرجوه، هوَ يُحبُ أن يكونَ زاهداً متقشفاً, وهنَّ ضغطن عليه, فسماها الله فاحشة في حقهن, ومع ذلك: يُضاعف لها العذاب ضعفين. اسمعوا الآيات فقط:
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 74-75]
في قول إذا ذكرتهُ اقشعرَ جلدي, قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: هؤلاء الكُفار، هؤلاء الذين أخرجوك، هؤلاء الذينَ ائتمروا على قتلك، هؤلاء الذين نكلّوا بأصحابك، هؤلاء الذين ناصبوك العِداء عشرينَ عاماً، ها هم قد قُتِلوا مثّل بهم, فقالَ عليه الصلاة والسلام: لا أُمثلُ بهم فيُمثلَ اللهُ بي ولو كُنتُ نبياً.










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )


الموضوع : الصغائر







تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثاني والثلاثين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين .
في الدروس السابقة القريبة : كانَ الحديثُ عن الشِرك وعن أنواعه ، وعن النِفاق وأنواعه ، وعن الفِسقِ وأنواعه ، وعن الكُفرِ وأنواعه ، وعن الذنبِ ، وعن الاثمِ والعدوان ، وعن الفحشاء والمُنكر ، وكانَ الدرس الأخير حولَ الكبائر .
وبقيَ علينا في هذا الدرس الحديثُ عن الصغائر .
أو عمّا يُسمى بمصطلح القرآن الكريم : اللمم .
أو ما يُسمى بمصطلح الحديث الشريف : المحقّرات من الذنوب .
وقبل أن نمضي في الحديثِ في هذا الموضوع , أضعُ بينَ أيديكم هذه المقدمة :
الكبيرة كبيرة تعرفونها من اسمها ، ولكن الصغيرة إذا أصررنا عليها , أعطت مفعولاً مساوياً للكبيرة ، يعني :
حينما ينقطع عنكَ التيار الرئيسي , مقدار ميليمتر , أو سنتيمتر , أو عشرة سنتيمتر ، أو متر , حصلَ انقطاع .
وما سُميت الصغيرةُ صغيرةً , إلا لأنهُ من المُمكن أن تتلافاها في وقتٍ قصير , وفي جهدٍ يسير , كالمثل الذي ضربتهُ لكم في الأسبوع الماضي :
من أنَّ الإنسانَ لو قادَ مركبةً على طريقٍ مستقيمٍ , وعريضٍ جداً , وعلى يمينهِ وادٍ سحيق , وحَرَفَ الِمقودَ انحرافاً يسيراً ، إنَّ هذا الانحراف بإمكانهِ أن يعيدهُ إلى ما كانَ عليه في وقتٍ قصير وفي جهدٍ يسير ، أمّا إذا حَرفَهُ تسعينَ درجةً , فلا بُد من أن تسقطَ المركبةُ في الوادي .
إلا أن المُشكلة والفِكرة : أنكَ إذا حرفتَ المِقودَ انحرافاً يسيراً , وثبّتَ هذا الانحراف , واستمرَ هذا الانحراف , لا بُد من أن تسقطَ في الوادي , كما لو أنكَ حرفتهُ تسعينَ درجة , هذا المثل معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( لا كبيرة مع الاستغفار , ولا صغيرة مع الإصرار ))
الذنبُ اليسير إذا استبحتهُ ، وإذا استصغرتهُ ، وإن لم تُبالِ بهِ , ولم تستغفر منه ، ولم تندم على فعلهِ , ولم تُحدّث نفسكَ بالتوبة منهُ , هذا الذنب الصغير هوَ في الحقيقةِ كبيرة من الكبائر , لأنهُ يقطع كالكبيرة , وما دامَ الإنسانُ قُطعَ عن الله عزّ وجل , فحدّث عن مشكلاتهِ ولا حرج .
أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء دقيق جداً , أتمنى أن يكونَ واضحاً بينكم :
الحقد خُلقٌ ذميم ، البُخل خُلقٌ ذميم ، الغضب خُلقٌ ذميم ، الاستعلاء خُلقٌ ذميم ، حُبُ الذات خُلقٌ ذميم .
لكن لا تستغرب ولا تتعجّب إذا قُلتُ لكَ ، هذه ليست أمراضاً , إنما هيَ أعراضُ مرضٍ واحد :
وهوَ البُعدُ عن الله عزّ وجل .
أقول لكَ : الناسُ رجُلان بعيدٌ وقريب ، موصولٌ ومقطوع ، مقبِلٌ ومُدبر ، المُقبل المتصل القريب , يتحلّى بمكارم الأخلاق , لأنَّ مكارم الأخلاق مخزونة عِندَ الله تعالى , فإذا أحبَّ اللهُ عبــداً منحهُ خُلُقاً حسناً ، واللؤم والبُخل والكِبر والاستعلاء وحُبُ الذات , إنما هيَ أعراضٌ لمرضٍ واحد , وهوَ البُعدُ عن الله عزّ وجل .
الذي يتمناهُ كُلُ إنسان, كما أنكَ حريصٌ حِرصاً بالغاً ولا حدودَ لهُ على سلامة جِسمك, ينبغي أن تكونَ حريصاً حِرصاً بالغاً ولا حدودَ لهُ على سلامةِ نفسك, وعلى سلامة قلبِك, لأنَّ الحقيقة الثابتة هوَ أنَّ أمراضَ الجِسمِ مهما تفاقمت، مهما كانت مؤلمةً، مهما كانت خطيرةً، تنتهي كُلُ آثارها عِندَ الموت، لكنَ الشيء الذي يُصعقُ لهُ الإنسان: أنَّ القلبِ وأمراضَ النفسِ وأنَّ أعراضَ الإعراض, تبدأُ آثارُها الخبيثة والمؤلمة بعدَ الموت، فالمرض الذي يبدأُ بعدَ الموت ويستمرُ إلى الأبد أشدُ, أم المرضُ الذي يستمرُ فترةً محدودةً وينتهي عِندَ الموت؟ لذلك قالَ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
من هذا المُنطلق: كانَ سيدنا عُمر رضيَّ اللهُ عنه, يقول لبعض أصحابهِ: فتعاهد قلبك, من هذا المُنطلق نتحدثُ عن الذنوب, الخطأ الكبير أن تكونَ واقعاً في ذنب وأنتَ لا تدري، أن يكونَ كسبُكَ حرام وأنتَ لا تدري، أن تكونَ منغمساً في انحرافٍ وأنتَ لا تدري.
الحقيقة: حينما تدري, هذه الدراية هيَ الخطوة الأولى في التوبة.
ضربتُ البارحة مثلاً: لو أنَّ طبيباً مختصّاً في الجراثيم, أُجبرَ في وضعٍ ما على أكل طعامٍ ملوّث, وأنَّ إنساناً جاهلاً لا يفقهُ شيئاً عن الجراثيم, أجبرَ مثلَ الطبيب على تناول مثل هذا الطعام، لماذا الطبيب يتألم ألماً شديداً, يتصور الكُزاز, يتصور الكوليرا, يتصور السِل, هذه الأمراض الخطيرة، الوبيلة، المضنية، المُتعبة؟ لأنهُ يرى في المخبر الجراثيم وأشكالهـا وأفعالها، وأعراض المريض؛ اصفرار وجهه وآلامهُ، المغص المِعوي، الإسهال الدائم، شحوب وجههُ، ضعف قِواه, إنهُ يرى بعينهِ إن في المِجهر في مختبرهِ, وإن في وجه المريض آلام، آثار المرض، ويعرفُ أنَّ هذا المرض بسببِ هذه الجراثيم، فإذا أُجبرَ الطبيب على تناول طعام ملّوث, يتألمُ ألماً شديداً, ويقلقُ قلقاً شديداً, ويعاني معاناة شديدة، أمّا الجاهل إذا أُجبرَ على أكل هذا الطعام الملّوث, لأنهُ جاهل لا يتألم, يقول لكَ: سمِ بالله وكُل, هذا لا يتألم، لذلك قالَ الشاعر:
ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ وأخو الجهالة في الشقاوةِ ينعمُ
سألني البارحة أخ كريم: أنَّ المؤمن دائماً متألم، دائماً قلق، خائف على نفسه، خائف على مكانتهِ عِندَ الله، لعلَّ اللهَ ليسَ راضياً عنه, يا ترى عملهُ مقبول أم غير مقبول؟ نيّتهُ عالية؟ نيّتهُ دنيوية؟ يا ترى عملهُ صحيح وفق السُنّة أم خِلاف السُنّة؟ دخلهُ حرام أم حلال أم فيهِ شُبُهة؟ هذه المُقلِقات التي تنتاب المؤمن, لماذا؟ ولماذا أهلُ الدنيا ساهونَ لاهونَ غارقون في ملذاتهم كأنكَ تشعر أنهم ليسوا متألمين؟ قُلتُ لهُ: ألم أقل لكم في درسٍ سابق: إنَّ المنافق يستمرُ على حالٍ واحدة أربعينَ عاماً, وأنَّ المؤمن يتقلُّب في اليوم الواحد بأربعينَ حالاً, هذا القلق المُقدس، هذا العِلم، هذه المعرفة التي أكرمهُ الله بها.
لماذا قالَ عُمر: ليتَ أُمَ عُمر لم تلد عُمر, ليتها كانت عقيماً؟ لماذا قالَ هذا الصحابي الجليل: لو أنَّ الله أنزلَ أنهُ معذّبٌ واحداً, لظننتُ أنني أنا, ولو أنهُ راحمٌ واحداً, لرجوتُ أن أكونَ أنا؟
ما هذا الخوف من الله الشديد؟.
ما الذي دفعَ سيدنا عمر رضيَّ اللهُ عنهُ, على أن يسألَ حذيفةَ بن اليمان, وأن يُناشدهُ اللهَ عزّ وجل, وأن يقولَ لهُ: ناشدتُكَ بالله: أاسمي بينَ المنافقين؟ قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين! أنتَ أكرمُنا ولا أُزكّي بعدُكَ أحداً, هذا القلق، هذا الخوف.
لذلك اسمعوا هذه الحقيقة: إنَّ خوفكَ من الله, والحقيقة الخوف أنواع, قد تخافُ من عقاب الله، وقد تخافُ أن تنقطعَ صِلتُكَ بالله، الخوف من عِقاب الله مرتبة، لكنَ الأعلى منها أن تخافَ أن تنقطعَ صِلتُكَ بالله, فأنتَ تستقيم حِفاظاً على هذه الصِلة، تتحرى الدخلَ الحلال حِفاظاً على هذه الصِلة، تخدمُ الناس، تعطِفُ على المساكين، تُطعمُ الفقراء، تحضرُ مجالسَ العِلم، تَبرُّ والديك, حِفاظاً على هذه الصلة.
اسمعوا جيداً: إنَّ هُناكَ علاقةً مضطردةً, عِندنا نحنُ علاقة طردية وعلاقة عكسية، العلاقة الطردية شيئان يتناميان معاً, والعلاقة العكسية كُلما ازدادَ العِلمُ قلَّ الجهلُ, الخوفُ من الله يتحركُ بشكلٍ مضطرد مع العِلم، كُلما كَثُرَ عِلمُك كُلما كَثُرَ خوفُك.
مرةً دخلت إلى معمل, رأيتَ صاحبَ المعمل, مكفهرَ الوجه, أصفرَ اللون, يعني مظهرهُ يدلُ على أنهُ فقدَ أحد أولادهِ, قُلتُ: خير إن شاءَ الله أبا فُلان, ما المُشكلة؟ قالَ لي: تعالَ انظر, وسِرتُ معهُ في أرجاء المعمل, ما رأيتُ شيئاً, رأيتُ معملاً واسعاً كبيراً, شاهقَ البنيان, الآلات حديثة تعمل, قالَ لي: انظر, قُلتُ: إلى أين؟ قالَ: إلى هذا الجِسر, قُلتُ لهُ: ما بهِ؟ قالَ: ألا ترى هذا الخطَ الصغير, خط عرضهُ واحد ملم تقريباً على جسر، قُلت: ما بالُ هذا الخط؟ قال: جاء المهندس دكتور في الهندسة, فأخبرني بأنَّ هُناكَ انزلاق في أساسات المعمل, وأنَّ تدعيمَ هذا المعمل, يحتاج إلى 500 ألف, والقضية عام السبعين قديمة, دكتور في الهندسة, درسَ دراسة دقيقة, وجدَ أنهُ الأساس منزلق بفعل المياه المالحة، انزلاق الأساس جعل هذا الصدع في الجسر الأساس في المعمل، قُلتُ: لو جاء إنسان ليسَ بالمهندس, ونظرَ إلى هذا الشق, وقال: هذا يحتاج إلى معجونة, شتّانَ بينَ هذا وهذا, مسافةٌ كبيرةٌ جداً, بين من يقول لكَ: أن هذا الشِق يحتاج أن نملأهُ بالمعجون, وبينَ من يقول لكَ: أنَّ هذا البناء خَطِر, يحتاج إلى تدعيم, ويُكلّف هذا المبلغ الكبير, هذا العلم, كُلما ازدادَ عِلمُك ازدادَ خوفك, إن كُنتَ لا تخاف فأنتَ لا تعلم.
وقد ذكرتُ لكم سابقاً, أن طالباً مرةً قالَ لي: أنا لا أخاف من الله، طبعاً أردتُ أن أجيبهُ جواباُ مُفهماً, قُلتُ له: معكَ الحق أنتَ بالذات، قال: ولِمَ؟ قلتُ لهُ: يا بُني, الطفل الرضيع يأخذهُ أهلهُ أحياناً إلى الحقلِ لحصد القمح, يمرُ بجانبهِ ثعبانٌ عظيم, لو رآهُ بطلٌ لخرجَ من جلدهِ خوفاً منهُ، هذا الطفل الصغير الرضيع, يضعُ يدهُ على هذا الثعبان, ويلمسهُ بيدهِ, ولا يخاف, لماذا لا يخاف؟ لأنهُ لا يُدرك، لو أنهُ أدرك, لصاحَ صيحةً ملأت الأجواء, لكنهُ لا يُدرك, الإدراك غير موجود, الخوف غير موجود، كلام دقيق.
يعني أنت لاسمحَ الله ولا قدّر, لو ارتكبتَ معصيةً, ولم تشعر بشيء, كالطبيب يضع يده على النبض, ويقول: لا نبض, يقول: ائتوني بمرآة يضعها على أنف المريض لا بخار، ائتوني بمصباح يضعهُ بعين المريض فالقزحية لم تنقبض, أمرهُ منتهٍ, وأنا أقول لكم قياساً على هذه القصّة: أنَّ الذي يفعل الذنب ولا يشعر بشيء أبداً, يقول لكَ: ماذا عملنا؟ هذا منتهٍ, هذا ماتت نفسه, والدليل قول الله عزّ وجل:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 80]
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 21]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 24]
معناها: إذا الإنسان ما أحسَّ بذنبهِ ولا تألّم, ولا تمزقت نفسهُ, ولا خاف ولا ندم, ولا حدّث نفسهُ بالتوبة ولم يُبالِ, وضحِكَ مِلءَ فمهِ, ونامَ نوماً عميقاً, وغطَ في نومٍ عميق, وبدا مرِحاً, وهوَ يقترفُ الذنب, هذا ميت.
من عصى اللهَ وهوَ يضحك, دخلَ النارَ وهوَ يبكي.
فلذلك: إذا وجدت أخاً زلّت قدمهُ, فتألمَّ ألماً شديداً, وصلى قيام الليل, واستغفرَ اللهَ عزّ وجل, دفعَ صدقةً مرهقةً, لعلَّ اللهَ يعفو عنه, معنى هذا أنه يوجد نبض, في حياة، لذلك هذا معنى قول النبي الكريم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا, لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ, وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ, فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ))
يعني إن لم تشعروا بذنوبكم، إن لم تُحسّوا بها، إن لم تتأثروا بها، أنتم انتهيتم, لا خيرَ فيكم, لو لم تُذنبوا, بمعنى لو لم تُحسوا بذنوبكم, لذهبَ اللهُ بكم, وأتى بقومٍ إذا أذنبوا تألّموا, يُذنبون يشعرون بذنوبهم, فيستغفرون فيغفر الله لهم.
هذا الكلام مقصدهُ أنهُ: حينما صارَ التعريف بالنِفاق, بالشِرك, بالكُفر، بالفِسق، بالإثم، بالعدوان، بالفحشاء، بالمُنكر، بالكبائر, من أجل أن تأخذَ حذرك, وإنما العِلمُ بالتعلّم. الذنوب صغائر وكبائر .
الذنوب كما أجمع عليه العلماء , تنقسم إلى صغائر وإلى كبائر بنصِ القرآن والسُنّة وإجماع السلف , قال تعالى :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 31]
سياق الآية يَشِفُّ عن أنَّ الكبائر شيء والسيئات شيء آخر ، وقال تعالى :
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[سورة النجم الآية: 32]
أيضاً سياق الآية يَشِفُ عن أنَّ اللمم ليست كالكبائر .
وفي الحديث الصحيح : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الصلوات الْخَمْسُ, وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ, كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ, مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
في المصطلح النبوي الشريف , قال : إيّاكم ومحقّرات الذنوب . ومحقّرات الذنوب هيَ الصغائر التي أرادها النبي ، لكن يقول : إيّاكم .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ, فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلاً, كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ, فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ, فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ, فَيَجِيءُ بِالْعُودِ, وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ, حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا, فَأَجَّجُوا نَارًا, وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا))
أحياناً : إنسان يشرب شراباً فيه أصبغة كيمائية , يا ترى : كم في هذا الكأس من الصِباغ الكيميائي ؟ شيء لا يُذكر إطلاقاً , لكنَّ الأطباء يقولون : إنَّ هذه النِسب التي لا تُذكر إذا تراكمت من إدمانهِ على هذا الشراب مُضرة .
الذي أكثر طعامه معلبات , ومياه غازية , وأشياء كلها غازية ، هذه النِسب الضيئلة جداً من الأصبغة والمنكهات والملونات وبنزوات الصوديوم , هذه كُلُها تتراكم وتتراكم , فإذا بلغت حدّاً معيّناً أصبحت مسرّطنة .
هذا الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام : ((إيّاكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجلِ حتى يهلكنهُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده]
لذلك تجد المسلم يقول لكَ : أنا الحمد لله لم أسرق في حياتي , ولم أزن , ولم أشرب الخمر , جميل وباركَ اللهُ بِكَ , ولكن ممكن أن يُصافح امرأة ، ويُطلق بصرهُ ، ويكذب ، وقد يغتاب ، وفي ظنهِ أنَّ هذه صغائر معَ أنها كُلُها كبائر .
فهنا :
((إيّاكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجلِ حتى يهلكنهُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده]
من صغائر الذنوب : اللمم .
الآن : من أدقّ المعاني لقولهِ تعالى :
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
الجمهور قال : اللمم هو أن يقترفَ الذنبَ مرةَ واحدةَ في حياتهِ ثمَ يتوبُ منه .
يعني ما كانَ يعلم أنَّ هذا حرام , يعني اشترى خاتماً ذهبيّاً , فوضعهُ , ثمَ أُبلغَ أنَّ هذا حرام , ألمَّ بذنبٍ من دونِ عِلمٍ لجهلٍ , وتابَ من فورهِ , أقلعَ من فورهِ , هذا رأيُ بعض العلماء في اللمم , يعني ألمَّ بذنبٍ من دون أن يعلم , فلما عَلِم تابَ منهُ فوراً , هذا المعنى معنى لطيف : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
قال جماعةٌ من السلف : اللمم هو الإلمام بالذنبِ مرة ثمَّ لا يعودُ إليه أبداً .
يعني أقرض إنساناً مبلغاً من المال , الإنسان المُقترض اشترى بيتاً , قال لهُ : سأجعل هذا القرض ثمن ربع هذا البيت , وسأعطيكَ أُجرة , وبعدَ عامين أُعطيكَ المبلغَ نفسهُ , هوَ ظن أنَّ هذه قضية إيجار , لكن فاتهُ أنَّ هذا رِبا ، الإيجار تملّكتَ رُبعَ البيت , ولو أنَّ هذا البيت احترق ذهبَ مالُك ، لو أنَّ هذا البيت صودر ذهبَ مالُك ، لو أنَّ هذا البيت انخفضت قيمتهُ انخفضَ مالُك ، إذا رضيتَ بهذه الشروط الثلاثة , لكَ الحق أن تأخُذَ الأُجرة , لأنهُ لا إيجارَ معَ الضمان ، فإذا أردتَ أن تستعيدَ مالكَ , يُقيّم البيت مرةً ثانية تقييماً جديداً , هذا الإيجار الصحيح ، أمّا إذا أردتَ أن تُقرضَ إنساناً , وأن يُسمي هذا القرضَ شِراءً لِرُبعِ المنزل , ويُعطيكَ على هذا القرض أُجرةً ثابتةً , مبلغٌ مضمون وثابت , تأخذهُ بعدَ عام هذا رِبا , ما كانَ يعلم , فلّما عَلِم أقلعَ فوراً , باركَ الله , هذا اللمم .
يعني وقعَ في الذنب مرةً , لأنهُ لا يعلم , فلمّا عَلِم أقلع : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
ومن أجمل المعاني هذا المعنى , أحد العُلماء سُئل : اللمم , قالَ : هوَ الرجُلُ يُلمُّ بالذنبِ ثمَ لا يُعاودهُ أبداً .
المعنى الثاني :
اللمم ما دونَ الشِرك .
مرةً ضربتُ لكم هذا المثل : أنتَ راكب في قطار باتجاه مدينة تقصدُها ، قد ترتكب بعض الأغلاط في هذه الرحلة , لكـنَّ القطار يسير باتجاه الهدف , فكُلُ أغلاطِكَ في هذا القطار مغفورة , لأنَّ القطار يسير نحوَ الهدف ، أزعجكَ رفقاء هذه المركبة , يمضي الوقت ، أزعجكَ مقعدكَ بعكسِ اتجاه القطار , يمضي الوقت ، أزعجكَ أنكَ جائع وفي عربةٍ أخرى طعام وأنتَ لا تدري , القطار يمشي باتجاه الهدف , لكنَّ الشيء الذي لا يُغفر أن تركبَ قطاراً لا علاقةَ لهُ بهدفك ، أنتَ تتجهُ نحوَ الشمال والقطار يتجهُ نحوَ الجنوب ، ضاعت عليكَ أهدافُكَ الكُبرى من هذه المدينة , فلذلك قالَ بعضُهم :
اللممُ ما دونَ الشِرك .
لقولهِ تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 48]
على كُلٍ جمهور العلماء يقول :
اللممُ ما دونَ الكبائر.
وقالَ بعضُهم :
الذنبُ الذي لم يُذكر عليه عِقابٌ ولا حدٌ ولا وعيدٌ في الآخرة .
هكذا قالَ بعضُهم : هوَ اللمم .
وأمّا سعيد بن المُسيّب فللهِ درّهُ , قالَ :
اللممُ ما ألمَّ بالقلب , لا تُحاسب عليه .
خطرَ في بالهِ أن يفعلَ شيئاً لكنهُ لم يفعلهُ ، إنَّ الله عزَّ وجل لا يُحاسبُ على الخَطَرات ، خطرَ في بالهِ أن يأخّذَ هذا لهُ , لكنهُ لم يفعل , خافَ اللهَ عزّ وجل .
فاللمم ما ألمَّ بالقلب .
الخاطر الذي لا يُرضي الله إذا ألمَّ بالقلب فهوَ لمم , هذا في بعض التفاسير , وهذا التفسير للتابعيّ الجليل سعيد بن المُسيّب .
والحُسين بنُ الفضلِ يقول :
اللممُ النظرُ إلى المرأةِ دونِ تعمّد .
لا يقصد أبداً أن ينظر , يعني هو في طريق , فيه منعطف حاد , فجأةً رأى نفسهُ أمامَ امرأةً , فغضَ بصرهُ مباشرةً , هذه النظرة الأولى التي لا تملكُ لها تلافياً , لم تكن عن إرادةٍ , ولا عن قصدٍ , ولا عن رغبةٍ , ولا عن طلبٍ إطلاقاً , ولمجردِ أن رأيتَ امرأةً غضضت البصرَ عنها , قال : هذا هوَ اللمم .
قال الحُسين بن الفضل :
اللممُ هوَ النظرُ من غير تعمّدٍ , فإن أعادَ النظرَ فليسَ باللمم .
الثانية ليست لمماً الأولى فقط لمم , كما قالَ النبي الكريم : الأولى لكَ والثانيةُ عليك , وهوَ ذنبُ .
هذا الذي قالهُ النبي مرةً :
إن تغفر اللهم تغفر جمّاً وأيُّ عبدٍ لا ألم
يدخل الرجل إلى دائرة حكومية نصفها موظفات ، بالطريق هوَ يغضُ بصرهُ , ولما يرى إحداهن لمحة دون رغبةٍ منه بذلك , ويغضَّ بصرهُ فوراً , هذا هوَ اللمم الذي عنتهُ الآية الكريمة , هذا رأي العالِمُ الجليل الحُسين بن الفضل .
سعيد بن المُسيّب : اللمم ما ألمَّ بالقلب , الخواطر , واللهَ سبحانهُ وتعالى لا يُحاسب إلا على الأعمال , أمّا الخواطر لا يُحاسب عليها ، أمّا المؤمن الوَرِع يخافُ من الخواطر , لأنها قد تنقلبُ إلى أعما , إذا أعطى لخواطرهِ العِنان , ولم يُبالِ بالخواطر التي تتأتى إلى ذهنهِ ، ربما أصبحت خواطرهُ أفعالاً ، فالوَرِع لا يسمح لخواطرهِ أن تتجه في اتجاهٍ لا يُرضي اللهَ عزّ وجل . النفس اللوامة .
بالمناسبة : كُلما حَجبكَ ذنبٌ صغيرٌ صغير عن رِبكَ العظيم فهذا لِعلوِ مقامك , ما الذي يحجُبُك ؟ يسمونها الحساسية ، يوجد ميزان مثلاً : ميزان يزن السيارات الشاحنة , لو وضع على الصفر , ومرَّ إنسان وزنهُ 150 كيلو لا يتحرك , هذا مهيأ أن يزن 5 طن ، 8 طن ، 10 طن ، 12 طن ، فهذا الميزان حساسيتهُ فوق الـ 200 كيلو ، ففي إنسان ميزانهُ ميزان سيارات .
يعني لكي يرتكب كبيرة , يقول لكَ : والله تضايقت , أمّا الصغائر لا يوجد عِندهُ حساسية أبداً , فهذا ميزانهُ سيء ، كُلما ارتقى الإيمان يُصبح الميزان حساساً .
يوجد الآن موازين , إذا وزنت بها ورقةً , وكتبتَ على هذه الورقة كلمة محمد , إنَّ وزنَ الحِبر الذي استغرقتهُ كلمة محمد , يجعلُ الكفةَ ترجح ، فكُلما علا مقامُكَ عِندَ الله يَدِقُ ميزانُك ، لذلك أثنى اللهُ على النفس اللوامة :
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[سورة القيامة الآية: 1-2]
يُحاسب نفسهُ على النظرة .
قاضٍ من القضاة , عُرفَ في مدينتهِ بحُبهِ الشديد للرُطبِ في بواكيرهِ ، الفاكهة في أولها محببة , والآن ضعنا من الزراعة المحمية ، فطُرقَ بابهُ مرةً , وجاءَ الخادم بطبقٍ من الرُطب في بواكيرهٍ , قال : ممن هذا يا بُني ؟ قال : من فُلان ، قال : صِفهُ لي ، قال : صِفتهُ كيتَ وكيت ، فعرفَ أنَّ هذا الشخص الذي قدّمَ هذا الطبق أحدُ خصومٍ عِندهُ في القضاء , فقال : رُدّهُ إليه , فردّهُ إليه ، في اليوم الثالث توّجهَ إلى الخليفة , وطلبَ منهُ أن يعفيهُ من منصب القضاء , قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : واللهِ قبلَ يومين , جاءني طبقُ رُطب , ورددتهُ في اليوم التالي , حينما وقفَ الخصمان أمامي , تمنيت أن يكونَ الحق مع الذي قدّمَ ليَ طبقَ الرُطب ، تمنيت أن يكونَ الحق مع الذي له طلب ، قالَ : هذا وقد رددتهُ فكيفَ لو قَبِلتهُ ؟ فعندهُ ميزان دقيق جداً .
سيدنا عليّ كرّمَ الله وجهه , كانَ في حضرة سيدنا عُمر , دخلَ يهودي يُخاصم سيدنا عليّاً , فقالَ : يا عليّ , فقالَ : يا أبا الحسن , جالس بجانبهُ خليفة المُسلمين , وأمير المؤمنين , وساعدهُ الأيمن المقرّب , دخلَ شخص يُخاصم أبا الحسن , فما كانَ من عُمر إلا أن قال : قُم يا أبا الحسن وقِف بجانب الرجل ، فتأثّرَ سيدنا علي وتغيّرَ وجههُ ، فلما حكمَ بينهما وانصرفَ اليهودي , فقالَ : لِمَ يا أبا الحسن وَجِدت لِمَ أوجدتَ عليّ ؟ قالَ : نعم ، قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : لِمَ قُلتَ لي : يا أبا الحسن , ولم تقل لي : يا عليّ ؟ لقد كرّمتني , ميزّتني عنهُ , أيضاً ميزانهُ دقيق جداً .
هذا الذي ترددَ قبلَ أن يُضحي بنفسهِ , قال : يا نفسُ إلا تقتلي تموتي هذا حِمـام الموتِ قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت وإن تــوليت فقد شـقيت
وقاتلَ حتى قُتل ، قالَ عليه الصلاة والسـلام : رأيتُ في مقامهِ ازوراراً عن صاحبيه .
فأنتَ كُلما ارتقى إيمانك , يُصبح عِندك ميزان حساس , تُحاسب نفسك على النظرة، على الكلمة، على السكوت أحياناً، هذا قد جاء لعِندكَ زيارة للبيت, لماذا هذا الصمت؟ النبي كان يمزح مع أصحابه، في أيام إنسان يُعطي لنفسهِ هيبة مصطنعة, هذا ذنب, أحياناً إنسان يشكو لكَ, ويقول: زوجتي غير جيدة, يقول لكَ آخر: أنا الحمد لله ممتازة, والله هذا ذنب, استوحش لحاله, أنتَ زوجتك ممتازة فقط هوَ زوجتهُ سيئة، من الأُنس أن تقولَ غيرَ هذا, فلذلك: كُلما ارتقى الإيمان, يَدقُّ الميزان, يصبح حساساً.
وفي تفسير جميل جداً , قالوا :
اللمم ما فعلتهُ في جاهليتك قبلَ أن تؤمن ، قبلَ أن تُسلم ، قبلَ أن تتوبَ إلى الله عزّ وجل : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
لم تكن تعلم في عهد الجاهلية , حينما كُنتَ شارداً ، حينما كُنتَ تائهاً , هذا لمم .
كلمة لمم يا أخوان , أنا أُركّزُ على هذا الموضوع , لأنني أشعر أنَّ معظم المُقصّرين , أكثر المُسلمين , يفعلون كُلَ المعاصي تحت اسم اللمم, أخي هكذا قالَ الله: إلا اللمم, هذا فهم شيطاني لهذه الآية، يعني إبليس وسوسَ بهذا المعنى, قال أحدهم: كلُ ما ليسَ عليه حدٌ فهوَ لمم , حسناً: الحدود كلها خمسة؛ حد القتل، وحد الزِنا, وحد الخمر، وحد السرقة، وحد قذف المحصنة.
معناها الباقي كلهُ لا بأس به حسب الآية, لا, هذا فهم ما أراده الله عزّ وجل، مرةً ثانية: اللمم ما فعلتهُ قبلَ الإسلام، اللمم إذا نظرتَ لامرأةٍ, وأنتَ لا تُريد أن تنظرَ إليها, النظرة الأولى التي لا تستغرق عُشرَ الثانية, هذه لمم، اللمم ما ألمَّ بالقلب أي الخواطر، اللمم ما ليسَ بالشِرك لأنهُ يُغفر, هذه المعاني, أمّا أن تظُنَ أن تفعلَ شيئاً تحتَ اسم اللمم فهذا اللمم مُهلِك.
اللمم حينما تتخذُ الذنب عادةً، حينما تُصرُّ على الذنب, أصبحَ الذنبُ الصغيرُ كبيرةً، اللمم مرة واحدة لم تكن تعلم, سارعتَ إلى التوبة والاستغفار, هذا اللمم، أمّا تفعلُ الذنب على أنهُ ذنب, وتقول: هذا صغير, حينما تقول: أنهُ صغير فهوَ كبير.
لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
يروى أن سيدنا علي بن أبي طالب دُفع إليه سارق, فأمرَ بقطعِ يدهِ, فقالَ: يا أميرَ المؤمنين, ما سرقتُ غيرَ هذه المرة, فقالَ: كذبت، فلما قُطعت يدهُ, قال: اُصدقني: كم لكَ بهذه المرة؟ قالَ: والله كذا وكذا مرة, يعني عشرات المرات, فقال: صدقت, إنَّ اللهَ لا يؤاخذُ بأول ذنب أو كما قال.
زلّت قدمُك، غَلبَتكَ نفسُك، تُبتَ سريعاً, بابُ التوبِ مفتوح, أمّا حينما تعيد وتُكرر هذه أصبحت كبائر, العائدُ إلى الذنب كالمستهزئ بربهِ, الذي يعود من توبتهِ ويُذنب مرةً ثانية كالمُستهزئ بربهِ.
من أجمل معاني اللمم : معنى جديد, يعني إذا هممتَ أن تفعلَ هذا الذنب ولم تفعلهُ خشيةَ الله عزّ وجل, في قصة مشهورة: شاب في مقتبل حياتهِ, في ظروف سمحت لهُ أن يَحُج، عاد من الحج, وفتح مكتبة صغيرة في أحد أحياء دمشق، هذه القصة من أربعين خمسين سنة, كان في حافلات تُراب، يبدو أن فتاة وقفت على باب مكتبتهِ, وكانت فاسقةً, وكأنها أغرتهُ, وأشارت إليه فتَبِعها، هوَ في الطريق تذكّرَ الحجَّ الذي حَجهُ, فرأى حافلة ركبَ فيها, وعادَ إلى المكتبة، ما فعلَ شيئاً لكنهُ همَّ أن يفعل, هذه قِصة واقعة, وأنا إلى سنوات معدودة, قيلَ لي: هذا الشاب لا يزال حيّاً يُرزق، في اليوم التالي جاءه أحد وجهاء الحي, وسألهُ هذا السؤال الغريب: يا بُني أأنتَ متزوج؟ قال لهُ: لا والله يا سيدي، قالَ لهُ: عِندي فتاة تُناسِبُك، فأرسلَ أُمهُ فإذا هيَ فتاة ممتازة، جاءهُ مرةً ثانية, قالَ لهُ: يا بُني كيفَ الأمر؟ قالَ: ممتاز, ولكن ليسَ عِندي بيت، قالَ: هيَ والبيت يا بُني, وأغلق الدُكان, وجعلهُ شريكاً لهُ في تجارة الزيت, قبل سنوات أُبلغت أنهُ لا يزال حياً يُرزق.
يعني اللمم الشيطان وسوس لكن مباشرةً عُدت, إذا إنسان همَّ بسيئةٍ ولم يفعلها كُتبت لهُ حسنة, هذا معنى آخر من معاني اللمم, هذه المعاني كُلها رائعة، وكُلها شريفة، وكُلها تنسجم مع طهارة المؤمن, أمّا ينظر لامرأة حتى يأكُلها بعينيه, أخي لمم هذه, شيء مؤلم, قال: والقُبلة لمم أيضاً في بعض الكُتب, ما هذا اللمم؟. الخلاصة :
على كُلٍ ؛ بهذا ننتهي من أنواع الذنوب والكبائر والمعاصي, والحقيقة ذكرتُها كُلها تمهيداً لموضوع التوبة، لأنَّ التوبة أول مرحلة فيها هي العِلم، الآن عَلِمنا ما الصغيرة؟ وما الكبيرة؟ وما الكُفر؟ وما الشِرك؟ وما النِفاق؟ وما الفِسق؟ وما الإثم والعدوان والفحشاء والمُنكر؟ وأكبرُ كُلِ هذه الذنوب: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، لأنَّ الذنب مهما كانَ كبيراً تتوب منه، لكن المُبتدع ذا العقيدة الفاسدة لا يتوبُ من ذنبهِ، لذلك: أخطر شيء في الإسلام أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، يعني إذا أنتَ مُعتقد أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يومَ القيامة, لن يَدَعَ أحداً في النار, لا بُدَ من أن يشفعَ لأمتهِ كلها, هذا الاعتقاد الفاسد يجعلُكَ تفعل جميع الذنوب, والأخطر من ذلك يمنعُكَ من أن تتوبَ منها أيضاً، فكُلُ عقيدةٍ زائغةٍ خطورتُها أنها تمنعُكَ من التوبة, لأن:
من الناسِ من يدري ويدري أنهُ يدري فهذا عالِمٌ فاتبعوه، ومنهم من يدري ولا يدري أنهُ يدري فهذا غافل فنبهوه، ومنهم من لا يدري ويدري أنهُ لا يدري فهذا جاهل فعلّموه, ومنهم من لا يدري ولا يدري أنهُ لا يدري فهذا شيطانٌ فاحذروه.
لذلك : أكبر هذه الذنوب أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، أن تعتقدَ اعتقاداً فاسداً، أن تعتقدَ اعتقاداً ما أرادهُ الله عزّ وجل، أن تتهمَ اللهَ فيما تظن، أن لا تنسِبَ إليه الأسماءَ الحُسنى والصِفات الفُضلى، لذلك قال لهَ: يا ربي أيُّ عِبادُكَ أحبُّ إليك؟ قالَ: ...
عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((إن داود عليه السلام قال فيما يخاطب ربه عز وجل: يا رب، أي عبادك أحب اليك أحبه بحبك؟ قال: يا داود أحب عبادي إلي: نقي القلب، نقي الكفين، لا يأتي إلى أحد سوءا، ولا يمشي بالنميمة، تزول الجبال ولا يزول، أحبني وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب, إنك لتعلم إني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي، يا داود, إنه ليس من عبد يعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته، إلا أثبت قدميه يوم تزل الاقدام))
.
إذا حببتَ العِبادَ إلى اللهَ عزّ وجل فأنتَ على حق.
فأيها الأخوة الأكارم , إن شاء الله في الدرس القادم نبدأ بموضوع التوبة , لأنَّ التوبة هيَ الباب المفتوح إلى الله عزّ وجل .





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )


الموضوع : ليلة النصف من شعبان– مفاضلة بين المطيع والعاصي التائب .







تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس مدارج السالكين في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين ، وقبلَ أن نمضيَ في الحديثِ عن المفاضلةِ بينَ المطيعِ الذي لم يعص اللهَ عزّ وجل وبينَ العاصي الذي عصاهُ وتابَ من ذنبهِ ، قبلَ أن نمضي في المفاضلة بينَ هذين الرجلين أو هذين النموذجين , لا بُدَ من وقفةٍ في مناسبة النصفِ من شعبان ، ونحنُ في ليلةِ النصفِ من شعبان .
أيها الأخوة الأكارم ؛ من الثابت أنَّ هُناكَ مؤمنين ، وأنَّ هُناكَ سابقين , وأنَّ هُناكَ عُصاةً تائهين .
عاصٍ ، منحرف ، ضائع ، ضال ، تائه ، شارد , مؤمن ، مستقيم ، سبّاق إلى مرضاة الله عزّ وجل , هؤلاء النماذج الثلاثة حيالَ المناسبات الدينية لهم مواقف متباينة ، فالمقطوع عن الله عزّ وجل ، الخارجُ عن منهجهِ ، الشاردُ عن دينهِ ، الغارقُ في المعاصي ، هذه المناسبات الدينية كَليلةِ الإسراء والمعراج ، وليلة النصفِ من شعبان ، وليلة القدر , وما إلى ذلك من هذه المناسبات الدينية , هذا الإنسان الشاردُ لا يتأثّرُ بها إطلاقاً , لأنهُ في واد وهذه المعاني القدسيّة في وادٍ آخر ، ولكن بينَ المؤمن المُقتصد وبينَ المؤمن السابق مواقف متباينة حيالَ هذه المناسبات الدينية .
يعني البارُّ بوالديه الذي يقدّمُ لهُما آيات التعظيم والتوقير والإكرام والإحسان كـُلَ يوم ، إذا جاءَ عيدُ الأمِ مثلاً , هوَ كُلَ يومٍ عِندهُ عيدُ الأُم , في صبيحةِ كُلِ يوم يزور والديـه , ويسألهُما كُلَ حاجتهما , ويقدّمُ لهُما كُلَ ما يرغبانِ بهِ ، أمّا المُقصّر إذا جاءت مناسبة فهـذه المناسبة تُلفتهُ إلى واجبهِ ، لذلك المؤمن السابق كُلَ ليلةٍ عِندهُ هيَ ليلةُ النصفِ من شعبان , كُلُ أيامِ سَنتهِ رمضان ، كُلُ أيامِ رمضان ليلةَ القَدر ، لأنهُ أقبلَ على اللهِ عزَّ وجل , ووضعَ كـُلَ طاقاتهِ , وكُلَ إمكاناتهِ في سبيلِ الحق ، لكنَّ المُقتصد تأتي هذه المناسبات لتذكّرهُ ، لتشـوّقهُ ، لتزيدهُ عِلماً وعملاً ، فلا شك أنَّ الاحتفال بليلةِ الإسراء والمعراج , والاحتفال بليلةِ النصفِ من شعبان لها شأنُها في الدين ، لكن كُلما ارتقى الإنسان في مدارج المعرفةِ , مدارج القُربِ , كُلما اقتربَ من معاني هذه الأيام الفضيلة , ومن معاني هذه الأيام التي وردَ في حقِها بعض الأحاديث الشريفة .
قبلَ كُلِ شيء , ذكرتُ هذا في الخُطبة :
العبادات لها شأنُها عِندَ اللهِ عزّ وجل , لها شأنُها الكبير , وما دامَ لها هذا الشأنُ عِندَ الله , فلا بُدَ من أن يسبِقها تمهيد ، ما دامَ للعبادةِ شأنٌ كبيرٌ عِندَ الله عزّ وجل , إذاً : لا بُدَ من أن يسبِقها تمهيد ، فكما أننا نُصلي سُنّةً قبليّةً تمهيــداً للفريضة الأساسية , ونُصلي سُنّةً بعديةً ترميماً لِما فاتنا في الفريضة , فكأنَ السُنّةَ القبليّة تمهيدٌ وإعداد , والسُنّةَ البعديّةَ ترميمٌ وتلافٍ للنقص ، وكما أنَّ الحاجَّ يحجُّ من الميقات وبينهُ وبينَ الكعبةِ مراحلُ فِساح , من أجلِ أن يُهيئَ نفسهُ لهذا اللقاء الأعظم لقائهِ بربهِ جلَّ وعلا ، كذلكَ الشرعُ علّمنا أن نؤدبَ أبناءنا على الصلاةِ , والصيامِ , وتلاوةِ القرآنِ , وحُبِّ النبي عليه الصلاة والسلام قبلَ سِن التبليغ ، كذلك رمضان دورةٌ تدريبيّةٌ كُلَ عام عبادةٌ سنوية .
الإنسان في رمضان يقفزُ قفزةً نوعية ، لهُ مستوى في فهمهِ ، وفي عقيدتهِ ، وفي إدراكهِ ، وفي طاعتهِ ، وفي ورعهِ ، وفي صلاتهِ ، وفي تهجده ، وفي تلاوتهِ ، وفي إنفاقهِ ، كُل إنسان لهُ مستوى ، لهُ مكانة ، في رمضان لا بُد من أن يقفزَ قفزةً نوعيّة , فالعاصي يتوب , والتائب يزيد , والمُستزيد يتفوّق ، لا بُدَ من نقلةٍ في رمضان ، لكنَّ المُشكلة التي أتمنى على اللهِ جلَّ وعلا أن يقيّنا منها :
هوَ أنَّ عامةَ الناس كُلما جاءَ رمضان قفزوا قفزةً نوعية , فإذا انتهى عادوا إلى ما كانوا عليه , وطَوالَ حياتهم يرتفعونَ ثمَّ ينخفضون , يرتفعونَ ثمَّ ينخفضون , وهكذا ...
لكنَّ المؤمن الصادق إذا قفزَ قفزةً في رمضان , يستمرُّ عليها طوالَ العام , فإذا جاءَ رمضانُ آخر , قفزَ قفزةً ثانية , واستمرَّ عليها طَوالَ العام , فإذا جاءَ رمضانٌ ثالث قفزَ , وهكذا إلى أن يلقى اللهَ عزّ وجل , وهوَ في أعلى الدرجات .
لذلك الحقيقةُ الأولى : هوَ أننا إذا دخلنا في رمضان , ينبغي أن نقفزَ قفزةً نوعية , وهذه القفزة النوعية يجبُ أن نَثبُتَ عليها طَوالَ أيام السنة .
الآن ما علاقة النصف من شعبان برمضان؟
الحقيقة أيها الأخوة ؛ أنَّ الإنسان في رمضان يجبُ أن يصومهُ صياماً كاملاً من أولِ يومٍ حتى آخر يوم ، الانتقال المُفاجئ من مستوىً معين في العبادة إلى مستوىً متفوق , هــذا الانتقال لا بُدَّ لهُ من تمهيد , يعني نقطة هُنا ونُقطة هُناك ، لا بُدَّ من خطِ مائل يصعدُ من هذه إلى تِلك , هذا الخطُ المائل الذي يزدادُ حماس الإنسان فيه , ويُهيئ كُلَ شيء من أجلِ أن يقبلَ اللهُ صيامهُ ، نحنُ في شهرٍ تمهيدي شهر إعداد لرمضان , لهذا النبي - عليهِ الصلاةُ والسلام - كانَ يُكثر فيهِ من الدُعاء , ومن الصلاة , ومن القيام , ومن الأعمال الطيبة والأعمال الخيّرة .
على كُلٍ في هذا الشهر وفي ليلةِ النصف من شعبان تحوّلت القِبلة من بيت المقدس إلى بيت اللهِ الحرام .
سؤال :
لماذا أمرَ اللهُ من خلال السُنّةِ النبوية أن يتجهوا إلى بيت المقدس ؟
الجواب :
لأنَّ الكعبةَ المُشرّفة - وهذا اجتهادٌ في التفسير - كانت فيها الأصنام , وكانَ كُفّارُ قُريش يعتدّونَ بِها ويفتخرونَ ، فإذا توجّهَ إليها المسلمون , لعلَّ في هذا التوّجه ترسيخاً لهذه العبادةِ التي أنكرها القرآن الكريم , لذلك أُمرَ المسلمون إلى التوجّهِ إلى بيت المقدس , ريثما يستقرَ التوحيد فــي الجزيرة العربية , وريثما تتوطدُ دعائم الإيمان باللهِ عزّ وجل , فلمّا رَسَخَ التوحيد , واستقرّت النفوس , أُمِروا بالتوجهِ إلى بيت الله الحرام .
لذلك :
جاءت الآيات متتابعةً في دعوة المؤمنين إلى التوجّهِ إلى بيت الله الحرام ، في هذه الليلة نَزَلت الآيات التي تأمر المُسلمين بالتوجّهِ إلى بيت الله الحرام , ولِشدّةِ تعظيمِ أمرِ اللهِ عزّ وجل في مسجد في المدينة , كانَ أصحابُ النبي يُصلّونَ فيه في أثناءِ صلاتِهم , جاءَ من يُخبِرهم بِتحوّل القِبلة , فتحولوا من قِبلةٍ إلى قِبلة , وزُرتُ هذا المسجد قبلَ سنواتٍ عِدّةَ , فيه محرابانِ متعاكسان ؛ محرابٌ إلى بيت المقدس , ومحرابٌ إلى الكعبةِ المُشرّفة ، في الزيارة الثانية أُلغيَ محراب بيت المقدس , وبقيَ محراب الكعبة المُشرّفة .
على كُلٍ :
إذا ذكرتم ليلةَ النصفِ من شعبان , ففي هذه الليلة المُباركة تمَّ فيها تحويلُ القِبلةِ من بيت المقدس إلى بيت اللهِ الحرام , هذه واحدة .
النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما ترويه الأحاديث الشريفة وفيما رواهُ النسائيُ , مـن حديثِ أسامةَ بنِ زيد قال : قُلتُ يا رسولَ الله : لم أركَ تصومُ من شهرٍ من الشهور ما تصومُ من شعبان ، فقالَ عليه الصلاة والسلام :
(( ذلكَ شهرٌ يغفُلُ عنهُ الناس بينَ رجبَ ورمضان, وهوَ شهرٌ تُرفعُ فيهُ الأعمالُ لربِّ العالمين, وأحبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائم ))
وكانَ أصحابُ النبي صلى اللهُ عليه وسلم ورضي اللهُ عنهم ، إذا نظروا إلى هِلالِ شعبان , أكبّوا على المصاحفِ يقرؤونها , وأخرجَ الأغنياءُ زكاةَ أموالِهم , ليتقوّى بِها الضعيف والمِسكين على شهر الصيام .
أيها الأخوة ؛ إذاً :
فيما يبدو لكم من هذ الآثار القليلة : أنَّ شعبان تهيئةٌ لرمضان ، وأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كانَ يدعو ربهُ في شعبان ، لذلك خُصّت ليلةُ النصفِ من شعبان بالدُعاء .
الدعاء في الحقيقة : أداةُ اتصالٍ مباشرةٍ بينَ العبدِ وبينَ ربهِ .
لكنَّ هذا الدعاء الذي نسمعهُ أحياناً :
اللهم إن كُنتَ كتبتني في أُمِ الكتابِ شقيّاً محروماً مُقتّراً عليَّ في الرِزق , فأمح اللهم بِفضلِكَ شقاوتي وحِرماني وتقتيرَ رِزقي .
هذا الدُعاء لا أصلَ لهُ .
لم يَرِد لا عن رسول الله , ولا عن أصحاب النبي عليهم رِضوان الله ، نحنُ إذا دَعونا اللهَ عزّ وجل , ينبغي أن ندعوهُ بما دعا به النبي صلى اللهُ عليه وسلم .
يعني فِكرة الجبر :
أنَّ الإنسان خُلقَ كافراً , وكُتبَ عليه الكُفر من دونِ ذنبِ اقترفتهُ يداه , وسوفَ يدخُل النار شاءَ أم أبى , لأنَّ الكِتابَ سبقَ عليهِ بالكُفر ، هذه المعاني أيها الأخوة ليست من روحِ القرآن ، قال تعالى : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 148]
الإنسان مخير .
لو قرأتَ القرآنَ الكريمَ كُلَهُ لوجدتَ أنَّ الإنسانَ فيهِ مُخيّراً : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾
[سورة الكهف الآية: 29]
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 3]
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
بل إنَّ بعضهم قال : مجرّدُ الأمرِ يقتضي التخيير .
أيُعقلُ أن تشُقَّ طريقاً عرضهُ 60 سم بعرضِ إنسانٍ تماماً , بحيثُ أنَ كتفيه يُلامسان جداري هذا الطريق , وأن تأمرهُ أن يتجهَ نحو اليمين أن يلزم اليمين ؟ أيُ يمين هذا !!؟ إذا كانَ الطريقُ ضيقاً بعرضِ السالِكِ فيه , فكيفَ تأمرهُ أن يلزمَ اليمين ؟ لمجرّدِ أن تأمرهُ فالإنسان خيّر ، لمجرّدِ أن تنهاهُ فالإنسـان مُخيّر .
هذه نقطةٌ دقيقةٌ جداً : لو أنَّ اللهَ عزّ وجل كما قالَ الإمامُ الحسن رضيَ اللهُ عنه : أجبرَ عبادهُ على الطاعة لَبَطَلَ الثواب ، ولو أنَّ اللهَ عزّ وجل أجبرَ عِبادهُ على المعصية لَبَطَلَ العِقاب , ولو أنه تركهم هملاً لَبَطَلَ الوعدُ والوعيد وكانَ ذلكَ عجزاً في القُدرة .
واحدٌ سألَ سيدنا عليّاً كرّمَ اللهُ وجهه قالَ : أكانَ مسيرُنا إلى الشام بقضاءٍ من اللهِ وقَدَر ؟ قالَ : ويحكَ ! لو كانَ قضاءً لازماً , أو قَدراً حاكماً , إذاً : لَبَطَلَ الوعدُ والوعيد, ولانتفــى الثواب والعِقاب , إنَّ اللهَ أمرَ عِبادهُ تخييراً ونهاهم تحذيراً , وكلّفَ يسيراً ولم يُكلّف عسيـراً , وأعطى على القليل كثيراً , ولم يُعص مغلوباً , ولم يُطع مُكرهاً , ولم يُرسل الأنبياءَ عَبَثاً , ولم يُنزّل الكُتُبَ لَعِباً .
الإنسان مُخيّر .
والأثر الذي تعرفونهُ جميعاً : رجل ضُبِطَ متلبّساً بِشُربِ الخمر, فاقتيدَ إلى عُمرَ بن الخطاب, ولمّا أرادَ إقامةَ الحدِ عليه قالَ: واللهِ يا أميرَ المؤمنين! إنَّ اللهَ قدّرَ عليَّ ذلك, فقالَ رضي الله عنهُ -وكانَ عالِماً بالكتاب والسُنّة- قالَ: أقيموا عليهِ الحدَّ مرتين؛ مرةً لأنهُ شَرِبَ الخمرَ, ومرةً لأنهُ افترى على الله, وقالَ: ويحكَ! إنَّ قضاءَ اللهِ لم يُخرِجكَ من الاختيارِ إلـــى الاضطرار. ندم الكافر يدل على أن الإنسان مخير .
وحينما تُطالعونَ القرآن الكريم , تجدونَ أنَّ مُعظم الآيات تُبيّنُ نَدَمَ الكافر على كُفرهِ :

﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 100]
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 56]
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾
[سورة الفرقان الآية: 27]
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
[سورة الفجر الآية: 24]
هذه الآيات كُلُها تؤكدُ : ندَمَ الكافر على فعلِهِ السيء وعلى معاصيه ، لو أنهُ كانَ مُجبراً عليها ولا خيارَ لهُ في ذلك , أيُعقل أن يندمَ على ذلك ؟!!.
الإنسان مسير ومخير بآن واحد :
إذا قرأتَ القرآن الكريم تشعر أنكَ مُخيّر، مُخيّر فيما كُلّفتَ به طبعاً، في دائرةٍ أنتَ مُسيّر وفي دائرةٍ أنتَ فيها مُخيّر، وُلِدتَ من أبٍ فلانيٍ وأمٍ فلانيةٍ؛ في المكان الفُلاني, في الزمن الفُلاني, من أَسرةٍ فلانيةٍ, بوضعٍ مُعيّن, ببنيةٍ معينة, بوراثةٍ معيّنة, هذا كُلهُ أنتَ فيهِ مُسيّر, ولستَ مُحاسباً عنهُ إطلاقاً, وسيماً، ذميماً، ضعيفاً، قوياً، قصيراً، طويلاً، ذكيّاً، أقلَّ ذكاء، غنيّاً، فقيراً، هذه الحظوظ التي جاءتكَ من دونِ حولٍ مِنك, من دونِ طلب, إنكَ فيها مُسيّر ولستَ مُحاسباً عليها إطلاقاً, إنك مُخيرٌ فيما كُلّفتَ بهِ, والدليل قول الله عزّ وجل:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
ما هوَ الكسبُ ؟ أنت حينما تنبعثُ إلى طاعة الله عزّ وجل , حينما تتوجه إلــى طاعة الله عزّ وجل , هذا التوجّه إلى طاعة الله هوَ الكسب ، وحينما تتوجه إلى معصية الله عزّ وجل , هذا التوجه إلى معصية الله هوَ الاكتساب . ﴿فلها ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت﴾
يعني : بشكلٍ أو بآخر لا بُدَّ من عُنصُرٍ مِنك ، هوَ الذي حددَ مصيركَ مِنكَ ، خيرُكَ فيكَ وشرُّكَ مِنكَ ، يعني الجنةُ محضُ فضلٍ والنارُ محضُ عدل , فإذا أردتَ أن تدخُلَ الجنة فبِفضل الله وكرمهِ , لكن إذا دخلَ إنسانٌ النار, فبِعملهِ السيء , وباختيارهِ السيء , وبتَبِعةِ عملهِ .
فالدعاء الذي لا يُوافق الكتاب والسُنّة , لا ينبغي أن نحفلَ بهِ , ادع بما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام ، النبي عليه الصلاة والسلام وضّحَ وبيّنَ وفصّلَ , وحينما دعا يُستنبطُ من دعائهِ الشريف : أنَّ النفسَ البشريةَ : ﴿لها ما كسبت وعليه ما اكتسبت﴾
أمّا ما أنتَ مُسيّرٌ فيه , هذا موضوع دقيق جداً , إذا كان سابق لوجودك فهوَ لصالِحك ، وإذا كانَ تابعٌ لوجودِك فهوَ دفعٌ لثمنِ اختيارِك .
الفكرة دقيقة جداً : إن كانَ هذا الاختيار ، إن كانَ هذا التسييرُ سابقاً لوجودِك , لماذا خُلقت من فُلان وفُلانة , وبهذه الصِفات , وبهذه البُنى , وبهذه الإمكانات , وبهذه القُدرات ؟ هذا الخلق سابقُ لوجودِك , هوَ لمصلحتِك , وليسَ في إمكانِك أبدعُ مما أعطاك , كما قالَ الإمام الغزالي ، أمّا التسييرُ الذي يتمُ بعدَ وجودِك ودفعٌ لثمنِ اختيارِك , يعني الإنسان إذا اختارَ اختياراً صالِحاً , إذا اختارَ طاعة الله عزّ وجل , سيّرهُ اللهُ لِما فيه خير له الدنيا والآخرة ، وإذا اختارَ معصية اللهَ عزّ وجل , سيّرهُ الله لدفعِ ثمن اختيارِهِ ، سيّرهُ ليؤدبه ، سيرهُ ليقتصَّ منه ، سيّرهُ ليوقفهُ عِندَ حدهِ ، سيرهُ ليردعهُ ، فالتسييرُ الذي يأتي بعدَ اختيارك , هو لدفعِ ثمن اختيارِك , إمّا مكافأةً وإمّا عِقاباً ، والتسيير الذي يأتي قبلَ اختيارِك , إنما هوَ في مصلحة اختيارِك .
ما كانَ سابقاً لوجودِك اعلم عِلمَ اليقين أنهُ في مصلَحَتِك .
وما كانَ لاحقاُ لوجودِك إنهُ دفعٌ لثمنِ اختيارِك .
فلذلك : من أدق الآيات الكريمة , ومن أدق الصيّغ اللغوية التي تستعمل للنفي , هي صيغةُ ما كانَ لـِ : ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 70]
ربُنا عزّ وجل في هذه الآية لم ينف عن ذاتهِ ظُلمَ العباد, بل نفى عن ذاتهِ كُلَّ ما حولَ الظُلم، اللهُ عزّ وجل لا يُريد الظُلمَ ولا يقبلهُ ولا يأمرُ بهِ ولا يوقِعهُ بينَ عِبادهِ.
كُنتُ قلتُ لكم سابِقاً هذا المثل: يعني فرقٌ كبير بينَ أن تقول فُلانٌ لم يسرِق هذه الدراهم, وفُلانٌ ما كانَ لهُ أن يسرِق, لم يسرِق نَفيُ الحدث, لكن ما كانَ لهُ أن يسرِق نَفيُ الشأن، ليسَ من شأنِهِ, ولا من طبيعتهِ, ولا من أخلاقهِ, ولا من قيمهِ, ولا يُريد, ولا يرضى, ولا يقبل, ولا يُقرّ, ولا يدعو, أبداً كُل هذه المعاني منفيةٌ عنه, فلذلك إذا قالَ اللهُ:
﴿ما كانَ اللهُ ليظلمهم﴾
إذا قالَ اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 49]
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 124]
((لا ظُلمَ اليوم إني حرّمتُ الظُلمَ على نفسي, وجعلتهُ محرّماً بينكم فلا تظّالموا))
إذاً: الآيات والأحاديث القدسية الشريفة واضحةٌ، قطعيةُ الدلالةِ, في أنَّ اللهَ عزّ وجل منزّهٌ عن الظُلم؛ أي: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
هذا الأعرابيُّ الذي قالَ لهُ النبي عليه الصلاة والسلام, الذي سألَ النبي, قالَ:
((عِظني وأوجِز، فقرأَ عليه الصلاة والسلام:
﴿فمن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يره﴾
قالَ: كُفيت، فقالَ عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجُل)) شعبان إعداد لرمضان :
إذاً: نعود إلى ليلةِ النِصفِ من شعبان, إنها بادئَ ذي بدءٍ: إعدادٌ للنفسِ كي تستقبلَ شهرَ الصيام, وهيَ في أوجِ إقبالِها على اللهِ عزّ وجل، وهيَ في أتمِّ استعدادٍ للدخولِ في هذا الشهر الكريم الشيء العظيم، الشيء المُقدّس, يحتاج إلى تمهيد, لكن الشيء التافه لا يحتاج إلى تمهيد، فهذا رمضان لعلَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُعتِقُنا فيه من النار، لعلَّ هذا الشهرَ الفضيل يرتقي فيه الإنسانُ: من حالٍ إلى حال، ومن درجةٍ إلى درجة، ومن منزِلةٍ إلى منزِلة، ومن قيّمٍ إلى قيّم، ومن نوايا إلى نوايا، ومن رؤيا إلى رؤيا، فما دامَ هذا الشهرُ الكريم يمكن أن يكونَ سبباً في ارتقائِكَ, لا بُدَ لهُ من تمهيد، التمهيد هوَ شهرُ شعبان؛ صيامٌ وإنفاقٌ وتلاوة قرآنٍ وعملٌ طيب.
يعني بالمَثل المادي: إذا أردت أن تقطعَ مسافةً بينَ نقطتين بسرعةٍ عاليةٍ, لا بُدَ من أن تتحركَ قبلَ نُقطة البدء, إذا بدأت الحركة عِندَ نقطة البدء, إلى أن تزدادَ سُرعَتُكَ, وتأخذَ سُرعتكَ القصوى, تكون قد قطعتَ مسافةً هدراً، فمن أجلِ أن تبدأَ السيرَ سريعاً من نقطة - أ - إلى نقطة - ب – لا بُدَ من التحرُك قبلَ - أ - هذا بشكلٍ أو بآخر ما يعنيه الإعدادُ لرمضانَ من شعبان.
الشيء الثاني : النبي عليه الصلاة والسلام كانَ يدعو اللهَ في هذا الشهر الفضيل .
والدُعاء فصلتُ عنهُ كثيراً في خُطبة الجُمُعة ، وذكرتُ أنَّ في القرآنَ الكريم ثلاثَ عشرةَ آية فيها كلمة قُل : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 189]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 222]
ثلاثَ عشرةَ آية في القرآن الكريم فيها هذه الصيغة, إلا آيةً واحدة هي قولهُ تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
إذا فتحتم المُعجمَ المُفهرس على مادةِ سألَ تأتي آيات يسألونكَ, احصِ هذه الآيــات, ثلاثَ عشرةَ آيةً كريمةً, في كُلِ هذه الآيات كلمةٌ واحدة هيَ: قُل, هذه الكلمة كلمة قُـل, غابت في آية واحدة هي:
﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾
استفادَ العلماء من غياب كلمة: قُل في هذه الآية, أنهُ ليسَ بينَ العبدِ وبينَ ربهِ حِجاب, لا وسطاء, الدعاء وسيلةُ اتصالٍ مباشِر, أن يكونَ بينَ يديكَ هذا السلاح الخطير بإمكانِكَ أن تدعوَ اللهَ عزّ وجــل، واللهِ لا تستطيع أن تدخل على إنسان ذي أهميةٍ بسيطة إلا بموعدٍ قبلَ أسبوعين, وإلا بوقفةٍ لساعـاتٍ كثيرة على بابهِ، لكنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول: ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني﴾
قد تقفُ ساعاتٍ على بابِ إنسان. الترابط بين قوله وإذا سألك عبادي وقوله فمن كان يرجوا لقاء ربه:
ربُنا عزّ وجل يقول:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
هاتان الآيتان لا تُقدّران بثمن :
يعني إذا أردتَ أن تلتقي معَ الله عزّ وجل , اعمل عملاً صالحاً , وادخل إلى بيتٍ من بيوت الله , وصلي ركعتين , وانظركيفَ أنَّ اللهَ سبحانـهُ وتعالى يتجلّى على قلبِك ؟ وانظر كيفَ تنهمر دموعُك ؟ وانظر كيفَ تشعر أنكَ أسعدُ الناس ؟ هذا معنى قولِهِ تعالى :
﴿قُل إنما أنا بشرٌ مثلكُم يوحى إليَّ أنما إلهكم إلهٌ واحد فمن كانَ يرجو لِقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادةِ ربهِ أحداً﴾
﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾
لكن ذكرت يوم الجمعة أنهُ : ﴿وإذا سألكَ عبادي عني﴾
أنتَ عن ماذا تسأل؟ قُل لي ما الذي تسألُ عنه, أقُل لكَ من أنت؟ ما الذي يعنيك؟ ما الذي يُقلِقُك؟ ما الذي تبحثُ عنه؟ ما الذي ترجوه؟ . ﴿وإذا سألكَ عبادي عني﴾
تسألُ عن حُطام الدُنيا، عن متاعِها، عن تجارتها، عن مكاسِبها، عن بيوتها، عـــن زوجاتِها، عن نِسائِها، أم تسألُ عن الله كيفَ أُرضيه؟ كيفَ يرضى عني؟ كيفَ أتقرّبُ إليه؟ كيفَ أُطيعهُ؟ كيفَ يقبلُني؟ كيفَ يُحبُني؟. ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾
أيام بعض الأخوة يدعونَ دعاءً بصوتٍ مرتفعٍ وصياحٍ وضجيجٍ ورفعِ اليدين إلى السماء, ودُعاءٍ بليغٍ منمّقٍ، مُسجّعٍ، مدروسٍ، مُعدٍ إعداداً رائعاً، مع أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول عن سيدنا زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 3]
بإمكانِكَ وأنتَ صامت، بإمكانِكَ وشفتاكَ مُطبقتان: أن تسألَ اللهَ في قلبِكَ شيئــاً، سِلاحٌ عظيمٌ بينَ يديك، يعني أنت من أجل أن تصل إلى شخص ذي أهميةٍ قليلة, تبذلُ جُهداً كبيراً، لكنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه, تقول: يا رب, يقول لكَ: لبيكَ يا عبدي اسأل تُعط.
هذا الحديث الشريف الذي أتلوه على مسامِعكم, دائماً لو وقفنا عِندهُ وقفةً متأنية:
عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ قَال, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائـِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وأنتَ إذا قُلتَ: سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدَه؛ اللهُ يسمَعُكَ, سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدهَ, تفضّل, قُل له: يا ربي لكَ الحمد والشكر والنعمة حمداً كثيراً طيباً مُباركاً.
ليلة النصف من شعبان .
في الحديث عن ليلة النصف من شعبان :
حديثٌ عن الدُعاء , وعن قيمة الدُعـاء ، وكيفَ أنَّ الدُعاءَ سِلاح المؤمن .
ولكن قد تسأل هذا السؤال : يا رب المسلمون يدعونكَ ليلَ نهار في كُلِ مناسبة, وعَقِبَ كُلِ صلاة, وفي مناسباتِهم الدينية, وفي الخُطب, وفي الكلمات, وفي الاحتفالات, وفي عقودِ القِران, وفي المناسبات الحزينة، يسألونكَ أن تُهلِكَ أعداءهم, يا رب وأن .. وأن .. وأن .., والذي يراهُ الناظر: أنّ اللهَ عزّ وجل لا يستجيب.
الجواب في هذه الآية :
﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾
قد يُصبحُ الدُعاءُ سلوكاً، قد يُصبِحُ الدُعاءُ عادةً لا معنى لها, ادع لنا يا سيدي فيدعو لك, الداعي والذي يؤمنُ على دُعائهِ في وادٍ آخر.
قال : ﴿أُجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾
.
إذا دعاني حقيقةً، قد يدعوني الداعـي وهوَ متكئٌ على زيدٌ أو عُبيد معتمدٌ عليه، قد يدعوني الداعي وهوَ معتمدٌ على مالِه أو على جاههِ أو على قريبهِ أو على شيء في يدهِ, لكنهُ إذا دعاني حقّاً أُجيبهُ.
الله عزّ وجل يُعلّمُنا كيفَ يستجيبُ لنا؟ قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
يعني إذا آمنت بهِ تستجيبُ لهُ، فإذا استجبتَ لهُ ودعوتهُ يستجيبُ لكَ، هذه الآية قانون الدُعاء: آمن بهِ ثمَّ استجب لهُ ثم ادعهُ يستجب لك, فإذا حدثّتُكم عن دعاء النصف من شعبان, فهوَ الحديث عن الدُعاء, لأنه مُخُ العِبادة, يعني الإنسان يُصلي حتى يتصل، يصوم حتى يتصل، يَحُج حتى يتصل، يتصدّق حتى يتصل، يستقيم حتى يتصل، يعمل الأعمال الصالحة حتى يتصل، إذاً: الاتصال بالله هوَ كُل شيء, لأنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((الدُعاءُ مُخُ العِبادة))
[أخرجه الترمذي في سننه]
يعني أعلى درجات الاتصال: أن تدعوهُ وأنتَ في ضائقة، أن تدعوهُ بدُعاءٍ حار, أن تدعوهُ وأنتَ تستغيثُ بهِ، لذلك قالَ النبي الكريم:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ليسَ شيء أكرمُ على اللهِ من الدُعاء.
وأجمل ما في هذا الموضوع قولهُ تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 77]
يعني لولا أنكم تدعونَ اللهَ عزّ وجل, اللهُ عزّ وجل لا يعبأُ بِكم, أي الدُعــاءُ علامة الإيمان، إذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنَّ اللهَ موجود، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنــك مؤمنٌ بأنهُ يستمعُ إليك، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنكَ مؤمنٌ بأنهُ يستجيبُ لك، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنكَ مؤمنٌ بأنهُ قدير، إيمانُكَ بأنهُ موجود وبأنهُ سميعٌ وبأنهُ قديرُ وبأنهُ رحيمٌ دعاكَ إلى أن تدعوهُ، إذاً: دُعاؤكَ لهُ علامةُ إيمانِكَ بهِ, إذاً:
﴿ما يعبأُ بِكم ربي لولا دُعاؤكم فقد كذبتم فسوفَ يكونُ لِزاماً﴾
الدرس الثالث والثلاثين من دروس مدارج السالكين في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين:
مفاضلة بين المطيع والعاصي التائب .
عودةٌ إلى موضوعِنا المُقرر , وهوَ ما قالهُ بعضُ العُلماء :
في ترجيحِ الطائع الذي لـم يعصِ الله على الإنسانَ الذي عصى اللهَ ثمَّ تابَ منهُ , موضوع لطيف : على أنَّ كُل فريقٍ يحتجُّ بأنَّ الأول أفضلُ من الثاني.
أولاً :
قالَ بعضُهم : إنَّ أكملَ الخلقِ وأفضلُهم أطوَعُهم لله وهـذا الذي لم يعصِ فيكونُ أفضل .
إنسان لم يعصِ , وإنسان عصى وتاب .
الذي لم يعصِ أفضلُ من الذي عصى وتاب بشكل بديهي ، الذي عصى مضى وقتٌ من حياتِهِ , وهوَ في معصية , وهوَ في قطيعة , وهو في خسارة , فالذي يُرافِقهُ ولم يعص , هذا الوقت أمضاهُ في طاعة الله , استفادَ من الوقت , ومن عملهِ الصالح , ومن إقبالِهِ على الله , إذاً : الشخصُ الأول يُعدُّ أفضل .
العاصي في أثناء المعصية يمقُتهُ الله عزّ وجل .
الطائعُ في أثناء الطاعة يُحِبـهُ الله عزّ وجل .
إذاً :
بينَ أن يمضيَ وقتٌ وأنتَ في مقتِ الله , وبينَ أن يمضيَ وقتٌ وأنتَ في طاعة الله , بونٌ كبيرٌ بينهما , المُذنب حينما يُذنب قد يتوب وقد لا يتوب فهوَ مُغامر , وإذا عالجهُ الله بمصيبةٍ قد يستجيب وقد لا يستجيب ، وقد يستفيد وقد لا يستفيد ، ففي المعصيةِ مغامرةٌ كبيرةَ بل مقامرةٌ كبيرة .
يعني من يضمنُ لكَ أن تتوبَ من هذه المعصيــة ؟ هُناكَ أُناسٌ يُصرّونَ على ذنبِهم حتى الموت , أبداً .
إذاً :
الطائع في سلام , أما العاصي في مقامرة وفي مغامرة ، المُطيع أحاطَ نفســهُ بسياجٍ منيع من الطاعة , لكنَّ العاصي جعلَ في هذا السياج ثغرات كثيرة , من هذه الثغرات :
أتاهُ الشيطان فخرّبَ بنيتهُ الداخلية ، وخرّبَ صفاءهُ ، وخرّبَ إقبالهُ على الله عزّ وجل .
في نقطة دقيقة جداً : أجمعَ أصحاب رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم وهذه الفِكرةَ أقولَها لكم دائماً , والآن أقرأُها أولَ مرة على أنَّ كُلَ ما عُصي اللهُ بهِ فهوَ من جهل .
يعني لا يُمكن أن تعصي اللهَ عزّ وجل إلاّ وتُدمغ بأنكَ جاهل .
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ :
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجــَبَ بِعِلْمِه))
[أخرجه الدارمي في سننه]
مهما تعلّمت , ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ , فأنتَ لا تعرِفُ الله .
مقياسُ علِمِكَ : طاعتُكَ لا حذلقةُ لِسانِك , ولا طلاقة لِسانِك , ولا إجابتُكَ عن كُلِ مسألةٍ تُسألُ بِها .
مقياسُ عِلمِكَ الحقيقي : الذي يُنجيّكَ يومَ القيامة طاعتُكَ للهِ عزّ وجل .
فلذلك أجمعَ أصحابُ رسول الله على أنَّ كُلَ ما عُصي اللهُ بهِ فهوَ جهالة ، والجهالــةُ نوعان :
الجهالة نوعان :
جهالةُ عِلمٍ وجهالةُ سلوكٍ .
إمّا من الجهلِ وإمّا من السُفهِ، الإنسان إذا انحرف فهوَ سفيه، وإذا ارتكبَ معصيةً فهوَ جاهل، لذلك أعدى أعداء الإنسان هوَ الجهل, وربُنا عزّ وجل حينما قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
الجاهليةُ الأولى هيَ الجهلُ المُفضي إلى الجهالة, هذا الانحراف, الإنسان حينما يعصي يطمعُ العدوُ بهِ والعدوُ هوَ الشيطان، يعني إذا أنتَ لم تعص أبداً, الشيطان ييأسُ مِنك, لكِنكَ إذا بدأتَ خطوةً نحوَ المعصية, طَمِعَ فيكَ الشيطان, وطَمِعَ بمزيدٍ من المعاصي.
الشيء المُهم: أنَّ المعصية لا بُدَّ من أن تُكفّر, إمّا بمصيبة كي تُمحى بِها هذه المعصية، وإمّا بحسنةٍ كبيرة تُمحى بِها هذه المعصية، وإمّا بعذابِ قبرٍ، وإمّا بسكراتِ موتٍ، وإمــّا بعذابٍ في النار.
يعني هذه المعاصي كما قالَ النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويهِ عن ربهِ:
((وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها, سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء, شددت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
في درسٍ آخر إن شاءَ الله عزّ وجل نتحدّث عن فضلِ من وقعَ في مخالفةٍ ثمَّ تابَ إلى اللهِ عزّ وجل وقُبلِت توبتهُ، وكيفَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يرحمهُ ويقبلهُ؟ حتى يتوازن الوضع, إذا واحد لم يعص فهذا شيء جميل جداً، لكن إذا عصى وتاب وقَبِلهُ الله عزّ وجل لهُ عِندَ اللهِ شأنٌ كبير, لأنَّ اللهَ يفرحُ بتوبةِ عبدهِ.
أحياناً -ولله المثلُ الأعلى-: يكون في الأُسرة طِفلان أو شابان، شابٌ متفوقٌ في دراستهِ, وشابٌ آخر منحرف انحرافاً شديداً، المتفــوق والمستقيم ألِفَ والِداهُ أنهُ كذلك، لكن المُنحرف إذا عادَ إلى طريق الصواب, يُدخلُ على قلبِ والديهِ فرحاً لا حدودَ لهُ, لذلك: ((لا اللهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ من الضال الواجد, والعقيم الوالد, والظمآن الـوارد))
والنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رأى امرأةً من السبايا رأت ابنها, فأقبلت عليه, ووضعتهُ على صدرِها, قال: ((لا اللهُ أفرحُ بتوبة عبدهِ من هذه بولدها))
أحاديث كثيرة تؤكد ذلك.
على كُلٍ؛ هذا في الدرس القادم إن شاءَ اللهُ تعالى, قيامُ ليلةِ النصفِ من شعبــان, يعني أن تُكثر فيها من الذِكرِ والدُعاءِ والصلاة.
وقالَ بعضُهم: إذا صليتَ قبلَ الفجرِ صلاة قيام الليل, أجزأتكَ عن قيام الليل عِندَ بعضِ العُلماء.
يعني شيء من قيام الليل وشيء من تِلاوة القرآن, هذا يجعلُكَ من الذين استجابوا للهِ ورسولهِ وأحيَوا ليلةَ النصِفِ من شعبان.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )


الموضوع : التوبة - 1




منزلة التوبة :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الرابع والثلاثين من دروس مدارج السالكين , في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين ، ولا زِلنا في منزلة التوبة .
بدأنا هذه المنزلة بأنواع الذنوب والمعاصي , بِدءاً من أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , إلى الشِركِ والنِفاقِ والكُفرِ والفسوق , إلى الإثمِ والعدوان , إلى الفحشاءِ والمُنكر , إلى الكبائر , إلى الصغائر . أحكام التوبة :
وفي هذا الدرس نتحدّثُ عن أحكامٍ مُهمةٍ جداً من أحكام التوبة .
الحُكمُ الأول : هوَ أنَّ المبادرةَ إلى التوبة من الذنبِ فرضٌ على الفور , فمن وقعَ في ذنبٍ , وتابَ منهُ بعدَ حين , عليهِ أن يتوبَ من ذنبين : الذنبُ الذي اقتضى التوبة ، وتأخير التوبة , لأنَّ المبادرةَ إلى التوبةِ من الذنبِ فرضٌ على الفور .
إذاً : لو أنَّ الإنسانَ اقترفَ ذنباً , ولم يَتُب منهُ فوراً , بل تابَ منهُ بعدَ حين , عليهِ أن يتوبَ مرتين :
أن يتوبَ من هذا الذنب , وأن يتوبَ من تأخير التوبة , لماذا ؟
لأنكَ إذا وقعتَ في الذنب , وبقيتَ عليهِ فترةً ما , لعلّ الذنبُ يصبح من عوائدِكَ ، لعلّكَ قَبِلتهُ ، لعلّك اعتدتَ عليه ، لعلّكَ اجترأتَ على الله ، لعلّهُ مع التكرار أصبحَ شيئاً بسيطاً عِندكَ , فالخطورةُ ليسَ في وقوعِكَ في الذنب , بل الخطورةُ في أن تستمرَ في الذنب ، فلذلك من استمرَ في ذنبهِ , فعليهِ أن يتوبَ من الذنبِ , ومن تأخير التوبة .
لذلك :
من وقعَ في ذنبٍ , ولم يتُب منهُ فوراً , عليهِ أن يتوبَ توبةً عامّةً .
هُناكَ توبةٌ خاصّة من هذا الذنب بالذّات , وهُناكَ توبةَ عامّة , فلعلَّ التوبةَ العامة تمحو ذنبَ تأخير التوبة .
كانَ عليه الصلاة والسلام يدعو في صلاتهِ , ويقول :
((اللهم إني أعوذُ بِكَ أن أُشرِكَ بِكَ وأنا أعلم, وأستغفِرُكَ لِما لا أعلم))
وكانَ يدعو في صلاتهِ ويقولُ : ((اللهم اغفر))
دققوا في هذا الدعاء :
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو : ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي, وَجَهْلِي, وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي, وخطئي وَعَمْدِي, وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
لكن لو قُلتَ أنتَ لمن يدعوكَ إلى التوبةِ من هذا الذنب : أنا ما كُنتُ أعلمُ أنَّ هذا ذنب , لا أعلم يا أخي , ماذا تُجيبهُ ؟ إنَّ عدمَ عِلمِكَ معصية ، هُناكَ معصيةٌ , وهُناكَ معصيةُ أن لا تعلم ، لماذا لا تعلم ؟.
لذلك :
وردَ في الحديث الشريف , في كتاب الجامع الصغير فيما أذكر , أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ويلٌ لمن لا يعلم , هوَ أكبرُ ذنب , وويلٌ لمن يعلم . كيف ؟ .
ويلٌ لمن لا يعلم : إنَّ عدمَ العِلمِ ، إنَّ عدمَ طلبَ العِلمِ ، إنَّ عدمَ معرفة الله عزّ وجل ومعرفة منهجِهِ ذنبٌ كبير ، لكنكَ إذا عَلِمت ولم تعمل أيضاً ويلٌ لك ، ويلٌ لمن لا يعلم , وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل .
فدِقّةُ هذا الدعاء : (( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي, وَجَهْلِي, وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي ))
فالجهلُ ذنب.
وكُلكم يعلم : أنَّ أيَّ مواطن إذا ضُبِطَ بمخالفةٍ , وقالَ للقاضي : يا سيدي ما كُنتُ أعلم , يُجيبهُ إجابةً ثابتةً , يقول لهُ : يا أخي لا جهلَ في القانون , الجاهل لا يُعذر , اطلب العِلم .
وفي المناسبة: ما من إنسانِ على وجه الأرض, على علمٍ, أو على خِبرةٍ, أو على اختصاصٍ, تستطيعُ أن تطرقَ عيادتهُ, أو مكتبهُ, أو مقرَّ عملهِ, دونِ أن تُهيىء الأموال الكافية, الأتعاب، الأجور، إلا أنَ اللهَ جلّت حِكمته, جعلَ دينهُ, وحقائقَ دينهِ, وكتابهُ, وتفسيرَ كتابهِ, وحديثَ نبيهِ الشريف, وتفسير حديثِ نبيهِ الشريف, جعلهُ مبذولاً بِلا مُقابل، بيوت الله مفتوحة, والخدمات تؤدى بِلا مُقابل، ولكَ أن تسأل, ولكَ أن تستفتي, ولكَ أن تحضر أيَّ مجلسٍ, مهما كانَ الذي يُلقي الدرس, على جانبٍ من الأهميةِ والشُهرةِ, تحضرُ درسهُ مجاناً، أمّا الطاولة ليلة, رأس الميلاد في بعض الفنادق, تُكلّف عشرةَ آلاف ليرة, المعاصي غالية جداً أمّا الطاعات مبذولة.
إذاً :
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي, وَخَطَئِي وَعَمْدِي, وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ, وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))
دُعاء رائع .
أيها الأخوة الأكارم ؛ في التوبةِ حقائق خطيرة ، وحينما أقول حقائق خطيرة , أعني بها حقائق مهمةٌ جداً ، من هذه الحقائق :
أنَّ العبدَ إذا تابَ من الذنب , فهل يرجِعُ بعدَ التوبةِ إلى ما كانَ قبلَ الذنب عِندَ الله ؟
كانَ في هذه المكانة ، سقطَ في ذنب ، ثمَ تابَ منهُ ، فهل يرجِعُ إلى مكانةٍ كانَ يحتلُها قبلَ الذنب ؟
هذا سؤال ؟
الجواب :
1- من التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ كانت قبلَ الذنب .
2- ومن التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ دونَ ما كانَ قبلَ الذنب .
3- ومن التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كانَ قبلَ الذنب .
قال : لو أنَّ إنساناً يقطعُ طريقاً طويلاً , تارةً يركبُ ناقتهُ ، وتارةً يمشي الهوينى ، تارةً يُسرع ، تارةً يجلس ليأكل , ما زال كذلك , من طورٍ إلى طور , التفتَ يمنةً , فإذا شجرةٌ وارفةُ الظِلال , وعلى طرفِها ماءٌ يجري , عذبٌ سلسبيل , فتاقت نفسهُ أن يستريحَ , ويجلس هُنا , بينما هوَ يجلس , جاءَ عدوٌ لهُ , فقيّدهُ في مكانهِ وحَبَسهُ , هذا هوَ الذنب , حينما وقعَ الإنسانُ في ذنبٍ , أصبحَ مقيّداً : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
[سورة المُدثّر الآية: 38]
بالقوانين , الإنسان البريء حر طليق ، يجلس في بيتهِ ، يذهب إلى مكان جميل ، يلتقي مع شخص ، يزور إنساناً , أمّا إذا ارتكبَ جريمةً , يُلقى القبض عليه , ويودع في السجن , متى فقدَ حريّتهُ ؟ حينما وقعَ بالذنب , فهذا الإنسان يسير في طريقٍ طويل , وإلى هدفٍ بعيد , تارةً يركب ، تارةً يمشي ، تارةً يُسرع ، تارةً يُبطئ ، تارةً يجلس ، تارةً يأكل ، حارت منهُ التفاتةٌ , رأى شجرةٌ وارفة الظِلال ومياهٌ عذبة , فتاقت نفسهُ أن يستريح , استراح , جاءهُ عدوٌ لهُ وقيّدهُ ومنعهُ من الحركة ، ثمَّ جاءَ صديقٌ لهُ ففكّهُ من هذا القيد ، بعدَ هذه التجربة لعلّهُ يَجِدُ في السير ويُغذُ في السير , إذاً : هذا التائب ربما عادَ بعدَ التوبةِ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كانَ قبلَ التوبة , ممكن , وربما عادَ هذا المُسافر بعدَ أن فُكَ من قيدهِ إلى ما كانَ عليه قبلَ أن يستريح عند هذه الشجرة ، وربما أغوتهُ هذه الشجرة وبظِلِها الظليل ومائها العذب النمير تاقت نفسهُ أن يعود , ويقول : حينما يأتي من يُقيّدُني يأتي من يَفُكُني .
إذاً :
بعدَ التوبة إمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ كالتي كُنتَ عليها قبلَ التوبة ، وإمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كُنتَ عليها ، وإمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ دونَ ما كُنتَ عليها , هذا بحسَبِ هِمَتِكَ ونشاطِكَ وحُبِكَ وإخلاصِكَ وإدراكِكَ ووعيِكَ , هذه واحدة . الذنوب التي تغفر والذنوب التي لا تغفر .
شيءٌ آخر في التوبة هوَ : أنكَ إذا وقعتَ في ذنبٍ متعلّقٍ بآدميّ .
الذنوب كما تعلمونَ أنواع منوّعة :
1- هُناكَ ذنوبٌ فيما بينكَ وبينَ الله .
2- وهُناكَ ذنوبٌ فيما بينكَ وبينَ العِباد .
فالتي بينكَ وبينَ اللهَ , يمكن أن تستغفرَ اللهَ منها فيما بينكَ وبينهُ , ويغلِبُ على الظن أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى عفوٌ كريم ، ولكنَّ الذنوبَ التي فيما بينكَ وبينَ العِباد هذه لن تُغفر , ودققوا فيما أقول :
لن تُغفر إلا إذا غَفَرَ لكَ العِباد , لأنَّ حقوقَ اللهِ عزّ وجل مبنيّةٌ على المُسامحة , بينما حقوق الخلق مبنيّةٌ على المُشاححة ، لذلك قبلَ أن تقعَ في ذنبٍ معَ بني البشر , معَ إنسانٍ ، معَ مخلوقٍ ، معَ حيوانٍ ، معَ نباتٍ , قبلَ أن تعتدي على حقِ مخلوقٍ ، قبلَ أن تأخُذَ ما بيد مخلوقٍ ظُلماً وعُدواناً ، قبلَ أن تُجرّحهُ ، قبلَ أن تغتابهُ ، قبلَ أن تحقِرهُ ، قبلَ أن تأخُذَ مالهُ ، قبلَ أن تأخذَ بيتهُ ، قبلَ أن تبني مجدكَ على أنقاضهُ ، قبلَ أن تبني غِناكَ على فقرهِ ، قبلَ أن تبني حياتكَ على موتهِ ، قبلَ أن تبني أمنكَ على خوفِهِ ، قبلَ أن تقعَ في ذنبِ متعلّقٍ بالعِباد , فكّر ألفَ مرّة ، وفكّر مائة ألف مرّة ، وفكّر ألفَ ألف مرّة ، لأنَّ الذنوبَ التي يقعُ فيها الإنسانُ في حقِّ العِباد مبنيّةٌ على المشاححة , ولا بُدَ من مُسامحة ، وقد تقفُ أمامَ إنسانٍ موقِفاً ذليلاً .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الآن :
إذا تعلّق الذنبُ بمخلوقٍ ما ولعلّهُ إنسان ، لعلّهُ من بني البشر ، ماذا نعمل ؟
قال : هذا الحق إمّا أن يكونَ ماديّاً , وإمّا أن يكونَ معنويّاً .
فإذا كانَ حقّاً ماديّاً لا بُدَ من أدائهِ , أبداً , لا بُدَ من أدائهِ , مال ، حاجة ، آلة استعرتها منهُ , ثمَّ ادعيتَ أنها ضاعت مِنك , فسكت ، غافلتهُ , وأخذتَ هذا الشيء في ساعةِ غفلةٍ وجهلٍ وطيشٍ , وبعدَ حينٍ تُبتَ إلى اللهِ عزّ وجل , فإذا هذه الآلة الحاسبة بينَ يديك , هذه ليست لك , يعني الحقوق منها المادي مال ، عارية ، كتاب ، آلة ، ساعة ، حاجة ، دين ، ذِمّة ، أجور خِدمة ، اشتريتَ من بائعٍ حاجةً , وكانَ عِندهُ ازدحامٌ شديد , فوليتَ الأدبار , ولم تدفع الثمن .
إذا كانَ قد بدرَ مِنكَ ذنبٌ متعلّقٌ بآدميٍ أو بمخلوقٍ وكانَ الذنبُ ماديّاً , اسمعوا وسأقول بملء فمي : لا بُد من أداءِ هذا الحق , أو يُسامِحُكَ صاحِبُ هذا الحق ، كلامٌ واضحٌ كالشمس , لهذا حينما قالَ اللهُ عزّ وجل :
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 31]
جاءت من للتبعيض، لأنَّ اللهَ عزّ وجل لا يغفرُ لكم كُلَّ ذنوبِكم، يغفر لكم بعضَ ذنوبِكم المتعلّقة فيما بينكم وبينهم.
إذاً: إذا كان الذنبُ متعلّقاً ببني البشر, أو بمخلوقٍ, وكانَ هذا العدوانُ على مالهِ, أو على حاجاتهِ, أو على بضاعتهِ, أو على متجرهِ, أو على بيتهِ, أو اغتصبتَ شِبرَ أرضٍ, أو دُكاناً, أو بيتاً, أو ......
تُروى قِصّة وقعت في هذه البلدة: إنسان مُضطر لثلاثمائة ألف ليرة, فجاءَ لأحد الأغنياء الكِبار, وعرضَ عليهِ مزرعةً فخمةً جداً، على أن يكتب هذه المزرعة باسمهِ, وأن يُقرِضهُ ثلاثمائة ألف ليرة, فإذا تمكّنَ من أدائِها, ردَّ لهُ المزرعة, اتفقا هكذا, فهذا الغني حينما كُتبت لهُ المزرعة, وذهبَ إليها, وأمضى فيها صيفاً جميلاً, فيها مسبح مثلاً، فيها أشجار مثمرة، فيها بيت, أعجبتهُ هذه المزرعة، بعدَ حين جاءهُ صاحبُ الدين, وقالَ: يا أخي هذا المبلغ توفّرَ لديّ, فيُرجى أن تُعيدَ لي المزرعة، قال: لا, كُل إنسان عِندهُ حقهُ، توسّلَ إليه, ورجاهُ, ووسّطَ لهُ أقرباءهُ, ووجهاء الحي, الجواب: دائماً: كُلٌ مِنّا عِندهُ ما بيدهِ, ويجب أن تعلموا: أنَّ المزرعة لها ثمن كبير جداً, وَضَعها رهناً, ولم يُعطِه هذهِ المزرعة مقابِلَ هذا المبلغ، هذا الرجل صاحب المزرعة, أصابهُ غمٌ شديد, وما زالَ هذا الغمُّ يتصاعدُ حتى قضى عليه وماتَ, وقبلَ أن يموت أوصى ابنهُ.
فأمرَ صاحب المزرعةَ ابنهُ: أن يا بُنيّ إذا مِت, فامشِ بجنازتي إلى المُهاجرين, ومُرَّ أمامَ بيتِ هذا المُغتصب, أعطهِ هذه الرسالة, كتب رسالة: أنني أنا ذاهبٌ إلى دارِ الحق, وسوفَ أُخاصِمُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل, فإن كُنتَ بطلاً لا تلحق بي إلى هُناك, هذه الرسالة وهذه قِصّةٌ وقعت.
طبعاً: مكتب دفن الموتى استغرب, لماذا نذهب إلى هذا المكان البعيد؟ هُنا التُربة, الباب الصغير, وأنتم في الميدان, قالَ: لا هذه وصيّةُ الوالد, فذهبت هـذه الجنازة إلى دار المُغتصب, ووقفت الجنازة هُناك, وطُرِقَ الباب, وأُعطيَ الرِسالة, ففتحها, وقرأَ ما فيها, والجنازة واقفة, قالَ لهُ: أنا ذاهبٌ إلى دارِ الحق, وإن كُنتَ بطلاً لا تلحق بي إلى هُناك.
يُروى أنَّ هذا المُغتصب بعدَ أيامٍ بادرَ فوراً إلى إرجاع المزرعةِ إلى الوَرَثة, شيء مُخيف: أن تغتصبَ شِبرَ أرضٍ، أن تغتصبَ بيتاً، دُكاناً، حاجةً، آلةً، مركبةً، هكذا, هذا الذي اغتصبتَ مِنهُ, لهُ رب, والربُّ كبير, وسوفَ يأخذُ مِنكَ الثمنُ باهِظاً يومَ القيامة.
لذلك قالَ عليه الصلاة والسلام :
(( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ))
الدين المُعاملة .
تركُ دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانينَ حجّةً بعدَ الإسلام.
ركعتانِ من وَرِع خيرٌ من ألفِ ركعةٍ من مُخلّط.
قال: أمّا إذا كانَ هذا الذنبُ متعلقاً بآدمي وهوَ ماديّ, قالَ عليه الصلاة والسلام: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ))
ممكن أن تُرسل حوالة بمبلغ، الآن مُمكن أن تضعَ هذا المبلغ بظرف, وأن تُلقيّهُ في دُكان هذا صاحبِ الحق، ممكن أن تعتذر، ممكن أن تستسمح، ممكن أن تُقدّم، ممكن أن تُحاسب، ممكن أن تترك البيت، ممكن أن تتخلى عن المحل التجاري.
إنسان وهوَ يقودُ سيارتهُ في الحِجاز, أصابتهُ أزمةٌ قلبيّة, فانكفأَ على مِقود السيارة, وإلى جانِبهِ زوجتهُ، من غرائب الصُدف: أنَّ صديقاً لهُ كانَ إلى جانب المركبة, فأخذهُ ووضعهُ في المقعد الخلفي, وساقَ المركبةَ إلى المُستشفى, وأُدخِلَ فوراً العنايةَ المُشددة، وهُناكَ أُناسٌ يُصابون بأزمةٍ قلبيةٍ بعدَ العنايةِ المُشددة, من فاتورةِ العناية المُشددة، فبعدَ ساعاتٍ انتعش وصحا, وقال: هاتوا لي مُسجلةً, فإذا هوَ يُصرّحُ: أنَّ هذا المحلَ التجاري الكائن في المكان الفُلاني ليسَ لي, هوَ لأخوتي, وقد اغتصبتهُ منهم, ولهم الحقُ فيه، اعترف.
أسرع طريقة للاعتراف هذه الطريقة، بعدَ أيامٍ عديدة, خرجَ من هذه العناية المُشددة, وشعرَ بقوةٍ ونشاط, فقالَ: أينَ الشريط؟ أعطوني إيّاه, فلمّا استرجعهُ كسّرهُ, وعادَ إلى ما كانَ عليه، وبعدَ ثمانيةِ أشهرٍ ماتَ ميتةً شنيعة, فهذا الذي حصلَ لهُ اسمهُ بالتعريف الحديث: إنذار مُبكّر.
أربعة شباب وَرِثوا عن والِدهم، الأخ الصغير ذهبَ حقهُ، هذا أخذ البيت من رائحــة والده، وهذا أخذ السجاد كُلهُ، وهذا أخذ المزرعة, وأبقوا الصغير بِلا شيء, أخونا هذا ونحنُ نُحبهُ, كلام فارغ, الإنسان يُغتصب أخوتهِ, لهُ أخت متزوجة, والبيت الذي يسكنهُ لهُ ولأختهِ, وهي متزوجة, يضيع نصيبها من البيت.
أعرف أخاً كريماً, يحضر معنا في هذا المسجد, يسكن في منزل غالي الثمن, وأُختهُ متزوجة, قيّمهُ, بسعر اليوم سعر خيالي, واشتغل, وجد, حتى قدّمَ لأختهِ حِصتها من هذا البيت, هذا الحق, بنت مستضعفة ضعيفة.
أعرف رجلاً مات, ترك ثروة طائلة، ترك ست بنات وأخٌ واحد, هذا الوريث المُذكّر أنكرَ حقوقَ أخوتهِ البنات كُلِهن بطريقةٍ أو بأُخرى، وقعهُ الأب سندات دين أو أشياء أُخرى حتى خرجت أخواتهُ من الإرث بِلا شيء.
لذلك: إذا الموضوع مادي, اسمعوا قولَ النبي عليه الصلاة والسلام: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ))
في أخ كريم من أخواننا الكِرام, عِندهُ معمل, فقالَ لي: أفقد مالي, وأفقد بِضاعة، بقيتُ أشهر عِدّة, وأنا أُراقب مُراقبة خيالية, والمال يُفقد من مكان الغلّة, والبِضاعة تنقص، هذا الذي يسرق خبير إلى درجة متناهية، ثمَ توقفت هذه السرقة, لم يعرف من هوَ الفاعل، قالَ لي: بعدَ عشر سنوات, طرقَ بابي شاب, مُلتح دعوتهُ, ودخل, فقالَ لهُ: هل عرفتني؟ فأجابهُ: كأني أعرِفُكَ، قالَ لهُ: أنا كُنتُ عِندِكَ عامِلاً قبلَ عشر سنوات, تذكرت, قالَ لهُ: أنا الذي كُنتُ آخذُ من جيبك, ومن بِضاعتك, وقد تعرّفتُ إلى الله, واصطلحتُ معهُ, فها أنذا أُريد أن أُعطيكَ كُلَ شيء, هذا الأخ الكريم قال لهُ: واللهِ نظير هذه التوبة سامحتُكَ بِكُلِ شيء.
رجل جاءتهُ قطعة أرض, ليست لهُ بحُكم توزيع الأراضي على الفلاحين, لهُ شيخ سألهُ: يا سيدي هذه الأرض جاءتني, وأصلُها لِفُلان, فقالَ لهُ: هذا لا يجوز يا بُني, اذهب إلى فُلان واشترها منهُ، ليسَ معهُ, فباعَ أساوِرَ زوجتهِ, وقالَ: لعلّهُ يرضى بهذه الدفعة المُقدّمة, وأُقسّط لهُ الثمن لسنوات طويلة، جاء إلى هذا الرجل, صاحِب هذه الأرض, وقال لهُ: يا سيدي أعطوني هذه الدونمات من أرضِك, وهيَ ليست لي, وسألتُ شيخي, فقال: هيَ ليست لي, وليسَ لكَ إلا أن تشتريها منهُ, وها أنا قد جِئتُكَ لأشتريها مِنك, فنظرَ إليه صاحبُ الأرض, وقال: واللهِ ذهبَ مني آلاف مؤلفة من الدونمات, وما وصلَ إليَّ واحدٌ من هؤلاء الأشخاص, يُريد شراء الأرض, إنها هديةٌ لكَ يا بُني, خُذها هذه, تأخذها حلالاً زلالاً كما يقولون.
لمّا الإنسان يطلب الورع, فالله عزّ وجل يُعينهُ، إذا أنت أردتَ أن تخرج من هذا البيت الذي ليسَ لكَ, فاللهُ عزّ وجل يُهيىء لكَ بيتاً ممتازاً, إذا آثرتَ اللهَ عزّ وجل, فاللهُ لا يُضيّعُك.
مرةً ثانية: ما تركَ عبدٌ شيئاً لله, إلا عوّضهُ اللهُ خيراً منهُ في دينهِ ودُنياه.
مستحيل أن تُطيعهُ وتخسر, ومرةً ثانية: مستحيل أن تعصيهِ وتربح، مستحيل أن تُطيعهُ وتشقى، مستحيل أن تعصيه وتسعد، مستحيل أن تُطيعهُ وتكون بآخر الركب إلا بالمُقدّمة ، مستحيل تعصيه وتكون في المُقدّمة إلا بالأخير، والدليل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
إذا كانت هذه المظلمةُ ليست ماديةً :
غيبة، نميمة، استهزاء، تجريح, احتقار، هذا ذنب يسمونهُ حقوق أدبيّة, أنتَ شتمتهُ، اغتبتهُ، جرحّتهُ، اتهمتهُ وهوَ بريء، طبعاً: لو أنهُ أقام دعوى لهُ حقٌ عِندك، طيب هذا الذنب كيفَ يُغفر؟ الآن دققوا وهذا نقعُ بهِ كثيراً.
بعضُهم قال: يجبُ أن تذهبَ لمن اغتبتهُ, وأن تذكُرَ لهُ ما قُلتَ لهُ في غيبتهِ عنهُ, وأن تطلُبَ أن يُسامِحكَ, لا يوجد سوى ذلك, هذا رأي.
وبعضُهم قال: يجوزُ أن تذهبَ إليه, وتقول لهُ: يا أخي لقد نِلتُ مِنك إجمالاً لا تفصيلاً, أرجو أن تُسامحني.
وبعضُهم قال: لا يكفي أن يعيدَ اللقاء الذي التقى بهِ معَ زيدٍ وعُبيد, وتحدّثَ بهِ في هذا اللقاء عن فُلان, أن تُعيدَ اللقاءَ مرةً ثانية, وأن تقول لهم: أنا كُنتُ مُخطئاً, وفُلان رجل جيد, وما إلى ذلك.
كم مذهب؟ ثلاثة؛ إمّا أن تذهبَ إليه, وأن تذكُرَ لهُ عينَ الذنب: الغيبة، الاحتقار، التقليد، النميمة, وأن تطلُبَ السماحَ منهُ، وإمّا أن تذهبَ إليه, وأن تقول لهُ بشكل عام: لقد نِلتُ مِنك, أرجو أن تُسامحني، أو أن لا تذهبَ إليهِ أبداً, وتذهبُ إلى من كُنتَ معهم, وتحدثتَ إليهم عنهُ, تعقِدُ لهم لِقاءً ثانياً, وتقول: أنا كُنتُ في خطأٍ كبير, وفُلان بريء, وأن قد تجاوزت حدّي, وقد اتهمتهُ ظُلماً, فأرجو أن يحصل لكم العِلم بذلك.
قال: مذهبُ الإمام الشافعي وأبي حنيفةَ والإمامِ مالِك, هوَ الإعلان التفصيلي والتحلل, قال: لأنَّ البراءةَ من حقِ المجهول ليست براءةً, أخي اكتب لي براءة ذمة، من ماذا ؟ من مبلغ لكَ معي، كم هوَ يجب أن يعرف المبلغ؟ براءة ذمة عامة لا يوجد، فُلان بريء الذمة من الدين الفُلاني البالغ كذا وكذا، فرأي الإمام الشافعي وأبي حنيفةَ والإمامِ مالِك: أنهُ لا بُدَّ من أن تذهبَ؛ إلى من اغتبتهُ, أو احتقرتهُ, أو جرّحتهُ, أو اتهمتهُ, أو غمزتَ من قناتهِ, أو طعنتَ في نَسَبِهِ, أو طعنتَ في أمانتهِ, حتى لو أنكَ أمسكتَ ثوبكَ, وحينما ذُكرت فُلانة, قُلت: أحسن منّي, هذه غيبة، هذا طعن.
قالوا: وردَ في الأثر: قذفُ محصنةٍ يهدِمُ عملَ مائة سنة.
فالبراءةُ من حقٍ مجهول لا تصح.
لهذا احتجّوا بقول النبي: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَملُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ))
لأنهُ حينما فعلَ هذا ارتكبَ جُرمين: ارتكبَ جُرماً في حقِ أخيه, طعناً في نسبهِ, أو بأمانتهِ, أو بإخلاصهِ.
الآن: إذا الإنسان ذُكر أمامهُ عالِم, لم يقل دجّال, عِندَ الله لا تمر هذه، هذا عالم لهُ دعوة, لهُ أخوان، أمتأكدٌ أنت؟ معك دليل، أمّ للتسلية؟ فكُل إنسان قبلَ أن يقول: دجّال، كاذب، غير فهمان، فهمان, قبلَ أن تتهمهُ بِتُهم هوَ بريء مِنها، حضرتَ مجلِسهُ، استمعتَ إلى دروسهِ ، التقيتَ معهُ، هكذا تتهم الناس غيابيّاً, وتنجو من عذاب الله؟ لا والله.
فقال: لا بُدَّ من أن تتحللهُ اليوم قبلَ ألا يكونَ درهمٌ ولا دينار, الآن في مجال أن تستسمح منهُ، تعقد مجلساً آخر تُغيّر كلامك، ممكن أن تتقرّب منهُ بهديّة، ممكن أن تخدمهُ خدمة، ممكن أن يلين قلبهُ, يقول لكَ: سامحتك, لكن قبلَ ذلك مُشكلة.
أمّا في اختيار ثان, ولعلّهُ مقبول، الاختيار الثاني: اجمع هؤلاء الذين اغتبته في حضرتهم، اجمعهم واذكر لهم أنكَ مُخطئٌ في هذه الغيبة, وأنهُ بريء, وأنهُ لا شائبةَ حولَهُ, وأنا كُنتُ مُخطئاً، ولا عليك ألا تذهبَ إلى صاحب الغيبة، لماذا؟ قال: لأنكَ إذا ذهبتَ إليه, وقُلتَ لهُ: قُلتُ عنكَ كذا وكذا, ربما غلا دمهُ، ورُبما حقدَ عليك، وربُما تفتتَ المُجتمع، ورُبما ورُبما, العلماء الآخرون رجّحوا أنهُ يكفي أن تجمعَ هؤلاء الذينَ اغتبته في حضرتهم, وأن تذكُرَ عكسَ ما قُلتهُ البارحة, وأن تتوبَ إلى الله عزّ وجل.
طبعاً: هُناكَ رأيان, والحقيقة الترجيح بينهُما: أنَّ الشخصَ الذي اغتبتهُ, إذا كانَ واسِعَ الصدر, حليماً, يترفّع عن الانتقام والحِقد, ولهُ عِندَ الله مكانة, لا تهزهُ أنتَ بِها, يعني ما ضرَّ السحابَ نبحُ الكِلاب، ما ضرَّ البحرَ أن ألقى فيهِ غلامَ بحجر.
في شخص سمعتهُ, ومكانتهُ عِندَ الله أكبر من كُل كلامك, يعني مكانتهُ وقُربهُ من الله وشعورهُ بالسعادة, أنتَ لا تهزهُ بكلامِك.
سيدنا موسى بالمُناجاة, قال: يا ربي لا تُبق لي عدوّاً, قالَ: يا موسى هذه ليست لي.
لي لم تصح, هذه ليست لي، كُل إنسان لهُ عدو, فإذا إنسان واسع الأُفق, عظيم الشأن لا يهتز، إذا كان ذهبتَ إليه, وقُلتَ لهُ: أنا قُلتُ كذا وكذا, أرجو أن تُسامحني, أغلب الظن يُسامحُك, ولا يحقد عليك، أمّا إذا إنسان إيمانهُ وسط, ونمطهُ عصبي, وقُلتَ لهُ: أنا قُلتُ عنكَ كذّاب, فإذا بهِ يعذبك مباشرةً, فمِثلُ هذه الحالة الأولى أن تُطبّقَ المذهب الثاني.
طبعاً يوجد حجّة: لماذا في الحقوق الماديّةِ: يجبُ أن يؤدى الحقُ إلى صاحبهِ, وفي الحقوق الأدبيّة: ليسَ ضروريّاً أن يؤدى الحقُ إلى صاحِبهِ, أن تذهب إلى من اغتبتهُ أمامهم؟ قال: لأنَّ الحقَ المادي يُنتفعُ بهِ, هذه الساعة لِفُلان, فإذا أديتها لصاحِبها, انتفعَ بِها, أعطاها لابنهِ, أمّا إذا ذهبتَ إلى من قد اغتبتهُ, وقلتَ لهُ: قُلتُ عنكَ كذّاب، ماذا استفاد؟ استفادَ من الحقد والغضب والشتم وما إلى ذلك.
إذاً: يُمكن بِحسب الحِكمةِ إمّا أن تتجهَ إلى من اغتبتهُ معتذراً مستسمحاً، طبعــاً: أن تذهبَ إلى من اغتبتهُ في حضرتهم, هذا شيء لا بُدَ منهُ, أمّا إليهِ بالذّات, هُنا يوجد خِلاف بينَ العُلماء حولهُ.
موضوع بالتوبة دقيق: قال: لو أنَّ إنساناً كانَ ذنبهُ الكذب, وذنبهُ الغيبة, ثمَّ قُطِعَ لِسانُهُ, وأصبحَ أبكم, هذا الإنسان تُقبل توبتهُ, إنسان زان أقيم عليه الحد، إنسان سارق قُطعت يدهُ، يعني أداةُ الذنب معدومة, كيفَ يتوب هذا الإنسان؟.
لهذا الإنسان توبة مع أنَّ لسانهُ مقطوع كُليّاً, ولا يستطيع أن يقولَ كلمةً واحدة, ولهُ أن يتوب من كُلِ ذنوبهِ السابقة القولية, والآن لسانهُ مقطوع, فكيفَ لهُ أن يتوب؟.
قال عليه الصلاة والسلام : (( النَّدَمُ تَوْبَةٌ, فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ, قَالَ: نَعَمْ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ, عَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ]
حينما تندم فهذه توبة، إذا إنسان فرضاً فقدَ حريتهُ, وكانَ يُطلق بصرهُ بالحرام, دخــل لغرفة ليسَ فيها نساء لسنوات طويلة, ومات في هذه الغرفة, كيفَ يتوب من ذنب إطلاق البصر, لم يعد نساء هُنا؟ نقول: ندمهُ توبة, وهذا من رحمةِ الله بِنا, الندمُ توبة.
طبعاً: كيفَ قاسوا ذلك ؟ قال : قاسوا ذلك على أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا ))
لكَ أنتَ مجلس الاثنين والأحد والجمعة -لا سمحَ اللهُ ولا قدّر- صار في مرض, لَزِمـتَ الفِراش أسبوعين، هل تُصدّق أن أجرَ حضور الدروس الثلاثة مكتوبٌ لكَ وأنتَ في البيت إذا في عُذر طبعاً، أو سافرت سفراً شرعياً, وغِبتَ عن بعض الدروس، وغِبتَ عن بعض الأعمال الطيبة التي ألِفتَ أن تعمَلها, هل تُصدّق أن أجرَكَ هوَ هوَ؟.
إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ, كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا.
وفي الصحيحِ أيضاً : أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانَ في الجهاد , قالَ : ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا, مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا, وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا, إِلا كَانُوا مَعَكُمْ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ, قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ))
كُلكُم يعلم, لمّا النبي تفقّدَ بعض أصحابهِ في غزوة, ففي شخص طعنَ بِهم، غمزَ من قناتِهم، اتهمهم بالنِفاق، قالَ: ((يا رسولَ الله! فُلان شَغلهُ النظر إلى عِطفيه عن الجِهاد معك، فقام أحد أصحاب رسول الله, وقال: كذبتَ والله، يا رسولَ الله! لقد تخلّفَ عنكَ أُناسٌ, واللهِ ما نحنُ بأشدَّ حُباً لكَ مِنهم, ولو عَلِموا أنكَ تلقى عدواً ما تخلّفوا عنك))
إذا غاب أحدهم مباشرةً نطعن بهِ, تقول: همتهُ ضعيفة, قد يكون أمر قاهر, زوجتهُ تضع، عِندهُ مُشكلة، مباشرةً تتهِمهُ بالتقصير, لعلَّ لهُ عُذراً وأنتَ تلومهُ.
موضوع بالتوبة دقيق جداً ، قال: لو أن إنساناً عَمِلَ سيئات حديثة فاستغرقت حسنات قديمة وأبطلتها ثمَّ تابَ توبةً نصوحاً خالِصةً, -قال-: عادت إليهِ حسناتهُ ولم يكُن حُكمهُ حُكمَ المُستأنِفِ لهُ, بل يُقال: تُبتَ على ما أسلفتَ من خير.
صحابي جليل, اسمهُ حكيم بن حِزام, قـالَ: ((يا رسولَ الله! أرأيتَ عتاقةً أعتقتُها في الجاهلية، وصدقةً تصدّقتُ بِها، وصِلةً وصلتُ بِها رَحِمي، فهل لي فيها من أجر قبلَ أن أُسلم؟ قالَ عليه الصلاة والسلام: أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير))
بعد ما أسلمت ضُمّت لكَ هذه الأعمال الصالحةُ السابقة، يعني كُل عمل صالح فعلتهُ, قبلَ أن تُسلم, وقبلَ أن تؤمن, بعدَ أن أسلمت ضُم لكَ, وهذا من رحمةِ الله بِنا.
قال: الإساءةُ بينَ الطاعتين, إذا تابَ العبدُ مِنها حُذِفت, وضُمّت الطاعتانِ إلى بعضِهِما بعضاً, اللهُ عزّ وجل لا يقهر لكَ عملكَ السابق كُلُهُ, لكَ عِندَ الله مكانة، زلّت قدمُكَ، تعثرت، الله عزّ وجل جابِرُ عثرات الكِرام، فإذا زلّت قدمُك بينَ حسنتين, وتُبتَ من هذه الزلّة مُحيت, وضُمت الحسنتان إلى بعضِهما بعضاً. شروط قبول التوبة :
بقيَ موضوعٌ أبدأُ بهِ , لكن يحتاج إلى درسٍ مستقل , أنهُ من شروط التوبة :
أن لا يعودَ الرجلُ إلى الذنبِ مرةً ثانية .
من شروط قبول التوبة :
استمرارُ التوبة .
فمتى عادَ إلى الذنبِ , تبيّنَ أنَّ التوبةَ كانت باطلة غيرَ صحيحة ، عادَ الإثمُ الذي مُحيَ عنك , هذا اتجاه , بعضُهم قال : ليسَ هذا شرطاً , إنَّ الاستمرارَ على التوبةِ شرطُ كمالِها ونفعِها , وليسَ شرطَ صحتِها ، فنحنُ أمام اتجاهين وكُل اتجاه لهُ أدلّة .
قالوا : إنَّ العبد إذا تابَ من الذنبِ ثمَّ عاودهُ , فهل يعودُ إليهِ إثمُ الذنب الذي كانَ قبلَ التوبةِ , بحيث يستحقُّ العقوبة على الأولِ والآخر إن ماتَ مُصرّاً ؟ نحتكم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، اسمعوا ماذا قالَ النبي ؟
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ :
(( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَاه فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِر ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
الإنسان حينما ينقض توبتهُ, يُحاسَبُ عن ذنوبِهِ التي تابَ مِنها مرةً ثانية، وبالقوانين: هُناكَ شيء من ذلك, الإنسان يرتكب مخالفة, فيكتب تعهّداً, فإذا وقعَ بالذنب مرةً ثانية, حوسب بالذنب الأول والثاني.
مثلاً قال: إنَّ العبدَ ليعمل بطاعة الله ستينَ سنة, فإذا كانَ عِندَ الموت جارَ في وصيتهِ فدخلَ النار.
أيها الأخوة ؛ عشرات بل بِضع عشرات الحالات التي وصلتني: أنَّ هُناكَ أشخاص مسلمين مؤمنين صائمين مُصلّين قبل الموت خصَّ بعضهم الذكور وتركَ الإناث، أو خصَّ ولداً دونَ ولد، أو وريثاً دونَ وريث، أو حرَمَ أُختهُ، أو حرمَ فُلاناً، وكأنهُ مُشرّع، لذلك:
إنَّ العبدَ ليعمل بطاعة الله ستينَ سنة, فإذا كانَ عِندَ الموت جارَ في وصيتهِ فدخلَ النار.
وحينما يجورُ الإنسانُ في وصيتهِ, ينشأُ أحقادٌ بينَ الأولاد لا تنتهي، هُناك تفصيل آخر, الأصل كذلك, لكنَّ العاق إذا حرمتهُ من نصيبهِ, يزدادُ عقوقاً, فإذا أعطيتهُ لعلّكَ تُقرّبهُ إليك، الدليل: قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 33]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 264]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 2]
اسمعوا إلى حديث السيدة عائشة: أخبري زيداً أنهُ أبطلَ جِهادهُ مع رسولِ الله إلا أن يتوب.
باعَ شيئاً بسعرين, إذاً: السيئات تستغرق الحسنات, الفكرة خطيرةَ جداً: السيئات تستغرق الحسنات، بشكل واقعي السيئة حِجاب.
يقولون بالأخبار: أنَّ الطريق مقطوعة بسبب تراكم الثلوج, والطريق مقطوعة إلى الله بسبب تراكم الذنوب, الطريق مقطوع بسبب تراكم الذنوب، إذا تراكمت الذنوب انقطعت الطريق إلى الله عزّ وجل، ما قيمة هذه الحسنات السابقة؟
أنتَ الآن ليسَ في الإمكان أن تستفيدَ منها, أمّا إذا تُبتَ من هذا الذنب الجديد ضُمت إليها, إذاً: السيئة تستغرق الحسنة السابقة, فإذا تابَ العبدُ منها, ضُمت إلى الحسنةِ اللاحقة, كلام دقيق جداً.
من قواعد الشريعة: أنَّ من السيئات ما يُحبط الحسنات بالإجماع, هذا الرأي الأول، أول رأي أنَّ السيئات تستغرقُ الحسنات وتُبطِلُها إلاّ أن يتوبَ منها، إذا تابَ منها ضُمّت الحسنات السابقة إلى الحسنات اللاحقة, وهذا الذنب كأنهُ لم يكُن.
الاتجاه الآخر هوَ: أنكَ إذا وقعتَ في ذنبٍ, ثمَّ تُبتَ مِنهُ, هذا الذنب كأنهُ لم يكن, فإذا فعلتَ ذنباً جديداً, هوَ ذنبٌ جديد, ولهُ توبةٌ جديدة, هذا رأي آخر, من أينَ استُنبط؟ قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 40]
الآية توحي أنَّ الحسنة لا تضيع عِندَ الله عزّ وجل.
في حديث للنبي عليه الصـلاة والسلام, رواه الإمام أحمد في مُسندهِ, قالَ:
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ))
لكن إذا أردتم أن تفهموا هذا الحديث: ليسَ تواباً من ذنبٍ واحد يقعُ فيهِ الفينةَ بعدَ الفينةَ, يعني: كُل مرة تاب من ذنب لم يكن يعرفهُ ذنباً من قبل, هذا الكلام يُوجّه الحديث توجيهاً جيداً. الخلاصة :
على كُلٍ؛ الإنسان في موضوع التوبة, عليهِ أن يكونَ دقيقاً جداً.
قُلتُ في الخُطبة السابقة يوم الجمعة في جامع النابلسي: التوبةُ صمام الأمان إذا ضغطت على الإنسان سيئاته، الوعاء البُخاري فيه صمام أمان, إذا ازدادَ الضغط ربما انفجر, لكنَّ صمامَ الأمان يقي الانفجار, إذا ضغطت عليكَ سيئاتُك فصمام الأمان هوَ التوبة، إذا غَرِقتَ في ذنوبِك فالتوبةُ حبلُ النجاة, حبلٌ متين، إذا ضللتَ الطريق التوبةُ تصحيحُ المسار، إذا أُغلِقت عليكَ أبوابُ النجاة, التوبةُ باب النجاة، يعني التوبة باب نجاة، وصمام أمان، وتصحيح مسار، وحبل إنقاذ.
أيام الغرقى يقفون بطائرة هيلكوبتر, ويُدلون لهم بالحِبال, يتمسكون بها, ثمَّ يرفعونهم, فالتوبة حبل, حبل إنقاذ، وصمام أمان، وباب نجاة، وتصحيح مسار، وبابُ التوبةِ مفتوحٌ ما لم يُغرغِرِ العبدُ, مفتوح على مصراعيه, والتائب من الذنبِ كمن لا ذنبَ له، وإنَّ اللهَ يُحبُ التوابين.
وللهُ أفرح بتوبةِ عبدهِ من الضال الواجد والعقيم الوارد والظمآن الوارد.
وإذا رجَعَ العبدُ العاصي إلى الله, نادى منادٍ في السمواتِ والأرض, أن هنئوا فُلاناً, فقد اصطلحَ مع الله.
فو اللهِ الذي لا إلهَ إلا هو, لا يُمكن أن تتذوقوا شعورَ التائب بالسعادة إلا إذا كُنتم كذلك , إذا تُبتم توبةً نصوحاً, تشعرون براحةً لا توصف، كأنكَ اصطلحتَ معَ الله خالق الكون، كأنكَ في حرزِ حريز، في أمنٍ عظيم، في رحمةٍ غامرة، في توفيقٍ بالغ، في سعادةٍ طافحة، في بِشرٍ لا يُقدّرُ بثمن, لذلك أنا أعجب ماذا تنتظر؟:
إلى متى وأنتَ في اللذات مشغولُ وأنتَ عن كُلِ ما قدّمتَ مسؤولُ؟
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
كُن عن همومِكَ مُعرِضاً وكِلِ الأمورَ إلى القضا
وأبشر بخـــيرٍ عاجلٍ تنسى بـهِ ما قد مضى
فلــرب أمــرٍ مُسخطٍ لك في عــواقبهِ رِضا
ولربّما ضــاقَ المضيق ولربّما اتســـعَ الفضا
اللهُ يفعـــــلُ ما يشاء فلا تكُــــن معترضاً
اللهُ عـــــوّدكَ الجميلفقِس علــى ما قد مضى
وكُل واحد منكم إذا جلسَ مع نفسهِ متأملاً, أي ذنبٍ فَعَلَهُ, وعاهدَ اللهَ على تركِهِ, والإقلاعِ عنهُ, يشعر أنَّ الباب مفتوح وقَبِلهُ الله عزّ وجل.
إذا قالَ العبدُ: يا ربي لقد تُبتُ إليك, قالَ: عبدي وأنا قد قَبِلت, وأنا قد قَبِلت.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : (الخامس و الثلاثون )


الموضوع : التوبة - 2







ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس مدارج السالكين, ولا زِلنا في موضوع التوبة، في دروسٍ سابقة تحدثتُ عن الإثمِ والعدوان, وعن الفحشاءِ والمُنكر, وعن أنواعِ الفسوقِ والكُفرِ والشِركِ والنِفاق, وعن أكبرِ ذنبٍ وهو: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, وعن الكبائر وعن الصغائر, ثمَّ دخلنا في تفصيلات التوبة, وانطلقت في هذه الموضوعات من حقيقةٍ ثابتة وهيَ: أنَّ التوبةَ أساسُها العِلم، لن تتوبَ من ذنبٍ إلا إذا عرفتَ أنهُ ذنب، فالتوبـةُ أساسُها العِلم، ومن شروطِها الندم، ومن نتائجها الإقلاع من الفور, والعزم على أن لا يعودَ الإنسانُ إلى ذنبهِ في المستقبل, والإصلاح في الماضي إذا كانَ الذنبُ متعلّقاً بحقٍ من حقوق العِباد.
ما هو الأمر الموجه إلى المؤمنين في هذه الآية؟ :
أيها الأخوة الأكارم, ألا تكفينا هذه الآية التي قالَ اللهُ عزّ وجل فيها:
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة النور الآية: 31]
كأنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى جعلَ التوبةَ أساساً للفلاح، والفلاح مُطلق النجاح، قد نقول: فُلان ناجحٌ في عمله، أو قد نقول: فُلان ناجحٌ في حياته, يعني في حرفتهِ, وفي اختيار زوجتهِ, وفي تربيةِ أولادهِ, وفي علاقاتهِ العامة, حتى في صِحتهِ، ما مِنّا واحدٌ إلا ويتوقُ إلى النجاح، إلى مطلق النجاح، إلى مُطلقِ الفلاح، إلى مُطلقِ الفوز، إلى مُطلق التفوّق.
هذه الآية فيها أمرٌ صريحٌ واضحٌ للمؤمنين: بأن يتوبوا جميعاً دونَ استثناء:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
ما الشيء الذي يلفت النظر في هذه الآية؟ :
ولكنَّ الشيء الذي يلفت النظر: أنَّ هذه الآية وردت في سورة النور، وسورة النور مدنيّة، إذاً: اللهُ سبحانهُ وتعالى يُخاطبُ أصحابَ رسول الله, الذينَ خاضوا معركةَ بدرٍ وأُحدٍ والخندق, ولهم باعٌ طويلٌ في الجِهاد، ولهم تضحيتهم وهجرتهم ومؤاثرتهم.
التوبةُ ليست قاصرةً على مرحلةٍ من مراحل الإيمان، إنها تسير معَ الإنسان طــَوالَ حياته, لأنهُ في كُلِ مرحلةٍ قد يقع في ذنبٍ لم يقع بهِ من قبلُ، كُل مرحلة لها ذنوب ، من الذنوب أن تنشغلَ بغير الله عنه, هذا ذنب, كُلما ارتقت مرتبتُك كانت حسنات المؤمنين سيئات المُقرّبين، كُلما ارتقت مرتبتُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل كُلما دقّت حساسيتُكَ في اكتشاف الذنب.
الناس رجلان هما :
الشيء المُخيف: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 11]
الناسُ رجُلان على اختلافِ أنواعِهم ومشارِبِهم وانتماءاتِهم, الناسُ رجُلان؛ تائبٌ وظالم, وليسَ هُناكَ رجلٌ ثالث، تائبُ وظالم:
﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾
ما معنى هذا الحديث؟ :
وفي الصحيحِ: عن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلمَ أنهُ قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه]
ربما إذا أقبلتَ على اللهِ عزّ وجل, وبدا لكَ من جمالِهِ، من كمالِهِ، من رحمتِهِ, ما لم تُكن تعرفهُ من قبلُ, فهذه المعرفة الدُنيا تُعدُّ في حقِ الأنبياءِ ذنباً، كُلما أقبلتَ على اللهِ, ورأيتَ من رحمتهِ, ومن عِلمهِ, ومن قُدرتهِ, ومن فضلِهِ, ومن لُطفِهِ, الشيء الذي لم تكُن تعرفهُ من قبلُ, تشعر أنَّ معرِفَتُكَ المتواضعة من قبلُ هيَ ذنبٌ في حقك.
إذا دخلتَ على رجُلٍ لا تعرِفهُ, وعرضتَ عليه خدماتِكَ في عِلمِك, فقال لكَ: أنا أحمل دكتوراه, ألا تستحي منهُ في هذا الاختصاص؟ عرضتَ عليهِ خِدمةً أُخرى في مجال آخر, فقال لكَ: أنا في هذا متفوّق، عرضتَ عليهِ خِدمةً ثالثة في مجال ثالث, فقال لكَ: أنا في هذا أحمل ماجستير، ألا تشعر أنكَ أذنبتَ في حقهِ, حينما ظننتَ أقلّ من ذلك؟ يعني مثل للتقريب.
ما معنى هذه الآية؟ :
إذاً: ربُنا سبحانهُ وتعالى حينما قالَ:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
معناها: الإيمان كُل مرتبة، كُل درجة، كُل طور، كُل حال، كُل منزِلة، كُل مستوى، لهُ استقامتهُ, ولهُ ذنوبهُ.
قد تقول لإنسان مبتدئ: يا أخي دع شُربَ الخمر، دع أكلَ مالِ اليتيم، فأنتَ إذا رأيتَ إنساناً غارقاً في المعاصي, تركَ شُربَ الخمرِ, وتركَ أكلَ المال الحرام, تشعر أنهُ إنسان صار جيد جداً، فإذا صلّى، فإذا صام ارتقى، إذا ترك العُصاة المعاصي درجة جيدة، إذا أدّوا صلواتِهم درجة جيدة، بعدَ أن صلّوا، الآن إذا تكلّموا كلمةً لا تليقُ, هذا ذنب.
يعني إذا نظرَ إلى إنسان نظرةً ليست جيدةً، نَظَرَ إليهِ شذراً, هذا ذنب بحق المؤمن، فكُلما ارتقت مرتبَتُك دقّت حساسيتُكَ في كشفِ الذنبِ، معنى ذلك: أنَّ التوبة مستمرّة، كُلّما ارتقت مرتبتُك, هُناكَ تقصيرٌ إن في خواطِرك، وإن في ظنك، وإن في تصوّرِك، وإن في حركاتِك، وإن في سكناتك.
إذاً: هذه الآيةُ التي نَزَلت تُخاطب المؤمنين، نَزَلت في المدينة, وهيَ تُخاطِبُ كِبارَ الصحابة, الذينَ ضحّوا بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾
لا ثالثَ لهُما, إمّا أن تكونَ تائباً وإمّا أن تكونَ ظالِماً. متى تكون التوبة غير صحيحة؟ :
هذه الفاتِحة التي تقرؤها كُلَّ يوم، كُلَ يومٍ, وفي كُلِ صلاة, وفي كُلِ ركعة, وفي الفرض والسُنّةِ والواجب، تقرؤها عشرات المرات, بل بِضع عشرات المرات, ألم تقرأ فيها قولهُ تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 6-7]
ألم تطلب من الله عزّ وجل أن يهديّكَ الصِراطَ المستقيم؟ الشيء الدقيق هوَ: أنـكَ إن جَهِلتَ الصِراطَ المستقيم فتوبَتُكَ ليست صحيحة, لن تكونَ تائباً إلا إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم ، إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم ولم تُزمع أن تستقيم, فأنتَ من نوع آخر, فإمّا أن تُرمى بالجهلِ وإمّا أن تُرمى بالتقصير، الذي يقولُ في صلاتِهِ:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 6-7]
لا يمكن أن يكونَ جاهِلاً بالصِراط المستقيم. من لوازم التوبة :
فمن لوازم التوبة: أن تتعرفَ إلى دقائق الصراط المستقيم، من لوازم التوبة: أن تُقبِلَ على تطبيق الصِراط المستقيم، وإلاّ تُعدُّ قِراءةُ الفاتحة في حَقِكَ باطِلةً، إن لم تتقص أمرَ اللهِ عزّ وجل, وإن لم تُطبّق هذا الأمر, فقراءةُ الفاتحةِ التي هيَ السبعُ المثاني التي لُخّصَ فيها القرآنُ كُلهُ تُعدُّ باطِلةً.
الإنسان متى يذنب؟ متى تتمكن منه شهوته؟ متى تؤثر الشهوة على طاعة الله؟ :
الإنسان متى يُذنب؟ متى تتمكنُ منهُ شهوتهُ؟ متى تَزِل قدمه؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟.
العلماء يقولون: إذا تخلّى الله عنه أصبحت مقاومتهُ هشّةً، امرأةٌ تُغريه، مبلغٌ من المال يُرديه، لقاءٌ يدفعهُ إلى ارتكابِ معصيةٍ، متى يعصي الإنسانُ ربّهُ؟ متى تَزِلُ قدمهُ؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟ قال: إذا تخلّى اللهُ عنه.
متى يتخلى الله عنك؟ :
ومتى يتخلّى اللهُ عنك؟ قال: إن لم تعتصم باللهِ تخـلّى اللهُ عنك.
فالعبدُ بينَ حالين؛ بينَ أن يكونَ اللهُ عزّ وجل وليّاً لهُ, وبينَ أن يدعهُ لنفسهِ. استمعوا إلى القرآن: يقول اللهُ عزّ وجل:
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة آل عِمران الآية: 101]
أنتَ تملِكُ هذا السِلاح، لو سافرت إلى بلد أجنبي مضطرّاً واعتصمت باللهِ عزّ وجل : يا رب قِن الزلل، قِن أن أقعَ في الهاوية، قِن أن أقعَ فيما لا يُرضيك، أنتَ ما دُمتَ قد اعتصمتَ بهِ لن يتخلّى عنك، يُلقي في قلبِكَ نوراً، يُلقي في قلبِكَ طُمأنينةً، يُقوّي مناعتكَ، يُقوّي مقاومتكَ، تشعرُ أن بينكَ وبينَ الذنب مراحِلَ فِساحاً، تشعر وكانّكَ في الأعماق ما دُمت قد اعتصمتَ باللهِ عزّ وجل، فإذا قُلت: أنا إرادتي قويّة، إذا لم تعتصم بالله, واعتمدتَ على نفسك, تخلّى اللهُ عنك, ووكَلَكَ إلى نفسك.
فلذلك: موضوع الذنب، اقترافُ الذنب، زلّةُ القدم، الانغماسُ في شهوةٍ مُحرّمةٍ، الانغماسُ في أكلٍ مالٍ حرام, هذا كُلُهُ يأتي في لحظة التخلّي من قِبِل الله عزّ وجل.
من اتكلَ على نفسهِ أوكلَهُ اللهُ إيّاها.
أمّا أن تبقى مع الله عزّ وجل معتصماً:
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
كيف ينجو العبد من هذه المتاهات والمنزلقات في هذه الحياة؟ :
الآية الثانية:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
[سورة الحج الآية: 78]
الحياة فيها مغريات، فيها منزلقات، فيها متاهات، فيها تُرّهات، فيها أحابيل للشيطان.
الدُنيا تغرُّ وتّضُر وتَمُر.
فيها ما يُفتن، فيها ما يُغوي، فيها ما يُنسي، كيفَ تنجو من هذه المُنزلقات؟ كيفَ تنجو من تِلكَ المتاهات؟ أن تعتصمَ باللهِ عزّ وجل، من قدوتُنا في هذا؟ سيدنا يوسف:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
فالإنسان لا يعتمدُ على نفسهِ، لا ينبغي أن يعتمدَ على نفسهِ, وعلى إدراكِهِ, وعلى عِلمهِ, وعلى قُدرتهِ, وعلى قوةِ إرادتهِ, وعلى حزمِهِ, هذا كُلهُ كلام فارغ, إذا ضعّفَ اللهُ مُقاومتك, نسمعُ الكثير عن شخصياتٍ مهمةٍ, وقعوا في حبائلِ امرأةٍ ساقطةٍ, فأصبحت سُمعتُهم فـي الحضيض، أصبحت سُمعتُهم في الوحول، هذا يقع: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
اعلم هذا :
أأنتَ بينَ توليةَ اللهِ لك, أن يتوّلى اللهُ أمرك, وبينَ أن يخذِلِك؟ إن اعتصمتَ بــهِ يتولّى أمرك، وإن اعتمدت على ذاتِك وعلى نفسك خَذَلَك، ولِماذا يَخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ يخذِلُكَ ليؤدِبُكَ، يخذِلُكَ ليُعرّفُكَ، يخذِلُكَ ليُعطيكَ درساً قاسياً، ليُعطيكَ خِبرةً مُرّةً لا تنساها أبداً.
قصة شاب :
أنا أعرفُ شاباً زارني في البيت, ما إن دخلَ البيت حتى أجهشَ بالبُكاء, قُلتُ لهُ: لماذا تبكي؟ -هوَ من طُلابِنا-, قالَ: إنني أنظرُ إلى النساءِ في الطريق, وأنا بعدَ هذه التوبةِ النصوح, وبعدَ هذا الجهدِ البليغ, لي في طريق الإيمانِ سنواتٌ كثيرة, ثمَّ تنتهي بي النهايةُ, إلى أن أُطلق بصري في الحرام, وأتبعُ النِساءَ في الطريق، قُلتُ لهُ: يا رجل, تُب إلى الله عزّ وجل, فازدادَ بُكاءً, وقالَ: كيفَ أتوب؟ لقد تُبتُ إليه عشرين مرة.
مرة سألوا مُدمناً على الدُخان, قال: إنَّ الإقلاع عن التدخين أمر سهل جداً, فأنا أقلعتُ عنهُ عشرينَ مرة, معناهُ ليسَ سهلاً, في هذه الجلسة لم أكتشف السِر الذي ضَعُفت فيه مقاومةُ هذا الشاب, في سِر, كانَ شديداً في طاعته، كانَ غاضّاً لِبصره، فجأةً انهارت مقاومتـهُ, وصارَ يتبّعُ هؤلاءِ النساء الكاسيات العاريات بنظرِهِ, ويملأُ عينيهِ من الحرام، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام:
((من ملأَ عينيهِ من الحرام, ملأهُما اللهُ من جمرِ جهنم))
النظرةُ سهمٌ مسموم من سِهام إبليس.
في جلسةٍ قادمة, لعلَّ اللهَ عزّ وجل ألهمني, ذكر لي بعضَ التفصيلات، هذا بعدَ أن تابَ إلى اللهِ توبةً نصوحاً، وبعدَ أن شعرَ بحلاوة القُرب, وحلاوة الإقبال على الله, وشعرَ بمكانتهِ عِندَ الله، وشعرَ أنَّ اللهَ يُحبهُ، وأنهُ متفوق, وأنهُ فالح, وأنهُ وأنهُ ....., نظرَ إلى أبيهِ وأُمهِ, فرآهُما ليسَا على ما يُريد, فصارَ يُقرعهُما بِلا أدب, وصارَ يتيهُ عليهما باستقامتهِ, وظنَّ أنهُ مستقيمٌ بقوتهِ, وبحزمِهِ, وبإرادتهِ الحديدية، فجأةً انهارت مقاومتهُ, ووقعَ فيما كانَ يُحذّرُ منه, وكأنَّ اللهَ أرادَ أن يُؤدبهُ.
لذلك: لا تنس حينما تقرأُ الفاتحة قول الله عزّ وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
وقد قالَ عليه الصلاة والسلام:
ألا أُنبئكم بمعنى لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؟ لا حولَ عن معصيتهِ إلا بهِ، ولا قوةَ على طاعتهِ إلا بهِ.
هذا معنى قول النبي الكريم سيدنا يوسف: ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾
متى يتولى الله أمر العبد ومتى يخذله ولماذا يخذله؟ :
مرةً التقيت مع رجل يعمل في مستشفى, وفيها ممرضات كثيرات، قالَ لي باعتداد: أنا لا أنظر إليهن أبداً, قُلتُ لهُ: يا رجل أنتَ أظلم من سيدنا يوسف؟ استعن بالله, لا تعتد بنفسك, استعن بالله:
﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾
طبعاً: لعلّي ذكرت موضوع النظر للنساء في أي موضوع، في أي موضوع آخر، في أي مخالفة، إيّاكَ أن تعتدَّ بنفسك.
إذاً: أنتَ بينَ أن يتولى أمركَ اللهُ إذا عتصمتَ بهِ, أو أن يخذلكَ إذا اعتمدتَ على نفسِك ولم تعتصم بهِ، ولماذا يخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ ليؤدِبَكَ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي؟. كيف يؤدب الله العبد؟ :
اللهُ كيفَ يؤدّبُ الإنسان؟ .
مرةً قالَ لي أخ من أخواننا الكِرام: عِندهُ معمل متواضع، جاءهُ أخ من المسجد, ليشتري بعضَ الحاجات، هوَ يبيع بالجملة, يبيع مئات الدزينات، فجاءهُ رجل صغير فقير, يريد أربع قطع ألبسة, قطعتين ثلاثة, فرأى في هذا الشِراء إهانةً لهُ، قال: يا أخي, أنا لا أبيع بهذا, أنا أبيع بالجُملة, اعذرني، قال لهُ: خير إن شاء الله وغادر، يُقسم هذا الأخ الكريم, أنهُ مضى عليه ثلاثةٌ وعشرونَ يوماً, لم يدخل معملهُ إنسان, ليسألهُ عن شيء يشتريه, هذا تأديب الله عزّ وجل:
((أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي))
كُلما خالفتَ أمرهُ يؤدِبُكَ، يقول العوام: المربى غالٍ, المؤمن كُلما زلّت قدمهُ جاءَ التأديب. قف هنا :
وبالمناسبة: أيها الأخوة الأكارم, إذا شعرتَ أنهُ كُلما أخطأت جاءكَ التأديب, افرح, إنكَ عِندَ اللهِ محظي، لأنكَ ضِمنَ العناية المُشددة، افرح إذا كُنتَ في العناية المُشددة، واحزن على نفسك, وابك عليها كثيراً, إذا فعلتَ المعصيةَ, ولم يحدث شيء, إذا تجاوزتَ الحدود ولم يحدث شيء، إذا تطاولتَ على العِباد ولم يحدث شيء, معناها أنتَ خارِجُ العناية المُشددة, أنتَ في دائرةِ الإهمال، فشتّانَ بينَ أن تكونَ مُعتنى بِكَ وبينَ أن تكونَ مُهملاً، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ ابتلاه، إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ عجّلَ لهُ بالعقوبة، فكُلما اقتربتَ من الله فَهِمتَ على الله، لماذا كذا؟ لأجلِ كذا، حقاً يا رب؟ سمعاً وطاعةً يا رب، لماذا يا ربي كذا؟ من أجلِ كذا، طيب: من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ هُنا السؤال, جاءت مصيبة، قضية انزعجتَ مِنها، من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ إلهامٌ يقعُ في القلب, هل هُناك دليل في القرآن عليه؟:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 8]
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾
[سورة النساء الآية: 79]
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[سورة التغابن الآية: 11]
يهدي قلبهُ إلى أسبابِ هذه المصيبة. كلمة شهيرة :
الحقيقة: الكلمة الشهيرة: من لم تُحدث المصيبةُ في نفسهِ موعِظةً, فمصيبتهُ في نفسهِ أكبر.
إذا جاءت مصيبة, لا تمُر عليها مر الجاهلين، لا تمُر عليها مر المُتلبدين، مُر عليها مر الأذكياء، اللهُ عزّ وجل غنيٌ عن تعذيبي، غنيٌ عن ازعاجي، غنيٌ عن قهري، لماذا قهرني ؟ لماذا أزعجني؟ لماذا أقلقني؟ لماذا أخافني؟ لماذا أتلفَ مالي؟ لا بُد من ذنب, ابحث عن هذا الذنب.
ما أخطر الذنوب؟ :
أخطرُ الذنوب: هوَ الذنبُ الذي يقودُ إلى ذنبٍ آخر، أخطرُ ذنبٍ ما ولدَ ذنباً آخر، إنسان وقعَ في ذنب, فأعجبهُ هذا الذنب, فاستقر عليه, واستمر بهِ، استقرارهُ عليه واستمرارهُ بهِ ذنبٌ آخر، تحدثَ عنهُ ذنبٌ ثالث.
لذلك: أخطر أنواع الذنوب ما كانَ سبباً لذنوبٍ أكبرَ منها، من اقتراف الذنب، إلى الاستمرار في الذنب، إلى الفرحِ بالذنب، إلى المجاهرةِ بالذنب, هذا الذي استقرَ على ذنب واستمرأهُ وفَرِحَ بهِ, ألم يعلم أنَّ اللهَ ينظرُ إليه وهوَ يُذنب؟ إن قُلتَ: لا يعلم فهوَ كافر، وإن قُلتَ: يعلم فهوَ وقح، بينَ أن يكونَ الإنسانُ وقحاً وبينَ أن يكونَ كافراً، إن عَلِمَ أنَّ اللهُ ينظر إليه وهوَ يُذنب، وهوَ يعصيه، فهوَ لا شك وقح, سيءُ الأدبِ مع الله عزّ وجل، وإن كانَ لا يعلم أنَّ الله ينظر إليه فهوَ كافر، الذي يُنكرُ آياتِ القرآن هوَ كافر, لأنَّ اللهَ عزّ وجل يقول:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
[سورة الفجر الآية: 14]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
[سورة النساء الآية: 1]
فشيء مُخيف بينَ أن يكونَ وَقِحاً، مُجترئاً على الله عزّ وجل, وبينَ أن يكونَ كافراً بكلامهِ.
من حقائق التوبة :
1-تعظيم الجناية :
من حقائق التوبة: تعظيم الجناية, واتهام التوبة, والغَيرةُ لله, كلام دقيقٌ جداً, الآن ندخل في التفاصيل، تفاصيل علاقَتِكَ بالله، تفاصيل اتصالِكَ بهِ، تعظيم الجِناية: هُناكَ علاقةٌ عكسية بينَ صِغرِ الذنب وبينَ الفرحِ بهِ، كُلما فَرِحتَ بالذنب، كُلما هانَ عليكَ الذنب عَظُمَ الذنب، وكُلما عَظُمَ عليكَ الذنب هانَ الذنب, هذه علاقة عكسية, العلاقة العكسية هكذا, كُلما استصغرتَ الذنب صارَ عظيماً، وكُلما استعظمتهُ صارَ صغيراً .
الحقيقة: أنهُ كُلما عَرَفتَ اللهَ أكثر استعظمتَ أن تعصيهُ.
لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
كُلما عَرفتَ اللهَ أكثر، كُلما ازدادت معرفتُك, استعظمتَ أن تعصيهُ، فإذا عظّمتَ ذنبك فقد صَغُرَ هذا الذنب، لذلك: علامة ذنب المُنافق أنهُ كالذبابة, كلام العوام عند ارتكابهم الإثم؛ ماذا حصل؟ ما فعلنا؟ نظرنا إلى المرأة!! أكلناها؟!! إذا جلسنا معها سوفَ تأكُلنا!! هذا كلام العوام, الذنبُ صغيرٌ عِندهم، ذنبُهم كذبابة، وأمّا المؤمنون فذنبُهم كأنهُ جبلٌ جاثِمٌ على صدرهم, علامة الإيمان.
الآن: الطفل المُربّى المُهذّب إذا أعرضَ عنهُ أبوه يموتُ بُكاءً, إذا أعرضَ عنه إعراضاً فقط، كُلما دقّت حساسيةُ الطِفلِ تجاهَ أبيه, كانَ إعراض الأبِ عنهُ كافياً لإيقاعهِ في أشدِ أنواعِ الآلام، وكُلما قلّت حساسيتهُ ربما إذا ضربهُ لا يتأثّر.
تعظيمُ الجنايةِ علامةُ التوبةِ الصادقةِ، لذلك المؤمن يبكي على خطيئته، يتوبُ منها كثيـراً, ويدفعُ الصدقات ويستغفر.
ما العبرة من هذه القصة؟ :
أحد الصحابة جاءهُ خاطر: أن رسول الله ينهانا عن قتلِ عمهِ, ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب، النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أصحابهُ في معركة بدر: ألاّ يقتلوا عمهُ العباس، الصحابة استغربوا, نحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب, لأنهم كُفّار, جاؤوا ليقتلونا, وكيفَ ينهى النبي عن قتلِ عمهِ؟ هذا عمهُ مُسلم, وقد كتمَ إسلامهُ, وبقي عيناً لهُ في مكة, فلا يقعُ شيء في مكة, إلا ويُخبر النبي عليه الصلاة والسلام, فإذا لم يخرج مع المُشركين, كُشِفت حالهُ أمامُهم, وإذا نهى النبي عن قتلِ عمهِ, وقال: أنهُ مُسلم كَشَفَ حالَهُ, في طريق دقيق جداً, فالنبي نهى عن قتلِ عمّهِ، هذا الصحابيُّ الجليل بعدَ أن كُشِفت له الحقيقة, وشعرَ أنهُ أساءَ الظنَّ برسول الله, قال: بقيتُ عشر سنوات, وأنا أتصدّق, وأُعتق العبيد, وأُصلّي الليل, لعلَّ الله يغفِرُ لي هذا الذنب, ما فعلَ شيئاً إلا أنهُ أساءَ الظن برسول الله، فلذلك الإنسان إذا أساءَ الظن باللهِ عزّ وجل, يجب أن يشعر أنهُ وقعَ في ذنبٍ كبير, حُسنُ الظنِّ باللهِ ثمنُه الجنة.
2- اتهام التوبة :
أمّا اتهامُ التوبة: الإنسان أحياناً يتوب .....
مرةً كُنتُ في الجامعة, رأيتُ لوحةً تُحذّر الطُلاب من العلاقات المشبوهة, حِرصاً على صحتِهم, واتّقاءً لمرض الإيدز، وقفت عِندَ هذه اللوحة متأملاً, قُلت: سُبحان الله! الإنسان إذا رأى خطراً مُخيفاً, قد يبتعد عن بعض المعاصي, لا خوفاً من الله عزّ وجل, ولا اتقّاءَ سخطهِ, ولا رغبةً فيما عِندهُ, ولكن ليتقي هذا المرض، طيب هذه توبةٌ لمن؟ هذه ليست توبةٌ إلى الله عزّ وجل، هذا حِرصٌ على صِحتِك، وشرُّ الناس من يتقونَ المعاصي, لا حُبّاً باللهِ, ولا خوفاً منهُ, ولا طمعاً فيما عِندهُ, ولكن حِرصاً على صِحتهم، هذه توبةٌ ليست كما يُريد الله عزّ وجل، يعني هُنا حَبِطَ عَمَلُهُ, فيتقي هذه العلاقة خوفاً من هذا المرض.
الآن بأوروبا: قِصص لا تُعد ولا تُحصى, يعني حمامات السِباحة, قلَّ روادُها إلى الربع, خوفاً من هذا المرض الوبيل, يعني هُناك صار كُل الفتيات اللواتي يفعلنَ الفاحشة, لا بُدَّ من أن يُقدّمن شهادة صحيّة, لمن يقترف معهن الفاحشة, تؤكّد هذه الشهادة: أنهُنَّ بريئات من مرض الإيدز، صار في خوف, وهذا الخوف ليسَ من الله عزّ وجل, بل من هذا المرض الوبيل.
ما هي البطولة في هذا الموطن؟ :
وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:
((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا, وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ, وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ, وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا, وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ, وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ, إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
هُناك نقابات, وهُناك جمعيات, تُطالب بحقوق, وتخرج بمسيرات, وتُقابل المسؤوليــن في دول الغرب, من أجلِ أن يُرد اعتبارُهم إليهم، الذين يرتكبون بعض الفواحش الشاذّة أيضاً.
((لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ))
وهذا من آيات اللهِ الدالةِ على عظَمتهِ, اتهام التوبة، الله عزّ وجل قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾
لو أنَّ إنساناً اقترف مخالفة للنظام العام, والدين يُعاقب عليها, وتركها خوفاً من عِقابٍ ماديّ, هذا ليسَ تائباً إلى الله عزّ وجل، البطولة أن تتوبَ إلى الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾
وأن تصبر لله:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
من علامة صحة التوبة :
من علاماتِ صِحةِ التوبة: أن تكونَ بعدَ الذنب خيراً مما كُنتَ قبلَ الذنب، حالك أعلى، وصِلتُكَ بالله أقوى، وشعورك أقرب إلى الله عزّ وجل.
الذي يقعُ في الذنب, يُصاب بحالة, اللهُ يُحبُها، ينكسر, هذا الانكسار يقتربُ بِكَ من حالة العبوديّة، قال: هذه الكسرة اسمُها كسرةٌ خاصّة, تحصل لقلب المؤمن إذا وقعَ في ذنب, صارَ يهيض الجناح، صارَ أمامَ اللهِ متذللاً، قال: هذا التذلل يُحبهُ الله عزّ وجل.
رُبَّ معصيةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً, خيرٌ من طاعةٍ أورثت عِزّةً واستكباراً.
لعلَّ بُكاء التائبِ أحبُ إلى اللهِ من خُيلاءِ المُطيع, لعلَّ الذي يُصلي الليل, ويُدِلُ على الناسِ بصلاة الليل أقلُ عِندَ اللهِ, من إنسانٍ زلّت قدمهُ, فمرّغَ الأرضَ بجبهتهِ وبللها بدموعِهِ، لأنهُ كُلما كُنتَ إلى اللهِ مُتذللاَ, كُنتَ أقربَ إلى العبوديةِ الحقةِ لهُ.
هذا حال المؤمن مع الله :
بعضُهم دعا ربهُ فقال: أسألُكَ يا رب بِعِزّكَ وذُلّي إلا َرحمتني، أسألُكَ بِقوتِكَ وضعفي ، بِغِناكَ عنّي وفقري إليك، هذه ناصيتي بينَ يديك، عبيدُكَ سِوايَ كثيرون, وليسَ لي سيدٌ سِواك، لا ملجأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، أسألُكَ مسألةَ المسكين، وأبتهِلُ إليك ابتهالَ الخاضع الذليل، وأدعوكَ دُعاءَ الخائف الضرير, سؤالَ من خضعت لكَ رقبتهَ, ورَغِمَ لكَ أنفــه, وفاضت لكَ عينهُ, وذلَّ لكَ قلبه.
الإنسان إذا صلّى الليل, وناجى ربهُ, وتذللَ لهُ, يشعر بطعمِ القُرب, وهذا حال كِبار المؤمنين، لكن هذا الذُل لله عزّ وجل يُقابِلهُ عِزٌ في الحياة الدنيا, يُعزُكَ الله عزّ وجل، يرفعُ من مقامِك.
موقع فيه تحذير :
يوجد أشخاص يتكبّرون عن الخضوع لله, لكنَّ الله يُرغمُ أنفهمُ بينَ الناس، يجعلهُم أذلاء، يُقهرون، يُهانون، يُشتمون، يُقرّعون.
إيّاكَ أن تستنكفَ أن تعبُدَ اللهَ عزّ وجل، إيّاك أن تتكبرَ على اللهِ عزّ وجل، إذا خضعتَ إليه خضعَ لكَ الناسُ جميعاً، إذا تذللتَ إليه رفعكَ اللهُ فوقهم جميعاً، إذا وقفتَ بينَ يديه وقفَ لكَ الناسُ احتراماً، علاقة عكسية: كُلما استنكفتَ أن تعبُدَ الله, وتكبّرتَ على اللهِ عزّ وجل, كُلما رَغِمَ أنفُك بينَ الناس، يعني هذا المُتذلل هوَ بينَ الناسِ علم، وبينَ الناسِ عزيز النفس، وبينَ الناسِ قوي، وبينَ الناسِ ذو شأنٍ رفيع.
اجعل لربِكَ كُلَ عِزّكَ يستقرُّ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزكَ ميتُ
آلاف القِصص؛ كُلما اعتززتَ باللهِ عزّ وجل, جعلَ اللهُ كُلَّ مصائِبكَ من قِبَلِ هذا الذي اعتززتَ بهِ.
خاتمة القول :
نحن نتمنى أن نتابع الموضوع, وموضوع التوبة شيّقٌ جداً, وفي درسٍ قادمٍ إن شاءَ الله نتابِعهُ، يعني موضوع التوبة موضوع الحياة, ليسَ موضوعاً ينقضي في أولِ طريق الإيمان, لا, هوَ معكَ في كُلِ مراحل الإيمان، في كُلِ أطوارِ حياتِك, لأنكَ معَ اللهِ عزّ وجل بينَ مُصيبٍ ومُخطئ، فإذا أخطات, فالتوبةُ صمامُ الأمان، إذا كان الذنوب ضغطت التوبة صمام الأمان، وإذا غَرِقَ الإنسان في ذنوبِهِ فالتوبة حبل النجاة، وإذا أُغلِقت عليكَ الأبواب فالتوبة باب النجاة, بابُ نجاةٍ، وحبلُ أمانٍ وصمام أمان، والقرآن الكريم يقول:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و الثلاثون )


الموضوع : حوار حول السلوك الى الله






ما هو المطلوب منك؟ :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس السادس والثلاثين من مدارج السالكين, وأُريد في هذا الدرس: أن نقفَ وقفةً متأنيّةً, ولا سيّما ونحنُ في رمضان, حولَ السلوكِ إلى اللهِ عزّ وجل، وصلنا إلى موضوع التوبة, وقبلَ أن ننتقلَ من التوبةِ إلى موضوعٍ آخر, أردتُ أن أقفَ وقفةً متأنيّةً حولَ السلوك إلى الله عزّ وجل.
الحقيقة: دينُ الله عزّ وجل واسعٌ جداً, يعني كما تعلمون: بابُ العقائد بابٌ كبير, وبابُ العباداتِ بابٌ أكبر, وبابُ المعاملاتِ بابٌ خطير, وبابُ الأخلاقِ والفضائل لا يُستهانُ بهِ، ولكن ينبغي للمؤمن دائماً: أن يضعَ يدهُ على جوهر الدين، ينبغي للمؤمن أن يضعَ يدهُ على الشيء الخطير في الدين، فحينما يلتبسُ عِندَ المؤمن ما هوَ من الدين أساسيٌ وما هوَ ثانوي، الأمور حينما تختلط ولا يُميّزُ المُسلم بينَ جوهر الدين وبينَ فروعهِ أو ثانوياتهِ, عندئذٍ يقعُ فيما يُسمّى بالخيطَ العشواء، فقد يستهلكُ عُمرهُ كُلهُ في شيء, لا يستأهلُ هذا الوقتَ الثمين, ولا هذا الجهدَ البليغ.
هل سألت نفسك هذا السؤال؟ :
في شيء اسمهُ: السلوك إلى الله عزّ وجل, يمكن أن تُصلّي, ويُمكن أن تصومَ رمضان, ويُمكن أن تَحُجَّ البيت, ويُمكن أن تقرأَ كِتابَ فِقه، ولكن أتمنى على كُلِ أخٍ كريم, أن يسألَ نفسهُ هذا السؤال: هل وضعتُ يدي على جوهر الدين؟ يعني هل وصلتُ إلى الله؟ اللهُ سبحانهُ وتعالى مصدرُ الكمال، مصدرُ الجمال، مصدرُ القوة، قويٌ قوي، جميلٌ جميل، كامِلٌ كامل, واحدٌ في كمالِهِ، واحدٌ في صِفاتِهِ، واحدٌ في ذاتِهِ، فإذا وصلتَ إليه, لا ينبغي أن تكونَ شقيّاً أبداً، أمّا لو أنَّ الإنسان أخذَ من الدينِ جوانب وأغفلَ جوانب, طريق الوصولِ إلى الله عزّ وجل أصبحَ غيرَ سالك، وما لم يسلُك الإنسان إلى اللهِ عزّ وجل, فلن يشعر بهذه السعادة التي وُعِدَ المؤمنونَ بِها.
ما الوعود التي وعدَ الله بِها المؤمنين في القرآن الكريم؟ :
1-الحياة الطيبة :
على سبيل السؤال والجواب, لأنني أرى أن المحاورة, وطرحَ السؤال, وتلقّي الجواب, شيء يبعثُ في نفسِ المُستمع الحيويةَ والنشاط، ما الوعود التي وعدَ الله بِها المؤمنين في القرآن الكريم؟ بعض الوعود, الوعد الأول: الحياة الطيبة, وتعريف الحياة الطيبة: الحياة التي لا يعتريها شقاء.
المؤمن هل تصيبهُ متاعب في الدنيا وهموم؟ يعني سؤال دقيق: حياة طيبة, يا ترى المؤمن يمرض؟ يفتقر؟ المؤمن يُعاني من متاعب اجتماعية؟ ما دُمتَ تقول: أنَّ اللهَ عزّ وجل وعدَ المؤمنَ بحياةٍ طيبة، أنا أُريد الآن أن أعرف ما الحياة الطيبة؟ لأنهُ في ضوء التعريف تتضح أُمور كثيرة جداً، أنا أقول لكم: الحياة الطيبة أن تشعُرَ أنكَ وفقَ المنهج الصحيح, وفي طاعةِ الله عزّ وجل, ولِتأتكَ المتاعب ما شاءت، سِرُّ السعادة أن تشعر أنَّ خالِقَ الكون يُحِبُك, وأنَّ خالِقَ الكون أنتَ في الطريق إليه وعلى منهجهِ وعلى طاعتهِ، هذا الشعور يمتصّ أي شعور مُتعب في الحياة الدُنيا، لأنهُ قد تقول: لو أنَّ الحياة الطيبة مالٌ وفير, قد ترى غنيّاُ غِنىً فاحِشاً, هل هوَ في حياة طيبة؟ هل هوَ في شقاء؟
لذلك: كما قالَ بعض الأخوان: الإنسان إذا أقبلَ على الله عزّ وجل, واتصلَّ بهِ, وشَعَرَ بالسكينةِ, هذه هيَ الحياة الطيبة، لذلك: لو يعلم المُلوكُ ما نحنُ عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف.
المؤمن يحيا حياةً نفسيةً من أسعدِ الحيوات, حياة نفسية. ما وراء هذا المثال :
يعني مثلاً: من مشاعر الحياة النفسيّة: الخوف شعور مُدمّر، القلق شعور مُدمّر، الإحباط شعور مُدمّر، القهر شعور مُدمّر، الشعور بأنَّ هُناك ظُلم عام, وأنَّ خصمَكَ بإمكانهِ أن يُدمِّرَكَ وأمرُكَ بيدهِ, هذا شعور كبير جداً, لذلك الإنسان إذا عاشَ حياةً طيبة، أي لا يعتريهِ شعورٌ مُدمّر، شعورهُ كُلُهُ صحيّ، شعور الطمأنينة والثِقة بالله عزّ وجل، والشعور أنَّ الله راضٍ عنه، هذه الحياة الطيبة قد يعتوِرُها فقرٌ أحياناً وضيقٌ أحياناً ومرضٌ وما إلى ذلك ......، لكنَّ الإيمان يمتصُّ كُلَ هذه المتاعب, هذا وعد.
2-الاستخلاف في الأرض والتمكين والأمن :
وعدٌ آخر: الاستخلافُ في الأرض والتمكين والأمن, الاستخلاف والتمكين والأمنُ, لو أننا سلكنا إلى اللهِ عزّ وجل السلوكَ الصحيح ووصلنا إليه, لاستحققنا وعدَ اللهِ عزّ وجل، حينما تجد في الكتاب الكريم وعداً إلهياً للمؤمن, وحينما لا تجد هذا الوعدَ مُحققاً, بِم تُفسّر ذلك ؟ الوعد الأول: الحياة الطيبة، الثاني: الاستخلاف والتمكين والطمأنينة, حينما لا تجدُ وعدَ اللهِ مُحققاً, كيفَ نُفسّر ذلك؟ أنَّ هُناك تقصير, مستحيل أن تتهِمَ الله عزّ وجل في أنهُ أخلَفَ وعدهُ, هذا مستحيل، كمالُهُ مُطلق، بقيَّ التفسير الوحيد هوَ: أنني أخلفتُ وعدي مع اللهِ حتى عاقبني بعدمِ تحققِ وعدهِ معي:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور الآية: 55]
ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ :
على العِباد أن يعبدوا اللهَ عز وجل, سُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام: ما حقُّ اللهِ على العِباد؟ بماذا أجاب؟: أن يعبدوه ولا يُشرِكوا بهِ شيئاً، فلمّا سُئِل: فما حقُّ العِباد على الله عزّ وجل؟ الجواب: أن لا يُعذّبَهم.
إذاً: كأنهُ هُناكَ وعد من طرف العِباد, وفي جزاء من طرف اللهِ عزّ وجل, فلو أنَّ العِبادَ أخلّوا بوعدِهم, لكانَ اللهَ عزّ وجل يُقابِلُ إخلالهم بوعدِهم بعدمِ تحقيقِ وعدهِ لهم بالمُقابل, حيثُ ما تجد أنَّ وعدَ اللهِ عزّ وجل ليسَ مُحققاً فاتهم نفسك, هذا وعدٌ ثانٍ.
3-المؤمن معافى من الخوف ومعافى من الحزن :
وعدٌ ثالث:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فُصلت الآية: 30]
المؤمن مُعافى من الخوف, ومُعافى من الحُزن، الحُزن لِما مضى لا يحزن على ما فاتَهُ والخوف لِما سيأتي، لا يخافُ من مجهول ولا يحزنُ على ما فاتهُ, هذا وعدٌ ثالث:
﴿أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾
طيب: ماذا على العِباد؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَـةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾
لا خوفَ ينتظركُم, ولا حُزنَ يأكُلُ قلوبَكم على ما فاتكم, هذا وعد ثالث, لكن كأنَّ الإشارة أنَّ الذي يقول: ربُنا الله فقط هذا لا يكفي, لا بُدَّ من أن يكونَ معَ الإيمان باللهِ عزّ وجل استقامةٌ على أمرهِ، والحديث الذي تعرفونهُ:
ليسَ الإيمانُ بالتحلّي ولا بالتمنّي, ولكن ما وقرَ في القلب, وأقرَّ بهِ الِلسان, وصدّقهُ العمل.﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
الاستقامةُ دليلً صِحةِ الإيمان, وإذا كانَ هُناكَ خَللٌ في الاستقامة, فهُناكَ خَللٌ في الإيمان. 4-المؤمن لا يقع في حيرة مدمرة :
وعدٌ رابع: المؤمن هل يقع في حيرة مُدمّرة؟ لا, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 9]
يعني: على اللهِ أن يُبيّنَ لنا سبيلَ القصدِ, على اللهِ أن يُبيّنَ لنا سبيلَ القصدِ:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
وقد فسّرَ العُلماءُ هذه الهِداية بأنها هِدايةُ التوفيق، هُناكَ هِدايةٌ عامّة وهِدايةُ الوحيِ وهِدايةُ التوفيق، فالإنسان إذا عَرَفَ اللهَ عزّ وجل, واستعانَ بهِ, وَفقَهُ, وكُلُ دروسِنا تحتَ قولِهِ تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
5-هذا الوعد بعد الموت :
وعدٌ خامس: هذا وعد بعدَ الموت:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾
[سورة الكهف الآية: 107-108]
هذا وعد ما بعدَ الموت، لكن وعد في الدنيا: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً﴾
[سورة طه الآية: 112]
الفرق الدقيق بينَ الظُلمِ وبينَ الهضمِ, يعني الظُلمُ: أن تُؤخذَ بذنبٍ لم تفعلهُ, أو أن يؤخذَ البريء بجريرةِ المُذنب, هذا هوَ ظُلمٌ، أمّا الهضمُ: أن يُنتقصَ من أجرك:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾
تجد المؤمن يقول لكَ: الحمدُ لله, يشعر أنَّ اللهَ عزّ وجل أعطاهُ سؤلَهُ, وأنَّ اللهَ أكرمهُ, وأنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه رَحِمَهُ, وأنَّ اللهَ أكرمَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾
من معاني هذه الآية :
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
هذه الآية لها معانٍ كثيرة, من معانيها: نفيُ الظُلمِ عن الله عزّ وجل، إذا أردتَ أن تنفي الظُلم عن الله عزّ وجل, تأتي بهذه الآية, تقول لهُ:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
، نُريد وعود لله عزّ وجل.ما معنى هذه الآية في سياقها العام؟ :
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2-3]
تقوى الله عزّ وجل دائماً تهديكَ إلى سواءِ السبيل، هذه الآية لو فرضنا قرأناها في سياقِها العام، ما معناها؟ جاءت آيةً بينَ آيات الطلاق، كيفَ من يتقي اللهَ يجعل لهُ مخرجاً؟ من اتقى اللهَ في إيقاع الطلاق السُنيّ, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً في إرجاعِ زوجتهِ إليه.
سؤال :
اليوم سُئلتُ هذا السؤال: ساعة غضب, قالَ لها: بالطلاق بالثلاثة, هذا طلاق بدعي, اللهُ عزّ وجل قال: الطلاقُ مرتان، قال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾
[سورة الطلاق الآية: 1]
تبقى عِندكَ في البيت وتعتد وهيَ في بيتك، فالعدّة ألغيتها أنت, والطلاق مرتان ألغيتها, فخالفتَ شرعَ اللهِ في الطلاق, عندئذٍ تجد أنَّ الأمور أصبحت ضيّقة عليك، أمّا لو طبقّت الطلاق السُنيّ, لرأيتَ أنَّ هُناكَ مخرجاً شرعيّاً, لإرجاعِ زوجَتِكَ إليك, هذا:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
هذه في السياق، لو نزعناها من السياق, وقرأناها وحدها, ماذا يحصل؟ هذا من إعجاز القرآن الكريم, أنَّ كُلَّ آيةٍ لها معنىً, وهيَ في السياق, ولها معان كثيرة جداً, بعيدة عن السياق.
ومن يتقِ اللهَ في كسبِ المال, يجعل لهُ اللهَ مخرجاً من إتلافِهِ، من ضياعِهِ، من مصادرتهِ، من ذهابِهِ، من يتقِ اللهَ في معاملة الزوجة, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً من الشقاء الزوجي ، الشقاء الزوجي شقاء كبير، من اتقى اللهَ في معاملة الزوجة، من اتقى اللهَ في اختيار زوجتهِ, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً من تطليقِها، هذه الآية يُمكن أن تُطبّقَ على آلاف الحالات، من اتقى اللهَ في التوحيد, جعلَ لهُ اللهُ مخرجاً من الشِرك، من اتقى اللهَ بالإيمان, جعلَ اللهُ لهُ مخرجاً من الكُفر، من اتقى اللهَ في كلامِهِ, جعلَ اللهَ لهُ مخرجاً من تجريحِ الناسِ لهُ. إذاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾
هذه علاقة الصلاة بالرزق :
مرَّ معنا من أسبوع, علاقة الصلاة بالرِزق:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة طه الآية: 132]
يعني لا نسألُكَ رِزقاَ، معنى ذلك: من صلّى وأمرَ أهلهُ بالصلاةِ, فاللهُ سبحانهُ وتعالى يرزُقهُ رِزقاً حسناً.
متى يقطف العبد وعود الله؟ :
يعني أن تَصِلَ إلى الله عزّ وجل، أن تقطِفَ هذه الوعود، اللهُ وعَدَكَ بحياة طيبــة, وعَدَكَ برِزق وفير، وعَدَكَ أن يُدافِعّ عنك، وعَدَكَ بالاستخلافِ في الأرض، وعَدَكَ بالتمكينِ بالأرض، وعَدَكَ بالطُمأنينة, كُلُ هذه الوعود متى تنالُها؟ إذا سلكتَ إلى اللهِ عزّ وجل, لذلك مدارجُ السالكين إلى الله, في إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين.
ماذا تعني: -الحمد ا-؟ :
هذه الفاتحة الذي جعلها اللهُ عزّ وجل أُمَّ القرآن, وجعلها مِفتاح السُوَرِ كُلِها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 1-7]
نبدأ بالحمدُ للهِ, لأنَّ هذه الفاتحة نقرؤها كُلَّ يوم, وفي كُلِّ صلاة, وفي كَلِّ رَكعة, وقد يقول النبي عليه الصلاة السلام:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
فالحمدُ للهِ ماذا تعني؟ النعمة قائمة، النِعمةُ مُعترفٌ بِها، النِعمةُ يُحِسُها الناسُ جميعاً، ولكن أيها الإنسان, ما تنعُم بهِ من نِعم, إنما هيَ للهِ عزّ وجل, تعزوها للهِ. ماذا تعني كلمتا: ﴿رب العالمين﴾؟ :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
العالمين جمع عالم, والعالم تقول: عالم الإنسان، عالم الحيوان ، عالم النبات، عالم المجرّات، عالم الفضاء، عالم الأسماك، عالم الأطيار، عالم الحشرات, فربُّ العالمين، كلمة رب ماذا تعني؟ الربُّ هوَ المُمِدُ بِكُلِّ الحاجات, والربُّ فوقَ ذلك, هوَ الذي يُعالِجُ النفوس، ففي إمداد مادي, وفي معالجة نفسية, فأقرب اسم من أسماء الله عزّ وجل للإنسان هوَ: اسمُ الرب، يا ربي.
يعني: يا من تمُدني بكُلِ حاجاتي, ويا من ترعى شؤوني، ويا من تُعالِجُني، ويا من تُكرِبُني، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
إذاً: هوَ ربُّنا, وربُّ آبائنا الأولين, وربُّ من بَعدَنا, وربُّ من قَبلَنا, وربُّ الحيوان, وربُّ النبات, ربُّ العالمين, الحمدُ للهِ ربِّ العالمين, يعني أقرب اسم من أسماء الله الحُسنى للمخلوقات هوَ كلمة رب. كيف نجمع بين هاتين الآيتين:
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
الرحمن الرحيم, لمّا ربنا قال: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 156]
هذه الآية كيفَ نفهَمُها فهماً دقيقاً؟ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
بالأرض, أليسَ هُناك مصائب؟ أليسَ هُناك أمراض وبيلة؟ أليسَ هُناك فيضانات؟ أليسَ هُناكَ شحُّ السماء؟ أليسَ هُناك زلازل؟ براكين؟ صواعق؟ صقيع؟ تلف محاصيل؟ شِقاق زوجي؟ عذاب منوّع.
فكيفَ نجمعُ هذا مع قولِهِ تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
أنــتَ مخلوقٌ للآخِرة, فإذا حِدتَ عن طريق الآخِرة, لا بُدَّ من أن يدفَعَكَ اللهُ إليها شِئتَ أم أبيت, من هُنا تنشأُ المتاعب, المتاعِبُ أساسُها حَيدانُ الإنسانِ عن طريقِ الآخِرة، حيدانهُ عن طريق الجنة ، يأتي اللهُ عزّ وجل ويسوقُ لهُ من الشدائد، الرحمن: رحمنُ الدُنيا والآخرة, فمن أجلِ الآخرة يُضيقُ علينا في الدُنيا. ماذا تعني كلمتي:﴿الرحمن الرحيم﴾؟ :
أمّا الرحيم: تعني العطاء, تعني حينما يرحمُنا اللهُ عز وجل, حينما يُعطينا ما نحتاجهُ؛ من طعامٍ وشرابٍ, وأُنسٍ ودِفءٍ, وأهلٍ وأولادٍ ومأوىً, فالرحيم تعني العطاء، لكنَّ الرحمن تعني أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى أعدَّ هذا الإنسان لحياةٍ أبديّةٍ, وحينما يَحيدُ عن هذا الهدف الكبير, يسوقُ لهُ من الشدائد من قِبَلِ اسمِ الرحمن, ويؤكدُ هذا قولُ الله عزّ وجل:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 45]
الرحمن يُعذّب من أجلِ الآخرة. ما معنى: ﴿مالك يوم الدين﴾؟ :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ, مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
ما معنى مالِكِ يومِ الدين؟ يوم الجزاء والحِساب, اللهُ عزّ وجل مالِكُ هذا اليوم.
في معنى مفهوم مُخالِف من هذا المعنى, الآن أنتَ في شيء تملِكُ, وعندما نموت يملِكهُ الله عزّ وجل, الاختيار, أنتَ الآن مُخيّر, أمّا إذا قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
انتهى اختيارُكَ نهائياً, ولم يبق إلا أن تُحاسَبَ على ما قدمت يداك, مالِك, أنتَ الآن تملك أن تُصلّي أو أن لا تُصلّي, تملِك أن تصدُق أو أن لا تصدُق، تملِك أن تذهبَ إلى الحج أو أن لا تذهب، تملِك أن تكونَ وفيّاً أو خائناً، تملِك أن تكونَ مُحسِناً أو مُسيئاً، أنتَ الآن مُخيّر, لكن حينما يأتي مَلَكُ الموت, انتهى الاختيار, وخُتِمَ العمل, وبقيَ الجزاء. ما معنى: ﴿إياك نعبد﴾؟ :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيـنُ﴾
فيها قِصَر, ما دامت قد قُدّمت إيّاكَ على نعبدُ, معناها لا نعبُدُ إلا إيّاك، لو أنَّ الله عزّ وجل قال: نعبدُ إيّاكَ يا رب, هذه ليسَ فيها قِصَر, نعبدُ إيّاك ونعبدُ غيرَك، أمّا حينما قالَ اللهَ عزّ وجل: إيّاكَ نعبُدُ, أي إلا نعبُدُ إلا إيّاك، لا نعبُدُ سِواك. ما هي العبادة؟ :
العبادة: كيفَ العبادة؟ الناس لا يُطيعون الله عزّ وجل، هذه الأوامر معروفة أوامر الله عزّ وجل بينَ أيدي الناس, يسمعونَ كلامَ اللهِ صباحَ مساء:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة التحريم الآية: 8]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 278-279]
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]
أوامر اللهِ عزّ وجل تُتلى على الناسِ صباحَ مساء وهم لا يعبدونهُ, لا يعبدونهُ لأنهم لا يعرفونهُ.
إذاً العبادة: أولاً: معرفة, وثانياً: طاعة، لن تطيعهُ قبلَ أن تعرِفهُ.
قف هنا :
ربنا عزّ وجل لمّا أمركَ أن تعبُدهُ, ماذا قال؟:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 21]
وقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة هود الآية: 123]
ما أمَرَكَ أن تعبدهُ إلا بعدَ أن طمأنَكَ أنَّ الأمرَ كُلَهُ عائدٌ إليه:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
إيّاك نعبدُ, الإنسان كأنهُ مالِك شيء, قال: وحتى يكون في حجمِهِ الحقيقي. ما معنى: ﴿إياك نستعين﴾؟ :
قال: وإيّاكَ نستعين, يعني أنتَ لا تملِك إلا أن تنبَعث إلى عبادته، لا تملك إلا أن تنطلق إلى عِبادته، لا تملك إلا أن تختار أن تعبُدهُ، ولكنَّ القوةَ التي يجب أن تنالها من أجلِ أن تعبُدهُ, بيدِ الله عزّ وجل, هذا ما قالهُ النبي عليه الصلاة والسلام:
ألا أُنبؤكم بمعنى لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؟: لا حولَ عن معصيتهِ إلا بهِ, ولا قوةَ على طاعتهِ إلا بهِ.
ما معنى كلمة: ﴿اهدنا﴾؟ :
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
إذا الإنسان يعرف الصِراطَ المستقيم, ما معنى كلمة اهدِنا ؟ هذا الطريق واضح، في عِدّة حالات, إنسان يعرفُ الصِراطَ المستقيم, فكيفَ نفهم معنى دُعائِهِ اهدِنا؟ إذا كُنتَ لا تعرف معنى الصِراطَ المستقيم, فالدُعاء يعني أن تطلب من الله عزّ وجل: أن يُبيّن لكَ الصِراطَ المُستقيم، فإذا كُنتَ تعرفُ الصِراطَ المُستقيم, فالدُعاء يعني أن تتبِعَ الصِراط المستقيم.
فإذا كُنتَ مُتبّعاً للصراط المستقيم, ماذا يعني الدُعاء؟ لا تعرف, يا ربي عرّفني، تعرف, يا ربي أعنّي، تعرف وتُطبّق, يا ربي ثبتني, فاهدِنا الصِراطَ المستقيم, لها ثلاث معان : إمّا يا ربي عرّفني، أو أعني على التطبيق، أو ثبتني على هذا التطبيق، فالمؤمن وهوَ يُصلي لهُ شأن معَ الله عزّ وجل, فإذا كان اهتدى, يا ربي أعني على أن أُطبق ما أعرف، وإذا كان فيما يبدو مستقيماً, يا ربي ثبتني على صِراطِكَ المستقيم. من هم الضالون؟ :
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
من هم الضالون؟ الضال هوَ الذي ما عَرَفَ الحق, لكنَّ المغضوب عليهم: هم الذينَ عَرَفوا الحق وحادوا عنه, يعني إنسان عَرِفَ ولم يُطبّق, فالذي ما عَرف هوَ الضال, والذي ما طبّق هوَ المغضوب عليهم, وفي كِلا الحالين: الإنسان إذا لم يعرف فهوَ ضال, وإذا عَرَف ولم يُطبّق, فهوَ مغضوب عليه. هذا الصراط المستقيم :
إذا قُلتَ:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَن الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّــاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
أنتَ مُكلّفٌ في ماذا؟ بالصلاة، أنتَ مُكلّف أن تقرأ سورة، ثلاث آيات أو سورة قصيرة، يعني بحسب شعورك الإيماني, هذه الآيات لماذا تُتلى عليك؟ لماذا تشعر أنَّ أحداً يتلوها عليك، أو ما علاقَتُها بالفاتحة؟.
أنتَ حينما طلبتَ من اللهَِ أن يهديَكَ الصِراطَ المستقيم, جاء الجواب: يا عبدي هذا هـــوَ الصِراطَ المستقيم, فالقرآن الكريم كُلُهُ هوَ الصِراط المستقيم، فإذا تلوتَ آياتِ الأمرِ عليكَ أن تأتمر، وإذا تلوتَ آياتِ النهيِ عليكَ أن تنتهي، وإذا تلوتَ آياتِ الوعدِ عليكَ أن ترجو ما عِندَ الله، وإذا تلوتَ آياتِ الوعيد عليكَ أن تخافَ ما عِندَ الله، وإذا تلوتَ آيات الأحكام الشرعيّة عليكَ أن تُطبِقها، وإذا تلوتَ الآيات الكونية عليكَ أن تعتبرَ بِها، وإذا تلوتَ آيات التاريخ والأخبار عليكَ أن تتعِظَ بِها, هذا معناه, فالإنسان إذا صحت صلاتهُ, صحَّ دينهُ, وصحَّ عملهُ, الفاتحة تكونُ هكذا, والتلاوة بعدها تكون على هذه الشاكِلة. تعريف الخضوع والسجود :
ما دُمنا في مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, هذا درسٌ فاصِلٌ بينَ درسين، الخضوع: يعني حينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تَغُضَّ بَصركَ عن محارِم الله ، أو حينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تقولَ للناسِ حُسناً، وحينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تقولَ قولاً سديداً يُصلح لكَ اللهُ عملَك، وحينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تزن بالقِسطاس المستقيم, وأن لا تقف ما ليسَ لكَ بهِ عِلم، الله أعطاك مجموعة كبيرة من الأوامر, والنواهي, والحقائق, والقواعد, والقوانين, والآيات الكونية, فأنتَ إذا رَكعت, ينبغي أن تُعلِنَ عن خضوعِكَ لهذا الأمر, فالركوع خضوعٌ للهِ عزّ وجل، والسجود؟.
يعني أنتَ خضعت, ولكنكَ فقيرٌ إلى الله عزّ وجل, أنتَ ضعيف، عبّرَ عن هذا سيدنا يوسف, حينما قال:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
فأنتَ في الركوعِ تخضع, وفي السجود تطلبُ العونَ من اللهِ عزّ وجل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
من معاني الصلاة :
1-الصلاة قرب :
هذه الصلاة بماذا عرّفها النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو بماذا عرّفها القرآن؟ هذه الصلاة أن تقرأَ الفاتِحة وأن تركع وأن تسجد، أن تقرأَ الفاتحة وسورة, وأن تركع وأن تسجد, هذه الصلاة بماذا وصفها القرآن؟ بأنها قُرب، عملية مناجاة أو عملية قُرب, لقولِهِ تعالى:
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الآية: 19]
1-الصلاة ذكر :
لها وصف آخر: الصلاة ذِكر، أنتَ إذا صليت إنكَ تذكُرُ اللهَ عزّ وجل:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
إذاً أول واحدة: الصلاة قُرب وذِكر. 3-الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر :
أيضاً: يعني ممكن أن ترى إنساناً يُصلي وهو غشاش، كلامهُ فاحش، يخون العهد، يكذب، مستحيل:
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
آليّةُ النهي كيفَ تتم؟ لماذا الإنسان قبل الصلاة الصحيحة: يكذب, ويَغُش الناس, ويتعدّى, فإذا صلّى صلاةً صحيحة, كما قالَ اللهُ عزّ وجل:
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
آليّةُ النهي: هوَ أولاً: النهي مستويات، النهي البسيط أنهُ أنتَ تلوتَ القُرآن, فأمركَ اللهُ عزّ وجل أن تَغُضَ بصَرَكَ, وترغب أن تُطيع اللهَ عزّ وجل, فغضضتَ بَصَرَك, هذا نهي أولي.
حينما تقرأُ أمرَ اللهِ أو نهّيَهُ, وأنتَ راغبٌ أن تُطيعهُ, وها هوَ ذا الأمر بينَ يديـــك, فإذا طبقّت هذا الأمر, فأنتَ مُريدٌ, أن تطلُبَ رِضاءَ اللهِ عزّ وجل عن طريقِ طاعتهِ، في مستوى أرقى من هذا, أول نهي هوَ أنتَ عَرفتَ أمرَ اللهِ, ورَغِبتَ في طاعتهِ, فتركتَ إطلاقَ البصر في مستوى أرقى, إنكَ حينما تتصل باللهِ عزّ وجل, يقذِفُ في قلبِكَ النور ، وهذا النور الذي يقذِفهُ في قلبِك, يُريكَ الحقَّ حقّاً, والباطِلَ باطلاً، يجوز حينما لا يكونُ هذا النورُ في قلبِك, وتُحِبُ أن تُصلي, تُجاهِدُ نفسكَ وهواك، لكن حينما يقذفُ اللهُ في قلبِكَ النور، حينما ترى الحقَّ حقّاً فتتبِعهُ, وحينما ترى الباطِلَ باطلاً فتجتنبهُ، الآن تنتهي أنت لا لأنكَ حريصٌ على طاعة اللهِ عزّ وجل فقط، بل لأنكَ حريصٌ على طاعتهِ, وحريصٌ على سلامتِكَ ، رأيتَ الخيرَ في طاعةِ الله, ورأيتَ الشرَّ في البُعدِ عنه.
إذاً: النهي نهيين: إمّا نهي تعرّفي وإمّا نهي عن طريق إلقاءِ النورِ في قلبِ المؤمن، إذاً: الصلاة قُرب وذِكر ونهيٌ عن الفحشاءِ والمُنكر. 4-الصلاة خشوع :
أيضاً: والصلاةُ خشوع, خشوع: أن تشعر أنكَ بينَ يدي الله عزّ وجل, تقفُ في حضرتهِ، الخشوع في الصلاةِ: من فضائِلِها أم من فرائِضِها؟ من فرائِضِها, فالصلاةُ من فرائِضِها الخشوع.
5-الصلاة دعاء :
حينما قالَ اللهُ عزّ وجل:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
ثمَّ يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
الدُعاءُ عِبادة, والصلاة أول العِبادات، الصلاة مناجاة ونور، الصلاة قُرب, وذِكر, ونهي, ودُعاء, ومُناجاة.
وكما وردَ عن النبي عليه الصلاة والسلام: الصلاةُ مِعراجُ المؤمن, يعرجُ بِها إلى اللهِ عزّ وجل.
6-الصلاة وعي :
صلاتُكَ أن تعقِلَ عن اللهِ عزّ وجل: ليسَ للمرءِ من صلاتهِ إلا ما عَقَلَ مِنها.
هذا حديث، والآية التي تؤكدهُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
[سورة النساء الآية: 43]
معناها: الصلاة وعي. 7-الصلاة طهور :
أيضاً: الصلاة طَهور، والحقيقة: طَهور نفسي، يعني: الإنسان المشاعر المرضية في نفسه؛ حِقدُهُ، دناءتهُ, قذارتهُ، طمعهُ، أنانيتهُ، استعلاؤهُ، كُلُ هذه المشاعر السُفلى في الإنسان تطهر في الصلاة.
قالَ: الصلاةُ طَهور.
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, وَالصَّلاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
وقال: الصلاة عهد. 8-الصلاة ميزان :
في معنى آخر للصلاة: يعني أحياناً الإنسان يفعل شُبُهة، يا ترى صح أو خطأ أيجوز؟ قال: ليسَ فيها شيء, فلان سألناهُ, فقال: ليسَ فيها شيء، حينما يقع في هـذا التساؤل, الميزان عِندهُ هو اتصالُهُ باللهِ عزّ وجل، فإذا شعرتَ بالحِجاب بينكَ وبينَ الله، إذا شعرتَ بالخجل, فهذا العمل سيء, والصلاة كانت ميزاناً لكَ.
الصلاةُ ميزان فمن وفّى استوفى.
من وفّى للصلاةِ شروطها, استوفى من الصلاةِ حظوظها.
أيضاً: يعني أنتَ العمل الذي تستطيع أن تُقبِلَ على اللهِ بهِ حتماً صحيح، أمّا العمل الذي تخجل بهِ منَ اللهِ عزّ وجل هذا حتماً سيء, فالصلاة هيَ الميزان: الصلاةُ ميزان فمن وفّى استوفى.
الصلاة عِمادُ الدين, وعِصام اليقين, وسيدةُ القُرُبات, وغُرّة الطاعات, ومِعراجُ المؤمنِ إلى ربِّ الأرضِ والسموات.
9-الصلاة فيها معنى الصيام ومعنى الحج ومعنى الزكاة ..... :
قالَ بعضُهم: في الصلاة معنى الصوم, ومعنى الحج, ومعنى الزكاة, ومعنى الصلاة، الصلاة فيها صلاة وصوم وحج وزكاة.
الإنسان وهوَ في الصلاة, الصائم يتكلّم, ويضحك, ويمشي, وينام, ويغتسل, ويتكلّم حديث عشر ساعات, وهوَ صائم, أمّا الإنسان حينما يُصلّي ممنوع أن يلتفت، ممنوع أن يُفكّر بِما يُقال حولهُ, فأعلى درجات الصيام هيَ الصلاة فيهِ, وهوَ يُصلي أن يضجع, أو إذا بكيَ ابنهُ يقول لهُ: اسكت أثناء الصلاة؟ لا يقدر أن يُكلّمهُ، فالصلاة من أعلى درجات الصيام، صيام عن الطعام والشراب, إذا واحد يوجد في فمهِ حبة حُمص, لا يقدر أن يأكُلها خلال الصلاة.
إذاً: الصلاة فيها معنى الصيام, عن كُل شيء, وحتى عن الكلام المُباح, وحتى عن رد السلام، إذا المُصلّي رد السلام فصلاتُهُ فَسُدت.
أيضاً: ليسَ هُناكَ كسبٌ للمال إلا ببذل الوقت, فإذا اقتطعتَ من وقتِكَ للصلاةِ, فالوقتُ الذي هوَ أصلُ المالِ, أنتَ بذلتهُ للصلاة ففيها معنى الزكاة, أنتَ أنفقت من أصل المال وهوَ الوقت، معنى الحج القِبلة، ومعنى الصلاة الاتصال.
لذلك: الحج يسقط، والصوم يسقط، والزكاة تسقط، طبعاً: إمّا فقير أو مُسافر، والشهادة تُعلن مرةً واحدة في العُمر، لكنَّ الصلاة هيَ الفرضُ المُتكرر الذي لا يسقُط بحال.
أردت أن ننتقل إلى دروس أخرى, وأن نقف وقفةً متأنيّةَ عِندَ السلوك إلى الله, وفي قِمةِ السلوك إلى الله عزّ وجل: أن تُصليَّ صلاةً صحيحةً مقبولةً عِندَ اللهِ عزّ وجل.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و الثلاثون )


الموضوع : التوبة - 3





ما معنى استئناف التوبة؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، منزِلةُ اليوم متعلقةٌ بآخرِ منزلةٍ, تحدثنا عنها في دروسٍ سابقة: إنها منزِلةُ التوبة, وهيَ آخر منازل التوبة: إنها منزِلةُ استئناف التوبة.
قد يسألُ سائل: ما معنى استئناف التوبة؟ ليسَ من الصواب أن تتوهم: أن التوبةَ تتِمُ في العُمرِ مرةً واحدة، إنكَ تُبتَ حينما تعرّفتَ إلى اللهِ عزّ وجل، ولكنَّ التوبة ينبغي أن تكونَ منزِلةً مستمرةً مع المؤمن, بل إنَّ نهايتهُ تُختمُ بالتوبة.
متى يدخل العبد في منزلة التوبة المستمرة؟ :
الإنسان حينما يكونُ غارِقاً في المعاصي، قبلَ أن يصطلِحَ معَ الله، قبلَ أن يعقِدَ العزمَ على طاعته، قبلَ أن يحمِلَ نفسهُ على الاستقامةِ على أمرِ الله، قبلَ هذا كانَ تائهاً, وشارِداً, وضالاً, وعاصياً، أدركَ خطورةَ ما هوَ فيه، أدركَ عَظَمةَ اللهِ عزّ وجل، انعقدَ في نفسهِ عزيمةٌ على التوبة, وعلى أن يُقلعَ عن كُلِ ذنبٍ من فورِهِ, وأن يعزِمَ على أن لا يعودَ إليه, وأن يندمَ على ما فعلهُ في الماضي، هذه التوبة نقلتهُ من المعصيةِ إلى الطاعة، من الشرودِ إلى الهُدى، من الضياعِ إلى الوجدان, لكن بعدَ أن تابَ وفتحَ معَ اللهِ صفحةً جديدة، بعدَ أن عاهدَ الله عزّ وجل على أن يلتزمَ أمرهُ, وأن ينتهي عما عنهُ نهى، الآن يدخلُ في منزِلةِ التوبةِ المُستمرّة تحقيقاً لقولِ النبي عليهِ الصلاةِ والسلام:
عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))
لأنهُ المؤمن حينما يتوب توبةً نصوحاً, قد يُفاجأ بسلوكٍ كانَ يَظُنهُ صواباً, فإذا هوَ خطأٌ, بعدَ معرفةِ, أو اطلاّعٍ, أو سماعِ محاضرةٍ, أو قراءةِ كتابٍ, يجدُ أنَّ هذا الموقف ليسَ صحيحاً.
إذاً: كلما اكتشفتَ خطأً في سلوكك, أو تقصيراً في أداءِ واجِبِك, أو انحرافاً عن جادّة الصواب، في الوقت التالي لا بُدَّ من أن تعقِدَ توبةً تغطي بِها هذا التقصير أو ذاكَ الانحراف.
إذاً: أنتَ في توبةٍ مستمرّة، التوبة الأولى نقلتكَ نقلّةً نوعيةً من المعصية إلى الطاعة ، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الهُدى، من الشرود إلى الوجدان، لكنَّ التوبةَ المُستمرّة التي ينبغي أن تُرافق المؤمن، كُلما اكتشفَ أنَّ هذا الموقف لا يُرضي الله، أو أنَّ هذه الفِكرة ليست صحيحةً عن اللهِ عزّ وجل، أو أنَّ هذا الظن لا يليقُ باللهِ جلَّ وعَلا، أو أنَّ هذا الاعتقاد اعتقادٌ فاسد بنصِ الآية الكريمة، أو أنَّ هذا العمل مما يُخالف السُنّة. نقطة دقيقة :
هُناكَ نقطة دقيقة جداً: هوَ أنكَ إذا عَرَفتَ اللهَ عزّ وجل, بقي عليكَ أن تَعرِفَ مَنهَجَهُ، هل يُمكن أن تَعرِفَ مَنَهجَهُ في ساعةٍ واحدة؟ في يومٍ واحد؟ في شهرٍ واحد؟ في سنةٍ واحدة؟ معرفةُ منهجُ اللهِ عزّ وجل تتنامى، فكُلما كشفتَ موقِفاً للنبي عليهِ الصلاة والسلام لم يكن يخطُر على بالِك, لا بُدَّ من أن تتوبَ عن جهلِكَ بهذا الموقف, وعن السلوك الذي يُخالفُ هذا الموقف.
إذاً: أنتَ في توبةٍ مستمرّة, هذا معنى قول النبي: المؤمن مذنبٌ توّاب.
معنى مُذنب: يعني كانَ يَظُنُ أنهُ إذا تحدّثَ عن العُصاة مُقرّعاً، موبّخاً، محتقراً يُرضي اللهَ عزّ وجل، فإذا بهِ يرى أن في السيرةِ النبويةِ موقِفاً آخر.
انظر إلى هذا الموقف للنبي عليه الصلاة والسلام :
النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءهُ عِكرمةٌ مُسلِماً, قالَ لأصحابِهِ: جاءكم عِكرِمةُ مُسلِماً, فإيّاكم أن تَذُمّوا أباه, -أباهُ أبو جهل أعدى أعداءِ الإسلام، أعدى أعداءِ النبي، نكّلَ بأصحابِهِ وقتلهم-, فإنَّ ذم الميت يؤذي الحي ولا يبلُغُ الميت.
هوَ كانَ حينما يتحدّثُ عن الكُفار, يَظُنُ أنَّ اللهَ يُرضيهِ ذلك, فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقفُ هذا الموقفَ الكامل.
إذاً: هوَ حينما كانَ يفعلُ هذا, كانَ يُرضي اللهَ بهذا, لكنهُ اكتشفَ أنَّ هذا الموقف هُناكَ موقِفٌ أكملُ مِنهُ، كانَ يفعلُ كذا, ثمَّ رأى أنَّ الشرعَ ينهى عن كذا.
متى تتنامى معرفة العبد بمنهج ربه؟ :
ليسَ في إمكانِكَ في أسبوعٍ أو شهرٍ أو سنةٍ أن تستوعِبَ مَنهجَ اللهِ كُلهُ، قد تستوعـب الخطوط العريضة فيه، قد تستوعب الكُليّات، لكنَّ الجزئيات لا تستوعبها, أنتَ كُنتَ تختلي مثلاً معَ زوجةِ أبيك في غيبةِ أبيك, بعدَ عشر سنوات قرأتَ في كُتب الفِقهِ أنهُ لا يجوزُ الخلوةُ لا بزوجةِ الابنِ في غيبةِ الابنِ, ولا بزوجة الأب في غيبة الأب, هكذا نص العُلماءُ والفُقهاء, إذاً: أنتَ تتوبُ من هذا الجهل الذي كُنتَ واقعاً فيه، كُنتَ تتحدثُ أحياناً عن علاقةٍ زوجيةٍ أمامَ والِدِ زوجتِك, ثمَّ كشفتَ أنَّ من آدابِ النبي عليه الصلاة والسلام: أنهُ لا يتحدثُ عن أيّةِ علاقةٍ نسائيةٍ أمامَ أبِ الزوجةِ أو أخِ الزوجة, لِئلا يذهبَ بهِ الخيالُ إلى شيء ينزعجُ منهُ، كُلما فعلتَ شيئاً وأنتَ تظنهُ هوَ الصواب, رُبما كشفتَ في السيرةِ النبوية أو في الحديث النبوي الشريف ما يُخالِف هذا.
إذاً: أنتَ تتنامى معرِفَتُكَ لمنهجِ اللهِ عزّ وجل، فكُلما بَلَغَكَ شيء عن رسول الله، كُلما وصلَ إلى عِلمِكَ شيء لم تكن تعلمهُ من قبل أو كُنتَ تفعلُ خِلافهُ, لا بُدَ من أن تُحدِثَ توبةَ وإحداثَ هذه التوبة سهلٌ جداً:
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الأنعام الآية: 54]
هذا السوء بجهالة، فالإنسان كُلما فعلَ شيئاً لم يكن يعلم أنهُ مُخالفة أو أنهُ معصية, يجبُ أن يعقِدَ توبةً مع اللهِ عزّ وجل.
ما المعنى الذي نسنتبطه من استمرار التوبة؟ :
ليسَ هُناكَ توبةٌ وحيدةٌ يتيمةٌ فريدةٌ تتوبُها وانتهى الأمر, هذه التوبةُ الكُبرى التي نقلتكَ من المعصيةِ إلى الطاعة، من الضياعِ إلى الهُدى، من الشقاءِ إلى السعادة، من القلقِ إلى الطُمأنينة، من التيهِ إلى الوجدان، هذه التوبةُ الأولى هيَ أجملُ توبةٍ تتوبُها في حياتِك؛ هيَ التوبةُ المُسعِدة, هيَ التوبةُ التي أخرجتكَ من الظُلماتِ إلى النور، من شقاءِ الدُنيا إلى نعيمِها، لكنكَ بعدَ أن سلكتَ في طريق الإيمان, أنتَ بحاجةٍ إلى توبةٍ يوميّة، كُلما اكتشفتَ شيئاً لم تكن تعرِفهُ من قبلُ, لا بُدَ من أن تعقِدَ توبةً خاصةً بهِ، كُلما كشفتَ تقصيراً أو مُخالفةً لم تكن تعهَدُها مُخالفةً, يجبُ أن تعقِدَ العزمَ على تركِها.
هذا المعنى الذي يُستنبط من استمرارِ التوبة.
من معاني الاستغفار والتوبة بحقِ النبي عليه الصلاة والسلام :
1-استغفار وقائي :
إذا قرأتَ حديثَ النبي عليه الصلاة والسلام: من أنهُ يستغفرُ اللهَ ويتوبُ إليه في اليومِ أكثرَ من سبعينَ مرة.
فهذا لهُ تفسيرٌ آخر، يُمكن أن يُفسّرَ هذا: بأن استغفارَ النبي استغفارٌ وِقائي، هُناكَ استغفارٌ بعدَ أن تقعَ في الذنب, وهُناكَ استغفارٌ وِقائيٌ لِئلا تقعَ في الذنب.
تمشي في الطريق, وتشعُرَ أنَّ عقبةً كؤود كانت في الطريق, أمسكتَ مِصباحاً وأضأتهُ، حينما تمشي في طريق, وتتعثرُ في هذا الطريق, ومعكَ مِصباح تُضيء المِصباح, لِترى هذه العَقَبَة التي ألقتكَ جانباً، لكنكَ إذا أضأتَ المِصباحَ قبلَ أن تسلُكَ هذا الطريق لا تتعثر, فأنتَ إمّا أن تكشِفَ العَقَبَةَ بعدَ أن تقعَ بِها, وإمّا أن تكشِفها قبلَ أن تقعَ بِها.
فبعضُ العُلماء قال: استغفارُ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم استغفارٌ وِقائي, كانَ يستغفِرُ اللهَ, وكانَ يُقبِلُ عليه, وكانَ يُكثِرُ من الدُعاء, لِئلا يقعَ في الذنب, فهذا معنى.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي وابن ماجه في سننهما, والإمام أحمد في مسنده, وابن حبان في صحيحه]
2-الشعور بالتقصير تجاه معرفة الله عز وجل :
وفي معنى آخر: هوَ أنكَ إذا تعرّفتَ إلى إنسان, وقال لكَ: أنا تاجر, فظننتَ أنَّ حجمَهُ المالي كذا, ثمَّ اكتشفتَ أنَّ حجمهُ المالي أضعاف أضعافَ ما توهمت, ألا تشعر بأنكَ لم تُعطِهِ حقهُ؟ لم تُقدّرهُ حقَّ قدرِهِ؟
فحينما تتعرفُ إلى اللهِ عزّ وجل -وللهِ المثلُ الأعلى-, وتكتشف أنَّ معرِفَتُكَ باللهِ عزّ وجل لم تكن في المستوى الذي ينبغي, ألا تشعر بالتقصير؟.
يعني: حينما تظنُ أن فُلان لن يُكرِمُكَ, ثمَ هوَ يُكرِمُكَ, ألا تستحي فيما بينَكَ وبينَ نفسِكَ من هذا الذنب السيء؟ فهذا معنى آخر من معاني الاستغفار والتوبة بحقِ النبي عليه الصلاة والسلام.
قد يقول قائل :
والآن: الذي يقول: أنا تُبتُ إلى الله, حينما استقمتُ على أمرهِ, وانتهى الأمر, ولستُ الآن بحاجة إلى التوبة, فالجواب على هذا السؤال: هل أديتَ حق اللهِ عز وّجل؟ هل عَمَلُكَ الصالح يُغطي فضلَ اللهِ عليك؟ هل طاعَتُكَ للهِ عزّ وجل في مستوى الفضلِ العظيم الذي تفضّلهُ اللهُ عليك؟ أغلبُ الظن لن تقولَ: نعم, لأنهُ ما من أحدٍ استطاعَ أن يوفي اللهَ حقَهُ حتى النبي عليه الصلاة والسلام, لا يعرِفُ اللهَ إلا الله, النبي عليه الصلاة والسلام أشدُنا معرِفةً بالله, لكنهُ لم يعرِفهُ حقَّ المعرِفة.
إذاً: يُمكن أن تستغفِرَ اللهَ وأن تتوبَ إليه من معرِفتكَ المحدودة التي لم تكن في المستوى المطلوب.
ما هي أسرع الأبواب إلى الله؟ :
أنا كُل هذا الكلام: من أجلِ ألاّ تأخُذّكّ العِزةُّ بإيمانِك وباستقامتِك، أنا استقمت وانتهى الأمر، هذه عِزّةٌ لا تُرضي اللهَ عزّ وجل, يجبُ أن تشعُرَ بالتقصير المُستمر, لأنكَ إذا شعرتَ بالتقصير المستمر, كُنتَ قريباً من اللهِ عزّ وجل, لأنَّ الانكسارَ أقربُ الأبواب إليه، بابُ الانكسار بابٌ واسعٌ, لكنَ الناسَ قلّما يسلكونَهُ, هُناك أبواب إلى الله كثيرة, لكن أسرع هذه الأبواب: بابُ الانكسار.
فلذلك: الإنسان حينما يأتي رَبهُ مُتذللاً.
لماذا النبيُ عليه الصلاة والسلام لمّا سألهُ جبريل: أتُحِبُ يا مُحمدُ أن تكونَ نبيّاً مَلِكاً أم نبيّاً عبداً؟ قالَ: بل نبيّاً عبداً؛ أجوعُ يوماً فأذكُرهُ وأشبعُ يوماً فأشكُرهُ.
لأنَّ الانكسار والضعف أقربُ إلى العبوديةُ إلى اللهِ عزّ وجل.
الإنسان متى يطغى؟ :
لاحِظوا الآية:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾
[سورة العلق الآية: 6-7]
لم يقُل اللهَ عزّ وجل: كلا إنَّ الإنسانَ ليطغى أن استغنى, قال:
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
هوَ توّهمَ أنهُ مستغنٍ عن اللهِ عزّ وجل، الإنسان متى يطغى؟ متى ينقطع؟ متى يبتعد؟ إذا ظن أنهُ مستغنيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فإذا الإنسان لم يجد لهُ معصيةً ولا مخالفةً, وأحكمَ استقامتهُ, وتوهّمَ أنَّ هذه الاستقامة كافية كي تُنجيهِ من عذاب الدُنيا والآخرة, وقعَ في حالة الاستغناء, وهذه الحالةُ لا تُرضي اللهَ عزّ وجل. ماذا يعني هذا القول لابن السكندري؟ :
لذلك: قالَ ابنُ عطاء الله السَكندريّ: رُبَّ معصيةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً, خيرٌ من طاعة أورثت عِزّاً واستكباراً.
ما دُمتَ لم تُوف اللهَ حَقّهُ, ولم تكُن أعمالُكَ في مستوى فضلِهِ عليك, ولا في مستوى إكرامِهِ لك, منحكَ نِعمة الوجود, ومنحكَ نِعمة الإمداد, ومنحكَ نعمة الهدايةِ والرشاد:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
إذاً: لا بُدَ أن تشعُرَ بالتقصير المُستمر, ولا بُدَ أن تشعر بالحاجةِ المُلّحةِ إلى توبةٍ من كُلِّ هذا التقصير.
قف هنا :
مما يؤكّدُ أنَّ منزِلةَ التوبةِ هيَ البدايةُ, وهيَ المنزِلةُ التي تُرافِقُ المؤمن طَوالَ حياتِهِ وهيَ النهاية, هذه الآيات التي وردت في القرآن الكريم.
النبيُ عليه الصلاة والسلام غزا غزواتٍ كثيرة, آخِرُ هذه الغَزوات هي أشدُها: غـزوةُ تبوك, حينما قَفَلَ النبي من غزوةِ تبوك, قالَ اللهَ عزّ وجل:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 117]
نهايةُ المطاف، نهايةُ الغزوات، نهايةُ الجِهاد، توبةُ من اللهِ عزّ وجل, معنى التوبة هُنا: أي كأنَّ اللهَ قَبِلَ هذا العمل، قَبِلَهُ وتغاضى عن الأخطاء, وتغاضى عن الشوارد, وتغاضى عن الشُبُهات التي رافقت هذا العمل, يعني قَبِلهُ مِنك, فالتوبةُ هُنا نهايةُ العمل.
ماذا استنبط بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من هذه السورة؟ :
شيءٌ آخر: وردَ في القرآن الكريم هيَ سورةُ النصر, إذ قالَ اللهُ عزّ وجل:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
أيها الأخوة الأكارم, في الصحيحِ؛ أي في الحديثِ الصحيحِ, أنهُ صلى اللهُ عليهِ وسلم ما صلّى صلاةً بعدَ أن نَزَلت هذه السورة, إلا قالَ فيها:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا, قَالَتْ:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ألم يقُل اللهُ عزّ وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
قال: ما صلّى صلاةً بعدَ أن نَزَلت هذه السورة, إلا قالَ فيها: سُبحانَكَ اللهمَ ربنا وبِحمدِك, اللهمَّ اغفر لي.
بعضُ أصحابِ النبي بإدراكٍ دقيق, واستنباطٍ حكيم, وفِطنةٍ كبيرة, شعرَ أنَّ هذه السورة فيها نعوةُ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم, لأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام حينما نَزَلت هذه السورة, كانَ يقول: اللهمَّ اغفر لي, وألحِقني بالرفيق الأعلى.
رسالة تذكرة :
أخواننا الحاضرين, لا بُدَّ من هذا اللِقاء مع الله عزّ وجل, البطولة: أن تستعِدَّ لهُ، أن تُصفي كُلَّ المُشكلات، أن تُصفي كُلَّ العلاقات، أن تُهيىء عملاً تلقى اللهَ بهِ, أن تُهيىء عملاً يُرضي اللهَ عزّ وجل، فلذلك: ربُنا عزّ وجل يُحِبُكَ أن تستعِدَّ للقائه.
وكُنتُ أقول لكم دائماً: إنَّ الأعراضَ المَرَضِيّة التي تُصيبُ الإنسانَ بعدَ سِنِّ الأربعين, هيَ في حقيقتها, وفي جوهرِها, وفي دلالِتها: إشارةٌ لطيفةٌ لطيفةٌ لطيفة لهذا المؤمن: أن يا عبدي قد اقتربَ اللقاء, فهل أنتَ مُستعد؟.
يعني الإنسان يضع نظارات بعد سِن مُعيّنة, يقول لكَ: صار في تصلّب بالقرنيّة أو بالجسم البللوري, فمُعظم الناس بعد سِنّ معينة: يضع نظارات، يشيبُ شعرهُ، ينحني ظهرهُ، تضعفُ ذاكرتهُ، جميعُ الناس هكذا.
إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام حينما نَزَلت هذه السورة, كانَ يقول: اللهمَ اغفر لـي, وألحِقني بالرفيق الأعلى.
ما تعلمناه من النبي عليه الصلاة والسلام :
هناك شيء تعلّمناه من النبي عليه الصلاة والسلام: الاستغفار بعدَ الصلاة, وبعدَ الصوم, وبعدَ الحج, وبعدَ كُلِّ عِبادة.
يعني يا ربي أنا صِمت رمضان, لكن لعلّي لغوتُ في رمضان, لعلّي قصّرت, لعلّي شردت, لعلّي صليتُ صلاةَ جوفاء, اغفر لي هذا التقصير يا رب، بل إنَّ الإنسان حينما يُصلّي الصلوات الخمس, أولُ دُعاءٍ أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدَ الصلاة الاستغفار, أستغفِرُ اللهَ العظيم الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيَّ القيوم وأتوبُ إليه ثلاث مرات، تستغفر من ماذا؟ أنتَ وقفتَ لتُصلي, لعلَّ في الصلاةِ خللاً، لعلَّ في الصلاةِ تقصيراً، لعلَّ في الصلاةِ شروداً، لعلَّ في الصلاةِ زيغاً، لعلَّ في الصلاة سُرعةً، لعلَّ في الصلاةِ شيئاً لا يُرضي الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ يستغفرُ اللهَ عَقِبَ الصلوات, وعَقِبَ كُلِّ عِبادةٍ كبيرة، عَقِبَ الصوم وعَقِبَ الحج كان يستغفر.
ماذا كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام بعد عودته من الحج؟ :
ما قولكم: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما يعودُ من الحج, ماذا كانَ يقول؟:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ, يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ, ثُمَّ يَقُولُ:
((لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, آيِبُونَ تَائِبُونَ, عَابِدُونَ سَاجِدُونَ, لِرَبِّنَا حَامِدُونَ, صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
تائبونَ عن تقصيرٍ وقعنا بهِ في مناسِك الحج.
هذا ما يختم به النبي عليه الصلاة والسلام عمله باليوم :
وكانَ عليه الصلاة والسلام يختِمُ عملَ اليوم بالاستغفار، فقبلَ أن ينام يقول:
((أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيُ القيوم وأتوب إليه))
يستغفر اللهَ قبلَ أن ينام, وعلّمنا أيضاً أن نستغفِرهُ بعدَ أن نقومَ من مجلس؛ سَهِرنا سهرةً، عقدنا ندوةً، دُعينا إلى وليمة، لعلّ في هذه الوليمة كلمة لا تُرضي الله، لعلَّ في هذه الوليمة نظرة أو في هذا الحديث خلل أو هنى, فأنتَ حينما ينتهي مجلِسُكَ استغفر الله، حينما تنتهي صلاتُكَ استغفر الله، حينما ينتهي صيامُك استغفر الله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
[سورة هود الآية: 52]
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 12]
بل إنَّ العبدَ أحوجُ ما يكونُ إلى التوبةِ في نهايةِ عُمره، لذلك منزَلةُ اليوم: منزَلةُ استئناف التوبة، أنتَ تبدأُ التوبة وتستمرُ بِها, وتُنهي بِها هذا العُمر الذي أمضيتهُ في معرفة الله وطاعته.
ماذا تبين لنا هذه الآيات؟ :
الحقيقة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليهِ الله, وعلى عُمُره الثمين, حينما أقسمَ اللهُ بِعُمُرِهِ, حيثُ يقول:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
واللهُ سبحانهُ وتعالى في عِدّةِ آيات: ذكرَ النبي عليه الصلاة والسلام, وهوَ في أعلى مرتبة, وأعلى مرتبة أن يكونَ عبداً للهِ عزّ وجل, قال:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
وأنهُ لمّا قامَ عبدُ اللهِ يدعوهُ, عبدُ اللهِ يدعوهُ, قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 1]
كُلُ هذه الآيات تُبيّنُ: أن شرفَ الإنسان في عبوديتهِ للهِ عزّ وجل. هذه مهمتك كعبد لله :
الآية الدقيقة:
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 66]
أنتَ أيها العبد لكَ مُهِمةٌ واحدة: أن تتعرفَ إلى أمرِ اللهِ ونهيَه, وأن تلتزِمَ أمــرهُ, وأن تنتهي عما هوَ عنهُ نهى, وهُنا تنتهي مُهمَتُكَ كعبد, فلهذا تُعدُّ بعضُ العِبادات إعلاناً عن عبوديتُكَ للهِ عزّ وجل.
لماذا تحج البيت؟ :
الحج نحنُ في موسم الحج, لماذا تَحُجُ البيت؟ إنكَ من بعض معاني الحج: تُعلنُ عن عبوديتِكَ للهِ, في الحج تأتمر بأمرهِ، تدعُ بيتَكَ, وأهلكَ, وأولادكَ, وعملكَ, ومركزكَ, وتخلعُ ثيابَكَ, وتخلعُ مع ثيابِكَ الدُنيا كُلها, ومرتَبَتكَ الاجتماعية, وتُلّبي ربكَ, تقول: لبيكَ اللهم لبيك، هُنا تقصُ شعركَ, وهُنا تمتنع عن أن تَحُكَ جِسمك, أو أن تغتسل, أو أن تتطيب، تُنفّذُ محظورات الإحرام تماماً, هذا كُلهُ عبودية لله عزَ وجل.
بماذا ذكر الله مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ :
وسيدنا إبراهيمُ أبـو الأنبياءِ عليه الصلاة والسلام, أيضاً ذكرَ اللهُ عن مقامِهِ العظيم حينما قال:
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
[سورة النجم الآية: 37]
يعني: وفّى حق العبوديّة، فنحنُ مُقصّرون إذا كان سيدنا إبراهيم وفّى, وهو أبو الأنبياء, والنبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في أعلى مقاماتهِ مرتبة العبودية والذُل للهِ عزّ وجل، فنحنُ قد نعتدُّ بعملٍ صالح قد نتيهُ بهِ، قد نستعلي بهِ على الآخرين، هذا كُلهُ يحتاج إلى توبة, فلذلك: أن تبذُلَ الجهدَ الكبير في سبيل التقرّبِ إلى اللهِ العليّ القدير, هوَ أعظمُ عملٍ وأنجحُ مسعى تسعاه إلى اللهِ عزّ وجل.
ما هما الحالان اللذان ينبغي ألا يفارقا المؤمن؟ :
1-حال جمع الهمة على الله عز وجل :
هُناكَ حالان ينبغي ألا يُفارِقا المؤمن؛ الحال الأول: حالُ جمعِ الهِمةِ على اللهِ عزّ وجل.
يعني بالتعبير المقبول عِندكم: الالتفات إلى الله؛ أن تلتفِتَ إليه، أن تعقِدَ معهُ الصِلة، أن تدعوَهُ، أن تستغفِرهُ، أن تُسبِحهُ، أن تذكُرهُ، أن تلجأ إليه، أن تستعيذَ به، أن تُقبِلَ عليه، أن تعقِدَ بهِ الصِلة.
هذا الحال سمّاهُ العُلماء: جمعُ الهِمةِ على اللهِ عزّ وجل محبةً وإنابةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً ومراقبة.
يجبُ أن تُراقِبَ الله، يجبُ أن تشعُرَ أنَّ اللهُ يُراقِبُك، يجبُ أن ترجوهُ وأنتَ في الشِدّة, لا أن تيأسَ من عطائهِ، يجبُ أن ترجوَهُ وأنتَ في الرَخاء.
العادة: أنَّ الناس يطمئنون وهم في الرَخاء, ويخافون وهم في الشِدّة، لكن المؤمن ينبغي أن يخافَ وهوَ في الرخاء, وينبغي أن يطمئن وهوَ في الشِدّة، لأنها إذا وقعت الشِدّة فلا مُنجّي إلا الله, لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام:
((لا يخافن العبدُ إلا ذنبَه ولا يرجونَ إلا رَبه))
إذا وقعتَ في شِدّة لا ينبغي أن تيأس، اليأسُ نوعٌ من الكُفر، اليأس والقنوت والسوداوية, وأنا انتهيت, وأنا هكذا الله قدّرَ عليّ, هذا كُلهُ من علامةِ ضعفِ الثِقةِ بالله عزّ وجل, فمن شأنِ المؤمن أن يرجو الله وهوَ في الشِدّة، ومن شأنِ المؤمن أن يخافَهُ وهوَ في الرَخاء.
الناس عادة: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
إذا كان في صحةٍ طيبة, وأجرى تخطيطاً, والنتيجة جيدة, الضربات نظامية، التخطيط، الكوليسترول، المواد الدسمة, يقول لكَ: التحليل ممتاز, وينسى الله عزّ وجل، يذكُرهُ إذا كان النِسب عالية, إذا في ارتفاع شديد جداً, إذا في اضطراب بالنظم: يا رب, البطولة: أن تذكُرهُ وأنتَ في صحةٍ جيدة، وأنتَ في بحبوحة، وأنتَ قوي، وأنتَ غني.
إذاً: جمعُ الهِمّةِ على الله, تكونُ في الحُب, وفي الإنابة, وفي التوكل, وفي الخوف, وفي الرجاء, وفي المراقبة, هل هُناكَ هِمَةٌ أخرى؟ هذه الهِمّةُ الأولى: جمعُ الهِمّةِ على الله شوقاً ومحبةً وإنابةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً ومراقبةً, هذه إياكَ نعبدُ. 2-حال جمع الهمة على تنفيذ أمر الله :
بقيَ إياكَ نستعين. قال: وجمعُ الهِمّةِ على تنفيذِ أمرِ الله.
الآن دخلت بالعلم، دخلت في معرفة أمر الله، ما حُكمُ اللهِ في الدَين؟ لا بُد من كتابةِ إيصال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 282]
ما حُكمُ اللهِ في الوديعة؟ ما حُكمُ اللهِ في العارية؟ ما حُكمُ اللهِ في الإيجار؟ ما حُكمُ اللهِ في المُزارَعة؟ ما حُكمُ اللهِ في المضاربة؟ ما حُكمُ اللهِ في شِراءِ الفواكه على أغصانِها؛ كمُزارع؟ كطبيب مثلاً: ما حُكمُ أجرِ الطبيب إذا ماتَ المريض؟ ما حُكمُ أجرِ المُدرّس؟ ما حُكمُ أجرِ المحامي؟.
ففي عِندكَ قضية ثانية: بعدَ أن تتعرفَ إلى الله, وبعدَ أن تجمعَ هِمّتِكَ عليه محبةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً وإنابةً ومراقبةً، الآن دخلتَ في طَورٍ آخر, يجبُ أن تجمعَ هِمَتَكَ على تنفيذِ أمرهِ, ولن تُنفِذَ أمرهُ إلا إذا عَرَفتَ أمرهُ أولاً، من هُنا جاءت الحاجةُ إلى حضور مجالس العِلم, وإلى معرِفةِ أمرِ الله عزّ وجل التفصيلي.
فلذلك: هذا الذي لا يجدُ نفسهُ راغِبةً في معرِفة أمرِ الله عزّ وجل, كيفَ يستقيمُ على أمرهِ؟ فأول خطوة في الاستقامة على أمر الله: أن تعرِفَ اللهَ عزّ وجل.
على كُلٍ؛ قولُهُ تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
هذه الآية جمعت الهِمتين؛ هِمةُ الإقبالِ عليه وهِمةُ تنفيذِ أمرِهِ، لذلك قالَ بعض العُلماء:
إنكَ حينما تركع تُعلِنُ عن خضوعِكَ للهِ عزّ وجل, وأنكَ حينما تسجُد تطلُبُ العونَ من اللهِ عزّ وجل, فكأنَّ إيّاكَ نعبدُ ركوعاً, وإيّاكَ نستعين سجوداً. محور الدرس :
1-ما يتعلق بالتوبة :
مِحوَرُ هذا الدرس: أنَّ التوبةَ التي تتوهمونَها تقعُ في العُمرِ مرةً واحدة, هذه التوبةُ الكُبرى التي نَقَلتكَ من الشقاءِ إلى السعادة، من المعصيةِ إلى الطاعة، من الضلالِ إلى الهُدى، من الضياعِ إلى الوجدان، التوبةَ التي تعقِبُ كُلّ خطأٍ طفيفٍ وكُل جهلٍ وكُل تقصيرٍ, هذه التوبةُ ينبغي أن تكونَ مستمرّةً طَوالَ الحياة, وهذا معنى قول النبي:
عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))
أمّا النهاية: في نهايةِ كُلِّ صلاة, ونهايةِ كُلِّ صيام, ونهايةِ كُلِّ عُمرةٍ أو حج, ونهايةِ كُلِّ مجلسٍ, وكُلِّ لقاءٍ, وكُلِّ علاقةٍ, وفي نهايةِ العُمر: ترجو الله عزَ وجل أن يقبَلَكَ، أن يقبَلَكَ بهذا العمل الذي هوَ جُهدُ مُقِلٍ كما قالَ عليه الصلاة والسلام، أن يقبَلَكَ وأن يتجاوَزَ عن أخطائِكَ وعن سيئاتِكَ وعن زللاتِكَ, فلعل اللهَ عزَ وجل يختِمُ هذا العملَ بتوبةِ القَبول، في توبة العفو وفي توبة القَبول، تتوبُ من ذنبٍ فيقبل الله توبَتَكَ؛ أي عفا عنك، لكن الآن: قد يعفو عنك ولكنه لا يقبَلُكَ، أنتَ ماذا تُريد؟ أن يقبَلَكَ الله عزّ وجل, لذلك: توبةُ نهاية العُمر توبةُ القَبول. 2-إفراد الله في العبادة والاستعانة :
أيضاً: حينما تقولُ: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, بكلمة إيّاكَ في تخصيص, يعني إيّاكَ وحدَكَ يا رب لا نعبُدُ سِواك، وإيّاكَ وحدَكَ يا رب لا نستعينُ بغيرِك، إفرادُ اللهِ في العبادة وإفرادُهُ في الاستعانة، حينما تتجهُ إلى أن تستعينَ بغير الله عزّ وجل أو أن تستعينَ بزيدٍ أو عُبيد, لا تنس هذا الحديث:
((ما من مخلوقٍ يستعينُ بي من دونِ خلقي, أعرِفُ ذلِكَ من نيّتهِ, فتكيدُ لهُ أهلُ السمواتِ والأرض, إلا جعلتُ لهُ من بينِ ذلِكَ مخرجاً, وما من مخلوقٍ يعتصمُ بمخلوقٍ دوني, أعرفُ ذلِكَ من نيّتهِ, إلا قطّعتُ أسبابَ السماءِ بينَ يديه, وأهويتُ الأرضَ من تحتِ قدميه))
إذاً: يجبُ أن تُفرِدهُ بالعِبادةِ, ويجبُ أن تُفرِدهُ بالاستعانة, والحديثُ الشريف: ((لا يخافنَّ العبدُ إلا ذنبَه, ولا يرجوّنَ إلا ربَه, ولا يُغيرُ اللهُ ما بِقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفِسهم))
3-تعريف العبادة :
وآخر شيء في الدرس: أنَّ العِبادة غايةُ الخضوع معَ غاية الحُب، خضوعٌ بِلا حُب لا يُعدُّ عِبادة, وحُبٌ بِلا خضوع لا يُعدُّ عِبادة، نهايةُ الخضوعِ ونهايةُ الحُبِّ هوَ العِبادة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
والعِبادة الحقّة هيَ أعلى مقاماتِ الإنسان, وقد رأيتم قبلَ قليل: كيفَ أنَّ اللهَ عزّ وجل وصفَ النبيَ عليه الصلاة والسلام وهوَ في أعلى درجاتِهِ, وصفهُ بأنهُ عبدٌ للهِ, وأنهُ لمّا قامَ عبدُ اللهِ يدعوهُ:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾
هذه كُلُها تؤكِدُ: أنَّ العبوديةَ هيَ كُلُ شيء, بل إنَّ كُلَّ هذه الدروس ما هيَ إلا في تفصيلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين. اعلم علم اليقين :
بقيَ موضوعٌ دقيقٌ متعلّقٌ بالعِبادة: العِبادة أيها الأخوة وقد ذكرتُ هذا من قبل هيَ طاعة، غايةُ الطاعة الخضوع مع غاية الحُب، لكن يجب أن تعلم عِلمَ اليقين: أنكَ لن تُطيع ولن تُحب إلا إذا عَرفت, فطريقُ العِبادةِ هيَ المعرِفة، العِلم هوَ الطريق الوحيد إلى الله عزّ وجل, وأنكَ إذا أطعتَ وأحببت سَعِدتَ باللهِ عزّ وجل، ثلاث كلمات أتمنى على اللهِ عزّ وجل أن تكونَ واضِحةً عِندكم، ثلاث كلمات في حياتِنا؛ الأولى: المعرفة، والثانية: السلوك، والثالثة: الثمَرَةَ وهيَ السعادة، فينبغي أن تسعد, ولن تسعدَ إلا إذا أطعت, ولن تُطيعَ إلا إذا عَرفت.
بماذا فسر العلماء هذا الحديث؟ :
النبي عليه الصلاة والسلام كانَ بليغاً جداً حينما قال:
((الندمُ توبة))
[أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
العلماء احتاروا بهذا الحديث, يا ربي التوبة ليست ندماً فقط, التوبة عِلم، أنتَ في أيةِ لحظةٍ تتوبُ من الذنب؟ إذا عرفتَهُ ذنباً، لا بُد في التوبةِ من علمٍ, فإذا حصلَ العِلمُ صار الندمُ, وإذا صارَ الندمُ نَقَلَكَ إلى السلوك، ففي أدقِّ تعريف التوبة: هيَ عِلمٌ وحالٌ وعمل.
جاءَ االنبي عليه الصلاة والسلام, وذكرَ في التوبةِ المرتبة الوسطى, قال:
((الندمُ توبة))
[أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
فالعُلماء عندما فسّروا هذا الحديث, قال: هذا الندم, لا بُد لهُ من علمٍ أحدثهُ, ولا بُد لهُ من عملٍ نَتَجَ عنهُ, هذه البلاغة بالإيجاز: ذَكرَ لكَ المرحلة الأساسية هيَ الندم، فالندم سببهُ العِلم, والندم نتيجتهُ الاستقامة, فقال النبي:
((الندمُ توبة))
[أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
ينبغي أن تعلم :
ربُنا قال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
العِبادة طاعة وحُب، طيب: يا ربي أنتَ أغفلت العِلم وأغفلت السعادة, لأن هذه الطاعة وهذا الحُب لا يُمكن أن يكون إلا بالعِلم، وهذه الطاعة وهذا الحُب إذا حصل ينتجُ عنهُ سعادة أبديّة في الدُنيا والآخرة, فنهاية المطاف: يجبُ أن تعلم: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى خَلَقَكَ كي تعبُدَهُ, أي كي تُطيعَهُ وكي تُحِبهُ، ولن تطيعَهُ ولن تُحِبهُ إلا إذا عَرفتَهُ, وإذا أطعتهُ وأحببتهُ سَعِدتَ بقُربِهِ في الدُنيا والآخرة.
حياتنا تبنى على هذه الكلمات الثلاث, هما :
إذاً: حياتنا كُلها ثلاث كلمات: نتعلّم ونعمل فنسعَد، تُلغي العمل لا تستفيد شيئاً، تُلغي العِلم لا تستفيدُ شيئاً, طبعاً: الثالثة تحصيل حاصل, تجد في القرآن أكثر من ثلاثمئة آية:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 82]
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
نهاية المطاف :
فأنا أتمنى على الأخوان الكِرام: أن يكونَ في حياتِهم شيئان كبيران: طِلَبُ العِلمِ والالتزامُ بما تعلّمت، لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام:
((لا بورِكَ لي في طلوعِ شمسِ يومٍ لم أزدد فيهِ من اللهِ عِلماً, ولا بورِكَ لي في طلوعِ شمسِ يومٍ لم أزدد فيهِ من اللهِ قُرباً))
القرآن يؤكّد ذلك: حجمُكَ عِندَ اللهِ بحجمِ عملِك, والدليل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
وحجمُكَ عِندَ اللهِ بحجمِ عِلمِك, والدليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[سورة المجادلة الآية: 11]
فأنتَ لكَ نشاطين: نشاط هوَ التعلّم ونشاط هوَ التطبيق؛ في المسجد تتعلم وفي بيتِكَ ودُكانِكَ ومكتَبِكَ وعيادَتِكَ ومعمَلِكَ تُطبّق، هُنا تتعلم والحياةُ كُلُها مجالٌ للتطبيق.
إذاً: حينما تختصر الدين بكلمات موجزة, وكلمات مُحكمة, وكلمات بليغة: الدينُ عِلــمٌ وعمل, والثالثة: تحصيل حاصل وهيَ السعادة تحصيل حاصل، أنتَ طبّق الأولى والثانية, والثالثة تأتيكَ وهيَ راغِمةَ.










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )


الموضوع : الانابة









عن ماذا تتحدث هذه الآيات؟ :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثامن والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، منزِلةُ من أدقِّ المنازل وردت فيها آياتٌ كثيرة، وفي المناسبة: أنَّ هذه المنازل هيَ في الحقيقة تفسيرٌ لكتابِ اللهِ عزّ وجل, ولكن ليسَ أساسُهُ الآيات المُتتابعة, ولكن أساسُهُ الآياتُ ذات الموضوع الواحد، ففي القرآن الكريم آياتٌ كثيرة تتحدثُ عن الإنابة, من هذه الآياتِ مثلاً:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
أمرٌ إلهيٌ يقتضي الوجوب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾
[سورة هود الآية: 75]
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
[سورة ق الآية: 6-8]
وصِفَ النبي الكريم سيدنا إبراهيم بأنهُ حليمٌ أواهٌ مُنيب، جاءَ أمرٌ إلهي: وأنيبوا إلى ربِكم، وُصِفَ العبدُ الذي يتأثرُ بآيات اللهِ الدالةِ على عَظَمتهِ بأنهُ عبدٌ مُنيب. آيةٌ رابعة:
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾
[سورة غافر الآية: 13]
ووصفَ اللهُ عزّ وجل عِبادهُ الصالحين بأنهم مُنيبونَ إليه: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة الروم الآية: 31]
ما معنى منزلة الإنابة؟ :
1-إنابة لربوبيته :
هُناك منزِلة في القرآن الكريم يمكن أن نُسميّها: منزِلةَ الإنابة، ما معنى هذه المنزِلة؟.
بعضُهم قال: إنَّ هذه المنزِلة تعني شيئين, لأنَّ هُناكَ إنابتين؛ إنابةٌ لربوبيته وإنابةٌ لألوهيته، فالإنابةُ للربوبيّة إنابةٌ عامّة, فكُلُ الخلق على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم ومِللهِم ونِحلِهم واتجاهاتِهم، مؤمنهم وكافرهم, وفاسقهم وطائعهم منيبونَ إلى الله, حينما تأتي الشِدّة.
راكب طائرة, دخلت في سحابة مُكهربة, صار إمكان وقوعك كبير، راكب سفينة، واجهت مُشكلة، التحليل أظهر خللاً كبيراً في تركيب الدم، الصور الشُعاعية أظهرت خللاً في الخلايا، حينما تأتي المُصيبة جسمية أو مادية أو معنوية في المالِ, في الولدِ, في الأهلِ، حينما يلوحُ شبحُ المصائب, كُلُ الخلق من دونِ استثناء, كما قُلتُ قبلَ قليل: مؤمنهم وكافِرهم, عالِمُهم وجاهِلُهم, من كُلِّ الأجناس, من كُلِّ المِلل, من كُلِّ النِحل مُنيبينَ إلى الله, ولكن هذه الإنابة بحسب ضعفِ الإنسان, بحسب افتقارِهِ إلى الله، بحسبِ أنهُ مقهور، بحسبِ أنهُ مُضطر.
هل يرتقي العبد بإنابة الربوبية إلى الله؟ :
هذه الإنابة لا ترتقي بِكَ إلى الله، الدليل:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 33]
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾
الناس جميعاً، يعني حينما تأتي المُصيبة, وتنطلق إلى اللهِ عزّ وجل, هذا ليسَ لكَ فيهِ فضلٌ إطلاقاً, هذه طبيعةُ الإنسان، هذه جِبلّته، هذه فِطرَتُهُ، هذا ضعفُهُ، هذا افتقارُهُ، هذا اضطرارُهُ، هذا قهرُهُ, أيُّ إنسان، لذلك ربُنا عزّ وجل قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
[سورة النجم الآية: 43]
الله عزّ وجل طبعاً من قدرتِهِ -وهذا شيء بسيط جداً- أنهُ يجعلُ أشد الرِجالِ جَلَداً تنهارُ أعصابُهُ ويجهَشُ بالبُكاء.
طبعاً: أن ترى طِفلاً يبكي شيء مألوف، أن ترى امرأةً تبكي شيء مألوف، أما أن ترى رجُلاً شديداً عتيداً جَلداً تنهارُ أعصابُهُ ويُجهِشُ بالبُكاء!! معنى ذلك: أنَّ اللهَ عزّ وجل حينما يؤدّبُ الإنسان, يعرِفُ كيفَ يؤدّبُهُ؟.
فإذا الإنسان ضحك, وكان مَرِحاً, وانطلق لسانهُ, وهوَ بينَ أهلِهِ، بينَ أصدقائِه، في عملِه، مع شركائِهِ، هذا فضلُ اللهِ: أنَّ اللهَ سلّمَه, وعافاه, ويسر له أُموره, وإلا فأيُ خبرٍ مُزعج يقلِبُ حياةَ الإنسانِ جحيماً.
إذاً: هذه الإنابة ليسَ لنا فيها فضلٌ إطلاقاً، هذه من جِبلّتِنا، من ضعفِنا، من قهرِنا، من افتقارِنا، من هلعِنا:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية: 19-21]
تحت أي إنابة تندرج هذه الحادثة؟ :
قُلتُ لكم من قبل: أنَّ طائرةً يركَبُها خُبراء من بِلادٍ, لا تؤمنُ باللهِ إطلاقاً, يعني لا تؤمنُ بوجودِ اللهِ إطلاقاً، دخلت هذه الطائرة في سحابةِ مُكهرّبةٍ, وبدا لرُكابِها أنها على وشك السقوط.
حدثني من كانَ في الطائرة: أنَّ هؤلاءِ الذينَ يُلحِدونَ في ذاتِ اللهِ وفي آياتهِ, صـاروا يرفعونَ أيديهم إلى السماء: يا رب .. يا رب .. بلُغاتهم؛ أينَ إلحادُهم؟ أينَ عِلمانيتُهم؟ أينَ إنكارُهم؟ أينَ كُفرُهم؟.
أعتقد أنَّ كلكم قرأَ في القرآن آيات كثيرة, كيفَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يستدرج الكافر أحياناً إلى سفينة, فإذا ماجَ البحرُ واضطرب ....:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 22]
فحينما تأتي مُشكلة وتلجأ إلى الله عزّ وجل، لا أُقللُ من قيمةِ هذا اللجوء, ولكن أُبلغـكَ أنَّ هذا اللجوء لا فضلَ لكَ بِهِ, لأنَّ هذه طبيعَتُكَ, وهذا افتِقارُكَ.
هذه هي البطولة :
البطولةَ: أن تُنيبَ إليه إنابةَ الألوهيّة, وقد تحدّثتُ في درسٍ سابق, كيفَ أن الإلهَ الذي يستحّقُ العِبادة، الذي خَلَقَكَ يستحّقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي رَزَقَك يستحقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي أعطاكَ السمعَ والبصرَ والفؤادَ يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي مَنَحَكَ الأهلَ والأولاد يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي تفضّلَ عليكَ بنِعمةِ الهِدايةِ هوَ الإله.
إذاً: لا معبودَ بحقٍ إلا الله، أنتَ حينما تنطلِقُ إلى اللهِ عزّ وجل من قناعة, من مُبادرَة ، تنطَلِقُ ابتداءً إلى اللهِ عزّ وجل, وأنتَ في رَخاء, وأنتَ في بحبوحَة, فهذه هيَ البطولة، هذه هيَ الإنابةُ التي يُريدُها اللهُ عزّ وجل: أن تُنيبَ إليه إنابةَ حُب لا إنابةَ قهر، إنابةَ اشتياق لا إنابةَ اضطرار، إنابةَ اقتناع لا إنابةَ إجبار.
لذلك قالوا: الإنابةُ إنابتان؛ إنابةٌ لربوبيته: وهذه إنابةُ المخلوقاتِ كُلِها, يشتَرِكُ فيها المؤمن والكافر, البرُّ والفاجر,
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾
2-إنابة الألوهية :
الإنابةَ البطوليّة هيَ: إنابةٌ لألوهيته، وإنابةُ الألوهية؛ أي أن تعبُدهُ بعدَ أن تؤمنَ بهِ، أن تعبُدهُ وأنتَ مُحبٌ لهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ ترجوهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ راغبٌ فيما عِندهُ, من دونِ اضطرارٍ, من دونِ ضغطٍ, من دونِ إكراهٍ, من دونِ خوفٍ، لأن هذا الذي يُنيبُ إلى الله عِندَ الشِدّة.
من لوازم هذه الإنابة: أنها إذا رُفِعت الشِدّةَ عادَ إلى ما كانَ عليه.
أعِرفُ أُناساً كثيرين, حينما جاءتهم أزمةً في بعضِ أعضائِهم الخطيرة, أنابوا إلى الله, فلمّا تحسّنَ وضعُهم, وانزاحت عنهم هذه الآلام, وأظهرت النتائج المخبرية أنهم في صحةٍ جيدة, عادوا إلى ما كانوا عليه, من فِسقٍ وفجورٍ وانحرافٍ وطغيانٍ واستكبار.
إذاً: الإنابة التي تأتي عِندَ الاضطرار سُرعانَ ما تنزاحُ عِندَ الرخاء، إذاً: لا قيمةَ لها, والدليل:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾
لكن روعة الآية: أنَّ فريقاً منهم، معناها: هُناكَ أُناسٌ حينما تأتيهم الشِدّة, وينيبونَ إلى الله, يستفيدونَ من هذه الشِدّة, وتكونُ إنابتُهم إلى اللهِ عزّ وجل مستمرة, والدليل: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
من خصائص الإنابة :
1-أن تكون الإنابة أساسها المحبة :
الإنابة قالوا: أربعةُ خصائص؛ الخصيصةُ الأولى: أن تكونَ الإنابةُ أساسُها المحبة, يعني دائماً نتحدثُ عن العبوديةِ للهِ عزّ وجل، العبودية من الداخل حُب, ومن الخارج انصياعٌ إلى اللهِ عزّ وجل.
وفي أدقِّ تعاريف العبوديّة: غايةُ الخضوع للأمرِ والنهيِ, وغايةُ الحُب، خضوعٌ في الأعضاءِ والجوارح, وحُبٌ في القلب، فإذا اجتمعَ الحبُ في القلب, الحُبُ مع الإخلاص, والخضوعُ والاستسلام لأمر اللهِ عزّ وجل, فهذه هيَ العبودية, وهذا الذي قالهُ اللهُ عزّ وجل:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
يعني أنتَ في أعلى درجاتِك, وفي أفضلِ حالاتِك, وفي أعلى مراتِبِك عبدٌ للهِ عزّ وجل, قلبُكَ مُفعمٌ بالحُب, وجوارِحُكَ وأعضاؤكَ مُنساقةٌ إلى طاعته، إذا كُنتَ كذلك فأنتَ من عِباد الله الصالحين, فأنتَ من عِبادِ الرحمن الذينَ يمشونَ على الأرضِ هونَاً, وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاماً:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
فالأمرُ الأولُ في الإنابةِ هوَ: الحُب. 2-3 الإنابة خضوع وإقبال على الله عز وجل :
والأمرُ الثاني في الإنابةِ هوَ: الخضوع, كما قُلتُ قبلَ قليل، والأمرُ الثالِثُ في الإنابةِ: الإقبالُ على الله، الفرق بين الحُب والإقبال: الإقبال بالعبادات، بالأدعية، بالأذكار, بالتذكير أحياناً، بتلاوة القرآن.
في حُب وخضوع وإقبال على الله عزّ وجل. 4-الإعراض عما سواه :
والعُنصر الرابع: والإعراضُ عمّا سِواه.
أُناسٌ منحرِفون, شهواتٌ دنيئة، أماكن موبوءة, أيُّ شيء يُبعدُكَ عن اللهِ عزّ وجل تُعرِضُ عنهُ, يعني في النهاية هُناكَ في الكونِ حقيقةٌ واحدة وهيَ الله, فأيُّ شيء يُقرّبُكَ إليه تُبادر إليه، وأيُّ شيء يُبعِدُكَ عنهُ تبتعد عنه، هذا اللقاء، هذه النزهة، هذه العلاقة، هذه الشَرِكة, إن أبعدتكَ عن اللهِ عزّ وجل أعرضتَ عنها, وإن قرّبتكَ إلى اللهِ أقبلتَ عليها، هذا هوَ مُلخّصُ المُلخّص.
حينما ترى شيئاً يُقرّبُكَ إلى اللهِ عزّ وجل تنطلِقُ إليه, وحينما ترى شيئاً يُبعِدُكَ عن اللهِ عزّ وجل تجتنبهُ، فالحُبُ في القلب, والخضوعُ في الجوارحِ والأعضاء, والإقبالُ على الله, والإعراضُ عمّا سِواه, هذا هوَ المُنيب.
تعريف الإنابة في اللغة :
باللغة: الإنابة: الإسراع والتقدم, يعني أنابَ إلى الله غيرَ رَجَع، ممكن أن تنطلق من البيت, ثم تذكُرُ شيئاً في البيت, فتعودُ إلى البيت الهوينى، ولكنَّ الإنابة من معانيها الدقيقة: العودةُ إلى اللهِ بِسُرعةٍ إلى اللهِ عزّ وجل, المسارعةُ إلى الله.
لذلك: كان سيدنا عُمر -كما يقولون-: وقّافاً عِندَ كِتابِ الله.
المؤمنُ مذنِبٌ مُفتتنٌ توّاب, كثيرُ التوبةِ, كثيرُ الإنابةِ, يعودُ مباشرةً.
يعني مثلاً: وقعَ في ذنبٍ مساءً ما آوى إلى فِراشِهِ إلا وهوَ تائبٌ مِنه, هذه الإنابة, أمّا الذي يقعُ في الذنب, ويتوبُ إلى اللهِ بعدَ أسبوع, أو بعدَ أسبوعين, أو بعدَ شهرٍ, أو شهرين, ليست هذه هيَ الإنابة، الإنابة هيَ المُسارَعةُ إلى اللهِ عزّ وجل، المُسرِعُ إلى مرضاتِه، الراجعُ إليه في كُلِّ وقت، المتقدّمُ إلى محابّهِ، المُبتَعِدُ عن مُسخِطاتِهِ.
الحقيقة: قد يسألُ سائل: ما علاقةُ التوبةِ بالإنابة؟ أنتَ تُبتَ إلى الله, ولكن الإنابة التوبة المُستمرّة، الرجوع المستقر إلى الله عزّ وجل.
ما تفصيل هذه التعاريف؟ :
وقال العُلماء: الإنابةُ: الرجوعُ إلى الحقِ إصلاحاً كما رَجَعتَ إليهِ اعتذاراً, وأن ترجِعَ إلى الحقِّ وفاءً كما رَجَعتَ إليهِ عهداً, وأن ترجَعَ إلى الحقِ حالاً كما رَجَعتَ إليهِ مقالاً ، ما تفصيلُ هذه التعاريف؟.
أولاً: الإنسان حينما يتوبُ إلى اللهِ عزّ وجل, يُقلِعُ عن كُلِ ذنبٍ اقترفه, لكن يا تُرى: هل يكفي أن أستقمَ على أمرِ الله, أم الإنابةُ الحقيقيةُ: أن أُبادِرَ إلى الأعمال الصالحة؟ الاستقامة من طبيعتها أنها سلبيّة, تركت إطلاقَ البصرِ إلى النِساء، تركت أكلَ المالِ الحرام، تركت الغيبةَ، تركت النميمة، الاستقامة أساسُها سلبيّ, لكن ألا ينبغي أن تعودَ إلى اللهِ عزّ وجل لتدعو إلى الله؟ أن تعودَ إليهِ مُصلِحاً بعدَ أن عُدّتَ إليهِ تائِباً, عُدتَ إليهِ تائباً والآن تعودُ إليهِ مُصلِحاً، الإصلاح فيهِ إيجابيّات؛ ماذا قدّمتَ ليوم القيامة؟ ما العملُ الذي ترجو اللهَ أن يقبَلَهُ مِنك؟ ما العملُ الذي تُعلّقُ عليهِ أهميةً في عودَتِكَ إلى اللهِ عزّ وجل؟ كما قالَ النبي عليه الصلاة والسلام:
((يا بِشر, لا صدقةَ ولا جِهاد, فبِمَ تلق اللهَ إذاً؟))
أنتَ في رحلة, سميتُها في خُطبة الجُمُعة: الحج رحلة قبل الأخيرة, لكن هُناكَ رِحلةٌ أخيرة: ما الذي بينَ يديك؟ ما الذي تحفلُ بهِ عِندَ اللهَ عزّ وجل؟.
لو سُئلتَ: بماذا جِئتني يا عبدي؟ يقول: يا ربي, أنا استقمتُ على أمرِك, جميل, لكن استقمتَ فقط!! أنتَ حينما استقمت تعجلّتَ الراحةَ لقلبِك، أنتَ حينما استقمت ابتعدتَ عن آلاف المُشكِلات، ماذا قدمت؟ بماذا ضحيّت؟ ما الـذي بذلت؟ ما العمل الجليل الذي سعيتَ إليه وترجو بهِ رحمتي؟. من معاني الإنابة :
الإنابة لها معنى سلبيّ ومعنى إيجابيّ، المعنى السلبيّ ترك المعاصي, يعني أنابَ إلى الله: رَجَعَ إليهِ تائباً، وأنابَ إليهِ: رَجَعَ إليهِ مُحسِناً، في الأولى تارِكاً للذنب وفي الثانية عامِلاً للصالِحات، فهذا المعنى الأول معنى إيجابيّ, يعني أنتَ حينما ترى إنساناً يحتاج إلى مُساعدة, تُبادر إلى خِدمَتِهِ, فإذا وقفتَ لتُصلّي, شعرتَ أنَّ اللهَ قد قَبِلَ هذا العمل، ألم تعلموا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
صدقةُ السِرّ تقعُ في يدِ اللهِ قبلَ أن تقعَ في يدِ الفقير؟.
فنحنُ نُريد إنابة مع العمل الصالح لا إنابة مع التوبة، الإنابة مع التوبة وقعت وانتهى الأمر, تُبتَ إلى اللهِ من كُلِّ معصيةٍ، من كُلِّ مخالفة, من كُلِّ ذنب، أمّا الآن: تُريد أن تنيبَ إليه, وبيدِكَ عملٌ صالح, هذا هوَ المعنى الأول، المعنى الثاني:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 70]
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 160]
أعطينا مفهومَ الإنابة مفهوم إيجابي، أنتَ قدّمت عملاً ثميناً, تبتغي بهِ رِضوان الله عزّ وجل.
معنى آخر للإنابة :
ومعنى آخر للإنابة: أن ترجِعَ إليه بالوفاءِ بعهدِهِ.
أنتَ عاهدتهُ, أحياناً الإنسان يقفُ عِندَ الحجر الأسود, ويُقبلّهُ, ويذرِفُ الدمعَ غزيراً, ويقول: يا ربي عهداً على طاعتِك, عهداً على استقامتِك, شيء جميل, الإنسان لهُ أحوال مع اللهَ يُعاهِدهُ بِها.
طيب: هذا العهد أينَ مضمونهُ؟ أينَ الوفاءُ بهِ؟ أينَ تحقيقُهُ؟ أينَ تنفيذُهُ؟ أينَ ترجمتـُهُ إلى لُغةِ الواقع؟ فأنتَ تعودُ إلى اللهِ مُعاهِداً, وتعودُ إليه مرةً ثانية مُوفيّاً بعهدِك، وُضِعت في ظرفٍ حَرِج, أنت ماذا عاهدت الله عز وجل حينما تُبتَ إليه؟ عاهدتَهُ على الإنصاف, والآن أنتَ أمام موقف ينبغي أن تُنصِف، ماذا سوفَ تفعل؟ إما ألا تُنصِف وإمّا أن تُنصِف.
إذاً أول إنابة: أن تُعاهِدهُ على الاستقامة فهذه إنابة، ثمَّ أن تعملَ الصالِحات وهذه إنابة، أن تُعاهِدهُ على الإقلاعِ عن المعاصي هذه إنابة، وأن توفّي بعهدِكَ هذه إنابةٌ أُخرى.
بماذا تؤيد هذه الآيات؟ :
الآيات المؤيّدة لهذا المعنى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 34]
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 91]
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 177]
لذلك الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 2-3]
قف عند هذه الكلمة :
أنا أقول لكم أيها الأخوة: المؤمن في عِندهُ شفافية، لو فرضنا أنهُ عاهدَ اللهَ في لحظةٍ من لحظاتِ حياتِهِ، في ساعةٍ من ساعاتِ ضيقهِ، في وقتٍ من أوقاتِ مِحنتهِ وشِدتّهِ، وبعد أسبوعٍ أو أسبوعين, وبعدَ شهر أو شهرين, ظهر موقف يقتضي بأن يوفّي بعهدِهِ, ألا تشعر أيها الأخُ المؤمن, أنَّ اللهَ يُعاتِبُك إن لم توّفِ؟.
يعني: هل هُناكَ حساسية بحيث أنكَ تُحِسُ, وكأنَّ اللهَ عزّ وجل يقول لكَ: يا عبدي أينَ العهد الذي بيني وبينك؟ ألم تُعاهدن أن تفعلَ كذا وكذا؟ ألم تُعاهدن أن تكظِمُ غيظَك؟ ألم تُعاهدن أن تكونَ حليماً؟ ألم تُعاهدن أن تتجاوزَ عن السيئات؟ فلمّا الإنسان ينشأ بينهُ وبينَ الله هذا الحِوار -إن صح التعبير- يعني أبسط حِوار كما قُلتُ لكم من قبل: إذا أردتَ أن تُناجيَ اللهَ عزّ وجل فادعوه, الدعاء مناجاة, وإذا أردتَ أن يُحدّثُكَ اللهُ عزّ وجل, اقرأ كِتابَ اللهِ عزّ وجل، فقراءةُ القرآنِ كأنَّ اللهَ يُحدّثُك:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزُمر الآية: 53]
إذا أردتَ أن تُحدّثَهُ, تقول لهُ: يا رب أقِل عِثاري، اغفر زلّتي, ارحم ضعفي، اقبل توبتي، أقِل عثرتي يا رب، يا رب ألهمني الصواب, اهدِني واهدِ بي، أرِني الحقَّ حقّاً وارزقني اتباعه.
بماذا تتميز حياة المؤمن؟ :
أجمل ما في حياة المؤمن: أدعيةٍ نبويةٍ, فيها جوامِعُ الحِكم, أن تحفَظَها, فكُلما خَلوتَ معَ ربِك, وأنتَ في الطريق, وأنتَ في موعدٍ مُهم, وأنتَ مُستيقظ صباحاً, يعني كُلما جلستَ إلى مائدةٍ, أذكار النبي في الحمدِ, والشُكرِ للهَ عزّ وجل, فإذا أردتَ أن تُحدّثَ اللهَ عزّ وجل فادعوه، وإذا أردتَ أن يُحدّثَكَ الله عزّ وجل فاقرأ القرآن.
يا موسى! أتُحِبّ أن أكونَ جليسَك؟ قالَ: وكيفَ ذلِكَ يا رب؟ قالَ: أما عَلِمتَ أنني جليسُ من ذَكَرَني, وحيثُ ما التمسني عبدي وَجَدَني.
من أنواع الشكر لله عز وجل :
بعضُهم قال: حينما تذكُر الله عزّ وجل فهذا نوعٌ من الشُكر, إذا ذكرتَ نِعمةَ اللهِ عليك.
إذا الإنسان شَرِبَ كأساً من الماء, يعني الطُرق سالِكة, ليسَ هُناك حصيات, وليسَ هُناك انحباس في البول, وليسَ هُناك ضعف في عملِ الكُليتين, والأمور كُلها منتظمة, أليست هذه نِعمة كبيرة؟ لستَ مُضطراً لا أن تُصفّي دمَكَ في الأسبوع مرتين, ولا أن تُجري عملية تحطيم البحصة بالأشعّة.
إذاً: هذه نِعمة، أنتَ كُلما دعوتَهُ في أحوالِكَ كُلِها, دخلتَ إلى بيتِك, لكَ مأوى, ولكَ بيت, ولكَ زوجة, ولكَ أولاد, وجلستَ إلى الطعام, والطعام موجود, ومعكَ ثمن الطعام، يعني الله عزّ وجل أكرمكَ بهذا البيت, وبهذه الزوجة, وهؤلاءِ الأولاد, فأنتَ حينما تدعو اللهَ عزّ وجل فأنتَ تذكُرُهُ؛ فالنعِمةُ معرِفَتُها شُكرٌ, والحمدُ عليها شُكرٌ, ومقابلة النِعمةِ بالأعمال الصالحةِ شُكرٌ, ثلاثة مستويات, يكفي أن تعرِفَ أنَّ هذه النعمة من اللهِ عزّ وجل, فهذا أحدُ أنواعِ شُكرِها, ويكفي أن يمتلئ قلبُك امتناناً من هذه النِعمة, فهذا مستوى أرقى، أمّا إذا انطلقتَ في خِدمةِ الخلق تعبيراً عن شُكرِكَ للهِ عزّ وجل, فهذا مستوى أرقى وأرقى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
فقال: من علاماتِ النِفاق الغدرُ بعهدِ الله, هكذا رواهُ عليه الصلاة والسلام, فيما رواهُ البخاري.
فيما رواهُ البخاري: أنَّ من علاماتِ النِفاقِ الغدرُ بعهدِ اللهِ عزّ وجل.
متى تكون إنابة الحال؟ :
بقي شيء آخر: هوَ الرجوعُ إليهِ حالاً بعدَ أن رَجَعتَ إليهِ مقالاً.
يعني حالكَ مع الله دائماً، يجوز لِسانُكَ مع الله, يا رب تُبتُ إليك, لكن النفس موزّعة في الدُنيا, في شُعَبِها, في أوديتِها, في متاهاتِها, في شهواتِها، الآن نريد إنابة فوقَ الإنابة القولية: إنابة حاليّةِ.
أن تكون نفسُكَ مُطمئنةً إلى الله عزّ وجل, سابحةً في ملكوت الله، يعني سارحةً في فضلِ الله, قريبةً من الله عزّ وجل, فأن تُنيبَ إليه هذه إنابة اعتذار، وأن تُنيبَ إليه إنابة وفاء بعدَ أن أنبتَ إليه إنابة عهد، وأن تُنيبَ إليه إنابة حال بعدَ أن أنبتَ إليه إنابة مقال.
من علامات الإنابة :
1-الخروج من التبعات :
بعض خصائص الإنابة: من علاماتِ المُنيب: أنهُ يخرُجُ من التَبِعات.
يعني أيُّ عملٍ يضعهُ أمامَ مسؤوليةٍ أمامَ اللهِ عزّ وجل, يخافُ منه دائماً, هوَ خفيفٌ من التَبِعات، متى ينجو من التَبِعات؟ إذا أدّى الواجِبات.
إذا وَصَلَ رَحِمَهُ، أدّى ما عليهِ من حقوق, بر والِديه, أنصفَ مع من معهُ، حينما تقعُ عليكَ التَبِعات, فلستَ منيباً إلى اللهِ أبداً، أحدُ خصائص المُنيب: أن يبتعدَ عن كُلِّ تَبِعةٍ تُحمّلهُ أمامَ اللهِ مسؤولية.
سائل يسأل :
أخ حدثني وسألني, ممكن أن أُصور سناً لمريض, المريض يأتي مجاناً في مستوصف, لكن علّمونا في الجامعة أكثر من صورة هذه قد تؤذي, هذا المريض الفقير لا يعرف, نصوّرهُ صورة واثنتين وثلاث وخمس, نتعلّم فيه, أنتَ حينما تفعلُ هذا, وقعتَ في التَبِعَةِ، وقعتَ في المسؤولية، أليسَ اللهُ يعلم أنهم قد علّموك: أن لا تُجري هذه الأشعة إلا مرةً واحدة مع المريض, لأخطارٍ تابِعةٍ في المستقبل؟ فأنتَ حينما تفعلُ شيئاً يَضَعُكَ أمامَ مسؤوليةٍ أمامَ الله عزّ وجل فلستَ منيباً، لذلك: الإسلام مسؤولية والإيمان مسؤولية، يا تُرى: أنتَ حينما يكونُ هذا المريضُ أمانةً في عُنُقِك، وهذا الموّكِلُ أمانةً في عُنُقِك, قد ترفع مذكِرة غير مُعتنى بِها, فيخسرُ موكّلُكَ القضية, وهوَ مُحِقٌ بِها, هذا أمانة عِندك، فمن علامةِ إنابَتِكَ إلى اللهِ عزّ وجل: أنكَ تبتِعِدُ عن كُلِّ تَبِعةٍ تضَعُكَ أمامَ مسؤوليةٍ تِجاهَ اللهِ عزّ وجل.
2-التوجع للعثرات :
ومن علامةِ الإنابةِ: أنكَ إذا عثرت، إذا زلّت القدم، إذا وقعتَ في مخالفةٍ، تتألمُ ألماً حقيقيّاً، أنا الآن أُعطيكم مؤشِرات، يعني ولو أن حيواناً مسستهُ بأذى, لا بُد من رفعِ هذه التَبِعة بالإحسانِ إليه, بمعالجتِهِ عِندَ طبيبٍ بيطري، إذا سببتَ لحيوانٍ أذىً, فأنتَ قد وقعتَ في تَبِعةٍ مع اللهِ عزّ وجل.
دخلت امرأةٌ النارَ في هِرّةٍ حَبَستها.
فالتخفف من التَبِعات أو الخروجُ من التَبِعات من علامةِ أهلِ الإنابة.
الشيء الثاني: التوجّعُ للعثرات, يعني المؤمن يُحاسب نفسهُ حِساباً عسيراً حينما يُسيء, حينما يُخطئ دون قصد، حينما تزلُّ قدمُهُ، حينما ينطَلِقُ لِسانُهُ بكلمةٍ قاسيةٍ، حينما يفعلُ شيئاً يشعرُ أنهُ قد أخطأ هذه عَثَرَة، من علامات المؤمن: أنَّ العَثَرات توجِعهُ.
قصة :
البارحة في درس الفجر, أحد أخواننا حدثّني بقصّة بسيطة جدّاً, لكن أنا واللهِ استفدتُ مِنها, عرفتُ كم هيَ النفسُ دقيقة؟ قال لي: أنا اشتريت كوسا, ويوجد قطعة كوسا, لها استطالة طويلة, فانتزعها, ووضعتها في الميزان، بعد ما انتزعها, شعر أنهُ هوَ قد اشتراها بهذا الوزن فأعادها, ما وزنُها؟ خمسة غرامات, هذه الخمسة غرامات تسسببت لهُ مع الله أزمة.
أردت من القِصّة: كم هيَ النفسُ دقيقة؟ حينما نزعت شيئاً, وزنهُ خمسة غرامات, وقعتَ معَ اللهِ في أزمة.
لو واحد قال لكَ: خُذ تفاحة من التُفاحتين, فأخذت الكبيرة لنفسك, يا ترى: لو وزنتها بميزان حساس, ما في غرامين أو ثلاث، لو الوزن واحد, لكن واحدة لونها أحمر, شعرت مع اللهِ بِتَبِعة, لماذا استأثرتَ بالأطيب, بالأكبر, بالأجمل, بالأزهى؟ أنا أقول لكَ: حينما تخرُجُ من التَبِعة تشعرُ براحة.
فهذه العلامة الثانية: الخروجُ من التَبِعات والتوجعُ للعثرات.
3-إدراك الفائتات :
والثالِثة: إدراكُ الفائتات, في وقت مُعيّن فاتتكَ بعضُ الطاعات, فنُضاعف الجُهد، فاستدراكُ الفائتات, والتوجّعُ للعَثَرات, والخروجُ من التَبِعات, هذه علامةُ الإنابةِ إلى الله عزّ وجل.
4-عدم الشعور بلذة الذنب :
علامة رابعة: ما دام هُناكَ لذّةٌ بالذنب, فالانابةُ ليست صحيحة, يعني ممكن أن تشعر بسرور في بعض المعاصي، ما دام هُناكَ لذّةٌ بالذنب, فالإنابةُ ليست مُحكَمَةً ولا صحيحة.
إليك هذا السؤال :
لذلك قالوا: هُناكَ إنسانٌ تأمُرهُ نفسُهُ بالذنب, هيَ النفسُ الأمّارةُ بالسوء، وهُناكَ نفسٌ إذا اقترفت ذنباً لامت صاحِبها كثيراً, هذه النفسُ اللوامة، وهُناكَ نفسٌ مُطمئنةٌ إلى استقامتِها, وإلى رحمةِ ربِها، فهذه مرتبة. هذا مستوى, وذاكَ مستوى, والثالث مستوى.
هُناك سؤال: يا تُرى أيُهُما أرقى عنَد اللهِ: أن تُصارِعَ نفسَكَ وأن تنتصِرَ عليها وأن تتمنى المعصية ولا تفعَلُها, أم أن تكونَ مُعافىً مِنها؟ هوَ حسب ما يبدو: أنَّ الإنسان حينما يُجاهدُ نفسهُ وهواه, يرقى عِندَ اللهِ عزّ وجل, لكن هذه المُجاهدة: يجب أن تنتهي بالإنسان إلى أن تُوافِقَ نفسهُ, أن يتوافقَ هواهُ مع ما جاءَ بهِ النبي عليهِ الصلاة والسلام.
نقطة مهمة :
نقول لكم: وإن كانَ الإنسانُ حينما ترقى نفسهُ إلى درجة: أنَّ جِهادَ النفسِ والهوى يضعُفُ عِندهُ لا لشيء, إلا لأن نفسَهُ توافقت أحياناً معَ ما جاءَ بهِ النبي عليهِ الصلاة والسلام، أنتَ راقب مؤمناً, في أول إيمانهُ يشعر بنشوة كبيرة, حينما يَغُضُ بَصَرَهُ, لماذا؟ لأن هذه النفس تدعوهُ إلى النظر لكنهُ انتصرَ عليها، لكن بعد أربع أو خمس سنوات من سلوكِهِ طريقَ الإيمان, لا يشعُر بهذه اللذّة مع أنهُ يَغُضُ بَصَرَهُ، هل نقول لهُ: إنكَ قد تراجعت؟ لا, لم تتراجع, لكن هذه مرحلة أرقى، الأولى مرحلة الصِراع، مرحلة المُجاهدة، نفسُكَ تتمنى الذنب، تتمنى المعصية، تتمنى سماعَ الغِناء، تتمنى إطلاقَ البصر، لكِنكَ تخافُ اللهَ عزّ وجل, حملتَها على الطاعة، جاهدتَ نفسَكَ وهواك، شعرتَ بلذّةِ الانتصار، شعرتَ بأنَّ اللهَ أغلى عِندَكّ من كُل شهواتِك فارتقيت.
هذا هوَ السِرّ الذي يُحير معظَمَ المؤمنين، يقول لكَ: يا أُستاذ, أول ما تعرفت إلى الله عزّ وجل, عِشتُ سنتين ثلاثة بسعادة لا توصف، عِشت بسرور كأنني طائر، كأنني مع الملائكة، والآن عادي, لا, لستَ عادياً الآن والآن رقيت، لكن كانت نوازِعُ المعاصي قويّة عِندَك, فلمّا تغلبّتَ عليها, شعرتَ بلذّةِ الانتصار, فارتقيتَ عِندَ اللهِ عزّ وجل، أمّا الآن نوازع المعصية ضَعُفت, وقَويت نوازِع الطاعة، لم يعد هُناكَ ذاكَ الصِراع الذي تعهَدُهُ من قبل, لذلك لذّة النصر خفّت.
إذا كان عدو شَرِس وانتصرت عليه, تُحسُّ أنكَ بطل، أمّا إذا واحد مُصارع, جاءهُ شاب صغير, حديث العهد بالمُصارعة, فبضربة واحدة أنهاه, يحتاج لتصفيق حاد, لا, لأن هذه ليست بطولة، فحينما ترتقي نفسُك, وتسمو نوازِعُك, وتميل إلى الحق دائماً, وتبتعد عن كُل مظان المعاصي, عندئذٍ قد يخِفُّ شعور لذّة النصر عِندَك, هذا هوَ بعضُ أسرارِ ما يَظُنُهُ الناسُ تراجُعاً, ليسَ هذا تراجُعاً أبداً, إنما هيَ مرحلة أُخرى من مراحل السير إلى الله عزّ وجل.
الأولى: واستعينوا بالصبرِ, والمرحلة الثانية: الصلاةِ, المرحلة الثالثة:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
[سورة الفجر الآية: 27-30]
كُلكُم يعلم أن هُناكَ نفساً أمّارةً بالسوء، وأنَّ هُناكَ نفساً لوّامةً، وأن هُناكَ نفساً مُطمئنةً, اطمأنت إلى صِدقِ سلوكِها, وصِدقِ طَلَبِها للهِ عزّ وجل, واطمأنت إلى رحمةِ اللهِ عزّ وجل.
5-ترك الاستهانة بأهل الغفلة :
شيء آخر: من علاماتِ الإنابةِ إلى الله عزّ وجل: تركُ الاستهانةِ بأهلِ الغفلة.
أحياناً الإنسان من رعوناتِهِ، الإنسان في أولِ طريقِ إيمانِهِ: تاب إلى الله, كُلما ألقى نظرةً على إنسان متلبّس بمعصية, احتقرهُ وازدراه واستعلى عليه, هذه من رعوناتِ المؤمن في أولِ إيمانِهِ, من كمالِ إنابَتِكَ إلى الله عزّ وجل: أن تدعَ الاستهانةَ بأهلِ الغفلة، السبب: يُحتمل أن هذا الغافِل, أن هذا المُسيء يتوب بعدَ حين, ويشتدُّ صِدقُهُ معَ اللهِ عزّ وجل, ويتجاوزُكَ بمراحِلَ كثيرة، ما دام حيّ لم يُختم عَمَلُهُ.
ممكن أنتَ لكَ سُرعة, فهوَ واقف الآن, وأنتَ ماشي, لكن أنتَ ماشي على الثلاثين, وهوَ الآن واقف, فلو صحا ورَكِبَ مركبة على المئة وعشرين, فتبقى أنتَ في الخلف، فحتى أهل الغَفَلات, يمكن أن يتوبوا إلى الله توبةً نصوحاً, والحياة مليئة بالشواهد.
هُناك أُناس كانوا غارقين في المعاصي, فَرَجعَوا إلى الله رجعةً لو وِزعّت على أهلِ بلدٍ لكَفتهُم، فمن علامة المؤمن أن يدعو لهم بالهِداية، يتمنى لهم التوبة، يسألُ اللهَ السلامة، يسألُ اللهَ المزيد، أمّا حينما يحتَقِرُ أهلَ الغَفَلات, ويستعلي عليهم ويزدريهم, فإنابَتُهُ إلى اللهِ عزّ وجل ليست صحيحة وليست مُحكمة، لم يتأدّب بآداب الإيمان بعد.
قال: كُلما تقدّمتَ في طريقِ الإيمان, تخافُ على نفسِكَ, وأنتَ في قِمّةِ الطاعات, وترجو لهم الرحمة من الله عزّ وجل, وهم في المعاصي, لأنَّ الصُلحة في لمحة، يكفي أن يقول العبدُ: يا رب, فيقول الله عزّ وجل: لبيكَ يا عبدي، فأول علامة رابعة من علامة المُنيب: تَركُ الاستهانةِ بأهلِ الغفلة والخوفُ عليهم مع فتحِكَ بابَ الرجاءِ لنفسِك, والأرقى من ذلك: أن تخافَ على نفسِك وأنتَ في الطاعة، وأن ترجو لهم التوبةَ والإنابة وهم في المعصية.
6-استقصاء رؤية العلل :
من علاماتِ الإنابةِ إلى اللهِ عزّ وجل: استقصاءُ رؤيةِ العِلل.
يعني يقول لكَ: أنا والله ما في منّي, الناس كُلُها هالِكة, وكُلُها ضالّة, وكُلُها واقعة بالحرام, وأنا دخلي حلال, واستقامتي, وزوجتي محجّبة, وبيتي إسلامي, حينما تظُنُ أنهُ ليسَ في حياتِكَ عِللٌ, فهذه أكبرُ عِلّةٍ، لأنهُ:
سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ:
((سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))
فمثلاً: يقول مؤلفُ الكتاب: كم في النفوسِ من عِللٍ وأغراضٍ وحظوظٍ تمنعُ الأعمالَ أن تكونَ خالِصةً للهِ تعالى؟
المُشكلة: أنهُ في ظاهر وفي باطن، الظاهر: الصلاة والصوم والحج والزكاة، والظاهر: أنهُ أنتَ تصدّقت وزكيت ودفعت, شيء جميل, أنا أُريد القلب, ماذا أرادَ من دفعِ هذا المال؟ أن ينتزَعَ إعجابَ الناس أم أن يتقرّبَ إلى اللهِ عزّ وجل؟ لذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزُمر الآية: 2]
قالوا: فأعبد اللهَ في أعضائِك وجوارِحِك, بسمعِكَ وبَصَرِكَ ولِسانِكَ, لكن كيفَ يعبدُ القلبُ اللهَ عزّ وجل؟ بالإخلاصِ إليه, والإنابة إليه, والتوكلِ عليه، فلذلك موضوع الإخلاص موضوع مُهم جداً, بينَ القلبِ وبينَ العملِ مسافة, وفي هذه المسافة قُطّاعٌ للطريق، وبينَ القلبِ وبينَ اللهِ مسافة, وفي هذه المسافة قُطّاعٌ للطريق.
عمل لا يُثمر ثِمارهُ في القلب, يوجد موانع, الآن وصلت ثِمارُ هذا العمل إلى القلب, بقيَ أن يُرفعَ إلى اللهِ عزّ وجل, وأيضاً يوجد موانع، فالعُجب يمنع، الإدلال بالعمل يمنع، أن ترى هذا العملَ عظيماً, وقد قدّرَهُ اللهُ على يديك, والناسُ بعيدونَ عنهُ هذا يمنع، العُجب والإدلال والرؤيا هذه مانعة من قَبولِ العمل, وفي أشياء تمنع من وصول ثِمار العمل إلى القلب.
إذاً: هذه أيضاً من علامة الإنابة الصحيحة: أن تكونَ معافى من هذه القواطع التي تقطعُ آثارَ العمل الصالِحِ إلى القلب, وتقطعُ انتقالَ العمل الصالِحِ إلى الرب، من هذه الموانع التي تمنعُ أن يكونَ العملُ مقبولاً كما قُلتُ قبلَ قليل: الكِبرُ, والإعجابُ, والإدلالُ, ورؤيةُ العملِ, ونسيانُ المِنّةِ, وعِللٌ خفيّةٌ كثيرة، فالإنسان عليه أن يستقصي نيّتهُ, وعليهِ أن يُطهّرَ نفسَهُ, حتى يكونَ العملَ الذي عَمِلَهُ كُلُهُ مقبولاً.
وعلى كُلٍ؛ هذه منزِلةٌ من أهم المنازل, والآيات التي تحدّثت عنها كثيرةٌ جداً، الإنابةُ إلى الله, العودةُ إليهِ بشكل مستمر, عودة اعتذار وعودة إصلاح، عودة عهد وعودة وفاء، عودة قال: وعودة حال.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )


الموضوع : الصفاء









ما معنى كلمة الصفاء؟ :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس التاسع والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، ومنزِلةُ اليوم هيَ منزِلةُ الصفاء, ومن مِنّا لا يُحبُّ الصفاء؟ الصفاء بمعنى النقاء، شيء صافٍ أي نقي من كُلِّ شائبة، فهُناكَ صفاءٌ في العِلم، وهُناكَ صفاءٌ في الحال، وهُناكَ صفاءٌ في الهِمّة، والصفاءُ هوَ النقاء.
المعاني الدقيقة لكلمة الصفاء: وردت هذه الكلمة في قولِهِ تعالى أو ما يُقابِلُها:
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾
[سورة ص الآية: 47]
هؤلاءِ الأنبياء مُصطَفون، والمُصطفى مُفتعل على وزن مُفتعل من الصفوة، والصفوة من الشيء خُلاصَتُهُ، الزُبدةُ صفوةُ الحليب، صفوةُ الكلامِ مختَصَرُهُ، وتصفيتهُ مما يشوبُهُ، شيء مُصفّى أي مما يشوبُهُ، واصطفى الشيء لنفسِهِ جعلهُ خالِصاً لهُ من تعلّقِ الشُركاء، اصطفيتُ هذه الدُكانَ لنفسي ليسَ معي فيها شريك، اصطفيتُ هذا البيت، اصطفيت هذه الزوجة ليسَ معها زوجة أُخرى، الاصطفاء: أن تستقِل بالشيء, والاصطفاء: أن تُصفيَّ الشيء مما يشوبُهُ من الأكدار, والاصطفاء من التصفية, وصفوةُ الشيء خُلاصتُهُ.
ما معنى فلان علمه صاف؟ :
الحقيقة: ما دام الموضوع مُتعلّقاً بالإيمان, فالصفاء لهُ علاقةٌ بالعِلم, ولهُ علاقةٌ بالهِمّةِ والعزيمة, ولهُ علاقةٌ بالحال، فنحنُ في هذا الدرس نَقِفُ وقفاتٍ متأنيةً عِندَ العِلمِ والعزيمةِ والحال, فُلان عِلمُهُ صافٍ؛ أي كُلُ عِلمِهِ حقائق, وكُلُ عِلمِهِ عليهِ أدلّةٌ قطعيّة، عِلمُهُ صحيح، عِلمُهُ يقين، عِلمُهُ مُدعّمٌ بالكتابِ والسُنّة، عِلمُهُ لا شائبةَ فيه, لا خلط، لا شك، لا ريب ، لا ظن، لا وهم، لا خُرافة، لا وهم، عِلمُهُ صافٍ, يعني صحيح ونقيّ من كُلِّ شائبة، والعِلمُ الصافي هوَ: العِلمُ الذي جاءَ بهِ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلّم.
عملية جرد :
أيها الأخوة الأكارم, كُلُنا يحتاج إلى عمليّة جرد، أنتَ لكَ عُمُرٌ, أمضيتَ وقتاً طويلاً, مرةً في المساجد, وفي المدارس, ومع أصدقاء, وفي نَدَوات, وفي سَهَرات, وقرأتَ كُتباً ومجلات, فتجمّعَ في وِعائِكَ العقليّ رُكام من المعلومات، بعضُ هذه المعلومات حقائق، بعضُ هذه المعلومات شُبُهات، بعضُ هذه المعلومات خُدع وأباطيل، بعضُ هذه المعلومات باطِلة.
فنحنُ الآن بحاجة إلى عملية جرد، قد يكون دون أن ندري تسرّبَ إلى عقولِنا خرافات، أوهام، ظنون بالله, لا تليقُ بِذاتِهِ الكريمة, ولا بِحضرَتِهِ المُقدّسة، فالإنسان عليهِ أن يملِكَ العِلمَ الصافي، العِلمَ النقيّ من كُلِّ شائبة، العِلمَ المبني على أدلّةٍ عقليّةٍ ونقليّةٍ وواقعيةٍ وفِطريّة، العِلمَ الذي لا يستطيعُ أحدٌ أن ينقُضَهُ لك, هل معلوماتُك؟ هل قناعاتُك؟ هل أفكارُكَ؟ هل تصوراتُكَ من هذا النوع؟ هل عِلمُكَ صافياً؟.
ما معنى هذا القول للجنيد؟ :
فالإمام الجُنيد -رَحِمهُ الله تعالى- كانَ يقول: عِلمُنا مُقيّدٌ بالكتابِ والسُنّة.
الكتاب كلام الخالق، السُنّة بيانُ رسولِ الله، اللهُ جلَّ وعلا أَمَرَ النبي, وقد عَصَمَهُ, وأراهُ ملكوتَ السمواتِ والأرض, وبيّن لهُ كُلَّ شيء, أمَرَهُ أن يُفصّل.
يعني: كبشر أو كمسلمين أو كمؤمنين ليسَ عِندنا مصدر للحقيقة الصحيحة الصِرفة اليقينيّة القطعيّة إلا مصدران: الكتابُ والسُنّة، يمكن أن يكونَ الكِتابُ والسُنّة مقياسين، فأيّةُ قِصّةٍ, أيّةُ كلمةٍ, أيّةُ مقالةٍ تقرؤها, أيّةُ نظريّةٌ تسمعُها, أيُّ تصورٍ تطلِعُ عليه, إن لم يكن موافِقاً للكتابِ والسُنّة فهوَ باطل.
يعني تقريباً: مثل إنسان أمام قِطع من القِماش, عليها لُصاقات وأطوال, وأنتَ معك مِتر صحيح، مِتر مضبوط، فأيّةُ قِطعةِ قِماش, وعليها لُصاقة, فيها طولُها, أنتَ بعمليّةٍ بسيطة تقيسُ هذه القِطعة بالمِتر الذي تملِكُهُ, وتعرف ما إذا كانت هذه اللصاقة صحيحة أم كاذِبة.
ما الذي ينجينا من هذه الضلالات والنظريات الباطلة في هذا العصر؟ :
يا أيها الأخوة الأكارم, يعني شاءت حِكمةُ اللهِ عزّ وجل: أن نأتي في عصرٍ, فيهِ من الضلالات, ومن الخرافات, ومن الأباطيل, ومن الدجل, ومن الكذب, ومن النظريات الباطِلة والفاسِدة والهدّامة، البرّاقة المُزخرَفة التي تبوحُ لبعض الجُهّال بأنها هيَ الحق، نحنُ في عصرِ الضلالات ولا يُنجينا إلا إذا تمسكنا بالكتابِ والسُنّة.
ما هو المنهج العملي الذي رسمه النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع للبشرية من

النبيُ عليهِ الصلاة والسلام في حجة الوداع, وقبلَ أن يُغادِرَ الدُنيا, وقد رَسَمَ في حجة الوداع منهجَ عملٍ للبشريةِ من بعدِهِ, قال:
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِي اللَّهم عَنْه قَال: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي, أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ, وهو كِتَابُ اللَّهِ, حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ, وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي, وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ, فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا؟))
[أخرجه الترمذي في سننه]
كلامٌ دقيق، كلامٌ قطعيّ, أيُّ شيء تقرؤهُ، أيُّ خُطبةٍ تسمعُها، أيُّ قِصةٍ تَصِلُ إلى سمعِك، أيُّ فرحٍ تطّلِعُ عليه، أيُّ تعليقٍ تُشاهِدُهُ، أيُّ تحليلٍ تقفُ عليه، أيُّ شيء, عِندَكَ مقياس الكتاب والسُنّة.
ما وراء هذه الأمثلة :
أخي, هذا قرأتُ مقالةً عن دواءٍ يُطيل العُمر:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 34]
انتهى الأمر, المقالة باطِلة, معك مقياس أنت.
أخي فلان شاهدَ الجِنّ:
﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 27]
فلان محظوظ, قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 5-10]
التيسير لهُ قانون والتعسير لهُ قانون، ياأخي العالم كُلهُ ظُلم!!! قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 77]
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 124]
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة لقمان الآية: 16]
هذا كُلُه كلام فارغ, أيّةُ قِصةٍ، أيُّ تحليلٍ, يؤكّدُ لكَ: أنَّ هُناكَ ظُلماً عظيماً, لا, هذا ظُلمٌ ظاهريّ, لأنَّ:
الظالِمَ سَوطُ الله ينتقِمُ بهِ ثمَّ ينتقمُ مِنه.
قف عند هذا الكلام :
أقول لكم كلاماً دقيقاً: أنتَ إذا قرأتَ القُرآن, وتدبّرتَ آياتِهِ, ووقفتَ على مدلولاتِهِ, وتعمقّتَ في مضامينِهِ واستوعبتَهُ, هذا القرآن مقياس لكَ، نورٌ يهدي الله لكَ السبيل، حبلُ اللهِ المتين، برهانٌ من اللهِ عزّ وجل, فإذا آمنتَ باللهِ عزّ وجل إيماناً قطعيّاً, وآمنتَ بأنَّ هذا الكلام كلامهُ بالدليل القطعيّ، هذا الكلام يُخبِرُكَ أنَّ اللهَ عزّ وجل لا يظلِمُ أحداً.
إذاً: الآن نحنُ نبحثُ عن ماذا؟ عن عِلمٍ صافٍ، ادخل إلى مكتبة, فتجدُ فيها مئات ألوف الكُتب, في حقائق, وفي أكاذيب، وفي ضلالات، وفي تُرّهات، وفي نظريات لم تثبُت بعد، وفي خرافات، وفي باطل مُغلّف بالحق، وفي حق مُغلّف بالباطل, أنـتَ بحاجة إلى مقياس.
مثلاً, من باب الأمثلة: دخلتَ إلى غُرفةٍ, في هذه الغُرفة قِطع من الذهب كثيرة، قيل لكَ: بعضُ هذه القِطع عيار 24, وبعضُ هذه القِطع 21, وبعضُ هذه القِطع 18, وبعضُ هذه القِطع 16, وبعضُ هذه القِطع 11, وبعضُها نحاسٌ مُغلّفٌ بالذهب, وبعضُها نحاسٌ مُلمّع, وبعضُها معدن رخيص, خذ مِنها مئة قطعة, أنتَ الآن بحاجة ماسّة إلى مقياس يكشِفُ لكَ القِطعَ ذات النِسب العالية, فإذا حصلتَ على هذا المقياس, أخذتَ مئة قِطعةٍ من العيار العالي والغالي, فأنتَ من الفائزين.
إذاً: نحن الآن بحاجة إلى مقياس نقيس بِهِ كُلَّ علومِنا، كُلَّ تصوراتِنا، كُلَّ فهمِنا، كُلَّ عقائدِنا، كُلَّ رواسِبِنا الفِكرية، نقيسُ بهِ ونَدَعُ كُلَّ ما ليسَ صحيحاً ونستبقي العِلمَ الصافي.
درسنا الصفاء, العِلمُ الذي لا شائِبةَ فيه، أيام الحديد يكون غير صافٍ, فيهِ شوائب, فكميّة هذا الحديد لا قيمةَ لهُ, يحتاج إلى مضاعفة كميّات, لأنهُ كُل قطعة حديد فيها شائبة, هذه مُعرّضة للكسر.
قف عند هذا القول للجنيد أيضاً :
الجُنيد يقول: عِلمُنا هذا مُقيّدٌ بالكِتابِ والسُنّة, فمن لم يحفظ القُرآن, ومن لم يكتب الحديث, ومن لم يتفقّه لا يُقتدى به, وكانَ يقول:
علمُنا هذا مُتَشَبِكٌ بحديث رسولِ الله.
يعني هذا الكلام أهوَ تعصّبٌ للنبي أم ماذا؟.
أتمنى عليكم ألاّ يُفهمَ هذا الكلام إطلاقاً: أنكَ بما أنكَ مُسلِمٌ وهذا نبيُّك, فأنا مُتعصّبٌ له , لا, الجواب: أنَّ النبيَّ معصوم, عَصَمَهُ اللهُ عن أن يغلَطَ في أفعالِهِ وفي أقوالِهِ، فإذا أردتَ عِلماً صافيّاً لا شائبةَ فيه, فعليكَ بحديثِ رسولِ الله.
هل يقبل أبو سليمان الداراني بالنكتة:
العلماءُ الآخرون, منهم أبو سُليمان الداراني, كانَ يقول: إنهُ لَتَمُرُّ بقلبي النُكتَةُ من نُكَتِ القول.
-النُكتة بالمُصطلح الحديث: الطُرفة, أمّا بالمصطلح القديم: تعني الفِكرة الدقيقة, اللفتة البارعة, الشيء الذي يُلفِتُ النظر.
فكانَ يقول الداراني-: إنهُ تمرُّ بي النُكتَةُ من نُكَتِ القول, فلا أقبَلُها إلاّ بشاهديّ عدل, وهما الكتاب والسُنّة، إذا أيدتها السُنةّ وأقرّها الكِتاب فعلى العينِ والرأس.
أيام يقول لكَ واحد: أخي فلان لا يُصلّي, لكن أخلاقُهُ عالية, النبي الكريم يقول: ((لا خيرَ في دينٍ لا صلاةَ فيه))
((الصلاةُ عِمادُ الدين, من أقامَها فقد أقامَ الدين, ومن هَدَمَها فقد هَدَمَ الدين))
هل هذا القول لأحد العلماء فيه تعصب؟ :
أحد العُلماء يقول: أصلُ مذهَبِنا ملازمةُ الكتابِ والسُنّة, وتَركُ الأهواءِ والبِدع, والاقتداءُ بالسلف, وتَركُ ما أحدثهُ الآخرون, والإقامةُ على ما سَلَكَهُ الأولون.
مرةً ثانية: ليسَ هذا من باب التعصّب, لأنَّ اللهَ تكفلَّ لنا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطِقُ عن الهوى, أبداً, قال تعالى:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 4]
موقف فيه غبطة وحسرة :
أنا أغبِط كُل أخ كريم, عقلُهُ ممتلئ بحقائق يؤكدُها القرآنُ والسُنّة، وأتحسّر على إنسان عقلُهُ مليء بأوهام, بظنون, قال تعالى:
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
حُسنُ الظنِّ بالله ثمنُ الجنّة. متى يمتلك العبد علماً صافياً؟ :
أولاً: لن يكونَ عِلمُكَ صافيّاً إلا إذا جعلتَ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم لكَ إماماً وقُدوةً وحاكِماً, الدليل:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
فإن قَبِلتَ أن تحتَكِمَ إليهِ في حياتِهِ، وإذا قَبِلتَ أن تحتَكِمَ إلى سُنّتِهِ بعدَ مماتِهِ, فأنتَ مؤمنٌ وربِّ الكعبة، أيضاً:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
إذاً: من جعلَ النبيَ قدوَتَهُ وإمامَهُ وحاكِمَهُ, يُجيبَهُ إذا دعاه، يقفَ عِندَ أمرِهِ إذا أمَرَه، يسيرُ إذا سارَ بِك، يقولُ لكَ فتسمَعُ قولَهُ، يُنزِلُكَ هذه المنزِلة فتقبَلُها، تغضَبُ لغَضَبِهِ، ترضى لِرِضاه، إذا أخبَرَكَ عن شيء أنزلتَهُ منزِلةَ ما تراهُ بعينِك، وإذا أخبَرَكَ عن اللهِ بِخبر أنزلتَهُ منزِلةَ ما تسمعَهُ من اللهِ بأُذُنِك.
هذا ما قالَهُ سيدنا سعد بن أبي وقّاص, قال: واللهِ ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل, وفيما سِوى ذلكَ فأنا واحدٌ من الناس؛ ما سَمِعتُ حديثاً من رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّم إلا عَلِمتُ أنهُ حقٌ من اللهِ تعالى.
كُلّما صدّقتَ النبي بتوجيهاتِهِ وأوامِرهِ ونواهيه, كانَ إيمانُكَ أرقى, يعني: إذا جعلتَ من رسولِ اللهِ مُعلّمِاً لكَ, ومربيّاً لكَ, ومؤدِبّاً لكَ, وأسقطتَ كُلَ الوسائط بينكَ وبينَهُ, إلاّ الوسيلة التي تُنقَلُ بِها سُنّتُهُ إليه, فقد امتلكتَ عِلماً صافيّاً. كلمة نابعة من القلب :
أقول لكم كلمة من القلب: إذا اتبعّتَ النبيَ لن تَضِلَّ أبداً، لن تندَمَ أبداً، لن تُخطِئَ أبداً، لأنَّ هذا كلامُ النبي تعليماتُ الصانع ومنهجُ الخالق، قالَ اللهُ عزّ وجل:
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
[سورة فاطر الآية: 14]
أنتَ حينما تتَبِعُ كلامَ النبي تتَبِعُ كلامَ الخبير, اتّبع سُنّةَ النبي في زواجـِك، اتّبع سُنّةَ النبي في تزويجِ ابنتِك:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ, إِلا تَفْعَلُوا: تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
اتّبع سُنّةَ النبي في طعامِكَ، في شرابِكَ، في نومِكَ، في استيقاظِكَ، في صلواتِكَ، في عِباداتِكَ، في دُعائِكَ، في علاقاتِكَ، في كسبِ المال، في إنفاقِ المال.
لذلك: معرِفةُ سُنّةُ النبي فرضُ عينيّ، كيفَ تتبِعُ النبي دونِ أن تعرِفَ سُنَتَهُ؟ لذلك أقول لكم للمرة الألف: ما من طريقٍ يُفضي بِكم إلى السعادةِ, إلاّ والعِلمُ أولُ مرحلةٍ فيه.
إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم، وإذا أردتَ الآخرةَ فعليكَ بالعِلم، وإذا أردتَهُما معاً فعليكَ بالعِلم. ما هو العلم الحقيقي؟ :
الشيء الآخر: هذه كلمة دقيقة وخطيرة: العِلمُ لا يُسمّى عِلماً إلاّ بالشواهِدِ والأدلّة، والعِلمُ الحقيقي هوَ العِلمُ الذي يُدعّمُ بالأدلّةِ والبراهين، فكُلُ عِلمٍ ليسَ لهُ دليلٌ ولا بُرهان, لا وثوقَ بهِ, وليسَ بِعلم, لأنهُ صارَ جهلاً, إيّاكَ أن تقبلَ بِلا دليل، وإيّاكَ أن ترفض بِلا دليل، لا بُدَّ من دليلٍ في القَبول ودليلٍ في الرفض، أمّا دعوى وقوعِ نوعٍ من العِلمِ بغيرِ سبب من الاستدلال فليسَ بصحيح.
يعني من يقول: هذا عِلم لَدُنّي, العِلمُ اللدُنّي هوَ العِلم الذي وصلَ إلى الأنبياء عن طريق الوحي, فهوَ فِعلاً من لَدُن عليمٍ خبير، أمّا العِلمُ الذي تأتي بهِ من دونِ دليل, هذا ليَ من لَدُنِ اللهِ عزّ وجل, هذا من لَدُن نفسِك، أنا أُريد عِلماً منقولاً عن حضرةِ اللهِ عزّ وجل، أُريدُ عِلماً منقولاً عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم.
فكلمة أقولُها لكم دقيقةٌ جداً: العِلمُ اللدُنّي لا يكونُ لدُنّيّاً إلا إذا كانَ منقولاً عن اللهِ وعن رسولِه, فإن لم يكن كذلك, فهوَ عِلمٌ من لَدُن صاحِبِهِ, وصاحِبُهُ قد يُخطِئُ وقد يُصيب, بل إنَّ العِلمَ الإشراقيّ -إن صحَ التعبير- يُقاسُ بالكِتابِ والسُنّة.
واحد قالَ لكَ: أنا شعرت بكذا, إذا كانَ هذا الشعور, وهذه الفِكرة, وهذا الكشف مُطابِقاً للكتابِ والسُنّة فعلى العينِ والرأس, وإن لم يكن كذلك فهوَ مردود.
منعطف هام :
في كلِمةَ أقرؤها لكم: ربُنا عزّ وجل حينما أرسلَ هذه الرِسالة, وأنزلَ هذا القرآن, وبعثَ بالأنبياءِ والمُرسلين, ألم يُعطِهم الأدلّة؟ أليست المُعجزات على أنهم أنبياؤه ورُسُلُهُ؟ أليست الكُتُبُ أدلّةً على ما جاؤوا بهِ؟ هل في القرآن الكريم فِكرةٌ بِلا دليل؟:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 111]
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 44]
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 80]
إذاً: الطابَع العام طابَع عِلم، طابَع بُرهان، طابَع دليل، طابَع حُجّة، أمّا دع عقلَكَ واتبعّني, هذه مقولةٌ قالَها النصارى، قالتها أُممٌ أُخرى بعيدةٌ عن روحِ العِلمِ الذي جاءَ بِهِ الدينُ الحنيف.
بماذا تتعلق هذه الآيات؟ :
بعضُ الآيات المُتعلّقة بهذا الموضوع:
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 78]
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 75]
من الخطورة بمكان :
يعني: أخطر شيء أن تأتي بِكلام تدّعي أنهُ من عِندِ الله وليسَ من عِندِ الله، هل هُناكَ وحيٌ بعدَ رسولِ الله؟ هل كانَ الدين ناقِصاً حتى يأتي فُلان ويُتِمّهُ؟:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
معناها التطبيق العملي لهذه الفِكرة, يعني: أنتَ في عملَك بالأسواق، بحفلات، بِعقود قِران، بسهرات، بِنَدوات, تستمع إلى أفكار كثيرة, إيّاكَ أن تقبَلَها كُلَها, لا بُدَ من التمحيص، لا بُدَ من التدقيق، لا بُدَ من التساؤل، لا بُدَ من أن تسألَ المُتكلّم هذا الكلام: من أينَ جِئتَ بهِ؟ وأينَ قرأتَهُ؟ وما الدليلُ على صِحَتِهِ؟ وهل هوَ مُعتمد؟ هل هذا الحديث مُسند؟ هل هوَ حديثٌ صحيح؟.
دائماً وأبداً: أُناسٌ كثيرون يُمطِرونني بأسئلةٍ كثيرة, أستاذ فلان قال: هيك, طيب قالَ: كذا, لِمَ لم تسألوه: من أينَ جِئتَ بِهذا؟ أينَ قرأتَ هذا؟ ماالدليلُ على صِحةِ هذا؟.
يعني الإنسان:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
الإنسان مُحاسَب، لا بُدَ من تقديم الدليل. كلمة شائعة :
أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: لا أَدْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَوْ لا, ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ, فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ .
الكلمة الشائعة: أخي ضعها في رقبَتي, من أنت حتى أستَمِعَ إليك؟ من أنت حتى أتّبِعَكَ دون دليل؟ النبي عليه الصلاة والسلام الذي يقولُ اللهُ عنهُ:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
يعني في إنسان يُحرّم الحلال بِلا دليل، وفي إنسان يُحلل الحرام بِلا دليل، الحلالُ والحرام من عِندِ اللهِ عزّ وجل، اللهُ وحدهُ هوَ الذي يُشرّع, لذلك: ما جاءنا عن صاحِبِ هذه القُبّةِ الخضراء فعلى العينِ والرأس, وما جاءنا عن سِواه فهم رِجال ونحنُ رِجال.
الآية الأولى إذاً:
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
الآيـة الثانية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 79]
إياك أن ترتزق بالدين :
مرة ذكرت لكم بعض الأمثلة, لِقولِهِ تعالى:
﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾
مثل افتراضي:
واحد معهُ خمسة ملايين دولار × 47 أو 48, مبلغ ضخم, ممكن أن تشتري بيتاً بأرقى أحياء دِمشق, وبيتاً بأرقى مصايف دِمشق, وبيتاً على الساحل, وسيارة أحدث سيارة, ومتجر بأشهر شارع، بَرَد فأشعَلَها وتدفأَ عليها, إنهُ اشترى بهذا المالِ ثمناً قليلاً، كان مُمكن أن يشتري بِها عِدّة بيوت, وكل البيوت فيها تدفئة مركزية, لكن تدفأَ بِها لساعةٍ أو أقل, وانتهى الأمر, مثل طبعاً افتراضي لكنه دقيق.
هذا الذي يتعامل مع الدين تعامُلاً تجاريّاً، يستخدِمُ القيّمَ الدينيةَ لمصالِحهِ, يستخدمُ بهِ حقائِقَ الدين للدُنيا, إنهُ اشترى بهِ ثمناً قليلاً, يقول: هكذا جاءني الإلهام، هكذا رأيت، هذا هوَ الكشف ليبتزَّ أموال الناس، يستخدِم قيّمَ الدين ليُحققَ مكانةً اجتماعيّة، يستخدِمُ قيّمَ الدين ليصرِفَ وجوهَ الناسِ إليه, شيء خطير. إذا أردت الدنيا فاطلبها من مظانها ولا تطلبها من خلال الدين :
كلمة أقولها لكم: إذا أردتَ الدُنيا فاطلُبها من مظانِها, واحد يُريد المال، طلبَك معقول, ابحث عن المال في التجارة, في الصناعة, في الزراعة, في الوظائف, تعمّق باختصاص، لكن أن تجعلَ كسبَ المالِ من خِلال الدين شيء خطير جداً، أتلعبُ بدينِ اللهِ عزّ وجل؟ هذا الدين المُقدّس أتُحوّرِهُ كما تُريد؟ أتَجُرُهُ لأهوائِك؟ هذا إنسان يلعب بالنار.
لذلك: أيُّ إنسانٍ يستخدِمُ قيّمَ الدين للدُنيا، يستخدِمُ قيّمَ الدين لمصالِحِهِ الشخصيّة، ليجمعَ المالَ، ليعلوَ على الناس، هذا الإنسان يلعب بالنار, ابحث عن المال في مظانِهِ الشريفة، أمّا أن تلعبَ بدينِ الله من أجلِ أن تأخذَ الأموال بِلا جُهد, هذا شيء خطير جدّاً, هذا معنى قولِهِ تعالى ، الإنجيل مثلاً, العهد القديم, تنطَبِقُ عليهِ هذه الآية:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾
كُلُكم يعلم في العصور الوسطى, كان بعض رِجال الدين غير الإسلامي طبعاً, يبيعونَ الجنّة بصكوك, هذا أخذ قصبتين, وهذا ثلاث, جاءَ واحد يهودي ذكي جدّاً, واشترى مِنهُم النار بمبلغ لا بأسَ بهِ, وبعد أن اشتراها بوقت لا بأسَ بهِ, بلّغَ الناسَ أنني قد اشتريتُ, وسوفَ أُغلِقها، فبادت تجارتهم فعادوا, واشتروا النار منهُ, خُرافات, أباطيل, تدجيل, هذا دين, دينُ الله عزّ وجل, لذلك: أخطر شيء أن يتغلغلَ في ذهن الإنسان عقائد فاسِدة، عقائد زائغة. من أعظم المعاصي :
الآية الثالثة:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 93]
أوهمَ الناس أنهُ يأتيه عِلم لَدُنّيّ، ويأتيه الوحي، ويأتيه الإلهام, وهذا الكلام كُلُهُ فــي مصلحَتِهِ.
الحقيقة: مرّ معنا في دروس سابقة, في هذا المسجد: أن المُحرمّات كثيرة؛ في الشِرك, وفي الفِسق, وفي النِفاق, وفي الإثم, وفي العدوان, وفي الفحشاء, وفي المُنكر, لكنَّ أعظم هذه المعاصي, قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 169]
فنحنُ نبحثُ عن عِلمٍ صافٍ، عن عِلمٍ مُقيدٍ بالكتابِ والسُنّة، عن علم نقيٍ من كُل شائبة، عن عِلمٍ عليهِ أدلّةٍ وبراهين قطعيّة.
قف هنا :
يقولُ بعضُهم: كُلُّ من يقولُ: إنَّ هذا العِلمَ عِلمٌ لَدُنّي, لِما لا يُعلمُ أنهُ من عِندِ الله, ولا قامَ عليهِ برهانٌ من الله, أنهُ من عِندِهِ, هوَ كاذِبٌ مُفترٍ على الله، وهذا العِلم كسرابٍ بقيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدهُ شيئاً ووجدَ اللهَ عِندَهُ فوفّاهُ حِسابَه واللهُ سريع الحِساب.
واجب في عنقك :
الملخص إذاً: أتمنى على كُل أخ كريم أن يُراجِع معلوماتِه, ويُراجع أفكارهُ, ويُراجع معتقداتِهِ, ويُراجع تصوراتِهِ, ويُراجع مفاهيمهِ, ويُراجع مخزونهُ العقائدي, عملية جرد, وأن يعرِضَ كُلَّ فِكرةٍ على الكِتابِ والسُنّة، أن لا يقبل إلا بالدليل, وأن لا يرفض إلا بالدليل، وكُلُ علمٍ يفتقرُ إلى الدليل فليسَ بعِلمِ وهوَ خَطِر، والإنسان أحياناً قد يكونُ ضحيّةَ فِكرةٍ خاطئة.
إذا أوهَمَكَ أحدهم أننا نحنُ أُمة محمد مرحومة, الحمد لله يا ربي إذ جعلتنا مُسلمين، والنبي لن يدخُلَ الجنّةَ إلا إذا أدخلَ أُمَتَهُ قبلَهُ, ولو كانوا عُصاةَ, والله شيء عال, والحمدُ لله, هذه العقيدة الزائغة قد تدفعُ سعادتكَ الأبديّةَ ثمناً لها.
لا تضح بسعادتك الأبدية من أجل فكرة خاطئة :
قُلتُ لكم في درس البارحة: شخص شاهدتُهُ بعيني, شخص أعتقد أنهُ إذا نزع أسنانَهُ كُلَها, يُعفى من الخِدمة الإلزاميّة، مر على أول طبيب فرفض, والثاني كذلك, قالَ لي: مررت بعشرةِ أطباء كُلُهم رفضوا, شاب في الثالثة والعشرين من عُمرِهِ, في طبيب بجلستين قَلَعَ لهُ أسنانَهُ كُلها، ذهب إلى الفحص, فقالوا لهُ: أنتَ مُتهرّب من الخِدمة, وخدم خمس سنوات, وبقي بِلا أسنان، ضحية فِكرة خاطئة أليسَ كذلك؟ طبعاً هذا مَثَل صارخ وقلَّ ما يحدث، لكن إنسان يُضّحي بسعادتِهِ الأبدية, يُضّحي بالأبد من أجل فِكرة خاطئة, سَمِعها من إنسان, ليسَ متأكد مِنها.
ما التطبيق العملي لهذا الحديث؟ :
إنَّ هذا العِلمَ دين, فانظروا عمن تأخذونَ دينَكم، دينكَ دينَك إنهُ لحمُكَ ودَمُك.
أخي هذه تجوز؟ والله ليسَ فيها شيء، ساعة عموم بلوى, وساعة لا تُدقق كثير, الله غفور رحيم، وساعة يا أخي ماذا نعمل؟ فإذا لم يَعُد هُناك شيء في الدين، يا ترى اللهُ يقبل مِنّا هذا الكلام؟ اللهُ جلَّ وعلا هل يقبل مِنّا هذا يوم القيامة؟ أينَ قولُهُ تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 92-93]
أيام يقول لي واحد: هذه فيها فتوى، أقول لهُ: ماشي الحال, لكن الله يجمعُكَ مع المُفتي يوم القيامة, الذي أفتى لكَ هذه الفتوى طبعاً, مثلاً: مع دوائر الدولة شيء منَعَتهُ الدولة, فقالَ لكَ واحد: لا تسأل, ضعها في رقبَتي, واعمَلها، ففعلَها فأحضروه، فُلان قالَ لي، أينَ هوَ؟ أحضِرهُ لي, من قالَ لكَ هذا؟ أنتَ لا ترضى بهِ مع إنسان, أترضى بهِ مع الواحد الديّان؟ مستحيل.
هذا هوَ العِلمُ الصافي، عِلمٌ مُدعّمٌ بالكِتابِ والسُنّة، لا تقبل شياً دون آية قُرآنية أو دون حديث صحيح، وإيّاكَ أن ترفُضَ شيئاً دون آية قُرآينة أو دون حديث صحيح.
ما تعريف الهمة وما أعلى هذه الهمم؟ :
الآن: الهِمّة، دائماً عندنا قناعات وعنّدنا أهداف، ما الذي يرفعُنا إلى مستوى أهدافِنا؟ لكَ أن تُسميّ هذه الهِمّة أو العزيمة أو الإرادة صِفة نفسية تُعينُكَ على أن تصِلَ إلى هَدَفِك.
يعني يقول لكَ واحد: نحن والله نعرف كُلَّ شيء, لكن لسنا مُطبّقين شيئاً، معناها يفتقر إلى ماذا؟ إلى الإرادة القوية, فهذهِ الهِمّةُ العليّا أو الهِمّةُ الصافيّة، قال: أعلى هذه الهِمم: هيَ هِمةٌ اتصلت بالحقِّ سُبحانه طَلَباً وقصداً, وأوصلت الخلقَ إليهِ دعوةً ونُصحاً, وهذه الهِمةُ هِمّةُ الرُسُلِ وأتباعهم.
يعني: أعلى هِمّة أن تَصِلَ إلى اللهِ طلباً وقصداً, وأن توصِلَ الخلقَ إليهِ دعوةً ونُصحاً، وصلتَ إلى الله وسعيتَ إلى إيصالِ الخلقِ إليه، قال: هذه هِمّةُ الأنبياءِ والمُرسلين وأتباعِهم الصادقين.
أتريد أن تعرف مراتب الهمم؟ انظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي:
نقول نحنُ أحياناً: اللهمَ صلِ على سيدنا مُحمدٍ, وعلى آلِ سيدِنا مُحمدٍ, وعلى أصحابِهِ الطيبينَ الطاهرين, الهُداة المَهديين, أُمناءِ دعوتهِ, وقادةِ ألويتهِ, وعلى العُلماء العاملين, ومن اتبعهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، معناها: لا بُدَّ أن تكونَ عالِماً عاملاً وليّاً.
قال: إذا أردتَ أن تعرِفَ مراتِبِ هذه الهِمم, فانظر إلى هِمّةَ ربيعةَ بن كعبِ الأسلميّ رضيَ اللهُ عنهُ، هوَ خَدَمَ النبيَ أياماً عِدّة، بعدَ أيامٍ عِدّة, قال لهُ النبي عليه الصلاة والسلام:
((يا ربيعة سلّني حاجَتَك, فقالَ: أمهلني يا رسولَ الله, فلمّا أمهلَهُ, ثمَّ سألَهُ عن حاجتِهِ, قالَ: سلّني أسألُكَ مُرافقتَكَ في الجنة، قالَ: من علّمَكَ هذا؟ قالَ: واللهِ ما علمّنيه أحد.
-هُناكَ أشخاصٌ سألوا النبيَ مالاً, أو سألوا النبيَ زوجةً، في إنسان تنتهي آمالُهُ بالزواج، تنتهي آمالهُ بعمل، تنتهي آمالُهُ بِدخل، لكن في إنسان آمالُهُ لا تنتهي إلاّ بالجنّة، لا تنتهي إلاّ بمرافقةِ النبي صلى الله عليه وسلم-, فقالَ: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنة, وكانَ غيرَهُ يسألَهُ ما يملأُ بطنَهُ ويُواري جِلدَهُ))
ما هذه الهمة عند سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ :
سيدنا ابراهيم, ما هذه الهِمّة؟ قال تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 124]
أتمَهُنّ, قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 73]
الهِمّة العليّة ترفَعُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل، يعني موضوع ذبح ابنهِ, شيء فوقَ طاقة البشر:
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الصافات الآية: 102]
الأمر: أنهُ قُم وصلِّ, وغُض بَصَرَك, وأنفق من مالِك, كُل الأوامر معقولة, لكن هذا النبي العظيم, الذي هوَ عِندَ اللهِ خليل, يُقال عنهُ: خليلُ الرحمن، ما صارَ بهذهِ المرتبة, إلا لأنهُ نفّذَ أمرَ اللهِ عزّ وجل الذي لا يُعقل أن يكونَ أمراً, ومع ذلك نفذّهُ, لكنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى فداهُ بِذِبحٍ عظيم.
النبيُ عليه الصلاة والسلام حينما عُرِضت عليه مفاتيحُ كنوزِ الأرض فأباها، يا مُحمـد أتُحِبُ أن تكونَ نبياً ملِكاً أم نبياً عبداً؟ قالَ:
((بل نبياً عبداً, أجوعُ يوماً فأذكُرُهُ, وأشبعُ يوماً فأشكُرُهُ))
نهاية المطاف :
نحنُ نُريد عِلماً صافياً، نقياً من كُلِّ شائبة، ونُريد هِمّة عليّة، إخلاص لله عزّ وجل، صُدق في طلب الحق، عدم التبعثر والتشتت، ونُريد في الأخير حالاً صافياً، فالحال ثَمَرِة العِلم الصحيح والعمل الصحيح، الثمرة الطبيعية للعلم الصافي: الهِمّة الصافيّة, الحال الصافي.
المُلخّص: أنهُ إذا استطعت أن تَصِلَ إلى عِلمٍ صافٍ, من كُلِّ شائبة، من كُلِّ خُرافة، من كُلِّ زيغ، من كُلِّ خطأ، من كُلِّ ظن، إذا قيّدتَ كُلَّ معلوماتِكَ وأفكارِكَ وعقيدَتَكَ وتصوراتِكَ بالكتاب والسُنّة الصحيحة، هذا العِلم الصحيح الصافي, يبعثُ فيكَ هِمّةً عالية, والهِمّةُ العالية تقودُكَ إلى استقامةٍ وعملٍ صالح, يأتي التاج وهوَ حالٌ صافٍ، هذا الحال الطيب الذي يَشُعُّ على الآخرين, هذا الحال نتيجة: عمل صالح, واستقامة, وهِمّة عالية, وعِلم صافٍ.
فالصفاء إلى أن تكونَ من هؤلاءِ الذينَ اصطفاهم اللهُ عزّ وجل:
﴿وَإِنَّهمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-18-2018, 01:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الاربعون )


الموضوع : الفقر







منزلة اليوم في هذا الدرس :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرسِ الأربعين من دروسِ مدارِجِ السالِكين, في مراتِبِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاك َنستعين, ومنزِلةُ اليوم هيَ منزِلةُ الفقر.
كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذِهنِ الإنسان, حينما يستَمِعُ إلى كلمة الفقر, ليست مقصودةً في هذا الدرس، كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذِهنِ الإنسان, حينما يقرأُ كلمة فقر, أو حينما يسمعُ كلمة فقر, أو حينما ينطِقُ بكلمة فقر, ليست مقصودةً في هذا الدرس، مرتبةٌ عاليةٌ جداً من مراتِب الإيمان تُقابِلُ مرتبةَ العبوديّة، حقيقتُكَ أنكَ عبدٌ لله أيّ مُفتقرٌ إليه، فالفقرُ الذي نعنيهِ في هذا الدرس من نوعٍ آخر، قد تكونُ من أغنى الأغنياء وأنتَ في منزِلةِ الفقر، وقد تكونُ من أفقر الفُقراء وأنتَ في منزِلةِ الكِبر.
على كُلٍ؛ الآيات الكريمة التي وردت في القرآن الكريم, وفيها كلمة الفقر آياتٌ عِدّة, من هذه الآيات, قولُهُ تعالى:
﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 273]
نفرٌ من أصحابِ رسولِ الله، نفرٌ من المُهاجرين، تركوا أوطانَهم، تركوا أهليهم، تركوا أموالهم, وجاؤوا مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينةِ المنوّرة، كانوا فقراء بِحُكمِ هِجرَتِهم، وكانوا فقراء بِحُكمِ أنهم لو ضربَوا في الأرض لرَبِحوا واكتسبوا المال, ولكنهم مهدورةٌ دِماؤهم, لا يستطيعونَ ضرباً في الأرض، هؤلاءِ الفقراء من خواصِّ المؤمنين، أيضاً لا يعنينا هذا المعنى الذي جاءت بهِ هذه الآية في هذا الدرس.
ما المراد بالفقر في هذه الآية؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/02.jpg
وقد وردت كلمة الفقر أيضاً في آيةٍ ثانية, وهيَ قولُهُ تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 60]
أيضاً: هؤلاءِ الذينَ يستحقّونَ الزكاةَ ممن لا يجدونَ حاجاتِهم.
مرّةً ثانية: حتى الآية هذه ليست معنيّةً في هذا الدرس. درسُنا كُلُهُ حولَ قولِهِ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
[سورة فاطر الآية: 15]
أنتم مفتقِرونَ إليه في وجودِكم، مفتقِرونَ إليه في إمداداتِكم، مفتقِرونَ إليه في حاجاتِكُم، في قيامِكُم، في سمعِكم، في بصرِكُم، في عقولِكم، في أجهِزَتِكم، في أعضائِكم، في تأمينِ حاجاتِكم, فالمعنى الذي نُريدُهُ اليوم, هوَ معنى يُقابِلُ معنى العبوديةُ, التي هيَ جوهرُ الإنسان.
مُرادُ القومِ مِنَ الفقرِ، معنى القوم يعني أهلُ الله، العارِفونَ بالله، السالِكونَ في طريقِ الإيمان، مُرادُ القومِ بالفقرِ شيءٌ أخصُّ من هذا كُلِهِ, وهوَ تحقيقُ العبوديةِ والافتقار إلى الله تعالى في كُلِّ حالة، أن تكونَ عبداً للهِ حقّاً، أن تتحققَ من عبوديّتِك، أن تعرِفَ هويّتَك، أن تعرِفَ نفسك، وعبوديّتُكَ تعني الافتقار إلى الله تعالى.
قال: هذا المعنى معنى العبوديّة: أن تعرِفَ حقيقةَ ذاتِك، أن تعرِفَ هويّتَك، أن تعرِفَ من أنت، أن تعرِفَ أنكَ عبدٌ ضعيف، أنتَ قويٌ بالله وضعيفٌ في نفسِك، غنيٌ في الله وضعيفٌ في نفسِك، عالِمٌ بالله وجاهِلٌ في نفسِك، حكيمٌ بالله وأخرَقُ في نفسِك، إذا تحققّتَ من حقيقةِ ذاتِك, قال: هذه المرتبةُ هيَ مرتبة العبوديّة.
بعض العلماء قال: هذا المعنى معنى العبوديّة والافتقار إلى الله أجلُّ من أن يُسمّى فقراً، لأنهُ كلمة فقر إذا ذُكِرت, تنصرِفُ إلى أنَّ إنساناً لا يجدُ كُلَّ حاجاتِهِ, يمدُّ يَدَهُ للناس, يتكففهُم، يُحِس بالحرمان، هذه المرتبةُ أجلُّ من أن تُسمّى فقراً, إنها في الحقيقةِ: حقيقةُ العبوديّةِ ولُبُّها, وعزلُ النفسِ عن مزاحمةِ الربوبيّة.
الإنسان أحياناً لجهلِهِ وحُمقِهِ يتقمّصُ صِفات الربوبيّة، يقول لكَ: أنا أفعل, أنا أُعطي, أنا أمنع, أنا أُعاقب, حينما يقول: أنا, فكأنهُ تقمّص صِفات الربوبيّة، فحقيقةُ الافتقارِ إلى الله هيَ أن تعزِلَ نفسَكَ عن صفات الربوبيّة, وأن تعرِفَ أنكَ عبدٌ للهِ عزّ وجل.
متى يستحق الفقير اسم الفقير؟ :
سُئِلَ بعضُهم: متى يستحقُّ الفقير اسمَ الفقير؟ قالَ: إذا لم يبق عليهِ بقيّةٌ مِنه, فقيل لهُ: وكيفَ ذلك؟ قال: إذا كانَ لهُ فليسَ لهُ, وإذا لم يكن لهُ فهوَ لهُ.
ما دامَ يشعر أنهُ على جانبٍ من العِلم فليسَ مُفتقِراً إلى الله عزّ وجل، ما دامَ يشعُرُ أنهُ على جانبٍ من القوّة فليسَ مُفتقراً إلى الله عزَ وجل، يُذكّرُنا هذا المعنى بقولِ النبي الكريم يوسُف عليه السلام:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
هوَ في أعلى درجات العِفّة، في أعلى درجات العزيمة والإرادة، ومعَ ذلك ما رأى عِفّتَهُ ذاتيّةً، رأى عِفّتَهُ من الله عزّ وجل.
المُفتقر إلى الله عزّ وجل لا يرى لهُ: لا عِلماً, ولا حالاً, ولا عملاً, ولا عزيمةً, ولا شأناً، يرى أنهُ أحدُ أفضالِ اللهِ عزّ وجل، هوَ من فضلِ الله، وجودُهُ من فضلِ الله، ذكاؤهُ من فضلِ الله، إذا أغناهُ اللهُ فهذا من فضلِ الله، هُناكَ من هوَ أذكى مِنه يمدُّ يدَهُ للناس، إذا أتاهُ اللهُ من حِكمة فهذا من فضلِ الله، إذا أعطاهُ اللهُ طلاقة لِسانٍ فهذا من فضلِ الله, هذا معنى الافتقار إلى الله عزّ وجل.
هل يمكن أن تتناقض مرتبة الفقر إلى الله مع الغنى أو الملك؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/03.jpg
قال: هذه المنزِلة لا تتناقضُ معَ أن تكونَ غنيّاً، ولا أن تكونَ مالِكاً، لأنَّ هذا الغِنى لا يعني ذلك المعنى، قد تكونُ في أعلى درجاتِ الغِنى وأنتَ في أعلى درجاتِ الفقرِ إلى اللهِ عزّ وجل، وكُلما ازددتَ افتقاراً إلى الله عزّ وجل زادَكَ اللهُ، وكُلما ازددتَ تذللاً إلى اللهِ عزّ وجل زادكَ اللهُ عِزّاً، وكُلما ازددتَ خوفاً من الله عزّ وجل زادكَ اللهُ أمناً, وكُلما ازددتَ حِرصاً على طاعة الله عزّ وجل زادَكَ اللهُ رِفعَةً، فكُلما خضعت ارتفعت، كُلما علوت وتكبرت خُفِضت، هذا المعنى الذي يُقصَدُ من كلمة الفقر.
أمّا هُناكَ أنبياءُ من أُولي العزم كانوا أغنياء، سيدنا إبراهيم كانَ في وصفِ كُتّاب السيّر وكُتّابِ التاريخ أبا الضيفان، كانَ من أكرمِ الكُرماء، وآياتٌ كثيرة وردَت في إكرامِهِ للضيف: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود الآية: 69]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/04.jpg
كانَ يُطعِمَ الناسَ دائماً فهو غني، وسيدنا سُليمان الذي قالَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
[سورة ص الآية: 34]
كانَ غنيّاً وكانَ في الوقتِ نفسِهِ مفتقراً إلى اللهِ عزّ وجل، ونبينا عليهِ الصلاة والسلام ألم يقُل الله في حقِهِ:
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾
[سورة الضحى الآية: 8]
رجل دنيوي مُشرِك, رأى واديّاً من الغنم, سألَ النبي عليه الصلاة والسلام:
((لمن هذا الوادي؟ قالَ: هوَ لك، قال: أتهزأُ بي؟ قالَ: لا هوَ لكَ، قالَ: أشهدُ أنكَ رسولُ الله, تعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر))
النبي كان في طور من أطوار حياتِهِ غنيّاً، وسيدنا سُليمان كانَ غنيّاً، وسيدنا إبراهيم كانَ غنيّاً، فهذا لا يتناقض مع مرتبةِ الفقرِ إلى الله عزّ وجل، والبطولة: ألا يُسيّر الإنسان من قِبَلِ حالةٍ هوَ فيها، من السهلِ جداً أن تنزلِقَ إذا كُنتَ غنيّاً إلى الكِبر, لكن البطولة أن تكونَ غنيّاً ومُفتقراً في وقتٍ واحد, وهذا لا يستطيعُهُ إلا مؤمن، أن تجمعَ بينَ الغِنى والافتقار إلى اللهِ عزّ وجل.
أعجبتني كلمةٌ في حقِ هؤلاءِ الأنبياءِ العِظام, قال: كانوا أغنياءَ في فقرِهم وفقراءَ في غِناهُم، أغنياءَ في فقرِهم وفقراءَ في غِناهُم. الفقر الحقيقي :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/05.jpg
قال: الفقرُ الحقيقي دوامُ الافتقارِ إلى اللهِ في كُلِّ حال.
يبدو الإنسان في حالة المرض يفتقر, أمّا إذا شعرَ بصحتهِ جيدة قد يستغني, أقول الإنسان لا أقول المؤمن, قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾
[سورة العلق الآية: 6-7]
من صِفاتِ الإنسانِ قبلَ أن يؤمن، من صِفاتِ الإنسانِ قبلَ أن يصقِلَهُ الإيمان، من صِفات الإنسان المُعرِض: أنهُ إذا رأى نفسَهُ قويّاً، غنيّاً، شديداً، صحيحاً، استغنى عن اللهِ عزّ وجل,
﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
هذا شأنُ أهلِ الإعراض، هذا شأنُ الجُهلاء، لكنَّ العُلماء، والعارفينَ بالله، وكِبارَ المؤمنين والصادقينَ منَ المؤمنين، يزدادونَ افتقاراً إلى الله وهم في أعلى درجات الغِنى.
قال: الفقرُ الحقيقي دوامُ الافتقارُ إلى اللهِ في كُلِّ حال, وأن يشهَدَ العبدُ في كُلِّ ذرّةٍ من ذرّاتِهِ الظاهِرةِ والباطِنة فاقةً تامّةً إلى اللهِ تعالى من كُلِّ وجه. أنت مفتقر الى الله شئت أم أبيت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/06.jpg
أيها الأخوة, كيفَ تغدو حياتُنا لو انحبسَ البول؟ كيفَ تغدو حياتُنا لو وصلَ إلى عِلمِنا: أنَّ كُليةً تعطلّت أو أنَّ الكُليتين معاً توقفتا عن العمل؟ كيفَ تغدو حياتُنا لو وصلَ إلى عِلمِنا: أنَّ بعض الأجهزة توقفَ عن العمل؟ تقول: أنا على أي شيء، ما لشيء الذي بيديك, ما الذي يضمنُ للإنسان ألاّ تنمو خلاياهُ نمواً عشوائيّاً, في أعلى درجات الصحةِ والقوةِ والذكاءِ والمناعةِ والحِكمةِ والفهمِ فجأةً ورمٌ خبيث؟ ماذا تملِكُ أيها الإنسان؟ لا تملِكُ شيئاً، أنتَ مُفتقر إلى الله في نمو الخلايا النمو المُنتظم، مُفتقر إلى الله عز وجل في الكُليتين، في الكبد، في الغدّة النُخاميّة، في الكظر، في البنكرياس، في الطُحال، الطُحال عَمِلَ عملاً زائداً عن وضعِهِ الطبيعي فقتلَ صاحِبَهُ, فقر دم مُستمر, الطُحال يأخذُ كريّةَ الدم الحمراء الميتة, فيُحللُها إلى عناصِرِها الأساسيّة, فصارَ هذا الطُحال نشيطاً جِدّاً, يأخذُ الكريّة الحمراء الميتة والجيدة, فإذا هوَ فقرُ دمٍ مُستمر إلى أن ماتَ صاحِبهُ، المرض فرطُ نشاطٍ في الطُحال، فيا ترى: أنا يجبُ أن أخشى الطُحال, أم أخشى الكُليتين, أم أخشى الكبِد, أم البنكرياس, أم الصفراء, أم النُخامية, أم الكظر, أم الأمعاء, أم الشرايين, أم الدسّامات, أم الأوردة, أم الأعصاب؟ تقول: أنا على أيِّ شيء؟.
بالمناسبة أيها الأخوة: ما هوَ العِلم؟ أن تقولَ شيئاً مُطابِقاً للواقع, فإذا قُلتَ: أنا, وأنتَ لا تملِكُ شيئاً, فهذا كلامٌ فيهِ جهل كبير، إذا قُلتَ: الله, كلام صحيح، لذلك المؤمن ليسَ من قبيل التأدّب معَ الله، من قبيل الواقعيّة, يقول: هذا من فضِلِ اللهِ عليّ، أكرمني اللهُ بهذا، تفضّلَ اللهُ عليَّ بهذا، أجرى اللهُ على يديَّ هذا الخير، الحمدُ للهِ أولاً وأخيراً، دائماً حال المؤمن أنهُ يعزو كُلَّ فضيلةٍ فيهِ إلى اللهِ عزّ وجل, هذا الافتقار.
من هو المفتقر؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/07.jpg
هوَ الفقر واقع, لكن من هوَ المُفتقر إلى الله؟ أنتَ فقير فعلاً، المؤمن فقير, والكافر فقير, والمُشرك فقير, والفاجر فقير, والعاصي فقير، الفقرُ صِفةٌ ثابِتة في الإنسان, أيُّ إنسان, لكن من هوَ المُفتقر؟.
قال: هوَ الذي يشهدُ افتقارَهُ إلى الله، أنتَ مُفتقر قولاً واحداً, ولكنَّ المُفتقِرَ إلى اللهِ عزّ وجل كمقامٍ من مقاماتِ أهلِ الإيمان, هوَ أن تشهدَ أنكَ مُفتقر, أن تشهَدَ أنكَ مُفتقرٌ إلى اللهِ عزّ وجل.
قالَ بعض العارفين:
والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازِمٌ أبداً كما الغِنى أبداً وصفُ لهُ ذاتي
الله عزّ وجل دائماً غني وأنا دائماً فقير، دائماً قوي وأنا دائماً ضعيف، دائماً يعلم وأنا لا أعلم، لكِنكَ إذا افتقرتَ إلى الله, فأنتَ الذي تعلم, وأنتَ الغني, وأنتَ القوي.
ما أركان مرتبة الافتقار إلى الله؟ :
قالَ: هذه المرتبة مرتبةُ الافتقار إلى الله عزّ وجل, ليست شيئاً سهلاً تقولُهُ بكَلِمة, مثلاً من باب الأمثلة:
تقول لِفُلان: تفضل دكتور، كلمة دكتور تعني أنهُ إنسان يحمل دكتوراه, ومعنى دكتوراه: يعني أنهُ ألّفَ بحثاً في موضوع معيّن, لكن في البحث إبداع وجِدّة، معنى ذلك: أنَّ الإنسان أمضى سبع سنوات في هذه الشهادة, وقبلُها في ماجستير, وقبلها في دبلوم عامة ودبلوم خاصة, وقبلها في ليسانس, وقبلُها في شهادة ثانوية، فكلمة دكتور لا تعني كلمة عادية.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/08.jpg
فلان واضع خاتم بيده, الخاتم سهل شراء, الخاتم سهل، أمّا أن تكون دكتور ليسَ هذا من السهل، قياساً على هذا المثل: أن تقول: فُلان في مرتبة الافتقار، مرتبة إيمانية عالية جداً، أقول لكم: من أعلى مراتِبِ الإيمان بل إنها تُقابِلُ مرتَبةَ العبوديّة، فأن تقول: فُلان مُفتقر, هذه المرتبة الإيمانية العالية تحتاج إلى مقوّمات.
قالَ بعض العُلماء: أركانُها أربعة؛ عِلمُ يسوسهُ، وورعٌ يحجُزهُ، ويقينٌ يحمِله، وذِكرٌ يؤنِسهُ.
المُفتقر عِندَهُ: عِلمُ يسوسهُ، وعِندَهُ ورعٌ يحجُزهُ، وعِندَهُ يقينٌ يحمِله، وعِندَهُ ذِكرٌ يؤنِسهُ, هذا الافتقار, لا افتقارَ بِلا عِلم، يجب أن تعلمَ حقيقةَ نفسِك، يجب أن تعلمَ قُدرةَ اللهِ عزّ وجل، يجب أن تعلمَ أنَّ الأمرَ كُلَهُ بيدِ الله، يجب أن تعلمَ أنهُ ما من حركةٍ ولا سكنةِ إلا بيدِ الله عزّ وجل، ما من إنسان إلا وفي قبضةِ اللهِ عزّ وجل، عِلمُ يسوسهُ, وورعٌ يحجُزهُ، لا ورع إذن حِجاب عن الله عزّ وجل، فالعِلمُ يحتاج إلى ورع ويقينٌ, لا شيء وأنتَ قوي، لا شيء وأنتَ غني، يقينُ يحِملُ على هذه المرتبة، وذِكرٌ باللهِ يؤنِسهُ على أن يكونَ مُتكبرّاً، حينما يفتقر يأتي الأُنسُ بالله عزّ وجل.
مرةً ثانية: كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذهنِ الإنسان, حينما يقرأُ كلمة فقر, أو ينطِق بكلمة فقر, أو يسمع بكلمة فقر, لا تعنينا في هذا الدرسِ إطلاقاً.
هذا الدرس ليسَ لهُ علاقة بحالة الفقر الاجتماعية، هذا الدرس لهُ علاقة بمراتب الإيمان العالية، من أرقى هذه المراتب الافتقار إلى الله, استنباطاً من قولِهِ تعالى:
﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾
متى يستريح الفقير؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/09.jpg
سُئِلَ أحدُ العُلماء قال: متى يستريحُ الفقير؟ قالَ: إذا لم ير لِنفسِهِ غيرَ الوقتِ الذي هو فيه.
يعني يعيشُ الوقتَ الذي هوَ فيه, لأنَّ الماضي مضى والمُستقبل غيب، ما مضى فات, والمُؤمَلُ غيب, ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها.
أقول لكم هذا الكلام: أنتَ لا تملِكُ إلاّ هذه الساعة, لأنَّ الذي بعدَ هذه الساعة لا تملِكه، من يضمنُ: أن نَصِلَ إلى بيوتِنا؟ من يضمنُ لنا: إذا نِمنا أن نستيقظ، وإذا خرجنا أن نعود، وإذا عُدنا أن نخرج، وإذا سافرنا أن نرجِع؟ من يضمن؟.
فالمُؤمَلُ غيب وما مضى فات, ما الذي تملِكُهُ؟ الساعةُ التي أنتَ فيها, لذلِك:
هَلَكَ المسوِّفون.
تقول: إلى أن أنتهي من تأسيسِ هذا المشروع, سوفَ أُصلّي, وسوفَ .. هَلَكت, لأنكَ لا تملِك المُستقبل، إلى أن ينتهي فحص الشهادة الثانوية أُصلّي .. مثلاً ..، إلى أن أتزوّج أُصلّي.
هَلَكَ المُسَوِفون.
هذا حال الفقير إلى الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/10.jpg
لِبعضِ العُلماءِ قولٌ لطيف, قال: أحسنُ ما يتوسّلُ بهِ العبدُ إلى اللهِ عزّ وجل دوامُ الافتقارِ إليهِ على جميعِ الأحوال, ومُلازمةُ السُنّةُ في جميعِ الأفعال, وطلبُ القوتِ من وجهٍ حلال.
الحال افتقار، والسلوك تطبيق للسُنّة، وكسب الرِزق من وجهٍ حلال، هذا الذكاء، هذه البطولة، رِزق حلال، الحال فيهِ افتقار، الحركة وفق المنهج.
الحركة الظاهرة حركة الجوارح وفق المنهج, السمع والبصر والفؤاد واللسان واليد والرِجل كُلُها وفقَ الشرع, الحال مع الله افتقاراً، والسلوك مع الشرعِ انضباطاً، وكسبُ الرِزقِ من وجهٍ حلال.
((أطب مطعَمَكَ تكُن مُستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
هذه صفة المفتقر إلى الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/11.jpg
الفقر لهُ بداية، قال: ولهُ نهاية، ولهُ ظاهر ولهُ باطن، بدايتهُ التذللُ إلى اللهِ عزّ وجل ونهايتُهُ العِزُّ بالله، عِندَ المؤمنِ عِزٌ ومنعةٌ واباءٌ واعتزازٌ باللهِ عزّ وجل, لو وُزِعَ على أهلِ بلدٍ لكفاهُم, هذا المُتكبّر يتكبّر على من هوَ دونَهُ، أمّا لو رأيتَهُ أمامَ من هوَ فوقَهُ, لرأيتَهُ أذلَّ من شاةٍ.
من صِفات اللؤماء: أنهم إذا تعاملوا مع من هم دونَهم, كانوا قُساةً، جُفاةً، متعجرفين، متغطرسين، مستعلين، لا يرحمون، أمّا لو تراهم أمامَ من هم فوقَهم, لرأيتَهم أذلَّ من الشاةِ، أذلَّ من يتيمٍ على مائِدةِ اللئيم، أمّا المؤمن لأنهُ افتقرَ إلى الله عزّ وجل, البداية تذلل أمّا النهاية عِزّ, صدق القائل:
اجعل لِرَبِكَ كُلَّ عِزِكَ يستقيمُ ويثبُتُ
فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزّكَ ميتُ
بدايتهُ تذلل أمّا نهايتهُ عِزّ، سُبحانَ الله هذه من المُفارقات, كُلما ازددتَ خضوعاً لله رَفَعَكَ الله.
انظر إلى هذه العلاقة التي فيها مفارقة :
أنا لا أعتقد أنَّ في الكونِ كُلِهِ إنساناً أشدَّ افتقاراً وخضوعاً وتذلُلاً إلى اللهِ من رسولِ الله، كما أني لا أعتقد أنَّ في الأرضِ كُلِها في تاريخِ البشريةِ كُلِها إنساناً أعزّهُ اللهُ ورَفَعَهُ كرسولِ الله, انظر لهذه العلاقة التي فيها مُفارقة, كُلما ازددتَ تذلُلاً وخضوعاً وانصياعاً وخوفاً وحُباً وعبوديّةً, زادَكَ اللهُ عِزّاً ورِفعةً وإباءً ومكانةً وجاهاً.
ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام: أنَّ اللهَ عزّ وجل أقسمَ في كِتابِهِ الكريم بِعُمُرِهِ, قال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام أنهُ قالَ في كِتابِهِ العزيز عن النبي عليه الصـلاة والسلام:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام أن اللهَ عزّ وجل ما خاطَبَهُ باسمهِ إطلاقاً:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 64]
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 67]
قالَ: يا عيسى بن مريم، وقالَ: يا موسى, خاطَبَ الأنبياءَ بأسمائِهم, لكنهُ لم يُخاطِب النبي صلى اللهُ عليه وسلم أبداً باسمِهِ.
ما علاقتنا بهذه المعاني؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/12.jpg
ما علاقَتُنا بهذه المعاني؟ علاقَتُنا: أنكَ كُلما ازددتَ للهِ خضوعاً وافتقاراً وحُباَ وعبوديّةً رَفَعَكَ الله، رَفَعَ شأنَك، كساكَ ثوبَ هيبةٍ، هابَكَ الناس.
من هابَ اللهَ هابَهُ كُلُ شيء, ومن لم يَهِب اللهَ أهابَهُ اللهُ من كُل شيء.
أيام تُقابل شخصاً, قد يكون عِنده مستخدم يخاف مِنهُ, تستغرب أنت, وتقول: هو في مرتبة عالية جداً وخائف من مُستخدم.
من اتقى اللهَ هابَهُ كُلُ شيء, ومن لم يَهِب اللهَ أهابَهُ اللهُ من كُلِّ شيء.
نحنُ علاقَتُنا بهذا المعنى: أنكَ إذا أردتَ العِز، إذا أردتَ الرَفعة, إذا أردتَ علو الشأن، إذا أردتَ أن يُكسيّكَ اللهُ ثوبَ مهابة, اخضِع لله، هؤلاءِ المُتعجرِفون، المُتكبِرون، المُستعلون، عِلاجُهُم عِندَ اللهِ عذابُ الخِزيِ في الحياة الدنيا، الله عزّ وجل لِحِكمةٍ بالغة, هؤلاء المتَكبِرون الذينَ استنكفوا عن عِبادة الله, وأبَوا أن يخضَعوا للهِ عزّ وجل, يُذيقُهُم الله في الدُنيا ألوانَ الذُل, وقد يُذيقُهم هذا الذُل من أقربِ الناسِ إليه, من زوجاتهِ، من أولادِهِ, يقول لكَ: ابني ضربني البارحة, من أقربِ الناسِ إليه، ممن هم دونه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/13.jpg
فيا أيها الأخوة الأكارم, إذا أردتَ عِزَّ الدُنيا ورِفعَتَها وشأنَها، إذا أردتَ أن تكونَ منيعاً مُهاباً, اخضع لله، أطِعهُ، تذلل بينَ يديه، مرّغ جبينكَ في أعتابِه، قُل لهُ: يا رب أنا لا شيء وأنت كُلُ شيء، يا ربي إني توسلت إليك، إني تبرأتُ من حولي وقوَتي, والتجأتُ إلى حولِكَ وقوتِكَ وعِلمِكَ يا ذا القوةِ المتين, حال الافتقار حال مستمر.
الطبيب إذا قال قبلَ أن يُعالج: يا رب ألهِمني دِقّةَ التشخيص وصِحّةَ الدواء، المحامي، المُدرّس، التاجر: يا رب ألهمني صفقةً رابِحة.
كانَ النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخلَ السوق يقول:
((اللهم إني أعوذُ بِكَ من يمينٍ فاجِرة أو صفقةٍ خاسِرة))
له بداية التذلل، له نهاية العِز، لهُ ظاهر ظاهِرُهُ أنكَ مُفتقر, وباطِنهُ أنكَ غنيّ, أنتَ أغنى الأغنياء.
من أرادَ أن يكونَ أقوى الناس فليتوكّل على الله، ومن أرادَ أن يكونَ أغنى الناس فليكُن بِما في يديّ الله أوثَقُ مِنهُ بِما في يديه، ومن أرادَ أن يكونَ أكرَمَ الناس فليتق الله. هل الافتقارُ إلى اللهِ أكمل أم الاستغناءُ بِهِ أكمل؟
قال: إذا عَرَفتَ معنى الفقر عَلِمتَ أنهُ عينُ الغِنى، الفقر إلى الله يُساوي غِنى حقيقي.
سؤال: أيُّ المعنَيينِ أفضل: أن تقول: الافتقارُ إلى اللهِ أكمل أم الاستغناءُ بِهِ أكمل؟ أيُّ الحالينِ أكمل: أن تفتقِرَ إلى الله أم أن تستغني بِهِ؟ .
قال: السؤال غلط لأنَّ الافتقار إلى الله عينُ الاستغناءِ بِهِ، والاستغناءُ بِهِ عينُ الافتقارِ إليه، وجهانِ بشيء واحد، أنتَ كُلما افتقرتَ إلى الله استغنيتَ بِهِ, وكُلما استغنيتَ بِهِ افتقرتَ إليه، فإذا شيء لهُ اسمين فرضاً: أيُهما أعظم إنكلترا أم بريطانيا؟ واحد مثلاً اسمان لشيء واحد، فأن تستغني بالله هوَ أن تفتقرَ إليه, وأن تفتقرَ إليه أن تستغني بِهِ، فقير إلى الله أنتَ غني معناها، غني بالله معناها فقير إلى الله.
إذاً: لا معنى للسؤال: أيُهُما أفضل؛ أن أكون مستغنيّاً بالله أم مُفتقِراً إليه؟ هذا سؤال في الأصل غلط. أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/14.jpg
سؤال آخر طرحُهُ غلط: أيُهُما أفضل؛ الغنيُّ الشاكر أم الفقيرُ الصابر؟ السؤال أصلُهُ غير صحيح, الأفضل أن يكون الإنسان طائعاً ولا عِبرةَ لِغِناه أو لِفقرِه، إذا كان فقيراً وطائعاً فهوَ غني عِندَ الله، وإذا كان غنياً وطائعاً فهوَ غني أيضاً, العِبرةُ أن تكونَ طائِعاً للهِ عزّ وجل, لأنَّ الله عزّ وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
لم يقُل: أغناكُم, ولم يقُل: أفقرُكم، لم يقُل: أغناكُم شاكِراً ولا أفقرَكُم صابِراً, قال:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
انتهى الأمر, ما دُمتَ في طاعةِ الله, فأنتَ الغني بالله, وأنتَ الفقيرُ إليه، ما دُمتَ في طاعة الله فأنتَ شاكر, وأنتَ صابر في وقتٍ واحد. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/15.jpg
قال:
﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
شرحتُها قبلَ قليل، أمّا الآية التي لها علاقة بالدرس: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[سورة الفجر الآية: 15-17]
لا هذا ولا ذاك، ليسَ عطائي إكراماً ولا منعي إهانةً، لا علاقةَ لعطائي بالإكرام ولا بمنعي بالإهانة, لكنَّ العلاقةَ: إذا كُنتَ طائعاً لله عزّ وجل فأنتَ المُكرّم, وإذا كُنتَ عاصيّاً فأنتَ المُهان، أنا أُلحّ على هذا المعنى, لأنَّ الإنسان لا يشعر بالطُمأنينة إلا إذا كانَ في طاعةِ الله غنيّاً كانَ أو فقيراً, لقولِهِ تعالى:
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]
قال: المعنى كما قيلَ في تفسيرِ هذه الآية: ليسَ كُلُ من وسّعتُ عليهِ وأعطيتُهُ أكونُ قد أكرمتُهُ, ولا كُلُّ من ضيقّتُ عليهِ وقتّرت أكونُ قد أهنتُهُ، فالإكرامُ أن يُكرم اللهُ العبدَ بطاعتِه, والإيمان بِهِ, ومحبتِهِ, ومعرِفَتِهِ, والإهانةُ أن يسلِبَهُ ذلك.
ما هو الحرمان الحقيقي وما هو الإكرام الحقيقي؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/16.jpg
في قول: ما استرذلَ اللهُ عبداً, -استرذلَهُ: رآهُ شهوانيّاً، رآهُ دنيويّاً، رآهُ متعلِّقاً بضلالات وأوهام- ما استرذلَ اللهُ عبداً إلا حضرَ عليهِ العِلمَ والأدب.
يعني أكبر حِرمان أن يحرِمَكَ اللهُ العِلمَ والأدب، أن يحرِمَكَ معرِفَتَهُ، أن يحرِمَك طاعَتَهُ، أن يحرِمَك القُربَ مِنه، هذا أكبر عِقاب, خُذ المال ما شِئت, المال بحسب ما تُريد وجاه، لكنَّ الإكرامَ الحقيقي: أن يمنَحَكَ اللهُ طاعَتَهُ, ومحبَتَهُ, والشوقَ إليه, ومعرِفَتَهُ, وخِدمةَ عِبادِهِ، أن يؤهلَكَ لجنّتِهِ, هذا هوَ العطاء.
قف عند هذا القول لعلي بن أبي طالب :
سيدنا علي يقول: الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله.
في قول مُشابِه لبعض العُلماء قال: لا يوزَنُ غداً الفقرُ ولا الغِنى, ولكن يوزَنُ الصبرُ والشُكر، يرتفِعُ الصابِرُ والشاكِر غنيّاً كانَ أو فقيراً.
من لوازم الافتقار إلى الله :
1- لا يشتهي ما لا يجد وإذا وجد لا يُكثر :
في موضوع دقيق متعلّق بالفقر إلى الله عزّ وجل: رجل وصَفَهُ بعض الأُدباء, قال: لي صديقٌ, كانَ من أعظم الناس في عيني, وكانَ رأسُ ما عظّمَهُ في عيني: صِغَرُ الدُنيا في عينيه, فكانَ خارِجاً عن سُلطانِ بطنِهِ, لا يشتهي ما لا يجد ولا يُكثِرُ إذا وجد.
المُفتقر إلى الله عزّ وجل, إذا الشيء توافَرَ بينَ يديه حمداً لله, لا يشتهي ما لا يجد وإذا وجد لا يُكثر، هذا المقام يَليق بالمُفتقر إلى الله عزّ وجل، ليسَ حريصاً على شيء, ليسَ في يديه, وليسَ منهَمِكاً في شيء بينَ يديه، لا الشيء الذي بينَ يديه يشغَلُهُ عن الله عزّ وجل, ولا إذا افتقدَ هذا الشيء يشغَلُهُ عن الله, يعني وجودُ الشيء وعدمُ وجودُهُ سيان عِندُهُ, هذه من لوازم الافتقار إلى الله عزّ وجل.
في معنى دقيق جداً: المُفتقر إلى الله: قبضُ اليدِ عن الدُنيا ضبطاً أو طَلَباً, وإسكاتُ اللسانِ عنها مدحاً, والسلامةُ مِنها طَلَباً أو تركّاً، السلامة مِنها طَلَباً معروفة.
الإنسان لا ينهمِك، لا يُكبّ، لا يُقاتِل من أجلِها، لا يُضيّعُ دينُهُ من أجلِهِا، لكن كيفَ يسلَمُ مِنها تركاً, طلباً معروفة؟ أمّا لو تَرَكَها, هذا المعنى الدقيق الآن:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/17.jpg
لو فرضنا إنسان حَرَمَ نفسَهُ أشياء أساسية في الحياة مباحة، ينشَغِل بهذا الشيء, ينشَغِل وينشَغِل, هوَ يشتهي هذه الأكلة, لو أكلها وشَكَرَ الله عزّ وجل والتفتَ إلى الأعمال الصالِحة, أفضل من أن يُمضي كُلَّ حياتِهِ في مُجاهدةٍ مع الحِرمان.
يعني: تَركُ الدُنيا كُليّاً, لهُ نتائج ليست مُرضية، واحد حرم نفسُهُ الزواج وحرم نفسهُ الطعام حُبّاً بالله, هذا الموقف يجعل حالة حرمان دائمة وحالة توتّر دائمة، فأنتَ في معركةٍ حاميةٍ معَ نفسِك، هذه المعركة الحامية مع النفس قد لا تنتهي بسلام, أعطِ نفسكَ ما أباحَهُ اللهُ لك, عندئذٍ تسكُنُ النفس، أطعِمها الطعام الذي تُحِبهٌ, وأعطِها ما سمحَ اللهُ لها بِهِ, ثمَّ التفت إلى الله عز وجل معرِفةً وتفكيراً ودعوةً وخِدمةً للخلق.
يعني أحياناً الشيطان يأتي عن أيمانِهم وعن شمائِلِهم، قد يأتي الشيطان عن أيمانِهم, دعكَ من الزواج إنهُ مشغلَةَ, ليسَ في الإسلام رهبانية:
﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة الحديد الآية: 27]
فإذا عَزَفَ الإنسان عن شيء مُباح, والإسلام أباحَهُ لَهُ, ينشأ عِندَهُ حالة توتر مستمرّة ، فهؤلاءِ الذينَ حرموا أنفسَهم ما سمحَ اللهُ لهم بِهِ, قد يقعونَ في أكبرِ المعاصي، قد يقعونَ في أكبرِ الانحرافات، فحينما تَدَعُ الدُنيا يجب أن تدعَ الحرامَ مِنها, أمّا الحلال لستَ أورعَ من رسولِ الله ولا من أصحابِهِ، قالَ عليهِ الصلاة والسلام:
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
((جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ, فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ: كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
كلمة لطيفة :
في كلمة لطيفة قال: إنَّ الإنسان إذا تركَ الدُنيا, هوَ بشرٌ وليسَ ملاكاً, تعلّقَ قلبُهُ بِما يُقِيمُهُ ويُقيِتُهُ ويُعيِشُهُ, وما هوَ محتاجٌ إليه, فيبقى في مجاهدةٍ شديدةٍ مع نفسِهِ, لِتركِ معلومِها, وحظِها من الدُنيا, وهذه قِلّةُ فِقهٍ في الطريق، بل لفقيه العارِف يَرُدُ النفسَ عنها بِلُقمةٍ كما يُردُّ الكلبُ إذا نَبَحَ عليهِ بكسرةٍ، إذا نفسهُ نبحت عليه, وطالبته بشيء معقول ومسموح بهِ يُطعِمها لُقمة ويُسكِتُها, ويقول لها: التفتي لله عزّ وجل, أفضل من أن يُبقيها في صِراع دائم معَ نفسِهِ.
قال: هذه طريقُ الرُسُلِ, وهيَ طريقةُ العارفينَ من أربابِ السلوك, وكما قالَ النبيُ عليهُ الصلاة والسلام:
عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ, قَالَ:
((آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ, فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ, فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً, فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ فقَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا, فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا, فَقَالَ: كُلْ, فَإِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ, فَأَكَلَ, فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ, ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ, فَقَالَ: نَمْ فَنَامَ, ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ, فَقَالَ: نَمْ, فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ, قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ, قَالَ: فَصَلَّيَا, فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ, فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه]
إذاً: تركُ الدُنيا كُليّاً, ليسَ موقِفاً سليماً, وليسَ موقِفاً يُعينُكَ على طاعةِ الله, لأنهُ ينشأ من تركِها كُليّاً توتّر, وشعور بالحرمان, وشعور بالحاجة, وقد تقع في مُشكلة أخطر مما لو أخذتَ المُباحَ مِنها,
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾
من هو العارف البصير؟ :
من هو العارف البصير؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/18.jpg
أيضاً: كلمة اسمعوها حرفيّاً, قال: العارِفُ البصير, يجعلُ عِوَضَ مجاهَدتِهِ لنفسِهِ في تركِ شهوةٍ مُباحة, مجاهَدتِهِ لأعداءِ اللهِ من شياطينِ الإنسِ والجِن، وقُطّاعِ الطريقِ على القلوب, كأهلِ البِدعِ من بني العِلم, ويستفرغُ قُواهُ في حربِهم ومجاهدَتِهم, ويتقوّى على ذلك بِما سمحَ اللهُ له بِهِ من مُباحات.
أن يكون لكَ عمل، تتفوق في دِراستِك، تتفوق في تجارتِكَ، تزوّج وأسس بيتاً, وعِندئذٍ فرّغ نفسَكَ للهِ عزّ وجل، أمّا أن تعيش في حالة حِرمان مستمّر, وتوتّر مستمر, وإحساس بالشوق إلى شيء مُباح، هذا يحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، هذا من قِلّة الفِقه.
النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً واقفاً بالشمس -وشمسُ الحِجاز تعرِفونَها- فسألَ عنهُ, فقال:
((نَذَرَ أن يقِفَ في الشمس, فقالَ عليه الصلاة والسلام: مروهُ فليتحوّل, إنَّ اللهَ غنيٌّ عن تعذيبِ هذا نفسه))
اللهُ غني عن تعذيب نفسِك, كُل باعتِدال، تزوّج واكسب المال، واطلب الحلال، واحضر مجالس العِلم، وتعرّف إلى الله، وادعُ إلى الله، واخدم الناس، هذا الوضع المِثالي الواقِعي، الإسلام واقِعي إنهُ دينُ الفِطرة. من آفاتِ تركِ الدُنيا كُليّاً, قال: التطلُعُ إلى ما في أيدي الناس إذا مسّتهُ الحاجة، ومن آفاتِ ترك الدُنيا كُليّاً: ما يأتيهِ من كِبرٍ وعُجبٍ وزُهُوٍ في زُهدِهِ، قال: الفقرُ الصحيح: السلامة من آفات الأخذِ والترك, وهذا لا يحصُلُ إلا بِفقهٍ في الفقر.
2-أن يتخلى العبد عن رؤيته لأعماله :
في شيء آخر: من لوازم الفقر إلى الله عزّ وجل: أن يتخلّى العبدُ عن رؤيَتِهِ لأعمالهُ .
أحياناً الإنسان: الله عزّ وجل يُكرِمُهُ بعمل صالح, هذا العمل الصالح إذا أكرَمَهُ بِهِ, رأى نفسَهٌ عظيماً بِهِ، رؤيةُ هذا العمل, والتركيزُ عليه, والحديثُ عنهُ دائماً, هذا مما يجعلُ هذا العملَ حِجاباً بينَكَ وبينَ اللهِ عزّ وجل، رؤيةُ العمل رُبّما كانَ حِجاباً بينَكَ وبينَ الله، المُفتقر إلى الله مُفتقر إليه حتى في الأعمال الصالِحة، فإذا اللهُ عزّ وجل جعل هُدى الناس على يديك, رُبمّا إذا نظرتَ إلى هذا العمل, كانَ هذا العمل العظيم نفسُهُ حِجاباً بينكَ وبينَ الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/19.jpg
إذا اللهُ عزّ وجل أكرَمَكَ ببناء مسجد, رُبمّا كانَ هذا العمل العظيم, إذا نظرتَ إليه, وحدثّتَ الناسَ عنه, وركزّت عليه, وقُلت: أنا فعلت, هذا العمل العظيم رُبمّا كانَ حِجاباً بينكَ وبينَ الله، إذا أمكَنَكَ اللهُ من خِدمةِ إنسانٍ خِدمةً جليلةً, وأنقذتَهُ بِها أو أنقذتَ حياتَهُ, ونظرتَ إلى عَمَلِكَ دائماً, ونسيتَ أنَّ اللهَ تفضّلَ عليكَ بِهِ، نسيتَ أنَّ اللهَ عزّ وجل خَلَقَهُ ونَسَبَهُ إليك، رؤية العملِ الصالِحِ نفسه قد يحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، فمن لوازِم الافتقارِ إلى الله: ألاّ ترى لكَ عملاً, أن ترى أنّ عَمَلَكَ الصالح الذي أكرَمَكَ اللهُ بِهِ, إنما هوَ محضُ فضلٍ من اللهِ عزّ وجل.
أحد العارِفين بالله حَضَرتهُ الوفاة, فمزّقَ ابنُهُ قميصه من شِدّةِ ألَمِهِ، فتحَ أبو عُثمان عينيه, وقالَ: يا بُنيّ خِلافُ السُنّةِ في الظاهر علامةُ رياءِ الباطل.
السُنّة ألاّ تُمزّقَ الثوب، إذا الإنسان جاءهُ خبر مؤلم، فخلاف السنة ضرب الخدود، وتمزيق الثياب، والمُناداة بالويل، كُلُ من خالَفَ السُنّةَ في الظاهر ينطوي على رياءٍ في الباطِل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/20.jpg
أنا أقول لكم: حتى الأعمال الصالحة يجب أن تنسِبَها إلى الله عزّ وجل, حتى الحُزن المُقدّس يجب أن يكون وُفق السُنّة.
آخِرُ فِقرةٍ في الدرس: من افتقرَ إلى اللهِ تعالى اغتنى، والغِنى نوعان: غِنىً بالله وغِنىً عن غيرِ الله, وهُما حقيقةُ الفقر، إذا كُنت فقيراً إلى الله أنتَ مُستغنٍ بالله, ومُستغنٍ عن غيرِ الله.
أحدُ الخُلفاء العباسيين كانَ يَحُجُ البيت, فالتقى بعالِمٍ جليل في الحرمِ المكيّ, قالَ لهُ: سلني حاجَتَك، قال لهُ: واللهِ إني لأستحيي أن أسألَ غيرَ الله في بيتِ الله، فلمّا التقى بِهِ خارِجَ الحرَم, قالَ: سلني حاجَتَك، قالَ: واللهِ ما سألتها من يملِكُها, أفأسألُها من لا يملِكُها؟ فقالَ: سلني حاجَتَك, قالَ لهُ: أُريد أن أنجوَ من النار, فقالَ لهُ: هذهِ ليست بيدي, فقالَ لهُ: ليست لي حاجةٌ عِندَك.
فمن علامةِ الفقرِ إلى الله: أن تستغني بالله, وأن تستغني عن غيرِ الله، الذي يطمَعُ بِما في أيدي الناس, ليسَ مُفتقِراً إلى الله عزّ وجل.
رُبمّا قُلتُم في أنفسِكُم: هذا المستوى مستوى العارِفين بالله, أنا أتمنى أن يكون هذا مستوى المؤمنين، يعني الافتقار إلى الله عزّ وجل, لكَ مظهر فخم ليسَ هُناكَ مانع، أنيق في مظهرك، نظيف، لكَ بيت، لكَ عمل، متفوّق في تِجارَتِكَ، في صِناعَتِكَ، في عملَكَ، في وظيفتك، هذا لا يمنع أن تكون فقيراً إلى الله عزّ وجل, ليسَ هُناك تناقض إطلاقاً بينَ مرتبةِ الافتقارِ إلى الله عزّ وجل, وبينَ مرتبةِ أن تشعُرَ بحقيقةِ عبوديتِكَ للهِ عزّ وجل, وحقيقةِ نفسِكَ المحتاجةِ إلى اللهِ في كُلِّ شيء.
قاعدة :
اسمعوا مِنّي هذه القاعِدة: الإنسان إمّا أن يتَكِلَ على الله, وإمّا أن يتكِلَ على نفسِه في كُلِّ أطوارِ حياتِه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2608/21.jpg
من اتكّلَ على اللهِ كفاهُ اللهُ كُلَّ مُؤنة, ومن اتكلَّ على نفسِهِ أوكَلَهُ اللهُ إياها.
في عِلمِكَ، في عَمَلِكَ، في تدبيرِكَ، في تربيةِ أولادِكَ، في تجارَتِكَ، في صناعتِكَ، في علاقاتِكَ الاجتماعية, في لِقاءاتِكَ، في سَفَرِكَ, حينما تتكَلُ على اللهِ, عندئذٍ يكفيكَ كُلَّ مؤنة, وحينما تقول: هذهِ جهزّتُها, وهذهِ راجعتُها, وهذهِ أكدّتُها, حينما تقول: راجَعتُ هذا الشيء وجهزّتُهُ, قد يُفاجِئُكَ بعطبٍ خطير في وقتٍ مُزعجٍ جدّاً؛ فلذلك: دُعاء السفر، دُعاء قبلَ أن تقوم بأي عمل، هذا دليل الافتقار إلى الله عزّ وجل, وما من إنسان مؤمن قبلَ أن يُقدِم على أيّ عمل, يقول: يا رب أعِنّ، يا رب سدد خُطاي، يا رب سدد قولي، ألهِمن الصواب، ألهِمن الحِكمة.
اللهم لا سهلَ إلا ما جعلتَهُ سهلاً, وأنتَ تجعلُ الحَزَنَ إذا شِئتَ سهلاً سهلاً.
فهذا الدُعاء معناه الافتقار إلى الله عزّ وجل, فالافتقار من لوازِم المؤمنين, بل الافتقار سِمةٌ أساسيّةُ من سِماتِ أهلِ الإيمان, والافتقار يعني أنكَ عرفتَ حقيقَتَكَ, وعرفتَ عبوديتكَ للهِ عزَ وجل, والافتقار من أعلى مراتِبِ الإيمان في الدُنيا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و الاربعون )


الموضوع : اصول الدين







مدخل الدرس :
أيها الأخوة الأكارم, من السهل جداً أن تدخُلَ في تفاصيل الدين, والدين بابٌ واسعٌ جداً من أبواب المعرِفة، ولكن من حينٍ إلى آخر: أرى من المُناسب أن نتحدّثَ في الكُلّيات، الجزئيّات: أن تصل إلى دقائق الآيات, إلى دقائق السُنّة, إلى دقائق السيرة، لِئلا ندخُلَ في التفاصيل, ونغفلَ أحياناً عن الأهداف الكُبرى والكُليّات العُظمى, لذلك أجد من المُناسب من حينٍ إلى آخر أن نعودَ إلى الكُليّات.
لو دخلتَ إلى مكتبةٍ إسلاميّة, لوجدتَ عشراتِ بل مئات الآلاف من الكُتب إن شِئت: العقائدُ وأُصولُها، والقرآنُ وعلومُهُ، والحديثُ ومُصطلحهُ، والسيرةُ وأعلام الإسلام، والفِقهُ ومذاهِبُه, قد تجدُ عشرات الآلاف من الكُتب, بل مئات الأبواب من الكُتب, في كُلِّ بابٍ من أبواب الدين, ولا يتسّعُ أيُّ عُمر مهما طال لقراءةِ ما أُلّفَ في أحدِ أبواب الدين.
إذاً: نحنُ نحتاج أحياناً لا إلى الاستقصاء، لا إلى التفاصيل، لا إلى الجزئيات، نحتاجُ من حينٍ لآخر, أن نبقى في الكُليّات في أُصول الدين، في كُليّات الدين، في الخطوط العريضة، في الأهداف الكُبرى، في الوسائل الناجحة, فأردتُ في هذا الدرس أن يكونَ حولَ كُليّاته.
من كليات الدين :
1-طلب العلم :
الدين يقوم على دعائم, أُولى هذه الدعائم: دِعامةُ المعرِفة, يعني التديّن دون طلب عِلم, هذا شيء مستحيل, أُولى دِعاماتِ الدين: المعرِفة, لأنهُ ما اتخّذَ اللهُ وليّاً جاهلاً، لو اتخذهُ لعلّمَهُ، لأنكَ إذا تديّنتَ دونِ معرِفة, ما الذي يحصل؟.
تُطبّقُ عشرات العِبادات, وقد تخرِقُ الاستقامةَ, لأنكَ لا تعلم, فيكونُ هذا الخرقُ حِجاباً سميكاً بينكَ وبينَ الله، كُلُ هذه العبادات غير مُجديّة، لن تستطيعَ أن تُحكِمَ الاتصالَ بالله عزّ وجل إلا إذا وقفتَ عِندَ حدودهِ، ولن تقِفَ عِندَ حدودهِ إلا إذا عرفتَ حدودَهُ, ولن تعرِفَ حدودَهُ إلا إذا عرفتَهُ قبلَ أن تعرِفَ حدودَهُ.
ما الذي ينجي الإنسان في هذا العصر من الانحرافات الفكرية والسلوكية؟:
بالإسلام جانب معرِفي، جانب علمي، جانب عقيدي.
أُلاحظ أشخاصاً كثيرين, يعنيهم من الدين: الصلاة, والصيام, والحج, والزكاة, ويعنيهم خِدمةُ الناس, هؤلاء ربمّا في عصور غير هذه العصور, ربمّا يصِلونَ إلى الجنّة, لكن في عصرٍ استعّرت فيهِ الفِتن واتقدت, والمزالق, والشُبُهات, والتُرُهات, والأضاليل, والعقائد الزائغة, والباطل المُزيّف, والانحراف المُروّج, والتفلّت من مبادئ الدين تحتَ غِطاءٍ من الحُريّةِ والعصريّةِ والتقدّمِ، هُناك شُبُهات كثيرة وفِتن.
أقول لكم وأنا أعني ما أقول: لا يستطيعُ أن ينجوَ الإنسانُ الآن في عصورِ الانحرافات الفكريّةِ والسلوكيّة إلا بعلمٍ صحيح، بعقيدةٍ راسِخة، بعلمٍ متين، بأدلّةٍ قاطعة.
متى يفقد العبد كل ثمار الدين؟ :
يا أيها الأخوة الأكارم, حينما تنصرِفونَ إلى الدُنيا، حينما تتحركون، حينما تنطلقونَ إلى أعمالِكم، إذا شعرتم أنكم في غِنىً عن طلبِ العِلم, هذا النقصُ في العِلم, لا بُدَ من أن يُترّجمَ إلى انحرافٍ في السلوك، والانحرافُ في السلوك لا بُدَ من أن يُترجمَ إلى حجاب بينكَ وبينَ الله، وحينما يكونُ الحِجابُ بينكَ وبينَ الله, اعلم عِلمَ اليقين: أنكَ فقدتَ كُلَّ ثِمارِ الدين، أساسُ الدين هذه العلاقةُ الطيبةُ بينكَ وبينَ الله, وحينما تُفقدُ هذه العلاقة بانحرافٍ أساسُهُ الجهلُ, فقد خَسِرتَ كُلَّ ثمراتِ الدين، بالاتصال لا يوجد خوف:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
[سورة المعارج الآية: 19-22]
هكذا خُلِق, هذا ضعفٌ خلقيّ، هكذا أرادَ اللهُ عزّ وجل أن يكونَ,
﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إلا الْمُصَلِّينَ﴾
يعني كُل نِقاط الضعف البشري الخلقي التي لا سببَ مِنكَ بِها, هذه النقاط الضعف تتلافاها بالاتصال بالله عزّو جل. متى يظهر الخلل في سلوك الإنسان؟ :
فلذلك: من لم تُحدّثهُ نفسُهُ بحضورِ مجلسِ علمٍ, يزدادُ معرفةً باللهِ أو بكتابِهِ, درس أسماء الله الحُسنى معرفةٌ بالله، درسُ التفسير معرِفةٌ بكتاب الله، درسُ الحديث الشريف معرِفةٌ بِسُنّةِ رسولِ الله، درسُ السيرةُ النبويّة معرفةُ بالتطبيقات العمليّة، درسُ الفِقهِ معرفةٌ بالأحكام الشرعيّة التي ينبغي أن تدور مع حياتِك، فما لم تُخصص من وقتِكَ وقتاً ثميناً لِطلبِ العِلم, ومتابعةِ مجالس العِلم, وأن تزدادَ ثقافتُكَ الدينيّة, وقناعاتُكَ الفِكريّة, وعقيدَتُكَ الصحيحة, أن تزدادَ وتغتني, عندئذٍ ترى: أنَّ النقصَ في العِلم سيُسببُ خللاً في السلوك, هذا الجانب المعرفي.
كيف يتكون الجانب المعرفي عند الإنسان؟ :
والحقيقة: الجانب المعرفي بعضٌ منهُ يأتيكَ بالمُدارسة, وبعضٌ مِنهُ يأتيكَ بالتأمل, وبعضٌ مِنهُ يأتيكَ بالنظر:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 101]
جانبٌ كبير من جوانب المعرفة, يمكن أن تحصلَ عليها من وقوفِكَ عندَ دقائقِ خلقِ السمواتِ والأرض, وأقربُ شيء إليك جِسمُكَ الذي بينَ جوانِحك، أقربُ شيء إليك طعامُكَ الذي تأكُله، من حولَكَ من أهلٍ وأولاد، أقربُ شيء إليك مظاهر الطبيعةِ التي أمامَك، هذه كُلُها آياتٌ دالّةٌ على عظمةِ الله عزّ وجل.
رسالة لك :
فأنا أتمنى أن يُفكّرَ الإنسانُ كُلَّ يوم في آيات الله الدالّةِ على عظَمتِهِ, أو أن يشغَلَ نفسَهُ كُلما سنحت لهُ فرصةٌ أن يقفَ عِندَ دقائِقِ خلقِ اللهِ جلَّ وعلا.
لا تتأثر إذا سمعت, أنهُ يوجد عشرين مليون خلية عصبية شميّة, كُل خليّة فيها سبعة أهداب مغموسة بمادة دهنية مذيبة, وأنَّ أيّةَ رائحةٍ تصِلُ إلى أنفِك تتفاعلُ مع هذه المادةِ الدُهنيِةِ التي مع هذه الأهداب تفاعُلاً كيماويّاً, يتشكّلُ مِنهُ شكل هندسي, يُنقل على شكلِ إشارةِ إلى مركز المُخ, وفي مركزِ الشم المُخ عشرةُ آلافِ بند من بنودِ المشمومات, وأنَّ هذه الإشارة تُشعِرُكَ برائحة هذا الشيء, ثمَّ تنتقل إلى معرفة رائحة هذا الشيء, وأنَّ المادةَ إذا كانت بمقدار نِصف بالمليون من الميلي غرام في السنتيمتر المُكعّب, فإنها كافيةُ لكي تُحسسُكَ برائحةِ هذا الشيء, ألا تشعرُ أنكَ وقفتَ وجهاً لوجهٍ أمامَ عظَمةِ الله عزّ وجل؟ ألا تشعرُ أنكَ عَرَفتَ دِقّةَ الصنع؟.
ما طبيعة صلاة الجمعة؟ :
إذاً أيها الأخوة, جانبٌ معرفيّ أحدُ أركانِ الدين، لذلك اللهُ عزّ وجل فَرَضَ على المُسلمين تأكيداً للجانبِ المعرفيّ، تأكيداً لأحدِ أركانِ الدينِ الكُبرى, فرضَ على المُسلمين صلاة الجُمُعة, ما طبيعةُ صلاة الجُمُعة؟ طبيعَتُها تعليميّة, عبادةٌ تعليمية فيها خُطبة، فيها خطيب يتلو على الناسِ آيات القرآن يُفسّرُ هذه الآيات، يتلو عليهم سُنّة النبي يُفسّرُ هذه السُنّة، يتلو عليهم مواقِفَ الصحابة يُفسّرُ لهم هذه المواقِف.
إذاً: لأنَّ جانب معرفة اللهِ جانبٌ أساسيٌّ جداً في الدين, كانت صلاةُ الجُمُعة تِلكَ الفريضةُ التعليميّة:
عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ تَهَاوُنًا بِهَا, طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ))
ومن تَرَكَ الجُمُعة ثلاثَ مرات من دونِ عُذرٍ, نكتت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه, ثمَّ يكون الران, ثمَّ تلى النبي قولُهُ تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 14]
من أركان الدين :
إذاً أيها الأخوة, أحد أركان الدين: أن تقتطعَ من وقتِكَ أقول الثمين وقد يكون وقت الناسِ ثميناً, وقد يكونُ الوقتُ ممتلئاً بالمشاغل والمواعيد والإنجازات والخِطط واللقاءات والأعمال وعقد الصفقات وما إلى ذلك، لكن ما قيمةُ هذه الدُنيا لو رَبِحتَ فيها كُلَّ شيء وخسِرتَ نفسَك؟ ما قيمةُ المال إذا جاءَ مَلَك الموت وقد تركتَ كُلَّ المالِ في ثانيةٍ واحدة؟ فالتأمّل في الكون باب، والنظر في الحوادث باب، وقراءةُ القرآنِ وتدبُرُهُ, وقراءةُ السُنّةِ وفهمُها بابٌ ثالث؛ في نظر, وفي تفكّر, وفي مُدارسة.
من هو الإنسان الكامل؟ :
وأنا أقول لكم: الإنسان الكامل هوَ الذي يجمعُ بينَ كُلِّ مصادر المعرِفة, يتأمّلُ تارةً، وينظرُ تارةً، ويُفكّرُ تارةً، ويدرسُ تارةً، الآن سماعُكَ مُدارسة، تفكُركَ الصباحي بآيات الكون تفكّر، نظرك إلى ما يجري في الكون, من حوادث دالّة على عدالِة الله, وعلى حِكمتِهِ, وعلى رحمتِهِ, وعلى قيوميتِهِ, هذا من بابِ طلبِ العِلم.
اسمحوا لي أن أقول لكم: لو بلغتَ أعلى مراتِبِ العلمِ في الأرض, لو بلغتَ أعلى مراتِبِ العلمِ, ولم يكن لكَ عملٌ يدعمُ هذا العِلم, فلا قيمةَ لهذا العِلمِ عِندَ اللهِ إطلاقاً، المُشكلة: أنَّ العِلمَ وسيلة وظنّهُ الناسُ غاية، ما لم تتأكد من أن كُلَّ عِلمٍ تتعلمُهُ إنما هوَ وسيلةٌ كي ينقُلَكَ إلى التطبيق, هذا العِلمُ وبالٌ على صاحِبِهِ.
متى يكون العلم على ابن آدم حجة عليه لا له:
حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ:
((الْعِلْمُ عِلْمَانِ؛ فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ, وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ))
[أخرجه الدارمي في سننه]
حجةٌ عليه لا لهُ, هذا الباب بابُ طلبِ العِلم, بابُ الاستزادةِ بالعِلم, ماذا يؤكدّهُ؟ قولُهُ تعالى:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
[سورة طه الآية: 114]
يؤكدّهُ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى اعتمدَ قيمةَ العِلمِ كقيمةٍ وحيدةٍ مُرجّحةٍ بينَ البشر, قالَ تعالى:
﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة الزُمر الآية: 9]
وقالَ تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
[سورة يوسف الآية: 76]
((إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم, وإذا أردتَ الآخرةَ فعليكَ بالعِلم, وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم, والعِلمُ لا يُعطيكَ بعضَهُ إلاّ إذا أعطيتَهُ كُلّكَ, فإذا أعطيتَهُ بعضَكَ لم يُعطكَ شيئاً))
هل تسمحُ لنفسِكَ أن تقول أنا مشغول؟ مشغول بماذا؟ لماذا أنتَ في الدُنيا؟ أيُّ شيء يشغَلُكَ عن طَلَبِ العِلم، سوفَ تَعُدّهُ غبناً كبيراً في يومٍ ما. ماذا نستنتج من هذا المثال؟ :
طالب ذهب إلى دولة أجنبية لينال دكتوراه, عليهِ أن يعمل, وأن يدرس, أهلُهُ فُقراء، هوَ يحتاج فرضاً إلى ألف فرنك فرنسي في الشهر، وجدَ عمل ساعتين, هاتان الساعتان تُحققان لهُ ألف فرنك فرنسي، طبعاً: عِندَهُ دِراسة, لو نال الدكتوراه, سيعودُ إلى بلدهِ بأعلى مرتبة، بأعلى منصِب، بأكبر دخل، كُل آمالِهِ معقودة على هذه الشهادة, عَثرَ على عملٍ يُحقق لهُ ألفي فرنك في الشهر, لكن أربع ساعات, ثمَّ عَثَرَ على عملٍ يُحقق لهُ ثلاثة آلاف, ست ساعات, أربعة آلاف ثماني ساعات، خمسة آلاف تسع ساعات، عمل يُحقق لهُ مائة ألف فرنك بالشهر, لكن أربع وعشرون ساعة, فتركَ الدِراسة من أجلِها، هل يقول لكَ: أنا هيأت عملاً عظيماً؟ لا, أنتَ هُنا, إقامتُكَ محدودة, بقاؤكَ بهذا البلد منوط بجرّةِ قلم, فإذا عُدتَ إلى بلدِكَ بِلا شهادة, كُنتَ في خزيٍ شديد.
اسمعوا الآن القاعدة: العملُ الذي يستغرِقُ وقتَكَ كُلَهُ خسارةٌ مُحققة, مهما كانَ الدخلُ كبيراً, لأنكَ عندئذٍ خرجتَ عن هدفِكَ الأساسي.
أيها الأخوة الأكارم, أنا أعلم الحياة صعبة, والدخل محدود, والمطالب كثيرة, والوقت ضيّق.
أنا أعرف أخوةً كثيرين مضطرين إلى عمل مستمر, ولكن أن أغُضَ الطَرفَ عن إنسان, عملُهُ استغرقَ وقتَهُ كُلُهُ, وهوَ ناجح أو رابح, لا والله، لا بُدَّ من وقتٍ تتعرفُ فيهِ إلى الله.
الدين لا يعذر الجاهل :
مرة خطرَ في بالي مثل: طبيب درس 30 سنة, وجاء إلى بلده, وفتح عيادة, وكتب العيادة بينَ الساعة الخامسة والسابعة, بعد الظهر وهوَ في العيادة, جاءهُ مريض الساعة الخامسة والنصف, فقالَ لهُ: مشغول, لماذا أنتَ هُنا؟ لماذا درست كُل هذه الدراسة إن لم تكُن فارِغاً لأكبرِ عملٍ في حياتِك؟ فأنتَ فارِغ لِماذا؟.
إذا قال: ليس عندي وقت أتعرّف على الله عزّ وجل, نقول له: ما الذي يشغَلُك أو ماذا كُنتم تعملون؟ ماذا بعدَ الحقِ إلا الضلال؟ الكلام أقولُهُ لكم: لا بُدَّ من طَلِبِ العِلم, هذا شيء لا بُدَّ مِنهُ, لأنهُ لو لم تكن كذلك لظَهَرَ الانحراف.
مثلاً: في الحج سمعنا في اجتماع عٌقِد قبلَ أيام, أن أكثر من 20 - 30 حاج سوري في العام الماضي, لم يطوفوا طواف الإفاضة, وهوَ رُكن أساسي, فلمّا قُلنا لهم: لماذا لم تطوفوا؟ قالوا: لم يقُل لنا أحد, لا نعرف, من عرفات إلى مكة, وجلسوا بعد العيد, ثمَّ سافروا، ما الذي أبطَلَ حَجَهم؟ جهلُهم.
أنا أقول لكم: ممكن أن تكون أنتَ سليم النيّة، ممكن أن تأكُل الرِبا وأنتَ لا تدري، ممكن أن تتجاوز الحدود لِعلّةِ الجهلِ فقط، والقانون لا يحمي الجاهل, كما أنَّ الدين لا يعذُر الجاهل.
أنا أتمنى من أخواننا الكِرام, أن موضوع مجلس العِلم ليسَ على وقت فراغِهِ, الدنيا شتاء, لا يوجد شيء نتلهى به, تعال لنحضر الدرس, بالصيف الناس في المصايف, وهُنا وهُناك, ليسَ هذا القصد, هذا مِنهاج جامعي, فيجب أن تجعل الأساس الدرس، حياتك متقلبة مع الدرس, وليسَ الأساس حياتك, والدرس على وقت الفراغ, هذا طبعاً من باب المُتابعة والمُثابرة.
2-العمل بشقيه السلبي والإيجابي:
ماذا تقترحون البند الثاني في كُليّات الدين؟ العِلم بند أول، طَلب العِلم إمّا بالتفكّر بالكون، أو بالنظر في الحوادث، أو بالمُدارسة, والمُدارسة قراءة واستماع، أنتَ الآن تدرس, تستمع إلى درس, وقد تقرأ, وقد تنظر, وقد تتفكّر, تقترحون كُليّة كُبرى من كُليّات الدين: العمل, كلمة كبيرة جداً, ممكن أن يكون لها بندين أساسيين: في بند سلبي وبند إيجابي، في بند امتناع وفي بند إيجابي فعلي؛ الاستقامة والعمل الصالح.
ماذا تعني الاستقامة؟ :
الاستقامة: انضباط، غض البصر استقامة، تركُ الغيبةِ والنميمة استقامة، تركُ ركنةٌ من حرام استقامة, لكن العمل الصالح بذل بالضبط, دققوا في هذا المثل: لو تصورّنا أنَّ الطريق إلى الله طريق مادّي.
تصوّر افتراض الطريق إلى الله طريق مادّي, أنتَ راكب مركبة, وعلى هذا الطريق عقَبات، كُل عقَبَةَ ارتفاعها مترين, ومترين عرض, ومترين طول, إسمنت مُسلّح, هل بإمكانِكَ أن تسيرَ على هذا الطريق؟ لا, كُلُّ معصيةٍ عقبةٌ على طريقكَ إلى الله.
فالاستقامة تعني أن تُزيلَ هذه العقبات، كُل إنسان استقام على أمر الله, نقول لهُ: ما فعلَ شيئاً, لكنّهُ مهّدَ الطريقَ إلى الله, أزالَ كُلَّ العقَبات، أزالَ كُلَّ الموانع، ألغى كُلَّ الحواجز، المعاصي حواجز وموانع وعقبات وحُفر وما إلى ذلك، أنتَ حينما تستقيم على أمرِ الله عزّ وجل, والاستقامةُ طابعُها سلبيّ، أنتَ ما زِدتَ عن أن مهدّتَ الطريقَ إلى الله, وبقيَ الحركة على هذا الطريق، طريق إلى الله فرضاً مادّي, فيه عقبات أزلتَها, فأصبحَ الطريق سالكاً, بقيَ عليكَ أن تسير, أن تتحرك, الحركة هيَ العمل الصالح، والعملُ الصالحُ يرفَعُكَ، اسمع القرآن الكريم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فُصّلت الآية: 70]
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة فُصّلت الآية: 33]
لا بُدَّ من استقامةٍ, ولا بُدَّ من عملٍ صالح. ما الكلمة التي عبر عنها القرآن الكريم عن الاستقامة والعمل الصالح؟ :
لكن أحياناً: القرآن الكريم يُعبّرُ عن الاستقامةِ والعمل الصالح بكلمة:
﴿وَعَمِلَوا الصَالِحات﴾
والتفسير: أنَّ العملَ الصالِح لا يثبُت إلا على أرضيّةٍ من استقامة, كيفَ أنَّ الإنسان معهُ قلم حبر والورق عليه دُهن وكتب؟ لا شي, لا يثبُتُ أثرُ الحِبرِ إلا على ورقٍ نظيف، كذلك لن تستطيع أن تشعر أنَّ هذا العمل قَبِلَهُ اللهُ عزّ وجل إلا على أساسٍ من استقامةٍ على أمرِهِ.
بشكل آخر: لا تُفكّر أنَّ العمل الصالح يُعينُكَ على الاتصال بالله عزّ وجل إذا كان مبني على عدم استقامة, الاستقامة أساس. ماذا يوضح لنا هذا المثال؟ :
من باب الأمثلة, والأمثلة توضّح: المستودع: الاستقامة إملاؤهُ بسائل غالٍ جِدّاً, العمل الصالح, أمّا مستودع بِلا قعر, وصب هذا السائل الزِئبقي الغالي, عمل أحمق لا شيء يحفظَهُ ، أمّا إذا كان المستودع مُحكماً, لو ألقيتَ فيهِ ليتراً واحداً هو محفوظ, ليترين محفوظين, فلذلك : دعوتُنا استقامةٌ تامّة وعملٌ صالحٌ بقدرِ المُستطاع، العمل الصالح بقدرِ المُستطاع:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
لكن الاستقامة تامّة، فمن رضيَ بانحرافٍ طفيف, هذا الانحراف كما تعلمون:
لا صغيرةَ معَ الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار.
الصغيرة تشبه راكباً بمركبتِهِ, وماشي على طريق مستقيم طويل, وعلى جانِبِهِ وادٍ سحيق, حَرَفَ المِقوّد 1سم, هذا الـ 1سم لو ثبت على الوادي, أمّا لِمَ سُميّت صغيرة؟ لأن هذا الـ 1سم تصليحهُ سهل جِدّاً, يحتاج إلى ضغط أقل من غرامين فيعود، أمّا الكبيرة انحراف 90 درجة فجأةً، فالصغيرة إذا ثَبُتت انقلبت إلى كبيرة من حيثُ النتائج, لأنهاَ نقلَتكَ إلى الوادي السحيق مع مسافة قصيرة.
لا يوجد في الاستقامة حل وسط، الاستقامة قطعيّة، أمّا العمل الصالح نِسبي, ممكن أن تتصدّق بألف باركَ الله، ألفين باركَ الله، خمسة باركَ الله، 100 ألف باركَ الله، مليون باركَ الله, لكن هذه الصَدَقَة مبنيّة على مستودع مُحكم: وهيَ الاستقامة، أمّا المستودع بِلا قعر, الألف مثل الخمسة آلاف مثل المليون, لأنها لن تظهر.
البند الثاني: العمل, العمل بِشقيه السلبي والإيجابي، السلبي: الاستقامة, والإيجابي: العمل الصالح, والعملُ الصالحُ يرفَعه.
هذا المطلوب منك :
قد يقول لكَ أخ: أنا لست نبي, هذه دعوى مُعظم الناس, ومن قال: أنكَ نبي؟ لا لستَ بنبي فعلاً, أنتَ لستَ بنبياً، ولستَ بصديّق، ولستَ بمؤمن كبير، لكن أنتَ مُسلم, وفي عِندكَ كتاب الله, على أنكَ مُطالَبٌ تماماً تماماً تماماً أن تستقيمَ استقامةً تامّة:
﴿وَإِنَّ كُلّاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[سورة هود الآية: 112]
لذلك قالَ عليهِ الصلاة والسلام: شيبتني هود وأخواتُها, وما شيّبَهُ في هذه السورة إلاّ هذه الآية:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
حديث يؤكّدُ هذه الحقيقة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا, وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ, فَقَالَ:
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ, أَشْعَثَ أَغْبَرَ, يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ, يَا رَبِّ يَا رَبِّ, وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ, وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ, وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ, فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
يعني: لو فرضنا ملك قاد سيارة, يوجد قواعد للقيادة، هذه القواعد يجب أن يُطبّقَها ملك, وأصغر إنسان يقود سيارة, مبادئ السلامة هذه, أمّا العمل الصالح بحسب الإمكانيات، بحسب الجود، بحسب الشوق إلى الله, هذا نسبي، أكثر الناس يعتقدون بنسبيّة الاستقامة, أطع الله على قدر ما تستطيع, نوعاً ما كلمة بالطاعة نوعاً ما, قدر ما تستطيع, الميسور, اللهُ لم يُكلّفُكَ فوق طاقَتُكَ, الإنسان ما دام راغباً في أن يبقى ثغرات كبيرة بحياتِهِ, هذه الثغرات كُلُها حُجُب تحولُ بينَهُ وبينَ اللهِ جلَّ وعلا.
3-الاتصال بالله :
النظريّة الأولى: المعرفة بأبوابِها الثلاثة: بالتأمل, بالكون, بالنظر, بالحوادث, بالمُدارسة, بطابع التلقّي, الاستماع, أو طابَع الإلقاء, أو القراءة, في رُكن ثالث: الاتصالُ بالله كُليّاً, الصلاة اتصال، والصوم اتصال، والاستغفار اتصال، والتسبيح اتصال, والدُعاء اتصال، يجب أن تكشف القاسِم المُشتَرك, تُصلّي من أجلِ أن تتصل، وتصوم من أجلِ أن تتصل، وتحُجَ البيت من أجل أن تتصل, وتدعو اللهَ عزّ وجل من أجلِ أن تتصل، وتُسبحهُ وتوحّدهُ وتُكبرّهُ وتُمجدّهُ وتُنزههُ من أجلِ أن تتصل.
إذا كان العِلم نما والعمل جاد والذكر ضعف ماذا يحصل للإنسان؟ :
طيب: إذا كان العِلم نما, والعمل جاد والذِكر ضَعف, ماذا يحصل للإنسان؟ دققوا في السؤال: عِلم جيد، أعمال طيبة جيدة، لكن الاتصال بالله ضعيف, الصلاة شكليّة، والذكر قليل، الدُعاء صفر، القلب يتصحّر، القلب يخلو من مشاعر الإيمان, وإذا خلا القلبُ من مشاعر الإيمان, دخلَ السأم والملل والضجر، يعني: القلب مُحرّك, فإذا المُحرّك واقف، المِقود ممتاز؛ لكن لا يوجد مُحرّك!!!.
سيدنا سُليمان قال: إني أحببتُ حُبَّ الخيرِ عن ذِكر ربي، سيدنا سُليمان آثرَ العملَ الصالح على اتصالِهِ بالله فعاتَبَهُ الله، سيدنا داوود بالعكس: آثرَ اتصالَهُ بالله على خِدمةِ الخلق فعاتَبَهُ الله, إذاً: ما المطلوب؟ أن توازِنَ بينَهُما، أن تسعى إلى إِقام التوازن, حركة كما يقولون، كُلما خطوتَ خطوةً نحوَ العمل الصالح, يجب أن تُلازِمَها خطوة نحوَ ذِكرِ الله, ذِكر وعمل, الآية الكريمة:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾
[سورة الشرح الآية: 1-8]
ما علاقةُ هذه السورة بهذه الفِكرة؟ أينَ موضِعُ الشاهد؟ إذا فرغتَ من عملٍ صالح, فعليكَ أن تنصَبَ لِذِكرِ الله، يجب أن تتحركَ على خطين متوازيين؛ خط العِلم والعمل, وخط الذِكر.
من فروع الذكر :
مرةً ثانية: الذِكر من فروعه الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، الاستغفار، الدُعاء، التسبيح، التحميد، التمجيد، التهليل، التكبير, كُلُهُ ذِكر: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]
فأنتَ عقلُكَ امتلأَ عِلماً بقيَ القلب، القلب مملوء شهوات، فالمؤمن يشحنُ قلبهُ بِذكرِ الله.
((عبدي طهّرتَ منظرَ الخلقِ سنين, أفلا طهّرتَ منظري ساعة؟))
هذه وظيفة الحج :
يا أيها الأخوة الأكارم, لا بُدَّ لُكلِّ واحدٍ مِنّا من غارِ حِراء.
قالَ لي واحد مُداعِباً ومُعاتِباً: أتتركُنا أسبوعين وتذهب وتَحُج؟ قلتُ لهُ: وأنا أريد أن أُشحن أيضاً, ألا أُعطي؟ فيجب أن أتلّقى أيضاً، الإنسان عطاء, فتفرغ البطارية، يجب أن يُشحن, حتى يشحن الآخرين، فالحج عِبادة, فيها تفرّغ تام لله عزّ وجل، كُل الحج تفرّغ ودعاء وابتهال وطواف وسعي وما إلى ذلك.
إذاً: الكُليّة الثالثة: وهي الذِكر, الصلاة, أو اتصال، أعتقد أنَّ الذِكر أشمل، أولاً:
﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
أعني ما أقول: القلق, الخوف، الاضطراب، السأم، الضجر، كُلُ هذه المشاعر المُحزِنة تزول بالذِكر. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
يا أخوان, لو كان جهاز يقيس معنويات الإنسان العالية, كُلما ازددتَ صِلةً باللهِ عزّ وجل, شعرتَ بمعنوياتٍ عاليةٍ جداً, وكُلما ضَعُفَ الاتصالُ بالله عزّ وجل, تسرّب القلق والخوف، لذلك لو أُتيحَ لكَ أن تطلعَ على قلبِ إنسانٍ بعيدٍ عن الله عزّ وجل, لوجدت قلبَهُ ممتلئ خوفاً وذُعراً, والدليل:
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 26]
أمّا المؤمن مطمئن بالله عزّ وجل، طلب عِلم، عمل صالح بِشقيّه السلبي والإيجابي، ذِكر بِكُلِّ ما تعني هذه الكلمة, من صلوات, وصيام, وحج, وزكاة, ودعاء, وما إلى ذلك.
4-التوحيد :
في رُكن رابع أو خامس من أركان هذا الدين العظيم: التوحيد يجب أن ينطوي تحت ركن كبير رُكن المعرِفة, هذا السؤال ساقَني إلى موضوع دقيق:
أنتَ إمّا أن تعرِفَ أمرهُ وإمّا أن تعرِفَهُ، إذا عَرفتَهُ ولم تعرِف أمرَهُ تفسقت, وإذا عَرَفتَ أمرَهُ ولم تعرِفهُ تزندقت، لا بُدَّ من أن تعرِفَهُ, ولا بُدَّ من أن تعرِفَ أمرَهُ في وقتٍ واحد، فلذلك أكبر خطأ يرتكبهُ بعض المُسلمين: أنهم يُعلّمون طالب العِلم الأحكام الفقهيةَ فقط، طالِبُ العِلم ما عَرَفَ اللهَ عزّ وجل, يُريد أن يُطيعَ من؟ أن يتصّل بمن؟ أن يخافَ من؟ أن يرجو من؟.
في سؤال كبير: هكذا الصلاة، الواجبات، السُنن، تُصلّي لمن؟ نقول لكَ: يا أخي ألا تستقيم؟ أأستقيم لمن؟ لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أمضى مرحلةً رائعةً جداً من مراحِلِ دعوتهِ في التعريفِ باللهِ عزّ وجل، ثمَّ أمضى مرحلةً أُخرى في التعريفِ بأمرِ اللهِ عزّ وجل, وأيّةُ دعوةٍ إلى الله تفتقر إلى أحدِ شرطيها دعوةٌ عرجاء، لا بُدَّ من أن تُعرّفَ بالله, ولا بُدَّ من أن تُعرّفَ بأمرِ الله.
ظاهرة مرضية منتشرة في العالم الإسلامي :
مثلاً: في عندك ظاهرة مرضية، تجد شخصاً يحمل أعلى شهادة شرعية, تعلّم العقائد, والتوحيد, والفقه, والمواريث, وتعلّمَ أحكام الزواج والطلاق, والعدّة, واللقطة, وأحكام الوديعة, وأحكام القرض, وأحكام المُزارعةَ والمُساقاة, وأحكام الوكالة والحوالة, يقول لكَ: ثماني مجلدات, وتتفاجأ أنهُ يرتكب مخالفات كبيرة جدّاً, أنتَ كمراقب وجدت واحداً يحمل أعلى شهادة شرعية, لكن لهُ انحرافات خطيرة، قد يأكُلُ مالاً حراماً, بماذا تُشخّص مرضَهُ؟ عَرَفَ الأمر ولم يعرف الآمر، عَرَفَ الشريعة ولم يعرف الحقيقة، عَرَفَ الأحكام الفقهيّة ولم يعرف المُشرّع، هكذا..., وإذا رأيتَ إنساناً معلوماتهُ الفقهيّة ضعيفة جداً, يرتكب مخالفات فقهيّة, لا لأنهُ يُحب أن يعصيَ الله, لا, لأنهُ جاهل لا يعرف, ثمَّ رأيتَهُ يُحدّثُكَ عن أسماء الله الحُسنى, وعن صِفاتِهِ, وهذه حالةٌ مرضيّة، عَرَفَ اللهَ من خِلال الكون, ولم يعرف أمرَهُ بالضبط, فوقعَ في المعاصي, لا لأنهُ يُحبُ أن يعصيَ الله عزّ وجل, لا, لأنهُ يجهلُ حُكم الفِقهِ، ومثلُ هؤلاء كُثُر, يرتكب مخالفةً شنيعةً كبيرةً وهوَلا يدري، يقول لكَ: لا أعرف أهذه حرام!!؟؟.
التوحيد ينضم إلى قسم المعرفة :
فالتوحيد ينضم إلى قسم المعرِفة، وقسم المعرِفة كما قُلنا في كون وحوادث, هذهِ تُمثّلُ معرِفة الله، في قرآن وسُنّة هذه تُمثّلُ أمرَ الله, والدليل: الله عزّ وجل قال:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 1]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾
[سورة الكهف الآية: 1]
فكأنَّ هُناكَ رُكنانِ أساسيّان: الكون كتابٌ مفتوح, والقرآن كتابٌ مفتوح، هذا كِتابٌ حروفهُ كبيرة, يقرؤهُ القاصي والداني، العربي والأعجمي، وهذا كِتاب حروفهُ صغيرة, يقرؤهُ أهلُ العربيةِ فقط.
يعني: هذا خلقُهُ وهذا أمرُهُ، خلقُهُ يدُلُ على التوحيد, وأمرُهُ يدلُ على التشريع معرفة ، عمل صالح, واستقامة، عمل, اتصال.
5-البيئة :
ركن رابع: محبّةُ النبي -عليه الصلاة والسلام- تجديد الإيمان.
الحقيقة: الذي قال محبة النبي, معهُ وجهة نظر, في شيء اسمهُ البيئة, الله عزّ وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
نحنُ نتصوّر إنساناً فِكرُهُ نيّر, وعملُهُ مستقيم, ونفسُهُ طاهِرة, ولهُ اتصال بالله، لو أنَّ هذا الإنسان عاشَ في مجتمعٍ منحرف, كُلما مضى بهِ الوقت تضعُفُ مقاومتهُ, إلى أن ينزلق من بابٍ إلى باب, ومن مستوى إلى مستوى, لذلك وردَ أنهُ:
((من أقامَ معَ المُشرِكين فقد بَرِئت مِنهُ ذِمّةُ الله))
وردَ أيضاً: ((من هَويَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهُم ولا ينفعهُ عملهُ شيئاً))
إضافةً إلى معرِفتِكَ بالله, وإلى طاعتِكَ, وإلى عملِكَ الصالح, وإلى ذِكرِكَ, لا بُدَّ من أن تكونَ في بيئةٍ مؤمنة, لأنَّ المؤمنَ يشدُّ أخاه.
هذا معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
الإنسان أحياناً لا يعرف وليسَ هذا عاراً، ليسَ العار أن لا تعرف, ولكنَّ العار أن تُصرَّ على عدم المعرِفة، ليسَ العار أن تكونَ جاهِلاً, ولكنَّ العار أن تبقى جاهلاً، إذاً: أنتَ يجب أن يكون في حياتِكَ إنسان تثق بِعِلمِهِ، إنسان تسألُهُ هذا معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
إذا قُلت: أنا لا أُريد أيّة جماعة, ولا أيّة جهة, ولا أيّ إنسان, وليسَ لي ثِقة بأحد, فماذا يحدث بالضبط؟ كُن واقعياً, ليسَ لكَ ثِقة بإنسان, ولا بداعية, ولا بعالِم, ولا بجامع, ولا بجماعة, كُلُهم كاذبون, راقب نفسك, تجد نفسك وحيداً مُحاطاً بأُناس بعيدين، مُحاط بأُناس شهوانيين، مُحاط بأُناس دنيويين، من جانس جالس، عندما أنتَ تكون في بيئة منحرِفة أو كافرة أو فاجرة أو فاسقة, تُحِس بحالكَ بعدَ فترة من الزمن صِرتَ مِثلَهم وأنتَ لا تدري, إذاً: لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ طيّبة، لا بُدَّ من بيئةٍ تنبُتُ فيها.
وجود رسول أو وجود عالِم أو مُرشد أو مؤمنين, أنا أُعمم, لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ صالحة ، لو فرضنا أن إنساناً مؤمناً, وكل أصدقائه فسقه, لا يُصلّون, شاربي خمر, أعتقد لهم تأثير عليه سلبي، أمّا إذا مؤمن جلس مع مؤمنين, الأول صلّى قيام الليل, أنا يجب أن أفعل مِثلَهُ، الثاني تصدّق أمامهُ بصدقة كبيرة, هوَ أفضل منّي, والله أنا أيضاً, تجد المؤمن القوي يأخذُ بيد الضعيف. لذلك:
لا تصحب من لا ينهضُ بك إلى اللهِ حالُه, ويَدُلّكَ على اللهِ مقالُه.
أنتَ اجلس مع أهل الدُنيا تُحِس بهبوط.
أيام الطائرة تكون مُحلّقة في الأجواء, فجأةً تهوي خمسين متراً, فقلوب الرُكّاب تنخلع, ولا سيّما الراكب أول مرّة, ماذا حصل؟ هذه الطائرة دخلت في جيبٍ هوائي فهبطت، وأنتَ أحياناً أيها الأخ الكريم, لكَ أخوانُك, ولكَ مجلس العلِم, وعلاقاتُكَ كُلُها مع مؤمنين, أُناس طاهِرين، مهذّبين، مُحبين، يُصلّون، يذكُرون، يتورّعون، ينصحون، كأنكَ بينَ أهلِكَ في بحبوحة، اجلس فجأةً مع أهلِ الدُنيا, من مُزاحُهم الرخيص، من مُزاحُهم الجِنسي، من قنصهم، من تعليقاتهم اللاذعة، من وقاحتهم أحياناً، من انحرافهم الأخلاقي، من شهوانيتهم, تُحس كأنكَ تلوّثت وهبطت، فأنا أقول لكم الرُكن الرابع: لا يُمكن أن تلتزم وتتنامى وينمو إيمانُك إلا في بيئة طيّبة, هذا معنى قولِهِ تعالى, آية كبيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 13]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 51]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 1]
آيات كثيرة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
بعدَ أن تتعرفَ إلى الله, من خِلال الكون والحوادث والقُرآن، ومن خِلالِ معرِفتهِ ومعرِفةِ أمرِهِ، ومن خِلالِ التلقّي أو الإلقاء, من خِلال الكونِ أو القُرآن، وبعدَ أن تستقيمَ على أمرِ الله, فتُزيلَ كُلَّ العقباتِ من الطريقِ إلى الله, وبعدَ أن تعملَ صالِحاً, فتتحركَ على طريقِ الإيمانِ, وبعدَ أن تتصلَ باللهِ في الصلاةِ, والصيامِ, والحجِ, والزكاةِ, والذِكرِ, والدُعاءِ, والتسبيحِ, وبعدَ أن تفعلَ كُلَّ هذا, لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ مؤمنةٍ تعيشُ فيها.
عملية مقارنة :
لا يعرِفُ ما نقول, كما قالَ ابنُ عطاءِ اللهِ السَكندَريّ: إلا من اقتفى أثرَ الرسول.
الذينَ عاشوا في بيئاتٍ كافرة، في مجتمعاتٍ قاسيّة, في مجتمعاتٍ تُرتكبُ فيهِ الفواحِشُ على قارِعة الطريق, كُلُ شيء في هذا المُجتمع يدعوكَ إلى معصية الله، كُلُ شيء في هذا المُجتمع يدعوكَ إلى الفِسقِ والفجور، هذا المُجتمع لا يُعاشُ فيه، لذلك الإنسان إذا اللهُ أكرَمَهُ ببلدٍ طيّبٍ, فيهِ مساجد، فيهِ ذِكر، فيهِ مجالس عِلم، فيهِ بقيّة حياء, بقيّة ورع, بقيّة تقوى, بقيّة صلاح, بقيّة عمل صالح, هذه أرضٌ مُبارَكة، بلدةٌ طيّبة, على الرغمِ من كُلِّ السلبيّات, لا تعرِفُ قيمتها إلا إذا تركتها.
الحنين إلى الوطن :
أحد أخواننا الكِرام ذهب إلى بلد أجنبي بعيد جداً, ولهُ منصِب لا بأسَ بهِ, ويعيش في طمأنينة وبحبوحة, حدثّني أنهُ سَمِعَ قرآناً يُتلى من بعض المراكز الإسلامية في هذا البلد الكبير الحضاري المُتقدّم, حنّت نفسهُ إلى بلادِهِ, وشعرَ بأشواقِهِ إلى بلادِهِ الإسلاميّة, وإلى المساجد, ومجالس العِلم, وتلاوة القرآن، المؤمن دائماً يشعر بانتمائهِ إلى إسلامِهِ وإلى بلدِهِ.
إذاً: الرُكن الرابع في آيات كثيرة جدّاً, وفي أحاديث كثيرة جدّاً, هذا الرُكن الرابع أن تكونَ بينَ جماعةٍ مؤمنة، سافر الآن مع ثلاثة مؤمنين؛ الصلوات، الذِكر، الفجر، وسافر وحدك, أميل إلى التحلل والتفلّت.
((الجماعةُ رحمة والفُرقةُ عذاب))
((إنَّ الشيطانَ معَ الواحد, وهوَ من الاثنينِ أبعد, وإنما يأكُلُ الذئبُ من الغنمِ القاصيّة))
أحياناً: يجب أن نعودَ إلى كُل الدين، إلى أُصول الدين, هذا هوَ الدين معرِفة. لم خلق الإنسان؟ :
أنا أذكر دائماً وكثيراً: أنَّ الإنسانَ خُلِقَ ليعبُدَ اللهَ عزّ وجل, بدليلِ: الآية القطعيّةِ في دلالتِها:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
العبادة ثلاث مراحل: طاعة قبلها معرِفة وبعدها سعادة, هذا كُل الدين، سلوك مبني على معرِفة يُفضي إلى سعادة، والسعادةُ هدفُ كُلِّ مخلوقٍ حيّ، يعني في النهاية أنتَ خُلقِتَ للجنة, والجنة كُلُها سعادة، متاعب الدُنيا متاعب مؤقتة, التكليف مؤقت، المشقّة مؤقتة، مصارعة النفسِ مؤقتة، لمّا الإنسان يستحق دخول الجِنان:
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾
[سورة الحجر الآية: 46]
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾
[سورة الزُمر الآية: 73]
هذا حال المؤمن والكافر حينما يأتيهما ملك الموت :
قال: المؤمن حينما يأتيهِ مَلَكُ الموت, ويطّلعُ على مقامِهِ في الجنّة, يقول: لم أر شرّاً قط ، لو أنَّ حياتهُ كُلها مُفعمةُ بالمصائبِ والمتاعب, يقول: لم أر شرّاً قط, لو أنَّ حياتَهُ كُلّها مُفعمةٌ بالمتاعبِ والمصائب, يقول: لم أر شرّاً قط، والكافر حينما يعرِفُ مكانَهُ في النار, يصيحُ صيحةً, لو سمِعَها أهلُ الأرضِ لصُعِقوا, يقول: لم أر خيراً قط، أينَ بيوتُهُ؟ أينَ مسرّاتُهُ؟ حفلاتُهُ؟ رِحلاتُهُ؟ أينَ شأنُهُ؟ أينَ الطعام الذي أكلَهُ؟ أينَ النساء اللواتي التقى بِهنّ؟ أينَ السهرات الناعمة؟ أينَ هيَ؟ كُلُها ذهبت وبقيت تبِعاتُها.
خاتمة القول :
فنحنُ إذاً: بحاجة إلى مجتمع مؤمن، أنا أشعر عليكم أنهُ لمّا الإنسان يحضُر مجلس عِلم, يقول لكَ: تأثّرت وشعرت بصفاء, وبقي معي يومين ثلاث, يومين أو ثلاث في ذكر, وفي قُرب, وفي طُمأنينة, وفي قوّة نفسيّة, وفي معنويات مرتفعة.
أربعة أركان أساسيّة في الدين: رُكن معرِفيّ, طلب عِلم بكُل أنواعُهُ, العِلمُ بالله، العِلمُ بأمرِهِ، الحقيقة، الشريعة، التفكّر، التأمُل، دراسة، سماع، قراءة، طلبُ العِلم على إطلاقِهِ، ثمَّ العمل بشقيّهِ السلبيّ والإيجابي، السلبي الاستقامة والإيجابي التقديم، إنفاق المال، إنفاق الجُهد، إنفاق الخِبرة، ثمَّ الاتصال بالله بِكُلِّ ألوانِهِ؛ من صلاة, إلى صيام, إلى حج, إلى زكاة, إلى ذِكر, إلى دُعاء, إلى إقبال, إلى تلاوة قُرآن، والشيء الرابع: أن تحرصَ على أن تكونَ في مجتمعٍ مُسلم, لأنَّ هذا المُجتمع يُقويّك.
((الجماعةُ رحمة والفُرقةُ عذاب))
((عليكم بالجماعة, وإياكُم والفُرقة, فإنَّ الشيطانَ مع الواحد وهوَ من الاثنينِ أبعد, وإنما يأكُلُ الذئبُ من الغنمِ القاصية))










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و الاربعون )


الموضوع : الرضا





من لوازم الإيمان :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والأربعين من دروسِ مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, ومنزلةُ اليوم هيَ منزلةُ الرِضا.
كُلكُم يعلم: أنَّ الإنسانَ بينَ حالتين؛ بينَ حالة رِضى وبينَ حالةِ سُخطٍ، فالرِضا من لوازِمِ الإيمان والسُخطُ من لوازِمِ الكُفر.
أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الرِضا مُستحب بل إنهُ مستحبٌ مؤكّد.
ربُنا سبحانُهُ وتعالى في بعضِ الأحاديث القُدسيّة يقول: من لم يصبِر على بلائي, ولم يرض بقضائي, فليتخذّ ربّاً سِواي.
يعني نحنُ عبيدٌ للهِ عزّ وجل, وليسَ لنا إلا قضاءِ الله وقَدَرُه, والدُعاء الذي تدعونَ بهِ دائماً:
اللهمَّ إني عبدُكَ وابنُ عبدِكَ وابنُ أَمتِكَ, ماضٍ فيَّ قضاؤك نافذٌ فيَّ حُكمُك.
يعني بشكل واقعي: ليسَ لنا إلاّ الله عزّ وجل.
ما الفرق بين الحال والمقام؟ :
على كُلٍ؛ العُلماء يُفرّقون بينَ الحال وبينَ المقام، المقام كسبيّ والحال وهبيّ، بعضُهم يرى أنَّ الرِضا حال, وما دامَ حالاً فهوَ وهبيٌّ؛ أيّ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُلقي في روعِكَ الرِضا أو السُخط، فإن رآكَ مستقيماً, إن رآكَ مُخلِصاً, إن رآكَ مُنيباً, إن رآكَ مُحِبّاً, ألقى في قلبِكَ الرِضا بقضائِهِ وقَدَرِه.
على كُلٍ؛ الرِضا بالقضاء والقدر لهُ جانب كسبيّ, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ عزّ وجل, وعَرفتَ حِكمَتَهُ, وعَرفتَ عدله ورحمتَهُ, تستنبط استنباطاً ثابِتاً: أنَّ الذي أصابَكَ محضُ حِكمةٍ, ومحضُ رحمةٍ, ومحضُ عدلٍ, فجانب من الرِضا كسبيّ وجانب مِنهُ وهبيّ، جانب مِنهُ مقام وجانب مِنهُ حال.
على كُلٍ؛ الجمعُ بينَ المعنيين يتمُّ على الشكل التالي: إنكَ إذا بذلتَ ما كُلّفتَ بِهِ من معرِفة اللهِ, ومن فهمِ كتابِهِ, ومن الاستقامةِ على أمرِهِ, جاءكَ الرِضا الوهبيّ, وهوَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يُلقي في قلبِكَ السكينةَ والرِضا.
نقطة دقيقة :
أقول لكم هذه الكلمة: لو أنَّ إنساناً كانَ في أعلى مستوياتِ الحياة, ولم يكُن راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فهوَ في حالةٍ تعيسةٍ وشقيّةٍ لا توصف، ولو أنكَ في أدنى درجات الحياة, وكُنتَ راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فأنتَ في أسعدِ الحالات, فالعِبرةُ ليست في كميّة المال بل العِبرةُ في الرِضا.
يعني النقطة الدقيقة: كميّة المال والصِحة والحظوظ التي يتفضّلُ الله بِها على عِبادِهِ هذهِ ثابتة, ولكن مُنعكسها هوَ المُهم: إذا جاءتكَ الحظوظ من كُلِّ جانب ولم تكُن راضيّاً عن الله عزّ وجل فهذا شقاء، وإن فاتَكَ أشياء وأشياء من الدُنيا وكُنتَ معَ ذلكَ راضياً عن الله عزّ وجل فهذه سعادة, ما الذي يجعَلُكَ ترضى؟.
هذا دور العلم :
مثلاً: طفل على كُرسي طبيب الأسنان, وفي سِنّهِ ألمٌ شديد, ولا بُدَّ من قلعِ هذا السِن, ولا بُدَّ قبلَ قلعِ هذا السِنِ من مُخدّر, ولا بُدَّ لهذا المُخدّر من حِقنة, حينما يتألمُ الطفلُ, يرفضُ أن يبقى جالساً, وقد يصيح, وقد يتكلّم كلاماً غيرَ لائق, لماذا؟ لأنهُ لا يعرِفُ أنَّ الطبيبَ يعملُ لِصالِحهِ، ولا يعرِفُ أنَّ هذه الإبرة بعدَ قليل سوفَ تُنسيهِ الألمَ الطويل.
ماذا يُساوي الرِضا؟ العِلم، كُلما كانَ عِلمُكَ باللهِ أكبر, كانَ رِضاكَ عنهُ أشد, وكُلما كانَ هُناكَ جهلٌ باللهِ عزّ وجل, كانَ معَ الجهلِ سُخط, يُمكن أن نجمعَ بينَ العِلم والرِضا, وبينَ الجهلِ والسُخط، والإنسان حينما تُكشفُ لهُ الحقائق, وحينما يظهرُ لهُ أنَّ كُلَّ أفعالِ اللهِ حكيمةٌ ورحيمةٌ وعادِلةٌ, وأنهُ لم يرضَها في حينِهِ, وأنهُ سَخِطَ على اللهِ مِنها, عندئذٍ يتألّمُ أشدَّ الألم، لذلك: عليكم بالعِلم, لأنَّ العِلمَ وحدَهُ طريقُ الرِضا، وطريقُ المعرِفة، وطريقُ السكينة، وطريقُ كُلِّ ثمراتِ الإيمان التي نصَّ عليها القرآن.
ما معنى رب؟ :
النبي -عليهِ الصلاة والسلام- يقولُ في حديثٍ صحيح:
عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
تجد أشخاصاً كثيرين, عِندَهم حالةُ سُخطٍ صعبةٍ جدّاً, هذه الحالة سببها الجهل، قد يرى أنَّ الأرض يَعمُ فيها الظُلم, وأنَّ القوي يأكلُ الضعيف، وأنَّ الأرض مُقبلةٌ على جفافٍ في المياه ونقصٍ في الغذاء, وأنًّ البشرَ سوفَ يذوقونَ الأمرّين, هكذا يقرأ في المقالات، كُل هذه المقالات التي تُسطّر, تُسطّر في غفلةٍ عن اللهِ عزّ وجل, كاتِبُها غافل، كاتِبُها لم يقرأ القرآن، كاتِبُها لا يعرف الله عزّ وجل, لذلك: مرَّ بِنا البارحة في أحاديث درسِ الفجرِ:
أنَّ من أكبرِ الكبائر: أن تيأسَ من رَوحِ الله.
من أكبر الكبائر: اليأسُ من رُوحِ الله كُفر.
بالمناسبة: الإنسان حينما يستمع إلى أهلِ الضلال, إلى أهلِ الدُنيا, إلى المُشككين, إلى السوداويين, حينما يرسمون لكَ مستقبل العالم, على أنهُ مُظلم, وعلى أنَّ القوي سيأكُلُ الضعيف, وعلى أنَّ الفقير سيزدادُ فقراً, وعلى أنَّ الحروبَ القادمة حروبَ مياه, وعلى أنَّ النبات لن يُطعِمَ أهلَ الأرض, هذا كُلُهُ كلام أهل الدُنيا وأهل الكُفر، هذا الكلام يبعثُ في النفسِ السُخط والضيق والقلق, لكنكَ إذا آمنتَ باللهِ ربّاً.
ما معنى ربّ؟ ربّ بيدهِ كُلُ شيء، آمنتَ بِهِ إلهاً, هوَ المُسيّر, وهوَ الذي يستحقُ العِبادة, وآمنتَ بهِ ربّاً, هوَ المُمِد, وهوَ الحكيم الذي يُربّي كُلَّ شيء, ومن ضِمنِ تربيتهِ النفوس البشريّة يُربيها.
هذه مفاجآت الرب للعباد :
في العيد الماضي زارنا في المسجد رجل من أهل العِلم الدنيوي, فقالَ لي كلاماً: أيها الأخوة, إذا استوعبتُهُ كما أراد, ليسَ بإمكاني أن أقف على قدميّ، يتحدّثُ عن الجفاف الذي أصابَ مِنطقة دمشق, وأنَّ منسوبَ المياه قد تدنّى كثيراً, وأننا مُقبِلونَ على جفافٍ عام, وأنَّ حوضَ دِمشق آيلُ إلى اليباس, وجاءني بإحصائيات, وأدلّة, وأرقام, ودراسات, ومتوسط الأمطار, فكيفَ فوجِئنا في العام الماضي بأمطارٍ تزيدُ عن ثلاثمائة وسبعين ميليمتر, مقابل 80 أو 120 ميليمتر في الأعوام الماضية؟ أينَ كانت هذه؟ هذه مُفاجآت ربُنا عزّ وجل، هذا التشاؤم والسوداوية والنظرة غير المُتأنيّة, هذه ربُنا عزّ وجل يُبددُها:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
[سورة لقمان الآية: 31]
وأمطارُ العام من آيات الله الدالّة على عظمَتِهِ، لكنّكَ إذا ظننت أنَّ المطرَ وحدَهُ حلَّ كُلَّ المُشكلات, يأتيكَ مطرٌ في وقتٍ غيرِ مُناسب فيُتلِفُ المحاصيل، لا تعبُدِ المطرَ دونِ الله, اعبُد اللهَ عزّ وجل، فالمطر في غيرِ وقتِهِ يُتلِفُ كُلَّ المحاصيل، فلذلك اسأل اللهَ السلامة والرِزق, فهل رضيتَ باللهِ ربّاً؟
أحياناً تستمع إلى أنَّ هذه الجِهة مَلَكت العالَمَ كُلَهُ, وسوفَ تُذِلّهُ جميعاً, من قال لكَ: أنَّ هذا يدوم؟ هذا خِلاف السُنّة:
﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 251]
وضع استثنائي لا يستمر، إنَّ جِهةً واحدة في الأرض تتحكمُ بالعالمِ كُلّهِ, وتُذِل العالمَ كُلَهُ, هذا شيء لا يستمر, لكن امتحان، كُلُ إناءٍ ينضحُ بما فيه.
((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضيَّ باللهِ ربّاً وبالإسلامِ ديناً))
من علامة الإيمان :
أحياناً الإنسان يستحيي بإسلامِهِ، هل يرى أنَّ إسلامهُ ناقص؟ في أشياء صعب تطبيقُها, مُحرِجة, لا تُصافح, ماذا أقول لها: أنا موظف؟ لمّا أنتَ تستحي بأوامر ربنا عزّ وجل ، عندما تستحيّ بالنواهي وتستحي بالتشريع, لا تراهُ كامِلاً، لا تراهُ تامّاً، لا تراهُ يتناسبُ معَ هذا العصر, معنى هذا أنكَ لم ترض بالإسلامِ ديناً, يجبُ أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً، يعني هل رضيتَ بسُنتِهِ؟ هل تعتزُّ بسُنتِهِ؟ يعني أمَرَكَ أن تفعلَ كذا, وتفعلَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, هل أنتَ في مستوى سُنتِهِ؟.
إذاً: أحدُ علاماتِ إيمانِك: أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً.
سؤال :
لي عِندكم سؤال: تذوقُ طعمَ الإيمانِ, فترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً, أم ماذا؟ أيُهُما أول؟.
انظر:
((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولا))
يوجد حديثان: حَدَث الرِضا وحَدَث ذوق طعم الإيمان؛ أيُهُما أول؟ إذا رضيتَ باللهِ رباً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى اللهُ عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً, عندئذٍ تذوقُ طعمَ الإيمان، صار معنى الحديث: أنهُ من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ نبياً ورسولاً, ذاقَ طعمَ الإيمان، فجاءَ النبي بصيغةٍ فيها تقديم وتأخير, وطبعاً التقديم والتأخير في العربيّة وارد, وهوَ من البلاغة التقديم والتأخير.
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلام في حديثٍ رواهُ مُسلم:
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ))
الحقيقة: عندما يرضى بالله رباً يستقيمُ على أمرِهِ، وبالإسلامِ ديناً يتبّعُ أحكامَهُ، وبمحمدٍ نبيّاً يقتدي بِسُنتِهِ، إذاً: ليست لهُ ذنوب, عندئذٍ تُمحى ذنوبُهُ وتُقبَلُ التوبة. من رضي عن ربه فقد عرفه ومن عرف ربه رضي به:
في نقطة دقيقة في الموضوع: الرِضا كسبيّ كما قُلت قبلَ قليل, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ رضيتَ عنه.
يعني إذا كان طفل صغير, رأى صديقَهُ يتلقّى ضرباتٍ من والِدهِ, يقول هذا الطفل الصغير: هذا الأب ظالم، أمّا إذا كُنتَ أباً, وتعرِفُ مشاعِرَ الأب تجاهَ ابنِهِ, وحِرصَهُ على أخلاق ابنِهِ, وحِرصَهُ على مستقبل ابنهِ, ورأى ابنَهُ منحرِفاً قليلاً فأدّبَهُ, فالأب يُفسّر التأديب لا على أنهُ ظُلم, ُفسّرُهُ على أنهُ رحمة وحِكمة وعدل وحُب وتربية، فكُلما ارتقى مستواكَ الإيمانيّ ارتقى مع مستواكَ الإيمانيّ رِضاكَ عن الله عزّ وجل.
لذلك قالوا: من رضي عن ربِهِ فقد عَرَفَهُ, ومن عَرَفَ ربَهُ رضي عن ربِهِ.
يعني الرضا عن الله علامة معرِفة, ومعرِفةُ الله عزّ وجل تُثمِرُ الرِضا, علاقة تقابِل.
قف هنا :
في نقطة دقيقة: هوَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى حينما خلقَ العِباد خلقَهم ليُسعِدَهُم, إذاً: هوَ أحبَّهُم, لكن حينما هُم يستقيمونَ على أمرِهِ, ويعبدونَهُ حقَّ العِبادة, ويُحبونَهُ يُحِبهُم محبةً أُخرى ، واحد كرّمَ ابنَه دليل محبته, أمّا حينما يكونُ هذا الابنُ بارّاً بأبيه, يأتي حُبٌ آخر حُبُ البِرّ, هُناكَ حُبُ النبوة وهُناكَ حُبُ البِرّ.
لذلك: أنتَ حينما ترضى عن اللهِ عزّ وجل, يرضى اللهُ عنك, لأنكَ رضيتَ عنه، يعني أجمل موقف أنهُ عبد مؤمن, تأتيهِ مُصيبة, فيُخاطِبُ اللهَ عزّ وجل, يقول: يارب إني راضٍ عنك.
قصة مؤمن راض عن الله :
حدثني أخ في مستشفى: جاء مريض معهُ ورم خبيث في أمعائه, وقد سمِعتُ أنَّ لهذا المرضِ آلاماً لا تُطاق, لأنهُ آلام الأمعاء آلام ضغط:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 15]
آلام الأمعاء لا تُطاق, فإذا كان في الأمعاء ورم خبيث, فإنهُ يُسببُ آلاماً لا يحتملُها أشدُ الرِجالِ جَلَداً، فجاء مريض مؤمن إلى مستشفى, وقد أُصيب بمرضٍ خبيثٍ في أمعائِهِ, والآلامُ التي يُعانيها لا تُطاق, وصفَ أحدهم حالتهُ, كانَ يُمسك بِكِلتا يديه على أطراف السرير, لِئلا يصيح, لأنهُ يرى في الصياحِ تبرّماً بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، فكُلما دخلَ عليهِ من يعودُهُ أو الطبيب أو المُمرض, يقول لهُ: اشهد أني راضٍ عن الله. هذا موقف المؤمن إذا جاءه ما يكرهه :
يعني أكمل موقف يقفُهُ المؤمن إذا جاءهُ ما يكرهُهُ, يقول: يا رب أنا راضٍ بقضائِك ، يا ربي لكَ الحمدُ والشُكرُ والنِعمةَ والرِضا، فلذلك: الصبرُ عِندَ الصدمةِ الأولى, بينَ الساخط والراضي زمن فقط, لأنَّ الساخط بعدئذٍ سوفَ يرضى شاء أم أبى, لكنَّ البطولة أن ترضى عن اللهِ عزّ وجل عِندَ الصدمةِ الأولى، حينما يتلقّى نبأ الرسوب, وكانَ قد بذلَ جُهدَهُ الجهيد, يا ربي لكَ الحمد, هكذا اخترتَ لي، حينما يتلقى أنَّ اسمهُ لم يُدرج بين الناجحين في هذه المُسابقة لهذهِ الوظيفة, يقول: يا رب رضيتُ بِكَ ربّاً وبِقضائِكَ وبقدرِك.
انظر لهذا القول للعلماء :
العُلماء قالوا: الرِضا بابُ اللهِ الأعظم.
يعني أنتَ بالرِضا تدخُلُ على الله, وبالسُخطِ تحتجبُ عنه, وراقبوا أنفسَكم، إذا الإنسان جاءتهُ قضية مُزعجة, فرأى أنَّ الله قد ظلمهُ بِها, يجب أن يُيسرهُ لها, فلم يُيسرهُ لها, الله حرمهُ إياها، الله أهانهُ، هذا الشعور يحجُبُهُ عن الله عزّ وجل, لهذا الله عزّ وجل يقول:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾
[سورة الفجر الآية: 15-17]
يعني: يا عِبادي ليسَ عطائي إكراماً, ولا منعي حِرماناً، عطائي ابتلاء وحِرماني دواء.
اعلم هذا :
الذي أرجوهُ من أخوتنا الأكارم, إذا شيء لم يصح لكَ, الله عزّ وجل صَرَفَ عنك شيئاً تبتغيه, لا تُحس أنكَ مُهان عِندَ الله عزّ وجل, هذا شعور شيطاني, الله لا يحبُني، لم يُعطن، حَرَمَني، أعطى فُلان وحَرَمَني، هذا الشعور شعور شيطاني. الحديثَ النبوي الشريف:
((إنَّ اللهَ ليحمي صفيّهُ من الدُنيا, كما يحمي أحدُكم مريضَهُ من الطعام))
وفي رواية: ((إنَّ اللهَ ليحمي عبدَهُ من الدُنيا, كما يحمي الراعي الشفيق غَنَمَهُ من مراتع الهَلَكة))
ولن تعرِف اللهَ عزّ وجل إلا إذا استوى عِندَكَ؛ أن تأتيكَ الدُنيا أو أن تُزوى عنك. ما معنى هذا الدعاء للنبي عليه الصلاة والسلام؟ :
لذلك أجمل دُعاء دعاهُ النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الموطن, يقولُ عليه الصلاة والسلام:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:
((اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ, اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ, اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
أعطاك مالاً، ليكُن هذا المال مبذولاً في الحق، زوى عنكَ المال, ليكن الفراغ الذي نشأَ من حِرمانِكَ من المال في سبيل الله.
أحياناً الإنسان يكون زواجُهُ ناجحاً جداً, طبعاً أكثر وقته مع زوجته، أحياناً يكون زواجُهُ غير ناجح, فيصبحَ عِندَهُ فراغ, يجلس في الغرفة وحده.
مثلاً: عِندُهُ فراغ ناتج من زواج غير ناجح, يا ربي اجعل هذا الفراغ في سبيلك، أنتَ مثل المنشار على الحالتين رابح، إن أعطاكَ اللهُ ما تبتغي فهوَ في سبيلِ الله، وإن زوى عنكَ ما تُحب فهوَ في سبيل الله, هذا حال المؤمن. ما هو الحمد المشهور؟ :
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ:
((بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ, فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ))
والحمد المشهور: الحمدُ للهِ الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سِواه, والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ, وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ :
قيل لأحد العارفين بالله: متى يبلُغُ العبدُ مقامَ الرِضا؟ قالَ: إذا أقامَ نفسَهُ على أربعةِ أُصول: يا ربي إن أعطيتني قَبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتَني أجبت.
هذا مقام العبوديّة, أعطاك راضٍ، زوى عنكَ راضٍ، دعاك تستجيب، تركَكَ تعبُدُهُ.
يعني في أشخاص عبيداً لله بل عبيد للأحوال, فإذا كان بالصلاة مسروراً فيُصلي، وإلا تركها, ما فيها شيء الصلاة, هذا جاهل جهلاً كبيراً، أنا أُصلي إن تجلّى اللهُ عليّ أو لم يتجلّ، إن تجلّى فهذهِ نفحة من نفحات الله, الحمدُ لله, وإذا لم يتجلّ أُصلي، أجلس للذكر إن وجدت في الذِكر تجلّ, الحمدُ لله, لم يحدث تجلّ, أنا واجبي جلست، صدق القائل:
أخلِق بذي الصبرِ أن يحظى بحاجتِهِ
ومُدمن القرعِ للأبوبِ أن يَلِجَا
إذا ربُنا عزّ وجل رآكَ جلستَ في الصُبح لتذكُر, أن تقرأ القُرآن, أو تُفكّر, فلم يظهر معكَ شيء, ففي اليوم التالي لا تجلس, يقول لكَ: مُقفلة, أمّا المؤمن يجلس, في نفحة الحمدُ لله ، ما في نفحة أنا أديتُ واجبي, إذا الله رأى إلحاحكَ وثباتك وإصرارك, عندئذٍ يفتحُ لكَ أبوابَ رحمتِه.
اللهُ عزّ وجل عزيز، على أول طلب لا يُجيب، من كانَ يرجو لِقاءَ اللهِ فإنَّ أجلَ اللهِ لآت, لآت: هذهِ للمستقبل، أنتَ طلبت، وألحت، واتخذت الأسباب، وفعلتَ موجِبات الرحمة, وعلى اللهِ الباقي, هذا الذي عليّ قد أنجزتُهُ.
قف عند هذا الكلام :
فأخواننا الكِرام, أقول لكم هذا الكلام إن شاء الله بإخلاص: إذا إنسان ألزم نفسهُ بجلسة صباحية مع الله عزّ وجل, لا يجعل الجلسة متعلّقة بالحال, أخي لم أشعر بشيء, اجلس هذه الجلسة في كُلِّ الأحوال، لكَ جلسة ذِكر ولو ربع ساعة ألفين مرة الله، لكَ جلسة قرآن ولو خمس صفحات أو 10 أو 15 أو 20، لكَ ركعتين قيام الليل قبل الفجر، أنتَ اثبت على هذا أيام وأيام، أسابيع وأسابيع، بعدَ أن يراكَ اللهُ ثابِتاً, وبعدَ أن يراكَ اللهُ صادِقاً ومُتشبثاً ومُصرّاً ومُلحّاً وصابِراً, عندئذٍ يفتحُ عليك، الفتح لا يأتي من أول لحظة، من أول جلسة، وحينما تقبَعُ صباحاً في جلسةٍ معَ اللهِ عزّ وجل.
أيها الأخوة الأكارم, لا يعلمُ إلا الله ثِمارَها في أثناء اليوم، أول ثَمَرةَ تُحس أنكَ في حصن, بينكَ وبينَ المُخالفات مسافات بعيدة جداً, أمّا إذا لم يكُن لكَ جلسة مع الله صباحاً, تُحس أنكَ على الحافة, ممكن أن تغلط دائماً بكلامك، بحركاتك, بسكناتِك، كأنكَ على الحافّة, على حرف، أمّا إذا كان لكَ معَ الله جلسة ذِكر، جلسة تِلاوة، جلسة تفكُّر، جلسة صلاة، هذه الجلسة تنعكِسُ على نهارِكَ كُلّهِ، أولاً الحفظ، ثانياً سواد في التفكير، سلامة في القول، حصافة في القرار:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾
[سورة الطور الآية: 48]
لذلك: ((لا تعجز ابنَ آدم عن ركعتين قبلَ الفجرِ أكفِكَ النهارَ كُلَهُ, إن أعطيتني قبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت))
علامة الرضا العلم :
الإمام الجُنيد يقول: الرِضا هوَ صحةُ العِلمِ.
كما قُلت قبلَ قليل: علامة الرِضا العِلم, تعلم, انظر للراشد عِندَ طبيب الأسنان, طبعاً يتألم جداً حينما يتلقى المُخدّر, ومع ذلك يسكت ويشكُر الطبيب ويُعطيهِ الأجر، لأنهُ موقن أنَّ عملَ الطبيب لِصالِحهِ، فكُلما ارتقى عِلمُك ارتقى رِضاك.
ماذا يعني هذا القول: الرضا والمحبة ليست كالرجاءِ والخوف يوم القيامة؟ :
الآن: الرِضا والمحبة ليست كالرجاءِ والخوف يومَ القيامة، الرجاء والخوف يزول يوم القيامة، في رجاء يوم القيامة, واحد دخل الجنة كانَ يرجوها في الدُنيا فدخلَها, انتهى الرجاء، كانَ يخافُ النار فوقاهُ اللهُ مِنها, انتهى الخوف، فالخوف والرجاء حالانِ من أحوالِ أهلِ الدُنيا, لكنَّ الرِضا والمحبّة حالانِ مستمران إلى الآخرة, إلى الجنة.
وهم خاطىء :
في نقطة مهمة: في وهم كبير: يظُنُ بعض أخواننا أنَّ المؤمن العالي الذي إيمانُهُ كبير لا يتألّم للمصيبة، هذا كلام غير واقعي, هوَ يتألّم لكن لا يسخَطُ على الله، واحد ابنهُ مَرِض, يقال له: أخي أنتَ لو كان إيمانك قوياً تفرح, لا, الكلام غير واقعي, المرض مؤلم، الألم ألم.
النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما ماتَ ابنُهُ ابراهيم, ذرفت بعضُ دموعِهِ, فقالَ أحدُ أصحابِهِ:
((يا رسولَ الله أتبكي؟ فقالَ عليه الصلاة والسلام –بواقعيّة-: إنَّ العينَ لتدمع, وإنَّ القلبَ ليخشع, ولا نقولُ ما يُسخِطُ الرب, وإنّا عليكَ يا ابراهيم لمحزونون))
فحتى الواحد يتوازن: ليسَ معنى الرِضا أن لا تتألمَ من المصيبة، المُصيبةُ مُصيبة, والمُصيبة مؤلِمة, والذي يتألّم ما فعلَ شيئاً خِلافَ الشرع، لكن هُناك ألم محفوف بالرِضا والتسليم لقضاء الله وقدرِهِ، وهُناك ألم محفوف بالسُخط، فالعالِم يتألّم ويرضى, والجاهل يتألّم ويسخَط, أمّا التألّم شيء واقعي.
ليست البطولةُ أن تنجوَ من كُلِّ مصائبِ الدُنيا, لا, لأنَّ اللهَ عزّ وجل شاءت حِكمتَهُ أن تكونَ الدُنيا محفوفةً بالمكاره. ما معنى كلام أهل الجنة في هذه الآية؟ :
تكلّمت البارحة في درس الجُمعة: واحد كان في بيت, فيهِ رطوبة كبيرة جداً, تحت الأرض, وشمالي, فاشترى بيتاً في الطابق الثالث وقِبلي, فقال: الحمدُ لله الذي نجانا من الرطوبة والظلام, هوَ هذا الكلام كلام حمد, لكن فيهِ وصف لِما كانَ عليهِ من قبل.
عندما قال أهل الجنة:
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾
[سورة فاطر الآية: 34]
ما معنى كلامِهم هذا؟ أنَّ الدُنيا مُركّبةٌ على الحَزَن، أساسُها الحُزن، لا يوجد مرحلة إلاّ فيها مشكلات، دخل طالب المرحلة الابتدائية, أيام يأخذ عِقابهُ لعدم كتابته الوظيفة، في الإعدادي يزحف، في الجامعة يُرسّبونهُ، في الزواج؛ في متاعب من أيام الخطبة حتى الزواج ، لا ينام حتى الصبح، أنجب أولاداً, ابنهُ حرارتهُ 41, يا ترى: التهاب السحايا, لا ينام الليل, لاحظ حياتنا كُلُها سلسلة متاعب, هكذا شاءَ اللهَ عزّ وجل, لأنَّ هذهِ الدُنيا أساسُها ابتلاء:
إنَّ هذهِ الدُنيا دار التواء لا دارُ استواء.
هذه طبيعة الحياة الدنيا :
لاحظ الناس: أحدهم الله رزقهُ زوجة صالحة, لكن أولاده ليسوا أبراراً، وواحد بالعكس: أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ سيئة، واحد أولادُهُ أبرار وزوجتهُ صالحة لكن دخله قليل، واحد دخلُهُ كثير لكن ليسَ عِندَهُ أولاد، وواحد عِندَهُ أولاد كُثُر لكن فقير، وواحد أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ جيدة وغني وعِندَهُ عِلل في جِسمه، طبيعة الحياة الدُنيا مُركبّةٌ على الابتلاء:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 30]
هكذا طبيعة الدُنيا، الإنسان متى يسعَدُ في الدُنيا؟ إذا عَرَفَ أنها مُركبّةٌ على الحُزن، صار حُزنُهُ متوقّعاً, هكذا الحياة.
ليس من شرط الرضا أن تسعد بالمصائب :
مرة جاؤوا بطيّار, وقد قصفَ مدينةً, وأروهُ نتائجَ عملِهِ, فاجأب إجابة ذكيّة جداً, قال: هكذا الحرب، الحرب إلقاء ورود, الحرب إلقاء قنابل، فلمّا قيلَ لهُ هكذا فعلت، انظر إلى جريمتِكَ، انظر إلى هذهِ الأبنية، قال: هكذا الحرب.
أحياناً تجد أخاً يعمل في التجارة مهموماً وخسائره كبيرة, نقول لهُ: هكذا التجارة، من قال لكَ: التجارة كُلُها أرباح؟ من قال لكَ؟ هذا كلام ساذج، كلام مُضحك، هكذا التجارة فيها متاعب، بالوظيفة متضايق, هكذا الوظيفة فيها قيود, لكن معها راحة بال إذا كان الدخل كافياً، هذهِ فيها راحة بال مع قيود، هذهِ فيها قلق وهمّ مع دخل غير محدود، كُل شيء لهُ ميزات ولهُ مساوئ.
عِندك مركبة 3 طن, وزنُها مريحة جداً في السفر, لكن كُل 50 كيلو تحتاج إلى تنكة، وعند غيرك مركبة وزنُها 500 كيلو تعمل بالتنكة 350, ففكّرت وقلت: أنا أحتاج إلى سيارة وزنُها 3 طن وتعمل بالتنكة 350, هل أنتَ حالم؟ هذا شيء غير موجود بعالم السيارات، إذا أردتَ أن تتمتع بوزنها الشديد, فمصروفها كبير, وتتحمل الوزن الخفيف, فتوفّر بالوقود, هكذا الدُنيا:
من أحبَّ دُنياهُ أضرَّ بآخرته, ومن أحبَّ آخرتهُ أضرَّ بدُنياه.
إذاً: ليسَ من شرطِ الرِضا أن تسعَد بالمصائب، الإنسان غير عاقل, إذا كان محروماً, أو توفي ابنه, وهو يقول: أخي أنا فرحان, ما هذا الكلام؟ الابن غالٍ لكن أنتَ تتألم, ولا تقل ما يُسخِطُ الرب, هذهِ حال الرِضا.
من ثمرات الرضا :
بعض ثمرات الرِضا: قيل للحُسين بنِ علي -رضي اللهُ عنهُما-, إنَّ أبا ذرٍ -رضي اللهُ عنهُ- يقول: الفقرُ أحبُّ إليَّ من الغِنى والسَقَمُ, المرض أحبُّ إليَّ من الصِحة، فقالَ: رَحِمَ اللهُ أبا ذر, أمّا أنا فأقول: من اتكلَ على حُسن اختيارِ اللهِ لهُ, لم يتمنّ غيرَ ما اختارَ اللهُ لَهُ.
اللهُ أقامَكَ في وظيفة, يا ربي هذا اختيارُك, وأنتَ أعلم وأرحم, وتعلمُ ما يُصلِحُنُي وما لا يُصلِحُنُي.
حالة المؤمن مع الله عزّ وجل استسلام، الله اختاركَ في عمل شاق, أخي أنا طبيب أعمل ليلاً نهاراً، أسعى في الساعة 2 والساعة 3 والساعة 4 والساعة 12 ومحروم أهلي وأولادي, اللهُ أقامَكَ طبيب, اختارَ لكَ أن تكونَ طبيباً, فأدِّ هذه المُهمّة كما أرادها الله.
كلمة احفظوها أيها الأخوة: من اتكلَ على حُسنِ اختيارِ اللهِ لَهُ, لم يتمن غيرَ ما اختارَ اللهُ لهُ.
ما قيل عن الرضا :
بعضُهم قال: طريقتي الفرح باللهِ والسرور بهِ بقضائِهِ وقدَرِهِ.
قيلَ لِبِشر الحافي: الرِضا أفضلُ من الزُهدَِ في الدُنيا, لأنَّ الراضي لا يتمنى فوقَ منزِلته، الراضي رضي بما قضاهُ اللهُ لَهُ.
أبو عثمان سُئل عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: اللهمَّ إني أسألُكَ الرِضا بعدَ القضاء, فقالَ المسؤول: إنَّ الرِضا قبلَ القضاء عزمٌ على الرِضا, لكنهُ بعدَ القضاءِ هوَ الرِضا الحقيقي.
من اتكل على ماله ضل, ومن اتكل على قوته ذل, ومن اتكل على الله لا ضل ولا ذل :
أيام الإنسان يتوهّم لو أصابني مكروه أنا راضٍ, هذا افتراض, أمّا إذا أصابَكَ المكروهُ فِعلاً هُنا المِحك.
قبل أن أحضر للدرس, زارني أخوان من الميدان مهنئين بالحج, قُلت لهم: اللهُ عزّ وجل ضمن الحج, يُعالج الحُجاج، قال: كيف؟ قُلت: أيام يكون في حاج معتمد على ماله, فطلب خيمة مُكيّفة مع ثلاث وجبات ساخنة وباردة, وخدمة ممتازة, وباص مُكيّف, هذا كيفَ يُعالج؟ يتوهُ عن خيمتهِ يومين, يكون في حاج آخر, انطلقَ إلى الحج, وهوَ يرى مكانتَهُ في بلدِهِ، لهُ اسم, اسم علمي، مالي، اقتصادي، رُتبة مثلاً، وظيفة، اللهُ يُلهم موظف صغير جداً في المطار أن يزدريهُ، الله عالج الحاج بهذهِ الطريقة.
أيام يكون الحاج مُفتقراً إلى الله عزّ وجل, فتجد الأمور تيسّرت أكرموه, والطريق سهل, والوقوف قليل, والبيت جاهز, والطواف سهل, والله ألهمَهُ بوقت ليسَ فيهِ ازدحام، الله عزّ وجل حتى الحُجاج يُعالِجُهم في الحج.
في شخص قال: أنا لا أحُج إلا بأرقى مستوى، واحد معهُ مال, يجب أن تظهر نِعم اللهُ عليه, فاختار بِمِنى فندقاً فخماً, أقسَمَ بالله تاهَ عنهُ ثلاثةَ أيام، كُلُكم يعلم بالحج موضوع التيه بالحج وارد, تاهَ عنهُ ثلاثة أيام.
فمن اتكلَ على مالِهِ ضلّ, ومن اتكلَ على قوتهِ ذلّ, ومن اتكلَ على اللهِ لا ضلَّ ولا ذلّ.
أن يتكِلَ على غير الله عزّ وجل, اللهُ عزّ وجل يسحبُ من تحتِ قدمهِ البِساط محبةً لهُ.
انظر إلى هذا العلاج الرباني لهذا الشخص :
ذهب أحدهم إلى الحج, هوَ في بلدهِ أحوال وإقبال وأوراد وأذكار وقيام الليل وإنفاق وخدمة الناس, متوقّع أنهُ سيجد بالحج تجليّات ونفحات ربانيّة بشكل غير معقول, لكن ذهبَ إلى هُناك, واعتدَّ بأحوالِهِ, فحُجِبَ عن الأحوالِ كُلِها في الحج، طاف، سعى, ما في شيء، عرفات ما في شيء، أينَ أحوالُهُ؟ عالجهُ الله بأن حَجَبَهُ عن الأحوال تأديباً لهُ، فممكن الإنسان أن يتعالج بأن يحجُبَ الله عنهُ الأحوال، إذا كان قد ظنَّ بأنَّ مكانتهُ كبيرة يتعالج عِندَ شخص يزدريهِ أحياناً، إذا كان مُعتمداً على ماله يضعَهُ في مُشكلة المال لا يحُلُها، يوجد في الحياة آلاف المشاكل.
كلمة كبيرة :
شخص قال كلمة, قُلتُ في نفسي: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها, قال: كُل شيء بالمال يُحلّ, هذهِ كلمة كبيرة جداً، اللهُ في عِندَهُ مليون مصيبة, مليار مصيبة, لو معك ألف مليون لا تساوي شيئاً.
أنا كُنت عِند طبيب صديق, جاءهُ هاتف, يقولون بالحرف الواحد: أيّ مكان بالعالم مهما كان الرقم بالملايين, قالَ لي: والله ما في أمل، الورم الخبيث بلغ الدرجة الخامسة, لا تُتعبوا أنفسكم، أيّ مكان بالعالم مهما كان المبلغ كبيراً لن يفيد، فإذا الإنسان قال: كُل شيء يُحل بالمال, هذهِ كلمة كبيرة، أنا أقول: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها، عقابيلها التأديب.
فالرِضا الحقيقي متى: قبل أم بعد؟ بعد, قبل توقّع هذا رِضا افتراضي, أمّا الحقيقي بعد.
من تعريف الرضا :
من تعريفِ الرِضا قال: الرِضا ارتفاعُ الجزعِ في أيِّ حُكمٍ كان، من تعريف الرِضا: رفعُ الاختيار, اللهمَّ خِر لي واختر لي، الراضي يعيش بسعادة كبيرة جداً، يعني يتمثّل قولَهُ تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[سورة التوبة الآية: 111]
أحدهم باع البيت، المشتري أحبَّ أن يُزيل حائطاً، لماذا تُزيل الحائط؟ ألم تبع أنتَ البيت؟ ما دام بِعت فالمشتري حُر، فأنتَ بِعت واللهُ اشترى, أحبَّ أن يُعطيك، أحبَّ أن يمنعك، أحبَّ أن يُسرِّك، إذا أنتَ فعلاً بعت, فالبائع ليسَ لهُ حق أن يتدخّل مع المشتري, الله اشترى.
تعاريف الرِضا: استقبالُ الأحكامِ بالفرح، ومن تعاريف الرِضا: سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام.
وكتبَ عُمرُ بنُ الخطاب -رضي اللهُ عنه- إلى أبي موسى الأشعري -رضي اللهُ عنهُما-: أمّا بعدُ؛ فإنَّ الخيرَ كُلَهُ في الرِضا, فإن استطعتَ أن ترضى وإلا فاصبر.
أقسام الرضا :
آخر شيء في الرِضا: الرِضا أقسامٌ ثلاث؛ رِضا العوام بِما قَسَمَهُ اللهُ وأعطى، ورِضا الخواص بِما قدّرَهُ وقضاه، ورِضا خواصّ الخواص بهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه.
سيدنا الصِدّيق ما نَدِمَ على شيء فاتَهُ من الدُنيا قط, فينبغي أن ترضى بِما قَسَمَهُ الله لك، وينبغي أن ترضى بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وينبغي أن ترضى باللهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه.
إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و الاربعون )


الموضوع : المعرفة







ما هي الكلمة التي كانت تدور على ألسنة العلماء دائماً؟ :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثالث والأربعين من دروسِ مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, ومنزلةُ اليوم هيَ منزلةُ المعرفة.
ما من كلمةٍ فيما أظن, تدورُ على ألسنة العُلماء والدُعاةِ إلى الله ككلمة: فُلان يعرفُ الله وفُلان لا يعرِفه، بل إنَّ الدُعاةَ إلى اللهِ ألِفوا أن يُعزوا كُلَّ عملٍ سيء إلى سببٍ واحد: هوَ أنَّ صاحِبهُ لا يعرف الله، وأنَّ كُلَّ عملٍ طيّب يُعزى هذا العمل إلى سببٍ واحد: هوَ أنَّ صاحِبَهُ يعرف الله، لكن في الأمور الماديّة القضايا ليسَ فيها ا-لتباس, هذه طاولة خشب باديةٌ للعين لا شكَّ فيها, الأشياءُ الماديّة لها علامات تُدرِكُها الحواس بشكلٍ بسيط من دونِ تعقيد، لكنَّ الأشياء الإنسانيّة المعنويّة كامنةٌ في النفس؛ هُناكَ من يدّعيها وهُناكّ من يتحققُ منها، فكلمة عارِفٌ بالله أو فُلان يعرِفُ الله هذه كلمة.
الناس رجلان هما :
الحقيقة: أنَّ الناسَ رجُلان لا ثالثَ لهُما إطلاقاً؛ رجلٌ يعرِفُ الله، متصلٌ بهِ، منضبطٌ بأمرِهِ، مُحسِنٌ إلى خلقِهِ، سعيدٌ بِهِ، ورجلٌ لا يعرِف الله, إذاً هو مقطوعٌ عنه, متفلتٌ من منهَجِهِ، مسيءٌ إلى خلقِهِ، شقيٌ بإساءتهِ، وأنا أعني ما أقول, وليسَ في الأرض كُلِها رجل ثالث.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ:
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا, فَالنَّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ, وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ, وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ, وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ, قَالَ اللَّهُ:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾))
[أخرجه الترمذي في سننه]
كُل هذه التقسيمات والتفريعات التي تَرونَها وتستمعونَ إليها تفريعاتٌ ليست واقعيّة، الشيء الواقعي: إنسان يعرف وإنسان لا يعرف, الذي يعرف يعبُد والذي يعبُد يسعَد، والذي لا يعرف لا يعبُد والذي لا يعبُد لا يسعَد؛ يعرف: موصول منضبط مُحسن سعيد، لا يعرف: مقطوع متفلت مسيءٌ شقيّ.
من علامات معرفة الله :
1-البكاء :
فنحنُ الآن درسُنا: هل هُناك علامات أو إشارات أو دلائل أو قواعد أو أدلّة أو براهين تؤكّدُ أنَّ فُلاناً يعرِفُ الله وفُلان لا يعرِفُهُ؟ .
يعني مثلاً: لو واحد أمسك كتاب جغرافيا, ونظرَ إلى خارِطة للشرق الأوسط, ورأى دمشق قد رُسِمت دائِرتُها على الساحل السوري, وقال: شيءٌ جيّد، كتاب ممتاز، ليسَ فيهِ أغلاط، هل هذا الإنسان يعرِفُ دمشق؟ مستحيل أن يعرِفَها، لو أنهُ يعرَفَها لقال: هذا غلط, أنا أسكن في الشام, والشام ليست مدينة ساحلية.
فُلان يعرِفُ الله كُلٌّ قد يدّعي ذلك، فُلان لا يعرِف الله نحنُ قد نتهم الآخرين بذلك، هل هُناك قواعد، أدلة، براهين، مؤشرات، هذهِ لنا ولغيرنا؟ الله عزّ وجل ماذا قال؟ قالَ:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 83]
الله عزّ وجل أعطانا إشارة، الإنسان يبكي دون وجع ولا خوف ولا حُزن، في أعلى درجاتِ راحتهِ النفسية واطمئنانهِ وقوتهِ يبكي شوقاً للهِ عزّ وجل، بُكاؤهُ علامة المعرِفة، ربنا عزّ وجل يقول:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَق﴾
يعني قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 2]
هذهِ علامة قرآنيّة. 2-السكينة :
الآن إلى علاماتٍ لمعرفةِ الله عزّ وجل وردت على ألسنة بعض العُلماء الكِبار، قال: المعرِفةُ تُوجِبُ السكون, فمن ازدادت معرِفته ازدادت سكينُته.
الذي يعرِفُ الله كالجبل، معنى السكون الاستقرار، معنى السكون السكينة، معنى السكون الهيبة، لأنَّ الذي يعرِف اللهَ عزّ وجل لا يستخّفهُ فرحٌ ولا يسحقهُ ألمٌ.
لو فرضنا إنساناً أُصيب بمكروه, فملأ الدُنيا صَخَباً وسُباباً وشتائم, وضرب نفسهُ, ومزّق ثيابه, وصرخَ بويلِهِ, هل هذا يعرِف الله عزّ وجل؟ لا والله, إذاً: معرفة الله جلَّ وعلا توجِبُ السكينة.
3-الوقار :
من علامات المؤمن وقارُهُ، من أينَ يأتي الوَقار؟ يأتي الوَقار: من أنَّ هذا الإنسان يرى أنَّ الفِعلَ فِعلَ الله, ويرى أنَّ اللهَ حكيم, وأنَّ اللهَ عليم, وأنَّ اللهَ عادل, وما شاءَ اللهُ كان, وما لم يشأ لم يكُن, وأنَّ ما أرادهُ الله وقع, وأنَّ شيئاً إذا وقع قد أرادَهُ الله عزّ وجل, وأنَّ إرادة اللهِ عزّ وجل متعلقةٌ بالحِكمةِ المُطلقة, وحِكمتُهُ متعلّقةٌ بالخير المُطلق, هذه حقائق تجعلُهُ وقوراً ، تجعلُهُ مُهاباً، تجعلُهُ مطمئناً، تجعلُهُ متوازِناً، تجعلُهُ مستقرّاً، تجعلُهُ متفائلاً، تجعلُهُ واثقاَ, هذه علامة.
هذا الحال الذي ينعكس على سلوك الإنسان إذا كان يعرف الله أو لا يعرفه :
أيها الأخوة, عندما الإنسان يُصاب بمكروه, ويَسُب, ويضرب, ويشتم, ويكسر, ويضرب نفسه, ويصرخُ بويلِهِ, ويُمزّقُ ثوبهُ, أيُّ معرفةٍ هذه؟ فعلامة المعرفة: المعرفة تُوجِبُ السكون, فمن ازدادت معرِفتَه ازدادت سكينتهُ.
الحقيقة: الاطمئنان الداخلي ينعكس على الجوارح سكينة واستقراراً، والخلل الداخلي, والضجر الداخلي, والخوف الداخلي, والقفر الداخلي ينعكس على الجوارح اضطراباً.
مرّة وجدت إنساناً مركبتهُ في كراج, رَجَعَت عليها مركبة فضغطتها قليلاً، سبَّ الأديان, وشتم القديسين, كأنهُ قد ماتَ ابنُهُ، وتجد المؤمن مهما كانت المصيبةُ ساحقةً, لا يزيدُ عن أن يقولَ: الحمدُ لله.
هذا المؤمن :
التقيت مع أخ أُصيب بمرض عُضال, وجدتُهُ صابراً، وجدتُهُ مستقرّاً، وجدتُهُ شاكراً, يا ربي لكَ الحمد، قالَ لي: قضيت كُل حياتي في طاعة الله, مشيئةُ اللهِ أنا أحترمُها، بعد أيام انتقل إلى رحمة الله.
أحدهم جاء إلى مستشفى, معهُ ورم خبيث بالأمعاء، وهذا الورم بالأمعاء لهُ آلامٌ لا تحتملُها الجِبال, ومع ذلك ما سُمِعت مِنهُ أنّة، مازادَ عن أن قال: يا ربي لكَ الحمد, وكُلُ من زارهُ, يقول لهُ: اشهد أنني راضٍ عن الله, هذا المؤمن.
كُل هذه المعرفة، إله بيدهِ كُلُّ شيء، هوَ الحكيم، هوَ العليم، هوَ العادل، هوَ المُحب، هوَ الربّ، هذهِ مشيئتُهُ، المؤمن يتلو قولَهُ تعالى فيذوب:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
لماذا ساق الله لنا هذه القصة القرآنية؟ :
يكفينا أيها الأخوة في سورة الكهف: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى ساقَ لنا قصةَ أصحاب الكهف، وساقَ لنا قِصّةَ الخَضِر عليهِ السلام مع سيدنا موسى, ومن خلالِ هذه القصة يتضح: أنَّ للهِ أمراً تكليفيّاً وأمراً تكوينيّاً, وأنَّ موسى عليهِ السلام قد عَرَفَ الأمرَ التكليفي, التشريع، بينما الخَضِر عليهِ السلام عَرَفَ الأمر التكويني، فربُنا عزّ وجل ساقَ لنا بعضَ القِصص: أنَّ هؤلاء أصحاب السفينة, رَكِبَ فيها الخَضِر, فما لَبِثَ أن خَرَقَها، سيدنا موسى بحسب التشريع لا يجوز, قالَ: أخرقتها لتُغرِقَ أهلها؟ في قراءة ليغرقَ أهلَها, لم يتحمّل, هذا شيء مُخالف للشرع, أحسنوا إليك, سَمَحَوا لكَ أن تركبَ سفينتهم, أتخرِقُها لهم؟ فلمّا أجاب قال: فأردتُ أن أعيبها وكانَ وراءهم ملِكٌ يأخذُ كُلَّ سفينةٍ غصباً، فبهذه الطريقة نجت تلكَ السفينة من المُصادرة, هذهِ القِصة يجب أن تقيسَ عليها كُلَّ شيء، اللهُ عزّ وجل جعلَهَا نموذج، يعني ياعبادي هذهِ أفعالي.
ماذا نستنبط من قصة أصحاب الجنة؟ :
في قصة أخرى: أصحابُ الجنة الذين أصرّوا على عدمِ إعطاءِ الفقيرِ حقَهُ:
﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾
[سورة القلم الآية: 21-29]
أي يا عبادي, سُقتُ لهم هذه المصيبة كي يتوبوا من هذا الذنب، ذنب البُخل، ذنب الشُح، هم أصرّوا أن يمنعوا الفقيرَ حقّهُ, فأتلفتُ لهم كُلَّ المحصول, عندئذٍ تابوا وأنابوا، الله قال:
﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾
يعني هذا نموذج, وكُلُ أنواع العذاب الذي أسوقهُ لعبادي من هذا النوع, من أجلِ أن أردّهُم إليّ، أن أحمِلهم على التوبة، أن أسوقهم إلى باب العبوديّة.
إذاً: علامة معرفة اللهِ السكينة, ومن ازدادت معرِفتُهُ ازادت سكينتهُ, هذه علامة. 4-أنس القلب بالله :
قالَ: علامة المعرفةِ أُنسُ القلبِ بالله.
تجد الذي لا يعرف الله عزّ وجل كأنهُ على بركان, يسمع غِناء، يقرأ قصة، يجلس مع أُناس, لا يخلوَ مع الله، من علاماتِ الإفلاس الاستئناسُ بالناس، أمّا المؤمن إذا خلا معَ ربهِ, ذكرَ اللهَ عزّ وجل، قرأ القرآن، تفكّرَ في الكون، ناجى ربّهُ، استغفرَ اللهَ عزّ وجل، دعاه، علامة الذي يعرف اللهَ عز وجل أنَّ قلبّهُ يأنسُ بالله، يُحسُ أنَهُ قريبٌ من اللهِ عزّ وجل, فإذا شعرتَ بأنك بحاجة ماسّة إلى أن تلتقي مع الناس, ولا تريد أن تجلس ساعةً وحدِك، لا بُدَّ من أن تلتقي مع الناس, ولا بُدَّ من أن تجتمعَ بِهم, ولا بُدَّ من أن تستمع إليهم, ولا بُدَّ من أن تقرأ, ولا تريد إطلاقاً أن تخلوَ بنفسِكَ مع الله عزّ وجل, فهذهِ علامةُ عدمِ معرفةِ اللهِ عزّ وجل.
5-الخوف :
قال: من كانَ باللهِ أعرف كانَ لهُ أخوف.
أحياناً تُلاحظ عدادين فيهما المؤشران يتحركانِ معاً، لمعرفة اللهِ مؤشّر وللخوفِ منهُ مؤشّر, يجب أن توقن أنَّ مؤشّرَ معرفة الله يتحرّكُ تماماً معَ مؤشّرِ الخوفِ منهُ, فأنتَ تخافُهُ بقدرِ ما تعرِفُهُ، وتعرِفُهُ بقدرِ ما تخافُهُ، فالإنسان العارف بالله وَرِع, لا يحتمل أن يعصي, لا يحتمل أن يُقصّر، فإذا قصّر فهذه علامةُ ضعفِ المعرفة، لذلك قيل:
لا تنظر إلى صِغرِ الذنب, ولكن انظر على من اجترأت.
هذا الفرق بين المؤمن وبين المنافق :
المنافق المعصيّة هينّة عليه, يقول لكَ: ماذا حصل؟ الله غفور رحيم, كلمة: ماذا حصل؟ دليل استخفاف بالمعصيّة، أمّا المؤمن:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
النبي عليه الصلاة والسلام قالَ لهُ الله: قُل لهم: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 15]
كُلما ازدادت معرِفتُك ازدادَ خوفُك، وجدت نفسك فاتك فرض صلاة, تقول: لا بأس الآن نصليّه قضاء, مررتَ بامرأةٍ فنظرتَ إليها, أخي والله لم نعمل شيئاً, هذهِ من اللمم، كُلما شعرت أنهُ أمرُ اللهِ لا توّقرهُ كما ينبغي, فهذهِ علامة أنكَ لا تعرِفُ اللهَ كما ينبغي، إن لم توقّر أمرَ اللهِ عزّ وجل فأنتَ لا تعرِفُهُ, هذهِ علامة, البُكاء علامة, السكينة علامة، الأُنس علامة، الخوف من الله عزّ وجل علامة.
6-الخشية :
هذهِ العلامة مُدعّمة بآية قرآنية:
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾
[سورة فاطر الآية: 28]
أنتَ تخشاهُ بقدرِ ما تعرِفُهُ، كُلما ازدادَ عِلمُكَ بهِ ازددتَ خشيةً لهُ.
في حديث دقيق: قالَ عليهِ الصلاة والسلام: ((أنا أعرَفُكم بالله وأشدّكُم لهُ خشيّة))
تروي السيدة عائشة رضي الله عنها, أنَّ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم كانَ إذا حضرت الصلاة -يعني دَخَلَ وقتُها-: فكأنَهُ لا يعرِفُنا ولا نعرِفُهُ.
لهيبة الصلاة.
أحياناً الإنسان المؤمن أو المُسلم في هذهِ العصور, في غرفة الجلوس, وزوجتهُ تتكلم, والمذياع يحكي, وأولادهُ يصيحون, وهوَ يُصلي, وجالس وسامع كُلّ شيء, يُتابع زوجته مع أختها بالهاتف, وهوَ يُصلّي، أين كانَ: إذا حضرت الصلاة فكأنهُ لا يعرِفُنا ولا نعرِفُهُ؟ غاب عن الواقع المادي، غاب عن أهله.
كُلما ازدادت خشيتُك, دلّت هذه الخشية على عِظَمِ معرِفَتِك، وكُلما قلّت خشيتُك, دلّت هذهِ الخشيةُ الضعيفة على ضعفِ معرِفَتِك.
هذه علامة. 7- من عرف اللهَ تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها :
أمّا في علامة دقيقة قال: من عَرَفَ اللهَ تعالى ضاقت عليهِ الدُنيا بسَعَتِها, ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسعَ عليهِ كُلُ ضيق.
فيبدو في تناقض: من عَرَفَ اللهَ تعالى ضاقت عليهِ الدُنيا بسَعَتِها، ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسعَ عليهِ كُلُ ضيق، كيفَ نجمعُ بينهُما؟ ضاقت عليه الدُنيا بِما رحُبت من عَرَفَ اللهَ تعالى, ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسّعَ عليهِ كُلُ ضيق.
يوجد تفسير دقيق: لو أنَّ إنساناً أجلسوهُ في مكان جميل, أمامُهُ مئات الكيلو مترات من الفلا، مقصف جميل في قمة الجبل, أمامهُ الأشجار الخضراء, ثمَّ البحر، لكن المكان فيهِ معصية، هذا المكان الجميل، الطليق، الواسع، يضيقُ عليهِ حتى يختنقُ بِهِ، فإذا دخلَ إلى مسجدٍ صغير, ممتلئ بالمُصلّين, لكنهُ بيت اللهِ عزّ وجل، هذا المكان الضيّق يتسعُ بهِ، قد يكون بيتُهُ صغيراً, غرفتين, لكن لأنهُ بيتهُ لا يوجد معصية، لا يوجد شيء مُحرّم، لا يوجد اختلاط، يدخل إلى بيته.
النبي الكريم كانَ إذا أرادَ صلاة الليل, ترفعُ السيدةُ عائشةُ رجليها, لأنَّ غرفتَهُ لِصِغَرِها لا تكفي لصلاتِهِ ونومِها، والنبي ماذا قالَ اللهُ عنهُ؟:
﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
[سورة النجم الآية: 18]
وأحياناً تجد شخص يُحلّق على ارتفاع أربعين ألف قدم، يُشاهد الدُنيا، وإنسان ركب مركبة فضائية, رأى الأرضَ كلها من القمر، يعني المكان واسع، طليق, فأيُّ مكانٍ جَمَعَك مع معصيةٍ للهِ عزّ وجل يضيقُ عليك حتى تكاد تختنق، وأيُّ مكانٍ ضيّقٍ إذا جَمَعَكَ بمن تُحِب فهوَ مكانٌ واسع, لذلك قالَ الشاعر:
رَحبُ الفلاتِ معَ الأعداءِ ضيّقةٌ سمُّ الخِياطِ مع الإخوانِ ميدانُ
يعني الفلاتُ على اتساعِها إذا جَمَعتكَ بعدوٍ وهيَ ضيّقة، وسمُّ الخياط على صِغَرِهِ إذا جَمَعَكَ بحبيبٍ فهوَ ميدانٌ واسع, هذه علامة.
7-من عرف الله صفا له العيش :
قال: من عَرَفَ الله تعالى صفا لهُ العيش.
صدقوني, أنا أحياناً أسأل أخاً, وأنا أظنُهُ مؤمناً: كيف الحال؟ يقول: الحمدُ لله، يقولُها من أعماقِ أعماقه، أنا أشعر أنهُ حينما اصطلحَ مع اللهَ عزّ وجل, أكرَمَهُ الله بسكينة، أكرَمَهُ الله بِوِفاقٍ زوجيّ، أكرَمَهُ اللهُ عزّ وجل بِرِضا عن الله، أكرَمَهُ اللهَ عزّ وجل بِحالٍ طيّب، أكرَمَهُ اللهُ بالشوقِ إليه، أكرَمَهُ بحُبِهِ، بُحِبِّ رسولِهِ، بُحبِّ المؤمنين.
تجد بالتعبير الدارج معنوياته عالية جداً, تجد واقِعهُ خَشِن، بيتُهُ بالأُجرة أو لا يملِكُ بيتاً، لِباسُهُ متواضع، وظيفتُهُ صغيرة، دخلُهُ قليل, تجلس معهُ فتجدهُ شيئاً عظيماً، معنويات مرتفعة جدّا، واثِقٌ من اللهِ عزّ وجل، مطمئنٌ بقضائهِ، راضٍ بِما قَسَمَهُ اللهُ لَهُ، لهُ رِسالة بالحياة, همّهُ الأول أن يعرِفَ الله، همّهُ الثاني أن يدعوَ إلى الله, حسناً: من أينَ هذهِ المعنويات؟ من أينَ هذهِ النفس المُنتشيّة، النفس الواثقة، النفس المُطمئنة؟:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾
[سورة الفجر الآية: 27]
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 51]
يُطمئنهم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا﴾
تجد المؤمن واثقاً من رِضاء الله، واثقاً من نصرِهِ، من تأييدهِ، من حِفظِهِ، من إكرامِهِ، من إسعادِهِ، ليسَ عِندَهُ همّ, لماذا ليسَ عِندَهُ همّ؟ لأنهُ جعلَ الهمومَ همّاً واحداً, فكفاهُ اللهُ الهمومَ كُلّها، لأنهُ عَمِلَ لوجهٍ واحد فكفاهُ الله الوجوهَ كُلّها.
فقال: من علامة العارف بالله: أنهُ يصفو لهُ العيش، صفا لهُ العيش, فطابت لهُ الحياة، وهابَهُ كُلُّ شيء، وذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين. نصيحة :
يا أخوان, نصيحة لوجه الله: إذا خِفتَ المخلوقين, تُضطر أن تُنافق, وتُضطر أن تتملّق, وأن تكذب, وأن تتناقض, وأن تكونَ صغيراً في أعيُنِهم.
يعني أكبر مصيبة يُصاب بِها الإنسان: أن يُلقي اللهُ في قلبِهِ خوفَ المخلوقين، يحتار من سيُرضي, إن أرضى زيد يغضب عُبيد، يتوسل لفُلان، يتذلل لفُلان، يُقبّل رِجل فُلان، يتمسّح بأعتاب فُلان، يبذل ماء وجهه لِفُلان، يتضعضع لِفُلان، هذهِ علامةُ الذي لا يعرِفُ الله, أمّا الذي يعرِفُ الله فاللهُ يُعطيه عِزّة، لا ينبغي للمؤمنِ أن يُذل نفسَه.
((من جلسَ إلى غنيٍ فتضعضعَ لهُ ذَهَبَ ثُلثا دينه))
((ابتغوا الحوائج بِعزّة الأنفس, فإنَّ الأمورَ تجري بالمقادير))
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 8]
اجعل لِربِكَ كُلَّ عِزِّكَ يستقّرُ ويثبُتُ
فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزّكَ ميتُ
يذهبُ عنكَ خوفُ المخلوقين, لا تخف من مخلوق، قد يكون هذا المخلوق كالوحش, لكنهُ مربوط بِزمامٍ مُحكم بيدِ اللهِ عزّ وجل, فأنتَ علاقتُكَ معَ الله، هذا ما قالَهُ سيدنا هود: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
قال: من عَرَفَ اللهَ تعالى, صفا لهُ العيش, فطابت لهُ الحياة, وهابَهُ كُلُ شيء, وذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين, وأَنِسَ بالله.
أحياناً تدخل مكتب إنسان, لهُ مركز كبير, يقول لكَ: اصرخ على المستخدم ليُحضر القهوة.
من هاب الله هابَهُ كلُ شيء, ومن لم يَهَب الله أهابَهُ اللهُ من كُلِّ شيء, ذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين وأَنِسَ بالله. 8-من عرف الله قرت عينه بالله :
قالَ: من عَرَفَ اللهَ عزّ وجل قرّت عينُهُ بالله.
أنا أدعو دعاء, أحياناً أقول: يا ربي كما أقررتَ أعيُنَ أهلِ الدُنيا من دُنياهُم.
أيام تجلس مع شخص, يقول لكَ: أنا اشتريت البيت منذ زمن بثمانية عشر ألف, والآن لا أبيعهُ بثمانية ملايين, مئتان وثمانون متر، انظر للواجهة, للشُرف, معهُ السطح, هذا الإنسان قرير العين بهذا البيت، هذا الذي عندَهُ مزرعة، وهذا الذي عِندَهُ معمل، وهذا الذي عِندَهُ سيارة, يقول لكَ: اشتريتها بثلاثة عشر مليون، حرام أن تضعها في الطريق, أقول لهُ:
يا ربي, كما أقررتَ أعيُنَ أهلِ الدُنيا من دُنياهُم, فأقرر أعيُننا من رِضوانِك.
الإنسان يَحُج, يُحس أنهُ مقبول عِندَ الله عز وجل، يُحس أنَّ الله قد غَفَرَ لهُ، الله تاب عليه، الله قَبِلَهُ, تجدهُ قرير العين، في عِندهُ مئة مشكلة في حياتِهِ، ما دامَ اللهُ قد أقرَّ عينَهُ فهوَ بهِ قرير.
9-من عرف الله قرت عينه بالموت :
قال: من علامة معِرفةِ الله عزّ وجل: أنهُ من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت.
الموت عِندَهُ بداية الإشراق، بداية العطاء، بداية الإكرام، الموت بداية الجنّة، الموت عِندهُ نهاية المتاعب، كُل الحياة تكليف, هذهِ حرام, وهذهِ لا تجوز, المؤمن لا يأخذ حُريّتهُ، إذا أحب أن يمشي بالطريق يوجد ألف قيد يقيده.
هذا الإنسان البعيد عن الله :
تجد الناس يملؤونَ أعيُنهم من الحرام ......
لي صديق, يسكن في أحد أحياء دمشق, ولَهُ جار، هذا الجار عِندَهُ خمس بنات متزوجات، ولَهُ شباب، لَهُ هِواية بسيطة جدّاً: يركب السيارة العامّة, من المزّة إلى المرجة, وينتقل إلى طريق الصالحية بأيام الصيف قبلَ المغرب بساعة, ويتنقّل فيهِ ذهاباً وإياباً, لا يفعلُ شيئاً إلاّ أنهُ يملأُ عينيهِ مما حرّمَ الله, يستمتع بالنساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، فجارُهُ صديقي, نصَحَهُ, يا أخي أنتَ عُمرُكَ 50 - 45 سنة، عِندك بنات متزوجات، أنتَ أب ستُصبح جداً, هذه لا تُناسب, قالَ لهُ: أنا لا أعمل شيئاً هكذا أُحب، إلى أن أُصيب بمرض ارتخاء الجفون, مرض لا أعرِفُهُ سابقاً ارتخاء الجفون, فالإنسان دائماً مُغمض عينيه, فإذا أراد أن يرى أحداً فيمسك جفنهُ بيدهُ ويرفعهُ, ما دامَ يرفعهُ يرى, فإذا تركَهُ نَزَل من جنس المعصية.
قصة :
من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, لا يخافُهُ.
لي صديق طبيب, يحكي لي قِصصاً, كيفَ يزور مرضى على وشك الموت؟ يقول لي: مثل الطفل، ضعيف، يرتجف، سأموت, طبعاً ستموت, فهوَ ليسَ مستعدّاً لهُ, قالَ لي مرةَ: زارَنا شخص, أنجزَ بيتاً لا يوصف بجماله، التزيينات, والجبصين, والأقواس, والشُرف, يظهر أنَّ مرضَهُ خطير, وهو في ريعان الشباب وزوجتهُ شابّة، فقالَ لصديقهِ: ما أتعسني, أخشى أن أموت, وتتزوج زوجتي, وتأتي به ليسكن معها في هذا البيت, الذي شقيت ببنائه, ويستمتع هو بما لم يتعب بإنجازه.
10-من عرف الله قرت به كل عين :
قال: من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, والأغرب من ذلك: قرّت بهِ كُلُّ عين، صار هوَ مصدر سعادة، مصدر إيناس، فتجلس مع شخص يكون عظيماً بمقياس الدُنيا, يقول لكَ: هذا حجمُهُ كذا مليون، هو بمقياس الدُنيا عظيم, ولكنه لا يُحرّك فيك شعرة، وتجلس مع أولياء الله, تجد نفسك مُستغرقاً في مُتعة بالغة، مستأنساً، تتمنى أن تبقى معهُ دائماً.
فالعارِفُ بالله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, وقرّت بهِ كُلُّ عين.
من علامة أولياء الله تعالى :
علامةُ أولياء الله: أنهم إذا رُؤوا ذُكِرَ اللهُ بِهم.
وأنتَ يجب أن تكون مع الله دائماً، تمشي في الطريق, فيلمحُكَ واحد مُقصّر, فيتوب عندما يُشاهِدُكَ, يقول لكَ: ذكرّتني بالله.
فالمؤمن كُلما ارتقى, يُصبح وجودُهُ نورانياً، وجودُهُ رحماني، وجودُهُ مُسعِد، وجودُهُ مؤنس، تقرُّ بهِ العيون.
كان سيدنا ربيعة, كانَ خادِمَ رسولِ الله, فحينما تنتهي خِدمتهُ بعدَ العِشاء, يصرِفُهُ النبي ، يبقى نائماً على عتبةِ بيت النبي, لِشدّةِ أُنسِهِ بالنبي، فأنتَ يا ترى: هل لكَ عِندَ الله مرتبة الناس يأنسون بِكَ؟ يتمنون أن يبقوا إلى جانِبِكَ؟ يَسعَدون بِلِقائِك؟ أمّا أهل الدُنيا: يُحدّثُكَ عن أمواله, وعن أرباحُهُ, وعن بيتهِ, وعن أولادِهِ, وعن رحلاتِهِ, وعن موائده, ما يهمُني أمرُك.
شخص يدعو إلى التقزز في كلامه, أما المؤمن يُحدّثُك عن ربِهِ، إن كان الحديث دنيوياً صار في ضيق، أُخرَوي صار في سرور.
هذه علامة الذي لا يعرف الله :
قال: ومن لم يعرِف الله تقطّع قلبُهُ على الدُنيا حَسَرات.
يقول لكَ: محروق قلبي على ماذا؟ هذا البيت لم تنجح بيعتُهُ معي، فُلانة لم يتزوجها بعد أن خَطَبَها رُفِض, هذا الذي رُفِض قتل سبعة, فكم في قلبِهِ من حُرقة وألم؟.
11-من عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه :
قال: ومن لم يعرِف الله تقطّع قلبُهُ على الدُنيا حَسَرات, ومن عَرَفَ الله لم يبقَ لهُ رغبةٌ فيما سِواه.
واحد أحب أن يستفزّ سيدنا الصِدّيق, يظهر أنهُ قد سأل سيدنا عُمر في قضية, فأعطاه جواباً قاسياً, وسيدنا الصدّيق أوكل لِعُمر هذهِ المُهمّة, فلما رأى هذا الجواب القاسي, جاءَ إلى سيدنا الصديّق يستفزّهُ, قالَ لهُ: الخليفةُ أنتَ أم هوَ؟ قالَ: هوَ إذا شاء.
مثل ما يُريد, أنا معَهُ, أخي هوَ، المؤمن ليسَ عِندَهُ هذا الحِرص على الدُنيا.
قف هنا :
قال: ومن عَرَفَ اللهَ لم يبق لَهُ رغبةٌ فيما سِواه, ومن ادّعى معرِفةَ اللهِ وهوَ راغِبٌ في غيرِهِ كذّبت رغبتُهُ معرِفَتَهُ.
يقولون: أنَّ الحجاج وقف أمام بائع, رآهُ يُصلّي قاعداً, -بائع قدور، دُكانُهُ عالية جداً, كُلُها رفوف إلى السقف, ويوجد سُلّم، فرآهُ يُصلّي قاعِداً, وقد تبيّن أنهُ ليسَ بهِ شيء-، فقالَ لَهُ: أُريد هذا القِدر, فوضع السُلّم وأنزلَهُ، فقالَ لَهُ: ليسَ بهذا بل ذاك, فنزل ووضعهُ وأحضرَهُ لَهُ, لا أُريد ذلك الأكبر، لا الأصغر، فأبقاهُ يصعد وينزل السُلّم حوالي خمس وعشرين مرّة، ثمّ قاَلَ لَهُ: أتُصلي قاعداً وعِندَكَ هَمّة عالية للبيع والشِراء؟.
سائل يسأل :
من يومين قالَ لي أحدهم, وهوَ قد درسَ في بلد غربي, قالَ لي: أنا في عِندي فِكرة, لم يُجبن أحد عليها, قُلت لَهُ: تفضل، قالَ لي: أتباع الديانات عشرة بالمئة فقط يُبدّلونَ دينَهم, والباقون على دينِ آبائِهم, معناها موضوع الدين ليسَ باختيارك، هذا بوذي ابنُهُ بوذي، هذا نصراني، هذا مُسلم، فالدين ليسَ قضيّة اختيار, فما جوابُك؟ .
فأنا أعرف أنَّ لَهُ نمطاً حديثاً بحياتِهِ, والِدهُ جالِس بجانِبهِ، قُلتُ لَهُ: أنتَ غيّرت نمط حياتَك؟ قالَ لي: طبعاً، ها أنتَ قد غيّرت، لأنَّ الدُنيا مهمّة جداً, فغيّرت كُل نمط حياتك، بيت, وعَمِلت أقواس, وألغيت كُل الأبواب من البيت, لماذا لم تتبع أسلوب والِدكَ في الحياة؟ أليسَ كذلك؟ الإنسان يُغير أحياناً، لو أنَّ الآخِرةَ غاليةٌ على الإنسان لَبَحثَ عن الحقيقة, أمّا لأنَّ الدُنيا هيَ الغالية, فكُل ابن لَهُ طريق بالحياة غير طريق والِدِهِ, معناها الإنسان حُر ويُغير.
12-من عرف الله أحبه على قدر معرفته به :
قال: ومن عَرَفَ اللهَ أحّبَهُ على قدرِ معرِفتِهِ بِهِ.
-هذه نقطة مهمّة: ثبّت المعرفة بحجمها خوف، بحجمها خشية، بحجمها حُب، بحجمها إخلاص، بحجمها إقبال، بحجمها ورع-, وخافَهُ, ورجاهُ, وتوكّل عليه, وأنابَ إليه, ولَهَجَ بِذكرِهِ, واشتاقَ إلى لِقائِهِ, واستحيا مِنهُ, وأجلّهُ, وعظّمَهُ على قدرِ معرِفتهِ بِهِ.
من عَرَفَ الله لم يبقَ لهُ رغبةٌ فيما سِواه، ومن عَرَفَ اللهَ أحّبَهُ على قدرِ معرِفتِهِ بِهِ.
13-أن تفنى الشواهد وأن تنحل العلائق وتنقطع العوائق :
من علامات المعرِفة: أن تفنى الشواهد، وأن تنحلَّ العلائق, وتنقطِعَ العوائق.
أحياناً تجد شخصاً يؤثر استقبال ضيف على مجلس عِلم, علاقاتُهُ مع هذا الضيف متينة جداً, فإذا كان زارهُ هذا الضيف, يُضحّي من أجلِهِ بصلاة، يُضحّي من أجلِهِ بمجلس عِلم، معناها عِندُهُ عوائق وعِندُهُ علائق والعلائق عوائق.
أنا أعرف تُجّاراً يُصلّون في المساجد, إذا جاءهم مندوب شركة أو وكلاؤها, وطلبوا مشروباً يُضيّفونهُم مشروباً, هُم لا يشربون, أينَ صلاتُك؟
أعرِف تُجّاراً, لهم مظهر ديني, وعاطفتهم إسلاميّة، من أجل ترويج بِضاعتِهم, يُعلنون عنها بأجهزة اللهوِ من خلالِ نساءٍ كاسيات عاريات, أينَ الدين؟ فلان ممتاز، صاحب دين, وتُروّج بِضاعَتُكَ بمعصية الله عزّ وجل!! العلائق عوائق.
أكثر علاقة مع الزوجة, صحابي جليل: سألتُهُ زوجتُهُ شيئاً من الدُنيا, فقالَ: اعلمي يا فُلانة, أنَّ في الجنّةِ من الحورِ العِين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نورُ وجهِها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلِهن, أهوَنُ من أُضحي بِهنَّ من أجلِكِ.
الأُم: قالت لهُ: يا سعد, إمّا أن تكفُر بمُحمد وإمّا أن أضعَ الطعامَ حتى أموت، قالَ: يا أُمي, لو أنَّ لكِ مئة نفسٍ, فخرجت واحدةً واحدةً ما كفرتُ بمحمد, فكُلي إن شِئتِ أو لا تأكُلي.
فأكلت بعدها.
سُئِلَ سيدنا النبي -اللهمَّ صل عليه-: أتُحّبُ أن تكونَ أغنانا؟ لكَ ذلك، أن تكون سيدّنا؟ لكَ ذلك، أن تتزوج أجمل فتاة؟ لكَ ذلك، قالَ:
((واللهِ يا عمي! لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شِمالي على أن أدعَ هذا الأمرَ, ما تركتُهُ حتى يُظهِرَهُ اللهُ أو أهلِكَ دونَهُ))
هذا المؤمن.
الزوجة على العين والرأس ما دامت في طاعة الله, فإذا أمرَتكَ بمعصية فلا كانت ولا كانَ أمرُها، الأُم على العين والرأس, أما إذا أَمرتكَ بمعصية لا غضبَ لها, لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. 14-أن لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب :
من علامة العارِفِ بالله: أنَهُ لا يُطالب ولا يُخاصم ولا يُعاتب.
تُلاحظ بعض الأشخاص إذا لم يزرهُ بالعيد, فيعمل منها قِصّة, ويتكلّمُها مئة مرة، يقول: أنا ذو فضل عليه، وعليه أن يزورني, اهتم بالله عزّ وجل، تجد المؤمن كُلما عَلا إيمانُهُ بَعُدَ عن سفاسف الأمور، وكُلما قلّ إيمانُه يتعلّق بسفاسف الأمور.
في عقد قران وضعوه في مكان لا يليق بمكانهُ, يبقى مدة يذكرها، وضعوه في الصف الثاني وهوَ أوجه شخص في الأسرة, كانَ أول مكان ممتلئ, لا يقبل العُذر.
اللهمَّ صلِ عليه: دخل عليهِ أعرابي, فلم يعرفهُ من بين أصحابه، فقال: أيّكُم مُحمد؟ -أينَ كانَ يجلسُ سيدنا رسول الله؟ كانَ لهُ مجلس فخر؟ كانَ يجلِسُ بينَ أصحابِهِ وكأنهُ واحدٌ منهم، حتى اضطُر هذا الأعرابي أن يقول: أيُّكم محمد؟- قالَ لهُ: قد أصبت.
لا يُطالب ولا يُخاصم ولا يُعاتب, ولا يرى على أحدٍ لهُ فضلاً، هذهِ كلمة نسمعها كثيراً: لحمكَ من خيري، أكتافُكَ من خيري، لولا وجودي لم تُصبح رجلاً, هذا كُلُهُ كلام الجهل, الفضل لله عزّ وجل، لي فضل عليك أنا قد ربيّتُك, لا تعرف قيمتي, هذا كُلُهُ كلام فارغ.
15-لا يرى على أحد له فضلاً ولا يرى على أحد له حقاً :
قال: لا يرى على أحدٍ لَهُ فضلاً ولا يرى على أحدٍ لهُ حقاً.
أحضرَ لَهُ هديّة، ما ثمن هذهِ الهدية بالسوق؟ استفسر عنها, ما لكَ ولثمنُها؟ أحضرَ لكَ هدية وكفى، انظر لهذهِ الساعة أصلية أم صنع تايوان؟ يُريد أن يعرف قيمتها, هذا ليسَ من أخلاق المؤمن.
16-أن الذي يعرف الله لا يأسف على فائت ولا يفرح بآت :
ومن علامة معرفة اللهِ: أنَّ الذي يعرِفُ اللهَ لا يأسَفُ على فائت ولا يفرحُ بآتٍ, لأنهُ ينظرُ إلى الأشياءِ بعين الفناءِ والزوال, فهيَ في الحقيقةِ كالظلال.
17-يخرج العارف بالله من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكائه على نفسه وثنائه على
ومن علامة معرفة اللهِ كما قال يحيى بن مُعاد: يخرُجُ العارِفُ باللهِ من الدُنيا ولم يقض وَطَرَهُ من شيئين: بُكائهُ على نفسِهِ وثنائهُ على ربهِ.
دائماً مُتهم نفسهُ ويُثني على ربه، سِمتانِ أساسيّتان للعارِفِ بالله.
18-أنه يستأنس بربه ويستوحش بمن يقطعه عنه :
من علامةِ من عَرَفَ اللهَ عزّ وجل: أنهُ يستأنِسُ بربّهِ ويستوحِشُ بمن يقطعهُ عنه، كُل واحد يُقرّبُكَ من الله تُحبُهُ، كُل واحد دنيوي زائغ الإيمان عِندَهُ شُبُهات تكرَهُهُ، تكره مجالستهُ وزيارتهُ والعلاقة معهُ, لذلك قيل:
العارِفُ من أنِسَ بالله فأوحشَهُ من الخلق، وافتقرَ إلى اللهِ فأغناهُ عنهم، وذلَّ للهِ فأعزهُ فيهم، وتواضعَ للهِ فرَفَعَهُ بينهم، واستغنى باللهِ فأحوجَهم إليه.
19-مجالسة العارف بالله تنقلك من ست إلى ست: من الشك إلى اليقين, من الرياء إلى الإخلاص
آخر شيء: قيل: مجالسة العارف بالله تنقُلُكَ من سِتٍ إلى سِت: من الشكِّ إلى اليقين، من الرياءِ إلى الإخلاص، من الغفلةِ إلى الذِكر، من الرغبةِ في الدُنيا إلى الرغبةِ في الآخرة، من الكِبرِ إلى التواضع، من سوءِ الطويّةِ إلى النصيحة.
هذهِ كُلُها علامات معرفة بالله, فالإنسان لا يُغش بنفسِهِ ولا يَغِش غيرُهُ، هذهِ علامات دقيقة جدّاً, فلتكن هذهِ العلامات مؤشرات لنا أو أهدافاً لنا.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و الاربعون )


الموضوع : المحاسبة - 1









منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, نستأنف دروس مدارج السالكين, في مراتب إياك نعبد وإياك نستعين ، ومع الدرس الرابع والأربعين من هذه السلسلة, ومع منزلةٍ جديدة من منازل مدارج السالكين, ألا وهي: منزلة المحاسبة.
سيدنا عمر عملاق الإسلام يقول: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم, واعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطاكم إلى غيركم, وسيتخطى غيركم إليكم, فخذوا حذركم.
من حاسبَ نفسه حساباً عسيراً كان حسابهُ يوم القيامة يسيراً.
والتاجر حينما لا يُجري محاسبة دقيقة من حين لآخر, يشعر بقلقٍ شديد، وحينما يُجري محاسبة ما له وما عليه, يشعر براحةٍ كبيرة, والإنسان المؤمن الصادق دائم المحاسبة لنفسهِ, يُحاسبها قبل أن يُحاسبهُ الله، يُحاسبُها قبل أن يؤدبهُ الله، يُحاسبُها قبل أن يقتصَّ الله منه، يُحاسبُها ويحلُ مشكلاتها قبل أن يصل إلى طريقٍ مسدود مع الله.
التعريف الدقيق للمحاسبة :
أيها الأخوة, التعريف الدقيق للمحاسبة: أن تُميّز ما لكَ وما عليك, فتؤدي ما عليك, ولكَ أن تُطالب بما لكَ، مثلاً:
الله عزّ وجل أنبأنا من خلال نبيه عليه الصلاة والسلام أنكَ إذا عبدته مخلصاً, لكَ حقٌ عليه ألا يُعذبُك.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُعَاذُ, أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ))
أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك.
فالمحاسبة: أن تخلو مع نفسك في اليوم دقائق, ماذا فعلت؟ ماذا تركت؟ لِمَ أعطيت؟ لِمَ منعت؟ لِمَ وصلت؟ لِمَ قطعت؟ لِمَ غضبت؟ لِمَ رضيت؟ لِمَ ابتسمت؟ لِمَ عنّفت؟ لِمَ ضربت؟ لِمَ حاسبت؟ لِمَ آذيت؟ هيّئ لله عزّ وجل لكل موقف جواباً فأنت أعقل العقلاء.
حاسب نفسك, أنصف الناس من نفسك، والحقيقة: الذي يُحاسب في الدنيا قضيته سهلة, أمّا إذا كنت أباً من يُحاسبُك؟ الابن يُحاسبه أبوه، والزوجة يُحاسبها زوجها، والطالب يُحاسبه المعلم، من هو الذي في أمسِّ الحاجة إلى المحاسبة؟ الذي من طبيعته ألا يُحاسب, أن تكون أباً ولا يجرؤ أحدٌ على أن يُحاسبك، بطولتك أن تُحاسب نفسك وأن تعتذر، قد تكون معلماً في صف, مَنْ مِنَ الطلاب يستطيع أن يُحاسبك؟ بطولتك أن تُحاسب نفسك، أن تعتذر من طالب صغير. هذا المؤمن :
حدثني أخ كريم, قال لي: أنا طبيعة مزاجي عصبي, فتناقش مع زوجته, فكلّمته كلمةً قاسية, فصبَّ كُلَّ غضبهِ على ابنه, وضربه ضرباً مُبرّحاً, فلما انتهى من ضربه صحا, ما ذنبُ هذا الصغير؟ خلافه مع زوجته، صبَّ جام غضبه على ابنه وضربه، قال لي: دخلت إلى غرفتي, وبدأت أبكي, ثم أخذت ابني وقبلّته, وقلت له: سامحني يا بني, يعني حاسب نفسك: ضربت, لِمَ ضربت؟ لِمَ عبست؟ لِمَ خاصمت؟ إن حاسبت نفسك فأنت مؤمنٌ وربِّ الكعبة.
وقف إنسان ضعيف أمام الحجاج, قال له: أسألُكَ بالذي أنت بين يديه أذلُ مني بين يديك, وهو على عقابِكَ أقدرُ منكَ على عقابي.
أخواننا الكرام, قد تكون طفل الأب يُحاسبُكَ، قد تكون زوجة الزوج يُحاسب، قد تكون طالب المعلم يُحاسب، قد تكون موظف رئيس الدائرة يُحاسب, أما إذا كُنتَ أنتَ الأب من يجرؤ على أن يُحاسبك؟ إذا كُنتَ أنتَ رئيس الدائرة من يجرؤ على أن يُحاسبك؟ تشتدُ الحاجة إلى المحاسبة حينما تكون في موقعٍ لا تُحاسبُ فيه، لذلك: إن حاسبت نفسك سريعاً رَحِمَكَ الله عزّ وجل.
قصة :
يعني قصة سمعتموها مني كثيراً, لكن مناسبة في هذا الموضوع: كنت مرة في العمرة, صديق حدثني عن إنسان يملك أرضاً في شمالي جدة, فلما امتد العمران إلى قُرب أرضه, نزل ليبيع هذه الأرض، مكتب عقاري خبيث احتال عليه, وأوهمه أنَّ ثمنها بخس، فاشتروها منه بثمنٍ بخس ريالاتٍ معدودات, وأنشؤوا عليها بناءً شامخاً, وسيربحون الملايين المملينة، قال لي: أول شريك: وقع من سطح البناء فدُكت رقبته في الأرض، والشريك الثاني: دهسته سيارة، الشريك الثالث: انتبه, أراد أن يُحاسب نفسه, فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر, إلى أن عثر عليه, ودفع له ثلاثة أمثال ما أعطاه سابقاً -عن حصته طبعاً-, فقال له هذا البدوي: أنت تداركت الأمر قبل أن يحل بك ما حل بصاحبيك.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا.
اعتذر، قدّم هدية.
موقف بطولي :
أنا أعرف رجلاً -والقصة قديمة جداً- يعمل في سلك الدرك, عندما كانت الشرطة في المدن والدرك في القرى، أخطأ, وضرب إنساناً ضرباً مُبرّحاً, وهو بريء, ظنه سارقاً, ثُم اكتشف أنه ليس بسارق، السارق ظهر، أقسم بالله وسّط إنساناً ليدعوه إلى طعام الغذاء, وكان هو أيضاً مدعو, وأمره أن يضربه كما ضربه, لينجو من عذاب الله, حاسب نفسك كلما كنت ذكياً تُحاسب نفسك حساباً شديداً، وعلامة المؤمن أنه يرى ذنبه جبلاً جاثماً على صدره، وعلامة المنافق أنه يرى ذنبه كالذبابة, يقول لك: هذه علامة النِفاق, ماذا حصل؟ هذا منافق، أما حينما لا تنام الليل، حينما تذهب إلى بيته تعتذر منه, تقول له: سامحني، حينما تُقدّم له هديةً ، حينما تطلب العفو منه فأنت قريبٌ من الله.
اعلم هذه الحقيقة :
أخواننا الكرام, هناك حقيقة دقيقة سأقولها لكم: القوي أحياناً يُريد أتباعاً, فأي إنسان أعلن الولاء يقبل به, واحد ينقصه زبائن, أي إنسان قدّمَ له الولاء يقبل به, إلا أنَّ الله غنيٌ عن العالمين، الله عزّ وجل كامل, لا يقبل مخلوقاً إن لم يكن كاملاً, لأنه غني:
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
[سورة الزُمر الآية: 7]
ولا يرضى لعباده الكُفر، لا يُمكن أن تتقرّب إلى الله وأنت ناقص، إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً.
يا محمد مثّل بهم كما مثّلوا بعمك الحمزة، قال:
((لا أمثّل بهم فيمثّل الله بي ولو كنتُ نبياً))
انظر لهذا الموقف: تعرف عدالة الله، تعرف أنَّ الله لن يتجلّى على قلبك إلا إذا كنت أديباً، كاملاً، متواضعاً, منصفاً، مؤدياً الحقوق، قائماً بالواجبات, هذا هو الدين، يعني إنسان يعمل في عمل معين, عنده موظف يستضعفه, يبخسه حقه, ويُصلي!! هذه الصلاة لا قيمة لها. من هو المسؤول عن هذه المرأة؟ :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطُوا الأجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
إنسانة قالت لأهلي: أين الله؟ إنسانة تقول: أين الله؟ يعني على وشك الكُفر, لِمَ؟ قالت: لأنَّ زوجها .. والشهر الثالث من غير راتب، قال له رب العمل: لم يعجبك مع السلامة, لا يوجد نقود, أجرى حفلاً لابنته في أرقى فنادق دمشق يُنفق بغير حساب, أمّا هذا الذي يعمل عنده انتظر، قالت: من أين نأكل؟ وترى: كيف يُنفق؟ ذهبت لتعمل لم يقبلها أحد بحجابِها, اخلعي الحِجاب كي نوظِفَكِ, هذا المجتمع سوف يُحاسب حساباً عسيراً، الإنسان حينما يدفع امرأةً إلى أن تخلع الحِجاب من أجل أن تأكل، أو حينما يدفع رجلاً إلى أن يُتاجر بالأفلام الإباحية من أجل أن يأكل, هذا المجتمع يُحاسب حساباً عسيراً.
يقول الله عز وجل: إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي. أبو الشيخ الديلمي عن أبي بكر
هناك قول أنا مقتنع به تماماً: كادّ الفقرُ أن يكونَ كُفراً.
فإذا ضيّقت على إنسان حتى لا يجد ما يأكل وكفر فأنت الذي كفّرته، أنت الذي جعلته يكفر، وتحمل أنتَ وِزرَ كُفره، قالت: أين الله؟ زوجي بِلا عمل, وأنا ما قبلني أحد إلا بخلع الحِجاب, ما هذا المجتمع؟ يريدون أن يستمتعوا بها وهي في العمل، هكذا بكل وقاحة!!!.
هذا وضع المجتمع كما وصفه النبي في زمن التخلف :
كيف أنتم إذا طغى نساؤكم, وفسق شبانكم, وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، يقول الله تعالى: بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران
هذا وضع المجتمع، لذلك:
انْجُ سَعْدٌ فَقَدْ هَلَكَ سَعيدٌ
انجُ بدينك, أنصف الناس من نفسك، حاسب نفسكَ قبل أن تُحاسب، ثم يتبيّن من خلال هذا الدرس: أنَّ المحاسبة مرتبطة بالتوبة، لعلَّ التوبة تحمِلُ على المحاسبة، ولعلَّ المحاسبة من نتائج التوبة, لذلك قالوا:
التوبة بين محاسبتين؛ تُحاسب نفسكَ فتتوب, وتتوب فتحاسب الآخرين.
أدِّ الذي عليك, يعني إذا كان على شخص في جاهليته ذِمم للناس، ما الذي يمنعه وهو في الدنيا، وهو في موقعٍ يستطيع أن يُسوّي الحسابات، ما الذي يمنعه أن يؤدي ما عليه؟.
قصة تائب :
حدثني أخ قال لي: عندي معمل ودائماً هناك نقص بضاعة، والنقص: يعني أضع في جيبي مبلغ ألفين أفقدها، أصبح لديه الرغبة في معرفة من هذا السارق؟ قال لي: فرّغت إنساناً للمراقبة، والسارق ذكي جداً, يأخذ الأموال والبضائع ولم نستطع أن نضبطه, ثم انقطعت هذه السرقة، ثم قال لي: بعد عشر سنوات, جاءني شاب وسيم الطلعة بوجهه نور, وقال لي: أنا كنت عندك موظفاً قبل عشر سنوات, وكنت أسرق منك, وجئتُكَ مستسمحاً وسأدفع لكَ كل الذي عليّ، قلتُ له: والله نظير هذه التوبة, ونظير هذا الاعتراف, أنت مُسامح بكل ما أخذته، وإن أردت أن تعمل عندي فلكَ أعلى مكان.
موضوع المحاسبة قضية دقيقة جداً، وطّن نفسك أن تُحاسب نفسك، وطّن نفسك أن تعتذر، تقول له: سامحني, أنا أخطأت في حقك، أنا تسرّعت، أنا اتهمتك اتهاماً باطلاً، عندها الله يرضى, أمّا إذا واحد موقعه قوي, أيام رئيس دائرة، مدير ثانوية، مدير مستشفى, يعني في موقع قوي, لا يجرؤ أحد أن يُحاسبهُ, مثلُ هذا الإنسان تشتدُ الحاجة إلى أن يُحاسب نفسه.
الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن :
قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
يعني المؤمن مُقيّد، الشرع قيّده، الشرع ألزمه، والحقيقة: قد يقول أحدكم: أنَّ الفقير يحتاج إلى أن يكون صابراً, لا, الذي يحتاج إلى أن يكون صابراً هو الغني والقوي, لماذا؟ هذا كلامٌ غريب، ماذا عندَ الفقير من خيارات؟ هذا الدخل المحدود, وهذا البيت، من عمله إلى بيته، لو أراد أن يسهر في فندق فخم, أيقدر؟ لا يوجد معه نقود، لو أراد أن يرتاد أماكن اللهو, أيقدر؟ لا يوجد معه دراهم, أمّا هذا الذي يملك المال, وهو مسافر في بلد أجنبي, وليس هناك رقيب, هو في أشد الحاجة إلى الصبر، هذا الذي يضبط نفسه, يضبط مشاعره, يضبط أعضاءه, يضبط حواسه, يضبط بصره, سمعه, إنفاقه.
بماذا تفيدنا هذه الآية؟ :
أخواننا الكرام, أنا أعتقد أنَّ الغني والقوي في أمسّ الحاجة إلى الصبر، وصبره بطولي، فالمحاسبة تكون قبل التوبة، حاسب نفسه فاتخذ قراراً بأن يتوب، أو تاب فاتخذ قراراً بأن يؤدي ما عليه للناس، هذه المحاسبة, هناك آية قرآنية تُفيد هذا المعنى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 18]
ماذا قدّمت؟ وماذا أخرّت؟: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾
[سورة الإنفطار الآية: 5]
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 14]
أنتَ ماذا أعددت لله عزّ وجل؟ .
أحياناً تجد شخصاً في السبعين من عمره في القهوة, يلعب الطاولة, ولا يُصلي, أين عقلُ هذا الإنسان؟ ماذا قدّم لآخرته؟ ماذا يقول لله عزّ وجل وهو بين يديه؟ . أما تستحي منا ويكفيك ما جرى؟ أما تختشي من عقِّنا يوم جمعنا؟
أما آن أن تُقلع عن الذنبِ راجعاً وتــنظر ما به جــاء وعدُنا

هذه الآية الأولى في هذه المرتبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
أخواننا الكرام, حاسب نفسكَ من حين إلى آخر، حاسب نفسكَ يومياً, وحاول أن تسوّي الحسابات مع الناس. لفتة نظر :
أود أن ألفت النظر إلى أنك: لو حججت حجاً مبروراً, وسعيت سعياً مشكوراً, لا تخرج من ذنوبك كما ولدتك أمك, هذا وهم, تخرج من الذنوب التي بينك وبين الله فقط، أما الذنوب التي بينك وبين العباد هذه لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة، أكبر دليل: هذا الذي قدّم روحه في سبيل الله, هل يُغفر له كُل ذنب؟ نعم إلاّ الديّن لا يُغفر, قدّم روحه, لأنَّ الديّن من حقوق العباد، وحقوق العباد مبنيّةٌ على المُشاححة, بينما حقوق الله عزّ وجل مبنيّةٌ على المُسامحة.
ماذا تستنتج من هذه القصة؟ :
مرة إنسان أعطوه عشرين دونم من الفرحة اختلَّ توازنه، فقير جداً وله شيخ, قال له: يا بُني هذه الأرض حرام أن تأخذها, لأنها ليست لك في الأساس, أُخِذت من صاحِبِها غصباً, وأُعطيت لك, هذه الكلمة من الشيخ أطفأت سروره جعلته يقنط, قال له: اذهب وحاول أن تشتريها منه تقسيطاً، ذهب إليه, وقال: يا سيدي أعطوني من أرضِكَ عشرين دونماً, وقال لي شيخي: أنَّ هذه الأرض حرامٌ أن آخذها منك, هل تبيعني إياها تقسيطاً؟ قال له: يا بني والله ذهب لي أربعمئة دونم, لم يأت لعندي أحد إلا أنت, فهذه هدية مني لك, حررها وأخذها حلالاً, لا يوجد إنسان يتحرّى الحلال إلا الله عزّ وجل, يُكسبه الحلال ورضوانه, الحلال والأرض.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا :
قول ذكرته قبل قليل: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم, وأعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا, وسيتخطى غيرنا إلينا.
لاحظ نفسك: فلان توفي رحمة الله عليه، هنا عميد أسرتهم، هذه الشابة، هذا الشاب، الطبيب الفُلاني، إلخ ... يجب أن توقن أنه في أحد الأيام سيقرأ الناس نعوتنا لا بُدَّ منها.
منذ فترة كُنا في سهرة, هناك رجل كآبته صارخة، التفت وسألته: خير إن شاء الله؟ فلم يجبن، بعدها فهمت أنه أصابه سرطان في الجلد, واثنين وثلاث وأربع وخمس, وأجرى خمس عمليات, وكلما أجرى بمكان, ظهر في المكان الآخر, وهو على علم عالٍ في الطب، والتقيت معه مرةً أخرى, فكل توجهه أنَّ موته من السرطان, بعدها توفي باحتشاء القلب, سبب الموت ليس له علاقة بالمرض الذي ظنَّ أنه سيُميتُهُ, جميعاً نحنُ تحت ألطاف الله، لا أحد يضمن منّا حياته ساعة, فلذلك:
حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, المؤمن البطل جاهز للمغادرة، الآية الدقيقة:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾
[سورة الإنفطار الآية: 6]
عندما يقول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
[سورة فاطر الآية: 5]
واضحة, يعني واحد يظن أنَّ العلبة مليئة, وهي لا تحتوي على شيء, وجدها على الأرض, ففرح بها, وحملها, ثم وجدها خاوية, خاب ظنه, نقول: اغترَّ بها ظنها ممتلئة.
هذه الدنيا تغر وتضر وتمر :
كان هناك شاب عنده دُعابة، كان في محل تجاري, يكنس المحل، يضع الأوساخ في علبة فخمة، يلفها بورق هدايا، يضع له شريط أحمر, ويضعها على الرصيف، يأتي شخص فيرى العلبة, فيظن أنَّ فيها أشياء ثمينة, فيحملها ويركض, وبعد مئتي متر ينزع الشريط، ومئتي أخرى ينزع الورق، ومئتي أخرى يفتح العلبة, فيجد فيها أوساخ المحل, نقول: هذا الإنسان اغترَّ بهذه العلبة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
تغرُ وتضرُ وتمر.
وأحياناً الإنسان وهو في أوجهِ يُنزعُ منها بعد ما عاش إنسان أربعين, خمسين سنة في منزل تحت الأرض, صغير رطب, وهو يجمع المال حتى اشترى بيتاً في أرقى أحياء دمشق, أنا البيت أعرفهُ, لهُ شرفة تُطِلُ على دمشق بأكملِها، جلس على الشرفة, وأمر زوجته بإحضار القهوة, وقال لها: الآن قد تأمّنَ مستقبلنا, هذا منزل, وبعد جمعة واحدة فقط وافته المنية، هذه الدُنيا تغرُ وتضرُ وتمر.
وشخصٌ آخر اشترى في شارع الميسات, صاحب ذوق رفيع, أخذ شقتين في الطابق الثاني عشر، الكسوة لم تعجبه فهدمها، خلع السيراميك، والنوافذ، والبلاط, عمل مدى سنتين في كسوة بأعلى مستوى, أحد أخواننا يسكن تحت, يقول: لم يكن هناك مصعد, فيصعد ماشياً في اليوم مرتين أو ثلاث لمدة سنتين, وقام بترتيب كُلَّ شيء, ثمَّ جاءه ملك الموت, لذلك الإنسان يجب أن يُهيئ نفسه لهذه الساعة التي لا بُدَّ منها.
أنا أتمنى من الإنسان أن يتبّع جنازة ولو لم يعرفها، يُلاحظ عندما يوضع النعش، يُفتح غطاء النعش يُحمل الميت, البارحة كان في الفراش, أهله بجانبه, جميع طلباته مجابة, قال تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾
[سورة القيامة الآية: 29-35]
منعطف خطير :
مرة لاحظت إنساناً وهو يُكفّن, أحضروا قطعة قماش طويلة, وغمسوها بالماء, وعندما ربطوها علقت فشدوها:
﴿وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ* إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ*َلا صَدَّقَ وََلا صَلَّى* وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى* ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى* أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى* ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾
وُضِعَ في القبر, وأُهيلَ الترابُ عليه، انفضَّ أهلهُ إلى بيتهم, وبقي وحده في البيت: عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك
ولو بقوا معكَ ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا
وأنا الحي الذي لا يموت

لكن كيف نفهم: يا أيها الذين آمنوا لا تغرّنكم الحياة الدنيا؟ واضحة, لا ترونها بحجمٍ أكبرَ من حجمِها. ما معنى هذه الآية؟ :
أمّا كيف نفهمُ قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾
طالب توّهم أنَّ الأستاذ فقير, أُعطيه ألفي ليرة قبل الأمتحان, وآخذ الأسئلة منه وبلا هذا التعب, هكذا كان توهمهُ فارتاح، طرق الباب قبل الفحص بيومين, وعرض على الأستاذ, فطرده الأستاذ, نقول: هذا الطالب اغترَّ بأستاذه, يعني ظنه يبيع الأسئلة، وهذا المُخاصم اغترَّ بالقاضي، ظنه يرتشي فهو ليس كذلك.
إذا ظننت بالله ظنَ السوء فأنتَ قد اغتررتَ بالله، إذا ظننتَ أنَّ الله لن يُحاسبكَ فقد اغتررتَ بالله، إذا ظننتَ بأنَّ الله لن يُعاقب الجاني قد اغتررتَ به، إذا ظننتَ بأنَّ الله لن يأخذَ من القوي للضعيف فقد اغتررتَ بعدالته، هذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾
كيف نحاسب أنفسنا؟ :
1-الأداة الأولى هي العلم :
السؤال الثاني الذي يهمُنا: كيف نُحاسب أنفسنا؟ كان في صُلب الدرس لا بُدَّ أن تُحاسب نفسك.
قالوا: الأداة الأولى هي العلم.
أنت بالعلم تعلم ما إذا كنتَ على حقٍ أو على باطل، ما إذا كُنتَ مذنباً أو غير مُذنب, العلم أداة المحاسبة، احضر درس علم, تجد أنكَ في نفسِكَ مُخالف للشرع، احضر أحكام البيوع، احضر درساً في العلاقات الزوجية، احضر درساً بالأخوة الإيمانية, في غيبة, وهناك نميمة، احضر درساً بالحوالة والوكالة والكفالة, تجد نفسك مُخالف, لن تُحاسب نفسك إلا إذا كُنت على علم، العلم نور.
أوضح من ذلك: لو أحضرنا إنساناً مثلاً في الصف الرابع الابتدائي, وقلنا له: اقرأ هذا النص، إذا كانت والدته لا تقرأ ولا تكتب, فهل تستطيع أن تحاسبه على أغلاطه؟ يمكن أن يرتكب أخطاء كثيرة في الصفحتين, وتقول له: جيد جداً، لا يوجد عندها مقياس, الأم جاهلة، أما لو كان والده يحمل ليسانس في اللغة العربية, وطلب منه القراءة، كل كلمة غلط, يصُحح؛ هذه غلط، هذه مبتدأ, وهذه خبر, وهذه مفعول به, وهذه حال, وهذه تمييز .... إلخ، لن تستطيع أن تُحاسب إلا إذا كنت عالماً، كذلك لن تُحاسب نفسك إلا إذا كنتَ عالماً، تعرف أنَّ هذا القرض جر دفع فهو رِبا، هذا الإيجار باطل، هذا العقد باطل، هذه السلعة مُحرّمة, إذاً التجارة بها باطلة، هذه النظرة للأب:
((ما بر أباه من شد إليه الطرف بالغضب))
[أخرجه الطبراني في سننه]
باطلة, هذه ما برَّ أباه.
النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً ورجلاً, قال له: ((من هذا؟ -ويعلم من هذا؟- فأجابه: أبي، فقال له النبي: أبوك؟ لا تمشي أمامه, ولا تجلس قبله, ولا تستبَ له, ولا تناديه باسمه))
إذا كُنتَ تعرف الحديث, وشاهدت إنساناً يمشي أمام والده, وجلس قبله, وناداه باسمه مثلاً, وعملَ عملاً سيئاً, فشتمه الناس، فيكون قد خالف.
لن تستطيع أن تُحاسب إلا إذا كنتَ عالماً، فأول أداة هي العلم, بالعلم تُميّز بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والضار والنافع، والكامل والناقص، والخير والشر, بالعلم تعرف مراتب الأعمال, راجحها ومرجوحها، مقبولها ومردودها، وكلما كان نصيبكَ من العلم أوفر كان التمييز أقوى.
العلم نور, أحضر مصباحاً ضئيلاً, يكشف لكَ الطاولة، أما الإبرة فلا تشاهدها، الإبرة لا تُشاهدها على السجاد, أما إذا امتلكت مصباح خمسة آلاف شمعة فتشاهدها، فكُلما اشتد مصباحُكَ تكشف أدق الحاجات، وكلما اشتد النور في قلبك تكشف أدق المخالفات, أيام ابتسامة سخرية تُحاسب عليها، أحياناً كلمة هكذا.
عن حذيفة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قذف المحصنة يهدم عمل مئة سنة))
[أخرجه الطبراني في سننه]
أيام يقول لك: واثق ولم تتكلم أنت ولا كلمة، لا تعرفه أنت وقد يكون أفضل منك، فكلما اشتدَّ النور الذي في قلبك كشفتَ أدقَّ المخالفات, هذه أول واحدة.
2-الأداة الثانية سوء الظن بالنفس :
الأداة الثانية: سوء الظن بالنفس:
كلما أسأت الظن بنفسك تكون أرقى عندَ الله عزّ وجل، وكلما أحسنت الظن بها تكون ساذجاً.
نصيحتي: بالغ بإساءة الظن بنفسك وبحُسن الظن بالآخرين، هذا المؤمن, أمّا الشيء المضحك: أنَّ هناك أشخاص يُحسنون الظن بأنفسهم ويُسيئون الظن بالآخرين، هو مُبّرأ من كُل خطأ أما غيره غير مُبرّأ.
بالغ بسوء الظن بالنفس وبحسن الظن بالآخرين، فسوء الظن تشتدُ الحاجةُ إليه, لأنَّ حُسنَ الظن بالنفس يمنع محاسبتها، يقول لك: ماذا بي؟ يرتكب أكبر المخالفات, ويقول لك: ماذا فعلت؟! حُسنُ الظن بلاء بالنفس, كلما أحسنت الظن بنفسك منعتها من أن تُحاسب.
عين الرِضا عن كل عيبٍ كليلةٌ كما أنَّ عين السُخطِ تُبدي المساوئا
إذا عَلِمَ المُسيء أنه مُسيء لم يعد هناك مشكلة، لكنَّ المُسيء لا يعلم أنه مُسيء، يتوهم أنه على حق، قال: ولا يُسيء الظن بنفسهِ إلا من عرفها, ومن أحسن الظن بنفسه كان من أجهلِ الناس.
3-الأداة الثالثة أن تميز بين النعمة وبين الفتنة :
الأداة الثالثة: أن تُميّز بين النعمة وبين الفتنة:
النعمة هي التي تنقُلُكَ إلى الطاعة والشُكر، وأما النعمة التي تنقُلُكَ إلى المعصية والكِبر فهي فتنة وليست نعمة, أكثر الناس تلتبس عليهم الأمور بظن النِعم نِعم وهي قد تكون نِقم، النعمةُ التي تحمِلُكَ على الكِبر هذهِ نِقمة، النعمة التي تحمِلُكَ على معصية هذهِ نِقمة، النعمة التي تحمِلُكَ على أن تزهوَ على الآخرين هذهِ نِقمة، أمّا النعمة التي تقودُكَ إلى الله وإلى طاعتهِ وإلى شُكرِهِ هذهِ نِعمة, وهذا يؤكدهُ قوله تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[سورة الفجر الآية: 15-17]
يعني: يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حِرماناً، عطائي ابتلاء وحِرماني دواء.
أيها الأخوة, أدواتٌ ثلاث: أن تُميّز بين النِعمةِ والنِقمة، وأن تُسيء الظن بنفسِك، وأن تطلب العلم, هذه أدوات المحاسبة, إن ملكتَ هذهِ الأدوات, حاسبتَ نفسكَ حساباً عسيراً, فكانَ حسابُكَ يوم القيامة يسيراً:
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة النور الآية: 46]
هذه ثِمار المحاسبة، إن أردتَ أن تكون مستقيماً, وحَرِصتَ على ذلك, يهديكَ الله إلى الصراط المستقيم:
﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و الاربعون )


الموضوع : الصبر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والأربعين من سلسلة دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, ومنزلة اليوم هي: منزلة الصبر.
الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: الصبر في القرآن في تسعين موضعاً.
لأن الإيمان هو الصبر، ولأن الإنسان مخلوق للجنة, وثمن الجنة الصبر.
هذا الفرق بين المؤمن والكافر :
الفرق بين الكافر والمؤمن؛ الكافر متفلت يفعل ما يشاء، يأكل ما يشاء، يجلس مع من يشاء، يذهب لأي مكان يشاء، يأخذ أي مال يشاء، يعتدي على أي مخلوق يشاء، هكذا تفلت، استرخاء، تحرك عشوائي, المؤمن منضبط بمنهج الله، الشهوات واسعة، القنوات النظيفة محددة، أودع في الإنسان حب المرأة, القناة النظيفة المشروعة التي ترضي الله, أن تنظر لزوجتك، وإلى محارمك، وما سوى ذلك تفلت، كسب المال واسع جداً، هناك ألف مصدر لأخذ المال، الكسب المشروع هو الذي يرضي الله عزوجل.
فإذاً: عملية الصبر عملية ضبط, عملية انتقاء، عملية اختيار، عملية دفع ثمن الجنة، أحياناً إنسان يدخل جامعة ويأخذ شهادة عليا، ويحمل لقباً علمياً عالياً، يتعين بمنصب رفيع، يأتيه دخل كبير، يعيش في بحبوحة وكرامة، ما ثمن هذه المكانة, وتلك الكرامة, وهذا الدخل الكبير؟ هو أن رفاقه آثروا اللعب، آثروا النزهات، آثروا الجلوس في الأزقة، هو قبع في البيت, وانكب على الكتاب, وصبر على الدراسة، حتى مراتب الدنيا تحتاج للصبر.
ما معنى الصبر؟ :
فحينما قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث:
((الإيمان نصفان؛ نصف صبر، ونصف شكر))
وفي حديث آخر: ((الإيمان هو الصبر))
فعندما آمنت بالله قيدت نفسك بمنهج الله، حينما آمنت بالله قيدت نفسك بما يرضي الله ، وسعيت للجنة، تركت كل طريق واتبعت طريق الجنة, تركت كل مال وأخذت المال الحلال، تركت كل شهوة ومارست كل شهوة ترضي الله عزوجل، هذا كله صبر، الصبر يعني الضبط، فالمؤمن مضبوط، ضابط لسانه, وعينه, ويده, ودخله, وإنفاقه, وحركاته, وسكناته. من مواضع الصبر :
1-أن الله أمر به :
الصبر واجب بإجماع الأمة, لأن القرآن الكريم حينمــا يقول لك: اصبر فهذا أمر، وكل أمر بالقرآن الكريم يقتضي الوجوب، كلام الله منهج، وسلسلة أوامر ونواهٍ، وأنت كمؤمن ليس لك خيار,
﴿ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾
فأول موضع من مواضع الصبر أن الله أمر به. الصبر وسيلة :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 153]
الصبر وسيلة, راقب نفسك إن كنت عند طبيب الأسنان, وقال لك: إن قلبك لا يحتمل المخدر, أنا مضطر لخلع الضرس دون مخدر فتحمل، هذه القناعة تجعلك تتمسك بيد الكرسي, وأن تشد عليه من أجل الصبر، فكلما ازداد علمك ازداد صبرك.
أما لو أن الطفل الصغير وضع على كرسي الطبيب, وشعر بوخذة إبرة المخدر, يصيح ويتحرك بقوة, لأن إدراكه غير إدراك الراشد، فكلما ازداد عقلك ازداد صبرك، كلما ضعف إدراكك قل صبرك.
﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾
هذا المؤمن الصادق :
وقال تعالى:
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 200]
اصبر وأعن أخاك على الصبر، أنا أستمع لبعض الكلمات من وسوسة الشيطان، يطرح أخوك عليك مشكلته تجيبه, لو كنت مكانك لانتحرت! هذا كلام الشيطان، قل له: اصبر يا أخي, فالله عزوجل رحيم, بعد الصبر الفرج، الله يمتحنك، والمؤمن يبتلى، والنبي أشد الناس بلاءً، هذا الكلام فيه مصابرة, اصبر وصابر، لكن المؤمن الصادق يصبر ويستعين بالله على الصبر، قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
فالصبر بقوة الإرادة كلام فارغ، يتماسك أمام الناس، أما فيما بينه وبين ذاته, قد يتكلم كلاماً قبيحاً, قد يتحرك حركة عشوائية مخجلة, لأنه لم يستعن بالصبر بالله عز وجل, أمرنا بالصبر، أمرنا أن نصبر, وأن نصابر، وأن نستعين بالله على الصبر.
2-النهي عن ضده :
البند الثاني من موضوع الصبر: النهي عن ضده، إياك ألا تصبر، إياك أن تضجر، إياك أن تقول: أين الله؟ إياك أن تقول: دعوت فلم يستجب لي، إياك أن تقول كلمات تعني أنك لست صابراً:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 35]
يقال: أماتهم الله, له أقرباء ظلام حرموه الميراث، يتألم, يستعجل لهم الهلاك، وقوله:
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 15]
التولي من الزحف دليل عدم الصبر، ولا تبطلوا أعمالكم بعدم الصبر، هناك أشياء في حياتك هي قدرك؛ ابنك، وزوجتك، وأقرباؤك الذين ليس لك خيار في الانتماء إليهم, كل هؤلاء هم قدرك، فإما أن تصبر عليهم، وإما أن يصبروا عليك، لذلك:
﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾
إنسان خدم والدته كما ذكرت من أيام عشر سنوات, ثم ضجر أشد الضجر، فصاح في وجهها فبكت، فجاء أخوه ونقلها لبيته، بعد يومين ماتت عند أخيه، ماذا فعل هذا الإنسان؟ أبطل كل عمله.
أحياناً: تحسن لإنسان إحساناً مستمراً، ثم تفقد الصواب فجأة فتهدم كل الذي بنيته سابقاً ، الإنسان إذا كان مبتلى، قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
فالوهن والحزن من عدم الصبر، الضجر من عمل صالح متعب دليل قلة الصبر، التولي من الزحف دليل قلة الصبر، استعجال العذاب للأعداء دليل قلة الصبر.
3-أن الله عز وجل أثنى على أهله :
البند الثالث في موضوع الصبر: الله جل جلاله أثنى على أهله, وثناء الله على أهله شيء كبير! .
آية قرآنية حينما أقرأها:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[سورة ص الآية: 44]
الله يعرف أنه ساق لك شدة، ويعرف الأمر بالضبط، والظروف الصعبة والمشقة التي تتحملها, والألم الذي يأكل قلبك، والتضحية التي ضحيت بها، وكم هذا يؤلمك؟:
﴿إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب﴾
إذا أثنى الله عليك أليس هذا مكسباً عظيماً؛ أن يثني عليك خالق الأكوان؟ .
إنا وجدناه صابراً لوجه الله في صبر القهر، أما في صبر المعرفة: أحياناً يكون إنسان أقوى منه مقهور صبر القهر، أما أحياناً قادر على فعل كل شيء، لكن يلجمه الصبر, يلجمه خوف الموت, يلجمه رضاء الله عزوجل، يلجمه طلب الآخرة، يلجمه خوف العقاب، الصابرين والصادقين، لأنهم صادقون كانوا صابرين: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 177]
الله عز وجل يحب العبد الصابر، في إنسان أقل شيء تجده انتهى، انهار, تكلم كلاماً قبيحاً, تطاول, أعلن عن ضجره، أعلن عن عدم صبره، هناك إنسان صابر:
﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾
ماذا نستنتج من هاتين الآيتين؟ ما الذي يكشف عدم الصبر والصدق؟ قلة الصبر، الصادق صابر، الأقل صدقاً أقل صبراً، غير الصادق ضجر، لا يعد صابراً. 4-الله يحب الصابرين :
البند الرابع: والله يحب الصابرين, لو حققت كل مكاسب وصلها إنسان, أعظم مكسب أن يحبك الله عز وجل،
﴿والله يحب الصابرين﴾
﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾
سبحان الله! يقول: إن الحزن خلاق.
الإنسان إذا ربي على النعيم, لا مشكلة مالية عنده، لا صحية، ولا أي قضية, السلامة المستمرة والقوة تقسي القلب، كأنه مستغنٍ عن الله، أما الشدة والابتلاء يرققان القلب، وكأن هذا الصابر قريب من الله عز وجل، هذا شيء ملاحظ، عندما يصاب الإنسان بمرض، عندما يكون هناك مشكلة, تجده سريع البكاء، نفسه شفافة، نفسه قريبة من الله عز وجل، لذلك وجد أن الحزانى في كنف الله، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون للرحمة، هذا إنسان قريب من الله, لذلك المصائب قد تخلق بطولات بالإنسان، إنسان معه ألف مليون, تبرع بمليون أو مليونين أو خمسة, هذا هامشها صغير جداً، أحياناً يكون المؤمن معه ألف ليرة لآخر الشهر, مدة سبعة أيام, فهو في أمس الحاجة إليها, يأتيه أخ بحاجة لألف ليرة, يقع في صراع, ثم يدفعها له, ينتصر على نفسه. 5-أن الصبر يوجب معية الله لك :
البند الخامس في الصبر: أن الصبر يوجب معية الله لك، ومعية الله شيء ثمين جداً، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 46]
هذه المعية الخاصة، معية النصر والتأييد والحفظ والتوفيق، أنت بالصبر ضمنت كل هذه الأشياء.
6-الله عز وجل يخبرنا أن الصبر خير لأصحابه :
البند السادس: الله عز وجل يخبرنا أن الصبر خير لأصحابه، أنت أمام مشكلة؛ لك أن تصبر ولك أن لا تصبر، أيهما خير؟ أن تصبر، لأنك إن لم تصبر, ماذا تفعل؟
﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾
هذا الذي امتلأ قلبه حسداً من رسول الله, هل بإمكانه أن يمنع عنه الوحي؟ لم يؤمن به, بدل أن تغضب منه وتحقد عليه، جاءت مصيبة, أنت أمام خيارين: تصبر أو لا تصبر، إن صبرت لك الدنيا والآخرة، وإن لم تصبر سوف تقهر, إخبار الله عز وجل بأن الصبر خير لأصحابه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 126]
﴿وأن تصبروا خير لكم﴾
أحياناً موظف بدائرة, جالس من الساعة الثامنة للساعة الواحدة والربع, بعمل دؤوب, شديد بإخلاص، يضجر فيذهب للمشي، يقف على النافذة دقيقة، يأتي المدير العام, ويقول له: أهذا عملك؟ المدير بشر, ما عرف أنه بعمل دؤوب من الساعة الثامنة حتى الواحدة والربع، رآه في ساعة راحة، نقول: هذا جوزي بأسوأ ما كان يعمل كل الساعات دوام دقيقة راحة شاهده المدير في هذه الدقيقة، ربنا عز وجل كريم, ينتقي لك أجمل عمل ويكافئك عليه، هو دعاء:
اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء, إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر.
أو: اللهم إني أعوذ بك من جار سوء, إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه. قف هنا :
يوجد نقطة بالفقه الإسلامي, أتمنى أن تتضح لكم:
النبي قال: تجب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب.
الآن يوجد ألف محصول تجب فيه الزكاة, لكن النبي ذكر أربعة فقط, العلماء قالوا: تجب الزكاة في علة هذه المحاصيل لا في عينها.
رجل يملك عشرين دونماً من التفاح وبدل القمح حمّص عدس، هناك محاصيل غالية وثمينة جداً, فتجب الزكاة في علة هذه العناصر لا في عينها.
لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان.
العلماء حملوا على الغضب ثلاثاً وثلاثين حالة، إذا ابنه مريض, ومرض مخيف, القاضي ممنوع أن يقضي, فذهنه غير صافٍ، بعض الأيام استخدم عبارة أحياناً أكون أمام أمر صعب أقول: أنا لست معك, فأنا مشغول, عندي موعد, الآن سوء فتوى, هو مرتاح البال, يريد إعطاء التفاصيل, فالقاضي لا يملك الحق بالقضاء, إذا كان غضبان, أو جوعان, أو تعبان, أو يوجد مشكلة في حياته.
ماذا نفهم من هذا الحديث؟ :
النبي الكريم قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً, إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا, رَضِيَ مِنْهَا خلقاً آخَرَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
جارك, أخوك, أبوك, صديقك, كل له سلبيات وإيجابيات, اجعلها مبدأ، كن منصفاً, كل جهة تبحث عن الإيجابيات والسلبيات، فإن ذكرت الإيجابيات ذكرت السلبيات، فهذا الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، كقوله تعالى:
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 96]
7-إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب :
البند السابع في الصبر: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب،
﴿إنما يوفّ الصابرون أجرهم بغير حساب﴾
الله عز وجل مربٍ، يسير الإنسان في الصحراء, يتعب يجد واحة فيرتاح, الله حكيم, يسوق الشدة ثم بعدها الرخاء، يسوق الشدة ومن بعدها شدة إليه، يسوق المحنة ومن بعدها منحة، يسوق الشيء المتعب ومن بعده شيء مريح.
سيدنا رسول الله بالطائف, إذا وجد خط بياني للدعوة بالحضيض، كذب واستهزئ به وبدعوته, وقد ناله الأذى من أبنائهم، قال: يا رب, إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي.
ماذا جاء بعد الطائف؟ الإسراء والمعراج، وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى سدرة المنتهى, عندها جنة المأوى، لقد رأى من آيات الله الكبرى، لقد أطلعه الله أنه سيد الخلق ، سيد الأنبياء والمرسلين، متى جاء الإسراء والمعراج؟ بعد الطائف.
وكل شخص منا, عنده طائف, وعنده إسراء ومعراج، بالمعنى الرمزي: ساعات شدة ومحنة، وساعات فوز وتكريم، بعد العسر اليسر، وبعد الضيق الفرج، بعد الضعف القوة، بعد الفقر الغنى، هذه حكمة الله عز وجل, وهذه تربيته، أنت عندما تبشر إنساناً بماذا تبشره؟ أتبشره بإتلاف المال؟ هذا مستحيل، تبشره بالقتل؟ مستحيل, وهذه اسمها استعارة تهكمية، على كل؛ البشرى للشيء الطيب. هذه وظيفة المصيبة :
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 155]
قد تجد الغني مكرماً عند الله والفقير مهاناً، قد تجد القوي مكرماً ومهاناً، قد تجد الوسيم مكرماً والدميم مهاناً، امرأة على جانب من الجمال معززة مكرمة، امرأة تواجه مشكلة, تجدها غير مرغوبة, فهذه المرأة من الدرجة الثانية تتألم، لكن الله عزوجل يقول:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾
[سورة الفجر الآية: 15]
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾
[سورة الفجر الآية: 16]
لا ليس ذلك.
فليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً.
إذا الله عز وجل منعك من شيء لا يعني أنه يهينك، أجمل مثل: الأب الطبيب, شكا له ابنه ألماً في المعدة, قام بالتنظير, فوجد التهاباً حاداً، طهو من الطعام الكوسا, فمنعه من تناولها بقسوة، وإذا فكرت الأم إعطاءه نصف قطعة, يصب عليها جام غضبه, فهذا الطفل عندما حرم هذه الأكلة الطيبة, هل يشعر أن أباه يهينه؟ هذه ليست إهانة بل حفظ، فعندما تفهم أن هذه المصيبة حفظ نجحت. ما معنى هذه الآية: أولئك عليهم صلوات من ربهم؟ :
الآية الكريمة: الله عز وجل يخاطب المؤمنين:
﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإن إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾
الصلاة هي الدعاء، الدعاء لمن بيده القوة، فإذا صلى الله عليك, الله بيده كل شيء, الصلاة من الله رحمة وعطاء، من العبد دعاء، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 157]
إلى ماذا يحتاج النصر؟ :
النصر يحتاج للصبر، قال تعالى:
﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 125]
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: واعلموا أن النصر مع الصبر. إلى ماذا يحتاج الصبر؟ :
شيء آخر: الصبر يحتاج لقوة إيمان، أما عدم الصبر دليل ضعف الإيمان، والدليل: قال تعالى:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
[سورة الشورى الآية: 43]
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
[سورة لقمان الآية: 17]
الفرق في اللام وفي صبر وغفر، المعنى الذي تعرفونه: هو أن الإنسان إذا جاءه من الله مصاب مباشرة عليه بالصبر، أما إذا جاء هذا المصاب على يد إنسان, عليه أن يصبر ويغفر، يصبر على قضاء الله وقدره، ويغفر لمن ساق الله هذه المصيبة على يديه، أوضح مثل:
إنسان وقع ابنه من الشرفة, فنزل ميتاً, عليه بالصبر، لأن هذا قضاء الله وقدره، أو لو أن سائقاً دعس ابنك لا سمح الله ماذا تفعل؟ هنا أنت بحاجة لصبر ومغفرة, وحينما يكون إيمانك قوياً جداً, ترى أن هذا الذي ساق الله المصيبة على يديه, إنسان قدر الله عليه هذه المصيبة، فلا تحقد إذا كنت مؤمناً. قف عند هذه الكلمة :
الآن المراتب العالية، المواقف الجليلة، البطولات التاريخية، قمم النجاح، هذا كله يحتاج إلى الصبر، إن أردت أن تكون من عامة الناس فلا تصبر، وإذا كنت من أعلام الأمة والنوابغ والعباقرة وكبار الدعاة والمصلحين، هناك مضائق لا بد أن تمر فيها،
﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماما﴾
اسمحوا لي بهذه الكلمة أيها الأخوة: لن نشم ريح الجنة إلا إذا مررنا في المضائق التي رسمت لنا ونجحنا فيها، في مضائق الصبر، الصبر عن الشهوة، والصبر على الطاعة, والصبر على قضاء الله وقدره، الحياة مريحة؛ مال، جاه، مكانة، طعام لذيذ، نزهات جميلة، لا متاعب أبداً, هذا شيء مستحيل, لا بد من مضائق تمر فيها، مر فيها النبي, ويمر فيها كل مؤمن صادق: ﴿فاصبر كما صبروا أولو العزم من الرسل﴾
﴿فاصبر وما صبرك إلا بالله﴾
﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾
الصبر دليل العظمة :
الوحشي الذي قتل سيدنا حمزة, وأمرته هند بنت عتبة أن يشق صدره, وأن يستخرج كبده, فمضغت كبده تحقيقاً لحقدها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب سيدنا الحمزة حباً لا حدود له، أليس بإمكانه أن يقتله؟ أن يمثل به؟ أن يعذبه؟ أعلن الشهادة انتهى، دخل في الإسلام دخلة تقية كما يبدو, فالصبر دليل العظمة، سهل أن تبطش, لكن البطولة أن تصبر، أن تكظم الغيظ:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 134]
﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 80]
المراتب العليا تحتاج إلى صبر :
رجلان قادمان من أوربا بسيارتين, دخلا فندقاً في بعض مدن أوربا الشرقية، في الليل فتاتان طرقتا بابي الغرفتين، رجل فتح الباب والآخر طردها، وتابعا المسير للشام، الذي فتح الباب, أصبحت حياته سلسلة من العذابات, إلى أن طلق زوجته، وأغلق متجره، ولم يجد ما يأكل، والثاني صعد هكذا, هذا العطاء لمن صبر، قال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 23]
سيدنا يوسف أكبر شاهد قدوة للشباب, آثر طاعة الله ورضوانه على شهوته, لذلك ما من شيء أكرم على الله من شاب تائب.
إن الله ليباهي الملائكة، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي:
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة فصلت الآية: 35]
المراتب العليا تحتاج إلى صبر، وما نيل الطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلايا . ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 142]
نقطة هامة :
الآيات الدالة على عظمة الله، العبر لا يستنبطها إلا الصابرون, قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 5]
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 19]
﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
[سورة الشورى الآية: 33]
الصبار هو كثير الصبر, وهو الذي يكتشف الآيات، في الآيات الكونية والتكوينية.
قد لا تصدق :
قد لا تصدقون: هذه الجنة العظمى, ودار الخلد التي وعد بها المتقون, هذا المقام الرفيع عند الله عز وجل:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 54]
﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 55]
هذا العطاء الأبدي، والنعيم المقيم، وهذا الفوز العظيم، والمقام الرفيع في ظل رضوان الله، هذا النظر لوجه الله يوم القيامة, قال: كل هذا ثمنه الصبر، الدنيا فيها شهوات وقنوات نظيفة، فإذا سلكت الشهوات في هذه القنوات هذه للجنة، إذا أفرغت الشهوات في أي قناة للنار.
((إن عمل الجنة حزن بربوة، وإن عمل النار سهل بثروة))
الآية الكريمة تقول: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾
[سورة الرعد الآية: 23]
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾
[سورة الرعد الآية: 24]
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 24]
فأنتم في سلام, اللهم أوصلنا إلى دار السلام بسلام، فثمن هذه الدار الصبر:
﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقب الدار﴾
الصبر يورث صاحبه الإمامة :
الصبر يورث صاحبه الإمامة: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾
الشيء قبل الأخير: أن الصبر يقترن بكل مقامات الإسلام؛ كالإيمان والتقوى والتوكل والشكر والعمل الصالح والرحمة، لذلك كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, ولا إيمان لمن لا صبر له, كما أنه لا جسد لمن لا رأس له.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خير عيش أدركناه بالصبر. الشقاء والسعادة لا علاقة لهما في شروط الدنيا التي تعارف عليها الناس إنها عالية :
عندما الله عز وجل يسعد إنساناً, هذه السعادة لا علاقة لها بنوع معيشته، قد يسعدك وأنت في الكوخ، وقد يسعدك وأنت أعزب, وقد يسعدك وأنت فقير، وقد يسعدك وأنت مريض ، وقد يسعدك وأنت تأكل أخشن الطعام, يسعدك وأنت ترتدي أخشن الثياب، وقد يشقيك الله عز وجل وأنت في قمة النعيم، الشقاء والسعادة لا علاقة لهما في شروط الدنيا التي تعارف عليها الناس إنها عالية، الله عز وجل قد يحجب رحمته عن القوي فقوته بلاء عليه، وعن الوسيم وسامته بلاء عليه، وعن الغني غناه بلاء عليه، عن إنسان عنده أولاد أولاده أعداء له، وقد يفتح رحمته على من حجبت عنه الدنيا, فإذا فراشه الخشن أجمل فراش.
في فندق بألمانيا كتبوا على السرير: إن بت أرقاً, فابحث عن ذنوبك, فالعلة ليست في فرشنا, بل في ذنوبك, يتألم الإنسان أحياناً ولا ينام.
الأحاديث التي وردت في موضوع الصبر :
يقول سيدنا عمر: خير عيش أدركناه بالصبر.
والنبي الكريم أخبر في الحديث الصحيح: أن الصبر ضياء، نور في القلب.
الصبر -كما قالوا-: الحسنة نور في القلب، والوجه صحة في البدن، محبة في قلوب الخلق، سعة في الرزق.
ويقول عليه الصلاة والسلام:
((أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ, سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ قَال: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ))
يا رب ارزقني الصبر، افتقر إلى الله بالصبر.
وفي الحديث الصحيح: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ, إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ, لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا))
النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالصبر عند ملاقاة العدو، وعند المصيبة، وعند الصدمة الأولى, وأمر المصاب أن يحتسب مصيبته عند الله عز وجل, فإن هذا يخفف من مصيبته، حسبي الله ونعم الوكيل, ونهانا عن الجزع والتسخط والتشكي, فإن هذا يزيد في الإثم ويذهب الأجر، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن الصبر خير كله، فقال عليه الصلاة والسلام:
ما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع من الصبر. ملخص الدرس :
ملخص الدرس: إذا كنت مؤمناً فأنت صابر، وإن لم تصبر فهذا ضعف شديد في إيمانك، فإن ضجرت فهذا يدل على عدم الإيمان، ومن لا صبر له لا إيمان له، والحمد لله رب العالمين.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و الاربعون )


الموضوع : المحاسبة - 2







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه, وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه, وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أدوات المحاسبة :
1-العلم :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس والأربعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم هي منزلة المحاسبة، وقد سبقَ أن عولِجَت هذه المنزلة قبل درسين، واليوم نأخذ الجزء الثاني منها.
بيَّنـتُ في الدرس السابق من المحاسبة, أنَّ أدوات المحاسبة كثيرة, من أبرزها العِلم، فأنت بالعِلم تُحاسبُ نفسكَ، فحينما تقرأ نصًّا باللُّغة العربيَّة، هل تستطيع من دون أن تكون عالمًا باللُّغة أن تعرف أخطاءك؟ مستحيل، إن درسْتَ العربيَّة، ودرستَ قواعد العربيّة، وقرأت نصاً عربياً، حينها تكشف الأخطاء التي تقع بها أثناء القراءة، فالعِلم هو الوسيلة الأولى، والأداة الأولى لِمُحاسبة النَّفس, إن كنتَ تعرف الحلال والحرام، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يجوز وما لا يجوز، إن كنتَ تعرف الفرائض والواجبات والسُّنَن والتَّحسينات, وإن كنت تعرف المحرَّمات وتعرف المكروهات والمندوبات والمباحات, عندها تُحاسب نفسَك، أما هذا الذي لم يطلب العلم، كيف يُحاسب نفسهُ؟ وأكبر دليل: أنَّك لو قرأْتَ نصًّا أمام إنسان غير متعلّم ، لو سألته عن القراءة لقال لك: ممتازة، وقد ترتكب مئة خطأ, فهو لا يستطيع أن يكشف الخطأ, فهذه واحدة.
2-سوء الظن بالنفس :
الشيء الثاني: سوء الظنّ بالنّفس أحدُ أدوات المحاسبة، فهذا الذي يمْدحُ نفسهُ ويتملّقها، ويتوهم أنَّه على صوابٍ دائمًا، وأنّ الناس جميعًا مُخطئون, هذا إنسان بعيد عن محاسبة النَّفس، فلا بدّ مِن أن تُحاسب نفسكَ حِسابًا دقيقًا عن طريق سوء الظنّ بها، لذلك المُوَفَّقون في حياتهم يُحسِنون الظنّ بِأخوانهم، ويُسيئون الظنّ بأنفسهم, وغير المُوَفَّقين في حَياتهم يُسيئون الظنّ بِأخوانهم دائمًا، ويُحْسِنون الظنّ بِنُفوسهم.
سيّدنا عمر عملاق الأعلام -رضي الله عنه- كان يخْطُب، وفجأةً قطَع الخُطبة، وقال: كنتَ عُمَيراً, فأصبَحْتَ عمر، وأمير المؤمنين، وكنتَ ترعى غُنَيْماتٍ لِبَني مخزوم على دُرَيهمات, -هذا الكلام لا علاقة له بالخطبة- ولما نزل من على المنبر, قال له أصحابهُ: ما علاقة ما قلت بالخطبة؟! فقال رضي الله عنه: جاءَتني نفسي, فقالتْ لي: ليس بينك وبين الله أحد, -أيْ أنتَ قِمَّة المجتمع الإسلامي! فليس المعنى أنَّه قِمّة المجتمع لِقوَّته! لا، قِمّة المجتمع الإسلامي في الدِّين، وفي القُرْب من الله عز وجل.
فقال-: أردْتُ أنْ أُعرِّفها أنَّني كنتُ عُمَيْرًا، وأصْبحتُ عمر، وكنتَ أرعى غُنيماتٍ لِبَني مخزوم, أردت أن أعرف نفسي.
فالمُوَفَّقون في حياتهم يسيئون الظن بأنفسهم، ويُحاسبون أنفسهم حسابًا عسيرًا، دَعْكَ من التَّمَلُّق لِنَفْسِك، لا تُزَكِّيها.
دائمًا: الحقيقة المُرَّة أفضل ألف مرَّة من الوهم المريح، أكثر الناس يقول لك: أنا إيماني أكثر منك وهو لا يُصَلِّي, ويفعل كلّ الموبقات، كلام شيطاني أن تقول: أنا مؤمن وأنت لسْت كذلك.
3-تمييز النعمة من الفتنة :
الشيء الثالث: تمييز النِّعمة من الفتنة، كم إنسان ذي نِعمةٍ مُسْتَدْرجٍ بها؟ إذًا هي فتنة، وكم من إنسانٍ متميِّزٍ بِنِعمةٍ مُكَرَّمٍ بها؟ المال قد يكون لإنسان نعمة ولآخر نقمة، إذا جَمَعَك المال على الله فهو نعمة، فإذا جمعَكَ على معْصِيَة فهو فتنة, وكذا القوَّة إنْ أوْصَلتْك إلى الله فهي نعمة، وإن أبْعَدَتْك عنه فهي فتنة.
4-أن تميز بين المنة والحجة :
وشيءٌ آخر: لا بدّ من أن تُميِّز بين المِنَّة والحجَّة, فالله سبحانه وتعالى إذا أعطاك فهو مِنَّة، فإن أنْفقْت الذي أعطاكه في معْصِيةٍ, كان هذا الذي أخذْتَهُ من الله تعالى حجَّة عليك، فأنت دائمًا بين أن يكون الشيء حجَّة لك أو حجَّة عليك.
الآن: كلُّ قوَّة ظاهرة وباطنة صَحِبها تنفيذٌ لِمَرضاة الله عز وجل وأوامره فهي مِنَّة، وكلّ قوَّة ظاهرة وباطنة صَحِبها بُعْدٌ عن الله عز وجل فَهِي حجَّة، وكلّ مال اقْترَنَ بِطاعة الله تعالى فهو مِنَّة، وكلّ مال أنْفق في معصِية الله عز وجل فهو حجَّة، وكلّ فراغٍ اقْترن بِعملٍ صالح فهو نعمة, وإن اقْترنَ بِعَمل سيِّء فهو فتنة، وكلّ قَبُولٍ من الناس, وتعظيم لهم, ومحبة لهم لك, اتَّصل به خضوع الربّ وذلّ وانْكِسار، ومعرفة بعين النفس والعمل، وبذْل النَّصيحة للخلق فهو مِنَّة، وإلا فهو حجَّة، وكلّ حال مع الله تعالى أو مقامٍ اتَّصل به السَّيْرُ إلى الله فهو مِنَّة, إن صَحِبهُ الوقوف عنده والرِّضا به فهو من لذَّة النَّفس ورعوناتها.
5-أن تميز ما لك وما عليك وأن تعطي كل ذي حق حقه :
أيها الأخوة, هذا ملخص الدرس الماضي, أردْتُ أن أجعله بين أيديكم, كي نبني عليه شيئًا جديدًا، فلا بدّ مِن أن تُمَيِّز ما لك وما عليك، وأن تُعْطِيَ كلّ ذي حقّ حقّه, وكثيرٌ من الناس يجعل كثيراً ممَّا عليه من الحق من قِسْم ما له، لا مِن قِسْم ما عليه، فيتحيَّر بين فِعْلِهِ وترْكِهِ، وإن فعلهُ رأى أنَّه فضْلٌ قام به، لا حق أداء عليه أن يؤديه, فما الذي لك؟ وما الذي عليك؟.
أُناسٌ كثيرون إزاء هذا التقسيم, يظنّ أن ترْك المباحات حق عليه، لا, تَرْكُ المباح ليس حقًّا عليك، ولكن مسْموحٌ لك أن تدَعَهُ، فلو أنَّ الإنسان تعبَّد الله تعالى بِتَرْك النِّكاح، فهل هذه العبادة صحيحة؟ هذه ليْسَت لك كي تنفقها، هذه حقّ لك، فما لك ليس لك أجرٌ إذا صرفْتَهُ عنك، لك أن تتزوّج, ولك أن تغتسل، وأن ترتدي ثيابًا نظيفة، ولك أن تأكل وتنام, فالذي لك لا يمْكنُ أن يكون عليك أن تؤدِّيَهُ, لذلك: إنَّ نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم سألوا عن عبادته في السرّ، فكأنَّهم تقالُّوها.
فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قال:
((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
فالذي لك ليس لك أجر بإنفاقه، فأنت لك أن تتزوّج، فليس لك أجر بترك الزَّواج، وأن تعمل ولكن ليس لك أجر بِتَرْك العمل، ولك أن تنام ولكن ليس لك أجر بِتَرك المنام، فلو أنّ الإنسان الآن أراد أن يُسافر على الأقدام, هل له أجر؟! لأنَّ المشقة في الإسلام ليْسَت مطلوبةً لِذاتها, فحينما تفرض عليك مرحبًا بها، أما أن تطلبها لِذاتها فهذا ليس من الدِّين في شيء. 6-أن تعرف ما القليل وما الكثير؟ :
نقطةٌ في المحاسبة جديدة: الكثير والقليل, قبل كلّ شيء يقول تعالى:
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 77]
وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ سورة البقرة الآية: 269]
ومهما أكثرت من الحكمة فهي تحتاج إلى أكثر من ذلك، أما المال يُعَدُّ قليله كثيرًا وكثيرهُ قليلاً، يُعَدُّ قليله كثيرًا إذا مات الإنسان ذهب ماله, ويُعدُّ قليله كثيرًا إذا أُنْفقَ المال في طاعة الله كان كثيرًا عند الله عز وجل.
هذا ما قاله العلماء :
يقول العلماء: أرباب العزائم والبصائر أشدُّ ما يكونون اسْتِغفارًا عَقِبَ الطاعات لِشُهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بِحلاله كما يليق بِجَلاله وكِبْريائه، وأنَّه لولا الأمر لما أقْبل أحدهم على مِثل هذه العبوديَّة ولا رضِيَها لسَيِّدِه.
يقول الله تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 198]
ما علاقة الاستغفار بِعَرفات؟! فأنت كنتَ في عِبادة، وفي انْقِطاعٍ لله عز وجل، فلِمَ الاسْتِغفار؟! قال العلماء: كلَّما عظُمَ الله عندك, رأيْتَ عِبادتك له لا تليق به، فينبغي أن تستغفر، وقال تعالى:
﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 17]
فهم يقومون الليل ثمّ يستغفرون.
قال: الاستغفار يَجِبُ أن يأتيَ عَقِبَ عبادة دينِيَّة مديدة.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا سلم من الصَّلاة اسْتغفرَ ثلاثًا, ثمَّ قال: ((اللهمّ أنت السلام, ومنك السَّلام, تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام))
وأمرهُ الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرِّسالة، والقيام بها وبأعبائها، وقضاء فرْض الحجّ واقْتراب أجله، فقال في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
عَقِبَ النَّصْر الكبير استغفر، وعَقِب الحجّ اسْتَغْفِر، وكذا عقِبَ الصِّيام استغفر.
كان النبي عليه الصلاة والسلام في خاتمة عباداته يقول:
((سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهمّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهِّرين))
اعلم هذا :
وقال بعض العارفين: متى رضيتَ عن نفسِكَ وعملك, فاعْلَم أنَّه غير راضٍ عنك، ومن عرف أنَّ نفسهُ مأوى كلّ عَيبٍ وشرّ، وعمله عُرضةٌ لِكُلّ آفة ونقْص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟!.
وأحد العلماء يقول: من تحَقَّق بالعُبوديَّة, نظر في أفعاله بِعَين الرِّياء, وأحواله بِعَين الدَّعوة، وأقواله بِعين الافْتِراء، وكلَّما عَظُم المطلوب في قلبك, صَغُرَت نفسُكَ عندك، وتضاءَلَتْ القيمة التي تبذُلها في تحصيلهِ.
قف هنا :
أيها الأخوة، يَجِبُ أن تتّهِم نفسَك، وتعرف ما لك وما عليك، ويَجِب أن تعرف ما القليل وما الكثير، ولا يكْمُل هذا المعنى إلا أن تربأ بِنَفسك عن تعْيير المقصِّرين.
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الذَّنب شؤْم على غير صاحبه, إن ذكرهُ فقد اغتابَهُ، وإن رضِيَ به فقد شاركهُ في الإثم، وإن عيَّرَهُ ابْتُلِيَ به.
فإن كنت مستقيمًا, ولم تقم بِذَنب, وارتكب أخوك ذَنباً، وأنت عيَّرْتَهُ، هنا سَتُبتلى به, وإن ذكرتَهُ فقد اغْتَبتَهُ، وإن أقْررْتَهُ فقد شاركْتهُ في الإثم، لذلك ينبغي أن لا تزدري البطيء، وأن لا تُدِلّ بطاعتك، فلا تحتقرُ من يعصي الله فلعلَّهُ يتوب ويسْبِقُك, وأن لا تمنّ بِعَملك الصالح على الله عز وجل، قال تعالى:
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 17]
قال: ينبغي أن تربأ بِنَفسك عن تعييرِ المقصِّرين، فلعلّ تَعييرك لأخيك بِذَنبهِ أعظمُ إثمًا من ذنبه، وأشدُّ من معصِيتِهِ، لما فيه من صَولة الطاعة, وتزكِيَة النَّفس وشُكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذَّنب، وأنَّ أخاك باء به، ولعلَّك كسرْتهُ بِذَنبِهِ، وما أحْدثت له شيئًا، فلا تزدري البطيء في طريق الإيمان، ولا تذلّ بالمتفوِّق في طريق الإيمان، أعْطِ كُلاً حقَّه.
احذر من ذنب يمقتك الله فيه :
هذا الذي يدلّ بِعَمله على الله, قال: ما أمْقتَهُ عند الله, فذَنبٌ تذلّ به لديه أحبّ من طاعة تُدلّ بها عليه, وإنَّك إن تبيتَ تائبًا ونائمًا وتُصبِحَ نادمًا خير لك من أن تبيتَ قائمًا، وتُصبِحَ معجبًا فإنّ المعْجب لا يصعدُ له عمل, وإنَّك إن تضْحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مذلّ، وأنين المُذنبين أحبّ إلى الله تعالى من زجل المسبِّحين المذِلِّين، ولعلّ الله عز وجل أسقاه بِهذا الذَّنب دواءً استخْرج به داء قاتلاً هو فيك وأنت لا تشعر, فازْدِراء البطيء والإذلال فيه إثم.
نقطة هامة :
أهل البصائر يعرفون منها بِقَدْر ما تناله معارفُ البشر، ووراء ذلك ما لا يطَّلِعُ عليه الكرام الكاتبون.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إذا زنَت أمة أحدكم, فلْيقم عليها الحدّ ولا يثرِّب، من قول يوسف عليه السلام: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم))
الميزان بيَدِ الله، والحكم لله، والسَّوط الذي ضُربَ به هذا العاصي بيَدِ مقلِّب القلوب، والقصْد إقامة الحدّ لا التَّعْيير ولا التثريب، فالإسلام حينما يكون في أوّله قد ينشأ في بيئةٍ غير مطبِّقة له, فإقامة الحدّ شيءٌ عظيم, ينبغي أن يكون واضِحاً في أذهاننا، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 74]
وقال تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
أرأيتم إلى هذا الأدب؟.
وقال بعضهم: لا يأمنُ القدَر وسطْوتَهُ إلا أهل الجهل بالله. قصة :
وأنا في سفري حينما عُدْت، قالوا لي: أتَدري من تُوُفِّي؟ فقلتُ: لا، قال: فلان, شابٌّ في ريعان الشَّباب, عنده محلّ تِجاري كبير، وله دَخْلٌ وفير، ومن روَّاد المسجد، وفيما أعتقد أنَّه صالح، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، وتوفِّي في حادث هو وزوجتهُ وأُمُّه وأولادهُ, فالإنسان لا يعلم إن كان يعيش إلى الستِّين أم أن يأتيه الموت في الثلاثينات, هذا شيءٌ مُخيفٌ جدًّا، ويا ترى: هل هيَّأ نفسه أم لا؟!.
من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 74]
وكان عامّة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مقلّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك.
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))
نهاية المطاف :
أيها الأخوة، هذه نِهاية المنزلة التي بدأناها قبل حين؛ منزلة المُحاسبة, فالأداة الأولى فيها: العِلم، والأداة الثانية: أن تُفرِّق بين النِّعمة والنِّقمة, والأداة الثالثة: أن تعرف ما ينبغي فعْلُهُ وما لا ينبغي فعْلُهُ، وأن تعرف أنَّ طلب العِلْم فرضُ عَينٍ على كلّ مسلمٍ ومسلمة.
وفي درس آخر إن شاء الله, نُتابِع موضوعًا آخر من موضوعات مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و الاربعون )


الموضوع : اليقظة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما معنى اليقظة؟:
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والأربعين من دروس مدارج السالكين, في مراتب إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، والمرتبة اليوم: اليقظة.
اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، إنسان يركب مركبة، مرتاح، اكتشف فجأة أن المِكْبَح معطَّل, ألا ينزعج؟ لكنه اكتشف هذا الاكتشاف, والطريق مستوٍ هكذا ....، والطريق خالية, وبإمكانه أن يقف، فهذا الانزعاج الطارئ، ثم الحركة لنيل السلامة، هذه اليقظة، يقابل هذه اليقظة الغَفلة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2750/01.jpg
أخطر مرض يصيب الإنسان في الدنيا: أن يكون غافلاً عن الله، غافلاً عن نهاية الحياة، غافلاً عن الآخرة, قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
الله عزَّ وجل لا يخلق الغفلة في قلب العبد، ولكن أغفل: معناها وجدناه غافلاً, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
عاشرت القوم فما أجبنتهم؛ أي ما وجدتهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتهم؛ أي ما وجدتهم بُخلاء, قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
أي من وجدناه غافلاً, قال تعالى:
﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
باللغة العربيَّة في قواعد، في حالات شاذَّة، والحالة الشاذَّة دائماً تؤكِّد القاعدة، طبعاً وزن أفْعَلَ يفيد التعدية، ولكن هناك حالات لا يفيد التعدية، من أندر الأفعال فعل كادَ، إذا قلت : كِدُّت أقع؛ أي ما وقعت، وإذا قلت: لم أكد أقع حتى وقفت وقعت، الفعل إذا سبقه نفي فهو مثبت، وإن لم يسبقه نفي فهو منفي، كدت أقع وقعت لم تقع، ولم أكد أقع حتى وقفت, معناها وقعت، فوزن أفْعَلَ يعني الوجدان، أغفلته أي وجدته غافلاً، أبخلته وجدته بخيلاً، أجبنته وجدته جباناً, قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
والآية الكريمة: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 205]
عوام الناس واقعون في غفلة، في المستقبل في موت، في غفلةٍ عن الموت، بعد الموت في برزخ، في غفلةٍ عن البرزخ، بعد البرزخ في يوم قيامة، في غفلة عن هذا اليوم، في صراط، في غفلة عن محاسبة الله له، فجأةً يكتشف الحقيقة المُرَّة بعد فوات الأوان، أما المؤمن يعرف الحقيقة المُرَّة قبل فوات الأوان.
كيف تمت هذه اليقظة عند هذا الشرطي؟:
فاليقظة حال, ومرتبة من مراتب مدارج السالكين, في إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، ولله ما أنفع هذه الروعة، انزعاج القلب أحياناً سبب الصحوة، وسبب اليقظة، وسبب الهداية، وسبب السلامة.
رجل بعيد عن الدين كُلياً، من عامَّة الناس، له صديقٌ ثريٌ جداً, يمضي معه أكثر الأوقات، رجل ثري يبحث عن شهوته، سهرات طرب، وولائم، ونُزهات، وبساتين، وخدم وحشم، ونساء، هكذا حياته، توفِّي هذا الإنسان الثري فجأةً، ودُفِنْ.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2750/02.jpg
هناك شكوى أنه مات مسموماً من بعض زوجاته، فلا بدَّ من أن يؤخَذ عيِّنة من معدته بعد الدفن، وهناك رجل يعمل في سلك الشرطة، كان هو المسؤول عن فتح القبر وأخذ عينة، إنه يصف هذا الإنسان بعد أيَّام عديدة وصف لا يصَدَّق؛ منفوخ، أزرق، كل عضو في جهة، فلمَّا نُقِرَ بطنه, صدر صوت كبير جداً، ثمَّ أُخِذَتْ عيِّنة، هذا قبل أيَّام كان في نعيم، في بيت فخم، يأكل أطيـب الطعام، يركب أجمل العربات, كان يوجد عربات, لأن القصَّة قديمة جداً, خدم وحشم وجوارٍ ونساء، نُزهات وبساتين، بعد يومين أو ثلاثة من دفنه أصبح بهذه الحال, ثم بعد ذلك حصلت مشكلة حول إنزال إنسان في قبر على إنسان، ما الذي مدفون سابقاً مضى على دفنه أربعون عاماً, هذا الذي سمعته، قصَّة أرويها كما سمعتها, يقسِم بالله هذا الإنسان الذي يعمل في الشرطة, أن هذا الإنسان كفنه كأحسن قميص، جلده طري، هذا كان حافظ كتاب الله, وكان إمام أحد المساجد، فهذا الإنسان من الموازنة بين الشخصين، إنسان مدفون من أربعين سنة وكأنه نائم، أقسم بالله أنه وضع يده على خده, فشمَّ رائحة مسك, وبقيت فترة جمعة معه, هكذا أروي القصَّة كما سمعتها, والثاني مضى على دفنه يومان, وصار بشكل مخيف، فصار لهذا الشرطي يقظة، أين أنا أمشي؟ هذا مصير الانحراف, وهذا مصير التقوى والصلاح.
فاليقظة أن تُصْدَم صدمة قاسية، إلى أين أنت ماشٍ؟ وأغلب الظن: أن أكثر المؤمنين بعد أن يصطلحوا مع الله جاؤوا على أثر صدمة.
قصة إسلام هذا الملحد:
في رجل مُلحد حدَّثتكم عنه في أسابيع عدَّة قبل أشهر، في مكتبه أستاذ رياضيات في جامعة في سان فرانسسكو, مُلحد، دخلت عليه فتاة مسلمة محجَّبة حجاباً كاملاً، والفتيات في الصَيف شِبْهُ عَرايا، لفت نظره هذا الحجاب، وهذه الفتاة تحمل دكتوراه بالرياضيات مهذَّبة جداً ، يقول: شعرت أن فيها قوَّةً خفيَّة، وشعرت بدافعٍ شديد إلى خدمتها، وشعرت أن لها قداسةً بحيث لم أجرؤ على أن أُحَدِّقَ في وجهها، ومنذ ذلك اليوم عكف على قراءة كتب الإسلام، وانتهى مسلماً، والآن هو من أكبر دعاة أمريكا إلى الإسلام، منظر هذه الفتاة أحدث صدمة، يقظة، حالات كثيرة جداً.
اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، وما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشدَّ إعانتها على السلوك!.
أليس هذا المنظر يحدث يقظة عند الإنسان؟:
قال لي أحد الأخوان: إنسان ملك، فُتِحَ النعش، حُمِل، وُضِعَ في القبر، اعلم يا عبد الله أن الجنَّة حق والنار حق, أين المُلك؟ أين القصور؟ أين السفر؟ أين الزوجات؟ مثل هذا المنظر يحدث يقظة، صدمة.
قصة تائب:
لي صديق يعمل مدير معمل, ليس صاحب معمل بل مدير معمل, صاحب المعمل رجل في رفاه منقطع النظير، حدَّثني عن بيته، بيت ثمنه قريب من مئة مليون، أجنحة، جناح شرقي وجناح غربي، ديكورات، تزيينات، فرش وثير كله مستورد، يعيش في أناقة مذهلة، قال لي: توفي في أيام الشتاء، وفي سبعة أيَّام مطيرة مطر غزير، قال لي: فُتِحَ القبر فإذا فيه مياه سوداء تجري، بعض المجاري اتصلت بالقبر، ابنه مهندس سُئل: ماذا نفعل؟ قال: ادفنوه، يقول لي مدير المعمل: بقيت أسبوعين لم أقدر أن آكل، معلمي هنا وضعوه!! الذي كان يستورد الغطاء من فرنسا، خاص، ذو وزن خفيف جداً، هناك نوع من الصوف اسمه مُهير غالي الثمن، أناقته، أكله، غرفه، وهنا وضعوه!! سبب توبته رؤية صاحب هذا المعمل مدفون في هذا القبر, قال تعالى:
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 205]
فالله عزَّ وجل كان من الممكن أن يأتي بنا إلى الدنيا دفعةً واحدة، وأن نغادرها دفعةً واحدة، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتيها تباعاً, وأن نغادرها تباعاً, ليتَّعظ بعضنا ببعض.
كلمة ألقيت على قبر:
مرَّة شَيَّعت جنازة، فُتِح القبر، ووُضِعْ الميِّت في القَبر، البلاطة لا تكفي لسدِّ فتحة القبر، بقي هناك فرجة هكذا .....، فجاء الحفَّار وأهال التراب على هذه البلاطة، ونزل فوق الميِّت حوالي خمسة كيلو تراب، وأنا أعرف هذا الميِّت أنه أنيق جداً، نظيف كثيراً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 205]
فألقيت كلمة على القبر, وقلت: العقلُ كل العقلِ، والذكاءُ كل الذكاءِ، والفلاح كل الفلاحِ ، والفوزُ كل الفوزِ، والتفوَّق كل التفوق في الإعداد لهذه اللحظة التي لا بدَّ منها، لكل مخلوق، هذه اللحظة التي لا بدَّ منها لكل مخلوق، إما أن يكون القبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حفر النيران.
طبعاً هذه اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، هذه لها أثر طيب جداً، وإلا فصاحبها في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمّرّ بهمَّته إلى السفر إلى منازله الأولى.
ماذا تفهم من هذه القصة؟:
لي قريب خرج من المدرسة من الصف السادس، فوضعه أبوه في محل تجاري في سوق الحمديَّة، طبعاً عمله خدمة ينظِّف المحل، يأتي بطعام لمعلِّمه، يُكَنِّس، يملأ الإبريق، له بنت عم، هو خرج من السادس وهي أكملت سابع، عندما يلتقي معها, تقول له: أنا صرت في السابع، مرَّة ثانية بالثامن، بالتاسع، وصل إلى درجة بلغ به الألم درجة لا تُحْتَمَل، فجاء لي وقال: أريد أن آخذ كفاءة، قلت له: أنت إلى أين وصلت؟ قال لي: أنا خالص من السادس، قلت له: رأساً كفاءة؟ قال لي: نعم رأساً كفاءة، قال لي: أي شيء تريده أنا أفعله, ولكن أريد أن آخذ كفاءة هذه السنة، أنا في عملي بالتعليم, لم أجد إنساناً طالب صادق في طلب العلم كهذا الطالب ، ومتألِّم من ابنة عمه ومن استعلائها عليه، حطَّمته، هو للكنس، وملء الإبريق، ويحضر الطعام، وكنس المحل، وهي سابع، ثامن، تاسع، درس السابع والثامن والتاسع في سنة واحدة, وأخذ الكفاءة، أخذ البكالوريا, ودخل جامعة، هذا الاستفزاز.
أحياناً الإنسان يرى مشهداً فينسحق، هذا الانسحاق سبب اليقظة، سحق، أين كنت ماشياً؟.
إلى متى أنت باللذَّات مشغولُ وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ
ماذا نسمي هذه الحالة؟:
أول مراتب هذه الحال الطيِّبة: اليقظة, الانتباه من النوم، والانتباه فيه انزعاج، النوم مريح والاستيقاظ صعب، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾
[سورة سبأ الآية: 46]
فالقَوْمَةُ لله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2750/03.jpg
أحياناً الإنسان يكون مستلقٍ في فراشه، فيتذَّكر أنه باق للدوام ثلث ساعة، فينهض سريعاً من الفراش مثل المجانين، يلبس وينطلق لعمله، أرأيت إلى هذه النطَّة؟ النبي قال: ((شمِّروا فإن الأمر جِدْ، وتأهَّبوا فإن السفر قريب، وتزوُّدوا فإن السفر بعيد، وخفِّفوا أثقالكم فإن في الطريق عقبةً كؤود، يا أبا ذر جدِّد السفينة فإن البحر عميق، وأخلص النيَّة فإن الناقد بصير، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد))
فعلى الإنسان أن يشمِّر، أما هكذا على التراخي، لا بدَّ أن يقلع، تلاحظ سيَّارة معطَّلة، تدفعها، تشغِّل فلا تدور، في لحظة يدور المحرِّك، تنطلق وتتركهم، لم يعد يلحق بها, لأن المحرِّك دار.
أحياناً الطائرة في المطار, أنا سافرت كثيراً, تمشي ببطء شديد، فسألت مرَّة فقيل لي: إنها تنتظر أمر الإقلاع، هناك أمر إقلاع من البرج، فإنها تمشي ببطء غير معقول، على الخمسة تمشي وتقف، تمشي وتقف بعد هذا تصل إلى أول المدرج، عندما تأخذ أمراً بالإقلاع يعطيها قوة محرِّك كبيرة جداً، تزداد السرعة، وقد لاحظت السرعة بالإقلاع حوالي مئتين وثمانين.
نحن نريد مؤمناً يقلع، أولاً يستطلع، يسمع درس علم، يمشي ويقف، يقف ويمشي، يغيب درس، يحضر الدرس، يغيب ثلاثة ويحضر واحد، يأتي آخر الدرس، ماشي هو كالطائرة قبل أن تقلع، وبعد هذا لا بدَّ من أن يستلم المَدْرَج, وأن يعطي الطائرة أقصى سرعة كي يُحَلِّق، هذه الحالة اسمها اليقظة. قف هنا:
فأنا لا أذكر الآن القصص، فهناك قصص كثيرة جداً لأخوة كرام حدَّثوني عنها, وهي سبب هدايتهم، أحياناً منظر مخيف، أحياناً مصير إنسان فجأةً، مصير إنسان عاصٍ، مرض مخيف يعمل صحوة، لذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾
[سورة فاطر الآية: 37]
النذير قال العلماء: القرآن، أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو الشَيْب، أو سنُّ الأربعين، أو سِنُّ الستين، أو المصائب نذير، أو موت الأقارب. ما هي أهم مرحلة يقطعها القلب حينما يصحو؟:
أول شيءٍ ينبغي على المريد أن يفعله: أن يستنير قلبه برؤية نور التنبيه، تجد في المطارات ألواناً صفراء فاقعة، اللون الأصفر موجته طويلة جداً، صارخ، إذا كان هناك لوحات تحذيريَّة تجد أن كلها فسفوريَّة، في الطرقات العامة السريعة اللوحات التحذيريَّة كلها فسفوريَّة لها وهج، القلب عندما يصحو فقد قطع أهم مرحلة, وهي اليقظة، استيقظ، من أخطر مرض وهو الغفلة.
الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
قال: الكافر عندما يأتيه مَلَك الموت, ويرى مكانه في النار, يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.
اسمع هذه القصة:
كان في رجل غير ملتزم إطلاقاً، لكن بائع من الطراز الأول، صار معه مرض وهو عمره ثمان وثلاثون سنة، تجد أن السوق كله لا يوجد مشترٍ, وعنده خمسة وعشرون مشترياً في محله التجاري، بائع من الطِراز الأول، وله قريب أعرفه، مرض فزاره، أراد أن يقبِّله من باب الود، فقال له: لا تنزع لي طعمة فمي، كانت عنده مغنيَّة قبل أن يأتيه، أي أنه منحرف انحرافاً شديداً, ثم اكتشف أن معه مرض خبيث في الدم، تأتيه نوبات هيستيرية، يبحت ويضطرب, ويقول: لا أريد أن أموت، أحد شركائه روى لي قصَّته, قال لي: والله حينما فارق الحياة, صرخ صرخةً لا يوجد إنسان في البناء ذو الأربع طوابق لم يسمعها من شدَّة الذعر، فإذا الإنسان تيقَّظ قبل فوات الأوان, يكون من نعم الله الكبرى أنه تيقَّظ قبل فوات الأوان.
هذه مشكلة الإنسان:
المشكلة: أن الإنسان في غفلة، كل ما حوله يدعوه إلى الدنيا، البيت، الطريق، المحلات التجاريَّة، العلاقات، السهرات، الولائم، النُزُهات، إذا دخل إلى المسجد يسمع عن الآخرة ويعرف مصيره، فإذا أنت حرمت نفسك العلم فأنت في غفلة كبيرة، معقول إنسان عمره ثمانون سنة يفكِّر بإنشاء كازينو؟ ثمانون سنة عمره, ومشروعه الأول إنشاء كازينو، ففي أي غفلة هذا!؟ الله قال:
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 205]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾
[سورة الكهف الآية: 57]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2750/04.jpg
لاحظ بعض الناس: في شأن الدنيا يصغي لك عشر ساعات؛ تجارة، مشروع، معمل، تأسيس، سفر، في شأن الآخرة تجد أنه تثاءب رأساً, ويقول لك: لا تؤاخذني عندي موعد، ملاحظ بشؤون الآخرة في ملل، معنى هذا أنت غافل، تجد أنه يحفظ معلومات كثيرة جداً، أما أنه يتذَّكر آية، ولا آية ولا حديث، أحياناً يتربَّى على سيرة عنترة, ولا يعرف شيئاً عن سيرة الصحابة. حكى لي أخ، له درس ديني, فقال لي: والله أنا كنت أتكلَّم عن فساد المجتمع، قال: يا أخوان عمَّ الفساد، والفساد دخل إلى البيوت، قال: تأتي البنت الساعة العاشرة، أين كانت؟ إنه يتساءل، كانت مع الحبيب، الكل صلوا على النبي، هم ليسوا مع الدرس ولا مع المعلومات، اللهمَّ صلِ على الحبيب، أي حبيب هذا؟ قال تعالى:
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 205]
ولا تكن مع الغافلين, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
من أدعية النبي:
منَّ الدعاء النبوي:
((اللهمَّ أنا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك, ماضٍ فيَّ قضاؤك، نافذٌ فيَّ حكمك، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة, من أن تُحِلَّ عليَّ سخطك، أو تنزل بي غضبك))
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ, وَتَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ, وَفُجَاءَةِ نَقْمَتِكَ, وَجَمِيعِ سُخْطِكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
أحياناً تأتي المصيبة فجأةً، فإذا كان الإنسان يقظاً أفضل ما تأتيه وهو غافل . ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ, خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ, وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ, أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ, أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ -أي أعترف- وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ, َمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
نقطة هامة:
أيها الأخوة, لذلك النبي -اللهمَّ صلِ عليه-: أمرنا بالتفكُّر بالموت كثيراً حتى تنشأ حالة اليقظة، الآن في صور، في نساء بالطرقات، في محلات تجاريَّة، في سيَّارات فخمة جداً، في بيوت رائعة، في بساتين، في حدائق, وفي عمل للآخرة، في مساجد، وفي تلاوة قرآن، وفي حفظ قرآن، في طلب عِلم، وفي تعليم العلم، فإذا الإنسان غافل, عاش في الدنيا؛ بمتع الدنيا، بشهواتها، بأموالها، بتجاراتها, أما إذا صحا يعيش في أجواء الدين، أجواء القرآن، أجواء السُنَّة، أجواء البطولات، أجواء العمل الصالح.
فالإنسان في النهاية وعاء له فتحة علويَّة وله صنبور سفلي، الذي تضعه في الفتحة العلويَّة تأخذه من الصنبور، أبداً، فقل لي: من أين تتغذَّى تغذية ثقافيَّة أم تغذية روحيَّة؟ فإذا الإنسان كان يتغذَّى بالمغذِّيات العامَّة, سيكون كل عالمه كرة قدم، فنَّانون وفنَّانات، هذه هي التغذية العامَّة، أما إذا كانت تغذيته إسلامية, ستكون ثقافته كلها ثقافة؛ قرآن، سُنَّة، نبوَّة، كمال، بطولات، أخلاق، بحسب التغذية يفرز الإنسان، يفرز مما تغذّى، أهم شيء أن يكون هناك تغذية صحيحة.
من علامة صحة الاستغفار:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾
[سورة فصلت الآية: 30]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2750/05.jpg
الإنسان عندما يستيقظ عنده ثلاث حالات؛ عنده التوبة، والاستغفار، وعمل الحسنات الماحية، والمصائب المُكفِّرة، أربعة أشياء يستغفر, ويتوب، وقد يعمل عملاً صالحاً مكفِّراً، وقد تأتيه مصيبة مكفِّرة، العمل الصالح يمحو والمصيبة مكفِّرة.
حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ, فَقَالَ: ((مَا لَكِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتِ: الْحُمَّى لا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا, فَقَالَ: لا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
في شيء دقيق، الإنسان أخطأ يستغفر ويتوب، الآن: ربنا عزَّ وجل قد يسوق له مصيبة مكفِّرة أو هو يفعل عملاً صالحاً ماحياً، بالعمل الصالح إن الحسنات يذهبن السيئات، العمل الصالح ماحٍ، والمصيبة مكفِّرة، والتوبة مقبولة، والاستغفار مقبول، أنت بين توبةٍ، واستغفارٍ، وعملٍ صالحٍ، ومصيبةٍ مكفِّرةٍ للذنب الذي سبق.
الاستغفار لا يكون صحيحاً إلا إذا رافقه مفارقة الذنب، وإلا استغفار كاذب، تستغفر وأنت مقيم على الذنب هذا مستحيل، من علامة صحَّة الاستغفار: أن تُقْلِع عن الذنب.
استنتج:
حدَّثني أخ خطيب من خطباء دمشق الكبار, هو من بلد في أوروبا الشرقية, قال لي: ذهبت لبلدي واخترت أكبر جامع في ألبانيا، قال لي: خمسة آلاف عندهم شوق، وعندهم رغبة لسماع الخطبة، والله سمعتها منه, قال لي: كل واحد يحمل معه مسكر, أي زجاجة من المسكر ضمن المسجد، انظر إلى الجهل, ضمن المسجد يسمع الخطيب ويبكي ويشرب، والله من فمه قال لي، ما هذا؟ هل هناك جهل بعد هذا الجهل؟ إنسان في خطبة جمعة، يشرب خمر، ومتأثِّر بكلام الخطيب كثير، فإذا الاستغفار لم يرافقه ترك الذنب, هذا شيء مضحك جداً.
ما أكبر إنجاز يحققه الإنسان في حياته؟:
الإنسان يستغفر ويتوب، وتأتيه مصيبة أحياناً مكفِّرة، ويعمل عملاً صالحاً ماحياً، إذا الأشياء لم تكن صالحةً لقبول توبته في عذاب بالقبر، فقد كنت أقول كلمة، الحديث القدسي: ((وعزَّتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبُّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةًَ في ماله أو ولده, حتَّى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شدَّت عليه سكرات الموت حتَّى يلقاني كيوم ولدته أمُّه))
أحدنا إذا وصل إلى شفير القبر مغفوراً له, يكون حقَّق أكبر إنجاز في حياته، إذا وصل إلى شفير القبر مغفوراً له، لأن عذاب القبر والعياذ بالله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
[سورة غافر الآية: 46]
آل فرعون من ستة آلاف سنة، ستة آلاف سنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ضرب اثنين غدواً وعشياً، هذا عذاب القبر، فإذا اجتهد أحدنا في الحياة الدنيا, ووصل إلى شفير القبر مغفوراً له، مقبولاً عند الله، مقبولةٌ توبته، مغفورٌ ذنبه, فهو من أسعد الناس، لذلك الله عزَّ وجل قال:
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 21]
وإذا لم يكفه عذاب القبر يتابع تطهيره في جهنَّم، وقد يمكث فيها ملايين السنين، في معالجة في الدنيا، وفي البرزخ، وفي النار، نحن بطولتنا العُظمى: أن نصل إلى القبر مقبولين عند الله، العوام لهم كلمة رائعة وهي: الله يجعلها على الإيمان. الغفلة مرض خطير:
مرَّة كنا في حفل افتتاح مسجد في منطقة الصبورة، الذي أنشأ المسجد أنشأه على نفقته الخاصَّة، مسجد فخم جداً، دعا علماء دمشق لافتتاحه، وأُلقيت كلمات جميلة جداً، وصار هناك نوع من السرور، خرجت من المسجد فوجدت في الطرف الثاني من الطريق ملهى فيه كل القذارات، بعد أن انتهى بأسبوع فَطِسَ الذي أنشأه، قلت: كيف يلقى الله عزَّ وجل؟ يلقى الله بأسوأ حال، بين أن تلقى الله بأحسن حال وبين أن تلقى الله بأسوأ حال، فالغفلة خطيرة جداً، الغفلة توصل إلى النار، مرض الغفلة أخطر مرض, يقابها اليقظة والصحوة.
من هو المقصود في هذه الآية؟:
فإذا أرسل الله عزَّ وجل للإنسان مصائب مكفِّرة نعمة، معنى هذا: أنه ضمن العناية المشدَّدة، إذا عمل هو أعمال صالحة ماحية أيضاً نعمة، إذا كان استغفاره صحيحاً، أقلع عن الذنب، صار في استغفار، وتوبة، ومصائب، وأعمال طيِّبة، إذا كل هذا كان عند الله مقبولاً, وصل إلى شفير القبر مغفوراً له, وإلا يُتَابَع تمحيصُه من الذنوب في البرزخ، فإن لم يفِ البرزخ كلُّه تتابَع معالجته في النار، وقد يمكث ملايين السنين، فالله عزَّ وجل يجعلها في الدنيا ، لأن الدنيا أهون من الآخرة. الآيات الكريمة:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾
[سورة هود الآية: 103]
لليَقِظ, أما الغافل لا يخاف. كلمة غريبة جداً:
مرَّة طالب قال لي: أنا لا أخاف من الله، كلمة غريبة جداً، فقلت له: أنت بالذات معك حق، قال: لمَ أنا بالذات معي حق!؟ قلت له: أحياناً الفلاح يأخذ ابنه الصغير الذي عمره سنتان إلى الحصيدة، يضعه في مكان، لو سار إلى جانبه ثعبان, طوله عشرة أمتار لا يخاف، لا إدراك, إذاً: لا خوف، الخوف مربوط بالإدراك، فكل إنسان لا يخاف من الله إدراكه مُعَطَّل، فالآية الكريمة:
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 205]
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾
[سورة هود الآية: 103]
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾
[سورة النازعات الآية: 45]
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾
[سورة ق الآية: 45]
نهاية المطاف:
وإن شاء الله في درسٍ آخر نتابع مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، واليوم موضوع الصحوة أو اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من شدَّة الغفلة، فيها صَعْقَة، فيها شدَّة، وهذه سبب كل خير، لذلك: الله عزَّ وجل يسوق المصائب لإحداث هذه الصحوة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 07:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و الاربعون )


الموضوع : الفكرة - التفكر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.لماذا أعطى الله الإنسان الفكر؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن والأربعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الفكرة؛ أي التفكر.
أول شيء أيها الأخوة: هل تصدق: أن أعقد شيء في الكون على الإطلاق: دماغ الإنسان, فهو عاجز عن فهم نفسه؟ .
يعني أكبر جهاز حاسوب في الأرض لا يرقى إلى واحد بالمليار من طاقات الدماغ البشري، هذا الفكر الذي أودعه الله فينا، هذا الجهاز الاستشاري الذي وضع تحت تصرفنا, لماذا خلقه الله لنا؟ خلقه الله لنا كي نعرفه به, فاستخدمناه لهدف صغير صغير، كأن تشتري حاسوباً لتحليل الدم, يوجد حواسيب تخصصية ثمنها بالملايين، بعشرات الملايين، يمكن أن تشتري حاسوباً لتحليل الدم خمسة وثلاثين مليون, تستخدمه طاولة في البيت, أيفعله عاقل؟ حينما تستخدمه كطاولة تحتقره وتعطل كل ميزاته, أما إذا استخدمته في مخبر تحليل, تأخذ به ملايين مملينة أرباحاً.
المشكلة: أن الله سبحانه وتعالى أعطاك فكراً من أجل أن تعرفه, فإن عرفته أطعته, وإن أطعته, سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة.
هذا ما يتجه إليه الإنسان اليوم :
الآن: الإنسان يستخدم ذكاءه وفكره من أجل كسب المال فقط، أو من أجل تثبيت مركزه في مكان أو آخر، أو من أجل أن يصل إلى أكبر قدر من الدنيا بأقل جهد، لكن الإنسان حينما يستخدم ذكاءه وفكره لغير ما خلق له, يوم القيامة يندم أشد الندم، هل يعقل أن يكون معك شيك بألف مليون دولار, لم تنتبه له, تستخدمه ورقة عادية, جمعت وطرحت عليها, ثم أتلفتها, ثم تكتشف أن هذه الورقة ألف مليون دولار، استخدمتها كورقة مسودة؟ مثل صارخ، ورقة مالية ذات قيمة, قيمتها ألف مليون دولار, أنت استخدمتها كورقة مسودة, كتبت كلمتين ثم مزقتها، ثم اكتشفت بعد حين: أن هذه الورقة كانت ستغنيك إلى نهاية العمر, وتغني كل أفراد أسرتك, هذا الذي يحصل.
هذا الدماغ البشري، هذا الفكر البشري, أنت ممكن أن تصل به إلى أعلى درجة في الدنيا والآخرة, لو أعملته في التفكر في خلق السموات والأرض، لكن ذكاء الناس, وفطنة الناس، وحكمة الناس المادية مصبوبة على الدنيا فقط، ففي إنجاز دنيوي كبير لكن لا يوجد سعادة أبداً, لذلك: منزلة التفكر وردت بشكل واضح في قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 190-191]
لم لم يؤمن هؤلاء العلماء :
قد ينشأ سؤال الآن: هؤلاء العلماء الكبار الذين في مخابرهم, يرون من آيات الله الدالة على عظمته الشيء الذي لا يصدق، يعني نحن ما غصنا في البحار، الآن في سفن أبحاث مصفحة معها أضواء كاشفة, ترى بأم عينك في خليج مريانة الذي يبلغ عمقه اثني عشر ألف متر في المحيط الهادي, ترى أنواع الأسماك والكائنات البحرية والنباتات البحرية، ممكن أن ترتاد الفضاء, والذين وصلوا إلى القمر, ورأوا الأرض كرة من القمر وصوروها، وهؤلاء الذين يرون الكائنات الدقيقة في المخابر الجرثومية، وهؤلاء الذين يرون المجرات العملاقة في التلسكوبات الفلكية، وهؤلاء الذين يكبرون النسج البشرية فإذا منظر النسيج البشري شيء لا يصدق، هؤلاء لِمَ لم يؤمنوا؟ لِمَ لم تخشع قلوبهم لذكر الله؟ لِمَ لا يعرفون الله وهم يقفون وجهاً لوجه أمام آيات باهرات؟ أستطيع أن أقول لكم الجواب الشافي: الإنسان لا يرى إلا حاجته.
ما وراء هذا المثال :
ومرة ضربت مثلاً بسيطاً: إنسان يوجد عنده برميل في المطبخ, وصار في إشكال, والماء سال إلى غرف الضيوف, وأتلف السجاد, ويحتاج إلى جهاز توازن, فخرج من البيت لا يلوي على شيء, يبحث عن هذه الفواشة, هذا لا يرى شيئاً, لو دخل إلى محل تجاري, قال له: يوجد عندي جهاز هاتف جديد, لا يرى شيئاً، لا يرى هاتفاً ولا تحفة ولا قماشاً, يبحث عن هذه الحاجة، فالإنسان عندما يبحث عن حاجةٍ يعد أعمى عن بقية الحاجات، فالذي شهوته هي إلهه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 23]
الذي يبحث عن شهوته، يبحث عن مال وفير، جاه عريض، ذكر كبير، هذا لا يرى الحقائق، هذا شأنه شأن آلة تصوير غالية جداً جداً, ولكن لا يوجد فيها فيلم، قد تلتقط أجمل المناظر, ولكن لعدم وجود فيلم, لا ينطبع عليها شيء، فشأن الذكي، شأن العالم الكبير, عالم الفلك، عالم الطب، عالم الجراثيم، عالم الفيزياء، عالم الكيمياء, عالم البحار، عالم الجيولوجيا، شأن هؤلاء الأشخاص أنهم يعيشون مع حقائق مذهلة, ولكن هذه الحقائق لا تنقلهم إلى الله, لأنهم ما أرادوا أن يعرفوا الله، معنى هذا: من أجل أن نخزن الصور, لا نستفيد من آلة غالية الثمن بلا فيلم، ونستفيد من آلة رخيصة جداً مع فيلم، هذا الفكر البشري أعلى جهاز خلق في هذا الكون، الإنسان أعقد مخلوق وأعقد ما فيه الدماغ، والدماغ طاقاته كبيرة جداً, حتى الآن معظم علماء الطب يجهلون حقيقة الدماغ.
ما الهدف من هذه المقدمة؟ :
هذه المقدمة أردت منها: أن تستخدم فكرك لمعرفة الله, أن تجلس تتفكر في خلق السموات والأرض، أن تجلس تقرأ القرآن متدبراً، أن تنسلخ عن الدنيا لساعة من الساعات وتقول: من أنا؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ وماذا بعد الموت؟ من أين, وإلى أين, ولماذا؟ هذه أسئلة كبيرة جداً، لكن مشكلة الناس أنهم في زحمة الحياة، من عمل إلى عمل، من صفقة إلى صفقة، من سهرة إلى سهرة، من لقاء إلى لقاء، من مشروع إلى مشروع، من نشاط إلى نشاط، يأكل ويشرب وينام ويعمل، ويأكل ويشرب ويعمل إلى أن يأتيه ملك الموت فجأة دون أن يستعد له, هذه هي الطامة الكبرى, قال تعالى:

﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾
[سورة النازعات الآية: 34-39]
أنواع التفكر :
قال بعض العلماء: التفكر تفكران؛ تفكر يتعلق بالعلم والمعرفة, وتفكر يتعلق بالطلب والإرادة، فالذي يتعلق بالعلم والمعرفة هو تفكر, كي تميز بين الحق والباطل، والثابت والمنفي ، والتفكر المتعلق بالطلب والإرادة كي تميز بين النافع والضار.
ما هي الحقيقة؟ :
أيها الأخوة, هناك نظرية المعرفة, ما الحقيقة؟ ما قاله الناس تعريف مضحك، ما قرأته في الصحف, تعريف يحتاج إلى ضحك شديد، ما الحقيقة؟ ما تناقلها الناس، ما استقر عليها المجتمع، لا, الحقيقة هي شيء مقدس جداً، إنك إن أردت الحقيقة وصلت إلى كل شيء, والحقيقة من الحق, والحق الشيء المستقر والثابت والهادف، يعني المعادن تتمدد بالحرارة هذه حقيقة، حقيقة فيزيائية, هذه فوق المكان والزمان, والأهواء والنزوات, والقيل والقال, والأخذ والرد, والمناقشة, والرد والطعن، هذه حقيقة فوق كل شيء, طبعاً أنا أردتها مادية، أما في حقائق كبرى حقيقة وجود الله، تسعون بالمائة من الناس يتجاهلون هذه الحقيقة, يتعامل مع كل من حوله, كأن الله غير موجود، الذي يأكل مالاً حراماً, لا يتعامل مع الله على أنه موجود, وعلى أنه سوف يحاسبه، الذي يعتدي على أعراض الناس ولو بالنظر, لا يتعامل في هذا السلوك مع إله سميع بصير محاسب دقيق, فلذلك: التفكر يجب أن يصل بك إلى الحقيقة، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
ما وراء هذا المثال :
مثل: يوجد في السيارة مصباح أحمر اللون, يتألق عندما يقل مستوى الزيت في المحرك عن الحد الأدنى، هذا المصباح خطير جداً, إذا تألق المصباح, وأنت ما توقفت فجأة, المحرك احترق, وكلف من ثلاثين إلى أربعين ألف، إذا إنسان ظن أن هذه المصابيح الحمراء في السيارة مصابيح تزيينية يكون في جهل عميق، في جهل مخيف, هذا المصباح إذا تألق, معنى ذلك أنت في خطر, يجب أن تقف فوراً وإلا يحترق المحرك, هذه حقيقة, أما إذا توهم أن هذه المصابيح تزيينية, هو جاهل جهلاً كبيراً, وهذا الجهل مدمر, وسيجعل صاحبه يدفع الثمن باهظاً.
الحقائق يجب أن تكون أهدافاً لنا جميعاً، الحقيقة: الله موجود هذه حقيقة، الله واحد هذه حقيقة ثانية، الله كامل حقيقة ثالثة، الدنيا فانية حقيقة رابعة، مخلوق لحياة أبدية حقيقة خامسة، ثمن هذه الحياة التزام بمنهج الله حقيقة سابعة، مما يرفع شأنك في هذه الدار: أن تعمل صالحاً حقيقة ثامنة، فهل عرفت الحقائق الكبرى في الحياة؟ لو عرفت الحقائق الكبرى, كما لو أنك عرفت أن هذا الضوء إذا تألق يجب أن تقف فجأةً، وإن لم تعرف هذه الحقائق, توهمت أن هذا الضوء إذا تألق فهو للتسلية كي يسليك في الطريق, هذا هو الجهل بعينه.
مزارع اشترى لتر سماد, قال له البائع: يجب أن تذيبه في برميل من الماء, ثم ترش النبات بهذا السائل، وهو من شدة حرصه على المحصول الوفير, فصب في البرميل لترين من هذا السائل, استيقظ في الصباح أربع بيوت بلاستيكية زراعة محمية اسودت، يعني مئتين أو ثلاث مئة ألف غلة البيوت ذهبت أدراج الرياح بثانية واحدة في ليلة واحدة، هذا جهل الحقيقة؛ أن لتراً واحداً يذاب في برميل، الإنسان إذا عرف الحقيقة انتفع نفعاً كبيراً .
ما سبب هذه المشكلات التي يعاني منها الإنسان؟ :
الآن كل شيء ترونه أمامكم شراً أساسه الجهل، ما من مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن تعليمات الصانع، مرة اقتنيت مركبة, وما أتيح لي أن أترجم تعليمات الصانع, بعد حين أتيح لي أن أترجم هذه التعليمات، وجدت أن كل متاعبي, وكل النفقات التي لا لزوم لها, وكل المشكلات التي عانيتها, بسبب عدم فهمي, وعدم ترجمتي لتعليمات الصانع مثل حي، وأقول لكم: كل المشكلات التي يعاني منها الإنسان دون استثناء, هي بسبب عدم تطبيق تعليمات الصانع، الصانع هو الله, وتعليماته هي القرآن، وتفسير تعليماته هي السنة، وتطبيق تعليماته هي السنة العملية -السيرة-؛ فإذا قرأت القرآن, وقرأت السنة, وقرأت السيرة, فقد استوعبت تعليمات الصانع, وتفسيرات تعليمات الصانع, وتطبيقات تعليمات الصانع.
ما أخطر شيء في حياتنا؟ :
أخطر شيء في حياتنا أن نعرف الحقيقة، إنك إن عرفتها ربحت ربحاً كبيراً، أنت دخلت مثلاً إلى غرفة, وفيها ألف قطعة صفراء لامعة، مئة قطعة ذهب أربع وعشرين، مئة قطعة ذهب واحد وعشرين، مئة قطعة ذهب ثمانية عشر، مئة قطعة ذهب ستة عشر، مئة قطعة ذهب إحدى عشر، مئة قطعة ذهب ثمانية، مئة قطعة نحاس مغمس مطلي بالذهب، مئة قطعة نحاس ملمع، مئة قطعة معدن أصفر خسيس لا قيمة له، وهذه القطع مختلطة؛ من هو العاقل, ومن هو الذكي, ومن هو الفالح, ومن هو الناجح, ومن هو الذي سيسعد بهذه القطع؟ الذي عنده جهاز, يكشف له قطعة الذهب ذات الأربع والعشرين قيراطاً يجمعها ويخرج، يكون أخذ أثمن ما في هذه الغرفة, نحن بحاجة إلى هذا الجهاز، والجهاز هو تعليمات الصانع افعل ولا تفعل, جئنا إلى الدنيا.
أيام تسمع تاريخ حياة عالم, جاء إلى الدنيا, عرف الحقيقة, فجعل من حياته طاعة، من ماله إنفاقاً، من حواسه انضباطاً, من فهمه معرفةً لله، من تكلمه دعوةً إلى الله، من إنفاق ماله قربى إلى الله، من لقائه بالناس دعوةً إلى الله فسعد بالدنيا والآخرة، وقد يأتي إنسان لا يعرف الحقيقة, يعيش ليأكل، يكسب المال ليتباهى به, يفعل كل الموبقات, وهو يتوهم أنه يفعل ما هو خير له.
إذاً: بالتفكر تعرف الحقيقة، وبالتفكر تمتلك الإرادة.
قصة :
مرة كنا في سهرة, فيها عدة أطباء قلب, قدم حلوى طيبة جداً عليها قشطة, فبعض الأطباء لم يأكل ولا لقمة، سأله أحدهم: لِمَ لم تأكل؟ قال لهذا السائل: أنا أعالج مرضى, شرايين قلوبهم مسدودة بفعل هذا الطعام، فأنا أكرهها كراهةً عقلية لا كراهة ذوقية، طعام طيب, لكن لشدة ما يرى من متاعب يعاني منها الإنسان حينما تسد شرايين قلبه، كره هذه الحلوى لا لأنه لا يحبها؛ ولكن يكرهها كراهةً عقلية, هل ترى التفكر؟ .
التفكر أحياناً يبعدك عن شيء محبب ويدفعك إلى شيء غير محبب، ما الذي ينفع الطالب؟ أن يدرس، ما الذي يسره؟ أن لا يدرس، أن يجلس مع صديقه يقرأ مجلة، يتنزه في الطريق، هذا شيء يسرُّه, فمعلوماته سطحية، أما أن يقبع بغرفة يقرأ عشر ساعات, هذا شيء لا يسره، لو استخدم عقله، استخدم تفكره, قال: أنا حينما أتعب هذه السنوات, أرتاح طوال حياتي، وبالفعل الطالب الذي درس ليس الآن، الآن يوجد ترتيب آخر, قديماً هذه بالثلاثينات والأربعينات، عندما كانت الدراسة مهمة جداً.
اقرأ ما قال هذا الكاتب المصري :
مرة كاتب مصري ألَّف كتاباً, فقال: يا ليت آباءنا كانوا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس, فكنا استغنينا عن التجارة, وذل البيع والشراء, وترويج السلعة بالأقسام والأيمان, فما العيش إلا عيش الموظفين.
هذه قبل ثمانين سنة، كان الموظف يتقاضى راتباً خيالياً، أنا تعينت سنة ست وستين, وكان الراتب ثلاث مئة وخمس وأربعين ليرة, وكانت الليرة الإنكليزي بسبع وعشرين ليرة, قسم ثلاثمئة وخمس وأربعين على سبعة وعشرين واضربها بخمسة آلاف, كان راتبي وقتها اثنين وسبعين ألف، كنت موظفاً, تصور موظفاً الآن راتبه اثنان وسبعون ألفاً ممتاز جداً، فكانت الليرة بسبع وعشرين ليرة سورية، قال هذا الكاتب: وما العيش إلا عيش الموظفين.
ببلد عربي أفتى المفتي هناك: أنه يجوز دفع الزكاة للموظف, لشدة حاجته إلى المال في هذه الأيام.
على كلٍ؛ العبرة: أن الإنسان هناك حقيقة, هي حقيقة تصل إليها عن طريق التفكر, وحقيقة أخرى تعينك على الإرادة.
قف هنا :
يقول هنا: التفكر تفكران: تفكر يتعلق بالعلم والمعرفة, وتفكر يتعلق بالطلب والإرادة، فالتفكر الذي يتعلق بالعلم والمعرفة, تفكر التمييز بين الحق والباطل والثابت والمنفي، والتفكر الذي يتعلق بالإرادة والطلب, هو التفكر الذي يميز بين النافع والضار، فأنت حينما تستخدم الفكر البشري لتعرف الحقيقة, وصلت إلى كل شيء, وحينما تستخدم الفكر البشري لتتعامل مع الحقيقة تعاملاً إيجابياً, إذاً وصلت إلى كل شيء، عندك تفكيران؛ أن تعرف الحقيقة وأن تنتفع بها، وكل علم لا يبنى عليه عمل لا قيمة له، وكل علم لا ينتهي إلى العمل الجهل أولى منه.
مجالات التفكر :
مجالات التفكر: أول مجال مجال التوحيد, استحضار أدلته, شواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته، الألوهية يستحيل ثبوتها لاثنين، وقال الله:
﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
[سورة النحل الآية: 51]
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 22]
فهذا مجال للتفكر، استحضار أدلة التوحيد، استحضار أدلة بطلان الشرك، استحالة إثبات الألوهية لاثنين، استحالة إثبات الربوبية لاثنين، إبطال عبادة اثنين، إنما هو إله واحد، إبطال التوكل على اثنين، العبادة لا تصح إلا لإله واحد, هو إله الحق، ورب الحق, وهو الله الواحد القهار، هذه موضوعات التفكر في التوحيد، يبنى على هذا موضوعات التفكر في البراء والولاء، ما دمت توحد الله, ما دمت تعتقد يقيناً أنه لا موجد بحق إلا الله، الآن ينبغي أن تتبرأ مما سواه، وأن توالي من يواليه, هذا أيضاً موضوع للتفكر الولاء والبراء, قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[ سورة الممتحنة الآية: 4]
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾
[ سورة الزخرف الآية: 26]
إذاً: الحقيقة الأولى: التوحيد يبنى عليها البراء مما سوى الله, والولاء لله ورسوله، وأصحاب رسوله، والتابعين، والأولياء، والعلماء العاملين.
إليكم هذه الحقائق المتعلقة بالتفكر :
قال بعض العلماء: ينتج عن هذا التفكر، التفكر في التوحيد, والتفكر في نتائج التوحيد الولاء والبراء, حقيقة المحو والإثبات.
فالمؤمن بعد التفكر بالتوحيد, يمحو محبة ما سوى الله من قلبه علماً وقصداً وعبادةً، ويثبت في قلبه ألوهية الله سبحانه وتعالى, والمؤمن بعد التفكر, هذا التفكر يؤمن بحقيقة الجمع والفرق, فيفرق بين الإله الحق وبين من دعيت له الألوهية بالباطل، ويجمع تأليهه وعبادته وحبه وخوفه ورجاءه وتوكله واستعانته على إله واحد هو: الله لا إله إلا هو.
وحقيقة التجريد والتفريد، فيتجرد من عبادة ما سوى الله, ويفرده وحده بالعبادة، والتجريد هو النفي، والتفريد هو الإثبات، يعني يجرد ينفي كل عبادة لغير الله، ويوحد ويثبت العبادة لله وحده, فالولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والتجريد، والتفرد والتوحيد هو النافع المثمر والمنجي الذي به تنال سعادة الدنيا.
يعني هذا الدرس معناه: يجب أن نفكر، يجب أن نجلس لنفكر، يجب أن نفكر لا في كسب رزقنا, ولا في حل مشكلاتنا, ولا في صعودنا إلى مراتب عليا، يجب أن نفكر بالحقيقة، وأن نفكر كيف ننتفع بالحقيقة؟ يجب أن نفكر في موضوع التوحيد, وما أدلة التوحيد، وما أدلة نفي الشرك, إذا فكرنا بالتوحيد:
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
صار معنا الولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والتجريد، والتفرد والتوحيد، هذه بعد الحقائق المتعلقة بالتفكر.
هذه قصة إسلام الصحابي الجليل نعيم بن مسعود :
أيها الأخوة, الإنسان أحياناً أو في أغلب الأحيان يصل إلى أعلى درجات السعادة بلحظة تفكر صادقة.
أروي لكم قصة سيدنا نُعيم بن مسعود: هذا رجل كان في الجاهلية خليل متعة وشراب، غارق في الشراب؛ أي شراب الخمر, وغارق في متعة النساء, وهو من غضفان, رجل زير نساء, يشرب الخمر من الطراز الأول، فلما بلغته دعوة النبي عليه الصلاة والسلام, شعر أن هذه الدعوة تحد من شهواته, وتحرمه من ملذاته, فحاربها أشد المحاربة، فلما كانت معركة الخندق, لأنه أحد وجهاء غضفان, وغضفان توجهت لمحاربة النبي العدنان, لا يستطيع إلا أن يخرج، فخرج مع قبيلته ليحارب النبي, وطبعاً: غضفان نصبت الخيام حول المدينة في معركة الخندق, يروي قصته بشكل مؤثر. قال:
في أحد الليالي، ليالي الحصار, كنت مستلقياً في خيمتي, بدأت أفكر, يقول: يا نعيم لماذا جئت لمحاربة هذا الرجل الصالح؟ هل تحاربه لأنه سفك دماً حراماً؟ هل تحاربه لأنه اغتصب مالاً حلالاً؟ هل تحاربه لأنه فعل ما فعل؟ ما فعل شيئاً, أيعقل يا نعيم: أن تحارب رجلاً صالحاً؟ يا نعيم أين عقلك؟ أين ذكاؤك؟ هؤلاء الذين حول النبي ماذا فعلوا؟ آمنوا به وصدقوه, واتبعوا النور الذي أنزل معه, كيف تحاربهم؟ أيليق بك أن تحاربهم؟.
-رجل مستلقٍ في الفراش, أو على أرض الخيمة, وهو يستعد لمحاربة النبي، يجري مع نفسه حواراً ذاتياً، مناقشة رائعة جداً-, هذه المناقشة حملته على أن يقف ويتسلل إلى معسكر المسلمين، ويدخل على النبي صلى الله عليه وسلم, ويقول له: يا رسول الله، قال له النبي: نعيم بن مسعود، قال: نعم يا رسول الله، قال له: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت مسلماً، جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
-قصة مؤثرة, إنسان في معسكر العدو, أحد وجهاء غضفان, جاء ليقاتل النبي العدنان, بلحظة حوار ذاتي، لحظة تفكر, هذا محور الدرس، أيام إنسان بحكم تسميها تقاليد, عادات، نمط الحياة, استمرارية الحياة، يؤذي ولا يشعر-.
قال: نعم يا رسول الله، قال له: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت مسلماً، جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ائمرني يا رسول الله بما تريد، قال له: أنت واحد -لأن في الخندق قال تعالى:
﴿جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 10]
أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته-.
قال له النبي الكريم: يا نعيم خذل عنا ما استطعت، أنت واحد فينا, -هل تصدقون: شيء لا يصدق: أن هذه المعركة، معركة نكون أو لا نكون، معركة استئصال المسلمين، معركة إبادة المسلمين, معركة إنهاء الإسلام، معركة إطفاء نور الله, هل تصدقون: أن النصر الذي تم في معركة الخندق كان بسبب إسلام نعيم بن مسعود رضي الله عنه؟-.
قال له النبي الكريم: يا نعيم خذل عنا ما استطعت, وهو أسلم سراً, ولم يعلم بإسلامه أحد، ذهب إلى اليهود وقال لهم: أنتم تقطنون حول النبي, هؤلاء قريش وغضفان جاؤوا ليحاربوا النبي, فإذا انتصروا عليه انتصروا عليه, وإن لم ينتصروا عليه عادوا إلى بلادهم وأولادهم ونسائهم, وانفرد بكم النبي, فقتلكم عن آخركم, فلا تقبلوا أن تحاربوا معهم, حتى تأخذوا منهم رهائن, لئلا يدعوكم لمحمد، ذهب إلى قريش, وقال: هؤلاء اليهود كانوا على عهد مع النبي عليه الصلاة والسلام, فلما نقضوا عهدهم ندموا, فاسترضوا محمداً على أن يأخذوا منكم رهائن, ليضرب أعناقهم, فإياكم أن تعطوهم الرهائن.
-شخص واحد عمل بلبلة بين معسكر الشرك-, أصبت يا نعيم, ذهب اليهود ليأخذوا الرهائن من قريش, فقالوا: كذبوا والله لا نعطيهم الرهائن، فصار في شرخ بين معسكر المشركين، صار في عداوة, الذي حصل: أن الله أعان على هذا النصر, ساق رياحاً اقتلعت خيامهم, وأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، وملأت عيونهم غباراً، وولوا مدبرين, وكفى الله المؤمنين شر القتال.
كلما نقول: نعيم بن مسعود, نقول: رضي الله عنه، رجل مشرك, زير نساء، خدين شراب، وهو مستلقٍ على فراشه, حاور نفسه, وناقش نفسه, وسأل نفسه: أيليق بك يا نعيم, وقد أوتيت عقلاً, أن تحارب رجلاً صالحاً؟ ما الذي جاء بك إلى هنا يا نعيم؟ حاور نفسه وصل إلى قناعة, والقناعة إلى قرار، والقرار نفذه وأجرى الله على يديه هذا النصر المؤزر.
معنى ذلك: لحظة تفكر صادقة مع الذات, تنقلك من الجحيم إلى النعيم، ومن الضياع إلى الوجدان، ومن الشقاء إلى السعادة. ما سبب توبة هذا الشخص؟ :
يا أيها الأخوة, قد لا يحضرني الآن كل القصص, لكن أذكر: أن عشرات الأخوة الكرام سبب إيمانه لحظة تفكر، يوجد إنسان يعمل بعمل, وهذا العمل غير مشروع, يستخدمه لجمع أموال طائلة، ومبني على ظلم, أول ولد جاءه معتوه، والثاني معتوه، والثالث معتوه، والرابع انتبه, استقال من هذا العمل, وعمل عملاً شريفاً, ونال به سلامة الدنيا وسعادة الآخرة ، ممكن إنسان يبني عمله على إيذاء الناس، يبني عمله على الغش والاحتيال، يبني عمله على ابتزاز أموال الناس، لحظة تفكر حاسمة، لحظة تفكر صادقة، لحظة تفكر عميقة، خصص وقت للتفكر, أين تمشي؟. احذر أن تكون نهايتك مثل هذا الرجل :
ذكرت البارحة قصة رجل: راكب سيارته, وصل إلى إشارة حمراء, عند محطة الحجاز, انكفأ على المقود, وقد أصيب بأزمة قلبية, من غرائب الصدف: أن زوجته إلى جانبه صرخت, فلما صرخت, ومن غرائب الصدف أيضاً: صديقه وراءه نزل, وحمله, وأخذه إلى المستشفى، طبعاً لما استعاد وعيه قليلاً, طلب مسجلة, واعترف بكل الأموال التي اغتصبها، محلات بيوت، وكلها من حق أخوته, اعترف بالتسجيل: أن هذا المحل لأخي الفلاني، وهذه الأرض لأختي الفلانية، بعد يومين أخذ مميع دم, فوجد صحته لا شيء فيها, أخذ الشريط وكسره, وعاد إلى ما كان عليه, جاءته نوبة بعد ثمانية أشهر, وكانت القاضية، وكانت النوبة الأولى إنذاراً مبكراً من الله.
نصيحة :
فيا أيها الأخوة, فكروا، لا تمشِ غلط، لا تمشِ بحكم العادات والتقاليد، معظم الناس لِمَ تفعل هكذا؟ يقول: رأيت الناس يفعلون ففعلت، لماذا ركبت صحناً؟ الكل ركبوا وأنا ما ركبت، لا تكونوا إمعة، من هو الإمعة؟ .
يقول: أنا مع الناس, إن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أسأت.
لماذا ترتدي زوجتك هذه الثياب؟ هكذا الموضة يا أخي, ماذا نفعل؟ لا نقدر عليها.
هذا حال المسلمين، فكر واتخذ قراراً ولو كان القرار صعباً، إذا يوجد عندك عمل مطعم, مصنف خمس نجوم, يجب أن تبيع فيه الخمر.
قال لي أحد شركاء مطعم: برقبة شريكي, وأنا ليس لي علاقة إن شاء الله, برقبة شريكي, أنا علي أن آخذ ربحي آخر السنة، لا سوف تحاسب, مددت يدك إلى الربح, معنى هذا: أنك شريك في بيع الخمر.
فكر, لا تمشِ بحكم العادة، هكذا نشأنا، وهكذا ربينا، التقاليد والعادات، هكذا الناس يا أخي، اسمع القرآن الكريم:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 116]
نهاية المطاف :
فدرسنا اليوم: التفكر, فكر، والإنسان يكون ماشياً وحده, يجب أن يفكر، راكباً مركبة يجب أن يفكر، سافر, ما دمت وحدك في حوار ذاتي مستمر، اجعل هذا الحوار هادفاً، أين كنت؟ ماذا بعد الموت؟ من أين, وإلى أين, ولماذا؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ ما المهمة التي ينبغي أن أقوم بها؟ ما الرسالة التي ينبغي أن أبلغها؟ ما العمل الذي ينبغي أن أفعله؟ لماذا تزوجت؟ لماذا اخترت هذه الحرفة؟ لا تكن إنساناً يتحرك بحكم الحركة الطبيعية، أنت لك رسالة هل عرفتها؟ أنت مخلوق أول مكرم هل قدرت ذلك؟ أنت أمامك هدف كبير, الوسائل لهذا السبب واضحة, هل سلكت هذا الطريق؟.
أيها الأخوة, أختم هذا الدرس بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 190-191]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و الاربعون )


الموضوع : البصيرة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الفرق بين البصر والبصيرة؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع والأربعين من دروس مدارج السالكين، في منازل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
ومنزلة اليوم: البصيرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/01.jpg
هناك بصر وهناك بصيرة؛ البصر يريك ظاهر الأشياء، والبصيرة تريك حقائق الأشياء، فالمؤمن يملكُ بصيرةً، وأي إنسان يملكُ بصراً، فالمؤمن يرى الحقيقة، أي لو أنك دخلت إلى محل تجاري, في أشهر أسواق المدينة, وفيه بيع وشراء للنساء، ولم يكن هذا المحل منضبطاً بضوابط الشريعة، فيه تفلت وأشياء لا ترضي الله، وذهبت إلى محل آخر، مثل محل فيه تصليح مركبات، المعاملة فيه طيبة ونظيفة بالنسبة للعين، المحل الأول على شبكية العين أجمل، أكثر أناقة, وأكثر جمالاً، وأكثر روعة، وأكثر نعومة، والمحل الثاني أخشن، لكن في الحقيقة: المحل الأول طريق إلى النار، المحل الثاني فيه صدق وأمانة، أما المنظر لا يرضي العين, بحسب البصيرة: العمل النظيف الصادق المخلص الأمين هذا طريق إلى الجنة.
إنسان يملك معمل مواد بناء وملهى، على الشبكية أيهما أجمل؟ الملهى, تزيينات, وديكورات، ولوحات فنية، وأرض وفرش، أما المعمل الثاني العمل مشروع، بإنشاء البيوت، وفيه صدق وأمانة واستقامة، فليس كل ما تسر به العين يكون خيِّراً، وليس كل شيء يخدش العين يكون شراً، طبعاً مثل صارخ.
القلب له بصيرة، والعين فيها بصر، فالإنسان الشارد عن الله يعيش في ظواهر الأشياء ، يعيش في سطوحها الخارجية.
مثل آخر: أب توفي وترك ثروة ضخمة، أحد أولاده الخبثاء استولى على الثروة كلها ، وأنشأ بيتاً فخماً جداً، واسعاً، مُزَيَناً، فرشه بأرقى الأثاث، وجعل فيه أجنحة، على الشبكية البيت جميل جداً، أما بنور البصيرة فهذا فيه اغتصاب، فيه عدوان، ترك أخوته جميعاً بلا مأوى، وبلا دخل، جعلهم يتضورون جوعاً، هو تنعم وحده بهذا البيت الفخم، وحرم أخوته، فالبيت من حيث الشكل، والموقع والتزيينات، والأثاث مريح جداً، لكن من حيث أن صاحبه أكل المال الحرام، وحرم أخوته، وكان سبب شقائهم، هذا البيت بعين البصيرة قطعة من النار. من الخطورة بمكان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/02.jpg
مرة دخلت إلى مزرعة، علمت أن صاحبها دخله ليس حلالاً، شعرت كأن هذه الأشجار تشتعل بالنار، فالبطولة: أن يكون دخلك حلالاً، وأن تكون مطيعاً لله، وأن يكون مصيرك إلى الجنة، وأن تستحق وعد الله عز وجل، أخطر شيء هو أن يتأثر الإنسان بظواهر الأشياء، الله عز وجل قال:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الروم الآية: 7]
لو طالب شرد من المدرسة، وذهب إلى الملاهي والحانات ودور السينما، وصحب رفقاء السوء، بحسب العين هو يستمتع بالطعام والشراب والنوم والضحك، أما هذا الطالب النظامي، الذي يلتزم بالدوام، ويقعد على مقعد الدرس، ويدرس، ويؤدي الواجبات، ويسهر إلى ساعة متأخرة جداً من الليل، هذا سيصبح إنساناً محترماً جداً في المجتمع، فدائماً العين تغش، إياك أن تعتمد على البصر, بل اعتمد على البصيرة، والإنسان كلما هبط مستواه اعتمد على البصر، وكلما علا مستواه يعتمد على البصيرة، لذلك: أخطر شيء في تربية الأولاد: هو أن الطفل يعتمد على الصورة، فإذا أريته إنساناً له زي ديني في حالة لا ترضي يكره الدين، وإذا أريته إنساناً منحرفاً في دينه لكن في حالة ترضي يحب التفلت، لذلك أخطر شيء: حينما تربي الطفل من خلال الصورة، وهذه فرية جاءتنا من الغرب، وهي أن لا تلقي عليه كلاماً أعرض عليه صورة، فالصورة مرَّغِبَة، تجعلك تعيش في ظواهر الأشياء لا بحقائقها. هذه مرتبة البصيرة في الإسلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/03.jpg
أيها الأخوة, البصيرة مرتبة في الإسلام عالية جداً، تعيش مع الحقيقة، تعيش مع بواطن الأمور، تعيش مع مؤدى الأمر، لو أن إنساناً يسرق، ويدخل البيوت، ويجمع الأموال، ويسهر في الحانات, لكن مصير هذا الإنسان إلى الخزي والعار والسجن، إذاً لا تغتر بتفلته، و انغماسه في الملذات، ولعبه بالأموال، يجب أن ترى مصيره، والإنسان المؤمن يبحث دائماً عن العاقبة.
والله عز وجل قال:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 83]
تعريف البصيرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/04.jpg
قال: إذا صحَّت فكرة الإنسان قادته إلى البصيرة، والبصيرة في التعريف الدقيق: نور في القلب، يبصر به الوعد والوعيد، والجنة والنار، وما أعَدَّ الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم، مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف، واجتمعـت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش، وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، ونزل الناس إليه، وقسمت الأنوار دون ظلمة العبور، والنار يحطم بعضها بعضاً تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين، انظر إلى المستقبل إلى المصير، فالمؤمن ببصيرته كل تصرف يفعله يتصور وقد وقف بين يدي الله عز وجل، ليجيب عن سؤاله، الكافر يعيش لحظته بعينه، المؤمن يعيش المصير ببصيرته، شيء دقيق جداً، الدنيا محسوسة، الآخرة خبر آيات القرآن، أمامك امرأة، أمامك مركبة، أمامك بيت، أمامك طعام نفيس، الدنيا بشهواتها محسوسة، أما الآخرة أخبرك الله عنها فقط، لا ترى منها شيئاً، فإذا الإنسان بنور البصيرة, يرى المصير، يرى العاقبة، لذلك الشيء الذي يرقى بالإنسان عند الله أنه لا يتعامل مع بصره بل مع بصيرته ، الشارد عن الله يعيش لحظته، يعيش وقته، أينما وجد مغنماً اقتنصه، أينما وجد شهوة مارسها ، أينما وجد متعة مارسها، وينسى ما وراء ذلك، وهذا هو مرض العصر، الناس يعيشون لحظتهم، يعيشون وقتهم، ولا يفكرون بالمصير، هل هناك إنسان يستطيع أن يتفلت من الموت ؟ ماذا بعد الموت؟ ترى الإنسان منهمكاً في الدنيا إلى قمة رأسه، يشيد بيتاً فخماً، المسبح، الحديقة، الأبهاء، حسناً: هل تستطيع أن تبقى في هذا البيت إلى أبد الآبدين؟ لا بد من مغادرته إلى القبر، ماذا في القبر؟.
أكثر شيء في هذا الدرس أحب أن أعلق عليه الأهمية: تحرك لا وفق البصر بل وفق البصيرة، لا وفق ظواهر الأشياء بل وفق بواطنها.
البصيرة كما قلت قبل قليل: نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي العين.
مثلاً: رجل عرض عليك عملاً في الدنيا, فيه مخالفة للنظام، الواعي والعاقل والعميق يرى أنه فعل هذا العمل، ثم ضبطت هذه المخالفة، ثم اقتيد إلى السجن، ومكث فيه عشر سنوات، فلا يقبل هذا العمل، رفضه ببصيرته، قد يكون فيه إغراء كبير وربح فاحش، هو يرى المصير، فالإنسان إن أراد إنفاذ أمرٍ عليه أن يتدبر عاقبته. درجات البصيرة :
1-البصيرة في الأسماء :
العلماء قالوا: البصيرة على ثلاث درجات، من استكملها فقد استكمل البصيرة؛ بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/05.jpg
البصيرة في الأسماء: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فقلبك يشهد أن الله سبحانه وتعالى مستوياً على عرشه، متكلماً بأمره ونهيه ، بصيراً بحركات العالمين، علويه وسفليه، وأشخاصه وذواته، سميعاً لأصواتهم، رقيباً على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحته بتدبيره، نازلٌ من عنده وصاعدٌ إليه، وأملاكه بين يديه، تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الجلال، منزهاً عن العيوب والنقائص والمثال، فهو كما وصف نفسه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقه, حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، هذه رؤية القلب، المؤمن الصادق بنور البصيرة الذي يقذفه الله في قلبه يرى أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، يراه مستوياً على عرشه، بيده مقاليد السموات والأرض، إليه يرجع الأمر كله، يده فوق أيدي خلقه، أمره نافذ في خلقه، خلق كل شيء فقدره تقديراً، هذه رؤية لا تقدر بثمن، هذه الرؤية تجعلك تسمو، تجعلك تبقى على منهج الله المستقيم، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وجلَّت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهاً ومثلاً، تعالت ذاته أن تشبه شيئاً من الذوات أصلاً، وسعت الخليقة أفعاله عدلاً وحكمة ورحمة، وإحساناً وفضلاً، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، وآخِرٌ ليس بعده شيء، ظاهرٌ ليس فوقه شيء، باطن ليس دونه شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، لهذا كانت حُسْناً، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، أفعاله كلها حكمة ورحمة، ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، مرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه.
هذا الفرق بين المؤمن والإنسان الشارد عن الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/06.jpg
كمثل أخ كريم يرتاد المساجد، يصلي, يدعو, ويصوم، يحج بيت الله الحرام، ينفق ماله، يطلب العلم، يدعو إلى الله، يصلي الليل، يذكر الله كثيراً، ينفق ماله، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، مع عمر مديد، في هذا الجهاد العظيم، تكون له هذه الرؤية، يوجد بقلبه نور ، إنسان متميز.
من باب المفارقات: وازن بين قطعة من اللحم المتفسخ، أحياناً لها رائحة لا تستطيع أن تحتملها ولا دقيقة، تكاد تخرج من جلدك حينما تشم رائحتها، وقطعة من اللحم الطازج المشوي وأنت جائع، هذه قطعة لحم، وهذه قطعة لحم، وشتان بين القطعتين، وهذا إنسان شارد ، تائه، أعمى، أحمق، أرعن، قذر، منحط، دنيء، وصولي، خائن، وهذا مؤمن، صادق، أمين ، وفي، محب، عفيف، يرى حقائق الأشياء.

زيادة العمر في طاعة الله ماذا تورث؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/07.jpg
العمر المديد في طاعة الله يورث هذه الرؤية، نتابع هذه الرؤية، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق الأرض والسموات وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدىً عاطلاً، كم من الناس يعتقد أن هذه الحياة لا يوجد غيرها ؟ هنالك أقوياء يملكون كل شيء، وهنالك ضعفاء يسحقون كل يوم، ويوجد أغنياء يكادون يموتون من التخمة، ويوجد فقراء يكادون يموتون من الجوع، ويوجد إنسان أوتي من حظوظ الدنيا الشيء الكثير، وإنسان حرم الدنيا كلها، هذا الذي يعتقد أن تنتهي الحياة هكذا، ولا شيء بعد الموت، هذا عبث، هذا العبث لا يليق بكمال الله ولا بجلاله، يقول تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
أي هل من المعقول أن المستقيم كالمنحرف؟ المحسن كالمسيء؟ الصادق كالكاذب؟ هل يستويان عند الله؟ هذا يتناقض مع وجود الله. هذا ما يتميز به المؤمن :
فالمؤمن صاحب رؤيا، يرى المصير، أقرب تقدير: مؤمن يرى شاباً مستقيماً، لا يملك شيئاً، لا درهم ولا دينار، ولا بيت، ولا حرفة، ولا دخل، يقول بنور البصيرة: هذا الشاب المعدم الذي ليس أمامه شيء، سوف يوفقه الله عز وجل، سوف يوفقه في الدنيا والآخرة، وقد يرى إنساناً مرابياً خبيثاً منحرفاً زانياً، يقول: هذا سوف يدمر، بالعين المرابي قوي غني، يملك يتصرف، والشاب المؤمن ضعيف فقير، بعين البصيرة العاقبة لهذا الشاب، وبعين البصيرة الهلاك ينتظر هذا المنحرف، بعين البصر هذا يمشي في طريق مسدود، وهذا يمشي في طريق كله ورود، لذلك لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدىً عاطلاً، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرف إلى عباده بأنواع التعريفات، وفرق لهم الآيات، ونوع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 156]
وتفاوت الناس بهذه البصيرة، بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها. ما أثمن شيء في الإيمان؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/08.jpg
أيها الأخوة, هذا أثمن شيء بالإيمان، أن يرى قلبك هذه الرؤيا، أن يقذف الله في قلبك نوراً, ترى به حقيقة الذات الإلهية، تراها معك، قال تعالى:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
تراها مالكة، متصرفة، إليها يرجع الأمر كله، علاقتك مع الله، حياة المؤمن وأسباب سعادته علاقته مع الله، مستحيل أن يجتمع الحزن مع الإيمان بالله، الله موجود، سميع، غني، قوي، مجيب، محب، لم الحزن؟ لم الخوف؟ لم القلق؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/09.jpg
فمن كان في قلبه هذه البصيرة, عاش حياة سعيدة، واثقاً بالله، واثقاً بنصر الله، واثقاً برحمة الله، واثقاً بتوفيق الله، واثقاً بعدالة الله، همه أن يطبق أمر الله، همه أن يكون على منهج الله المستقيم، وصراته القويم، هذا همه. لو كان الإنسان شارداً الحياة موحشة، كما قلت قبل قليل:
يوجد قوي، ويوجد ضعيف، هو ضائع بينهما، إن انحاز إلى هؤلاء خسر هؤلاء، وإن انحاز إلى هؤلاء خسر هؤلاء، قال تعالى:
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾
[سورة النساء الآية: 143]
حياة الشرود عن الله حياة موحشة مخيفة. ما هي محصلة التفكر القويم؟ :
فمحصلة التفكر القويم البصيرة، فالبصيرة نور يقذفه الله في قلبك، يريك به حقائق الأشياء، يريك به حقيقة الذات الإلهية، والدليل قوي جداً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾
[سورة الحديد الآية: 28]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
[سورة الأنفال الآية: 29]
قضية بين الناس :
أخواننا الكرام, قضية رؤية، القضية بين الناس قضية رؤية، هل آتيكم بمثل صارخ؟:
سيدنا يوسف، امرأة زوجة ملك، طبعاً الملوك يختارون أجمل النساء، زوجة ملك، امرأة العزيز، دعته وهي سيدته، وهو بعيد عن أهله، شاب في ريعان الشباب، غير متزوج، غريب، تلقى أمراً منها، ليس من صالحها أن يعلم بأمرها أحد، ماذا رأى؟ رأى أن هذا العمل يبعده عن الله، رأى أن هذا العمل يجعله في أسفل السافلين، فقال:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية: 23]
هذا الذي يتربع على أعلى منصب في العالم الآن، وقع في المطب نفسه، ماذا فعل؟ سقط، فصار مضغة الأفواه، أنا ما سمعت عن إنسان بلغ من الذل والإهانة من قبل شعبه ما بلغ هذا الإنسان، بسبب انحرافه، الشهوة نفسها، ماذا رأى؟ رآها مغنماً، وماذا رأى يوسف؟ رآها مغرماً، هذه هي البطولة، كإنسان يأكل مالاً حراماً ويتوهم أنه ذكي، كسب باحتيال شديد ثم يكشف أمره، ويودع في السجن، وتصدر في حقه مذكرة توقيف، ويفضح أمره, ويسقط من عين الناس جميعاً، كل بطولتك أن تملك البصيرة، كل بطولتك أن ترى الأشياء بحقيقتها، بنتائجها، بعواقبها، بنهاياتها لا ببداياتها، اللهم ألهمنا هذه البصيرة. 2-بصيرة في الأمر والنهي :
والمرتبة الثانية في البصيرة: مرتبة في الأمر والنهي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/10.jpg
فهذا المؤمن الذي ألقي في قلبه نور، فرأى به الحق حقاً والباطل باطلاً، لا يتأثر لا بتقاليد ولا بعادات ولا بأهواء، الناس الآن عباد لأحدث الأزياء، امرأة مسلمة ترتدي ثياباً فاضحة، حجتها أنها هكذا رأت في كتب الأزياء، حسناً أين دينكِ؟ أين مرضاة ربكِ؟ أين سعيكِ إلى الجنة؟ أين التزامكِ بالإسلام؟ لا ترى, فالمؤمن يرى أن طاعة الله هي أثمن شيء، أما غير المؤمن يرى صرعات الأزياء، يرى العادات والتقاليد السائدة، غير المؤمن إمعة, يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، وكل إنسان يقول لك: هكذا الناس، هكذا نشأنا، هكذا جميع الناس، كلهم على خطأ, هذا أعمى البصيرة، قال تعالى:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة الحج الآية: 46]
فليس في حياة المؤمن تقليد أو هوى ولا شبهة, تحول بينه وبين طاعة الله، ولا شهوة تمنع تنفيذ أمر الله، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص، هذه بصيرة الأمر والنهي، الأمر والنهي فوق كل شيء.
أكثر كلام يقال: ماذا نفعل نحن مضطرون؟ طيب أين المجاهدة؟ أين مجاهدة النفس والهوى؟ لأتفه سبب يقول لك مضطرين، ليست هذه هي الضرورة، الضرورة التي ذكرها الفقهاء: أن تخشى الهلاك أنت وأهلك ومن تعول, جوعاً وعرياً وتشرداً، هذه الضرورات التي تبيح المحظورات، أما لأتفه سبب تأكل المال الحرام؟ لأتفه سبب تداهن على حساب دينك؟ لأتفه سبب تنافق؟. 3-البصيرة في الوعد والوعيد :
المرتبة الثالثة في البصيرة: البصيرة في الوعد والوعيد.
الناس كلهم تقريباً متساوون، كل الناس لهم بيوت، لهم غرف نوم، غرف ضيوف، مطابخ، يأكلون ويشربون، صباحاً وظهراً ومساءاً، ويسهرون على هذه البرامج، ويلتقون، ويختلطون، ويملأ بعضهم عينه من محاسن النساء، والمؤمن بينهم ليس له أي ميزة، واحد من مجموع، لكن حينما يقوم الناس لرب العالمين يقال لهم: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/11.jpg

﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾
[سورة يس الآية: 59]
قفوا هنا على اليسار، أصبح هناك فرزاً، الآن لا يوجد فرز، كالصف أثناء العام الدراسي، كل الطلاب سواء، متساوون كلهم, يرتدي ثياباً موحدة، يأتي الساعة الثامنة ويذهب الساعة الواحدة، ست حصص، الحصة خمسون دقيقة، والفرصة عشر دقائق، الأستاذ موحد، لكن عند الامتحان يفرز الطلاب، ناجحون وراسبون، متفوقون وناجحون وراسبون، متى كان الفرز؟ عند الامتحان.
فالمؤمن الصادق يرى مصائب الناس، يرى المرابي لا بد من أن يهلك، يرى الزاني لا بد من أن يهلك، يرى الذي يأكل المال الحرام لا بد من أن يهلك، يرى الذي يعتدي على حقوق الناس لا بد من أن ينتقم الله منه، يرى الذي ينحرف لا بد من أن يدفع الثمن باهظاً، يرى النتائج، يكاد المؤمن يرى ما سيكون، لا عن علم بالغيب، هذا مستحيل، ولكن عن علم بقوانين الله عز وجل. أخ حدثني عن إنسانة ظلمت أخاها ظلماً لا يصدق، فلقد جعلته شريداً هو وأولاده الكثر، واستولت على بيته لأنه باسمها وقد دفع نصف ثمنه، أخذت البيت من أخيها ظلماً وعدواناً وشردته، حدثني ابن أخيها عن فعل عمته مع أخيها، من باب المعرفة بقوانين الله عز وجل قلت: هذه ينتظرها هلاك كبير، ما مضى ثلاثون يوماً إلا وأصيبت بمرض عضال، وبعد ثلاثين يوماً أخرى انتهى المرض بها إلى الموت، وعاد أخوها إلى البيت وارثاً وحيداً، إلى البيت الذي يملك نصفه، هذا ليس علم غيب، لكن علم بالقوانين، أي أنت لو نظرت إلى مركبة تنطلق بسرعة كبيرة جداً في طريق نازلة، وهذا الطريق ينتهي بمنعطف حاد، وليس في هذه المركبة مكبح، فهل من الصعب أن تتوقع الحادث؟ بالمئة مليون، هل أنت تعلم الغيب؟ لا هذا ليس علم بالغيب، بل هو علم بالقوانين، مركبة تنطلق بسرعة مئة وعشرين في طريق مثل هذا ، والمنعطف مثل هذا، وفي وادٍ سحيق، ومكبح غير متوفر, هل أنت تعلم الغيب؟ لا أنا أعلم القوانين، الحادث حتمي، فالمؤمن ببصيرته التي أكرمه الله بها، بهذا النور الذي ألقي في قلبه يرى مصائر الناس، لا عن علم غيب, ولكن عن معرفة بقوانين الله عز وجل.
وكم من مرة تتفاءل بمستقبل شاب مؤمن لا يملك من الدنيا شيئاً، ولكن لأنه مستقيم، وتقرأ أنت قوله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
نقول: هذا ينتظره حياة طيبة، تعلم الغيب؟ لا، لا أعلم الغيب، ولكن أعلم قوانين الله عز وجل, قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
تتمة ما جاء عن بصيرة الوعد والوعيد :
أيها الأخوة, أما البصيرة الثالثة: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت.
كل إنسان سيحاسب على عمله، كل إنسان سيدفع ثمن أخطائه، وكل إنسان سيقبض ثمن أعماله الصالحة بأعلى سعر، البصيرة التي تتعلق بالوعد والوعيد: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت، في الخير والشر، عاجلاً وآجلاً، في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب ألوهيته وموجب ربوبيته.
أيها الأخوة, حينما نؤمن بعدالة الله، والله ننضبط أشد الانضباط، والله نضبط كلامنا من أن ننطق بكلمة، والله نضبط ابتساماتنا، والله الابتسامة تضبطها، إن وجدت ابتسامة ساخرة تحاسب عليها، تضبط كل حركاتك وسكناتك، وكل أعضائك وحواسك، وكل دخلك وإنفاقك، تضبط بيتك وعملك، إذا آمنت بعدالة الله، وبأن الله قيوم السموات والأرض، وأن الله سيحاسب كل إنسان حساباً دقيقاً.
يوجد آيات لو تأملناها تأملاً حقيقياً لكفتنا.
هل يوجد في حياة المؤمن مفاجآت؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/12.jpg
أنت إذا تحققت من قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
إذا تحققت من هذه الآية فأنت فقيه، انتهى الأمر، لا يوجد في حياة مؤمن مفاجأة، ولا يوجد دمار، ولا فضيحة، ولا هلاك، لأنه على منهج الله، لأن كل أبواب الخطر أغلقها، كل الثغرات سدها، كل المزالق ابتعد عنها، كل نقاط الضعف قواها، أضعف نقطة في حياة الإنسان المال والمرأة، المؤمن يغض بصره ويتحرى دخله، فأصبح كالملك، مرفوع الرأس دائماً. فالبصيرة في الوعد والوعيد: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت، في الخير والشر، عاجلاً وآجلاً، في دار العمل، ودار الجزاء، مثل إنسان يمضي حياته في طاعة الله، الله عز وجل لحكمة بالغة، ولكرامة المؤمن عند الله، يجعل موته ملخصاً لكل حياته، يموت وهو يصلي، وهو يقرأ القرآن، يموت في المسجد وهو صائم، والإنسان أمضى حياته في المعاصي والآثام، يموت وهو في المعصية، وهو يمارس المعصية يأتيه ملك الموت، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
أن يقوم الله على كل نفسٍ بما كسبت في الدنيا والآخرة، في دار العمل ودار الجزاء، هذا موجب ألوهية الله عز وجل وربوبيته، لماذا هو إله ورب؟ لأنه سيكافئ المحسن ويعاقب المسيء، موجب ألوهيته وربوبيته وعدله وحكمته، فإن الشك في ذلك شك في ألوهية الله وربوبيته، إذا كان من الممكن أن تشك لثانية واحدة، أنه يمكن للمحسن أن يضيع حقه والمسيء ينجو، تشك أنت بربوبية الله وبألوهيته.
إن كان من الممكن أن يأكل إنسان مالاً حراماً، وأن يتمتع فيه طيلة حياته، ويعيش في بحبوحة كبيرة، ثم يموت ويذهب إلى الجنة، ورجل استقام على أمر الله، هذا حرام وهذا حرام، فأصبح وراء الناس فقيراً لا يملك شيئاً، أن تعتقد هكذا، فهذا شك في ألوهية الله وربوبيته، مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل ومستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل أن تطيعه وتذل، مستحيل أن تعصيه وتعز.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا: ((عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ))
مادياً ومعنوياً، مستحيل أن تطيعه وأن تخسر الدنيا وأن تذل فيها، ومستحيل أن تعصيه وأن تربح الدنيا وأن تعز فيها، الشك في ذلك شك في ألوهية الله وربوبيته، بل شك في وجوده، لمجرد أن تعتقد أن القوي الظالم يربح، والضعيف المظلوم يخسر، ليس هذا شك في ألوهيته وربوبيته بل شك في وجوده. من الذي ينتقم من الظالم؟ :
قبل أشهر كنت مسافراً في بلد بعيد، قلت: قوة كبيرة في العالم غاشمة ظالمة تقوم على أنقاض الشعوب، أن تنجح في تخطيطها إلى ما لا نهاية، وأن تفعل ما تريد إلى ما لا نهاية، وأن تقوم على أنقاض الشعوب إلى ما لا نهاية، هذا يتناقض مع وجود الله، قلت: مع وجوده، لا مع عدالته فحسب، بل مع وجوده، الله موجود، هو الحق، هو الذي ينتقم من الظالم, قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/13.jpg
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196]
شعوب تقتل كل يوم، ما لها من ذنب أبداً إلا الجبروت الغربي، الجبروت والقهر والسيطرة على العالم، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196-197]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا، أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: ((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذه سنة الله في خلقه :
بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة، وإرسالها هملاً، أي إن كان لم يرسل للخليقة نظاماً فقد عطلها، فمثلاً: أنت كأب ابنك أمامك، والمدفأة أمامك، وابنك إدراكه ضعيف, ويسير باتجاه المدفأة, فهل تبقى ساكتاً وأنت أب؟ هذا مستحيل، ألا توجه ابنك؟ ألا تعطيه التعليمات والنصائح؟ هذا مستحيل، فإذا ترك الله عز وجل عباده دون رسل، دون أنبياء، دون دعوات، دون هدى، دون دعاة، دون كتاب، يكون قد أهملهم، وإن كان لم يحاسب الناس فقد خلقهم سدى دون سبب.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2737/14.jpg
مثل موظفان في محل تجاري، أحدهما يسرق المحل والثاني أمين، هل يستويان عند صاحب العمل؟ هذا غير معقول، هذا إنسان غير إداري، الذي سرق مقرب لك، والذي كان عفيفاً مبعد عنك.
إذاً: لا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة, وإرسالها هملاً, وتركها سدى, وتعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة.
هل يعقل أن يترك أباً أولاده يعتدي بعضهم على بعض وهو ينظر إليهم؟ تصور أنت أمماً, وشعوباً, وغزواً، وحروباً، وقهراً، وذلاً، ونهب ثروات، الله عز وجل معنا في الأرض، ينظر إلينا فقط ولا يتدخل؟ هذا الكلام مستحيل، هذا الكلام يتنافى مع كماله أساساً، أبداً, لحكمة بالغة وعلم بالغ، وقدرة بالغة، لكن الله له حكمة، يقوي هؤلاء, قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 4-6]
هذه سنة الله في خلقه، الذي يؤمن به وقد قصر في طاعته، يسلط عليه من لا يعرفه ليتوب، فإذا تاب قواه عليه، هذه هي سياسة الله عز وجل، يسلط الذي لا يعرفه على الذي عرفه وقصر في طاعته، ودائماً وأبداً هذه سنة الله في خلقه، فتعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً. ما معنى هذا الكلام: شهادة العقل في الجزاء كشهادته بالوحدانية؟ :
شهادة العقل في الجزاء كشهادته بالوحدانية، كيف أنك تؤمن أنه لا إله إلا الله، يجب أن تؤمن من أنه لا بد من أن يحاسب العباد، إذا كان لا بد من المحاسبة, من هو العاقل المستقيم؟ إذا كان لا بد من أن تحاسَب، من هو الفالح المنضبط؟ شهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية، لذلك المعاد معلوم بالعقل، كيف هذا؟ كلام دقيق، الإيمان بالآخرة إيمان إخباري، الله أخبرنا: أن هناك آخرة وجنة ونار، لكن بعض العلماء يقولون:
الإيمان بالآخرة ممكن أن يكون إيماناً عقيماً.
هذه الفكرة دقيقة، كيف؟ هذا الكون فيه إعجاز، فيه كمال مطلق في الخلق، فيه حكمة بالغة، فيه علم عظيم، فيه قدرة بالغة، فيه لطف، فيه جمال، فيه رحمة، معنى هذا الكلام: أن خالق الكون رحيم, جميل، لطيف, قوي, غني، هذه كلها صفات كمال، هل يتناسب مع هذه الصفات أن يدع خلقه سدى دون محاسبة؟ لا يتناسب معها, هل يتناسب مع صفات الكمال أن لا يحاسب عباده؟ أن يدعهم هملاً؟ أن يدعهم يأكل قويهم ضعيفهم؟.
أنت أب عندك خمسة أولاد، قام أحد أولادك وضرب أخاه ضرباً مبرحاً، وأنت تنظر إليهم, ولا تتكلم أي كلمة, ولا تتدخل, ولا تحاسب, معنى هذا أنك لست بالأب، فإذا فهم الإنسان أن الأمور تجري هكذا، وأن القوي ينتصر، إذاً تنازع البقاء، نحن في مجتمع التجارة مجتمع الحيتان، الحوت الأكبر يأكل الحوت الأصغر، العالم كله هكذا، شركات عالمية تتحد وتحتكر على حساب الشركات الضعيفة، العالم يتحرك كأنه لا يوجد إله، الأقوى يأكل الأضعف، والأغنى يستغل الفقير.
شهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية، لهذا المعاد معلوم بالعقل، أما تفاصيله بالوحي، أن هنالك جنة ونار، والجنة فيها حور عين، ويوجد جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنهار من لبن الذي لم يتغير طعمه، ويوجد أنهار من العسل المصفى، ويوجد رضوان من الله، ويوجد جهنم، ويوجد زبانية جهنم، ويوجد كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، هذه التفاصيل علمت بالوحي، أما بالمنطق والعقل لا بد من يوم آخر, تسوى فيه الحسابات.
ما موضع الشاهد في هذا المثال؟ :
أعجبني مرة من أحد الخطباء مثل أنا أرويه عنه: أن أناساً دخلوا مسرحية, في المسرح رفع الستار، تحرك الأبطال، أحد الأبطال قتل البطل، ثم أسدل الستار، لا أحد يقوم, لقد أرخوا الستار، ألم تنتهي المسرحية؟ نريد أن نرى ماذا سيحدث مع هذا القاتل؟ قد تكون المسرحية خمسة فصول، أول فصل لم ينتهِ بعاقبة مريحة، متى تنتهي القصة؟ تنتهي بنهاية مريحة للقارئ، أن المعتدي قد نال جزاءه، والمخلص نال جزاءه، تنتهي القصة، أما المعتدي فاز والمعتدى عليه خسر، والقصة قد انتهت, هذه ليست قصة، لا تتناسب، فالعقل يؤمن لا بد من يوم جزاء، أما التفاصيل تأتي بالوحي، لهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفراً به سبحانه وتعالى، إذا أنكرت يوم القيامة أنكرت عدالته، إذا أنكرت يوم القيامة أنكرت أسماءه الحسنى، لأنه إنكار لقدرته ولألوهيته، وكلاهما مستلزم الكفر به، قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة الرعد الآية: 5]
بمجرد أن تكفر بعدالة الله فهذا كفر بالله، لأنك نسبت له الظلم وهو ليس كذلك. نهاية المطاف :
أيها الأخوة, للموضوع تتمة إن شاء الله في الدرس القادم، لكن أجمل ما في هذا الدرس أنه: إذا أنكرت عدالته فهذا كفر به، وعدالته قائمة، ولكن أسماءه الحسنى كلها محققة في الدنيا، أما اسم العدل فمحقق في الآخرة, قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
[سورة الروم الآية: 27]
﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
[سورة الجاثية الآية: 22]
فلذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 185]
هنالك دفعات على الحساب في الدنيا، للمحسن دفعات على الحساب، وللمسيء دفعات على الحساب، والخير للأمام، أما الرصيد يوم القيامة، للمؤمن يوجد دفعات على الحساب، وللكافر يوجد ضربات على الحساب، أما رصيد الدفعات والضربات فيوم القيامة، وهذا هو الإيمان بالله عز وجل. دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخمسون )


الموضوع : العزيمة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أصناف الخلق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/01.jpg
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
والقرآن كله جمع في الفاتحة، والفاتحة جمعت في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
فالهدف هو العبادة، والوسيلة هي الاستعانة، ومن عبد الله واستعان به فقد حقق المراد من خلقه، والعباد كما تعلمون أصناف أربعة: صنف عبدوا الله واستعانوا به، وهؤلاء هم الخيرة من خلقه، وصنف ما عبدوا وما استعانوا، وهؤلاء شرار الخلق، وصنف عبدوه ولضعف توحيدهم ما رأوا أن يد الله تعمل وحدها، وأن الأمر كله بيد الله، وأن الأقوياء عصي بيد الله، فعبدوه وما استعانوا به، فكل ما أصابهم من ضعف بسبب ضعف توحيدهم، وبالتالي ضعف استعانتهم، والصنف الرابع استعان به ولم يعبده، والله عز وجل يمد كلاً من هؤلاء وهؤلاء من عطائه، وما كان عطاء ربك محظوراً عن أحد.
خلاصة ما ذكر سابقاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/02.jpg
أيها الأخوة, بينت في درس سابق أن أخطر مرض يصيب الإنسان هو الغفلة عن الله ، الغفلة عن مصيره الأبدي، الغفلة عن طاعته، الغفلة عن معرفة أمره ونهيه، الغفلة عن معرفة ما ينتظر الإنسان من عقاب أليم إلى أبد الآبدين، إذا خرج عن منهج الله عز وجل، هذه الغفلة علاجها اليقظة، وقد أمضينا درساً في منزلة اليقظة، فاليقظة دواء الغفلة، وبعد اليقظة تبدأ الفكرة، والتفكر طريق إلى الله: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/03.jpg

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 190-191]
وحينما تصح الفكرة ينتقل الإنسان بعدها إلى البصيرة، أفكاره والحقائق التي استقرت، تتجمع في بصيرة، في رؤية، لذلك أهل الخبرة أهل بصيرة، كأنهم يرون الحقائق.
أحد أصحاب رسول الله, قال للنبي عليه الصلاة والسلام: كأنني أرى أهل النار يتصايحون، وأهل الجنة يتنعمون.
أي أنك لو وجدت إنساناً ينغمس في المعاصي والآثام، وفي أكل المال الحرام، وفي المتع المحرمة، ويأخذ من المخدرات, ويشرب، ويرتكب الفواحش، لرؤية تملكها تقول: هذا له مصير وخيم، هذا سيدمر، أنت لا تعلم الغيب، ولكنك ترى الأسباب، وتعلم أن هذه الأسباب تؤدي إلى نتائج.
فالبصيرة كما قلنا في درس سابق: بصيرة في أسماء الله الحسنى، وفي الوعد والوعيد، وفي الجنة والنار.
منزلة اليوم :
اليوم المقام الذي يلي البصيرة: اليقظة, فالفكرة، فالبصيرة اليوم: العزيمة، كل شيء أصبح واضحاً، كل شيء أصبح جلياً، الأمور واضحة جداً, ما بقي إلا أن تتحرك, أن تقوم, أن تشمر, ففروا إلى الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/04.jpg
إني ذاهب إلى ربي، شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤود، يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق ، وأخلص النية فإن الناقد بصير، وأكثر الزاد فإن السفر طويل.
أيها الأخوة, ما من إنسان يدرك أن بيته يحترق ويبقى جالساً، ينتفض من فراشه ليطفئ الحريق، أرأيت إلى هذه الحركة؟ ينتفض من فراشه ليطفئ الحريق، ما من إنسان يكتشف أن ابنه مصاب بمرض يمكن شفاؤه، ولكنه خطير، إلا ويلغي كل مواعيده، يلغي كل أعماله، ويهب من رقدته ليعالج ابنه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/05.jpg
رأيت شيئاً في المطار تعلمت منه شيئاً آخر، الطائرة بعد أن يتم ركابها, وتغلق أبوابها ، تتحرك ببطء، ببطء شديد، تسير وتقف، تقف وتسير، إلى أن تقف على أول المدرج، فإذا أخذت الإذن بالطيران, اندفعت بسرعة عجيبة، تزيد عن ثلاثمائة كيلو متر في الساعة، هذا الإقلاع، المؤمن يشبه الطائرة، يسمع، يناقش، يعترض، يقنع أو لا يقنع، يغير المسجد، يقرأ كتاباً، إلى أن تستقر عنده الحقائق، إلى أن تتضح عنده الأمور، إلى أن يرى الطريق واضحاً، إلى أن يرى أن المغنم كبيراً، إلى أن يرى أن الخطر جاثماً، لذلك يقلع، هذا الإقلاع، فإذا أقلع وحلق في الجو, حقق الهدف الأكبر، إلى متى؟ قال تعالى:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟
متى الإقلاع؟ متى تترجم القناعات إلى سلوك؟ متى تترجم القناعات إلى حركة؟ إلى عطاء؟ .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/06.jpg
قال بعضهم: ما إن يستقر الإيمان في قلب الإنسان, حتى يعبر عن ذاته بذاته بحركة نحو الخلق.
أي لا يوجد مؤمن سكوني، المؤمن حركي، المؤمن فاعل، حالة الانفعال الدائمة لا تليق بالمؤمن، هو يغير, يبدل، يتدخل، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقنع أهله، يقنع أولاده، يقنع زملاءه، يقنع جيرانه، هذا حال المؤمن، حالة حركة, قال تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
إني ذاهب إلى ربي، هل قالها أحدنا؟ قال تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾
[سورة التكوير الآية: 26]
هذا يذهب ليحقق مكسباً دنيوياً، وهذا يذهب ليسهر سهرة لا ترضي الله، وهذا يذهب ليقيم دعوة على فلان، وهذا يذهب ليبحث عن رزق، أما هل رأيت إنساناً يذهب إلى الله؟ يرتاد بيوت الله؟ يقرأ القرآن؟ يتفهم كلام الله؟ يبحث عن سنة رسول الله؟ الحركة الجادة، اليقظة، الفكرة، البصيرة، العزيمة، هؤلاء الذين يتسابقون، حينما يصلون إلى المنطلق, كيف ينطلقون ؟ بسرعة مذهلة، فنحن في سباق، قال تعالى:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
قصة تائب :
أخ قال لي: أمضيت جل عمري شارداً عن الله، ولقد ارتكبت معاصي كبيرة، فجأة أصبت بمرض، والمرض مميت، وأنا في غرفة العمليات, قلت له: يا رب، أتريد أن ألقاك عارياً؟ أتسمح لي أن أبقى أياماً معدودات ألقاك بقميص؛ أي بعمل صالح أستر به عورتي؟ ناجاه وبكى، الله عز وجل أعطاه فرصة، وخرج من المستشفى، أصبح يحضر درس الفجر، والظهر، والمساء، والجمعة، والسبت، والأحد، والاثنين، قال لي: يوجد ثلاثة أيام لا أحتمل من دون دروس, قال لي: في مرة وأنا أناجي ربي، قال: ناجاه, فقال له: يا رب، كل هذه السعادة بالقرب منك، لِمَ لَم ترسل لي هذا المرض قبل عشر سنوات؟ هذا المرض هو السبب.
ما معنى لبيك؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/07.jpg
الآن: الحديث عن الحج، الحاج يقول: لبيك اللهم لبيك، ما معنى لبيك؟ لبيك تعني: أنه قد سبقها نداء أن تعال, تعال إلى بيتي الحرام، تعال إلى بيتي الحرام لتذوق طعم القرب، لتزيح عن كاهلك هموماً كالجبال، واخرج من حياتك الرتيبة المملة، تعال إلى بيتي الحرام لترى عظيم إكرامي إليك، الجواب: لبيك اللهم لبيك.
لبيك جواب تعال إلي، تعال إلي حتى أكرمك، هذا الجوهر في الدين، جوهر القرب من الله ضعيف، فيه مظاهر صارخة، جامع رائع جداً، فيه زخرفة رائعة جداً، لكن نحن نريد زخرفة القلوب من الداخل، نريد قلباً مستنيراً، نريد قلباً موصولاً بالله عز وجل، قلباً منيباً، قلباً سليماً، نريد حباً، نريد وداً مع الله، نريد اتصالاً، نريد أن نفتح خطاً ساخناً مع الله، نرفع السماعة إن لم يكن الخط موصولاً, مهما ضغطت الزر فهذا غير مفيد، كتلة لا معنى لها، الهاتف دون خط حامٍ مهما كان أنيقاً يصبح كتلة من البلاستيك لا معنى لها إطلاقاً، لكن قيمة هذا الجهاز: هي أنك لو رفعت السماعة, وسمعت الرنة، فالخط حامٍ، يوجد خط ساخن.
هذه لحظات السعادة عند هذا الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/08.jpg
قال لي رجل: بقي لي خمسة وثلاثون عاماً, ولم أسجد لله، ولم أصم يوماً، ولم أؤد طاعة, قال لي: دعتني أختي إلى زيارة كندا حيث هي، دعتني عشر سنوات متتالية, فلبيتها في السنة العاشرة، وأنا في طريقي إلى نياغارا شلالات جميلة جداً، أسمعتني شريط المهيمن من أسماء الله الحسنى، قال لي: سمعته مرات عديدة، وأخذت كل ما عند أختي من أشرطة عن أسماء الله الحسنى، وعرفت أن الدين شيء عظيم, وصار يجمع هذه الأشرطة حتى بلغت ألف شريط، وقد سمعها كلها، ثم قال لي: فتحت مع الله خطاً ساخناً، وقال لي: أسعد لحظات حياتي حينما آتي إلى البيت لأصلي، لأصلي قيام الليل، قال لي: انقلبت حياتي من الجحيم إلى النعيم، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الوجدان، بعد أن اتصل بالله عز وجل، هذا هو الدين، الدين أن تعرف الله، الدين أن تحبه، الدين أن تتصل به، أن يستنير قلبك بنوره.
فالذي يعنينا الآن هذه العزيمة، الحركة، ماذا فعلت من أجلي؟ قناعات ممتازة, عاطفة إسلامية، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، اتجاه إسلامي، شعور إسلامي، اهتمامات إسلامية، مكتبة إسلامية، حتى متى إذاً؟ متى سيكون هناك حركة إسلامية؟ متى تستطيع أن تقول:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
متى تقلع هذه الطائرة؟ حركة بطيئة، نتقدم, ونتأخر، وننتقد، متى تقلع هذه الطائرة؟ هذا درس اليوم: العزيمة. قال: فإذا انتبه وأبصر, أخذ في القصد, وصدق الإرادة، وأجمع القصد والنية على سفر إلى الله، وتيقن أنه لا بد له منه، فأخذ في أهبة السفر، وتعبئة الزاد ليوم المعاد، والتجرد عن عوائق السفر، وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/09.jpg
الإنسان حينما يشتد عزمه, كل عقبة تحول بينه وبين الله يركلها بقدمه، وكل صارف يصرفه عن الله يسده بقدمه، وكل قضية يمكن أن تبعده عن الله يلغيها من حياته، وكل صديق لا يذكره بالله يقطعه، وكل دخل ليس فيه راحة للنفس يستغني عنه، لأن الله مطلبه وقصده في الحياة كلها، فهذا الذي ملك العزم ينبعث إلى السلوك، يتحرك بلا توقف ولا تردد، ولا علة ولا رغبة في رياء ولا سمعة، ولا طلب محمدة، ولا طلب جاه ومنزلة عند الخلق، يستوي عنده المادحون والذامون، يستوي عنده الثناء والتأنيب, صدق القائل:
فليتك تحلو والحيـاة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالـمين خراب
وليت شرابي من ودادك سائغ وشربي من ماء الفرات سراب
هكذا حال المؤمن:
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
فالذي ملك العزيمة طبعاً بعد اليقظة والتفكر، بعد البصيرة، ما بقي له إلا العزيمة. مثل مقبول :
مثل اقبلوه مني ولكنه مضحك: في أيام الشدة التموينية, لا يوجد مواد أولية، ولا يوجد مواد غذائية، فأنت موظف، داومت ثماني ساعات بعمل شاق، ودخلت إلى البيت وأنت منهك القوى، خلعت ثيابك, وارتديت ثياب البيت, واضطجعت على السرير، جاء ابنك قال لك: يوجد في المؤسسة الاستهلاكية زيت، ولا يوجد ازدحام، والسعر رخيص جداً، والنوعية جيدة، ونحن لا يوجد عندنا زيت، وأنت قد قبضت راتبك اليوم، الصفيحة في المؤسسة ثمنها ثمانمائة ليرة، وخارجها ثمنها ألف ومائتان، راتبك محدود، رغم أنك خلعت ثيابك، وارتديت ثياب البيت، وأنت متعب ومنهك، تجد نفسك قفزت من الفراش وارتديت الثياب ثانية، وذهبت إلى المؤسسة، لتشتري هذه الصفيحة، لأنك ستوفر ستمائة ليرة، وأنت بأمس الحاجة إلى هذا المبلغ ، ولا يوجد ازدحام، ولا يوجد في البيت زيت, وأنت بحاجة إلى الزيت، وقد قبضت راتبك حديثاً، والسعر فيه فرق كبير جداً، انظر: خمس كلمات من ابنه جعلته يتحرك، هل تستطيع أنت أن تقول لنفسك خمس كلمات لتتحرك؟ لتقوم وتمشي وتخرج من البيت إلى الجامع؟ أو تعين إنساناً؟ أو أن تقرأ القرآن؟ هل عندك هذه الحركة؟ .
إن لم يكن هناك حركة فمكانك تحمدي أو تستريحي.
الصحابة فتحوا البلاد, أنت ماذا قدمت؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/10.jpg
مرة في الحج، وقد وضعت سلالم للطابق الثاني في الكعبة المشرفة، وللطابق الثالث السطح، ففي منظر للحجاج يثير انطباعاً معيناً، كل شيء واقف والسلم يسير، متحرك، مرتاح, والدرج متحرك، هكذا وضع المسلمين اليوم، يريد من يحركه، يريد من ينهضه، يريد من يعطيه، محمول، أما الصحابة فقد حملوا، مسلمو اليوم يحبون أن يحملوا، أو يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فرق كبير بين أن تَحْمِل وبين أن تُحْمَل، تريد أن تزوجه, وأن تؤمن له البيت، وعمل، وتحل له مشكلته مع زوجته، ومشكلته مع شركائه، وكل يوم سؤال.
توفي من الأسرة أحدهم، يقول: ألا تريدون أن تذهبوا للعزاء؟ وعلى هذه الحال عندي كل أسبوع خمسين تعزية، أقول: ولكني لا أعرفه ولا يعرفني، يقول لك: سيستفيدون من كلمة منكم يا سيدي، يريد أن يأخذ كل شيء ولا يعطي شيئاً, يريد من يحمله ولا يحمل أحداً، نحن نريد من يحمل، نريد من يساهم، يقدم للمسلمين شيئاً، يقدم بين يدي الله عز وجل شيئاً.
((يا بشر, لا جهاد ولا صدقة, فبم تلق الله إذاً؟))
سؤال محرج: اسأل نفسك إذا وقفت بين يدي الله يوم القيامة، قال لك: يا عبدي ماذا فعلت من أجلي؟ يا رب آمنت بك، حسناً ماذا فعلت؟
رجل مريض بمرض جلدي, وعلاجه الشمس، هذا الإنسان المريض آمن أن الشمس ساطعة، حسناً وماذا لو آمن بهذا؟ إن قلت: ساطعة, ما فعلت شيئاً، وما قدمت شيئاً، إن قلت: ليست ساطعة تتهم بعقلك، حتى لو آمنت ماذا فعلت؟ لم تفعل شيئاً، ماذا قدمت؟ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
ماذا قدمت؟ الصحابة الكرام فتحوا البلاد. هذه الامتحانات التي ابتلي بها نبيكم :
النبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلا لِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلالٍ))
بالله عليكم، هل من أحد منكم دخل بيته مرة، وسأل أهله: هل عندكم طعام؟ قالوا: لا، ولا كسرة خبز, ولا كأساً من الشاي، ولا قطعة جبن أبداً, النبي دخل إلى بيته ذات مرة فقال:
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لا, قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وصار المال بين يديه، قال له أحدهم: لمن هذا المال؟ قال: هو لك، لمن هذا الوادي ؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك لرسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
الله امتحنه بالفقر فصبر، وامتحنه بالغنى فشكر، وامتحنه بالضعف فكُذِّب، وعوقب، وسُخِرَ منه.
قال: لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: لا يا أخي.
عَبْدُ اللَّهِ قال:
((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمـُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك .
انظر: امتحنه بالفقر فصبر، امتحنه بالغنى فشكر، امتحنه بالضعف والفقر فصبر، امتحنه بالقوة ففتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة، تنتظر الأمر من شفتيه، أنقضي عليهم؟ قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا:
((أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
الأمر الذي جعل أبو سفيان يقول: يا بن أخي ما أحكمك، وما أرحمك، وما أعقلك، وما أوصلك!. سؤال محرج :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/11.jpg
سؤال محرج: ماذا قدمت لله؟ هل تركت علماً؟ هل تركت عملاً خيِّراً؟ هل ربيت إنساناً ؟ هل دعوت إلى الله؟ هل خدمت أهل الحق؟ هل بذلت من وقتك لتعليم الآخرين؟ اسأل نفسك هذا السؤال المحرج: ماذا فعلت بين يدي الله عز وجل؟.
((يا عبدي, ماذا فعلت من أجلي؟ قال: يا ربي زهدت في الدنيا من أجلك، قال: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك، ولكن ماذا فعلت من أجلي؟ قال: يا رب, وماذا أفعل من أجلك؟ قال: هل واليت فيَّ ولياً؟ هل عاديت فيَّ عدواً؟))
أي لو رأيت إنساناً متفلتاً يتهجم على الدين، ألم تحاول أن تقنعه بالدين؟ أو تقف موقفاً حازماً يرضي الله؟ لا يستطيع، لا خير فيه، ولا رغبة في إعانة إنسان على الحق، تأتي ابنة أخيك إلى المنزل, تلبس الثياب الفاضحة، أهلاً بابنة أخي، كيف حالك؟ لقد اشتقنا لكِ، لم نعد نراك، ألم يخطر في بالك أن تنبهها إلى هذا اللباس الفاضح؟ يقول لك: دع الناس وشأنهم، هذا هو حال المسلمين اليوم.
حال المسلمين اليوم: حي فيه بيت قد احترق، كل واحد منهم قال: لا دخل لي، إن لم ينهض كل سكان الحي في إطفاء الحريق، سوف يصل إليهم جميعاً بيتاً بيتاً, قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
[سورة الأنفال الآية: 25]
علامة العزيمة :
علامة العزيمة: الحركة بلا توقف ولا تردد.
قال لهم: أول قائد سيدنا أسامة بن زيد بن حارثة، ثاني قائد سيدنا جعفر، الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة، أول قائد أخذ الراية وقاتل حتى قتل، أخذها سيدنا جعفر فقاتل حتى قتل سريعاً، جاء دور سيدنا ابن رواحة، فأخذ الراية وتردد ثلاثين ثانية, قال: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليتِ
إن تفعلي فعلهما رضيتِ وإن تولـيت فقد شقيـتِ
وأخذ الراية وقاتل بها حتى قتل، النبي عليه الصلاة والسلام قال:http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/12.jpg
((أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى له جناحين يطير بهما في الجنة، ثم سكت، فقلق أصحاب النبي على أخيهم عبد الله, قالوا: ما فعل عبد الله؟ قال: ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه))
هبط مقامه لأنه تردد، يجب أن لا يكون هناك تردد ولا توقف، ولا رياء ولا سمعة، ولا طلب محمدة، ولا جاه ولا منزلة، بل على العكس أي عائق يزيله، وأي صارف يغلقه، وأي موضوع جانبي ينصرف عنه، فهو ينقاد إلى العلم ليتهذب به، ويصلح شأنه، ويقصد إجابة داعي العلم كلما دعاه، يسأل ما الحكم الشرعي في هذا؟ إن كان حراماً تركه فوراً بلا تردد، لا يعلق تطبيق الأمر على معرفة حكمته، لأنه يعتقد أن علة كل أمرٍ أنه أمر، هو يقبل على تنفيذ الأمر إقبال العابد، فإذا أقبل على هذا التنفيذ, كشف الله له حكمته، فجمع بين العلم والعبادة، هذا لما يتحرك وينهض من فراشه، ويتوجه إلى بيت الله، ينهض من فراش وثير ليصلي الفجر في جماعة، يغلق محله ليحضر درس علم، يتعلم به، يذهب لعيادة مريض، حينما يتحرك هذه الحركة، صار قصده عزماً جازماً، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
باللغة الدارجة: قوموا يا شباب، هيا لا يوجد وقت، هذا النهوض، هو الدرس اليوم ، طبعاً: تنطلق إلى البيت, إلى المسجد, إلى عملك، إلى جامعتك، إلى دكانك، من أجل أن تكسب عملاً صالحاً ترضي الله به.
تعريف العزم :
تعريف العزم: هو القصد الجازم المتصل بالفعل، ولهذا قيل: إنه أول الشروع بالحركة لطلب المقصود.
مثلاً: رجل أراد أن يحج، ينهض الساعة الثامنة، يذهب إلى مديرية الحج، مطلوب قيد نفوس، لا حكم عليه، موافقة الجندية، دفع مبلغ، ذهب الساعة الثامنة إلى التجنيد, وأخذ موافقة، هذا الذي ينوي الحج.
إنسان أخذ شهادة ثانوية، ويرغب في الجامعة، يتتبع الصحف، علامات القبول، يشتري إضبارة، يقدم الوثائق، يحضر المصدقة ويصدقها، حركة، اليوم درسنا حركة, إذا لم توجد الحركة, لا يوجد شيء، في الحركة بركة، تدعو الرجل فيقول لك: إني مشغول، لا يوجد رغبة، لا تحرجني، أميل إلى الاسترخاء والنوم والاعتذار، أما بموضوع دنيوي للساعة الواحدة يسهر، موضوع متعلق بالدنيا يسهر إلى الساعة الثانية صباحاً، استوقف أحد ما في الطريق, قل له: مشروع, تجده يقف, نسي نفسه واقفاً، مضت ساعة ونصف وهو واقف، إذا موضوع مشروع، تكلمه عن الله تراه يتثاءب، يقول لك: لا تؤاخذني، إني قد سهرت البارحة حتى الساعة الثانية، وعندي موعد, وعندما تكلمه عن الله تجده يريد أن يغير الحديث.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/13.jpg
فالعزم هو القصد الجازم المتصل بالفعل، لذلك قالوا: هو أول الشروع في الحركة لطلب المقصود.
والشروع في الحركة ناشئ عن العزم، أكثرنا دخل الجامعة، حسناً: كيف درست؟ حتى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة.
أنا أذكر عندما دخلت كلية الآداب، وطنت نفسي لأعرب كل يوم صفحة بكاملها، صفحة كان علي أن أعرف كل كلماتها، صرفاً, ونحواً، وبلاغة، وعروضاً، ومعنى، وتقطيعاً ، أحياناً كانت تأخذ الصفحة من وقتي عشر ساعات، كل الكتب أمامي، وكل المراجع، ما من إنسان يصل لشيء بلا ثمن، تجد الطبيب قد درس ثلاثاً وثلاثين سنة، ما من إنسان وصل إلى شيء دون جهد بالغ، هذه الدنيا تجد الإعداد لها أربعين سنة والاستمتاع عشر سنوات.
كثير من الناس يموتون في الخمسين، حتى استقر أربعين عاماً، حتى اشترى بيتاً وركب مركبة صغيرة، معترك المنايا بين الستين والسبعين، تجده في الثماني والأربعين، والسبع والأربعين، في الاثنين والخمسين تجده انتهى، انتهت الحياة، معقول أن تعد أربعين سنة لِعشر سنوات؟ والله هذه خسارة كبيرة، أما أن تعد للأبد فهذه سهلة جداً، شيء منطقي أن تعيش خمسين سنة تعد فيها لحياة أبدية تمام، أما لعشر سنوات فهذه مغامرة كبيرة.
أنواع العزم :
العزم نوعان: عزم على الدخول في طريق الإيمان، وعزم على متابعة السير في طريق الإيمان.
كل شيء أوله له بريق، أول شهر وحتى أول شهرين, من الدخول إلى المسجد، حينما يلتقي بأهل الحق, يقول لك المرء: أنا أعيش في جنة، لأنه منقول نقلة مفاجئة، من جو بارد، من صقيع إلى جو دافئ أو بالعكس، من جو حار لا يحتمل إلى جو مكيف، نقلة مفاجئة، هذا الإنسان كان في مكان حرارته 56ْ, ودخل إلى غرفة مكيفة، يقول لك: ما شاء الله، التكييف نعيم, لكن بعد ساعة لم يعد يشعر بالتكييف، لأنه استمر، وإذا دخل أحدهم من صقيع إلى غرفة دافئة، أول الدخول رائع، لكن بعد فترة ألفه، فبالإيمان يوجد في البدايات مرغبات، لكن بعد فترة يألف الحق، يألف المنطق الإسلامي، يألف الاستقامة، فتضعف همته، الآن أنت تريد عزيمة من نوع ثانٍ للمتابعة، تريد عزيمة دخول، وعزيمة متابعة.
العزم نوعان؛ عزم في البدايات، وعزم في المتابعة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/14.jpg
يوجد نقطة مهمة جداً: أن مقامات الدين ليست كمقامات الطريق، كرجل سافر إلى حلب، انتقل من دمشق إلى القطيفة، ثم غادرها إلى حمص، ثم غادرها إلى حماه، ثم غادرها إلى المعرة، ثم غادرها إلى حلب، أول منزلة ترافقك دائماً، تضاف لها الثانية، تضاف لها الثالثة، تضاف لها الرابعة، منازل ثابتة تتنامى لا تنقطع، هذا حال أهل الجنة، بدأ باليقظة فاليقظة مستمرة معه، انتقل إلى البصيرة فالبصيرة مستمرة، انتقل إلى العزم فالعزم مستمر، الله عز وجل قال:
﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 117]
التوبة مستمرة، واليقظة مستمرة، والبصيرة مستمرة، والفكرة مستمرة. النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِـي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ:
((مَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
إِلا يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) أليس فيها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 3]
من لوازم العزيمة :
الصبر من مقامات العزم، الإنسان لعمل دنيوي يصبر، يقول لك: عملي شاق.
أحياناً الإنسان يضطر أن يصـب سقفاً في أيام الصقيع، يخرج من بيته الساعة السادسة، ويقف في الهواء, يتحمل الرياح الباردة، من أجل أجرة مفترضة، فالإنسان يصبر أحياناً على عمل شاق من أجل الدنيا، فكيف إذا صبر من أجل الله؟ فالصبر من لوازم العزيمة:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 72-73]
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, محور هذا الدرس: الأمور واضحة ليس إلا الله، لا إله إلا الله، وأنت مخلوق للجنة، والجنة تحتاج إلى عمل, قال تعالى:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 32]
وكل معصية لها عقاب, وكل حسنة لها ثواب، ومستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل أن تطيعه وتذل، ومستحيل أن تعصيه وتعز، هو الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وكلنا إلى الموت سائرون.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل البقيع يقول:
((أنتم السابقون ونحن اللاحقون))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2741/15.jpg
وكل إنسان كذلك الأمر، أمير البحرين قابل وزير الدفاع الأمريكي، وبعد دقائق مات، الأمير يموت, الملك يموت، الغني يموت، الفقير يموت، القوي يموت، والضعيف يموت، الذكي يموت، والغبي يموت، الصحيح يموت، والمريض يموت، الشاب يموت, والكبير في السن يموت، وكل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، لو يعرف الإنسان دقائق جسمه، الموت أقرب إليه من شرك نعليه، يقول لك: سكتة ومات، ما هذا القلب؟ فيه كهرباء ونبض، إذا جاءت خارجة انقباض واحدة أطول مما ينبغي يتوقف القلب، كان شخصاً صار خبراً، ما الإنسان؟ كل حياتك, وفاعليتك، ونشاطك، ومكانتك، وهيمنتك، وشخصيتك، وأموالك كلها المنقولة وغير المنقولة، وأسرتك, وبيتك, ومكتبك, وسيارتك، وكل مكانتك مربوطة بواحد ميلي وربع, هو الشريان التاجي، مربوطة بنمو الخلايا، مربوطة بسيولة الدم، إذا الدم جمد جلطة، وإذا الخلايا تفلتت سرطان، وإذا الشريان ضاق, يقول: لك خناق صدري، وكل واحد منا تحت هذا الخطر، تحت رحمة الله، ما من أحد يعرف متى؟ .
شخص بأعلى درجة من النشاط, فجأة فقد حركته وكلامه، صار طريح الفراش، كان له محل تجاري، له حركة، ولكنها انتهت, صار عبئاً، هكذا الدنيا، لذلك:
الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
اعمل عملاً صالحاً, ثم متى يأتي أجل الله أهلاً وسهلاً, قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 158]
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يس الآية: 26]
دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و الخمسون )


الموضوع : شهود الاسماء والصفات







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل :
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أيها الأخوة, منزلة جديدة، ولعلها من أدق المنازل، وتحتاج إلى دقة انتباه وإعمال فكر، هذه المنزلة منزلة: شهود الأسماء والصفات.
أن ترى حقيقة أسماء الله الحسنى، هذه منزلة عالية جداً، هذه منزلة متعلقة بأصل الإيمان، لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل، وحينما تصح معرفة الله عز وجل يصح كل شيء، تخلص له, توحده، توحد وجهتك إليه، توحد النيّة، توحد الهدف، توحد الوسيلة.
انظر ما قاله بعض العلماء عن هذه المنزلة :
قال بعض العلماء: هذه المنزلة من أجل المشاهد ومن أعظمها, وهي أعلى منزلة مما قبلها ومما بعدها، أن تشهد حقيقة الأسماء الحسنى وحقيقة الصفات الفضلى، أن تكون على علم بالله، أن تتعرف إليه، وفرق كبير بين أن تعرف أمره ونهيه، وبين أن تعرف خلقه، وبين أن تعرف ذاته، أن تعرف أمره ونهيه، وأن تعرف خلقه، هذا شيء يكون بالمدارسة، وأي إنسان بإمكانه أن يحصل هذا العلم، لأن هذا العلم يحتاج إلى ذكاء، وإلى كتاب، وإلى مدرس بارع، يحتاج إلى مذاكرة, وإلى إعادة، هذا اسمه مدارسة.
فمعرفة خلقه ودقائق خلقه، ومعرفة أمره ودقائق أمره، هذا علم مدارسة، لكن أن تعرف ذاته هذا علم مكاشفة، المدارسة تتأتّى بكل إنسان، لكن المكاشفة لا تتأتّى إلا لمن جاهد في سبيل الله، لهذا قال بعضهم: جاهد تشاهد.
قاعدة :
معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ثمنها باهظ، ثمنها المجاهدة، نتائجها باهرة، وكل شيء ثمنه باهظ نتائجه باهرة، قاعدة، هذه قاعدة بالحياة، من أجل أن تستمتع بالرخام الصقيل الذي لا يتبدل لونه ولا يتغير له ثمن غالٍ، من أجل أن ترتاح بمركبة لا تقطعك هذه ثمنها غالٍ جداً، فكل نتيجة باهرة لها ثمن باهظ، وكل ثمن باهظ له نتيجة باهرة.
ماذا تعني كلمة الجهاد؟ :
قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الموضوع، الله عز وجل يقول:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
[سورة التوبة الآية: 19]
إنسان منعم, كثير المال, بإمكانه أن يوافق على إنشاء مسجد, فله الأجر وعظيم الأجر إن شاء الله، ولكن هذا ما كلفه إلا أن يوافق، أما حينما يجاهد نفسه وهواه، وبالمناسبة: يقع معظم الناس في خطأ لا أقول جسيم، لكن في خطأ، كلما سمعوا كلمة جهاد, انصرف ذهنهم إلى الجهاد القتالي، مع أن كلمة جهاد تعني أشياء كثيرة، من جملة ما تعنيه الجهاد القتالي, لكن لها معان أخرى، فالذي يجاهد نفسه وهواه هذا جهاد, بل إن هذا هو الجهاد الأول، بل إن هذا هو الجهاد الذي ليس قبله جهاد، جهاد النفس والهوى، لأن المنهزم أمام نفسه لا يمكن أن يفعل شيئاً، لا يمكن أن يجاهد العدو، لا يمكن أن ينشر الحق.
فكلمة الجهاد تعني جهاد النفس والهوى، وكلمة الجهاد تعني الجهاد الدعوي، قال تعالى: وجاهدهم به جهاداً كبيراً، وسمّى هذا الجهاد جهاداً كبيراً، وجهاد النفس والهوى والجهاد الدعوي متاح لكل مسلم في أي مكان وفي أي زمان، وحينما لا يتاح لنا الجهاد القتالي نمارس الجهاد الدعوي، وقد سماه الله جهاداً كبيراً.
هل تعتبر منزلة شهود الأسماء والصفات من أعلى منازل مدارج السالكين؟ :
على كل؛ معرفة الأسماء والصفات بل شهود حقيقة الأسماء والصفات, من أعلى منازل مدارج السالكين، من أعلى منازل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أن تشهد أسماء الله الحسنى، من هنا كانت موضوعات أسماء الله الحسنى التي تفضل الله بها علينا في هذا المسجد مائة موضوع, مائة اسم، ولكل اسم درس، وقد لاقت قبولاً حسناً والحمد لله، لأن الإنسان من خلال هذه الدروس يتعرف إلى الله، المعرفة التفصيلية, المعرفة اليومية, المعرفة التي تعطيه دافعاً قوياً, كي يتصل بهذا الإله العظيم.
بل إن معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، بل إن منزلة شهود الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، من أجل المنازل ومن أعظمها، ومعرفة أسماء الله الحسنى من أجل المعارف ومن أشرفها.
قف عند هذا الكلام الدقيق :
الآن كلام مكثّف جداً: تعلمنا في الجامعة: أن هناك أسلوب في الكتابة مركز جداً, لا يمكن أن يلخص، لا تستطيع أن تحذف كلمة ولا حرف جر، فمثل هذا الكلام, يجب أن يقرأ كلمة كلمة، كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، اسمه العدل فهو عادل، اسمه القدير فهو قادر، اسمه العليم فهو عالم، علام الغيوب، كل اسم يقتضي صفة، طبعاً في عالم البشر, لا، اسمه كامل وهو ناقص, فاسمه محسن وهو مسيء، اسمه أنور وهو أظلم، في عالم البشر قد يتناقض الاسم مع المسمى.
وقال بعضهم كلمة أعجبتني: التصوف كان مسمى بلا اسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، كان مسمى مضمون، كان أصحاب النبي في أعلى درجة من الإخلاص, وفي أعلى درجة من الحب والشوق، وفي أعلى درجة من البذل والعطاء، قمم، كان التصوف مسمى بلا اسم، فانتهى به الأمر إلى اسم بلا مسمى.
فكل اسم من أسماء الله الحسنى له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل، فالله عز وجل عدل اسمه العدل، صفته عادل، العادل سوف يبطش بالظالم، الصفة لها مقتضى، الاسم له صفة، والصفة لها مقتضى من فعل لا زم أو متعدٍ، لذلك الفعل تعلق بمفعول وهو من لوازمه، له الخلق وله الأمر، هناك الثواب وهناك العقاب، كل هذا من آثار أسماء الله الحسنى، الله له اسم, والاسم له صفة، والصفة لها مقتضى، عدل عادل ينصف المظلوم ويبطش بالظالم، حتى معنى كلمة منتقم من معانيها: أنه يوقف المنحرف عند حده، ينتقم منه أن يقمعه, ويكف شره عن الناس، والمنتقم هو الذي يحق الحق.
انتبه إلى هذه الحقيقة :
الآن يوجد حقيقة: من عادتي في بعض الدروس, أن أضع بين أيدي الأخوة الكرام حقيقة مركزة جداً، والحقيقة فهمها سهل، لكن أن تعيشها هذا يحتاج إلى جهد كبير.
قلت مرة: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
أيها الأخوة, لو عقلنا هذه الجملة وهي من العقيدة الصحيحة، لا يمكن أن يدخل حزن على قلب إنسان, كل شيء وقع أراده الله، الذي وقع أراده الله، والذي لم يقع ما أراده الله، والذي أراده الله وقع، والله عز وجل حكيم رحيم, لطيف قدير, غني عدل، فكل أسمائه داخلة في أفعاله، وهذا تفسير بعض العلماء, حينما يقول الله عز وجل: إنّا تدل على الجمع:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 9]
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً﴾
[سورة الإنسان الآية: 23]
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
[سورة يس الآية: 12]
قال: إذا جاء الحديث عن الله عز وجل بصيغة الجمع, فمعنى ذلك: أن أفعاله كلها داخلة فيها أسماؤه الحسنى.
هل يمكن أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها؟ :
الآن: من المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها.
مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن صفاتها، وأن تعطل الصفات عن مقتضياتها، الله عز وجل عدل, مستحيل ألا يكون في أفعاله عادلاً، مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها، ومستحيل وألف مستحيل أن تعطل الأوصاف عن ما تقتضيه وتستدعيه من أفعال، وتعطيل الفعال عن المفعولات, كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته، الله ذات كاملة، هذه الذات الكاملة لها أسماء، هذه الأسماء لها صفات، هذه الصفات لها أفعال، فمن عطل فعل الله، عطل فعل الله عن صفاته، وعطل صفات الله عن أسمائه، وعطل أسماء الله عن ذاته، وهذا مستحيل.
ما وراء هذا المثال :
لذلك يمكن أن تستنبط حقائق وأنت مطمئن، أضرب لكم مثلاً:
يكون هناك إنسان داخل في القضاء بدعوة عمرها عشر سنوات، والأمر قضية بيت وثمنه ثلاثون مليون، وعليه منازعة على ملكيته بين الورثة، ويوجد وثيقة من الأب, ادعى الخصم أنها مزورة، وجيء بخبراء للخط، وقضية وغم وهم عند الأطراف جميعاً، قد يتصل بك المحامي, ويقول لك: الدعوة ربحت, يقول له: هل صدر القرار؟ يقول له: لا, ولكن وجدت اجتهاداً في محكمة النقض لصالحك، إذا قرأ كلمتين بمجلة تصدرها وزارة العدل، وهاتين الكلمتين اجتهاد لمحكمة النقض، وهي أعلى محكمة لصالح هذا المدعي، يقول لك المحامي: ربحنا الدعوة، تفاؤلاً طبعاً، وإذا كان هناك نص قرآني, قال لك:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 156]
وقال لك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
وقال لك: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
ألا تصدق؟ قال لك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
قال لك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
قال لك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
يوجد ألف آية مطمئنة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[سورة المائدة الآية: 18]
معنى ذلك: أن الله لا يعذب أحبابه، فأنت يمتلئ قلبك طمأنينة حينما تقرأ اجتهاداً لمحكمة النقض، ولا يمتلئ قلبك أمناً وسلاماً حينما تقرأ آية يعد الله بها المؤمنين بالسلامة والنصر.
حينما قال الله عز وجل:
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 173]
زوال الكون أهون على الله من أن تكون جندياً له ثم لا ينصرك، قال:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة غافر الآية: 51]
قال لك: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
قال لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 12]
انظر للكفار كم هم متغطرسون؟ جبابرة بطاشون يتحدون الشعوب كلها، قال لك:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 12]
قضية هامة :
أخواننا الكرام, حينما تشهد أسماء الله الحسنى, وصفاته الفضلى, وتقرأ كلامه, تشعر بأنك أقوى إنسان، إذا كان معك وعد من الله، وإذا كان وعيد يغطي إنساناً، يشعر هذا الإنسان أن الله مهلكه لا محالة:
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
[سورة الرعد الآية: 11]
أيها الأخوة, من المستحيل تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، أنا أركض لأقبض على فلان هذا فعل، لكن لم أستطع أن أقبض عليه، عطلت الفعل عن مفعوله، هل أنتم منتبهون؟ أحفر بئراً لأصل إلى الماء، لم أصل إلى الماء، عطلت الفعل عن مفعوله، الاسم يقتضي صفة ، والصفة تقتضي فعلاً، والفعل يقتضي مفعولاً، فمن عطل المفعول عن فعله، والفعل عن صفته، والصفة عن اسمه، والاسم عن ذاته، هذا صفر بالإيمان.
هذا ما أنكره العلماء :
قال: إذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حكماً ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه، أوصافه مثلى فضلى، أسماؤه حسنى، أفعاله حكيمة، لذلك أي تعطيل لهذه الأسماء والأفعال والصفات هو إنكار لبعض أسماء الله الحسنى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾
[سورة فصلت الآية: 40]
لهذا ينكر العلماء على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به، عطله عن أمره: رجل أنجب أولاداً, ولم يتكلم معهم بأي كلمة، أكلوا, حرقوا نفسهم بالمدفأة، تناولوا طعاماً سيئاً، جرح يده، الأب صامت، ضرب بعضهم بعضاً، كسروا الآنية، أكلوا طعاماً مسموماً، أمسكوا بالتيار الكهربائي فصعقوا، الأب صامت، هل هذا أب؟ مستحيل، الأب له أمر وله نهي، فإذا قلت: الله لم يأمر ولم ينه، ممكن أن تكون الآن قضية معقدة، ليست مغطاة بالتشريع، الله عز وجل عطلناه عن أمره ونهيه، الله ماذا قال؟ قال:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[سورة النساء الآية: 59]
معنى ذلك: أنه ما من قضية متنازع فيها إلى يوم القيامة, إلا وفي الكتاب والسنّة ما يغطي حكماً لها، لكن أقول: علمه من علمه وجهله من جهله.
إذاً: كل من عطل ذات الله عن أمره ونهيه, أو عطله عن ثوابه وعقابه.
هذا سوء الظن بالله :
إذا قال لك: إن الله عز وجل يعطي النعم من ليس أهلاً لها، معنى ذلك: أنه ليس عنده حكمة، وليس عنده عدل، معناها أن الإنسان المنحرف يكرمه والمستقيم يعاقبه، يقول لك مثلاً شخص: هذا ملكه نحن ليس لنا علاقة، ممكن أن نعبده طوال حياتنا ويضعنا في جهنم, ما هذا الكلام؟ أهكذا ظنك بالله؟ أنت من الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء, ينصر أعداءه ويقويهم، ويخذل أولياءه ويضعفهم، ويجعل الدائرة تدور على أوليائه, ويضع من استنفذ عمره كله في طاعته في النار، ومن ناصبه العداء في الجنة، وتقول: يفعل ما يشاء, ويفعل ما يريد، الملك ملكه، هكذا ظنك بالله؟ والله من ظن هذا الظن, لا يعرف الله أبداً إطلاقاً، هذا سوء ظن بالله، أساساً الله عز وجل قال:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
هناك أناس كثيرون نحن عبيد بملكه، إن شاء عذبنا، وإن شاء رحمنا، من غير ضابط.
الله قال:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
حيث ما جاءت على مع لفظ الجلالة، فتعني: أن الله ألزم نفسه بالاستقامة، قال:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
قال:
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
انظر: كم هي دقيقة؟ قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
قال: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر الآية: 17]
قال: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 77]
ولا نقير ولا قطمير: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
[سورة الروم الآية: 9]
﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
[سورة لقمان الآية: 16]
من هؤلاء الذين لم يقدروا الله حق قدره ولم يعظموه حق تعظيمه؟ :
فمن عطله عن أمره ونهيه, هناك بعض القضايا ليس لها حكم شرعي، يا أخي شيء يحيّر، أفيدونا، إذا قال: هناك قضايا ليس لها حكم شرعي, معنى ذلك: أنه ما قرأ القرآن, لم يقرأ:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
لم يقرأ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 38]
لم يقرأ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[سورة النساء الآية: 59]
من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، نسبه إلى ما لا يليق به، ونسبه إلى ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيء مما حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره، وما عظمه حق تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة.
هل من الممكن الله عز وجل يخلق الخلق ويدعهم بلا أمر ولا نهي؟ الآية الكريمة من أدق الآيات:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 91]
عطلوا ذات الله عن الأمر والنهي، فمعنى ذلك: أن الله ليس له تعليمات, ليس له توجيهات، خلق الخلق سدى, قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾
[سورة القيامة الآية: 3]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
[سورة القيامة الآية: 36]
الجامعة مثلاً: أليس فيها فحص ولا شهادات؟ هذا داوم, هذا لم يداوم، هذا سرق كتاباً من المكتبة، هذا قرأ الكتاب، طالب قرأه وطالب سرقه هل يستويان؟ لا يوجد حساب؟ هذا يتنزه عنه إنسان لا خالق الأكوان: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 91]
وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾
[سورة الزمر الآية: 67]
يعني ذلك أنه هناك حساب، وتسوية حسابات، وقوف بين يدي الله، إنسان يعيش على أنقاض الناس، وإنسان يعيش الناس على أنقاضه كالأنبياء، هل يستويان؟ إنسان يعيش على أنقاض الناس, والأنبياء عاش الناس على دعوتهم, وعلى جهدهم, وعلى بطولتهم, وعلى بذلهم وعطائهم:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
ما أسباب انقباض الناس؟ :
ما أسباب انقباض الناس؟ لأنها بعيدة عن التوحيد، إذا رجل بعيد عن الله, وسمع ما يقوله الأقوياء, وكيف يتحدون الشعوب الضعيفة؟ كيف يعيشون على أنقاض العالم؟ سيختل توازن الإنسان, لكن بالتوحيد يستعيد توازنه:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196-197]
هذا الذي يجب أن ينتظره الإنسان :
أيها الأخوة, لله عز وجل في كل وما قضاه وقدره الحكمة البالغة، حكمة ما بعدها حكمة، ولكن نحن إما أن نكشف طرفاً منها أو أن نعجز عن فهم هذه الحكمة، كمثل هذا الرجل الذي جعل من بيت النبوة دار دعارة سلمان رشدي، كيف سمح الله له بهذا؟ حبيبه سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، كيف سمح لإنسان ساقط حقير من أن يجعل من بيت النبوة بيتاً للدعارة؟
عشرون ألف بريطاني أسلموا بسبب هذا الكتاب، لما قرؤوا هذا الكتاب لم يصدقوه، فبحثوا عن الحقيقة وأسلموا، الله عز وجل له حكمة بالغة, قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 112-113]
سمح الله عز وجل أن تنشر كتب, فيها ضلالات، فيها انحرافات، فيها اتهامات، فيها طعن، فيها غمز، فيها لمز، وتطبع طبعات كثيرة جداً لحكمة بالغة، هذه الكتب تعني اللقاحات للمؤمنين، اللقاح جرثوم ولكنه ضعيف، الجسم يهيىء مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فلما تظهر شبهات وضلالات، المؤمن يبحث عن جواب، عن رد، يضاعف جهده، يسأل علماءه، يتحقق يدقق فيقوى إيمانه، لذلك دائماً الله عز وجل يوظف الشر للخير المطلق.
هل تصدقون: أن أربعين ألف جندي أمريكي أسلموا في حرب الخليج؟ لأنك أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، الإنسان عليه أن ينتظر حكمة الله عز وجل, لعل الله عز وجل حينما قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 5]
من هو أكمل الناس عبودية لله عز وجل؟ :
كل اسم له تعبد مختص به، كل اسم من أسماء الله الحسنى له تعبد خاص به، علماً ومعرفةً وحالاً، وأكمل الناس عبودية لله عز وجل هو: المتعبد له في جميع أسمائه وصفاته، أي يعبد اسم الله الحليم فيكون حليماً، ويعبد الحكيم فيكون حكيماً، ويعبد القوي فيكون قوياً في دين الله، ويعبد الرحيم فيرحم الخلق، ويعبد اللطيف فيتلطف في الخلق، ويعبد العدل فينصف في أحكامه، كل مؤمن إذا عبد الله بكل أسمائه حق العبادة فهو في الصف الأول، لا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسم القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، الله قدير، فهو إذا بطش بطش، أعبده باسم القدير، وأعبده باسم الحليم الرحيم.
وقد يحجبه اسم المعطي عن اسم المانع، أو اسم المانع عن اسم المعطي، وقد يحجبه اسم الرحيم عن اسم المنتقم، أو المنتقم عن الرحيم، ويحجبه اسم التودد والبر عن اسم العدل والجبروت والعظمة والكبرياء، يجب أن تعبد الله بكل أسمائه، ما دمت قد عرفت طرفاً من كمالاته من خلال أسمائه، ينبغي أن تعبده بكل أسمائه.
قال: وهذه طريقة الكمّل من السائرين إلى الله عز وجل، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
ادع الله باسم الرحيم تارة ليرحم العطشى، ادع الله باسم الجبار المنتقم لينتقم من الظالمين، وادع الله باسم اللطيف ليتلطف بنا، وادع الله باسم المعطي ليعطينا، اعبد الله بكل أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى.
والدعاء -كما تعلمون- يكون دعاء مسألة, ودعاء ثناء, ودعاء تعبد، فهو يدعو عباده ، يعرفونه بأسمائه وصفاته، وأن يثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، ادع الله بأسمائه داعياً، وادعوه مثنياً عليه، وخذ حظاً من هذه الأسماء.
هذا ما عده العلماء في دعاء يونس عليه الصلاة والسلام :
سيدنا يونس عندما وقع في بطن الحوت, نادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أثنى على الله، فعدّ العلماء الثناء دعاء، والدليل:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 76]
لم يقل: يا ربي أخرجني، قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 87]
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 88]
هذا ما يحبه الله :
آخر نقطة في الدرس: الله عز وجل عليم يحب كل عليم، يحبك أن تكون فهماً حصيفاً عاقلاً محصلاً للعلم، الله يحب العلماء، إن الله عالم يحب كل عالم.
الحقيقة: لن تستطيع أن تتقرب إليه إلا بأسمائه، الله رحيم يحب الرحيم.
إنسان يشاهد حيواناً دُهِسَ, وما زال على قيد الحياة، يحمل الحيوان, ويركب سيارة خاصة، ويذهب إلى مستشفى بيطري ويعالجه هذه رحمة، ليس له علاقة بالحيوان، لا يوجد أي نفع يأتيه منه، الله عز وجل غفر لبغي سقت كلباً، الله يحب الرحيم, جواد يحب كل جواد، الله لا يحب البخيل، إذا أردت أن يحبك الله تقرب له بأسمائه، هو جواد كن جواداً يحبك الله، هو عليم اطلب العلم يحبك الله، هو رحيم ارحم من في الأرض يرحمك الله، هو عدل كن عادلاً مع أولادك مع من حولك مع موظفيك يحبك الله عز وجل، جميل يحب الجمال، تنظف, رجّل شعرك، تعطر, اجعل ثيابك نظيفة، حاول أن يكون هناك ألواناً منسجمة في ثيابك، لك مظهر مقبول براق، الله يحبك، إن الله جميل يحب الجمال، بعض الناس فهموها فهماً آخر: يملأ عينيه من الحسناوات، ويقول لك: إن الله جميل يحب الجمال! هذا فهم شيطاني.
عفو يحب العفو، الله يكره المنتقم بالمعنى الأرضي، أما المنتقم بمعنى كاسم من أسمائه الحسنى، هو الذي يقمع الظالمين يقمعهم ويوقفهم عند حدهم، حيي يحب الحياء وأهله، هذا الوقح المتعالي المتعجرف لا يحبه الله، يحب الحيي.
كان عليه الصلاة والسلام أشد حياءاً من العذراء في خدرها، بر يحب الأبرار، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، حليم يحب الحلماء، لأنه يحب خلقه, يتوب عليهم, ويغفر لهم, ويعفو عنهم, ويصفح عنهم، ويحب من يعفو ويتوب ويصفح من عباده.
خلاصة القول :
أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وضحت لكم هذه الحقائق: الذات تقتضي أسماء، والأسماء تقتضي صفات، والصفات تقتضي أفعال، والأفعال تقتضي مفاعيل، فمن عطّل فعل الله عن مفعوله, وصفاته عن أفعاله, وأسمائه عن صفاته, وذاته عن أسمائه, فقد ألحد، الله عز وجل لا يمكن أن يصف نفسه بصفة لا معنى لها, ما دام سمّى نفسه العدل، فصفته أنه يعدل، ويعدل له فعل، والفعل هو أنه سينتقم من الظالم وسينصف المظلوم، وهناك شواهد كثيرة جداً:
إنسانة تسكن في بيت أبيها، فجاء الأخ من بلد راقٍ جداً, معه ثروة طائلة, احتلّ البيت, غيّر ترتيبه، جدده تجديداً كاملاً، فرشه بالأثاث، ومعه زوجة ومعه أولاد، لا يريد أخته، وأخته لها حصة في البيت، عمل على طردها، قال لها: اذهبي لعند أهلك، عند أخوتك، بيتها تسكن فيه، استولى على البيت وجدده وفرشه، وهيأ كل شيء ليعيش مع زوجته وأولاده حياة ناعمة في هذا البيت, وطرد أخته، بعد أسبوع من سكناه في البيت, دخلت زوجته الحمام، فارقت الحياة، وعنده أولاد، فصار يرجو أخته أن تعود إلى البيت لترعى الأولاد، يرجوها ويخاف ألا تقبل, الله عدل، طبعاً الزوجة ماتت في أجلها، لكن انتقم منه انتقاماً شديداً:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
تعامل مع الله بهذا الفهم الدقيق، الله له ذات واسم وصفة وفعل ومفعول، فإياك أن تقع تحت طائلة العدل، إياك أن تتعامل مع الله على أنه لا يعلم, أو على أنه لا يرحم, أو على أنه لا يعدل, إياك: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
أيها الأخوة, هذه المنزلة منزلة شهود الأسماء والصفات.
الشيء الدقيق في الدرس: لا تستطيع أن تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً تتقرب به إليه، هو عادل يحب العدل، هو كريم يحب الكرم، هو عليم يحب العالم، هو جميل يحب الجمال، هو رحيم يحب الرحيم، هو حليم يحب الحليم، لا تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً يكون وسيلة لك إليه هكذا, الله لا يقرب إلا الكامل، أما الأقوياء يقربون أي إنسان أعلن الولاء، أما ملك الملوك لا يقرب إلا الكامل؛ بقدر انضباطك يقربك الله، بقدر ورعك.
النبي الكريم كان جائعاً, رأى على السرير تمرة فأكلها، -هكذا قرأت-، قُطع الوحي عنه أسبوعين.
الله يحب الورع، قال أبو حنيفة النعمان: ما وقف في ظل بيت مرتهن عنده، لئلا ينتفع بالرهن، من شدة الورع، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و الخمسون )


الموضوع : الفرار الى الله










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الفِرار، هذه المنزلة مستنبطة من قوله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
وحقيقة الفرار: الهروب من شيءٍ إلى شيء، من شيءٍ مخيف إلى شيءٍ آمن، من شيءٍ مزعج إلى شيءٍ مُطَمْئِن. أنواع الفرار :
أيها الأخوة, والفرار نوعان؛ فرار السعداء وفرار الأشقياء، فرار السعداء إلى الله عزَّ وجل، وفرار الأشقياء فرارٌ منه لا إليه، فرارٌ منه إلى الدنيا، إلى المعاصي، فرار السُعداء فرارٌ من الدنيا إلى الله، أما فرار السعداء الفرار منه إليه، ففرار أوليائه.
هذا ما قاله ابن عباس وآخرون في معنى هذه الآية :
قال ابن عباس في قوله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
أي فروا منه إليه، من عقابه إلى جنَّته، من معصيته إلى طاعته، فروا مما سوى الله إلى الله، فروا من الأغيار إلى الله، فروا من الشُركاء إلى الله.
وقال آخرون: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة، عملية فرار من شيء مخيف إلى شيء مُسْعِد، وحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
فالفرار منزلةٌ من منازل السالكين إلى الله عزَّ وجل. من معاني الفرار أيضاً :
هناك معنى آخر للفرار: فرارٌ من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً، من الجهل إلى العلم، أن تعتقد وأن تسعى، ومن الكسل إلى التشمير جِدَّاً وعزماً، ومن الضيق إلى السَعَةِ ثقةً ورجاءاً، من الجهل إلى العلم اعتقاداً وسعياً، من الكسل إلى التشمير جداً وعزماً، ومن الضيق إلى السعة ثقةً ورجاءاً.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((شمروا فإن الأمر جد))
شمروا هذه منزلة الفرار. ((تأهبوا فإن السفر قريب))
((تزودوا فإن السفر بعيد))
((أخلصوا النية فإن الناقد بصير))
((أكثروا الزاد فإن المسافة بعيدة))
((خففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود))
((جدد السفينة يا أبا ذر فإن البحر عميق))
((شمروا فإن الأمر جد))
عملية الفرار عملية فيها درجة عالية من الاهتمام والجدية والعزيمة. أنواع الجهل :
1-عدم العلم :
أيها الأخوة الكرام, الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع جهلٌ, وعدم العمل بموجبه ومقتضاه جهلٌ، الجاهل هو الذي لا يعلم، والجاهل هو الذي لا يعمل، والدليل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 67]
هذا جهل العلم، أعوذ بالله أن لا أعلم، أن الاستهزاء ليس من شأن الأنبياء، أعوذ بالله أن أكون جاهلاً بهذا الأمر، نقلته لكم بأمانةٍ عن الله عزَّ وجل، فالجهل نوعان: عدم العلم، وعدم العمل.
2-عدم العمل :
أما عدم العمل: كقول سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما قال :
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
أن يصبو الإنسان إلى امرأةٍ لا تحل له هذا جهل، ليس جهل علمٍ ولكنه جهل عمل، فالذي لا يعلم جاهل، والذي يخطئ جاهل:
ألا لا يجهـلـن أحدٌ علـينـا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أي أعوذ بالله أن أرتكب ما هو حرام، هذا معنى جهل العمل، لذلك: كل من يعصي الله عزَّ وجل مدموغٌ بالجهل، كل من يجهل حقيقةً أساسيةً في حياته مدموغ بالجهل، من يعرفها ويخالفها مدموغٌ بجهلٍ مُرَكَّب.
ماذا تبين لنا هذه الآية؟ :
الله عزَّ وجل في سورة الفاتحة يأمرنا أن نقول:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 6-7]
﴿غير المغضوب عليهم﴾
هؤلاء الذين عرفوا وانحرفوا، جهل عمل، ﴿ولا الضالين﴾
جهل علم، الضالون ما عرفوا وانحرفوا، انحرفوا لأنهم ما عرفوا، أما المغضوب عليهم عرفوا وانحرفوا، فجهلهم جهل عمل، الله عزَّ وجل يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾
[سورة النساء الآية: 17]
هذا الذي لا يعلم, ذنبه سريع الغفران، الذي يعمل السوء بجهالة, هؤلاء توبتهم سريعة وسهلة. هذا ما قاله قتادة :
وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كل ما عُصِيَ الله به فهو جهالة، وقال غيره: أجمع الصحابة: أن كل من عصى الله فهو جاهل.
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ))
[أخرجه الدارمي في سننه]
((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله, وكفى به جهلاً أن يعصيه))
من يعصي الله فهو جاهل. ما المقصود بالفرار من هذه الآية؟:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
الفرار هنا من الجَهْلَين: من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقاداً ومعرفةً وبصيرةً، ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصداً وسعياً، فإذا الإنسان رأى مكاناً يحترق وفي مكان لا يحترق، يفر بجديةٍ ما بعدها جدية, من مكان الحريق إلى مكان البرد والثلج.
فالفرار فرارٌ من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقاداً ومعرفةً وبصيرةً، ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصداً وسعياً.
والفرار أيضاً: أن يفر الإنسان من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل.
قف هنا :
فالإنسان أمام بعض العبادات، أمام بعض الأعمال الطيبة, تحتاج إلى جهد، إلى عزيمة ، تجد من يقول لك: ابق، الله يرزق العباد، في من يدعوك إلى الكسل، من يدعوك إلى أن لا تنفق، إلى أن لا تعمل، إلى أن تخلُد إلى الراحة، إلى أن تسترخي، وفي من يدعوك إلى العمل ، حي على الفلاح، الجد ها هُنا صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور، المنافقون, قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
الجد صدق العمل, وإخلاصه من شوائب الفتور, ووعود التسويف والتهاون، وقد هلك المسوِّفون، كلما هموا أن يتوبوا يقولون: غداً نتوب، بعد انتهاء الدراسة، بعد نيل الشهادة، بعد الزواج، بعد تأسيس عمل، بعد شراء بيت، يمضي كل حياته وهو يسوِّف إلى أن تأتية المَنِيَّة.
هذا ما يأمرنا به الله :
والله عزَّ وجل يأمرنا أن نتلقَّى أوامره بالعزم والجد، هذا معنى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
قال: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾
[سورة البقرة الآية: 93]
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 145]
﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾
[سورة مريم الآية: 12]
أي بجدٍ واجتهادٍ وعزمٍ, لا كمن يأخذ ما أُمِرَ به بترددٍ وفتور. من معاني الفرار إلى الله أيضاً :
من معاني الفرار إلى الله: أن تهرب من ضيق الصدر بالهم والغم والحزن والمخاوف التي تعتري الإنسان في هذه الدار, إلى سعة الإيمان وأُفُقِ الإسلام ورحابة طاعة الرحمن.
الفرار مما يتعلق بأسباب مصالحه، الإنسان له مصالح متشابكة, في أرض لم تسجَّل، في بيت لم يتم بيعه، في شركة لم يتخالص فيها الشركاء، في إرث لم يوزَّع، هذه كلها هموم ساحقة وضاغطة وماحقة، فالإنسان يهرب من هذه المصالح وما يتعلَّقُ بها من ماله وبدنه وأهله وعدوه، يهرب من ضيق صدره إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى، وكأن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام, يقول: لبيك اللهم لبيك، استجابةً لك يا رب بعد استجابة، وكأن الله يدعوه, ويقول: تعال إلي يا عبدي، تعالَ اخرج من همومك، ومن ضيق صدرك، ومن ثقل مصالحك، تعال إلي، حُط همومك عندنا.
إذاً: المؤمن يفر من ضيقٍ يعتريه، من ضيق الهم، وضيق الغم، وضيق الحزن, إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى، وصدق التوكل عليه، وحسن الرجاء لجميل صنعه به، وتوقع المرجو من لطفه وبره.
ومن أحسن كلام العامة: لا هم مع الله، أي أنه على كل شيء قدير، كل من حولك بيد الله، الأقوياء بيده، والضُعفاء بيده، وأهلك بيده، أعضاؤك بيده، أجهزتك بيده، خلاياك بيده، نمو الخلايا بيده، أعضاؤك النبيلة بيده، لا هم مع الله، من عرف الله ليس له هم، الأمر كله عائدٌ إليه، وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[سورة الطلاق الآية: 2-3]
كن عن همـــومك معرضا وكِــل الأمور إلى القــضا
وأبشــر بخـيـرٍ عـاجـلٍ تنسـى به مـا قـد مـضـى
يـا ربَّ أمــرٍ مـســخطٍ لـك في عـواقــبه رضـى
ولربَّمـا ضــاق المضيـــ ــق وربَّمـا اتســع الفضا
الـلـه يـفـعــل مـا يشـ ــاء فـلا تكـن مـعتـرضا
الـلــه عـوَّدك الجـمـيـل فـقــس على ما قـد مـضى
* * *
يا رب نازلةٍ ضاق بها الفــتى ذرعا وعنـد الله مـنها المخـرج
نزلت فلما استحـكمت حلقاتهـا فرجت وكان يظن أنها لا تــفرج
ما تفسير هذه الآية؟ :
أحد العلماء في تفسير قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
قال: يجعل له مخرجاً من كل ما ضاق على الناس.
وقال بعضهم: مخرجاً من كل شدة، وهذا جامعٌ لشدائد الدنيا والآخرة، ومضائق الدنيا والآخرة، فإن الله جلَّ جلاله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس, واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجاً.
وقال بعضهم والإمام الحسن منهم: مخرجاً مما نهاهم عنه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. من معاني هذه الآية :
الآن: كلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكُّل عليه، فإن الله لا يخيب أمله فيه البَتَّة، سبحانه لا يخيِّبُ أمل آمل، ولا يضيع عمل عامل، وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة, فإنه لأشرح للصدر, وأوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله, ورجائه له, وحسن ظنه به، هذا معنى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
من الضيق إلى السَعَة، من الخوف إلى الطمأنينة، من هموم الدنيا إلى التطلع للآخرة.
دقق في معنى هذا الكلام :
الآن لو تعمقنا قليلاً: هناك فرار من الرسوم إلى الأصول، من مظاهر الدنيا، من قصورها، من بيوتها، من نسائها، من مركباتها، من تجارتها، من أموالها، من حدائقها، من بساتينها، من الرسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد، أرباب العزائم لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها, بل يعتدون بأرواحها وحقائقها، فلا يرضى أن يصلي صلاة جوفاء، ولا أن يصوم صياماً لا معنى له، ولا أن يحج البيت سائحاً، ولا أن ينفق ماله رئاءاً, الصور لا تعنيه كثيراً تعنيه الحقائق، وهم حينما عملوا بهذه الحقائق جعلوها هي المطلوبة، ولم يجعلوا هذه الصور من مقصدهم ولا منتهى آمالهم, بل جعلوا حقائقها هي المطلوبة.
هناك ولا أعتقد أن هذه الفرق الآن موجودة، فرقٌ ضالة قالت: نحن مع الله دائماً فلمَ نصل؟ .
نحن نريد الحقائق لا الصور، هذه الفرق في الأعم الأغلب ليس لها وجود الآن، هؤلاء سعوا في الظاهر إلى حقائق الأمور، وألغوا ظواهرها، وإلغاء ظواهرها زندقة، فالذي لا يصلي.
هناك من يقول ولكن عن جهل: أنا لا أحقد على أحد، لماذا الصلاة؟ من أجل أن لا أؤذي أحداً، وأنا لا أؤذي أحداً، أظن أنه عندما ترك أمراً إلهياً الله عزَّ وجل أمره به، هو أفلح بذلك، مثل هؤلاء ضلوا ضلالاً بعيداً، وافتروا على الله كذباً, حينما أرادوا أن يبحثوا عن حقائق الأمور, فألغوا صورها كلِّيَةً.
ما معنى فروا من حظوظهم؟ :
ما معنى أيضاً: فروا من حظوظهم؟ .
قال العلماء: كل ما سوى مراد الله الديني منك, كائناً من كان, حظٌ يتناقض مع الإقبال على الله، المطالب الدنيوية، مطالب المادة، هذه الحظوظ تعيق حركتك إلى الله عزَّ وجل، هذا الذي فر من حظوظه إلى حقائق الأشياء، وفر من صورها إلى جوهرها، هؤلاء لا يقنعون من الله بأمر يسكن إليه دون الله، لا يطمئن إلا لرضاء الله عنه، لا يطمئن لعمل وهو ليس مقبلاً على الله عزَّ وجل، لا يفرح بما حَصَلَ له دون الله، لا يأسَ على ما فاته من سوى الله، لا يستغني برتبةٍ شريفة, وإن عظمت عنده, أو عند الناس، لا يستغني إلا بالله، فهناك مراتب علية حتى في الدين، مناصب عالية جداً، ألفاظ كبيرة، هذه الألقاب الكبيرة، هذه المناصب الرفيعة الدينية، هذه لا تغنيني عن القرب من الله عزَّ وجل، فر من حظوظه، وفر من أشكال الأشياء وصورها إلى حقائقها وجوهرها.
قال: هذا لا يقنع من الله بأمرٍ يسكن إليه دون الله.
لا يفرح بما حصل له دون الله، لا يأسَ على ما فاته سوى الله، لا يستغني برتبةٍ شريفة وإن عظمت عند الناس، لا يستغني إلا لله، لا يفتقر إلا لله، لا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، لا يحزن على ما فاته من الله، لا يخاف إلا من سقوطه من عين الله.
انظر إلى هذا القول :
قالوا: سقوط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله.
الكاذب، الخائن، المنحرف، المؤذي, الذي يكذب ويحتال على الناس, هذا سقط من عين الله، لا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجابه عن الله، فكله بالله، وكله لله، وكله مع الله، وسَيْرُهُ دائماً إلى الله، وقد رُفع له علمه فَشَمَّرَ إليه، وتجرَّد له مطلوبه فعمل عليه، تناديه الحظوظ: إلي إلي، وهو يقول: إنما أريد الله عزَّ وجل، ورضوانه، وتجلِّيه، وجنته، وإن فاته الله فاته كل شيء، فهو مع الله مجردٌ عن خلق الله، ومع خلقه مجردٌ عن نفسه، ومع الأمر مجردٌ عن الحظ المزاحم للأمر، ومع الحظ المعين على الأمر، فإنه لا يحطُّه تناوله عن مرتبته، ولا يسخطه من عين ربه.
هذه المرتبة عالية جداً، الفرار إلى الله، فر من الدنيا، فر من حظوظه، فر من شهواته، فر من همومه، فر من مشاغل الدنيا، فر من الأشكال.
قارن بين الشكل وبين الحقيقة :
الآن: تجد جامع فخم جداً، فهذا شكل، لكن المضمون الصلاة الصحيحة فيه، المضمون أن يرتاده طالب علم، المضمون أن يكون هذا المكان مركز إشعاع، أما في صور جميلة جداً في مساجد ضخمة، وقد دخلت لمسجد في المغرب يعد أضخم مسجد في العالم، تكلف ألف مليون دولار، مئذنته جامعة، وهي أطول مئذنة في العالم، والذي يجلس في حرمه يرى البحر تحته، حينما بني هكذا سمعت عنه، أن الذي أمر ببنائه أراد أن يتمثل قوله تعالى:
﴿وكان عرشه على الماء﴾
أن يكون هذا المسجد فوق البحر، وقد ترى البحر من خلال فتحات في حرم المسجد، فيه من الزخرفة ومن الأناقة والجمال ما لا يصدق, هذا شكل.
مسجد النبي عليه الصلاة والسلام من سَعَفِ النخيل، أرضه من البحص، لا يوجد رخام ، ولا يوجد خشب، ولا يوجد فسيفساء، ولا يوجد سجَّاد إيراني، ولا يوجد شيء من هذا القبيل ، ومع ذلك: خَرَّجَ أبطالاً ملؤوا الأرض بالعدل، والعلم، والفضيلة، والإحسان، والإنصاف، ففي شكل وفي حقيقة. مشكلة :
قد زارني أخ, أنشأ في أمريكا أضخم مركز إسلامي، أهداني كُتَيِّباً عنه، شيء لا يصدق ، قاعة المحاضرات تتسع لخمسة آلاف، كلها كراس من أفخر ما صُنِع، قاعات, المكتبات، المعهد، المسجد، على مساحات شاسعة، وتكلف إنشاؤه قريباً من خمسين أو ستين مليون دولار، فقال لي: في مشكلة هي مشكلة المشاكل، لا يوجد دعاة في مستوى هذا البناء، المسجد بالدعاة فيه، الجامعة بأساتذتها، المستشفى بأطبائها، ففي شكل وفي حقيقة.
هذا الذي فر إلى الله :
هذا الذي فر إلى الله لا تعنيه الأشكال، لا تعنيه المظاهر، لا تعنيه الألقاب، لا تعنيه مرتبة دينية عالية جداً, الناس يعظمونها, وهو ليس مع الله قريباً، يعنيه الاتصال بالله، الإخلاص لله، يعنيه العمل الصالح الذي يرضي الله، يعنيه الشوق إلى الله، فرار داخلي، فر من نفسه إلى الله، من حظوظه إلى الله، من همومه إلى الله، من رغباته إلى الله، من حركاته وسكناته إلى الله.
هذا واقع المسلمين اليوم :
أيها الأخوة, الفرق بين واقع المسلمين اليوم: أنهم تعلقوا بالصور، وتعلقوا بالمظاهر، وتعلقوا بالألقاب العلمية، وتعلقوا بالكتب، ولكن الإيمان الحقيقي أن تتعلق بالله جل جلاله، وأن تصل إليه، من الممكن أن تقيس إيمانك بقدرتك على الاتصال بالله عزَّ وجل، فالذي لا يقدر أن يتصل بالله, فمعنى ذلك: أن عنده مشكلة، في عقبات، هناك عقبات كأداء تحول بينه وبين أن يتصل بالله عزَّ وجل، هذه العقبات ينبغي أن تُزال، فالمؤمن حكيم نفسه، فإذا صلى ولم يشعر بشيء، وقرأ القرآن فلم يشعر بشيء، وذكر الله ولم يشعر بشيء، فهناك مشكلة كبيرة، معنى هذا: أن الطريق إلى الله غير سالك، معناه في سوء ظن بالله، أو في شبهة، أو في معصية، أو في مخالفة، والإنسان حكيم نفسه.
هذا المؤمن :
فمن يومين زارني أخ، وقال لي: لصوص اقتحموا بناء لي, وأخذوا حاجات بمئة ألف ، أعجبني منه هذا الورع، قال لي: والله لم آسف على ما ضاع مني، ولكنني قلقٌ على مكانتي عند الله، لعل هذا عقابٌ أستحقه بذنبٍ لا أعلمه، فقلقه لا من ضياع هذا المبلغ, ولكن خوف أن تكون مكانته عند الله مهزوزة، قلت له: والله إني أكبرتك، أكبرت فيك هذا الورع، وذاك الحرص.
فالمؤمن الصادق يقلقه ألا يكون الله راضياً عنه، ولو رضي عنه كل الناس، الأصل أن يرضى الله عنك، الأصل أن يحبك الله، الأصل أن يقبلك الله، الأصل أن يقبل عملك.
رسالة إلى رواد المساجد :
فهؤلاء الذين -أنا أقول مما يعمل في الحقل الديني، رواد المساجد، المؤمنون، طلاب العلم-, هؤلاء ينبغي ألا تعنيهم المظاهر، يجب أن تعنيهم الحقائق، ينبغي ألا تعنيهم الرسوم، ينبغي أن تعنيهم الحقائق، هذا الدين على اتساعه فيه كلمات:
﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 31]
السيد المسيح، جاءت آيةٌ كريمة على لسانه في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 31]
أوصاني أن أتصل به، وأن أحسن إلى خلقه، هذا الدين، الدين ذكر وشكر، الدين إيمان وعرفان، الدين إقبال على الله، الدين إخلاص له، الدين طاعة تامة، الدين أن تشعر أنك أسعد الناس. هذا ما نطق به الحاج :
قال لي أحد الأخوة بعد أن حج بيت الله الحرام، قال كلمةً أعجبتني, ثم ترددت في صوابها، فأتبعها بكلمة فأتمها، قال لي: والله ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، صح، أتقى إنسان هو أسعد إنسان، ولا هم مع الله، فالله بيده كل شيء, حاضر ناظر، قوي غني، سميع مجيب، كل من حولك بيده.
خاتمة القول :
أيها الأخوة, هذه المنزلة، منزلة الفرار إلى الله عزَّ وجل، تنطلق من قوله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
فِر؛ حركة سريعة، حركة فيها عزيمة، حركة فيها جِد، حركة فيها اهتمام، حركة فيها بطولة، فروا إلى الله، فهل من الممكن: أن تحاسب نفسك قبل عشرين سنة عن شيء أكلته ولم تدفع ثمنه في مطعم؟ ممكن، من الفرار، هل من الممكن: أن تحاسب نفسك حساب عسير عن كلمة قلتها لا ترضي الله؟ عن درهمٍ أنفقته فيما لا يرضي الله؟ فهذا الذي فر إلى الله له اهتمامه الشديد، وعزيمته الصادقة، وإقباله على الله، ولا تعنيه الرسوم.
((رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس, لو أقسم على الله لأبره))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
((رب درهمٍ سبق ألف درهم درهمٌ أنفق في إخلاص, خيرٌ من مئة ألف درهم أنفقت في رياء))
والعبرة: أن تبتغي الرفعة عند الله، الرفعة عند الناس سهلة، كن غنياً يعظمك الناس، كن قوياً يخافك الناس، كن وسيماً ينظر الناس إليك بكل عيونهم، أعطهم سؤلَهُم يحبك الناس، العبرة أن تبتغي الرفعة عند الله، هذا معنى الفرار إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
الفرار فيه سرعة، لا إنسان يفر ببطء، هارب من عدو وماشٍ خطوة خطوة، ليس هذا هو الفرار، الفرار فيه سرعة، والفرار من شيء مخيف إلى شيء مسعد، من مكان مقلق إلى مكان آمن، الفرار من ضيق إلى سَعَة، من خوف إلى طمأنينة، من قهر إلى سيطرة، الذهاب من هَم إلى سعادة، هذا هو الفرار، فروا إلى الله، فروا منه إليه، فروا من معصيته إلى طاعته، فروا من شركائه إليه، من الأغيار إليه، الفرار إلى الله منزلة من منازل السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و الخمسون )


الموضوع : الادب









الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما تفسير هذه الآية في رأي ابن عباس وغيره؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والخمسين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, والمنزلة اليوم: منزلة الأدب، انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[سورة التحريم الآية: 6]
قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم. قف هنا :
إنسان في الستين من عمره, يقول لك: هذا الجهاز انظر من خلاله على كل ما في العالم، وأنا لا أتأثر بسلبياته، فقلت له: ألا تخشى على أولادك؟ قال: بلى, قلت: يكفيه شراً أنه يؤذي أولادك، لأن الله عز وجل يقول:
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾
فأنت مكلف أن تقي نفسك، وأن تقي أهلك من النار، فإذا كنت في وضع معين, وفي سن معين، وفي اهتمامات معينة، وسمحت لأولادك أن يطلعوا على شيء يجعلهم كالبركان الثائر، فأنت ربما تمكنت أن تقي نفسك ولكنك لم تقِ أولادك، والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾
قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم. ماذا تعني كلمة الأدب؟ :
أيها الأخوة, كلمة الأدب كلمة جامعة، كما أن الكريم كلمة جامعة, يقابلها اللئيم كلمة جامعة، الكريم كلمة تجمع كل صفات الخير في الإنسان، واللئيم كلمة تجمع كل الصفات الخسيسة، والأدب كلمة جامعة تجمع خصالاً كثيرة، طبعاً الأدب كعلم أو كفن، الجامعة تمنح لسانس في آداب اللغة العربية وعلومها، في الآداب والعلوم، النحو, والصرف، والبلاغة، والعروض، هذه علوم، أما الأدب، التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الصيغة الشعرية، النثر الفني هذا أدب.
من تعريفات الأدب: علم إصلاح اللسان والخطاب، وإصابة مواقعه, وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الخطأ والخلل، وهو شعبة من الأدب العام، فلان أديب، يعني يكتب كلاماً جميلاً.
لاحظ الفرق بين هذا القول وبين قول الأديب :
واحد قال: تكاثرت علي المصائب، الأديب يقول:
رباني الـدهـر بالأرزاء حتـى فـؤادي في غـشــاء مـن نـبالِ
فـصرت إذا أصابـتني ســهام تكسرت النصال على النصـــــال
وقول آخر: كفى بجســمي نحولاً أنني رجل لولا مخــــاطبتي إيــاك لم ترن
نحيل جداً, لولا مخاطبتي إياك لن تراني, تعبير فني.
أحد الشعراء أراد أن يهجو مغنياً قال:عواء كلـبٍ على أوتار مندفـة في قبح قــرد وفي اســتكبار هامان
وتحســب العين فكـيه إذا اختلفا عـند التنــغم فـكي بغل طــحان
هذا أدب, يعني وصف بليغ، الشعر العربي أدب، والنثر أدب. من ديوان الشعر العربي :
الحجاج خطب فقال: إني لأرى رؤوساً قد أينعت -استوت- وحان قطافها, وإني لصاحبها –سأقطعها-.
طبعاً ليس الدرس درس أدب, لكن الأدب فرع من فروع الأدب العام، من عنده أسلوب جميل لفظاً أو كتابةً، هذا يقال له: أديب.
يعني بالشعر الجاهلي يصف عنترة فرسه قال: فـازور مـن وقـع الـقـنا بلـبانــه وشــكــا إلي بـعـبـرة وتحـمـحمِ
لو كان يدري ما المــحاورة اشتــكى ولكــان لــو عــلم الكــلام مكلمي
أبو العتاهية يقول: لا تأمن الموت في طرف ولا نفس
وإن تمنعـــت بالحجاب والحـرس
فمـا تزال ســـهام الـمــوت نافـذة
فـي جـنـب مدرع منها ومتــرس
أراك لســـت بـوقـاف ولا حـذر
كالحاطب الخــابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السـفينة لا تجـري على اليـبـس
يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن من البيان لسحر، وإن لمن الشعر لحكمة، والشعر ديوان العرب))
أصغ السمع إلى مديح هذا الشخص لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
وكلمة الشرعي أنه كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن إنساناً مدح رسول الله:
فليتـك تحلـو والحيـاة مريرة وليتك ترضى والأنــــام غضابُ
وليت الذي بيـن وبينك عامـر وبيــني وبين العــالمين خـراب
كلام طيب: فلو شـاهدت عيناك مـن حسـننا
الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا
خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعـم المحبة ذرة
عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا
ولو نسـمت من قربنا لك نسمة
لمت غريبـاً واشـتـياقا لقـربنـا
ولـو لاح من أنــوارنا لـك لائح
تركـت جمـيع الكائـنات لأجـلـنا
فمـا حبنا سهل وكـل من ادعى
سـهولته قلنـا له: قـد جهـلـتنا
انظر إلى هذا الوصف البديع لهذا الشاعر لضيفه الذي كان يزوره في الظلام : أحد الشعراء أصابته حمى, قال:
وزائـرتــي كأن بهـا حياء فلـيـ ـس تـزور إلا فـي الـظــلام
بذلت لهــا المــطارف والحشـايا فعافتــها وبــاتت في عـظامي
أبنت الــدهر عنـــدي كلُ بنـت فكيف وصـــلت أنت من الزحام؟
كل بناته عندي، فكيف وصلت أنت من الزحام؟ .
يعني إذا الإنسان قوىّ أسلوبه، ودعا إلى الله، الأسلوب الحسن يحسن المضمون, أنت لو قدمت شراباً نفيساً بكأس نظيف وجميل، جمال الكأس ونظافته تزيد الشراب طيباً، ولو قدمت هذا الشراب النفيس بكأس غير نظيف أو كأس قبيح لأساء لمضمونه.
على كلٍ؛ كان عليه الصلاة والسلام أفصح العرب قاطبةً.
علمونا في الجامعة أن أعلى نص بعد القرآن كلام رسول الله، كان أوتي جوامع الكلم، وأعلى نصٍ بعد كلام رسول الله كلام سيدنا علي رَضِي اللَّه عَنْه. من تعاريف الأدب :
فإذا الإنسان قرأ نصاً, يجب أن يضع يده على المواطن الجمالية فيه, وجد فيه صورة جميلة، في أحياناً صور رائعة جداً، تعبيرية, تشبيه, استعارة، كناية، صورة متحركة، عبارة رشيقة، حكمة بليغة, ما ضاعت عَبرةٌ كانت لصاحبها عِبرة, صدق القائل:
إذا مـلك لم يكن ذاهبة فـدعـه إن دولته ذاهبة
طبعاً: أعطيتكم نماذج من الشعر والنثر هذا هو الأدب، من تعاريفه الدقيقة: التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الأسلوب الجميل، إن من البيان لسحراً، والله عز وجل يقول: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
[سورة الرحمن الآية: 1 ـ 4]
الأدب كأسلوب في الإلقاء، أو في الكتابة، أو في الشعر، فرع من فروع الأدب العام، والذي يملك ذوقاً أدبياً، ويستمع إلى كلمات عامية قبيحة، يتألم أشد الألم، وجمال الرجل فصاحته.
انظر إلى هذا الحوار الذي دار بين عبد الملك بن مروان وبين هذا الغلام الصغير :
كلكم يعلم: دخل على عبد الملك بن مروان وفد, تقدمهم غلام صغير, فغضب غضباً شديداً، فتوجه إلى حاجبه, وقال: ما شاء أحد أن يدخل علي حتى دخل، حتى الصبيان، فقال هذا الصبي الصغير: أيها الأمير, إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني، كهذه السنوات العجاف، قال: أصابتنا سنة أذابت الشحم، وأصابتنا سنة أكلت اللحم، وأصابتنا سنة دقت العظم, ومعكم فضول مالٍ، فإن كان هذا المال لله فنحن عباده، وإن كان لكم تصدقوا به علينا, وإن كان لنا فعلامَ تحبسوه عنا؟ فقال الملك أمير المؤمنين: والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدة عذرا.
هكذا يربي الإسلام أبناءه :
سيدنا عمر كان يمشي بالطريق, رأى أطفالاً، لما رأوه ولوا هاربين، بقي واحد منهم بأدب، قال: أيها الغلام, لِمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير، لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
هذا ما أوتي به النبي عليه الصلاة والسلام :
أجمل ما في الرجل فصاحته وبيانه، وكان عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، كان منطقه كأنه خرزات نظم يتحدرن، كان كلاماً فصلاً لا هذراً ولا نذرا.
كان عليه الصلاة والسلام يقول:
((إن الله تعالى يكره الانْبِعاقَ في الكلام, فرحم الله عبداً أوجز في كلامه))
أنواع الأدب :
اليوم درسنا منزلة الأدب بمعناها الواسع؛ أن تكون أديباً مع الله, وأن تكون أديباً مع رسول الله، وأن تكون أديباً مع الخلق.
فقال العلماء: الأدب ثلاثة أنواع: أدب مع الله سبحانه وتعالى، وأدب مع رسوله وشرعه، وأدب مع خلقه.
أنواع الأدب مع الله :
فالأدب مع الله ثلاثة أنواع أيضاً:
أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة: أنت بالصلاة تعامل الله، وفي الصيام تعامل الله، وفي الحج تعامل الله، وفي تنفيذ أوامر الله تعامله، تغض بصرك عن محارم الله، تتحرى الحلال، لا تأخذ ما ليس لك، صيانة معاملته عن أن يشوبها بنقيصة.
والثاني: صيانة قلبه عن أن يلتف إلى غيره.
والثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يُمقتك عليه: يعني لا تريد إلا رضاه، ولا تنشغل إلا به، ولا يشوب معاملتك له شائبة، هذا هو الأدب مع الله.
ما قيل عن الأدب :
قال أحد العلماء: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبته.
وقال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
الأدب يعقد صلة مع الله، الأدب يحرك المشاعر، نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
والإمام الحسن البصري سئل عن أنفع الأدب, فقال: التفقه بالدين, والزهد بالدنيا، والمعرفة بما لله عليك.
قال بعض العلماء: القوم استعانوا بالله, على الله, على مراد الله, وصبروا لله على آداب الله، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟ كيف الذي يجاهر الله بالمعصية؟.
قال بعض العلماء: القوم -يعني أهل الحق- استعانوا بالله على مراد الله، وصبروا لله على آداب الله.
قال أبو حفص لما قال له الجنيد: لقد أدبتُ أصحابك أدب السلاطين، فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب بالباطن.
يعني أنت كيف مع إنسان عظيم تحترمه، ترتدي ثياباً كاملة أمامه, تخاطبه بأدب جم، تجلس أمامه جلسة أديبة، كيف تتصرف مع عظيمٍ من بني البشر، هكذا ينبغي أن تكون مع خالق البشر.
وقال بعضهم: والأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة ، على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء, كما لو أنك تجالس ملكاً، يعني إنسان لا ينام، والمصحف نحو قدميه لا ينام، لا يجعل مثلاً في غرفة نومه أشياء مقدسة، لعله يستحي من الله عز وجل، لا يغتسل عرياناً كما خلقه الله.
يعني النبي الكريم رأى رجلاً يغتسل عرياناً، طبعاً أمام الناس ليس في الحمام, فقال: ((خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحي من الله))
يعني الحياء من الله مطلوب.
يلفت نظري بالحج أحياناً: الحاج نصفه العلوي عارٍ كلياً، ونساء ورجال، هذا ليس من الأدب، يعني في إزار وفي رداء، الرداء ضعه على كتفيك، فهناك من يخلع الرداء ويبقى على الإزار فقط، في عرفات وفي أثناء الجلوس في الخيام، وفي نساء في رجال، الإنسان كلما كان أكثر أدباً، كلما كان أكثر قرباً لله عز وجل.
عن أنس -رَضِي اللَّه عَنْه- قال: ما رؤي قط مادا رجليه بين أصحابه.
وهو سيد الخلق، كان يقول: ‏آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد
قال: الأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء، كحال مجالسة الملوك ومصاحبتهم.
وقال بعض العارفين: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص. ما قيل عن الأدب أيضاً :
ويرى بعضهم أن طريق الأدب: أن تعرف رعونات النفس، وأن تجتنب تلك الرعونات.
أحياناً الإنسان يتجشأ بصوت عالٍ، يجلس جلسة فيها كبر، يضع رجلاً فوق رجل، يجلس ورجلاه متباعدتان، يتثاءب ويفتح فمه, والله الأدب جميل، اللهم صل عليه كان مثلاً أعلى في الأدب, بالتواضع، دخل مكة خافضاً رأسه، تواضعاً لله عز وجل، حتى كانت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان أكثر حياء من العذراء في خدرها.
يعني امرأة سألته سؤالاً محرجاً، فاحمر وجهه، قالت: كيف أتتبع مواضع الدم في أثناء الحيض؟ قال: يا سبحان الله! تتبعي مواضع الدم, -وما فصَّل أكثر خجلاً-.
امرأة تسأل سؤالاً على الهاتف لا أدب فيه، بقضايا نسائية محضة، خاصة جداً, وكأنها لا تقول شيئاً, الإنسان كلما ازداد قربه من الله ازداد أدبه.
وقال بعض العارفين: إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب، إن صحت محبتك لله كنت أديباً معه.
انظر إلى أدب هذا النبي مع ربه :
الآن: أضع بين أيديكم طائفة من مواقف الأنبياء مع الله عز وجل, ولعله هو محور درسنا هذا.
سيدنا عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]
لو أنه قال: لم أقل ذلك، قال: ‏ ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]
طرفة :
في خليفة أموي سأل وزيره: لِمَ لمْ ينزل عثمان درجة كما فعل عمر؟ قال له: والله لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر، عملها سيدنا عمر مرة وانتهى الأمر، إذا ولو عملها سيدنا عثمان لأصبحت سنة.
على كلٍ؛ هذا أدب كبير.
هذا أدب عمر مع صاحبه الذي سبقه إلى رحمة ربه :
سيدنا عمر مع أصحابه, مدحه أحدهم كما هي العادة, قال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، قال: فأحدَّ فيهم النظر، وغضب غضباً شديداً، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيراً منك، قال له: من هو؟ قال: أبو بكر، فقال: كذبتم جميعاً وصدق -عد سكوتهم كذباً-, قال: والله كنت أضل من بعيري, وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك.
أرأيتم إلى هذا الأدب مع الخليفة السابق الراحل؟ الناس الآن الحالي يذم السابق دائماً، أما سيدنا عمر كان يثني على سيدنا الصديق.
تمعن قليلاً في هذه الآيات :
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية:116 ـ 118]
هذه الآيات الإنسان إذا قرأها, يشعر بهذا المستوى الرفيع من هذا الأدب، كيف يخاطب رب العزة؟.
ورد في الأثر :
جاء في بعض الآثار: أن حملة العرش أربعة, اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على عفوك بعد قدرتك, لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾
[سورة النساء الآية: 12]
الحمد لله على حلمك بعد علمك، الإنسان قد لا يعرف عن ابنه شيئاً ساكت، أما إذا عرف أنه فعل عملاً قبيحاً يثور ويغضب، فربنا عز وجل يعلم ما يفعل عباده.
وقفة تأمل :
مرة وقفت على جبل قاسيون, نظرت إلى دمشق، مدينة وادعة، لطيفة، هادئة، لكن يا ترى: في البيوت كم بيت فيه معصية؟ كم بيت فيه دعارة؟ وكم بيت فيه زنا؟ وكم بيت فيه شرب خمر؟:
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 17]
الحمد لله على حلمك بعد علمك، الله يعلم، نحن كبشر الإنسان أمامك؛ كلامه لطيف، أنيق، نظيف، مرتب، لكن يا ترى له أعمال خسيسة؟ أنت لا تعلم، لكن الله يعلم، ويعلم ويحلم:
الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك.
الضعيف إذا عفا لا قيمة لعفوه، لكن القادر إذا عفا، العفو عند المقدرة. هذا ما صنعه نبيكم مع من أساؤوا إليه ولدعوته :
النبي -عليه الصلاة والسلام- مكة ناصبته العداء عشرين عاماً, وقتلت أصحابه، ونكلت بهم، وأخذت أموالهم، وهجّرت النبي، وحاولت قتله وأخرجته، وناصبته العداء عشرين عاماً، فلما دخل مكة -يعني بإمكانه أن يلغي وجودهم بكلمة واحدة، عشرة آلاف سيف متوهجة تنظر أمراٌ منه-, فقال عليه الصلاة والسلام:
((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
العفو بعد المقدرة.
أهل الطائف بالغوا في الإساءة إلى النبي، كذبوه، وسخروا منه, وأغروا صبيانهم بإيذائه، الله عز وجل مكنه أن ينتقم منهم، جاءه ملك الجبال، قال: ((يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده))
ما تخلى عن قومه، واعتذر عنهم، ودعا لهم، وتأمل أن يهديهم الله عز وجل. من معاني هذه الآية :
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 78 ـ 80]
بعض العلماء حملوها على أنه أدباً مع الله، قال: وإذا مرضت, لكن الحقيقة: هناك معنى آخر لهذه الآية، أصل المرض مخالفة لمنهج الله، يعني أنت مصمم تصميماً رائعاً ألا تمرض، فإذا خرجت عن منهج الله، ومنهج رسوله، فالمرض أصله من مخالفة القواعد التي جاء بها الأنبياء، وأحياناً يكون المرض بأسباب من العصر، تلوث عام, مواد مسرطنة عامة، ضغط نفسي، على كل؛ الإنسان مصمم أن يحيا حياة ناعمة هادئة.
انظر إلى هذا الأدب عند مؤمني الجن :
مؤمنو الجن قالوا:
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾
[سورة الجن الآية: 10]
لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, ما قال: لا ندري أشرٌ أراد الله بمن في الأرض، قال: لا, لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, هذا من الأدب.
انظر إلى أدب الأنبياء مع ربهم :
سيدنا موسى قال:
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
سيدنا آدم قال: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 23]
سيدنا أيوب قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 83]
يعني الله عز وجل سميع بصير: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين, هذا دعاؤه.
سيدنا يوسف قال:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
ولم يقل من الجب، لأنه لو قال من الجب لذكر أخوته بعملهم الشنيع، ولم يقل تأمروا عليه، قال:
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
ما معنى هذا القول؟ :
قال بعض العلماء: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً.
الإنسان أحياناً الله يحجبه, حجابه أكبر عقاب، إذا كان فيما بينه وبين الله ليس على حال حسن، يحجبه، إذا أساء بالظاهر يهينه، إذا أساء بالباطن يحجبه، فإذا أساء الأدب ظاهراً يعاقبه ظاهراً, وإن أساء الأدب باطناً يعاقبه باطناً، لذلك واحد قال:
إذا صليت فلم تشعر بشيء، وإذا قرأت القرآن ولم تشعر بشيء، وإذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء، مشكلة كبيرة في علاقتك مع الله، معناها محجوب, والله عز وجل يقول:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
صليت ولم تشعر بالقرب، ذكرت ولم تشعر بالصلة، قرأت القرآن وأنت بارد العاطفة، معناها محجوب, في مشكلة، يجب أن تبحث عنها، في تقصير، في إساءة، في مخالفة، في سوء ظن بالله، في تعلق بالدنيا, في تعلق بشخص منحرف، في إهمال العبادات، الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، أن تسوء علاقتك بالله في حجاب، من عنده حساسية بالغة، ومن عنده حكمة, يراقب نفسه عندما يحجب, إنما يحجب لعلَّة.
احذر أن تقع في هذا الحرمان :
وقال ابن المبارك: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن, ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة:
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 14]
في آداب، في سنن، في فرائض، في معرفة، إن تهاونت بالأدب عوقبت بالحرمان من السنن، إن تهاونت بالسنن عوقبت بالحرمان من الفرائض، إن تهاونت بالفرائض عوقبت بالحرمان من المعرفة، ران على قلب هذا الإنسان الغشاوة التي تحول بينه وبين الحق.
من تعريفات الأدب :
وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل.
قال بعضهم: تاهت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها.
حتى العمل الطيب إذا اقترن بالمن والأذى والفخر، هذا العمل الطيب تاه صاحبه به فذهبت قيمته.
وقال بعضهم: حقيقة الأدب استعمال الخُلق الحسن، وقال بعضهم الآخر: الأدب استخراج ما في الحياة من الكمال من القوة إلى الفعل.
يعني أنت مفطور فطرة عالية، هذه الفطرة العالية الخفية تترجم إلى عمل، تترجم إلى ابتسامة, إلى تواضع، إلى كلمة شكر. نهاية المطاف :
والشيء الذي يوضح الحقيقة الآن: قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7 ـ 8]
يعني فطرها وجبلها على جبلة عالية، فإن فعلت الكمال ارتاحت، وإن فعلت النقص اكتأبت، وكل إنسان عمله السيء عقاب له عقابٌ لفطرته، كل إنسان يخرج عن قواعد فطرته الكاملة, يتألم وينقبض ويشعر بأنه قد أساء، وما يقال اليوم: عن الكآبة، وضيق النفس, والسأم, والضجر، والملل، هذا كله من علامات خروج النفس عن قواعد فطرتها.
ملخص الملخص:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 9 ـ 10]
يعني أعظم عمل على الإطلاق أن تذكي نفسك، لتكون مؤهلةً لدخول الجنة، إلى أبد الآبدين، والله عز وجل يقول:
﴿قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها﴾










والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و الخمسون )


الموضوع : الادب مع رسول الله










الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.من أدب النبي عليه الصلاة السلام مع ربه :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد بدأنا في الدرس الماضي بمنزلة الأدب، وكان هذا الموضوع منشعباً إلى ثلاث شعب: الأدب مع الله، والأدب مع رسول الله، والأدب مع الخلق.
تحدثنا عن الأدب مع الله عز وجل, وننتقل اليوم إلى الأدب مع رسول الله، الله عز وجل وصف أدب هذا النبي الكريم, فقال:
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾
[سورة النجم الآية: 17]
زاغ البصر انحرف، طغى تجاوز، فأدبه يتجلى في نظره، قال تعالى:
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾
[سورة النجم الآية: 17]
لم يلتفت جانباً ولم يتجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والإخلال بالأدب أن ينظر المرء عن يمينه وعن شماله، أو أن يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمامَ الأمامِ المنظور طغيان ومجاوزة.
شيء آخر: من أدب النبي عليه الصلاة والسلام: التوافق التام بين بصره وبصيرته, قال تعالى:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 11]
أنت قد تــرى إنساناً بحالة مادية رائعة جداً فتغتر به، وينتقل إلى القلب عظيم اللهو ، فإذا كان خارقاً لحدود الله, فكيف يتوافق تقييم القلب -أي بصيرته- مع تقييم العين المبهورة به؟ فمن كمال أدب الإنسان: أن لا تتناقض بصيرته مع بصره، إن رأيت شيئاً جميلاً, فيه ترف شديد, وعلمت أن صاحب هذا الشيء على انحراف تام, ينبغي أن يدخل إلى القلب استصغار لهو على ما عنده من مظاهر الترف.
هذه هي البطولة :
ذكرت لكم من قبل: كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام مر به رجل, وهو بين أصحابه الكرام، فسألهم عنه، فيبدو أن أصحابه الكرام رأوه غنياً كريماً معطاءاً، فقالوا:
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ, قَالَ:
((مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ, هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
فالبطولة: أن تصل إلى رؤية تقيّم الشخص, لا وفق مقاييس البشر، بل وفق مقاييس خالق البشر، تقييم الشخص وفق مقاييس البشر, تعظمه لماله، وتعظمه لجماله، وتعظمه لنواله، ولكن تقييم الشخص بمقاييس خالق البشر, تعظمه لعلمه ولورعه, لاستقامته, لدعوته, لإخلاصه.
هذه بطولة أيها الأخوة، أن تستخدم المقاييس التي يقيم بها الله عباده المؤمنين، من هنا قيل: ابتغِ الرفعة عند الله.
ما معنى هذه الآية؟ :
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 11]
أي ما تناقضت البصيرة مع البصر، لو فرضنا أنك ذهبت لمحل تصليح مركبات في حي شعبي، والمحل بارد, وفيه أدوات, وأطيان, وزيوت, وعمل شاق, وصاحبه مستقيم, ووفي, وصادق, وعمله متقن, وأجره معتدل، ودخلت إلى محل من أجمل أسواق المدينة, يبيع حاجات نسائية، والمحل فيه نظرات, وهمزات, ولمسات, وكلام فاحش, وشباب يتطلعون إلى النساء الغاديات الرائحات، فإذا أُعجبت بهذا المحل التجاري بأناقته وجماله ونعومته, ولم تعجب بذاك المحل القاسي, فبصيرتك تختلف عن بصرك، يجب أن ينبع البصر من البصيرة، ينبغي أن ترى بحسب الحقيقة لا بحسب ما ترى, هذا معنى ما قاله بعض العلماء:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 11]
الأدب هو الدين كله :
أيها الأخوة, الأدب قال: هو الدين كله، الدين كله أدب، ومن قال: لا حياء في الدين, لعله ذكرها على غير ما أرادوها، الدين كله حياء.
النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: يا بنيتي, إن هذه الثياب رقيقة, تصف حجم عظامك.
اختار كلمة لا يمكن أن تثير شهوة, وأية كلمة أخرى تثير الشهوة، فالنبي يتكلم بأعلى درجات الحياء، وامرأة سألته عن دم الحيض, قال:
((تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا, فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا, حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ, ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ َقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِينَ بِهَا, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ, فَقَالَ: تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ، وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِي, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ, وَقَالَ: قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِهَا وَاسْتَتَرَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، والدين كله حياء، وهذا الذي لا يستحي بعيد عن الدين، أنت تستحي بقدر إيمانك، والحياء من الإيمان، وورد في بعض الأحاديث الشريفة:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاتَ يَوْمٍ اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ, وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ))
فالأدب هو الدين كله، وإن ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة من الأدب ، والتطهر من الخبث من الأدب، حتى تقف بين يدي الله طاهراً، فالدين كله أدب. من أركان الدين :
لذلك: بعضهم يقسم الدين عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، في الدين أربعة أركان: عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، ولا يغيب عن ذهنكم أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرِّم شيء إلا بالدليل، وأن الأصل في العبادات الحظر ولا تشرَّع عبادة إلا بالدليل، فإذا قلنا: الدين عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، الآداب تاج يتوّج به المؤمن, حتى إن أصحاب النبي عليهم رضوان الله, تعجبوا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام, فقالوا:
((يا رسول الله! ماهذا الأدب؟ فقال: إن الله أدبني فأحسن تأديبي, ثم أمرني بمكارم الأخلاق))
والله عز وجل فيما يبدو يؤدب المؤمنين. قصة :
أحد أخواننا عنده معمل ملبوسات, يبيع بالجملة كميات كبيرة، فدخل إليه شخص من رواد المسجد، فطمع أن يبيعه بسعر معتدل, فقال له: أريد خمس قطع لأولادي، فصاحب هذا المعمل, شعر أن هذا البيع فيه إهانة، هو يبيع أربعمئة دزينة، ما هذه الكمية أربع قطع فقط؟ فاعتذر وقال: أنا والله لا أبيع بالمفرق, فهذا انكفأ وخرج من محله التجاري، يقول لي صاحب هذا المعمل: والله ثلاثة وثلاثون يوماً لم يدخل لهذا المعمل مشترٍ, قال: حتى جف دمي, فقلت : يا رب, والله سأبيع قطعة واحدة بالمستقبل، والله أدبه, وعلى هذا فقس، الله يؤدب، تتكلم كلمة فيها تجاوز, يحجبك الله أو يفعل شيئاً يعلمك أن كلمتك خطأ.
أحياناً: الإنسان يعتد بنفسه، ويعتمد على ماله، رجل ماله كثير قال: كل شيء ينحل بالمال، قال: الدراهم مراهم، انزلق إلى تأليه المال وهو لا يشعر, وقع بمشكلة بقي بالمنفردة ثلاثة وستين يوماً, ويأتيه كل يوم خمسون خاطراً, هل تحل هذه الأزمة بالمال؟ لا، فربنا أدبه.
فأنت كلما ازداد إيمانك ازداد أدبك مع الله، لا تتكلم كلمة فيها تجاوز، الأدب مطلوب والدين كله أدب، وإذا قال: الدين عبادات وعقائد ومعاملات, فالأدب تاج يوضع على رأسك.
انظر إلى هذا الأدب عند النبي :
قال: النبـي عليه الصلاة والسلام ما رؤي ماداً رجليه قط, من شدة أدبه مع أصحابه, هم أصحابه وأحبابه.
كان إذا طرق باباً يعطي ظهره للباب، إذا سأل ابنته على موضوع زواج, يخاف أن تستحي منه يعطيها ظهره، ويقول:
((يا بنيتي إن فلاناً قد ذكرك))
والحقيقة: إذا الإنسان قرأ السيرة, يرى من أدب رسول الله الشيء الكثير، الشيء الذي لا يصدق. من الأدب في الصلاة مع الله عز وجل :
1-ألا ترفع بصرك إلى الأعلى :
قال: من الأدب في الصلاة: ألا ترفع بصرك إلى الأعلى، هذا من الأدب، أن ترى مكان سجودك، إلا في حالة أن تكون في بيت الله الحرام, فمستحب أن تنظر إلى الكعبة.
ومن كمال أدب الصلاة: أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقاً خافضاً طرفه إلى الأرض, ولا يرفع بصره إلى فوق. 2-ألا يستقبل بيته الحرام ولا يستدبره عند قضاء حاجته :
ومن الأدب مع الله: ألا يستقبل بيته الحرام ولا يستدبره عند قضاء حاجته، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم.
وقال بعض العلماء: إن هذا الأدب يعم الفضاء والبنيان كما ذكرنا في غير هذا الموضع.
إذا بنى الإنسان بيتاً, ليحاول أن لا تكون دورة المياه باتجاه القبلة أو بعكسها, شرقاً أو غرباً، كما ورد هنا.
3-السكون في الصلاة :
ومن الأدب مع الله عز وجل: السكون في الصلاة، لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، فليس من الخشوع الحركات الكثيرة, والتنحنح, وتغيير المكان, وتعديل وضع الرأس, وإصلاح الثياب.
سمعت أن بعضهـم يرى ساعته في الصلاة, وبعضهم الآخر يعد دراهمه, هكذا سمعت، لكن لم أرَ، فكلما كان الأدب مع الله عالياً تقل الحركات في الصلاة.
حتى إن بعض علماء التفسير قالوا:
﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 23]
بمعنى أنهم يخشعون في حركاتهم، أطرافهم دائمة على سكونها, وقد فرق العلماء بين أمرين: بين الدوام على الصلاة وبين المداومة عليها، فالدوام على الصلاة سكون الأعضاء أثناء الصلاة، والمداومة على الصلاة هي الحفاظ عليها:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 34]
4-استماع القراءة :
ومن الأدب مع الله عز وجل: استماع القراءة، أن يلقي السمع وهو شهيد، أن يصغي, قال تعالى:
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 204]
5-أن يستوي في الركوع وأن يعظم الله تعالى :
ومن الأدب في الصلاة مع الله عز وجل: أن يستوي في الركوع, وأن يعظم الله تعالى، حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه، سبحان ربي العظيم، وأن يتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء، كلما تصاغرت وعظمت الله عز وجل فأنت في صلاة.
والمقصود من الأدب مع الله تبارك وتعالى: هو القيام بدينه, والتأدب بآدابه ظاهراً وباطناً.
ما هي الأشياء الثلاثة التي لا يستقيم لأحد الأدب مع الله إلا بها؟ :
قال بعض العلماء, وهذا شيء مهم جداً: لا يستقيم لأحد الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء : بمعرفته بأسمائه وصفاته، أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، فهذا من تمام الأدب مع الله عز وجل، وأن تعرفه بدينه وشرعه، وأن تعرفه فيما يحب وما يكره.
فأنت اقرأ القرآن: وأن الله يحب الصادقين, كن صادقاً:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 222]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 107]
هي تقريباً عشر آيات أو أكثــر مع حذف التكرار، عشر صفات يحبك الله بها، وعشر صفات تقريباً لا يحبك الله بها، الطرق إلى الله سالكة، ورضاء الله عز وجل ضمن إمكانك, ومتاح لكل مؤمن أن يرضي الله عز وجل, والإنسان القوي قد لا يتاح لك أن تراه في العمر مرة، أما الله عز وجل قال:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
ما هما التوحيدان اللذان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؟ :
يوجد موضوع دقيق جداً أيها الأخوة, أرجو الله عز وجل أن يمكنني أن أشرحه لكم بدقة, قال: هما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وهو الله، وتوحيد متابعة المرسَل وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحاكم إلى غير الله، ولا يرضى بحكم غيره.
مرة جلست مع إنسان يرفض تزويج ابنته, فطُلِب مني أن أقنعه، وابنته في سن الزواج ، ورفض والدها عشرة خاطبين جيدين لنزوة في عقله، فذكرت له:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
فأنت ينبغي أن ترضى بحكم رسول الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ, إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فلما أصرّ على ذلك نشأت مشكلة كبيرة جداً، مؤمن يسمع كلام رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى ويحيد عنه! ينفى عنه الإيمان كلياً! قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
توحيد المرسل، وتوحيد متابعة المرسل، فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره.
دقق في هذا القول :
دققوا الآن: ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه.
إنسان له شيخ, شيء جيد، سمع آية قرآنية أو حديثاً صحيحاً, يقول: حتى آخذ رأي شيخي في الموضوع، شيخك ليس له دور هنا, مع القرآن والسنة شيخك ليس له دور إطلاقاً، لا تستطيع أن تفكر بإنسان بعد أن جاءك النص الصحيح عن رسول الله، فكل إنسان يوقف تنفيذ أمر الله وتصديق خبره, على عرضه على قول شيخه وإمامه, وذوي مذهبه وطائفته, ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة, أعرض عن أمره وخبره, وفوضه إليهم, أو حرفه عن مواضعه, وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً, فقال: نؤوله ونحمله، هذا منزلق يقع به المريدون في حلقات الشيوخ.
قرآن بين يديك، لا حتى أرى رأي شيخي في هذه الآية، حديث صحيح ينهاك عن الغيبة وتغتاب أنت، حديث صحيح يأمرك بصلة الرحم وتقطع أنت رحمك إرضاءً لإنسان، هذه طامة كبرى في العقيدة, أنت أمام نص قرآني واضح جليّ قطعي الدلالة، أمام نص نبوي واضح جلي قطعي الدلالة، لا يمكن أن تأخذ رأي إنسان في هذا الموضوع، وإلا لا تعرف الله ولا تعرف رسوله.
رأي شخصي :
أنا من عادتي إذا فضل إنسان مناقشتي بقضية, أقول له: إذا كنت تعتقد: أن في الأرض كلها إنساناً أورع من رسول الله وقتي لا يتسع للجلوس معك، طريق مغلق, إذا كان هناك إنسان في الأرض كائناً من كان, مهما كان عظيماً في ذهنك, إذا كان في نظرك أورع من رسول الله، الذي سمح به النبي أنت تحرمه، أو الذي أمر به النبي أنت تقطعه، وتأتمر بأمر شيخك وأمر من تأخذ التوجيه من عنده, فأنت بعيد بعد الأرض عن السماء عن الإيمان.
لا اجتهاد في مورد النص :
لا يُسأل إنسان عن رأيه في آية قطعية الدلالة, أو حديث صحيح قطعي الدلالة، قال: فلا أن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله, خير له من أن يلقاه بهذا الحال.
هذا والله واقع، ولولا أنه واقع ما ذكرته، نص صريح، الله عز وجل يقول:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة الحجرات الآية: 12]
ترى بعض الأشخاص يغتابون بحرية تامة, وهم مرتاحون إرضاءً لزيد أو عبيد، أو ترى أناساً يغتصبون بيتاً, معهم فتوى من شيخهم, الاغتصاب محرم، إذا كان هناك شيء محرم, لا يوجد إنسان له رأي بالموضوع:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
أعطيكم أبلغ من ذلك: لو أنك احتكمت إلى رسول الله, وكنت لسناً, أي طليق اللسان، وأدليت بحجة قوية, والنبي حكم لك بناءً على فصاحتك وعلى إقناعك له، ولم تكن محقاً, لا تنجو من عذاب الله, هل هناك أبلغ من هذا؟ لو أن سيد الأنبياء والرسل حكم لك ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا))
مناقشة جرت :
أحد العلماء الكبار, أراد أن يقنع شخصاً, يعتقد أنه يجب أن يرجع إلى شيخه, ليأخذ رأيه في كل شيء, وهو أمام نص صريح بيّن واضح, قال: خاطبت يوماً بعض أكابر هؤلاء, فقلت له: سألتك بالله, لو قدر أن النبي عليه الصلاة والسلام حي بين أظهرنا, وقد واجهنا بكلامه وبخطابه، النبي بين لنا وحدثنا وأمرنا ونهانا, أكان فرضاً علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه, أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم؟.
لو أن النبي في دمشق, وتكلم لهؤلاء الناس, ورجل قال: أنا لا أعرف حتى آخذ رأي شيخي فيما قاله النبي, هل هذا ممكن؟ مستحيل.
طبعاً: الذي يناقشه أُحرج, قال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه.
قف هنا :
يروى ولا أدري مبلغ هذا من الصحة, أن النبي عليه الصلاة والسلام, طبعاً الحديث واضح:
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر))
كان هناك صحابي صغير جداً، دعاه للإسلام فقال: سأسأل أبي ثم عاد، قال: الله حينما خلقني لم يسأل أبي, فأنا علي أن أعبده من دون سؤال, قال له: مما الذي نسخ هذا الفرض عنا, وبأي شيء نسخ,؟ فوضع إصبعه على فيه, وبقي باهتاً متحيراً, وما نطق بكلمة. من أدب الخواص مع الله :
إذا أنت ممكن إذا أنت رأيت نصاً من النبي الكريم, صحيح في الصحاح, متفقاً عليه, واضحاً, لا يحتاج إلى تفسير, يأمرك أو ينهاك، وعلقت التطبيق, لتأخذ رأي إنسان كائناً من كان، فأنت لا تعرف الله أبداً، هذا أدب الخواص مع الله، لا مخالفة أمره, والشرك به, ورفع الأصوات, وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم, وعزل كلامه عن اليقين, وعن أن يستفاد منه معرفة الله, أو تلقي أحكامه منه، وجعل المعوَّل في باب معرفة الله لا على العقول المنهوكة المتحيرة المتناقضة, ولا على تقليد الرجال وآرائها, والقرآن والسنة إنما نقرؤها تبركاً, هذا ما حصل، يقرأ القرآن تبركاً والسنة يقرأها تبركاً.
أما الصواب: أن نتلقى أصول الدين من الكتاب والسنة, ومن طلب غير ذلك ورامه, عاديناه, وسعينا في قطع دابره واستئصال شقفته.
دقق في هذه الآية الكريمة :
دقق في هذه الآية الكريمة:
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 63-74]
معك القرآن والآيات واضحة، معك السنة الواضحة, ينبغي أن تبادر إلى تطبيق الأمر والنهي, دون أن تعلق هذا التطبيق على أحد.
قال: الناصح لنفسه, العامل على نجاتها, يتدبر هذه الآيات حق تدبرها, وتأملها، وينزلها على الواقع, فيرى العجب، ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا، فالحديث لك واسمعي يا جارة والله المستعان.
من الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام :
1-ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي :
أيها الأخوة, ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، تعرض آراء أمامه في حياته خلاف سنته:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
ألا تقدم أمراً لا نهياً ولا تصرفاً ولا ما شاكل ذلك، قد يتوهم بعضهم أن هذا الأمر مقيد بحياة رسول الله.
قال بعض العلماء: هذا الأمر باق إلى يوم القيامة ولا ينسخ.
فالتقدم بين يديه في حياته كالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته, لا فرق بين التقدم بين يديه في حياته والتقدم بين يدي سنته بعد مماته، قال بعض العلماء: لا تفتئتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإيمان وبين يدي الأب، أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه، وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى.
2-ألا ترفع صوتك فوق صوته :
ومن الأدب معه: ألا ترفع صوتك فوق صوته، فإنه سبب لحبوط الأعمال, ثم الظن برفع الآراء, رفع الصوت العادي يحبط العمل، كيف أن تأتي برأي فوق سنته؟.
يقول لك: السنة مقيدة بعصره, سنة النبي فهم مرحلي بالقرآن.
عندما كان العرب تحت الخيام وفي الصحراء, فهم النبي للقرآن يتناسب مع عقول هؤلاء البسطاء، أما الآن لا بد من فهم عصري لهذا القرآن، أنت لم ترفع صوتك فوق صوته في حياته, رفعت رأيك المخطئ فوق سنته بعد مماته.
3-ألا يجعل دعاءه كدعاء غيره :
قال: ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يجعل دعاءه كدعاء غيره، قال تعالى:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة النور الآية: 63]
قال: هذه الآية فيها قولان: الأول: أي لا ينبغي أن تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، لا بد من أن تقول: يا رسول الله, يا نبي الله، أما يا محمد هذا دعاؤكم له كدعاء بعضكم بعضاً.
والثاني: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً، إن شاء أجاب وإن شاء ترك ، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته, ولم يسعكم التخلف عنه البتة، فعلى هذا المصدر لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضاً، إذا كان بعضكم دعا بعضاً نجيب أو لا نجيب.
إنسان دعاك تعتذر لأنك لست متفرغاً، أما إذا دعاك النبي ولو بعد موته إلى عمل ينبغي أن تلبيه.
4- لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته حتى يستأذنه :
ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط, لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته, حتى يستأذنه, كما قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾
[سورة النور الآية: 62]
فإذا كان هذا مذهباً مقيداً بحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه, فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين؟ في أصوله وفروعه؟ دقيقه وجليله؟.
إنسان يتصرف من تلقاء ذاته, دون أن يستأذن رسول الله, الرسول انتقل إلى الرفيق الأعلى, استئذانه في حياته أن تسأله، واستئذانه بعد مماته أن ترجع إلى سنته، أهكذا فعل النبي ؟ استئذانه بعد موته أن ترجع إلى سنته, وأن تهتدي بها, لا أن تفعل شيئاً دون أن تأخذ رأيه أو إذنه؟.
5-أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله :
قال: ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله.
أنت قرأت مقالة, فوجدت الحديث يتناقض مع المقالة فانزعجت، يجب عليك إن قرأت مقالة علمية على خلاف حديث نبوي, تنزعج على المقالة, وليس على الحديث.
الناس ينزعجون إذا حديث شريف لا يوجد في العلم شيء يؤيده لا، يجب أن لا تستشكل قوله، يجب أن تستشكل الآراء لقوله، لا يعارَض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنفوسه, لا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً, بل ينبغي أن نأخذ قوله على أنه حقيقة، هو الأصل.
الإنسان عندما يكون علمانياً, إذا رأى بالعلم شيئاً، إذا رأى بالإسلام شيئاً يطابق العلم يفرح، هذا خطأ، يجب إن رأيت في العلم ما يطابق دينك أن تفرح للعلم، الدين هو الأصل فإذا العلم وافق الدين جيد، وإذا لم يوافقه اركله بقدمك, أما العلم مستحيل أن يناقض الدين, لأن الدين هو وحي الله، والعلم قوانين الله عز وجل, قننها في كونه, لكن يناقض الدين نظرية علمية, وليست حقيقة علمية، يناقض العلم نص موضوع، لا نص صحيح، أو نص صحيح مؤول تأويلاً غير صحيح، فالنص الصحيح المؤول تأويلاً غير صحيح, أو النص الموضوع يناقض العلم، والنظريات التي لم تثبت بعد تناقض الدين، أما العقل الصريح والعلم الصحيح لا يمكن أن يناقصْ النص الصريح.
وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى الأدب مع خلق الله.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و الخمسون )


الموضوع : الادب مع خلق الله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ماذا نستنبط من هذه الآية؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها منزلة الأدب, استنباطاً من قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[سورة التحريم الآية: 6]
قال ابن عباس: قوا أنفسكم وأهليكم نارا؛ أي أدبوهم. ما ذكر سابقاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/01.jpg
وقد ذكرت في مطلع الدرس قبل الماضي: أن الإسلام عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، وأن الآداب بمثابة التاج الذي يتوج الإيمان، وقد حار أصحاب النبي عليهم رضوان الله من أدب النبي العالي, فسُئل من قبل السيدة عائشة:
((يا رسول الله! ما هذا الأدب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي))
وقد ذكرت قبل درسين: أن الأدب على أقسام ثلاثة؛ أدباً مع الله، وأدباً مع رسول الله، وأدباً مع الخلق.
في الدرس الماضي بينت: أن الأدب مع رسول الله يقتضي: أن كل الآيات الكريمة التي وردت بحق النبي عليه الصلاة والسلام, وهي توجه أصحابه الكرام إلى أن يكونوا معه في أعلى درجة من الأدب, إنما هي آيات مستمرة لا ينقطع حكمها بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فكما أنه لا ينبغي أن يعلو صوتك على صوته في حياته, لا ينبغي أن يعلو رأيك على سنته بعد مماته. ما معنى هذه الآية؟ :
ومن أجمل الاستنباطات: أن علماء التفسير قالوا في قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 33]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/02.jpg
قال علماء التفسير: طبعاً في حياة النبي, ما دام النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم, هم في بحبوحة من عذاب الله، في مأمن من عذاب الله، ولكن ما معنى هذه الآية: بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى؟
معنى هذه الآية: ما دامت سنتك يا محمد في حياتهم، في بيوتهم، في تجارتهم، في كسب أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، في شدتهم، في رخائهم، ما دامت سنتك مطبقةً في حياتهم, ما كان الله ليعذبهم, فإن أردت أن تكون في مأمن من عذاب الله, فطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
شيء آخر: قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 33]
يعني أنت حينما تندم، وحينما تستغفر، وحينما تراجع نفسك، أنت في مأمن آخر من عذاب الله، أنت في مأمنين؛ في مأمن اتباع المنهج, وفي مأمن الندم على خرق المنهج، إن ندمت فأنت في مأمن, وإن سرت على الحق فأنت في مأمن، وحاجة الإنسان إلى الأمن حاجة كبيرة.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, ننتقل إلى القسم الثالث من منزلة الأدب, ألا وهي الأدب مع الخلق، فالأدب مع الخلق معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب والمراتب فيها أدب خاص؛ فمع الوالدين أدب خاص، ومع الأب بالذات أدب متميز، مع العالم أدب آخر، مع السلطان أدب يليق به، مع الأقران أدب يليق بهم، مع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه، مع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته.
قالوا: لك آباء ثلاث؛ أب أنجبك، وأب زوجك، وأب دلك على الله. ولكل من هؤلاء الثلاثة أدب خاص يليق به، هذا مع الأشخاص, فماذا مع الأحوال؟ لكل حال أدب, فللأكل آداب:
ما كان عليه الصلاة والسلام يأكل متكئاً، كان يجلس جلسة العبد.
وللشرب أدب:
كان عليه الصلاة والسلام يبعد القدح عن فيه، وهذه السنة تتوافق مع أحدث نظرية في العدوى، زفير الإنسان قد يعدي, فإذا تنفست في أثناء شرب الماء, أبعدت القدح عن فيك, فهذا من الأدب.
((مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/03.jpg
وكان عليه الصلاة والسلام يشرب ثلاثاً، ويشرب جالساً، هذه كلها آداب للشرب، طبعاً نحن نتحدث بشكل إجمالي، وللركوب, والدخول، والخروج، والسفر، والإقامة، والنوم.
آداب نوم: الملوك على ظهورهم، ونوم الشياطين على بطونهم، وهناك نوم الأغنياء على شقهم الأيسر -لأنه أفرط في الطعام-, وهناك نوم الأتقياء على شقهم الأيمن.
كان عليه الصلاة والسلام ينام على شقه الأيمن, ويضع يده تحت خده الشريف, ويقرأ دعاء قبل أن ينام.
وللسكوت أدب:
كان عليه الصلاة والسلام يحسن الاستماع, وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به، وهناك أدب للسكوت يسكت عن علم لا عن جهل.
قال العلماء: أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره. مشاهد من السنة تلفت النظر :
والحقيقة أيها الأخوة: أن هناك في السنة مشاهد أو مواقف تلفت النظر.
سيدنا العباس سُئل: أيكما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني ولكني ولدت قبله. أرأيت إلى هذا الأدب؟.
امرأة عثمان بن مظعون جاءت إلى السيدة عائشة بثياب مبتذلة، فسألتها: مالكِ هكذا؟ فقالت: إن زوجي صوام قوام، لا يلتفت إلي إطلاقاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل في طلبه وعاتبه, فقال: يا عثمان, أليس لك بي أسوة؟ أنا أنام وأقوم، أصوم وأفطر, فيبدو أن عثمان بن مظعون عاد إلى توجيهات النبي, والتفت إلى زوجته، فجاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى بيت السيدة عائشة بعد حين ورأتها عطرة نضرة، فقالت لها السيدة عائشة: مالك تغير حالك!؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس.
كلام لطيف لا يجرح الحياء، والقرآن الكريم:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5-7]
أرأيت إلى هذه العبارة التي ينطوي تحتها كل ألوان الشذوذ؟ فمن ابتغى وراء ذلك.
((يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك))
كلمة لا تثير الشهوة, تصف حجم عظامك، فالعظم لا يثير الشهوة، بل إن بعض الشعراء له بيتان في الغزل, يعني كان البيتان فيهما مأخذ عليه, قال: إن سلمى خلقت من قصب قصــب السكر لا عظم الجمل
وإذا قـربـت منها بصلاً غلـب المسك على ريح البصل
عظم الجمل لا يتناسب مع الغزل، فكذلك النبي عليه الصلاة والسلام جاء بكلمة تبعدك عن الإثارة كلياً:
إن هذه الثياب تصف حجم عظامك.
لا أذكر كل المشاهد المفعمة بالأدب من أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله فما أكثرها, لأنهم تربوا في مدرسة رسول الله، وسيأتي ذكر بعضها. ما قصة هذه المقولة: هذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور؟ :
أحياناً: هناك امرأة تعمل بفن ساقط, أساسه قلة الأدب, وقد تجدها غنية جداً، كنت في بلد عربي, وأشير إلى بناء في لب المدينة في القاهرة, قال: هذا البناء كل بيت فيه يزيد سعره عن ثلاثمئة مليون, تسكنه راقصة، الذي تعمل بقلة الأدب, تسكن في هذا البيت، والذي يعمل في الأدب, لا يجد قوت يومه، هذا مأخذ على مجتمع يعلو فيه المنحرف ويفتقر فيه المستقيم.
سْئلت امرأة, تعمل في الفن في بلد غربي, ولها شهرة واسعة: ما شعورك وأنت على خشبة المسرح؟ فقالت: شعور الخذي والعار. وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرف مغلقة, وهي صادقة مع نفسها.
تأمل في هذا الشأن :
قال: فانظر إلى الأدب مع الوالدين, كيف نجا صاحبه من حبس الغار, حينما أطبقت عليهم الصخرة؟ تأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر، كيف تجد قلة أدبه هي التي ساقته إلى الحرمان؟.
موقف لا يتسم بالأدب, قد يحرمك شيئاً كثيراً.
انظر إلى هذا الأدب عند هذا الصحابي الجليل مع رسول الله عليه الصلاة والسلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/04.jpg
أنا لا أنسى هذا الصحابي الجليل -سيدنا زيد الخيل- لما التقى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: ما اسمك؟ قال: أنا اسمي زيد الخيل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير، أعجب به النبي، قال له: يا زيد, ما وصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دون ما وصف, إلا أنت يا زيد -أراد أن يكرمه, جاء من مكان بعيد, من نجد- فدعاه إلى منزله، في منزل النبي عليه الصلاة والسلام, قدم إليه وسادةً ليتكئ عليها، فقال زيد رضي الله عنه, وهو حديث عهد بالإسلام, مضى على إسلامه أقل من ساعة، قال له: والله يا رسول الله! لا أتكئ بحضرتك.
ما هذا الأدب؟ ومتى حصله؟ والعياذ بالله! هناك من يجلس ويضع رجليه على الطاولة قبالةَ الزائر, هذا من سوء أدبهم مع زوارهم.
مرة وأنا أمشي في الطريق, وجدت قدمين خارجتين من نافذة, فعلمت أن صاحبها درس في بلاد الغرب, وهو جالس على كرسي, وقد وضع رجليه على النافذة قبالة من يمشي في الطريق. المؤمن كله أدب لا يفعلها.
مخالفة شرعية في بيت مسلم!!! :
الآن: في بيوت كثيرة, يرتدي الأب ثياباً متبذلة أمام بناته، قد يرتدي الثياب الداخلية فقط، قد ترتدي البنت ثياباً فاضحةً أمام أخيها، ولو درسنا موضوع العورة: لا يجوز للأخت أن ترى من أختها ما فوق ركبتها إلى ما تحت ركبتها, وما يتناهى إلى أسماع الناس من شذوذ ضمن الأسرة الواحدة, سببه هذا التكشف، ما يتنامى إلى أسماعنا أحياناً من علاقات آثمة محرمة فاضحة بين أفراد الأسرة الواحدة, سببه هذا التكشف، ومن قال لك: إن محارمك يمكن أن ترى منهن كل شيء؟ من قال لك ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نستأذن على أمهاتنا:
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ, فَقَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا, أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قَالَ: لا, قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا))
[أخرجه الإمام مالك في الموطأ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/05.jpg
والأب المؤمن يستأذن على ابنته غرفتها، يستأذن على أمه, موضوع الزوجة موضوع آخر, ما سوى الزوجة، الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، وبنت الأخ، بنت الأخت، هذه محارم, لك أن تراها في ثياب الخدمة، لا أن تراها في ثياب متبذلة، ثياب الخدمة قميص مرتفع الصدر, والكم إلى ما تحت المرفق، والثوب إلى ما تحت الركبة، هذه ثياب الخدمة، ترى أمك بهذه الثياب، أختك بهذه الثياب، ابنتك بهذه الثياب، لا ينبغي أن تراهنَّ إلا بثياب الخدمة، حتى إن بعض علماء التفسير حينما قالوا في قوله تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]
المرأة التي سمح الشرع لك أن تراها, يجب أن تراها رؤيةً شمولية, دون أن تدقق في تفاصيل خطوط الجسم، المؤمن أديب لا يدقق في خطوط جسم امرأة من محارمه، يستأذن عليها في دخوله عليها، إذا نظر إليها, نظر نظرةً عامةً دون تدقيق يثير الشبهات.
هذا أدب الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أدب سيدنا الصديق رضي الله عنه مع النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، لم يتقدم بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنحى، تأخر قليلاً, ليبقى النبي في مقدمة الصفوف.
موقف شنيع :
كنت مرةً في العمرة, وفي مصلى النبي عليه الصلاة والسلام, وضع كرسي مصحف, وعليه مصحف كبير, بحيث غطى نصف القوس -محراب النبي الذي صلى به بأصحابه كهذا المحراب تقريباً نصف دائرة وامتداد- هكذا فهمت أنا: أنه لا ينبغي أن تصلي في مكان النبي تماماً, هذا مقام النبي يجب أن تصلي وراءه خطوةً، كنت في هذا المكان جالس, جاء رجل ضعيف الإحساس, فأزاح المصحف, وملأ القوس كله بجسمه وصلى.
ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال:
((أدبني ربي فأحسن تأديبي))
انظر إلى هذا الأدب بين الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر حينما خطب المسلمين في أول خطبة, تسلم فيها الخلافة, وقف في الدرجة العليا, ثم نزل درجة, وقال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، وهناك تصرف حكيم جداً من سيدنا عثمان، سيدنا عثمان ما نزل درجة، فعلها الفاروق, ولم يفعلها سيدنا عثمان, وكان حكيماً جداً، اتضحت هذه الحكمة, حين سُئل أحد خلفاء بني أمية أنه: ِلمَ لمْ ينزل عثمان درجة كما فعل عمر؟ فقال هذا المسؤول ويبدو عالم، قال: لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر.
لو سيدنا عثمان نزل درجة، وسيدنا علي درجة, نحفر بئراً ويجلس الخطيب في. ما معنى: الأدب بين الغلو والجفاء؟ :
وقال بعض السلف: الأدب بين الغلو والجفاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/06.jpg
يعني من تفسيرات الأدب مثلاً: إضاعة الأدب بالجفاء, كمن لم يكمل أعضاء الوضوء, ولم يوف الصلاة آدابها التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي قريب من مئة أدب, ما بين واجب ومستحب، فالجفاء أن تهمل هذه الآداب، والغلو أن تقع في وسوسة في هذه الآداب، ترفع يديك، تقول: الله أكبر, لم تصح تعيدها، هذه وسوسة، فالجفاء أن تقصر والوسوسة أن تبالغ والأدب بينهما، رفع الصوت بها أو الصمت الكامل، يعني ترى درساً قائماً بمسجد, يأتي أخ يصلي باثنين بأعلى صوته، يفسد على المتكلم الدرس كله؛ أين الملاحظة؟ أين الأدب؟ أين الذوق؟ مئات يستمعون إلى درس فصل, وأسمع الذي وراءك صوتك, أما أن ترفع الصوت إلى أعلى طبقة, وأن تطيل في الصلاة، وأن تفسد على المتكلم درسه، ليس هذا من الأدب إطلاقاً.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه.
بربكم: لو أن امرأة نائمة هل يوقظها صوت حفيف الثوب؟ .
يعني: ترى إنساناً لبس ثوباً, له صوت أثناء السير, حفيف الثوب, هل يوقظ امرأةً؟ من شدة أدبه صلى الله عليه وسلم: كان إذا دخل بيته لف ثوبه، أما الجاف يقول لزوجته: قومي واصنعي عشاء وتكون قد غفلت الآن، يقسو عليها في إيقاظها.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه، كان يكنس داره، ويخصف نعله، ويرفو ثوبه، ويصغو الإناء للهرة، وكان في مهنة أهله.
في الدعاء مثلاً: إنسان تقول له: ادع لنا، فيدعو ساعة من الزمن يطيل ويطيل, ليس متعدلاً، وآخر يدعو بكلمتين فقط، فالأدب يبدو بين الإفراط والتفريط، بين الجفاء والغلو, هذا هو الأدب؛ في الصلاة، في الدعاء, في الذكر، في كل شيء.
من أكبر الفتن :
كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاةً في تمام:
عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلاةً فِي تَمَامٍ.
يعني مثلاً: لو أطلت الصلاة أكثر من صلاة رسول الله لست أديباً مع رسول الله، يعني أنت أشد خشوعاً منه؟ أنت أشد ورعاً منه؟.
إنسان أراد أن يحرم من مكان أبعد من الميقات, فقال له تابعي جليل: لا تفعل، قال: ولمَ لا أفعل وأنا في عبادة؟ قال: تفتن، قال: كيف أفتن؟ قال: وهل من فتنة أكبر من أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟.
هذه أكبر فتنة.
بالمناسبة: أي إنسان يدعو إلى الله, ويبلغ أخوانه فوق المنهج الذي جاء به النبي, فقد وقع في سوء الأدب مع رسول الله, هل أنت أشد ورعاً من رسول الله؛ تكلف الناس ما لا يطيقون؟ تكلف الناس فوق المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين؟.
النبـــي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليأمر بأمر ثم يخالفه وقد صانه الله عن ذلك، كان يأمرهم بالتخفيف في الصلاة، حتى سيدنا معاذ صلى وأطال, فخرج أحد أصحاب رسول الله من صلاة مع هذا الصحابي، فاشتكى إلى النبي, فقال له عليه الصلاة والسلام: أفتان أنت يا معاذ؟.
كن متبعاً للسنة هي أكمل شيء، إن السنة هي من وحي الله عز وجل، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
من السنة :
عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ:
((حَدَّثَنِي قَزْعَةُ, قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ, فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ, قُلْتُ: إِنِّي لا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلاءِ عَنْهُ, قُلْتُ: أَسْأَلُكَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: مَا لَكَ فِي ذَاكَ مِنْ خَيْرٍ, فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ, فَقَالَ: كَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ, فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ, فَيَقْضِي حَاجَتَهُ, ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ, ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ, وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى))
يكتبون على أبواب المساجد: أن الظهر بعد عشرين دقيقة، العصر بعد عشرين دقيقة، المغرب بعد خمس دقائق، الفجر بعد نصف ساعة، هذا من السنة أيضاً, أما الذي يختصر العبادات هذا من سوء الأدب مع رسول الله.
قال: هو كمن أكل مضطراً في مخمصة، أكل ما يسد به رمقه فليته شبع, هو كجائع قدَّم له طعام لذيذ, أكل لقمة واحدة أو لقمتين, فماذا يغنيان عنه؟ .
قالوا: إن الصلاة غذاء الروح والقلب, فإنه بحاجة إلى غذائه مما يتنزل من رحمات ربه، كما أن الجسم بحاجة إلى الغذاء مما تخرج الأرض من بقلها. ما يتعلق في حقوق الخلق :
في حقوق الخلق قال: ينبغي أن لا يفرط في القيام في حقوقهم وألا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله.
أحياناً الإنسان ينغمس في خدمة الخلق لدرجة أنه يضيع في عمله حقوقه مع الله سبحانه وتعالى، وأحياناً يستغرق في عباداته حتى ينسى ما عليه من حقوق، ينسى أهله بلا طعام، يهمل أولاده في صلواته وأذكاره، أعطِ كل ذي حق حقه.
((إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل))
قف عند هذه الكلمة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/07.jpg
وكنت أقول لكم دائماً: إن العبادة المطلقة أن تعبد الله فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك، وفي الوقت الذي أظلك، عبادة هوية ومكان وزمان، أقامك غنياً أنفقْ المال, أقامك عالماً علم الناس، أقامك قوياً أنصف المظلوم، أقامك امرأةً أحسني تبعل زوجِك وخدمة أولادك ، أقامك طبيباً اعتن بمرضاك، أقامك محامياً لا تغش موكليك، أقامك تاجراً كن صدوقاً.
((إن أطيب الكسب كسب التجار؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا))
أقامك تاجراً طبق هذه الوصايا، أقامك صاحب حرفة، إنما أهلك الصنعة قول غد وبعد غد، أنجز وعدك بالوقت المناسب، أتقن عملك: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/08.jpg
((إن الله يحب من عبده إذا عمل عملاً أن يتقنه))
أقامك معلماً علم طلابك بإخلاص فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك، عندك ضيف أهمل الضيف, لم يُؤمن له الطعام, جعله في مكان غير مريح، لا, عبادتك الأولى أن تعتني بالضيف ، عندك مريض عبادتك الأولى أن تخدم المريض، عندك ابن امتحانه غداً, عبادتك الأولى أن تعتني بابنك قبل الامتحان، هذه العبادة.
الآن: وقت سحر, هذا وقت صلاة، وقت ذكر، وقت تلاوة قرآن، ليس وقت حسابات، وقت الفجر ليس وقت عمل وقت ذكر، يعني كل وقت له عبادة.
رجل جلس مع خطيبته فحدثها عن الموت، ما كان حكيماً بهذا الحديث، حدثها عن المستقبل، عن عش الزوجية، عن البيت، عبادة الأدب أن تكون معتدلاً، أن تكون وسطياً بين الغلو وبين الجفاء، بين الإفراط وبين التفريط. ما نوع هذا الأدب؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/09.jpg
يوجد نوع ثالث: أدب الأحوال، الأدب أن تمنع الخوف من أن يحملك على اليأس، يوجد شيء مخيف, إذا حملك هذا الخوف على اليأس, معنى ذلك أن توحيدك ضعيف.
تصور أنت جندي والده قائد الجيش، جاء عريف فهدده, فبكى هذا الجندي, وارتعدت فرائضه من هذا التهديد، معنى هذا أنه لا يعرف قدر والده، أحياناً يوجد شيء مخيف, أما هذا الشيء المخيف إذا حملك على أن تيأس من رحمة الله, فأنت لست أديباً مع الله, كأنك تتهم الله أنه لا يفعل شيئاً، كأنك تتهم الله عز وجل أنه غير قدير على حفظك.
بصراحة: أقول لكم كلمة اقبلوها مني: الله عز وجل هو المعبود، لا معبود سواه, لو سلمك إلى أحد من خلقه, لا يستحق العبادة، لا يوكل مصيرك إلى أحد من خلقه، قال تعالى:
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية: 62]
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 59]
إذا ورقة يعلمها, فكيف بالأشياء الكبيرة؟!. من سوء الأدب مع الله :
فقال: الأدب في الأحوال: أن تمنع الخوف من أن يصل بك إلى اليأس, بالمقابل أن تمنع الرجاء برحمة الله من أن يصل بك إلى أن تأمن عذاب الله.
فالإنسان أحياناً براحة الرخاء يتوسع، يتساهل، يطمع بعفو الله ورحمته، هذا سوء أدب مع الله، إذا كنت معافى، صحيحاً، دخلك جيد، بيتك منتظم، زوجتك, أولادك لا يوجد عندك مشكلة، تهمل الصلوات، تهمل الأذكار, لا يوجد شيء تخاف منه، هذا الأمن الذي نعمت به قادك إلى التساهل في العبادة، وإن جاءتك شدة من الله ينبغي أن لا تقودك إلى اليأس من رحمته، يجب أن تمنع الخوف أن يأخذك إلى اليأس, وأن تمنع الرجاء أن يأخذك إلى الأمن، والأمن أن تتوسع في الحركة، أن تبتعد عن الورع.
هذا حال الأديب مع الله :
فالأديب مع الله لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله, فإن هذا الخوف مذموم، يوجد شخص كأنه متوهم أنه سينسحق، أنت مؤمن غالٍ على الله ، لك عند الله حقوق، الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه.
يَا مُعَاذُ, هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ, وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ:
((اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ: أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))
الإمام الشافعي استنبط استنباطاً رائعاً: إن الله لا يعذب أحبابه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[سورة المائدة الآية: 18]
لو أن الله قبل دعواهم لما عذبهم، فإذا عذبهم كذبهم, أنتم لستم أحبابي، أنا لا أريد إنساناً يخاف، أنت مؤمن, والأمر بيد الله، والله عز وجل يظهر آياته.
نقطة هامة :
أيها الأخوة, الخوف الذي ينتهي بك إلى اليأس إساءة أدب مع الله عز وجل، والرجاء الذي يفضي بك إلى الأمن من عذاب الله أيضاً إساءة أدب مع الله عز وجل، بل حد الرجاء: ما طيب لك العبادة, وحملك على السير, فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة, فإذا انقطعت وقفت السفينة، وإذا زادت عن حدها ألقتها في المهالك، وإذا كانت بقدر أوصلتها إلى البغية, فالرجاء كالرياح في البحر تماماً, إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.
الآن السرور: الإنسان أحياناً يسر, ضبط السرور لا يقدر عليه إلا الأقوياء, أرباب العزائم, الذين لا تستفزهم السراء فتغلب شكرهم، ولا تضعفهم الضراء فتغلب صبرهم، شخص تأتيه مصيبة يتحطم، غلبته الضراء، أبعدته عن الصبر، وأحياناً يتألق, يأتيه مبلغ كبير, يحقق هدفه, ويتزوج، يتعين بوظيفة راقية جداً, يختل توازنه, ففرحه أبعده عن الشكر، فالأدب مع الله أن لا تحملك السراء إلى أن تبتعد عن الشكر, وأن لا تحملك الضراء إلى أن تبتعد عن الصبر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2798/10.jpg
كنت أقول مرةً: بلوغ القمة صعب جداً, ولكن الأصعب منه أن تبقى في القمة، وأنت في أعلى درجات القوة متواضع لله عز وجل.
دخل النبي مكة فاتحاً، دخلها مطأطئ الرأس, حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
وطن نفسك السراء ينبغي ألا تحملك على ترك الشكر، والضراء ينبغي أن لا تحملك على ترك الصبر، في الرخاء شكور، وفي البلاء صبور.
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ, إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ, لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا, وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا))
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
الله عز وجل يحب العبد الصابر، يوجد آيات إذا قرأتها يقشعر جلدك, قال تعالى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية:43]
إنسان تأتيه مصيبة يقول: يا رب لك الحمد.
الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها.
إنسان تأتيه ميزة لا يختل توازنه، يبقى وقوراً، هادئاً، شكوراً، متواضعاً، فالبطولة لا أن تصل إلى القمة بل أن تبقى فيها، طريق القمة صعب جداً, وطريق السقوط سهل جداً، الغرور إياك أن تغتر، صحابة رسول الله, وفيهم رسول الله حينما قالوا: لن نغلب من قلة، عشرة آلاف مقاتل بعد أن فتحوا مكة غلبوا في حنين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
خاتمة الدرس :
أختم الدرس بهذا القول: درس بليغ: أنت بين حالين؛ بين أن يتولاك الله وبين أن يتخلى عنك، إذا قلت: الله تولاك, وإذا قلت: أنا تخلى عنك، درس بدر ودرس حنين؛ درس بدر: قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 123]
مفتقرون إلى الله فنصركم، درس حنين: أعجبتم بقوتكم فتخلى عنكم, وهذا الدرس نحتاجه نحن كل يوم مئة مرة، تنجح أحياناً بعملك فتقول: أنا سقطت، تنجح تقول: يا ربي لك الفضل, تعلو وتسمو.
سمعت عن طبيب -جزاه الله خيراً- من أنجح الجراحين, لا يجري عملية جراحية قبل أن يصلي أمام المريض ركعتين؛ يا رب وفقني، يا رب سدد خُطاي، ألهمني الصواب، الإنسان بالافتقار، والمؤمن الصادق إذا أقدم على عمل:
اللهم إني تبرأت من حوالي وقوتي وعلمي, والتجأت إلى حولي وعلمك وقوتك يا ذا القوة المتين.
درس بدر افتقر يتولاك الله، درس حنين إياك أن تعتد بنفسك فيتخلى الله عنك، ونحن في أمس الحاجة إلى هذين الدرسين، بهذا تنتهي منزلة الأدب مع الله، في الدرس قبل الماضي، والأدب مع رسول الله في الدرس الماضي، والأدب مع الخلق في هذا الدرس, والأدب تاج يتوج به المؤمن، الإسلام عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب.
وقد سُئل النبي الكريم:
((ما هذا الأدب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي؟))
ولم يرَ ماداً رجليه قط عليه الصلاة والسلام من العظيم أدبه.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و الخمسون )


الموضوع : الذوق - 1







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الذي يشد الناس إلى الدين, ومتى يدخل العبد في مرحلة الذوق؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الذوق, تنطلق هذه المنزلة من قوله تعالى:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 14]
في الدين حقيقة يدركها العقل، وفي الدين طعم يذوقه القلب, فالذي يشد الناس إلى الدين ليست حقائقه الناصعة فحسب، بل الذي يشد الناس إلى الدين هذا الشعور الذي يغمر القلب حينما يتصل بالله عز وجل، لأن في الإنسان جانباً عقلياً، وجانباً جسمياً، وجانباً نفسياً، فالجانب العقلي غذاؤه العلم، والجانب الجسمي غذاؤه الطعام والشراب، والجانب النفسي غذاؤه الحب، الاتصال بالله، السكينة, التجلي، أن يمتلئ القلب ثقةً بما عند الله، أن يمتلئ غنى، أن يمتلئ طمأنينة، سعادة، سمها سكينةً، سمها قرباً، سمها تجلياً، سمها اتصالاً، سمها أنساً، هذه كلها أسماء لمسمى واحد وهي الذوق.
عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
منزلة اليوم: منزلة الذوق، قد تعتقد، قد تفكر، قد تحاكم، قد تتخذ قراراً، هذا كله نشاط عقلي, أما حينما تتصل وينغمر القلب بمشاعر لا توصف, دخلت في مرحلة الذوق. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
أيها الأخوة مرةً ثانية: الذي يشد الإنسان إلى الدين ليس ما في الدين من حقائق ناصعة، في الدين حقائق ناصعة، في الدين تفسير دقيق للكون وللحياة وللإنسان، الدين أعطاك تفسيراً منطقياً، تفسيراً متكاملاً, تفسيراً متماسكاً، تفسيراً عميقاً، تفسيراً مقبولاً، تفسيراً ينسجم مع معطيات الإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الدين ليس هذا التفسير الناصع، الواضح، العميق، المتناسق، القوي فحسب، بل الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان, هذا الذي عبر عنه بعض الشعراء:
فلو شــاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــا وليت عنا لغيـرنا
ولو سمعـت أذناك حسن خطابنا خلــعت ثيـــاب العجب عنك وجئتنا
ولو ذقــت من طعم المحبة ذرةً عـذرت الـــذي أضحى قتيلاً بـحبنا
ولو نسمـت من قربنا لك نسـمة لمــت غريباً واشــتياقاً لقــربنـا
ولو لاح مــن أنـوارنا لك لائح تـركـت جـميـع الكائـنات لأجـلـنا
أن تشعر بقربك من الله، الله عز وجل مصدر الأنس، مصدر الرضا، مصدر السعادة، مصدر الجمال، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى, فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، فمرتبة الذوق أن تذوق من خلال إيمانك حلاوة الإيمان. هذا حال من ذاق طعم الإيمان :
الذي ذاق حلاوة الإيمان قيل له: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ وكان على وشك أن يقتل صلباً, ذاك خبيب بن عدي رضي الله عنه، ألقى عليه القبض كفار قريش, وأرادوا أن يقتلوه صلباً، سألوه قبل أن يقتلوه: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة.
التي ذاقت حلاوة الإيمان, بلغها أن النبي قد قتل في أحد، فانطلقت إلى ساحة المعركة, فإذا أبوها مقتول، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا أخوها مقتول، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا ابنها مقتول, قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا زوجها مقتول، أبوها، وأخوها, وابنها، وزوجها، إلى أن وقعت عينها على شخص النبي عليه الصلاة والسلام فاطمأنت، وقالت: يا رسول الله! كل مصيبة بعدك جلل.
تهون, هذه ذاقت حلاوة الإيمان.
الصحابة الكرام ذاقوا حلاوة الإيمان, فبذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، كما قال بعض العاشقين:
فليتك تحـلو والحـياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غـضاب
وليت الذي بيني وبينـك عامر وبيني وبين العالمين خــراب
وليت شرابي من ودادك سـائ غ وشربي من ماء الفرات سراب
هذا حال من ذاق طعم الإيمان، الذي يذوق طعم الإيمان لو تقطعه إرباً إرباً لا يتزحزح .
وضعوا على صدر سيدنا بلال صخرةً ليكفر, فما زاد عن أن قال: أحد أحد فرد صمد.
الإنسان حينما يذوق حلاوة الإيمان يفعل المعجزات، أما إذا بقي في الأفكار، الأفكار لا تقدم ولا تؤخر. متى يتصل العبد بالله؟ :
إذا أنت اعتقدت أن لهذا الكون إلهاً، ماذا فعلت؟ ما فعلت شيئاً وهو كذلك، لو اعتقدت العكس لاتهمت في عقلك، أما حينما تبذل، حينما تعطي، حينما توظف طاقاتكم وإمكاناتكم في سبيل الله، عندئذٍ تتصل، وإذا اتصلت ذقت حلاوة الإيمان، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
هذا الفرق بين أهل الدنيا وبين أهل الإيمان :
للإيمان طعم، وإن القلب إذا ذاق هذا الطعم فلن يعجبه شيء بعد ذلك.
من عرف الله زهد فيما سواه.
أهل الدنيا في الوحول يصطرعـون، وأهل الإيمان في جنات القربات يحلقون، والدعاء الذي يدعوه بعضهم:
الحمد لله الذي أخرجنا من ظلمات الجهل والوهن إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
هرقل ملك الروم الذي عاصر النبي عليه الصلاة والسلام، سأل أبا سفيان: هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه؟ فقال: لا، كذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب، إذا دخل الإيمان إلى القلب أنت إنسان آخر, يسعدك أن تعطي لا أن تأخذ عكس الناس، يسعدك أن تقدم جهدك للآخرين لا أن تأخذ جهدهم، يسعدك أن تكون أقل الناس شأناً وأحظاهم عند الله عز وجل.
متى ينتهي العبد من موضوع الأخذ والرد مع نفسه؟ :
أيها الأخوة, حلاوة الإيمان لا يعرفها إلا من ذاقها، وحينما تصل إلى حلاوة الإيمان, كأن موضوع الأخذ والرد مع النفس ينتهي، الإنسان قبل أن يذوق حلاوة الإيمان, تأمره نفسه فيردعها، يصطرع معها، يغلبها وتغلبه، يقودها وتقوده، هذا الصراع المستمر بين الإنسان ونفسه, ينتهي حينما يذوق حلاوة الإيمان.
يعني مثلاً: إنسان نزل في البحر في أجمل أوقاته، وفي أجمل حالاته، مياه صافية زرقاء, دافئة الموج, هادئ البحر, كصفحة الظل، المناظر جميلة, وهو مغمور في مياه البحر، والبحر محيط به من كل جانب, هل يحتاج إلى دليل أنه في البحر؟.
يا إمام متى كان الله؟ فقال: ومتى لم يكن؟ أحوال العاشقين, أحوال المحبين شيء آخر في الدين، أنت حينما تحب الله عز وجل, لو أردت أن تزيل جبلاً من مكانه لزال.
لله رجال إذا أرادوا أراد.
يعني مستجابو الدعوة، يعني هم حينما اقتربوا من الله, اقتربوا من مصدر القوة، قوي بالله.
قصة :
قصة أرويها لكم دائماً: لما الإمام الحسن البصري أدى رسالة العلم, فبين بعض الحقائق في عهد الحجاج, فغضب الحجاج, وقال لجلسائه: والله لأروينكم من دمه يا جبناء، وأمر بقتله ، وجاء بالسياف, ومد النطع, وطلب الحسن البصري ليقتل، دخل الحسن البصري إلى مجلس سيقتل فيه, فإذا به يحرك شفتيه, ويتكلم كلاماً لم يفهمه أحد، يناجي ربه, فإذا بالحجاج يقف له، يقول له: أهلاً بأبي سعيد, أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه إلى أن أجلسه على سريره, وتأدب معه، وسأله، واستفتاه، وتذكر القصة: أنه عطره وضيفه وشيعه إلى باب القصر، والسياف واقف ينظر، -هو جيء به ليقطع رأسه بعد دقائق، والنطع مد-، فلما خرج أبو سعيد تبعه الحاجب, وقال: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل فيك, فماذا قلت لربك؟ قال: قلت لله عز وجل: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم, فما كان من الحجاج, وهو الذي حمله غضبه على أن يقتله إلى أن أصبح موالياً له.
كن مع الله تــــرى الله معك واترك الكـــل وحاذر طمعك
وإذا أعـطـاك مـن يـمـنعـه ثم مـن يعطي إذا مـا منعك؟
إذا كنت مع الله سخر الله لك عدوك ليخدمك، وإذا ابتعدت عن الله تنكر لك أقرب الناس إليك، لذلك قالوا: حلاوة الإيمان هي التي تشد الإنسان إلى الدين, وبالنهاية يوجد أقوياء وأنبياء ، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والناس جميعاً تبعاً لقوي أو لنبي، فالذي يتبع القوي يخضع الناس بقوته، والذي يتبع النبي يملك قلوب الناس بكماله. علامات الذي يذوق حلاوة الإيمان :
1-يبتعد عن الآمال ويتجه الى الأعمال :
الإنسان إذا ذاق حلاوة الإيمان, يبتعد عن الآمال, ويتجه إلى الأعمال, كل إنسان يعيش في الأمل، يتمنى ويتأمل ولا يعمل, ما ذاق حلاوة الإيمان، إنسان فتح محلاً تجارياً, متوقع ربحاً في اليوم عشرة آلاف, باع بمئتي ألف، من اليوم الثاني لا يغيب أبداً, يأتي باكراً، أول من يفتح المحل، يعتني لما ذاق الغلة الكبيرة، هذا الذي ذاقه من الربح الوفير, حمله على المتابعة، أما إذا فتح المحل ولا يوجد ولا مشترٍ، من اليوم الثاني يقول: أنا متعب، لا يهمه المحل فتح أو ما فتح، يقول: لا يوجد شغل, السوق بارد، إذا إنسان ما ذاق لا يتابع، من علامة الذي يذوق حلاوة الإيمان: أنه يتابع, وكل إنسان يقوم إلى الصلاة كسلان, يؤدي العبادات بتثاقل، كل قضية ينسحب منها يعتذر، لا يرغب هذا, ما ذاق حلاوة الإيمان، ولو ذاق حلاوة الإيمان لكان كالمرجل، حلاوة الإيمان تعطيك قوةً عجيبة، تعطيك قوةً تنسى بها كل شيء.
لذلك قالوا: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، بالتمني يقول: جعلنا الله من أهل الإيمان، يقول: آمين، اللهم لا تحاسبنا حساباً عسيراً، اللهم لا تعاملنا على عملنا، اللهم تب علينا, وكل هذا تمنيات، هذا الطالب إذا قال: إن شاء الله ننجح ولكن ما درس، الله كريم, لا ينسى أحد من فضله، ننجح, قل: يا رب، لا ينجح، أما لما يتحرك يدرس، لما انتقل من الأمل إلى العمل, صار الوصول إلى الهدف ممكناً، علامة الذي ذاق حلاوة الإيمان: ينتقل من الآمال إلى الأعمال، من التمني إلى السعي، قال تعالى:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 123]
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الآية: 30]
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
2-أن تطلب المزيد :
قالوا: الذوق شيء باطني والعمل دليل عليه ومصدق له, الذوق شيء باطني: إذا إنسان أكل طعاماً وإنسان يراقبه، المراقب مهما كان ذكياً, لا يمكن أن يشعر بما يشـعر به من يأكل هذا الطعام، قضية داخلية، ولكن إذا كان الطعام طيباً, يقول لك: هل يوجد صحن آخر؟ كأس آخر، علامة الذوق الراقي: تطلب المزيد، المؤمن حينما يطلب المزيد دليل على أن ذوقه للإيمان بمستوى رفيع، أما إذا ذوقه ضعيف، يوجد تقصير, أو لهمة ضعيفة، أو لمخالفات، أو لأشياء يفعلها لا ترضي الله عز وجل, صار في جفوة، في بعد، لذلك ينصرف من كل شيء ديني، يرجئ, لا يلبي، بينما ذوق الإيمان الصحيح يدفع إلى العمل.
3- أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمل الدنيا وطمع في غرض من أغراضها :
وقالوا أيضاً: من علامات الذوق: أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمل الدنيا وطمع في غرض من أغراضها.
مستحيل أن تقف الدنيا عقبةً أمام الذي ذاق حلاوة الإيمان، أحياناً ترى شخصاً أقبل على المسجد, لكن ما ذاق حلاوة الإيمان، يعني شيء تافه جداً يصرفه عن الدرس, عذر صغير جداً يحمله على ترك متابعة طلب العلم، فكلما صرفك عن الدين صارف صغير, هذا دليل على أن حلاوة الإيمان لم تتمكن في قلبك.
من أنواع الشرك :
علماء القلوب يقولون: كل ما سوى الله فإرادته أمل قاطع كائناً من كان، كلما أردت غير الله، إذا ابتغيت غير الله، قصدت إلى غير الله، تعلقت بغير الله، عظمت غير الله، خفت من غير الله, هذا كله من أنواع الشرك، هذه تقطعك عن الله عز وجل، أما الموحدون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. 4-ذاق حلاوة الايمان من لم يكن له أمل في غيره:
من ذاق حلاوة الإيمان, ومعرفة الله عز وجل، والقرب منه, والأنس به, لم يكن له أمل في غيره، وإن تعلق أمله بسواه, فهو لإعانته على مرضاته ومحابه، فهو يؤمله لأجله ولا يؤمله معه, هذا ينقلنا إلى حقيقة الحب في الله والحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، حقيقة الإيمان أن تحب في الله، والحب مع الله نوع من الشرك, تحب الله فتحب رسول الله, فحبك للنبي حب في الله، تحب الله وتحب رسوله فتحب سنته، تحب الله فتحب العمل الصالح الذي يرضيه، تحب الله فتحب العلم الذي تتقرب به إليه، هذا كله حب في الله، تحب الوسائل التي توصلك إلى غايتك، إذا إنسان متعلق بالعلم يحب الكتاب، يحب القلم، يحب الدفتر، يحب غرفة التدريس, يحب المكتبة، يحب كل شيء, يقربه من هدفه، فأنت إذا أحببت الوسائل التي تقربك من هدفك, فهذا حب في الله مسموح، أما حينما تحب شيئاً يبعدك عن الله, هذا اسمه حب مع الله، الحب في الله عين الإيمان, والحب مع الله عين الشرك، إذا أحببت صديقاً بعيداً عن الدين، فانصرفت بمحبته عن محبة الله, فهذا حب مع الله، إن أحببت تجارةً شغلتك عن أداء عباداتك فهذا حب مع الله، إن أحببت زوجتك محبةً حملتك على أن تقصر في حق الله, هذا حب مع الله، هذا ينقلنا إلى الحب في الله والحب مع الله عز وجل.
فكل ما سوى الله إرادته أمل قاطع كائناً ما كان، فمن كان الله أمله ومنتهى طلبه فهو في بحبوحة الإيمان، وفي رعاية الرحمن, ذاق حلاوة ومعرفة الله عز وجل، لم يكن له أمل في غيره، إذا تعلق أمله في غيره, فهو لإعانته على مرضاته ومحابه، هذا حب في الله.
5-ذاق حلاوة الإيمان من كانت رغبته في المطلب الأعلى
والذي يقوله العلماء: من كانت رغبته في المطلب الأعلى الذي ليس شيء أعلى منه، ومعرفته بِخِسة ما يؤمن دونه، وسرعة ذهابه, فيوشك انقطاعه, وأنه في الحقيقة كخيال طيف أو سحابة صيف، فهو ظل زائل ونجم, قد تدلى للغروب، فهو عـن قريب آفل, فقد ذاق حلاوة الإيمان.
قال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ, قَدْ أَثَّرَ فِي جسمه, فَقَالَ:
((يا رسول الله, لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا, مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ, فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ, ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا))
[أخرجه أحمد في مسنده]
دقق في هذه الكلمة :
دققوا في هذه الكلمة: كان سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل إلى مجلس الخلافة, يتلو هذه الآية:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 205]
متعناهم، إنسان يذهب إلى بلاد الغرب, يرجع ممتلئاً إعجاباً، بلاد جميلة، بلاد خضراء، أمطار غزيرة، جبال شاهقة، بحيرات, غنى، مساكن كالقصور، مركبات تحير العقول مثلاً، قال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 205-207]
متعناهم سنين، جاء ملك الموت، الإنسان يختل توازنه أحياناً إذا رأى أموال الكفار والغنى الذي ينعمون فيه، والبلاد التي يعيشون فيها, ليتلو قوله تعالى:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196-197]
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]
أيضاً أيها الأخوة, يقول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 205-207]
سيدنا عمر يقول: لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل, ثم جاءه الموت, لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره, ثم استيقظ, فإذا ليس في يده شيء.
رجل فقير جداً في المنام, يشاهد أن معه مئة مليون في المنام يسر, فإذا استيقظ وجد نفسه في غرفته القميئة، وفي فراشه الخشن، وفي طعامه الخشن، وفي ثيابه الرديئة، كل هذه النشوة التي حصلت في المنام تذهب أدراج الرياح.
الدنيا ساعة اجعلها طاعة :
الدنيا ساعة اجعلها طاعة. قال تعالى:
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 112-113]
ساعة تمر، إذاً: الدنيا بحذافيرها, لو ملكها رجل لكانت كالحلم.
الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
في بعض الأشخاص يتعاطون المخدرات, هذا المخدر يطير بالصوت العالي، فرجل أخذ مخدراً، جاء رجل بآلة حادة, أصدر صوتاً شديداً, طارت ما تناوله، فالناس مخدرون في الدنيا، مخدر في بيته، في عمله، في المرأة، في المال، في المتع، فإذا جاء ملك الموت يصعق. قف عند هذين القولين :
قال الإمام علي: يا بني! ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر, وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية.
قال بعضهم: نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة, أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا.
جبال هيمالايا: ارتفاعها اثنا عشر ألف متر, ما شأن ذرة أمام هذا الجبل؟ حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر))
إذا الإنسان ضمن الدنيا وجدها كبيرة, فإذا خرج منها رأى صغرها وحقارتها.
والدنيا جيفة طلابها كلابها.
والدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له.
في المنطق السديد: كل شيء تحصله في الدنيا تخسره في ثانية واحدة. هل لك في هذه القصة عبرة؟ :
يسكن رجل في القيمرية, في أحد أحياء دمشق الشعبية, في بيت صغير, قميء, رطوب, شمالي، أقسم بالله! أربعاً وثلاثين سنة يجمع المال, حتى اشترى بيتاً في المهاجرين, له إطلالة جميلة، له شرفة، اشترى البيت, ورتبه, وجلس في الشرفة, وشرب فنجان قهوة، وقال لزوجته : الآن أمنا مستقبلنا, هذا هو البيت، بعد ثلاثة أيام جاءه ملك الموت.
هل معقول أربع وثلاثون سنة جمع، حتى تمتع ثلاثة أيام فقط؟ من وضع كل أمله في الدنيا, فهو أكبر مقامر، وأكبر مغامر.
خاتمة الدرس :
أيها الأخوة, حقيقة أختم بها هذا الدرس, قالوا: السعادة في الدنيا الحسية تحتاج إلى ثلاثة شروط؛ تحتاج إلى وقت، وإلى صحة، وإلى فراغ.
الإنسان يمر في ثلاث مراحل: أول مرحلة: في وقت, وفي صحة, ولا يوجد مال، مقيد، المرحلة الثانية: أسس مشروع؛ عمل، صحة جيدة، ومال وفير، ولكن لا وقت، المرحلة الثالثة: أسس عملاً, وسلم أولاده, وصار دخله كبيرأ، وعنده وقت، مال وفير، ووقت متسع, ولكن صحة رديئة، دائماً ينقصك واحدة، هذه الدنيا؛ يتوافر الوقت والصحة ولا تجد المال، تجد الصحة والمال ولا تجد الوقت، تجد الصحة والمال أو المال والوقت ولا تجد الصحة، أما المؤمن عرف ربه في وقت مبكر, فوظف كل طاقاته لهذا الهدف الكبير فهو مع الله دائماً.
هذه الحقيقة التي قلتها قبل قليل تنطبق على أهل الدنيا فقط، لكنها لا تنطبق أبداً على أهل الإيمان, لأن هدفه كبير وهو سـعيد في هذا الهدف.
أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان متى يشيخ؟ عندما يختار هدفاً محدوداً ويصل إليه انتهى، يريد المال جمع المال، المال صار مملاً, هدفك الزواج تزوجت، شراء بيت اشتريت، مركبة اشتريت، إذا كان لك هدف محدود, ووصلت إليه, أصبحت شيخاً, يعني طاعناً في السن، الحياة أصبحت مملة، أما إذا كان لك هدف كبير وهو الله عز وجل، أنت في شباب دائم، حينما تختار هدفاً كبيراً, فأنت في شباب دائم، حينما تحمل هم المسلمين، وحينما تنطلق لخدمتهم, ولتحقيق آمالهم وأهدافهم, فأنت في شباب دائم.
أيها الأخوة, لهذا الموضوع تتمة نأخذه في درس قادم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و الخمسون )


الموضوع : الذوق - 2









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولا زلنا في منزلة الذوق، وقد بينت لكم في الدرس السابق: أن حقائق الإيمان شيء, وأن حلاوة الإيمان شـيء آخر, حقائق الإيمان كخارطة لقصر منيف على ورق، أما حلاوة الإيمان أن تسكن القصر نفسه، وشتان بين ورق عليه صورة قصر وبين قصر تسكنه وتستمتع به.
وذكرت لكم أيضاً: أن الذي يشد الإنسان إلى الدين ليست حقائق الدين الناصعة الواضحة فحسب، بل حلاوة الإيمان التي جاءت هنا معبراً عنها بكلمة الذوق، الإيمان فكرة تستوعبها وطعم تذوقه، إن ذقت طعم الإيمان أصبحت إنساناً آخر، بذلت الغالي والرخيص, والنفس والنفيس, وكانت راحتك في التعب، وسعادتك في بذل الجهد, وقمة نشوتك في القرب من الله عز وجل, لأنك ذقت حلاوة الإيمان, و:
ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
مَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا
-وبينت عند التعارض-:
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
إليكم هذا البيان في هذا الحديث :
لا زلنا في مرتبة الذوق, ولكن قمة الذوق في الدار الآخرة، في الدنيا يذيقنا الله حلاوة الإيمان تشجيعاً، في الدنيا يسمح الله لنا بنفحة من عنده فتحركنا، في الدنيا نحن بين القبض والبسط:
ما لك يا حنظلة تبكي؟ قال: نافق حنظلة.
عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ:
((وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَـلَّمَ- قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاثَ مَرَّاتٍ))
ساعة فيها نشوة، وساعة فيها فتور، ويتفاوت المؤمنون في عدد ساعات القرب إلى عدد ساعات الفتور، ساعة قرب ومئة ساعة فتور, مرتبة متدنية، خمسون ساعة قرب وخمسون ساعة فتور، كل ساعة وساعة، تسعون ساعة قرب وعشر ساعات فتور، أما مئة بالمئة الأنبياء وحدهم، المؤمنون ساعة وساعة يتفاوتون في عدد ساعات القرب إلى عدد ساعات الفتور.
إياكم, ثم إياكم، ثم إياكم أن تتوهموا أنه في ساعة الفتور تقع المخالفة، لا, دائماً وأبداً في طاعة الله, ولكن بين تألق وبين فتور, بين اتقاد وبين خمول، بين إقبال وبين قعود, لا بين طاعة ومعصية, لا، إذا كان بين طاعة ومعصية ليس هذا حال أهل الإيمان. هذا ما أعده الله للمؤمنين في الجنة :
أما قمة هذا الذوق في الجنة: جنات تجري من تحتها الأنهار. قال تعالى:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾
[ سورة محمد الآية: 15]
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾
[ سورة الطور الآية: 24]
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾
[ سورة الواقعة الآية: 17]
قطوف هذه الأشجار الدانية، قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾
[ سورة الحاقة الآية: 23]
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً﴾
[ سورة الإنسان الآية: 13]
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾
[ سورة الإنسان الآية: 20]
إلى أبد الآبدين، قمة الذوق في الجنة، ذوق مستمر، ذوق متنامٍ, وما هم منها بمخرجين، هل تعتقدون أن فوق هذا الذوق ذوق؟ نعم, أنا أجيب عنكم: نعم وألف نعم، أعلى من الجنات التي تجري من تحتهـا الأنهار، وأعلى من الحور العين، ومن الولدان المخلدين, ومن قطوف الجنة الدانية، أعلى من ذلك النظر إلى وجه الله الكريم, قال تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[ سورة القيامة الآية: 22-23]
ماذا بعد النظر إلى وجه الله الكريم؟ :
سؤال ثانٍ: ورد في بعض النصوص الصحيحة: أن المؤمن يرى وجه ربه الكريم في الجنة كما يرى القمر ليلة البدر، وفي بعض النصوص: أنه يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة، هل بعد هذا الذوق من ذوق؟ الجواب: نعم، ماذا بعد النظر إلى وجه الله الكريم؟ قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
الحسنى هي الجنة, والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
لو دخلت إلى بيت, وكان صاحب البيت على درجة من التألق والجمال, يفوق حد الوصف ، هيبة، وقار، نور، جسم جميل، وجه منير، حركات متألقة، أنت ذهلت بهذا الجمال وهذه النورانية، لكنه لم ينظر إليك, ولم يعبأ بك، ولم يلتفت إليك، أنت مستغرق في كماله, ونورانيته, وجماله، وهو منصرف عنك, ألا تتألم؟ ها أنت تنظر إلى وجهه, وتستمتع بتألقه، وتكتشف نورانيته، ولكنه لا يلتفت إليك, فوق هذه المرتبة، قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 15]
أكبر شيء في الجنة: أن يشعرك الله أنه راض عنك، وأنه يحبك, وأنك تسير عنده، فصار في جنات تجري من تحتها الأنهار، نظر إلى وجه الله الكريم، رضوان من الله أكبر، هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وهذا النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا الرضوان العظيم, نضحي به كله من أجل سنوات معدودات في الدنيا, مشحونة بالمتاعب، والقلق، والخوف، والمرض، وما إلى ذلك, أليس هذا هو الخسران المبين: أن يبيع الإنسان آخرته دنياه ؟ أن يبيع جنةً عرضها السموات والأرض، أكلها دائم وظلها إلى أبد الآبدين, بسنوات معدودة لا تصفو لإنسان؟ إن جاء المال فقد الولد الصالح, وإن جاء الولد الصالح فقد المال, وإن جاء المال والولد الصالح لم تكن زوجته كما يتمنى، وإن كانت زوجته كما يتمنى يشكو من بعض الأمراض، وإن كان صحيح البدن هناك مشكلة في عمله.
((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي))
أيعقل: أن نضيع هذه الآخرة ويقيننا بحصولها يقين قطعي لسنوات معدودات؟. متى يحرم العبد هذا النعيم في الجنة؟ :
قال: من قطعه عن هذه الجنة أمل في الدنيا, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران, والله المستعان, وعليه التكلان, وما شاء الله كان, ومن عاقته أمنية، -وهي ما يتمناه العبد من الحظوظ-، من عاقه أمل, أو عاقته أمنية، -الأمل ممكن، الأمنية غير ممكنة:
ألا ليت الشباب يعود يوماً
أمنية، لن تكون هذه الأمنية-.
من عاقه أمل أو عاقته أمنية, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران.
ومن عاقته أمنية، -وهي ما يتمناه العبد من الحظوظ-، من عاقه أمل, أو عاقته أمنية، -الأمل ممكن، الأمنية غير ممكنة:
ألا ليت الشباب يعود يوماً
أمنية، لن تكون هذه الأمنية-.
من عاقه أمل أو عاقته أمنية, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران.
الأماني الباطلة رؤوس أموال المفاليس، المفلس رأس ماله الأماني، بها يقطعون أوقاتهم, وبها يتلذذون كتلذذ من زال عقله بالمسكر, أو بالخيالات الباطلة. وفي الحديث المرفوع:
عنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ, وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وقال بعض العلماء: ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوي النفوس الدنيئة الساقطة.
هذا ما يرجوه العابد من نعيم الجنة :
أيها الأخوة الكرام, ثم يذوق العبد بالإرادة طعم الأنس، والإرادة وصف للمريد, فالعبد يعتقد بأحقية وعد الله فينطلق, هناك مرتبة أعلى، أنت حينما تعتقد بأحقية وعد الله تنطلق، أما حينما تأنس بالله حالاً تزداد انطلاقاً، واحد وعد أن يدخل بيتاً جميلاً، هو يسعى, أما إذا دخل يسعى سعياً حثيثاً للبقاء فيه، تضاعفت همته.
الأنس بالله تعالى أعلى بما يرجوه العابد من نعيم الجنة، يعني يوجد جنة نسعى إليها، ويوجد جنة في الدنيا نعيشها، الجنة التي نسعى إليها جنة الآخرة، أما الجنة التي نعيشها جنة القرب في الدنيا, ومن لم يدخل جنة الدنيا لم يدخل جنة الآخرة، هناك جنة وعدنا الله بها وجنة ينبغي أن نعيشها، لأن الجنة التي وُعدنا بها أجمل ما فيها الاتصال بالله, وبإمكانك في الدنيا أن تتصل بالله, لذلك بعضهم يوجه قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
أبو بكر في الجنة.
يعني هو الآن في الجنة، في جنة القرب، جنة القرب في الدنيا.
في الدنيا جنة, من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
هناك آية تؤكد هذا؟ قال تعالى:
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 6]
أي أذاقهم بعضها، أذاقهم نموذجاً منها في الدنيا، ويدخلهم الجنة عرفها لهم.
الأنس بالله مقام من مقامات أهل القرب, هو على التحقيق مقام الإحسان، هناك مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان, الإسلام أن تنصاع للواحد الديان، والإيمان أن تقبل على الله, والإحسان أن تعبده كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
هذا ما قاله بعض العارفين :
قال بعض العارفين: كل ما سوى الله عارض.
شيء طارئ, جاءت موجة حر وانتهت، سحابة صيف عارضة، سخونة انتهت, أما الشيء القائم الدائم هو المعول عليه. فقالوا:
الله عز وجل هو الحي الباقي على الدوام، ما سوى الله عارض، من أراد سوى الله وقع في العارض, ولم يهتم بالجوهر.
في الحياة حقيقة ليس بعدها حقيقة ولا قبلها حقيقة ولا فوقها حقيقة: أن تسعى إلى مرضاة الله عز وجل، كل شيء يقربك إلى الله أمر به النبي، وكل شيء يبعدك عن الله نهاك النبي عنه، المؤمن همه الأوحد أن يتقرب إلى الله.
والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
من معاني اسم الله الودود :
1- الودود يتودد إلى عباده بالإكرام :
واسم الله الودود: هو الذي يكرم عباده متودداً لهم، وهو الغفور الودود, أكرمك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، منحك عقلاً، منحك جسماً، في أي صورة ما شاء ركبك، خلقك في أحسن تقويم، أكرمك بمأوى، خلق لك الطعام، خلق لك سائر المخلوقات, سخر لك ما في السموت وما في الأرض جميعاً منه، منحك نعمة الزوجة، نعمة الولد، حدث ولا حرج، كل شيء تتنعم به هو تودد الله إليك، هذا معنى.
2- الودود خلق بين عباده علاقات الود :
المعنى الثاني: خلق بين عباده وداً، هناك ود بين المؤمنين، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 96]
الود بين المؤمنين من خلق الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[سورة الأنفال الآية: 63]
الود بين الزوجين، الود بين الأم وأولادها، الود بين الأولاد والأم, الود بين الأولاد والأب، الود بين الأخوة، الود بين الجيران، هذا الود من خلق الله عز وجل، أما المعنى الثالث مهم وخطير.
3- الودود خلق لك إليه ألف طريق كي تتودد إليه، كي يكرمك بعد ذلك:
المعنى الثالث: لأنه خلقك ليسعدك, خلق لك ألف طريق وطريق إليه, الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، رجل قوي ملك لا تسـتطيع أن تصل إليه، لا أن تقابله ولا أن تزوره، ولا أن تقدم له هديةً، ولا أن تتصل به هاتفياً، لا يوجد طرق سالكة له، لكن الله عز وجل خلق لك ألف طريق وطريق إليه، وأنت في بيتك هناك عشرات الطرق إليه، أن تكون زوجاً صالحاً، أباً رؤوفاً، أن تكون ابناً باراً، أن تكد وتسعى من أجل أن تربي أولادك، في عملك لك ألف طريق إلى الله، أن تنصح المسلمين، أن تكرمهم، أن تخفف عنهم، أن تنصحهم ، في الطريق لك ألف طريق وطريق إلى الله عز وجل، فالودود يتودد إلى عباده بالإكرام، الودود خلق بين عباده علاقات الود، والودود خلق لك إليه ألف طريق كي تتودد إليه، كي يكرمك بعد ذلك.
ما هي الأشياء الثلاثة التي تقوي حالة الأنس بالله التي هي من مقامات الإحسان؟ :
أيها الأخوة الكرام, الأنس بالله حالة من حالات مقامات الإحسـان، قال: هذا الحال؛ حالة الأنس بالله التي هي من مقامات الإحسان, تقويها ثلاثة أشياء: دوام الذكر، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41]
ودليل صدق المحبة: اتباع سنة النبي، لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
ربنا عز وجل ما قبل من أحد من عباده دعوى محبته إلا بالدليل, فالذي يقوي حالة الأنس بالله التي هي فرع من حالة الذوق, الذوق منزلة من منازل السالكين إلى الله عز وجل، ويقوي هذه الحالة حالة الأنس بالله عز وجل إحسان العمل، عمل طيب، محبة صادقة علامتها اتباع سنة النبي, كثرة ذكر الله عز وجل، هذه تقوي حالة الأنس بالله عز وجل.
إليكم بعض هذه العوارض التي قد تصرف العبد عن ربه :
هناك عوارض كثيرة مفسدة، نحن نعلم أن هناك عوائق وهناك صوارف، والمؤمن البطل هو الذي لا يسمح لعائق أن يعيق حركته إلى الله عز وجل, ولا يسمح لصارف أن يصرفه عن الله عز وجل.
يعني: طالب ملتفت إلى أستاذه في الصف, قد يسمع صوتاً, فينظر من النافذة, فينصرف عن أستاذه، فالمؤمن لا ينصرف ولا يعيقه عائق عن الله عز وجل، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
يعني: يوجد أيام صوارف من حب الشهرة، قال: هناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص، هناك إنسان يحب أن يؤكد ذاته, فيتحدث عن أعماله، وعن إنجازاته، وعن أقواله، هذا انصرف إلى حبه لذاته وتأكيد ذاته عن الإقبال عن الله عز وجل.
الإنسان له حالان ما هما؟ :
أيها الأخوة, هناك موضوع دقيق جداً أوضحه, لأنه في هذا الدرس مكانه الصحيح, الإنسان له حالان: له حالة مع الخلق وله حالة مع الحق، البطولة أن تكون مع الخلق ومع الحق في وقت واحد.
يعني كما ذكرت من قبل العبادة المطلقة، يعني أحياناً في وقت السحر أن تكون مع الله مصلياً، ذاكراً، متهجداً، تالياً للقرآن، في وقت جلست إلى أناس يستمعون إليك, يجب أن تكون معهم، وأن تؤثرهم على حظ نفسـك من الله عز وجل، عندك ضيف, إكرام الضيف هو العبادة الأولى، أقامك الله رجلاً غنياً, عبادتك الأولى إنفاق المال، أقامك رجلاً عالماً, عبادتك الأولى تعليم العلم، أقامك رجلاً قوياً, عبادتك الأولى إنصاف الضعيف, فهذا العبادة المطلقة مهمة جداً: أن تعبد الله فيما أقامك, وفي الظرف الذي وضعك فيه, وفي الوقت الذي يظلك، لك هوية، ويوجد أرضية، وفي زمان، فالظرف: لك ابن مريض, العبادة الأولى العناية بهذا الابن، عندك ضيف, العبادة الأولى إكـرام هذا الضيف، هذا ظرف، أما أنت من أنت؟ رجل علم علم العلم, رجل مال أنفق المال، رجل قوي أنصف الضعيف، فبهذه الطريقة تجمع بين حالك مع الله وبين حالك مع الخلق. ما الدرس الذي نستنبطه من هاتين القصتين اللتين ذكرتا في القرآن الكريم؟ :
في القرآن الكريم قصتان نموذجيتان عن سيدنا داود وعن سيدنا سليمان، سيدنا داود آثر أن يكون مع الحق على أن يكون مع الخلق فعاتبه الله عز وجل، وسيدنا سليمان آثر أن يكون مع الخلق عن أن يكون مع الحق فعاتبه الله عز وجل, فلا بد من التوازن، وهذا شأن أكثر المؤمنين.
أحياناً يقبل الناس على الإنسان يعيش معهم، يذكرهم, يلقي عليهم المحاضرات، كل وقته معهم على حساب وقته مع الله, فهذا آثر أن يكون مع الخلق عن أن يكون مع الحق, صار في اختلال توازن، إنسان آخر ليس له عمل صالح, عمله تهجده، صلاته، ذكره, تلاوته ، ولكن ما علم أحداً، وما وجه أحداً، ولا سلك أحداً، ولا أعان إنساناً، ولا ربى أحداً، همه صفاؤه، وهمه ذكره، وهمه إقباله، وهمه حظه من الله، هذا عابد، وذاك عالم، ولكن العالم يحتاج إلى شحنة روحية من شحنات العابد، والعابد يحتاج إلى عمل صالح من أعمال العالم، لا بد من التوازن, الإسلام وسطي، الإسلام متوازن، الفضيلة وسط بين طرفين، الإسلام بين الإفراط والتفريط, بين التطرف والغلو، الإسلام في الوســط، الإسلام اعترف بالإنسان كائناً له جسد. قال عليه الصلاة والسلام:
((لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ, وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
الإسلام متوازن :
جاءت امرأة إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام رثة الهيئة, وضعها لفت نظر السيدة عائشة، سألتها عن حالتها ولم هي كذلك؟ قالت: إن زوجي صوام قوام، طلب النبي زوجها وهو سيدنا عثمان بن مظعون، قال: يا عثمان, أليست لك بي أسوة؟ إن لأهلك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً, فأعطِ كل ذي حق حقه، في اليوم التالي جاءت امـرأة عثمان بن مظعون إلى بيت النبي عطرة نضرة، فقالت لها السيدة عائشة: ما لكِ هكذا أصبحتِ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس.
فالإسلام متوازن، الإسلام اعترف بالجسم, له حاجات، حاجات بقاء الفرد الطعام والشراب، وحاجات بقاء النوع بالجنس، لكنه أقره قوةً إدراكية فجعل غذاءه العلم, قال تعالى:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
بل إن الذي يرفع الإنسان عند الله عز وجل هو العلم, لقوله تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[سورة المجادلة الآية: 11]
بل إن رتبة العلم أعلى الرتب، واعترف به كائناً جمالياً، له نفس غذاؤها الحب, وأعلى درجة في الحب أن تحب الله، يعني أعلى سعادة أن تكون مع أصل الجمال، والإنسـان -كما تعلمون- يحب الجمال والكمال والنوال، فطرته، جبلته، تصميمه، يحب الجمال والكمال والنوال، يحب الذي يعطيه، ويحب الإنسـان الكامل، ويحب الإنسان الجميل، الإسلام أقر في الإنسان جسده وحاجات جسده، وأقر في الإنسان عقله وحاجات عقله، وأقر في الإنسان نفسه وحاجات نفسه، فلذلك الإسلام متوازن, فأي إنسان يسلك طريقاً واحداً، أي إنسان يؤثر جانباً على حساب جانب، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه قلب فقط فقد تطرف، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه عقل فقط فقد تطرف، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه جسد فقط فقد تطرف، وهذا حال بعض المسلمين, أناس يعتنون بأجسامهم فقط، يأتي الموت ينهي كل هذه المكتسبات، مهما اعتنى الإنسان بجسمه, لا بد من أن يموت.
قصة :
أنا سمعت عن إنسان في مصر, عنايته في جسمه تفوق حد الخيال, في كل حياته ما تناول عشاءً إلا الفواكه، وما أكل إلا اللحم الأبيض, وكان يعتني بالرياضة عنايةً فائقة، وما ركب طائرةً في حياته ثم مات، ولا بد من أن يموت, لأن:
كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت
والليل مهما طال فلا بد من طلــــوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد مـــن نــزول القبر
فأنت حينما تتعامل مع جسمك, ومع نفسك، ومع عقلك تتوازن, فالإسلام وسطي, والإسلام متوازن. إليكم هذه الحيرة التي وقع بها العلماء :
أيها الأخوة, العلماء وقعوا في حيرة: أيؤثر الإنسان حظوظه من إقباله على الله أم أن يؤثر حظوظه من العمل الصالح بأن يكون مع الخلق؟ ماذا يفعل؟
قال: المؤمن الصادق يفعل ما يرضي الله, فإذا كان الذي يرضيه أن تكون مع الخلق, يجب أن تؤثر الخلق على حظك من الله, وإن كان الذي يرضيه أن تكون مع الحق, وجب أن تؤثر حظك من الله على حظك من الخلق، ما المناسب؟ وهذا شيء يعرفه الإنسـان بالفطرة، إنسان لهفان, جاءك من أقصى البلاد, طرق بيتك لتحل مشكلة، ليستفتيك في قضية، لتصلح ذات بينه وبين زوجه, لتعينه على متاعب الدنيا، قل له: ليس هنا، أنا مشغول، هذا وقت ذكر، استقبله, واجلس معه, وحل له مشكلته، فأنت في أعلى درجات الذكر.
والله لأن أمشي مع أخ في حاجته, خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
سيدنا ابن عباس: كان معتكفاً في مسجد رسول الله بعد وفاته، جاءه رجل رآه كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال: والله ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان، فقال ابن عباس: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه -يوجد إنسان استغرب: أنت معتكف!!-, قال له: أما علمت أنك معتكف؟ قال له: بلى، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر, والعهد به قريب, والله لأن أمشي مع أخ في حاجته, خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
كلامي دقيق: ماذا أؤثر؛ أن أكون مع الخلق أم أن أكون مع الحق؟ هناك من يؤثر أن يكون مع الحق، يعني أكبر همه سـلامة صدره, إقباله، صفاؤه، لا يعكر نفسه أبداً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
((من خالط الناس وصبر على أذاهم, خير ممن لم يخالطهم ولا يصبر على أذاهم))
ينسـحب من أي موضوع, من بيته إلى عمله، هذا رجل صالح, وعابد، ومستقيم، ومصلٍ، وذاكر، لكن لا يحب أن يخدم الخلق, يحب أن يكون مع الله دائماً, هذا عابد، وعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، العابد يعمل لذاته فقط، يؤثر ذاته على الخلق, أما الإنسان الآخر الذي يكون مع الخلق, يعلمهم, يرقى بهم, ويرقون به، ويبدو: ((فَوَ اللَّهِ! لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِـنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
فلا بد من التوازن. قف عند هذه المحطة :
أيها الأخوة, القول الفصل في هذا الموضوع: الإنسان الصادق في طلب, يؤثر مرضاة ربه على حظه، فإن كان رضا الله في القيام بذلك العمل وحظه في أن يكون مع الخلق, تخلى عن حظه وقام بما يرضي الله عز وجل، ومتى علم أن الله عز وجل راض عنه فقد حقق أمنيته في الحياة.
دائماً وأبداً أنظر: أي الأمرين أحب إلى الله, لا أحب إلى نفسك, إنسان أحياناً يؤاثر, يجلس وحده يقرأ قرآن, أو يتفكر, أو يطالع, أو يذكر الله عز وجل عن أن يجلس مع إنسان عنيد غير منطقي، يحتاج أن يبين له الحق مع أدلته، لكن أنت إذا جلست مع إنسان, وهذه الجلسة انتهت هدايته، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة المائدة الآية: 32]
ما كل شيء ممتع هو الأنفع، قد يكون الشيء المتعب هو الأنفع.
على كلٍ؛ والله أعلم: الإنسان يعلم بفطرته ما الذي يرضي الله عز وجل؟
أحياناً تشعر أو يلقي الله في روعك: أنك إذا جلست مع الناس كنت أقرب إلى الله مما لو جلست مع نفسك, وأحياناً تجد جلسة عادية, لا يوجد به صدق، لا يوجد اهتمام، دع هؤلاء وكن مع الله, يوجد حالات يجب أن تكون مع الخلق بشكل مستمر, إذا أمر جامع, مشكلة كبيرة حلت بالمسلمين, لا بد أن تنهض لخدمتهم، أما أن تنسحب من خدمتهم, وأن تؤثر الصفاء والذكر على هذا، هذا لا يرضي الله, إن كل مؤمن يعلم بفطرته وبحاسته السادسة ما الذي يرضي ربه، ولا تكن مع ذاتك، ولا تكن مع حظك، كـن مع الذي يرضي الله عز وجل ولو خالف هواك.
على كلٍ؛ الهوى أنواع، حتى لو كان الهوى أن تكون مع الله, حينما ترى أنه لا بد من خدمة الخلق وأن تكون معهم.
سيدنا خالد لما فتح البلاد, ما كان يبكي كثيراً على مصلاه, كما يفعل إنسان يصلي قيام الليل, لكنه فتح هذه البلاد, وجعل أهلها مسلمين، وهذه البلاد تنعم بنعمة الإيمان بفضل هؤلاء الصحابة الكرام الذين خرجوا, وفتحوا البلاد, وبذلوا الغالي والرخيص, والنفس والنفيس .
خاتمة القول :
الملخص: أن مرتبة الذوق هي من أقرب المراتب إلى النفس البشرية، وهي قمة سعادة الإنسان مع الله عز وجل، ولكن هذا الذوق أحياناً يزداد بأن تكون مع الله, وقد يزداد أحياناً بأن تكون مع الخلق، ورضاء الله عز وجل مقدم على أي رضى، والله بصير بالعباد.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و الخمسون )


الموضوع : الذوق - 3









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. خلاصة ما ذكر في الدرس السابق :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد مر بنا في درسين سابقين منزلة الذوق, وقد ذكرت: أن حقائق الإيمان شيء وحلاوة الإيمان شيء آخر, فقد قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا رَسُولاً))
وذكرت لكم أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجـَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
وبينت كيف أن الإنسان ينبغي أن يوازن بين أن يكون مع الخلق وأن يكون مع الحق، لا بد من أن تؤثر ما يرضي الله، فإذا كان رضى الله أن تكون مع الخلق, ينبغي أن تكون مع الخلق، وإذا كان رضى الله عز وجل أن يكون مع الحق, ينبغي أن تكون مع الحق, وهذا محور الدرس الثاني. ما الثمرة التي يجنيها العبد حينما يصطلح مع الله ويتصل به؟ :
الدرس الثالث والأخير في منزلة الذوق, وهي في من منازل إياك نعبد وإياك نستعين في مدارج السالكين إلى رب العالمين، الموضوع الثالث: هو أن الإنسان حينما يصطلح مع الله ويتصل به يفرح الفرح الحقيقي، قال تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 58]
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 158]
فحينما تفرح برحمة الله التي تنزلت على قلبك، وحينما تفرح بالعلم الذي امتن الله به عليك، وحينما تفرح بالحكمة التي آتاك الله إياها، وحينما تفرح أنك على الصراط المستقيم، وحينما تفرح أنك في اتجاه الجنة، وحينما تفرح أن الله راض عنك، هذا هو الفرح الحقيقي، هذا الفرح الذي لا يأتي بعده حزن.
هذه هي البطولة :
بعض الأمثلة يذكرها المفكرون الأجانب: من يضحك أولاً يبكي كثيراً، ومن يضحك أخيراً يضحك كثيراً، قال تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 34]
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 109-110]
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
[سورة الإنشقاق الآية: 13]
ضحك أولاً، قال تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
[سورة الإنشقاق الآية: 9]
ضحك آخراً، فالبطولة: أن تضحك آخر الناس, لأنك إن ضحكت آخرهم كان الضحك مستمراً، والضحك هنا؛ أي السعادة.
مشكلة :
الآن: في مشكلة الإنسان حينما يصطلح مع الله ويتوب إليه، وحينما يشعر أن الله راض عنه لا شك أنه يفرح, ولكن هذا الفرح فيه منزلق، المنزلق أن يأمن به مكر الله، ما مكر الله؟ التدبير، الإنسان حينما يفرح بفضل الله تضعف همته، حينما يأخذ علامات عليا في المذاكرات, تضعف همته في الدراسة، فيميل إلى الراحة، يميل إلى أن يأخذ الوظيفة من صديقه، يميل إلى أن يغيب عن المدرسة لأنه هو حقق علامات عالية.
فالفرح بفضل الله وبرحمته معه منزلق: أن تأمن تدبير الله الذي يسوق الإنسان إلى أعلى المراكز.
من أعظم مقامات الإيمان :
لذلك قال العلماء: من أعظم مقامات الإيمان الفرح بالله والسرور به:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 58]
قل لي ما الذي يفرحك, أقل لك من أنت؟ .
هل يفرحك أن تجمع مالاً كثيراً؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن ترتقي إلى منصب رفيع؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن تنغمس في الملذات الدنيوية؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن الله علمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً؟ هل يفرحك أن الله آتاك الحكمة؟ هل يفرحك أن الله يستجيب دعاءك دائماً؟ هل يفرحك أن الله استعملك في الخير؟ هل يفرحك أن الله عز وجل أجرى على يدك هداية العباد؟ .
قل لي ما الذي يفرحك, أقل لك من أنت؟
ما الذي يدخل على قلبك السرور؛ أن تكون مع الله أم أن تكون غنياً؟ هل تقول مع الشاعر: فليتك تحلـو والحياة مريــــرة وليتك ترضى والأنام غـضـــــاب
وليت الـــذي بيني وبيـنك عامر وبيني وبيـــــن العالمين خــراب
إذا صح منك الوصل فالـكل هين وكل الـــــذي فوق التـراب تراب؟
متى تساق هذه المصائب للعبد؟ :
أخواننا الكرام, مرتبة الفرح بفضل الله عز وجل مرتبة طبيعية, ولكن فيها منزلق أن هذا الفرح قد يقودك إلى التراخي، إلى الاسترخاء، إلى ضعف الهمة، إلى أن تطمئن إلى أن الله يحبك، قد يقودك إلى أن تطمئن إلى أن لك عند الله مقعد صدق عند مليك مقتدر، هذه الراحة, والاستجمام، والاطمئنان، والتساهل، وضعف الهمة، هذه تستوجب المعالجة، يأتي تدبير الله عز وجل ليدفعك من جديد إلى هدفك النبيل, يأتي تدبير الله عز وجل ليرقى بك إلى أعلى مستوى، لذلك المؤمنون لهم مصائب خاصة بهم، المؤمنون مؤمنون، والمؤمنون أطهار، والمؤمنون مستقيمون, ومع ذلك قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 155-157]
قاعدة :
أيها الأخوة, يقول الله عز وجل:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾
[سورة العلق الآية: 6-7]
بصراحة: الأنبياء والمرسلون والصديقون وكبار المؤمنين همتهم إلى الله عالية في الرخاء والشدة، لكن ضعاف المؤمنين أو أوساط المؤمنين همتهم إلى الله عالية في الشدة أما في الرخاء يميلون إلى الراحة، فلذلك الفرح بفضل الله عز وجل قد يقودك إلى التساهل, إذاً: لا بد من أن تكون حذراً وأنت في قمة فرحك بفضل الله عز وجل.
أحياناً: شخص يكون له مكانة كبيرة يقرب موظفاً عنده، يمازحه هذا الموظف إذا كان ذكياً وعاقلاً يتقرب من سيده ويتجاوب معه, ولكن لا يغيب عن ذهنه أبداً أنه موظف صغير, وأن سيده مدير كبير, وأنه إذا قربه ليس معنى ذلك أن يرفع الكلفة بينهما، فالموظف الموفق مهما قربه مديره يبقى في حدود الأدب, والذي هو أحمق إذا قربه مديره يتجاوز حده فيطرد من قربه، هذه قاعدة، فإذا إنسان فرح بفضل الله عز وجل يجب أن يكون مع هذا الفرح يقظة وانتباهاً وحذراً شديداً, أن ينقلك فرحك إلى ضعف الهمة والتساهل في تطبيق الأمر والنهي.
متى ينسى العبد المنعم؟ :
وهذه الآية:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾
[سورة العلق الآية: 6-7]
حينما يستغني، الصحيح يتوهم أن صحته طيبة فيستغني، الغني يتوهم أنه غني, والله آتاه المال يستغني عن فضل الله, فإذا استغنى تأتيه مشكلة لا تحلها ألوف الملايين.
أنا مرة كنت عند طبيب قلب, فجاء اتصال هاتفي, يبدو أهل مريض، سمعتهم يقولون: أي مكان في العالم نأخذه وأكبر مبلغ ندفعه, قال لهم: لا يوجد أمل, الورم الخبيث بالدرجة الخامسة, لا تجدي معه لا عملية ولا مستشفى ولا أي بلد أجنبي، فالإنسان عندما يعتد بماله له علاج، ولما يعتد بمكانته له علاج, ولما يعتد بعلمه له علاج، لذلك قالوا: الفرح بالنعمة قد ينسي المنعم.
إنسان خلع عليك خلعةً، ثوباً جيداً جداً, فهذا انتبه إلى الثوب ولون الثوب، وقياس الثوب، وارتداه, ووقف أمام المرآة, ونسي أن يشكر الذي أهداه هذا الثوب، يقال: هذا اشتغل بالنعمة عن المنعم, اشتغل بالشيء عن الذي قدره له.
هل تغيب عن المؤمن هذه الآية؟ :
لذلك: المؤمن لا تغيب عن مخيلته الآية الكريمة:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 53]
حتى لو إنسان ضحك، كان بين أهله وأولاده, وانطرح موضوع طريف وضحك، يجب أن يعلم علم اليقين: أن الله سمح له أن يضحك لأنه عافاه، ليس ملاحقاً بجرم سياسي ، لا يوجد بحقه مذكرة بحث بجرم مدني، ولا يوجد عنده فشل كلوي، ولا تشمع كبد، ولا انسداد شريان، ولا تبديل صمام، ولا ورم خبيث, لا هو ولا زوجته ولا أولاده، ويسكن في بيت, وعنده دخل يكفي لمصروفه, فلما طرح موضوع طريف ضحك, يجب أن لا تنسى فضل الله عز وجل, وأنه هو أضحك وأبكى، الذي يضحك يبكي، وقد ترى رجالاً يبكون.
ما واجبك تجاه النعم؟ :
دخلت إلى عند إنسان, صار معه خثرة بالدماغ فشُلَّ، ما إن رآني حتى أجهش بالبكاء، صار عاجزاً، كان ملء السمع والبصر؛ شخصية قوية، أموره مضبوطة, فلما شلت أعضاؤه, وانعقد لسانه, كلما يدخل عليه إنسان ليعوده يبكي، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
[سورة النجم الآية: 43]
فالإنسان إذا ضحك، فليشكر المولى على أنه سمح له أن يضحك, الله عز وجل يقول:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾
[سورة النور الآية: 21]
كلنا في هذا المسجد, لولا فضل الله علينا ورحمته ما كنا في هذا المسجد, كنا في ملهى، كنا في مكان يعصى الله فيه، الآن السجون ملأى بشر مثلنا، الزاني، ومتعاطي المخدرات، وشارب الخمر, والسارق، والمحتال، والمهرب، الله عز وجل تفضل علينا، وقد يكون إنسان في أعلى مستوى, فلما يغضب الله عليه يصبح في أسفل سافلين ويعذب، وتؤتى بأمواله كلها، وكان فضل الله عليك عظيماً.
هذا هو الفضل العظيم :
مرة دخلت إلى عند بعض أخواننا العلماء, بيته متواضع, ولكن في آية قرآنية لما قرأتها اقشعر جلدي، هو اختار هذه الآية:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
هذا هو الفضل العظيم، الفضل العظيم أن تكون زاكي النفس، قال تعالى:

﴿مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾
[سورة النور الآية: 21]
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 86]
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 99]
هذا الإنسان الأحمق :
أخواننا الكرام, الإنسان في ساعات قوته وجبروته إذا لم يدخل حساب الله عز وجل في خططه فهو أحمق، وربنا عز وجل لحكمة بالغة يرخي له الحبل, وقد يصعد صعوداً حاداً, فإذا بلغ قمة الصعود سقط سقوطاً مريعاً, وهذا ما يسمى ببطش الله عز وجل،
﴿إن بطش ربك لشديد﴾
أعرف أناساً تهتز لوجودهم الرجال يعذبون وحكموا بالسجن, الله عز وجل منتقم، الإنسان إذا كان قوياً وظلم ينتقم منه الله عز وجل.
بعض العلماء الصالحين يقول: اللهم لا تخذلني حتى آمن مكرك ولا أخافه.
أحياناً الإنسان: ينسى أن الله سوف يحاسبه فيرتاح, يرى نفسه في بحبوحة وقوي ولا يوجد عنده مشكلة, يتخذ مواقف لا مبالية, وينسى أن الله سوف يؤدبه، لذلك الإنسان حينما يذكر بالحق ولا يستجيب, يقسو قلبه ثم يكون الران عليه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
كيف نوفق بين هاتين الآيتين؟ :
بالمناسبة: أخواننا الكرام، قال تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 58]
وفي آية ثانية قال: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
كيف نوفق بين الآيتين؟ الله عز وجل نهانا أن نفرح بالدنيا, لأنه من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا, فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي:

﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
لا تفرح بالدنيا لأنها مؤقتة، افرح بفضل الله عز وجل. أنواع أو مستويات الشكر :
1-مستوى فكري :
أيها الأخوة, الشيء الذي ينبغي أن يكون: هو أنك حينما تفرح بفضل الله عز وجل, هذا الفرح ينبغي أن يقودك إلى الشكر, والشكر -كما تعلمون- على مستويات ثلاثة؛ المستوى الأول: حينما تعزو النعمة إلى الله عز وجل فهذا أحد أنواع الشكر.
يعني أقرب مثل: إذا سمعت في الأخبار, أو قرأت في الصحيفة اليومية: أن منخفضاً متجهاً نحو القطر, هل ترى أنه منخفض أم أنها رحمة الله؟ حينما تفرغ المثانة وأنت مرتاح, لا يوجد انسداد ولا التهاب، ولا يوجد بروستات ولا يوجد مشكلة، هل ترى أن جسمك سليم أم أن الله عز وجل امتن عليك بالصحة؟ حينما تصعد درجاً عالياً دون أن تشعر بضيق في صدرك, هل تشعر أن هذا بفضل ما تمارسه من رياضة أم أن الله عز وجل تكرم عليك وسلم لك هذا القلب؟ لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله عز وجل فهذا أحد أنواع الشكر، قضية فكرية.
2-3 مستوى نفسي وسلوكي :
والشكر في مستوى أعلى منه مستوى نفسي: حينما يمتلئ قلبك امتناناً من الله عز وجل لأنه أنعم عليك, فهذا مستوى آخر أرقى, وحينما تبادر إلى خدمة الخلق إرضاءً للحق فهذا مستوى أرقى وأرقى.
يوجد مستوى فكري، مستوى نفسي، مستوى سلوكي، فإذا عزوت لفكرك هذه النعمة إلى الله كما قال الله عز وجل:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
[سورة النحل الآية: 53]
فهذا مستوى، وحينما تحمد الله على نعمائه ويمتلئ قلبك حباً لله عز وجل على ما منحك به من خير عميم فهذا مستوى أرقى, وحينما تعمل لخدمة الخلق إرضاء للحق فهذا من المستويات الراقية في الشكر:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 147]
ما علاقة الشكر بالعلم؟ :
قد يسأل أحدكم: ما علاقة الشكر بالعلم؟ أنت حينما تقول: سمع الله لمن حمده، حينما تقول: ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الله جل جلاله سمع هذا الحمد، فأنت إذا شكرت الله فهو يعلم، ولو شكرته في قلبك ولم يتحرك لسانك فهو يعلم, وكان الله شاكراً عليماً:
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾
[سورة فاطر الآية: 34]
لك ذنب يغفره لك، لك عمل طيب يشكره لك، يغفر الذنب ويشكر العمل الصالح.
لم هذا التفاوت بين العباد في النعم؟ :
يقول سيدنا موسى في المناجاة: يا رب هلاَّ ساويت بين عبادك؟ قال: يا موسى إني أحب أن أشكر.
يعني تفاوت العباد فيها حكمة بالغة، إنسان يكون لحكمة بالغة ينبغي أن يكون بيته بوضع معين, الذي عنده بيت أكبر, إذا دخل إلى هذا البيت, يقول: يا ربي لك الحمد, بينه وبين نفسه وليس أمام صاحب البيت، يارب أنت أكرمتني ببيت أوسع، إنسان غير متزوج وأنت متزوج، يا رب أنت أكرمتني بزوجة، إنسان يعمل وإنسان لا يعمل, يا رب أنت أكرمتني بعمل, فهذا التفاوت من أجل أن تشكر, لو الناس كلهم في مستوى واحد, معاشي واحد, لا يوجد نعمة ظاهرة تختفي النعم.
موضوع دقيق :
أيها الأخوة الكرام, الموضوع الذي ينبغي أن يعالج قبل أن ينتهي الدرس موضوع دقيق: كل واحد من الأخوة الكرام في أول بداياته شعر بسعادة لا توصف، ويسأل بعض الأخوة الكرام: يا أخي, أنا الأحوال التي عشتها في بدايات الطريق الآن لا أشعر بها, فما سر ذلك؟ .
القضية بسيطة جداً: إنسان كان في منطقة باردة جداً, دخل فجأة إلى مكان مدفأ, خلال ربع ساعة يشعر بنعمة الدفء, وهو في نشوة, حينما شعر بالدفء, وتخلل بين ثنايا جسمه, ولكن بعد ساعتين ألف هذا الدفء، والدفء موجود, أما إحساسه به ضعف، إنسان بحالة معاكسة: كان في حر شديد جداً, دخل إلى غرفة مكيفة, أول عشر دقائق يعني يستمتع بالتكييف استمتاعاً لا حدود له, ولكن بعد ساعة ألف هذا الجو.
هذا الذي يحصل في طريق الإيمان: أول انطلاقة إلى الله يوجد سعادة لا توصف، الانتقال المفاجئ من الكفر إلى الإيمان، من المعصية إلى الطاعة، من الشرود إلى اللقية، من الهبوط إلى الصعود, من الوحول إلى الجنات, يوجد سعادة كبيرة جداً, لكن بعد حين تألف طريق الإيمان وتراه طبيعياً، لذلك قد تجد إنساناً يحضر أول درس وثاني درس يقول لك: أنا تألقت تألقاً ليس له حدود، بعد سنة ضبط بيته، وضبط استقامته، وضبط جوارحه، وأعضاءه، حواسه، حرر دخله، ربى أولاده، وحجب زوجته، عاش حياة مريحة، لكن لا يجد هذه السعادة كبيرة والسبب: أنه ألفها.
أحياناً الإنسان يركب سيارة, والسيارة واقفة, ولكن المحرك يدور, هذه الدورة موجودة, ولكن أنت لا تشعر بها, لأن السيارة واقفة، أما إذا أطفأت المحرك يوجد فرق واضح, لذلك الإنسان في البدايات يفرح فرحاً لا حدود له, ثم تأتيه حالة فتور, هذا شيء طبيعي جداً، هذا الكلام نقوله لكم ما دام لا يوجد معصية, أما إذا وجد معصية، وجد حجاب، فرق كبير بين الفتور والحجاب، الإنسان بالمعصية يحجب, لكن مع تقدمه في طريق الإيمان يصاب بفتور، الفتور حالة معتدلة من العبادة.
سيدنا عمر بن الخطاب يقول: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً, فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل, وإذا أدبرت فألزموها الفرائض.
أحياناً الإنسان يكون نشيطاً: يقرأ القرآن, ويقوم الليل, ويذكر الله عز وجل، طليق اللسان، وأحياناً تعبر متاعب, يصلي الفرض والسنة, ويترك النوافل، يأخذ الحد الأدنى من العبادات.
فسيدنا عمر قال: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً, فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل, وإذا أدبرت فألزموها الفرائض.
والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله، ويلقي نفسه بالباب طريحاً، ذليلاً، مسكيناً، مستهيناً، والإنسان كلما عرف الله أكثر تذلل له أكثر.
بالمناسبة: توجد علاقة عكسية: الذي يستكبر عن طاعة الله يذله الله، أما كل إنسان تذلل على أبواب الله يعزه الله عز وجل.
ما الفرق بين الفتور وبين الحجاب؟ :
أيها الإخوة الكرام, حينما تفتر الهمة قبل كل شيء, يجب أن نفرق بين الفتور وبين الحجاب، المعصية تسبب حجاباً عن الله عز وجل، لكن المؤمن ساعة وساعة، وليس معنى ساعة وساعة: أي ساعة طاعة وساعة معصية أعوذ بالله! ساعة وساعة: أي ساعة تألق وإقبال، وساعة فتور, لأنه ورد في الحديث الشريف:
((إن لربكم في أيام دهركم نفحات, ألا فتعرضوا لها))
الله لحكمة بالغة له نفحات, فحينما تأتيك نفحة من الله عز وجل تسعد أيما سعادة وتتألق، وإذا غابت عنك هذه النفحة تفتر، الفتور غيرالحجاب، المعصية تسبب حجاباً, أما حينما لا تأتيك نفحة الله عز وجل أنت في حالة الفتور، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
أما إذا النفحة غابت عنك لحكمة أرادها الله فأنت في حالة فتور, حالة الفتور أحياناً طريق إلى الرقي، إذا أردت أن ترفع أسعار مادة ما تختفي من الأسواق ثم تطرح بأسعار جديدة، ولما الإنسان يفقد شيئاً من التألق الروحي, يصبح في حالة اسمها التعطيش, فربنا عز وجل يعطشه؛ أي يبحث عن حل, يبذل, يضاعف جهده, فيقفز قفزة نوعية، إذا أقامك بمقام الفتور, فلعل الله عز وجل سيتفضل عليك بنفحة كبيرة ترقى بها رقياً دقيقاً.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ, وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ, فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ, وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ))
كل عامل له تألق وبعد التألق يوجد فترة، فالفترة من أجل أن يبقى التالق تألقاً، وهذه الفترة تدفعك إلى تألق جديد.
الجنيد -رحمه الله تعالى- كان كثير الذكر لبداية سيره, والله عز وجل قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 5]
يعني أيام التألق، أيام الإقبال، أيام البكاء الشديد، أيام التضحية بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، هذه أيام الله.
ما هو أرقى أنواع البكاء؟ :
أيها الأخوة, قال بعضهم: دخلت على بعض أصحابنا, وهو يبكي بكاء شديداً, فسألته عنه, فقال: -هذا بكاء من أرقى أنواع البكاء: بكاء الشكر- ذكرت ما منّ الله به علي من السنة ومعرفتها, والتخلص من شبه القوم -أي من أهل البدع- وقواعدهم الباطلة, وموافقة العقل الصريح والفطرة السليمة مع النقل الصحيح لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام, فسرني ذلك, فلذلك أبكي، هذا أرقى أنواع البكاء؛ بكاء الفرح.
ما أكمل حالة للقلب؟ :
والذين ذاقوا طعم القرب من الله عز وجل يقولون: ما من حالة يسعد بها الإنسان, كأن يشعر أنه مع الله, وعمله في سبيل الله, ويبتغي مرضاة الله، ويسعى لخدمة خلق الله، ولا يرجو أحداً إلا الله، ولا يرجو من أحد شيئاً إلا أن يرضى الله عنه، هذا الشيء المسعد.
بالمناسبة: العلماء يرجحون أن ينطوي القلب على حب وخوف وتعظيم. ورد في الأثر القدسي:
((أن يا عبدي, خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن, أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك علي رزق, فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك, فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية, ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي, وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد, فإذا سلمت لي فيما أريد, كفيتك ما تريد, وإن لم تسلم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلا ما أريد))
ورد أيضاً: ((أن يا ربي, أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي: تقي القلب، نقي اليدين, لا يمشي إلى أحد بسوء, أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقه، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي -هنا الشاهد-؛ ذكرهم بآلائي من أجل أن يعظموني, وذكرهم بنعمائي من أجل أن يحبوني، وذكرهم ببلائي من أجل أن يخافوني))
فأكمل حالة للقلب: أن يجتمع فيه الحب والخوف والتعظيم، النعم تدعوك إلى الحب ، والنقم تدعوك إلى الخوف، وعظمة الكون تدعوك إلى التعظيم، فقلب فيه تعظيم لله عز وجل من خلال آلائه, وفيه خوف من الله عز وجل من خلال بلائه, وفيه حب لله عز وجل من خلال نعمائه, هذا قلب سليم موصول, يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وفي درس آخر ننتقل إن شاء الله تعالى إلى منزلة أخرى من منازل مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و الخمسون )


الموضوع : الحياة - 1







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس التاسع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الحياة، استنباطًا من قوله تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
الضالُّ ميِّت, والشارد ميِّت, والعاصي ميِّت، والفاسق ميِّت, والمشرك ميِّت, والكافر ميِّت, والمنحرف ميِّت، قال تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
ما وظيفة الروح في الجسد, ومتى يكون الإنسان حياً ومتى يكون ميتاً؟ :
أيها الأخوة الكرام, كيف أن الجسم من دون روحٍ تسري في خلاياه, فالعين بالروح ترى, ودون الروح تُلقى في القمامة، واللسان ينطق، والأذن تسمع, والأنف يشمُّ، والجلد يحسُّ ، وهذا الجسم يقوم بأعقد العمليات بالروح، فلو قُطِعت عنه الروحُ لكان جثَّة هامدةً، لا تساوي شيئاً، ولو عصرنا الجسمَ لكان: سبعين بالمائة منه ماء, فالذي وزنه مثلاً مئة كيلو، سبعون كيلو منه ماء، وثلاثون كيلو من مواد مختلفة من الحديد الذي هو بمقدار مسمارٌ صغير, ومن الكِلس الذي في عظامه يُطلَى كوخ دجاجٍ صغير أبيض، يُصنع من بعض المعادن قلمُ رصاص. مثلاً:
الإنسان مادَّة دون روح لا يساوي خمساً وعشرين ليرة سورية، أما بالروح مثلاً: يصير قائداً كبيراً، وعالماً كبيراً, ومصلِحاً كبيراً، فالإنسان بالروح، كما أن الروح حياة الجسم, كذلك معرفة الله, وطاعته, والاتصال به, وذكره, والإقبال عليه, والتوكُّل عليه روحُ النفس، هناك نفس ميِّتة، ميِّتـة بكلِّ معنى الكلمة، يبحث عن طعام وشراب وامرأة فقط, ينام كالدابَّة, ويستيقظ كالدابة، ويتثاءب كالدابة، يبحث عن طعام وشراب من أيِّ طريق، له أو لغيره، يأخذ ما له وما ليس له.
أحياناً: لا أجد كلمةً معبِّرة عن إنسان شارد تائهٍ منحرفٍ ضالٍّ مضلٍّ فظٍّ غليظٍ شهوانيٍّ أنانيٍّ, لا أجد لمثل هذا النموذج من وصف يروي الغليل أدنى من كل وصف، هذا هو موت الإنسان، أما حينما ترِقُّ حاشيتُه, تلطف نفسُه, يتواضع لله عز وجل, ويرحم الآخرين, يتعرَّف إلى الله, ويعرِّف بالله عز وجل, صار حيًّا، قال تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
الآية الثانية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 80]
هذا الميت المقبور بشهواته. هذا ما رآه بعض العلماء في معنى هذه الآية :
إن بعض العلماء يرى أن قوله تعالى:
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾
[سورة فاطر الآية: 22]
هؤلاء المقبورون في شهواتهم، إنسان مقبور بامرأة، إنسان مقبور بالدرهم والدينار، إنسان مقبور بالمخدِّرات، وإنسان مقبور بالخمور، وإنسان مقبور بشهوات الدنيا، إنسان همُّه بطنُه، وإنسان همُّه فرجُه، إنسان همُّه أناقتُه، وإنسان همُّه أن يعيش بملذَّاته السخيفة، هذا مقبور, قال تعالى:
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[سورة فاطر الآية: 22]
قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 21]
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
ليس من مات فاستراح بميتٍ إنـمـا الـمـيت مـيـتُ الأحـيـاءِ
مسألة فيها مداعبة :
يا بنيَّ, مات خزَّانُ المال وهم أحياء, -في أوْج حياتهم, نبضُهم سبعون, ضغطهم 8-12، تحليل دمهم كلُّه طبيعي، ومع ذلك هم عند الله أموات-.
مات خزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانُهم مفقودة وأمثالُهم في القلوب موجودة.
مرَّةً أردتُ أن أداعب طلابي في مسألة، وقلتُ لهم: من يأتي باسم غنيِّ عاش في دمشق عامَ 1865 وله علامة تامَّة؟ الطلاب فكَّروا فكَّروا فكَّروا، فقلت لهم: وأنا مثلكم لا أعرف، لكن من منكم لا يذكر اسمَ صلاح الدين الأيُّوبي، الشافعيَ, أبا حنيفة، مثلاً عمر بن الخطَّاب، خالد بن الوليد، القادة العِظام، العلماء الأعلام, والمصلحون الكبار، هؤلاء الذين غيَّروا مجرى التاريخ, هؤلاء الذين تركوا بصماتِهم في الحياة، من منَّا لا يذكرهم؟ .
مات خزَّانُ المال وهم أحياء.
قف عند هذه الأدلة من الكتاب على منزلة اليوم :
الآن أدلَّة أقوى، طبعاً أولُ دليل:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
ثاني دليل: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 80]
ثالث دليل: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[سورة فاطر الآية: 22]
الدليل الرابع، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾
[سورة الشورى الآية: 52]
هذا الوحيُ فيه حياة القلوب, الروح التي تعارفنا على أنها قوةٌ تمدُّ الإنسانَ بالحياة و الحركة، الروح حياة الأبدان والقرآن حياة القلوب، قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾
[سورة الشورى الآية: 52]
الوحيُ روح. هذا التقسيم الحقيقي للصنف البشري :
والآن يمكن أن نقول: الناسُ رجلان؛ ميِّت وحيٌّ, الذي عرف اللهَ حيٌّ, والذي استقام على أمره حيٌّ، والذي عمل الصالحاتِ تقرُّباً إليه حيٌّ، والذي أقبل عليه حيٌّ، والذي غفل عن الله ميِّت، والذي عصى اللهَ ميِّت، والذي أساء لخلقه ميَّت، حيٌّ وميِّت, موصول ومقطوع، مقبل ومدبِر، محسن ومسيء، منضبط ومتفلِّت، سعيد وشقيٌّ, وهذا هو التقسيم الحقيقي، هذا التقسيم الواقعي.
أحياناً يقال لك: بين بلجيكا فرضًا وفرنسا الخطُّ الحدودي, لو أن قريةً يمرُّ خطُّ الحدود في وسطها، ما الفرق بين واحد بيتُه في القسم التابع لفرنسا، وإنسان بيتُه في القسم التابع لبلجيكا؟ التقسيم مصطنع: بلدةٌ واحدة, وعاداتها وتقاليدها, وجوّها الطبيعي وطقسها, وماؤها و أمطارها, وصناعتها وزراعتها, وثقافتها واحدة، ولكن بحسب القوانين: هذا بلجيكي وهذا فرنسي، فهذا التقسيم مفتعَل، أما التقسيم الحقيقي: مؤمن وكافر، مستقيم ومنحرف, وصادق و كاذب، محسن ومسيء, وسعيد وشقيّ، هذا التقسيم الحقيقي، فكما أن الروح حياة الأجسام, كذلك الإيمانُ حياة القلوب.
ما موضع الشاهد في هاتين الآيتين؟ :
آيةٌ ثانية، قال تعالى:
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾
[سورة النحل الآية: 2]
الروح مرة ثانية، وآية ثالثة: قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾
[سورة غافر الآية: 15]
فالوحيُ حياة النفس، والروح حياة الجسم، صار الوحيُ روحُ النفس وروح القلب, وطبعاً هناك أدلة كثيرة، انظُر إلى وردة صناعية لا روح لها، انظُر إلى وردة طبيعية، بوْنٌ شاسع وفرق كبير بين وردة طبيعية تفوح منها الرائحة تحسُّ أنك قريب منها، أما الوردة الصناعية لا تحسُّ بهذا الميل إليها، لأنها عديمة الروح.
مغالطة قد تسري إلى بعض ضعاف الإيمان :
الآن ندخل في آية مهمَّة جدًّا، قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 97]
أولُ مغالطة: قد يفهم بعضُ ضعاف الإيمان: أن الذي يؤمن بالله, ويعمل عملاً صالحاً, يحييه اللهُ حياة طيِّبة؛ أيْ يجعله غنيًّا، ويجعله قويًّا، و يجعله صحيحاً، لا، كلُّ إنسان له ظروف وله معطيات قدَّرها اللهُ بحكمةٍ بالغة، ولكن الحياة الطيِّبة التي وُعد بها المؤمنون حياة الروح المطمئنة.
لفتة نظر :
والشيء الذي يلفت النظرَ: حينما يخاف الناسُ المؤمن لا يخاف, وحينما يحقد الناسُ المؤمن لا يحقد، وحينما تضعف معنويات الناس المؤمن لا تضعف معنوياتُه، وحينما ييأس الناسُ المؤمن لا ييأس, هذه حياة الروح، وحينما يفتقر الناسُ ويندبون حظَّهم المؤمن يصبر، و حينما يغتني الناسُ ويتغطرسون المؤمن يتواضع، وحينما ينجب الناسُ أولاداً يربُّونهم تربيةً لا ترضي اللهَ، المؤمن ينشِئ ابنه على طاعة الله، فقضية حياة الروح ميِّتٌ وحيٌّ، بأدقِّ ما في هذه الكلمة من معنى ميِّت وحيٌّ: أيْ إنسان متَّصل بالله حيٌّ، ومقطوع ميِّتٌ، أيْ ميِّت تشمئزُّ منه ويشمئزُّ منك، قياسه مادي، فإذا رآك ذا دخلٍ محدود وضَعك خارج الاهتمام، هو بدخله الكبير لا يُحتمَل ولا يحتمِل، يَعاف ويُعاف، هذا المنحرف، أما المؤمن يَألَف ويُؤلَف، يحبُّ ويحَبُّ, ليِّنُ العريكة، متواضع، عنده حياءٌ، واقتبس من كمال الله كمالاً، واشتقَّ من الكمال الإلهي الذي أرادنا اللهُ أن نتخلَّق به كمالاً.
ما محور هذا الحديث؟ :
يا أخوان، مستحيل في عالَم الأغنام تجد غنمة ثمنُها مليون ضعف عن غنمة ثانية، أغلى غنمة ستَّة آلاف، وأرخص واحدة ألفان، الفرق ثلاثة أضعف، أما في عالم الإنسان: ممكن إنسان تكون مكانتُه تزيد عن إنسان مليار ضعف.
عَنْ سَهْلٍ قَالَ:
((مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ, وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ, وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ, قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ, فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ, فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ, وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ, وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْتَمَعَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا))
من مثل هذا الإنسان، الأول يعدل مليار إنسان. إليكم تفسير معنى الحياة الطيبة عند أهل العلم :
العلماءُ قالوا: فُسِّرت الحياةُ الطيِّبة: بالقناعة والرضا والرزق الحسن وغير ذلك، و الصواب: أنها حياة القلب ونعيمُها، وبهجتُه وسروره, والإيمان بالله ومعرفتُه، ومحبَّتُه والإنابة إليه والتوكُّل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها, ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيمُ الجنة.
بعضُ العارفين يقولون: هذه الحياة الطيِّبة، جنُّةُ القربِ، والكافر في جفوة البُعد، في شقاء البعد، والمؤمن في جنة القرب، يقول: إنه لتمرُّ بيَ أوقاتٌ أقول فيها: إن كان أهلُ الجنة في مثل هذا, إنهم لفي عيشٍ طيِّب.
في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لم يدخل جنةَ الآخرة.
إنها جنة القرب، قال تعالى:
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 6]
في الدنيا.
وقال بعضُ العلماء: إنه ليمرُّ بالقلب أوقاتٌ يرقص فيها القلبُ طربًا.
إنسان صدَق مع الله, وأخلَص له, وأناب إليه, وتاب توبةً نصوحاً، سيمرُّ على قلبه أحوالٌ لا يحلم بها الملوكُ، وقد يكون فقيراً, وقد يكون من عامة الناسِ، وقد يكون في الدرجة الدنيا في السلَّم الاجتماعي، هذه عظمةُ الدين.
المعيشة الضَّنكُ لمن أعرض عن ذكر الله، والحياة الطيِّبة لمن أقبل عليه. عملية موازنة :
أقسمَ باللهِ أخٌ قال لي: دخلتُ على تاجرٍ في بعض أسواق دمشق الكبرى، قال لي: أنا تاجرٌ أعرف أن حجمه المالي يزيد عن أربعة آلاف مليون، أقسم بالله، قال لي: من كثرةِ ما شكا لي همومَه, ومتاعبَه, وتشاؤمَه, وإحباطاته, وضيقَ نفسه، يكره بيتَه, ويكره أولادَه وزوجته, ولا يوجد بيعٌ، والناسُ لا يتعاملون، قال لي: ما كِدتُ أمشي على قدميَّ بعد أن التقيتُ به، ولحكمةٍ بالغة بالغة أرادها اللهُ عز وجل، قال لي: جاءتني امرأةٌ في محلِّي التجاري, محجَّبة حجاباً كاملاً, تريد مساعدةً -أجرة لبيتٍ-، تريد ألف ليرة، أين أنتِ يا أختي؟ قالت له: في قرية من قرى ريف دمشق, فقال لها: أنا عندي في المساء اجتماعٌ في جمعية خيرية هناك، أعطِي تعليماتٍ لهذه الجمعية أن يساعدوكِ، قال لي: في الاجتماع ذكرتُ لهم أن هناك امرأةً اسمها كذا, وعنوانها كذا تريد مساعدةً، فيُرجى أن تتحقَّقوا من ذلك, وتمدُّوها بهذا المبلغ، فقالوا: قمْ معنا نذهب إليها.
قال: فانطلقنا إلى بيتها، المفاجأة الكبيرة أنَّ البيتَ تحت درَجٍ مع فسحةٍ بسيطة، المنطقةُ العالية فيها غرفة، ومنطقة الزاوية الضيِّقة للمطبخ والمنافع، وهناك ساحة ضيِّقة، هذا البيتُ أجرتُه ألفُ ليرة في الشَّهر، في قرية من قرى ريف دمشق غربًا، قال: دخلنا بيتاً نظيفاً، وزوجها مريض مستلقٍ على سرير, والأولاد في وضع جيِّد جدًّا، ثيابهم نظيفة ويضحكون و يلعبون، وجدنا هذا البيت كأنه قطعة من الجنة، قال: لهذه الأخت الكريمة نعطيكم ألفين في الشهر، قالت له: لا ألف فقط، لسنا في حاجة إلى ألفين، معاشُ زوجي يكفي للمصروف، و نحن في حاجة إلى ألف.
قال: وازنتُ بين الذي كنتُ عنده الظهر, وله حجمٌ يزيد عن أربعة آلاف مليون، وبين هذه المرأة الفقيرة المُعدَمة التي تسكن مع زوجها في بيت قميء، وكيف أن هذا البيت قطعة من الجنة؟ قال: عرفتُ أن الله على كل شيء قدير؛ أي قادر أن يعطيك ويشقيك، وقادر على حرمانك وإسعادك، فاطلُب ما عند الله.
هذه علامة بيعة المؤمن نفسه الله :
إذا الواحد دخل عند صائغ، والصائغ صديقُه، صاحب محل أراد أن يقدم هدية لعامل عنده, فقال: نويتُ أن أهديك قطعة من قطع المحلِّ, اِختَر واحدةً، صاحب المحل مخلص وفهيم ، وذوقه مرتفع، قال العامل: أنت اختر لي, الآن مضطر صاحب المحل أن يقدِّم له أنفسَ قطعة، لأنه قال له: أنت اختَر لي.
عَنْ عَائِشَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا قَالَ:
((اللَّهُمَّ خِرْ لِي وَاخْتَرْ لِي))
[أخرجه الترمذي في سننه]
خر لي واختر لي أنت تحبُّني، إذا بِعتَ بيتك, وقبضتَ حقَّه بالتمام والكمال, ووقَّعت العقد, وأفرغتَ في السجل الرسمي، بلغك أن الذي اشترى البيت ألغى حائطاً بين غرفتين، هل تذهب لتختصم معه؟ يقول لك: ما شأنك أنت؟ بعتَ البيت وقبضت ثمنه، يلغي حائطاً, ويلغي غرفة, ويغيِّر مكان الحمَّام, هو حرٌّ، هذا المعنى البسيط اللطيف وسِّعْه في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[سورة التوبة الآية: 111]
الثمن هو الجنة، فالله عز وجل أراد أن يبعث لك رزقاً وفيراً، تقول: أنا بعتُ أنا بعت، أراد أن يجعلك بدخل محدود، تقول: أنا بعت، أراد أن يجعل صحَّتك في أعلى مستوى، تقول: أنا بعتُ، أراد أن يسوق إليك مرضًا، تقول: أنا بعت، فإذا أنت بعتَ نفسك لله حقيقةً, فلا تنزعج من شيء ساقه اللهُ إليك, وعلامةُ أنك بِعتَ نفسك بيعةً قطعية لله عزوجل: لا تعترض على حكمه أبداً.
إليكم هذا التوضيح لهذا الكلام :
هذا الكلام يجب أن يكون له توضيحٌ: أنت فقيرٌ وبإمكانك أن ترفع مستوى دخلك، و بإمكانك أن ترفع مستوى معيشة أولادك، وهناك طرقٌ سالكة، ولم تسلكها فأنت آثم، ابذِل قصارى جهدك وينتهي بك الجهدُ عند هذا الحدِّ، عندئذٍ ارضَ عن الله عز وجل.
يا ربي, هل أنت راضٍ عني؟ فوقع في قلبه: أن يا عبدي, هل أنت راضٍ عني حتى أرضى عنك؟ لقوله تعالى:
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
[سورة البينة الآية: 8]
أن ترضى عن الله، أن ترضى بجسمك، وشكلك, ولونِك, وبشعرك, وبإمكاناتك, وبحرفتك, وبدخلك, وبزوجتك, وأولادك, وبيتك، هذه أشياء كلُّها معطيات صارت ثابتةً.
قف عند هذه المحطة :
أيها الأخوة, هناك دورٌ ثلاثة: -دور جمع دار-؛ دار الدنيا ودار البرزخ ودار الآخرة, والعلماء قالوا:
الحياة الطيّبة في دار الدنيا وفي دار البرزخ وفي الدار الآخرة، والمعيشة الضنك في الدار الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، دار الدنيا سُمِّيت دنيا لأن الحياة في الآخرة حياةٌ عُليا، دار البرزخ ممرٌّ بين الدنيا والآخرة، دار الآخرة دارُ القرار والأبرار, قال تعالى:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾
[سورة الانفطار الآية: 13]
مطلقاً، أي في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾
[سورة الانفطار الآية: 14]
في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، والقبر -كما تعلمون- روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران.
قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 30]
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً﴾
[سورة البقرة الآية: 201]
قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية: 3]
دقق هنا :
دقِّقْ الآن:
﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾
[سورة هود الآية: 3]
فذكر الله سبحانه وتعالى ومحبَّتُه وطاعته والإقبال عليه ضامنٌ لأطيب الحياة الدنيا والآخرة, والإعراض عنه والغفلة ومعصيته كفيل بالحياة المنغَّصة والمعيشة الضَّنك في الدنيا والآخرة، ومعنى ذلك: أن يكون قلبُك حيًّا بذكر الله, فأنت في حياة طيِّبة في الدنيا والبرزخ والآخرة، وأن تكون غافلاً عن الله, فأنت في معيشة ضنك في الدنيا والبرزخ والآخرة.
ما مراتب الحياة وما مراتب الروح؟ :
والحياة مراتب: حياة القلب وحياة الروح مراتب؛ المرتبة الأولى: حياة العلم من موت الجهل، الجاهل ميِت والعالِم حيٌّ، فإن الجهل موتٌ لأصحابه، قال بعضُ الشعراء:
وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله وأجســامهم قبل القبور قبـورُ
وأرواحهم في وحشة من جسومهم فليس لهم حتــى النشور نشورُ
الجاهل ميِّتُ القلب وإن كان حيَّ البدن، جسدُه قبرٌ يمشي به على وجه الأرض، قبر متحرِّك، الكون قرآن صامتٌ، والقرآن كون ناطق, والنبيُّ عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي، والكافرُ قبرٌ يمشي.
دقِّق في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
[سورة يس الآية: 69-70]
لينذر من كان حيًّا، أما الميِّت دعْه فإنه ميِّت. بماذا تتعلق هاتان القصتان؟ :
المؤمن الصادق أحياناً يلتقي بإنسان ميِّت ولو كان في الظاهر حياً.
مرَّة دعاني أخٌ إلى تناول طعام الغداء في منطقة خارج دمشق, وهناك واحد من الحاضرين, لا أعتقد أن إنساناً يتحمَّله خمس دقائق, هو ضدّ كلِّ شيء متعلِّق بالدين والقيم والأخلاق, لا شيء عنده, الحياة بالنسبة له مادة مال وشهوات، ما شعرتُ بإنسان ينطبق عليه لفظُ الموت كهذا الإنسان.
ومرَّة التقيتُ بمندوب شركة, بعد ما انتهى العملُ, قلت بضع كلمات عن الله عز وجل في الحج، قال لي: هذه المعلومات لا تعنيني, ولا أهتمُّّ بها, ولا ألقي لها بالاً, أنا لا أهتمُّ إلا بامرأةٍ جميلة, وبيت واسع, وسيارة فارهة، وما سوى ذلك وراء ظهري، ميِّت، وكلُّ واحد من أخواننا الكرام، ممكن أن يلتقي بشخصٍ ميت أنيق جدًّا، جميل الصورة.
جمال الوجه مع قبح النفوس كقـنديل على قبر المجـوس
جميل الصورة, أنيق جدًّا, وحياته في أعلى مستوى, ولكنه ميِّت، رأيت هذا في أمريكا، رأيت الناس بلا هدف؛ استلقاء, وراحة, وشطرنج، وورق، نوم, وأكل, وعمل بلا قيم, وبلا هدف، بلا أدنى درجة من درجات الخجل والحياء أبداً.
قد لا تصدق :
قال لي أحدهم: إنه ذهب إلى بلد من بلاد أوروبا الشرقية ليزورها، جامعة من أضخم الجامعات, الدورات العامَّة أين؟ في الصالون، لا يوجد جدران أبدا، أي خمسين قطعة لقضاء الحاجة، صالون مكشوف كلُّه, والناسُ يقضون حاجاتهم أمام بعضهم بعضاً كالبهائم تماماً، وقال لي: إن الحمَّامات أصعب، شباب وشابَّات يغتسَّلون أمام بعضهم بعضاً، كذلك الرشَّاشات في السقف إلى جنب بعضها بعضاً، لا توجد حواجز أبداً, أموات غيرُ أحياء.
هذه قيمة الإنسان عند الغرب :
أرادوا أن يجرِّبوا قياس الدافع الإنساني بفرنسا, جاؤوا بإنسان ووضعوا عليه حبراً أحمرَ, كأنه وقع له حادثٌ، وسيارة مهشَّمة على أكثف طريق في فرنسا، بين ليون وباريس، كثافة الطريق مخيفة، في بعض الجسور في أمريكا, سبعمائة ألف سيارة تقطعه كلَّ يوم, فكلُّ دولة كبرى لها طرقٌ كثيفة جدًّا، فأكثف طريق في فرنسا طريق ليون باريس، وضعوا هذا الإنسان على جانب الطريق, كأنه ميِّت, أو كأنه مجروح، وسيارته مهشَّمة، في شكلٍ تمثيلي متقَن، وانتظروا أن تقف بعـضُ السيارات كي تتفقَّد حالَه أو أن تمدَّ له يدَ المساعدة، ستُّ ساعات لم تقف ولا سيارة، أموات غير أحياء.
ولي صديق ذهب إلى بريطانيا, قال لي: قبل مئة متر وجدتُ امرأةً وقعتْ على الأرض, على الرصيف، والمرور كثيف جدًّا، تمنَّيتُ أن يلتفت لهذه المرأة إنسان يُنهضها، إلى أن وصلتُ إليها امرأة متقدِّمة في السِّن, فحاولتُ أن أنهضها، وقفت وانتعشتْ، قالت لي: أنت غريب؟! أول كلمةٍ قالتها: أنت غريب عن هذه البلدة، فما اعتادت أن يساعدها أحدٌ من بلدتها، أموات غير أحياء.
يحتمل أن تقتل عشرين مليون غنمةً بالرصاص من أجل أن تحافظ على السعر المرتفع ، وشعوب تموت من الجوع, وأن تتلف مثلاً خمس مئة ألف طن حمضيات من أجل السعر المرتفع، وهناك طبقة فقيرة جداً تموت من الجوع؟ أن يتسلَّى الزنجي, يأكل برتقالةً في العام القادم, وقد تسمَّم المحصولُ تسميماً، لو أكل الواحد برتقالة من هذا المحصول المتلَف يموت، ممكن، وحوشٌ، أموات غير أحياء.
مواقف مشرفة في التاريخ الإسلامي :
هناك في التاريخ الإسلامي مواقف مشرِّفة, فحياة العلم من موت الجهل, فالجهل موتٌ والعلم حياة، الجاهل ميِّت القلب والروح, وإن كان حيَّ البدن، قال تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
[سورة يس الآية: 69-70]
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 80]
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
[سورة فاطر الآية: 22]
الإمام أحمدُ ذكر في كتاب الزهد من كلام لقمان أنه قال لابنه: يا بنيَّ, جالسْ العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوبَ بنور الحكمة كما يحيي الأرضَ بوابل القطر.
من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة :
أحد أخواننا الكرام توفِّي ابنُه وهو من حلب, وعمل في الدعوة, فذهبنا لتعزيته، عرَّفنا على شيخه، شيخه في التسعين فما فوق، ما رأيتُ إنساناً له هيبة ونورانية ومكانة كهذا الإنسان، حياة العلم, الآن: إنسان في التسعين يقال عنه: خرفان، ويقول لك: أبي من الطراز القديم، يحتقره ابنُه أحياناً, وضعوه في غرفة وحده, إنسان في التسعين مخدوم, محشود, محفود، وحوله أخوانه وطلاَّبُه وأولاده بأدب جمٍّ, ودَّعني لمدخل البيت، إنسان موصول بالله عز وجل, شيء رائع جدًّا.
من لم تكن له بداية محرِقة لم تكن له نهاية مشرقة.
والبطولة في خريف العمُر، والشباب كلُّهم من حيث النشاط سيَّان، أما خريف العمر تجد شخصًا كأنه ملِك هيبة ووقاراً.
غداً إن شاء الله :
وفي الدرس القادم ننتقل إلى موضوعين اثنين من موضوعات الحياة والموت، وهي مرتبة من مراتب مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الستون )


الموضوع : التمكن









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتِّباعَه، وأرنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الستِّين من مدارج السالكين في منازل إياك نعبد و إياك نستعين، و المنزلة اليوم؛ منزلة التَّمكُّن، وهي مستنبطة من قوله تعالى:
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 60]
الإنسان إما أن يكون متمكناً من إيمانه، متمكِّناً من هدفه، متمكِّنا من منهجه، أو أن الذين لا يوقنون يستخفُّونهم، يجرُّونه إليهم، يحملونه على المعصية, ويزهِّدونه في الآخرة، يستفزُّونه فيستجيب لهم، فالناس رجلان: متمكِّن وخفيف؛ خفيف يستفزُّه أيُّ إنسان، يصرفه أيُّ إنسان, ويغيِّر وجهتَه أيُّ إنسان، خفيف لا وزن له، ومقاومته هشَّة، صبره قليل, ويقينه ضعيف، وأملُه في الدنيا طويل، التَّمكن شيء والخِّفة شيء.
أمر إلهي موجه إلى النبي :
فالله عز وجل يصف النبيَّ عليه الصلاة والسلام عن طريق نهيه, فيقول تعالى:
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 60]
أيْ كن متمكِّناً, وإذا وُجِّه الأمر إلى من اتَّصف بهذا الأمر، أيْ ثابر على ذلك، إذا قلتَ للمجتهد: اِجتهِد؛ أي حافظْ على اجتهادك، وإذا قلت للكسول: اجتهِد؛ أي اجتهد، أما إذا قلت للمجتهد: اجتهد؛ أي اِبقَ مجتهداً، وحافظ على اجتهادك. هذا واقع المسلمين اليوم :
في الحقيقة: واقعُ المسلمين يجسِّد هذا المعنى، إنسان يلتزم بمسجد، كلمة طائشة خبيثة هادفة إلى قطعه عن الله عز وجل, تفعل فيه فعلَ السِّحر, ينقطع لسبب تافهٍ، هذا الذي ينقطع لسبب تافهٍ أو يلتزم لسبب تافه، هذا خفيف، لا وزن له عند الله، وهناك تؤكِّد ذلك، قال تعالى:
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾
[سورة الكهف الآية: 105]
لا وزن له، يسلك طريقَ الإيمان, ويرى بأمِّ عينه الحقائق, ثم تُغريه فتاةٌ فينصرف عن الدين، يغريه مبلغٌ كبير فينصرف عن الدين، هذا إنسان خفيف, ومقاومتُه هشَّة, وصبرُه قليل, ويقينُه ضعيف، وأملُه في الدنيا طويل، مثلُ هذا الإنسان معرَّضٌ للنكسة في كلِّ آنٍ، فلا تكن خفيفاً، ولا تكن ساذجاً.
لم زلزل الله المؤمنين يوم الخندق؟ :
مثلاً: اللهُ عز وجل في معركة الخندق زلزل المؤمنين، قال تعالى:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 11]
هذه الزلزلة من أجل الفرز، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 12]
تشعر أحياناً في أخٍ كالجبل، لا يزعزعه شيءٌ، الفقرُ لا يهزُّه, ومشكلة لا تهزُّه, وعيدٌ لا يهزُّه، تهديد لا يهزُّه، مرَضٌ شديد لا يهزُّه، ماكن متمكِّن، وهناك إنسان إذا قيل له: تحروا عنك وأخذوا اسمك، ينتهي كل شيء بالنسبة له، كلمة، كلُّ اتِّجاهه ثمنه كلمة، وبالمناسبة: هذا الذي تعبده بيده كلُّ شيء، هذا الذي توحِّده بيده مقاليد كلِّ شيء، وهذا الذي تحبُّه بيده كلُّ شيء ، فإذا لم تكن واثقاً أنه سيحميك وأنه سينصرك لا تعبدْه، قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية: 123]
هذا التَّمكن، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾
[سورة الحج الآية: 11]
على طرف, قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[سورة الحج الآية: 11]
على حرف، المؤمن في الأعماق، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 12]
لكن بعد قليل قال اللهُ عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
لا غيَّر ولا بدَّل, ولا ندم ولا ضعُف, ولا استكان ولا خنَع, ولا خضع أبداً، أحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ.
قصة قديمة :
ذكرتُ البارحة، لا أذكـر أين قرأتُ هذه القصَّة قديماً: هناك ملك بطَّاش أراد أن يقتل إنسانًا قال: ربي اللهُ، وقبل أن يُقتَل -هكذا العادات والتقاليد-, جيء بشيخٍ يلقِّنه الشهادة، فقال هذا الإنسانُ لهذا الشيخ: أنا أموت، قال: قل: لا إله إلا الله، قال له: أنا سأموت من أجلها لكنَّك أنت ترتزق بها، وشتَّان بين من يموت من أجل هذه الكلمة وبين من يرتزق بها، المؤمن متمكِّن، قال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
هذا التمكُّن، القارِبُ موجةٌ خفيفة تقلبه رأساً على عقِب، أما باخرة كبيرة شامخة راسخة, الأمواج تتلاعب على جدرانها وهي ثابتة، هكذا المؤمن.
هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أخواننا الكرام, أصحاب النبيِّ عليهم رضوان الله عاهدوا رسولَ الله على الطاعة، والالتزام في المنشط والمكره، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، في الغنى والفقر, وفي الصحة والمرض.
أحياناً: تجد زائراً للمسجد شتْويًّا، الدنيا شتاء, ومتغيِّر مزاجه، برد، يأتي إلى الجامع، و في الصيف لا تجده أبداً، لا يجد مكاناً يسهر فيه فيأتي إلى الدرس, جاء الصيفُ عنده بيت في مصيف، وترك المسجد كلِّيًاً، هذا الزائر شتوي, وهناك إنسان يأتي لأنه مرتاح وليس له مشكلة، وعندما يرتبط بزوجة يختفي نهائياً.
سيِدنا سعدُ بن أبي وقَّاص كان معه مرضٌ عُضالٌ، كان يقود المعركة وهو منبطحٌ، من شدَّة آلام كانت في ظهره، هكذا كان أصحابُ رسول الله، يعني معقول سيِّدنا جعفر تُقطَع يدُه اليمنى التي يمسك بها الرَّايةَ, فيمسك الرَّايةَ بيده اليسرى، تُقطَع اليسرى فيمسكها بعضديه؟ هكذا كان أصحابُ النبيِّ، هؤلاء الذين فتحوا هذه البلادَ هكذا كانوا.
إذاً: التَّمكن أن تكون في الأعماق، تصوَّر إنساناً يقف على الشطِّ والأمواج عاتية، فقد تأتي موجةٌ فتأخذه إلى البحر، تصوَّر إنساناً يقف على قمَّة جبل، والجبل ارتفاعُه ثلاثة آلاف متر، والبحر في سفح هذا الجبل، أيَّة موجة يمكن أن تصل إليه، هذا التَّمكن، لا يغيِّر ولا يبدِّل, ولا يطوِّر ولا يعدِّل, ولا يبتدع, لا يقول لك: هناك فتوى في مصر أفتوا بالربا، يسروا وخلِّصونا, قال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
من صفات المتمكن :
قال: المتمكِّن لا يبالي بكثرة الشَّواغل، ولا بمخالفة أصحاب الغفلات، ولو أن الناس جميعاً وقفوا في وجهه, ولو أن الناسَ جميعاً كادوا له، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[سورة آل عمران الآية: 173]
وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
هكذا المؤمن، إذًا: المتمكِّن لا يبالي بكثرة الشواغل, ولا بمخالفة أصحاب الغفلات، ولا بمعاشرة أهل البطالات، قد يلتقي مع أناسٍ شاردين تائهين مقصِّرين من أهل الدنيا, أقوياء أغنياء، هدفُه اللهُ:
إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي
في أيِّ مكان يعبد اللهَ.
ماذا يفعل أعدائي بي: بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟.
هذا سر قوة المتمكن :
قال: تمكَّن بصبره ويقينه, نقطتان دقيقتان: يقين بوعد الله وقوَّة صبر على تحمُّل الشدائد ، قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الآية: 48]
وقال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾
[سورة المدثر الآية: 7]
اصبِر من أجل الله عز وجل، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
يعني ممكن سيِّد الخلق يكون في الطَّائف, سيِّد الخلق جميعاً، قمَّة البشرية جميعاً، أكملُ الخلق جميعاً، أقرب الخلق إلى الله جميعاً، وأحبُّ الخلق إلى الله جميعاً، في الطَّائف يُكذَّب، ويُسخَر منه، ويُضرَب, ويقول: يا ربي, إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولك العُتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي.
المسلمون المعاصرون ماذا أصابهم؟ آكل وشارب ونائم, وسيارته أمامه, وزوجته أمامه، وبيته وهو مطمئن, في الصيف البيت مبرَّد, وفي الشتاء مدفّأ، تعالَ إلى الجامع، لستُ متفرِّغاً، عندي ضيوف فلا تؤاخذوني، ماذا تقدِّم أنت؟ ماذا قدَّمت؟ الصحابة قدَّموا أرواحهم أنت ماذا قدَّمت للمسلمين؟ حجمُك عند الله بحجم عملك الصالح، لذلك تمكَّن بصبره على الشدائد, وبصبره عن الشهوات, وبصبره على الطاعات, ويقينه بأن الآخرة حقٌّ, وأن الجنة حقٌّ, وأن النار حقٌّ, وأن وعد الله حقٌّ, وأن وعيده حقٌّ، ولهذا قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 60]
قد لا تصدق :
من يصدِّق: أن إنساناً مهدورٌ دمُه، مئة ناقة لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتا، طريدٌ في الصحارى، والناقة بمئة ألف، مائة ناقة مئة مئة ألف، عشرة ملايين ليرة تقريباً، يتبعه سراقة، فيقول له النبيُّ الكريم: يا سراقة, كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى‍؟ معنى ذلك: النبيَّ سيصل سالماً، كلام نبيٍّ, معنى ذلك: أنه سيصل سالماً، وسيؤسِّس دولةً في المدينة، وسيحارب كسرى, وسيأتي بكنوز كسرى, وسيلبسها سراقةُ، وهذا الذي حصل في عهد عمرَ:
أين سراقة؟ ألبسه سواري كسرى، فقال: بخٍ بخٍ أُعيْرابيٌّ من بني مدلِج يلبس سواري كسرى، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 60]
متى يستفز المتمكن ومتى لا يستفز من قبل المبطلين؟ :
قال: فمن وفَّى الصبرَ حقَّه, وتيقَّن أن وعد الله حقٌّ, لم يستفزَّه المبطلون ولم يستخفه الذين لا يوقنون، ومتى ضعُف صبرُه ويقينُه أو كلاهما, استفزَّه هؤلاء واستخفَّه هؤلاء, وجذبوه إليهم بحسب ضعف قوَّة صبره ويقينه، فكلَّما ضعُف ذلك منه قويَ جذبُهم إليه، وكلَّما قويَ صبرُه ويقينه قويَ انجذابُه منهم وجذبُه لهم.
هل تعرفون لعبةَ شدِّ الحبل؟ المتمكِّن يشدُّ الآخرين إليه، أما إذا كان ضعيفاً يشدُّه الآخرون، اِجعلْ هذا مقياساً دقيقاً، في أيِّ مكان أنت، هل بإمكانك أن تشدَّهم إليك أم أن يشدُّوك إليهم؟
نصيحة: إذا كنتَ في مجلس ولم تستطع أن تشدَّهم إليك فلا تجلس معهم، أما إن استطاعوا أن يشدُّوك إليهم ابتعِد عنهم.
تعريف التمكن :
قالوا: التَّمكُّن هو القدرةُ على التَّصرُّف في الفعل والتَّرك.
أنت حرٌّ, لك أن تفعل بحسب إيمانك، ولك أن تقول: لا بملء فمك، زوجته يبدو أنها جميلة وضغطت عليه، أريد كذا وكذا.
قال: يا فلانة, إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمس والقمر، فلأن أضحِّي بك من أجلهن أهونُ من أضحِّي بهن من أجلك.
يا بنيَّ, إما أن تكفر بمحمَّد وإما أن أدعَ الطعامَ حتى أموت -متمكِن سيِّدنا سعد-, قال : يا أمِّي, لو أن لك مئة نفسٍ فخرجت واحدة واحدة ما كفرتُ بمحمَّد، فكُلي إن شئتِ أو لا تأكلي.
الآن: بحاجة إلى مسلم قويٍّ، مسلم متمكِّن، مسلم شديد في دين الله، مسلم لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ، مسلم لا يبحث عن أنصاف الحلول، لا يبحث عن فتوى ضعيفة يتعلَّق بها، لا يبحث عن فُرجة ينفذ منها.
كلام النبيِّ اللهمَ صلِّ عليه: واللهِ يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي, على أن أدع هذا الأمرَ ما تركتُه، حتى يظهره اللهُ أو أهلك دونه.
ما قيل عن التمكن :
قال: التَّمكن فوق الطمأنينة، لأن الطمأنينة تكون مع نوع المنازعة, فيطمئن القلبُ إلى ما يسكِّنه, وقد يتمكَّن فيه وقد لا يتمكَّن، قانع بالحقِّ, فأنت مطمئن أن الحق حقٌّ، لكن أحياناً نفسُك تغلبك، أما المتمكِّن فوق المطمئن.
قالوا: التَّمكن هو غاية الاستقرار، وهو تفعُّل من المكان، تمكُّن من المكان، لأنه قد صار مقامُه مكاناً لقلبه. أضرب مثلاً:
عندما كنا صغاراً، كانت هناك حافلات كهربائية، وهناك خطوط هي صعود الخط في مكان مرتفع، فهذه الحافلة تصعد، راكب درَّاجة يحلو له أن يمسك بالحافلة فيستريح, تسحبه، تعلَّق بها فجرَّته، أما الذي معه محرِّك ذاتي ينطلق في الصعود سريعاً بقوَّته الذاتية لا بتعلُّقه بغيره.
ما الفرق بين الحال والمقام؟ :
علماءُ القلوب قالوا: هذا هو الفرقُ بين الحال والمقام.
يعني أنت -لا سمح الله- إنسان مقصِّر, تجلس في مجلس علم تتألَّق، وتقول: سُرِرنا وارتحتُ كثيراً، والجلسة نور على نور، هذا الحالُ ليس حالَك، هذا حالُ المجلس تأثَّرت به، حال هذه الجماعة، حالُ المتكلِّم، كلامٌ واضح، لكن الإنسان الضعيف إذا جلس في مجلس علم, التقى مع مؤمن موصول بالله, يشعر براحة، هذه الراحة ليست منه ذاتيًّا، هذه الراحة من الذي جلس معه واتَّصل به، وهذا معنى قول سيِّدنا حنظلة.
عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ -وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ, قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟! قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاثَ مَرَّاتٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
مع رسول الله فيه هذه الدرجة من التَّألُّق، يأتي إلى البيت حالُه صار عاديًّا جدًّا كالناس, فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام قال:
أما نحن معشر الأنبياء, فتنام أعيننا ولا تنام قلوبنا.
اتِّصالٌ دائم.
وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً, لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي, لصافحتكم الملائكة ولزارتكم في بيوتكم.
فالحالُ يأتيك ممَّن تلازمه، من مجلس علم, ومن أخٍ كريم إيمانه أقوى من إيمانك، من إنسان متألِّق متَّصل بالله عز وجل, فهذا الحال ليس منك، كما أن راكب الدراجة حينما يمسك بالحافلة, تجرُّه هذه السرعة ليست سرعة راكب الدراجة، هذه سرعة الحافلة، لأنك تعلَّقتَ بها فجرَّتك، أما حينما تملك مركبة لها محرِّك ذاتي.
وحينما تكون في أيِّ مكان موصول بالله هذا صار مقاماً، والمقام ثابت، المقام ملكك، وأما الحالُ ليس ملكَك، الحال ملك من تجلس معه، الحال ملكُ المجلس, ملك من في المسجد، أما إذا انفردتَ عن هؤلاء, تعود إلى الكآبة, وإلى الضَّيق, وإلى السأم, وإلى الضَّجر، فالحال طارئ, والحال مستعار، والحال ليس حالَك، أما المقام الشيءُ الثابت.
فقالوا: التَّمكُّن هو غاية الاستقرار وهو تفعُّل من المكان، فكأنه قد صار مقامُه مكاناً لقلبه، أي قلبُه سكن الحقَّ، قد تبوَّأه منزلاً ومستقرًّا, وصار معتصماً به, كما قال الله عز وجل:
﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾
[سورة النساء الآية: 146]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة آل عمران الآية: 101]
وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة النساء الآية: 146]
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 103]
التمكُّن أساسه الاعتصام. قف عند هذه الخطبة :
وذكرت في خطبة سابقة: أن الإنسان في الطريق عنده خطران؛ خطر أن يضلَّ الطريق، يدخل في طريق فرعيٍّ ويضيع عنه الهدفُ الأساسي، فهذا علاجُه أن يعتصم بحبل الله، أي بالقرآن وبالسنة، الاعتصام بحبل الله أن تحافظ على المنهج، أما الاعتصام بالله أن يحافظ اللهُ عليك بحفظه.
إنسان يركب مركبةً في الطريق, هو معرَّض لأن ينحرف عن الطريق الأساسي ويضلَّ هدفَه, أو هو معرَّض أن تأتيَه مركبةٌ أخرى فتصدمُه، إذًا هو يعتصم بالله لينجوَ من الهلاك، ويعتصم بحبل الله لينجوَ من الضلال، إن اعتصمتَ بحبل الله نجوتَ من الضلال, وإن اعتصمتَ بالله نجوت من الهلاك.
لذلك العلماء قالوا: الاعتصام به نوعان؛ اعتصام توكُّلٍ, واستعانة, وتفويض, وعياذٍ, وإسلام نفسٍ, واستسلام له، والثاني: الاعتصام بوحيه, وهو تحكيمه دون آراء الرجال، و مقاييسهم, ومعقولاتهم, وأذواقهم, وكشوفاتهم, ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو منسلٌّ من هذا الاعتصام, تعتصم بالله لئلاَّ تهلك، وتعتصم بشرعه لئلا تضلَّ.
سؤال موجه إلى الشافعي :
وحينما سُئل الإمام الشافعي: أندعو اللهَ بالتَّمكن أم بالابتلاء؟ فقال: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى, لن تكون متمكِّنا قبل أن تُبتلى، و يُروى أن شاعراً كتب الشِّعرَ، أو نظم الشِّعر، ثم توُفيت زوجتُه وكان يحبُّها، فقال بعضُهم معلِّقا على الحدث: الآن صار شاعراً، دخل في تجربة عاطفية عميقة، فصار كلامُه معبِّراً عن شعور صحيح، فلذلك التَّمكن تسبقه محنٌ، يسبقه ابتلاء غير البلاء، الامتحان فإذا نجح في الامتحان صار متمكناً.
ما وراء هذا المثال :
أنا أذكر هذا المثلَ كثيراً: رأيت في متحف في استانبول قطعة ألماس, سمعتُ أن ثمنها مئة وخمسين مليون دولار، بحجم البيضة، هذا حجمٌ نادر جدًّا، قلتُ: الألماس أساسه فحمٌ، لو أتيـت بفحمة بحجم هذه الألماسة، كم ثمنها؟ ليرة أو أقلّ، نصف ليرة سورية، وثمن الألماسة مائة وخمسون مليون دولار، والألماسة أساسها فحمٌ، الألماس فحم, لكن بضغط شديد، هذا الضغط جعله ألماساً، هذا المثل أتفاءل به.
يعني إذا أخٌ جاءه ضغطٌ شديد صار ألماساً، كان يساوي نصف ليرة فصار بمئة وخمسين مليون دولار، الضغط يعمل خبراتٍ، والضغط يعمل شعوراً بالتَّفوُّق، والضغط يعمل شعوراً بأن هذا الدين حقٌّ, وأنا عند الله مرضيٍّ.
نقطة دقيقة :
هنا نقطة دقيقة, قال: التَّمكن أن يجتمع للعبد صحَّةُ قصدٍ تسيِّره, وسَعة طريق تروِّحه، أنا أريد هدفاً وطريقاً، فإذا الإنسان لم يعرف اللهَ ما صحَّ هدفُه، ضائع شارد، إنسان بلا هدف، تائه، قال الشاعر:
جِئت لا أعلم من أين ولكني أتيـتُ
فرأيتُ أبصرتُ قدَّامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبـصرت طريقي؟
لســـــتُ أدري
قصيدة طويلة جداً، عنوانها: لستُ أدري, ولماذا لستُ أدري؟ لست أدري، شارد، تجد الناسَ ساعةً تأخذهم الشهواتُ، وساعة تأخذهم التُّحفُ، وساعة تأخذهم الرحلات، وساعة يأخذهم التَّباهي، ثم يأتيهم الموتُ فجأةً فيحبِط اللهُ عملَهم، أما المؤمن هدفه واضح.
إذًا: التَّمكن يحتاج إلى صحَّة قصد، يكون هدفُك واضحاً وصحيحاً، وسعة طريق توصلك إلى هذا الهدف، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾
[سورة المائدة الآية: 48]
شرع عظيم، وهناك منهج لهذا الشرع. هذا شرف المؤمن :
قال: فبصحة القصد يصحُّ السيرُ، وبصحَّة العلم تنكشف له معالمُ الطريق، الآن بسعة السير يهون عليه السيرُ، دائماً شرفُ المؤمن قيامُه بالليل وعزُّه استغناؤه عن الناس، فكلما شرُف قصدُك شرُفتَ أنت مع هذا القصد.
قل لي ما الذي يهمُّك, أقلْ لك: من أنت؟.
من أصبح والدنيا أكبر همِّه, جعل اللهُ فقره بين عينيه، وشتَّت عليه شملَه, ولم يؤتِه من الدنيا إلا ما قُدِّر له، ومن أصبح وأكبر همَّه الآخرة, جعل اللهُ غناه في قلبه، وجمع عليه شملَه, وأتتْه الدنيا وهي راغمة.
هذه غفلة الإنسان :
أحد أخواننا ساكن في شارع برنية، قال لي: إنسان اشترى طابقين متجاورين في الطابق الثاني عشر، والبيتان جاهزان، لم يعجبه إكساء وزخرفة هذين البيتين، فاقتلع البلاط, وكسَّر السيراميك, ونزع النوافذَ, ولم يبق من البيت إلا الجدران والسقف، وهو يتمتَّع بذوقٍ عالٍ جدًّا، وضع البلاط الرائع, والسيراميك الغالي, والمنجور المدهِش، قال لي: يا أستاذ, سنتين بالتَّمام والكمال, وهو يتمِّم إكساء هذين البيتين، قال: حتى وصل الأمرُ أن أنشأ طاولةً من الرخام الشَّفَّاف، وهذا أغلى نوع من الرخام، ثابتة، وجعل تحتها الإضاءةَ، والبناية لم يكن فيها مصعد، سنتان وهو صاعد نازل, ثم فجأةً وافتْه المنيَّةُ بعد أن انتهى من إكساء البيتين بأيام ثلاثة، الطريق مسدود، هذه حوادث تتكرَّر كثيراً، يتوهَّم أن هذا الشيءَ يسعده، ثم يُفاجأ بعد فوات الأوان أنه لم يسعده.
مشكلة أهل الدنيا :
مشكلة أهل الدنيا: أنهم كلما وصلوا إلى شيء منها ظهر شيء أجملَ، فاسودَّ هذا في أعينهم، تظنُّ أنك قد فعلتَ شيئاً جميلاً جدًّا، بعد سنة تأتي أشياء أجمل، فالذي هدفُه الدنيا فقط يسودُّ هذا في عينه، أما المؤمن يستعين بالدنيا استعانة على آخرته، فيرضيه منها كلُّ شيء.
قال: دخل أحدُ الصحابة إلى غرفة سيِّدنا أبي عبيدة الجرَّاح -هكذا قرأتُ-, وجد قِدرَ ماءٍ مغطًّى برغيف خبز، وسيفاً معلَّقاً, وجلداً يجلس عليه، فقيل: ما هذا يا أمين هذه الأمة؟ قال: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير، ألا يبلِّغنا المقيل؟.
أي أنت ما صدفت أن عزَّيتَ في بيت ثمنه حوالي خمسين مليوناً، وهذا الذي دُفن قبل يوم, هو الذي أنشأ هذا البيتَ, وزيَّن البيت, وفرَش البيتَ, واعتنى بهذا البيت، أين هو الآن؟ هذه أكبر موعظة، ترك وذهب.
إذا تحقَّق العبدُ بطلب ربِّه وحدَه تعيَّن مطلوبُه، فإذا بذل جهدَه في طلبه صحَّ له طلبُه، و المؤمن الصادق قصدُه اللهُ عز وجل، فلذلك أيُّ شيء يقرِّبه إلى اللهِ يفعله، وأيُّ شيء يبعِده عن الله يبتعد عنه.
هذه أعلى درجة العبودية لله عز وجل :
قال: تمام العبودية: أن توافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصده ومقصوده و طريقه، فمقصوده اللهُ وحدَه، وقصدُه تنفيذُ أوامره في نفسه وخلقه, وطريقه اتِّباع ما أوحيَ إليه ، هذا هو أعلى درجة العبودية، أن يكون قصدُك ومقصودك ومنهجك ما فعله النبيُّ، هو قصد النبيِّ ومقصود النبي ومنهج النبيِّ.
قال: خيارُ الناس من وافق النبيَّ عليه الصلاة والسلام في المقصود والطريق، وأبعدُهم عن الله ورسوله من خالفه في المقصود والطريق.
الفكرة دقيقة: أنت الآن في دمشق، هدفُك حمص، من أين الطريق؟ ليس من درعا، طريق النبك، يجب أن يكون الهدفُ واضحاً, وأن تسلك الطريق الموصلَ لهذا الهدف، و الطريق الموصل لهذا الهدف هو اتِّباع السنة، والهدف هو اللهُ، كيف وصل النبيُّ إلى الله؟ يجب أن تسلك الطريق نفسه الذي سلكه النبيُّ.
أساس التمكن :
فالتَّمكن أساسه: وضوحُ الهدف وصحَّته ووجود الطريق المفضي إليه، والطريق المفضي إليه هو الشرع، والهدف تعرفه من سرِّ وجودك وغاية وجودك، فمن كان مرادُه اللهُ و الدارَ الآخرة فقد وافق النبيَّ عليه الصلاة والسلام في المقصود، فإن عبَد اللهَ بما به أمر, واللهُ عز وجل لا يُعبَد إلا بما أمر، أناسٌ كثيرون ومسلمون كثُرٌ: يعبدون الله بأمزجتهم، لا بما أمرهم الله عز وجل، لذلك يبتدعون, وقد قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ, ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلا هَادِيَ لَهُ, إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ, وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ, وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا, وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ, وَكُلُّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ, ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ, وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ, وَعَلا صَوْتُهُ, وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ, يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ, ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَرَكَ مَالا فَلأَهْلِهِ, وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ, وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ))
إذًا: أن تُعيِّن الهدفَ، وأن يكون هذا الهدفُ واضحاً، وأن تبحث عن الطريق الموصل إليه، هذا يقودك إلى منزلة اسمُها التَّمكُّن، أي أنت ممتنِع، وأنت في حصنٍ حصين، لا يستخفنَّك أحدٌ. من أسباب التمكن :
الآن: أحد أسباب التَّمكن، قال: أن تزيل العلائق التي تصرف عن هذا الهدف.
فأيَّة علاقة بينك وبين الآخرين إذا حجبتْك عن الله عز وجل يجب أن تخرج منها.
لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حالُه ويدلُّك على الله مقالُه.
لذلك: قضية الصحبة مهمَّة جدًّا، واللهُ عز وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
ثم يقول: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
كأن الآية تقول: اتقوا الله ولكنكم لن تستطيعوا هذه التقوى إلا إذا كنتم في بيئة مؤمنة، فأنت بقدر ما؛ اِجعلْ علاقاتك مع المؤمنين، اتِّجاهاتك مع المؤمنين، وجلساتك مع المؤمنين.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه]
فهذه البيئة الطيِّبة تعينك على أن تكون مثلهم، والإنسان عنده صفة أساسية نسمِّيها الغيرةَ، وهي أصحُّ تسمية، إذا جلست مع المؤمنين تتمنى أن تكون مثلَهم بدافع الغيرة، إذًا هم يشدُّونك إلى الله، وإن جلست مع أهل الدنيا تتمنى أن تكون مثلهم، إذًا هم يشدُّونك إلى الدنيا فلذلك:
قل لي من تصاحب, أقُلْ لك من أنت؟ .
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 13]
خاتمة القول :
أيها الأخوة الكرام, هذه المنزلة هي منزلة التمكن مستنبطة من قوله تعالى:
﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 60]
المتمكِّن في حرز حريز، وفي حصن حصين، وقد عاهد اللهَ على السير إليه في المنشط والمكره, وفي إقبال الدنيا وإدبارها، والمتمكِّن لا يسمح لأحد أن يغيِّر وجهتَه, ولا أن يحرفه عن سيره، ويقابل هذا المتمكن ضعيفُ الإيمان الذي لم يتَّضِح هدفُه, ولم يكتشف الطريق لهدفه الذي رسمه له.
أرجو اللهَ سبحانه وتعالى أن نعالج في درس آخر منزلة من منازل مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و الستون )


الموضوع : الورع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والستين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم الورع, الله جلَّ جلاله يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 51]
هذه الآية أصلٌ في الورع. من هو المخلط؟ :
ورد في الأثر: أن ركعتين من ورع خيرٌ من ألف ركعةٌ من مخلِّط.
المخلِّط الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيِّئاً، لأن العمل الصالح قيمته الكُبرى أنه يعينك على الاتصال بالله، فإذا رافق هذا العمل الصالح عملٌ سيء, كان دور العمل السيء مثبطاً وقاطعاً وحجاباً، فالأعمال الصالحة مع الأعمال السيئة المؤدى في قطيعة، إلا أن هذه الأعمال لها عند الله جزاء، لكن لا يستطيع المرء أن يستغلَّها أو أن يعتمد عليها في الاتصال بالله، لأن العمل السيء خالطها فعطَّل قيمتها الإقباليَّة -إن صحَّ التعبير-.
هل تتعلق هذه الآية بمنزلة الورع؟ :
وهناك آيةٌ أخرى هي أصلٌ في الورع، قال تعالى:
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
[سورة المدثر الآية: 4]
قال مجاهد: طهِّر نفسك من الذنب, فكنَّى عن النفس بالثوب.
وقال ابن عبَّاس: لا تلبسها على معصيةٍ ولا على غدر.
لا تلبس ثيابك على معصيةٍ ولا على غدر.
وقال الضحَّاك: عملك فأصلح لأن عملك ثوبٌ لك.
الإنسان يرتدي ثوباً من عمله؛ فهذا مخلص، وذاك غدَّار، وذلك صالح، وآخر ورع، وفلان تقي، وغيره كاذب، فلان صادق، سلوكه العام يجعله يرتدي ثوباً من عمله.
فقال الضحَّاك: عملك فأصلح.
والعرب تقول للرجل إذا كان صالحاً: إنه طاهر الثياب, وإذا كان فاجراً: إنه خبيث الثياب.
وقال سعيد بن جُبير: وقلبك وبيتك فطهِّر.
وقال الإمام الحسن: وخُلُقك فطهِّر؛ فآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
[سورة المدثر الآية: 4]
أصلٌ في الورع، إلا أن المعنى الظاهري المادي يمكن أن يكون وارداً، فالله عزَّ وجل أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز فيها الصلاة، لأن المشركين كانوا لا يتطهَّرون ولا يُطَهِّرون ثيابهم.
وقال بعض العلماء: وثيابك فطهر؛ أي وثيابك فقصِّر, لأن تقصير الثياب طهرةٌ لها.
ما المقصود من الورع؟ :
أيها الأخوة, المقصود من الورع: أن يُطهَّر القلب من الدنس كما يُطهر الماء دنس الثوب، والشيء الغريب: أن بين الثياب والقلوب مناسبةً ظاهرة، فالثياب تدل على قلب الإنسان وحاله، لأن الإنسان يرتدي ثوباً من عمله, فإخلاصه هو ثوبه، وغشُّه ثوب، تواضعه ثوب، كبره ثوب، فهناك مناسبةٌ بين القلب وبين الثياب، فالمقصود بالورع تطهير القلب من الدنس.
ما هي الكلمة التي جمع النبي فيها الورع كله؟ :
النبي عليه الصلاة والسلام جمع الورع كلَّه في كلمةٍ واحدة: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
المؤمن مشغول، له هدفٌ كبير، ليس في وقته متسعٌ للسفاسف، هدفه أكبر من وقته، وهذه حقيقة, وهي أنك حينما تختار هدفاً كبيراً أنت أسعد الناس، لأن هذا الهدف الكبير يأخذ كل وقتك، فلا تجد وقتاً لسفاسف الأمور، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيَّها))
((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
هذا الترك يعم الكلام، ترك الكلام الذي لا يعنيك، وترك النظر الذي لا يعنيك.
إياكم وفضول النظر فإنه يبذر في النفس الهوى.
وترك الاستماع الذي لا يعنيك، التنصُّت على الآخرين، تقصي أخبار الآخرين, هذا لا يعنيك.
((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
تركه فضول الكلام والنظر والاستماع، والإنسان حينما يعلم ويوقن أن كلامه جزءٌ من عمله يكون ورعاً، العوام يتوهَّمون أن الكلام لا بأس به ويقولون: ما فعلنا شيئاً تكلَّمنا، وغاب عنهم: ((وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا, يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
وكم من كلمةٍ فرَّقت بين زوجين؟ وكم من كلمةٍ فرَّقت بين شريكين؟ وكم من كلمةٍ فرَّقت بين أمٍ وابنها؟ وبين أخٍ وأخيه؟ فالكلمة السيئة وبال على صاحبها وعلى الناس، والطيبة صدقة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾
أي التعريف بالله عزَّ وجل: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 24-25]
فمِلاك الورع كلِّه: ترك المرء ما لا يعنيه من الكلام، والنظر، والاستماع، والبَطش ، والمشي، والفكر, وغير الورع إنسان ليس له هدف ضائع، كل شيء يشغله، يبحث عن كل شيء، يتقصَّى كل شيء، يهتم بكل شيء، يقف أمام المناظر يتأمَّلها، أمام الرجال يتفحَّصهم، أمام الحاجات يقلِّبها لأنه فارغ، أما حينما يكون لك هدفٌ كبير، فالهدف الكبير هو الذي يسمو بك، ويجعلك إنساناً عند الله كبيراً، ومرَّة ثانية:
((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيَّها))
فلذلك: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
هذا في الكلام, والنظر، والاستماع, والبطش، والمشي، والفكر. دقق في هذا الكلام :
دقِّق بطالب يؤدي امتحاناً في الجامعة، لا يأتيه ولا خاطر في ثلاث ساعات, لا علاقة له بالسؤال أبداً، موضوع طعامه، وشرابه، وبيته، وأصدقائه، وعلاقاته، ومشكلاته، وطموحاته ، ورغباته كلها مجمَّدة, لأنه أمام ثلاث ساعات مصيريَّة، كل جهده متعلِّق بمادة السؤال، والمعلومات التي يمكن أن تكون إجابةً لهذا السؤال.
الحقيقة: الإنسان حينما يُشغل بالله عزَّ وجل, صار في عنده اصطفاء، إنسان عنده فحص بعد أيام، دخل إلى مكتبة فيها آلاف الكُتب، يأخذ الكتاب المقرَّر, وهذا الشيء ملاحظ عند بعض المؤمنين، يقتني مجلَّة فيها مقالة تهمه؛ مقالة علميَّة، مقالة دينيَّة، أما القصَّة والموضوع التاريخي لا يعنيه إطلاقاً، في قضيَّة معلَّقة ببلد بعيد، لفنَّان مثلاً، لشاعر، فنفسه تعزف عن موضوعات لا تعنيه، أنت مع مجلَّة تصطفي منها ما يهمُّك وما يعينك على أداء رسالتك في الحياة.
((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كما قال العلماء عنها: كلمةٌ كافيةٌ شافيةٌ في الورع.
ما أول باب من أبواب الزهد؟ :
وقال بعض العلماء: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضَّة، والزهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضَّة، لأنهما يُبذلان في طلب الرياسة, الورع ثمين جداً والزهد أثمن، وحينما تكون ورعاً وزاهداً فأنت على أول الطريق الصحيح.
أيها الأخوة, كما قال بعض العلماء: الورع أول الزهد، كما أن القناعة أول الرضى, الورع أول الزهد، حينما تتورَّع فأنت زاهد، زاهد في الدنيا الفانية، لكنَّك طموح ومتعلِّق بالآخرة الباقية.
من تعاريف الورع :
وللورع تعاريف كثيرة: الورع: الوقوف على حد العلم من غير تأويل.
الملاحظ عند معظم المثقَّفين الذين لم يرتقِ إيمانهم إلى المستوى المقبول يتساءلون: لماذا حُرِّم كذا؟ يناقش التحريم، ويحاول أن يبحث عن علة التحريم, ثم يقول: هذه العلَّة غير موجودة الآن.
مثلاً: لماذا حرَّم الله الربا؟ لأنه لم يكن في الجاهليَّة إلا قرض استهلاكي، فيأتي المرابي فيستغل حاجة الفقير إلى المال، فيأخذ منه أضعافاً مضاعفة.
يقول لك بعض المثقَّفين: الآن هناك قرض استثماري، أي أن شركة تحتاج إلى أن تضيف لمعملها خطاً، تريد أن تتوسَّع، فتأخذ قرضاً ربوياً بنية التوسُّع لا بنية سد الحاجة، فهذا القرض لا علاقة له بالربا, وإن كان فيه فائدة ربويَّة، هنا يقول أحد العلماء: الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل.
علماء الأصول حلوا هذه المشكلة: حينما يأتي التحريم مع علَّته, فالتحريم يدور مع العلَّة وجوداً وعدماً، أما حينما يأتي التحريم مطلقاً, فلذلك لا يمكن أن تعلِّل هذا التحريم، ولا أن تبحث في العلل التي اخترعتها أنت وهي موجودة أو غير موجودة.
مثلاً يقول لك: ألا لا تسافرن امرأةٌ إلا مع ذي محرم, كان ذلك أيام السفر الطويل على الجِمال، أما الآن في طائرات، هذا التحليل من أجل إلغاء الحكم، وحينما يأتي التحريم من قِبل النبي عليه الصلاة والسلام, الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحيٌ يوحى، حينما يأتي التحريم خالياً من العلَّة، فلذلك لا ينبغي أن نضع عللاً وهمية, وأن نبحث في وجودها وعدمها، أما حينما يأتي التحريم مع العلَّة فالأمر يختلف، لذلك قال بعض العلماء: الورع الوقوف على حد العلم من غير تاويل.
وقال بعضهم: الورع على وجهين: ورعٌ في الظاهر وورعٌ في الباطن، فورع الظاهر أن لا يتحرَّك إلا لله.
والمؤمن الصادق حركته، ذهابه إيابه، دخوله خروجه، صلته قطيعته، عطاؤه منعه، كل شيءٍ يفعله لله:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
فورع الظاهر أن لا يتحرَّك إلا لله، وورع الباطن هو أن لا تدخل قلبك سوى الله, القلب له ورع والجوارح لها ورع، الجوارح أن لا تتحرَّك إلا لله، والإنسان أعلم بنيَّته:
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾
[سورة القيامة الآية: 14-15]
وقال بعض العلماء: من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء.
أبو حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى- لم يقف في ظلٍ بيتٍ مرهونٍ عنده، لئلا ينتفع بظلِّه، هذا من باب الورع، أما ليس من الفتوى في شيء، أما الورع: أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
فالحلال بيِّن، -لا أحد يسأل عن الحلال لأنه واضح-، والحرام بيِّن.
لا أحد يسأل عنه، لكن كل الأسئلة تنصبُ على الشُبهات، ومعنى الشبهات: شبهها بالحلال من جهة والحرام من جهة، الورع ترك الشبهات استبراءً للدين والعِرْض، لذلك قيل:
من لم ينظر في الدقيق من الورع, لم يصل إلى الجليل من العطاء, والإنسان ممتحن:
﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
[سورة الملك الآية: 2]
سيدنا عمر بن عبد العزيز -كما يُروى- إذا أراد أن يتكلَّم مع أهله, هناك سراجٌ خاصٌ لأهله، فإذا أراد أن يقضي شؤون الخلافة, هناك سراجٌ خاصٌ لشؤون الخلافة.
والإنسان يظهر ورعه من تعامله:
قال له: هل تعرفه؟ قال: نعم، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا, قال: هل جاورته؟ قال: لا, قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال: لا, قال: فأنت لا تعرفه, ائتن بمن يعرفه.
وقيل: الورع: الخروج من الشهوات وترك السيئات. متى يسمو العبد إلى أعلى درجة من السعادة؟ :
بالمناسبة: الله عزَّ وجل رحيم، الله عزَّ وجل كريم, ما حرمك أية شهوةٍ أودعها فيك, جعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، فلذلك الشهوات لها قنوات نظيفة.
لي زميل بالعمل صارحني فقال لي: كانت لي جاهليَّةٌ كبيرة، ثم تبت إلى الله عزَّ وجل، واصطلحت معه، وتزوَّجت، فيا سبحان الله! ساعةٌ مع الزوجة تعدل آلاف البغايا, مع الزوجة الطهر، وطمأنينة، والسرور، والحب، والإخلاص، والوفاء، وثمرة لهذا الحب الولد، ساعةٌ مع زوجةٍ مخلصةٍ تعدل آلاف التجارب التي مرَّ بها.
فصدِّق أيها الأخ الكريم: أن المؤمن حينما يأتمر بما أمر الله, وينتهي عما نهى الله عنه ، يسمو إلى أعلى درجة من السعادة، وأية سعادةٍ أكبر من أن تشعر أن الله يحبك، وأنك في رضوان الله، هذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، فأنت في حركتك، وسفرك، وزواجك، وعملك ، ورحلتك، وعملك، وإقامتك، وابتسامتك، وزياراتك، ولقاءاتك، ونشاطاتك كلها تبتغي رضوان الله، رضوان الله واسع جداً، عندما تتقن عملك هذا يرضي الله عزَّ وجل، إذا أدخلت على قلب أهلك السرور هذا يرضيه، فأنت دائماً تبحث عن رضوان الله عزَّ وجل.
من تعاريف الورع أيضاً :
فقيل: الورع: الخروج من كل شهوة -طبعاً شهوة محرَّمة-, وترك كل سيئة، والورع: الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين.
ومن كان حساب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه حساباً يسيراً في الدنيا كان حسابه يوم القيامة حساباً عسيراً.
خوفان وأمنان لا يجتمعان؛ من خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن أمنه في الدنيا أخافه يوم القيامة.
الإنسان عندما يتحرَّك حركة حرَّة من غير منهج الله يفقد حريَّته, لو إنسان سرق أو قتل انتهت حريته، وحينما ينضبط يكون حراً، فعلى المستوى المدني: مواطن يتقيد بالقوانين والأنظمة، هو حر لأنه مواطن صالح, يسافر إلى أي مكان، يغادر القطر إلى أي مكان، حريَّته جاءت من تقيُّده، فتتقيَّد تكون حراً، تتفلَّت تكون بقيد، وأجمل آية:
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 5]
على تفيد العلو، الهدى رفعهم: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 22]
الضلال شيء ضمن شيء، في: تفيد الظرفيَّة، فالإنسان الضال إما في كآبة وإما في سجن، والإنسان المؤمن المستقيم كلَّما ازداد إيماناً ازداد عزَّاً وازداد رفعةً.
الورع: الخروج من الشهوات وترك السيئات, والورع: الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين.
سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- يقول: ما رأيت أسهل من الورع، ما حاكَ في نفسك فاتركه.
شيء شوَّشك اتركه.
((وما ترك عبدٌ شيءٌ لله, إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
في الدين قضايا يوجد معها أدلَّة ضعيفة، وفي أدلَّة تحرِّمها، وأدلَّة تجيزها، فالشيء المريح أن تترك ما ضعفت أدلته، هذا سمَّاه العلماء الفقهاء: الخروج من الخلاف وسلوك الأحوط, الورع يسلك سلوك الأحوط ويخرج من الخلاف.
ما رأيت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه, وكما قال عليه الصلاة والسلام:((يا وابصة, البر ما اطمأنت إليه النفس, والإثم ما حاكَ في صدرك, وكرهت أن يطلع عليه الناس))
قصة :
ذكرت لكم مرَّة: أن أخاً من أخواننا, كان يعمل في تجارة الأبنية، كان يبني البيوت ويبيعها، قال لي: وجدت أرضاً في منطقة مهمة جداً، في مركز استراتيجي في المدينة، وتمكَّنت مع عدة أصدقاء أن ندخـل المزاودة بشكل تمثيلي, -أي أربعة خمسة أطراف يرفعون السعر قليلاً-, فاستقرَّت هذه الأرض على ثمنٍ يعدل ثُلُثي ثمنها الحقيقي، طبعاً أصحاب هذه الأرض مئات من الناس وفيهم أيتام، قال لي: بعد أن استقر على سعرٍ مغرٍ جداً، ورسا علي, وشعرت بغبطةٍ شديدة، ثم تذكَّرت القبر، لو أنني وضعت في القبر، ماذا أقول لله عزَّ وجل؟ كيف حرمت هؤلاء الأيتام حقَّهم من السعر الحقيقي؟ قال لي: خفت, وقال لي: فما رأيك؟ قلت له: أنت أجبت نفسك؛ إما أن تعطي أصحاب هذه الأراضي الحق الكامل، وإما أن تنسحب من هذه المزاودة.
((البر ما اطمأنت إليه النفس, والإثم ما حاك في صدرك))
دائماً يسأل السائل وهو قلق، أينما ذهبت، حتى في بلاد الغرب، اشترى بيتاً بالتقسيط، هو مرتاح فيه، لكنه قلق، يسأل عملي حرام؟ لماذا يسأل؟ لأنه قلق, كل شيء فيه مخالفة النفس تخافه، وذكاء الإنسان وبطولته في خوفه من الله عز‍َّ وجل، كلَّما ازددت خوفاً منه أمَّنك . ما هو الحلال؟ :
وقال بعض العلماء: الحلال هو الذي لا يُعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا يُنسى الله فيه.
الحلال الذي لا يعصى الله في كسبه: كل شيء فيه ورع، وفيه استقامة فهو حلال، والصافي منه الذي لا يُنسى الله فيه: في أشياء مباحة إذا استغرقت فيها نسيت الله عزَّ وجل، هذا معنى ما ورد عنى النبي عليه الصلاة والسلام:
((لا تبلغ مرتبة المتقين حتى تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس))
في أشياء مباحة لو أخذتها وتعمَّقت فيها, ربَّما أبعدتك عن الله عزَّ وجل، لذلك قلت لكم سابقاً: إن الشيطان ذكي جداً، أولاً يأمر الإنسان بالكُفر، فإن لم يستطع أن يحمل هذا الإنسان على الكفر يأمره بالشرك، فإن رآه موحِّداً يأمره أن يبتدع، فإن رآه على السنة يأمره أن يفعل الكبائر، فإن لم يستطع يأمره بفعل الصغائر، فإن لم يستطع يأمره بفعل الشُبهات، فإن لم يستطع يأمره بالمباحات، يغرق في الدنيا إلى درجة أنه ينسى الله فيها, فإن لم يستطع، ماذا بقي؟ بالتحريش بين المؤمنين، يعيش معهم ليلقي البغضاء والعدوان بينهم.
الكفر، فالشرك، فالابتداع، فالكبائر، فالصغائر، فالشبهات، فالمباحات، فالتحريش بين المؤمنين بشكل تسلسلي، فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي منه الذي لا يُنسى الله فيه. ما قيل عن الورع :
سأل الحسن غلاماً فقال له: ما مِلاك الدين؟ قال: الورع, قال: فما آفته؟ قال: الطمع, فعجب الحسن منه.
ذات مرَّة قرأت: أن أبا حنيفة النعمان -رحمه الله تعالى- رأى غلاماً أمامه حفرة, فقال له: إياك يا غلام أن تسقط, -كان هذا الغلام فطناً-, فقال: بل إياك يا إمام أن تسقط, إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالَم.
قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: جلساء الله غداً أهل الورع والزهد.
وقال بعض السلف: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى, حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس. هذا قول لبعض السلف.
نقطة دقيقة :
أيها الأخوة, الآن في الورع موضوع دقيق، قال صاحب المنازل، مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين: الورع: توقٍ مستقص على حذر، وتحرُّجٌ على تعظيم؛ -أي أن يتوَّق الحرام والشُبَه-, وما يخاف أن يضرَّه أقصى ما يمكنه من التوقي.
كيف يحافظ العبد على هذا الاتصال؟ :
الحقيقة: الإنسان حينما يصل إلى الله عزَّ وجل، ويصطلح معه، ويتصل به, يشعر بسعادةٍ كبيرة، وكل واحد من أخواننا الكرام عندما يتألَّق مع الله عزَّ وجل، أكبر دعاء له: يا رب أدم هذا الحال، يا رب أدم هذا الفضل، أدم هذا الاتصال, فأجمل شيء بالحياة الاتصال، وأصعب شيء الانفصال.
أحب رجل فتاة, فاشترط عليه أبوها أن يحضر دروسه، فحضر الدروس فنسي الفتاة ، قالت له مرَّةً: أين الوعد بالزواج؟ فقال: يا وصال كنتِ سبب الاتصال.
الإنسان أحياناً يتصل بالله عزَّ وجل، هذه الصلة هي الدين كله، كل السعادة فيها، فالذي وصل إلى ثمار الاتصال كيف يحافظ على هذا الاتصال؟ بالورع يحافظ عليه، أما حينما يتساهل أي تساهل يحجب عن الله عزَّ وجل.
الحجاب أكبر عقاب من الله للعبد :
والقصَّة التي أرويها لكم كثيراً هي: أن شاباً سمع من شيخه أن لكل سيئةٍ عقاباً، زلَّت قدمه في سيئة, فتوقَّع أن يعاقبه الله عقاباً شديداً، انتظر؛ فإذا صحَّته سليمة، وأولاده جيدون، ومركبته فارهة، وتجارته رائجة، فناجى ربه فقال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبن, فوقع في نفسه: أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي؟.
المؤمن له صلة بالله، له حال مع الله، حينما يخطئ يُحجب عن الله، هذا الحجاب أكبر عقاب، والحقيقة: أكبر عقاب الحجاب عن الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
ما معنى هذا التعريف للورع؟ :
فالتوقي والحذر متقاربان: التوقي فعل الجوارح، والحذر فعل القلب؛ أي يوقي جوارحه من المعصية، ويوقي قلبه من الطمأنينة الساذجة، لكن هناك أشخاص -وهذه نقطة مهمة جداً- في الخندق الآخر، ليسوا في الدين، في خندقٍ معادٍ للدين، فيحافظوا على شيء من استقامتهم وكرمهم وعفَّتهم, لكي يثبتوا لأهل الدين أننا نحن الصح ولستم أنتم، فالإنسان حينما يكون كاملاً بنية أن يدحض الحق هذا الكمال لا أجر له به.
فقال: هناك من يظهر نزاهةً، هناك من يظهر عزة، هناك من يتوقَّى أن يفعل فاحشةً، هناك من يتوقَّى أن يفعل دناءةً تصوُّناً عنها، ورغبةً عن مواقعتها، وطلباً للمحمدة عند الناس.
الإنسان يحب أن يكون كبيراً، فإذا ما اتخذ الدين سبباً إلى علوِّه في نظر الناس، قد يتخذ مواقف أخلاقية مصطنعة كي ينتزع إعجاب الناس.
فقال: الورع هو التوقي.
توقي الجوارح عن معصيةٍ أو شبهة، وحذر القلب أن يلتفت لغير الله.
وفي تعريف آخر: تحرُّج عن تعظيم.
أي أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه حذر حلول الوعيد، وإما تعظيم الرب جلَّ جلاله.
الإمام الحسن له كلمة: لا تنظر إلى صِغر الذنب, ولكن انظر على من اجترأت.
كلمة مؤثرة :
قال أحدهم لي كلمة, والله تأثَّرت لها، قال لي: كنت في بلاد الغرب, وفي أجهزة لهو، وفي مئات القنوات، وفي مشاهد لا ترضي الله عزَّ وجل، قال لي بالحرف الواحد: والله أستحي من الله عزَّ وجل أن أنظر تعظيماً لله عزَّ وجل.
كل منا إذا زاره إنسان عظيم في بيته، قد يكون شخصاً مهماً، عالِماً جليلاً، لا يستطيع أن يقابله بلباس مبتذل مبتذل، يستحي منه, لأنه يعرف قيمته، إذا الإنسان مع إنسان يرتدي أجمل ثيابه، ينمِّق كلماته، في أول اللقاء الأول تجد أموراً كلها منمَّقة، مرتَّبة، مضبوطة, هذا من باب الاستحياء، فإذا الإنسان يعظِّم الله عزَّ وجل, تكون خلوته كجلوته، وسريرته كعلانيَّته، وسرُّه كجهره، وإقامته كسفره، لذلك العلماء قالوا:
الورع من المعصية إما عن خوف من العقاب، وإما عن تعظيم لله عزَّ وجل. المرتبة الثانية أرقى.
من فوائد الورع :
1-صون النفس عن تجنب القبائح :
الورع -أيها الأخوة- يبعث على تجنُّب القبائح لصون النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان، فهذه ثلاث فوائد من فوائد تجنُّب القبائح، فصون النفس هو حفظها وحمايتها عما يَشينها ويعيبها، ويذري بها عند الله عزَّ وجل وعباده المؤمنين وسائر خلقه، لأنه:
من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده, صانها وحماها، وزكَّاها وعلاها، ووضعها في أعلى محل.
كلام دقيق: إذا الإنسان نفسه كريمة، لا يخالف قوانين السير, لماذا؟ لكي لا يقف موقفاً ضعيفاً، حتى لا يتذلَّل، يطبِّق الأنظمة حتى يبقى عزيزاً، إذا الإنسان نفسه كريمة, يطيع الله عزَّ وجل حتى لا يؤدِّبه, الله عزَّ وجل يؤدِّبه بمصيبة مهينة.
لا يخافن العبد إلا ذنبه, ولا يرجون إلا ربه.
الله عزَّ وجل عنده أدوية كثيرة: من عذاب مهين، إلى عذاب عظيم، وإلى عذاب شديد، وله أدويــة لا تعد ولا تحصى، والله عزَّ جل رحيم.
ولله المثل الأعلى: كيف أن الأب الطبيب, حينما يعلم أن الزائدة عند ابنه قد التهبت، قد يجري له عملية بيده، قد يفتح بطنه بيده، وقد يقطع الشرايين، وقد يستأصل هذه الزائدة, وهو يعلم أن هذا ابنه, ولا بدَّ من ذلك؟
فعندما يأثم الإنسان يعاقبه الله، وقد يُهان بهذا العقاب، فالإنسان كلَّما كَرُمَت نفسه، كلَّما أراد أن تبقى مصونة من كل سوء، من كل إهانة، من كل إحراج, لذا يستقيم، فالمستقيم دائماً رافع الرأس, لا يستطيع أحدٌ أن يصل إليه:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
ما هذه الزيادة؟ النظر إلى وجه الله الكريم معنى دقيق:
من كرمت نفسه عليه صانها بالاستقامة.
تسمعون قصصاً كثيرة: فلان سرق ويعذِّب، هذا العذاب جزاءً وفاقاً، لكن لو كانت نفسه كريمة عليه -مثلاً- ما سرق، حفاظاً على كرامته، وعلى سمعته، وعلى راحته، وعلى سلامة نفسه، وعلى مكانته، وعلى تألُّقه.
فالورع تخوُّف أو تعظيم، أول شيء: صون النفس وهو حفظها وحمايتها عما يشينها, ويعيبها، ويذري بها عند الله عزَّ وجل وعباده المؤمنين وسائر خلقه، فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده صانها وحماها، وزكَّاها وعلَّها، ووضعها في أعلى محل، وزاحم بها أهل العزائم والفضل, ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده, ألقاها في الرذائل، وحلَّ ذمامها وأرخاه ودسَّاها ولم يصنها عن قبيح، فأقل ما في تجنُّب القبائج صون النفس.
تجد الإنسان يعيش سبعين سنة, يقول لك: ما دخلت إلى مخفر، ما دخلت لقصر العدل، ما أحد أقام عليه دعوى, باستقامته عزيز. 2-توفير الحسنات :
الشيء الثاني: توفير الحسنات، لأن السيئات تعطِّل فعل الحسنات, إن أردت أن تستفيد من الحسنات بالإقبال على الله، فالسيئات إن اجتمعت مع الحسنات تُبطل مفعولها, فالسيئات قد تحبط الحسنات، وقد تستغرقها بالكليَّة أو تنقصها، فلا بدَّ من أن تضعفها قطعاً، السيئات قد تستغرق الحسنات وقد تضعفها، فتجنُّبها يوفِّر ديوان الحسنات، وذلك من فوائد الورع.
3-صيانة الإيمان :
أما صيانة الإيمان: فلأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
بالمناسبة: إذا الإيمان اعتقاد لا يزيد ولا ينقص، أما إذا الإيمان اتصال يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, الإيمان تصديق وإقبال، والكفر تكذيب وإعراض، فالتصديق لا يتغيَّر، إيمانك أن الله موجود ثابت لا يزيد ولا ينقص، ولكن الذي يزيد وينقص الإقبال والفتور والقطيعة، فالإيمان يزيد كإقبال بالحسنات ويضعف بالسيئات.
قال الإمام الشافعي: إضعاف المعاصي للإيمان أمرٌ معلومٌ بالذوق والوجود، فقد جاء في الحديث:
((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً, نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ, فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صقِلَ قَلْبُهُ, وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ, وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 14]
فالقبائح تسوِّد القلب، فالوَرِع يصون نفسه عن أن تُذل، ويحفظ حسناته من أن تُرَد، ويصون إيمانه من أن ينقص، هذا هو الورع، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾
[سورة النساء الآية: 88]
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾
[سورة المائدة الآية: 13]
قال: صيانة النفس، وتوفير الحسنات، وصيانة الإيمان أرفع باعثٍ على الورع. من مراتب الورع :
هناك مراتب للورع، قال: يرتقي الورع بصاحبه حتى يؤدي به إلى حفظ الحدود عندما لا بأس به، إبقاءً على الصيانة والتقوى، وتخلصاً من اقتحام الحدود, أي يدع الورع دائماً بينه وبين الحد هامش أمان، الزنا له حد الرجم أو الجلد، هامش الأمان غض البصر، دائماً الورع بينه وبين الحدود هوامش أمان، وهذا يؤكِّده قوله تعالى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 187]
قال: العارف يترك كثيراً من المباح إبقاءً على صيانته، ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخاً بينه وبين الحرام, في الدين حرام وفيه حلال وفيه مباح برزخٌ بينهما، فإذا انتقل الإنسان من حلال إلى حلال, هو برزخٌ بين الحلال والحرام, يدع هذا البرزخ خوفاً من أن ينتقل إلى الحرام, وأما التخلُّص عن اقتحام الحدود فالحدود هي النهايات، وهي مقاطع الحلال والحرام، فحيث ينقطع وينتهي فذلك حدُّه، فمن اقتحم هذا الحد وقع في معصية.
سيدنا عمر كان وقَّافاً عند كتاب الله.
بالمناسبة في آية تقول:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 229]
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 187]
الورع لا يقرب، أما الأقل ورعاً يقف عند الحد تماماً.
ورد في بعض الأحاديث القدسيَّة: أن يا عبادي لا تتعدوا ما أبحت لكم ولا تقربوا ما حرَّمت عليكم. ما هي الثمار الطيبة اليانعة للورع؟ :
الثمار الطيبة اليانعة للورع: الخوف يثمر الورع, هناك معنيان للخوف: الخوف من عقاب الله، والخوف من انقطاع الصلة بالله, الخوف الثاني خوف راقٍ جداً، فإذا وُصِف النبي بأنه يخاف ربه, لا بمعنى أنه يخاف عقابه، بقدر ما هو المعنى بأنه يخاف أن تنقطع صلته بالله، فالخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل وقوة الإيمان، والمعرفة تثمر المحبَّة والخوف والرجاء، والقناعة تثمر الرضى، والذكر يثمر حياة القلب، والإيمان بالقدر يثمر التوكُّل، ودوام التأمُّل بأسماء الله وصفاته يثمر المَعرفة، والورع يثمر الزهد أيضاً، والتوبة تثمر المحبَّة، والرضى يثمر الشُكر، والعزيمة والصبر يثمران جميع أحوال المقامات.
أيها الأخوة, تقريباً إذا جئنا بمصفاة لها ثقوب، كلَّما كنت أشد ورعاً كان الثُقب أصغر، في إنسان مصفاته قطرها كبير تمر منه برتقالة، في إنسان قطرها أصغر، أصغر، أصغر إلى أن تصبح هذه المصفاة متصلة، هذا هو الورع، هذا الكلام لي ولكم، ليس لكم وحدكم، كلَّما ازددت ورعاً ازددت قرباً من الله عزَّ وجل.
خاتمة القول :
وعودٌ على بدء:
((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط))
و: ((من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها, لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً))
و: ((لا ألفين أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا, أما إنهم أخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و الستون )


الموضوع : الزهد







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما هي الآية التي ورد فيها لفظ الزهد في القرآن الكريم؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم هي منزلة الزهد.
آيات كثيرة جداً ورد في مضمونها معنى الزهد، أما الآية التي ورد فيها لفظ الزهد بالحرف الواحد هي آية واحدة، قال تعالى:
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 20]
العلماء قالوا: الزهد: الانصراف عن الشيء احتقاراً له، وتصغيراً لشأنه، للاستغناء عنه بخير منه, ولم يجئ في القرآن الكريم في شأن الزهد إلا هذه الآية لفظاً.
نقطة مهمة :
يوجد نقطة مهمة جداً: أن ترفض نعم الله عز وجل ليس هذا زهداً, أن تستخدم نعم الله فيما سمح لك به، أو أن تستعين بها على الآخرة هذا قمة الزهد، أن تستخدم نعم الله فيما أمر، أن تطبق منهج الله عز وجل, لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
عند علماء الأصول: المعنى المخالف، المعنى المخالف المستنبط من هذه الآية: أنك إذا أتبعت هواك وفق منهج الله فلا شيء عليك, فليس الزهد أن ترفض نعم الله عز وجل التي خلقها الله لك، ولكن الزهد أن تجعلها أداةً تستعين بها على أمر آخرتك.
مثلاً: أوضح شيء المال، ليس الزهد أن ترفض المال, وأن تكون فقيراً، أن تكون عالةً على الناس، أن تكون يدك هي السفلى، ولكن الزهد أن تكسب المال, وأن تجعله بيديك لا بقلبك, وأن توظفه في الحق.
سيدنا الصديق قدم كل ماله لسيدنا رسول الله، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ, فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ, وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
المال قوة، والعلم قوة، والقوة في تدبير الأمور قوة.
الزهد لا أن ترفض الدنيا، أن توظفها للآخرة، الزهد لا أن تكون أمياً، أن تكون متعلماً, ومعك أعلى شهادة، ولكن أن توظفها بالحق, الزهد لا أن تكون متسولاً، أن تكون غنياً, ويدك هي العليا, وهذا المال توظفه في الحق، هذا هو الزهد، لأن الآخرة تحتاج إلى عمل, والعمل يحتاج إلى مال. ما فحوى هذه الآية؟ :
أيها الأخوة الكرام, إليكم الآيات التي في فحواها معنى الزهد، قال تعالى:
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 96]
الذي تجمعه في حياتك الدنيا لبنةً لبنة, تخسره في ثانية واحدة, أذكر هذا كثيراً: ألم تعزي أهل ميت في بيت رفيع المستوى؟ أين صاحبه؟ تحت أطباق الثرى، فالذي جمعه الإنسان في عمر مديد, يفقده في ثانية واحدة، أما لو أنك بطاعتك لله وإخلاصك له حجزت - بالتعبير التجاري- عند الله مكاناً في الجنة, فأنت زاهد حقيقةً.
هذه حقيقة الدنيا :
الزاهد: هو الذي يزهد بشيء محتقر, ويطمح إلى شيء, معتبر الآية الثانية، قال تعالى:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾
[سورة الحديد الآية:20]
يوجد عمل جاد وعمل عابث, لو إنسان لعب النرد -مع أنه محرم- حتى ساعة متأخرة من الليل, ماذا فعل؟ هل هناك مردود لهذا اللعب؟ أبداً، قد تسهر حتى ساعة متأخرة, وليس هناك أدنى فائدة, اللعب هو الشيء الذي لا جدوى منه، لا مردود له، لا مستقبل له, إنما الحياة الدنيا لهو بمعنى اللهو، يعني يوجد شيء نفيس وشيء خسيس, والذي يلهو هو الذي يلهو بالخسيس عن النفيس.
إنسان التحق بجامعة أو بمدرسة، اهتم بمقعد على النافذة، اهتم بوسادة تحته مريحة، اهتم بأشياء يأكلها أثناء الدرس، اهتم بدراجة يركبها إلى البيت، لم يهتم بالدراسة، اهتم بكل شيء إلا الدراسة, هذه أشياء خسيسة ألهته عن الشيء النفيس:
﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾
[سورة الحديد الآية: 20]
﴿زينة -يعني مظاهر، هذه المظاهر لا تقدم ولا تؤخر-:
وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾
هذه حقيقة الحياة الدنيا، إنما أداة قصر، يعني الدنيا فقط لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم، أما حقيقة الدنيا مزرعة الآخرة, أئمة عظام, جاؤوا إلى الدنيا وغادروها, وتركوا علماً ينتفع به، تركوا أعمالاً كالجبال، تركوا هدىً قد عم الخافقين، تركوا اتجاهات خيرة في البشرية ، تركوا صلاحاً للأسر، تركوا توجهاً إلى الله عز وجل, فلذلك الحياة الدنيا ظاهرها لعب، ولهو، وزينة، وتفاخر بينكم, وتكاثر في الأموال والأولاد, قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[سورة الحديد الآية: 20]
ما معنى متاع الغرور؟ يعني شيء يبدو لك بحجم أكبر من حجمه, فإذا تتبعته أصبت بخيبة أمل.
أحياناً الإنسان يظن أن هذه علبة فيها هدية ثمينة, إذا هي علبة فارغة, قد يتألم، أحياناً يمسك فاكهة, هي قشر فاكهة وضعت بإحكام ليس فيها شيء.
هذا هو الغرور :
مرة ذكرت قصة: رجل توفي -رحمه الله-, كان شاباً يعمل في محل في سوق الحميدية، عنده دعابة، كان يجمع قمامة المحل, ويجعلها في علبة, يلفها لفاً أنيقاً -ورق هدايا- ويضع لها شريطاً على شكل وردة, ويضعها على الرصيف، يأتي إنسان ينظر إليها, فيأخذها ويعدو، يتبعه, هو بعد مئتي متر يفك الشريط، بعد مئة متر ثانية يفك الورق، يفتح العلبة, ويظن أن فيها قطعة ذهب، ألماس، شيء ثمين, فإذا فيها قمامة المحل.
هذا هو الغرور بالضبط، أن تتوهم أن الشيء نفيس فإذا هو خسيس، الله عز وجل سمى الشيطان الغرور، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
[سورة فاطر الآية: 5]
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة النساء الآية: 120]
الاغترار: أن تتوهم الشيء بحجم أكبر من حجمه.
سيدنا علي قال: يا دنيا طلقتك بالثلاث، غري غيري.
من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى. هذه سنة الله في خلقه :
أحد أخواننا يعمل في بناء بعض الأبنية في المصايف، شخص اشترى بيتاً, وأعطى توجيهات دقيقة جداً لإتمام البناء وزخرفته، وتابع ذلك بنفسه, إلى أن أصبح البيت جاهزاً لاستقباله, بقي جهاز كهربائي -محول-, قال له: ضعه وسأكون أنا الخميس في هذا البيت, الخميس لم يأتِ، الجمعة لم يأتِ، السبت اتصل بصاحب البيت, قالوا له: مات.
إنسان اشتغل سنتين يشرف على زخرفة بيته, لم يتح له أن يسكنه ولا ساعة، هذه الدنيا تغر وتضر وتمر، هذه البيوت سكنها قبلنا بشر كثير، هذه المحلات التجارية في أسواق دمشق القديمة, هناك جيل قبل هذا الجيل, استأجروا هذه المحلات, وباعوا واشتروا وماتوا، هذه البيوت دائماً في بيت توفي صاحبه, الورثة باعوه واقتسموا ثمنه، الله عز وجل جعلنا خلائف يخلف بعضنا بعضاً، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
[سورة فاطر الآية: 5]
ما هي المتعة؟ :
المتاع ليس له مردود، إذا إنسان جلس في حوض ماء -ماء فاتر- وكان مرتاحاً، لو جلس ساعة، ساعتين، ثلاثة، خمسة، هل يصبح تاجراً كبيراً؟ هل يصبح عالماً كبيراً؟ لا, هذا المتاع ليس له مردود, إذا إنسان أكل ألف وليمة، في كل وليمة ما لذ وطاب، ثم أصابه ألم في أسنانه لا يحتمل، لو أنه استدعى طعوم الطعام التي أكلها, هل ينسى هذا الألم؟ المتاع شيء آني, ليس له مردود مستقبلي:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 12]
﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 30]
وكلمة تمتعوا دقيقة جداً، المتعة: لذة مادية حسية تتناقص، تتناقص إن كانت مباحة في الشرع، أما يعقبها كآبة إن كانت محرمة، يعني أفضل ما في المتعة أنها تتناقص، وأخطر ما في المتعة: أن كآبة تسحق صاحبها تعقب هذه المتعة.
سيدنا عمر أمسك تفاحة قال: أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت.
يعني يوجد متعة آنية حسية، ويوجد سعادة أبدية، باستهلاك الشيء متعة آنية حسية، بعمل صالح سعادة متنامية أبدية، متعة محدودة حسية سعادة متنامية أبدية.
ما معنى قوله تعالى: -قل متاع الدنيا قليل-؟ :
خالقنا، وربنا، ومربينا، وخالق الأكوان، الواحد الديان، الخبير العليم يقول:
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 77]
ألا تصدق خالق الكون؟ متاعها قليل, ما معنى هذا القول؟ يعني إذا أعطاها لمن لا يحب, لا يمكن أن تكون الدنيا إكراماً للإنسان, لأنها منقطعة، لا يعقل أن يقول لك: خذ هذه المركبة مدة شهر واحد, هذا لا يليق بعطاء الملك، ملك أحب أن يخدم إنساناً, قدم له خدمة كبيرة, مستحيل أن يعطيه مركبة لشهر ولا لسنة، بل يملكه إياها.
أنا أوضح الفكرة: مستحيل أن يكون عطاء الله في الدنيا منقطعاً, والإنسان كلما تأخرت به السن, دخل في متاهات المرض والقلق وما شابه ذلك، والذي أذكره لكم دائماً:
أن السعادة الحسية في الدنيا تحتاج إلى ثلاثة عناصر: الوقت، والمال، والصحة، ودائماً يوجد عنصر مفقود؛ ففي أول حياتك: الصحة موفورة والوقت مديد ولكن لا يوجد مال، في منتصف الحياة: الصحة موفورة والمال موجود ولكن لا يوجد وقت، في آخر الحياة: المال موجود والوقت موجود ولكن لا يوجد صحة، فبالنهاية دائماً عناصر السعادة الحسية، المتع الحسية ينقصها عنصر دائماً، أما الإنسان إذا عرف الله, ووظف هذه الحظوظ في الحق, يسعد بها دائماً ولا يأبه لها.
من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء:
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 77]
إليك هذا المثل الذي يسهل لك الطريق لفهم هذه الآية :
في عبارة قرآنية رائعة جداً، قال تعالى:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 16-17]
طبعاً سوف أوضح هذا المثل: إذا خيرناك بين مركبة تركبها ساعة وبين دراجة تتملكها, ماذا تختار؟ الدراجة، لو خيرناك بين مركبتين واحدة تركبها ساعة والثانية تتملكها، ماذا تختار؟ التملك، لو خيرناك بين دراجة تركبها ساعة وأغلى سيارة تتملكها, هل تتردد ثانية؟
للتوضيح: الآخرة خير حجماً، ونوعاً، وأبقى أمداً، والدنيا أقل وأقصر، أقل حجماً وأقصر أمداً:
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 16-17]
ما الشيء الذي كسبه سحرة فرعون حينما آمنوا بإله موسى؟ :
سحرة فرعون حينما آمنوا بإله موسى العظيم فرعون صعق, قال تعالى:
﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 71]
هكذا، قيل: قتلهم ولكنهم كسبوا الآخرة.
لذلك: يا بني ما خير بعده النار بخير, وما شر بعده الجنة بشر, وكل نعيم دون الجنة محقور, وكل بلاء دون النار عافية. إليكم هذه الآيات التي تتحدث عن الزهد من حيث المعنى أيضاً :
لا زلنا في الآيات التي تتحدث عن الزهد من حيث المعنى، أما من حيث اللفظ فآية واحدة :
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 20]
من حيث المعنى آيات كثيرة: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 131]
لا تمدن عينيك، يعني الإنسان إذا شاهد شيئاً جميلاً، بيتاً جميلاً, مركبة جميلة، لا يقل: صاحبها حظه عظيم, يا ليت لي مثله، إذا قال ذلك: صار عند الله جاهلاً، قارون خرج على قومه بزينته:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]
الإنسان إذا تأوه وتحسر وتمنى وذاب, إذا رأى شيئاً جميلاً, ونسي أن الله أعد له جنةً عرضها السموات والأرض, هذا إنسان هو عند الله جاهل:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 131]
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
[سورة الكهف الآية: 7]
هذه الأشياء الجميلة هي امتحانات، امرأة جميلة في الطريق هي فتنة للناس، هناك من يغض بصره عنها فيرقى، وهناك من يملأ عينه من محاسنها فيسقط، وقس عليها كل شيء، المرأة أوضح شيء.
قد يعرض عليك مبلغ من المال كبير, فيه شبهة, فإذا أخذته سقطت، إن رفضته نجحت عند ربك، قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 33]
لو أن الله خلق الكافر كافراً, لا يوجد داع أن يعذبه, لكن لأن جميع الخلق مطلوبون لله عز وجل، مخلوقون لجنة عرضها السموات والأرض تكون المعالجة.
لو فرضنا مدير مدرسة, قرأ أسماء الراسبين أول يوم في العام الدراسي وأسماء الناجحين دون امتحان، ولا امتحان قبول، وبفعل عشوائي, قال: هؤلاء راسبون وهؤلاء ناجحون, لا يعقل أن يضرب الراسبين، هو جعلهم هكذا، أما إذا كان الطلاب جميعاً مدعوين إلى أداء امتحان, ومؤهلين جميعاً أن يكونوا من الناجحين, وطالب قصر يضرب، يعالج، فالمعالجة تقتضي أن كل الطلاب مؤهلون للنجاح, أما لو كان في اتجاه آخر, لما كان من معنى لمعاقبة الكافر:
﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 33]
أي مدعوون جميعاً إلى الجنة، قال تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾
القرآن الكريم مملوء بالتزهيد في الدنيا, والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها.
يعني بعض الآثار:
الدنيا جيفة طلابها كلابها.
الدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له.
إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .
القرآن الكريم مملوء بالتزهيد في الدنيا, والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها. وقائع :
مرة كنت في حلب, أخذوني إلى حي من أرقى أحياء حلب، الحقيقة: يوجد قصور ليس في دمشق مثيلاً لها، أحد هذه القصور من أجمل قصور حلب، بني على النمط الصيني، وحدثوني عن تكاليفه أرقام فلكية، بضع عشرات من الملايين, ثمن رخام القصر، ثم أخبرت أن صاحب هذا القصر توفي في الثانية والأربعين, وكان مديد القامة، وحينما أرادوا دفنه, كان القبر أقصر من طوله، ما كان من الحفار إلا أن دفعه بصدره, فجاء رأسه مائلاً, صاحب هذا القصر ينام في هذا القبر.
منذ يومين جاء أخ من أمريكا, اتصل بي هاتفياً، قال لي: استأجرت بيتاً، قلت له: مبارك، ولكني سمعت أنك اشتريته, قال: لا, أنا استأجرته حتى الموت، لا يوجد بيت ملك كله أجرة، أراد أن يقول كلاماً لطيفاً.
قف عند هذه المحطة :
أحد الرعاة معه قطيع إبل، قيل له: لمن هذا القطيع؟ -يقول علماء البلاغة: أجاب أبلغ إجابة في العربية-، قال: لله في يدي.
يعني بيتك لله في يدك، الله قال لك: اسكن فيه، والدليل: النعوة وسيشيع إلى مثواه الأخير, معنى هذا مؤقت، راكب مركبة هذه لله في يدك, اركبها إلى حين، كل شيء إلى حين، قال تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾
[سورة البقرة الآية: 36]
لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز: كلما دخل دار الخلافة, يتلو هذه الآية, هذه الآية يقشعر منها الجلد:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 205-207]
هذه قضية الموت :
أنا أعرف رجلاً في سن مبكر, حصل ثروة كبيرة جداً, وعنده قدرة على البيع عجيبة ، عنده محل في سوق الحميدية، إذا مررت على كل محلاتها لا تجد مشترياً وعنده يوجد الكثير، أذواقه عالية جداً في الشراء, وعنده قدرة على البيع كبيرة جداً, وحقق ثروة طائلة، وهو في الثامنة والثلاثين, أصيب بمرض عضال في دمه -ورم خبيث في الدم-, يقول لي ابن عمه: مضى شهر وشهران لا يعلم بمرضه، وهو عنده دعابة ومزاح, ولكن غير منضبط كلياً، وبعيد عن الالتزام بالدين, حتى إن بعض المغنيات كانت تأتي إلى بيته، فلما عرف أنه مصاب بمرض عضال, انتابته موجات هيستريا، يقول لي ابن عمه: كل ربع ساعة يرتجف ويقول: لا أريد أن أموت، قال لي: حينما فارق الحياة, أنه صاح صيحة, ما من إنسان في البناء الذي يسكنه, إلا وسمع صياحه عندما فارق الحياة.
قضية الموت -يا أخوان- تنهد لها الجبال، يغادر من كل شيء إلى لا شيء، عبارتي غير صحيحة، من كل شيء إلى كل شيء من العذاب، الإنسان يدخل إلى بيته أبهاء، غرفة نوم، غرفة ضيوف, غرفة جلوس، براد مثلاً، ثلاجة، أجهزة، بيت مكيف، والقبر: هل يوجد قبر خمس نجوم؟ ولا نجمة، القبر صندوق العمل، روضة من رياض الجنة, أو حفرة من حفر النار.
القرآن مملوء من التزهيد في الدنيا, والإخبار بخستها, وقلتها, وانقطاعها, وسرعة فنائها، والترغيب بالآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، وإذا أراد الله بعبد خيراً, أقام في قلبه شاهداً, يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة, ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار.
ما قيل عن الزهد :
أجمل قول في الزهد قاله أحد العلماء، قال: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة.
الورع ترك، والزهد ترك، لكن الورع ترك ما يؤذي، والزهد ترك ما لا ينفع.
قال بعض العلماء: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباءة.
قصر الأمل أخطر شيء في حياة الإنسان.
مرة زرت رجلاً, حدثني عن مشاريعه لعشرين سنة قادمة، ورأيت نعوته في اليوم نفسه.
ما هو الأمل؟ :
مرة كنت في مكان دائرة, رجل جالس يحدث رجلاً, وأنا أستمع إليهما، قال له: والله يا أخي, هذا الإنسان حيرنا في كسوة بيته، منذ شهرين ونحن متوقفون عن العمل, نعمل التدفئة المركزية, تجديد داخلي أم خارجي؟ حيرنا ما كان يستقر على حال، يقول بعد هذا: ثم استقر رأيه أن يجعلها تمديداً داخلياً, وبعد عشرين سنة إذا هذا التمديد فسد يقلبها إلى خارجي، وكأنه سيعيش عشرين سنةً قادمةً، هذا هو الأمل، الأمل أن تستبعد الموت.
لي صديق له جلسة أسبوعية، جالس مع أصدقائه, قال لهم: أنا لن أموت إلا بعد زمن طويل، قالوا: لماذا؟ قال: أنا أكلي قليل، وجسمي رشيق، وأمشي، ولا أدخن، وألقي بالهموم وراء ظهري, طبعاً: كلامه علمي فعلاً, لكن أجله كان قبل عشرة أيام في السبت القادم, كان مدفوناً تحت الثرى, ما أحد يعلم متى الأجل؟.
مرة استقبلني رجل, هنا في مسجد الشيخ محي الدين, كان يوجد احتفال بمناسبة مولد نبوي، استقبلني بترحاب منقطع النظير، جلست على الكرسي، شعرت في اضطراب في المسجد، سألت, قالوا: هذا الذي استقبلك توفي الآن، ذهبنا إلى مستشفى أمية، رأيناه ممدداً في ثيابه، ثانية واحدة، الإنسان ممكن أن يغادر بثانية, وبلا سبب، بلا ألم، بلا مرض.
ماذا فهم الجنيد من هذه الآية؟ :
الزهد في الدنيا قصر الأمل, ليس بأكل الغليظ ولا لبس الخشن.
الإمام الجنيد -رحمه الله تعالى- فهم الزهد من قوله تعالى:
﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
[سورة الحديد الآية: 23]
الزاهد لا يتألم لما فاته ولا يفرح لما آتاه، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء.
قال بعض العلماء: الزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف منها على مفقود.
قصة صديق :
لي صديق كان من أعظم الناس في عيني -هو أحد الكتاب-, وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد, ولا يكثر إن وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة, فلا يتكلم بما لا يعلم, ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً, فإذا تكلم بذ القائلين، وكان يرى ضعيفاً مستضعفاً, فإذا جد الجد فهو الليث عادياً .
الزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف منها على مفقود.
قصة :
يوجد إنسانان اشتريا أرضين متجاورتين في منطقة العدوي, الأول: صمم, ورسم خرائط, وحفر, وأشاد بناء, وباعه بأرقام فلكية، الثاني: منع من إنشاء البناء, لأنه سيمر تحت أرضه مجاري، من شدة ألمه لم يعد يحتمل أن جاره أقام البناء, وباعه وربح أرباحاً طائلة، وهو ممنوع أن يشيد عليه بناءً، بعد حين أصيب بأزمة قلبية حادة, بسبب الشدة النفسية التي لزمته من هذا الألم والأسف، ثم إن هذه الأرض التي لم يشد عليها بناءً, ارتفع سعرها خلال سبع سنوات أكثر من خمسين ضعفاً، يعني أرباحه من ثمن الأرض دون أن يشيد عليها بناءً عشرين, ثلاثين ضعفاً عن أرباح جاره, لكن من شدة أسفه أصيب بمرض عضال.
فالزهد أن لا تفرح من الدنيا بموجود ولا تأسف منها على مفقود, الزهد يورث السخاء في الملك، والحب يورث السخاء في الروح, الزهد يدفعك أن تعطي.
ما قيل عن الزهد أيضاً :
وقالوا في الزهد: هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال, فتصغر في عينيك, فيسهل عليك الإعراض عنها .
وقيل: الزهد: عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف.
وقال الجنيد: الزهد خلو القلب عن ما خلت منه اليد.
شيء ما بيدك يجب أن ينزع من قلبك ما بيدك وأنت تشتهيه, أنت في حالة صراع. هذا ما قاله الإمام أحمد عن الزهد :
الإمام أحمد قال: الزهد في الدنيا قصر الأمل.
الإنسان يجب أن يوطن نفسه, إذا نام قد لا يستيقظ, وإذا استيقظ قد لا ينام، وإذا خرج قد لا يرجع، وإذا رجع إلى بيته قد لا يخرج إلا أفقياً.
وعن الإمام أحمد أيضاً: الزهد عدم الفرح بإقبال الدنيا ولا الحزن على إدبارها، فإنه سئل عن الرجل, يكون معه ألف دينار, هل يكون زاهداً؟ فقال: نعم على شريطة أن لا يفرح إذا زادت وأن لا يحزن إذا نقصت.
قد يكون معك مال وأنت زاهد، المال أداة بيدك توظفه في الحق، تقيم به أود نفسك، تجعله أداةً للقرب من الله عز وجل, وأنت زاهد وبين يديك ملايين مملينة وأنت زاهد، وإنسان لا يملك من الدنيا شيئاً وهو راغب، مفارقة حادة, لا تملك وأنت راغب وتملك وأنت زاهد.
أبو سليمان الداراني يقول: الزهد ترك ما يشغل عن الله عز وجل.
والجنيد مرةً ثانية سئل عن الزهد, فقال: استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب.
ولا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عمل بلا علاقة -يعني عمل خالص لله دون أن يرجو شيئاً-, وقول بلا طمع, وعز بلا رئاسة.
الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام وهو زهد العـوام، والثاني: ترك الفضول من الحلال -يعني عندك ما يكفي, تطمح في الحلال إلى أكثر مما يكفيك, أنت راغب ولست بزاهد-, ثاني أنواع الزهد: ترك الفضول من الحلال، قد يأكل ألواناً كثيرة جداً، قد يشتري ثياباً كثيرة جداً، هذا زهد الخواص: ترك الفضول من الحلال.
مناقشة جرت بين ملك ووزيره :
مرة ملك سأل وزيره, قال له: من الملك؟ الوزير صعق, قال: أنت, قال له: لا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا, له بيت يؤيه, وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا, وإن عرفناه جهدنا في إحراجه.
من هو الملك الحقيقي؟ الذي لا يعرفنا ولا نعرفه.
زهد العوام ترك الحرام، زهد الخواص ترك الفضول من الحلال, زهد خواص الخواص الفئة العالية جداً: ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين.
محل إجماع :
أجمع عليه العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة.
أنت جالس مرتاح عادي، تقرر أن تحج البيت, قال لك صديقك: ممكن, وجاءك الجواز, ما الذي يحصل بالضبط؟ نزعت من الشام, وعشت في بيت الله الحرام، قبل أن تسافر، الإنسان عندما يزمع السفر, انتقل نفسياً إلى بلد السفر، أين سأنزل؟ من سأقابل؟ ماذا آخذ معي؟ متى أعود؟ ماذا أشتري من هناك؟ هل ترى الحالة النفسية؟ الإنسان إذا أراد شيئاً عاشه قبل أن يعيشه عملياً.
الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة.
وقال بعضهم: لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها, وهي: المال, والصور، والرياسة، والناس، والنفس، وكل ما سوى الله عز وجل.
هذا هو الزهد :
رجل أراد أن يوقع بيـن سيدنا الصديق وسيدنا عمر رضي الله عنهما، يبدو أن سيدنا الصديق أحاله إلى سيدنا عمر, وسيدنا عمر رفض أن يوافق له على ما يصبو إليه، رجع إلى الصديق -رضي الله عنه- ليوقع بينه وبين عمر، قال له: الخليفة أنت أم عمر؟ فقال له: هو إذا شاء.
هذا هو الزهد.
يجب أن تعلم هذه الحقيقة :
الآن حقيقة: ليس الزهد رفض نعم الله عز وجل.
قال: كان سليمان وداود -عليهما السلام- من أزهد أهل زمانهما, ولهما من المال والملك ما لا سبيل إلى وصفه، الحقيقة تبدو غريبة، قد تكون راغباً وليس في يدك شيء, وقد تكون زاهداً والدنيا كلها في يديك، البطولة أن تكون بين يديك الدنيا وترجو رحمة الله عز وجل.
وكان علي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان من الزهاد, مع ما كان لهم من الأموال، وكان الحسن بن علي -رضي الله عنهما- من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة مالاً.
دقق في هذا الكلام :
دققوا: ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، قال تعالى:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
[سورة الأعراف الآية: 32]
ليس الزهد أن تعزف عن الزواج، الزهد أن تطبق السنة في الزواج, وأن تجعل من الزواج زواجاً إسلامياً، ليس الزهد أن تعزف عن كسب المال, ولكن الزهد أن توظف المال في الحق، ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك, وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيما لو لم تصبك, فهذا من أجمع الكلام في الزهد وأحسنه.
وقال بعض العلماء: إنما الزهد في الحلال, لأن ترك الحرام فريضة ليس لك فضل فيها.
الزهد في الحلال .
قال آخرون عكس هذا الكلام: الزهد لا يكون إلا في الحرام, وأما الحلال فنعمة من الله تعالى على عبده, والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
الملخَّص: التحقيق في هذه القضية: إذا شغلتك الدنيا عن الله فالزهد فيها أفضل، وإن لم تشغلك عن الله فكن شاكراً لله فيها, وهذا الحال أفضل، إذاً: إن تشغلك تركها أولى, وإن تعنك في الآخرة فأخذها أولى.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و الستون )


الموضوع : التبتل







الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: التبتل، وقبل أن نمضي في شرح هذه المنزلة, لا بد من أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة:
لكل دولة في نظامها الوظيفي مراتب ودرجات، تبدأ بالمرتبة العاشرة وتنتهي بالمرتبة الأولى، وكل مرتبة ثلاث درجات, فعشرة بثلاثة ثلاثين، وموظفو الدولة ولو بلغوا مليونين, لا بد من أن وجودهم في هذه المراتب الثلاثين حصراً, أما عند الله فعدد المراتب بعدد البشر بلغوا ما بلغوا، كل إنسان له درجة، الإنسان لا يستطيع أن يصنف الناس بأكثر من درجات محدودة، مثلاً:
إنسان يحمل أعلى شهادة باختصاص نادر جداً, من أرقى دولة, ومن أرقى جامعة، دكتوراه دولة يوظف بمرتبة تساوي مرتبة إنسان, يحمل شهادة من أسوأ دولة, ومن أقل جامعة مكانةً, وقد تكون دكتوراه شكلية، أما عند الله عز وجل كل إنسان له مرتبة, بحسب معرفته, وبحسب استقامته، وبحسب عمله الصالح، وبحسب تضحياته، وبحسب ميله عن الصوارف، وبحسب تجاوزه العقبات، وبحسب صبره على الملمات، قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
فمن السذاجة أن تتوهم أن الدين مرتبة واحدة، الدين مراتب تبدأ ولا تنتهي، طبعاً أنا أمهد لهذا الموضوع التبتل: انقطاع لله عز وجل, إذا نحن ما وصلنا إلى هذه المرتبة, لا يوجد مانع أن نتحدث عنها, حتى تكون من طموحاتنا، أنا حينما أتحدث عن مرتبة رفيعة جداً, قد أقول: إن معظم الناس وقد أكون أنا منهم, هذا لا يمنع أن نتحدث عن مراتب عالية حتى نصعد ميولنا ونصعِّد طموحاتنا. أمر إلهي موجه إليك :
فالتبتل ورد في القرآن الكريم:
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 8]
هذه المنازل منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولا يمكن أن تكون هناك منزلة, إلا ولها أصل في القرآن الكريم, وكتاب الله عز وجل منهج لنا، الله عز وجل أكبر، وأعظم، ومنزه عن أن يقول كلاماً لا معنى له، لما ربنا عز وجل يأمر:
﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً﴾
معنى هذا أمر وجوب أنت ليس لك خيار فيه، إن أردت أن تكون محسوباً على الله، إن أردت أن تكون من أهل الإيمان، من أصحاب المراتب العلية عند الله عز وجل, لا بد من أن تنتبه إلى هذه المرتبة, هذه مرتبة التبتل، وما الذي يمنع أن تبذل كل جهدك كي تصل إلى الله؟ ما الذي يمنع أن تصل إلى المراتب العالية؟. قف هنا :
ذكرت لكم أن قطعة لحم طازجة وأنت جائع لا تقدر بثمن, وقطعة لحم متفسخة, لو شممت رائحتها تكاد تخرج من جلدك, وكلاهما قطعة لحم، هذا في قطع اللحم، في البشر أبلغ ، قد تجد إنساناً خيراً من ملء الأرض من البشر، أعتقد الأرض نعرف حجمها من محيطها, وحجم الإنسان المتوسط متر مربع مثلاً، قسمنا حجم الأرض على متر، نعرف لو أن الأرض مجوفة كرة مفرغة وملأناها من بني البشر, ممكن نعرف كم إنسان تستوعب الأرض؟.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى، هو رسول الله- يقول: هناك رجل يساوي ملء الأرض من غيره.
البشر متشابهون بأشكالهم المادية, ولكن بمراتبهم عند الله متفاوتون تفاوتاً عجيباً، قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
أنت بمعرفتك، واستقامتك، وإخلاصك، ونواياك الطيبة, وتضحياتك، وبذْلك، وانضباطك ، وورعك، ومآثرتك، لك عند الله مرتبة، هذه المرتبة هي أهم شيء في حياتك، لأن هذه المرتبة لها منعكس أبدي إلى يوم القيامة.
دقق في هذه الفكرة :
دقق في هذه الفكرة: هناك في الدنيا أشياء كثيرة, ولكن تنتهي عند الموت لا قيمة لها.
يعني: إنسان توفاه الله عز وجل, لو أردت أن تؤبنه: هل بإمكانك أن تتحدث عن بيته, عن مساحة بيته، عن أناقة بيته، عن تزيينات بيته؟ أبداً, هل بإمكانك أن تتحدث عن مركبته؟ عن حجمه المالي؟ أبداً، لا تستطيع أن تتحدث إلا عن عمله الصالح.
حضرت جنازة في أحد مساجد دمشق, وصاحب الجنازة المتوفى صناعي، عنده معمل ، دخلت إلى بيته, وكان هناك زيارات متبادلة، فعلاً شيء مدهش، صناعي من الطراز الأول ، متفوق جداً، أذواقه عالية جداً، رحلاته إلى أوربا وأمريكا سنوية، فلما وضع في النعش في المسجد, قام أحد علماء دمشق لتأبينه, وقال بالحرف الواحد: أخوكم أبو فلان كان مؤذناً ترحموا عليه.
أنا صعقت, قلت: يا رب ألا يمكن أن يقال دقيقة واحدة عنه؟ دنيوي من الطراز الأول, وكان صالحاً وما كان سيئاً فيما أظنه, ولا أزكي على الله أحداً، ولكن لا يوجد عمل يلفت النظر، الدنيا تلفت النظر أما الآخرة لا تلفت النظر، فماذا يقول هذا العالم الجليل؟ كان مؤذناً ترحموا عليه، وأنا قلت في نفسي: يا ليت الإنسان يعمل عملاً يؤبن في دقيقة ستين ثانية ، أو في خمس دقائق, أو يتحدث عن عمله في ساعة.
أنت لك حجم عند الله عز وجل، حجمك لا بأناقتك، ولا بطعامك, ولا بشرابك، ولا بأثاث بيتك، ولا بموقع بيتك، ولا بمساحة بيتك, ولا بنوع مركبتك، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح فقط، مع الإخلاص, مع الانضباط.
فإذا تحدثنا عن مرتبة التبتل, ليس معنى هذا: أن هذه مرتبة مألوفة معظم الناس في مستواها، لا، قد تكون في مرتبة نادرة, وهذا لا يمنع أن نتحدث عن مرتبة عالية, كي ترتفع أهدافنا، هناك من يأكل ويشرب وتنتهي كل همومه عند طعامه وشرابه، هناك من يأكل ويشرب ويتزوج وتنتهي كل همومه عند طعامه وشرابه وزواجه، وهناك من يطمح إلى أن يعمل عملاً يرضي الله عز وجل، قل لي: ماذا يهمك, أقل لك: من أنت؟.
هذا المؤمن الصادق :
أخواننا الكرام, المؤمن الصادق يحمل هموم المسلمين، المؤمن الصادق له أهداف في الحياة, تسمو عن حاجاته اليومية، وتسمو عن ميوله ورغباته, وتسمو عن مصالحه، المؤمن شخصية فذة, لا يسخر القيم ولا يسخر منها، يقود نفسه ولا تقوده، يسير هواه ولا يسيره، سما حتى اشرأبت إليه الأعناق، وارتقى حتى مالت إليه النفوس.
بصراحة: المؤمن الصادق يجب أن تحبه لمزاياه الأخلاقية، الله عز وجل يقول:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
أنت لا تستطيع أن تتصل بالله إلا بكمال مشتق منه، الله عز وجل رحيم، لن يسمح الله لك أن تتصل به, ولن يلقي في قلبك شيئاً من سكينته إلا إذا رحمت خلقه، الله عز وجل عدل, لن تستطيع الإقبال عليه إلا إذا كنت عادلاً، الله عز وجل محسن لعباده, لن تستطيع أن تكشف الحجاب بينك وبينه إلا إذا كنت محسناً، لن تستطيع أن تتصل به إلا بكمال مشتق منه، إذاً: المؤمن على جانب من الكمال، المؤمن صبغة الله.
في بعض الشركات الضخمة في العالم, حينما ترى العلامة التجارية لهذه الشركة, تشتري بلا تردد، هذه الشركة الفلانية، الآن يوجد حرب علامات تجارية، ترى الشركة لها اسم كبير, تدقق, تجد مصنوعة في الصين، آخذة اسم لماع براق, ولكنها صنع بلد من الدرجة العاشرة مثلاً، فهذه حرب علامات تجارية, فهو إن صح التعبير: المؤمن علامته التجارية صبغة الله، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 138]
يعني من أعلى درجة، يعني متخلق بالكمال الإلهي، يشتق كمال الله عز وجل، فتحتار برحمته، بعدله، بإنصافه، بتواضعه, بإنكاره لذاته، بخدمة الخلق، هذا التمهيد من أجل أن تعلموا أنَّ هذه المرتبة قد تكون عالية جداً؛ ولكن لا بد من شرحها.
ما معنى التبتل في اللغة؟ :
التبتل هو الانقطاع, وهو التفعل من البتل, وهو القطع، بتل قطع, تبتل تفعل، ما معنى تفعل؟ العمل المتكرر، العمل المستمر فيه تفعل مثلاً, قد تقول فلان كتب، كتب مرة واحدة، أما اكتتب أصبح كاتباً، اتخذ الكتابة حرفةً له.
وسميت مريم البتول لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 42]
لماذا الاصطفاء مرتين؟ الاصطفاء الأول اصطفاء قرب، معنى ذلك: أن الإنسان مخير، معنى ذلك: أن النبوة اصطفاء، النبوة فيها جانب كسبي وجانب وهبي، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 42]
هذا الجانب الكسبي، بعد أن اصطفاهم وجعلهم أنبياء ورسلاً أعطاهم الوحي، أعطاهم المعجزات هذا وهبي، يوجد جزء كسبي وجزء وهبي، كذلك مريم البتول، إن الله اصطفاك لمحبتك, لمعرفتك، لإخلاصك، لإقبالك، واصطفاك جعلك تلدين من دون زوج، الاصطفاء الأول اصطفاء قرب, والاصطفاء الثاني اصطفاء معجزة، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 42]
ففاقت نساء الزمان شرفاً وفضلاً.
ومصدر بتل تبتلاً كتعلم تعلماً، يعني بتل تبتلي وتبتل، ما معنى بتل؟ إنسان قطع اللحمة، الفرق بين قَطَعَ وقَطّعَ، الفرق واضح, يوجد مبالغة، قَطَعها قطعةً واحدة، أما إذا قطعها قطعها آلاف القطع، كالفرق بين كَسَّرَ وكَسّرَ، قد يقع هذا الكأس من يدك فينكسر, أما إذا جئت بمطرقة, وضربته عشرات الضربات, حتى أصبح طحيناً, هذا اسمه كَسَّرَ غير كَسَرَ، وغلقت الأبواب، أغلقت الباب أصبح الباب مغلقاً، أما غلَّقت الأبواب أترجتها، هل ترى الفرق بين كَسَرَ وكَسّرَ، وبين غَلَقَ وغَلّقَ، قَطَعَ وقَطّعَ؟ فالتبتل: التفعل من البتل، قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 43]
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 8]
فالتبتل المفاعلة من البتل، البتل مبالغة كماً ونوعاً، فالتبتل كالتعلم والتفهم، تفهم تفهماً، تعلم تعلماً.
من أسرار البلاغة في القرآن الكريم :
الشيء الذي يلفت النظر, قال تعالى:
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 8]
ولم يقل: تبتلاً بل تبتيلاً، يوجد سر التبتيل, يعطي معنى آخر, فربنا عز وجل جاء بالفعل أعطى معنى، وجاء بمصدر آخر أعطى معنىً آخر، فلذلك: هذا من أسرار بلاغة القرآن الكريم، التبتيل فيه تكلف وتعمل وتكثر ومبالغة، فصار في تفعيل من تبتل، وفي تكلف وتعمل وتكثر ومبالغة من تبتيل، وما قال: وتبتل إليه تبتلاً، قال:
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 8]
فالمصدر أعطى معنى والفعل أعطى معنى، فأتى بالفعل الدال على أحدهما, وبالمصدر الدال على الآخر, فكأنه قيل: بتل نفسك إلى الله تبتيلاً, وتبتل إليه تبتلاً, ففهم المعنيان من الفعل ومصدره, وهذا كثير في القرآن الكريم, وهذا من أحسن الاختصار.
أضرب مثلاً آخر لكم: لو فتحنا المعجم على فعل أحسن, في المعجم أحسن إليه، إلى من لوازم أحسن بالقرآن الكريم, قال تعالى:
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
[سورة الإسراء الآية: 23]
جاء أحسن بـ، الباء تفيد الإلصاق، فمعنى الإحسان أضيف إليه الإلصاق، يعني يجب أن تحسن إليهما مباشرةً دون وسيط, هذا المعنى, أخذنا معنى الإحسان من الفعل, ومعنى الإلصاق من الباء، فجمعنا المعنيين في معنىً واحد.
ما معنى التبتل في المصطلح الشرعي؟ :
التبتل: الانقطاع إلى الله بالكلية، وقوله عز وجل:
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾
[سورة الرعد الآية: 14]
أي يجـب أن تكون خالصاً له وحده، لأنه أهل أن تكون له، له دعوة الحق، فالتبتل هو الانقطاع عن ملاحظة الخلق, بحيث لا يكون المتبتل كالأجير, الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة, فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر، قال تعالى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
هذه مرتبة، أما الآن في واو: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 135]
هذه الواو ليست عاطفة، هذه واو استئنافية، يوجد مرتبة أدنى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 135]
الطبقة الثانيـة عملت لمصلحتها ونعم أجر العاملين، عملت لمصلحتها فنالت الأجر كهذا المعنى هنا تماماً، أحياناً الإنسان يحب الله ولا يسأله شيئاً.
من أحبنا أحببناه, ومن طلب منا أعطيناه, ومن اكتفى بنا عما لنا, كنا له وما لنا.
يوجد إنسان يحب الله حتى يوفقه ويعطيه صحة طيبة، ويجعله غنياً، يهيىء له زوجة صالحة، ويجعله محبوباً بين الناس، يحب الله لعلة يريدها, مقبول عند الله على العين والرأس, ولكن الأول أعلى, الذي يحب الله من دون شيء.
يعني هكذا يقول بعض العارفين بالله، أو بعض علماء القلوب: هناك من يعبد الله حباً به, وهناك من يعبد الله طمعاً في جنته، وهناك من يعبد الله خوفاً من ناره.
فالأجير همه الأجرة فإذا أخذها انتهى الأمر، يعني إنسان رغبان بالصحة, أعطاه الله صحة، يبتغي تجارة وقد حصلها، يتوق بزوجة فنالها، عنده بيت ومركبة، ما له شيء عند الله، أراد الاستقامة ليكسب الدنيا فكسبها، لا يوجد عنده الشوق لله عز وجل, هذه المرتبة مقبولة, ما دام هو يخافه ويرجو رحمته، ولكن ليست راقية هذه المرتبة.
صلى الله عليه كان يصلي حتى تتورم قدماه, قالت له السيدة عائشة:
((يا رسول الله! ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال لها: أفلا أكون عبداً شكوراً؟))
نحن نعمل عملاً طيباً, نرتاح، نجتهد في عمل, نستريح فترة, لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- طوال النهار في خدمة الخلق, وفي الليل في الاتصال بالحق.
يعني الله تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته، وإن لم يوجب لداعية بها ثواباً فإنه يستحقها لذاته، يعني كماله يجعله أهلاً أن تحبه دون أن تطالبه بشيء.
مثلاً: إذا صديق غني, كل ما زرته قدم عشاءً، يكرمك ويصحبك في نزهة، فأنت تحبه, ولكن يا ترى: تحبه لذاته أم لكرمه؟ الله أعلم، لو أنك زرته مرتين ثلاثة, وما قدم لك شيئاً, ولا خدمك أبداً, تنصرف عنه، معنى هذا: أن إقبالك عليه لم يكن من أجل كماله بل من أجل نواله. كيف تصل إلى هذه المرتبة؟ :
الإنسان أحياناً يطلب الله عز وجل لمصابه بأمراض مخيفة؛ سرطانات, شلل، جلطات مبكرة، حادث سير مخيف، فقر مدقع، يخاف, يلتجئ إلى الله, فطالب السلامة، طالب الغنى، طالب السعادة، جيد على العين والرأس, ولكن هناك مرتبة أعلى بكثير, أن تحب الله دون أن تعلق محبتك بمنفعة تجرها أو كسب توصله.
من أحبنا أحببناه, ومن طلب منا أعطيناه, ومن اكتفى بنا عما لنا, كنا له وما لنا:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا ليس لي عنهم معدل وإن عدلوا
والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باق على حبهم راض بما فعلوا
هذا متى يظهر؟ يظهر لما الإنسان يكون متألقاً عند الله ثم تأتيه مصيبة فيصبر، قال تعالى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[سورة ص الآية: 44]
أحياناً: يسوق لك الرب أشياء غير واضحة, فعليك أن تقول: يا رب أنا راض بما قضيت.
أحياناً: أب محترم جداً، كامل, عالم، مرب، غني، مقتدر, يعني إذا أعطى أمراً لابنه, غير واضح مثلاً: لا تأكل يا بني، فعلى الابن أن يقول: سمعاً وطاعة، حاضر، فالأب الذي قدم لأولاده كل شيء, يحق له أن يعطيهم أمراً غير واضح, وأن يقبلوه، الله عز وجل أحياناً يمتحننا امتحان عبودية له، وأحدنا مستقيماً متألقاً عند الله, تأتيه مصيبة ليس لها تفسير، المؤمن يقول: يا رب أنا راض بقضائك وقدرك، عندها يكون قد نجح وأخذ درجة تامة.
المؤمن إذا استقام الله عز وجل, أحياناً بعد استقامته مباشرةً يعطيه الدنيا, يشجعه, لأنه ضعيفاً، وإنسان آخر يستقيم, ويبقى سنوات وسنوات بوضعه المادي السابق، هذا أرقى, هذا ما علق أهمية، وما اتخذ الاستقامة تجارة, بل إن الله عز وجل لو يعاقب المذنب مباشرةً, ويكافئ المحسن مباشرةً, انتهى الاختيار، كل الناس يخافون العقاب السريع فينضبطون, ويرجون العطاء السريع فينضبطون، أما الله عز وجل سياسته يسمح لك أن تفعل ما تشاء إلى أمد بعيد ثم يحاسبك.
هذا التبتل :
التبتل: هو الانقطاع إلى الله تعالى, لأنه أهل أن يعبد وحده، ويدعى وحده، ويقصد وحده، ويشكر وحده، ويحمد وحده، ويحب, ويرجى، ويخاف، ويتوكل عليه، ويستعان به، ويستجار به, ويرجأ إليه، ويصمد إليه، فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده, قال تعالى:
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾
[سورة الرعد الآية: 14]
يعني له وحده أن تدعوه كلياً، هذه المعاني إذا قامت بنفس الإنسان, إذا دعا الله وحده، قصده وحده, تلك دعوة الحق.
السيدة عائشة لما الله برأها, قالت لها أمها:
((قومي إلى النبي فاشكريه، قالت: والله لا أقوم إلا لله -على مسمع من النبي-, فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: عرفت الحق لأهله))
فحينما تعبده وحده, وتدعوه، وتقصده وحده، وتشكره وحده, وتحمده وحده، وتحبه وحده، وترجوه وحده، وتخافه, وتتوكل عليه وحده, وتستعين به وحده، وتستجير به وحده، وتلجأ إليه وحده، فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده، هذا التبتل، ليس لك علاقة بالخلق أبداً؛ تعاملهم، تلاطفهم، تحسن لهم، تكرمهم، أما قلبك معلق بالله لا تعلق عليهم أية أهمية. منعطف هام :
بالمناسبة: الله عز وجل من أساليبه العظيمة في تربية خلقه: أنه حينما تعتمد على جهة أرضية, لحكمة بالغة بالغة الله عز وجل يلهم هذه الجهة الأرضية التي اعتمدت عليها, أن تخيب ظنك فيها، لأن الله يغار، حينما تعتمد على جهة أرضية, الله عز وجل يلهم هذا الإنسان أن يتخلى عنك في أحرج وقت، لو قال لك: واحد زرني، ماذا تريد؟ أحققه لك فأنت ارتحت, علقت الأمل كله عليه ونسيت الله عز وجل, تزوره يتجاهلك, يسألك: ما الاسم الكريم؟ قد لا يقول لك: تفضل اجلس، أنت تصعق بهذا الموقف، هذا الموقف مفتعل، حينما تعلق أهمية على جهة أرضية, إذا كان الله يحبك ويغار عليك, يلهم هذه الجهة الأرضية أن تخيب ظنك بها، لا تحزن.
قصة :
رجل افتقر, وله قريب يعمل مدير مكتب السلطان عبد الحميد، شد إليه الرحال، وعلق عليه الآمال كلها على قريبه مدير مكتب السلطان، كان حاكماً لثلث العالم، فقدم استدعاء مدير المكتب لقريبه بتعيينه بوظيفة, فلم يوقعها السلطان لمدة أسبوع, كل يوم يعرضها عليه فيهملها، ومرَّ أول أسبوع، وثاني أسبوع، وثالث أسبوع ولم يوقعها، فهذا الرجل يبدو على معرفة بالله, أعطى توجيهاً للخادم أن يصرفه، قال له: يا أخي, الضيف ثلاثة أيام, ومضى شهر, كأنه طرده، فهذا خرج هائماً على نفسه يبكي، قال له: اتبعه, وانظر أين يسكن؟ فدخل لخان, وسكن فيه من اليوم الثاني, وضع الاستدعاء للسلطان, فوقعها فوراً, فاستدعاه, قال له: بقيت شهراً بأكمله معتمداً علي, فلما يئست مني, واعتمدت على الله, وقع السلطان، طبعاً قصة لها معنى، لما علقت الأمل على إنسان خيب الله ظنك بهذا الإنسان، فلما علقت الأمل على الله عز وجل, الله عز وجل أكرمك بما كنت تريد.
ما هما الأمران اللذان يجمعهما التبتل؟ :
أيها الأخوة, ندخل في التفاصيل: التبتل يجمع أمرين؛ اتصالاً وانفصالاً لا يصح إلا بهما ، فالانفصال انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه، وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله رغبة فيه أو مبالاة به أو فكراً فيه.
يعني يجب أن تقطع نفسك عن كل ميل يزاحم مراد الله منك هذا الانفصال، النفس تميل إلى النوم, ويوجد دعوة إلى الذكر والاستيقاظ والصلاة, فيجب أن تقطع نفسك عن حظها من النوم, لأن هذا الحظ يزاحم مراد الله منك في أن تصلي، والاتصال لا يصح إلا بعد هذا الانفصال, وهو اتصال القلب بالله, وإقباله عليه, وإقامة وجهه له حباً، وخوفاً، ورجاءً، وإنابةً ، وتوكلاً.
التبتل انقطاع واتصال، انفصال عن ما سوى الله وعن حظوظ النفس وإقبال على الله،
والذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك حينما ترضى بحكم الله عز وجل وقسمته لك، فمن رضي بحكم الله وقسمته, لم يبقَ لرجاء الخلق في قلبه موضع:
لا تســــألـن بنيّ آدم حاجة وســـل الذي أبوابه لا تغـلـق
الله يغضـــب إن تركت سؤاله وبنـي آدم حيـــن يسأل يغضب
يجب أن تحسم مادة رجاء المخلوقين حينما ترضى بقضاء الله وقدره، والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله, فإنه من سلم لله, واستسلم له, وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه, وما أخطأه لم يكن ليصيبه, وعلم أنه لم يصبه إلا ما كتب الله له، لم يبقَ لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضاً، حينما تعلم أن الأمر بيد الله, وأن الله لن يسلمك إلى أحد, وأن مصيرك مع الله، وأن الفعل كله بيد الله لا تخاف أحداً، والنبي الكريم بحديث جامع مانع موجز قال: ((لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه))
إذاً: إن بلغت هذه المرتبة لا معنى للخوف من غير الله عز وجل, الانفصال عن الخلق وعن هوى النفس الذي يزاحم مراد الله منك, والاتصال بالإقبال على الله. فائدة لطيفة في التسليم :
في التسليم أيضاً فائدة لطيفة: هو أنه إذا سلمها الله, فقد أودعها عنده, وأحرزها في حرزه، وجعلها تحت كنفه, حيث لا تنالها يد عدو عاد, ولا بغي بغي عات، أنت حينما تدع الأمر لله عز وجل, يتولى عنك كل شيء, أما إذا اتكلت على نفسك أوكلك الله إياها، فلما سلمت ضمنت النجاح، وإن لم تسلم أخفقت، هذا هو الانقطاع عن الخلق, ولكن التبتل لا يكتمل حتى يكون انقطاع المتبتل عن النفس لا عن الخلق وحدهم, ولكن عن حظوظ النفس بمجانبة الهوى، وتنسم روح الإنس، فإن في جانبة الهوى ومخالفته ونهي النفس عنه تنسم روح الأنس بالله.
يوجد نقطة دقيقة: افرض نفسك وعاء ممتلئاً بالدنيا, لا يوجد مكان لحب الله عز وجل, إذا نزعت حب الدنيا من قلبك, البديل الطبيعي حب الله عز وجل، مثل آخر:
نقطتان؛ الآخرة والدنيا، إن اقتربت من الآخرة ابتعدت حكماً عن الدنيا, وإن اقتربت من الدنيا ابتعدت حكماً عن الآخرة، كل فراغ لا بد من أن يشغل، فإذا فرغت نفسك من حب الدنيا, لا بد وأن تملأ محبة الله قلبك:
﴿وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾
هذا الروح الذي تشعر به, هو بسبب إعراضك عن الهوى، صار في هوى وروح:
من ترك الهوى امتلأ قلبه روحاً وريحاناً، من اتجه إلى الهوى خسر إقبال القلب على الله عز وجل.
النفس لا بد لها من التعلق, فلما انقطع تعلقها من هواها, وجدت روح الأنس بالله عز وجل. كلمة مهمة :
كنت أقول هذه الكلمة: إما أن تكون عبداً لله, وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، أنت عبد؛ فإما أن تجعل الله إلهك, وإما أن تجعل عبداً لئيماً إلهك، فإذا أنت رفضت أن تكون عبداً لله, أنت عبد لمليون شهوة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهم-, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَة))
فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لشهواتك، فإن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، إن لم تخضع لله سوف تقبل الأرجل لغير الله، أنت مصمم أن تكون عبداً، فشرفك ومكانتك أن تكون عبداً لله، فالمؤمن الصادق يصدع بالحق عند من يخافه ويرجوه، وقد زهد في مدحهم وثنائهم, يصيح فيهم بالنصائح جهاراً، ويعلن لهم بها ويسر لهم إسراراً. نهاية المطاف :
فالتبتل مرتبة عالية جداً, فيها انقطاع عن الخلق, وعن هوى نفسك, واتجاه إلى الحق، وفي تكامل, بقدر ما تنقطع عن الخلق تتجه إلى الحق، وبقدر ما تفرغ نفسك من حب الدنيا, تملأ هذه النفس بحب الله ورسوله، والقضية قضية مرتبة, نرجو الله أن نصل إليها، مرتبة التبتل، قال تعالى:
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 8]
التبتل الأول الانقطاع، لكن مع التفعيل، انقطاع مع التفعيل، أما التبتل: التبتيل مصدر آخر فيه معنى التكلف, والتعمل، والتكثر, والمبالغة، فمجموع المعاني خمسة:
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً * وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 8-10]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و الستون )


الموضوع : التواضع









لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من هم عباد الرحمن؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة التواضع، قال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
أي في سكينة ووقار, متواضعين غير متكبرين, ولا مرحين.
قال الإمام الحسن: هم العلماء الحلماء, وقال بعضهم: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون وإن سفه عليهم الآخرون.
أيها الأخوة, يمشون على الأرض هونا؛ الهَون الرفق واللين، والهُون هو الهوان والذل، فالمفتوح صفة أهل الإيمان، والمضموم صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران، أهل الكبر:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
هذه صفة أهل الإيمان :
آية ثانية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 54]
صفة أهل الإيمان: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، في حال التخلف يصبح المؤمنون أذلاء أمام أعدائهم, متكبرين على أبناء جلدتهم.
أيها الأخوة, هذا الذل الذي وصف الله به المؤمنين أذلة على المؤمنين، قالوا: هذا ذل الرحمة، والعطف، والشفقة.
كيف أن الأم من شدة عطفها على ابنها, ومن شدة الرحمة التي تملأ قلبها, تضعف أمام ابنها، تستجيب له؟ فهذا ذل العطف والرحمة والشفقة والإخبات، عدي هذا الفعل بعلى, ليشير إلى هذه المعاني، أشفق عليه, أذلة على المؤمنين, يعني مشفقين على المؤمنين، رحماء بالمؤمنين، خاضعين للمؤمنين، قولاً واحداً لم يرد الله بهذا الذل الذي وصف به المؤمنين, أن يكون ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، إنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، أرأيت إلى دقة اللغة؟ أذلة على المؤمنين، مفرد الأذلة ذلول, أما أذلة على المؤمنين مفرد آخر هو الذليل.
أذلة على المؤمنين جمع ذلول، فالمؤمن سهل الانقياد، تقول مثلاً: بلابل جمع بلبل، وبلابل جمع بلبلة، وشتان بين المعنيين, البلابل جمع بلبلة, الاضطراب، الفوضى، والبلبل جمعه بلابل، وهذه الصفة أذلة جمع ذلول لا جمع ذَليل، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.
بم وصف المؤمن والمنافق في هذا الحديث؟ :
ورد في الحديث الصحيح: أن المؤمن كالجمل الذلول، انقياده سهل, لين العريكة، يألف ويؤلف.
المؤمن كالجمل الذلول, والمنافق والفاسق ذَليل.
طبعاً: يقوي هذا الحديث أن المـؤمن يألف ويؤلف، هين لين وهكذا, من لوازم الكذاب ، والنمام، والبخيل، والجبار: الذل، المؤمن ذلول, لكن الكذاب والبخيل والنمام والجبار, لا بد أن ينتهي به تجبره وكذبه ونقله للأحاديث وبخله إلى الذل.
أعزة على الكافرين: هو من عزة القوة والمنعة والغلبة.
وقال عطاء -رضي الله عنه-: للمؤمنين كالوالد لولده، وعلى الكافرين كالسبع على فريسته.
إذا أنت احترمت مبتدعاً فقد هدمت الدين، إنسان مبتدع، إنسان فاسق، إنسان كافر، إنسان يستهزئ بالدين, ينبغي أن تكون شديداً عليه.
إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق.
ومن عظم صاحب بدعة فقد عمل على هدم الدين.
صاحب البدعة لا يعظم ولا يبجل ولا يحترم، وقد قال الله عز وجل في آية أخرى:
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 29]
ما وراء هذه الأحاديث :
وفي صحيح مسلم:
عَنْ قَتَادَةَ, وَزَادَ فِيهِ:
((وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا, حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ, وَلا يَبْغِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ))
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))
عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: ((سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ, قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ, فَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ, مَا لِي لا يَدْخُلُنِي إِلا فُقَرَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟ وَقَالَتِ النَّارُ: مَا لِي لا يَدْخُلُنِي إِلا الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ؟ فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ, وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ, وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا, فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا مَا يَشَاءُ, وَأَمَّا النَّارُ فَيُلْقَوْنَ فِيهَا, وَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾, حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا, فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ, وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ))
كيف نجمع بين هذين الحديثين؟ :
لا بـد من تعليق حول هذا الحديث: النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أثنى على المؤمن القوي، والنبي أيضاً أثنى على الضعفاء والمساكين، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ؟))
[أخرجه الترمذي في سننه]
كيف نجمع بين الحديثين؟ نجمع بينهما في أنه: إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون قوياً، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون غنياً، وإذا كان طريق أن تكون في منصب رفيع سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون في هذا المنصب الرفيع، لأن المؤمن القوي بماله أو بعلمه أو بمنصبه خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، لأنه أقدر على فعل الخير، ولأن الخيارات أمامه كثيرة جداً، ولأنه يستطيع أن ينقذ الآخرين، فماذا يعني أن يثني النبي -صلى الله عليه وسلم- على الضعيف والمسكين؟.
قال علماء الحديث: حينما يكون طريق القوة الوحيد هو المعصية, فالضعف وسام شرف، وحينما يكون طريق الغنى الوحيد أكل أموال الناس بالباطل, فالفقر وسام شرف، وحينما يكون طريق القوة الوحيد: أن تكون منافقاً, أو أن تقول كلاماً لا يرضي الله, فأن تكون ضعيفاً هو وسام شرف لك، فلذلك إذا كان الطريق سالكاً وفق منهج الله كن قوياً, أما إذا كان الطريق ليست سالكةً إلا بمخالفة منهج الله فأنعم بالفقر والضعف.
تحت أي باب تندرج هذه الأحاديث؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ سُفْيَانُ أَوَّلَ مَرَّةٍ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ أَعَادَهُ, فَقَالَ الأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعِزَّةُ إِزَارِي, فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أُلْقِيهِ فِي النَّارِ))
عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ فَيُصِيبُهُ مَا أَصَابَهُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
مرة ذكرت مثلاً طريفاً: إذا جاءك ضيوف كثر, وما عندك شيء تقدمه لهم إلا قليلاً من اللبن, يمكن أن تضيف له خمسة أمثال ماء, وأن تجعله شراباً سائغاً طعمه، لكن هذه الكمية من اللبن يفسدها نقطة من النفط، أما لو أضفت إليها خمسة أمثال من الماء لا تفسدها، فالكبر كنقطة النفط إذا دخلت كيان إنسان حجبته عن الله عز وجل.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حبة مِنْ كِبْرٍ, قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ, الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
و: ((العزة إزاري، والكبرياء ردائي, فمن نازعني واحداً منهما عذَّبته، ولا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في ديوان الجبارين فيصيبه ما أصابهم))
إليكم بعض صفات النبي عليه الصلاة والسلام بالتواضع :
وكان عليه الصلاة والسلام من شدة تواضعه يمر على الصبيان فيسلم عليهم.
وقد قرأت في السنة أيضاً: أنه كان يسابقهم أحياناً.
وقد قرأت أيضاً في السنة: أنه كان يدعو بعض الصبيان لركوب جمله, ليدخل على قلبهم الفرح.
وكانت الأمة -أي البنت الصغيرة- تأخذ بيده -صلى الله عليه وسلم- فتنطلق به حيث شاءت من شدة تواضعه.
وكان عليه الصلاة والسلام إذا أكل, لعق أصابعه الثلاث تواضعاً لله عز وجل.
وكان عليه الصلاة والسلام يكون في بيته في خدمة أهله ولم يكن ينتقم لنفسه قط.
وكان عليه الصلاة والسلام يخصف نعله, ويرقع ثوبه, ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم، ويبدأ من لقيه بالسلام, ويجيب دعوة من دعاه, ولو إلى أيسر شيء إلى خل, قال: نعم الإدام الخل.
وكان صلى الله عليه وسلم هين المؤونة، لين الخلق، كريم الطبع, جميل المعاشرة، طلق الوجه بساماً، متواضعاً من غير ذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب، رحيماً بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، لين الجانب لهم.
وكان صلى الله عليه وسلَّم يقول:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ, أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
عَنْ جَابِرٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ, كَانَ سَهْلاً إِذَا بَاعَ, سَهْلاً إِذَا اشْتَرَى, سَهْلاً إِذَا اقْتَضَى))
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ, وَلَوْ دُعِيتُ عَلَيْهِ لأَجَبْتُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
يعني قدم واحد، أرأيت إلى هذا التواضع. وكان صلى الله عليه وسلم:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُ الْمَرِيضَ, وَيَشْهَدُ الْجَنَازَةَ, وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ, وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْعَبْدِ, وَكَانَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى حِمَارٍ مَخْطُومٍ, بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ, عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هذه بعض صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتواضع. من علامة التواضع :
سئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: يخضع للحق، وينقاد له, ويقبله ممن قاله .
سيدنا عمر بن عبد العزيز اختار عالماً جليلاً, ورجاه أن يكون معه, وقال له: إذا رأيتني ضللت, فأمسكني من تلابيبي أمام الناس, وهزني هزاً شديداً, وقل لي: اتق الله يا عمر فإنك ستموت.
دخلنا الآن في التفاصيل، علامة التواضع: أن تنقاد للحق, وأن تخضع له، وأن تقبله ممن قاله, ولو كان صغيراً.
أبو حنيفة النعمان قال لغلام: يا غلام إياك أن تسقط، فقال الغلام: بل إياك يا إمام أن تسقط, إني إن سقطت سقطت وحدي, وإنك إن سقطت سقط معك العالم.
ما قيل عن التواضع :
وقيل: التواضع أن لا ترى لنفسك قيمة, فمن رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب .
الجنيد يقول: التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب. قال تعالى:
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 24]
وقال ابن عطاء الله السكندري: هو قبول الحق ممن كان, والعز في التواضع, فمن طلبه في الكبر, فهو كمن طلب الماء من النار.
لا يمكن أن يطلب التواضع في الكبر، الكبر مهلكة، الشرف في التواضع, والعز في التقوى، والحرية في القناعة.
من صفات عمر بن الخطاب :
وقال عروة بن الزبير -رضي الله عنهما-: رأيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء, فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين, دخلت نفسي نخوة, أردت أن أكسرها.
أمير المؤمنين, أعلى إنسان في الجزيرة, خليفة المسلمين, ليس بينه وبين الله أحد، جاءته الوفود من كل جانب, تواضعت له وخضعت, فخاف على نفسـه, فحمل قربة ماء على عاتقه أمـام النـاس.
ومرة كان يخطب قطع الخطبة, وقال: يا بن الخطاب! كنت ترعى غنيمات على قراريط لبني مخزوم -ما فهم أصحابه ماذا يعني بهذا الكلام؟ قطع الخطبة كما تقطع الأخبار, وتأتي الإعلانات مثلاً- وجاء بهذا النص، قال له بعض أصحابه بعد انتهاء الخطبة: ماذا قلت يا أمير المؤمنين؟ قال: جاءتني نفسي, وقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد -يعني أعلى إنسان - أردت أن أعرفها قدرها، يا بن الخطاب كنت ترعى غنيمات على قراريط لبني مخزوم.
ومرة قال: كنت عميراً، فصرت عمراً، فأصبحت أمير المؤمنين.
ومر الحسن على صبيان معهم كسر خبز, فاستضافوه -سيدنا الحسن مع أطفال خبز يابس- فنزل, وأكل معهم, ثم حملهم إلى منزله, فأطعمهم وكساهم، وقال: اليد لهم -الفضل لهم-, لأنهم لا يجدون شيئاً غير ما أطعموني, ونحن نجد أكثر مما أطعمناهم.
ما قيل عن أبي ذر الغفاري :
ويروى أن أبا ذر -رضي الله عنه- في ساعة من الساعات عير بلالاً, وقال له: يا بن السوداء، ثم ندم, فألقى بنفسه على الأرض, وحلف, لا رفعت رأسي حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فلم يرفع رأسه حتى فعل بلال.
سيدنا أبو ذر الصحابي الجليل القرشي وقع على الأرض ووطئ بلال خده.
هذا ما ذكره المؤرخون عن عمر بن عبد العزيز :
وقال بعض من عاصر عمر بن عبد العزيز: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وهو يخطب باثني عشر درهماً, وكانت قباءً، وعمامةً، وقميصاً، وسراويل، ورداءً، وخفين، وقلنسوة.
سيدنا عمر بن عبد العزيز, له ابن اشترى خاتماً بألف درهم, فكتب إليه أبوه: بلغني أنك اشتريت فصاً بألف درهم, فإذا أتاك كتابي هذا, فبع الخاتم, وأشبع به ألف بطن.
اليوم عقد قران في فندق خمس نجوم, يحتاج أموالاً كثيرة، عقد كلف خمسة وثمانين مليوناً، كم بطن يشبع؟ كم وجبة طعام تقدم؟ الوجبة بمئة ليرة, عد كم شاب يتزوج؟.
قال له: فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن، واتخذ خاتماً بدرهمين, واجعل فصه حديداً صينياً, واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه, والله أعلم.
روح التواضع :
لا زلنا في التواضع، روح التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق, بأن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له, والذل والانقياد, والدخول تحت رقه, بحيث يكون الحق متصرفاً فيه تصرف المالك في مملكته، فبهذا يحصل العبد خلق التواضع، ولهذا فسر النبي الكبر بضده فقال:
((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي وأبو داود في سننهما]
بطر الحق رده وجحده، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم, ومتى احتقرهم وازدراهم, دفع حقوقهم وجحدها واستهان بها, مجتمع الكفر والفسق والفجور، القوي له صولة, وأنداده لهم صولة، إذاً يصطدمون، قال تعالى:
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[سورة الحشر الآية: 14]
ما يتعلق بالتواضع :
1-التواضع للدين :
يا أيها الأخوة, بدأنا ندخل في أدق التفاصيل، قال: التواضع للدين: وهو أن لا يعارض بمعقول منقولاً.
يعني يوجد نص ثابت صحيح عن رسول الله, تقول غير معقول، معنى هذا: أنك متكبر، إذا ثبت لك هذا النص, ثبت عن رسول الله تشمئز, وتقول غير معقول، فالنبي لا يقول هذا الكلام، لا يقبله منطق، لا يقبله عقل, أنت متكبر، التواضع للدين ألا يعارض بمعقول منقولاً، ولا يتهم للدين دليلاً، ولا يرى إلى الخلاف سبيلاً، هذا التواضع.
التواضع للدين: الانقياد لما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام-, والاستسلام له, والإذعان له, وذلك بثلاثة أشياء, فقال الأول: ألا يعارض شيئاً مما جاء به بشيء من المعارضات الأربع السارية في العالم المسماة: بالمعقول، والقياس، والذوق، والسياسة.
فالأول للمنحرفين من أهل الكبر من المتكلمين الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة.
وقالوا: إذا تعارض العقل والنقل, -أنا أقول: قدمنا النقل, لأن الدين في الأصل نقل، وقد يقصر عقلي عن فهم النقل، أما هؤلاء العقلانيون، هؤلاء المتكلمون يقولون-:
إذا تعارض العقل والنقل, قدمنا العقل وعزلنا النقل.
هؤلاء متكبرون يعبدون عقولهم من دون الله، فإذا شيء ما راق لهم رفضوه واعتمدوا عقلهم كأداة معرفة يقينية، الذي يعتمد على عقله ولا يعبأ بالوحي هذا متكبر, وهناك متكبرون من المنتسبين إلى الفقه، فإذا تعارض القياس والرأي والنصوص قدموا القياس على النص.
والفئة الثالثة: المنتسبون إلى علم القلوب والزهد، إذا تعارض عندهم الذوق والأمر, قدموا الذوق والحال, ولم يعبؤوا بالأمر.
والفئة الأخيرة: المتكبرون المنحرفون من الولاة والأمراء, إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة, قدموا السياسة ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة.
يوجد متكلمون، متفيقهون، متصوفون، ولاة وأمراء، الأولون يقدمون عقولهم على النص ، والفئــة الثانية تقدم القياس على النص, والفئة الثالثة تقدم الذوق على النص، والفئة الرابعة تقدم السياسة على النص.
2- ألا يتهم دليلاً من أدلة الدين بحيث يظنه فاسد الدلالة:
أولاً: التواضع للدين، الشيء الثاني: ألا يتهم دليلاً من أدلة الدين, بحيث يظنه فاسد الدلالة، أو ناقص الدلالة أو قاصرها، أو أن غيره كان أولى منه.
يقول لك: ليس في الإسلام ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي، لا يوجد ولا قاعدة اقتصادية في الإسلام، يتهم الدين كله, أن الدين يخلو من نظام اقتصادي، مع أن نظام الزكاة، نظام الصدقات، التكافل الاجتماعي، نظام الإنفاق، يكتب مجلدات على النظام الاقتصادي في الإسلام.
قال: وما اتهم أحد دليلاً للدين, إلا كان المتهم هو الفاسد, الذهن المأفون في عقله وذهنه ، فالآفة من الذهن العليم لا في الدليل نفسه.
قال: إذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك, وينبو فهمك عنه, فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك, وأن تحته كنزاً من كنوز العلم, ولم تؤت مفاتحه بعد هذا في حق نفسك - يعني إذا شيء ما فهمته, قد يكون هذا لقصر في ذهنك لا لضعف في الشيء-والنصيحة: أن تتهم آراء الرجال على نصوص الوحي, وليكن ردها أيسر شيء عليك, فإن لم تفعل ذلك فلست على شيء.
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى وقدس روحه- قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, لم يحل له أن يدعها لقول أحد.
الشيء الثاني: أن لا تتهم دليلاً من أدلة الدين.
3- ألا يجد إلى خلاف النص سبيلاً البتة
الشيء الثالث: ألا يجد إلى خلاف النص سبيلاً البتة، لا بباطنه, ولا بلسانه، ولا بفعله، ولا بحاله.
من علامات التواضع أيضاً :
أيها الأخوة, من علامات التواضع: أن تكون متبعاً لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكل من خالف سنة رسول الله لقول متبوعه، أو شيخه, أو مقلده، أو لرأيه، أو لمعقوله، أو لذوقه، أو لسياسته، فهو ممن اتسم بالكبر، الذي يقدم سياسته، أو ذوقه، أو عقله، أو رأيه، أو يقلد شيخاً، أو مقلداً، أو متبوعاً, ويخالف السنة, فهو ليس من التواضع في شيء.
التواضـع الانقياد للحق.
نهاية المطاف :
سيدنا الصديق في أول خطبة خطبها, قال: إنما أنا متبع ولست بمبتدع.
قال تعالى:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[ سورة الأحقاف الآية: 9]
تلك مقولة سيد الخلق وحبيب الحق، فالاتباع هو دليل التواضع، والتأبي وعدم الاتباع، وتحكيم العقل في النقل، وتغليب الذوق والحال, وتغليب قول إنسان دون رسول الله، وتغليب قياس أو فكرةٍ, من يفعل هذا, فقد ابتعد عن التواضع, واتصف بنوع من أنواع الكبر، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر.
وأحياناً الله عز وجل لحكمة يريدها: يأمرك بعبادة قد لا تفهم معناها، أو يأمرك بشيء يستعصي فهمه عليك, فهذا امتحان تعبد لله عز وجل، فأي شيء أمرنا الله به نطبقه, ولكن حينما نقبل على تطبيق أمر, دون أن نفقه حكمته, نجحنا في امتحان العبودية لله، فإذا فعلنا هذا, تفضل الله علينا, وكشف الحكمة, فجمعنا بين العبادة والعلم، ونرجو الله تعالى أن نكون ممن تواضع لله عز وجل حتى يرفعنا الله عز وجل، ومن تواضع لله رفعه.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و الستون )


الموضوع : الاجتباء







الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. متى يبلغ العبد ذروة الإيمان؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والستين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم هي الاجتباء، وقد سمعتم قبل قليل في سورة يوسف:
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
[سورة يوسف الآية: 6]
الاجتباء منزلة من منازل مدارج السالكين, في إياك نعبد وإياك نستعين، الحقيقة: هذه المنزلة منزلة خاصة جداً، يبلغها المؤمن متى بلغ ذروة الإيمان، فللإيمان ذروة.
كيف أن الطالب أحياناً ينال وثيقة إتمام المرحلة الابتدائية، ثم ينال الشهادة الإعدادية، ثم ينال الشهادة الثانوية، ثم يحصل على إجازة باختصاص معين، ثم هناك دبلوم عامة في هذا الاختصاص، ثم هناك دبلوم خاصة، ثم هناك ماجستير، ثم هناك دكتوراه، وفي أعلى من دكتوراه، دكتوراه دولة، وفي أعلى من دكتوراه دولة, أن يمنح بعض الألقاب العلمية الخاصة جداً.
فإذا بلغ المؤمن ذروة الإيمان, يجتبيه الله عز وجل, ويصطفيه, ويجذبه إليه، المقياس عند الله دقيق جداً، يعني لا يمكن أن يجتبي مؤمناً إلا إذا كان كاملاً، إلا إذا كان مخلصاً، إلا إذا كان ورعاً، إلا إذا كان مستقيماً، إلا إذا كان محباً، إلا إذا كان منضبطاً، إلا إذا كان محسناً, إلا إذا كان منصفاً، إلا إذا كان رحيماً، مرتبة عالية جداً, أن يجتبيك الله عز وجل.
ورد في بعض الأحاديث أنه: إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر اغتناه .
هل استبد الأنبياء منزلة الاجتباء؟ :
قال صاحب المدارج: وقد استبد الأنبياء عليهم السلام بهذه المنزلة، احتكروها، وكادوا أن يحتكروها، وشغلوا محلها وفناءها, إلا حيزاً قليلاً جداً, أخلاه الله تعالى، ووقفه، وادخره، ليهبه ثلة من المؤمنين، في كل جيل يصدقونه الحب فيحبهم، ويريدونه فيريدهم, من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عن مالنا, كنا له ومالنا.
هل محبة الله تحتاج إلى دليل؟ :
مراتب محبة الله عز وجل مراتب عالية جداً، وهذا الحب يحتاج إلى دليل, والله سبحانه وتعالى لم يقبل دعوة محبته من دون دليل, قال:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
دعوة المحبة تحتاج إلى دليل، وأن تحب الله عز وجل هذه أعلى مرتبة تنالها في حياتك.
هل تسعى إلى أن تنال هذه المرتبة كما نالها معاذ بن جيل؟ :
مرة سمعت أحد الدعاة في عقد قران, يذكر حديث الرسول -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, حينما قال: والله يا معاذ إني لأحبك.
ما رأيت في الأرض من آدم إلى يوم القيامة مرتبة أعلى من هذه المرتبة، أن يحبك رسول الله، ومحبة رسول الله عين محبة الله، ومحبة الله تترجم بمحبة رسول الله، والدليل قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 62]
بضمير المفرد، قال علماء التفسير: إرضاء رسول الله عين إرضاء الله، وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله.
وبالمقابل: محبة رسول الله لك عين محبة الله، ومحبة الله لك عين محبة رسول الله. يجب أن تعلم علم اليقين :
كنت أضرب مثلاً: أن الداعية الصادق، أو ولي الله عز وجل, الذين قال الله عنهم:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62 ـ 63]
هذا الولي يشبه لوحاً من البللور المتقن, لشدة صفائه ونظافته ودقة صنعه، لا تراه أبداً، ترى ما خلفه، إذا اجتزت ممشى, بابه بللور, نظيف نظافة بالغة, تظن الممشى سالكاً, لا باب يحجزه، لشدة صفاء البللور ونقائه واستقامته واستوائه، كأنه غير موجود، و يجب أن نعلم علم اليقين: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لشدة اتصاله بالله وإنكاره لذاته، كل أقواله وأفعاله تعبر عن الحقيقة لا عن ذاته، عن الحقيقة:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
من علامات آخر الزمان :
لذلك في آخر الزمان قال الله عز وجل:
﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ﴾
[سورة الواقعة الآية: 10 ـ 14]
قلة، هذا الذي اختار الله ورسوله ......
سيدنا الصديق خرج من ماله خمس مرات كلياً، قال: ((يا أبا بكر ماذا أبقيت؟ قال: الله ورسوله))
إذا الإنسان وصل إلى محبة الله، وإلى القرب منه، ما فاته من الدنيا شيء:
يا رب ماذا فقد من وجدك, وماذا وجد من فقدك؟. نقطة دقيقة :
من اجتباء الأنبياء: أن الله تعالى ألقى إلى نبيه محمد -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كتابه، اجتباه بهذا الكتاب، وخصه بكرامته، وأهله لحمل رسالته، وأنعم عليه بنبوته، من غير أن يكون ذلك منه على رجاء.
هنا في نقطة دقيقة جداً, يجب أن توضح: النبوة هبة من الله، لكن بلا سبب, بلا مؤهلات, مستحيل، والدليل:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 33]
لماذا اصطفاهم؟ في بالنبوة جانب وهبي.
يعني لما الدولة تعين سفيراً, تعطيه جواز سفر دبلوماسي، تعطيه حقيبة ممنوع فتحها، تعطيه مبالغ طائلة, ينفقها بمعرفته بحكمته في تلك البلاد، تعطيه كتاب اعتماد، يقدمه لرئيس البلد الذي سيعمل فيه, حتى تعطيه جهاز اتصال ليس له علاقة بشبكة الهواتف هناك، هذه الميزات كلها يأخذها السفير هبة، لكن السؤال: كيف اختير هذا السفير؛ من عامة الناس؟ من صفوف الجهلة؟ من صفوف الأغبياء؟ مستحيل، في اصطفاء لعلم، لثقافة، لخبرة، لحنكة، لتفوق دراسي, لطلاقه في اللسان، لقوة في شخصيته، لوسامة في منظره، لعراقة في نسبه، هذا يمثل أمة.
أضرب مثالاً لأوضح لكم توضيحاً فقط: إذا قلنا فلان سفير هذه الدولة، يعني في ملكات خاصة فيه، ذكاؤه الفطري, ذكاؤه التحصيلي، ذكاؤه الاجتماعي، مع طلاقة لسانه، مع إتقانه لعدة لغات، مع أصالته، مع حسن سياسته، مع حكمته, مع أفقه الواسع، مع حسن تخلصه بالمواقف الحرجة، هذه كلها صفات فيه من أجلها اختارته الدولة، ومن بعد أن اختير لهذه المهمة, يعطى جواز السفر الدبلوماسي, يعطى الحقيبة الدبلوماسية، يعطى الاتصال المباشر، يعطى المبالغ الطائلة, ففي جانب كسبي، وفي جانب وهبي، وهذا ما أراه والله أعلم أن في النبوة جانباً كسبياً، وجانباً وهبياً، الرسالة هبة من الله، والنبوة هبة، والكتاب هبة، والمعجزات هبة، والعصمة هبة، أما من النبي الحب والإخلاص، ومجاهدة النفس والهوى، وإنكار الذات، وحب الخلق، وخدمة الخلق، لذلك: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 86]
طبعاً: النبي ما أراد أن يكون نبياً، ولكن تفتت كبده واحترق قلبه على ضلال الناس، فلما أرسله الله نبياً، وحمله الرسالة انشرح صدره، لأنه رأى الطريق إلى هداية الخلق: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 1 ـ 4]
هذا ما اجتبى الله به سيدنا موسى :
في آية قرآنية، يقول الله عز وجل مخاطباً سيدنا موسى عليه السلام:
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾
[سورة طه الآية: 41]
يجب أن تهتز مشاعرك إذا قرأت هذه الآية، الله عز وجل يختص أناساً لخدمة الخلق، إمكاناته، قدراته، وحركاته، وسكناته, وليله، ونهاره، وماله، وعضلاته، وخبرته، وعلمه في سبيل الله, نذر نفسه ليكون في خدمة الخلق, لعل الله يرضى عنه، فهناك من يعمل هذا, ومنها أنه اصطفى موسى واستخلصه لنفسه.
يعني حينما قال الله عز وجل لسيدنا موسى, حينما كلمه: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية: 17]
سؤال يحير: أيعقل أن الله عز وجل لا يعلم ما بيمينه؟ لماذا يسأله؟ لما سأل الله عز وجل, سيدنا موسى طار فرحاً, أراد أن يطيل الجواب كي ينعم بهذا الكلام مع الله عز وجل, قال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾
[سورة طه الآية: 18]
ثم استحى، قال: ولي فيها مآرب أخرى, يعني يا رب إن سمحت لي أن أتابع سأتابع، وتقول لي: يا موسى, وما هذه المآرب؟ لكن الذي حصل: أن الله أراد أن يلفت نظر هذا النبي الكريم إلى أن هذه التي بيدك عصا، انتبه، دقق، بعد حين سوف تكون حية، حينما كان وحده, جعلها الله حية تسعى، أما حينما كان مع السحرة، وبين جمهور غفير, والإنسان مع الناس يستأنس: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 107]
ثم يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾
[سورة طه الآية: 14 ـ 16]
يعني الإنسان يخاطب من قبل خالق الأكوان: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾
هذا اجتباء, أن يكلمك الله عز وجل طبعاً للأنبياء فقط هذا اجتباء، أن يؤتيك الله المعجزات هذا اجتباء, أن يؤتيك الله ذاكرة لا تنسى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الأعلى الآية: 6 ـ 7]
هذا اجتباء الأنبياء؛ اجتباهم بالنبوة، واجتباهم بالرسالة, واجتباهم بالمعجزات، واجتباهم بالكتاب، واجتباهم بالدعاء المستجاب, واجتباهم بالنصر.
يقين النبي بالنصر كيقينه بوجوده :
النبي يقينه بالنصر كيقينه بوجوده، والدليل: حينما وصل كفار قريش إلى غار ثور, قال سيدنا الصديق: يا رسول الله لقد رأونا، قال: يا أبا بكر, ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 198]
وحينما كان في الهجرة وأهدر دمه، ووضعت ألف ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وتبعه سراقة ليقتله، قال: يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟
واثق من النصر عليه الصلاة والسلام، وحينما عاد من مكة إلى الطائف وقد خذله أهلها، وكفروا بدعوته، وسخروا منه, وبالغوا في إيذائه، قال له سيدنا زيد: كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله ناصر نبيه.
كيف يجتبي الله أولياءه؟ :
أيها الأخوة, هذا الاجتباء، لو أردنا أن ننزل قليلاً؛ اجتباء الأنبياء، النبوة, والرسالة، والمعجزة، والكتاب، والنصر، والفطنة، وما إلى ذلك, اجتباء الأولياء توفق في دعوتك، يجعل الله في قلوب الخلق محبتك: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾
[سورة طه الآية: 39]
إذا أخلصت لله, جعل الله قلوب المؤمنين, تهفو إليك بالمودة والرحمة، وإذا لم تكن على ما ينبغي, ألقى الله في قلب الخلق بغضك.
أحياناً تجد إنساناً محبوباً جداً، وآخر غير محبوب، هذه المحبة من خلق الله عز وجل:
﴿وألقيت عليك محبة مني﴾
هذا ما أوتي به موسى عليه الصلاة والسلام :
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 41 ـ 42]
ربنا عز وجل اصطفى سيدنا موسى واستخلصه لنفسه، وجعله خالصاً له من غير سبب, كان لموسى ولا وسيلة، لكن بأهلية حتى تكون دقيقاً، من غير سبب منه، ولا وسيلة، لكن بأهلية، فإنه خرج ليقتبس النار, فخرج يقتبس النار, فرجع وهو كليم الواحد القهار، لذلك قالوا:
كن لي ما لا ترجو أرجى لما ترجو.
إنسان أصابه البرد الشديد, رأى عن بعد ناراً, فقال:
﴿لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 10 ـ 14]
هو ذهب ليأخذ قبساً من النار، فكان كليم الواحد الديان، هذا الشيء بحياة المؤمنين وارد، سافر إلى بلد للتجارة, يهتدي بهذه البلدة على يد أحد العلماء, لينتقل من حال إلى حال، وأحياناً لأسباب صغيرة جداً، فالإنسان ينبغي أن يرجو رحمة الله:
كن لي ما لا ترجو أرجى منك لما ترجو‏.
وسيدنا موسى أكبر شاهد، يعني الله عز وجل جعله كليمه، مع أنه كان ذاهباً ليأخذ قبساً من النار.
عرض نفسك لرحمة الله لا تدري متى يفتح الله عليك :
بعضهم قال: أيها العبد:
أيها العبد كن لما لست ترجو صلاح
مـن صـلاح أرجى لما أنت راجٍ
إن موســى أتى ليقبـس نــاراً
مـن ضياء رآه والليـل داجــن
فانـثنى راجــعاً وقـد كلمـه الله
ونـاجـاه وهــو خيـر منـاجٍ
يعني لا تعلم متى الله عز وجل يفتح عليك، كن ملازماً لأسباب الفتح، عرض نفسك لرحمة الله، لا تدري متى يفتح الله عليك, أخذه من نفسه، واصطنعه لنفسه، واختاره من بين العالمين, وخصه بكلامه. هل يتفاوت الأنبياء في منزلة الاجتباء عند الله؟ :
قال: والأنبياء -عليهم السلام- يتفاوتون في ذلك تفاوت أتباعهم, فمن ذلك: قصة موسى حين ألقى الألواح، وجر بلحية أخيه, وهو نبي مثله, ولم يعاتبه الله على ذلك، كما عاتب آدم -عليه السلام- في أكل لقمة من الشجرة.
يعني أحياناً يكون الدافع نبيلاً جداً، وقد يرتكب خطأ, ووراءه هذا الدافع النبيل, فالله عز وجل طليق الإرادة قد يعفو، يعني قد يقدر هذا الدافع النبيل، أما لعامة المؤمنين العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً؛ خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
من أنواع الاجتباء لغير الأنبياء :
الآن: غير الأنبياء كيف يجتبون؟ قال: من أنواع الاجتباء لهم: أن يعصم الله عبده, وهو مستشرف للجفاء اضطراراً, لتنغيص الشهوات، وتعويق الملاذ، وسد مسالك العطب عليه إكراماً.
المؤمنون درجة ثانية سائر بطريق غير صحيح، يريد شيئاً لا يرقى به عند الله, فربنا عز وجل يفسد عليه هدفه، وهذا الإفساد لهدفه من الاجتباء، له عمل بالتعليم، تمنى مثلاً أن يكون مضيفاً بالطائرة، هو يطير، يوم بدمشق، يوم بلندن، يوم بباريس، في جو غير مريح دنياً أحياناً.
يعني في تفلت في العواصم الأجنبية بالفنادق, فربنا عز وجل لم يسمح له بذلك, أفسد عليه خطته، هذا اجتباء، خاف عليه من الهبوط، فلم يسمح له أن يصل إلى هدفه، هذا اجتباء، أن يعصم الله عبده, وهو مستشرف للجفاء اضطراراً, لتنغيص الشهوات، وتعويق الملاذ، وسد مسالك العطب عليه، إنسان ماشي بطريق يؤدي به إلى غلط، فعندما أغلق الله عليه هذا الطريق، فقد اجتباه.
تفصيل آخر: العبد الصادق إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين الله تعالى، يعني بدأ بعمل يوسع الهوة بينه وبين الله تعالى، بدأ بعمل يبعده عن الله تعالى، بدأ بعمل يحجبه عن الله تعالى، بدأ بعمل لا يرضي الله تعالى.
فقال: إذا استشرفت نفسه للجفاء بينه وبين الله تعالى.
كيف؟ بموافقة شهواته في لحظة غفلة, عصمه الله اضطراراً، بأن ينغص عليه بعض الشهوات.
هذا ما اجتبى الله به هذا الشخص :
حدثني أخ ذاهب إلى مكان ليأخذ قسطاً من المتعة، ليس لديه ورع زائد، فشعر بآلام في ظهره, فسأل الطبيب, قال له: ورم خبيث بالنخاع الشوكي، فارتمى أرضاً، وقطع رحلته، وعاد إلى بلده ليصطلح مع الله, فالله عز وجل نغص عليه هذه الرحلة بهذا الخبر السيء، وبعد أن استقر به المقام في بلده، وبعد أن اصطلح مع الله, تبين أن التشخيص لم يكن صحيحاً, اجتباه وحفظه، عصمه.
إذا واحد حرم من شيء, لا يصب نقمته على إنسان، لعل الله عز وجل لا يريد هذا المسعى, ولا هذا المسلك، ولا هذا الطريق، ولا هذه التجارة، ولا هذا السفر، ولا هذه الدراسة ، ولا هذا اللقاء، ولا هذا الاحتفال، طبعاً: اجتباء الأنبياء بالنبوة، والرسالة، والكتاب، والمعجزة، والكرامة، أما اجتباء المؤمنين أحياناً: بتنغيص أهدافهم التي لا تقربهم من الله عز وجل.
هذا ما تفوق به النبي عن سائر الأنبياء :
أيها الأخوة الكرام, النبي -عليه الصلاة والسلام- أكمل من اجتباه الله عز وجل من الأنبياء، لقد أقسم بعمره الثمين، فقال تعالى:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
سيدنا موسى كان في مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر، وكان من أعظم خلق الله هيبة ووقاراً، وأشدهم بأساً وغضباً لله تعالى، وبطشاً بأعداء الله، وكان سيدنا عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان، فكان لا يقاتل، بل إنه يحرم في دينه القتال، والإنجيل يأمرهم:
من لطمك على خدك الأيمن, فأدر له خدك الأيسر، ومن نازعك ثوبك أعطه رداءك، ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين.
أما نبينا -عليه الصلاة والسلام- فكان في مظهر الكمال، في جلال، وفي جمال والكمال يجمع بينهما:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الشورى الآية: 40]
فقد جمع بين قوة العدل وقوة الإحسان، جمع بين اللين والرأفة والرحمة، وبين القوة والبأس والعزة، فهو نبي الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمته أكمل الأمم، أمته إن استجابت لله عز وجل فهي أكمل الأمم، وإن لم تستجب فهي كأي أمة أخرى، لا ميزة لها إطلاقاً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[سورة المائدة الآية: 18]
وأحوال أمته ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، لذلك اتصفت شريعته إيجاباً له وفرضاً، وبالفضل ندباً له واستحباباً، العدل قسري والإحسان طوعي، هكذا شريعة الكمال، والشدة في موضع الشدة: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾
[سورة النور الآية: 2]
واللين في موضع اللين: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
[سورة فصلت الآية: 34]
وضع السيف في موضعه، ووضع الندى في موضعه، يذكر هذا الدين العظيم الظلم ويحرمه، ويذكر العدل ويوجبه، ويذكر الفضل ويندب إليه: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾
هذا فضل: ﴿إنه لا يحب الظالمين﴾
هذا تحريم للظلم، لكن: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 126]
هذا إيجاب للعدل، شريعة وسطية، متوازنة، متماسكة, متكاملة: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾
ندب إلى الصبر: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 279]
لك أن تأخذ رأس مالك إذا كنت قد أخطأت في الربا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 280]
ما تميزت به أمة محمد عليه الصلاة والسلام :
أيها الأخوة الكرام, أمة محمد -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمة كاملة في الأصل، وشريعتها كاملة، ونبيها سيد الأنبياء والمرسلين، هذا إن استجابوا لله والرسول, أما إن لم يستجيبوا شأنهم كأية أمة أخرى، حرم عليهم كل خبيث وضار, أباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى من قبلهم, لم يخل من عقوبة:
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾
[سورة النساء الآية: 160]
الله حرم على اليهود الطيبات لأنهم ظلموا، أما عندنا في شريعتنا: ما حُرم علينا إلا الخبائث وأحلت لنا الطيبات.
قال بعض العلماء: كان لهذه الأمة العظيمة من المحاسن ما فرقه في الأمم قبلهم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه بين الأنبياء قبله, وكمل لهم من المحاسن ما فرقها في الكتب قبله، وهذه هي شريعته، ثم في النهاية: أمة محمد -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي استجابت لله اجتباها الله:
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
[سورة الحج الآية: 78]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾
[سورة البقرة الآية: 143]
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, مرتبة الاجتباء مثل ما بدأت الدرس, إذا في شيء اسمه وثيقة تحصيل، إتمام مرحلة ابتدائية، أقل شهادة في بلدنا، بعدها إعدادي, ثانوي، جامعة، دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير, دكتوراه, دكتوراه دولة، بعد ذلك في مراتب علمية عالية جداً، جائزة نوبل مثلاً, أو بورد، أو إف آر إس، أكريجه، هذه كلها مراتب تفوق الدكتوراه, لاجتباء مرتبة عالية جداً.
يعني لا يصل إليها إلا من بلغ قمة الإيمان، إلا من بلغ ذروة الإيمان، وإذا وصلت إلى هذه المرتبة, فحدث ولا حرج, عن دعائك المستجاب, وعن توفيق الله لك، وعن إجراء الخير على يديك، وعن القرب من الله عز وجل، هذا الذي وصل إلى الله عز وجل, وصل إلى كل شيء:
فليتك تحـلـو والحياة مـريرة
وليتك ترضــى والأنام غضاب
وليت الذي بيـني وبيـنك عامر
وبيني وبـين العالمـين خـراب
إذا صح منك الوصل فالكل هين
وكل الذي فــوق التراب تراب
والإنسان -أيها الأخوة- إذا طلب الاجتباء نجا، أما إذا طلب النجاة لا ينجو، كالطالب تماماً إذا طلب التفوق ينجح، أما إذا طلب النجاح فقط في الأعم الأغلب لا ينجح، يقول: يكفيني خمسين درجة, يكفيني أربعين درجة، يكفيني أخذ مساعدة، هنا يصبح في ترميم للعلامة، هنا في مساعدة عامة لا ينجح، إذا متعلق بالوسط لا ينجح، أما إذا أراد التفوق قد ينجح، فنحن إذا طلبنا الاجتباء, لعلنا ننجو من عذاب الله عز وجل.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و الستون )


الموضوع : التوبة - 4







العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وهم قد تسرب إلى كثير من الناس :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم استئناف التوبة.
قد يتوهَّم الإنسانُ: أن المؤمن يتوب في حياته مرة واحدة، والحقيقة: إن المؤمن كثير التوبة, أي يتوب عند كل ذنب وقع فيه، وفي كل وقت, وفي كل مرحلة من مراحل حياته, حتى في نهاية حياته يتوب إلى الله تعالى، كلُّ هذا استنباطاً من قوله تعالى:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 117]
فالتوبة شيء واستئناف التوبة شيء آخر. لماذا يستغفر المؤمن عقب كل صلاة؟ :
الإنسان لماذا يتوب؟ وقد يسأل سائل: لماذا تستغفر اللهَ عقب الصلاة؟
النبي -عليه الصلاة والسلام- عقب الصلوات الخمس كان يستغفر الله عز وجل.
قال بعض العلماء: الإنسان في أثناء الصلاة لعلَّه سها، لعله جاءه خاطرٌ لا علاقة له بالصلاة، لعله قصَّر في الركوع، لعله في السجود لم يكن ساجداً بقلبه قبل جسمه، أيُّ تقصير في الصلاة يُرمَّم بالاستغفار عقب الصلاة.
من مبررات استئناف التوبة :
أيُّ مؤمن وفَّى ربَّه حقَّه؟ الله عز وجل أثنى على بعض الأنبياء وعلى رأسهم سيدنا إبراهيم، قال تعالى:
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
[سورة النجم الآية: 37]
ولكن أنا كمؤمن هل وفَّيت؟ هل أدَّيت حقوق الله عز وجل كاملة؟ هل قدَّرت اللهَ حق قدره؟ هل كان اتِّصالي به اتصالا محكماً مكثَّفاً مركزاً؟ هل مع كان الاتصال شرود؟ هل كان مع الاستقامة عِوج؟ من هذا الذي أدَّى كلَّ ما عليه؟‍‍‍‍! من هذا الذي وصل إلى نهاية العبودية لله عز وجل؟ ما دام الإنسان مقصِّر, فعليه أن يتابع التوبة، الله عز وجل يقول:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 27]
لذلك قالوا: من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة استنئناف التوبة, وهو تمكُّنٌ يؤدِّي إلى استئناف التوبة من التقصير, الذي رافق نزول المنازل السابقة, وجمع القلبَ على المعبود وحده، أي المنازل السابقة إذا كان فيها تقصير, فلا بدَّ من استئناف التوبة.
قال: من مبرِّرات استئناف التوبة: حضُّ الهمَّة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوةً و جهاداً، هل أدَّيت الواجب الدعوي تماماً؟ وهل جاهدت في الله حق الجهاد؟.
قف عند هذه المحطة :
التوبة قال بعضُ العلماء: كما أنها بداية منازل السائرين, وأول مدارج السالكين, فإنها نهايةُ هؤلاء أيضاً.
كما أنها بداية منازل السائرين, وأول مدارج السالكين، هي في الحقيقة نهاية هذه المنازل، ولعل الإنسان ينفر من هذا غاية النفور، ويقول: هذا كلام من لم يعرف شيئاً في طريق القوم، ولا نزل في منازل الطريق، ولعمر الله إن كثيراً من الناس ليوافقك على هذا, ويقول: أين كنا؟ أي إذا واحد يحمل دكتوراه, سألته أنت: هل تقرأ وتكتب؟ طبعاً, سؤال غير مقبول, وغير معقول، ومرفوض، ما هذا السؤال؟ أنا أحمل دكتوراه، كيف أقرأ وأكتب؟ شيء بديهي، ولو قلت له: هل تقرأ ما بين السطور؟ اختلف السؤال، هل عندك الإمكان أن تستنبط ما بين السطور: البواعث والخلفيات والملابسات؟ نريد نحن أن تفهم النص فهماً عميقاً جداً.
مثلاً: الله عزوجل أنزل سورة:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
النبي -عليه الصلاة و السلام- فهم هذه السورة على أنها نعوتُه، إنها نعوةُ النبي, و الأنبياء هممهم عالية جداً، مقاصدهم نبيلة جداً، أهدافهم كبيرة جداً، فإذا حققوا أهدافهم, فلا معنى لحياتهم:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- رأى في هذه السورة نعوته، وسيدنا ابن عباس كان يحبُّه عمر كثيراً، فكان يدخل على أشياخ الصحابة، شعر أنهم تألَّموا, فسألهم عن هذه السورة, فلم يفهموها كما فهمها ابنُ عباس, قال: إنها نعوة النبي عليه الصلاة والسلام.
فأنت حينما تسأل إنساناً: هل تقرأ؟ أحمل دكتوراه في الآداب، ما هذا السؤال؟ المقصود: هل تقرأ ما بين السطور؟ هل تفهم النص فهماً عميقاً؟ أين كنا؟ أين صرنا؟ نحن قد قطعنا منزلة التوبة، وبيننا وبينها مائة عام، فنرجع من مائة مقام إليها, ونجعلها غاية مدارج السالكين.
الحقيقة: نقول لهذا السائل المنكِر: أن تكون التوبة نهاية مدارج السالكين، أن تكون التوبة نهاية آمال المؤمنين, نقول له: لا تعجل بالإنكار, ولا تبادر بالردِّ, وافتح ذهنك لمعرفة نفسك، وحقوق ربِّك، وما ينبغي لك منه، وما له من الحق عليك, ثم انسُب أعمالك وأحوالك, وتلك المنازل التي نزلتها, والمقامات التي كنت فيها لله وبالله إلى عظيم جلاله، أنسب هذه الأعمال إلى عظيم جلاله، وما يستحقه وما هو أهل, فإن رأيتها وافية لذلك مكافئة له, فلا حاجة لك حينئذ إلى التوبة, والرجوع إليها رجوع عن المقامات العليَّة. تعليق :
تعليق الآن: أنت وفَّيت اللهَ حقَّه، هل كنت تائباً حقيقة؟ هل كنت مستقيماً حقيقة؟ هل كنت مع الله في صلواتك حقيقة؟ هذه المنازل التي نزلتها وفَّيتها حقَّها؟ هل أدَّيت كل ما عليك؟ إن كنت كذلك, فلا حاجة لك إلى استئناف التوبة.
ما معنى هذا الحديث؟ :
قال: إذا كان هناك تقصير, وهناك أحياناً إعجاب، مع عظيم جلال الله, أيُّ عمل لا يُعدُّ شيئا أمامه، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما قال:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ, قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ!؟ قَالَ: لَا, وَلَا أَنَا, إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ, إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا, وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ))
كيف؟ عملك لا يكفي، مثل بسيط للتوضيح:
أنت دفعت ثمن مفتاح بيت، البيت ثمنه خمسون مليون، دفعت ثمن مفتاحه، وتوهَّمتَ أنك دفعت ثمنه، لا، كل عملك في الدنيا، وكل طاعتك لله، وكل عطائك للخلق، وكل جهادك واستشهادك لا يساوي ثمن مفتاح هذا البيت، أما البيت فهو فضل من الله عز وجل، أنت قدَّمت السبب ولم تقدِّم الثمن, أنا أستطيع أن أدخل بيتاً بمفتاح، والمفتاح سبب دخول البيت، لكن هذا المفتاح الذي ثمنه عشرون ليرة, لا يُعدُّ ثمناً لدخول البيت, البيت غال جداً، فأعمال الإنسان في الدنيا لا تساوي سبب دخول الجنة, قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 32]
أي بسبب من عملكم الصالح دخلتم الجنة، ولكن الجنة لم تدفعوا ثمنها, إنما قدَّمتم سبب دخولها فقط، إنها فضل من الله عز وجل.
أخواننا الكرام، لو تعمَّقنا قليلاً: كل إنسان يرى أن عمله كافٍ لدخول الجنة فهو مغترٌّ ، وقد يكون العملُ الصالح حجاباً بينك وبين الله.
نصيحة من أحد المتكلمين لهذا الرجل المحسن :
هناك أحد أخواننا كان يرأس جمعية خيرية، فرجل من المحسنين قدَّم بيتاً ليكون مقرًّا لنشاط طيِّب، ونشاط فيه نفع للأمة، أي مركز تأهيل الفتيات لحرفة تقيهن الفقر، فقدَّم بيتاً في حيٍّ من أحياء دمشق, ذات السعر المرتفع، أُقيم لهذا المحسن حفل تكريم، لأنه قدَّم هذا البيت، فأحد المتكلِّمين قال كلاماً عميقاً: طبعاً كلُّهم أثنى على هذا المحسن، على كرمه, وعلى جوده, وعلى عمله الطيب، إلا أن هذا الأخ قال لهذا المحسن: أيها الأخ الكريم, كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين من جمعيتنا، كان من الممكن أن تكون فقيراً، وتأتي إلى هذه الجمعية, كي نعطيك مساعدة شهرية، ولكن الله كرَّمك فجعلك غنيًّا, وقدَّمت هذا البيت، فاشكر الله على أنه مكَّنك أن تفعل هذا العمل الطيب.
من مراتب الفناء :
فالإنسان أحياناً لضعف توحيده, يتوهَّم أن عمله كافٍ لدخول الجنة، لا, هذا العمل سبب، أما الجنة فهي فضل من الله عز وجل، لا تنالها إلا بفضل الله، عملك قد يكون سبباً.
مثلاً: لو أن أبًا قال لابنه: انجَح بدرجة عالية, ولك دراجة غالية جداً, أغلى دراجة، فهذا الابن لضيق أفقه, لما نجح بدرجة عالية, أخذ الجلاء, وتوجَّه إلى بائع الدراجات، وانتقى أعلى دراجة, وقال: أعطن هذه الدراجة, وهذا هو الجلاء، هل يعطيه إياها؟ الأب سيدفع الثمن، أما هذا فلا يعطيه إياها، فالإنسان أحيانا: ولو كان مستقيماً, ولو كان له عمل طيِّب, قد يكون هذا العمل الطيب لضعف توحيده حجابا بينه وبين الله، لذلك من مراتب الفناء: أن تغيب عن شهود عملك الصالح، وكل إنسان له عمل صالح ليشكر الله عز وجل، فاللهُ عز وجل سمح لك أن تكون محسناً، ومكَّنك في الدنيا, وأعطاك المال, وأعطاك طلاقة اللسان, وأعطاك علماً تنفقه مما علَّمك اللهُ، لذلك حينما تثني على إنسان, أنت في الحقيقة لا تثني عليه، وإنما تثني على الذي منحه هذه الميزات, ما مدحك من مدحك إلا بما منحك الله فيك، الذي مدحك لولا أن الله منحك لم يمدحك بما منحك، فالفضل لمن أعطاك، وأنت تستقبل العطاء.
هذا الذي عليك :
أيها الأخوة, إن رأيت أضعاف أضعاف ما قمت به من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد وعبادة، إن أضعاف أَضعاف ما قمت به من صدق وإخلاص وإنابة وتوكل وزهد وعبادة لا يفي بأيِّ حقِّ له عليك, ولا يكافئ نعمة من نعمه عندك، وإنما يستحقه لجلاله و عظمته, أعظم وأجلُّ وأكبر مما يقوم به الخلقُ، لذلك أنت ينبغي أن تستأنف التوبة، وأنا ما رأيت إنساناً معجباً بنفسه إلا وهو محجوب عن الله، والأنبياء الصادقون, والأولياء الكبار, هؤلاء كلما تفوَّقوا, ازدادوا شعوراً بفضل الله عز وجل، و كلما ازدادوا تفوُّقاً كلما ازدادوا إحساساً بفضل الله عز وجل، لذلك:
إذا أراد ربُّك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك.
ما مدحك من مدحك إنما يمدح من منحك، الذي يمدحك لم يكن ليمدحك لولا أن الله قد منحك، منحك شيئاً ومكَّنك من شيء, فاستحققت عند الخلق المديح، أما عند الله فأنت مفتقر إليه، لذلك إذا قرأت قوله تعالى:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
ينبغي أن تعلم :
اعلم أيها الأخ الكريم: أن التوبة نهاية كل عارف, وغاية كل سالك، وكما أنها لا بداية هي نهاية، والحاجة إليها في النهاية أشدُّ من الحاجة إليها في البداية، بل هي في النهاية في محلِّ الضرورة، أي في الإنسان لما ينجح ينتظره أخطبوط هو الغرور، والغرور أكبر مرض في الناجحين في الحياة، في كل المجالات، والغرور شعور أنك أنت شيء كبير، شيء عظيم.
ما موضع الشاهد في هذه الأمثلة؟ :
سيدنا عمر كان على المنبر يخطب، قطع الخطبة, وقال كلاماً لا معنى له، قال: يا عمر, كنت راعي إبل, ترعى إبل بني مخزوم على قراريط في مكة -ما علاقة هذا الكلام بالخطبة؟ لم يفهم المسلمون هذا الكلام-, بعد انتهاء الخطبة, سـأله أبو ذر الغفاري -رحمه الله تعالى ورضي الله عنه-: يا أمير المؤمنين, ما هذا الذي قلته على المنبر؟ قال: جاءتني نفسي, فقالت: ليس بينك وبين الله أحد, -أي أنت نهاية المجتمع الإسلامي، أمير المؤمنين-, أردت أن أعرفها قدرها.
سيدنا عمر بن عبد العزيز, طلب من أحد كبار العلماء أن يلازمه، اسمه عمر بن مزاحم, قال له: يا عمر, إن رأيتني ضللت, فأمسكني من تلابيبي, وهُزَّني هزًّا شديداً, وقل لي : اتقِّ الله يا عمر فإنك ستموت.
إذا الواحد من أخواننا الكرام, اللهُ عز وجل وفَّقه في عمل صالح, في دعوة إلى الله, والتفَّ حوله الناسُ واستفادوا منه، إذا كان اغترَّ, ورأى هذا العمل من عمله, وتفوَّق به، فهو بعيد عن مقام التوحيد، ما مدحك من مدحك إلا بسبب من منحك, فالمديح لله عز وجل.
سيدنا الشافعي يقول: كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي.
لا تجد عالماً كبيراً إلا تراه متواضعاً، ولا تجد متكبِّراً إلا تراه جاهلاً, التكبر من صفات الجاهلين, والتواضع من صفات العلماء، فكلما تواضعت لله رفعك، أما إذا ارتفعت وضعك.
سيدنا أبو حنيفة رأى طفلاً أمام حفرة, قال له: إياك يا غلام أن تسقط -فكان هذا الطفل نبيهاً-, قال: بل إياك يا إمام أن تسقط, إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطتَ سقط معك العالَم.
لم قال الله عز وجل: وقل رب أدخلني...؟
الله عز وجل خاطب رسوله الكريم في آخر حياته، فقال له:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 117]
أي الأخطار محدقة بالإنسان طوال حياته، فكلما ازداد علماً يزداد الخطرُ عليه، لأن الله عز وجل قال:
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 80]
قد يقول أحدكم: لِمَ لم يقل الله عز وجل: رب اجعلني صادقاً؟ لكن هناك تفاصيل دقيقة: قد تدخل في عمل طيِّب صادقاً، ولا تخرج منه صادقاً, قد تؤسِّس عملاً صالحاً، عملاً طبِّياً، عملاً إحسانياً، إلى آخره، قد تعمل عملاً طيباً في بدايته, ولا تستطيع أن تتابع ذلك حتى نهايته، فلذلك -أيها الأخوة- العبرة: أن تخرج صادقاً، العبرة: أن تنتهي حياتك بصدق, هناك أعمال كثيرة طيبة تبدؤها صادقاً، ولا تنتهي منها صادقاً.
هذه الآيات التي أنزلت بعد غزوة تبوك :
الله عز وجل أنزل هذه الآيات بعد غزوة تبوك، وهي آخر الغزوات التي غزاها صلى الله عليه وسلم بنفسه، فجعل اللهُ سبحانه وتعالى التوبةَ عليهم شكراناً لما تقدَّم من تلك الأعمال وذاك الجهاد، وقال تعالى في آخر ما أنزل على رسوله:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
في الصحيح: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنْذُ نَزَلَ عَلَيْهِ
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
يُصَلِّي صَلَاةً إِلَّا دَعَا أَوْ قَالَ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمْدِكَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) كلما قرأ هذه السورة، وكلما صلى صلاة, كان يقول: ((سُبْحَانَكَ رَبِّي وَبِحَمْدِكَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))
بعض الصحابة الكرام فهموا كسيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا ابن عباس -رضي الله عنهم-, فهموا أن هذه السورة أجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, أعلمه الله إيَّاه, فأمره الله سبحانه بالاستغفار في نهاية أحواله, وآخر ما سُمع من كلامه -صلى الله عليه وسلم- عند انتقاله إلى الرفيق الأعلى.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ, مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ, ثُمَّ قَالَ: أَذْهِبْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ, وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي, لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا, فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَثَقُلَ, أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ, فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي, وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى, قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ, فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى))
هذا ما كان يختم به النبي عمله :
وكان عليه الصلاة والسلام يختم كل عمل صالح بالاستغفار؛ الصوم والصلاة والحج والجهاد، فإنه كان إذا فرغ منه أشرف على المدينة يقول:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ, يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ, ثُمَّ يَقُولُ:
((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, آيِبُونَ تَائِبُونَ, عَابِدُونَ سَاجِدُونَ, لِرَبِّنَا حَامِدُونَ, صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
كل عمل قد يكون فيه شيء، تعليم لنا، لعل في الصلاة تقصير، لعل في الصيام فيه تقصير، ولعل في الحج تقصير، لعل في هذه الصدقة أردتَ بها السمعة، لا يوجد عمل من أعمال البر إلا قد يشوبه شيءٌ.
فكان عليه الصلاة والسلام يستغفر الله عقب كل عبادة, وعقب كل عمل صالح, حتى الجهاد، إلى أين يذهب النبيُّ؟ إلى ساحة الجهاد، أعلى عبادة, والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ومع ذلك حين العودة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ, يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ, ثُمَّ يَقُولُ:
((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, آيِبُونَ تَائِبُونَ, عَابِدُونَ سَاجِدُونَ, لِرَبِّنَا حَامِدُونَ, صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
ما الذي يحتاجه الإنسان حتى يقبل عمله؟ :
الإنسان بحاجة إلى أن يُقبل عملُه، فإذا تاب الله عليك، معنى ذلك أنه قبل عملك، فكما أن الإنسان في حاجة إلى التوبة في أول حياته، بل إن التوبة مفتتح عمله ومفتتح علاقته بالله عز وجل، هو بحاجة ماسة إلى توبة في نهاية حياته كي يُقبل عملُه، ما قيمة العمل إذا لم يُقبل ؟ قال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 23]
وقال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ ثَوْبَانَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي, يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا, فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا, قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صِفْهُمْ لَنَا, جَلِّهِمْ لَنَا, أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ, وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ أخْوَانُكُمْ, وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
هذا الحديث يقسم الظهر، الذي إذا خلا مع نفسه ينتهك حرمات الله، وله سمعة طيبة جداً، هذا كل عمله لا قيمة له عند الله، لعل الله عز وجل يجعله هباء منثورا، فالإخلاصَ الإخلاصَ أيها الأخوة.
هذا ما يتحقق به استئناف التوبة :
أيها الأخوة, استئناف التوبة فيه تحقيق للعبودية، لا يوجد إنسان أنا وصلت إلى مكان عالٍ واستغنى، أنت عبد لله دائماً في كل أحوالك, أنت في حالة العبودية، فاستئناف التوبة تحقيق العيودية, والقيام بأعبائها, واحتمال فرائضها, وسننها, وأدائها، والجهاد لأعداء الله، والدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر, وتحمُّل الأذى من أمر الله, معرفة الأسماء والصفات, ومعرفة ما يحبه الله وما يكره, ومعرفة خير الخيرين، وشر الشرين, و العلم بمراتب العبودية ومنازلها، هذا كله مما يتحقَّق باستئناف التوبة.
درس اليوم دقيق: أول شيء تفعله: إذا أردت أن تصل إلى الله عليك أن تتوب، لكن هذه التوبة يجب أن تلازمك إلى نهاية حياتك، فالمؤمن كثير التوبة.
لماذا استحق النبي التقديم على سائر الخلائق؟ :
الله عز وجل شهد لإبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه، شهد له بأنه وفَّى، وأما سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه فإنه كمَّل مرتبة العبودية، فاستحقَّ التقديم على سائر الخلائق، فكان صاحب الوسيلة، كان عليه الصلاة و السلام يقول:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ, أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:
((إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ, ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ, فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا, ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ, فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ, لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ, وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ, فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ))
فكان عليه الصلاة والسلام يقول: أنا لها، ولهذا ذكره الله سبحانه وتعالى بالعبودية في أعلى مقاماته، في أعلى مقام ناله النبيُّ وصفه أنه عبد لله، في أشرف أحواله وُصف بأنه عبد لله, فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾
[سورة الجن الآية: 19]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾
[سورة البقرة الآية: 23]
وفي قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 1]
أيها الأخوة, معنى ذلك: أن الله عز وجل شهد لسيدنا إبراهيم خليل الرحمن أنه وفَّى، وذكر النبيَّ في أشرف أحواله ومقاماته بأنه عبد لله, وأنت لا تكون في حالة هي أرقى حالة على الإطلاق, حينما تكون عبداً لله.
الحال الذي حصل لمن قام بذلك, هو حال الأنبياء والرسل وخلفائهم, هو جمع الهمَّة لمن قام بذلك، محبة الله, والإنابة إليه, والتوكل عليه, والخوف منه, ورجاء رحمته, ومراقبته, وجمع الهمة على تنفيذ أوامر الله في الخلق دعوةً وجهاداً، فهما حالان؛ جمع القلب على المعبود وحده, وجمع الهمِّ له على محض عبوديته، هذا هو ما يعني استئناف التوبة.
أنت مخلوق للعبودية :
أيها الأخوة, نحن في مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، فكان القرآن كله جُمع في الفاتحة، والفاتحة جُمعت في:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أي أنت مخلوق للعبودية. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
علَّة وجودك على سطح الأرض أن تعبد الله، والعبادة كما كنت أقول دائماً: هي طاعة طوعية, ممزوجة بمحبَّة قلبية, أساسها معرفة يقينية, تُفضي إلى سعادة أبدية.
العبودية علة وجودك، وسبب وجودك, ونهاية المطاف أن تكون عبداً لله، قال تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
لو أن الله عز وجل قال: نعبد إياك، هذا التركيب لا يفيد التخصيص، ولا القصر و الحصر، نعبد إياك، ونعبد غيرك، أما حينما قال الله عز وجل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أي نعبدك وحدك، لذلك ينبغي أن تعبد الله وحده, وأن لا تعبد أحداً معه, أما قوله تعالى:
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أنت مفتقر إليه، أنت لك أن تطلب, ولك أن تنبعث إلى العبادة، ولكن الله عز وجل هو الذي يعينك على هذه العبادة:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
العبادة الظاهرة؛ عبادة الأعضاء والجوارح، والعبادة الباطنية عبادة القلب، قال تعالى :
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 2]
القلب عبادته الإخلاص، والجوارح عبادتها أن تنصاع إلى أمر الله تطبيقاً.
من لوازم العبودية :
وبالمناسبة: ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده, فالتوحيد من لوازم العبودية، لا يمكن أن تعبده إذا توهمت أن في الأرض جهة قوية مصيرك بيدها، وهذا ما يحصل للناس كلهم, الآن بضعف إيمانه, وضعف توحيده, يرى أن هناك جهات قوية جداً بإمكانها أن تعطي أوتمنع، أن ترفع أو أن تخفض، فهذا الوهم يحول بينك وبين أن تعبد الله، لذلك هناك من يعصي الله إرضاءً للخلق.
من أرضى الناسَ بسخط الله, سخط اللهُ عنه وأسخط عليه الناسَ، ومن أرضى اللهَ بسخط الناس, رضي اللهُ عنه وأرضى عنه الناسَ.
الشيء الثاني: ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده, فالله عز وجل ربط التوحيد مع العبودية، لذلك قال:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 313]
الشيء الثالث: ما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك, وما أمرك أن تدعوَه إلا ليستجيب لك، و ما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وإلا كلام الله لا معنى له، أمرك أن تتوب من أجل أن يتوب عليك, لذلك قالوا:
العبودية غاية الحب مع غاية الخضوع، فمن أحبَّ ولم يخضع ما عبد اللهَ:
تعصي الإلهَ و أنت تظهر حبَّه ذلك لعمري في المقال شنيــعُ
لو كان حبُّك صادقا لأطــعت إن المحبَّ لمن يحبُّ مطيـــعُ
غاية الخضوع مع غاية الحب. ما يحبه الله :
أيها الأخوة الكرام، الله جل جلاله يحبُّ التوابين, ويحب المتطهرين, والمؤمن مذنب توَّاب ، والتوَّاب أي كثير التوبة، وليس لنا إلا التوبة, لو أن الإنسان زلَّت قدمُه, ماذا يفعل؟ ولو أنه فعل الذنبَ االذي تاب منه قبل وقت، ماذا يفعل؟ ليس له إلا التوبة، ولو أن الله أغلق باب التوبة لهلك الخلقُ، ولكن رحمة الله عز وجل تتمثَّل في دعوتنا إلى التوبة إليه, قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
لو جئتني بملء السموات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾
[سورة الحجر الآية: 49-50]
فليجعل المؤمنُ همَّه التوبة. هذا ما وصف الله به المؤمنين :
ولكن الله عز وجل وصف المؤمنين:
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 17]
لا يدعون مسافة زمنية طويلة بين الذنب وبين التوبة, الإنسان إذا استمرَّ على الذنب, قسا قلبُه, وقد يصبح منافقاً، قال تعالى:
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 77]
فالعبرة في الإنسان أن يتوب من قريب, وأن يكثر التوبة إلى الله عز وجل.
مشكلة وهذا حلها :
آخر مشكلة: إنسان وقع في ذنب وتاب منه، التوبة سهلة، لو وقع فيه ثانية أصعب، ماذا يفعل؟ يضيق إلى التوبة عملاً صالحاً، لقوله تعالى:
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾
[سورة هود الآية: 114]
ففي المرة الثانية يُفضَّل أن تدعم التوبة بعمل صالح، بصدقة, أو بصيام, أو بعمل صالح معيَّن، العبرة أن تكون متابعاً لأحوال قلبك، قال تعالى:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : (السابع و الستون )


الموضوع : التوحيد







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما الذي دفع مؤلِّف كتاب مدارج السالكين إلى إدراج هاتين المنزلتين؛
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم استئناف التوحيد، وفي الدرس الماضي كانت المنزلة استئناف التوبة، واليوم استئناف التوحيد.
قد نفهم من هذا العنوان: أن التوحيد مراتب لا تنتهي، فكلما بلغت مرتبة ينبغي أن تطمح إلى مرتبة أعلى، والإنسان حينما يجمد في الدين يُصاب بمرض اسمه السأم، إذا قام إلى الصلاة قام كسلاناً، هذه الفكرة قال: أنا أعرفها، وهذه سمعتها، السبب: أنه بقي في مكانه ثابتاً ، أما لو طوَّر نفسه، وطمح إلى مرتبة أعلى، كلُّ مرتبة هي مرتبة فوقها مرتبة، فلذلك: هذا الذي دفع مؤلِّف كتاب مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، إلى إدراج هاتين المنزلتين: استئناف التوبة، واستئناف التوحيد. ما هي أول دعوة الرسل؟ :
أيها الأخوة, التوحيد أولُ دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالكُ إلى الله تعالى، الخطوة الأولى, والحركة الأولى، والدرس الأول، والكتاب الأول، و السنة الأولى, أول حركة تخطو بها إلى طريق الله عزوجل أن توحده، الأدلة: قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 59]
توحيد، وقال هودٌ لقومه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 65]
وقال صالح لقومه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 73]
وقال شعيب لقومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 85]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[سورة النحل الآية: 36]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
أول خطوة، أول يوم من العام الدراسي. ماذا استنبط العلماء من هذا الحديث؟ :
التوحيد -أيها الأخوة- مفتاح دعوة الرسل، لهذا قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لسيدنا معاذ بن جبل -رضي الله عنه-:
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى الْيَمَنِ قَالَ:
((إِنَّكَ تَقْدمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ, فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ, فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ, فَإِذَا فَعَلُوا, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ, فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا, فَخُذْ مِنْهُمْ, وَتَوق كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ))
بين معترضتين؛ وإن كان هذا خروجاً عن خطِّ الدرس، العلماء استنبطوا من هذا الحديث مبدأ الأولويات: فَإِذَا عرفوا الله -شهدوا أن لا إله إلا اللَّهَ-, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ, فَإِذَا فَعَلُوا, فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ.
أي ليس من المعقول أن تدخل بيتاً فترى فيه صورة، تقول لصاحب البيت وهو لا يصلي أساساً: هذه الصورة حرام، هناك تسلسل، إذا آمن بالله, ادعُه إلى أن يصلي، ادعُه إلى غض بصره، ادعه إلى تحرير دخله، فالإنسان قد يتلبَّس بآلاف المعاصي، ينبغي أن تبدأ بتعريفه بالله, بعدئذ تنتقل إلى المنهج فقرة فقرة، أما إذا كان أصلُ العقيدة مهزوزاً عنده، إذا كان إيمانه بالله متضعضعاً، فما قيمة أن تذكر له تفاصيل الشريعة؟. إليكم هذا الخطأ الذي يرتكبه بعض الدعاة إلى الله :
بعض الأخوة الكرام, سامحهم الله بنية طيِّبة, قد يجد صديقه وهو لا يصلي, بيده خاتم ذهب، يقول له: هذا حرام، وهو فعلاً حرام.
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لإِنَاثِهِمْ))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما]
طبيعي، ولكن هذا بند من بنود الشرع, يجب أن تعرِّفه بصاحب الشرع, يجب أن تعرفه بالآمر، أن تعرِّفه بالله, بعدئذ هو يسألك عن أدقِّ دقائق الشريعة، والقاعدة التي أذكرها كثيراً: إن عرَّفته بالآمر قبل الأمر تفانى في طاعة الآمر، أما إن عرَّفته بالأمر و لم تعرِّفه بالآمر تفنن في التفلُّت من هذا الأمر.
وقال عليه الصلاة و السلام عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ, حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ, وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ, فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ, عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ, إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ, وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ))
ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلَّف: أن يشهد أنه لا إله إلا الله. ما آخر مرحلة يجب أن يخرج بها الإنسان من الدنيا؟ :
شي آخر: درسنا استئناف التوحيد، إذن كما أن التوحيد أول ما يدخل به في الإسلام, فإنه آخر ما يخرج به من الدنيا، أول خطوة وآخر خطوة، قبل الموت، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
أول مرحلة: لا إله إلا الله, وآخر مرحلة: لا إله إلا الله, فهو أول واجب وآخر واجب.
قال العلماء: مجرد تنزيه الله عن الحدث لا يدل على التوحيد, ما معنى الحدث؟ :
هناك موضوع دقيق جداً, أرجو الله أن يمكِّنني أن أوضِّحه لكم.
قال بعض العلماء: مجرد تنزيه الله عن الحدث لا يدلُّ على التوحيد، وما معنى الحدث؟ الشيء الحادث الذي سبقه عدم، وينتهي إلى عدم, فما سوى الله حدث، كان الله ولم يكن معه شيء، فهذا الكون سبقه عدم، فالكون كلُّه حادث، أي سبقه عدم، وسينتهي إلى عدم، قال تعالى:
﴿الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 1-9]
إلى آخر الآيات. هذا الفرق الصارخ بين خالق الكون وبين الكون :
الفرق الصارخ بين خالق الكون وبين الكون: أن الله قديم، ليس له بداية، هو الأول ولا شيء قبله، وهو الآخر ولا شيء بعده، أزليٌّ أبدي، فالله عز وجل قديم وما سواه حادث، فإذا أنت قلت: الله قديم، أي هو الذي خلق العالم، هل وحَّدته؟ لا، مجرد تنزيه الله عن الحدث، أنت آمنت أنه قديم، هو الذي خلق الكون، هذا التنزيه لا يدلُّ على التوحيد, الذي بعث الله به رسله, وأنزل به كتبه, وينجو به العبدُ من النار، ويدخل به الجنة، ويخرج من الشرك: أن تؤمن أن الله قديم وليس حادثاً، هذا الإيمان مشترك بين جميع الفِرق, كلُّ من أقرَّ بوجود الخالق سبحانه أقرَّ به، عُبَّاد الأصنام, المجوس, أهل الكتاب, المشركون كلُّهم ينزِّهون الله عن الحدث، يؤمنون أن الله قديم, وهو خالق الكون، يثبتون قِدمه، حتى إن أعظم الطوائف على الإطلاق شركاً وكفراً وإلحاداً, أنهم يقولون: هو الله عز وجل صاحب الوجود المطلق، هو قديم لم يزل منزَّهاً عن الحدث، ولم تزل المحدثاتُ تكتسي من وجوده وتقوم بمدده, أي أيَّة فرقة, وأيَّة طائفة, وأيُّ دين, أيُّ جنس، وأيَّة ملة في الأرض, تؤمن أن لهذا الكون خالقاً عظيماً خلقه، هو قديم، والكون حديث، ليس هذا هو التوحيد، حتى الفلاسفة هم أبعد الخلق عن الشرائع, يثبتون واجب الوجود قديماً وممكن الوجود، هذه عبارة فلسفية، واجب الوجود وممكن الوجود، حتى عُبَّاد الأصنام الذين يعبدون معه آلهةً أخرى يقولون:
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[سورة الزمر الآية: 3]
فالإيمان بالله خالقاً قديماً, كان ولم يكن معه شيء، هذا قدر مشترك بين كل الملل و النِّحل، وليس هذا هو التوحيد.
ما هو التوحيد؟ :
سُئل أحدُ كبار العلماء عن التوحيد, فقال: إفراد القديم عن المحدث.
أي الله عز وجل لا يكمن أن يحلَّ بإنسان كائناً من كان، فإذا حلَّ القديم بالمحدث، اختلطت الأوراقُ وفسدت العقيدة، ليس هناك ما يُسمَّى بوحدة الوجود.
ماذا قال الحلاَّج؟ قال: ليس في الجُبة إلا الله فقُتِل.
والذي أفتى بقتله عالم كبير، هذا كلام فيه زندقة، ليس هناك وحدة الوجود, ولكن هناك وحدة الشهود، لك أن ترى الله من خلال خلقه، لك أن ترى علمه من خلال خلقه، ولك أن ترى قدرته من خلال خلقه، لك أن ترى حكمته من خلال خلقه، هذه وحدة الشهود، كل ما في الكون ينطق بوحدانية الله، ينطق بجلال الله, وينطق بكمال الله، ينطق برحمة الله, ينطق بعظمة الله، هناك وحدة شهود وليس هناك وحدة وجود، أي أن الله عز وجل لا يمكن أن يحلَّ بإنسان، و قول الحلاج: ليس في الجُبة إلا الله, كلام مرفوض.
ما تتوهمه هذه الفرق :
أيها الأخوة, فِرق قديمة تتوهَّم أن الله سبحانه وتعالى يحلُّ في الصورة الجميلة المُستحسنة، وفرقة تزعم أن الله سبحانه وتعالى يحلُّ في الكُمَّل من الناس، هؤلاء الذين تجرَّدت نفوسهم عن الشهوات, واتَّصفوا بالفضائل, وتنزَّهوا عن الرذائل, وهناك من يزعم أن الله حلَّ في بعض الأنبياء، فهذا كلام مرفوض رفضاً قاطعاً، نحن يمكن أن نرى وحدة في الكون، أن نرى لهذا الكون خالقاً واحداً، ربًّا واحداً, مسيِّراً واحداً, هناك وحدة وهناك تنوُّع، فبرأي بعض العلماء: أن تبعِد القديم عن الحدث, القديم لا يحلُّ في المحدث، العبد عبدٌ والربُّ ربٌّ، فكل من يزعم هناك كلمات قالها بعضُهم, لا أصل لها في الدين، سبحاني ما أعظم ذاتي ، الله حلَّ به فقال: سبحاني ما أعظم ذاتي, هذا كلام مرفوض.
ما الموقف الذي ينبغي أن تتخذه :
1- أن هذا الكلام لم يقله هذا العالم، وقد دُسَّ عليه :
على كلٍّ؛ نحن لا نتَّهم أحداً, ولكن أمامنا كلام مرفوض، كلام سأقوله لكم, ولكنه دقيق: إذا قرأت كتاباً لبعض العلماء السابقين، كلاماً لا يتَّفق لا مع الكتاب ولا مع السنة، فما الموقف الذي ينبغي أن تقفه, أنت كباحث, وكإنسان موضوعي، طالب علم، قرأت في كتاب قديم لبعض العلماء الكبار أو بعض الصوفيين كلاماً مرفوضاً من خلال الكتاب والسنة، ماذا تقول؟
أنا أقول لكم: هناك أربعة احتمالات:
أول احتمـال: أن هذا الكلام ما قاله هذا العالم، وقد دُسَّ عليه، وإن شئتم هناك بحوث كثيرة حول ما دُسَّ على كبار علماء المسلمين، دسُّوا تحت وسادة الإمام أحمد بن حنبل عقائد زائغة، ودسُّوا على بعض العارفين بالله كلمات فيها زندقة، ما قالوها أبداً، فأول موقف لعل هذا الإنسان العالم الجليل الذي عرف اللهَ, لا يمكن أن يقول هذا الكلام هذا احتمال، وهناك دليل ورد في كتاب الشعراني: أن أحدهم اطَّلع على بعض كتب الشيخ محيي الدين -رحمه الله تعالى-, فرأى فيه كلاماً لا يُقبل إطلاقاً, فذهب إلى بيت الله الحرام, والتقى بعالم جليل من علماء مكة, -هكذا قرأت أنا، وأنقل لكم ما قرأت-, قال: فدخل هذا العالم إلى غرفته, وأطلعني على كتاب الفتوحات بخط يد الشيخ محيي الدين، فلم يجد فيه شيئا مما أسند إليه، الكتاب بخط الشيخ محيي الدين، إذًا: هناك احتمال أن هذا الكلام ما قاله هذا العالم.
2- قاله ولكن لم يقصد المعنى الذي فهمته أنت منه :
الاحتمال الثاني: قاله ولكن لم يقصد المعنى الذي فهمته أنت منه.
على كلٍّ؛ ينبغي أن نراعي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نقل العلم.
وَقَالَ عَلِيٌّ:
((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ, أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
الذي يخاطب الناس بما لا يفهمون خالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن كتبُ بعض الصوفيين الذين شطحوا محرَّمٌ أن تُقرأ، لما فيها من مغالطات، وما فيها من شطحات, فالاحتمال الثاني: أنه قال هذا الكلام وخالف سنة رسول الله, لكن لم يقصد المعنى الذي فهمته أنت.
بعضهم كان يقول: كان يقف على كـنز من الذهب, فقال: معبودُكم تحت قدمي، هذا الذهب الذي تعبدونه أنتم من دون الله تحت قدمي, هذا كلام ولكن لا ينبغي أن يقال، قد يُفهم فهماً آخر ، وهذا مخالف للسنة, مرة ثانية، وَقَالَ عَلِيٌّ:
((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ, أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
3- أنه قاله ثم تراجع عنه بعد حين :
هناك احتمال ثالث: أنه قاله ثم تراجع عنه بعد حين، لكن بعضهم علَّق تعليقاً رائعاً على كتاب فيه نزعة اعتزاليه في التفسير، فقال: أن المؤلِّف تاب في أواخر حياته، فقال: ولكن كشَّافه لم يتُب، رجل أصدر فتوى بضغوط معيَّنة، أرضى بها من هم أكبر منه، وهو على فراش الموت رفع يديه هكذا, وقال: يا ربي أنا بريء من كل فتوى أفتتيها في المصارف، هذا تُبت إلى الله فيما بينك وبين الله، لكن الفتوى طُبِعت وعُمل بها، هناك إنسان أفتى فتوى، وفي اليوم التالي دخل المصارف ثلاثة وثمانون مليار في بلد عربي على هذه الفتوى, فإذا تاب هذا العالم بينه وبين الله قبل أن يموت، فتواه مسجَّلة ومطبوعة وقد عُمل بها، فالاحتمال الثالث: أنه قال هذا الكلام ثم راجع نفسه, فرأى نفسه مخطئاً فتراجع.
4- أنه قاله وأخطأ ولم يتراجع :
والاحتمال الرابع: أنه قاله وأخطأ ولم يتراجع، فنقول: أخطأ, لأن كل إنسان يُؤخذ منه و يُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء، ما جاءنا عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن صحابته فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن التابعين فعلى العين والرأس، لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَة أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ, وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ, قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ))
فقد شـهد النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- بالخيرية للقرون الثلاثة، فورد عنه: ((تسمعون ويُسمع منكم ويسمع من يسمع منكم))
فالاحتمال الرابع: أنه أخطأ, ونقول له بملء فمنا: قد أخطأت، نحن عندنا القرآن وعندنا السنة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ, رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ, وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ, فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي))
أنت مع نص قرآني ليس لك إلا أن تفهم النص، لأنه قطعيُّ الثبوت مع نص نبويٍّ ينبغي أن تتحقَّق من صحَّته, لأن كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي وصلنا بعضه قطعيُّ الثبوت وبعضه ظنيُّ الثبوت، مع النص النبوي لك عملان؛ أن تتحقق من صحته أولاً, ثم أن تفهمه ثانياً, مع أيِّ نص آخر غير نص النبي -عليه الصلاة والسلام- لك ثلاثة أعمال: أن تتحقق من صحة نسبة هذا النص إلى صاحبه، ثم أن تفهمه وفق ما أراد صاحبه, ثم أن تقيسه بالكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس, وإن خالفه لا نقبله، هذا منهج البحث في الإسلام. أنواع الخبر :
التوحيد: إفراد القديم عن المحدَث، الربُّ ربٌّ والعبد عبدٌ, تداخل لا يوجد، أن الله حلَ بفلان مستحيل، ليس في ديننا هذا الاعتقاد أبداً، فقال: هذا الإفراد في الاعتقاد, والخبر هو نوعان: إثباتُ مباينة الربِّ تعالى لمخلوقاته، وعلوه فوق سبع سماواته, كما نطقت به الكتب الإلهية من أولها إلى آخرها، وكما أخبرت به جميعُ الرسل من أوَّلهم إلى آخرهم، أي ليس كمثله شيء، أيُّ شيء خطَر ببالك فاللهُ خلاف ذلك، لا يشبهه أحد.
والشيء الثاني: إفراده سبحانه بصفات كماله، وإثباتها على وجه التفصيل كما أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسله، منزَّهةً عن التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل والتشبيه، واللهُ عزَّ وجل له صفات وله أسماء.
قف عند دقة هذا الكلام :
أيها الأخوة الكرام, أن يتمايز عندك القديمُ والحديثُ، ما سوى اللهِ محدث، والله وحده قديم ، ولا يوجد أيُّ تداخل بين ذات الله وبين مخلوقاته، لكن هناك وحدة الشُّهود، إنك تتعرَّف إلى الله عز وجل من خلال خلقه، أما أن يحلَّ الله في خلقه، فهذه وحدة الوجود مرفوضة, يجب أن نعتقد مكانها بوحدة الشهود.
الشيء الثاني: أن تفرد القديم عن المحدَث بالعبادة، أي يجب أن تحب الله وحده, وأن تخاف منه وحده, وأن ترجوه وحده, وأن تعظِّمه وحده, وأن تتوب إليه وحده، وأن تستعين به وحده، وأن تبتغي له الوسيلة وحده، هذا الإفراد به؛ بُعث الرسلُ, وبه نزلت الكتبُ, وشرعت الشرائع، ولأجل ذلك خُلقت السموات والأرض والجنة والنار، وقام سوقُ الثواب والعقاب، فتفريد القديم عن الحديث, أو عن المحدَث في ذاته, وصفاته, وأفعاله, وفي إرادته وحده, ومحبَّته وحده, والخوف منه ورجائه, والتوكل عليه, والاستعانة به, والحلف به, والنذر له, والتوبة إليه, والسجود له, والتعظيم والإجلال, وتوابع ذلك، أي الله خلق الكون، ولكنه هو فعَّال، بيده كل شيء، هو المعطي وهو المانع, وهو الخافض وهو الرافع, وهو المعزُّ وهو المذلُّ، هو المقرِّب هو المبعِّد، هو المغني هو المفقِر، هو الذي يمنح الأمن، وهو الذي ينزع الأمن من قلب الإنسان، حينما تعلم أن الأمر كله بيده تتَّجه إليه وحده.
مثل بسيط جداً: ينبغي أن تسافر إلى بلد, وهذا البلد له ظروف خاصة، إعطاء التأشيرة بيد أعلى إنسان في إدارة الهجرة والجوازات, هو المدير العام، فأنت إذا بلغك أن التأشيرة لا يعطيها إلا المدير العام، هل يمكن أن تقف أمام شرطي, وتتضعضع أمامه، وترجوه أن يوافق على السفر؟ معناه أنك مجنون, وما دام الأمر بيد واحد, العقل يقتضي أن تتَّجه لهذا الواحد, و أن تعرض عن كل هؤلاء، مائة موظف لا يستطيع واحد منهم أن يمنحك هذه التأشيرة، إلا المدير العام، لذلك لا ترجو إلا أعلى إنسان في هذه الدائرة، تدخل عليه, وتقف أمامه, وتقدِّم له الطلب، وتقدم له المبرِّرات، له وحده، ولا ترجو إنساناً لا يملك من أمرك شيئاً.
واقعة :
يُروى أن أحد كبار العلماء كان في الحرم، ودخل أحد الخلفاء الكبار, فلما التقى به, أراد أن يكرِّمه، قال: سلني حاجتك, قال له: إني واللهِ أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله، التقى به خارج الحرم، قال له: سلني حاجتك, قال له: واللهِ ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها؟ قال له: ما حاجتك؟ قال له: أدخلني الجنة وأنقذني من النار, قال له: هذه ليست في يدي، فقال له: ليست لي عندك حاجة؛ أي أفرد الله بالرجاء والطلب والدعاء والتوكل.
ما هي العلل التي يقع فيها الإنسان:
1-العلة الأولى: ترك الأخذ بالأسباب استغناء بالتوكل :
بقي موضوع دقيق جداً: كيف نوفِّق بين التوحيد وبين التوكُّل؟:
أولا: الإنسان حينما يترك الأخذ بالأسباب استغناءً بالتوكل هذا توكل, لماذا أذهب إلى الطبيب, إذا الله كتب لي عمراً؟ ليس لي حاجة لطبيب وسأبقى حياً ولو لم أتحكَّم، إذا الله لم يكتب لي عمراً فإني أموت ولو تحكَّمت، هذا كلام مضحك، إذًا أمتنع أن آخذ بالأسباب, هذا الكلام غير صحيح، أن تأخذ بالأسباب لا يتناقض هذا مع التوحيد أبداً، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء, وتتوكَّل على الله وكأنها ليست بشيء، أنت في طريق؛ عن يمينه وادٍ سحيق وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها فقد أشركت، وإن لم تأخذ بها فقد عصيت، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه واحدة.
2- العلة الثانية: أن يتوكل على الله في حظوظه وشهوات:
العلة الثانية: أن يتوكل على الله في حظوظه وشهواته دون حقوق ربه، يتوكل على الله في حصول المال، أوالزوجة, أو الرياسة، أما التوكل في نصرة دين الله, وإعلاء كلمته, وإظهار سنة رسوله, وجهاد أعدائه, فليس فيه علة، فلذلك لا تختار التوكل في الأشياء التي تنفعك، والأشياء التي من حق الله عز وجل, تقول: لا أستطيع، كما أنك تتوكل على الله في حظوظك، ينبغي أن تتوكل على الله من حقوق ربك.
3- العلة الثالثة: أن يرى توكله منه و يغيب بذلك عن مطالعة المنَّة:
العلة الثالثة: أن يرى توكله منه ويغيب بذلك عن مطالعة المنَّة وشهود الفضل.
أحياناً الإنسان يعزو الشيء لذاته، وقع في الشرك، هذا التوكل، أو هذا الأخذ بالأسباب على أنها منك وعلى أنها من قدرتك، قال تعالى:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾
[سورة الكهف الآية: 84]
إذا الله أراد أن يعطيك يعطيك سبب العطاء، فحتى السبب بفضل الله ومنته، والإنسان إذا طلب أن يأخذ شهادة عليا، الله تعالى يفتَّح له ذهنه, ويقوِّي له ذاكرته, ويجعله على قدرة عالية للفهم، واللهُ أعطاك الأسـباب, فإذا توهَّمت أن هذه الأسباب من عندك فقد أشركت، قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 89-90]
أي لن تستطيع أن تكون إماماً إلا إذا كنت موحِّداً, أيُّ نوع من أنواع الشرك يُلغي إماماتك، وأنت إمام، والدعوة كلها توحيد، فإذا لم تكن موحِّدا كما أراد الله، لن تستطيع أن تكون إماماً للناس, سيدنا إبراهيم حينما خاطبه الله عزَّ وجل قال:
﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾
[سورة البقرة الآية: 124]
وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 124]
خاتمة القول :
أيها الأخوة, لهذا الدرس تتمة نتابعه إن شاء الله في درس قادم، واستئناف التوحيد من أدقِّ موضوعات الدين، بل هو الدين كله:
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
والآية التي أذكرها كثيراً، قال تعالى:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
وأحد أكبر أسباب عذاب الناس الشرك الخفي، الشرك الجلي غير موجود, لكن هناك شرك خفي، حينما تعتمد على غير الله, وحينما ترجو غير الله، وحينما تخاف من غير الله، وحينما تعلِّق الآمال على غير الله, فقد أشركت شركاً خفيًّا، قال تعالى:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
نعوذ بالله من الشرك الخفي، وكلما ارتقى الإنسان ارتقى توحيده، وكلما ارتقى توحيدُه زاد إخلاصُه، وكلما زاد إخلاصه ثُمِّن عملُه، ارتقى التوحيد صار معه إخلاص، مع الإخلاص ثُمِّن عمله, فكان من سعداء الدنيا والآخرة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و الستون )


الموضوع : تعظيم حرمات الله








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.منزلة اليوم :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن والستِّين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم: تعظيم الحرمات، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
[سورة الحج الآية: 30]
أَيَّة منزلة من منازل مدارج السالكين وردت فيها آية أو حديث، هي منزلة، تعظيم حرمات الله منزلة من منازل مدارج السالكين.
لماذا سلط الله الأعداء على المسلمين وجعل بأسهم فيما بينهم؟ :
الأصل أيها الأخوة: أن الإنسان إذا تعرَّف إلى الله وعرف طرفاً من جلاله، يجِلُّ أمره، و يجل نهيه، ويجل طاعته, ويجلُّ عباده المؤمنين, ويجل كلَّ شيء يتَّصل به، يجل المسجد ويجل المصحف، أيُّ إنسان, وأيُّ جهة, أو أيُّ كتاب يتَّصل بجلال الله عزَّ وجل يجلُّه، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
[سورة الحج الآية: 30]
لذلك حال المسلمين اليوم: أنه هان أمرُ الله عليهم فهانوا على الله، سلَّط عليهم أعداءهم، جعل بأسهم فيما بينهم، ليست كلمتُهم هي العليا, لأعدائهم عليهم ألف سبيل وسبيل، لأنهم لم يجلوا الله ولم يجلوا أمره.
ما هي حرمات الله؟ :
قال تعالى:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾
[سورة الحج الآية: 30]
قال الليثُ -أحد العلماء-: حرمات الله ما لا يحل انتهاكُه.
وقال عالم آخر: الحرمات هي الأمر والنهي.
وقال عالم ثالث: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه.
وقال قوم: الحرمات ها هنا المناسك؛ مناسك الحج زماناً ومكاناً.
والصواب: أن كل هذه من الحرمات، أي شيء مقدَّس؛ شيء يتَّصل بالدين، يتصل بالإله فالقرآن مقدَّس، وكتب السنة مقدَّسة، وكتب العلم الشرعي مقدسة، ومن يعمل بالعلم الشرعي مقدَّس، وبيوت الله مقدسة، أمر الله مقدس، ونهيه مقدس، فكلما ازددت إيمانا و إجلالا لله عزوجل, تعظِّم حرمات الله, بل إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم .. من تعظيم حرمات الله :
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ, وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ, وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
مسلم متقدِّم في السن, وأمضى حياته في طاعة الله, يجب أن تجلَّه، يجب أن تحترمه, يجب أن تيسِّر له أمره .
عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ, وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ, وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ))
إن من إجلال الله توقير الإمام العادل، إنسان في منصب، مستقيم, يعمل للصالح العام يجب أن تحترمه، له صدر المجلس، ما دام أنه مخلص وله نفع عام، ويسهر على راحة الناس وعلى أمنهم وسلامتهم، فأيُّ شيء يتّصل بالله عز وجل المسلم الصادق يجلُّه، الصلاة مقدسة، لا يؤخِّرها عن وقتها، ولا يضيعها، الصيام مقدس، لو كان معذورا في الإفطار لما أفطر علانية، حرمة للشهر. قف عند هذا القول :
قال بعضهم: الحرمات تعمُّ هذا كلَّه، وهي جمع حرمة، وهو ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق, والأشخاص, والأزمنة, والأماكن, والحقوق، فتعظيمها توفيتها حقَّها، وحفظها من الإضاعة، والخروج من حرج المخالفة, وجسارة الإقدام عليها, وبتعظيم الأمر والنهي خوفا من العقوبة, وطلبا للمثوبة، إنسان قويٌّ إذا أعطى توجيها يُنفَّذ بحذافيره خوفا من بطشه، وخالق الكون أعطاك أمرا وأعطاك نهيا، فكلما ازددت تمسكا بأمر الله, كان مقامك عند الله أعلى.
شيء هام :
الآن: مَنْ قدوتنا؟ الأنبياء والمرسلون والصديِّقون؛ في دعائهم, وسؤالهم, والثناء عليهم بخوفهم من النار, ورجائهم للجنة، قال تعالى:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 89-90]
الأنبياء والمرسلون سألوا اللهَ الجنة واستعاذوا به من النار، و أنا لا أرضى أن يقول قائل: أنا لا أرجو الجنة ولا أخشى النار، و لكن أعبد الله لأنه أهل للعبادة، هل هو فوق مقام الأنبياء؟ الأنبياء رجوا رحمته وخافوا من عذابه، و الأنبياء قمم البشرية، والذي يقع في قمة السُّلم؛ رجا ربَّه, ورجا الجنة, وخاف من النار.
لا ينبغي أن يقول إنسان ليس نبيًّا: أنا لا أعبد الله طمعا في جنته, ولا خوفا من ناره، و لكني أعبده لأنه أهل للعبادة، هذه مزايدة، فالأنبياء جميعا يدعون ربَّهم رغبا ورهبا، هذا هو القرآن وهذه هي السنة، والإنسان لا يمكن أن يكون أعبد من رسول الله، ولا أكثر قربا من رسول الله ..
هذا هو منهج النبي عليه الصلاة والسلام :
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ:
((جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: فأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ ولا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ, وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
فالمنهج الذي جاء به النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- كامل وتامٌّ، ولا تحتاج إلى منهج آخر، لذلك لا تفكِّر أن تنتقص من الدين شيئا، ولا أن تضيف عليه شـيئا، أيَّة إضافة وأيَّ إنقاص اتِّهامٌ للدين بالزيادة والنقص.
لم أثن الله على خواص خلقه بأحسن أعمالهم؟ :
خواص خلقه أثنى الله عليهم بأحسن أعمالهم، وجعل من أعمالهم الطيبة أنهم استعاذوا به من النار، قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63-65]
هذا الذي يدعو الله أن يصرف عنه عذاب جهنم: هو يعظِّم حرمات الله.
أيضا قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 16]
سيدنا إبراهيم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 78-88]
من الجهل :
أيها الأخوة الكرام, ما أدري ما السبب أن الإنسان يقرأ قصص الأنبياء في القرآن, ويقرأ مناجاتهم وأدعيتهم، يظن أنه لا علاقة له بهذا؟ هؤلاء الأنبياء قدوة لنا، كلامهم منهج، ودعاؤهم علم، موقفهم طريق إلى الله عز وجل، فأنا من أنصار أن كل آية فيها ذكر لنبيٍّ ينبغي أن تقف عندها، وأن تجعل هذا الموقف قدوة لك.
النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أمَّته أن تسأله في وقت الإجابة عقيب الأذان، هذا الوقت هو وقت الإجابة ..
ما وراء هذين الحديثين :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِرَجُلٍ:
((مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ, ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ, أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ قَالَ حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ))
وكان هناك كلام بين صحابيين لم يفهم منه شيئا، أنا لا أحسن دندنتك, فقال: أنا ومعاذ حولها ندندن.
في الصحيح من حديث الملائكة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ, فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ, تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ, قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, قَالَ: فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بهم: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قال: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ, وَيُكَبِّرُونَكَ, وَيَحْمَدُونَكَ, وَيُمَجِّدُونَكَ, قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ, قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ, كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً, وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا, وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا, قَالَ: فيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُون؟ قَالَ: يقولون: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ, قَالَ: فيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا, قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا, كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا, وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا, وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً, قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنْ النَّارِ, قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا, قَالَ: فيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا, وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً, قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ, قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ, إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ, قَالَ: هُمْ الْجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
يعني معقول إنسان ضائع شارد غافل ما سأل الله ولا مرة الجنة، ولا استعاذ به من النار ، أن يُعامل هذا العبد كعبد آخر ليل نهار, يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار؟ .
أيها الأخوة؛ هؤلاء الأنبياء والرسل في قصص القرآن التي ذكرت مواقفهم وأحوالهم وأدعيتهم واستعاذتهم ورجاءهم، وما جاء في السنة من وصف العباد المؤمنين ومواقفهم واستعاذتهم، منهجٌ لنا نحن المؤمنين.
ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
هناك حقيقة أتمنى أن تكون واضحة لديكم: إذا خلا القلبُ من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه والهرب من هذه، فترت عزيمتُه وضعفت همَّتُه، ووهى باعثُه، و كلما كان أشدَّ طلبا للجنة وعملا لها, كان الباعثُ أقوى.
وأنا أقول لك كلاما صريحا: أكبر باعث للعمل الصالح رجاءُ الجنة، وأكبر رادع عن المعصية خوفُ النار، و ما سوى ذلك كلامٌ لا معنى له.
يقولون: فلان عنده ضمير مسلكي يقظ، وفلان يخشى على سمعته، كلام لا طائل فيه، حينما تخلو له الفرصة يقتنصها, فأيُّ رادع غير رادع خوف النار رادعٌ وهميٌّ، وأيُّ باعث غير باعث الجنة باعثٌ خُلَّبي، الباعث الحقيقي أن ترجوَ جنة الله إلى الأبد، والرادع الحقيقي أن تخاف من النار، فلذلك: ما الذي يجعل المؤمن مقيَّدا؟ .
الإيمانُ قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن.
لأنه يعلم علم اليقين أن الله كبير، وأن بطش الله شديد، وأن عذابه في الدنيا لا يُحتمل، وأن في الآخرة أشدُّ وأبقى، فالإنسان حينما يعلم ما عند الله من العقاب, وما يرجو من رحمته من ثواب, لاستقام على أمره، وإن أردتم, أضعكم مع حقائق تعيشونها جميعا:
إنسان أقوى منك إذا قال فعل، هل يمكن أن تقع تحت مخالفة أمره؟ إنسان عادي لكنه أقوى منك, بإمكانه أن يوقع بك الضررَ وهو مطَّلع عليك، فهل يمكن أن تعصيَه جهارا؟ هذا شأنك مع إنسان أقوى منك، فكيف شأنك مع الله جل جلاله؟ لذلك الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول:
يا نفس, لو أن طبيبا حذَّركِ من أكلة تحبِّينها، لا شكَّ أنكِ تمتنعين عنها، أيكون الطبيبُ أصدقَ عندكِ من الله؟
طبيب نهاك عن أكل الملح، وحذَّرك من مغبَّة جلطة, وارتفاع ضغط, وتصلُّب شريان، تترك الملح كليًّا، الطبيب تحذيرُه مقبول عندك، والطبيب صادق وتأخذ بتوجيهه، وتنسى أن تأخذ التوجيه من الله عزوجل؟ .
هذه الجنة التي أرادها الله :
أخواننا الكرام؛ هناك حقيقة أتمنى أن تكون واضحة لديكم: الجنة التي ينبغي أن نسعى إليها ليست اسماً لمجرَّد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب, والحور العين, والأنهار, والقصور، و كثر الناس يتوهَّمون في مسمَّى الجنة: أن الجنة اسم لدار النعيم، أي أن المكان جميل جدا، بساتين، أرض خضراء, وأشجار؛ قطوفها دانية، فيها حور عين, وولدان مخلدون، وفيها نهر من عسل مصفَّى، و فيها نهر من لبن لم يتغيَّر طعمه، وفيها ماء غير آسن، وفيها خمر لذَّة للشاربين، هذه جنة, ولكن ليست هي الجنة التي أطلقها الله على دار النعيم، هذه الجنة هذه المحسوسات، ما بين أنهار وأشجار, وحور عين, وولدان مخلَّدون, لكن الجنة التي أرادها الله فوق هذا؛ نظرٌ إلى وجه الله الكريم.
قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَقَالَ:
إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا, لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ, فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا, ثُمَّ قَرَأَ: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ))
وقد ورد تفاصيل عن هذه الرؤيا: أن المؤمن إذا نظر إلى وجه الله الكريم, يغيب من نشوة النظرة خمسين ألف عام، وهل هناك فوق ذلك؟ طبعا، لو دخلت بيتا وكان صاحب البيت له جمال أخَّاذ، فأنت جلست في مكان, متَّعت عينيك بجمال وجهه، شيء جيِّد، ولكن هناك مرتبة أعلى بكثير، أن يقف لك صاحب البيت, وأن يستقبلك بحرارة بالغة, وأن يدعوَك بأحب الأسماء إليك, وأن يرحِّب بك, وأن يقرِّبك من مجلسه, هذا هو التكريم الحقيقي، لذلك قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة التوبة الآية: 73]
صار هناك مستوى محسوس؛ أنهار, وأشجار, وقطوف, وولدان, وحور عين, وأنهار من عسل مصفى, ولبن, وخمر, وماء غير آسن، هذا مستوى، ومستوى آخر: النظر إلى وجه الله الكريم، مستوى أعلى أن يرحِّب اللهُ بك، وأن يرضى عنك, وأن يقرِّبك، قال تعالى:
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة التوبة الآية: 72]
قصة تتكرر كثيراً :
أخواننا الكرام؛ قال تعالى:
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
اشترى بيتا بأحد شوارع دمشق الغالية جدا، البيت الطابق الثاني عشر، فيه شقَّتان، والبيتان مهيئان للسكن؛ كسَّر البلاط, وأزال النوافذ, وكسَّر المرافق العامة، وأعادها بتؤدَة وإتقان منقطع النظير، واستغرق العمل سنتين بالتمام والكمال، الوصف الذي سمعته لا يُصدَّق، طاولات من الرخام الشَّفاف، والإضاءة مخفية ثابتة, وبعد أن انتهى البيتُ بأيام معدودة جاءته المنيةُ، هذه هي الدنيا، ومثل هذه القصة تتكرَّر كثيرا، بيت لم يُسكَن، وزواج لم يتم، شهادة لم تحضَّر, سفر لم يعُد منه، دخل البيت ولم يخرج، خرج ولم يعُد, وسافر ولم يعد، قال تعالى:
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
ما خير بعده النارُ بخير، وما شرٌّ بعده الجنة بشر, وكلُّ نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية، وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليتُه بكل سيئة كان عملَها سقما في جسده، أو إقتارا في رزقه, أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذرِّ, فإذا بقي عليه شيء شدَّدتُ عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه.
هل تسعى لهذه الجنة؟ :
بعض العلماء يتمثَّل هذا البيت، فقال:
قلـيل منكَ يكفيني ولكن قليلُك لا يُقال له قـليلُ
نظرة لله عز وجل تكفي الإنسان.
الآن: في الدنيا -كلامي دقيق- في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنةَ الآخرة.
إنها جنة القُرب، اسعَ إليها، واللهِ الذي لا إله إلا هو, لو سعيتَ إليها, وذقتَ ومضة من ومضاتها ، واللهِ لتحتقرن نعيم الدنيا كلَّه، نعيم الدنيا كلُّه تحتقره أمام هذه الومضة، تجد إنسانا غارقاً في العمل الصالح، والجاهل يشفق عليه, نقول له: أشفِق على نفسك، هو غارق في سعادة لا توصف، المنهمك في عمل طيِّب, وفي عمل صالح, وفي عمل مخلِص لله عز وجل ، هذا سعادته في التعب، و شقاوته في الراحة، لو أرحتَه يتألَّم أشد الألم.
ماذا عن النار؟ :
أيها الأخوة, هذا عن الجنة، فماذا عن النار؟ .
قال: وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله.
الحقيقة: أشدُّ أنواع العذاب: أن يُحجَب الإنسانُ عن ربه، قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
يقابل ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
وجهٌ نضير متألِّق ينظر إلى الله عز وجل، ووجه عليه غبرة محجوب عن الله عز وجل، وجه ابيضَّ لعمله الطيَّب، ووجه اسودَّ لعمله السيّء.
قال: الحجاب عن الله, واستحقاق غضب الله, وسخط اللهو, والبلُعد عن الله, والطرد من رحمة الله, أعظم منة التهاب النار في أجساده.
ورد هذا الحديث:
((إن العار ليلزم المرءَ يوم القيامة حتى يقول: يا رب, لإرسالُك بي إلى النار أيسر عليَّ مما ألقى، و إنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
العذاب الحسِّي، لهيبُ النار الذي يحرق الجلدَ, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾
[سورة النساء الآية: 56]
ومع ذلك: العذاب النفسي الحاصل من استحقاق النار ليس قليلا، فلذلك: النار اسم لمجوعة من العذابات بربِّكم، نأتي بمثل بسيط:
أنت مقدِم على زواج, ومعك فرضا حوالي ثلاثمائة ألف، ووجدت بيتـا بثلاثمائة ألف ضمن دمشق، فرضا؛ موقعه مناسب جدًّا، وأيُّ بيت آخر قيمته مليون، وذهبت إلى صاحب البيت لتشتريَه، وقال لك: واللهِ لقد بِعتُه لا تنام الليلَ، وما أحد ضربك, ولكنه شعور بالندم، أنت قصَّرت, كان لا بدَّ أن تتابعه قبل يومين، وكان لا بدَّ أن تسأل، فندم على فوات شراء بيت ، وندم على فوات الزواج بفتاة, يبقي صاحبه في ألم لا يُحتمَل, فكيف الندم على فوت الجنة و استحقاق النار؟ .
((إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب, لإرسالُك بي إلى النار أهونُ عليَّ مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب))
يا رب .... فلذلك: عذاب النار منوَّع، هناك عذاب حسِّي، قال تعالى: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾
[سورة البروج الآية: 10]
هناك عذاب نفسي، والعذاب النفسي بعضُه ندم، وبعضه حسرة، وبعضه خزيٌ, وبعضه عار, وبعضه أن هذا الذي استحقَّ دخول النار, استحقَّ غضب الله, وسخط الله, والبعد عن الله.
هذا السعي المشكور :
لذلك: مطلوب الأنبياء والمرسلين والصدِّيقين والشهداء والصالحين هو الجنة، ومهربُهم من النار، وخيرُ العباد من يريد اللهَ يريد ثوابه، وهؤلاء خواصُ خلقه، قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 29]
فالدار الآخرة؛ أي الجنة مطلوبة من قِبَل خواص خلقه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 29]
هذا خطابُه لخير النساء، أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وقال تعالى:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
فأخبر أن السعيَ المشكور: سعي من أراد الآخرة، وأبلغُ من هذا: قولُه لخواص أوليائه وهم أصحابُ نبيِّه -صلى الله عليه و سلم-:
﴿مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 152]
فخواص خلقه أصحاب نبيِّه، يريد الآخرة، فإذًا: لا ضيرَ أن نرجوَ الجنة وأن نتعوَّذ من النار، وهذه مرتبة الأولياء والمرسلين.
نقطة دقيقة :
أما الذي يقول: هذه الولية الصالحة التي قالت: أنا لا أعبدك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك، وإنما أعبدك لأنك أهل للعبادة.
نحن نأخذ ديننا من القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين، وأما هذه -رحمها الله وأكرمها الله, ولعله وليَّة حقا, ولعلها موصولة بالله-, ولكن هذه ليست مشرِّعة، نحن لا نعتقد العصمة إلا لرسول الله، هو المشرِّع, ونحسن الظنَّ بالمؤمنين، دون أن نعلِّق كبيرَ أهمِّية على أقوالهم، هم ليسوا مشرِّعين.
وهذا الذي ركب ناقته وحمل عليها زاده و شرابه، وجلس ليستريح من وعثاء السفر، أخذته سِنةٌ من النوم فأفاق فلم يجد الناقةَ، فأيقن بالهلاك قطعا، وصار يبكي ويبكي حتى نام مرة ثانية, فلما استيقظ رأى الناقةَ أمامه، من شدة الفرح اختل توازنُه ..
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ, مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ, وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا, فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا, قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ, فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ, إِذَا هـُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ, فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا, ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ, أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
خيراً إن شاء الله، ونعذره، هل كلامه صحيح؟ أعوذ بالله، كلامه كفرٌ؛ ولكن قال بعض العلماء: ما كلُّ من وقع في الكفر وقع عليه الكفرُ.
من شدة الفرح اختل توازنه، قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. هذا لا نؤاخذه.
الآن: إذا إنسان آخر اختل توازنه, فتكلم بكلمات تخالف الكتاب والسنة, نرجو له الرحمة والمغفرة, ولعله أقربُ إلى الله منا, ولكن لا نأخذ بهذا الكلام، بل نأخذ بالقرآن والسنة, القرآن والسنة صرَّحا في آيات كثيرة جدا: أن خواص أوليائه, وخواص أصحاب نبيِّه, وأن أنبياءه وهم قمم البشر, سألوا اللهَ الجنة واستعاذوا به من النار، فهل يُعقل أن ياتيَ إنسان ليس رسولا ولا نبيًّا, ويتأبَّى أن يستعيذ بالله من النار وأن يسأله الجنة؟ بل هو فوق ذلك، يسأله النظر إلى وجهه الكريم، لا يعبده خوفا من ناره, ولا طمعا في جنته، و لكن يعبده لأنه أهل للعبادة، هذا كلام يخالف الكتاب والسنة، ونحن نرجو لصاحبه المغفرة والرحمة, ولعله لم يقُله أيضاً.
خاتمة القول :
أختم هذا الدرسَ بهذه الحقيقة: لو أنك قرأتَ كلاما لعالم كبير يخالف الكتاب والسنة، ما موقفك؟
أول احتمال: أنه ما قاله، ودُسَّ عليه، وثاني احتمال: أنه قاله وما أراد المعنى الذي أنت فهمته منه، واحتمال ثالث: أنه قاله وأراد المعنى الذي فهمته منه, ولكن ترك هذا المعنى بعد حين، وتراجع عن هذا المعنى، والاحتمال الرابع: أنه قاله وأراد المعنى الذي فهمته ولم يتراجع عنه فهو مخطئ، وانتهى الأمر.
نحن عندنا رسول الله هو المعصوم وحده، النبيُّ وحده معصوم، أمَّته معصومة بمجموعها، النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوم وحده، أمتُه بمجموعها، هذه عقيدتُنا: العصمة لرسول الله وحده، أما أمته بمجموعها معصومة، فإذا إنسان في ساعة من الساعات اختلَّ توازنه, وقال كلاما يخالف الكتاب والسنة, لعله ما قاله, ولعله قاله في ساعة غيبوبة، ليس مشرِّعا وليس حجةً, نحن منهجنا كتاب الله، ومنهجنا سنة رسول الله، ولا شيء غيرهما.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و الستون )


الموضوع : الغيرة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من خصائص النفس البشرية :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الغيرة، وقبل أن نمضيَ في الحديث عن هذه المنزلة, وعن خصائصها, وعن شروطها, لا بدَّ من مقدِّمة.
الإنسان كجسم فيه أعضاء, وفيه أجهزة, وفيه حواس, وفيه نُسُج, وفيه هيكل عظمي، أما كنفس فيه خصائص، واللهُ عز وجل سوَّى هذه النفس وفق خصائص، وهذه الخصائص أولُ صفة فيها: أنها حيادي, يمكن أن تكون سُلَّمًا نرقى بها, أو دركات نهوي بها، هذه الخصائص حيادية, لأن الإنسان مخيَّر. نضرب لذلك مثلاً:
من أدقِّ خصائص الإنسان: يتمنى أن يكون كالآخرين الناجحين في الحياة، سمِّها إن شئت غيرةً، سمِّها إن شئت حبَّ التنافس، سمِّها إن شئت حسداً، هذه الخصيصة تتمنى أن تكون كفلان، وتتألَّم إن لم تكن مثلَه، هذه حيادية، فلو وظَفتها في الخير رأيتَ إنساناً طالب علم شرعي، إنساناً يتقن كتاب الله، إنساناً ضبط نفسَه وحزَم أمورَه وله اطِّلاعٌ واسع، أجرى اللهُ على يديه أعمالا طيِبةً، فيه خصيصة تتمنى أن تكون مثلَه، فهذه الخصيصة وظَّفتها في الخير, فبعثتك إلى أن تنافسه، فتفوز بالجنة، هذا توظيفها في الخير, أما توظيفها في الشرِّ: ترى إنساناً معه مالٌ كثير أو له جاهٌ عريض فتنافسه على المال، تريد أن تكون مثله في الغِنى والفجور، الخصيصة نفسها وظَّفتها في الشرِّ، فبينما أن تكون هذه الخصيصةُ سُلَّما نرقى به أو دركاتٍ نهوي بها، فالخصيصة حيادية.
ما المراد بمعنى هذا الحديث؟ :
عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
((سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ, وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))
فمعناه: أن الإنسان تمنى أن يكون عالماً, أو تمنى أن يكون غنيًّا منفِقاً, تمنى أن يكون عالماً عاملاً معلِّماً أو غنيًّا منفقاً، هذا شيء طيب، إذًا: باعثُ من البواعث التي تدفعك إلى نيل الخيرات في أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة هذه الخصيصة، هي نفسها لو وجَّهتها إلى الدنيا فتمنَّيتَ أن تكون غنيًّا -لا سمح الله-, تمنى هذا الحاسد أن يكون غنياً فاجراً غارقاً في مُتع حسية أودت به إلى النار، فالخصيصة نفسها والسِّمة نفسها تقوده إلى الجنة أو تقوده إلى النار، إذاً: هي حيادية، وكلُّ سمات النفس، وكل خصائصها, وكلُّ فطرها, وكل جبلِّتها حيادية, تُوظَّف في الخير أو تُوظَّف في الشر. ما الغرض من هذا الكلام؟ :
الإنسان يحبُّ أن يكون مهمًّا، مبرِّزا متفوِّقا، سمِّ هذا الميلَ تأكيدَ الشخصية، تأكيد الذات، الشعور بالأهمِّية، هذا الميل يمكن أن يُروى بالخير؛ تطلب العلم وتعلِّم العلم، تعمل الأعمالَ الصالحة فترقى، أو تؤكِّد الذات بإيذاء الآخرين وإرهابهم وإيقاع الأذى بهم كي يهابونك, أكَّدت ذاتك.
أحياناً: لك قضية عند إنسان، إما أن يخلق لك العراقيلَ كي يشعرك أنك لا شيء أمامه ، أو أن يعاونك فتشعر أن هذا إنسان عظيم، إنسان طيِّب، في كلا الحالين يريد أن يلفتك إلى خطورته، وإلى أهمِّيته، إما عن طريق خدمتك، وإما عن طريق إيقاع الأذى بك، والميلُ واحد؛ ولكن هذا الميل يُوظَّف في الخير كما يوظَّف في الشرِّ، لأن الإنسان مخيَّر, كلُّ خصائصه ومفردات جبلِّته وتسوية نفسه -إن صحَّ التعبيرُ قال تعالى-:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7]
حيادي.
هذه المقدِّمة من أجل أن أصل إلى منزلة الغيرة، هذه المنزلة كما قال مؤلَّف الكتاب: من منازل إياك نعبد وإياك نستعين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 33]
تحت أي باب يندرج هذين الحديثين؟ :
وفي الصحيح: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ, فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ))
طبعاً: أغير خبر –ما- التي تعمل عمل ليس، وما أحد أحب إليه المدح من الله, ومن أجل ذلك أثنى على نفسه.
عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ:
أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سـَعْدٍ!؟ وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي, وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ, وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ, وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ))
فاللهُ يغار. من صفات كمال الإنسان :
أضرب مثلاً: أبٌ يمشي في الطريق، رأى ثلاثة شباب، أحدهم ابنُه, والثاني ابنُ أخيه، والثالث لا يعرفه، والثلاثة يدخِّنون، بماذا يشعر هذا الأب؟ يشعر بمِرجلٍ اتجاه من؟ اتِّجاه ابنه؛ قد يضربه، وقد يعنِّفه، من شدَّة محبَّته له, ومن شدَّة حرصه على سلامته، ومن شدَّة غيرته عليه يعنِّفه، التعنيف لابن أخيه ينزل إلى الربع، لماذا يا عمِّي تدخِّن؟ ابنه أدَّبه وضربه، ابن أخيه كلمة، الثالث ولا كلمة، فهذا الانفعال وهذا الألم وهذا الصوت المرتفع وهذا الضرب أحياناً وهذا التعنيف بسبب المحبَّة والحرص، فلذلك الغيرة من صفات كمال الإنسان، فهذا الذي لا يغار ليس من بني البشر.
من هو الديوث؟ :
ومن هو الدَّيُّوث؟ قال: الذي لا يغار على عرضه ويرضى الفاحشة في أهله.
لو برزتْ زوجتُه بأجمل زينة، ولو بدا معظمُ ما في جسمها من فتن، لا غيرة أبداً، لا يغار على أهله ويرضى الفاحشة فيهم، هذا ديوث، والديوث كما ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: لا يروح رائحة الجنة.
وفي الصحيح أيضاً: من حديث أبي سلمة, عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ))
لماذا يضرب الأب مثلاً في كثير من القضايا المتعلقة بالله عز وجل؟ :
وبالمناسبة: قد يسأل أحدُكم: لماذا يضرب الأب مثلا في كثير من القضايا المتعلِّقة بالله عز وجل؟ لأن نظام الأبوَّة وحده يدلُّك على الله, أي هناك إنسان واحد يتمنَّى أن تكون خيراً منه هو الأب, هناك إنسان واحد قد يعمل ليلاً نهاراً من أجل ابنه.
حدَّثني أخٌ عن إنسان يعمل عملاً شاقًّا جدًّا، نقل أكياس، ينوءُ بحملها، جاء الساعة الثامنة تماماً, وبدأ يعمل حتى الساعة الثامنة مساءً، المبلغ زهيد، فقال له صاحبُ العمل: أتعمل حتى الساعة الحادية عشرة وتأخذ خمساً وعشرين ليرة إضافية؟ قال: نعم، لماذا؟ عنده زوجة وأولاد، عمل يهُدُّ الجبالَ، بأجر زهيد جداً, لأن له زوجة وأولاد، وهذا المبلغ اليسير قد يأتي بخبز، وقد يأتي بفاكهة لأولاده وزوجته، هذا بطل عند الله عز وجل، وهو لماذا يعمل هذا العمل الشاقُّ؟ من شدَّة حبِّه لأهله وأولاده، من أجل أن يفرحهم بفاكهة وبطعام، يجهد هذا الجهدَ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ))
فإذا وجد ابنَه مثلاً يعمل عملاً يسيء إلى سمعته، أو إلى صحَّته, أو إلى مستقبله، يتألَّم الأب، وهذا الألمُ هو الغيرة، هو الذي يدفعك إلى أن تؤدِّب ابنَك، نظام الأبوَّة يدلُّ على الله رحمة وعلماً. هذه غيرة الله عز وجل :
فالعبدُ حينما يعصي اللهَ يغار اللهُ. وبصراحة:
وإذا كنت جالساً في غرفة الجلوس مرتاحاً أيام الشِّتاء على مقعد وثير, وقد أتيت البيتَ وأنت في غاية التعب، وما إن استرخيتَ على هذا المقعد الوثير والمدفأةُ مشتعلةٌ حتى استرختْ أعضاؤك, فرأيت ابنك الصغيرَ يقترب نحو المدفأة وهو يجهل ما سيكون، هل هناك أبٌ في الأرض يبقى جالساً؟ لو كان منهكاً من التعب إلا ويقفز من مجلسه ليمنع ابنَه من أن تحترق يدُه بالمدفأة، ما هو التفسير؟ غيرة, وأساس الغيرة الحبُّ والرحمة, إذًا: الغيرة مظهر سلوكي ينطلق من حبٍّ ورحمة، فإن الله يغار، عبدٌ يشرب الخمرَ، اتركه لجهنم، أعوذ بالله، عبد يزني، اترُكه لجهنم، أو شعوب ضالَّة مضلَّة فسق وفجور, وبلد سياحي جميل, وجبال خضراء، وطعام طيِّب, ومناظر جميلة، وتجارة رائجة، وكلُّ شيء ميسور, وكل الموبقات موجودة, وكل الأشياء القذرة موجودة، لا يحدث مع الشعب شيء إلى يوم القيامة إلى جهنم كله، لا؛ هناك زلزال، وهناك شحُّ المياه، هناك قحط, وهناك ضيق في الأرزاق، حتى يعودوا إلى الله عز وجل، وهذه غيرة الله عز وجل.
لماذا حرم الله الفواحش؟ :
أضرب مثلاً: حفرة عميقة جداً, وترى طفلاً أعمى يمشي باتِّجاه الحفرة، تبقى ساكتاً وهو ليس ابنَك؟ مستحيل، هذه الغيرة، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 33]
ولماذا حرَّم الفواحش؟ لأنه يغار، والفواحش طريقٌ إلى النار، ولو أنه أباحها وانتهت بصاحبها إلى النار, أين غيرةُ الله عز وجل؟ ولأنه يغار حرَّم الفواحش، ولأنه يغار يسوق لعباده بعض المصائب، ولأنه يغار يغضب من عبد أتى ما حُرِّم عليه, لأنه حرم نفسَه هذه السعادة.
من صفات المؤمنين :
وفي الصحيح أيضاً: عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ:
((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ َعلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ!؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي))
إنسان لا مبالٍ, كلُّ شيء يراه من أهله لا يأبه له, تخرج زوجتُه إلى الشُّرفة بالثياب الفاضحة لتنشر الغسيل, والشرفة على الطريق العام, تراه مرتاحاً ولا يغار، لا يخجل من الله أن تظهر امرأتُه بهذا الشكل أمام الرجال، فالغيرةُ من صفات المؤمنين.
عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ َعلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ!؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي))
ما الذي يغضبك؟ :
أخواننا الكرام, هناك غضب شريف، وهناك غضب يُعدّ نقيصة في الإنسان، المؤمن يغار إذا انتُهكت حرماتُ الله، ولا يثور لأكل, أما قضية الأكل تأخَّر، لآنية كُسِرت، لزوجة غابت عند أهلها فترة أطول، هذا هيِّن ليِّن، يألف ويؤلف، أمور الدنيا لا شأن لها عنده، أما أمور الآخرة، هي الزوجة تشعر ما الذي يغضب زوجها؟ إن أغضبته الدنيا سقط من عينها، وإن أغضبته الآخرة عظُم في عينيها، ولا يوجد إنسان لا يغضب، والغضب ضروري، لكن ما الذي يغضبك؟ يغضبك أن الأولاد ناموا ولم يأكلوا؟ أم يغضبك أنهم ناموا ولم يصلُّوا؟ أول تسأله: كتبوا وظائفهم, قلَّما تجد أبًا يقول: هل صلوا العشاء؟ كتبوا وظائفهم وتعشَّوا, الحمد لله والصلاة!! أين قوله تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾
[سورة طه الآية: 132]
قد يكون صاحب محلٍّ تجاري وعنده موظَّف، إذا تأخَّر ربعَ ساعة يقيم عليه النكير، الظهر والعصر والمغرب ما صلاها أين الدين؟ مرتاح, ولا يشعر بغيرة الموظف، وأمانة في عنقك، أفلا توجِّهه؟ ولأن الله يغار حرَّم الفواحش، ولأنه يغار ساق المصائب، ولأنه يغار أدَّب عبادَه، ولأنه يغار ساق لهم ما يرجعهم إلى الله عز وجل .
مما يدخل في الغيرة :
قال: ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 45]
قال بعضُ العلماء: أتدرون ما هذا الحجاب؟ قال: هذا حجاب الغيرة فلا أحدَ أغيرُ من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفارَ أهلاً لفهم كلامه, ولا أهلاً لمعرفته وتوحيده ومحبَّته، جعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجاباً مستوراً عن العيون، غيرةً عليه أن ينالَه من ليس أهلا له.
لا ترض إذا كان عندك سبيكة ذهب -كيلو - قيمتها خمسمائة ألف، أن تجدها في القمامة، تقيم النكيرَ, وقد تجد قطعةً ثمينة في المطبخ مهملة, أو غير منظَّفة, أو غير ملمَّعة، أو ليست في مكانها الصحيح تغار، وإذا الشيء مُهان وهو ثمين تغار، وكلُّ إنسان في بيته أشياء ثمينة، إن رآها مهملةً أو غير معتنى بها يتألَّم، هذه قطعة ثمينة, مكانها في غرفة الضيوف، الأولى أن تكون نظيفةً وملمَّعة وموضوعة بشكل يلفت النظر، لذلك الله عز وجل جعل هذا الحجابَ المستور بين الفجار والكفار وبين أنبيائه ورسله وكتابه وأسمائه.
أنواع الغيرة :
1- غيرة من الشيء :
قال: والغيرة نوعان: غيرة من الشيء وغيرة على الشيء, فالغيرة من الشيء كراهةُ مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، طفل آخذٌ أعلى مكانة من والديه، فإذا أنجبت أمُّه طفلاً آخر تبدأ الغيرةُ والطفل يريد أن يستأثر بأمِّه، وهناك أزواج يشكون من غيرة زوجاتهم, لو لم تكن زوجاتُهم بهذه الغيرة لتألَّموا ألماً شديداً، من شدَّة محبَّتها لك تسألك: أين كنت؟ طبعاً الغيرة لها حدٌّ طبيعي سوي، ولها حدُّ مَرَضي, الحدُّ المرضي لا يُحتمل.
مثلاً: رجل صالح مؤمن مستقيم معروف مكشوف، له أصدقاء صالحون، تسأله: أين كنت؟ عند أصدقائنا، تعيد الكرَّة: معك واحدة؟ هناك مثل هذه الحالات، وهذه الحالات غيرُ معقولة, هذه اسمُها غيرةٌ مرضية، تتوهَّم أن زوجها ينحرف وهو أنقى من ماء السماء، لأنه تأخَّر عن البيت فقط، غيرة بحدِّها المعتدل ممتازة وجيِّدة وضرورية وحيادية، وسُلَّمٌ نرقى به، أو دركات نهوي بها، لأنه يغار جعل هذا الحجاب بينه وبين عباده العصاة، لأن هذا الشيء الثمين ليس لهم، لذلك قالوا:
من حدَّث بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلَها فقد ظلمهم.
من البلاء :
مرة قال لي طالبٌ في التعليم، وهو ضعيف في اللغة: الناس وصلوا إلى القمر، ونحن لا زلنا في الفاعل والمفعول, بعيد جداً أن أجيبه إجابة جادة، قلت له: هذه المادة بلاء من الله، وهو يسخر من هذه المادة، ويسخر من لغة أمته، ويسخر من لغة وطنه، وليس هناك أمة إلا وتفتخر بلغتها، فهو يرى أن هذه المادة لا حاجة لنا بها، يجب أن تُلغى، لأنها صعبة، فقلتُ له : هذه بلاء من الله، تحمَّلْ، لأنه يسخر، فهو ليس أهلاً أن تجيبه إجابة جادَّة.
متى يكون القرآن الكريم محجوب عن العبد؟ :
يقال: مرة أحد كبار فلاسفة البريطانيين -برنارد شو- في حفل جلست إلى جانبه امرأةٌ حسناء، وهو كان دميماً جدًّا، فقالت: لو تزوَّجتَني فأنجبنا ولداً, يجمع بين ذكائك وجمالي, وكان ذكيًّا جدًّا، قال: وإذا كان العكس، فجمع بين غباءك ودمامتي، فالنقطة دقيقة جداً، فاللهُ عز وجل إذا الإنسان لم يكن مستقيماً, ولم يكن طاهراً, القرآن محجوب عنه, هناك دليل أقوى، قال تعالى:
﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 82]
ودليل أقوى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾
[سورة فصلت الآية: 44]
القرآن، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾
[سورة فصلت الآية: 44]
تجد إنسان مستواه هابط جداً، هذا ليس أهلاً أن تعطيَه الحق، الحق لأهله، وله أهل.
شرح الحديث :
وبالمناسبة: إذا وجدتَ إنساناً معدنه طيِّب، كما قال عليه الصلاة والسلام ....
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا, وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً, وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
معدن هذا الإنسان طيِّب, وفيه حياء, وفيه أدب, وفي قلبه رحمة، ولو كان غير ملتزم، احرص على هدايته، أما إنسان وقِح متجهِّم, لا يستحي من الله, تعليقاته لاذعة جداً، هذا انصرِف عنه أشرف لك، لا تضع الحمكةَ في غير أهلها، ومن وضعها في غير أهلها كمن يقلِّد الخنازيرَ عقودَ الماس، عقد الماس قيمته ثمانون أو تسعون ألف ووضعه على خنزير، هذا العقد ليس لهذا الحيوان.
واحد قدَّم لحمار زهرة فلَّةً, فأكلها الحمارُ, فكان تعليقُ أحدهم: أن الحمار هو الذي أعطاه إياها ليشُمَّها فأكلها، والفلة ليست له، الفلَّة تُشمُّ من إنسان.
تتمة الكلام على الغيرة من الشيء :
الغيرةُ نوعان: غيرةٌ من الشيء وغيرة على الشيء، فالغيرة من الشيء: كراهةُ مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، هذه صفة مذمومة, طبعاً الدنيا محدودة، ففيها غيرة، وفيها تنافس، وفيها حسد, وفيها بغضاء، أما الآخرة مفتوحة للكلِّ، ولا يوجد إنسان ينافس إنساناً, والله ذو الفضل العظيم، ورحمة الله تسع كلَّ الناس.
عندنا وظيفة واحدة مدير عام، وهناك مئتا موظَّف، هذا المدير العام نُقِل، تنافس على هذه الوظيفة الواحدة مئتا موظَّف, في الدنيا الفانية عند الله عز وجل, لو فرضًا مائة ألف مليار إنسان ارتقى إلى مرتبة الصدِّيقين تسعهم رحمةُ الله عز وجل، لا توجد غيرةٌ، ولا تنافس أخاك، رحمة الله واسعة، وفضله عميم، ورزقه وفير، فالغيرة من الشيء كراهةُ أن يزاحمك أحدٌ في محبوبك، والله للجميع، بل إن من صفات النبيِّ -عليه الصلاة والسلام-: أنه ما من أحد من أصحابه إلا وكان متأكِّداً أنه أقربُ الناس إليه.
2-الغيرة على الشيء :
والغيرة على الشيء: هي شدَّة الحرص على المحبوب أن يفوز به غيرُك دونك، أن تغار عليه محبَّة بالغة له، أن تغار منه في أمور الآخرة محبوبة، وفي أمور الدنيا مذمومة، أن تغار من إنسان لأمر من أمور الآخرة غيرة محمودة، وأن تغار من إنسان لأمر دنيوي هذه غيرة مذمومة، أما أن تغار على إنسان فهذه صفةٌ محمودة دائما، حرص شديد.
3- غيرة العبد من نفسه على نفسه :
الآن: والغيرة أيضاً نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه، داخلية من إعراضه على إقباله، من صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة, من النفس الدنيَّة على النفس الشريفة، فهناك صفات مذمومة، فيغار من هذه الصفات أن تحتلَّ مكان الصفات العالية، دائماً المؤمن في قلق, يغار من نفسه على نفسه، فصار هناك شخصيتان: نفسٌ مقصِّرة ونفس متفوِّقة، يغار على نفسه المتفوِّقة من نفسه المتخلِّفة.
4- غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربِّه :
والغيرة أيضاً نوعان: غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربِّه، أما أن يغار ربُّه جلَّ جلاله على عبده، فهي أن لا يكون للخلق عبداً، أنت لله، فإذا كنتَ لغيره يغار عليك، قال تعالى:
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾
[سورة طه الآية: 41]
أنت لله، فإذا كنت لغيره الله عز وجل يغار عليك، لذلك غيرة الله على عبده أن لا تكون للخلق عبداً، أما غيرة العبد لربِّه، هذه نوعان: غيرة من نفسه وغيرة من غيره، فالتي من نفسه أن لا يجعل شيئاً من أعماله وأقواله وأوقاته وأنفاسه لغير الله، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
والتي من غيره يغضب إذا انتُهِكت محارمُ الله عز وجل, والمؤمن يرتجف إذا انتهكت محارم الله عز وجل، امرأة مستورة تُهان أو شيخ وقور يُهان.
هذه غيرة الأنبياء على البشرية :
أيها الأخوة, الأنبياء والرسل من شدَّة غيرتهم على البشرية, كانوا يتألّمون أشدَّ الألم حينما لا يستجيب الناسُ لهم، قال تعالى:
﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 1-2]
من شدة غيرته على الخلق كان يتألَّم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 1]
كان منقبض الصدر، لأن أهل مكة منحرفون، وغارقون في الربا, والخمور, والزنا، ولا يعرفون اللهَ عز وجل، فكان في ضيق, فلما جاءه الوحيُ انشرح صدرُه، قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 1]
فالأنبياء يغارون ويتألَمون أشدَّ الألم من أقوامهم حينما لا يستجيبون لهم.
مثلاً: أمٌّ هيأتْ طعاماً نفيساً جداً، جاء ابنُها من المدرسة, فأكل أخشن طعام، جائع، تقول له: انتظر ربع ساعة تأكل أطيبَ الطعام لا يستجيب، أحياناً تذمُّه، وهذا حب ورحمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 38]
من شدة غيرة الله علينا: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾
[سورة التوبة الآية: 39]
وما ذلك على الله بعزيز. متى يموت الإنسان على شعبة من النفاق؟ :
أخواننا الكرام, ورد عن رسول الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ, مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
والجهاد -كما هو مقرَّر عندنا- جهاد النفس والهوى، وهناك الجهاد الدعوي، والجهاد الدعوي مُتاح لكل مسلم، أن تجاهد الناس؛ أي أن تعلِّمهم القرآن، قال تعالى:
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 52]
يخطر ببال أحدهم أن لا يقرب إنساناً ليهديه أو ينصحه، يقول: ادعهم وشأنهم فالناس لا خير فيهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِذَا قَـالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))
قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: لا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ.
ما خطر بباله أن يتكلَّم كلمة حق في مجلس, وما خطر بباله أن يسمع شريطاً لإنسان، وما خطر بباله أن يدلَّ إنساناً على مسجد فيه درس علم، هذا الذي لا يحدِّث نفسه في كل حياته أن يدلَّ إنسانا على الله يموت منافقاً. ماذا تعني الغيرة؟ :
حقيقة الإيمان -أيها الأخوة-: ما إن تستقر في القلب حتى تعبِّر عن ذاتها بذاتها، بحركة نحو الخلف، لا يوجد إنسانٌ مؤمن منسحِب من الحياة, إنسان مؤمن متقوقِع، إنسان مؤمن سلبي، إنساني مؤمن بعيد عن هدي الآخرين, يقول: الناس ليس فيهم خير، الانسحاب وعدم الاهتمام بالآخرين, هذا يدلُّ على النفاق.
من مات ولم يحدث نفسه بالغزو -ولحد الأدنى- ولم يحدث نفسه بالغزو.
والجهاد كما ذُكِر: جهاد النفس والهوى أولاً، وثانياً: الجهاد الدعوي، ثالثاً: جهاد قتالي .
وإذا الجهاد القتالي اليوم غير متاح الآن, فالجهاد الدعوي ميسر لكل الناس، سمعت خطبةً انقلها للآخرين، سمعت درس علم، سمعت تفسير آية، سمعت قصَّة عن صحابي، سمعت حكماً شرعياً، سمعت طُرفةً عن عالم جليل تهزُّ المشاعر انقلها للآخرين, فهذا الذي لا يغار على عباد الله يموت منافقاً، فالغيرة من صفات الله عز وجل، ومن صفات الأنبياء والرسل، ومن صفات المؤمنين، والغيرة يعني الرحمة, والغيرة يعني الحبَّ، والغيرة يعني الحرص، قال تعالى:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 128]
هذه غيرة المؤمن على وقته :
بقي موضوعٌ في الغيرة: أن المؤمن عنده حرصٌ بالغ على وقته, يغار أن يضيع وقتُه سدى، يغار أن تفوته طاعةٌ، يغار أن يمضي اليومُ دون أن يُرزق عملاً صالحاً يرقى به عند الله، هذه غيرة المؤمن, فلذلك الوقتُ أثمن عنده من كل شيء، لأنه هو وقت، وما الإنسان إلا بضعة أيام, كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-19-2018, 04:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السبعون )


الموضوع : الفراسة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أين أخذت منزلة الفراسة؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الفراسة.
لا تنسوا -أيها الأخوة- أن كل هذه المنازل إنما هي مستنبطة من كتاب الله، ومما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالفراسة مأخوذةٌ من قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾
[سورة الحجر الآية: 75]
فقال مجاهدٌ -رحمه الله-: أي للمتفرسين.
وقال ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: للناظرين.
وقال قتادة: للمعتبرين.
وقال مقاتل: للمتفكرين.
المتوسمين، المتفرسين، الناظرين، المعتبرين، المتفكرين، فالتفكر، والاعتبار، والنظر، والفراسة من صفات المؤمن. هذا ما يكافىء الله به المؤمن :
وقبل أن نمضي في الحديث عن تفاصيل هذه المنزلة، لا بد من أن أشير إلى أن المؤمن حينما آمن بالله، وحينما اصطلح معه، وحينما استقام على أمره، وحينما عمل الصالحات تقرُّباً إليه، مـاذا يكافئه الله على هذا في الدنيا؟.
يكافئه بأن يملأ قلبه أمناً ورضى، يكافئه بأن يملأ قلبه سعادةً وسروراً، يكافئه بأن يُيَسر أموره ويدافع عنه، يكافئه بأن يحفظه ويتولى أمره.
آية لعلها في سورة محمد عليه الصلاة والسلام:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 11]
فهل شيء قليل أن يكون الله مولاك؟ كل شيء بيده، علمه مطلق، غناه مطلق، قدرته مطلقة، هو وليُّك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 11]
وازن بين طفلين؛ طفل له أب، عالم، مربٍ، مقتدر، يرعى خلقه، ويرعى جسمه، ويرعى دينه، ويرعى علمه، ويرعى نفسه، ويرعى حياته الاجتماعية، فالطفل مهذب، متفوق، أنيق، نظيف، مضبوط، وبين طفلٍ آخر لا أب له يرشده، فالطفل شريد، كلامه بذيء، ينام في الطرقات، منحرف الأخلاق, هذا الطفل له أب، وله مرجع، وله تربية، وهذا الطفل بلا أب، بلا مرجع، بلا تربية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 11]
فأنت حينما تصطلح مع الله، وحينما تقبل عليه، بماذا يكافئك؟ يكافئك بوعودٍ قطعها على نفسه، يكافئك أن ينصرك، أن يقرِّبك، أن يحفظك، أن يوفِّقك، أن ييسر لك أمورك، يكافئك بأن يملأ قلبك غنىً، يملأ قلبك أمناً، سعادةً، رضىً، هذه النِعَم التي هي في الدنيا يجعلها الله عز وجل متصلةً بنعم الآخرة، هذه مكافأة الله لك، يلهمك رشدك، يسدد خطاك، يعطيك رؤيةً، الآن وصلت إلى محور الدرس، يعطيك فراسةً.
إنسان يتدمر برؤية خاطئة بإنسان خدعه، إنسان يتدمر بزوجة تشقيه، بشريك مزعج، يتدمر بورطة كبيرة، يهلك بسوء نظر، فالمؤمن محصَّن من أن يهلك برؤيةٍ ضبابية، أو بموقفٍ مرتجل، أو بورطةٍ لا طاقة له بها، الله عز وجل يكرمه فيعطيه هذه الفراسة, هذا الإدراك العميق الذي يتميز به عن بقية الناس، المؤمن إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون ، ويسمع ما لا يسمع الآخرون، ويشعر بما لا يشعر الآخرون. هذه هي الفراسة :
من فترة قريبة وجد رجل جامع أموال، أرقامه فلكية، وأرباحه خيالية, وثق به الناس, ووضعوا بين يديه أموالهم, إلا أن بعض المؤمنين انقبضت نفوسهم، فسحبوا أموالهم، بعد حين كان هذا الجامع لأموال الناس محتالاً، فضاعت الأموال كلها، إلا لفئةٍ قليلةٍ بالفراسة استرجعت أموالها في الوقت المناسب, هذه مكافأة من الله عز وجل.
قصص كثيرة، صفقة تبدو لك وكأنك ستصبح بسببها غنياً، الفراسة قد ترشدك إلى انقباض، هذا الانقباض سبب حفظ مالك أحياناً، في مكافأة من الله للمؤمن هي هذه الفراسة، الفراسة ثابتة بالكتاب والسنة، تعرفها العوام وتقول: الحر قلبه دليله, عندك قدرة على كشف الحقيقة بشكل متميز، هذه القدرة هي الفراسة، إنسان مخادع تحس بانقباض، إنسان طيب تثق به، إنسان بريء تحس ببراءته، إنسان مخادع تقول: ما اطمأننت له, بالرغم من أن كلامه مقنع، كلامه رائع، مؤيد بكل الأدلة ومع هذا لم ترتح له، هذه هي الفراسة.
الفراسة كشفت حقيقة هذا المخادع، الفراسة كشفت براءة هذا البريء، فهذه الفراسة جزء من إكرام الله للمؤمن، جزء من ثمرات الإيمان، جزء من الثواب الذي يعود عليك من عملك الصالح: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾
[سورة الحجر الآية: 75]
للمتفرسين، للناظرين، للمعتبرين، للمتفكرين. من الشيء الثابت :
في شيء آخر: أيها الأخوة, الله عز وجل يقول:
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
هذه آية أوضح: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية:30]
فكم إنسان خدع إنساناً؟ وكم إنسان احتال على إنسان؟ وكم إنسان دمر إنساناً؟.
يعطيك من طرف اللسان حلاوةً ويروغ منـك كما يروغ الثعلب
فالمؤمن محصن من أن يكون ضحية خديعةٍ، أو ضحية مراوغةٍ، أو ضحية احتيال، الله عز وجل يعطيه فراسة، وهذا الشيء ثابت. قف هنا :
علماء الحديث أحياناً: يقعون على حديث سنده صحيح، ومتنه متماسك، يقول: هذا الحديث ليس فيه رائحة النبوة، صنَّفه العلماء حديث معلل، أي فيه علة باطنة، المتن صحيح، والسند صحيح، إلا أن عالم الحديث لفراسته, شعر أن هذا الحديث لا تفوح منه رائحة النبوة، قال لك: هذا الحديث ما قبلته, هذه فراسة.
الفراسة للمؤمن وحده، وغير المؤمن لا فراسة له؛ له حماقة، وله تورط، وله إيهام، المؤمن له فراسة، والقول الذي يتردد على كل الألسنة:
اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله.
هذا القول رواه الإمام الترمذي من حديث أبي سعيدٍ الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وله زيادة: وينطق بتوفيق الله.
إذن: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
كيف يكشف الله المنافق؟ :
إنسان دخل المسجد, ليبحث عن رجلٍ صالح, يعطيه أمانةً كبيرةً قبل أن يذهب إلى الحج، لفت نظره إنسان يصلي بخشوع، ويغمض عينيه، ويطيل الركوع والسجود، أعجبته صلاته، قال له بعد أن انتهى من الصلاة: والله أنا أريد أن أضع عندك أمانة، أنا ذاهب إلى الحج وقد أعجبتني صلاتك، وتوسمت فيك الخير, قال له: وأنا أيضاً صائم يا سيدي, قال له: والله ما أعجبني صيامك:
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
دائماً: الإنسان له فلتات لسان، هذه الفلتات تكشف عن حقيقته، تكشف عن خبثه أحياناً، تكشف عن دناءته دون أن يشعر، المنافق الله عز وجل يكشفه بهذا الكاشف من فلتات اللسان: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
لكن الله سترهم، لو نشاء لرأيت النفاق عليهم ظاهراً، ولكن سترناهم لعلهم يعودون إلى الله، لكنك يا محمد لتعرفنَّهم بسيماهم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
تجد وجهه لا ترتاح له، فيه مشكلة، ما في براءة، المؤمن نوره في وجهه، ضوء وجهه بريء، فيه طهر، فيه بساطة، والحقيقة: الوجه مرآة النفس، فنفسك تنعكس على وجهك، لذلك الوجه هي وجه ذات، الخبث يظهر في الوجه، والطيب يظهر في الوجه، والمخادعة تظهر في الوجه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾
[سورة محمد الآية: 30]
أنواع اللحن :
فالأول: فراسة النظر والعين، والثاني: فراسة الأذن والسمع، واللحن ضربان؛ صوابٌ وخطأ، فلحن الصواب نوعان: أحدهما الفطنة ومنه الحديث:
((وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ .
-أيضاً: الفصاحة الزائدة، والتشدُّق بالألفاظ والتقعر، وأن تأتي بشواهد، وأن تحفظ الشعر، هذا يبطن شيئاً، قد لا يرضي، فيه تصنُّع وتكلُّف، والنفس تكره التصنع والتكلف، والكلام البسيط أشد تأثيراً ووقعاً في النفس.
فقال: اللحن ضربان؛ صوابٌ وخطأ، الصواب نوعان: أحدهما الفطنة, ومنه الحديث-:
لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ.
-ذكي ويستخدم ذكاءه شبكةً يوقع بها خصومه، فطنته خبيثة، والثاني التعريض والإشارة وهو قريبٌ من الكناية.
بالمناسبة: أناسٌ كثيرون يتكئون على فتوى لعالم، أنا أقول لهم: هل من عالمٍ أعظم من رسول، من سيد الخلق, وحبيب الحق، ومن أوحى الله إليه، ومن أيَّده بالمعجزات، ومن جعله في قمة البشر؟ ومع ذلك: لو استطعت أن تستنبط أو أن تنتزع من فمه الشريف حكماً لصالحك ، ولم تكن محقاً في دعواك، لا تنجو من عذاب الله، وهذا الحديث شاهد-:
وَلَعـَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا))
فأنا أطمئن كل واحد معه فتوى من عالم بأن لا يرتاح لأنها لا تنفعه، لا تجديه فتوى عالم ولا تنفعه يوم القيامة، لا ينفعه إلا أن يكون مخلصاً لله عز وجل. ((وَلَعـَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا))
فالكياسة والذكاء والفطنة، طلاقة اللسان هذا من لحن القول، وفساد المنطق في الإعراب أيضاً من لحن القول. من فلتات اللسان :
وبالمناسبة: اللحن في اللغة هو الخطأ في الإعراب، ولحن أمام النبي -عليه الصلاة والسلام- أحدهم, فقال عيله الصلاة والسلام:
((ارشدوا أخاكم فإنه قد ضل))
ممكن أن يضاف إلى هذا فلتات اللسان، كتعبير أحدهم عن نفسيته بكلمة قد تأتي عرضاً، مدح رجل أحدهم وهو لا يحبه، فقال له بيتاً قاله الإمام الشافعي:
أحب الصالحين ولسـتَ منهم لعلي أن أنـال بهم شـفاعة
وأكره من بضاعته المعاصي ولـو كنا سواء في البضاعة
أحب الصالحين ولستَ منهم، هو يقصد أحب الصالحين ولستُ منهم، قال له: ولستَ منهم, فهذه من فلتات اللسان، بغضه ظهر، عبر عن نفسيته.
أثناء الحديث بين الناس تسمع كلمات تظن أنها خطأ، هي ليست خطأً، خرجت لتعبِّر عن حالةٍ نفسية. ما قيل عن الفراسة :
قال عليه الصلاة والسلام:
((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله))
العلماء قالوا: لعل حقيقة الفراسة أن الله عز وجل يقذف نوراً في قلب عبده المؤمن، فيرى بهذا النور الحق حقاً والباطل باطلاً، يكشف الخبايا، نور يخترق، فالمنافق مخترَق من قبل المؤمن، مكشوف، وهذه كرامةٌ للمؤمن أن يخترِق الإنسان ظواهر الناس.
وكان عليه الصلاة والسلام يحترس من الناس, ويحذرهم من غير أن يطوي بشره عن أحد.
وقال بعضهم: الفراسة فوق أنها نور يقذف في القلب، خاطرٌ يهجم على القلب ينفي ما يتراءى للإنسان في ظاهر الأمر.
بالظاهر إنسان بريء, لكن يأتي خاطر يهجم على القلب, يثب على القلب كوثب الأسد على فريسته.
وقال بعض العلماء وكان حادَّ الفراسة، لا يخطئ من يقول: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعَمَرَ باطنه بالمراقبة، وظـاهره باتباع السنة، وتعوَّد أكل الحلال، لم تخطئ فراسته.
وقال بعض العلماء: الفراسة أول خاطرٍ بلا معارض، فإن عارضه معارض آخر من جنسه, فهو حديث نفس وليس فراسةً, بلا معارض.
أحد العلماء يقول: الفراسة لا تكون إلا من غرس الإيمان -ليس هناك فراسة دون إيمان أبداً, شبه الإيمان بالغرس, لأنه يزداد وينمو ويزكو على السُقيا، ويأتي أُكُلَه كل حينٍ بإذن ربه، أصله ثابتٌ في الأرض وفرعه في السماء-, فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية، وسقى تلك الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة، كان من بعض ثمره الفراسة.
فالفراسة رؤية عميقة، قلما تقع بورطة، قلما تقع ضحية خديعة، عندك فراسة. من أفرس الناس عند ابن مسعود؟ :
ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: أفرس الناس ثلاثة؛ العزيز في يوسف، إذ قال لامرأته:
﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾
[سورة يوسف الآية: 21]
وهم لا يشعرون، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
[سورة القصص الآية: 26]
وسيدنا أبو بكر في عمر -رضي الله عنهما- حينما استخلفه -فراسته- قيل له: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله, أتولي علينا أشدنا، ألا تخاف الله؟ فبكى وقال: لو أن ربي سألني لقلت له: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به, فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب. فراسة.
أفضل إنسان بعده سيدنا عمر، وامرأة فرعون وهي صديقة كما قال عليه الصلاة والسلام:
((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))
﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 9]
هذه أربع فراسات وردت في كتاب الله.
وكان الصديق -رضي الله عنه- أعظم الأمة فراسةً، وبعده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيءٍ أظنه كذا إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في المواضع معروفة, أي أنه له عدة رؤى واجتهادات جاء الوحي بها، حتى هناك كتاب اسمه: موافقات سيدنا عمر، له رؤى واجتهادات الوحي نزل باجتهادات عمر رضي الله عنه، فكان من أعظم أصحاب رسول الله فراسةً. ينبغي أن تعلم :
فمن عصى الله من أجل إنسان وأرضاه، هذا الذي أرضيته وأسخطت الله عز وجل، لا بدّ من أن يسخط الله عليك ويُسخط عليك هذا الإنسان، وإذا أغضبت إنساناً في طاعة الله, لا بدَّ من أن يرضى الله عنك وأن يُرضي عنك هذا الإنسان، فهذه الكلمة: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
ماذا عن موضوع الحفظ؟ :
فموضوع الحفظ: الله عز وجل يقول في محكم كتابه:
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 64]
الإنسان أحياناً يسافر، فأثناء سفره هل يضمن أن ابنه خرج من البيت، وسيارة طائشة أصابته بحادث, أيضمن حدوث خلل بالبيت؟ ارتعب الأهل, دخل غريب الدار, مرض الأهل والولد, أما المؤمن إذا أزمع السفر يدعو بهذا الدعاء: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
بهذا الدعاء تحس أعصابك تخدرت، الله خليفتك بالبيت، يحفظ أهلك وأولادك ومالك وكل شيء، وترى أدلة، ترى كيف أن الله عز وجل حفظ لك ولدك من حادث خطير, نجا بأعجوبة، هذا حفظ الله عز وجل. قال:
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 64]
لكن ما عند الله لن تناله إلا إذا اتبعت منهجه، حفظ المال بتأدية الزكاة، حفظ الجوارح بطاعة الله، عينٌ تغض عن محارم الله، عين تبكي من خشية الله، ترثها لا ترثك، في فرق بين أن ترثها وأن ترثك .
وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا, وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا .
فالإنسان المؤمن ما دام لسانه ينطق بالحق، وبصره ينظر إلى آيات الله لا إلى عورات المسلمين، وسمعه يستمع به الحق، ما دام المسلم هكذا, أغلب الظن: أن الله سبحانه وتعالى يحفظ له هذه الجوارح، أي أن في حالة اسمها: حالة الأمن، المؤمن يشعر بأن الله سبحانه وتعالى لن يضيّعه, هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 81-82]
إذن: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 64]
أحياناً الأب عنده حرصٌ على ابنه لا حدود له، لكن لو حصل خلل بالخلايا الداخلية، ونمت هذه الخلايا نمواً عشوائياً، الأب ماذا بيده أن يفعل؟ بيده أن يتألم فقط، أما الإله كل شيء بيده: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 64]
فالذي يحفظ هو الله عز وجل. ما الذي يشد العبد إلى الدين؟ :
أقسم لي بالله رجل يقود سيارته في طريق طويل، وسرعته عالية، ونام وهو يقود السيارة، ورأى مناماً، واستيقظ في الوقت المناسب قبل أن يقوم بحادث مروع مدمِّر، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟.
تلاحظ: أن من حكمة ربنا عز وجل أنه أحياناً من اعتمد على ذاته، من اتكل على نفسه، من اعتمد على ذكائه، على ماله، على معارفه، على أصدقائه، على اتصالاته، مثل هذا الإنسان على أتفه الأسباب يدمر، وربُنا عز وجل حينما يدمره على أتفه الأسـباب يجعله عبرة للناس.
((ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها, إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته, إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأرسخت الهوى من تحت قدميه, وما من عبد يطيعني, إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني))
لذلك: أقوى شيء يشدك إلى الدين معاملة الله لك، بعد أن تصطلح معه، تشعر بعنايته، وتوفيقه، وإلهامه، وتسديده، وحفظه, وتأييده, ونصره، في إلهام، فالله عز وجل يلهمك أن لا تسافر، لأن بالسفر هلاك، أحياناً تنشأ حوادث ضخمة، قبل يوم من الاجتياح سحب كل ماله وجاء به إلى بلده، من اليوم الثاني فقد كل ماله، يوم واحد من ألهمك؟ الله عز وجل: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾
[سورة يوسف الآية: 64]
كلمة خير حافظاً: أي إن اعتمدت على ذكائك، أو على عقلك، أو على مالك، أو على أتباعك، أو على جماعتك، أو على صلاتك، أو على أشخاص أقوياء، أو على تخطيطك، أو على تدبيرك لا ينفعك: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 64]
هذه عاقبة المؤمن :
كفار قريش أليست معارضتهم لرسول الله هدفها الحفاظ على ما هم فيه؟.
-فبشكل واقعي ودعك من القيل والقال- زعماء قريش حينما عارضوا النبي، وكفروا به، وكادوا له، وأخرجوه، وحاربوه، واضطهدوا أصحابه، أليس من أجل أن يحافظوا على مكانتهم في مكة، وعلى زعامتهم، وعلى أموالهم، وعلى شأنهم في الجزيرة؟ فما الذي حصل؟.
دمروا، وقتلوا، ومزقوا، وشردوا، من الذي انتصر عليهم؟ رسول الله وأصحابه، الذين اتبعوه، هذا شيء متكرر دائماً يؤكده قوله تعالى:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
الأمور تدور وتدور وتدور، لا تستقر إلا على تكريم المؤمن وحفظه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
الحقيقة: كلمة حفيظ لها معنيان؛ المعنى الأول: حفيظ بمعنى عليم، الله لا ينسى، حفيظ لا ينسى, كل أعمالك، كل أقوالك، كل مواقفك، كل عطاءاتك، كل منعك، كل الصراعات التي في ذهنك، كل ما أنت فيه محفوظٌ عند الله عز وجل. من أمثلة الفراسة :
أيها الأخوة الكرام, من أمثلة الفراسة التي كان سيدنا عمر متفوقاً بها: أنه مر به سواد بن قارب ولم يكن يعرفه، فقال سيدنا عمر: لقد أخطأ ظني، أو أن هذا كاهن، أو كان يعرف الكهانة في الجاهلية -رجل لا يعرفه-, فلما جلس بين يديه, قال له عمر ذلك: هل أنت كاهن أو تعرف الكهانة؟.
قال: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما استقبلت أحداً من جلسائك بمثل ما استقبلتني به - لماذا اخترتني بالذات؟ لماذا قلت لي: هل أنت كاهن؟-.
فقال له عمر -رضي الله عنه-: ما كنا عليه في الجاهلية أعظم من ذلك، ولكن أخبرني عما سألتك عنه.
قال: صدقت يا أمير المؤمنين، كنت كاهناً في الجاهلية. ثم ذكر القصة.
انظر هذا القول للعلماء :
العلماء قالوا: أصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور الذين يهبها الله عز وجل لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك، قلبٌ حيّ وفيه نور فلا تكاد فراسته تخطئ، قال تعالى:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
آية واضحة، قلبه كان ميتاً فأصبح حياً، وفي هذا القلب نور يمشي به في الناس: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية:122]
كان ميتاً بالكفر والجهل، فأحياه الله بالإيمان والعلم، وفي بعض الأدعية التي أفتتح بها بعض الخطب:
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. فالآية مصداق ذلك:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
والقرآن هو النور، يستضئ به في الناس على قصد السبيل، ويمشي به في الظُلَم. ما هي الأشياء الثلاثة التي تتعلق بفراسة المتفرس؟ :
العلماء قالوا: فراسة المتفرِّس تتعلق بثلاثة أشياء؛ تتعلق بعينه، وبأذنه، وقلبه، فعينه للسيماء والعلامات، وأذنه للكلام والتصاريح، والتعريض، والمنطوق، والمفهوم، وفحوى الكلام، وإشارات الكلام، ولحن الكلام، وإيماء الكلام، وقلبه للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه، فيعبر إلى ما وراء ظاهره، كعبور النقَّاد من ظاهر النقش والسِكَّة إلى باطن النقد والاطلاع عليه هل هو صحيحٌ؟.
في فراسة بالعين، في فراسة بالأذن، بالعين سيماء، علامة، حركة، حركة غير معقولة ، بالأذن لحن القول، كلام منمَّق، مديح غير معقول، في وراءه قصد.
واقعة :
مرة إنسان وسطني أن أقنع جهة أن تقبل تبرُّع أرض لمسجد، ما كان يخطر في بالي على الإطلاق: أن يتبرع إنسان بأرض لمسجد لمصلحة مادية محضة، في أراضي غير منظمة, فإذا تبرع بمسجد تنظم هذه الأراضي، وترتفع أسعارها إلى أرقامٍ عاليةٍ جداً، هو يجني أرباحاً طائلة من تقديم أرضٍ لبناء مسجد، من يعرف ذلك؟ لو ذكرت هذا لآلاف الأشخاص يكبرون هذا العمل, ولكن الله عز وجل يعلم الحقيقة، فالإنسان حينما يكون مع الله عز وجل, أحد ثمرات هذا القرب من الله: أنه يجعل له نوراً يمشي به في الناس.
قصة :
الإنسان ولا سيما القاضي يميِّز بين الصادق والكاذب، الخبراء أحياناً بكل قضية فيها مشكلة في تحكيم، من عنده فراسة يكشف الحقيقة بشكل سريع.
إنسان رافق قافلة في الصحراء, معه مبلغ كبير من الذهب، افتقد المبلغ، فجاء شيخ القافلة وحدثه بالقصة، فجاء شيخ القافلة بخيمة ووضع بها حمار، وأمر أتباعه أن يدخلوا لهذه الخيمة, وأن يمسكوا ذيل الحمار، وأوهمهم أن السارق إذا أمسك ذيل الحمار ينهق الحمار، وأجبرهم، في الحقيقة الحمار ما نهق. ولكن بعد أن دخلوا وخرجوا، قال: مدوا أيديكم, وضع بذيل الحمار نعنع له رائحة عبقة، فشم أيديهم، أحدهم لم يظهر على يده أثر النعنع، قال: أنت الذي أخذت المبلغ، هو خاف، صدق هذا الكلام، فلم يمسك بذيله في الخيمة، فكُشِف.
في أيام أشياء معضلة، الله عز وجل يلهم القاضي أو المحقق فيكشفها، هذه من الفطنة.
للفراسة سببان هما؟ :
فقالوا: للفراسة سببان؛ أحدهما جودة ذهن المتفرِّس، وحدة قلبه, وحسن فطنته.
أي أنه قضية ملكات عالية جداً، وفي قصص كثيرة كيف إنسان عرف الحقيقة بسبب تافه؟.
امرأتان جاءتا إلى قاضٍ، تدعي كل منهما أن هذا الولد ابنها، فقال: أقسموه نصفين وأعطوا كل امرأة نصف, فالأم الحقيقية قالت: لا هو لها, لأنها شعرت بعطفٍ عليه، فعرف أمه الحقيقية من أمه الكاذبة.
فالفراسة تحتاج إلى حدة ذهن، وإلى جودة، وإلى حدة قلب، وحسن فطنة.
والشيء الثاني: ظهور علامات خفية، وأدلة على المتفرس فيه.
فإذا اجتمع السببان؛ حدة ذهنٍ، وعلامات خفية، ظهرت على وجه المتفرَّس به، تكاد الفراسة لا تخطئ، أما إذا كانت واحدة, تخطئ وتصيب، أما إن لم يكن هذا ولا ذاك قلما تصيب الفراسه، أي ذهن محدود وعلامات غير موجودة، فالفراسة ليس لها معنى.
قال: إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسةً، وله وقائع مشهورة.
والإمام الشافعي أيضاً كان له فراسة رائعة جداً، وإنه له فيها تآليف.
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, عودٌ على بدء: الفراسة أحد ثمار الإيمان، والحياة فيها مطبَّات كثيرة جداً، فيها أشخاص مخادعون، فيها أشخاص خبثاء، في أشخاص لهم مظهر حسن، ومخبر سيِّء، فمن أجل أن تنجو من ورطات، من إشكالات، من احتيالات، الله عز وجل كرَّم المؤمن بفراسةٍ تكاد لا تخطئ:
((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله))
وهذه الفراسة جزء من النور الذي يقذفه الله في القلب، والآية الكريمة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
هذا النور هو الفراسة، فأنت تختار أحسن الناس، وأحسن الأصدقاء، وأفضل الزوجات بهذه الفراسة الصادقة، فتعرف الطرف الآخر إما بعينك من علامات خفية، أو من لحن القول ، أو بحدة ذهنك, تستنبط من هذه العلامات حُكم، أو بنورٍ يقذف في قلبك كما قلت قبل قليل يكشف لك الحقيقة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 03:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و السبعون )


الموضوع : السر -1





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الواحد والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم منزلة السر, الله عز وجل يقول:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾
[سورة الإسراء الآية: 25]
هنــاك أناس أتقياء، أخفياء، أولياء، يعلم الله طيب سرائرهم، ويعلم الله إخلاصهم، ويعلم الله عن همتهم العالية كل شيء، لذلك خصهم بشيء، هؤلاء ليس لهم وجود قوي، ولا سمعة متألقة، إن حضروا لم يُعرفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا, هذه منزلة، ولعل هذه المنزلة تغطي كل إنسان في التعتيم، لا أحد ينتبه له، لا أحد يأبه له، لعله في الدرجة الدنيا الاجتماعية ، لعله في وظيفة بسيطة جداً، لعله يعيش على كفاف هؤلاء أصحاب منزلة رفيعة عند الله عز وجل، هذا الدين لكل الخلق قويهم وضعيفهم، من كان تحت الأضواء متألقاً، ومن كان في التعتيم, هذه المنزلة يختص بها ربنا عز وجل من يشاء، الانطلاق من هذه الآية:
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾
[سورة الإسراء الآية: 25]
ولقد قال عنهم بعض العلماء: أصحاب السر هم الأخفياء. بماذا خص أويس القرني؟ :
هناك مصطلح نقول: نجـوم المجتمع، يعني بالعلم هناك أشخاص يُشار إليهم بالبنان، في التجارة، في الصناعة، في الزراعة, في القيادة، في العلم الجـامعي، في التأليف، هؤلاء يسمونهم أعلام المجتمع، ميول المجتمع، وهناك أشخاص لا أحد يعـرفهم، يعملون عملاً طيباً فيمـا بينهم وبين ربهم، لهم إخلاصهم، ولهم محبتهم، ولعل أصدق شاهد على ذلك: أويس القرني. النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((إذا لقيتم أويس فاطلبوا منه الدعاء))
سيدنا عمر عشر سنوات يدعو أهل اليمن, لعل فيهم أويساً، في السنة العاشرة: سأل رئيس وفد اليمن: أبقي أحد من جماعتك؟ قال: لا لم يبق أحد، قال: أبداً؟ قال: راعي إبل وأجير قوم تركناه مع الإبل, فانطلق إليــه سيدنا عمر.
رجل فقير, هذا أويس القرني، من يعرفه؟ لضآلة شأنه ترك مع الإبل، وكان تابعياً، وكان من أصحاب المقام الرفيع عند الله عز وجل .
قصة ذكرتها مرات عديدة في دروس، وفي خطبة. هذا السر الذي خفي على أعداء الرسل :
قال: هؤلاء الذين اتبعوا الرسل في ساعة الشدة، الذين صدقوا الرسل, وآثروا الله والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم، أودع الله في قلوبهم سراً من أسرار معرفته ومحتبـه والإيمان به، هذا السر خفي على أعداء الرسل، فنظروا إلى ظواهرهم.
والآن: هناك شخص غني قوي؛ بيت، مكانة، مركبة، يلتقي صدفةً مع شخص, قد يكون حاجباً، قد يكون آذناً، قد يكون يبيع بضاعة على الطريق, يحتقره، يزدريه، لو علم ما في قلبه من أسرار، ومن إقبال, ومن إخلاص، ومن أشواق, لصغر هذا القوي الغني أمام هذا الفقير الضعيف.
ليس كل إنسان فقير عنده سر، ما كل إنسان يبدو أنه أقل من طبيعي عنده سر، يجب أن يكون متصلاً بالله، مقيماً على أمره، مطيعاً له، مقبلاً عليه .
ما هي المقاييس التي لم يعترف بها القرآن الكريم؟ :
وأكبر شاهد: قال: أعداء الرسل, انظروا إلى أتباع الرسل فازدروهم, فقالوا: اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك، قالوا:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 53]
فقال نوح -عليه الصلاة والسلام- لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة هود الآية: 31]
المقياس عند الله مقياس الطاعة لا مقياس الغنى، مقياس الإقبال لا مقياس القوة، مقياس الإخلاص لا مقياس الجمال، مقياس التوحيد لا مقياس الأتباع، هذه مقاييس دنيوية لم يعترف القرآن بها إطلاقاً.
اجعل مقياسك مقياس القرآن :
قال بعض العلماء: كلام سيدنا نوح: إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في بادئ الرأي وظاهره, فليس علي أن أطلع على ما في أنفسهم, فإذا رأيت من يوحد الله, علمت من ظاهره، ورددت علم باطنه إلى الله عز وجل, أنا لي أن أحكم بالظاهر.
هذا الكلام -أيها الأخوة- من أجل أن لا تحتقر أحداً، قد تكون رفيع الشأن في الدنيا وعندك خادم، ومن يدري أن الخادم له عند الله مكانة تعلو على مكانتك؟ وقد تكون غنياً في الدنيا وعندك موظف بسيط يتقاضى أجراً محدوداً, ومن يدري أن يكون هذا الموظف البسيط له عند الله مكانة تسمو على مكانتك؟ لا تزدري أحداً، لا تنظر إلى الناس بمقياس المال، هذا مقياس شيطاني، ولا تنظر إلى الناس بمقياس الجمال, هذا مقياس شيطاني .
كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الذقن، غائر العينين, ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبيـن، أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه, إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف, لا يسألونـه لمَ غضـب؟ اجعل مقياسك مقياس القرآن, قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[سورة المجادلة الآية: 11]
هذا هو المقياس: العلم والعمل، ولا تعبأ بمقياس آخر. إليك هذا الاستنباط في هذه الآية :
هناك استنباط رائع، حينما قال:
﴿الله يعلم ما في أنفسهم﴾
إذ أهلهم لمرتبة عليا في الدين.
يعني لماذا أسمع الله زيداً الحق، ولماذا أبقى عبيداً خارج الحق؟ لأن الله يعلم بما في نفوس العباد, في نفس هذا الإنسان طلب للحق، في نفس هذا الإنسان حب لله، في نفس هذا الإنسان شوق إلى الحقيقة، في نفس هذا الإنسان رغبة أن يكون كاملاً، لذلك ييسر الله عز وجل طريق معرفته. نقطة مهمة :
يعني نقطة دقيقة جداً: لك موقف، هذا الموقف سبب عطاء الله لك, الله عز وجل يعلم بما في نفس الإنسان, فيعطيه ما يتناسب مع ما في نفسه.
إنسان طالب للحقيقة, لا بد من أن يجمعه الله مع أهل الحق، إنسان طالب للإيمان العالي، لا بد من أن يجمعه الله مع أهل الإيمان العالي، لذلك قوله تعالى في سورة الأنعام:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 53]
ترى أخوين من أب وأم، من بيئة واحدة، من معطيات واحدة, من ظروف واحدة، أخ همه المال، أخ همه معرفة الله، الأخ الذي همه معرفة الله ييسر له الله أن يطلب العلم، وأن يرقى في مدارج السالكين, وأن يجري على يديه أعظم الأعمال، والثاني ييسر له المال الوفير, قال تعالى:
﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 20]
اطلب أنت، أي طلب تطلبه بصدق يحققه لك, يمد هؤلاء إن صدقوا فيما طلبوا من عطائه، ويمد هؤلاء إن صدقوا في طلبهم من عطائه:
﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾
الإنسان إذا أراد الله تراه يبحث عن علم، عن عمل صالح، عن فهم لكتاب الله، عن فهم لسنة رسول الله، يبحث عن طريق للدعوة إلى الله, يبحث عن شيء يقربه إلى الله، يحب المؤمنين، يكره الفسقة والكافرين, ولاؤه للمؤمنين، براءته من أهل الفجور والمعصية, هذا الإنسان تيسر له سبل الإيمان، وسبل التقوى، وسبل الرقي، وسبل العمل الصالح, هؤلاء من أصحاب السر، الذين علم الله ما في قلوبهم, فأهلهم لمرتبة تتناسب مع طلبهم .
أنت كأب عندك أولاد عدة، ابن همه مظهره، ابن همه دراسته, الذي يهمه دراسته لا يبالي كثيراً بمظهره، أحياناً يعتذر من سهرة ممتعة عنده مذاكرة في اليوم التالي، يعتذر عن نزهة رائعة عنده فحص، أحياناً يعتذر من صديق عنده مذاكرة، يقرأ الكتاب، يقرأ كتاباً آخر، يسأل, يناقش, يكتب، يلخص, الابن الثاني همه مظهره؛ عطورات، وألبسة، وتنزه في الطرقات، وسهرات, هذا بواد وهذا بواد, فإذا علم الله عز وجل سر الذي يطلب الحقيقة، ويطلب مرضاة الله عز وجل أهله، ورفع مقامه، ودله على طريق الخير، وأجرى على يديه كل خير، هذا هو السر. مشكلة :
أيها الأخوة, هناك مشكلة: أهل الدنيا يستنبطون من دنياهم العريضة: أن الله يحبهم لذلك يزدرون كل مـن حرم الدنيا، الآية واضحة:
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 53]
هؤلاء هم الأتقياء الأخفياء، أنت لك سر، هذا السر يطلع الله عليه بحسب ما في هذا السر من محبة لله، وإخلاص, ونقاء، وصفاء، وطيب, يؤهلك الله عز وجل إلى مقام يتناسب مع هذا السر، أما من كان له دنيا عريضة، وسره لا يرضي الله عز وجل، هذا محجوب عن الله بدنياه.
يُروى أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال له ابنه: يا أبت أنت هاهنا والناس يتنازعون في الإمارة، فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي .
هناك إنسان يحب أن يكون تحت الأضواء، يحب الشهـرة، يحب أن يكـون عالياً في الأرض، وهذه مشكلة، لقوله تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 83]
إنسان يُدعى إلى عقد قران، إن لم يكن في الصف الأول ينقم أشد النقمة.
فمرةً قلت: ليتنا نبني صالة فيها صف واحد، طولها خمسة كيلو مترات، هذه مشكلة كبيرة، إذا لم يكن في أول صف, معناه مكانته ليست معروفة في هذا المجلس.
كلمة دقيقة :
كلمة دقيقة أقولها لكم: هل تصدقون: أن سيد الخلق قاطبة دخل أعرابي إلى مجلسه, فقال: أيكم محمد؟.
من منكم محمد؟ ماذا نستنبط؟ ليس له مكان معين أبداً، كان واحداً من أخوانه، واحداً من أصحابه, هكذا علمنا النبي.
قال: تيامنوا، بكل شيء باليمين.
اجلس حيث ينتهي بك المجلس.
عالم من علماء الشام الكبار، بل هو سيد علماء الشام، أين كان يجلس؟ في طرف غرفته، أخوانه يجلسون في الصدر، وهو جالس في طرف الغرفة, تواضعاً لله عز وجل.
قيم جديدة، هالة كبيرة جداً، وتعظيم، ومراتب, كراسٍ، وهيئة، وأبهة، وعظمة، هذه ليست من الدين في شيء.
وقد ورد في صحيح مسلم: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له, لو أقسم على الله لأبره))
كم طبقة لفئة الأتقياء؟ :
الحقيقة: هؤلاء الأتقياء الأنقياء على طبقتين، قال: الطبقة الأولى: طائفة علت هممهم، وصفت مقاصدهم، وصح سلوكهم، حتى سبقوا السائرين, فلم يوقف لهم على رسم، ولم ينسب إلى اسم، ولم يُشر إليهم بالأصابع, يريد الظل، يريد أن لا يعرفه أحد .
الآن: في أشخاص كثيرون يفعلون أجل الأعمال ولا ينطقون بكلمة, يعملون بصمت، ولكن والله قلوبهم مفعمة بمحبة الله، قلوبهم عامرة بذكر الله، هؤلاء أخلصوا.
قال: هؤلاء لهم ثلاث صفات إيجاب، وثلاث صفات سلب، ثلاث صفات ثبوتية، وثلاث صفات سلبية، هؤلاء الأتقياء الأنقياء أصحاب السر الذين علم الله ما في قلوبهم . من خصائص الأتقياء الأخفياء :
1-علو هممهم :
الصفة الأولى: علو هممهم، أهل الدنيا يميلون إلى الدعة، يخمدون إلى الأرض، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 38]
هؤلاء الأتقياء الأخفياء, أصحاب همم عالية، لا يفترون عن العمل الصالح، ليلهم ذكر، ونهارهم ذكر، وعملهم خدمة، ومتواضعون, يبذلون من وقتهم، وجهدهم، وأموالهم الشيء الكثير.
قال: هؤلاء هممهم عالية، علو همتهم لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه, ولا ترضى بغيره بدلاً، ولا تبيع حظها من الله، وقربه، والأنس به, والفرح, والسرور, والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الدنيوية الفانية، هؤلاء أولى صفاتهم علو هممهم، الله عز وجل يبارك لهم في وقتهم، في وقت قليل يفعلون الشيء الكثير، يبارك لهم في أموالهم ، بمال قليل ينتفعون منه الشيء الكثير، يبارك لهم في زوجاتهم، تأتيهم زوجات على شاكلتهم ، معهم على طريق الإيمان، يبارك لهم في أولادهم، أولادهم عون لهم في الإيمان.
أول علامة: علو الهمة، هذا الكسول يميل للاسترخاء، والراحة, والتأجيل، يقول: ما عندي متسع من الوقت، جسمي له حق، أريد إراحته، لا توقظني من النوم، هذا وقت متأخر اعذرني، قولوا: ليس في الدار, الانسحاب من العمل الصالح سهل، ولكن مع الانسحاب من العمل الصالح هناك انسحاب من رحمة الله.
2-صفاء القصد :
العلامة الثانية: صفاء القصد، يعني قصدهم خال من الشوائب, قصدهم مجرد من حظوظ الدنيا، والقصد له آفتان؛ الآفة الأولى: أن يشترك في هذا القصد عمل للدنيا وعمل للآخرة، والآفة الثانية: أن يكون لغير الله, أن يكون مع قصده لله قصد آخر، أو أن يكـون لغير الله.
يعني خلوص القصد من كل إرادة, تزاحم مراد الله عز وجل، بل يصير القصد مجرداً لمراده الديني الأمري فقط، وعلامته انبذاج حظ العبد في حق الرب تعالى, صار ميلك وفق ما جاء به القرآن، حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به .
3-صحة السلوك :
العلامة الثالثة: صحة السلوك، في انضباط، يقف عند الحلال والحرام، تجده حيث أمر الله، تفتقده حيث نهى الله عز وجل، فسلوكه سليم من الآفات والعوائق والقواطع والحجب، وإنما يصح هذا السلوك بثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون على الدرب الأعظم درب محمد صلى الله عليه وسلم، عمله وفق السنة, لا بدع، لا خرافات، لا إضافات، لا حذف من السنة، عمله وفق السنة، هذه أول صفة صحة السلوك .
الصفـة الثانية: أن لا يجـب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة، وهو في الطريـق إلى الله هناك مغريات، وسماها العلماء صوارف، يعني جلسة، نزهة، دعة، استرخاء، إهمال, العمل الصالح هو على السنة ولا يستجيب لأي صارخ، ودائماً ينظر إلى مقصودة.
إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، هذه الأشياء الثلاثة يصح بها السلوك.
الأتقياء الأخفياء أول خصائصهم الهمة العالية، وثاني خصائصهم صفاء قصدهم، وثالث خصائصهم صحة سلوكهم، هؤلاء أتقياء أخفياء، ودعك من الأضواء والشهرة وما إلى ذلك, من هو أشهر مخلوق؟ إبليس, ليست الشهرة مقياساً أبداً، المقياس أن تكون على منهج الله.
قف هنا :
أيها الأخوة, من تمام إحسان الرب إلى عبده وتعريفه قدر نعمته: أن أراه النفس التي كانت حاكمة عليه، قاهراً لها، مقهور مغلوبة.
الآن: كل واحد من عامة الناس عبد لنفسه، يفعل ما تشتهيه نفسه، يتحرك بأمر هواه، مقهور لها، يعني أعلى مرتبة لهؤلاء الأتقياء الأخفياء أصحاب السر أنهم قهروا أنفسهم, إن اتبـاع الهوى هـوان:
يا خجلتي من عـتاب ربــي إذا قال لي أسرفت يا فلان
إلى متى أنت في المعاصــي تسير مرخى لك العنـان؟
عندي لك الصــلح وهو بري وعندك الســيف والسنان
ترضى بأن تنقضي الليالــي وما انقـضت حربك العوان
فاسـتحي من كتـاب كريـم يُحصى به الـعقل واللسان
واسـتحي من شــيبة تراها في النار مـسـجورة تهان
أيها الأخوة, من تمام إحسان الرب إلى عبده لهؤلاء الأتقياء الأصفياء الأخفياء: أن يزيل من قلبه آفة الركون إلى نفسه، أو عمله، أو حاله، لو كان حاله متألقاً، ولو كان عمله عظيماً، ولو كانت نفسه طاهرة، لا يركن إلا إلى الله، دائماً يتهم نفسه, في الطـريق مزالق، أحد هذه المزالق: أن تعجبه نفسه بعمل صالح قام به، فتألق فاكتفى به، صار يمدح نفسه، يكيل المديح لنفسه بغير حساب.
من إكرام الرب إلى عبده: أن يزيل عن قلبه آفة الركون إلى نفسه أو عمله أو حاله، كما قيل:
إن ركنت إلى العلم أنساكه الله، -يغيب عنك العلم-، أو ركنت إلى الحال سلبه منك، أو ركنت إلى المعرفة حُجبت عنك، إن ركنت إلى قلبك أُفسد قلبك، فلا يركن العبد إلى شيء سوى الله البتة، ومتى وجد في قلبه ركون إلى غير الله عز وجل, فليعلم أنه قد أحيل على مفلس.
لا تركن لا إلى قلبك، ولا إلى مالك، ولا إلى معرفتك، ولا إلى حالك، اركن إلى الله وحده . من أعظم الضر الحجاب عن الله عز وجل :
أيها الأخوة, من أعظم الضر الحجاب عن الله عز وجل، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
يعني أكبر مصاب أن يصاب به الإنسان في الدنيا: أن يكون عن الله محجوباً, بيت فخم، مكانة عالية, دخل كبير، أولاد، زوجة، ولكن عن الله محجوب .
الصلة بالله واحد، والمال صفر، الزوجة صفر، الأولاد صفر، التجارة صفر، الصحة صفر، الوسامة صفر، الذكاء صفر, اسحب الاتصال بالله، هذا الواحد، أنت أمام أصفار.
قال: من أعظم الضر حجاب القلب عن الرب، وهو أعظم عذاباً من الحجيم، قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
فالعـارف قلبه غير محجوب، بل يعيش في نور ظفره بإقبال قلبه على الله عز وجل، وجمع همه عليه وفنائه بمراده، فصار واجداً لما أكثر الخلق فاقداً له، لقد لبس قلبه نور ذلك الوجود، حتى فاض على لسانه وجوارحه وحركاته وسكناته.
غداً إن شاء الله :
أيها الأخوة, الدرس القادم إن شاء الله، أتصور أنه درس مهم جداً، هو ما الذي يحجبك عن الله عز وجل؟ .
هناك عشرة أشياء تحجب الإنسان عن الله عز وجل، ولأن الحجاب عن الله أكبر عقاب يُعاقب به الإنسان في الدنيا والآخرة، يكون محجوباً عن الله عز وجل:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 03:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و السبعون )


الموضوع : السر -2







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
قضية الحجاب من أخطر قضايا الإيمان :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها والتي بدأتها في الدرس الماضي هي منزلة السر؛ أي أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما تنطوي عليه نفوس عباده, فيحلهم بالمكان الذي يليق بهم، وقد انتهى الدرس الماضي إلى موضوع الحجب التي تحجب الإنسان عن الله عز وجل، ولا تنسوا أن أشد عقاب يعاقب به الإنسان يوم القيامة أن يحجب عن الله، والذي يحجب عن الله يوم القيامة محجوب عنه في الدنيا, فالمحجوب في الدنيا هو محجوب في الآخرة، ما الذي يحجبك عن الله عز وجل؟:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
ما من مصيبة تصيب الإنسان في الدنيا كأن يكون محجوباً عن الله, لو فقد ماله كله وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، لو فقد أعز شيء يملكه وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، لو فقد شيئاً من صحته أو بعض صحته وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، أما إذا ملك الدنيا بحذافيرها وكان محجوباً عن الله هو الخاسر الأكبر، وبشكل موجز إجمالي: المعصية تحجبك عن الله، ومتى حجب الإنسان عن الله, أصبحت التكاليف عبئاً عليه:
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾
[سورة النساء الآية: 142]
حضور الدرس عبء عليه، العمل الصالح عبء عليه، غض بصره عبء عليه، ضبط لسانه عبء عليه، التكاليف التي كلفنا بها تصبح على المحجوب أثقل من الجبال، أما حينما تكون موصولاً, تصبح الأعمال التي لا يقوى عليها معظم الناس هينة سهلة للمؤمن، الشيء العجيب: تقوى همته، فتخضع له الجبال، يكبر ولا ترى كبره, فيصغر أمامه كل عظيم، وحينما يحجب عن الله يصغر الإنسان ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، الموصول يكبر ولا ترى كبره، فيضؤل أمامه كل عظيم، حتى في التضحيات، حتى في بذل الأموال، حتى في ركوب المخاطر، يصغر أمامه كل عظيم، والإنسان حينما يحجب عن الله يصغر:
﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 124]
ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير، لذلك قالوا: واحد كألف وألف كأف، واحد يفعل المستحيل، وواحد لا يقوى على بذل القليل, قضية الحجاب من أخطر قضايا الإيمان.
ما ينبغي أن تحرص عليه :
يا أيها الأخوة الكرام, معاناة المؤمن كل يوم من الحجاب، الحج بالعمر مرة، الصيام من عام إلى عام، الجمعة من أسبوع إلى أسبوع، أما الحجاب كل يوم، كل ساعة، كل لحظـة ، في مخالفة محجوب، في طاعة موصول، إذا في طاعة وأنت موصول يصغر أمامك كل عظيم, وإذا في معصية وأنت محجوب يعظم عليك كل حقير، حياة المؤمن عجيبة، فبينما هو يطاول السماء رفعة، هو يداني الحضيض ضعةً، إن كان موصول أو محجوب، يجب أن يكون حرصنا لا حدود له على أن نكون مع الله, ويجب أن نبتعد عن كل مخالفة تحجبنا عن الله, أن نبتعد عنها بعد الأرض عن السماء، ومن ذاق عرف، الإنسان إذا ذاق طعم القرب, يصعب عليه أن يضيع هذا القرب بمخالفة بسيطة.
نقطة دقيقة :
النقطة الدقيقة التي أحب أن تكون واضحة أمامكم هي: أن الإنسان إذا كان محجوباً لكبيرة ارتكبها، طبعاً الكبيرة تستدعي الحجاب، أما أن يحجب عن الله عز وجل، ويخسر كل ثمار الإيمـان لمخالفة بسيطة مقيم عليها، هذه خسارة كبيرة.
لو فرضنا أن إنساناً يشنق لجريمة ارتكبها, هذا منطقي معقول، أما أن يشنق لكلمة قالها، وكان بإمكانه أن لا يقولها، هو خاسر خسارة كبيرة.
ما هي الحجب التي تجب العبد عن الله؟ :
1-حجاب التعطيل :
هذه مقدمة أيها الأخوة، أما التفصيل:
الحجب التي تحجب عن الله عشرة، أخطر حجاب: حجاب التعطيل, ويقصد به المؤلف: حجاب الجهل، الجاهل عدو نفسه, الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، الجهل: إذا حجبت عنك حقائق الذات الإلهية، حقائق الأسماء والصفات، لا تعرف عن الله شيئاً، شيء طبيعي جداً أن ترتكب كل الموبقات وأنت مرتاح، لا تعلم من هو الله؟ ولماذا خلق الله الإنسان؟ وماذا بعد الموت؟ وماذا قبل الموت؟ وماذا في الحياة؟ وما الرسالة؟ وما السر؟ وما الهدف؟ الإنسان يحجبه عن الله جهله:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
إنسان يحمـل دكتوراه بالرياضيات، وإنسان لا يستطيع أن يجمع اثنين واثنين، هل يستويان؟ نأخذ الذي يحمل الدكتوراه بالرياضيات قيمته من قيمة علمه، فإن كان علمه متعلقاً بشيء دنيوي وإنسان يعرف الله، ما بين الذي يعرف الله ويعرف الرياضيات كما بين الله وخلقه، ألم يقل الله عز وجل:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية:59]
معناه في إنسان خبير بالله عز وجل:
﴿فاسأل به خبيراً﴾
يعلم عن الله شيئاً جيداً جداً، يعلم عن الله صفاته وأسماءه وكمالاته ووحدانيته, ويعلم عن الله عدله ورحمته ولطفه وقدرته وغناه وحكمته، فإذا كان الذي يعلم علماً أرضياً له أعلى مكانة في المجتمع, فكيف الذي يعرف الله عز وجل؟ لذلك هذا أول حجاب، من كان جاهلاً بالله، من كان غافلاً عن الله, لا يمكن أن يصل إليه بتة، أكبر حجاب هو الجهل، وأكبر كرامة هي العلم. من نعم الله العظمى :
قرأت آية قرآنية كتبت على لوح ووضعت بصدر بيت فاقشعر جلدي منها:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
يعني إذا الله عــز وجل تفضل علينا: أن عرفنا بذاته، وعرفنا بمنهجه، وعرفنا برسوله، وعرفنا بدينه, فهذه نعمة عظيمة لا تعدلها نعمة على الإطلاق، لقول الله عز وجل:
﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[سورة المجادلة الآية: 11]
الذي لا يعرف الله عز وجل يكون حجابه حرمان الخير الذي يأتيه من الاتصال بالله، إنسان لا يعرف الله يأكل مالاً حراماً، أو يغتصب مالاً ليس له لأيتام، أو يأخذ مال شريكه، أو يغش الناس غشاً يحصل منه أرباحاً طائلة، فحينما يأتي دور العقاب والتأديب، يكون سبب البطش به جهله.
الجهل أعدى أعداء الإنسان :
يروى أن غلاماً غمز أمير المؤمنين -سيدنا معاوية- وهو يصعد المنبر، كان حليماً، وكان ذكياً، قال: اذهب وخذ الرهن يا غلام، فغمز أميراً آخر فقطع رأسه, فقالوا: حلم معاوية قتل الغلام.
يعني الإنسان جهله أحياناً هو الذي يهلكه:
احفظ لســانك أيها الإنســان لا يلدغـنـك إنــــه ثـعبـان
كم في المقابر من قتيل لسانــه كانت تهاب لقاءه الشجعـــــان
فالجهل أعدا أعداء الإنسان.
يعني إنسان أراد أن يظهر براعته بالقيادة, فداس على يدي كلب فقطعهما, -القصة ذكرتها لكم كثيراً- في الأسبوع الثاني قطعت يداه الاثنتان معاً من الرسغ، هذا لو كان يعلم أن الله سينتقم منه، لأنه قطع يدي كلب، ما كان يفعل هذا، ما الذي جعل يداه تقطعان، جهله بالله عز وجل.
إنسان قد يأكل المال الحرام، فالحرام يذهب ويذهب معه أهله, ما الذي جعله يهلك؟ أكله المال الحرام، لماذا أكل المال الحرام؟ لأنه يجهل الواحد الديان.
القضية دقيقة جداً؛ حينما لا تعرف الله، في الأعم الأغلب تعتدي على حقوق الآخرين، البلاد الإسلامية فيما أعلم طافحة باعتداءات لا حدود لها، اذهب إلى أي وزارة عدل، إلى أي محكمة، تجد آلاف الدعاوى، كلها احتيال، وكلها اغتصاب أموال، واغتصاب محلات, واغتصاب شركات، شيء لا ينتهي، هؤلاء جميعاً يجهلون أن الله سينتقم وسيحاسب، ثم يأتي التأديب فيسحقهم، إذاً: ما الذي جعلهم يدفعون هذا الثمن الباهظ؟ هو جهلهم بالله عز وجل.
قصص كثيرة جداً، الجهل حجاب، الجهل يحملك على أن تعتدي, والعدوان له من الواحد الديان عقاب شديد، فالعقاب الشديد الذي ينزل بساحة إنسان اعتدى على أخيه هو عقاب عدوانه، والعدوان سببه الجهل بالله عز وجل، هذا أكبر حجاب.2-حجاب الشرك :
قال: الحجاب الثاني: هو حجاب الشرك، يعني أن تعبد الله، وأن تعبد جهة أخرى غير الله، هذا حجاب الشرك، فأنت بين أنك تخاف من الله وتخاف من هذا الإنسان، بين أن ترجو رحمة الله وترجو رحمة الإنسان، فإذا تعارض أمر الله مع أمر هذا الإنسان، الإنسان محسوس الله لطيف، إذا أمرك جبار قوي بمعصية، بيده السلاح، وأشهره عليك, وقال لك: افعل، أنت ماذا ترى؟ ترى إنساناً بيده سلاح يهددك, أما قوة الإيمان تريك الله.
سحرة فرعون حينما جاء بهم فرعون ليكيدوا لسيدنا موسى هم سحرة، ما إن رأوا عصى تصبح ثعباناً كبيراً يلتهم كل عصيهم:
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 70 – 71]
تصـور فرعون، فرعون الآن قصة، الآن فرعون خبر، أما فرعون في عصر فرعون، في حياة فرعون، يهدد بقطع الأيدي والأرجل:
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 72 – 73]
هي تهديد من طاغية مخيف، يفعل ما يهدد به، ومن الإيمان بالله قوي إيمانهم.
سيدنا موسى مع أصحابه، فرعون وراءهم، والبحر أمامهم:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية:61 – 62]
فالحجاب الثاني حجاب الشرك، سحرة فرعون لم يروا إلا الله, سيدنا موسى لم ير إلا الله، سيدنا إبراهيم لم ير إلا الله، سيدنا يوسف:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية: 23]
لم ير إلا الله، سيدنا محمد: ((والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر, ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه))
إذاً: الإيمان يعطي قوة كبيرة جداً، الشرك هو حجاب يصرف الإنسان عن وعد الله ووعيده, فيقع ضحية وعد العبيد ووعيدهم، يطمع بوعد عبد، ويخاف من وعيد عبد، وينسى وعد الله ووعيده، هذا الشرك، فالجهل حجاب، والشرك حجاب. 3-حجاب البدع القولية :
قال: هناك حجاب البدع القولية.
في كلمات يقولها العوام دائماً عند الناس يعني بديهية، مثلاً: نحن عبيد إحسان لا عبيد امتحان، اللهم لا تمتحنا، كلمات، يا رب لا تسألنا عن شيء، هو يقول لك:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 92 - 93]
تقول: أنت يا رب لا تسألنا عن شيء، هذه كلها بدع قولية.
أحياناً الإنسان دون أن يشعر, يلاقي شخصاً منعماً، وشخصاً محروماً، وقد يكون المنعم فاجراً، وقد يكون المحروم مستقيماً، يقول بدعة قولية، الله عز وجل يطعم الحلاوة لمن ليس له أسنان، يعني الله غير حكيم، وهكذا كلمات لا تنتهي، إذا واحد رأى منكراً أمامه, يقول: دعهم اللهم سلامتي, إذا واحد اضطر أن ينافق مثلاً, يقول لك: من تزوج أمي هو عمي، هذه كلها بدع قولية، لا تعترض بتنطرد، كن حر التفكير، فكر واسأل، تراكمات عصور الانحطاط سببت بدعاً قولية لا أصل لها، أو أن إنساناً غارق بالمعصية ويقولون: قد يكون ولياً، إنسان متلبس بمعصية ولي لله عز وجل؟ أو إنسان يهمل نفسه إهمالاً شديداً، هذا ولي, هذا من أهل الخطوة، هذه كلها بدع قولية، هدفها أن تحدث اختلاف توازن، أو أن تقرأ بكتاب أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- هذا كان أعلم علماء عصره، وترك كتاب الإحياء و و و ......، حينما توفاه الله عز وجل لم يدخل الجنة إلا بسبب: أن دودية وقفت على كلمة كتبها بالحبر, فجعلت تشرب من هذا الحبر, فانتظرها الغزالي حتى ارتوت، فدخل الجنة بهذه، كل أعمال الغزالي مهدورة لا قيمة لها، معقول هذا الكلام، هذه كلها بدع قولية، حجاب.
إنسان يشرب الخمر، يقول لك: الله يعلم، كاسات معدودة بأماكن محدودة، مقدر عليه ذلك، أو يقول لك: الله خلقه كافر، قدر عليه الكفر, وسوف يدخله إلى النار إلى أبد الآبدين, أنت بهذا الكلام تحجب عن الله, ليس له ذنب، الله خلقه كافر، قدر عليه الكفر قبل أن يخلق، ثم جعل مصيره إلى النار، هذه بدعة قولية، تحجب الإنسان عن الله عز وجل, أو يقول لك مثلاً: ممكن أن تعبده طوال حياتك، ثم يجعلك في النار, ولا تستطيع أن تعترض، يمكن أن تعصيه طوال حياتك, ويكون مصيرك إلى الجنة؟ .
في أشياء؛ إنسان أمضى طول حياته بالمعاصي والآثام، وهو على فراش الموت, قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ اقعد وصل واقرأ خمس مرات قل هو الله أحد، يغفر لك كل ذنب؟ أعمال بسيطة، وكلمات تقولها تلغي معاصي عمر، أو إنسان قد يعصي الله، وقد قدر الله له الجنة هكذا, أو يقول لك: الله عز وجل لا يجب عليه الأصلح، يفعل ما يشاء, وقد يتفنون في شرح هذه المعاني، لكن الله قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة، قال لك:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7 - 8 ]
قال لك: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
يعني في آيات كثيرة جداً واضحة وضوح الشمس، فهذه البدع القولية تشكل حجاباً بين العبد وربه، هي كلمات شيطانية، حتى إن هناك أحاديث موضوعة تيئس الإنسان.
كل الناس هلكة إلا العالمون والعالمون هلكة -أعوذ بالله-, قال: إلا العاملون -عالم عامل نفذ، لا-, قال: والعاملون هلكة, -معقول!- إلا المخلصون, -عالم عامل مخلص نفذ, قال: لا-, والمخلصون على خطر عظيم.
هذا حديث وضعته الزنادقة من أجل التيئيس، ما في أمل، هذه كلها بدع قولية، إن في القضاء والقدر, وإن في بعض الأحاديث الموضوعة، أو كلمات عامية، أو كلمات أساسها القهر والخنوع الذي عاناه المسلمون في عصور الانحطاط، هذه كلها بدع؛ إما أن تنفي عن الله الحكمة أو:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
[سورة الأنفال الآية: 25]
يقول: البلاء يعم والرحمة خاصة، أعوذ بالله! هل الكل سواء؟ هذا كلام غير معقول, لأن الله يقول:
﴿وهل نجازي إلا الكفور﴾
الآية معروفة: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة الذاريات الآية:36]
الله نجاهم وحدهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 88]
فالبدع القولية كثيرة جداً، بعضها تفسير للقرآن غير صحيح: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7 - 8]
الله ألهمه الفجور، تفسير ما أنزل الله به من سلطان، الآية الكريمة عن النفس البشرية:

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 16]
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة السجدة الآية: 13]
الله لا يريد أن يهدي الناس جميعاً، لكن يريد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين, تأويل خطأ لآيات، أو أحاديث موضوعة، أو كلمات عوام، أو أمثال شعبية، هذه البدع القولية هي حجاب بين العبد وربه.
4-حجاب البدع العملية :
أو بدع عملية كالاختلاط، يقول: هذه مثل أختي، لا هي ليست أختك أبداً، هي مثل والدتي إن شاء الله، لا هي ليست والدتك, تقول: أنا لا أنظر بشهوة, يسهر سهرة للساعة الواحدة، ومزح، وغمز, ولمز، وقال: هو بريء, هذه بدع عملية، اختلاط، أو لا يدفع زكاة ماله, يقول: أنا لا أملك أموالاً طائلة، أو أنا قدرت، يضع ربع التقدير الحقيقي.
يوجد عندنا بدع قولية، وبدع عملية، إما للتهرب من الزكاة، أو أن إنساناً يموت وهو تارك صلاة، يدفعون سقوط صلاة, مسألة سهلة.
إذا كان واحد لا يصلي كل حياته، وغني ومعه مائة مليون, دفع مليوناً وارتاح من الصلاة.
العريس يظهر أمام النساء الكاسيات العاريات في العرس، تُصور المدعوات بفيلم, والفيلم يتناقله الرجال من بيت لبيت، وكل رجل يرى مجموع النساء في هذا الحفل، وهن بأبهى زينة، هذه بدعة عملية.
5-حجاب أهل الكبائر الباطنة والظاهرة :
ثم هناك حجاب أهل الكبائر الباطنة: الكبر، هذه كبيرة باطنة, الاعتداد بالنفس كبيرة باطنة، حب الذات كبيرة باطنة، التألي على الله كبيرة باطنة، توهم أنك على الحق وحدك كبيرة باطنة، توهم أن الجنة لك وحدك هذه كبيرة باطنة، كبائر باطنة خطيرة جداً، لأن الكبائر الظاهرة يتوب الإنسان منها، أما الباطنة تصبح جزءاً من كيانه، فالكبائر الباطنة كحجاب أهل الكبر والعجب والرياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها، ذلة قدم كبيرة عندما يقول: هذا عندي جائز، من أنت؟ أنت مشرع؟ نبي أنت؟ من أنت؟ ما معنى عندي؟:
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟
يقول: رأيي كذا، لك رأي مع الشرع أنت؟ أنت مشرع، أين الدليل؟ ما في إنسان بعد رسول الله يقول كلمة إلا يجب أن يأتي بالدليل, واحد بحياتنا هو سيدنا رسول الله, كلامه دليل فقط، ما سواه يفتقر كلامه إلى الدليل، فحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة.
يعني عامل مسبح مختلط، مسبح يسبح به النساء والرجال, مقيم على الصغائر، اختلاط، وإطلاق بصر، ومصافحة، وغيبة, ونميمة، فهذه حجاب أهل الصغائر.
6-حجاب أهل المباحات :
في عندنا حجاب أهل المباحات، التوسع في الدنيا، يمضي من حياته سنوات طويلة لإعداد شيء مريح له، لا يستمتع به سنة أحياناً ولا شهر.
لنا أخ بنى بيتاً لرجل، وبقي سنتين يزينه بهدوء، يوم الخميس سيستقر بهذا البيت، الجمعة توفي, هذه المباحات، ما ارتكب صغيرة ولا كبيرة، ولكن المباحات وحدها هي تنهي عن ذكر الله عز وجل.
خاتمة القول :
هذه حجب كثيفة جداً تحول بين الإنسان وبين أن يقطف ثمار هذا الدين العظيم، إذا دعيت إلى طعام، صحون فخمة جداً، مع ملاعق، أدوات الطعام جيدة جداً، لكن لا طعام بالصحون، أتلبي الدعوة مرة ثانية؟ لا تلبيها، يعني مظاهر فارغة لا شيء فيها، أما إذا في طعام نفيس تلبي الدعوة ثانية، فإذا العبادات لا ثمرة يانعة منها يملها الإنسان, إذا لم يطبق الإنسان يمل من أي شيء.
أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على هتك هذه الحجب، حجاب الجهل، حجاب الشرك، حجاب البدع القولية، حجاب البدع العملية, حجاب أهل الكبائر الباطنة، حجاب الكبائر الظاهرة، حجاب أهل الصغائر، حجاب الغارقين في التوسع في المباحات.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 03:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : (الثالث و السبعون )


الموضوع : السر -3









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما سبق ذكره :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها منزلة السر، وقد مضى فيها درسان، ونصل إلى الموضوع الثالث في هذه المنزلة.
في الدرس الأول بيَّنت: أن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية، يعلم سر العبد، فإذا كان سرُّه ينطوي على حبٍّ لله عز وجل, وعلى إخلاص له, وعلى شوق إليه، وضعه في منزلة تليق بسره، فهو من أصحاب السر, وقد يكون من عامة الناس، لا يُشار إليه بالبنان، إذا حضر لم يُعرف وإذا غاب لم يُفتقد، ولعل هذه المنزلة تغطِّي كل هؤلاء الذين أخلصوا لله عز وجل، لكن شاءت حكمة الله أن يكونوا في مرتبة دنيا في السُّلم الاجتماعي.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ, مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هذه هي العبرة :
أيها الأخوة, هنا مكان الإشارة إلى موضوع دقيق، يقول الله عز وجل:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
فالطائع لله عز وجل هو الكريم عند الله وقد يكون فقيراً، وقد جُعل بعض الأنبياء فقراء، فنبيُّنا -عليه الصلاة والسلام- أجير راعٍ, كان يرعى شياها على قراريط، وهل في الحياة الاجتماعية مرتبة أدنى من هذه المرتبة؛ وهو سيد الخلق, وحبيب الحق؟
أحد الأنبياء الكرام سجن، فإذا دخل مؤمن السجن مظلوماً, فله في هذا النبي أسوة حسنة.
أحد الأنبياء الكرام كان عقيماً -سيدنا زكريا-, فإذا لم ينجب الإنسان, فله في هذا النبي أسوة حسنة.
أحد الأنبياء كانت زوجته سيئة -سيدنا نوح وسيدنا لوط-, فمن كانت له زوجة سيئة وصبر عليها, فله بهذين النبيين أسوة حسنة.
أحد الأنبياء كان أبوه كافراً، من كان شاباً وله أبٌ منحرف انحرافاً شديداً, ويقسو عليه ويضطهده, لأنه مسلم أو لأنه متديِّن, فله في هذا النبي الكريم أسوة حسنة.
نبي كريم كان يعمل بيده.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلام- كَانَ لا يَأْكُلُ إِلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
أصحاب الحرف المتعبة الذين يحفرون الطرقات، ويصنعون الحديد, ويشيدون الأبنية، يقول:
عَنْ الْمِقْدَامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ, وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَام- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
فإن كنت فقيراً فعلى العين والرأس, وإن كنت ذميماً فعلى العين والرأس، وإن كنت وسيماً، وإن كنت غنياً، وإن كنت ضعيفاً، وإن كان لك أولاد أبرار، وإن كان لك أولاد ليسوا أبراراً، ولم تقصِّر أنت في تربيتهم, فهذا من شأن الله عز وجل، لك زوجة صالحة جيدة، لك زوجة سيئة, العبرة أن تكون مطيعاً لله، العبرة أن تكون محباً لله، ولا تعبأ بأيِّ شيء آخر، و قد تكون فقيراً فقراً مدقعاً.
وقد مرَّ على النبي أيامٌ يدخل بيته فيسأل:
((هل عندكم شيء؟ يقولون: لا))
هذا ما امتحن به نبينا :
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ:
((قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ:
يَا عَائِشَةُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ, قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ, قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا, قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: حَيْسٌ, قَالَ: هَاتِيهِ, فَجِئْتُ بِهِ, فَأَكَلَ, ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا, قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ, فَقَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ, يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ, فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وقد آتاه الله المال, فسأله أحدهم:
((لمن هذا الوادي؟ فقال: لك, قال: أتهزأ بي يا رسول الله؟ قال: والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر))
وقد انتصر على قريش التي ناصبته العداء عشرين عاماً: ((ما تظنون أني فاعل بكم، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء))
امتُحن بالنصر، وامتحن بالقهر في الطائف:
قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس, يا أرحم الراحمين, إلى من تكلني؛ إلى عدو يتجهمني, أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن ساخطاً علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم, الذي أضاءت له السموات والأرض, وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل علي غضبك، أو تنزل علي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
امتحن بالفقر وبالغنى, وبالنصر وبالقهر, وبالصحة وبالمرض, وموت الولد، وزوجة متعبة.
جاءت هدية طعام إلى النبي الكريم من زوجته صفية، فلما رأتها عائشة -رضي الله عنها- أصابتها الغيرةُ, فكسرت الطبق، فما كان من النبي -عليه الصلاة والسلام- الحديث.
عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ:
((كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ, فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ, فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ, فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ, فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِلَقَ الصَّحْفَةِ, ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ, وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ, ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ, حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا, فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا, وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
كان من الممكن أن يكون له زوجات كالدمى، لكن له زوجات متعبات أحياناً ليكون أسوة لنا، هذا الحديث يطول، ولكن أردت منه شيئاً واحداً: كن بأي وضع شئت، بأي مستوى؛ اجتماعي, اقتصادي, علمي, جمالي، كن بأي شكل، العبرة أن تطيع الله عز وجل، وانتهى الأمر, قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
ولا تنسوا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
قف هنا :
لا أبالغ -أيها الأخوة-, قد يكون الإنسان له شأن كبير، ولا تستطيع أن تصل إليه إلا بصعوبة بالغة، وعنده حاجب، وقد تكون قلامة ظفر هذا الحاجب أكرم على الله من هذا السيد، فالدنيا لها مقاييس، والله عز وجل عنده مراتب، قال تعالى:
﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
[سورة يس الآية: 55-60]
فالعبرة بمراتب الآخرة، لأنك في الدنيا لا تجد إلا إنساناً يملك ملايين مملينة، هذا بيل قيت يملك تسعين مليار دولار، أو قد تجد إنساناً لا يملك أجرة طريق، يذهب إلى بيته ماشياً في أيام البرد والمطر, وقد تجد إنساناً قوياً ليس فيمن حوله من يحاسبه، وقد تجد إنساناً لو تكلم كلمة واحدة لحوسب عليها، في الدنيا قوي وضعيف، وغني وفقير, وصحيح ومريض، قال تعالى:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 21]
العبرة بمراتب الآخرة، لأن مراتب الآخرة أبدية، قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾
[سورة الحجر الآية: 48]
في مراتب الدنيا هناك قلق عميق، القلق العميق: أن يذهب الذي بين يديك أو أن تذهب أنت عنه، يكون الإنسان في أوج تألقه المالي والاجتماعي والصحي، يأتيه ملك الموت, فيجعله خبراً في طرفة عين, هو ذهب عن هذه النعمة، وقد تذهب عنه، أكبر قلق يصيب الإنسان في الدنيا أنه في نعمة، فإما أن تذهب عنه، وإما أن يذهب عنها، أما إذا كان في الجنة لا يذهب عنها ولا تذهب عنه، في عيشة راضية، راضية عنهم فلا تغادرهم، قال تعالى:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾
[سورة الحجر الآية: 48]
لماذا ضرب لنا النبي المثل بأويس القرني؟ :
أيها الأخوة, هذه المنزلة: منزلة السر, يتولى اللهُ عز وجل حفظ هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين هم في الدرجات الدنيا الاجتماعية، فالمجتمع فيه إنسان له حجم وله مكانة وله هيمنة وله أتباع، وهناك إنسان لا أحد يعرفه, وقد ضرب النبي -عليه الصلاة والسلام- لنا المثل بأويس القرني.
عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ:
((كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ, سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ, فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:
يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ, مِنْ مُرَادٍ, ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ, قَالَ: أَلا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ, قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ, حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ, فَوَافَقَ عُمَرَ, فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:
يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ, كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ.
فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي, قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ, فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ, فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ, قَالَ: أُسَيْرٌ وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً, فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ, قَالَ: مِنْ أَيْنَ لأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
مرتبته الاجتماعية أجير قوم وراعي إبل، سأل سيدنا عمر أهل اليمن: هل بقي منكم أحد؟ قال: لا كلنا جئنا، أبداً، لا, هناك رجل أجير قوم وراعي إبل لا شأن له، هو من ضعف المكانة: أنه لك يُذكر، وكان من كبار التابعين ولا أحد يدري.
قضية أن يكون لك مقام عند الله, هذا تحصله باجتهادك :
أيها الأخوة, قضية أن يكون لك مقام عند الله, هذا تحصِّله باجتهادك:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب
إن كنت فقيراً ومستقيماً على أمر الله, فأنت رفيع المقام عند الله, وإن كنت ضعيفاً و كنت على أمر الله مستقيماً, لك عند الله منزلة رفيعة, العبرة بالطاعة، والآية الكريمة:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
وكفاك عن عدوك نصراً: أنه في معصية الله، هذا ملخص الدرس الأول.
من أين تنشأ هذه الحجب؟ :
الدرس الثاني قلت: هناك عشرة حجُب تحجبنا عن الله عز وجل, ذكرت منها: حجاب الجهل، وحجاب الشرك، وحجاب البدع القولية, وحجاب البدع العملية، وحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة، وحجاب أهل الصغائر، وحجاب أهل المباحات, وحجاب أهل الغفلة، وحجاب المجتهدين السالكين في السير عن المقصود.
وأما اليوم وهو الدرس الأخير: فالحديث عن عناصر هذه الحجب من أين تنشأ؟
أحد العلماء يقول: إنها تنشأ من عنصر النفس وعنصر الشيطان وعنصر الدنيا وعنصر الهوى، النفس والشيطان والدنيا والهوى ورد, هكذا سمعت ولم أقرأ.
سمعت هذا من عالم -توفي رحمه الله- قال: لا بد لك من كافر يقاتلك، ومن منافق يحسدك، ومن الشيطان يغويك, ومن نفس ترديك.
أربعة أعداء؛ شيطان والنفس والمنافق والكافر.
قال: هذه العناصر الأربعة؛ النفس -العوام يقولون: ستة نفوس, الإنسان أحياناً ينتصر لنفسه، ولو جانب الحق، ولو أدلى بشهادة كاذبة, ولو فعل شيئاً لا يرضي الله عز وجل, قال البوصيري:
وخالف النفس والشيطان واعصِهما وإن هما محَّضاك النصحَ فاتَّهمِ
والشيطان مهمَّته إغواء الإنسان، وإبعاده عن الرحمن، والتفريق بينه وبين أهله، و تخويفه من أداء الله عز وجل، وتخويفه من الفقر، قال تعالى:
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 268]
ويخوفهم من أعداء الله، ويفرق بينهم وبين أزواجهم، من الناس من يحب أي امرأة ويبادلها المودة والهوى وزوجته لا يحبها، شيطان يوسوس له, ويزين له الدنيا بشهواتها, و بلذائذها, وبمالها, وبنسائها, وبمكانتها, وبما فيها-.
قال: النفس والشيطان والدنيا والهوى تفسد القول, وتفسد العمل, وتفسد القصد, و تفسد الطريق، هناك قول، والقول عمل، وهناك عمل حقيقي مادي، وهناك قصد, وهناك طريق، فإذا دخلت النفس أو الشيطان أو الدنيا أو الهوى, صار القول فاسداً.
هذا ما وصف الله به النبي وهذا ما يصنعه أتباعه :
اللهم صلِّ عليه بماذا وُصف قوله؟ بأنه:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾
[سورة النجم الآية: 3]
كثير من الناس لا يتكلمون إلا بالهوى، حتى في بيعهم وشرائهم، هذا كلام غير موضوعي, صادر عن الهوى، إذا كان وكيل شركة, كل البضاعة التي تأتي من هذه الشركة, يمدحها مديحاً غير معقول، فإن سُحبت منه هذه الوكالة تكلم العكس، هذا ميثاق، مديحك لا قيمة له، وذمك لا قيمة له، أحياناً تلاحظ معصية من صديق لا تتكلم, فإذا نشأ خلاف بينك وبينه تتكلم عن معاصيه، لماذا لم تتكلم بها حينما لم يكن بينك وبينه شيء؟ لماذا لم تنصحه؟ هذا موقف شيطاني، لماذا حينما لاحظته لا يصلي لم تعاتبه, فلما اختلفت معه أصبحت الصلاة عنصراً في الخصومة؟ هذا ينطق عن الهوى.
أحياناً: تجد إنساناً ينطق ولكنه ينطق بلسان الشيطان، يصغِّر الإنسان ويفرِّّق بين الإنسان وأهله، يطعن في عمله، يضعِّف له همَّته, ويثبَّط عزيمته، شيطان ينطق.
حدَّثني أخٌ، قال لي: كنت في مؤتمر، رجل محسوب على المسلمين, سمع الكفر البواح, فلم ينبس ببنت شفة، فلما تكلم مسلم, ودافع عن الدين, واعترض، بدأ يعترض، ماذا تفسِّر هذا؟! شيطان ينطق باسمه، أنا أعتقد أن نسبة كلام الناس في الهوى كثير، والكلام الصحيح قليل، والله عز وجل قال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾
[سورة النجم الآية: 3]
فإذا دخل الهوى صار الكلام غير صحيح. قصة :
أروي قصة يمكن أني ذكرتها مرة أو مرتين: أريد أن أشتري ستائر، فأقنعني البائع قائلاً: يا أستاذ, إذا أردت ستائر جميلة جداً, يجب أن تقيس عرض الحائط, وتأخذ قماشاً بما يعادل ضعف العرض زائد متر -كلام دقيق-, اخترت القماش الذي أعجبني، قاسه فوجده ضعف العرض ناقص متر، قال لي: يا أستاذ, هذا المطرَّز على الفرد يكون أحلى -عكس الآية-, الآن أقنعني بقاعدة قبل دقيقة وجاء بأدلة، فلما تضرَّرت مصلحته بهذه القاعدة, لا بد أن يبيع القماش، وأنا أعجبني, قال لي: هذا المطرز يا أستاذ على الفرد يأتي أحلى، هو ينطق عن الهوى، لا ينطق عن الحقيقة.
لو لاحظت نفسك تجد نصف كلام الناس عن هوى, يأتي الخاطب يصبح ولياً من أولياء الله، وإذا لم تتم الخطبة يصبح شيطاناً، قبل شهر قلتم: لا يوجد مثله، ما الذي حدث؟ لا المديح له قيمة, ولا الذم له قيمة، يكون شريكاً, يقول لك: ملك من السماء بعثه الله لي، اختلف الشريكان أصبح شيطاناً.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ, قَالَ:
أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا
وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَـكَ يَوْمًا مَا
[أخرجه الترمذي في سننه]
دائماً اترك شعرة معاوية. هذا ما يفسد القول :
النفس والشيطان والدنيا والهوى تفسد القول، صار القول غير موضوعي, والمديح غير صحيح، الذم غير صحيح هوى، الأم مع ابنتها، وهي ضد زوجة ابنها, لأنها غريبة، أتى ابنها بغسَّالة أوتوماتيك لزوجته أقامت عليه النكير، فلما جاء صهرها في اليوم نفسه بغسالة أوتوماتيك لزوجته التي هي ابنتها، كانت راضية عنه، في دقيقة واحدة توبِّخين إنساناً وترضين على إنسان بعمل واحد، هي تنطق عن الهوى.
معقول: أن يكون للإنسان صانع في المحل, وعنده ابن في سن واحدة, يحمِّل الصانع أول ثوب والثاني والثالث والرابع، لا يستطيع أن يحمل، قال له: أنت شاب، فإذا حمل ابنه ثوباً واحداً, قال له: احذر ظهرك، معقول!! هو ينطق عن الهوى، والإنسان الذي ينطق عن الهوى يسقط عن عين الله، ولئن تسقط من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعُك, أهون من أن تسقط من عين الله.
تجد نمدح ونذم وننتقد، أحياناً: ننتقد فقط حسداً, إنسان تفوَّق لا بد أن ننزله، لماذا تفوَّق؟ هو كان يعمل ليلاً ونهاراً وأنت كنت نائماً، هناك شخص تجده نائماً, ليس عنده أي رغبة أن يخدم الناس, هناك إنسان شمَّر وقال: يا رب، الله وفَّقه وتألق، يقال: هذا ادعاء للمعرفة زعبرة، هذا شيطان يتكلم، لِم لم تعمل مثله؟ لِم لمْ تجتهد كما اجتهد؟ لِم لم تشمِّر كما شمَّر؟ لِم لم تفرَّ إلى الله كما فرَّ إلى الله؟ لِم لم تجاهد نفسك وهواك كما جاهد هو؟ لكن أنا أنتقده فقط، وأطعن فيه, وأحطِّمه، حتى انتصر لنفسي، والله الذي لا إله إلا هو, لو برئت نفوسنا من الحسد, لكنا في حال غير هذا الحال، أي ستة أعشار تقييم الناس بعضها بعضاً حسد، حتى في حقل الدعوة إلى الله، حتى في حقل الجماعات الإسلامية حسد، إذا تألَّق إنسان، من أين صعد هذا؟ لا يتحمَّل هؤلاء أصحاب الوجاهة, وأصحاب الاحتكار لا يتحملون.
هذه علة الاختلاف بين العلماء :
قال: هناك عالم تألق جداً في العصر العباسي, أحد كبار العلماء المحسوبين على أنه من أساطين العلم, ووحيد عصره, وفريد زمانه, وقُدِّس سرُّه, أراد أن يحضر درس هذا الشاب ليصغِّره حسداً فقط، والآية تؤكِّد ذلك، قال تعالى:
﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 19]
علة الاختلاف هو البغي فقط، قال له أمام الناس: يا هذا، هذا الكلام الذي قلته ما سمعناه، من أين جئت به؟ فقال له الشاب: يا سيدي, هل حصَّلت كل العلم؟ قال: لا، قال: هذا من الذي لم تحصِّله.
أيضاً: عالم آخر شاب, تألق نجمه, وذاع صيتُه, وانتشر ذكره في الآفاق, قال: و الله إني أشفق عليك مما يقوله الناس عنك، قال له: وهل سمعت مني عنهم شيئاً؟ قال: لا، قال : عليهم فأشفق.
هذا ما يفسد العمل :
أنت راقب نفسك: تسعة أعشار كلام الناس عن هوى، ليس هناك موضوعية, يمدح بلا سبب, يمدح لمصلحة، ويذم لمصلحة، يظهر العيوب عند الضرورة لمصلحة, ويخفي العيوب لمصلحة، فالنفس والشيطان والدنيا والهوى، هذه تفسد القول كما أنها تفسد العمل، يغش الناس هذا داخل في العمل، يقول لك: أنا عندي أولاد، واللهُ لا يؤاخذني إن شاء الله، فمال الحرام عند الناس ليس مشكلة، فيخترع أدلة ويخترع تعليلات مضحكة شيطانية.
حوار جرى :
قال له: والله يا أستاذ أنا لي مطعم يقدم الخمر، إن شاء الله في رقبة شريكي, وأنا لا دخل لي، كيف لا دخل لك؟ يصلي في أول صف في المسجد, والمطعم يبيع الخمر، قال: إن شاء الله في رقبته, هو هكذا, ماذا أفعل له؟ أنا عليَّ ان آخذ ربحي فقط، هذا الذي أخذته إثم, لماذا مددت يدك لأخذ الربح؟ فغير الكلام عمل، والعمل فسد، صار هناك كذب, وصار هناك غش، وصار هناك إساءة, وصار هناك حسد, والقصد: كان قصدُه الله عز وجل، فصار قصده الدنيا.
متى يكون الطريق إلى الله غير سالك؟ :
قال واحد: لزم صلاة الفجر أربعين عاماً, يكبِّر مع الإمام، ففي يوم تغيَّب, تألم ألما غير معقول، قال: ماذا يقول الناس عني اليوم؟
أي أن الأربعين سنة ليست لله, انتبه القصد، صحِّحوا قصدكم، وصحِّحوا نواياكم، ماذا يقول الناس عني اليوم؟ أنت فاتتك هذه الصلاة, ولم تخش من الله شيئاً، لكنك خشيت الناس، والطريق إلى الله عز وجل صار غير سالك، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
صار الطريق مغلقاً، هذه الأربعة؛ النفس والشيطان والهوى والدنيا, تفسد القول, و العمل, وتفسد القصد, وتفسد الطريق بحسب غلبتها وقلَّتها، تقطع طريق القول والعمل و القصد أن يصل إلى القلب، وما وصل منه إلى القلب قطعت عليه الطريق إلى أن يصل إلى الرب، تُقطع الطريق إلى القلب، فإن وصلت إلى القلب قطعت الطريق إلى الرب, قال تعالى:
﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾
[سورة النجم الآية: 42]
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾
[سورة فصلت الآية: 6]
يجب أن تكون الاستقامة خالصة له، ويجب أن توصلك استقامتك إليه, لا إلى سمعة, ولا إلى مكانة, ولا إلى مديح, ولا إلى ثناء.
كيف تحارب الدنيا؟ :
يا أخوان، الآن: كيف تُحارب الدنيا؟ قال: بالزهد فيها، ما دام أنه عندنا أربعة عناصر مخيفة؛ الدنيا والنفس والهوى، كيف نحارب هذه العناصر الهدَّامة؟ هذه القواطع التي تقطعنا عن الله, تقطع علينا صوابَ القول والعمل والقصد والطريق.
قال: الدنيا تُحارب بالزهد فيها.
قال سيدنا عمر لأويس القرني: أآمر لك بصلة؟ قال: معي أربعة دراهم متى تُراني أنفقتها, وعلي إزار وثوب متى تُراني خرقتهما؟.
الزهد، فالإنسان حينما يغتني بالله يزهد في الدنيا، ومن عرف الله زهد فيما سواه، إذًا: يجب أن يزهد فيها، والحد الأدنى أن يخرجها من قلبه، ولا يضرُّه أن تكون في يديه.
هل تصدق؟ :
إنسان غني في يده أموال طائلة، وإنسان فقير هل تصدِّقون: -طبعاً هذه من المفارقات الحادة- أن هذا الفقير الذي لا يملك ثمن طعام, قد يكون متعلقاً بالدنيا أضعافاً مضاعفة عن هذا الغني الذي بيده كل شيء؟ والمؤمنون يبيعون ويشترون, ولكن تجارتهم لا تلهيهم عن ذكر الله؛ صلواته وعباداته ودروسه, إقباله وحرصه وأعماله الصالحة فوق كل شيء، لذلك أنا أتمنى على كل أخ أن ينظِّم وقته.
الدنيا ينبغي أن تكون في يديك لا في قلبك :
والذي أراه: أن المؤمن القوي كما قال النبي الكريم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
والقوة تحتاج إلى أسباب، من أجل أن تكون حاملاً للدكتوراه لا بد لك من دراسة، أن تكون تاجراً كبيراً لا بد أن تهتمَّ اهتماماً شديداً، فإذا اهتممت أنت وحصَّلت مرتبة عالية ووظَّفتها في الحق، فهذا عمل عظيم, لكن ينبغي أن تكون الدنيا في يديك لا في قلبك، فتُحارب الدنيا بالزهد فيها وإخراجها من القلب، ولا يضر أن تكون في يديه وبيته ولا يقلِّل ذلك بقوة يقينه بالآخرة.
قصة المال عند هذا الصحابي الجليل :
سيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- كان يقول: ماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء؟ ماذا أفعل؟
-هناك إنسان رزقه الله، ويوظِف هذا المال في خدمة هذا الحق-، قال سيدنا عبد الرحمن: واللهِ -من باب التفاؤل والاعتماد على رحمة الله-, لأدخلن الجنة خبباً.
وهو غني كبير، ويحارب الشيطان بترك استجابته لداعي الهوى، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية: 24]
الذي يستجيب للهوى, قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
[سورة القصص الآية: 50]
تُحارب الدنيا بالزهد, ونقلها من القلب إلى اليدين, ويُحارب الشيطان بعدم الاستجابة له.
فائدة :
حدَّثنا أخٌ بكلام طيِّب، قال: والدي -المتكلم أحد علماء دمشق-, قال لي مرة: يا بني, إذا وسوس لك الشيطان فعاقبه، قال له: كيف؟ قال: إذا أردت أن تدفع ألف ليرة, وجاءك الشيطان, وقال لك: لا تدفعها، أولادك أولى، عاقِبه وادفع ألفي ليرة, ضاعفْ المبلغ، قال لك: لا تصل، صلِّ ضعف، أيُّ وسوسة وسوس لك بها, افعل عكسها وزيادة, هذه معاقبة الشيطان ، لا تستجب له، يقول لك: حارب فلاناً, اذهب إليه, واستسمحه، وصله، الإنسان عليه أن يعاقب الشيطان، والشيطان يستعين بالدوافع الأساسية، أهانك فلان, اذهب إليه, وتجاوز عن إهانته.
هذه هي الموانع والقواطع :
أتى رجل إلى الرسول قال:
((يا رسول إنني نؤوم، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم أذهِب عليه النوم، فقال سيدنا عمر: ويحك يا رجل, لقد فضحت نفسك! فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: دعهُ يا عمر, فإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة))
ويُحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق، كل واحد منا له أهواء وشهوات، والله سمح بشهوة في قناة نظيفة، أنا أسمح لنفسي ما سمح الله لي فقط من النساء زوجة، ومن المال ما كان حلالاً، من النزهات ما خلا من معصية، أنا أمارس الذي سمح الله لي به، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة هود الآية: 86]
لذلك ورد: ((لا يؤمن أحدكم, حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))
[أخرجه الطبراني في المعجم]
ويحارب النفس بقوة الإخلاص، إذا استيقظ الإنسان في الليل وصلى ولم يتحدث بكلمة للآخرين، هل تستطيع نفسه أن تقول له: لقد نافقت في هذه الصلاة؟ ما تكلم، الإنفاق دون الذكر دليل إخلاص، وغض البصر دليل إخلاص، النوافل دليل إخلاص، صلاة الليل دليل إخلاص, فأنت تحارب نفسك بقوة إخلاص، وتحارب الهوى بتحكيم الشرع, وتحارب الشيطان بعدم الاستجابة له، وتحارب الدنيا بالزهد فيها, ونقلها من القلب إلى اليدين، هذه الموانع والقواطع.
منزلق قد يقع فيه خاصة المؤمنين :
الآن: عندنا منزلق يقال لخاصة المؤمنين، زهِد فلان في الدنيا, وأخلص لله, وحكَّم الشرع, ولم يحكِّم الهوى, ولم يستجب للشيطان، نال مكانة عند الله، فظنَّ أن هذه المكانة حصَّلها بقوة إرادته فاستكبر بها, حتى في الاستقامة، حتى في الإخلاص، هناك منزلق الكِبر والعُجب.
أنا قرأت عن عالم في الهند, صار أتباعه قريباً من مائة ألف، يعني ذاع صيتُه و اشتهر وتقلَّب في مراتب الدين العليا ثم ادَّعى الألوهية.
أخواننا الكرام, حتى النجاح فيه مخاطر، فيه مخاطر انزلاق بالعُجب والغرور و الكِبر، لذلك ابن عطاء الله السكندري يقول: رُبَّ معصية أورثتْ ذلاًّ وانكساراً, خيرٌ من طاعة أورثت عزًّا واستكباراً, قال: وانظر إلى الشرِّيد السكِّير، هذا بالمقابل الذي كان كثيراً ما يُلقى به إلى النبي مخموراً، فيحدُّه على الشراب، كيف قامت به قوةُ إيمانه ويقينه ومحبَّته لله و رسوله وتواضعه وانكساره, حتى نهى النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- عن لعنِه، وهو عياض بن حمار -رضي الله عنه- وتاب.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ, وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا, وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ, فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ:
((اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ, فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا تَلْعَنُوهُ, فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
فهذا السكِّير والخمِّير انتهت حياتُه بتوبة نصوح، وهذا الذي أخذه الغرورُ والعجبُ حتى لو نجوتَ من هذه المعوقات:
لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر –العجب-.
أنا ذكرت مرة مثلاً لطيفاً: أنه جاءك عشرون ضيفاً، ليس عندك شيء، عندك في البيت كيلو لبن، أضفت له خمس أمثاله ماءً, ووضعت ثلجاً وملحاً, وقدَّمته شراباً عيران، تحمل الكيلو خمسة أمثال ماء هذا اللبن، لو وضعت فيه نقطة كاز واحدة لفسد، خمسة أضعافه ماءً يُشرَب, الكبر كنقطة الكاز تفسد العمل، فانتبهوا يا أخوان.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
طبعاً: هذه الفكرة الأخيرة لخاصة الخاصة، هذا الكلام موجَّه لواحد ناجح نجاحاً كبيراً.
خذ ابن المبارك قدوة لك :
دخل ابن المبارك على طلابه, لقي عشرة آلاف أمامه, قال: يا ربي لا تحجبني عنك بهم، ولا تحجبهم عنك بي, والله قال:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
الإخلاص، أنت مع الله، أديب, محبٌّ, متواضع، تخدم، لكن مقصودك هو الله، أحياناً ينسى الإنسانُ اللهَ فيعبد سوى الله وهو لا يشعر، وقع في شرك.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ, وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هكذا ..... من صفات أصحاب السر :
1- أنهم سبقوا ولم يوقف لهم على رسم :
هؤلاء أصحاب السر, قال: لهم صفات، صفاته الإجابية أنهم سبقوا ولم يوقف لهم على رسم، سبقوا بلا ضجيج، هناك إنسان في دهره صلى قيام ليل، يحكي القصة مائة مرة، هذا الإنسان سبق من دون ضجيج، لأنه مخلص, يصوم فلان يوماً، يقول: أنتم لستم صائمين اليوم, يباهي بصيامه.
وجد أحد لوزةً أثناء الطواف صاح: من صاحب هذه اللوزة؟ من صاحب هذه اللوزة؟ قال له سيدنا عمر: كلها يا صاحب الورع الكاذب.
كلها وخلِّصنا, هناك عمل مع ضجيج، قال: هذا الإنسان صاحب السر, يعمل بلا ضجيج، ومن دون تبجُّح، ومن دون تعليقات, ومن دون لفت نظر.
2-أنهم لم ينسبوا إلى اسم :
العلامة الثانية: أنهم لم يُنسبوا إلى اسم, لم يشتهروا به، هناك إنسان يحبُّ الألقاب، عضو مثلاً المجمع الفلاني, دكتوراه في كذا.
قديماً كانوا: الفقير إليه تعالى، ويكون عالماً من كبار علماء الأرض، الفقير إلى الله تعالى، لا يهتمُّون بالأسماء والألقاب والمراتب، احذر أن تقول لدكتور: أستاذ، أخطأت معه، خطأ تكفِّره، دكتور لها رنين خاص, أصحاب السر لا يهتمون بالألقاب ولا بالمراتب.
3-عبادتهم مطلقة وليست مقيدة :
أما ألطف شيء في مقام هؤلاء: أن عبادتهم مطلقة وليست مقيَّدة، هناك شخص ليس له عمل غير الفقه فقط، أم هذا صاحب السر يخدم في جامع, وينظِّف, ويمشي مع إنسان، و يتفقَّد أخوانه، ويفعل كلَّ شيء، ليس له عمل واحد، عالم فقط, أو مؤلِّف، أو مفكِّر، يمكن أن يدخل وساطة بين اثنين، ويمكن أن يساعد إنساناً، ويمكن أن ينظِّف مسجداً، تجد نفسه هيِّنةً، هذه العبادة المطلقة أمر كبيرٌ، أن تعبد اللهَ فيما أقامك، أقامك غنيًّا أول عبادة إنفاق المال، أقامك عالماً أول عبادة تعليم العلم، أقامك قويًّا أول عبادة تساعد الضعيف، أقامها امرأة أول عبادة رعاية زوجها وأولادها، هذه فيما أقامك، هناك ظرف وضعك فيه، الأب مريض أول عبادة تمريض الأب، الابن عنده امتحان أول عبادة معاونة الابن، الزوجة مريضة أول عبادة مراعاة الزوجة، عندك ضيف أول عبادة إكرام الضيف، في الوقت الذي أذَّن له وقت فجر و قت صلاة، وليس لغسيل سيارات, كل وقت له ترتيبه.
فهذا صاحب السر كل الأعمال يفعلها، تريدون دليلاً من السنة؟ هل هناك مقام أعلى من مقام رسول الله؟ مقامه مقام الدعوة، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 45-46]
في بدر, هناك ثلاثمائة راحلة وألف صحابي، قال النبي: كل ثلاثة على راحلة، و أنا وعليٌّ وأبو لبابة على راحلة –النتيجة-: ركب النبي الكريم وانتهت نوبته، جاء دوره في المشي، فصاحباه توسَّلا إليه، قالوا: يا رسول الله! ابقَ راكبا -أي أكرمنا-, ماذا قال؟: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما على الأجر.
أنا أريد أجر المشي, هو داع إلى الله كبير، وإن كنت أنت داعية كبيراً ودُعيتَ لفض نزاع، لا تقل: أخي أنا ليس لدي وقت، دعيت إلى وساطة، اذهب معي إلى فلان, أذهب معه.
ابن عباس يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم :
مرة قرأت: أن سيدنا ابن عباس, كان معتكفاً، فجاء رجل ورآه كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال له: ديون لزمتني لا أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان, قال سيدنا ابن عباس: أتحبُّ أن أكلِّمه لك؟ قال له: إذا شئت، فقام ليكلِّمه, قالوا: يا بن عباس, أنسيتَ أنك معتكف؟ -أنت لك اعتكافك ومقامك وإقبالك وبكاؤك، أين ذاهب؟-, قال له: سمعت صاحب هذا القبر -والعهد به قريب-, لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
انظر كيف فهم العبادة؟ خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
أحياناً: يقتضي أن تمشي مع أخيك, ويقتضي أن تعينه، وتأخذه إلى مستشفى، و تمرِّضه, وتقرضه, وتشتري له حاجاته من السوق، أنت لك خبرة، وهو ليس له خبرة، لا بد أن تأخذ له غرفة نوم, كيف تشتريها وتساعده؟.
زيارة خاصة :
عندنا أخٌ من أخواننا، أنا أثق ببراءته ثقةً مطلقة، حصل خطأ إداري, دخل السجن, ذهبت إلى زيارته في السجن، استغرب مدير السجن كثيراً، احتفى احتفاء غير طبيعي لما دخل الأخ، قلت له: نبيٌّ كريم دخل السجن، جبراً لخاطره, أي مؤمن دخل السجن بسبب أو لآخر، هذه الزيارة لن ينساها إلى الموت, كلَّفتني وقتاً وجهداً وإجراءات صعبة للدخول إلى هناك, فالأعمال الصالحة أنواع كثيرة، بالمساعدة وبالنصح، وأن تعود مريضاً، أو تسعف هرة.
وجدت هرة مدعوسة, أخذتها إلى مستشفى بيطري, قال: تعال غداً، هذا عمل صالح، هؤلاء أصحاب السر أعمالهم منوَّعة؛ من دعوة, إلى خدمة, إلى تنظيف مسجد, إلى اجتماع, إلى وساطة, إلى مساعدة, إلى كتابة استدعاء أحياناً وشكل.
4- ليس عندهم كهنوت وزي خاص :
شيء آخر: في هؤلاء أصحاب السر ليس عندهم كهنوت وزيٌّ خاص, لباس خاص فخم جدًّا, يكلِّف مئات الألوف، لا، ليس لهم رسم خاص, وأختام خاصة, وهيئة خاصة, و جلسة خاصة، لا يوجد شيء من هذه.
دخل أعرابيٌّ:
((أيكم محمد؟))
لم يعرفه، أين كان جالساً النبي؟ مع أصحابه على الأرض.
قال: هؤلاء لا يتقيَّدون لا بإشارة, و بلا رسم, و بلا اسم, ولا بزيٍّ, ولا بطريق وضعي اصطلاحي.
من شيخك؟ قل: رسول الله طريقك، الاتِّباع: اتباع النبي، مَن؟ أنا متَّبع لرسول الله فقط، مذهبك؟ السنة.
هناك صفات كثيرة جداً لهؤلاء، اللهم اجعلنا من هؤلاء، واجعلنا من أصحاب السر الذين أخلصوا لله عز وجل، ولو كنا في الدرحة العادية في المجتمع.
قال: ((أهلاً بمن خبَّرني جبريلُ بقدومه، قال: أومثلي؟ قال: نعم يا أخي، خامل في الأرض علَم في السماء))








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 03:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و السبعون )


الموضوع : منزلة المعاينة










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أنواع المعاينة :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والسبعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين, والمنزلة اليوم منزلة المُعاينة.
المُعاينة نوعان: معاينةُ بصرٍ، ومعاينة بصيرة, قد تمسكُ شيئاً بيدك, تقول: هذا الشيء أخضر اللون, عاينته ببصرك، أو عاينته بحسِّك, أو عاينته بجلدك، أو عرفت وزنه، أو عرفت شكله، أو عرفت رائحته, أو عرفت أبعاده، هذه معاينة بصر، الناس جميعا مشتركون بهذه المعاينة إلا من ابتلاه الله بفقد أحد حواسه, وهذه المعاينة هي أقل معاينةٍ تُفيد الإنسان.
الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام:
((خضرةٌ حلوة))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الدنيا تغر وتضر وتمر.
قد تجد بيتاً جميلاً، اشتراه صاحبه بمالٍ حرام، الإنسان العادي يقول: هنيئاً له على هذا البيت, أما المؤمن يرى أن هذا البيت سيكون ناراً تحرِقه يوم القيامة, الأشياء الظاهرة جميلة جداً, لو ذهبت إلى بلاد الغرب لوجدت من الجمال الطبيعي، وجمال الأبنية، وجمال الطرق، وجمال الحدائق الشيء الكثير، كل شيء يُمْتِعُ العين، ولكن المصير!!.
أضرب لكم مثلاً: هناك قاعة قمار في لبنان, قرأت عنها, ثمنها ثلاثون مليون دولار ، قاعة واحدة، وقد تجد مدرسة مبنية من مائة سنة مُتداعية، هذه تُخَرِّج علماء، وهذه تخرج مقامرين؛ إما إلى السجن، أو إلى الانتحار, مدرسو المدرسة أكْفاء، مخلصون، يقدمون العلم العميق والصحيح، ويؤدبون الطلاب، البناء مُتداع، أما في النهاية هذه المؤسسة تخرِّج أبطالاً أو علماء، بينما هذه القاعة الفخمة جداً التي ثمنها بضْع عشرات ملايين، هذه تخرِّج مقامرين؛ إما إلى سجنٍ، أو إلى كآبةٍ، أو إلى انتحارٍ، أو إلى جريمةٍ، أو إلى انحرافٍ.
فالعبرة لا بالظاهر, العبرة بالباطن، فالشيء الذي ينفرد به المؤمن هو البصيرة.
فمثلاً: قد تُعرَض عليه وظيفتان؛ وظيفةٌ دخلها كبير ومعها بيت ومركبة، ووظيفة دخلها لا يكفيه نصف شهر، الوظيفة الثانية فيها مرضاة الله عزَّ وجل، فيها نفعٌ للناس، فيها صدقٌ وأمانة، والوظيفة الأولى تُبنى على أنقاض الناس، وعلى عذاباتهم، وعلى فقرهم، وعلى ابتزاز أموالهم، فالمؤمن إذا ملك البصيرة, اختار الوظيفة ذات الدخل القليل.
مثل بسيط: إنسانة فقيرة جداً, قد تعمل ثماني ساعات بمبلغٍ بسيط في خدمة المنازل ، وقد تعمل امرأةٌ ثانية لساعةٍ أو أقل, فتأخذ أضعاف ما تأخذه الأولى، ولكن تأكل بثديها، تبيعُ جسدها، هنا تعب، هنا في الظاهر مُتعة، ولكن هنا تنتظرها جنةٌ عرضها السموات والأرض، وهذه تنتظرها نار جهنَّم, فالأمر بحقيقته، والأمر بخاتمته، والأمر بمصيره, فأكثر الناس عندهم معاينة بصر. ما المعنى المراد من هاتين الآيتين؟ :
فلما خرج قارون بزينته على قومه, قال الذين يريدون الحياة الدنيا:
﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[سورة القصص الآية: 79]
لكن الذين أوتوا العلم ماذا قالوا؟ قال تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾
[سورة القصص الآية: 80 ]
إلى آخر الآية ....., معنى هذا: أنك إذا نظرت إلى بناء، إلى بيت فخم, وعلمت أن صاحبه جمَّعه من مالٍ حرام, إذا نظرت إلى مركبةٍ فخمة, وعلمت أن صاحبها جمَّعها من مالٍ حرام, هل تقول: هنيئاً له على هذا البيت أو على هذه المركبة؟ لا، المؤمن لا يضحي بطاعته لله عزَّ وجل ولو قطَّعوه إرباً إرباً، ولو أعطوه أموال الدنيا، المؤمن صامد أمام سياط الجلاَّدين اللاذعة، وأمام سبائك الذهب اللامعة، لا يخضع لتهديد ولا ينهار لإغراء، هو يطبِّق منهج الله عزَّ وجل ويرجو رحمة الله:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 61]
هذا الفرق بين معاينة البصر وبين معاينة البصيرة :
معاينة البصر: وقوع الشيء على نفس الرائي؛ إما بألوانه، أو بحجمه، أو بشكله، أو بأبعاده، أو برائحته، رؤية الشيء أو رؤية مثاله, لو وقف إنسان في شرفة، وفي هذه الشرفة توجد مغسلة، وأمامها مرآة, ونظر إلى جارته، هو لم يرَ شخصها لكن رأى صورتها، فهؤلاء الذين يقولون: هذه صورة، هذا خيال, هذا كلام مضحك جداً، وقد تكون الصورة أبلغ من الحقيقة، وقد تفعل فعلاً أشد من فعل أصل الشيء، لذلك هناك من يُصِر على أن رؤية المرأة الأجنبيَّة حرام حقيقةً، أو صورةً، أو خيالاً، أو ما إلى ذلك، العبرة بالتأثير, فإذا إنسان خرج إلى الشرفة لبعض شأنه، فرأى امرأةً في المرآة في الطرف الآخر بثياب متبذِّلة، فلو أنه التفت هكذا ونظر إليها، أو لو أنه دقَّق في المرآة الأثر واحد، والشيء واحد لا يتغيَّر، فالبصر وقوع المرئي على ساحة البصر، أو على الحواس الخمس.
قال: أما البصيرة: فهي وقوع القوة العاقلة على المِثال العلوي المُطابق للخارجي.
هذا الفرق بين الدنيا والآخرة :
الآن: لو شخص في أمس الحاجة إلى المال، رآى ملايين أمامه وهو أمين صندوق ، لو نظر إلى هذا المال بشكل ظاهري, وأخذه خلال أيام أو أشهر, يتمتع بسهرات، وبأكل، وبسفر، لكن بعد أن ينكشف أمره قد ينتحر -رُبَّ أكلةٍ منعت أكلات-, فأكثر المنحرفين يعيشون لحظتهم.
في علم النفس يُصَنَّفُ المجرم غبياً، أكثر المجرمين بعد حين يُشنقون، ويعدمون, وتنتهي حياتهم، تنتهي نهايةً وضيعةً دنيئةً قاطعةً.
أما حينما يكون عقلُ الإنسان راجحاً يقول: هذا الشيء محرَّم لا أفعله, ودائماً الدُنيا محسوسة والآخرة معقولة، وهذا أحد أنواع الامتحانات؛ أمامك امرأة، أمامك مركبة، أمامك بيت محسوس، أما بالمصحف تفتح مثلاً على سورة معينة، على آية معينة:
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾
[سورة الضحى الآية: 4]
الدنيا محسوسة أمامك، تملأ العين والسمع والأُذن، أما الآخرة معقولة تستنبطها من نص، فما الإيمان بالغيب؟ هذا هو الإيمان بالغيب، تعرض عن شيء محسوس صارخ أمامك ، وتنتظر ما وعد به خالق السموات والأرض:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 61]
ثمن الجنة الإيمان بالغيب، فلو كانت الآخرة محسوسة فلا جنة.
مثلاً قل للناس: أي إنسان يدفع مئة ليرة مساعدة لمشروع خيري, نعطه ألف بعد ساعة، ستجد الناس واقفين بالطرقات زُرافات ووحدانا، بالمئات بالألوف، بما يقارب الملايين، منهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم الملحد, ولو قلت للناس: لو نظرت لأُطلق عليك الرصاص, لا أحد ينظر خوفاً من الرصاص، لم يعد هناك اختيار، الله عزَّ وجل قادر أن يحمل عباده جميعاً على الطاعة، ولكن هذه الطاعة القسريَّة لا تسعد صاحبها، و .....:
﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة الرعد الآية: 31 ]
هل الاستقامة الناتجة عن الضبط الخارجي تسعد صاحبها؟ :
في بعض البلاد الغربية الناس جميعاً مستقيمون استقامةً لا تسعدهم، استقامة إلكترون, ضبط إلكتروني مخيف، فأكبر سوق فيه ما يقارب ألف مليون من البضائع، فيه خمسة موظَّفين على الصندوق، أي سلعة في هذا السوق فيها مادة, إن لم تدفع ثمنها يصدر صوت مخيف, وأنت خارج من السوق، إن دفعت ثمنها تمرَّر على جهاز، يُلغى أثر هذه المادة، يا ترى الكل دفعوا؟ فمن هو الأمين؟ من هو الخائن؟ من هو السارق؟ من هو الصادق؟ من هو الكاذب؟ أُلغيت كل هذه القيم, لأن هناك ضبط شديد جداً.
فهذه الاستقامة الناتجة عن الضبط الخارجي، القهري، القسري, ليست مسعدةً لصاحبها، الله يريدك أنت، يريد قلبك، يريد اختيارك, يريد محبوبيَّتك، يريد مبادرتك، لا يريد خضوعك.
لذلك أنا أقول دائماً: الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب, فيمر على النبي -عليه الصلاة والسلام- ألف عام, كلما ذكرت قصته تبكي, ملك القلب، والقوي ملك الرقبة، وشتَّانَ بين من يملك القلوب بكماله وبين من يملك الرقاب بقوته.
ما يحتاج إليه المؤمن :
لا بد للمؤمن من بصيرة، هذه البصيرة تخترق ظواهر الأشياء، إنسان قال لي: عنده محل صعب أن يوصف لأنه فخم، لكنه يبدو أنه يوجد فيه معاص كثيرة، فيه موبقات كثيرة، فيه بضاعة محرمة، إلخ .., فقال لي: أنا عملي قذر.
تذهب إلى مكان تصليح السيارات, تجد الشحوم، والزيوت, والأطيان، والمَحل لا يحتمل، لكن صاحبه أصلح السيارة بإتقان, وأخذ أجراً معتدلاً، ومساءً اغتسل، ولبس أجمل ثيابه، نقول: هذا العمل الثاني عمل نظيف، أما الأول قذر، بالعين: الأول نظيف والثاني قذر، بالبصيرة: الأول قذر والثاني نظيف.
نقطة دقيقة :
لكن النقطة الدقيقة: أن البصيرة لا ترى ذات الشيء، ترى مثالها, قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾
[سورة الأعراف الآية: 143]
معنى ذلك: أن الإنسان يدرك مثال الأنوار الإلهية ببصيرته، أما إن أدركها بذاتها احترق, يقول عليه الصلاة والسلام:
((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا, قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
درس علم بمسجد، لا تجد مقعداً وثيراً, ولا وسادة مريحة، جلسة على الأرض، بينما بمطاعم فخمة جداً، مقاعد وثيرة، وطعام طيِّب ونفيس، واختلاط وموسيقا وغناء، بحسب الحس ذاك المطعم ممتع أكثر, بحسب البصيرة في مجلس العلم هنا السعادة، وهنا التوفيق، وهنا السكينة, وهناك الشقاء.
ماذا تعني البصيرة؟ :
البصيرة تعني: أنه يجب أن تعتقد جازماً أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف وألف مستحيل أن تعصيه وتربح.
فدائماً أهل الدنيا يصعدون صعوداً حاداً, ثم يسقطون سقوطاً مُريعاً، كل شيء جَمَّعه في الحياة يخسره في ثانية واحدة، أما المؤمن تراكمي, كلما امتد عمره اقترب من الله عز وجل، ازداد قُربه، فإذا جاءه ملك الموت كانت هذه اللحظة كعرسه تماماً.
((تحفة المؤمن الموت))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
الموت عُرس المؤمن .
وظل خَطُّه البياني صاعداً، لذلك من الأدعية التي أُثرت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:
اللهم اجعل نعم الدنيا متصلةً بنعم الآخرة .
مستمرة، المؤمن يموت إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
فهذا الذي قدَّم حياته لله عز وجل، قدم أثمن شيءٍ يملكُه.
وقد ورد في بعض الأحاديث: أن الذي يقتل في سبيل الله, يرى مقامه في الجنة, ولا يتألَّم، ولدمه رائحة المِسْك، وأن هناك من يموت بمعصية.
لذلك باللغة: في إنسان مُضرَّج بدم الشهادة، وإنسان مُلَطَّخ بدم الجريمة, وشتان بين أن يضرَّج الإنسان بدم الشهادة وبين أن يلطَّخ بدم الجريمة.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع؟))
لو غمس إنسان إصبعه في البحر المتوسط ورفعها، بم ترجع؟ هذا الذي علِق على يده من الماء هي الدنيا والبحرُ هو الآخرة. متى يكون الإنسان خاسر؟ :
فالكلام الدقيق والصحيح وقد يكون مُراً: إن لم ترَ الدنيا, وحقارتها, وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها، وسرعة انقضائها، وإن لم ترَ أهلها وعُشَّاقها صرْعى حولها، قد عذَّبتهم بأنواع العذاب، وأذاقتهم أَمَرَّ الشراب، أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلاً، سقتهُم كؤوس سَمِّها بعد كؤوس خمرها، فسكروا بحبها وماتوا بهجرها, إن لم تر هذه الرؤية فأنت خاسر, إنسان يرى الدنيا فيذوب حباً لها، وإنسان يرى عاقبتها.
وإن لم تر بالبصيرة، إن لم ترَ الدنيا بالبصيرة، وإن لم ترَ الآخرة ودوامها، وأنها هي الحياة الحقيقية، أهلها لا يرتحلون منها، ولا يظعنون عنها، بل هي دار القرار، ومحطُّ الرحال، ومنتهى السير، وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال عليه الصلاة والسلام:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس بمياه البحر))
فأنت أعمى. ماذا يبين لنا هذا المثال؟ :
أيها الأخوة, سأوضِّح لكم بمثل أوضح: إنسان يركب مركبة, والطريق شديد الانحدار، والهواء عليل, والمناظر خلاَّبة, والمركبة مريحة، هو يضحك، ويتنعَّم بالمناظر وبالنسيم العليل، لو أنه شعر فجأةً أن مكبحه معطَّل، وأن هذا المنحدر الشديد ينتهي بمنعطفٍ حاد, وبينه وبين هذا المُنعطف تقريباً أربع دقائق، بحسب سرعته العالية, لماذا يصيح؟ ويقول: انتهينا, ومتنا، ورحنا, بقوة بصيرته أدرك المكبح معطل, والسرعة متسارعة، والمنعطف حاد، والوادي سحيق, معناها متنا.
المؤمن وهو في الدنيا، يدرك كما أدرك هذا السائق الذي فقد مكبحه في طريق شديد الانحدار، مع منعطفٍ حاد، ووادٍ سحيق، أما الغافل والجاهل هو يضحك ويلعب، متى يبكي؟ حينما يقع في الوادي، أما إذا الإنسان أدرك قبل أن يقع الشيء أنه يوجد خطر، هذا معنى قوله تعالى:
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾
[سورة التكاثر الآية: 5-6]
لما الإنسان يقبض مبلغاً ضخماً بالحرام، تجده يضحك لشعوره بالتفوق والنجاح, ما دام المال بالحرام ..:
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾
[سورة التكاثر الآية: 5-6]
لما يعتدي على عِرض إنسانة، يغرر بها، ويقضي شهوته منها, ثم يشعر بلعنة الله له, وإبعاده عنه، يدخل في متاهة وفي آلام نفسية لا تُحتمل، لذلك:
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾
[سورة الكهف الآية: 53]
هذه النار التي كنتم بها تكذبون: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 41]
سؤال :
سؤال: لو إنسان لا يوجد عنده هذه الرؤية، ماذا يفعل؟ متعلِّق بالدنيا، متعلق بمالها، بنسائها، بشهواتها، بطعامها، بشرابها، ببيوتها, بمركباتها, نقول له: اقرأ كلام الله, صدِّق ما قاله الله لك، إما أن تكون مع النص أو مع الرؤية، الرؤية أقوى بكثير، فمثلاً:
طبيب قلب عنده كل يوم عملية جراحية، عملية قلب مفتوح، وأكثر عمليات القلب انسداد بالشريان التاجي، وانسداد الشريان التاجي أساسه المواد الدسمة والدهنية, هذا الطبيب نفسه لو جلس إلى مائدة فيها حلويات نفيسة جداً, لكن كلها مواد دهنية؛ قشطة ودسم، تجده لا يأكل مع أنها لذيذة الطعم، هو يرى بعينه كل يوم انسداد الشريان، وكيف أزال قطعة من شريان رجله, ووضعها في قلبه، وأوقف القلب، وعمل للقلب صعقة مع المبالغ الكبيرة التي تدفع، هو رأى مخاطر الدسم، مخاطر الشحوم الثلاثية، مخاطر الأكلات، لذلك لم يأكل لرؤيةٍ رآها، أنا أريد هذه الرؤية.
دائماً: الإنسان الشَقي يعيش لحظته.
شاهد عيان :
رأيت إنساناً في أيام الشتاء الباردة والماطرة، يجري في شارع في دمشق، فكل أبناء دمشق في البيوت, وحول المدافئ, ويأكلون, ويتنعَّمون، ماذا في ذهن هذا الإنسان؛ من قناعات بالرياضة والجري، وصحة القلب, وقوة القلب، والنبض البطيء, وتمرين عضلة القلب على جهد عالٍ، حتى لا يلهث من أدنى جهد, فهؤلاء الذين يجرون عندهم قناعات عالية جداً بجدوى الرياضة وخطر الراحة, وهؤلاء الذين يمتنعون عن التدخين، الذين عندهم معلومات دقيقة عن أخطار التدخين، وقد يكون المدخن متمتعاً بدخينته ومعطلاً عقله.
متى يلقي الله في قلب الإنسان من النعيم والسعادة ما لا يوصف؟ :
مرة ذكرت قصة مشابهة لهذه القصص، فأحياناً تجد مركبة عامة واقفة باتجاه، عليها أن تدور دورة كاملة كي تتابع سيرها، أنت قد تجلِس في الشمس, لأنك تحسُب أنها بعد أن تدور هذه الدورة تنعكس الآية، فأنت تجلس في مكان غير معقول، الناس جالسون بالظل وأنت جالس بالشمس، أنت فكَّرت فوجدت أن دقيقة شمس أحسن من نصف ساعة شمس، آثرت التعب القليل أوالمشقة القليلة، وطلبت الراحة المديدة.
لذلك قال بعض العلماء: في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
إذا الإنسان اصطلح مع الله تماماً, وصدق في توبته, وفي إقباله, يُلقي الله في قلبه من النَعيم والسعادة ما لا يوصف، سعادته في بيت الله عز وجل، سعادته في أداء فريضة، سعادته في أداء واجب، سعادته في خدمة الخَلق، سعادته في تقديم شيء للناس، هذه سعادته، بينما هؤلاء الذين يتمتَّعون بحسِّهم بمباهج الدنيا يشقون بقلوبهم.
هذه الرؤية من أين؟ :
هذه الرؤية من أين؟ قال: من نورٍ يقذف في قلب المؤمن، يريه الحق حقاً والباطل باطلاً، الشاهد، الدليل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة الحديد الآية:28]
آية قُرآنية صريحة: ﴿يجعل لكم نوراً تمشون به﴾
كل واحد إذا عرض له شيء يغضب الله, يقول: لا أفعله معاذ الله, عنده رؤية هذا العمل يشقيه، وإذا في طاعة وعمل صالح يفعله، معناها أن كل إنسان يتحرك برؤية، لكن هذا الذي أقدم على قتل إنسان طمعاً بماله، ماذا رأى؟ رأى رؤية معكوسةً، من هنا كان الدُعاء النبوي الشريف:
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
عامَّةُ الناس والجهلة يرون الباطل حقاً والحق باطلاً، الذي يغُشُّ المسلمين ماذا يرى ؟ يرى الربح فقط، ولا يرى عقاب الله عز وجل, الذي يعتدي على أعراض الناس، ماذا يرى ؟ المُتعة الآنية, ولا يرى أن الله سيلعنه، وستغدو حياته شقاءً بشقاء، لا يرى، فأنت مبدئيَّا؛ إما أن تكون مع النص، وإما أن تكون مع الرؤية، في نص، وفي رؤية، الحد الأدنى الذي يحميك من أن تقع بمعصيةٍ النص، الله عز وجل حرم هذا الشيء، فانتهى الأمر، أما في مستوى أرقى ، معك النص ولكن معك رؤية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
[سورة الأنفال الآية:29]
فرقان، تُفَرِّقُ به الحق من الباطل، لذلك قلما تجد مؤمناً في مخفر أو في قصر عدلي، لأنه يسير على المنهج، الانضباط والاستقامة تنتهي إلى حرية، وعدم الاستقامة تنتهي إلى قَيْد ، إما قيد نفسي كآبة، أو قيد حسي سجن.
والله عز وجل أكرمنا بالعقل، والعقل أداة معرفة الله عز وجل, وأداة فعَّالة، فالإنسان إذا استخدم عقله، وفكَّر بأعماله، وفكر بماله, كيف اكتسبه؟ كيف أنفقه؟ فكر بعلمه ماذا عمل به؟ فكر بنهايته.
لا أنسى طالباً مرة سألوه, وقد نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية: لمَ نلت هذه الدرجة؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تُغادر مخيِّلتي ولا ساعةً في العام الدراسي, يعيش مع الامتحان.
فكل واحد منا يعيش يوم القيامة, كيف سيسأله الله عز وجل؟ لمَ فعلت؟ لمَ تركت؟ لِمَ وصلت؟ لمَ قطعت؟ لمَ غضبت؟ لمَ رضيت؟ لمَ طلَّقت؟ لِمَ وافقت؟ لِمَ خُنت؟ لِمَ أكلت مالاً حراماً؟ ألف سؤال وسؤال.
نهاية المطاف :
هذه الرؤية التي أكرمنا الله بها، أن ترى الحق حقاً والباطل باطلاً, وأنا أعتقد أن كل مؤمن مهما دنت مرتبته على شيءٍ من هذه الرؤية, والدليل يقبل على طاعة الله، يقبل على خدمة الخَلق، يقبل على طلب العلم، يسعى أن يكون بيته إسلامياً، أن يكون عمله إسلامياً، هذه الرؤية تدفعه إلى طاعة الله عز وجل.
في مرتبة: بعد أن تحمل نصاً فيه أمر ونهي.
في مرتبة ثانية: أن تشعر ذوقاً أن هذا العمل لا يرضي الله.
في مرتبة ثالثة: أن ترى حقيقته وما ينطوي عليه.
فالإدراك البياني أول مرتبة، والذوق النفسي ثانيها، والرؤية العميقة ثالثها، من وصل إلى هذه الرؤية العميقة، قطع مرحلة عالية جداً في الإيمان.
والانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، كما أنك تستمتع بمكيِّف, وأنت لا تدري كيف يعمل، وتستمتع بآلات كثيرة جداً وأنت لا تفقَه كيف تعمل، تستمتع بها وتنتفع بها دون أن تعلم حقيقة بُنْيَتِهَا ووظيفة عملها, كذلك منهح الله عز وجل في دقة بالغة, بحيث لو طبَّقه إنساناً وكفى، ولم يعلم حكمته ولا حقيقته, هذا الإنسان يقطف كل ثماره، لكن هذا يكون عابداً ولا يستطيع أن يكون عالماً، والعابد مرتبة أقل من مرتبة العالم.
أمر الله بغض البصر، فغض إنسان بصره، أمر بالصدق، صدق لا يوجد عنده درة على تحليل الأمور، ولكن عنده قدرة على طاعة الله عز وجل، وهذا أيضاً يقطف كل ثمار الطاعة ويوفقه الله عز وجل, ولكن هذا الإنسان مقاومته هشَّة، فقد لا يحتمل إغراء شديداً ولا ضغطاً شديداً.
أما العالم الذي عنده رؤية لو قطعته إرباً إرباً لا يلين, لا تؤثِّر فيه لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلاَّدين اللاذعة.
يقول سيدنا بلال: أحدٌ أحدٌ.
وفي إنسان على قدر ما ضغطت يخرق منهج الله عز وجل, فبقدر هذه الرؤية وبقدر هذه الاستقامة يكون التوفيق والأجر.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 03:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و السبعون )


الموضوع : منزلة الفتوة









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما حقيقة هذه المنزلة؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم الفتوَّة.
هذه المنزلة كما قال عنها العلماء: حقيقتُها الإحسان، الإحسان نهاية النهاية, لقوله تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
[سورة الرحمن الآية: 60]
أنت حسنةٌ من حسنات الله، خَلَقَك ليسعدك، ليحسن إليك، خلقك لجنةٍ عرضها السموات والأرض، فإذا كان ردُّ فعلك الإحسان, فقد حقَّقت غايتك من وجودك، لذلك: هذه المنزلة في حقيقتها هي الإحسان إلى الخلق، محبةً بالحق.
لو أردنا أن نُبَسِّـط هذا المعنى: قد تحسن إلى طفلٍ من أجل أبيه إكراماً لأبيه، أو وفاءً مع أبيه، أو تكريماً لأبيه.
قال بعض العلماء: هي الإحسان إلى الخلق وكفّ الأذى عنهم, بل احتمال الأذى منهم.
أول مرتبة الإحسان، أو كف الأذى، أو احتمال الأذى؛ أيْ استعمال حُسن الخُلق معهم، ومن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان, الإيمان حُسن الخُلق، وذهب حُسن الخُلق بالخَير كلِّه, وسوءُ الخُلق يُفسد العَمل كما يُفسد الخَل العسل.
ما الفرق بين مرتبة الفتوة وبين المروءة؟ :
قال بعض العلماء: والفرق بين هذه المرتبة الفتوَّة وبين المروءَة: أنَّ المروءة أعمُّ منها.
فالفتوَّة نوعٌ من أنواع المروءة، فإن المروءة بمعناها الدقيق: استعمال ما يجمل ويزِين مما هو مختصٌ بالعبد, وتركُ ما يدنِّس ويشينُ مما هو مختصٌ به أيضاً, فالموقف الكامل وترك الموقف الناقص هو مروءة، كأن مكارم الأخلاق كلِّها جُمِعَتْ في المروءة, والفتوَّة فرعٌ من المروءة، المروءة أعَم، أن تقف الموقف الكامل من كل شيء، إن تكلَّمت تتكلَّم بكلامٍ فَصل، إن سكتْ تسكُت عن حلم، إن أعطيت تعطي عن كرم، إن منعت تمنعُ عن حكمة، إن غضِبت تغضب لله، إن رضيت ترضي لله، أن تقف الموقف الكامل في كل شؤون حياتك هذا مروءة.
وكأن علماء الأخلاق جمعوا كل خِصال الخَير بكلمة مروءة, وجُمِعَت كل خصال الشر بكلمة لؤْم.
هناك إنسان ذو مروءة، وإنسان لئيم.
وقيل: ما الذُل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه.
من معاني إتمام مكارم الأخلاق :
قالوا: هي ثلاثة منازل؛ منزلة التَخلُّق، ومنزلة الفتوَّة، ومنزلة المروءة؛ فالتخلُّق: يتحلَّم الإنسان فيكون في النهاية حليماً، يتكرَّم فيكون في النهاية كريماً، وبعد هذه المَرتبة تأتي مرتبة الفتوَّة، وقد عُبِّر عنها باسم مكارم الأخلاق.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ))
وفي روايةٍ أخرى: ((إنما بُعثت معَلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))
يا أيها الأخوة, إتمام المَكارم له معنىً دقيق: هو أن النفس جُبلت جبلَّةً عالية, جبلت على حب الكمال، فإذا اتصلت بخالقها اصطبغت بالكمال، فكأن الاصطباغ إتمامٌ للفطرة، الفطرة حب الكمال، والصبغة اصطباغٌ بالكمال، فالإنسان يحب الخير، يحب العدل، يحب الرحمة فطرة, صار خيراً عادلاً رحيماً فطرة, فالحاجة إلى الشيء وإملاء هذه الحاجة، إذاً الإتمام، معنى ذلك: أن النفوس فُطرت فطرةً عالية في الأصل, في أصل الخَلق الإنسان فُطِرَ فطرةً عالية، فإن تديَّن واتصل بخالقه حقَّق هذه الفطرة، الفطرة تَمَن، الفطرة مَيل، الفطرة محبة، أما إذا تخلَّق بهذا الخُلُق أصبح ذا صبغة. قف هنا :
الشركات الضخمة التي تُعلِّق أهميةً كبرى على تفوُّقها تعتمد على الشباب، الشباب طاقة كبيرة جداً، طاقة هائلة، فإذا رُشِّـدت ووجِّهت, آتت أُكلها ضعفين، لذلك قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
[سورة الكهف الآية: 13]
﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 60]
ريح الجنَّة في الشباب, ولعلَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد بعداً عميقاً جداً, حينما عيَّن قائدَ جيشٍ شاباً لا تزيد سِنُّه عن ثمانيةَ عشر عاماً، وكان تحت إمرة هذا الشاب سيدنا عمر بن الخطاب، وسيدنا عثمان بن عفَّان، وسيدنا عليّ بن أبي طالب، كبار الصحابة تحت إمرة هذا الشاب، بل إن الصديق -رضي الله عنه- مشى في رِكابه، فلمَّا رأى خليفة المسلمين يمشي وهو راكب, قال: والله يا خليفة رسـول الله لتركبن أو لأنزلن, قـال: والله لا ركبت ولا نزلت وما عليَّ أن تغبرَّ قَدَمايا سـاعةً في سبيلِ الله, -أراد الصدِّيق -رضي الله عنه- أن يُبقي عمر, دقِّق في نظام التسلسل: أليس بإمكانه أن يقول له: يا عمر ابقَ معي؟ عمر جندي تحت إمرة قائد اسمه أسامة، فلا بدَّ من أن يستاذن أسامة في أن يسمح له في عمر-.
قال: يا أسامة أتأذن لي بعمر أن يبقى معي؟.
لماذا عيَّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أسامة بن زيد, وتابع هذا التعيين سيدنا الصديق؟ ليُشْعرنا أن الشابَ إذا عرف الله كان شيئاً كبيراً:
ما من شيءٍ أكرم على الله من شابٍ تائب.
((إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي))
ورد في الأثر: ((أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد))
هذا الذي بقي لك من هذه الشهوة :
فإذا الإنسان كان يغلي بالميول والرغبات وضَبَطها في سبيل الله, فالدين كله ضبط, وتقريباً -للتوضيح-:
أي شهوة مفتوحة مئة وثمانون درجة، في زاوية محدودة مسموح بها، شهوة الجِنس مفتوحة مئة وثمانون درجة، في زاوية أربعون درجة هي الزواج، من هو المؤمن؟ هو الذي ضبط شهوته في هذه الزاوية المشروعة, شهوة المال مفتوحة مئة وثمانون درجة، مسموح منها أربعون درجة بالكسب المشروع, فالدين كله ضبط هذه الشـهوات من مئة وثمانين درجة إلى أربعين درجة، ثلاثون درجة هذه مسموح بها، هذا الشيء المشروع، هذه القناة النظيفة، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة:
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[سورة هود الآية: 86 ]
الذي بقيَ لك من هذه الشهوة ما سمح الله لك به، هذا هو الخير, الخير في الزوجة، والخير في المال الحَلال، والخيرُ في العمل الطيِّب, والخير في التفوُّق في الدين, الإنسان يحب التفوُّق فإن تفوَّق في الدين, كان هذا التفوق مستمراً.
قف عند هذه النقطة :
أجمل نقطة في الدرس: أن الخط البياني للمؤمن صاعد صعوداً مستمراً، حتى لو مات، وما الموت إلا نُقطة على هذا الخَط الصاعد، بينما غير المؤمن خطُّه البياني صاعداً صعوداً حاداً، وبعد هذا الصعود الحاد هناك هبوطٌ وسقوطٌ مريع:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾
[سورة الكهف الآية: 13]
﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 60]
تعريف الفتوة في رأي الفضيل بن عياض :
قال الفُضَيْل بن عياض: الفتوَّة الصفح عن عثرات الأخوان.
هذه فتوة، بطولة، مروءة:
إذا خَـلـيـلَـيَّ لــم تـكـثـُر جـنـايـتـه
فأيـن موضع إحسـاني وغُفراني؟
ما كنت مُـــذ كنْـــت إلا طـــوْعَ إخواني
ليـست مؤاخذة الأخوان مـن شانِ
أول صفة من صفات الفتوة: الصَفْحُ عن الزلاَّت، هو يعامل الله عزَّ وجل.
سألني أخ: ما موقف مؤمن أحسـن إلى إنسان ثم أساء إليه؟ -أحسن لهذا الإنسان, وهذا الذي تلقَّى الإحسان بالغ بالإساءة إلى المحسن-, قلت: إن كان يحسن إليه فهي خَيْبَةُ أملٍ مُرَّة، وإن كان يعمل لله فإنه لا يتأثَّر أبداً.
إن كنت ترجو رحمة الله، رحمة الله واصلة ومحقَّقة، هو شَكَر أو لم يشكر، قدَّر أو لم يقدِّر.
ورد في الأثر: أن اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، إن أصبت أهلـه أصبت أهله، وإن لم تُصِب أهله فأنت أهله.
إذا كان إخلاصك عالياً لا تتأثَّر بردود الفعل إطلاقاً، إذا إنسان شكرك قل: جزاك الله خيراً, لم يشكرك قل: أنا عاملت الله, حسبي الله ونعم الوكيل.
فقال الفُضَيل: الفتوة الصفح عن عثرات الأخوان. تعريف الفتوة عند أهل العلم :
وقال الإمام أحمد: ترك ما تهوى لِما تخشى.
الإنسان أحياناً يكون عمله في الطِب, فيترك أكلة لذيذة جداً, خشية أن تسهم في إضعاف قوته, أو إضعاف شرايينه، أو ضيق لَمعة الشريان، يخاف من المواد الدسمة مع أنها لذيذة جداً، يخاف أن تَسْلُك في شرايينه سلوكاً فتضيق لمعتها, فيدخل في متاعب لا حصر لها، إذاً:
ترك ما تهوى لما تخشى.
وقال بعض العلماء: الفتوَّة حُسْنُ الخُلُق.
وقال بعضهم الآخر: الفتوة كفُّ الأذة وبذل النَدَى.
وقال بعض الأئمَّة: الفتوة هي اتباع السُنَّة.
منهج كامل، اتباع السُنَّة هي الفتوَّة.
وقال بعضهم: الفتوة فضيلةٌ تأْتيها ولا ترى نفسك فيها, إن فعلت خيراً يجب أن تنساه وكأنَّك لم تفعله، وإن صُنِعَ معك معروف يجب ألا تنساه مدى الحياة.
هذا خُلُق راقٍ جداً، هناك أُناس إذا فَعل معروفاً لا يزال يذكره، ويبالغ فيه, ويمنِّن، إلى درجة أن الطَرف الآخر يكاد يخرج من جلده، وإذا فُعِل إليه معروف, يقول لك: الفضل لله, أنا لا يوجد إنسان له فضل عليّ, ولكن اسمع كلام النبي -عليه الصلاة والسلام-:
من لم يشكر الناس لم يشكر الله .
قال: الفتوة فضيلةٌ تأْتيها ولا ترى نفسك فيها.
ما قيل عن الفتوة أيضاً :
وقيل: الفتوة ألا تَحْتَجِب ممن قَصَدَك. فلا توصد الباب في وجه من أتاك طالباً معونة.
لا تسحب مأخذ الهاتف، لست فتىً, لست في هذه المرتبة, إذا حجبت نفسك عمَّن قصدك، هذا الذي قصدك ساقه الله إليك:
إذا أحبَّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه.
إذا قصدك الناس فهذا فضلٌ من الله عزَّ وجل:
ألا تحتَجب ممـن قصدك أو ألا تهرُب إذا أقبل طالبٌ مَعْروف.
وقيل: الفتوة إظهار النعمة وإسرار المِحنة.
وقيل: الفتوة ألا تدَّخر وألا تعتذِر؛ أي لا تفعل عملاً تحتاج أن تعتذر منه، وألا تدَّخر وسعاً، بإمكانك أن تقدم خدمة لإنسان، فأنت ادَّخرت وسعاً، لم تبذله في سبيل الله, أو فعلت عملاً تحتاج أن تعتذر منه, مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((إِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْه))
الفتى كما عَرَّفه بعضهم: أرضٌ خيِّرة مِعْطاءة، لذلك قالوا:
الفتوة استرسال الناس في فضلك.
-الكُل يطمع فيك، يطمعون بحلمك, يطمعون بكرمك، يطمعون بقلبك الواسع، يطمعون بحبَّك للخير، يطمعون برحمتك- فإذا استرسل الناس بفضلك فأنت فتىً، -وهذه مرتبة عالية عند الله, طبعاً هم لا يسترسلون بفضلك إلا إذا استرسلت أنت معهم، أعطيتهم وجهاً باشَّاً، أعطيتهم عبارةً لطيفة، يقول له: أنا بخدمتك، أنا سعيد جداً لأنني خدمتك، إذا احتجت شيئاً فارجع إلي، هذا الكلام الطيب استرسلت معهم فاسترسلوا في فضلك-.
ولم تجذب عنهُم عنانك: الإنسان أحياناً يُقَطِّب، يكفهر, يتَجهَّم، الضيف لا يعود، لا يبالي، يسوِّف، يُماطل، يتأفَّف، يغضب, فصرف الناس, صرف الناس سهل جداً.
ألف تصرُّف ذكي، ومخلص، ورحيم, يشد الناس لك, وتصرُّف واحد لئيم يسْلَخهم عنك.
الفتوَّة أن تسع الناس بخلقك، قال عليه الصلاة والسلام: ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))
الله عزَّ وجل أمر النبي الكريم, فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 199]
إذاً: أن تَسَعَ الناس، أن يكون لك قلبٌ كبير، أن تَحْلُم عليهم:
كاد الحليم أن يكون نبياً.
الحلم سيد الأخلاق.
الحلم أعلى درجات الضبط، أعلى درجات الضبط هو الحِلم, والإنسان أحياناً يخرب بكلمة واحدة ما بناه في عامٍ بأكمله.
بل قال بعضهم: الفتوة أن تَدَع الناس يطَؤوا عليك, من شدة لينك وتواضعك وخَفْض جناحك.
أحد العلماء كان يمشي مع أخوانه، يبدو أن بعض جواربه نزل, فأحد الأخوة ابتسم ، فقال له: ما الذي يدعوك إلى التَبَسُّم؟ فاستحى, فنظر الشيخ فرأى جرابه قد نزل, فقال: اللهمَّ أضحكه وأدخل على قلبه السرور, هذا تواضع.
مرة سيدنا عمر -هكذا قرأت-, كان يمشي في المسجد في الليل, وكان غير مُضاء، يبدو أنه داس على رجل أحد المُصلين، غضب المصلي، أو هو في حالة غفلة، قال له: أأعمى أنت؟ قال له: لا لست أعمى, فقال رجل لسيدنا عمر: معقول؟! فقال له سيدنا عمر: سألني فأجبته.
صدر واسع، رحمة، وحُب, غلط الرجل، تجاوز حده، يرحمه ولا ينتقم منه.
قال: الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم.
أنت من مستواهم، فإذا أنت رفعت نفسك فوق الناس، وفرضت عليهم مقاماً معيَّناً, وهيمنة معيَّنة، وكهنوتاً معيَّناً، وإذا لم يؤدوا طقوس الاحترام تغضب عليهم، وتوبِّخهم، وتعنِّفهم، هذه مرتبة تتناقض مع الفتوة, الفتوة أن تكون واحداً منهم. إليكم هذا التطبيق العملي لهذا التعريف: الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم :
دخل أعرابي إلى النبي، وقال:
((أيكم محمد؟))
كم تفهمون من هذا النَص: أيكم محمد؟ .
أحياناً ترى رجل دين, يلبس ثياباً بمئتي ألف, هكذا في بعض الدَيانات، أما الرسول فلباسه بسيط، وجلسته عادية, ليس له ولا ميزة, فسأل الرجل: أيكم محمد؟ هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: ((عليَّ ذبحها.
فقال له الثاني: وعلي سلخها.
فقال الثالث: وعليّ طَبخها.
فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب.
قالوا: نكفيك ذلك.
قال: أعلم أنكم تكفونني, ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))
هذا هو الدين :
هناك تحفُّظ لا بدَّ منه، أنت ليِّن، وكريم، ورحيم، وصدرك واسـع، وترحم الناس، وتتحمَّلهم، وتسعهم بحلمك، ولا تحرجهم، ولا تضيِّق عليهم، لكن هذا الاسترسال في لينك، وذاك الاسترسال في فضلك, أنت استرسلت بلينك، وهم استرسلوا بفضلك، هذا اللين وذاك الفضل, يجب ألا يخرج عن حدود الشَرع وآدابه، بحيث لا تحمِلُهم على تعدي حدود الله.
قال رجل: والله لزمت دروس العلم عشرين سنةً، أمضيت ثمانية عشر عاماً في تعلُّم الأدب، وأمضيت عامين في تعلُّم العِلم، أما الآن كنتُ أتمنى أن أُمضي عشرين سنةً في تعلُّم الأدب.
الدين كلَّه أدب، الدين كله حياء، الدين كله احترام، تسال بأدب, تَصل إلى كل أهدافك بأدب، بسؤال لطيف، بتعليق لطيف، تستفهم، وقد تعترض، وقد تنتقد، وتناقش لكن بأدب، دون أن تجرِّح، دون أن تطعن, دون أن تؤذي، دون أن تُحْرِج.
شيء هام :
أيها الأخوة, الفتوَّة: الحِفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال عليه، فإن كنتَ كذلك أنت مع الناس, مسترسلٌ برسمك وصورتك، أنت معهم في صورتك وفي جسمك، ولكنك لست مع سقطاتهم ولست مع وحولهم، هذا ينقُلنا إلى تعبيرين لطيفين، يجب أن تكون في برجٍ عاجيٍ أخلاقي، لا أن تكون في برجٍ عاجيٍ فكري، يجب أن تعيش مع الناس, وأن تخالطهم، وأن تصلحهم، وأن ترشدهم، وأن توجِّههم، لكن يجب ألا تكون معهم في سقوطهم، أنت في منأى عن سقطاتهم، منأى عن وحولهم، لكنك معهم لتأخذ بيدهم إلى الله عزَّ وجل، ومنتبه, لا تسمح لأحدٍ أن يجرَّك إليه.
ما معنى هوناً؟ :
قال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
ما معنى هوناً؟ أي في بطء، السنة خلاف ذلك:
كان إذا سار أسرع، كان إذا مشى كأنَّه يَنْحَطُّ من صبب.
والآية هوناً. قال علماء التفسير: هواناً؛ أي لا يسمحون لمشكلةٍ أن تأخذهم، ولا لشغلٍ أن يأخذهم، ولا لهَمٍ أن يسحَقهم، هدفهم كبير، وطريقهم واضحة, فيمشون هوناً؛ أي يفكرون لماذا خلقوا؟ من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ يفكِّرون في رسالتهم في الحياة.
دائماً السائق يراقب الطريق، مرة يراقب الطريق من أمام، مرة على اليمين، مرة على اليسار، ومرة ينظر في المرآة ليرى مَن خلفه, هذه المراقبة الدائمة تجعله على الطريق، وعلى اليمين، وفي سلام, والمؤمن يراقب, هل هناك موقف غَلط؟ أو موقف فيه تقصير؟ أو موقف فيه خيانة؟ أو موقف فيه شُبُهَة؟ إذا لم يراقب نفسه, يتورَّط ويقع في شرِّ عمله. ما معنى هذا القول: الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً؟ :
قال: الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً.
-هناك شخص نَصَّب نفسـه فوق الناس, يقول بملء فيه: يجب أن تعرفوا فضلي لي حق عليكم-.
الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً, أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك، وتغيبَ بشهادة حقوق الخَلق عليك عن شهادة حقوقِك عليهم.
حق الآخرين عليك كبير جداً، وحقُّك عليهم صغير جداً، أن تشهد بفعلهم معك لا بفعلك معهم، أيْ إنكار الذات، الفتى إن أنكر ذاته فالله يعرفه.
ماذا تستنتج من هذا المشهد؟ :
ذات مرَّة جاء أحد الرُسُل من معركة نهاوند وخاطب سيدنا عمر, قال له: ماذا جرى؟.
قال: مات خلقٌ كثير.
قال: من هم؟.
قال: أنت لا تعرفهم.
قال: ما ضَرَّهم أَني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟!.
فيجب أن تغيب عن ذاتك، عن شهود عَملك، وأن يكون متفانياً في شهود عملِ الآخرين، أن تكون غائباً عن شهود فضلك عليهم وحقِّك عليهم، وأن تكون مُتَفانياً بشهود حقِّهم عليك وفضْلِهم عليك.
هل تصدق؟ :
فهل تصدِّقون: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أُمِر أن يحاوِرَ الطرف الآخر وكأنه مثلهم؟:
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 24]
إذا النبي سيِّد الخلق، قمة المجتمع البشري, يخاطب كافراً، مُشركاً, شارب خمر، عابد صنم، قال له: الحق معي أو معك؟ تعالَ كي نتحاور، الحق معك أو معي, فالنبي جعل الطرف الآخر في مستواه تماماً, هكذا الأدب: إن أردت أن تنقل الحق للآخرين, يجب ألا تسـتعلي عليهم.
انظر إلى هذه الكلمة للشافعي :
الإمام الشـافعي له كلمة: الحق معي وقد أكون مُخْطِئاً، وخَصمي مُبطل وقد يكون مصيباً.
اترك احتمال، أنت على حق, هذا جيد، أحياناً تُخطئ وقد أكون مخطئاً:
وخصمي مبطل وقد يكون مصيباً.
الناس في هذا مراتب، أشرفُها أهل هذه المرتبة؛ أن تتفانى في رؤية حق الناس علي، وأن تتفانى في رؤية فضل الناس عليك، وأن تَغيب في رؤية حقِّك عليهم وفضلك عليهم, هذه أعلى مرتبة, أخسُّ هذه المراتب: أن ترى فَضْلك عليهم وألا ترى فضلهم عليك.
ما وراء هذا المثل :
هناك مثل وإن كان قاسياً: هذا الذي أعطيته مالاً فأنت ارتقيت إلى الله، ألك فضلٌ عليه؟ هناك من يرى العَكس، لولا أنه قَبِلَ مِنك هذا المال لحرمك هذا العمل الصالح, إنسان عَلَّمته، فالذي قبل أن يتعلَّم منك له فضل عليك، الذي قَبلَ أن يأخذ منك له فضل عليك، كن بهذا المستوى, هكذا يجب أن تكون نفسية الداعية، أنت في خدمة الخلق.
كان عليه الصلاة والسلام يشرب آخر أصحابه، وكان في خدمتهم, وكان يصغي الإناء للهرَّة، وكان يرفو ثوبه، وكان يكنس داره، وكان في خدمة أهله -في مهنة أهله-, وتأخذ بيده الجارية, طفلة صغيرة تأْخُذه.
هذا ما كان يصنع به نبيكم حينما يدخل بيته :
مرة كنت ببلد في الخليج، مدير أضخم شركة في الخليج، فهي شركة بمستوى دولة ، جاءه هاتف، أنا لم أعرف من كان يكلِّم، قال لي: هذا الأفندي أعطاني توجيهات أن أوصله لعند رفيقه وأرجع, كان ذاك ابنه طفل صغير بالحضانة، رجل كبير هو في بيته واحد من أهل البيت, يعاون بكل شيء، يجلِس مع أولاده، وقد يركبون على ظهره، هكـذا فعلوا مع النبي، كانوا يرتحلونه، كان إذا دخل بيته بَسَّاماَ ضَحَّاكاً، كان يقول:
((أكرموا النساء, ما أكرمهنَّ إلا كريم, ولا أهانهنَّ إلا لئيم))
كان يقول: ((فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
إذا دخل أحدنا بيته فهو واحد من أهل البيت، قد يأكل آخرهم أو يأكل وحيداً، إذا جاء لأهله ضيوف لا مانع أن تأكل منفرداً، ما الذي حصل؟ هناك أشخاص يعمل في البيت هَيْمنة، وعظمة، وسلطنة, وكَهَنوت، لا، الزوجة مريضة اخدمها، ابنك بحاجة إليك قدم له المعونة.
ما يتعلق بمرتبة الفتوة :
قال: هذه المرتبة أرقاها: أن تتفانى في رؤية فضل الناس عليك, تتفانى في رؤية حقهم عليك، وأن تغيب عن رؤية حقك عليهم، وفضلك عليهم.
أخسُّ هذه المراتب: أن ترى فضلك عليهم ولا فضل لهم عليك، وأن ترى حقَّك عليهم وألا ترى حقَّهم عليك.
هناك مرتبة وسط، أنا أقول: الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، وهناك أقوياء أخذوا ولم يعطوا، وهناك وسط أخذ وأعطى.
هناك إنسان أعطى ولم يأخذ، فاللهمَّ صل عليه سيد الخلق، الذي عاش للخَلق، الذي ترك حينما توفَّاه الله عزَّ وجل الفضل، نشر الخير, نشر الإيمان، نشر الهدى, أين سكن؟ ماذا رَكِب؟ إلى أين سافر؟ كان بيته إذا أراد أن يصلي, لا تسمح مساحة غرفته أن يصلي, وأن تبقى زوجته نائمة، بيت صغير جداً.
قال: أوسطهم من شهد هذا وذاك, أي عرف حقه على الناس وحق الناس عليه، وفضله على الناس وفضل الناس عليه.
رجل قادم من أمريكا :
ذات مرَّة قدِم أخ من أمريكا, ليس عنده إلا أن يمدح، يمدح، يمدح, فقلت له: أطلب منك شيئاً, كلَّما ذكرت ميِّزة تكلَّم عن سيئة، وكلمَّا تكلَّمت عن سيئة في الشرق تكلَّم عن ميِّزة، ساعة إذٍ أسمع منك، أما كل السلبيات تحكيها عن بلادك والإيجابيات كلها عن الغرب، ألا توجد هناك سلبيات؟ ألا توجد جرائم؟ ألا يوجد تفكُّك أسرة؟ ألا يوجد انهيار مجتمعات؟ ألا يوجد شـيوع جريمة؟ ألا يوجد شذوذ؟ ألا يوجد زنا محارم؟ كل شيء عندهم، إن تكلَّمت عن ميِّزة تكلَّم عن سيئة، وإن تكلَّمت عن سيئة في الشرق تكلَّم عن ميِّزة, ألا يوجد تماسك أُسَر؟ ألا توجد بقية أخلاق؟ ألا يوجد بعض الحياء؟.
من مظاهر هذه المرتبة :
من مظاهر هذه المرتبة: تركُ الخصومة، والتغافُل عن الزَلَّة, ونسيان الأذيَّة, فلا يُخاصم بلسانه، ولا ينوي الخصومة بقلبه، ولا يخطرها على باله, هذا في حق نفسه, وأما في حق ربه: أن يخاصم بالله, وفي الله، ويحتكم إلى الله. كما كان النبي -عليه الصلاة والسـلام- يقول:
((وبك خاصمت وإليك احتكمت))
أيها الأخوة, هناك عمل لعلَّه فَوق طاقة عامَّة المؤمنين، وهي المُعاكسة البنَّاءة؛ أي إذا إنسان أساء لك تحسن له: ((أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونُطقي ذكراً، ونظري عبرةً، وأن أعفوا عمَّن ظلمني، وأُعطي من حرمني، وأن أصل من قطعني))
هذه مرتبة عالية جداً؛ أيْ أن تقرِّب من يُقْصيك، وأن تقرِّب من يؤْذيك، وأن تعتذر إلى من يجني عليك سماحةً لا كَظْماً. هذا ما مدح الله به النبي :
أيها الأخوة, آخر فكرة في الدرس: عندما مدح الله عزَّ وجل النبي بماذا مدحه؟ بالخُلُق، ولكن ألم يكن النبي قائداً فذاً؟ فعلاً، ألم يكن قاضياً حكيماً؟ ألم يكن متكلِّماً بارعاً؟ ألم يكن رجلاً سياسياً من الطراز الأول؟ ألم يكن زعيماً سياسياً؟ ألم يكن قائداً عسكرياً؟ ألم يكن ذكياً ذا فطانةٍ عَجيبة؟ ألم يكن ذا ذاكرةٍ مُذْهلة؟ لكن كل هذه الصفات ما مُدِحَ بها, لكنه مُدِحَ بخُلُقه العظيم، قال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
لأن كل هذه القُدرات من الله عزَّ وجل أما الخلق مِنْه، الخُلُق عملية معاكسة للميول، فالحلم عملية ضَبْط، والكَرَم معاكسة لحُب المال, والشجاعة مُعاكسة لحب السلامة، والحلم معاكسة للانتقام، فالأخلاقي إنسان ضابط أموره، ضابط مشاعره، ضابط حواسه، ضابط لسانه ....:
احـفـظ لســـانك أيـها الإنســانُ لا يـلـدغـنَّـك إنـه ثـُـعـبـانُ
كم في المقابر من قتيل لســانــــه كانـت تهاب لقاءه الشجعــــان
إذاً: لمَّا مُدِحَ النبي -عليه الصلاة والسلام- بِحُسْن الخُلُق, معنى ذلك: أن الخُلُق من كَسْبِهِ، أما القُدرات العالية جداً التي وهبَه الله إيَّاها من أجل الدعوة هذه مِن الله، ما الذي مِنه؟ حسن الخلق.
أب يشتري لابنه سيارة, ويقيم حفل تكريم لابنه, بمناسبة أنه اشترى له سيارة, هذا حفل تكريم مضحك، اشترى بيتاً لابنه, فأقام حفل تكريم لابنه, لأنه تملَّك بيتاً، البيت منك, أما إذا ابنه أخذ الدرجة الأولى في الدراسة, وأقام له حفل تكريم, فهذا صح, لأنه من الابن، الدراسة والتفوق من الابن، أما المركبة والبيت من الأب، فلا معنى لتكريم الابن باقتناء بيت، أو باقتناء مركبة, ومعنى كبير إذا كرَّمت ابنك لأنه تفوَّق في الدراسة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
الخلق العظيم كَسْبي، أما القُدرات الفكريَّة، والذاكرة، وطلاقة اللسان، والفصاحة، والحِكمة، وحُسن السياسة, هذه إمكانات أعطاها الله للأنبياء لينقلوا هذه الدعوة للناس، هذه وسائل نشر الدعوة.
خاتمة القول :
يروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج امرأة محدودة جداً, فوجِّهت أنه إذا دَخَل عليكِ, قولي:
((أعوذ بالله منك -يبدو أنها محدودة جداً-, فلما قالت له ذلك, قال: الحقي بأهلكِ))
.
هذه دعوة، فإذا كانت إنسانة محدودة إلى هذه الدرجة, قد تسيء في نقل الدعوة، فالنبي لم يُبْقِها عنده، فإذاً: الدعوة تحتاج إلى فطانة، تحتاج إلى اهتمام، تحتاج إلى إدراك عميق، تحتاج إلى إحاطة، تحتاج إلى فهم مُرَشَّد، هذه من وسائل الدعوة، لذلك الله عزَّ وجل يهبها للأنبياء.
ما الذي يرقى بالأنبياء؟ الخُلُق العظيم, ونحن ما الذي يرقى بنا إلى الله عزَّ وجل؟ الخُلُق الحَسَن:
ومَنْ زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه الحقائق إلى سلوك، وإلى واقعٍ نعيشه، نرقى بهذه الخُلُق.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 04:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و السبعون )


الموضوع : منزلة التعظيم





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مسألة فيها قياس :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والسبعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين، والدرسُ اليوم أو المنزلةُ اليوم: منزلةُ التعظيم.
بادئَ ذي بَدء: كيف أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41]
الأمر يتعلَّق بالذكر الكثير لا بمطلق الذكر, لأن المنافقين يذكرون الله، قال تعالى:
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
فالمؤمن الصادق يذكر الله ذكراً كثيراً، الأمر هنا متعلِّق بالذكر الكثير، قياساً على هذه الآية:
﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾
[سورة الحاقة الآية: 33]
آمن بالله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[سورة الزمر الآية: 3]
إبليس قال: ربي ...: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾
[سورة ص الآية: 81 ]
آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن به خالقاً، وآمن بالآخرة: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 14]
ولكن ما آمن بالله العظيم، يبدو أنَّ إيمانك بالله العظيم يحملك على طاعته، فكل إيمانٍ لا يحملك على طاعة الله, معنى هذا: أنه إيمانٌ لا ينفعك ولا يجدي، إن لم تعمل وَفْقَ ما تعلَم فلا قيمة لعلمك، العلم ما عُمِلَ به, فإن لم يُعمل به كان الجهل أولى.
استنباط معاكس في هذه الآية :
فإذا قال الله عز وجل:
﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾
[سورة الحاقة الآية: 33]
ضعف إيمانه بالعَظمة الإلهيَّة حملته على المعصية، فهناك آلاف الحالات:
موظَّف يخالف تعليمات المدير, وهو يعلم أنه موجود، ويعلم أن هذه التعليمات تعليماتُه، ويعلم أنه يخالفها، يبدو لسببٍ أو لآخر أن هذا المدير غير محترم في نظره، وإذا سأله هو يسأله أيضاً، إذا حاسبه يحاسبه أيضاً, لأنه لم يَرَه عظيماً، فأجاز لنفسه أن يخالفَ تعليماته مثلاً, فيبدو أن الإيمان بالله العظيم لا بدَّ من أن يحملك على طاعة الله.
الآن: يوجد لدينا استنباط معاكس: لو أن الإنسان ضعفت همَّته في طاعة الله، أو انتهك حُرُمات الله، أو قصَّر فيما أمره الله به، معنى ذلك: أن إيمانه باللـه العظيم أقل مما ينبغي، ضعف إيمانه حمله على المعصية.
من علامة المؤمن :
هذه المنزلة -منزلة التَعظيم- التي هي إحدى مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, هذه المَنزلة تابعةٌ للمعرفة، تعظِّمُه بقدر معرفتك به، ولو جدلاً عرفته كما عرفه صدِّيقٌ, لعظَّمته كما عظَّمه صِدِّيق, التعظيم مُتعلِّق بالمعرفة، أذكر لكم بعض الأمثلة:
لو أننا دعونا أكبر جرَّاح قلب في العالَم إلى زيارة بَلدنا، وخرج لفيفٌ من كبار أطبَّاء بلدنا لاستقباله، في المطار يوجد ألوف الأشخاص, هذا الذي وصل إلى بلدنا إنسان قد يرتدي ثياباً بسيطة، قد يراه بضعُ مئاتٍ من الناس في أرض المطار ولا يعرفون من هو، أما هذا الذي جاء لاستقباله، ويعرف حجمه العلمي، ويعرف سُمعته العالية، ويعرف براعته في إجراء العمليات الجراحيَّة, يستقبله, ويسلِّم عليه سلاماً حاراً مُفْعَماً بالتعظيم.
كنت مرَّة في مسجد أُصلي المغرب، وكان يصلي في المسجد, رجل قصير القامة, مُنحني الظهر، يرتدي ثوباً أبيض، بسيط المظهر، أقبلت عليه, وسلَّمت عليه سلاماً, فيه مُنتهى التكريم، صديقٌ لي كان معي, قال لي: من هذا الذي أقبلت عليه هكذا؟ قلت: هذا كان عميد كُلِّيتنا، وهو من أعلم علماء بلدنا في النحو والصرف, كنت تلميذه، وكان عميد كُليتنا، وأعرف مؤلَّفاته، أعرف باعه الطويل في اللغة العربيَّة وفي علومها، أقبلت عليه -دون أن أشعر- بسلامٍ مُفْعَمٍ بالتعظيم، فأنت تعظِّم بني البشر بقدر ما تعرفهم.
أهل الدنيا لو التقوا بإنسان حجمه المالي خمسة آلاف مليون مثلاً, يكادون ينحنون أمامه، الذين يحبون المال يعظِّمون أهل المال، هذا بل جتس معه مئة مليار دولار، هذا أكبر غَني في العالم، هو صاحب شركة ميكروسوفت للكمبيوتر, إنسان يحب المال، يلتقي ببل جتس, يكاد يركع أمامه تعظيماً له، المؤمن يعظِّم الله عزَّ وجل.
من علامة المؤمن: أنه يعظم الله، وأنه يعظِّم رسله وأنبياءه, ويعظِّم المؤمنين، ويوالي كلَّ ما يتَّصل بأهل الإيمان، ولا يملأ عينه إلا أهل الحق، ولا يتأثَّرُ إلا بأهل الحق، ولا يعبأُ بإنسان يعصي الله.
هذا الفرق بين المؤمن وبين أهل الكفر والعصيان :
التقيت مرَّة إنساناً يحمل شهادتي دكتوراه، وشهادتين في حقلين متباعدين؛ واحدة في الفيزياء، والثانية في التربية, قال لي دون أن يشعُر: أنا لا أصلي, سقط من عيني, فهذا الذي خلقك من ترابٍ، ثم من نطفةٍ، ثم سوَّاك رجلاً, ألا ينبغي أن تعبده؟ ألا ينبغي أن تخضع له؟ ألا ينبغي أن تُقِرَّ بنعمه عليك؟ فالمؤمن يعظِّم أهل الإيمان, أما أهل الكفر والعصيان لا يعبأُ بهم، ولا يُلقي لهم بالاً.
من سير العلماء الصالحين :
يروى أن أحد العلماء الكبار كان في الحَرَم المَكِّي، فجاء أحد الخلفاء.
قال له: سلني حاجتك؟ -هذا رأس مجتمع-.
قال له: والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله, -أنا في هذا المكان لا أسأل إلا الله-, فلما التقاه خارج البيت الحرام.
قال له: سلني حاجتك؟.
قال: والله ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها؟! فلما أصرَّ عليه.
قال: حاجتي أن تُدخلني الجنة.
قال له: هذه ليست بملكي.
فقال له: إذاً ليس لي عندك حاجة.
يروى أن أبا جعفر المنصور التقى أبا حنيفة بن النعمان.
قال له: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا؟ -أيْ تعالَ زرنا-.
قال له: ولِمَ أتغشَّاكُم وليس لي عندكم شيئاً أخافكم عليه؟ وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء؟ إنك إن أكرمتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريتني,-ليس لي مصلحة-.
ذكرت أن أهل الدنيا يعظِّمون الأغنياء، أما المؤمن الصادق قد يُعَظِّم إنساناً فقيراً جداً، في أدنى درجة اجتماعية, ولكن لأنه مؤمن ومستقيم يحتفل به.
سيدنا الصديق من أرقى أرومات قُريش، فلما اشترى بلالاً من سيِّده، قال له سيده:
والله لو دفعت به درهماً لبعتكه.
قال له: والله إن طلبت مني مئة ألفٍ لأعطيتكها, وضع يده تحت إبط بلال, وقال: هذا أخي حقاً.
وأنتم يجب أن تعظَّموا أهل الدين؛ المؤمنون، المستقيمون, الأطْهار، الأَعفَّة، أما إنسان تارك صلاة، إنسان تارك السُنة، إنسان يتحرَّك وفق شهوته، هذا إنسان مسموحٌ لك أن تعامله معاملةً محدودة, مسموحٌ لك أن تقيم معه علاقات عَمل فقط، أما العلاقات الحميمة لا تكون إلا مع المؤمنين الصادقين.
ما تفسير هذه الآية؟ :
فعلى قَدْرِ المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القَلب:
أعرف الناس بالله عزَّ وجل أشدّهم له تعظيماً وإجلالاً.
وقد ذمَّ الله تعالى من لمْ يعظِّمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صِفته، وأقوالهم تدور على هذا فقال تعالى:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 13]
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 14]
قال ابن عبَّاس ومجاهد: ما لكم لا ترجون لله عظمةً؟.
وقال سـعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمةٍ؟.
وقال بعضهم: ما لكم لا تخافون الله حقَّ الخوفِ منهُ؟.
وقال بعض العلمـاء: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يُثيبكم على توقيركم إيَّاه خيراً؟.
قال بعض العلماء: روحُ العبادة الإجلال والمحبَّة، فإذا تخلَّى أحدُهما عن الآخر فسدت. تعريف العبادة :
فكما أقول لكم دائماً: العبادة غاية الخضوع مع غاية الحُب، إجلال ومحبَّة، إجلال بلا محبة العبادة فاسدة، محبة بلا إجلال كذب والعبادة فاسدة.
روح العبادة الإجلال والمحبة, فإذا تخلَّى أحدهما عن الآخر فسدت، فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المُعَظَّم, فذلك حقيقة الحمد, والله سبحانه وتعالى أعلم, إجلال ومحبة وثناء.
أنواع التعظيم :
لو دخلنا في تفاصيل هذا الموضوع، أول التعظيم: تعظيم الأمر والنهي.
ليس الوليٌ الذي يمشي على وجه الماء، وليس الوليُّ الذي يطيرُ في الهواء، ولكن الوليَّ كل الولي: الذي تجده عند الحلال والحرام, أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
إذاً: أول أنواع التعظيم: تعظيم الأمر والنهي، ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: ألا يشوبَهُما تَرَخُّصٌ جافٍ، أو تشددٌ غالٍ، فهناك وضع وسطي، وضع معتدل، وضع سليم، وضع قياسي، فإذا تساهلت هذا التساهل, يعني أنك لا تعظِّم الله عزَّ وجل، وإذا غالَيْت معنى ذلك: أنك لا تعظِّم الله عزَّ وجل، فالغلوُّ يُقابل التفريط، أو العبادة الحقة بين الإفراط والتفريط.
قال: هناك أمران يُنافيان تعظيم الأمر والنَهي، أحدُهما التَرَخُّص الذي يَجْفو بصاحبه عن كمال الامتثال، أيْ يُصلي كنَقر الديك، يصوم ويغتاب، يصوم ويطلق بصره في الحرام، يحجُّ بيت الله الحرام وهو ساهٍ ولاهٍ، ولا يعنيه إقباله على الله بقدر ما يعنيه أداء المَناسك فقط.
تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب :
حدثني أخ، قال لي: أصلي العصر يوم عرفة بجدَّة, ما هذا الكلام؟ أركب سيارتي من جدة إلى مكة, الطريق خالٍ, لا يوجد فيه إنسان, أدخل الكعبة, أطوف سبعةَ أشواط في أقلَّ من ربع ساعة، لا يوجد أحد فالناس كلهم في عرفات، ثم أتَّجه نحو عرفات وأوقف سيارَتي في أوَّل عرفات، فإذا غابت الشمس عدت أدراجي إلى منى والطريق فارغ، لأنني أول سيارة ، قال لي: أصلي المغرب والعشاء في مزدلفة -جمع- ثم أتجه إلى منى، وأرجم الجمرات أول إنسان، وأنزل وأطوف البيت طواف الإفاضة في الليل، وأوكِّل برجم الجمار في الأيام التالية، وأعود إلى بلدي .
قلت له: هذا حج، ثماني ساعات فقط, قلت له: هذا الحج يُشبه من دُعي إلى طعام نفيس، والمضيف واضع سجل زيارات، فجاء ووضع -م - أيْ موجود، ووقع، ورجع, ولكن لم يأكل شيئاً، سجَّل حضور, ولكنه لم ينتفع بالدعوة .
فالعبادة إذا تساهلنا بها, فهذا من عدم تعظيم الله عزَّ وجل، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب.
رأي الفقهاء في هذه المسألة :
إذا شدَّدنا على الناس ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
امرأة جاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة, والمسؤول صاحب مَذهب متعصِّب، قال لها: عليكِ بدنة، بركت كالبدنة, امرأة لم تستطع أن تطوف طواف الإفاضة بسبب الدورة، فعند بعض المذاهب عليها بدنة, أيْ مئة ألف ليرة، وهي لا تملك شيئاً منها، شدَّد، لا يوجد عندي غير هذا الحل, ألا يوجد مذهب ثانٍ؟ أبداً.
كذلك التشدُّد: تكليف الناس ما لا يستطيعون، وحملهم على ما لا يستطيعون، والتضييق -تضيق المسار- إلى درجة ممر إجباري ضيِّق, هذا ليس من شأن الدين العظيم، طبعاً عند السادة الشافعية: تغدو أميرة الحج، ينتظرُها فوجها، وعند المالكية: تطوف البيت ولا شيء عليها، فإذا كانت موسرة نقول لها: عليكِ بدنة، انفعي الفقراء، وإن كانت مقيمةً، إن كان لها قريب مقيم في جدَّة أو في مكة, نقول لها: اجلسي عند ابنكِ وانتظري سبعة أيام، وطوفي وعودي إلى بلدكِ، هذا عند السادة الشافعيَّة، وإن كانت مُلْحَقَةً بفوجٍ وفقيرةً، وليس لها أحدٌ في هذه البلاد, نقول لها: طوفي البيت ولا شيء عليكِ على مذهب الإمام مالك، ولولا مالك لكان الدين هالك.
هذه توسعة، لا تضيِّق، هناك من يضيق إلى درجة الاختناق, فالمتشدِّد يقابل المتساهل، وكلاهما لا يعظِّمان أمر الله عزَّ وجل.
ما وراء هذا المثال :
آتي بمثل قريب: كنا بالخدمة الإلزاميَّة، ففي نظام بالطعام، إذا كان هناك أمر معين, صدر أثناء الطعام: يجب أن تقف عن الطعام، طالب ضابط يصب شاي، فإذا سمع أمر التوقُّف, لا يغيِّر يده ولا شعرة، هذا الإبريق يفرغه في الكأس, وينساب الشاي، ينفِّذ الأمر، قال الآمر: اسكت, فانتهى، مرة فرَّغ إبريق بأكمله على الطاولة، إنه ينفذ الأمر، أليس هذا مستهزئاً بالآمر؟ تثبيت, يدَّك بصب الـشاي في كأس، حتى يفرغ الإبريق كله، وأنت تنفِّذ التعليمات بدقَّة، قال لك: اسكت، انتهى الأمر، هذا استهزاء، فالمغالي كالمفرِّط، فالذي يبالغ كأن يقول لك: بسورة الفاتحة أربع عشرة شدَّة، إذا نقصوا واحد فكل صلواتك باطلة, هذه مغالاة -غلوّ-, فإذا شخص من غير العرب, وعنده لكنة في كلامه، وعنده حال مع الله رائع جداً, ولكن ضبطه غير صحيح، فهل هذا ذهب لجهنم؟!.
من علامة تعظيم أمر الله :
ذات مرَّة كنَّا في درس من دروس جامع النابلسي، دخل رجل -توفي رحمه الله- بأعلى صوت, والجامع مُمْتَلئ عن آخره, وقال: كل واحد ليس على رأسه طاقيَّة فصلاته باطلة, قلت: بهذه البساطة؟ فالذي يُغالي كالذي يفرِّط.
من علامة تعظيم أمر الله: ألا تغالي وألا تفرِّط.
كان عليه الصلاة والسلام أخفَّ الناسِ صلاةً في تمام.
حدَّثني أخ ذات مرة كان في تعزية، قال لي: بعد ما انتهى القرآن, دعا الشيخ خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة، ثلث ساعة، خمس وعشرون دقيقة، قال لي: غفلت، متعب, فنمت، استيقظت, قال له: أين وصل؟ أيعقل أن يكون الدعاء ساعة مثلاً؟! هذا غلو، عندما تحمِّل الناس فوق طاقتهم يملون الدين.
قف هنا :
أخ قال لي: لماذا لا يكون درسنا ما بين المغرب والعشاء بالضبط؟ قلت له: في الصيف بين المغرب والعشاء ساعة ونصف بالضبط, فهل أنت تتحمَّل درس مدَّته ساعة ونصف؟! أول ربع ساعة نشيط، ثاني ربع ساعة متحمِّس، ثالث ربع ساعة تضجر، الرابعة يجوز أن تسب المتكلم -مثلاً-, المفروض أن تجلس إلى الدرس, وأنت تشتهي سماع الدرس, وأن ينتهي الدرس وأنت تشتهي متابعة الدرس، أنا درسي خمسون دقيقة, وأحياناً أربعون دقيقة، أنا هكذا قناعتي، فخلال تعليم ثلاثين سنة, وجدت أن الإنسان طاقة استماعه خمسين دقيقة, أعلى شيء وأربعين أفضل, فأجعله يأتي بشوق، وينتهي الدرس, وهو بشوق أفضل.
بالمناسبة: مرة في العمرة وفي المسجد النبوي، أنا أحب أن أحضر دروس علم, وأنا في العمرةِ أو الحج، وهناك في المدينة المنورة, رجل أحترمه جداً, له درس فقه، ودرسه عميق، فأنا حريص على حضور درسه، فذات مرة حضرت الدرس, فإذ بي أتعب تعباً شديد جداً، وطال الوقت بشكل غير معقول، قلت: سبحان الله! يجب على كل الدعاة حضور درس علم لغيرهم، كي يعرفوا قيمة الوقت, فالمتكلِّم لا يشعر بالوقت, ولا يتعب، ولا يعطش، ولا يشعر بالحر ولا بالبرد لأنه في نشاط.
أقل لك مثلاً أوضح: حينما كنت طالباً في الجامعة، كيف تمضي الساعات الثلاث في الامتحان؟ كانت تمضي كلمح البصر، ثلاث ساعات، من شدة الاهتمام والتفاعل مع الأسئلة والورقة تمضي بسرعة, وبعد هذا علَّمت في الجامعة حوالي خمس وعشرين سنة، قل لي: ما هو أصعب شيء في الجامعة؟ المراقبة، نجلس، يمضى وقت طويل، ثلاث دقائق مضت، أعوذ بالله، فأقلب الساعة بالعكس، اصبر اصبر ثلاث ساعات تمضي وكأنها دهر، الوقت نسبي يثقل ويَخِف، هكذا قال الشاعر:
إن يَطُل بعـدك ليلي فلـكم بِتُّ أشكو قصر الليل معك
الشاعر مع المحبوب لا يشعر بطول الليل, ويعاني من طوله بعد الفراق.
فالمتكلِّم لا يتعب، ولا يشعر بالحر، ولا بالقَر، ولا بالجوع، ولا بالشبع، ولا بالعطش، ولا بالرّي، ولا بالوقت، من الذي يشعر بثقل؟ المستمع.
فكان عليه الصلاة والسلام يتخوَّل أصحابه في الموعظة، وأنا أفضِّل أن أُنتقد بقصر الدرس عن أن أنتقد لطول الدرس، وأرجو الله أن أكون على صواب. نقطة هامة :
إذاً: التعظيم بين الإفراط والتفريط، فالترخُّص كما هذا الذي حج في ثماني ساعات، فالترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، والغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي.
-هناك إنسـان يبقى في الحمَّام أربع ساعات، هذا عنده داء الوسوسة، في إنسان يقضي حاجة بساعة أحياناً-.
وما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغلو .
-أبداً، كل أمر إلهي الشيطان له نَزْغَتان: إما إلى إفراطٍ وغلو, أو إلى تفريطٍ وإضاعة-.
ودين الله وسطٌ بين الجافي والغالي؛ كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسطُ بين الطرفين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيعٌ له، فالغالي فيه مضيعٌ له، هذا بتقصيره عن الحد, وهذا بتجاوزه الحد.
هناك كثير من الفتاوى فيها تشدُّد غير معقول، فكلمة خطأً قالها الزوج طلَّقوا له زوجته.
أعرف أُناساً إذا لبس نعل زوجته تطلق امرأته، لماذا؟.
قال: لعن الله المتشبهين بالرجال مِن النساء.
والمتشـبه ملعون، والملعون كافر، والكافر تطلق زوجته، ما هذا الكلام؟ هذا غلو غلوٌ أو تفريط، هذا من عدم تعظيم الآمر.
أنواع الغلو :
1-نوع يخرجه عن كونه مطيعاً :
أما الغلو، قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾
[سورة المائدة الآية: 77]
الغلو نوعان: نوعٌ يخرِجه عن كونه مطيعاً، كمن زاد في الصلاة ركعةً، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكِبار، أو سعى بين الصفا والمروة عشراً، أو نحو ذلك عمداً، ففي زيادة تقلب الطاعة معصيةً, وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, ولَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
وكل إنسان يزيدُ على منهج رسول الله، فإنه يفعل مزاودةً رخيصة، أنا أسميها مزاودة لا أسميها ورع، لست أورع من النبي، وليس منهجك أقوم من النبي، ومنهج النبي -عليه الصلاة والسلام- كافٍ كي ترقى به إلى أعلى عليين.
أحد الناس أراد أن يُحرم قَبل الميقات، نهي عن ذلك, فقال: كيف تنهاني وأنا في عبادة؟ فقال له المنتقد: وهل من فتنةٍ أشد من أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟!.
الآن يوجد أشخاص -هكذا بلغني-, يمنعون الزوجَ من رؤْية أم زوجته، هكذا أورع، هذا غلو، الله سمح لك أن ترى أم زَوْجتك، هناك أُناس يمنعون زوجاتهم من المُعالجة عند الأطبَّاء, أحياناً يكون مرض ما فيه اختصاص إلا عند طبيب، لا توجد امرأة .
2-غلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار :
قال: وهناك غلوٌ يخاف منه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله, -هذا فوق طاقة الإنسان.
الصحابة ما صلوا من الليل إلا ثماني ركعات فقط، طوال الليل ألا ينام أبداً؟ غير معقول هذا الكلام، لو حمل نفسه على قيام الليل كله, هذا الشيء لا بدَّ من أن ينقطع ولا يستمر، إذاً-:
هناك غلوٌ يخاف معه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كلِّه، وصيام الدهر جميعاً, بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد, -خمسة آلاف مرة أذكر الله عزَّ وجل، مئتا مرة تحتاج إلى ربع ساعة, الخمس مئة تحتاج ربع ساعة، قد يكون خمس أو ست ساعات- أو أنفق مالك كله.
هذا غلو أيضاً، المال قِوام الحياة، عندك زوجة وأولاد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ, وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَأَبْشِرُوا, وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
أيْ ارتاح، فإذا الإنسان أقال في رمضان، أقال ظهراً, فالقيلولة كانت له عوناً على قيام الليل، الإنسان ينام، وينام بعد الظهر، ويرتاح ويصلي، لكي يكون نشيطاً.
رسالة إلى المعتمرين والحجاج :
أنا أنصح أخواننا المعتمرين والحجَّاج: إذا وصلت إلى بيت الله الحرام, إياك أن تدخل بيت الله الحرام مباشـرةً, لماذا؟ أنت منهك من السفر، الطائرة عدة ساعات، وعلى الحدود، وفي المطار ساعتين أو ثلاثة، والتفويج ساعتان، أنت منهك، فالجسم له حق, فإذا دخلت مباشرةً, قد لا تجد نفسك هذا الإقبال، وهذا التألُّق، فتصاب بنكسة، فاذهب إلى البيت وارتح ساعاتٍ طويلة، واغتسل وادخل بيت الله الحرام نشيطاً، كي يكون النشاط عوناً لك على الاتصال بالله عزَّ وجل.
وقد قال صلى الله عليه وسلَّم:
((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ, فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُد))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننه]
((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ -أي مادام نشيطاً-, فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ))
يرتاح.
وفي صحيح مسلم: عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- أنه قال: ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون . قالها ثلاثاً))
وهم المتشددون؛ أيْ أنَّ النبي قال: من كانت ناقته حرون فلا يذهب معنا .
هناك إنسان من الصحابة خالف، وذهب مع النبي في الجهاد بناقة حرون، فوقع من على ظهرها ودُقَّت عنقه, فلم يصل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي صحيح البخاري: عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم-: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون, فو الله لا يمل الله حتى تملوا))
فترة ربع ساعة, كل يوم اقرأ خمس صفحات قرآن، لو ألزمت نفسـك بجزء قد لا تستطيع، لديك وقت وطاقة اقرأ جزءاً، أما الحد الأدنى خَمس صفحات، اعمل لنفسك برنامجاً معقولاً تستطيع أن تفعله كل يوم، إذا لزمت درس علمٍ حافظ عليه. ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم, ومالك في الموطأ]
وفي حديثٍ آخر: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((إن هذا الدين متين, فأوغل فيه برفق، ولا تبغِضَّن إلى نفسـك عبادة الله))
أشد أنواع التعظيم :
وقال بعض العلماء: أشد أنواع التعظيم: تعظيم الحَق سبحانه وتعالى, وهو ألا يجعل دونه سبباً، ولا يرى عليه حقاً.
من تعظيم الله عز وجل :
1- أن تعتقد أنه ليس بينك وبينه حجاب, وليس بينك وبينه واسطة :
من تعظيم الله عزَّ وجل: أن تعتقد أنه ليس بينك وبينه حجاب, وليس بينك وبينه واسطة، إذا قلت: يا رب, قال لك الله: لبيك يا عبدي, يا رب تبت إليك, يقول لك: يا عبدي وأنا قد قبلت.
من البِدَع مثلاً: أن نُكّلِّف إنساناً يعمل لنا استخارة، استخر أنت، ليس بينك وبين الله حجاب, أنت استخر الله في هذا الأمر، الاستخارة بالنيابة لم ترد عن رسول الله أبداً, النبي علَّمنا أن نستخير الله نحن مباشرةً.
فلا يوصل إلى الله إلا الله، ولا يقرِّب إليه سواه، ولا يُدني إليه غيره، ولا يتوصَّل إلى رضاه إلا به، فما دل على الله إلا الله, ولا هدى إليه سواه، ولا أدنى إليه غيره، فإنه سبحانه هو الذي جعل السبب سبباً, فالسبب وسببيَّته وإيصاله كله خلقه وفعله .
لا يوجد إلا الله عزَّ وجل، أما إنسان له شيخ، عالم جليل، مرشد حكيم, هذا مُسَرِّع، وأقوى دليل، قال:
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾
[سورة الفرقان الآية: 27]
هذا رفيق من أعلى مستوى: ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾
[سورة الفرقان الآية: 27]
الشيخ والمرشد هذا يعينك بعلمه أو بحاله، أما أن يكون هو الوسيط الوحيد، لا، ليس بينك وبين الله حجابٌ أبداً.
2- ألا ترى لأحدٍ من الخلق لا لك ولا لغيرك حقاً على الله, بل الحق لله على خلقه :
والشيء الثاني في تعظيم الله عزَّ وجل: ألا ترى لأحدٍ من الخلق لا لك ولا لغيرك حقاً على الله، بل الحق لله على خلقه.
إذا أحد من الناس وجد بيتاً، هو إنسان غني, وجد بيتاً بثلاثمئة مليون، أربعمئة متر, له إطلالة جميلة، فيه كل وسائل الراحة، فدفع المبلغ عداً ونقداً، وسجله بالدوائر الرسمية، لو أنه التقى مع صاحب البيت الأول, هل يرى لصاحب البيت عليه فضلاً؟ لا، أخذ حقَّه الكامل، وقد يكون دفع أغلى من ثمنه, يقول له: ليس لك فضل، أخذت حقَّك كاملاً.
بيت ثمنه ثلاثون مليوناً، قدَّمه لك صاحبه, وقال لك: ادفع فقط ثمن المفتاح، أنا معي مفتاح واحد, خذه وانسخ منه نسخة, واسكن في البيت، لو التقيت مع صاحب البيت بعد يومين ، كيف تسلِّم عليه؟.
حينما تعتقد أنك دخلت الجنة بعملك فأنت لا تعرف الله، أنت دخلت الجنة بسبب لا بثمن، أنت لم تدفع ثمنها بل دفعت سببها، كل عملك الصالح في الدنيا هو سبب لدخول الدنيا، كل العمل الصالح؛ من صلاةٍ, وصيامٍ، وحَجٍ، وزكاةٍ، وغض بصرٍ، وتحري حلالٍ، وخدمة الخلق, كل هذا العمل يساوي ثمن مفتاح الجنة، فأنت دخلتها بسبب لا دخلتها بثمن، فالجنة مَحْضُ فضلٍ، والنار محض عَدلٍ، فأنت حينما ترى أن لك حقاً عند الله، أنت بهذا لا تعرف الله ولا تعظِّمه، ليس لك عنده شيء:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 1]
خلقك ولم تكُ شيئاً، هو من كرمه وفضله, أنشأ لك حقاً عليه, إذا عبدته حقَّ العبادة .
ما هي حقوق العبيد على الله عز وجل؟ :
قال: وأما حقوق العبيد على الله عزَّ وجل: من إثابته لمُطيعهم, وتوبته على تائبهم، وإجابته لسائلهم، فتلك حقوقٌ أحقَّها الله سبحانه على نفسه بحكم وَعْدِهِ وإحسانه، لا أنها حقوقٌ أحقّوها هم عليه.
أنت وجدت إنساناً ليس لك عنده شيء أبداً, قال لك: أنا سأعطيك بيتاً, إذا أنت قلت له: أين البيت؟ -بنبرة قاسية-, سيقول لك: أي بيت هذا؟ هل لك عندي شيء؟ يجب أن تطلب منه البيت بلطف, لأنك ليس لك عنده شيء أبداً، فإذا توهم الإنسان أن له حقاً على الله، هذا فيه جهل كبير، وهذا من عدم تعظيم الله عزَّ وجل، أنت عبدُ إحسان، أنت خُلقت للجنة برحمة الله عزَّ وجل، والجنة مَحْضُ فضلٍ.
تعظيمُ الله عزَّ وجل من مدارج السالكين، في منازل إياك نعْبد وإياك نستعين، والتعظيم مقترن بالمعرفة.
متى تعظم الناس ومتى لا تعظمهم؟ :
أنا التقيت مرة مع إنسـان لا أعـرفه أبداً, -وبيننا عمل علمي-, فقلت له: إذا احتجت لشيء باللغة العربيَّة فأنا مختص, قال لي: أنا معي اختصاص عربي كذلك، وبعد هذا ظهر لي أنه خطَّاط كذلك، ورسَّام, وشاعر, ومخرج للمَقالات، فأنا كلَّما ذكر صفة لي وأراني الأدلَّة والخطوط، والقصائد الشعرية، والاختصاص، كلَّما قدَّم لي ميزة من ميزاته كبر بنظري.
أحياناً: إنسان لا تعرفه فإذا جلست معه عرفته، فأنت تعظِّم الناس بقدر معرفتك بهم ، وقد لا تعظِّمهم بقدر جهلك بحقِّهم.
من ثمرات التعظيم :
على كلٍ؛ تعظيم الله عزَّ وجل مقترنٌ بالمعرفة، فمن عرف الله عظَّمه، والتعظيم من أكبر ثمراته طاعة الله عزَّ وجل، وأيُّ عبدٍ لا يطيع الله, التشخيص المرضي لهذه الحالة: أن تعظيمه لله ضعيف، لأن تعظيمه لله ضعيف حمله على معصيته, ويستوي المُفْرِط والمُفَرِّط، والمُبالغ والمُقصِّر.
هذا ما أقره مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقد في جدة :
أنت بالمبالغة تكرِّه الناس بدين الله, مثلاً:
ورد أن الكحول نجسة، فالكحول خمر، فإذا أحد عطَّرك عطراً كحولياً -استعمال خارجي-, هناك من يَخْرُج من جلده نجس، فهل هو كالغائط؟ لا، مجمع الفِقه أقرَّ أن هذه نجاسة مخفَّفة حُكْمِيَّة، وتذهب بطيرانها، طبعاً الأولى ألا تتعطَّر قبل الصلاة بعطر كحولي، أما لو أحد عطَّرك وهذا اسـتعمال خارجي وليس داخلي ونجاسةٌ حكميةٌ معفوٌ عنها، ومؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جدة أقرَّها.
إنسان يكرِّه الناس، يكون إيمانه ضعيفاً، أو حديث عهد بالإسلام إذا معه زجاجة عطر، فيقول له أحدهم: هذه نجسة, هذه مبالغة، أنت ورع لا تستعملها، أما إذا عطَّرك لا توجد مشكلة الآن، فهناك أمامه مراحل طويلة جداً قبل أن يصل إلى هذا الحُكم الشرعي، هناك من يُشَدد, يبالغ.
يدخل إلى بيت يجد فيه صورة، صاحب البيت في الأصل لا يصلي، فيقول له منكراً: حرام, كلِّم إنساناً عرف الله عزَّ وجل وبقي عليه الفروع، أما هو أصول الدين مهزولة عنده، فإذا خاطبته بفروع الدين أنكر عليك أشد الإنكار, قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[سورة النحل الآية: 125]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 04:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و السبعون )


الموضوع : منزلة البرق







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما الدليل من الكتاب على منزلة البرق؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة البرق، كتقديم لهذه المنزلة:
العبد أحياناً يطيع ربه فيكرمه، وفي أحيان أخرى يكرمه فيطيعه، فالله عز وجل خبير بالنفوس، أحياناً يكون سير المؤمن طبيعياً، تبرق له ومضات من أنوار الله عز وجل، فيمتلئ قلبه سعادة، ويشعر أنه يحب الله حباً شديداً، فهذه البوارق التي تلوح أمامه قد تدفعه إلى السير الحثيث في طريق الإيمان، وقد يسأل أحدكم: ما دليل هذه المنزلة في كتاب الله؟ أقول: وهل يغيب عن الوجدان قوله تعالى:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾
[سورة طه الآية: 9 – 10]
هذا ما يجذب الله به العبد إليه :
كم سمعت من أخ كريم, دخل مسجداً, شعر براحة لا توصف, استمع إلى شريط, وجد أنه اهتدى إلى نفسه فعرفها، هذه معونة من الله, الأمور قد تكون أقل من ذلك، ولكن ربنا عز وجل حينما يعلم صدقك وإخلاصك، وحينما يرى أن لك مطلباً عالياً، يجذبك إليه بطريقة أو بأخرى، الله عز وجل يملأ قلب المؤمن سعادة، يملأ قلبه طمأنينة، يملأ قلبه راحة، يملأ قلبه غنى, يشعره أنه في رعاية الله وحفظه، طريق الإيمان يحتاج إلى جهد كبير، والذي ينسيك هذا الجهد ثمرات هذا الطريق.
هذه حقيقة الإيمان :
الحقيقة: الإيمان كله قيود، المؤمن مقيد، والإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن، في كل حركة، وفي كل سكنة، في بيتك، في فراشك، مع أهلك, مع أولادك، في أثناء استحمامك، في أثناء سيرك, في بيعك، في شرائك, في سفرك، في إقامتك، في علاقاتك، في أفراحك، في أتراحك، في منازل دقيقة، افعل ولا تفعل، يجوز ولا يجوز, حرام وحلال، ينبغي ولا ينبغي، فحياة المؤمن كلها قيود، والقيود سميتة مجازية، هي في الحقيقة حدود، حدود لسلامتك لا قيود لحريتك.
من البروق التي تجلب العبد إلى الله عز وجل :
انظر إلى إنسان يطبق منهج الله عز وجل, تراه رافع الرأس دائماً، تراه يعيش في نفسية ملك، لأنه حر, لا مأخذ عليه، لا إنسان يهدده بتهمة مالية، لا إنسان يهدده بتهمة أخلاقية, لا إنسان يهدده بتهمة سياسية، لأنه طبق منهج الله فأصبح حراً:
كن للحق عبــــداً فعبد الحق حــــر
قد تجد إنساناً درجته متوسطة في الحياة، أو ربما كان في الدرجات الدنيا، ولكنه رافع الرأس، غني بالله، راض عن الله، فهذه البارقة، لولا أن الله يجعل لك من أنواره بروقاً تبرق أمامك، لما أقبلت على هذا الدين، الله جل جلاله:
﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 7]
فالإيمان محبب، أنت لما تخطب ود الله، الله يقابلك بأضعاف مضاعفة من الود، قد لا تراه بعينك، ولكن تشعر به في قلبك، تشعر أنك في عين الله، تشعر أنك في حفظ الله، تشعر أن الخلق كلهم ممنوعون أن يصلوا إليك، تشعر أن لك معاملة استثنائية، هذه من البروق التي تجلبك إلى الله عز وجل، كما أنك تخطب ود الله, الله عز وجل يكافئك على هذا الإخلاص, بعطاء من نوع خاص، بعطاء عز على أهل الأرض جميعاً على أهل الأرض الشاردين، قد يعطي الله المال لمن يحب ولمن لا يحب, وقد يعطي الصحة لمن يحب ولمن لا يحب, وقد يعطي الذكاء لمن يحب ولمن لا يحب، وقد يعطي الجمال لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن هذه السكينة التي هي تملأ قلب المؤمن، والتي تبرق أنوارها أمام عينيه، لا يعطيها إلا لمن يحب:
إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
من آيات القرآن الكريم التي تهز مشاعر المؤمن :
من آيات القرآن الكريم التي تهز مشاعر المؤمن، حينما خاطب الله سيدنا موسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-, قال له:
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾
[سورة طه الآية: 41]
الله عز وجل اشترى من هؤلاء السابقين أنفسهم, وباعوها بيعاً صحيحاً، اشترى أنفسهم وأموالهم، الله اشترى وقتهم, اشترى طاقاتهم، اشترى قدراتهم، اشترى اهتماماتهم، اشترى فراغ وقتهم:
﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
[سورة التوبة الآية: 111]
هؤلاء السابقون السابقون، لهم عند الله شأن كبير، لا تشفق لحالهم، أشفق أنت على حالك.
قال: مرة عالم شاب أقبل الناس عليه إقبالاً شديداً، فأثار حسد الخبراء، الحسد موجود، يبدو أنهم كادوا له, وطعنوا به، واستسهلوا أن يصغروه أمام الناس, فجاءه أحد الناصحين، قال له: والله يا فلان إنني أشفق عليك مما يقوله عنك الناس، قال: هل سمعت مني عنهم شيئاً؟ قال: لا، قال: عليهم فأشفق، عليهم فأشفق.
لا تشفق على المؤمن المطمئن أشفق على نفسك :
المؤمن حينما خطب ود الله عز وجل، وملأ الله قلبه سعادة وطمأنينة، لا تشفق عليه أشفق على نفسك، أهل الدنيا بموازين الدنيا السخيفة يقيموا بها أهل الإيمان.
فقد تجد إنساناً من أهل الدنيا، من أهل اليسار، يسأل مؤمناً: كم دخلك؟ فإذا ذكر الحقيقة قال له: كيف ترضى به؟ كيف تعيش به؟ أنت الآن تقيسه بمقياس مادي سخيف, لو أنك قست نفسك بميزانه لكنت دون الصفر، هذا يعرف الله، هذا يعرف منهج الله, هذا يسعى لمرضاة الله:
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم, فأقرر أعيننا من رضوانك.
إذا تباهى الناس بدنياهم، بقصورهم، بمزارعهم, بمركباتهم، بأرصدتهم المكدسة، بأولادهم النجباء، بزوجاتهم الحسناوات, تباهى أنت برضوان الله، لأن هذا الرضوان هو الذي يبقى بعد الموت، أما هذه الدنيا العريضة تنتهي في ثانية واحدة، الذي جمعه الإنسان في عمر مديد, يخسره في ثانية واحدة.
البرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة :
إذاً:
﴿وهل أتاك حديث موسى، إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا﴾
فهذه النار التي رآها موسى -عليه السلام- كانت مبدأ في طريق نبوته، والبرق كما قال العلماء:
مبدأ طريق الولاية التي هي وراثة الأنبياء.
وليست الولاية بالمعنى القرآني: أن يكون الإنسان نصف مجنون شكله رث، هذه معانٍ لا علاقة لها بالولاية القرآنية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62-63]
وعلى كلٍ منا أن يكون ولياً لله، والبرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة.
تعريف البرق :
يعني قال بعض العلماء الراشدين: البرق نور يقذفه الله في قلب العبد ويهديه له، فيدعوه بهذا البرق إلى دخول طريق الإيمان طريق الصادقين.
ما الذي يدفع الإنسان إلى بيت الله؟ إلى إنفاق ماله؟ إلى إنفاق وقته؟ إلى خدمة المؤمنين؟
أحياناً فتاة فيها مسحة جمال تبرق لشاب, فينسى دراسته, وينسى مستقبله، وينسى عمله، وقد ينفق عليها كل ثروته، وهي فتاة من خلق الله، فكيف إذا لاح لك من أنوار الله لائح؟:
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي
رأوه لما وليت عنا لغيرنــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنــا
خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــا
ولو ذقت من طعم المحـبة ذرة
عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــا
ولو نسمت من قربنا لك نسـمة
لمــت غريـباً واشــتـياقاً لقربنا
ولو لاح من أنوارنا لك لائــح
تــركت جميـع الكائـنات لأجلــنا
قف هنا :
قد يقول أحدكم: ليس في هذه الأرض كلها أسعد مني, وذلك عندما يكون في ساعة من ساعات الوصال مع الله، بساعة من ساعات القرب, بساعة من ساعات المناجاة، في ساعة من ساعات السكينة، قد تشعر أنك ملكت الدنيا، أنك في أعلى مرتبة في الدنيا, إذا سمح الله لك أن تتصل به, عندما يحفظ الإنسان حدود الله جيداً، يقف ليصلي، فتأخذه الخشية في الصلاة، تصبح الصلاة متعته الوحيدة، وصدق رسول الله:
((أرحنا بها يا بلال))
من صفات العبد الذي برقت له أنوار الحق :
1- تعظم عنده النعمة مهما دقت :
هذا الذي اندفع مع بوارق أنوار الله عز وجل، ما صفاته؟
العبد الذي برقت له أنوار الله عز وجل يستكثر القليل من عطاء الله، إذا سلمه يقول: ربي لك الحمد, يشكر الله على أي عطاء إلهي.
كان عليه الصلاة والسلام إذا خرج لقضاء حاجته يقول: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني.
كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت.
إذا ارتدى ثوباً, إذا نظر إلى المرآة, يقول: يا رب كما حسنت خلقي فحسن خلقي.
نعمة السلامة، ونعمة الصحة، ونعمة أمن, لك مأوى, وبيت, وأولاد، هذه نعم كثيرة، فعلامة هذا الذي برقت له أنوار الله عز وجل: أدق النعم سيعظمها، والشارد عن الله عز وجل أجل النعم يستصغرها, أنت من خوف الفقر في فقر، من خوف المرض في مرض، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها.
أول علامة من علامات منزلة البرق: من برقت أمامه أنوار الله عز وجل فهام بها: هذا تعظم عنده النعمة مهما دقت، إذا نظر بعينيه، إذا سمع بأذنيه، إذا ضحك، يتلو قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
[سورة النجم الآية: 43]
أحياناً: وأنت قاعد مع أهلك, طفل صغير يملأ البيت فرحاً وضحكاً, وخبر مؤلم يقلب الحبور والفرح ترحاً، إذا ضحكت اشكر الله، واذكر قوله تعالى:
﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾
عشرات وعشرات، بل مئات من الرجال على مكانتهم يبكون، الله يبكي، يبكي الرجال، والرجال قلما يبكون، لكن إذا أصابهم قهراً وضيم, تسألهم عن حالهم فيكون الجواب الدموع، إذا الله عز وجل سمح لك أن تضحك فاشكر الله عز وجل, فهذه من نعم الله الكبرى، وجدت أمامك زوجتك، زوجة تحصنك عن الحرام فهذه من نعم الله.
أتألم كثيراً من رجل لا يقدر نعمة الزواج، ومن امرأة لا تقدر نعمة الزوج، وأية امرأة لا تشكر زوجها, وهي لا تستغني عنه, لا تروح رائحة الجنة، نعمة الولد، دائماً يتشكى من أولاده, وقد أنعم الله عليه بهم، وإنسان يدفع كل ما يملك ليأتيه ولد، لذلك:
اللهم أرنا نعمك بكثرتها لا بزوالها.
إذاً: هذا الذي برقت له أنوار الحق من صفاته: أنها تعظم عنده النعمة مهما دقت.
رجل قدم بيتاً ثميناً لعمل خيري، فأقيم لهذا المحسن حفل تكريم، وكل هؤلاء الخطباء أثنوا على إحسانه وكرمه, إلا واحد لفت نظره لشيء، قال له: أيها المحسن الكريم, كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين من جمعيتنا، وكان من الممكن أن تقف في صف طويل ومعك هويتك، من أجل أن تأخذ بضع مئات من الليرات كل شهر، ولكن الله عز وجل جعلك تعطي ولا تأخذ, فمن يعطي يجب أن يذوب لله شكراً.
فهذا الذي برقت له أنوار الحق من صفاته: أنه تعظم عنده النعمة مهما دقت.
كأس الماء ثمين جداً.
مرة إنسان توفي -رحمه الله- أصيب بفشل كلوي، قال لي مرة: الممرضة صرخت صوتاً قالت: لا تشرب ماء كثيراً هذا الأسبوع الآلة معطلة، إذا كانت أجهزتك سليمة، الكليتان تعملان بنظام فاحمد الله، لو كان في فشل كلوي لا تستطيع أن تشرب, لأن الآلة معطلة، ومعك ثماني ساعات مضجع على السرير، مرة باليد اليمين, ومرة باليسار، مرة بالأرجل ثماني ساعات وانتظار، والكلية الصناعية لا تصفي إلا ثمانين بالمئة فقط من عمل الكلية الطبيعية، ويبقى بعض حمض البول, وهذا يسبب ضيق وسرعة تأثر، وردود فعل قاسية جداً هذه واحدة. 2- احتقاره لنفسه :
الصفة الثانية ممن برقت أمامه أنوار الحق، فدخل في منزلة البرق: احتقاره لنفسه، فإن المحبة إذا تمكنت من العبد, يعني يزدري نفسه: يا ربي من أنا.
مرة نور الدين الشهيد، كان في معركة حاسمة مع الكفار سجد لله, -هكذا سمعت أو قرأت, ما أدري ما صحة هذا الكلام!؟-, قال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك يا رب.
يعني إنسان بهذه المكانة العلية، يواجه قوى البغي والعدوان, بنفسه في تواضع شديد، يا رب لا تنصرني، انصر دينك، أنا لا شيء, فكلما تضخمت الأنا, معناها في بعد عن الله، كلما صغرت النفس, معنى أنت أمام حضرة الله, لا شيء أمام ملكوت الله, لا شيء.
علامة التفوق: أن تستصغر نفسك أمام الله عز وجل فهذه الصفة الثانية، لا كبر أبداً، في تواضع, ولنا في رسول الله أسوة حسنة, يوم قام يجمع الحطب, وهو مع صحبه، قال له أحدهم: علي ذبح الشاة, والثاني قال له: علي سلخها، وقال أحدهم: علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: علي جمع الحطب -معقول سيد الخلق!-, قالوا: يا رسول الله يكفيك ذلك، قال: لا، أعلم أنكم تكفونني, ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.
سيد الخلق أنت يا رسول الله, سيد العالمين، لا، أبداً، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع, فعشت واحداً بين الجميع، المقام العالي في الإيمان إذا لاحت لك أنوار الحق، برقت أمامك أنوار الحق, فأنت متواضع إلى درجة مذهلة.
3- محبته لله عز وجل :
الشيء الثالث: محبته لله عز وجل، في حب حقيقي، والحب إذا تمكن من القلب فعل المستحيل، فالمحبة إذا تمكنت من العبد استكثر قليل ما يناله من محبوبه، والحب العارم لله من نعم الله عز وجل.
مرة جاءت موجة حر شديدة, فشكا رجل لوالده الحر الذي لا يحتمل, وفي الوقت ذاته كان في زلزال بتركيا، قال له: يا بني! اشكر الله, أنت تسكن في بيتك خمسين ألف بالعراء، بلا مأوى.
4- يستقل الكثير من الأعباء :
في صفة لهذا الذي برقت أمامه أنوار الحق: يستقل الكثير من الأعباء.
مهما كان العمل شاقاً يستقله في جنب الله، قد يمضي ساعات طويلة في خدمة المؤمنين، قد يمضي ساعات طويلة في الدعوة إلى الله، قد يمضي ساعات طويلة في إطعام المساكين, قد يمضي ساعات طويلة لا يستكثر، يستقل كل الأعمال الصالحة يستقلها لا يستكثرها.
الرسول الكريم طوال النهار في الدعوة إلى الله, فإذا جاء الليل وقف في صلاته طويلاً، حتى تورمت قدماه, قالت له السيدة عائشة:
((يا رسول الله, لقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟))
أحدنا إذا كان عمل عملاً طيباً بالنهار يرتاح شهراً, ويحدث الناس عما فعل وقدم بكل غرور, بينما اللهم صل عليه كل وقته في خدمة الخلق، وفي الليل في محبة الحق.
مرة قال بعض الذين يناجون الله عز وجل: يا رب لا يطيب الليل إلا بحلاوة مناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك.
المؤمن يصل إلى درجة: أسعد لحظات حياته وهو في خدمة الخلق، يرأب الصدع، يلم الشمل, يصلح ما فسد، يصلح ذات البين, يطعم فقيراً, يجبر كثيراً، يرعى أرملة, يرعى يتيماً، يتوسط لإنسان, يصلح بين زوجين, الله عز وجل وظفه في خدمة الخلق.
إذا لاحت أمامك أنوار الحق فجذبتك إلى الله, فهذه منزلة البرق.
من لوازم هذه المرتبة: أنك تستعظم نعم الله عليك، تراها نعماً عظيمةً, ومن لوازمها أنك تستقل عملك أمام هذه النعم، ومن لوازمها أنك تستصغر نفسك، ومن لوازمها أنك تستقل كل الأعباء التي ألقيت عليك. 5-شديد الحذر :
أيها الأخوة, هذه الأنوار التي برقت أمام المؤمن, لها نتيجة أخرى تجعله حذراً جداً، إذا مسك الإنسان حبلاً, يكون تمسكه بهذا الحبل شديداً, عندما يدرك أنه لو تركه سقط في وادٍ سحيق ربما دقت عنقه، وكذلك لو أن الله عز وجل منحك نعمة القرب، سمح لك أن تتصل به ، صار عندك حفاظ على هذه الصلة تفوق حد الخيال، أنت بالصلاة خاشع، أنت في رضوان الله ما لا تضحي بهذا الرضوان, من أجل نظرة إلى امرأة حسناء، لا تضحي من أجل كلمة باطلة، أبداً، تتكلم كلمة الحق ولو كانت مرة, تضبط حواسك جميعها، تضبط أعضاءك جميعها ، هذا الحرص على الاستقامة سببه: أنك وصلت إلى جوهرة ثمينة.
أضرب مثلاً: إذا أنت موظف، والمدير العام أحبك, وأعطاك سيارة مع الوقود، وعمل لك تعويضات مائة بالمائة، وأعطاك إجازة مفتوحة مثلاً, والمدير العام يكره شخصاً حذرك من محادثته، فلو لمحك تلقي عليه سلاماً لسحب منك كل هذه الميزات، إذا رأيته بالطريق هل تسلم عليه؟ من أجل حفاظك على هذه المكتسبات وثباتها معك، تتحرى كل ما يرضي هذا الذي أعطاك ذلك، وتحذر من كل ما يثير غضبه, أليس كذلك؟.
فإذا خالق الكون منحك أن تتصل به، منحك نعمة الإيمان، منحك نعمة الأمن، لاحت لك بوارق أنواره، هل أنت مستعد أن تضحي بكل ما وصلت إليه من أجل نظرة لامرأة حسناء؟ ما ذاق طعم القرب حتى يغض بصره، لو ذاق طعم القرب لبالغ في غض البصر، المؤمن لا يكذب أبداً، ولا يبني رزقه على معصية، أبداً، الله الغني، يركل المال الحرام بقدمه، ذاق طعم القرب، حينما تستطيع أن تتصل بالله, يهون عليك كل شيء، تهون عليك التكاليف مهما بدت لك صعبةً.
الآمر ضامن :
يقول لك: لا أترك فلاناً حتى ولو كان فلان فاسقاً، لأننا ربينا معاً، ونشأنا معاً، دعه، من أجل الله, دعه:
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾
[سورة القصص الآية: 57]
أكثر المقصرين يقولون: إذا استقمت لا ربح, وربما أخسر مكانتي, موازناته غير صحيحة، الجواب: الآمر ضامن، الذي أمرك أن تفعل كذا, يضمن لك سلامتك وسعادتك ويحميك، فإذا كنت تتوهم أن الذي خلقك لا يحميك إذا أطعته، لماذا تعبده؟ لا معنى لهذه العبادة ، تعبد القوي، تعبد الغني، تعبد القدير.
((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء, لن ينفعوك بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء, لم يضروك بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف))
أمرك متعلق بالله وحده, علاقتك مع الله وحده. 6-متمسك تمسكاً عجيباً :
فهذه من صفات هذا الذي لاحت له أنوار الحق: شديد الحذر، هذا الورع يحرص على هذه الصلة يتمسك بها.
المؤمن روحه هذا الدين.
((ابن عمر دينك دينك, إنه لحمك ودمك, خذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا))
دينه روحه, من أجل دينه يضحي بكل شيء، وبعض الناس لا يضحي بأي شيء من أجل الدين، يقول: هي مصلحتي، لا أتركها، مع أنها كلها معصية، لا يرى الله، يرى المادة فقط.
ومن صفات هذا الذي لاحت له أنوار الحق: أنه متمسك تمسكاً عجيباً.
العوام يقولون: متعصب، كلام غير صحيح، متمسك. هذه جنة الدنيا :
في صفة أخيرة: لعلها هي التي ذكرها بعض العلماء، قال: في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
جنة الدنيا هي جنة القرب من الله عز وجل.
إنسان كبير في السن, لكن باعه في الإيمان طويل، تشعر يعيش بجنة، في كل الظروف، في كل الأحوال، مهما تكن قاسية، الذي اتصل بالله عز وجل, يعيش في حياة في نوع من الشعور بالتفوق لا يوصف، فهذا ثمرة هذا الطريق، وثمرة هذا الجهد: أن الله يمنح هذا الإنسان سعادة يستصغر أمامها كل الدنيا.
هذا الفرق بين من يعرف الله وبين الجاهل :
لما النبي الكريم يقول:
((والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في شمالي, على أن أترك هذا الأمر, ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه))
ربما إنسان لو أعطيته مبلغاً لفسد، والتغت كل مبادئه، التغى كل تشدده، التغى كل كلامه، معناها: هذا الإنسان ثمنه هذا المبلغ، وانتهى عند الله، أما في إنسان: لو وضعوا الشمس في يمينه، والقمر في شماله, على أن يترك هذا الأمر, ما تركه حتى يظهره الله أو يهلك دونه، أما إذا إنسان جاهل يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، مثلاً: فرن وضع بالخبز الذي يباع بأعلى سعر مادة مسرطنة، رخيصة جداً, ثمن الكيلو 35 ليرة, حتى الخبز يضخم حجمه, بينما المادة السليمة ثمن الكيلو 3500 ليرة، مادة مؤذية من أجل الربح فقط, طبعاً عوقب أشد العقاب، وإن الله يدع في السلطان ما لا يدعه في القرآن، من أجل الربح يضحي بصحة الناس, فإذا الإنسان عرف الله عز وجل, الناس يعيشون بخير, فهو مستعد أن يقدم ما عنده في سبيل الله، أما الجاهل يأخذ من الناس كل ما عندهم, ولا يعطيهم شيئاً أبداً: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾
[سورة القلم الآية: 35 – 36]
خاتمة القول :
أرجو من الله سبحانه وتعالى أن نكون من هؤلاء الذين برقت أمام أعينهم أنوار الحق ، فاستقلينا كل جهد في سبيله، وعظمت عندنا تكاليفه, وكنا شديدي الحذر من أن نخرج عن منهجه، ثم قطفنا ثمار هذا القرب سعادة في الدنيا وفي الآخرة.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 04:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و السبعون )


الموضوع : الحياة - 2









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هذا ما قاله أحد كبار العلماء :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد سبق وأن تحدَّثنا عن منزلة الحياة، وهذا الدرس جزءٌ ثان لِمَنزلة الحياة التي عدَّها مؤلّف الكتاب أحد مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
أيها الأخوة الكرام, بادئ ذي بدء: أحدُ كبار العلماء يقول: الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق, زاد عليك في الإيمان.
ولعلّه قال: هذا القول استنادًا إلى أنّ الله جلّ جلاله حينما أثْنى على نبيِّه المصطفى -صلى الله عليه وسلّم-, أثْنى عليه بِخُلقِه العظيم، مع أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان قائدًا, وكان زعيمًا، وكان محاربًا، وكان زوْجًا، وكان مجتهدًا, وكان قاضيًا, وكان وكان، كلّ هذه الخصائص الفائقة والمتميّزة أغفلها القرآن الكريم, حينما أثنى على نبيِّه -صلى الله عليه وسلّم-, أثنى عليه بِخُلقه العظيم.
لماذا أثنى الله على النبي بخلقه العظيم؟ :
ولعلّكم تتساءلون ما السبب؟ السبب: أنّ كلّ هذه القدرات الفائقة التي تحلّى بها النبي, إنّما منَحَهَ الله إياها, لِتَكون أداةً فعّالةً في دعوته، هي ليسَتْ منه, ولكن من الله تعالى، قد يُعطيك الله ذاكرةً دقيقة جدًّا، قال تعالى:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 6]
كان عليه الصلاة والسلام إذا نزلَت عليه السورة حفظها من أوّل مرّة، هذه قدرة عاليَة جدًّا، وهذه القدرة من الله تعالى، آتاه الحكمة, وهي هِبَة من الله، وقوّة في القلب، وآتاه حُسْن القيادة، وآتاه الرحمة، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159 ]
ولكن بماذا أثنى عليه؟ أثنى عليه بما هو منه، وبما هو من كسْبِهِ, وبما هو نتيجة انتصاره على نفسه، إذًا: لا يُعْقَل أن يمْنَحَ أبٌ ابنه سيارةً, ثمّ يُقيمُ حفلاً تَكريميّا لهذا الابن, لأنّهُ مُنِحَ هذه السيارة, لأنّ الابن لا دوْر له إلا أنَّه أخذ هذه السيارة واستمْتَع بها، أما إذا نجَحَ الابن بِدَرجة عاليَةٍ جدًّا في الامتحان, يُقام له حفل تكريم، لأنّ هذا التفوّق في نجاحه من جهده ، إذًا: اِجْعَل في ذِهْنك أنّ الذي يرفعُكَ عند الله تعالى لا ذكاءٌ فِطري منحهُ الله إياك، ولا شكلٌ وسيم جبلكَ الله عليه، ولا قدّ رشيق، ولا نسبٌ عريق, ولا إمكانات عاليَة، ولا ذكاءٌ عالٍ، ولا عقلٌ راجح، هذه كلّها خصائص خصّ بها بعض عباده، فهذا العبد إذا أراد أن يفتخر, لا ينبغي أن يفتخر بشيءٍ ليس من عنده، ولكن بماذا يفتخر الإنسان؟ بأخلاقه، لذلك الخُلُق هو الإيمان، والإيمان كَسبي، والخُلُق كَسْبي، وهذا الذي أراده الله عز وجل حينما أثْنى على نبيِّه, فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
قاعدة لهذا الخلق العظيم :
هناك نماذج مؤلمةٌ حقًّا: يصلّي, ويصوم, ويحجّ, ويؤدّي الزكاة, وطبْعُهُ شرس، وكلماته قاسيَة، وقلبهُ قاسٍ كالصَّخْر؛ لا يلينُ, ولا يرحم, ولا يتساهل، لا يبتسم، ما قيمة هذا الإيمان؟ وما قيمة هذه العبادات إذا كنت أداة تنفير من المجتمع؟ قال تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
هناك قاعدة لهذا الخُلق العظيم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159 ]
يا محمّد, بِسَبب رحمةٍ اسْتقرَّتْ في قلبك من الله, من خلال اتِّصالك به كنتَ ليِّنًا لهم .
فالرحمة غير مرئِيَّة، أما اللِّينُ فهو شيءٌ مَرئيّ, منعكسُ الرحمة اللِّين، منعكسُ الرحمة التساهل، منعكسُ الرحمة إشفاق, منعكسُ الرحمة الخِدْمة، منعكسُ الرحمة العفو، منعكسُ الرحمة الحلم, منعكسُ الرحمة العطاء، فالرحمة شيءٌ داخلي.
إنسانة تنام وقد عملَت عملاً شاقًّا، وإنسانةٌ أخرى تنام جنبها، إذا بكى طفل الواحدة استيقظت أمّه, لماذا؟ لأنَّ الله أوْدَع في قلبها الرحمة، لا يهدأ لها نوم إذا كان ابنها يبكي, فالرحمة شيء لا تظهر إلا منعكساته، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159 ]
أعود وأُكرّر: من لا يرْحَمُ لا يُرْحَمُ، صاحب القلب القاسي بعيدٌ عن الله عز وجل، علامة إيمانك: رحمةٌ في قلبك ترحم بها عباد الله وخلق الله.
بماذا تقيم هذا الشخص؟ :
مرّة مررْتُ أمام بائع دجاج, يذبحُ الدجاجة, ويضعها فورًا في ماءٍ يغلي, من أجل أن يسهل عليه نتْفُ ريشها، في ماءٍ يغلي‍! مخلوق لها إحساس, ذبحتها وحرقتها بالماء الذي يغلي:
من لا يرْحَم لا يُرْحم.
علامة اتِّصالك بالله رحمتك، الله رحيم، كلّ من اتَّصل به اشتقَّ من رحمته, فإن اتَّصلْت به أصبحت رحيمًا، والعكس: إن لم تكن رحيمًا, فهذا دليل أنَّك لسْتَ متصلاً به، وهذا دليل قطعي.
ماذا أضاف النبي إلى الدين في هذا الحديث؟ :
وعليه الصلاة والسلام لحكمة بالغة قال, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ, إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
أضاف إلى الدِّين الخلق، قد يصلِّي صلاةً شَكليّة وقلبهُ قاسٍ كالجلمود، وهذا عند الله مَطرود، وقد يصوم صيامًا شَكليًّا، وهو متكبّر عتُلٌّ جبّار، وقد وقد ..
إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه.
قف هنا :
قلتُ مرَّةٍ لأخٍ: لماذا يفحصون من يرغب نَيل إجازة سياقة الشكل التالي: يُكَلِّفونه أن يرجع بالمركبة إلى الوراء، وفي طريقٍ ضيِّق لا يزيد عن عرض عجلات السيارة، والطريق منعطفات، وهناك علامات على طرفيّ الطريق، فلو أخطأ عدّة سنتيمترات، وأبعد هذه الإشارة عن مكانها يرسب -سؤال دقيق-, هذا أصعب شيء في القيادة؛ أن ترجع إلى الوراء في طريق ضيِّقٍ جدًّا، وهناك علامات تظهر واضحةً إذا أخطأت, والطريق متعرِّج, فإن أحسنْتَ الرّجوع، فقد تُحْسنُ أيَّ نوعٍ من القيادة, والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الإنسان خارج بيته له قواعد عامّة، إذا تجاوَزَ الإشارة هناك شرطي, وإذا تهجَّم على إنسان هناك محكمة، وإذا استعلى على مدير عملهِ يطردهُ، وإذا تكلّم كلاما بذيئًا يحتقرهُ الناس، وإذا ضرب من دونه يحقد عليه الناس, هناك روادع وضوابط ، أما في البيت لا يوجد من يُحاسبُه فهو ربّ الأسرة، فإذا انضبط الإنسان في بيته, وكان رحيمًا ومتواضعًا، معنى ذلك أنّه في الأعمّ الأغلب: منضبط خارج المنزل، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
من علامة الإيمان :
أعجبُ أحيانًا! أستمع إلى قصص لِهَوْلها لا تُصدّق: إنسان يضرب زوجته ضربًا مبرِّحًا وهو يُصَلِّي، يضرب زوجته أمام أولاده وبناته، أو يحقِدُ على أولاده فيطردهم خارج المنزل, ولا يعبأ أين ناموا؟ ومع من أقاموا؟ ويُصلّي!! هذا القلب القاسي ما ذاق طعْم الصلاة ، هذا القلب القاسي ما ذاق طعم القرب من الله عز وجل، الله رحيم، وكلّ من اتَّصل به اشْتقّ من رحمته، فأنت علامة إيمانك رحمتك، وعلامة إيمانك عدلك, وعلامة إيمانك تواضعك، وعلامة إيمانك بذْلَكَ، وعلامة إيمانك كرمك, وعلامة إيمانك شجاعتك، الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
والذي ذكرتُه قبل قليل: من أنّ الله عز وجل ما أثنى على نبيّه إلا بِخُلقه العظيم، وما سوى ذلك مِنَحٌ من الله عز وجل.
الخلق عملية ضبط :
مرّةً كنتُ في عقْد قِران، وقد أُثْنِيَ على أحد الحاضرين ثناءً عاطرًا، وكان أحدُ الحاضرين من علماء دمشق، وقف وخطب وقال: نقل كلمة لابن عطاء الله السَّكَندري، ما مدحك من مدحك إلا ومدح من منحك، فإذا آتى الله حكمة لإنسان، فالمانح هو الله تعالى، آتاه رحمة, المانح هو الله, آتاه إدراكاً دقيقاً, المانح هو الله، ما الذي نِلْت؟ الخُلق، الخُلُق عمليّة ضبْط فقط، أن تقول أيّة كلمة, وقلتَ كلمة الحقّ، يمكن أن تنظر إلى أيّ جهةٍ, ونظرت إلى الحقّ، ولم تنظر إلى الباطل، ويمكن أن تستمع إلى كلّ شيءٍ, فاسْتمعت إلى ذِكر الله وحده، عمليّة ضبط اللّسان والسمع والبصر والرّجل، ضبط العلاقات، ضبْط الدّخل، ضبْط الإنفاق, الدِّينُ كلّهُ ضَبْط.
هذا الفرق بين الأخلاقي واللا أخلاقي :
يحْلُو لي أحيانًا أن أقول عن إنسان: لا دين له، وقاسٍ، ووقِح، مُتَهجِّم, فأقول: هو دابّة بهيمة، المؤمن كائنٌ راقٍ منضبط، يضبطُ لسانه وعينهُ وسمعه وبصرهُ وحركتهُ وإنفاقه ودخله، والإيمان هو ضبط، والضبط خُلُق, كلّ إنسان إذا أخطأ ابنه خطأً شديدًا, بإمكانه أن يضربهُ ضرْبًا مبرِّحًا, ولكن أن ينصحُه أولى، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((علِّموا ولا تُعَنِّفوا، فإنّ المعلّم خير من المعنّف))
فالأخلاقيّ حيّ، وغير الأخلاقيّ ميّت. من هو الإنسان الحي؟ :
الشيء الثابت: أنّ حياة الجسد لا قيمة لها إطلاقًا، العبرة حياة القلب, والدليل: الله عز وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية: 24]
فأنت حيّ إذا اسْتجبْت لله ولرسوله، حياتك بهذه الاستجابة، فإن لم تسْتجب فأنت مع الموتى:
ليس من مات فاستراح بميِّتٍ إنما الميّت ميِّتُ الأحياء
أحيانًا تجلس مع إنسان ماديّ وشهواني، أيّة قيمةٍ دينيّة أو قيمة أخلاقيَّة تحت قدمِه، مُسْتَعِدّ أن يفعلَ كلّ شيءٍ من أجل مصلحته, مُستعدّ أن يفعل أيّ شيءٍ ولو كان محرَّمًا من أجل الدّرهم والدينار، هذا ميّتٌ ولا نبْضَ له، لأنّه عديم الأخلاق، لا يستحي، ولا يخجل، ولا يشعر بِذَنب، ولا يندم إطلاقًا، ويأخذ ما حلى له، ويضرب ويشتم.
من هو المفلس؟ :
بالصحاح أحاديث: لو عقَلَهَا الناس لارْتَعَدَت فرائصهم.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((أَتَدْرُون مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا -يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))
إنسانٌ عاتب إنساناً، فقال له: لقد اغْتبتني وبلغني ذلك، فقال له: ومن أنت حتى أغْتابك؟ لو كنتُ مغتابًا أحدًا لاغْتَبْتُ والديّ, لأنهما أحقّ بحسناتي منك, هذا الإنسان مؤمن, وموقِن أنّ المُغتاب سوف يخسر من حسناته، وسوف يأخذها من يغتابه، وهذا بِنَصّ حديث للنبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يستمع الإنسان للغيبة يصبحُ إنسانًا راقيًا. هذا المؤمن :
وقد سمعتُ عن الشيخ بدر الدّين -رحمه الله تعالى-, ما تجرأُ أحدٌ أن يغتابَ أحدًا أمامه, كان يقول: يا أخي اُسكتْ أظلم قلبنا, تجد المجلس فيه راحة، وفي مجالس أخرى يغتاب فيها الناس، يُعَرَّوْن، كلّ مسالبهم تُفْتضح في مجلس، أما المؤمن لا يسمحُ أن يُغتاب في حضرته أحد.
النبي الكريم قال: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته، ووجبت أخوّته، وحرمت غيبته))
كلّ إنسان صحَّتْ عقيدته، وصحَّ عمله، وأدَّى عباداته ممنوع أن تغتابهُ. ما المراد بمعنى هذا الحديث؟ :
الأخلاقي حياته أخلاقه، لو عملَ عملاً فيه خطأً, يتألَّم ألمًا لا حدود له، إنسان وثقَ بك فأسأتَ به الظنّ، إنسان تقرَّب إليك فنَهَرْتهُ، إنسانٌ علَّق عليك الأمل فيأَّسْتهُ، إنسان ما ارتكبَ ذنْبًا وبَّخْتهُ، إنسان يجْهدُ لإرضائك فَغَضَّبْتَهُ، فالإنسان حينما يُسيء ولا يتأثّر, فمعنى ذلك أنَّه ميّت, المؤمن إذا ارتكبَ خطأً لا ينام الليل، هناك حديث يحار الناس في تفسيره.
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ:
((قَدْ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ, لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ وَيَغْفِرُ لَهُمْ))
الحديث على ظاهره غير مقبول، مع أنّه في الصِّحاح, ولكنّ المعنى هناك: أنَّه لو لم تُحسُّوا بِذُنوبكم, لكنتم هلكى عند الله, لذهَبَ الله بكم.
علامة حياة أخوتنا الكرام: إذا أذْنَب يعتذر، يقول لك: سامحني, أخطأتُ, نسيتُ, ما قصدتُ، أتمنَّى أن لا تغضب عليّ، يُقدِّم هديَّة تكفيرًا لِذَنبهِ، أما إن لم يحسّ بما فعل, فمعناه أنّه ميّت، إذا الإنسان ارتكب الذّنب, ولم يعبأ باعتِذارٍ ولا بإصلاح ذات بينٍ, هذا إنسان ميّت. متى يكون الإنسان في حكم الموتى؟ :
فلذلك: الفقرة الثانية من منزلة الحياة: هناك حياة الأخلاق؛ فأنت حيّ لأنّك أخلاقي، فإن لم تكن أخلاقيًّا فأنت في حُكْم الموتى، هناك أزواج يتزوّجها, يحملُها على تسجيل بيتها له، وتُسجِّلُهُ ثمّ يُطلّقُها أو يطردها، أسمعُ قِصَصًا أحيانًا لا أصدّقها، طرَدَ زوْجته وتركها بالطريق , الساعة الثانية ليلاً, هذا ميّت، أنت حيّ إذا كنتَ أخلاقيًّا، قد تكون فقيرًا، وقد يكون الفقْر وِسام شرفٍ لك، ولكنَّك تحرصُ على أهلك، هناك إنسانٌ دَخْلُه محدود, وقد يكون في أعلى عِلِيِّين, أساسًا النبي -عليه الصلاة والسلام- كان فقيرًا.
لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إنساناً فقيراً وضعيفاً؟ :
وقد يسألك أحدكم: لماذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إنسانًا فقيرًا وضعيفًا؟ سؤال وجيه، لو كان غنِيًّا مُتْرفًا لما صدَّقه الناس، ثمّ هناك أمر مهمّ جدًّا: أنت حينما تقول للفقراء: اصْبِروا وأنت غنيّ, هذا الكلام يجرحهم، ماذا يقولون لك؟ لو ذُقْت طعْم الفقْر لما قلتَ هذا الكلام, أما النبي فقد كان فقيرًا، كان إذا دخلَ بيته ولم يجِدْ طعامًا, يقول: اللهمّ إنِّي صائم.
الآن: لا يوجد مِنَّا من يدخلُ بيته, ولا يجد شيئًا إطلاقًا يأكلهُ، فالقضيّة الحياة هنا هي حياة الأخلاق، فقد تكون فقيرًا، وصاحب دخْل محدود، وقد يكون الإنسان مريضاً ومعذباً في بيته, وفي عمله، كلّ هذا ممكن، أما إذا كان غير أخلاقيّ, هذا الذي هو وصْمةُ عارٍ في الإنسان.
علام تطبع حياة الأخلاق؟ :
حياة الأخلاق تطبعُ على الحياء والعِفَّة والجود والسَّخاء والمروءة والصِّدْق والوفاء ونحوها، وهذه الحياة حياة الأخلاق حياةٌ مُسْعِدَة, تجد الإنسان بِحَسب فطرته بالدرجة الدنيا أخلاقيًّا، وتجدُهُ يعيش بسعادة لا توصَف، هو موصول بالله، وقد يكون إنسانًا لا أخلاقياً، وجمع المال بالحرام، ويعيش بِمَظهر فخْم جدًّا، وداخله فارغ منهار، أما الأخلاق فهي الحياة، أضربُ لكم مثلاً دقيقًا:
لو أنّ أحدكم دخل بيته الساعة الواحدة ليلاً, قالَتْ له أُمُّه: يا بنيّ, أنا أُعاني من وجَعٍ في الرأس, وأريد حبّة دواء مُسكِّنَة, فيقول لها: كلّ المحلاّت مغلقة الآن، وهو يعلم أنّ في البلد عِدَّة صيدليات مناوبة، لو عنده حسّ أخلاقي سليم لا يرتاح بالنوم، والدتهُ سبب وُجوده وحياته تتألم، لو أنّ هذا الإنسان استيقظ, عنده الحسّ الأخلاقي, لارتدى ثيابه, وخرج يبحث لها عن هذا الدواء، وفعلاً بحث في كلّ الصيدليّات المناوبة ولم يجد هذا الدواء، ورجع وقال لها: لا يوجد، هذه المرّة ينام مرتاحًا، وبالحالتين؛ الأمّ لم تستعمل الدواء، لكنّ أوّل مرّة هناك محاسبة داخليّة، أما المرّة الثانية أصبح معذورًا، خرج من بيته وبحث ولم يجد فاعْتذَر، فالإنسان لا يستطيع تحمّل وِزْر الذّنب، قد لا يستطيع تحمّل وزر العمل السيّء.
إذا كان هناك أربعة أو خمسة أولاد لهم أمّ توفيت، الذي يبكي عليها أشدّ البكاء: هو الذي قصَّر في حقّها، يبكي عليها أشدّ البكاء, لأنّه يوجد إحساس داخلي بأنه مذنب، بِقَدْر ما تُحاسب نفسك فأنت عند الله غال.
حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا.
حاسِبْ نفسكَ على كلمة، على نظرة، على تعليق في غير محلّه، على إنسانٍ ما رحَّبْتَ به، حاسِبْ نفسكَ على إنسانٍ أهْملتَهُ وقد أقْبَلَ عليك، هذا هو الحِساب.
من حاسبَ نفسهُ حِسابًا عسيرًا, كان حسابهُ يوم القيامة يسيرًا.
متى يضعف الإنسان؟ :
قال: وكلّما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكْمَل, كانتْ حياتُه أقوى وأتمّ.
الإنسان المستقيم عنده قوَّة، عندهُ جرأة وشجاعة، يعتمد على الله ويتوكَّل عليه، الإنسان لمَّا ينحرف يضعف، ويصبح خرقة بالِيَة، لأنه لمّا ترك الأخلاق أصبح خائفاً من الله وضعيف النفس، حينما الإنسان يرتكب عملاً لا أخلاقياً، أو حينما يُشْرك يقذف الله في قلبه الخوف، قال تعالى:
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 151]
وقد يكون الذي يخاف أقوى الأقوياء، وقد تكون أمَّةً, ومع ذلك يقذف الله في قلبها الخوف.
من أين اشتق خلق الحياء؟ :
قال: لذلك كان خُلُق الحياء مشتقًّا من الحياة اسمًا وحقيقةً.
الذي عنده حياة عنده حياء، والذي عنده حياء عنده حياة، والحياء من الإيمان.
قال له: خُذْ أجارَتَكَ لا حاجةَ لنا بك, فإنِّي أراك لا تستحي من الله.
الإنسان يستحي أن يتكلَّم كلمةً بذيئة، يستحي أن يكذب, وأن يخون العهد, ويستحي أن يتجاوَز، يستحي أن يقصّر.
قال: أكْمَلُ الناس حياءً أكْملُهم حياةً، ونُقصان حياء المرء من نقصان حياته، ونقصان حياته من نقصان إيمانه، والإنسان إذا مات, لا يحسّ ما يؤلمُه من الجروح.
من أدق معاني هذا الحديث :
هناك حديث صحيح ورد في الصّحاح: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
من أدقّ معاني هذا الحديث: أنّك إذا لم تستحِ من الله في عمل, فافْعَلْهُ ولا تعبأ بالناس.
أحيانًا الإنسان يتحرّج، أو يتهيَّب الناس وهو على حقّ، فإذا كنت على حقّ, وكان الله راضيًا عنك, فافعل ما تشاء, ولا تعبأ بأحد.
بِتَعبير دقيق: من هو أقرب إلى الحياة؛ الشّجاع أم الجبان؟ حياة الشجاع أكْمَلُ من حياة الجبان، حياة السخيّ أكْملُ من حياة البخيل، حياة الفطن الذكيّ أفضل من حياة البليد، فالأنبياء -عليهم صلوات الله- كانوا أكْمل الناس حياةً.
بمن تتعلق هذه الأوصاف التي ذكرت في الآية؟ :
تجد إنساناً عادياً ولكنه محترم، بيته مضبوط, وأخلاقهُ عظيمة, صادق ولا يكذب، ربى أولاده وضبطهم، قانعٌ بِزَوجته، وزوجته راضِيَة عنه، والبيت صغير جدًّا، والدخْل قليل، ولكن النفسيّة نفسيّة ملِك، وتجد شخصًا آخر دنيء النفْس, خسيس الصفات، قد يكون معه الملايين، وقد يكون بِمَركز جيّد، وقد يكون بيته قصْر، ولكنّه منهارٌ داخليًّا، فأنت تشعر أنّك أحسن منه، وكثير من الأشخاص من الطّبقة الدنيا لهم نفسيّة الطّبقة العليا، وهناك من عندهم نفسيّة الطبقة الدنيا وهم من الطّبقة العليا، لِبُعْدِهِم عن الله تعالى.
وصفُ الله تعالى من أدقّ الأوصاف، قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾
[سورة القلم الآية: 10-16]
حلاّف مهين، مهين أمام نفسه، وكثير الحلف، همَّاز مشّاء بِنَميم, ودائماً يطعن ويمنّ بين الناس، ويفسد العلاقات بينهم, منّاع للخير، لا يكتفي أنَّه لا يفعل الخير، بل يمنع فِعْل الخير، معْتَدٍ أثيم, يعتدي ويأثَم, يأثَم بِمَعاصي الشهوات، ويعتدي بِمعاصي العدوان، يأخذ أموال الناس بالباطل، وهذه هي المعصِية، وهي العدوان، وحينما ينتهك الحرمات والأوامر الإلهيَّة عندئذٍ يكون مهينًا.
هكذا كان خلق نبينا :
قال: والبسْط من أجلّ هذه الأخلاق، وأقواها في صفة الحياة, وهو ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلّم- مع أهله وأصحابه، النبي كان لطيفًا, باشّ الوجه, ومتواضعاً، إذا الإنسان عاشرهُ أحبَّه، ومن رآه بديهةً هابهُ, ومن عاملهُ أحبَّه، وكان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه, ومع أهله، ومع القريب والبعيد في سَعَة صدْر، ودوام بِشْر، وحُسْن خلقٍ, يُسلِّم على من لقِيَهُ، ويقفُ مع من اسْتَوْقفَهُ، يمْزحُ بالحقّ، مع الصغير والكبير، يُجيبُ دعْوَة الداعي، وليِّنُ الجانب، حتى يظنّ كلّ واحدٍ من أصحابه أنّه أحبّهم إليه، وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا يعينُ عليهما، وهذه هي حياة الإنسان، لذلك قال تعالى:
﴿فما بكت عليهم السماء والأرض الله﴾
يصف الكفار أنَّهم ما بكتْ عليهم السماء والأرض، معنى ذلك: أنّها تبكي على المؤمن.
قال علماء التفسير: مَوْضِعُ سجود المؤمن يبكي عليه عند الموت، وموضعُ رفع عمله إلى السماء يبكي عليه عند الموت، المؤمن خيِّر ومؤنس، ووجُوده مُحبَّب، قد يكون أب بخيل, أقرب الناس إليه يتمنَّونَ موتهُ.
حدَّثني مريض اسْتَدْعوه إلى عند مريض على وشك الموت، وكان أولاده قلقين جدًّا أن يكون المرض غير شديد، فلمّا قال لهم: عَرَضِيَّة, انْزَعَجوا كثيرًا, هم أرادوا أن تكون القاضية عليه كي يتخلَّصوا منه, فالمؤمن وُجودهُ مُحَبَّب، وكلّ من حوْلهُ يتمنَّى وُجوده.
كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((أعرف حجرًا بِمَكّة كان يُسَلِّم عليّ وأُسلِّم عليه))
دخل مرَّةً بستاناً, فرأى ناقة, فلمّا رآها ذرفَت عيْناها حَنَّتْ إليه, وقال: ((من صاحِبُ هذه الناقة؟ قالوا: فتًى من الأنصار, فقال: آتوني به، فلمّا جاؤوا به, قال: يا صاحب الناقة, ألا تتَّق الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها, فإنّها شكَت إليّ أنك تجيعها ووتتعبُها؟!!))
كان عليه الصلاة والسلام يُصغي الإناء للهِرَّة، وكان أن يرى أن مَن ذَبَحَ شاةً أمام أختها فقد أخطأ، فقال: ((أتُريدُ أن تُميتها مرَّتَين؟ هلاَّ حَجَبْتها على أختها؟))
كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ, فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ, وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ, وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذا هو نبيُّنا، وهو قُدْوتُنا، ونحن كلّما اقتربنا من سنّته كنّا أقرب إليه.
ما الذي يرفعنا عند الله؟ :
خطر ببالي مثال: أستاذ جامعي كبير جدًّا، له مئات المؤلّفات, ويحمل أعلى الشهادات، وله مكتب فخْم، وله مستخدم لا يقرأ ولا يكتب, فَبِغِياب هذا الدكتور أو البروفسور, يجلس هذا الحاجب على مكتبه, ويأخذ وَضْعِيَّة معيّنة, وهو لا يقرأ ولا يكتب، جلوسُهُ بهذا المكان, هل يرفعُ قدره؟ فنحن لا يرفعنا عند الله مديح النبي فقط، يرفعنا عند الله اتِّباعُ سنَّته.
فمن شدَّة أخلاقه العليَّة: كلّ من أصحابه صلى الله عليه وسلّم كان يظنّ أنّه أقربُ الناس إليه. انظر إلى المعادلة الرياضية في هذه الآية :
فقال: ومن العبادة من وفَّقه الله, فنال حظًّا من هذا البسْط النَّبَوي الكريم، وجعل انبساطه مع الخلق رحمةً لهم، كما قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159 ]
هذه الآية معادلة رياضيَّة، ولكن فيها بلاغة رائعة، فالباء للسَّببِيَّة, حينما تتّصل بالله تستقرّ في قلبك رحمة تجاه الخلق، وهذه الرحمة تنعكس ليناً في المعاملة, هم يلْتفّون حولك، فاللِّين الذي هو انعكاس الرحمة التي هي بسَبب الاتّصال بالله، هذه الرحمة انعَكَسَت لينًا، وهذا اللّين جذب الخلق إليه فالْتَفُّوا حوله.
الآن: الطرف الثاني، قال تعالى:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
يعني: لو لم تتَّصل بنا, لامتلأ قلبُكَ قَسْوَةً مكان الرحمة، والقَسْوَة انعَكَسَت غِلْظةً وفظاظة ووقاحة، واتِّهام مفاجئ من دون برهان, ومواجهة الناس بما يكرهون، والتَّحطيم والتوبيخ والتعنيف، والموقف القذر، والوقاحة، قال تعالى:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
فالقسْوة منعكسها الفظاظة، والفظاظة من لوازمها: نفور الناس منك, إذًا: اتّصال رحمة لينٌ التفات، انقطاعٌ قسْوةٌ فظاظة انفضاض، وهذه معادلة رياضيّة، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
ما هما المهمتان الكبيرتان اللتان بعث بهما النبي؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- له مهمّتان كبيرتان: الأولى هي التبليغ, والثانية هي القدوَة، أما لو سألتموني أن أُوازِنَ بين هاتين المهمَّتين، مهمَّة التبليغ بالنسبة إلى مهمّة القدْوَة صغيرة جدًّا، التبليغ سهل، أما أن تكون أخلاقيًّا فهذه بطولة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان مبلِّغًا وقُدْوةً لنا, لذلك جاع فصَبَرَ، واغْتنى فأعطى، قُهِرَ فاعتذر، سيْطَرَ فعَفَا، في الطائف قُهِر, قال: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي, ولك العتبى حتى ترضى.
ففي فتح مكّة انتصر, فقال:
((اذْهبوا فأنتم الطلقاء))
دخل بيته فلم يجدْ طعامًا, فقال: ((إني صائم))
جاءهُ مالٌ كثير، فقال: ((لِمَن هذا الوادي؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ فقال: هو لك))
ذاق موت الابن: ((إنّ العين لتَدْمع، وإنّ القلب ليَحْزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي الربّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمَحزونون))
ذاق الهِجرة استِئْصال من الجذور، وذاق زوجةً مشاكسة لِيَكون قدْوةً لنا، ذاق أن يُقال عن زوجته الأقاويل, هذه لا تُحْتَمَل, وصبر، وانتظر تبرئة الله لها، هناك أناسٌ هجَوْهُ، واستطالوا عليه بالهجاء من كفار مكّة فصَبَرَ عليهم، وأنت يمكن أن تكون قُدْوة, وتأثيرك بعد أن تكون قدوة أضعاف تأثيرك, إن لك تكن قدوةً لغيرك, هؤلاء الذين أكرمهم الله, وجعلهم دعاةً إليه, هؤلاء يقتدي بهم السالك, ويهتدي بهم الحَيْران، ويُشْفى بهم العليل، ويُسْتضاء بِنُور هدايتهم ونُصْحهم ومعرفتهم في ظلمات دياج الطّبْع والهوى، هؤلاء الدعاة إلى الله الصادقين هم خلفاء الرّسل حقًّا، وهم أولو البصر واليقين, فجمعوا بين البصر والبصيرة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 24 ]
استنباطًا من هذه الحقيقة: العلماء ثلاثة: عالمٌ اسْتنار بِنُوره واسْتنار الناس به، وهذا من خلفاء الرسل، وعالمٌ اسْتنار بِنُوره ولم يسْتنِر به أحدٌ, فهذا من العبّاد، وغيره لا استنار بِنُور ولم يسْتنِر به أحد, فهذا من ضعفاء الناس.
فإما أن تسْتنير وتُنير، وإما أن تسْتنير لِنَفسك, أما أن لا تستنير ولا تُنير، فهذا عبءٌ على الناس.
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مُتَرْجمًا لواقع، فأنت بِقَدْر ما أنت أخلاقي أنت مؤمن، أما إذا تخلَّيْت عن أخلاقك بعُدْت عن الإيمان، فحياة النفس حياة الأخلاق.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 04:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و السبعون )


الموضوع : الرغبة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وقفة متأنية عند هذه الآية :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم منزلة الرغبة, قال تعالى:
﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾
[سورة القلم الآية: 32]
قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾
[سورة الأنبياء الآية: 90]
ما من منزلةٍ من منازل مدارج السالكين, إلا ولها أصْلٌ في الكتاب الكريم، أو سنّة النبي عليه أتمّ الصلاة وأتمّ التسليم، فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾
[سورة الأنبياء الآية: 90]
ولا بدّ لنا من وقْفةٍ عند هذه الآية، من السَّهل أن ترجو رحمته دون أن تدفع الثَّمَن، ومن السَّهل أيضًا أن تقنط من رحمته لِجَهلٍ مسْتحْكِم, ولكنّ البطولة أن تعبُدَهُ راجيًا وخائفًا، راغبًا وراهبًا، رغبةً ورهبةً, الوضْع المتوازن يحتاج إلى بطولة، أما التطرّف فسهلٌ جدًّا, أبٌ بإمكانه أن يكون سهلاً فَيُعْصَر، وبإمكانه أن يكون عنيفًا جدًّا، كلا الحالتين سهلةٌ على الأب، أما الأب الذي يرجو أولاده عطاءه، ويخافون غضبهُ, في الوقت نفسه هذا أب مُرَبٍّ حكيم، وبالمقابل المؤمن الصادق يعبد الله رغبًا ورهبًا، إذا عرف من رحمته لا يطمع بها فَيُقصِّر، وإذا عرف من عقابه لا يدْفعُه العقاب إلى أن ييْأس.
أكمل موقف قاله سيّدنا عمر: والله لو علمْتُ أنّ الله معذِّبٌ واحدًا لَخِفْتُ أن أكون أنا، ولو علمْتُ أنّ الله راحمًا واحدًا لرجَوْتُ أن أكون أنا.
ما الفرق بين الرغبة والرجاء؟ :
لكنّ العلماء فرَّقوا بين الرغبة والرجاء، قالوا: الرّجاء طمع والرغبة طلب، طمعٌ وطلبٌ، أو الرجاء ثمرةُ الطَّمع، تطْمعُ فترْغَبُ, فإنَّه إذا رجا الشيء طلبهُ، والرغبة من الرَّجاء كالهرب من الخوف، فمن رجا شيئًا طلبه ورغب فيه، ومن خاف شيئًا هرب منه.
وهذا يقودنا إلى قانون، قانون التعامل مع المحيط، الإنسان في تعامله مع المحيط يسْلُك القانون التالي: يُدْركُ فيَنْفَعِلُ فيَسْلُك يتحرّك, أوْضَحُ مثلٍ:
كنتَ في بستانٍ, فرأيْتَ أفعى, انطبق شكلها على شبكيّة العين, إحساس, انتقَلَتْ هذه الصورة إلى الدّماغ؛ إدراك بِحُكم المفهومات التي تعرفها في المدارس, ومن خلال التعامل الاجتماعي, أنّ فلاناً لدَغَتْهُ الأفعى فمات، الأفعى سمُّها قاتل، وهناك أفعى خطيرة جدًّا، معلومات وصَلَت إليك فكوَّنَتْ مفاهيم، فهذه الصورة حينما تنتقل إلى الدّماغ تصبحُ مفهومًا مُدْركًا، الإدراك يُحْدث اضطراباً، ما دامَتْ أفعى وهي قريبة منك، وهناك خطر أن تلدغكَ فلا بدّ أن تضطرب، علامة صحَّة الإدراك الاضطراب، وعلامة صحّة الاضطراب السلوك، إما أن تقتلها وإما أن تهرب منها، إدراك انفعال سُلوك، فإن لم يصحّ الإدراك لا يكون انفعال، وإن لم يكن هناك انفعال ليس هناك سلوك.
مثلاً: لو أنَّ واحدًا قال للآخر: انتبِه على كتفك عقرب, وبقي هادئاً جدًّا، ثم التفت إليه وابتسَم, وقال له: أنا أشكرك على هذه الملاحظة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكِّنَني أن أكافئك عليها, هذا الموقف الهادئ جدًّا، هل معنى ذلك: أنّ الذي سمع كلمة عقرب فهمها؟ لم يفهمها أبداً, إدراك انفعال سلوك، هذا هو القانون، ومن ألطف ما في الأمر: أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((النَّدَمُ تَوْبَةٌ))
[أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
التوبة تحتاج إلى علم, وإلى حال, وإلى سلوك، فالنبي اختصر بالنَّدم وهو الحال، شرح الحديث قالوا: هذا الحال يوجبهُ علم، وينْتُجُ عنه سُلوك، هذا الحال له سبب، وله نتيجة، سببه العلم، نتيجته السُّلوك, فالراجي طالب، والخائف هارب، والدليل: قوله تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
علامة صِدْق الرّجاء العمل، الله عز وجل ربط الرجاء بالعمل, فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 19 ]
أراد الآخرة وسعى لها سعيَها وهو مؤمن، يعني بِشَكلٍ أو بآخر: إن لم يُتَرجم العلم إلى عمل فلا قيمة له، إن لم يُتَرجم الإيمان إلى سلوك فلا قيمة له، إن لم يُترْجم التوحيد إلى تقوى لا قيمة له:
وعالم بعِلْمه لم يعملَن مُعَذَّبٌ من قبل عبّاد الوثن
الراجي طالب، والخائف هارب، والرغبة هي الرجاء, حقيقة الرجاء طمَع يحتاج إلى تحقيق، طمعٌ في مغيَّبٍ عنك, مَشْكوك في تَحصيله, وإن كان متحقِّقًا بِذاته، الجنّة مُتحقِّقة بذاتها، ولكن القلق أن يُسْمحَ لي أن أدخلها أو أن لا أدخلها.
لا تقلق على الإسلام إنّه دين الله :
بالمناسبة: الشيء بالشيء يُذْكر: الإنسان أحيانًا يستمع إلى الأخبار, يتوهَّم أنَّ الإسلام انتهى، الإسلام يواجه معركة مصير في كل مكان في العالم، في شمال الأرض وجنوبها، وفي شرقها وغربها, أعداء المسلمين أقوياء وأشِدَّاء وقُساة، ويرَوْن الإسلام عدُوًّا لدودًا، لا تقلق على الإسلام إنّه دين الله، والله بيَدِهِ كلّ شيء، إن أراد شيئاً يقول له: كُنْ فيكون ، زُلْ فيَزُول، أضربُ لكم مثالاً:
في بعض الروافع الكهربائيّة في معامل الحديد, ترفع عشرون أو ثلاثون طنًّا عن طريق الكهرباء، وكلّكم يعلم أنّ الكهرباء تشكِّل مساحة مغناطيسيّة، فإذا أحطْنا سطح الرافعة بِوَشيعة كهربائيّة, يصبح فيها قوّة جذب كبيرة جدًّا، فقد تحمل هذه الرافعة عشرين طُنًّا، ولا يستطيع أقوى الرّجال أن يأخذ منها قطعة واحدة، أما عامل هذه الرافعة لو ضَغَط الزرّ ربع ميلي لسقَطَ كلّ ما عليها, قطَعَ الكهرباء، وانتهى المغناطيس، ووقع كلّ الحديد، أقوى قوّة في الأرض, لو أراد الله عز وجل تدميرها, لقال: كُن فيكون، زُل فيَزُول، قال تعالى:
﴿فجعلنا عاليَها سافلها﴾
أقرب مثل زلزال تركيا الأوّل، والثاني كذلك زلزال كبير جدًّا, ذهب ضحِيَّته مئات القتلى, وآلاف الجرحى, وعشرات ألوف المُشرَّدين.
هم يبْنون السُّدود لِيَمْنعوا الماء عنَّا، الخبراء قالوا: لا بدَّ من تفريغ السُّدود, وإلا كانتْ الطامّة الكبرى، وأُفْرِغَت السُّدود وانتقلت المياه إلى أصحابها قهْرًا، الله عز وجل قهَّار، فالراجي طالب، والخائف هارب, والرغبة هي الرّجاء بالحقيقة، والرجاء طمعٌ يحتاج إلى تحقيق، أيْ طمعٌ في مُغَيَّبٍ عن الراجي مَشكوك في تحصيله, وإن كان متحقِّقًا في ذاته كالجنّة هي مُتَحَقِّقة، ولكنّ القلق أن يُسْمح لنا بِدُخولها أو أن لا يُسْمح. متى تتولد الرغبة؟ :
النُّقْطة الدقيقة جدًّا: متى تتولَّد الرغبة؟.
إنسان عندهُ محلّ، وهذا المحلّ يعجبه، وعينه تقرّ به، جاءهُ إنسان وقال له: اعْمل مكتب استيراد, تبيع زبوناً واحداً, وتربح عشرة أضعاف ربْحك الحالي، تربح أرباحًا طائلة ومكانتك ستصبح عالية، لأنه لا علاقة لك بالتعامل اليومي مع الزبائن, فصاحب المحلّ لمّا سمع هذا الكلام, رغب أن يكون بائع جملة ومُسْتوْرِداً, متى تولَّدَت الرغبة؟ من الإدراك، العلم، وكذا الأمر في الدين, إذ لا يمكن أن تتولّد لك رغبة في الدار الآخرة, ولا في السّعي إلى الجنّة، ولا في طاعة الله, إن لم تعْلَم، فالعِلْم أساس.
وبالمقابل: كما أنّه لا يمكن أن ينشأ لدَيْك خوفٌ حقيقيّ من مَعْصِيَة, إلا إذا أدْركْتَ ماذا تعني المعصِيَة؟ تعني حجابًا عن الله عز وجل، بل إنّ أشدّ عِقابٍ يُعاقبُ به الإنسان كما قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
الحِجاب، فأنت تُطيع بِقَدْر عِلْمِك، وتنتهي عن مناهي الله بِقَدر علمك، فالعلم يُوَلّد الرغبة في العمل، والرغبة في التَّرك.
مثلاً: إنسانٌ يُدَخِّن، تقول له: يا أخي, التدخين قد يُسبّب سرطاناً, وأزمة قلبيّة، جلْطة, يُسبّب داء المُوات، تأتيه بالأدلّة القاطعة, وبالبُحوث العِلميّة الجامعة, والحقائق الناصِعَة، ومع ذلك يُدَخِّن، أما حينما يُصاب في قلبهِ، أو بِجَلْطة في دمِهِ، أو بِوَرمٍ في صدْره، يدعُ الدّخان فوْرًا، ولكن متى ودعهُ؟ حينما يُدْرك خطر الدخان عن طريق المُعايَنَة، من هو العاقل؟ هو الذي لا يحتاج أن يكون هو التجربة، لا يتَّعِظ بنَفسِهِ بل بِغَيره.
العلم حاجة عليا في الإنسان :
لي صديق, له خال دارس في جامعات غَرْبِيَّة، وله منْصب رفيع، وله مكانة كبيرة, ولكنّه مُدْمِن على الدخان، أُصيب بِمَرض خبيث، زارهُ صديقي في المستشفى، فقال هكذا باسْتِكبار: هذه السيجارة لها معي حِسابٌ طويل, لقد سبَّبَتْ لي ورمًا في الرّئة، وبعد أن أُشْفى من هذا المرض، سأُحاسِبُها حِسابًا عسيرًا، لكنّ هذا المرض لمْ يُمْهِلْهُ حتى يُحاسبَها حسابًا عسيرًا, قضى عليه‍‍‌‍.
قرأتُ بِكِتاب عن الدّخان: أنّ إنسانًا مَشْهور جدًّا في الترْويج لبعض أنواع الدخان, وله قِوام مُعَيَّن، ويلبس لباس راعي البقر، إلخ ... هذا الإنسان مات في رَيْعان الشباب بِسَرطان في الرئة بِسَبب الدّخان, وهو على فراش الموت, قال هذه الكلمات: كنتُ أكذبُ عليكم الدخان قتَلَنِي.
إذًا: حينما يترسَّخُ العلم تُخْلقُ الرّغبة في الطاعة، أو الرغبة في ترْك المعْصِيَة، أوائلُ هذه الرغبة تتولَّد من العلم، لذلك:
إن أردْت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردْت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معًا فعليك بالعلم.
الخُطْوَة الأولى والأساسيّة والمهمّة: أنْ تعلَمَ، العِلْم حاجةٌ عُليا في الإنسان، حاجةٌ تليقُ بإنسانِيَّته، كلُّ مَن طلبَ العلم أكَّدَ أنَّه إنسان، ومن عزَفَ عن طلب العلم ألْغى إنْسانِيَّته، وحافظ على بَهيمِيَّتِهِ.
هذه المقامات في الإسلام :
كلُّكم يعلم: أنّ في الإسلام مقامات ثلاث: مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان.
وبالمناسبة: أنا لا أرغبُ أبدًا أن أضيف مصطلحًا لم يرِد لا في الكتاب ولا في السنّة، لا أستخدم أيّ مصطلح, ونحن مع المضامين، ولسْنا مع العناوين، هذه المصطلحات مزَّقَت الأمّة, وهذه المصطلحات شقَّت صفوف الأمّة، مصطلحات كثيرة، أنت مع الكتاب والسنّة، مع ما جاء في القرآن، ومع ما جاء من النبي العدنان صلى الله عليه وسلّم, وهذا هو الإسلام.
مصطلحاً: الإسلام أن تنْصاعَ لأمر الله، والإيمان أن تقْبِلَ عليه، والإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه, فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، هذا مقام الإحسان, تحقيق مقام الإحسان أن يفْنى الإنسان بِحُبّ الواحد الدَيَّان، أن يفْنى بِحُبِّه, وأن يخاف منه، وأن يرْجُوَ رحمتهُ، وأن يتوكَّل عليه، وأن يتبتَّلَ إليه، وليس فوق ذلك المقام مقام.
مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنَّك تراه, فإن لم تكن تراه فإنّه يراك.
أيها الأخوة, الإنسان إذا تعمَّق في الإيمان الحقائق, تتَّضِح له شامخةً صارخة، يكاد المؤمن يعلم الغيب، وهو لا يعلم الغيب، وذلك لِمَعرفته بالقوانين، الإنسان منْحرِف, ولا بدّ من أن يؤدِّبَهُ الله تعالى، وإنسان مُحْسن، لا بدّ من أن يكرمَهُ الله تعالى، معرفتهُ بالقوانين تعطيهِ نفسًا في الفراسة الصحيحة.
من لوازم الرغبة :
الرّغبة من لوازمها الرِّعايَة, إن كنتَ راغبًا في شيءٍ عليك أن ترْعاهُ، إن اكْتَمَلَتْ الرغبة, اكْتَمَلَ معها خُلُق الرِّعاية الإيمانيّة, العِلْم كيف يُراعى؟ يُحْفظ ويُعْمَلُ به، آفاتا العلم: أن يُنْسى وأن لا يُعْمَلَ به.
الآن: إذا كان هناك رغبة صادقة, لا بدّ من أن يتْبَعَ هذه الرغبة الصادقة عملٌ يؤكِّدها، فَرِعايَةُ العلم بالحفْظ، ورِعايَة العلم بالعمل.
نقطة دقيقة :
هناك نقطة أتمنَّى أن تكون واضحة لديكم: أخواننا الكرام يحضرون دروس العلم كثيرًا، ويتأثَّرون ويخرجون بانطِباع عن الدّرس, هذا الانطباع لا يلْبث أن يُنسى، فإذا كلّما حضرْت الدرس، ترك الدرس انْطِباعاً ضبابياً, ثم لا تلْبَث أن ينسى الدرس، هنا مشكلة، هذا العلم كيف يتراكم؟ وكيف ينقلب إلى تعليم؟ وكيف ينقلب إلى طلاقة لِسان؟ وكيف ينقلب إلى دعوَة إلى الله عز وجل؟.
فالشيء الثابت: أنّ الإنسان يطلب العلم ثمّ يُعَلِّم، يتلقَّى ثمّ يُلْقي، يأخذ ثمّ يعطي، هل يُعقل أن يعيش الإنسان طوال عمره في طلب العلم؟ هذا كلام غير مقبول، فما السبيل إلى أن أتذكّر ما سمعتهُ؟ هذا يحتاج إلى مُذاكرة.
وأنا أنصح كلّ أخواننا أربعة أو خمسة بِحَسب القرابة، وبِحَسب المسكن، بِحَسب الجِوار والزمالة بالعمل على مستوى أسرة داخليّة، إذا جلسْتَ مع أخيك ساعةً واحدة، ومع بعض أخوانك الذين تجمعهم معك جامعة، جامعة الجِوار، أو جامعة العمل، أو جامعة القرابة، يتّفقون بعد انتهاء العمل يجلسون ويتذاكرون، أنت بالنّهاية تطلب العِلْم كي تُعَلِّم، تتلقّى كي تُلقي، وتأخذ كي تُعطي، العطاء يحتاج إلى تركيز، لذلك الذاكرة تُدَرَّب, حاوِلْ أن تكتب أجْمَلَ ما سمعْت، ثمَّ حاوِل أن تحفظَ أجْمَلَ ما كتبْتَ، وأنت عند أهلك طالب علم، فأنت مظنَّة عِلْم، ومظنَّة صلاح، لك أبٌ بعيد عن جوّ العلم، ولك أخ، ولك جار، ولك صهر، ولك ابن عمّ، تُسأل أنت دائمًا، وتُدْعى إلى احتفال، إلى عقْد قِران، إلى نُزْهة، إلى سهرة، إلى وليمة، إلى لقاء، تبقى ساكتًا, هذا غير معقول, تطلب العلم كي تُعَلِّم، من أجمل ما في الحياة أن تأخذ وأن تعطي، فإذا الإنسان حاوَلَ أن يكتب في البيت أجْمَلَ ما سمِع, ويحفظ أجمل ما كتب، بعد حينٍ تصبحُ له ذخيرة كبيرة جدًّا من المعلومات، دفتر صغير ورقيق في الجيب، سمع آية وطرب لِمَعناها سجلها.
قيدوا العلم بالكتابة :
سمِعَ مرَّةً قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور الآية: 55 ]
الدِّين موصوف، ما قال: وليُمَكِنَنَّ لهم دينهم, ولكن قال: الذي ارتضى لهم، معنى ذلك: أنّ الدِّين الذي يرتضيه الله لنا هو سبب تمكيننا في الأرض، استنباط منطقي صرف, فإن لمْ نُمَكَّن, معنى ذلك: أنّ الدِّين الذي نُمارسُهُ لم يرْتضه الله لنا، لذلك لمْ يُمَكِنَّا في الأرض، وهذا معنى لطيف جدًّا، وهو يحلّ مشكلة كبيرة، فهذه الآية تُكْتب على دفْتر، ويُشار إلى المعنى، دفتر صغير، سمعت معنى آية، أو حديث، أو حِكْمَة، حقيقة, حكم فقهي، هذه ذخيرة في جَيْبك ، فإن أردْت أن تحفظ فاكتُب، وإن أردْت أن تُلقي فسَجّل، إن أردْت أن تعِظ فدَقِّق، فالعِلْم آفتهُ أن تنساه.
لو قال الواحد: حدَّثنا سفيان بن عيينة, عن فلان, عن فلان, عن فلان, فساق ثلاثاً وثلاثين راوِيَة, والحديث:
أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: من كان فيه خَصْلتان دخل الجنة، أما الأولى فقد نسِيَها الراوي، وأما الثانية فقد نسيتها أنا, لم يبْقَ شيء، هذه مشكلة، يأتي لِيَتَكَلَّم فلا يذْكُر شيئًا، فقَيِّدُوا العِلْم بالكتابة.
من مفسدات العمل :
قال: إذا اكتمَلَتْ رغبَتُهُ, اكْتَمَلَ مع رغْبته خُلقُ الرِّعاية، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص، والإحسان هو الإتقان، والإخلاص أن يكون خالصًا لله تعالى، يرعى العلم فيحْفظُهُ ويعمل به، ويرْعى العمل بالإحسان والإخلاص, ويحفظ العمل من مُفْسِداته.
مثلاً: أعطى ثمّ منَّ بعْد عطائِهِ، فالمنّ أذْهَبَ ثواب عطائه.
هذه مراتب العلم والعمل :
وقال العلماء: مراتب العلم والعمل ثلاثة: رواية هي مجرّد النقل وحمْلُ المرْوِيّ، ودِرايَةٌ هي فهمهُ وتعَقُّلُ معناه، ورعايةٌ هي العمل بِمُوجِبِه، ما علمهُ وبِحَسب مُقتضاه، ما قولكم بهذا المثل:
أنت أمام خارطة لِقَصْر، الخارطة واضحة جدًّا، وقد رسمها أكبر مهندس, مساحات، الطابق الأوّل, والثاني, والثالث، غرف النوم، وغرف الجلوس, الشرفات, الحدائق، نسب الجدران، كلّ التفاصيل في هذه الخارطة، هذا نوع من العلم، فالذي أعطاك هذه الخارطة أعطاكَ علمًا، ولكن أنت ليس عندك بيت، معك خارطة فقط, أما هناك عالم يدلّك على طريق القصر كي تسْلُكها، وهناك عالم ثالث يدخلك إلى القصر لِتَسْكنهُ، فإنسان قدَّم لك خارطته، وإنسان دلَّك على الطريق الموصِلِ إليه، وإنسان أعانك على أن تدخلهُ، وأن تسكنه, وأن تستقرّ به، وفرقٌ كبير بين أن تمْتلك خارطة قصْر وبين أن تملك قصر، وبين أن تمتلِكَ صورة سيارة وبين أن تملك السيارة, فمراتب العلم ثلاثة: رِوايَةٌ؛ حدَّثنا فلان عن فلان، وهي مجرّد النقل وحمْلُ المرويّ، ودِرايةٌ هي فهمه وتعقُّل معناه، ورعايةٌ هي العمل بِمُوجبه, روايةٌ ودِراية ورعاية، ترْوي النصّ، وتفهم النصّ، وتعمل بالنصّ, لذلك قال الله عز وجل في معْرض مديح المؤمنين، قال:
﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾
[سورة البقرة الآية: 121]
علماء التفسير فسَّروا حقّ تِلاوته: أن تنطق به صحيحًا، وأن تفْهمهُ, وأن تعمل به.
ما حق التقوى؟ :
قال: النَّقَلة همُّهم الرّواية.
والعلماء همّهم الدراية، والعارفون بالله همّهم الرِّعايَة، واحد روى، والثاني درى، والثالث رعى، وقد ذمّ الله عز وجل من لم يرعَ ما اختاره وابتدعهُ من الرهبانيّة حقّ رعايتها، ما معنى قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 102]
أيْ ارْعَوا التقوى.
قال: حقّ التقوى أن تُطيعهُ فلا تعصيه، أن تذكرهُ فلا تنساه، أن تشكرهُ فلا تكفرهُ. تعليق رائع :
قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾
[سورة الحديد الآية: 27]
هناك تعليق رائع: لأنّ الله ما كتبها عليهم، لم يستطيعوا رعايتها, من هو الخبير؟ الله جلّ جلاله، إذا سمَحَ الله لك بالزواج، وحرمْت أنت نفسكَ من الزواج زهدًا وورعًا، أنت تحرَّكْتَ حركة بِخِلاف فِطْرتك التي فُطِرْت عليها، لن تستطيع رِعايَة هذا المسْلكَ الذي ابْتَدَعْتهُ.
أجْمَل ما قيل في هذا المقام: أشدُّكم خشيَةً لله عز وجل أنا، أنام وأقوم، أصوم وأفطر, أتزوج النساء، آكل اللّحم، هذه سنّتي، فمن رغب عنها فليس من أمَّتي, قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾
[سورة الحديد الآية: 27]
لأنَّهم ابْتَدَعوها ولم تَرِد في منهجهم, إذًا لن يستطيعوا رعايتها حقّ الرعاية، ما كتبناها عليهم, هم حينما كتَبُوها على أنفسهم, اِدَّعَوا أنَّه ابْتِغاء رِضْوان الله، ولأنَّها لم تُكْتَب عليهم, لمْ يستطيعوا رعايتها، فما رعَوْها حقّ رعايتها.
في هذا المعنى الدقيق, الله جلّ جلاله ذمّ من لمْ يرْعَ قُرْبةً ابْتَدَعها لله تعالى، لم يرْعها حقّ رعايتها، فكيف بِمَن لم يرْعَ قُرْبةً شرعها الله؟ القُربة التي لم يُشَرِّعها الله, عاتب الذين ابْتَدَعوها أنَّهم لم يرْعَوْها حق رعايتها، فكيف بالذي لا يرعى عبادة شرعها الله عز وجل، وهي متوافقةٌ مع طبْعِهِ، ومع طاقته, وقدرته, وإمكاناته؟.
من أركان الرعاية :
الآن: من أركان الرِّعاية: رعايَة الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسط مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها، ثلاث صفات: رِعايَة الأعمال أن تأخذ الوضع المعتدل منها، فالإفراط تطرّف، والتفريط تطرّف، وأن تُلقي بِنَفسِكَ إلى التهلكة تهوّر، وأن تجمد عن ملاقاة العدوّ جبْنٌ، والوضْع الوسَطِيّ أن تكون شجاعًا بِتَعَقُّل، أن تمْسِكَ المال بُخلاً، وأن تُلْقِيَهُ جزافًا إسرافًا ، أما الوضْع الوسطي كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 67 ]
أوّل شيء: رعاية الأعمال وفْق النَّمَط الأوْسَط,
-وقالوا: الفضيلة وسَطٌ بين طرفين-.
مع اسْتصغارها والقيام بها من غير نظرٍ إليها.
الإنسان إذا رأى عملهُ كبيرًا حجَبَهُ عن الله عز وجل، لو كان لك عملٌ كالجبال, يجب أن ترى أنّ الله تفضَّل به عليك، ولولا أنّ الله عز وجل تفضَّل به عليك, لأخذْت ولم تُعْطِ . قف عند هذه المحطة :
مرَّةً أخ طلبَ مِني أن يشتغل, اتَّصَلْتُ بإنسان عندهُ معمل، أخٌ كريم وأنا أُحسِنُ الظنّ به، فاعْتذَر اعتذارًا لم أقْبلْهُ، وهو ذكيّ جدّا، قلتُ له: مع أنَّك ذكيّ جدًّا, الله عز وجل قادِرٌ أن يجعلكَ تقف في صفّ طويل عند جمعِيَّة خيريَّة, لتأخذ خمس مائة ليرة وتُوَقِّع, فأنت إذا أعطيت هذا من فضْل الله عليك، الذي يعطي يجب أن لا يرى أنّه يعطي، يجب أن يرى أنّ الله تفضَّلَ عليه ومكَّنَهُ من أن يُعطي، والذي يتكلّم ويُلقي درساً يجب أن يشعر أنّ الله تفضَّل عليه أن جَعَلَ قُلوب المؤمنين تهْفو إليه، ولو انْصرفوا عنه من يستمع إليه.
أنا أرى أنّ الذي يأخذ منك المال له فضْلٌ عليك، ولو رفضَ حرمَكَ هذا العمل, والذي يأخذ منك العلم له فضلٌ عليك, لأنَّه لو انصرفَ عنك تُلقي الدرس على مَنْ؟ العِبْرة أن لا ترى لك عملاً، أن لا تزهوَ به، أن لا يكون العمل حجابًا بينك وبين الله, أن لا ترى هذا العمل، وأن تستصْغِرَه.
إذا إنسان أسْدَى إليك معروفًا يجب أن تسْتكبره، وأن لا تنْساهُ مدى الحياة, وأنت إن قدَّمْت لإنسانٍ معروفًا, يجب أن تستصْغِرَهُ, وأن تنْساه، وهناك أناسٌ بالعكس، إذا عُمِلَ معه أعمال كالجبال ينْساها، وإذا قدَّم لإنسان شيئاً بسيطاً, لا يزال يمنّ به عليه حتى يخرج من جِلْدِهِ، يقول له: لحم كتفك من خيري, كلامٌ فيه حُمْقٌ وتَطاوُل، وسوءُ أدبٍ مع الله, ويقول لك: أنا معيل, أنت مُعال ولسْتَ مُعيل، المُعيل هو الله.
يقول الإمام الشافعي: لو أنّ السماء من رصاص، والأرض من نُحاسّ، والخلقُ كلّهم عِيالي ما حملْتُ همًّا، لأنّ الله هو الرزاق ذو القوّة المتين.
ما علامة رضى الله عن العبد وقبول عمله؟ :
وقد قيل: علامة رضاء الله عنك: إعراضك عن نفسك، وعلامة قبول عملك: احتِقاره واسْتِقلاله وصِغَره في قلبك، ما قولكم بِعَمل النبي -عليه الصلاة والسلام-؟
الإسلام الآن: مليار ومائتا مليون إنسان, في مشارق الأرض ومغاربها، أينما ذهبْت؛ في أمريكا هناك ثلاثة آلاف مسجد, وبفرنسا هناك ألف مسجد، بأمريكا هناك عشرة ملايين مسلم، بفرنسا الإسلام هو الدِّين الثاني، أينما ذهبْت تجدُ منارات إسلامِيَّة، مَن نشَرَ هذا الحق؟ في صحيفة من نحن؟ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم, ومع ذلك اسْتَمِع إلى قوله: جهْدُ المُقِلّ!.
فالتواضع أمر أساسي بالإيمان، ومن علامة إعراضك عن نفسك، وعلامة قبول عملك: احتِقاره واسْتِقلاله وصِغَره في قلبك.
لماذا تستغفر الله عقِبَ الصلاة؟ :
لماذا تستغفر الله عقِبَ الصلاة؟! أوّل ما تنتهي الصلاة تقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، لماذا؟ أنت كنتَ في عبادة، وكنت قائمًا تصلّي.
علَّمَنا النبي -عليه الصلاة والسلام-: وأنت في عبادة راقِيَة, يجب أن تستغفر, وأن تشكر الله عز وجل, أنْ قوَّاك على هذه العبادة، وإن كان هناك تقصير فيها, لا بدّ أن تستغفر.
شيء طريف :
هناك شيء طريف سأقوله لكم، سمعتُه مرَّةً من طبيب فتأثَّرْتُ, قال: هناك حبّ نفسي، وحبّ عقلي، وهناك بغض نفسي، وبغض عقلي, الإنسان أحياناً بالشتاء يجد فاكهة حامضة لا يحبّها، أما إن قالوا له: أنّ هذه الفاكهة تُذيب الكوليسترول، وتذيب الشُّحوم، ولها أثر كبير جدًّا، وفيها فيتامينات ومعادن، هو لا يحِبّها، ولكن بِقَدر ما سمِعَ عن فوائدِها, فصار يشربها ويأكلها، هذا نُسَمِّيه حُبّ عقلي.
أحياناً تكون أمامك أكلة من أطْيَب الأكلات لكن لا تُناسبك، تبغضها لأنك لا تحبّها بل لأنّها تؤذيك، فالإنسان كلّما ارتقى مُستواه, لا يتعامل مع الحبّ النفسي، والبغض النفسي، يتعامل مع الحبّ العقلي، والبغض العقلي، إذًا في النهاية: ينبغي أن نتعامل مع أنفسنا بالحبّ والبغض العقلي, لا بالحبّ والبغض النفسي, الحبّ العقلي أن تطبّق منهج الله عز وجل. و:

((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به))
كلَّما ارْتَقَيْت تصبحُ مُيولك وفق منهج الله عز وجل.
اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-20-2018, 04:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثمانون )


الموضوع : الهمة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
هذا العامل المؤثر في النوع البشري :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في مدارج السالكين، مع الدرس الثمانين من هذه الدروس، والمدْرج اليوم منزلةُ الهِمَّة.
أيها الأخوة الكرام، النوع البشري شيءٌ عظيم، لو نظرْتَ إلى طبقٍ من البيْض، التفاوُت بين حبّات البيْض تفاوُتٌ بسيط، لا يزيدُ على بِضْع غرامات، ولكن في عالم البشر قد تجِدُ إنسانًا بِقَلبِهِ الكبير، وهِمَّتهِ العلِيّة, وأهدافِهِ النبيلة كالجبل، وتجِدُ إنسانًا آخر، لِضَعفِ هِمَّتهِ, ولِسُخْف مَطلبِهِ كأنّه ذُبابة، النوْع البشريّ نوعٌ مكرَّم، أُعْطِيَ الإنسان طاقات هائلة, فالإنسانٌ الذي يستخدمُ هذه الطاقات الهائلة في معالي الأمور، سيكون عظيمًا من عُظماء البشَر، وإن كان معه رسالة, فهو نبيّ كريم، أو رسول عظيم, وهناك من لا يستخدم هذه الطاقات, فيتحمّلُ من أجلها الحسرات إلى أبد الآبدين، وهناك من يستخدمُ هذه الطاقات في الشرّ, فهُم المجرمون والطّغاة، النَّوْع البشريّ نَوْعٌ مُحَيِّر, مِن إنسانٍ يكْبُر ولا ترى كِبَرَه, فيتضاءلُ أمامهُ كلّ كبير، إلى إنسان يصْغُر ولا ترى صِغَره، فيتعاظَم عليه كلّ حقير، العامل المؤثّر في هذا الموضوع هو الهِمّة.
لو سألْت إنسانًا ضعيف الهِمّة: ما هدَفُك؟ أنْ يأكلَ, وأن يشْرَبَ, أن يسْكُن في بيتٍ, وأن يتزوّج امرأة، فإذا حقّق هذه المطالب تنتهي كلُّ أهدافِهِ، أما النبي -عليه الصلاة والسلام- هَمُّه هِدايةُ الخلق، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((لو تعلمون ما أعلم, لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلاً))
فالله عز وجل لا ينظرُ إلى شكلك، ولا إلى صورتك، ولكن إلى همِّكَ وهِمّتِكَ, إنسانٌ جد همّه أن يأكل ويستمتع بالحياة، همُّه أن يعيشَ وحيدًا مرتاحًا من كلّ همّ، لكنْ هناك من همُّه هِدايَة الخَلْق، فأنت تكْبُر عند الله بِقَدر ما تحْمِلُ من هُموم المسلمين. هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى أعلى عليين ؟ :
والإنسان كما قلتُ قبل قليل: طاقات كبيرة جدًّا, فقد تجدُ إنسانًا تركَ آثارًا عِلْميّة مُذْهلة، وعاشَ عُمْرًا محدودًا كأيّ عُمْر, ترك مائتي مؤلّف.
هناك علماء كِبار يُعَدُّون من المُجدِّدين في الدِّين، يعني فِكرُه وكتُبُه على كلِّ لِسانٍ، بعْد ألفِ عامٍ، وفي كلّ قُطرٍ من أقطار المسلمين، ما هذه الهِمة التي كان ينْطوي عليها يومَ كان حيًّا يرْزق؟
على كلٍّ؛ الإنسان يصِل إلى أعلى عِلِيِّين إذا اسْتغلَّ هذه الطاقات التي أوْدَعَها الله فيه، فعلى مستوى الدّنيا:
الإنسان شابّ في الأربعينات، ثرْوتهُ تزيدُ عن تِسعين مليار دولار، صاحبُ مايكروسوفت، شابّ بالأربعينات، هل حصَّل هذه الثَّرْوَة جُزافًا؟ لا، هِمَّتهُ في تَحصيل المال مُذْهلة، وإنسانٌ آخر تركَ خمسين مليونًا قتيلاً مثل هتلر، في الحرب العالميّة الثانيّة, وَحْش وطاغِيَة وجبّار، فالإنسان والنوْع البشري عجيب، هناك طاقات كبيرة جدًّا، وليس هناك حلّ وسَط إذا صعدت بهذه الطاقات فتكون أعلى من كلّ ملَكٍ, كما قال الإمام عليّ -كرّم الله وجهه-:
رُكِّبَ المَلَكُ من عقْلٍ ولا شهوَة، ورُكِّب الحيوان من شَهوةٍ ولا عقْل، ورُكِّبَ الإنسان من كِلَيْهِما, فإن سما عقلهُ على شهوتِهِ كان فوق الملائكة، وإن سمَت شهوتهُ على عقله كان دون الحيوان.
أسئلة موجهة إليك :
ما الذي يهمّك؟ وما الذي يقلقك؟ ما الذي تصْبو إليه؟ ما الذي ترجوه؟ تعيشُ مع من؟ وتعيشُ لِمَن؟ تُرضي مَن؟ وتُغْضِبُ من؟ تنفقُ على مَن؟ تَصِلُ مَن؟ تَقْطَعُ مَن؟ مَن أنت؟ قلْ لي ما الذي يغضبُك, أقل لك من أنت؟ قل لي ما الذي يرضيك, أقلْ لك من أنت؟ قلْ لي ما مِقياسُ الفوز عندكَ, أقل لك من أنت؟ قلْ لي إلى ما تسْعى, أقُل لك من أنت؟ ما الذي يُحزنُكَ, أقل لك من أنت؟ أيُّ شخْصٍ ترنو إليه, أقُلْ لك من أنت؟ فالمسافات كبيرة جدًّا, والإنسان مخلوق ومجبول، لِيَكون أعلى المخلوقات، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 70 ]
هل تريد أن تصل إلى الله؟ إليك الوسائل التي هي في متناول يديك :
لتصل إلى الله وسائل هي في متناوَل يدَيك، شرْعُ الله واضِحٌ لديك, الحلال بيِّنٌ والحرام بيّن، بِمُجرّد أن تَدَعَ الحرام، وأن تقبلَ على الحلال, فقد ارْتقيْت عند الله عز وجل.
((لا يزال ابن آدم يتقرَّبُ إليّ بالنوافل حتى أُحبّه -بالنوافل، بِصَلاة النافلة، بِصَدقة النافلة، بِطَلبِ العِلْم، وخِدمةِ أخٍ مؤمن بِتَرْبيَة ولدٍ، بدَعْوةٍ إلى الله تعالى-, إذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سمْعهُ الذي يسمعُ به, وبصرهُ الذي يُبصرُ به، ويدهُ التي يبطشُ بها، ورِجلهُ التي يمشي بها, ولئِن سألني لأعطينّه، ولئِن دعاني لأجيبه))
فأنْ تكون عند الله محبوبًا شيءٌ في متناوَل يدك، هناك مُلوك بيَدِهم شُؤون كلّ الممْلكة، ولكنْ لن تستطيع أن تصلَ إليه، هو بيَدِهِ كلّ شيء، يمْلكُ مال ممْلكته، يمْلكُ كلّ شيءٍ فيها، ولكن لا سبيل إلى أن تصلَ إليه، لكنّ ملِكَ المُلوك قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110 ]
اِعْمَل عملاً صالحًا لا تبتغي به إلا وَجه الله تعالى، أقْرِض الله قرضًا حسنًا، أيّ إنسان، أيّ مخلوق، أيّ نبات، هو مخلوقٌ لله عز وجل, إذا اعْتَنَيْت بِنباتٍ سقَيْتَهُ ماءً، إذا اعْتنيْتَ بِهِرّة عمل صالح.
تعرف قصة المرأة التي غفرَ الله لها, سقَتْ كلبًا في الصّحراء، طريق الوُصول إلى الله بين يديك، كلّ هؤلاء الذين هم أمامك مخلوقات لله عز وجل, فإن أحْببْتَ الله أحببْتَ مخلوقاته, فكُنْتَ بهم رحيمًا، وكنت بهم رؤوفًا، كنت لهم منصفًا، أعنْتَهُم على شؤون دينهم، الإنسان التافه هو الذي يعيشُ لِشَهوَتِهِ، تافِهٌ لا قيمة له.
بمن تتعلق هذه الآيات؟ :
قال تعالى:
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 124]
وقال تعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾
[سورة الكهف الآية: 105]
قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
[سورة المنافقون الآية: 4]
قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾
[سورة المدثر الآية: 50-51 ]
قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾
[سورة الفرقان الآية: 44]
قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾
[سورة الأعراف الآية: 176]
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾
[سورة الجمعة الآية: 5 ]
علو الهمة من الإيمان :
فالقضيّة مصيريّة، والقضيّة خطيرة، أنت المخلوق الأوّل، أنت المخلوق المكرّم، وأنت المخلوق المكلّف، تجدُ إنسانًا همّه شيءٌ تافهٌ جدًّا, همّه مركبة أحيانًا، وهمّه بيت، وهمّه زوجة، ولا يريد فوق ذلك شيئًا, عُلُوّ الهِمّة من الإيمان.
سيّدنا عمر -رضي الله عنه- ماذا أراد؟ أراد أن يقيم الحقّ في الأرض.
سيّدنا الصدّيق, هذا الإنسان اللطيف الناعم الرقيق النحيل، جيَّشَ جيشًا بعد حُروب الردّة، وفتَحَ به بلاد المسلمين، وقال: والله لو منعوني عِقال بعيرٍ كانوا يُؤدُّونه لِرَسول الله -صلى الله عليه وسلّم- لقاتلْتُهم عليه، هِمَّة عاليَة.
وهذا سيّدنا عثمان أنفقَ مالهُ كلّه، جيَّشَ جيشًا بأكمله، فقال عليه الصلاة والسلام:
((ما ضرّ ما فعل عثمان بعد اليوم))
إذا قرأنا تاريخ الصحابة، والله نجدُ أنفسنا لا شيءَ أبدًا. قف هنا :
مرَّة رَكِبْت من المدينة إلى مكّة بِسَيّارة، طريق طويل، أربعمائة وخمسون كيلو متر, والمركبة تسير على المائة والثمانين ومكيّفة، كيف قَطَعَ النبي هذا الطريق على ناقة؟ هل هناك ناقة مكيّفة؟ لا، فكيف قَطَع الطريق على ناقةٍ وكان مطاردًا, وكان مهدورًا دمُه، وقد وُضِعَت مئة ناقة لِمَن يأتي به حيًّا أو ميِّتًا؟ وكيف تبِعَهُ سُراقة, وقال: يا سُراقة, كيف بِكَ إذا لبِسْت سِوارَي كِسرى؟!
إنسانٌ مُلاحقٌ ومهدورٌ دمُه يدفعُ لمَن يقتلهُ مئة ناقةٍ, يقول لِسُراقة: يا سُراقة, كيف بِكَ إذا لبِسْت سِوارَي كِسرى؟!.
معنى ذلك: أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان موقنًا أنّه سيَصِلُ إلى المدينة، وسيُنشىء دولةً هناك، وسيُحاربُ الفرْس، وسوف تأتي الغنائم إلى المدينة، وهذا الذي حصلَ بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام, جاءَت الغنائم إلى المدينة, فلم ير الرجلان بعضَيْهما، وقد رفعا رُمْحيهِما من ارتفاع كتلة الغنائم، فسيِّدُنا عمر قال: والله إنّ الذي أدَّى هذا لأمينٌ، جواهر وتيجان وحليّ، فقال سيّدنا عليّ -كرَّم الله وجهه-: يا أمير المؤمنين, أعَجبْت من أمانتهم! لقد عففْتَ فعَفُّوا، ولو ركعت لركَعوا.
أُناسٌ عُظماء قال له: قلْ لي من الذي مات في نهونْد؟ فقال الرسول: ماتَ خلق كثير لا تعرفهم، فبكى سيّدنا عمر, وقال: ما ضرّني أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟.
هل تركت بصمات في المجتمع؟ :
أن يكون لك عمل عظيم, لا يعرفهُ أحد, تبتغي به وجه الله تعالى, وكَخِدْمة للخلْق، تركْت بصمات في المجتمع، وتركْت أثرًا. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 120]
كان أمة، يعني هو في قلب أمّة، فأنت بِقَلب كم من واحد؟ هل تركْت بصماتٍ في المجتمع؟ هل تركْت علمًا؟ أو ولدًا صالحًا؟ أو مؤلّفاتٍ؟ تركْت مؤسسّة خيريّة؟ أو دعوة إلى الله تعالى ناصعة واضحةٌ بيّنة؟ .
الإنسان إذا انتقلَ إلى رحمة الله تعالى، ماذا يقول الناسُ عنه؟ إذا كان ترك الدنيا فقط لا يُقال ولا كلمة، الله يرحمه، فقد كان بيته جميلاً رائعاً, هذا كلامٌ لا يُقال، أو لقد كان عنده ثلاث سيارات؛ أحدها للسفر, والثانية للبلد، والأخيرة للنقل, هذا كلام لا يُقال، ولكن يقال: انتفَعَ الناس بِعِلْمه، أو عملَ عملاً عظيمًا.
الهم مبدأ الإرادة :
هذا موضوع خطير، منزلة الهمّة, منزلةٌ من منازل إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين، والهمّة فِعْلَةٌ من الهمّ، وهو مبدأ الإرادة، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾
[سورة يوسف الآية: 24]
الهمّ مبدأ الإرادة، الانبعاث، الإنسان ما الذي يبعثُه؟ .
خُذْ ألْف إنسانٍ نائمٍ على فراشٍ وثير، في أيّام الشتاء الباردة، والفراش دافئ, ونام قبل ساعتَين، وقد أذَّنَ لِصَلاة الفجْر المؤذِّن، فصاحِبُ الهمّة العاليَة يتجافى جنبُه عن المضاجِع، وينطلقُ إلى الله لِيُصلّي، وصاحِبُ الهمّة القليلة يبقى نائمًا، صاحبُ الهمّة العليّة ينفقُ مالهُ ابتغاء مرضاة الله, وصاحب الهمّة القليلة ينفق ماله على نفسه مستمتعًا به، والحقيقة: أنّ الهمّة هي المحرِّك والهمّة لها علاقة بالمعرفة. هل تتعلق الهمة بالعلم؟ :
مرّة كنَّا في جلسة فقُدِّمَت حلويات فاخرة جدًّا، هناك طبيب قلب ما أكلَ، فيها قشطة, فهو من شِدّة ما يرى من انسداد الشرايين عند مرضاه كلّ يوم، وهو يعلمُ أنّ هذه المادّة الدّسِمَة هي التي تشُدّ هذه الشرايين، كرِهَها كراهية علميّة، فهي طيّبة جدًّا لكنْ كرهها.
تجد إنسانًا يجري في أيّام البرْد، في أيام المطر، والناس جميعًا في بيوتهم جالسون، عندهُ قناعات, قناعاته العاليَة أعْطَتْهُ هذه الهِمّة.
هناك طالب يدرسُ حتى الثانية فجْرًا، في همّته أن يكون طبيبًا لامعًا وهو في الشهادة الثانويّة، وتحتاج كليّة الطبّ إلى علامات عاليَة، لذلك يعْزفُ عن لقاءٍ مع صديق، عن نزهة، عن سهرةٍ مع أهله، عن وليمةٍ, عن خروجٍ من البيت، يعكف على الكتاب، لأنّ هدفهُ كبير، فهمّته عاليَة, كلّما كبرَ الهدف تعْلو الهمّة، وكلّما اشْتدّ العلم تعلو الهمّة، فالهِمّة متعلّقة بالعلم، ومتعلّقة بِعِظَم الهدف.
أحيانًا تجدُ إنسانًا بالسِّتين أو السبعين، لا رغبةَ له في تأسيس مشروعٍ ضَخم، لأنّ لا همّة له، أما الشابّ في أوّل حياته تجدُه يندفِع إلى تأسيس أي مشروع، عندهُ آمال كبيرة، هذا في الدنيا أما في الآخرة: إذا الإنسان تطلّع إلى الآخرة تعلُو هِمّته، ويزداد شَوْقُه، ويبْذلُ الغالي والرخيص، والنّفْسَ والنفيس.
بين العامّة مَقولةٌ يقولونها دائمًا: أنّ قيمة كلّ امرئ ما يُحسن.
وهناك مقولةٌ أصحّ من هذه المَقولة: قيمة كلّ امرئ ما يطلبُ.
فما الذي تطلبُه أنت؟.
لم خلق الله الإنسان, ومتى يعاتبه؟ :
أحدهم وقفَ على باب ملكٍ، طلبَ قلم رصاص, ثمنهُ نصف ليرة, كَمْ هو ضعيفُ الهمّة؟ ما دُمْتَ وقفْت على باب ملِكٍ, فاطْلُب سيارة أو بيتًا, اُطْلُب منصِبًا رفيعًا, فالله عز وجل خلقَنا لِيُسْعدنا، فإذا رآنا نختارُ الدّنيا يُعاتبُنا، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 38 ]
قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ﴾
[سورة النساء الآية: 77]
معظمُ الناس يتَّجه إلى المباحات، يعتني بها إلى أقصى درجة, فجأةً تأتيه المنيّة في أوْج نشْوَتِهِ، يُغادرُ الدّنيا وهو حريصٌ على البقاء فيها.
من هو الإنسان العاقل؟ :
حدّثني أخٌ يعمل بأمريكا بالطبّ، قال لي: كلّما وجدْتُ مريضًا على وشك الموت، يعاني من انهيار أعصاب، أحيانًا يصيح، وأخرى يشتم, وأحيانًا يقول: أُعطيك كلّ ما تريد, اشْفني، لأنّه وضَعَ البيضَ كلّه في سلّة واحدة.
الإنسان العاقل يوزّع أهدافهُ بين الدنيا والآخرة، أما الذي وضَعَ كلّ أهدافه في الدنيا, ثمّ اكْتشفَ فجْأةً أنّ الدنيا زائلة, فقد خسر خسراناً مبيناً, والله تأتي ساعات على من يُفارقُ الدّنيا ينسى فيها كلّ اللّذائذ التي في الدنيا, يقول: لمْ أر خيرًا قطّ !.
متى يكون العبد همته عالية؟ :
قيمة العبْد إذا تعلَّقَت بالحقّ تعالى طلبًا صادقًا محْضًا، فتِلْك هي الهمّة العاليَة، فأيّ همّة تعلّقت في الدنيا فهي هِمّة دَنِيَّة، وأيُّ هِمّة تعلَّقَتْ بالحق تعالى فهي هِمّة علِيَّة.
((ومن شَغَلَهُ ذِكْري عن مَسألتي, أعْطَيْتُهُ فوق ما أُعطي السائلين))
أنت هِمَّتُك تتَّجِهُ إلى مَنْ؟ إن كانت هِمَّتُكَ تتَّجِهُ إلى الحقّ جلّ جلاله, فأنت من عُظماء البشَر، سَمَوْت عن الضَّعْف البشري، فالأنبياء هم بشرٌ في الأساس، لكنّهم لأنّهم تَجْري عليهم كلّ خصائص البشر كانوا سادة البشَر، همْ قِمَمٌ لأنّهم بشر، انتَصروا على ضعفهم البشري، أما إذا الإنسان خضَع لضَعْفه البشريّ أصبحَ تافهًا، لكلّ عصْرٍ هناك للبيئة معالم الخطّ العريض للمجتمع، دَهْماءُ الناس وسوقتهُم يستجيبون لهذه البيئة, يقول لك: أنا مع الناس ، إن أحسنوا أحْسنْت، وإن أساؤوا أسأْت, والناس يقلد بعضهم بعضًا، فالخطّ العريض في المجتمع، والأكثريّة مقلّدة.
قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يكن أحدكم إمَّعَة))
[أخرجه الترمذي في سننه]
أما الأبطال فلا يتأثّرون بالبيئة، ولا يستجيبون لِضَغْط البيئة، بل هم يؤثِّرون في البيئة, يُحْدثون تغْييراً جِذرياً في المجتمع، هؤلاء الذين تركوا بصمات كما يقولون.
فقال: همّة العبْد إذا تعلَّقَت بالحقّ, تعالى طلبًا صادقًا خالصًا مَحْضًا, فَتِلْك هي الهمّة العاليَة التي لا يقْدرُ معها على المهلة، ولا يتمالكُ صبْرهُ، لِغَلَبَةِ سُلطانِهِ عليه، وشِدّة إلزامها إيّاه لِطَلبِ المقصود، ولا يلتفتُ عنها إلى ما سوى أحكامها, وصاحبُ هذه الهِمّة سريعٌ وُصولهُ، وظفرُهُ بمطلبه، ما لمْ تُعِقْهُ العوائق، أو تقطعهُ العلائق، أو تصرفْهُ الصوارف.
انظر إلى همة عمر بن الخطاب في الاتصال بالله عز وجل :
والإنسانُ يلاحظ نفسهُ حينما يستيقظ صباحًا, أوّل خاطر يأتي إليه، هناك أشخاص وهم على فراش الموت, يسألون عن أشياء دنيوية، يقول: هل وصَلَتْ البِضاعة؟! هل خلُصَتْ ؟! هل صببْتُم السّقف؟! أما سيّدنا عمر بعد أن طُعِنَ، وكان يُصلّي بالمسلمين الفجْر، أوّل ما فعله بعد أن صحا, قال: هل صلّى المسلمون الفجْر؟ انظروا إلى هِمّته، هِمَّتهُ في الاتّصال بالله عز وجل.
انظر إلى همة عمر بن الخطاب في رعاية رعيته وإكرامهم :
سيّدنا عمر كان في المدينة، ومعه سيّدنا ابن عوف، وجدا قافلةً قد استقرَّت في ظاهر المدينة، فقال: تعال نحْرُس هذه القافلة -عملٌ صالحٌ لِوَجه الله، وهو خليفة المسلمين-, يبدو أنَّ طِفلاً بكى، فقام عمر إلى أُمّه, وقال: أرْضِعيه، فلمّا بكى ثانيَةً, قال: أرضِعيه، فلمّا بكى ثالثةً ويبدو أنّه غضبَ، فقال: ألا ترضِعينَهُ؟ فقالَتْ: ما شأنُكَ بنا؟ قالَت: إنَّني أفْطِمُهُ, قال : ولِمَ تُفطِميه؟ قالت: لأنّ عمر لا يُعطينا العطاء إلا بعد الفِطام, يُقال: أنّ هذا الخليفة العظيم ضربَ جبهتهُ, وقال: ويْحَكَ يا عمر، كم قتَلْت من أطفال المسلمين؟! وصلّى صلاة الفجر، فلم يستمع أصحابُه إلى قراءته من شدّة خُشوعه وبُكائِه، وكان يدعو ويقول: يا ربّ، هل قبلْت توبتي فأهنئ نفسي, أم ردَدْتها فأُعزِّيَها؟.
خوفهُ من الله، وهِمَّتهُ في رعايَة رعِيَّتِهِ وإكرامهم، هو اجْتهَدَ أن يُعْطِيَ العطاء بعد الفِطام، يعني التعويض العائلي, لكنْ ما كان يخْطُر في بالهِ, أنَّه حينما أمرَ أن يُعْطَى العَطَاء بعد الفِطام, هناك أُمّ تفْطِمُ ابنها قصْرًا، ثمَّ أمر أن يعطي العطاء بعد الولادة.
من ملامح صاحب الهمة العالية :
1-صون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني :
أوَّلُ ملامِحِ هذه الهِمَّة العاليَة: هي صوْنُ القلب عن وحْشَة الرغبة في الفاني, لا يرتاح من الدنيا، له من الدنيا ما يقيم أوَدهُ، ويسترُ عَوْرتَهُ، هو يُلبّي رغْبتَهُ المشروعة، أما التوسُّع، البذْخ، التَّرَف، الإسراف، العلوّ في الأرض، هذا ليس من هِمَّة المؤمن، قال تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 83 ]
يأكلُ لِيعيش، يسْترُ جسمهُ كما أمره الله عز وجل، يتزوّج وفْق سنَّة النبي صلى الله عليه وسلّم، يأكل، ويشرب، ويلبسُ من دون إسرافٍ ولا مَخْيلَة، هذا هو شأْنُ المؤمن، أما الإسراف، الترَف، التبذير, الظهور بِمَظهر كبير جدًّا، هذا ليس من شأن المؤمن.
أوّل نبضات هذه الهِمّة: أنّ قلْبَ صاحبِ هذه الهمّة يسْتوحِش من الدنيا الفانيَة ويتعلّق بالباقيَة, المؤمن وهو في المسجد كالسّمكة في الماء، المنافق كالعصفور في القفص, وإن كان اسم العصفور لا يليق به، أو كالجرذ في المصيَدَة، منافق ضعْهُ في مكان، في سوق فيه نساء حَسْناوات غاديات ينْتعِش قلبهُ هناك, أما إن أتَيْتَ به إلى المسجد يتضايَق، هو يحبّ المناظر، ويحبّ الناس.
كثير من المؤمنين أسْمعُ عنهم, إذا أقاموا نزهةً بِمَكانٍ جميلٍ مع أهلهم، الطَّرَف الآخر ينتقدونهم: ما هذه النُّزْهة؟! النزهة في نظرهم أن يقْعُدوا بِمَقهى مزدحِم، والأغاني تصْدَع، وصوت الطاولات والنَّرْد، والنّساء كاسيات عاريات، وغناءٌ عالٍ، وازْدِحام، هناك يجد السرور، أما المؤمن يجد السرور بِمَكانٍ جميلٍ بعيدٍ عن الناس، يوَحِّدُ ربّه ويدعو ربّهُ، فالهِمّة العالية أنّ من لوازمها: أنّ القلب يسْتوحِش الدنيا، ويأْنسُ بالحق.
الإنسان يسافر أحياناً، فإذا به من جامعٍ إلى جامعٍ، يعيش في جنّة، ويسافر إنسانٌ آخر فتَجِدُه من مَلهى إلى مَلهى.
انظر إلى همة هذا الزائر من الخليج :
مرّة كنتُ بِدَرسٍ في الطاووسيّة, فجاءَ أخٌ من الخليج, حضَر الدّرْس, وأراد أشرطة وكُتباً، فقال لي: الْتَقيْت بالعالم الفلاني، والجامع الفلاني, وحضرْت درسًا لفلان، وحضر عندنا وحضر الدروس، فهو جاء من بلد إلى بلد ليبْحث عن العلماء، والدعاة إلى الله، وهناك إنسان يبحث ببَعْض الأحياء، هناك أحياء بالشام لا ترضي الله عز وجل يذهبُ، يقول لسائق السيارة: خُذني إليها مباشرة.
فالهمّة العاليَة تسْتوحشُ من الدنيا الفانية, والفانية هي الدنيا وما عليها، فالقلب قلبُ صاحب الهمّة العاليَة يزْهدُ فيها وفي أهلها:
إليك عنّي يا دنيا فقد طلّقْتُك بالثلاث, -كما قال سيّدنا عليّ؛ شأنك خطير، أمدك قصير-, غُرِّي غيري.
وأما الراغبون فيها فأرواحهم وقلوبهم في وَحشةٍ من أجسامهم، إذْ فاتها ما خُلقَت له, فهي في وحشة لفواته.
فرْق كبير بين زاهدٍ في الدنيا وبين متعلّقٍ بها، الزاهدون في الدنيا يرونها موحشةً لهم, لأنّها تحول بينهم وبين مطلوبهم ومحبوبهم.
هذا هدف المؤمن الصادق :
أحيانًا أخوة كرام يجلسون في مَجْلسٍ، في بيت، يدورُ حديثٌ عن الله عز وجل، عن الآخرة، وعن كمال الله، وعن كمال الأنبياء، يقول لك وهو صادق: كُنَّا في جّنة، وقد تكون الغرفة متواضعة جدًّا، جلسوا على الأرض، وقُدِّمَت لهم ضيافة بسيطة جدًّا، يقول لك: كنَّا في جنّة, وأحيانًا تكون في مكانٍ جميلٍ جدًّا، وفخْمٍ جدًّا، ولكن لا سرور، هذه السكينة يُلقيها ربّنا على من يشاءُ من عباده.
الزاهدون في الدنيا ينظرون إليها بالبصائر، والراغبون فيها ينظرون إليها بالأبصار.
الراغب يراها بِعَينِهِ، هناك مركبة جميلة جدًّا، وهناك امرأة جميلة، وهناك بيت جميل وقصر جميل، أما المؤمن فهو يرى بالبصيرة، يرى أنّها فانيَة، لا بدّ من أن يدَعها إلى جنّة عرضها السموات والأرض.
طالبته زوجته بشيءٍ من الدنيا, فقال: والله إنَّ في الجنّة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنّ على الأرض لغلبَ نور وجهها ضوء الشّمس والقمر، فلأَنْ أُضحِّي بكِ مِن أجلهنّ أهْوَنُ مِن أن أضحِّي بهنّ من أجلكِ.
فصاحبُ الهمّة العاليَة تحْملُه هِمَّته على الرّغبة في الدار الباقيَة لا في الدار الفانية، وبالمناسبة: المؤمن الصادق هدفهُ الله عز وجل، هِمَّتهُ العاليَة تقتضي أنّ أيّ شيءٍ يقرِّبُه من الله عز وجل يتعلّق به، وأيّ شيءٍ يُبعدُه عن الله ينقطِعُ عنه، صديق مؤمن، وحديثهُ عن الله، يتعلّق به يزورهُ، ويحرصُ على صُحبته، وصديقٌ آخر دُنْيَوي، كلّ حديثه عن الدنيا، والطّعام والشراب والنّساء، يبتعِدُ عنه المسجدُ يأوي إليه, والأسواق ينفرُ منها، فكُلّ شيءٍ يقرِّبُك من الله تتمسَّك به، وكلّ شيءٍ يبعِدُك عن الله تعالى تبتعِدُ عنه.
ما أهم شيء في حياتك؟ :
تكادُ تكون الهمّة محرّك، والمركبة بلا محرّك, ولو أنّها جميلة, ولونها زاهٍ، وفَخْمة في مقاعدها، ولكن من دون محرك لا قيمة لها, فالمحرِّك أساس المركبة، وأنت في الطريق إلى الله عز وجل, أهمّ شيءٍ في حياتك هذه الطاقة المحرّكة، وهذه الهمّة العليّة، ولا تَنْسَوا المقولة الثابتَة التي وردَت في الأثر:
عُلُوُّ الهمّة من الإيمان.
كلّما ازداد إيمانك علَتْ همّتك، يصبحُ همّك طلب العلم، هناك بالإنسان حاجات عُليا، وحاجات دنيا، صاحبُ الهمّة العليّة تستيقظُ عندهُ الحاجات العليا، طلبُ العلم يأتي في رأس هذه الحاجات العليا، وصاحبُ الهِمّة الدنِيَّة حاجاتهُ دُنيا، حاجاته كما ورد:
((تعِسَ عبد الدّرْهم والدّينا، تعسَ عبدُ البطن، تعسَ عبد الخميصة))
الذي يَعتني بِثِيابِه إلى درجة أنّه يكرهُ أن يُصلّي للحِفاظ على أناقة ثِيابِهِ مثلاً، هذا عبْدٌ للخميصة، والذي همّه الطعام والشراب، وهمّه النّساء، وهمُّه الدّرهم والدِّينار، هؤلاء عبيد ، مَن هم الأحرار؟ الذين همّهم الله عز وجل.
كان عليه الصلاة والسلام تعْظُم عندهُ النّعمة مهما دقَّتْ.
لأنّه يعظّمُ المنعِم، لكن لم يكن يغضبُ للدنيا أبدًا, سيّدنا الصّديق لمْ ينْدَم على شيءٍ فاتَهُ من الدّنيا قطّ. 2- يأنف أن ينزل من مقامه العالي إلى مقام أهل الدنيا :
صاحبُ الهمّة العاليَة يأنَفُ أن ينْزلَ من مقامِهِ العالي إلى مقام أهل الدّنيا، فهو ليس متكبِّرًا، ولكنْ في مُستوى رفيع، أضْربُ لكم مثلاً:
لو أنّ طالبًا حصّل عِلْمًا من أعلى مستوى، وكان في صُفوف عاليَة في الجامعة واختِصاصهُ نادر، وأمامه آفاق واسعة جدًّا، هذا لو جلسَ مع أُناسٍ تافهين من سُوقَة الناس وعامّتهم، حديثهم كلّه مزاحٌ رخيص, تعليقات سخيفة وكلمات ساذجة، ينفرُ منهم نفورًا شديدًا، لأنّه هو في واد وهم في واد، فأكْبَرُ نِعمة مِن نِعَم الله أن يكون هؤلاء الذين على شاكِلَتِك, وفي المستوى العلمي الذي أنت فيه، في مُستوى النّقاء الذي أنت فيه، في مُستوى الطُّهْر الذي أنت فيه، وفي مستوى الهِمّة العليّة التي أنت فيها، هذا أعظمُ عطاءٍ إلهي، لذلك الله عز وجل اختارَ النبي, واختارَ له أصحابهُ, ومن مهمّات المؤمن:
ألا يصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامه إلا تقيّ.
صاحب مؤمنًا تتذاكَر معه العِلْم، فتَرْقى به، ويرقى بك، صاحب مؤمنًا عندهُ حياء لا يتكلّم إلا الكلمة الراقيَة، صاحب مؤمنًا عندهُ كرَم, صاحِب مؤمنًا عندهُ رحمة، صاحب مؤمناً سِتِّير لا يفْضحُك، صاحِب مؤمنًا شُجاعًا لا يخذلُك، صاحب مؤمناً مخلصًا لا يُسْلمُك، صُحبة المؤمنين جنّة في الدُّنيا، إذا كان بالدّنيا جنّة، هي أن تصْحَبَ مؤمنًا، كلّه أخلاق عاليَة، أدَب، وورَعٌ، أنَفة, وعِفّة, وحِشْمة، ولا تصاحب إنساناً دُنيَوياً دنيئاً، خسيساً، غدّاراً، كذّاباً، أنانياً، مخادعاً.
3- صاحب الهمة العالية يطلب ربه طلباً تاماً بكل معنى واعتبار في عمله :
قال: صاحب الهمّة العاليَة يطلبُ ربّهُ طلبًا تامًّا بكلّ معنًى واعتبار في عمله، يطلبُ ربّه بعمله، فعملُه مُتقَن، فيه صِدق وأمانة، وعبادته ومناجاته، ونومه، ويقظته، وحركته، وسُكونه، وعُزلته، وخلْطَته, وسائر الأحوال، لقد انْصبغَ قلبهُ بالتوَجُّه إلى الله تعالى أيَّما صِبغة، وهذا الأمْر إنَّما يكون لأهل المحبّة الصادقة.
نهاية المطاف :
شيءٌ عجيبٌ، مع أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بشَّر.
سيّدنا عمر بالجنّة, سألَ عمر سيّدنا حذيفة بعد وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام-: بِرَبِّكَ هل أنا مع المنافقين؟ فقال حذيفة: معاذ الله يا أمير المؤمنين.
ما تفسيرُ ذلك؟ مِن شِدّة خوفِهِ من الله تعالى, ومن شِدَّة حِرصِهِ على طاعة الله تعالى، ومِن شِدّة تعلُّقِهِ بالآخرة، مع أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بشَّرهُ بالجنّة, قال له: أُنْشِدُك الله, هل جاء اسمي مع المنافقين؟ كان حذيفة أمينَ سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، أما الآن تجِدُ إنسانًا غارقًا بالمعاصي ويقول لك: أنا إيماني أقْوَى من إيمانك, غارقٌ بالمعاصي والموبقات, ويدَّعِي أنّ إيمانه إيمان الصدِّيق، وهذه وقاحةٌ في الإنسان.
قد تَجِدُ ملكاً بيَدِهِ كلّ أمور مملكته، ولكن لا طريق إليه، لا سبيل إليه، لكنّ الله عز وجل ملِك الملوك، قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
أنت حينما تنتهي عمّا نهاك الله عنه، وحينما تعملُ صالحًا تصِلُ إلى الله تعالى، والله عز وجل ينتظرُك.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و الثمانون )


الموضوع : منزلة التوكل - 1







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من علامة إيمان المرء:
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة التوكُّل.
هذه المنزلة وردت في القرآن الكريم في آيات كثيرة جداً، فالله سبحانه وتعالى ربط التوكل مع الإيمان، فقال تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 23]
فمن علامة إيمانكم، ومن لوازم إيمانكم، بل من خصائص إيمانكم: أن تتوكلوا على الله.
وفي آية ثانية:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 12]
فإن كنت متوكلاً على جهةٍ ما، ينبغي أن تتوكل على الله.
وفي آية ثالثة: يقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾
[سورة الطلاق الآية: 3]
قد تتوكل على إنسان فيقصِّر، أو لا يستطيع، أو ينسى، أما إن توكلت على الواحد الديان فهو حسبك؛ يكفيك، ويحميك، ويغنيك.
وفي آيةٍ أخرى:
﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 4]
وفي آيةٍ أخرى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾
[سورة الملك الآية: 29]
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[سورة النمل الآية: 79]
ملمح رائع في هذه الآية :
يا محمد:
﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
[سورة النمل الآية: 79]
وفي هذه الآية ملمحٌ رائع: حينما تكون على الحق، تتوكل على الله, وإن توكلت على الله فهو حسبك، يكفيك، ويغنيك، ويؤيِّدك، وينصرك، ما دمت على الحق، فتوكل على الحق وهو الله عز وجل:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
[سورة النمل الآية: 79]
هذه الآية تتحدث عن التوكل من زاوية أخرى :
قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 81]
هو الذي يكفي ولا يكفي سواه، إن توكَّلت على حيٍ يموت فقد يخيب ظنك، وقد تصاب بالإحباط، أما إن توكلت على الحي الذي لا يموت، أنت الفالح والناجح، فإذا عزمت وتولدت عندك إرادة جازمة في فعل شيء, توكل على الله، لأن الله قادر على أن يحبط عزيمتك، وقد قالوا:
عرفت الله من نقض العزائم.
فمهما درست الموضوع وأحكمته, ومهما غطَّيت كل الاحتمالات، ومهما تمكَّنت من السيطرة عليه، فإن لم تأتك معونة الله عز وجل، لن تنجح في عملك، وتوكل على الحي الذي لا يموت:
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
كل آيةٍ تتحدَّث عن التوكل من زاوية. علامة المؤمن :
آيةٌ أخرى:
﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾
[سورة إبراهيم الآية: 12]
فالله عز وجل بيَّن ووضَّح السبيل إلى التوكل عليه، وقد وصف المؤمنين بأنهم، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 173]
علامة المؤمن: الثبات, مهما أوهمه خصومه أنهم سيدمّرونه، أو سيغلبونه، أو يكيدون لأنه متوكل على الله عز وجل:
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
هذا ما وصف الله المؤمنين :
وفي آيةٍ أخيرة يصف الله المؤمنين فيقول:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 2]
أستخلص من هذه الآيات: أنك لن تستطيع أن تتوكل على الله إلا إذا كنت على الحق وكنت مؤمنًا، وإذا توكلت عليه يكفيك، وإذا أحكمت أمرك ولم تتوكل على الله، فكل هذا الجهد الكبير ضائعٌ, لأن الله هو الموفِّق:
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة هود الآية: 88]
من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام :
من أسماء النبي -صلى الله عليه وسلم- المتوكِّل، وتوكله أعظم توكل، لأن التوكل يتبع الإيمان، فكلما ازداد إيمانك ازداد توكُّلك، لذلك آية كريمة خاصةٌ بالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول الله فيها:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
[سورة النمل الآية: 79]
مما يدعو إلى العجب!! :
والذي يدعو إلى العجب: أن تجد إنساناً مستقيماً، وهو خائف، لماذا الخوف؟ ألا تعبد إلهاً قوياً؟ ألا تعبد إلهاً بيده كل شيء؟ ألا تعبد إلهاً هؤلاء الأقوياء بيده؟ في قبضته؟:

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
كيف تعبده ولا تثق بقدرته؟! كيف تعبده ولا تثق بعدله؟! كيـــف تعبده ولا تثق بحمايته لأوليائه؟!!. من لوازم مقام التوكل :
وفي الصحيحين: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ, قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ, وَلَا يَتَطَيَّرُونَ, وَلَا يَكْتَوُونَ, وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))
مقام التوكل مقام كبير جداً، مقام التوكل من لوازمه: أنه يملأ قلب الإنسان أمناً. متى يكون التوكل سهل؟ :
وفي صحيح البخاري: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ, حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ, قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيـــْهِ السَّلَام, حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ, وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَالُوا:
((إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا, وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))
فإن كنت مستقيماً، وكنت في مرضاة الله، وكنت في مظلة الإسلام والمنهج، فالتوكل سهل جداً، أما حينما تنحرف تخجل أن تتوكل على الله، لأنّك محجوب، والحجاب كما أنه يمنع الصلاة يمنع التوكل، والتوكل يحتاج إلى قرب من الله، وإلى إخلاص, وصدق, واستقامة، فإن كنت على الحق فلست توكل على الله. من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :
ومن أدعية النبي -عليه الصـلاة والسلام-:
((اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ, وَبِكَ آمَنْتُ, وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ, وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ, وَبِكَ خَاصَمْتُ, اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي, أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ, وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. ما معنى هذا الحديث؟ :
ثم إن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام الترمذي, عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ, لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ, تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا))
قبل أنْ يسافر أحدُنا, يهيّئ كل شيء في البيت، يهيئ طعامًا يكفيه مدة سفره، ويعطي الأهل مبلغًا من المال، ويوصي بهم, مَن يمدُّ لهم يد العون عند الحاجة، ويعطيهم رقم هاتفه في السفر، وهو على صِلة دائمـة بهم، ويقول: توكلت على الله، وسلمتهم إلى الله، ما تركت سببًا من أسباب الرعاية إلا اتّخذته، بعد ذلك يتوكل على الله، وسيِّد المتوكلين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. توكل غريب جداً :
وهناك توكل غريب جداً: هو توكل سيدنا إبراهيم, حينما أمره الله عز وجل أن يضع زوجته وابنه في وادٍ غير ذي زرعٍ، وأن يغادر، فقالت له زوجته: إلى أين؟! تعجبت, ماء ما في، لا ماء ولا طعام، أرض جرداء قاحلة جافة، إلى أين؟ ثم استدركت، قالت: آلله أمرك بهذا ؟ قال: نعم, هذا التوكل المطلق، من دون أي سبب، والعبودية المطلقة أيضاً فعلها سيدنا إبراهيم، حينما قال له ربه أن يذبح ابنه:
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾
[سورة الصافات الآية: 102]
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ, لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ, تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا))
ما ترويه الكتب :
تروي الكتب: أن رجلاً صالحاً اسمه حاتم الأصم، هذا الرجل أراد أن يحج بيت الله الحرام، ويبدو أنه لا يملك ما يكفي للنفقة على عياله، وتاقت نفسه إلى الحج، فاستأذن أولاده وزوجته فلم يأذنوا له: إلى أين؟ إلى مَن تتركنا؟ إلا أن بنتاً له صالحةً, قالت له: يا أبتِ اذهب فأنت لست برازق، الله يرزقنا، فيبدو أنهم سكتوا، وكأن كلمتها ألقت على قلبه طمأنينةً, فرحل، وذهب إلى بيت الله الحرام حاجاً، بعد أيامٍ نفد الطعام والشراب، فدخل أولاده وزوجته على هذه البنت الصالحة الطيِّبة ليعنِّفوها: أين الطعام؟ مَن يأتينا بالطعام؟ أنت قلتِ لأبيكِ: اذهب وحج بيت الله الحرام فإنك لست رزَّاقاً، ماذا نفعل؟.
تروي القصة: أن هذه البنت دخلت إلى غرفتها، وتوسلت إلى الله عز وجل أن يرزقها ، فالذي حصل أن أمير المدينة كان في جولة تفقدية، وصل إلى بيت حاتم الأصم, فشعر بعطشٍ شديد، فقال لأحد رجاله: آتوني بكأسٍ من الماء، طرقوا باب حاتم الأصم, وقالوا: الأمير يطلب كأس ماء، أهل البيت اجتهدوا أن يكون الكأس نظيفاً، والماء بارداً, هذا الأمير شرب حتى ارتوى، وأذاقه الله أطيب طعمٍ لهذا الماء، فلما انتهى من شربه قال: بيت مَن هذا ؟.
قالوا: بيت حاتم الأصم.
قال: هذا الرجل الصالح؟.
قالوا: نعم.
فقال: لنسلم عليه.
قالوا: هو في الحج.
قال: إذاً له علينا حق، معه صرة من ذهب فأعطاهم إياها، ولم يكتفِ بهذا، قال لمَن حوله: من أحبني فليفعل فعلي.
فجأة انهالت الدنانير الذهبية على أهل هذا البيت، واغتنوا لعام تقريباً، دخلوا على هذه البنت الصالحة، فإذا هي تبكي، قالوا لها: ما لكِ تبكين، وقد أغنانا الله عز وجل؟!.
قالت: أبكي لأن إنساناً نظر إلينا فأغنانا، فكيف لو نظر إلينا خالق الأكوان؟!:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾
[سورة النمل الآية: 79]
دعاء الخروج من البيت :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ, تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ, لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ, يُقَالُ له حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ, فَيتَنَحَّى لَهُ الشيطان, فَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
كلما خرجت من بيتك لاقتْك أخطـارٌ؛ حادث سير، طغيان ظالم، صفقة خاسرة, جُهِل عليك، ضللت، عصيت، كذبت، فإذا قلت قبل أن تخرج من البيت:
((بِسْمِ اللَّهِ, تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ, لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ, يُقَالُ له حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ, فَيتَنَحَّى لَهُ الشيطان, فَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟))
هذا ما قاله بعض العلماء :
وقال بعض العلماء: التوكل نصف الدين، والنصف الثاني هو الإنابة، ذلك أن الدين استعانةٌ وعبادة، جُمع القرآن في الفاتحة، وجمعت الفاتحة في إيّاك نعبد وإياك نستعين, فالدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، التوكل نصف الدين.
لبعض العلمـاء قول رائع، يقول: العلم كلـه باب من التعبُّد، والتعبُّد كله باب من الورع، والورع كله باب من الزهد، والزهد كله باب من التوكل.
منزلة التوكل من أوسع المنازل وأجمعها :
قال: هذه المنزلــة من أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورةً بالنازلين لسعة متعلَّق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، فأهل السموات والأرض المكلفون, وغيرهم في مقام التوكل, وإن تباين, متعلَّق توكلهم, فأولياؤه وخاصَّته يتوكلون عليه في الإيمان، ونصر الدين, وإعلاء كلمة الله، وجهاد أعدائه، وفي محابه, وتنفيذ أوامره.
إنسانٌ يتوكل على الله لنشر الدين، لإقرار الحق، لتفريج غمِّ المسلمين، لهداية الناس, وإنسان يتوكل على الله لشراء بيت مثلاً، أو لزواج، وإنسان يتوكل على الله لشيء صغيرٍ جداً ، كلهم متوكلون، ولكن التفاوت بين المتوكلين في مضمون التوكّل, ومن دون هؤلاء، إنسان يتوكل على الله في استقامة، وحفظ حاله مع الله، تعنيه نفسه فقط، فتوكُّله متعلّق بذاته، يرجو الله أن يبقيه مستقيماً منيباً خاضعاً، الأنبياء والصديقون يتوكلون على الله من أجل عموم الناس، من أجل هداية الناس، من أجل ترسيخ الحق، وإبطال الباطل.
ومن دون هؤلاء أناسٌ يتوكلون على الله في شؤون الدنيا؛ من رزقٍ، أو عافيةٍ، أو زوجةٍ، أو ولدٍ ونحو ذلك.
ما أفضل أنواع التوكل؟ :
العلماء قالوا: أفضل أنواع التوكل على الإطلاق التوكل في الواجب، أي واجب الحق ، واجب الخَلق، واجب النَفس، وأوسعه التوكل في التأثير في مصلحةٍ دينية، أو دفع مفسدةٍ دينية، أعلى أنواع التوكل: أن تتوكل على الله لجلب مصلحةٍ دينيةٍ للخلق، أو لدفع مفسدةٍ عنهم ، هذا أعلى توكل، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم، ثم الناس بعد في التوكل على حسب هِمَمِهِم ومقاصدهم, فمن متوكل على الله في حصول مُلْكٍ، ومن متوكل على الله من أجل رغيف.
ثم قالوا: ومَن صَدَقَ توكُّله على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوباً له كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطاً مبغوضاً كانت العاقبة مفسدة كبيرة له.
الفكرة هنا دقيقة: إنسان يتوكل على الله في معصية, ذلك إنسان جاهل، همُّه أن ينجح في هذا الدور في التمثيل، أو همها أن تنجح في هذا الدور في التمثيل: تدعو ربَّها وتتوكل عليه, في أمر لا يحبه الله، فقد تنجح، لكن هذا الشيء إذا نجحت فيه، حصل من نجاح توكلها على الله مفسدةٌ لها كبيرة، وهذا شيء مشهور بين مَن يعمل في حقل الفن، وإن كان مباحاً حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعة، والله أعلم.
والخلاصة: توكل في شأن سامٍ واجب ديني، الواجب الديني إما عام أو خاص, الأنبياء والمرسلون ومَن ينوب عنهم في إبلاغ الحق، يتوكلون على الله لترسيخ الإيمان في قلوب الناس، ولدفع المفسدة الدينية عنهم، دون هؤلاء؛ مَن يتوكل على الله من أجل سلامة استقامته وحسن خاتمته وحده، أما الذين يتوكلون على الله في شأن من شؤون الدنيا، فإن كان طاعة، أو كان مباحاً نجوا، وإن كان مفسدة هلكوا.
التوكل من أعمال القلب :
العلماء قالوا: التوكل من أعمال القلب.
ومعنى ذلك: أنه عمل قلبي, ليس بقول اللسان, ولا بعمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات، فالقلب حينما يعبد الله يتوكل عليه, وهلك المسلمون, لأن التوكل نُقِلَ من القلب إلى الأعضاء، لا، التوكل داخلي، الأعضاء يجب أن تأخذ بالأسباب، أما القلب يفوِّض أمره إلى الله، أما إذا عكست الآية، نُقِلَ التوكل من القلب إلى الأعضاء، صار تواكلاً.
أناس كسالى سألهم عمر -رضي الله عنهم-: من أنتم؟.
قالوا: نحن المتوكلون.
قال: كذبتم, المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله.
من تعاريف التوكل :
من الناس مَن يتوهم أن التوكل بابٌ من أبواب المعارف والعلوم, فيقول: هو علم القلب بكفاية الرب.
ومنهم من يفسره بالسكون، وخمود الحركة، اجلس، تدبر ألا تدبر، توكّل على الله, لا تفعل شيئاً، يأتيك رزقك إليك، هذا أسوأ أنواع التوكل، توكل الكسالى، توكل الحَمْقى, توكل العاطلين عن العمل.
وقال بعضهم: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب، وهو ترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار.
هذا أسوأ نوع من أنواع التوكل، يتوكل بأعضائه وأجهزته لا بقلبه، التوكل مكانه القلب، والأعضاء من أجل العمل والحركة والسعي.
قال بعضهم -ولهذا القول معنى-: التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد.
هذا معنى جيد.
وقال بعضهم الآخر: التوكل هو الرضا بالمقدور.
وقال بعضهم -وعلى هذا القول تحفُّظ-: التوكل هجر العلائق، ومواصلة الحقائق.
يعني لا يتزوج، ولا يعمل، ولا يسعى، هجر العلائق ومواصلة الحقائق.
هذه حقيقة التوكل :
أما الحقيقة: أن التوكل حالٌ مركبة من مجموع أمور، لا تتم حقيقة التوكل إلا بها, وكل إنسان عرَّف التوكل من زاوية, أشار إلى أحد عناصر التوكل، ولم يشر إلى كل شروط التوكل، قال: أولى هذه الشروط: معرفة بالرب وصفاته؛ من قدرته، وكفايته، وقيومته, وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته، وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل.
أول شيء في التوكل أن تعرف الله الذي ينبغي أن تتوكل عليه، أن تعرفه قوياً، وأن تعرفه قادراً، وأن تعرفه غنياً، وأن تعرفه رحيماً، وأن تعرفه سميعاً، وأن تعرفه بصيراً، وأن تعرفه مجيباً، وأن تعرف أن الأمر كله بيده، إن عرفت هذا توكلت عليه.
لا يصح التوكل من فيلسوف، ولا ممَّن يؤمن بأن للإنسان فعل، فالله عز وجل هو الفعَّال، لا يقع شيءٌ في كونه إلا بأمره، فإذا توهَّمت أن إنساناً ما، له قدرة على أن يفعل شيئاً, دون أن يرجع إلى الله, أو دون أن يريد الله، فهذا شرك، كل مَن ينسب الفعل للمخلوق فقد أشرك، فقال: هذا لا يتوكل على الله، ما يربط بين أفعال العباد وبين مشيئة الله عز وجل.
وهناك مَن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم، ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشيئة، هذا الإنسان لا يمكن أن يتوكل على الله، فلا بد من أن تصح عقيدتك، حتى يصح توكلك.
ما ينبغي أن تعرفه :
شيء دقيقٌ جداً ينبغي أن تعلمونـه: لا يمكن أن يتناقض التوكل مـع الأخذ بالأسباب ، بل يتكاملان، ليس معنى المتوكل أنه لا يأخذ بالأسباب، المتوكل يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، الموقف الكامل للمؤمن، وما أندر هذا النموذج، أنت ماذا تجد؟ تجد مؤمنًا يتوكل ولا يأخذ بالأسباب، أبسط شيء: يأكل فاكهة دون غسيل، فإن قيل له: يا أخي اغسلها, قال: سمِّ الله، لا يضر مع اسمه شيء، هذا جهلٌ، يتوكل دون أن يأخذ بالأسباب, إنسان آخر يأخذ بالأسباب ولا يتوكل.
الغرب مثلاً: يأخذون بالأسباب بأروع ما تكون ولا يتوكلون على الله، يتوكل عليها، وقع في الشرك، الشرق لا يأخذ بها ويتوكل، الأول أشرك والثاني عصى، وكلاهما لا يوفـق، ينبغـي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
ففي الهجرة لم يدع سبباً إلا أخذ به، فلما وصلوا إلى الغار, توكل على الله، واستسلم له.
فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
((قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا, فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟))
سافر صلى الله عليه وسلم مساحلاً واختبأ في غار ثـور، وكلَّف إنسانًا يمحو الآثار, وإنسانًا يأتيه بالأخبار، وإنسانًا يأتيه بالطعام، واستأجر خبيرًا مشركًا، ولم يترك حيلةً إلا وأخذ بها، هذا التعبُّد، هذا الأخذ بالأسباب، ولما وصلوا إليه توكل على رب الأرباب، هذا الكمال، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، تريد أن تسافر، لا بـد من فحصٍ دقيق للسيَّارة؛ العجلات، ضغط العجلات، الزيـت، المكبح, جهاز التوازن، ثم تقول: يا رب سلِّمني، يا رب أنا بحفظك ورعايتك، أخذتَ بالأسباب وتوكّلت على الله، أما إذا لم تفحص المركبة وقلت: يا من لا يوجد غيرك، فقد اختل شرط التوكل، لم تأخذ بالأسباب.
إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها فقد أشركت، وإن لم تأخذ بها فقد عصيت, والمؤمن الكامل يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ويتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. خلاصة القول :
نصف الدين: إياك نعبد وإياك نستعين، العبادة إنابة إلى الله اتصال، ونستعين توكل, فإن تحدثنا عن التوكل نتحدث عن نصف الدين، ولن تستطيع أن تتوكل على الله إلا إذا كنت على الحق المبين، أما إنسان شارد، ولا يخطر في باله أن يتوكل، بل لو خطر في باله أن يتوكل, يستحي أن يتوكل، يتوكل على من يعصيه!؟ يتوكل على من يغضبه!؟ مستحيل.
دعاء الختام :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين, اللهم أعطنا ولا تحرمنـا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثــر علينا، أرضنا وارض عنا, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و الثمانون )


الموضوع : منزلة التوكل - 2 -علاقة التوكل بالاخذ بالاسباب







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مشكلة العالم الإسلامي :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثاني والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي كنا فيها في الأسبوع الماضي منزلة التوكل، ونستمر في هذا الدرس إن شاء الله على هذه المنزلة.
أيها الأخوة الكرام, لا بدّ من ربط التوكل بالأخذ بالأسباب، ولا أبالغ إذا قلت: إن هذا الموضوع خطير، ذلك أن مشكلة العالم الإسلامي هو أنه فهم التوكل قعوداً، وكسلاً، وتواكلاً, ونسي أن الأخذ بالأسباب جزء من الدين، وأن المؤمن الصادق يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء, ويتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، وأن عالم الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها فأشرك، وأن عالم الشرق لم يأخذ بها فعصى، والأخذ بالأسباب والتوكل على الله عز وجل كلاهما شرط لازم غير كاف، وهذا الدرس تحتاجونه في كل دقيقة من دقائق حياتكم، في كل وقت، في الصباح والمساء, في العمل وفي البيت، قد تأخذ بالأسباب وتنسى الله، وتظن أن هذه الأسباب وحدها كافية لتحقيق الهدف، وقعت في الشرك الخفي وأنت لا تدري، فإذا تابعت هذا الموقف لا بد من أن يؤدبك الله, فمع أنك أخذتَ بالأسباب يبطل فعلها، ويصاب بخيبة أمل ويصعق، ما الذي حصل؟ إنه أله الأسباب، واعتمد عليها, ونسي الله عز وجل، ولا تقل: أن هذا شيء بعيد.
إن أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- وهم على ما هم عليه من قرب من الله عز وجل, توهموا بعد فتح مكة أنهم أقوياء وأنهم كثر، فاعتمدوا على كثرتهم وقوتهم, وقالوا: لن نغلب من قلة، فجاءت غزوة حنين, قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام. ما هما الدرسان البليغان اللذان نأخذهما من بدر وحنين؟ :
وكنت أقول لكم دائماً: نحن في درسين بليغين؛ درس بدر ودرس حنين، درس بدر افتقر أصحاب النبي إلى الله عز وجل فتولاهم الله، ودرس حنين قالوا: نحن, اعتمدوا على قدرتهم، وعلى قوتهم، وعلى عددهم، فتخلى الله عنهم.
وهذا الدرس يقع كل يوم مع كل مسلم، إن كنت مدرساً تعد الموضوع إعداداً جيداً، وتظن أن هذا الإعداد وحده كافٍ لإنجاح الدرس، وتنسى أن تقول: يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك, إن كنت طبيباً, تعتمد على علمك, وتنسى أن تتوكل على الله، إن كنت مهندساً، إن كنت موظفاً، إن كنت تاجراً، تستخدم خبرتك في التجارة، وتنسى أن تقول: يا رب هيئ لي صفقة رابحة, فحينما تنسى أن تدعو الله عز وجل, وتعتمد على خبرتك، وعلمك، وقوتك، ومالك، وأسرتك, وعلى من حولك، وعلى من فوقك، وعلى من تحتك، وعلى أتباعك، يتخلى الله عنك، هذا درس بليغ.
ما يعانيه المؤمن :
بل إن أكثر شيء يعانيه المؤمن: هو أنه يأخذ بالأسباب ويخيب ظنه لأنه اعتمد عليها، ولا يأخذ بالأسباب ويخيب ظنه لأنه لم يأخذ بها، موقف دقيق، طريق ضيق، عن يمنيه واد سحيق وعن يساره واد سحيق، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها وقعت في واد الشرك ، وإن لم تأخذ بها وقعت في واد المعصية، ولعل الشيء الذي يحتاجه المسلمون اليوم، وقد تألب عليهم كل الناس، وكل الشعوب, وواجهوا حرباً عالمية ثالثة، إنما هم محتاجون إلى أن يأخذوا بالأسباب, ويتوكلوا على الله, فلو توكلوا ولم يأخذوا بالأسباب لا يستحقون نصر الله عز وجل، ولو أخذوا بالأسباب ولم يتوكلوا لا يستحقون نصر الله عز وجل، النصر يحتاج إلى إعداد, وهو أخذ بالأسباب، وإلى إيمانٍ, وهو توكل على الله.
قال العلماء: من نفى الأسباب فتوكله مدخول, ما معنى هذا الكلام؟ :
قال العلماء: من نفى الأسباب فتوكله مدخول.
أي فيه خلل, توكله غيــر صحيح، وهذا عكس ما يظهر من رأي السذج من الناس، كل وسمِّ الله لا تغسلها، لا يضر مع اسمه شيء، ابنه مرض الله هو الشافي، هذا كله كلام جهل مطبق، خذ ابنك إلى الطبيب، واختر طبيباً جيداً، واشترِ الدواء الجيد، ونفذ تعليمات الطبيب بحذافيرها, وبعدها قل: يا رب أنت الشافي، لا شافي غيرك، إن قلت أنت الشافي ولم تعالج ابنك، لست مطبقاً لمنهج الله، وإن عالجت ابنك ونسيت أن تقول: يا رب أنت الشافي, لم تكن مطبِّقًا لمنهج الله، يجب أن تعالجه، وأن تفتقر إلى الله، يجب أن تأخذ موقفاً علمياً, إن لم تأخذ موقفاً علمياً لا تعد مطبقاً لمنهج الله عز وجل.
إن نفاة الأسباب: من ينفي سببًا لا يستقيم لهم توكل البتة، وإن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سبباً في حصول المدعو به.
إنِ اعتقد الإنسانُ أن توكلَه لا قيمة له، يقول: المقدَّر كائن توكلت أو لم أتوكل، المقدر كائن أخذت بالأسباب أو لم آخذ، الشافي هو الله، تداويت أو لا، هذا كلام مرفوض كلياً، وكلام غير صحيح، وغير شرعي، وغير أصولي، ولا يقبل، والله عز وجل جعل الدعاء أحد الأسباب.
هل هناك إنسان يشبع من دون أن يتناول الطعام؟ أو إنسان ينجب من دون أن يتزوج ؟ أو إنسان يقطف ثمرة من دون أن يزرعها؟ هذا مستحيل، فإن الله جعل النبات سببه إلقاء البذرة في الأرض، وجعـل خروج الماء من الأرض بسبب حفــر البئر، وجعل إنجاب الولد بسبب الزواج, وجعل الشبع بسبب تناول الطعام، وجعل الري بسبب شرب الماء، فلو قلت: هذا الري مقدر من الله عز وجل شربت أم لم أشرب، ومقدر لي أن أشبع أكلت أو لم آكل، لماذا أنت في أمور الطعام والشراب، وحفر الآبار، واستنبات النبات، وإنجاب الأولاد، تعتمد على الأسباب، ولا تعتمد عليها في شؤون حياتك كلها؟ أعداء الدين يأخذون على المسلمين تواكلهم، بينما المؤمن الصادق يأخذ بكل الأسباب ويتوكل على الله. مقولة لعمر خلدها التاريخ :
سيدنا عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ- مر بقرية, فوجد أن كل الفعاليات فيها بيد غير المسلمين، فعنفهم تعنيفاً شديداً، فقالوا: -كما يقول الآن: من أخرج الله من أرضهم ثروة طائلة فعاشوا في بحبوحة كبيرة, يقول لك: الله عز وجل سخر لنا هؤلاء، يركبون مركباتهم، ويستخدمون آلاتهم، ويتنعمون بكل وسائل الحضارة اليوم على أنها من صنع الكفار، ونحن مكرمون عند الله، سخرهم الله لنا، هذا كلام يقوله الجاهل-.
قال عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ-: كيف بكم إذا أصبحتم عبيدًا عندهم؟ أدرك بعمق إيمانه وصواب نظرته, أن المنتج قوي والمستهلك ضعيف.
خبر طريف :
قبل أشهر تقريباً, قرأت خبرًا طريفًا عن أضخم شركة صوتيات في اليابان, هي شركة سوني, توفي صاحب الشركة، فقبل أن يموت قال كلاماً فيه مغزى، قال: حينما احتلت أمريكا بلدنا وقهرتنا أردت أن أنتقم منها، أتقنت صنعتي إلى درجة أنها غزت أسواق أمريكا، وأن هذا البلد الكبير القوي المتحكم, اشترى من أجهزتي وصناعتي أكثر مما باع العالم كله من هذا الشراب المعروف, هذا نوع من أنواع القوة.
إذا أتقنا عملنا، أتقنا صناعتنا، اكتفينا بزراعتنا، لم نكن عالة على أحد، أكرمنا الله عز وجل, أما قولنا: سخرهم الله لنا، هذا كلام مضحك، نحن مستهلكون، والمستهلك فقير جداً، والمنتج قوي وغني، فتعمير محرك طائرة, يكلِّف خمسة ملايين دولار, والدولار بخمسين ليرة سورية, فالحاصل 250 مليون ليرة سورية، محصول قمح كم دونم؟ تعمير محرك واحد، هم يأكلون ثروتنا إن هم اشتروا منها بأبخس الأسعار، وينهبوننا ثانية إذا هم باعونا، قد نبيعهم ثرواتنا بأرخص الأسعار, جاءت فترة على دول النفط باعوا نفطهم بأقل من كلفته، برميل النفط بـ 6.5 دولار، وبيع بـ 8 كلفته 8.5, فإذا باعونا التكنولوجيا نشتريها بأثمان خيالية، بأرقام فلكية، لأنهم منتجون ونحن مستهلكون، نحن كمسلمين يجب أن نعي المشكلة، هم يريدوننا أن نبقى مستهلكين، وهذا يعجبهم, يأخذون ثرواتنا بأقل الأثمان، ويبيعوننا بضاعتهم بأعلى الأثمان، لأننا متوكلون، نحن لنا الله، هذا كلام مضحك، اعقل وتوكل.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ:
((قَالَ رَجُلٌ لرَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ, أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
كل واحد منا بحرفته، يجب أن يكون الأول، أن يتقن، أن يعمــل ليلاً نهاراً، أنت مسلم, أنت سفير المسلمين, صاحب الحرفة أتقنها، وإتقان العمل جزء من الدين.
إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه.
فإذا أتقنت عملك ارتقيت، لماذا أنت تعيش في الدنيا؟ من أجل عمل صالح, وهل من عمل صالح أعظم من أن تتقن عملك، وأن تنفع به المسلمين؟ .
في مجالات نصدر، المصدر المسلم غير متقن، وغير صادق، وغير مخلص، يبيع بضاعة عينات، ويقدم لهم بضاعة أخرى، فنصدر مرة واحدة، وتغلق الأسواق في وجوهنا، هذا هو التواكل.
هذا ما ذكره كتاب السيرة :
إن كُتّاب السيرة حينما يذكرون: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قبيل معركة بدر، رفع يديه إلى السماء حتى كاد رداءه ينزاح من كتفه، يقول: يا رب, إن تهزم هذه الجماعة، أو هذه الفئة، لن تعبد بعد اليوم، لماذا كان النبي قلقاً؟ أنجح تفسير لهذا القلق: أنه خشي أن يكون مقصراً في الأخذ بالأسباب، أنت حينما تأخذ بالأسباب, وتتوكل على الله, الله عز وجل لن يخيبك، أما نحن فأعمالنا غير متقنة، نرجئ ونسوِّف ونستهلك.
الإنسان الشرقي في أوربا, اسمه: أي بي أم, أمّا إن شاء الله, تعني لا يحقق وعده، ويتهرب من تحقيق وعده بكلمة: إن شاء الله, التي لم يعُد مفهومها إسلاميًا، لأنه يسوِّف ويماطل، إن شاء الله، معناها لا يدفع, أما إذا عقد العزم على إنجاز ما وعد, فإنه يقول: إن شاء الله تعالى، إن أبقاني الله حياً، يقولها بطريقة إسلامية صحيحة:
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الكهف الآية: 23 - 24]
لكن يستخدمها المسلمون للتنصل من أداء الحقوق، تأتي غداً, إن شاء الله آتي، معناها لن آتي، اسمه آي، إن شاء الله، ب بكرة, تأجيل، كله تأجيل، الشيء بين يديه، أعطني هذه المعلومة غدًا، ب الأم، لا بأس, ماذا حصل؟ قصرنا وأتلفنا المادة وخسرنا المناقصة, ماذا حصل؟ يسمونه أي بي أم، هذا من تقصير المسلمين، أما المؤمن: أولاً: لا يسوف، ولا يستخدم كلمة إن شاء الله إلا كما أرادها الله عز وجل، ولا يسمح لنفسه أن يكون سبباً في ضياع المال.
عليه الصلاة والسلام توضأ من قعبٍ، من إناء، ففضلت فيه فضلة, فقال عليه الصلاة والسلام: ((ردوها في النهر ينفع الله بها قومًا آخرين))
حفاظًا على الماء، عقيدة ربما آمن بها بعضُ الناس، يقولون: إن التوكل والدعاء عبودية محضة، لا فائدة لهما إلا ذلك، ولو ترك العبد التوكل والدعاء, ما فاته شيء مما قدر له، هذا الكلام مرفوض، فإنّ الله جعل التوكل سببًا للعطاء، وجعل الدعاء سببًا للإجابة, وبالمناسبة:
ما أمرك أن تتوكل عليه إلا ليعينك، ما أمرك أن تستعين به إلا ليعينك، وما أمرك أن تكون معه إلا ليكون معك، وما أمرك أن تدعوه إلا ليجيبك، وما أمرك أن تعبده إلا ليكرمك، هذا شيء دقيق. من سنن الله في خلقه :
من سنن الله في خلقه: أنه قضى بحصول الشيء إذا فعل العبد سببه، فمن لم يأت بالسبب امتنع المسبب، هذا قانون.
فالولد يأتي بعد الزواج، والشبع يأتي بعد الأكل، والري يأتي بعد الشرب, والحج يأتي بعد السفر، إنسان لا يتحرك، ولا يسأل، ويدعـو الله أن ييسِّر له حجَّة، وهو يقــول: ومقتدر وقادر، لا يتحرك ولا يسعى، دخول الجنــة تحتاج إلى إسلام، وإلى إيمان، وإلى طاعة للواحد الديان، فكل إنسان ترك الأخذ بالأسباب حرم المسبب، وإنّ الله عز وجل لا يمكن أن يستجيب لإنسان قاعد: يا رب ارزقني، يا رب أعطني، يا رب ارفع شأني، يا رب علمني، أما حينما تقوم وتتحرك, فحينها يستجيب الله عز وجل لك.
أضرب مثلاً: مركبة توقفت، ترفع يديك إلى السماء: يا رب لا تقطعني، يا رب أصلحها لي, يا رب أنت الواحد الأحد، هذا لا يجدي، افتح غطاء المحرك، وابحث عن سبب التوقف، وقل: يا رب ألهمني العلة، فإنّ الله يعينك، ما دمتَ آخذًا بالأسباب فإنّ الله يعينك، فلا يستجيب الله للداعي إلا إذا تحرك في الأخذ بالأسباب، والعوام لهم كلمة لطيفة: عبدي قم أقم معك.
أرأيت إلى الطير التي ضرب الله بها مثلاً في التوكل, تغدو من العش خماصاً, وتعود بطاناً؟ لقد تحركت، وخرجت من عشها، والحركة بركة، تحرك، وابحث، واسأل، واطرق الأبواب، ولا تقل: أُغلِقت في وجهي.
((إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ على العَجْزِ، وَلَكِــنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ, فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ))
ما حكم من يترك الأخذ بالأسباب؟ :
هناك من يترك الأخذ بالأسباب, ويقول: إذا كان قد قضى لي, وسبق في الأزل حصول الولد والشبع والري والحج ونحوها، فلا بد من أن يصل إلي، تحركت أو سكنت، تزوجت أو تركت, سافرت أو قعدت، وإن لم يكن قد قضى لي, فلن يحصل لي أبداً, فعلت أو تركت، هذا كلام مرفوض.
ولقد سمعتُ مرات عديدة من بعض الأشخاص المرضى, يقولون : إذا الله كاتـــب لي الشفاء أشفى, عولِجت أو لم أعالج، وإذا كتب الله لي المرض سأمرض، عولِجت أو لم أعالج، هذا كلام مرفوض, وهو منتشر بين العوام لا بين طلاب العلم.
يقول أحد العلمـاء: هل يعد هذا من العقلاء؟ بل إن البهائــم أفقه منه، فإن البهيمة تسعى بالهداية العامة بالسبب، تذهب لتشرب، تبني عشاً كي يقيها الحر والقر. من شروط التوكل :
وقال بعض العلماء: التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بهــا المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل.
الآن: التوكل أحد شروطه الأخذ بالأسباب، التوكل والدعاء يلتقيـان أحد شروطهما الأخذ بالأسباب، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب, صار الأخذ بالأسباب أحد شروط التوكل، ومن تمام التوكل ألا تركـن إليها، أن تأخذ بها دون أن تركن إليها، وعبادتي الشهيرة تأخذ بها وكأنها كل شيء، وتتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، في الدراسة، في التجارة، في السفر، في الصحة، في الزواج.
خطـب امرأة فوافق, وقال قبل الرضى بها: هي نصيبي، اسأل عنها، ربما يمثِّلون دور الأتقياء، وربما يكذبون أو يدلِّسون، وقبل أن تقول: هي لي، واللهُ كتبها زوجًا لي, ابحث وتحرَّ, لعلك تجد في هذه الزوجة حقائق مُرّة.
ما تفسير هذه الآية؟ :
إن أروع ما قرأته في تفسيره قوله تعالى:
﴿الطيبون للطيبات﴾
قال: ينبغي أن يكـون الطيبون للطيبات، هذا معنى، يعني احرصوا أن يكون الطيبون للطيبات، يعني أمرًا تكليفيًا وليست أمراً تكوينياً، يجب أن تجتهد، وأن تسأل، وأن تحقق، وأن تدقق، وأن تتمهل، قبل أن تبرم وإلا تندم, إنّ الله أمرك أن تأخذ بالأسباب، وجعلك خليفتــه في الأرض، وأعطاك حرية الحركة، وقال لك: استشِر واستخِر وارجع إلى أهل الذكر: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 43]
وقال لك: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 59]
هكذا المسلمون بعامة، والمسلمون في بلاد الشرق بخاصة، في أمسِّ الحاجة إلى أنْ يعلموا أن التوكل شيء، والأخذ بالأسباب شيء آخر، وأنهما لا يتناقضان، بل يتكاملان، بل إنه من شروط التوكل أن تأخذ بالأسباب.
ما المغزى من هذا المقطع؟ :
أحياناً طفل يرسب في صفه، ويقصِّر في دراسته، مباشرة يقول الأب: هذا لا يصلح للدراسة, كن حكيما عالِج سبب تقصيره، هيئ له أستاذًا خاصًّا، اجلس معه قليلاً، حبب إليه المدرسة، خذ بالأسباب.
أنا أعرف امرأة, طموحها أن يكون ابنها طبيباً، رسب في البكالوريا, فأخذت بكل الأسباب, رسب عددًا من المرات ولم تيأس إلى أن أصبح طبيباً، كل قضية لها أسباب، كره المدرسة، غيِّر له المدرسة، كره الأستاذ, وفِّق بينهما، ارفعْ معنوياته، كل شيء له سبب.
معلم عنده طفل مشاكس مشاغب, بحث فوجد أمه مطلقة، سلوكه الشاذ بالمدرسة سببه أن أمه مطلقة، يفتقد للعطف والحنان, وعوضه المعلِّم بطريقة أو بأخرى، كلف والده أن يأتي بهدية للصف، تقويم يعلق، وانضبط الابن, كل شيء له حل، لما يكون تفكيرك تفكيرًا سبباً تتفوق، وعندما يكون تفكيرك تواكلاً وإرجاء, تكون الأمور كلها جامدة.
لفتة نظر :
لفت نظري في الشعوب الأخرى دأبُها على العمــل، وإتقانها له، ويؤلمني في بلاد المسلمين عدم إتقانها للعمل وميلها إلى الراحة.
النبي -صلى الله عليه سلم- قال:
((اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
في سفرتي الأخيرة إلى أمريكا، وكان شروق الشمس على الساعة الثامنة، في الخامسة والنصف الطرقات مزدحمة بالناس الذاهبين إلى العمل، عندنا للحادية عشرة لا توجد حركة, والمحلات التجارية مغلقة، ولا دائرة، هل هذا من الإسلام؟ أين قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-:
((اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا))
فإذا برمج الإنسانُ نفسَه؛ رتَّب أموره، سجل مواعيده، ومنجزاته, تفوَّق، نحن بحاجة إلى نظام، بحاجة إلى أن نأخذ بالأسباب، معنا الحقُّ وغيرنا معه الباطل، على باطلهم يتفوقون ، وعلى حقنا نقصر. متى يستقيم توكل العبد؟ :
لا يستقيم توكلُ العبد حتى يصحَّ له التوحيدُ: إذا رأيت الأمرَ بيد زيد أو عُبَيدٍ، وتوكلتَ على من ليس بيده الأمر، فهذا من ضعف التوحيد، ورأيت أن الأمرَ بيد فلان، فلا تأخذ بالأسباب، ولا تتوكل على الله، ولكنْ تتجه إلى فلان، فلان عبد ضعيف فقير، وهذا مما يتناقض مع التوكل لأنه الشرك الخفي.
كل إنسان يتعامل مع أشخاص على أنهم يرفعون أو يخفضون، يعطون أو يمنعون, يسعدون أو يشقون، ويعتقد أنهم كذلك، فإنّ توكله ضعيف، لك قريب قوي، فتعلِّق الأمل عليه، ولا تسأل اللهَ ذلك، بل نسيت الله عز وجل، هذا هو الشرك الخفي، لذلك لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له التوحيد، بل التوحيد حقيقة التوكل، والله عز وجل وحده هو المعطي والمانع, والرافع والخافض, والمعز والمذل وحده، فأي توحيد اختل ميزانه, اختل معه التوكل، فأنت إن أيقنت أن الله بيده الأمر كله تتوكل عليه، أما إن توهمت أن الأمر بيد غيره تتوجه إلى غيره.
هذه حقيقة التوكل :
وقال العلماء: حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك, فالتوكل معلول ومدخول، وعلى قدر التوحيد يكون التوكل، فالعبد متى التفت إلى غير الله عز وجل, أخذ الالتفات شعبة من شعب قلبه، فنقص من توكله على الله، بقدر ذهاب تلك الشعبة, ومن هنا ظننا الظن: أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب.
أنت مؤمنٌ وموحِّدٌ وترى أن الأمر كله بيد الله، ولكن الله جعل لكل شيء سببًا، تتوسَّط فلانًا، وتكتب استدعاءً، وتقدِّم اعتراضًا، وترفع مذكرة، وتقيم دعوى, وتأخذ بالأسباب كلها، هذا التوكل صحيح، إياك ثم إياك أن تتوهم أن الأخذ بالأسباب يتناقض مع التوكل، لا والله، أما التوكل يتناقض مع الشرك الخفي، الإنسان حينمــا يشرك مع الله جهة قوية, عندئذٍ ينسى الله عز وجل ولا يتوكل.
التوكل محله القلب، والأخذ بالأسباب محله الجوارح، فإذا عكس الأمر انتهى التوكل، التوكل مكانه القلب، فأنت تأخذ بالأسباب وقلبك معلق بالله، أما الذي لا يأخذ بها وقلبه معلق بغير الله هذا فقد ركني التوكل.
التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها, الأعضاء والجوارح مكان الأخذ بالأسباب، القلب مكان التوكل، هذه نقطة ثانية.
ما علاقة التوكل بالتوحيد؟ :
النقطة الثالثة: علاقة التوكل بالتوحيد: أنت تتوكل ويصح التوكل إذا أخذت بالأسباب.
سيدنا عمر سأل أناسًا فقراء: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، فقال رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله.
مرة رجل وجد بالطواف في أثناء الحج لوزة، رفع عقيرته ونادى: من صاحب هذه اللوزة؟ سمعه عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ-، وكان يكره التظاهر، قال له: كلها يا صاحب الورع الكاذب.
إن شاء الله في درس قادم نتابع موضوع التوكل, والحمد لله رب العالمين.
نهاية المطاف :
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبة وسلم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و الثمانون )


الموضوع : منزلة التوكل - 3 -علاقة التوكل بحسن الظن بالله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما سبق ذكره :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولا زلنا في منزلة التوكل.
تحدثت في الدرس الماضي عن علاقة التوكل بالأخذ بالأسباب، وبينت أنه لا يتناقض الأخذ بالأسباب مع التوكل، لأن التوكل محله القلب، والأخذ بالأسباب محله الأعضاء، ومتى نقل التوكل إلى الأعضاء كان التواكل، والتواكل دمر الأمة الإسلامية، وما من موضوع المسلمون في أشد الحاجة إليه أكثر من أن يفهموا معنى التوكل، أن يأخذوا بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكلون على الله وكأنها ليست بشيء، يأخذ بالأسباب على أنها أسباب, وقد أُمِر الإنسان أن يأخذ بالأسباب، لكن قلبه معتمد على الله، مستسلم له, مفوض له، راض بحكمه.
وبينت أيضاً علاقة التوكل بالتوحيد، وأن الإنسان إن ضعف توحيده ضعف توكلـه.
أنت حينما تدعى إلى أن تعتمد على زيد، وتتوهم أن الأمر بيد عُبيد، يضعف اعتمادك عليه، إذا دعيت إلى أن تعتمد على زيد، وأنت متوهم أن الأمر بيد عبيد، لن تتوكل على زيد، لأن وهمك يصور لك أن الأمر بيد عبيد، فكلما ضعف التوحيد ضعف التوكل، وكلما أيقن الإنسان أن الأمر بيد الله وحده, وأنه لا رافع ولا خافض, ولا معز ولا مذل، ولا معطي ولا مانع، ولا قابض ولا باسط إلا الله, جعل همه هماً واحداً فكفاه الله الهموم كلها، وعمل لوجه واحد فكفاه الله الوجوه كلها، هذا في الدرس الماضي.
ما علاقة التوكل بحسن الظن بالله؟ :
وأقف مليًّا عند علاقة التوكل بحسن الظن بالله: ذكرت مرة أن الإنسان في علاقاته مع بني البشر، يدعو إنساناً إذا كان موجوداً، ويدعوه إذا كان قريباً منه، ويدعوه إذا كان يسمعه، ويدعوه إذا كان قادراً على تلبية طلبه، ويدعوه إذا كان محباً له، فإذا دعوتَ الله عز وجل، فأنت مؤمن بوجود الله, مؤمن بسمعه وبصره وعلمه، مؤمن بقربه، مؤمن بقدرته، مؤمن بمحبته، فكيف يتوكل الإنسان على الله وهو سيء الظن به؟.
لك أن تفهم هذه الآية كما ورد تفسيرها في بعض الكتب :
حينما تقرأ قوله تعالى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 23]
بإمكانك أن تفهم هذه الآية كما ورد تفسيرها في بعض الكتب، أضرب مثلاً:
لو أنّ نجارًا عنده لوحتان من خشب، وضــع إحداهما باباً لبيت الخلاء، ووضــع الأخرى باباً لقصر، ألك أن تقاضيه؟ لا، لأن اللوحتين ملكه، هكذا كلام يقال، ولكن ما قولك لو فهمنا قوله تعالى: لا ....:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 23]
وأضرب لذلك مثلاً آخر: أجرى أستاذٌ امتحاناً, وصحَّح الأوراق، وعرض السلم على السبورة, ووزع الأوراق، فكل طالب تتبع ما كتب وما يستحق, فإذا بدرجته أخذها دقيقة جداً، دون زيادة أو نقصان، فقال الأستاذ: هل من سؤال؟ كل الطلاب سكتوا، ما الذي أسكتهم؟ عدله.
لِمَ لا تفهم قوله تعالـى هكذا: عدلُه أسكت الألسنة، أم هناك معنًى آخر: وهو أن الإنسان مقهور بالوسيلة؟.
أنت ينبغي أن تكـون في حلب غداً، فلا بد من سيارة، فالسيارة وسيلة، والغاية حلب.
أنت مضطر إلى الماء لمزرعتك، لا بد من حفر بئر، فحفر البئر وسيلة، والهدف إخراج الماء، أنت مضطر أن تأكل قمحاً، لا بد من زرع القمح، الإنسان ضعيف، ومن أنواع ضعفه أنه مقهور بالوسائل، الإنسان لضعف بصره يستخدم الميكروسكوب، ولقصور بصره يستخدم التلسكوب, ولضعف يده يستخدم المباضع، لا يستطيع بإصبعه فتح بطن إنسان، لا بد له من مشرط, فكل أداة يستخدمه الإنسان هي امتداد لأعضائه، أو وسيلة يتغلب بها على ضعفه، فالإنسان مقهور بالوسيلة, أما ربنا عز وجل لكمال قدرته كن فيكون، ما في عند الله وسائل، فإذا إنسان تطفل وسأل: لماذا فعل الله هكذا؟ كأنه يجعل الله عز وجل في صفة الإنسان، يعني يحتاج إلى وسيلة ليحقق غاية، لذلك جاء الجواب من الله عز وجل:
﴿لا يسأل عما يفعل﴾
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
[سورة يس الآية: 82]
الإنسان مقهور بالوسيلة، لكن الله عز وجل منزه، ولكمال قدرته أمره ينفذ فوراً.
متى يضعف التوكل عند الإنسان؟ :
حتى إن بعض علماء التوحيد قالوا كلمة: كن تحتاج إلى وقت.
هذه قالها الله للتقريب ، بين أمره وبين تحقيق أمره مسافة زمنية، قال هذا تقريباً لعلمِنا، أما أن تفهــم:
﴿لا يسأل عما يفعل﴾
أنّه قد يضع إنسانًا أمضى حياته في طاعة الله في النار، لماذا؟ لأنـه: ﴿لا يسأل عما يفعل﴾
ولماذا يضع إنساناً أمضى حياته في المعاصي في الجنان؟ قال: لأنه ﴿لا يسأل عما يفعل﴾
فإذا توهمت أن الله قد لا تتوكل عليه, فإنّ سوء الظن بالله يضعف التوكل، كما أن عدم الأخذ بالأسباب يتناقض مع التوكل، وكما أن ضعف التوحيد يضعف التوكل، فإنّ سوء الظن بالله عز وجل يضعفه أيضاً، أنت حينما تتعامل مع إنسان قوي ليس عنده قاعدة، ولا يسأل عن أخطائه، قلما تعتمد عليه، أما إذا كان يملك قواعد واضحة فأنت مطمئن. سؤال لمريم الآية أضعها في قوس . القرآن الكريم كله قواعد :
قال تعالى:
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
قاعدة هي: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
[سورة الشورى الآية: 30]
قاعدة هي: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
قاعدة هي: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[سورة الجن الآية: 16]
قاعدة هي, يعني أنّ القرآن كله قواعد، نبحث في القرآن الكريم عن القواعد، أو عن السنن، أو بحسب مصطلح القرآن الكريم عن الكلمات:
﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾
[سورة الأنعام الآية:34]
في القرآن قوانين المقدمات تفضي إلى النتائج :
في القرآن قوانين المقدمات تفضي إلى النتائج حتماً:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
في أي بلد، وبصرف النظر عن أوضاع أي بلد، وبصرف النظر عن الشدة التي قد تحيط ببلد، وبصرف النظر عن تفلت الناس من منهج الله,
﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
التعامل مع الله سهل جداً، إنه تعامل مع قوانيــن، لأن الله من رحمته جعل للتعامل معه قواعد.
من الطرق التي رسم الله لنا لكي نصل إليه :
والله عز وجل رسم لنا كي نصل إليه ألف طريقٍ وطريق، منها الصدقة.
قال عليه الصلاة والسلام:
((بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلاَءَ لا يَتَخَطَّى الصَّدَقَةَ))
((صدقة السر تطفئ غضب الرب))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط]
الصدقة طريق، والدعاء طريق، الاستغفار طريق، والصلاة طريق، والصيام طريق, وبر الوالدين طريق، ورعاية الأيتام طريق، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، لأن الله يحبنا، ويحب أن يرحمنا، لذلك رسم لنا ألف طريقٍ وطريق، أما الإنسان القوي، قد لا تستطيع أن تصل إليه طوال حياتك، أما ربنا عز وجل رسم لنا آلاف الطرق، فلذلك حسن الظن بالله, يحبنا, يريد أن يتوب علينا، خلقنا ليسعدنا:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 119]
خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليغفر لنا إذا استغفرناه، ليعيننا إذا استعنا به، ليجيبنا إذا دعوناه، ليعطينا إذا سألناه، ليتوب علينا إذا تبنا إليه، حسن الظن بالله يحملك على التوكل عليه:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المائدة الآية: 23]
من لوازم الإيمان :
فالتوكل من لوازم الإيمان، ومن لم يتوكل على الله فهو بعيد عن الإيمان.
قال العلماء: على قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه.
وهذا ما دفع بعض العلماء إلى أن يفسروا التوكل بحسن الظن بالله.
والنبي -ليه الصلاة والسلام- وهو في مرض الموت، قدم له دواء لذات الجنب، وهو مرض خطير، فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك مرض ما كان الله ليصيبني به.
من باب حسن الظن بالله، وأنا أقول لكم: المؤمن المستقيم لا يفضحه الله، يلبسه تهمة باطلة يدمره, هذا مستحيل، من باب حسن الظن.
يجب أن تعتقد :
قال تعالى:
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الآية: 48]
بل إن بعض العلماء قال: الآيات التي هي موجهة للنبي -عليه الصلاة والسلام-, هي بشكل أو بآخر بحسب إيمان المؤمن موجهة إليه أيضاً بالتبعية، فإذا قال الله عز وجل:
﴿فإنك بأعيننا﴾
وكل مؤمن على قدر إيمانه، وعلى قدر توحيده، وعلى قدر استقامته، وعلى قدر إخلاصه هو بعين الله عز وجل، يجب أن تعتقد أن الله لا يتخلى عنك، يجب أن تعتقد أن الله حينما قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
[سورة التوبة الآية:51]

﴿لنا﴾
لم يقل علينا، فرق شاسع بين أن تقول: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾
وبين أن تقول: قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا، الكلام الدقيق: أن حسنَ الظن بالله يدعو إلى التوكل عليه، إذ لا يتصور توكلٌ على من ساء ظنك به، ولا توكل على من لا ترجوه -والله أعلم-.
إذاً: أحدُ أسباب حسنِ التوكل حسنُ الظن بالله، أحدُ أسباب التوكل الصحيح التوحيدُ، أحدُ شروط التوكل الأخذُ بالأسباب. ما العلاقة بين التوكل وبين استسلام القلب لله عز وجل؟ :
وهناك علاقة أخرى بين التوكل وبين استسلام القلب لله عز وجل: طفل صغير عمره أربع سنوات في بيت والده، إذا ارتفع سعر الوقود السائل لا يهتمُّ الطفل، والده لا يملك قوت يومه لا يهتم, الأب يحمل همًّا كبيرًا، والابن مرتاح، لا يهتم لطعام، ولا لشراب، ولا لتدفئة، ولا لثياب، همه عند والده، يعني المؤمن من باب أولى، ما دام الله عز وجل هو الغني الغنى المطلق، وهو القادر على كل شيء، وهو الرحيم، وهو اللطيف، وهو السميع، وهو المجيب، ينبغي أن يستسلم.
هذه مهمتك :
لك أيها المؤمن مهمة واحدة أن تطيعه فقط، والباقي على الله، قال تعالى:
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 66]
انتهت مهمتك عند الطاعة، ولا تسأل؛ يا ترى يعطيني؟ هو حكيم، يعطيني كثيراً, لا أدري يعطيني قليلاً فأنا راضٍ، يعافيني فالحمد لله، مرضتُ فأنا صابر على حكم الله، يعطيني زوجة من الدرجة الأولى الحمد لله، من الدرجة العاشرة الحمد لله، يعطيني أولادًا متفوقين يا ربي لك الحمد, مقصرين يا ربي أعن على تربيتهم، حالة استسلام رائعة، المؤمن لا همَّ له، همُّه اللهُ عز وجل, وهو حكيم، وعليم، وسميع، ومجيب، وقريب، فحينما تضع همك في الله عز وجل يكفيك الهموم كلها، وهذا يحتاج إلى استسلام.
طفل لا يملك ديناراً ولا درهماً, والده غني، هل يشعر هذا الطفل؟.
فالعلماء قالوا: هذا الطفل غنيٌّ بغنى أبيه.
لو لم تجد بجيبه ولا درهم فهو غني، والآن أقول لكم:
لو أن المؤمن فقير بالمعنى المادي هو غني عند الله، لأنه إذا سأله أعطاه، وإذا دعاه أجابه، وإذا ابتهل إليه لبّاه، وإن استغاثة أغاثه، وإذا استنصره ينصره، وإن استعان به أعانه، وإن سأله أعطاه، وإن تاب إليه تاب عليه، فالمؤمن غني بالله عز وجل، هناك حالات للتعفف لا يمكن أن تفسر إلا بحالة واحدة, هي ثقة الإنسان بالله عز وجل.
المؤمن عزيز :
أحد الخلفاء حج بيت الله الحرام, والتقى بعالم جليل، وقال له: سلني حاجتك، أراد أن يتقرب إلى الله في تلبية حاجة هذا العالم، فقال له: والله إني لأستحي أن أسأل غير الله في بيت الله, فالتقاه خارج بيت الله، قال له: سلني حاجتك، قال له: والله ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها، ثم ألح عليه، قال له: سلني حاجتك، قال له: أريد أن تدخلني الجنة، وأن تنقذني من النار, قال له: هذه ليست لي، قال له: إذًا: ليس لي عندك حاجة.
ما هذه العفة؟ المؤمن عزيز، لا أجمل من إكرام الغني للفقير، والأجمل من ذلك: تعفف الفقير عن مال الغني، ثقة بالله عز وجل.
تعديل في هذا البيت الشعري :
ملك الملوك إذا وهب, هذا بيت شعر، والبيت أصله: لا تسألن عن السبب، أنا عدلته:
مَلِكُ المُلُوكِ إِذَا وَهَـب ْ قُمْ فَاسَأَلَنْ عَنِ السَّبَـبْ
اللَّهُ يُعْطِي مَنْ يَشَــاءُ فَقِفْ عَلَى حَــدِّ الأَدَبْ
الذي أعطاه يعطيك، والذي أكرمه يكرمك، والذي قربه يقربك، والذي أعانه على حفظ كتاب الله يعينك أنت أيضاً، والذي يسأله يعطيه، لماذا تحب أن تكون تحت رحمة إنسان ؟ كن تحت رحمة الواحد الديان، فاستسلام القلب إلى الله، وانجذابه إليه، وقطع المنازعات هو التوكل.
في قلب المؤمن من التوكل والاستسلام والراحة ما لو وُزِّع على أهل بلد لكفاهم، وفي قلب غير المتوكل من القلق والخوف والضياع والتوتر ما لو وُزِّع على أهل بلد لأشقاهم. نقطة مهمة :
يقال: المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل.
لا، ليس هذا صحيحاً، والدليل: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أنصارياً على بعض أصحابه، وقد ورد في السيرة: أن هذا الأنصاري كان ذا دعابة، فَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
((بَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَرِيَّةً, وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ, فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ, وَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: قَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَا جَمَعْتُمْ حَطَبًا, وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا, ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا, فَجَمَعُوا حَطَبًا, فَأَوْقَدُوا نَارًا, فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ, فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ, قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِرَارًا مِنْ النَّارِ أَفَنَدْخُلُهَا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ, إِذْ خَمَدَتْ النَّارُ وَسَكَنَ غَضَبُهُ, فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا, إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))
لا تقبل من إنسان شيئًا إلا بالدليل، ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل، والكلمة القاطعة الحاسمة: الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله.
كان عمر وقافاً عند كتاب الله، فالله عز وجل هو الحكيم، وهو العليم، وهو القوي. ملمح لطيف في هذه الآية :
هناك ملمح لطيف في قول ربِّنا عز وجل:
﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 12]
قيدت معصية النبي في معروف.
مرة كنت في الحج أو العمرة لا أذكر، حضرت درسًا في الحرم بين المغرب والعشاء، الذي يلقي هذا الدرس قال: رجل محب لله عز وجل, قال له ابنه: إنني لا أحب اليقطين فقتله، لأن النبي كان يحب اليقطين، حبه لليقطين ليس حكماً شرعياً، هو قضية شخصية، أنا استنكرت هذا الكلام. هذه مهمة عدو الدين :
تسمع أن ثلاثين رجلاً قتلوا في تركيا, جريمة من غير ذنب، لا، هذا ليس من الدين في شيء.
((يا ربي أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي؛ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي لأحد بسوء, أحبني, وأحب من أحبني, وحبّبني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي))
دائماً عدو الدين يسعى جاهداً لتنفير الناس من الدين، أو لتشويه صورة المؤمن، بشكل يدعو للنفور الشديد.
إذا كان ابن ما أحب اليقطين, لا شيء عليه، أما إذا ما صلى، إذا ما صام، هنا المشكلة، فدائماً الإنسان قبل أن ينطق، يجب أن يقول كلاماً يحبب العباد إلى الله عز وجل، لذلك قال بعض العلماء:
العوام لئن يرتكبوا الكبائر, أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون، أهون بكثير، بل إن الله عز وجل حينما ذكر بعض المعاصي والأثام، رتبها ترتيباً تصاعدياً, بدأ بالفحشاء والمنكر, والإثم والعدوان, والشرك والكفر, وجعل في رأس هذه المعاصي: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 33]
كتب عليه الكفر قبل أن يخلق، وجاء إلى الدنيا وأجبره على أن يكون كافراً، أجبره على أن يزني، أجبره على أن يشرب الخمر, واستحق جهنم إلى الأبد، ما قولك بهذا الكلام؟:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 148]
عقيدة الجبر عقيدة أهل الشرك، فهناك كلام منفر، هناك من يقول كلامًا فيقطع الناس عن الله عز وجل، ينفرهم من الله عز وجل، يبعدهم عن الدين.
ما العبر التي نستخلصها من هذا الدعاء النبوي؟ :
استسلام القلب لله، وانجذابه إليه, وأن يكون العبد بين يدي ربه, كالميت بين يدي مغسله.
اللهم كما دعا النبي الكريم في الطائف:
((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي, وهواني على الناس يا رب المستضعفين، إلى من تكلني .....؟ -إلى أن يقول- إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ‏لكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أضاءت له الظلمات، و صلح عليه أمر الدنيا والآخرة, أن تنزل بي سخطك، أو تحلّ علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))
يجب أن تستسلم، لأن الله كماله مطلق، ولله الأسماء الحسنة فادعوه بها. ما العلاقة بين التوكل والتفويض؟ :
وقال بعضهم: التوكل إسقاط التدبير، والاستسلام لتدبير الواحد الكبير، في غير الأمر والنهي، وفوق الاستسلام التفويضُ، وهناك علاقة بين التوكل والتفويض، والتفويض هو روح التوكل، وهو إلقاء الأمور كلها إلى الله عز وجل، وإنزالها به طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطراراً، كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره كل أموره إلى أبيه، العالم بشفقته عليه, ورحمته به، وتمام كفايته، وحسن ولايته وتدبيره، فالابن الضعيف يرى أن تدبير الأب خير من تدبيره لنفسه.
ورد في بعض الأدعية النبوية:
((اللهم خر لي واختر لي))
بربِّك! لو دخلت إلى صديق لك يبيع قطع الذهب والماس، قال لك: عندي هدية، اختر من هذه القطع ما يعجبك, أنت ذكي جداً، قلت: لا والله، أنت اختر لي، إذا كان يحبك حباً جماً ماذا يفعل؟ أنت استعرت خبرته، واستعرت محبته وإخلاصه، فانتقى لك أغلى قطعة، لأنك قلت له: أنت اختر لي، قال لك: اختر قطعة من هذه القطع، قد يكون حجمه كبيرًا، وقد يكون حجمها صغيرًا فيها الماس، وثمنها خمسة أضعاف، لما قلت له: اختر لي أنت، وهو يحبك، وهو كريم, سوف يختار لك أغلى قطعة في محله، لأنك قلت له: خر لي واختر لي، وأنت حينما تفوض، وحينما تستسلم، وحينما تحسن الظن بالله، وحينما توحد، بعد أن تأخذ بالأسباب، وتتوكل عليه، سيأتيك أفضل من أي سعي وكد. ((من شغله ذكري عن مسألتي, أعطيته فوق ما أعطي السائلين))
لكن نحتاج إلى حسن ظن بالله، فإذا أخذت بالأسباب وكأنها كل شيء, وتوكلت على الله وكأنها ليست بشيء، ثم قوي توحيدك، وحسن ظنك, واستسلمت إلى الله، وفوضت أمرك إليه، فإنه ينقلك إلى درجة هي أروع درجة في الدين، درجة الرضا عن الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
[سورة المائدة الآية: 119]
الرضا عن الله ثمرة من ثمار التوكل :
كان رجل يطوف حول الكعبة, فقال: يا رب, هل أنت راضٍ عني؟ وكان وراءه الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا, هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك، قال: يا سبحان الله ! من أنت يرحمك الله؟ قال له: أنا محمد بن إدريس، قال له: كيف أرضى عنه وأنا أطلب رضاه؟ قال له: يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
فأي إنسان حتى إذا كان ضعيف الإيمان، حتى إذا كان ما فيه إيمان إطلاقاً، إن أعطاه الله صحة رضي عن الله، وأعطاه الله مالاً رضي، أو أعطاه الله عزاً، وزوجة، وأولاداً ، ومكانة رضي عن الله، هذا شيء بديهي، لكن البطولة: أن ترضى عنه وأنت مريض، وأنت ضعيف، وأنت فقير، وفي بيتك مشكلة، وفي أولادك مشكلة، هنا الامتحان.
بربكم: هل رأيتم إنساناً واحداً يمتحن مركبة في طريق نازل؟ لا تمتحن المركبة إلا في الطريق الصاعد، والإنسان لا يمكن أن يمتحن في الرخاء، لا يمتحن إلا في الشدة, والأنبياء الكرام وعلى رأسهم النبي -عليه الصلاة والسلام-: مروا بمضائق صعبة جداً، وكل مؤمن صادق لا بد من أن يمر بمضائق على قدر إيمانه.
((أشد الناس بلاء الأنبياء, وأنا أشدهم بلاء ثم الأمثل فالأمثل))
وطِّنْ نفسك، أنت راضٍ عن الله في الرخاء والشدة، وفي المنشط وفي المكره، وفي إقبال الدنيا وإدبارها، بزواج أو من دون زواج، بدخل أو من دون دخل، بالصحة أو بالمرض, بإقبال الدنيا أو بإدبارها، أنت راضٍ عن الله، هذا المؤمن: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
أما ضعاف الإيمان قالوا:
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 12]
هؤلاء ضعاف سقطوا، إذاً هذا الحال: حال التفويض ينقلك إلى مرتبة الرضا عن الله عز وجل، والرضا عن الله عز وجل من أعلى الدرجات، بل هو ثمرة من ثمار التوكل.
ماذا تستنتج من هاتين القصتين؟ :
حدثني إنسان يعمل في فعل الخير، قال لي: دخلت على إنسان, حجمه المالي كبير جداً, فشكا لي حاله وبيته وزوجته وأولاده هموم كالجبال، قال لي: لحكمة أرادها الله عز وجل, في اليوم نفسه جاءتني امرأة محجبة تطلب مساعدة، سألتها عن مكان سكنها، فقالت خارج دمشق، في المساء التقى مع جمعية خيرية، أخذ عنوانها، بعد ما انتهى الاجتماع, قال لهم: هناك امرأة يجب أن نزورها لنتحقق من حالتها، فقاموا معه، ودخلوا البيت، والبيتُ تحت درج, المنطقة المنخفضة دورة مياه، الأعلى بقليل حمام, الأعلى غرفة، مع فتحة صغيرة سماوية تحت درجة، البيت نظيف, أولاد كالزهور، لباسُهم نظيف، والزوج مريض، مستلقٍ على السرير، البيت قطعة من الجنة, المرأة المحجبة المؤمنة طلبتْ المساعدة، هي ألف ليرة في الشهر، قالوا: بل هي ألفا ليرة، فقالت له: لا ألف تكفي أجرة البيت.
الله عز وجل على كل شيء قدير، يشقي الإنسان وهو غني، وقد يسعده وهو فقير، هي السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، فربنا عز وجل إذا تجلَّى على قلب إنسان, ملأه غنًى، وملأه طمأنينة واستقراراً وتفاؤلاً، فأنت ترضى عن الله.
هذه بطولتك في المحنة :
لذلك: يا ربي لك الحمد والشكر والنعمة والرضى، بعد أن تقول: سمع الله لمن حمده ، ربنا لك الحمد والشكر والنعمة والرضى، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، أن ترضى عن الله هذا قمة الإيمان, تعرفه، ترضى عنه في كل ما يعطيك، إذا قلت: يا ربي لك الحمد أنا راضٍ عنك فقد نجحت، وإذا نجحت أزاح الله عنك كل بلاء، فإذا رضيت ارتقيت عند الله عز وجل، بطولتك: أن تقول وأنت في محنة: يا ربي لك الحمد، لأن المحن هي في الحقيقة منح، المحنة منحة، والشِّدة شَدَّة إليه.
التوكل ينتهي بك إلى الرضا :
أخ من أخواننا كان شارداً، وكان مسرفاً على نفسه في المعاصي، لا صلاة، ولا صوم, ولا شيء إطلاقاً، ثم عرف الله عز وجل على أثر محنة قاسية جداً, مرِض مرضًا شديدًا، أدخله المستشفى، قال لي: وأنا على طاولة العناية المشددة بكيت، قلت له: يا رب, أتحب أن ألقاك عارياً؟ أعطني فرصة كي أتوب إليك، فمنحه الله فرصة، ولزم الدروس، وأحكم صلاته، وشعر أنه هو إنسان آخر.
قال لي مرة: أناجي ربي, قلت له: يا رب, كل هذه السعادة في القرب منك, لِمَ لَمْ ترسل لي هذا المرض قبل عشر سنوات؟ كل هذه السعادة.
إذاً: التوكل له علاقة، التوكل ينتهي بك إلى الرضى:
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 100]
ما معنى هذه الآية؟ :
وهناك معنى آخر: إذا لم تكن الآن راضيًا فسوف ترضى:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾
[سورة الضحى الآية: 5]
يرضيك فيما بعد، يقول الطبيب للمريض: تحمل الآن وسترتاح بعد ذلك، نحن الآن بطور المعالجة، الحزن خلاق، والإنسانُ أيام الشدة يتألق، والحزن يقربك من الله عز وجل، ويدعوك إلى الاستسلام، الحزن يذيقك طعم القرب منه، هذا كلام قطعي.
كل ما يبتلى به المؤمن تكفير وتقريب :
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ, فَقَالَ:
((مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتْ: الْحُمَّى, لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا, فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الْحُمَّى, فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ))
كل ما يبتلى به المؤمن تكفير وتقريب.
ورد في الأثر القدسي: ((وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء, شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
إذا كان الله عز وجل فضل علينا، وكنا على شفي القبر طاهرين، المؤمن حينما يرى مقامه في الجنة, وهو على فراش الموت, يقول: لم أر شراً قط، والكافر -والعياذ بالله- حينما يرى مكانه في النار, يقول: لم أر خيراً قط.
يكون ساكن بأحلى بيت, معزوم أكثر من ألفي عزيمة، لم يترك مكان بالعالم إلا وقد زاره، ونازل بمئة فندق خمس نجوم, يقول لك: لم أر خيراً قط.
سيدنا علي يقول: يا بني, ما خير بعده النار بخير, وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور, وكل بلاء دون النار عافية. كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله :
قد يكون الإنسان في الدرجة الاجتماعية السفلى، ولكنه عند الله كبير، فلا توازن نفسك مع أحد، وازن نفسك مع منهج الله، فإذا كنت مطيعاً لله, أنت الأولي, فأنت في الدرجات العليا، وإنّ قلامة ظفرك تساوي مليار إنسان مترف غنيٍّ بعيد عن منهج الله:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية:42]
كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، إذًا: أنت بالطاعة نم قرير العين، فأنت الفائز:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أن نتمثل هذه المنازل، ومن هذه المنازل منزلة التوكل.
دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا, وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبة وسلم.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و الثمانون )


الموضوع : منزلة الشوق







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما أصل هذه المنزلة؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الشوق إلى الله عز وجل, أصل هذه المنزلة من قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 5]
﴿يرجو لقاء الله﴾
أي هو مشتاق إلى الله، هذه المنزلة تنطلق من هذه الآية، وكأن الله عز وجل يطمئن هذا المشتاق: أنه لا بد من أن تصل إلى مطلوبك، لا بد من أن تصل إلى محبوبك، لا بد من أن تقر عينك بالله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 5]
أنتم الآن في دار عمل والآخرة دار الجزاء، نحن في دار التكليف والآخرة دار التشريف, نحن في دار السعي والآخرة دار اللقاء، لذلك المؤمن وعده الله عز وجل بجنات عرضها السموات والأرض, هذا ورد في معنى قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، وهناك مرتبة فوق الزيادة:
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة التوبة الآية: 72]
فالدرجة الأولى الجنة وما فيها؛ من أنهار، وأشجار، وحور عين، وولدان مخلدون، ثم ما فيها من نظر إلى وجه الله الكريم، ثم ما يناله المرء من رضوان الله عز وجل, لقول الله عز وجـل:
﴿ورضوان من الله أكبر﴾
هذه الجنة تحقق للمشتاق بغيته، ولكن المشتاق في دار العمل, فلو غرق في أحوال أضعفت عمله، لذلك قال الله عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 5]
رسالة فيها اطمئنان للمؤمن :
اطمأن أيها المؤمن، ولعله إذا قرأت قوله تعالى يذوب قلبك:

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾
[سورة الضحى الآية: 5]
وكأن هذه الآية تشير إلى أن المشتاق سيصل إلى محبوبه. تعزية وتسلية في هذه الآية :
قال: هذه الآية في قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 5]
في هذه الآية تعزية للمشتاقين وتسلية لهم؛ أي أن الله عز وجل يعلم أنه من كان يرجو لقاءه فهو مشتاق إليه، لقد أجل له اللقاء، ولكن كل آت قريب، وفي النهاية سيصل إلى محبوبه.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يسأل الله عز وجل في دعائه الشريف الطويل:
((أَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ, وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ, فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ, اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ, وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ))
بعضهم يدعو عقب الصلاة, فيقول: اللهم أعن على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك, وارزقني الشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم. رسالة تهنئة :
فهنيئاً لمن اشتاق إلى الله، سيغدو الموتُ تحفتَه، وسيغدو الموتُ عرسَه.
حدثني بعض الأطباء الذين يعيشون في بلاد أمريكا قال: الإنسان يتوافر في حياته؛ الغنى, والرفاه, والراحة, والأشياء التي يحرص عليها، لذلك من أكبر مصائبه: قربُ الموت منه، فيصاب بانهيار عصبي, وبحالة فزع، أو هلع لا توصف، لماذا؟ لأن آماله كلها وضعها في الدنيا، والموت مصير كل إنسان, أما هذا المؤمن ماذا فعل؟ وضع آماله في الآخرة، قدم ماله أمامه، فسرَّه اللحاقُ به، جاهدَ نفسه وهواه، فسرَّه أن يلقى الله وهو عنه راضٍ، بذل من ماله ومن وقته وجهده وعلمه الشيءَ الكثيرَ، فهو في رضوان الله عز وجل:
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾
[سورة الغاشية الآية: 25 -26]
هذا حال المؤمن عند الموت :
تصور إنسانًا قيل له: اذهب إلى بلاد أوربا, واحصل الدكتوراه, ولك في بلدك أعلى منصب, وأجمل بيت، وأفضل امرأة، وأغلى سيارة، فهناك درس, وعمـل في مطاعم, و الحراسة، إنه عمل شاق مجهد خطر، عاش حياةً خشنة، ذاق من الحياة ما فيه مشقة وجهد، نال الدكتوراه، صدق الشهادة، اشترى بطاقة العودة، ذهب إلى المطار, وضع رجله في سلم الطائرة، هذه اللحظة هي أسعد لحظة في حياة هذا الطالب، لأنه انقضى عهد التعب، والعمل الشاق، والسهر، والجهد، والطعام الخشن، والمأوى القنوء، والدخل القليل، والجهد الكبير، إلى أعلى منصب، وأجمل بيت, وأفضل امرأة، وأغلى سيارة، هذا هو المفهوم المادي.
فهكذا حال المؤمن، انقضى وقـت التكليف، وانقضى مجاهـدة النفس والهوى، وانقضت متاعب الحياة، وانقضت مقلقاتها، وبقيت الجنـة، فلذلك لا يعقل أن يكون المؤمن إلا مشتاقاً لله عز وجل.
هذه قصة سعد بن الربيع :
من سيرة رسول الله -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه: عقب إحدى الغزوات تفقد أحد أصحابه، وهو سعد بن الربيع، سأل عنه فلم يدرِ عنه شيئاً، كلف أحد أصحابه أن يتفقده في أرض المعركة, ذهب فوجده في النزع الأخيـر، قال: يا سعد بن الربيع, أنت بين الأموات أم مع الأحياء؟ قال: أنا مع الأموات، قال له: كلفني النبي أن أتفقد حالك، قال له: أبلغ رسول الله مني السلام، وقل لأصحابه: لا عذر لكم إذا خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
ما معنى ذلك؟ أنه كان في أعلى درجات الشوق إلى الله عز وجل, وأعلى درجات السعادة.
عبارة كتبت على قبر :
أحد أخواننا الكرام توفاه الله قبل شهرين، مرة حج بيت الله الحرام، ولما عاد ذهبت لتهنئته, فقال لي كلمة طربت لها, قال لي: يا أستاذ, ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، فقال لي ابنه البارحة: كتبت هذه العبارة على شهادة قبره، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.
فهذا المؤمن الذي أمضى حياته في طاعة الله، وضبط أعضائه وجوارحه, وأنفق من ماله ووقته وجهده وخبرته وعلمه، وكان مصدر رحمة للناس، ومصدر أمن وعطاء للناس, هذا الذي أمضى حياته كلها، أيعقل أن لا يشتاق إلى الجنة؟.
هذا الفرق الصارخ بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن :
سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: تاقت نفسي إلى الإمارة, فلما بلغتها, تاقت نفسي إلى الخلافة, فلما بلغتها، تاقت نفسي إلى الجنة.
فالجنة مطلـب كل مؤمن، لذلك الفارق الصارخ بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن: أن المؤمن مشتاق إلى الجنة، بينما غير المؤمن تعد مقدمات الموت مفزعة له.
رجل صالح، وكان محسنًا، وله أيادٍ بيضاء، كان إذا دخل عليه إنسان, يسأله صدقة لجمعية خيرية، أو لمشروع إنساني, يقول له: افتح الصندوق وخذ ما تريد ولا تعلمني، أنشأ مسجدًا، ثم أصيب بمرض عضال، أُخبِر من المستشفى، واتصلوا بأهله ليعلموهم أنه سيموت بعد يومين، له صديق حميم طلبه، وقال له: أنا قرب أجلي, وأعطاه تعليمات كيف ينهي علاقاته التجارية؟ قال له: في ثلاث صفقات؛ صفقة دفع ثمنها، باعها وانتهت، ووزع أرباحها على أولادي, الصفقة الثانية والثالثة هذه ألغهما فلم يعُد في عمري بقية، وفي اليوم الثاني جمع أهله وأصهاره وبناته وأولاده جميعاً وودعهم، وله شيخ بالشام, -الآن ليس في دمشق رده الله بالسلامة-، في اليوم الثالث جاء شيخه مع نخبة من أخوانه، وقرؤوا له القرآن والتهليل، وكما قيل له بالهاتف: في الساعة الواحدة رجعت نفسه إلى بارئها, بعد ما اغتسل, وأنهى كل علاقاته، الشيء العجيب في القصة: أنه إنسان لا يخاف الموت، لأن عمله طيب:
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 158]
﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 157]
تحت أي باب تندرج هذه القصص؟ :
أنا أقول لكم بشكل واقعي: الموت يخافه الإنسان، يخافه حينما يرى نفسه مقصراً.
سيدنا علي يقول: والله لو علمت غداً أجلي, ما قدرت أن أزيد في عملي.
قصص كثيرة جداً, تجد فيها المؤمن يستقبل الموت وهو راضٍ وهو مستبشر.
قرأت تاريخ سبعين صحابياً جليلاً، لفت نظري في هذه التواريخ كلها شيء مشتركٌ يجمع بين هؤلاء كلهم, كانت أسعد لحظات حياتهم ساعة لقاء ربهم، هذا كله يندرج تحت الشوق إلى الله عز وجل.
متى يخاف الإنسان الموت؟ :
قال لي أخ: أنا أخاف الموت، قلت له: إذا ضبطت نفسك ضبطاً شديداً, واستقمت, وعملت أعمالاً صالحة يومية متكررة، فإنّ عملك الصالح، واستقامتك الشديدة, هذه تجعلك تشتاق إلى الله, ويخفُّ قلقُ الموت عندك، ومن الواضح جلياً أنه كلما ازدادت الذنوب، وانكشفت العيوب، وابتعد الإنسان عن الله عز وجل, ازداد خوفه من الموت، بل إن الشارد عن الله عز وجل يكاد قلبه ينخلع من منظر الآس والقبور، وبعض الناس يخافون أو يتشاءمون إذا سمعوا القرآن الكريم، بينما المؤمن استقامته وعمله الطيب يدفعانه إلى أن يشتاق إلى لقاء الله عز وجل.
متى يشقى الإنسان ومتى يسعد؟ :
إذاً: أصل هذه المنزلة:
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 5]
فالله سبحانه وتعالى جعل من هذه الآية تعزية للمشتاقين وتسلية لهم.
وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:
اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك.
وكان عليه الصلاة والسلام دائم الشوق إلى لقاء الله، لم يسكن شوقه إلى لقائه قط، ولكن الشوق مئة جزء، تسعة وتسعون له, وجزء مقسوم على الأمة بأكملها.
فعلى المرء أن يقيم علاقة متينة مع الله، وأن يكون له اتصال شديد، وإقبال عالٍ، ومحبة لله عز وجل، هذه تمتص كل آلام الدنيا ومتاعبها ومقلقاتها، إن لم يكن القلب مشتاقًا لله عز وجل لامتلأ خوفاً، وقلقاً، وندماً، وحزناً, وأسفاً، وضياعاً، وقلقاً، وتشتتاً، هذا القلب لا يطمئن إلا بذكر الله، فإذا ذكرت الله عز وجل أنساك اللهُ همومَ الدنيا، وإن غفلت عن الله, فو اللهِ الذي لا إله إلا هو, لتَنْبُعَنَّ المقلقات والمثبطات وأسباب الحزن نبعاً أمامك، قال تعالى:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
وأوضح آية في هذا الموضوع: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]
فالقلوب لا تطمئن إلا بذكر الله. من آثار المحبة :
إنّ الشوق أثر من آثار المحبة، المحبة شعور، من آثار المحبة: الشوق إلى الله عز وجل, وحكم من أحكامها، بل إن الشوق هو سفر القلب إلى المحبوب في كل حال، ولعلّ بعضكم مرَّ بهذه التجربة.
فلو خطبت فتاة راقت في عينك، وأحببتها حباً جماً، وأنت جالس في البيت تتصورها, الآن نائمة، الآن تدرس، صورة هذه الفتاة لا تغادر مخيلتك، هذا هو الشوق، فإذا كنت مشتاقاً لها, فأنت معها شئت أم أبيت، ولو أنها في طرف الدنيا الآخر، الإنسان جسمه مقيد، أما نفسه فطليقة.
أمٌّ لها ابن في أمريكا، هي معه، في غرفته، وهي في بلدها تتصوره.
فالشوق إلى الله من نتائجه الحتمية: أنك معه, فهو سفر القلب إلى المحبوب على كل حال.
تعريف الشوق :
وقال بعضهم: الشوق هو اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وأركِّز على قضية أحوال القلب، لأنّ الدين من دون أحوال يغدو ثقافة وحذلقة ومعلومات، وكل إنسان يحصِّل هذه المعلومة، حتى كما قال بعضهم:
إن حال رجل في ألف, أبلغُ من مقالة ألف في واحد.
إنسان محب لله حقيقة، وقَّافٌ عند كتاب الله، مشتاقٌ إلى الله، حال إنسان مؤمن صادق في ألف، بينما ألف مقال لا يؤثر في واحد, وألف مقالة فصيحة لا تغيِّر واحدًا، وواحد يغيِّر ألفًا بحاله، واتصاله بالله, وشوقه إلى الله، وعزيمته القوية، وصدقه الشديد، بينما ألف قول أجوف خال من الإخلاص، لا يؤثر في واحد، لهذا الأنبياء كانت حياتهم معجزة.
معادلة رياضية :
أحد الصحابة كان يخدم النبي -عليه الصلاة والسلام-، يصرفه مساء، فينام على عتبة البيت, يخدم النبي -عليه الصلاة والسلام- في انجذاب شديد، فأنت كلما انجذبت إلى الله انجذب الناس إليك:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد، كنت ليِّناً لهم، والاتصال من ثماره الرحمة, والرحمة من ثمارها اللِّين، واللِّينُ يجعل الناس يلتفون حولك، والانقطاع عن الله عز وجل، من نتائجه الوبيلة: قسوةُ القلب، والقلب القاسي صداه غلظة وفظاظة، والغلظة والفظاظة يجعلان الناس ينفضان عنك، فاتصال ورحمة ولين والتفاف, وانقطاع وقسوة وغلظة وانفضاض، معادلة رياضية, فالشوق أثر من آثار المحبة، وحكم من أحكامها، إيمان من دون حب, إيمان من دون شوق، علم غزير من دون حال صادق، كالجسد من دون روح.
لا أحد يتأمل ميتاً، ربما كان هذا الميت محبوباً مؤمناً لطيفاً، إذا دخل إلى بيته، هشَّ له أولاده وبشُّوا، فإذا مات خافوا أن يدخلوا غرفته، ما الذي حدث؟ سُحِبَت الروحُ، فصار مخيفاً, وسِّع الأمرَ؛ إسلام من دون حب، جسدٌ من دون روح، أما الدين فحبٌّ وشوق، تجد المؤمن كالمِرجَل لا يتعب، يعمل ليلاً ونهاراً، دون تعبٍ أو كلل، عنده محرك، هو الحب.
أنواع الحب في الله :
أستاذ بالجامعة, له باع طويل في علم النفس، يعد أحد كبار علماء النفس، أحيل إلى التقاعد, أول مرة يقام له حفل وادع من أرقى الحفلات، وقد كنت حاضر، قام وألقى كلمة قال فيها: كل إنسان يجد في نفسه حاجة إلى أن يُحِبَّ، أو أن يُحَبَّ، فليس من بني البشر، لأنك إنسان ينبغي أن تحب، وينبغي أن تحرص على أن تحب, وقال بعدها: والحب أنواع، في أعلاها أن تحب الله, لأنه منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، ثم أن تحب الحقيقة، وأن تكون مع الحقيقة ولو أزعجتك.
أنا أعبر عن هذا: لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، ثم أن تحب من أمرك الله أن تحبهم، ولبعض العلماء قولٌ رائع قال:
هناك حب في الله وهو عين التوحيد، وحب مع الله وهو عين الشرك، فإذا أحببت إنسانًا فمحبته زادتك حباً في الله، ومحبة هذا الإنسان عين التوحيد:
﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 62]
بضمير المفرد، لأن إرضاء رسول الله عين إرضاء الله, وإرضاء الله عين إرضاء رسول الله، أما إذا أحببت إنساناً، وحبك لهذا الإنسان أبعدك عن الله فهذا حب مع الله، إذا كانت محصلة هذا الحب قرباً من الله فهذا حب في الله، وإذا كانت محصلة هذا الحب بُعداً عن الله فهذا حب مع الله, الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك.
إليكم هذه الأمثلة على أنواع الحب في الله :
إنسان له شريك, قوي في التجارة، وإدارته للشركة عالية، أرباح طائلة، هذا يحبه, فجلس معه ونسي صلاة العصر، اقترح رفع مستوى المطعم فوافقه، واقترح بيع الخمر في المطعم ففرِح بفكرته، لقد رضي أن يباع الخمر في هذا المطعم، لأنه حريص على الدخل، وهو يحب شريكه هذا حبًّا مع الله، هذا حب هو عين الشرك, أما إذا أحببت إنسانًا, فزادتك محبته حباً لله, فهذا الحب في الله، لذلك حبُّ المؤمنين حبٌّ في الله، وحبُّ العلماء العاملين المخلصين حبٌّ في الله، وحبُّ التابعين حب في الله، وحبُّ تابعي التابعين حبٌّ في الله, وحبُّ أصحاب رسول الله حبٌّ في الله، وحبُّ النبي حبٌّ في الله، وحبُّ المساجد، وحبُّ الأعمال الصالحة، وحبُّ كل شيءٍ يقربك من الله عز وجل, هو حبٌّ في الله، وكل شيء إذا أحببته ضعفت صلاتك، أو سهوت عن صلاتك، وإذا أحببته نسيت أمر ربك، هذا حب مع الله.
ما قيل عن الشوق أيضاً :
والشوق: هو احتياج القلوب إلى لقاء المحبوب.
وقيل: هو احتراق الأحشاء وتقطيع الأكباد.
المحب يبكي.
حدثني أخ قال لي: كنت في الحج, فأصابني حال عالية, صرت أبكي، قال: كل من حولي: ما بالك؟
الأصل أن تبكي، والأصل أن الشوق يجعله يبكي، ويضطرب, ويتحرك الشوق، فالأصل في الحاج المؤمن أن يبكي، وهو حول الكعبة، وفي عرفات، وفي أثناء السعي والطواف.
وقال يحيى بن معاذ: علامة الشوق فطام الجوارح عن الشهوات, علامة الشوق: أن تبتعد عن كل شهوة تقطعك عن الله عز وجل.
قف هنا :
مرة رجل له دعوة, سأل تلاميذه الصغار، قال له: يا بني, أنت لماذا تغض بصرك عن النساء؟ في طالب أراد أن يتملق شيخه، قال له: يا سيدي, أنا إذا نظرت إلى فتاة أكرهها، أمقتها، قال له: كلامك غير واقعي، فإنّ الله عز وجل زين المرأة في قلوب الرجال، ثم سأل طالبًا ثانيًا وثالثًا، حتى أجابه أحدهم إجابة رائعة، قال له: يا سيدي, أنا لي اتصال بالله عز وجل، ولحرصي على هذه الصلة أغض بصري، لأني لو أطلقت بصري لانقطعت صلتي بالله ، فما دامت هذه الصلة أنا حريص عليها حرصاً شديداً, إذاً أنا أغض بصري، مع أن النظرة للمرأة محببة، هذا الواقع، الكلام الواقعي مريح.
بالعكس العلماء قالوا: العلم الوصف المطابق للواقع مع الدليل.
الآية الكريمة لعلها مناسبة لهذا المقام:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الجمعة الآية: 6 - 7]
معنى ذلك: الإنسان الذي يكون عمله سيئًا, لا يتمنى الموت، ولا يشتاق إليه.
واكربتاه يا أبتي، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
هذا مؤشر قوي جداً: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[سورة الجمعة الآية: 6 -7]
من علامة الشوق :
قال أحد العلماء: علامة الشوق حب الموت مع الراحة والعافية، لا تخلُّصًا من مرض عضال.
حدثني أخ قال لي: كنت في فرنسا, وعرضوا برنامجًا عن مأوى العجزة، وكلُّ من فيه كبار في السنِّ, فكلما سُئِلت واحدة: ما هي أمنيتك؟ تقول: الموت، فالإنسان يتمنى الموت في حالات صعبة فلا يجده.
هناك حالات يتمنى الإنسانُ فيها الموت، أما علامة الشوق إلى الله حب الموت مع الراحة والعافية، لعل هذا شيء يفوق مستوانا، أن تحب الموتَ وأنت في عافية تامةٍ، وأنت في راحة تامة.
ما الفائدة من ذكر أحوال نحن لسنا في مستواها؟ :
سيدنا يوسف لما أُلقيَ في الجب, لم يقل: توفني وألحقني بالصالحين، ولما أُدخِل السجن لم يقل: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين، ولكن قال: توفني مسلماً وألحقني بالصالحين, لما صار عزيزَ مصرَ في أعلى درجة من القوة، والهيمنة، والغنى، والمكانة:
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 101]
النبي -عليه الصلاة والسلام- ألم يخيره الله عز وجل بين زهرة الدنيا وبين أن يرفعه إليه؟ فقال: بل الرفيق الأعلى، النبي قبل وفاته بقليل, ماذا قال؟.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
((خَطَبَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ, فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ! إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ الْعَبْد, وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا, قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ, إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ, وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ, وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ, إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ))
وقد يقول أحدكم: ما الفائدة من ذكر أحوال نحن لسنا في مستواها؟ هي هدف، اجتهد كي تكون في هذا المستوى، نحن بعيدون عن هذه الأحوال، ونرجو الله أن نكون في مستواها ، علينا أن نجتهد حتى نصل إلى مستوى هذه الأحوال. وقيل عن الشوق أيضاً :
وقال بعضهم: الشوق ارتياح القلوب للوجد، ومحبة اللقاء بالقرب مِمَّن أكرمه الله عز وجل بحجة مقبولة.
وهو في عرفات قد يبكي كثيراً، هذا البكاء يورثه طمأنينة ما بعدها طمأنينة, يشعر أن الله قِبَلَه، وأن الله عفا عنه.
وقد قال بعض العلماء: من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله قد غفر له فلا حج له.
يجب أن يغلب على ظنك أن الله غفر لك.
هل الشوق يزول باللقاء أم لا؟ :
سؤال: هل الشوق يزول باللقاء أم لا؟.
إنسان مشتاق إلى الله عز وجل، إذا اتصل بالله, يا ترى هذا الاتصال يخفف الشوق؟ بعضهم قال: نعم، وبعضهم قال: لا، الذين قالوا نعم، الشوق هدفه الاتصال، فلما صار الاتصال برد الشوق، وآخرون قالوا: لا، هناك فرق بين الشوق وبين الاشتياق، أنت كلما رأيت من جمال المحبوب زدت شوقاً إليه، لذلك المؤمن الصادق لا يضعف شوقه مع شدة قربه.
اللهم صل عليه كان يمضي بعض الليل في صلاة وتهجد:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 78 - 80]
هذا ما قاله الجنيد عن مقام الشوق :
قال بعضهم: الشوق سفر القلب إلى المحبوب، فإذا قدم عليه ووصل إليه، صار مكان الشوق قرة عينه به، وهذه القرة تجامع المحبة ولا تنافيها.
قيل لبعضهم: هل تشتاق إلى الله؟ قال: لا، أعوذ بالله، ما هذا الكلام!؟ قال: إنما الشوق إلى غائب، وهو حاضر معي.
هكذا أجاب, إنما الشوق إلى غائب
﴿وهو معكم أينما كنتم﴾
وفعلاً: في أي مكان لك أن تناجيه، في أي مكان لك أن تدعوه، في أي مكان لك أن تسأله، في أي مكان لك أن تسبحه، وأن توحده، وأن تكبره.
وقال الجنيد: الشوق أجل مقام للعارف إذا تحقق فيه، أجلُّ مقام أن تكون مشتاقاً إلى الله عز وجل، لذلك النبي الكريم كان يقول: ((يَا بِلَالُ أَقِمْ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا))
نرجو الله أن نكون كذلك.
تقول السيدة عائشة: كان عليه الصلاة والسلام يحدثنا ونحدثه, فإذا حضرت الصلاة, فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه.
يحدثنا ونحدثه كواحد منا، فإذا حضرت الصلاة, فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه, من شدة شوقه إلى الله عز وجل. هل يوجد في الدنيا مقام أعلى من هذا المقام؟ :
وقال بعضهم: أهل الجنة دائماً في شوق إلى الله، مع قربهم منه ورؤيتهم له.
وكل واحد منا يحاسب نفسه، له ساعة مع الله، يبكي فيتأثر, فيشعر أنه ملك شيئًا عظيمًا، هذا من حبِّ الله لك.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ بِيَدِهِ, وَقَالَ:
((يَا مُعَاذُ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ, وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ, فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ, لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ, تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّ عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))
ما رأيت في الدنيا مقاماً أعلى من هذا المقام: أن يحبك رسول الله.
إذا أحبَّك المؤمنون يحبونك, فهو علامة طيبة جداً، أما إذا كان أهل الفسق والفجور يحبونك, فهذه وصمة عار في حقك، يجب أن يحبك المؤمنون، يجب أن يشتاق لك المؤمنون، وأن يأنس بك الناس، لا أن يحبك أهل الغرور وأهل الفسق والفجور. من علامة الحج المبرور :
لا أحد يذهب إلى بيت الله الحرام إلاّ وهو مشتاق إلى الله عز وجل، يلبِّي دعوة الله قائلاً: لبيك اللهم لبيك، فكأن الله يقول له: تعال يا عبدي، تعال إلي كي تذوق طعم القرب مني ، تعال إلي كي أريحك من هموم كالجبال، تعال إلي وذق حلاوة مناجاتي، يقول له العبد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك، هذه التلبيةُ إجابةٌ لنداء يقع في قلب المؤمن، الآن وصل إلى بيت الله الحرام، أيعقل أن يدعوك اللهُ إليه، ولا تجد شيئاً هناك؟ لا بد من أن تجد شيئاً نفيسًا.
أجمل ما قرأت عن قوله تعالى:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾
[سورة البقرة الآية: 125]
مثابة مصدر ميمي، من ثاب، وثاب بمعنى رجع، من علامة الحج المبرور: أنك إذا حججت بيت الله الحرام، تتمنى أن تعود إليه كل عام، لذلك بعض الحجاج دون أن يشعروا، في أثناء طواف الوادع يقولون: اللهم لا تجعل هذا الحج آخر عهد لنا بالبيت، كل إنسان حج حجاً مقبولاً, يتمنى أن يحج كل عام، حتى إنه قد ورد في بعض الأحاديث, أنه:
إذا أصححت لعبدي جسمه، ووسعت عليه في المعيشة، وأتت عليه خمسة أعوام، لم يثب إلي لمحروم.
هناك آية ثانية لها علاقة بهذا المقام:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾
[سورة طه الآية: 84]
هو مشتاق إلى الله عز وجل. لم أطال موسى عليه الصلاة والسلام الحديث مع الله؟ :
يروى: أن سيدنا موسى -عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- لما قال له ربُّنا عز وجل في المناجاة:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية: 17]
﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ﴾
-يريد أنْ يطيل اللقاء، ثم قال في استحياء-: ﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾
[سورة طه الآية: 18]
هنا غلب عليه الأدب، أطال الحديث، ثم غلب عليه الأدب، فإذا سمح اللهُ عز وجل له أن يتابع الحديث, يقول له: يا موسى وما تلك المآرب؟:
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾
[سورة طه الآية: 18]
هذه الإطالة في الحديث في أثناء المناجاة أيضاً من شوق هذا النبي الكريم إلى الله عز وجل.
كل أنواع المحبة للنبي وأصحابه وللمؤمنين الصادقين هي عينها محبة الله عز وجل :
الإنسان يقف أمام حجرة النبي -عليه الصلاة والسلام- ويبكي، هذا الإنسان الذي جاء الحياةَ الدنيا فأعطى ولم يأخذ، هذا الذي بذل كل جهده من أجل سعادتنا، هذا الذي كرم الإنسان، هذا الذي قدس العقل، هذا الذي أعطى ولم يأخذ، هذا الذي جعله الله فوق الناس جميعاً, فعاش بين الناس كأنه واحد منهم، هذا الذي قال: اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون، فقد يبكي الإنسان وهو أمام مقام النبي -عليه الصلاة والسلام- بكاء شوقٍ إليه، والشوقُ إلى النبي الكريم شوقٌ إلى الله، والشوق إلى أصحاب رسول الله شوقٌ إلى الله، كل أنواع المحبة للنبي وأصحابه وللمؤمنين الصادقين هي عينُها محبة الله عز وجل، فهذا حب في الله، وهو عين التوحيد.
نهاية المطاف :
ورد في الأثر: أنه خرج داود -عليه السلام- يوماً إلى الصحراء منفرداً, فأوحى الله تعالى إليه: ما لي أراك منفرداً؟ فقال: إلهي استأثر على قلبي شوقي إلى لقائك، فحال بيني وبين صحبة الخلق، فقال الله عز وجل: ارجع إليهم، فإنك إن أتيتني بعبدٍ آبقٍ, أثبتك في اللوح المحفوظ جهبذاً.
الإنسان يؤثر الوحدة، يصلي ويقرأ قرآن فيبكي، أما إذا أنت ذكرت الله, بتعريف الخلق به: هذا أوقع عند الله، هناك ذكر تعبدي، وهناك ذكر تعريفي بالله عز وجل، وهناك ذكر لبيان عظمة الله, وهناك ذكر أساسه أن توضح للناسَ أمر الله ونهيَه، وقد تبادر إلى فعل الأمر وترك النهي فهذا أعظم أنواع الذكر، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 152]
اذكروني لعبادي أذكركم، ارجع فإنك إن أتيتني بعبد آبق, أثبتك في اللوح المحفوظ جهبذاً.
هذا معنى قول النبي الكريم:
((لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحداً, خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
((خير مما طلعت عليه الشمس، وخير لك من الدنيا وما فيها، وخير من حُمرِ النعم))
يبدو أن الأنعام ذات اللون الأحمر هي أغلى شيء.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا الخير.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و الثمانون )


الموضوع : الوقت









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما تعريف الزمن, ولم هو أخطر شيء في حياة الإنسان؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإيّاك نستعين، والمنزلة اليوم هي منزلة الوقت، ولا أُبالغ إذا قلتُ: إنّ الوقت أخطرُ شيءٍ في حياة الإنسان, لأنّه رأسُ ماله الوحيد، ولأنّه أثمنُ ما يملك، بل إنّ الإنسان هو وقت، هو بضعةُ أيّام، كلّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
مفهوم الزّمن مفهوم دقيق ومعقّد، الله سبحانه وتعالى خلق الكون، وجعلهُ متحرِّكًا، قال تعالى:
﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[سورة يس الآية: 40]
والزمن هو البعد الحركي الرابع للأشياء، فالنقطة إذا تحرّكت رسمت خطاً، والخطّ إذا تحرّك رسمَ سطحًا، والسّطح إذا تحرّك رسم حجمًا، والحجم إذا تحرّك شكَّل وقتًا، فكلّ شيءٍ متحرّك يتحرّك ضمن زمن.
بِمَعنى آخر: أنّ الحدث الشيء الذي يقع, لا بدّ له من مكان يحويه، فالإنسان لا يمكن أن يتصوّر حدثًا بلا مكان، يقول لك: فلان هدم بيته، أين بيته؟ فلان مرض ابنه، أين يقيم ابنه ؟ فكلّ حدثٍ يحتاج إلى مكان، كما أنّ كلّ حدثٍ يحتاج إلى زمان، مكان يحويه، وزمان يضمُّه ، وكلّ حدثٍ يحتاج إلى محدث، وكلّ حدَثٍ يحتاج إلى غاية، فالإنسان لا يفهمُ حدثًا بلا غاية، فالحدَث له مكان زمان ومُحْدِث وغاية, الزّمن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان لأنّه وعاء عمله.
العاقل يرشد استهلاك الوقت :
انظر إلى إنسانٍ يملك الملايين في أوربا وأمريكا أغنياء بأرقام فلكيّة، سبعةٌ وتسعون مليار دولار يملكها شابّ في الثانية والأربعين, هذا لو جاءتْهُ المنيّةُ فجأةً ما قيمة هذا المال؟ الوقت أهمّ من المال، والدليل:
أنّ إنسانًا أُصيب بِمَرضٍ عُضال, وهناك جهة في بعض البلاد الغنيّة, يمكن أن تُجرى له عملية في هذا البلد، لكنّ كُلفة العمليّة بِثَمن بيتِهِ, لا يتردَّد ثانيةً واحدة في بيع البيت, وإجراء العمليّة، ذلك لأنّه مركَّبٌ في أعماقه؛ أنّ الوقت أثْمن من المال, يبيعُ بيته الوحيد الذي لا يملك غيره ليُجريَ هذه العمليّة التي يتوهَّم أنَّها تُمِدُّ في أجله بضْع سنين، هكذا الإنسان.
وكلّنا نعلم أنّ الإنسان إذا أمْسكَ مئة ألف ليرة وأحرقها أمامك, تحكمُ عليه بالسَّفه والجنون والخلل العقلي قطعًا، لأنّ إتلاف المال يُعدّ سفاهةً، وقد قال الله عز وجل:
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾
[سورة النساء الآية: 5]
وبما أنّ الإنسان إذا أتلف مالهُ يُعدُّ سفيهًا، فإذا أتلف وقتهُ فهو أشدّ سفاهةً, فالعاقل يرشّد استهلاك الوقت، كما قال الله عز وجل:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
عن عملٍ لا قيمة له، عن حديث فارغٍ، عن متعةٍ رخيصةٍ، عن مناقشةٍ لا جدوى منها ، عن خصومةٍ لا يعدّ المنتصر فيها منتصرًا، ولا المنهزم منهزمًا، وكم من قضيّة تافهةٍ تستهلك أوقات الناس؟.
ما أثمن شيء في حياة المؤمن؟ :
وقد مرَّ بعض الصالحين بِمَقهى, ورأى فيه أُناسًا يلعبون النَّرْد, فقال: يا سبحان الله! لو أنّ الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناهُ منهم.
إنّ المؤمن الصادق الذي عرف الله عز وجل، وعرف سرّ وُجوده, وغاية وُجوده، لا يجدُ شيئًا أثمن في حياته من الوقت، ينفقهُ بِتَخطيط دقيق، وحِرْصٍ شديد، ومُتابعةٍ دائمة، لأنّ الإنسان بضعة أيّام, كلّما انقضى يوم منه انقضى بضعٌ منه.
أين نجد معنى الوقت في القرآن الكريم؟ :
أليْسَت هذه منزلة من منازل مدارج السالكين؟ أين نجدُ معنى الوقت في القرآن الكريم؟ في سورة العصر، يقول الله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
[سورة العصر الآية: 1-2]
كيف يخسر؟ مُضيّ الزّمن وحدهُ يستهلكهُ، نحن جميعًا من دون استثناء ينقص عمرنا ، كلّ واحدٍ منَّا له نهاية ثابتة، ونحن متحرّكون نحو نهايةٍ ثابتة، كلّ ثانية، وكلّ دقيقة تقرّبنا من هذه النهاية الثابتة، إذًا نحن في خسارة، لأنّ مُضيَّ الزّمن يستهلكنا، هذا الشيء يتّضح, فيمن يستأجر بيتًا سياحيًّا, الأيّام تمضي سريعًا، أوَّل الشّهر وآخر الشّهر, الشّهر الأوّل والثاني والثالث والرابع والخامس ثمّ تفضّل! ينتقل إلى بيت آخر، يقول لك: مَضَتْ عليّ هذه الشّهور كلمْح البصَر.
فلو أنّ إنسانًا استأجر سيّارة, يمرّ الوقت معه سريعًا، فالوقت شيءٌ دقيق جدًّا هو أنت، ورأسُ مالك، ووِعاءُ عملك، والعاقل هو الذي ينفق وقتهُ إنفاقًا مرشَّدًا, إنفاقًا استثماريًّا لا إنفاقًا استهلاكيًّا، قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
وقتٌ تُمضيه في معرفة الله, هو وقتٌ مستثْمَر وليس ضائعاً، وقتٌ تمضيه في معرفة منهجه, هذا وقتٌ مستثمَر ليس ضائعًا، وقتٌ تمضيه في العمل الصالح, وبِخِدمة الخلق، وفي رعاية الضعيف، وفي رعاية اليتيم، وفي عيادة المريض، وفي تعليم العلم، وفي الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفقّد الفقراء والمساكين والبائسين، وإقامة بيوت الله تعالى، كلُّ عملٍ يفضي بك إلى الجنّة فعلهُ هو استثمارٌ للوقت، ثمّ كلُّ وقتٍ تتواصى بالحق به مع الناس هو استثمارٌ له، ومصيبة تأتيك وأنت صابرٌ عليها فتتحمّلها، فإنّ وقتَ هذا التَّحمّل مستثمر وليس ضائعًا، هذه السورة تُعَدّ أصلاً في موضوع الوقت الذي ورد ذكرهُ في القرآن الكريم.
آية أخرى تشير إلى معنى الوقت :
هناك آيةٌ أخرى تُشير إلى معنى الوقت, قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
الإنسان مخيّر، وهو يُوَلِّي وِجهته نحو الخير أو نحو الشرّ، نحو الحقّ أو الباطل، نحو المبدأ أو الشّهوة، نحو خدمة الناس أو استهلاك جُهودهم، خدمتهم أو استخدامهم، نحو إكرام الناس أو ابتزاز أموالهم، الوقت يجري، فاستبقوا الخيرات، قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
أنت في فرصةٍ ذهبيّة محدودة.
تصوّر إنسانًا يؤدّي امتحانًا لمادّة أساسيّة في سنة التخرّج والأسئلة كثيرة، هل يمكن أن يعبث بأشيائه؟
مثلاً: هل رأيتم طالباً في الأرض وهو على منضدة الامتحان يعبثُ بِساعته؟ أو يعدّ ما في جيْبِهِ من مال؟ مستحيل، هو في امتحان، وكلّ دقيقة متعلّقة بِمَصيره, وكلّ دقيقة متعلّقة بعلامة من علامات النجاح.
أنا أضرب لكم أمثلة في أوقاتٍ حرجةٍ، قضيّة وقت الامتحان، ووقت أداء امتحان شفوي، هو أيضاً وقت حرج، كلمة وسارعوا، الوقت كالسّيف إن لم تقطعه قطعَكَ، فالآية الكريمة:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
في أية مكانة أنت، أو في أيّ مكان أنت. بيت شعر :
قال الشاعر:
لا تَأمَنِ المَوْتَ فِي طَرْفٍ وَلاَ نَفَسٍ وَإِنْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجَّابِ وَالْحَـــرَسِ
فَمَا تَزَالُ سِهَامُ الْمَوْتِ نَــــافِذَةً فِي جَنْبِ مَدَّرِعٍ مِنْهَا وَ مُتَّـــرِسِ
أَرَاكَ لَسْتَ بِـوَقَّافٍ وَلاَ حـَـــذِرٍ كَالحَاطِبِ الخَابِطِ الأَعْوَادَ فِي الْغَلَسِ
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَـالِكَـهَا إِنَّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَــبَسِ
إنسانٌ غارقٌ في عملٍ لا يُرضي الله تعالى فوافتْهُ المنيّة، هذه مصيبة، وإنسانٌ غارق في المال الحرام فوافتْهُ المنيّة، إنسانٌ غارقٌ في المباحات فوافتْهُ المنيّة، انتقل من كلّ شيء إلى لا شيء. ما معنى: سارعوا؟ :
معنى ذلك:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
سارعوا: هنا فيها مَلْمَحٌ للوقت.
الوقت يمضي سريعًا، يوم، ثم أسبوع، ثمّ شهر، ثمّ سنة، وعَقْد، كلّ واحد منكم يسترجع بَعض ذكرياته سنة الثمانين، الآن نحن في سنة ألفين, كيف مضَت هذه السنوات العشرون؟ كلمْح البصَر. هكذا يمضي الوقت :
أنا كنت مدير ثانويّة في إحدى المحافظات, دعاني أحدُهم إلى وليمةٍ في هذا المكان، مضى على عملي التدريسي والإداري في هذه الثانويّة ثلاثون عاماً، أكثر الطلاّب أصبحوا بسنٍّ كبيرة، بعضهم أطبّاء، وبعضهم في سلك الجيش، وفي سلك الشّرطة, ثلاثون عامًا كيف مضَتْ؟ بينما كنتُ في هذه البلدة مديرًا للثانويّة، وبعد زيارتي الثانية بعد ثلاثين سنة، كيف مضَت هذه الأعوام الثلاثون؟ كَلَمْح البصَر، فالوقتُ يمضي سريعاً، نحن كلّنا حاضرون، لكن ما بين غمْضة عينٍ وانتباهها, يُعلّق نعيُه على الجدران -رحمه الله تعالى- لقد كان صالحاً، لم تكن به علّة.
من هو العاقل؟ :
حدّثني أخ, فقال: أنا أُصلّي في أحد مساجد المزّة، وهناك أخٌ يصلّي معنا دائماً، لا يغيبُ ولا يوماً، لكنه ذو دعابة, وكلّ يوم له طرفة, ويُسمِعُنِي إيّاها في الطريق بعد انتهاء الصلاة، والبارحة خرجنا معاً من المسجد, وكان في حالة عادية جدًّا، بكامل صحّته وحيويّته ونشاطه، بكل تألّقه ومرحه، فَذَكَر بعض الطُّرَف, وذهبَ كلٌّ منَّا إلى بيته، ورأيته ظهراً في بعض مواقف السيارات بدمشق، أقْسَم لي بالله العظيم أنّه صلى عليه بعد العصر, كان معنا في المسجد فجراً، ولمحتهُ ظهراً في موقف السيارات، وصلَّيْتُ عليه صلاة الجنازة وقْت العصر، هكذا الدّنيا, الموت يأتي فجأةً والقبر صندوق العمل.
ما رأيتُ أعقلَ من إنسانٍ يعمل لهذه الساعة التي لا بدّ منها، كلُّ ما تجمِّعهُ في الدّنيا تخسرهُ في ثانيةٍ واحدة إلا أن تكون تقيًّا:
((واكربتاه يا أبتاه، قال: لا كرْب على أبيك بعد اليوم, غدًا نلقى الأحبّة؛ محمَّدًا وصحبهُ))
إليكم هذه الآيات التي تشير فيها إلى معنى الوقت :
إذًا: المعنى الثاني للوقت، هو قوله تعالى:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
الآية الثالثة, قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
[سورة الحديد الآية: 21]
الآية الرابعة، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية: 40]
جئتَ في الوقت المناسب، وفي الوقت الذي أنت في أشدّ الحاجة إلى المناجاة:
﴿على قَدَرَ﴾
يعني في الوقت المناسب، لذلك قالوا:
كلّ شيءٍ له أوان، ومن تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه، كلّ شيء لهُ أجل، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 5]
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
من معاني هذه الآية :
إذا هناك وقت مناسب للعطاء، اُطلُبْ, واصدُقْ, وأخْلصْ، وألِحَّ في الدعاء، لكنّ الجواب يأتي بِحِكمةِ حكيم في الوقت المناسب.
أحياناً الإنسان يضْجر من بقائه عازباً بلا زوجة، ولكنّ الله عز وجل قد هيَّأ له امرأةً صالحةً تسرُّه إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها، وتطيعهُ إن أمرها، هيّأ له هذه الفتاة في وقتٍ مناسب، فالإنسان صابر، ويرضى بقضاء الله وقدره، فلو تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقِبَ بِحِرمانه، قال تعالى:
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية: 40]
أي جئتَ في الوقت المناسب، وقد قال بعض الشعراء:
نَالَ الْخِلاَفةَ إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
هناك معنى آخر: لمّا جاء موسى برسالة الله عز وجل, كان الناس أحْوَجَ ما يكونون إلى رسالته, وحينما جاءَتْ بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام-, كان الناس أحوَجَ إلى بِعْثته، وكلّ شيء يأتي في الوقت المناسب بتَقدير حكيم عليم، إذْ آن أوانُه. من تعاريف الوقت :
بعض التعاريف للوقت، قال: ظرف الكون، أي ظرف الفعل، وِعاء العمل، العمل يحتاج إلى مظلّة من وقت، وأرضيّة من مكان، وهذا في اللّغة العربيّة يُسمَّى ظرف مكان وظرف زمان, تقول:
جلسْتُ جنْب النَّهر، فإعراب جنب: ظرف مكان، وسافرت صباحاً، إعراب صباحاً: ظرف زمان, عندنا ظرف مكان وظرف زمان، لكن إيّاك أن تقول: متى كان الله تعالى؟! لأنّ الله خالق الزمان، فلا يُقال متى كان؟ ومتى لم يكن؟ الزمان من خلْق الله عز وجل، فأن تقول: متى كان الله؟ كلامٌ لا معنى له.
أحيانًا الإنسان يتورّط في تَساؤلاتٍ غير صحيحة، يقول لك: الله، هل يعلم ما سيكون ؟! الله يعلم ما سيكون يوم الخميس, هذا جعل الله قد احتواه الزمان، الزمان من خلْق الله عز وجل، لا يمكن أن يحْتويَ اللهَ شيءٌ، لا مكان ولا زمان، لذلك قالوا، -والقول منسوب إلى سيّدنا عليّ -كرَّم الله وجهه-:
علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
أقسام الزمن :
بالمناسبة: شيءٌ بديهي أنّ الزَّمَن أقسامٌ ثلاثة: اللّحظة الراهنة -الساعة التي أنت فيها الآن- وزمنٌ مضى، وزمنٌ لم يأت، والحقيقة الخطيرة: أنّه ما مضى فات، ولا يمكن أن يُستردّ، ولا أن يستعاد.
والعقلاء دائماً لا يفكّرون في الماضي إطلاقًا، كان البيت ثمنه ستّ آلاف ليرة، والآن ثمنه ستّة ملايين, ليتني أخذتُ بيتاً في ذلك الوقت، هذا الكلام فارغ، شيءٌ كان ولن يعود، ما مضى فات.
يقول لك: أيام زمن البعثات سهل، ولو ذهبتُ لرجعْتُ بدكتوراه، وصرت في الجامعة، ما رضيتُ أنا حينها ويندم, الأغبياء دائمًا يتحسّرون، ويندمون، ويجترّون همومهم، ليس من صفة العاقل أن يبحث في ما مضى, فإنّ ما مضى فات, انتهى بِخَيره وشرّه، جملةً وتفصيلاً:
ما مضى فات، والمؤمّل غيب.
يقول لك: غدًا أبيع هذا القدر من العسل, فأشتري به قطيعًا من الغنم، أربّي هذا الغنم، ويتوالد ويكثر، وأبيعه فأُصبح غنياً، ثم أشتري بيتًا، وأخطب فتاةً جميلةً وأتزوّجها، وأُنجبُ أولادًا وسأؤدِّبهم تأديباً دقيقاً, فأمسك العصا وضرب بالقدر فسال العسل عليه، وطارَتْ كلّ أحلامه, هذا هو المستقبل:
ما مضى فات والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
فلا نملك إلا هذه الساعة.
ورد في الأثر: أنّه هلك المسوّفون.
المتخلّفون في الحياة دائماً يربط هممهُ العاليَة بِحَدَث مستقبلي لن يصل إليه، يقول لك: بعد أن أُنهي دراستي أُصلّي, علق بالجامعة اثني عشرة سنة، كلّ سنة بثلاث سنوات، ويقول لك: حتى أتزوّج أوّل الصّيف بِمَجيء رمضان:
هلك المسوّفون.
كلّ إنسان يربط توبته إلى الله بِزَمن مستقبلي, هو إنسان ضعيف الإرادة والشّخصيّة، يجبُ أن تتوب في لحظتك الراهنة، أما أن تقول غدًا، فالهمّة تبرد.
الدنيا ساعة اجعلها طاعة :
قال لي أحدهم: خدمْتُ إنسانًا لِوَجْه الله تعالى، فجاءني مساءً, ووضَعَ لي مبلغًا ضخمًا في ظرف, وقال لزوجته: هذا لفلان نظير خدمته، قال لي: ارتعدت فرائسي، وغضبتُ، وزمْجَرْتُ، ونويتُ توبيخهُ وتعْنيفهُ، وسأُلقي هذا المبلغ في وجهه لأنّه يحتقرني، أنا خدمْتُه لوجه الله، يُعطيني هذا المبلغ نظير خدمتي له، ألا يعرف نزاهتي وإخلاصي؟ في اليوم الثاني وجد نفسه أنّه قد برد، وثالث يوم, قلت: ربّما هذه طيبة نفس، ورابع يوم قلت: دعهم لي, قال : فجاء لصّ فسرقَ كلّ ما في البيت, فعرفْتُ الذَّنْب، هلك المسوّفون، لا تسوّف، نوَيْت أن تفعل الخير افْعَلْهُ فورًا:
ما مضى فات، والمؤمّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
لا نملك إلا هذه الساعة. و:
الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طمّاعة عوّدها القناعة.
هذا ما قاله الشافعي :
الإمام الشافعي -رضي الله عنه- يقول: صَحِبْتُ علماء القلوب، وانتفعتُ منهم بِكَلِمَتَين، سمعتهم يقولون: الوقت سيف إن قطعتهُ وإلا قطَعَك.
ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((اغتنم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك.
-في أثناء الحجّ ما غبِطْتُ أناساً كما غبطْت الشباب في الحجّ، الطواف والسعي يحتاجان إلى جهد، والمتقدّم في السنّ يطوف ويسعى بشكلٍ صعب-.
وصحّتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك))
ريح الجنة في الشباب :
إنّ زوجي تزوَّجني وأنا صغيرة، ذات أهلٍ ومالٍ وجمالٍ وأولاد، فلمّا كبِرَت سنِّي، وذهب بطني, وتفرّق أهلي، وذهب مالي طلَّقني، كلّ إنسان لا بدّ أن يتغيّر، هو شابّ كله طاقة حيويّة ونشاط، تجد الشاب يصعد الدّرج وينزل في لمح البصر، أما المتقدّم في السنّ فيصعد درجة ويرتاح.
سمعتُ عن رجلٍ, كان شرسًا مع والده, يحملُ بغْلاً، ويصعد به في الدرج إلى أبيه، ويقول له: أعطني دراهمه وإلا ما أنزلتهُ لك، قال لي أحدهم: رأيتهُ في آخر حياته يرجو سائق الحافلة أن ينزلهُ قبل الموقف أمتار، لأنّه لا يستطيع المشي, فالإنسان يتغيّر:
((اغتنم شبابك قبل هرمك))
هناك أشخاص يأتون إلى بيوت الله، ولكن في الثمانينات، ليتهم جاؤوا وهم شباب، ما من شيءٍ يحبّه الله كشابّ مؤمن، وما من شيءٍ أكرم على الله.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
شابّ في مقتبل الحياة, يغضّ بصره، ويضبط لسانه، ويصلّي أوقاته، وينفق مالهُ، ريحُ الجنّة في الشباب، أمّا الآن: فتجد الرَّجُلَ أمضى حياته في المعاصي والآثام والغفلة والتّرَف والفجور، ولمّا دنا منه الموت جاء فصلّى، لم يعد له شيءٌ، فجاء إلى المسجد، ونحن نتمنّى أن نرى الشباب في المساجد, أن نرى الواحد في مقتبل الحياة يصطلح مع الله تعالى، ويُطيع الله عز وجل:
مَا مَضَى فَاتَ وَالْمُؤَمَّلُ غَيْبٌ وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا
قف عند هذا الكلام :
هناك كلام لطيف؛ وقد قيل: أنت بين خمسة أيّام: يومٌ مفقود وهو ما مضى، ويومٌ مشهود وهو ما أنت فيه، ويومٌ مورود وهو ساعة الموت، ويومٌ موعود وهو يوم القيامة، ويومٌ ممدود إما في جنّة يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفذ عذابها، وأخطر هذه الأيّام الخمسة اليوم المشهود، ما أنت فيه.
قف عند هذا البيت لأحمد شوقي :
الشاعر أحمد شوقي له بيت مشهور:
دَقَّاتُ قَلِبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ: إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقُ وَثَوَانِ
القلب يدقّ فتوقّف، وانقطع نفسُهُ، جاء الطبيب ووضع المصباح في عينه فما تأثّر، ثمّ جاء بمرآة ووضعها على أنفه, فلا يوجد بخار ماء، أمسك بيدِه فلم يجد نبْضًا، حينها يقول: عظَّم الله أجركم, هل يوجد منّا من لا يصير إلى هذا الحال؟! القلب يضخّ في الساعة ثماني متر مكعّب من الدمّ.
إنسان عاش ستّين سنة تقريباً, يضخّ من الدمّ ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم, لكن عند الموت يصير من أهل الآخرة، وانتهى الأمر.
الوقت نسبي يطول ويقصر :
أيها الأخوة الكرام, رأى بعضهم الصدّيق -رضي الله عنه- في منامه, فقال له: أوْصني، فقال له: كُنْ ابن وقْتِك.
وقت الفجر في الصّلاة، أما في النهار فهناك عمل صالح، والليل في بيتك، كُنْ ابن وقْتِ.
بالمناسبة: هناك موضوع فرعي، الوقت نسْبي يطول ويقصُرُ، قال بعض الشّعراء الأندلسيّين:
إِنْ يَطُلْ بَعْدَكَ لَيْلِي فَلَـكَمْ بِتُّ أَشْكُو قِصَرَ اللَّيْلِ مَعَكْ
دَقِيقَةُ الأَلَمِ سَــــاعَهْ وَسـَاعَةُ اللَّذَّةِ دَقِيقَـــهْ
أكثركم يسهر مع شخصٍ يحبّه حباً جماً، يبدأ اللّقاء الساعة السابعة، وينتهي الساعة الواحدة ليلاً, كيف مضَت هذه الساعات الخمس أو الستّ؟ كلمْح البصَر، إذا كان هناك انتظار لسؤال وجواب، يمكن خمس دقائق تمرُّ كساعة, فالوقت يخِفّ على المؤمنين، ويثقل على الكافرين، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
[سورة غافر الآية: 46]
من ستّة آلاف سنة، كلّ سنة ثلاث وخمس وستون يوماً، وكلّ يوم مرّتين صباح مساء ، كما قال تعالى:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾
[سورة غافر الآية: 46]
فالإنسان المؤمن ينوِّرُ اللهُ عز وجل له قبرَهُ، والقبرُ إما حفرة من حفرِ النار، أو روضة من رياض الجنة، فَوَقْت العذاب يطول كثيراً، ووقت السرور يمضي سريعاً، إذا كان أحدُنا عند طبيب الأسنان ولا يتحمَّل قلبهُ البنج، وفي أثناء حفر السنّ وصل إلى العصب، فلو استمرّ الحفر دقيقة, لكان بالنسبة للمريض ساعة، دقيقة الألم ساعة، وساعة اللذّة دقيقة، فالوقت يطول ويقْصُر. من سير الصالحين :
كان أحد علماء دمشق الأجلاّء عنده معهد شرعي، الله عز وجل أمدَّ بعُمُرِه، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث:
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ, أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
كان يرى الشابَّ في الطريق فيقول له: يا بنيّ، أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدّك تلميذي, عاشَ سِتّةً وتسعين عاماً، وبدأ بالتدريس في الثامنة عشر، وتوفّي في الثامنة والتّسعين، ثمانون سنة في تدريس أجيال تلو أجيال، وكان منتصب القامة، حادّ البصر ، ومرهف السّمع، لم تسقط له سنٌّ وكان حيويًّا ونشيطًا، وإذا سئِلَ: ما هذه الصحّة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بنيّ, حفظناها في الصّغَر فحفِظَها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقيًّا عاش قويًّا.
وكلٌّ منّا يطمح أن يجعله الله في صحّة تامّة في خريف عمره، وهذا يحتاج إلى تقوى لله عز وجل واستقامة، وإنَّ هذه الجارحة إن حفظتها حفظها الله لك, والعين إذا بكَتْ من خشْية الله, فإنّ الله عز وجل يضْمنها لك أن تبقى سليمةً إلى نهاية الحياة، وكذا السّمع والأُذن واللّسان والبصر. من أدعية النبي :
والدعاء الشريف: عَنِ ابْنَ عُمَرَ قَالَ:
((قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ, حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ, وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ, وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا, وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا, وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا, وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا, وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا, وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا, وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا, وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا, وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا))
نهاية المطاف :
أيها الأخوة، الوقت كالسّيف إن لم تقطعهُ قطَعَك، الوقت هو أنت، كلّما انقضى يوم انقضى بضْعٌ منك، الوقت رأسُ مالك الوحيد، الوقت أثْمَنُ شيءٍ تملكهُ، الوقت وِعاءُ عملك، والمؤمن يرشّد استهلاك وقته، ولا يستهلك وقته إلا فيما يُجْدِي، بل إنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا العمر القصير, ثلاث وستون سنة قلبَ وجْه الأرض، ونشر الحقَّ في المشرقين والخافِقَيْن، وفي أطراف الدنيا، لذلك أقسم الله بعُمُرِهِ, فقال تعالى:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و الثمانون )


الموضوع : مراتب الهداية - 1







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مراتب الهداية :
1-مرتبة التكليم :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، وفي هذا الدرس نتحدّث عن مراتب الهداية، أعلى هذه المراتب على الإطلاق من حيث النوع: تكليم الله عز وجل لعبده يقظةً بلا واسطة، بل منه إليه ، وهذه أعلى مراتبه كما كلّم اللهُ موسى بنَ عمران صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 164]
أي لا يوجد اتّصال أشد وأقوى من أن يكلِّم اللهُ إنسانًا. نقطة مهمة :
أيها الأخوة، هناك نقطة ينبغي أن تكون واضحةً لديكم: وهي أنّ الاختصاص ليس من لوازمه التفضيل، فلو أنّ ضابطًا كبيرًا يركب طائرة ويطير، لا يمكن أن يكون أعلى من قائد الجيش كلّه، مع أنّ هذا الضابط الطيار له اختصاص في الطيران، بينما قائد الجيش قد لا يطير، إلا أنّ مرتبة قائد الجيش أعلى من مرتبة الطيّار، فذكرتُ هذا التحفظ لأنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- سيّد الخلق قاطبةً، وحبيب الحق، وهو سيّد ولد آدم، وهو أعلى مخلوقٍ خلقه الله عز وجل، ومع ذلك لمْ يكلّمه، فالعلماء قالوا:
الاختصاص لا يقتضي التفضيل، أما من حيث طبيعة العلاقة بين الإنسان وخالقه، فأعلى درجة هي التكليم.
هل من اختص بمرتبة التكليم يعد في أعلى مقام؟ :
قال تعالى:
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 143]
لم يقلْ هذا شكًّا في وُجوده كما يدّعي بعضهم، بل قال: هذا طمعًا في رؤيته بِدافعٍ من شوقه, فقال تعالى:
﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾
[سورة الأعراف الآية: 143]
إنّ الطبيعة البشريّة في الحياة الدنيا لا تحتمل رؤية الله تعالى، لكنّ الله عز وجل وعد المؤمنين بأنهم سوف يرَون ربّهم في الجنّة، كما يرون القمر ليلة البدر، وقد أثبتَ الله تعالى هذا في قرآنه الكريم، فقال:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[سورة القيامة الآية: 22-23]
وبيّن الله عز وجل أنّ أشد عذابٍ على الإطلاق: أن يُحجب الإنسانُ عن ربّه، قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
هذه مرتبة من حيث نوع العلاقة هي أعلى مرتبة، لكنْ من اختصّ بها لا يُعد في أعلى مقام.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ, لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ, أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
لذلك نقول بعد الأذان, كما علَّمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ, وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ, آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ, وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ, حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
متى يعلو مقام العبد عند الله؟ :
قال تعالى:
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾
[سورة الإسراء الآية: 78-79]
ما علاقتنا بهذا الكلام؟ بِقَدْرِ قوّة اتّصالك يعلو مقامُك، وبقدْر إحكام اتّصالك يعلو مقامك عند الله تعالى بشكلٍ أو بآخر.
إذا كان هناك مركز كبير لتحويل الكهرباء، يتلقّى المدّ من خطّ توتّر عال, قوتُه ثمانون ألف فولط، هذا المركز يمكن أن يضيء مدينة -ولله المثل الأعلى-.
النبي -عليه الصلاة والسلام- من شدّة قربه من الله, يتلقّى من الله تعالى شيئًا لا يوصف، قال تعالى:
﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾
[سورة النجم الآية: 16]
قال علماء البلاغة: هذا هو الإيجاز الفني، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 56]
هذه التغذية، أما الأخذ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 56]
فالتغذية من الله والاقتباس من المؤمنين. هل تعرف هذه الحقيقة؟ :
لذلك أنت قد تلتقي بإنسان صالح تقول: أنسَ قلبي به وشعرتُ بسعادة، قد تكون السهرة متواضعة، وفي بيت متواضع، والضيافة متواضعة، تقول: ما شعرنا بالوقت، وكان هناك سرور، لأنّ حال هذا الصالح انْعكس عليك، فشعَرْتَ بهذه السعادة, فكيف لو أُتيح لك أن تتّصل بنبيٍّ؟.
سيّدنا ربيعة خدم النبي -عليه الصلاة والسلام-, فلمّا أمره أن ينصرف إلى البيت مساءً, بقيَ نائمًا على عتبة باب النبي, من شدّة انجذابه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فإذا أُتيح لك اللّقاءُ برجل صالحٍ تقول: أنس قلبي به، لأنّك شعرت بقربٍ من الله تعالى، ولا شكّ أنّكم تعرفون هذه الحقيقة: فقد يتجلّى الله على أُناسٍ في مجلس ذِكْر كهذا المجلس، والملائكة تحفّهم, والرحمة تغشاهم، والسكينة تتنزّل عليهم, لأنّهم ذكروا الله عز وجل.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لشدّة اتّصاله بالله تعالى, صار التجلّي الإلهي عليه كثيفًا، وأيّ إنسان يتّصل به بطريقة أو بأخرى؛ يذكره, ويذكر سنّته, ومواقفه, وشمائله, وأدبه الرفيع يذوب شوقًا إليه، وهذا الكلام تقريبٌ لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 56]
فقد تنوَّر آلاف البيوت من مركز تحويل واحد، لكن هذا المركز التحويلي يقتبس من التوتّر العالي أعلى طاقة، إن صحّ أنّ في الحياة إنسان سعيد بحاله فهذا هو.
علام يدل هذا الشاهد؟ :
أذكرُ لكم شاهدًا على هذا: عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ:
((-وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ, قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ!؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا, -الآن دقّقوا-, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))
وأما نحن معاشر الأنبياء فتنام أعيننا ولا ينام قلبنا. بم وصفت حياة الأنبياء؟ :
فإذا كنت أنت عند رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- كان لك حالٌ مسعد، وإذا كنت عند صدِيق فلك حال مسعد، إذا كنت عند مؤمن كبير فلك حال مسعد، إذا كنت عند عارف بالله تعالى فلك حال مسعد، وإذا كنتَ مع موصول فأنت موصول، هذا معنى قول بعض علماء القلوب:
لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلّك على الله مقاله.
ولا يستطيع المؤمن مهما سما وعلا أن يفعل شيئًا أكثر مِنْ ذلك، يدلّك على الله بكلامه، وينهض بك إلى الله بحاله، لذلك قالوا:
حال واحدٍ في ألف أبلغ من ألف قول في واحد.
ألف إنسان، وكل إنسان يحضر محاضرة بقي فيها شهرين؛ معلومات, وأدلّة, وشواهد, وقصص, ومنطلقات, وموازنات، ألف محاضرة تلقى على واحد, يفوقُها أنّ واحدًا موصولا بالله يؤثّر في ألف، وألف ليسوا موصولين لا يؤثّرون في واحد، لذلك كانت حياة الأنبياء إعجازًا.
فهل يعقل من إنسان: يعيشُ ثلاثًا وستين سنة، جاءه الوحي في الأربعين، ثلاث وعشرون سنة عاشَ في بلادٍ قاحلةٍ, مجذبةٍ جافّة، لا رزع فيها، مع أُناسٍ بدْو رحّل، بعيدين عن الثقافة والعلم والحضارة والتفوّق، إنسان واحد في ثلاثة وعشرين عامًا يصنعُ معجزةً؟ مليار ومئتا مليون مسلم وقد مضى على إسلامهم أكثر من ألف وخمسمئة عامٍ، هذا معنى قول بعض علماء القلوب:
حالٌ واحدٍ في ألف أقوى من قول ألفٍ في واحد.
2- مرتبة الوحي المختص بالأنبياء :
المرتبة الثانية مرتبة الوحي المختصّ بالأنبياء، أعلى مرتبة من حيث النوع:
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 164]
والمرتبة الثانية: الوحي المختصّ بالأنبياء:
لماذا قيّدْتُ هذه الكلمة؟ ذلك لأنّ الوحي في القرآن على أربع مراتب، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾
[سورة الزلزلة الآية: 1-5]
إذا توجّه الوحي إلى جماد فهو أمر تكوينيٌّ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أوحى إلى النحل ، قال تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 68]
وحي الحيوانات هو وحي غريزي، أما حينما أوحى الله إلى أمّ أن أرضعيه، قال تعالى :
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 7]
هذا وحي إلهام، أما إذا قال الله عز وجل: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ﴾
[سورة يوسف الآية: 3]
هذا وحيُ نبوّة، فالوحي أمرٌ تكويني، أو أمرٌ غريزي، أو إلهام، أو إرسال رسول من الملَك إلى نبيّ من الأنبياء، فالمرتبة الثانية: قال تعالى:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾
[سورة النساء الآية: 163]
3- مرتبة إرسال الرسول :
المرتبة الثالثة: هي مرتبة إرسال الرسول الملَكي إلى الرسول البشري, فيوحي إليه ما أمره الله عز وجل أن يوصله إليه، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾
[سورة الشورى الآية: 51]
4- مرتبة التحديث :
وهناك مرتبة رابعة اسمها: مرتبة التحديث.
ونحن الآن دخلنا بمـراتب لا علاقة لها بالنبوّة؛ مرتبة التكليم، ومرتبة وحي النبوّة، ومرتبة إرسال الرسول، هذه المراتب الثلاث خاصّة بالأنبياء, الآن نزلنا إلى درجة تحت الأنبياء، هي مرتبة التحديث.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ, وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ, فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ))
من شدّة قربه من الله، فالله عز وجل يحدّثه بطريقة أو بأخرى، أرأيتم إلى مراتب الهدى؟ أما هذا المقطوع عن الله تعالى من أيّ مرتبة هو؟ المقطوع عن الله تعالى بِمَعصيَة، أو المحجوب بِعَيبٍ.
الدعاء الشريف: اللهمّ لا تقطعنا بِقَواطع الذنوب، ولا تحجبنا بقَبائح العيوب.
الخُلُق السيّءُ والعيبُ الذميمُ هذه تحجب والذنب يقطع، لذلك أشدّ شيءٍ على الإنسان أن يُحَجَبَ بِعَيبٍ قبيح، أو أن يقطع بذنبٍ قبيح.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ, وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ, فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ))
5- مرتبة التصديق :
العلماء قالوا: إنّ الصدّيق أعلى من المحدَّث.
المرتبة التي تأتي بعد الأنبياء هي مرتبة الصدّيقين، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾
[سورة النساء الآية: 69]
السيّدة مريم كانت صدّيقة النساء، وسيّدنا أبو بكر كان صدّيق هذه الأمّة, أي إنسانٌ قريبٌ من مقام النبوّة، فكلّ ما يقوله النبي يصدّقه، لأنّه يراه, فمثلاً:
لو ذهب شخصٌ إلى بلدة، وعرف معالمها, وهو جالسٌ في مجلس إنسان, تحدّث عن هذه البلدة، يقول له: صحيح، صدقت، لأنّ الذي يقول هذا يعرفه، فمرتبة الصدّيقيّة هي أوّل مرتبة تأتي بعد مرتبة النبوّة، ومرتبة المحدّث تأتي بعدها، فسيّدنا عمر -رضي الله عنه- كان مُحَدَّثًا، كان يقول:
ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر.
قال بعض العلماء: الصدّيق استغنى بكمال صدّيقيّته، ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشْف, لكن لا تسمحوا لأحد أن يقول لكم: حدّثني قلبي عن ربّي بشيءٍ يخالف الشريعة, فكلّ ما مِن شأنه أن يكون إشراقًا أو إلهامًا أو كشفًا أو... أو ... فلا بدّ من أن ينضبِطَ بالكتاب والسنّة.
ما تفسير هذه الرؤيا؟ :
يُروى أنّ أحدهم في عهد العزّ بن عبد السلام رأى النبي -عليه الصلاة والسلام-, يقول له: إنّ في مكان كذا وكذا كنزًا فخُذهُ ولا تدفع زكاته، فجاء هذا الإنسان إلى العزّ بن عبد السلام، وقال: رأيتُ كذا وكذا, فقال: اذْهب إلى مكان كذا وكذا واحفِر وخُذ الكنز وادفع زكاته ، لأنّ فتوى النبي -عليه الصلاة والسلام- في حياته أبلغ من فتواه في منامك.
فأيّ منامٍ يُعزى إلى النبي يخالف الشريعة ينبغي ألاّ نصدّقه.
طرفة :
هناك طرفة يقولون: قام المسؤول الكبير في الأوقاف، وقال له شخصٌ: رأيت النبي -عليه الصلاة والسلام- البارحة وهو يهديك السلام، ويطلب منك أن أكون عندك في الوزارة موظَّفًا، وأن تعتني بي، فهذا المسؤول على جانبٍ من الذّكاء، قال: الساعة الثانية عشرة، فقال هذا المسؤول: وأنا رأيتهُ الساعة الرابعة بعدك، وقال لي: إنّه كذّاب فلا تصدّقه.
ديننا ليس ديــن منامات ولا كرامات، ولا ديـن شطحات وخزعبلات، وتأمّلات وتأوّهات, ديننا دين منهج ووحي.
من هم أهل الذكر؟ :
من أدقّ ما تعني به كلمة:
﴿فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون﴾
مَن هم أهل الذِّكْر؟ الذِّكْر في أيّ معنى ورد في القرآن الكريم، اسألوا أهل الوحي، نحن عندنا حقّ لا يأتيه الباطل أبدًا هو الوحي، فكلّ إنسان مختصّ بالوحي, متقنٌ له, ويعرف معاني كلام الله تعالى، ومعاني سنّة رسول الله: ﴿اسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون﴾
فهذه المرتبة مرتبة الصدّيقيّة فوق مرتبة المحدَّث. 6- مرتبة الإفهام :
المرتبة السادسة: هي مرتبة الإفهام، وهذه المرتبة يمكن أن تجتمع في وليّ وفي نبيّ ، قال تعالى:
﴿وداود وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 78-79]
عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ:
((سُئِلَ عَلِيٌّ: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً, إِلَّا مَا كَانَ فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا, قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الْأَرْضِ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا))
إذًا: أن تفهم عن الله شيئًا ونصّ الوحييْن الكتاب والسنّة فهذه مرتبة، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة الأنبياء الآية: 79]
فهِم النص فهمًا عميقًا، فإذا قرأت قوله تعالى:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 8]
وفهمْت من هذا النصّ أنّ الله خلق في النفس الفجورَ، وخلق فيها التقوى من دون سبب منها, فأنت لم تؤتَ فهمَ كلام الله تعالى، أما إذا فهمْتَ معنى قول الله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7-8]
على أنّ الله تعالى خلق الإنسان على جِبِلّة عالية راقية, بحيث إن فجرَت أو اتّقيْت تعرف معرفةً ذاتيّة من دون وسيط أنّها فجرَت أو اتَّقَتْ، هذا فهمٌ صحيح، وفهمٌ راقٍ لكتاب الله تعالى، قال تعالى:
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آَتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة الأنبياء الآية: 79]
هذا عنوان الصديقية :
سيّدنا عمر -رضي الله عنه- كتب كتابًا لأبي موسى الأشعريّ -رضي الله عنهما-, يقول فيه: الفهم الفهم فيما أُدليَ إليك.
فالفهم مرتبة عالية جدًّا يؤتيها الله عز وجل للصادقين، يفهم النصّ على ما أراده الله تعالى.
كنت أقول مرّة: لو قال لك إنسان: اسقن ماءً، فأنت قد تجتهد أن تأتيه بكأس فضيّة, نقشَ عليها آية الكرسي مثلاً أو بإبريق، أما أن تأتيه بخُبز فأنت ما فهمت كلامه، فقد تجتهد في الوعاء وفي الأسلوب. قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة السجدة الآية: 13]
إن أوتيتَ فهمًا لكتاب الله عز وجل, تفهم هذه الآية على أنّ الله عز وجل أكرمك بالاختيار وأكرمك بالتكليف وبِحَمل الأمانة، فلو ألغى هذه الكرامة، ألغى اختيارك وتكليفك وحمْلَكَ للأمانة, وأراد أن يجبرك على شيء، ما أجبرك إلا على الهدى، وهذا هو المعنى الصحيح، وليس المعنى الذي يتبادر إليه الذّهن، وهو أنّ الله تعالى ما أراد الهداية للبشريّة.
قال: فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصدّيقيّة، وينشـــرُ الولاية النبويّة، وفيه تفاوُت بين مراتب العلماء، حتى عُدّ ألف لواحد، وواحد لألف، وهذا حسب الفهْم.
هذا ما أوتي به ابن عباس :
سيّدنا ابن عباس -رضي الله عنهما- كان شابًّا صغيرًا، قرأ قوله تعالى:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان عنده شيوخ الصحابة، وكان أحدَثَهُم سناً ابن عباس, فتألّموا على أنّ هذا الصغير ليس في مستوانا، وأدرك عمر اعتراضهم، فجمعهم وسألهم عن هذه الآية، فإذا ابن عباس -رضي الله عنه- الذي هو أحدثهم سناً يقول: إنّ نَعْوَة النبي -عليه الصلاة والسلام-, نُعِيَ النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذه الآية:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
7-مرتبة التبيين :
وعندنا مرتبة سابعة هي مرتبة التبيين:
وقد تحدّثنا عن مرتبة التكليم, ومرتبة الوحي، ومرتبة إرسال الرسول، وعن مرتبة التحديث، وعن مرتبة التصديق، ومرتبة التفهيم، والآن ننتقل إلى مرتبة التبيين.
الإنسان حينما تتّضح الحقائق أمامه اتّضاحاً جلياً، يصبحُ طليقاً في بيانه، وكلّ إنسان يتعثّر في البيان, معنى ذلك: أنّ الحقيقة غيرُ واضحة أمامه، بشكلٍ مبسّط:
إنسان ألقى نظرة على ساحة عامّة, عيناه حادّتان والساحة قريبة منه، تجدهُ يصِف لك ما رأى بدِقّة متناهيَة، من أين جاء صوابه في الوصف؟ من رؤيته الصحيحة، ووُضوح الأشياء أمامه، أما إذا كان بعيدًا, قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾
[سورة فصلت الآية: 44]
قد لا تتّضح لديه الرؤية، فالذي يبيّن أسماء ربّنا الحسنى، وصفاته الفضلى، وأخلاق الأنبياء وكمالهم، وانسجام القرآن، وصحّة السنّة، وعلّة كلّ شيء، وحكمة كلّ شيء، فهذا الذي يبيّن, ينطلق من رؤية صحيحة، وأعلى أنواع العلم ما كان رؤيةً، والدليل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
[سورة الأنفال الآية: 29]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 28]
إنسان يركب مركبة، والطريق فيه حفر، وآكام، وتحويلات، وصعوبات، وصعود, ونزول, إنْ كان معه إضاءة شديدة، فكلّ شيء أمامه واضحٌ ولا يتعثّر.
فيا أيها الأخوة, قضيّة التبيين أساسها الوُضوح، ولنا متابعة لهذا الموضوع في درسٍ آخر.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:39 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و الثمانون )


الموضوع : الدهشة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الدهشة.
أولا هذا الموضوع: ما من مؤمن على وجه الأرض إلا وله منه معاناة، ذلك أن المؤمن لمجرد أن يصطلح مع الله، ويتوب إليه, ويقبل عليه, ويلتزم منهجه، يدخل في سعادة لا توصف، وكأن الأرض كلها لا تَسَعُهُ، من شدة السعادة التي يمتلئ بها قلبه، وهذا الكلام ينطبق على كل مؤمن، تعرف إلى الله, واصطلح معه, وتاب إليه, وأقبل عليه، هذه منزلة الدهشة.
إليكم الأمثلة لتقريب هذه المنزلة :
لأقرّب لكم هذه المنزلة: إنسان يكون في حالة برد شديد, يكاد عظمه يتصدّع من شدة البرد، فإذا دخل بيتاً فيه تدفئة راقية، خلال عشر دقائق يشعر براحة لا توصف، لكن بعد عشر دقائق يألف هذا الجو الدافئ، الجو الدافئ هوهو لم يتغير، لكنه أَلِفَ هذا الجوَّ، فإذا توهم أن هذه السعادة التي حصلها حينما دخل هذا البيت فُقدت فهو واهمٌ، لكن تأثيرها فيه ضعف.
يقول سيدنا الصديق: بكينا حتى جفت مآقينا.
فكل واحد مع الله شهر عسل، في أول الأيام ساعات الإقبال، ساعات التوبة، ساعات الإنابة, ساعات الدخول إلى عالم الإيمان، ساعات الطهارة, هي سعادة ما بعدها سعادة.
إنسان تاب إلى الله يقول: أنا بقيت عمراً مديداً أدخل بيتي بعد صلاة الفجر عائدًا من الملاهي، في أول ليلة تاب فيها إلى الله, استيقظ قبل صلاة الفجر، وكأن الدنيا كلها لا تسعه من شدة الفرح.
أقول لك كلمة صريحة: إن لم تشعر بهذا الفرح الذي لا يوصف, لأنك أصبحت عبدًا منيبًا لله، عبدًا طائعًا له، لأنك اصطلحت مع خالقك، لأنك أقبلت عليه، لأنك أخلصت له، إن لم تقل: أنا أسعد الناس قاطبة، أو إن لم تقل: أنا أسعد الناس إلا يكون أحدهم أتقى مني، فهذا ضعف في الإيمان، لكن هذه المرحلة لا تستمر.
لنضرب مثلاً آخر: إنسان خطب فتاة، شاب مستقيم بعيد عن كل معصية، وكل انحراف، أيام الخطبة يقول لك: أنا أعيش في الجنة، يجلس معها ساعات طويلة, وهو في غاية الشوق, ساعات على الهاتف، بعد سنتين يأتي من عمله متعباً, لا تستطيع أن تكلمه كلمة، أين الساعات على الهاتف؟ الزوجة هي هي، شكلها هو هو، أخلاقها هي هي، و لكن ألِفَها، لك مع الله دهشة، و لكن الله عزوجل لو أبقاك في هذه الدهشة في شكل مستمر لا تعمل، بل تجلس، لأنك سعيد، لكن الله عز وجل لحكمة بالغة يحجب عنك هذه الأحوال، من أجل أن تقوم, وأن تسعى إلى الله عز وجل، والإنسان في أي لحظة يستطيع أن يستعيد أيام شبابه الروحي مع الله.
علام تحض هذه الآية؟ :
قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
آيةٌ واحدةٌ واللهِ لو لم يكن في كتاب الله إلا هي لكفت، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا، أن تتصل به، وتقبل عليه، وتلوذ بحماه، تشعر أن الله يحبك، وأنك بعين الله عز وجل، قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
فليكن عمله صالحاً، وليكن في خدمة الخلق. اسأل نفسك هذا السؤال :
مرة سمعت مناجاة فاهتزَّ لها قلبي: يا ربي لا يحلو الليل إلا بمناجاتك، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك.
تجد المؤمن قد بنى حياته على العطاء، يعطي من ماله ووقته وعلمه وخبرته وجاهه ومكانته وإتقانه لبعض الحرف، هو يعطي من أجل أن يرضى الله عنه، بنى حياته على العطاء, والعطاء سمة أساسية في حياة المؤمن.
أنت أسال نفسك سؤالاً: ماذا أعطيت؟ وماذا قدمت لله عز وجل؟ وماذا قدمت للمسلمين؟ وماذا فعلت من فعل تلقى الله به، ناصع الجبين, مستنير الوجه؟ اسأل نفسك كل يوم, لأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، فالمؤمن بنى حياته على العطاء، والكافر بنى حياته على الأخذ, ولذلك الأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، والأقوياء أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، والناس جميعا أتباع قوي أو نبي، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، وكل واحد من البشر تابع لقوي أو نبي، فإن كان تابعاً قوياً فسلاحُه قوَّتُه يقهر بها الناس، ويبتزُّ بها أموالهم، وإن كان سلاحُه كماله ملك قلوب الناس، والمؤمن سلاحُه الكمالُ، والكافر سلاحه القوة، والمؤمن يملك القلوب، والكافر يملك الرقاب، بالبر يُستعبد الحر.
علام يبني إيمانه المؤمن, وماذا اتقى, وما المكافأة العاجلة له في الدنيا؟ :
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
[سورة الليل الآية: 5]
أعطى أعطى بشكل مطلق.
وفي علم الأصول: الفعل إذا غاب مفعوله أطلق مدلوله.
أعطى ماذا؟ أعطى كل شيء، لا يوجد إنسان على وجه الأرض ليس عنده ميزة، يقول الطبيب: أنا يمكن أن أعالج بعض المرضى الفقراء مجاناً لوجه الله، ويقول المحامي: أنا يمكن أن أدافع عن إنسان فقير لا يملك أجور المرافعة لوجه الله، ويقول إنسان معلم: أنا يمكن أن أعلم طالباً فقيراً لوجه الله.
ومرة قال لي طبيب أسنان: جاءتني مريضة تعمل في حقل التعليم, ومقدَّمة أسنانها تالفة، فمظهر فمها حينما تبتسم أو تتكلم منظر غير مريح، وطالباتها لعلهنَّ يضحكنَ إذا انفرجت شفتاها، فجاءته لتصلح أسنانها، والمبلغ فوق طاقتها فاعتذرت، قال لي: أردت أن أقوم بهذا العلم لوجه الله، قال لها: لا عليك من الأجرة تعالي, قال لي: بقيت شهرين أو ثلاثة أصلح لها أسنانها، يقول هذا الطبيب: شعرت بسعادة لا توصف, لأن هذا العمل خالص لوجه الله، هكذا قال الله عز وجل:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
فأنت علامَ تبني إيمانك؟ الإيمانُ يبنى على العطاء، والكفرُ يُبنَى على الأخذ، هذا يذكِّرني أن النملة -كما قرأت عنها- فيها جهاز ضخ وجهاز مصّ، فإن التقت النملة الشبعى نملًة جائعًة, تعطيها من عصارة هضمها عن طريق جهاز الضخ، وإن كانت جائعةً تأخذ من رحيق أختها عن طريق جهاز المص، قلت: الناس رجلان: رجـل يستخدم جهاز المص دائماً، ورجل يستخدم جهاز الضخ دائماً, المؤمن يضخ دائماً والكافر يمص، يقول لك: مصَّ دمِي.
أحيانا الإنسان يبتزُّك, ويجعلك بقرة حلوباً, وهو لم يقدم لك شيئاً. قال تعالى:﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
[سورة الليل الآية: 5]
ومع إعطائه اتقى أن يعصي الله، أعطى واتقى، لكن هذا العطاء وهذا التقوى مبنيان على إيمان بالله، لأنه صدق بالحسنى، صدَّق أنّ الإنسان مخلوق لجنة عرضها السموات والأرض، صدَّق أنّ الإنسانَ مخلوقٌ للجنَّة، وأنّ ثمنَ الجنة الإحسان، قال تعالى:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾
[سورة الرحمن الآية: 60]
صدق بالحسنى واتقى أن يعصي الله عز وجل، وأعطى من كل ما أعطاه الله، المكافـأة العاجلة في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 7]
الأمور ميسرة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الآية: 48]
الأمور سهلة:
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً . انظر إلى هذه المطابقة :
بالمقابل: قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾
[سورة الليل الآية: 8]
هذا يسمونه في البلاغة المطابقة، قال الشاعر:
فَتَرْفعُ بِالإِعْزَازِ مَنْ كَانَ جَاهِلاً وَتَخْفضُ بالإِذْلاَلِ مَنْ كَانَ يَعْقِلُ
المطابقة معنيان متعاكسان؛ خير وشر، حق وباطل، ليل ونهار، أبيض وأسود، فإذا جاءت مجموعة معان تقابل مجموعة معان على التسلسل, هذه صارت مقابلة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
[سورة الليل الآية: 5]
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾
[سورة الليل الآية: 8]
أعطى واتقَّى واستغنى، وصدّق بالحسنى وكذب بالحسنى، هذه في البلاغة المقابلة، الطرف الثاني بخِل أن يعطي، يستخدم جهاز المص فقط، يأخذ كل شيء ولا يعطي شيئاً، واستغنى عن طاعة الله ولم يعبأ، ذنب المنافق كالذبابة على وجهه، وذنب المؤمن كالجبل جاثم على صدره: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾
[سورة الليل الآية: 9]
لم ير مبلغ علمه ومنتهى أمله إلا الدنيا.
الآن: أول عقاب له في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 10]
انظر إلى هذا القانون :
واللهُ عز وجل لحكمةٍ يريدها يُسقِط الإنسانَ من علوٍّ، انظر إلى هذا القانون:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 5-10]
هو حينما بخِل، وحينما استغنى عن طاعة الله, من أجلِ أن يجمعَ المالَ الوفيرَ، وحينما لم يعبأ بالآخرة, فلم ينفق منه شيئاً، من أجلِ أن تنموَ ثروته، قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾
[سورة الليل الآية: 11]
فالإنسان ما جمّعه في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة. ما العبرة من هذا الكلام؟ :
لكلِّ داخلٍ دهشةٌ، هذه الدهشةُ يذوقها كلُّ مؤمن، لكن هذه الدهشة لا تلبث أن تفتر، إن لكل شيء فورة، ثم هذه الفورة تهدأ، فمن هدأت فورته على طاعة الله فهنيئاً له، والإنسان يبكي في الصلاة، يبكي أثناء القراءة، ويأتي وقت هذه المعاني القدسية ألِفَها، والأحوال النفسية عاشها، وهو في طاعة الله دائماً، فالدهشة انتهت، فهناك أخ حينما ضعف تأثير هذا الحال عنده تراجع، لذلك هذه الدهشة وهذه الفترة ذاقها سيدنا حنظلة.
فَعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ:
((-وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ, قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ!؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
وهذا من أدب الصديق الرفيع، الأدب الرفيع ألا تمدح نفسك في معرض إنسان شقي بنفسه, إنسان قال لك: عندي ولد متعب، لا تقل: الله يرضى عن ابني لا يوجد أبرَّ منه، وهذا كلام مزعج, إنسان شكا لك زوجته، لا تقل: أنا لي زوجة الله يرضى عنها، لا يوجد منها، هذا نوع من التحدي, المؤمن وهو في الدرس له حال عال، هو مع المؤمنين في مذاكرة علم، حال عالٍ هو في صلاته، في ذكره في تلاوته له حال، أما أحيانا دخل إلى بيته, ويريد أن يأكل، هذه الحال العالية غاب عنها، إذا غاب عنه حال, فهذا شيء طبيعي، لأن دوام الحال من المحال، وما سمي الحال حالاً إلا لأنه يحول ويتحول، العبرة أن تكون مستقيماً، والحال إن أتى فرحب به وإن غاب عنك وأنت مستقيم فلا تتأثر, لأن الله عز وجل يقلبنا ذات اليمين وذات الشمال.
مرة نجد في قلوبنا حالاً راقية نسعد بها، ومرة ننكر قلوبنا، العبرة أن تكون مستقيماً دائماً.
أخطر شيء في الدين :
لذلك أخطر شيء في الدين ما يطرحه العامة، من أنه ساعة لك وساعة لربك، ساعة له يعصي الله فيها وساعة لربك يطيع الله فيها، هذا مرفوض كلياً، لكن ساعة وساعة، أي ساعة إقبال وساعة فتور, ساعة تألق وساعة عادية.
كيف في الجامعة هناك مقبول، وهناك جيد، وجيد جداً، وامتياز، وشرف, في ساعة الفتور عند الله مقبول، وفي الساعة لربك هناك تألق وإقبال، فلذلك حالة الدهشة هذه تصيب كل مؤمن في أول الطريق، لكن بعد حين يألف الإيمان، ويألف القرآن، ويألف طاعة الواحد الديان، يألف أن يكون مستقيماً، ويألف أن يضبط بصره، ويألف أن يحرر دخله، ويألف أن يكون إنفاقه فيما يرضي الله عز وجل، فهذه النقطة دقيقة جداً، والحقيقة:
ليس في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة إلا آية واحدة تصف حالة الدهشة، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾
[سورة يوسف الآية: 31]
سر نجاح الدعوة :
زرتُ حاجًّا جاء فسألته عن شيء تأثر له، فقال لي: حينما رأيت الكعبة دُهشت وبكيت, فاللقاء الأول مدهش، لكن اللقاء الثاني والثالث أقل دهشة.
فأنا أطمئن الأخوة الكرام: أنه إذا كان يشكو ضعف أحواله مع دوام استقامته فلا ضير عليه، أما إذا كان هناك تقصير في الاستقامة، أو هناك خرق لحدود الله، أو هناك مخالفات، نقول له: هذا الحال الذي يزعجك هو انعكاس المعاصي.
على كلٍّ؛ ورد عند بعض الصالحين: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله.
وورد أيضاً: أن قولَ واحدٍ في ألفٍ أبلغُ من قولِ ألفٍ في واحدٍ.
فالإنسانُ الموصول إذا تكلم يؤثر في ألف، وألف متكلم مقطوعين عن الله عز وجل لا يؤثرون في واحد، لذلك سرُّ نجاح الدعوة الإخلاصُ. هذه الآية معادلة رياضية :
لذلك: هذا يقودنا إلى قانون آخر، وما أروع هذا القانون، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
هذه الآية معادلة رياضية: أي يا محمد, بسبب رحمة استقرت في قلبك, من خلال اتصالك بنا كنت ليِّنا، فلما كنت ليِّنا التف الناس حولك, وأحبوك وانتفعوا بك، وفدوك بأرواحهم، ولو كنت مقطوعاً عنا لاستقر في قلبك القسوة، والقسوة تنعكس غلظة وفظاظة، ولانفض الناس من حولك، أين المعادلة؟
اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض، فإن أردت أن يلتف الناسُ حولك فكن متصلاً بالله، حتى تستقر الرحمةُ في قلبك، حتى تنعكس لِينًا، حتى يألفك الناس, وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ))
في قلبه رحمة متأججة، وكأن رحمة الله عز وجل هي مطلق عطائه. ((الراحمون يرحمهم الله))
((إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
الراحمون في رضوان الله عز وجل، هذه واحدة. من هو الحكم على الآخر؛ الحال على العلم أم العلم على الحال؟ :
عندنا حال الذي هو الدهشة، وعندنا علم، فدائماً العلماء قالوا:
العلم حكَم على الحال.
لو أن إنسانا رأيته طليق الوجه، منبسط السرائر، حيوي المظهر، لأنه ارتكب معصية، العلم أقوى من الحال، هذه المعصية معصية ولها عقاب، وكان جاهلاً، فرح بهذه المعصية، فمن هو الحَكَمُ على الآخر؟ الحال على العلم أم العلم على الحال؟ العلم على الحال، والعلماء قالوا:
هناك حال شيطاني، -إذا الإنسان يبتغي أن يقترف معصية فيها لذة له، وتمكن من هذه المعصية تراه فرحاً، لكن الله عز وجل ماذا قال؟ قال:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
[سورة يونس الآية: 58]
عليك أن تفرح بالطاعة، وأن تفرح بالقرب من الله، لا أن تفرح بالمعصية-، والعلماء قالوا:
هناك حال شيطاني: الحال السارة التي تأتي عقب معصية، هذه حال شيطانية، والكآبة التي تأتي عقب المعصية حال رحمانية، هذه الفطرة، أما السرور الذي يأتي عقب طاعة، هذه حال رحمانية.
فأنت انظر العلم هو الحكم، العلم دائماً وأبدا حكم على الحال، لا تعبأ بحال لا يغطيه العلم. بم يفرح المؤمن وبم يفرح الكافر؟ :
وأنا أقول لكم بصراحة: ممكن لإنسان في ذهنه رغبة جامحة لشيء لا يرضي الله، فإذا وصله تألق وجهه، حقق مراده، فالعبرة أن تفرح بطاعة الله، قال تعالى:
﴿قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
طغى و بغى، ونسي المبتدا والمنتهى، قال تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
لا تفرح بما أوتيت من الدنيا فإن الله لا يحب الفرحين:
قل ما الذي يفرحك, أقلْ لك مَنْ أنت؟.
المؤمن يفرح بطاعة الله، يفرح المؤمن إذا أجرى الله على يديه خيراً، والمؤمن يفرح أشد الفرح إذا وُفِّق لطاعة، وُفق لهداية إنسان، وُفق لفهم كتاب الله، وفق لشرح كتاب الله، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
والكافر يفرح لأنه ملَك الدنيا. هذا الفرق بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة الغربية :
أحد زعماء بريطانيا له كلمة، قال: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا, لذلك علَّق بعضهم: على أن الحضارة الإسلامية حضارة ضبط الذات، بينما حضارة الغربيين حضارة السيطرة على الطبيعة، والمسلم مسيطر على ذاته.
هناك حماقات وجرائم يرتكبها الكفار، وهذا تحت سمعكم وبصركم، يندى لها الجبين.
مرة قرأت مقالة في مجلة أصيلة، عن بيع العبيد في أمريكا، تأتي البواخر إلى أفريقيا, ويسوقون العبيد سوقاً بقوة الحديد والنار, ويضعونهم في عنابر البواخر مقيدين بالسلاسل، ويموت نصفهم في الطريق، ويبقى الميتون إلى جانب الأحياء طوال الطريق إلى أمريكا، إلى أن تتفسخ جثثهم، يأخذونهم ليعملوا في الحقول بلا مقابل، بعد ما قرأت هذه المقالة، استعباد العبيد من أفريقيا، خجلت من أن أنتمي إلى الجنس البشري، الكافر قلبه كالصخر، وحش، قال تعالى:
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 130]
وليس بعيداً عن سمعكم وأبصاركم ما يجري في العالم اليوم، مئات الألوف في أفريقيا الجنوبية تم ذبح خمسمائة ألف في يوم، راوندا، وفي كوسوفو، وفي البوسنة، وفي ألبانيا، وفي الشيشان، يقولون: تطهير عرقي.
من علامات قيام الساعة: موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لِمَ يقتل ولا المقتول فيم قتل؟.
لما فتح الفرنجةُ القدسَ، سبعون ألف إنسان ذُبحوا في ليلة، لما سيدنا صلاح الدين -رحمه الله تعالى- فتحَ القدسَ، جاءته امرأة ضاع ابنُها، بقي واقفاً إلى أن أعادوا لها ابنها، وما ظلم واحدًا، ولا أخذ جنديٌّ من إنسان حاجته، بل إن هؤلاء الذين خرجوا من القدس سُمح لهم أن يبيعوا حاجاتهم بأثمانها.
هكذا الإسلام:
الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن.
تصور ما جرى في البوسنة والهرسك، وما جرى في ألبانيا وكوسوفو، وما جرى في الشيشان، لو أن المسلمين ملكوا، لا يفعلون شيئاً من هذا القبيل, المؤمن مقيّد بمنهج.
قيل: يا رسول الله مثِّل بهم فقد مثّلوا بعمك، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي.
ولو كنت نبياً هناك إله، وهناك أمر ونهي، وهناك حق وباطل، وهناك شيء يجوز ولا يجوز، المؤمن يعيش منظومة قيم، ويحلو لي أن أشبّه الإنسان الكافر بدابة متفلتة، أما المؤمن فمنضبط بمنهج الله، فأنت سعادتك أن تكون منضبطاً، في حياتك محرمات، أنت لست تتحرك كما تتمنى.
من هو الأحمق؟ :
هناك شخص يعمل في تصليح السيارات, ولي قريب كان جاراً له، جاء شخص بسيارة جديدة جداً وفيها خلل، الذي جاءه أدرك أنّ صاحب السيارة جاهل، وحريص على سيارته، فحصها, فقال له: في المحرك خلل كبير، تكلفك عشرة آلاف ليرة، صاحب السيارة لا يعرف أن يناقشه، قال له: أصلحها، يقول لي قريبي وهو جار له: أصلحها في خمس دقائق، لا تكلف إلا مائة ليرة، أول يوم أخذ أهله إلى الزبداني بها، وثاني يوم ذهبوا إلى المطار، وثالث يوم إلى وادي بردى، في رابع يوم جاء صاحب السيارة استلمها ودفع عشرة آلاف ليرة، قال لي: دفعها نقدا وعدًّا، لكن هذا المصلح ذكي جدا، ذكر له أشياء معقدة في المحرك، وخوّفه ووهّمه، وابتز ماله ودفعه، فقال له قريبي: أيُعقَل ما فعلت؟ فقال له: هكذا أصول العمل، وهو يضحك ومسرور، عشرة آلاف مع ثلاث نزهات بها، وكان له ابن يعمل في مخرطة, تدخل ذرة فولاذ في عينه في القرنية، أخذه على لبنان، كلَّفته العملية ستة عشر ألف ليرة لبنانية، والليرة اللبنانية مائة وستون قرشاً سورياً، يقرب من خمسة وعشرين ألف.
قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبن، قال: عبدي قد عاقبتك ولم تدر.
يفرح الإنسان أنه ذكيٌّ وحصل مالاً حراماً بذكائه، لن تكون ذكيًّا في تحصيل أموالك إلا إذا كنتَ في طاعة الله، وأي إنسان لا يُدخِل اللهَ جل جلاله في حساباته اليومية يكون أحمق، قال تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
وفي الحديث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
بطولتك: أن تضع رأسك على الوسادة, وليس لأحد من الخلق حق عندك، ولا دابة, و لا كلب, ولا قطة، ليس لمخلوق له حق عندك، هذه بطولتك، ولو كنت فقيراً، ولو كنت ضعيفاً، ولو كنت مريضاً, ولو كنت مضطهداً، بطولتك: أن تكون بريئاً من تعلق الحقوق بك، أما إذا كان الإنسان ظالماً وبنى مجده على أنقاض الآخرين، وبنى غناه على إفقارهم، وبنى أمنه على خوفهم، بنى حياته على موتهم فهو جبان.
قف عند هذه الكلمة :
أقول لك هذه الكلمة: هناك إنسان يعيش للناس هم الأنبياء، وهناك أناس يعيشون لإنسان، فبين أن تكون في خدمة الخلق، وبين أن يكون الخلق في خدمتك؛ لا تفرح لا بمال وفير، ولا بمكانة عالية, ولا بحظ رائع، افرح بطاعة الله، وكل إنسان يفرح بشيء لا يرضي الله أحمق، غبي، والعلم حكم على الحال، وليس الحال مقياساً، ضعاف العقول بين الناس، ترقص لهم الدنيا أحياناً، تجدهم يضحكون، ضحك، واستعلاء، وتعليقات لاذعة، ومشية فيها كبر، وسيارته فارهة، يفرح بشيء سخيف، أما المؤمن فيفرح بطاعة الله، يفرح أنه في رضوان الله، يفرح أنه في خدمة الخلق، يفرح أنه ينام الليل وليس لأحد عنده حق أبداً.
المؤمن وقاف عند كتاب الله :
قيل لأحدهم, يبدو أنه داعية, شاب أحبّه الناس كثيراً, والتفوا حوله, فالطرف الآخر أصابتهم الغيرة والحسد، بدؤوا يتكلمون في حقه كلاماً غير صحيح، فجاء رجلٌ بشخص إلى هذا الداعية, فقال له: إنني أشفق عليك مما يقوله الناس عنك، قال له: هل سمعت مني عنهم شيئا؟ قال له: لا، قال له: عليهم فأشفق.
عوِّد نفسك لا تقابل من عصى الله فيك إلا أن تطيع الله فيه.
قال شخص لآخر: لقد اغتبتني، قال له: ومن أنت حتى أغتابك؟ لو كنت مغتابا أحداً لأغتبت أبي وأمي, لأنهم أولى بحسناتي منك.
المؤمن موقن أنه إذا اغتاب، فإنّ هذا المغتابَ سيقف لك يوم القيامة ويأخذ من حسناته ، والمؤمن وقاف عند كتاب الله، ومقياس الدنيا لا قيمة له، قد تكون فقيراً وتكون عند الله كبيراً.
وقف النبيُّ لأحد أصحابه, فقال له:
((أهلاً بمن خبّرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي يا سول الله؟ قال له: نعم؛ خامل في الأرض علَم في السماء))
قد تكون شاباً لا تملك من الدنيا شيئاً. ما معنى خافضة رافعة؟ :
قلت مرة: كنت في مؤتمر في المغرب، وجلسنا في أرقى فندق في المغرب، واستيقظت على صلاة الفجر، وسمعت صوت قرآن نديّ مع الفجر، نظرتُ من الشرفة, فإذا عامل الحديقة يصلِّي الفجر على الحشيش بصوت شجيٍّ, واللهِ غلبَ على ظني أن هذا الذي يصلي بهذا الصوت الشجيِّ أقرب إلى الله مِن كل مَن في الفندق, والمؤتمر إسلامي طبعاً، إنسان موصول بالله هذا بطل، ومرتبتك الاجتماعية لا قيمة لها أبداً، قال تعالى:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾
[سورة الواقعة الآية: 1-3]
مَنْ كان في أعلى عليِّين ولم يكن يعرف الله عز وجل يهبط إلى أسفل سافلين، والذي كان في أسفل سافلين وكان قد عرف الله عز وجل، لذلك: خافضة رافعة. تعريف المفلس :
هذا الحديث يقصم الظهر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ, فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
تعريف المفلس بالسهل البسيط: من لا درهم له ولا متاع.
المفلس يصلي ويصوم، لكنه شرس في تعامله مع الخلق، عباداته التعاملية سيئة جداً، لذلك هذا مفلس.
حديث خطير :
وعَنْ ثَوْبَانَ, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا, فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا, قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, صِفْهُمْ لَنَا, جَلِّهِمْ لَنَا, أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ أخْوَانُكُمْ, وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ, وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ, وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
لهم خلوات فيها معصية، أما مواقفهم المعلنة رائعة، ممثلون، والتمثيل الآن دقيق، يمثِّل عليك فتظنه تقياً نقياً ورعاً، فإذا هو فاجر. احفظ هذه الكلمة :
أقول هذه الكلمة واحفظوها: إذا كان معك كيلو من الذهب الخالص, وظن الناس أن هذا من المعدن الخسيس، من هو الرابح؟ أنت، الآن لو أن معك كيلو من المعدن الخسيس وأوهمتَ الناسَ أنه ذهبٌ، فصدّق الناسُ كلامَك، فمن هو الخاسر؟ أنت، خيرك منك، وشرك منك، كن مع الله واضحاً.
هذا عالم الإيمان :
والخلاصة: أنّ كل مؤمن يدخل في عالم الإيمان له دهشة، عالم الإيمان له دهشة، وله أحوال مسعدة, ولكن هذه الأحوال لا تلبث أن تضعف، ضعف هذه الأحوال مع بقاء الاستقامة لا ضير فيه أبداً، الحال موجود لكن بشكل أَلِفْتَهُ أنت، وأحياناً يدخل الإنسان إلى بيت فيُدهش، له إطلالة رائعة، ومساحة كبيرة, أثاث فاخر، منطقة هادئة، اسأل أصحاب البيت: هل هم مدهوشون كهذا الداخل؟ أبداً، لأنهم أَلِفُوه.
قد تدخل إلى مكتب وزير، مكتب فخم جداً، وأثاث من أفخم ما يكون، اسأل صاحب المكتب: هل هو مندهش مثلك؟ أبداً، الدهشة مؤقتة، فإذا دُهش الإنسان، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾
[سورة يوسف الآية: 31]
أحياناً الإنسان يُدهش بفتاة، تزوجها، هل يبقى مدهوشاً بها؟ تخف الدهشة إلى أن تتلاشى, فلذلك الدهشة مؤقتة، العبرة بالاستقامة، واحفظ هذه الكلمة:
دائماً العلم حكم على الحال, لأن هناك حالاً رحمانياً وحالاً شيطانياً. من أعظم الأعمال :
شاهدت شخصاً فرض على إنسان مدان مبلغاً ضخماً جداً، في وقته كان مبلغاً ضخماً ثلاثمائة ألف، كان الدولار بثلاثة ليرات وثمانين قرشاً، فرض عليه مبلغاً ضخماً، فخضع له، الأول يستطيع أن يدفعه عشرين ضعفاً، طلب منه ثلاثمائة ألف، وجد الذي قبض المبلغ في وجهه تألقاً، ويكاد وجهه يضيء من الإشراق، هل هذا موصول بالله؟ لا, هذا شيطان، فيمكن أن يتألق وجهك، ويمكن أن تشعر بسرور بالغ متى حققت هدفك، وقد يكون الهدف غير مشروع عند الله عز وجل، فلا تعتد بالحال اعتدّ بالعلم, أما إذا كان حالك مغطى بالعلم.
أنت جالس جلسة مع بعض الناس, وتكلمت كلاماً طيباً، كلاماً واضحاً، كلامًا معه دليل، بحال قوي، فتأثروا تأثراً بالغاً، ورأيت معظمهم عقد التوبة، أنت فرحت, معك الحق بفرحك، هذا من أعظم الأعمال، هذه صنعة الأنبياء، فأنت يمكن أن تفرح مليون مرة, وكل هذا الفرح مغطى بالقرآن والسنة، فرحك مشروع، دائماً زن فرحك بمقياس الشرع، وإياك أن تقيم فرحك بمطلق الفرح.
ما هو الفرح المشروع وما هو الفرح غير المشروع؟ :
قال تعالى:
﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
قال تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
[سورة يونس الآية: 58]
ينبغي أن تفرح بفضل الله عز وجل، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
[سورة يونس الآية: 58]
وبالمقابل: قال تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
معنى ذلك: أن هناك فرحاً لا يحبه الله، وهناك فرح يحبه الله، قال تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
[سورة يونس الآية: 58]
هذا فرح مشروع، وقال تعالى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
هذا فرح غير مشروع، فالبطولة أن تفرح فرحاً مشروعاً.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و الثمانون )


الموضوع : الامل







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والدرس اليوم منزلة الأمل، الأمل في الدنيا مهلكة، والأمل في الآخرة رحمة، يقول الله عز وجل:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 61]
شتَّان بين مَنْ يعِده اللهُ وعدًا حسناً، وبين من ينطبق عليه قول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
الأمل في الدنيا مهلكة، والإنسان يفكر أن يعيش عمرًا مديدًا، وأن يبني بيوتًا، وأن يمتِّع نفَسه بمباهِج الحياة، وأن يكون كزيد أو عُبيد، وأن يشتري مركبة, وأن يؤسس عملاً، وأن يعيش في مكان جميل، الأمل في الدنيا مهلك، ولكن الأمل نفسه إذا كان في الآخرة فهو مسعد، لأن الأمل في الآخرة يمتص كل متاعب الدنيا.
مداخلة :
أراد إنسانٌ أن يجري مداخلة في موضوع ذكرته، كلمة مداخلة كلمة حيادية، قلت: المؤمن سعيد، قال لي: لا واللهِ ليس سعيداً، هو مثل الناس تماماً، يصيبه ما يصيبهم, ويقلقه ما يقلقهم، ويتعبه ما يتعبهم، خرجت من مداخلته بمثل، قلت له:
تصور إنسانًا عنده ثمانيةُ أولاد، وله دخل محدود جداً، أربعة آلاف، وبيته بالأجرة، وعنده دعوى إخلاء، كيف يعيش هذا الإنسان؟ هذا الدخل ماذا يفعل به؟ لو أن لهذا الإنسان عمًّا لا ينجب أولاداً، يملك خمسمائة مليون, مات في حادث فجأة، هذه الثروة الطائلة لهذا الابن الأخ الفقير, بحكم القوانين والأنظمة وبراءة الذمة لا يستطيع أن يأخذ من إرث عمه قرشاً واحداً قبل سنة، لماذا هو في هذه السنة من أسعد الناس، مع أنه لم يتمكَّن أن يأخذ قرشاً واحداً، ولا أن ينال لقمة طيبة، ولا أن يرتدي ثوبًا جميلاً؟ الذي أسعده هو الأمل، كلما رأى بيتاً جميلاً يقول: هذا سأشتريه، و كلما رأى مركبة فارهة قال: هذه سأقتنيها, دخل في الأمل، فالأمل مسعد، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 61]
ما الذي يسعد المؤمن, وما الذي يمتص كل همومه؟ :
ما الذي يسعد المؤمن, وما الذي يمتص كل هموم المؤمن؟ وعد الله له بالجنة، والجنة وعدٌ حقٌّ من قِبل الحقِّ، فيها ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلبِ بشرٍ، لا همّ ولا حزن، ولا ولد عاق، ولا زوجة سيئة، ولا مغص, ولا التهاب, ولا ورم خبيث، ولا دسام قلب, ولا شريان قلب مسدود، ولا قثطرة, ولا أزمة، ولا أزمة نقود، هناك جنة عرضها السموات والأرض، لهم ما يشاؤون فيها، الدنيا دار عمل، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾
[سورة الانشقاق الآية: 6]
أما الآخرة فدارُ جزاءٍ الدنيا دارُ تكليف، والآخرة دارُ تشريف الدنيا دارُ عمل، والآخرةُ دارُ أملٍ، الدنيا دار التزام والآخرة دار جزاء.
فالأمل منزلة يتمتع بها المؤمنون، ولكن الأمل عند المؤمنين في الآخرة، بينما أهل الدنيا يتأملون في الدنيا، هذا الذي استلقى على ظهره, وفوقه قِدر عسل، وقال: سوف أبيع هذا العسل، وسوف أشتري غنماً، والغنم يتوالد، وسأغدو إنساناً غنياً, وسوف أتزوج، وأنجب أولادًا، وإذا عصاني ولدٌ ربَّيته، فرفع عصاه وضرب فانكسرت القدر وسالت فوقه، هكذا أهل الدنيا يأتيهم ملك الموت في أحرج الأوقات.
قصة رمزية :
هناك قصة رمزية تقول: إنسان كان ضائق النفس أراد أن ينتحر، من شدة فقرِه ويأسه من الحياة، جاءه ملك الموت فقال له: أنا أدلك على حرفة تغتني بها، اعمل طبيباً، قال له: ماذا أفعل؟ قال له: إن رأيتني أقف إلى رأس المريض فإياك أن تعالجه، لأنه سيموت قطعاً، اهرب، وإن وجدتني أمام رجلي المريض فعالجه، فلا بد من أن يشفى، أي شيء تعطيه إياه سيُشفى به، قال الشاعر: إِنَّ الطَّبِيبَ لَهُ عِلْمٌ يَدُلُّ بِـــهِ إِنْ كَانَ لِلنَّاسِ فِي الآجَالِ تَأْخِيرُ
حَتَّى إِذَا مَا انْتَهَتْ أَيَّامُ رِحْلَتِـهِ حَارَ الطَّبِيبُ وَخَانَتْهُ الْعَقَاقِيــرُ
فهذا نفّذ وصية ملك الموت, واشترى محفظة، ووضع فيها سوائل ملونة، فإذا دعي إلى مريض، إن رأى ملك الموت عند رأسهم يعود راجعاً، إن رآه عند قدميه يعالجه، هذه النقطتان قبل الطعام، هذه بعد الطعام، يتفنن في وصفاته، لأن المريض سوف يُشفى، ذاع صيتُه، وتألق نجمُه, وزاد دخلُه، وعاش في بحبوحة، وإذا بِبِنْتِ الملِك تَمرضُ، فاستُدْعِي هذا الطبيب الألمعي المشهور الذي ما مِنْ إنسان عالجه إلا وشُفي على يديه، لأنه على اتفاق مع ملك الموت، فهذا الملك لشدة تُّعلقه بابنته, قال: من يعالجْ لي ابنتي ويشفِها أجعلْه وليًّا للعهد، دخل على هذه البنت المريضة، فإذا ملَكُ الموت عند قدميها، فكاد يختل توازنه من شدة الفرح ، عالجها كما هي العادة وشُفيت شفاءً تامًّا, والملِك نفّذ وعده, وجعله ولي العهد، وصار ملكاً، ويومَ عرسه وزواجه وتسلمه منصب ولي العهد, جاءه ملك الموت، قال له: الآن، قال: الآن؟ قال له: لو أنك أخذتني وقتها لكان أيسر لي.
فأهلُ الدنيا يصعدون, ويصعدون، ويصعدون، وهم في أعلى نقطة يسقطون، هذا هو الأمل في الدنيا، قد تعتني ببيتك، ويوم الانتهاء من كسوته يأتيك الأجل، يوم نيله الدكتوراه يأتيه الأجل، يوم زواجه يأتيه الأجل، يوم رواج تجارته يأتيه الأجل، فمن كان أملُه في الدنيا فهو هالك. اقرأ هذا الحديث :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
((خَطَّ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطًّا مُرَبَّعًا, وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ, وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ, وَقَالَ: هَذَا الْإِنْسَانُ, وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ, أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ, وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ, وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ, فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا, وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه]
هذا هو الأمل المهلك :
كنت أدرس في ثانوية، ونشأ عندي ساعة فراغ، فدخلت على مدير الثانوية, أجلس عنده هذه الساعة, وكان صديقي، شكا لي همه وضجره، وقال: أنا سأسافر إلى بلاد شمال أفريقيا لأدرِّس هناك خمس سنوات، كان هناك نظام اسمه نظام الإعارة، يبدو أنه هيّأ موافقة، وقال لي: لن آتي في أيام الصيف إلى بلدي، أمضي صيفية في فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا، أربعة بلاد، أريد أن أشاهد معالمها؛ ريفها، متاحفها، طبيعة الحياة فيها، بعد خمس سنوات أعود إلى بلدي, وأقدِّم طلبا للتقاعد، وآتي بمبلغ لا بأس به, أفتح به محلاً تجاريًّا, أبيع فيه التحف، عندئذ يكبر أولادي ويتسلمون العمل مكاني، وآتي بعد الظهر ساعة أسمر فيها مع أصدقائي، وتابع الحديث، والساعة انتهت، وقد حدثني فيها عن عشرين سنة قادمة، فودَّعته و ذهبت إلى درسي، ثم ذهبت إلى بيتي ظهراً، وعندي عمل في مركز المدينة مساء، ذهبت إلى هذا العمل, وأردت أن أذهب إلي بيتي مشياً، نظرت إلى أحد الأعمدة -أعوذ بالله!- نعيه في اليوم نفسه، واللهِ الذي لا إله إلا هو في اليوم نفسه رأيتُ نعيَه.
هذا هو الأمل المهلك، فالإنسان يحلم, ويأتيه مَلَكُ الموت, فيلغي كل آماله، وكل شطحاته وتصوراته, الأمل في الدنيا مهلك، أما إذا علّق الإنسان أمله في الآخرة وعمل للآخرة ، وقدّم مَاله أمامه سره اللحاق به، وعلّم العلم، وبذل من ماله الشيء الكثير، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وتعلم القرآن وعلّمه، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب, وآوى الغريب، ولزم دروس العلم, وخدم المؤمنين، واتصل برب العالمين، هذا ماذا يفعل؟ هذا عَقَدَ أمله في الآخرة. هذا حال المؤمن :
إنسان يحج أو لا يحج، يسمحون له أو لا يسمحون له، قدم طلباً للسفارة فأعطوه الموافقة, ويوم أخذ الموافقة صار في الحج، هو لا يزال في دمشق، صار في مكة والمدينة، يذهب إلى المدينة أولاً أو إلى مكة، مع أي فوج يذهب أم يذهب وحدي، أرأيت إلى هذا الإنسان؟ لأنه عقد أمله بالحج، فصار في الحج، لذلك قالوا: المؤمن يعيش في الآخرة وهو في الدنيا.
سألوا مرة طالباً, نالَ الدرجة الأولى على مدارس البلد كلها في الشهادة الثانوية: ما سرُّ هذا التفوق؟ فأجاب إجابة رائعة, قال: لأن لحظَة الامتحان لم تفارق مخيلتي أبداً.
المؤمن الصادق يعيش في الآخرة، هو من أبناء الآخرة، يعيش في جنة قبل أن يصل إليها، فلذلك قال تعالى:
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 6]
في الدنيا، لقد عاش في الجنة وهو في دنياه. هذا أمل المؤمن :
مرة حدثني إنسان, فقال لي: عندي سفرة إلى بلد بعيد، لما أخذت الموافقة, كنت هناك فوراً نفسياً وشعوريًّا، فالمؤمن له أمل في الآخرة، أمله أن يرحمه الله، ويعفو الله عنه، وأمله أن يدخله الجنة، وأمله أن يكون مع الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، هذا الأمل ينسيه كل متاعب الدنيا، فهذه مرتبة، ولكن بشرط أن يكون هذا الأملُ متوجِّهًا إلى الآخرة، قال تعالى:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 21]
وأنت في الدنيا وازن بين بيت وبيت. الفرق بين مراتب الدنيا وبين مراتب الآخرة :
حدثني أخ كان في مؤتمر في الهند، قال لي: رأيت شيئاً لا يصدق، قال لي: بيت قطعة من النايلون، مع قطعة من قماش، مع قطعة من كرتون, متران في مترين، والأرض تراب، قال لي: هذا بيت، وهناك بيت في القاهرة, ثمنه واحد وعشرون مليون دولار، ألف مليون ليرة سورية، هذا بيت وهذا بيت، قال تعالى:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 21]
في أي بلد قد تجد بيتاً .....
قال لي أحدُهم: هناك حنفية تساوي ثمن بيت، فإذا بيت مساحته أربعمائة متر، كلّف مئات الملايين, يشبه بيتاً مساحته خمسون متراً ثمنه مائة وخمسون ألف، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 21]
مراتب الدنيا لا تعني شيئاً، قد تعني العكس، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
لا تعني شيئا، بحدها الأدنى، وقد تعني العكس، لكن مراتب الآخرة مراتب تعني كل شيء, مراتب ثابتة وأبدية.
ما الفرق بين اللذة والسعادة؟ :
هناك نقطة: إنسان سألني: ما الفرق بين اللذة والسعادة؟ قلت له: أين الثرى من الثريا؟ اللذة أولاً: طبيعتُها حسية، ومصدُرها خارجي، وتأثيُرها متناقص، تعقُبها كآبة، تنتهي بموت الإنسان، فانتهت كل اللذائذ، فلمَّا يموت الإنسانُ هل يأكل شيئاً؟ والسعادةُ طبيعتُها نفسيةٌ، ومصدرُها ذاتيٌّ، متناميةٌ، وتتصل بنعم الآخرة، فالإيمان يهيئ لك سعادة، بينما الدنيا تقدم لك لذة، وفرق كبير بين اللذة وبين السعادة، ولا أمل إلاّ أن تعقد الأمل على الله عز وجل.
كن بما في يدي الله أوثقَ منك بما في يديك.
قالوا: إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن أردت أن تكون أكرمَ الناس فاتق الله، وإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله أوثق منك بما في يديك.
لذلك هذه السكينة التي يلقيها الله في قلب عبده المؤمن، فيسعد بها ولو فَقَدَ كلَّ شيء، وإذا حُجِبتْ عنه هذه السكينةُ يشقى بفقدِها ولو ملك كلَّ شيء، هذه السكينةُ إحدى ثمار الإيمان اليانعة، فالمؤمن يُلقِي اللهُ في قلبه السكينةَ، وتحفُّه الملائكةُ، وتغشاه الرحمةُ، ويهديه اللهُ إلى سواء السبيل.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يلهمنا الخير.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و الثمانون )


الموضوع : الرياضة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الفرق بين الرياضة والترويض؟ :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الرياضة.
الفرق بين الرياضة والترويض فرق كبير جداً، الوحوش تُروّض بينما الإنسان يتريّض, فالرياضة من الترييض؛ أي التدريب، الوحوش تروَّض، أي تدرَّب بحسب طريقتها، قد تقول: فلان يده ملطّخة بدماء الجريمة، وفلان مضرّج بدماء الشهادة، فالتضريج غير التلطيخ، الدم الذي يُسفك في حرام أو في جريمة، نقول: ملطّخ بدم الجريمة، أما الدم الذي يُبذل في سبيل عقيدة أو هدف نبيل نقول: مضرّج.
فهذه المنزلة أساسها ما ورد عن النبي -عليه الصلاة و السلام-: إنما العلم بالتعلم، و إنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم.
إنسان في البدايات ليس حليما لكن يتصنع الحلم، بعد التصنع المستمر يصبح الحلم عنده طبعاً، كان تكلفاً فصار طبعاً، إنسان في الأصل ليس كريماً, يتصنع الكرم إلى أن ينقلب التصنع إلى طبع، الإنسان ليس عليماً، يتعلم إلى أن يصبح العلم عنده ثابتاً, فهذا معنى الحديث:
((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم))
تعليق :
كتعليق سريع على قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم))
" ليس هناك علم من دون تعلم، كما يدّعي بعض الناس: أن هناك علماً يأتي من قِبل الله مباشرة، هناك وحي يأتي الأنبياء، وهناك علم يتأتى من التعلم، وهناك فهم دقيق لكتاب الله عز وجل، هذه خصيصة يمنحها الله لبعض عباده الصالحين، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 79]
أن يُؤتى فهماً في القرآن، فهناك وحي هذا متعلق بالأنبياء والمرسلين، وهناك فهم لكتاب الله فضلٌ من الله عز وجل، وهناك تعلم، وقد ورد في الأثر:
((من عمل بما علم, أورثه الله علم ما لم يعلم))
قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 79]
إذا هناك شيء اسمه: وميض وكشف وإشراق، هذا ثمنه تطبيق ما تعلم، إن طبّقت ما تعلم, كشف الله لك عن شيء لا تعلمه، لكن هذا الإشراق وذاك الكشف -إن صح التعبير- مربوطان بالكتاب والسنة، فأيُّ ادِّعاء لإدراك الحقيقة إدراكاً مباشراً من دون وساطة، هذه الحقيقة تُعرض على كتاب الله وسنة رسوله، فإن توافقت مع الكتاب والسنة على العين و الرأس, أما إن خالفت لا نقبلها.
ما الفرق بين الفطرة والصبغة؟ :
ثم إن هناك في ما ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم.
هناك حقيقة هي الفطرة والصبغة، الفطرة أن تحب الكرم ولست كريماً, الفطرة أن تحب العدل ولست عادلاً، أن تحب الرحمة ولست رحيماً، ولكن الصبغة أن تصطبغ بالرحمة, وأن تصطبغ بالعدل، وأن تصطبغ بالكرم، فالتكرم فطرة أما الكرم صبغة، التحلُّم فطرة أما الحلم صبغة.
يعني كل مولود من دون استثناء يولد على الفطرة، يحب مكارم الأخلاق ولا يصطبغ بها، فإذا اتصل الإنسان بالله عز وجل اصطبغ بهذه المكارم، فغدا متواضعاً منصفاً, عدلاً رحيماً, وقوراً حليماً.
هذه المنزلة منزلة الرياضة: هي تمرين النفس على الصدق والإخلاص.
هذه العبرة من هاتين القصتين :
تحضرني قصة أحد علماء الأزهر الكبار, الذي صار شيخ الأزهر في أول حياته, طلب العلم فلم يفلح, ثم عزف عن العلم, وهو جالس يوماً في مكان، فإذا بنملة تصعد إلى جدار، فلما وصلت إلى مكان ما وقعت، أعادت الكرة فوقعت، أعادت الكرة فوقعت، فعدّ محاولاتها, فكانت ثلاثاً وثمانين محاولة، فهذه النملة علّمته درساً لا يُنسى، فالإنسان ينبغي أن يصمِّم.
لي قريب أمه حريصة على أن ينال أعلى درجة، ففي الشهادة الثانوية لم ينجح، أصرّت على أن يعيد الامتحان مرة تلو المرة, حتى نجح في المرة الخامسة, ولا زالت أمه تشد عضده إلى أن أصبح طبيباً ناجحاً:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن قرع الأبواب أن يلجا
العبرة: أن الإنسان يحتاج إلى تصميم, وإلى صدق في الطلب، فالرياضة تعويد النفس على الصدق والإخلاص.
من معاني الصدق :
1-أن يأتي كلامك وعملك مطابقاً للواقع :
الصدق له معان عديدة، من معاني الصدق: أن يأتي كلامك مطابقاً للواقع، هذا الصدق الإخباري، والمعنى الأخطر: أن يكون واقعك مطابقاً لقولك، أن يأتي القول مطابقاً للواقع هذا صدق الإخبار، أما أن يأتي العمل مطابقا للواقع هذا صدق التطبيق، لذلك قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
هنا ليس معنى الصادقين, هم الذين يصدقون إذا حدّثوا، الذين تأتي أعمالهم مطابقة لأقوالهم, كلٌّ يدّعي أنه مؤمن بالآخرة، لكن لو تفحصت أعمال الناس, لا تجد أثراً لهذا الادّعاء إطلاقاً، فهؤلاء يكذبون بأعمالهم لا بأقوالهم، هم يتكلمون كلاماً طيباً، وإذا أخبروك أخبروك صادقين، ولكن أعمالهم لا تؤكد صدق كلامهم، فمنزلة الرياضة التمرين على الصدق والإخلاص، عملك مطابق لادعائك وقولك، و يأتي الإخلاص ليبيِّن نزاهتك عن مطلب سوى الله عز وجل.
ما علامة الإخلاص؟ :
1-أن يستوي ظاهرك مع باطنك:
سألني أخ: ما علامة الإخلاص؟ قلت له: علامة الإخلاص أن يستوي ظاهرك مع باطنك, وأن تستوي علانيتك مع سرك، وأن تستوي خلوتك مع جلوتك.
أنت إنسان واحد في خلوتك وفي جلوتك، في بيتك وأمام الناس، في سرك وعلانيتك، أروع ما في الإنسان هذا التوحُّد، لا يوجد ازدواجية، للمنافق موقفان: موقف معلَن وموقف حقيقي، قال تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 14-15]
إذًا: التدريب على أن تأتي أعمالك مطابقة لأقوالك، كأن تقول: أنا مؤمن بالآخرة، هنا ينبغي ألاَ تقبل درهماً واحداً من حرام.
النبي -عليه الصلاة و السلام- رأى على سريره تمرة، فقال:
((يا عائشة, لولا أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها))
تمرة في بيته وعلى السرير، ولكن داخله الشك, لعلها من تمر الصدقة، لذلك قالوا:
ركعتان من ورع, خير من ألف ركعة من مخلط.
من لم يصده ورع عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله.
أعمالك تأتي مطابقة لأقوالك فأنت صادق، يستوي سرك مع علانيتك, وظاهرك مع باطنك, وخلوتك مع جلوتك, فأنت مخلص. 2- لا تستجدي المديح من الناس على أعمالك:
وعلامة أخرى للإخلاص: أنك إذا فعلت عملاً طيباً, تبتغي به وجه الله وحده, لا تعبأ كثيراً بمدح الناس لك، بل لا تستجدي منهم المديح، يستوي عندك أنهم ذكروا أو لم يذكروا، شكروا أو لم يشكروا، قدّروا أو لم يقدِّروا، لا تعلِّق أهمية على ردود الفعل، لكن ليس معنى هذا ألاّ تبالي بسمعتك، النبي -عليه الصلاة والسلام- كان حريصاً على سمعته.
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُعْتَكِفًا, فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ, ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ, فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي, وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ, فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَسْرَعَا, فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ, فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ, وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا, أَوْ قَالَ شَيْئًا))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
وهذا درس بليغ لنا، عوِّد نفسك أن توضِّح وتبيِّن.
نقطة مهمة :
أذكر إنساناً جاء إلى محله التجاري امرأة رحّب بها كثيراً، عنده ضيف في المكتب، قال لي: غريب، ليس هذا من أخلاق فلان، قلت له: هذه أخته يقيناً، أنا لا أعرفها، ولكني أعرفه ورعاً، كان الأولى أن يدخل إلينا, ويقول: جاءت أختي حتى لا يستغرب الضيف هذا الترحيب، لأن المؤمن يتكلم مع المرأة التي تحل له كلاماً عادياً جداً, دون زيادة.
إذن: هناك صدق الأقوال وصدق الأعمال، وحيثما وردت كلمة الصادقين في الأعمّ الأغلب تعني: صدق الأعمال، وقلما تجد إنساناً تأتي أفعاله مطابقة لأقواله.
2-مستوى آخر للصدق: ألا ترد الحق :
ومستوى آخر من الصدق: ألاّ ترد الحق، قد يأتي إنسان يقول لك: هذا الذي قلته غير صحيح، والصواب: هو كذا، والدليل: هو الآية والحديث، فإن لم تقل له جزاك الله خيراً، فقد أكرمتني بهذه النصيحة، فأنت لست صادقاً، إذا كان في الإمكان أن تردّ الحقّ, وأن تستنكف عن قبوله, وأن تستعلي عن أن تأخذه من إنسان تظنه دونك، لكن المؤمن الصادق يتعلم ولو من غلام.
أبو حنيفة النعمان كان يمشي في الطريق, فرأى غلاماً أمامه حفرة، قال له: يا غلام إياك أن تسقط, فقال له الغلام: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط، إني إن سقطت سقطتُ وحدي، وإنّك إن سقطتَ سقط معك العالَم.
إذا كان الإنسان قدوة وأخطأ يكون ارتكب عملاً خطيراً جداً، لأن هذا المثل الأعلى اهتز، أن تتعامل مع ألف إنسان يصيبون ويخطئون، ولكن إذا كان في ذهنك مثل أعلى، تعلق عليه أملاً كبيراً, تراه إنساناً مستقيماً، إذا أخطأ فتلك قاصمة الظهر، أنت ترضى أن يخطئ الناس جميعاً إلا مثلك الأعلى الذي تقتدي به, وتراه في موطن منزّه عن كل خطأ، فإن رأيته يخطئ عمداً فتلك الطامة الكبرى، لا أحد معصوم إلا النبي، المؤمن غير معصوم، ولكنه لا يرتكب الكبائر, وليس معنى هذا أنه يصر على الصغائر، المؤمن غير معصوم، لا يمكن أن يصر على صغيرة, مهما بدت صغيرة، وقّافا عند كتاب الله، سريعاً ما يتراجع ويستغفر و يشكر الذي نصحه، لذلك قالوا:
النبي معصوم والولي محفوظ.
النبي لا يفعل خطأ، بينما الولي لا يضره خطؤه، لأنه سريعاً ما يتوب منه ويستغفر، والقاعدة:
ما من أحد أكبر من أن يُنقَد، وما من أحد أصغر من أن ينقُد. ما معنى: جاء بالصدق؟ :
قال تعالى:
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
جاء بالصدق؛ أي أفعاله تؤكد أقواله، كان صادقاً، وعظمة الأنبياء في صدقهم، الأنبياء فعلوا المعجزات، لا لأنهم فوق البشر، هم بشر، ولولا أنه تجري عليهم خصائص البشر, لما كانوا سادة البشر، ولكن الأنبياء فعلوا ما قالوا، وأيُّ إنسان يفعل ما يقول, له تأثير يشبه السحر، يفعل ما يقول.
كان مع أصحابه في سفر, أرادوا أن يعالجوا شاة، قال أحدهم:
((عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمعُ الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))
شيء لا يصدق، نبي هذه الأمة يعمل كأحد أصحابه، موقف عظيم في معركة بدر, كانت الرواحل قليلة, والعدد قريب من ألف، والرواحل ثلاثمائة، فالنبي أعطى توجيها: كل ثلاثة على راحلة، قال: وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة.
-القائد العام للجيش يعامل نفسه كما يعامل الجندي-, فركب الناقة وانتهت نوبته في الركوب، وجاء دور عليّ وأبي لبابة، فتوسلا إليه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام -قولة تكتب بماء الذهب-: ((ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر))
أنا مفتقر إلى أجر المشي، وأنا قوي البنية، قادر على المسير، لو تخلق الناس بهذه الأخلاق, لكنا في حياة غير هذه الحياة. أنواع الرياضة :
العلماء قالوا: الرياضة على ثلاث درجات: رياضة عامة وهي تهذيب الأخلاق بالعلم, وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملات.
أخلاقك يوجهها العلم، وأعمالك يتوجها الإخلاص، ومعاملاتك يضبطها أداء الحقوق، إن تكلم فهو صادق، وإن تعامل مع الناس تعامل بخلق كريم.
فورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, و ظهرت عدالته, ووجبت أخوته, و حرمت غيبته))
تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملات. ما هي الأخلاق؟ :
الأخلاق حركة الإنسان، تحرك، تاجر، باع، اشترى، عزى، هنأ، تنزه، سافر، نام, تزوج، طلق، الحركة ما الذي ينظمها عند المؤمن؟ الأخلاق التي جاء بها النبي.
كنت أقول دائماً: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي -عليه الصلاة و السلام- قرآن يمشي.
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ((أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ, أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ, قَالَتْ: لَا تَفْعَلْ, أَمَا تَقْرَأُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَقَدْ وُلِدَ لَهُ)) إن تكلم فهو صادق، وإن تعامل مع الناس تعامل بخلق كريم.
ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوته, و حـــرمت غيبته))
تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملات.
المؤمن الصادق يضبط أموره، ويعتقد اعتقاداً جازماً بأنه مكلف: ((العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، والكرم بالتكرم))
إذا غضبت في هذه المرة، في المرة الثانية كن حليماً، هذه المرة تسرعت، في المرة الثانية كن متأنياً. مسألة :
هناك قصص كثيرة جداً: لو الإنسان تسرع, ندم ندماً لا حدود له، قبل أن تتهم، قبل أن تأخذ أقوالاً مضادة, وقبل أن تلتقي مع صاحب الحق حقِّق. سيدنا سليمان قال:
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 27]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
حركة الحياة يضبطها العلم بالسنة :
حركة الحياة يضبطها العلم بالسنة.
الإنسان أحياناً يكون في دعوة أكل، وهناك عشرون آخرون يأكلون, شبع، انسحب من المائدة, انسحابه يحرج الباقين، شبعت ابق في مكانك ولا تأكل, هناك إنسان جاء متأخراً، وهناك إنسان جائع، وهناك إنسان يأكل ببطء، أنت أحرجته، فالسنة ألاّ تقوم عن الطعام إلا بعد أن ينتهي آخر إنسان، لست مكلفاً أن تتابع الطعام، ولكن ينبغي ألاّ تقوم عن الطعام حتى ينتهي آخر إنسان، هذا من السنة، فما الذي يضبط لك سلوكك؟ السُّنة.
أحياناً: تجد شخصاً جالساً مع عمه، والد زوجته، يدخل في موضوع العلاقات الحميمة بينه وبين زوجته، هذه ابنته، لما صهره يتكلم كلاماً متعلقاً بالعلاقات الزوجية، الأب يخجل، قد يذهب به التخيل، فمن السُّنة: ألاّ تتحدث أمام والد الفتاة أو أخوتها عن موضوعات في العلاقة الزوجية، هكذا من السنة, فكلما تعلمت عن سنة النبي العملية شيئاً وطبقته, جاء علمك ضابطا لسلوكك.
الأخلاق تهذب بالعلم :
لمّا النبي -عليه الصلاة والسلام- ورد عنه:
((أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعان بك أعنته، وإذا استنصـرك نصرته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا أصابه خير هنّأته، وإذا أصابته مصيبة عزّيته, ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدُك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك، إلا أن تغرف له منها))
عطاؤك ابنك عندما يذهب إلى المدرسة مبلغاً كبيراً أو طعاماً باهظ الثمن، هذا مخالف للسنة, أطعمه هذا الطعام في البيت، وأعطه إلى المدرسة الطعام العادي الذي يأكله جميع الطلاب، هناك آباء بعيدون عن السنة، قطعة ثمنها ثمانون ليرة أو خمسمائة، وفي الحضانة، هذا لا يجوز, شيء يثير التقزز، اجعل ابنك كالباقين، من أجل أخلاقه، الطفل الصغير قد يفتخر، وقد يغيظ أصدقاءه.
ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها.
فالأخلاق تُهذب بالعلم. هذا ما يعلمنا به الإسلام :
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان أديبا إلى درجة غير معقولة، قيل: ما رُئي مادًّا رجليه قط، ولا بين أصحابه, مع أنه سيد الخلق، أما إذا كان الإنسان معذوراً, فالمعذور لا علاقة له بالحديث، في المركبة العامة مقعدان، يجلس إنسان ولا يترك لجاره إلا قدراً يسيراً ليجلس هذا القدر، لا ينتبه، يجب أن نجلس بأدب، كلما ارتقى الإنسان مقاما تجده أديباً جداً، في حركاته, وسكناته, وتناول طعامه، في كل حاجاته.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ, أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ, فَسَأَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْهُ, فَقَالُوا:
((مَاتَ, قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ, أَوْ قَالَ قَبْرِهَا, فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا))
وهو نبي هذه الأمة يعلمك التواضع، أنت قد تكون مدير شركة وعندك مستخدَم، هذا المستخدم في الدنيا مستخدم، أما في الآخرة فقد يكون أعلى منك درجة عند الله عز وجل، فالإسلام يعلمك التواضع ويعلمك الإنصاف. توفير الحقوق أيضاً من الرياضة :
توفير الحقوق أيضاً من الرياضة، الأخلاق تهذب بالعلم، والأعمال تتوج بالإخلاص, والحقوق تتوافر بالمعاملة، أو تعطي ما أُمرت به من حقوق الله والعباد كاملة غير موفورة.
الآن: قليل من الناس يموت والده, فيوزِّع التركة بالعدل التام، له أختان متزوجتان لا ترثان, البيت الذي يسكنه الأخ ثمنه اثنا عشر مليوناً, يقول لأخته: تعالي اجلسي, من منعكِ؟ هذا بيت العائلة, لما الأب مات لم يعد بيت العائلة، صار بيت الورثة، فهذه الأخت لها حق في هذا البيت، عملياً لا تُعطى شيئاً، حتى أثاث البيت يكون من نصيب الأخ, ولا يوزع على الإناث منه شيئاً، فالبطولة أن تؤدِّي الحقوق.
أعرف أخاً من أخواننا، كلما يسلم عليّ أكبره، له أخت فقط، أخته متزوجة, وزوجها له بيت، ودخله جيد، وليست بحاجة أبداً، بيت الأب يسكنه الابن مع والدته، قال لي: واللهِ قيّمت البيت على أنه فارغ، لا على أنه مستأجر, وأعطيت أختي حصتها بالكمال والتمام.
مثال على أداء الحقوق :
لي قريبة تزوجت في سن متأخرة، من رجل له أولاد صالحون، فقالت لأولاد زوجها : واللهِ والدكم قبل أن يموت وهب لي شفهياً مبلغ خمسمائة ألف يستثمرها عند فلان، قال لي: هذه لكِ, فقالوا: سمعاً وطاعة، وقالوا للمستثمر: أعطها إيصالاً باسمها بدل إيصال والدي، شيء جيد ببساطة، لكن من دون دليل مادي، مهرها خمسة عشر ألف، أعطوها إياه بالتمام و الكمال قبل توزيع الإرث، بعد أيام جاؤوا, فقالوا: سألنا عالمــاً، فقال: لا بد أن يُعطى المهر على السعر المعاصر، فأعطوها مقابله مائة وثمانين ألف ليرة، وكل حاجاتها مؤمّنة بعد وفاة والدهم، ثم اشتروا لها بيتا بما تملك، وأسّسوه لتسكنه، هم لم يفعلوا إلا الحق، ولكن لأن العمل نادر, صار يلفت النظر, هذا شيء طبيعي، حقوق، فالإنسان إذا لم يؤد الحقوق فلا مقطوع عن الله عز وجل.
ما معنى توفير الحقوق في المعاملة؟ :
توفير الحقوق في المعاملة: أن تعطي به من حق الله وحقوق العباد كاملاً موفوراً.
قال رجل لسيدنا عمر: أتحبُّني؟ قال له: واللهِ لا أحب، قال له: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال له: لا واللهِ، قال له: إذًا إنما يأسف على الحب النساء.
ليس هناك مشكلة، فأن تصحح العمل بالعلم، وأن تصحح النية بالإخلاص، وأن تؤدي الحقوق لأصحابها بالتمام والكمال، هذه هي الرياضة، هذه المنزلة التي أدخلها صاحب المدارج، مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.
ما معنى رياضة الخاصة؟ :
عندنا رياضة بمستوى أعلى: رياضة المؤمنين، قال: هناك رياضة خاصة، هناك إنسان متفوق، من خصائص هذه الرياضة: قطع ما يفرق قلبك عن الله، كل شيء يصرفك عن الله تقطعه, هذه رياضة، حتى المباحات، شيء مباح، لكن قلبك تعلق به، دعه، لأن الله عز وجل هو المقصود.
قال: قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمع عليه، والإقبال بكليتك عليه، حاضراً معه، بقلبك كله، لا تلتفت إلى غيره، هذه مرتبة أعلى.
هناك شيء آخر: الإنسان أحياناً يتعلق برأي ويبحث له عن أدلة، هذا موقف خطأ، الأصل: أن تتعلق بالحق وأن تسعى لتطبيقه أينما كان الحق.
أيها الأخوة، رياضة الخاصة أن تقطع كل ما يبعدك عن الله، قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمع عليه، والإقبال بكليتك عليه.
قف هنا :
هناك نقطة ثانية: أن تحكِّم العلم لا أن تحكِّم الحال:
الإنسان أحيانا يكون له إقبال على الله شديد، يعيش من الغمرة من الحال المسعد، هذه الغمرة من الحال المسعد, قد تحمله على أن يقول شيئا غير صحيح، فهو دائماً يحكِّم العلم بالحال، ولا يحكّم الحال بالعلم الحال خطير، سمِّي حالاً لأنه يحول.
مثلاً: هذا الذي فَقَدَ ناقته وهو في الصحراء, فأيقن بالهلاك وبكى، هذه قصته:
عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ, قَالَ:
((إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ, وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ, فَقَالَ بِهِ هَكَذَا, قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ, ثُمَّ قَالَ: لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ, وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ, فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ, حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ, أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ, قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي, فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ))
حاله الشديد بالعثور على ناقته أخلّ توازنه فقال كلاماً كفراً, هناك من يلتفت إلى قلبه ويتصل بربه، فيشعر بنشوة كبيرة جداً، هذه تبعده عن العلم، فيحكِّم حاله لعلمه، والأولى أن يحكِّم علمه بحاله. من أنواع الحال :
والحال أنواع: هناك حال شيطاني، إذا دخل أحدهم بيتاً –مثلاً-, واستطاع أن يأخذ منه مليون ليرة -الطريقة سهلة-, ولم ينتبه أحد، قعدت مع هذا السارق، تجد إشراقة في وجهه، لأنه حقق هدفه، فهل يُسمى هذا الحال راقياً؟ كل إنسان يحقق هدفاً ولو كان خسيساً يشعر بنشوة، أما نحن فعندنا العلم يتحكم في الحال، العلم حكَم على الحال، وليس الحال حكماً على العلم.
هناك أناس كثيرون أحوالهم تتحكم بعلمهم، تأخذه نشوة فيتكلم كلاماً غير صحيح، قد يستعلي وقد يطعن في الآخرين، أساسه نشوة، فمن لوازم رياضة الخاصة: أن علمه متحكم بحاله، وليس العكس.
هذه رياضة خاصة الخاصة :
أما هناك رياضة خاصة الخاصة، هؤلاء المتفوقون: مرتبتهم مرتبة الامتياز، قال: هذه المرتبة لا يرى إلا الله، لا يرى عمله، حتى لو أن الله عز وجل أجرى على يده خيراً كبيراً لا يرى عمله.
قال:
((ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟))
ما قال: فهديتكم، هداكم الله بي، حتى الإنسان في المرتبة العالية لا يرى عمله، يرى فضل الله عليه، حتى لو كنت مستقيماً، لو أنك في زمن الفتنة, تجاهد نفسك وهواك، لولا أن الله عز وجل أعانك على الاستقامة لما كنت مستقيماً، والدليل: سيدنا يوسف حينما قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
أي عفّتي بمعونتك يا رب، عفتي واستقامتي وورعي بدعم منك، من أنا لولا دعمك لي؟ هذا مستوى عال جداً، حتى بالتفوق، حتى بالإيجابيات، حتى بالإنجازات, لا ترى إلا فضل الله عليك.
نهاية المطاف :
مرة كنت في جلسة، وهناك إنسان فيه روح من الدعابة اللطيفة, أضحك من في المجلس مرتين أو ثلاثاً، قلت لهم: اشكروا الله على هذا الضحك، قالوا: ولِم؟ قلت لهم: لأن الذي أضحككم قادر على أن يبكيكم، أضحككم، لأنه يوجد ما يسيئكم من مرض وهم وغم، فإذا ضحك الإنسان, معنى ذلك: أن الله سمح له أن يضحك، فكلما تفوقت عند الله عز وجل ترى فضل الله عليك:
إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
فأنتم هو الحق لا غيركم يا ليت شعري أنا من أنــا
تتلاشى ذاتك أمام عظمة الله، عبّر عنها علماء القلوب بالفناء، أنت ليس لك وجود.
النبي الكريم حدّثنا عن أعماله العظيمة، قال:
((هذه جهد مقل))
فكلما كبرت عند الله، رأيت فضله ولم تر عملك، وكلما صغرت عند الله, رأيت فضلك وعملك, ولم تر فضل الله عليك.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 08:49 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التسعون )


الموضوع : عبادات اللسان





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما علة وجود الإنسان على سطح الأرض؟ :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.
أيها الأخوة، ينبغي من حينٍ إلى آخر أن نرجع إلى محور هذا الموضوع, فالإنسان يمشي في طريق عريض، ثمّ ينتقل إلى طريقٍ فرعيّة، من حينٍ إلى آخر ينبغي أن يعود إلى أصل الطريق, فنحن في مدارج السالكين, في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، نتبين أن علة وُجود الإنسان على سطح الأرض أن يعبد الله تعالى، أنت موجود هنا في هذه الحياة الدنيا من أجل أن تعبد الله تعالى، والمؤمن كلّ تصوّراته تنطلق من آيةٍ كريمة أو من حديث صحيح.
أعلى مقام تصل إليه أن تكون عبداً لله تعالى :
فالله عز وجل يقول:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
وأعلى مرتبةٍ وصلها بشر على الإطلاق: هي سدرة المنتهى التي وصلها النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
[سورة النجم الآية: 10]
أعلى مقامٍ تصلُ إليه أن تكون عبدًا لله تعالى، وكلّما ضعف إيمان المؤمن ضاقَتْ عنده مفاهيم العبوديّة، وكلّما ارتقى إيمان المؤمن اتّسعت عنده مفاهيم العبوديّة، العبوديّة ليسَت كما نتوهّم؛ حركات وسكناتٍ يؤديها الإنسان وهو غافل، العبودية منهج كامل، للقلب عبادة، وللسان عبادة، وللعين عبادة، وللأذن عبادة، وللفِكر عبادة، وللجسم عبادة، فكلّ عُضو في جسمك له عبادة، في كل وقت له عبادة، وفي كل ظرف له عبادة، وفي كلّ مقام له عبادة، فالعبادة تدور مع الإنسان حيثما دار، حتى في أفراحه وأحزانه، حتى في لهوه مع أهله، حتى في أشد العلاقات خصوصيّة هناك عبادة.
ما سبب تأخر المسلمين في هذا العصر؟ :
أما المسلمون حينما ضعفوا، مسخوا الإسلام إلى عبادات شعائريّة، مع أنّ كلّ آية في القرآن الكريم تقتضي الوجوب.
ما يمنع أن نقرأ كتاب الله عز وجل, وأن نشير إلى أيّة آية فيها أمر، وإلى أيّ آية فيها نهي بإشارتين؟ لأنّ كلّ أمر في كتاب الله تعالى يقتضي الوجوب، وإنّ كلّ نهيٍ في كتاب الله يقتضي الاجتناب، فأنت كمؤمن عندك بنود كثيرة جدًّا ومتنوّعة جدًّا، وتغطّي كلّ نشاطات حياتك، وكلّ أوقاتك، وكلّ الأماكن التي أنت فيها، وفي الأزمان التي أنت فيها، وفي النشاطات التي أنت فيها، فالعبادة منهج كامل، أما حينما أخذنا منها ما يعجبنا، وتركنا ما لا يعجبنا, صرنا في مؤخّرة الأُمم.
من عبادات بعض الجوارح وأوسعها نشاطاً في كل الأوقات :
ومن عبادات بعض الجوارح وأوْسَعها نشاطاً في كلّ الأوقات هو الكلام: من عدّ كلامه من عمله نجا.
قال: ((وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟))
((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))
فقال: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟))
وقد عدّ بعض العلماء آفات اللّسان ما يزيد عن أربع عشرة آفةً مهلكةً، فالنمام لا يدخل الجنّة، والمسلم بسذاجةٍ مضحكة، يظنّ أنّه إن ترك الكبائر نجا بها، يقول: ما قتلتُ، وما شربت خمرًا، وما زنيتُ, والأفعال والأقوال التي يقوم بها أكثرها مهلك. ((لا يدخل الجنّة قتّات))
أي نمام، لا قتل، ولا زنا، ولا شرب خمرًا، ولكن تكلّم. ((وإنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يلقي لها بالاً, يهوي بها في جهنّم سبعين خريفًا))
من عبادات اللسان :
1-النطق بالشهادتين :
العبادة هي علّة وُجودنا، وسرّ وُجودنا، وغاية وُجودنا، وأنّ الله عز وجل خلقنا لنعبدهُ ، فإذا عبدناه سعِدنا بقربه، فهو تعالى خلقنا ليُسعدنا:
إلا من رحم ربّك، ولذلك خلقهم.
خلقنا ليُسعدنا عن طريق عبادته، والعبادة معرفة وطاعة وسعادة.
فعبادات اللّسان كثيرة, أوّل عبادة للّسان: النّطق بالشهادتين، لو رجعت إلى القرآن الكريم, لوجدتَ أنّ النطق وحدهُ لا يكفي، قال تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
هذه الكلمة كلمة التوحيد، وهي كلمة الإسلام الأولى، معناها: لا معبود بحقّ إلا الله تعالى، ليس في الأرض جهةٌ تستحقّ العبادة غير الله تعالى, وليس في الأرض جهةٌ تستحق أن تهبها عمرك إلا الله تعالى، وليس في الأرض جهة تستحقّ أن تلتفت إليها إلا الله تعالى، وأن تخلص لها إلا الله, وأن تقبل عليها إلا الله، وهذا معنى لا إله إلا الله، ولا معطي ولا مانع, ولا معزّ ولا مذلّ, ولا رازق، ولا قابض ولا باسط، ولا رافع ولا خافض إلا الله، فهذه الكلمة هي أوّل كلمة في الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
2-تلاوة القرآن :
والعبادة الثانية لهذا اللّسان: هي تلاوة القرآن، والقرآن كتاب الله المنزّل على نبيّه -عليه الصلاة والسلام-، المتعبّد بتلاوته، أنت إذا قرأته وتلوتهُ آناء الليل وأطراف النهار، فأنت في عبادة لأنّه كلام الله عز وجل، تلاوته على نحوٍ صحيح من أجل أن تصِحّ صلاتك.
3-التلفظ بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها رسوله :
ثمّ إنّ من عبادات اللّسان: التلفّظ بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها رسوله ، فقولنا: الله أكبر، سمع الله لمن حمد، ربنا لك الحمد والشكر والنعمة والرضا، ربّي لك السجود وأنت الرب المعبود، هذه الأذكار التي ذكرها النبي في الصلاة، والتي هي من لوازم الصلاة, هي أيضًا من عبادات اللّسان, كالتسبيح في الركوع والسجود، والاعتدال والتشهّد والتكبير، أذكار الصلاة مع تلاوة القرآن في الصلاة، مع النّطق بالشهادتين، هذه من عبوديات اللّسان والواجبة.
هذه الأحكام الخمس مراجعة كتاب أصول سنة ثانية :
والأحكام بين واجب، ومستحب، ومباح، ومكروه، ومحرّم، على اختلاف بين المذاهب ، عند بعض المذاهب الفرض ثمّ الواجب وبينهما درجة واحدة، فالواجب أقل من الفرض بدرجة، والفرض أعلى بدرجة من الواجب، أما في بقيّة المذاهب فالواجب هو الفرض، فهنا اختصارًا؛ واجب, مستحب, مباح, مكروه, حرام, فالخمر حرام، وكذا الخنزير، أما الصلاة ففرض، والإقامة سنّة، وأن تأكل فاصولياء فهذا مباح، وإنسان لبس ثيابًا بيضاء أو خضراء أو زرقاء, جلس على كرسي، أو على الأرض، هذا مباح، فالمباح لا أمر فيه ولا نهي، ويستوي فيه الفعل والترك، والمستحبّ يفضّل أن تفعله, والواجب يجب أن تفعله، والمكروه يفضّل ألاّ تفعله، والحرام يجب ألا تفعله، وحياتنا كلّها هكذا؛ واجب مستحب مباح مكروه حرام، ما من شأن أو شيء في الحياة, وما من حركة أو تصرّف أو نطق، إلا وينطبق عليه أحد هذه الأحكام الخمس، المؤمن بعد أن يعرف الله عز وجل, شغلهُ الشاغل، وهمّه الأوّل: أن يتعرّف إلى أمره ونهيِهِ، هذا مباح، وهذا حلال، وهذا حرام، وهذا مكروه، وهذا مستحبّ، فالواجب الذي هو الفرض، للسان أن ينطق بالشهادتين، والفرض أن يتلو القرآن في الصلاة تلاوةً صحيحة تصحّ بها صلاته، والواجب، هذه الأذكار التي ذكرها النبي في الصلاة، كالتكبير والتشهّد، وأذكار الركوع والسجود وما إلى ذلك ....
من واجبات اللسان :
1-رد السلام :
ومن الواجبات على اللّسان: ردّ السلام، ابتداء السلام سنّة مؤكّدة، أما ردّ السلام فهو فرض واجب، قال تعالى:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
[سورة النساء الآية: 86]
فردُّ السلام من واجبات اللّسان. 2-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
ومن واجبات اللّسان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي الفريضة السادسة، بل إنّ هذه الأمّة التي كرّمها الله عز وجل, والتي وصفها بأنّها خير أمّة أُخرجت للناس، هذه الأمّة عِلّة خيريّتها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 110]
لذلك تكاد تكون هذه الفريضة معطّلة في العالم الإسلامي، يسكت، ويجامل, ولا يستنكر ، ولا يعلن ولاءه وبراءته، ولو تُرِكَ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان هذا الترْك سبب هلاك هذه الأمّة، والدليل: الله عز وجل أهلك بني إسرائيل, لأنهم كانوا لا يتناهوْنَ عن منكر فعلوه.
انْظر إلى بيوت المسلمين، قد تأتي بنت الأخ بأبهى زينة كانت في الطريق، العمّ يرحّب بها، ويكرّمها، ويستقبلها، ويثني عليها, وعلى أناقتها، ولا يلفتُ نظرها إلى خروجها غير الشرعي, لذلك:
لمّا أراد الله إهلاك قريةٍ, أرسلَ ملائكته لإهلاكها، فإذا فيها رجل صالح، فقال الملك: إنّ رجلاً صالحاً فيها، قال: به فابدؤوا!! لأنه كان لا يتمعّر وجهه إذا رأى منكرًا.
فهذا الذي لا يأمر, ولا ينهى، ولا يستنكر، لا بيده, ولا بلسانه, ولا بقلبه، وكأنّه راضٍ عمّا يفعله الناس, هو شريك هؤلاء الناس في الإثم.
3-تعليم الجاهل :
وتعليم الجاهل: فلو سألك إنسان يجب أن تُجيب، أما إن سئلت عن شيء لا تعلمه يجب ألاّ تجيب.
رجل كان في سفر مع أصحاب رسول الله، وقد أصابته الجنابة, فسأل أحدهم, فأفتى له أن يغتسل, فاغتسل فمات -فلمّا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك غضب من فتواهم, لأنّه كان يكفيه أن يتيمّم، فلمّا أشار عليه أن يغتسل اغتسل والتهب جرحه ومات- فقال عليه الصلاة والسلام غاضبًا أشدّ الغضب: قتلوه قاتلهم.
فإن كنت تعلم فتكلّم, وإلا فاسكت, وعبادتك أن تصمت.
من هم أهل الذكر؟ :
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 43]
من هم أهل الذِّكْر؟ هم أهل الوحي؛ أي القرآن، فالدّين هو الوحي والقرآن، والبشر على سطح الأرض، ورحمة الله تقتضي أن ينبّههم، وأن يرشدهم، وأن يعرّفهم، ويهديهم سواء السّبيل، فأنزل على نبيّه القرآن الكريم، وأمره أن يبيّن هذا القرآن الكريم، وهذا هو الدِّين كلّه ؛ قرآنٌ منزّل، وسنّة مبيِّنة، من هم أهل الذّكر؟ هم الذين يعرفون كلام الله وكلام نبيّه، قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 43]
4-وألا تقول على الله ما لا تعلم :
فمن واجبات اللّسان: ألا تقول على الله ما لا تعلم، لأنّ هذا من أعظم المعاصي.
وربّنا عز وجل ذكر المعاصي ورتّبها ترتيبًا تصاعديًا، فذكر الإثم والعدوان, والفحشاء والمنكر، وذكر الشّرك والكفر، وجعل على رأس هذه المعاصي: أن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
الإمام الغزالي يقول: العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهْون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
ففي العقيدة لا يوجد تقليد، لو أنّ الله قبِلَ من عباده عقيدةً تقليدًا، لكانتْ كلّ الفرق الضالة على حقّ، ما ذنبُ أتباعها؟ ما فعلوا شيئًا، لقّنوا عقيدة فقبلوها، في العقيدة لا تقبل إلا تحقيقًا، ولا تقبل تلقينًا، ولعلّ المستند في ذلك قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
والعلم يقتضي البحث, والدرس, والأدلة, والتحقيق, والموازنة, إلخ ......
قصة تائب :
حدّثني أخٌ فقال لي: يعود الفضل في توبتي إلى سائق تاكسي، كنتُ أشربُ الخمر، اشتريتُ زجاجات، ركبتُ سيارةً في أيّام الصيف، وكان هناك ازدحام شديد، فلمّا لمحَ السائق الخمرة في يدي، أوقفَ السيارة، وطردني من سيارته، وبقيتُ ساعةً عندها تبتُ إلى الله عز وجل.
إليك هذا المثال على الأمر بالمعروف :
سمعتُ قصّة لطيفة: سائق تاكسي على خط بيروت، جاءه شابّ وشابّة يركبان معه إلى دمشق، ثمّ سألاه أن ينتظر قليلاً لأنّ شخصًا سيأتي بحقيبة، فانتظر السائق فترةً طالتْ، بدأ يتبرّم، فجاء رجل في الثمانين أو السبعين، يحملُ على رأسه حقيبة، فأخذها الشاب منه، ووكزه على صدره، وقال له: لماذا تأخّرت؟ السائق لم ينتبه، وبعد عدة كيلو مترات من المسير, تقول الزوجة لزوجها: لماذا ضربْت أباك؟ فوقف السائق! وقال له: هل هذا أبوك؟ فقال: نعم، فقال السائق: انْزل من هنا, هذا هو الأمر بالمعروف، فإذا تكلّمت بكلمة غلط وردّ عليك كلّ الناس ، حينها لا تتكلم أو تعمل عمل غلط.
قف هنا :
قال لي شخص: سائق باص متفلّت جدًّا, كان يسمع أُغنية ساقطة، وقفَت امرأة محجّبة ، وقالت لهذا السائق, وكان هناك في الباص خمسون رجلاً: هذا الشريط اسمعه في بيتك، أما هذه السيارة فليسَتْ ملكك، ولكن هي ملك هؤلاء الركاب جميعًا، فاستح! وآخر يسبّ الدّين وكلّهم ساكتون، ويفعل المنكر والكلّ ساكتون، لذلك هؤلاء الذين لا يتناهوْن عن منكر فعلوه يستحقّون غضب الله عز وجل، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب, وعدم الأخذ به سبب هلاكهم، ويتجملون بكلام لا أصل له، يقول لك: امش بجنازة ولا تمش بزواج, أعظمُ شفاعةٍ بين اثنين هي شفاعة النكاح، لذلك صار عندنا عادات وتقاليد لا علاقة لها بالدّين إطلاقًا.
5-إرشاد الضال وأداء الشهادة المتعينة وصدق الحديث :
وإرشاد الضالّ من واجبات اللّسان، وأداء الشهادة، فلو كنت راكبًا سيارة، والسائق يمشي من اليمين بسرعة نظاميّة, وطفل قفز أمامه ومات، وأنت الشاهد الوحيد, والله إن لم تذهب مع هذا السائق إلى المحكمة، وتعطّل عملك يومًا أو يومين, وتنقذ هذا السائق من عقاب شديد جدًّا، أو من تكليف لا يحتمله, فأنت لسْتَ مؤمنًا، لا تقل: سوف أعطّل عملي يومين:
عدلُ ساعة أفضل من عبادة ثمانين عامًا.
لذلك قالوا: أنّ حجرًا ضجّ بالشكوى إلى الله عز وجل، قال: يا ربّ, عبدتك خمسين عامًا وتضعني في أسّ كنيف؟ فقال الله له: تأدَّب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم.
والقصّة هنا رمزيّة، فأن يكون الحجر في أس كنيف خير من ذاك المجلس, فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضالّ, وأداء الشهادة المتعيّنة، وصدق الحديث، هذه كلّها واجبات.
من المستحبات :
أما المستحبات: فتِلاوة القرآن، فالواجب فيــه تلاوته في الصلاة المفروضة تلاوةً صحيحة، أما المستحبّ أن تتلو القرآن الكريم، وتداوم على ذكر الله تعالى, لقول الله عز وجل :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41]
والمذاكرة في العلم النافع, وتوابع ذلك: ذِكر الله عز وجل بأوسع معاني هذه الكلمة، بدءاً من الدّعاء, والاستغفار, وأذكار النبي -عليه الصلاة والسلام-, والدعوة إليه، وسماع العلم, وتلاوة القرآن، وكلّ هذا متّصل بالذّكر.
عن أبي الدرداء قال:
((قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم؟ قالوا: بلى, قال: ذكر الله))
من المحرمات على اللسان :
1-النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله :
أما ما هو محرّم على اللّسان، قال: النّطق بكلّ ما يبغضه الله ورسوله.
فالغيبة تغضب الله، وكذا النميمة, والمحاكاة، والتحريش بين المؤمنين، والسّخرية، والإفك، وكلّ كلامٍ يغضب الله تعالى كالفحش، وتتبّع العورات، ثمّ النطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله، كأن يكون لا أصل له في الكتاب أو السنّة، نروِّجُهُ ونذكرهُ ونبتدعهُ، والدّعاء إلى هذا الشيء المبتدع، والدّعوة إليه هذا محرّم، وكذا تحسينه وتقويته، فلانٌ يدّعي أنّه يعلم الغيب، يقرأ الكف والفنجان، ويمسك بأبراج السماء، هذا كلّه محرّم، فالحديث عنه والدعوة إليه، وترويجه, وتحسينه حرام.
عن عبد الله بن مسعود قال:
((من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول, فقد كفر بما أنزل على محمد))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
2-النطق بالبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان :
فمن المحرمات: النطق بالبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، كأن يقول: فلان يفكّ السّحر, وفلان يوفّق بين الزوجين، وهذا الشيخ مثلاً يجلب الرّزق، هذا كلّه باطل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًا، فمن نكون نحن؟ وماذا نملك من قدرات حتى ندعي ما ليس نملكه؟.
والقذف أن تتّهم امرأة بالزنا وهي ليسَت كذلك.
هناك شكل من أشكال القذف كأن يُذكر اسم امرأة ولا يتكلّم كلمة، هو من باب القذف، وأحياناً حركات بالوجه أو الحواجب تمطّي، يقول: فلان صاحب دين! وهو يمثّل بفكّه شيئًا! هذا قذف.
وقد ورد في الأثر: أنّ قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.
وهذا من معاصي اللّسان الكبيرة، وكذا سبّ المسلم، يقول لك: هذا لص, هل أنت متأكّد؟
كلّكم يعلم: أنّه من قذف امرأة يجلد ثمانين جلدة، وكذلك الحكم نفسه إذا قذف رجلاً، إذا قال عن إنسان زانٍ يجلد ثمانين جلدة.
امرأة كانت تغسّل ميّتةً، فإذا بيدها تلتصق بجلد هذه الميّتة، وبعد محاولات يائسة لم تستطع نزْع يدها من جلدها، فقالوا: ما الحل؟ أنقطع جزءاً من جلد الميّتة أم نقطع يد هذه المغسّلة؟
يروى أنّ هذه القصّة وقعت في عهد الإمام مالك إمام دار الهجرة، فقال الإمام مالك: لعلّ هذه المغسّلة اتَّهَمتها بالزنا، اجلدوها ثمانين جلدة، وبعد هذا الجلد فُكَّت يدها, والمقذوفة ميّتة.
فقذْف محصنة من الكبائر، وسبّ المسلم من الكبائر، وإيذاء المسلم بالقول، كالسباب الفاحش، وكذا الكذب، والمؤمن لا يكذب.
أخرج ابن عدي والبيهقي, عن سعد بن أبي وقاص, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب))
وشهادة الزور التي تجعل الحق باطلاً والباطل حقًّا. إليكم هذا المثال على شهادة الزور :
حدّثني أحدهم أنه ارتكب مخالفة, واحتاج لشاهد يشهد أنّ هذه المخالفة لم تقع، فيعفى من الحكم، والحكم سجن شهرين، بحث عن شاهد, فطلب منه خمسة آلاف، قال له: لأنّني لم أرَ ما فعلت، وأريد ثمن شهادة الزور، فلمّا دخل إلى المحكمة، فوجد المصحف، فقال له: أريد عشرة آلاف الآن، لأنّ هناك يمين!.
من المحرمات أيضاً :
فشهادة الزور من المحرّمات, وكذا الكذب، وإيذاء المسلم بالقول، وسبّه، وقذف المرأة المحصنة، والحديث عن البدع, والدعوة إليها, وترويجها، وتحبيبها للناس، والقول على الله بما لا تعلم، تقول: الله خلق الإنسان كافرًا، وسوف يضعه في النار إلى أبد الآبدين, كيف يفسّر قوله تعالى:
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾
[ سورة الحج الآية: 15]
هذه دعوة أساسها الجهل، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 28]
هناك دعوة إلى الجبريّة، وهي أنّ الإنسان مجبور على كلّ أعماله، الله عز وجل لا يجبر أحداً على معصية، ولا يكتب شيئًا على إنسان، فالجاهل يصوّر الله عز وجل على أنّه خلق الكافر كافرًا، وقدّر عليه الكفر، وقدّر عليه المعاصي والآثام، ثمّ يضعه في النار إلى أبد الآبدين، ويفعل ما يريد، وهذا من أشد المحرّمات في اللّسان، وهي أن يقول على الله ما لا يعلم، وهو أشدّها تحريماً.
من المكروهات :
ومكروه التكلّم ما تركه خير.
مثلاً يقول: كم يعطونك بالشهر؟ دعهُ فإنّه راضٍ، يقول له: قليل:
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
لماذا طلّقها؟ وما السبب؟ سؤال ثمّ سؤال ثمّ سؤال، أين تسكن؟ وهل هو أجرة أو ملك؟ وهل العقد سياحي؟.
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.
نهاية المطاف :
هناك كلام على خلاف بين العلماء يستوي فيه الكلام وعدمه، وهو الكلام الذي لم يتعلّق به طاعة أو معصية، كأن تقول: هذا اللّون مناسب لهذا البيت، إن قلت مناسب لا تؤجر ، وإن قلت غير مناسب لا تؤثم، كلامٌ لا يتعلّق به طاعة ولا معصية, فهذه عبادات اللسان.
ويجب أن نعلم أن كلّ عضو وجارحة في الإنسان له عبادة، والمؤمن الصادق يسأل نفسه دائمًا: ما حكم الشرع في هذا؟ والمؤمن بعد معرفته بالله، لا همّ له إلا أن يطيعه، والطاعة تحتاج إلى معرفة الأمر والنهي، فلذلك معرفة منهج الله عز وجل وأمره ونهيه جزءٌ أساسيّ من الدّين.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و التسعون )


الموضوع : حقيقة العبادة والعبادة المطلقة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما حقيقة التعبد؟ :
1-الصنف الأول: أنفع العبادات وأفضلها أشقها على الأنفس وأصعبها :
منزلة عامة حول إياك نعبد وإياك نستعين، فقد قال بعض العلماء: مقام إياك نعبد و إياك نستعين أربعة أصناف، -يعني ما حقيقة التعبد؟-, الصنف الأول عند هؤلاء القوم: أنفع العبادات وأفضلها أشقُّها على الأنفس وأصعبها.
يعني عند هؤلاء المشقة مطلوبة لذاتها، وقد قيل:
الأجر على قدر المشقة.
وورد حديث لا أصل له: أفضل الأعمال أحمرها؛ أي أصعبها وأشقها.
هؤلاء الفريق من الناس هم أهل المجاهدات والجور على النفوس، أساس العبادة المشقة، أساس العبادة أن تُحمل النفس ما لا تطيق، أساس العبادة تجشُم الصعاب، حرمان النفس، تحميلها فوق طاقتها، هؤلاء فريق من المؤمنين تصوروا أن المشقة أصل العبادة، و علَّلوا بأن النفوس تستقيم بالمشقة، إذ طبعها الكسل والمهانة والإخلاد إلى الأرض، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق، هذا صنف واللهُ أعلم ليسوا على صواب، لأن المشقة لا يمكن أن تكون مطلوبة لذاتها، ولأن دين الله عز وجل دين يسر لا دين عسر.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ, فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ مُرْهُ فَلْيَرْكَبْ))
فالمشقة لا يمكن أن تكون مطلوبة لذاتها، أما حينما تُفرض علينا نرحب بها، أن تذهب إلى بيت الله الحرام مشياً على الأقدام هذه مشقة لا تُحتمل, وليست مطلوبة لذاتها, ولا ترقى بها، ما دام أن الله عز وجل قد سخَّر للإنسان وسائل المواصلات السريعة، أما حينما يُطلب من المؤمن أن يطوف البيت طواف الإفاضة هناك ازدحام ومشقة، فهذه المشقة فرضتها العبادة، وحينما يذهب المؤمن إلى الجهاد, قد يحتمل ما لا يطيق من الجوع و العطش والحر والقر ومكابدة الأعداء، هذه مشقة فرضها الجهاد أهلاً بها ومرحباً، أما أن أبحث عنها أنا، أما أن أريدها لذاتها، أما أن أجعل المشقة طريقاً إلى عبادة الله، فهذه واللهُ أعلم مشقة لا ترضي الله، لأنه شيء مفتعل. 2-الصنف الثاني: العبادة أفضلها التجرد والزهد في الدنيا ...:
قسم آخر قالوا: العبــادة أفضلها التجرد والزهد في الدنيا، والتقلل منها غايـة الإمكان, وطرح الاهتمام, وعدم الاكتراث بكل ما هو منها، المشقة تحمل الصعاب، أما الزهد العزوف عن الدنيا.
يعني أخشن طعام، أخشن لباس، أصغر بيت، حياة فيها حرمان، لا يوجد اهتمام بشيء.
قالوا: هؤلاء الفريق قسمان: عوامه ظنوا أن الزهد غاية، والتجرد غاية, فشمَّروا إليه, وعملوا عليه, ودعوا الناس إليه. وقالوا:
هو أفضل من درجة العلم والعبادة، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها، هؤلاء عوامهم، أما خواصهم رأوا هذا مقصوداً لغيره، وأن المقصود به العكوف على الله عز وجل، وجمع الهمة عليه، وتفريغ القلب لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه, والاشتغال بمرضاته، فرأوا أن أفضل العبادات اجتماع القلب على الله، ودوام ذكر الله بالقلب واللسان، والاشتغال بمراقبته، والبعد عن كل ما يفرق القلب ويشتته عن الله، فأهل الزهد والحرمان والانسحاب من الدنيا, أهل البعد عن نعيم الحياة وعن رفاه العيش، وعن الطيبات التي رزقنا الله منها، هؤلاء عوام وخواص.
العوام لجهلهم توهموا أن الحرمان مقصود لذاته، وأن الحرمان هو العبادة، احرم نفسك كل شيء؛ الطعام الطيب, والشراب البارد، والفراش الوثير، اجهد أن تكون محروماً، احرم من حولك، فهذه هي العبادة، اللهُ أعلم أنهم ليسوا على صواب، لأن الله عز وجل قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
من حرّمها؟ لماذا خلق الله الورد؟ للكفار فقــط؟ لماذا خلق الله الشيء الذي يريح النفس؟ للكفار فقط؟
ثم إن هؤلاء أيضاً قسمان: عارفون متّبعون، إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه، ولو فرَّقهم وأذهب جمعهم، أي واحد منهم في حالة طيبة مع الله، مستغرق بكمال الله، دُعي إلى عمل صالح، رفض، هؤلاء أيضاً ليسوا على حق، لأن العمل الصالح يرقى بك، أما هذا الركون إلى هذه السعادة لا ترقى بك.
سيدنا ابن عباس, كان معتكفاً في مسجد رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، رأى رجلاً كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال: يا بن عباس, ديــون لزمتني ما أطيق سدادها, قال: لمن؟ قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه, قال له رجل: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟.
الاعتكاف فيه راحة نفسية، أنت تصلي، وتقرأ القــرآن، مستغرق، منسجم، مسرور، جاءك إنسان يستغيثك، يريد أن تخدمه، يريد أن تعينه, بعض هؤلاء لا يستجيب لأنــه يفضل سروره باعتكافه على خدمـة الخلق، وبعضهم يستجيب هؤلاء الذين توهموا أن حقيقة العبادة هي الزهد والتجرّد، لكنهم إذا دُعوا إلى عمل صالح بادروا؛ أن أنعِم وأكرم, أما إذا تنصلوا من عمل صالح، هؤلاء أيضاً ليسوا على الحق الله أعلم, هؤلاء الذين لا يلتفتون لعمل صالح وهم معتكفون, لهم بيت من الشعر يستشهدون به:
يطالَب بالأوراد من كان غافلا فكيف بقلب كلُّ أوقاته وِردُ؟
هو سعادته بأوراده فقط، والعمل الصالح لا يعبـأ به، وهؤلاء موجودون في بعض بلاد المسلمين، بل إن هؤلاء أيضاً قسمان: قسم منحرف أشد الانحراف، يترك الفرائض و الواجبات, ويقول: أنا مع الله دائمـاً فأين الصلاة؟
الإنسان إذا ترك الجماعة ينحرف ويتوهم ويبتعد وهؤلاء كُثر، أنا مع الله، الشيء المألوف عند المتفلتين يقولـون: أنا إيماني في قلبي، لا تصلي, وإيمانك في قلبك؟ يقــول: الشيء ليس بالصلاة ولا بالصوم ولا بالحج ولا بالزكاة، لكن الإيمان في القلب.
منهم من يترك السنن والنوافل، وسأل بعض هؤلاء شيخًا عارفاً, فقال: إذا أذَّن المؤذن فأنا في جمعيتي على الله، فإن قمت وخرجت تفرقت، وإن بقيت على حالي بقيت، فما الأفضل في حقي؟ فقال الشيخ: إذا أذّن المؤذن وأنت تحت العرش فقم وأجب داعي الله، ثم عد إلى موضعك, وهذا لأن الجمعية على الله حظ الروح والقلب، وإجابة الداعي حق الرب، ومن آثر حق حظ روحه على حق ربه, فليس من أهل إياك نعبد وإياك نستعين، هؤلاء الذين يقصرون في عباداتهم بدعوى أنهم مجموعون على الله، هؤلاء أيضاً ابتعدوا عن الصلاة. 3-الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد ... :
الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كـان فيه نفع متعدٍّ, فرأوا أفضل من ذي النفع القاصر, النفعَ المتعدي: أن تخدم الخلق، فرأوا خدمة الفقراء, والاشتغال بمصالح الناس, وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل، فتصدوا له وعملوا عليه، و احتجوا بما ورد عن النبي -صلى الله عليه و سلم-:
((الخلــق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله))
واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النفّاع متعدٍّ إلى غيره، و أين أحدهما من الآخر؟.
أنا أعتقد أن هناك رأياً وسطاً: هو أن تجمع بين خدمة الخلق, وعبادة الحق، وبين بذل الجهد, واحتجوا أيضاً بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ, وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ, وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ, إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ, إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا, إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ, فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))
وقالوا: وقد ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنه قال لعلي بن أبي طالب: ((لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً, خير لك حمر النعم))
وهذا التفضيل إنما هو للنفع المتعدي، واحتجوا بقول النبي عليه الصلاة و السلام: نقترب نحن شيئاً فشيئاً من حقيقة العبادة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا, وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا))
أحاديث كلها صحيحة، واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعه الذي نُسب إليه مستمراً، واحتجوا بأن الأنبياء إنما بُعثوا بالإحسان إلى الخلــق، وهدايتهم, ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يُبعثوا بالخلوات و الانقطـاع عن الناس والترهُّب، ولذلك أنكر النبي -عليه الصلاة والسلام- على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد, وترك مخالطة الناس، ورأى هؤلاء التفرق في أمر الله, ونفع عباده, والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه من دون ذلك، وقالوا: إن العبادة هي نفع يصل إلى الآخرين، كنا في المشقة فانتقلنا إلى التجرد؛ أي الزهد، ثم انتقلنا إلى النفع المتعدي. 4-الصنف الرابع: إن أفضل عبادة العمل على مرضاة الرب :
وأما الصنف الرابع، ولعل هؤلاء على صواب, قال: هؤلاء قالوا: إن أفضل عبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك، بما يقتضيه الوقت ووظيفته، و هذا أرقى اتجاه.
قالوا: العبادات في وقت الجهاد هو الجهاد.
عدوٌّ اقتحم علينا بلادنا، أول عبادة أن نقاوم العدو، الجهاد، ولو آل هذا إلى ترك الأوراد, من صلاة الليل, وصيام النهار، بل ومن ترك النوافل.
والعبادة في وقت حضور الضيف القيام بحقه, والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء الزوجة حقَّ زوجها وأهلها وأولادها.
وقت السحر للصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار، إنسان استرشدك إلى مكان أول عبادة أن ترشده إلى المكان، جاهل أرادك عليك تعليم هذا الجاهل، أنت لك هوية، أنت رجل قد تكون ابناً أول عبادة برُّ والديك، أنت رجل قد تكون غنياً أول عبادة إنفاق مالك، أقامك الله عالماً أول عبادة تعليم العلم، أقامك الله قوياً أول عبادة نصرة الضعيف، أقامكِ زوجة أول عبادة رعاية الزوج والأولاد، هذه هويتك، في ظرف وُضعت فيه، ظرف استثنائي، الأب مريض أول عبادة العناية بالأب، الابن عنده امتحان، أول عبادة معاونة الابن، الزوجة مريضة أول عبادة تمريض الزوجة، عندك ضيف أول عبادة إكرام الضيف، أن تعبد الله فيما أقامك, وفي الظرف الذي وضعك فيه، وفي الزمان الذي أظلَّك، أفضل عبادة وقت قراءة القرآن، أن تجمع قلبك على الله، وأن تتدبر آيات القرآن وأن تفهمها حتى تشعر كأن الله يخاطبك فتجمع قلبك عليه .
أفضل عبادة في وقت عرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعِف للجسم، أفضل عبادة في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد ولاسيما التكبير و التهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعيّن .
أول عبادة في العشر الأخيـر من رمضان: لزوم المسجد والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم, حتى إنها أفضل من الإقبال على تعليم العلم، وإقراء القرآن عند كثير من العلماء.
وأول عبادة في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته أو حضور جنازته وتشييعه ، وتقديم ذلك على خلواتك وجمعيتك .
وأول عبادة وقت نزول النوازل, وإيذاء الناس لك, أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم .
الملخص: أن تؤثر مرضاة الله فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك فيه، وفي الزمن الذي أظلك، وفي الوضع الاستثنائي الذي حلّ بك، هذا أرقى أنواع العبادة.
ما هي العبادة المطلقة؟ :
هؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل العبد المقيَّد، هناك تعبد مطلق، و تعبُّد مقيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه, يرى نفسه كأنه قد نقض وترك العبادة، لأنه يعبد الله على وجه واحد.
لو واحد غذَّيناه: أن العبادة فقط أن تذكر الله، فإذا قام بعمل جليل وخطير وذي نفع عظيم, لكنه ترك ذكره, يشعر بالخطأ الشديد، هذا غُذِّي خطأ، هناك وقت للذكر، وقت للعمل الصالح، وقت لأن تكون مع الأهل والأولاد، وقت لتربية الأولاد، وقت لكسب الرزق، وقت لتؤنس أخوانك، وقت للدعوة إلى الله، وقت للعمل الصالح، وقت لراحة الجسد، هذه العبادة المطلقة.
وأهل العبادة المطلقة ينتقلون من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن منزلة إلى منزلة, وكلما اشتغل بنوعٍ من العبادة, لاح له نوعٌ آخر فأقبل عليها، قلَّما يُصاب بالملل، أصحاب العبادة المقيدة يصابون بالملل والسأم والضجر، أما أصحاب العبادة المطلقة فهم في تجدد دائم، من صلاة, إلى ذكر, إلى عيادة مريض, إلى تشييع جنازة, إلى إنفاق مال, إلى جلوس مع الأهل، إلى زيارة للأقارب, إلى كسب للرزق, إلى برٍّ بالوالدين، أمامه مجال واسع جداً، ويفعل كل عبادة وهو مقبل عليها راغب فيها، إن رأيت العلماء رأيت هذا الإنسان معهم ، وإن رأيت العبَّاد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب القلوب رأيته معهم، هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم المقيدة، ولا النماذج الرتيبة، ولم يكن عمله على مراد نفسه، وما فيه لذتها وراحتها في العبادات، بل هو على مراد ربّه, العبادة المطلقة هي على مراد الله، لا على مراد حظ النفس.
هذا الإنسان المتحقق في منزلة إياك نعبد وإياك نستعين :
قال: هذا الإنسان هو المتحقِّق في منزلة إياك نعبد وإياك نستعين، يا رب نعبدك فيما أقمتنا, نعبدك في الظرف الذي وضعتنا فيه، نعبدك في الزمان الذي أظلّنا، نعبدك في وقت راحتنا، ووقت تعبنا ونصبنا، نعبدك في كل ظرف استثنائي، نؤثر مرضاتك في عبادتك، ولا نؤثر حظوظ نفسنا في عبادتك.
هذا هو المتعبِّد حقًا، القائم بالعبادة صدقاً، ملبسه ما تهيَّأ له، مأكله ما تيسر له، اشتغاله بما أمره الله به في كل وقت من وقته, ومجلسه حيث انتهى به المكان، ووجده خالياً، لا تملكه إشارة, ولا يتعبده قيدٌ، ولا يستولي عليه رسم، حرٌّ مجرد، دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر, أنَّى توجّهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه، يأنس به كلُّ مُحق، و يستوحش به كلُّ مبطل، كالغيث إذا وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه، على المخالفين لأمر الله, والغضب إذا انتهكت محارم الله, فهو لله، وبالله, ومع الله, صحب اللهَ بلا خَلق، وصحب الناس بلا نفس، بل إذا كان مع الله, عزل الخلائق عن البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه, عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فواهًا له ما أغربه بين الناس، وما أشد وحشته منهم، بل ما أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه!!.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و التسعون )


الموضوع : عبادة القلب







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. متى يستقيم إيمان العبد؟ :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والحديث اليوم عن عبادة القلب.
لا شك أن عبادة الظاهر يعرفها معظم الناس، وهي موضوع دروس كثيرة في أكثر المساجد, ولكن عبادة القلب مهمة جداً، لأنه إذا استقام القلب استقامت الجـوارح:
لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه.
ولأن الله عز وجل يقول:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ, وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ, فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ, وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَات,ِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ, أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى, أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ, أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً, إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))
عبادة القلب، وننطلق من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 11]
اعبد الله في أعضائك وجوارحك, وكسب مالك وإنفاق مالك, وتربية أولادك وعلاقاتك, وفي أفراحك وأتراحك, وفي حلك وترحالك, اعبد الله مخلصاً، والإخلاص عبادة القلب.
من واجبات عبادة القلب :
قال: هناك عبادة واجبة.
فالمتفق على وجوبه الإخلاص، والتوكل, والمحبة, والصبر, والإنابة, والخوف, والرجاء, والتصديق الجازم, والنية في العبادة، هذه واجبات عبادة القلب، لا بد من أن تكون مخلصاً، ولا بد من أن تتوكل على الله، ولا بد من أن تحب الله, وأن تصبر على قضائه وقدره, وأن تنيب إليه, وأن تخاف منه, وأن ترجو رحمته, وأن تصدق بكلامه وكلام أنبيائه، أن تنوي في العبادة التقرب إليه، لئلا تكون العبادة عادة.
كيف نميز العبادة عن العادة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/01.jpg
الحقيقة: الإخلاص شيء والنية في العبادة شيء آخر، نية العبادة تفرِّقها عن العادة، الإنسان حينما يألف العبادات يفعلها وكأنها عادات، يفعلها ويتأثر بها، يفعلها ولا يرقى بها، فإذا نوى في عباداته التقرب إلى الله عز وجل تكون هذه العبادة كاملة، بل إن بعض الناس يقول لك: الصلاة رياضة والصيام صحة، هذا كلام خطير، لو أنك انبعثت إلى الصلاة من أجل صحة جسدك، إذاً ليست هي عبادة، حينما تصلي هناك نتائج إيجابية كبيرة جداً من الصلاة، أما حينما تنوي بالصلاة لتروِّض جسمك فجعلتها عادة ولم تجعلها عبادة, النية مطلوبة ، لذلك علماء العقيدة والفقهاء رجّحوا أن تتلفظ بالنية مع أنها من عمل القلب، ولكن التلفظ بها يذكِّرك بهذه النية, بل إن السلف الصالح -هل تصدقون- كان أحدهم إذا فتح دكانه, يقول:
نويت خدمة المسلمين.
انقلبت تجارته إلى عبادة.
طبيب دخل إلى عيادته, إذا قال: يا ربِّ وفِّقني لمعالجة هؤلاء المسلمين وشفائهم من أمراضهم وتقريبهم منك، كأنه يصلي في عيادته.
لو محامٍ دخل إلى مكتبه فقال: يا ربي هيِّئ لي إنساناً مظلوماً يكون صادقاً معي، وأبعدْ عني الإنسان الظالم الذي يريد أن يستخدم علمي ليأخذ ما ليس له, هذا المحامي مكتبه أصبح مسجداً، أصبحت حرفته عبادة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/02.jpg
لو مدرس لم يربط بين دخله القليل وبين تعليم الطلاب، أي لم يعلِّمهم على قدر معاشه، نوى بحرفته خدمة المسلمين، وتعليم أبنائهم، وأن يكون قدوة لهم، أصبح تدريسه عبادة.
تاجر جاء ببضاعة جيدة وسعّرها بسعر معتدل ونوى بها خدمة المسلمين، أصبحت تجارته عبادة، المنافق عبادته عادات لا قيمة لها والمؤمن عاداته عبادات, فلذلك كي نميز العبادة عن العادة لا بد من النية، أنوي أن أصوم رمضان تقرباً إلى الله عز وجل، أنا أصلي لأن الله أمرني بالصلاة، لا أفكر أبداً أن هذه الصلاة تريِّض جسمي وتخفف وزني وتنشطني, هذا بحث آخر.
ما الفرق بين الإخلاص والصدق؟ :
هناك إخلاص وهناك صدق؛ الإخلاص ألاّ يكون المطلوب منقسماً، أي مطلوبك ليس مع جهات، أنت ترضي زيداً وعبيداً وفلاناً وعلاناً وترضي الله، لست مخلصاً، ينبغي أن يكون المطلوب واحداً هو الله:
إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي.
أما فلان له عليّ يد يجب أن أرضيه، وفلان قوي أحتاجه في المستقبل سأزوره، فالمقصود متعدِّد، فلست مخلصاً، أما المؤمن فمقصوده هو الله وحده، لا إله غيره، هذا الإخلاص عدم انقسام المطلوب، أما الصدق عدم انقسام الطلب، طالب الآخرة, وطالب الدنيا، وطالب الراحة, وطالب السمعة, وطالب المجد، فالطلب انقسم، فالصدق عدم انقسام الطلب، أما الإخلاص عدم انقسام المطلوب.
الأخطار التي تحدق بالإنسان لا تعد ولا تحصى :
الواجبات القلبية هي: الإخلاص, والتوكل, والمحبـة, والصبر, والإنابـة, الرجاء, و التصديق الجازم, والنية في العبادة.
نحن ألِفنا أن نفعل واجبات الجسد، وقد يضيق قلبنا، قد لا نسعد ببعض عباداتنا لأننا أهملنا عبادة القلب، طبيعة الحياة المعاصرة فيها أخطار صحية، وهناك تلوث عام, هناك أخطار السير، هناك أخطار أن تُتهم بتهمة أنت بريء منها، هناك سيوف مسلّطة على الإنسان, هكذا شاءت حكمة الواحد الديّان، فالتوكل يريحك من هذا الضغط.
إذا أردت أن تعدِّد الأخطار التي تحدق بالإنسان لا تُعد و لا تُحصى, أبسطها:
عامل بمطعم من أرقى المطاعم، من أنظف المطاعم, عنده موظف يحمل فيروس التهاب الكبد الوبائي، هذا مرض قاتل، ويكفي ألا يبالغ في تغسيل يديه عقب دخوله للحمام حتى يصيب ثلاثمائة إنسان من رواد هذا المطعم بمرض التهاب الكبد الوبائي, دخلت مطعماً, وأكلت طعاماً حلالاً, ودفعت ثمنه من كسبك الحلال، فهذا خطر، الأخطار التي تهدد الإنسان لا سيما في هذا العصر لا تعد ولا تحصى، دخل إلى الحمام, وفي أرض الحمام ماء, ولم يلبس حذاء، ومسك التيار الكهربائي يموت فوراً، فهناك أخطار كبيرة جداً، كيف نسعد مع هذه الأخطار؟ بالتوكل، الأمر بيد الله، أنا آخذ بالأسباب, وانتهى الأمر، وعلى الله الباقي.
من عبادات القلب :
1-الصبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/03.jpg
الصبر مثلاً من عبادات القلب.
أخ كريم سألني: إذا أصيب إنسان بمصيبة وتألم منها، هل هذا الألم يلغي صبره؟ قلت له: لا، نحن بشر، وتجري علينا كل خصائص البشر، فالإنسان إذا فقد ابنه يتألم ألماً شديداً، وهذا الألم لا يلغي صبره، ذلك لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما مات ابنه بكى.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
((دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ, وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام, فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِبْرَاهِيمَ, فَقَبَّلَهُ, وَشَمَّهُ, ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ, وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ, فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَذْرِفَانِ, فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا بْنَ عَوْفٍ, إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى, فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضي رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
فالإنسان قد يتألم لضيق مادي، وقد يتألم لمرض مؤلم، وقد يتألم لولد فقده، هذا الألم لا يلغي الصبر، أما الصبر أن تقول: الحمد لله رب العالمين.
إليكم هذه الآية التي تبين منزلة الصبر عند الله :
الإمام أحمد يقول: ذُكر الصبر في تسعين موضعاً في القرآن, وأعظم آية تبين منزلة الصبر عند الله قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 10]
وهناك آية كريمة يقرؤها الإنسان يقشعر جلده، لما ربنا قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية: 43]
إنسان يصاب بمصيبة؛ يشكو ويبكي ويصيح ويتشكى ويتبرم، وإنسان آخر مصيبته أشد وأقوى تراه ساكتاً.
قصة مستشفى :
أخ طبيب حدثني عن قصة مستشفى, دخله مريض معه ورم خبيث في أمعائه، يبدو مؤمناً، قال لي: عجيب! كلما دخل عليه زائر, يقول له: اشهد أني راض عن الله، يا ربي لك الحمد, قال لي: وجهه منير، لا يتبرم ولا يسخط, يتهافت الأطباء إلى خدمته، ما من واحد دخل إلى غرفته إلا وشعر بالراحة، رائحة الغرفة عطرة، كلامه طيب، مستبشر، وبعد يومين توفاه الله عز وجل على أحلى حال، لحكمة بالغة بالغة أرادها الله عز وجل, جاء بعده مريض لهذه الغرفة, مصاب بالمرض نفسه، سباب شتام، وجه أسود مكفهر، نفسية غريبة جداً، كلام قاس، كلام كفر، لا أحد يدخل عليه، من شدة رائحة غرفته التي لا تقابل، وبعد يومين توفي المريض، فالأطباء في المستشفى والممرضون رأوا نموذجين لمرض واحد، وهذا معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ, وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وليس ذلك لغير المؤمن، فللصبر في القرآن الكريم تسعون موضعاً. هذا الصبر الجميل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/04.jpg
لكن هناك صبر جميل.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ:
((اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ –قَالَ- فَمَاتَ, وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ, فَلَمَّا رَأَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ, هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ, فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ, قَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ, وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ, وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ, قَالَ: فَبَاتَ, فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ, فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ, أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ, فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا كَانَ مِنْهُمَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا, قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ))
هذا صبر. كيف يتخلص العبد من السخط على قضاء الله وقدره؟ :
والصورة القابلة: أعرف رجلاً مات ابنه في الخامسة عشرة، ترك الصلاة وكأنه ارتد عن الدين، لأن الله عز وجل قبضه, فالصبر دليل الرضا, السخط حرام، ولا خلاص منه إلا بالرضا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/05.jpg
الإمام الشافعي كان يمشي وراء إنسان يطوف حول الحرم، قال الرجل: يا ربي هل أنت راض عني؟ فقال له الإمام الشافعي: وهل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال: يا سبحان الله من أنت؟ أنا أرجو رضاه، وتقول: أرضى عنه؟ كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه!؟ قال: يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
والبطولة: أن ترضى عن الله في الامتحان، أن ترضى عن الله في المصيبة، أما أن ترضى عن الله وأنت في بحبوحة, هذا شيء بديهي لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
وفي الأثر: من لم يصبر على بلائي, ولم يرض بقضائي, فليتخذ رباً سواي.
والإنسان عندما يقول: الحمد لله رب العالمين, فقد نجح في الامتحان، والصبر عند الصدمة، الصبر مع تلقي الخبر، لكن بعد حين سوف تصبر مقهوراً.
هناك عوام لهم كلمات -والعياذ بالله- شيطانية، يقولون: ما بعد الصبر إلا المجرفة و القبر, هذا شيطان يتكلم.
هذا الصبر عند الله :
أما الصبر عند الله:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 10]
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾
[سورة المدثر الآية: 7]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 200]
إلهٌ يأمرنا أن نصبر، يأمرنا أن نرضى بقضائه وقدره، هذا النبي الكريم الذي قال الله عنه:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[سورة ص الآية: 44]
2-التوكل :
ومن عبادة القلب التوكل، والتوكل فيه أمر، قال تعالى:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 84]
أحياناً يقول لك أخ: خائف، تعبد من؟ تعبد من بيده كل شيء، وهذا الإله العظيم الذي تعبده, ألا تعتقد أنه يحميك؟ ألا تعتقد أنه يدافع عنك؟ .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/06.jpg
أضرب مثلاً: شاب دعي إلى الخدمة الإلزامية, تعامل مع رتبة أعلى منه بقليل, وهددَّته هذه الرتبة، وكان أبوه قائد الجيش، أمعقول أن يبكي؟ أمعقول أن ينخلع قلبه من الخوف؟ معنى ذلك أن في عقله خللاً، أنت تعبد الله، والله بيده كل شي، بيده الأقوياء, وبيده كل أسباب الأمراض، وبيده السلامة, وبيده السعادة, وبيده الغنى، مع الإيمان بالله ليس هناك شقاء، أكبر سلاح هو سلاح الدعاء، بالدعاء أنت مع الله، أنت تستفيد من قدرة الله, ومن علم الله, ومن رحمة الله, ومن فضل الله، ليس مع الإيمان شقاء أبداً، هذا الإيمان فيه سعادة، سمِّها إن شئت سكينة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، والله عز وجل قادر أن يهبك السعادة, وأنت في أصعب الأحوال, وأنت على الشوك، أين وجد السعادة أهل الكهف؟
في الكهف، كانوا في القصور فأووا إلى الكهف، فنشر الله لهم من رحمته، ورحمة الله مع الكهف أعظم بكثير من حجب رحمته وأنت في بيت فخم، رحمة الله وأنت في سرير المرض أفضل بكثير من حجب رحمة الله عنك وأنت في صحة تامة، رحمة الله وأنت في الفقر أفضل بكثير من أن تُحجب عنك رحمته وأنت في الغنى، قال تعالى:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 84]
إذًا: التوكل أيضاً من عبادات القلب. 3-الإنابة :
وكذلك الإنابة، قال تعالى:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
أمر إلهي، ارجع إليه، المؤمن له مرجعية، أعظم مرجع هو الله عز وجل، يحاسب نفسه: يا ربي هل أنت راض عني؟ هل لي عمل لا يرضيك؟ هل هناك خطأ لا أعرفه؟ هل تحبني؟ هل أنت راض عن سلوكي؟ هل أنت راض عن معاملتي للخلق؟ أقم معه علاقة, ناجِه.
جاءني أخ كريم, وقال لي: كنت عند طبيب غير مسلم، طبيب نفسي، حدّثته عن قصتي, وعن مشكلتي النفسية, وأعالج عنده، قال: قال لي: أنت مشكلتك أنك تشعر أن الله لا يحبك، لا بد من أن تناجي ربك, ولا بد من أن تستغفره، ولا بد من أن ترضيه، وإذا سلكت هذا المسلك شفيت من مرضك، فعجب! وهذا كلام حق، أنا ليس عندي حالة صحة نفسية إلا بالقرب من الله عز وجل، إذًا أُمرنا أن نتوكل عليه:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 84]
وأمرنا بالإنابة إليه, فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
وأمرنا بالإخلاص، فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
4-الخوف من الله :
الخوف من الله من عبادات القلب.
يا موسى خف ثلاثاً؛ خفني, وخف نفسك, وخف من لا يخافني.
أبعد إنسان عن الله هو الذي لا يخاف الله، طبعاً الذي لا يخاف الله أحمق ومحدود و مطبوع على قلبه، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 175]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/07.jpg
حقيقته: أنتم في أمس الحاجة إليها؛ في علاقاتكم اليومية، وفي بيعكم, وشرائكم, وتعاملكم مع كل الجهات القوية، أنا أعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخاف منه فيما بينك ثم يخيفك من أحد خلقه، دقِّق في هذه الكلمة: مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخاف منه فيما بينك ثم يخيفك من أحد خلقه، أما إذا لم تخفه فيما بينك وبينه وتجاوزت حدك لا بد من أحد من خلقه تأديباً لك، أنت إذا خفت من الله خافك كل شيء، وإن لم تخف من الله أخافك من كل شيء، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 175]
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 13]
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
[سورة البقرة الآية: 40]
انظر إلى هذه العلاقة الطردية والعكسية في القلب :
هناك علاقات بالقلب رائعة: هناك علاقة طردية وعكسية؛ العلاقة الطردية: إذا زاد –أ- زاد الباء، هذه علاقة طردية، والعلاقة العكسية إذا الألِف زادت نقصت –ب-، نأتي بمثل نقطتان نقطة بينهما، فإذا اتجهت بهذه النقطة إلى اليمين إذا قلّت هذه المسافة، بالمقابل زادت هذه المسافة عن اليسار، إن اتجهت بها إلى اليسار فقلَّت مسافة اليسار زادت مسافة اليمين، هذه اسمها علاقة عكسية، أما العلاقة الطردية: كلما ارتفعت نسبة الملح في الطعام ارتفعت نسبة الضغط، علاقة الضغط مع الملح علاقة طردية، كلما زدت من الملح ارتفع ضغطك، و كلما قلَّلت من الملح انخفض ضغطك، هذه علاقة طردية، يبدو أن بين بعض الصفات وبين نتائجها علاقة عكسية، إذا افتقرت إلى الله أصبحت غنياً, إذا خفت من الله أصبحت آمناً، إذا أعلنت جهلك أمام الله أصبحت عالماً، إذا تبرّأت ممن حولك أصبحت محفوظاً من الله عز وجل، الله عز وجل أكثر الصفات معه علاقة عكسية, كلما ازددت تواضعا لله زادك عزاً، كلما ازددَّ افتقاراً له زادك قوة، لذلك قال بعض العارفين:
وما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
5-الصدق والمحبة :
الصدق أيضاً من عبادات القلب، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
والمحبة أيضاً من عبادات القلب، لذلك قال سيدنا عمر:
تعاهد قلبك.6-الرضا :
الرضا جاء في القرآن مدح أهله والثناء عليهم، وفي الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم:

((إن استطعت أن تعمل الرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن مع الصبر على ما تكرهه النفس خيراً كثيراً))
ورد أيضاً في الأثر: إذا أحببت عبدي ابتليته، فإذا صبر اجتبيته، وإذا شكر اقتنيته.
أب يؤدب ابنه, وبعد هذا التأديب, يأتي ابنه ويقبِّل يد أبيه، يقول له: جزاك الله خيراً عن هذا التأديب، هذا هو الولد البار وهو نادر من أندر الأولاد، كيف المؤمن يسوق الله له المصيبة وقد تؤلمه، لكنه في سجوده يقول: يا ربي لك الحمد على ما ألم بي من مصيبة، فهو ضمن العناية المشددة.
انظر إلى طبيب وجد مع إنسان التهاب معدة حاداً، يعطيه تعليمات شديدة، وإذا وجد معه ورماً خبيثاً منتشراً يتساهل معه، يقول له: كل ما شئت، لما ربنا يؤدِّبك معنى ذلك أنت داخل بالعناية المشددة، لما ربنا يهملك معناه المرض خطير جداً، وبعبارة أخرى إذا الله عز وجل ساق لك مصيبة فهذه محض رحمة منه، محض اهتمام، لذلك الصحابة الكرام يشكرون الله على المصيبة يا ربي لك الحمد، قال الشاعر:
لئن ساءني إن نلتني بمساءة فقد سرَّني أني خطرتُ ببالك
معنى أني ضمن اهتمامك يا ربي، هذه حالة نفسية عالية جداً.
الرضا أعلى مرتبة من عبادات الله، وأسوأ مرتبـــة من حالات القلب أن تسخط على الله عز وجل، الصبر من دون رضا بينهما، أعلى شيء الرضا، وأسفل شيء السخط، و بينهما الصبر من دون رضا. هذه العلاقة بين الرضا وبين الألم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/08.jpg
هناك أناس أشكل عليهم العلاقة بين الرضا وبين الألم، قد تتألم وأنت راض عن الله، تماماً كما أن المريض الذي يشرب الدواء المر وهو راض عنه، لأنه سبب صحته، كما أن المسلم يصوم رمضان في أيام الصيف, وهو يعطش عطشاً لا حدود له، ويجوع جوعاً شديداً، ومع ذلك راض عن الله في هذا الصيام، لذلك الألم لا يتناقض مع الرضا، هذه ناحية مهمة جداً.
ينبغي أن ترضى عن قضاء الله وقدره, وينبغي أن ترضى عن أمره التشريعي، الصلاة ينبغي أن ترضى بهذه الفريضة، الصوم والحج والزكاة، لو فيها ازدحام ولو فيها حر ولو فيها إنفاق، فينبغي أن ترضى عن أمره التكليفي, وينبغي أن ترضى عن أمره التكويني، الرضا هنا نوعان: عن قضاء الله وقدره، وأن ترضى عن أمره التكليفي.
7-الخشوع في الصلاة :
ثم إن الخشوع في الصلاة من عبادات القلب، الخضوع في الصلاة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ قَالَ:
((رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فَأَخَفَّ الصَّلَاةَ, قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ قُمْتُ إِلَيْهِ, فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ خَفَّفْتَ, قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَنِي انْتَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا, قَالَ: فَإِنِّي بَادَرْتُ بِهَا سَهْوَةَ الشَّيْطَانِ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا))
وقم فصل فإنك لم تصلَّ. هذه معاصي القلب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3003/09.jpg
الآن: وقفة سريعة عند معاصي القلب، تحدثنا عن عبادات القلب، والآن الحديث عن معاصي القلب: الرياء، الكبر, والعجب, والحسد, والغفلة, والنفاق، الفخر, والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله, والأمن من مكر الله, والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا, وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، و تمني زوال ذلك عنهم, وتوابع هذه الأمور شيء خطير، هي من كبائر القلب وهي كبائر مهلكة.
وعندنا كبائر ظاهرة، الباطنة مهلكة، الكبائر الظاهرة يمكن أن يتوب الإنسان منها، أما الكبائر الباطنة مستحكِمة.
الآن صغائر المحرمات، شهوة المحرمات وتمنيها، ما فعلَها لكن يتمناهـا، هذه معصية القلب، شهوة البدعة فسق، شهوة الكبائر معصية، إن تركها مع القــدرة عليها أثيب ، وإن تركها عجزاً بعد بذله مقدوره لتحصيلها استحق عقوبة فاعلها.
هذه بعض عبادات القلب, وبعض المعاصي الكبيرة منها والصغيرة المتعلقة بالقلب.
سيدنا عمر كان يقول: تعاهد قلبك:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و التسعون )


الموضوع : عبادة السمع - الاذن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هذه العبادة عند المؤمنين :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والموضوع متعلق بالعبادة، والعبادة علّة وجودنا على وجه الأرض، لقوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
والعبادة عند العــوام ضيِّقة جداً؛ أن تصلي, وأن تصوم, وأن تحج، وأن تؤدي الزكاة، أما العبادة عند المؤمنين الصادقين تشمل كل شيء، تشمل كل الأوقات، وتشمل كل الأماكن، وتشمل كل النشاطات، وكل الأعضاء، فكيانك بكل جزئياته متعلق بالعبادة، فالقلب له عبادة، والعين لها عبادة, والأذن لها عبادة، واللسان له عبادة، واليد لها عبادة، والرجل لها عبادة، بل إن الإنسان حينما يفعل شيئاً أباحه الله له، يفعله في موضعه, ومع الشيء الذي سمح الله به, هو في عبادة، حينما نفهم العبادة فهماً واسعاً, نكون في المستوى الذي أراده الله لنا.
أرأيتم إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-, وهو في أقرب حالة مع الله, قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
[سورة النجم الآية: 10]
أيها الإنسان, تبلغ أعلى درجة الرقي حينما تكــون عبداً لله، لأن الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، العبد يغتني بافتقاره إلى الله, ويقوى بإعلان ضعفه، ويعلم بالشعور أنه لا يعلم، لأنك مفتقر إلى الله، تأتيك الإمدادات من الله عز وجل. من عبادات الأذن :
لو أننا وقفنا وقفة قصيرة عند عبادة الأذن. قال: من أولى عبادات الأذن الإنصاتُ للحق.
أن تصغي، والإصغاء عند الله عز وجل السماع الذي يعقبه التطبيق، والدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
[سورة التحريم الآية: 4]
علامة الإصغاء: أن يُترجم الذي سمعتَه إلى سلوك، وإلا فليس هذا عند الله إصغاءً، لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 21]
تسمع أنت حينما تستجيب، وتُسمى عند الله سامعاً؛ حينما تفعل، حينما تتحرك، والإيمان حركة, ليس في الإيمان سكون، الإيمان إيجاب، ليس في الإيمان سلب، الحالة السلبية الانسحاب والانزواء والتقوقع، هذه كلها صفات لا يقرها الإيمان, الإيمان حركة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن, حتى تُعبِّر عن ذاتها بذاتها، بحركة، الإيمان وقوف، والإيمان خروج من البيت، الإيمان مساعدة، الإيمان نصح، الإيمان دعوة، الإيمان أمر بالمعروف، الإيمان نهي عن المنكر، أما الوضع السلبي والانهزامي، وانسحب، وتقوقع، ولم يفعل شيئاً، هذا ليس من صفاء المؤمن، لذلك من عبادات الأذن: الإنصات إلى الحق، وأنت في درس العلم في عبادة، لأنك تتلقَّى العلم، والتلقِّي عبادة من أجلِّ العبادات، لأنك:
إن أردتَ الدنيا فعليك بالعلمِ، وإن أردتَ الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتَهما معا فعليك بالعلم، إن أردت النجاة فعليك بالعلم، وإن أردت السلامة فعليك بالعلم، وإن أردت السعادة فعليك بالعلم.
أنت كائن ميزتك الوحيدة العلم :
أنت مخلوق ميَّزه اللهُ بالعلم، ما من مخلوق في عالَم الأرض إلا ويفوق الإنسان.
الحوت الأزرق وزنه مائة وخمسون طناً، أنت ما وزنك؟
أعلم علماء الأرض الذي معه أعلى شهادة في الزلازل, لا يمكن أن يتنبَّأ الزلزال قبل وقوعه ولا بثانية، أما الحمار فيتنبَّأ بالزلزال قبل وقوعه بخمس عشرة دقيقة.
للكلب حاسة شم تفوق شم الإنسان بمليون ضعف.
الصقر يرى ثمانية أضعاف ما يراه الإنسان، الصقر وهو في علياء السماء, يرى السمكة تحت الماء، وينقضّ عليها، هناك حيوانات تبلغ سرعتها مائة وخمسة وعشرين كيلو متراً في الساعة، في أعماق المياه تعيش أسماك في خليج مريانة، هذا أعمق مكان في الأرض، اثنا عشر ألف متر تحت سطح الماء، خليج مريانة في المحيط الهادي، غوَّاصة مبنية من الفولاذ المصفَّح بعد مئتي متر تُحطَّم من ضغط الماء، وهذه السمكة تمشي وتسبح في خليج مريانة، ما من صفة مركبة في الإنسان إلا وفي الحيوان ما يزيد عليها، طب أسنان متفوق، هناك حيوانات إذا فسد أحد أسنانها نما مكانه سنٌّ جديد، أين هو طب الأسنان؟ .
هناك حيوان لو قطعت يده لنمَت له يدٌ جديدة، هذا فوق طاقة البشر، هناك نوع من الديدان, لو قسمتها قسمين ينمو برأسها ذنَب ولذنَبها رأس.
إذًا: أنت كائن ميزتك الوحيدة العلم، العلم هي الحاجة العليا في الإنسان، أنت تؤكد أنك إنسان إذا طلبت العلم، فإذا عزفت عن العلم, تؤكِّد أنك لست من بني البشر.
ما هو الإصغاء عند الله؟ :
ومشكلة الناس اليوم: أنهم يعيشون لحظتهم, ويعيشون وقتهم من دون أن يدركوا ما سيكون بعدها، الإنصات، الإصغاء عند الله هو التطبيق، السماع والتطبيق، أما سماع بلا تطبيق فلا يكون، واليهود ماذا قالوا؟
قالوا: سمعنا وعصينا، أما المؤمنون قالوا: سمعنا وأطعنا، فالطاعة تؤكد سلامة السماع.
أيضاً: الاستماع لما أوجبه الله ورسوله, عليك أن تستمع إلى الشهادتين، أن تستمع إلى أركان الإيمان وأركان الإسلام، أن تستمع إلى تفسير القرآن، أن تستمع إلى بيان الحكم الفقهي، أن تستمع إلى سيرة سيد الأنام، فهذه الأذن ينبغي أن تستمع إلى الحق، لا إلى الغناء، والغناء ينبت النفاق.
ورد في الأثر: عن أنس بن مالك, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((من استمع إلى قينة, صب في أذنيه الآنك يوم القيامة))
والآنك: الرصاص المذاب.
استماع القراءة في الصلاة، إذا جهـر بها الإمام، هذه من عبادات الأذن، واستماع خطبة الجمعة. ماذا قال علماء التفسير حول المراد من معنى هذه الآية:
هناك إنسان أحياناً يجلس في خطبة جمعة ولا يفهم شيئاً، خاطــره يجول في تجارته، في بيته، في نزهته، في جمع ماله، يقول لك: واللهِ ما فهمت شيئاً، لكن الله عز وجل كتبها لي جمعة، لما ربنا عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[سورة الجمعة الآية: 9]
قال علماء التفسير: ذكر الله سماع الخطبة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾
[سورة الجمعة الآية: 9]
قال: الاستماع إلى خطبة الجمعة، استماع القراءة إذا جهر بها الإمام، الاستماع إلى أركان الإيمان وأركان الإسلام، الاستماع لما أوجبه الله عز وجل، الإنصات للحق، هذا أدب عظيم. من سوء الأدب :
أحياناً: تكون في جلسة والمتكلم يتلو قصة تعرفها، الأدب أن تصغي، ولو أنك تعرفها ، لأنه كان عليه الصلاة والسلام يصغي لمحدثِّه، وهذا من أدبه العالي، فتراه يصغي للحديث, بسمعه وقلبه ولعله أدرى به.
هذه القصة ينتفع بها طالب علم جديد، تعلمها أنت وغيرك لا يعلمها، إذا تكلمت يتكلم معك، يقول: هذه أعرفها، تحكي كلمة فيكملها، هذا من سوء الأدب.
ما يحرم سماعه :
يحرم استماع الكفر والبدع، مجلس يقال فيه كفر، يحرم عليك أن تجلس في هذا المجلس، قال: إلا هناك استثناءات، لأن الإنسان يجب ألا يمكِّن نفسه من سماع الكفر، لعله في ضعف فيتمكن، قال الشاعر:
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا فارغا فتمكنَّا
لذلك حينمـا يجرون حواراً في بعض المحطات الفضائية, يأتون بملحِد ورجل مسلم, ويتحاوران ويكادان يتجاذبان ويختصمان، قال: هذا خطأ كبير ما فعله النبي، ذلك لأن كلام الملحد وحججه, قد تصادف قلباً فارغاً فتتمكن منه.
أنت مستحيل كأب أن تسمح لأولادك يشاهدون مناظر إباحية، من أجل أن يحتاطوا، قد يقعون في شراك هذه المناظر، فكما أنك لا ترضى لأولادك أن يشاهدوا شيئاً يفسد أخلاقهم، كذلك لا يمكن أن نسمح لطالب علم شرعي أن يشاهد شيئاً يفسد عقيدته.
ما يستثنى سماعه :
قال: هناك استثناء إلا أن يكون في استماعه مصلحة راجحة، إذا إنسان إيمانه قوي جداً, إذا استمع إلى الباطل بحث عن ردٍّ له، بحث عن حجة تدحضه، فحينما يستمع إنسان متفوق إلى بدعة، إلى مذهب وضعي، إلى فرية, إلى تزوير على الله عز وجل، إلى افتراء على الله وعلى رسوله، عنده ألف دليل ودليل على بطلان هذا, فقد يستمع العلماء الكبار ليردوا عليهم, أو ليشهدوا على قائلهم، أو ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، لأنه بضدها تتميز الأشياء. معنى ذلك: أن الإنسان قبل أن يقوى ينبغي أن يكون في حمية، أما بعد أن يقوى نقول له: أنت وربك.
يعني -واللهُ أعلم- الإنسان في البدايات ينبغي أن يكون له مرجعية واحدة، أو تغذية واحدة, أو منبع واحد، أو اتجاه واحد، أو جامع واحد، السبب: لا يوجد عنده في البدايات قدرة على التمييز، فلو نوّع المصادر سيفاجأ بما هو متناقض بين مكان ومكان, وفئة وفئة، قد يحتار.
الآن: ائت بمريض ذهب إلى طبيب, فقال له: أنت دواؤك الراحة، اذهب إلى الفراش واستلق، معه بوادر أزمة قلبية، لو ذهب هذا المريض إلى طبيب آخر, درس في جامعة أخرى, يقول له: المشي ضروري جداً لك، المشي يقوِّي القلب، تمزَّق المريض، فماذا يفعل؟ يحتار، أما لو اكتفى بطبيب موثوق بعلمه وبخبرته, وحافظ على توحيد التوجيه يرتاح.
نصيحة :
أنا أنصح الأخوة الكرام, طلاب العلم في البدايات أن يحافظوا على وحدة منهجهم، وعلى وحدة التلقي، وعلى وحدة المصدر حتى لا يكون هناك تناقضات توقعهم في حيرة, ولا يملكون الدليل على أيها أرجح، فلذلك يمكن أن تستمع إلى بدعة أو إلى كلام مناقض للشرع والدين دون أن تتأثر، بالعكس تحتقره، بالعكس تجد تناقضه، وتجد صفاقته، وتجد أنه هزيل غير متماسك، معك على نقيضه ألف دليل ودليل، أما طالب علم عوده رقيق، إدراكه ضعيف, وحجته ليست قوية، قد يستمع إلى كلام يلقيه كافر أو ملحد أو منحرف فيقنع به.
لو عرفت هذه الحقيقة لأنقذت مسلماً أو نصحت مسلماً، فالأصل ينبغي أن تستمع إلى القرآن, وإلى السنة, وإلى السيرة, وإلى الفقه, وإلى موجبات الإيمان, وإلى موجبات الإسلام، لكن محظَّر عليك أن تستمع إلى الكفر والبدعة والشرك وما إلى ذلك .....، إلا أن تكون هناك مصلحة راجحة.
هل يجوز الاستماع إلى صوت النساء الأجنبيات؟ :
يحرم الاستماع إلى صوت النساء الأجنبيات، ولا سيما إذا خضعن بالقول، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
فالمرأة إذا تكلمت كلاماً معروفاً جاداً, يمكن أن تستمع إليها من وراء حجاب، و الهاتف حجاب, أما حينما تليِّن كلامها، وتخضع بالقول، سماع صوت هذه المرأة أصبح محرماً ، ولا سيما إن لم تكن هناك حاجة إلى سماع صوتها، لذلك علَّمنا الله، فقال تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾
[سورة القصص الآية: 23]
سيدنا موسى تكلم كلمة مختصرة جامعة مانعة لا تحتاج إلى تفاصيل: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 23]
لو أنهما قالتا: لا نسقي حتى يصـدر الرعاء، لماذا تقول له: وأبونا شيخ كبير؟ صار هناك حواراً، فالأولى أن تلقي كلاماً لا يحتاج إلى مناقشة، فالاستماع إلى صوت المرأة إذا خشي السامع الفتنة, ينبغي أن لا يسمع هذا الصوت إلا لحاجة ماسة، والصوت ليس فيه تكسُّر ولا خضوع بالقول كشهادة أو ما إلى ذلك.
الطبيب مثلاً لا بد أن يسأل المرأة: ما الألم الذي تشكين منه؟ والمحامي يسأل: ما الموضوع؟ والقاضي يسأل، والطبيب, والمحامي، والبائع: ماذا تريدين؟ لكن في الأعم الأغلب: حينما يكون الكلام واضحاً بنبرة جادة ليس معه خضوع ولا تكسُّر، هذا كلام لا يفتن.
قال: وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو كالعود والطنبور ونحوهما، أي سماع الموسيقا، وهذا محرَّم.
ما الفرق بين السماع والاستماع؟ :
لكن كأن النبي -عليه الصلاة والسلام- فرَّق بين السماع والاستماع، أنت ماش في الطريق, وهناك مقهى, أو محل يبيع الأشرطة, وتصدح مكبِّرات الصوت ببعض الأغنيات، أنت سمعت هذه الأغنية, ولكن لم يكن لك مشيئة في سماعها، هذا هو السماع، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن المؤمن في سماع ما لا يرضي الله، أما حينما تجلس في البيت, و تأتي بشريط غناء، وتضعه في المسجلة, فهذا هو الاستماع المحرم.
عن أنس بن مالك, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((من استمع إلى قينة, صب في أذنيه الآنك يوم القيامة))
والآنك: الرصاص المذاب.
أحياناً: يذهب الإنسان في مركبة عامة إلى بلد آخر، وهو مضطر أن يسمع الأغاني, لأنه لا يملك تغييراً لهذا الواقع، هذا سماع، أما الاستماع فهو المحرم، أن تجلس وتستمع. رأي لطيف :
هناك رأي لطيف: لو خشي الإنسان الفتنة من سماع هذا النغم, أو تلك الأغنية الأولى, أن يسد أذنيه, هذا رأي، إذا كانت أغنية يحبها في الجاهلية كثيراً، ثم تاب إلى الله توبة نصوحاً, فلما سمعها بعد أن تاب إلى الله, تحركت نفسه الأولى أن يتشاغل عنها، أو كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-:
أن يسد أذنيه؛ أي يحتاط بقليل من القطن.
وفي الحقيقة قالوا: يجب سدُّ الذريعة.
لم يقل: سد الأذن، سد الذريعة، أي يتحول من المكان إلى مكان آخر، والاستماع مستحب, أن تستمع إلى العلم, وإلى قراءة القرآن، وإلى ذكر الله عز وجل، وإلى الاستماع إلى كل ما يحبه الله ورسوله.
نقطة دقيقة :
هناك نقطة دقيقة: أحياناً هناك منشد يبتهل إلى الله عز وجل بكلام طيب وصوت شجي ، لا مانع، لكن كنت أقول مرة: إنَّ في الإرشاد إنشاداً، وإن في الإنشاد إرشاداً، الإنسان حينما يستمع إلى الحقيقة, وتأتي في مكانها الصحيح, وفي وقتها المناسب، وتكون هذه الحقيقة شفاء له ودواء يطرب له، أحياناً يكون هناك تساهل، هناك مشكلة، تأتي الآية ويأتي الحديث يوضِّح ، فيطرب الإنسان لحقيقة هو مفتقر إليها، أما حينما يستمع ابتهالاً ومديحاً لله جل جلاله أو لأنبيائه يطرب، لأن المؤمن يطرب للمعنى.
مرة ضربت مثلاً: قد تشرب شراباً نفيساً جداً في كأس غالٍ جداً، فإذا جمعت بين نفاسة الشراب وجمال الإناء فقد جمعت الحسنيين، الإنسان الذي يتكلم الحق بلغة فصيحة، بعبارة أدبية، بتعبير متين، بإشراق في التعبير، جمع الحسنيين، عمق المضمون, وجمال الأسلوب، مثلاً:
واحد أصيب بمصائب كثيرة، قد يقول: تكاثرت عليّ المصائب، هذا تعبير علمي، لكن من غير جمال، أما لو كان بعيداً عن الثقافة, يقول لك: تُضرب هذه المعيشة, هذا التعبير العامي ساقط، التعبير السليم: تكاثرت عليّ المصائب.أما هناك تعبير أدبي: يقول المتنبي:
بلاني الدهرُ بالأرزاء حتـى فؤادي من غشاءٍ من نبـالِ
فصرتُ إذا أصابتني سـهامٌ تكسّرت النصالُ على النصالِ
شبَّه المصائب بسهام مجتمعة على قلبه، اجتمعت لدرجة أنه لم يبق هناك مكان لسهم جديد. بم وصف الشاعر تلك الحمى التي كانت تطوف إليه في الظلام؟ :
مرة الشاعر نفسه قال يصف الحمى، قال:
وزائرةٍ كأنّ بها حيـــاءً فليس تزور إلا في الظــلام
بذلت لها المطارفَ والحشايا فعافتها وباتت في عظامــي
أبنتَ الدهر عندي كل بنـتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام؟
المصيبة هي بنت الدهر، الدهر يلد المصائب.
أبنتَ الدهر عندي كل بنـتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام؟
فهنا تعبير أدبي. انظر إلى هذه الجمالية في التعبير الأدبي لهذا الشاعر :
سمعت صوتاً سيئاً، تقول: هذا المغني سيء الصوت، هذا تعبير عادي، أما شاعر ساخر كالحطيئة, قال:
عواء كلبٍ على أوتار منتفةٍ وقبح قرد وفي استكبار هامان
وتحسب العين فكَّيه إذا اختلفا عند التنغُّم فكَّيْ بغلِ طــحَّانِ
أي أعطى صورة معبِّرة تماماً. تعريف الأدب :
فالأدب هو التعبير المثير عن حقائق الحياة، تعبير عالٍ جداً، فأنت حينما تلقي الحقّ بأسلوب أدبي هذا أكمل شيء، المضمون حقّ، والشكل أدب، أما حينما تلقي الحق بلغة عامية, كأن تقدِّم شراباً نفيساً بإناء غير مقبول أبداً، وأحيانا تجد أديباً بعيداً عن الدين بُعد الأرض من السماء، عنده قدرة تعبيرية عالية، ولكن أفكاره منحطة جداً، يقول المتنبي:
أيَّ محل أرتقي وأي عظـيم أتقي
وكل ما قد خلق الله وما لـم يخلقِ
محتقر في هبتي كشعرة في مطرفي
موزونة؛ لكن المعنى كفر، البطولة: أن تأتي بمعانٍ صحيحة ودقيقة وعميقة بأسلوب أدبي راقٍ، الأقل من ذلك: أن تأتي بمعانٍ صحيحة ودقيقة وعميقة بأسلوب بسيط علمي، أما أن تأتي بمعانٍ ساقطة مهما ارتفع الأسلوب لا قيمة له، والدليل: قول الله عز وجل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 224-226]
قصة شهيرة :
والقصة الشهيرة: أن المتنبي حينما قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعتْ كلماتي من به صمــمُ
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلقُ جداها ويختصــمُ
فالخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسيف والرمحُ والقرطاس والقلم
كان في طريقه من شيراز إلى الكوفة أو بالعكس، هجم عليه بعض أعدائه فولَّى هارباً ، فقال له غلامه: ألست القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسيف والرمحُ والقرطاس والقلم؟
قال له: قتلتني قتلك الله، فعاد وقاتل حتى قُتل، قتل في الطريق، لأن الكلام سهل جداً, البطولة: أن تكون في مستوى الكلام. بم يستحب من السماع وما هو المكروه منه؟ :
فلذلك -أيها الأخوة-: السماع المستحب: أن تستمع إلى العلم، وقراءة القرآن، وذكر الله، وأن تستمع إلى كل ما يحبه الله، والسماع المكــروه: أن تستمع إلى ما يُكره ولا يُعاقب عليه، أما أن تستمع إلى البدع وإلى الغناء وإلى ما يغضب الله، فهذا السماع المحرم، هذه الأذن سوف تُسأل عنها، قال تعالى:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
ومعنى الفؤاد هنا الفكر، العقل.
أحياناً الإنسان يفكر تفكيراً شيطانياً، أحياناً يفكر تفكيراً لإيقاع الأذى بالناس، قال تعالى: ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
إذا جاء الفؤاد مع السمع والبصر فهو العقل والفكر: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
الأنبياء -صلوات الله عليهم- بماذا جاؤوا؟ جاؤوا بكلمــة الحق، فمعنى ذلك: أن إلقاء الكلمـة والاستماع إلى الكلمة أحد وسائل الهدى. من فعل اللسان :
هناك تكامل بين اللسان والأذن، اللسان ينطق والأذن تستمع.
سيدنا معاذ قَالَ:
((كُنْتُ مَعَ رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ, فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ, وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ, قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ, وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمُ الصَّلاةَ, وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ, وَتَصُومُ رَمَضَانَ, وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ, وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ, وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ, قَالَ: ثُمَّ تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ﴾حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ ثُمَّ قَـــالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ, وَعَمــُودُهُ الصَّلاةُ, وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ, قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ, وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟))
[أخرجه الترمذي في سننه]
لا أبالغ إذا قلت: نصف المعاصي سببها اللسان، الغيبــة, والنميمـة، والبهتان، و السخرية, والاستهزاء, والكفر, والنفاق، والشرك، كلها من فعل اللسان.
أنواع الكفر :
حتى العلماء قالوا: هناك كفر اعتقادي, وهناك كفر قولي، وهناك كفر عملي.
لو أن واحداً -والعياذ بالله- أمسك المصحف, وألقاه في الأرض, هذا كفر، لم يقل ولا كلمة، لكن هذا السلوك كفر، لو أن إنسانا اعتقد أن الله ليس على كل شيء قدير, هذا كفر اعتقادي، لو قال كلمة الكفر, فهذا كفر قولي.
أحد المنافقين قال مرة بينه وبين زوجته على مسمع من طفل صغير: لو أن محمداً صادقاً فيما يقول لكنا شرًّا من الحُمر، ولكنه كما يتوهم ليس صادقاً, هذا الطفل قال له: هذه كلمة الكفر, وذكر الطفل الحادثة للنبي عليه الصلاة والسلام.
فهناك كفر قولي, وكفر اعتقادي، وكفر سلوكي، فهذا اللسان قد ينطق بالكفر، وقد ينطق بالشرك، وقد ينطق بالبدعة, وقد يحضُّ على كبيرة، وقد يسهِّل معصية، وقد يرغِّب في الدنيا، وقد يثير فتنة، وقد يلقي شبهة, قد يدحض حقًّا، وقد يزيِّن باطلاً، شيء مخيف.
إذًا: اللسان والأذن متكاملتان.
هذه وظيفة اللسان :
وقد ورد أيضاً: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((قـَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ من لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))
لا بد من أن يستقيم اللسان، لا بد من أن يصدق اللسان، لا بد من أن ينضبط اللسان، الدين كله ضبط.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا, يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))
كلمة واحدة، ولعلها إشارة تحبط عملك.
ضبط اللسان: قبل أن تتكلم بالكلمة تريث، قبل أن تفسد علاقة بين اثنين تمهل، لا تخبب امرأة على زوجها، وهو يحبها وتحبه، وراضية عنه، لا تكن شيطاناً يتكلم، والنساء أكثرهن شيطانة, تفسد علاقة المرأة بزوجها.
أحياناً الإنسان يخبِّب عبداً على مولاه، يخبب امرأة على زوجها، يفسد العلاقة بين اثنين، يلقي شبهة، يثير قضية، يدحض حقاً، ويزين باطلاً. قارن بين رسالة الأنبياء وبين رسالة الكافرين :
فاللسان أداة خطيرة جداً، والإنسان بكلمة يسقط، وبكلمة يرقى، الأنبياء جاؤوا بكلمة الحق، والملحدون والكفار جاؤوا بكلمة الباطل، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 24-26]
فكلمة الحق تطير في الآفاق وتؤتي أكلها كل حين، وكلمة الباطل ما لها من أصل، و ما لها من قرار، لكن صاحبها يهوي بها إلى سبعين خريفاً في النار.
يجب أن تعلم علم اليقين :
يجب أن نعلم علم اليقين: أن كل عضو من أعضائنا, وأن كل حاسة من حواسنا, وأن كل جهاز من أجهزتنا, يمكن أن نعبد اللهَ به، والعبادة شاملة واسعة لكل أعضائنا وأجهزتنا، و كل أوقاتنا وأمكنتنا, وكل نشاطاتنا وأفعالنا.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و التسعون )


الموضوع : عبادتى النظر والذوق





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
هذا ملخص الدين :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, العبادات تشمل كل الحياة، وكل الأوقات، وكل الأماكن، وكل النشاطات، وكل النواحي, فكيان الإنسان مرتبطٌ بالعبادة، لأن علة وجود الإنسان على وجه الأرض عبادة الله عز وجل، والعبادة معرفة وطاعة، أنت إن فكرت في خلــق السموات والأرض عرفته، وإن عرفت منهجه أطعته, فيمكن أن يلخَّص الدين كله في كلمتين: معرفته وطاعته، توحيده وعبادته، أن تؤمن به, وأن تتقرَّب منه.
هذا النظر الواجب :
الحديث الآن عن النظر، قلت: النظر الواجب: النظر في المصحف, وفي كُتُب العلم، فهذه العين سُمِّيَت كريمة, لعلها أكرم عضوٍ في الإنسان، وأية عينٍ تغضُّ عن محارم الله، أو تنظر إلى آيات الله، ففي الأعم الأغلب: أن الله يحفظها لك، وترثك ولا ترثها.
ومن أدعية النبي -عليه الصلاة والسلام-: ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا .
ترثنا ولا نرثها، عين غضت عن محارم الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، هذه العين في الأعم الأغلب الله جل جلاله يحفظها للمؤمن.
أحد أنواع الشكر :
هذه العبادة أو هذه الجارحة الثمينة أحد أنواع شكرها: أن تستخدمها في طاعة الله, لو وسَّعنا هذه الحقيقة: اليد ينبغي أن تستخدمها في طاعة الله, فلا تصافح بها امرأةً لا تحل لك، ولا تمسك بها شيئاً محرماً، ولا تعتدي بها على الآخرين، فالمؤمن يستخدم رجله في طاعة الله ؛ يمشي بها إلى المساجد، وإلى الطاعات، وإلى إصلاح ذات البيـن، وإلى صلة الرحــم، وإلى كل عملٍ طيب, المؤمن يستخدم كل أعضائه، بل إن المؤمن يستخدم تفكيره في الخير، لا يفكِّر في معصية، لا يفكر في عدوان، فالمؤمن يستخدم فكره، وعينه، وسمعه، وبصره، ولسانه، ويده، ورجله في الحق.
إذاً: أحد أنواع الشكر: أن تستخدم هذه الجارحة في طاعة الله تعالى، بل إنه حينما تستخدم الجارحة في معصية الله تعالى، فهذا نوعٌ من كفر النعمة، تستعين بنعمه على معصيته.
قصة :
قصة رويتها لكم من قبل: أن إنساناً سأل شيخه أن يأذن لي أن يعصي الله, -سؤال غريب جداً, يبدو أن شهوته عارمة وأنه أضعف من أن يقف في وجه شهوته-, فسأل هذا الشيخ, فقال له: خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرك معصية.
قال: وما هي؟.
قال: إن أردته أن تعصيه فلا تسكن أرضه.
قال له: وأين أسكن إذاً؟!.
قال له: تسكن أرضه وتعصيه؟!!.
-فهل من المعقول: أن تزور إنساناً يقدم لك كل ما يملك من حق الضيافة, فتقابل عمله بضرب ابنه، في بيت المضيف، في البيت الذي استقبلك, وأكرمك، وقدم لك الطعام والشراب، وتضرب ابنه؟!-.
قال: هاتِ الثانية.
قال له: إن أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه.
قال: وماذا آكل إذاً؟.
قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه؟!.
-فأحياناً: إنسان أعطاه الله المال يشرب الخمر، يشتري الخمر، يعصي الله بالمال الذي أكرمه الله به-.
قال له: هاتِ الثالثة.
قال: إن أردت أن تعصيه فابحث عن مكانٍ لا يراك فيه.
قال له: وكيف وهو مع الخلق كلهم؟.
قال له: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه, وهو يراك؟.
قال له: هاتِ الرابعة.
قال له: إن جاءك مَلَك الموت فلا تذهب معه.
قال له: لا أستطيع.
أعاد له الأربعة: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، ولا تستطيع أن تتفلت من مَلَك الموت؟!!.
قال له: هات الخامسة.
قال له: إن جاءك الزبانية إلى النار فلا تذهب معهم.
فالإنسان في قبضة الله عز وجل فكيف يعصيه؟.
بم تتعلق هذه الآية؟ :
قال: يمكن أن تنظر إلى الشيء كي تميِّزه حلالٌ أو حرام, والعلماء يبينون تفاصيل عبادة هذه الجارحة الثمينة، الآية الكريمة المتعلقة بالأمانات:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[سورة النساء الآية: 58]
والآية واسعة جداً، فالأمانة شيءٌ أودع عندك، شيءٌ جُعِلَ تحت سيطرتك، شيءٌ جعل في تصرُّفك، ينبغي أن تؤديه إلى صاحبه كاملاً مُكَملاً، لو وسعنا هذه الآية:
فجسمك أمانةٌ بين يديك، عليك أن تعتني به، كي يعينك على طاعة الله، وكي تصل به إلى دار السلام بسلام، أما الذي لا يعتني بجسمه، أو يحمِّله ما لا يطيــق، ويصاب بالعطب والعطل, عندئذٍ يكون قد خان الأمانة.
زوجتك أمانةٌ ينبغي أن تأخذ بيدها إلى الله عز وجل، أولادك أمانة ينبغي أن تدلّهم على الله.
أنت مُعَلِّم، طلابك الذين هم في الصف أمانةٌ في عنقك، ينبغي أن تعلمهم علماً صحيحاً ، وأن تربِّيهم تربية صالحة، أنت طبيب، فالمريض أمانة، سلَّمك نفسه، ووثق بك، ويأتمر بأمرك: كل هذا الطعام تأكل، اشرب هذا الدواء تشرب، ابتعد عن هذا تبتعد، إن لم تقدم له التعليمات الدقيقة, ولم تتأكد من حالته الدقيقة، وكان وصفك للدواء غير دقيق، فإذا أصاب جسمه العطب فأنت مسؤول, أنت حينما تشعر أن الله سيسألك عن كل شيء، تنجح في علاقتك مع الله، فالمريض أمانة.
أنت محامٍ، الموكِّل أمانة لأنه لا يعرف القوانين، أنت قلت له: الدعوى رابحة، وهو قد صَدَّقَك، قلت له: القضية سهلة، الحق معك، والاجتهاد القانوني معك، ومحكمة النقض معك فصدقك الموكِّل، وتعلم أنت أنك لن تستطيع أن تأخذ له حقَّه، أو هذه الدعوى ليست رابحة، وجعلته يعيش سنوات وسنوات في طمأنينة، ثم فوجئ بأن القاضي حكم عليه، وخسر الدعوى، فأنت خنت الأمانة، إذا فهمنا الأمانة بهذا المعنى، كنا في حال غير هذا الحال.
صانع المواد الغذائية محاسب عن كل مادة ضارة تؤذي المسلمين، فكثير من الأشياء مربحة ولكنها مؤذية، تحقق لك ربحاً كبيراً، ولكنها تؤذي صحة المسلمين، فهؤلاء المسلمون الذين يشترون من عندك الخبز، هم أمانةٌ في أعناقك.
سمعت عن خبز معيَّن, يحتاج إلى مادة ثمن الكيلو منها خمسة آلاف ليرة، وهناك مادة مسرطنة وسامة، وهي رخيصة جداً, تستخرج من النشاء، وثمن الكيلوغرام منها أقل من خمس ليرات، فبعض الأفران في دمشق تستعملها لأنها مادة رخيصة، لكن من أجل أن يحقق ربح كبير، وأن يوفر هذا المبلغ الكبير، لم يعبأ بصحــة الناس، إذاً: هؤلاء الذين يشترون عندك أمانة, فالمرضى أمانة بعنق الطبيب، والموكِّلون أمانة بعنق المحامي، والطلاَّب أمانة بعنق المدرس, وهذا المشتري أمانة بعنق هذا البائع، قد يكون الدواء قد انتهى مفعوله، وثمنه غالٍ، ولم تنبِّه هذا المشتري الجاهل البسيط الساذج، فبعت له الدواء، وتناوله، وقد انتهى مفعوله، فالحقيقة: الدين هنا يظهر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[سورة النساء الآية: 58]
والعلماء قالوا: الأمانات جاءت جمعاً، ليفيد الجمع: أن الإنسان في عنقه مئات الأمانات وآلاف الأمانات. ما تعريف الدين؟ :
سئل عليه الصلاة والسلام:
((ما الدين؟ قال: الدين النصيحة, فقالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))
فمن التعريفات الجامعة المانعة: الدين هو النصيحة، أن تنصح إنساناً، أن تنصح عامَّة المسلمين, أن تنصح أئمَّتهم، أن تنصح لكتاب الله، أن تنصح لسُنَّة رسول الله، أن تنصح لله عز وجل. هذا النظر المباح :
النظر المباح هو أن تنظر في آيات الله الدالة على عظمته، قد تنظر إلى وردةٍ فتسبِّح الله, وقد تنظر إلى جبلٍ شامخ فتعظِّم الله، وقد تنظر إلى بحرٍ هادئ فتسبح الله، فالنظر إلى الآيات الكونية أحد أسباب تعظيم الله عز وجل، والنظر إلى نباتٍ يسبح الله، تسبح الله معه أنت ، النظر إلى من يحل لك أيضاً مباح، وبالعكس هذا شيء أباحه الله لك، النظر إلى المصحف هذه عبادة، النظر في كتب العلم.
ما هو النظر المكروه؟ :
قال: هناك نظـر مكروه: وهو فضول النظر, كأن يرى إنسان مركبة فخمة جداً حديثة، واقفـة بمكان ما، فيتأمل فيها، وتنظر إلى مكان السائق، وإلى أجهزتها، تنظر ملياً، هذا اسمه فضول النظر، وقد ورد في بعض الأثر: أنه يبذر الهوى.
فالتأمُّل والمبالغة في التأمل، استيعاب الشيء والتدقيق به، هذا يبذر في قلبك محبَّته، والإنسان يعيش في حياته أياماً معدودات.
الإنسان بعضة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
لذلك فضول النظر الذي لا مصلحة لك فيه.
انظر إلى شيءٍ تنتفع بـه، هذا سمَّاه العلماء: فضول النظر، كما أن هناك فضول للكلام, وهناك فضول للسماع، فهناك فضول للنظر، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه. مراجعة هذه الكلمة في كتابتها يعنيه))
و: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس))
وفضول النظر طبع سيء. من فضول النظر :
ذات مرة زار شخص مكاناً، فوجد كتاباً ففتحـه، وجد أوراقاً داخل الكتاب فقلَّبَها، شعرت أن هذا الإنسان بعيد عن أدب النبي عليه الصلاة والسلام, الإنسان لا ينظر لشيء ليس له بهذا الفضول.
تمسك ورقة، فتجد رجلاً بجوارك يقرأ معك، تفتح أحياناً دفتراً وأنت راكب في سيارة، جارك يمعن النظر في دفترك، الكمبيوترات الحديثة فيها مستوى أعلى، إذا كنت في طائرة، وتستخدم هذا الكمبيوتر، لا يقدر جارك في المقعد أن ينظر، لأن الشاشة لا تظهر إلا بالنظرة القائمة على سطحها، فإذا كانت الشاشة أمامك مباشرةً تقرؤها، أما إن نظرت إليها جانبياً لا تقرؤها، هذا من أجل فضول النظر.
وهناك فضول نظـر من نوع آخر: أنت ببيت قاعد, وسمعت مشية، والنافذة مفتوحة قليلاً, نظرت ماداً رأسك لترى, فإذا بامرأة تمر كان عليك أن تغض بصرك، ما دام في الخارج حركة.
حتى النبي علمنا إن وقفنا أمام الباب أن نعطي ظهرنا للباب، تجد إنساناً لم يتأدب بأدب رسول الله، يطـرق الباب، ويقف أمام الباب مواجهةً، فإذا امرأة فتحت، رآها كما هي، أما المؤمن يقف ويعطي ظهره للباب، هذا من أدب رسول الله، وقد علَّمنا هذا صلى الله عليه وسلم, قال:
كان بعض السلف يكره فضول النظر، كما يكره فضول الكلام.
من أحكام الدين :
في الدين الفرض والواجب والمستحب والمكروه والمحرم، وما من حركة ولا سكنة إلا ويجب أن تندرج تحت أحد هذه الأحكام، عوِّد نفسك أن كل شيءٍ تفعله لا بد من أن يندرج تحت أحد هذه الأبواب.
فالعين لها أن تنظر إلى سجادة وهذا مباح، فلا هناك أذى ولا نفع، إن نظرت إلى شيءٍ خلقه الله عز وجل، وكانت هذه النظرة سبباً لمعرفة الله، فصار هذا نظر واجب:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة يونس الآية: 101]
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾
[سورة عبس الآية: 24]
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾
[سورة الطارق الآية: 5-6]
ففي أمر.
النظر إلى آيات الله فيها أمرها، النظر إلى شيءٍ أباحه الله لك وفيه سرور، قد يكون سُنَّة, النظر إلى شيء عادي لا تنتفع من النظر إليه، ولا تتأذَّى من عدم النظر إليه هذا مباح, أما النظر إلى شيء جميل، وهذا الشيء لا تملك ثمنه، واستغرقت فيه، وتمنيت أن تملكه، هذا شيء مكروه، فضول النظر مكروه. ما يحرم النظر إليه :
أما الشيء المحرَّم: النظر إلى العورات.
العلماء قالوا: العورات نوعان؛ عورةٌ وراء الثياب وعورةٌ وراء الأبواب.
الآية الكريمة:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
من هنا للتبعيض، فأنت مكلف أن تغض البصــر، ولكن أحياناً تنظر فجأة إلى امرأة النظرة الأولى ولا حد لأقلها فهي كلمح البصر، هذه لك، والثانية عليك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
وهناك نوع ثانٍ: فالإنسان لو نظر إلى ابنته، أو إلى أخته، أو إلى عمته، أو خالته، أو إلى أمه، يجب أن يغض بصره، كيف؟
يجب أن ينظر دون تدقيق ولا يتتبع التفاصيل، مع تتبع خطوط الجسم، هذا منهي عنه للمحارم، لك أن تنظر إلى ابنتك نظرةً عامة، أما خطوط جسمها بالضبط, هي مضجعة، هي جالسة، هي تصعد إلى درج، هذا لا يجـوز، فمن أدب النظر إلى المحارم أن تنظر نظرةً إجمالية، ولا شيء عليك بها إطلاقاً بالعكس مباحة، أما التدقيق في النظر، وفي تتبُّع خطوط الجسم، وفي تتبع حالات الجسم في كل حركاته وسكناته، هذا منهي عنه، وينطوي تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
لو إحدى محارمك تصعد درجاً، لا ينبغي أن تنظر إليها من ورائها، لو نظرت وهي منحنية, قد تنظر إلى صدرها، فالمؤمن لا ينظر إلى محارمه إلا نظرةً إجمالية، لا يتتبع ما ينبغي ألا تكشفه, لا يدخل على إحدى محارمه فجأة من غير استئذان، ولو أنها أمه، قال: إنها أمي يا رسول الله!! قال له: أتحب أن تراها عريانة؟ .
فهذا معنى آخر للغض من البصر، ينبغي ألا تنظر إلى محارمك إلا بثياب الخدمة، أما الآن ما يجري في البيوت -والعياذ بالله-, الأخت تبدو أمام أخيها بثياب شفافة، قد تبدو الأم أمام ابنها بثياب غير منضبطة، والأخت أمام أخيها، والبنت أمام أبيها.
فهنا المعنى الثاني للآية: الغض، هو غض البصر عن المحارم, بحيث لا يتبع خطوط الجسم ولا بعض ما ينبغي أن يكون مستوراً.
غض بصر عن بعض النساء اللواتي لا يحللن لك، لا يحل لك أن تنظر إليهن وهنّ الأجنبيات, بالمقابل: لك أن تنظر إلى محارمك، وعندنا غض بصر نوعي: لو نظرت إلى محارمك ينبغي ألا تدقق في التفصيل، وغض بصر زمني: فجأةً وجدت نفسك أمام امرأة، النظرة الأولى لك والثانية عليك، فهذه مراتب غض البصر، غض بصر زمني، وغض نوعي ، وغض جنسي.
قال: النظر المحرم: النظر إلى العورات, وهي قسمان؛ عورةٌ وراء الثياب، وعورةٌ وراء الأبواب, كالنظر إلى باب مفتوح، أو إلى نافذة مفتوحة، هذا أيضاً فيه تحريم. من شروح هذا الحديث :
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن, فحذفته بحصاة ففقأت عينه, ما كان عليك من جناح.
هكذا ورد بالحديث، والعلماء لهم في هذا الحديث شروحات لطيفة: فهو لو فقأ عينه يحاسب, ولكن لبيان عِظَمِ حق الجار، فلا يحق له أن ينظر إلى جاره من ثقب الباب، وهذا يقابله المنظار.
أحياناً يكون في البيت منظار، الابن يستخدمه ليرى الجار البعيد من نافذة مفتوحة، لعل بها امرأةً تخلع ثيابها مثلاً، هذا محرم تحريماً شديداً، لأن آداب الإسلام تمنع اختلاس النظر إلى الجار.
فقال: العورات نوعان؛ عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب، يقاس على عورة وراء الأبواب استخدام المناظير، لذلك في بعض الحِرَف تكاد تكــون محرَّمة، فالذي يربي الحمام أين يجلس؟ على السطوح، ومن كان على السطوح كشف عورات المسلمين.
ما هي عبادة الذوق؟ :
قال: عبادة الذوق: تناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه وخوف الموت، فمن ترك الطعام والشراب حتى مات، مات عاصياً، قاتلاً لنفسه.
وقد قال بعض العلماء: مَن اضطر إلى أكل ميتةٍ، فلم يأكل حتى مات دخل النار.
الميتة محرمة، ولكن أنت حياتك مقدمة على هذا التحريم، فمن اضطر إلى أكل ميتة ولم يأكل، دخل النار كأنه قتل نفسه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض أحاديثه يقول:
((من ركب ناقةً حرون ومات مات عاصياً))
من نام على سطحٍ غير مسوَّر، ووقع فمات، مات عاصياً، الإنسان لو نزل من سيارةٍ عامة, وهي تمشي ومات، مات عاصياً، فإن ركبت مركبةً ولم تراجع مكابحها قبل أن تسافر، ومت مت عاصياً. انظر إلى دقة الإسلام :
الإسلام دقيق، حياتك ليست ملكك، حياتك ملك أهلك، وملك زوجتك، وملك أولادك، وملك المسلمين، وجسمك أمانةٌ في عنقك.
تجد مأخذاً كهربائياً بالحمام, شدة تياره مئتين وعشرين، وابنتك تدخل الحمام حافية القدمين، وفي الأرض ماء، هذا التيار قاتل، نَبِّه ابنتك أن هذا التيار مميت، نبه أهلك, فأخذ الاحتياطات، أخذ وسائل الأمان, هذا من الدين.
سمعت عن امرأة قبل أشهر, ذهبت إلى سهرةٍ، وتركت ابنتها تدرس على ضوء شمعة, نامت البنت، فلما ذابت الشمعة, أحرقت ما على الطاولة من قماش، القماش احترق وأحرق البيت كله، جاءت من سهرتها رأت ابنتها ميتة، والبيت كله محروق، الإنسان حينما يهمل يحاسب حساباً شديداً.
هذا الدين منهج كامل، منهج تفصيلي طوال حياتنا، إذا الإنسان تيقَّن أن هذا الدواء فيه شفاء ولم يأخذه، مات عاصياً، تناول الدواء الذي يغلب على ظَنِّك أن فيه الشفاء، أخذه واجب ، إذا ظن الشفاء به فهو مستحب.
أما الشيء المحرَّم: أن يشرب الإنسان ما نهى الله عنه كالخمرة والسموم القاتلة, هذا فيما يتعلق بالذوق أو الطعام والشراب.
أما المكروه قال: ذوق المشتبهات، كطعام ليس حلالاً، إنسان دخله كله حرام، الأكل فوق الحاجة، ذوق الطعام دون أن تريد أن تشتري من عنده شيئاً، كأن تقول للبائع: أذقني إياه وليس في نيتك أن تشتري.
من الأشياء التي تجرح العدالة :
فالعلماء قالوا: هناك أشياء تجرح العدالة، منها أكل لقمةٍ من حرام، منها تطفيفٌ بتمرة ، -وهي أشياء لطيفة جداً-، منها أن تمشي حافياً، منها أن تبول في الطريق، منها أن تأكل في الطريق، منها أن تتنزَّه في الطريق، -طريق فيه نساء كاسيات عاريات ممنوع التنزُّه في هذه الطُرُقات-، منها صحبة الأراذل، منها مَن أطلق لفرسه العنان، -الذي يقود مركبته بسرعة عالية هذا يجرح عدالته-، منها مَن قاد برذوناً، منها مَن كان حديثه عن النساء تجرح العدالة، منها مَن علا صياحه في البيت فسمعه الجيران, منها أن تأكل طعاماً فيه شبهة .
يقول لك: كنا بالحج وجدنا بيرة بلا كحول، هذه العملية تحتاج إلى تحقيق، بيـرة بلا كحول، كلمة بيرة تكفي، فالمؤمـن يتقي الشبهات.
نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن تلبية دعوة المتبارِيَين، كعزيمة لغير وجه الله، عملية استعراض، استعلاء، أحب أن يطلع الناس على بيته وعلى إمكانياته وعلى غناه، وجاء من الطعام ما لذ وطاب, فهذا الذي يتبارى مع أنداده ينبغي ألا تلبّى دعوته.
أحياناً: تدخل على جماعة يتناولون الطعام، والأكل قليل, ويكفيهم فقط, فإذا دعوك حياء فيجب ألا تأكل ولو كنت جائعاً، أما إنسان دعاك إلى طعام قبل يوم أو يومين، هذا شيء طيب.
الأكل مع الضيف أكل مستحب، أن تأكل مع الضيف، وأن تأكل أكلاً يعينك على طاعة الله, لذا يُمنع صوم يوم عرفة، من أجل أن تستعين بالطعام على كثرة العبادة والذِكر.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و التسعون )


الموضوع : عبادة اليد والرجل





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أين استنبطت عبادة اليد؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين.
لا يَخْفى أن أهمية العبادة تأتي مِن أن العبادة علَّة وجودنا في حياتنا الدنيا، نحن هنا في الدنيا من أجل أن نعبد الله، والعبادة من أجل أن نسعد بقربه في الدنيا والآخرة، فمفهوم العبادة واسعٌ جداً.
تحدثنا عن عبادة السمع، وعن عبادة البصر، وعن عبادة الذوق، ونتحدَّث الآن عن عبادة اليد، هذه العبادة مستنبطة من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي حدَّثنا عن ربه، يقول الله عز وجل:
((ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويــده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن استعاذني لأعيذنه، ولئن سألني لأعطينه))
قد تؤدّي الواجبات، فتنجو من عذاب الله تماماً, ولله المثل الأعلى:
لو أن إنساناً أدى ما عليه من ضريبة، نجا من الغرامات والمصادرات والعقوبات، أما إذا قدَّم مستوصفاً قدَّمه لوطنه، يستحق حفل تكريم، دفع الضريبة شيء، وبناء مستوصف, وتقديمه هدية للوطن شيءٌ آخر، في الحالة الثانية تستحق التكريم، أن يقام لك حفلٌ تكريمي, لما قدَّمت لوطنك وأمتك من هذا البناء الذي يعود على الناس منفعةً كبيرة.
إذاً: الفرائض توجب السلامة، أما النوافل توجب المحبَّة، الفرائض توجب السلامة لأنها فرض، أما النوافل توجب المحبة، لذلك: ((ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل
-وكأن أداء الفرائض شيءٌ مفروغٌ منه، هو الحدُّ الأدنى:
إن الله لا يقبل نافلة ما لم تؤدِّ الفرائض-. ما معنى هذا الحديث؟ :
ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها))
هنا في وقفة متأنية، كيف يكون الله سمع هذا الإنسان؟.
كنت سمعه، وكنت بصره، وكنت يده، وكنت رجله.
والحديث صحيح في أعلى درجات الصحة، ما معنى هذا الحديث؟:
فهذه العين قد تنظر إلى حرامٍ, أو إلى حلال, إلى مباحٍ, أو إلى واجب، ولكن عين المؤمن لا تعمل إلا وفْق منهج الله، المؤمن منضبط، أما غير المؤمن متفلِّت، هذه العين تملكها أنت، وتحركها أنت كما تشاء، ولكن عين المؤمن لا تعمل إلا وفق منهج الله، لا ينظر إلا إلى ما يحل له، فإذا وقعت عينه على ما لا يحل له، غضَّ بصره، لا ينظر إلا متأمِّلاً عظمة الله عز وجل، لا ينظر إلى ما حوله نظرة شهوةٍ، بل نظرة عبرةٍ، وقد قال رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: ((أمرني ربي بتسع؛ الإخلاص في السر والعلانية, والعدل في الرضا والغضب, والقصد في الغنى والفقر, وأن أعفو عمن ظلمني, وأصل من قطعني, وأعطي من حرمني, وأن يكون نطقي ذكراً, وصمتي فكراً, ونظري عبرة))
فمعنى أن الله عز وجل يكون سمع هذا المؤمن؛ أي لا يسمع هذا المؤمن إلا وفق ما سمح الله له به، يستمع إلى صوت المؤذِّن، فيُرَدد معه الشهادة وبعض فقرات الآذان، يستمع إلى القرآن، يستمع إلى أصواتٍ سمح الله له بها أن يستمع إليها, فهو لا يسمع إلا وفق منهج الله.
معنى آخر أعمق: أي شيءٍ يسمعه, لا يقبله إلا إذا كان وفق منهج الله.
لو أنك سمعت قصةً عن عالمٍ اخترع دواء يطيل العمر، وأنت معك قرآن يقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 34]
إذا جاء الأجل لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، فما سمعته مفروض, لأن كل شيءٍ تسمعه تعرضه على كتاب الله، فإن وافقه قبلته، وإن عارضه رفضته، صار الإنسان غير المؤمن يسمع مئات أو ألوف القصص والمقولات كلها يقبلها، وكلها متناقضة، بعضها خرافة، وبعضها كذب، وبعضها دَجَل، وبعضها تزوير، لكن المؤمن إذا استمع لا يُخَزِّن من الذي استمع إليه, إلا ما كان وَفْقَ الكتاب والسُّنة، إلا ما كان وفق كلام خالق الكون، إلا ما كان وفق وحي السماء:
فكنت سمعه.
أي كل شيءٍ يسمعه يعرضه على الكتاب والسُّنة، فإن وافقه قبله، وإن عاكسه رفضه.
إذاً: كنت سمعه؛ لا يستمع إلى صوت امرأةٍ لا تحل له، لا يتجسس، لا يتحسس:
((ولا تجسسوا، ولا تحسسوا, ولا تنافسوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا، وكونوا عباد اللّه أخواناً))
لا يستخدم أذنه إلا وفق منهج الله, يهتدي بهدي الله، يستنير بنور الله، يتلقى وحي الله عز وجل من كتاب الله ومن سُنَّة رسول الله، فما من شيءٍ يسمعه إلا ويقيِّمه. قف هنا :
اجلس في مجلس فيه أناس ليس من اهتمامهم العلم الشرعي ولا معرفة لهم في شأن آخرتهم، يروون لك قصصاً منها ما يعقل ومنها ما لا يعقل، منها ما هو واقع ومنها ما هو غير واقع، منها ما هو مقبول ومنها ما هو غير مقبول، لا يوجد عندهم مقياس يقيسون به الأمور.
مثلاً: لو أنك متفوقٌ باللغة العربية، وقرأ أحدٌ أمامك نصاً، قد تكشف له مئات الأغلاط، أما إن لم تكن مُلماً بهذه اللغة، يقرأ لك النص، وقد وقع في مئات الأغلاط، فتثني عليه، لماذا أثنيت عليه؟ لأنك لا تعرف دقائق العربية، لجهلك بدقائق هذه اللغة لم تكشف هذه الأخطاء، أما لو كنت ملماً بدقائق العربية، مباشرةً تكشف الخطأ.
هذا معنى:
((كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به))
كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به؛ أي لا يستخدم عينه إلا وفق منهج الله، فإن رأى امرأةً لا تحل له غضَّ بصره عنها، وإن رأى شيئاً جميلاً سبَّح الله، يستخدم عينه لتحرس في سبيل الله، ويستخدم عينه للتأمُّل في ملكوت الله، فإن رأى عورةً غضَّ بصره، حركة العين وفق منهج، هذا معنى: وبصره الذي يبصر به.
هذا ما يلفت نظر الإنسان التائه الشارد :
الإنسان الشارد التائه، يلفت نظره بيتٌ فخمٌ جداً، يتمنى مثيله, ويرى مركبةً فارهةً جداً، فتحدثه نفسه بأنه لو يملك نظيرها, ما نظر إلى هذا الشيء من زاويةٍ إسلامية، ولكن من زاويةٍ دنيوية، وقد قال الله عز وجل متحدِّثاً عن أهل الدنيا:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
مقاييسه دنيوية، والإمام الحسن البصري قال:
لعل أحدهم إذا وضع الدرهم على ظفره، عرف وزنه وهو لا يعرف أن يصلي.
ومعظم الناس الآن في شؤون الدنيا، في شؤون الدرهم والدينار، في شؤون التَزْيينات ، في شؤون الأذواق، في أعلى درجة، يحدِّثك ساعاتٍ طويلة وهو لا يكل ولا يمل، فإذا جاء موضوع الدين تثاءب، فإذا حدَّثته عن الآخرة تململ، فإذا ذكَّرته بما سينتهي إليه، اعتذر بموعدٍ تذكره فجأةً: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
هذه حقيقة النظافة :
أعرف إنساناً, له عمل لا يرضي الله أبداً، لكن مركز العمل فخم جداً وأنيق جداً، فقال لي: أنا عملي قذر, على الرغم من جمال المكتب الذي يفوق حد الخيال، في اليوم التالي أردت أن أصلح مركبتي، وكان الطقس شتاء، ومطر شديد، وذهبت إلى مَن أثق به، نزل تحت المركبة بثيابٍ أصلها زرقاء, أصبحت سوداء، مبللة بالماء، مُلَطَّخة بالزيت، فهذا الذي يلبسه لا لون له، والأرض فيها وحل وفيها مطر، فقام بفك هذه القطعة، وأصلحها إصلاحاً جيداً، وأتقنها إتقاناً جيداً، وأخذ أجرةً معتدلة، فقلت: هذا عمله نظيف.
وازنت بين كلمة الأول الذي قال: أنا عملي قذر, وبين الثاني الذي قلت عنه: عمله نظيف, وجدت أن النظافة في الحقيقة: هو عمل شريف وكسب مشروع.
هذا موقف المؤمن الذي يرى بنور ربه :
إحدى قاعات القمار في دولة مجاورة، ثمنها مئات ملايين الدولارات، فيها من أرقى أنواع الرخام، من أرقى أنواع الأثاث، من أرقى أنواع الثريات، بذخ ما بعده بذخ، ومدرسة ثانوية، بناؤها قديم، المقعد غير مريح، ولا يوجد تدفئة والإضاءة ضعيفة، يخرج من هذه المدرسة علماء وأطباء ومهندسون، ويخرج من قاعة القمار مجرمون ينتحرون، فهم إلى جهنَّم وبئس المصير، فما يقع على شبكية العين قاعة القمار فخمة جداً، وبالعين وبالشبكية قاعة الدرس متواضعة جداً, فالمؤمن الذي يرى بنور الله, يعظِّم المدرسة ويحتقر قاعة القمار.
ماذا لو نظرت بنور الله؟ :
قد تجد إنساناً مستقيماً, دخله مشروع، يتحرَّى الحلال، بيته صغير، وأثاثه متواضع، وطعامه خَشِن، وثيابه رخيصة، ولكنه أسعد الناس برضوان الله، وقد تدخل بيتاً، لا تملك إلا أن تقول: ما هذا البيت؟!! ما هذه المساحة؟! ما هذه التزيينات؟ ما هذا الأثاث الفخم؟ ما هذا الذوق الرفيع؟ وصاحبه جمع ثمنه من مالٍ حرام.
فبالعين على الشبكية البيت جميل جداً، وبيت الإنسان المستقيم متواضع جداً غير مقبول ، ولكن لو نظرت بنور الله، لرأيت صاحب البيت المتواضع ينتهي به أجله إلى الجنة، وصاحب البيت الفخم قد ينتهي إلى النار.
هذه بطولتك أيها المؤمن :
إنسان أدار عدة دور قمار، وجَمَّع أموالاً طائلة, بلغت ثمانمئة مليون، وهو على فراش الموت طلب بعضاً ممن يعمل في الحقل الديني، من شدة خوفه من الآخرة، قال له: ماذا أفعل حتى أنجو من عذاب الله؟ قال له: لو أنفقت كل هذا المبلغ دفعةً واحدة ما نجوت من عذاب الله، هكذا كان اجتهاد الرجل.
فبطولتك أيها المؤمن: أن تنظر بنور الله لا أن تنظر بمقاييس الأرض، المنافق ينبغي ألا يعجبك ماله، ولا أولاده، ولا أهله، ولا أدواته، ولا مكانته، ينبغي أن تقيِّم المؤمن.
الأمور بخواتيمها :
ذات مرة كنت في مؤتمر في المغرب، وكنا في فندق فخم جداً، مع وقت الفجر سمعت قراءة قرآن، فأطللت من الشرفة، يبدو أنه عامل الحديقة يصلي الفجر في وقته، ويقرأ القرآن بصوت شَجِيّ، امتلأ قلبي خشوعاً من قراءته، قلت: لعل هذا المستخدم بحديقة الفندق قلامة ظفره تعدل كل نزلاء ذلك الفندق.
العبرة بالنِهايات، العبرة بالخاتمة، وهذا الشيء ترونه كل يوم، الأمور بخواتيمها، الإنسان قد يصعد ثم يسقط فجأة، فالعبرة بالخواتيم.
إذاً: هو معنى: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به.
هناك معنيان: لا يعمل عينه إلا وفق منهج الله، وإذا نظر نظر بنور الله.
حدد إجابتك على هذا السؤال :
لو ترك إنسان مبلغاً ضخماً من المال، وعنده عدَّة أولاده، أكبر أولاده اغتصب المال كله، وأنشأ بيتاً فخماً، وأثثه بأفخر الأثاث، وبأرقى أحياء دمشق، وله مركبة فارهة، وأخوته لأنهم حرموا من ثروة أبيهم عاشوا فقراء ولكنهم أتقياء، فإذا دخلت إلى بيت المغتصب، هل تعجب ببيته؟ إن أعجبت ببيته فأنت لا تعرف الحق، يجب أن تحتقر بيته، لأنه من مالٍ حرام، ويجب أن تقدِّر إنساناً فقيراً دخله حلال، وينبغي أن تشجعه.
هذا ما يجب أن تعتمد عليه :
ذات مرة زرت أخاً، غرفة الضيوف لا تتسع إلا لبضعة أشخاص، غرفة صغيرة جداً، فلما دخلت هذه الغرفة استحيا, وقال: أستاذ نحن بيتنا صغير، قلت له: ما قولك أن سيِّد الخلق وحبيب الحق كان إذا أراد أن يصلِّي الليل، لا تتسع غرفته لنوم زوجته وصلاته، وهو سيد الخلق وحبيب الحق؟.
أخواننا الكرام, يجب أن تعتمـــد مقاييس القرآن وإلا لست مؤمنـاً، ينبغي ألا تقيِّم الأشخاص من زاويةٍ مادية، ينبغي أن تقيِّمهم من زاويةٍ أخلاقية، ينبغي أن تعظِّم أهل العلم، وأهل الخُلُق، وأهل الإيمان، وألا تعبأ بما عند هؤلاء الشاردين عن الله من دنيا عريضة، والآية التي تعرفونها جميعاً:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
هذا الفرق بين بلاد الغرب وبين البلاد الإسلامية :
قد تذهب إلى بلاد الغرب, فترى البلاد كلها خضراء، والبيوت في أعلى درجة من الفخامة والمواصلات راقية جداً، ولكن ترى الخمور, والملاهي، ودور القمار، ودور البِغاء، أما إذا ذهبت إلى بلدٍ إسلامي، قد تجده متواضعاً في مظهره، ولكن فيه صلاح، في راحة نفسية، في روحانية.
زارنا أخ من بلد بعيد، عاش هنا في الشام شهراً، أرسل لي رسالة, قال لي: عندنا كل شيء مريح، ولكن عندكم حُب، وعندكم روحانية، وعندكم إيمان، وعندكم سعادة، وعندكم تماسك وترابط، فقد عاش شهراً، فعرف ما عنده وعرف ما عندنا، وميَّز بين النوعين فوجد أن أهل الإيمان في سعادةٍ كبيرة.
أجدادنا، سلفنا الصالح حياتهم خشنة، ولكنهم كانوا سُعَداء، لأن دينهم كان مَتيناً، ومحبَّتهم كانت قويةً، فلذلك عاشوا حياةً سعيدة دون أجهزة حديثة.
من واجبات البطش :
إذاً: ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته, كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.
قال: ومن البطش الواجب, كلمة البطش: العمل, اليد تتحرك وتعمل.
في الحديث الصحيح: اليد تبطش؛ أي تعمل.
قال: ومن البطش الواجب: إعانة المضطر.
إنسان وقع، أعنته، فتجد المؤمن يهرع لخدمة المضطرين، فإعانة المضطر من واجبات اليد.
أحياناً رجل كبير بالسن يحمل حاجةً ينوء بها، فأنت حملتها عنه.
أحياناً في مركبة عامة، تصعد امرأة مسنة، محجبة، لا تجد مكاناً تجلس به، قمت أنت ودعوتها إلى مكانك، فلا بد من أن تغيث المضطر، هذا من واجبات البطش، إعانة المضطر، ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم.
هذا البطش الحرام :
والبطش الحرام: قتل النفس التي حرَّم الله قتلها.
المؤمن عنده منهج، لا يقتل كل شيء، المؤمن لا يقتل النفس التي حرَّم الله قتلها إلا بالحق، حتى إذا قتل، في قتله إحسان.
إن الله كتب الإحسان على كل شيء, فإذا قتلتم فأحسنوا القتل، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح.
والحرام كقتل النفس التي حرم الله قتلها، ونهب المال المعصوم، وضرب مَن لا يحل ضربه. رسالة إلى عمر بن الخطاب :
ذات مرة جاءت لسيدنا عمر رسالة، قال كاتبها: يا أمير المؤمنين، إن رجالاً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استرداده منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت.
قال: يا سبحان الله!! أوتستأذنني في تعذيب بشر!؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البيِّنة، فإن قامت فخُذْهم للبينة، وإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
قاعدة فقهية :
فإذا شخص أتيح له أن يكون ضابطاً في الأمن الجنائي، هذا عمل مشروع وجيد، وجاءه مُتَّهم، ما الذي يفعله؟ بعض مَن يعمل في هذا السلك يعذبه إلى أن يعترف، فإذا كان بريئاً لا يعترف، لم يعترف ولكنه أذاقه ألوان العذاب, من أجل أن ترتاح، استخدم أسلوباً ذكياً علمياً متعباً في التحقيق، وتحفظ له كرامته، وتحفظ له كبرياءه، وتحفظ له إنسانيَّته، ولا تسلك أقصر الطرق فتعذبه, لأنك ستحاسب لأنه بريء, فعلى الإنسان قبل أن يفعل شيئاً:
الإنسان بُنْيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله.
فمن بطش اليد المحرم أن تضرب مَن لا يحل ضربه, والأصل -كما تعلمون-: الإنسان بريء ما لم تثبت إدانته.
من بطش اليد المحرم :
من بطش اليد المحرم: اللعب بالنرد:
من لعب النرد فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه.
لعب النرد محرمٌ قطعاً، وكل شيءٍ على شاكلة النرد يُحْمَل على النرد، كالبرسيس، أليس هناك حظ في الوَدَع؟ فاللعب المبني على حظ محرم, وأكثر العلماء حرَّم الشطرنج.
كتابة قصة باليد، قصة إباحية، كتابة كلام باطل، كتابة اتِّهام كاذب، كتابة معروض فيه افتراء على إنسان، كله باليد.
و:
((مَن أعان ظالماً سَلَّطَهُ الله عليه))
و: ((مَن أعان ظالماً ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوباً على جبينه آيسٌ من رحمة الله))
كتابة كلام زور، يقول لك: في مئة ألف دعوى كيدية ليس لها أصل, لكن المؤمن منضبط، هذه اليد لا تكتُب إلا الحق، ولا تفعل إلا الحق، ولا تعتدي على مخلوق. اعلم هذا :
حدثني أخ, فقال لي: عندي أرض ثمنها مليونان, موظف بسيط جاء للتحديد والتحرير، فطلب مبلغاً من المال رشوة, فرفض صاحب الأرض، فسجلها الموظف أملاك عامة، حرم منها، وهي مال أولاده، حرم أولاده منها.
أحياناً دعوى فيها افتراء، تقرير كاذب، قد يسبب متاعب لا حصر لها، هذه اليد التي تكتُب الباطل، أو تكتب الافتراء، أو تكتب الكذب، هذه اليد سوف تُلقى في النار.
من عمل اليد المحرم أيضاً :
والقذف: قذف محصنةٍ يهدم عمل مئة سنة.
والتشبيب بالنساء، الشعر الغَزَلي، في شعراء دواوينهم كلها غزل بالمرأة وببعض أعضائها, هذا إن قرأت شعره تُثار كل الشهوات مِن شعره، فاليد التي كتبت هذا الشعر لتثير الشهوة عند الشباب، وقد تنتهي هذه الشهوة إلى معصية كبيرة، في صحيفة مَن كتب هذا الشعر، وكتابة ما فيه مَضَرَّةٌ للمسلمين في دينهم أو دنياهم، أو كتابة الباطل:
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 79]
هذه اليد: قد يكتب بها تقرير باطل، قد يكتب بها كلام فيه ضلال، أليس هناك كُتُب باسم قراءة معاصرة؟ كل السلوك الإباحي في هذا العصر غطي بالقرآن الكريم زوراً وافتراءً؟!!.
إنسان يعمل مفتياً، كتب فتوى وهو لا يعلم، فهو آثم عند الله، أو كتب فتوى بخلاف ما يعلم، فهذا أشد إثماً، تفتي بخلاف ما تعلم إرضاءً لزيد أو عُبيد.
فتوى بمصر من عالم، في اليوم التالي وضع ثلاثة وثمانون مليار جنيه في البنوك، لأنه أباح التعامل مع البنك بفتوى كتبها بيده ووقع عليها، هذا كله بعمل اليد، إلا أن يكون مجتهداً مخطئاً فله أجر.
إذاً: تحدثنا عن البطش الواجب، وعن البطش المحرَّم، عن عمل اليد الواجب، وعن عمل اليد المحرَّم, وأما المكروه فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام، وكتابة ما لا فائدة منه:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
عندنا بطشٌ واجب، وبطشٌ حرام، وبطشٌ مكــروه، وبطشٌ مستحب، كتابة كل ما فيه منفعةٌ في الدين.
هذا من عمل اليد التي ترضي الله عز وجل :
كأن تلخِّص كتاباً في القواعد أو تؤلفه، القواعد تنفع الدين:
تعلموا العربية فإنها من الدين كما قال سيدنا عمر.
أو فيه مصلحة لمسلم، أو إحسانٌ إلى مسلمين.
سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((ما ينجي العبد -يا رسول الله- يوم القيامة؟.
قال: إيمانٌ بالله.
قال: مع الإيمان عمل؟.
قال: أن ينفق مما رزقه الله.
قال: فإن كان لا يجد؟.
قال: فليأمر بمعروفٍ أو ينهى عن منكر.
قال: فإن كان لا يحسن؟.
قال: فليُعن الأخرق بيده.
قال: فإن كان لا يستطيع؟.
قال: أو ما تريد أن تدع لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس.
قال: أو إن فعل هذا دخل الجنة؟.
قال: ما من عبدٍ مسلمٍ يصيب خصلةٍ من هذه الخصال، إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة))
أن تعين صانعاً، أن تصنع لأخرقٍ، أن تُفْرِغ دلوك في دلو المستسقي، أن تحمل إنساناً على دابَّته، أو أن تمسكها له حتى يصعد عليها.
فأحياناً إنسان في الطريق، يحمل أشياء ثمينة ووقعت على الأرض، والطريق فيه ازدحام، فالمؤمن عنده مروءة يعينه على جمع هذه البضاعة المبعثرة، هذا من عمل اليد الذي يرضي الله عز وجل.
لمس الركن باليد، هذا من البطش المستحب.
المباح ما لا مضرة فيه ولا ثواب.
واجب، محرم، مكروه، مستحب، مباح، خمسة أحكام هذا فعل اليد. ما هو فعل الرجل؟ :
فما هو فعل الرِجْل؟:
قال: أما الرِجْل، أول عبادة لهذه الرجل: أن تنتقل بها إلى المسجد.
إنسان جاء مشياً، فهذه عبادة الرِجْلِ أن تنقلك إلى طاعة، إلى الجُمَعِ والجماعات في أصح الأقوال، وهناك بضعةٌ وعشرون دليلاً على أن عبادة الرِجْلِ الأولى: أن تنقلك إلى الجُمَع والجماعات, إلى مجلس علم، والمشي حول البيت طائفاً، والمشي بين الصفا والمروة ساعياً، والمشي إلى حكم الله وحكم رسوله إذا دُعِيَ إليه، دعيت إلى شيء شرعي، يجب أن تذهب إليه.
ورد في الأحاديث:
((من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم))
قد تدعى إلى حفل فخم جداً، هذا من الدنيا، تلبية هذه الدعوة من الدنيا، ولكن إذا دعيت إلى عقد متواضعٍ في أطراف المدينة، ولا بد من تحمُّل مشاق الوصول إلى هناك، ولا بد من تضييع وقتٍ كثير، تلبية دعوة الفقراء من الآخرة, والمشي إلى صلة الرحم، والمشي إلى بر الوالدين، وإلى مجالس العِلم، وإلى الحج إذا قَرُبَت المسافة، هذه الرِجْل ينبغي أن تنقلك إلى طاعة، أما إذا سار بها إلى ملهى، أو إلى معصية، أو إلى فجور والعياذ بالله! استخدم هذه النعمة في معصية الله عز وجل. المشي الحرام :
أما المشي الحرام قال: المشي إلى معصية الله، وهو من رِجْل الشيطان، قال تعالى:
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾
[سورة الإسراء الآية: 64]
قال مقاتل: استعن عليهم برُكْبان جندك ومُشاتهم، فكل راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جُند إبليس.
يمشي إلى المسبح، مسبح مختلط، مكشوفةٌ العَوْرات، هذا مشي إبليس، مشى إلى معصيةٍ هو من رِجْل الشيطان، فكل راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جُنْد إبليس.
المشي الواجب :
المشي الواجب: الركوب إلى الغزو والجهاد والحج الواجب.
سياحة أمتي الجهاد. و:
((مَن مات ولم يحدِّث نفسه بالجهاد, فقد مات على ثُلْمةٍ من النفاق))
الحد الأدنى الجهاد الدعوي، أخ لم يحضر، فذهبت إلى بيته تتفقده، تراه قد انتعش، وجد نفسه له قيمة، فلما غاب عن الدرس، له أخ زاره وتفقَّد أحواله، فأنت حينما تتحرَّك لتَشُد إنساناً إلى مسجد, أو إلى دعوة, أو إلى الحق، فهذا عمل دَعَوِي.
فحرام المشي: الركوب إلى معصية.
والمكروه: الركوب للهو واللعب، وكل ما تركه خيرٌ من فعله.
ومباحه: الركوب إلى شيءٍ ليس فيه وزرٌ ولا عليه أجر، هذا المباح. خاتمة القول :
لا زلت أؤكد لكم: أن العبادة علة وجودنا على وجه الأرض، وأن العبادة تشمل كل الأوقات، وكل الأماكن، وكل الأعضاء، فإذا وفِّقْنا إلى أن نعبد الله كما أراد، فنحن قد حققنا الهدف من وجودنا، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يُلْهِمنا رشدنا.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و التسعون )


الموضوع : استنباطات لموضوع العبادة - العلاقة بين الكليات والجزئيات







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما علة وجود الإنسان على الأرض؟ :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والدرس اليوم استنباطات عديدة من موضوع العبادة.
نعلم أن علة وجودنا في هذه الدنيا عبادة الله، والمؤمن لا يقبل شيئا إلا بالدليل، ولا يرفض شيئاً إلا بالدليل، ولعل هذا مستنبطك من قوله تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
فمعنى قول الله:
﴿على بصيرة﴾
أي بالدليل والتعليل، ذلك أن الله رب السموات والأرض, حينما أمرنا أن نصلي, قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
الله قدَّم التعليل، وحينما قال لنا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 103]
جاء التعليل: تطهرهم وتزكيهم، وحينما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 183]
فأنت لا تقبل شيئاً إلا بالدليل ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل.
وقد قال بعضهم: لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
لك أن تقول: كلُّ أبنية دمشق ملكي، ولكن من دون دليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، وإذًا: ربُّنا عز وجل أمرنا أن ندعو إلى الله على بصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
إذًا: علة وجودنا على هذه الأرض أن نعبد الله، والعبادة كما أذكر دائماً: هي طاعـة طوعية, ممزوجة بمحبة قلبية, أساسها معرفة يقينية, تفضي إلى سعادة أبدية.
هذه الكليات في الدين :
لا بد من وقفة متأنية عند التفوُّق والتطرف: التطرف أن تأخذ ناحيــة من نواحي الدين وتكبِّرها وتجعلها الدين كله، هذا تطرف، أما أن تتحرك مع كل كليات الدين حركة متوازنة هذا هو التفوق، فمن خلال هذا التعريف البسيط: طاعة طوعية, ممـزوجة بمحبة قلبية, أساسها معرفة يقينية, تفضي إلى سعادة أبدية.
اسأل نفسك هذا السؤال: هل عندك نشاط تعلمي ونشاط سلوكي ونشاط جمالي؟ أنت في هذه الأرض من أجل أن تعبد الله، وفي عبادة الله كلِّيات ثلاث؛ كلية معرفية وكلية سلوكية وكلية جمالية، فالكلية المعرفية أن تطلب العلم.
ورد في بعض الأدعية أن:
((لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قربًا))
فالمغبون من تساوى يوماه، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، أنت لو توقفت فالركبُ يمشي، إذًا أنت متأخر، ليس التأخر أن ترجع إلى الوراء، التأخر أن تبقى واقفاً، والركب يمشي.
والكلية الجمالية: الله جل جلاله أصل الجمال، كلُّ شيء تراه جميلاً في الكون له مسحة من الله، المنظر الجميل، الورد الجميل، الشاطئ الجميل، الجبال الرائعة، هذه أخذت مسحة من جمال الله، فدُهشت بها، فكيف لو اتصلت بأصل الجمال؟.
الصلاة قسم جمالي في الدين, لذا جعلها الله عز وجل قرة عيـن، جعل الصلاة قربى، الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الآية: 19]
وورد في الحديث: ((ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها))
إذًا: الصلاة والاتجاه إلى الله, مع الدعـاء، ومع الاستغفار, ومع التهليـل والتكبيــر, مع الأذكار النبوية، قسم جمالي في الدين، والحركة اليومية السلوك هذا قسم سلوكي، وطلب العلم قسم معرفي: فأنت حينما تطلب العلم, وتتحرك وفق منهج الله, وتسعى أن تتصل بالله فقد تفوقت, لأنك تحركت على الخطوط الثلاثة معًا, طلبت العلم, وتحركت وفق منهج الله, وأردت أن تسعد بقربك من الله، هذه هي العبادة، العبادة هي سرُّ وجودنا على وجه الأرض، علة وجودنا، الذي يصحِّح مسارنا في الكون عقيدتنا، تصوراتنا الصحيحة عن الكون والدنيا والإنسان. الفرق بين المؤمن وغير المؤمن :
لو أردنا أن نعالج ربط الكليات بالجزئيات, مثلاً:
أنت ذهبت إلى الفراش كي تستلقي قُرع الباب، جاء إنسان يطلبك، أنت بإمكانك أن تعتذر عن مقابلته أو أن تلبي رغبته، إذا كان إيمانك بالآخرة كبيراً, وعقيدتك أنك مخلوق للعمل الصالح, وأن العمل الصالح هو أكبر ثمرة في الدنيا، وأن العمل الصالح ثمن الجنة, وأن الله يرضى عنك إذا خدمت عباده، وأنك إذا أردت أن تتصل بالله, فالعلم الصالح أكبر وسيلة، قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
تنهض وتلبي حاجة هذا الطارق، وتضحِّي براحتك واستجمامك، أما إذا كانت هذه المعاني ليست واضحة, تغضب أشد الغضب, من هذا الذي جاء ليقلق راحتك؟ فأيّ تصرف يفعله الإنسان فهو انعكاس لفهمه للحياة، لو أنه لم يؤمن بالآخرة يرى الفلاح في الأخذ لا في العطاء، ولا فلاح في الراحة لا في بذل الجهد، والذكاء في استهلاك جهد الآخرين لا في خدمتهم، والذكاء في الانغماس في الملذات، لا في التعفف عن الموبقات، لو أنه آمن بالآخرة ينعكس الميزان انعكاسا كلياً، يرى الذكاء في إنفاق المال لا في أخذه، يرى الذكاء في بذل الجهد للآخرين لا في استهلاك جهدهم, يرى الذكاء في التواضع لهم لا في الاستعلاء عليهم، يرى الذكاء في خدمتهم لا في استخدامهم، لذلك ترى بونًا شاسعاً بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن في خدمة الخلق وغير المؤمن الخلقُ في خدمته، المؤمن يعطي وغير المؤمن يأخذ، المؤمن يتواضع وغيره يستعلي، المؤمن يصبر وغيره يفجر، إن كانت عقيدتك صحيحة, وكان تصوُّرك لله, ولحقيقة الكون والحياة والإنسان صحيحاً, هذا الفهم الدقيق ينعكس سلوكاً قويماً.
لو أن الإنسان يمشي في الطريق, ومرّت أمامه امرأة بارعة الجمال, فالمؤمن يرى فلاحه في غضِّ البصر عنها، وغير المؤمن يرى أن يملأ عينيه من محاسنها هو الفلاح.
الفرق بين حضارة الغربيين وبين حضارة المسلمين :
مثلنا الأعلى سيدنا يوسف الذي ملَك مصر وصار عظيمها, ملك نفسه فملك، قال تعالى:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾
[سورة يوسف الآية: 101]
من أروع ما قرأت عن هذه الآية: أن الملك الذي ذكر في هذه الآية, ليس أنه حكم مصر؛ أيُّ إنسان تولى شؤون بلد, يقول لك: وأنا آتاني الله الملك، لكن الملك أنه ملَك نفسه عند الشهوة، هذه هي البطولة، ذلك أن حضارة الغربيين سيطرة على الطبيعة، بينما حضارة المسلمين سيطرة على الذات.
قال بعض زعمائهم عقب الحرب العالمية الثانية: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا.
ما أساس صحة العمل؟ :
أردت أن أربط بين كليات الديـن وجزئياته، أنت حينما تدخل إلى البيت, وحينما تجد شيئاً مزعجاً, إذا كان فهمك للحياة عميقا تقلِّد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حلمه وفي صبره، أما إن لم يكن فهمك عن الحياة ولا عن الزواج ولا عن مهمتك في الحياة صحيحاً تنفجر، لماذا انفجر هذا و صبر هذا؟ لماذا أعطى هذا ومنع هذا؟ لماذا رنا هذا وغضّ هذا؟ لماذا تكلم هذا وسكت هذا؟ التكلم والسكوت أساسه التصور، الغضب والحلم أساسه التصور، صحيح أو غير صحيح، المنح أو الأخذ أساسه التصور، فيجب أن تعلم أنه كلما تعمق فهمك لحقائق الكون ولحقائق الدين, انعكس هذا الفهم سلوكاً صحيحاً هو ثمن الجنة، وكلما ابتعد الإنسان عن حقائق الدين, سلك سلوكاً بهيمياً, لذلك أساس صحة العمل معرفة الله عز وجل.
متى يسير العبد على غير هدى من الله؟ :
لو إنسان ذهب إلى بلد غربي، ونزل في أحد الفنادق, ونام الليلة الأولى, واستيقظ صباحاً, وتناول طعام الفطور, وارتدى ثيابه, وقال: إلى أين أذهب؟ إن كان طالب علم ذهب إلى الجامعة، وإن كان تاجراً ذهب إلى الأسواق، وإن كان سائحاً ذهب إلى المتنزهات، هذا الذي جاء لهذا البلد لا يصحُّ عمله إلا إذا عرف سرَّ وجوده، الناس يمشون في طرق مسدودة، يتوهم أحدهم أن المال كل شيء، فينكب على جمعه وكسبه من طريق مشروع وغير مشروع ، من طريق حلال أو حرام، إلى أن يجمِّع ثروة طائلة، حينما يبدأ يستمتع بهذا المال تكون صحته قد تراجعت، فيحتقر المال ويحتقر هذه الحياة الدنيا، معنى ذلك: أنه يمشي على غير هدى من الله.
هذه أوهام السعادة التي يعيشها العبد الشارد عن الله :
الغربيون يرون أن اللذة لا بد لها من ثلاثة شروط: من شرط المال والصحة والوقت، ومع الإنسان التائه الشارد في أيّة لحظة من حياته يفقد أحدها، ففي شبابه يتوافر له الصحة و الوقت، يفتقد المال، إذًا: لا يُتاح له أن يستمتع بالحياة، في المرحلة الثانية يتوافر له المال والصحة، لكنه ليس عنده وقت، إذًا: لا يتاح له أن يستمتع بالحياة، الحالة الثالثة يتوافر المال والوقت ولكن لا توجد صحة، إذًا: الذي شرد عن الله يعيش في أوهام السعادة، أو يعيش في سراب السعادة، أو يعيش كما يسعى الحمار إلى الفجلة التي أمامه والمسافة بينه وبينها ثابتة، قصة مشهورة جداً:
إنسان ركب حماراً ومسك عصا ووضع في نهايتها فجلة، والحمار يركض ليأكلها، والمسافة ثابتة بينهما.
هذه السعادة الحقيقية :
أما لو أنه عرف الله, لقال لك: السعادة الحقيقية تحتاج إلى معرفة بالله، وطاعة له, و خدمة لخلقه، وهذه الثلاثة متوافرة دائماً, أنت شاب، وأنت كهل، وأنت شيخ، بإمكانك دائماً أن تعرف الله وأن تستقيم على أمره وأن تسعد خلقه، فأنت في سعادة دائمة.
وذكرت أيضاً: أن هذه السعادة التي هي روح حياة المؤمن تنبع من داخله ولا تنبع من خارجه، ولا تأتي من خارجه، هو يملكها، كل واحد منا يملك أسباب سعادته، بصرف النظر عن عمره, وعن دخله, وعن ثقافته, وعن صحته, وعن مكانته, وعن دوره الاجتماعي، السعادة أن تصل إلى الله، بينما اللذة إلى أن تصل إلى جزء منها, يكون قد مضى الخمسون عاماً.
نحن الآن في حياتنا المعاصرة المعقدة حتى الإنسان يرتاح، له بيت وزوجة ومركبة وهو في بحبوحة من العيش، لا بد من أن يكون قد بلغ الأربعين أو الخمسين من عمره, ما الذي بقي من الحياة؟.
هذه الحركة التي تنتج عن المؤمن نتيجة رؤيته الصحيحة للدين :
العلاقة بين الكليات والجزئيات، العلاقــة بين صحة العقيدة, وبين حسن التصور، و بين حسن الفهم، وبين الحركة اليومية، وقد لا تصدِّق: أنك إذا رأيت حجراً في الطريق أن تزيحه أو أن تدعه، متعلِّق بعقيدتك.
تجد إنساناً يركب مركبته في طريق سفري، يرى حجراً كبيراً، يعترضه ربما سائقو الشاحنات, أحياناً يضعون هذا الحجر وراء إحدى عجلات المركبة، حجر كبير قد يؤدي إلى حادث كبير إن لم ينتبه إليه السائق، تجد رجلاً مؤمناً يقف ليزيح هذا الحجر، هذا التصرف الجزئي متعلق بعقيدته، لو تتبعت حركتك اليومية, لوجدت وأنت في البيت أن أعمالك تنطلق من موقفك من زوجتك, وموقفك من أولادك, وموقفك من أي إنسان، حتى لو سرت في الطريق, لوجدت نظراتك وسمعك وبصرك ومطالعاتك تنطلق من عقيدتك، تطالع مقالة توازنها مع كلام الله ومع سنة رسول الله ترفضها أو تقبلها، عندك ميزان ثابت تقبل به و ترفض به، ذهبت إلى عملك, قد يأتيك إنسان يشتري وهو جاهل، تنوِّره وتبين له، ولا تفرح وتقول: زبون جاهل، إذا كان مع أحدهم مال يتيم، إذا عقيدته صحيحة خاف على المال خوفه على ماله، وإذا كانت عقيدته غير سليمة يجعل مال اليتيم حقل تجارب لتجارته، يجعل مال اليتيم دريئة لماله.
وقد ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((ولا تجعل مالك دون ماله))
فتجد المؤمن في أدق حركاته التجارية, حتى في أفراحه, حتى في أتراحه، حتى في سفره، حتى في إقامته، في نشاطاته، كلِّياته تتحكّم في جزئياته، منذ استيقاظه يفعل كما فعل النبي وكما نبه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ, فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ, فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ بَعْدُ, فَإِذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي, وَبِكَ أَرْفَعُهُ, فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا, وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ, فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي, وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي, وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِه))
معنى ذلك: أن الله سمح لك بيوم جديد، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي, -الأجهزة في أعلى درجة- وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِه. قصة تائبة :
إنسانة تعمل في الفن, قالت: دخلت أول ليلة تبت فيها, قمت عند صلاة الفجر, بعد أن كنت عمري كله أدخل بيتي بعد أذان الفجر، شتان بين من يستيقظ ليصلي الفجر وبين من يأتي بيته وهو في معصية بعد الفجر، قالت: ما من ليلة نمت إلا بمنوِّم، وبعد أن تبت إلى الله نمت كالطفل الصغير، في نوم عميق.
الإنسان لما يكون مستقيماً ولم يتعلق به حق أحد، ينام نوماً عميقاً، نوماً مريحاً، أما هذا الذي لا ينام لعل فطرته تؤنِّبه.
حدّثني أخ كان في ألمانيا, نزل في أحد فنادقها, وجد كلمة كُتبت على طرف السرير: إذا لم تنم وتقلبت في فراشك، ففرشك وثيرة، لكن العلة في ذنوبك.
الإنسان حينما يأوي إلى الفراش, وقد بنى ماله على إفقار الآخرين، أو بنى سعادته على شقاء الآخرين تؤنبه فطرته.
يجب أن تعلم هذه الحقيقة :
حقيقة يجب أن تكون واضحة جداً: السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان كائناً من كان, أبداً, السلامة والسعادة، السلامة في طاعة الله، والسعادة في القرب منه، قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
قال الله عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
ولو قرأت السنة لفوجئت:
عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ, ضَخْمُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَـةِ, شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ, مُشْرَبٌ وَجْهُهُ حُمْرَةً, طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ, ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ, إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا, كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ, لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
والسيدة عائشة تقول: رحم الله عمر, ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، إذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع.
كيف نوفّق بين الآية وبين هذين النصين من السنة؟.
لعل علماء التفسير حينما فسَّروا هذه الآية قالوا: يمشي هونــاً؛ أي لا يسمح لهموم الدنيا أن تستهلكه.
الإنسان من همٍّ لهمّ، ومن مشكلة لمشكلة، ومن قضية إلى قضية، ومن أزمة إلى أزمة، إلى أن يأتيه ملَك الموت، ما استعدّ للموت، ولا استعد للآخرة، الحياة قد استهلكته, ومعظم الناس تستهلكهم هموم الحياة، ليس عنده وقت يفكّر في سر وجوده، ولا أن يسأل من أنا؟ ليجد أنه المخلوق الأول، المخلوق المكرّم، المخلوق المكلف، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾
[سورة الجاثية الآية: 13]
الكون كله مسخّر لك، وأنت الإنسان الذي قبل حمل الأمانة، والإنسان الذي خُلق ليعبد الله عز وجل، اسأل: من أنا؟ اسأل: لماذا أنا في الدنيا؟ اسأل: ما الشيء الذي ينبغي أن نفعله؟ ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾
[سورة الكهف الآية: 103-104]
تجده يعمل ليلاً نهاراً، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾
[سورة المدثر الآية: 50-51]
ثم يُفاجأ بالموت، من بيت ثمنه مائة مليون إلى قبر وضيع، نقلة كبيرة جداً، من بيت في أرقى أحياء دمشق إلى قبر، ما هذه الحياة؟.
متى يكون عمل الإنسان خاسر؟ :
رجل مقيم في بلد عربي، جاء إلى تركيــا ليمضي إجازة, فوافته المنية بالفندق، ترك هذا الرجل أربعة آلاف مليون, وكان يقيم في السعودية, وما صلّى فرض صلاة، ولا أدّى حجاً ولا عمرة, كان شارداً عن الله، وافته المنية وهو يملك هذه الثروة الطائلة، خسر كل شيء، كل شيء جمعه في عمر مديد خسره في ثانية واحدة، كان عليه أن يقف ويسأل: من أنا ؟ أنا من؟ لماذا أنا في الدنيا؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ إذا جاءه ملك الموت ماذا يقول؟ القرآن يقول:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 99-100]
سر وجودك العمل الصالح، إذا هناك نشاط لا يتصل بالعمل الصالح خسارة.
بم قسم الله في هذه الآية؟ :
الله عز وجل قال:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
[سورة العصر الآية: 1-2]
الإله يقسم ويقول لك: أنت أيها الإنسان خاسر، خاسر لا محالة: يا ربي لماذا أنا خاسر ؟ لأن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، وسوف ترى بعد حين أن أثمن شيء تملكه على الإطلاق هو الوقت، الوقت وعاء عملك.
لو إنسان أصيب بمرض عضال، ويحتاج لعملية بأمريكا, تكلِّف أربعة ملايين، وثمن بيته أربعة ملايين، لا يتردّد ثانية واحدة في بيع بيته واستئجار بيت سياحي لإجراء العملية، يرى أن يعيش سنوات معدودات زيادة أفضل من هذا البيت الذي يمكله، إذًا: الإنسان يؤمن بأعماقه أن الوقت أثمن من المال.
انظر إلى إنسان أمام الحاوية, مسك بيده مبلغاً من المال وأحرقه، تقول: هذا مجنون، هذا ليس من عمل العقلاء.
هذا الفرق بين من يختار الدنيا ويدع الآخرة :
هناك ألماسة شاهدتها في استانبول في متحف ثمنها مائة وخمسون مليون دولار، هي بحجم البيضة، موضوعة على قماش أخضر، وعليها إضاءة شديدة، كأنهــا شمس، لو فرضنا وضِعت على طاولة، ووضع إلى جانبها كأس كريستال ثمنه ألف ليرة، وبجانبها وعاء أزرق ثمنه عشرون ليرة، وطلب منك أن تختار فاخترت الرخيص وتركت الثمين، فمثل هذا كمثل الذي يختار الدنيا ويدع الآخرة, قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾
[سورة الكهف الآية: 103-104]
فالذي يتلف ماله يُحكم عليه بالسفه، ويُحجـر على تصرفاته، والذي ينفق وقته سدًى في متابعة المسلسل, أو في لعب النرد, أو في الغيبة والنميمة, أليس ينفق وقته جزافاً؟ الذي أحرق مائة ألف اتهمته أنت بالجنون، والذي أتلف وقته أشد منه جنوناً.
مرَّ أحد العلماء أمام مقهى يلعب فيه من يلعب النرد, فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.
العبرة من هذا الكلام :
عود على بدء, أقول: كلما صحّت عقيدتك كلما أدركت من أنت، كلما ازداد تعلقك بالدار الآخرة, انعكس هذا على حركتك اليومية, انعكس على نظرتك، على استماعك، على لسانك، المؤمن يلغي ألف قصة، ويهم أن يحكي قصة، هذه لا تفيد، هذه تعمل تفرقة، هذه القصة تعمل حزناً، مثلاً:
رجل غني سافر ورجع، جاء أقرباؤه لزيارته, وفيهم موظف دخله محدود، وله أخ صغير لا يملك قطمير، جلس يحدثهم, نزلنا في فندق كلفني ثمانون ألف، ذهبنا إلى المحل الفلاني، هذا الكلام ما فائدته؟ تتباهى بدخلك الكبير، بإنفاقك العالي، أنت كسرت قلبه، فلما يعرف الإنسان سر وجوده في الحياة، هناك رقابة ذاتية عالية جداً، فيضبط كلامه، المؤمن يتمنى هداية الخلق، لأنه هو بالتعبير الحديث: استراتجيته العلم الصالح، حتى لو حاور, إذا نصح ينصح على انفراد.
الفرق بَيِّنٌ بين النصيحة والفضيحة: الفضيحة أمام ملأ، أما النصيحة على انفراد، هدفه أن يأخذ بيد الأخ، وليس هدفه أن يحرجه، الكافر هدفه يحرج، عنيف، المؤمن رفيق.
وقد قال عليه الصلاة والسلام, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ, وَلا عُزِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ))
وأنت في عملك التجاري تأتيك صفقة رابحة جًدا، لكن لا ترضي الله، ارفضها، أما غير المؤمن لا يرفضها، بالعكس يتهم من رفضها بالجنون، فالعبرة: أن تكوِّن قناعات صحيحة, وعقيدة صحيحة, وتصورات صحيحة عن الكون والحياة والإنسان, تجد أن هذا الفهم العميق والعقيدة المتينة انعكست سلوكاً قويماً في حياته، وهذا السلوك القويم هو ثمن الجنة. ما هو المخرج للإنسان من هذه الحياة المعقدة في هذا العصر؟ :
وبالمناسبة: قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
نهاية الآية، قال تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 217]
الإنسان في هذا العصر آلاف السيوف مسلّطة عليه، أحدها سيف الأمراض، من يضمن لليوم القادم أن تعمل أجهزتــه عملاً سليماً؟ لا أحد يضمن، هناك أمراض مخيفة، هناك أمراض عضالة, وهناك أمراض مميتة، من يضمن سلامته من حادث سير؟ من يضمن أن يقع في ورطة وهو بريء منها؟ طبيعة العصر الحياة معقدة جداً، معنى ذلك: أن الإنسان محطم نفسياً، الإنسان قلق، هذا ما عبّر عنه الأطباء بالشدّة النفسية، ضغط شديد، اسمع ما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
يطيعوه، اسمع أنت الحديث واطمئن؛ أن يا ربي عليّ أن أطيعك وعليّ أن أعبدك، عليَّ ألاّ أخالف أمرك والباقي عليك، أن تحفظني، أن ترحمني، أن تسدد خطاي، أن تلهمني رشدي, أن ترزقني رزقاً حلالاً، أن ترزقني زوجة صالحة، أن ترزقني أولاداً أبراراً، أن تسعدني بقربك, أنت عليك شيء، قال تعالى:
﴿اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 66]
لماذا قسم الله بعمر النبي؟ :
الإنسان أحياناً يعتدّ بقوته فيؤدِّبه الله، فالإنسان حينما يكون مع الله عمله سديد، فأنت جئت إلى الدنيا فماذا فعلت في الدنيا؟ المؤمن يستغل حياته الدنيا، الله عز وجل يبين قيمة عملك في الحياة الدنيا فيقسم بعمر إنسان، لقد أقسم بعمر النبي، قال تعالى:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
لأنه جاء إلى الدنيا وما فرّط بثانية ولا بدقيقة، ترك الهدى في الأرض، وكل من اهتدى في صحيفته.
لا تسمح لهموم الحياة أن تنسيك هدفك الكبير :
لا تسمح لهموم الحياة أن تنسيك هدفك الكبير، يمكن أن يكون لك عمل له دخل كبير، لكنه استغرق كل وقتك، فالعمل الذي يمتص كل وقتك خسارة كبيرة، لأنه ألغى وجودك، ألغى سر وجودك في الأرض، ولا بد من وقفة من حيــن لآخر مع نفسك، لا بد من وقفة متأنية بينك وبين ذاتك، يا تُرى: أنا عملي صحيح أم غلط؟ يا ترى: هل يرضي الله أم لا يرضي الله ؟ أهل الدنيا ما حجّتهم؟ وجدنا الناس يفعلون هذا ففعلناه، قال عليه الصلاة والسلام:
ِعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا تَكُونُوا إِمَّعَةً, تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا, وَإِنْ أَسَاؤوا فَلا تَظْلِمُوا))
أسباب سعادته بيده، سعادته تنبع من طاعته لله عز وجل، فلا بد من طلب العلم، الإنسان إن لم يطلب العلم تحرك كالبهائم تماماً، ولا بد مع طلب العلم من تحقق هذا العلم في الحركة اليومية, ولا بد من أن تجعل سعادتك بالقرب من الله عز وجل، عن طريق الصلاة و الصيام والحج والزكاة.

والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و التسعون )


الموضوع : اعلى مرتبة ان تكون عبد الله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. إليكم هذه الطائفة من الآيات التي تبين أن العبادة هي كل شيء في حياة الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، مع السابع السادس والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ونحن على وشك الانتهاء من هذه الدروس، فإذا وصلت إلى المائة بتوفيق الله عزوجل ننتهي من هذه المجموعة من الدروس، أردت أن تكون الدروس الأخيرة تلخيصاً لهذه المجموعة من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، أعظم كتاب بين أيدينا كلام الله عز وجل، إليكم طائفة من الآيات الكريمة التي تبيِّن أن العبادة هي كل شيء في حياة الإنسان, خُلق ليعبد الله، والعبادة تشمل كل أوقاته, وكل أحواله, وكل حركاته وسكناته، بل إن أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان على الإطلاق أن يكون عبداً لله، يقول الله عز وجل:
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾
[سورة النساء الآية: 172]
هذا مقام الأنبياء، قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾
[سورة النساء الآية: 172]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 206]
مما يتناقض مع العبودية لله :
في هذا العصر مفهوم التألّق، هذا المفهوم جاءنا من الغرب، الإيمان بالإنسان المتجبر القوي المتغطرس، الذي يعيش على أنقاض الآخرين، الذي يبني مجده على تدمير الآخرين، هذا الإنسان المتألق الذي جاء نموذجه من الغرب يتناقض مع العبودية، المسلم عبد لله، له منهج, وله كتاب، وله سنة، مقيَّد بالشرع، يعتقد ما في القرآن و يرفض ما يناقضه، يطبق ما جاء به النبي العدنان ويرفض ما يخالفه.
أنا أؤكد على مفهوم العبودية: أنت لأنك مسلم فأنت عبد لله، ليس معنى أنك عبد لله أنك ضعيف، قد تكون قوياً بقوة الله، وقد تكون عليماً بعلم الله، وقد تكون شجاعاً بمدد من الله عز وجل، هؤلاء الذين عبدوا الله هم في أعلى درجات القوة، وفي أعلى درجات الحكمة، وفي أعلى درجات الشجاعة، أما حينما يعبد المرء شهوته، أو يعبد جهة دون الله عز وجل, يُذلّ أيّما إذلال, ويضعف أيما ضعف، لأنه ترك الله عز وجل فأوكله الله إلى نفسه، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 206]
يقول تعالى: -ومن عنده لا يستكبرون ....-, عنده: ماذا تعني؟ :
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 19-20]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 19]
عنده ماذا تعني؟ أي في ملكه، هل هناك مخلوق خارج عن ملكه؟ كل المخلوقات في ملك الله عز وجل:
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 19]
بماذا وصف الله أنبياءه؟ :
وقال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
عباد الرحمن: أضيف العباد إلى الرحمن إضافة شرف، نحن أُضفنا في هذه الآية إلى الرحمن، كأن تقول: هذا من عندي، وهذا يخصّني، هذا منتمٍ إليّ، هذا محسوب عليّ، وقال تعالى:
﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 6]
عباد الله، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾
[سورة ص الآية: 17]
عبدنا، وُصف بأنه عبد لله، إذًا: الأنبياء العظام والمرسلون الكرام وصفوا بأنهم عبيد لله عز وجل، فمن نحن حتى نستنكف؟.
وقال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾
[سورة ص الآية: 40]
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾
[سورة ص الآية: 44]
وقال تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[سورة ص الآية: 29]
وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾
[سورة الزخرف الآية: 59]
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾
[سورة البقرة الآية: 23]
على محمد عليه الصلاة والسلام، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾
[سورة الفرقان الآية: 1]
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
[سورة الكهف الآية: 1]
نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وسيدنا إبراهيم، وأيوب، وموسى، كلّهم عباد لله عز وجل.
لماذا يحب الناس المؤمن؟ :
كيف تقول الآن: أعلى مرتبة علمية الدكتوراه مثلاً، فلان حاز لقب الدكتوراه، أنت وصفته بأعلى مرتبة علمية، في الدنيا إن أردت أن تصف إنساناً بأعلى مرتبة دينية, تقول: هو عبد لله، ولماذا يُحبُّ المؤمن؟ لأنه عبد لله, متواضع، يتواضع لكل الخلق، منصف لا يجحد، شكور لا يكفر, عفيف لا يفجر، صادق لا يكذب، وأمين لا يخون، لماذا يحب الناسُ المؤمنَ؟ لأنه اشتق من أسماء الله الحسنى كمالات عاش بها.
لن تستطيع أن تدعو الله وأن تتصل به إلا بكمال مشتق من كماله :
بل إن الآية الكريمة:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
أنت لن تستطيع أن تدعو الله عز وجل, ولن تستطيع أن تتصل به, ولن تستطيع أن تقبل عليه إلا بكمال مشتق من كمال الله:
إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي.
إن أردت أن تقبل على الرحيم وأن يقبلك الرحيم ينبغي أن تكون رحيماً، إن أردت أن تقبل على العادل ويقبلك العادلُ ينبغي أن تكون عدلاً، فتجد المؤمن منصفاً، يقول الحق ولو على نفسه، يكثر من كلمة أخطأت, واعذروني، لم أكن منتبهاً لهذا الموضوع فسامحوني، لا يركب رأسه، ولا يكابر، ولا يتعنت, ولا يبالغ، النفس البشرية تكره الصفات الخسيسة, وتحب الكمالات البشرية. قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾
[سورة الجن الآية: 19]
هذه علاقة الترابط بين العبودية لله وبين العزة :
وقال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
أرايتم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما وُصف وهو في سدرة المنتهى, وهو في أعلى مقام وصله مخلوق على الإطلاق؟ قال تعالى:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 9-11]
هناك علاقة طردية، وأن هناك علاقة عكسية، العلاقة الطردية أن شيئاً إذا تحرك نحو الأمام تبعه الثاني نحو الأمام، تتابع، أما لا علاقة العكسية الشيء إذا تقدَّم نحو الأمام تقدّم الثاني نحو الخلف، فالعلاقة بين العبودية لله وبين العزة علاقة ترابطية، كلما ارتفع مستوى تعبُّدك لله عزوجل أعزّك الله.
الأنبياء العظام رأوا من العزّ ما لا يوصف، المؤمنون الكرام رأوا من العز ما لا يوصف, قال تعالى:
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الآية: 48]
إذا كانت عينُ الله ترعاك من يستطيع أن يطالك؟.
إذا كنت مع الله فمن عليك, وإذا كان الله عليك فمن معك؟. مشكلة زوج :
كان يزورني شخص -توفي رحمه الله-, ظلم زوجتين اثنتين، تزوج الثالثة فكالت له الصاع عشرة أصوع، يأتي ويبكي من شدة ما تقسو عليه زوجته الثالثة، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾
[سورة الحج الآية: 18]
قد يتطاول عليك أقرب الناس إليك، قد يتطاول عليك من أنجبته أنت, ومن ربّيته أنت ، أما إذا كنت مع الله يأتي عدوُّك اللّدود فيخدمك، إن كنت مع الله خدمك عدوُّّك، وإن لم تكن معه تطاول عليك أقرب الناس إليك.
هذا المؤمن الصادق :
يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث:
عن ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السلام, فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))
مرة خطيب قال له كما جاء في حديث:
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ قُتَيْلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ, أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ, وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ, تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ, وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ, فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا, أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ, وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
ما هذا القول: ما شاء الله وشئت!؟ والمؤمن الصادق لا يقبل أن يخضع الناس له خضوع العبيد، لا يرضى لأخ من أخوانه أن يرفعه فوق مقامه، هذا مقام الله عز وجل.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلام, فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))
ماذا تستنتج من موقف أبي بكر في هذا الموطن؟ :
هل تصدق: أنه ما من علاقة بين اثنين على وجه الإطلاق كعلاقة سيدنا رسول الله و سيدنا الصديق، أعطاه ماله كله، قال:
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، إلا أخي أبا بكر))
قال عليه الصلاة والسلام: ((ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر))
وقع تحت يدي كتاب في فضائل الصحابة، مؤلف الكتاب أحصى ثلاثمائة حديث صحيح لرسول الله في الثناء على سيدنا الصديق، ومع ذلك حينما مات النبي -عليه الصلاة و السلام- ماذا قال الصديق؟ أتصور أن قلبه تفطّر، قال:
من كان يعبد محمداً فمحمد قد مات-هكذا محمد، لا كلمة نبي الله ولا رسول الله-, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت, أراد ترسيخ التوحيد.هذا ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
سيدنا عمر عزل سيدنا خالدًا، فقال له: لِم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ -أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين, حينما يعزل قائداً عسكرياً, معنى ذلك: أن هناك وِزراً قد ارتكبه سيدنا خالد، أراد أن يطمئن على نفسه-: يا أمير المؤمنين لِم عزلتني؟ فقال له: واللهِ إني لأحبُّك، لِم عزلتني؟ فقال له: واللهِ إني لأحبُّك، وللمرة الثالثة, قال له: لم عزلتني؟ قال: واللهِ ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يُفتتن الناس بك, لكثرة ما أبليت في سبيل الله.
توهَّم الناس أن معركة فيها خالد لا تُهزم، خاف على الناس من الشرك، أراد أن يرسِّخ التوحيد فعزل خالداً والنصر مستمر، من هو الذي ينصر إذًا؟ هو الله.
أرأيتم إلى أصحاب رسول الله, كيف كانوا على أعلى درجة من التوحيد؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يرسخ هذا المعنى، يقول:
((أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد, وأجلس كما يجلس العبد))
وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان عنده ضيف، والسراج انتهى زيته فانطفأ، فقام عمر وأملا المصباح زيتاً، فالضيف استحيا، قال له: أنا أتمنى أن أفعل هذا عنك، قال له: عندي خادم رأيته نائماً كرهت أن أوقظه، أما أنت فضيف، واستخدامك من اللؤم، قمت وأصلحت السراج وأنا عمر, وعدت وأنا عمر.
كان عليه الصلاة والسلام يخصف نعله, ويحلب شاته, ويرفو ثوبه، وكان يصغي الإناء للهرة, وكانت الجارية الصغيرة تأخذ بيده فتمشي فيلحقها إكراما لها، هكذا كان عليه الصلاة والسلام. انظر إلى هذا الخطاب الرباني لعباد الله الطائعين :
بل إن الله عز وجل بشّر عباده، فقال تعالى:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾
[سورة الزمر الآية: 17-18]
ثم يخاطب الله عباده الطائعين, قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 68-69]
أما هذا الشيطان الذي أراد أن يغوي بني آدم, قال الله له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾
[سورة الحجر الآية: 42]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 100]
مصطلحات إسلامية :
بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل الإحسان أعلى مراتب الإيمان، هناك الإسلام وهناك الإيمان وهناك الإحسان، وهذه مصطلحات, قال تعالى:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 14]
الإسلام أولاً, والإيمان ثانياً، وثم الإحسان، فما الإحسان؟
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أعلى درجات القرب: أن تكون حسناً، والإحسان أن تعبد الله, علة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
نقطة دقيقة :
هنا نقطة دقيقة نحتاجها اليوم: الإنسان له فورة، في البدايات يتألّق، ثم تخبو فورته, و تبرد همته, وتنقلب عباداته إلى عادات، الله عز وجل يقول:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
يجب أن تعبد الله من المهد إلى اللحد، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾
[سورة المدثر الآية: 46]
أهل النار: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[سورة المدثر الآية: 47]
ما هو اليقين؟ الموت: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[سورة المدثر الآية: 46-47]
اليقين: هو الموت بإجماع المفسرين، فإذا قال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
معنى ذلك: أنه الموت.
سيدنا عثمان بن مظعون, بلغ النبيَّ أنه توفي، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أما عثمان فقد جاءه اليقين))
تعليق لطيف :
هناك تعليق لطيف لسبب تسمية الموت باليقين، لأنك تتيقن عند الموت من كل حقيقة جاء بها الأنبياء.
فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، والذي قال:
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص الآية: 38]
فرعون نفسه حينما أدركه الغرق أيقن بما جاء به موسى، قال تعالى:
﴿آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 90]
أي إنسان يموت تُكشف له الحقائق التي جاء بها الأنبياء، ولكن تُكشف له بعد فوات الأوان، أما المؤمن تُكشف له في الوقت المناسب.
مسألة تكفيرية :
لذلك حينما قال الله عز وجل:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
أي من المهد إلى اللحد، يعني ما أدري أن الشيء انقرض.
هناك في بعض العصور من يتوهم شطحاً: أنه من بلغ اليقين سقطت عنه التكاليف، قال:
من يقول بهذا فهو زنديق كافر.
لأنه أنا بلغت درجة من الرقي, لا أحتاج إلى صلاة، ولا إلى غض بصر، ولا إلى فعل المعروف، يجب أن تعبد الله حتى يأتيك اليقين, حتى يأتي الموت . رؤيا عن الإمام أحمد بن حنبل :
يُروى أن الإمام أحمد بن حنبل قبل موته كان يقول: كلا بعد، كلا بعد، من حوله تعجب، ما معنى هذا الكلام؟ فلما توفي -رحمه الله تعالى- رآه بعضهم في المنام، قال: يا سيدي لِم قلت: كلا بعد؟ قال: جاءني الشيطان, فقال لي: لقد نجوت يا أحمد، قلت: كلا بعد، لا أنجو إلا حينما أموت على الإيمان، قال تعالى:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
حتى النهاية، حتى الموت. أنواع العبودية :
1-عبودية عامة :
العبودية عامة وخاصة، العامة: ما من مخلوق شاء أم أبى، آمن أم كفر، أقبل أم أدبر, صدّق أم كذّب إلا وهو عبد لله، واحد منا هل يدري متى سيموت؟.
قبل أيام لي صديق عمره أقل من خمسين سنة, لا يشكو شيئاً إطلاقاً، في أقل من عشر دقائق كان من الموتى، فهو عبد لله إذًا، هل يملك حياته؟ من منا يملك حياته؟ من منا يملك بقاء حركته؟
خثرة من الدم أقل من عشر الميليمتر المكعب، إذا تجمدت في بعض أوعية الدماغ شلّ الإنسان؛ لا نملك بقاء حركتنا, ولا نملك سمعنا, ولا نملك بصرنا، لا نملك نطقنا، ولا نملك ذاكرتنا.
رجل أحسبه صالحاً، ضعفت ذاكرته, دخل عليه ابنه, فقال له: من أنت؟
لا تملك قوتك، ولا سمعك, ولا بصرك, ولا ذاكرتك, ولا نطقك, ولا دسامات قلبك، ولا الشريان الأبهر ولا الشريان التاجي، ولا عمل الكليتين، من منا يملك جهازاً من أجهزته إذا تعطَّل؟ وأي جهاز إذا تعطل, دخل الإنسان في حياة هي كالجحيم لا يُطاق، إذًا نحن عبيد، نحن عبيد قهر، أي إنسان يتحرك لأن الله سمح له أن يتحرك، يتكلم لأن الله سمح له أن يتكلم, يأكل لأن الله سمح له أن يأكل، ينام لأن الله سمح له أن ينام، وفي أية لحظة يريد الله شيئاً آخر تتعطل أجهزته، إذًا هذه عبودية، ولكن هذه عبودية القهر، والإنسان الملحد لو تجمدت خثرة دم في دماغه فأصيب بالشلل، هذا الملحد هو عبد لله، هو في قبضة الله، هذه عبودية القهر، كيف عبّر عنه القرآن؟ عبّر عنها بكلمة عبيد، قال تعالى:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[سورة فصلت الآية: 46]
2-عبودية خاصة :
أما هذا الذي فكّر في خلق السموات والأرض, فعلم أن لهذا الكون إلهاً عظيماً, فاستقام على أمره, وأحبه, وأقبل عليه, وعمل الصالحات, وبذل الغالي والرخيص, والنفس والنفيس، هذا عبد آخر، هذا عبد الشكر، كل مخلوق عبد قهرٍ, والمؤمن عبد شكر، وكلمة عبد الشكر يُجمع على عباد، قال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾
[سورة الحجر الآية: 42]
لو تتبعت كلمة عباد في القرآن, لوجدت في الأعم الأغلب أن كلمة عباد تعني جمع عبد الشكر, ولو تتبعت كلمة عبيد في أكثر آيات القرآن, لوجدت أن كلمة عبيد تعني جمع عبد القهر، فأنت عبد لله شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت، آمنت أم لم تؤمن، رضيت أم لم ترض، أما عبد الشكر فشيء آخر.
ماذا تستنتج من هذين المثالين؟ :
مثل بسيط: جندي في قطعة عسكرية، طبعاً تحت أمر قائد القطعة، يأمره أن يجلس فيجلس, أن ينام فينام، أن يأكل فيأكل، أن يزحف فيزحف، تحت أمره، أما لو أن جنديا أحب قائده حباً جماً, ورأى في بعض الأيام ابنه على وشك الغرق, ألقى بنفسه وأنقذه، هذا المجنَّد له مكانة كبيرة جداً عند قائد الثكنة، لأنه قدّم شيئاً، أنقذ ابنه من الغرق وضحّى بحياته، فهذا هو في الحقيقة أمر قائد السرية نافذ فيه، لكن هذا العبد له مكانة كبيرة عند قائد السرية.
مجند غر التحق بلواء، بآمرية لواء، على رأس هذا اللواء لواء، قائد كبير، بحسب التسلسل العسكري لا يستطيع مجنّد غر أن يدخل على اللواء، هناك تسلسل، قدَّم طلباً وأعطاه لأعلى منه، بعد شهرين يسمح له بالدخول، أما لو أن هذا المجند رأى ابن قائد هذا اللواء يكاد يغرق فأنقذه، ألا يستطيع في اليوم التالي أن يدخل عليه من دون استئذان؟ قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
أبواب الله مفتحة:
الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
أتحب أن تلتقي مع الله؟ أن تتصل به؟ اعمل صالحاً.
يا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا ربي؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني؟. هذا الفرق بين عبد القهر وبين عبد الشكر :
هناك عبد القهر وهناك عبد الشكر، عبد القهر تجمع على عبيد، وعبد الشكر تجمع على عباد، عبد القهر في قبضة الله، أما عبد الشكر تفكر في كونه, وآمن به, وأحبه, واستقام على أمره, واصطلح معه، أقبل عليه وسعد بقربه، لذلك قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الآية: 48]
أنت بعنايتنا ولطفنا. مراتب العبودية :
1-المراتب العلمية :
للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل، فأما مراتب العلم فمرتبتان: العلم بالله والعلم بأمره.
هناك آيتان، قال تعالى:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 59]
من أجل أن تعرف الله فاسأل به خبيراً، من أجل أن تعرف أمره ونهيه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 7]
إن أردت أن تعرفه فاسأل به خبيراً، لذلك قال العكبري في كتاب إعراب القرآن الكريم:
تؤخذ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذ معانيه ممن يعانيه.
لو أن امرأة عاقراً لا تنجب, وضعها مع زوجها خطر، على وشك أن يطلقها، كلما رأت أما تحتضن ابنها تذوب ألماً، ولأنها حُرمت هذه النعمة، هناك قصة لبعض الأدباء اسمها العاقر, فيها وصف دقيق جداً لمشاعر المرأة العاقر، لو أن هذه المرأة العاقر قرأت قصة العاقر, أنا متأكد أنها ستبكي, لأن ما يقوله مؤلف هذه القصة تعانيه هي، لأنه يعزف على أوتار قلبها، لأنه يضع يده على جرحها، ولأنه يصف تجربتها، ولأنه يحلل مشكلتها، فتأثُّر هذه المرأة العاقر بقصة العاقر كبير جداً, لأنها تعاني كل شيء يذكره الكاتب في هذه القصة، لو أن امرأة عندها أولاد كثُر, وقرأت هذه القصة لا تتأثر أبداً, هذا مثل تمهيدي.
الآن اجلس في المجلس, واستمع إلى كتاب الله، تجد رجلاً يبكي، ورجلاً آخر لا يبكي أبداً، وكأنه حائط، الذي بكى له مع الله تجربة، له مع الله معاناة.
حديث قدسي :
مرة ذكرت حديثاً قدسياً لإنسان له عمل طيب جداً، له أعمال كالجبال في خدمة الناس ، إطعام جائعيهم، والعناية بمرضاهم، قلت:
((ليس كل مصل مصليًّا، إنما تقبل الصلاة لمن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع, وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي و جلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس))
بكى بكاء خفت عليه، أن هذا الحديث أشعره بعمله الصالح، إذًا: كل هذا بترجيح أن معانيه تؤخذ ممن يعانيه، إذا كنت تعاني القرب من الله تذوب شوقا إليه، تبكي إذا سمعت كلامه، تتأثر إذا سمعت كلام نبيه، أما إذا كنت بعيداً، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾
[سورة فصلت الآية: 44]
هذه مراتب العبودية بحسب العلم بشكل تفصيلي :
فالعبودية لها مراتب بحسب العلم والعمل، مرتبة العلم مرتبتان: إحداهما: العلم بالله, تغطيها آية كريمة:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 59]
الشيء الثاني: والعلم بأمره: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 7]
أما العلم بذاته سبحانه وتعالى, فالعلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به, أما العلم بأمره ونهيه، العلم بأمره الشرعي وهو الصراط المستقيم:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5-7]
والشيء الثاني: العلم بالأحكام الجزائية المتضمنة الثواب والعقاب، كل معصية مع عقابها.
فصار هناك العلم بالله وبأمره ونهيه، العلم بالله بذاته وبأسمائه وصفاته وأفعاله و تنزيهه, والعلم بأمره ونهيه الصراط المستقيم والجزاء الذي يتوعد كل من يخالف هذا الصراط.
2-المراتب العملية :
أما المراتب العملية فهناك مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين؛ أما مرتبة أصحاب اليمين: أداء الواجبات وترك المحرمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات، هذه مرتبة أصحاب اليمين، أي ناجح مقبول حول المعدل، أصحاب اليمين يؤدُّون ويدعون المحرمات، لكن يتوسّعون في المباحات، وقد يقعون في بعض المكروهات، وقد يتركون بعض المستحبات، أما السابقون السابقون أؤلئك المقربون, يقومون بالواجبات والمندوبات, ويدعون المحرمات والمكروهات, زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم, متورعين عما يخافون ضرره، قال تعالى:
﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، هناك مرتبة شرف أولى، جيد جداً، وهناك مقبول ، فأهل اليمين مقبولون عند الله، والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم.
خاصة هؤلاء المقربون انقلبت في حقهم طاعات وقربات بالنية، إذا أكل ينوي بطعامه التقوية على طاعة الله، المباحات عندهم عبادات، بينما المنافقون عباداتهم آثام.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و التسعون )


الموضوع : تلخيص الأسس الكبرى لدروس المدارج - كلمة التوحيد الأولى : لا إله إلا الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما سبب ابتعاد المسلمين عن حقيقة لا إله إلا الله؟ :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في مدارج السالكين وفي منازل إياك نعبد وإياك نستعين، و لكن نحن في الدروس الأخيرة بقي درسان، ومن أصول عرض الموضوعات الطويلة: أنه في النهاية يلخِّص الأسس الكبرى لهذه الدروس؛ كلمة التوحيد الأولى.
ولا بد من أن أنوِّه إلى أنَّ هذه الكلمات الكبرى في الإسلام, مع مضي الزمن, ومع ضعف الإيمان, ومع الانغماس في الدنيا, أصبح المسلمون بعيدين عن حقيقتها، وكأنه فُرِّغت من معناها، ككلمة لا إله إلا الله يقولها المسلم في اليوم مئات المرات، ولو فقِه حقيقتها لارتعدت مفاصلُه.
قالوا: شدّة القرب حجاب.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما سأله أعرابي:
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ, قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قُلْ لِي فِي الإِسلامِ قوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بعدك، قَالَ، قل: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
قل، لأن القول يعبّر عن حقيقة، ولأن الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، فلذلك في البدايات يكفي أن تقول: لا إله إلا الله فأنت مؤمن، أما مع مضي الزمن هناك من يقول: لا إله إلا الله, ولكنه لا يفقه معناها, هناك من يردِّدها ولا يدرك أبعادها.
إليكم بعض هذه الأدلة على عدم فقه المسلمين في هذا العصر حقيقة التوحيد :
وسأقدّم لكم بعد الأدلة: كلمة الله أكبر: أكبر من كل شيء, فالإنسان حينما يطيع زوجته ويعصي ربَّه بجرأة بالغة, لماذا فعل هذا؟ لأنه رأى أن إرضاء زوجته أكبر عنده من الله، فهل قال هذا الإنسان: الله أكبر حقيقة؟ مستحيل وألف ألف مستحيل.
إنسانٌ يغش المسلمين في بضاعتهم, هو ماذا رأى؟ رأى أن هذا الربح الحرام الذي يأتيه من غشِّ المسلمين أغلى عنده من طاعة الله، ومن رضوان الله، فهل يصحُّ أن يقول هذا الإنسان: الله أكبر؟ كم إنسان يغش المسلمين, ويقول: الله أكبر في الصلاة؟ كلام لا معنى له إطلاقاً، لا يعني شيئاً، تأكل المال الحرام وتؤذي المسلمين وتقول: الله أكبر، أكبر من ماذا؟ لذلك كنت أقول:
مَن قال: الله أكبر بلسانه, ورأى أن إرضاء أهله أكبر عنده من إرضاء خالقه، أو رأى أن ربحه من بضاعة مغشوشة يؤذي بها المسلمين أكبر عنده من رضوان الله، فهو ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو ردَّدها بلسانه ألف مرة، صار هناك كلمات كبيرة مفرَّغة من مضمونها:
شدة القرب حجاب. ما ينبغي أن نعود إليه :
لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوَّلُها.
ينبغي أن نعود إلى الينابيع الصافية، ينبغي أن نعود إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله ، كلمات الإسلام الكبرى: الله أكبر، لا إله إلا الله، الحمد لله, سبحان الله، كم إنسان يقول: سبحان الله، ولا يعي ما يقول؟ إن أراد أن يستهزئ بإنسان: سبحان الله, يستخدمها ليستهزئ بأخيه، قد يستخدمها ليُعجب بامرأة شبه عارية، سبحان الله، هكذا، هذه الكلمات الكبرى فُرِّغت من مضمونها، ولا معنى لها، وشدة القرب حجاب، نريد أن نعيد إلى هذه الكلمات مضامينها، لهذه الكلمات الأولى أبعادها. درس اليوم :
اليوم أردت أن يكون هذا اللقاء حول: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد الأولى، الكلمـة التي هي فحوى دعوة الأنبياء جميعــاً، كم كتاب في الإسلام؟ في العالم الإسلامي ملايين الملايين، المكتبة الإسلامية اليوم فيها من المجلّدات والكتب والعنوانات والموضوعات ما لا سبيل إلى إحصائه، أيمكن أن تُضغط كلُّ هذه الكتب بكلمة واحدة هي لا إله إلا الله؟ أيمكن أن تُضغط كل أفكار الديانات السابقة السماوية بكلمة واحدة هي لا إله إلا الله؟ قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
لا إله إلا الله حصن، لا إله إلا الله نور، ولكن المسلمين بعيدون جداً عن فهم أبعادها، لأنها كلمة التوحيد الأولى، ولأنها كلمة العبادة الأولى، لا معبود بحق إلا الله، ألِهَ؛ أي ولِهَ، أحبَّ.
لماذا أراد الله أن نكون مخيرين؟ :
أساس هذا الدين المحبوبية، كان من الممكن أن يجبرنا الله على طاعته جميعاً، بالخمس قارات لا يوجد ولا معصية، كل المخلوقات عدا الإنس والجن مسيَّرون، قال تعالى:
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[سورة يس الآية: 40]
أيُعقل أن تقول الشمس يوماً: أنا اليــوم لا يعجبني أن أشرق؟ مزاجي لا يتفق مع الإشراق؟ نستيقظ ليس هنــاك شمس؟ لا، الشمس مسيَّرة ومسخَّرة، والقمر كذلك، وكل أنواع المعادن وأشباه المعادن، كل أنواع النبات والحيوان، كل أنواع المخلوقات مسيَّرة، ليس لك خيار، كان من الممكن أن يكون هذا الإنسانُ مسيِّراً أيضـاً، لا تجد في الأرض معصية واحدة.
لماذا أراد الله أن نكون مخيَّرين؟ لأن الكون بُني على المحبوبية، واللهُ عز وجل لا يرضيه أن تأتيه خائفاً، ولا أن تأتيه مقهوراً, ولا أن تأتيه مجبوراً، يريد أن تأتيه محبًّاً، ويكون الإنسانُ محبًّا لما يكون مختاراً.
لماذا شاءت حكمة الله أن يجعل الأنبياء ضعفاء في بداية الدعوة؟ :
يعني مثلاً: لماذا شاءت حكمة الله أن يجعل الأنبياءَ ضعفاء في بداية الدعوة؟.
سيد الخلق وحبيب الحق يمرُّ على عمَّار بن ياسر يُعذَّب, لا يستطيع أن يخلِّصه، ولا يستطيع أن يخفف من عذابه من شيء، كان النبيُّ مستضعفاً، ماذا قال؟: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
استطاع أن يخلِّصهم, سيد الخلق وحبيب الحق لم يتمكن أن يخلِّص عمار بن ياسر من التعذيب ولا بلالاً، معنى ذلك: أن النبي ضعيف، لماذا أراده ضعيفاً؟ لو أنه كان قوياً دعا إلى الله وكلُّ من دونه خضعوا له، هذا الخضوع لا قيمة له, هذا حضوع الرقاب لا خضوع القلوب، أنت بالقوة تملك الرقاب ولا تملك القلوب، ولكنك بالحق والكمال تملك القلوب, فشاءت حكمة الله أن يكون النبيُّ ضعيفاً، ليكون الذي آمن به عن قناعة تامة، وعن صدق شديد, و عن حرية مطلقة, وعن حب شديد، لأن الله يريدنا أن نأتيه محبِّين طائعين مختارين.
كان الأنبياءُ ضعفاء، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرًّا:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 15]
ضعف شديد، لماذا؟ ليكون الذي آمن به آمن مختاراً عن حبٍّ وشوق وتقدير، إذًا اللهُ عز وجل أراد المحبوبية، وجعل الإنسان مخيَّراً، لو كان مسيراً لانتهى.
تصوَّر جامعةً أراد رئيسها أن ينحج كلُّ الطلاب من دون استثناء، وزَّع أوراق الإجابة وعليها الإجابة كاملة مطبوعة، وما على الطالب إلاّ أن يكتب اسمه ورقمه خلال دقيقة، و العلامة مائة على مائة كاملة، طلاب الجامعة نالوا شهادات بدرجة امتياز، ما قيمة هذا النجاح ؟ لا قيمة له إطلاقاً، لا يُبنى له إطلاقاً؛ لا عند الناس ولا عند الطلاب ولا عند الجامعة.
هل يوجد في العالم الإسلامي شرك جلي أم شرك خفي؟ :
كلمة التوحيد أن تقول: لا إله إلا الله تنفي وتثبــت، تنفي الشرك.
أطمئنكم: ليس في العالم الإسلامي شرك جليٌّ، لو ذهبت إلى آسيا لوجدت شركاً جلياً، لوجدت من يعبد النار، لوجدت من يعبد البقر، لوجدت من يعبد الحجر، لوجدت من يعبد الجرذان، هناك معبد كبير جداً, فيه مائة ألف جرذ, والإنسان إذا دخل هذا المعبد يعبد هذه الجرذان، لوجدت من يعبد موج البحر هكذا، فالمسلم يعبد الله عز وجل، إذًا: لا إله نفيُ الشركاء، ليس في العالم الإسلامي شرك جلي، ولكن في العالم الإسلامي شرك خفي.
الإمام علي -كرّم الله وجهه- يقول: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء, على الصخرة الصماء, في الليلة الظلماء -نملة سمراء تمشي على صخرة صمّاء في ليلة ظلماء، لها صوت-.
من علامة التوحيد :
وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل.
يعني إنسان قدّم لك شيئاً نفيساً وهو منحرف, أحببته, علامة توحيدك وعلامة حبك في الله: أنه إذا وصلك من مؤمن ضررٌ تبقى تحبه، وأنه إذا وصلك من منافق خيرٌ تبقى تبغضه، أبداً, هذا الإيمان، وهذا هو الحب في الله والبغض في الله، يأتيك خير من كافر أو منافق تبغضه، يأتيك أحياناً إيذاء من مؤمن، اجتهد فأخطأ في الاجتهاد، أراد الخير فلم يصبه، نالك منه أذى، على أنه نالك منه أذى تبقى تحبه، قضية أن تحب في الله وأن تحب مع الله, قضية خطيرة جداً, الحبُّ في الله عينُ التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، أن تحب في الله، يعني إنك تحب الله.
من لوازم حب الله :
ومن لوازم حبك لله: أن تحب رسول الله، ومن لوازم حب الله: أن تحب أصحاب رسول الله، ومن لوازم حب الله: أن تحب المؤمنين، ومن لوازم حب الله: أن تحب القرآن الكريم, وأن تحب المساجد, وأن تحب كل ما يمتُّ بصلة إلى الله، هذا كله حبٌ في الله، ومن لوازم الحب مع الله: أن تحب شيئاً لا يحبه الله، أن تحب شيئاً يبغضه الله، أن تحب صديقاً ليس مطيعا لله، شيء خطير جداً، أن تحب في الله أو أن تحب مع الله, أراد الله أن تأتيه محباً ، لا إله، لا شريك, لا فعَّال, لا معطٍ, لا مانع، لا قابض, لا باسط، لا معز, لا مذلّ، لا رافع, لا خافض إلا الله، نفي الشرك، هذه العين ترى القوم، أما الإيمان فلا يرى إلا الله القوي.
هذا التوحيد :
قال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُم﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
في اللغة يمكن أن يُنسب الفعلُ إلى الذي باشره أو إلى الذي أمر به، بنى الأمير قلعة، هذا الآمر بنى البناء قلعة، مِن القرآن قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
[سورة الزمر الآية: 42]
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾
[سورة السجدة الآية: 11]
هذا الفعل عُزِي مرة إلى الله ومرة إلى ملك الموت، فيمكن أن يعزى الفعل إلى المباشر أو إلى الآمر، قال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُم﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
هذا هو التوحيد، لا إله، هؤلاء الأشخاص الأقوياء الذين تراهم عينك مَن هم؟ هؤلاء عصِيٌّ بيد الله، أدوات تأديب للخلائق، هذه رؤية المؤمن.
ما معنى هذه الآية؟ :
هناك آية في كتاب الله دقيقة جداً، قال تعالى:
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾
[سورة الشورى الآية: 53]
قد نمرُّ على هذا المعنى بشكل سريع، لو دقَّقت المشكلة كبيرة جداً، قال تعالى:
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾
[سورة الشورى الآية: 53]
الأمور صارت إلى الله، بيد من كانت؟ كأنها لم تكن بيد الله فصارت بيد الله، وهو معنى فاسد.
قال علماء التفسير: الأمر كله بيد الله، أزلاً أبداً، ولكن أهل الدنيا يرون الأمور بيد عبد الله لا بيد الله, فإذا انتقلوا إلى دار الحق رأوها بيد الله، أما المؤمن وهو في الدنيا وهو في الآخرة لا يراها إلا بيد الله, يرى يد الله تعمل في الخفاء، الأحداث الكبرى التي تجري في العالم يراها بيد الله، يرى أقوياء الله كأحجار الشطرنج، يحركهم الله عز وجل، القوى العاتية يراها مسلَّطة من قِبل الله، لحكمة أرادها الله, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 90]
ما ينبغي أن تؤمن به :
أوَّلاً: ينبغي أن تؤمن أنه لا يُعقل ولا يُقبل ولا يُستساغ أن يجري في ملك الله ما لا يريده الله، إذا مدير حازم لمؤسسة أو مدرسة أو مستشفى, لا يمكن أن يدخل طبيب لا علاقة له بهذا المستشفى, ويعالج مرضى, ويتقاضى أجراً, والمدير لا علم له، مستحيل، هذا ليس مديراً، إذا كان مديراً حقيقياً حازماً, لا يمكن أن يدخل طبيب إلى هذا المستشفى, ويعالج الناس بأجر دون أن يعلم المدير العام.
إلهٌ عظيم لا يجري في ملكه إلا ما يريد، إذًا: لا إله إلا الله، الله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الله هو الخالق, وهو المربِّي, وهو المسيِّر، هو الموجود, وهو الكامل، الله عز وجل علم على الذات، علم على واجب الوجود، صاحب الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى، لا إله إلا الله.
ممرض في المستشفى والمدير العام انتقل، يقول لك: مَن عيَّنوا؟ أول كلمة: مَن عيَّنوا؟ تقول له: فلان، يقول لك: كيف أخلاقه؟ الإنسان يريد أن يعرف مَن وكيف؟ لا إله إلا الله وحده لا شريك له, -منذ الصباح عقِب صلاة الفجر-, له الملك وله الحمد، والإنسان قد يملك ولا يُحمد، وقد يُحمد ولا يملك، قد تجد إنساناً لطيف الأخلاق، ولكن ليس بيده شيء، و قد تجد إنساناً قويًا جداً ولكن لا يُحمد، أما الله عز وجل فله الملك وله الحمد، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام.
في حياتنا اليومية، قد تكون تحمل أعلى شهادة, ولك أمٌّ أمِّية تحبها محبة لا يعلمها إلا الله، لكن من حيث العلم لا شيء، ابنها يحمل أعلى شهادة في الأرض، عنده أفق واسع جداً، و إدراك عميق, اطِّلاع واسع، وثقافة عالية ومؤلَّفات، أمُّه أمِّية، يحبها ويكرمها، ولكن لا يمكن أن يقدِّر جهلها، إذًا هو أكرمها وأحبها، ولكنه لا يجلُّها علمياً.
طالب في الجامعة, عنده أستاذ عظيم، ولكنه لئيم أيَّما لؤم, يقدِّره ويجل علمه ولكن لا يحبُّه، ولكن انظر إلى هذه الآية:
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 78]
بقدر ما تعظِّمه تحبُّه، وبقدر ما تحبه تعظِّمه، شيء دقيق، ذو الجلال الإكرام:
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 78]
هكذا إذًا لا إله, لا معبود بحقٍّ إلا الله، ينبغي أن نعبد الذي خلقنا، ينبغي أن نعبد ربنا ، الذي يمدَّنا بما نحتاج، ينبغي أن نعبد المسيِّر، الذي يسيِّر كلّ الخلائق، ينبغي أن نعبد الرحيم ، أن نعبد الحكيم، إذًا لا معبود بحق إلا الله، هذا الذي تعبده ينبغي أن تحبه.
زيارة مريض :
كنتُ في عيادة مريض هذا اليوم، قلت له: ألا تحب الله؟ الذي تحبه هو الذي ساق لك هذا المرض, قلت له: حديث قدسي صحيح، لكن كلمة فيه لم أكن منتبهاً إليها.
يا داوود, مرضت فلم تعدني, قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعُده، أما علمتَ لو أنك عدته لوجدتني عنده.
فبكى المريض، قلت له: حينما يأخذ ربُّنا من عبد بعض صحَّته، ليعوِّضه أضعافاً مضاعفة في التجلي على قلبه.
أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟.
يا موسى, أتحب أن أكون جليسك؟ قال: وكيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمتَ أنني جليس مَن ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني؟.
هذه كلمة التوحيد، يعني الإنسان أحيانا يقيس.
ما سبب معاناة المسلمين اليوم؟ :
قلت لكم من قبل: إن ضبّاط الأمن الجنائي أينما رأوا جريمة, يطرحون هذا السؤال: فتِّش عن المرأة، وأنا أقول لكم: أينما وجدت ضعفا فتِّش عن ضعف التوحيد، أينما وجدت تقصيراً فتِّش عن ضعف التوحيد، أينما وجدت خوفاً مُريعاً فتِّش عن ضعف التوحيد، إلى أن أقول لكم: هناك أعراض كثيرة جداً لمرض واحد، لمرض الإعراض عن الله، كل ما تعانيـه المجتمعات هي أعراض لمـرض الإعراض عن الله.
أحياناً يكون الطبيب متمكِّناً, يقــول له المريض: أشعر بصداع، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، أشعر بقيء، هذا من أعراض مرض التهاب الأمعاء، أشعر بقشعريرة، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، أشعر ببُعد عن الطعام، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، ثم يقول : كل هذا الذي ذكرته لي أعراض لمرض واحد هو التهاب الأمعاء.
وأنا أقول لكم: كل ما يعانيه المسلمون أعراضٌ لمرض واحد هو ضعف التوحيد، لو أردت أن تأخذ تأشيرة خروج لبلد معيّن، أو لبلد له معاملة خاصة، إذا تيقَّنت أن هذه التأشيرة لا يمنحها إلا المدير العام, هل تبذل ماء وجهك أمام أحد الموظفين؟ أنت حين تعلم أن هذه التاشيرة لا تُمنَح إلا من قِبل المدير العام، لا ترجو إلا هذا المدير العام، ولا تعقد الأمل إلا عليه، ولا تبذل ماء وجهك إلا إليه، ولا تتضعضع إلا أمامه، هذه النقطة الدقيقة: حينما تعلم أن الرازق هو الله، لا تكذب من أجل أنْ تُرزق، حينما تعلم أن العمر بيد الله, كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً.
هذه كلمة التوحيد :
كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا إله إلا الله كلمـة التوحيد الأولى، فيها نفي وإثبات, ثم إن هذا الإله هو الله، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، محمد رسول الله، الله عز وجل كامل، ولكن الكمال البشري مجسّد برسول الله، رسول الله -عليه الصلاة والسلام- سيد الخلق وحبيب الحق بلغ سدرة المنتهى:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
[سورة النجم الآية: 8-18]
هذا النبي الكريم بلغ أعلى مقام وصله بشر، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام متواضعا أشد التواضع، قال:
مَن كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليقتد مني، ومن كنت أخذت له فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه.
هو لا يخشى الشحناء, فإنها ليست من شأنه ولا من طبيعته.
هذه المواقف من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام :
في السيرة مواقف لا تُصدق: النبي -عليه الصلاة والسلام- طبعاً وصل إلى قمة قوته، عقب معركة حنين، دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، كان قوياً، بدأ ضعيفاً ثم صار قوياً, حينما قال لقريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
جاءه صحابي جليل, فقال له:
((يا رسول الله, إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، من أجل هذا الفيء الذي وزَّعته في العرب، ولم تعط الأنصار منه شيئاً -يا ترى أنت ناقل أم متبنٍّ؟-, قال له: يا سعد, -سعد بن عبادة سيد الأنصار- أين أنت من قومك؟ قال: ما أنا إلا من قومي, -أي أنا كذلك-, قال: اجمع لي قومك, فجمع قومه، وقف النبي فيهم خطيباً، قال:
أما بعد, مقالة بلغتني عنكم، وجِدة وجدتموها عليَّ في أنفسكم، من أجل لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار, -وهو في أعلى درجة من القوة-, أما إنكم لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدقتم به, -ذكَّرهم بفضلهم عليه, بمقدوره كما يفعل الأقوياء أن يلغي وجودهم، وأن يهدر كرامتهم، وأن يهملهم، وأن يعاتبهم لصالحه, ماذا فعل؟ ذكَّرهم بفضلهم عليه-, قال: يا معشر الأنصار، أما إنكم لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدقتم به, أتيتنا مكذَّبا فصدّقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك))
لو قلتم هذا فأنتم صادقون، أنتم تفضَّلتم عليّ, جئتكم طريداً فآويتموني، جئتكم مكذَّباً فصدّقتموني، جئتكم عائلاً فأغنيتموني.
مرة السيدة عائشة -وهي شابة في ريعان الشباب، وضيئة، وهي من أحبِّ زوجاته إليه-, ولكنه لا يفتــأ يذكر خديجة بالخير فضجرت، فقالت: ((هذه العجوز الشمطاء، ألا زلت تذكرها؟ ألم يبدلك الله خيراً منها؟ قال: لا والله لا واللهِ لا والله، صدّقتني حين كذّبني الناس، وآمنت بي إذ كفـر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد، فوالله لا أنساها))
اليوم إذا رجل عنده زوجة في مثل سنه يندب حظَّه، ويقول: غلطت غلطة كبيرة جداً ، أي إنسان يتزوج امرأة شابة، وله زوجة توفيت, يقول لك: الله خلَّصنا منها، والله لا يوجد مثلك أنت، قمة وفاء.
عثرت في بعض كتب السيرة على ومضة, أنا لا أصدِّق ما أرى.
النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما فتح مكة، طبعاً دُعي أن يبيت في أيّ بيت يريد، كل أهل مكة يتمنون أن يبيت عندهم، ماذا قال؟ قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة, ونصب عند قبر خديجة راية الإسلام.
ليشعر الناس أن لهذه المرأة فضلاً كبيراً في هذا النصر، هي الدعم الداخلي، الآن يأتي الواحد أحياناً من البيت، ضغط من زوجته، الدخل محدود والطلبات كثيرة, السيدة خديجة إن صح التعبير امرأة لا كالنساء، كانت الدعم الداخلي للنبي عليه الصلاة والسلام، كان يقيم في غار حراء الليالي ذوات العدد، ما قالت كلمة: تركتنا لوحدنا، إذا كان يرضيه أن يعبد ربَّه فأنا معه، كانت تأتيه بالطعام إلى غار حراء، قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، ليشعر الناس أن لهذه المرأة البطلة مساهمة في هذا النصر، هناك امرأة عبء على زوجها، وهناك امرأة في خدمة زوجها, هناك امرأة تدعمه، تعينه، وهناك امرأة عبء عليه.
لا إله إلا الله محمد رسول الله يمثل الكمال البشري. خاتمة القول :
مرة قال لي واحد: سمعت من يقول: أن هذا الكون كلَّه خُلق من أجل محمد، قلت له : هذا ليس بصحيح، هذه شطحة، ولكن البشر جميعاً خُلقوا ليكونوا على شاكلة محمد، هو القدوة، هو الأسوة، خُلقنا لنكون على شاكلته، هو المثل الأعلى، هو القدوة، وهو النموذج، لم نُخلق من أجله، خُلقنا لنكون على شاكلته، لهذا الآية الكريمة:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
لا معبود بحـق إلا الله، اعبُد من اتصف بالكمال المطلق، اعبد الرحيم ولا تعبد اللئيم ، اعبد القوي ولا تعبد الضعيف، اعبد الحكيم ولا تعبد غير الحكيــم، فلذلك بقولك: لا إله إلا الله؛ أي لا معبود بحق إلا الله, هو أهل التقوى وأهل المغفرة، أهلٌ أن تعبده.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و التسعون )


الموضوع : عبادة الله علة وجود الانسان








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
هذا ما أنشأ الله لك حقاً عليه إذا عبدته :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولأن هذه الدروس التي يفضل الله بها علينا على وشك الانتهاء، فلا بد من أن نتجه إلى تلخيص هذه المعاني المستفادة: من أن الإنسان مخلوق لعبادة الله عز وجل، بل إن عبادة الله علة وجوده, ويمكن للقلب أن يمتلئ طمأنينة, حينما يستمع إلى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يسأل سيدنا معاذ بن جبل, قال:
((يَا مُعَاذ, هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟ قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَال: فَإِنَّ حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً -الآن السؤال المعاكس: الذي يمــلأ القلوب طمأنينة- وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذلِكَ أَنْ لاَيُعَذِّبَهُمْ))
حينما تعبد الله عز وجل، أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، من منا يحب أن يُعذب؟ من منا يحب أن يفتقر؟ من منا يحب أن يمرض؟ من منا يحب أن يخاف؟ حينما تعبد الله، أنت تحت مظلة الله عز وجل، أنت في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، أنت في رعايته وعنايته وتوفيقه وحفظه.
بل إن قول الله عز وجل مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الاية: 48]
تنسحب عليك بطريقة أو بأخرى هذه الآية بقدر إيمانك وإخلاصك. متى انحرف المسلمون؟ :
والإنسان -كما تعلمون- خُلق هلوعاً، خلق شديد الخوف، وهذا ضعف في أصل خلقه ، قال تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
[سورة المعارج الآية: 19-22]
ما دمت متصلاً بالله، فأنت بعيد عن الجزع، بعيد عن الهلع:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾
[سورة المعارج الآية: 19-22]
وانحرف المسلمون حينما عبدوا الله وفق أمزجتهم، ووفق اجتهاداتهم، ووفق بدع ما أنزل الله بها من سلطان، الله جل جلاله لا يعبد إلا وفق ما شرع، فأية عبادة مبتدعة، لم ترد لا في القرآن الكريم، ولا في سنة النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، فهذه عبادة لا يقبلها الله عز وجل.
ما العمل الصالح الذي يرضي الله في رأي الفضيل بن عياض؟ :
بل إن الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى- سئل عن العمل الصالح الذي يرضاه الله عز وجل، في قوله تعالى:
﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾
[سورة النمل الآية: 19]
سئل عن العمل الصالح الذي يرضي الله عز وجل، قال: ما كان خالصاً وصواباً، وشرح هذا فقال: خالصاً ما ابتُغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.
فهذا مقياس دقيق: النية الطيبة وموافقة السنة، كلاهما شرط لازم غير كاف، لا يكفي أن تكون النية حسنة، ولا يكفي أن تطبق السنة من دون نية، فلا بد من نية حسنة مع تقيد بالسنة حتى يُقبل العمل، حتى تكون العبادة منجاة للإنسان من عذاب الله.
لعل النجاة في أن تُقايس، أو أن تقارن، أو أن توازن، بين ما لك وما عليك، ما عليك من أخطاء، وما لك من ميزات، أو أن توازن بين ما قدمت، وبين ما قدمه الله لك من نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.
متى يتيه الإنسان في الأرض؟ :
الإنسان حينما يغفل عن سر وجوده، عن غاية وجوده، يتيه في الأرض، وكلمة ضياع ، وتيه، وحيرة، وسوداوية، وانقباض، وكآبة، هذه كلها من صفات الشاردين عن الله عز وجل ، أنت حينما تتعرف إلى الله، تتعرف إلى منهجه، توقع حركتك اليومية وفق منهج الله، فإنه من المستحيل أن تكون شقياً، قال تعالى:
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 4]
يعني: ما من مخلوق يدعو الله عز وجل، يشقى بهذا الدعاء: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 4]
هذه الخصائص التي يحتاجها الإنسان لكي يحاسب نفسه :
قالوا: الإنسان حينما يحاسب نفسه، يحتاج إلى خصائص ثلاث: يحتاج إلى نور الحكمة ، ويحتاج إلى سوء الظن بالنفس، ويحتاج إلى تمييز النعمة من الفتنة.
فكم من فتنة توهمها الإنسان نعمة وهي فتنة؟ معنى فتنة بالضبط: يعني شيء تُمتحن به، فإما أن تنجح، وإما أن ترسب، قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
لا بد من أن تُفتن، وإياكـم أن تفهموا من كلمة الفتنة المعنى السلبي: مجرد امتحان، فقد تنجح, وقد تتفوق، وقد تعلو عند الله عز وجل، أما لا بد من امتحان، لذلك الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- سئل: أندع الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تُمكن قبل أن تبتلى.
إن صح التعبير: هناك مرحلة التأديب، وهناك مرحلة الابتلاء، وهناك مرحلة التمكين ، وهذه المراحل الثلاث؛ إما أن تتمايز، وإما أن تتداخل، فلا بد أن تُميز بين النعمة وبين الفتنة ، قد يأتي المال وفيراً ويكون فتنة وليس نعمة، فيحملك على المعصية، والكبر، والإسراف، والتبذير، وتحقير الناس لأنهم فقراء، هذا المال ليس نعمة بل هو فتنة, كل حظ من حظوظ الدنيا، هو في الوقت نفسه نعمة وفتنة، نعمة إذا حملك على طاعة الله، وفتنة إذا حملك على معصية الله، إذاً حظوظ سلم نرقى به أو دركات نهوي بها، فكل حظ أوتيته لا يكون نعمة إلا إذا وُظف في طاعة الله, وأي حظ أوتيته يعد نقمة إذا كان مسخراً في معصية الله، والحظوظ تعلمونها؛ طلاقة اللسان حظ, والوسامة حظ، والغنى حظ، والقوة حظ، والصحة حظ، ووقت الفراغ حظ، هذه الحظوظ إذا وُظِّفت في الحق كانت نعمة وأية نعمة، أما إذا وُظِّفت في الباطل كانت نقمة وأية نقمة، فلا بد من التمييز بين النعمة والفتنة. لا بد من التمييز بين النعمة وبين الفتنة :
أعجبني قول أحد العلماء! قال: هناك خيط رفيع جداً بين الخشوع وبين الطرب.
أحياناً الإنسان يستمع إلى القرآن الكريم من قارئ شجي الصوت، حسن الأداء فيطرب، وهو يظن نفسه خاشعاً, هناك خشوع وهناك طرب، يخشى أن لا نميز بين الخشوع وبين الطرب، الخشوع له صفات، أما الطرب له صفات، فحينما يعلو الصوت، وحينما تتجاوب مع نغم شجي في تلاوة القرآن، وحينما تضطرب فهذا طرب وليس خشوعاً، كذلك قد يتوهم الإنسان أن هذه نعمة، وهي في الحقيقة فتنة.
يعني أي حظ جرك إلى معصية، جرك إلى تساهل، جرك إلى تقصير، جرك إلى عزوف عن طلب العلم، جرك إلى إيثار الدنيا على الآخرة، هذه فتنة وليست نعمة، وشتان بين النعمة والفتنة، فمن أجل أن تُحاسب نفسك حساباً عسيراً، لا بد من أن تمتلك القدرة على التمييز بين الفتنة وبين النعمة، أشخاص لا يرون لأنفسهم خطيئة، يقدسون ذواتهم، ويرفضون أي نقص فيها، يرفضون أي انتقاد لتصرفاتهم, هؤلاء يعبدون ذواتهم من دون الله، لن تستطيع أن تُحاسب نفسك حساباً دقيقاً إلا إذا تمكنت من أن تسيء الظن بنفسك. عود نفسك :
عود نفسك أن تُحسن الظن بالآخرين، وبشكل أخص بالمؤمنين، عود نفسك أن تلتمس لهم عذراً, عود نفسك أن ترى الوجه الإيجابي، عود نفسك أن تُحسن الظن بهم، وعود نفسك أيضا أن تُسيء الظن بنفسك، ألا تُحابيها، ألا تُجاملها، ألا تمتدحها، ألا تُسوغ خطأها، لذلك الصالحون شديدو المحاسبة لأنفسهم، سَيِّئُو الظن بها، إذا أضل الله إنساناً أسبغ على نفسه مديحا لا نهاية له، كأنه لا يخطئ، كأن كل أفعاله جيدة، أما المؤمن الصادق عمله الطيب يتهمه، لعل نيتي لا ترضي الله، لعلي بهذا العمل فرحت بمدح الناس لي، فالمؤمن الصادق أعماله الخالصة يشك فيها، بينما المنافق أعماله السيئة يمتدحها، هذا معنى قول أحد التابعين:
التقيت أربعين صحابياً، ما منهم واحد إلا وهو يظن نفسه منافقاً.
يتقلب المؤمن في اليوم الواحد في أربعين حالاً، بينما المنافق يستقر في الحال الواحد أربعين سنة, يحسن الظن في نفسه، ويسبغ على نفسه كل صفات العظمة، وينتقد الناس جميعاً ، وهو ليس كذلك، إذاً لا بد من تمييز النعمة من الفتنة، ولا بد من سوء الظن بالنفس:
فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها إن الطعام يقوي شهوة النهم
عمر يحاسب نفسه!! :
يروى أن سيدنا عمر كان يخطب بالمؤمنين في أيام خلافته -يعني فجأة قطع الخطبة، وقال كلاماً لا معنى له، قال كلاماً لا ينسجم مع موضوع الخطبة-, قال: يا بن الخطاب، كنت راعياً ترعى الغنم على دريهمات لأهل مكة، وتابع الخطبة، فلما انتهت الخطبة، سأله بعض أصحابه: لماذا قلت هذا الكلام؟ وما علاقته بالخطبة؟ فقال سيدنا عمر: جاءتني نفسي، وقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد، -يعني أنت قمة المجتمع، هو فعلاً خليفة المسلمين، كل الناس دونه خليفتهم، هو أمير المؤمنين، ثاني الخلفاء الراشدين، قال عنه النبي:
((لو كَانَ نبيٌّ بعدي لكَانَ عُمَر بنُ الخَطَّابِ))
سماه المؤرخـون عملاق الإسلام، أتت آيات كثيرة موافقة لاجتهاده، حتى سميت هذه القضايا بالموافقات، كان النبي يحبه حباً جماً، فلما قالت له نفسه: ليس بينك وبين الله أحد, أعجبته نفسه، وأراد أن يعرفها قدرها وهو على المنبر-, قال: يا بن الخطاب كنت ترعى الغنم على قراريط لأهل مكة.
من أنت؟.
وفي بعض الروايات، يقول لنفسه: كنت عميراً, فأصبحت عمراً، فأصبحت أمير المؤمنين. لا تتساهل مع نفسك :
لا تتساهل مع نفسك، حاسبها حساباً عسيراً، لا تحابها، أسيء الظن بها، وعلى العكس افعل مع أخوانك المؤمنين، أحسن الظن بهم، التمس لهم المعاذير.
أناس إذا أصابتهم مصيبة، قال: هذه ترقية، أما إذا أصابت غيرهم مصيبة، قال: هذا عقاب، يتهم أخواه بالتقصير، ويمتدح نفسه، ويصف كل مصائبها على أنها ابتلاء، تحتاج أن تُوازن بين الفتنة والنعمة، وأن تُسيء الظن بنفسك، وتُحسن الظن بغيرك, وأن تمتلك نور الحكمة, كما قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية: 269]
من أوتي الحكمة عاش سعيداً ومات حميداً.
من أوتي الحكمة: كان أسعد الناس في الدنيا, وأنجاهم من عذاب الله في الآخرة.
بل إن الحكمة هي نور الله، فحينما تفتقد الحكمة, فمعنى ذلك: أن القلب مغلف بشيء لا يرضي الله عز وجل، أما إذا كان القلب مفتوحاً:
فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها أخذها. ما معنى هذه الآية؟ :
الذي يُحاسب نفسه حساباً عسيراً، لا بد من أن يعرف الأمر التكليفي والأمر التكويني ، الأمر التكليفي: يعني افعل ولا تفعل، كيف تُقيِّم نفسك، ولا تعرف المقياس الذي ينبغي أن تقيس به نفسك؟ الشريعة ميزان، وقد قال بعض علماء التفسير في قوله تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
[سورة الرحمن الآية: 7]
الله أعطانا ميزاناً، هو ميزان العقل، وهناك ميزان الفطرة، أما العقل قد يضل، والفطرة قد تنطمس، أما الميزان الذي لا يضل ولا ينطمس هو الشرع، لذلك قالوا:
الحسن ما حسَّنه الشرع, والقبيح ما قبَّحه الشرع.
الشرع ميزان الموازين، ميزان مركزي، ميزان تُوزن به الموازين، تماماً كما لو أعطيت طالباً مسألة في الرياضيات، وكتبت له رقماً في نهاية المسألة، قلت له: هذا الرقم هو جواب حل المسألة، فإن حللت المسألة في ساعات طويلة، ووصلت إلى هذا الجواب، فحلك صحيح، وإن انتهيت إلى حل آخر، فحلك غير صحيح، فأنت فكر، وحلل، وادرس، إن وجدت تفكيرك ينتهي بك إلى طاعة الله، فالتفكير سليم، والعقل صريح، أما إذا انتهى تفكيرك وعقلك إلى شيء آخر لا يُرضي الله، فالتفكير غير سليم.
يعني: إذا قال إنسان: معي مبلغ من المال، لا أستطيع أن أدعه مجمداً هكذا، أخاف أن يفقد قيمته مع التضخم النقدي، فلا بد من استثماره في جهة آمنة، وليس هناك من جهة أشد أمناً من البنوك، هكذا فكر.
نقول له: إذا انتهى بك التفكير، وانتهت بك المحاكمة, إلى أن تستثمر مالك في مؤسسة ربوية، وقد قال الله عز وجل:
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[سورة البقرة الآية: 279]
نقول له: تفكيرك غير صحيح.
إنسان آخر قال لك: المرأة نصف المجتمع، إن وُجدت في مجتمع الرجال يتجملون، يضبطون كلامهم، يُحسّنون ألفاظهم، فكأنها عنصر ضابط، عنصر مهدِّئ، يعني لا بد من الاختلاط، نقول له: تفكيرك غير سليم، لأن هذا التفكير انتهى بك إلى شيء حرمه الله عز وجل، تماماً كأن تُعطى مسألة رياضيات، ومعها رقم، فإذا انتهى بك الحل إلى هذا الرقم فالحل صحيح، إذا انتهى بك الحل إلى رقم آخر، فالحل غير صحيح، هذا معنى قوله تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
[سورة الرحمن الآية: 7]
أعطاك ميـزان العقل، وأعطـاك ميزان الفطرة، ولعـل الفطرة تنطمس، ولعل العقل يضل, أعطاك ميزاناً لا يُخطئ إنه الشرع، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع، فأنت في مجال محاسبة نفسك، لأنه ليس له.
لا بد من معرفة دقائق الشرع حتى تكون هذه الدقائق ميزاناً لك في محاسبة النفس :
أحدهم يتحرك حركة عشوائية، يتحرك بنزوات، يتحرك بشهوات, يتحرك بمصالح، لا شرع يضبطه، ولا معلومات تقيده، كيف يُحاسب نفسه إن لم يملك الميزان؟ الميزان هو الشرع، إذاً: ما دمنا في محاسبة النفس، ومحاسبة النفس تمهيد لطاعة الله عز وجل، لا بد من أن تعرف منهاج الله، كي تجعل من هذا المنهاج ميزاناً لأعمالك.
بالفقه فروع دقيقة جداً، منها آداب الطعام، فإنسان مثلاً دُعي إلى طعام، وأناس كثيرون يأكلون معه، هو انتهى، يبتعد عن المائدة, ويجلس في مكان بعيد، أو يغسل يديه، وهو يرى أنه يقوم بألطف عمل، أنت لما ابتعدت عن المائدة أحرجت الآخرين، فالسنة تقتضي أن تبقى معهم، أن تبقى في مكانك حتى ينتهي الحاضرون، وجودك على المائدة عمل لطيف، فهناك دقائق في الشرع دقيقة جداً، كيف تُحاسب نفسك إن لم تعرف هذه الدقائق؟ لذلك لا بد من معرفة دقائق الشرع حتى تكون هذه الدقائق ميزاناً لك في محاسبة النفس.
التوحيد هو نهاية العلم :
شيء آخر: حينما تعرف أن الأمر التكويني بيد الله عز وجل, الآلام التي تُحطم النفس قد لا تأتيك، ذلك أن الإنسان إذا وحد الله عز وجل ارتاحت نفسه، فهذا الذي وقع أراده الله، وهذا الذي أراده الله وقع، وهذه الإرادة متعلقة بالحكمة المطلقة، وهذه الحكمة متعلقة بالخير المطلق.
لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان, حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
التوحيد هو الدين، التوحيد هو العلم، التوحيد هو نهاية العلم:
وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
التوحيد أن لا ترى مع الله أحداً، أن لا ترى فاعلاً إلا الله، ألا ترى رازقاً إلا الله، ألا ترى معِزاً إلا الله، ألا ترى مذلاً إلا الله، ألا ترى معطياً إلا الله، ألا ترى مانعاً إلا الله، ألا ترى رافعاً إلا الله، ألا ترى خافضاً إلا الله، علاقتك مع واحد، فإن أرضيته فقد بلغت المنى:
فليتك تحـلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبـين العالمين خراب
المؤمن تعتريه أحوال بعضها مسعد وبعضها مزعج :
وما دمنا في محاسبة النفس, فهناك موضوع الحال، المؤمن تعتريه أحوال، بعض هذه الأحوال مسعد، وبعض هذه الأحوال مزعج، أحياناً: يشعر بالانشراح والتألق والسرور والتفاؤل، ويظهر هذا في حركاته، وفي لمعان عينيه، وفي تورد خده، وأحياناً ينقبض، هذا الحال, هناك من يتعلق به, ويراه كل شيء، هناك من يراه حكماً حاسماً, الحال مسعد لكن العلم حاكم عليه، مثلاً:
رجل فقير جداً جداً، أعطيته ورقة مالية بمئة ألف أو بمليون، وقلت له: هذه لك، هذه الورقة قد تكون مزورة، هو لا يعلم أنها مزورة، يشعر بسعادة وطمأنينة وثقة وامتلاء، صار معه مبلغ ضخم، أليس هذا الحال وهماً؟ إذاً: ما كل حال صحيح، هناك حال رحماني، وهناك حال شيطاني، من الذي يحكم على هذا الحال؛ أهو صواب أم خطأ؟ هو القرآن والسنة، إذا أنت أديت طاعة وتألقت بها، فهذا الحال رحماني, إذا أنفقت مالك في سبيل الله, وشعرت بتألق بعد إنفاق هذا المال، فهذا الحال رحماني، أما إذا استطعت أن تقترف إثماً, وأن تُمتع نفسك إلى حين، وفرحت بهذا الإثم، فهذا حال شيطاني، فالفرح مطلقاً، والتألق مطلقاً، والشعور بالامتلاء ، هذا يحتاج إلى علم ليكون حكماً على الحال، مع أن الحال سمي حالاً لأنه يحول لا يستقر.
إليك هذا الشاهد على الحال الرحماني :
لكن خير شاهد على هذا على الحال الرحماني: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- جاءه الصديق مع سيدنا حنظلة، وكان حنظلة في الطريق يبكي، مرَّ به الصديق، قال له:
((يا حنظلة ما لك تبكي؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولمَ يا أخي، قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى, -هذا شيء يقع في حياتنا، نكون بالجامع مع أخواننا، في جلسة روحانية، يقول لك: أنا مسرور جداً، أما إذا ذهب إلى البيت، وواجه بعض الصعوبات، هذا الحال الرحماني يضيع منه-.
سيدنا الصديق -لشدة كماله وتواضعه- قال لحنظلة: أنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما جاءا النبي -عليه الصلاة والسلام-، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: نحن معاشر الأنبياء, تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم))
هذا ما يعبر عنه بالشفافية.
كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((أعرف حجراً بمكة، كان يسلم عليَّ وأسلم عليه))
دخل إلى بستان, فرأى فيه ناقة، فلما رأته الناقة ذرفت عيناها، فجاءها النبي -عليه الصلاة والسلام-, ومسح لها دِفريها، وقال: ((من صاحب هذه الناقة؟ قالوا: فتى من الأنصار، قال: ائتوني به، فلما جاءه قال: يا هذا! ألا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنها شكت إليَّ أنك تُجيعها وتُدئبها))
هناك تواصل.
كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يخطب على شجرة، ثم نُصب له منبر، حنت إليه الشجرة, فكان يضع يده عليها في أثناء الخطبة تكريماً لها.
هذا مقام الأنبياء، لكن المؤمن على شيء من هذه الأحوال، فهناك انسجام مع الطبيعة والكون. نقطة دقيقة :
كل حال صحبه تأثير في نصرة دين الله عز وجل والدعوة إليه فهو منّة وإلا فهو حجّة، وكل قوة ظاهرة وباطنة صحبها تنفيذ لمرضاته وأوامره فهي منة وإلا فهي حجة، وكل مال اقترن به اشتغال بما يرضي الله عز وجل فهو منة وإلا فهو حجة، وكل قبول في الناس وتعظيم ومحبة, اتصل به خضوع لله عز وجل ذل وانكسار, ومعرفة بعيب النفس والعمل فهو منة وإلا فهو حجة, العلم حكم على الحال، إن الله عز وجل لا يعبد إلا وفق شرعه، وأية إضافة على الدين بدعة، وأي حذف من الدين بدعة:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
خاتمة القول :
لا بد من أجل أن تعبد الله: من أن تعرف الأمر التكليفي والأمر التكويني، ولا بد من أن تُفرق بين الفتنة والنعمة، ولا بد من أن تسيء الظن بنفسك، ولا بد من حكمة تكشف بها الحق من الباطل، ثم إن الحال والعمل، الحال والعلم متكاملان، فالعلم حكم على الحال، وليس الحال حكماً على العلم، وأرجو الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يُلهمنا تطبيق ما تعلمناه.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
07-21-2018, 03:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : (المائة )


الموضوع : الخصائص الكبرى للعبادة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هذا سر التدين :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس المتم للمئة من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وهذا الدرس الأخير من سلسلة هذه الدروس، أردت أن أجمع فيه بعض الخصائص الكبرى للعبادة، لأنه خاتمة هذه السلسلة الطويلة.
هناك حقائق واضحة وضوح الشمس، نحن مخلوقون في هذه الأرض للعبادة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
أيها الأخوة، قبل أشهر وُلد في الهند طفل، أتمَّ عدد سكان الأرض ستة آلاف مليون، وما من واحد من هؤلاء الستة آلاف مليــون، إلا ويتمنى السلامة والسعادة، وأقول: السلامة في طاعة الله, والسعادة في العمل الصالح، أي مخلوق على وجه الأرض من المخلوقات العاقلة يبحث عن سلامته وسعادته، وسلامته في طاعة الله، أو في تطبيق منهج الله، أو في تطبيق تعليمات الصانع, والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تُتَّبع تعليماتها، وما من سعادة إلا في القرب من هذا الخالق, الذي هو منبع الجمال، منبع الكمال، منبع النوال، وأنت -أيها الإنسان- تحب الجمال والكمال والنوال, فمنبع الجمال هو الله، وكل ما في الكون من جمال، مسحة من جماله، أنت تشعر بلذة حينما تتصل بمخلوق جميل، أنت حينما تأكل طعاماً طيباً، ويلتصق الطعام بأعصاب الذوق، بسقف اللسان، في سقف الفم أثناء البلع، تشعر بطعم هذا الطعام، لأنك اتصلت بعنصر جميل في طعمه، وقد تتصل بعنصر جميل في شكله، تنظر إلى جبل أخضر، وبحر جميل، ووردة متألقة، تشعر بلذة ومتعة، فكيف إذا سُمح لك أن تتصل بأصل الجمال في الكون؟ هذا معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني))
هذا معنى قول النبي: ((أرحنا بها يا بلال))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
أحدكم حينما يُحكم اتصاله بالله، أو يعمل عملاً صالحاً كبيراً، يبيض وجهه عند الله، حينما تنهمر دموعه من خشية الله، يشعر بسعادة لا تُوصف، متع الأرض كلها لا يمكن أن تصمد أمام هذه المتعة، متعة الاتصال بالله، هذا الاتصال بالله يجعلك إنسانا آخر, موازينك مختلفة اختلافاً كلياً عن موازين الآخرين، مقاييسك مختلفة، تسعد بالعطاء لا بالأخذ، تسعد بالاندفاع لا بالانسحاب، تسعد بتقديم جهودك للآخرين لا باستغلال جهودهم، هذا هو سر التدين, السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان.
ما سبب الشقاء؟ :
لماذا الشقاء؟ هناك شقاء في العالم لا يعلمه إلا الله، هناك أناس بحسب القرآن الكريم سوف يكون مصيرهم إلى النار، استمع إليهم ماذا يقولون:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[سورة الملك الآية: 10]
هي أزمة علم، لأن كل إنسان يُحب وجوده، ويحب سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، فلو أُتيح له أن يعرف أسباب سعادته لثبت فيها، إنسان شقي لو أُتيح له أن يعرف الله، وأن يعرف طريق سعادته كما عرفها المؤمن لكان مثله، إذاً: سبب الشقاء نقص العلم، نقص التوحيد الشرك، تغييب الحقائق الأساسية عن الإنسان، هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
[سورة الملك الآية: 10]
تحت أي باب تندرج هذه الأحاديث؟ :
في آخر الزمان، العبادات الشعائرية يؤديها الناس جميعاً، ويغيب عنهم أن منهج الله فيه عبادات شعائرية وفيه عبادات تعاملية، وأنا أرى أن العبادات الشعائرية لا يمكن أن تقطف ثمارها، ولا يمكن أن تسعد بها، إلا إذا كنت ملتزماً بالعبادات التعاملية، ومعي ألف دليل ودليل:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا -يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، قـَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي: مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))
قال رجل:
عَنْ أَبِي هُرَيــْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا, غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا, وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ, وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ))
وقَالَ: ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةِ رَبَطَتْهَا، فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا, وَلاَ هِيَ أرْسَلَتْهَا تَأَكلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ, حَتَّى مَاتَتْ))
ويقول:
قَالَ حُذَيْفَةُ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ))
هذا النمام. [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
لو استعرضت الأحاديث الصحيحة المتعلقة بالمعاملات، لوجدتها أكثر من أن تُحصى ، ولوجدت أن العبادات الشعائرية مرتبطة بالعبادات التعاملية.
فقد ورد عن السيدة عائشة -رضي الله عنها, وهذا حديث مشكل، لكن يعنيني منه جانب واحد-، قالت: قولوا لفلان: إنه أبطل جهاده مع رسول الله.
أنت حينما تأكل المال الحرام، وحينما تعتدي على الأنام، وحينما تُوقع بين اثنين، وحينما ترتكب شيئاً منكراً، كأنك قلت: يا رب, أبطل لي صلاتي، لا تقبل مني صلاتي، لا تقبل مني صيامي، لا تقبل مني حجي.
تعريف العبادة :
أريد أن أضع يدي على بعض الحقائق؛ الحقيقة الأولى: العبادة ليست شيئا تفعله أو لا تفعله, لا، هي قدرك خُلقت من أجلها، علة وجودك أن تعبد الله، ويجب أن تعلم علم اليقين أنه: من عبد الله ولم يحبه، من أطاع الله ولم يحبَّه ما عبده، ومن أحبه ولم يطعه ما عبده، إنها طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تؤدي إلى سعادة أبدية.
إن أكثر الفرق التي انحرفت، اعتمدت أحد كليات الإسلام، وركزت عليه، وأهملت الكليتين الباقيتين، جماعات اعتمدوا على القلب وحده، وأهملوا العلم والعمل، وجماعات اعتمدوا على العلـم وحده، وأهملوا القلب والعمل، وجماعات اعتمدوا على العمل وحده، وأهملوا القلب والعلم، كل هؤلاء عرجوا، وكل هؤلاء انحرفوا، وكل هؤلاء تطرفوا, لكن تتفوق إن فهمت العبادة بالتعريف الأصولي:
طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تؤدي إلى سعادة أبدية.
أنواع العبادات :
1-عبادات تعاملية :
إذاً أنت مخلوق للعبادة، والعبادات نوعان: عبادات تعاملية: فالمسلم صادق، أمين، ومما يُوقع في الحيرة: أننا نجد في العالم الإسلامي مسلم يصلي ويكذب، يصلي ويأكل المال الحرام، يصلي ويخون.
للإمام علي -كرم الله وجهه- قول رائع، يقول: قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه, وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه , فإذا ضيع العلم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله، باع الفقيرآخرته بدنيا غيره.
2-عبادات شعائرية :
والنوع الثاني من العبادات العبادات الشعائرية, وهي: ثمـرة للجانب التعاملي، كساعات الامتحان تماماً، لا معنى لها إن لم تدرس، إذا صح أن تكون العبادة التعاملية هي العام الدراسي، فإن العبادة الشعائرية هي ساعات الامتحان الثلاثة, بقدر دراستك تتألق في امتحانك، فلو فرضنا أنك لم تدرس الامتحـــان ليس له معنى إطلاقاً.
الشيء الثاني: حينما يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
((اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فهناك نوافل، وهناك أذكار، وهناك أعمال صالحة، لكن قبل كل هذه الأذكار، وقبل كل هذه النوافل، وكل هذه الأعمال: يجب أن تتقي المحارم كي تكون أعبد الناس، فإن الله لا يقبل نافلة ما لم تُؤد الفريضة، كما أنه لا يقبل عملاً صالحاً إلا إذا بني على استقامة وطاعة. من معالم الطريق إلى الله :
1-أن تعرفه :
فإذا أردت أن أبرز معالم الطريق إلى الله، أول معلم من معالم الطريق إلى الله: أن تعرفه، مع أن جماعات كثيرة تهمل معرفته، وتركز على معرفة منهجه، مع التقدير اللا متناهي لمعرفة منهجه، ومع التقدير الكبير لضرورة معرفة منهجه، لكن معرفة منهجه وحدها لا تكفي، لا بد من أن تعرف الآمر من أجل أن يكون الأمر عظيماً عندك، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
[سورة الحج الآية: 32]
أول معلم من معالم الطريق: أن تجتهد في معرفة الله، لأنه آمر، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر، تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، تفننت في التفلت من هذا الأمر.
من مشكلات العالم الإسلامي :
هذا ما تجده واضحاً في العالم الإسلامي، بلد إسلامي قال: الربا، يجوز أن تضع مالك في المصارف وأن تأخذ فائدة، سنسميها عوائداً لا فوائد، في مكان آخر سُمح بالغناء والتمثيل والموسيقى، في مكان ثالث سُمح بأكل الربا أضعافاً غير مضاعفة، يعني من يشتغل بالعلم الشرعي، يُقرب هذا الدين من انحراف الناس ليغطي انحرافهم، السبب بسيط: لأنهم ما عرفوا الآمر، عرفوا الأمر.
ما وراء هذا المثال :
أنا أضرب مثلاً: قد تأتيك ورقة، تُدعى فيها إلى أن تذهب إلى البريد، لتستلم رسالة مسجلة، ورقة حجمها بحجم الكف، تعالَ الساعة الثانية عشرة من يوم الخميس، وقد تأتيك ورقة بحجم الأولى تماماً وببساطتها, ولكن جهة قوية تقول لك: تعال قابلنا يوم الخميس الساعة الثانية عشرة، الورقة الثانية، لا تنام الليل هماً وغماً، ثلاثة أيام وأنت في خوف شديد، والورقة الأولى لم تعبئها، ولم تذهب إلا بعد شهر لاستلامها, أما الورقة الثانية لم تنم الليل لثلاثة أيام، لأن الجهة الأولى غير قوية، أما الجهة الثانية قوية، تعلم علم اليقين من مرسل الورقة الثانية، وماذا يعني أن تصل إليك؟.
فأنت ببساطة بالغة: حينما تعرف الآمر ثم تعرف الأمر، تتفانى في طاعة الأمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، تتفنن في التفلت من الأمر، تارة بلوى عامة، وتارة في رأي بعض المذاهب تجوز، وتارة الله يغفر لنا، نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، إذاً: أنت كمسلم يجب أن تعرف الآمر قبل الأمر، كي يكون لهذا الأمر شأن كبير عندك، كي تقبل على هذا الأمر، رغباً ورهباً، خوفاً وطمعاً، ترجو رحمة الله بهذا الأمر، وتخشى عذابه.
كيف أعرف الآمر؟ :
كيف أعرف الآمر؟ الجواب: الله جل جلاله خلق هذا الكون، فكل شيء في هذا الكون يدل عليه, فالتفكر في خلق السموات والأرض أحد الوسائل الفعالة لمعرفة الآمر، التفكر في خلق السموات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب تدخل منه على الله، لا بد من معرفة أمره، حينما تعرف الله تندفع اندفاعاً شديداً لمعرفة أمره، لأنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، لا تجد مسلماً وصل إلى حد المعقول من معرفة الله، دفعه إلى طاعته، إلا ويبحث ويدقق، ويسأل عن حكم الله في كذا وكذا، شيء طبيعي جداً، حينما تتعرف إلى الله، تبحث عن شيء يُوصلك به، ويقربك منه، إنه تنفيذ أمره، هناك محرمات، هناك مكروهات، هناك مباحات، هناك مندوبات، هناك واجبات، وهناك فروض.
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ))
2-أن تستقيم على أمره :
المعلم الثاني من معالم الطريق: الاستقامة على أمر الله.
لا تفكر أن تسعد بهذا الدين، ولا أن تقطف ثماره، ولا أن تكون من المتدينين عند الله، إلا أن تستقيم على أمر الله.
في عالم التجارة: هناك نشاطات لا تُعد ولا تُحصى, من هذه النشاطات: شراء محل تجاري، شراء مستودع، شراء مكتب استيراد، تعيين مندوبي مبيعات، تعيين هيئة محاسبة، مخاطبة الشركات، تعيين مترجم، ثم عرض هذه البضائع، ثم بيعها وجمع ثمنها، هناك آلاف النشاطات في التجارة، لكن التجارة كلها مبنية على كلمة واحدة هي الربح، فإن لم تربح، فلا معنى لكل ذلك، كل ما تقرأ, وكل ما تسمع من خطب، أو شريط درس علم، أو كتاب من أندر الكتب، وكل شيء تُعجب به، وكل مؤتمر تحضره، وكل كتاب تؤلفه، وكل درس تلقيه، ما لم ينتهِ بك إلى الاستقامة على أمر الله لا معنى له، وبالتجارة ما لم تربح لا معنى لكل نشاطاتك.
المعلم الأول: أن تعرف الآمر قبل الأمر، ما قلت: أن تعرف الآمر دون الأمر، أن تعرف الآمر والأمر معاً، إنني لا أقلل من قيمة معرفة الأمر، ولكن معرفة الأمر من دون أن تعرف الآمر لا تنفع كثيراً، ثم لا بد من أن تتحرك لتستقيم على أمر الله.
3-لا بد من أن تأخذ موقفاً :
لا بد من أن تأخذ موقفاً، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال الآية: 72]
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال الآية: 72]
ما لم تتخذ موقفاً عملياً، ما لم تعط لله، ما لم تمنــع لله، ما لم تصل لله، ما لم تقطع لله، ما لم تغضب لله، ما لم ترض لله، ما لم تقم علاقة مع زيد لله، ما لم تقطع هذه العلاقة لله، فكل شيء نظري, كل شيء تعتقد به لا جدوى منه، مثلاً:
إنسان معه مرض جلدي، بحاجة إلى أشعة الشمس والشمس ساطعة، فلو قال الشمس ساطعة لا يستفيد، أو لأنه ما فعل شيئاً هي ساطعة، فلو قال هي ساطعة ما زاد شيئاً، ما أضاف شيئاً، وإن أنكر سطوعها يُتهم عقله، وما لم يخرج هذا الإنسان المريض بجلده ليتعرض لأشعة الشمس، فتصريحه، واعتقاده، ويقينه لا قيمة له أبداً.
قف هنا :
المعلم الثاني الاستقامة على أمر الله:
﴿الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 142]
أحياناً الإنسان يتوهم أنه يُرضي الله بسماع درس العلم، الله عز وجل لا يرضى إلا إذا طبقت العلم, قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 2-3]
يتعرف إلى الله من خلال خلقه، ومن خلال أفعاله، ومن خلال كلامه، ثم تتعرف إلى منهجه, ثم تستقيم على أمره، المعرفة والاستقامة.
قلت: بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، فأول معلم معرفة الله، المعلم الثاني معرفة أمره.
4-أن تعمل عملاً صالحاً :
المعلم الثالث: أن تعمل صالحاً، أن تبذل مما آتاك الله من علم، من مال، من قوة، من جاه، من خبرة، من وقت، لا بد من أن تبذل، لأن حجمك عند الله كحجم عملك الصالح، نعرفه ، ونعرف أمره، ونتقرب إليه.
5-لا بد من الاتصال به :
هذه المعالم الأساسية للطريق إلى الله عز وجل، الآن: نعرفه وهو أصل الدين، ونعرف منهجه كي نتقرب إليه, نطيعه كي نسلم، نعمل الصالحات كي نسعد، لا بد من الاتصال به، الصلاة مناسبة كي تتصل به, والزكاة من أجل أن تتصل به، أن يكون هذا المال الذي دفعته سبباً للإقبال على الله، والحج من أجل أن تتصل به، والصيام من أجل أن تتصل به ، والأذكار من أجل أن تتصل به، والدعاء من أجل أن تتصل به، وكل أنواع العبادات التعاملية والشعائرية من أجل أن تتصل به، بل إن كل شيء يقربك من الله عز وجل ينبغي أن تفعله، وكل شيء يبعدك عن الله عز وجل ينبغي أن تبتعد عنه، هذه معالم الطريق إلى الله عز وجل.
نقطة دقيقة :
ديننا بسيط، وأنا أتمنى أن تفهم هذا الدين فهماً مبسطاً، لأنه كالهواء، يحتاجه كل إنسان، هذا الهواء قاسم مشترك للناس جميعاً، والدين كذلك، أينما ذهبت, الإنسان بحاجة إلى تدين صحيح، بحاجة إلى أن يعرف الله، أن يتصل به، أن يلوذ بحماه، أن يفهم أن الجهة القوية تحبه.
فيا أيها الأخوة, من أجل أن نكسب الوقت، من أجل أن نتحرك دون أن نتقدم، من أجل أن نكسب أعمارنا الثمينة والقصيرة، العمر ثمين، ما دام العمر ثميناً، والوقت قصيراً، والمهمة كبيرة، ينبغي أن تصطفي الشيء النافع.
فينبغي أن نعمل الصالحات من أجل أن نسعد، ثم ينبغي أن نذكره من خلال صلواتنا, وصيامنا, وحجنا، وزكاتنا، ودعائنا، واستغفارنا، وبذلنا، وخدمتنا لبعضنا بعضاً، هذا هو الطريق، معرفة واستقامة، وعمل صالح، وذكر، لو أردت أن تضغط مؤلفات كثيرة جداً, تجدها لا تزيد عن هذه المعالم الأساسية التي أرادها الله لتكون طريقاً إليه.
أتمنى أن يُبسط الدين لا أن يُعقّد، وأتمنى أن يتوافق مع العقل, لأن العقل أصل من أصول معرفة الله عز وجل.
لماذا يقول الله عز وجل: أفلا تعقلون، أفلا ينظرون, أفلا يتفكرون؟ :
لماذا يقول الله عز وجل: أفلا تعقلون، أفلا ينظرون, أفلا يتفكرون؟ طُبع مرة قبل خمسين عاماً، طُبع خمسون ألف مصحف، حُذفت منه كلمة واحدة، قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 85]
مصحف بخط عثماني، وفيه تقرير، وفيه مراجعة، وفيه وفيه .....، حُذفت منه لن, هذه الكلمة، من الذي يكشف لك أن هذا المصحف مزور؟ هو العقل السليم الذي أودعه الله فيك، لا يمكن للعقل الصريح أن يتناقض مع النقل الصحيح، لأن العقل مقياس أودعه الله فينا، ولأن النقل كلامه، والأصل واحد, أضيف على ذلك، كما أنه لا يمكن أن تتعارض الفطرة السليمة مع النقل الصحيح، كما أنه لا يمكن أن يتعارض الواقع الموضوعي مع النقل الصحيح، الواقع الموضوعي خلقه، والفكرة السليمة جبلَّته، والعقل مقياسه، والنقل كلامه، وسنة النبي بيان لكلامه، الواقع الموضوعي خلقه، الهاء تعود على من؟ على الله، والفطرة السليمة جبلته، هو جبلنا عليها، تعود على الله، والنقل الصحيح كلامه، والعقل الصريح مقياسه، هذا هو الحق، فحينما ننطلق في حياتنا عمرنا قصير:
كم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر؟ ما أخطر مفهوم في حياة الإنسان؟ :
هناك ظاهرة جديدة، أزمات قلبية بالثلاثين، أزمات قلبية قاتلة بالخامسة والعشرين، ضغوط الحياة قاسية جداً، الإنسان له أجل، لكن هذا الوهم المريح، يقول له: لن أموت حتى الستين.
لي صديق في التاسعة والأربعين، طبيب، لا يشكو من شيء، غادر الدنيا في دقائق، ظاهرة منتشرة، لذلك:
تزود من الدنيا فإنك لا تدري إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر؟
فكم من عروس زينوها لزوجها وقد قبضـت أرواحهم ليلة القدر
وكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حينا من الدهر؟
مفهوم الزمن: هو أخطر مفهوم في حياة الإنسان.
إنك بضعة أيام, كلما انقضى يوم انقضى بضع منك.
وهذا الوقت الذي هو أنت، أو هو رأس مالك، أو هو أثمن شيء تملكه على الإطلاق ، إما أن تُنفقه إنفاقاً استهلاكياً، أو أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً، أن تسترخي، وأن تستمتع بالحياة، هذا إنفاق استهلاكي، أما أن تُوظفه في معرفة الله، ومعرفة منهجه، وطاعته، وفي معالم الطريق، والعمل الصالح، والاتصال به، فهذا استثمار للوقت، لذلك قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]


والحمد لله رب العالمين







الختام