| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#41 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصفاءالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و الثلاثون ) ما معنى كلمة الصفاء؟ : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس التاسع والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، ومنزِلةُ اليوم هيَ منزِلةُ الصفاء, ومن مِنّا لا يُحبُّ الصفاء؟ الصفاء بمعنى النقاء، شيء صافٍ أي نقي من كُلِّ شائبة، فهُناكَ صفاءٌ في العِلم، وهُناكَ صفاءٌ في الحال، وهُناكَ صفاءٌ في الهِمّة، والصفاءُ هوَ النقاء. المعاني الدقيقة لكلمة الصفاء: وردت هذه الكلمة في قولِهِ تعالى أو ما يُقابِلُها: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [سورة ص الآية: 47] هؤلاءِ الأنبياء مُصطَفون، والمُصطفى مُفتعل على وزن مُفتعل من الصفوة، والصفوة من الشيء خُلاصَتُهُ، الزُبدةُ صفوةُ الحليب، صفوةُ الكلامِ مختَصَرُهُ، وتصفيتهُ مما يشوبُهُ، شيء مُصفّى أي مما يشوبُهُ، واصطفى الشيء لنفسِهِ جعلهُ خالِصاً لهُ من تعلّقِ الشُركاء، اصطفيتُ هذه الدُكانَ لنفسي ليسَ معي فيها شريك، اصطفيتُ هذا البيت، اصطفيت هذه الزوجة ليسَ معها زوجة أُخرى، الاصطفاء: أن تستقِل بالشيء, والاصطفاء: أن تُصفيَّ الشيء مما يشوبُهُ من الأكدار, والاصطفاء من التصفية, وصفوةُ الشيء خُلاصتُهُ. ما معنى فلان علمه صاف؟ : الحقيقة: ما دام الموضوع مُتعلّقاً بالإيمان, فالصفاء لهُ علاقةٌ بالعِلم, ولهُ علاقةٌ بالهِمّةِ والعزيمة, ولهُ علاقةٌ بالحال، فنحنُ في هذا الدرس نَقِفُ وقفاتٍ متأنيةً عِندَ العِلمِ والعزيمةِ والحال, فُلان عِلمُهُ صافٍ؛ أي كُلُ عِلمِهِ حقائق, وكُلُ عِلمِهِ عليهِ أدلّةٌ قطعيّة، عِلمُهُ صحيح، عِلمُهُ يقين، عِلمُهُ مُدعّمٌ بالكتابِ والسُنّة، عِلمُهُ لا شائبةَ فيه, لا خلط، لا شك، لا ريب ، لا ظن، لا وهم، لا خُرافة، لا وهم، عِلمُهُ صافٍ, يعني صحيح ونقيّ من كُلِّ شائبة، والعِلمُ الصافي هوَ: العِلمُ الذي جاءَ بهِ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلّم. عملية جرد : أيها الأخوة الأكارم, كُلُنا يحتاج إلى عمليّة جرد، أنتَ لكَ عُمُرٌ, أمضيتَ وقتاً طويلاً, مرةً في المساجد, وفي المدارس, ومع أصدقاء, وفي نَدَوات, وفي سَهَرات, وقرأتَ كُتباً ومجلات, فتجمّعَ في وِعائِكَ العقليّ رُكام من المعلومات، بعضُ هذه المعلومات حقائق، بعضُ هذه المعلومات شُبُهات، بعضُ هذه المعلومات خُدع وأباطيل، بعضُ هذه المعلومات باطِلة. فنحنُ الآن بحاجة إلى عملية جرد، قد يكون دون أن ندري تسرّبَ إلى عقولِنا خرافات، أوهام، ظنون بالله, لا تليقُ بِذاتِهِ الكريمة, ولا بِحضرَتِهِ المُقدّسة، فالإنسان عليهِ أن يملِكَ العِلمَ الصافي، العِلمَ النقيّ من كُلِّ شائبة، العِلمَ المبني على أدلّةٍ عقليّةٍ ونقليّةٍ وواقعيةٍ وفِطريّة، العِلمَ الذي لا يستطيعُ أحدٌ أن ينقُضَهُ لك, هل معلوماتُك؟ هل قناعاتُك؟ هل أفكارُكَ؟ هل تصوراتُكَ من هذا النوع؟ هل عِلمُكَ صافياً؟. ما معنى هذا القول للجنيد؟ : فالإمام الجُنيد -رَحِمهُ الله تعالى- كانَ يقول: عِلمُنا مُقيّدٌ بالكتابِ والسُنّة. الكتاب كلام الخالق، السُنّة بيانُ رسولِ الله، اللهُ جلَّ وعلا أَمَرَ النبي, وقد عَصَمَهُ, وأراهُ ملكوتَ السمواتِ والأرض, وبيّن لهُ كُلَّ شيء, أمَرَهُ أن يُفصّل. يعني: كبشر أو كمسلمين أو كمؤمنين ليسَ عِندنا مصدر للحقيقة الصحيحة الصِرفة اليقينيّة القطعيّة إلا مصدران: الكتابُ والسُنّة، يمكن أن يكونَ الكِتابُ والسُنّة مقياسين، فأيّةُ قِصّةٍ, أيّةُ كلمةٍ, أيّةُ مقالةٍ تقرؤها, أيّةُ نظريّةٌ تسمعُها, أيُّ تصورٍ تطلِعُ عليه, إن لم يكن موافِقاً للكتابِ والسُنّة فهوَ باطل. يعني تقريباً: مثل إنسان أمام قِطع من القِماش, عليها لُصاقات وأطوال, وأنتَ معك مِتر صحيح، مِتر مضبوط، فأيّةُ قِطعةِ قِماش, وعليها لُصاقة, فيها طولُها, أنتَ بعمليّةٍ بسيطة تقيسُ هذه القِطعة بالمِتر الذي تملِكُهُ, وتعرف ما إذا كانت هذه اللصاقة صحيحة أم كاذِبة. ما الذي ينجينا من هذه الضلالات والنظريات الباطلة في هذا العصر؟ : يا أيها الأخوة الأكارم, يعني شاءت حِكمةُ اللهِ عزّ وجل: أن نأتي في عصرٍ, فيهِ من الضلالات, ومن الخرافات, ومن الأباطيل, ومن الدجل, ومن الكذب, ومن النظريات الباطِلة والفاسِدة والهدّامة، البرّاقة المُزخرَفة التي تبوحُ لبعض الجُهّال بأنها هيَ الحق، نحنُ في عصرِ الضلالات ولا يُنجينا إلا إذا تمسكنا بالكتابِ والسُنّة. ما هو المنهج العملي الذي رسمه النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع للبشرية من النبيُ عليهِ الصلاة والسلام في حجة الوداع, وقبلَ أن يُغادِرَ الدُنيا, وقد رَسَمَ في حجة الوداع منهجَ عملٍ للبشريةِ من بعدِهِ, قال: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِي اللَّهم عَنْه قَال: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي, أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ, وهو كِتَابُ اللَّهِ, حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ, وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي, وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ, فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا؟)) [أخرجه الترمذي في سننه] كلامٌ دقيق، كلامٌ قطعيّ, أيُّ شيء تقرؤهُ، أيُّ خُطبةٍ تسمعُها، أيُّ قِصةٍ تَصِلُ إلى سمعِك، أيُّ فرحٍ تطّلِعُ عليه، أيُّ تعليقٍ تُشاهِدُهُ، أيُّ تحليلٍ تقفُ عليه، أيُّ شيء, عِندَكَ مقياس الكتاب والسُنّة. ما وراء هذه الأمثلة : أخي, هذا قرأتُ مقالةً عن دواءٍ يُطيل العُمر: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 34] انتهى الأمر, المقالة باطِلة, معك مقياس أنت. أخي فلان شاهدَ الجِنّ: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 27] فلان محظوظ, قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [سورة الليل الآية: 5-10] التيسير لهُ قانون والتعسير لهُ قانون، ياأخي العالم كُلهُ ظُلم!!! قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 77] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 124] ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة لقمان الآية: 16] هذا كُلُه كلام فارغ, أيّةُ قِصةٍ، أيُّ تحليلٍ, يؤكّدُ لكَ: أنَّ هُناكَ ظُلماً عظيماً, لا, هذا ظُلمٌ ظاهريّ, لأنَّ: الظالِمَ سَوطُ الله ينتقِمُ بهِ ثمَّ ينتقمُ مِنه. قف عند هذا الكلام : أقول لكم كلاماً دقيقاً: أنتَ إذا قرأتَ القُرآن, وتدبّرتَ آياتِهِ, ووقفتَ على مدلولاتِهِ, وتعمقّتَ في مضامينِهِ واستوعبتَهُ, هذا القرآن مقياس لكَ، نورٌ يهدي الله لكَ السبيل، حبلُ اللهِ المتين، برهانٌ من اللهِ عزّ وجل, فإذا آمنتَ باللهِ عزّ وجل إيماناً قطعيّاً, وآمنتَ بأنَّ هذا الكلام كلامهُ بالدليل القطعيّ، هذا الكلام يُخبِرُكَ أنَّ اللهَ عزّ وجل لا يظلِمُ أحداً. إذاً: الآن نحنُ نبحثُ عن ماذا؟ عن عِلمٍ صافٍ، ادخل إلى مكتبة, فتجدُ فيها مئات ألوف الكُتب, في حقائق, وفي أكاذيب، وفي ضلالات، وفي تُرّهات، وفي نظريات لم تثبُت بعد، وفي خرافات، وفي باطل مُغلّف بالحق، وفي حق مُغلّف بالباطل, أنـتَ بحاجة إلى مقياس. مثلاً, من باب الأمثلة: دخلتَ إلى غُرفةٍ, في هذه الغُرفة قِطع من الذهب كثيرة، قيل لكَ: بعضُ هذه القِطع عيار 24, وبعضُ هذه القِطع 21, وبعضُ هذه القِطع 18, وبعضُ هذه القِطع 16, وبعضُ هذه القِطع 11, وبعضُها نحاسٌ مُغلّفٌ بالذهب, وبعضُها نحاسٌ مُلمّع, وبعضُها معدن رخيص, خذ مِنها مئة قطعة, أنتَ الآن بحاجة ماسّة إلى مقياس يكشِفُ لكَ القِطعَ ذات النِسب العالية, فإذا حصلتَ على هذا المقياس, أخذتَ مئة قِطعةٍ من العيار العالي والغالي, فأنتَ من الفائزين. إذاً: نحن الآن بحاجة إلى مقياس نقيس بِهِ كُلَّ علومِنا، كُلَّ تصوراتِنا، كُلَّ فهمِنا، كُلَّ عقائدِنا، كُلَّ رواسِبِنا الفِكرية، نقيسُ بهِ ونَدَعُ كُلَّ ما ليسَ صحيحاً ونستبقي العِلمَ الصافي. درسنا الصفاء, العِلمُ الذي لا شائِبةَ فيه، أيام الحديد يكون غير صافٍ, فيهِ شوائب, فكميّة هذا الحديد لا قيمةَ لهُ, يحتاج إلى مضاعفة كميّات, لأنهُ كُل قطعة حديد فيها شائبة, هذه مُعرّضة للكسر. قف عند هذا القول للجنيد أيضاً : الجُنيد يقول: عِلمُنا هذا مُقيّدٌ بالكِتابِ والسُنّة, فمن لم يحفظ القُرآن, ومن لم يكتب الحديث, ومن لم يتفقّه لا يُقتدى به, وكانَ يقول: علمُنا هذا مُتَشَبِكٌ بحديث رسولِ الله. يعني هذا الكلام أهوَ تعصّبٌ للنبي أم ماذا؟. أتمنى عليكم ألاّ يُفهمَ هذا الكلام إطلاقاً: أنكَ بما أنكَ مُسلِمٌ وهذا نبيُّك, فأنا مُتعصّبٌ له , لا, الجواب: أنَّ النبيَّ معصوم, عَصَمَهُ اللهُ عن أن يغلَطَ في أفعالِهِ وفي أقوالِهِ، فإذا أردتَ عِلماً صافيّاً لا شائبةَ فيه, فعليكَ بحديثِ رسولِ الله. هل يقبل أبو سليمان الداراني بالنكتة: العلماءُ الآخرون, منهم أبو سُليمان الداراني, كانَ يقول: إنهُ لَتَمُرُّ بقلبي النُكتَةُ من نُكَتِ القول. -النُكتة بالمُصطلح الحديث: الطُرفة, أمّا بالمصطلح القديم: تعني الفِكرة الدقيقة, اللفتة البارعة, الشيء الذي يُلفِتُ النظر. فكانَ يقول الداراني-: إنهُ تمرُّ بي النُكتَةُ من نُكَتِ القول, فلا أقبَلُها إلاّ بشاهديّ عدل, وهما الكتاب والسُنّة، إذا أيدتها السُنةّ وأقرّها الكِتاب فعلى العينِ والرأس. أيام يقول لكَ واحد: أخي فلان لا يُصلّي, لكن أخلاقُهُ عالية, النبي الكريم يقول: ((لا خيرَ في دينٍ لا صلاةَ فيه)) ((الصلاةُ عِمادُ الدين, من أقامَها فقد أقامَ الدين, ومن هَدَمَها فقد هَدَمَ الدين)) هل هذا القول لأحد العلماء فيه تعصب؟ : أحد العُلماء يقول: أصلُ مذهَبِنا ملازمةُ الكتابِ والسُنّة, وتَركُ الأهواءِ والبِدع, والاقتداءُ بالسلف, وتَركُ ما أحدثهُ الآخرون, والإقامةُ على ما سَلَكَهُ الأولون. مرةً ثانية: ليسَ هذا من باب التعصّب, لأنَّ اللهَ تكفلَّ لنا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطِقُ عن الهوى, أبداً, قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم الآية: 4] موقف فيه غبطة وحسرة : أنا أغبِط كُل أخ كريم, عقلُهُ ممتلئ بحقائق يؤكدُها القرآنُ والسُنّة، وأتحسّر على إنسان عقلُهُ مليء بأوهام, بظنون, قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 154] حُسنُ الظنِّ بالله ثمنُ الجنّة. متى يمتلك العبد علماً صافياً؟ : أولاً: لن يكونَ عِلمُكَ صافيّاً إلا إذا جعلتَ رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم لكَ إماماً وقُدوةً وحاكِماً, الدليل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 65] فإن قَبِلتَ أن تحتَكِمَ إليهِ في حياتِهِ، وإذا قَبِلتَ أن تحتَكِمَ إلى سُنّتِهِ بعدَ مماتِهِ, فأنتَ مؤمنٌ وربِّ الكعبة، أيضاً: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 21] إذاً: من جعلَ النبيَ قدوَتَهُ وإمامَهُ وحاكِمَهُ, يُجيبَهُ إذا دعاه، يقفَ عِندَ أمرِهِ إذا أمَرَه، يسيرُ إذا سارَ بِك، يقولُ لكَ فتسمَعُ قولَهُ، يُنزِلُكَ هذه المنزِلة فتقبَلُها، تغضَبُ لغَضَبِهِ، ترضى لِرِضاه، إذا أخبَرَكَ عن شيء أنزلتَهُ منزِلةَ ما تراهُ بعينِك، وإذا أخبَرَكَ عن اللهِ بِخبر أنزلتَهُ منزِلةَ ما تسمعَهُ من اللهِ بأُذُنِك. هذا ما قالَهُ سيدنا سعد بن أبي وقّاص, قال: واللهِ ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل, وفيما سِوى ذلكَ فأنا واحدٌ من الناس؛ ما سَمِعتُ حديثاً من رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلّم إلا عَلِمتُ أنهُ حقٌ من اللهِ تعالى. كُلّما صدّقتَ النبي بتوجيهاتِهِ وأوامِرهِ ونواهيه, كانَ إيمانُكَ أرقى, يعني: إذا جعلتَ من رسولِ اللهِ مُعلّمِاً لكَ, ومربيّاً لكَ, ومؤدِبّاً لكَ, وأسقطتَ كُلَ الوسائط بينكَ وبينَهُ, إلاّ الوسيلة التي تُنقَلُ بِها سُنّتُهُ إليه, فقد امتلكتَ عِلماً صافيّاً. كلمة نابعة من القلب : أقول لكم كلمة من القلب: إذا اتبعّتَ النبيَ لن تَضِلَّ أبداً، لن تندَمَ أبداً، لن تُخطِئَ أبداً، لأنَّ هذا كلامُ النبي تعليماتُ الصانع ومنهجُ الخالق، قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر الآية: 14] أنتَ حينما تتَبِعُ كلامَ النبي تتَبِعُ كلامَ الخبير, اتّبع سُنّةَ النبي في زواجـِك، اتّبع سُنّةَ النبي في تزويجِ ابنتِك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ, إِلا تَفْعَلُوا: تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) اتّبع سُنّةَ النبي في طعامِكَ، في شرابِكَ، في نومِكَ، في استيقاظِكَ، في صلواتِكَ، في عِباداتِكَ، في دُعائِكَ، في علاقاتِكَ، في كسبِ المال، في إنفاقِ المال. لذلك: معرِفةُ سُنّةُ النبي فرضُ عينيّ، كيفَ تتبِعُ النبي دونِ أن تعرِفَ سُنَتَهُ؟ لذلك أقول لكم للمرة الألف: ما من طريقٍ يُفضي بِكم إلى السعادةِ, إلاّ والعِلمُ أولُ مرحلةٍ فيه. إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم، وإذا أردتَ الآخرةَ فعليكَ بالعِلم، وإذا أردتَهُما معاً فعليكَ بالعِلم. ما هو العلم الحقيقي؟ : الشيء الآخر: هذه كلمة دقيقة وخطيرة: العِلمُ لا يُسمّى عِلماً إلاّ بالشواهِدِ والأدلّة، والعِلمُ الحقيقي هوَ العِلمُ الذي يُدعّمُ بالأدلّةِ والبراهين، فكُلُ عِلمٍ ليسَ لهُ دليلٌ ولا بُرهان, لا وثوقَ بهِ, وليسَ بِعلم, لأنهُ صارَ جهلاً, إيّاكَ أن تقبلَ بِلا دليل، وإيّاكَ أن ترفض بِلا دليل، لا بُدَّ من دليلٍ في القَبول ودليلٍ في الرفض، أمّا دعوى وقوعِ نوعٍ من العِلمِ بغيرِ سبب من الاستدلال فليسَ بصحيح. يعني من يقول: هذا عِلم لَدُنّي, العِلمُ اللدُنّي هوَ العِلم الذي وصلَ إلى الأنبياء عن طريق الوحي, فهوَ فِعلاً من لَدُن عليمٍ خبير، أمّا العِلمُ الذي تأتي بهِ من دونِ دليل, هذا ليَ من لَدُنِ اللهِ عزّ وجل, هذا من لَدُن نفسِك، أنا أُريد عِلماً منقولاً عن حضرةِ اللهِ عزّ وجل، أُريدُ عِلماً منقولاً عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم. فكلمة أقولُها لكم دقيقةٌ جداً: العِلمُ اللدُنّي لا يكونُ لدُنّيّاً إلا إذا كانَ منقولاً عن اللهِ وعن رسولِه, فإن لم يكن كذلك, فهوَ عِلمٌ من لَدُن صاحِبِهِ, وصاحِبُهُ قد يُخطِئُ وقد يُصيب, بل إنَّ العِلمَ الإشراقيّ -إن صحَ التعبير- يُقاسُ بالكِتابِ والسُنّة. واحد قالَ لكَ: أنا شعرت بكذا, إذا كانَ هذا الشعور, وهذه الفِكرة, وهذا الكشف مُطابِقاً للكتابِ والسُنّة فعلى العينِ والرأس, وإن لم يكن كذلك فهوَ مردود. منعطف هام : في كلِمةَ أقرؤها لكم: ربُنا عزّ وجل حينما أرسلَ هذه الرِسالة, وأنزلَ هذا القرآن, وبعثَ بالأنبياءِ والمُرسلين, ألم يُعطِهم الأدلّة؟ أليست المُعجزات على أنهم أنبياؤه ورُسُلُهُ؟ أليست الكُتُبُ أدلّةً على ما جاؤوا بهِ؟ هل في القرآن الكريم فِكرةٌ بِلا دليل؟: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 111] ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 44] ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 50] ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 80] إذاً: الطابَع العام طابَع عِلم، طابَع بُرهان، طابَع دليل، طابَع حُجّة، أمّا دع عقلَكَ واتبعّني, هذه مقولةٌ قالَها النصارى، قالتها أُممٌ أُخرى بعيدةٌ عن روحِ العِلمِ الذي جاءَ بِهِ الدينُ الحنيف. بماذا تتعلق هذه الآيات؟ : بعضُ الآيات المُتعلّقة بهذا الموضوع: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 78] ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 75] من الخطورة بمكان : يعني: أخطر شيء أن تأتي بِكلام تدّعي أنهُ من عِندِ الله وليسَ من عِندِ الله، هل هُناكَ وحيٌ بعدَ رسولِ الله؟ هل كانَ الدين ناقِصاً حتى يأتي فُلان ويُتِمّهُ؟: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 3] معناها التطبيق العملي لهذه الفِكرة, يعني: أنتَ في عملَك بالأسواق، بحفلات، بِعقود قِران، بسهرات، بِنَدوات, تستمع إلى أفكار كثيرة, إيّاكَ أن تقبَلَها كُلَها, لا بُدَ من التمحيص، لا بُدَ من التدقيق، لا بُدَ من التساؤل، لا بُدَ من أن تسألَ المُتكلّم هذا الكلام: من أينَ جِئتَ بهِ؟ وأينَ قرأتَهُ؟ وما الدليلُ على صِحَتِهِ؟ وهل هوَ مُعتمد؟ هل هذا الحديث مُسند؟ هل هوَ حديثٌ صحيح؟. دائماً وأبداً: أُناسٌ كثيرون يُمطِرونني بأسئلةٍ كثيرة, أستاذ فلان قال: هيك, طيب قالَ: كذا, لِمَ لم تسألوه: من أينَ جِئتَ بِهذا؟ أينَ قرأتَ هذا؟ ماالدليلُ على صِحةِ هذا؟. يعني الإنسان: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36] الإنسان مُحاسَب، لا بُدَ من تقديم الدليل. كلمة شائعة : أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: لا أَدْرِي سَمِعْتُهُ مِنْهُ أَوْ لا, ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ, فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ . الكلمة الشائعة: أخي ضعها في رقبَتي, من أنت حتى أستَمِعَ إليك؟ من أنت حتى أتّبِعَكَ دون دليل؟ النبي عليه الصلاة والسلام الذي يقولُ اللهُ عنهُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 108] يعني في إنسان يُحرّم الحلال بِلا دليل، وفي إنسان يُحلل الحرام بِلا دليل، الحلالُ والحرام من عِندِ اللهِ عزّ وجل، اللهُ وحدهُ هوَ الذي يُشرّع, لذلك: ما جاءنا عن صاحِبِ هذه القُبّةِ الخضراء فعلى العينِ والرأس, وما جاءنا عن سِواه فهم رِجال ونحنُ رِجال. الآية الأولى إذاً: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الآيـة الثانية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 79] إياك أن ترتزق بالدين : مرة ذكرت لكم بعض الأمثلة, لِقولِهِ تعالى: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ مثل افتراضي: واحد معهُ خمسة ملايين دولار × 47 أو 48, مبلغ ضخم, ممكن أن تشتري بيتاً بأرقى أحياء دِمشق, وبيتاً بأرقى مصايف دِمشق, وبيتاً على الساحل, وسيارة أحدث سيارة, ومتجر بأشهر شارع، بَرَد فأشعَلَها وتدفأَ عليها, إنهُ اشترى بهذا المالِ ثمناً قليلاً، كان مُمكن أن يشتري بِها عِدّة بيوت, وكل البيوت فيها تدفئة مركزية, لكن تدفأَ بِها لساعةٍ أو أقل, وانتهى الأمر, مثل طبعاً افتراضي لكنه دقيق. هذا الذي يتعامل مع الدين تعامُلاً تجاريّاً، يستخدِمُ القيّمَ الدينيةَ لمصالِحهِ, يستخدمُ بهِ حقائِقَ الدين للدُنيا, إنهُ اشترى بهِ ثمناً قليلاً, يقول: هكذا جاءني الإلهام، هكذا رأيت، هذا هوَ الكشف ليبتزَّ أموال الناس، يستخدِم قيّمَ الدين ليُحققَ مكانةً اجتماعيّة، يستخدِمُ قيّمَ الدين ليصرِفَ وجوهَ الناسِ إليه, شيء خطير. إذا أردت الدنيا فاطلبها من مظانها ولا تطلبها من خلال الدين : كلمة أقولها لكم: إذا أردتَ الدُنيا فاطلُبها من مظانِها, واحد يُريد المال، طلبَك معقول, ابحث عن المال في التجارة, في الصناعة, في الزراعة, في الوظائف, تعمّق باختصاص، لكن أن تجعلَ كسبَ المالِ من خِلال الدين شيء خطير جداً، أتلعبُ بدينِ اللهِ عزّ وجل؟ هذا الدين المُقدّس أتُحوّرِهُ كما تُريد؟ أتَجُرُهُ لأهوائِك؟ هذا إنسان يلعب بالنار. لذلك: أيُّ إنسانٍ يستخدِمُ قيّمَ الدين للدُنيا، يستخدِمُ قيّمَ الدين لمصالِحِهِ الشخصيّة، ليجمعَ المالَ، ليعلوَ على الناس، هذا الإنسان يلعب بالنار, ابحث عن المال في مظانِهِ الشريفة، أمّا أن تلعبَ بدينِ الله من أجلِ أن تأخذَ الأموال بِلا جُهد, هذا شيء خطير جدّاً, هذا معنى قولِهِ تعالى ، الإنجيل مثلاً, العهد القديم, تنطَبِقُ عليهِ هذه الآية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ كُلُكم يعلم في العصور الوسطى, كان بعض رِجال الدين غير الإسلامي طبعاً, يبيعونَ الجنّة بصكوك, هذا أخذ قصبتين, وهذا ثلاث, جاءَ واحد يهودي ذكي جدّاً, واشترى مِنهُم النار بمبلغ لا بأسَ بهِ, وبعد أن اشتراها بوقت لا بأسَ بهِ, بلّغَ الناسَ أنني قد اشتريتُ, وسوفَ أُغلِقها، فبادت تجارتهم فعادوا, واشتروا النار منهُ, خُرافات, أباطيل, تدجيل, هذا دين, دينُ الله عزّ وجل, لذلك: أخطر شيء أن يتغلغلَ في ذهن الإنسان عقائد فاسِدة، عقائد زائغة. من أعظم المعاصي : الآية الثالثة: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 93] أوهمَ الناس أنهُ يأتيه عِلم لَدُنّيّ، ويأتيه الوحي، ويأتيه الإلهام, وهذا الكلام كُلُهُ فــي مصلحَتِهِ. الحقيقة: مرّ معنا في دروس سابقة, في هذا المسجد: أن المُحرمّات كثيرة؛ في الشِرك, وفي الفِسق, وفي النِفاق, وفي الإثم, وفي العدوان, وفي الفحشاء, وفي المُنكر, لكنَّ أعظم هذه المعاصي, قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 169] فنحنُ نبحثُ عن عِلمٍ صافٍ، عن عِلمٍ مُقيدٍ بالكتابِ والسُنّة، عن علم نقيٍ من كُل شائبة، عن عِلمٍ عليهِ أدلّةٍ وبراهين قطعيّة. قف هنا : يقولُ بعضُهم: كُلُّ من يقولُ: إنَّ هذا العِلمَ عِلمٌ لَدُنّي, لِما لا يُعلمُ أنهُ من عِندِ الله, ولا قامَ عليهِ برهانٌ من الله, أنهُ من عِندِهِ, هوَ كاذِبٌ مُفترٍ على الله، وهذا العِلم كسرابٍ بقيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدهُ شيئاً ووجدَ اللهَ عِندَهُ فوفّاهُ حِسابَه واللهُ سريع الحِساب. واجب في عنقك : الملخص إذاً: أتمنى على كُل أخ كريم أن يُراجِع معلوماتِه, ويُراجع أفكارهُ, ويُراجع معتقداتِهِ, ويُراجع تصوراتِهِ, ويُراجع مفاهيمهِ, ويُراجع مخزونهُ العقائدي, عملية جرد, وأن يعرِضَ كُلَّ فِكرةٍ على الكِتابِ والسُنّة، أن لا يقبل إلا بالدليل, وأن لا يرفض إلا بالدليل، وكُلُ علمٍ يفتقرُ إلى الدليل فليسَ بعِلمِ وهوَ خَطِر، والإنسان أحياناً قد يكونُ ضحيّةَ فِكرةٍ خاطئة. إذا أوهَمَكَ أحدهم أننا نحنُ أُمة محمد مرحومة, الحمد لله يا ربي إذ جعلتنا مُسلمين، والنبي لن يدخُلَ الجنّةَ إلا إذا أدخلَ أُمَتَهُ قبلَهُ, ولو كانوا عُصاةَ, والله شيء عال, والحمدُ لله, هذه العقيدة الزائغة قد تدفعُ سعادتكَ الأبديّةَ ثمناً لها. لا تضح بسعادتك الأبدية من أجل فكرة خاطئة : قُلتُ لكم في درس البارحة: شخص شاهدتُهُ بعيني, شخص أعتقد أنهُ إذا نزع أسنانَهُ كُلَها, يُعفى من الخِدمة الإلزاميّة، مر على أول طبيب فرفض, والثاني كذلك, قالَ لي: مررت بعشرةِ أطباء كُلُهم رفضوا, شاب في الثالثة والعشرين من عُمرِهِ, في طبيب بجلستين قَلَعَ لهُ أسنانَهُ كُلها، ذهب إلى الفحص, فقالوا لهُ: أنتَ مُتهرّب من الخِدمة, وخدم خمس سنوات, وبقي بِلا أسنان، ضحية فِكرة خاطئة أليسَ كذلك؟ طبعاً هذا مَثَل صارخ وقلَّ ما يحدث، لكن إنسان يُضّحي بسعادتِهِ الأبدية, يُضّحي بالأبد من أجل فِكرة خاطئة, سَمِعها من إنسان, ليسَ متأكد مِنها. ما التطبيق العملي لهذا الحديث؟ : إنَّ هذا العِلمَ دين, فانظروا عمن تأخذونَ دينَكم، دينكَ دينَك إنهُ لحمُكَ ودَمُك. أخي هذه تجوز؟ والله ليسَ فيها شيء، ساعة عموم بلوى, وساعة لا تُدقق كثير, الله غفور رحيم، وساعة يا أخي ماذا نعمل؟ فإذا لم يَعُد هُناك شيء في الدين، يا ترى اللهُ يقبل مِنّا هذا الكلام؟ اللهُ جلَّ وعلا هل يقبل مِنّا هذا يوم القيامة؟ أينَ قولُهُ تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 92-93] أيام يقول لي واحد: هذه فيها فتوى، أقول لهُ: ماشي الحال, لكن الله يجمعُكَ مع المُفتي يوم القيامة, الذي أفتى لكَ هذه الفتوى طبعاً, مثلاً: مع دوائر الدولة شيء منَعَتهُ الدولة, فقالَ لكَ واحد: لا تسأل, ضعها في رقبَتي, واعمَلها، ففعلَها فأحضروه، فُلان قالَ لي، أينَ هوَ؟ أحضِرهُ لي, من قالَ لكَ هذا؟ أنتَ لا ترضى بهِ مع إنسان, أترضى بهِ مع الواحد الديّان؟ مستحيل. هذا هوَ العِلمُ الصافي، عِلمٌ مُدعّمٌ بالكِتابِ والسُنّة، لا تقبل شياً دون آية قُرآنية أو دون حديث صحيح، وإيّاكَ أن ترفُضَ شيئاً دون آية قُرآينة أو دون حديث صحيح. ما تعريف الهمة وما أعلى هذه الهمم؟ : الآن: الهِمّة، دائماً عندنا قناعات وعنّدنا أهداف، ما الذي يرفعُنا إلى مستوى أهدافِنا؟ لكَ أن تُسميّ هذه الهِمّة أو العزيمة أو الإرادة صِفة نفسية تُعينُكَ على أن تصِلَ إلى هَدَفِك. يعني يقول لكَ واحد: نحن والله نعرف كُلَّ شيء, لكن لسنا مُطبّقين شيئاً، معناها يفتقر إلى ماذا؟ إلى الإرادة القوية, فهذهِ الهِمّةُ العليّا أو الهِمّةُ الصافيّة، قال: أعلى هذه الهِمم: هيَ هِمةٌ اتصلت بالحقِّ سُبحانه طَلَباً وقصداً, وأوصلت الخلقَ إليهِ دعوةً ونُصحاً, وهذه الهِمةُ هِمّةُ الرُسُلِ وأتباعهم. يعني: أعلى هِمّة أن تَصِلَ إلى اللهِ طلباً وقصداً, وأن توصِلَ الخلقَ إليهِ دعوةً ونُصحاً، وصلتَ إلى الله وسعيتَ إلى إيصالِ الخلقِ إليه، قال: هذه هِمّةُ الأنبياءِ والمُرسلين وأتباعِهم الصادقين. أتريد أن تعرف مراتب الهمم؟ انظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي: نقول نحنُ أحياناً: اللهمَ صلِ على سيدنا مُحمدٍ, وعلى آلِ سيدِنا مُحمدٍ, وعلى أصحابِهِ الطيبينَ الطاهرين, الهُداة المَهديين, أُمناءِ دعوتهِ, وقادةِ ألويتهِ, وعلى العُلماء العاملين, ومن اتبعهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، معناها: لا بُدَّ أن تكونَ عالِماً عاملاً وليّاً. قال: إذا أردتَ أن تعرِفَ مراتِبِ هذه الهِمم, فانظر إلى هِمّةَ ربيعةَ بن كعبِ الأسلميّ رضيَ اللهُ عنهُ، هوَ خَدَمَ النبيَ أياماً عِدّة، بعدَ أيامٍ عِدّة, قال لهُ النبي عليه الصلاة والسلام: ((يا ربيعة سلّني حاجَتَك, فقالَ: أمهلني يا رسولَ الله, فلمّا أمهلَهُ, ثمَّ سألَهُ عن حاجتِهِ, قالَ: سلّني أسألُكَ مُرافقتَكَ في الجنة، قالَ: من علّمَكَ هذا؟ قالَ: واللهِ ما علمّنيه أحد. -هُناكَ أشخاصٌ سألوا النبيَ مالاً, أو سألوا النبيَ زوجةً، في إنسان تنتهي آمالُهُ بالزواج، تنتهي آمالهُ بعمل، تنتهي آمالُهُ بِدخل، لكن في إنسان آمالُهُ لا تنتهي إلاّ بالجنّة، لا تنتهي إلاّ بمرافقةِ النبي صلى الله عليه وسلم-, فقالَ: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنة, وكانَ غيرَهُ يسألَهُ ما يملأُ بطنَهُ ويُواري جِلدَهُ)) ما هذه الهمة عند سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ : سيدنا ابراهيم, ما هذه الهِمّة؟ قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 124] أتمَهُنّ, قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 73] الهِمّة العليّة ترفَعُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل، يعني موضوع ذبح ابنهِ, شيء فوقَ طاقة البشر: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الصافات الآية: 102] الأمر: أنهُ قُم وصلِّ, وغُض بَصَرَك, وأنفق من مالِك, كُل الأوامر معقولة, لكن هذا النبي العظيم, الذي هوَ عِندَ اللهِ خليل, يُقال عنهُ: خليلُ الرحمن، ما صارَ بهذهِ المرتبة, إلا لأنهُ نفّذَ أمرَ اللهِ عزّ وجل الذي لا يُعقل أن يكونَ أمراً, ومع ذلك نفذّهُ, لكنَّ اللهَ سُبحانهُ وتعالى فداهُ بِذِبحٍ عظيم. النبيُ عليه الصلاة والسلام حينما عُرِضت عليه مفاتيحُ كنوزِ الأرض فأباها، يا مُحمـد أتُحِبُ أن تكونَ نبياً ملِكاً أم نبياً عبداً؟ قالَ: ((بل نبياً عبداً, أجوعُ يوماً فأذكُرُهُ, وأشبعُ يوماً فأشكُرُهُ)) نهاية المطاف : نحنُ نُريد عِلماً صافياً، نقياً من كُلِّ شائبة، ونُريد هِمّة عليّة، إخلاص لله عزّ وجل، صُدق في طلب الحق، عدم التبعثر والتشتت، ونُريد في الأخير حالاً صافياً، فالحال ثَمَرِة العِلم الصحيح والعمل الصحيح، الثمرة الطبيعية للعلم الصافي: الهِمّة الصافيّة, الحال الصافي. المُلخّص: أنهُ إذا استطعت أن تَصِلَ إلى عِلمٍ صافٍ, من كُلِّ شائبة، من كُلِّ خُرافة، من كُلِّ زيغ، من كُلِّ خطأ، من كُلِّ ظن، إذا قيّدتَ كُلَّ معلوماتِكَ وأفكارِكَ وعقيدَتَكَ وتصوراتِكَ بالكتاب والسُنّة الصحيحة، هذا العِلم الصحيح الصافي, يبعثُ فيكَ هِمّةً عالية, والهِمّةُ العالية تقودُكَ إلى استقامةٍ وعملٍ صالح, يأتي التاج وهوَ حالٌ صافٍ، هذا الحال الطيب الذي يَشُعُّ على الآخرين, هذا الحال نتيجة: عمل صالح, واستقامة, وهِمّة عالية, وعِلم صافٍ. فالصفاء إلى أن تكونَ من هؤلاءِ الذينَ اصطفاهم اللهُ عزّ وجل: ﴿وَإِنَّهمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#42 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الفقرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الاربعون ) منزلة اليوم في هذا الدرس : ![]() أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرسِ الأربعين من دروسِ مدارِجِ السالِكين, في مراتِبِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاك َنستعين, ومنزِلةُ اليوم هيَ منزِلةُ الفقر. كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذِهنِ الإنسان, حينما يستَمِعُ إلى كلمة الفقر, ليست مقصودةً في هذا الدرس، كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذِهنِ الإنسان, حينما يقرأُ كلمة فقر, أو حينما يسمعُ كلمة فقر, أو حينما ينطِقُ بكلمة فقر, ليست مقصودةً في هذا الدرس، مرتبةٌ عاليةٌ جداً من مراتِب الإيمان تُقابِلُ مرتبةَ العبوديّة، حقيقتُكَ أنكَ عبدٌ لله أيّ مُفتقرٌ إليه، فالفقرُ الذي نعنيهِ في هذا الدرس من نوعٍ آخر، قد تكونُ من أغنى الأغنياء وأنتَ في منزِلةِ الفقر، وقد تكونُ من أفقر الفُقراء وأنتَ في منزِلةِ الكِبر. على كُلٍ؛ الآيات الكريمة التي وردت في القرآن الكريم, وفيها كلمة الفقر آياتٌ عِدّة, من هذه الآيات, قولُهُ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 273] نفرٌ من أصحابِ رسولِ الله، نفرٌ من المُهاجرين، تركوا أوطانَهم، تركوا أهليهم، تركوا أموالهم, وجاؤوا مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينةِ المنوّرة، كانوا فقراء بِحُكمِ هِجرَتِهم، وكانوا فقراء بِحُكمِ أنهم لو ضربَوا في الأرض لرَبِحوا واكتسبوا المال, ولكنهم مهدورةٌ دِماؤهم, لا يستطيعونَ ضرباً في الأرض، هؤلاءِ الفقراء من خواصِّ المؤمنين، أيضاً لا يعنينا هذا المعنى الذي جاءت بهِ هذه الآية في هذا الدرس. ما المراد بالفقر في هذه الآية؟ : ![]() وقد وردت كلمة الفقر أيضاً في آيةٍ ثانية, وهيَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 60] أيضاً: هؤلاءِ الذينَ يستحقّونَ الزكاةَ ممن لا يجدونَ حاجاتِهم. مرّةً ثانية: حتى الآية هذه ليست معنيّةً في هذا الدرس. درسُنا كُلُهُ حولَ قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر الآية: 15] أنتم مفتقِرونَ إليه في وجودِكم، مفتقِرونَ إليه في إمداداتِكم، مفتقِرونَ إليه في حاجاتِكُم، في قيامِكُم، في سمعِكم، في بصرِكُم، في عقولِكم، في أجهِزَتِكم، في أعضائِكم، في تأمينِ حاجاتِكم, فالمعنى الذي نُريدُهُ اليوم, هوَ معنى يُقابِلُ معنى العبوديةُ, التي هيَ جوهرُ الإنسان. مُرادُ القومِ مِنَ الفقرِ، معنى القوم يعني أهلُ الله، العارِفونَ بالله، السالِكونَ في طريقِ الإيمان، مُرادُ القومِ بالفقرِ شيءٌ أخصُّ من هذا كُلِهِ, وهوَ تحقيقُ العبوديةِ والافتقار إلى الله تعالى في كُلِّ حالة، أن تكونَ عبداً للهِ حقّاً، أن تتحققَ من عبوديّتِك، أن تعرِفَ هويّتَك، أن تعرِفَ نفسك، وعبوديّتُكَ تعني الافتقار إلى الله تعالى. قال: هذا المعنى معنى العبوديّة: أن تعرِفَ حقيقةَ ذاتِك، أن تعرِفَ هويّتَك، أن تعرِفَ من أنت، أن تعرِفَ أنكَ عبدٌ ضعيف، أنتَ قويٌ بالله وضعيفٌ في نفسِك، غنيٌ في الله وضعيفٌ في نفسِك، عالِمٌ بالله وجاهِلٌ في نفسِك، حكيمٌ بالله وأخرَقُ في نفسِك، إذا تحققّتَ من حقيقةِ ذاتِك, قال: هذه المرتبةُ هيَ مرتبة العبوديّة. بعض العلماء قال: هذا المعنى معنى العبوديّة والافتقار إلى الله أجلُّ من أن يُسمّى فقراً، لأنهُ كلمة فقر إذا ذُكِرت, تنصرِفُ إلى أنَّ إنساناً لا يجدُ كُلَّ حاجاتِهِ, يمدُّ يَدَهُ للناس, يتكففهُم، يُحِس بالحرمان، هذه المرتبةُ أجلُّ من أن تُسمّى فقراً, إنها في الحقيقةِ: حقيقةُ العبوديّةِ ولُبُّها, وعزلُ النفسِ عن مزاحمةِ الربوبيّة. الإنسان أحياناً لجهلِهِ وحُمقِهِ يتقمّصُ صِفات الربوبيّة، يقول لكَ: أنا أفعل, أنا أُعطي, أنا أمنع, أنا أُعاقب, حينما يقول: أنا, فكأنهُ تقمّص صِفات الربوبيّة، فحقيقةُ الافتقارِ إلى الله هيَ أن تعزِلَ نفسَكَ عن صفات الربوبيّة, وأن تعرِفَ أنكَ عبدٌ للهِ عزّ وجل. متى يستحق الفقير اسم الفقير؟ : سُئِلَ بعضُهم: متى يستحقُّ الفقير اسمَ الفقير؟ قالَ: إذا لم يبق عليهِ بقيّةٌ مِنه, فقيل لهُ: وكيفَ ذلك؟ قال: إذا كانَ لهُ فليسَ لهُ, وإذا لم يكن لهُ فهوَ لهُ. ما دامَ يشعر أنهُ على جانبٍ من العِلم فليسَ مُفتقِراً إلى الله عزّ وجل، ما دامَ يشعُرُ أنهُ على جانبٍ من القوّة فليسَ مُفتقراً إلى الله عزَ وجل، يُذكّرُنا هذا المعنى بقولِ النبي الكريم يوسُف عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 33] هوَ في أعلى درجات العِفّة، في أعلى درجات العزيمة والإرادة، ومعَ ذلك ما رأى عِفّتَهُ ذاتيّةً، رأى عِفّتَهُ من الله عزّ وجل. المُفتقر إلى الله عزّ وجل لا يرى لهُ: لا عِلماً, ولا حالاً, ولا عملاً, ولا عزيمةً, ولا شأناً، يرى أنهُ أحدُ أفضالِ اللهِ عزّ وجل، هوَ من فضلِ الله، وجودُهُ من فضلِ الله، ذكاؤهُ من فضلِ الله، إذا أغناهُ اللهُ فهذا من فضلِ الله، هُناكَ من هوَ أذكى مِنه يمدُّ يدَهُ للناس، إذا أتاهُ اللهُ من حِكمة فهذا من فضلِ الله، إذا أعطاهُ اللهُ طلاقة لِسانٍ فهذا من فضلِ الله, هذا معنى الافتقار إلى الله عزّ وجل. هل يمكن أن تتناقض مرتبة الفقر إلى الله مع الغنى أو الملك؟ : ![]() قال: هذه المنزِلة لا تتناقضُ معَ أن تكونَ غنيّاً، ولا أن تكونَ مالِكاً، لأنَّ هذا الغِنى لا يعني ذلك المعنى، قد تكونُ في أعلى درجاتِ الغِنى وأنتَ في أعلى درجاتِ الفقرِ إلى اللهِ عزّ وجل، وكُلما ازددتَ افتقاراً إلى الله عزّ وجل زادَكَ اللهُ، وكُلما ازددتَ تذللاً إلى اللهِ عزّ وجل زادكَ اللهُ عِزّاً، وكُلما ازددتَ خوفاً من الله عزّ وجل زادكَ اللهُ أمناً, وكُلما ازددتَ حِرصاً على طاعة الله عزّ وجل زادَكَ اللهُ رِفعَةً، فكُلما خضعت ارتفعت، كُلما علوت وتكبرت خُفِضت، هذا المعنى الذي يُقصَدُ من كلمة الفقر. أمّا هُناكَ أنبياءُ من أُولي العزم كانوا أغنياء، سيدنا إبراهيم كانَ في وصفِ كُتّاب السيّر وكُتّابِ التاريخ أبا الضيفان، كانَ من أكرمِ الكُرماء، وآياتٌ كثيرة وردَت في إكرامِهِ للضيف: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [سورة هود الآية: 69] ![]() كانَ يُطعِمَ الناسَ دائماً فهو غني، وسيدنا سُليمان الذي قالَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة ص الآية: 34] كانَ غنيّاً وكانَ في الوقتِ نفسِهِ مفتقراً إلى اللهِ عزّ وجل، ونبينا عليهِ الصلاة والسلام ألم يقُل الله في حقِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [سورة الضحى الآية: 8] رجل دنيوي مُشرِك, رأى واديّاً من الغنم, سألَ النبي عليه الصلاة والسلام: ((لمن هذا الوادي؟ قالَ: هوَ لك، قال: أتهزأُ بي؟ قالَ: لا هوَ لكَ، قالَ: أشهدُ أنكَ رسولُ الله, تعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر)) النبي كان في طور من أطوار حياتِهِ غنيّاً، وسيدنا سُليمان كانَ غنيّاً، وسيدنا إبراهيم كانَ غنيّاً، فهذا لا يتناقض مع مرتبةِ الفقرِ إلى الله عزّ وجل، والبطولة: ألا يُسيّر الإنسان من قِبَلِ حالةٍ هوَ فيها، من السهلِ جداً أن تنزلِقَ إذا كُنتَ غنيّاً إلى الكِبر, لكن البطولة أن تكونَ غنيّاً ومُفتقراً في وقتٍ واحد, وهذا لا يستطيعُهُ إلا مؤمن، أن تجمعَ بينَ الغِنى والافتقار إلى اللهِ عزّ وجل. أعجبتني كلمةٌ في حقِ هؤلاءِ الأنبياءِ العِظام, قال: كانوا أغنياءَ في فقرِهم وفقراءَ في غِناهُم، أغنياءَ في فقرِهم وفقراءَ في غِناهُم. الفقر الحقيقي : ![]() قال: الفقرُ الحقيقي دوامُ الافتقارِ إلى اللهِ في كُلِّ حال. يبدو الإنسان في حالة المرض يفتقر, أمّا إذا شعرَ بصحتهِ جيدة قد يستغني, أقول الإنسان لا أقول المؤمن, قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق الآية: 6-7] من صِفاتِ الإنسانِ قبلَ أن يؤمن، من صِفاتِ الإنسانِ قبلَ أن يصقِلَهُ الإيمان، من صِفات الإنسان المُعرِض: أنهُ إذا رأى نفسَهُ قويّاً، غنيّاً، شديداً، صحيحاً، استغنى عن اللهِ عزّ وجل, ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ هذا شأنُ أهلِ الإعراض، هذا شأنُ الجُهلاء، لكنَّ العُلماء، والعارفينَ بالله، وكِبارَ المؤمنين والصادقينَ منَ المؤمنين، يزدادونَ افتقاراً إلى الله وهم في أعلى درجات الغِنى. قال: الفقرُ الحقيقي دوامُ الافتقارُ إلى اللهِ في كُلِّ حال, وأن يشهَدَ العبدُ في كُلِّ ذرّةٍ من ذرّاتِهِ الظاهِرةِ والباطِنة فاقةً تامّةً إلى اللهِ تعالى من كُلِّ وجه. أنت مفتقر الى الله شئت أم أبيت : ![]() أيها الأخوة, كيفَ تغدو حياتُنا لو انحبسَ البول؟ كيفَ تغدو حياتُنا لو وصلَ إلى عِلمِنا: أنَّ كُليةً تعطلّت أو أنَّ الكُليتين معاً توقفتا عن العمل؟ كيفَ تغدو حياتُنا لو وصلَ إلى عِلمِنا: أنَّ بعض الأجهزة توقفَ عن العمل؟ تقول: أنا على أي شيء، ما لشيء الذي بيديك, ما الذي يضمنُ للإنسان ألاّ تنمو خلاياهُ نمواً عشوائيّاً, في أعلى درجات الصحةِ والقوةِ والذكاءِ والمناعةِ والحِكمةِ والفهمِ فجأةً ورمٌ خبيث؟ ماذا تملِكُ أيها الإنسان؟ لا تملِكُ شيئاً، أنتَ مُفتقر إلى الله في نمو الخلايا النمو المُنتظم، مُفتقر إلى الله عز وجل في الكُليتين، في الكبد، في الغدّة النُخاميّة، في الكظر، في البنكرياس، في الطُحال، الطُحال عَمِلَ عملاً زائداً عن وضعِهِ الطبيعي فقتلَ صاحِبَهُ, فقر دم مُستمر, الطُحال يأخذُ كريّةَ الدم الحمراء الميتة, فيُحللُها إلى عناصِرِها الأساسيّة, فصارَ هذا الطُحال نشيطاً جِدّاً, يأخذُ الكريّة الحمراء الميتة والجيدة, فإذا هوَ فقرُ دمٍ مُستمر إلى أن ماتَ صاحِبهُ، المرض فرطُ نشاطٍ في الطُحال، فيا ترى: أنا يجبُ أن أخشى الطُحال, أم أخشى الكُليتين, أم أخشى الكبِد, أم البنكرياس, أم الصفراء, أم النُخامية, أم الكظر, أم الأمعاء, أم الشرايين, أم الدسّامات, أم الأوردة, أم الأعصاب؟ تقول: أنا على أيِّ شيء؟. بالمناسبة أيها الأخوة: ما هوَ العِلم؟ أن تقولَ شيئاً مُطابِقاً للواقع, فإذا قُلتَ: أنا, وأنتَ لا تملِكُ شيئاً, فهذا كلامٌ فيهِ جهل كبير، إذا قُلتَ: الله, كلام صحيح، لذلك المؤمن ليسَ من قبيل التأدّب معَ الله، من قبيل الواقعيّة, يقول: هذا من فضِلِ اللهِ عليّ، أكرمني اللهُ بهذا، تفضّلَ اللهُ عليَّ بهذا، أجرى اللهُ على يديَّ هذا الخير، الحمدُ للهِ أولاً وأخيراً، دائماً حال المؤمن أنهُ يعزو كُلَّ فضيلةٍ فيهِ إلى اللهِ عزّ وجل, هذا الافتقار. من هو المفتقر؟ : ![]() هوَ الفقر واقع, لكن من هوَ المُفتقر إلى الله؟ أنتَ فقير فعلاً، المؤمن فقير, والكافر فقير, والمُشرك فقير, والفاجر فقير, والعاصي فقير، الفقرُ صِفةٌ ثابِتة في الإنسان, أيُّ إنسان, لكن من هوَ المُفتقر؟. قال: هوَ الذي يشهدُ افتقارَهُ إلى الله، أنتَ مُفتقر قولاً واحداً, ولكنَّ المُفتقِرَ إلى اللهِ عزّ وجل كمقامٍ من مقاماتِ أهلِ الإيمان, هوَ أن تشهدَ أنكَ مُفتقر, أن تشهَدَ أنكَ مُفتقرٌ إلى اللهِ عزّ وجل. قالَ بعض العارفين: والفقرُ لي وصفُ ذاتٍ لازِمٌ أبداً كما الغِنى أبداً وصفُ لهُ ذاتي الله عزّ وجل دائماً غني وأنا دائماً فقير، دائماً قوي وأنا دائماً ضعيف، دائماً يعلم وأنا لا أعلم، لكِنكَ إذا افتقرتَ إلى الله, فأنتَ الذي تعلم, وأنتَ الغني, وأنتَ القوي. ما أركان مرتبة الافتقار إلى الله؟ : قالَ: هذه المرتبة مرتبةُ الافتقار إلى الله عزّ وجل, ليست شيئاً سهلاً تقولُهُ بكَلِمة, مثلاً من باب الأمثلة: تقول لِفُلان: تفضل دكتور، كلمة دكتور تعني أنهُ إنسان يحمل دكتوراه, ومعنى دكتوراه: يعني أنهُ ألّفَ بحثاً في موضوع معيّن, لكن في البحث إبداع وجِدّة، معنى ذلك: أنَّ الإنسان أمضى سبع سنوات في هذه الشهادة, وقبلُها في ماجستير, وقبلها في دبلوم عامة ودبلوم خاصة, وقبلها في ليسانس, وقبلُها في شهادة ثانوية، فكلمة دكتور لا تعني كلمة عادية. ![]() فلان واضع خاتم بيده, الخاتم سهل شراء, الخاتم سهل، أمّا أن تكون دكتور ليسَ هذا من السهل، قياساً على هذا المثل: أن تقول: فُلان في مرتبة الافتقار، مرتبة إيمانية عالية جداً، أقول لكم: من أعلى مراتِبِ الإيمان بل إنها تُقابِلُ مرتَبةَ العبوديّة، فأن تقول: فُلان مُفتقر, هذه المرتبة الإيمانية العالية تحتاج إلى مقوّمات. قالَ بعض العُلماء: أركانُها أربعة؛ عِلمُ يسوسهُ، وورعٌ يحجُزهُ، ويقينٌ يحمِله، وذِكرٌ يؤنِسهُ. المُفتقر عِندَهُ: عِلمُ يسوسهُ، وعِندَهُ ورعٌ يحجُزهُ، وعِندَهُ يقينٌ يحمِله، وعِندَهُ ذِكرٌ يؤنِسهُ, هذا الافتقار, لا افتقارَ بِلا عِلم، يجب أن تعلمَ حقيقةَ نفسِك، يجب أن تعلمَ قُدرةَ اللهِ عزّ وجل، يجب أن تعلمَ أنَّ الأمرَ كُلَهُ بيدِ الله، يجب أن تعلمَ أنهُ ما من حركةٍ ولا سكنةِ إلا بيدِ الله عزّ وجل، ما من إنسان إلا وفي قبضةِ اللهِ عزّ وجل، عِلمُ يسوسهُ, وورعٌ يحجُزهُ، لا ورع إذن حِجاب عن الله عزّ وجل، فالعِلمُ يحتاج إلى ورع ويقينٌ, لا شيء وأنتَ قوي، لا شيء وأنتَ غني، يقينُ يحِملُ على هذه المرتبة، وذِكرٌ باللهِ يؤنِسهُ على أن يكونَ مُتكبرّاً، حينما يفتقر يأتي الأُنسُ بالله عزّ وجل. مرةً ثانية: كُلُ المعاني التي تتواردُ إلى ذهنِ الإنسان, حينما يقرأُ كلمة فقر, أو ينطِق بكلمة فقر, أو يسمع بكلمة فقر, لا تعنينا في هذا الدرسِ إطلاقاً. هذا الدرس ليسَ لهُ علاقة بحالة الفقر الاجتماعية، هذا الدرس لهُ علاقة بمراتب الإيمان العالية، من أرقى هذه المراتب الافتقار إلى الله, استنباطاً من قولِهِ تعالى: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ متى يستريح الفقير؟ : ![]() سُئِلَ أحدُ العُلماء قال: متى يستريحُ الفقير؟ قالَ: إذا لم ير لِنفسِهِ غيرَ الوقتِ الذي هو فيه. يعني يعيشُ الوقتَ الذي هوَ فيه, لأنَّ الماضي مضى والمُستقبل غيب، ما مضى فات, والمُؤمَلُ غيب, ولكَ الساعةُ التي أنتَ فيها. أقول لكم هذا الكلام: أنتَ لا تملِكُ إلاّ هذه الساعة, لأنَّ الذي بعدَ هذه الساعة لا تملِكه، من يضمنُ: أن نَصِلَ إلى بيوتِنا؟ من يضمنُ لنا: إذا نِمنا أن نستيقظ، وإذا خرجنا أن نعود، وإذا عُدنا أن نخرج، وإذا سافرنا أن نرجِع؟ من يضمن؟. فالمُؤمَلُ غيب وما مضى فات, ما الذي تملِكُهُ؟ الساعةُ التي أنتَ فيها, لذلِك: هَلَكَ المسوِّفون. تقول: إلى أن أنتهي من تأسيسِ هذا المشروع, سوفَ أُصلّي, وسوفَ .. هَلَكت, لأنكَ لا تملِك المُستقبل، إلى أن ينتهي فحص الشهادة الثانوية أُصلّي .. مثلاً ..، إلى أن أتزوّج أُصلّي. هَلَكَ المُسَوِفون. هذا حال الفقير إلى الله : ![]() لِبعضِ العُلماءِ قولٌ لطيف, قال: أحسنُ ما يتوسّلُ بهِ العبدُ إلى اللهِ عزّ وجل دوامُ الافتقارِ إليهِ على جميعِ الأحوال, ومُلازمةُ السُنّةُ في جميعِ الأفعال, وطلبُ القوتِ من وجهٍ حلال. الحال افتقار، والسلوك تطبيق للسُنّة، وكسب الرِزق من وجهٍ حلال، هذا الذكاء، هذه البطولة، رِزق حلال، الحال فيهِ افتقار، الحركة وفق المنهج. الحركة الظاهرة حركة الجوارح وفق المنهج, السمع والبصر والفؤاد واللسان واليد والرِجل كُلُها وفقَ الشرع, الحال مع الله افتقاراً، والسلوك مع الشرعِ انضباطاً، وكسبُ الرِزقِ من وجهٍ حلال. ((أطب مطعَمَكَ تكُن مُستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير] هذه صفة المفتقر إلى الله : ![]() الفقر لهُ بداية، قال: ولهُ نهاية، ولهُ ظاهر ولهُ باطن، بدايتهُ التذللُ إلى اللهِ عزّ وجل ونهايتُهُ العِزُّ بالله، عِندَ المؤمنِ عِزٌ ومنعةٌ واباءٌ واعتزازٌ باللهِ عزّ وجل, لو وُزِعَ على أهلِ بلدٍ لكفاهُم, هذا المُتكبّر يتكبّر على من هوَ دونَهُ، أمّا لو رأيتَهُ أمامَ من هوَ فوقَهُ, لرأيتَهُ أذلَّ من شاةٍ. من صِفات اللؤماء: أنهم إذا تعاملوا مع من هم دونَهم, كانوا قُساةً، جُفاةً، متعجرفين، متغطرسين، مستعلين، لا يرحمون، أمّا لو تراهم أمامَ من هم فوقَهم, لرأيتَهم أذلَّ من الشاةِ، أذلَّ من يتيمٍ على مائِدةِ اللئيم، أمّا المؤمن لأنهُ افتقرَ إلى الله عزّ وجل, البداية تذلل أمّا النهاية عِزّ, صدق القائل: اجعل لِرَبِكَ كُلَّ عِزِكَ يستقيمُ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزّكَ ميتُ بدايتهُ تذلل أمّا نهايتهُ عِزّ، سُبحانَ الله هذه من المُفارقات, كُلما ازددتَ خضوعاً لله رَفَعَكَ الله. انظر إلى هذه العلاقة التي فيها مفارقة : أنا لا أعتقد أنَّ في الكونِ كُلِهِ إنساناً أشدَّ افتقاراً وخضوعاً وتذلُلاً إلى اللهِ من رسولِ الله، كما أني لا أعتقد أنَّ في الأرضِ كُلِها في تاريخِ البشريةِ كُلِها إنساناً أعزّهُ اللهُ ورَفَعَهُ كرسولِ الله, انظر لهذه العلاقة التي فيها مُفارقة, كُلما ازددتَ تذلُلاً وخضوعاً وانصياعاً وخوفاً وحُباً وعبوديّةً, زادَكَ اللهُ عِزّاً ورِفعةً وإباءً ومكانةً وجاهاً. ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام: أنَّ اللهَ عزّ وجل أقسمَ في كِتابِهِ الكريم بِعُمُرِهِ, قال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 72] ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام أنهُ قالَ في كِتابِهِ العزيز عن النبي عليه الصـلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] ألا يكفي النبي عليه الصلاة والسلام أن اللهَ عزّ وجل ما خاطَبَهُ باسمهِ إطلاقاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 64] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 67] قالَ: يا عيسى بن مريم، وقالَ: يا موسى, خاطَبَ الأنبياءَ بأسمائِهم, لكنهُ لم يُخاطِب النبي صلى اللهُ عليه وسلم أبداً باسمِهِ. ما علاقتنا بهذه المعاني؟ : ![]() ما علاقَتُنا بهذه المعاني؟ علاقَتُنا: أنكَ كُلما ازددتَ للهِ خضوعاً وافتقاراً وحُباَ وعبوديّةً رَفَعَكَ الله، رَفَعَ شأنَك، كساكَ ثوبَ هيبةٍ، هابَكَ الناس. من هابَ اللهَ هابَهُ كُلُ شيء, ومن لم يَهِب اللهَ أهابَهُ اللهُ من كُل شيء. أيام تُقابل شخصاً, قد يكون عِنده مستخدم يخاف مِنهُ, تستغرب أنت, وتقول: هو في مرتبة عالية جداً وخائف من مُستخدم. من اتقى اللهَ هابَهُ كُلُ شيء, ومن لم يَهِب اللهَ أهابَهُ اللهُ من كُلِّ شيء. نحنُ علاقَتُنا بهذا المعنى: أنكَ إذا أردتَ العِز، إذا أردتَ الرَفعة, إذا أردتَ علو الشأن، إذا أردتَ أن يُكسيّكَ اللهُ ثوبَ مهابة, اخضِع لله، هؤلاءِ المُتعجرِفون، المُتكبِرون، المُستعلون، عِلاجُهُم عِندَ اللهِ عذابُ الخِزيِ في الحياة الدنيا، الله عزّ وجل لِحِكمةٍ بالغة, هؤلاء المتَكبِرون الذينَ استنكفوا عن عِبادة الله, وأبَوا أن يخضَعوا للهِ عزّ وجل, يُذيقُهُم الله في الدُنيا ألوانَ الذُل, وقد يُذيقُهم هذا الذُل من أقربِ الناسِ إليه, من زوجاتهِ، من أولادِهِ, يقول لكَ: ابني ضربني البارحة, من أقربِ الناسِ إليه، ممن هم دونه. ![]() فيا أيها الأخوة الأكارم, إذا أردتَ عِزَّ الدُنيا ورِفعَتَها وشأنَها، إذا أردتَ أن تكونَ منيعاً مُهاباً, اخضع لله، أطِعهُ، تذلل بينَ يديه، مرّغ جبينكَ في أعتابِه، قُل لهُ: يا رب أنا لا شيء وأنت كُلُ شيء، يا ربي إني توسلت إليك، إني تبرأتُ من حولي وقوَتي, والتجأتُ إلى حولِكَ وقوتِكَ وعِلمِكَ يا ذا القوةِ المتين, حال الافتقار حال مستمر. الطبيب إذا قال قبلَ أن يُعالج: يا رب ألهِمني دِقّةَ التشخيص وصِحّةَ الدواء، المحامي، المُدرّس، التاجر: يا رب ألهمني صفقةً رابِحة. كانَ النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخلَ السوق يقول: ((اللهم إني أعوذُ بِكَ من يمينٍ فاجِرة أو صفقةٍ خاسِرة)) له بداية التذلل، له نهاية العِز، لهُ ظاهر ظاهِرُهُ أنكَ مُفتقر, وباطِنهُ أنكَ غنيّ, أنتَ أغنى الأغنياء. من أرادَ أن يكونَ أقوى الناس فليتوكّل على الله، ومن أرادَ أن يكونَ أغنى الناس فليكُن بِما في يديّ الله أوثَقُ مِنهُ بِما في يديه، ومن أرادَ أن يكونَ أكرَمَ الناس فليتق الله. هل الافتقارُ إلى اللهِ أكمل أم الاستغناءُ بِهِ أكمل؟ قال: إذا عَرَفتَ معنى الفقر عَلِمتَ أنهُ عينُ الغِنى، الفقر إلى الله يُساوي غِنى حقيقي. سؤال: أيُّ المعنَيينِ أفضل: أن تقول: الافتقارُ إلى اللهِ أكمل أم الاستغناءُ بِهِ أكمل؟ أيُّ الحالينِ أكمل: أن تفتقِرَ إلى الله أم أن تستغني بِهِ؟ . قال: السؤال غلط لأنَّ الافتقار إلى الله عينُ الاستغناءِ بِهِ، والاستغناءُ بِهِ عينُ الافتقارِ إليه، وجهانِ بشيء واحد، أنتَ كُلما افتقرتَ إلى الله استغنيتَ بِهِ, وكُلما استغنيتَ بِهِ افتقرتَ إليه، فإذا شيء لهُ اسمين فرضاً: أيُهما أعظم إنكلترا أم بريطانيا؟ واحد مثلاً اسمان لشيء واحد، فأن تستغني بالله هوَ أن تفتقرَ إليه, وأن تفتقرَ إليه أن تستغني بِهِ، فقير إلى الله أنتَ غني معناها، غني بالله معناها فقير إلى الله. إذاً: لا معنى للسؤال: أيُهُما أفضل؛ أن أكون مستغنيّاً بالله أم مُفتقِراً إليه؟ هذا سؤال في الأصل غلط. أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟ : ![]() سؤال آخر طرحُهُ غلط: أيُهُما أفضل؛ الغنيُّ الشاكر أم الفقيرُ الصابر؟ السؤال أصلُهُ غير صحيح, الأفضل أن يكون الإنسان طائعاً ولا عِبرةَ لِغِناه أو لِفقرِه، إذا كان فقيراً وطائعاً فهوَ غني عِندَ الله، وإذا كان غنياً وطائعاً فهوَ غني أيضاً, العِبرةُ أن تكونَ طائِعاً للهِ عزّ وجل, لأنَّ الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] لم يقُل: أغناكُم, ولم يقُل: أفقرُكم، لم يقُل: أغناكُم شاكِراً ولا أفقرَكُم صابِراً, قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ انتهى الأمر, ما دُمتَ في طاعةِ الله, فأنتَ الغني بالله, وأنتَ الفقيرُ إليه، ما دُمتَ في طاعة الله فأنتَ شاكر, وأنتَ صابر في وقتٍ واحد. ![]() قال: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ شرحتُها قبلَ قليل، أمّا الآية التي لها علاقة بالدرس: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [سورة الفجر الآية: 15-17] لا هذا ولا ذاك، ليسَ عطائي إكراماً ولا منعي إهانةً، لا علاقةَ لعطائي بالإكرام ولا بمنعي بالإهانة, لكنَّ العلاقةَ: إذا كُنتَ طائعاً لله عزّ وجل فأنتَ المُكرّم, وإذا كُنتَ عاصيّاً فأنتَ المُهان، أنا أُلحّ على هذا المعنى, لأنَّ الإنسان لا يشعر بالطُمأنينة إلا إذا كانَ في طاعةِ الله غنيّاً كانَ أو فقيراً, لقولِهِ تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 71] قال: المعنى كما قيلَ في تفسيرِ هذه الآية: ليسَ كُلُ من وسّعتُ عليهِ وأعطيتُهُ أكونُ قد أكرمتُهُ, ولا كُلُّ من ضيقّتُ عليهِ وقتّرت أكونُ قد أهنتُهُ، فالإكرامُ أن يُكرم اللهُ العبدَ بطاعتِه, والإيمان بِهِ, ومحبتِهِ, ومعرِفَتِهِ, والإهانةُ أن يسلِبَهُ ذلك. ما هو الحرمان الحقيقي وما هو الإكرام الحقيقي؟ : ![]() في قول: ما استرذلَ اللهُ عبداً, -استرذلَهُ: رآهُ شهوانيّاً، رآهُ دنيويّاً، رآهُ متعلِّقاً بضلالات وأوهام- ما استرذلَ اللهُ عبداً إلا حضرَ عليهِ العِلمَ والأدب. يعني أكبر حِرمان أن يحرِمَكَ اللهُ العِلمَ والأدب، أن يحرِمَكَ معرِفَتَهُ، أن يحرِمَك طاعَتَهُ، أن يحرِمَك القُربَ مِنه، هذا أكبر عِقاب, خُذ المال ما شِئت, المال بحسب ما تُريد وجاه، لكنَّ الإكرامَ الحقيقي: أن يمنَحَكَ اللهُ طاعَتَهُ, ومحبَتَهُ, والشوقَ إليه, ومعرِفَتَهُ, وخِدمةَ عِبادِهِ، أن يؤهلَكَ لجنّتِهِ, هذا هوَ العطاء. قف عند هذا القول لعلي بن أبي طالب : سيدنا علي يقول: الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله. في قول مُشابِه لبعض العُلماء قال: لا يوزَنُ غداً الفقرُ ولا الغِنى, ولكن يوزَنُ الصبرُ والشُكر، يرتفِعُ الصابِرُ والشاكِر غنيّاً كانَ أو فقيراً. من لوازم الافتقار إلى الله : 1- لا يشتهي ما لا يجد وإذا وجد لا يُكثر : في موضوع دقيق متعلّق بالفقر إلى الله عزّ وجل: رجل وصَفَهُ بعض الأُدباء, قال: لي صديقٌ, كانَ من أعظم الناس في عيني, وكانَ رأسُ ما عظّمَهُ في عيني: صِغَرُ الدُنيا في عينيه, فكانَ خارِجاً عن سُلطانِ بطنِهِ, لا يشتهي ما لا يجد ولا يُكثِرُ إذا وجد. المُفتقر إلى الله عزّ وجل, إذا الشيء توافَرَ بينَ يديه حمداً لله, لا يشتهي ما لا يجد وإذا وجد لا يُكثر، هذا المقام يَليق بالمُفتقر إلى الله عزّ وجل، ليسَ حريصاً على شيء, ليسَ في يديه, وليسَ منهَمِكاً في شيء بينَ يديه، لا الشيء الذي بينَ يديه يشغَلُهُ عن الله عزّ وجل, ولا إذا افتقدَ هذا الشيء يشغَلُهُ عن الله, يعني وجودُ الشيء وعدمُ وجودُهُ سيان عِندُهُ, هذه من لوازم الافتقار إلى الله عزّ وجل. في معنى دقيق جداً: المُفتقر إلى الله: قبضُ اليدِ عن الدُنيا ضبطاً أو طَلَباً, وإسكاتُ اللسانِ عنها مدحاً, والسلامةُ مِنها طَلَباً أو تركّاً، السلامة مِنها طَلَباً معروفة. الإنسان لا ينهمِك، لا يُكبّ، لا يُقاتِل من أجلِها، لا يُضيّعُ دينُهُ من أجلِهِا، لكن كيفَ يسلَمُ مِنها تركاً, طلباً معروفة؟ أمّا لو تَرَكَها, هذا المعنى الدقيق الآن: ![]() لو فرضنا إنسان حَرَمَ نفسَهُ أشياء أساسية في الحياة مباحة، ينشَغِل بهذا الشيء, ينشَغِل وينشَغِل, هوَ يشتهي هذه الأكلة, لو أكلها وشَكَرَ الله عزّ وجل والتفتَ إلى الأعمال الصالِحة, أفضل من أن يُمضي كُلَّ حياتِهِ في مُجاهدةٍ مع الحِرمان. يعني: تَركُ الدُنيا كُليّاً, لهُ نتائج ليست مُرضية، واحد حرم نفسُهُ الزواج وحرم نفسهُ الطعام حُبّاً بالله, هذا الموقف يجعل حالة حرمان دائمة وحالة توتّر دائمة، فأنتَ في معركةٍ حاميةٍ معَ نفسِك، هذه المعركة الحامية مع النفس قد لا تنتهي بسلام, أعطِ نفسكَ ما أباحَهُ اللهُ لك, عندئذٍ تسكُنُ النفس، أطعِمها الطعام الذي تُحِبهٌ, وأعطِها ما سمحَ اللهُ لها بِهِ, ثمَّ التفت إلى الله عز وجل معرِفةً وتفكيراً ودعوةً وخِدمةً للخلق. يعني أحياناً الشيطان يأتي عن أيمانِهم وعن شمائِلِهم، قد يأتي الشيطان عن أيمانِهم, دعكَ من الزواج إنهُ مشغلَةَ, ليسَ في الإسلام رهبانية: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد الآية: 27] فإذا عَزَفَ الإنسان عن شيء مُباح, والإسلام أباحَهُ لَهُ, ينشأ عِندَهُ حالة توتر مستمرّة ، فهؤلاءِ الذينَ حرموا أنفسَهم ما سمحَ اللهُ لهم بِهِ, قد يقعونَ في أكبرِ المعاصي، قد يقعونَ في أكبرِ الانحرافات، فحينما تَدَعُ الدُنيا يجب أن تدعَ الحرامَ مِنها, أمّا الحلال لستَ أورعَ من رسولِ الله ولا من أصحابِهِ، قالَ عليهِ الصلاة والسلام: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ, أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ, أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ((جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ, فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ: كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) كلمة لطيفة : في كلمة لطيفة قال: إنَّ الإنسان إذا تركَ الدُنيا, هوَ بشرٌ وليسَ ملاكاً, تعلّقَ قلبُهُ بِما يُقِيمُهُ ويُقيِتُهُ ويُعيِشُهُ, وما هوَ محتاجٌ إليه, فيبقى في مجاهدةٍ شديدةٍ مع نفسِهِ, لِتركِ معلومِها, وحظِها من الدُنيا, وهذه قِلّةُ فِقهٍ في الطريق، بل لفقيه العارِف يَرُدُ النفسَ عنها بِلُقمةٍ كما يُردُّ الكلبُ إذا نَبَحَ عليهِ بكسرةٍ، إذا نفسهُ نبحت عليه, وطالبته بشيء معقول ومسموح بهِ يُطعِمها لُقمة ويُسكِتُها, ويقول لها: التفتي لله عزّ وجل, أفضل من أن يُبقيها في صِراع دائم معَ نفسِهِ. قال: هذه طريقُ الرُسُلِ, وهيَ طريقةُ العارفينَ من أربابِ السلوك, وكما قالَ النبيُ عليهُ الصلاة والسلام: عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ, قَالَ: ((آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ, فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ, فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً, فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ فقَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا, فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا, فَقَالَ: كُلْ, فَإِنِّي صَائِمٌ, قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ, فَأَكَلَ, فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ, ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ, فَقَالَ: نَمْ فَنَامَ, ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ, فَقَالَ: نَمْ, فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ, قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ, قَالَ: فَصَلَّيَا, فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا, فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ, فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه] إذاً: تركُ الدُنيا كُليّاً, ليسَ موقِفاً سليماً, وليسَ موقِفاً يُعينُكَ على طاعةِ الله, لأنهُ ينشأ من تركِها كُليّاً توتّر, وشعور بالحرمان, وشعور بالحاجة, وقد تقع في مُشكلة أخطر مما لو أخذتَ المُباحَ مِنها, ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ من هو العارف البصير؟ : من هو العارف البصير؟ ![]() أيضاً: كلمة اسمعوها حرفيّاً, قال: العارِفُ البصير, يجعلُ عِوَضَ مجاهَدتِهِ لنفسِهِ في تركِ شهوةٍ مُباحة, مجاهَدتِهِ لأعداءِ اللهِ من شياطينِ الإنسِ والجِن، وقُطّاعِ الطريقِ على القلوب, كأهلِ البِدعِ من بني العِلم, ويستفرغُ قُواهُ في حربِهم ومجاهدَتِهم, ويتقوّى على ذلك بِما سمحَ اللهُ له بِهِ من مُباحات. أن يكون لكَ عمل، تتفوق في دِراستِك، تتفوق في تجارتِكَ، تزوّج وأسس بيتاً, وعِندئذٍ فرّغ نفسَكَ للهِ عزّ وجل، أمّا أن تعيش في حالة حِرمان مستمّر, وتوتّر مستمر, وإحساس بالشوق إلى شيء مُباح، هذا يحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، هذا من قِلّة الفِقه. النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً واقفاً بالشمس -وشمسُ الحِجاز تعرِفونَها- فسألَ عنهُ, فقال: ((نَذَرَ أن يقِفَ في الشمس, فقالَ عليه الصلاة والسلام: مروهُ فليتحوّل, إنَّ اللهَ غنيٌّ عن تعذيبِ هذا نفسه)) اللهُ غني عن تعذيب نفسِك, كُل باعتِدال، تزوّج واكسب المال، واطلب الحلال، واحضر مجالس العِلم، وتعرّف إلى الله، وادعُ إلى الله، واخدم الناس، هذا الوضع المِثالي الواقِعي، الإسلام واقِعي إنهُ دينُ الفِطرة. من آفاتِ تركِ الدُنيا كُليّاً, قال: التطلُعُ إلى ما في أيدي الناس إذا مسّتهُ الحاجة، ومن آفاتِ ترك الدُنيا كُليّاً: ما يأتيهِ من كِبرٍ وعُجبٍ وزُهُوٍ في زُهدِهِ، قال: الفقرُ الصحيح: السلامة من آفات الأخذِ والترك, وهذا لا يحصُلُ إلا بِفقهٍ في الفقر. 2-أن يتخلى العبد عن رؤيته لأعماله : في شيء آخر: من لوازم الفقر إلى الله عزّ وجل: أن يتخلّى العبدُ عن رؤيَتِهِ لأعمالهُ . أحياناً الإنسان: الله عزّ وجل يُكرِمُهُ بعمل صالح, هذا العمل الصالح إذا أكرَمَهُ بِهِ, رأى نفسَهٌ عظيماً بِهِ، رؤيةُ هذا العمل, والتركيزُ عليه, والحديثُ عنهُ دائماً, هذا مما يجعلُ هذا العملَ حِجاباً بينَكَ وبينَ اللهِ عزّ وجل، رؤيةُ العمل رُبّما كانَ حِجاباً بينَكَ وبينَ الله، المُفتقر إلى الله مُفتقر إليه حتى في الأعمال الصالِحة، فإذا اللهُ عزّ وجل جعل هُدى الناس على يديك, رُبمّا إذا نظرتَ إلى هذا العمل, كانَ هذا العمل العظيم نفسُهُ حِجاباً بينكَ وبينَ الله. ![]() إذا اللهُ عزّ وجل أكرَمَكَ ببناء مسجد, رُبمّا كانَ هذا العمل العظيم, إذا نظرتَ إليه, وحدثّتَ الناسَ عنه, وركزّت عليه, وقُلت: أنا فعلت, هذا العمل العظيم رُبمّا كانَ حِجاباً بينكَ وبينَ الله، إذا أمكَنَكَ اللهُ من خِدمةِ إنسانٍ خِدمةً جليلةً, وأنقذتَهُ بِها أو أنقذتَ حياتَهُ, ونظرتَ إلى عَمَلِكَ دائماً, ونسيتَ أنَّ اللهَ تفضّلَ عليكَ بِهِ، نسيتَ أنَّ اللهَ عزّ وجل خَلَقَهُ ونَسَبَهُ إليك، رؤية العملِ الصالِحِ نفسه قد يحجُبُكَ عن اللهِ عزّ وجل، فمن لوازِم الافتقارِ إلى الله: ألاّ ترى لكَ عملاً, أن ترى أنّ عَمَلَكَ الصالح الذي أكرَمَكَ اللهُ بِهِ, إنما هوَ محضُ فضلٍ من اللهِ عزّ وجل. أحد العارِفين بالله حَضَرتهُ الوفاة, فمزّقَ ابنُهُ قميصه من شِدّةِ ألَمِهِ، فتحَ أبو عُثمان عينيه, وقالَ: يا بُنيّ خِلافُ السُنّةِ في الظاهر علامةُ رياءِ الباطل. السُنّة ألاّ تُمزّقَ الثوب، إذا الإنسان جاءهُ خبر مؤلم، فخلاف السنة ضرب الخدود، وتمزيق الثياب، والمُناداة بالويل، كُلُ من خالَفَ السُنّةَ في الظاهر ينطوي على رياءٍ في الباطِل. ![]() أنا أقول لكم: حتى الأعمال الصالحة يجب أن تنسِبَها إلى الله عزّ وجل, حتى الحُزن المُقدّس يجب أن يكون وُفق السُنّة. آخِرُ فِقرةٍ في الدرس: من افتقرَ إلى اللهِ تعالى اغتنى، والغِنى نوعان: غِنىً بالله وغِنىً عن غيرِ الله, وهُما حقيقةُ الفقر، إذا كُنت فقيراً إلى الله أنتَ مُستغنٍ بالله, ومُستغنٍ عن غيرِ الله. أحدُ الخُلفاء العباسيين كانَ يَحُجُ البيت, فالتقى بعالِمٍ جليل في الحرمِ المكيّ, قالَ لهُ: سلني حاجَتَك، قال لهُ: واللهِ إني لأستحيي أن أسألَ غيرَ الله في بيتِ الله، فلمّا التقى بِهِ خارِجَ الحرَم, قالَ: سلني حاجَتَك، قالَ: واللهِ ما سألتها من يملِكُها, أفأسألُها من لا يملِكُها؟ فقالَ: سلني حاجَتَك, قالَ لهُ: أُريد أن أنجوَ من النار, فقالَ لهُ: هذهِ ليست بيدي, فقالَ لهُ: ليست لي حاجةٌ عِندَك. فمن علامةِ الفقرِ إلى الله: أن تستغني بالله, وأن تستغني عن غيرِ الله، الذي يطمَعُ بِما في أيدي الناس, ليسَ مُفتقِراً إلى الله عزّ وجل. رُبمّا قُلتُم في أنفسِكُم: هذا المستوى مستوى العارِفين بالله, أنا أتمنى أن يكون هذا مستوى المؤمنين، يعني الافتقار إلى الله عزّ وجل, لكَ مظهر فخم ليسَ هُناكَ مانع، أنيق في مظهرك، نظيف، لكَ بيت، لكَ عمل، متفوّق في تِجارَتِكَ، في صِناعَتِكَ، في عملَكَ، في وظيفتك، هذا لا يمنع أن تكون فقيراً إلى الله عزّ وجل, ليسَ هُناك تناقض إطلاقاً بينَ مرتبةِ الافتقارِ إلى الله عزّ وجل, وبينَ مرتبةِ أن تشعُرَ بحقيقةِ عبوديتِكَ للهِ عزّ وجل, وحقيقةِ نفسِكَ المحتاجةِ إلى اللهِ في كُلِّ شيء. قاعدة : اسمعوا مِنّي هذه القاعِدة: الإنسان إمّا أن يتَكِلَ على الله, وإمّا أن يتكِلَ على نفسِه في كُلِّ أطوارِ حياتِه. ![]() من اتكّلَ على اللهِ كفاهُ اللهُ كُلَّ مُؤنة, ومن اتكلَّ على نفسِهِ أوكَلَهُ اللهُ إياها. في عِلمِكَ، في عَمَلِكَ، في تدبيرِكَ، في تربيةِ أولادِكَ، في تجارَتِكَ، في صناعتِكَ، في علاقاتِكَ الاجتماعية, في لِقاءاتِكَ، في سَفَرِكَ, حينما تتكَلُ على اللهِ, عندئذٍ يكفيكَ كُلَّ مؤنة, وحينما تقول: هذهِ جهزّتُها, وهذهِ راجعتُها, وهذهِ أكدّتُها, حينما تقول: راجَعتُ هذا الشيء وجهزّتُهُ, قد يُفاجِئُكَ بعطبٍ خطير في وقتٍ مُزعجٍ جدّاً؛ فلذلك: دُعاء السفر، دُعاء قبلَ أن تقوم بأي عمل، هذا دليل الافتقار إلى الله عزّ وجل, وما من إنسان مؤمن قبلَ أن يُقدِم على أيّ عمل, يقول: يا رب أعِنّ، يا رب سدد خُطاي، يا رب سدد قولي، ألهِمن الصواب، ألهِمن الحِكمة. اللهم لا سهلَ إلا ما جعلتَهُ سهلاً, وأنتَ تجعلُ الحَزَنَ إذا شِئتَ سهلاً سهلاً. فهذا الدُعاء معناه الافتقار إلى الله عزّ وجل, فالافتقار من لوازِم المؤمنين, بل الافتقار سِمةٌ أساسيّةُ من سِماتِ أهلِ الإيمان, والافتقار يعني أنكَ عرفتَ حقيقَتَكَ, وعرفتَ عبوديتكَ للهِ عزَ وجل, والافتقار من أعلى مراتِبِ الإيمان في الدُنيا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#43 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اصول الدينالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و الاربعون ) مدخل الدرس : أيها الأخوة الأكارم, من السهل جداً أن تدخُلَ في تفاصيل الدين, والدين بابٌ واسعٌ جداً من أبواب المعرِفة، ولكن من حينٍ إلى آخر: أرى من المُناسب أن نتحدّثَ في الكُلّيات، الجزئيّات: أن تصل إلى دقائق الآيات, إلى دقائق السُنّة, إلى دقائق السيرة، لِئلا ندخُلَ في التفاصيل, ونغفلَ أحياناً عن الأهداف الكُبرى والكُليّات العُظمى, لذلك أجد من المُناسب من حينٍ إلى آخر أن نعودَ إلى الكُليّات. لو دخلتَ إلى مكتبةٍ إسلاميّة, لوجدتَ عشراتِ بل مئات الآلاف من الكُتب إن شِئت: العقائدُ وأُصولُها، والقرآنُ وعلومُهُ، والحديثُ ومُصطلحهُ، والسيرةُ وأعلام الإسلام، والفِقهُ ومذاهِبُه, قد تجدُ عشرات الآلاف من الكُتب, بل مئات الأبواب من الكُتب, في كُلِّ بابٍ من أبواب الدين, ولا يتسّعُ أيُّ عُمر مهما طال لقراءةِ ما أُلّفَ في أحدِ أبواب الدين. إذاً: نحنُ نحتاج أحياناً لا إلى الاستقصاء، لا إلى التفاصيل، لا إلى الجزئيات، نحتاجُ من حينٍ لآخر, أن نبقى في الكُليّات في أُصول الدين، في كُليّات الدين، في الخطوط العريضة، في الأهداف الكُبرى، في الوسائل الناجحة, فأردتُ في هذا الدرس أن يكونَ حولَ كُليّاته. من كليات الدين : 1-طلب العلم : الدين يقوم على دعائم, أُولى هذه الدعائم: دِعامةُ المعرِفة, يعني التديّن دون طلب عِلم, هذا شيء مستحيل, أُولى دِعاماتِ الدين: المعرِفة, لأنهُ ما اتخّذَ اللهُ وليّاً جاهلاً، لو اتخذهُ لعلّمَهُ، لأنكَ إذا تديّنتَ دونِ معرِفة, ما الذي يحصل؟. تُطبّقُ عشرات العِبادات, وقد تخرِقُ الاستقامةَ, لأنكَ لا تعلم, فيكونُ هذا الخرقُ حِجاباً سميكاً بينكَ وبينَ الله، كُلُ هذه العبادات غير مُجديّة، لن تستطيعَ أن تُحكِمَ الاتصالَ بالله عزّ وجل إلا إذا وقفتَ عِندَ حدودهِ، ولن تقِفَ عِندَ حدودهِ إلا إذا عرفتَ حدودَهُ, ولن تعرِفَ حدودَهُ إلا إذا عرفتَهُ قبلَ أن تعرِفَ حدودَهُ. ما الذي ينجي الإنسان في هذا العصر من الانحرافات الفكرية والسلوكية؟: بالإسلام جانب معرِفي، جانب علمي، جانب عقيدي. أُلاحظ أشخاصاً كثيرين, يعنيهم من الدين: الصلاة, والصيام, والحج, والزكاة, ويعنيهم خِدمةُ الناس, هؤلاء ربمّا في عصور غير هذه العصور, ربمّا يصِلونَ إلى الجنّة, لكن في عصرٍ استعّرت فيهِ الفِتن واتقدت, والمزالق, والشُبُهات, والتُرُهات, والأضاليل, والعقائد الزائغة, والباطل المُزيّف, والانحراف المُروّج, والتفلّت من مبادئ الدين تحتَ غِطاءٍ من الحُريّةِ والعصريّةِ والتقدّمِ، هُناك شُبُهات كثيرة وفِتن. أقول لكم وأنا أعني ما أقول: لا يستطيعُ أن ينجوَ الإنسانُ الآن في عصورِ الانحرافات الفكريّةِ والسلوكيّة إلا بعلمٍ صحيح، بعقيدةٍ راسِخة، بعلمٍ متين، بأدلّةٍ قاطعة. متى يفقد العبد كل ثمار الدين؟ : يا أيها الأخوة الأكارم, حينما تنصرِفونَ إلى الدُنيا، حينما تتحركون، حينما تنطلقونَ إلى أعمالِكم، إذا شعرتم أنكم في غِنىً عن طلبِ العِلم, هذا النقصُ في العِلم, لا بُدَ من أن يُترّجمَ إلى انحرافٍ في السلوك، والانحرافُ في السلوك لا بُدَ من أن يُترجمَ إلى حجاب بينكَ وبينَ الله، وحينما يكونُ الحِجابُ بينكَ وبينَ الله, اعلم عِلمَ اليقين: أنكَ فقدتَ كُلَّ ثِمارِ الدين، أساسُ الدين هذه العلاقةُ الطيبةُ بينكَ وبينَ الله, وحينما تُفقدُ هذه العلاقة بانحرافٍ أساسُهُ الجهلُ, فقد خَسِرتَ كُلَّ ثمراتِ الدين، بالاتصال لا يوجد خوف: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المعارج الآية: 19-22] هكذا خُلِق, هذا ضعفٌ خلقيّ، هكذا أرادَ اللهُ عزّ وجل أن يكونَ, ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إلا الْمُصَلِّينَ﴾ يعني كُل نِقاط الضعف البشري الخلقي التي لا سببَ مِنكَ بِها, هذه النقاط الضعف تتلافاها بالاتصال بالله عزّو جل. متى يظهر الخلل في سلوك الإنسان؟ : فلذلك: من لم تُحدّثهُ نفسُهُ بحضورِ مجلسِ علمٍ, يزدادُ معرفةً باللهِ أو بكتابِهِ, درس أسماء الله الحُسنى معرفةٌ بالله، درسُ التفسير معرِفةٌ بكتاب الله، درسُ الحديث الشريف معرِفةٌ بِسُنّةِ رسولِ الله، درسُ السيرةُ النبويّة معرفةُ بالتطبيقات العمليّة، درسُ الفِقهِ معرفةٌ بالأحكام الشرعيّة التي ينبغي أن تدور مع حياتِك، فما لم تُخصص من وقتِكَ وقتاً ثميناً لِطلبِ العِلم, ومتابعةِ مجالس العِلم, وأن تزدادَ ثقافتُكَ الدينيّة, وقناعاتُكَ الفِكريّة, وعقيدَتُكَ الصحيحة, أن تزدادَ وتغتني, عندئذٍ ترى: أنَّ النقصَ في العِلم سيُسببُ خللاً في السلوك, هذا الجانب المعرفي. كيف يتكون الجانب المعرفي عند الإنسان؟ : والحقيقة: الجانب المعرفي بعضٌ منهُ يأتيكَ بالمُدارسة, وبعضٌ مِنهُ يأتيكَ بالتأمل, وبعضٌ مِنهُ يأتيكَ بالنظر: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 101] جانبٌ كبير من جوانب المعرفة, يمكن أن تحصلَ عليها من وقوفِكَ عندَ دقائقِ خلقِ السمواتِ والأرض, وأقربُ شيء إليك جِسمُكَ الذي بينَ جوانِحك، أقربُ شيء إليك طعامُكَ الذي تأكُله، من حولَكَ من أهلٍ وأولاد، أقربُ شيء إليك مظاهر الطبيعةِ التي أمامَك، هذه كُلُها آياتٌ دالّةٌ على عظمةِ الله عزّ وجل. رسالة لك : فأنا أتمنى أن يُفكّرَ الإنسانُ كُلَّ يوم في آيات الله الدالّةِ على عظَمتِهِ, أو أن يشغَلَ نفسَهُ كُلما سنحت لهُ فرصةٌ أن يقفَ عِندَ دقائِقِ خلقِ اللهِ جلَّ وعلا. لا تتأثر إذا سمعت, أنهُ يوجد عشرين مليون خلية عصبية شميّة, كُل خليّة فيها سبعة أهداب مغموسة بمادة دهنية مذيبة, وأنَّ أيّةَ رائحةٍ تصِلُ إلى أنفِك تتفاعلُ مع هذه المادةِ الدُهنيِةِ التي مع هذه الأهداب تفاعُلاً كيماويّاً, يتشكّلُ مِنهُ شكل هندسي, يُنقل على شكلِ إشارةِ إلى مركز المُخ, وفي مركزِ الشم المُخ عشرةُ آلافِ بند من بنودِ المشمومات, وأنَّ هذه الإشارة تُشعِرُكَ برائحة هذا الشيء, ثمَّ تنتقل إلى معرفة رائحة هذا الشيء, وأنَّ المادةَ إذا كانت بمقدار نِصف بالمليون من الميلي غرام في السنتيمتر المُكعّب, فإنها كافيةُ لكي تُحسسُكَ برائحةِ هذا الشيء, ألا تشعرُ أنكَ وقفتَ وجهاً لوجهٍ أمامَ عظَمةِ الله عزّ وجل؟ ألا تشعرُ أنكَ عَرَفتَ دِقّةَ الصنع؟. ما طبيعة صلاة الجمعة؟ : إذاً أيها الأخوة, جانبٌ معرفيّ أحدُ أركانِ الدين، لذلك اللهُ عزّ وجل فَرَضَ على المُسلمين تأكيداً للجانبِ المعرفيّ، تأكيداً لأحدِ أركانِ الدينِ الكُبرى, فرضَ على المُسلمين صلاة الجُمُعة, ما طبيعةُ صلاة الجُمُعة؟ طبيعَتُها تعليميّة, عبادةٌ تعليمية فيها خُطبة، فيها خطيب يتلو على الناسِ آيات القرآن يُفسّرُ هذه الآيات، يتلو عليهم سُنّة النبي يُفسّرُ هذه السُنّة، يتلو عليهم مواقِفَ الصحابة يُفسّرُ لهم هذه المواقِف. إذاً: لأنَّ جانب معرفة اللهِ جانبٌ أساسيٌّ جداً في الدين, كانت صلاةُ الجُمُعة تِلكَ الفريضةُ التعليميّة: عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ تَهَاوُنًا بِهَا, طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ)) ومن تَرَكَ الجُمُعة ثلاثَ مرات من دونِ عُذرٍ, نكتت نُكتةٌ سوداءُ في قلبِه, ثمَّ يكون الران, ثمَّ تلى النبي قولُهُ تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 14] من أركان الدين : إذاً أيها الأخوة, أحد أركان الدين: أن تقتطعَ من وقتِكَ أقول الثمين وقد يكون وقت الناسِ ثميناً, وقد يكونُ الوقتُ ممتلئاً بالمشاغل والمواعيد والإنجازات والخِطط واللقاءات والأعمال وعقد الصفقات وما إلى ذلك، لكن ما قيمةُ هذه الدُنيا لو رَبِحتَ فيها كُلَّ شيء وخسِرتَ نفسَك؟ ما قيمةُ المال إذا جاءَ مَلَك الموت وقد تركتَ كُلَّ المالِ في ثانيةٍ واحدة؟ فالتأمّل في الكون باب، والنظر في الحوادث باب، وقراءةُ القرآنِ وتدبُرُهُ, وقراءةُ السُنّةِ وفهمُها بابٌ ثالث؛ في نظر, وفي تفكّر, وفي مُدارسة. من هو الإنسان الكامل؟ : وأنا أقول لكم: الإنسان الكامل هوَ الذي يجمعُ بينَ كُلِّ مصادر المعرِفة, يتأمّلُ تارةً، وينظرُ تارةً، ويُفكّرُ تارةً، ويدرسُ تارةً، الآن سماعُكَ مُدارسة، تفكُركَ الصباحي بآيات الكون تفكّر، نظرك إلى ما يجري في الكون, من حوادث دالّة على عدالِة الله, وعلى حِكمتِهِ, وعلى رحمتِهِ, وعلى قيوميتِهِ, هذا من بابِ طلبِ العِلم. اسمحوا لي أن أقول لكم: لو بلغتَ أعلى مراتِبِ العلمِ في الأرض, لو بلغتَ أعلى مراتِبِ العلمِ, ولم يكن لكَ عملٌ يدعمُ هذا العِلم, فلا قيمةَ لهذا العِلمِ عِندَ اللهِ إطلاقاً، المُشكلة: أنَّ العِلمَ وسيلة وظنّهُ الناسُ غاية، ما لم تتأكد من أن كُلَّ عِلمٍ تتعلمُهُ إنما هوَ وسيلةٌ كي ينقُلَكَ إلى التطبيق, هذا العِلمُ وبالٌ على صاحِبِهِ. متى يكون العلم على ابن آدم حجة عليه لا له: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ((الْعِلْمُ عِلْمَانِ؛ فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ, وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ)) [أخرجه الدارمي في سننه] حجةٌ عليه لا لهُ, هذا الباب بابُ طلبِ العِلم, بابُ الاستزادةِ بالعِلم, ماذا يؤكدّهُ؟ قولُهُ تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [سورة طه الآية: 114] يؤكدّهُ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى اعتمدَ قيمةَ العِلمِ كقيمةٍ وحيدةٍ مُرجّحةٍ بينَ البشر, قالَ تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزُمر الآية: 9] وقالَ تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة يوسف الآية: 76] ((إذا أردتَ الدُنيا فعليكَ بالعِلم, وإذا أردتَ الآخرةَ فعليكَ بالعِلم, وإذا أردتهُما معاً فعليكَ بالعِلم, والعِلمُ لا يُعطيكَ بعضَهُ إلاّ إذا أعطيتَهُ كُلّكَ, فإذا أعطيتَهُ بعضَكَ لم يُعطكَ شيئاً)) هل تسمحُ لنفسِكَ أن تقول أنا مشغول؟ مشغول بماذا؟ لماذا أنتَ في الدُنيا؟ أيُّ شيء يشغَلُكَ عن طَلَبِ العِلم، سوفَ تَعُدّهُ غبناً كبيراً في يومٍ ما. ماذا نستنتج من هذا المثال؟ : طالب ذهب إلى دولة أجنبية لينال دكتوراه, عليهِ أن يعمل, وأن يدرس, أهلُهُ فُقراء، هوَ يحتاج فرضاً إلى ألف فرنك فرنسي في الشهر، وجدَ عمل ساعتين, هاتان الساعتان تُحققان لهُ ألف فرنك فرنسي، طبعاً: عِندَهُ دِراسة, لو نال الدكتوراه, سيعودُ إلى بلدهِ بأعلى مرتبة، بأعلى منصِب، بأكبر دخل، كُل آمالِهِ معقودة على هذه الشهادة, عَثرَ على عملٍ يُحقق لهُ ألفي فرنك في الشهر, لكن أربع ساعات, ثمَّ عَثَرَ على عملٍ يُحقق لهُ ثلاثة آلاف, ست ساعات, أربعة آلاف ثماني ساعات، خمسة آلاف تسع ساعات، عمل يُحقق لهُ مائة ألف فرنك بالشهر, لكن أربع وعشرون ساعة, فتركَ الدِراسة من أجلِها، هل يقول لكَ: أنا هيأت عملاً عظيماً؟ لا, أنتَ هُنا, إقامتُكَ محدودة, بقاؤكَ بهذا البلد منوط بجرّةِ قلم, فإذا عُدتَ إلى بلدِكَ بِلا شهادة, كُنتَ في خزيٍ شديد. اسمعوا الآن القاعدة: العملُ الذي يستغرِقُ وقتَكَ كُلَهُ خسارةٌ مُحققة, مهما كانَ الدخلُ كبيراً, لأنكَ عندئذٍ خرجتَ عن هدفِكَ الأساسي. أيها الأخوة الأكارم, أنا أعلم الحياة صعبة, والدخل محدود, والمطالب كثيرة, والوقت ضيّق. أنا أعرف أخوةً كثيرين مضطرين إلى عمل مستمر, ولكن أن أغُضَ الطَرفَ عن إنسان, عملُهُ استغرقَ وقتَهُ كُلُهُ, وهوَ ناجح أو رابح, لا والله، لا بُدَّ من وقتٍ تتعرفُ فيهِ إلى الله. الدين لا يعذر الجاهل : مرة خطرَ في بالي مثل: طبيب درس 30 سنة, وجاء إلى بلده, وفتح عيادة, وكتب العيادة بينَ الساعة الخامسة والسابعة, بعد الظهر وهوَ في العيادة, جاءهُ مريض الساعة الخامسة والنصف, فقالَ لهُ: مشغول, لماذا أنتَ هُنا؟ لماذا درست كُل هذه الدراسة إن لم تكُن فارِغاً لأكبرِ عملٍ في حياتِك؟ فأنتَ فارِغ لِماذا؟. إذا قال: ليس عندي وقت أتعرّف على الله عزّ وجل, نقول له: ما الذي يشغَلُك أو ماذا كُنتم تعملون؟ ماذا بعدَ الحقِ إلا الضلال؟ الكلام أقولُهُ لكم: لا بُدَّ من طَلِبِ العِلم, هذا شيء لا بُدَّ مِنهُ, لأنهُ لو لم تكن كذلك لظَهَرَ الانحراف. مثلاً: في الحج سمعنا في اجتماع عٌقِد قبلَ أيام, أن أكثر من 20 - 30 حاج سوري في العام الماضي, لم يطوفوا طواف الإفاضة, وهوَ رُكن أساسي, فلمّا قُلنا لهم: لماذا لم تطوفوا؟ قالوا: لم يقُل لنا أحد, لا نعرف, من عرفات إلى مكة, وجلسوا بعد العيد, ثمَّ سافروا، ما الذي أبطَلَ حَجَهم؟ جهلُهم. أنا أقول لكم: ممكن أن تكون أنتَ سليم النيّة، ممكن أن تأكُل الرِبا وأنتَ لا تدري، ممكن أن تتجاوز الحدود لِعلّةِ الجهلِ فقط، والقانون لا يحمي الجاهل, كما أنَّ الدين لا يعذُر الجاهل. أنا أتمنى من أخواننا الكِرام, أن موضوع مجلس العِلم ليسَ على وقت فراغِهِ, الدنيا شتاء, لا يوجد شيء نتلهى به, تعال لنحضر الدرس, بالصيف الناس في المصايف, وهُنا وهُناك, ليسَ هذا القصد, هذا مِنهاج جامعي, فيجب أن تجعل الأساس الدرس، حياتك متقلبة مع الدرس, وليسَ الأساس حياتك, والدرس على وقت الفراغ, هذا طبعاً من باب المُتابعة والمُثابرة. 2-العمل بشقيه السلبي والإيجابي: ماذا تقترحون البند الثاني في كُليّات الدين؟ العِلم بند أول، طَلب العِلم إمّا بالتفكّر بالكون، أو بالنظر في الحوادث، أو بالمُدارسة, والمُدارسة قراءة واستماع، أنتَ الآن تدرس, تستمع إلى درس, وقد تقرأ, وقد تنظر, وقد تتفكّر, تقترحون كُليّة كُبرى من كُليّات الدين: العمل, كلمة كبيرة جداً, ممكن أن يكون لها بندين أساسيين: في بند سلبي وبند إيجابي، في بند امتناع وفي بند إيجابي فعلي؛ الاستقامة والعمل الصالح. ماذا تعني الاستقامة؟ : الاستقامة: انضباط، غض البصر استقامة، تركُ الغيبةِ والنميمة استقامة، تركُ ركنةٌ من حرام استقامة, لكن العمل الصالح بذل بالضبط, دققوا في هذا المثل: لو تصورّنا أنَّ الطريق إلى الله طريق مادّي. تصوّر افتراض الطريق إلى الله طريق مادّي, أنتَ راكب مركبة, وعلى هذا الطريق عقَبات، كُل عقَبَةَ ارتفاعها مترين, ومترين عرض, ومترين طول, إسمنت مُسلّح, هل بإمكانِكَ أن تسيرَ على هذا الطريق؟ لا, كُلُّ معصيةٍ عقبةٌ على طريقكَ إلى الله. فالاستقامة تعني أن تُزيلَ هذه العقبات، كُل إنسان استقام على أمر الله, نقول لهُ: ما فعلَ شيئاً, لكنّهُ مهّدَ الطريقَ إلى الله, أزالَ كُلَّ العقَبات، أزالَ كُلَّ الموانع، ألغى كُلَّ الحواجز، المعاصي حواجز وموانع وعقبات وحُفر وما إلى ذلك، أنتَ حينما تستقيم على أمرِ الله عزّ وجل, والاستقامةُ طابعُها سلبيّ، أنتَ ما زِدتَ عن أن مهدّتَ الطريقَ إلى الله, وبقيَ الحركة على هذا الطريق، طريق إلى الله فرضاً مادّي, فيه عقبات أزلتَها, فأصبحَ الطريق سالكاً, بقيَ عليكَ أن تسير, أن تتحرك, الحركة هيَ العمل الصالح، والعملُ الصالحُ يرفَعُكَ، اسمع القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 70] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 33] لا بُدَّ من استقامةٍ, ولا بُدَّ من عملٍ صالح. ما الكلمة التي عبر عنها القرآن الكريم عن الاستقامة والعمل الصالح؟ : لكن أحياناً: القرآن الكريم يُعبّرُ عن الاستقامةِ والعمل الصالح بكلمة: ﴿وَعَمِلَوا الصَالِحات﴾ والتفسير: أنَّ العملَ الصالِح لا يثبُت إلا على أرضيّةٍ من استقامة, كيفَ أنَّ الإنسان معهُ قلم حبر والورق عليه دُهن وكتب؟ لا شي, لا يثبُتُ أثرُ الحِبرِ إلا على ورقٍ نظيف، كذلك لن تستطيع أن تشعر أنَّ هذا العمل قَبِلَهُ اللهُ عزّ وجل إلا على أساسٍ من استقامةٍ على أمرِهِ. بشكل آخر: لا تُفكّر أنَّ العمل الصالح يُعينُكَ على الاتصال بالله عزّ وجل إذا كان مبني على عدم استقامة, الاستقامة أساس. ماذا يوضح لنا هذا المثال؟ : من باب الأمثلة, والأمثلة توضّح: المستودع: الاستقامة إملاؤهُ بسائل غالٍ جِدّاً, العمل الصالح, أمّا مستودع بِلا قعر, وصب هذا السائل الزِئبقي الغالي, عمل أحمق لا شيء يحفظَهُ ، أمّا إذا كان المستودع مُحكماً, لو ألقيتَ فيهِ ليتراً واحداً هو محفوظ, ليترين محفوظين, فلذلك : دعوتُنا استقامةٌ تامّة وعملٌ صالحٌ بقدرِ المُستطاع، العمل الصالح بقدرِ المُستطاع: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 286] لكن الاستقامة تامّة، فمن رضيَ بانحرافٍ طفيف, هذا الانحراف كما تعلمون: لا صغيرةَ معَ الإصرار ولا كبيرةَ مع الاستغفار. الصغيرة تشبه راكباً بمركبتِهِ, وماشي على طريق مستقيم طويل, وعلى جانِبِهِ وادٍ سحيق, حَرَفَ المِقوّد 1سم, هذا الـ 1سم لو ثبت على الوادي, أمّا لِمَ سُميّت صغيرة؟ لأن هذا الـ 1سم تصليحهُ سهل جِدّاً, يحتاج إلى ضغط أقل من غرامين فيعود، أمّا الكبيرة انحراف 90 درجة فجأةً، فالصغيرة إذا ثَبُتت انقلبت إلى كبيرة من حيثُ النتائج, لأنهاَ نقلَتكَ إلى الوادي السحيق مع مسافة قصيرة. لا يوجد في الاستقامة حل وسط، الاستقامة قطعيّة، أمّا العمل الصالح نِسبي, ممكن أن تتصدّق بألف باركَ الله، ألفين باركَ الله، خمسة باركَ الله، 100 ألف باركَ الله، مليون باركَ الله, لكن هذه الصَدَقَة مبنيّة على مستودع مُحكم: وهيَ الاستقامة، أمّا المستودع بِلا قعر, الألف مثل الخمسة آلاف مثل المليون, لأنها لن تظهر. البند الثاني: العمل, العمل بِشقيه السلبي والإيجابي، السلبي: الاستقامة, والإيجابي: العمل الصالح, والعملُ الصالحُ يرفَعه. هذا المطلوب منك : قد يقول لكَ أخ: أنا لست نبي, هذه دعوى مُعظم الناس, ومن قال: أنكَ نبي؟ لا لستَ بنبي فعلاً, أنتَ لستَ بنبياً، ولستَ بصديّق، ولستَ بمؤمن كبير، لكن أنتَ مُسلم, وفي عِندكَ كتاب الله, على أنكَ مُطالَبٌ تماماً تماماً تماماً أن تستقيمَ استقامةً تامّة: ﴿وَإِنَّ كُلّاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة هود الآية: 112] لذلك قالَ عليهِ الصلاة والسلام: شيبتني هود وأخواتُها, وما شيّبَهُ في هذه السورة إلاّ هذه الآية: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ حديث يؤكّدُ هذه الحقيقة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا, وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ, فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ, أَشْعَثَ أَغْبَرَ, يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ, يَا رَبِّ يَا رَبِّ, وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ, وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ, وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ, فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] يعني: لو فرضنا ملك قاد سيارة, يوجد قواعد للقيادة، هذه القواعد يجب أن يُطبّقَها ملك, وأصغر إنسان يقود سيارة, مبادئ السلامة هذه, أمّا العمل الصالح بحسب الإمكانيات، بحسب الجود، بحسب الشوق إلى الله, هذا نسبي، أكثر الناس يعتقدون بنسبيّة الاستقامة, أطع الله على قدر ما تستطيع, نوعاً ما كلمة بالطاعة نوعاً ما, قدر ما تستطيع, الميسور, اللهُ لم يُكلّفُكَ فوق طاقَتُكَ, الإنسان ما دام راغباً في أن يبقى ثغرات كبيرة بحياتِهِ, هذه الثغرات كُلُها حُجُب تحولُ بينَهُ وبينَ اللهِ جلَّ وعلا. 3-الاتصال بالله : النظريّة الأولى: المعرفة بأبوابِها الثلاثة: بالتأمل, بالكون, بالنظر, بالحوادث, بالمُدارسة, بطابع التلقّي, الاستماع, أو طابَع الإلقاء, أو القراءة, في رُكن ثالث: الاتصالُ بالله كُليّاً, الصلاة اتصال، والصوم اتصال، والاستغفار اتصال، والتسبيح اتصال, والدُعاء اتصال، يجب أن تكشف القاسِم المُشتَرك, تُصلّي من أجلِ أن تتصل، وتصوم من أجلِ أن تتصل، وتحُجَ البيت من أجل أن تتصل, وتدعو اللهَ عزّ وجل من أجلِ أن تتصل، وتُسبحهُ وتوحّدهُ وتُكبرّهُ وتُمجدّهُ وتُنزههُ من أجلِ أن تتصل. إذا كان العِلم نما والعمل جاد والذكر ضعف ماذا يحصل للإنسان؟ : طيب: إذا كان العِلم نما, والعمل جاد والذِكر ضَعف, ماذا يحصل للإنسان؟ دققوا في السؤال: عِلم جيد، أعمال طيبة جيدة، لكن الاتصال بالله ضعيف, الصلاة شكليّة، والذكر قليل، الدُعاء صفر، القلب يتصحّر، القلب يخلو من مشاعر الإيمان, وإذا خلا القلبُ من مشاعر الإيمان, دخلَ السأم والملل والضجر، يعني: القلب مُحرّك, فإذا المُحرّك واقف، المِقود ممتاز؛ لكن لا يوجد مُحرّك!!!. سيدنا سُليمان قال: إني أحببتُ حُبَّ الخيرِ عن ذِكر ربي، سيدنا سُليمان آثرَ العملَ الصالح على اتصالِهِ بالله فعاتَبَهُ الله، سيدنا داوود بالعكس: آثرَ اتصالَهُ بالله على خِدمةِ الخلق فعاتَبَهُ الله, إذاً: ما المطلوب؟ أن توازِنَ بينَهُما، أن تسعى إلى إِقام التوازن, حركة كما يقولون، كُلما خطوتَ خطوةً نحوَ العمل الصالح, يجب أن تُلازِمَها خطوة نحوَ ذِكرِ الله, ذِكر وعمل, الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [سورة الشرح الآية: 1-8] ما علاقةُ هذه السورة بهذه الفِكرة؟ أينَ موضِعُ الشاهد؟ إذا فرغتَ من عملٍ صالح, فعليكَ أن تنصَبَ لِذِكرِ الله، يجب أن تتحركَ على خطين متوازيين؛ خط العِلم والعمل, وخط الذِكر. من فروع الذكر : مرةً ثانية: الذِكر من فروعه الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، الاستغفار، الدُعاء، التسبيح، التحميد، التمجيد، التهليل، التكبير, كُلُهُ ذِكر: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد الآية: 28] فأنتَ عقلُكَ امتلأَ عِلماً بقيَ القلب، القلب مملوء شهوات، فالمؤمن يشحنُ قلبهُ بِذكرِ الله. ((عبدي طهّرتَ منظرَ الخلقِ سنين, أفلا طهّرتَ منظري ساعة؟)) هذه وظيفة الحج : يا أيها الأخوة الأكارم, لا بُدَّ لُكلِّ واحدٍ مِنّا من غارِ حِراء. قالَ لي واحد مُداعِباً ومُعاتِباً: أتتركُنا أسبوعين وتذهب وتَحُج؟ قلتُ لهُ: وأنا أريد أن أُشحن أيضاً, ألا أُعطي؟ فيجب أن أتلّقى أيضاً، الإنسان عطاء, فتفرغ البطارية، يجب أن يُشحن, حتى يشحن الآخرين، فالحج عِبادة, فيها تفرّغ تام لله عزّ وجل، كُل الحج تفرّغ ودعاء وابتهال وطواف وسعي وما إلى ذلك. إذاً: الكُليّة الثالثة: وهي الذِكر, الصلاة, أو اتصال، أعتقد أنَّ الذِكر أشمل، أولاً: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أعني ما أقول: القلق, الخوف، الاضطراب، السأم، الضجر، كُلُ هذه المشاعر المُحزِنة تزول بالذِكر. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة : يا أخوان, لو كان جهاز يقيس معنويات الإنسان العالية, كُلما ازددتَ صِلةً باللهِ عزّ وجل, شعرتَ بمعنوياتٍ عاليةٍ جداً, وكُلما ضَعُفَ الاتصالُ بالله عزّ وجل, تسرّب القلق والخوف، لذلك لو أُتيحَ لكَ أن تطلعَ على قلبِ إنسانٍ بعيدٍ عن الله عزّ وجل, لوجدت قلبَهُ ممتلئ خوفاً وذُعراً, والدليل: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 26] أمّا المؤمن مطمئن بالله عزّ وجل، طلب عِلم، عمل صالح بِشقيّه السلبي والإيجابي، ذِكر بِكُلِّ ما تعني هذه الكلمة, من صلوات, وصيام, وحج, وزكاة, ودعاء, وما إلى ذلك. 4-التوحيد : في رُكن رابع أو خامس من أركان هذا الدين العظيم: التوحيد يجب أن ينطوي تحت ركن كبير رُكن المعرِفة, هذا السؤال ساقَني إلى موضوع دقيق: أنتَ إمّا أن تعرِفَ أمرهُ وإمّا أن تعرِفَهُ، إذا عَرفتَهُ ولم تعرِف أمرَهُ تفسقت, وإذا عَرَفتَ أمرَهُ ولم تعرِفهُ تزندقت، لا بُدَّ من أن تعرِفَهُ, ولا بُدَّ من أن تعرِفَ أمرَهُ في وقتٍ واحد، فلذلك أكبر خطأ يرتكبهُ بعض المُسلمين: أنهم يُعلّمون طالب العِلم الأحكام الفقهيةَ فقط، طالِبُ العِلم ما عَرَفَ اللهَ عزّ وجل, يُريد أن يُطيعَ من؟ أن يتصّل بمن؟ أن يخافَ من؟ أن يرجو من؟. في سؤال كبير: هكذا الصلاة، الواجبات، السُنن، تُصلّي لمن؟ نقول لكَ: يا أخي ألا تستقيم؟ أأستقيم لمن؟ لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أمضى مرحلةً رائعةً جداً من مراحِلِ دعوتهِ في التعريفِ باللهِ عزّ وجل، ثمَّ أمضى مرحلةً أُخرى في التعريفِ بأمرِ اللهِ عزّ وجل, وأيّةُ دعوةٍ إلى الله تفتقر إلى أحدِ شرطيها دعوةٌ عرجاء، لا بُدَّ من أن تُعرّفَ بالله, ولا بُدَّ من أن تُعرّفَ بأمرِ الله. ظاهرة مرضية منتشرة في العالم الإسلامي : مثلاً: في عندك ظاهرة مرضية، تجد شخصاً يحمل أعلى شهادة شرعية, تعلّم العقائد, والتوحيد, والفقه, والمواريث, وتعلّمَ أحكام الزواج والطلاق, والعدّة, واللقطة, وأحكام الوديعة, وأحكام القرض, وأحكام المُزارعةَ والمُساقاة, وأحكام الوكالة والحوالة, يقول لكَ: ثماني مجلدات, وتتفاجأ أنهُ يرتكب مخالفات كبيرة جدّاً, أنتَ كمراقب وجدت واحداً يحمل أعلى شهادة شرعية, لكن لهُ انحرافات خطيرة، قد يأكُلُ مالاً حراماً, بماذا تُشخّص مرضَهُ؟ عَرَفَ الأمر ولم يعرف الآمر، عَرَفَ الشريعة ولم يعرف الحقيقة، عَرَفَ الأحكام الفقهيّة ولم يعرف المُشرّع، هكذا..., وإذا رأيتَ إنساناً معلوماتهُ الفقهيّة ضعيفة جداً, يرتكب مخالفات فقهيّة, لا لأنهُ يُحب أن يعصيَ الله, لا, لأنهُ جاهل لا يعرف, ثمَّ رأيتَهُ يُحدّثُكَ عن أسماء الله الحُسنى, وعن صِفاتِهِ, وهذه حالةٌ مرضيّة، عَرَفَ اللهَ من خِلال الكون, ولم يعرف أمرَهُ بالضبط, فوقعَ في المعاصي, لا لأنهُ يُحبُ أن يعصيَ الله عزّ وجل, لا, لأنهُ يجهلُ حُكم الفِقهِ، ومثلُ هؤلاء كُثُر, يرتكب مخالفةً شنيعةً كبيرةً وهوَلا يدري، يقول لكَ: لا أعرف أهذه حرام!!؟؟. التوحيد ينضم إلى قسم المعرفة : فالتوحيد ينضم إلى قسم المعرِفة، وقسم المعرِفة كما قُلنا في كون وحوادث, هذهِ تُمثّلُ معرِفة الله، في قرآن وسُنّة هذه تُمثّلُ أمرَ الله, والدليل: الله عزّ وجل قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 1] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ [سورة الكهف الآية: 1] فكأنَّ هُناكَ رُكنانِ أساسيّان: الكون كتابٌ مفتوح, والقرآن كتابٌ مفتوح، هذا كِتابٌ حروفهُ كبيرة, يقرؤهُ القاصي والداني، العربي والأعجمي، وهذا كِتاب حروفهُ صغيرة, يقرؤهُ أهلُ العربيةِ فقط. يعني: هذا خلقُهُ وهذا أمرُهُ، خلقُهُ يدُلُ على التوحيد, وأمرُهُ يدلُ على التشريع معرفة ، عمل صالح, واستقامة، عمل, اتصال. 5-البيئة : ركن رابع: محبّةُ النبي -عليه الصلاة والسلام- تجديد الإيمان. الحقيقة: الذي قال محبة النبي, معهُ وجهة نظر, في شيء اسمهُ البيئة, الله عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] نحنُ نتصوّر إنساناً فِكرُهُ نيّر, وعملُهُ مستقيم, ونفسُهُ طاهِرة, ولهُ اتصال بالله، لو أنَّ هذا الإنسان عاشَ في مجتمعٍ منحرف, كُلما مضى بهِ الوقت تضعُفُ مقاومتهُ, إلى أن ينزلق من بابٍ إلى باب, ومن مستوى إلى مستوى, لذلك وردَ أنهُ: ((من أقامَ معَ المُشرِكين فقد بَرِئت مِنهُ ذِمّةُ الله)) وردَ أيضاً: ((من هَويَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهُم ولا ينفعهُ عملهُ شيئاً)) إضافةً إلى معرِفتِكَ بالله, وإلى طاعتِكَ, وإلى عملِكَ الصالح, وإلى ذِكرِكَ, لا بُدَّ من أن تكونَ في بيئةٍ مؤمنة, لأنَّ المؤمنَ يشدُّ أخاه. هذا معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الإنسان أحياناً لا يعرف وليسَ هذا عاراً، ليسَ العار أن لا تعرف, ولكنَّ العار أن تُصرَّ على عدم المعرِفة، ليسَ العار أن تكونَ جاهِلاً, ولكنَّ العار أن تبقى جاهلاً، إذاً: أنتَ يجب أن يكون في حياتِكَ إنسان تثق بِعِلمِهِ، إنسان تسألُهُ هذا معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ إذا قُلت: أنا لا أُريد أيّة جماعة, ولا أيّة جهة, ولا أيّ إنسان, وليسَ لي ثِقة بأحد, فماذا يحدث بالضبط؟ كُن واقعياً, ليسَ لكَ ثِقة بإنسان, ولا بداعية, ولا بعالِم, ولا بجامع, ولا بجماعة, كُلُهم كاذبون, راقب نفسك, تجد نفسك وحيداً مُحاطاً بأُناس بعيدين، مُحاط بأُناس شهوانيين، مُحاط بأُناس دنيويين، من جانس جالس، عندما أنتَ تكون في بيئة منحرِفة أو كافرة أو فاجرة أو فاسقة, تُحِس بحالكَ بعدَ فترة من الزمن صِرتَ مِثلَهم وأنتَ لا تدري, إذاً: لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ طيّبة، لا بُدَّ من بيئةٍ تنبُتُ فيها. وجود رسول أو وجود عالِم أو مُرشد أو مؤمنين, أنا أُعمم, لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ صالحة ، لو فرضنا أن إنساناً مؤمناً, وكل أصدقائه فسقه, لا يُصلّون, شاربي خمر, أعتقد لهم تأثير عليه سلبي، أمّا إذا مؤمن جلس مع مؤمنين, الأول صلّى قيام الليل, أنا يجب أن أفعل مِثلَهُ، الثاني تصدّق أمامهُ بصدقة كبيرة, هوَ أفضل منّي, والله أنا أيضاً, تجد المؤمن القوي يأخذُ بيد الضعيف. لذلك: لا تصحب من لا ينهضُ بك إلى اللهِ حالُه, ويَدُلّكَ على اللهِ مقالُه. أنتَ اجلس مع أهل الدُنيا تُحِس بهبوط. أيام الطائرة تكون مُحلّقة في الأجواء, فجأةً تهوي خمسين متراً, فقلوب الرُكّاب تنخلع, ولا سيّما الراكب أول مرّة, ماذا حصل؟ هذه الطائرة دخلت في جيبٍ هوائي فهبطت، وأنتَ أحياناً أيها الأخ الكريم, لكَ أخوانُك, ولكَ مجلس العلِم, وعلاقاتُكَ كُلُها مع مؤمنين, أُناس طاهِرين، مهذّبين، مُحبين، يُصلّون، يذكُرون، يتورّعون، ينصحون، كأنكَ بينَ أهلِكَ في بحبوحة، اجلس فجأةً مع أهلِ الدُنيا, من مُزاحُهم الرخيص، من مُزاحُهم الجِنسي، من قنصهم، من تعليقاتهم اللاذعة، من وقاحتهم أحياناً، من انحرافهم الأخلاقي، من شهوانيتهم, تُحس كأنكَ تلوّثت وهبطت، فأنا أقول لكم الرُكن الرابع: لا يُمكن أن تلتزم وتتنامى وينمو إيمانُك إلا في بيئة طيّبة, هذا معنى قولِهِ تعالى, آية كبيرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 13] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 51] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 1] آيات كثيرة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] بعدَ أن تتعرفَ إلى الله, من خِلال الكون والحوادث والقُرآن، ومن خِلالِ معرِفتهِ ومعرِفةِ أمرِهِ، ومن خِلالِ التلقّي أو الإلقاء, من خِلال الكونِ أو القُرآن، وبعدَ أن تستقيمَ على أمرِ الله, فتُزيلَ كُلَّ العقباتِ من الطريقِ إلى الله, وبعدَ أن تعملَ صالِحاً, فتتحركَ على طريقِ الإيمانِ, وبعدَ أن تتصلَ باللهِ في الصلاةِ, والصيامِ, والحجِ, والزكاةِ, والذِكرِ, والدُعاءِ, والتسبيحِ, وبعدَ أن تفعلَ كُلَّ هذا, لا بُدَّ لكَ من بيئةٍ مؤمنةٍ تعيشُ فيها. عملية مقارنة : لا يعرِفُ ما نقول, كما قالَ ابنُ عطاءِ اللهِ السَكندَريّ: إلا من اقتفى أثرَ الرسول. الذينَ عاشوا في بيئاتٍ كافرة، في مجتمعاتٍ قاسيّة, في مجتمعاتٍ تُرتكبُ فيهِ الفواحِشُ على قارِعة الطريق, كُلُ شيء في هذا المُجتمع يدعوكَ إلى معصية الله، كُلُ شيء في هذا المُجتمع يدعوكَ إلى الفِسقِ والفجور، هذا المُجتمع لا يُعاشُ فيه، لذلك الإنسان إذا اللهُ أكرَمَهُ ببلدٍ طيّبٍ, فيهِ مساجد، فيهِ ذِكر، فيهِ مجالس عِلم، فيهِ بقيّة حياء, بقيّة ورع, بقيّة تقوى, بقيّة صلاح, بقيّة عمل صالح, هذه أرضٌ مُبارَكة، بلدةٌ طيّبة, على الرغمِ من كُلِّ السلبيّات, لا تعرِفُ قيمتها إلا إذا تركتها. الحنين إلى الوطن : أحد أخواننا الكِرام ذهب إلى بلد أجنبي بعيد جداً, ولهُ منصِب لا بأسَ بهِ, ويعيش في طمأنينة وبحبوحة, حدثّني أنهُ سَمِعَ قرآناً يُتلى من بعض المراكز الإسلامية في هذا البلد الكبير الحضاري المُتقدّم, حنّت نفسهُ إلى بلادِهِ, وشعرَ بأشواقِهِ إلى بلادِهِ الإسلاميّة, وإلى المساجد, ومجالس العِلم, وتلاوة القرآن، المؤمن دائماً يشعر بانتمائهِ إلى إسلامِهِ وإلى بلدِهِ. إذاً: الرُكن الرابع في آيات كثيرة جدّاً, وفي أحاديث كثيرة جدّاً, هذا الرُكن الرابع أن تكونَ بينَ جماعةٍ مؤمنة، سافر الآن مع ثلاثة مؤمنين؛ الصلوات، الذِكر، الفجر، وسافر وحدك, أميل إلى التحلل والتفلّت. ((الجماعةُ رحمة والفُرقةُ عذاب)) ((إنَّ الشيطانَ معَ الواحد, وهوَ من الاثنينِ أبعد, وإنما يأكُلُ الذئبُ من الغنمِ القاصيّة)) أحياناً: يجب أن نعودَ إلى كُل الدين، إلى أُصول الدين, هذا هوَ الدين معرِفة. لم خلق الإنسان؟ : أنا أذكر دائماً وكثيراً: أنَّ الإنسانَ خُلِقَ ليعبُدَ اللهَ عزّ وجل, بدليلِ: الآية القطعيّةِ في دلالتِها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] العبادة ثلاث مراحل: طاعة قبلها معرِفة وبعدها سعادة, هذا كُل الدين، سلوك مبني على معرِفة يُفضي إلى سعادة، والسعادةُ هدفُ كُلِّ مخلوقٍ حيّ، يعني في النهاية أنتَ خُلقِتَ للجنة, والجنة كُلُها سعادة، متاعب الدُنيا متاعب مؤقتة, التكليف مؤقت، المشقّة مؤقتة، مصارعة النفسِ مؤقتة، لمّا الإنسان يستحق دخول الجِنان: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 46] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [سورة الزُمر الآية: 73] هذا حال المؤمن والكافر حينما يأتيهما ملك الموت : قال: المؤمن حينما يأتيهِ مَلَكُ الموت, ويطّلعُ على مقامِهِ في الجنّة, يقول: لم أر شرّاً قط ، لو أنَّ حياتهُ كُلها مُفعمةُ بالمصائبِ والمتاعب, يقول: لم أر شرّاً قط, لو أنَّ حياتَهُ كُلّها مُفعمةٌ بالمتاعبِ والمصائب, يقول: لم أر شرّاً قط، والكافر حينما يعرِفُ مكانَهُ في النار, يصيحُ صيحةً, لو سمِعَها أهلُ الأرضِ لصُعِقوا, يقول: لم أر خيراً قط، أينَ بيوتُهُ؟ أينَ مسرّاتُهُ؟ حفلاتُهُ؟ رِحلاتُهُ؟ أينَ شأنُهُ؟ أينَ الطعام الذي أكلَهُ؟ أينَ النساء اللواتي التقى بِهنّ؟ أينَ السهرات الناعمة؟ أينَ هيَ؟ كُلُها ذهبت وبقيت تبِعاتُها. خاتمة القول : فنحنُ إذاً: بحاجة إلى مجتمع مؤمن، أنا أشعر عليكم أنهُ لمّا الإنسان يحضُر مجلس عِلم, يقول لكَ: تأثّرت وشعرت بصفاء, وبقي معي يومين ثلاث, يومين أو ثلاث في ذكر, وفي قُرب, وفي طُمأنينة, وفي قوّة نفسيّة, وفي معنويات مرتفعة. أربعة أركان أساسيّة في الدين: رُكن معرِفيّ, طلب عِلم بكُل أنواعُهُ, العِلمُ بالله، العِلمُ بأمرِهِ، الحقيقة، الشريعة، التفكّر، التأمُل، دراسة، سماع، قراءة، طلبُ العِلم على إطلاقِهِ، ثمَّ العمل بشقيّهِ السلبيّ والإيجابي، السلبي الاستقامة والإيجابي التقديم، إنفاق المال، إنفاق الجُهد، إنفاق الخِبرة، ثمَّ الاتصال بالله بِكُلِّ ألوانِهِ؛ من صلاة, إلى صيام, إلى حج, إلى زكاة, إلى ذِكر, إلى دُعاء, إلى إقبال, إلى تلاوة قُرآن، والشيء الرابع: أن تحرصَ على أن تكونَ في مجتمعٍ مُسلم, لأنَّ هذا المُجتمع يُقويّك. ((الجماعةُ رحمة والفُرقةُ عذاب)) ((عليكم بالجماعة, وإياكُم والفُرقة, فإنَّ الشيطانَ مع الواحد وهوَ من الاثنينِ أبعد, وإنما يأكُلُ الذئبُ من الغنمِ القاصية)) والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#44 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الرضاالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و الاربعون ) من لوازم الإيمان : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والأربعين من دروسِ مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, ومنزلةُ اليوم هيَ منزلةُ الرِضا. كُلكُم يعلم: أنَّ الإنسانَ بينَ حالتين؛ بينَ حالة رِضى وبينَ حالةِ سُخطٍ، فالرِضا من لوازِمِ الإيمان والسُخطُ من لوازِمِ الكُفر. أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الرِضا مُستحب بل إنهُ مستحبٌ مؤكّد. ربُنا سبحانُهُ وتعالى في بعضِ الأحاديث القُدسيّة يقول: من لم يصبِر على بلائي, ولم يرض بقضائي, فليتخذّ ربّاً سِواي. يعني نحنُ عبيدٌ للهِ عزّ وجل, وليسَ لنا إلا قضاءِ الله وقَدَرُه, والدُعاء الذي تدعونَ بهِ دائماً: اللهمَّ إني عبدُكَ وابنُ عبدِكَ وابنُ أَمتِكَ, ماضٍ فيَّ قضاؤك نافذٌ فيَّ حُكمُك. يعني بشكل واقعي: ليسَ لنا إلاّ الله عزّ وجل. ما الفرق بين الحال والمقام؟ : على كُلٍ؛ العُلماء يُفرّقون بينَ الحال وبينَ المقام، المقام كسبيّ والحال وهبيّ، بعضُهم يرى أنَّ الرِضا حال, وما دامَ حالاً فهوَ وهبيٌّ؛ أيّ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُلقي في روعِكَ الرِضا أو السُخط، فإن رآكَ مستقيماً, إن رآكَ مُخلِصاً, إن رآكَ مُنيباً, إن رآكَ مُحِبّاً, ألقى في قلبِكَ الرِضا بقضائِهِ وقَدَرِه. على كُلٍ؛ الرِضا بالقضاء والقدر لهُ جانب كسبيّ, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ عزّ وجل, وعَرفتَ حِكمَتَهُ, وعَرفتَ عدله ورحمتَهُ, تستنبط استنباطاً ثابِتاً: أنَّ الذي أصابَكَ محضُ حِكمةٍ, ومحضُ رحمةٍ, ومحضُ عدلٍ, فجانب من الرِضا كسبيّ وجانب مِنهُ وهبيّ، جانب مِنهُ مقام وجانب مِنهُ حال. على كُلٍ؛ الجمعُ بينَ المعنيين يتمُّ على الشكل التالي: إنكَ إذا بذلتَ ما كُلّفتَ بِهِ من معرِفة اللهِ, ومن فهمِ كتابِهِ, ومن الاستقامةِ على أمرِهِ, جاءكَ الرِضا الوهبيّ, وهوَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يُلقي في قلبِكَ السكينةَ والرِضا. نقطة دقيقة : أقول لكم هذه الكلمة: لو أنَّ إنساناً كانَ في أعلى مستوياتِ الحياة, ولم يكُن راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فهوَ في حالةٍ تعيسةٍ وشقيّةٍ لا توصف، ولو أنكَ في أدنى درجات الحياة, وكُنتَ راضيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فأنتَ في أسعدِ الحالات, فالعِبرةُ ليست في كميّة المال بل العِبرةُ في الرِضا. يعني النقطة الدقيقة: كميّة المال والصِحة والحظوظ التي يتفضّلُ الله بِها على عِبادِهِ هذهِ ثابتة, ولكن مُنعكسها هوَ المُهم: إذا جاءتكَ الحظوظ من كُلِّ جانب ولم تكُن راضيّاً عن الله عزّ وجل فهذا شقاء، وإن فاتَكَ أشياء وأشياء من الدُنيا وكُنتَ معَ ذلكَ راضياً عن الله عزّ وجل فهذه سعادة, ما الذي يجعَلُكَ ترضى؟. هذا دور العلم : مثلاً: طفل على كُرسي طبيب الأسنان, وفي سِنّهِ ألمٌ شديد, ولا بُدَّ من قلعِ هذا السِن, ولا بُدَّ قبلَ قلعِ هذا السِنِ من مُخدّر, ولا بُدَّ لهذا المُخدّر من حِقنة, حينما يتألمُ الطفلُ, يرفضُ أن يبقى جالساً, وقد يصيح, وقد يتكلّم كلاماً غيرَ لائق, لماذا؟ لأنهُ لا يعرِفُ أنَّ الطبيبَ يعملُ لِصالِحهِ، ولا يعرِفُ أنَّ هذه الإبرة بعدَ قليل سوفَ تُنسيهِ الألمَ الطويل. ماذا يُساوي الرِضا؟ العِلم، كُلما كانَ عِلمُكَ باللهِ أكبر, كانَ رِضاكَ عنهُ أشد, وكُلما كانَ هُناكَ جهلٌ باللهِ عزّ وجل, كانَ معَ الجهلِ سُخط, يُمكن أن نجمعَ بينَ العِلم والرِضا, وبينَ الجهلِ والسُخط، والإنسان حينما تُكشفُ لهُ الحقائق, وحينما يظهرُ لهُ أنَّ كُلَّ أفعالِ اللهِ حكيمةٌ ورحيمةٌ وعادِلةٌ, وأنهُ لم يرضَها في حينِهِ, وأنهُ سَخِطَ على اللهِ مِنها, عندئذٍ يتألّمُ أشدَّ الألم، لذلك: عليكم بالعِلم, لأنَّ العِلمَ وحدَهُ طريقُ الرِضا، وطريقُ المعرِفة، وطريقُ السكينة، وطريقُ كُلِّ ثمراتِ الإيمان التي نصَّ عليها القرآن. ما معنى رب؟ : النبي -عليهِ الصلاة والسلام- يقولُ في حديثٍ صحيح: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] تجد أشخاصاً كثيرين, عِندَهم حالةُ سُخطٍ صعبةٍ جدّاً, هذه الحالة سببها الجهل، قد يرى أنَّ الأرض يَعمُ فيها الظُلم, وأنَّ القوي يأكلُ الضعيف، وأنَّ الأرض مُقبلةٌ على جفافٍ في المياه ونقصٍ في الغذاء, وأنًّ البشرَ سوفَ يذوقونَ الأمرّين, هكذا يقرأ في المقالات، كُل هذه المقالات التي تُسطّر, تُسطّر في غفلةٍ عن اللهِ عزّ وجل, كاتِبُها غافل، كاتِبُها لم يقرأ القرآن، كاتِبُها لا يعرف الله عزّ وجل, لذلك: مرَّ بِنا البارحة في أحاديث درسِ الفجرِ: أنَّ من أكبرِ الكبائر: أن تيأسَ من رَوحِ الله. من أكبر الكبائر: اليأسُ من رُوحِ الله كُفر. بالمناسبة: الإنسان حينما يستمع إلى أهلِ الضلال, إلى أهلِ الدُنيا, إلى المُشككين, إلى السوداويين, حينما يرسمون لكَ مستقبل العالم, على أنهُ مُظلم, وعلى أنَّ القوي سيأكُلُ الضعيف, وعلى أنَّ الفقير سيزدادُ فقراً, وعلى أنَّ الحروبَ القادمة حروبَ مياه, وعلى أنَّ النبات لن يُطعِمَ أهلَ الأرض, هذا كُلُهُ كلام أهل الدُنيا وأهل الكُفر، هذا الكلام يبعثُ في النفسِ السُخط والضيق والقلق, لكنكَ إذا آمنتَ باللهِ ربّاً. ما معنى ربّ؟ ربّ بيدهِ كُلُ شيء، آمنتَ بِهِ إلهاً, هوَ المُسيّر, وهوَ الذي يستحقُ العِبادة, وآمنتَ بهِ ربّاً, هوَ المُمِد, وهوَ الحكيم الذي يُربّي كُلَّ شيء, ومن ضِمنِ تربيتهِ النفوس البشريّة يُربيها. هذه مفاجآت الرب للعباد : في العيد الماضي زارنا في المسجد رجل من أهل العِلم الدنيوي, فقالَ لي كلاماً: أيها الأخوة, إذا استوعبتُهُ كما أراد, ليسَ بإمكاني أن أقف على قدميّ، يتحدّثُ عن الجفاف الذي أصابَ مِنطقة دمشق, وأنَّ منسوبَ المياه قد تدنّى كثيراً, وأننا مُقبِلونَ على جفافٍ عام, وأنَّ حوضَ دِمشق آيلُ إلى اليباس, وجاءني بإحصائيات, وأدلّة, وأرقام, ودراسات, ومتوسط الأمطار, فكيفَ فوجِئنا في العام الماضي بأمطارٍ تزيدُ عن ثلاثمائة وسبعين ميليمتر, مقابل 80 أو 120 ميليمتر في الأعوام الماضية؟ أينَ كانت هذه؟ هذه مُفاجآت ربُنا عزّ وجل، هذا التشاؤم والسوداوية والنظرة غير المُتأنيّة, هذه ربُنا عزّ وجل يُبددُها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة لقمان الآية: 31] وأمطارُ العام من آيات الله الدالّة على عظمَتِهِ، لكنّكَ إذا ظننت أنَّ المطرَ وحدَهُ حلَّ كُلَّ المُشكلات, يأتيكَ مطرٌ في وقتٍ غيرِ مُناسب فيُتلِفُ المحاصيل، لا تعبُدِ المطرَ دونِ الله, اعبُد اللهَ عزّ وجل، فالمطر في غيرِ وقتِهِ يُتلِفُ كُلَّ المحاصيل، فلذلك اسأل اللهَ السلامة والرِزق, فهل رضيتَ باللهِ ربّاً؟ أحياناً تستمع إلى أنَّ هذه الجِهة مَلَكت العالَمَ كُلَهُ, وسوفَ تُذِلّهُ جميعاً, من قال لكَ: أنَّ هذا يدوم؟ هذا خِلاف السُنّة: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 251] وضع استثنائي لا يستمر، إنَّ جِهةً واحدة في الأرض تتحكمُ بالعالمِ كُلّهِ, وتُذِل العالمَ كُلَهُ, هذا شيء لا يستمر, لكن امتحان، كُلُ إناءٍ ينضحُ بما فيه. ((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضيَّ باللهِ ربّاً وبالإسلامِ ديناً)) من علامة الإيمان : أحياناً الإنسان يستحيي بإسلامِهِ، هل يرى أنَّ إسلامهُ ناقص؟ في أشياء صعب تطبيقُها, مُحرِجة, لا تُصافح, ماذا أقول لها: أنا موظف؟ لمّا أنتَ تستحي بأوامر ربنا عزّ وجل ، عندما تستحيّ بالنواهي وتستحي بالتشريع, لا تراهُ كامِلاً، لا تراهُ تامّاً، لا تراهُ يتناسبُ معَ هذا العصر, معنى هذا أنكَ لم ترض بالإسلامِ ديناً, يجبُ أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً، يعني هل رضيتَ بسُنتِهِ؟ هل تعتزُّ بسُنتِهِ؟ يعني أمَرَكَ أن تفعلَ كذا, وتفعلَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, وأن تجتنبَ كذا, هل أنتَ في مستوى سُنتِهِ؟. إذاً: أحدُ علاماتِ إيمانِك: أن ترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً. سؤال : لي عِندكم سؤال: تذوقُ طعمَ الإيمانِ, فترضى باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولاً, أم ماذا؟ أيُهُما أول؟. انظر: ((ذاقَ طعمَ الإيمانِ: من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- رسولا)) يوجد حديثان: حَدَث الرِضا وحَدَث ذوق طعم الإيمان؛ أيُهُما أول؟ إذا رضيتَ باللهِ رباً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ -صلى اللهُ عليه وسلم- نبيّاً ورسولاً, عندئذٍ تذوقُ طعمَ الإيمان، صار معنى الحديث: أنهُ من رضي باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ نبياً ورسولاً, ذاقَ طعمَ الإيمان، فجاءَ النبي بصيغةٍ فيها تقديم وتأخير, وطبعاً التقديم والتأخير في العربيّة وارد, وهوَ من البلاغة التقديم والتأخير. وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلام في حديثٍ رواهُ مُسلم: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ)) الحقيقة: عندما يرضى بالله رباً يستقيمُ على أمرِهِ، وبالإسلامِ ديناً يتبّعُ أحكامَهُ، وبمحمدٍ نبيّاً يقتدي بِسُنتِهِ، إذاً: ليست لهُ ذنوب, عندئذٍ تُمحى ذنوبُهُ وتُقبَلُ التوبة. من رضي عن ربه فقد عرفه ومن عرف ربه رضي به: في نقطة دقيقة في الموضوع: الرِضا كسبيّ كما قُلت قبلَ قليل, يعني أنتَ إذا عرفتَ اللهَ رضيتَ عنه. يعني إذا كان طفل صغير, رأى صديقَهُ يتلقّى ضرباتٍ من والِدهِ, يقول هذا الطفل الصغير: هذا الأب ظالم، أمّا إذا كُنتَ أباً, وتعرِفُ مشاعِرَ الأب تجاهَ ابنِهِ, وحِرصَهُ على أخلاق ابنِهِ, وحِرصَهُ على مستقبل ابنهِ, ورأى ابنَهُ منحرِفاً قليلاً فأدّبَهُ, فالأب يُفسّر التأديب لا على أنهُ ظُلم, ُفسّرُهُ على أنهُ رحمة وحِكمة وعدل وحُب وتربية، فكُلما ارتقى مستواكَ الإيمانيّ ارتقى مع مستواكَ الإيمانيّ رِضاكَ عن الله عزّ وجل. لذلك قالوا: من رضي عن ربِهِ فقد عَرَفَهُ, ومن عَرَفَ ربَهُ رضي عن ربِهِ. يعني الرضا عن الله علامة معرِفة, ومعرِفةُ الله عزّ وجل تُثمِرُ الرِضا, علاقة تقابِل. قف هنا : في نقطة دقيقة: هوَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى حينما خلقَ العِباد خلقَهم ليُسعِدَهُم, إذاً: هوَ أحبَّهُم, لكن حينما هُم يستقيمونَ على أمرِهِ, ويعبدونَهُ حقَّ العِبادة, ويُحبونَهُ يُحِبهُم محبةً أُخرى ، واحد كرّمَ ابنَه دليل محبته, أمّا حينما يكونُ هذا الابنُ بارّاً بأبيه, يأتي حُبٌ آخر حُبُ البِرّ, هُناكَ حُبُ النبوة وهُناكَ حُبُ البِرّ. لذلك: أنتَ حينما ترضى عن اللهِ عزّ وجل, يرضى اللهُ عنك, لأنكَ رضيتَ عنه، يعني أجمل موقف أنهُ عبد مؤمن, تأتيهِ مُصيبة, فيُخاطِبُ اللهَ عزّ وجل, يقول: يارب إني راضٍ عنك. قصة مؤمن راض عن الله : حدثني أخ في مستشفى: جاء مريض معهُ ورم خبيث في أمعائه, وقد سمِعتُ أنَّ لهذا المرضِ آلاماً لا تُطاق, لأنهُ آلام الأمعاء آلام ضغط: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 15] آلام الأمعاء لا تُطاق, فإذا كان في الأمعاء ورم خبيث, فإنهُ يُسببُ آلاماً لا يحتملُها أشدُ الرِجالِ جَلَداً، فجاء مريض مؤمن إلى مستشفى, وقد أُصيب بمرضٍ خبيثٍ في أمعائِهِ, والآلامُ التي يُعانيها لا تُطاق, وصفَ أحدهم حالتهُ, كانَ يُمسك بِكِلتا يديه على أطراف السرير, لِئلا يصيح, لأنهُ يرى في الصياحِ تبرّماً بقضاءِ اللهِ وقدرهِ، فكُلما دخلَ عليهِ من يعودُهُ أو الطبيب أو المُمرض, يقول لهُ: اشهد أني راضٍ عن الله. هذا موقف المؤمن إذا جاءه ما يكرهه : يعني أكمل موقف يقفُهُ المؤمن إذا جاءهُ ما يكرهُهُ, يقول: يا رب أنا راضٍ بقضائِك ، يا ربي لكَ الحمدُ والشُكرُ والنِعمةَ والرِضا، فلذلك: الصبرُ عِندَ الصدمةِ الأولى, بينَ الساخط والراضي زمن فقط, لأنَّ الساخط بعدئذٍ سوفَ يرضى شاء أم أبى, لكنَّ البطولة أن ترضى عن اللهِ عزّ وجل عِندَ الصدمةِ الأولى، حينما يتلقّى نبأ الرسوب, وكانَ قد بذلَ جُهدَهُ الجهيد, يا ربي لكَ الحمد, هكذا اخترتَ لي، حينما يتلقى أنَّ اسمهُ لم يُدرج بين الناجحين في هذه المُسابقة لهذهِ الوظيفة, يقول: يا رب رضيتُ بِكَ ربّاً وبِقضائِكَ وبقدرِك. انظر لهذا القول للعلماء : العُلماء قالوا: الرِضا بابُ اللهِ الأعظم. يعني أنتَ بالرِضا تدخُلُ على الله, وبالسُخطِ تحتجبُ عنه, وراقبوا أنفسَكم، إذا الإنسان جاءتهُ قضية مُزعجة, فرأى أنَّ الله قد ظلمهُ بِها, يجب أن يُيسرهُ لها, فلم يُيسرهُ لها, الله حرمهُ إياها، الله أهانهُ، هذا الشعور يحجُبُهُ عن الله عزّ وجل, لهذا الله عزّ وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [سورة الفجر الآية: 15-17] يعني: يا عِبادي ليسَ عطائي إكراماً, ولا منعي حِرماناً، عطائي ابتلاء وحِرماني دواء. اعلم هذا : الذي أرجوهُ من أخوتنا الأكارم, إذا شيء لم يصح لكَ, الله عزّ وجل صَرَفَ عنك شيئاً تبتغيه, لا تُحس أنكَ مُهان عِندَ الله عزّ وجل, هذا شعور شيطاني, الله لا يحبُني، لم يُعطن، حَرَمَني، أعطى فُلان وحَرَمَني، هذا الشعور شعور شيطاني. الحديثَ النبوي الشريف: ((إنَّ اللهَ ليحمي صفيّهُ من الدُنيا, كما يحمي أحدُكم مريضَهُ من الطعام)) وفي رواية: ((إنَّ اللهَ ليحمي عبدَهُ من الدُنيا, كما يحمي الراعي الشفيق غَنَمَهُ من مراتع الهَلَكة)) ولن تعرِف اللهَ عزّ وجل إلا إذا استوى عِندَكَ؛ أن تأتيكَ الدُنيا أو أن تُزوى عنك. ما معنى هذا الدعاء للنبي عليه الصلاة والسلام؟ : لذلك أجمل دُعاء دعاهُ النبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الموطن, يقولُ عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ, اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ, اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ, فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ)) [أخرجه الترمذي في سننه] أعطاك مالاً، ليكُن هذا المال مبذولاً في الحق، زوى عنكَ المال, ليكن الفراغ الذي نشأَ من حِرمانِكَ من المال في سبيل الله. أحياناً الإنسان يكون زواجُهُ ناجحاً جداً, طبعاً أكثر وقته مع زوجته، أحياناً يكون زواجُهُ غير ناجح, فيصبحَ عِندَهُ فراغ, يجلس في الغرفة وحده. مثلاً: عِندُهُ فراغ ناتج من زواج غير ناجح, يا ربي اجعل هذا الفراغ في سبيلك، أنتَ مثل المنشار على الحالتين رابح، إن أعطاكَ اللهُ ما تبتغي فهوَ في سبيلِ الله، وإن زوى عنكَ ما تُحب فهوَ في سبيل الله, هذا حال المؤمن. ما هو الحمد المشهور؟ : حَدَّثَنَا ثَابِتٌ, عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: ((بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدٌ مَعَ أَصْحَابِهِ إِذْ ضَحِكَ, فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, إِنْ أَصَابَهُ مَا يُحِبُّ حَمِدَ اللَّهَ وَكَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَإِنْ أَصَابَهُ مَا يَكْرَهُ فَصَبَرَ كَانَ لَهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ لَهُ خَيْرٌ إِلا الْمُؤْمِنُ)) والحمد المشهور: الحمدُ للهِ الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سِواه, والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ, وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ, قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه] متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ : قيل لأحد العارفين بالله: متى يبلُغُ العبدُ مقامَ الرِضا؟ قالَ: إذا أقامَ نفسَهُ على أربعةِ أُصول: يا ربي إن أعطيتني قَبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتَني أجبت. هذا مقام العبوديّة, أعطاك راضٍ، زوى عنكَ راضٍ، دعاك تستجيب، تركَكَ تعبُدُهُ. يعني في أشخاص عبيداً لله بل عبيد للأحوال, فإذا كان بالصلاة مسروراً فيُصلي، وإلا تركها, ما فيها شيء الصلاة, هذا جاهل جهلاً كبيراً، أنا أُصلي إن تجلّى اللهُ عليّ أو لم يتجلّ، إن تجلّى فهذهِ نفحة من نفحات الله, الحمدُ لله, وإذا لم يتجلّ أُصلي، أجلس للذكر إن وجدت في الذِكر تجلّ, الحمدُ لله, لم يحدث تجلّ, أنا واجبي جلست، صدق القائل: أخلِق بذي الصبرِ أن يحظى بحاجتِهِ ومُدمن القرعِ للأبوبِ أن يَلِجَا إذا ربُنا عزّ وجل رآكَ جلستَ في الصُبح لتذكُر, أن تقرأ القُرآن, أو تُفكّر, فلم يظهر معكَ شيء, ففي اليوم التالي لا تجلس, يقول لكَ: مُقفلة, أمّا المؤمن يجلس, في نفحة الحمدُ لله ، ما في نفحة أنا أديتُ واجبي, إذا الله رأى إلحاحكَ وثباتك وإصرارك, عندئذٍ يفتحُ لكَ أبوابَ رحمتِه. اللهُ عزّ وجل عزيز، على أول طلب لا يُجيب، من كانَ يرجو لِقاءَ اللهِ فإنَّ أجلَ اللهِ لآت, لآت: هذهِ للمستقبل، أنتَ طلبت، وألحت، واتخذت الأسباب، وفعلتَ موجِبات الرحمة, وعلى اللهِ الباقي, هذا الذي عليّ قد أنجزتُهُ. قف عند هذا الكلام : فأخواننا الكِرام, أقول لكم هذا الكلام إن شاء الله بإخلاص: إذا إنسان ألزم نفسهُ بجلسة صباحية مع الله عزّ وجل, لا يجعل الجلسة متعلّقة بالحال, أخي لم أشعر بشيء, اجلس هذه الجلسة في كُلِّ الأحوال، لكَ جلسة ذِكر ولو ربع ساعة ألفين مرة الله، لكَ جلسة قرآن ولو خمس صفحات أو 10 أو 15 أو 20، لكَ ركعتين قيام الليل قبل الفجر، أنتَ اثبت على هذا أيام وأيام، أسابيع وأسابيع، بعدَ أن يراكَ اللهُ ثابِتاً, وبعدَ أن يراكَ اللهُ صادِقاً ومُتشبثاً ومُصرّاً ومُلحّاً وصابِراً, عندئذٍ يفتحُ عليك، الفتح لا يأتي من أول لحظة، من أول جلسة، وحينما تقبَعُ صباحاً في جلسةٍ معَ اللهِ عزّ وجل. أيها الأخوة الأكارم, لا يعلمُ إلا الله ثِمارَها في أثناء اليوم، أول ثَمَرةَ تُحس أنكَ في حصن, بينكَ وبينَ المُخالفات مسافات بعيدة جداً, أمّا إذا لم يكُن لكَ جلسة مع الله صباحاً, تُحس أنكَ على الحافة, ممكن أن تغلط دائماً بكلامك، بحركاتك, بسكناتِك، كأنكَ على الحافّة, على حرف، أمّا إذا كان لكَ معَ الله جلسة ذِكر، جلسة تِلاوة، جلسة تفكُّر، جلسة صلاة، هذه الجلسة تنعكِسُ على نهارِكَ كُلّهِ، أولاً الحفظ، ثانياً سواد في التفكير، سلامة في القول، حصافة في القرار: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الطور الآية: 48] لذلك: ((لا تعجز ابنَ آدم عن ركعتين قبلَ الفجرِ أكفِكَ النهارَ كُلَهُ, إن أعطيتني قبِلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت)) علامة الرضا العلم : الإمام الجُنيد يقول: الرِضا هوَ صحةُ العِلمِ. كما قُلت قبلَ قليل: علامة الرِضا العِلم, تعلم, انظر للراشد عِندَ طبيب الأسنان, طبعاً يتألم جداً حينما يتلقى المُخدّر, ومع ذلك يسكت ويشكُر الطبيب ويُعطيهِ الأجر، لأنهُ موقن أنَّ عملَ الطبيب لِصالِحهِ، فكُلما ارتقى عِلمُك ارتقى رِضاك. ماذا يعني هذا القول: الرضا والمحبة ليست كالرجاءِ والخوف يوم القيامة؟ : الآن: الرِضا والمحبة ليست كالرجاءِ والخوف يومَ القيامة، الرجاء والخوف يزول يوم القيامة، في رجاء يوم القيامة, واحد دخل الجنة كانَ يرجوها في الدُنيا فدخلَها, انتهى الرجاء، كانَ يخافُ النار فوقاهُ اللهُ مِنها, انتهى الخوف، فالخوف والرجاء حالانِ من أحوالِ أهلِ الدُنيا, لكنَّ الرِضا والمحبّة حالانِ مستمران إلى الآخرة, إلى الجنة. وهم خاطىء : في نقطة مهمة: في وهم كبير: يظُنُ بعض أخواننا أنَّ المؤمن العالي الذي إيمانُهُ كبير لا يتألّم للمصيبة، هذا كلام غير واقعي, هوَ يتألّم لكن لا يسخَطُ على الله، واحد ابنهُ مَرِض, يقال له: أخي أنتَ لو كان إيمانك قوياً تفرح, لا, الكلام غير واقعي, المرض مؤلم، الألم ألم. النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما ماتَ ابنُهُ ابراهيم, ذرفت بعضُ دموعِهِ, فقالَ أحدُ أصحابِهِ: ((يا رسولَ الله أتبكي؟ فقالَ عليه الصلاة والسلام –بواقعيّة-: إنَّ العينَ لتدمع, وإنَّ القلبَ ليخشع, ولا نقولُ ما يُسخِطُ الرب, وإنّا عليكَ يا ابراهيم لمحزونون)) فحتى الواحد يتوازن: ليسَ معنى الرِضا أن لا تتألمَ من المصيبة، المُصيبةُ مُصيبة, والمُصيبة مؤلِمة, والذي يتألّم ما فعلَ شيئاً خِلافَ الشرع، لكن هُناك ألم محفوف بالرِضا والتسليم لقضاء الله وقدرِهِ، وهُناك ألم محفوف بالسُخط، فالعالِم يتألّم ويرضى, والجاهل يتألّم ويسخَط, أمّا التألّم شيء واقعي. ليست البطولةُ أن تنجوَ من كُلِّ مصائبِ الدُنيا, لا, لأنَّ اللهَ عزّ وجل شاءت حِكمتَهُ أن تكونَ الدُنيا محفوفةً بالمكاره. ما معنى كلام أهل الجنة في هذه الآية؟ : تكلّمت البارحة في درس الجُمعة: واحد كان في بيت, فيهِ رطوبة كبيرة جداً, تحت الأرض, وشمالي, فاشترى بيتاً في الطابق الثالث وقِبلي, فقال: الحمدُ لله الذي نجانا من الرطوبة والظلام, هوَ هذا الكلام كلام حمد, لكن فيهِ وصف لِما كانَ عليهِ من قبل. عندما قال أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [سورة فاطر الآية: 34] ما معنى كلامِهم هذا؟ أنَّ الدُنيا مُركّبةٌ على الحَزَن، أساسُها الحُزن، لا يوجد مرحلة إلاّ فيها مشكلات، دخل طالب المرحلة الابتدائية, أيام يأخذ عِقابهُ لعدم كتابته الوظيفة، في الإعدادي يزحف، في الجامعة يُرسّبونهُ، في الزواج؛ في متاعب من أيام الخطبة حتى الزواج ، لا ينام حتى الصبح، أنجب أولاداً, ابنهُ حرارتهُ 41, يا ترى: التهاب السحايا, لا ينام الليل, لاحظ حياتنا كُلُها سلسلة متاعب, هكذا شاءَ اللهَ عزّ وجل, لأنَّ هذهِ الدُنيا أساسُها ابتلاء: إنَّ هذهِ الدُنيا دار التواء لا دارُ استواء. هذه طبيعة الحياة الدنيا : لاحظ الناس: أحدهم الله رزقهُ زوجة صالحة, لكن أولاده ليسوا أبراراً، وواحد بالعكس: أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ سيئة، واحد أولادُهُ أبرار وزوجتهُ صالحة لكن دخله قليل، واحد دخلُهُ كثير لكن ليسَ عِندَهُ أولاد، وواحد عِندَهُ أولاد كُثُر لكن فقير، وواحد أولادُهُ أبرار وزوجتُهُ جيدة وغني وعِندَهُ عِلل في جِسمه، طبيعة الحياة الدُنيا مُركبّةٌ على الابتلاء: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 30] هكذا طبيعة الدُنيا، الإنسان متى يسعَدُ في الدُنيا؟ إذا عَرَفَ أنها مُركبّةٌ على الحُزن، صار حُزنُهُ متوقّعاً, هكذا الحياة. ليس من شرط الرضا أن تسعد بالمصائب : مرة جاؤوا بطيّار, وقد قصفَ مدينةً, وأروهُ نتائجَ عملِهِ, فاجأب إجابة ذكيّة جداً, قال: هكذا الحرب، الحرب إلقاء ورود, الحرب إلقاء قنابل، فلمّا قيلَ لهُ هكذا فعلت، انظر إلى جريمتِكَ، انظر إلى هذهِ الأبنية، قال: هكذا الحرب. أحياناً تجد أخاً يعمل في التجارة مهموماً وخسائره كبيرة, نقول لهُ: هكذا التجارة، من قال لكَ: التجارة كُلُها أرباح؟ من قال لكَ؟ هذا كلام ساذج، كلام مُضحك، هكذا التجارة فيها متاعب، بالوظيفة متضايق, هكذا الوظيفة فيها قيود, لكن معها راحة بال إذا كان الدخل كافياً، هذهِ فيها راحة بال مع قيود، هذهِ فيها قلق وهمّ مع دخل غير محدود، كُل شيء لهُ ميزات ولهُ مساوئ. عِندك مركبة 3 طن, وزنُها مريحة جداً في السفر, لكن كُل 50 كيلو تحتاج إلى تنكة، وعند غيرك مركبة وزنُها 500 كيلو تعمل بالتنكة 350, ففكّرت وقلت: أنا أحتاج إلى سيارة وزنُها 3 طن وتعمل بالتنكة 350, هل أنتَ حالم؟ هذا شيء غير موجود بعالم السيارات، إذا أردتَ أن تتمتع بوزنها الشديد, فمصروفها كبير, وتتحمل الوزن الخفيف, فتوفّر بالوقود, هكذا الدُنيا: من أحبَّ دُنياهُ أضرَّ بآخرته, ومن أحبَّ آخرتهُ أضرَّ بدُنياه. إذاً: ليسَ من شرطِ الرِضا أن تسعَد بالمصائب، الإنسان غير عاقل, إذا كان محروماً, أو توفي ابنه, وهو يقول: أخي أنا فرحان, ما هذا الكلام؟ الابن غالٍ لكن أنتَ تتألم, ولا تقل ما يُسخِطُ الرب, هذهِ حال الرِضا. من ثمرات الرضا : بعض ثمرات الرِضا: قيل للحُسين بنِ علي -رضي اللهُ عنهُما-, إنَّ أبا ذرٍ -رضي اللهُ عنهُ- يقول: الفقرُ أحبُّ إليَّ من الغِنى والسَقَمُ, المرض أحبُّ إليَّ من الصِحة، فقالَ: رَحِمَ اللهُ أبا ذر, أمّا أنا فأقول: من اتكلَ على حُسن اختيارِ اللهِ لهُ, لم يتمنّ غيرَ ما اختارَ اللهُ لَهُ. اللهُ أقامَكَ في وظيفة, يا ربي هذا اختيارُك, وأنتَ أعلم وأرحم, وتعلمُ ما يُصلِحُنُي وما لا يُصلِحُنُي. حالة المؤمن مع الله عزّ وجل استسلام، الله اختاركَ في عمل شاق, أخي أنا طبيب أعمل ليلاً نهاراً، أسعى في الساعة 2 والساعة 3 والساعة 4 والساعة 12 ومحروم أهلي وأولادي, اللهُ أقامَكَ طبيب, اختارَ لكَ أن تكونَ طبيباً, فأدِّ هذه المُهمّة كما أرادها الله. كلمة احفظوها أيها الأخوة: من اتكلَ على حُسنِ اختيارِ اللهِ لَهُ, لم يتمن غيرَ ما اختارَ اللهُ لهُ. ما قيل عن الرضا : بعضُهم قال: طريقتي الفرح باللهِ والسرور بهِ بقضائِهِ وقدَرِهِ. قيلَ لِبِشر الحافي: الرِضا أفضلُ من الزُهدَِ في الدُنيا, لأنَّ الراضي لا يتمنى فوقَ منزِلته، الراضي رضي بما قضاهُ اللهُ لَهُ. أبو عثمان سُئل عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: اللهمَّ إني أسألُكَ الرِضا بعدَ القضاء, فقالَ المسؤول: إنَّ الرِضا قبلَ القضاء عزمٌ على الرِضا, لكنهُ بعدَ القضاءِ هوَ الرِضا الحقيقي. من اتكل على ماله ضل, ومن اتكل على قوته ذل, ومن اتكل على الله لا ضل ولا ذل : أيام الإنسان يتوهّم لو أصابني مكروه أنا راضٍ, هذا افتراض, أمّا إذا أصابَكَ المكروهُ فِعلاً هُنا المِحك. قبل أن أحضر للدرس, زارني أخوان من الميدان مهنئين بالحج, قُلت لهم: اللهُ عزّ وجل ضمن الحج, يُعالج الحُجاج، قال: كيف؟ قُلت: أيام يكون في حاج معتمد على ماله, فطلب خيمة مُكيّفة مع ثلاث وجبات ساخنة وباردة, وخدمة ممتازة, وباص مُكيّف, هذا كيفَ يُعالج؟ يتوهُ عن خيمتهِ يومين, يكون في حاج آخر, انطلقَ إلى الحج, وهوَ يرى مكانتَهُ في بلدِهِ، لهُ اسم, اسم علمي، مالي، اقتصادي، رُتبة مثلاً، وظيفة، اللهُ يُلهم موظف صغير جداً في المطار أن يزدريهُ، الله عالج الحاج بهذهِ الطريقة. أيام يكون الحاج مُفتقراً إلى الله عزّ وجل, فتجد الأمور تيسّرت أكرموه, والطريق سهل, والوقوف قليل, والبيت جاهز, والطواف سهل, والله ألهمَهُ بوقت ليسَ فيهِ ازدحام، الله عزّ وجل حتى الحُجاج يُعالِجُهم في الحج. في شخص قال: أنا لا أحُج إلا بأرقى مستوى، واحد معهُ مال, يجب أن تظهر نِعم اللهُ عليه, فاختار بِمِنى فندقاً فخماً, أقسَمَ بالله تاهَ عنهُ ثلاثةَ أيام، كُلُكم يعلم بالحج موضوع التيه بالحج وارد, تاهَ عنهُ ثلاثة أيام. فمن اتكلَ على مالِهِ ضلّ, ومن اتكلَ على قوتهِ ذلّ, ومن اتكلَ على اللهِ لا ضلَّ ولا ذلّ. أن يتكِلَ على غير الله عزّ وجل, اللهُ عزّ وجل يسحبُ من تحتِ قدمهِ البِساط محبةً لهُ. انظر إلى هذا العلاج الرباني لهذا الشخص : ذهب أحدهم إلى الحج, هوَ في بلدهِ أحوال وإقبال وأوراد وأذكار وقيام الليل وإنفاق وخدمة الناس, متوقّع أنهُ سيجد بالحج تجليّات ونفحات ربانيّة بشكل غير معقول, لكن ذهبَ إلى هُناك, واعتدَّ بأحوالِهِ, فحُجِبَ عن الأحوالِ كُلِها في الحج، طاف، سعى, ما في شيء، عرفات ما في شيء، أينَ أحوالُهُ؟ عالجهُ الله بأن حَجَبَهُ عن الأحوال تأديباً لهُ، فممكن الإنسان أن يتعالج بأن يحجُبَ الله عنهُ الأحوال، إذا كان قد ظنَّ بأنَّ مكانتهُ كبيرة يتعالج عِندَ شخص يزدريهِ أحياناً، إذا كان مُعتمداً على ماله يضعَهُ في مُشكلة المال لا يحُلُها، يوجد في الحياة آلاف المشاكل. كلمة كبيرة : شخص قال كلمة, قُلتُ في نفسي: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها, قال: كُل شيء بالمال يُحلّ, هذهِ كلمة كبيرة جداً، اللهُ في عِندَهُ مليون مصيبة, مليار مصيبة, لو معك ألف مليون لا تساوي شيئاً. أنا كُنت عِند طبيب صديق, جاءهُ هاتف, يقولون بالحرف الواحد: أيّ مكان بالعالم مهما كان الرقم بالملايين, قالَ لي: والله ما في أمل، الورم الخبيث بلغ الدرجة الخامسة, لا تُتعبوا أنفسكم، أيّ مكان بالعالم مهما كان المبلغ كبيراً لن يفيد، فإذا الإنسان قال: كُل شيء يُحل بالمال, هذهِ كلمة كبيرة، أنا أقول: نجّاهُ اللهُ من عقابيلِها، عقابيلها التأديب. فالرِضا الحقيقي متى: قبل أم بعد؟ بعد, قبل توقّع هذا رِضا افتراضي, أمّا الحقيقي بعد. من تعريف الرضا : من تعريفِ الرِضا قال: الرِضا ارتفاعُ الجزعِ في أيِّ حُكمٍ كان، من تعريف الرِضا: رفعُ الاختيار, اللهمَّ خِر لي واختر لي، الراضي يعيش بسعادة كبيرة جداً، يعني يتمثّل قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة الآية: 111] أحدهم باع البيت، المشتري أحبَّ أن يُزيل حائطاً، لماذا تُزيل الحائط؟ ألم تبع أنتَ البيت؟ ما دام بِعت فالمشتري حُر، فأنتَ بِعت واللهُ اشترى, أحبَّ أن يُعطيك، أحبَّ أن يمنعك، أحبَّ أن يُسرِّك، إذا أنتَ فعلاً بعت, فالبائع ليسَ لهُ حق أن يتدخّل مع المشتري, الله اشترى. تعاريف الرِضا: استقبالُ الأحكامِ بالفرح، ومن تعاريف الرِضا: سكونُ القلب تحتَ مجاري الأحكام. وكتبَ عُمرُ بنُ الخطاب -رضي اللهُ عنه- إلى أبي موسى الأشعري -رضي اللهُ عنهُما-: أمّا بعدُ؛ فإنَّ الخيرَ كُلَهُ في الرِضا, فإن استطعتَ أن ترضى وإلا فاصبر. أقسام الرضا : آخر شيء في الرِضا: الرِضا أقسامٌ ثلاث؛ رِضا العوام بِما قَسَمَهُ اللهُ وأعطى، ورِضا الخواص بِما قدّرَهُ وقضاه، ورِضا خواصّ الخواص بهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه. سيدنا الصِدّيق ما نَدِمَ على شيء فاتَهُ من الدُنيا قط, فينبغي أن ترضى بِما قَسَمَهُ الله لك، وينبغي أن ترضى بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وينبغي أن ترضى باللهِ بدلاً عن كُلِّ ما سِواه. إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#45 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المعرفةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث و الاربعون ) ما هي الكلمة التي كانت تدور على ألسنة العلماء دائماً؟ : أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثالث والأربعين من دروسِ مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, ومنزلةُ اليوم هيَ منزلةُ المعرفة. ما من كلمةٍ فيما أظن, تدورُ على ألسنة العُلماء والدُعاةِ إلى الله ككلمة: فُلان يعرفُ الله وفُلان لا يعرِفه، بل إنَّ الدُعاةَ إلى اللهِ ألِفوا أن يُعزوا كُلَّ عملٍ سيء إلى سببٍ واحد: هوَ أنَّ صاحِبهُ لا يعرف الله، وأنَّ كُلَّ عملٍ طيّب يُعزى هذا العمل إلى سببٍ واحد: هوَ أنَّ صاحِبَهُ يعرف الله، لكن في الأمور الماديّة القضايا ليسَ فيها ا-لتباس, هذه طاولة خشب باديةٌ للعين لا شكَّ فيها, الأشياءُ الماديّة لها علامات تُدرِكُها الحواس بشكلٍ بسيط من دونِ تعقيد، لكنَّ الأشياء الإنسانيّة المعنويّة كامنةٌ في النفس؛ هُناكَ من يدّعيها وهُناكّ من يتحققُ منها، فكلمة عارِفٌ بالله أو فُلان يعرِفُ الله هذه كلمة. الناس رجلان هما : الحقيقة: أنَّ الناسَ رجُلان لا ثالثَ لهُما إطلاقاً؛ رجلٌ يعرِفُ الله، متصلٌ بهِ، منضبطٌ بأمرِهِ، مُحسِنٌ إلى خلقِهِ، سعيدٌ بِهِ، ورجلٌ لا يعرِف الله, إذاً هو مقطوعٌ عنه, متفلتٌ من منهَجِهِ، مسيءٌ إلى خلقِهِ، شقيٌ بإساءتهِ، وأنا أعني ما أقول, وليسَ في الأرض كُلِها رجل ثالث. عَنِ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ, إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا, فَالنَّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ, وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ, وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ, وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ, قَالَ اللَّهُ:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾)) [أخرجه الترمذي في سننه] كُل هذه التقسيمات والتفريعات التي تَرونَها وتستمعونَ إليها تفريعاتٌ ليست واقعيّة، الشيء الواقعي: إنسان يعرف وإنسان لا يعرف, الذي يعرف يعبُد والذي يعبُد يسعَد، والذي لا يعرف لا يعبُد والذي لا يعبُد لا يسعَد؛ يعرف: موصول منضبط مُحسن سعيد، لا يعرف: مقطوع متفلت مسيءٌ شقيّ. من علامات معرفة الله : 1-البكاء : فنحنُ الآن درسُنا: هل هُناك علامات أو إشارات أو دلائل أو قواعد أو أدلّة أو براهين تؤكّدُ أنَّ فُلاناً يعرِفُ الله وفُلان لا يعرِفُهُ؟ . يعني مثلاً: لو واحد أمسك كتاب جغرافيا, ونظرَ إلى خارِطة للشرق الأوسط, ورأى دمشق قد رُسِمت دائِرتُها على الساحل السوري, وقال: شيءٌ جيّد، كتاب ممتاز، ليسَ فيهِ أغلاط، هل هذا الإنسان يعرِفُ دمشق؟ مستحيل أن يعرِفَها، لو أنهُ يعرَفَها لقال: هذا غلط, أنا أسكن في الشام, والشام ليست مدينة ساحلية. فُلان يعرِفُ الله كُلٌّ قد يدّعي ذلك، فُلان لا يعرِف الله نحنُ قد نتهم الآخرين بذلك، هل هُناك قواعد، أدلة، براهين، مؤشرات، هذهِ لنا ولغيرنا؟ الله عزّ وجل ماذا قال؟ قالَ: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 83] الله عزّ وجل أعطانا إشارة، الإنسان يبكي دون وجع ولا خوف ولا حُزن، في أعلى درجاتِ راحتهِ النفسية واطمئنانهِ وقوتهِ يبكي شوقاً للهِ عزّ وجل، بُكاؤهُ علامة المعرِفة، ربنا عزّ وجل يقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَق﴾ يعني قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 2] هذهِ علامة قرآنيّة. 2-السكينة : الآن إلى علاماتٍ لمعرفةِ الله عزّ وجل وردت على ألسنة بعض العُلماء الكِبار، قال: المعرِفةُ تُوجِبُ السكون, فمن ازدادت معرِفته ازدادت سكينُته. الذي يعرِفُ الله كالجبل، معنى السكون الاستقرار، معنى السكون السكينة، معنى السكون الهيبة، لأنَّ الذي يعرِف اللهَ عزّ وجل لا يستخّفهُ فرحٌ ولا يسحقهُ ألمٌ. لو فرضنا إنساناً أُصيب بمكروه, فملأ الدُنيا صَخَباً وسُباباً وشتائم, وضرب نفسهُ, ومزّق ثيابه, وصرخَ بويلِهِ, هل هذا يعرِف الله عزّ وجل؟ لا والله, إذاً: معرفة الله جلَّ وعلا توجِبُ السكينة. 3-الوقار : من علامات المؤمن وقارُهُ، من أينَ يأتي الوَقار؟ يأتي الوَقار: من أنَّ هذا الإنسان يرى أنَّ الفِعلَ فِعلَ الله, ويرى أنَّ اللهَ حكيم, وأنَّ اللهَ عليم, وأنَّ اللهَ عادل, وما شاءَ اللهُ كان, وما لم يشأ لم يكُن, وأنَّ ما أرادهُ الله وقع, وأنَّ شيئاً إذا وقع قد أرادَهُ الله عزّ وجل, وأنَّ إرادة اللهِ عزّ وجل متعلقةٌ بالحِكمةِ المُطلقة, وحِكمتُهُ متعلّقةٌ بالخير المُطلق, هذه حقائق تجعلُهُ وقوراً ، تجعلُهُ مُهاباً، تجعلُهُ مطمئناً، تجعلُهُ متوازِناً، تجعلُهُ مستقرّاً، تجعلُهُ متفائلاً، تجعلُهُ واثقاَ, هذه علامة. هذا الحال الذي ينعكس على سلوك الإنسان إذا كان يعرف الله أو لا يعرفه : أيها الأخوة, عندما الإنسان يُصاب بمكروه, ويَسُب, ويضرب, ويشتم, ويكسر, ويضرب نفسه, ويصرخُ بويلِهِ, ويُمزّقُ ثوبهُ, أيُّ معرفةٍ هذه؟ فعلامة المعرفة: المعرفة تُوجِبُ السكون, فمن ازدادت معرِفتَه ازدادت سكينتهُ. الحقيقة: الاطمئنان الداخلي ينعكس على الجوارح سكينة واستقراراً، والخلل الداخلي, والضجر الداخلي, والخوف الداخلي, والقفر الداخلي ينعكس على الجوارح اضطراباً. مرّة وجدت إنساناً مركبتهُ في كراج, رَجَعَت عليها مركبة فضغطتها قليلاً، سبَّ الأديان, وشتم القديسين, كأنهُ قد ماتَ ابنُهُ، وتجد المؤمن مهما كانت المصيبةُ ساحقةً, لا يزيدُ عن أن يقولَ: الحمدُ لله. هذا المؤمن : التقيت مع أخ أُصيب بمرض عُضال, وجدتُهُ صابراً، وجدتُهُ مستقرّاً، وجدتُهُ شاكراً, يا ربي لكَ الحمد، قالَ لي: قضيت كُل حياتي في طاعة الله, مشيئةُ اللهِ أنا أحترمُها، بعد أيام انتقل إلى رحمة الله. أحدهم جاء إلى مستشفى, معهُ ورم خبيث بالأمعاء، وهذا الورم بالأمعاء لهُ آلامٌ لا تحتملُها الجِبال, ومع ذلك ما سُمِعت مِنهُ أنّة، مازادَ عن أن قال: يا ربي لكَ الحمد, وكُلُ من زارهُ, يقول لهُ: اشهد أنني راضٍ عن الله, هذا المؤمن. كُل هذه المعرفة، إله بيدهِ كُلُّ شيء، هوَ الحكيم، هوَ العليم، هوَ العادل، هوَ المُحب، هوَ الربّ، هذهِ مشيئتُهُ، المؤمن يتلو قولَهُ تعالى فيذوب: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 216] لماذا ساق الله لنا هذه القصة القرآنية؟ : يكفينا أيها الأخوة في سورة الكهف: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى ساقَ لنا قصةَ أصحاب الكهف، وساقَ لنا قِصّةَ الخَضِر عليهِ السلام مع سيدنا موسى, ومن خلالِ هذه القصة يتضح: أنَّ للهِ أمراً تكليفيّاً وأمراً تكوينيّاً, وأنَّ موسى عليهِ السلام قد عَرَفَ الأمرَ التكليفي, التشريع، بينما الخَضِر عليهِ السلام عَرَفَ الأمر التكويني، فربُنا عزّ وجل ساقَ لنا بعضَ القِصص: أنَّ هؤلاء أصحاب السفينة, رَكِبَ فيها الخَضِر, فما لَبِثَ أن خَرَقَها، سيدنا موسى بحسب التشريع لا يجوز, قالَ: أخرقتها لتُغرِقَ أهلها؟ في قراءة ليغرقَ أهلَها, لم يتحمّل, هذا شيء مُخالف للشرع, أحسنوا إليك, سَمَحَوا لكَ أن تركبَ سفينتهم, أتخرِقُها لهم؟ فلمّا أجاب قال: فأردتُ أن أعيبها وكانَ وراءهم ملِكٌ يأخذُ كُلَّ سفينةٍ غصباً، فبهذه الطريقة نجت تلكَ السفينة من المُصادرة, هذهِ القِصة يجب أن تقيسَ عليها كُلَّ شيء، اللهُ عزّ وجل جعلَهَا نموذج، يعني ياعبادي هذهِ أفعالي. ماذا نستنبط من قصة أصحاب الجنة؟ : في قصة أخرى: أصحابُ الجنة الذين أصرّوا على عدمِ إعطاءِ الفقيرِ حقَهُ: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [سورة القلم الآية: 21-29] أي يا عبادي, سُقتُ لهم هذه المصيبة كي يتوبوا من هذا الذنب، ذنب البُخل، ذنب الشُح، هم أصرّوا أن يمنعوا الفقيرَ حقّهُ, فأتلفتُ لهم كُلَّ المحصول, عندئذٍ تابوا وأنابوا، الله قال: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ يعني هذا نموذج, وكُلُ أنواع العذاب الذي أسوقهُ لعبادي من هذا النوع, من أجلِ أن أردّهُم إليّ، أن أحمِلهم على التوبة، أن أسوقهم إلى باب العبوديّة. إذاً: علامة معرفة اللهِ السكينة, ومن ازدادت معرِفتُهُ ازادت سكينتهُ, هذه علامة. 4-أنس القلب بالله : قالَ: علامة المعرفةِ أُنسُ القلبِ بالله. تجد الذي لا يعرف الله عزّ وجل كأنهُ على بركان, يسمع غِناء، يقرأ قصة، يجلس مع أُناس, لا يخلوَ مع الله، من علاماتِ الإفلاس الاستئناسُ بالناس، أمّا المؤمن إذا خلا معَ ربهِ, ذكرَ اللهَ عزّ وجل، قرأ القرآن، تفكّرَ في الكون، ناجى ربّهُ، استغفرَ اللهَ عزّ وجل، دعاه، علامة الذي يعرف اللهَ عز وجل أنَّ قلبّهُ يأنسُ بالله، يُحسُ أنَهُ قريبٌ من اللهِ عزّ وجل, فإذا شعرتَ بأنك بحاجة ماسّة إلى أن تلتقي مع الناس, ولا تريد أن تجلس ساعةً وحدِك، لا بُدَّ من أن تلتقي مع الناس, ولا بُدَّ من أن تجتمعَ بِهم, ولا بُدَّ من أن تستمع إليهم, ولا بُدَّ من أن تقرأ, ولا تريد إطلاقاً أن تخلوَ بنفسِكَ مع الله عزّ وجل, فهذهِ علامةُ عدمِ معرفةِ اللهِ عزّ وجل. 5-الخوف : قال: من كانَ باللهِ أعرف كانَ لهُ أخوف. أحياناً تُلاحظ عدادين فيهما المؤشران يتحركانِ معاً، لمعرفة اللهِ مؤشّر وللخوفِ منهُ مؤشّر, يجب أن توقن أنَّ مؤشّرَ معرفة الله يتحرّكُ تماماً معَ مؤشّرِ الخوفِ منهُ, فأنتَ تخافُهُ بقدرِ ما تعرِفُهُ، وتعرِفُهُ بقدرِ ما تخافُهُ، فالإنسان العارف بالله وَرِع, لا يحتمل أن يعصي, لا يحتمل أن يُقصّر، فإذا قصّر فهذه علامةُ ضعفِ المعرفة، لذلك قيل: لا تنظر إلى صِغرِ الذنب, ولكن انظر على من اجترأت. هذا الفرق بين المؤمن وبين المنافق : المنافق المعصيّة هينّة عليه, يقول لكَ: ماذا حصل؟ الله غفور رحيم, كلمة: ماذا حصل؟ دليل استخفاف بالمعصيّة، أمّا المؤمن: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج الآية: 32] النبي عليه الصلاة والسلام قالَ لهُ الله: قُل لهم: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 15] كُلما ازدادت معرِفتُك ازدادَ خوفُك، وجدت نفسك فاتك فرض صلاة, تقول: لا بأس الآن نصليّه قضاء, مررتَ بامرأةٍ فنظرتَ إليها, أخي والله لم نعمل شيئاً, هذهِ من اللمم، كُلما شعرت أنهُ أمرُ اللهِ لا توّقرهُ كما ينبغي, فهذهِ علامة أنكَ لا تعرِفُ اللهَ كما ينبغي، إن لم توقّر أمرَ اللهِ عزّ وجل فأنتَ لا تعرِفُهُ, هذهِ علامة, البُكاء علامة, السكينة علامة، الأُنس علامة، الخوف من الله عزّ وجل علامة. 6-الخشية : هذهِ العلامة مُدعّمة بآية قرآنية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [سورة فاطر الآية: 28] أنتَ تخشاهُ بقدرِ ما تعرِفُهُ، كُلما ازدادَ عِلمُكَ بهِ ازددتَ خشيةً لهُ. في حديث دقيق: قالَ عليهِ الصلاة والسلام: ((أنا أعرَفُكم بالله وأشدّكُم لهُ خشيّة)) تروي السيدة عائشة رضي الله عنها, أنَّ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم كانَ إذا حضرت الصلاة -يعني دَخَلَ وقتُها-: فكأنَهُ لا يعرِفُنا ولا نعرِفُهُ. لهيبة الصلاة. أحياناً الإنسان المؤمن أو المُسلم في هذهِ العصور, في غرفة الجلوس, وزوجتهُ تتكلم, والمذياع يحكي, وأولادهُ يصيحون, وهوَ يُصلي, وجالس وسامع كُلّ شيء, يُتابع زوجته مع أختها بالهاتف, وهوَ يُصلّي، أين كانَ: إذا حضرت الصلاة فكأنهُ لا يعرِفُنا ولا نعرِفُهُ؟ غاب عن الواقع المادي، غاب عن أهله. كُلما ازدادت خشيتُك, دلّت هذه الخشية على عِظَمِ معرِفَتِك، وكُلما قلّت خشيتُك, دلّت هذهِ الخشيةُ الضعيفة على ضعفِ معرِفَتِك. هذه علامة. 7- من عرف اللهَ تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها : أمّا في علامة دقيقة قال: من عَرَفَ اللهَ تعالى ضاقت عليهِ الدُنيا بسَعَتِها, ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسعَ عليهِ كُلُ ضيق. فيبدو في تناقض: من عَرَفَ اللهَ تعالى ضاقت عليهِ الدُنيا بسَعَتِها، ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسعَ عليهِ كُلُ ضيق، كيفَ نجمعُ بينهُما؟ ضاقت عليه الدُنيا بِما رحُبت من عَرَفَ اللهَ تعالى, ومن عَرَفَ اللهَ تعالى اتسّعَ عليهِ كُلُ ضيق. يوجد تفسير دقيق: لو أنَّ إنساناً أجلسوهُ في مكان جميل, أمامُهُ مئات الكيلو مترات من الفلا، مقصف جميل في قمة الجبل, أمامهُ الأشجار الخضراء, ثمَّ البحر، لكن المكان فيهِ معصية، هذا المكان الجميل، الطليق، الواسع، يضيقُ عليهِ حتى يختنقُ بِهِ، فإذا دخلَ إلى مسجدٍ صغير, ممتلئ بالمُصلّين, لكنهُ بيت اللهِ عزّ وجل، هذا المكان الضيّق يتسعُ بهِ، قد يكون بيتُهُ صغيراً, غرفتين, لكن لأنهُ بيتهُ لا يوجد معصية، لا يوجد شيء مُحرّم، لا يوجد اختلاط، يدخل إلى بيته. النبي الكريم كانَ إذا أرادَ صلاة الليل, ترفعُ السيدةُ عائشةُ رجليها, لأنَّ غرفتَهُ لِصِغَرِها لا تكفي لصلاتِهِ ونومِها، والنبي ماذا قالَ اللهُ عنهُ؟: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [سورة النجم الآية: 18] وأحياناً تجد شخص يُحلّق على ارتفاع أربعين ألف قدم، يُشاهد الدُنيا، وإنسان ركب مركبة فضائية, رأى الأرضَ كلها من القمر، يعني المكان واسع، طليق, فأيُّ مكانٍ جَمَعَك مع معصيةٍ للهِ عزّ وجل يضيقُ عليك حتى تكاد تختنق، وأيُّ مكانٍ ضيّقٍ إذا جَمَعَكَ بمن تُحِب فهوَ مكانٌ واسع, لذلك قالَ الشاعر: رَحبُ الفلاتِ معَ الأعداءِ ضيّقةٌ سمُّ الخِياطِ مع الإخوانِ ميدانُ يعني الفلاتُ على اتساعِها إذا جَمَعتكَ بعدوٍ وهيَ ضيّقة، وسمُّ الخياط على صِغَرِهِ إذا جَمَعَكَ بحبيبٍ فهوَ ميدانٌ واسع, هذه علامة. 7-من عرف الله صفا له العيش : قال: من عَرَفَ الله تعالى صفا لهُ العيش. صدقوني, أنا أحياناً أسأل أخاً, وأنا أظنُهُ مؤمناً: كيف الحال؟ يقول: الحمدُ لله، يقولُها من أعماقِ أعماقه، أنا أشعر أنهُ حينما اصطلحَ مع اللهَ عزّ وجل, أكرَمَهُ الله بسكينة، أكرَمَهُ الله بِوِفاقٍ زوجيّ، أكرَمَهُ اللهُ عزّ وجل بِرِضا عن الله، أكرَمَهُ اللهَ عزّ وجل بِحالٍ طيّب، أكرَمَهُ اللهُ بالشوقِ إليه، أكرَمَهُ بحُبِهِ، بُحِبِّ رسولِهِ، بُحبِّ المؤمنين. تجد بالتعبير الدارج معنوياته عالية جداً, تجد واقِعهُ خَشِن، بيتُهُ بالأُجرة أو لا يملِكُ بيتاً، لِباسُهُ متواضع، وظيفتُهُ صغيرة، دخلُهُ قليل, تجلس معهُ فتجدهُ شيئاً عظيماً، معنويات مرتفعة جدّا، واثِقٌ من اللهِ عزّ وجل، مطمئنٌ بقضائهِ، راضٍ بِما قَسَمَهُ اللهُ لَهُ، لهُ رِسالة بالحياة, همّهُ الأول أن يعرِفَ الله، همّهُ الثاني أن يدعوَ إلى الله, حسناً: من أينَ هذهِ المعنويات؟ من أينَ هذهِ النفس المُنتشيّة، النفس الواثقة، النفس المُطمئنة؟: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [سورة الفجر الآية: 27] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة الآية: 51] يُطمئنهم: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا﴾ تجد المؤمن واثقاً من رِضاء الله، واثقاً من نصرِهِ، من تأييدهِ، من حِفظِهِ، من إكرامِهِ، من إسعادِهِ، ليسَ عِندَهُ همّ, لماذا ليسَ عِندَهُ همّ؟ لأنهُ جعلَ الهمومَ همّاً واحداً, فكفاهُ اللهُ الهمومَ كُلّها، لأنهُ عَمِلَ لوجهٍ واحد فكفاهُ الله الوجوهَ كُلّها. فقال: من علامة العارف بالله: أنهُ يصفو لهُ العيش، صفا لهُ العيش, فطابت لهُ الحياة، وهابَهُ كُلُّ شيء، وذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين. نصيحة : يا أخوان, نصيحة لوجه الله: إذا خِفتَ المخلوقين, تُضطر أن تُنافق, وتُضطر أن تتملّق, وأن تكذب, وأن تتناقض, وأن تكونَ صغيراً في أعيُنِهم. يعني أكبر مصيبة يُصاب بِها الإنسان: أن يُلقي اللهُ في قلبِهِ خوفَ المخلوقين، يحتار من سيُرضي, إن أرضى زيد يغضب عُبيد، يتوسل لفُلان، يتذلل لفُلان، يُقبّل رِجل فُلان، يتمسّح بأعتاب فُلان، يبذل ماء وجهه لِفُلان، يتضعضع لِفُلان، هذهِ علامةُ الذي لا يعرِفُ الله, أمّا الذي يعرِفُ الله فاللهُ يُعطيه عِزّة، لا ينبغي للمؤمنِ أن يُذل نفسَه. ((من جلسَ إلى غنيٍ فتضعضعَ لهُ ذَهَبَ ثُلثا دينه)) ((ابتغوا الحوائج بِعزّة الأنفس, فإنَّ الأمورَ تجري بالمقادير)) ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 8] اجعل لِربِكَ كُلَّ عِزِّكَ يستقّرُ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزّكَ ميتُ يذهبُ عنكَ خوفُ المخلوقين, لا تخف من مخلوق، قد يكون هذا المخلوق كالوحش, لكنهُ مربوط بِزمامٍ مُحكم بيدِ اللهِ عزّ وجل, فأنتَ علاقتُكَ معَ الله، هذا ما قالَهُ سيدنا هود: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 55-56] قال: من عَرَفَ اللهَ تعالى, صفا لهُ العيش, فطابت لهُ الحياة, وهابَهُ كُلُ شيء, وذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين, وأَنِسَ بالله. أحياناً تدخل مكتب إنسان, لهُ مركز كبير, يقول لكَ: اصرخ على المستخدم ليُحضر القهوة. من هاب الله هابَهُ كلُ شيء, ومن لم يَهَب الله أهابَهُ اللهُ من كُلِّ شيء, ذهبَ عنهُ خوفُ المخلوقين وأَنِسَ بالله. 8-من عرف الله قرت عينه بالله : قالَ: من عَرَفَ اللهَ عزّ وجل قرّت عينُهُ بالله. أنا أدعو دعاء, أحياناً أقول: يا ربي كما أقررتَ أعيُنَ أهلِ الدُنيا من دُنياهُم. أيام تجلس مع شخص, يقول لكَ: أنا اشتريت البيت منذ زمن بثمانية عشر ألف, والآن لا أبيعهُ بثمانية ملايين, مئتان وثمانون متر، انظر للواجهة, للشُرف, معهُ السطح, هذا الإنسان قرير العين بهذا البيت، هذا الذي عندَهُ مزرعة، وهذا الذي عِندَهُ معمل، وهذا الذي عِندَهُ سيارة, يقول لكَ: اشتريتها بثلاثة عشر مليون، حرام أن تضعها في الطريق, أقول لهُ: يا ربي, كما أقررتَ أعيُنَ أهلِ الدُنيا من دُنياهُم, فأقرر أعيُننا من رِضوانِك. الإنسان يَحُج, يُحس أنهُ مقبول عِندَ الله عز وجل، يُحس أنَّ الله قد غَفَرَ لهُ، الله تاب عليه، الله قَبِلَهُ, تجدهُ قرير العين، في عِندهُ مئة مشكلة في حياتِهِ، ما دامَ اللهُ قد أقرَّ عينَهُ فهوَ بهِ قرير. 9-من عرف الله قرت عينه بالموت : قال: من علامة معِرفةِ الله عزّ وجل: أنهُ من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت. الموت عِندَهُ بداية الإشراق، بداية العطاء، بداية الإكرام، الموت بداية الجنّة، الموت عِندهُ نهاية المتاعب، كُل الحياة تكليف, هذهِ حرام, وهذهِ لا تجوز, المؤمن لا يأخذ حُريّتهُ، إذا أحب أن يمشي بالطريق يوجد ألف قيد يقيده. هذا الإنسان البعيد عن الله : تجد الناس يملؤونَ أعيُنهم من الحرام ...... لي صديق, يسكن في أحد أحياء دمشق, ولَهُ جار، هذا الجار عِندَهُ خمس بنات متزوجات، ولَهُ شباب، لَهُ هِواية بسيطة جدّاً: يركب السيارة العامّة, من المزّة إلى المرجة, وينتقل إلى طريق الصالحية بأيام الصيف قبلَ المغرب بساعة, ويتنقّل فيهِ ذهاباً وإياباً, لا يفعلُ شيئاً إلاّ أنهُ يملأُ عينيهِ مما حرّمَ الله, يستمتع بالنساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات، فجارُهُ صديقي, نصَحَهُ, يا أخي أنتَ عُمرُكَ 50 - 45 سنة، عِندك بنات متزوجات، أنتَ أب ستُصبح جداً, هذه لا تُناسب, قالَ لهُ: أنا لا أعمل شيئاً هكذا أُحب، إلى أن أُصيب بمرض ارتخاء الجفون, مرض لا أعرِفُهُ سابقاً ارتخاء الجفون, فالإنسان دائماً مُغمض عينيه, فإذا أراد أن يرى أحداً فيمسك جفنهُ بيدهُ ويرفعهُ, ما دامَ يرفعهُ يرى, فإذا تركَهُ نَزَل من جنس المعصية. قصة : من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, لا يخافُهُ. لي صديق طبيب, يحكي لي قِصصاً, كيفَ يزور مرضى على وشك الموت؟ يقول لي: مثل الطفل، ضعيف، يرتجف، سأموت, طبعاً ستموت, فهوَ ليسَ مستعدّاً لهُ, قالَ لي مرةَ: زارَنا شخص, أنجزَ بيتاً لا يوصف بجماله، التزيينات, والجبصين, والأقواس, والشُرف, يظهر أنَّ مرضَهُ خطير, وهو في ريعان الشباب وزوجتهُ شابّة، فقالَ لصديقهِ: ما أتعسني, أخشى أن أموت, وتتزوج زوجتي, وتأتي به ليسكن معها في هذا البيت, الذي شقيت ببنائه, ويستمتع هو بما لم يتعب بإنجازه. 10-من عرف الله قرت به كل عين : قال: من عَرَفَ الله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, والأغرب من ذلك: قرّت بهِ كُلُّ عين، صار هوَ مصدر سعادة، مصدر إيناس، فتجلس مع شخص يكون عظيماً بمقياس الدُنيا, يقول لكَ: هذا حجمُهُ كذا مليون، هو بمقياس الدُنيا عظيم, ولكنه لا يُحرّك فيك شعرة، وتجلس مع أولياء الله, تجد نفسك مُستغرقاً في مُتعة بالغة، مستأنساً، تتمنى أن تبقى معهُ دائماً. فالعارِفُ بالله قرّت عينُهُ بالله, وقرّت عينُهُ بالموت, وقرّت بهِ كُلُّ عين. من علامة أولياء الله تعالى : علامةُ أولياء الله: أنهم إذا رُؤوا ذُكِرَ اللهُ بِهم. وأنتَ يجب أن تكون مع الله دائماً، تمشي في الطريق, فيلمحُكَ واحد مُقصّر, فيتوب عندما يُشاهِدُكَ, يقول لكَ: ذكرّتني بالله. فالمؤمن كُلما ارتقى, يُصبح وجودُهُ نورانياً، وجودُهُ رحماني، وجودُهُ مُسعِد، وجودُهُ مؤنس، تقرُّ بهِ العيون. كان سيدنا ربيعة, كانَ خادِمَ رسولِ الله, فحينما تنتهي خِدمتهُ بعدَ العِشاء, يصرِفُهُ النبي ، يبقى نائماً على عتبةِ بيت النبي, لِشدّةِ أُنسِهِ بالنبي، فأنتَ يا ترى: هل لكَ عِندَ الله مرتبة الناس يأنسون بِكَ؟ يتمنون أن يبقوا إلى جانِبِكَ؟ يَسعَدون بِلِقائِك؟ أمّا أهل الدُنيا: يُحدّثُكَ عن أمواله, وعن أرباحُهُ, وعن بيتهِ, وعن أولادِهِ, وعن رحلاتِهِ, وعن موائده, ما يهمُني أمرُك. شخص يدعو إلى التقزز في كلامه, أما المؤمن يُحدّثُك عن ربِهِ، إن كان الحديث دنيوياً صار في ضيق، أُخرَوي صار في سرور. هذه علامة الذي لا يعرف الله : قال: ومن لم يعرِف الله تقطّع قلبُهُ على الدُنيا حَسَرات. يقول لكَ: محروق قلبي على ماذا؟ هذا البيت لم تنجح بيعتُهُ معي، فُلانة لم يتزوجها بعد أن خَطَبَها رُفِض, هذا الذي رُفِض قتل سبعة, فكم في قلبِهِ من حُرقة وألم؟. 11-من عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه : قال: ومن لم يعرِف الله تقطّع قلبُهُ على الدُنيا حَسَرات, ومن عَرَفَ الله لم يبقَ لهُ رغبةٌ فيما سِواه. واحد أحب أن يستفزّ سيدنا الصِدّيق, يظهر أنهُ قد سأل سيدنا عُمر في قضية, فأعطاه جواباً قاسياً, وسيدنا الصدّيق أوكل لِعُمر هذهِ المُهمّة, فلما رأى هذا الجواب القاسي, جاءَ إلى سيدنا الصديّق يستفزّهُ, قالَ لهُ: الخليفةُ أنتَ أم هوَ؟ قالَ: هوَ إذا شاء. مثل ما يُريد, أنا معَهُ, أخي هوَ، المؤمن ليسَ عِندَهُ هذا الحِرص على الدُنيا. قف هنا : قال: ومن عَرَفَ اللهَ لم يبق لَهُ رغبةٌ فيما سِواه, ومن ادّعى معرِفةَ اللهِ وهوَ راغِبٌ في غيرِهِ كذّبت رغبتُهُ معرِفَتَهُ. يقولون: أنَّ الحجاج وقف أمام بائع, رآهُ يُصلّي قاعداً, -بائع قدور، دُكانُهُ عالية جداً, كُلُها رفوف إلى السقف, ويوجد سُلّم، فرآهُ يُصلّي قاعِداً, وقد تبيّن أنهُ ليسَ بهِ شيء-، فقالَ لَهُ: أُريد هذا القِدر, فوضع السُلّم وأنزلَهُ، فقالَ لَهُ: ليسَ بهذا بل ذاك, فنزل ووضعهُ وأحضرَهُ لَهُ, لا أُريد ذلك الأكبر، لا الأصغر، فأبقاهُ يصعد وينزل السُلّم حوالي خمس وعشرين مرّة، ثمّ قاَلَ لَهُ: أتُصلي قاعداً وعِندَكَ هَمّة عالية للبيع والشِراء؟. سائل يسأل : من يومين قالَ لي أحدهم, وهوَ قد درسَ في بلد غربي, قالَ لي: أنا في عِندي فِكرة, لم يُجبن أحد عليها, قُلت لَهُ: تفضل، قالَ لي: أتباع الديانات عشرة بالمئة فقط يُبدّلونَ دينَهم, والباقون على دينِ آبائِهم, معناها موضوع الدين ليسَ باختيارك، هذا بوذي ابنُهُ بوذي، هذا نصراني، هذا مُسلم، فالدين ليسَ قضيّة اختيار, فما جوابُك؟ . فأنا أعرف أنَّ لَهُ نمطاً حديثاً بحياتِهِ, والِدهُ جالِس بجانِبهِ، قُلتُ لَهُ: أنتَ غيّرت نمط حياتَك؟ قالَ لي: طبعاً، ها أنتَ قد غيّرت، لأنَّ الدُنيا مهمّة جداً, فغيّرت كُل نمط حياتك، بيت, وعَمِلت أقواس, وألغيت كُل الأبواب من البيت, لماذا لم تتبع أسلوب والِدكَ في الحياة؟ أليسَ كذلك؟ الإنسان يُغير أحياناً، لو أنَّ الآخِرةَ غاليةٌ على الإنسان لَبَحثَ عن الحقيقة, أمّا لأنَّ الدُنيا هيَ الغالية, فكُل ابن لَهُ طريق بالحياة غير طريق والِدِهِ, معناها الإنسان حُر ويُغير. 12-من عرف الله أحبه على قدر معرفته به : قال: ومن عَرَفَ اللهَ أحّبَهُ على قدرِ معرِفتِهِ بِهِ. -هذه نقطة مهمّة: ثبّت المعرفة بحجمها خوف، بحجمها خشية، بحجمها حُب، بحجمها إخلاص، بحجمها إقبال، بحجمها ورع-, وخافَهُ, ورجاهُ, وتوكّل عليه, وأنابَ إليه, ولَهَجَ بِذكرِهِ, واشتاقَ إلى لِقائِهِ, واستحيا مِنهُ, وأجلّهُ, وعظّمَهُ على قدرِ معرِفتهِ بِهِ. من عَرَفَ الله لم يبقَ لهُ رغبةٌ فيما سِواه، ومن عَرَفَ اللهَ أحّبَهُ على قدرِ معرِفتِهِ بِهِ. 13-أن تفنى الشواهد وأن تنحل العلائق وتنقطع العوائق : من علامات المعرِفة: أن تفنى الشواهد، وأن تنحلَّ العلائق, وتنقطِعَ العوائق. أحياناً تجد شخصاً يؤثر استقبال ضيف على مجلس عِلم, علاقاتُهُ مع هذا الضيف متينة جداً, فإذا كان زارهُ هذا الضيف, يُضحّي من أجلِهِ بصلاة، يُضحّي من أجلِهِ بمجلس عِلم، معناها عِندُهُ عوائق وعِندُهُ علائق والعلائق عوائق. أنا أعرف تُجّاراً يُصلّون في المساجد, إذا جاءهم مندوب شركة أو وكلاؤها, وطلبوا مشروباً يُضيّفونهُم مشروباً, هُم لا يشربون, أينَ صلاتُك؟ أعرِف تُجّاراً, لهم مظهر ديني, وعاطفتهم إسلاميّة، من أجل ترويج بِضاعتِهم, يُعلنون عنها بأجهزة اللهوِ من خلالِ نساءٍ كاسيات عاريات, أينَ الدين؟ فلان ممتاز، صاحب دين, وتُروّج بِضاعَتُكَ بمعصية الله عزّ وجل!! العلائق عوائق. أكثر علاقة مع الزوجة, صحابي جليل: سألتُهُ زوجتُهُ شيئاً من الدُنيا, فقالَ: اعلمي يا فُلانة, أنَّ في الجنّةِ من الحورِ العِين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نورُ وجهِها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلِهن, أهوَنُ من أُضحي بِهنَّ من أجلِكِ. الأُم: قالت لهُ: يا سعد, إمّا أن تكفُر بمُحمد وإمّا أن أضعَ الطعامَ حتى أموت، قالَ: يا أُمي, لو أنَّ لكِ مئة نفسٍ, فخرجت واحدةً واحدةً ما كفرتُ بمحمد, فكُلي إن شِئتِ أو لا تأكُلي. فأكلت بعدها. سُئِلَ سيدنا النبي -اللهمَّ صل عليه-: أتُحّبُ أن تكونَ أغنانا؟ لكَ ذلك، أن تكون سيدّنا؟ لكَ ذلك، أن تتزوج أجمل فتاة؟ لكَ ذلك، قالَ: ((واللهِ يا عمي! لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شِمالي على أن أدعَ هذا الأمرَ, ما تركتُهُ حتى يُظهِرَهُ اللهُ أو أهلِكَ دونَهُ)) هذا المؤمن. الزوجة على العين والرأس ما دامت في طاعة الله, فإذا أمرَتكَ بمعصية فلا كانت ولا كانَ أمرُها، الأُم على العين والرأس, أما إذا أَمرتكَ بمعصية لا غضبَ لها, لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. 14-أن لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب : من علامة العارِفِ بالله: أنَهُ لا يُطالب ولا يُخاصم ولا يُعاتب. تُلاحظ بعض الأشخاص إذا لم يزرهُ بالعيد, فيعمل منها قِصّة, ويتكلّمُها مئة مرة، يقول: أنا ذو فضل عليه، وعليه أن يزورني, اهتم بالله عزّ وجل، تجد المؤمن كُلما عَلا إيمانُهُ بَعُدَ عن سفاسف الأمور، وكُلما قلّ إيمانُه يتعلّق بسفاسف الأمور. في عقد قران وضعوه في مكان لا يليق بمكانهُ, يبقى مدة يذكرها، وضعوه في الصف الثاني وهوَ أوجه شخص في الأسرة, كانَ أول مكان ممتلئ, لا يقبل العُذر. اللهمَّ صلِ عليه: دخل عليهِ أعرابي, فلم يعرفهُ من بين أصحابه، فقال: أيّكُم مُحمد؟ -أينَ كانَ يجلسُ سيدنا رسول الله؟ كانَ لهُ مجلس فخر؟ كانَ يجلِسُ بينَ أصحابِهِ وكأنهُ واحدٌ منهم، حتى اضطُر هذا الأعرابي أن يقول: أيُّكم محمد؟- قالَ لهُ: قد أصبت. لا يُطالب ولا يُخاصم ولا يُعاتب, ولا يرى على أحدٍ لهُ فضلاً، هذهِ كلمة نسمعها كثيراً: لحمكَ من خيري، أكتافُكَ من خيري، لولا وجودي لم تُصبح رجلاً, هذا كُلُهُ كلام الجهل, الفضل لله عزّ وجل، لي فضل عليك أنا قد ربيّتُك, لا تعرف قيمتي, هذا كُلُهُ كلام فارغ. 15-لا يرى على أحد له فضلاً ولا يرى على أحد له حقاً : قال: لا يرى على أحدٍ لَهُ فضلاً ولا يرى على أحدٍ لهُ حقاً. أحضرَ لَهُ هديّة، ما ثمن هذهِ الهدية بالسوق؟ استفسر عنها, ما لكَ ولثمنُها؟ أحضرَ لكَ هدية وكفى، انظر لهذهِ الساعة أصلية أم صنع تايوان؟ يُريد أن يعرف قيمتها, هذا ليسَ من أخلاق المؤمن. 16-أن الذي يعرف الله لا يأسف على فائت ولا يفرح بآت : ومن علامة معرفة اللهِ: أنَّ الذي يعرِفُ اللهَ لا يأسَفُ على فائت ولا يفرحُ بآتٍ, لأنهُ ينظرُ إلى الأشياءِ بعين الفناءِ والزوال, فهيَ في الحقيقةِ كالظلال. 17-يخرج العارف بالله من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكائه على نفسه وثنائه على ومن علامة معرفة اللهِ كما قال يحيى بن مُعاد: يخرُجُ العارِفُ باللهِ من الدُنيا ولم يقض وَطَرَهُ من شيئين: بُكائهُ على نفسِهِ وثنائهُ على ربهِ. دائماً مُتهم نفسهُ ويُثني على ربه، سِمتانِ أساسيّتان للعارِفِ بالله. 18-أنه يستأنس بربه ويستوحش بمن يقطعه عنه : من علامةِ من عَرَفَ اللهَ عزّ وجل: أنهُ يستأنِسُ بربّهِ ويستوحِشُ بمن يقطعهُ عنه، كُل واحد يُقرّبُكَ من الله تُحبُهُ، كُل واحد دنيوي زائغ الإيمان عِندَهُ شُبُهات تكرَهُهُ، تكره مجالستهُ وزيارتهُ والعلاقة معهُ, لذلك قيل: العارِفُ من أنِسَ بالله فأوحشَهُ من الخلق، وافتقرَ إلى اللهِ فأغناهُ عنهم، وذلَّ للهِ فأعزهُ فيهم، وتواضعَ للهِ فرَفَعَهُ بينهم، واستغنى باللهِ فأحوجَهم إليه. 19-مجالسة العارف بالله تنقلك من ست إلى ست: من الشك إلى اليقين, من الرياء إلى الإخلاص آخر شيء: قيل: مجالسة العارف بالله تنقُلُكَ من سِتٍ إلى سِت: من الشكِّ إلى اليقين، من الرياءِ إلى الإخلاص، من الغفلةِ إلى الذِكر، من الرغبةِ في الدُنيا إلى الرغبةِ في الآخرة، من الكِبرِ إلى التواضع، من سوءِ الطويّةِ إلى النصيحة. هذهِ كُلُها علامات معرفة بالله, فالإنسان لا يُغش بنفسِهِ ولا يَغِش غيرُهُ، هذهِ علامات دقيقة جدّاً, فلتكن هذهِ العلامات مؤشرات لنا أو أهدافاً لنا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#46 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المحاسبة - 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و الاربعون ) منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, نستأنف دروس مدارج السالكين, في مراتب إياك نعبد وإياك نستعين ، ومع الدرس الرابع والأربعين من هذه السلسلة, ومع منزلةٍ جديدة من منازل مدارج السالكين, ألا وهي: منزلة المحاسبة. سيدنا عمر عملاق الإسلام يقول: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم, واعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطاكم إلى غيركم, وسيتخطى غيركم إليكم, فخذوا حذركم. من حاسبَ نفسه حساباً عسيراً كان حسابهُ يوم القيامة يسيراً. والتاجر حينما لا يُجري محاسبة دقيقة من حين لآخر, يشعر بقلقٍ شديد، وحينما يُجري محاسبة ما له وما عليه, يشعر براحةٍ كبيرة, والإنسان المؤمن الصادق دائم المحاسبة لنفسهِ, يُحاسبها قبل أن يُحاسبهُ الله، يُحاسبُها قبل أن يؤدبهُ الله، يُحاسبُها قبل أن يقتصَّ الله منه، يُحاسبُها ويحلُ مشكلاتها قبل أن يصل إلى طريقٍ مسدود مع الله. التعريف الدقيق للمحاسبة : أيها الأخوة, التعريف الدقيق للمحاسبة: أن تُميّز ما لكَ وما عليك, فتؤدي ما عليك, ولكَ أن تُطالب بما لكَ، مثلاً: الله عزّ وجل أنبأنا من خلال نبيه عليه الصلاة والسلام أنكَ إذا عبدته مخلصاً, لكَ حقٌ عليه ألا يُعذبُك. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُعَاذُ, أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ)) أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك. فالمحاسبة: أن تخلو مع نفسك في اليوم دقائق, ماذا فعلت؟ ماذا تركت؟ لِمَ أعطيت؟ لِمَ منعت؟ لِمَ وصلت؟ لِمَ قطعت؟ لِمَ غضبت؟ لِمَ رضيت؟ لِمَ ابتسمت؟ لِمَ عنّفت؟ لِمَ ضربت؟ لِمَ حاسبت؟ لِمَ آذيت؟ هيّئ لله عزّ وجل لكل موقف جواباً فأنت أعقل العقلاء. حاسب نفسك, أنصف الناس من نفسك، والحقيقة: الذي يُحاسب في الدنيا قضيته سهلة, أمّا إذا كنت أباً من يُحاسبُك؟ الابن يُحاسبه أبوه، والزوجة يُحاسبها زوجها، والطالب يُحاسبه المعلم، من هو الذي في أمسِّ الحاجة إلى المحاسبة؟ الذي من طبيعته ألا يُحاسب, أن تكون أباً ولا يجرؤ أحدٌ على أن يُحاسبك، بطولتك أن تُحاسب نفسك وأن تعتذر، قد تكون معلماً في صف, مَنْ مِنَ الطلاب يستطيع أن يُحاسبك؟ بطولتك أن تُحاسب نفسك، أن تعتذر من طالب صغير. هذا المؤمن : حدثني أخ كريم, قال لي: أنا طبيعة مزاجي عصبي, فتناقش مع زوجته, فكلّمته كلمةً قاسية, فصبَّ كُلَّ غضبهِ على ابنه, وضربه ضرباً مُبرّحاً, فلما انتهى من ضربه صحا, ما ذنبُ هذا الصغير؟ خلافه مع زوجته، صبَّ جام غضبه على ابنه وضربه، قال لي: دخلت إلى غرفتي, وبدأت أبكي, ثم أخذت ابني وقبلّته, وقلت له: سامحني يا بني, يعني حاسب نفسك: ضربت, لِمَ ضربت؟ لِمَ عبست؟ لِمَ خاصمت؟ إن حاسبت نفسك فأنت مؤمنٌ وربِّ الكعبة. وقف إنسان ضعيف أمام الحجاج, قال له: أسألُكَ بالذي أنت بين يديه أذلُ مني بين يديك, وهو على عقابِكَ أقدرُ منكَ على عقابي. أخواننا الكرام, قد تكون طفل الأب يُحاسبُكَ، قد تكون زوجة الزوج يُحاسب، قد تكون طالب المعلم يُحاسب، قد تكون موظف رئيس الدائرة يُحاسب, أما إذا كُنتَ أنتَ الأب من يجرؤ على أن يُحاسبك؟ إذا كُنتَ أنتَ رئيس الدائرة من يجرؤ على أن يُحاسبك؟ تشتدُ الحاجة إلى المحاسبة حينما تكون في موقعٍ لا تُحاسبُ فيه، لذلك: إن حاسبت نفسك سريعاً رَحِمَكَ الله عزّ وجل. قصة : يعني قصة سمعتموها مني كثيراً, لكن مناسبة في هذا الموضوع: كنت مرة في العمرة, صديق حدثني عن إنسان يملك أرضاً في شمالي جدة, فلما امتد العمران إلى قُرب أرضه, نزل ليبيع هذه الأرض، مكتب عقاري خبيث احتال عليه, وأوهمه أنَّ ثمنها بخس، فاشتروها منه بثمنٍ بخس ريالاتٍ معدودات, وأنشؤوا عليها بناءً شامخاً, وسيربحون الملايين المملينة، قال لي: أول شريك: وقع من سطح البناء فدُكت رقبته في الأرض، والشريك الثاني: دهسته سيارة، الشريك الثالث: انتبه, أراد أن يُحاسب نفسه, فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر, إلى أن عثر عليه, ودفع له ثلاثة أمثال ما أعطاه سابقاً -عن حصته طبعاً-, فقال له هذا البدوي: أنت تداركت الأمر قبل أن يحل بك ما حل بصاحبيك. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا. اعتذر، قدّم هدية. موقف بطولي : أنا أعرف رجلاً -والقصة قديمة جداً- يعمل في سلك الدرك, عندما كانت الشرطة في المدن والدرك في القرى، أخطأ, وضرب إنساناً ضرباً مُبرّحاً, وهو بريء, ظنه سارقاً, ثُم اكتشف أنه ليس بسارق، السارق ظهر، أقسم بالله وسّط إنساناً ليدعوه إلى طعام الغذاء, وكان هو أيضاً مدعو, وأمره أن يضربه كما ضربه, لينجو من عذاب الله, حاسب نفسك كلما كنت ذكياً تُحاسب نفسك حساباً شديداً، وعلامة المؤمن أنه يرى ذنبه جبلاً جاثماً على صدره، وعلامة المنافق أنه يرى ذنبه كالذبابة, يقول لك: هذه علامة النِفاق, ماذا حصل؟ هذا منافق، أما حينما لا تنام الليل، حينما تذهب إلى بيته تعتذر منه, تقول له: سامحني، حينما تُقدّم له هديةً ، حينما تطلب العفو منه فأنت قريبٌ من الله. اعلم هذه الحقيقة : أخواننا الكرام, هناك حقيقة دقيقة سأقولها لكم: القوي أحياناً يُريد أتباعاً, فأي إنسان أعلن الولاء يقبل به, واحد ينقصه زبائن, أي إنسان قدّمَ له الولاء يقبل به, إلا أنَّ الله غنيٌ عن العالمين، الله عزّ وجل كامل, لا يقبل مخلوقاً إن لم يكن كاملاً, لأنه غني: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة الزُمر الآية: 7] ولا يرضى لعباده الكُفر، لا يُمكن أن تتقرّب إلى الله وأنت ناقص، إنَّ الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً. يا محمد مثّل بهم كما مثّلوا بعمك الحمزة، قال: ((لا أمثّل بهم فيمثّل الله بي ولو كنتُ نبياً)) انظر لهذا الموقف: تعرف عدالة الله، تعرف أنَّ الله لن يتجلّى على قلبك إلا إذا كنت أديباً، كاملاً، متواضعاً, منصفاً، مؤدياً الحقوق، قائماً بالواجبات, هذا هو الدين، يعني إنسان يعمل في عمل معين, عنده موظف يستضعفه, يبخسه حقه, ويُصلي!! هذه الصلاة لا قيمة لها. من هو المسؤول عن هذه المرأة؟ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْطُوا الأجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه] إنسانة قالت لأهلي: أين الله؟ إنسانة تقول: أين الله؟ يعني على وشك الكُفر, لِمَ؟ قالت: لأنَّ زوجها .. والشهر الثالث من غير راتب، قال له رب العمل: لم يعجبك مع السلامة, لا يوجد نقود, أجرى حفلاً لابنته في أرقى فنادق دمشق يُنفق بغير حساب, أمّا هذا الذي يعمل عنده انتظر، قالت: من أين نأكل؟ وترى: كيف يُنفق؟ ذهبت لتعمل لم يقبلها أحد بحجابِها, اخلعي الحِجاب كي نوظِفَكِ, هذا المجتمع سوف يُحاسب حساباً عسيراً، الإنسان حينما يدفع امرأةً إلى أن تخلع الحِجاب من أجل أن تأكل، أو حينما يدفع رجلاً إلى أن يُتاجر بالأفلام الإباحية من أجل أن يأكل, هذا المجتمع يُحاسب حساباً عسيراً. يقول الله عز وجل: إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي. أبو الشيخ الديلمي عن أبي بكر هناك قول أنا مقتنع به تماماً: كادّ الفقرُ أن يكونَ كُفراً. فإذا ضيّقت على إنسان حتى لا يجد ما يأكل وكفر فأنت الذي كفّرته، أنت الذي جعلته يكفر، وتحمل أنتَ وِزرَ كُفره، قالت: أين الله؟ زوجي بِلا عمل, وأنا ما قبلني أحد إلا بخلع الحِجاب, ما هذا المجتمع؟ يريدون أن يستمتعوا بها وهي في العمل، هكذا بكل وقاحة!!!. هذا وضع المجتمع كما وصفه النبي في زمن التخلف : كيف أنتم إذا طغى نساؤكم, وفسق شبانكم, وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم, والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون، يقول الله تعالى: بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران هذا وضع المجتمع، لذلك: انْجُ سَعْدٌ فَقَدْ هَلَكَ سَعيدٌ انجُ بدينك, أنصف الناس من نفسك، حاسب نفسكَ قبل أن تُحاسب، ثم يتبيّن من خلال هذا الدرس: أنَّ المحاسبة مرتبطة بالتوبة، لعلَّ التوبة تحمِلُ على المحاسبة، ولعلَّ المحاسبة من نتائج التوبة, لذلك قالوا: التوبة بين محاسبتين؛ تُحاسب نفسكَ فتتوب, وتتوب فتحاسب الآخرين. أدِّ الذي عليك, يعني إذا كان على شخص في جاهليته ذِمم للناس، ما الذي يمنعه وهو في الدنيا، وهو في موقعٍ يستطيع أن يُسوّي الحسابات، ما الذي يمنعه أن يؤدي ما عليه؟. قصة تائب : حدثني أخ قال لي: عندي معمل ودائماً هناك نقص بضاعة، والنقص: يعني أضع في جيبي مبلغ ألفين أفقدها، أصبح لديه الرغبة في معرفة من هذا السارق؟ قال لي: فرّغت إنساناً للمراقبة، والسارق ذكي جداً, يأخذ الأموال والبضائع ولم نستطع أن نضبطه, ثم انقطعت هذه السرقة، ثم قال لي: بعد عشر سنوات, جاءني شاب وسيم الطلعة بوجهه نور, وقال لي: أنا كنت عندك موظفاً قبل عشر سنوات, وكنت أسرق منك, وجئتُكَ مستسمحاً وسأدفع لكَ كل الذي عليّ، قلتُ له: والله نظير هذه التوبة, ونظير هذا الاعتراف, أنت مُسامح بكل ما أخذته، وإن أردت أن تعمل عندي فلكَ أعلى مكان. موضوع المحاسبة قضية دقيقة جداً، وطّن نفسك أن تُحاسب نفسك، وطّن نفسك أن تعتذر، تقول له: سامحني, أنا أخطأت في حقك، أنا تسرّعت، أنا اتهمتك اتهاماً باطلاً، عندها الله يرضى, أمّا إذا واحد موقعه قوي, أيام رئيس دائرة، مدير ثانوية، مدير مستشفى, يعني في موقع قوي, لا يجرؤ أحد أن يُحاسبهُ, مثلُ هذا الإنسان تشتدُ الحاجة إلى أن يُحاسب نفسه. الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن : قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ)) [أخرجه أبو داود في سننه] يعني المؤمن مُقيّد، الشرع قيّده، الشرع ألزمه، والحقيقة: قد يقول أحدكم: أنَّ الفقير يحتاج إلى أن يكون صابراً, لا, الذي يحتاج إلى أن يكون صابراً هو الغني والقوي, لماذا؟ هذا كلامٌ غريب، ماذا عندَ الفقير من خيارات؟ هذا الدخل المحدود, وهذا البيت، من عمله إلى بيته، لو أراد أن يسهر في فندق فخم, أيقدر؟ لا يوجد معه نقود، لو أراد أن يرتاد أماكن اللهو, أيقدر؟ لا يوجد معه دراهم, أمّا هذا الذي يملك المال, وهو مسافر في بلد أجنبي, وليس هناك رقيب, هو في أشد الحاجة إلى الصبر، هذا الذي يضبط نفسه, يضبط مشاعره, يضبط أعضاءه, يضبط حواسه, يضبط بصره, سمعه, إنفاقه. بماذا تفيدنا هذه الآية؟ : أخواننا الكرام, أنا أعتقد أنَّ الغني والقوي في أمسّ الحاجة إلى الصبر، وصبره بطولي، فالمحاسبة تكون قبل التوبة، حاسب نفسه فاتخذ قراراً بأن يتوب، أو تاب فاتخذ قراراً بأن يؤدي ما عليه للناس، هذه المحاسبة, هناك آية قرآنية تُفيد هذا المعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 18] ماذا قدّمت؟ وماذا أخرّت؟: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [سورة الإنفطار الآية: 5] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [سورة التكوير الآية: 14] أنتَ ماذا أعددت لله عزّ وجل؟ . أحياناً تجد شخصاً في السبعين من عمره في القهوة, يلعب الطاولة, ولا يُصلي, أين عقلُ هذا الإنسان؟ ماذا قدّم لآخرته؟ ماذا يقول لله عزّ وجل وهو بين يديه؟ . أما تستحي منا ويكفيك ما جرى؟ أما تختشي من عقِّنا يوم جمعنا؟ أما آن أن تُقلع عن الذنبِ راجعاً وتــنظر ما به جــاء وعدُنا هذه الآية الأولى في هذه المرتبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أخواننا الكرام, حاسب نفسكَ من حين إلى آخر، حاسب نفسكَ يومياً, وحاول أن تسوّي الحسابات مع الناس. لفتة نظر : أود أن ألفت النظر إلى أنك: لو حججت حجاً مبروراً, وسعيت سعياً مشكوراً, لا تخرج من ذنوبك كما ولدتك أمك, هذا وهم, تخرج من الذنوب التي بينك وبين الله فقط، أما الذنوب التي بينك وبين العباد هذه لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة، أكبر دليل: هذا الذي قدّم روحه في سبيل الله, هل يُغفر له كُل ذنب؟ نعم إلاّ الديّن لا يُغفر, قدّم روحه, لأنَّ الديّن من حقوق العباد، وحقوق العباد مبنيّةٌ على المُشاححة, بينما حقوق الله عزّ وجل مبنيّةٌ على المُسامحة. ماذا تستنتج من هذه القصة؟ : مرة إنسان أعطوه عشرين دونم من الفرحة اختلَّ توازنه، فقير جداً وله شيخ, قال له: يا بُني هذه الأرض حرام أن تأخذها, لأنها ليست لك في الأساس, أُخِذت من صاحِبِها غصباً, وأُعطيت لك, هذه الكلمة من الشيخ أطفأت سروره جعلته يقنط, قال له: اذهب وحاول أن تشتريها منه تقسيطاً، ذهب إليه, وقال: يا سيدي أعطوني من أرضِكَ عشرين دونماً, وقال لي شيخي: أنَّ هذه الأرض حرامٌ أن آخذها منك, هل تبيعني إياها تقسيطاً؟ قال له: يا بني والله ذهب لي أربعمئة دونم, لم يأت لعندي أحد إلا أنت, فهذه هدية مني لك, حررها وأخذها حلالاً, لا يوجد إنسان يتحرّى الحلال إلا الله عزّ وجل, يُكسبه الحلال ورضوانه, الحلال والأرض. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا : قول ذكرته قبل قليل: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم, وأعلموا أنَّ ملكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا, وسيتخطى غيرنا إلينا. لاحظ نفسك: فلان توفي رحمة الله عليه، هنا عميد أسرتهم، هذه الشابة، هذا الشاب، الطبيب الفُلاني، إلخ ... يجب أن توقن أنه في أحد الأيام سيقرأ الناس نعوتنا لا بُدَّ منها. منذ فترة كُنا في سهرة, هناك رجل كآبته صارخة، التفت وسألته: خير إن شاء الله؟ فلم يجبن، بعدها فهمت أنه أصابه سرطان في الجلد, واثنين وثلاث وأربع وخمس, وأجرى خمس عمليات, وكلما أجرى بمكان, ظهر في المكان الآخر, وهو على علم عالٍ في الطب، والتقيت معه مرةً أخرى, فكل توجهه أنَّ موته من السرطان, بعدها توفي باحتشاء القلب, سبب الموت ليس له علاقة بالمرض الذي ظنَّ أنه سيُميتُهُ, جميعاً نحنُ تحت ألطاف الله، لا أحد يضمن منّا حياته ساعة, فلذلك: حاسبوا أنفسكم قبل تُحاسبوا, المؤمن البطل جاهز للمغادرة، الآية الدقيقة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [سورة الإنفطار الآية: 6] عندما يقول ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة فاطر الآية: 5] واضحة, يعني واحد يظن أنَّ العلبة مليئة, وهي لا تحتوي على شيء, وجدها على الأرض, ففرح بها, وحملها, ثم وجدها خاوية, خاب ظنه, نقول: اغترَّ بها ظنها ممتلئة. هذه الدنيا تغر وتضر وتمر : كان هناك شاب عنده دُعابة، كان في محل تجاري, يكنس المحل، يضع الأوساخ في علبة فخمة، يلفها بورق هدايا، يضع له شريط أحمر, ويضعها على الرصيف، يأتي شخص فيرى العلبة, فيظن أنَّ فيها أشياء ثمينة, فيحملها ويركض, وبعد مئتي متر ينزع الشريط، ومئتي أخرى ينزع الورق، ومئتي أخرى يفتح العلبة, فيجد فيها أوساخ المحل, نقول: هذا الإنسان اغترَّ بهذه العلبة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ تغرُ وتضرُ وتمر. وأحياناً الإنسان وهو في أوجهِ يُنزعُ منها بعد ما عاش إنسان أربعين, خمسين سنة في منزل تحت الأرض, صغير رطب, وهو يجمع المال حتى اشترى بيتاً في أرقى أحياء دمشق, أنا البيت أعرفهُ, لهُ شرفة تُطِلُ على دمشق بأكملِها، جلس على الشرفة, وأمر زوجته بإحضار القهوة, وقال لها: الآن قد تأمّنَ مستقبلنا, هذا منزل, وبعد جمعة واحدة فقط وافته المنية، هذه الدُنيا تغرُ وتضرُ وتمر. وشخصٌ آخر اشترى في شارع الميسات, صاحب ذوق رفيع, أخذ شقتين في الطابق الثاني عشر، الكسوة لم تعجبه فهدمها، خلع السيراميك، والنوافذ، والبلاط, عمل مدى سنتين في كسوة بأعلى مستوى, أحد أخواننا يسكن تحت, يقول: لم يكن هناك مصعد, فيصعد ماشياً في اليوم مرتين أو ثلاث لمدة سنتين, وقام بترتيب كُلَّ شيء, ثمَّ جاءه ملك الموت, لذلك الإنسان يجب أن يُهيئ نفسه لهذه الساعة التي لا بُدَّ منها. أنا أتمنى من الإنسان أن يتبّع جنازة ولو لم يعرفها، يُلاحظ عندما يوضع النعش، يُفتح غطاء النعش يُحمل الميت, البارحة كان في الفراش, أهله بجانبه, جميع طلباته مجابة, قال تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [سورة القيامة الآية: 29-35] منعطف خطير : مرة لاحظت إنساناً وهو يُكفّن, أحضروا قطعة قماش طويلة, وغمسوها بالماء, وعندما ربطوها علقت فشدوها: ﴿وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ* إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ*َلا صَدَّقَ وََلا صَلَّى* وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى* ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى* أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى* ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ وُضِعَ في القبر, وأُهيلَ الترابُ عليه، انفضَّ أهلهُ إلى بيتهم, وبقي وحده في البيت: عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معكَ ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت لكن كيف نفهم: يا أيها الذين آمنوا لا تغرّنكم الحياة الدنيا؟ واضحة, لا ترونها بحجمٍ أكبرَ من حجمِها. ما معنى هذه الآية؟ : أمّا كيف نفهمُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ طالب توّهم أنَّ الأستاذ فقير, أُعطيه ألفي ليرة قبل الأمتحان, وآخذ الأسئلة منه وبلا هذا التعب, هكذا كان توهمهُ فارتاح، طرق الباب قبل الفحص بيومين, وعرض على الأستاذ, فطرده الأستاذ, نقول: هذا الطالب اغترَّ بأستاذه, يعني ظنه يبيع الأسئلة، وهذا المُخاصم اغترَّ بالقاضي، ظنه يرتشي فهو ليس كذلك. إذا ظننت بالله ظنَ السوء فأنتَ قد اغتررتَ بالله، إذا ظننتَ أنَّ الله لن يُحاسبكَ فقد اغتررتَ بالله، إذا ظننتَ بأنَّ الله لن يُعاقب الجاني قد اغتررتَ به، إذا ظننتَ بأنَّ الله لن يأخذَ من القوي للضعيف فقد اغتررتَ بعدالته، هذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ كيف نحاسب أنفسنا؟ : 1-الأداة الأولى هي العلم : السؤال الثاني الذي يهمُنا: كيف نُحاسب أنفسنا؟ كان في صُلب الدرس لا بُدَّ أن تُحاسب نفسك. قالوا: الأداة الأولى هي العلم. أنت بالعلم تعلم ما إذا كنتَ على حقٍ أو على باطل، ما إذا كُنتَ مذنباً أو غير مُذنب, العلم أداة المحاسبة، احضر درس علم, تجد أنكَ في نفسِكَ مُخالف للشرع، احضر أحكام البيوع، احضر درساً في العلاقات الزوجية، احضر درساً بالأخوة الإيمانية, في غيبة, وهناك نميمة، احضر درساً بالحوالة والوكالة والكفالة, تجد نفسك مُخالف, لن تُحاسب نفسك إلا إذا كُنت على علم، العلم نور. أوضح من ذلك: لو أحضرنا إنساناً مثلاً في الصف الرابع الابتدائي, وقلنا له: اقرأ هذا النص، إذا كانت والدته لا تقرأ ولا تكتب, فهل تستطيع أن تحاسبه على أغلاطه؟ يمكن أن يرتكب أخطاء كثيرة في الصفحتين, وتقول له: جيد جداً، لا يوجد عندها مقياس, الأم جاهلة، أما لو كان والده يحمل ليسانس في اللغة العربية, وطلب منه القراءة، كل كلمة غلط, يصُحح؛ هذه غلط، هذه مبتدأ, وهذه خبر, وهذه مفعول به, وهذه حال, وهذه تمييز .... إلخ، لن تستطيع أن تُحاسب إلا إذا كنت عالماً، كذلك لن تُحاسب نفسك إلا إذا كنتَ عالماً، تعرف أنَّ هذا القرض جر دفع فهو رِبا، هذا الإيجار باطل، هذا العقد باطل، هذه السلعة مُحرّمة, إذاً التجارة بها باطلة، هذه النظرة للأب: ((ما بر أباه من شد إليه الطرف بالغضب)) [أخرجه الطبراني في سننه] باطلة, هذه ما برَّ أباه. النبي عليه الصلاة والسلام رأى شاباً ورجلاً, قال له: ((من هذا؟ -ويعلم من هذا؟- فأجابه: أبي، فقال له النبي: أبوك؟ لا تمشي أمامه, ولا تجلس قبله, ولا تستبَ له, ولا تناديه باسمه)) إذا كُنتَ تعرف الحديث, وشاهدت إنساناً يمشي أمام والده, وجلس قبله, وناداه باسمه مثلاً, وعملَ عملاً سيئاً, فشتمه الناس، فيكون قد خالف. لن تستطيع أن تُحاسب إلا إذا كنتَ عالماً، فأول أداة هي العلم, بالعلم تُميّز بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والضار والنافع، والكامل والناقص، والخير والشر, بالعلم تعرف مراتب الأعمال, راجحها ومرجوحها، مقبولها ومردودها، وكلما كان نصيبكَ من العلم أوفر كان التمييز أقوى. العلم نور, أحضر مصباحاً ضئيلاً, يكشف لكَ الطاولة، أما الإبرة فلا تشاهدها، الإبرة لا تُشاهدها على السجاد, أما إذا امتلكت مصباح خمسة آلاف شمعة فتشاهدها، فكُلما اشتد مصباحُكَ تكشف أدق الحاجات، وكلما اشتد النور في قلبك تكشف أدق المخالفات, أيام ابتسامة سخرية تُحاسب عليها، أحياناً كلمة هكذا. عن حذيفة, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قذف المحصنة يهدم عمل مئة سنة)) [أخرجه الطبراني في سننه] أيام يقول لك: واثق ولم تتكلم أنت ولا كلمة، لا تعرفه أنت وقد يكون أفضل منك، فكلما اشتدَّ النور الذي في قلبك كشفتَ أدقَّ المخالفات, هذه أول واحدة. 2-الأداة الثانية سوء الظن بالنفس : الأداة الثانية: سوء الظن بالنفس: كلما أسأت الظن بنفسك تكون أرقى عندَ الله عزّ وجل، وكلما أحسنت الظن بها تكون ساذجاً. نصيحتي: بالغ بإساءة الظن بنفسك وبحُسن الظن بالآخرين، هذا المؤمن, أمّا الشيء المضحك: أنَّ هناك أشخاص يُحسنون الظن بأنفسهم ويُسيئون الظن بالآخرين، هو مُبّرأ من كُل خطأ أما غيره غير مُبرّأ. بالغ بسوء الظن بالنفس وبحسن الظن بالآخرين، فسوء الظن تشتدُ الحاجةُ إليه, لأنَّ حُسنَ الظن بالنفس يمنع محاسبتها، يقول لك: ماذا بي؟ يرتكب أكبر المخالفات, ويقول لك: ماذا فعلت؟! حُسنُ الظن بلاء بالنفس, كلما أحسنت الظن بنفسك منعتها من أن تُحاسب. عين الرِضا عن كل عيبٍ كليلةٌ كما أنَّ عين السُخطِ تُبدي المساوئا إذا عَلِمَ المُسيء أنه مُسيء لم يعد هناك مشكلة، لكنَّ المُسيء لا يعلم أنه مُسيء، يتوهم أنه على حق، قال: ولا يُسيء الظن بنفسهِ إلا من عرفها, ومن أحسن الظن بنفسه كان من أجهلِ الناس. 3-الأداة الثالثة أن تميز بين النعمة وبين الفتنة : الأداة الثالثة: أن تُميّز بين النعمة وبين الفتنة: النعمة هي التي تنقُلُكَ إلى الطاعة والشُكر، وأما النعمة التي تنقُلُكَ إلى المعصية والكِبر فهي فتنة وليست نعمة, أكثر الناس تلتبس عليهم الأمور بظن النِعم نِعم وهي قد تكون نِقم، النعمةُ التي تحمِلُكَ على الكِبر هذهِ نِقمة، النعمة التي تحمِلُكَ على معصية هذهِ نِقمة، النعمة التي تحمِلُكَ على أن تزهوَ على الآخرين هذهِ نِقمة، أمّا النعمة التي تقودُكَ إلى الله وإلى طاعتهِ وإلى شُكرِهِ هذهِ نِعمة, وهذا يؤكدهُ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [سورة الفجر الآية: 15-17] يعني: يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حِرماناً، عطائي ابتلاء وحِرماني دواء. أيها الأخوة, أدواتٌ ثلاث: أن تُميّز بين النِعمةِ والنِقمة، وأن تُسيء الظن بنفسِك، وأن تطلب العلم, هذه أدوات المحاسبة, إن ملكتَ هذهِ الأدوات, حاسبتَ نفسكَ حساباً عسيراً, فكانَ حسابُكَ يوم القيامة يسيراً: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة النور الآية: 46] هذه ثِمار المحاسبة، إن أردتَ أن تكون مستقيماً, وحَرِصتَ على ذلك, يهديكَ الله إلى الصراط المستقيم: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#47 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصبرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والأربعين من سلسلة دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, ومنزلة اليوم هي: منزلة الصبر. الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: الصبر في القرآن في تسعين موضعاً. لأن الإيمان هو الصبر، ولأن الإنسان مخلوق للجنة, وثمن الجنة الصبر. هذا الفرق بين المؤمن والكافر : الفرق بين الكافر والمؤمن؛ الكافر متفلت يفعل ما يشاء، يأكل ما يشاء، يجلس مع من يشاء، يذهب لأي مكان يشاء، يأخذ أي مال يشاء، يعتدي على أي مخلوق يشاء، هكذا تفلت، استرخاء، تحرك عشوائي, المؤمن منضبط بمنهج الله، الشهوات واسعة، القنوات النظيفة محددة، أودع في الإنسان حب المرأة, القناة النظيفة المشروعة التي ترضي الله, أن تنظر لزوجتك، وإلى محارمك، وما سوى ذلك تفلت، كسب المال واسع جداً، هناك ألف مصدر لأخذ المال، الكسب المشروع هو الذي يرضي الله عزوجل. فإذاً: عملية الصبر عملية ضبط, عملية انتقاء، عملية اختيار، عملية دفع ثمن الجنة، أحياناً إنسان يدخل جامعة ويأخذ شهادة عليا، ويحمل لقباً علمياً عالياً، يتعين بمنصب رفيع، يأتيه دخل كبير، يعيش في بحبوحة وكرامة، ما ثمن هذه المكانة, وتلك الكرامة, وهذا الدخل الكبير؟ هو أن رفاقه آثروا اللعب، آثروا النزهات، آثروا الجلوس في الأزقة، هو قبع في البيت, وانكب على الكتاب, وصبر على الدراسة، حتى مراتب الدنيا تحتاج للصبر. ما معنى الصبر؟ : فحينما قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث: ((الإيمان نصفان؛ نصف صبر، ونصف شكر)) وفي حديث آخر: ((الإيمان هو الصبر)) فعندما آمنت بالله قيدت نفسك بمنهج الله، حينما آمنت بالله قيدت نفسك بما يرضي الله ، وسعيت للجنة، تركت كل طريق واتبعت طريق الجنة, تركت كل مال وأخذت المال الحلال، تركت كل شهوة ومارست كل شهوة ترضي الله عزوجل، هذا كله صبر، الصبر يعني الضبط، فالمؤمن مضبوط، ضابط لسانه, وعينه, ويده, ودخله, وإنفاقه, وحركاته, وسكناته. من مواضع الصبر : 1-أن الله أمر به : الصبر واجب بإجماع الأمة, لأن القرآن الكريم حينمــا يقول لك: اصبر فهذا أمر، وكل أمر بالقرآن الكريم يقتضي الوجوب، كلام الله منهج، وسلسلة أوامر ونواهٍ، وأنت كمؤمن ليس لك خيار, ﴿ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ فأول موضع من مواضع الصبر أن الله أمر به. الصبر وسيلة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [سورة البقرة الآية: 153] الصبر وسيلة, راقب نفسك إن كنت عند طبيب الأسنان, وقال لك: إن قلبك لا يحتمل المخدر, أنا مضطر لخلع الضرس دون مخدر فتحمل، هذه القناعة تجعلك تتمسك بيد الكرسي, وأن تشد عليه من أجل الصبر، فكلما ازداد علمك ازداد صبرك. أما لو أن الطفل الصغير وضع على كرسي الطبيب, وشعر بوخذة إبرة المخدر, يصيح ويتحرك بقوة, لأن إدراكه غير إدراك الراشد، فكلما ازداد عقلك ازداد صبرك، كلما ضعف إدراكك قل صبرك. ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة﴾ هذا المؤمن الصادق : وقال تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [سورة آل عمران الآية: 200] اصبر وأعن أخاك على الصبر، أنا أستمع لبعض الكلمات من وسوسة الشيطان، يطرح أخوك عليك مشكلته تجيبه, لو كنت مكانك لانتحرت! هذا كلام الشيطان، قل له: اصبر يا أخي, فالله عزوجل رحيم, بعد الصبر الفرج، الله يمتحنك، والمؤمن يبتلى، والنبي أشد الناس بلاءً، هذا الكلام فيه مصابرة, اصبر وصابر، لكن المؤمن الصادق يصبر ويستعين بالله على الصبر، قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [سورة النحل الآية: 127] فالصبر بقوة الإرادة كلام فارغ، يتماسك أمام الناس، أما فيما بينه وبين ذاته, قد يتكلم كلاماً قبيحاً, قد يتحرك حركة عشوائية مخجلة, لأنه لم يستعن بالصبر بالله عز وجل, أمرنا بالصبر، أمرنا أن نصبر, وأن نصابر، وأن نستعين بالله على الصبر. 2-النهي عن ضده : البند الثاني من موضوع الصبر: النهي عن ضده، إياك ألا تصبر، إياك أن تضجر، إياك أن تقول: أين الله؟ إياك أن تقول: دعوت فلم يستجب لي، إياك أن تقول كلمات تعني أنك لست صابراً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [سورة الأحقاف الآية: 35] يقال: أماتهم الله, له أقرباء ظلام حرموه الميراث، يتألم, يستعجل لهم الهلاك، وقوله: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 15] التولي من الزحف دليل عدم الصبر، ولا تبطلوا أعمالكم بعدم الصبر، هناك أشياء في حياتك هي قدرك؛ ابنك، وزوجتك، وأقرباؤك الذين ليس لك خيار في الانتماء إليهم, كل هؤلاء هم قدرك، فإما أن تصبر عليهم، وإما أن يصبروا عليك، لذلك: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ إنسان خدم والدته كما ذكرت من أيام عشر سنوات, ثم ضجر أشد الضجر، فصاح في وجهها فبكت، فجاء أخوه ونقلها لبيته، بعد يومين ماتت عند أخيه، ماذا فعل هذا الإنسان؟ أبطل كل عمله. أحياناً: تحسن لإنسان إحساناً مستمراً، ثم تفقد الصواب فجأة فتهدم كل الذي بنيته سابقاً ، الإنسان إذا كان مبتلى، قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 139] فالوهن والحزن من عدم الصبر، الضجر من عمل صالح متعب دليل قلة الصبر، التولي من الزحف دليل قلة الصبر، استعجال العذاب للأعداء دليل قلة الصبر. 3-أن الله عز وجل أثنى على أهله : البند الثالث في موضوع الصبر: الله جل جلاله أثنى على أهله, وثناء الله على أهله شيء كبير! . آية قرآنية حينما أقرأها: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [سورة ص الآية: 44] الله يعرف أنه ساق لك شدة، ويعرف الأمر بالضبط، والظروف الصعبة والمشقة التي تتحملها, والألم الذي يأكل قلبك، والتضحية التي ضحيت بها، وكم هذا يؤلمك؟: ﴿إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب﴾ إذا أثنى الله عليك أليس هذا مكسباً عظيماً؛ أن يثني عليك خالق الأكوان؟ . إنا وجدناه صابراً لوجه الله في صبر القهر، أما في صبر المعرفة: أحياناً يكون إنسان أقوى منه مقهور صبر القهر، أما أحياناً قادر على فعل كل شيء، لكن يلجمه الصبر, يلجمه خوف الموت, يلجمه رضاء الله عزوجل، يلجمه طلب الآخرة، يلجمه خوف العقاب، الصابرين والصادقين، لأنهم صادقون كانوا صابرين: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 177] الله عز وجل يحب العبد الصابر، في إنسان أقل شيء تجده انتهى، انهار, تكلم كلاماً قبيحاً, تطاول, أعلن عن ضجره، أعلن عن عدم صبره، هناك إنسان صابر: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ ماذا نستنتج من هاتين الآيتين؟ ما الذي يكشف عدم الصبر والصدق؟ قلة الصبر، الصادق صابر، الأقل صدقاً أقل صبراً، غير الصادق ضجر، لا يعد صابراً. 4-الله يحب الصابرين : البند الرابع: والله يحب الصابرين, لو حققت كل مكاسب وصلها إنسان, أعظم مكسب أن يحبك الله عز وجل، ﴿والله يحب الصابرين﴾ ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ سبحان الله! يقول: إن الحزن خلاق. الإنسان إذا ربي على النعيم, لا مشكلة مالية عنده، لا صحية، ولا أي قضية, السلامة المستمرة والقوة تقسي القلب، كأنه مستغنٍ عن الله، أما الشدة والابتلاء يرققان القلب، وكأن هذا الصابر قريب من الله عز وجل، هذا شيء ملاحظ، عندما يصاب الإنسان بمرض، عندما يكون هناك مشكلة, تجده سريع البكاء، نفسه شفافة، نفسه قريبة من الله عز وجل، لذلك وجد أن الحزانى في كنف الله، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون للرحمة، هذا إنسان قريب من الله, لذلك المصائب قد تخلق بطولات بالإنسان، إنسان معه ألف مليون, تبرع بمليون أو مليونين أو خمسة, هذا هامشها صغير جداً، أحياناً يكون المؤمن معه ألف ليرة لآخر الشهر, مدة سبعة أيام, فهو في أمس الحاجة إليها, يأتيه أخ بحاجة لألف ليرة, يقع في صراع, ثم يدفعها له, ينتصر على نفسه. 5-أن الصبر يوجب معية الله لك : البند الخامس في الصبر: أن الصبر يوجب معية الله لك، ومعية الله شيء ثمين جداً، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 46] هذه المعية الخاصة، معية النصر والتأييد والحفظ والتوفيق، أنت بالصبر ضمنت كل هذه الأشياء. 6-الله عز وجل يخبرنا أن الصبر خير لأصحابه : البند السادس: الله عز وجل يخبرنا أن الصبر خير لأصحابه، أنت أمام مشكلة؛ لك أن تصبر ولك أن لا تصبر، أيهما خير؟ أن تصبر، لأنك إن لم تصبر, ماذا تفعل؟ ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ هذا الذي امتلأ قلبه حسداً من رسول الله, هل بإمكانه أن يمنع عنه الوحي؟ لم يؤمن به, بدل أن تغضب منه وتحقد عليه، جاءت مصيبة, أنت أمام خيارين: تصبر أو لا تصبر، إن صبرت لك الدنيا والآخرة، وإن لم تصبر سوف تقهر, إخبار الله عز وجل بأن الصبر خير لأصحابه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 126] ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ أحياناً موظف بدائرة, جالس من الساعة الثامنة للساعة الواحدة والربع, بعمل دؤوب, شديد بإخلاص، يضجر فيذهب للمشي، يقف على النافذة دقيقة، يأتي المدير العام, ويقول له: أهذا عملك؟ المدير بشر, ما عرف أنه بعمل دؤوب من الساعة الثامنة حتى الواحدة والربع، رآه في ساعة راحة، نقول: هذا جوزي بأسوأ ما كان يعمل كل الساعات دوام دقيقة راحة شاهده المدير في هذه الدقيقة، ربنا عز وجل كريم, ينتقي لك أجمل عمل ويكافئك عليه، هو دعاء: اللهم إني أعوذ بك من إمام سوء, إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر. أو: اللهم إني أعوذ بك من جار سوء, إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه. قف هنا : يوجد نقطة بالفقه الإسلامي, أتمنى أن تتضح لكم: النبي قال: تجب الزكاة في القمح والشعير والتمر والزبيب. الآن يوجد ألف محصول تجب فيه الزكاة, لكن النبي ذكر أربعة فقط, العلماء قالوا: تجب الزكاة في علة هذه المحاصيل لا في عينها. رجل يملك عشرين دونماً من التفاح وبدل القمح حمّص عدس، هناك محاصيل غالية وثمينة جداً, فتجب الزكاة في علة هذه العناصر لا في عينها. لا يقض القاضي حين يقضي وهو غضبان. العلماء حملوا على الغضب ثلاثاً وثلاثين حالة، إذا ابنه مريض, ومرض مخيف, القاضي ممنوع أن يقضي, فذهنه غير صافٍ، بعض الأيام استخدم عبارة أحياناً أكون أمام أمر صعب أقول: أنا لست معك, فأنا مشغول, عندي موعد, الآن سوء فتوى, هو مرتاح البال, يريد إعطاء التفاصيل, فالقاضي لا يملك الحق بالقضاء, إذا كان غضبان, أو جوعان, أو تعبان, أو يوجد مشكلة في حياته. ماذا نفهم من هذا الحديث؟ : النبي الكريم قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً, إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا, رَضِيَ مِنْهَا خلقاً آخَرَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] جارك, أخوك, أبوك, صديقك, كل له سلبيات وإيجابيات, اجعلها مبدأ، كن منصفاً, كل جهة تبحث عن الإيجابيات والسلبيات، فإن ذكرت الإيجابيات ذكرت السلبيات، فهذا الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 96] 7-إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب : البند السابع في الصبر: إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب، ﴿إنما يوفّ الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ الله عز وجل مربٍ، يسير الإنسان في الصحراء, يتعب يجد واحة فيرتاح, الله حكيم, يسوق الشدة ثم بعدها الرخاء، يسوق الشدة ومن بعدها شدة إليه، يسوق المحنة ومن بعدها منحة، يسوق الشيء المتعب ومن بعده شيء مريح. سيدنا رسول الله بالطائف, إذا وجد خط بياني للدعوة بالحضيض، كذب واستهزئ به وبدعوته, وقد ناله الأذى من أبنائهم، قال: يا رب, إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي. ماذا جاء بعد الطائف؟ الإسراء والمعراج، وصل النبي عليه الصلاة والسلام إلى سدرة المنتهى, عندها جنة المأوى، لقد رأى من آيات الله الكبرى، لقد أطلعه الله أنه سيد الخلق ، سيد الأنبياء والمرسلين، متى جاء الإسراء والمعراج؟ بعد الطائف. وكل شخص منا, عنده طائف, وعنده إسراء ومعراج، بالمعنى الرمزي: ساعات شدة ومحنة، وساعات فوز وتكريم، بعد العسر اليسر، وبعد الضيق الفرج، بعد الضعف القوة، بعد الفقر الغنى، هذه حكمة الله عز وجل, وهذه تربيته، أنت عندما تبشر إنساناً بماذا تبشره؟ أتبشره بإتلاف المال؟ هذا مستحيل، تبشره بالقتل؟ مستحيل, وهذه اسمها استعارة تهكمية، على كل؛ البشرى للشيء الطيب. هذه وظيفة المصيبة : قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 155] قد تجد الغني مكرماً عند الله والفقير مهاناً، قد تجد القوي مكرماً ومهاناً، قد تجد الوسيم مكرماً والدميم مهاناً، امرأة على جانب من الجمال معززة مكرمة، امرأة تواجه مشكلة, تجدها غير مرغوبة, فهذه المرأة من الدرجة الثانية تتألم، لكن الله عزوجل يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [سورة الفجر الآية: 15] ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [سورة الفجر الآية: 16] لا ليس ذلك. فليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً. إذا الله عز وجل منعك من شيء لا يعني أنه يهينك، أجمل مثل: الأب الطبيب, شكا له ابنه ألماً في المعدة, قام بالتنظير, فوجد التهاباً حاداً، طهو من الطعام الكوسا, فمنعه من تناولها بقسوة، وإذا فكرت الأم إعطاءه نصف قطعة, يصب عليها جام غضبه, فهذا الطفل عندما حرم هذه الأكلة الطيبة, هل يشعر أن أباه يهينه؟ هذه ليست إهانة بل حفظ، فعندما تفهم أن هذه المصيبة حفظ نجحت. ما معنى هذه الآية: أولئك عليهم صلوات من ربهم؟ : الآية الكريمة: الله عز وجل يخاطب المؤمنين: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإن إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ الصلاة هي الدعاء، الدعاء لمن بيده القوة، فإذا صلى الله عليك, الله بيده كل شيء, الصلاة من الله رحمة وعطاء، من العبد دعاء، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 157] إلى ماذا يحتاج النصر؟ : النصر يحتاج للصبر، قال تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 125] والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: واعلموا أن النصر مع الصبر. إلى ماذا يحتاج الصبر؟ : شيء آخر: الصبر يحتاج لقوة إيمان، أما عدم الصبر دليل ضعف الإيمان، والدليل: قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى الآية: 43] ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة لقمان الآية: 17] الفرق في اللام وفي صبر وغفر، المعنى الذي تعرفونه: هو أن الإنسان إذا جاءه من الله مصاب مباشرة عليه بالصبر، أما إذا جاء هذا المصاب على يد إنسان, عليه أن يصبر ويغفر، يصبر على قضاء الله وقدره، ويغفر لمن ساق الله هذه المصيبة على يديه، أوضح مثل: إنسان وقع ابنه من الشرفة, فنزل ميتاً, عليه بالصبر، لأن هذا قضاء الله وقدره، أو لو أن سائقاً دعس ابنك لا سمح الله ماذا تفعل؟ هنا أنت بحاجة لصبر ومغفرة, وحينما يكون إيمانك قوياً جداً, ترى أن هذا الذي ساق الله المصيبة على يديه, إنسان قدر الله عليه هذه المصيبة، فلا تحقد إذا كنت مؤمناً. قف عند هذه الكلمة : الآن المراتب العالية، المواقف الجليلة، البطولات التاريخية، قمم النجاح، هذا كله يحتاج إلى الصبر، إن أردت أن تكون من عامة الناس فلا تصبر، وإذا كنت من أعلام الأمة والنوابغ والعباقرة وكبار الدعاة والمصلحين، هناك مضائق لا بد أن تمر فيها، ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماما﴾ اسمحوا لي بهذه الكلمة أيها الأخوة: لن نشم ريح الجنة إلا إذا مررنا في المضائق التي رسمت لنا ونجحنا فيها، في مضائق الصبر، الصبر عن الشهوة، والصبر على الطاعة, والصبر على قضاء الله وقدره، الحياة مريحة؛ مال، جاه، مكانة، طعام لذيذ، نزهات جميلة، لا متاعب أبداً, هذا شيء مستحيل, لا بد من مضائق تمر فيها، مر فيها النبي, ويمر فيها كل مؤمن صادق: ﴿فاصبر كما صبروا أولو العزم من الرسل﴾ ﴿فاصبر وما صبرك إلا بالله﴾ ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور﴾ الصبر دليل العظمة : الوحشي الذي قتل سيدنا حمزة, وأمرته هند بنت عتبة أن يشق صدره, وأن يستخرج كبده, فمضغت كبده تحقيقاً لحقدها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب سيدنا الحمزة حباً لا حدود له، أليس بإمكانه أن يقتله؟ أن يمثل به؟ أن يعذبه؟ أعلن الشهادة انتهى، دخل في الإسلام دخلة تقية كما يبدو, فالصبر دليل العظمة، سهل أن تبطش, لكن البطولة أن تصبر، أن تكظم الغيظ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 134] ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 80] المراتب العليا تحتاج إلى صبر : رجلان قادمان من أوربا بسيارتين, دخلا فندقاً في بعض مدن أوربا الشرقية، في الليل فتاتان طرقتا بابي الغرفتين، رجل فتح الباب والآخر طردها، وتابعا المسير للشام، الذي فتح الباب, أصبحت حياته سلسلة من العذابات, إلى أن طلق زوجته، وأغلق متجره، ولم يجد ما يأكل، والثاني صعد هكذا, هذا العطاء لمن صبر، قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 23] سيدنا يوسف أكبر شاهد قدوة للشباب, آثر طاعة الله ورضوانه على شهوته, لذلك ما من شيء أكرم على الله من شاب تائب. إن الله ليباهي الملائكة، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة فصلت الآية: 35] المراتب العليا تحتاج إلى صبر، وما نيل الطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلايا . ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [سورة الإسراء الآية: 19] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 142] نقطة هامة : الآيات الدالة على عظمة الله، العبر لا يستنبطها إلا الصابرون, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة إبراهيم الآية: 5] ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 19] ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سورة الشورى الآية: 33] الصبار هو كثير الصبر, وهو الذي يكتشف الآيات، في الآيات الكونية والتكوينية. قد لا تصدق : قد لا تصدقون: هذه الجنة العظمى, ودار الخلد التي وعد بها المتقون, هذا المقام الرفيع عند الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54] ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 55] هذا العطاء الأبدي، والنعيم المقيم، وهذا الفوز العظيم، والمقام الرفيع في ظل رضوان الله، هذا النظر لوجه الله يوم القيامة, قال: كل هذا ثمنه الصبر، الدنيا فيها شهوات وقنوات نظيفة، فإذا سلكت الشهوات في هذه القنوات هذه للجنة، إذا أفرغت الشهوات في أي قناة للنار. ((إن عمل الجنة حزن بربوة، وإن عمل النار سهل بثروة)) الآية الكريمة تقول: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [سورة الرعد الآية: 23] ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [سورة الرعد الآية: 24] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 24] فأنتم في سلام, اللهم أوصلنا إلى دار السلام بسلام، فثمن هذه الدار الصبر: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقب الدار﴾ الصبر يورث صاحبه الإمامة : الصبر يورث صاحبه الإمامة: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ الشيء قبل الأخير: أن الصبر يقترن بكل مقامات الإسلام؛ كالإيمان والتقوى والتوكل والشكر والعمل الصالح والرحمة، لذلك كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد, ولا إيمان لمن لا صبر له, كما أنه لا جسد لمن لا رأس له. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: خير عيش أدركناه بالصبر. الشقاء والسعادة لا علاقة لهما في شروط الدنيا التي تعارف عليها الناس إنها عالية : عندما الله عز وجل يسعد إنساناً, هذه السعادة لا علاقة لها بنوع معيشته، قد يسعدك وأنت في الكوخ، وقد يسعدك وأنت أعزب, وقد يسعدك وأنت فقير، وقد يسعدك وأنت مريض ، وقد يسعدك وأنت تأكل أخشن الطعام, يسعدك وأنت ترتدي أخشن الثياب، وقد يشقيك الله عز وجل وأنت في قمة النعيم، الشقاء والسعادة لا علاقة لهما في شروط الدنيا التي تعارف عليها الناس إنها عالية، الله عز وجل قد يحجب رحمته عن القوي فقوته بلاء عليه، وعن الوسيم وسامته بلاء عليه، وعن الغني غناه بلاء عليه، عن إنسان عنده أولاد أولاده أعداء له، وقد يفتح رحمته على من حجبت عنه الدنيا, فإذا فراشه الخشن أجمل فراش. في فندق بألمانيا كتبوا على السرير: إن بت أرقاً, فابحث عن ذنوبك, فالعلة ليست في فرشنا, بل في ذنوبك, يتألم الإنسان أحياناً ولا ينام. الأحاديث التي وردت في موضوع الصبر : يقول سيدنا عمر: خير عيش أدركناه بالصبر. والنبي الكريم أخبر في الحديث الصحيح: أن الصبر ضياء، نور في القلب. الصبر -كما قالوا-: الحسنة نور في القلب، والوجه صحة في البدن، محبة في قلوب الخلق، سعة في الرزق. ويقول عليه الصلاة والسلام: ((أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ, سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ قَال: مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ)) يا رب ارزقني الصبر، افتقر إلى الله بالصبر. وفي الحديث الصحيح: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ, إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ, لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا)) النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالصبر عند ملاقاة العدو، وعند المصيبة، وعند الصدمة الأولى, وأمر المصاب أن يحتسب مصيبته عند الله عز وجل, فإن هذا يخفف من مصيبته، حسبي الله ونعم الوكيل, ونهانا عن الجزع والتسخط والتشكي, فإن هذا يزيد في الإثم ويذهب الأجر، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أن الصبر خير كله، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع من الصبر. ملخص الدرس : ملخص الدرس: إذا كنت مؤمناً فأنت صابر، وإن لم تصبر فهذا ضعف شديد في إيمانك، فإن ضجرت فهذا يدل على عدم الإيمان، ومن لا صبر له لا إيمان له، والحمد لله رب العالمين. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#48 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المحاسبة - 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه, وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه, وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أدوات المحاسبة : 1-العلم : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس والأربعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم هي منزلة المحاسبة، وقد سبقَ أن عولِجَت هذه المنزلة قبل درسين، واليوم نأخذ الجزء الثاني منها. بيَّنـتُ في الدرس السابق من المحاسبة, أنَّ أدوات المحاسبة كثيرة, من أبرزها العِلم، فأنت بالعِلم تُحاسبُ نفسكَ، فحينما تقرأ نصًّا باللُّغة العربيَّة، هل تستطيع من دون أن تكون عالمًا باللُّغة أن تعرف أخطاءك؟ مستحيل، إن درسْتَ العربيَّة، ودرستَ قواعد العربيّة، وقرأت نصاً عربياً، حينها تكشف الأخطاء التي تقع بها أثناء القراءة، فالعِلم هو الوسيلة الأولى، والأداة الأولى لِمُحاسبة النَّفس, إن كنتَ تعرف الحلال والحرام، وما ينبغي وما لا ينبغي، وما يجوز وما لا يجوز، إن كنتَ تعرف الفرائض والواجبات والسُّنَن والتَّحسينات, وإن كنت تعرف المحرَّمات وتعرف المكروهات والمندوبات والمباحات, عندها تُحاسب نفسَك، أما هذا الذي لم يطلب العلم، كيف يُحاسب نفسهُ؟ وأكبر دليل: أنَّك لو قرأْتَ نصًّا أمام إنسان غير متعلّم ، لو سألته عن القراءة لقال لك: ممتازة، وقد ترتكب مئة خطأ, فهو لا يستطيع أن يكشف الخطأ, فهذه واحدة. 2-سوء الظن بالنفس : الشيء الثاني: سوء الظنّ بالنّفس أحدُ أدوات المحاسبة، فهذا الذي يمْدحُ نفسهُ ويتملّقها، ويتوهم أنَّه على صوابٍ دائمًا، وأنّ الناس جميعًا مُخطئون, هذا إنسان بعيد عن محاسبة النَّفس، فلا بدّ مِن أن تُحاسب نفسكَ حِسابًا دقيقًا عن طريق سوء الظنّ بها، لذلك المُوَفَّقون في حياتهم يُحسِنون الظنّ بِأخوانهم، ويُسيئون الظنّ بأنفسهم, وغير المُوَفَّقين في حَياتهم يُسيئون الظنّ بِأخوانهم دائمًا، ويُحْسِنون الظنّ بِنُفوسهم. سيّدنا عمر عملاق الأعلام -رضي الله عنه- كان يخْطُب، وفجأةً قطَع الخُطبة، وقال: كنتَ عُمَيراً, فأصبَحْتَ عمر، وأمير المؤمنين، وكنتَ ترعى غُنَيْماتٍ لِبَني مخزوم على دُرَيهمات, -هذا الكلام لا علاقة له بالخطبة- ولما نزل من على المنبر, قال له أصحابهُ: ما علاقة ما قلت بالخطبة؟! فقال رضي الله عنه: جاءَتني نفسي, فقالتْ لي: ليس بينك وبين الله أحد, -أيْ أنتَ قِمَّة المجتمع الإسلامي! فليس المعنى أنَّه قِمّة المجتمع لِقوَّته! لا، قِمّة المجتمع الإسلامي في الدِّين، وفي القُرْب من الله عز وجل. فقال-: أردْتُ أنْ أُعرِّفها أنَّني كنتُ عُمَيْرًا، وأصْبحتُ عمر، وكنتَ أرعى غُنيماتٍ لِبَني مخزوم, أردت أن أعرف نفسي. فالمُوَفَّقون في حياتهم يسيئون الظن بأنفسهم، ويُحاسبون أنفسهم حسابًا عسيرًا، دَعْكَ من التَّمَلُّق لِنَفْسِك، لا تُزَكِّيها. دائمًا: الحقيقة المُرَّة أفضل ألف مرَّة من الوهم المريح، أكثر الناس يقول لك: أنا إيماني أكثر منك وهو لا يُصَلِّي, ويفعل كلّ الموبقات، كلام شيطاني أن تقول: أنا مؤمن وأنت لسْت كذلك. 3-تمييز النعمة من الفتنة : الشيء الثالث: تمييز النِّعمة من الفتنة، كم إنسان ذي نِعمةٍ مُسْتَدْرجٍ بها؟ إذًا هي فتنة، وكم من إنسانٍ متميِّزٍ بِنِعمةٍ مُكَرَّمٍ بها؟ المال قد يكون لإنسان نعمة ولآخر نقمة، إذا جَمَعَك المال على الله فهو نعمة، فإذا جمعَكَ على معْصِيَة فهو فتنة, وكذا القوَّة إنْ أوْصَلتْك إلى الله فهي نعمة، وإن أبْعَدَتْك عنه فهي فتنة. 4-أن تميز بين المنة والحجة : وشيءٌ آخر: لا بدّ من أن تُميِّز بين المِنَّة والحجَّة, فالله سبحانه وتعالى إذا أعطاك فهو مِنَّة، فإن أنْفقْت الذي أعطاكه في معْصِيةٍ, كان هذا الذي أخذْتَهُ من الله تعالى حجَّة عليك، فأنت دائمًا بين أن يكون الشيء حجَّة لك أو حجَّة عليك. الآن: كلُّ قوَّة ظاهرة وباطنة صَحِبها تنفيذٌ لِمَرضاة الله عز وجل وأوامره فهي مِنَّة، وكلّ قوَّة ظاهرة وباطنة صَحِبها بُعْدٌ عن الله عز وجل فَهِي حجَّة، وكلّ مال اقْترَنَ بِطاعة الله تعالى فهو مِنَّة، وكلّ مال أنْفق في معصِية الله عز وجل فهو حجَّة، وكلّ فراغٍ اقْترن بِعملٍ صالح فهو نعمة, وإن اقْترنَ بِعَمل سيِّء فهو فتنة، وكلّ قَبُولٍ من الناس, وتعظيم لهم, ومحبة لهم لك, اتَّصل به خضوع الربّ وذلّ وانْكِسار، ومعرفة بعين النفس والعمل، وبذْل النَّصيحة للخلق فهو مِنَّة، وإلا فهو حجَّة، وكلّ حال مع الله تعالى أو مقامٍ اتَّصل به السَّيْرُ إلى الله فهو مِنَّة, إن صَحِبهُ الوقوف عنده والرِّضا به فهو من لذَّة النَّفس ورعوناتها. 5-أن تميز ما لك وما عليك وأن تعطي كل ذي حق حقه : أيها الأخوة, هذا ملخص الدرس الماضي, أردْتُ أن أجعله بين أيديكم, كي نبني عليه شيئًا جديدًا، فلا بدّ مِن أن تُمَيِّز ما لك وما عليك، وأن تُعْطِيَ كلّ ذي حقّ حقّه, وكثيرٌ من الناس يجعل كثيراً ممَّا عليه من الحق من قِسْم ما له، لا مِن قِسْم ما عليه، فيتحيَّر بين فِعْلِهِ وترْكِهِ، وإن فعلهُ رأى أنَّه فضْلٌ قام به، لا حق أداء عليه أن يؤديه, فما الذي لك؟ وما الذي عليك؟. أُناسٌ كثيرون إزاء هذا التقسيم, يظنّ أن ترْك المباحات حق عليه، لا, تَرْكُ المباح ليس حقًّا عليك، ولكن مسْموحٌ لك أن تدَعَهُ، فلو أنَّ الإنسان تعبَّد الله تعالى بِتَرْك النِّكاح، فهل هذه العبادة صحيحة؟ هذه ليْسَت لك كي تنفقها، هذه حقّ لك، فما لك ليس لك أجرٌ إذا صرفْتَهُ عنك، لك أن تتزوّج, ولك أن تغتسل، وأن ترتدي ثيابًا نظيفة، ولك أن تأكل وتنام, فالذي لك لا يمْكنُ أن يكون عليك أن تؤدِّيَهُ, لذلك: إنَّ نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم سألوا عن عبادته في السرّ، فكأنَّهم تقالُّوها. فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قال: ((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) فالذي لك ليس لك أجر بإنفاقه، فأنت لك أن تتزوّج، فليس لك أجر بترك الزَّواج، وأن تعمل ولكن ليس لك أجر بِتَرْك العمل، ولك أن تنام ولكن ليس لك أجر بِتَرك المنام، فلو أنّ الإنسان الآن أراد أن يُسافر على الأقدام, هل له أجر؟! لأنَّ المشقة في الإسلام ليْسَت مطلوبةً لِذاتها, فحينما تفرض عليك مرحبًا بها، أما أن تطلبها لِذاتها فهذا ليس من الدِّين في شيء. 6-أن تعرف ما القليل وما الكثير؟ : نقطةٌ في المحاسبة جديدة: الكثير والقليل, قبل كلّ شيء يقول تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 77] وقال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ سورة البقرة الآية: 269] ومهما أكثرت من الحكمة فهي تحتاج إلى أكثر من ذلك، أما المال يُعَدُّ قليله كثيرًا وكثيرهُ قليلاً، يُعَدُّ قليله كثيرًا إذا مات الإنسان ذهب ماله, ويُعدُّ قليله كثيرًا إذا أُنْفقَ المال في طاعة الله كان كثيرًا عند الله عز وجل. هذا ما قاله العلماء : يقول العلماء: أرباب العزائم والبصائر أشدُّ ما يكونون اسْتِغفارًا عَقِبَ الطاعات لِشُهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بِحلاله كما يليق بِجَلاله وكِبْريائه، وأنَّه لولا الأمر لما أقْبل أحدهم على مِثل هذه العبوديَّة ولا رضِيَها لسَيِّدِه. يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 198] ما علاقة الاستغفار بِعَرفات؟! فأنت كنتَ في عِبادة، وفي انْقِطاعٍ لله عز وجل، فلِمَ الاسْتِغفار؟! قال العلماء: كلَّما عظُمَ الله عندك, رأيْتَ عِبادتك له لا تليق به، فينبغي أن تستغفر، وقال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 17] فهم يقومون الليل ثمّ يستغفرون. قال: الاستغفار يَجِبُ أن يأتيَ عَقِبَ عبادة دينِيَّة مديدة. وكان عليه الصلاة والسلام إذا سلم من الصَّلاة اسْتغفرَ ثلاثًا, ثمَّ قال: ((اللهمّ أنت السلام, ومنك السَّلام, تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام)) وأمرهُ الله تعالى بالاستغفار بعد أداء الرِّسالة، والقيام بها وبأعبائها، وقضاء فرْض الحجّ واقْتراب أجله، فقال في سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [سورة النصر الآية: 1-3] عَقِبَ النَّصْر الكبير استغفر، وعَقِب الحجّ اسْتَغْفِر، وكذا عقِبَ الصِّيام استغفر. كان النبي عليه الصلاة والسلام في خاتمة عباداته يقول: ((سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهمّ اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهِّرين)) اعلم هذا : وقال بعض العارفين: متى رضيتَ عن نفسِكَ وعملك, فاعْلَم أنَّه غير راضٍ عنك، ومن عرف أنَّ نفسهُ مأوى كلّ عَيبٍ وشرّ، وعمله عُرضةٌ لِكُلّ آفة ونقْص، كيف يرضى لله نفسه وعمله؟!. وأحد العلماء يقول: من تحَقَّق بالعُبوديَّة, نظر في أفعاله بِعَين الرِّياء, وأحواله بِعَين الدَّعوة، وأقواله بِعين الافْتِراء، وكلَّما عَظُم المطلوب في قلبك, صَغُرَت نفسُكَ عندك، وتضاءَلَتْ القيمة التي تبذُلها في تحصيلهِ. قف هنا : أيها الأخوة، يَجِبُ أن تتّهِم نفسَك، وتعرف ما لك وما عليك، ويَجِب أن تعرف ما القليل وما الكثير، ولا يكْمُل هذا المعنى إلا أن تربأ بِنَفسك عن تعْيير المقصِّرين. ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّ الذَّنب شؤْم على غير صاحبه, إن ذكرهُ فقد اغتابَهُ، وإن رضِيَ به فقد شاركهُ في الإثم، وإن عيَّرَهُ ابْتُلِيَ به. فإن كنت مستقيمًا, ولم تقم بِذَنب, وارتكب أخوك ذَنباً، وأنت عيَّرْتَهُ، هنا سَتُبتلى به, وإن ذكرتَهُ فقد اغْتَبتَهُ، وإن أقْررْتَهُ فقد شاركْتهُ في الإثم، لذلك ينبغي أن لا تزدري البطيء، وأن لا تُدِلّ بطاعتك، فلا تحتقرُ من يعصي الله فلعلَّهُ يتوب ويسْبِقُك, وأن لا تمنّ بِعَملك الصالح على الله عز وجل، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 17] قال: ينبغي أن تربأ بِنَفسك عن تعييرِ المقصِّرين، فلعلّ تَعييرك لأخيك بِذَنبهِ أعظمُ إثمًا من ذنبه، وأشدُّ من معصِيتِهِ، لما فيه من صَولة الطاعة, وتزكِيَة النَّفس وشُكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذَّنب، وأنَّ أخاك باء به، ولعلَّك كسرْتهُ بِذَنبِهِ، وما أحْدثت له شيئًا، فلا تزدري البطيء في طريق الإيمان، ولا تذلّ بالمتفوِّق في طريق الإيمان، أعْطِ كُلاً حقَّه. احذر من ذنب يمقتك الله فيه : هذا الذي يدلّ بِعَمله على الله, قال: ما أمْقتَهُ عند الله, فذَنبٌ تذلّ به لديه أحبّ من طاعة تُدلّ بها عليه, وإنَّك إن تبيتَ تائبًا ونائمًا وتُصبِحَ نادمًا خير لك من أن تبيتَ قائمًا، وتُصبِحَ معجبًا فإنّ المعْجب لا يصعدُ له عمل, وإنَّك إن تضْحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مذلّ، وأنين المُذنبين أحبّ إلى الله تعالى من زجل المسبِّحين المذِلِّين، ولعلّ الله عز وجل أسقاه بِهذا الذَّنب دواءً استخْرج به داء قاتلاً هو فيك وأنت لا تشعر, فازْدِراء البطيء والإذلال فيه إثم. نقطة هامة : أهل البصائر يعرفون منها بِقَدْر ما تناله معارفُ البشر، ووراء ذلك ما لا يطَّلِعُ عليه الكرام الكاتبون. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا زنَت أمة أحدكم, فلْيقم عليها الحدّ ولا يثرِّب، من قول يوسف عليه السلام: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)) الميزان بيَدِ الله، والحكم لله، والسَّوط الذي ضُربَ به هذا العاصي بيَدِ مقلِّب القلوب، والقصْد إقامة الحدّ لا التَّعْيير ولا التثريب، فالإسلام حينما يكون في أوّله قد ينشأ في بيئةٍ غير مطبِّقة له, فإقامة الحدّ شيءٌ عظيم, ينبغي أن يكون واضِحاً في أذهاننا، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 74] وقال تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 33] أرأيتم إلى هذا الأدب؟. وقال بعضهم: لا يأمنُ القدَر وسطْوتَهُ إلا أهل الجهل بالله. قصة : وأنا في سفري حينما عُدْت، قالوا لي: أتَدري من تُوُفِّي؟ فقلتُ: لا، قال: فلان, شابٌّ في ريعان الشَّباب, عنده محلّ تِجاري كبير، وله دَخْلٌ وفير، ومن روَّاد المسجد، وفيما أعتقد أنَّه صالح، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، وتوفِّي في حادث هو وزوجتهُ وأُمُّه وأولادهُ, فالإنسان لا يعلم إن كان يعيش إلى الستِّين أم أن يأتيه الموت في الثلاثينات, هذا شيءٌ مُخيفٌ جدًّا، ويا ترى: هل هيَّأ نفسه أم لا؟!. من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام : قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 74] وكان عامّة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مقلّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاص, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ, ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) نهاية المطاف : أيها الأخوة، هذه نِهاية المنزلة التي بدأناها قبل حين؛ منزلة المُحاسبة, فالأداة الأولى فيها: العِلم، والأداة الثانية: أن تُفرِّق بين النِّعمة والنِّقمة, والأداة الثالثة: أن تعرف ما ينبغي فعْلُهُ وما لا ينبغي فعْلُهُ، وأن تعرف أنَّ طلب العِلْم فرضُ عَينٍ على كلّ مسلمٍ ومسلمة. وفي درس آخر إن شاء الله, نُتابِع موضوعًا آخر من موضوعات مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#49 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اليقظةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما معنى اليقظة؟: أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والأربعين من دروس مدارج السالكين, في مراتب إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، والمرتبة اليوم: اليقظة. اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، إنسان يركب مركبة، مرتاح، اكتشف فجأة أن المِكْبَح معطَّل, ألا ينزعج؟ لكنه اكتشف هذا الاكتشاف, والطريق مستوٍ هكذا ....، والطريق خالية, وبإمكانه أن يقف، فهذا الانزعاج الطارئ، ثم الحركة لنيل السلامة، هذه اليقظة، يقابل هذه اليقظة الغَفلة. ![]() أخطر مرض يصيب الإنسان في الدنيا: أن يكون غافلاً عن الله، غافلاً عن نهاية الحياة، غافلاً عن الآخرة, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ [سورة الكهف الآية: 28] الله عزَّ وجل لا يخلق الغفلة في قلب العبد، ولكن أغفل: معناها وجدناه غافلاً, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف الآية: 28] عاشرت القوم فما أجبنتهم؛ أي ما وجدتهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتهم؛ أي ما وجدتهم بُخلاء, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا﴾ [سورة الكهف الآية: 28] أي من وجدناه غافلاً, قال تعالى: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف الآية: 28] باللغة العربيَّة في قواعد، في حالات شاذَّة، والحالة الشاذَّة دائماً تؤكِّد القاعدة، طبعاً وزن أفْعَلَ يفيد التعدية، ولكن هناك حالات لا يفيد التعدية، من أندر الأفعال فعل كادَ، إذا قلت : كِدُّت أقع؛ أي ما وقعت، وإذا قلت: لم أكد أقع حتى وقفت وقعت، الفعل إذا سبقه نفي فهو مثبت، وإن لم يسبقه نفي فهو منفي، كدت أقع وقعت لم تقع، ولم أكد أقع حتى وقفت, معناها وقعت، فوزن أفْعَلَ يعني الوجدان، أغفلته أي وجدته غافلاً، أبخلته وجدته بخيلاً، أجبنته وجدته جباناً, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [سورة الكهف الآية: 28] والآية الكريمة: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] عوام الناس واقعون في غفلة، في المستقبل في موت، في غفلةٍ عن الموت، بعد الموت في برزخ، في غفلةٍ عن البرزخ، بعد البرزخ في يوم قيامة، في غفلة عن هذا اليوم، في صراط، في غفلة عن محاسبة الله له، فجأةً يكتشف الحقيقة المُرَّة بعد فوات الأوان، أما المؤمن يعرف الحقيقة المُرَّة قبل فوات الأوان. كيف تمت هذه اليقظة عند هذا الشرطي؟: فاليقظة حال, ومرتبة من مراتب مدارج السالكين, في إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، ولله ما أنفع هذه الروعة، انزعاج القلب أحياناً سبب الصحوة، وسبب اليقظة، وسبب الهداية، وسبب السلامة. رجل بعيد عن الدين كُلياً، من عامَّة الناس، له صديقٌ ثريٌ جداً, يمضي معه أكثر الأوقات، رجل ثري يبحث عن شهوته، سهرات طرب، وولائم، ونُزهات، وبساتين، وخدم وحشم، ونساء، هكذا حياته، توفِّي هذا الإنسان الثري فجأةً، ودُفِنْ. ![]() هناك شكوى أنه مات مسموماً من بعض زوجاته، فلا بدَّ من أن يؤخَذ عيِّنة من معدته بعد الدفن، وهناك رجل يعمل في سلك الشرطة، كان هو المسؤول عن فتح القبر وأخذ عينة، إنه يصف هذا الإنسان بعد أيَّام عديدة وصف لا يصَدَّق؛ منفوخ، أزرق، كل عضو في جهة، فلمَّا نُقِرَ بطنه, صدر صوت كبير جداً، ثمَّ أُخِذَتْ عيِّنة، هذا قبل أيَّام كان في نعيم، في بيت فخم، يأكل أطيـب الطعام، يركب أجمل العربات, كان يوجد عربات, لأن القصَّة قديمة جداً, خدم وحشم وجوارٍ ونساء، نُزهات وبساتين، بعد يومين أو ثلاثة من دفنه أصبح بهذه الحال, ثم بعد ذلك حصلت مشكلة حول إنزال إنسان في قبر على إنسان، ما الذي مدفون سابقاً مضى على دفنه أربعون عاماً, هذا الذي سمعته، قصَّة أرويها كما سمعتها, يقسِم بالله هذا الإنسان الذي يعمل في الشرطة, أن هذا الإنسان كفنه كأحسن قميص، جلده طري، هذا كان حافظ كتاب الله, وكان إمام أحد المساجد، فهذا الإنسان من الموازنة بين الشخصين، إنسان مدفون من أربعين سنة وكأنه نائم، أقسم بالله أنه وضع يده على خده, فشمَّ رائحة مسك, وبقيت فترة جمعة معه, هكذا أروي القصَّة كما سمعتها, والثاني مضى على دفنه يومان, وصار بشكل مخيف، فصار لهذا الشرطي يقظة، أين أنا أمشي؟ هذا مصير الانحراف, وهذا مصير التقوى والصلاح. فاليقظة أن تُصْدَم صدمة قاسية، إلى أين أنت ماشٍ؟ وأغلب الظن: أن أكثر المؤمنين بعد أن يصطلحوا مع الله جاؤوا على أثر صدمة. قصة إسلام هذا الملحد: في رجل مُلحد حدَّثتكم عنه في أسابيع عدَّة قبل أشهر، في مكتبه أستاذ رياضيات في جامعة في سان فرانسسكو, مُلحد، دخلت عليه فتاة مسلمة محجَّبة حجاباً كاملاً، والفتيات في الصَيف شِبْهُ عَرايا، لفت نظره هذا الحجاب، وهذه الفتاة تحمل دكتوراه بالرياضيات مهذَّبة جداً ، يقول: شعرت أن فيها قوَّةً خفيَّة، وشعرت بدافعٍ شديد إلى خدمتها، وشعرت أن لها قداسةً بحيث لم أجرؤ على أن أُحَدِّقَ في وجهها، ومنذ ذلك اليوم عكف على قراءة كتب الإسلام، وانتهى مسلماً، والآن هو من أكبر دعاة أمريكا إلى الإسلام، منظر هذه الفتاة أحدث صدمة، يقظة، حالات كثيرة جداً. اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، وما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشدَّ إعانتها على السلوك!. أليس هذا المنظر يحدث يقظة عند الإنسان؟: قال لي أحد الأخوان: إنسان ملك، فُتِحَ النعش، حُمِل، وُضِعَ في القبر، اعلم يا عبد الله أن الجنَّة حق والنار حق, أين المُلك؟ أين القصور؟ أين السفر؟ أين الزوجات؟ مثل هذا المنظر يحدث يقظة، صدمة. قصة تائب: لي صديق يعمل مدير معمل, ليس صاحب معمل بل مدير معمل, صاحب المعمل رجل في رفاه منقطع النظير، حدَّثني عن بيته، بيت ثمنه قريب من مئة مليون، أجنحة، جناح شرقي وجناح غربي، ديكورات، تزيينات، فرش وثير كله مستورد، يعيش في أناقة مذهلة، قال لي: توفي في أيام الشتاء، وفي سبعة أيَّام مطيرة مطر غزير، قال لي: فُتِحَ القبر فإذا فيه مياه سوداء تجري، بعض المجاري اتصلت بالقبر، ابنه مهندس سُئل: ماذا نفعل؟ قال: ادفنوه، يقول لي مدير المعمل: بقيت أسبوعين لم أقدر أن آكل، معلمي هنا وضعوه!! الذي كان يستورد الغطاء من فرنسا، خاص، ذو وزن خفيف جداً، هناك نوع من الصوف اسمه مُهير غالي الثمن، أناقته، أكله، غرفه، وهنا وضعوه!! سبب توبته رؤية صاحب هذا المعمل مدفون في هذا القبر, قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] فالله عزَّ وجل كان من الممكن أن يأتي بنا إلى الدنيا دفعةً واحدة، وأن نغادرها دفعةً واحدة، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتيها تباعاً, وأن نغادرها تباعاً, ليتَّعظ بعضنا ببعض. كلمة ألقيت على قبر: مرَّة شَيَّعت جنازة، فُتِح القبر، ووُضِعْ الميِّت في القَبر، البلاطة لا تكفي لسدِّ فتحة القبر، بقي هناك فرجة هكذا .....، فجاء الحفَّار وأهال التراب على هذه البلاطة، ونزل فوق الميِّت حوالي خمسة كيلو تراب، وأنا أعرف هذا الميِّت أنه أنيق جداً، نظيف كثيراً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] فألقيت كلمة على القبر, وقلت: العقلُ كل العقلِ، والذكاءُ كل الذكاءِ، والفلاح كل الفلاحِ ، والفوزُ كل الفوزِ، والتفوَّق كل التفوق في الإعداد لهذه اللحظة التي لا بدَّ منها، لكل مخلوق، هذه اللحظة التي لا بدَّ منها لكل مخلوق، إما أن يكون القبر روضة من رياض الجنَّة أو حفرة من حفر النيران. طبعاً هذه اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، هذه لها أثر طيب جداً، وإلا فصاحبها في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمّرّ بهمَّته إلى السفر إلى منازله الأولى. ماذا تفهم من هذه القصة؟: لي قريب خرج من المدرسة من الصف السادس، فوضعه أبوه في محل تجاري في سوق الحمديَّة، طبعاً عمله خدمة ينظِّف المحل، يأتي بطعام لمعلِّمه، يُكَنِّس، يملأ الإبريق، له بنت عم، هو خرج من السادس وهي أكملت سابع، عندما يلتقي معها, تقول له: أنا صرت في السابع، مرَّة ثانية بالثامن، بالتاسع، وصل إلى درجة بلغ به الألم درجة لا تُحْتَمَل، فجاء لي وقال: أريد أن آخذ كفاءة، قلت له: أنت إلى أين وصلت؟ قال لي: أنا خالص من السادس، قلت له: رأساً كفاءة؟ قال لي: نعم رأساً كفاءة، قال لي: أي شيء تريده أنا أفعله, ولكن أريد أن آخذ كفاءة هذه السنة، أنا في عملي بالتعليم, لم أجد إنساناً طالب صادق في طلب العلم كهذا الطالب ، ومتألِّم من ابنة عمه ومن استعلائها عليه، حطَّمته، هو للكنس، وملء الإبريق، ويحضر الطعام، وكنس المحل، وهي سابع، ثامن، تاسع، درس السابع والثامن والتاسع في سنة واحدة, وأخذ الكفاءة، أخذ البكالوريا, ودخل جامعة، هذا الاستفزاز. أحياناً الإنسان يرى مشهداً فينسحق، هذا الانسحاق سبب اليقظة، سحق، أين كنت ماشياً؟. إلى متى أنت باللذَّات مشغولُ وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ ماذا نسمي هذه الحالة؟: أول مراتب هذه الحال الطيِّبة: اليقظة, الانتباه من النوم، والانتباه فيه انزعاج، النوم مريح والاستيقاظ صعب، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سورة سبأ الآية: 46] فالقَوْمَةُ لله. ![]() أحياناً الإنسان يكون مستلقٍ في فراشه، فيتذَّكر أنه باق للدوام ثلث ساعة، فينهض سريعاً من الفراش مثل المجانين، يلبس وينطلق لعمله، أرأيت إلى هذه النطَّة؟ النبي قال: ((شمِّروا فإن الأمر جِدْ، وتأهَّبوا فإن السفر قريب، وتزوُّدوا فإن السفر بعيد، وخفِّفوا أثقالكم فإن في الطريق عقبةً كؤود، يا أبا ذر جدِّد السفينة فإن البحر عميق، وأخلص النيَّة فإن الناقد بصير، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد)) فعلى الإنسان أن يشمِّر، أما هكذا على التراخي، لا بدَّ أن يقلع، تلاحظ سيَّارة معطَّلة، تدفعها، تشغِّل فلا تدور، في لحظة يدور المحرِّك، تنطلق وتتركهم، لم يعد يلحق بها, لأن المحرِّك دار. أحياناً الطائرة في المطار, أنا سافرت كثيراً, تمشي ببطء شديد، فسألت مرَّة فقيل لي: إنها تنتظر أمر الإقلاع، هناك أمر إقلاع من البرج، فإنها تمشي ببطء غير معقول، على الخمسة تمشي وتقف، تمشي وتقف بعد هذا تصل إلى أول المدرج، عندما تأخذ أمراً بالإقلاع يعطيها قوة محرِّك كبيرة جداً، تزداد السرعة، وقد لاحظت السرعة بالإقلاع حوالي مئتين وثمانين. نحن نريد مؤمناً يقلع، أولاً يستطلع، يسمع درس علم، يمشي ويقف، يقف ويمشي، يغيب درس، يحضر الدرس، يغيب ثلاثة ويحضر واحد، يأتي آخر الدرس، ماشي هو كالطائرة قبل أن تقلع، وبعد هذا لا بدَّ من أن يستلم المَدْرَج, وأن يعطي الطائرة أقصى سرعة كي يُحَلِّق، هذه الحالة اسمها اليقظة. قف هنا: فأنا لا أذكر الآن القصص، فهناك قصص كثيرة جداً لأخوة كرام حدَّثوني عنها, وهي سبب هدايتهم، أحياناً منظر مخيف، أحياناً مصير إنسان فجأةً، مصير إنسان عاصٍ، مرض مخيف يعمل صحوة، لذلك قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [سورة فاطر الآية: 37] النذير قال العلماء: القرآن، أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو الشَيْب، أو سنُّ الأربعين، أو سِنُّ الستين، أو المصائب نذير، أو موت الأقارب. ما هي أهم مرحلة يقطعها القلب حينما يصحو؟: أول شيءٍ ينبغي على المريد أن يفعله: أن يستنير قلبه برؤية نور التنبيه، تجد في المطارات ألواناً صفراء فاقعة، اللون الأصفر موجته طويلة جداً، صارخ، إذا كان هناك لوحات تحذيريَّة تجد أن كلها فسفوريَّة، في الطرقات العامة السريعة اللوحات التحذيريَّة كلها فسفوريَّة لها وهج، القلب عندما يصحو فقد قطع أهم مرحلة, وهي اليقظة، استيقظ، من أخطر مرض وهو الغفلة. الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا. قال: الكافر عندما يأتيه مَلَك الموت, ويرى مكانه في النار, يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا. اسمع هذه القصة: كان في رجل غير ملتزم إطلاقاً، لكن بائع من الطراز الأول، صار معه مرض وهو عمره ثمان وثلاثون سنة، تجد أن السوق كله لا يوجد مشترٍ, وعنده خمسة وعشرون مشترياً في محله التجاري، بائع من الطِراز الأول، وله قريب أعرفه، مرض فزاره، أراد أن يقبِّله من باب الود، فقال له: لا تنزع لي طعمة فمي، كانت عنده مغنيَّة قبل أن يأتيه، أي أنه منحرف انحرافاً شديداً, ثم اكتشف أن معه مرض خبيث في الدم، تأتيه نوبات هيستيرية، يبحت ويضطرب, ويقول: لا أريد أن أموت، أحد شركائه روى لي قصَّته, قال لي: والله حينما فارق الحياة, صرخ صرخةً لا يوجد إنسان في البناء ذو الأربع طوابق لم يسمعها من شدَّة الذعر، فإذا الإنسان تيقَّظ قبل فوات الأوان, يكون من نعم الله الكبرى أنه تيقَّظ قبل فوات الأوان. هذه مشكلة الإنسان: المشكلة: أن الإنسان في غفلة، كل ما حوله يدعوه إلى الدنيا، البيت، الطريق، المحلات التجاريَّة، العلاقات، السهرات، الولائم، النُزُهات، إذا دخل إلى المسجد يسمع عن الآخرة ويعرف مصيره، فإذا أنت حرمت نفسك العلم فأنت في غفلة كبيرة، معقول إنسان عمره ثمانون سنة يفكِّر بإنشاء كازينو؟ ثمانون سنة عمره, ومشروعه الأول إنشاء كازينو، ففي أي غفلة هذا!؟ الله قال: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [سورة الكهف الآية: 57] ![]() لاحظ بعض الناس: في شأن الدنيا يصغي لك عشر ساعات؛ تجارة، مشروع، معمل، تأسيس، سفر، في شأن الآخرة تجد أنه تثاءب رأساً, ويقول لك: لا تؤاخذني عندي موعد، ملاحظ بشؤون الآخرة في ملل، معنى هذا أنت غافل، تجد أنه يحفظ معلومات كثيرة جداً، أما أنه يتذَّكر آية، ولا آية ولا حديث، أحياناً يتربَّى على سيرة عنترة, ولا يعرف شيئاً عن سيرة الصحابة. حكى لي أخ، له درس ديني, فقال لي: والله أنا كنت أتكلَّم عن فساد المجتمع، قال: يا أخوان عمَّ الفساد، والفساد دخل إلى البيوت، قال: تأتي البنت الساعة العاشرة، أين كانت؟ إنه يتساءل، كانت مع الحبيب، الكل صلوا على النبي، هم ليسوا مع الدرس ولا مع المعلومات، اللهمَّ صلِ على الحبيب، أي حبيب هذا؟ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] ولا تكن مع الغافلين, قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف الآية: 28] من أدعية النبي: منَّ الدعاء النبوي: ((اللهمَّ أنا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك, ماضٍ فيَّ قضاؤك، نافذٌ فيَّ حكمك، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة, من أن تُحِلَّ عليَّ سخطك، أو تنزل بي غضبك)) ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ, وَتَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ, وَفُجَاءَةِ نَقْمَتِكَ, وَجَمِيعِ سُخْطِكَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه] أحياناً تأتي المصيبة فجأةً، فإذا كان الإنسان يقظاً أفضل ما تأتيه وهو غافل . ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ, خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ, وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ, أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ, أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ -أي أعترف- وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ, َمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] نقطة هامة: أيها الأخوة, لذلك النبي -اللهمَّ صلِ عليه-: أمرنا بالتفكُّر بالموت كثيراً حتى تنشأ حالة اليقظة، الآن في صور، في نساء بالطرقات، في محلات تجاريَّة، في سيَّارات فخمة جداً، في بيوت رائعة، في بساتين، في حدائق, وفي عمل للآخرة، في مساجد، وفي تلاوة قرآن، وفي حفظ قرآن، في طلب عِلم، وفي تعليم العلم، فإذا الإنسان غافل, عاش في الدنيا؛ بمتع الدنيا، بشهواتها، بأموالها، بتجاراتها, أما إذا صحا يعيش في أجواء الدين، أجواء القرآن، أجواء السُنَّة، أجواء البطولات، أجواء العمل الصالح. فالإنسان في النهاية وعاء له فتحة علويَّة وله صنبور سفلي، الذي تضعه في الفتحة العلويَّة تأخذه من الصنبور، أبداً، فقل لي: من أين تتغذَّى تغذية ثقافيَّة أم تغذية روحيَّة؟ فإذا الإنسان كان يتغذَّى بالمغذِّيات العامَّة, سيكون كل عالمه كرة قدم، فنَّانون وفنَّانات، هذه هي التغذية العامَّة، أما إذا كانت تغذيته إسلامية, ستكون ثقافته كلها ثقافة؛ قرآن، سُنَّة، نبوَّة، كمال، بطولات، أخلاق، بحسب التغذية يفرز الإنسان، يفرز مما تغذّى، أهم شيء أن يكون هناك تغذية صحيحة. من علامة صحة الاستغفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [سورة فصلت الآية: 30] ![]() الإنسان عندما يستيقظ عنده ثلاث حالات؛ عنده التوبة، والاستغفار، وعمل الحسنات الماحية، والمصائب المُكفِّرة، أربعة أشياء يستغفر, ويتوب، وقد يعمل عملاً صالحاً مكفِّراً، وقد تأتيه مصيبة مكفِّرة، العمل الصالح يمحو والمصيبة مكفِّرة. حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ, فَقَالَ: ((مَا لَكِ تُزَفْزِفِينَ؟ قَالَتِ: الْحُمَّى لا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا, فَقَالَ: لا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] في شيء دقيق، الإنسان أخطأ يستغفر ويتوب، الآن: ربنا عزَّ وجل قد يسوق له مصيبة مكفِّرة أو هو يفعل عملاً صالحاً ماحياً، بالعمل الصالح إن الحسنات يذهبن السيئات، العمل الصالح ماحٍ، والمصيبة مكفِّرة، والتوبة مقبولة، والاستغفار مقبول، أنت بين توبةٍ، واستغفارٍ، وعملٍ صالحٍ، ومصيبةٍ مكفِّرةٍ للذنب الذي سبق. الاستغفار لا يكون صحيحاً إلا إذا رافقه مفارقة الذنب، وإلا استغفار كاذب، تستغفر وأنت مقيم على الذنب هذا مستحيل، من علامة صحَّة الاستغفار: أن تُقْلِع عن الذنب. استنتج: حدَّثني أخ خطيب من خطباء دمشق الكبار, هو من بلد في أوروبا الشرقية, قال لي: ذهبت لبلدي واخترت أكبر جامع في ألبانيا، قال لي: خمسة آلاف عندهم شوق، وعندهم رغبة لسماع الخطبة، والله سمعتها منه, قال لي: كل واحد يحمل معه مسكر, أي زجاجة من المسكر ضمن المسجد، انظر إلى الجهل, ضمن المسجد يسمع الخطيب ويبكي ويشرب، والله من فمه قال لي، ما هذا؟ هل هناك جهل بعد هذا الجهل؟ إنسان في خطبة جمعة، يشرب خمر، ومتأثِّر بكلام الخطيب كثير، فإذا الاستغفار لم يرافقه ترك الذنب, هذا شيء مضحك جداً. ما أكبر إنجاز يحققه الإنسان في حياته؟: الإنسان يستغفر ويتوب، وتأتيه مصيبة أحياناً مكفِّرة، ويعمل عملاً صالحاً ماحياً، إذا الأشياء لم تكن صالحةً لقبول توبته في عذاب بالقبر، فقد كنت أقول كلمة، الحديث القدسي: ((وعزَّتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبُّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةًَ في ماله أو ولده, حتَّى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شدَّت عليه سكرات الموت حتَّى يلقاني كيوم ولدته أمُّه)) أحدنا إذا وصل إلى شفير القبر مغفوراً له, يكون حقَّق أكبر إنجاز في حياته، إذا وصل إلى شفير القبر مغفوراً له، لأن عذاب القبر والعياذ بالله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [سورة غافر الآية: 46] آل فرعون من ستة آلاف سنة، ستة آلاف سنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ضرب اثنين غدواً وعشياً، هذا عذاب القبر، فإذا اجتهد أحدنا في الحياة الدنيا, ووصل إلى شفير القبر مغفوراً له، مقبولاً عند الله، مقبولةٌ توبته، مغفورٌ ذنبه, فهو من أسعد الناس، لذلك الله عزَّ وجل قال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 21] وإذا لم يكفه عذاب القبر يتابع تطهيره في جهنَّم، وقد يمكث فيها ملايين السنين، في معالجة في الدنيا، وفي البرزخ، وفي النار، نحن بطولتنا العُظمى: أن نصل إلى القبر مقبولين عند الله، العوام لهم كلمة رائعة وهي: الله يجعلها على الإيمان. الغفلة مرض خطير: مرَّة كنا في حفل افتتاح مسجد في منطقة الصبورة، الذي أنشأ المسجد أنشأه على نفقته الخاصَّة، مسجد فخم جداً، دعا علماء دمشق لافتتاحه، وأُلقيت كلمات جميلة جداً، وصار هناك نوع من السرور، خرجت من المسجد فوجدت في الطرف الثاني من الطريق ملهى فيه كل القذارات، بعد أن انتهى بأسبوع فَطِسَ الذي أنشأه، قلت: كيف يلقى الله عزَّ وجل؟ يلقى الله بأسوأ حال، بين أن تلقى الله بأحسن حال وبين أن تلقى الله بأسوأ حال، فالغفلة خطيرة جداً، الغفلة توصل إلى النار، مرض الغفلة أخطر مرض, يقابها اليقظة والصحوة. من هو المقصود في هذه الآية؟: فإذا أرسل الله عزَّ وجل للإنسان مصائب مكفِّرة نعمة، معنى هذا: أنه ضمن العناية المشدَّدة، إذا عمل هو أعمال صالحة ماحية أيضاً نعمة، إذا كان استغفاره صحيحاً، أقلع عن الذنب، صار في استغفار، وتوبة، ومصائب، وأعمال طيِّبة، إذا كل هذا كان عند الله مقبولاً, وصل إلى شفير القبر مغفوراً له, وإلا يُتَابَع تمحيصُه من الذنوب في البرزخ، فإن لم يفِ البرزخ كلُّه تتابَع معالجته في النار، وقد يمكث ملايين السنين، فالله عزَّ وجل يجعلها في الدنيا ، لأن الدنيا أهون من الآخرة. الآيات الكريمة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾ [سورة هود الآية: 103] لليَقِظ, أما الغافل لا يخاف. كلمة غريبة جداً: مرَّة طالب قال لي: أنا لا أخاف من الله، كلمة غريبة جداً، فقلت له: أنت بالذات معك حق، قال: لمَ أنا بالذات معي حق!؟ قلت له: أحياناً الفلاح يأخذ ابنه الصغير الذي عمره سنتان إلى الحصيدة، يضعه في مكان، لو سار إلى جانبه ثعبان, طوله عشرة أمتار لا يخاف، لا إدراك, إذاً: لا خوف، الخوف مربوط بالإدراك، فكل إنسان لا يخاف من الله إدراكه مُعَطَّل، فالآية الكريمة: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾ [سورة هود الآية: 103] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [سورة النازعات الآية: 45] ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [سورة ق الآية: 45] نهاية المطاف: وإن شاء الله في درسٍ آخر نتابع مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين، واليوم موضوع الصحوة أو اليقظة: انزعاج القلب لروعة الانتباه من شدَّة الغفلة، فيها صَعْقَة، فيها شدَّة، وهذه سبب كل خير، لذلك: الله عزَّ وجل يسوق المصائب لإحداث هذه الصحوة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#50 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الفكرة - التفكرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و الاربعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.لماذا أعطى الله الإنسان الفكر؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثامن والأربعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الفكرة؛ أي التفكر. أول شيء أيها الأخوة: هل تصدق: أن أعقد شيء في الكون على الإطلاق: دماغ الإنسان, فهو عاجز عن فهم نفسه؟ . يعني أكبر جهاز حاسوب في الأرض لا يرقى إلى واحد بالمليار من طاقات الدماغ البشري، هذا الفكر الذي أودعه الله فينا، هذا الجهاز الاستشاري الذي وضع تحت تصرفنا, لماذا خلقه الله لنا؟ خلقه الله لنا كي نعرفه به, فاستخدمناه لهدف صغير صغير، كأن تشتري حاسوباً لتحليل الدم, يوجد حواسيب تخصصية ثمنها بالملايين، بعشرات الملايين، يمكن أن تشتري حاسوباً لتحليل الدم خمسة وثلاثين مليون, تستخدمه طاولة في البيت, أيفعله عاقل؟ حينما تستخدمه كطاولة تحتقره وتعطل كل ميزاته, أما إذا استخدمته في مخبر تحليل, تأخذ به ملايين مملينة أرباحاً. المشكلة: أن الله سبحانه وتعالى أعطاك فكراً من أجل أن تعرفه, فإن عرفته أطعته, وإن أطعته, سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة. هذا ما يتجه إليه الإنسان اليوم : الآن: الإنسان يستخدم ذكاءه وفكره من أجل كسب المال فقط، أو من أجل تثبيت مركزه في مكان أو آخر، أو من أجل أن يصل إلى أكبر قدر من الدنيا بأقل جهد، لكن الإنسان حينما يستخدم ذكاءه وفكره لغير ما خلق له, يوم القيامة يندم أشد الندم، هل يعقل أن يكون معك شيك بألف مليون دولار, لم تنتبه له, تستخدمه ورقة عادية, جمعت وطرحت عليها, ثم أتلفتها, ثم تكتشف أن هذه الورقة ألف مليون دولار، استخدمتها كورقة مسودة؟ مثل صارخ، ورقة مالية ذات قيمة, قيمتها ألف مليون دولار, أنت استخدمتها كورقة مسودة, كتبت كلمتين ثم مزقتها، ثم اكتشفت بعد حين: أن هذه الورقة كانت ستغنيك إلى نهاية العمر, وتغني كل أفراد أسرتك, هذا الذي يحصل. هذا الدماغ البشري، هذا الفكر البشري, أنت ممكن أن تصل به إلى أعلى درجة في الدنيا والآخرة, لو أعملته في التفكر في خلق السموات والأرض، لكن ذكاء الناس, وفطنة الناس، وحكمة الناس المادية مصبوبة على الدنيا فقط، ففي إنجاز دنيوي كبير لكن لا يوجد سعادة أبداً, لذلك: منزلة التفكر وردت بشكل واضح في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 190-191] لم لم يؤمن هؤلاء العلماء : قد ينشأ سؤال الآن: هؤلاء العلماء الكبار الذين في مخابرهم, يرون من آيات الله الدالة على عظمته الشيء الذي لا يصدق، يعني نحن ما غصنا في البحار، الآن في سفن أبحاث مصفحة معها أضواء كاشفة, ترى بأم عينك في خليج مريانة الذي يبلغ عمقه اثني عشر ألف متر في المحيط الهادي, ترى أنواع الأسماك والكائنات البحرية والنباتات البحرية، ممكن أن ترتاد الفضاء, والذين وصلوا إلى القمر, ورأوا الأرض كرة من القمر وصوروها، وهؤلاء الذين يرون الكائنات الدقيقة في المخابر الجرثومية، وهؤلاء الذين يرون المجرات العملاقة في التلسكوبات الفلكية، وهؤلاء الذين يكبرون النسج البشرية فإذا منظر النسيج البشري شيء لا يصدق، هؤلاء لِمَ لم يؤمنوا؟ لِمَ لم تخشع قلوبهم لذكر الله؟ لِمَ لا يعرفون الله وهم يقفون وجهاً لوجه أمام آيات باهرات؟ أستطيع أن أقول لكم الجواب الشافي: الإنسان لا يرى إلا حاجته. ما وراء هذا المثال : ومرة ضربت مثلاً بسيطاً: إنسان يوجد عنده برميل في المطبخ, وصار في إشكال, والماء سال إلى غرف الضيوف, وأتلف السجاد, ويحتاج إلى جهاز توازن, فخرج من البيت لا يلوي على شيء, يبحث عن هذه الفواشة, هذا لا يرى شيئاً, لو دخل إلى محل تجاري, قال له: يوجد عندي جهاز هاتف جديد, لا يرى شيئاً، لا يرى هاتفاً ولا تحفة ولا قماشاً, يبحث عن هذه الحاجة، فالإنسان عندما يبحث عن حاجةٍ يعد أعمى عن بقية الحاجات، فالذي شهوته هي إلهه، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 23] الذي يبحث عن شهوته، يبحث عن مال وفير، جاه عريض، ذكر كبير، هذا لا يرى الحقائق، هذا شأنه شأن آلة تصوير غالية جداً جداً, ولكن لا يوجد فيها فيلم، قد تلتقط أجمل المناظر, ولكن لعدم وجود فيلم, لا ينطبع عليها شيء، فشأن الذكي، شأن العالم الكبير, عالم الفلك، عالم الطب، عالم الجراثيم، عالم الفيزياء، عالم الكيمياء, عالم البحار، عالم الجيولوجيا، شأن هؤلاء الأشخاص أنهم يعيشون مع حقائق مذهلة, ولكن هذه الحقائق لا تنقلهم إلى الله, لأنهم ما أرادوا أن يعرفوا الله، معنى هذا: من أجل أن نخزن الصور, لا نستفيد من آلة غالية الثمن بلا فيلم، ونستفيد من آلة رخيصة جداً مع فيلم، هذا الفكر البشري أعلى جهاز خلق في هذا الكون، الإنسان أعقد مخلوق وأعقد ما فيه الدماغ، والدماغ طاقاته كبيرة جداً, حتى الآن معظم علماء الطب يجهلون حقيقة الدماغ. ما الهدف من هذه المقدمة؟ : هذه المقدمة أردت منها: أن تستخدم فكرك لمعرفة الله, أن تجلس تتفكر في خلق السموات والأرض، أن تجلس تقرأ القرآن متدبراً، أن تنسلخ عن الدنيا لساعة من الساعات وتقول: من أنا؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ وماذا بعد الموت؟ من أين, وإلى أين, ولماذا؟ هذه أسئلة كبيرة جداً، لكن مشكلة الناس أنهم في زحمة الحياة، من عمل إلى عمل، من صفقة إلى صفقة، من سهرة إلى سهرة، من لقاء إلى لقاء، من مشروع إلى مشروع، من نشاط إلى نشاط، يأكل ويشرب وينام ويعمل، ويأكل ويشرب ويعمل إلى أن يأتيه ملك الموت فجأة دون أن يستعد له, هذه هي الطامة الكبرى, قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات الآية: 34-39] أنواع التفكر : قال بعض العلماء: التفكر تفكران؛ تفكر يتعلق بالعلم والمعرفة, وتفكر يتعلق بالطلب والإرادة، فالذي يتعلق بالعلم والمعرفة هو تفكر, كي تميز بين الحق والباطل، والثابت والمنفي ، والتفكر المتعلق بالطلب والإرادة كي تميز بين النافع والضار. ما هي الحقيقة؟ : أيها الأخوة, هناك نظرية المعرفة, ما الحقيقة؟ ما قاله الناس تعريف مضحك، ما قرأته في الصحف, تعريف يحتاج إلى ضحك شديد، ما الحقيقة؟ ما تناقلها الناس، ما استقر عليها المجتمع، لا, الحقيقة هي شيء مقدس جداً، إنك إن أردت الحقيقة وصلت إلى كل شيء, والحقيقة من الحق, والحق الشيء المستقر والثابت والهادف، يعني المعادن تتمدد بالحرارة هذه حقيقة، حقيقة فيزيائية, هذه فوق المكان والزمان, والأهواء والنزوات, والقيل والقال, والأخذ والرد, والمناقشة, والرد والطعن، هذه حقيقة فوق كل شيء, طبعاً أنا أردتها مادية، أما في حقائق كبرى حقيقة وجود الله، تسعون بالمائة من الناس يتجاهلون هذه الحقيقة, يتعامل مع كل من حوله, كأن الله غير موجود، الذي يأكل مالاً حراماً, لا يتعامل مع الله على أنه موجود, وعلى أنه سوف يحاسبه، الذي يعتدي على أعراض الناس ولو بالنظر, لا يتعامل في هذا السلوك مع إله سميع بصير محاسب دقيق, فلذلك: التفكر يجب أن يصل بك إلى الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] ما وراء هذا المثال : مثل: يوجد في السيارة مصباح أحمر اللون, يتألق عندما يقل مستوى الزيت في المحرك عن الحد الأدنى، هذا المصباح خطير جداً, إذا تألق المصباح, وأنت ما توقفت فجأة, المحرك احترق, وكلف من ثلاثين إلى أربعين ألف، إذا إنسان ظن أن هذه المصابيح الحمراء في السيارة مصابيح تزيينية يكون في جهل عميق، في جهل مخيف, هذا المصباح إذا تألق, معنى ذلك أنت في خطر, يجب أن تقف فوراً وإلا يحترق المحرك, هذه حقيقة, أما إذا توهم أن هذه المصابيح تزيينية, هو جاهل جهلاً كبيراً, وهذا الجهل مدمر, وسيجعل صاحبه يدفع الثمن باهظاً. الحقائق يجب أن تكون أهدافاً لنا جميعاً، الحقيقة: الله موجود هذه حقيقة، الله واحد هذه حقيقة ثانية، الله كامل حقيقة ثالثة، الدنيا فانية حقيقة رابعة، مخلوق لحياة أبدية حقيقة خامسة، ثمن هذه الحياة التزام بمنهج الله حقيقة سابعة، مما يرفع شأنك في هذه الدار: أن تعمل صالحاً حقيقة ثامنة، فهل عرفت الحقائق الكبرى في الحياة؟ لو عرفت الحقائق الكبرى, كما لو أنك عرفت أن هذا الضوء إذا تألق يجب أن تقف فجأةً، وإن لم تعرف هذه الحقائق, توهمت أن هذا الضوء إذا تألق فهو للتسلية كي يسليك في الطريق, هذا هو الجهل بعينه. مزارع اشترى لتر سماد, قال له البائع: يجب أن تذيبه في برميل من الماء, ثم ترش النبات بهذا السائل، وهو من شدة حرصه على المحصول الوفير, فصب في البرميل لترين من هذا السائل, استيقظ في الصباح أربع بيوت بلاستيكية زراعة محمية اسودت، يعني مئتين أو ثلاث مئة ألف غلة البيوت ذهبت أدراج الرياح بثانية واحدة في ليلة واحدة، هذا جهل الحقيقة؛ أن لتراً واحداً يذاب في برميل، الإنسان إذا عرف الحقيقة انتفع نفعاً كبيراً . ما سبب هذه المشكلات التي يعاني منها الإنسان؟ : الآن كل شيء ترونه أمامكم شراً أساسه الجهل، ما من مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن تعليمات الصانع، مرة اقتنيت مركبة, وما أتيح لي أن أترجم تعليمات الصانع, بعد حين أتيح لي أن أترجم هذه التعليمات، وجدت أن كل متاعبي, وكل النفقات التي لا لزوم لها, وكل المشكلات التي عانيتها, بسبب عدم فهمي, وعدم ترجمتي لتعليمات الصانع مثل حي، وأقول لكم: كل المشكلات التي يعاني منها الإنسان دون استثناء, هي بسبب عدم تطبيق تعليمات الصانع، الصانع هو الله, وتعليماته هي القرآن، وتفسير تعليماته هي السنة، وتطبيق تعليماته هي السنة العملية -السيرة-؛ فإذا قرأت القرآن, وقرأت السنة, وقرأت السيرة, فقد استوعبت تعليمات الصانع, وتفسيرات تعليمات الصانع, وتطبيقات تعليمات الصانع. ما أخطر شيء في حياتنا؟ : أخطر شيء في حياتنا أن نعرف الحقيقة، إنك إن عرفتها ربحت ربحاً كبيراً، أنت دخلت مثلاً إلى غرفة, وفيها ألف قطعة صفراء لامعة، مئة قطعة ذهب أربع وعشرين، مئة قطعة ذهب واحد وعشرين، مئة قطعة ذهب ثمانية عشر، مئة قطعة ذهب ستة عشر، مئة قطعة ذهب إحدى عشر، مئة قطعة ذهب ثمانية، مئة قطعة نحاس مغمس مطلي بالذهب، مئة قطعة نحاس ملمع، مئة قطعة معدن أصفر خسيس لا قيمة له، وهذه القطع مختلطة؛ من هو العاقل, ومن هو الذكي, ومن هو الفالح, ومن هو الناجح, ومن هو الذي سيسعد بهذه القطع؟ الذي عنده جهاز, يكشف له قطعة الذهب ذات الأربع والعشرين قيراطاً يجمعها ويخرج، يكون أخذ أثمن ما في هذه الغرفة, نحن بحاجة إلى هذا الجهاز، والجهاز هو تعليمات الصانع افعل ولا تفعل, جئنا إلى الدنيا. أيام تسمع تاريخ حياة عالم, جاء إلى الدنيا, عرف الحقيقة, فجعل من حياته طاعة، من ماله إنفاقاً، من حواسه انضباطاً, من فهمه معرفةً لله، من تكلمه دعوةً إلى الله، من إنفاق ماله قربى إلى الله، من لقائه بالناس دعوةً إلى الله فسعد بالدنيا والآخرة، وقد يأتي إنسان لا يعرف الحقيقة, يعيش ليأكل، يكسب المال ليتباهى به, يفعل كل الموبقات, وهو يتوهم أنه يفعل ما هو خير له. إذاً: بالتفكر تعرف الحقيقة، وبالتفكر تمتلك الإرادة. قصة : مرة كنا في سهرة, فيها عدة أطباء قلب, قدم حلوى طيبة جداً عليها قشطة, فبعض الأطباء لم يأكل ولا لقمة، سأله أحدهم: لِمَ لم تأكل؟ قال لهذا السائل: أنا أعالج مرضى, شرايين قلوبهم مسدودة بفعل هذا الطعام، فأنا أكرهها كراهةً عقلية لا كراهة ذوقية، طعام طيب, لكن لشدة ما يرى من متاعب يعاني منها الإنسان حينما تسد شرايين قلبه، كره هذه الحلوى لا لأنه لا يحبها؛ ولكن يكرهها كراهةً عقلية, هل ترى التفكر؟ . التفكر أحياناً يبعدك عن شيء محبب ويدفعك إلى شيء غير محبب، ما الذي ينفع الطالب؟ أن يدرس، ما الذي يسره؟ أن لا يدرس، أن يجلس مع صديقه يقرأ مجلة، يتنزه في الطريق، هذا شيء يسرُّه, فمعلوماته سطحية، أما أن يقبع بغرفة يقرأ عشر ساعات, هذا شيء لا يسره، لو استخدم عقله، استخدم تفكره, قال: أنا حينما أتعب هذه السنوات, أرتاح طوال حياتي، وبالفعل الطالب الذي درس ليس الآن، الآن يوجد ترتيب آخر, قديماً هذه بالثلاثينات والأربعينات، عندما كانت الدراسة مهمة جداً. اقرأ ما قال هذا الكاتب المصري : مرة كاتب مصري ألَّف كتاباً, فقال: يا ليت آباءنا كانوا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس, فكنا استغنينا عن التجارة, وذل البيع والشراء, وترويج السلعة بالأقسام والأيمان, فما العيش إلا عيش الموظفين. هذه قبل ثمانين سنة، كان الموظف يتقاضى راتباً خيالياً، أنا تعينت سنة ست وستين, وكان الراتب ثلاث مئة وخمس وأربعين ليرة, وكانت الليرة الإنكليزي بسبع وعشرين ليرة, قسم ثلاثمئة وخمس وأربعين على سبعة وعشرين واضربها بخمسة آلاف, كان راتبي وقتها اثنين وسبعين ألف، كنت موظفاً, تصور موظفاً الآن راتبه اثنان وسبعون ألفاً ممتاز جداً، فكانت الليرة بسبع وعشرين ليرة سورية، قال هذا الكاتب: وما العيش إلا عيش الموظفين. ببلد عربي أفتى المفتي هناك: أنه يجوز دفع الزكاة للموظف, لشدة حاجته إلى المال في هذه الأيام. على كلٍ؛ العبرة: أن الإنسان هناك حقيقة, هي حقيقة تصل إليها عن طريق التفكر, وحقيقة أخرى تعينك على الإرادة. قف هنا : يقول هنا: التفكر تفكران: تفكر يتعلق بالعلم والمعرفة, وتفكر يتعلق بالطلب والإرادة، فالتفكر الذي يتعلق بالعلم والمعرفة, تفكر التمييز بين الحق والباطل والثابت والمنفي، والتفكر الذي يتعلق بالإرادة والطلب, هو التفكر الذي يميز بين النافع والضار، فأنت حينما تستخدم الفكر البشري لتعرف الحقيقة, وصلت إلى كل شيء, وحينما تستخدم الفكر البشري لتتعامل مع الحقيقة تعاملاً إيجابياً, إذاً وصلت إلى كل شيء، عندك تفكيران؛ أن تعرف الحقيقة وأن تنتفع بها، وكل علم لا يبنى عليه عمل لا قيمة له، وكل علم لا ينتهي إلى العمل الجهل أولى منه. مجالات التفكر : مجالات التفكر: أول مجال مجال التوحيد, استحضار أدلته, شواهد الدلالة على بطلان الشرك واستحالته، الألوهية يستحيل ثبوتها لاثنين، وقال الله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [سورة النحل الآية: 51] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [ سورة الأنبياء الآية: 22] فهذا مجال للتفكر، استحضار أدلة التوحيد، استحضار أدلة بطلان الشرك، استحالة إثبات الألوهية لاثنين، استحالة إثبات الربوبية لاثنين، إبطال عبادة اثنين، إنما هو إله واحد، إبطال التوكل على اثنين، العبادة لا تصح إلا لإله واحد, هو إله الحق، ورب الحق, وهو الله الواحد القهار، هذه موضوعات التفكر في التوحيد، يبنى على هذا موضوعات التفكر في البراء والولاء، ما دمت توحد الله, ما دمت تعتقد يقيناً أنه لا موجد بحق إلا الله، الآن ينبغي أن تتبرأ مما سواه، وأن توالي من يواليه, هذا أيضاً موضوع للتفكر الولاء والبراء, قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [ سورة الممتحنة الآية: 4] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [ سورة الزخرف الآية: 26] إذاً: الحقيقة الأولى: التوحيد يبنى عليها البراء مما سوى الله, والولاء لله ورسوله، وأصحاب رسوله، والتابعين، والأولياء، والعلماء العاملين. إليكم هذه الحقائق المتعلقة بالتفكر : قال بعض العلماء: ينتج عن هذا التفكر، التفكر في التوحيد, والتفكر في نتائج التوحيد الولاء والبراء, حقيقة المحو والإثبات. فالمؤمن بعد التفكر بالتوحيد, يمحو محبة ما سوى الله من قلبه علماً وقصداً وعبادةً، ويثبت في قلبه ألوهية الله سبحانه وتعالى, والمؤمن بعد التفكر, هذا التفكر يؤمن بحقيقة الجمع والفرق, فيفرق بين الإله الحق وبين من دعيت له الألوهية بالباطل، ويجمع تأليهه وعبادته وحبه وخوفه ورجاءه وتوكله واستعانته على إله واحد هو: الله لا إله إلا هو. وحقيقة التجريد والتفريد، فيتجرد من عبادة ما سوى الله, ويفرده وحده بالعبادة، والتجريد هو النفي، والتفريد هو الإثبات، يعني يجرد ينفي كل عبادة لغير الله، ويوحد ويثبت العبادة لله وحده, فالولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والتجريد، والتفرد والتوحيد هو النافع المثمر والمنجي الذي به تنال سعادة الدنيا. يعني هذا الدرس معناه: يجب أن نفكر، يجب أن نجلس لنفكر، يجب أن نفكر لا في كسب رزقنا, ولا في حل مشكلاتنا, ولا في صعودنا إلى مراتب عليا، يجب أن نفكر بالحقيقة، وأن نفكر كيف ننتفع بالحقيقة؟ يجب أن نفكر في موضوع التوحيد, وما أدلة التوحيد، وما أدلة نفي الشرك, إذا فكرنا بالتوحيد: وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. صار معنا الولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والتجريد، والتفرد والتوحيد، هذه بعد الحقائق المتعلقة بالتفكر. هذه قصة إسلام الصحابي الجليل نعيم بن مسعود : أيها الأخوة, الإنسان أحياناً أو في أغلب الأحيان يصل إلى أعلى درجات السعادة بلحظة تفكر صادقة. أروي لكم قصة سيدنا نُعيم بن مسعود: هذا رجل كان في الجاهلية خليل متعة وشراب، غارق في الشراب؛ أي شراب الخمر, وغارق في متعة النساء, وهو من غضفان, رجل زير نساء, يشرب الخمر من الطراز الأول، فلما بلغته دعوة النبي عليه الصلاة والسلام, شعر أن هذه الدعوة تحد من شهواته, وتحرمه من ملذاته, فحاربها أشد المحاربة، فلما كانت معركة الخندق, لأنه أحد وجهاء غضفان, وغضفان توجهت لمحاربة النبي العدنان, لا يستطيع إلا أن يخرج، فخرج مع قبيلته ليحارب النبي, وطبعاً: غضفان نصبت الخيام حول المدينة في معركة الخندق, يروي قصته بشكل مؤثر. قال: في أحد الليالي، ليالي الحصار, كنت مستلقياً في خيمتي, بدأت أفكر, يقول: يا نعيم لماذا جئت لمحاربة هذا الرجل الصالح؟ هل تحاربه لأنه سفك دماً حراماً؟ هل تحاربه لأنه اغتصب مالاً حلالاً؟ هل تحاربه لأنه فعل ما فعل؟ ما فعل شيئاً, أيعقل يا نعيم: أن تحارب رجلاً صالحاً؟ يا نعيم أين عقلك؟ أين ذكاؤك؟ هؤلاء الذين حول النبي ماذا فعلوا؟ آمنوا به وصدقوه, واتبعوا النور الذي أنزل معه, كيف تحاربهم؟ أيليق بك أن تحاربهم؟. -رجل مستلقٍ في الفراش, أو على أرض الخيمة, وهو يستعد لمحاربة النبي، يجري مع نفسه حواراً ذاتياً، مناقشة رائعة جداً-, هذه المناقشة حملته على أن يقف ويتسلل إلى معسكر المسلمين، ويدخل على النبي صلى الله عليه وسلم, ويقول له: يا رسول الله، قال له النبي: نعيم بن مسعود، قال: نعم يا رسول الله، قال له: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت مسلماً، جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله. -قصة مؤثرة, إنسان في معسكر العدو, أحد وجهاء غضفان, جاء ليقاتل النبي العدنان, بلحظة حوار ذاتي، لحظة تفكر, هذا محور الدرس، أيام إنسان بحكم تسميها تقاليد, عادات، نمط الحياة, استمرارية الحياة، يؤذي ولا يشعر-. قال: نعم يا رسول الله، قال له: ما الذي جاء بك؟ قال: جئت مسلماً، جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ائمرني يا رسول الله بما تريد، قال له: أنت واحد -لأن في الخندق قال تعالى: ﴿جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [ سورة الأحزاب الآية: 10] أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته-. قال له النبي الكريم: يا نعيم خذل عنا ما استطعت، أنت واحد فينا, -هل تصدقون: شيء لا يصدق: أن هذه المعركة، معركة نكون أو لا نكون، معركة استئصال المسلمين، معركة إبادة المسلمين, معركة إنهاء الإسلام، معركة إطفاء نور الله, هل تصدقون: أن النصر الذي تم في معركة الخندق كان بسبب إسلام نعيم بن مسعود رضي الله عنه؟-. قال له النبي الكريم: يا نعيم خذل عنا ما استطعت, وهو أسلم سراً, ولم يعلم بإسلامه أحد، ذهب إلى اليهود وقال لهم: أنتم تقطنون حول النبي, هؤلاء قريش وغضفان جاؤوا ليحاربوا النبي, فإذا انتصروا عليه انتصروا عليه, وإن لم ينتصروا عليه عادوا إلى بلادهم وأولادهم ونسائهم, وانفرد بكم النبي, فقتلكم عن آخركم, فلا تقبلوا أن تحاربوا معهم, حتى تأخذوا منهم رهائن, لئلا يدعوكم لمحمد، ذهب إلى قريش, وقال: هؤلاء اليهود كانوا على عهد مع النبي عليه الصلاة والسلام, فلما نقضوا عهدهم ندموا, فاسترضوا محمداً على أن يأخذوا منكم رهائن, ليضرب أعناقهم, فإياكم أن تعطوهم الرهائن. -شخص واحد عمل بلبلة بين معسكر الشرك-, أصبت يا نعيم, ذهب اليهود ليأخذوا الرهائن من قريش, فقالوا: كذبوا والله لا نعطيهم الرهائن، فصار في شرخ بين معسكر المشركين، صار في عداوة, الذي حصل: أن الله أعان على هذا النصر, ساق رياحاً اقتلعت خيامهم, وأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، وملأت عيونهم غباراً، وولوا مدبرين, وكفى الله المؤمنين شر القتال. كلما نقول: نعيم بن مسعود, نقول: رضي الله عنه، رجل مشرك, زير نساء، خدين شراب، وهو مستلقٍ على فراشه, حاور نفسه, وناقش نفسه, وسأل نفسه: أيليق بك يا نعيم, وقد أوتيت عقلاً, أن تحارب رجلاً صالحاً؟ ما الذي جاء بك إلى هنا يا نعيم؟ حاور نفسه وصل إلى قناعة, والقناعة إلى قرار، والقرار نفذه وأجرى الله على يديه هذا النصر المؤزر. معنى ذلك: لحظة تفكر صادقة مع الذات, تنقلك من الجحيم إلى النعيم، ومن الضياع إلى الوجدان، ومن الشقاء إلى السعادة. ما سبب توبة هذا الشخص؟ : يا أيها الأخوة, قد لا يحضرني الآن كل القصص, لكن أذكر: أن عشرات الأخوة الكرام سبب إيمانه لحظة تفكر، يوجد إنسان يعمل بعمل, وهذا العمل غير مشروع, يستخدمه لجمع أموال طائلة، ومبني على ظلم, أول ولد جاءه معتوه، والثاني معتوه، والثالث معتوه، والرابع انتبه, استقال من هذا العمل, وعمل عملاً شريفاً, ونال به سلامة الدنيا وسعادة الآخرة ، ممكن إنسان يبني عمله على إيذاء الناس، يبني عمله على الغش والاحتيال، يبني عمله على ابتزاز أموال الناس، لحظة تفكر حاسمة، لحظة تفكر صادقة، لحظة تفكر عميقة، خصص وقت للتفكر, أين تمشي؟. احذر أن تكون نهايتك مثل هذا الرجل : ذكرت البارحة قصة رجل: راكب سيارته, وصل إلى إشارة حمراء, عند محطة الحجاز, انكفأ على المقود, وقد أصيب بأزمة قلبية, من غرائب الصدف: أن زوجته إلى جانبه صرخت, فلما صرخت, ومن غرائب الصدف أيضاً: صديقه وراءه نزل, وحمله, وأخذه إلى المستشفى، طبعاً لما استعاد وعيه قليلاً, طلب مسجلة, واعترف بكل الأموال التي اغتصبها، محلات بيوت، وكلها من حق أخوته, اعترف بالتسجيل: أن هذا المحل لأخي الفلاني، وهذه الأرض لأختي الفلانية، بعد يومين أخذ مميع دم, فوجد صحته لا شيء فيها, أخذ الشريط وكسره, وعاد إلى ما كان عليه, جاءته نوبة بعد ثمانية أشهر, وكانت القاضية، وكانت النوبة الأولى إنذاراً مبكراً من الله. نصيحة : فيا أيها الأخوة, فكروا، لا تمشِ غلط، لا تمشِ بحكم العادات والتقاليد، معظم الناس لِمَ تفعل هكذا؟ يقول: رأيت الناس يفعلون ففعلت، لماذا ركبت صحناً؟ الكل ركبوا وأنا ما ركبت، لا تكونوا إمعة، من هو الإمعة؟ . يقول: أنا مع الناس, إن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أسأت. لماذا ترتدي زوجتك هذه الثياب؟ هكذا الموضة يا أخي, ماذا نفعل؟ لا نقدر عليها. هذا حال المسلمين، فكر واتخذ قراراً ولو كان القرار صعباً، إذا يوجد عندك عمل مطعم, مصنف خمس نجوم, يجب أن تبيع فيه الخمر. قال لي أحد شركاء مطعم: برقبة شريكي, وأنا ليس لي علاقة إن شاء الله, برقبة شريكي, أنا علي أن آخذ ربحي آخر السنة، لا سوف تحاسب, مددت يدك إلى الربح, معنى هذا: أنك شريك في بيع الخمر. فكر, لا تمشِ بحكم العادة، هكذا نشأنا، وهكذا ربينا، التقاليد والعادات، هكذا الناس يا أخي، اسمع القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [ سورة الأنعام الآية: 116] نهاية المطاف : فدرسنا اليوم: التفكر, فكر، والإنسان يكون ماشياً وحده, يجب أن يفكر، راكباً مركبة يجب أن يفكر، سافر, ما دمت وحدك في حوار ذاتي مستمر، اجعل هذا الحوار هادفاً، أين كنت؟ ماذا بعد الموت؟ من أين, وإلى أين, ولماذا؟ لماذا أنا على وجه الأرض؟ ما المهمة التي ينبغي أن أقوم بها؟ ما الرسالة التي ينبغي أن أبلغها؟ ما العمل الذي ينبغي أن أفعله؟ لماذا تزوجت؟ لماذا اخترت هذه الحرفة؟ لا تكن إنساناً يتحرك بحكم الحركة الطبيعية، أنت لك رسالة هل عرفتها؟ أنت مخلوق أول مكرم هل قدرت ذلك؟ أنت أمامك هدف كبير, الوسائل لهذا السبب واضحة, هل سلكت هذا الطريق؟. أيها الأخوة, أختم هذا الدرس بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 190-191] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 3 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 74 | 08-08-2018 07:11 AM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |
| التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 55 | 07-10-2018 03:58 PM |