الفقة الاسلامى 1 - الصفحة 2 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : أخطر أنواع الغرور أن يظن الإنسان أن كثرة من حوله دليل على قيمته؛ فالضجيج لا يعني المحبة. منال نور الهدى : بِسمِ الله توكلتُ على الحيِّ الذي لا يموتُ، و الحمدُ لله الذي لم يتخِذْ ولدًا ولم يكن له شريكٌ في الملكِ، ولم يكن له وليٌّ من الذُّلِّ وكبِّرْه تكبيرًا منال نور الهدى : بِسمِ الله الرحمَن الرَحِيم..﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 08-15-2018, 04:56 PM   #11


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع :خطبة المراة واستحقاق المر - سورة البقرة





الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
التعريض هو الإيماء والتلويح من غير كشف وإظهار :
أيها الأخوة الكرام، مع "آيات الأحكام"، ومع الدرس الثاني عشر، والآية اليوم خطبة المرأة واستحقاق المهر، قال تعالى:
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة: 235]
أيها الأخوة الكرام: لا جناح عليكم، أي لا لوم عليكم، ولا إثم عليكم، وليس عليكم شيء فيما فعلتم، ولا جناح عليكم فيما عرضتم، التعريض هو الإيماء والتلويح من غير كشف وإظهار، وهو أن تُفهم المخاطب بما تريد بإشارة من دون تصريح، وهو مأخوذ من عرض الشيء أي جانبه .
أراد معاوية ابن أبي سفيان مرة أن يأخذ البيعة لابنه يزيد، فجمع كبراء القوم وطلب منهم أن يتحدثوا عن يزيد، أكثرهم أثنى على يزيد إرضاء لمعاوية، فيهم تابعي جليل اسمه الأحنف بن قيس، هذا التابعي الجليل بقي صامتاً، فأحرج الحاضرين بهذا الصمت وأربك المجلس، قال له معاوية: تكلم يا أحنف، فقال: أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت، فكان تلميحاً وتعريضاً أبلغ من التصريح، فالإنسان يستطيع أحياناً أن يعبر عن أدق أفكاره تلميحاً و تعريضاً لا تصريحاً، وهذا من البلاغة. التورية في اللغة :
لسان العرب من أوسع معاجم اللغة، ماذا ورد في هذا اللسان حول عرض بالشيء؟ قال: عرض بالشيء لم يبينه، والتعريض خلاف التصريح، والمعاريض التورية عن الشيء، وفي الحديث:
((إن في المعاريض لممدوحة عن الكذب))
[ البيهقي على عمر]
كان عليه الصلاة والسلام في الهجرة ومعه سيدنا الصديق رأى رجلاً، والنبي مطلوب حياً أو ميتاً، ومئة ناقة يأخذها من يأتي به حياً أو ميتاً، رجل دمه مهدور، سأل هذا الرجل سيدنا الصديق من هذا؟ المؤمن لا يكذب قال: هو رجل يهديه الطريق، هو لم يكذب لأن النبي يقصد الطريق إلى الله، ماذا فهم منه؟ فهم الطريق إلى المدينة، هذا اسمه التورية، التورية كلام له معنى قريب ومعنى بعيد، إن نطقت به فهم المعنى القريب، وأنت تقصد المعنى البعيد، مثلاً: رجل يهجي أناساً عرف بالبخل، قال: بيض المطابخ لا تشكو إمائهم طبخ القدور ولا غسل المناديل
***
مطبخهم نظيف دائماً، فهذا أسلوب من أساليب اللغة، وفي الحديث: ((إن في المعاريض لممدوحة عن الكذب))
[ البيهقي على عمر]
والتعريض في خطبة المرأة أي يتكلم بكلام يشبه خطبتها دون تصريح، والله فلانة ممتازة، الله يهنئ من يأخذها، أي التعريض، وأنا أرجو الله عز وجل أن يرزقني امرأة كفلانة، هذا اسمه التعريض بخطبة المرأة، أو قال: إنها نافقة –مطلوبة-، أو قال: إنها إلى خير.
هذه أول كلمة: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة: 235]
الله سبحانه وتعالى لا يحب التنافس على الدنيا :
بالمناسبة بضم الخاء خُطبة، وبكسر الخاء خِطبة، الخُطبة بضم الخاء أن تقف بين الناس خطيباً، والخِطبة بكسر الخاء أن تطلب يد امرأة لتكون زوجة لك، الكلمة الثانية يقول عليه الصلاة والسلام:
((لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه))
[ الشافعي عن ابن عمر]
هذه من السنة ألا تشتري على شراء أخيك، وألا تخطب على خطبة أخيك، لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب التنافس على الدنيا، فإذا خطبت امرأة وعلمت أن فلاناً خطبها، يجب أن تقف إلى أن يبت أمرها، فإن تابع الأمر انسحبت، وإن رفع يده أقبلت، أما أن تعرض نفسك عليهم وأن تزيد عليه فهذا لا يجوز ولا يليق بالمؤمنين، ويقاس على هذا أشياء كثيرة: ((ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبداً على سيده))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
ما يفعله بعض التجار يقول لصانع كم يعطيك معلمك؟ يقول له: خمسة آلاف، فيقول له: أنا أعطيك ستة، دعه وتعال إليّ، هذا محرم. أكمنت الشيء إذا سترته وكمنته إذا صنته :
الآية الكريمة:
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾
[سورة البقرة: 235]
سترتم وأضمرتم، أكننا الشيء أي أخفيناه، ممكن أن يفكر الإنسان بامرأة دون أن يقول كلمة، الزواج سنة، وشيء مشروع، وحاجة أساسية، لك أن تعرض ولك أن تقل بنفسك، أحد علماء اللغة يقول: أكمنت الشيء إذا سترته وكمنته إذا صنته، ومنه قوله تعالى: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾
[سورة الصافات: 49]
عقد الزواج أقدس عقد على الإطلاق :
﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾
[سورة البقرة: 235]
والمقصود بالسر هو النكاح، واستعير السر بالنكاح لأن النكاح يكون سراً بين الزوجين، أي لا تواعدوهن بالزواج وهن في حالة العدة، فالعدة شيء ثمين جداً، ولقداسة هذا العقد لا ينعقد عقد الزواج إلا بوليّ، وشاهدين، ومهر، وإيجاب، وقبول، أقدس عقد على الإطلاق: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾
صدق أيها الأخ الكريم: أنه ليس في حياة الإنسان عقد أكثر قداسة من عقد الزواج، فهذا العقد يبيح لك ما لا يستطيع والدها ولا أخوها ولا قريبها أن يرى منها واحد بالألف مما ترى منها أنت. ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾
[سورة النساء: 21]
هذا العقد المقدس. من اشترط الخدمة في عقد الزواج أسقط قيمته الأخلاقية والدينية :
يقول بعضهم: هل المرأة ملزمة أن تخدم زوجها؟ بعض الخطباء يقولون على المنبر: لا، ولا يستطيع زوجها أن يجبرها، وهذا الكلام ليس بصحيح، لأن السيدة فاطمة وهي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تخدم زوجها خدمة شاقة، إلى درجة أنها طلبت من أبيها خادماً، فلم يعطِها خادماً، وقال: "يا فاطمة لا أؤثرك على فقراء المسلمين" فلو كان للحكم الشرعي أنه لا يجوز للرجل أن يجبر زوجته على الخدمة لما سمح النبي الكريم لعلي بن أبي طالب أن تخدمه فاطمة خدمة شاقة، لكن أيها الأخوة انظروا: لو أننا شرطنا في عقد الزواج الخدمة انقلب هذا العقد المقدس إلى عقد خدمة، سقطت قيمته الأخلاقية والدينية وأصبح عقد خدمة.
الرجل لكسب الرزق والمرأة لتربية الأولاد وخدمة البيت :
أنا لا أنسى هذه القصة وهي توضح لكم هذا تماماً: لي صديق يحمل شهادة عليا في اللغة الإنجليزية، عمل في مكتب لاستيراد أجهزة نادرة، مدير المكتب عنده ضيوف، هذا الصديق مدرس ويحمل إجازة في اللغة الإنجليزية، ويعمل في هذا المكتب مترجماً، يوجد ضيف عند صاحب العمل، و هذا الصديق ليس لديه عمل كثيف فقدم الضيافة له، هذا عمل لطيف فيه مبادرة طيبة، وفيه تواضع وشعور أننا أسرة واحدة، استمر هذا الأمر حوالي عاماً، موظف مترجم على التلكس، فمدير هذه المؤسسة أجرى تنظيمات إدارية وعمل مهمات للموظفين، وهذا الأخ الكريم عمل أحد مهماته أن يترجم ويصنع الضيافة، فترك العمل منذ اليوم الثاني! حينما نشترط عليه صنع الضيافة سقط عقد الترجمة ليحل محله عقد الضيافة، لو افترضنا أن الزوجة كتبنا في عقد الزواج أنها ملزمة أن تطبخ وأن تنظف الصحون وتربي الأولاد وأن تفعل وأن تفعل...أصبح عقد خدمة، وخرج عن كونه عقد زواج مقدس، لذلك العرف هو الذي يجبر الزوجة على أن تعمل في البيت، والزوج يجبر على أن يكسب الرزق، وهذه المرأة التي سمع الله شكواها من فوق سبع سموات حينما رآها عمر في الطريق نزل عن دابته، واستمع، ووقف بأدب يستمع إليها،عجب من حوله! فأنت أمير المؤمنين من هذه التي تقف على قدميك وتنزل من على الدابّة وتستمع إلى شكواها؟ قال: أنا أستمع إلى شكواها والله جل جلاله استمع إلى شكواها من فوق سبع سموات! قالت: إن زوجي تزوجني وأنا شابة، ذات أهل، ومال، وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وذهب مالي، وتفرق أهلي، قال: أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، هناك تقسيمات ، الرجل لكسب الرزق، والمرأة لتربية الأولاد، وخدمة البيت، هذا الشيء معروف.
الحكمة من عدم زواج المرأة قبل انقضاء عدتها :
لذلك هذا العقد لأنه مقدس جداً يحتاج إلى إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهدي عدل، وفي حالة الطلاق أو الموت لقدسية هذا العقد لا ينفصل فوراً، لابد له من ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وعشرة أيام حتى ينفصل العقد، هذه الفترة التي تبقى فيها الزوجة معتدة لزوجها، لا يجوز أن تتزوج في هذا الوقت، طبعاً هناك حكم كثيرة أحد هذه الحكم لئلا تختلط الأنساب وقد ورد في السنة أنه:
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره))
[ أبو داود و الدارمي عن رويفع بن ثابت الأنصاري]
مزارع عنده بستان، وماء كثير، وفاض عنه الماء فسقى به زرع غيره، ماذا عليه؟ ما فعل شيئاً. ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه زرع غيره))
[ أبو داود و الدارمي عن رويفع بن ثابت الأنصاري]
النبي عرض بهذا الكلام عن أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة قبل مضي العدة، لأنه قد تحمل منه، وينسب الحمل إلى غيره، إلى زوجها الأول، أو قد تحمل من زوجها الأول وينسب الحمل إليه، بهذا تختلط الأنساب.
لذلك لابد من انقضاء العدة، وقد يقول أحدهم: يا أخي من عشرين عاماً لم يقترب من زوجته؟ نقول له: العدة حداد على الزوج لها حكم عديدة منها: براءة الرحم من ماء الزوج الأول، ومنها حداد على الزوج، ومنها أن هذا العقد لقدسيته لا يمكن أن ينفصل قبل مضي ثلاثة قروء إن كانت مطلقة، أو قبل مضي أربعة أشهر وعشرة أيام إن كان ميتاً. تسمية النكاح بالعقدة :
الآية الكريمة:
﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾
[سورة البقرة: 235]
لماذا سمي النكاح عقدة؟ سمى النبي عليه الصلاة والسلام النكاح عقدة لأنه كالعقدة لا تحل، لذلك عندما سألت السيدة عائشة النبي عليه الصلاة والسلام أتحبني؟ أو قالت له: كيف حبك لي؟ قال: كعقدة الحبل، فكانت تسأله من حين لآخر مداعبةً كيف العقدة يا رسول الله؟ يقول لها:على حالها، يوجد حقيقة بالزواج أخواننا الكرام ونرجو الله أن يعيننا على تطبيقها: من السهل جداً أن ينشأ حب بين الزوجين في مقتبل الحياة الزوجية، ولا أعتقد أنه يوجد زوجين على وجه الأرض إلا ومروا بفترة عاطفة، واندفاع، ومحبة، وولع، واهتمام، وانشغال، لكن البطولة أن تبقى على حدّ معقول من الحب، والمودة، والاحترام المتبادل، والرغبة في اللقاء الثنائي على أمد طويل، إن هذا الحب الصاعق عند معظم الناس حب صاعق ثم يبرد شيئاً فشيئاً حتى تغدو الحياة الزوجية مملة، ورتيبة ولا معنى لها، فإذا الإنسان أطلق بصره في الحرام ولم يسلك سنة رسول الله تغدو الحياة الزوجية مملة ورتيبة ولا معنى لها، أما إذا طبق سنة رسول الله في علاقته بزوجته أرجو الله سبحانه وتعالى أن تبقى حرارة المودة بين الزوجين، والاحترام، اليوم جاءني هاتف تقول لي امرأة: زوجي لا يسمح لي أن أزور أهلي إلا في الشهر مرة ولمدة ساعتين فقط، وبكت على الهاتف، هذا تعنت وقسوة وظلم، الأب أب، والأم أم، أبوها بالنسبة إليك عم، وأمها بالنسبة إليك ليست أماً لكن هي أمها، وهو أبوها، فالإنسان عندما يظلم تغدو الحياة الزوجية رتيبة ومملة ولا معنى لها، فكما قلت قبل قليل: البطولة أن تحافظ على حد أدنى من الحرارة والود والتفاهم إلى أمد طويل ،أما معظم الناس فليس حبهم جارفاً ويعقبه سأم ونفور بين الزوجين بسبب عدم تطبيق السنة، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[سورة النساء: 19]
ما كل زواج يبنى على الحب أحياناً يبنى على مصلحة راجحة، عندك أولاد وهؤلاء الأولاد إذا ربيتهم تربية عالية هذه ذخيرتك العظمى. من بنى زواجه على طاعة الله تولى الله التوفيق للزوجين :
أيها الأخوة، في المثل: "يا عاقد اذكر حلاً " أعرف رجلاً أحب امرأة فتزوجها فكتب على نفسه مليون ليرة مقدماً ومليون ليرة مؤخراً، ثم نشب خلاف بينهما، ونفر منها، وأمامه تسديد المليونين، ولا يملك منها شيئاً، أكثر المتزوجين يقولون: حبر على ورق، بل هو دين ممتاز، ويمكن للزوجة إذا نشب خلاف بينك وبينها لا سمح الله أن تضعك في السجن، أليس كذلك؟ "فيا عاقد اذكر حلاً":
((أحبِبْ حَبيبَكَ هونًا مّا....، وأبغِض بغيضَك هونًا ....))
[ الترمذي عن سويد بن عمرو]
هذا التهور، أما أنا فقناعتي أن الزواج إذا بني على طاعة الله تولى الله في عليائه التوفيق للزوجين، والعلاقة تستمر، والزواج أبدي، مرة قرأت في بعض المجلات أن كل ألف حالة زواج ثلاث وستون بالمئة من هذه الحالات تنتهي إلى الطلاق بأميركا، وفي أوربة ستة وثلاثون بالمئة من هذه الحالات تنتهي إلى الطلاق، وعندنا أقل بكثير، عشرة تقريباً، هذه نعمة كبرى، معظم حالات الزواج مستمرة، الحقيقة هناك عوامل للطلاق: إذا عدمت الكفاءة والتبيين والوضوح، فدائماً الجهالة تصغي إلى المنازعة، ونلاحظ أن الشباب حينما يتزوجون يتهيبون أو يدخلون في التفاصيل، وعدم دخولهم في التفاصيل هو الذي يسبب الطلاق بعد حين، كن واضحاً وبيّن اتجاهك الكامل، بيّن موقفك من الاختلاط، موقفك من الحجاب، موقفك من أجهزة اللهو، موقفك من هذا الشيء، فكل شيء بدون تصريح ينتهي إلى الخلاف، فكل طرف في ذهنه مطامح، والثاني عنده مطامح معاكسة، بعد حين يصطدم الأمر، وينشأ الفراق، وطلاق المرأة كسرها، كما ورد في الحديث الصحيح، ومن بلاغة القرآن الكريم سمى عقد الزواج عقدة: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾
[سورة البقرة: 235]
فهذه عقدة لا ينبغي أن تنفك. الطلاق صمام أمان للحياة الزوجية :
عندنا بالإسلام والحمد لله الزواج شيء مقدس، لكن هناك فتحة يمكن عند الضرورة أن تنفذ منها، فوعاء البخار مصمم على إغلاق محكم حتى يصعد الضغط، لكن يوجد فتحة فيها مادة تسيح بدرجة معينة، فإذا كان الضغط قد بلغ درجة قد يؤدي إلى انفجار، هذه الفتحة تسيح، ويخرج البخار، ونتلافى الانفجار، الطلاق هكذا تماماً إذا بلغ الضغط بالزوجين درجة أنهما تباعدا وافترقا وعاش كل منهما في مكان واتخذت عشيقاً، واتخذ عشيقةً، فالطلاق أولى عندئذٍ، فالطلاق صمام أمان للحياة الزوجية، لكن لا ينبغي أن يستعمل بغير حكمة بشكل سريع، أو ارتجالي:
((تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز منه العرش))
[ الديلمي عن علي]
كيف ينهى النبي عن الطلاق وقد أباحه الله عز وجل؟ كأن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يقول: "تزوجوا امرأة عن بحث طويل ودراسة مستفيضة بحيث إذا اخترتموها لا تحتاجون إلى تطليقها بعد حين"، الله عز وجل يحيرنا: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾
[سورة البقرة: 235]
حذرنا أن نفكر بالنكاح، العزم ليس كالفعل دائماً، عزمت على الذهاب عزمي يصبح ذهابي، كأن العزم إرادة وأنت منهي لا عن فعل عزم النكاح منهي عن عزم عقدة النكاح، منهي عن العزيمة قبل أن تنهى عن الفعل. أحكام العدة :
﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾
[سورة البقرة: 235]
الكتاب العدة التي قررت للزوجة، ومن أحكام العدة: المرأة في الأشهر الثلاثة أو الأربعة وعشرة الأيام ينبغي ألا تتزين، وينبغي ألا تلبس الألوان الفاقعة والحارة، وينبغي ألا تحدث أحداً، وينبغي ألا تخرج من المنزل إلا لضرورة قصوى وفي النهار حصراً، هذه بعض أحكام العدة . علم الله عز وجل أكبر وعيد للإنسان :
الآية الكريمة:
﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾
[سورة البقرة: 235]
هذا وعيد وهذا يسمى في القانون مؤيداً قانونياً: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾
[سورة البقرة: 235]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
علم الله عز وجل أكبر وعيد، أنا أعلم ماذا تفعل، الله يعلم وسيعاقب: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
[سورة البقرة: 235]
لا ينبغي أن تطمع بحلم الله، هو يعلم لكنه حليم، فأنت إذا علمت أنه يعلم استقمت على أمره، وإذا علمت أنه حليم بادرت إلى التوبة من معصيته، عندما يبلغ الكتاب أجله تنقضي العدة، فاتقوا عقاب الله عز وجل ولا تخالفوا أمره، وفيه معنى التهديد والوعيد، وحليم يمهل العقوبة فلا يعجل بها، والله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل. على الإنسان ألا يطمع بحلم الله :
إذا أحدكم ارتكب معصية والله عز وجل أسدل عليه ستره، لا ينبغي أن تطمع به، فالله أعطاك ستراً، فالله من عطفه ورحمته وحرصه على سلامتك يعطيك فرصة للتوبة، فإذا استهنت بحلم الله يؤتي العقاب شديداً، إن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله شديد العقاب، واعلموا أن الله غفور حليم، الآية الثانية:
﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة البقرة: 236]


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 04:59 PM   #12


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : رمى المحصنات كرامة الانسان








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
كرامة الإنسان شيءٌ خطيرٌ جداً ومهمٌ جداً :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور : 4-5 ]
أيها الأخوة الكرام، هذه الآية لو أردنا أن نفهمها فهماً موسَّعاً لعرفنا أن كرامة الإنسان شيءٌ خطيرٌ جداً ومهمٌ جداً. هذه المرأة التي قُذِفت بالزنا، أو اتُهِمَتْ في عرضها؛ وهي بريئةٌ، عفيفةٌ، حصان، هل أصابها أذىً مادياً؟ الجواب: لا، ولكن كلمة قيلت في حقها فجرحت عفَّتها، وجرحت شرفها، لذلك تجدون العقاب أليماً جداً، إذاً مجتمع المؤمنين مجتمعٌ متماسك، والإنسان يعيش بكرامته، فمعنى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
أي يقذفونهنَّ بالزنا، وأصل الرمي القذف بالحجارة، واستُعير هذا المعنى وأصبح مجازياً حينما يقذف إنسانٌ امرأةً بلسانه ويتهمها بالزنا. تعريف المحصنات :
من هنَّ المحصنات؟ العفيفات، الطاهرات، المستقيمات، جمع محصنة، وقال تعالى:
﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ﴾
[ سورة الأنبياء: 91]
وأصل الإحصان المنع، والحصن هو بناءٌ يمنع العدو من الوصول إلى ساكن الحصن.. ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾
[ سورة النور : 4]
شهداء جمع شاهد، الشاهد رجل أم امرأة؟ الشاهد رجل، لأن الكلمة الدقيقة: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾
[ سورة النور : 4]
فالمعدود المذكَّر يأتي عدده مؤنثاً، والمعدود المؤنث يأتي عدده مذكراً..
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ سورة النور : 4]
تكلَّم كلمة، يُجلَد أمام الناس، تكلَّم كلمة، تهدر كرامته فلا تقبل شهادته، ثم إن هذا الإنسان مُتهم بالفسق، وحسبه تهمة زعزعت مكانته في المجتمع. استنباطات لطيفة من الآية السابقة :
1 ـ حادثة الإفك عملية فرز دقيقة للمؤمنين :
أولاً: هناك استنباطات لطيفة جداً من هذه الآية؛ هذه الآية نزلت عقب حديث الإفك، وقد تحدثت عنه في الدرس الماضي، تحدثت كيف أن السيدة عائشة رضي الله عنها، وهي زوج النبي عليه الصلاة والسلام، هذه المرأة الطاهرة الشريفة، كيف أن بعضاً منهم تحدَّث عنها واتهمها بالزنا، وهي بريئةٌ منه، وقد أنزل الله براءتها في كتابه الكريم، آياتٍ تتلى إلى يوم القيامة وكيف أن هذا الحادث حادث كشف خبايا الناس، الذي يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا روَّج هذا الخبر، والمؤمن الطاهر ظنَّ في نفسه خيراً فامتنع عن ترويج الخبر، وكأن هذا الحادث عملية فرز دقيقة للمؤمنين، فهذه الآيات التي قرأتها قبل قليل نزلت في حديث الإفك، وكأن حديث الإفك سبب لنزول هذه الآيات.
أما لو أن الإنسان رمى إنساناً أنه بارد، لو قال عنه: لا ينفق المال الكثير. فهذا رميٌ ولكن ليس بالزنا، هذا الرمي الذي دون الزنا لا يوجب الحد، الآية متعلقةٌ بمن يرمي امرأةً محصنةً بالزنا، قال تعالى:

﴿ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
ما من حدث يحتاج إلى أربعة شهداء إلا الزنا :
أجمع العلماء على أن المراد برمي المحصنات رَمْيَهُنَّ بالزنا، والدليل أن آيات الزنا تقدَّمت هذه الآية، السياق العام حديثٌ عن الزنا. امرأةٌ محصنةٌ ترميها بصفةٍ على خلاف ما هي عليها، المحصنة ما الصفة التي هي خلاف ما هي عليها؟ الزنا، زانيةٌ أو محصنة، إذاً الرمي هنا رميٌ بالزنا لامرأةٍ محصنةٍ.
شيءٌ آخر: انعقد إجماع العلماء على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا، فلو أن إنساناً اتهم امرأة بأنها تقف على النافذة طوال النهار؛ تتأمَّل الرائحين والغادين، هذا لا يوجب الحد، أي اتهامٍ دون الزنا لا يوجب الحد، استنباطاً من قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
المحصنة، الصفة المعاكسة لها هي الزنا..
ما من حدث يحتاج إلى أربعة شهداء إلا الزنا، ما سوى الزنا يكفي شاهدين، في أكثر القضايا الحقوقية يكفي شاهدان لإثبات قضيَّة، أما في موضوع الزنا، لأنه يمس كرامة الإنسان، ويمس في المرأة أثمن ما تملك، فالمرأة الشريفة الطاهرة أثمن شيءٍ تملكه سُمعتها، وشرفها، وعفَّتها، فإذا اتهمتها بعكس ذلك فهناك شرط قوي جداً، لابدَّ من أن تأتي بأربعة شهداء يشهدون الحادثة الحقيقي. إذاً لا حدَّ برميٍ دون الزنا، والدليل: أن السياق في الآيات سياقٌ فيه حديثٌ عن الزنا.
والدليل الثاني: أن المحصنات هنَّ العفيفات، ويقابل هذه الصفة الزانيات.
والدليل الثالث: على أن الشهداء الأربع هؤلاء لا تُطلب شهادتهم مجتمعين إلا في جريمة الزنا.
2 ـ تخصيص النساء المحصنات إلا أن الاتهام بالزنا يوجب الحد ذكراً كان أو أنثى :
شيءٌ ثان من لطائف التفسير: تخصيص النساء المحصنات - سؤال دقيق - لو أن إنساناً اتهم رجلاً بالزنا، هل هذا الاتهام يوجب الحد؟ الآية محصنات..
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾
[ سورة النور : 4]
لو إنسان اتهم شخصاً بالزنا هل يجب عليه الحد؟ هل يُجلد ثمانين جلدة إذا كان بريئاً؟ يُجلد ثمانين جلدة، لأن الأصل أن الإنسان كرامته لا تُجزَّأ ذكراً كان أو أنثى، لكن السياق هنا عن السيدة عائشة، بل إن المرأة أشدُّ تضرراً باتهامها بالزنا من الرجل، وأهل المرأة أشد تضرراً من أهل الشاب، إلا أن الاتهام بالزنا يوجب الحد ذكراً كان أو أنثى. عِرْضُ الإنسان هو موطن الذم والمدح فيه :
ولكن لنوسِّع المعنى قليلاً، ما هو عِرْضُ الإنسان؟ عرضه موطن الذم والمدح فيه أي سمعته، لو أردتم أن تفهموا هذه الآية فهماً دقيقاً جداً، أي اتهامٍ لشخصٍ كائناً من كان، يتهمه في أثمن شيءٍ يعتزُّ به هذا يوجب الحد، نحن نفهم هكذا على البديهة أن الموضوع متعلِّق بالنساء، لو اتهمت رجلاً بالزنا لوجب أن يُجلد المتهم ثمانين جلدة صوناً لكرامة الإنسان. الإنسان يعيش بالخبز والماء، يعيش بالطعام والشراب، ماذا قال السيد المسيح؟ قال: " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ".
الإنسان يحيا بكرامته، يحيا بعزَّته ، لذلك أي سلوكٍ من شأنه أن يجرح كرامة الإنسان هذا سلوك غير شرعي، أي ضبطٍ للأمر على حساب كرامة الإنسان هذا ضبطٌ غير شرعي..
قال له: يا أمير المؤمنين إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله‍! أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.

المرأة كالرجل تماماً :
أخواننا الكرام... محور الدرس هو أنه كما أنك تعيش باستنشاق الهواء، وتناول الطعام والشراب، أنت تعيش بكرامتك، جسمك يحتاج إلى الطعام والشراب، ونفسك تحتاج إلى الكرامة، لذلك إن أردت الكرامة موفورةً فاستقم على أمر الله، الاستقامة عين الكرامة.
أول وهم عند بعض المسلمين أنك إذا اتهمت امرأةً بالزنا هذا يوجب الحد، لكنك إذا اتهمت إنساناً بالزنا، شيء ليس له حد؟ لا، المرأة كالرجل تماماً، والرجل كالمرأة تماماً، إذا اتهمت شاباً طاهراً عفيفاً أنه زان، سافر إلى بلد بعيد وزنا ماذا فعلت أنت؟ أنت ارتكبت جريمة بحق هذا الإنسان، لأنك اتهمته بأعزِّ ما يملك، لذلك تخصيص النساء في قوله:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
لخصوص الواقعة، لأن هذه الآية نزلت في السيدة عائشة، خصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع، ولأن إيذاء الأهل بقذفهن أشد وأكبر، وإلا فلا فرق بين الذكر والأنثى في الحُكم، لذلك قبل أن تقذف إنساناً بالزنا عُدَّ للمليون، لو أن هذا الإنسان رفع عليك قضية لوجب أن تُجْلَد ثمانين جلدة، ماذا فعلت؟ قلت: فلان يزني.. ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))
[الترمذي: عن أبي هريرة ]
كلمة. قالت عن السيدة صفية: " إنها قصيرة ". قال: " يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بمياه البحر لأفسدته " الاستقامة عين الكرامة :
درسنا اليوم هو كما أن جسمك يحيا بالطعام والشراب، نفسك تحيا بالكرامة، والكرامة طريقها الاستقامة، الاستقامة عين الكرامة..
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
[سورة يونس: 26]
الإنسان حينما يحسن، حينما يستقيم، حينما ينضبط، لا يجلب لنفسه الذُل ولا الهوان.
وبعض المفسرين قدَّروا كلمة: والذين يرمون الأنفس المحصنات، الأنفس كل جمعٍ مؤنث، الأنفس ذكوراً كان أو إناثاً، فيكون اللفظ شاملاً للنساء والرجال، وقد حُكي هذا عن ابن حزمٍ، والأرجح أنه من باب التغليب.
ما هو باب التغليب؟ باب التغليب تأتي امرأةٌ مؤمنةٌ طاهرةٌ تقرأ قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 119]
هي امرأة، والآية موجَّهة للذكور- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- لم يقل الله عزَّ وجل: يا أيتها المؤمنات، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فهل تستطيع هذه المرأة لأن الآية موجَّهة إلى الذكور ألا تتقي الله؟ لا، نقول: أية آيةٍ خوطب بها الرجال هي حكماً متعلِّقةٌ بالنساء من باب التغليب، ما التغليب؟ دخلت إلى بيت فيه مئة امرأة ورجل، أو تسعٌ وتسعون امرأةً ورجل، ماذا تقول أنت؟ تقول: دخل أشخاصٌ إلى هذا البيت، ما قلت: دخلت. بل قلت: دخل. رجل واحد مع تسعين امرأة تستخدم الفعل المذكر على باب التغليب.
من هما الوالدان؟ الأب والأم، فهل الأب يلد؟ يقول لك: الوالد الكريم. الأب لا يلد بل الأم هي التي تلد، كيف سمينا الأب والد؟ من باب التغليب. ما القمران؟ الشمس والقمر، ما الأسودان؟ التمر واللبن، اللبن أبيض، الأسودان التمر واللبن، هذا بحث في اللغة اسمه باب التغليب، فحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾
[ سورة النور : 4]
أي المحصنات ذكوراً وإناثاً. 3 ـ من قذف غير العفيف من الرجال والنساء لا يحدُّ حدَّ القذف :
ولكن إنسان يتباهى بالزنا، يقول: أنا في اليوم الفلاني بالمكان الفلاني كنت مع فلانة، هذه التي ماتت، وأقامت مؤتمراً صحفياً بُثَّ على محطات الفضاء وشاهده أكثر من سبعمئة مليون وقالت: إنني في اليوم الفلاني بالمكان الفلاني زنيت مع فلان، فهذه التي صرَّحت بالزنا، وتباهت بالزنا، هل إذا قذفتها بالزنا يجب عليك الحد؟ الجواب: لا..
المرأة المحصنة العفيفة هذه إذا اتهمتها بالزنا يجب عليك الحد، بالمقابل رجل يتباهى بمغامراته النسائية، يتباهى بانحطاطه الخُلقي، يتباهى بشذوذه. أنا لا أنسى أنني سمعت بالأخبار قبل بضعة أشهر وزير الصحة البريطاني، في مؤتمر صحفي، يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانيَّة قال: أنا شاذ جنسياً. فإذا اتهمت هذا الإنسان، أو ذكرته بما قال عن نفسه، هل يعد هذا قذفاً؟ لا. فاللطيفة الأخيرة أن التعبير بالإحصان إشارة دقيقة إلى أن من قذف غير العفيف من الرجال والنساء، لا يحدُّ حدَّ القذف، هذا الفاسق والفاجر لا غيبة له.

(( اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس))
[ الجامع الصغير: عن " بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ]
طبعاً حدّ القذف للمؤمنين، للمحصنين، للأتقياء، للعفيفين، لمن تهمه كرامته. حكم الله لقاذف المحصنة :
حكم الله لقاذف المحصنة، الجلد بثمانين جلدة، إهدار كرامته الإنسانية برد شهادته، تفسيقه بجعله في زمرة الفاسقين، لذلك ورد في الأثر أن:
(( قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))
أي قبل أن تتحدث عن فلانة، وأنها ليست مستقيمة، والله أعلم أين تذهب؟ والله أعلم من يأتي إلى بيتها؟ قبل أن تقول كلاماً لست متأكداً منه عُدَّ للمئات، عُدَّ للألوف لأن هناك حساب شديد: (( قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))
قذف المحصنات عمل خطير لا تكفيه التوبة :
الآن هناك نقطة دقيقة جداً، الآية الكريمة:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[ سورة النور : 4]
هل انتهى؟ إنسان قذف محصنة، حُكِم عليه بالإعدام، إلى جهنم وبئس المصير؟ لا يوجد أمل؟ قال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور : 5 ]
لأن هذا العمل جريمة كبيرة جداً لا تكفيه التوبة، الآن لو عندك موظف سرق، قال لك: تبت. هل تقبل توبته؟ لابدَّ من تجريب إلى فترة طويلة جداً، حتى يبدو صلاحه، أو حتى تتأكَّد من صلاحه، ولأن هذا العمل جريمة كبيرة جداً لا تكفيه التوبة.. ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾
[ سورة النور : 5 ]
أي صلح حالهم، أو رمَّموا هذا الخطأ، إما استسمحوا، أو فعلوا شيئاً يرمِّم هذا الخطأ. حاجة القذف إلى أربعة شهداء يشهدون عندئذٍ يوجب الحد :
هناك آيات أخرى قال تعالى:
﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ﴾
[ سورة البقرة: 282]
أما هنا: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة الطلاق: 2]
هنا لأنها جريمة خطيرة، أي شاهدٍ يكفي من دون قيد، أربعة شهداء يشهدون عندئذٍ يوجب الحد، هذه الشهادات توجب الحد. أنواع الوحي :
أيها الأخوة... ما معنى الإحصان في اللغة؟ - الآن دخلنا في موضوع لطيف -كنت أضرب عليه مثلاً قديماً: أن كلمة وحي لها في القرآن معانٍ عديدة..
﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا*وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا*وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا*يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾
[ سورة الزلزلة: 1-5]
هذا وحيٌ للجماد، أي أمر، و.. ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾
[ سورة النحل: 68]
هذا وحي غريزة.. ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾
[ سورة القصص: 7]
هذا وحي إلهام، و.. ﴿ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ﴾
[ سورة يوسف: : 3]
هذا وحي رسالة، صار هناك وحي أمر، وحي غريزة، وحي إلهام، وحي رسالة. الوحي للجمادات أمر، الوحي للحيوانات غريزة، الوحي للإنسان العادي إلهام، الوحي للأنبياء رسالة. معنى الإحصان في اللغة :
1 ـ العفة :
الإحصان، هل وردت هذه الكلمة بمعنى واحد؟ لا، السياق يختلف، من معاني الإحصان العفة، قال تعالى:
﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا ﴾
[ سورة المائدة: 5]
بمعنى العفيفات. 2 ـ الحرة :
من معاني الإحصان الحرة..

﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ﴾
[ سورة النساء: 25]
أي الجارية، الأمة إن أتت بفاحشةٍ فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب، المحصنات النساء الحرائر. إذاً أول معنى العفيفة، الثاني الحرَّة. 3 ـ المتزوجات :
وفي قوله تعالى:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾
[ سورة النساء: 23]
إلى قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ ﴾
[ سورة النساء: 24]
أي المتزوجات، أية امرأةٍ تسمىَّ محصنة بمعنى أنها متزوجة فقط، وقد تكون غير مستقيمة، أي أنه إذا جاء السياق بموضوع الزواج أي متزوجة. 4 ـ إنسان محصن أي مؤمن :
أما الحديث الدقيق الذي ورد في بعض الكتب يقول عليه الصلاة والسلام:
((من أشرك بالله فليس بمحصَن))
[ الموطأ عن ابن عمر]
إنسان محصن، أي مؤمن، أي أن هناك منهج يسير عليه، هناك قيود يتقيَّد بها، هناك قيَم يؤمن بها، هناك منهج، هناك دستور، بحياته نعم ولا، بحياته يجوز ولا يجوز، بحياته ينبغي ولا ينبغي، بحياته حلال وحرام، بحياته حق وباطل، بحياته جنة ونار، المسلم محصن وغير المسلم متفلِّت، يقول عليه الصلاة والسلام: ((من أشرك بالله فليس بمحصَن))
[ الموطأ عن ابن عمر]
شروط للقذف و القاذف و المقذوف :
كيف يقام الحد؟ نحن في درس فقه، وأعلى مستويات الفقه أن تستنبط الأحكام الشرعيَّة من آيات الله الكريمة، فنحن إن أردنا أن نطبق حكم القذف؛ أن يُجلَد القاذف ثمانين جلدة، هل هناك شروط للقذف؟ قال: هناك شروط للقاذف، وشروط في المقذوف، وشروط في القذف نفسه.
القاذف يجب أن يكون عاقلاً، لأنه إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، وينبغي أن يكون بالغاً، لأن الطفل إذا قذف ليس مكلَّفاً، طبعاً يؤدَّب لكن لا يقام عليه الحد لأنه ليس في مستوى تطبيق التكاليف، والاختيار، من كان مكرهاً لا يجب عليه الحد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))
[ ابن ماجة عن ابن عباس ]
فالاختيار، والبلوغ، والعقل، هذه شروط تجعل القاذف محلاً لإيقاع عقوبة القذف وهي جلده ثمانين جلدة.
- الحكم الثالث: الشروط التي ينبغي توافرها في المقذوف..
يتناول جميع العفائف حُرَّةً كانت أم رقيقة، إلا أن الفقهاء شرطوا في المقذوف خمسة شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفَّة عن الزنا. إن توافرت هذه في المقذوف وقذفه قاذف، استحقَّ حدَّ القذف وهو جلده ثمانين جلدة. إلا أن العلماء وقفوا عند قول النبي عليه الصلاة والسلام:
((من أشرك بالله فليس بمحصَن))
[ الموطأ عن ابن عمر]
إنسان كافر، إنسان فاجر، إنسان فاسق، مثل هذا الإنسان لا يتورَّع عن الزنا، لذلك لا يقام حد القذف على غير المسلم، أو لا يقام حد القذف على من قذف غير مسلمٍ لأن غير المسلم مظنة التفلُّت من القيم والمنهج. الفرصة التي منحها الله للمذنبين :
أيها الأخوة الكرام... مرةً ثانية أريد أن أقف عند الفرصة التي منحها الله للمذنبين. لو قرأت القرآن كلَّه تجد أنه ما من آيةٍ فيها وعيدٌ إلا بعدها آيات فتح باب التوبة، الله عزَّ وجل يحب التوابين، فحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور: 5]
معنى ذلك ما هو أكبر ذنبٍ على الإطلاق؟ ما هو الذنب الذي لا يُغفر؟ هو الشرك، وقد أجمع العلماء على أن كل الآيات التي تشير إلى أن هذا الذنب لا يغفر، حيث قال الله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[سورة النساء: 84]
ما لم يتُب، فإذا تاب غُفِر له شركه، الحديث أن الله لا يغفر إذا مات الإنسان على هذه الحالة، أما إذا تاب فانتهى الأمر.
أنا قرأت عن سيدنا عمر رضي الله عنه، أن رجلاً جاءه واستفتاه في قضية فقال: لي أختٌ زنت وأقيم عليها الحد وتابت، وجاء الآن من يخطبها، أأذكر له ما كان منها؟ ". فقال له: والله لو ذكرت له ما كان منها لأوجعتك ". وفي رواية: " لقتلتك ". معنى ذلك أن الإنسان إذا تاب تاب الله عليه..
" وإذا تاب العبد توبةً نصوح أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ".
ولا يعرف طعم التوبة إلا من تاب، طعم التوبة رائعٌ جداً، الله عزَّ وجل يشعرك أنه تاب عليك، الله عزَّ وجل يملأ قلبك طمأنينةً، يملأ قلبك حبوراً إذا تبت إلى الله توبة نصوحَة، والإنسان ينبغي أن يتوب من قريب لا من بعيد، أي إذا طال عليه الأمد قسا قلبه فأصبح طريق التوبة صعباً، وكل إنسان يتوهَّم أن القضية سهلة أنا أرتكب هذا الذنب ثم أتوب، إذا انطلق من هذا المنطلق لن يستطيع أن يتوب، الإنسان يجد أهون توبة أول مرة، أول توبة سهلة جداً، أما حينما تتكرَّر الذنوب فتصبح التوبة عسيرةً وصعبةً، ويشعر المذنب أن بينه وبين الله حُجُباً كثيفة.
أي ذنبٍ مهما كان كبيراً معه فُتِحَ باب التوبة :
لذلك:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة النور: 5]
معنى وطِّن نفسك أي ذنبٍ مهما كان كبيراً معه فُتِحَ باب التوبة: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر: 53 ]
بل إن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن، بل.. (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة... مرة ثانية: ((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[ أحمد عن أنس بن مالك]
و..: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
اللعن من أشد أنواع الوعيد الذي يتوعَّد الله به العصاة :
الكفر كلمة أساساً، وهدم بيتٍ زوجيٍ بكلمة، وهدر كرامة إنسان بكلمة، والإيقاع بين شخصين بكلمة، وتسبب بفسادٍ عريض بكلمة، فالإنسان قبل أن يتكلَّم يجب أن يعُد أعداداً كبيرةً جداً حتى لا يحاسب على كلامه، و.. " من عدّ كلامه من عمله فقد نجا ". والآية الكريمة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا ﴾
[ سورة النور : 23]
واللعن من أشد أنواع الوعيد الذي يتوعَّد الله به العصاة، إن شاء الله هذا الموضوع يحتاج إلى تتمة، وإلى توسيع في موضوع أن القاذف إذا قذف إنساناً، وهذا الإنسان تاب توبة نصوح، أو القاذف إذا تاب هل يقام عليه الحد؟ هناك عدة أسئلة إن شاء الله نجيب عنها في الدرس القادم، على أساس أن هذا الموضوع أكثر الناس في مجالسهم يتكلَّمون بكلام غير مسؤول، يتهمون، ويوزعون ألقاب العفة وغير العفة، على الرجال والنساء، فلابدَّ من معرفة الأحكام الدقيقة المتعلّقة في موضوع القذف، والقذف يعد جريمة في منهج الله عزَّ وجل، صوناً لكرامة الناس، ولحقوقهم الأدبيَّة، ولعزَّتهم التي يحيون بها.

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:01 PM   #13


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : مرتبة اولى الفضل - سورة النور








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علماً، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
الآية التالية على إيجازها تعلِّمُنا أشياء كثيرة :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث عشر من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى من سورة النور:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هذه الآية على إيجازها تعلِّمُنا أشياء كثيرة، أوَّلاً: لا يأْتلِ أيْ لا يحْلف، الألِيَّة الحلْف، يأتَل أيْ يحْلف، ومنه قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هذه الآية على إيجازها تعلِّمُنا أشياء ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾
الألِيَّة الحلْف. نزول الآية التالية في عائشة وفيمن قال لها ما قال :
أيها الأخوة،
﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾
أيْ لا يحْلف، ﴿أُوْلُوا الْفَضْلِ﴾
أصحاب الصَّلاح والدِّين، ﴿وَالسَّعَةِ﴾
المراد بها أصحاب المال، فالله جمع بين الفضْل وبين السَّعَة في الرِّزْق، ﴿ أَنْ يُؤْتُوا﴾
أيْ أن يُعطوا، وهناك نقطة دقيقة جدًّاً، فقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
أيْ حلفوا ألا يعطوا، وفي لغة العرب قد تُحْذف لا النافيَة من جواب القسَم، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿ يُبيِّن الله لكم أن تضِلُّوا﴾
[ سورة النساء:176 ]
أيْ ألا تضِلُّوا فلا يأْتَل أي لا يحلف، فأن يؤتوا في الآية معناها لا يأتوا، حلفوا ألا يؤتوا، ﴿وَلْيَعْفُوا﴾
أي يغفروا الزّلات ويصْفحوا، قال تعالى: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الآية نزلت في عائشة، وفيمن قال لها ما قال! قال أبو بكر أبوها- وكان ينْفق على مسطح لِقَرابتِهِ وحاجته، وقد ضمَّه إلى عِياله في الرعاية والوِلاية والإنفاق-: والله لا أنفقُ على مسطح شيئًا أبدًا، ومعه الحقّ! إنسانٌ يحسن لإنسان، وينفقُ عليه، ويتولَّى أمْرَه، وهذا الإنسان يُقابلُهُ بأنْ يُروِّجَ حديثًا كاذبًا على ابنتهِ الطاهرة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ما فعَلَ الصِّديق حينما نزلَت هذه الآية وقد برِّئَتْ بها ابنتُهُ إلى أن قال: والله لا أُنفق على مسطح شيئًا أبدًا، بعد أن قال عن عائشة ما قال، وأدخَلَ عليها من الحزن والألَم ما أدْخل قال عليه الصلاة والسلام: (( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
الإنسان لا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبهُ، ولا يستقيم قلبهُ حتى يستقيم لسانه، يستقيم اللّسان فيستقيم القلب فيَسْتقيم الإيمان. نشاط الإنسان الكلامي أوْسعُ نشاط :
والحقيقة أيها الأخوة أنَّ نشاط الإنسان الكلامي هو أوْسعُ نشاط، فالفقير والغني، والفارغ والمشغول، والسَّعيد والحزين، والمقيم والمسافر، له نشاط كلامي مستمرّ، فإذا عَدَدْت الكلام جزءاً من عملك نجَوْت، أما إن عددْتهُ بعيدًا عن عملك الصالح أو الطالح فقد هلَكتَ:
(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
فَبِكَلِمَةٍ قد تفرّق بين زوْجين، وبِكَلمةٍ قد تفرِّق بين شريكين، وبِكَلمةٍ قد تفكِّك أسْرةً، وبكلمةٍ قد تهدمُ بناءً، وبِكَلمةٍ قد تورِثُ ضغينةً وحِقْدًا، وبِكَلمةٍ قد تُسبِّبُ حربًا ضروسًا.
يُرْوى أنَّ بعض الحروب التي طَحَنَتْ عشرات المئات من الألوف سببُها سوء الترجمة، خطأ في الترجمة، في الجاهليّة أحد سادة العرب مدَّ رجلهُ وقال: من كان خيرًا منِّي فلْيضْربْها، فقام واحدٌ وضربها فنشِبَتْ حرْب دامَت عشر سنوات أكلت الأخضر واليابس، وسمعتُ عن إنسان جاءتْهُ أخبار عن ابنته لا ترضي، وكأنَّه شكّ في عفّتها فأراد أن يتأكَّد هل هي حامل، فأخذ عيِّنةً للتحليل، وفي المخبر العيّنة انْكسرَت، وسالَت في الأرض، فخاف الموظّف من سيّده فأعطى النتيجة الإيجابيّة من باب الاحتياط، فلما جاء الأب ليتأكَّد من التحليل قال له صاحب المخبر مبروك! البنت حاملة، فذهب وأطلق عليها النار وقتلها!! كلمةٌ فقط!! مبروك هي حامل؛ قادَت الأمور إلى جريمة: (( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
يجب أن تعدَّ كلامك من عملك، الجَهَلَة والعوام يقولون: ما الذي حدث؟ ما قلنا إلا كلمة واحدة!! هذه الكلمة فرَّقَتْ بين زوجين، وشتَّتَتْ أُسْرة، وهذه الكلمة هدَّمَت شركة، وهذه الكلمة انتَهَتْ بِجَريمة: (( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً..))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
وحَسْبكم ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمَعَ زوجتهُ عائشة رضي الله عنها تصف ضرَّتها بأنَّها قصيرة، فقال لها: (( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
من أحسن لوجه الله ينبغي ألا يتأثر بموقف المحسَن إليه :
سيّدنا الصدّيق حينما سمع من مسْطحٍ الذي ينفق عليه، ويتولّى أمرهُ، وقد ضمَّهُ إلى أسرته أنَّه يتكلّم عن ابنته، فلمَّا نزلَتْ براءة عائشة قال: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبداً، ولا أنفعُهُ بِنَفْعٍ أبداً بعد الذي قاله في عائشة ما قال، وأدخلَ عليها من الحُزْن ما أدخل، فأنزل الله في ذلك:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النور: 22 ]
فقال أبو بكر: والله إنِّي لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجَعَ إلى مسطح فأنفقَ عليه، وفي بعض الروايات أنفقَ عليه ضعف ما كان ينفق عليه من قبل، وهذا الحكم وهذه الآية منهجٌ لنا جميعاً، إن كنتَ أحْسنْت إلى إنسان، وهذا الإنسان أساء إليك، فإن كنتَ تُحسِنُ إليه لذاته معك الحق أن تقطع الإحسان، أما إن كنت تُحسن إليه لوَجْه الله فينبغي ألا تتأثّر بِمَوقفهِ. اليمين ينبغي ألا يكون حاجزاً عن العمل الصالح :
وأخرج ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان مسطح مِمَّن توَلَّى كِبْرهُ من أهل الإفْك حينما قال تعالى:
﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة النور: 11 ]
تكبير هذا الحدث وتضخيمهُ وتَرْويجُهُ، وكان قريبًا لأبي بكر، وكان في عِيالِه، فحَلَفَ أبو بكر رضي الله عنه ألا يُنيلَهُ خيرًا أبدًا، فأنزَلَ الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
قالتْ: فأعادهُ أبو بكر إلى عياله وقال: لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا تحَلَّلْتُها وأتَيْت الذي هو خير، وهذا حكم ثان، حلفْتَ يمينًا ألا تفعل خيرًا، ما الذي يأمرك به الشرع؟ أن تُكَفّر عن يمينك، وأن تفعلَ خيرًا، حلفْت يمينًا ألا تقرض أحدًا ينبغي أن تتحلَّلَ من يمينك وأن تقرض الناس بعد ذلك، حلفْت يمينًا ألا تزور أختك، تحلّل من يمينك وزُرْ أختك، فلا ينبغي أن يكون اليمين حاجزاً عن العمل الصالح، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا﴾
[ سورة البقرة: 224 ]
وفي رواية أخرى أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم دعا أبا بكر وتلا عليه الآية: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
فقال: ألا تحبّ أن يغفر الله لك يا أبا بكر؟ فقال: بلى، قال له : فاعْفُ عن مسطحٍ وتجاوَز عنه، مسطح الذي فعل بك ما فعل، والذي تكلّم ما تكلّم، والذي أدخل عليكم من الحُزْن ما أدْخل، فقال أبو بكر: لا جرَم والله لا أمنعُهُ معروفًا كنتُ أوليه قبل اليوم، فكان يُعطيه ضِعْفَي ما كان يعطيه، هذا موقف سيّدنا أبو بكر. علامة المُخْلص أنَّه لا يتأثّر بِرُدود الفعل :
لذا أنت إن فعلْت خيراً إن فعلْتهُ لِزَيْد أو عُبَيْد وكان ردّ فعلهم سيّئًا لك أن تقطع عنهم ما كنتَ تفعل، أما إن كنتَ تفعلُ هذا لِوَجْه الله تعالى، فقال تعالى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾
[ سورة الإنسان: 9 ]
علامة المُخْلص أنَّه لا يتأثّر بِرُدود الفعل، ولو أنَّ الناس أساؤوا إليه، وتكلّموا ما تكلّموا، ولو أنَّهم تطاوَلوا ؛ تفعل هذا لوَجه الله تعالى وحدهُ. الآية التالية شهادة عظيمة من الله جلّ جلاله بِفَضْل الصّديق :
أيها الأخوة الكرام، هذا منهج، وهذا توجيه، وهذا تعليم، أما الشيء اللَّطيف وقد لا ننتبه إليه أنّ الله سبحانه وتعالى حينما يقول: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هذا شهادة عظيمة من الله جلّ جلاله بِفَضْل الصّديق، ولا شكّ أنَّ هذه الآية تُشير إليه بِإجماع العلماء، وإجماع المسلمين فلا يخطر في بال الإنسان شخصٌ آخر، حينما يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
من المقصود في هذه الآية؟ سيّدنا الصّديق، إذاً ما معنى كلمة أولي الفضل؟ لعلّك تفهم هذه الكلمة على أنّها تعني صاحب المال إذاً والسَّعة؟ أَيُعْقل أن يمدح الله إنسانًا بالدنيا؟ لو أنّه مدح الناس بالدنيا لمدَحَ الكفار، هؤلاء الأغنياء والأقوياء، والذين يصولون، ويجولون، ويمرحون، ويرتعون، وينتهكون الحرمات، ويقترفون الآثام، أَيُعقل أن يمدحهم الله تعالى بدُنياهم لو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء ، أريد أن أصل من هذا الكلام إلاّ أن كلمة " أولو الفضل " هذا مدحٌ في الدين لا في الدنيا، لا يليقُ بالله عزّ وجل أن يمدحَ أحد عبادهِ بِدُنياه، هو أعطاه الدنيا، وإذا مُدح الإنسان بالدنيا فهناك الكفار والفجار والمنحرفون الذين يفعلون من الأعمال ما يندى له الجبين، أَيُعْقَلُ أن يُمْدح الإنسان في الدنيا في كتاب الله؟ إذًا من هم أولو الفضل؟" أولو الفضل في الدّين، فهذه شهادة من الله جلّ جلاله لِسيّدنا الصِّديق؛ الذي ما طلعَت شمس على رجل بعد نبيّ أفضل من أبي بكر، وهذا ما قالهُ بعض العلماء إنَّه أفضل الصحابة على الإطلاق، "لو وُزِنَ إيمان الخلق مع إيمان أبي بكر لرجَح إيمان أبي بكر"! "ما طلعَت شمس على رجل بعد نبيّ أفضل من أبي بكر"، "سُدُّوا كلّ خوخةٍ إلا خوخة أبي بكر ما ساءني قطّ"، "ما دَعَوْتُ أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كَبْوَة إلا أخي أبا بكر ؛ أعطاني مالهُ، وزوَّجَني ابنتَهُ، وما ساءني قطّ، فاعْرِفوا له ذلك".
أجمعَ المُفسِّرون من دون استثناء على أنَّ المراد من قوله تعالى أولو الفضل أبو بكر رضي الله عنه، وهذه الآية تدلّ على أنَّه كان أفضلَ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لأنَّه تعالى ذكرهُ في معرض المدح، والمدح من الله تعالى في الدنيا غير جائز، لا يمكن أن يمدح الله إنسانًا بالدنيا؛ لأنَّ الدنيا أهْوَنُ على الله من جناح بعوضة، أيُمكن أن يمدحَ أحداً بالدنيا؟ فتَعَيَّن أن يكون المراد من الفضل في الدِّين، إذًا أفضل الصحابة على الإطلاق سيّدنا أبو بكر بِنَصّ هذه الآية. أفضل الصحابة على الإطلاق سيّدنا أبو بكر بِنَصّ هذه الآية :
قال بعض العلماء: ولو أُريد به الفضل بالدنيا لكان قوله: والسَّعة تكريرًا لا معنى له قال تعالى:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
إذا كان الفضل هو الغنى، والسَّعَة هي الغنى، فالتَّكرار لا معنى له، فلمَّا أثْبت الله الفضل المطلق وجَبَ أن يكون أفضلَ الصحابة على الإطلاق بعد رسول الله.
وقال أبو السّعود: أولو الفضل منكم؛ أيْ في الدِّين، وكفى به دليلاً على فضل الصّديق رضي الله عنه، هذه شهادة من الله، طبعًا قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾
[ سورة التوبة: 40]
علو شأن الشخص الذي كنَّاهُ الله تعالى مع جلاله بِصيغة الجمع :
وردَ أيضاً ما يشير إليه في القرآن الكريم مرّة ثانية، قال تعالى:
﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
شيءٌ أيضًا دقيق، هذا خطاب بِصيغَة الجمْع، والمراد به أبو بكر الصّديق، فأنت أحيانًا تُخاطب إنسانًا بالجمع، تقول له: زرْناكم فلمْ نجدْكم، أتَيْناكم فلمْ نحْظَ بِلِقائِكم، أعْطَيْتُمونا ونحن لكم شاكرون، وأنت تخاطب شخْصًا، فأنت أقلّ منه تُخاطبُهُ تعظيمًا، لكن خالق السموات والأرض، هذا الذي نصَرَ دينهُ ونصر رسولهُ، لا يوجد إنسانٌ أخلص لإنسان كسيِّدِنا الصِّديق لرسول الله في الهجرة كان يمشي أمامه تارةً، وخلفهُ تارةً، وعن يمينه تارةً، وعن شماله تارةً، يقول له ما لك يا أبا بكر؟ فيقول: والله يا رسول الله أخشى عليك الطّلب فأمشي وراءك، أخشى عليك أحدًا من أمامك فأمشي أمامك، كلّ هذا من شدّة محبّته وإخلاصه، فأنت حينما تنصر النبي تنصر الله، وحينما تنفق مالك في سبيل الحق فهذا المال يقعُ في يد الله قبل أن يقع في يد هؤلاء.
الاستنباط الثاني، أنَّ الله جلّ جلاله خاطبهُ بصيغة الجمع، والمراد به أبو بكر الصّديق رضي الله عنه.
قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله: فانْظر إلى الشخص الذي كنَّاهُ الله سبحانه وتعالى مع جلاله بِصيغة الجمع، كيف يكون علُوّ شأنه عند الله؟
قلتُ لكم قبل قليل: أنت إنسانٌ لك قريب كبير في السنّ، رجلٌ في عملك أكبر منك، أنت تحت جناحه، إذا خاطَبْتهُ بالجمع كان هذا مقبولاً أمَّا إلهٌ عظيم يُخاطب سيّدنا الصديق بالجمع تكريمًا له، فهذه شهادة ثانية ما بعدها من شهادة، هناك كلمة يقولها بعض الصوفيّين: إنَّ جبريل نزل وقال له: يا محمّد أبْلغ صاحبك أنَّ الله راضٍ عنه، فهل هو راضٍ عن الله؟ أنت عندما يكون لك مكانة عند الله؛ شيءٌ لا يوصَف، عند خالق الكون، وعند الأزليّ الأبَدي، عند الواحد الأحد، الفرْد الصَّمد، الذي بيده كلّ شيء، إن كانت لك حُظْوَةٌ عندهُ تشعر بِطُمأنينة ما بعدها طمأنينة، فالآن بأيّ مجتمعٍ إذا كان للإنسان حُظوَة فهو في قِمّة المجتمع، عند الملك هل يخشى أحدًا في كلّ هذا المجتمع؟ إن كانت لك حُظوَةٌ عند إنسان عظيم تشعر بِطُمأنينة ما بعدها طمأنينة فكيف إذا كانت لك حظوَةٌ عند مالك الملوك؟ عند خالقِ السموات والأرض؟ خصائص السيّدة عائشة :
أيها الأخوة، هناك بعض الأشياء المتعلّقة بهذه الآية؛ من خصائص السيّدة عائشة رضي الله عنها، هي قالَت عن نفسها: "لقد نزلَ جبريل عليه السلام بصورتي في راحَتِهِ حينما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يتزوَّجَني، ولقد تزوَّجني بِكرًا وما تزوَّجَ بكْرًا غيري ولقد تُوُفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وإنّ رأسهُ لفي حِجري، ولقد دُفنَ في بيتي، ولقد حفَّتْهُ الملائكة في بيتي، وإنّ الوحي ليَنْزلُ عليه في أهله فيتفرَّقون عنه، وإنه كان ينزل عليه وأنا معه، وإنِّي لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزلَتْ براءتي من السماء، ولقد وُعِدْت مغفرةً، ورزقًا كريمًا"، وكلّ هذا من خصائص السيّدة عائشة التي اتَّهَمها أهل الإفك بالفاحشة. على الإنسان ألا يروِّج خبرًا يطْعنُ بأهل الحق بِصَرْف النَّظَر عن صحَّته أو عدم صحَّته:
ولكن أريد أن أضعَ بين أيديكم هذه الحقيقة: إيَّاك أن تُروِّجَ حديثًا فيه إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، لو فرضنا إنسانًا سمعَ خبرًا غير صحيح عن رجل له صبْغة دينيَّة؛ هذا الخبر لا تُروِّجُهُ، وهذا استنباط، بِصَرْف النّظَر عن كون هذا الخبر صدقًا أو كذبًا، لا تُزَعْزِع ثقة الناس بأهل الحق، لا تزعزع ثقة الناس بِرِجال الدِّين، قد يكون هذا الخبر غير صحيح، هناك شخص لِمُجرَّد أن يستمع إلى خبر يُذيعُهُ بين الناس، كفى بالمرء إثمًا أن يحدِّث بِكُلّ ما سمع، وأهل الكفر والفجور لا يحْلو لهم شيء إلا أن يطْعنوا بأهل الحق، من دون تحقّق، ومن دون تثبّت، مثلاً شاربو الخمر قد يتَّهمون إنسانًا لا يشربها بأنّه يشربها من غير دليل، من أجل أن يُضَعضِعوا ثقة الناس بالدّين، فأنت إيَّاك أن تكون حلقةً في هذا المؤامرة القذرة، لا تروِّج خبرًا يطْعنُ بأهل الحق، بِصَرْف النَّظَر عن صحَّته أو عدم صحَّته.
إن أردْنا أن نستنبط من هذه القصَّة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النور: 19 ]
ماذا فعل؟ ما فعلَ شيئًا إطلاقًا إلا أنّه أراد أن تشيع الفاحشة، فكيف بالذي يُشيعُ الفاحشة، فالآية دقيقة جدًّاً، إن أحْببْتَ أن تشيع الفاحشة أوْعَدَ الله بهذا عذابًا في الدنيا والآخرة هذا في الذي أحبَّ أن تشيع ولم يفْعل شيئًا، ولم ينطق بكلمة، ولم ينبس ببِنت شفة، فكيف إذا روَّجَها هو؟! لذلك كما يقولون: اتِّهام المحصَنَة وقذفها يهدم عمل مئة سنة. عدم بُطْلان العمل بارتِكاب الذنوب :
وفي درسٍ سابق فيما أذكر بيَّنْتُ لكم أنَّه لا فرْق بين الذّكَر والأنثى، إنسان لم ترهُ بِعَيْنك يرتكب الفاحشة، تقول: أغلب الظنّ أنَّه يرتكب الفاحشة!! لا، هذا قذف، وجزاء من يقول هذا ثمانون جلْدة، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ﴾
[ سورة النور: 4 ]
قذف المحصنات كقذْف المحصنين، وقذف النساء كقَذْف الرجال، وقذف الرجال كقذْف النساء، أجْمعَ المُفسِّرون على أنَّ المُراد من قوله تعالى: ﴿ أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور: 22]
مسْطَح، لأنَّه كان قريبًا من أبي بكر، وكان من المساكين، وكان من المهاجرين، و مِمَّن يلوذ بِأبي بكر، وكان قد وقع في حديث الإفك وقذف عائشة، ثمَّ تابَ بعد ذلك، ولا شكّ أنَّ القذف من الذنوب الكبائر، وقد احتجَّ أهل السنَّة والجماعة بهذه الآية على عدم بُطْلان العمل بارتِكاب الذنوب، فهو له عمل، وله ذنب كبير، فهذا الذنب الكبير لا يلغي عمله السابق، ويؤكِّد هذا النبي عليه الصلاة والسلام حينما ارْتكبَ حاطب بن أبي بلتعة الخيانة العظمى، وأبلغَ قريشًا أنَّ محمّدًا سيَغْزوكم فخُذوا حِذْركم، ماذا قال سيّدنا عمر؟ قال: دَعْني أضرب عُنُقَ هذا المنافق، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال له: لا يا عمر، إنَّه شهِدَ بدْرًا! أرأيْت إلى هذه الرحمة أو إلى هذا الإنصاف؟ فإذا كان لك عمل عند الله تعالى فهذا لا يُهْدر، أما العمل الثاني فتُحاسبُ عليه، وتُعاقَبُ عليه أشدّ العقاب، ولكنَّ العمل السيئ لا يُبْطل العمل الصالح، وهذا اسْتنباط مريح وبِشارة، لك عمل، ولك إنفاق، واتِّصال بالله، ولكن لك أخطاء واجتهادات خاطئة وكلمات غير جيّدة، فهذه الكلمات تُحاسب عليها، وهذا العمل محفوظ عند الله تعالى.
قال: وجه الاستدلال أنّ الله سبحانه وتعالى وصفَ مسْطحًا بِكَونه من المهاجرين في سبيل الله، بعد أن أتى بالقذف، الآية: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الله تعالى أثْبتَ لِمسطح أنَّه هاجر في سبيل الله، ثمّ ارْتكبَ كبيرة، والكبيرة له عليها عذاب عظيم، ولكن هل هذه الكبيرة تلغي هجرته في سبيل الله؟ قال له: لا يا عمر إنَّه شهد بدْرًا على سيّدنا حاطب بن بلتعة، إذًا هذه بِشارة؛ وهي أنّ عملك الصالح محفوظ، أما عملك الآخر فسوف تحاسب عليه حساباً شديداً، فدلّ على كونه مهاجراً لم يسقطْ لإقدامهِ على القذفِ. من أشرك فقد حبط عمله :
وقد قال العلماء: لا يحبط العمل إلا بالإشراكْ، الإنسان إذا أشركْ فقد حبطَ عمله، إذا ارتكب مخالفة يحاسب عليها ويعاقبْ، وقد يعاقب أشدَّ العقابْ، لكن هذه المخالفة مع إيمانه بالله وتوحيدهِ له لا تلغي عملهُ الصالح، إما إذا أشرك فقد حبطَ عملهُ، ولا يحْبِطُ العمل إلا الرِّدَة والعياذُ بالله، الشرك والرِّدَة بمعنى أن يرْتّد عن دينهِ، أن يعود كافراً:
(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]
من استحلّ المعصية فقد وقع في الردة :
إلا أن هناك ملاحظة دقيقة إذا اسْتَحللتَ المحارم وقعتَ في الرِدَّة، أو تأكل الربا وأنت مقتنِع بأنك لا تفعل شيئاً؛ الإنسان إذا ارتكب معصية، ولم يعبأ بأنّها معصية بل قال: هي حلال أي إذا استحلّ ما حرّم الله، وإذا وقعَ فيما حرّم الله، فأي معصية يعاقب عليها، لكن حينما يقع إنسان في معصية، ويعلم بأنّها معصية هو مؤمن إلاّ أنّه أصبحَ عاصياً، والعاصي يعاقب أما حينما يستحلُ معصيةً فقد وقعَ في الرِدَّة.
إذاً من ارتكب معصية أو استحلّ فرضاً، أو لم يقبل فرضاً فرضه الله عليه، إذا استحليت الحرام أو حرّمت الحلال فقد حبط عملك، ومن يكفر بالإيمان فقد حبطَ عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين، ومن ارتدّ منكم عن دينهِ فيمت وهو كافر فأولئك حبطتْ أعمالهم في الدنيا والآخرة هذا أول حكم.
العفو والصفحْ عن المسيء حسن والإسلام يسعُ الناس جميعاً :
الحكم الثاني هل العفو عن المسيء واجب؟ اتفق الفقهاء على أن العفو والصفحْ عن المسيء حسن والإسلام يسعُ الناس جميعاً قال تعالى:
﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هنا أمر، هل هذا أمر أم نذَبْ؟ إذا كان أمراً كل إنسان ما عفا عن خصمِهِ أصبح عاصياً، من حقكَ، وجزاءُ كلُ سيئة سيئةٌ مثلها، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
[ سورة الشورى: 39 ]
من حقكَ أنْ تأخذ مالكَ من الناس؛ ولكن حينما أمرك الله أن تعفو و تصفحْ هذا أمرُ ندبْ وليس أمرَ وجوب.
عندنا حالة إذا غلب على ظنِّك أن عفوك عنه يصلحُهُ فيجب عليك أن تعفو عنه، وإذا غلب على ظنِّك أن انتصارك منه يؤدِّبهُ فينبغي أن تنتصرَ منه، مثلاً سائق أرعن يسْتَهتِرْ بأرواح المواطنين، يستخفُ بهم، فإذا قتل طفلاً خطأً، وأنت عفوت عنه يتابع انحرافه، أما إذا أدّبته، وأدخلته السجن، ولم تعفُ عنه، وإن غلب ظنُّك على أن عفوك يصلحهُ فينبغي أن تعفو عنه، وإذا غلب على ظنِّك أن أخذك حقك منه يؤدِّبهُ فينبغي أن تنال منهُ. إلاّ أن العلماء أجمعوا على أنّ قوله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الأمر هنا للندبْ، والإرشادْ، وليس للوجوب لأن الإنسان يجوزُ له أن يقتّص مِمَن أساء إليه فلو كان العفو واجباً لما جازْ طلب القصاصْ، ومما يدّلُ على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الشورى: 40 ]
من أراد أن يكون من أولي الفضل فليصل من قطعه و ليعفُ عمن ظلمه :
أما النّبي عليه الصلاة والسلام فتأكيداً لهذا الحكم يقول:
((لا يكون العبد ذا فضل ...))
قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
الله عزّ وجل مدحَ سيدنا الصديق بأنه من أولي الفضل؛ إذا إنسان انتصر من خصمِهِ، وأخذ منه بقدرِ ما نالهُ منه، لا شيء عليه لكن مقبول، فأما قوله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾
[ سورة النور: 22 ]
إن كنت تريد أن تكون من أهل الفضل، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه))
[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]
فأنت اختر هناك مقبول، وجيّد، وجيّد جداً، وامتياز أي شرف؛ إذا انتصرت من خصمك، ونلت منه، وجزاءُ كلُ سيئة سيئةٌ مثلها، فأنت مقبول ولا شيء عليك، لكنك إن صفحت عنه، وارتفعت إلى مرتبة أولي الفضل فهذا هو درسنا اليوم، كيف سيدنا الصديق أمره الله أن يعفو عمّن أساء إليه أيّما إساءة، أي إساءة تغفر أما أن يتّهم ابنتك الغالية بأنها زانية بدون أن يتحقق بدون دليل، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: ((إن فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني ))
[النسائي عن المسور بن مخرمة]
أحياناً الإنسان يتقرب من شخص بأولادهِ، الابن بضعةٌ من أبيه، بعيداً عن صَلاحِهِ أو عدم صَلاحِهِ يمكن أن يكون الابن وسيلة لتصل إلى قلب أبيهْ، فلذلك الشيء الدقيق هنا أنك إذا عفوتَ عمّن أساء إليك أشدّ الإساءة فأنت من أهل الفضلِ، والحديث معروف: (( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
وقال أيضاً: ((لا يكون العبد ذا فضل -استنباطاً من هذه الآية- حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه))
[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]
ندب العفو عن المسيء :
لذلك يُندبُ العفو عن المسيء لقوله تعالى:
﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
هنا "ألا" حرف حض. ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
أنت عندك إمكان أن تناجي ربّك، يا ربّي إذا كان يرضيك أن أعفو عن هذا الإنسان الذي ظلمني فأنا أعفو عنه، أنا أريدُ رضاك يا ربّ، المؤمن أمام رضا الله كل شيء يهون، في بعض الحالات يسيء إليك إنسان إساءة لا تغتفر لكن نظيرة أن الله يحبُّك ويرفعك إلى مرتبة أولي الفضل بعفوك عن أخيك فاعف عنه إذاً قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 1 ]
و الحديث الشريف : ((بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس، إذ رأيناه ضحك ، حتى بدت ثناياه، فقال عمر : ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال : رجلان جثيا بين يدي رب العزة عز وجل ، فقال أحدهما : خذ لي بمظلمتي من أخي . قال الله : أعط أخاك مظلمته. قال: يا رب، لم يبق من حسناتي شيء . قال الله تعالى للطالب : كيف تصنع بأخيك، ولم يبق من حسناته شيء؟ قال : يا رب ، فيحمل من أوزاري » ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبكاء ، ثم قال: « إن ذاك ليوم عظيم يحتاج فيه الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله عز وجل للطالب: ارفع بصرك، فانظر في الجنان، فيرفع رأسه، فقال : أرى مدائن من فضة ، وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال جل وعز: هذا لمن أعطاني الثمن. قال: يا رب ، ومن يمتلك ثمن هذا ؟ قال : أنت تملكه . قال: بم؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب ، فقد عفوت عنه، فيقول: خذ بيد أخيك، وأدخله الجنة » قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ))
[ أبو داود عن أنس]
قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 134 ]
قانون الالتفاف و الانفضاض :
اسمحوا لي أن أقول لكم: إن هناك آية قرآنية مثل المعادلة الرياضية تماماً قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران: 159 ]
أي يا محمد بسبب رحمةٍ في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليِّناً مع الخلق فالتفّ الناسُ حولك فأحبُّوك، ولو لم تكن لك هذه الصلة بنا استقرّت في قلبك القسوة فكنت فظاً غليظَ القلب فانفضّ الناسُ من حولك، فأين المعادلة؟ اتصال، رحمة، لين، التفاف، انقطاع، قسوة، فظاظة، انفضاض؛ يلتّفُ الناس حول الرحيم، وينْفضُّوا من قاسي القلب، وعلامة الإيمان رحمة الله في قلبك، وعلامة البُعْد عن الله القلب القاسي، وإنّ أبْعَدَ قلْبٍ عن الله هو القلب القاسي، وإذا أردتم رحمتي فارْحَموا خلقي، والراحمون يرحمهم الرحمن، وارْحموا من في الأرض يرحمكم مَن في السماء، لا تنتقِم ولا تُحاسِب الناس، أنت أحْسِنْ إليهم لِوَجه الله، أنت سيّدهم. ((لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه))
[ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة]
فَيُنْدَبُ العفوُ عن المسيء لقوله تعالى: ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾
[ سورة النور: 22 ]
لقد علَّقَ الله المغفرة بالعفو والصَّفْح. من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فلْيأت الذي هو خير :
الحكم الثالث في هذه الآية: ذهب الفقهاء إلى أنّه من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها ينبغي له أن يأتي الذي هو خير، وأن يُكفِّر عن يمينه، فأكثر الناس في ساعة الغضب يحلف يمينًا، لن أزور أختي، لن أتصدَّق، لن أُقرضَ أحدًا، لن أفْعل خيراً، الحكم الشرعي يجب عليك بأمْر النبي عليه الصلاة والسلام:
((من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير))
[ مسلم عن أبي هريرة]
هذا هو الحكم الشرعي، ولا أحدَ يحْتجّ باليمين، النبي الكريم يأمرك أن تكفِّر عن يمينك، وأن تأتي بالذي هو خير، لذلك قالوا: تجب الكفارة بالحنث في اليمين سواءٌ أكان الحانث في أمرٍ فيه خير أو غير ذلك؛ خير أو شرّ فالحنث في اليمين يوجب الكفارة.
هناك رأْي مرجوح أنّ الذي يأتي بما هو خير ليس عليه كفارة، لكن الاستدلال ضعيف، ولكن الأرجح والأقوى أنّه بِمُجرّد أن تتحلّل من يَمينك أو أن تحنث بها عليك الكفارة، والفرْق بين التَّحلّل والحنْث، أنَّ دَفعُ الكفارة قبل الحنث تحلُّل، ودفع المال بعد الحنث كفارة، قبل الحنث أيْ قبل مخالفة اليمين، قبل أن تخالف دفعْت؛ هذا تحلل، وبعد المخالفة كفارة فصار أوَّل حكم وثاني حكم وثالث حكم. آية اليوم تعلمنا الأخلاق و مقابلة الإساءة بالإحسان :
أيها الأخوة، والله هذه آية مهمّة جدًّاً، هذه تعلّمنا الأخلاق، تعلّمنا أنَّ هناك مرتبة مقبول، ومرتبة أولي الفضْل، أولو الفضل أن تصلَ من قطعَك، وأن تعْفُوَ عمَّن ظلمكَ، وأن تعْطِيَ من حرمك، وألا تقابل المسيء بالإساءة، قابِلْ إساءتهُ إليك بالإحسان إليه، والدليل الأخير قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
[ سورة فصلت: 33-34]
أيْ اِدْفع السيّئة لا بالحُسنى، ولكن بالتي هي أحْسَن، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت:34-35]
دخل عمَير على رسول الله والخنزير أحبّ إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي، لا توجد عداوة، عوِّدْ نفسكَ قلبًا منفتِحًا، وقلبًا طيِّبًا، وقلبًا يعفو، وقلبًا صافيًا، والله عز وجل هو العفوّ، وهو الكريم والغفار، وهو الذي يتجاوَزُ عن إساءتنا، فتَعَلَّمَ من الله عز وجل كيف يعْفُوَ على عباده المُذْنبين.
أتمنَّى من أخواننا الكرام إن كانت هناك خصومة أو مشكلة بين شخصين اِذْهب واعْتذِر، أو قدِّم هديَّة، أو حاوِلْ أن تُبادِرَ أنت، لا تجعل بينك وبين أحدٍ حقْدًا، ولا بغْضًا، ولا قطيعةً، ولا هوَّةً كبيرة، وهذه آية العفْو، إن أردْت أن ترتفع إلى مستوى أهل الفضل فاعْفُ عمَّن ظلمك، وصِلْ من قطَعَكَ، وأعط مَن حرمَكَ.

والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:04 PM   #14


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : اية التوجة الى الكعبة - سورة البقرة




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
الآية التالية تُشير إلى إعجاز القرآن الكريم :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع عشر من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي: آية التَّوجّه إلى الكعبة في الصلاة، هناك حقائق كثيرة، وأحكام فقهيّة كثيرة، وحِكَمٌ بالغة تُستنبط من هذه الآية.
ربّنا عز وجل يقول:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة: 142 ]
الحقيقة هذه الآية وحدها تُشير إلى إعجاز القرآن الكريم، هؤلاء السفهاء لم يتكلّموا بعد وقد وُصفوا أنَّهم سفهاء، فلو أنّهم سكتوا ولم يتكلَّموا لأبْطلوا هذا الكلام، وأبْطلوا كلام الله عز وجل من أجل أنْ نعْلمَ أنَّ الله سبحانه وتعالى إرادتهُ طليقة، ولا شيء يحكمه، فهؤلاء السفهاء مخيَّرون، ولكن مع هذه الآية سلبَ اخْتِيارهم، الذي يُعْطي يأخذ، هم مُخَيَّرون، لو فكَّروا قليلاً أنّهم وُصِفوا سفهاء، وسفهاء لأنَّهم سيَقُولون ما ولاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فإذا فكَّروا قليلاً وسكتوا، ولم يتكلَّموا أبْطَلوا هذه الآية، وهذا دليل أنَّ الله سبحانه وتعالى مالكُ كلّ شيء، إن أعطاك الاختيار فَبِمَشيئته، وفي أيَّة لحظةٍ يسْلُبُه منك، لذا وردَ في الحديث الشريف أنَّ الله تعالى إن أراد إنفاذ أمْرٍ أخذ من كلّ ذي لبّ لبَّهُ! يُشبِهُ هذه الآية قول الله عز وجل: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾
[ سورة المسد: 1-5 ]
لو أنَّ أبا لهبٍ ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام بِمَوقفٍ تمثيلي وأعْلَنَ إسْلامه وشهد أن لا إله إلا الله لأبْطَلَ سورةً بأكملها، يُسْتنبط من هذه الآية، ومن هذه السورة أنَّ الإنسان إن كان مُخَيَّرًا فإن الله تعالى شاء له أن يكون ذا مشيئةٍ، وفي أيَّةٍ لحظةٍ يسْلبُ منه هذه المشيئة ويغدو في قبضة الله عز وجل. إن خصّ الله شيئاً بِخَصيصة أصبح مقدَّساً :
قال تعالى:
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة: 142 ]
هناك معنى دقيق هنا، لا يوجد شيء في الأرض مُقدَّس إلى ذاته، مُقدَّس إذا أشار الله إليه، أو إذا رفعَهُ الله، لِطَبيعةٍ فيه هو مقدَّس؟ لا، لكن لأنّ الله تعالى اتَّخَذ الكعبة بيتًا له، واتَّخَذ البيت الحرام بيتًا له، صار هذا البيت مقدَّسًا، فالذي يتَّخذ هذا البيت الحرام بيتًا له، ويأمر نبيَّهُ أن يتوجَّه نحو بيت المقدس، قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾
[ سورة البقرة: 142 ]
إذاً الشرق له، والشمال له، والغرب له، والمغرب له، والأمكنة كلّها له، وكذا الأزمنة، فالشيء المقدَّس لذاته لا يوجد، أما هناك شيء مقدَّس لغيره فالله عز وجل خصَّ هذا الشيء بِخَصيصة فصار مقدَّسًا. أدب النبي صلى الله عليه و سلم :
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
قد نرى تقلبّ وجهك في السماء" من شدَّة أدب النبي عليه الصلاة والسلام اسْتحيا أن يسأل الله أن يتوجَّه إلى بيت الله الحرام، ولكنّ وجهه كان يتقلّب في السماء، ويتمنَّى أن يتَّجه إلى بيت الله الحرام قبلة سيّدنا إبراهيم، قال تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
من لطائف التفسير لهذه الآية :
1 ـ الله عز وجل يعلمُ ما سيَكُون عِلْم كشْفٍ لا علم جَبْرٍ :
أيها الأخوة الكرام، من لطائف التفسير لهذه الآية، طبعًا سيقول السفهاء من الناس هذا يدلّ على علْم الله، الله عز وجل يعلمُ ما سيَكُون عِلْم كشْفٍ لا علم جَبْرٍ.
والشيء الآخر؛ أيَّة فائدةٍ تُستفاد أنَّ الله تعالى أخبرنا عن قول السفهاء؟ أوَّلاً: إخبارهُ لنا يبيِّنُ لنا أنَّ الله تعالى علمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وشيءٌ آخر هو أنَّ وَقْعَ هذا التكذيب يكون مُخَفَّفًا إذا أخبرنا الله به من قبل.

2 ـ الأمكنة أمكنة الله والشيء المقدَّس هو الذي يخصّهُ الله بِخَاصَّة :
اللَّطيفة الثانيَة، ذكرتها قبل قليل؛ وهي أنَّ كلّ الأمكنة لله عز وجل، وأنَّ الأرض الله، وأنّ البلاد بلاد الله، وأنَّ الأمكنة أمكنة الله، وأنَّ الشيء المقدَّس هو الذي يخصّهُ الله بِخَاصَّة، أما شيءٌ مقدَّسٌ لذاته ولِخَصائص فيه؛ فهذا شيءٌ لا يقبلهُ العقل، ولا تقوم به حجَّة.
3 ـ الإسلام في أصله وسَطِيّ :
النقطة الثالثة في هذه الآية، قوله تعالى:
﴿ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
الوسطيَّة هي الكمال، والوسَطِيَّة هي الاعتدال، والكمال وسط بين طرفين، والفضيلة وسَطٌ بين نقيضين، فالتَّهَوّر نقيصة، والجبْن نقيصة، والشجاعة بينهما، إتلاف المال نقيصة، وإمساك المال نقيصة، والكرم بينهما، والخوف القاتل نقيصة، والطمأنينة الساذجة نقيصة، وبينهما رجاء مغفرة الله، وخشيَة عذابه، لو درسْت كلّ مكارم الأخلاق لوجدْت كلّ فضيلة هي وسطٌ بين طرفين، بل إنّ الإسلام في أصله وسَطِيّ؛ في عقيدته وفي منهجه، أقرّ أنَّ الإنسان لحْمٌ ودم وروح، فَلَبَّى حاجات روحِهِ، ولبَّى حاجات جسده، أقرّ أنّ الإنسان يعيش في الدنيا وقد خُلِقَ للآخرة، فكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهمّ أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا"، فالإسلام في عقيدته، في منهجه، في تشريعه وسطٌ.
المرأة، سمحَ لك أن تتزوَّج، هناك أنظمةٌ وَضْعِيَّة تُحرِّم النساء! وهناك أنظمةٌ وضْعِيَّة تُبيح النساء كلهنّ، كلاهما موقف متطرّف، فأنت لك أن تتزوَّج امرأة وهي زوجتك ومنها أولادك أما الفوضى الجنسيّة فهي مرْفوضة، وهذا التَّبتّل غير المعقول مرفوض.
في كسْب المال، أمرك أن تكسب المال الحلال، وما حرَّم عليك كسب المال مطلقًا لكن حرَّم عليك كسْب المال الحرام.
الله جلّ جلاله لِكرامة هذه الأمّة عنده جعلها متوسِّطة بينه وبين خلقه :
قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
بعضهم قال: أمّة وسطًا أيْ من الوَساطَة، أيْ الله جلّ جلاله لِكرامة هذه الأمّة عند الله جل جلاله جعلها متوسِّطة بينه وبين خلقه، فالله جلّ جلاله كلّف هذه الأمَّة أن تنشر الحق، لذلك أيها الأخوة كلّ مسلم يسْعى لِنَشْر الهدى يُحقّق وسَطِيَّة هذه الأمّة، وكلّ مسلك يسْعى لإطفاء نور الله عز وجل يُناقض وسَطِيَّة هذه الأمَّة، فأنت كإنسان من هذه الأمَّة يجب أن تكون وسيطًا بين الله وبين خلقِه، وإنَّ من أعظم الأعمال على الإطلاق أن تكون سببًا في هداية الخلق.
أيضًا المسلمون في دينهم القويم لم يقتلوا أنبياء الله، كما أنّهم لم يؤلِّهوهم فهذا بحث يطول، وتُكْتبُ عن مجلَّدات ؛ وسَطِيَّةُ الإسلام، والعالم اليوم سيَعُود مقْهورًا إلى الإسلام، سيَعُود إلى الإسلام لا تعبُّدًا، ولكنَّهُ حينما تطرَّف دفعَ الثَّمَن باهظًا فعاد إلى الوَسَطِيَّة والاعتدال.
4 ـ ربُّنا عز وجل أمرَ النبي أن يتوجَّه إلى بيت المقدس لِيَعْلمَ من يتَّبع الرسول :
اللَّطيفة التي تلي ذلك قوله تعالى:
﴿ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
أحيانًا يتمسَّك الإنسان بالمظاهر وينسى اللّبّ، فالعرب في الحجاز يرغبون أن يتوجَّهوا إلى البيت الحرام، فجاء الأمر الإلهي بالتَّوَجُّه إلى البيت المقدس! لماذا؟ هذا الأمر جاء لِيَعْلمَ الله من يتَّبع الرسول، أي أنت مُتَمَسِّك بماذا؟ متمسِّك بِجِهة؟ بمكان؟ بشيء مادِّي؟ أم مُتمسِّك بالله عز وجل؟ وهذا الذي يأْبى أن ينْصاع لأمر الله عز وجل، ويتمسَّك بِتَقاليد ما أنزلَ الله بها من سلطان، هذا وثَني!! أنت عبْد لله، وأيّ شيءٍ جاءك عن الله عز وجل ينبغي أن تقبلهُ، وينبغي أن تعتقد أنّ الله تعالى حكيمٌ حِكمةً بالغة، فموضوع القِبْلة العرَب يتمنَّوْن مِلَّة أبيهم إبراهيم، يتمنَّون ويطْمحون أن يتَّجهوا إلى بيت الله الحرام، ولكنّ الله عز وجل أراد أن يمتحنهم، وهذه العمليّة اسمها فرْز علمي، من هو المتمسّك بالمكان وبالأوثان وبالأحجار؟ ومن هو المتمسّك بِطاعة الواحد الدَّيان؟ فربُّنا عز وجل أمرَ النبي أن يتوجَّه إلى بيت المقدس، وهو يعلم بعد حين سيَسْمح أن يتوجَّه إلى البيت الحرام، قال تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
[ سورة البقرة: 143 ]
5 ـ العلم باللّغة هو الرؤية :
وهناك لطيفة بلاغيَّة، وهي أنَّ العلم باللّغة هو الرؤية، والرؤية تعني العلم هكذا قال بعض العلماء، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾
[ سورة الفيل : 1]
أنت لم ترهم، ولكنَّك علِمْتَ قصَّتهم من إخبار الله تعالى، فقد يستخدم القرآن كلمة الرؤية للعلم، أو كلمة العلم للرؤية، فقوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أي إلا لِنَرى من يتَّبع الرسول ممَّن ينقلب على عقِبَيْه، وهناك تفسير آخر وهو وجيهٌ جدًّاً، وهو أنّك إذا سمِعْت إخبار الله لك يجب أن تأخذ هذا الإخبار وكأنَّك تراه أمامك رأْيَ العَيْن، يجب أن تستقبل إخبار الله أنت كمؤمن وكأنَّك تراهُ رأْيَ العين، فالعرب كانت تضعُ العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم. 6 ـ الله تعالى عالم بالأشياء كلّها قبل وُقوعها :
شيءٌ آخر، الله تعالى عالم بالأشياء كلّها قبل وُقوعها، وإنّما تأويل الآية:
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أيْ لِيَعْلم رسولي وأوليائي، وهنا ضُربَ مثلٌ لطيف، قال: شأن العرب إضافة أتباع الرئيس إلى الرئيس، تقول: فتحَ عمر سواد العراق، عمر في المدينة مُقيم‍! فمن فتحَ العراق؟ جيش عمر، فأتباع عمر، يمكن أن تقول: فتح عمر العراق، يمكن أن تقول: جبا خراجها، هذا على لغة العرب، فإذا أردنا أن نطبّق هذه القاعدة على هذه الآية، قال تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أي إلا ليعْلم رسولي وأوليائي من يتَّبعُ الرسول، لأنّ الله يعلم، ولكن نريد أن نعلم نحن، فأحيانًا يكون إنسان بِنَفسه شَهوَة خفيَّة غير ظاهرة، في ظاهره صلاح واسْتِقامة، هذه الشَّهْوَة الخفيَّة التي ينْطَوي عليها يعلمها الله وحدهُ، والله جلّ جلاله لا يحتاج أن يعلم ما في نفس هذا الإنسان لأنَّه يعلم فلماذا يكشفها؟ لماذا يضعُ الله جلّ جلاله هذا الإنسان في ظرْف صعْبٍ يكشف حقيقتهُ؟ هو أنَّ الله يعلم، ولكنَّه يريدُ أن يُعْلم هذا المخلوق، وهذا الإنسان، وهذا المؤمن المتوهِّم أنَّه على خِلاف ما يكون، هو يريد أن يُعْلم من حولهُ، فالله عز وجل غنيّ عن أن يعلم لأنَّه يعلم، ولكنَّه إذا كشف الإنسان فلِيُعْلِمَ الإنسان لِيُعالِجَهُ في الدنيا قبل أن يموت، فربّنا عز وجل يعلمُ السرّ وأخفى، ويعلم ما تُسرُّه، ويعلم ما يخفى عليك. من هو المتنطّع ؟
أما في كلمة:
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
الإنسان أحيانًا ينتكسُ انْتِكاسةً كبيرة، حينما ينقلبُ على عقِبَيْه، أرْجو الله سبحانه وتعالى أن أضعَ بين أيديكم هذه الحقيقة؛ النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون...))
[ مسلم عن ابن مسعود]
" من هو المتنطّع؟ الذي يُحَمِّل نفسه ما لا يطيق، إذا حمَّلْت نفسكَ ما لا تطيق ثمَّ أُصبْتَ بِنَكْسةٍ حادّة فأنت المسؤول، فلذلك الإنسان يجب أن يطبّق سنَّة النبي بِحَذافيرها، أما أن يحرِّم على نفسِهِ ما ليس محرَّمًا عليه فهذا تنطّع، وهذا مبالغة، وخروج عن منهج الله عز وجل، لك حاجات مادِّيَّة يجب أن تعمل وتُخطِّط لِمُستقبلٍ مريح، أما أن تنطلق في حبّ الله، ولا تخطِّط شيئًا لِمُسْتقبلك، ثمَّ تُفاجأ أنّك وحْدك محروم من كلّ شيء، وأنّ كلَّ مَن حوْلكَ في عيشة راضِيَة، ربَّما أُصِبْت بِنَكْسةٍ حادَّة خَسِرْت كلّ تعبك الماضي، فإنَّ الله لا يملّ حتى تملُّوا، افْعلوا ما تستطيعون، هلك المتنطِّعون هلك المتنطِّعون، إنَّ المنبتّ لا أرضاً انقطع، ولا ظهْرًا أبقى، يجب أن تمشي باعتدال، ووفْق سنَّة النبي، وسنَّة النبي عليه الصلاة والسلام توصِلُكَ إلى أعلى مستوى، ولسْتَ أكثر خشوعًا من النبي صلى الله عليه وسلّم، مستحيل، ولسْتَ أكثر ورعًا، ولا حرصًا من النبي عليه الصلاة والسلام، والقصَّة معروفة لديكم لما أحد التابعين أراد أن يُحْرم من مكان أبْعد من المكان الذي أحرمَ منه النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له أحد الأصحاب: لا تفعل! فقال: وماذا عليّ؟ فقال: تُفْتن!! قال: كيف أُفْتن؟ فقال: أيّ فِتْنة أشدّ من أن ترى نفسك سبقْت رسول الله! لا تعمل عملاً يزيد عن سنّة النبي، إذا فعلْتَ عملاً يزيد عن سنّة النبي ربّما أُصبْت بِنَكسةٍ خطيرة، إنسانٌ يزْهد في الدنيا فلا يعمل، ويزْهد في الزواج فلا يتزوّج، يزْهد في تأمين حاجاته فَيُحْرم، فهذا الإنسان الآن جيّد، ولكن ما أدْراك أنَّه سَيُصابُ بِنَكْسةٍ خطيرة جدًّاً، فَكُنْ معْتَدِلاً ووَسَطِيًّاً، ومتَّبِعًا لأثر النبي صلى الله عليه وسلّم، فالذي يقْفو أثر النبي لا يخطئ، والذي يقفو أثر النبي لا ينتكس، والذي يقفو أثر النبي لا يُصاب بِخَيْبة أمل، فأنت يجب أن تدرس، لو قلتَ: الدراسة مضيعة للوقت، وأنا مشْغول في حبّ الله، جيّد هذا الكلام، ولكن هل تُطيق أن ترى بعد حين كلَّ مَنْ حوْلك في مراتب علِيَّة، وأنت وحْدكَ دونهم جميعًا، قد يأتي الشيطان ويقول لك: هذا هو الدِّين جعلكَ في مؤخِّرة الرَّكْب!! يجب أن تكون في المستوى الذي يليق بك، أن تكون في الوضع الذي يناسبك، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إنَّ المنبتّ لا أرضاً انقطع، ولا ظهْرًا أبقى))
[ البيهقي عن جابر بن عبد الله]
إنسان واحد ولا يوجد غيرهُ سمحَ له النبي أن ينفق كلّ ماله وهو سيّدنا الصِّديق أما سيّدنا عمر فما أخذ إلا نصْف ماله رحمةً به. الجُهود عند الله تعالى محفوظة :
أنا سبحانه الله مع هذه الآية أتحسَّر، فأتمنَّى أن يكون خطَّك البياني صاعِداً صعوداً مسْتمرًّاً، أما أنَّ هذه الحالة فلا تعجبني؛ صُعود حادّ، وهبوك وسقوط مريع! هذا يحْصل من عدم التوازن، ومن اختلال التوازن، أما أنت كمُؤمن ينبغي أن تصعَد صعودًا مستمرًّاً متوازنًا إلى ما شاء الله، حتى الموت نقطة على هذا الخطّ، وهذا كما قال تعالى:
﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أحيانًا يقول لك أحدهم: أنا فقط لا أُصلّي!! الصلاة عماد الدِّين من أقامها فقد أقام الدِّين، ومن هدمها فقد هدم الدِّين، لا خيْرَ في دينٍ لا صلاة فيه، وهي سيّدة القربات، وغرَّة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات. فربّنا عز وجل يقول: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
ما علاقة هذه الآية بمناسبتها؟ بعض الصحابة تساءلوا؛ هذا الذي مات قبل أن يصلّي نحو الكعبة؛ ما حالهُ مع الله؟ جاء الجواب: حاله جيّد جدًّاً، هذا الإيمان، طاعته للنبي إيمان، صلاته باتِّجاه بيت المقدس إيمان، وقد وافتْهُ المنيَّة قبل أن يتَّجه إلى البيت الحرام، وهذا قد نستنبط منه شيئًا لطيفًا جدًّاً، أنت لو فرضْنا أنَّك كنت في طريق معيَّن ثمّ غيَّرْت هذا الطريق جهْدك في الطريق الأوَّل محفوظ عند الله عز وجل لا يُنتقصُ منه شيء، لأنَّك كنت وقتها في طاعة الله، والآن أنت في طاعة الله، فالجُهود عند الله تعالى محفوظة، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
الصلاة إيمان والإيمان صلاة :
القرآن الكريم دقيق جدًّاً، سمَّى الصلاة هنا إيمانًا، معناه الصلاة إيمان، والإيمان صلاة، فإيمان من دون صلاة كلام فارغ، وإيمان من دون صلاة ثقافة، إيمان من دون صلاة تعصّب، أما الإيمان فمن لوازمه الاتِّصال، لأنّ الصلاة هي الفرْض الوحيد الذي لا يُلْغى أبدًا، فالشهادة مرَّة واحدة، والصِّيام يسقط عند المرض والسَّفر، والحجّ يسقط عند المرض والفقْر، والزكاة تسقط عند الفقر، والشهادة تؤدَّى مرَّةً واحدة، والفرْض المتكَرِّر الذي لا يسقط بِحال هو الصلاة، ولا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدِّين، من أقامها فقد أقام الدّين، ومن تركها فقد هدم الدِّين، فلِعَظمة الصلاة وأهمِّيَتها كان عليه الصلاة والسلام يقول:
((...وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))
[ أخرجه النسائي وأحمد عَنْ أَنَسٍ ]
وكان يقول: ((يَا بِلاَلُ أَقِمْ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا))
[ أخرجه أبو داود وأحمد عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ]
وتقول السيّدة عائشة: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يحدِّثنا ونحدِّثهُ فإذا دخل وقت الصلاة فكأنَّه لا يعرفنا ولا نعرفهُ!!"
وهذه هي الصلاة التي أرادها الله عز وجل، فالإنسان صلاته إيمانه، وإيمانه صلاته، فصلاة الصحابة الكرام إلى بيت المقدس هل يُعقل أن تضيع عليهم فضائلها؟ لا لأنَّ صلاتهم طاعة لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم، إذًا اتَّّفقَ العلماء كما قال الإمام القرطبي على أنَّها نزلَت فيمن مات وهو يصلّي إلى بيت المقدس، لما روِيَ عن ابن عباس أنَّه قال:
لمّا وُجِّه النبي صلى الله عليه وسلّم إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس فأنزل الله سبحانه وتعالى: وما كان الله ليُضيع إيمانكم،
فسمَّى الصلاة إيمانًا لاشتمالها على نيَّة وقَوْلٍ وعمل.
القواعد تُسْتنبط من القرآن الكريم :
الحقيقة هناك نقطة باللّغة دقيقة، نحن نعلم أنَّ قد للتقليل مع المضارع، وقد للتحقيق مع الماضي، فلان قد ينجح، احتمال نجاحه قليل، أما فلان قد نجَح، فمؤكَّد، لكنَّ القواعد تُسْتنبط من القرآن، فالعلماء قالوا: قد نرى قد هذه تفيد التكثير لا التقليل، ولأدب النبي عليه الصلاة والسلام مع ربّه اسْتحيا أن يسأله التوجُّه إلى البيت الحرام، كان ينظر إلى السماء، وهذا يعني أنّ الله تعالى يعلم ما تنطوي عليه، يعلمُ خواطرك ومشاعرك، ويعلمُ طموحاتك، وما يدور في خلدك، إذًا قد تفيد التكثير هنا كما قال العلماء.
وقد من معانيها أنَّها تقلب المضارع ماضيًا، كيف أنَّ كلمة لاَم الأمر تقلب المضارع أمرًا، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
[ سورة الحج: 29 ]
لام أمر، وكيف أنَّ لْم تقلب المضارع إلى ماض، تقول: فلان لمْ يكتب لمْ ينجح أي ما نجَحَ، فلَمْ تقلب المضارع إلى ماض، ولام الأمر تقلب المضارع إلى الأمر، وقد تقلب المضارع إلى الماضي، أيْ قد رأيْنا تقلّب وجهك كثيرًا في السماء كلمة تقلّب فيها شدَّة، والشدّة تفيد التكثير، مثلاً كسَرَ تعني أصبحَ هذا الكأس قطعتين، أما كسَّرَ فهي تعني أنّه جاء بِمِطرقة وجعلهُ مئة ألف قطعة، فَكَسَرَ غير كسَّرَ، وغَلَقَ الباب غير غلَّقَ الباب، وقطعَ اللَّحم غير قطَّعَ اللَّحم، وقلَب وجهه غير قلَّبَ وجهه، فالتَّقلّب كثير وهناك معنى المبالغة هذه الشدَّة تفيد التَّكرار. أعلى فهْمٍ لكلام الله عز وجل هو فهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم :
كيف علِمَ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الطواف حوْل الكعبة سبعة أشواط؟ قال تعالى:
﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾
[ سورة الحج: 29 ]
بالمناسبة يجب أن تعلموا أنَّ أعلى فهْمٍ على الإطلاق لكلام الله عز وجل هو فهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وابن القيّم رحمه الله يقول: "إنَّ أعلى علْم أنْ تكتشف كيف استنبط النبي هذا الحكم من أية آية" النبي عليه الصلاة والسلام قرأ القرآن وقال السنَّة، تقريبًا من دون تمحيص ستّمئة حديث، هذه السنّة في رأي بعض العلماء هي فهْم النبي صلى الله عليه وسلّم لِكِتاب الله، بعضهم قال: لمَ لمْ يفسِّر النبي كلام الله؟ سنَّتهُ كلّها تفسير لِكَلام الله، حتَّى إنّ بعض العلماء يقولون إذا جاء الكتاب مع الحِكمة فالكتاب هو القرآن والحكمة هي السنَّة. الله عز وجل عبَّرَ عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارةً إلى مراعاة الجهة دون العَين :
الشيء الآخر؛ ربّنا عز وجل عبَّرَ عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارةً لطيفةً إلى أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العَين، هنا عندنا مشكلة، فهناك أشخاص متنطِّعون، وهناك أشخاص شكليّون، يقول لك: الصلاة باطلة في هذا المسجد‍! لو جاء مهندس طبوغرافي، ورسم الزوايا، وأخذ جدار المسجد قبْلةً، وصمَّمَهُ على سمت الكعبة، لكانت هناك درجتان أو ثلاث عن الكعبة إذًا الصلاة باطلة، وهذا يحدث، حدَّثني أخ كان بأمريكا: أن الكبير والكبير جدًّاً الذي يمزِّق الأمَّة المسلمة هناك هو أنّه يمكن أن تتوجَّه من هذه الجهة هكذا، أو من هذه الجهة هكذا، والخلاف مشتعل بين هؤلاء.
الله عز وجل عبَّرَ عن الكعبة بالمسجد الحرام إشارةً لطيفةً إلى أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العَين، فإذا قلت: هذا المسجد يجب أن يكون هذا الحائط قبلة، مطابقًا على خطّ متعامِدٍ مع جداره القبلي، واصلٌ إلى عَين الكعبة، لن تجد في الأرض كلّها مسجداً على هذه الطريقة، فالمتنطِّعون، والشَّكليُّون، والذين يُحبُّون إثارة الفِتَن يقولون: لا تصحّ الصَّلاة بهذه المساجد، لأنَّ التَّوَجُّه للكعبة غير صحيح، لكنّ العلماء بعد قليل ترَوْن على أنّ القبلة جهة وليس نقطة، فإن كانت القبلة جهة، فكلّ المساجد صحيحة، وكلّ التَّصْميمات صحيحة، فهذه إشارة في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
ما قال لك: شطر الكعبة، فالتَّوَجّه إلى المسجد أصبح جهةً، قال تعالى: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أما خطاب القرآن الكريم للنبي وحده، قال تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
مع أنّ الخطاب لأمَّته جميعًا، قال: هذا له معنى دقيق؛ أوَّلاً: تعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام، وثانيًا: تنفيذ لرَغبَتِهِ، وثالثًا لتَقْتَدِيَ أمَّته به من بعده. معنى المسجد الحرام في القرآن :
1 ـ المسجد الحرام أي الكعبة :
الآن نقفُ وقفةً متأنِّيَة عند: معنى المسجد الحرام في القرآن، المعنى الأوّل؛ المسجد الحرام أي الكعبة لقوله تعالى:
﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
أي جهة الكعبة، لا إلى عَيْنِها. 2 ـ المسجد الحرام هو المسجد الحرام كلّه :
والمعنى الثاني؛ المسجد الحرام هو المسجد الحرام كلّه، فالذي حجّ أو اعتمر، هذه المساحة المحاطة بِجِدار، وفيها المآذن، والمسعى، والمطاف، هذا كلّه المسجد الحرام، هذا المعنى الثاني، ويؤكّد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام..."
[رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة]
وفي حديث آخر: (( لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
فالمعنى الأوّل المسجد الحرام الكعبة، والمعنى الثاني المسجد الحرام أي المسجد الحرام. 3 ـ المسجد الحرام أي الحرَم :
المعنى الثالث؛ المسجد الحرام أي الحرَم، الذي عنده كُتيِّبات عن مناسك الحجّ هناك رسْم بالمسجد الحرام، يبدأ من ينْبع، وينتهي بالجعرانة، أي أماكن الإحرام المنطقة أو الخطّ الذي مرّ بأماكن الإحرام هي الحرم، عندك كعبة، ومسجد حرام، وحرَم، فالحرم خطّ يمرّ بِكُلّ أماكن الإحرام في هذه البلاد المقدّسة، وهذا المكان اسمه الحرم.
4 ـ مكَّة المكرَّمة بِأكملها هي المسجد الحرام :
المعنى الرابع مكَّة المكرَّمة بِأكملها هي المسجد الحرام، والدليل: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
[ سورة الإسراء : 1]
5 ـ المواقيت :
المعنى الخامس، المواقيت، الحرم المحدّد بالمواقيت، إذًا من الكعبة إلى المسجد إلى مكَّة إلى المواقيت، في القرآن الكريم وفي السنّة ذِكْر المسجد الحرام يعني هذه الأشياء كلّها.
استقبال القبلة فرْض من فروض الصلاة لا تصِحّ الصلاة بدونها :
الآن السؤال الدقيق؛ هل يجب استقبال عَيْن الكعبة أم يُكتفى باستقبال جهتها؟ وأقول لكم: هذا موضع خلاف كبير بين المسلمين، وهذا لِتَخَلُّفهم يختلفوا على هذه الموضوعات، هل يجب استقبال عَيْن الكعبة أم يُكتفى باستقبال جهتها؟ استقبال القبلة فرْض من فروض الصلاة، لا تصِحّ الصلاة بدونها إلا ما جاء في صلاة الخوف والفزع، ومن صلاة النافلة على الدابة أو السفينة، ومن صلاة المريض، فقبلة المريض جهة راحته، وقبلة المسافر جهة دابَّته، وقبلة الخائف جهة أمْنِهِ، وهذه حالات استثنائيَّة، وما سِوى هذه الحالات القبلة نحو الكعبة، فكان عليه الصلاة والسلام يُصلِّي على راحلته حيثما توجَّهَتْ به، وفيها نزلَ قوله تعالى:
﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 115 ]
أما الخلاف هل الواجب استقبال عَين الكعبة أم جهتها؟ ذهب الشافعيَّة والحنابلة إلى أنَّ الواجب استقبال عَين الكعبة، وذهب المالكيَّة والأحناف إلى أنَّ الواجب استقبال جهة الكعبة، ولمّا أضعُ بين أيديكم الأدلّة ينشأ عند المؤمن ما يُسمَّى بالفكر الفقهي. أدلَّة الشافعيَّة والحنابلة الذين قالوا بِوُجوب استقبال عَين الكعبة :
أدلَّة الشافعيَّة والحنابلة، الذين قالوا بِوُجوب استقبال عَين الكعبة، أوَّل دليل قول الله عز وجل:
﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
وجْه الاستدلال أنَّ المُراد من الشَّطر الجهة المُحاذِيَة للمصلّي، والواقعة في سمته، فثَبَتَ أنَّ استقبال عَين الكعبة واجب، هذا أوّل دليل، وأما في السنّة ففيما رُوِي عن أسامة بن زيْد أنَّه قال: "لمَّا دخل النبي البيت دعا في نواحيه كلّها، ولمْ يُصلّ حتى خرج منه، فلمَّا خرجَ صلَّى ركعتين في قِبَل الكعبة، وقال: هذه القبلة، فهذه الكلمة تفيد الحصر، فثبتَ أنَّه لا قبلة إلا عَين الكعبة، وأما القياس فأنّ مبالغة النبي في تعظيم الكعبة أمْرٌ بلغَ مَبْلغ التواتر، والصلاة من أعظم شعائر الدِّين، وتوقيف صِحَّتها على استقبال عَين الكعبة يوجِبُ مزيد الشَّرَف، فوَجَب أن يكون مشروعًا، وقالوا أيضًا: كَون الكعبة عَينُ القبلة أمْرٌ مقطوعٌ به، وكوْنُ غيرها قبلة أمْرٌ مشْكوك فيه، ورعاية الاحتياط في الصلاة أمْرٌ واجب، فوَجَب توقيف صحَّة الصَّلاة على استقبال عَين الكعبة، هذه حجَّة من الكتاب والسنَّة، ومن فِعْل النبي عليه الصلاة والسلام والقياس، هذه أدلَّة الشافعِيَّة والحنابلة. أدلَّة المالكِيَّة والأحناف :
الآن أدلَّة المالكِيَّة والأحناف، أما الكتاب فظاهر في قوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 144 ]
ولمْ يقل شطْر الكعبة، فإنَّ من استقبل الجانب الذي فيه المسجد فقد أتى بما أمر الله سواء أصاب عَين الكعبة أم لا، توجَّهْت نحو المسجد، وهو كبير جدًّاً، يُشكِّل خطًّاً وجهةً فأيّ مسجد في الأرض ولو اختلف درجتين أو ثلاث إذا حسبْنا على جهة الكعبة فلا مشكلة. البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم :
وأما السنَّة فقَوْل النبي الكريم:
((ما بين المشرق والمغرب قبلة))
[ ابن كثير عن أبي هريرة]
فمعنى القبلة خط تمتدّ من الشرق إلى الغرب، ففي أيّ مكان أنت في العالم إذا اتَّجهت نحو هذا الخطّ؛ نحْوَ الجنوب فقد اتَّجَهْت إلى الكعبة، كلام لطيف، وهناك حديث آخر: ((البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرَم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها و مغاربها))
[ ابن كثير عن ابن عباس]
منطقة الحرَم كلّها منطقة كبيرة جدًّاً، طولها مئة وأربعون كيلو متراً، بين حدود المدينة المنوَّرة وحدود جدَّة، إلى حدود الجنوب، وإلى الشمال، منطقة على شكل إجَّاصة، كلّ هذه المنطقة هي جهة القبلة، وهكذا قال النبي، فبناء الكعبة قبلة لأهل المسجد، طبعًا ثابتٌ إذا كنت في المسجد، في الحرَم يجب أن تتَّجِه إلى عَين الكعبة، كلّ إنسان حجَّ أو اعْتمر، يجد خطوطاً زرقاء منْحَنِيَة في كلّ الحَرم، من أجل أن تقف باتِّجاه الكعبة تمامًا، فإذا كنت داخل المسجد الحرام يجب أن تتَّجه نحو عين الكعبة، فالبيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم كلّه قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمَّتي، وهذا القول قويّ جدًّاً. رَوْعة الإسلام أنَّ كلّ المسلمين متوحِّدون يتَّجهون جميعًا في صلاتهم إلى بيت واحد :
قال: وأما عمل الصحابة فهو أنَّ أهل مسجد قِباء - دقِّقوا في ورع أصحاب رسول الله - كانوا في صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين البيت المقدس، مستدبرين الكعبة، المدينة بالشمال، فإذا اتَّجهوا نحو البيت المقدس اسْتقبلوا البيت المقدس، واسْتدْبروا الكعبة، وهذا اسمهُ مسجد القبلتين، والقبلتين متعاكستين، سمعْتُ مجدَّداً ألْغَوا قبلة المسجد الأقصى فيجب أن يصلِّي الإنسان مرَّةً هنا، ومرَّةً هنا وهذا خلاف السنَّة، فلكي لا يقع أحد الإشكال ألْغَوا القبلة في اتّجاه المسجد الأقصى، فقال: كان بعض الصحابة بالمدينة في صلاة الصبح مستقبلين بيت المقدس مستدبرين الكعبة فقيل لهم: إنَّ القبلة قدّ حُوِّلَت إلى الكعبة وهم في الصلاة، فاسْتداروا وهم في الصلاة مئة وثمانين درجة، من غير طلب دلالة، ولمْ يُنْكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلّم، فهل يستطيعون من غير بوصلة، ومن دون إحداثيات، ومن دون علم طوبوغرافيا أن يتوجَّهوا إلى عين الكعبة ؟ مستحيلٌ هذا! فتوجَّهوا نحو الجنوب اجْتهادًا، قال: النبي ما أنكر عليهم ذلك، وسُمِّيَ مسجدهم بِمَسْجد القبلتين، ومعرفة الكعبة لا تُعرف إلا بأدلَّة هندسيّة يطول النَّظر فيها، أما الآن فأُطمئنكم والحمد لله، إدارة المساحة صنَعَت خارطة للقبلة، أيّ مسجد في أيّ مكان في بلادنا يأتي خبراء من هذه الإدارة، ويضعون خطًا يتَّجه إلى عَين الكعبة احْتِياطًا، وبيوت الله الحديثة جدًّاً، قبلتها على مستوى الدَّرجات! وهذا شيء جديد والخارطة عندي، خارطة سَمْت الكعبة، فأيّ مسجد ينشأ الآن بإشارة من إدارة المساحة يأتي خبير، ويرسم الخطّ الذي يتَّجِه سَمْتهُ إلى عين الكعبة احتياطًا، فكيف أدركوها في عَين الصلاة؟ وفي ظلمة الليل؟ فالجهة إلى عَين الكعبة غير مطلوب، والمطلوب التَّوَجّه إلى الجنوب.
قال: وأما المعقول فيتعذَّر ضبط عين الكعبة عن قريب من مكَّة فكيف بالذي هو في أقاصي الدنيا من مشارق الأرض ومغاربها؟ ولو كان استقبال عَين الكعبة واجبًا لوَجَبَ أن لا تصحّ صلاة واحدٍ قطّ! لأنّ أهل المشرق وأهل المغرب يستحيل أن يقفوا في محاذاة نيِّف وعشرين ذراعًا من الكعبة، ولا بدّ أن يكون بعضهم قد توجَّه إلى جهة الكعبة، ولم يُصِبْ عيْنها فالتَّرجيح أنَّ رأي المالكيَّة والأحناف أقوى بِكَثير، ودفْعًا للفِتَن والمشاحنات وللأخذ والردّ، يجب أن نعدّ مع السادة المالكيَّة والأحناف أنَّ جهة الكعبة هي جهة الجنوب، خطّ ممتدّ بين المشرق والمغرب يمثّل جهة الكعبة، والقضيَّة اعْتِباريَّة، القضيّة أنَّ كلّ المسلمين يتَّجهون إلى مكان واحدٍ هذا شيء رائع، وهذا نظام، فرَوْعة الإسلام أنَّ كلّ المسلمين متوحِّدون، ومن علامات توحُّدهم أنَّهم يتَّجهون جميعًا في صلاتهم إلى بيت واحد.

حُكم الصلاة على الكعبة يُشْبهُ حكم صلاة المسافر في الطائرة :
هناك حكمان لطيفان؛ هل تصحّ الصلاة فوق ظهر الكعبة؟ بِرَبِّكم هل رأيْتم في كلّ حياتكم إنساناً جاء بِسُلَّم، أو سُمِحَ له لِيَصْعد إلى سقف الكعبة فيُصلِّي عليها؟ والسؤال الدقيق الثاني؛ إذا كنت في الطائرة ألسْت فوق الكعبة؟ ما الحكم إذًا؟! الجواب الدقيق أنَّ القبلة هي حزْمةٌ تصعد من أعماق الأرض إلى أعالي السماء، وهذه هي القبلة، فإذا كنت في طائرة وتوجَّهْت نحو الكعبة لا نحو عَينها أرضًا بل نحو خطِّها علوًّاً، لم يكن هناك طائرة، لذا حُكم الصلاة على الكعبة يُشْبهُ حكم صلاة المسافر في الطائرة، هو فوقها وأعلى منها، ولا يمكن أن تنظر إليها نظْرة علوّ، قال: الكعبة حدودها من أعماق الأرض إلى أعالي السماء، فأيّ مكان في الجوّ إذا توجَّهْت نحو الكعبة أيْ إلى عمود خارجٍ منها إلى أعالي السماء تصح صلاتك، هذا الحكم.
قال: القبلة هي الجهة من قرار الأرض إلى عنان السماء، هذه هي الكعبة لذلك يصحّ الطواف بالطابق الثاني في الحجّ، لأنَّ الكعبة من تحت، ويصحّ الطواف على السطح، عندنا طابق أوَّل أرضي، وطابق أوّل، وسطح، بكلّ هذه الطوابق يصحّ الطواف، من أعماق الأرض إلى عنان السماء.

كيفية النَّظر في الصلاة :
آخر شيءٍ، قال: المصلِّي وهو في الصلاة، إلى أين ينظر؟ يسْتحبّ أن يكون نظر المصلِّي إلى مَوضع سُجوده، في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدَمَيه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى موضع حجْرهِ، وهذا نظر المُصلّي في الصلاة.
هناك استثناء، إذا كنت تُصلّي في المسجد الحرام ينبغي أن تنظر إلى الكعبة، إلى عَينها، إذا الواحد أتيح له أن يحج أو يعتمر، وصلى في المَسْعى، فالحقيقة النَّظر إلى الكعبة شيءٌ لا يوصف من الجمال، أن تنظر إلى عَين الكعبة في الصلاة، لا يجد عَين الكعبة في النظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدَمَيه، وفي السجود إلى موضع أنفه وفي القعود إلى موضع حجْرهِ.

الصَّلاة وحدها تجمعُ أركان الإسلام كلّها :
أيها الأخوة الكرام، حكمة هذه الآية أنَّها توحِّدُ المسلمين، وقال العلماء في ختام هذا الدرس: هناك بالصلاة معنى الصيام، ومعنى الحج، ومعنى الشهادة، ومعنى الزكاة.
الصَّلاة وحدها تجمعُ أركان الإسلام كلّها، معنى الحجّ أنَّك في الصلاة تتوجَّه إلى البيت الحرام، ومعنى الزكاة أنَّك تقتطعُ من وقتك الثمين وقْتًا لِتُصلِّي، والوقت أصْلٌ في كسْب المال، إذا لم يوجد وقت لا يوجد كسْب مال، ومعنى الصِّيام أنَّك تمتنع عن الطّعام والشراب الصلاة أبلغ تمتنع عن الطعام والشراب والحركة والكلام، ففي الصلاة معنى الصيام، ومعنى الحج، ومعنى الزكاة، ومعنى الشهادة، أشهد أن لا إله إلا الله، في القعود الأخير، فالصلاة وحدها جمَعَت أركان الإسلام كلّها، وهي باتِّجاه الكعبة، لذا الإنسان إذا طُرق بابه وكان هناك خبْطاً شديداً وهو في أوَّل ركعة ماذا يفعل؟ إذا بإمكانه فتْح الباب، والرجوع إلى مكانه دون أن يتكلّم كلمة صلاته صحيحة شرط أن يبقى متَّجِهًا نحْو الكعبة، إذا الباب أمامك يمكن أن تفتحهُ وترجه، وإذا خلفك يمكن أن ترجع شرط البقاء متَّجِهًا نحو الكعبة، معنى ذلك التَّوجّه نحو الكعبة شرط في صحَّة الصلاة، والصَّلاة لا تصحّ إلا في حالات نادرة، راكب بالطائرة من دمشق إلى حلب أو موسكو باتِّجاه الشمال، وأردْت أن تُصلِّي صلاةً نافلةً، نقول لك: أيُّها المسافر قبلتك جهة الطائرة: إنسانٌ وضَعوهُ باتِّجاه الشمال، ومُستلق، وعمليَّة جراحِيَّة ولا يستطيع الحركة، نقول له: أيها المريض قبلتك جهة راحتك، وإنسان يلْحقُه عدوّ شرس من الجنوب فتوجَّه نحْو الشمال، نقول له أنت أيّها الهارِب قبلتك جهة أمنك، وجهة دابَّتك، وجهة راحتك؛ هذه هي الاستثناءات، وما سوى ذلك لا بدّ من أن تتَّجِه لا إلى عَيْن الكعبة بل إلى جهة الكعبة، وأدلَّة السادة المالكيَّة والأحناف أقْوى بِكثير من أدلَّة الشافعيَّة والحنابلة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علّمنا، وأن يلهمنا الصواب والخير.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:06 PM   #15


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع :الحجر على مال السفية - سورة النساء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
من هو السفيه ؟
أيها الأخوة الكرام، نحن مع دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾
[ سورة النساء: 5-6 ]
أيها الأخوة، حينما يقول الله عز وجل ولا تُأتوا السفهاء! من هو السفيه؟ أصلُ السَّفَه في اللّغة الخفَّة والحركة، رجلٌ سفيه إذا كان ناقص العقل، خفيف الحلم، أو الذي لا يُحْسن التَّصرّف، أو يبذِّر ماله في غير الطُّرق المشروعة، هذا هو السفيه.
وفي قاموس الكشاف، السُّفهاء المبذِّرون، الذين يبذِّرون أموالهم وينفقونها فيما لا ينبغي، ولا يد لهم بإصلاحها، وتثميرها، والتَّصرّف فيها.
المال قِوام الحياة الدنيا والآخرة :
أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أي جعَل الله بأموالهم قيامًا، فالمال أساسي في الحياة، فبالمال تتزوَّج، وبالمال تشتري بيتًا، وبالمال تنفق على نفسك، وعلى أهلك، وعلى أولادك، بالمال تنفق في سبيل الله، وبالمال ترقى، فكأنَّ المال قِوام الحياة الدنيا والآخرة لذلك جعله الله قيامًا، والقيام قالوا واحد قوَّمَهُ أو قيَّمَهُ أي ثمَّنَهُ، قوامًا وقيامًا بمعنى واحد، أي المال قوام الحياة، قوام الحياة الدنيا ووسيلةٌ إلى الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أنت يمكن أن تقوم حياتك بالمال، شابّ حقَّق خبرةً معيَّنة، ووصلَ إلى عمل، وفي هذا العمل دخْل خطَب، تزوَّج، استأجر بيتًا، أنفقَ على زوجته، وجاءهُ أولاد، وربَّاهُم، أسَّسَ أسرة، فهذا المال الذي كسبَهُ مبارك، قوامُ حياته، وقوام أسرته، لذلك أيّ إنسان يقلِّل قيمة المال بين أيدي الناس يُحاسبُه الله تعالى حِسابًا عسيرًا، أيّ إنسان يُقلِّل القوَّة الشِّرائيَّة للمال بِجَشعٍ شخصي يُحاسبهُ الله حسابًا عسيرًا، لأنَّه عطّل أخطَر قيمة للمال، وهي قِوام الحياة. الله جلّ جلاله نهانا في الآية التالية أن نُمَكِّن السفهاء من التَّصرّف بمالنا :
من هو السَّفيه؟ هو الذي ينفقُ مالهُ بلا حِكمةٍ، وبلا تبصُّرٍ، لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أيها الأخوة، الله جلّ جلاله نهانا في هذه الآية أن نُمَكِّن السفهاء من التَّصرّف بمالنا، والسفهاء هم الصِّغار، أو النِّساء غير العاقلات، أو الرجل الذي فقدَ عقله، أو اخْتلّ تصرّفهُ، أو بدَّد ماله، فإما أنَّه طفل صغير، وإما أنَّها امرأة خرقاء، وإما رجلٌ اخْتلّ، هذا هو السَّفيه، والسَّفيه هو الذي لا يحسنُ التَّصرّف، والسَّفيه الذي يُبدِّدُ ماله بلا طائل، وسيأتي معنا بعد قليل السَّفيه يحجَر على تصرّفاته.
أما حينما يكبر هذا اليتيم، وهذا الصغير، وتأنَسُ منه رُشدًا، وعقلاً، وحكمةً، فيجب أن تؤدِّيَ له مالهُ،
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾
أي الصغار ﴿ أَمْوَالَكُمُ ﴾
التي جعلها الله لكم قيامًا، ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾
فيها سيأتي بعد قليل أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام وجَّهنا أنْ نتَّجِر بأموال اليتامى، لئلا تأكلها الزكاة، يجب أن نُطعم اليتيم لا من أصل ماله بل من ريْع ماله، لم يقل تعالى وارزقوهم منها، من التبعيض، ولكن قال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾
وفرْق كبير بين أن نرزقهم منها، نقتلع من أصل المال مالاً ننفقه عليهم، وبين أن نرزقهم فيها، أيْ أن نأخذ من رَيْع المال مالاً ننفقُه عليهم، ويبقى أصل المال صحيحاً، قال تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
أيْ بلغوا التكليف، بإمكانه أن يتزوّج، وقد خضع للأمر والنَّهي، صار بالغًا بالمعنى البيولوجي، وبالمعنى الشرعي. من لمس من اليتيم عقلاً وحكمةً وحُسْن تصرّف فعليه أن يرد له ماله :
قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
يجب أن يُضاف إلى سنّهم سنّ البلوغ أن تأْنسَ منهم رشْدًا، وهذه أوَّل إشارة بالقرآن إلى ما يسمى بالعُمر العقلي، والعمر الزَّمني، قد يكون هذا الطّفل في الثالثة عشرة وعقلهُ في التاسعة، العلماء الآن يقولون: الإنسان له عمْر زمني، وهو أتفَهُ أعماره، وله عُمْر عقلي، وهناك رواكز لهذا العمر، قال تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
هذا السن الفيزيولوجي، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
عقلاً وحكمةً وحُسْن تصرّف، قال تعالى: ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
النهي عن الإسراف في أموال اليتامى :
إنسان معه مال يتيم ينفق منه ما يشاء، يقيمُ الولائم، بعض الورعين، لا يأكلون في بيتٍ فيه متوفَّى‍! لأنَّ هذا المال لم يعُدْ للمُتَوَفّى، وصار لأولاده القُصَّر، فلا معنى أن نأكل من وليمة بِمَال أيتام قُصَّر، قال تعالى:
﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
تنفق منها بِقدْر ما تستطيع، حتى إذا كبر هذا اليتيم قلت له: انتهى مالك، أنفقْتهُ عليك. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
وسأشرحُ بعد قليل ماذا يعني أن تأكل بالمعروف؟ على الإنسان أن يوثّق كل شيء :
قال تعالى:
﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
لعلَّه يقول: لم آخُذْ منك مالي، وهذا الحكم ينسحِب على حالات كثيرة جدًّاً وثِّقْ كلّ شيء، إنْ وثَّقْتَ كلّ شيء لن تصل إلى المحاكم، ولن تصل إلى قصر العدل، وثِّقْ كلّ شيء قال تعالى: ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا* لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾
[ سورة النساء: 6-7 ]
أسباب نزول الآية التالية :
أيها الأخوة، أسباب نزول هذه الآية، كان أهل الجاهلية لا يُورِّثون النِّساء ولا الوِلْدان الصغار شيئًا، والآن في بعض القرى، وفي بعض الأرياف لا يُورِّثون البنت إطلاقًا وهذا مخالف للشريعة، ومن غيَّرَ منهج الله عز وجل في الميراث فله عذاب عظيم، لا يورِّثون البنات إطلاقًا، وهذا فِعْل أهل الجاهليّة، ولا الوِلدان الصغار شيئًا، ويجعلون الميراث للرجال الكبار، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى:
﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
ورُويَ عن ابن عباس أنَّه قال: "كان أهل الجاهليّة لا يورِّثون البنات ولا الصِّغار الذكور حتى يُدْركوا، فمات رجلٌ من الأنصار يُقال له أوْسُ بن ثابت، وتركَ ابنَتَين، وابْنًا صغيرًا، فجاء ابنا عمِّه فأخذا ميراثهُ كلّه، فقالَت امرأتهُ لهما: تزوَّجا بهما، وكان بهما دمامةٌ فأبيَا، فأتتْ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأخبرتهُ فنزَلَت الآية: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
لا تُحرِّكا من الميراث شيئاً فقد أُخبرْت أنَّ للذَّكر والأنثى نصيبًا. كلُّ إنسان عليه أن يتَّبعَ منهَجَ الله في تَوْريث أمواله :
ثمّ نزل قول الله تعالى:
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾
[ سورة النساء: 11 ]
نقف عند هذه النقطة قليلاً؛ أيّ رجل مسلم يفكِّر أن يُعطي الذكور، ويحرم الإناث، فقد وقعَ في إثمٍ كبير، وقد يلقى الله وهو عليه غضبان، وقد يعبدُ الله ستِّين عامًا، فإذا أضرَّ بالوَصِيَّة تجبُ له النار، والإنسان قبل أن يُغيِّر منْهج الله في الميراث لِيُفَكِّر كثيرًا، لِيَتَأمَّل مليًّاً لأنّ الله له بالمرصاد، سيَلقى الله، كيف تلقى الله وأنت ظالم؟ الله أعطى هذه البنت وتحرمها أنت؟ ما الحجَّة في ذلك؟ يقول لك: لكي لا يذهب المال إلى الصِّهْر، مَن هو الصِّهْر؟ زوْجها، وهو أقرب الناس إليها، وما شأنك به أنت؟ أنا لا أتكلّم من فراغ، إنسانٌ تركَ ثرْوَةً خياليَّة، وله سبع بنات وابن، الابن أخذ من كلّ إخوته البنات وكالة عامَّة، ولم يعْطهم من هذا المال شيئًا‍! الأخوة الذكور يُهَيْمِنون على الإرث ويأخذون معظمه، هذا ظلمٌ شديد، والإسلام منهجٌ كامل، إيَّاك أن تظنّ أنَّ الإسلام صلاة فقط، وعبادات شعائريّة فقط، إنَّه معاملات، والدِّين المعاملة فكلُّ إنسان عليه أن يتَّبعَ منهَجَ الله في تَوْريث أمواله وفْقَ ما أمر الله. من لطائف التفسير :
1 ـ أن هذا المال مال المجموع :
لطائف هذا التفسير، قال تعالى في آية اليوم:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾
[ سورة النساء: 5]
ماذا قال؟ أموالكم، المعنى الدقيق ليس هكذا؛ ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، عندك طفلٌ صغير ورث عن أبيه مبلغًا كبيرًا، هذا الطّفل سفيه أو امرأة حمقاء لا ينبغي أن تضعَ المال بين يديها، تنفقه على زينتها، وتحرمُ أولادها، رجلٌ اخْتلَّ عقلهُ، وبيَدِهِ مالٌ وفير، وله أولاد كثيرون، فبالأصل: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، لكن هذه اللَّطيفة القرآنيّة، واللَّطيفة البلاغيَّة أيْ هذا المال مال المجموع، مثلاً: هذه المدينة فيها كتلة نقديّة ينتفعُ بها المجموع، كيف؟ إذا وُظِّفَت في التِّجارة انتفَعَ بها مئات ألوف الناس، إن وُظِّفَت في الصِّناعة انتفَعَ بها مئات الألوف، إن وظِّفَت في الزراعة انتفع بها مئات الألوف، أما إذا أخذها صاحبها، أصحاب الأموال الطائلة أخذوا أموالهم، ووضعوها في بلاد الغرب، وأنفقوا رَيْعَهَا على ملاذّهم وشهواتهم، حرموا منها هذه الأمَّة، فهو في الأصل لك، ولكن ينبغي أن تنفقهُ في الطُّرق المشروعة حتى ينتفعَ منه الناس جميعًا، إنسان معه مئة مليون، أسَّس مشروعًا، ويحتاج إلى ثمانمئة موظَّف، وظَّفَ العمّال، وأصبح لهؤلاء العمَّال دخْل ثابت، بحثوا عن زوجات، وتزوَّجوا وسكنوا في بيوت، أنجبوا أولاداً، ثمانمئة أسرة أُسِّسَتْ من هذا المعمل الذي أُنفقَ المال فيه، فنحن نقول: هذا المعمل لفلان، إلا أنَّ النَّفْع كان عميمًا، فكأنَّ المسلمين جميعًا مشتركون في منفعة المال بِطَريقة غير مباشرة، يقول لك: هذا المعمل حقَّق خمسمئة وظيفة، يُسمُّونها فرْصة عمل، فإذا كانت الأموال التي يملكها الأفراد الأغنياء وُظِّفَت في مشاريع حيويَّة، وأساسيَّة، ونافعة، مع أنّ هذا الغنيّ يملك هذا المعمل، وله أرباحٌ طائلة، إلا أنّ أُناسًا كثيرين انتفعوا من هذا المال، إذًا كلّ هذا المعنى ينطوي بِكَلمة؛ ولا تؤتوا السفهاء؛ ما قال أموالهم وإنَّما أموالكم، فأنتم لا تملكون هذا المال، وهو ملْكهم، ولكنَّه نُسِبَ إلى الأوصِياء نِسْبة نفْعٍ عامّ فأنت لك نصيبٌ من هذا المال، أما هذا الغنيّ فأنشأ معمَلاً، وظَّفَ أُناسًا، طرحَ سلْعةً في السوق رخيصة، انتفعَ بها الناس، واشتراها معظم الناس، حقَّقَتْ لهم حاجات، سدَّت حاجات، كلّ هذه المعاني بكلمة ولا تؤتوا السفهاء أموالكم. مال أخيك هو مالك من زاوية وجوب المحافظة عليه :
هناك معنى آخر، قال تعالى:
﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[ سورة النساء: 5]
لِمَ لمْ يقل الله عز وجل: ولا تأكلوا أموال بعضكم؟ قال: ولا تأكلوا أموالكم، لأنّ مال أخيك هو مالك، من زاوية واحدة، من زاوية وجوب المحافظة عليه يجب أن تحافظ عليه وكأنَّه مالك، فلأَن تمْتَنِعَ عن أكله بالحرام من باب أولى، فهذه لطائف بلاغِيَّة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾
[ سورة النساء: 29]
إذا الإنسان المؤمن قتل أخاه فقد قتل نفسه، ضعَّفَ المجتمع، وأوْرثَ حِقْدًا، وربَّما قتل ثأْرًا، ربّما قتلَ حدًّاً، فإذا قتلْت أخاك فقد قتلْت نفسكَ، قال تعالى: ﴿ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾
[ سورة النساء: 29]
فهذا القرآن كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه، كفَضْل الله على خلقه ويمكن أن تستنبط من كلام الله حِكَمًا لا تنتهي، ولطائف لا تنتهي وهذه أوَّل لطيفة. المال مِلْكُ جميع المسلمين بالنَّفع غير المباشر :
المال مِلْكُ جميع المسلمين بالنَّفع غير المباشر، النَّفعُ المباشر ملك صاحبه، أما بالنَّفع غير المباشر فمِلْك جميع المسلمين، والفِكرة واضحة، غَنِيَّان مع كلّ واحد مئة مليون، أحد الغنيَّيْن وضع أمواله في بنك في أمريكا، فقد يملكهُ يهودي، وأخذ الفوائد، وأنفقها على ملذَّاته، وعلى شهواته، ولم ينتفع أي إنسان في بلده، وإنسانٌ آخر أنشأ بها مشروعًا حَيوِيًّا في بلده، وظَّفَ ألفَ عاملٍ، وعرضَ سِلْعةً رخيصة، نافسَتْ السِّلَع المُستورَدة، فالناس اشْتَرَوا هذه السّلعة بسِعْر معتدلٍ، وغطَّت حاجاتهم، أنت انتفعْتَ انتفاعًا غير مباشر من مال أخيك، وهذا المال ربح أرباحًا طائلة، وعليه زكاة، وزّع الزكاة على فقراء المسلمين، هذا دفعٌ ثالث، فكلّ أنواع الانتفاع غير المباشرة هذه حقَّقَت لكلّ المسلمين، أصابت كلّ المسلمين، أما صاحب المال المباشر، وصاحب المال بالذات فهو الذي يربح، دفع ضريبة، والذي وضع ماله في بلاد أجنبية ما دفع ضريبة، فالضريبة جاءت للخزانة، الدولة عليها نفقات، فدفع ضريبة، ودفع زكاة، وأمَّنَ مئة ألف فرْصة عمل، وطرح سلْعةً في السوق رخيصة ومعتدلة، وانتفع الناس، فالمعنى أنّ كلّ المسلمين انتفعوا بهذا المال بِشَكل غير مباشر، بالشكل المباشر صاحبهُ، بالشكل غير المباشر المسلمون، وبهذا الشكل غير المباشر قال تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 5]
أنتم لكم منها نصيب غير مباشر، لذلك هناك قاعدة إذا اغتنى أخوك فكأنَّما اغْتَنَيْت أنت، إذا حولك عشرة أشخاص كلّهم تحت الخطّ الأحمر، هؤلاء عبءٌ عليك، أما إذا كانوا جميعًا فوق الخطّ الأحمر، فهؤلاء هم دَعْمٌ لك، إذا أخوك اغتنى دعمك، وإذا افتقر حمَّلك ما لا تُطيق، فإذا اغتنى أخوك فكأنَّما اغْتنيْت أنت، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
[ سورة النساء: 5]
2 ـ الله عز وجل سمَّى المال قيامًا :
الآن، الله عز وجل سمَّى المال قيامًا، فالمال وسيلة هدفه أن تقوم حياتك عليه فقوام الحياة مسبّب، والمال سبب، سُمِّيَ الشيء بنتائجِهِ، قد تقول: رعَينا الغيث، أنت ترعى الكلأ، سُقْت غنمك فرعَت الكلأ، أنت ماذا قلت: رعيْت الغيث، سمَّيْت الشيء بِسَببه، هذا الكلأ سببه المطر، رعينا الغيث سمَّيت هذا الشيء بسببه، أما هذا المال فلا تأكلوا أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا، أي جعلها الله قيامًا لكم، سمَّينا الشيء بِنتائجه، هذا من المجاز العقلي في البلاغة، أن تُسمِّيَ الشيء بنَتيجته، أو أن تُسمِّيَ الشيء بسَببِهِ، أو أن تسمِّيَ الشيء بمكانه، أقرّ مجلس الوزراء، باللغة المجلس مكان الجلوس، خمسون كرسياً اجتمعوا أم أنّ الوزراء أقرّوا؟! هذا مجاز عقلي، إذا قلت: أقرّ مجلس الوزراء هذا المرسوم أي أنّ الذين على هذه الكراسي سمّينا الإنسان بمكان جلوسه، قال تعالى:
﴿ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾
[ سورة يوسف: 82]
القرية لا تسأل، واسأل أهل القرية، هذا مجاز عقلي، فإما أن تعبِّر عن الشيء بسببه، أو بِنَتيجته، أو بمكانه، أو بزمانه، لذلك الآية هنا، لمَّا كان المال سبباً بِبَقاء الإنسان، وقيام شؤون حياته، ومعاشه، سمَّاه الله تعالى بالقيام إطلاقًا لاسم المُسبَّب على السَّبب على سبيل المبالغة، وكان السَّلَف الصالح يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أتركَ مالاً يُحاسبني الله عليه خيرٌ من أن أحتاج الناس، أحيانًا الإنسان يضجر من المال لكنّ المال يُحقّق لك كرامتك، فأَن تتْعبَ في تحصيله، وأن تتْعب في تنميَّته، وفي استثماره، أفضل ألف مرّة من أن تُذلّ عند حاجته.
3 ـ أن يتمتع صاحب المال بحكمة لينفق ماله :
اللّطيفة الثالثة ؛ قال تعالى:
﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
ما قال آنستم منهم الرشد لأنّه لا يوجد من بلغ الرشد كلّه، معناها لو بلغ الثمانين لا يُعطى له ماله، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
نكِرَة، أيْ حكمة في إنفاق المال، أما يا ترى حكيم بِملبسه ومأكله، أذواقه عالِيَة، وتصرّفاته راقيَة، مواقفه عالِيَة، مستحيل أن يصل إلى الرشد المطلق، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
أي حكمةً في إنفاق هذا المال، قال تعالى: ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
بين الرشد وبين رشدًا مسافة كبيرة جدًّا، هذه اللطيفة الثالثة.
4 ـ إن كان الرجل غنيًا فلْيستعفف و ليستثمر المال من دون فوائد :
اللطيفة الرابعة، الله عزّ وجل قال:
﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
طبعًا يسْتَعْفِف من الفعْل عفَّ، أما عفَّ شيء واستعفّ شيء آخر، فعفَّ فِعْل أما اسْتعفَّ طلبَ العفَّة، العفَّة حينما تُطلب غير حينما تقع دون طلب، إنسان صدْفةً عثرَ على هذا الشيخ، أما إذا طلبه، وجهد في الوُصول إليه فهذا أبْلغ، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
مال اليتيم موضوع للاستثمار في يد رجل، إن كان الرجل غنيًا فلْيستعفف يجب أن يستثمره له مجَّانًا من دون فوائد، ومن دون أرباح، ومن كان غنيًّا فليستعفف، ما يكون عفيفًا صدفة، وما تكون عفَّتهُ طارئة، ومن دون قصْد، فلْيَسْتعْففْ أي فلْيَطلب العفَّة، ولْيَحْرص عليها، ولْيتثبَّتْ منها فلْتَكن أمامه، وهدفًا له، فلْيَسْتعفف. تفسير الأكل بالمعروف :
قال تعالى:
﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
أدقّ تفسير للأكل بالمعروف أن تأخذ أجْر المثل أو حاجتك أيّهما أقلّ، وضعَ معك اليتيم مئة ألف، الاتّفاق نصف للمال، ونصف للجهد، ربحهُ بالسنة ثلاثون ألفًا، لك أنت خمسة عشر ألفًا، خمسة عشر لا يكفونك لِمَصروف السَّنة، لكن يجب أن تأخذ خمسة عشر ألفًا للسنة، هذا هو أجر المثل، أما إن وضع عندك مليونًا، وربحه مئتا ألف، لك مئة ألف، فأنت تكفيك خمسة عشر ألفًا بالشَّهر مثلاً، يجب أن تأخذ حاجتك، الآن إذا كان الرّبح أكثر من حاجتك تأخذ حاجتك، وإذا كان أجر المثل أقلّ من حاجتك تأخذ أجر المثل، وهذا معنى فلْيأكل بالمعروف، إما أن تأخذ أجر المثل وإما أن تأخذ حاجتك أيّهما أقلّ، إن كنتَ غنيًّاً ينبغي أن تتعفَّف عن أكْل أموال اليتامى، ولو كان بالحقّ، وإن كنتَ فقيرًا يجب أن تأكل بالمعروف.
رُويَ أنَّ رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا رسول الله إنّ في حجري مال يتيم أفآكل من ماله؟ فقال: بالمعروف، غير متأثّل مالاً، ولا واقٍ مالكَ بِمَالِهِ، ما هذا المعنى الدقيق؟ متأثّل أي أن تأخذ بغير حقّ، أما ولا واقٍ مالَك بِمَاله، فلو كنتَ تاجرَ أقمشةٍ هناك أنواع أرباحها ثابتة ومعروفة، ورائجة، وتُباعُ دائمًا، كأنّها مبلغٌ من المال ومطلوبة دائمًا وبالتعبير العامي بيَّاعة! إذا كان له أقمشةً من هذا النوع كأنّ له مالاً، بيعُها سهل، لا إشكال، أرباحها جيّدة، وهناك نوعٌ من القماش وهو جميلٌ جدًّاً، ولكن لم يدخل بعد إلى الأسواق، هناك احتمال الرّبح، واحتمال ألا يربح، ماذا يفعل التاجر غير المستقيم؟ معه مال أيتام، يشتري صفقة من هذا النوع الحرِج بهذا المال، فإن ربحَ أرباحًا طائلة أدْخل ماله الأساسي في مثل هذه الصّدقات، فجعل هذه الصَّفْقة حقلاً للتجربة، فإذا خسر يقول: لا يوجد نصيب، ونحن سعينا، لكنْ من يعلم أنَّك اسْتخدمتَ هذا المال للتجربة، جعلته حقل تجارب، وجعلتهُ جس نبْض للأسواق، ووسيلة للتَّعرّف على نوع البضاعة، وهذا لا يعلمهُ إلا الله، ولا تجعل مالك دون ماله، إذا أنت إيمانك قويّ، وورِع، ومعك مال يتيم تشتري بهذا المال الصَّفقة التي ترى أنّها أرْبح الصَّفقات، الصَّفْقة التي بيعها شبه محقّق، وأرباحها شبه مؤكّدة، هذا هو الورع، أما استخدام مال اليتيم في صفْقة لا يُدْرَى أترْبحُ أم تخسر، ليجسّ بها السوق، وتكون درءاً لماله، فهذا محرَّم، قال له: ولا واقٍ مالك بماله.
من كان فقيرًا فلْيَأكل بالمعروف :
سألهُ سؤال ثان: عندي يتيم أفأضربهُ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ممَّا كنت ضاربًا منه ولدك! الذي عنده من صلبه، ارتكب مخالفة كبيرة جدًّاً فضربهُ، يحقُّ لك أن تضرب اليتيم من الذَّنب الذي تضرب منه ولدك.
سمعتُ قصَّة، أنا لا أعتمدها، ولكن يُستأنس بها، امرأة لها أولاد، ولها أولاد من زوجها، فكانت تسقي أولاد زوجها نصف الكأس حليبًا ونصفه ماء، أما أولادها فالكأس كلّه حليب، أولادها حليب كامل الدّسَم أما أولاد زوجها فنصف الكأس حليب ممزوج مع الماء! أقرب الناس لهذه المرأة رآها في المنام مرّات عديدة وهي تحترق، وتقول له: الحليبات!! الظّلم شديد، إذًا قال تعالى:

﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء: 6 ]
العِفَّة مقصودة ومن كان فقيرًا فلْيَأكل بالمعروف. الحكمة من التفصيل و الإطناب في الآية التالية :
الآية الكريمة:
﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
لو أنّ الله تعالى قال: للرجال وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون المعنى نفسه، ولكن ماذا نستفيد من هذا التفصيل ومن هذا الإطناب؟ قال تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾
[ سورة النساء: 7 ]
مبالغة في العناية بالنساء، أيْ المرأة لها نصيب في الإرث كالرجل تمامًا، فجاءَت في جملة مستقرّة، للرجال نصيب وللنساء نصيب، أما لو قال: للرجال والنساء نصيب، فالمرأة ما استقلَّت بِجُملةٍ مسْتقلّة، فمن أجل العناية التامَّة ولِتَنبيه العرَب في الجاهليّ‍ة إلى أنّ عملهم غير صحيح، ذكر الله هذه اللطيفة في الآية. من أكبر الكبائر أكْل مال اليتيم :
شيءٌ آخر، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ﴾
[ سورة النساء: 10 ]
الإنسان يأكل في رأسه؟ يأكل في رجله؟ يأكل في بطنه؟ أنا أرى بِعَيني هذا شيءٌ بديهي، أنا أسمع بأُذني شيء بديهي، قال: هذه مبالغة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾
[ سورة النساء: 10 ]
مجاز عقلي، أي أكلوا طعامًا أوْدى بهم إلى النار، سمَّينا الشيء بِنَتيجَتِهِ، رعَيْتُ الغَيْث سمَّيْتُ الشيء بِسَببه، أكلْت النار، أي أكلتُ مالاً حرامًا أوْدى بي إلى النار، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 10 ]
لذلك من أكبر الكبائر أكْل مال اليتيم لذلك ربّنا عز وجل قال: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 32 ]
ابتعدوا عن أسبابه. الإنسان كلّما ضعف اشتدّ الإثم في ظلمه :
وقال: ولا تقربوا أموال اليتامى، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾
[ سورة الإسراء: 34]
أما هذا الوعيد الشديد لهؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى، قال: لأنَّه ضعيف، والإنسان كلّما ضعف اشتدّ الإثم في ظلمه، أما طفلٌ ضعيف!! مرَّةً كنت عند قصَّابٍ أشتري لحماً، جاء طفلٌ صغير يشتري لحمًا، طلب من اللَّحام- ويبْدو لمريضة - قطعة لحم نادرة ضمن العضلات واسمها الشَّهبايَة وهي طريَّة جدًّاً، هذا اللَّحام بحث له عنها، قطعها ونظَّفها وفرمها له وأعطاها له، أنا كبِرَ بِنَظري بِشَكل كبير؛ لأنَّه طفلٌ صغير لا يستطيع التَّمييز، ولا يوجد حتى من يُحاسبه، فكلّما ضعف الإنسان أمامك أصبح وكيلهُ الله تعالى، يمكن أن يكون القويّ وكيل نفسه، يناقشك ويطالبك ويتواقحُ معك، تخافُ منه، أما امرأة جاهلة تعطيها بضاعة سيّئة جدًّاً وأكثر الباعة فِسْقًا وفُجورًا فهؤلاء الذين يسْتغلُّون جهْل الشاري، ومن هنا ورد في الحديث: (( غبن المسترسل ربا، غبن المسترسل حرام ))
[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]
تستغلّ جهل الإنسان وضعفه، تعطيه بضاعة سيّئة بِسِعر عال، هذه خيانة. كلّما ضعف الطَّرف الآخر اشْتدّ الوعيد من الله على من ظلمه :
لذلك الله عز وجل قال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا ﴾
[ سورة النساء: 10]
هل يستطيع اليتيم أن يُحاسبك؟ هل يعرف أن يناقشك؟ أين الحسابات؟ وأين الصفقات؟ لا يعرف! هل يعرف أن يميِّز بين صفْقة وأخرى؟ لا يقدر أن يفعل شيئًا، فكلّما ضعف الطَّرف الآخر اشْتدّ الوعيد من الله على من ظلمه، لذلك ظُلم النِّساء كبير عند الله تعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى أصحابهُ في حجَّة الوداع بالضَّعيفين، المرأة واليتيم.
مثلاً تصوَّر بطلاً بالملاكمة، يصعد منصَّة مصارعة مع طفل عمره أربع سنوات أو أكثر، يضربهُ ضربًا يطرحهُ عشرة أمتار، والناس تصفِّق له!! الناس يصفِّقون لمبارزة من هو في وزنه وحجمه، فإذا كان هناك صراع بوَزن متساو كان هناك تصفيقاً، أما بطل بالمصارعة يضرب طفلاً عمره ثلاث سنوات ويسمّى بطلاً!! طبعًا مثل صارخ، وفي العلاقات الاجتماعيّة هناك كائن مثل الطفل، وهناك عملاق؛ حوت وديناصور فإذا أكل هذا الكبير هذا الصغير، هل يُعدُّ هذا شطارةً؟ لا، أبدًا، هذا ظلم، بطولتك مع الضُّعفاء أن تُنصفهم، والحقيقة الإنسان يخاف من شخصٍ لا ناصرَ له إلا الله، وكلّ إنسان يظلم الضعيف يكون ارتكبَ إثمًا كبيرًا.
كلما نما شعور الإنسان بالمسؤولية كان عند الله أعظم :
الإيمان قَيد الفتك، ولا يفتك مؤمن، كلَّما كان الطَّرف الثاني ضعيفاً يجب أن تعدّ للمليون قبل أن تظلمه، ويجب أن تعتقد أنّ الله تعالى خصمك، قال سيّدنا عمر بن عبد العزيز دخلَت عليه زوجته فاطمة فرأتْهُ يبكي على مُصلاّه، مالكَ تبْكي؟ فقال: دعيني وشأني، مالكَ تبْكي؟ فقال: دعيني وشأني، أصرَّتْ عليه، فقال: والله نظرتُ في الفقير الجائع، وابن السبيل، والكبير الضائع، يمكن ذكر عشرة نماذج أو خمسة عشر، الأرملة، واليتيم، والفقير، والشيخ الكبير، والعاجز، والمريض، قال: فعلمتُ أنّ الله تعالى سيَسْألُني عنهم جميعًا، وأنَّ خَصْمي دونهم رسول الله فلهذا أبكي، الإنسان مسؤول، سيّدنا عمر قال: والله لو تعثّرَت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها! لمَ لمْ تُصلح لها الطريق يا عمر؟ كلّما نما شعورك بالمسؤوليّة كنتَ أعظمَ عند الله، مسؤول عن هذا الطفل الصغير الذي أهْملْت تربيَّته، عن هذه الزوجة التي ظلمتها، وعن هذا الشريك الذي تجاوَزْت عليه، وعن هذا الجار الذي استضعفْته، أنت مسؤول.
الأحكام الشرعيّة من هذه الآية :
1 ـ المراد بالسّفهاء النساء والصغار والرجال المسرفون :
الآن الأحكام الشرعيّة من هذه الآية، قال: المراد بالسّفهاء الصِّبيان والأولاد الصّغار الذين لم يكتمل رشدهم، والمراد بالسفهاء النساء المسرفات، المرأة المسْرفة سفيهة، قد تشتري حاجات متْرفة وغاِليَة جدًّاً كي تتباهى، وتُحمِّلُ زوجها ما لا يطيق، هذه امرأة سفيهة، وبالمناسبة الذي ينفق مالهُ بلا جَدْوى يعدُّ سفيهًا، فأيّهما أثْمَن الوقت أم المال؟ الوقت، والدليل إذا الإنسان أُصيب بِمَرضٍ عُضال، وكانت هناك عمليّة تُجْرى ببَلَدٍ بعيد تكلّفُ ثمن بيته، واحتمال نجاحها ستون بالمئة، هل يتردَّد ثانيّة في بيْع بيته والسَّفر لإجراء هذه العمليّة؟ هو ماذا فعل؟ أنفقَ كلّ ما يملك قوام حياته من أجل أن يعيش سنوات معدودة، ثانية ؛ نقصه دسَّام لقلبه، زراعة كليَة، لذا مرَكَّبٌ في أعماق أعماقك أنّ الوقت أثْمن من المال بِدَليل تنفق المال كلّه من أجل أن يزداد عمرك سنوات معدودة، إذاً الذي ينفق المال بلا جدوى يُعَدُّ سفيهًا، فما حكم من ينفق الوقت بلا جدوى؟ أشدُّ سفاهةً، كلّ إنسان يضَيِّعُ الوقت...بالساعة الواحدة وراء لعبة الطاولة، ووراء المسلسلات، ووراء الشاشة، كلام فارغ، غيبة، نميمة، سهر، واختلاط، واستهلاك للوقت، واستهلاك رخيص مع المعاصي، هذا أشدّ سفاهةً، صراحةً لو أنّ أحدًا أمامك، وإن كان هذا المثل لا يعقل أن تراه أمامك، إنسان أخرج خمسين ألفًا، وجاء على الحاوِيَة وحرقها !! هل يمكن أن تحترم هذا الإنسان؟! مستحيل، تكون مجنونًا إن احترمتهُ، والله الذي ينفق وقتهُ بغير معرفة الله، وفي غير ما خلق له أشدّ انحرافًا من هذا الإنسان، الوقت أثْمَن من المال.
قال: المُراد بالسُّفهاء النّساء المسرفات، سواءً أَكُنَّ أزواجًا أو أمَّهات أو بنات.
شيءٌ آخر ؛ السّفهاء كلّ من لمْ يكن له عقلٌ يفي بِحِفظ المال صار السفيه رجلاً، والسفيه امرأة، والسفيه طفلاً، طبعًا الطّفل معذور لأنّه صغير؛ وهذه سفاهة خَلقِيَّة، أما المرأة المسرفة فهذه سفاهة كَسْبِيَّة، والرجل المُسرِف سفاهة كَسْبِيَّة، فالسّفهاء نساء وصغار ورجال.

2 ـ وُجوب الحجْر على السفيه :
الآن الحكم الشرعي الثاني؛ هل يُحْجر على السَّفيه؟ الفقهاء اسْتدلُّوا بهذه الآية على وُجوب الحجْر على السفيه، إذا الإنسان كان إنفاق ماله عَشْوائيًّاً يمكن أن يقدِّم أولاده أو أقرباءه شكوى إلى القاضي الشرعي فَيُصْدر أمرًا بالحَجْر على تصرُّفاته لأنَّه سفيه، ويُعَيَّن له وصِيٌّاً.
3 ـ بلوغ السنّ المعيّن مع العقل الراجح فقط في إنفاق المال :
النقطة الدقيقة هنا، قوله تعالى:
﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا ﴾
[ سورة النساء: 6]
هناك عمر عقلي، وعمر زمني، بلغَ سنَّ البلوغ، هذا عمر زمني، ثلاثة عشر عاماً، الآن نحتاج إلى العمر العقلي، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾
[ سورة النساء: 6]
هذه نقطة دقيقة جدًّاً، خالقنا بيَّن أنّ هناك عمر عقلي، وعمْر زمني، إنسان بلغَ ولم يكن راشدًا لا يُعطى مالهُ، عاقلٌ وغير بالغ هذا لا يُعْطى ماله، لا بدّ من أن يجتمعا؛ بلوغ السنّ المعيّن مع العقل الراجح فقط في إنفاق المال.
4 ـ الوصيّ الغني عليه أن يستعفف عن أكل أموال اليتامى والفقير ليأكل بالمعروف :
الحكم الرابع؛ هل يُباحُ للوصيّ أن يأكل من أموال اليتامى؟ الوصيّ الغني فلْيَستعفف، والوصي الفقير فلْيأكل بالمعروف، والمعروف حاجته أو أجر المثل أيّهما أقلّ.
هناك حكم فرعي، وهو أنَّ الوصيّ الفقير إذا أكل بالمعروف ثمَّ اغتنى فيما بعد عليه أن يعيد المال إلى اليتيم، هو ضامِنٌ لهذا المال، وكأنَّه أخذهُ قرْضًا، هذا حكم فرعي أيضًا.

5 ـ وُجوب الإحسان إلى اليتامى والخشْيَة عليهم :
أدقّ حكم في هذا الاعتداء على أموال اليتامى من الكبائر التي توجب عذاب النار، من هذه الأحكام وُجوب الإحسان إلى اليتامى، والخشْيَة عليهم كما يخشى الإنسان على أولاده من بعده.
تنفيذ حُكْم الميراث من ألْزَم لوازم المؤمن؛ أن تُشْهِدَ على تسليم اليتيم مالاً شهادة موثَّقة إيصال مع شُهود، أو بكاتب العدل.

6 ـ الإنفاق على اليتيم لا من أصل ماله بل من رَيْع ماله :
الإنفاق على اليتيم لا من أصل ماله بل من رَيْع ماله، وعدم اتِّخاذ مال اليتيم دريئة لِمَالك تجسّ به نبْض السوق، والحجْر على السفهاء من الأحكام الشرعيّة، هذا هو ديننا، دينٌ دقيق، فيه دِقّة بالغة، هذه آية السّفهاء، وأكل أموال اليتامى بالباطل.
من حضر قسمة الإرث فليعط شيئاً جبراً لخاطره :
ثمّ نختم هذا الدرس بهذه الآية الكريمة:
﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة النساء: 8]
هذه الوصيّة الواجبة أي هناك قسْمة، وإرْث، وهناك أناس لا يرثون ولكنَّهم حضروا هذه القسمة فأعطوهم شيئًا يجْبر خاطرهم، قال تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾
[ سورة النساء: 9]
أنت عامِلْ مال اليتيم في ماله كما تتمنَّى أن يُعامَل ابنك من بعدك إذا تيتَّم، الوعيد الخطير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾
[ سورة النساء: 10]


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:09 PM   #16


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع :اية الرضاع - سورة البقرة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آية الرّضاع :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس عشر من: "آيات الأحكام" والآية اليوم آية الرضاع قال الله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
الوالدات جمع والدة، والوالدان جمع والد، لكن التي تلد هي المرأة، فلم سمي زوجها والداً؟ قال بعض العلماء: روعي في إطلاق كلمة والد على الأب أنه وزوجته أصلٌ في إنجاب المولود، فالوالدان الأب والأم، هذا اسمه في اللغة التغليب، الشمسان الشمس والقمر، القمران الشمس والقمر، الأسودان التمر واللبن، في اللغة العربية طريقة اسمها التغليب، لو دخل تسع وتسعون امرأة ورجل نقول: دخل الرجال، لو دخل تسع وتسعون طالبة و طالب نقول: تسع وتسعون طالب وطالبة، فالوالدان يعني الوالد والوالدة، أي الرجل والمرأة، الأب والأم، ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾
الحولين: السنتين، من حال الشيء إذ انقلب، والحول كما قال الراغب في كتابه (كلمات القرآن): السنة اعتبارها بانقلابها، ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾
أي فطاماً، عن تشاور عن استشارة واتفاق ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾
أن تطلبوا الإرضاع. في الآيات السابقة لطائف بلاغية منها :
1 ـ إن جاء الأمر على صيغة الخبر فهو أكثر تأثيراً :
أيها الأخوة: في هذه الآيات لطائف بلاغية، وأحكام فقهية، فاللطيفة البلاغية الأولى أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
هذه صياغة خبرية، لكن هذه الصياغة تفيد الأمر، أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، قال العلماء: إن جاء الأمر على صيغة الخبر فهو أكثر تأثيراً، أي شأن الوالدة أنها ترضع وليدها، ولا تسمى الوالدة والدة إن استنكفت عن إرضاع ولدها، فهذا أمر جاء على صيغة الخبر، ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾
أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، هذه الآية يشبهها ومن دخله كان آمناً، أي يا أيها المؤمنون اجعلوه آمناً أمراً تكليفياً وليس أمراً تكوينياً، هناك آية ثالثة مشابهة: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
[ سورة النور: 26 ]
أي اجعلوا الطيبين للطيبات، واجعلوا الطيبات للطيبين، هذا أمر تكليفي وليس أمراً تكوينياً، لو أنك فهمت الآية على أنها أمر تكويني لوجدت زوجاً صالحاً عنده زوجة شريرة، فإذا كان الأمر تكوينياً فهذا الشيء مستحيل أن يكون، لو أن الأمر تكويني كيف تنشأ فتنة في بيت الله الحرام وتنشأ ضحيتها مئات الألوف قبل عدة أعوام؟ ومن دخله كان آمناً! أي اجعلوه آمناً، واحرصوا أن يكون الطيبات للطيبين، والوالدات يرضعن أولادهن، أي أرضعن أولادكم، هذه نماذج، الطيبون للطيبات، ومن دخله كان آمناً، والوالدات يرضعن أولادهن، الصياغة خبرية، أي أمر تكويني، أما الحقيقة فالأمر إنشائي، أمر تكليفي، أرضعن أولادكن وينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، واحرصوا على أن يكون بيت الله الحرام آمناً، هذا هو المعنى.
2 ـ الشيء الكامل في الرضاعة هو أن يرضع الابن من ثدي أمه حولين كاملين :
اللطيفة الثانية في هذه الآية قال تعالى:
﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
أن الله عز وجل قال: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
لما قال الله عز وجل وعلى المولود له؟ المرأة هي التي تنجب، هي التي تلد، ولكن الولد ينسب لأبيه، استنباطاً من قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
الشيء الكامل في الرضاعة هو أن يرضع الابن من ثدي أمه حولين كاملين، لكن للتأكيد على أن يبقى على ثدي أمه حولين كاملين، جاءت كلمة كاملين هذا من باب التأكيد.
بالمناسبة أخ كريم أمضى في أميركا ثلاثين عاماً وهو يحمل أعلى شهادة في الطب، قرأ دراسة جادة، عميقة، دقيقة، حول حليب الأم، ووجد أن حليب الأم له أثر كبير وخطير في نمو الدماغ، وفي القدرات العقلية، وقد أجريت تجارب للذكاء في أكثر شعوب العالم، فكانت دولة من دول المحيط الهادي إحدى جزر الباسفيك نتائج امتحان أطفالها كان في المقام الأول، وأميركا كان ترتيبها في الدرجة السابعة عشرة من حيث ذكاء الأطفال، الشيء الذي لا يصدق أن هذه الجزيرة ليس فيها إرضاع صناعي إطلاقاً، الأطفال جميعاً يرضعون من أثداء أمهاتهم، الآن حليب الأم له أثر خطير في نمو الذكاء عند الطفل. حليب الأم له أثر خطير في نمو الذكاء عند الطفل :
المقام لا يسمح بالتفاصيل لكن بعض اللقطات: حليب الأم يتبدل في أثناء الرضعة الواحدة، وهذا فوق طاقة البشر، لو فحصنا نسب الدسم إلى الماء في أول الرضاع أي المصة الأولى وحللنا نسب الدسم إلى الماء مع المقارنة بالمصة الأخيرة لوجدنا اختلافاً، عشرون بالمئة الماء يزيد عن الدسم في نهاية الرضعة، عشرون بالمئة الدسم يزيد عن الماء في بداية الرضعة، هل بإمكان إنسان مهما علا شأنه ومهما دق علمه ومهما تملك من أدوات التحليل أن يغير تركيب الحليب في أثناء الرضعة الواحدة؟ حليب الأم فيه مناعة الأم، فكل ما في دمها من مناعات ومن طاقات ينتقل إلى وليدها، حليب الأم يهضم في غضون أقل من ساعة، بينما حليب القوارير يحتاج إلى ثلاث ساعات، حليب الأم يؤخذ معقماً، ولا يحتاج للتعقيم، ويكون بارداً في الصيف ودافئاً في الشتاء، جاهزية قصوى، حليب الأم فيه مواد تمنع التصاق الجراثيم على الأمعاء، حليب الأم في أوله فيه مادة مذيبة، الطفل الصغير بعد ولادته لئلا تلتصق الأمعاء بعضها ببعض هناك مادة شحمية سوداء تملأ الأمعاء أثناء الولادة، ففي أكثر من عشرين ساعة ثدي الأم يفرز مادة صمغية تذيب الشحم الأسود من أجل أن يكون الطريق سالكاً، هذا كله من تقدير الله عز وجل، جميع معامل حليب الأطفال في العالم ملزمة أن تكتب على عبواتها: لا شيء يعادل حليب الأم، مهما رأيت في الأسواق من علب حليب للأطفال، ومهما قرأت على لصاقاتها من نسب، ومقادير، وتعليلات، ومن توافقات، لا شيء يعدل حليب الأم، وأحد أسباب سرطان الثدي عند النساء امتناع المرأة عن الإرضاع، حليب الأم شيء لا يصدق من مكوناته، وخصائصه، وتعقيمه، وجاهزيته، وحرارته، ومناعة الأم، ومضادات الجراثيم الذي يحويها، وأكثر الأولاد الذين يرضعون إرضاعاً صناعياً يصابون بإنتانات معوية، وهو من أكثر أمراض الأطفال، فلذلك المؤمن يطبق منهج الله عز وجل ، ولاسيما في هذا التصميم الرائع أن الطفل يجب أن يرضع من ثدي أمه: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
كثيرات جداً النساء اللواتي من أجل الحفاظ على شبابهن يمتنعن عن إرضاع أولادهن، هؤلاء النسوة معرضات أكثر من غيرهن إلى سرطان الثدي، كأنه عقاب لأنها امتنعت عن تغذية طفلها بحليبها، بالمناسبة هذا الحليب حساس جداً فالهزات النفسية والشدة النفسية التي تصيب الأم قد تفقدها حليبها، لذلك الزوج الشاب إذا أنجبت له زوجته ينبغي أن يحيطها بكل رعاية، وبكل عناية، واسترخاء، حفاظاً على هذا الحليب الذي لا يقدر بثمن، والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة. 3 ـ العداوة بين الزوجين لا ينبغي أن تكون سبباً لإيذاء المولود البريء :
اللطيفة الثالثة:
﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
أحياناً إذا حصل فراق بين الزوجين، ويوجد طفل رضيع، المرأة المطلقة تمتنع عن إرضاع ابنها كيداً لزوجها، والزوج أحياناً يأخذ ابن امرأته المطلقة من بين يديها ليؤلمها، فهذا لا يجوز: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
تطلق المرأة ويأتيها خاطب جديد، والخاطب لا يقبل الولد فينبغي على الزوج المطلق ألا يؤذي زوجته التي خطبت وتزوجت بإلزامها أن ترضع هذا الولد، وإذا تعلقت به تعلقاً شديداً لا ينبغي للزوج أن يحرمها منه، وإذا أرادت أن تغيظ زوجها بأن تدع له هذا الطفل الرضيع وليس في إمكانه أن يرضعه فقد عصت ربها، إنها آية دقيقة.
فالعداوة بين الزوجين لا ينبغي أن تكون سبباً لإيذاء المولود البريء لكن قبل أن تطلق عد للمليون، بالحقيقة الطلاق أبغض الحلال إلى الله لأن كسر المرأة طلاقها، كيف أن عقد الزواج أقدس عقد، أما الفصل بين الزوجين فله آثار سلبية جداً على الأولاد، فالابن يتمزق، هذه أمه وهذا أبيه، فإذا انحاز إلى أمه غضب أبوه وبالعكس، فالمعلمون يعرفون هذه الحقيقة، تجد طفلاً غير متوازن، شرساً، عنيفاً، مهملاً، مقصراً، لو بحثت في أمره لوجدت أمه مطلقة، فاقد الحنان، فاقد الركن الركين، فتربية الأولاد مسؤولية كبيرة، وأتمنى من كل زوجين إن أنجبا ولداً واحداً أن يضعا حظوظهما تحت أقدامهما من أجل أولادهما، الأب الراقي الذي يرجو الله والدار الآخرة لو حصل مشكلة مع زوجته مادام هناك أولاد فمن الجريمة أن تحقق مصالحك على حساب أولادك، امرأة كانت أو رجلاً.
4 ـ الولد أضيف مرة للأب ومرة للأم ليستعطف الله قلبهما :
قال بعض العلماء: إضافة الولد إلى كل منهما:
﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
هذا الولد أضيف مرة للأب ومرة للأم، قال: ليستعطف قلبهما، فهذا الطفل طفلكما أنتما الاثنان، فلا ينبغي من أجل عداوة بينكما أن تسحقاه.
5 ـ الالتفات في سياق الكلام يعطي الكلام حيوية ونشاطاً :
واللطيفة الخامسة في قوله تعالى:
﴿ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
التفات من الغيبة إلى الخطاب، كلكم يعلم أن في اللغة ثلاثة أساليب: أسلوب الغائب والمتكلم والمخاطب، القرآن الكريم فيه أسلوب اسمه الالتفات الحديث والوالدات غائب، ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
كل هذا الكلام غائب فجأة، ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾
أصبح الكلام خطاباً، الالتفات في سياق الكلام يعطي الكلام حيوية ونشاطاً، الكلام على أسلوب الغائب فجأة على أسلوب المخاطب، الأحكام الشرعية: من هم هؤلاء الوالدات اللواتي ينبغي أن يرضعن أولادهن حولين كاملين؟ هم النساء المطلقات أم الزوجات؟ العلماء قالوا: هن المطلقات، ودليل هؤلاء بأن النفقة واجبة على الزوج المطلق، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
فهذه النفقة الواجبة تكون عند الطلاق، أما في أثناء بيت الزوجية فمن الطبيعي أن ينفق على زوجته وهي ترضع ابنها، فسياق الآيات رأى بعض العلماء أنها تعني المطلقات، وقال بعضهم: إنها تعني الزوجات، والدليل أن المرأة التي ترضع ابنها بعد طلاقها ليس على زوجها الكسوة لها عليه النفقة فقط، فالكسوة تعني أنها عنده، أما الرأي الثالث وهو الأرجح أن المراد بالوالدات العموم، جميع الوالدات سواءً كن متزوجات مع أزواجهن أو مطلقات، فأية أم لها طفل في سن الرضاع زوجة كانت أو مطلقة عليها أن ترضع ابنها. قضية إلزام المرأة بإرضاع ابنها :
الآن قضية إلزام المرأة بإرضاع ابنها قال بعض العلماء: أنه على الأم إرضاع ولدها لظاهر قوله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
فهو أمر في سورة الخبر هذا مذهب مالك، الرضاع واجب على الأم في حال الزوجية وهو حق عليها، أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، سيدنا موسى قال: وحرمنا عليه المراضع قال العلماء: تحريم منع لا تحريم تكليف، من أجل أن يعيد أمه إليه حرم عليه كل المراضع، وجاءت أخته تراقبه عن بعد وقد أشارت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، لذلك قالوا: هناك أمران ونهيان وبشارتان، ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
أمران، ﴿ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾
نهيان، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾ بشارتان، قال: المرأة إذا كانت عند زوجها يجب عليها في المذهب المالكي أن ترضع ولدها، وهناك حالة ثانية: إذا لم يقبل الصبي ثدي غير أمه فيجب على أمه أن ترضعه وجوباً، ولو كانت مطلقة أو إذا فقد الأب، أما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج، امرأة طلقت طلاقاً باتاً بينونة كبرى، ليس عليها وجوباً الإرضاع، أما جوازاً فيجوز أن ترضع، فعليه أن يستأجر مرضعة اسمها ظئر إلا أن تشاء هي إرضاعه فهي أحق بذلك، ولها أجرة المثل بمذهب الإمام مالك يجب على الأم إرضاع ولدها إن كانت عند الأب أو امتنع ابنها عن التقام أي ثدي آخر، أو كان الأب مفقوداً، أما إذا طلقت المرأة طلاقاً بائناً فليس عليها الإرضاع وجوباً ولكن على الزوج أن يؤمن مرضعة، فإن طلبت الأم أن ترضع ابنها فهي أولى به، ولكن لها نفقة وأجر المثل. أما جمهور الفقهاء فقد ذهبوا إلى أن هذا الأمر أمر ندب كقوله تعالى: ﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾
[ سورة النور: 32 ]
فعل أمر، وكلكم يعلم أن هناك أمر وجوب: ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾
هناك أمر ندب: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
وهناك أمر تهديد: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
وهناك أمر إباحة: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
الجمهور قال: هذا أمر ندب، الدليل عند الجمهور أن الله عز وجل قال: ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
الله عز وجل ألم يكن يعلم أنه سيكون هناك حليباً مجففاً للأطفال وقوارير خاصة؟ ما هذه الآيات مادام العالم كله يرضع إرضاعاً صناعياً؟ فلم هذه الأحكام؟ هنا الاستنباط الخطير لا يجوز أن يرضع الطفل إلا من ثدي أمه أو امرأة أخرى لأن البوم شاسع جداً بين حليب الأم أو المرضعة وبين القوارير، فحليب البقر فيه مواد بروتينية خمسة أمثال ما يحتمل جهاز الطفل الهضمي، لذلك هناك آفات قلبية ووعائية، تنشأ مع هذا الطفل حينما يكبر بسبب الإرضاع الصناعي، فالله عز وجل يعلم السر وأخفى وما سيكون، الآن العالم كله حليب قوارير وخفيفة الوزن ومعقمة وكل شيء جاهز. أي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به :
لم يقول الله عز وجل؟
﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
معنى ذلك في أي وقت لابد أن يرضع الابن من امرأة، أمه أو مرضعة، الآن موضوع الإرضاع يحرم كما يحرم النسب، أي نسب يحرم؟ قال الجمهور: إن الرضاع التي يتعلق به حكم التحريم ويجري به مجرى النسب بقوله عليه الصلاة والسلام: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))
[متفق عليه عن عروة بن الزبير]
فأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به، رجل عمره ثمانون عاماً يقول: أنا يتيم، اليتيم من كان دون الحلم، وأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به، الإرضاع الذي يحرم والذي يجري مجرى النسب، والذي ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام هو: ((....ما كان في الحولين))
[ الدار قطني عن ابن عباس]
وتستدل بقوله عز وجل: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
واستدلوا أيضاً بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين))
[ الدار قطني عن ابن عباس]
أبو حنيفة رحمه الله تعالى ذهب إلى أن مدة الرضاع المحرم سنتان ونصف، بقول الله عز وجل: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾
[ سورة الأحقاف: 15]
الصفات الخاصة بالنساء لا تؤنث بل تذكر :
الحكم الرابع: كيف تقدر نفقة المرضع؟ ملاحظة الصفات الخاصة بالنساء لا تؤنث بل تذكر، تقول: امرأة طالق، وامرأة مرضع، وامرأة ثيب، وامرأة بكر، وامرأة حائض، كلها صفات مذكرة، لأن التأنيث والتذكير نحتاجه إذا كان هناك صفة يشترك بها النساء والرجال نقول: عامل وعاملة، معلم ومعلمة....أما امرأة طالق فلا يوجد رجل مطلق، امرأة حائض، ثيب، بكر،...إلا أن هناك لفتة بلاغية: لو قلت: امرأة حاملة، أو قلت: امرأة حامل،هل بينهما فرق؟ أيهما أصح؟ إذا قلنا: حاملة على ظهرها، أما حامل ففي بطنها، فالحمل على الظهر قاسم مشترك بين الذكور والإناث، وهذا يسهل التفريق، امرأة مرضعة، وامرأة مرضع، يوجد كلمة مرضعة:
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ*يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
[ سورة الحج: 1-2]
المرأة المرضعة هي امرأة تضع ولدها على صدرها، لأن الرجل أيضاً بإمكانه أن يضع طفلاً على صدره، أما المرأة المرضع فهي المرأة التي في طور الإرضاع، قد تكون هي في الشام وابنها في بيروت، بعد قليل تسافر إلى بيروت كي ترضعه، وهي في الشام اسمها امرأة مرضع، هي في طور الإرضاع، أما إذا وضعت ابنها على صدرها فصارت مرضعةً، فالآية الكريمة: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾
وابنها على صدرها وهي في طور الإرضاع تلقيه من شدة الخوف، والله سمعت عن أسرة من بعض البلاد وقع زلزال ومن شدة الخوف حملت الكيس فيه أحذية مكان ابنها، وخرجت مسرعة وكل ظنها أنه ابنها، هذه القصة ذكرتني بهذه الآية ولما أصبحت في عرض الطريق تذكرت أن ابنها في البيت: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
[ سورة الحج: 2]
نفقة المرضع تكون على قدرة حال الأب من السعة والضيق :
قال: النفقة تكون على قدرة حال الأب، من السعة والضيق لقوله تعالى:
﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
وقد دلّ على هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾
[ سورة الطلاق: 7 ]
والنفقة على الأب وجوباً، لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة البقرة: 233 ]
ملخص للأحكام المستنبطة من الآيات السابقة :
ملخص الأحكام: أن الأم أحق بإرضاع ولدها في الحولين، وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه.
الحكم الثاني: أن الذي يلزم الأب في فترة الرضاع إنما هو عامان،
﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾
تفسيرات كثيرة أوجهها: أن الذي يرث هذا الطفل هو المكلف بالإنفاق عليه، لقاعدة أصولية "الغرم بالغنم"، أحياناً طفل يولد قد يرث ملايين، فإذا مات بعد ساعة تنتقل هذه الملايين إلى ورثته، إخوته الكبار أحياناً أو أمه أو أبوه، ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾
الغرم بالغنم، الذي يرث هذا الغلام هو مكلف في إرضاعه، بعضهم قال: المراد بالوارث هو وارث الأب، وبعضهم قال: المراد بالوارث هو الباقي، من والي الولد بعد وفاة الآخر؟ أقرباء الأم أو أقرباء الأب، هؤلاء هم الورثة، أما أرجح الأقوال فوارث الطفل هو المكلف على إرضاعه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضح لديكم أن الله عز وجل لا يغيب عنه شيء حينما قال: ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾
[ سورة الطلاق: 6 ]
فلابد بمنهج الله، وبعلم الله، ولسلامة الطفل، ولسلامة الأم من أن ترضعه امرأة، أماً كانت أو مرضعة، أما الإرضاع الذي يفعله معظم الناس اليوم فهذا له مضاعفات، والذي قرأته بمصادر موثوقة أنه يسبب آفات وعائية قلبية في المستقبل، ويضعف القدرات العقلية، حدثني طبيب أن جزيرة في بريطانية ولنفرض فيها خمسة آلاف، فحص أهل الجزيرة واحداً واحداً من حيث الضغط، فكان الجميع بخير، السبب هؤلاء لا يأكلون الملح والإنسان يأخذ حاجته من الملح من التفاحة، إذا أراد الجسم يأخذ حاجته من الملح من أي شيء يأكله، أكثر الأغذية فيها كلور الصوديوم، أما استعمال الملح بشكل كثيف فهذه عادة غذائية سيئة، وكلما تقدم العلم تجده يقترب من المنهج الإلهي، ومن أصل الفطرة، وأكمل الكمال أن تكون وفق الفطرة، فهذا درس للشباب إذا تزوجتم إن شاء الله لا تفكر إطلاقاً إلا بالإرضاع الطبيعي، وهيئ للزوجة الجو المريح، والحالة النفسية المريحة، لأن هناك انعكاسات سلبية على المرضع، هذه بعض الحكم من ذلك. التربية تبدأ والطفل في بطن أمه :
حينما كنا في الجامعة حدثنا أستاذ الصحة النفسية قال: هناك تجارب أجريت لو أن أُماً أرضعت ولدها بقسوة، هناك تجارب تحتاج بعض الوقت فالطلاب يتابعون البحث لمدة ثلاثة أعوام، وهناك فريق عمل آخر يتابعه لبعد سنوات محددة، ففي تجارب أجريت على أطفال أرضعوا بعنف، وأطفال أرضعوا برقة وحنان، فكان هذا واضح في سلوكهم المستقبلي، الطفل العنيف مربى تربية قاسية، ومحروم من الرحمة والعطف من قلب كبير، لذلك حتى الإرضاع الأم ترضع ابنها، بين أن ترضعه بحنان وبترميم وبرحمة وتضمه وتقبله كثيراً، والآن من أغرب ما قرأت هناك كتاب يبحث في علم نفس الجنين: أن الأم إذا كانت نادمة على هذا الحمل يعذبها الطفل في بطنها كثيراً، وأن الأم المدخنة يتأثر جنينها كثيراً بالدخان، وقد نسيت من هذا الكتاب ما قرأته، لكن يوجد به شيء عجيب: بل إن الأم التي تقرأ القرآن يسكن جنينها، فالتربية تبدأ والطفل في بطن أمه، إذا وجد الفرح بهذا المولود فهذا ينعكس عليه، تراه حملاً خفيفاً، الله عز وجل قال:
﴿ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ﴾
وهناك حمل ثقيل جداً ومتعب لا تنام أمه الليل، إذا كانت كارهة لهذا المولود، هذا الجنين يتعبها كثيراً، فعندما نستقبل المولود كأنه هدية من الله عز وجل، الأم والأب سعيدا،ن هذا يهيئ جواً نفسياً للمولود وهو في بطن أمه، الصلاة والتلاوة تنعكسان على الجنين، الدخان والشدة النفسية تنعكس على الجنين، وهناك أبحاث كثيرة جداً لا أذكرها كلها، أنا قرأت عن طفل ليس له دماغ دماغه سائل، أي الإدراك معدوم تماماً، عاش شهراً أو شهرين، يبكي بكاء مراً فإذا دخلت أمه عليه سكت، هذا الطفل لا يدرك ما حوله فكيف لا نعرف؟ أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحقيق الفطرة، فالإنسان أحياناً يطبق منهج الله عز وجل ينعكس هذا على أسرته سعادة وتوفيقاً وطمأنينة.

والحمد لله رب العالمين








 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:11 PM   #17


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : (السابع العاشر )

الموضوع : الحج - سورة ال عمران








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آية الحج :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من: "آيات الأحكام"، وآية اليوم آية الحج وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 96-97 ]
أيها الأخوة الكرام، بين يدي هذه الآية الحج رحلةٌ إلى الله، الله جلّ جلاله في كل مكان وفي كل زمان، ولكن شاءت حكمته أن يتخذ في الأرض بيتاً، ليكون الذي يأتيه معبراً عن أن تلبية دعوة الله لزيارة بيته أغلى عنده من بيته وأولاده وعمله وماله.
لأن الحج أيها الأخوة عبادةٌ متميزة فيها تفرغٌ وتفريغ، تؤدي الصلاة وأنت في بلدك، تصوم وأنت في بلدك، تؤدي الزكاة وأنت في بلدك، إلا الحج فلا يؤدى إلا في مكانٍ مخصوص، وفي وقتٍ مخصوص، لابد من أن تترك بيتك، وزوجتك، وأولادك، وعملك، وكل المظاهر الدنيوية التي تحيط نفسك بها، لابد من أن تخلع كل الأقنعة التي تشوه الإنسان.
فالحج أيها الأخوة في العمق من أرقى العبادات، بل هو عبادة العمر، الصلاة شحنة روحية تشحن بها في اليوم خمس مرات، وكأن هذه الشحنة تكفيك للفرض الثاني، ولكن صلاة الجمعة شحنةٌ أسبوعية، وكأن هذه الشحنة الروحية تكفيك للأسبوع القادم، ورمضان شحنةٌ سنوية، وكأن هذه الشحنة تكفيك لرمضان القادم، لكن عبادة العمر، الشحنة التي ينبغي أن تؤدى في العمر مرة واحدة، والتي يمكن أن تلقي الله بها، هي شحنة الحج. الله عز وجل جعل الحج الرحلة قبل الأخيرة كي تنزع الأقنعة :
الإنسان أيها الأخوة ينمو، ينمو في جسمه، ينمو في ماله، ينمو في علمه، ينمو في أتباعه، ينمو في مكانته، هذا النمو يزداد ويزداد إلى أن يأتي ملك الموت لينتزع منه كل شيءٍ حصَّله في ثانية واحدة، فلا زوجة، ولا ولد، ولا عمل، ولا مال، ولا مكانة، ولا مُتَع، إنما هي مساحةٌ ضيقة يحشر فيها الإنسان عند موته، فهذه هي الرحلة الأخيرة، وسيشيع إلى مثواه الأخير، بيوتنا مثوىً مؤقَّت، لابد من يومٍ جميعاً نخرج من البيت بشكلٍ أفقي ولا نعود، مغادرة بلا عودة، هذه الرحلة الأخيرة، وجعل الله الحج الرحلة قبل الأخيرة كي تنزع الأقنعة.
انظر إلى حجاج بيت الله الحرام، مهما علا شأنك، مهما كثر مالك، لابد من إزارٍ ورداء ترتديهما، ولابد من أن تطوف مع عامة المسلمين، فليست هناك مرتبة أبداً، ممكن أن تحجز في أكبر فندق، ممكن أن تكلفك الحجة خمسمئة ألف، ولكن لابد من أن تطوف حول الكعبة مع عامة المسلمين، ولا بد من أن تقف في عرفات، ولابد من أن تعاني الازدحام، ولابد من أن تخلع عنك كل أقنعة الدنيا.
الإنسان في الدنيا يرتدي ثياباً تتناسب مع مكانته، ومع أذواقه، ومع دخله، فالثياب جزء من الدنيا، والإنسان أحياناً يتعطَّر، ويغتسل، ويقلِّم، ويحلق، هذا نعيم الدنيا، ولكنك في الحج لا تستطيع لا أن تتعطر، ولا أن تقلِّم، ولا أن تحلق، ولا أن ترتدي بدلةً أنيقةً، بل إنك إن حججت بيت الله الحرام، وارتديت ثياب الإحرام، عرفت نعمة الثياب المخيطة، عرفت ما معنى أنك ترتدي ثوباً مخيطاً محيطاً، لا مخيط ولا محيط في الحج، إذاً أراد الله عز وجل أن تنزع عنك الأقنعة التي تشوِّه حقيقتك ورسالتك في الحياة، رحلةٌ قبل الأخيرة.
تناسب العطاء مع الداعي :
شيءٌ آخر: هل في الأرض إنسان يدعوك إلى بيته دون أن يعطيك شيئاً، دون أن يقدِّم لك شيئاً، إلهٌ عظيم يدعوك إلى زيارة بيته في مكة المكرمة، فالعطاء يتناسب مع الداعي، إذا دعاك ملك لتناول طعام الغداء، ماذا ستأكل؟ فلافل؟ مستحيل، لابد من أن تأكل أثمن الطعام، وأطيب الطعام، إذا قدم لك ملكٌ هدية، ماذا يقدم لك؟ قلم رصاص أم بيت؟ فهو بيت الله في بلدك.
إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر، ورد في الأحاديث القدسية أن:
((إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه في رزقه، لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم))
[كنز العمال عن أبي هريرة]
الله عز وجل في الحج يعطي الإنسان عاملاً روحياً :
﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾
[ سورة البقرة: 125 ]
معنى مثابةً؟ مثابة مصدر ميمي من ثاب، ثاب بمعنى رجع، وشاءت حكمة الله البالغة أن يكون هذا البيت في منطقة حارّة، وفي منطقة لا نبات فيها، الجمال هناك صفر، صحراء، جبال سوداء، جو حار، ازدحام لا يحتمل، ومع ذلك إن ذهبت إلى هذه البلاد ملبياً دعوة الله عز وجل تقول: " لبيك اللهم لبيك " يتجلى الله على قلبك تجلياً تنسى الدنيا وما فيها، ولا شيء تتمناه وأنت هناك إلا ألا تكون هذه الزيارة الأخيرة، يا رب لا تجعل هذه الزيارة آخر عهدي بالبيت، لشدة السرور، لشدة السعادة التي تنتاب زوَّار بيت الله الحرام، يتمنون ألا يخرجوا من بيوتهم إلا لزيارة الحرمين الشريفين.
معنى ذلك الله عز وجل جَمَّد كل عوامل السرور المادية، جمَّدها وأعطاك عاملاً آخر روحياً، أما لو كان بيت الله الحرام في مكان جميل، في منطقة خضراء، في نسيم عليل، في مناظر جميلة، على مدى العام، وذهب الحاج إلى هناك، واستمتع بهذه المناظر، وبهذا الطعام الطيب، وبهذه النسمات العليلة، تختلط الأمور، يا ترى كان سعيداً بوسائل السعادة المادية أم كان سعيداً بقربه من الله؟ الحج قرب من الله :
الحقيقة الحج قرب من الله، هو الله معك في كل مكان، أما حينما تذهب إليه في بيته الحرام فتدفع الثمن باهظاً.
إنسان مقيم بأمريكا، يقطع ثلاثين ساعة طيراناً ليصل إلى بيت الله الحرام، يدفع مبالغ طائلة ليطوف حول الكعبة ويقول: "لبيك اللهم لبيك". فالله عز وجل جعلك بهذه الفريضة تدفع الثمن باهظاً، والعطاء على قدر الثمن، وتقريب للأمثلة: لو أن طالباً والده أستاذ رياضيات، أعطاه درس رياضيات، لأن الدرس بلا ثمن، والأستاذ أبوه، القضية سهلة، لا يهتم، أما لو عمل طوال الصيف عملاً شاقاً، وجمع مبلغاً من المال، ثم دفع للأستاذ كل درس ألف ليرة، فتجده كتلة اهتمام، كتلة انتباه.
الحج مدفوع ثمنه باهظ، طبعاً هناك ثمن مادي، وهناك ثمن معنوي، الإنسان قد يجمع لسنواتٍ طويلة جداً نفقات الحج، قد يدفع ثمناً آخر؛ ازدحام، حر، من أجل أن يلبي دعوة الله عز وجل، فلذلك الوقوف بعرفة مكان حار، شخص جاء من الهند، من باكستان، من الصين، من أمريكا، من أوروبا، من بلاد الشام ليجلس بين ملايين مملينة، والحر لا يحتمل، ويناجي ربه دافع الثمن، لابد من أن يأتي عطاءٌ يقابل هذا الثمن، كأن الله أراد أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، هناك قرب ثمنه قليل، أراد الله أن يذيقك طعم القرب المدفوع ثمنه، فلذلك هذه عبادة العمر، قال تعالى:
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 96]
الإنسان حسي، الإنسان له جسم، له دم، له لحم، له أعصاب، لأنه حسي، لحكمةٍ بالغةٍ جعل الله له بيتاً في مكة، قال: تعال إليّ، تعال حتى أريحك من هموم الدنيا، تعال كي تذوق طعم القرب مني، تعال كي تشعر بسر وجودك وغاية وجودك. الحج صلح مع الله وتسوية حسابات :
شكلياً، ويعود الحاج كما ذهب، أما أنا أقول لكم: والله الذي لا إله إلا هو كما ورد: "من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له"، ما معنى المغفرة؟ عمر بكامله، تشعر أنك عدت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، تشعر كأنك ولدت من جديد، تشعر كأنه ليس هناك شيئاً تحاسب عليه، انتهى كل شيء.
((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة]
فالحج صلح مع الله، وتسوية حسابات، وطي صفحات الماضي كلها، هذا الحج المبرور، ليس له جزاءٌ إلا الجنة، فلذلك ادعُ الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حج بيته الحرام. الحج عبادة بدنية تحتاج إلى إنسان قوي البُنية :
الملاحظة التي تؤلمني أحياناً قبل أن نبدأ الحديث عن آيات الحج، هو أن الحج كأنه للمتقدمين في العمر، تجد إنسان بالثمانين، بالخامسة و السبعين، بالسبعين، بالستين، فالحج عبادة بدنية تحتاج إلى إنسان قوي البُنية، هناك سعي، وطواف، وسفر، وحر، فالإنسان عندما يؤخر الحج إلى وقت يصبح عاجزاً عن أداء مناسك الحج، لا يعد حكيماً، أما ما كنت أغبط أحداً في الحج إلا الشباب؛ يطوفون بصحةٍ عالية، يسعون، يمشون إلى عرفات مشياً على أقدامهم، هناك صعوبات الانتقال، والازدحام، وحجز الأماكن، شاب يذهب إلى عرفات مشياً، هناك طريق مكيف إلى هناك، ويعود مشياً، فأتمنى أن الإنسان إذا أراد أن يحج وهو فريضة أن يبكِّر لا أن يؤخر، كلما بكر قطف ثمار الحج يانعة، وأن الحج فريضة.
شرح لبعض مفردات الآية :
﴿أَوَّلَ بَيْتٍ﴾
أي أول بيت للعبادة، فالبيت الحرام أول المساجد على وجه الأرض. ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾
أي جُعل متعبداً لهم: و ﴿ بِبَكَّةَ﴾
اسم لمكة، وقيل: سميت هكذا لأنها تَبُكّ أعناق الجبابرة. جعل الله هذه البلدة آمنةً. وأما: ﴿ مُبَارَكًا ﴾
هناك بركة حسية، وبركة معنوية، ولا تعرف البركة الحسية إلا إذا ذهبت إلى هناك، كل شيءٍ في العالم يجلب إلى مكة وإلى المدينة، ترى أشياء تحير العقول، الله عز وجل وصف هذا في القرآن الكريم: ﴿ يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة القصص: 57 ]
والبركة المعنوية أن الناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها يتوجهون لهذه البقعة المقدسة، وأنا أقول لكم هذه الحقيقة: إنك إن كنت في بيت الله الحرام لا يمكن أن تشعر أنك في السعودية أبداً، لا تشعر أنك في بلد، هذا بيت الله، ضمن بيت الله الحرام، وضمن المسجد النبوي لا تشعر إلا أنك مع الله ورسوله فقط، إن خرجت تشعر أنك في بلد إسلامي، و له رموز، أما ضمن الحرمين فلا تشعر إلا أنك مع الله ومع رسوله، هذه البركة المعنوية. ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾
أي هدايةً لهم و: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هذه آية محيِّرة، هذه ليست أمراً تكوينياً ولكنها أمرٌ تكليفي، وفرقٌ كبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي، لو قلنا: إنها أمر تكويني، فقد حدث في هذا البيت قتل في عام ألف وأربعمئة للهجرة، وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر، هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني فلا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوب: ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية فهذا أمر تكويني، لا أمر تكليفي. الفرق الكبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي :
﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هل هو أمر تكويني أم تكليفي؟ هو أمر تكليفي، أي اجعلوه آمناً، يأمرنا الله عز وجل أن نجعله آمناً، يأمرنا أن نشدد في توفير الأمن للحجاج، لذلك الحاج أحياناً يجد في هذه الديار، يقظة عالية المستوى، لا يتألم أبداً بالعكس يرتاح، هذه اليقظة العالية جداً لصالح من؟ لصالح الحجاج، يجب أن تطوف وأنت مطمئن، وأن تسعى وأنت مطمئن، وأن تجلس في البيت وأنت مطمئن. ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أي يجب أن يكون آمناً، فرق كبير بين أمرٍ تكويني وأمر تكليفي.
هناك رأي لبعض العلماء: أنه من دخله دخولاً صحيحاً كان آمناً يوم القيامة من عذاب الله، وهذا المعنى أيضاً مقبول، والقرآن حمَّال أوجه. وذهب عشرات بل مئات من الضحايا، وحدث في التاريخ الإسلامي أيضاً قتل في هذا البيت، فإذا كان هذا الأمر أمراً تكوينياً فخرق هذا الأمر، هذا الشيء مستحيل أن يمنع الله شيئاً ثم يخرق، لكن الله إذا نهى عن شيء قد يُخرق، الأمر التكليفي يطاع أو يعصى، أما الأمر التكويني فلا يستطيع كل من في الأرض أن يخرقه.
فأنت تركب سيارة، تجد لوحة مكتوباً عليها: ممنوع المرور، لكن الطريق مفتوح بإمكانك أن تمر، ولكن تحاسب، أما الطريق المغلق بمكعبات إسمنتية عالية فهذا أمر تكويني لا أمر تكليفي. أحد أسباب الاستطاعة أن تملك الزاد والراحلة:
أما كلمة: ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾
السبيل هو إمكان الوصول إلى هذا البيت، فلابد من أن يكون معك مال، ولابد من راحلة، ولابد من أمن الطريق، ولابد من موافقة السلطان، فقد تجد الإنسان أحياناً يضجر يقول: لم يسمحوا لي. إذا لم يسمحوا لك فلست مستطيعاً وانتهى الأمر، أحد أسباب الاستطاعة أن تملك الزاد، وأن تملك الراحلة، وأن يكون الطريق آمناً، وأن يسمح لك السلطان، فإذا السلطان لم يسمح لك، فأنت لست مستطيعاً، إن لم تملك الزاد والراحلة، والعلماء قالوا: الزاد والراحلة وأجرة المبيت في مكة والمدينة، الله ما أراد أن ينام الحجاج في الطرقات، ما أراد أن يشوه الإسلام، الإنسان الحاج إنسان متميز، إنسان يؤدي عبادة عالية، أما أن ترى مئات الألوف ينامون في الطرقات فوق بعضهم، والعورات مكشوفة، فهذا ليس من فقه الحج في شيء.
لست مستطيعاً إطلاقاً إن لم تملك الزاد، والراحلة، والطعام، والشراب، والإقامة في مكة والمدينة في بيوت.
لذلك أنا يعجبني أن بعض البلاد الإسلامية لا تسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام إلا بعد أن يتوافر له حد أدنى من المال يمكنه من أن يجلس في أماكن جيدة، وأن يركب مركبات جيدة، وأن يأكل طعاماً جيداً، وأن يؤدي المناسك وهو مرتاح، وهذا شيء يرفع الرأس، وهذا إنسان مسلم، هذا سفير المسلمين، ثم إنه فوق ذلك لا يسمح للحاج أن يحج بيت الله الحرام في بعض هذه البلاد، في أقصى جنوب آسيا، إلا إذا أدى امتحاناً نظرياً وعملياً، أما وهو في مكة فيسألك: أين قبر رسول الله؟ حاج بمكة- أعوذ بالله - فهل القبر بمكة موجود؟
أو يرتكب بعض المحظورات بسذاجةٍ وبجهلٍ كبير، وهذا شيء غير معقول.
أو إنسان يقف في الكعبة يوم عرفات، والله الحج مريح، لا يوجد فيه أحد، نعمة.
أو نسيان عرفات، يطوف حول الكعبة في يوم عرفة، ويقول لك: لا يوجد ازدحام، والناس كلها؟ الآن كانوا يطوفون. هذا جهل كبير.
إنسان حج في بلد إسلامي، ويحتل مركزاً مرموقاً، يسأل: كيف كان الحج؟ فيجيب والله الحج جيد، والحمد لله الأمور كلها ميسرة، ولكن كنت أتمنى أن يكون الحج على مدار العام أيسر للازدحام. هذا لم يفهم ، هو في جهل كبير حتى عند بعض المثقفين هناك جهل كبير.
فلذلك أنا أتمنى ألا يحج بيت الله الحرام إلا من كان يملك إقامةً وأداءً للمناسك بكرامةٍ عالية، وإلا من يتقن مناسك الحج، وحِكَم الحج، ويؤدي امتحاناً نظرياً وعملياً حتى يكون هناك سفيراً للمسلمين. لطائف هذه الآية :
1 ـ الله سبحانه وتعالى اختار البيت العتيق بفريضة الحج وجعله قبلةً لأهل التوحيد :
هناك لطائف في هذه الآية؛ اللطيفة الأولى: هي أن الله سبحانه وتعالى اختار البيت العتيق بفريضة الحج، جعله قبلةً لأهل التوحيد، أي أينما ذهبت في العالم يجب أن تتجه إلى الكعبة، هذا عملية توحيد، دين التوحيد ودين الوحدة، أينما ذهبت؛ إلى كندا، إلى أقصى الشرق، إلى اليابان، لابد من أن تبحث عن جهة الكعبة.
والكعبة كما قال بعض العلماء: تكون في المتوسط الهندسي للقارات الخمسة، لو رسمت القارات الخمسة على مستوى، وأخذت نقاطها المتباعدة أقصى النقاط، ومددت محاوراً، الشيء المذهل أن مكة المكرمة تقع في الوسط الهندسي، الوسط الهندسي معناه تقاطع المحاور، لو جئت بمربع ووصلت بين زواياه الأربعة بخطوط، مكان تقاطع المحورين هو الوسط الهندسي، لو جئت بمستطيل ووصلت بين زواياه الأربعة بخطوط محورية، مكان التقاطع هو الوسط الهندسي، فمكة المكرمة في الوسط الهندسي الرياضي للقارات الخمسة، هذه لطيفةٌ أولى.
2 ـ هذا البيت بني بتوجيهٍ من الله والمنفِّذ هو إبراهيم والمبلِّغ هو جبريل :
وهذا البيت بني ولكن بتوجيهٍ من الله عز وجل، الآمر هو الله، والمنفِّذ هو الخليل سيدنا إبراهيم، والمبلِّغ هو جبريل، والمساعد هو سيدنا إسماعيل، هل هناك بناء أشرف من هذا البناء؟ الآمر بالبناء هو الله، والمنفذ أبو الأنبياء، والمبلغ جبريل، والمساعد مساعد المهندس سيدنا إسماعيل، والأمن الذي في هذا البيت استجابةٌ لدعوة إبراهيم.
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 126 ]
فهذه الثروات الباطنية في هذه البلاد ليست لأصحابها إنما هي لخدمة الحجاج، وتشعر أن هناك توفير للحاجات يفوق حدّ الخيال، كل شيء تتمناه تجده أمامك، هذا الشيء بسبب أن هناك وفرة، ومخزوناً، وثروات باطنية، يقولون: هذه البلاد فيها أكبر احتياطي نفط في العالم. ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة البقرة: 126 ]
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾
[ سورة العنكبوت: 67 ]
3 ـ الذي يطابق الكُفر ألا تحج بيت الله الحرام :
بالآية لطيفة رائعة جداً وهي قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هذه هو سياق الآية، ومن لم يحج قال: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
فالذي يطابق الكُفر ألا تحج بيت الله الحرام: (( مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ))
[الترمذي عن علي]
أن يموت غير مسلم، أن يموت كافراً، لذلك العلماء قالوا: من الكفر أن تكون مستطيعاً أن تحج ولا تحج بيت الله الحرام، من الكفر والدليل: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
الحج قفزة نوعية :
وقد يقول أحدكم: لماذا يقول الله عز وجل:
﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
الحقيقة الذي يفهم أحياناً من هذه الآية أن بالحج نقلة، لو أن إنساناً شارداً، فقد أقسم لي رجل قال لي: أنا ملحد، له زوجة لا تنجب، فتصورت أنها إذا حجَّت بيت الله الحرام لعل الله يرزقها ولداً، فأصرَّت عليه أن يحج معها ليكون محرماً لها - لأنه زوجها - فقال لي: أنا أؤدي المناسك ولا أصلي، وقد أديتها وأنا جنب أحياناً، لكن في النهاية وأنا هناك تبت إلى الله وعدت مؤمناً.
قصدي من هذا الكلام أنه من المستحيل أن تصل إلى هناك دون أن تتأثر، هناك تجلّ خاص، أحياناً الإنسان يصلي في بلده وكأنه يسبح بعكس اتجاه النهر، أما هناك فتصلي وكأنك تسبح باتجاه النهر.
رجل آخر حدثني: له زوجة معها مرض عضال، وتمنت عليه أن يحج معها، فأول طواف، وثان طواف ولا شيء، وهو قد حجز بفندق خمس نجوم، والحجز غير موجود هو معتاد على السفر المريح والتنظيمات قال لي: ضجرت ضجراً شديداً وقررت أن أعود إلى الشام دون أن أتابع الحج. توسلت له بكل ما تملك، فبقي.
قال لي: ثاني يوم أو ثالث يوم بدأ الطواف، وثاني طواف انعقد الاتصال بالله عز وجل، بكى بكاءً شديداً، وعاد إلى الشام إنسان آخر مئة بالمئة.
أنا أضرب هذه الأمثلة الحادة، لا يوجد إنسان يذهب إلى هناك إلا ويذوق من الله طعم القرب، وكم من إنسان منكر ذهب إلى هناك فآمن بالله، إذا ذهب إنسان منكر يؤمن، إذا ذهب مؤمن يرتقي، إذا ذهب مرتق يزداد رقياً، هناك قفزة نوعية بالحج، دائماً هناك صعود. الله عز وجل فصل العوامل المادية والعوامل الروحية :
مرة ثانية أقول لكم: مستحيل أن تقصد بيت الله الحرام بنيةٍ مخلصة وألا تذوق من طعم القرب الذي تذوب النفوس له.
والله بعرفات يتجلى الله على عباده تجلياً ينسيهم كل متاعب الدنيا، والجو حار، وهذه المفارقة العجيبة، فالإنسان يسر بهذا الجو اللطيف، يسر بعدم الازدحام، يسر بالمناظر الخلابة، أما أن تسر إلى أعلى درجة تعرفها في حياتك، وأنت في مكان لا تتوافر فيه أي شرط من شروط السرور؟!! معنى هذا هناك سرور روحي، الله عز وجل فصل العوامل المادية والعوامل الروحية، هناك سرور روحي محض، ومن ذاق عرف، والذي حج بإخلاص يعرف هذه الحقيقة.
قال العلامة أبو السعود: وضعت
﴿ومن كفر﴾
قال: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
وضعت كلمة ﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴾
موضع من لم يحج. ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أي ومن لم يحج، وضعت كلمة: ﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴾
في موضع ومن لم يحج تأكيداً لوجوبه، وتشديداً على تاركه، لذلك من مات ولم يحج كما قال عليه الصلاة والسلام: ((فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا))
[الدارمي عن أبي أمامة]
يموت غير مسلم لأنه كفر، عندنا كفر شمولي، و عندنا كفر جزئي، الكفر الجزئي أن تنكر أمراً إلهياً، أو ألا تعبأ بأمر إلهي، أو ألا تستجيب لأمر إلهي. أبلغ طريقة في الأمر أن يأتي على طريقة خبر :
قال علماء البلاغة: في هذه الآية عندنا بالتركيب اللغوي صيغة إنشاء وصيغة خبر، أحياناً يأتي الخبر ليدل على الإنشاء فمثلاً قال تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
هذا خبر، لكن الله جل جلاله يقول: يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن. فقال: أبلغ صيغة في الأمر أن يأتي على شكل خبر، لأن الأمر يقتضي عدم التنفيذ، مثلاً لو قلت لابنك: اذهب إلى السوق واشتر طعاماً وإياك أن تتأخر. لما نهاه عن التأخر قفز إلى ذهنه أنه يمكن أن يتأخر، صار التأخر محتملاً، إياك أن تأخذ من المال شيئاً لنفسك، نبهه، أما حينما يأتي الابن البار فيذهب إلى السوق وينفذ أمر والده، ما أعطاه احتمال تصور العكس، فأحياناً يأتي الأمر على شكل خبر. ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، الله عز وجل نهى عن الزنا، كيف نهى عن الزنا؟ بالخبر، قال: ﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾
[ سورة القرقان: 68]
أي أن شأن المؤمن أنه لا يزني، لا يوجد ولا تزني. لا أريد أن أزني. أبلغ طريقة في الأمر أن يأتي على طريقة خبر. ﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾
[ سورة القرقان: 68]
مثلاً: ﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
[سورة النور: 26]
أيضاً هذا أمر جاء على صيغة الخبر، أي يا أيها الأولياء احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات، لا تزوج ابنتك لإنسان غني لكنه جاهل، وابنتك ديِّنة، وصالحة، وتحفظ كتاب الله، احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات هذا أمر جاء على صيغة خبر. ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أمر جاء على صيغة الخبر. ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
أمر جاء على صيغة الخبر، وأيضاً جاءت هذه الآية: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
أمر جاء على صيغة الخبر أو النهي. التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع أما التركيب الاسمي فيدل على الثبات :
التركيب الاسمي دائماً يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والانقطاع، دخل، دخل فلان إلى المسجد، هذه دخل مرة واحدة، والفعل انتهى، وانتهى الدخول، التركيب الفعلي يدل على الحدوث والانقطاع أما التركيب الاسمي فيدل على الثبات والاستمرار، فالآية جاءت أمراً ونهياً على صيغة الخبر، وجاءت بالتركيب الاسمي، ثم جاءت على مستوى التعميم.
﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران: 97]
هذا تعميم، أي إنسان إذا ذهب إلى بيت الله الحرام لابد من أن يقطف الثمار، الإبهام ثم التبيين. حكم حج الفقير والعبد :
العلماء قالوا في حكم حج الفقير والعبد، لا يجب على الفقير الحج لعدم الاستطاعة، ليس مكلفاً أن يتدين، أو الغني ليس مكلفاً أن يرشي لكي يحج، عبادة تبدأ بمعصية، معقول؟! ليس مكلفاً، سُمح لك الحمد لله، ما سُمح لك لست مستطيعاً، الفقير ليس مكلفاً أن يتسوَّل ليحج، ولا أن يستجدي، ولا أن يبذل ماء وجهه، لأن هذا الحج فرضٌ على المستطيع، ولكن لو أن فقيراً حج إلى بيت الله الحرام، هذا الحج الذي حجه الفقير يسقط عنه الفرض، وكأنه حجه غنياً، هذا هو الحكم الفقهي بالإجماع.
وجود المحرم شروط من شروط حج المرأة :
أما موضوع المَحْرَم للمرأة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
لذلك المرأة يضاف إلى استطاعتها شرطٌ جديد وهو وجود المحرم، والله الآن والذي يؤلم جداً أن هناك من يعقد زواجاً صورياً، من أجل أن تحج بيت الله الحرام، أقدس عقد في الوجود عقد الزواج يتخذ ذريعة لأن تذهب امرأةٌ إلى الحج، وكأنها أفقه من الفقهاء، الله ما كلفك بالحج، هناك من يعقد زواجاً صورياً، ولهذا الزواج متاعب كثيرة جداً.
إنسان عقد عقداً على امرأة كي تحج معه بيت الله الحرام لأنه صار زوجاً لها، وجد أنها غنية، فلم يطلقها بعد الحج، قال: لعلها تموت وأرثها. تنشأ مشكلات، وكم من زواجٍ صوري انتهى إلى الدخول في المدينة، صار هناك دخولاً، ولا يوجد تناسب أبداً، هذا شيء من أخطاء المسلمين الفاحشة، أنه لكي نتوصل إلى حج بيت الله الحرام نجري زواجاً صورياً، أو نعصي الإله، أو نفعل شيئاً لا يرضي الله عز وجل، هذا كله ممنوع.
فالمرأة إن لم يكن معها محرم فليست مستطيعة الحج، هذا طبعاً باتفاق العلماء، هناك اجتهاد للشافعية: إذا كان هناك جمعاً غفيراً مأموناً فقط لحج الفريضة.
الآن هناك من يحججن بيت الله الحرام حجة نفلٍ من دون محرم، فإذا فتوى للإمام الشافعي أو للسادة الشافعية لأداء حجة الفريضة فقط، مع وجود جمعٍ غفير من النساء اللواتي يؤمن السفر معهن. وهذه حالة محدودة جداً، أما امرأة تسافر للحج من دون محرم، والحج ليس فرضاً بل نفلاً، فهذا شيء مخالف لما قاله العلماء جميعاً. قواعد الشرع ضمان لسلامة الإنسان وليست قيداً لحريته :
الآن استنباط آخر قال: إذا كان الإسلام لم يسمح للمرأة أن تسافر لأداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم، والحج أحد أركان الإسلام كما نعلم، وهو فريضة، فكيف يسمح الناس لبناتهم بالسفر إلى بلادٍ بعيد، أو إلى بلادٍ أجنبية، بحجة الدراسة وطلب العلم، وليس معهن محرم؟
والله إنسان لولا أنه قال لي هو بنفسه أنا لا أصدق، قال لي: والله أنا كنت أعمل في المملكة، وزوجتي أرسلتها مع سائق إلى الشام، سيارة تكسي مع سائق، هو وهي وحدهما في الطريق، معقول هذا الكلام؟! كم هناك من جهل، فقواعد الشرع ضمان لسلامتك وليست قيداً لحريتك، فإذا كانت المرأة ممنوعة أن تذهب إلى أداء فريضة الحج إلا مع ذي محرم فلأن يكون هذا محرماً عليها في السفر العادي من باب أولى لأداء فريضة ممنوع أن تذهب.
طبعاً الحج مرة واحدة، الفريضة، أما النفل فأكثر من مرة، إلا أنه إذا كان الإنسان عليه واجبات وقصر فيها، لولي أمر المسلمين أن يمنع حجة نفلٍ أدت إلى ترك واجب، فإذا ابن في سن الزواج، ويخشى عليه أن تزل قدمه، والأب يحج كل سنة، نقول له: حج حجة الفرض وزوج ابنك، هذا أولى، أولى ألف مرة.
حتى إن الإمام ابن المبارك كان في طريقه إلى الحج، فوقع نظره على فتاةٍ صغيرة تنقب في القمامة، حتى رأت طائراً ميتاً، حملته وركضت إلى بيتها، تبعها فإذا أسرةٌ فقيرة لا تملك ما تأكل إلا هذا الطائر الميت، فدفع لها بنفقة الحج وعاد إلى بلده، ورأى هذا الإمام العظيم أن إسعاف هذه الأسرة أولى من أداء حجه.
الآن كم إنسان يحج كل سنة مرة؟ كل سنة يحج، وعليه واجبات كثيرة جداً مقصر فيها، وكم إنسان يرتكب معصية لكي يحج؟ وكم إنسان يعمل عقد زواج صوري لكي يحج؟ وكم إنسان يرشي لكي يحج؟ هذا كله لا يجوز، هذه أرقى عبادة لا تؤدى إلا خالصة لوجه الله تعالى.
من حجّ أكثر من مرة كل حجة تكون أرقى وأعمق وأكثر اتصال بالله من التي سبقتها :
أما تكرار الحج كما قلت في مطلع الدرس:
((إن عبدا أصححت له جسمه ووسعت عليه في رزقه لم يفد إلي في كل خمسة أعوام لمحروم))
[ كنز العمال عن أبي هريرة]
فممكن إذا كان الإنسان ميسوراً، والإنسان أدى ما عليه من واجبات، زوّج أولاده، لا يوجد مشكلة وميسور، أن يحج كل خمسة أعوام، هذا ممكن، أما الآن نستنبط أيضاً أن كل حجة تحجها أرقى من التي سبقتها، إذا حج الإنسان مرتين أو ثلاث، كل حجة تكون أرقى، وأعمق، وأكثر اتصال بالله من التي سبقتها، فالميسور والمستطيع إذا حج أكثر من مرة لا يوجد مانع.

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:13 PM   #18


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثامن العاشر )

الموضوع :الحج والعمرة ـ الاستنباطات الفقهية من الحج



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آيات متعلِّقة بالحج :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن عشر من دروس: "آيات الأحكام"، ولأننا على مشارف فريضة الحج، فاخترت لكم الآيات المتعلِّقة بالحج، والتي يستنبط منها الأحكام الشرعيَّة قال تعالى:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة البقرة : 196-197]
الاستنباطات الفقهيَّة من الآيات السابقة :
1 ـ الهدي الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المُعتمر هديةً منه لأهل الحرم :
أيها الأخوة الكرام، الاستنباطات الفقهيَّة من هذه الآية كثيرةٌ جداً، فمن هذه الاستنباطات: الهدي في هذه الآية يطلق على الحيوان الذي يسوقه الحاج أو المُعتمر، هديةً منه لأهل الحرم، أصل الهدي من الهديَّة، هؤلاء الذين يعكفون على تيسير مناسك الحج للحجاج، هديتك لهم هذا الهدي الذي هو قوام حياتهم، هذا أصل الهدي.
من غير سببٍ موجب، نحن عندنا هدي جبر، وعندنا هدي شكر، وعندنا هدي جزاء، وعندنا هدي إحصار..
﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
أيها الأخوة الكرام، الاستنباطات الفقهيَّة من هذه الآية كثيرةٌ جداً، فمن هذه أي من أحرم بعمرةٍ ثم تحلل إلى وقت الحج فأحرم، هذا عليه هدي تمتعٍ، أي هدي جبر نقصٍ، أما من حج مفرداً، حجَّ فقط وبقي محرماً إلى يوم عرفة فهذا لا شيء عليه، أما إذا حج قارناً، أي أنه أحرم بعمرةٍ، وبقي محرماً إلى أن أحرم بحجٍ، فهذا عليه هديٌ، لكنه هدي شكرٍ لا هدي جبرٍ، أن الله آتاه قوة، وآتاه جَلَداً، أعطاه قوة على تحمُّل هذه العبادة، فعليه شكرٌ لله عزَّ وجل هدي شكرٍ، أما الذي تمتع من العمرة إلى الحج فعليه هدي جبرٍ، أما الذي أُحصر أي منعه مرضٌ، أو منعه عدوٌ، أو منعه أمرٌ قاهر عن أن يتابع الحج فعليه هدي إحصار، أما الذي يقع في بعض محظورات الإحرام، لو دخل الحرم بثيابه خطأً، فعليه هديٌ، لو ترك واجباً من واجبات الحج، عليه هديٌ..
صار عندنا أربعة أنواع للهدي؛ هدي جبر للمتمتع، وهدي شكر للقارن، وهدي إحصار، وهدي جزاء.
والهدي اسمٌ على مسمى، هديةٌ يقدمها الحاج إلى أهل الحرم. الشريعة رحمةٌ كلها عدلٌ كلها مصلحةٌ كلها :
أخواننا الكرام، لا أنسى هذه الكلمة التي قالها بعض العلماء:" الشريعة رحمةٌ كلها، الشريعة عدلٌ كلها، الشريعة مصلحةٌ كلها، الشريعة حكمةٌ كلها -لأنها من عند الخالق- أية قضيةٍ خرجت من الحكمة إلى خلافها، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة ".
فإلى عدة سنوات كان يأتي إلى بيت الله الحرام عدد كبير يقترب من مليون، أو مليونين، هؤلاء يذبحون الخراف التي لها ثمن باهظ، يلقونها في العراء، يذبح ويلقي، أدَّى النُسُك، فهذه الغنمة لحم، والجو حار جداً تتفسَّخ خلال ساعات، أقسم لي أحد الأخوة الكرام -وهو يسكن في منطقة قريبة من منى- أن رائحة اللحوم المتفسِّخة لا تغادر هذه المنطقة ولا في ثلاثة أشهر، تصور مليون غنمة ذُبِحَت وأُلقيت في العراء، أهذا هو النُسك؟ أهذا هو أمر الله عزَّ وجل؟ أهذه هي الشريعة؟ لا والله، الهدي هديةٌ تقدمها إلى أهل الحرام، هدية يجب أن تصل إلى البطون، يجب أن تؤكل، يجب أن يأخذها الفقراء، إذاً كل منسك ينبغي أن يكون حكيماً لصالح الأمة، مبنياً على العدل.
قرأت مرَّة خبراً في جريدة أنه تمَّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في أستراليا ودُفِنَت في باطن الأرض، للحفاظ على أسعار الغنم في العالم، ألا تشعر أن هؤلاء متوحشون؟ متوحشون، كم أمة تموت من الجوع؟ الصومال، السودان، بنغلادش، هذه الدول الفقيرة التي تموت من الجوع، عشرون مليون غنمة يطلق عليها النار، وتُدفن للحفاظ على أسعار اللحم العالية.
لكن مليون غنمة تُذبح وتُلقى في العراء، يجب أن يصل هذا الهدي إلى محله، يجب أن يصل إلى بطون الفقراء، فالحاج الذي يذبح ويلقي هذا ليس حاجاً، ولا فقيهاً، ولم يعرف مناسك الحج، الآن أُلغي هذا، لن تستطيع أن تذبح إلا في المسلخ، والمسلخ يذبح، ويبرِّد، ويرسلها إلى فقراء المسلمين في العالم، فهذا معقول، الآن شيء مقبول أن هذا اللحم انتهى إلى بطون الجياع.
2 ـ الحج فريضة مقدَّسة جداً إن بدأها الإنسان فعليه أن يتمها :
أما معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
أتموا..أي إذا بدأت ينبغي أن تتابع، ليست قضية مزاجيَّة، والله أنا الحج لم يعجبني سأرجع، هذه بالحج ليست واردة إطلاقاً.. ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
فريضة مقدَّسة جداً، إن بدأت عليك أن تتم، وقال بعض العلماء: " إتمام الحج والعمرة أن تأتي بهما تامين كاملين بمناسكهما وشرائطهما ظاهراً بأداء المناسك، وباطناً بالإخلاص لله تعالى من غير رياءٍ ولا سمعة ". كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: ((اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا وَلا سُمْعَةَ))
[ابن ماجة عن أنس بن مالك]
أحياناً الإنسان يحج فتجد الزينات، والسجاد، و العراضات، وإطلاق الرصاص، والاحتفالات، والولائم، صار اسمه الحاج.. ((اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لا رِيَاءَ فِيهَا وَلا سُمْعَةَ))
[ابن ماجة عن أنس بن مالك]
والحج كما قال عليه الصلاة والسلام: ((الْعَجُّ وَالثَّجُّ؟))
[ الترمذي عن أبي بكر ]
3 ـ تناقض الرفاه غير المعقول بالحج مع مناسك الحج :
كذلك تقصي الرفاه غير المعقول بالحج يتناقض مع مناسك الحج، إنسان حجز فندقاً من ذوات النجوم الخمسة، في أيام الحج ليتمتَّع، ليترفَّه، فكافأه الله على هذا - طبعاً ليس حراماً أن تحجز هذا الفندق، أنا لا أقول هذا حرام - لكن تقصي الرفاه بأنه تاه عن هذا الفندق ثلاثة أيام في منى، ولم يهتد إليه، الحج أساسه العج والثج، الحج الرحلة قبل الأخيرة، الحج أن تخلع كل مظاهر الدنيا، كل مظاهر الزينة، أن تؤدي المناسك متقنةً ظاهراً، ومخلصةً باطناً. قال بعض العلماء:

إذا حججت بمالٍ أصله سُحُتٌ فما حججت ولكن حجَّت العيرُ
لا يقبل الله إلا كل خالصةٍ ما كل من حج بيت الله مبـرورُ
* * *
4 ـ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ من أساليب التوكيد في القرآن الكريم :
فما معنى قوله تعالى:
﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾
المعنى واضح، أما ﴿ كَامِلَةٌ ﴾
فقال: هذا يقاس على قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾
[ سورة الحج: 46]
ولكن أين محلها في الأساس؟ هي في الصدور، تحصيل حاصل، قال: هذا من أساليب التوكيد في القرآن الكريم.. ﴿ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾
[ سورة الأنعام: 38]
هذا من أساليب التوكيد: ﴿ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾
[ سورة الأحزاب: 4]
القول أين يتم؟ لو قلنا: تلك عشرةٌ. أحياناً يستخدم العدد للتكثير، فإن أردنا العدد بمعناه الحسابي.. ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
يقول لك: دفعت المبلغ بالتمام والكمال، إذا نقدته عشر ليرات ذهبية بالتمام والكمال بالتمام عشرة، بالضبط، وبالكمال أي كلها جديدة، حروفها حادة، بالتمام والكمال، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾
[ سورة المائدة: 3 ]
5 ـ مناسك الحج لا تؤدَّى إلا في مكانٍ واحد :
أما الاستنباط الخامس:
﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾
[ سورة البقرة: 199 ]
أي ممكن أن يكون هناك تمايزاً في أي مكان في العالم، هناك فندق خمس نجوم، وفندق أربع نجوم، وثلاث نجوم، ونجمتان، ونجمة، وهناك فندق نجومه مطموسة - من الدرجة العاشرة- وهناك مكان لا يحتمل أن ينام فيه حيوان أحياناً، مبيت، فيه مراتب، والمركبات مراتب؛ هناك مركبة خشنة متعبة، و مركبة فخمة جداً، والبيوت مراتب، وكل شيء بالحياة مراتب، إلا مناسك الحج فهي لا تؤدَّى إلا في مكانٍ واحد.
مهما كنت غنياً لابدَّ من أن تطوف حول الكعبة ضمن الزحام، مهما كنت غنياً لابدَّ من أن تسعى بيت الصفا والمروة مع عامة الناس، ملك، غير ملك، غني، قوي، أي إنسان، مناسك الحج توحِّد المسلمين، وهناك مكان آخر يتوحَّد المسلمون فيه، هو بيت الله، أنت خارج المسجد هناك مدير عام، و معاون مدير، و موظَّف كبير، و رئيس دائرة، و حاجب، أما يوم الجمعة فيستطيع الحاجب أن يجلس في الصف الأول إذا جاء مبكراً، والمدير العام قد لا يتاح أن يجلس إلا في آخر صف إذا جاء متأخراً.
بيت الله، هذه من عظمة هذا الشرع، يجوز أن تشعر أنك أقل من فلان خارج المسجد؛ بالدائرة، بالمستشفى، بالمدرسة، بالمعمل، بالحي، هناك بيت فخم، وهناك ساكن في ملحق، بيت أربعمئة متر، وشخص ساكن بقبو، هناك تفاوت، أما بالمسجد فلا يوجد تفاوت، يوم الجمعة هناك خطبة الجمعة، أو في الصلوات الخمسة، أو في دروس العلم، تشعر أنك تساوي أي إنسان مهما علا، هنا مراتب دنيا لا توجد. الحج تواضع و خضوع لله وعبوديَّة :
لذلك كان عليه الصلاة والسلام جالس مع أصحابه، وعن يمينه غلامٌ صغير وعن يساره كبار الصحابة، فجيء بضيافة، فحسب السنة بدؤوا بالنبي ثم من على يمين النبي، الذي على يمينه طفل صغير والذي على يساره كبار الصحابة، قال له:
((يَا غُلامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ))
[البخاري عن سهل بن سعد]
طفل صغير، هذا الإسلام عدل مُطلق، لا يوجد مراتب، أجمل ما في الإسلام أنه بالمسجد وبالحج لا توجد مراتب، الإنسان أحياناً يرتدي ثياباً يقول لك: ثمن البدلة ثمانون ألفاً. ممكن أن يرتدي ثياباً غالية جداً، أما في الحج فيرتدي منشفتين لا يوجد غيرهما، منشفة بيضاء، هذا من عظمة الإسلام.. ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾
[ سورة البقرة: 199 ]
أنت مع الناس، لذلك أخواننا إذا أتيح لكم أن تحجوا أو أن تعتمروا، إيَّاك ثم إياك ثم إياك أن تذهب إلى هناك وأنت ناظر إلى مكانتك، إلى رتبتك، إلى ما على كتفك، إلى ما على صدرك، إلى ما في جيبك، إياك هناك أنت عبدٌ لله.
الإنسان في بلده لو كان في المطار مثلاً ينتظر إنساناً، مهما كان مُتعباً، هل رأيتم في مطار دمشق إنساناً يجلس على الأرض من تعبه؟ لا من أجل مكانته. هناك في الحج شيء طبيعي جداً مهما كنت عليَّ المقام تجلس على الأرض.
إذا كان هناك سيارة عامة قلنا لإنسان: تأخذ عشرة آلاف وتركب على السطح، على ظهر السيارة، أو باص نقل داخلي هكذا في المدينة، أما في بلده إن قلنا له: خذ خمسة آلاف واصعد اركب على السطح، فلا يقبل، هذا الشيء في الحج شيء طبيعي جداً، كبار الشخصيات بعرفات نصف تحت ونصف على سطح المركبة.
الحج تواضع، الحج خضوع لله، الحج عبوديَّة، هذه كلها أقنعة، نحن تقنَّعنا فيها؛ أنا اسمي كذا، وهذا قبل اسمه يضع: د. وهذا قبل اسمه عميد، هذه كلها أقنعة مزيَّفة، أنا حجمي المالي كذا، أنا ثيابي من المحل الفلاني، أنا ثيابي كلها مستوردة، أنا سيارتي كذا، هذا كله هناك ملغي، دع الدنيا في بلدك وتعال عبداً لله عزَّ وجل، هذا كله من معاني: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾
[ سورة البقرة: 199 ]
أنت والفقير سواء، من عظمة هذا القرآن الكريم.. 6 ـ الحج عبادةٌ بدنيةٌ ماليةٌ شعائريَّة تؤدَّى في مكان وزمان مخصوصين وهيئةٍ خاصَّة :
﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
جاء الحج ثلاث مرات، الأول: أن الحج، أي زمان الحج أشهرٌ معلومات، إنسان حج من بلد عربي، والله وكما سمعت يحتل منصباً رفيعاً في وزارة، قريب من معاون الوزير، وهو في العودة يحدث زميله قال له: والله الحج شيء مرتَّب، أي فيه عناية فائقة، و خدمات عالية، و الله شيء جميل، ولكن والله أنا ألوم هؤلاء السعوديين. قال له: لماذا؟ قال له: لو عملوه على مدار السنة لكان أفضل، لأن هناك ازدحام. هذا لا يفقه من الحج شيئاً، لو جعلوه على مدار السنة، الله ماذا يقول؟ ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
في مكان مخصَّص، وفي زمان مخصَّص، وفي نُسُك مخصَّص، الحج عبادةٌ بدنيةٌ ماليةٌ شعائريَّة، تؤدَّى في مكان مخصوص، وفي زمان مخصوص، وعلى هيئةٍ خاصَّة.
فأول كلمة حج أي زمان الحج.. ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
أي من دخل في مناسك الحج، كلمة حج الثانية لها معنى ثان.. ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
آخر كلمة تعني في زمان الحج، وفي مكان الحج. الاستخدام من أروع ما في البيان العربي :
يقولون بالبلاغة: عندنا شيء اسمه الاستخدام. أنا أقول لإنسان عنده بستان فيها نبع ماء، وله ابن، أقول له: أقرَّ الله عين الأمير، وأجرى له ماءها، وكفاه الله شرَّها. أقرَّ الله عين الأمير، أي عين قلبه، كفاه الله شرها أي عين الحسود، أجرى له ماءها أي عين الماء، فالاستخدام أن نستخدم كلمة ثم نستخدمها ثانيةً بمعنى آخر من معانيها، ونستخدمها ثالثةً بمعنى ثالث، هذا من أروع ما في البيان العربي..
﴿ الْحَجُّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
زمان الحج.. ﴿ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
نُسك الحج.. ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
[ سورة البقرة: 197 ]
أي في أيام الحج، وفي أمكنة الحج، هذا أيضاً استنباط لطيف بالآية الكريمة. 7 ـ الحج دعوة والعمرة زيارة :
بعض الأحكام الشرعيَّة: العمرة بين أن تكون واجباً لقول الله عزَّ وجل:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
وبين أن تكون سُنَّةً، على كلٍّ الحج دعوة والعمرة زيارة، كلام دقيق، ما دام الحج في وقت مخصوص فهو دعوة، أنت تقيم وليمة يوم الخميس الساعة الثانية، هذه دعوة تدعو إليها من تشاء، أما كل إنسان بإمكانه أن يزورك في بيتك متى يشاء، الزيارة على مدار السنة أما الحج ففي أوقات محددة، فالحج دعوة، والعمرة زيارة، ومن معاني الدعوة أن تقول: "لبيك اللهم لبيك".
إلا أن الإنسان إذا حج عدة مرات فالأولى أن يكتفي بالعمرة، ليتيح المجال لمن لم يحج أن يحج البيت، لأن هناك درجة من الازدحام تؤذي الحجاج جميعاً، وكأنها تصرفهم عن مناسك الحج لشدة الازدحام. 8 ـ الإحصار :
الشيء الثاني: الإحصار، فالإحصار الإنسان أحياناً تنشأ معه مشكلة، أو مرض خطير، ماذا يفعل؟ الله قال:
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
قال: الإحصار - عند السادة الأحناف- يكون من كل حابسٍ يحبس الحاج عن البيت؛ من عدوٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ضلال راحلةٍ، أو موت محرمٍ في الطريق.
إنسان مثلاً حبسه عن البيت عدو، صار هناك مشكلة أمنية بديار الحج، أو مرضاً خطيراً، أو خوفاً، أو ضاعت كل أمواله فلم يستطع أن يكمل، أو ضلَّت راحلته، أو زوجةٌ مات زوجها في الطريق لا تستطيع أن تُكمل، هذا اسمه إحصار.
من بعض المذاهب لا إحصار إلا من حصر العدو، أما عند الأحناف فالإحصار موسَّع، كما قلت قبل قليل: من عدوٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ضلال راحلةٍ، أو موت محرم الزوجة.
المحصر يذبح الهدي ويحلِق، وبهذا قد تحلَّل، لذلك بعضهم يحتاطون في نيَّة الحج وفي التلبية يقول: لبيك بحجٍ إلى بيتك الحرام، أو حيثما حبسني حابس. تنشأ أحياناً مشكلة كبيرة في الصحة، فربنا عزَّ وجل شرعه حكيم، وفيه رحمةٌ للعالمين. أنواع الحج :
ذكرت قبل قليل في أول الدرس: أن هناك حج مفرد وهو ما يفعله أكثر الحجاج السوريين، يحرم بالحج فقط، أما كل إنسان حينما تمضي أيام الحج - أي حينما يمضي اليوم الرابع من العيد - فبإمكانه أن يأتي بعمرة ويبقى مفرداً ولا شيء عليه، المُفرد ليس عليه هديٌ الهدي على المتمتع، وعلى القارن، وعلى من ارتكب إحدى محظورات الإحرام، والهدي على من أُحصر، أما المفرد فلا شيء عليه، إلا أن المفرد بإمكانه أن يأتي بعمرةٍ بعد انقضاء أيام الحج ولا شيء عليه.
نحن عندنا إنسان آفاقي، وإنسان أهله حاضرو المسجد الحرام، عندنا المواقيت؛ ميقات أهل الشام، ميقات أهل العراق، ميقات أهل اليمن، هذه المواقيت تشكل شكلاً اسمه الحرم، من كان داخل الحرم فيحرم من بيته، هذا من أهل الحرم، من كان آفاقي، أي مكان إقامته خارج منطقة الحرم فهذا الذي يحرم من الحرم، من مداخل الحرم، لبيت الله الحرام.
شروط المتمتع :
إذا كان الإنسان ميسوراً وأراد أن يتمتع فهناك شروط، أول شرط: طبعاً المتمتع يحرم بعمرة، ويأتي إلى بيت الله الحرام، فيطوف البيت سبعة أشواط، ويسعى بين الصفا والمروة، ويصلي ركعتين، ويحلق، ويتحلَّل، الآن ليس محرماً، قد يقبع في مكة يومين، ثلاثة، خمسة عشر يوماً، بحسب مجيئه للحج، فهذه الأيام يمضيها بثيابه العاديَّة، ويغتسل، يتعطَّر، يقلِّم أظافره، يحلق لأنه متمتع.
اليوم الثامن من ذي الحجَّة يحرم من بيته، من فندقه، من مكان إقامته، وينطلق، هذا جاء بعمرة، وتمتَّع، وجاء بحجة، هذا اسمه متمتِّع، من أجل أن يُقبل تمتعه هنا شروط، من هذه الشروط تقديم العمرة على الحج، فلو حجَّ ثم اعتمر لا يكون متمتِّعاً.
ومن هذه الشروط أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، أشهر الحج شوال، ذو القعدة، ذو الحجَّة.
من شروط التمتع أن يحج في تلك السنة..
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
أي في سفر واحد عمرة وحج، الشرط الرابع: ألا يكون من أهل مكة لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾
[ سورة البقرة: 196 ]
الخامس: أن يحرم بالحج من مكة، فإذا عاد إلى الميقات فأحرم لا يلزمه دم، ما عاد متمتعاً، لو أحرم أن يحرم من مكة، أحرم من مكة صار متمتعاً، لو عاد إلى منطقة الحرم إلى بدايتها وأحرم، صار حاجاً لم يعد متمتعاً. الإسلام دين عظيم يسع كل الحالات :
طبعاً هناك سؤال هو: هل يجوز أن نحرم للحج قبل أشهر الحج؟ هذا سؤال أحياناً يكون غير منطقي، قال لي أخ: من يومين أذاعوا بمحطة فضائية أنه لا يقبل الهدي إلا إذا سقته معك من بلدك. فنظرت أنا فيه مستغرباً. فقال لي: ما قولك؟ قلت له: والله جرب خذ معك جملاً في الطائرة، تحتاج لعشرة مقاعد، فهل يعطون الجمل بطاقة طائرة؟ الطريق إلى الحج حصراً بالطائرة، هناك شيء غير منطقي، هناك تبدلات، الأحكام تتبدل مع تبدل الظروف، هذا شيء غير طبيعي.
وقف خطيب على منبر قال: كل إنسان يصرف مئة ليرة أربع خمس وعشرينات أكل الربا، لأن الله قال: يداً بيد وسواءً بسواء، فاستنبط أن المئة صاروا أربع، صار في فضل وقع بالربا.
هكذا عقليات متحجرة، هكذا تفكير متزمت ينفر الناس من الدين، بالبديهة بعض الدول الأجنبية عندهم بالقضاء شيء اسمه: المحلفون، يأتون بخمسين شخصاً من الطريق، مثلاً شخص عادي قد يكون جاهلاً، أمياً، سمَّاناً، متجوِّلاً، شخصاً، يأتون بهم ويسمعونهم وقائع الجريمة، تجد هناك فطرة بالإنسان سليمة، هؤلاء الجهلاء الأميون، غير المتعمِّقين، لم يدرسوا الحقوق، ولا يوجد عندهم أي خبرة بالقضاء، والله الأصابع تشير إلى فلان، أن فلاناً مجرم، هؤلاء اسمهم محلفون، هؤلاء على الفطرة، هؤلاء يمثلون الضمير البشري.
قل لإنسان: أنا ذبحت غنمة، وألقيتها بالطريق، والحرارة ست وخمسون، وأنا أديت الحمد لله مناسك الحج. هل هذا الدين دين الله؟ تتلف مالاً ثميناً جداً الناس في أمس الحاجة له، تتلفه وتجعله يسبب تلوث البيئة وأنت حاج؟ لا والله أنت ما فهمت شيئاً بالحج.
أحياناً تنشأ ظروف، أريد أن أًقبّل الحجر، معقول أعمل معركة هذا بكوعي، وهذا أدفعه بصدري حتى أصل إلى الحجر؟!! مرة كان لي تعليق مضحك قلت لهم: تصوروا أباً حوله ثمانية أولاد، عنده ابن شرس، فأحب هذا الابن الشرس أن يكسب رضا والده، مسك أول أخ ضربه على وجهه دفعه جانباً، أمسك بالثاني وركله بقدمه، أمسك الثالث خبطه على وجهه، حتى تفرقوا، وجاء ليقبل يد والده. والله هكذا أرى أناساً عند الحجر وحوشاً، معقول؟ أنت جئت من بلاد بعيدة دافع مئات الألوف، من أجل سنة تضحي بفريضة تؤذي الحجاج؟.
مرة أحد أخواننا العلماء جزاه الله الخير - من باب الدعابة - قال لي: أنا مذهبي شافعي، فدخلت لكي أطوف، فبالطبع هناك نساء، وبشكل خطأ امرأة مست يدها يدي، فكيف يخرج من الطواف، والآن الوضوء خارج الحرم تحتاج ساعة، أو ساعتين لتخرج وتتوضأ وترجع، قال: تقلدت الإمام الحنفي، وأنا أطوف انتقلت من شافعي لحنفي، جاء إنسان زنجي داس على رجلي أدماها، الدم سال، انتهى الطواف صار هناك دماً سائلاً قلدت المالكي أيضاً. قال لي: بدأت شافعياً، صرت حنفياً، انتهيت مالكياً، فكذلك هذه الاجتهادات نعمة كبيرة.
أنا مرة كنت في البعثة، فجاءت امرأة من ريف دمشق تسأل أحد العلماء: أنها جاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة ماذا تفعل؟ فما نظر لوضعها قال لها: عليك بدنة. أي أن تذبح جملاً، ثمنه مئة ألف. فبركت مثل الجمل، هذه الحجة تنتظرها من ثلاثين سنة، كل ما تملك جمعته لهذه الحجة، هذا الحكم الشرعي؟ عند الأحناف عليها ذبح بدنة، عند الشافعة عليها أن تغدو أميرة الحج، ينتظرونها، سبعة أيام تطهر وتطوف، وتأتي عند الإمام مالك تطوف البيت ولا شيء عليها.
تصور إنسانة بالحج معها ملايين، وسألتنا نقول لها: عليكِ بدنة، ادفعي مئة ألف للفقراء وأطعميهم، فلا مانع. إنسانة لها ابن مقيم بجدة وزوجها تاجر نقول لها: اجلسي عند ابنك سبعة أيام وبعد أن تنتهي تطوفين بالبيت. إنسانة فقيرة لا أحد ينتظرها ليس معها قرش زيادة عن نفقة الحج نقول لها: طوفي ولا شيء عليكِ.
انظر إلى الإسلام وعظمته، يسع كل الحالات؛ يسع حال امرأة فقيرة، يسع حال امرأة غنية، يسع حال إنسان ليس ملتزماً بعمل، حر، تاجر ليس عليه دوام.
مثلاً هناك أربعة ملايين حاج، لو أرادوا أن ينفروا من المزدلفة في وقت واحد كانوا ماتوا دهساً، عند الإمام مالك لك أن تنطلق من مزدلفة بعد العشاء، والله هذا شيء سهل، عند الإمام الشافعي بعد الثانية عشرة، عند أبي حنيفة بعد الفجر، الأربعة ملايين توزعوا على ثلاثة، فصار مليون بمليون بمليون، شيء جميل، تنوع الاجتهادات يغطي كل الحالات، بالإنسان هناك ثوابت ومتغيِّرات؛ بالثوابت الأحكام قطعية، بالمتغيرات الأحكام ظنية.
في الظروف الصعبة يجب على الإنسان أن يختار الأسهل وبالرخاء يختار الأحوط :
أرجو الله سبحانه وتعالى أن أنقل لكم هذه الحقيقة، في وقت الشدة يجب أن تأخذ بالأسهل، وفي الرخاء يجب أن تأخذ بالأحوط، فالنبي رجم الجمرات وكان معه ألفا حاج، إذا صار بدلاً من الألفين مليونا حاج، والمكان واحد، يجب أن يكون الإنسان عنده حكمة، يقول لك: أنا حججت ثلاث مرات ومعي زوجتي، الإنسان يخرج مُصَفَّحاً من الازدحام، فأي إقبال، وأي بكاء، ينسحق الإنسان سحقاً، وإذا رأى امرأته تنسحق بين الرجال فهل يعرف أن يتجه لله عز وجل؟ أنا بالليل رجمت، بالليل هناك متر بينك وبين الذي يقف بجانبك، تبكي، تبتهل، تدعو.
فبالظروف الصعبة يجب أن تختار الأسهل، بالرخاء تختار الأحوط، خذها قاعدة، وأنا أرى أنه لا ينبغي أن يكون الإفتاء في الحج على مذهب واحد، ممنوع، أرى، وأصر، وأتمنى أن يكون في بعثة الحج أربعة مفتيين؛ مفتي حنفي، شافعي، مالكي، حنبلي، الحنبلي أهون شيء، لكن عند العوام الحنبلي أصعب شيء، يقول له: هل ستسوقها حنبلية؟ ما الحنبلية؟ الإمام الحنبلي كان أورع الناس لنفسه، وكانت فتاواه أسهل الفتاوى، فهو شديد على نفسه، هناك شخص لنفسه يأخذ كل الرُخص، إذا سئل يعطي أصعب شيء، هذا موقف غير صحيح.
9 ـ محرَّمات الإحرام :
الحكم التاسع: محرَّمات الإحرام؛ الجماع ودواعيه، من لمس، شهوة، تقبيل، إفحاش في الكلام، إلخ، هناك جهل يا أخوان، هناك جهل كبير، أنا والله أربأ بإخواننا الحجاج أن يقعوا في هذا الجهل، حدثني أحد رؤساء الأفواج: إنسان قبَّل زوجته أمام الناس بالحج. هل أنت حاج؟ أنت تريد ملهى، لا تريد حجاً.
هناك شخص بمكة يقول لك: أين قبر النبي؟ هنا لا يوجد قبر النبي، قبر النبي بالمدينة، قال له وهو بالكعبة: أخي أين القبلة؟ قال له: هذه الكعبة. فقال له: أنا أقول لك القبلة وليس الكعبة، فأين القبلة؟ قال له: هذه الكعبة. جهل مطبق.
بلغني أن في بعض الدول الإسلامية أنه لا يمكن أن تحج قبل أن تدخل دورة لمدة ستة أشهر؛ نظري وعملي، تجد هذا الحاج من شرق آسيا يمثل بلده أعلى تمثيل، أدب، يعرف كل المناسك، نظافة، أماكن راقية، سيارات مكيفة، تجده يقعد حيث انتهى به المجلس، لكن نحن أصحاب الرسالة، نحن الوسطاء بين الله وخلقه، إلينا جاءت الرسالة، ونحن الغلط من عندنا، والفوضى من عندنا، والنوم بالطرقات، ويقول له: أين قبر النبي وهو بمكة؟ إنسان دعا بالحج أن يبعث الله له ولداً، فالتقى مع زوجته بعرفات، فربما أتاه ولد مثلاً، شيء مخيف، أخطاء فاحشة.
والله مرة من باب الطرفة أنا كنت موكلاً بفحص رؤساء الأفواج، رأيت رئيس فوج لم يعجبني، قلت له: إذا كان هناك امرأة مسنة، عمرها ثمانون سنة، ما تمكنت أن تهرول بين الميلين الأخضرين، ماذا عليها؟ تأمَّل، وتأمل، وتأمل وقال لي: والله بطل حجها يا أستاذ. قلت له لماذا؟ قال لي: لأن هذه الهرولة ركن من أركان الحج. هذا سوف يدير مئة حاج بالحج؟!، هناك جهل مطبق، علاجه العلم، تفقهوا قبل أن تحجوا، جميل جداً أن تكون فقيهاً بالحج، ولطيفاً.
من أجل سنة نضحي بفريضة، من أجل سنة نرتكب كل الأعمال القبيحة، فتصور هكذا صف جامعي، صف رابع رياضيات، فيه ثلاثة عشر طالباً، وكل الأساتذة دكاترة كبار، دخل إلى الصف حوالي ستين أو سبعين من الأميين وقعدوا معهم، فما بقي هناك محاضرة، ولا فهم، ولا شيء، انتهى العلم، فالإنسان يجب أن يكون دقيقاً، أنت تمثل بلدك، الحقيقة أنا أريد أن أقول لكم كلمة: الحاج سفير بلده.
تجده حاجاً يرفع اسم بلده إلى الأوج؛ وحاجاً يضع سمعة بلده في الوحل من تصرفاته، والله في بعض البلاد الإسلامية عندهم لطف ورقة بالغة، وهناك أناس غير ذلك.
التفقه قبل الحج :
الشيء المؤلم أن هناك ثلاثمئة راكب في هذه الطائرة، تجد عندما يصعدون يتقاتلون، لك محل على البطاقة، بطاقة صعود عليها محل لا يتغير لو وقفت بهدوء، وطلعت بانتظام، أنت حاج تجعل موظفاً يسمعك كلمة قاسية، أنت ضيف الله، ضيف الرحمن، لك مكانتك، فالإنسان بقدر ما يحترم نفسه فالناس يحترمونه، فهذه مشكلة.
والله أنا ذهبت لبلاد سافرت من فترة إليها، كان هناك موظفاً عند العمود، يجب أن يقف الشخص الثاني عندي، هناك خط أحمر، لكي يتكلم معه براحة، لا يوجد أحد عنده، هناك خط أحمر، الأول عند الموظف و الثاني بعد ثلاثة أو أربعة أمتار، هنا تقف والكل في غاية الانضباط، هذا النظام، والنظام حضارة، النظام رقي، أتمنى إذا أكرمنا الله بالحج أن يكون الإنسان لطيفاً، ظله خفيف، تفقهوا قبل أن تحجوا، طبعاً من محرمات الإحرام اكتساب السيئات، واقتراف المعاصي، والمخاصمة، والمجادلة.
مرة بهذه الخيام، خيام مفرقة بعرفات يزيلون الفوارق فتصير صلاة جماعة كاملة، فواحد من الحجاج أزال أحد الحواجز بين خيمتين لتصير صلاة جماعة، لأن هناك خطبة، فواحد من الحجيج سب بالدين، من رواد عرفات، لماذا أزلتم الحاجز؟ فأنت لماذا جئت إلى هنا؟ الحج مثل الجامعة، تعد جامعة راقية جداً، أرقى عبادة، وهناك أناس يذهبون إلى الحج بشكل غير معقول، قال عليه الصلاة والسلام:
((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))
[الجامع الصغير عن أبي هريرة]
الحج فرصة للصلح مع الله عز وجل :
آخر شيء بهذا الدرس قال: " من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ".
فأنت هل تعرف ماذا يوجد بالحج؟ الحج فرصة كي تصطلح مع الله، فرصة كي تمحى عنك كل الذنوب، فرصة قد تبدأ بها مع الله بصفحة جديدة، فلا شيء، رجعت كيوم ولدتك أمك، الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن نكون قدوة للآخرين، وإذا الإنسان حج، فالحج يحتاج إلى إعداد كثير، إلى تفقُّه، إلى علم، إلى أخلاق راقية جداً، طبعاً أنا ذكرت أمثلة حادة جداً يجب أن تسامحوني، ذكرت أمثلة حادة جداً، و هناك والله أيضاً حجاج كبار، ومهذبون، وأتقياء، وخاشعون، طبعاً الحالات النادرة هي صارخة لكن لا تعني أن الحجاج هكذا لكن هناك حالات من هذه الحالات.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:15 PM   #19


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( التاسع العاشر )

الموضوع :الصلاة على النبى - سورة الاحزاب







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الله عز وجل أوجب علينا أن نصلي على النبي :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع عشر من: "آيات الأحكام"، ومع قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
أيها الأخوة، من لطائف تفسير هذه الآية أن الله عز وجل أوجب علينا أن نصلي على النبي، فالعلماء بين من يرى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجب من الواجبات الدينية، وبين من يرى أنها سنة مؤكدة لأن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
فكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب. الجملة الاسمية في القرآن الكريم تعني الثبات والاستمرار :
الشيء الأول أن هذه الجملة
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾
جملة اسمية، وكلكم يعلم أن الجملة نوعان؛ اسمية وفعلية، فالاسمية هي الجملة المصدرة باسم، والفعلية هي الجملة المصدرة بفعل، قد تأتي جملة اسمية وخبرها فعل، فهذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
(إن) حرف مشبه بالفعل، (الله) لفظ جلالة اسمها منصوب، (وملائكته) معطوف، (يصلون) فعل مضارع خبر الجملة أي خبر اسم إن، فمع أن في هذه الجملة فعلاً مضارعاً إلا أنها جملة اسمية لأنها مصدرة باسم. من لطائف السورة السابقة :
1 ـ الأمر الإلهي جاء على صيغة جملة اسمية مصدرة باسم وجاء خبرها فعلاً :
ماذا تعني الجملة الاسمية في القرآن الكريم؟ تعني الثبات والاستمرار،
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
أية جملة اسمية تعني في القرآن الكريم الثبات والاستمرار، لأن التركيب الاسمي من شأنه الثبات والاستمرار، أما التركيب الفعلي فمن شأنه الحدوث والانقطاع، تقول: العلم نافع، هذه حقيقة ثابتة دائمة، أما دخل طالب، فالدخول تم وانتهى، فالتركيب الاسمي يفيد الثبات والاستمرار، والتركيب الفعلي يفيد الحدوث والانقطاع.
فالشيء المستمر الذي يعم نفعه ويتجدد فعله يأتي في القرآن الكريم بصيغة اسمية، فأول لطيفة أن هذا الأمر الإلهي جاء على صيغة جملة اسمية مصدرة باسم، وجاء خبرها فعلاً، وقد قال بعض العلماء: إن الخبر الفعلي يعني تجديد هذه الصلاة بشكل مستمر، أمر دائم والتجديد مستمر. الإنسان حينما يتصل بالله عز وجل يتألق و يطهر قلبه و تسمو نفسه :
لو أردنا أن نقف قليلاً عند حكمة هذا الأمر، الإنسان حينما يتصل بالله عز وجل يتألق، يطهر قلبه، تسمو نفسه، يطمئن فؤاده، تشرق أساريره، فهناك بالحياة الإنسانية ما يسمى بتشابك النفوس، أنت اجلس مع إنسان له صلة بالله ترتاح، وتطمئن، وتحب أن تبقى معه، اجلس مع إنسان بعيد عن الله تتضايق منه، وتتمنى أن يمضي الوقت سريعاً، وأن تبتعد عنه، فالأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف، أي هناك طريق للهدى أن تتعلم، طريق آخر لسلامة النفس أن تكون مع المؤمنين، لهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 119 ]
أنت راقب نفسك إن جلست مع أهل الدنيا تشعر بالضيق، قد تعجب بهم ولكن لا ترتاح معهم، أما إن جلست مع أهل الإيمان تطمئن النفس، ويرتاح القلب، وتشرق الأسارير، يؤكد هذا سيدنا حنظلة لمّا مرّ به الصديق ورآه يبكي فقال له: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى- القصة معروفة عندكم - قال له: أنا كذلك يا أخي، والنبي الكريم يقول: "لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة". كل نفس لها وهج وإشعاع وحرارة :
يجب أن تراقب نفسك إذا كنت وحدك في البيت، أو في العمل، أو في دكانك، أو في مكتبك التجاري تحل مشكلات لك حالة، وحينما تجلس مع أهل الإيمان، وحينما تدخل بيت الله عز وجل لك حالة أخرى هي حالة الطمأنينة، والسرور، والسعادة، السبب أنك أنت مع نفوس مؤمنة فاشتبكت النفوس، فالقوي يأخذ بيد الضعيف، الموصول يأخذ بيد المقطوع، المتألق يأخذ بيد الفاتر، القريب يأخذ بيد البعيد، وهذه حكمة صلاة الجمعة، وهذه حكمة صلاة الجماعة، الصلاة صلاة وأنت في المسجد قد تجد إنساناً متفوقاً أقرب إلى الله منك، أكثر اتصالاً بالله، أكثر استقراراً، فحالته النفسية الراقية ناتجة عن اتصاله، هذه لها إشعاع.
الآن هذه العلبة ليس لها إشعاع، أما المصباح فله إشعاع، مكانه في هذا المكان وأشعته تسري في كل مكان، وكذلك المؤمن في إشعاع، فأنت حينما تكون مع الصادقين، مع المؤمنين، مع الأتقياء، مع المحبين، مع الموصولين، تقتبس منهم تماماً كما إذا كنت أمام مصباح متألق يأتيك من نوره، تماماً كما إذا كنت أمام مدفأة متوهجة تأخذ من دفئها، تماماً كما إذا كنت أمام مكيف في الصيف يعطي هواءً بارداً تأخذ من هذا الهواء البارد.
فشيء دقيق وحساس أنك إذا كنت مع المؤمنين تقتبس منهم، تقتبس من طمأنينتهم، تقتبس من كمالهم، تقتبس من اتصالهم بالله عز وجل، هذه هي فلسفة الصلاة على النبي اللهم صلِّ عليه، أي وأنت مع رسول الله لك حال آخر، وأنت مع أصحابه الكرام لك حال آخر، وأنت مع كبار المؤمنين لك حال آخر، وأنت مع أولياء الله لك حال آخر، عملية تمازج نفوس.
قد يؤكد هذا المعنى أنك إذا جلست مع نفر من علماء الطب تشتهي الطب، إن جلست مع التجار تشتهي أن تكون تاجراً، يصبح هناك عدوى، يصير تشابك نفوس، كل نفس لها وهج وإشعاع وحرارة، هذا الوهج والإشعاع والحرارة يصل إلى النفس الثانية، وهذا سرّ الصحبة، وأول آية في هذا الموضوع:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 119 ]
ودليل آخر: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
إذاً وأنت في طريق الإيمان شيء مهم جداً البيئة التي تعيش فيها، الزملاء الذين هم حولك، الأقرباء الذين تزورهم، الجيران الذين تجاورهم، المجتمع الذي يحتضنك، هذا مهم جداً. النبي عليه الصلاة والسلام قمة الكمال البشري :
لذلك من الصعب أن تستقيم وأنت في بيئة متفلتة، من الصعب أن تستقيم وأنت مع أناس ضائعين شاردين، قمة الكمال البشري النبي عليه الصلاة والسلام، أشدّ الناس خشية هو رسول الله، أشدّهم قرباً هو رسول الله، أسعدهم هو رسول الله، أكملهم هو رسول الله، فالله عز وجل أراد أن تقتبس من هذا الكمال البشري، يعد النبي عليه الصلاة والسلام قمة الكمال البشري، فإن جلست إليه إما أن تستفيد من علمه، وإما أن تستفيد من حاله، له علم وله قال وله حال، له كلام يقوله، وله حال تشعر به، لذلك أمرنا أن نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الأمر النبوي الإلهي:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
الإله إذا صلى على النبي أي تجلى عليه برحماته، تجلى عليه بأنواره، تجلى عليه بالقربات، تجلى عليه بالإشراقات عن طريق الملائكة، الملائكة وسائط، معنى الآية إن أردتم أن تقتبسوا من أحواله.. إن أردتم أن تقتبسوا من أنواره.. إن أردتم أن تقتبسوا من سعادته فصلوا عليه، أي كونوا قريبين منه باتباع سنته، بذكره، بذكر شمائله، بذكر أخلاقه، بذكر فضائله، بذكر بطولاته، هذا أمر متجدد، دائماً الحق مجرد أما القدوة فمجسمة، فأنت بحاجة إلى حق مجرد وقدوة مجسمة، الحق المجرد القرآن والسنة، أما القدوة المجسمة فالنبي عليه الصلاة والسلام. الصلاة على النبي من قبل المسلمين هي تعظيم له :
الله إذا صلى على النبي تجلى عليه، غمره برحماته، ألقى في قلبه أنواره، طمأن قلبه لأنه قربه، والملائكة هم الوسطاء، والمؤمنون هم المستفيدون، الإله يعطي والملك واسطة والمؤمن مستفيد.
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
قال بعض العلماء: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليس لحاجته إليها، هو لا يحتاجها لأن الله أكرمه، وأعلى شأنه، ورفع قدره، ورفع ذكره، وأعطاه، وجعله سيد الأنبياء وسيد الرسل، وجعل له مقاماً محموداً لا ينبغي إلا لواحد من خلقه، وأمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن ندعو له بالوسيلة، هو غني عن صلاتنا ولكن صلاتنا من أجلنا، قال العلماء: ليس النبي عليه الصلاة والسلام محتاجاً إلى صلاتنا بل وليس محتاجاً إلى صلاة الملائكة لأن الله صلى عليه، انتهى كل شيء.
إنما الصلاة على النبي من قبل المسلمين هي تعظيم له، وانتفاع من رحمة الله التي تنزل على قلبه، لذلك ورد في بعض الأحاديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق".
لأنه لو قدم كافر خدمة عالية جداً وأنت ملت إليه بحكم فطرتك التي فطرت عليها هذا الميل إلى كافر مقطوع، بعيد، منكر، جاحد، هذا الميل إلى هذه النفس قد تقتبس منها بعدها، وضيقها، وضجرها، واضطرابها، لذلك عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات، والمعنى المخالف عند ذكر المنقطعين تشمئز القلوب، إذا إنسان دخل إلى بستان جميل، وحديقة ورود هذا جميل جداً يقف عند كل وردة، هذه حمراء، وهذه فواحة الرائحة، وهذه بيضاء ناصعة، أما إذا وقف على حاوية وأراد أن ينقب في الحاوية فطعام متفسخ، لحم نتن، قشور لها رائحة كريهة، لذلك بذكر الصالحين تتنزل الرحمات وبذكر المعرضين تتنزل الشقاوات.
2 ـ صلاة الله على النبي هي الرحمة أما صلاة المؤمنين فهي الدعاء :
الآن جرب في سهرة أو لقاء أو نزهة تتحدث عن أصحاب رسول الله تجد بعد حين الوجوه تألقت، العيون أصبحت زئبقية، الخدود توردت، النفوس اطمأنت، ويقال: والله شعرنا بسرور وصار هناك تجلياً، اجلس الجلسة نفسها مع الأشخاص أنفسهم وتحدث عن إنسان لئيم، عن مجرم، عن منحرف، تجد أن النفوس ضاقت، تفرق الجمع، تشتت الشمل، ضجر من في المجلس، فعود نفسك إذا جلست أن تتحدث عن الصالحين.
المعاجم تقول: الصلاة دعاء، فإذا قلنا: إن الله وملائكته يصلون هذا المعنى لا يليق بالله عز وجل، الله من يدعو‍! أنت تدعو الله لكن الله من يدعو؟ فالصلاة دعاء واستغفار ولكن هذا المعنى لا يليق بالله عز وجل، فإذا عزيت الصلاة إلى الله فهذا المعنى لا يليق بالله عز وجل.
الصلاة من الله بمعنى الرحمة، الرحمة ما هي؟ من أدق الأسماء، عطاء الله عز وجل إجمالاً يسمى رحمة، إذا طمأن قلبك رحمة، إذا أصحح لك جسمك رحمة، إذا ملأ قلبك سعادة رحمة، إذا ملأ نفسك بروداً رحمة، فرحمة الله تبدأ من الحالة النفسية إلى الحالة الجسمية إلى العلاقات الاجتماعية، أحياناً يدافع عنك إذاً رحمك، أحياناً يعلي قدرك إذاً رحمك، لذلك قالوا: صلاة الله عز وجل على النبي هي الرحمة، أما صلاة المؤمنين فهي الدعاء، الدعاء أو الاتصال أو التعظيم.
وقال بعض العلماء: الصلاة من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، وهما يشتركان بالعناية بالمرحوم والمستغفر له وهذا هو القاسم المشترك بينهما، العناية من الله تجليات الرحمة، من الملائكة الاستغفار، من المؤمنين الدعاء، لأن الآية:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
المؤمنين دعاء، والملائكة استغفار، والله جلّ جلاله تجلّ وتنزل الرحمات.
3 ـ حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
و هناك لطيفة ثالثة: الله جلّ جلاله أمرنا بالصلاة على النبي فقال:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
طبعاً قل أنت: أنا صليت على النبي، أما الصلاة التي علمنا إياها النبي فهي: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، قل أنت: أنا صليت عليك يا رسول الله، العلماء قالوا: لأنك لن تستطيع أن توفيه قدره ولا حقه ولا مكانته اطلب من الله أن يصلي عليه، لماذا عدلنا عن قول لقد صلينا عليه؟ تقول: صلينا عليه، لا.. تقول: اللهم صلِّ على محمد، لأننا يا رب عاجزون عن أن نوفيه حقه، أنت إذا صليت عليه وفيته حقه.
إنك يا ربنا أعلم بما يليق به فنحن عاجزون عن توفيته حقه، قاصرون عن معرفة الثناء عليه، لقد أوكلنا الأمر إليك، تدبر سرّ هذه الجملة: اللهم صلِّ على محمد فإن هذا المعنى نفيس ودقيق، يقول لك: قدرني، أي أنا ليس بالإمكان أن أعطيك حقك يا رب اجزه عني كل خير، هذا هو المعنى.
وبعضهم قال: معنى قولنا اللهم صلِّ على نبينا محمد أي يا رب عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره، ومثوبته، وإعطائه المقام المحمود. ((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ فَقُلْنَا إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهِكَ فَقَالَ إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَكُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ أَمَا يُرْضِيكَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا))
[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ]
أنت بحاجة إلى تيار كهربائي ذهبت إلى مركز توزيع وضعت هذا الشريط وأخذت تياراً قوياً بشكل أو بآخر، النبي عليه الصلاة والسلام مهبط تجليات الله، الأنوار والإسرارات، والإشراقات كلها عند النبي، فأنت أردت أن تأخذ منه شيئاً بالصلاة عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم لما صعد درجات المنبر: آمين، ثم قال: ((رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك))
[ البيهقي عن أبي هريرة]
رغم أنفه أي خاب وخسر.
والحديث الثالث: يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
إذا أردت أن توسع هذا المعنى هو المعنى اللهم صلِّ على سيدنا محمد، لو أردت أن توسعه أن تعيش في كمالات النبي، تعيش في رحمته، تعيش في رأفته، في عدله، في عبادته، في محبته، في تواضعه، في إنصافه، في مؤاثرته، إذا كنت تعيش مع أخلاق النبي فأنت تصلي عليه حقيقة، أنت لا حظ نفسك تسير في الطريق وحدك راكب سيارة، سافرت إلى حلب الحديث الذي يجري مع نفسك حول ماذا؟ المؤمن أكثر حديثه مع نفسه عن رسول الله، هذه حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم :
أيها الأخوة الكرام، بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الأمر للوجوب، فتكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، ويكاد العلماء يجمعون على وجوب الصلاة والتسليم عليه، وتكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كالتلفظ بكلمة التوحيد من حيث الوجوب.
وقد اختلف بعض العلماء في حكم الصلاة على النبي هل تجب في كل مجلس؟ هي واجبة لكن في كل مجلس أم كلما ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم أم هي مندوبة؟ طبعاً هي واجبة في العمر مرة، قال بعضهم: هي واجبة كلما ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: تجب في المجلس مرة واحدة، أي لو إنسان قال: النبي الكريم، ممكن لأنه في المجلس صلى عليه مرات عديدة.
وبعضهم قال: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد أو مجلس، ولا يكفي أن تكون في العمر مرة واحدة، السبب لقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
[ سورة الأحزاب: 56 ]
يصلون فعل مضارع يفيد الاستمرار، الذين قالوا بالوجوب يقولون: كلما ذكر اسم الرسول صلى الله عليه سلم الله جلّ جلاله أمرنا أن نصلي عليه لأن الأمر يفيد التكرار، ثم لما ورد من الوعيد الشديد لمن لم يصلِّ على النبي كقوله صلى الله عليه وسلم: ((الْبَخِيلُ الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ))
[ الترمذي عن علي ]
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَجْلِسٍ فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا كَانَ مَجْلِسُهُمْ تِرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
وقول جبريل: ((رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك))
[ البيهقي عن أبي هريرة]
فقال النبي الكريم: آمين.
لذلك القائلين بالوجوب أن تكثر من الصلاة عليه كلما ذكر وفي كل مجلس وبشكل مستمر، إذاً هذه عند هؤلاء تفيد الوجوب، الصلاة على النبي واجبة على الاستمرار كلما ذكر وفي كل مجلس.
قال: وذهب جمهور العلماء إلى أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قربة وعبادة كالذكر، والتسبيح، والتحميد، وأنها واجبة، ومندوبة، ومسنونة، في كل وقت وحين، وأنه ينبغي الإكثار منها لما صح عنه صلى الله عنه وسلم أنه قال: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا))
[ الدارمي عن أبي هريرة ]
ولابن مسعود قول رائع يقول: "الذي يقتضيه الاحتياط ويستدعيه معرفة علو شأنه صلى الله عليه وسلم"، أي الاحتياط يقتضي أن تصلي عليه كلما جرى اسمه، هذا ملخص الملخص، وإلى هذا ذهب الجمهور جمهور العلماء. أسرار الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم :
أيها الأخوة، الصلاة على النبي لها أسرار كثيرة، أي لو أردنا أن نضيف معنى جديداً إذا صليت على النبي تذكر سنته الفعلية والقولية، إذا صليت على النبي تذكر كماله، إذا صليت على النبي تذكر رحمته، لا بدّ لكل إنسان من شخصية يعيشها، وشخصية يتمنى أن يكونها، وشخصية يكره أن يكونها، فإذا كانت شخصية النبي هي الشخصية التي تتمنى أن تكونها دائماً فأنت تصلي عليه حقيقة، أي حقيقة الصلاة عليه أن تجعله الشخصية التي تتمنى أن تكونها.
ممكن أن تدخل إلى البيت وليس هناك طعاماً، طالما أن النبي دخل إلى بيته ولم يجد طعاماً ماذا فعل؟ تذكر النبي، النبي حليم ورحيم وعنده حكمة ولا ينفجر على زوجته.
فمعنى الصلاة على النبي أنت مع كمال النبي، مع أخلاق النبي، مع سمت النبي الحسن، مع رحمته الجياشة، مع حلمه الذي لا حدود له، مع رحمته، مع حلمه، مع وقاره مع هيبته، هذه هي الصلاة على النبي، أي بالإضافة إلى النظريات والمعلومات والعقائد والأفكار عندك شخص، فيه كمال بشري رفيع جداً، يمثل أعلى درجة من الكمال البشري، وهو قدوة لك، فالصلاة عليه تعني تذكر كماله، تذكر رحمته، تذكر حلمه، تذكر عفوه، هذا هو التذكر، فهذا يعد حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:17 PM   #20


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : (العشرون )

الموضوع : الولاء والبراء - سورة ال عمران





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الولاء والبراء أخطر شيء في حياة المؤمن :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من دروس: " آيات الأحكام "، والآية اليوم قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
أخطر شيء في حياة المؤمن ما يسمى بالولاء والبراء، فحينما يوالي الكافرين يجر إلى دينهم، أو إلى أخلاقهم، أو إلى تصوراتهم، أو إلى سلوكهم، فهذه آية خطيرة جداً، بعد الإيمان بالله لا بدّ أن تراجع كل العلاقات السابقة، كل العلاقات الاجتماعية يجب أن تدرس، وأن تصنف، وأن تراجع وفق مناهج الدين، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي، علاقات العمل لا شيء عليها، أي علاقة مع أي إنسان إن لم تؤذ أحداً ولم تدفع ثمن هذه العلاقة من دينك لا شيء عليها، أما أي علاقة يكون ثمنها على حساب دينك فهذه علاقة خطيرة. على المؤمن ألا يوالي أعداء الله عز وجل :
آية اليوم:
﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 26 ]
بعد أن بين الله جلّ جلاله أنه واهب الملك ونازع الملك، المعز والمذل، القادر على كل شيء، بعد أن بيّن لك أنه وحده العزيز الحكيم، ولا منجى ولا ملجأ لك منه إلا إليه قدم لك هذا التوجيه وهذا الأمر: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
نبه الله المؤمنين إلى أنه لا ينبغي لهم أن يوالوا أعداءه، كيف توالي عدو الله؟ كيف تميل معه؟ كيف تقف إلى جانبه؟ كيف تحبه وهو لا يحب الله؟ كيف تحترمه وهو يعصي الله؟ كيف تمنحه ودك وهو يجافي دين الله عز وجل؟
فقضية خطيرة جداً أن توالي أعداء الله، العلاقات علاقات العمل هذا موضوع آخر، أي إنسان كنت تحت إمرته تقوم بواجبك خير قيام وتحترمه بحكم منصبه، هذا شيء آخر، حديثنا ليس عن علاقات العمل التي لا تؤثر في دين الإنسان، حديثنا عن الولاء، عن الحب الداخلي، عن الولاء النفسي، عن العلاقات الحميمة التي تجعل من هذين الإنسانين يشتبكان نفسياً، يؤثر كل منهما بالآخر، فالعلاقات الحميمة علاقات خطيرة والآية عن هذه العلاقات.
من استعان بأعداء الله فقد نقص دينه :
إذاً لا ينبغي للمؤمنين أن يوالوا أعداء الله، أو أن يستظهروا بهم، أن يستعينوا بهم، أن يتكلوا عليهم، أن يعتدّوا بهم، أن يفتخروا بهم، وهذا منزلق خطير للمؤمنين، قد يكون لمؤمن قريب من أهل الدنيا من الأقوياء، من الأغنياء، من المتفلتين، لمجرد أن تعتز به، وأن تتكئ عليه، وأن تجعله مع الاحتياطي الذي يدعمك في وقت الشدة فقد نقص إيمانك، وقد نقص دينك، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
لا تستظهر به، ولا تعتمد عليه، ولا تفخر به، ولا تركن إليه، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة هود : 113]
أسباب نزول الآية التالية :
لحكمة بالغة بالغة ولأسلوب تربوي رفيع ربنا جلّ جلاله حينما يرى مؤمناً يعتز بغير المؤمن، ويركن إليه، و يفتخر به، يخيب ظنه به، يلهم هذا القوي أن يتخلى عنه، أو أن يقف موقفاً منكراً منه تأديباً من الله له، ينبغي أن تكون الرغبة فيما عند الله تعالى وعند أوليائه دون أعدائه.
قال بعض علماء التفسير: نزلت هذه الآية في قوم من المؤمنين يوالون رجالاً من أهل الكتاب، فقال لهم بعض أصحاب رسول الله: اجتنبوا هؤلاء واحذروا مصاحبتهم لئلا يفتنوكم عن دينكم، فأبوا النصيحة فنزل قول الله تعالى:

﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت فقد كان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي يوم الأحزاب قال له عبادة: يا رسول الله إن معي خمسمئة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله قوله: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]
وللنبي عليه الصلاة والسلام مقولة شهيرة: "لا نستعين بمشرك على مشرك". والمسلمون ماداموا يعلقون الآمال على الكفار، ماداموا ينتظرون من الكفار أن ينصفوهم، ماداموا ينتظرون الفرج والمدد وتحريك الأمور من غير المسلمين فقد ضلّوا سواء السبيل. لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية ؟
الآن السؤال: لا يتخذ المؤمنون الكافرين هذه اللام الناهية أم النافية؟ هو ينهاهم أم ينفي عنهم؟ قال علماء التفسير: يصح الوجهان، يصح أن تكون الآية على النحو التالي إن الله ينهى المؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وقد يقول قائل: وقد تصح نافية، أي شأن المؤمنين لا يتخذوا الكافرين أولياء، قال بعضهم هذه أبلغ كقوله تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾
[ سورة البقرة: 233]
لم يقل يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكم، شأن الوالدة أن ترضع ابنها، قال تعالى ﴿ وَلَا يَزْنُونَ﴾
نفى الله عن المؤمنين الزنى، هذا أبلغ من أن ينهاهم فيقول: لا تزنوا، هذا شأنهم، النهي فيه تصور المخالفة، لو أنك قلت لابنك: اشتر بهذه الدراهم لبناً وإياك أن تأخذ من هذا المبلغ شيئاً وكان خالي الذهن من أن يأخذ فلما نهيته أصبح في باله أن يأخذ، قال: النهي عن الشيء فيه تصور وقوعه، لذلك الآيات التي تخبر ولا تنهى أبلغ، أي ومن دخله كان آمناً، أي اجعلوه آمناً، الطيبون للطيبات أي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، آيات كثيرة جاءت في أسلوب الخبر وهي في الحقيقة أسلوب الإنشاء، هي في الحقيقة أمر أو نهي، جاء على صيغة الخبر، قال: هذا أبلغ، يا بني إياك أن تأتي بعد الساعة التاسعة، لم يكن يخطر في باله أن يتأخر فلما جاء النهي تصور النهي، أما إذا قلت له: ليس عندي ولد يأتي بعد الساعة التاسعة إطلاقاً هذا خبر يفيد النهي لكن يمنع تصور العكس.
لذلك قال بعض المفسرين: لا يتخذ المؤمنون هذه لا نافية، أي ليس من شأن المؤمنين أن يتخذوا أولياء لهم من دون المؤمنين.
أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً :
أما الأولياء فهي جمع ولي، من هو الولي في اللغة وفي هذه الآية؟ الناصر والمعين، لا تستعن بمشرك، لا تأخذ برأي مشرك، لا تستنصح بمشرك، يعطيك الخلط والشرك وحب الدنيا والمعصية، قال تعالى:
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾
[ سورة الكهف: 28 ]
إياك أن تطع من أغلفنا قلبه عن ذكرنا، لا تستنصر بهم أي المشركين، لا تستعن بهم، لا تركن إليهم، لا تعبأ بالقرابة التي بينك وبينهم، أخوك الحقيقي هو المؤمن ولو كان أخاً نسبياً. ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
[سورة المجادلة: 22]
لا قرابة، ولا زمالة، ولا جوار، ولا معرفة سابقة مادام كافراً.. مادام منكراً منهج الله عز وجل، لا يعبأ بكل تعليمات الله عز وجل، هذا ينبغي أن تحدد علاقتك معه علاقة عمل، علاقة سلام، أما سهرات ونزهات وعلاقات وشراكات فهذه علاقات حميمة لا يتضرر منها إلا المؤمن، كأس ماء نظيف وكأس ماء قذر اخلطهما من الذي يتضرر؟ كأس الماء النظيف فقط أما الكأس الثاني فلا يتأذى.
إنسان يرتدي ثوباً كله أقذار وشحم وزيت أسود، عانق إنساناً يرتدي ثوباً أبيضاً ناصعاً من الذي يتأذى؟ صاحب الثوب الأبيض أما الثاني فلا يتأثر، غير المؤمن مستعد أن يسمعك أقبح نكتة وأحقر نكتة، أنت تستحي وهو مرتاح، هو يريد أن يستفزك، تعليقاته لاذعة، ونظراته وقحة، ووصفه قذر، وعلاقاته مصلحية، فليس لك مصلحة أن تقيم علاقة ودّ بينك وبين كافر، فإن فعلت فهذه علامة خطيرة جداً، ومن يتولهم فإنه منهم، لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم، في آية: ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم، لذلك أخوك المؤمن أقرب إليك من أي إنسان كائناً من كان.
على المؤمن أن يعيش في مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط :
قال: لأن العلاقة بين المؤمنين والكفار إذا استحكمت وتمتنت ربما استحسنت أعمالهم، عش مع أهل الدنيا شيئاً فشيئاً تقنع بأعمالهم: تقول: هم فرحون نحن متزمتون، شيئاً فشيئاً تستمرق معاصيهم وتقنع بانحرافهم، لأن الإنسان ابن بيئته، أخطر شيء البيئة فإذا اختار بيئة صالحة ارتقى بها، وإذا اختار بيئة سيئة هبط بها، لذلك الإنسان حينما يعيش كل يوم وراء أعمال فنية ساقطة فيها انحرافات لو أدمن عليها صار هذا العمل طبيعي عنده، إذا عاش يومياً يتابع المسلسلات، والخيانات، والعلاقات الآثمة كلها، والأساليب الملتوية، والذكاء موظف في الشر، والإنسان أناني مصلحته فوق كل شيء، وهذا البطل الذي يعطى كل أسباب الرفعة، يشرب الخمر، ولا يعبأ بحلال أو حرام، فالإنسان حينما يعيش هذه الأجواء كل يوم يرى أن هذه الأجواء طبيعية، أي كيف يمكن أن تقنع ابنتك بالدين وبالعفة وبالطهارة إذا مدمنة على مسلسلات ملخصها أن الفتاة تفعل ما تشاء وتلتقي مع من تشاء وتقيم علاقة مع من تشاء ولا يستطيع أبوها ولا أخوها أن يحاسبها؟ إذا كان هذا هو النموذج فكيف تطلب من ابنتك أن تكون منضبطة؟ أن تكون صاحبة حياء؟ أن تكون عفيفة؟ أن تكون وفية؟ فمشكلة كبيرة جداً، لا بدّ أن يعيش المؤمن مع المؤمنين، لا بدّ من أن يعيش قيمهم، لا بدّ من أنه يعيش سنة النبي عليه الصلاة والسلام، مجتمع الطهر والعفة والصدق وعدم الاختلاط، مجتمع تعظيم حرمات الله، إن عشت مع هذا المجتمع كنت منهم لأن المرء مع من أحب، وهؤلاء القوم لا يشقى بهم جليسهم، والصاحب ساحب.
إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق :
أخواننا الكرام، هذا المعنى خطير، لذلك وردت فيه آيات كثيرة، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾
[سورة آل عمران: 118]
لا يكن لك إنسان قريب منك جداً غير مستقيم، هذا يثبط عزيمتك، يوغر صدرك، يقلل من أعمالك الصالحة، يغريك بالدنيا. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾
[سورة آل عمران: 118]
﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
[سورة المجادلة: 22]
مستحيل أن تمنحه ودك، هو يحارب الله ورسوله، يسفه دين الله، يزدري الأنبياء والمرسلين، وتقول: فلان لبق ناضج، فكره مفتوح، أخلاقي، تمدحه، إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، أما إذا واليته فلست مؤمناً، إذا مدحته أغضب الله عز وجل. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[سورة المائدة 51]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾
[سورة الممتحنة 1]
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[سورة التوبة 71]
﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾
[سورة التوبة 67]
على المؤمن ألا يتخذ الكافر ولياً:
إلا أن الآية دقيقة جداً في الاستثناء الذي سيأتي بعد قليل قال تعالى:
﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾
[سورة آل عمران: 28]
إلا أداة استثناء، والمعنى بالضبط: لا تتخذوهم أولياء في حال من الأحوال إلا في حالة واحدة حينما تتقون منهم ما ينبغي أن يتقى، فلو أن هذا الطرف قوي، وجاحد، وتوعد بالقتل، أو بسلب المال كله، يتقي أن يهدر دمه رخيصاً، ويتقي أن يؤخذ ماله كله: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
أي لا تتخذوهم أولياء في أي حالة إلا في حالة واحدة حينما تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى كالقتل، وسلب المال كله، عندئذ أنتم معذورون، أحياناً تجامله لكي لا يظن أنك متديناً، تجامله لكي لا يأخذ عنك فكرة أنك محافظ مع التقاليد، أما حينما يصل الأمر إلى القتل، أو إلى أخذ المال كله، وفي أخذ المال كله، فهلاك الإنسان هذه حالة واحدة ونادرة فيها استثناء.
أي إلا أن تتقوا شيئاً يتقى في الأصل، أخذ عنك فكرة سيئة وماذا يحصل؟ أخذ عنك فكرة أنك صاحب دين وماذا يحصل؟ أما إلا أن تتقوا منهم ما ينبغي أن يتقى من إيذاء لا يحتمل، أو قتل، أو سلب للمال، قال: كالقتل أو سلب المال كله.
الله سبحانه وتعالى يتولى بنفسه معالجة من يوالي الكفار و يمنحهم وده :
أما هنا فالآية:
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
أحياناً الله عز وجل يسوق لهذا الإنسان معالجة عن طريق أحد الأشخاص، وأحياناً يتولى الله سبحانه وتعالى بنفسه معالجة الإنسان، تأتي الأحداث من فعل الله مباشرة، قال: هذا الذنب أن توالي الكفار، وأن تمنحهم ودك، وأن تقيم معهم علاقات حميمة، وأن تثني عليهم، وأن تحبهم إذا أعطوك، أو منحوك، أو رفعوا قدرك، أن تصبح مدافعاً عنهم، أن تتعامى عن أخطائهم، أن تبرز محاسنهم، أن توقع الناس في حيرة، قال: هذه حالة تستوجب أن يعاقب الله صاحبه مباشرة. موالاة الكفار من أسوأ الأعمال :
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
قال: هذا تهديد عظيم مشعر بأن هذا العمل من أسوأ الأعمال، ومن أقبحها، ومن أبعدها عن روح الإيمان، أي يحذركم الله عقاباً يتولاه بنفسه لا عن طريق الإنسان، أي يحذركم الله عقاباً لا يرفعه عنكم أحد، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردّ له. ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
ولم يقل وإليه المصير بل قال: وإلى الله المصير، وذكر لفظ الجلالة تعظيماً لله عز وجل، مصيرك إلى الله فكيف توالي أعداءه؟ مصيرك إلى الله فكيف تمحضهم ودك؟ كيف تعينهم على المؤمنين؟ أقول لكم هذه الكلمة: أي مؤمن يعين كافراً على مؤمن ليس فيه من الإيمان ولا ذرة. ﴿ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[سورة آل عمران: 28]
سيعاقبكم، وعنده نار إلى أبد الآبدين، فالإظهار إظهار لفظ الجلالة لزرع الروعة والمهابة في نفوس المؤمنين.
طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام ردّ مشركاً ذات جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع رسول الله يوم بدر، فقال: "ارجع فلن أستعين بمشرك".
من منع من ممارسة شعائر دينه لا بدّ له من أن يبحث عن مكان يعبد الله فيه :
إلا أن المحافظة على النفس والعرض والمال مطلوب في الحالات النادرة جداً لك أن تتقي منهم ما ينبغي أن يتقى، إلا أن العلماء فصلوا قال: العداوة مردها إلى سببين اثنين: عداوة أساسها الاختلاف في الدين، وعداوة أساسها الأغراض الدنيوية الكمال والمتاع والإمارة، إذا كان الموضوع دنيوياً ففيه حكم، وإذا كان الموضوع دينياً ففيه حكم.
إذا كان العدو يحارب دينك، ولم يسمح لك أن تؤدي فرائضك، ولا أن تحفظ نساءك، فلا بدّ من أن تهاجر، ومن لم يهاجر وقع في إثم كبير، إذا كان العداء دينياً، والعدو قوياً، ومنعك من أن تصلي، أو من أن تحجب امرأتك، أو من أن تقيم شعائر الله، فيجب أن تفر بدينك، ويجب أن تعبد الله في أرض وأنت مرتاح، الآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾
[سورة النساء: 97]
شيء مخيف، إلا: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾
[سورة النساء: 98]
إذا منعت أن تصلي، منعت أن تقوم بشعائر دينك، منعت أن تكون مستقلاً في بيتك، هذا حصل في إسبانيا، حصل في بعض البلاد قديماً، أي قد لا يستطيع مسلم أن يصلي، ولا أن يغلق بابه، إذا ضبط يغتسل يوم الجمعة يقتل، إذا ضبط في العيد يصنع حلويات يقتل، فحينما تمنع أن تمارس شعائر دينك لا بدّ أن تبحث عن مكان تعبد الله فيه، وإلا فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً.
الاستثناء النساء والأطفال هؤلاء لا يستطيعون الهجرة فهؤلاء معفو عنهم ولهم رخصة.
كل شيء له ثمن أما الدين فواقعي و لكل الناس :
أخواننا الكرام، كل شيء له ثمن أما الدين فواقعي، الدين لكل الناس، وفيه حد أدنى وحد أعلى، إليكم هذه القصة: مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأحدهما: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم نعم نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فتركه، طبعاً السيف فوق رأسه، وقال للثاني: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، ثم قال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا، قال إني أصم ما سمعت قالها ثلاثاً فضرب عنقه، بلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام فقال: "أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضيلته فهنيئاً له، وأما الآخر الذي قال أشهد أنك رسول الله لمسيلمة فقد قبل رخصة الله فلا تبعة عليه".
سيدنا عمار بن ياسر مجبر على أن يقول كلمة في حق النبي فقالها فنجا، فجاء إلى النبي خائفاً فقال له: كيف قلبك؟ قال، مطمئن، فقال: وإن عادوا فعد لا عليك.
أما سيدنا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك ومالك؟ قال: والله لا أحب أن أكون في أهلي ومالي وعافيتي عندي ويصاب رسول الله بشوكة فصلبوه.
الإسلام فيه حد أدنى وحد أعلى، الأدنى معذور رخصة، انظر كلام النبي ما أجمله؛ أما الأول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه، كلاهما ناج، لكن أحدهما بمكانة أعلى من الآخر، أما من كانت عداوته مع العدو القوي على مال، أو دنيا، أو أمارة، فاختلف العلماء في وجوب الهجرة فقال بعضهم تجب لقوله تعالى:

﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
[سورة البقرة 195]
وبدليل النهي عن إضاعة المال: "من قتل دون ماله فهو شهيد"، وقال آخرون: "لا تجب لأنها مصلحة دنيوية، ولا يعود على من تركها نقصان في الدين"، أي أنت ساكن في بلد أخذ منك شيء لكن دينك لم يتأثر، مادام الدين سليماً ليس هناك مشكلة، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال: "الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها". مداراة الناس تكون بإظهار المحبة :
الآن هناك نقطة دقيقة جداً ينبغي أن أقولها لكم وهي: مداراة الناس بإظهار المحبة والود والموافقة، و عدم ضرر الغير، و عدم مخالفة أصول الدين، هذه من الحكمة، لك جار غير مسلم، تلقي عليه تحية الصباح أو المساء، المسلم لطيف ودود مؤنس ليس فيه مشكلة أبداً مادام أنك لم تجامله، لكن المجاملة والمداراة إذا أدت إلى إيقاع الأذى بمسلم لا تجوز إطلاقاً، أما إذا ليس فيها أي مشكلة فليس منها مانع، وهذه ليست التي نهى الله عنها، الله نهى عن أن تؤذي المسلم، نهى أن تنجذب إلى الكفار، أن تسلك سلوكهم، أن تحبهم، فينقلك حبك لهم إلى معصية هذا الذي نهى الله عنه.
ملخص الدرس لعبة شدّ الحبل، إذا أمكن أن تشدهم ليس هناك مانع، اجلس معهم، إذا أمكنك أن تشدهم إلى الله، أن تقنعهم بالدين، أن تحببهم بالإسلام اجلس، أما إذا خشيت أن يسحبوك إلى ما هم فيه، أن يسحبوك إلى سهرة مختلطة، إلى منكرات، أن يقنعوك أن هذا الإسلام لا يصلح لهذا الزمان، وليس معك حجة قوية، فإياك أن تجلس معهم.
أما إذا كانت هذه المودة:

(( من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمة الله ))
[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
(( من أعان ظالماً سلطه الله عليه ))
[الديلمي في الفردوس بلا سند عن ابن مسعود]
أول ضحايا من أعانه، فإذا أدت المودة إلى إيقاع الأذى بالناس لا يجوز، أدت إلى أن تنجر إليهم لا يجوز، أما لم توقع أذى بأحد، وأنت في حصن حصين، وأنت قوي، وأقوى منهم بحجتك، وبنائك النفسي، فليس هناك مانع، كن لطيفاً، أطلق وجهك تجاههم. أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا :
أيها الأخوة الكرام، هذه آية من أدق الآيات في حياة الناس، الولاء والبراء، يجب أن توالي المؤمنين وأن تتبرأ من الكفار و المنحرفين، من أجل أن يسلم دينك يجب أن تحيط نفسك ببيئة مسلمة، بيئة مؤمنة، لا بدّ لك من مرجع ديني، لا بدّ لك من منهل تستقي منه، لابدّ لك من مسجد تأوي إليه، لا بدّ لك من تغذية دورية في العلم والخلق، هذا الذي ينبغي أن نكون عليه، ولن نستطيع أن نتفلت من مغريات الحياة الدنيا إلا إذا عشنا في مجتمع نقي صاف، أي إنسان مسلم، وزوجته محجبة، وبيته إسلامي، يقوم بنزهة في مقهى، المقهى ليس لك، غناء، وطاولة، ونساء كاسيات عاريات، هذا المكان ليس لك، لا تختلط لأن لك مكانك الخاص، لك سهراتك الخاصة، لك حفلاتك الخاصة، لا يصح أن المؤمن ينشئ عرساً فيه غناء ورقص، نحن العرس الإسلامي له ترتيب آخر، فيه كلمة ومديح لرسول الله، لا تقلد الكفار وتنجذب إليهم فيسحبوك وبعد حين تقنع بما هم عليه، إذا قنعت بما هم عليه كما قال عليه الصلاة والسلام: ((...يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا قَلِيلٍ ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
أخطر شيء علينا أن نقلد أهل الدنيا، أن نكون معهم في حفلاتهم، في اختلاطهم، في متعهم، في مسلسلاتهم، هذه كلها قيم منحطة، أما أنت بما أنك مؤمن قيمك الصحابة، المرأة قدوتها وقيمها الصحابيات الجليلات، أنت قيمتك القرآن والسنة وتاريخ الصحابة الكرام، وليس الممثلين والممثلات، ليس هؤلاء الذين ينبغي أن تقتدي بهم، فلا بدّ أن تكون بعيداً عن كل بؤرة نتنة، عن كل بؤرة سيئة، هذا هو مضمون الآية: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[ سورة آل عمران: 28 ]


والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامي, الفقة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفقة الاسلامى 2 السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 93 09-12-2018 08:57 AM
اصول الفقة - علم القياس السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 3 09-09-2018 10:25 AM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 22 05-07-2018 04:24 PM
هذا هو المجتمع الاسلامي ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 8 09-24-2017 08:44 AM


الساعة الآن 11:04 PM