الفقة الاسلامى 1 - الصفحة 3 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 08-15-2018, 05:20 PM   #21


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الحادى العشرون )

الموضوع : الامانة - سورة النساء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الأمانة ثلاثة أنواع؛ :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الواحد والعشرين من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
أيها الأخوة الكرام، هذه الآية أصل في موضوع الأمانة، الأمانة شيء وضع بين يديك، وأنت مخير إما أن تحسن وإما أن تسيء، شيء وضع بين يديك إما أن تعطيه حقه أو ألا تعطيه حقه، هذه حقيقة أساسية في الأمانة.
العلماء قالوا: الأمانة ثلاثة أنواع: أمانة متعلقة بالإنسان، وأمانة متعلقة بالله عز وجل، وأمانة متعلقة بالآخرين، أي أمانة هي حق الله، وأمانة هي حق نفسك، وأمانة هي حق الآخرين، لنبدأ بالأمانة المتعلقة بحق نفسك. الأمانة :
أول شيء: الله عز وجل جعل نفسك التي بين جنبيك أمانة بين يديك، فإما أن تعرفها بربها، وتحملها على طاعتها، وعلى التقرب من الله عز وجل، فتسعدها في الدنيا والآخرة، الأمانة كما يفهمها الناس تعني: إنسان وضع عندك مبلغ من المال، ثم جاءك بعد حين وطالبك بالمبلغ، هذا فرع صغير من فروع الأمانة، أودع عندك مال، لكن مفهومات الأمانة واسعة جداً لدرجة أنها تشمل الحياة كلها، لذلك جاء قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
الأمانات جمع، معنى ذلك نفسك أمانة، ابنك الذي أناطه الله بك أمانة، ابنتك التي جعلك الله عليها قيّماً أمانة، حرفتك التي ترتزق منها أمانة، فإما أن تنصح المسلمين وإما ألا تنصحهم، طبك أمانة، هندستك أمانة، تدريسك أمانة، أي عمل على الإطلاق أمانة، بل إن الطرف الآخر يعد هو الأمانة، فالطالب بين يدي معلمه أمانة، إما أن تعلمه وإما ألا تعلمه، إما أن تهذبه وإما ألا تهذبه، إما أن ترفق به وإما أن تقسو عليه، إما أن تثني عليه فترفع معنوياته وإما أن تحطمه، الطالب أمانة، الموكل عند المحامي أمانة، المريض عند الطبيب أمانة، الجندي عند قائده أمانة، الشاري عند البائع أمانة، إما أن تغشه وإما أن تنصحه، وقد تنصحه بالبضاعة وتغشه بالثمن، المواطن الذي يقف أمام الموظف يسأله أن يوقع له هذه المعاملة أمانة، إما أن توقع له ببساطة وإما أن تضع له العراقيل حتى تبتز ماله.
شيء غريب هذه الآية الكريمة من أوسع الآيات التي تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، الأمانة الكبرى نفسك التي بين جنبيك. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس : 9-10 ]
الأمانة التي تليها أهلك، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾
[ سورة التحريم: 6]
زوجتك أمانة قد تسعدك ولا تؤدي لها حقها، حقها عليك أن تأخذ بيدها إلى الله، هي تسعدك، تطبخ لك، وتنظف لك بيتك، وتربي أولادك، ترى كل شيء على أكمل ما يكون، ولكنك لم تدلها على الله، لم تعبأ برقة دينها، لم تمحضها النصيحة. الأمانة تدور مع الإنسان أينما اتجه :
أيها الأخوة، والله الذي لا إله إلا هو كلمة أمانة لو عرفناها على حقيقتها لارتعدت مفاصلنا، الله عز وجل سيسأل كل إنسان عما استودع عنده من أمانة، إذاً شيء أودع عندك وأنت مخير لك أن تحسن ولك أن تسيء، لك أن تنصف ولك أن تظلم، لك أن تعطي ولك أن تمنع، صدقوني أيها الأخوة ما من حرفة على وجه الأرض إلا وتنطوي تحت هذه الآية، أنت بإمكانك أن تبيع دواء قد انتهى وقته دون أن يشعر هذا الذي اشتراه وهو صغير، أو امرأة لا تقرأ ولا تكتب، مكتوب باللغة الأجنبية نهايته سنة سبع وتسعين ونحن بالثماني والتسعين ولا تدقق، فهذا المرأة التي جاءت إلى الصيدلي أمانة، إما أن يؤدي الأمانة إلى أهلها فينصحها ويعطيها الدواء الصحيح أو أن يغشها.
إذاً كملخص لهذه المقدمة الأمانة شيء وضع بين يديك وأنت مخير بإمكانك أن تفعل كل شيء تحسن أو تسيء، تعطي الحق أو تبخس الحق، تنصح أو لا تنصح، تصدق أو لا تصدق، فإذا فهمنا الأمانة بهذا المفهوم الواسع الأمانة تدور مع الإنسان أينما اتجه، قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 72 ]
من أوجه تفسيرات الآية أن الأمانة نفسك التي بين جنبيك، يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس الآيات : 9 – 10 ]
تزكي نفسك بأن توصلها بالله، تزكي نفسك بأن تحملها على تطبيق منهج الله، تزكي نفسك بأن تتقن عباداتك، تتلو كتاب الله، تؤدي الصلوات الخمسة كما أراد الله، تصوم رمضان كما أراد الله، تحج البيت كما أراد الله، بهذه الطريقة تؤدي حق نفسك كأمانة بين يديك. كل شيء متعلق بالإنسان أمانة في عنقه :
الآن من حولك، من حولك أمانة في عنقك، هناك أب يحسن تربية أولاده وأب يضيع، الذي ترك ابنه هملاً، والذي أطلق لابنته العنان، والذي لم يرع أسرته، هذا ضيع الأمانة، الأبوة مسؤولية، والزوجة أمانة عند الزوج، والأولاد أمانة عند الأب، انتقلنا من نفسك التي بين جنبيك إلى أهلك الذين حولك، إلى حرفتك التي ترتزق منها هي أمانة، وما أوسع المفارقات في الحرف، فبينما ينمو الغش على قدم وساق وبينما يكون النصح بشكل مدهش.
البارحة أخ من أخواننا المحامين قال لي: إذا جاءك موكل وتعلم أنت علم اليقين أن دعواه خاسرة لأنه ليس معه وثيقة إطلاقاً، والقانون لا يقبل إلا بوثيقة والدعوى خاسرة لو تسلمها أكبر محامي، فلمجرد أن تقول: أنا أربحها لك وأعطني دفعة مقدمة فقد خان هذا المحامي الأمانة.
والمريض الذي يأتي إلى الطبيب لمجرد أن يعلم الطبيب أن هناك طبيباً أقدر على معالجة المريض منه ويبقيه عنده ولا يدله على من هو أقدر منه في المعالجة فقد خان الأمانة، وسع الموضوع، وسع في الحرف كلها، في التجارة والصناعة والزراعة، هذا الذي يشتري منك هذه الفاكهة أو هذه الخضرة هذه أمانة، قد تعطي هذا النبات الهرمون المسرطن تنمو الحبة نمواً رائعاً وتعطي لوناً رائعاً تبيعها بسعر مرتفع ولكن على حساب صحة الناس.
الموضوع واسع جداً قد تنشئ معملاً للثلج فنوع المياه التي تستعملها أمانة، إما أن تستعمل مياه نظيفة أو مياه آبار ملوثة، فإذا استعمل هذا الثلج في الشرابات انتقلت هذه الجراثيم إلى الناس، والله الذي لا إله إلا هو أكاد أقول لكم ما من حركة ولا سكنة ولا موقف في الحياة إلا ويتصل بهذه الآية، نفسك أمانة يجب أن تعرفها بالله، نفسك أمانة يجب أن تحملها على طاعة الله، نفسك أمانة ينبغي أن تزكيها، نفسك أمانة يجب أن تصطبغ بصبغة الله، نفسك أمانة يجب أن تعرفها بسرّ وجودها وغاية وجودها، وزوجتك أمانة، وأولادك أمانة، أولاد أخوك أمانة، وجيرانك أمانة، وإخوتك أمانة انصحهم، وزملاؤك في العمل أمانة، لا تعبأ بانحرافهم بل دلهم على الله بلطف ورقة، ثم حرفتك أمانة.
﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة:14-15]
لا إيمان لمن لا أمانة له :
لذلك الآيات التي وردت في الحديث عن الأمانة والحض على أدائها كثيرة، قال تعالى الآية ذكرتها قبل قليل:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 72 ]
والآية الأخرى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 27 ]
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا إيمان لمن لا أمانة له ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أنس بن مالك]
ذكرت البارحة مع بعض الأطباء أحياناً طبيب ناشئ يعين في قضاء في ناحية كطبيب شرعي، وتأتيه قضية إذا كتب الوفاة طبيعية يأخذ خمسة ملايين ليرة، وإذا كتب الوفاة جنائية لا يأخذ شيئاً إلا أن علمه أمانة، فلو كتب خلاف الواقع خان الأمانة، دققوا بأي كلمة وأي حركة تخون الأمانة ولاسيما في غش البضاعة، وفي الإعلان عنها، وفي تزويد مواصفاتها، وفي معاملة الناس، قال له: افتح البطن وأخرج له السرطان وخذ خمسة وعشرين ألفاً وإن كان ميئوس من شفائه، سرطان من الدرجة الخامسة ومنته، وليس هناك أمل من الشفاء، هذا خان الأمانة، كلفت المريض بعشرة تحاليل وأنت بحاجة إلى واحد والتسعة مناصفة بينك وبين المحلل خنت الأمانة، حتى في المساحات ركبت منجور مسح، المنجور أمانة، حتى الحسابات، حتى في الحسومات، كل شيء أمانة. الأمانة مع الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته :
أنا بطريقي أفكر في تعريف جامع مانع للأمانة، وجدت شيئاً وضع تحت تصرفك، أنيط أمره إليك، وأنت مخير ومعك منهج، رأيت هذه العناصر تجمع كل أنواع الأمانة، شيء وضع بين يديك، وأطلقت يدك فيه، ومعك منهج من خالق الكون، وأنت مخير فإما أن ترعى هذا الشيء، أو لا ترعاه، إما أن تصدق أو لا تصدق، تحسن أو لا تحسن، تنصح أو لا تنصح، تعتني أو لا تعتني.
أحياناً الطبيب على عجل من أمره لا يسأل المريض على نوع الحساسية، يعطيه دواء يسبب صدمة فيموت، يقول: انتهى أجله، لا، هذا الكلام خطأ، هذا الإنسان يحاسب، لو دخلنا في هذا الموضوع لوجدنا أن هذه الآية تدور مع الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته، إنسان جاء من السعودية بسيارته في طريق البر احتاج أن يغير زيت علبة السرعة وقف في محطة، صاحب المحطة أمر طفلاً أن يغير الزيت، الطفل لم يحكم إغلاق الفتحة، على طول الطريق سال هذا الزيت واحترقت هذه العلبة، الحرارة خمس وخمسون تحت أشعة الشمس وقفت السيارة، خرج صاحب السيارة وفتح غطاء المحرك ما فهم، أصابته ضربة شمس ومات، وقعت هذه الحادثة، هذا الذي جاءك يطلب منك تغيير الزيت هذا أمانة عندك ، أنت كلفت طفلاً أن يغير له الزيت لعل الطفل قادر على فتح الغطاء وصب الزيت أما إحكام الإغلاق فهذا يجب أن يتم بيدك أنت لأنه أمانة.
من حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً :
أيها الأخوة، إذا حاسبنا أنفسنا حساباً عسيراً كان حسابنا يوم القيامة يسيراً، لي صديق عنده بنت صغيرة ، أي شيء لا يصدق بما آتاها الله من جمال، وفطنة، وذكاء، وهي في الصف الثالث، هي تمشي في الطريق صحن من هذه الصحون تفلت من مكانه وقع على الأرض وجاء فوق رأسها فقتلها، جيء بهذا الذي ركب الصحن فوجد أن الصحن له أربعة براغي ركب اثنين فقط، طبعاً موضوع الصحن شيء ثان ليس لنا دخل به، أما قصر في واجبه في تركيب هذا الصحن فقتل طفلة.
لذلك الأمانة واسعة جداً، لو فهمنا هذه الآية فهماً صحيحاً والله الذي لا إله إلا هو لارتعدت مفاصلنا، كل إنسان يحاسب عما أنيط به، قبل أن تطلع على وضع المسلمين في العالم، وقبل أن تنزعج وتثور وتغضب، أنت أديت الأمانة فيما يخصك؟ أديت الأمانة في عملك؟ أديت الأمانة في أسرتك؟ كم من طفل شارد لم يجد أباً رحيماً ولا أما رؤوماً ولا عناية ولا تثقيف ولا اهتماماً بالتربية والمنزل مضطرب والطعام غير موجود؟ الأب شارد والأم شاردة ضيعوا الأمانة، فابدأ أنت إنسان لك أمانة، نفسك أمانة، زوجتك أمانة، ابنك أمانة، ابنتك أمانة، جارك أمانة، لك أخ أمانة، لك أخت أمانة، لك عمة أمانة، لك خالة أمانة، حرفتك أمانة، زبونك أمانة، المريض أمانة، الموكل أمانة، الطالب مع المعلم أمانة، المواطن أمام طاولتك أمانة، ممكن أن تضع له عراقيل، ممكن أن تقول: تعال غداً وهو من حلب سيضطر إلى أن ينام في فندق، وأن يضع مبلغاً ضخماً أقله مئة ليرة، تعال غداً، وأنت تشرب فنجان القهوة مع صديقك، جاء فطالبك بتوقيع المعاملة فأفسد عليك الحديث، تعال غداً هذا أمانة.
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93 ]
أحياناً نضع مبيضات للمواد الغذائية، مواد كيماوية مؤذية ضارة، أما حينما تنصع هذه المادة الغذائية فيرتفع سعرها، ولا نعبأ بصحة الناس، ولاسيما الذين يعملون في المواد الغذائية هي أمانة من أعظم الأمانات. عظمة الدين في الوازع والقانون في الرادع :
عظمة الدين في الوازع، والقانون في الرادع، القانون خارجي، كنت في أمريكا قبل فترة راكب سيارة وجدت أصوات، قلت: ما هذا الصوت؟ قال: هذا يشعرني أن بعد مسافة جهاز رادار، يسير بسرعة كبيرة عندما سمع الصوت يخفف من سرعته، سار حسب القانون، معنى هذا أن المدنية الحديثة والقوانين قائمة على الردع الخارجي، فلما انقطعت الكهرباء في نيويورك مرة تمت في ليلة واحدة مئتا ألف سرقة، فلما اضطرب حبل الأمن في سان فرانسيسكو أو في لوس أنجلوس مرة الخسارة قدرت بثلاثين ملياراً، فالنظام الغربي أساسه الردع، القاعات مراقبة، تشتري حاجة إن لم تدفع ثمنها تخرج من المخرج هناك قوس، اللصاقة التي عليها تتفاعل مع القوس فتصدر صوتاً مزعجاً معناه أنك لم تدفع ثمنها، الكل يدفع لكن لا فضل لهم في هذا الدفع، انتهت الأمانة.
أما النظام الإسلامي فقائم على الوازع، قال: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله؟
الإيمان يعني أن تؤدي الأمانة مطلقاً والدين يعني الوفاء بالعهد :
الفكرة الدقيقة يقول عليه الصلاة والسلام:
((لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ))
[أبو يعلى عن أنس بن مالك]
الإيمان يعني أن تؤدي الأمانة مطلقاً، والدين يعني الوفاء بالعهد، والإيمان يعني أداء الأمانة بمعناها المطلق الواسع، وقال عليه الصلاة والسلام: ((... إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
الكلمة التي لا تفارق الإنسان هي الأمانة، أديت حق هذا الإنسان؟ أديت حق هذا الطالب؟ أديت حق هذا المريض؟ أديت حق هذا الموكل؟ أديت حق هذا المواطن؟ أديت حق هذا الجندي؟ أديت حق أولادك؟ أديت حق زوجتك؟ أديت حق نفسك؟ إذاً شيء وضع بين يديك، وأنيط أمره إليك، أطلقت يدك في تصريفه، معك منهج إلهي وأنت مخير، فإما أن تؤدي هذه الأمانة وإما ألا تؤديها، لذلك الذي يعتمر ويذهب إلى زيارة النبي عليه الصلاة والسلام ويقف أمام قبره الشريف يقول: أشهد أنك بلغ الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد. النبي حمل أمانة التبليغ والعلماء حملوا أمانة التبيين والولاة حملوا أمانة الرعاية :
النقطة الدقيقة أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام حمل أيضاً أمانة التبليغ، والعلماء حملوا أمانة التبيين، والولاة حملوا أمانة الرعاية، سيدنا عمر كان يتجول في المدينة مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، رأيا قافلة قد اتخذت طرف المدينة طرفاً لها، قال له: تعال نحرس هذه القافلة، فبكى طفل في خيمة من الخيام فقام عمر وذهب إلى أم الغلام وقال: أرضعيه، فأرضعته فسكت ثم بكى ثانية فقال: أرضعيه فأرضعته فسكت، ثم بكى ثانية فغضب عمر وقال: يا أمة السوء أرضعيه، عندئذ غضبت وقالت: ما شأنك بنا إنني أفطمه، قال: ولمَ؟ قالت: لأن عمر - ولا تعرف أن من تكلمه هو عمر - لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، أي التعويض، يستحق هذا الابن التعويض بعد الفطام، فأنا أفطمه كي أخذ التعويض، فما كان من هذا الخليفة العملاق إلا أن ضرب جبهته وقال: ويحك يا بن الخطاب كم فقتلت من أطفال المسلمين، رأى نفسه أساء للأطفال، الصغار يفطمون قبل أوانهم كي تأخذ أمهم العطاء، ولما ذهب كي يصلي بأصحابه ما سمعوا قراءته من شدة بكائه، كان يقول: يا ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أما رددتها فأعزيها؟
ولما سأل أحد الولاة: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو قاتل؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، قال له: إن الله قد استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر حرفتهم، إذا وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته رأته يبكي في مصلاه، قالت له: مالك تبكي؟ قال: دعيني وشأني، ألحت عليه، قال: نظرت في الفقير والعاجز والأرملة والمسكين وذو العيال الكثير وابن السبيل وغيرهم فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم هو رسول الله فلذلك أبكي.
من يخاف من الله لا يستطيع أن يهمل واجباته أبداً :
كل إنسان مظلوم في ذمة من ظلمه، وكل إنسان مهضوم حقه في ذمة من هضم حقه، وكل إنسان يعاني من مشكلة كبيرة، وكل إنسان قادر على أن يحل هذه المشكلة ففي ذمته، فلذلك الإنسان لما يقف بين يدي الله عز وجل يسأله الله عز وجل، شيء مخيف بإمكانك أن تحق الحق ولم تحقه، بإمكانك أن تنصف فلاناً وما أنصفته، بإمكانك أن ترحم فلاناً وما رحمته، بإمكانك أن تزيل هذا المنكر و ما أزلته، هناك تقصير كبير من الإنسان، لذلك والله الذي لا إله إلا هو لو علم الناس ما ينتظرهم من حساب دقيق لانخلع قلبهم، ألم يقل الله عز وجل؟
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر: 92-93 ]
ألم يقل الله عز وجل؟ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ *وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
[ سورة الزلزلة: 7-8 ]
أمثلة كثيرة لا تنتهي في كل شيء، في كل حرفة، في كل صناعة، في كل زراعة، الفران إذا كان عنده موظفون لا يعتنون بالنظافة، لو واحد منهم دخل للخلاء ولم يغسل يديه وعجن بهما العجين ماذا فعل هذا الفران؟ لو كان هناك حشرات تدخل مع الطحين وتخبز، هذا الإنسان أمانة عندك، لذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
جمع، أدِّ الأمانة، إنسان صباحاً قال: أنا أرسلت إليك من درعا مريضاً داوه، هل تستطيع أن تدعه؟ لا تقدر الله يحاسبك، ساقه لك ليتلقى العلاج حتى يرتاح، الذي عنده حساسية أو عنده ضمير حي إن صح التعبير أو عنده خوف من الله الكلام الأدق لا يستطيع أن يهمل واجباته أبداً. ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة الحياة وتشهد به العقول :
إقامة العدل بين الناس أمر تقتضيه طبيعة الحياة وتشهد به العقول، ولا بدّ للمجتمع الإسلامي أن يحكم فيه بالعدل كي يأمن الضعيف سطوة القوي، ماذا قال سيدنا الصديق؟ قال: إن القوي ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه، وإن الضعيف قوي عندي حتى أخذ الحق له، العدل كما يروى في الكتب أن حجراً عَبَدَ الله خمسين عاماً، ووضعه الله في أس كنيف أي بمرحاض، قال: يا رب عبدتك خمسين عاماً وتضعني في أس كنيف؟ قال: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، أي هذا المكان أشرف لك ألف مرة من أن تكون في مجلس قاض ظالم.
عدل ساعة يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً، والله أحياناً يأتيه طالب يشتكي على طالب يضرب الطالبين معاً ويطردهما، ماذا فعل المعلم؟ كان بحق هذين الطالبين مجرماً، أين العدل؟ طالب مظلوم مرجعه معلمه، اشتكى ضرب الاثنين وارتاح، تكون معلماً وتحاسب!! تكون مدير دائرة تقرب إنساناً و تبعد آخر!! إنسان له إجازات و آخر لا يوجد له إجازة!! إنسان له تعويضات وآخر لا يوجد له تعويض لأسباب لا ترضي الله عز وجل، كل إنسان سوف يحاسب.
﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
العدل و الإحسان :
يقول الله أيضاً: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
هذه الآية لطيفة جداً أي إذا كان هناك قضية لا يتسع لها العدل يسعها الإحسان، أحياناً أخ يشتكي يقول: ليس له عندي شيء، أنا المحضر آخذته من المحافظة وهو خال، وهذه الدكان يجب أن تهدم، قلت له: معك الحق لكن الله يأمرك بالإحسان، إنسان عنده محل وليس عنده غيره صار في الطريق، كما أنت مأمور بالعدل مأمور بالإحسان، لذلك الله عز وجل ذكر العدل في أماكن كثيرة قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
[ سورة النحل: 90 ]
﴿ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ﴾
[ سورة الأنعام: 152 ]
أحياناً هناك حوادث السير، أحياناً هناك بعض المخالفات، تأتي شهادة تنقذ الموقف، راكب سيارة وصار حادث والسائق بريء دعيت إلى الشهادة ليس عندي وقت، أنت إذا قدمت الشهادة الحقيقية أنصفت السائق وأنقذته من ورطة كبيرة جداً، فالشهادة واجبة، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾
[ سورة البقرة: 282]
﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
[ سورة ص: 26]
العدل أقرب للتقوى :
﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة: 8]
يروى أن رجلاً يهودياً اشتكى على سيدنا علي لسيدنا عمر، فقال عمر: قم يا أبا الحسن وقف إلى جانب الرجل، فوقف وحكم سيدنا عمر بالعدل وانتهى المجلس، سيدنا علي تغير وجهه وقال: أوجدت عليّ؟ قال: نعم، قال: لمَ لم تقل لي يا علي وقلت با أبا الحسن؟
القاضي شريح، سيدنا علي فقد درعاً غالياً جداً وجده عند يهودي فرفع الشكوى وهو أمير المؤمنين، رفع الأمر إلى القاضي شريح، وقف سيدنا علي وهو أمير المؤمنين أمام هذا الخصم، قال له: أمعك بينة؟ قال: الحسن والحسين، قال: لا تقبل شهادة الابن لأبيه، قال: النبي بشرهما بالجنة؟ لا تقبل شهادة الابن لأبيه، شهادة الابن لأبيه مرفوضة.
سمعت قصة لكنها مؤثرة جداً، إنسان موظف ساكن في بيت رفع الأجرة مرتين وثلاث وأربع حتى بلغت نصف دخله، لكن صاحبة البيت تريد أن تطرده من البيت ليس عنده طريق آخر، فسألت محامياً فأرشدها إذا أثبتِ أنه فاسق فاجر أي سلوكه منحرف نخليه من البيت، فقدمت دعوى إلى القاضي أنه كان يكشف عورته أمام جارته، دعوة فجور، والرجل مستقيم، ويغض بصره، وملتزم، فالقاضي سألها من عندك من الشهود؟ فقالت: ابنتي، قال: لا تقبل شهادة البنت لأمها، قالت: عندنا طالبة في البيت تسكن نأتيك بها، فعرضوا عليها الأمر فقالت: أنا أشهد معكم، فأكرموها إكراماً وأطعموها الطعام، أي قدموا لها خدمات خلال الشهر كثيرة، فلما جاء يوم الدعوى جيء بهذه الطالبة سألها القاضي، فقالت: والله يا سيدي هذا الإنسان لو رآني عن بعد مئة متر لغض بصره، وما لمحته في حياتي يطلق بصره في امرأة، وهو من أرقى الناس، هذه الطالبة ذكية جداً، لو رفضت لجاؤوا بمن يشهد شهادة كاذبة فقالت: أنا أشهد وفي نيتها أن تشهد بالحق والدعوى سقطت فوراً، أي شهادة حق لا تقدر بثمن، والله هو الحق، لذلك العلماء قالوا: ليس بين المظلوم وبين الله حجاب، اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فليس بينه وبين الله حجاب، وإياك أن تظلم لأن الظلم مرتعه وخيم، والإنسان في الدنيا قبل الآخرة يعجل له العقاب إذا كان ظالماً، عقوق الوالدين والجور يعجل لهما العقاب في الدنيا قبل الآخرة، الأمة في خير إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( إنَّما أَهلك الذين قبلكم أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))
[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]
هذا هو الإسلام. عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
قرأت أن سيدنا عمر أقام الحد على أحد أولاده، وقال له: حينما تلقى وجه ربك قل: إن أبي أقام عليّ الحد، وسيدنا عمر كان إذا أراد أن ينفذ أمر دعا أهله وخاصة أمره وقال: إني أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، و أيم الله لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، قال العلماء: فصارت القرابة من عمر مصيبة.
رأى مرة إبلاً سمينة في الطريق قال: لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لابنك عبد الله فغضب وقال: ائتوني به، فلما جاؤوا به قال: لمن هذه الإبل؟ قال: لي، ماذا فعلت اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت؟ وأين الخطأ والمعصية؟ قال له: ويقول الناس ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، فقال له: بع هذه الإبل وخذ رأسمالك وردّ الباقي إلى بيت مال المسلمين.
مرة اشتهى اللحم فخاطب بطنه قائلاً: "قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المؤمنين".
مرة جاءته هدية من عامله على أذربيجان وهو في المدينة، وأذربيجان في الاتحاد السوفيتي سابقاً قبل أن يتفكك، فتح الهدية طعام نفيس وضع لقمة في فهمه ثم استدرك فقال: يا هذا أكل عندكم عامة المسلمين من هذا الطعام؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، فلفظها من فمه ووبخ الوالي وقال: كيف يعنيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون؟ وقال: أعطوها لفقراء المدينة فحرام على بطن عمر أن يأكل طعاماً لا يأكله فقراء المدينة.
وضع أمامه لحم من جزور وقدمت له قطعة من سنام الجزور وهي أطيب ما في الجزور، فبكى وقال: "بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها".
ومرة سأله أحد الولاة قال: إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم لست أقدر على استرجاعه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت؟ قال: يا سبحان الله أتستأذنني في تعذيب بشر وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين فإن حلفوا فأطلق سراحهم، و أيم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من ألقى الله بدمائهم.
العدل أروع ما في الحياة :
العدل، قرأت مرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وقف زعيم رئيس وزارة في بريطانيا وسأل وزراءه واحداً واحداً، وزير الصناعة كيف المعامل عندك يا مستر فلان؟ قال له: كلها مخربة، سأل وزير الزراعة: كيف المحاصيل؟ قال: ليس عندنا محاصيل الأرض محترقة، سأل وزير الخزانة: كيف الخزانة عندك؟ قال: لا يوجد شيء، بلاد منهارة بعد حرب، فسأل وزير العدل عنده: كيف العدل عندك؟ قال: بخير، فقال له: كلنا إذاً بخير، هذه قيمة كبيرة العدل، الله هو العدل، وهو أروع ما في الحياة.
أطفال يقفون في المدينة مرّ سيدنا عمر فتفرقوا إلا واحداً بقي واقفاً بأدب، قال له يا غلام لمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك، البريء يجب ألا يخاف، والمذنب ينبغي أن يخاف، بهذا ترقى الأمة.
الأمانة شيء بين يديك أمره أنيط لك :
أيها الأخوة الكرام، كملخص للدرس: الأمانة لها مفهوم موسع جداً، شيء بين يديك، أمره أنيط لك، أنت محكم فيه، معك منهج إلهي، وأنت حر فيما تفعل، فإما ن تؤدي حقه وإما ألا تؤدي حقه، وهذه الأمانة تبدأ بأمانة الله، له أوامر وله نواه، هل أديت الأوامر وهل انتهيت عن النواهي؟ ليس الولي الذي يمشي على الماء ولا الذي يطير في السماء ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، ثم هذه النفس التي جعلها الله بين جنبيك أمانة في يديك هل زكيتها أم دنستها؟
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس : 9-10 ]
ثم الزوجة والأولاد، ثم حرفتك، ثم أهلك الأباعد، ثم كل حركة وسكنة وأنت مخير ومعك منهج هل أديت الأمانة في أي موضوع؟ إذاً ما من موضوع إلا ويدور مع الأمانة. ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾
[ سورة النساء : 58 ]
فأدِّ الأمانة واحكم بالعدل تدخل الجنة بسلام.

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:23 PM   #22


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثانى العشرون )

الموضوع : الوفاء يالعقود - سورة المائدة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
توفية حق الله عز وجل بالتمام و الكمال شيء من المستحيلات :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس: "آيات الأحكام"، وآية اليوم من سورة المائدة وهي قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
أوفى ووفّى، الأولى رباعية والثانية رباعية، إلا أن الأولى مخففة والثانية مشددة، والتي هي مشددة أبلغ من المخففة، ومن أوفى بعهده من الله، وإبراهيم الذي وفّى، وقد وردت هذه الكلمات في القرآن الكريم، المشددة فيها معنى المبالغة، قال تعالى: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ﴾
[ سورة الأعراف: 102 ]
المقصرون كم مرة عاهدوا الله عز وجل ثم نقضوا عهدهم؟ الحجاج في بيت الله الحرام كلهم عند الحجر الأسود يقولون: عهداً لله على طاعته، إذا عادوا إلى بلادهم غيروا وبدلوا، وكأن عهداً لم يكن بينهم وبين الله، لذلك حينما تقرأ هذه الآية: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم: 37 ]
تشعر أن هذه النبي كان وفياً لعهد الله، وفّى ما عليه، طبعاً وفّى مجازاً، أما أن توفي حق الله تعالى بالكمال والتمام فهذا من المستحيلات، لكن توفيه نسبياً، من الذين وفوا نسبياً سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام. الثبات على المبدأ خلق رفيع :
بالمناسبة أنت حينما تعاهد خالق الكون على الطاعة ينبغي أن يكون هذا العهد في السراء والضراء، في المنشط والمكره، في ضيق الدنيا وفي بحبوحتها، في المرض والصحة، في الغنى والفقر، قبل الزواج وبعد الزواج، هذا هو العهد، لا تعاهد إنساناً بل تعاهد خالق الأكوان، لذلك ربنا عز وجل قال:
﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾
[سورة الأحزاب: 23]
أجمل ما في المؤمن ثباته على المبدأ، والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه، من الخلق الرفيع الثبات على المبدأ، ثابت لا يغير، ولا يبدل، ولا يعدل، ولا يتكاسل، ولا يتوانى. الحركة تغير معنى الكلمة رأساً على عقب المبالغة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
العقود جمع مفرده عقد، أما العقد فشيء آخر، دقة اللغة، عَقد وعِقد، مَنصِب ومنصَب، مسافة كبيرة جداً، بَر وبِر وبُر، البَر اليابسة، والبُر القمح، والبِر الإحسان، خَلْق خَلِق خُلق، الخُلق الأخلاق، والخَلِق البالي، والخَلْق البنية، كان عليه الصلاة و السلام تام الخَلْق والخُلق، قَدَمَ قَدُمَ قَدِمَ، كل شيء له معنى حركة تغير المعنى رأساً على عقب، العقود جمع عقد، العِقْد الحلي الذي تلبسه المرأة، العَقْد في الأصل الربط، واللغة انطلقت من المعاني المادية إلى المعاني المجازية، فالعَقد في الأساس الربط ومنها العقدة، والسيدة عائشة رضي الله عنها كانت تسأل النبي عليه الصلاة والسلام كيف حبك لي؟ يقول لها: كعقدة الحبل، عقدة لا تنفك تسأله من حين إلى آخر كيف العقدة؟ يقول على حالها.
عقدت البيع لفلان، ربطت هذا الوديع بالعقد الأكيد لفلان، عقد بيع ربط المبيع بالذي اشترى، واليمين التي تنعقد للمستقبل تسمى عقداً لأن الحالف ربط نفسه بالمحلوف في المستقبل، قال: والله لأفعلنّ كذا وكذا، قيد نفسه بعمل يفعله في المستقبل، فهذه اليمين تسمى عقداً لأنها ارتباط.
تفسير قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ : ما معنى قوله تعالى؟
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
المعنى الأول: أوفوا بالعقود التي بينكم وبين الله، أنت عبد وقد عاهدت الله في عالم الأزل على أن تأتي إلى الدنيا وأن تعبده، فعبادة الله عقد بينك وبينه، لهذا يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
من مقتضيات إيمانكم أن توفوا بالعقود التي بينكم وبين ربكم، أي واحد منا لأنه إنسان مسلم مؤمن مرتبط بعقد مع الله، أن يطيعه، وأن يعبده، وأن يتعرف إليه، وأن يزكي نفسه، وأن يجعلها صالحة لعطائه يوم القيامة، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
أي أوفوا بالعقود التي بينكم وبين الله، وكل إنسان عاهد الله عز وجل حينما عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، هناك عقد -سبحان الله- الإنسان حينما يوفي ما عليه لله عز وجل يشعر براحة، يشعر بقيمته الإنسانية، يشعر أنه في عين الله كبير، ولأن تسقط من السماء إلى الأرض أهون من أن تسقط من عين الله، وقد تخرق العهد الذي بينك وبين الله ولا يطلع أحد على ذلك إلا الله، العبرة أنت، العبرة أن تكون عظيماً أمام نفسك لا أن تكون حقيراً أمام نفسك، عبر عنه علماء النفس بالانهيار الداخلي، الإنسان قد يكون ذكياً، وقد يكون طليق اللسان، وقد يكون عنده قوة إقناع كبيرة، وقد يخرق الستر بينه وبين الله، قد يخون أمانة الله، قد يخون عهد الله ولا أحد يطلع، إلا أن إطلاعه على ذاته بحدّ ذاته يسقطه من عين ذاته، والإنسان حينما يكون منهاراً داخلياً لا يستطيع أن يكون ناجحاً في العلاقات الخارجية، أي أهم شيء في حياة الإنسان إن صحّ التعبير الصمود الداخلي، متماسك، فقير ليس مشكلة، ضعيف ليس مشكلة، قد تكون ضعيفاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً لكنك مطيع لله عز وجل وأنت في نظر الله كبير، وأنت عند الله لك مقام كبير، أما يمكن أن تكون في أعلى مقام عند الناس ولكن عند الله صغار. ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾
[ سورة الكهف: 105 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾
[ سورة غافر: 10 ]
الله يمقتهم، لو سألتموني ما هو أعلى شعور إنساني يسعد الإنسان؟ أن يشعر أنه في طاعة الله، أو في رضوان الله، أو في عين الله، هذا الشعور لا يقدر بثمن، خالق الكون يقول لك: إنك بأعيننا. المقام الذي ينبغي أن يسعى إليه كل مؤمن أن تكون العلاقة بينه وبين الله عامرة :
يروى أن سيدنا جبريل جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: "قل لصاحبك أن الله راض عن أبي بكر فهل هو راض عن الله؟"، الله عز وجل كما أنك تخطب وده فهو يخطب ودك، كما أنك تشكره يشكرك، كما أنك وفي له فهو وفي لك، هناك مودة أعلى، في المجتمع البشري من يكون على صلة متينة جداً بالملك هذه أعلى ميزة ينالها إنسان في مجتمع، أما أن تكون لك علاقة طيبة، أن تكون العلاقة بينك وبين الله عامرة فشيء لا يقدر بثمن، هذا هو المقام الذي ينبغي أن يسعى إليه كل مؤمن.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا ﴾
[ سورة مريم: 96 ]
هذا الود، لما أنا يواددني إنسان، يبتسم في وجهي، يصافحني بحرارة، يزورني، وأحياناً يكرمني، يدعوني إلى تناول طعام، هذا إذا أردت أن تخطب ود إنسان تفعل ذلك، أما إذا أراد الله أن يودك ماذا يفعل؟ تيسير الأمور من مودة الله عز وجل، أن يملأ قلبك غنى من مودة الله،أن يلهمك الصواب من مودة الله، أن يؤتيك الحكمة من مودة الله، أن يسعدك في بيتك من مودة الله عز وجل، أن يكثر الذين يحبونك من مودة الله. ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
[ سورة الأحزاب: 72 ]
من معاني أوفوا العقود :
1 ـ العبادات التي ألزمنا الله بها يجب أن نؤديها وفي أدائها توفية للعقود :
لذلك المعنى الأول للعقود أدوا الفرائض، وأدوا الواجبات، وأدوا المندوبات، والتزموا بأدائها.
﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾
[ سورة النساء: 103 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 183]
﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة : 196]
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة المعارج: 24-25]
العبادات التي ألزمنا الله بها يجب أن نؤديها، وفي أدائها توفية لهذه العقود، هذا أول معنى. 2 ـ العقود التي تقع بينك وبين الآخرين عليك ألا تنقضها :
المعنى الثاني: العقود التي تقع بينك وبين الآخرين، أنت وقعت عقداً لا تنكل بهذا العقد، ألزمت نفسك بشيء لا تقصر، عاهدت الآخرين على أن تفعل كذا وكذا لا تنقض عهدك مع الآخرين، المسلمون على شروطهم.
حدثني أخ كريم عنده بيت بمساكن دمر، عرضه للبيع، جاءه بعض الأشخاص، جاءه شاب ساومه على البيت فاتفقا على أن يبيعه إياه بمئتين وتسعين ألفاً، قال له: لنكتب العقد؟ قال: ليس هناك حاجة ائت بالمبلغ وسأسطر لك التنازل، في اليوم التالي جاء من يدفع في هذا البيت ثلاثمئة وخمساً وعشرين ألفاً، بلغ الشاري الأول هذا العرض الجديد، يوم السبت حسب الموعد جاء ومعه المبلغ دخل عليه قال له: المبلغ جاهز؟ قال: جاهز، كتب له عقد تنازل ووقعه فدهش، معقول إنسان يدفع له زيادة ولا يتحرك حركة وينفذ العقد الأقل، بعدما وقع العقد وصار التنازل قال له: هل صحيح أن هناك من دفع مبلغاً أكبر؟ قال: نعم، ولكن لا أبيع ديني بخمسة وثلاثين ألفاً، بعد فترة رتبوا على مالك البيت سبعة وعشرين ألفاً زيادة فالشاري ماذا فعل؟ دفع المبلغ ولم يخبر صاحب البيت وهو على صاحب البيت، هذه علاقة إيمانية، لو كانت علاقتنا فيما بيننا إيمانية لكان حالنا غير هذا الحال، دعاوى القضاء لا تعد ولا تحصى، العلاقات بين الناس ساءت، أما لو أن هناك علاقات إيجابية ووفاء بالعقد، يقال: الآن يوجد أزمة سكن، هذا خلط بل أزمة إسكان، مئات بل مئات الألوف من البيوت المغلقة التي لا تؤجر، السبب: المستأجر لو أعطاك وعداً أن يخرج لا يخرج، تَمَلّك البيت، الناس فقدوا المصداقية، الإنسان حينما يفقد المصداقية انتهى.
حدثني رجل قال: طالبان على مقعد الدراسة بعد حين طويل صار الأول من تجار البناء المشهورين، والثاني بقي في عمل متواضع، عنده بقالية متواضعة، فلما أراد الثاني الزواج ليس هناك بيت، ذهب إلى صديقه تاجر البناء قال له: أنا عندي بيوت للبيع لا للإيجار، فقال له: عهد الله لأن أجرتني بيتاً من بيوتك وجاء من يشتريها أخليها لك في يومين، هذا الصديق رقّ قلبه للصديق الثاني وأجره قبواً في أبي رمانة، سكن فيه أربع أو خمس سنوات ليس هناك بيع، جاء فجأة من يشتري هذا البيت والأسعار تضاعفت، فجاء صاحب البيت إلى صديقه المستأجر وطرق بابه وقال له: أنت عاهدتني أن تخرج من البيت في يومين حينما يجيء من يشتري هذا البيت، والآن جاء من يشتريه، معك ستة أشهر، قال له: أنا على عهدي، بعد يومين طرق باب صاحب البيت صديقه قال: هذه المفاتيح جزاك الله خيراً، الصديق صعق هناك أزمة سكن مستحكمة، الآن هناك شيء اسمه عقد سياحي، أي هناك أمل أن تأخذ بيتاً لستة أشهر، و لكن في ذلك الوقت لم يكن هذا الشيء، هذا ما صدق لعله يمزح، فركب مركبته واتجه إلى البيت، فتح البيت لا شيء فيه، ومنظف، كل شيء كامل جاهز للسكن، لما أغلق الباب وذهب فتح باب الجيران بربك كم أخذ المستأجر منك فروغاً؟ قال: لم يأخذ مني شيئاً هو عاهدني أن يعطيني البيت وأعطاني إياه وما أخذ مني شيئاً، قالوا: والله باع كل أثاث بيته بثمن بخس، والآن هناك فندق في الشام رخيص، فهذا الصديق سأل عن الفندق وذهب إليه، قال له: والله لترجع إلى البيت ولأبيعك إياه بسعر يوم سكنته، وكل ما دفع من أجرة من ثمن البيت وأثاث البيت عليّ، والله هكذا شخص يلغي قانون الإيجار كله.
قال لي أخ: أعرنا إنساناً بيتاً ليدهن بيته لمدة أسبوع، هذه السنة الخامسة عشرة وهم في المحاكم، المسلمون عند شروطهم، أحياناً يقول لي أخ يكبر في عيني: أنا مستعد أن أسكن في خيمة وألا أنقض عهدي مع صاحب البيت، أخ كان من إخواننا في مرتبة عالية جداً ساكن جانب جامع النابلسي انتهت خدمته وهو موظف في الجيش، طرق على صاحب البيت وقال: هذا المفتاح جزاك الله عني خيراً، صعق الرجل ولم يصدق.
أنا أقول لكم: من سابع المستحيلات أن إنساناً يوفي عهد الله في علاقته مع الآخرين وأن يبقى في الدرجة البعيدة إلا في المقدمة، وما من إنسان خرج من بيته وفاءً لعهد الله إلا وأسكنه الله أفضل البيوت، هناك أخ آخر قال لي: أنا ساكن في بيت، هذا الكلام في الأزمات المستحكمة لا يمكن أن تجد بيتاً للسكن ولا في سنة، ساكن في بيت صاحبة البيت قالت له: إن أردت البيت يجب أن تخرج منه؟ قال لها: أنا حاضر، ففي وقت عصيب جداً قالت له: أريد البيت، ووقع عقد تنازل لأربعة أشهر وأصبح بلا بيت، بعد حين دعانا إلى بيت اشتراه أفضل من البيت الأول بمئات المرات، وتوفيق الله عز وجل لا يصدق، وانتقل إلى بيت أكبر وأجمل دعيت إليه، سألته عن قصته فقال: والله صاحبة البيت لها بنت عانس جاءها خاطب فليس عنده بيت قالت لأمها: يا أمي قولي لفلان أن يعطينا البيت لعلي أتزوج به، فاستجاب المستأجر وخرج، ذهبت هذه الفتاة للعمرة طوال الطريق تدعو لهذا المستأجر أن يهبه الله بيتاً خيراً من البيت المستأجر، وهذا الذي حصل، أنت تتعامل مع الله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
من كان مع الله فلن يضيعه :
المسلمون عند شروطهم، لا تخف لن تضيع، الله لن يضيعك، لا تعتمد على مادة في القانون، في القبر ليس هناك قانون بل شرع، لا تستند على مادة تقول: أنا محام، الحامي هو الله، أعرف رجلاً اغتصب بيتاً و عنده بيت أصغر من بيته، بطريقة معقدة جداً وكّل محامياً ووصل إلى حكم لصالحه بطريق غير مشروع، عندئذ اضطرت صاحبة البيت المسكينة أن تبيعه البيت بثلث ثمنه، وقع عقداً، ثلاثون يوماً كان تحت أطباق الثرى.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
والله أيها الأخوة لو هذه الآية وحدها طبقها المسلمون لكانت حياتهم غير هذه الحياة، يقول: كل الطرق مسدودة، لا يوجد زواج لأنه لا يوجد بيوت، البيوت موجودة لكن ليس هناك وفاء بالعقود، ولكن إذا وجد الوفاء بالعقود تحل مشكلات كل الشباب. من نقض عهده فليس بمؤمن :
أنا اخترت هذه الآية: لو أوفينا بالعقود لكنا في حال غير هذا الحال، كلما ضاقت سبل الزواج اتسعت سبل الزنى، يقال: أغلقوا عشرين بيت دعارة بالحي الفلاني في يوم واحد، طرق الزواج كلها مغلقة لأنها تحتاج إلى بيوت، إذاً طرق الدعارة أصبحت مفتوحة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
[سنن ابن ماجة ]
اسمعوا الحديث: ((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
لا يوجد دين لا يوجد عهد، صلِّ ما شئت وصم وتمسح بمظاهر الدين ما شئت لست مؤمناً لا ورب الكعبة إذا نقضت عهدك مع من عاهدت.
إذاً العقود التي بينك وبين الله، والعقود التي بينك وبين الناس ينبغي أن تؤديها لتكون مؤمناً وإلا فلست بمؤمن. قضية العقود قضية مقدسة :
الآن لو وسعنا هذا الموضوع، عقد أدبي وعدت ابنك بدراجة، هذا وعد، والوعد عقد، ووعد الحر دين، فأنت يجب أن تنفذ ما وعدته، أو اقتصد في طرح الوعود، عود نفسك الشيء الذي لا تستطيع أن تفي به لا تعد، أحياناً تجد شخصاً يلعب بالمبادئ، يكون عنده موظف يقول له: أريد أن أشاركك كلمة قالها ونسيها، هذا الموظف عاش في أحلام، غداً أصبح شريكه، وينزل اسمي على لوحة، ويبني على ذلك آمالاً، لكن صاحب المحل تكلم هذه الكلمة ولا يعني منها شيئاً، حينما يصاب هذا الموظف بخيبة أمل مع صاحب المحل، وصاحب المحل يصلي وبالمسجد، أحياناً يكفر الإنسان الجاهل بالدين من خلال نقض عهد لإنسان يتمسح بالدين، قضية العقود قضية مقدسة، ودائماً وأبداً:
((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
أحد أصحاب رسول الله في أثناء الهجرة قبضوا عليه ليقتلوه، فقال: عهداً لله إن أطلقتموني لن أحاربكم أبداً، أطلقوا سراحه سرّ به النبي، بعد فترة هناك غزوة هذا الصحابي من شدة فرحه بالجهاد انضم لهذه الغزوة، قال له النبي: ارجع ألم تعاهدهم ألا تقاتلهم؟ فرجع، عقد منعه أن يقاتل معه لأنه عاهدهم. المبادئ التي جاء بها الإسلام هي سبب انتشاره في الخافقين :
قلت مرة: هذه المبادئ التي جاء بها الإسلام هي سبب انتشار الإسلام في الخافقين، انتشار الإسلام في أطراف الدنيا، وصول الإسلام إلى الصين وإلى إسبانيا وإلى مشارف باريس وإلى وسط أوربا، هناك لوحة في متحف بينا تمثل الجندي العثماني بقيادة محمد الفاتح لما وصلوا إلى مشارف بينا، هذه اللوحة تصور جنوداً عثمانيين يشترون العنب من فتيات نمساويات يدفع لها الثمن، ويغض بصره عنها، لما غضوا بصرهم وصلوا إلى بينا، فلما نظروا غزوا في عقر دارهم، قال عليه الصلاة والسلام:
(( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة ]
ويوم تخلت أمته عن سنته وخالفتها هزمت بالرعب مسيرة عام. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
[ سورة المائدة: 1 ]
من مقتضيات إيمانك أن تفي بالعقد الذي بينك وبين الله، ومن مقتضيات إيمانك أن تفي بالعقد الذي بينك وبين الناس، فهذا العقد مقدس. العقد الزوجي أقدس عقد ينبغي أن يكون مصوناً ومقدساً من اللعب والعبث :
لكن ما هو أقدس عقد على الإطلاق؟ هو العقد الزوجي.
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾
[ سورة النساء: 21 ]
هذا العقد الذي يبيح للزوج أن يرى من زوجتها ما لا يراه أبوها ولا ولدها، عقد مقدس، فهذا الذي يستهين بهذا العقد حتى يشتري سيارة يعمل عقد زواج صوري، اسمه عقد زواج سيارة، مرة فترة منع بيع السيارة إلا بشروط قاسية جداً بين الأقارب، فصار هناك شيء اسمه عقد زواج سيارة حتى يبيع السيارة يتزوجها وبعدها يطلقها، وحتى يذهب إلى الحج ينشئ عقد زواج شكلي، نلعب بدين الله لنحج في غياب المحرم؟ تعقد عقداً على زوج صورة فهو زوجها، وكم من زواج شكلي أصبح حقيقياً في الحج، هذا أقدس عقد ينبغي أن يكون مصوناً ومقدساً من اللعب والعبث. من كذب أو خان انتهى كمؤمن :
يا أيها الأخوة، لا تصخُ نفسي من أن أخرج من هذه الآيات، لأن هذه الدين كله بعهدك، دينك بالوفاء، دينك أن تكون عند الكلمة التي تكلمت بها، والإنسان حتى في علاقاته المادية من هو التاجر الذي يحقق نجاحاً كبيراً؟ هو التاجر الصادق الذي لا يخلف وعده، أي ورد في بعض الأحاديث أن: "خير الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا".
والله الأسواق تشهد حماقات، وإخلاف للعهود، ونقض للوعود، وتدليس، وكذب، وتزوير، ما لا سبيل إلى وصفه، لذلك السوق سوء، غش وكذب، قلت لكم مرة: دلال يريد أن يبيع بيتاً يصلي إلى الشمال في الليل حتى أوهم الشاري أن البيت قبلي وهو شمالي، البيت عال، خمسة طوابق يتكلم بقصة عند كل ميدة لا يحس الشاري بالارتفاع، لو صعد البيت بشكل مستمر لا يتحمل، تجد تدليساً وكذباً وغشاً واحتيالاً، هذه حالة المسلمين في أيام تأخرهم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة:
(( أَصْحَابِي، أَصْحَابِي، فَقِيلَ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ : فَأَقُولُ : بُعْدًا، بُعْدًا، أَوْ قَالَ : سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]
أي أنت مؤمن، فأنت في عقد مع الله أن تطيعه، والحديث معروف لديكم لما أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه معاذ فقال له: (( هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))
[ متفق عليه عن معاذ]
أي والعياذ بالله لا يمضي أسبوع إلا ويصلني ست أو سبع قصص أن صانعاً خان معلمه وسرقه، لا يوجد أمانة ولا ذمة، الإنسان عندما يأكل مالاً حراماً انتهى، لما يخون انتهى، يقول عليه الصلاة والسلام: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
[ أحمد عن أبي أمامة ]
إذا خان أو كذب ما عاد مؤمناً انتهى كمؤمن.
فيا أيها الأخوة الكرام، إذا عقدت عقداً أو شراكة أو وعدت ابنك أو جارك فعليك أن تفي بعهدك، هذا حال المسلمين هان أمر الله عليهم فهانوا عليه، نقضوا عهودهم وإذا نقضوا عهدهم مع الله دقق الحديث الصحيح الذي يعد من دلائل نبوة النبي: ((... إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ))
[ ابن ماجه عن ابن عمر]


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:26 PM   #23


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الثالث العشرون )

الموضوع : رحمة الله عند الاستماع للقران - سورة الاعراف






الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
رحمةُ الله كلمةٌ جامعة لعطائه وعطاءُ الله يبدأ من كل شيء يريح الإنسان :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
إن قرأتَ أنت القرآنَ موضوعٌ آخر، تقرأه أنت، و للقراءة آدابٌ كثيرةٌ مكانها غيرُ هذا الدرس، الآن إن استمعتَ إلى القرآن، و إذا قرئ من قِبَل غيرِك، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
أما لعلكم ترحمون، رحمةُ الله كلمةٌ جامعة مانعةٌ لعطاء الله، و عطاءُ الله يبدأ من كل شيء يريح الإنسان إلى سعادته النفسية، و إلى سعادته الأبدية، فإذا آتاك حكمةً، فالحكمةُ التي آتاك اللهُ إياها فاستخدمتها في كل خير هي من رحمة الله، إذا آتاك حكمة لقول الله عز وجل: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[سورة البقرة: 269]
و إذا آتاك صبراً، فالصبرُ من نعم الله الكبرى، أي الواحد له محلٌّ تجاري، و عنده موظَّف اختلف معه فطردَه، فلما طرده اشتكى عليه و دلَّ على مستودعاتٍ فيها بضاعة لها إشكال، صودِرت هذه البضاعة و كُلِّف بضريبة باهظة جدًّاً، جعلته يقتل هذا الموظَّف، فحُكِم ثلاثين سنةً في السجن، و لو أنه صبر فإن المالَ يعود، لا تعلم مقدارَ نعمة الصبر، الإنسان بالصبر يتلقَّى قضاءَ الله و قدره بالرضا، فإذا رضيتَ عن الله عز وجل آثارُ المصيبة سريعًا ما تزول، و تنساها و تصبح ذكرى. من آتاه الله الصبر و الحكمة و الأمن فهو أسعد إنسان :
إذا اللهُ عز وجل آتاك الصبرَ، قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل: 127]
الإنسان أحياناً لضعف الصبر ينتهي و ينهار، آلاف الحالات، مرضٌ عُضال، مرض خبيث تلقَّاه الإنسانُ بالإيمان و الرضا بقضاء الله و قدره، شُفِيَ الإنسانُ من هذا المرض، و إنسان ثانٍ بلَّغه الطبيبَ المرضَ و قال له: معك أربعة أشهر، في اليوم الثاني مات، وما تمكَّن أن يصبر، فإذا اللهُ عز وجل آتاك الصبرَ، و آتاك الحكمةَ، و آتاك الرضا فأنت أسعدُ الناس، إذا آتاك الشعورَ بالأمن، لعلكم ترحمون، أعطاك الشعورَ بالأمن، أعطاك الرضا عن الله، أعطاك الصبر، و أعطاك الحكمةَ، أعطاك راحةَ البال، قال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾
[سورة محمد: 5]
أعطاك مكانةً عاليةً في المجتمع، ألقى حبَّ الناس في قلبك، ألقى حبَّك في قلوب الناس، هذه من رحمة الله عز وجل، و رحمة الله عظيمة جدًّاً، كلمة لإنسان محترَم له منصبٌ رفيع، و له مكانةٌ، عطاؤه سليم، الملِك إذا أراد أن يعطيَ هديَّةً فماذا يقدِّم؟ ملك، أقلُّ شيء بيت، و أقلُّ شيء مركبة فاخرة، فلذلك قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
التعرف إلى كلمة رحمة في القرآن الكريم :
دقِّق، واحد جمع، و أكثرُ الناس يكسبون أرزاقاً، أما الواحد فتجاوز مرحلةَ كسب الرزق إلى مرحلة الجمع، و بين الناس و بين الطبقة الغنية هناك عدَّة عبارات، فلان حجمُه مئتا مليون، و فلان حجمه ثمانمئة مليون، هناك عبارة أخرى، فلان يحكي بخمسمئة مليون أي هذا تجاوز مرحلة الرزق و كسب الرزق، و دخل في مرحلة الجمع، ماذا قال الله عز وجل:
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 32 ]
رحمة الله، أن تكون أثيراً عند الله، أن يكون لك مقعد صدق عند مليك مقتدر، أن يهبك اللهُ الحكمة، أن يهبك الصبرَ، أن يهبك صلاح البال، انزِل، أن يهبك أولاداً صالحين، الابنُ الصالح و اللهِ أيها الأخوة لو وُزِن ذهبًا فهو أغلى، الابن الصالح قرَّةُ عين والده، لك ابن سمعته طيَّبة، و أخلاقه عالية، بارٌ في خدمتك، الابن الصالح أضخم من أكبر ثروة في العالم، لعلكم ترحمون، أنا أتمنى أيَّة آيةٍ في كتاب الله فيها كلمة رحمة، أن تعرف ما معنى كلمة رحمة، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة آل عمران: 132]
و قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
و قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 56]
و اللهُ إذا أعطى أدهش. السعادة الزوجية من رحمة الله عز وجل :
يمكن أن تُدعى إلى طعام عشاء، تُدعى إلى حفل، إلى عقد قران، و تُقدَّم لك الضيافات الفاخرة جداً، أما أحياناً فتُدعى إلى بيت الله، على الأرض، كرسي مُريح لا يوجد، كأس من الشاي لا يوجد، كان عليه الصلاة و السلام إذا دخل المسجد قال:
((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))
[مسلم عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ]
إذا الإنسانُ وهبه اللهُ سعادة زوجية، هذه من رحمة الله، السعادة الزوجية، إذا وهبه امرأةً صالحة تسرُّه إن نظر إليه، تحفظه إن غاب عنها، و تطيعه إن أمرها، هذه من رحمة الله، هناك نِعمٌ لا يعرفها كثيرٌ من الناس، الإنسان يخرج من بيته إلى عمله مطمئنًّاً أشدّ الطمأنينة إلى أن زوجته طاهرة عفيفة، هذه الطمأنينة من نعمة الله الكبرى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
يهبك زواجاً سعيداً و يهبك أولاداً أبراراً، و يهبك رزقاً حلالاً، كم مصلحة مبنية على الحرام؟ فتح ملهى، قال لي: في خمسة و أربعين يوماً أرباحه ثمانية ملايين ليرة، مبلغ ضخم، و لكن قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾
[سورة يس: 12]
كلُّ معصية في هذا الملهى، و كل انحراف، و كل فسق، و كل فجور، و الأغرب من ذلك يموت صاحبُ الملهى و يبقى الملهى مستمراً إلى أمد طويل، و كل شيء جرى في هذا الملهى في صحيفة الذي بناه، الميت روحه ترفرف فوق النعش تقول: "يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المالَ مما حلَّ حرُم، فأنفقتُه في حِلِّه و في غير حلِّه، فالهناءُ لكم و التبعةُ عليَّ " شيء كبير. كلمة الرحمة يجدها الإنسان في الصلاة و في تلاوة القرآن و في الإحسان :
بدأتُ بكلمة:
﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
و لو أن أحدكم أيها الأخوة قرأ القرآنَ و تتبَّع آيات الرحمة، شيء رائع جداً، تجدها في الصلاة، و تجدها في تلاوة القرآن، و تجدها في دخول مساجد الله، و تجدها في الإحسان، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 56]
و حبَّذا لو تُتُبِّعت هذه الآيات و أخذت جدولاً بها، رحمةُ الله عز وجل العطاءُ المطلقُ يبدأ من الجسم، صحة، يمرُّ في الأسرة، زواجٌ ناجح، و يصل إلى الأولاد، أولادٌ أبرارٌ، إلى السمعة، و إلى المكانة، إلى الأمن، الشعورُ بالأمن لا يُقدَّر بثمن، قال تعالى: ﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾
[ سورة قريش:4]
الخطّ البياني صاعد. الموت نقلةٌ نوعية من نظام إلى نظام :
و لو جاء الموتُ، الموت نقلةٌ نوعية من نظام إلى نظام، أما الخط البياني فصاعد، و أجمل دعاء: "اللهم اجعل نعم الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة "،" ألا يا رُبَّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة "
لي صديق له والدٌ، هذا الوالد من أثرياء هذه البلدة الكبار، دخلتُ مرة إلى بيته ما شاء الله، أربعمئة متر، فيه زينة، و فيه أجنحة شرقية و أجنحة غربية، تكييف و تدفئة و تُحف، الفاز ثمنه بالملايين، فاز كبير صيني، أثاث بيته من أرقى مستوى، يأتيه بالطائرة بالبريد الجوي، تُوفي، في أيام مطيرة جدًّاً أشتُري له قبرٌ، و الجنازة و صلت إلى القبر فُتح القبرُ مياه سوداء في القبر، سئل ابنُه ماذا نفعل؟ قال: ضعوه، وُضع هذا في قبر و المياه السوداء تجري فيه، يقول مديرُ معمله وهو يحضر معنا أحياناً، قال لي: أسبوع بأكمله ما تناولت لقمةً من الطعام، أُيُعقل أن فلاناً معلَّمه هنا يُدفن، الدعاء الرائع: "اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة"، " ألا يا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٌ عارية يوم القيامة، ألا يا رُبَّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة " أما المؤمن فنرجو اللهَ سبحانه و تعالى أن يكرمنا اللهُ جميعا فيجعل نعمنا في الدنيا متَّصلة بنعم الآخرة، كلمة:
﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 56]
و قال تعالى: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 32 ]
الاستماع للقرآن أن تصمت و الإنصاتُ أن تُعمِل عقلك في آيات الله :
و قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
إذا قرأ القرآنَ قارئٌ غيرُكم فاستمعوا له، أي لا يجوز أن تتكلم و القرآن يُتلى، أحيانا تستمع إلى القرآن في المذياع، و حديث و سؤال و جواب ومناقشة وخصومة، و القرآن يُتلى، هذا خلاف هذه الآية، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ﴾
[سورة الأعراف: 204]
يجب أن تستمع للقرآن، الواحد استمع فسكت، شارد في القضية الفلانية و الفلانية، و الدنيا الفلانية، و البضاعة الفلانية، و اللقاء الفلاني، و الدعوة الفلانية، و القرآنُ يُتلى، أنت استمعت و لكنك لم تنصت الإنصات هو التدبُّر، و الاستماع هو الصمت، فالاستماع أن تصمت و أما الإنصاتُ فأن تُعمِل عقلك في آيات الله، مهمَّتان، أن تسكت و أن تفكِّر، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
قال: هذه الآية وردت عامَّة في وجوب الاستماع و الإنصات عند قراءة القرآن مطلقة، عندنا قاعدة أصولية: المطلق على إطلاقه، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
هناك تعزية، هناك عيد مولد، هناك عيد قِران، بالمذياع، أنت جالس ابنُك يقرأ القرآنَ: ﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ﴾
[سورة الأعراف: 204]
الزوجة جالسة و زوجها يقرأ القرآن، في كل الأحوال و في كل الأوقات و في كل الظروف و في كل الهيئات و في كل الأشكال، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
حالُ المؤمن في الصلاة إذا قرأ الإمام القرآن أن يستمع و ينصت لعله يُرحم :
الآن إذا قرئ القرآن في الصلاة، أنت مؤتمٌّ، و الإمام يقرأ، لا يجز أن تفكِّر في شيء غير القرآن الذي يُتلى، سألني إنسان و قال لي: أنا أفكِّر في عظمة الله، قلت له: هذا غلط، أنت في صلاة و الإمام يقرأ القرآن، يجب أن تفكِّر في الذي يقرأه، صار هناك انتظام، و لو كنت تفكِّر في عظمة الله، عظمة الله مكانها وقتٌ آخر، أما أنت في صلاة فحالُ المؤمن في الصلاة أنه إذا قرأ الإمام القرآن عليه أن يستمع و أن ينصت، لعله يُرحم.
وجهات نظر العلماء مع أدلَّتهم حول سماع القرآن :
إلا أن استماع المؤتمِّ بإمام موضع خلافيٌّ بين العلماء، و سأضع بين أيديكم وجهات نظر العلماء مع أدلَّتهم حول سماع القرآن، هل نقرأ مع الإمام؟ هل نصمت مطلقاً في الصلاة السرِّية و الجهرية؟ أم أن نقرأ مطلقاً في الصلاة السرية و الجهرية؟ أم أن ننصت في الجهرية و نقرأ في السرية؟
اختلف العلماءُ في الحكم إذا كان الناسُ خلف الإمام، هل يجب عليهم الاستماع و الإنصات، و يسقط عنهم فرضُ القراءة، أم لا يجب عليهم بل عليهم أن يقرأوا، سواء في ذلك جهرية الإمام أو سريَّته ؟
ذهب الأحنافُ إلى أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقاً، لا في صلاةٍ جهرية و لا في صلاة سرية، و اللهِ في الصلاة الجهرية الحقُّ معهم، و شيء منطقي و قوي، إمام فصيح يقرأ القرآن بصوت جهوري و بأحكام رائعة، يختار آيات جميلة، ما معنى أن تقرأ معه أنت؟ النبيُّ عليه الصلاة و السلام سمع بعضَ أصحابه يقرأ معه القرآن:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
أما أن تقف وراء الإمام في صلاة العصر لا تفعل شيئاً أبداً، الإنسان يجد نفسه محرَجاً، هكذا، لعلك وقفتَ خلف رسول الله و أنت صامت الدموع تنهمر، هذا رسول الله، و لكن أنت تصلي خلف إمام غير رسول الله، لعل الإمام أبا حنيفة أنه حال المقتدي من حال الإمام إلا أن الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن يصمت و ألا يقرأ القرآن إذا كان خلف الإمام، لا في صلاة جهرية و لا في صلاة سرية وضعُه أن يقف صامتاً.
هناك جماعة أخرى ذهبوا إلى أن المأمومَ يقرأ إذا أسرَّ الإمام، و لا يقرأ إذا جهر الإمامُ، وهو قولُ عروة بن الزبير، و القاسم بن محمد، و الزهري، و الإمام مالك، المذهب المالكي مذهب معتدل، و مذهب قريب من الفطرة، أنت وراء الإمام في صلاة سرية تقرأ، وراء الإمام في صلاة جهرية لا تقرأ، الأحناف لا تقرأ لا في صلاة سرية و لا في صلاة جهرية، المالكية تصمت في الصلاة الجهرية و تقرأ في الصلاة السرية.
و ذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المأموم يجب أن يقرأ مطلقاً أكان في صلاة سرية أم في صلاة جهرية، لذلك أحياناً تُفاجأ أنه إلى جانبك إنسان مذهبه شافعي، الإمام يقرأ الفاتحة و هو يقرأ معه الفاتحة، أنا أميل في هذا الموضوع للمذهب المالكي. فضلُ كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه :
أيها الأخوة، على كلٍّ يعنينا:
﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
النص الشهير: "إن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه "، لو دخلت إلى مكتبة فيها مئة ألف كتاب، القرآن الكريم وحده في كفَّة و المئة ألف كتاب في كفة ثانية، المئة ألف كتاب من تأليف بني البشر، و القرآن الكريم كلام خالق البشر، و فضلُ كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، لا يوجد كتابٌ بشكل مطلق إلا و فيه بعض الأخطاء، لأن العصمة للأنبياء، والله عز وجل حقٌّ مطلق، أما ما سوى الأنبياء فيصيب و يخطئ، لا يوجد كتاب ليس فيه خطأ، مهما بدا لك الكتاب رائعاً، هناك كتاب من أشهر الكتب أُلِّف في العصور القديمة كان مؤلَّف الكتاب يتوهَّم أن الإنسان إذا أكل أكلاً حارًّاً يصعد بخارُ الطعام إلى دماغه، كأن المعدة مفتوحة و الجوف فارغ و الدماغ فوق و صعد البخار إلى فوق، كتاب محترم جدًّاً لا يوجد كتاب على الإطلاق تقرأه إلا و فيه بعض الخلل إلا كلام الله عز وجل، لا يأتيه الباطل، فموقف الإنسان من كلام الله موقف كبير، أحياناً القرآن فيه أصول العلوم كلها. آداب الضيافة :
قلت مرة لإنسان: هل تصدِّق أن آداب الضيافة كلها في سطر واحد في كتاب الله، قال لي: أين؟ قلت له: في قصة أيضاً، سيدنا إبراهيم حينما جاءه الضيوف قال:
﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ﴾
[سورة الذاريات: 26]
راغ: انسلَّ خفية، هناك إنسان يأتيه ضيوفٌ يصنع لهم عشاءً، يستحي الضيف، لا شكراً، أنا من عادتي لا أتعشَّى، و هو من عادته أنه يتعشَّى دائماً، الضيف لا يُسأل، سيدنا إبراهيم راغ إلى أهله انسلَّ خفية، و ما سأله، قال تعالى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
سرعةُ تقديم الطعام، اثنان: عدم سؤال الضيف، و سرعة تقديم الطعام قال تعالى: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
أكلٌ طيِّبٌ، الآن أنا شاهدتُ في بعض الضيافات وُضع الطعام ووُضعت الفاكهة و الحلويات، و صاحب البيت مشغول بحديث معيَّن، و الأكل بقي ساعة و ما قال صاحب البيت للضيوف: تفضَّلوا، الضيف مستحيل أن يمدَّ يده مباشرة من عنده، لا يستطيع، وقد يكون جائعاً قال تعالى: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ ﴾
[سورة الذاريات: 26]
﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
قدَّم الطعام سريعاً، قال تعالى: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود: 69]
شيء نفيس، قال تعالى: ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾
[سورة الذاريات: 27]
أحياناً يضع لك صحن السلطة أمامك و صحن اللحم بعيد عنك، و الطاولة كبيرة أنت تأكل السلطة: ﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾
[سورة الذاريات: 27]
من يقرأ القرآن يجد فيه قواعد و قوانين عن كل شيء :
توزيعُ الطعام على المائدة فيه آدابٌ، أحياناً تجتمع الأطباقُ الفاخرةُ في جهة، و الأطباقُ غيرُ الفاخرة بجهة أخرى، و الناسُ جالسون في الأطراف، و الطبقُ يتوزَّع، طبقٌ هنا و طبقٌ هنا، و هكذا، أو أمام الضيف إبريق ماء كبير و كؤوس و خبز و لا مكان للأكل، قال تعالى:
﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴾
[سورة الذاريات: 27]
ما سأل و جاء بالطعام سريعاً، و كان الطعام طيباً و قرَّبه إلى الضيف، و دعاه إلى أن يأكل، هذا كلام الله عز وجل، فأنت عندما تقرأ القرآن تجد فيه قواعد و قوانين. احتمالات الآية التالية :
قال تعالى:
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
هناك عالم من علماء البلاغة وضع عشرة احتمالات لهذه الآية، أي احتمال آخر ليست قرآناً، مثلاً لو قال: الدواب على الله رزقها، ليس قرآناً، اختل القصر، ما من دابة غير الدواب على الله رزقها، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، أنا دخلت إلى صفٍّ، قلت: طلابُ الصف لهم عندي مكافأة، الطلاب الحاضرون أمامي، و هناك طالب غائب له مكافأة؟ بالنص لا، أما إذا قلت: ما من طالب في هذا الصف إلا و له عندي مكافأة، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع، مريض أو غائب أو مطرود له مكافأة، انظر: ما من دابة، نملة سمراء على صخرة صمَّاء في ليلة ظلماء لها عند الله رزق، وعَلٌ يعيش في رؤوس جبال هيمالايا له عند الله رزق، سمكة في أعماق المحيطات لها عند الله رزق، قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
إذًا لما حذفنا " من " هذا الكلام ليس قرآناً، و حذفنا " ما و إلا" النفي و الاستثناء ألغينا القصر، الدواب كلها اللهُ يرزقها، ليست قرآناً، الله يرزقها أو لا يرزقها، ليس هناك إلزام أما على فتفيد الإلزام: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
فعلى تفيد الإلزام، "دابة" تنكير شمول، فلو جاءت معرَّفة اختلَّ المعنى، الدابة منكَّرة تنكير شمول، و من لاستغراق أفراد النوع، و ما للاستثناء و القصر، و على تفيد الإلزام. طريقة انتقال الطعام لك باختيارك أما هو فهو لك :
﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
مستقرها: أين هي؟ و مستودع طعامها: أين هو؟ أنت في الشام مثلاً، هناك في سرغايا بستان تفاح، الشجرة الرابعة الغصن الخامس خمس تفاحات على الغصن، هذه لك، مثلاً، أما طريقة وصول هذا التفاح إليك فباختيارك، قد يأكل الإنسان هذه التفاحات ضيافة، و قد يأكلها شراءً، وقد يأكلها هدية، و قد يأكلها سرقة، وقد يأكلها احتيالاً، و قد يأكلها تسوُّلاً، تسوُّل أو سرقة و هدية أو شراء أو ضيافة، طريقة انتقال هذا الطعام لك باختيارك، أما هو فهو لك، قال تعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾
[ سورة هود: 6 ]
كل آية في القرآن الكريم شفاء للنفس :
صدِّقوني أيها الأخوة قد تُمضي عشرين سنة، و أربعين سنة، و خمسين سنة، و هذا القرآن لا تنقضي عجائبُه، و كل حرف فيه قانون، و كل حرف فيه قاعدة، و كل حرف فيه دستور، و كل حرف فيه سنة، شيء دقيق جداً، لذلك قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ﴾
[سورة الأعراف: 204]
أنا أقول لكم: لا شيء في حياة إنسان- أيِّ إنسان - يعلو على أن يفهم كلام الله، لأن كلام الله منهج لهذا الإنسان، إنسان يكره زوجته، ماذا يفعل؟ يطلِّقها، هناك توجيه، النبيُّ عليه الصلاة و السلام قال: ((لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا توجيه النبي، أنا أقول لكم هذه الكلمة: إذا الإنسان ألزم نفسه أن يقرأ كل يوم بضع صفحات من كتاب الله، إذا عنده فراغ وهو متقاعد يقرأ جزءاً، وإذا عنده أعمال كثيفة جدا يقرأ خمس صفحات الحدَّ الأدنى، صدِّقوني لا يمكن إلا وأن تجد فيما تقرأ حلًّاً لمشكلة، إجابة عن سؤال، وتوجيه لعمل جيِّد، دائما أنت مع الحقيقة المطلقة، فالإنسان إذا ابتعد عن كتاب الله ابتعد عن توجيه الخالق، و عن توجيه الصانع، ابتعد عن الحقيقة المطلقة، مثلاً له جار غنيٌّ، تفلُّت و كفر و فسق و فجور و استعلاء و غطرسة و كبرياء، هو من بيته إلى المسجد و غضُّ بصر و استقامة و ليس معه مال، دخلُه محدود، و ساعة عطلة يختلُّ توازن المؤمن يا رب هذا لا يعرف شيئاً اسمه صلاح، و كفر و فجور و عنده أموال لا تأكلها النيران، وهذا المستقيم لا يجد قوت يومه اقرأ القرآن، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 44]
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
[سورة آل عمران: 196-197]
و قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم: 42]
ألا ترتاح؟ ترتاح راحة كبيرة، قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[ سورة النحل الآية: 97 ]
و قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية: 21 ]
كل آية أيها الأخوة شفاء للنفس. الأمراض النفسية تتلاشى بقراءة القرآن الكريم :
أساساً القرآنُ شفاءٌ للناس، و اللهُ عز وجل سمَّى القرآن شفاء، شفاء لما في الصدور، و سمى العسل شفاء الأبدان، عندك القرآن و العسل، للجسم العسل، للنفس القرآن الكريم، قال تعالى
﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الإسراء: 82 ]
وقال تعالى: ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾
[سورة التوبة: 21]
و اللهِ شيء جميل، إنسان يمشي في الطريق وجد مساحات وطرقات و حدائق وأمامه السيارات كلها سوداء، ييئس؟ لا: قال تعالى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء: 77]
لا تكفي هذه الآية: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾
[سورة النساء: 77]
قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾
[سورة التوبة: 38]
لا ترضي هذه الآية. و اللهِ أيها الأخوة، لا يمكن أن يبقى عندك مرضٌ نفسي، ولا ضيق، و لا خوف، و لا قلق، و لا تشاؤم، و لا سوداوية، كل هذه الأمراض النفسية تتلاشى إذا قرأتَ القرآن، إذا قرأته حق قراءته، وتلوته حقَّ تلاوته، و حق التلاوة أن تتلوه تلاوة صحيحة، وأن تفهمه، و أن تتدبَّره، و أن تطبِّقه، اقرأْ وافهم و طبِّق. تلخيص لما سبق :
أيها الأخوة، أختم هذا الدرس بالعودة إلى منطلقه، وهو أن الإنسان إذا استمع إلى القرآن، أو إذا سمع القرآنَ يُتلى بشكل مطلق في أيِّ مكان و في أي زمان، وحتى داخل الصلاة عليه أن يستمع و أن ينصت، و الأحناف يرون أن المؤتمَّ يجب أن ينصت، رأيُ الصحابة الكرام، ابنُ مسعود و سعد و جابر و ابن عباس و أبو الدرداء و أبو سعيد و زيد بن ثابت و أنس، كلُّ هؤلاء الصحابة الكرام ذمُّوا من قرأ خلف الإمام، فقد روى عبدُ الرحمن بن أبي ليلى عن عليٍّ كرم الله وجهه أنه قال:" من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة ".
وعن زيد بن ثابت قال:"من قرأ خلف الإمام مُلِئ فمُه تراباً " و روي عنه أنه:" من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له " أي لا صلاة كاملة له، و قال الشعبي:" أدركت سبعين بدريًّاً كلُّهم يمنعون المقتدي من القراءة خلف الإمام ".
وهناك أخبار كثيرةٌ عن رسول الله تؤكِّد هذا، بعض الرجال صلى خلف رسول الله و قرأ القرآن، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
و في حديث آخر أن النبي عليه الصلاة و السلام: ((عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ]
و أُخرِج عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))
[ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ]
قراءة الإمام قراءة للمؤتمِّ، والإمام الشافعي يحتج بحديث عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
[البخاري عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ]
التوفيق بين المذهبين أن قراءة الإمام هي قراءة للمؤتمِّ، فالمؤتم قرأ الفاتحة من خلال الإمام، و في حديث عن النبي عليه الصلاة و السلام أنه قال: ((مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ))
[ابن ماجه عَنْ جَابِرٍ]
روايات كثيرة، أما المالكية كما قلت فمذهبهم مذهب معتدل، فالمؤتم ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية، و ينبغي أن ينصت في الصلاة الجهرية، و رجل قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا فَقَالَ رَجُلٌ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنِّي أَقُولُ مَالِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
فهذه الآية من آيات الأحكام، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف: 204]
يجب أن تسكت وهذا هو الاستماع، و يجب أن تتدبَّر وهذا هو الفهم، و يجب أن تطبِّق، فإذا استمعتَ و فهمتَ و طبَّقتَ فقد تلوتَ القرآن حقَّ تلاوته.

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:28 PM   #24


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الرابع العشرون )

الموضوع : انواع الناس - سورة الانفال





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أصناف المؤمنين :
أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الرابع و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 72-73]
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[ سورة الأنفال: 75]
أيها الأخوة، من خلال هذه الآيات يتبدَّى أن المؤمنين أربعةُ أصناف؛ صنف آمن و هاجر، و صنف آوى و نصر، و صنف آمن و لم يهاجر، و صنف آمن و هاجر بعد الفتح، آمن و هاجر بعد الحديبية، أي هاجر في وقت متأخِّر، كأن هذه الأصناف الأربع نماذج بشرية إيمانية متكرِّرة، الفئة الأولى آمنت وضحَّت بمكان إقامتها، وضحَّت بجذورها، و ضحَّت بكيانها، و تركت كلَّ شيء في سبيل الله، فئة أخرى متمكِّنة، في ديارهم، و في بيوتهم، معهم أموالهم، استقبلوا هؤلاء المهاجرين، آووا و نصروا. الإنسان إما أن يؤمن و يهاجر أو أن يؤوي و ينصر :
لو أردنا أن نبحث اليومَ عن مثل هؤلاء، أحياناً طالب علم جاء من أماكن بعيدة لا أحد له في الشام، و لا بيت له، و لا عمل له، إنسان من سكان هذه البلدة الطيِّبة متمكِّن و قوي، له بيت، و له محلٌّ، وله إمكانات، فالأول جاء إلى هنا في سبيل الله، جاء ليطلب العلمَ، أو جاء ليفرَّ بدينه، صار هناك اضطهاد ديني، صار هناك تطهير عرقي، صار هناك قتل على الهوية، إنسان فرَّ بدينه، أو إنسان جاء ليطلب العلم، و إنسان مؤمن متمكِّن في بلده، في بيته و له دخل، و له محلٌّ، و له إمكانات، و له عمل، فهذان الصنفان متكاملان، آمن و هاجر و آوى و نصر، و هذان النموذجان مستمران إلى يوم القيامة، فإما أن تؤمن و تهاجر، و إما أن تؤوي و تنصر.
البطل هو الذي يؤمن في الوقت المناسب :
أعجبتني كلمةٌ قالها أحدُهم، قال: إن لم تكن داعية تبنَّ داعياً، أي تبنَّ طالبَ علم، هو الآن طالب علم، هو الآن لا أحد يعرفه، الآن هو خامل الذِّكر، لكن بعد حين سيغدو علَماً من أعلام الأمة، فإن لم تكن داعية أعِن داعية، أكرم طالبَ علم، أسكِنه في بيت، قدِّم له بعض المساعدات، كأن هذين النموذجين يحتاجهما الإسلامُ في كل وقت، إنسان آمن و هاجر، و إنسان آوى و نصر، فالصنف الأول المهاجرون أصحابُ الهجرة الأولى قبل غزوة بدرٍ، و بالمناسبة دائماً السَّبقُ له مكانة كبيرة في الإسلام، أنا دائما أحبُّ أن أنقل الحقائق إلى واقعنا، دعوةٌ عمرها ربعُ قرنٍ، هؤلاء الأوائل الذين حضروا و استجابوا و لم يكن معهم أحد يُعدُّون على أصابع اليدِ، هؤلاء لهم مكانة كبيرة جدًّاً، لأنهم من السابقين، أحياناً الدعوة تكبُر، و يزداد عددُ أفرادها فيغدو الانضمامُ إليها مفخرة، أما في وقت كانت عبئاً، لذلك ليسوا سواء، من آمن من قبل الفتح و هاجر، هذا الذي آمن و هاجر، هذا كان مضطهداً، كان خائفاً، ضحَّى بالغالي و الرخيص، و النفس و النفيس، أما بعدما قوِيَ الإسلام أصبح الدخولُ إليه مغنماً، أحياناً يكون الدخول في الإسلام مغرماً، و أحياناً يصبح الدخولُ في الإسلام مغنماً فالإنسان البطل هو الذي يؤمن في الوقت المناسب، و هذا ينقلنا إلى حقيقة، لماذا كان الأنبياءُ في أول دعوتهم ضِعافاً؟ النبيُّ كان ضعيفاً، كان يمرُّ على عمَّار بن ياسر و هو يُعذَّب و يُجلد، لا يستطيع أن يفعل شيئاً، يقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة " سيد الأمة ضعيف، رجل كافر مشرك منحرف ينكِّل بالمسلمين، و يعذِّبهم، و لا يستطيع النبيُّ و كلُّ أصحابه أن يفعلوا شيئاً، لو أن الأنبياءُ كانوا أقوياء لدخل الناسُ في دين الله أفواجاً، لا عن قناعة، و لا عن محبَّة لله، و لا عن تعبُّد، و لكنهم دخلوا خوفاً أو طمعاً، إذا القويُّ أعطى أمراً يطيعه كثيرون، بعضهم يطيعه خوفاً من بطشه، و بعضهم يطيعه طمعاً فيما عنده، الطاعتان لا قيمة لهما، أما الضعيف إذا دعاك إلى الحق و كأنه قبولُ فهذا الحق عبء عليك، و مخاطرة بمصالحك، و اقتلاعاً من جذورك، هذه البطولة لها ثمن باهظ.
الصحابة الكرام دفعوا الثمنَ و نحن قطفنا الثمرة :
أنا أقول لكم أيها الأخوة، نحن نقطف ثمارَ الدين، تخرج من بيتك، ترتدي ثيابك، و تمشي في الطريق، و تدخل المسجد، ما أحد يقول لك كلمة، لا أحد يسألك، هذه نعمة لا تُقدَّر بثمن، أن تدخل بيتَ الله وأنت آمن، و أن تستمع إلى درس العلم وأنت آمن، و تذهب بعد الدرس لتنام و أنت آمن، لكن في بلاد إسلامية لا تستطيع أن تدخل المسجد، هذه حقيقة، فالصحابة الكرام دفعوا الثمنَ، و نحن قطفنا الثمرة، الصحابة الكرام خاطروا بأرواحهم، اُقتُلعوا من جذورهم، وضحُّوا بمصالحهم، و نحن ننعم بانتصاراتهم، هذه بلاد الرومان، فتحوها و بذلوا الغالي و الرخيص، ابنُ عم النبي سيدنا جعفر، قُطعت يدُه اليمنى فأمسك الراية بيده اليسرى، قطعت اليسرى فأمسك الرايةَ بعضديه، ثم قُتِل، له خمسة أولاد، زارهم النبيُّ بعد أن وصله نبأُ استشهاده، أمُّهم طيَّبتهم و عطَّرتهم و دهنتهم، و هيأت الخبز و الطعام، تنتظر زوجها جعفر، جعفر استُشهد، تولى النبيُّ صلى الله عليه و سلم بنفسه إبلاغهم هذا النبأ المحزِن، تخفيفاً من مُصابهم، الصحابة الكرام دفعوا الثمن، و نحن قطفنا الثمرة، ما العبء الذي تحمله إذا استقمتَ على أمر الله؟ إذا قلتَ: لا إله إلا الله؟ فهذا الصنف الأول.
من هاجروا مبكِّراً هم الأكمل و الأفضل عند الله عز وجل :
و الصنف الثاني هؤلاء الصحابة الأنصارُ:
((عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَمَا سُقْتَ فِيهَا فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
[البخاري عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
لا يوجد موقف أروعُ من طالب علم و أخ مقيم أكرمه، قدَّم له بعض المساعدات، و أسكنه في بيت، و أعانه على صعوبة الحياة، لطلب العلم.
لذلك بالمناسبة: إنفاق المال لا يكون في مكان أصوب منه من إنفاقه على طلبة العلم الشرعي المخلصين، هذا يدرس ليعود خطيباً، و ليعود داعية، و ليعود مديرَ معهد شرعي، فأنا أقول لكم نماذج إيمانية مستمرة، الذي أمن وهاجر، و الذي آوى و نصر، الذين هاجروا مبكِّراً هم الأكمل و الأفضل عند الله عز وجل.
وفاء النبي الكريم للأنصار :
أيها الأخوة؛ الصنف الثاني الأنصار، قال عليه الصلاة و السلام لما وجدوا عليه في أنفسهم:
(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَائِمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فَغَضِبَتْ الْأَنْصَارُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا بَلَى قَالَ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَهُمْ ))
[البخاري عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
حينما فتح مكة خافوا أن يبقى فيها: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ قَالُوا نَعَمْ قَالَ انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ وَقَالَ مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا قَالَ فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ قَالَ وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ فَأَطَافُوا بِالصَّفَا فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ أَلَا فَمَا اسْمِي إِذًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ قَالُوا وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ ))
[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذا هو الوفاء، و كان عليه الصلاة و السلام يقول: (( عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مَرَّ أَبُو بَكْرٍ وَالْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يَبْكُونَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكُمْ قَالُوا ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَالَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ قَالَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي وَقَدْ قَضَوْا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ))
[البخاري عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]
و أنا و اللهِ أتمنى أن أرى دائماً إنساناً سافر ليطلب العلم، و إنساناً حضنه، و أكرمه، و لا أكتم أن هذه البلدة الطيبة- و هذا من فضل الله علينا - لها سمعةٌ طيبة جداً في إكرام طلاب العلم، بل إن طلاب العلم الشرعي يؤثرونها على بلاد أخرى أكثر شهرةً منها، لكن هنا يجدون الدفء، و العلم الصحيح، و الروحانية العالية، و الإكرام البالغ، و هذه حقيقة. المؤمنون بعضهم أولياء بعض :
أيها الأخوة؛ قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
هذه صفة للمؤمنين، أي بعضهم يعين بعضاً، بعضهم ينصح بعضاً، و بعضهم يكرم بعضاً، و بعضهم يأخذ بيد بعضه الآخر، تعاون، و تناصح، و تباذل، و تزاور، و تضحية، و إيثار، بعضهم أولياء بعض. جهاد المال إنفاقُه أو تركه :
الآية التي ذكرتها قبل قليل قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
جهاد المال إنفاقُه أو تركه، إنسان له بيت بمكة، و له أملاك، و له أراض، تركها، هذا لم ينفق، و لكنه ترك، هذا جهاد سلبي، الذي يضحِّي بمصالحه جاهد بماله في سبيل الله، أحد الصحابة في أثناء الهجرة أُلقي القبضُ عليه ليعيدوه إلى مكة، قال: خذوا كل مالي و اتركوني، أين مالك؟ دلَّهم عليه، في المكان الفلاني، في بيته، خبَّأه في مكان، دلَّهم عليه ليأخذوه كلَّه، و نجا بجلده إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقال له النبيُّ " ربح البيعُ أبا يحيى " تجارة، و قد ربحت التجارةُ، حينما تقدِّم كلَّ مالك و تنال رضا ربِّك فأنت أكبر رابح، فجهاد المال تركُه أحياناً، جهاد المال إنفاقه. أجمل ما في حياة المؤمنين الحبّ و الودّ والتعاون الذي بينهم :
و قال تعالى:
﴿ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
هذا لا يعني أن في المؤمنين، و هذا يتناقض أن يكون المؤمنون متعادين متباغضين الأصل أن يكونوا متعاونين، متباذلين، متناصحين، الأثر القدسي. ((عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ اللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))
[أحمد عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ]
أجمل ما في حياة المؤمنين هذا الحبُّ الذي بينهم، هذا الودُّ الذي بينهم، هذا التعاون الذي بينهم، هذا الإيثار الذي بينهم، الحياة قاسية، و الحياة أحياناً متعِبة، و الحياة أحياناً مشحونة بالمتاعب و المصائب و الهموم و الأحزان، و لحكمة بالغة بالغة شاءها اللهُ كذلك ما الذي يخفِّف من شدَّتها و قسوتها؟ هذه الأخوة الصادقة بين المؤمنين، لذلك أغلى شيء في الحياة أخٌ في الله. المؤمن يضحِّي فيأخذ الثمنَ أضعافاً مضاعفة :
الشيء الذي يلفت النظر قال:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
لم يأخذوا موقفاً، وما ضحَّى، آثر مصالحه على آخرته، آمن، قال: و اللهِ هذا الإنسان رسول، و لا ينطق عن الهوى، و الذي ينطق به هو القرآن، هو كلام الرحمن، لكن - و هذا نموذج موجود - مصلحته فوق إيمانه، تجارته فوق طلبه للعلم، دائماً مشغول، و إذا نشأ معه وقت فارغ من حين إلى آخر يأتي، الأصل مصلحته، أما المؤمن فالأصل مسجده، الأصل طلبه للعلم، الأصل آخرته، الأصل رضوان ربِّه، لذلك يضحِّي وهو يأخذ الثمنَ أضعافاً مضاعفة: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
الذي يرقى بالإنسان أن يسلك الطريق الصحيح لا أن يمدح فقط :
كنتُ ذكرت سابقاً: إنسان معه مرض جلدي علاجه الوحيد التعرُّض للشمس فقال مرة وهو في بيت قميء مظلم، قال: الشمس ساطعة، خير إن شاء الله، قال: الشمس في رابعة النهار، مشرقة، أشِّعتها ممتازة، أشعتها مفيدة، هذا الكلام لا ينفعك ما لم تخرج إلى أشعة الشمس.
ألقيتُ كلمة اليوم في احتفال بعيد المولد، قلت: إنسان لا يقرأ و لا يكتب، و له قريب يحمل أعلى شهادة و علمية، كلما جلس: قريبي معه دكتوراه، قريبي معه دكتوراه دولة، قريبي له مؤلفات، هذا الكلام لو تحكيه ألف سنة أنت تبقى في مكانك و هو في مكانه، لو حدَّثتنا عن أخيك أو عن قريبك المتعلم العالم المؤلِّف، أنت أنت، لا ترقى إلا إذا سلكت طريقه، نحن في عيد المولد، نجتمع و نسمع نشيداً في مديح رسول الله، نستمع إلى كلمات رائعة في أخلاق رسول الله، جميل رسول الله صلى الله عليه و سلم، له مكانة عند الله، لا يزيدها مدحُك إطلاقاً، مهما مدحته هو حيث هو، و لا يحتاج إلى مديحك، بالمناسبة لو أنك فعلت العكس لا يتأثَّر إطلاقاً، احتل عند الله مكانة عالية، احتل أعلى مقام، وصل إلى سدرة المنتهى، إذ يغشى السدرة ما يغشى، رأى من آيات ربه الكبرى، أنا أقول لكم كلاماً دقيقاً الآن: عندنا احتفال وراء احتفال وراء احتفال، شيء رائع جداً، جميل جداً أن نحتفل، لكن الأجمل منه أن نسلك طريق النبي، و أن نقتفيَ أثره، فهذا الذي يثني على قريبه و على شهاداته و على مؤلَّفاته، هو لا يقرأ و لا يكتب هوهو، و قريبه في عليائه.
ذكرت شيئاً ثانياً مفيداً سأذكره هنا الآن، إنسان زار قبرَ النبي عليه الصلاة و السلام، و صلى في محراب النبي، و بكى بكاءً شديداً، جميل جداً، ضربت هذا المثل، لو أستاذ عالم كبير، عنده مئتا مؤلَّف، و يحمل دكتوراه، و له مكانة في سماء العلم لا تضاهيها مكانة، و له مكتب فخم، و عنده حاجب، و الحاجب أميٌّ، ففي أثناء غيابه جاء هذا الحاجب و جلس على مقعده وراء مكتبه، ما الذي حصل؟ هل صار عالماً؟ هو هو، و سيده هو هو، أما لو أن هذا الحاجب أخذ ابتدائية، وثيقة إتمام مرحلة، ثم أخذ إعدادية، ثم أخذ شهادة ثانوية، ثم دخل الجامعة، سار في طريق سيده، فالذي يرقى بك لا أن تمدح، الذي يرقى بك أن تسلك، هذه أهمُّ نقطة في هذه المناسبة، الذي يرقى بك أن تسلك لا أن تمدح، امدح ما شئت هو هو، لا يزيده مدحُك شيئاً، و لا ينقص ذمك من قدره شيئاً، و مرة قلت كلمة: أنت معك كيلو معدن، معدن كلمة عامية، إذا أوهمتنا أنها ذهب و صدَّقناك وهي معدن خسيس أنت الخاسر الأول، نحن جميعا صدَّقنا أن هذا الكيلو ذهب، عيار أربعة و عشرين، لو معك كيلو ذهب و نحن توهَّمنا أنه معدن خسيس أنت الرابح الأول، فخيرُك منك، و شرُّك منك.
المؤمنون بعضهم أولياء بعض يتعاونون على الإيمان أما الكفار فيتعاونون على العدوان

هنا حكم شرعي؛ قال تعالى:
﴿ وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
أي إذا استطعت أن تعين إخوانك المضطهدين الذين لم يهاجروا لا مانع، قال تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 72]
إلا إذا كانت هناك معاهدة، و من بنود هذه المعاهدة عدم التدخل في شؤون الطرف الثاني، هذا شيء له حكمة، أما الشيء الخطير فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
المؤمنون بعضهم أولياء بعض، و لكن يتعاونون على الإيمان، أما هؤلاء فيتعاونون على العدوان، و فرقٌ كبير بين تعاون أهل الشرك و الكفر، و بين تعاون أهل الإيمان، يتعاونون على الخير، على إحقاق الحق، و على نصرة الضعيف، و على إزالة المنكر، و على حلِّ مشكلات الناس، لكن الكفار يتعاونون على شيء آخر، على إطفاء نور الله، على الطعن في الحق، على إضعاف المسلمين، على نهب ثرواتهم، على إبقائهم في جهل شديد، تجهيل و تجويع و تعذيب، هذا الذي يفعله الكفار. عدم تحقق التعاون و التناصر بين المؤمنين يؤدي لانتشار الظلم و الفتنة :
ثم قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
أي إذا أنتم ما آويتم و ما نصرتم و ما آمنتم و هاجرتم، و ما آمنتم و جاهدتم، وما كنتم أولياء لبعضكم بعضاً، إن لم تحقِّقوا هذا التعاون، و هذا التآلف، و هذا التناصر، وهذا التبادل، و هذا التناصح. ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
الكافر إذا قوي - و العياذ بالله - يحرق الأخضر و اليابس، يهلك الحرث و النسل، لا يبقي و لا يذر، و هذا ترونه بأمِّ عينكم، شعوب تموت من الجوع، عشرون مليون رأس غنم يُطلق عليها الرصاص في أستراليا، و تُدفن ليبقى سعرُ اللحم مرتفعاً، و شعوب تتمنى لقمة طعام، شعوب تعاني من مجاعات، و عشرون مليون رأس غنم يطلق عليها الرصاص و تُدفن ليبقى السعرُ مرتفعاً، كُتل من الزبدة تعادل أهرامات مصر تُلقى في البحر، ليبقى سعر الزبدة مرتفعاً، السوق المشتركة، و الشعوب جلد على عظم، و الصور ترونها، جلد على عظم فقط، فإذا الكافر استلم زمام الأمور في العالَم فهو وحش لا يرحم، و يعيش وحده على أنقاض الناس، أما المؤمن فسيدنا صلاح الدين فتح القدس كان رحيماً، أما لما فُتحت من قِبَل الفرنجة سبعون ألف قتيل ذُبحوا في يومين، حقيقة ثابتة في التاريخ، فلذلك: ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 73]
من لا يؤمن و لا يهاجر و لا يجاهد ليس بمؤمن :
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾
[ سورة الأنفال: 74]
هذه الآية التالية لها هدف، هدفها أن الذي لا يؤمن و لا يهاجر و لا يجاهد الجهاد الدعوي، جهاد الإنفاق، و لا يؤوي و لا ينصر، هذا ليس مؤمناً، ذكرت أن دائرة كبيرة جداً كل من قال: في الكون خالق دخل في هذه الدائرة، و لكن هذا لا ينجو، ضمن هذه الدائرة الكبيرة جداً دائرة ثانية، كل من دخل الدائرة الثانية هذا إيمانه منجّ، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله هو الإيمان المنجِّي، هذا الإيمان يمكن أن ينجِّي صاحبَه من الهلاك، في وسط هذه الدائرة نقطةٌ هي النبوة، فكل إنسان قال: لهذا الكون خالقٌ دخل في الدائرة الكبرى، هذا خاضع للمعالجات و المصائب و الشدائد، أما إذا وصلت إلى الدائرة الثانية إلى دائرة أن إيمانه حمله على طاعة الله الآن صار هناك وضعٌ جديدٌ، هذا وضعٌ مُريحٌ، الدائرة الثالثة دائرة النبوة التي فيها عصمة عن كل خطأ في القول أو في العمل.
الآن هناك ناسٌ ضعاف، لما الناسُ كلهم دخلوا في دين الله أفواجاً دخلوا، فيه مغانم الإسلام، كان مغرماً فصار مغنماً، لما صار مغنماً دخل الناسُ في دين الله أفواجاً، هذا قانون ثابت، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 75]


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 05:30 PM   #25


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بسم الله الرحمن الرحيم

الفقة الاسلامى - شرح ايات الاحكام

الدرس : ( الخامس العشرون )

الموضوع : معاملة المشركين - سورة التوبة





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علَّمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقًّاً و ارزقنا اتِّباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الدعوة إلى الله فرضُ عين على كل مسلم :
أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الخامس و العشرين من دروس: "آيات الأحكام"، و الآية اليوم من سورة التوبة، و هي قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 6]
أول حقيقة هو أنه من مات و لم يحدِّث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من نفاق، و أعلى أنواع الجهاد: الجهاد الدعوي، وهذا متاح لكل مسلم في كل بلاد المسلمين، أعلى جهاد الجهاد الجهاد الدعوي، و هذا متاح لكل مسلم، و لا شكَّ أنكم تعلمون علم اليقين أن الدعوة إلى الله فرضُ عين، قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 108 ]
و لا شك أنكم تعلمون علم اليقين أن التواصي بالحق أحد أركان النجاة قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
خطورة الدعوة أنها ينبغي ألا تتَّجه لمن هو متمسِّك بالإسلام بل للطرف الآخر :
الحقيقة الثانية؛ هؤلاء الأخوة المؤمنون في المساجد، هؤلاء طرف واحد، كلنا طرف واحد، بطولتنا أن تدخل من الطرف الآخر إلى حيِّز المؤمنين عناصر جديدة، لا أنسى مرة كنا في أحد المساجد في احتفال بعيد المولد، و قام أحد الخطباء و ألقى كلمة قيِّمة، ثم قام خطيب آخر وعقَّب على الأول فقال: كلُّنا طرف واحد، المهم الطرف الآخر، هؤلاء عباد لله شردوا أو غابت عنهم الحقائق، أو وصلهم الإسلامُ مشوَّها، مهمة المسلم أن يوضِّح الحقيقة، و أن يجليَ الأمر، و أن يصحِّح الغلط، فلذلك خطورة الدعوة أنها ينبغي ألا تتَّجه لمن هو متمسِّك بالإسلام، ينبغي أن تتَّجه للطرف الآخر، هؤلاء عباد لله، و الله عز وجل حريص على هدايتهم، فإذا خاطبتهم بالعقل وكنت صادقاً، وواضحاً، و معك الحجَّة القوية، ينضمون إليك، و تتوسع دائرة المسلمين، جاء إنسان من أمريكا عند الحج و حجَّ بيت الله الحرام، و في أيام منى ألقى محاضرة وصلني بعضُ فقراتها محاضرة رائعة، قال: نحن أقوى قوة في العالم، لكننا بشر، فإذا أقنعتمونا بإسلامكم كنا بجانبكم، و كانت قوتُنا لكم، هذا الطرف الآخر إنسان له عقل، و عنده عاطفة، و عنده فطرة، و عنده متطلَّبات، و عنده أساسيات، و عنده حاجات أساسية، فإذا وُفِّق المسلمُ لمخاطبته بمنطق سليم، و حجة قوية، و بدليل ناصع، و كان مخلصاً و كان موفَّقاً في عمله، هذا الإنسان أصبح مؤمناً، و أصبح منضمًّاً إلى صفوف المؤمنين.
الجهاد الدعوي أفضل أنواع الجهاد وهو متاح لكل المسلمين :
لذلك درسنا اليوم هذه الآية، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
الآن كيف يستجيرك؟ يطلب العلم، يريد أن يفهم عن الإسلام شيئاً، و يريد أن يفهم عن هذا الكتاب شيئاً، فكل إنسان يتجفجف و يتقلًّص و ينكمش، لا يحتمل أن يجلس مع إنسان شارد، مع إنسان من الطرف الآخر، هذا ليس فقيهاً في الدين، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
هناك نقطة دقيقة جداً، لمكانة الدين الإسلامي من مكارم الأخلاق، و للإشارة إلى أنه ليس الغرضُ من فرض الجهاد سفكُ الدماء، إنما المهمُّ أن تأخذ بيد هؤلاء إلى الإيمان، هذا هو المطلوب، لذلك الجهاد الدعوي أفضل أنواع الجهاد وهو متاح لكل المسلمين، من يمنعك أن تفهم كلام الله؟ من يمنعك أن تحدَّث أخًا صديقاً زائراً زميلاً جاراً عن هذه الآية؟ من يمنعك أن تتخلَّق بأخلاق الإسلام؟ من يمنعك أن تكون مخلصاً للآخرين؟ شيء بيدك، فهذه الآية على خلاف ما يفهمها معظمُ الناس أن هذا مشرك، هذا إنسان، انتماؤه لإنسانيته أقوى من أيِّ انتماء، فأنت إذا أيقظت عقله و تلطفت معه و كنت ليِّناً معه جمعت الحسنيين، يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة: 8]
العدل مع المؤمن و الكافر :
من هم الطرف الآخر بالنسبة للمؤمنين؟ الكفار، المؤمن من الذي يبغض؟ الكافر على الرغم من هذا الشنآن - البغضاء - ينبغي ألا يحملكم بغضُكم للطرف الآخر ألا تكونوا عادلين معهم، قال تعالى:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة المائدة: 8]
إذا كنت مكلَّفاً أن تكون منصفاً مع مسلم، فأنت مكلَّف أن تكون منصفاً مع غير المسلم ألفَ مرة، لأنك إذا أخطأت مع مسلم عزا الخطأ إليك، أما إذا أخطأت مع كافر فيعزو الخطأ إلى دينك، لذلك أنت على ثغرة من ثُغر الإسلام فلا يُؤتين من قِبَلك.
ورد أنه جاء رجل إلى سيدنا عليٍّ كرم الله وجهه، هذا الرجل من المشركين فأتى محمداً صلى الله عليه و سلم بعد انقضاء الأجل لسماع كلام الله، فسيدنا علي سأل النبيَ عليه الصلاة و السلام ماذا نفعل؟ قال: اقرأ قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
ما يستنبط من الآية السابقة :
يُستنبط من هذه الآية أمور: أولاً: قد يكون هذا المستجير طالباً لسماع القرآن، هناك مسلمون لا يحبِّون أن تعطي مصحفاً لغير المسلمين، لعل هذا المستجير يطلب سماع القرآن، أو يطلب سماعَ أدلة على أحقِّية الإسلام، إما أن يطلب سماعَ القرآن، أو أن يطلب سماعَ أدلة على أحقية الإسلام، و أنا سمعت من شخص أثق بإيمانه أن عشرين ألف بريطاني أعلنوا إسلامهم بسبب قراءة كتاب سلمان رشدي، طبعاً لا لأنهم قرؤوا الكتاب، بسبب هذا الكتاب، لأنهم وجدوا في الكتاب تزويراً لا يُحتمَل، لا يُعقل أن يكون نبيُّ المسلمين بهذا المستوى، فبحثوا عن مصادر صحيحة لهذا الدين فلما قرؤوا أسلموا، و ذكرت لكم كثيراً أن الإنسان أحياناً بمناسبات عديدة يكون عقله منفتحاً، معه منطق، و معه حجة، و معه دليل، أخلاقه دمثة، هذا عنصر جذب، و مرة ثانية و ثالثة نحن جميعاً طرف واحد، بطولتنا أن نقنع الطرف الآخر، بلغني أن طالباً جامعياً متمسِّكاً بدينه، له أبٌ يؤمن بأنه لا إله- أي ملحد - والده أستاذ جامعي، و له زملاء على شاكلته، ففي مناسبة عيد المولد أقام هذا الابنُ حفلاً في البيت، و توسَّل إلى أبيه أن يحضر هذا الحفل هو و زملاؤه، الابن برجاءٍ حارٍّ و الأبُ استجاب لابنه و دعا زملاءه، و هذا الابن دعا عدداً من علماء دمشق الكبار، و كلَّفهم بإلقاء بعض الكلمات عن أحقِّية هذا الدين، و عن أحقية هذا القرآن، و الذي حصل أن عدداً من هؤلاء استجاب و انضمَّ إلى صف المؤمنين، طبعاً دعوة ذكية جدا، و لي قريب جاءه مولودٌ، و اقترحتُ عليه أن يقيم حفلاً، بدل أن يأتي هؤلاء ليهنِّئوه، و يقدموا الهدايا و أحاديث في شؤون تافهة، اقترحت عليه أن يقيم حفلاً بمناسبة عيد المولد، و أن يدعو من يثق بعلمه، و يلقي كلمة أقسم لي بالله، و أنا ألقيت هذه الكلمة أنه في الأسبوع القادم ثلاثة من الحاضرين جاؤوا من أقصى مكان في دمشق لحضور خطبة الجمعة في النابلسي.
الموقف العفيف والصدق و الأمانة دعوة صارخة و لو لم ينبت الإنسان ببنت شفة :
درسنا اليوم هذه مهمته، عليك بالطرف الآخر، الطرف الآخر عبد لله، و اللهُ يحبهم و يحرص على إيمانهم، و على توبتهم، فكلما كنت ذكياً، و كلما كنت حصيفاً، و كلما كنت أخلاقياً، و كلما كنت واعياً، و كلما كنت واضحاً، كلما كانت حجَّتك أقوى استطعت أن تكسب الطرف الآخر.
أنا أذكر أخًا من إخواننا قدَّم إجازة إلى المدير العام لستة أيام، قال له: لا يوجد مجال، عندنا ازدحام عمل، قال له: هذه استهلكتها، قال له: كيف تستهلكها؟ قال: استهلكتها في صلاة الظهر، يحضر كل يوم ربع ساعة صلاة و درس صغير، فجمَّعهم فكانوا ستة أيام، فقدم إجازة شُده هذا المدير، أقسم لي بالله - و أنا لا أعرفه - في الدرس القادم حضر درس الجمعة، لفت نظره هذا الموظَّف، الموظف ورِع، صلاة الظهر مع ربع ساعة للدرس جمَّعها فصاروا ستة أيام، قدَّم فيها إجازة فالاستقامة تلفت النظر، و ذكرت لكم سابقاً قول النبي عليه الصلاة و السلام:
(( استقيموا يُستقم بكم ))
[ الطبراني عن سمرة ]
الموقف العفيف دعوة، و الموقف الأخلاقي دعوة، و الصدق دعوة، و الأمانة دعوة، هذه دعوة صارخة و لو لم تنبت ببنت شفة، قال تعالى: ﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
بعض العلماء قال: حتى يسمع جميع كلام الله، و قيل: حتى يسمع بعض سور القرآن الكريم، إنسان سألك فصار لزاماً عليك أن تجيبه. الطلاب الأجانب على الإنسان أن يؤمنهم و يحترمهم :
حينما قال الله عز وجل:
﴿ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
يجب أن يكون مطمئناً مرتاحاً، هناك من يحاوره بهدوء من دون ضغط، هناك من يفهِّمه، و لو طال به الأمدُ، حتى يسمع كلام الله، هناك رأي حتى يسمع كلام الله كله، يأتي طلاّبٌ أجانب أحياناً يجلسون و يحضرون الدروس، شيء جيِّد جداً، يجب أن تعدَّهم ضيوفاً، أن تحترمهم، و أن تؤمِّنهم. من دخل دار الإسلام لغرض شرعي وجب تأمينه :
يُؤخذ من هذه الآية، هناك استنباط ثالث عند الفقهاء الحنفية أنه إذا دخل دارَ الإسلام رجلٌ مستجير لغرض شرعي، كسماع كلام الله، أو دخل بأمان التجارة وجب تأمينه، بحيث يكون محروساً من نفسه و ماله إلى أن يبلغ دارَه التي يأمن فيها، ممكن أن يمكث حتى يسمع كلام الله كله، و يمكن أن يطلب أدلةً على أحقية الدين، و يجب أن يكون آمناً في بلاد المسلمين، و لا يخفى عليكم أن هذه البلدة - و الحمد لله - يقصدها طلاب كثيرون من أنحاء العالم، لِما يرون من رعاية طلاب العلم رعاية فائقة، و الحمد لله.
تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام :
يؤخذ من هذه الآية التي أُدرجت في آيات الأحكام أنه يجوز تأمينُ الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام، أحياناً الإنسان يكون في حرب مع المسلمين، يجوز أن يكون غيرَ مقتنع فينضمُّ إلى المسلمين، ليفهم الإسلام، حتى لو كان حربياً يجب أن تكون يقظاً معه، لكن لا بدَّ من أن تسمعه كلام الله و أن تؤمِّنه، الآن يُعبَّر عن هذا باللجوء السياسي، في العصر الحديث، و لكن هنا اللجوء ديني، سمعت طُرفة أنه لما قرَّروا إحراقَ البقر في بريطانيا، إحراق البقر المصاب بالجنون بسبب أنهم أطعموها طحين اللحم، طحين لحم الجيف، و طبعا لحم الميتة محرَّم، فلما أطعموه للبقر جُنَّ البقر، و كان هذا الجنون من جنون البشر، سمعت طرفة أنه في بلاد في شرق آسيا يعبدون البقر، أعطوا بقر بريطانيا حقَّ اللجوء الديني، لأنهم يعبدون البقر فلا بدَّ من أن يعطوهم حقَّ اللجوء الديني إلى بلاد الهند، لكن هذا الخطأ الكبير في إطعام البقر طحين اللحم سبَّب خسارة تقدر بثلاثة و ثلاثين مليار جنيه إسترليني، و لا بدَّ من إحراق ثلاثة عشر مليون بقرة، و أول إنتاج في بريطانيا إنتاج لحوم البقر، إذًا جوازُ تأمين الحربي إذا طلب ذلك من المسلمين ليسمع ما يدلُّ على صحة الإسلام، هذا استنباط أول.
تعليمُ كل من التمس أن نعلِّمه شيئاً من أمور الدين :
الاستنباط الثاني؛ يجب تعليمُ كل من التمس منا أن نعلِّمه شيئاً من أمور الدين، إنسان طلب أن يتعلم، لذلك لا يمكن أن يؤخذ على التعليم الديني أجر، لأنه فريضة، إلى أي مكان تذهب لا بد لك من مبلغ يكون في جيبك، إلى طبيب، إلى محام، إلى مهندس، إلى خبير، إلى مستشار، لكنك تدخل إلى بيوت الله لتأخذ كل أنواع العلوم الدينية بلا مقابل، قال: و يجب على الإمام أن يحفظ هذا المستجير، و أن يمنع الناسَ من أن ينالوه بشيء من الأذى، لأن هذا هو المقصود.
الآن ماذا يحصل؟ يحصل أن شاباً يذهب إلى بلد و يأتي بزوجة، هناك أهل يرفضون هذه المرأة الأجنبية رفضاً كلياً، و يسيئون معاملتها، هؤلاء ماذا يفعلون؟ هي امرأة ليست مسلمة، رأت من المسلمين قسوة و رفض، و في بعض الأحيان كانوا يضربونهم ضرباً مبرَّحاً لأنها ليست مسلمة، هذا جهل كبير، هذه التي أتت إلى بلاد المسلمين هي تمتحن هؤلاء المسلمين، تنظر ماذا يفعلون معها، فإذا وجدت منهم الرِّقة و العطف، و بالمناسبة سيدنا زيد بن حارثة كان عند النبي عليه الصلاة و السلام، فلما علم أبوه أنه عند النبي جاء و معه مالٌ كثير ، أبوه و عمه قالا للنبي الكريم: اطلُب ما تشاء فداءً لهذا الغلام، قال: أنا لا آخذ منكم شيئاً، خيِّروه، فلما سألوه قال: و اللهِ لا أرضى، أريد أن أبقى عند النبي- عند محمد- لم تكن قد جاءته البعثة بعد، فقالوا: ويحك يا زيد، أتؤثر هذا الرجل على أبيك و عمك و أمك؟ قال: لقد رأيت منه ما أنساني أبي و أمي، هكذا الإيمان، فإذا الإنسان مثلاً معه زوجة غير مسلمة، وجدت لطفاً و مودة و احتراماً، طبعاً تُسلم،الدخولُ في الإسلام ليس صعباً، و لكنه يحتاج إلى أدب، و إلى معاملة لطيفة، يقولون: إن أهل سمرقند بلغهم أن هناك خطأ في فتح بلادهم، فتح البلاد ينبغي أن يتدرج بالخطوات التالية:
أولا: يُعرض عليهم الإسلام، فإن قبلوه فلا حرب، و إن لم يقبلوه تُعرض عليهم الجزية، فإن دفعوها فلا حرب، فإن أبوا أن يدفعوها يُحاربون، يبدو أن سمرقند فُتحت بغير هذا التدرج، حوربت مباشرة و فُتحت، ذهب وفد سرًّاً من أهالي سمرقند إلى مركز الخلافة في دمشق، لعند سيدنا عمر بن عبد العزيز، أعلموه بالأمر، فأرسل معهم قصاصة ورق إلى قائد الجيش هناك:" اخرُج من سمرقند، و اعرِض عليهم الإسلام، فإن أبوا فأعرض عليهم الجزية، فإن أبوا فحاربهم " قصاصة ورق، أيُعقل أن يخرج جيش من بلدة كبيرة بقصاصة ورق؟ الناس كانوا بين مصدِّق و مكذِّب فلما عرضوا على قائد الجيش هذا الكتاب أعطى الأوامر لينسحب، فلما رأوهم بهذه الأخلاق قالوا: ابقوا نحن راضون بكم، و أُلغي الموضوع، الإسلام فيه قواعد دقيقة صارمة.

أيّ إنسان من الطرف الآخر طلب أن يعرف عن الإسلام شيئاً فيجب أن تعرِّفه :
قال: يجب على الإمام أن يبلِّغه مأمنه بعد قضاء حاجته، طبعاً هذه الآية لها نصٌّ و لها مفهوم، لها معنى دقيق، و لها معنى واسع، المعنى الواسع، أي إنسان من الطرف الآخر طلب أن يعرف عن الإسلام شيئاً يجب أن تعرِّفه، و أن تطمئنه، هناك أخ من يومين أرسل لي صفحة من قصة نادرة، شاب سوري ذهب إلى بريطانيا، استأجر غرفة في بيت، صاحبة هذا البيت يبدو أنها محافظة على دينها، قالت له: يا بني لا أسمح لك أن تشرب الخمرَ و لا أن تأتي بالفتيات لهذا البيت، قال لها: أنا هكذا بالأساس، هو شاب مسلم، فعاش عندها أربع سنوات رأت منه العجب باستقامته و عفَّته، وصدقه و أمانته، حتى أنها أرادت أن تزور أهله في الصيف، فجاءت إلى الشام في الصيف، و أُكرمت إكراماً شديداً، وعادت، فلما أنهى دراسته ذهب أخوه إلى بريطانيا فدلَّه على البيت، و لما علمت أنه أخوه رحَّبت به و سكن عندها أربع سنوات أخرى، و انتهت الدراسة، و عاد الشابان إلى دمشق، بعد سبع أو ثمان سنوات تأتي رسالة من السفارة البريطانية لهذا البيت، أن هناك أمراً هاماً فقابلونا، ذهبا إلى السفارة، فإذا بهذه المرأة قد وافتها المنيةُ، و قبل أن توافيها أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين، و المبلغ ضخم جداً، هذان الشابان اشتريا مزرعة، أعتقد نحو صيدنايا السهل، مزرعة كبيرة، مزروعة بالزيتون و كتبا على مدخل هذه المزرعة: هذه المزرعة إنتاجها وقفٌ للمحسنة البريطانية فلانة، و يبدو أن السفارة علمت بذلك فجاء السفير بنفسه و زار هذه المزرعة، كذلك الطرف الثاني فيه وفاء، فهذه المزرعة كل إنتاجها يُنفق على روح هذه المحسنة، طبعاً القضية تحتاج إلى تفصيل و لأحكام شرعية لسنا في صددها الآن، و لكن يعنيني من هذه القصة أن شابين مسلمين لأنهما كانا مستقيمين عفيفين صادقين نشأ تعاون، و أوصت بكل ما تملك لهذين الشابين.
أنا كنتُ في الحج مرة رأيت رجلاً هيئته تدل على أنه من أوروبا، سألت عنه فقالوا: إنه ألماني غربي، سبب إسلامه أنه سكن عنده طالب سوري، و عنده فتاة جميلة جداً، حاول صاحب هذا البيت والد هذه الفتاة جاهداً أن يرى هذا الشاب ينظر إلى ابنته، دون جدوى، كان يغضُ بصره، فجلس و حاوره حواراً طويلاً فأسلم على يديه، و صار مسلماً، الإنسان إذا استقام صار داعية، الدعوة سهلة جداً، كن صادقاً و كن أخلاقياً، عندك بيض؟ عندي، جديد؟ لا و الله ليس جديداً، جاري عنده جديد، من يفعل هذا الآن؟ كان السلف الصالح إذا باع استفتح وجاءه زبون يقول له: أنا استفتحت، زر جاري، اشتر من عند جاري أنا استفتحت.

كلمة حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ المقصود منها حتى يسمع تأويل القرآن وتفسيره وتوضيحه :
أيها الأخوة؛ هذه الآية:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 6]
هنا استنباط ثان، يا تُرى حتى يسمع كلام الله فقط؟ نسمعه الكلام فقط أم يحتاج هذا الكلام إلى شرح و إلى تبيين؟ و الحقيقة يمكن أن يسمع كلام الله بمسجِّلة و بشريط، من قارئ، و بصوت شجيٍّ، العبرة أن نشرح هذا الكلام، ففضلُ المفسِّر كبير جداً، أنت أمام آية قد تفهمها فهماً غير صحيح، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة السجدة: 13]
على ظاهر الآية المعنى منفِّرٌ، اللهُ عز وجل قادرٌ أن يهدي الناس جميعاً، و لكن لم يشأ ذلك ﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾
والمعنى الدقيق أننا لو شئنا أن نلغي اختياركم، و أن نجبركم على شيء ما لما أجبرناكم إلا على الهدى، أنتم مخيِّرون، تقتضي أمانةُ التكليف أن تكونوا مخيَّرين، معنى الجبر معنى نقيض، و معنى مزعِج، و معنى يشب اضطراباً في العقيدة، أما معنى التخيير فشيء آخر، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الإنسان: 30]
بالمعنى الظاهري غير العميق أن مشيئة الإنسان مربوطة بمشيئة الله عز وجل، فهذا الإنسان إن لم يشأ الله له الهدى لا يهتدي، هي على ظاهرها تحتاج إلى شرح، لولا أن شاء الله لكم لما شئتم، و مشيئتكم من فضل الله عز وجل، فالمعنى معنى شكر و ليس معنى جبر، قال تعالى: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس: 7-8 ]
ليس معنى ألهمها أنه خلق فيها الفجور، لا، فطرها فطرة عالية بحيث إذا فجرت تعلم أنها فجرت، معنى رائع جداً، فأنت بحاجة إلى تأويل هذا الكتاب، و لماذا في الكتاب آيات تحتاج إلى تأويل؟ ليتلقَّى الناسُ العلم عن المعلِّمين، من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال فهو ينتقل من محال إلى محال، و كلمة يسمع كلام الله المقصود حتى يسمع تأويله، و حتى يسمع تفسيره، و حتى يسمع توضيحه و تبيينه، فالبطولة في التفسير، و في التأويل و الشرح، و في التعليق. من اعتمد على ما سوى الله فقد أشرك :
هناك ملاحظة ثانية، قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾
[سورة التوبة: 6]
ليس شرطاً أن يكون مشركاً بالمعنى الضيق للكلمة، أن يعبد بوذا مثلاً، لا، الشرط واسع جداً، و له معنى واسع جداً، إنسان معتمد على ماله ينبغي أن تبيِّن له أنه من اعتمد على ماله ضلّ، وإنسان معتمد على قوته يجب أن تبيِّن له أنه من اعتمد على قوته زلَّ، يجب أن تبين له أنه إذا اعتمدت على سوى الله فقد أشركت، حتى لو اعتمدت على ذاكرتك، قد تفقد الذاكرة، الذاكرة لا ضمان لها أبداً، الضمان حفظ الله لك، و الإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، و لشدة تعقيد الإنسان، تعقيد خلقه بمعنى إعجاز الله في خلقه، الله عز وجل خلق خلقاً معجِزاً، جسم الإنسان فيه آيات باهرات، فهذا الخلق المعجز الذي خلقه الله عز وجل يحتاج إلى فهم دقيق، فالإنسان فيه عقل، و فيه فطرة، فالشرك أن تعتمد على ما سوى الله، فأنت بيِّن، و الدين كلُّه توحيد، و ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد و ليس شرطاً أن يكون غير مسلم، قد يكون مسلماً واقعاً في شرك خفي، اعتمد على ماله، إنسان قال مرة كلمة، قال: المال يحلُّ كل مشكلة، و الدراهم مراهم، الله بعث له مشكلة لا تُحل بالمال أبداً، فالإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، و الإنسان شروط معقدة جداً تجعله سليماً، إذا اختلَّ شرط واحد، نسب دقيقة جداً، نسب في الدم، نسب في الهرمونات، نسب في الفيتامينات، إذا اختلَّت نسبة تصبح حياته جحيماً، فالإنسان أحيانا يشرك وهو لا يشعر، فلا بد أن تبيِّن له، و دائما الآيات لها معنى ضيِّق و لها معنى واسع، و أوضح مَثلٍ قولُه تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾
[سورة يوسف: 19]
في قصة سيدنا يوسف، كل شيء يسير فهو سيارة، فالجمل سيارة، و الدابة سيارة، والقافلة سيارة، فالمعنى الضيق هذه المركبة المبنية على محرك انفجاري، وقود سائل، أما السيارة بالمعنى الواسع فهو كل شيء يسير، هذا معنى الشرك هنا قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ ﴾
[سورة التوبة: 6]
إنسان خائف من جهة قوية، أو معتمد على قوته، أو معتمد على ماله، معتمد على ما سوى الله عز وجل، هذا مشرك، يجب أن تبيِّن له، بهذا التوسيع للآية صار كلُّ إنسان عنده ضعف في الإيمان، و عنده إشراك بيِّن، أنت مكلَّف أن تصبر عليه، هناك كثير من الدعاة ضيِّقو الخلق فإذا سألته سؤالا: من خلق الله؟ يكفِّرك و يخرجك، هو سؤال طُرح عليك لا بد له من جواب، فكل إنسان يضيق ذرعاً بسؤال قد يجده محرِجاً، هذا ليس عالماً، لا بد من أن يتَّسع صدرُه لأيِّ سؤال. كلمة التوحيد هي الأصل في القرآن الكريم :
قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 6]
الإنسان ليس عاراً ألا يعلم و لكن العار أن يبقى جاهلاً، ليس عاراً أن يجهل و لكن العار أن يبقى جاهلاً، و ليس العار أن يخطئ و لكن العار أن يبقى مخطئاً، و الإنسان يتنامى، و أما الشرك بالله عز وجل فهو على العلل، لو قرأت القرآن كله تجد كلمة التوحيد هي الأصل في القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :
القرآن كله ملخَّصه، قال تعالى:
﴿ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾
[ سورة الكهف: 110 ]
و قال تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
هذه فحوى دعوة الأنبياء جميعاً، لذلك الإيمان بالله فقط قد لا ينجي، إبليس قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص: 82 ]
أما الإيمان فـهو لا إله إلا الله، و الدليل قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
[سورة محمد: 19]
ما قال: فقل، أما قول النبي عليه الصلاة و السلام في بعض الأحاديث: ((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))
[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]
الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله ليس إيماناً منجِّياً، و لا قيمة له و لا يُعبأ به، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
إذا تفيد تحقُّق الوقوع بينما إنْ تفيد احتمال الوقوع :
أما كلمة " إنْ " في قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
إن تفيد احتمال الوقوع، أي هذا المشرك قد يأتي و قد لا يأتي، لو استخدمنا إذا، قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾
[سورة النصر: 1-3]
إذا تفيد تحقُّق الوقوع، بينما إن تفيد احتمال الوقوع، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات: 6]
إن جاءكم: يأتيكم أو لا يأتيكم، قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
[سورة النصر: 1]
لا بد من أن يأتي نصر الله، لأن إذا تفيد تحقق الوقوع. كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب :
هنا قال تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ﴾
[سورة التوبة: 6]
أجره، أمر، و كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هنا الاستجارة قد تكون علمية، هنا يسأل السائل، العالم أمانة علمه أن يبيِّن للناس، و لا يكتم علمه عن أحد، فكل إنسان طلب منك الإجابة عن سؤال يجب أن تجيب، و هذه أمانة العلم، و العالم الذي لا يجيب أو يترفَّع عن الإجابة خان أمانة العلم: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
يسمعه مقروءاً قراءة صحيحة، و يسمعه مفسَّراً، أقوى من ذلك حين يراه مطبَّقاً. أيُّ دعوة إلى الإسلام إن لم تكن مطبَّقة في المجتمع لا تنجح :
الآن هناك مشكلة، الطرف الآخر لا يصدِّقون أيّ فكر ما لم يروا واقعاً يطبِّق هذا الفكر، إنسان مثلاً أتى بنظرية في البناء نادرة، بناء بلا حديد، كلام على ورق مكتوب، فلابد من أن يبني بناء وفق هذه النظرية، فإن نجح البناءُ نجحت النظرية، هذا كلام دقيق، أيُّ دعوة إلى الإسلام إن لم تكن مطبَّقة في المجتمع، و إن لم يقطف المجتمعُ ثمارها هذه الدعوة لا تنجح، لذلك الطرف الآخر عنده حجة قوية، أنه أروني مجتمعاً طُبِّق فيه الإسلام، و حُلَّت كلّ مشكلاته، بالعكس المجتمعات الإسلامية فيها مشكلات كثيرة جداً، بسبب وجود تخلُّفيْن في هذه المجتمعات، تخلف عن روح العصر، و تخلُّف عن قواعد الدين، تخلف ديني و حضاري بآنٍ واحد، فالأمور غير واضحة، متشابكة، فلذلك قال تعالى:
﴿ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾
[سورة التوبة: 6]
حتى يسمعه و يفهمه و يتدبَّره و حتى يراه مطبَّقاً، أحياناً موقف خطأ يلغي ألف محاضرة، و الدليل واضح، إنسان ألقى على ابنه عشرات المحاضرات في الصدق، لو طُرق الباب، و قال: بابا فلان، فقال له: قل له ليس هنا، هذه تهدم ألف محاضرة، ألف محاضرة تُهدَم بهذه الكلمة، الموقف العملي أبلغ من الموقف النظري، لذلك يتعلَّمون بعيونهم لا بآذانهم. ملاحظة هامة :
أخواننا الكرام؛ هناك مشكلة في هذا المسجد مشكلة الإذاعة، أخٌ كريم جزاه الله خيراً جاءني من طرف المسجد و قال لي: لم نسمع شيئاً و الأخوات المؤمنات في السُّدة لا يسمعن شيئاً، و مرة جلس إمام المسجد هنا و قال لي: لم أسمع شيئاً، و الأجهزة مكلفة تسعون ألف، و خطيب المسجد قال: هل تسمعون حتى ندفع الأموال؟ فقالوا: سمعنا، دفعوا المال، فالأجهزة غير صحيحة، فلا بدَّ أن ننتقل إلى جامع النابلسي لأسبوعين فقط، ريثما تتم إصلاحها، و كثير من الأخوة تركوا الدرس لأنه لا يسمع شيئاً، ما استفدنا شيئاً، و مبالغ مدفوعة كبيرة جداً على هذه الأجهزة، و غير صحيحة، غشٌّ حتى في المساجد، فإن شاء الله نحن نقيم الدرس القادم في النابلسي، أسبوعان فقط ريثما نعطي الأخوة الكرام فرصة لتصليح الأجهزة، و أنا سمعت الشكوى منذ شهر، الإمام جلس هنا و قال لي: لم أسمع شيئاً، و أخواننا هناك لم يسمعوا شيئاً، و فوق السدة لم يسمعوا شيئاً، غير معقول، الإنسان إذا لم يسمع لا يتمُّ الدرس، أنا ألاحظ انصرافاً عن الدرس، السبب هو الصوت و بذلنا محاولات، و ما نجحت الآن، إن شاء الله في هذين الأسبوعين تصلح.
إذًا درسنا القادم لأسبوعين فقط إن شاء الله، و سيكون هناك إعلان في جامع النابلسي، درس الاثنين في جامع النابلسي لمدة أسبوعين أو ثلاثة ريثما تُصلَّح الأجهزة هنا تصليحاً جيداً.



والحمد لله رب العالمين







الختام



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-15-2018, 09:34 PM   #26



منال نور الهدى غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 07-09-2026 (10:22 PM)
 المشاركات : 23,489 [ + ]
 التقييم :  6763
 الدولهـ
algeria
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Darkgreen


افتراضي رد: الفقة الاسلامى



بارك الله بك وجزاك الله ألف خير
جهد مستحق وطرح قيم بإذن الله تعالى
في أمان الله وحفظه


 
 توقيع : منال نور الهدى

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-16-2018, 11:49 AM   #27



آفراح متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 20
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : اليوم (05:49 AM)
 المشاركات : 15,303 [ + ]
 التقييم :  1836
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية


 
 توقيع : آفراح

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-16-2018, 01:11 PM   #28


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



تسلمين اختى افراح


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 08-16-2018, 01:12 PM   #29


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى



تسلمين اختى منال على حضورك الدائم


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامي, الفقة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفقة الاسلامى 2 السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 93 09-12-2018 08:57 AM
اصول الفقة - علم القياس السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 3 09-09-2018 10:25 AM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 22 05-07-2018 04:24 PM
هذا هو المجتمع الاسلامي ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 8 09-24-2017 08:44 AM


الساعة الآن 05:17 PM