التربية الاسلامية - مدارج السالكين - الصفحة 6 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-19-2018, 08:03 AM   #51


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع : البصيرة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما الفرق بين البصر والبصيرة؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع والأربعين من دروس مدارج السالكين، في منازل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
ومنزلة اليوم: البصيرة.

هناك بصر وهناك بصيرة؛ البصر يريك ظاهر الأشياء، والبصيرة تريك حقائق الأشياء، فالمؤمن يملكُ بصيرةً، وأي إنسان يملكُ بصراً، فالمؤمن يرى الحقيقة، أي لو أنك دخلت إلى محل تجاري, في أشهر أسواق المدينة, وفيه بيع وشراء للنساء، ولم يكن هذا المحل منضبطاً بضوابط الشريعة، فيه تفلت وأشياء لا ترضي الله، وذهبت إلى محل آخر، مثل محل فيه تصليح مركبات، المعاملة فيه طيبة ونظيفة بالنسبة للعين، المحل الأول على شبكية العين أجمل، أكثر أناقة, وأكثر جمالاً، وأكثر روعة، وأكثر نعومة، والمحل الثاني أخشن، لكن في الحقيقة: المحل الأول طريق إلى النار، المحل الثاني فيه صدق وأمانة، أما المنظر لا يرضي العين, بحسب البصيرة: العمل النظيف الصادق المخلص الأمين هذا طريق إلى الجنة.
إنسان يملك معمل مواد بناء وملهى، على الشبكية أيهما أجمل؟ الملهى, تزيينات, وديكورات، ولوحات فنية، وأرض وفرش، أما المعمل الثاني العمل مشروع، بإنشاء البيوت، وفيه صدق وأمانة واستقامة، فليس كل ما تسر به العين يكون خيِّراً، وليس كل شيء يخدش العين يكون شراً، طبعاً مثل صارخ.
القلب له بصيرة، والعين فيها بصر، فالإنسان الشارد عن الله يعيش في ظواهر الأشياء ، يعيش في سطوحها الخارجية.
مثل آخر: أب توفي وترك ثروة ضخمة، أحد أولاده الخبثاء استولى على الثروة كلها ، وأنشأ بيتاً فخماً جداً، واسعاً، مُزَيَناً، فرشه بأرقى الأثاث، وجعل فيه أجنحة، على الشبكية البيت جميل جداً، أما بنور البصيرة فهذا فيه اغتصاب، فيه عدوان، ترك أخوته جميعاً بلا مأوى، وبلا دخل، جعلهم يتضورون جوعاً، هو تنعم وحده بهذا البيت الفخم، وحرم أخوته، فالبيت من حيث الشكل، والموقع والتزيينات، والأثاث مريح جداً، لكن من حيث أن صاحبه أكل المال الحرام، وحرم أخوته، وكان سبب شقائهم، هذا البيت بعين البصيرة قطعة من النار. من الخطورة بمكان :

مرة دخلت إلى مزرعة، علمت أن صاحبها دخله ليس حلالاً، شعرت كأن هذه الأشجار تشتعل بالنار، فالبطولة: أن يكون دخلك حلالاً، وأن تكون مطيعاً لله، وأن يكون مصيرك إلى الجنة، وأن تستحق وعد الله عز وجل، أخطر شيء هو أن يتأثر الإنسان بظواهر الأشياء، الله عز وجل قال:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الروم الآية: 7]
لو طالب شرد من المدرسة، وذهب إلى الملاهي والحانات ودور السينما، وصحب رفقاء السوء، بحسب العين هو يستمتع بالطعام والشراب والنوم والضحك، أما هذا الطالب النظامي، الذي يلتزم بالدوام، ويقعد على مقعد الدرس، ويدرس، ويؤدي الواجبات، ويسهر إلى ساعة متأخرة جداً من الليل، هذا سيصبح إنساناً محترماً جداً في المجتمع، فدائماً العين تغش، إياك أن تعتمد على البصر, بل اعتمد على البصيرة، والإنسان كلما هبط مستواه اعتمد على البصر، وكلما علا مستواه يعتمد على البصيرة، لذلك: أخطر شيء في تربية الأولاد: هو أن الطفل يعتمد على الصورة، فإذا أريته إنساناً له زي ديني في حالة لا ترضي يكره الدين، وإذا أريته إنساناً منحرفاً في دينه لكن في حالة ترضي يحب التفلت، لذلك أخطر شيء: حينما تربي الطفل من خلال الصورة، وهذه فرية جاءتنا من الغرب، وهي أن لا تلقي عليه كلاماً أعرض عليه صورة، فالصورة مرَّغِبَة، تجعلك تعيش في ظواهر الأشياء لا بحقائقها. هذه مرتبة البصيرة في الإسلام :

أيها الأخوة, البصيرة مرتبة في الإسلام عالية جداً، تعيش مع الحقيقة، تعيش مع بواطن الأمور، تعيش مع مؤدى الأمر، لو أن إنساناً يسرق، ويدخل البيوت، ويجمع الأموال، ويسهر في الحانات, لكن مصير هذا الإنسان إلى الخزي والعار والسجن، إذاً لا تغتر بتفلته، و انغماسه في الملذات، ولعبه بالأموال، يجب أن ترى مصيره، والإنسان المؤمن يبحث دائماً عن العاقبة.
والله عز وجل قال:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 83]
تعريف البصيرة :

قال: إذا صحَّت فكرة الإنسان قادته إلى البصيرة، والبصيرة في التعريف الدقيق: نور في القلب، يبصر به الوعد والوعيد، والجنة والنار، وما أعَدَّ الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم، مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السموات فأحاطت بهم، ووضع الكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نصب الميزان وتطايرت الصحف، واجتمعـت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش، وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، ونزل الناس إليه، وقسمت الأنوار دون ظلمة العبور، والنار يحطم بعضها بعضاً تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين، انظر إلى المستقبل إلى المصير، فالمؤمن ببصيرته كل تصرف يفعله يتصور وقد وقف بين يدي الله عز وجل، ليجيب عن سؤاله، الكافر يعيش لحظته بعينه، المؤمن يعيش المصير ببصيرته، شيء دقيق جداً، الدنيا محسوسة، الآخرة خبر آيات القرآن، أمامك امرأة، أمامك مركبة، أمامك بيت، أمامك طعام نفيس، الدنيا بشهواتها محسوسة، أما الآخرة أخبرك الله عنها فقط، لا ترى منها شيئاً، فإذا الإنسان بنور البصيرة, يرى المصير، يرى العاقبة، لذلك الشيء الذي يرقى بالإنسان عند الله أنه لا يتعامل مع بصره بل مع بصيرته ، الشارد عن الله يعيش لحظته، يعيش وقته، أينما وجد مغنماً اقتنصه، أينما وجد شهوة مارسها ، أينما وجد متعة مارسها، وينسى ما وراء ذلك، وهذا هو مرض العصر، الناس يعيشون لحظتهم، يعيشون وقتهم، ولا يفكرون بالمصير، هل هناك إنسان يستطيع أن يتفلت من الموت ؟ ماذا بعد الموت؟ ترى الإنسان منهمكاً في الدنيا إلى قمة رأسه، يشيد بيتاً فخماً، المسبح، الحديقة، الأبهاء، حسناً: هل تستطيع أن تبقى في هذا البيت إلى أبد الآبدين؟ لا بد من مغادرته إلى القبر، ماذا في القبر؟.
أكثر شيء في هذا الدرس أحب أن أعلق عليه الأهمية: تحرك لا وفق البصر بل وفق البصيرة، لا وفق ظواهر الأشياء بل وفق بواطنها.
البصيرة كما قلت قبل قليل: نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي العين.
مثلاً: رجل عرض عليك عملاً في الدنيا, فيه مخالفة للنظام، الواعي والعاقل والعميق يرى أنه فعل هذا العمل، ثم ضبطت هذه المخالفة، ثم اقتيد إلى السجن، ومكث فيه عشر سنوات، فلا يقبل هذا العمل، رفضه ببصيرته، قد يكون فيه إغراء كبير وربح فاحش، هو يرى المصير، فالإنسان إن أراد إنفاذ أمرٍ عليه أن يتدبر عاقبته. درجات البصيرة :
1-البصيرة في الأسماء :
العلماء قالوا: البصيرة على ثلاث درجات، من استكملها فقد استكمل البصيرة؛ بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد.

البصيرة في الأسماء: أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فقلبك يشهد أن الله سبحانه وتعالى مستوياً على عرشه، متكلماً بأمره ونهيه ، بصيراً بحركات العالمين، علويه وسفليه، وأشخاصه وذواته، سميعاً لأصواتهم، رقيباً على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحته بتدبيره، نازلٌ من عنده وصاعدٌ إليه، وأملاكه بين يديه، تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الجلال، منزهاً عن العيوب والنقائص والمثال، فهو كما وصف نفسه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقه, حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، سميع يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، هذه رؤية القلب، المؤمن الصادق بنور البصيرة الذي يقذفه الله في قلبه يرى أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ، يراه مستوياً على عرشه، بيده مقاليد السموات والأرض، إليه يرجع الأمر كله، يده فوق أيدي خلقه، أمره نافذ في خلقه، خلق كل شيء فقدره تقديراً، هذه رؤية لا تقدر بثمن، هذه الرؤية تجعلك تسمو، تجعلك تبقى على منهج الله المستقيم، تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وجلَّت صفاته أن تقاس بصفات خلقه شبهاً ومثلاً، تعالت ذاته أن تشبه شيئاً من الذوات أصلاً، وسعت الخليقة أفعاله عدلاً وحكمة ورحمة، وإحساناً وفضلاً، له الخلق والأمر، وله النعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثناء والمجد، أول ليس قبله شيء، وآخِرٌ ليس بعده شيء، ظاهرٌ ليس فوقه شيء، باطن ليس دونه شيء، أسماؤه كلها أسماء مدح وحمد وثناء وتمجيد، لهذا كانت حُسْناً، وصفاته كلها صفات كمال، ونعوته كلها نعوت جلال، أفعاله كلها حكمة ورحمة، ومصلحة وعدل، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، مرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه.

هذا الفرق بين المؤمن والإنسان الشارد عن الله :

كمثل أخ كريم يرتاد المساجد، يصلي, يدعو, ويصوم، يحج بيت الله الحرام، ينفق ماله، يطلب العلم، يدعو إلى الله، يصلي الليل، يذكر الله كثيراً، ينفق ماله، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، مع عمر مديد، في هذا الجهاد العظيم، تكون له هذه الرؤية، يوجد بقلبه نور ، إنسان متميز.
من باب المفارقات: وازن بين قطعة من اللحم المتفسخ، أحياناً لها رائحة لا تستطيع أن تحتملها ولا دقيقة، تكاد تخرج من جلدك حينما تشم رائحتها، وقطعة من اللحم الطازج المشوي وأنت جائع، هذه قطعة لحم، وهذه قطعة لحم، وشتان بين القطعتين، وهذا إنسان شارد ، تائه، أعمى، أحمق، أرعن، قذر، منحط، دنيء، وصولي، خائن، وهذا مؤمن، صادق، أمين ، وفي، محب، عفيف، يرى حقائق الأشياء.

زيادة العمر في طاعة الله ماذا تورث؟ :

العمر المديد في طاعة الله يورث هذه الرؤية، نتابع هذه الرؤية، كل شيء من مخلوقاته دال عليه، ومرشد لمن رآه بعين البصيرة إليه، لم يخلق الأرض والسموات وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدىً عاطلاً، كم من الناس يعتقد أن هذه الحياة لا يوجد غيرها ؟ هنالك أقوياء يملكون كل شيء، وهنالك ضعفاء يسحقون كل يوم، ويوجد أغنياء يكادون يموتون من التخمة، ويوجد فقراء يكادون يموتون من الجوع، ويوجد إنسان أوتي من حظوظ الدنيا الشيء الكثير، وإنسان حرم الدنيا كلها، هذا الذي يعتقد أن تنتهي الحياة هكذا، ولا شيء بعد الموت، هذا عبث، هذا العبث لا يليق بكمال الله ولا بجلاله، يقول تعالى:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
أي هل من المعقول أن المستقيم كالمنحرف؟ المحسن كالمسيء؟ الصادق كالكاذب؟ هل يستويان عند الله؟ هذا يتناقض مع وجود الله. هذا ما يتميز به المؤمن :
فالمؤمن صاحب رؤيا، يرى المصير، أقرب تقدير: مؤمن يرى شاباً مستقيماً، لا يملك شيئاً، لا درهم ولا دينار، ولا بيت، ولا حرفة، ولا دخل، يقول بنور البصيرة: هذا الشاب المعدم الذي ليس أمامه شيء، سوف يوفقه الله عز وجل، سوف يوفقه في الدنيا والآخرة، وقد يرى إنساناً مرابياً خبيثاً منحرفاً زانياً، يقول: هذا سوف يدمر، بالعين المرابي قوي غني، يملك يتصرف، والشاب المؤمن ضعيف فقير، بعين البصيرة العاقبة لهذا الشاب، وبعين البصيرة الهلاك ينتظر هذا المنحرف، بعين البصر هذا يمشي في طريق مسدود، وهذا يمشي في طريق كله ورود، لذلك لم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ولا ترك الإنسان سدىً عاطلاً، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمه ليتوسلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، تعرف إلى عباده بأنواع التعريفات، وفرق لهم الآيات، ونوع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبته من جميع الأبواب، ومد بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتم عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجته البالغة، أفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه:
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 156]
وتفاوت الناس بهذه البصيرة، بحسب تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها، والعلم بفساد الشبه المخالفة لحقائقها. ما أثمن شيء في الإيمان؟ :

أيها الأخوة, هذا أثمن شيء بالإيمان، أن يرى قلبك هذه الرؤيا، أن يقذف الله في قلبك نوراً, ترى به حقيقة الذات الإلهية، تراها معك، قال تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
تراها مالكة، متصرفة، إليها يرجع الأمر كله، علاقتك مع الله، حياة المؤمن وأسباب سعادته علاقته مع الله، مستحيل أن يجتمع الحزن مع الإيمان بالله، الله موجود، سميع، غني، قوي، مجيب، محب، لم الحزن؟ لم الخوف؟ لم القلق؟.

فمن كان في قلبه هذه البصيرة, عاش حياة سعيدة، واثقاً بالله، واثقاً بنصر الله، واثقاً برحمة الله، واثقاً بتوفيق الله، واثقاً بعدالة الله، همه أن يطبق أمر الله، همه أن يكون على منهج الله المستقيم، وصراته القويم، هذا همه.
لو كان الإنسان شارداً الحياة موحشة، كما قلت قبل قليل:
يوجد قوي، ويوجد ضعيف، هو ضائع بينهما، إن انحاز إلى هؤلاء خسر هؤلاء، وإن انحاز إلى هؤلاء خسر هؤلاء، قال تعالى:
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾
[سورة النساء الآية: 143]
حياة الشرود عن الله حياة موحشة مخيفة. ما هي محصلة التفكر القويم؟ :
فمحصلة التفكر القويم البصيرة، فالبصيرة نور يقذفه الله في قلبك، يريك به حقائق الأشياء، يريك به حقيقة الذات الإلهية، والدليل قوي جداً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾
[سورة الحديد الآية: 28]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
[سورة الأنفال الآية: 29]
قضية بين الناس :
أخواننا الكرام, قضية رؤية، القضية بين الناس قضية رؤية، هل آتيكم بمثل صارخ؟:
سيدنا يوسف، امرأة زوجة ملك، طبعاً الملوك يختارون أجمل النساء، زوجة ملك، امرأة العزيز، دعته وهي سيدته، وهو بعيد عن أهله، شاب في ريعان الشباب، غير متزوج، غريب، تلقى أمراً منها، ليس من صالحها أن يعلم بأمرها أحد، ماذا رأى؟ رأى أن هذا العمل يبعده عن الله، رأى أن هذا العمل يجعله في أسفل السافلين، فقال:
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
[سورة يوسف الآية: 23]
هذا الذي يتربع على أعلى منصب في العالم الآن، وقع في المطب نفسه، ماذا فعل؟ سقط، فصار مضغة الأفواه، أنا ما سمعت عن إنسان بلغ من الذل والإهانة من قبل شعبه ما بلغ هذا الإنسان، بسبب انحرافه، الشهوة نفسها، ماذا رأى؟ رآها مغنماً، وماذا رأى يوسف؟ رآها مغرماً، هذه هي البطولة، كإنسان يأكل مالاً حراماً ويتوهم أنه ذكي، كسب باحتيال شديد ثم يكشف أمره، ويودع في السجن، وتصدر في حقه مذكرة توقيف، ويفضح أمره, ويسقط من عين الناس جميعاً، كل بطولتك أن تملك البصيرة، كل بطولتك أن ترى الأشياء بحقيقتها، بنتائجها، بعواقبها، بنهاياتها لا ببداياتها، اللهم ألهمنا هذه البصيرة. 2-بصيرة في الأمر والنهي :
والمرتبة الثانية في البصيرة: مرتبة في الأمر والنهي.

فهذا المؤمن الذي ألقي في قلبه نور، فرأى به الحق حقاً والباطل باطلاً، لا يتأثر لا بتقاليد ولا بعادات ولا بأهواء، الناس الآن عباد لأحدث الأزياء، امرأة مسلمة ترتدي ثياباً فاضحة، حجتها أنها هكذا رأت في كتب الأزياء، حسناً أين دينكِ؟ أين مرضاة ربكِ؟ أين سعيكِ إلى الجنة؟ أين التزامكِ بالإسلام؟ لا ترى, فالمؤمن يرى أن طاعة الله هي أثمن شيء، أما غير المؤمن يرى صرعات الأزياء، يرى العادات والتقاليد السائدة، غير المؤمن إمعة, يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، وكل إنسان يقول لك: هكذا الناس، هكذا نشأنا، هكذا جميع الناس، كلهم على خطأ, هذا أعمى البصيرة، قال تعالى:

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾
[سورة الحج الآية: 46]
فليس في حياة المؤمن تقليد أو هوى ولا شبهة, تحول بينه وبين طاعة الله، ولا شهوة تمنع تنفيذ أمر الله، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص، هذه بصيرة الأمر والنهي، الأمر والنهي فوق كل شيء.
أكثر كلام يقال: ماذا نفعل نحن مضطرون؟ طيب أين المجاهدة؟ أين مجاهدة النفس والهوى؟ لأتفه سبب يقول لك مضطرين، ليست هذه هي الضرورة، الضرورة التي ذكرها الفقهاء: أن تخشى الهلاك أنت وأهلك ومن تعول, جوعاً وعرياً وتشرداً، هذه الضرورات التي تبيح المحظورات، أما لأتفه سبب تأكل المال الحرام؟ لأتفه سبب تداهن على حساب دينك؟ لأتفه سبب تنافق؟. 3-البصيرة في الوعد والوعيد :
المرتبة الثالثة في البصيرة: البصيرة في الوعد والوعيد.
الناس كلهم تقريباً متساوون، كل الناس لهم بيوت، لهم غرف نوم، غرف ضيوف، مطابخ، يأكلون ويشربون، صباحاً وظهراً ومساءاً، ويسهرون على هذه البرامج، ويلتقون، ويختلطون، ويملأ بعضهم عينه من محاسن النساء، والمؤمن بينهم ليس له أي ميزة، واحد من مجموع، لكن حينما يقوم الناس لرب العالمين يقال لهم:

﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾
[سورة يس الآية: 59]
قفوا هنا على اليسار، أصبح هناك فرزاً، الآن لا يوجد فرز، كالصف أثناء العام الدراسي، كل الطلاب سواء، متساوون كلهم, يرتدي ثياباً موحدة، يأتي الساعة الثامنة ويذهب الساعة الواحدة، ست حصص، الحصة خمسون دقيقة، والفرصة عشر دقائق، الأستاذ موحد، لكن عند الامتحان يفرز الطلاب، ناجحون وراسبون، متفوقون وناجحون وراسبون، متى كان الفرز؟ عند الامتحان.
فالمؤمن الصادق يرى مصائب الناس، يرى المرابي لا بد من أن يهلك، يرى الزاني لا بد من أن يهلك، يرى الذي يأكل المال الحرام لا بد من أن يهلك، يرى الذي يعتدي على حقوق الناس لا بد من أن ينتقم الله منه، يرى الذي ينحرف لا بد من أن يدفع الثمن باهظاً، يرى النتائج، يكاد المؤمن يرى ما سيكون، لا عن علم بالغيب، هذا مستحيل، ولكن عن علم بقوانين الله عز وجل. أخ حدثني عن إنسانة ظلمت أخاها ظلماً لا يصدق، فلقد جعلته شريداً هو وأولاده الكثر، واستولت على بيته لأنه باسمها وقد دفع نصف ثمنه، أخذت البيت من أخيها ظلماً وعدواناً وشردته، حدثني ابن أخيها عن فعل عمته مع أخيها، من باب المعرفة بقوانين الله عز وجل قلت: هذه ينتظرها هلاك كبير، ما مضى ثلاثون يوماً إلا وأصيبت بمرض عضال، وبعد ثلاثين يوماً أخرى انتهى المرض بها إلى الموت، وعاد أخوها إلى البيت وارثاً وحيداً، إلى البيت الذي يملك نصفه، هذا ليس علم غيب، لكن علم بالقوانين، أي أنت لو نظرت إلى مركبة تنطلق بسرعة كبيرة جداً في طريق نازلة، وهذا الطريق ينتهي بمنعطف حاد، وليس في هذه المركبة مكبح، فهل من الصعب أن تتوقع الحادث؟ بالمئة مليون، هل أنت تعلم الغيب؟ لا هذا ليس علم بالغيب، بل هو علم بالقوانين، مركبة تنطلق بسرعة مئة وعشرين في طريق مثل هذا ، والمنعطف مثل هذا، وفي وادٍ سحيق، ومكبح غير متوفر, هل أنت تعلم الغيب؟ لا أنا أعلم القوانين، الحادث حتمي، فالمؤمن ببصيرته التي أكرمه الله بها، بهذا النور الذي ألقي في قلبه يرى مصائر الناس، لا عن علم غيب, ولكن عن معرفة بقوانين الله عز وجل.
وكم من مرة تتفاءل بمستقبل شاب مؤمن لا يملك من الدنيا شيئاً، ولكن لأنه مستقيم، وتقرأ أنت قوله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
نقول: هذا ينتظره حياة طيبة، تعلم الغيب؟ لا، لا أعلم الغيب، ولكن أعلم قوانين الله عز وجل, قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
تتمة ما جاء عن بصيرة الوعد والوعيد :
أيها الأخوة, أما البصيرة الثالثة: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت.
كل إنسان سيحاسب على عمله، كل إنسان سيدفع ثمن أخطائه، وكل إنسان سيقبض ثمن أعماله الصالحة بأعلى سعر، البصيرة التي تتعلق بالوعد والوعيد: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت، في الخير والشر، عاجلاً وآجلاً، في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب ألوهيته وموجب ربوبيته.
أيها الأخوة, حينما نؤمن بعدالة الله، والله ننضبط أشد الانضباط، والله نضبط كلامنا من أن ننطق بكلمة، والله نضبط ابتساماتنا، والله الابتسامة تضبطها، إن وجدت ابتسامة ساخرة تحاسب عليها، تضبط كل حركاتك وسكناتك، وكل أعضائك وحواسك، وكل دخلك وإنفاقك، تضبط بيتك وعملك، إذا آمنت بعدالة الله، وبأن الله قيوم السموات والأرض، وأن الله سيحاسب كل إنسان حساباً دقيقاً.
يوجد آيات لو تأملناها تأملاً حقيقياً لكفتنا.
هل يوجد في حياة المؤمن مفاجآت؟ :

أنت إذا تحققت من قوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
إذا تحققت من هذه الآية فأنت فقيه، انتهى الأمر، لا يوجد في حياة مؤمن مفاجأة، ولا يوجد دمار، ولا فضيحة، ولا هلاك، لأنه على منهج الله، لأن كل أبواب الخطر أغلقها، كل الثغرات سدها، كل المزالق ابتعد عنها، كل نقاط الضعف قواها، أضعف نقطة في حياة الإنسان المال والمرأة، المؤمن يغض بصره ويتحرى دخله، فأصبح كالملك، مرفوع الرأس دائماً. فالبصيرة في الوعد والوعيد: أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت، في الخير والشر، عاجلاً وآجلاً، في دار العمل، ودار الجزاء، مثل إنسان يمضي حياته في طاعة الله، الله عز وجل لحكمة بالغة، ولكرامة المؤمن عند الله، يجعل موته ملخصاً لكل حياته، يموت وهو يصلي، وهو يقرأ القرآن، يموت في المسجد وهو صائم، والإنسان أمضى حياته في المعاصي والآثام، يموت وهو في المعصية، وهو يمارس المعصية يأتيه ملك الموت، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
أن يقوم الله على كل نفسٍ بما كسبت في الدنيا والآخرة، في دار العمل ودار الجزاء، هذا موجب ألوهية الله عز وجل وربوبيته، لماذا هو إله ورب؟ لأنه سيكافئ المحسن ويعاقب المسيء، موجب ألوهيته وربوبيته وعدله وحكمته، فإن الشك في ذلك شك في ألوهية الله وربوبيته، إذا كان من الممكن أن تشك لثانية واحدة، أنه يمكن للمحسن أن يضيع حقه والمسيء ينجو، تشك أنت بربوبية الله وبألوهيته.
إن كان من الممكن أن يأكل إنسان مالاً حراماً، وأن يتمتع فيه طيلة حياته، ويعيش في بحبوحة كبيرة، ثم يموت ويذهب إلى الجنة، ورجل استقام على أمر الله، هذا حرام وهذا حرام، فأصبح وراء الناس فقيراً لا يملك شيئاً، أن تعتقد هكذا، فهذا شك في ألوهية الله وربوبيته، مستحيل أن تطيعه وتخسر، مستحيل ومستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل أن تطيعه وتذل، مستحيل أن تعصيه وتعز.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا: ((عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: قَالَ ابْنُ جَوَّاسٍ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ))
مادياً ومعنوياً، مستحيل أن تطيعه وأن تخسر الدنيا وأن تذل فيها، ومستحيل أن تعصيه وأن تربح الدنيا وأن تعز فيها، الشك في ذلك شك في ألوهية الله وربوبيته، بل شك في وجوده، لمجرد أن تعتقد أن القوي الظالم يربح، والضعيف المظلوم يخسر، ليس هذا شك في ألوهيته وربوبيته بل شك في وجوده. من الذي ينتقم من الظالم؟ :
قبل أشهر كنت مسافراً في بلد بعيد، قلت: قوة كبيرة في العالم غاشمة ظالمة تقوم على أنقاض الشعوب، أن تنجح في تخطيطها إلى ما لا نهاية، وأن تفعل ما تريد إلى ما لا نهاية، وأن تقوم على أنقاض الشعوب إلى ما لا نهاية، هذا يتناقض مع وجود الله، قلت: مع وجوده، لا مع عدالته فحسب، بل مع وجوده، الله موجود، هو الحق، هو الذي ينتقم من الظالم, قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196]
شعوب تقتل كل يوم، ما لها من ذنب أبداً إلا الجبروت الغربي، الجبروت والقهر والسيطرة على العالم، قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196-197]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا، أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: ((اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذه سنة الله في خلقه :
بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة، وإرسالها هملاً، أي إن كان لم يرسل للخليقة نظاماً فقد عطلها، فمثلاً: أنت كأب ابنك أمامك، والمدفأة أمامك، وابنك إدراكه ضعيف, ويسير باتجاه المدفأة, فهل تبقى ساكتاً وأنت أب؟ هذا مستحيل، ألا توجه ابنك؟ ألا تعطيه التعليمات والنصائح؟ هذا مستحيل، فإذا ترك الله عز وجل عباده دون رسل، دون أنبياء، دون دعوات، دون هدى، دون دعاة، دون كتاب، يكون قد أهملهم، وإن كان لم يحاسب الناس فقد خلقهم سدى دون سبب.

مثل موظفان في محل تجاري، أحدهما يسرق المحل والثاني أمين، هل يستويان عند صاحب العمل؟ هذا غير معقول، هذا إنسان غير إداري، الذي سرق مقرب لك، والذي كان عفيفاً مبعد عنك.
إذاً: لا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة, وإرسالها هملاً, وتركها سدى, وتعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة.
هل يعقل أن يترك أباً أولاده يعتدي بعضهم على بعض وهو ينظر إليهم؟ تصور أنت أمماً, وشعوباً, وغزواً، وحروباً، وقهراً، وذلاً، ونهب ثروات، الله عز وجل معنا في الأرض، ينظر إلينا فقط ولا يتدخل؟ هذا الكلام مستحيل، هذا الكلام يتنافى مع كماله أساساً، أبداً, لحكمة بالغة وعلم بالغ، وقدرة بالغة، لكن الله له حكمة، يقوي هؤلاء, قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 4-6]
هذه سنة الله في خلقه، الذي يؤمن به وقد قصر في طاعته، يسلط عليه من لا يعرفه ليتوب، فإذا تاب قواه عليه، هذه هي سياسة الله عز وجل، يسلط الذي لا يعرفه على الذي عرفه وقصر في طاعته، ودائماً وأبداً هذه سنة الله في خلقه، فتعالى الله عن هذا الحسبان علواً كبيراً. ما معنى هذا الكلام: شهادة العقل في الجزاء كشهادته بالوحدانية؟ :
شهادة العقل في الجزاء كشهادته بالوحدانية، كيف أنك تؤمن أنه لا إله إلا الله، يجب أن تؤمن من أنه لا بد من أن يحاسب العباد، إذا كان لا بد من المحاسبة, من هو العاقل المستقيم؟ إذا كان لا بد من أن تحاسَب، من هو الفالح المنضبط؟ شهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية، لذلك المعاد معلوم بالعقل، كيف هذا؟ كلام دقيق، الإيمان بالآخرة إيمان إخباري، الله أخبرنا: أن هناك آخرة وجنة ونار، لكن بعض العلماء يقولون:
الإيمان بالآخرة ممكن أن يكون إيماناً عقيماً.
هذه الفكرة دقيقة، كيف؟ هذا الكون فيه إعجاز، فيه كمال مطلق في الخلق، فيه حكمة بالغة، فيه علم عظيم، فيه قدرة بالغة، فيه لطف، فيه جمال، فيه رحمة، معنى هذا الكلام: أن خالق الكون رحيم, جميل، لطيف, قوي, غني، هذه كلها صفات كمال، هل يتناسب مع هذه الصفات أن يدع خلقه سدى دون محاسبة؟ لا يتناسب معها, هل يتناسب مع صفات الكمال أن لا يحاسب عباده؟ أن يدعهم هملاً؟ أن يدعهم يأكل قويهم ضعيفهم؟.
أنت أب عندك خمسة أولاد، قام أحد أولادك وضرب أخاه ضرباً مبرحاً، وأنت تنظر إليهم, ولا تتكلم أي كلمة, ولا تتدخل, ولا تحاسب, معنى هذا أنك لست بالأب، فإذا فهم الإنسان أن الأمور تجري هكذا، وأن القوي ينتصر، إذاً تنازع البقاء، نحن في مجتمع التجارة مجتمع الحيتان، الحوت الأكبر يأكل الحوت الأصغر، العالم كله هكذا، شركات عالمية تتحد وتحتكر على حساب الشركات الضعيفة، العالم يتحرك كأنه لا يوجد إله، الأقوى يأكل الأضعف، والأغنى يستغل الفقير.
شهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانية، لهذا المعاد معلوم بالعقل، أما تفاصيله بالوحي، أن هنالك جنة ونار، والجنة فيها حور عين، ويوجد جنات تجري من تحتها الأنهار، وأنهار من لبن الذي لم يتغير طعمه، ويوجد أنهار من العسل المصفى، ويوجد رضوان من الله، ويوجد جهنم، ويوجد زبانية جهنم، ويوجد كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، هذه التفاصيل علمت بالوحي، أما بالمنطق والعقل لا بد من يوم آخر, تسوى فيه الحسابات.
ما موضع الشاهد في هذا المثال؟ :
أعجبني مرة من أحد الخطباء مثل أنا أرويه عنه: أن أناساً دخلوا مسرحية, في المسرح رفع الستار، تحرك الأبطال، أحد الأبطال قتل البطل، ثم أسدل الستار، لا أحد يقوم, لقد أرخوا الستار، ألم تنتهي المسرحية؟ نريد أن نرى ماذا سيحدث مع هذا القاتل؟ قد تكون المسرحية خمسة فصول، أول فصل لم ينتهِ بعاقبة مريحة، متى تنتهي القصة؟ تنتهي بنهاية مريحة للقارئ، أن المعتدي قد نال جزاءه، والمخلص نال جزاءه، تنتهي القصة، أما المعتدي فاز والمعتدى عليه خسر، والقصة قد انتهت, هذه ليست قصة، لا تتناسب، فالعقل يؤمن لا بد من يوم جزاء، أما التفاصيل تأتي بالوحي، لهذا يجعل الله سبحانه إنكار المعاد كفراً به سبحانه وتعالى، إذا أنكرت يوم القيامة أنكرت عدالته، إذا أنكرت يوم القيامة أنكرت أسماءه الحسنى، لأنه إنكار لقدرته ولألوهيته، وكلاهما مستلزم الكفر به، قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة الرعد الآية: 5]
بمجرد أن تكفر بعدالة الله فهذا كفر بالله، لأنك نسبت له الظلم وهو ليس كذلك. نهاية المطاف :
أيها الأخوة, للموضوع تتمة إن شاء الله في الدرس القادم، لكن أجمل ما في هذا الدرس أنه: إذا أنكرت عدالته فهذا كفر به، وعدالته قائمة، ولكن أسماءه الحسنى كلها محققة في الدنيا، أما اسم العدل فمحقق في الآخرة, قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾
[سورة الروم الآية: 27]
﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
[سورة الجاثية الآية: 22]
فلذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 185]
هنالك دفعات على الحساب في الدنيا، للمحسن دفعات على الحساب، وللمسيء دفعات على الحساب، والخير للأمام، أما الرصيد يوم القيامة، للمؤمن يوجد دفعات على الحساب، وللكافر يوجد ضربات على الحساب، أما رصيد الدفعات والضربات فيوم القيامة، وهذا هو الإيمان بالله عز وجل. دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:05 AM   #52


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع : العزيمة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أصناف الخلق :

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
والقرآن كله جمع في الفاتحة، والفاتحة جمعت في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
فالهدف هو العبادة، والوسيلة هي الاستعانة، ومن عبد الله واستعان به فقد حقق المراد من خلقه، والعباد كما تعلمون أصناف أربعة: صنف عبدوا الله واستعانوا به، وهؤلاء هم الخيرة من خلقه، وصنف ما عبدوا وما استعانوا، وهؤلاء شرار الخلق، وصنف عبدوه ولضعف توحيدهم ما رأوا أن يد الله تعمل وحدها، وأن الأمر كله بيد الله، وأن الأقوياء عصي بيد الله، فعبدوه وما استعانوا به، فكل ما أصابهم من ضعف بسبب ضعف توحيدهم، وبالتالي ضعف استعانتهم، والصنف الرابع استعان به ولم يعبده، والله عز وجل يمد كلاً من هؤلاء وهؤلاء من عطائه، وما كان عطاء ربك محظوراً عن أحد.
خلاصة ما ذكر سابقاً :

أيها الأخوة, بينت في درس سابق أن أخطر مرض يصيب الإنسان هو الغفلة عن الله ، الغفلة عن مصيره الأبدي، الغفلة عن طاعته، الغفلة عن معرفة أمره ونهيه، الغفلة عن معرفة ما ينتظر الإنسان من عقاب أليم إلى أبد الآبدين، إذا خرج عن منهج الله عز وجل، هذه الغفلة علاجها اليقظة، وقد أمضينا درساً في منزلة اليقظة، فاليقظة دواء الغفلة، وبعد اليقظة تبدأ الفكرة، والتفكر طريق إلى الله:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 190-191]
وحينما تصح الفكرة ينتقل الإنسان بعدها إلى البصيرة، أفكاره والحقائق التي استقرت، تتجمع في بصيرة، في رؤية، لذلك أهل الخبرة أهل بصيرة، كأنهم يرون الحقائق.
أحد أصحاب رسول الله, قال للنبي عليه الصلاة والسلام: كأنني أرى أهل النار يتصايحون، وأهل الجنة يتنعمون.
أي أنك لو وجدت إنساناً ينغمس في المعاصي والآثام، وفي أكل المال الحرام، وفي المتع المحرمة، ويأخذ من المخدرات, ويشرب، ويرتكب الفواحش، لرؤية تملكها تقول: هذا له مصير وخيم، هذا سيدمر، أنت لا تعلم الغيب، ولكنك ترى الأسباب، وتعلم أن هذه الأسباب تؤدي إلى نتائج.
فالبصيرة كما قلنا في درس سابق: بصيرة في أسماء الله الحسنى، وفي الوعد والوعيد، وفي الجنة والنار.
منزلة اليوم :
اليوم المقام الذي يلي البصيرة: اليقظة, فالفكرة، فالبصيرة اليوم: العزيمة، كل شيء أصبح واضحاً، كل شيء أصبح جلياً، الأمور واضحة جداً, ما بقي إلا أن تتحرك, أن تقوم, أن تشمر, ففروا إلى الله.

إني ذاهب إلى ربي، شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد، وخففوا أثقالكم فإن في الطريق عقبة كؤود، يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق ، وأخلص النية فإن الناقد بصير، وأكثر الزاد فإن السفر طويل.
أيها الأخوة, ما من إنسان يدرك أن بيته يحترق ويبقى جالساً، ينتفض من فراشه ليطفئ الحريق، أرأيت إلى هذه الحركة؟ ينتفض من فراشه ليطفئ الحريق، ما من إنسان يكتشف أن ابنه مصاب بمرض يمكن شفاؤه، ولكنه خطير، إلا ويلغي كل مواعيده، يلغي كل أعماله، ويهب من رقدته ليعالج ابنه.

رأيت شيئاً في المطار تعلمت منه شيئاً آخر، الطائرة بعد أن يتم ركابها, وتغلق أبوابها ، تتحرك ببطء، ببطء شديد، تسير وتقف، تقف وتسير، إلى أن تقف على أول المدرج، فإذا أخذت الإذن بالطيران, اندفعت بسرعة عجيبة، تزيد عن ثلاثمائة كيلو متر في الساعة، هذا الإقلاع، المؤمن يشبه الطائرة، يسمع، يناقش، يعترض، يقنع أو لا يقنع، يغير المسجد، يقرأ كتاباً، إلى أن تستقر عنده الحقائق، إلى أن تتضح عنده الأمور، إلى أن يرى الطريق واضحاً، إلى أن يرى أن المغنم كبيراً، إلى أن يرى أن الخطر جاثماً، لذلك يقلع، هذا الإقلاع، فإذا أقلع وحلق في الجو, حقق الهدف الأكبر، إلى متى؟ قال تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟
متى الإقلاع؟ متى تترجم القناعات إلى سلوك؟ متى تترجم القناعات إلى حركة؟ إلى عطاء؟ .

قال بعضهم: ما إن يستقر الإيمان في قلب الإنسان, حتى يعبر عن ذاته بذاته بحركة نحو الخلق.
أي لا يوجد مؤمن سكوني، المؤمن حركي، المؤمن فاعل، حالة الانفعال الدائمة لا تليق بالمؤمن، هو يغير, يبدل، يتدخل، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يقنع أهله، يقنع أولاده، يقنع زملاءه، يقنع جيرانه، هذا حال المؤمن، حالة حركة, قال تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
إني ذاهب إلى ربي، هل قالها أحدنا؟ قال تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾
[سورة التكوير الآية: 26]
هذا يذهب ليحقق مكسباً دنيوياً، وهذا يذهب ليسهر سهرة لا ترضي الله، وهذا يذهب ليقيم دعوة على فلان، وهذا يذهب ليبحث عن رزق، أما هل رأيت إنساناً يذهب إلى الله؟ يرتاد بيوت الله؟ يقرأ القرآن؟ يتفهم كلام الله؟ يبحث عن سنة رسول الله؟ الحركة الجادة، اليقظة، الفكرة، البصيرة، العزيمة، هؤلاء الذين يتسابقون، حينما يصلون إلى المنطلق, كيف ينطلقون ؟ بسرعة مذهلة، فنحن في سباق، قال تعالى:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 133]
قصة تائب :
أخ قال لي: أمضيت جل عمري شارداً عن الله، ولقد ارتكبت معاصي كبيرة، فجأة أصبت بمرض، والمرض مميت، وأنا في غرفة العمليات, قلت له: يا رب، أتريد أن ألقاك عارياً؟ أتسمح لي أن أبقى أياماً معدودات ألقاك بقميص؛ أي بعمل صالح أستر به عورتي؟ ناجاه وبكى، الله عز وجل أعطاه فرصة، وخرج من المستشفى، أصبح يحضر درس الفجر، والظهر، والمساء، والجمعة، والسبت، والأحد، والاثنين، قال لي: يوجد ثلاثة أيام لا أحتمل من دون دروس, قال لي: في مرة وأنا أناجي ربي، قال: ناجاه, فقال له: يا رب، كل هذه السعادة بالقرب منك، لِمَ لَم ترسل لي هذا المرض قبل عشر سنوات؟ هذا المرض هو السبب.
ما معنى لبيك؟ :

الآن: الحديث عن الحج، الحاج يقول: لبيك اللهم لبيك، ما معنى لبيك؟ لبيك تعني: أنه قد سبقها نداء أن تعال, تعال إلى بيتي الحرام، تعال إلى بيتي الحرام لتذوق طعم القرب، لتزيح عن كاهلك هموماً كالجبال، واخرج من حياتك الرتيبة المملة، تعال إلى بيتي الحرام لترى عظيم إكرامي إليك، الجواب: لبيك اللهم لبيك.
لبيك جواب تعال إلي، تعال إلي حتى أكرمك، هذا الجوهر في الدين، جوهر القرب من الله ضعيف، فيه مظاهر صارخة، جامع رائع جداً، فيه زخرفة رائعة جداً، لكن نحن نريد زخرفة القلوب من الداخل، نريد قلباً مستنيراً، نريد قلباً موصولاً بالله عز وجل، قلباً منيباً، قلباً سليماً، نريد حباً، نريد وداً مع الله، نريد اتصالاً، نريد أن نفتح خطاً ساخناً مع الله، نرفع السماعة إن لم يكن الخط موصولاً, مهما ضغطت الزر فهذا غير مفيد، كتلة لا معنى لها، الهاتف دون خط حامٍ مهما كان أنيقاً يصبح كتلة من البلاستيك لا معنى لها إطلاقاً، لكن قيمة هذا الجهاز: هي أنك لو رفعت السماعة, وسمعت الرنة، فالخط حامٍ، يوجد خط ساخن.
هذه لحظات السعادة عند هذا الإنسان :

قال لي رجل: بقي لي خمسة وثلاثون عاماً, ولم أسجد لله، ولم أصم يوماً، ولم أؤد طاعة, قال لي: دعتني أختي إلى زيارة كندا حيث هي، دعتني عشر سنوات متتالية, فلبيتها في السنة العاشرة، وأنا في طريقي إلى نياغارا شلالات جميلة جداً، أسمعتني شريط المهيمن من أسماء الله الحسنى، قال لي: سمعته مرات عديدة، وأخذت كل ما عند أختي من أشرطة عن أسماء الله الحسنى، وعرفت أن الدين شيء عظيم, وصار يجمع هذه الأشرطة حتى بلغت ألف شريط، وقد سمعها كلها، ثم قال لي: فتحت مع الله خطاً ساخناً، وقال لي: أسعد لحظات حياتي حينما آتي إلى البيت لأصلي، لأصلي قيام الليل، قال لي: انقلبت حياتي من الجحيم إلى النعيم، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الوجدان، بعد أن اتصل بالله عز وجل، هذا هو الدين، الدين أن تعرف الله، الدين أن تحبه، الدين أن تتصل به، أن يستنير قلبك بنوره.

فالذي يعنينا الآن هذه العزيمة، الحركة، ماذا فعلت من أجلي؟ قناعات ممتازة, عاطفة إسلامية، خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، اتجاه إسلامي، شعور إسلامي، اهتمامات إسلامية، مكتبة إسلامية، حتى متى إذاً؟ متى سيكون هناك حركة إسلامية؟ متى تستطيع أن تقول:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
متى تقلع هذه الطائرة؟ حركة بطيئة، نتقدم, ونتأخر، وننتقد، متى تقلع هذه الطائرة؟ هذا درس اليوم: العزيمة. قال: فإذا انتبه وأبصر, أخذ في القصد, وصدق الإرادة، وأجمع القصد والنية على سفر إلى الله، وتيقن أنه لا بد له منه، فأخذ في أهبة السفر، وتعبئة الزاد ليوم المعاد، والتجرد عن عوائق السفر، وقطع العلائق التي تمنعه من الخروج.

الإنسان حينما يشتد عزمه, كل عقبة تحول بينه وبين الله يركلها بقدمه، وكل صارف يصرفه عن الله يسده بقدمه، وكل قضية يمكن أن تبعده عن الله يلغيها من حياته، وكل صديق لا يذكره بالله يقطعه، وكل دخل ليس فيه راحة للنفس يستغني عنه، لأن الله مطلبه وقصده في الحياة كلها، فهذا الذي ملك العزم ينبعث إلى السلوك، يتحرك بلا توقف ولا تردد، ولا علة ولا رغبة في رياء ولا سمعة، ولا طلب محمدة، ولا طلب جاه ومنزلة عند الخلق، يستوي عنده المادحون والذامون، يستوي عنده الثناء والتأنيب, صدق القائل:

فليتك تحلو والحيـاة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالـمين خراب
وليت شرابي من ودادك سائغ وشربي من ماء الفرات سراب

هكذا حال المؤمن:
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
فالذي ملك العزيمة طبعاً بعد اليقظة والتفكر، بعد البصيرة، ما بقي له إلا العزيمة. مثل مقبول :
مثل اقبلوه مني ولكنه مضحك: في أيام الشدة التموينية, لا يوجد مواد أولية، ولا يوجد مواد غذائية، فأنت موظف، داومت ثماني ساعات بعمل شاق، ودخلت إلى البيت وأنت منهك القوى، خلعت ثيابك, وارتديت ثياب البيت, واضطجعت على السرير، جاء ابنك قال لك: يوجد في المؤسسة الاستهلاكية زيت، ولا يوجد ازدحام، والسعر رخيص جداً، والنوعية جيدة، ونحن لا يوجد عندنا زيت، وأنت قد قبضت راتبك اليوم، الصفيحة في المؤسسة ثمنها ثمانمائة ليرة، وخارجها ثمنها ألف ومائتان، راتبك محدود، رغم أنك خلعت ثيابك، وارتديت ثياب البيت، وأنت متعب ومنهك، تجد نفسك قفزت من الفراش وارتديت الثياب ثانية، وذهبت إلى المؤسسة، لتشتري هذه الصفيحة، لأنك ستوفر ستمائة ليرة، وأنت بأمس الحاجة إلى هذا المبلغ ، ولا يوجد ازدحام، ولا يوجد في البيت زيت, وأنت بحاجة إلى الزيت، وقد قبضت راتبك حديثاً، والسعر فيه فرق كبير جداً، انظر: خمس كلمات من ابنه جعلته يتحرك، هل تستطيع أنت أن تقول لنفسك خمس كلمات لتتحرك؟ لتقوم وتمشي وتخرج من البيت إلى الجامع؟ أو تعين إنساناً؟ أو أن تقرأ القرآن؟ هل عندك هذه الحركة؟ .
إن لم يكن هناك حركة فمكانك تحمدي أو تستريحي.
الصحابة فتحوا البلاد, أنت ماذا قدمت؟ :

مرة في الحج، وقد وضعت سلالم للطابق الثاني في الكعبة المشرفة، وللطابق الثالث السطح، ففي منظر للحجاج يثير انطباعاً معيناً، كل شيء واقف والسلم يسير، متحرك، مرتاح, والدرج متحرك، هكذا وضع المسلمين اليوم، يريد من يحركه، يريد من ينهضه، يريد من يعطيه، محمول، أما الصحابة فقد حملوا، مسلمو اليوم يحبون أن يحملوا، أو يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فرق كبير بين أن تَحْمِل وبين أن تُحْمَل، تريد أن تزوجه, وأن تؤمن له البيت، وعمل، وتحل له مشكلته مع زوجته، ومشكلته مع شركائه، وكل يوم سؤال.
توفي من الأسرة أحدهم، يقول: ألا تريدون أن تذهبوا للعزاء؟ وعلى هذه الحال عندي كل أسبوع خمسين تعزية، أقول: ولكني لا أعرفه ولا يعرفني، يقول لك: سيستفيدون من كلمة منكم يا سيدي، يريد أن يأخذ كل شيء ولا يعطي شيئاً, يريد من يحمله ولا يحمل أحداً، نحن نريد من يحمل، نريد من يساهم، يقدم للمسلمين شيئاً، يقدم بين يدي الله عز وجل شيئاً.
((يا بشر, لا جهاد ولا صدقة, فبم تلق الله إذاً؟))
سؤال محرج: اسأل نفسك إذا وقفت بين يدي الله يوم القيامة، قال لك: يا عبدي ماذا فعلت من أجلي؟ يا رب آمنت بك، حسناً ماذا فعلت؟
رجل مريض بمرض جلدي, وعلاجه الشمس، هذا الإنسان المريض آمن أن الشمس ساطعة، حسناً وماذا لو آمن بهذا؟ إن قلت: ساطعة, ما فعلت شيئاً، وما قدمت شيئاً، إن قلت: ليست ساطعة تتهم بعقلك، حتى لو آمنت ماذا فعلت؟ لم تفعل شيئاً، ماذا قدمت؟ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
ماذا قدمت؟ الصحابة الكرام فتحوا البلاد. هذه الامتحانات التي ابتلي بها نبيكم :
النبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَا لِي وَلا لِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلالٍ))
بالله عليكم، هل من أحد منكم دخل بيته مرة، وسأل أهله: هل عندكم طعام؟ قالوا: لا، ولا كسرة خبز, ولا كأساً من الشاي، ولا قطعة جبن أبداً, النبي دخل إلى بيته ذات مرة فقال:
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: ((دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لا, قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وصار المال بين يديه، قال له أحدهم: لمن هذا المال؟ قال: هو لك، لمن هذا الوادي ؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك لرسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
الله امتحنه بالفقر فصبر، وامتحنه بالغنى فشكر، وامتحنه بالضعف فكُذِّب، وعوقب، وسُخِرَ منه.
قال: لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: لا يا أخي.
عَبْدُ اللَّهِ قال:
((كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمـُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك .
انظر: امتحنه بالفقر فصبر، امتحنه بالغنى فشكر، امتحنه بالضعف والفقر فصبر، امتحنه بالقوة ففتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة، تنتظر الأمر من شفتيه، أنقضي عليهم؟ قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا:
((أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
الأمر الذي جعل أبو سفيان يقول: يا بن أخي ما أحكمك، وما أرحمك، وما أعقلك، وما أوصلك!. سؤال محرج :

سؤال محرج: ماذا قدمت لله؟ هل تركت علماً؟ هل تركت عملاً خيِّراً؟ هل ربيت إنساناً ؟ هل دعوت إلى الله؟ هل خدمت أهل الحق؟ هل بذلت من وقتك لتعليم الآخرين؟ اسأل نفسك هذا السؤال المحرج: ماذا فعلت بين يدي الله عز وجل؟.

((يا عبدي, ماذا فعلت من أجلي؟ قال: يا ربي زهدت في الدنيا من أجلك، قال: أما زهدك في الدنيا فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك، ولكن ماذا فعلت من أجلي؟ قال: يا رب, وماذا أفعل من أجلك؟ قال: هل واليت فيَّ ولياً؟ هل عاديت فيَّ عدواً؟))
أي لو رأيت إنساناً متفلتاً يتهجم على الدين، ألم تحاول أن تقنعه بالدين؟ أو تقف موقفاً حازماً يرضي الله؟ لا يستطيع، لا خير فيه، ولا رغبة في إعانة إنسان على الحق، تأتي ابنة أخيك إلى المنزل, تلبس الثياب الفاضحة، أهلاً بابنة أخي، كيف حالك؟ لقد اشتقنا لكِ، لم نعد نراك، ألم يخطر في بالك أن تنبهها إلى هذا اللباس الفاضح؟ يقول لك: دع الناس وشأنهم، هذا هو حال المسلمين اليوم.
حال المسلمين اليوم: حي فيه بيت قد احترق، كل واحد منهم قال: لا دخل لي، إن لم ينهض كل سكان الحي في إطفاء الحريق، سوف يصل إليهم جميعاً بيتاً بيتاً, قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
[سورة الأنفال الآية: 25]
علامة العزيمة :
علامة العزيمة: الحركة بلا توقف ولا تردد.
قال لهم: أول قائد سيدنا أسامة بن زيد بن حارثة، ثاني قائد سيدنا جعفر، الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة، أول قائد أخذ الراية وقاتل حتى قتل، أخذها سيدنا جعفر فقاتل حتى قتل سريعاً، جاء دور سيدنا ابن رواحة، فأخذ الراية وتردد ثلاثين ثانية, قال: يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليتِ
إن تفعلي فعلهما رضيتِ وإن تولـيت فقد شقيـتِ

وأخذ الراية وقاتل بها حتى قتل، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل، وإني أرى له جناحين يطير بهما في الجنة، ثم سكت، فقلق أصحاب النبي على أخيهم عبد الله, قالوا: ما فعل عبد الله؟ قال: ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه))
هبط مقامه لأنه تردد، يجب أن لا يكون هناك تردد ولا توقف، ولا رياء ولا سمعة، ولا طلب محمدة، ولا جاه ولا منزلة، بل على العكس أي عائق يزيله، وأي صارف يغلقه، وأي موضوع جانبي ينصرف عنه، فهو ينقاد إلى العلم ليتهذب به، ويصلح شأنه، ويقصد إجابة داعي العلم كلما دعاه، يسأل ما الحكم الشرعي في هذا؟ إن كان حراماً تركه فوراً بلا تردد، لا يعلق تطبيق الأمر على معرفة حكمته، لأنه يعتقد أن علة كل أمرٍ أنه أمر، هو يقبل على تنفيذ الأمر إقبال العابد، فإذا أقبل على هذا التنفيذ, كشف الله له حكمته، فجمع بين العلم والعبادة، هذا لما يتحرك وينهض من فراشه، ويتوجه إلى بيت الله، ينهض من فراش وثير ليصلي الفجر في جماعة، يغلق محله ليحضر درس علم، يتعلم به، يذهب لعيادة مريض، حينما يتحرك هذه الحركة، صار قصده عزماً جازماً، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
باللغة الدارجة: قوموا يا شباب، هيا لا يوجد وقت، هذا النهوض، هو الدرس اليوم ، طبعاً: تنطلق إلى البيت, إلى المسجد, إلى عملك، إلى جامعتك، إلى دكانك، من أجل أن تكسب عملاً صالحاً ترضي الله به.
تعريف العزم :
تعريف العزم: هو القصد الجازم المتصل بالفعل، ولهذا قيل: إنه أول الشروع بالحركة لطلب المقصود.
مثلاً: رجل أراد أن يحج، ينهض الساعة الثامنة، يذهب إلى مديرية الحج، مطلوب قيد نفوس، لا حكم عليه، موافقة الجندية، دفع مبلغ، ذهب الساعة الثامنة إلى التجنيد, وأخذ موافقة، هذا الذي ينوي الحج.
إنسان أخذ شهادة ثانوية، ويرغب في الجامعة، يتتبع الصحف، علامات القبول، يشتري إضبارة، يقدم الوثائق، يحضر المصدقة ويصدقها، حركة، اليوم درسنا حركة, إذا لم توجد الحركة, لا يوجد شيء، في الحركة بركة، تدعو الرجل فيقول لك: إني مشغول، لا يوجد رغبة، لا تحرجني، أميل إلى الاسترخاء والنوم والاعتذار، أما بموضوع دنيوي للساعة الواحدة يسهر، موضوع متعلق بالدنيا يسهر إلى الساعة الثانية صباحاً، استوقف أحد ما في الطريق, قل له: مشروع, تجده يقف, نسي نفسه واقفاً، مضت ساعة ونصف وهو واقف، إذا موضوع مشروع، تكلمه عن الله تراه يتثاءب، يقول لك: لا تؤاخذني، إني قد سهرت البارحة حتى الساعة الثانية، وعندي موعد, وعندما تكلمه عن الله تجده يريد أن يغير الحديث.

فالعزم هو القصد الجازم المتصل بالفعل، لذلك قالوا: هو أول الشروع في الحركة لطلب المقصود.
والشروع في الحركة ناشئ عن العزم، أكثرنا دخل الجامعة، حسناً: كيف درست؟ حتى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة.
أنا أذكر عندما دخلت كلية الآداب، وطنت نفسي لأعرب كل يوم صفحة بكاملها، صفحة كان علي أن أعرف كل كلماتها، صرفاً, ونحواً، وبلاغة، وعروضاً، ومعنى، وتقطيعاً ، أحياناً كانت تأخذ الصفحة من وقتي عشر ساعات، كل الكتب أمامي، وكل المراجع، ما من إنسان يصل لشيء بلا ثمن، تجد الطبيب قد درس ثلاثاً وثلاثين سنة، ما من إنسان وصل إلى شيء دون جهد بالغ، هذه الدنيا تجد الإعداد لها أربعين سنة والاستمتاع عشر سنوات.
كثير من الناس يموتون في الخمسين، حتى استقر أربعين عاماً، حتى اشترى بيتاً وركب مركبة صغيرة، معترك المنايا بين الستين والسبعين، تجده في الثماني والأربعين، والسبع والأربعين، في الاثنين والخمسين تجده انتهى، انتهت الحياة، معقول أن تعد أربعين سنة لِعشر سنوات؟ والله هذه خسارة كبيرة، أما أن تعد للأبد فهذه سهلة جداً، شيء منطقي أن تعيش خمسين سنة تعد فيها لحياة أبدية تمام، أما لعشر سنوات فهذه مغامرة كبيرة.
أنواع العزم :
العزم نوعان: عزم على الدخول في طريق الإيمان، وعزم على متابعة السير في طريق الإيمان.
كل شيء أوله له بريق، أول شهر وحتى أول شهرين, من الدخول إلى المسجد، حينما يلتقي بأهل الحق, يقول لك المرء: أنا أعيش في جنة، لأنه منقول نقلة مفاجئة، من جو بارد، من صقيع إلى جو دافئ أو بالعكس، من جو حار لا يحتمل إلى جو مكيف، نقلة مفاجئة، هذا الإنسان كان في مكان حرارته 56ْ, ودخل إلى غرفة مكيفة، يقول لك: ما شاء الله، التكييف نعيم, لكن بعد ساعة لم يعد يشعر بالتكييف، لأنه استمر، وإذا دخل أحدهم من صقيع إلى غرفة دافئة، أول الدخول رائع، لكن بعد فترة ألفه، فبالإيمان يوجد في البدايات مرغبات، لكن بعد فترة يألف الحق، يألف المنطق الإسلامي، يألف الاستقامة، فتضعف همته، الآن أنت تريد عزيمة من نوع ثانٍ للمتابعة، تريد عزيمة دخول، وعزيمة متابعة.
العزم نوعان؛ عزم في البدايات، وعزم في المتابعة.

يوجد نقطة مهمة جداً: أن مقامات الدين ليست كمقامات الطريق، كرجل سافر إلى حلب، انتقل من دمشق إلى القطيفة، ثم غادرها إلى حمص، ثم غادرها إلى حماه، ثم غادرها إلى المعرة، ثم غادرها إلى حلب، أول منزلة ترافقك دائماً، تضاف لها الثانية، تضاف لها الثالثة، تضاف لها الرابعة، منازل ثابتة تتنامى لا تنقطع، هذا حال أهل الجنة، بدأ باليقظة فاليقظة مستمرة معه، انتقل إلى البصيرة فالبصيرة مستمرة، انتقل إلى العزم فالعزم مستمر، الله عز وجل قال:

﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 117]
التوبة مستمرة، واليقظة مستمرة، والبصيرة مستمرة، والفكرة مستمرة. النبي عليه الصلاة والسلام:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِـي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ:
((مَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
إِلا يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)) أليس فيها قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 3]
من لوازم العزيمة :
الصبر من مقامات العزم، الإنسان لعمل دنيوي يصبر، يقول لك: عملي شاق.
أحياناً الإنسان يضطر أن يصـب سقفاً في أيام الصقيع، يخرج من بيته الساعة السادسة، ويقف في الهواء, يتحمل الرياح الباردة، من أجل أجرة مفترضة، فالإنسان يصبر أحياناً على عمل شاق من أجل الدنيا، فكيف إذا صبر من أجل الله؟ فالصبر من لوازم العزيمة:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 72-73]
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, محور هذا الدرس: الأمور واضحة ليس إلا الله، لا إله إلا الله، وأنت مخلوق للجنة، والجنة تحتاج إلى عمل, قال تعالى:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 32]
وكل معصية لها عقاب, وكل حسنة لها ثواب، ومستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل أن تطيعه وتذل، ومستحيل أن تعصيه وتعز، هو الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وكلنا إلى الموت سائرون.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل البقيع يقول:
((أنتم السابقون ونحن اللاحقون))

وكل إنسان كذلك الأمر، أمير البحرين قابل وزير الدفاع الأمريكي، وبعد دقائق مات، الأمير يموت, الملك يموت، الغني يموت، الفقير يموت، القوي يموت، والضعيف يموت، الذكي يموت، والغبي يموت، الصحيح يموت، والمريض يموت، الشاب يموت, والكبير في السن يموت، وكل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، لو يعرف الإنسان دقائق جسمه، الموت أقرب إليه من شرك نعليه، يقول لك: سكتة ومات، ما هذا القلب؟ فيه كهرباء ونبض، إذا جاءت خارجة انقباض واحدة أطول مما ينبغي يتوقف القلب، كان شخصاً صار خبراً، ما الإنسان؟ كل حياتك, وفاعليتك، ونشاطك، ومكانتك، وهيمنتك، وشخصيتك، وأموالك كلها المنقولة وغير المنقولة، وأسرتك, وبيتك, ومكتبك, وسيارتك، وكل مكانتك مربوطة بواحد ميلي وربع, هو الشريان التاجي، مربوطة بنمو الخلايا، مربوطة بسيولة الدم، إذا الدم جمد جلطة، وإذا الخلايا تفلتت سرطان، وإذا الشريان ضاق, يقول: لك خناق صدري، وكل واحد منا تحت هذا الخطر، تحت رحمة الله، ما من أحد يعرف متى؟ .
شخص بأعلى درجة من النشاط, فجأة فقد حركته وكلامه، صار طريح الفراش، كان له محل تجاري، له حركة، ولكنها انتهت, صار عبئاً، هكذا الدنيا، لذلك:
الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
اعمل عملاً صالحاً, ثم متى يأتي أجل الله أهلاً وسهلاً, قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 158]
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يس الآية: 26]
دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:08 AM   #53


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و الخمسون )

الموضوع : شهود الاسماء والصفات







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل :
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أيها الأخوة, منزلة جديدة، ولعلها من أدق المنازل، وتحتاج إلى دقة انتباه وإعمال فكر، هذه المنزلة منزلة: شهود الأسماء والصفات.
أن ترى حقيقة أسماء الله الحسنى، هذه منزلة عالية جداً، هذه منزلة متعلقة بأصل الإيمان، لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل، وحينما تصح معرفة الله عز وجل يصح كل شيء، تخلص له, توحده، توحد وجهتك إليه، توحد النيّة، توحد الهدف، توحد الوسيلة.

انظر ما قاله بعض العلماء عن هذه المنزلة :
قال بعض العلماء: هذه المنزلة من أجل المشاهد ومن أعظمها, وهي أعلى منزلة مما قبلها ومما بعدها، أن تشهد حقيقة الأسماء الحسنى وحقيقة الصفات الفضلى، أن تكون على علم بالله، أن تتعرف إليه، وفرق كبير بين أن تعرف أمره ونهيه، وبين أن تعرف خلقه، وبين أن تعرف ذاته، أن تعرف أمره ونهيه، وأن تعرف خلقه، هذا شيء يكون بالمدارسة، وأي إنسان بإمكانه أن يحصل هذا العلم، لأن هذا العلم يحتاج إلى ذكاء، وإلى كتاب، وإلى مدرس بارع، يحتاج إلى مذاكرة, وإلى إعادة، هذا اسمه مدارسة.
فمعرفة خلقه ودقائق خلقه، ومعرفة أمره ودقائق أمره، هذا علم مدارسة، لكن أن تعرف ذاته هذا علم مكاشفة، المدارسة تتأتّى بكل إنسان، لكن المكاشفة لا تتأتّى إلا لمن جاهد في سبيل الله، لهذا قال بعضهم: جاهد تشاهد.

قاعدة :
معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ثمنها باهظ، ثمنها المجاهدة، نتائجها باهرة، وكل شيء ثمنه باهظ نتائجه باهرة، قاعدة، هذه قاعدة بالحياة، من أجل أن تستمتع بالرخام الصقيل الذي لا يتبدل لونه ولا يتغير له ثمن غالٍ، من أجل أن ترتاح بمركبة لا تقطعك هذه ثمنها غالٍ جداً، فكل نتيجة باهرة لها ثمن باهظ، وكل ثمن باهظ له نتيجة باهرة.
ماذا تعني كلمة الجهاد؟ :
قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الموضوع، الله عز وجل يقول:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
[سورة التوبة الآية: 19]
إنسان منعم, كثير المال, بإمكانه أن يوافق على إنشاء مسجد, فله الأجر وعظيم الأجر إن شاء الله، ولكن هذا ما كلفه إلا أن يوافق، أما حينما يجاهد نفسه وهواه، وبالمناسبة: يقع معظم الناس في خطأ لا أقول جسيم، لكن في خطأ، كلما سمعوا كلمة جهاد, انصرف ذهنهم إلى الجهاد القتالي، مع أن كلمة جهاد تعني أشياء كثيرة، من جملة ما تعنيه الجهاد القتالي, لكن لها معان أخرى، فالذي يجاهد نفسه وهواه هذا جهاد, بل إن هذا هو الجهاد الأول، بل إن هذا هو الجهاد الذي ليس قبله جهاد، جهاد النفس والهوى، لأن المنهزم أمام نفسه لا يمكن أن يفعل شيئاً، لا يمكن أن يجاهد العدو، لا يمكن أن ينشر الحق.
فكلمة الجهاد تعني جهاد النفس والهوى، وكلمة الجهاد تعني الجهاد الدعوي، قال تعالى: وجاهدهم به جهاداً كبيراً، وسمّى هذا الجهاد جهاداً كبيراً، وجهاد النفس والهوى والجهاد الدعوي متاح لكل مسلم في أي مكان وفي أي زمان، وحينما لا يتاح لنا الجهاد القتالي نمارس الجهاد الدعوي، وقد سماه الله جهاداً كبيراً.

هل تعتبر منزلة شهود الأسماء والصفات من أعلى منازل مدارج السالكين؟ :
على كل؛ معرفة الأسماء والصفات بل شهود حقيقة الأسماء والصفات, من أعلى منازل مدارج السالكين، من أعلى منازل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أن تشهد أسماء الله الحسنى، من هنا كانت موضوعات أسماء الله الحسنى التي تفضل الله بها علينا في هذا المسجد مائة موضوع, مائة اسم، ولكل اسم درس، وقد لاقت قبولاً حسناً والحمد لله، لأن الإنسان من خلال هذه الدروس يتعرف إلى الله، المعرفة التفصيلية, المعرفة اليومية, المعرفة التي تعطيه دافعاً قوياً, كي يتصل بهذا الإله العظيم.
بل إن معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، بل إن منزلة شهود الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، من أجل المنازل ومن أعظمها، ومعرفة أسماء الله الحسنى من أجل المعارف ومن أشرفها.

قف عند هذا الكلام الدقيق :
الآن كلام مكثّف جداً: تعلمنا في الجامعة: أن هناك أسلوب في الكتابة مركز جداً, لا يمكن أن يلخص، لا تستطيع أن تحذف كلمة ولا حرف جر، فمثل هذا الكلام, يجب أن يقرأ كلمة كلمة، كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، اسمه العدل فهو عادل، اسمه القدير فهو قادر، اسمه العليم فهو عالم، علام الغيوب، كل اسم يقتضي صفة، طبعاً في عالم البشر, لا، اسمه كامل وهو ناقص, فاسمه محسن وهو مسيء، اسمه أنور وهو أظلم، في عالم البشر قد يتناقض الاسم مع المسمى.
وقال بعضهم كلمة أعجبتني: التصوف كان مسمى بلا اسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، كان مسمى مضمون، كان أصحاب النبي في أعلى درجة من الإخلاص, وفي أعلى درجة من الحب والشوق، وفي أعلى درجة من البذل والعطاء، قمم، كان التصوف مسمى بلا اسم، فانتهى به الأمر إلى اسم بلا مسمى.
فكل اسم من أسماء الله الحسنى له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل، فالله عز وجل عدل اسمه العدل، صفته عادل، العادل سوف يبطش بالظالم، الصفة لها مقتضى، الاسم له صفة، والصفة لها مقتضى من فعل لا زم أو متعدٍ، لذلك الفعل تعلق بمفعول وهو من لوازمه، له الخلق وله الأمر، هناك الثواب وهناك العقاب، كل هذا من آثار أسماء الله الحسنى، الله له اسم, والاسم له صفة، والصفة لها مقتضى، عدل عادل ينصف المظلوم ويبطش بالظالم، حتى معنى كلمة منتقم من معانيها: أنه يوقف المنحرف عند حده، ينتقم منه أن يقمعه, ويكف شره عن الناس، والمنتقم هو الذي يحق الحق.

انتبه إلى هذه الحقيقة :
الآن يوجد حقيقة: من عادتي في بعض الدروس, أن أضع بين أيدي الأخوة الكرام حقيقة مركزة جداً، والحقيقة فهمها سهل، لكن أن تعيشها هذا يحتاج إلى جهد كبير.
قلت مرة: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
أيها الأخوة, لو عقلنا هذه الجملة وهي من العقيدة الصحيحة، لا يمكن أن يدخل حزن على قلب إنسان, كل شيء وقع أراده الله، الذي وقع أراده الله، والذي لم يقع ما أراده الله، والذي أراده الله وقع، والله عز وجل حكيم رحيم, لطيف قدير, غني عدل، فكل أسمائه داخلة في أفعاله، وهذا تفسير بعض العلماء, حينما يقول الله عز وجل: إنّا تدل على الجمع:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 9]
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً﴾
[سورة الإنسان الآية: 23]
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
[سورة يس الآية: 12]
قال: إذا جاء الحديث عن الله عز وجل بصيغة الجمع, فمعنى ذلك: أن أفعاله كلها داخلة فيها أسماؤه الحسنى.
هل يمكن أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها؟ :
الآن: من المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها.
مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن صفاتها، وأن تعطل الصفات عن مقتضياتها، الله عز وجل عدل, مستحيل ألا يكون في أفعاله عادلاً، مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها، ومستحيل وألف مستحيل أن تعطل الأوصاف عن ما تقتضيه وتستدعيه من أفعال، وتعطيل الفعال عن المفعولات, كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته، الله ذات كاملة، هذه الذات الكاملة لها أسماء، هذه الأسماء لها صفات، هذه الصفات لها أفعال، فمن عطل فعل الله، عطل فعل الله عن صفاته، وعطل صفات الله عن أسمائه، وعطل أسماء الله عن ذاته، وهذا مستحيل.

ما وراء هذا المثال :
لذلك يمكن أن تستنبط حقائق وأنت مطمئن، أضرب لكم مثلاً:
يكون هناك إنسان داخل في القضاء بدعوة عمرها عشر سنوات، والأمر قضية بيت وثمنه ثلاثون مليون، وعليه منازعة على ملكيته بين الورثة، ويوجد وثيقة من الأب, ادعى الخصم أنها مزورة، وجيء بخبراء للخط، وقضية وغم وهم عند الأطراف جميعاً، قد يتصل بك المحامي, ويقول لك: الدعوة ربحت, يقول له: هل صدر القرار؟ يقول له: لا, ولكن وجدت اجتهاداً في محكمة النقض لصالحك، إذا قرأ كلمتين بمجلة تصدرها وزارة العدل، وهاتين الكلمتين اجتهاد لمحكمة النقض، وهي أعلى محكمة لصالح هذا المدعي، يقول لك المحامي: ربحنا الدعوة، تفاؤلاً طبعاً، وإذا كان هناك نص قرآني, قال لك:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 156]
وقال لك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
وقال لك: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
ألا تصدق؟ قال لك: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
قال لك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
قال لك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
يوجد ألف آية مطمئنة: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[سورة المائدة الآية: 18]
معنى ذلك: أن الله لا يعذب أحبابه، فأنت يمتلئ قلبك طمأنينة حينما تقرأ اجتهاداً لمحكمة النقض، ولا يمتلئ قلبك أمناً وسلاماً حينما تقرأ آية يعد الله بها المؤمنين بالسلامة والنصر.
حينما قال الله عز وجل:

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 173]
زوال الكون أهون على الله من أن تكون جندياً له ثم لا ينصرك، قال:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة غافر الآية: 51]
قال لك: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
قال لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 12]
انظر للكفار كم هم متغطرسون؟ جبابرة بطاشون يتحدون الشعوب كلها، قال لك:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 12]
قضية هامة :
أخواننا الكرام, حينما تشهد أسماء الله الحسنى, وصفاته الفضلى, وتقرأ كلامه, تشعر بأنك أقوى إنسان، إذا كان معك وعد من الله، وإذا كان وعيد يغطي إنساناً، يشعر هذا الإنسان أن الله مهلكه لا محالة:
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾
[سورة الرعد الآية: 11]
أيها الأخوة, من المستحيل تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، أنا أركض لأقبض على فلان هذا فعل، لكن لم أستطع أن أقبض عليه، عطلت الفعل عن مفعوله، هل أنتم منتبهون؟ أحفر بئراً لأصل إلى الماء، لم أصل إلى الماء، عطلت الفعل عن مفعوله، الاسم يقتضي صفة ، والصفة تقتضي فعلاً، والفعل يقتضي مفعولاً، فمن عطل المفعول عن فعله، والفعل عن صفته، والصفة عن اسمه، والاسم عن ذاته، هذا صفر بالإيمان.
هذا ما أنكره العلماء :
قال: إذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حكماً ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه، أوصافه مثلى فضلى، أسماؤه حسنى، أفعاله حكيمة، لذلك أي تعطيل لهذه الأسماء والأفعال والصفات هو إنكار لبعض أسماء الله الحسنى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾
[سورة فصلت الآية: 40]
لهذا ينكر العلماء على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به، عطله عن أمره: رجل أنجب أولاداً, ولم يتكلم معهم بأي كلمة، أكلوا, حرقوا نفسهم بالمدفأة، تناولوا طعاماً سيئاً، جرح يده، الأب صامت، ضرب بعضهم بعضاً، كسروا الآنية، أكلوا طعاماً مسموماً، أمسكوا بالتيار الكهربائي فصعقوا، الأب صامت، هل هذا أب؟ مستحيل، الأب له أمر وله نهي، فإذا قلت: الله لم يأمر ولم ينه، ممكن أن تكون الآن قضية معقدة، ليست مغطاة بالتشريع، الله عز وجل عطلناه عن أمره ونهيه، الله ماذا قال؟ قال:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[سورة النساء الآية: 59]
معنى ذلك: أنه ما من قضية متنازع فيها إلى يوم القيامة, إلا وفي الكتاب والسنّة ما يغطي حكماً لها، لكن أقول: علمه من علمه وجهله من جهله.
إذاً: كل من عطل ذات الله عن أمره ونهيه, أو عطله عن ثوابه وعقابه.

هذا سوء الظن بالله :
إذا قال لك: إن الله عز وجل يعطي النعم من ليس أهلاً لها، معنى ذلك: أنه ليس عنده حكمة، وليس عنده عدل، معناها أن الإنسان المنحرف يكرمه والمستقيم يعاقبه، يقول لك مثلاً شخص: هذا ملكه نحن ليس لنا علاقة، ممكن أن نعبده طوال حياتنا ويضعنا في جهنم, ما هذا الكلام؟ أهكذا ظنك بالله؟ أنت من الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء, ينصر أعداءه ويقويهم، ويخذل أولياءه ويضعفهم، ويجعل الدائرة تدور على أوليائه, ويضع من استنفذ عمره كله في طاعته في النار، ومن ناصبه العداء في الجنة، وتقول: يفعل ما يشاء, ويفعل ما يريد، الملك ملكه، هكذا ظنك بالله؟ والله من ظن هذا الظن, لا يعرف الله أبداً إطلاقاً، هذا سوء ظن بالله، أساساً الله عز وجل قال:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
هناك أناس كثيرون نحن عبيد بملكه، إن شاء عذبنا، وإن شاء رحمنا، من غير ضابط.
الله قال:

﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
حيث ما جاءت على مع لفظ الجلالة، فتعني: أن الله ألزم نفسه بالاستقامة، قال:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
قال:
﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
انظر: كم هي دقيقة؟ قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 147]
قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
قال: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر الآية: 17]
قال: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 77]
ولا نقير ولا قطمير: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
[سورة الروم الآية: 9]
﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
[سورة لقمان الآية: 16]
من هؤلاء الذين لم يقدروا الله حق قدره ولم يعظموه حق تعظيمه؟ :
فمن عطله عن أمره ونهيه, هناك بعض القضايا ليس لها حكم شرعي، يا أخي شيء يحيّر، أفيدونا، إذا قال: هناك قضايا ليس لها حكم شرعي, معنى ذلك: أنه ما قرأ القرآن, لم يقرأ:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
لم يقرأ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 38]
لم يقرأ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
[سورة النساء الآية: 59]
من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، نسبه إلى ما لا يليق به، ونسبه إلى ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيء مما حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره، وما عظمه حق تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة.
هل من الممكن الله عز وجل يخلق الخلق ويدعهم بلا أمر ولا نهي؟ الآية الكريمة من أدق الآيات:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 91]
عطلوا ذات الله عن الأمر والنهي، فمعنى ذلك: أن الله ليس له تعليمات, ليس له توجيهات، خلق الخلق سدى, قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾
[سورة القيامة الآية: 3]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 115]
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
[سورة القيامة الآية: 36]
الجامعة مثلاً: أليس فيها فحص ولا شهادات؟ هذا داوم, هذا لم يداوم، هذا سرق كتاباً من المكتبة، هذا قرأ الكتاب، طالب قرأه وطالب سرقه هل يستويان؟ لا يوجد حساب؟ هذا يتنزه عنه إنسان لا خالق الأكوان: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 91]
وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾
[سورة الزمر الآية: 67]
يعني ذلك أنه هناك حساب، وتسوية حسابات، وقوف بين يدي الله، إنسان يعيش على أنقاض الناس، وإنسان يعيش الناس على أنقاضه كالأنبياء، هل يستويان؟ إنسان يعيش على أنقاض الناس, والأنبياء عاش الناس على دعوتهم, وعلى جهدهم, وعلى بطولتهم, وعلى بذلهم وعطائهم:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
ما أسباب انقباض الناس؟ :
ما أسباب انقباض الناس؟ لأنها بعيدة عن التوحيد، إذا رجل بعيد عن الله, وسمع ما يقوله الأقوياء, وكيف يتحدون الشعوب الضعيفة؟ كيف يعيشون على أنقاض العالم؟ سيختل توازن الإنسان, لكن بالتوحيد يستعيد توازنه:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196-197]
هذا الذي يجب أن ينتظره الإنسان :
أيها الأخوة, لله عز وجل في كل وما قضاه وقدره الحكمة البالغة، حكمة ما بعدها حكمة، ولكن نحن إما أن نكشف طرفاً منها أو أن نعجز عن فهم هذه الحكمة، كمثل هذا الرجل الذي جعل من بيت النبوة دار دعارة سلمان رشدي، كيف سمح الله له بهذا؟ حبيبه سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، كيف سمح لإنسان ساقط حقير من أن يجعل من بيت النبوة بيتاً للدعارة؟
عشرون ألف بريطاني أسلموا بسبب هذا الكتاب، لما قرؤوا هذا الكتاب لم يصدقوه، فبحثوا عن الحقيقة وأسلموا، الله عز وجل له حكمة بالغة, قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 112-113]
سمح الله عز وجل أن تنشر كتب, فيها ضلالات، فيها انحرافات، فيها اتهامات، فيها طعن، فيها غمز، فيها لمز، وتطبع طبعات كثيرة جداً لحكمة بالغة، هذه الكتب تعني اللقاحات للمؤمنين، اللقاح جرثوم ولكنه ضعيف، الجسم يهيىء مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فلما تظهر شبهات وضلالات، المؤمن يبحث عن جواب، عن رد، يضاعف جهده، يسأل علماءه، يتحقق يدقق فيقوى إيمانه، لذلك دائماً الله عز وجل يوظف الشر للخير المطلق.
هل تصدقون: أن أربعين ألف جندي أمريكي أسلموا في حرب الخليج؟ لأنك أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، الإنسان عليه أن ينتظر حكمة الله عز وجل, لعل الله عز وجل حينما قال:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 5]
من هو أكمل الناس عبودية لله عز وجل؟ :
كل اسم له تعبد مختص به، كل اسم من أسماء الله الحسنى له تعبد خاص به، علماً ومعرفةً وحالاً، وأكمل الناس عبودية لله عز وجل هو: المتعبد له في جميع أسمائه وصفاته، أي يعبد اسم الله الحليم فيكون حليماً، ويعبد الحكيم فيكون حكيماً، ويعبد القوي فيكون قوياً في دين الله، ويعبد الرحيم فيرحم الخلق، ويعبد اللطيف فيتلطف في الخلق، ويعبد العدل فينصف في أحكامه، كل مؤمن إذا عبد الله بكل أسمائه حق العبادة فهو في الصف الأول، لا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسم القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، الله قدير، فهو إذا بطش بطش، أعبده باسم القدير، وأعبده باسم الحليم الرحيم.
وقد يحجبه اسم المعطي عن اسم المانع، أو اسم المانع عن اسم المعطي، وقد يحجبه اسم الرحيم عن اسم المنتقم، أو المنتقم عن الرحيم، ويحجبه اسم التودد والبر عن اسم العدل والجبروت والعظمة والكبرياء، يجب أن تعبد الله بكل أسمائه، ما دمت قد عرفت طرفاً من كمالاته من خلال أسمائه، ينبغي أن تعبده بكل أسمائه.
قال: وهذه طريقة الكمّل من السائرين إلى الله عز وجل، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
ادع الله باسم الرحيم تارة ليرحم العطشى، ادع الله باسم الجبار المنتقم لينتقم من الظالمين، وادع الله باسم اللطيف ليتلطف بنا، وادع الله باسم المعطي ليعطينا، اعبد الله بكل أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى.
والدعاء -كما تعلمون- يكون دعاء مسألة, ودعاء ثناء, ودعاء تعبد، فهو يدعو عباده ، يعرفونه بأسمائه وصفاته، وأن يثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، ادع الله بأسمائه داعياً، وادعوه مثنياً عليه، وخذ حظاً من هذه الأسماء.

هذا ما عده العلماء في دعاء يونس عليه الصلاة والسلام :
سيدنا يونس عندما وقع في بطن الحوت, نادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أثنى على الله، فعدّ العلماء الثناء دعاء، والدليل:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 76]
لم يقل: يا ربي أخرجني، قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 87]
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 88]
هذا ما يحبه الله :
آخر نقطة في الدرس: الله عز وجل عليم يحب كل عليم، يحبك أن تكون فهماً حصيفاً عاقلاً محصلاً للعلم، الله يحب العلماء، إن الله عالم يحب كل عالم.
الحقيقة: لن تستطيع أن تتقرب إليه إلا بأسمائه، الله رحيم يحب الرحيم.
إنسان يشاهد حيواناً دُهِسَ, وما زال على قيد الحياة، يحمل الحيوان, ويركب سيارة خاصة، ويذهب إلى مستشفى بيطري ويعالجه هذه رحمة، ليس له علاقة بالحيوان، لا يوجد أي نفع يأتيه منه، الله عز وجل غفر لبغي سقت كلباً، الله يحب الرحيم, جواد يحب كل جواد، الله لا يحب البخيل، إذا أردت أن يحبك الله تقرب له بأسمائه، هو جواد كن جواداً يحبك الله، هو عليم اطلب العلم يحبك الله، هو رحيم ارحم من في الأرض يرحمك الله، هو عدل كن عادلاً مع أولادك مع من حولك مع موظفيك يحبك الله عز وجل، جميل يحب الجمال، تنظف, رجّل شعرك، تعطر, اجعل ثيابك نظيفة، حاول أن يكون هناك ألواناً منسجمة في ثيابك، لك مظهر مقبول براق، الله يحبك، إن الله جميل يحب الجمال، بعض الناس فهموها فهماً آخر: يملأ عينيه من الحسناوات، ويقول لك: إن الله جميل يحب الجمال! هذا فهم شيطاني.
عفو يحب العفو، الله يكره المنتقم بالمعنى الأرضي، أما المنتقم بمعنى كاسم من أسمائه الحسنى، هو الذي يقمع الظالمين يقمعهم ويوقفهم عند حدهم، حيي يحب الحياء وأهله، هذا الوقح المتعالي المتعجرف لا يحبه الله، يحب الحيي.
كان عليه الصلاة والسلام أشد حياءاً من العذراء في خدرها، بر يحب الأبرار، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، حليم يحب الحلماء، لأنه يحب خلقه, يتوب عليهم, ويغفر لهم, ويعفو عنهم, ويصفح عنهم، ويحب من يعفو ويتوب ويصفح من عباده.

خلاصة القول :
أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وضحت لكم هذه الحقائق: الذات تقتضي أسماء، والأسماء تقتضي صفات، والصفات تقتضي أفعال، والأفعال تقتضي مفاعيل، فمن عطّل فعل الله عن مفعوله, وصفاته عن أفعاله, وأسمائه عن صفاته, وذاته عن أسمائه, فقد ألحد، الله عز وجل لا يمكن أن يصف نفسه بصفة لا معنى لها, ما دام سمّى نفسه العدل، فصفته أنه يعدل، ويعدل له فعل، والفعل هو أنه سينتقم من الظالم وسينصف المظلوم، وهناك شواهد كثيرة جداً:
إنسانة تسكن في بيت أبيها، فجاء الأخ من بلد راقٍ جداً, معه ثروة طائلة, احتلّ البيت, غيّر ترتيبه، جدده تجديداً كاملاً، فرشه بالأثاث، ومعه زوجة ومعه أولاد، لا يريد أخته، وأخته لها حصة في البيت، عمل على طردها، قال لها: اذهبي لعند أهلك، عند أخوتك، بيتها تسكن فيه، استولى على البيت وجدده وفرشه، وهيأ كل شيء ليعيش مع زوجته وأولاده حياة ناعمة في هذا البيت, وطرد أخته، بعد أسبوع من سكناه في البيت, دخلت زوجته الحمام، فارقت الحياة، وعنده أولاد، فصار يرجو أخته أن تعود إلى البيت لترعى الأولاد، يرجوها ويخاف ألا تقبل, الله عدل، طبعاً الزوجة ماتت في أجلها، لكن انتقم منه انتقاماً شديداً:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
تعامل مع الله بهذا الفهم الدقيق، الله له ذات واسم وصفة وفعل ومفعول، فإياك أن تقع تحت طائلة العدل، إياك أن تتعامل مع الله على أنه لا يعلم, أو على أنه لا يرحم, أو على أنه لا يعدل, إياك: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 12]
أيها الأخوة, هذه المنزلة منزلة شهود الأسماء والصفات.
الشيء الدقيق في الدرس: لا تستطيع أن تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً تتقرب به إليه، هو عادل يحب العدل، هو كريم يحب الكرم، هو عليم يحب العالم، هو جميل يحب الجمال، هو رحيم يحب الرحيم، هو حليم يحب الحليم، لا تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً يكون وسيلة لك إليه هكذا, الله لا يقرب إلا الكامل، أما الأقوياء يقربون أي إنسان أعلن الولاء، أما ملك الملوك لا يقرب إلا الكامل؛ بقدر انضباطك يقربك الله، بقدر ورعك.
النبي الكريم كان جائعاً, رأى على السرير تمرة فأكلها، -هكذا قرأت-، قُطع الوحي عنه أسبوعين.
الله يحب الورع، قال أبو حنيفة النعمان: ما وقف في ظل بيت مرتهن عنده، لئلا ينتفع بالرهن، من شدة الورع، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
دعاء الختام :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:11 AM   #54


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع : الفرار الى الله










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الفِرار، هذه المنزلة مستنبطة من قوله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
وحقيقة الفرار: الهروب من شيءٍ إلى شيء، من شيءٍ مخيف إلى شيءٍ آمن، من شيءٍ مزعج إلى شيءٍ مُطَمْئِن. أنواع الفرار :
أيها الأخوة, والفرار نوعان؛ فرار السعداء وفرار الأشقياء، فرار السعداء إلى الله عزَّ وجل، وفرار الأشقياء فرارٌ منه لا إليه، فرارٌ منه إلى الدنيا، إلى المعاصي، فرار السُعداء فرارٌ من الدنيا إلى الله، أما فرار السعداء الفرار منه إليه، ففرار أوليائه.
هذا ما قاله ابن عباس وآخرون في معنى هذه الآية :
قال ابن عباس في قوله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
أي فروا منه إليه، من عقابه إلى جنَّته، من معصيته إلى طاعته، فروا مما سوى الله إلى الله، فروا من الأغيار إلى الله، فروا من الشُركاء إلى الله.
وقال آخرون: اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة، عملية فرار من شيء مخيف إلى شيء مُسْعِد، وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
فالفرار منزلةٌ من منازل السالكين إلى الله عزَّ وجل. من معاني الفرار أيضاً :
هناك معنى آخر للفرار: فرارٌ من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً، من الجهل إلى العلم، أن تعتقد وأن تسعى، ومن الكسل إلى التشمير جِدَّاً وعزماً، ومن الضيق إلى السَعَةِ ثقةً ورجاءاً، من الجهل إلى العلم اعتقاداً وسعياً، من الكسل إلى التشمير جداً وعزماً، ومن الضيق إلى السعة ثقةً ورجاءاً.
يقول عليه الصلاة والسلام:

((شمروا فإن الأمر جد))
شمروا هذه منزلة الفرار. ((تأهبوا فإن السفر قريب))
((تزودوا فإن السفر بعيد))
((أخلصوا النية فإن الناقد بصير))
((أكثروا الزاد فإن المسافة بعيدة))
((خففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود))
((جدد السفينة يا أبا ذر فإن البحر عميق))
((شمروا فإن الأمر جد))
عملية الفرار عملية فيها درجة عالية من الاهتمام والجدية والعزيمة. أنواع الجهل :
1-عدم العلم :
أيها الأخوة الكرام, الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع جهلٌ, وعدم العمل بموجبه ومقتضاه جهلٌ، الجاهل هو الذي لا يعلم، والجاهل هو الذي لا يعمل، والدليل:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 67]
هذا جهل العلم، أعوذ بالله أن لا أعلم، أن الاستهزاء ليس من شأن الأنبياء، أعوذ بالله أن أكون جاهلاً بهذا الأمر، نقلته لكم بأمانةٍ عن الله عزَّ وجل، فالجهل نوعان: عدم العلم، وعدم العمل.
2-عدم العمل :
أما عدم العمل: كقول سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما قال :
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
أن يصبو الإنسان إلى امرأةٍ لا تحل له هذا جهل، ليس جهل علمٍ ولكنه جهل عمل، فالذي لا يعلم جاهل، والذي يخطئ جاهل:
ألا لا يجهـلـن أحدٌ علـينـا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أي أعوذ بالله أن أرتكب ما هو حرام، هذا معنى جهل العمل، لذلك: كل من يعصي الله عزَّ وجل مدموغٌ بالجهل، كل من يجهل حقيقةً أساسيةً في حياته مدموغ بالجهل، من يعرفها ويخالفها مدموغٌ بجهلٍ مُرَكَّب.

ماذا تبين لنا هذه الآية؟ :
الله عزَّ وجل في سورة الفاتحة يأمرنا أن نقول:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 6-7]
﴿غير المغضوب عليهم﴾
هؤلاء الذين عرفوا وانحرفوا، جهل عمل، ﴿ولا الضالين﴾
جهل علم، الضالون ما عرفوا وانحرفوا، انحرفوا لأنهم ما عرفوا، أما المغضوب عليهم عرفوا وانحرفوا، فجهلهم جهل عمل، الله عزَّ وجل يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾
[سورة النساء الآية: 17]
هذا الذي لا يعلم, ذنبه سريع الغفران، الذي يعمل السوء بجهالة, هؤلاء توبتهم سريعة وسهلة. هذا ما قاله قتادة :
وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن كل ما عُصِيَ الله به فهو جهالة، وقال غيره: أجمع الصحابة: أن كل من عصى الله فهو جاهل.
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ))
[أخرجه الدارمي في سننه]
((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله, وكفى به جهلاً أن يعصيه))
من يعصي الله فهو جاهل. ما المقصود بالفرار من هذه الآية؟:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
الفرار هنا من الجَهْلَين: من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقاداً ومعرفةً وبصيرةً، ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصداً وسعياً، فإذا الإنسان رأى مكاناً يحترق وفي مكان لا يحترق، يفر بجديةٍ ما بعدها جدية, من مكان الحريق إلى مكان البرد والثلج.
فالفرار فرارٌ من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقاداً ومعرفةً وبصيرةً، ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصداً وسعياً.
والفرار أيضاً: أن يفر الإنسان من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل.

قف هنا :
فالإنسان أمام بعض العبادات، أمام بعض الأعمال الطيبة, تحتاج إلى جهد، إلى عزيمة ، تجد من يقول لك: ابق، الله يرزق العباد، في من يدعوك إلى الكسل، من يدعوك إلى أن لا تنفق، إلى أن لا تعمل، إلى أن تخلُد إلى الراحة، إلى أن تسترخي، وفي من يدعوك إلى العمل ، حي على الفلاح، الجد ها هُنا صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور، المنافقون, قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 142]
الجد صدق العمل, وإخلاصه من شوائب الفتور, ووعود التسويف والتهاون، وقد هلك المسوِّفون، كلما هموا أن يتوبوا يقولون: غداً نتوب، بعد انتهاء الدراسة، بعد نيل الشهادة، بعد الزواج، بعد تأسيس عمل، بعد شراء بيت، يمضي كل حياته وهو يسوِّف إلى أن تأتية المَنِيَّة.
هذا ما يأمرنا به الله :
والله عزَّ وجل يأمرنا أن نتلقَّى أوامره بالعزم والجد، هذا معنى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
قال: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾
[سورة البقرة الآية: 93]
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 145]
﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾
[سورة مريم الآية: 12]
أي بجدٍ واجتهادٍ وعزمٍ, لا كمن يأخذ ما أُمِرَ به بترددٍ وفتور. من معاني الفرار إلى الله أيضاً :
من معاني الفرار إلى الله: أن تهرب من ضيق الصدر بالهم والغم والحزن والمخاوف التي تعتري الإنسان في هذه الدار, إلى سعة الإيمان وأُفُقِ الإسلام ورحابة طاعة الرحمن.
الفرار مما يتعلق بأسباب مصالحه، الإنسان له مصالح متشابكة, في أرض لم تسجَّل، في بيت لم يتم بيعه، في شركة لم يتخالص فيها الشركاء، في إرث لم يوزَّع، هذه كلها هموم ساحقة وضاغطة وماحقة، فالإنسان يهرب من هذه المصالح وما يتعلَّقُ بها من ماله وبدنه وأهله وعدوه، يهرب من ضيق صدره إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى، وكأن الإنسان إذا حج بيت الله الحرام, يقول: لبيك اللهم لبيك، استجابةً لك يا رب بعد استجابة، وكأن الله يدعوه, ويقول: تعال إلي يا عبدي، تعالَ اخرج من همومك، ومن ضيق صدرك، ومن ثقل مصالحك، تعال إلي، حُط همومك عندنا.
إذاً: المؤمن يفر من ضيقٍ يعتريه، من ضيق الهم، وضيق الغم، وضيق الحزن, إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى، وصدق التوكل عليه، وحسن الرجاء لجميل صنعه به، وتوقع المرجو من لطفه وبره.
ومن أحسن كلام العامة: لا هم مع الله، أي أنه على كل شيء قدير، كل من حولك بيد الله، الأقوياء بيده، والضُعفاء بيده، وأهلك بيده، أعضاؤك بيده، أجهزتك بيده، خلاياك بيده، نمو الخلايا بيده، أعضاؤك النبيلة بيده، لا هم مع الله، من عرف الله ليس له هم، الأمر كله عائدٌ إليه، وقال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[سورة الطلاق الآية: 2-3]
كن عن همـــومك معرضا وكِــل الأمور إلى القــضا
وأبشــر بخـيـرٍ عـاجـلٍ تنسـى به مـا قـد مـضـى
يـا ربَّ أمــرٍ مـســخطٍ لـك في عـواقــبه رضـى
ولربَّمـا ضــاق المضيـــ ــق وربَّمـا اتســع الفضا
الـلـه يـفـعــل مـا يشـ ــاء فـلا تكـن مـعتـرضا
الـلــه عـوَّدك الجـمـيـل فـقــس على ما قـد مـضى
* * *
يا رب نازلةٍ ضاق بها الفــتى ذرعا وعنـد الله مـنها المخـرج
نزلت فلما استحـكمت حلقاتهـا فرجت وكان يظن أنها لا تــفرج

ما تفسير هذه الآية؟ :
أحد العلماء في تفسير قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
قال: يجعل له مخرجاً من كل ما ضاق على الناس.
وقال بعضهم: مخرجاً من كل شدة، وهذا جامعٌ لشدائد الدنيا والآخرة، ومضائق الدنيا والآخرة، فإن الله جلَّ جلاله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس, واشتد عليهم في الدنيا والآخرة مخرجاً.
وقال بعضهم والإمام الحسن منهم: مخرجاً مما نهاهم عنه، ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
من معاني هذه الآية :
الآن: كلما كان العبد حسن الظن بالله، حسن الرجاء له، صادق التوكُّل عليه، فإن الله لا يخيب أمله فيه البَتَّة، سبحانه لا يخيِّبُ أمل آمل، ولا يضيع عمل عامل، وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة, فإنه لأشرح للصدر, وأوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله, ورجائه له, وحسن ظنه به، هذا معنى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
من الضيق إلى السَعَة، من الخوف إلى الطمأنينة، من هموم الدنيا إلى التطلع للآخرة.
دقق في معنى هذا الكلام :
الآن لو تعمقنا قليلاً: هناك فرار من الرسوم إلى الأصول، من مظاهر الدنيا، من قصورها، من بيوتها، من نسائها، من مركباتها، من تجارتها، من أموالها، من حدائقها، من بساتينها، من الرسوم إلى الأصول، ومن الحظوظ إلى التجريد، أرباب العزائم لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها, بل يعتدون بأرواحها وحقائقها، فلا يرضى أن يصلي صلاة جوفاء، ولا أن يصوم صياماً لا معنى له، ولا أن يحج البيت سائحاً، ولا أن ينفق ماله رئاءاً, الصور لا تعنيه كثيراً تعنيه الحقائق، وهم حينما عملوا بهذه الحقائق جعلوها هي المطلوبة، ولم يجعلوا هذه الصور من مقصدهم ولا منتهى آمالهم, بل جعلوا حقائقها هي المطلوبة.
هناك ولا أعتقد أن هذه الفرق الآن موجودة، فرقٌ ضالة قالت: نحن مع الله دائماً فلمَ نصل؟ .
نحن نريد الحقائق لا الصور، هذه الفرق في الأعم الأغلب ليس لها وجود الآن، هؤلاء سعوا في الظاهر إلى حقائق الأمور، وألغوا ظواهرها، وإلغاء ظواهرها زندقة، فالذي لا يصلي.
هناك من يقول ولكن عن جهل: أنا لا أحقد على أحد، لماذا الصلاة؟ من أجل أن لا أؤذي أحداً، وأنا لا أؤذي أحداً، أظن أنه عندما ترك أمراً إلهياً الله عزَّ وجل أمره به، هو أفلح بذلك، مثل هؤلاء ضلوا ضلالاً بعيداً، وافتروا على الله كذباً, حينما أرادوا أن يبحثوا عن حقائق الأمور, فألغوا صورها كلِّيَةً.

ما معنى فروا من حظوظهم؟ :
ما معنى أيضاً: فروا من حظوظهم؟ .
قال العلماء: كل ما سوى مراد الله الديني منك, كائناً من كان, حظٌ يتناقض مع الإقبال على الله، المطالب الدنيوية، مطالب المادة، هذه الحظوظ تعيق حركتك إلى الله عزَّ وجل، هذا الذي فر من حظوظه إلى حقائق الأشياء، وفر من صورها إلى جوهرها، هؤلاء لا يقنعون من الله بأمر يسكن إليه دون الله، لا يطمئن إلا لرضاء الله عنه، لا يطمئن لعمل وهو ليس مقبلاً على الله عزَّ وجل، لا يفرح بما حَصَلَ له دون الله، لا يأسَ على ما فاته من سوى الله، لا يستغني برتبةٍ شريفة, وإن عظمت عنده, أو عند الناس، لا يستغني إلا بالله، فهناك مراتب علية حتى في الدين، مناصب عالية جداً، ألفاظ كبيرة، هذه الألقاب الكبيرة، هذه المناصب الرفيعة الدينية، هذه لا تغنيني عن القرب من الله عزَّ وجل، فر من حظوظه، وفر من أشكال الأشياء وصورها إلى حقائقها وجوهرها.
قال: هذا لا يقنع من الله بأمرٍ يسكن إليه دون الله.
لا يفرح بما حصل له دون الله، لا يأسَ على ما فاته سوى الله، لا يستغني برتبةٍ شريفة وإن عظمت عند الناس، لا يستغني إلا لله، لا يفتقر إلا لله، لا يفرح إلا بموافقته لمرضاة الله، لا يحزن على ما فاته من الله، لا يخاف إلا من سقوطه من عين الله.

انظر إلى هذا القول :
قالوا: سقوط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله.
الكاذب، الخائن، المنحرف، المؤذي, الذي يكذب ويحتال على الناس, هذا سقط من عين الله، لا يخاف إلا من سقوطه من عين الله واحتجابه عن الله، فكله بالله، وكله لله، وكله مع الله، وسَيْرُهُ دائماً إلى الله، وقد رُفع له علمه فَشَمَّرَ إليه، وتجرَّد له مطلوبه فعمل عليه، تناديه الحظوظ: إلي إلي، وهو يقول: إنما أريد الله عزَّ وجل، ورضوانه، وتجلِّيه، وجنته، وإن فاته الله فاته كل شيء، فهو مع الله مجردٌ عن خلق الله، ومع خلقه مجردٌ عن نفسه، ومع الأمر مجردٌ عن الحظ المزاحم للأمر، ومع الحظ المعين على الأمر، فإنه لا يحطُّه تناوله عن مرتبته، ولا يسخطه من عين ربه.
هذه المرتبة عالية جداً، الفرار إلى الله، فر من الدنيا، فر من حظوظه، فر من شهواته، فر من همومه، فر من مشاغل الدنيا، فر من الأشكال.

قارن بين الشكل وبين الحقيقة :
الآن: تجد جامع فخم جداً، فهذا شكل، لكن المضمون الصلاة الصحيحة فيه، المضمون أن يرتاده طالب علم، المضمون أن يكون هذا المكان مركز إشعاع، أما في صور جميلة جداً في مساجد ضخمة، وقد دخلت لمسجد في المغرب يعد أضخم مسجد في العالم، تكلف ألف مليون دولار، مئذنته جامعة، وهي أطول مئذنة في العالم، والذي يجلس في حرمه يرى البحر تحته، حينما بني هكذا سمعت عنه، أن الذي أمر ببنائه أراد أن يتمثل قوله تعالى:
﴿وكان عرشه على الماء﴾
أن يكون هذا المسجد فوق البحر، وقد ترى البحر من خلال فتحات في حرم المسجد، فيه من الزخرفة ومن الأناقة والجمال ما لا يصدق, هذا شكل.
مسجد النبي عليه الصلاة والسلام من سَعَفِ النخيل، أرضه من البحص، لا يوجد رخام ، ولا يوجد خشب، ولا يوجد فسيفساء، ولا يوجد سجَّاد إيراني، ولا يوجد شيء من هذا القبيل ، ومع ذلك: خَرَّجَ أبطالاً ملؤوا الأرض بالعدل، والعلم، والفضيلة، والإحسان، والإنصاف، ففي شكل وفي حقيقة.
مشكلة :
قد زارني أخ, أنشأ في أمريكا أضخم مركز إسلامي، أهداني كُتَيِّباً عنه، شيء لا يصدق ، قاعة المحاضرات تتسع لخمسة آلاف، كلها كراس من أفخر ما صُنِع، قاعات, المكتبات، المعهد، المسجد، على مساحات شاسعة، وتكلف إنشاؤه قريباً من خمسين أو ستين مليون دولار، فقال لي: في مشكلة هي مشكلة المشاكل، لا يوجد دعاة في مستوى هذا البناء، المسجد بالدعاة فيه، الجامعة بأساتذتها، المستشفى بأطبائها، ففي شكل وفي حقيقة.
هذا الذي فر إلى الله :
هذا الذي فر إلى الله لا تعنيه الأشكال، لا تعنيه المظاهر، لا تعنيه الألقاب، لا تعنيه مرتبة دينية عالية جداً, الناس يعظمونها, وهو ليس مع الله قريباً، يعنيه الاتصال بالله، الإخلاص لله، يعنيه العمل الصالح الذي يرضي الله، يعنيه الشوق إلى الله، فرار داخلي، فر من نفسه إلى الله، من حظوظه إلى الله، من همومه إلى الله، من رغباته إلى الله، من حركاته وسكناته إلى الله.
هذا واقع المسلمين اليوم :
أيها الأخوة, الفرق بين واقع المسلمين اليوم: أنهم تعلقوا بالصور، وتعلقوا بالمظاهر، وتعلقوا بالألقاب العلمية، وتعلقوا بالكتب، ولكن الإيمان الحقيقي أن تتعلق بالله جل جلاله، وأن تصل إليه، من الممكن أن تقيس إيمانك بقدرتك على الاتصال بالله عزَّ وجل، فالذي لا يقدر أن يتصل بالله, فمعنى ذلك: أن عنده مشكلة، في عقبات، هناك عقبات كأداء تحول بينه وبين أن يتصل بالله عزَّ وجل، هذه العقبات ينبغي أن تُزال، فالمؤمن حكيم نفسه، فإذا صلى ولم يشعر بشيء، وقرأ القرآن فلم يشعر بشيء، وذكر الله ولم يشعر بشيء، فهناك مشكلة كبيرة، معنى هذا: أن الطريق إلى الله غير سالك، معناه في سوء ظن بالله، أو في شبهة، أو في معصية، أو في مخالفة، والإنسان حكيم نفسه.
هذا المؤمن :
فمن يومين زارني أخ، وقال لي: لصوص اقتحموا بناء لي, وأخذوا حاجات بمئة ألف ، أعجبني منه هذا الورع، قال لي: والله لم آسف على ما ضاع مني، ولكنني قلقٌ على مكانتي عند الله، لعل هذا عقابٌ أستحقه بذنبٍ لا أعلمه، فقلقه لا من ضياع هذا المبلغ, ولكن خوف أن تكون مكانته عند الله مهزوزة، قلت له: والله إني أكبرتك، أكبرت فيك هذا الورع، وذاك الحرص.
فالمؤمن الصادق يقلقه ألا يكون الله راضياً عنه، ولو رضي عنه كل الناس، الأصل أن يرضى الله عنك، الأصل أن يحبك الله، الأصل أن يقبلك الله، الأصل أن يقبل عملك.

رسالة إلى رواد المساجد :
فهؤلاء الذين -أنا أقول مما يعمل في الحقل الديني، رواد المساجد، المؤمنون، طلاب العلم-, هؤلاء ينبغي ألا تعنيهم المظاهر، يجب أن تعنيهم الحقائق، ينبغي ألا تعنيهم الرسوم، ينبغي أن تعنيهم الحقائق، هذا الدين على اتساعه فيه كلمات:
﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 31]
السيد المسيح، جاءت آيةٌ كريمة على لسانه في القرآن الكريم: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 31]
أوصاني أن أتصل به، وأن أحسن إلى خلقه، هذا الدين، الدين ذكر وشكر، الدين إيمان وعرفان، الدين إقبال على الله، الدين إخلاص له، الدين طاعة تامة، الدين أن تشعر أنك أسعد الناس. هذا ما نطق به الحاج :
قال لي أحد الأخوة بعد أن حج بيت الله الحرام، قال كلمةً أعجبتني, ثم ترددت في صوابها، فأتبعها بكلمة فأتمها، قال لي: والله ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، صح، أتقى إنسان هو أسعد إنسان، ولا هم مع الله، فالله بيده كل شيء, حاضر ناظر، قوي غني، سميع مجيب، كل من حولك بيده.
خاتمة القول :
أيها الأخوة, هذه المنزلة، منزلة الفرار إلى الله عزَّ وجل، تنطلق من قوله تعالى:
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
فِر؛ حركة سريعة، حركة فيها عزيمة، حركة فيها جِد، حركة فيها اهتمام، حركة فيها بطولة، فروا إلى الله، فهل من الممكن: أن تحاسب نفسك قبل عشرين سنة عن شيء أكلته ولم تدفع ثمنه في مطعم؟ ممكن، من الفرار، هل من الممكن: أن تحاسب نفسك حساب عسير عن كلمة قلتها لا ترضي الله؟ عن درهمٍ أنفقته فيما لا يرضي الله؟ فهذا الذي فر إلى الله له اهتمامه الشديد، وعزيمته الصادقة، وإقباله على الله، ولا تعنيه الرسوم.
((رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس, لو أقسم على الله لأبره))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
((رب درهمٍ سبق ألف درهم درهمٌ أنفق في إخلاص, خيرٌ من مئة ألف درهم أنفقت في رياء))
والعبرة: أن تبتغي الرفعة عند الله، الرفعة عند الناس سهلة، كن غنياً يعظمك الناس، كن قوياً يخافك الناس، كن وسيماً ينظر الناس إليك بكل عيونهم، أعطهم سؤلَهُم يحبك الناس، العبرة أن تبتغي الرفعة عند الله، هذا معنى الفرار إلى الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 50]
الفرار فيه سرعة، لا إنسان يفر ببطء، هارب من عدو وماشٍ خطوة خطوة، ليس هذا هو الفرار، الفرار فيه سرعة، والفرار من شيء مخيف إلى شيء مسعد، من مكان مقلق إلى مكان آمن، الفرار من ضيق إلى سَعَة، من خوف إلى طمأنينة، من قهر إلى سيطرة، الذهاب من هَم إلى سعادة، هذا هو الفرار، فروا إلى الله، فروا منه إليه، فروا من معصيته إلى طاعته، فروا من شركائه إليه، من الأغيار إليه، الفرار إلى الله منزلة من منازل السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:14 AM   #55


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع : الادب









الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما تفسير هذه الآية في رأي ابن عباس وغيره؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والخمسين من دروس مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, والمنزلة اليوم: منزلة الأدب، انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[سورة التحريم الآية: 6]
قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم. قف هنا :
إنسان في الستين من عمره, يقول لك: هذا الجهاز انظر من خلاله على كل ما في العالم، وأنا لا أتأثر بسلبياته، فقلت له: ألا تخشى على أولادك؟ قال: بلى, قلت: يكفيه شراً أنه يؤذي أولادك، لأن الله عز وجل يقول:
﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾
فأنت مكلف أن تقي نفسك، وأن تقي أهلك من النار، فإذا كنت في وضع معين, وفي سن معين، وفي اهتمامات معينة، وسمحت لأولادك أن يطلعوا على شيء يجعلهم كالبركان الثائر، فأنت ربما تمكنت أن تقي نفسك ولكنك لم تقِ أولادك، والله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾
قال ابن عباس وغيره: أدبوهم وعلموهم. ماذا تعني كلمة الأدب؟ :
أيها الأخوة, كلمة الأدب كلمة جامعة، كما أن الكريم كلمة جامعة, يقابلها اللئيم كلمة جامعة، الكريم كلمة تجمع كل صفات الخير في الإنسان، واللئيم كلمة تجمع كل الصفات الخسيسة، والأدب كلمة جامعة تجمع خصالاً كثيرة، طبعاً الأدب كعلم أو كفن، الجامعة تمنح لسانس في آداب اللغة العربية وعلومها، في الآداب والعلوم، النحو, والصرف، والبلاغة، والعروض، هذه علوم، أما الأدب، التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الصيغة الشعرية، النثر الفني هذا أدب.
من تعريفات الأدب: علم إصلاح اللسان والخطاب، وإصابة مواقعه, وتحسين ألفاظه، وصيانته عن الخطأ والخلل، وهو شعبة من الأدب العام، فلان أديب، يعني يكتب كلاماً جميلاً.

لاحظ الفرق بين هذا القول وبين قول الأديب :
واحد قال: تكاثرت علي المصائب، الأديب يقول:
رباني الـدهـر بالأرزاء حتـى فـؤادي في غـشــاء مـن نـبالِ
فـصرت إذا أصابـتني ســهام تكسرت النصال على النصـــــال

وقول آخر: كفى بجســمي نحولاً أنني رجل لولا مخــــاطبتي إيــاك لم ترن
نحيل جداً, لولا مخاطبتي إياك لن تراني, تعبير فني.
أحد الشعراء أراد أن يهجو مغنياً قال:
عواء كلـبٍ على أوتار مندفـة في قبح قــرد وفي اســتكبار هامان
وتحســب العين فكـيه إذا اختلفا عـند التنــغم فـكي بغل طــحان

هذا أدب, يعني وصف بليغ، الشعر العربي أدب، والنثر أدب. من ديوان الشعر العربي :
الحجاج خطب فقال: إني لأرى رؤوساً قد أينعت -استوت- وحان قطافها, وإني لصاحبها –سأقطعها-.
طبعاً ليس الدرس درس أدب, لكن الأدب فرع من فروع الأدب العام، من عنده أسلوب جميل لفظاً أو كتابةً، هذا يقال له: أديب.
يعني بالشعر الجاهلي يصف عنترة فرسه قال:
فـازور مـن وقـع الـقـنا بلـبانــه وشــكــا إلي بـعـبـرة وتحـمـحمِ
لو كان يدري ما المــحاورة اشتــكى ولكــان لــو عــلم الكــلام مكلمي

أبو العتاهية يقول: لا تأمن الموت في طرف ولا نفس
وإن تمنعـــت بالحجاب والحـرس
فمـا تزال ســـهام الـمــوت نافـذة
فـي جـنـب مدرع منها ومتــرس
أراك لســـت بـوقـاف ولا حـذر
كالحاطب الخــابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السـفينة لا تجـري على اليـبـس

يقول عليه الصلاة والسلام: ((إن من البيان لسحر، وإن لمن الشعر لحكمة، والشعر ديوان العرب))
أصغ السمع إلى مديح هذا الشخص لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
وكلمة الشرعي أنه كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وأن إنساناً مدح رسول الله:
فليتـك تحلـو والحيـاة مريرة وليتك ترضى والأنــــام غضابُ
وليت الذي بيـن وبينك عامـر وبيــني وبين العــالمين خـراب

كلام طيب: فلو شـاهدت عيناك مـن حسـننا
الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا
خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعـم المحبة ذرة
عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا
ولو نسـمت من قربنا لك نسمة
لمت غريبـاً واشـتـياقا لقـربنـا
ولـو لاح من أنــوارنا لـك لائح
تركـت جمـيع الكائـنات لأجـلـنا
فمـا حبنا سهل وكـل من ادعى
سـهولته قلنـا له: قـد جهـلـتنا

انظر إلى هذا الوصف البديع لهذا الشاعر لضيفه الذي كان يزوره في الظلام : أحد الشعراء أصابته حمى, قال:
وزائـرتــي كأن بهـا حياء فلـيـ ـس تـزور إلا فـي الـظــلام
بذلت لهــا المــطارف والحشـايا فعافتــها وبــاتت في عـظامي
أبنت الــدهر عنـــدي كلُ بنـت فكيف وصـــلت أنت من الزحام؟

كل بناته عندي، فكيف وصلت أنت من الزحام؟ .
يعني إذا الإنسان قوىّ أسلوبه، ودعا إلى الله، الأسلوب الحسن يحسن المضمون, أنت لو قدمت شراباً نفيساً بكأس نظيف وجميل، جمال الكأس ونظافته تزيد الشراب طيباً، ولو قدمت هذا الشراب النفيس بكأس غير نظيف أو كأس قبيح لأساء لمضمونه.
على كلٍ؛ كان عليه الصلاة والسلام أفصح العرب قاطبةً.
علمونا في الجامعة أن أعلى نص بعد القرآن كلام رسول الله، كان أوتي جوامع الكلم، وأعلى نصٍ بعد كلام رسول الله كلام سيدنا علي رَضِي اللَّه عَنْه.
من تعاريف الأدب :
فإذا الإنسان قرأ نصاً, يجب أن يضع يده على المواطن الجمالية فيه, وجد فيه صورة جميلة، في أحياناً صور رائعة جداً، تعبيرية, تشبيه, استعارة، كناية، صورة متحركة، عبارة رشيقة، حكمة بليغة, ما ضاعت عَبرةٌ كانت لصاحبها عِبرة, صدق القائل:
إذا مـلك لم يكن ذاهبة فـدعـه إن دولته ذاهبة
طبعاً: أعطيتكم نماذج من الشعر والنثر هذا هو الأدب، من تعاريفه الدقيقة: التعبير المثير عن حقائق الحياة، التعبير الفني، الأسلوب الجميل، إن من البيان لسحراً، والله عز وجل يقول: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
[سورة الرحمن الآية: 1 ـ 4]
الأدب كأسلوب في الإلقاء، أو في الكتابة، أو في الشعر، فرع من فروع الأدب العام، والذي يملك ذوقاً أدبياً، ويستمع إلى كلمات عامية قبيحة، يتألم أشد الألم، وجمال الرجل فصاحته.
انظر إلى هذا الحوار الذي دار بين عبد الملك بن مروان وبين هذا الغلام الصغير :
كلكم يعلم: دخل على عبد الملك بن مروان وفد, تقدمهم غلام صغير, فغضب غضباً شديداً، فتوجه إلى حاجبه, وقال: ما شاء أحد أن يدخل علي حتى دخل، حتى الصبيان، فقال هذا الصبي الصغير: أيها الأمير, إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك، ولكنه شرفني، كهذه السنوات العجاف، قال: أصابتنا سنة أذابت الشحم، وأصابتنا سنة أكلت اللحم، وأصابتنا سنة دقت العظم, ومعكم فضول مالٍ، فإن كان هذا المال لله فنحن عباده، وإن كان لكم تصدقوا به علينا, وإن كان لنا فعلامَ تحبسوه عنا؟ فقال الملك أمير المؤمنين: والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدة عذرا.
هكذا يربي الإسلام أبناءه :
سيدنا عمر كان يمشي بالطريق, رأى أطفالاً، لما رأوه ولوا هاربين، بقي واحد منهم بأدب، قال: أيها الغلام, لِمَ لم تهرب مع من هرب؟ قال: أيها الأمير، لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك.
هذا ما أوتي به النبي عليه الصلاة والسلام :
أجمل ما في الرجل فصاحته وبيانه، وكان عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، كان منطقه كأنه خرزات نظم يتحدرن، كان كلاماً فصلاً لا هذراً ولا نذرا.
كان عليه الصلاة والسلام يقول:

((إن الله تعالى يكره الانْبِعاقَ في الكلام, فرحم الله عبداً أوجز في كلامه))
أنواع الأدب :
اليوم درسنا منزلة الأدب بمعناها الواسع؛ أن تكون أديباً مع الله, وأن تكون أديباً مع رسول الله، وأن تكون أديباً مع الخلق.
فقال العلماء: الأدب ثلاثة أنواع: أدب مع الله سبحانه وتعالى، وأدب مع رسوله وشرعه، وأدب مع خلقه.

أنواع الأدب مع الله :
فالأدب مع الله ثلاثة أنواع أيضاً:
أحدها: صيانة معاملته أن يشوبها بنقيصة: أنت بالصلاة تعامل الله، وفي الصيام تعامل الله، وفي الحج تعامل الله، وفي تنفيذ أوامر الله تعامله، تغض بصرك عن محارم الله، تتحرى الحلال، لا تأخذ ما ليس لك، صيانة معاملته عن أن يشوبها بنقيصة.
والثاني: صيانة قلبه عن أن يلتف إلى غيره.
والثالث: صيانة إرادته أن تتعلق بما يُمقتك عليه: يعني لا تريد إلا رضاه، ولا تنشغل إلا به، ولا يشوب معاملتك له شائبة، هذا هو الأدب مع الله.

ما قيل عن الأدب :
قال أحد العلماء: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبته.
وقال ابن المبارك: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
الأدب يعقد صلة مع الله، الأدب يحرك المشاعر، نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.
والإمام الحسن البصري سئل عن أنفع الأدب, فقال: التفقه بالدين, والزهد بالدنيا، والمعرفة بما لله عليك.
قال بعض العلماء: القوم استعانوا بالله, على الله, على مراد الله, وصبروا لله على آداب الله، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟ كيف الذي يجاهر الله بالمعصية؟.
قال بعض العلماء: القوم -يعني أهل الحق- استعانوا بالله على مراد الله، وصبروا لله على آداب الله.
قال أبو حفص لما قال له الجنيد: لقد أدبتُ أصحابك أدب السلاطين، فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب بالباطن.
يعني أنت كيف مع إنسان عظيم تحترمه، ترتدي ثياباً كاملة أمامه, تخاطبه بأدب جم، تجلس أمامه جلسة أديبة، كيف تتصرف مع عظيمٍ من بني البشر، هكذا ينبغي أن تكون مع خالق البشر.
وقال بعضهم: والأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة ، على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء, كما لو أنك تجالس ملكاً، يعني إنسان لا ينام، والمصحف نحو قدميه لا ينام، لا يجعل مثلاً في غرفة نومه أشياء مقدسة، لعله يستحي من الله عز وجل، لا يغتسل عرياناً كما خلقه الله.
يعني النبي الكريم رأى رجلاً يغتسل عرياناً، طبعاً أمام الناس ليس في الحمام, فقال:
((خذ أجارتك لا حاجة لنا بك، فإني أراك لا تستحي من الله))
يعني الحياء من الله مطلوب.
يلفت نظري بالحج أحياناً: الحاج نصفه العلوي عارٍ كلياً، ونساء ورجال، هذا ليس من الأدب، يعني في إزار وفي رداء، الرداء ضعه على كتفيك، فهناك من يخلع الرداء ويبقى على الإزار فقط، في عرفات وفي أثناء الجلوس في الخيام، وفي نساء في رجال، الإنسان كلما كان أكثر أدباً، كلما كان أكثر قرباً لله عز وجل.
عن أنس -رَضِي اللَّه عَنْه- قال: ما رؤي قط مادا رجليه بين أصحابه.
وهو سيد الخلق، كان يقول: ‏آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد
قال: الأدب مع الله حسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم والإجلال والحياء، كحال مجالسة الملوك ومصاحبتهم.
وقال بعض العارفين: من قهر نفسه بالأدب فهو يعبد الله بالإخلاص.
ما قيل عن الأدب أيضاً :
ويرى بعضهم أن طريق الأدب: أن تعرف رعونات النفس، وأن تجتنب تلك الرعونات.
أحياناً الإنسان يتجشأ بصوت عالٍ، يجلس جلسة فيها كبر، يضع رجلاً فوق رجل، يجلس ورجلاه متباعدتان، يتثاءب ويفتح فمه, والله الأدب جميل، اللهم صل عليه كان مثلاً أعلى في الأدب, بالتواضع، دخل مكة خافضاً رأسه، تواضعاً لله عز وجل، حتى كانت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكان أكثر حياء من العذراء في خدرها.
يعني امرأة سألته سؤالاً محرجاً، فاحمر وجهه، قالت: كيف أتتبع مواضع الدم في أثناء الحيض؟ قال: يا سبحان الله! تتبعي مواضع الدم, -وما فصَّل أكثر خجلاً-.
امرأة تسأل سؤالاً على الهاتف لا أدب فيه، بقضايا نسائية محضة، خاصة جداً, وكأنها لا تقول شيئاً, الإنسان كلما ازداد قربه من الله ازداد أدبه.
وقال بعض العارفين: إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب، إن صحت محبتك لله كنت أديباً معه.

انظر إلى أدب هذا النبي مع ربه :
الآن: أضع بين أيديكم طائفة من مواقف الأنبياء مع الله عز وجل, ولعله هو محور درسنا هذا.
سيدنا عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]
لو أنه قال: لم أقل ذلك، قال: ‏ ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾
[سورة المائدة الآية: 116]
طرفة :
في خليفة أموي سأل وزيره: لِمَ لمْ ينزل عثمان درجة كما فعل عمر؟ قال له: والله لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر، عملها سيدنا عمر مرة وانتهى الأمر، إذا ولو عملها سيدنا عثمان لأصبحت سنة.
على كلٍ؛ هذا أدب كبير.

هذا أدب عمر مع صاحبه الذي سبقه إلى رحمة ربه :
سيدنا عمر مع أصحابه, مدحه أحدهم كما هي العادة, قال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، قال: فأحدَّ فيهم النظر، وغضب غضباً شديداً، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيراً منك، قال له: من هو؟ قال: أبو بكر، فقال: كذبتم جميعاً وصدق -عد سكوتهم كذباً-, قال: والله كنت أضل من بعيري, وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك.
أرأيتم إلى هذا الأدب مع الخليفة السابق الراحل؟ الناس الآن الحالي يذم السابق دائماً، أما سيدنا عمر كان يثني على سيدنا الصديق.

تمعن قليلاً في هذه الآيات :
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة المائدة الآية:116 ـ 118]
هذه الآيات الإنسان إذا قرأها, يشعر بهذا المستوى الرفيع من هذا الأدب، كيف يخاطب رب العزة؟.
ورد في الأثر :
جاء في بعض الآثار: أن حملة العرش أربعة, اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, لك الحمد على عفوك بعد قدرتك, لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾
[سورة النساء الآية: 12]
الحمد لله على حلمك بعد علمك، الإنسان قد لا يعرف عن ابنه شيئاً ساكت، أما إذا عرف أنه فعل عملاً قبيحاً يثور ويغضب، فربنا عز وجل يعلم ما يفعل عباده.
وقفة تأمل :
مرة وقفت على جبل قاسيون, نظرت إلى دمشق، مدينة وادعة، لطيفة، هادئة، لكن يا ترى: في البيوت كم بيت فيه معصية؟ كم بيت فيه دعارة؟ وكم بيت فيه زنا؟ وكم بيت فيه شرب خمر؟:
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 17]
الحمد لله على حلمك بعد علمك، الله يعلم، نحن كبشر الإنسان أمامك؛ كلامه لطيف، أنيق، نظيف، مرتب، لكن يا ترى له أعمال خسيسة؟ أنت لا تعلم، لكن الله يعلم، ويعلم ويحلم:
الحمد على حلمك بعد علمك، وعلى عفوك بعد قدرتك.
الضعيف إذا عفا لا قيمة لعفوه، لكن القادر إذا عفا، العفو عند المقدرة.
هذا ما صنعه نبيكم مع من أساؤوا إليه ولدعوته :
النبي -عليه الصلاة والسلام- مكة ناصبته العداء عشرين عاماً, وقتلت أصحابه، ونكلت بهم، وأخذت أموالهم، وهجّرت النبي، وحاولت قتله وأخرجته، وناصبته العداء عشرين عاماً، فلما دخل مكة -يعني بإمكانه أن يلغي وجودهم بكلمة واحدة، عشرة آلاف سيف متوهجة تنظر أمراٌ منه-, فقال عليه الصلاة والسلام:
((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
العفو بعد المقدرة.
أهل الطائف بالغوا في الإساءة إلى النبي، كذبوه، وسخروا منه, وأغروا صبيانهم بإيذائه، الله عز وجل مكنه أن ينتقم منهم، جاءه ملك الجبال، قال:
((يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يوحده))
ما تخلى عن قومه، واعتذر عنهم، ودعا لهم، وتأمل أن يهديهم الله عز وجل. من معاني هذه الآية :
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 78 ـ 80]
بعض العلماء حملوها على أنه أدباً مع الله، قال: وإذا مرضت, لكن الحقيقة: هناك معنى آخر لهذه الآية، أصل المرض مخالفة لمنهج الله، يعني أنت مصمم تصميماً رائعاً ألا تمرض، فإذا خرجت عن منهج الله، ومنهج رسوله، فالمرض أصله من مخالفة القواعد التي جاء بها الأنبياء، وأحياناً يكون المرض بأسباب من العصر، تلوث عام, مواد مسرطنة عامة، ضغط نفسي، على كل؛ الإنسان مصمم أن يحيا حياة ناعمة هادئة.
انظر إلى هذا الأدب عند مؤمني الجن :
مؤمنو الجن قالوا:
﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾
[سورة الجن الآية: 10]
لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, ما قال: لا ندري أشرٌ أراد الله بمن في الأرض، قال: لا, لا ندري أشر أريد بمن في الأرض, هذا من الأدب.
انظر إلى أدب الأنبياء مع ربهم :
سيدنا موسى قال:
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 24]
سيدنا آدم قال: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 23]
سيدنا أيوب قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 83]
يعني الله عز وجل سميع بصير: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين, هذا دعاؤه.
سيدنا يوسف قال:

﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
ولم يقل من الجب، لأنه لو قال من الجب لذكر أخوته بعملهم الشنيع، ولم يقل تأمروا عليه، قال:
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
ما معنى هذا القول؟ :
قال بعض العلماء: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً.
الإنسان أحياناً الله يحجبه, حجابه أكبر عقاب، إذا كان فيما بينه وبين الله ليس على حال حسن، يحجبه، إذا أساء بالظاهر يهينه، إذا أساء بالباطن يحجبه، فإذا أساء الأدب ظاهراً يعاقبه ظاهراً, وإن أساء الأدب باطناً يعاقبه باطناً، لذلك واحد قال:
إذا صليت فلم تشعر بشيء، وإذا قرأت القرآن ولم تشعر بشيء، وإذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء، مشكلة كبيرة في علاقتك مع الله، معناها محجوب, والله عز وجل يقول:

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
صليت ولم تشعر بالقرب، ذكرت ولم تشعر بالصلة، قرأت القرآن وأنت بارد العاطفة، معناها محجوب, في مشكلة، يجب أن تبحث عنها، في تقصير، في إساءة، في مخالفة، في سوء ظن بالله، في تعلق بالدنيا, في تعلق بشخص منحرف، في إهمال العبادات، الله عز وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، أن تسوء علاقتك بالله في حجاب، من عنده حساسية بالغة، ومن عنده حكمة, يراقب نفسه عندما يحجب, إنما يحجب لعلَّة.
احذر أن تقع في هذا الحرمان :
وقال ابن المبارك: من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السنن, ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة:
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 14]
في آداب، في سنن، في فرائض، في معرفة، إن تهاونت بالأدب عوقبت بالحرمان من السنن، إن تهاونت بالسنن عوقبت بالحرمان من الفرائض، إن تهاونت بالفرائض عوقبت بالحرمان من المعرفة، ران على قلب هذا الإنسان الغشاوة التي تحول بينه وبين الحق.
من تعريفات الأدب :
وقيل: الأدب في العمل علامة قبول العمل.
قال بعضهم: تاهت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها.
حتى العمل الطيب إذا اقترن بالمن والأذى والفخر، هذا العمل الطيب تاه صاحبه به فذهبت قيمته.
وقال بعضهم: حقيقة الأدب استعمال الخُلق الحسن، وقال بعضهم الآخر: الأدب استخراج ما في الحياة من الكمال من القوة إلى الفعل.
يعني أنت مفطور فطرة عالية، هذه الفطرة العالية الخفية تترجم إلى عمل، تترجم إلى ابتسامة, إلى تواضع، إلى كلمة شكر.
نهاية المطاف :
والشيء الذي يوضح الحقيقة الآن: قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7 ـ 8]
يعني فطرها وجبلها على جبلة عالية، فإن فعلت الكمال ارتاحت، وإن فعلت النقص اكتأبت، وكل إنسان عمله السيء عقاب له عقابٌ لفطرته، كل إنسان يخرج عن قواعد فطرته الكاملة, يتألم وينقبض ويشعر بأنه قد أساء، وما يقال اليوم: عن الكآبة، وضيق النفس, والسأم, والضجر، والملل، هذا كله من علامات خروج النفس عن قواعد فطرتها.
ملخص الملخص:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 9 ـ 10]
يعني أعظم عمل على الإطلاق أن تذكي نفسك، لتكون مؤهلةً لدخول الجنة، إلى أبد الآبدين، والله عز وجل يقول:
﴿قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها﴾










والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:18 AM   #56


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع : الادب مع رسول الله










الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أدب النبي عليه الصلاة السلام مع ربه :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد بدأنا في الدرس الماضي بمنزلة الأدب، وكان هذا الموضوع منشعباً إلى ثلاث شعب: الأدب مع الله، والأدب مع رسول الله، والأدب مع الخلق.
تحدثنا عن الأدب مع الله عز وجل, وننتقل اليوم إلى الأدب مع رسول الله، الله عز وجل وصف أدب هذا النبي الكريم, فقال:

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾
[سورة النجم الآية: 17]
زاغ البصر انحرف، طغى تجاوز، فأدبه يتجلى في نظره، قال تعالى:
﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾
[سورة النجم الآية: 17]
لم يلتفت جانباً ولم يتجاوز ما رآه، وهذا كمال الأدب، والإخلال بالأدب أن ينظر المرء عن يمينه وعن شماله، أو أن يتطلع أمام المنظور، فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمامَ الأمامِ المنظور طغيان ومجاوزة.
شيء آخر: من أدب النبي عليه الصلاة والسلام: التوافق التام بين بصره وبصيرته, قال تعالى:

﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 11]
أنت قد تــرى إنساناً بحالة مادية رائعة جداً فتغتر به، وينتقل إلى القلب عظيم اللهو ، فإذا كان خارقاً لحدود الله, فكيف يتوافق تقييم القلب -أي بصيرته- مع تقييم العين المبهورة به؟ فمن كمال أدب الإنسان: أن لا تتناقض بصيرته مع بصره، إن رأيت شيئاً جميلاً, فيه ترف شديد, وعلمت أن صاحب هذا الشيء على انحراف تام, ينبغي أن يدخل إلى القلب استصغار لهو على ما عنده من مظاهر الترف.
هذه هي البطولة :
ذكرت لكم من قبل: كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام مر به رجل, وهو بين أصحابه الكرام، فسألهم عنه، فيبدو أن أصحابه الكرام رأوه غنياً كريماً معطاءاً، فقالوا:
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ, قَالَ:

((مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ, هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
فالبطولة: أن تصل إلى رؤية تقيّم الشخص, لا وفق مقاييس البشر، بل وفق مقاييس خالق البشر، تقييم الشخص وفق مقاييس البشر, تعظمه لماله، وتعظمه لجماله، وتعظمه لنواله، ولكن تقييم الشخص بمقاييس خالق البشر, تعظمه لعلمه ولورعه, لاستقامته, لدعوته, لإخلاصه.
هذه بطولة أيها الأخوة، أن تستخدم المقاييس التي يقيم بها الله عباده المؤمنين، من هنا قيل: ابتغِ الرفعة عند الله.

ما معنى هذه الآية؟ :
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 11]
أي ما تناقضت البصيرة مع البصر، لو فرضنا أنك ذهبت لمحل تصليح مركبات في حي شعبي، والمحل بارد, وفيه أدوات, وأطيان, وزيوت, وعمل شاق, وصاحبه مستقيم, ووفي, وصادق, وعمله متقن, وأجره معتدل، ودخلت إلى محل من أجمل أسواق المدينة, يبيع حاجات نسائية، والمحل فيه نظرات, وهمزات, ولمسات, وكلام فاحش, وشباب يتطلعون إلى النساء الغاديات الرائحات، فإذا أُعجبت بهذا المحل التجاري بأناقته وجماله ونعومته, ولم تعجب بذاك المحل القاسي, فبصيرتك تختلف عن بصرك، يجب أن ينبع البصر من البصيرة، ينبغي أن ترى بحسب الحقيقة لا بحسب ما ترى, هذا معنى ما قاله بعض العلماء:
﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 11]
الأدب هو الدين كله :
أيها الأخوة, الأدب قال: هو الدين كله، الدين كله أدب، ومن قال: لا حياء في الدين, لعله ذكرها على غير ما أرادوها، الدين كله حياء.
النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال: يا بنيتي, إن هذه الثياب رقيقة, تصف حجم عظامك.
اختار كلمة لا يمكن أن تثير شهوة, وأية كلمة أخرى تثير الشهوة، فالنبي يتكلم بأعلى درجات الحياء، وامرأة سألته عن دم الحيض, قال:

((تَأْخُذُ إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا, فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا, حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ, ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ َقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِينَ بِهَا, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ تَتَبَّعِينَ أَثَرَ الدَّمِ، وَسَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ, فَقَالَ: تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ، وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ, حَدَّثَنَا أَبِي, حَدَّثَنَا شُعْبَةُ فِي هَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ, وَقَالَ: قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِهَا وَاسْتَتَرَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، والدين كله حياء، وهذا الذي لا يستحي بعيد عن الدين، أنت تستحي بقدر إيمانك، والحياء من الإيمان، وورد في بعض الأحاديث الشريفة:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَاتَ يَوْمٍ اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ, وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ, فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَقَّ الْحَيَاءِ))
فالأدب هو الدين كله، وإن ستر العورة من الأدب، والوضوء وغسل الجنابة من الأدب ، والتطهر من الخبث من الأدب، حتى تقف بين يدي الله طاهراً، فالدين كله أدب. من أركان الدين :
لذلك: بعضهم يقسم الدين عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، في الدين أربعة أركان: عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، ولا يغيب عن ذهنكم أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرِّم شيء إلا بالدليل، وأن الأصل في العبادات الحظر ولا تشرَّع عبادة إلا بالدليل، فإذا قلنا: الدين عقائد وعبادات ومعاملات وآداب، الآداب تاج يتوّج به المؤمن, حتى إن أصحاب النبي عليهم رضوان الله, تعجبوا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام, فقالوا:
((يا رسول الله! ماهذا الأدب؟ فقال: إن الله أدبني فأحسن تأديبي, ثم أمرني بمكارم الأخلاق))
والله عز وجل فيما يبدو يؤدب المؤمنين. قصة :
أحد أخواننا عنده معمل ملبوسات, يبيع بالجملة كميات كبيرة، فدخل إليه شخص من رواد المسجد، فطمع أن يبيعه بسعر معتدل, فقال له: أريد خمس قطع لأولادي، فصاحب هذا المعمل, شعر أن هذا البيع فيه إهانة، هو يبيع أربعمئة دزينة، ما هذه الكمية أربع قطع فقط؟ فاعتذر وقال: أنا والله لا أبيع بالمفرق, فهذا انكفأ وخرج من محله التجاري، يقول لي صاحب هذا المعمل: والله ثلاثة وثلاثون يوماً لم يدخل لهذا المعمل مشترٍ, قال: حتى جف دمي, فقلت : يا رب, والله سأبيع قطعة واحدة بالمستقبل، والله أدبه, وعلى هذا فقس، الله يؤدب، تتكلم كلمة فيها تجاوز, يحجبك الله أو يفعل شيئاً يعلمك أن كلمتك خطأ.
أحياناً: الإنسان يعتد بنفسه، ويعتمد على ماله، رجل ماله كثير قال: كل شيء ينحل بالمال، قال: الدراهم مراهم، انزلق إلى تأليه المال وهو لا يشعر, وقع بمشكلة بقي بالمنفردة ثلاثة وستين يوماً, ويأتيه كل يوم خمسون خاطراً, هل تحل هذه الأزمة بالمال؟ لا، فربنا أدبه.
فأنت كلما ازداد إيمانك ازداد أدبك مع الله، لا تتكلم كلمة فيها تجاوز، الأدب مطلوب والدين كله أدب، وإذا قال: الدين عبادات وعقائد ومعاملات, فالأدب تاج يوضع على رأسك.

انظر إلى هذا الأدب عند النبي :
قال: النبـي عليه الصلاة والسلام ما رؤي ماداً رجليه قط, من شدة أدبه مع أصحابه, هم أصحابه وأحبابه.
كان إذا طرق باباً يعطي ظهره للباب، إذا سأل ابنته على موضوع زواج, يخاف أن تستحي منه يعطيها ظهره، ويقول:

((يا بنيتي إن فلاناً قد ذكرك))
والحقيقة: إذا الإنسان قرأ السيرة, يرى من أدب رسول الله الشيء الكثير، الشيء الذي لا يصدق. من الأدب في الصلاة مع الله عز وجل :
1-ألا ترفع بصرك إلى الأعلى :
قال: من الأدب في الصلاة: ألا ترفع بصرك إلى الأعلى، هذا من الأدب، أن ترى مكان سجودك، إلا في حالة أن تكون في بيت الله الحرام, فمستحب أن تنظر إلى الكعبة.
ومن كمال أدب الصلاة: أن يقف العبد بين يدي ربه مطرقاً خافضاً طرفه إلى الأرض, ولا يرفع بصره إلى فوق.
2-ألا يستقبل بيته الحرام ولا يستدبره عند قضاء حاجته :
ومن الأدب مع الله: ألا يستقبل بيته الحرام ولا يستدبره عند قضاء حاجته، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم.
وقال بعض العلماء: إن هذا الأدب يعم الفضاء والبنيان كما ذكرنا في غير هذا الموضع.
إذا بنى الإنسان بيتاً, ليحاول أن لا تكون دورة المياه باتجاه القبلة أو بعكسها, شرقاً أو غرباً، كما ورد هنا.

3-السكون في الصلاة :
ومن الأدب مع الله عز وجل: السكون في الصلاة، لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، فليس من الخشوع الحركات الكثيرة, والتنحنح, وتغيير المكان, وتعديل وضع الرأس, وإصلاح الثياب.
سمعت أن بعضهـم يرى ساعته في الصلاة, وبعضهم الآخر يعد دراهمه, هكذا سمعت، لكن لم أرَ، فكلما كان الأدب مع الله عالياً تقل الحركات في الصلاة.
حتى إن بعض علماء التفسير قالوا:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 23]
بمعنى أنهم يخشعون في حركاتهم، أطرافهم دائمة على سكونها, وقد فرق العلماء بين أمرين: بين الدوام على الصلاة وبين المداومة عليها، فالدوام على الصلاة سكون الأعضاء أثناء الصلاة، والمداومة على الصلاة هي الحفاظ عليها:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 34]
4-استماع القراءة :
ومن الأدب مع الله عز وجل: استماع القراءة، أن يلقي السمع وهو شهيد، أن يصغي, قال تعالى:
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 204]
5-أن يستوي في الركوع وأن يعظم الله تعالى :
ومن الأدب في الصلاة مع الله عز وجل: أن يستوي في الركوع, وأن يعظم الله تعالى، حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه، سبحان ربي العظيم، وأن يتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء، كلما تصاغرت وعظمت الله عز وجل فأنت في صلاة.
والمقصود من الأدب مع الله تبارك وتعالى: هو القيام بدينه, والتأدب بآدابه ظاهراً وباطناً.

ما هي الأشياء الثلاثة التي لا يستقيم لأحد الأدب مع الله إلا بها؟ :
قال بعض العلماء, وهذا شيء مهم جداً: لا يستقيم لأحد الأدب مع الله إلا بثلاثة أشياء : بمعرفته بأسمائه وصفاته، أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، فهذا من تمام الأدب مع الله عز وجل، وأن تعرفه بدينه وشرعه، وأن تعرفه فيما يحب وما يكره.
فأنت اقرأ القرآن: وأن الله يحب الصادقين, كن صادقاً:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 222]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 107]
هي تقريباً عشر آيات أو أكثــر مع حذف التكرار، عشر صفات يحبك الله بها، وعشر صفات تقريباً لا يحبك الله بها، الطرق إلى الله سالكة، ورضاء الله عز وجل ضمن إمكانك, ومتاح لكل مؤمن أن يرضي الله عز وجل, والإنسان القوي قد لا يتاح لك أن تراه في العمر مرة، أما الله عز وجل قال:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
ما هما التوحيدان اللذان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما؟ :
يوجد موضوع دقيق جداً أيها الأخوة, أرجو الله عز وجل أن يمكنني أن أشرحه لكم بدقة, قال: هما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل وهو الله، وتوحيد متابعة المرسَل وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحاكم إلى غير الله، ولا يرضى بحكم غيره.
مرة جلست مع إنسان يرفض تزويج ابنته, فطُلِب مني أن أقنعه، وابنته في سن الزواج ، ورفض والدها عشرة خاطبين جيدين لنزوة في عقله، فذكرت له:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
فأنت ينبغي أن ترضى بحكم رسول الله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ, إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فلما أصرّ على ذلك نشأت مشكلة كبيرة جداً، مؤمن يسمع كلام رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى ويحيد عنه! ينفى عنه الإيمان كلياً! قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
توحيد المرسل، وتوحيد متابعة المرسل، فلا يحاكم إلى غيره ولا يرضى بحكم غيره.
دقق في هذا القول :
دققوا الآن: ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه.
إنسان له شيخ, شيء جيد، سمع آية قرآنية أو حديثاً صحيحاً, يقول: حتى آخذ رأي شيخي في الموضوع، شيخك ليس له دور هنا, مع القرآن والسنة شيخك ليس له دور إطلاقاً، لا تستطيع أن تفكر بإنسان بعد أن جاءك النص الصحيح عن رسول الله، فكل إنسان يوقف تنفيذ أمر الله وتصديق خبره, على عرضه على قول شيخه وإمامه, وذوي مذهبه وطائفته, ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة, أعرض عن أمره وخبره, وفوضه إليهم, أو حرفه عن مواضعه, وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً, فقال: نؤوله ونحمله، هذا منزلق يقع به المريدون في حلقات الشيوخ.
قرآن بين يديك، لا حتى أرى رأي شيخي في هذه الآية، حديث صحيح ينهاك عن الغيبة وتغتاب أنت، حديث صحيح يأمرك بصلة الرحم وتقطع أنت رحمك إرضاءً لإنسان، هذه طامة كبرى في العقيدة, أنت أمام نص قرآني واضح جليّ قطعي الدلالة، أمام نص نبوي واضح جلي قطعي الدلالة، لا يمكن أن تأخذ رأي إنسان في هذا الموضوع، وإلا لا تعرف الله ولا تعرف رسوله.

رأي شخصي :
أنا من عادتي إذا فضل إنسان مناقشتي بقضية, أقول له: إذا كنت تعتقد: أن في الأرض كلها إنساناً أورع من رسول الله وقتي لا يتسع للجلوس معك، طريق مغلق, إذا كان هناك إنسان في الأرض كائناً من كان, مهما كان عظيماً في ذهنك, إذا كان في نظرك أورع من رسول الله، الذي سمح به النبي أنت تحرمه، أو الذي أمر به النبي أنت تقطعه، وتأتمر بأمر شيخك وأمر من تأخذ التوجيه من عنده, فأنت بعيد بعد الأرض عن السماء عن الإيمان.
لا اجتهاد في مورد النص :
لا يُسأل إنسان عن رأيه في آية قطعية الدلالة, أو حديث صحيح قطعي الدلالة، قال: فلا أن يلقى العبد ربه بكل ذنب على الإطلاق ما خلا الشرك بالله, خير له من أن يلقاه بهذا الحال.
هذا والله واقع، ولولا أنه واقع ما ذكرته، نص صريح، الله عز وجل يقول:

﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة الحجرات الآية: 12]
ترى بعض الأشخاص يغتابون بحرية تامة, وهم مرتاحون إرضاءً لزيد أو عبيد، أو ترى أناساً يغتصبون بيتاً, معهم فتوى من شيخهم, الاغتصاب محرم، إذا كان هناك شيء محرم, لا يوجد إنسان له رأي بالموضوع:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
أعطيكم أبلغ من ذلك: لو أنك احتكمت إلى رسول الله, وكنت لسناً, أي طليق اللسان، وأدليت بحجة قوية, والنبي حكم لك بناءً على فصاحتك وعلى إقناعك له، ولم تكن محقاً, لا تنجو من عذاب الله, هل هناك أبلغ من هذا؟ لو أن سيد الأنبياء والرسل حكم لك ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا))
مناقشة جرت :
أحد العلماء الكبار, أراد أن يقنع شخصاً, يعتقد أنه يجب أن يرجع إلى شيخه, ليأخذ رأيه في كل شيء, وهو أمام نص صريح بيّن واضح, قال: خاطبت يوماً بعض أكابر هؤلاء, فقلت له: سألتك بالله, لو قدر أن النبي عليه الصلاة والسلام حي بين أظهرنا, وقد واجهنا بكلامه وبخطابه، النبي بين لنا وحدثنا وأمرنا ونهانا, أكان فرضاً علينا أن نتبعه من غير أن نعرضه على رأي غيره وكلامه ومذهبه, أم لا نتبعه حتى نعرض ما سمعناه منه على آراء الناس وعقولهم؟.
لو أن النبي في دمشق, وتكلم لهؤلاء الناس, ورجل قال: أنا لا أعرف حتى آخذ رأي شيخي فيما قاله النبي, هل هذا ممكن؟ مستحيل.
طبعاً: الذي يناقشه أُحرج, قال: بل كان الفرض المبادرة إلى الامتثال من غير التفات إلى سواه.

قف هنا :
يروى ولا أدري مبلغ هذا من الصحة, أن النبي عليه الصلاة والسلام, طبعاً الحديث واضح:
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر))
كان هناك صحابي صغير جداً، دعاه للإسلام فقال: سأسأل أبي ثم عاد، قال: الله حينما خلقني لم يسأل أبي, فأنا علي أن أعبده من دون سؤال, قال له: مما الذي نسخ هذا الفرض عنا, وبأي شيء نسخ,؟ فوضع إصبعه على فيه, وبقي باهتاً متحيراً, وما نطق بكلمة. من أدب الخواص مع الله :
إذا أنت ممكن إذا أنت رأيت نصاً من النبي الكريم, صحيح في الصحاح, متفقاً عليه, واضحاً, لا يحتاج إلى تفسير, يأمرك أو ينهاك، وعلقت التطبيق, لتأخذ رأي إنسان كائناً من كان، فأنت لا تعرف الله أبداً، هذا أدب الخواص مع الله، لا مخالفة أمره, والشرك به, ورفع الأصوات, وإزعاج الأعضاء بالصلاة عليه والتسليم, وعزل كلامه عن اليقين, وعن أن يستفاد منه معرفة الله, أو تلقي أحكامه منه، وجعل المعوَّل في باب معرفة الله لا على العقول المنهوكة المتحيرة المتناقضة, ولا على تقليد الرجال وآرائها, والقرآن والسنة إنما نقرؤها تبركاً, هذا ما حصل، يقرأ القرآن تبركاً والسنة يقرأها تبركاً.
أما الصواب: أن نتلقى أصول الدين من الكتاب والسنة, ومن طلب غير ذلك ورامه, عاديناه, وسعينا في قطع دابره واستئصال شقفته.

دقق في هذه الآية الكريمة :
دقق في هذه الآية الكريمة:
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 63-74]
معك القرآن والآيات واضحة، معك السنة الواضحة, ينبغي أن تبادر إلى تطبيق الأمر والنهي, دون أن تعلق هذا التطبيق على أحد.
قال: الناصح لنفسه, العامل على نجاتها, يتدبر هذه الآيات حق تدبرها, وتأملها، وينزلها على الواقع, فيرى العجب، ولا يظنها اختصت بقوم كانوا فبانوا، فالحديث لك واسمعي يا جارة والله المستعان.

من الأدب مع رسول الله عليه الصلاة والسلام :
1-ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي :
أيها الأخوة, ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، تعرض آراء أمامه في حياته خلاف سنته:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[سورة الحجرات الآية: 1]
ألا تقدم أمراً لا نهياً ولا تصرفاً ولا ما شاكل ذلك، قد يتوهم بعضهم أن هذا الأمر مقيد بحياة رسول الله.
قال بعض العلماء: هذا الأمر باق إلى يوم القيامة ولا ينسخ.
فالتقدم بين يديه في حياته كالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته, لا فرق بين التقدم بين يديه في حياته والتقدم بين يدي سنته بعد مماته، قال بعض العلماء: لا تفتئتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عبيدة: تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإيمان وبين يدي الأب، أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه، وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى.

2-ألا ترفع صوتك فوق صوته :
ومن الأدب معه: ألا ترفع صوتك فوق صوته، فإنه سبب لحبوط الأعمال, ثم الظن برفع الآراء, رفع الصوت العادي يحبط العمل، كيف أن تأتي برأي فوق سنته؟.
يقول لك: السنة مقيدة بعصره, سنة النبي فهم مرحلي بالقرآن.
عندما كان العرب تحت الخيام وفي الصحراء, فهم النبي للقرآن يتناسب مع عقول هؤلاء البسطاء، أما الآن لا بد من فهم عصري لهذا القرآن، أنت لم ترفع صوتك فوق صوته في حياته, رفعت رأيك المخطئ فوق سنته بعد مماته.

3-ألا يجعل دعاءه كدعاء غيره :
قال: ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا يجعل دعاءه كدعاء غيره، قال تعالى:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾
[سورة النور الآية: 63]
قال: هذه الآية فيها قولان: الأول: أي لا ينبغي أن تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً، بل قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، لا بد من أن تقول: يا رسول الله, يا نبي الله، أما يا محمد هذا دعاؤكم له كدعاء بعضكم بعضاً.
والثاني: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضاً، إن شاء أجاب وإن شاء ترك ، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته, ولم يسعكم التخلف عنه البتة، فعلى هذا المصدر لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضاً، إذا كان بعضكم دعا بعضاً نجيب أو لا نجيب.
إنسان دعاك تعتذر لأنك لست متفرغاً، أما إذا دعاك النبي ولو بعد موته إلى عمل ينبغي أن تلبيه.

4- لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته حتى يستأذنه :
ومن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط, لم يذهب أحد منهم مذهباً في حاجته, حتى يستأذنه, كما قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾
[سورة النور الآية: 62]
فإذا كان هذا مذهباً مقيداً بحاجة عارضة لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه, فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين؟ في أصوله وفروعه؟ دقيقه وجليله؟.
إنسان يتصرف من تلقاء ذاته, دون أن يستأذن رسول الله, الرسول انتقل إلى الرفيق الأعلى, استئذانه في حياته أن تسأله، واستئذانه بعد مماته أن ترجع إلى سنته، أهكذا فعل النبي ؟ استئذانه بعد موته أن ترجع إلى سنته, وأن تهتدي بها, لا أن تفعل شيئاً دون أن تأخذ رأيه أو إذنه؟.

5-أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله :
قال: ومن الأدب معه: أن لا يستشكل قوله بل تستشكل الآراء لقوله.
أنت قرأت مقالة, فوجدت الحديث يتناقض مع المقالة فانزعجت، يجب عليك إن قرأت مقالة علمية على خلاف حديث نبوي, تنزعج على المقالة, وليس على الحديث.
الناس ينزعجون إذا حديث شريف لا يوجد في العلم شيء يؤيده لا، يجب أن لا تستشكل قوله، يجب أن تستشكل الآراء لقوله، لا يعارَض نصه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنفوسه, لا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً, بل ينبغي أن نأخذ قوله على أنه حقيقة، هو الأصل.
الإنسان عندما يكون علمانياً, إذا رأى بالعلم شيئاً، إذا رأى بالإسلام شيئاً يطابق العلم يفرح، هذا خطأ، يجب إن رأيت في العلم ما يطابق دينك أن تفرح للعلم، الدين هو الأصل فإذا العلم وافق الدين جيد، وإذا لم يوافقه اركله بقدمك, أما العلم مستحيل أن يناقض الدين, لأن الدين هو وحي الله، والعلم قوانين الله عز وجل, قننها في كونه, لكن يناقض الدين نظرية علمية, وليست حقيقة علمية، يناقض العلم نص موضوع، لا نص صحيح، أو نص صحيح مؤول تأويلاً غير صحيح، فالنص الصحيح المؤول تأويلاً غير صحيح, أو النص الموضوع يناقض العلم، والنظريات التي لم تثبت بعد تناقض الدين، أما العقل الصريح والعلم الصحيح لا يمكن أن يناقصْ النص الصريح.
وفي درس قادم إن شاء الله ننتقل إلى الأدب مع خلق الله.










والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:21 AM   #57


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و الخمسون )

الموضوع : الادب مع خلق الله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ماذا نستنبط من هذه الآية؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها منزلة الأدب, استنباطاً من قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[سورة التحريم الآية: 6]
قال ابن عباس: قوا أنفسكم وأهليكم نارا؛ أي أدبوهم. ما ذكر سابقاً :

وقد ذكرت في مطلع الدرس قبل الماضي: أن الإسلام عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، وأن الآداب بمثابة التاج الذي يتوج الإيمان، وقد حار أصحاب النبي عليهم رضوان الله من أدب النبي العالي, فسُئل من قبل السيدة عائشة:

((يا رسول الله! ما هذا الأدب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي))
وقد ذكرت قبل درسين: أن الأدب على أقسام ثلاثة؛ أدباً مع الله، وأدباً مع رسول الله، وأدباً مع الخلق.
في الدرس الماضي بينت: أن الأدب مع رسول الله يقتضي: أن كل الآيات الكريمة التي وردت بحق النبي عليه الصلاة والسلام, وهي توجه أصحابه الكرام إلى أن يكونوا معه في أعلى درجة من الأدب, إنما هي آيات مستمرة لا ينقطع حكمها بوفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فكما أنه لا ينبغي أن يعلو صوتك على صوته في حياته, لا ينبغي أن يعلو رأيك على سنته بعد مماته. ما معنى هذه الآية؟ :
ومن أجمل الاستنباطات: أن علماء التفسير قالوا في قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 33]

قال علماء التفسير: طبعاً في حياة النبي, ما دام النبي عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم, هم في بحبوحة من عذاب الله، في مأمن من عذاب الله، ولكن ما معنى هذه الآية: بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى؟
معنى هذه الآية: ما دامت سنتك يا محمد في حياتهم، في بيوتهم، في تجارتهم، في كسب أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، في شدتهم، في رخائهم، ما دامت سنتك مطبقةً في حياتهم, ما كان الله ليعذبهم, فإن أردت أن تكون في مأمن من عذاب الله, فطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
شيء آخر: قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 33]
يعني أنت حينما تندم، وحينما تستغفر، وحينما تراجع نفسك، أنت في مأمن آخر من عذاب الله، أنت في مأمنين؛ في مأمن اتباع المنهج, وفي مأمن الندم على خرق المنهج، إن ندمت فأنت في مأمن, وإن سرت على الحق فأنت في مأمن، وحاجة الإنسان إلى الأمن حاجة كبيرة.
منزلة اليوم :
أيها الأخوة الكرام, ننتقل إلى القسم الثالث من منزلة الأدب, ألا وهي الأدب مع الخلق، فالأدب مع الخلق معاملتهم على اختلاف مراتبهم بما يليق بهم، فلكل مرتبة أدب والمراتب فيها أدب خاص؛ فمع الوالدين أدب خاص، ومع الأب بالذات أدب متميز، مع العالم أدب آخر، مع السلطان أدب يليق به، مع الأقران أدب يليق بهم، مع الأجانب أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه، مع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته.
قالوا: لك آباء ثلاث؛ أب أنجبك، وأب زوجك، وأب دلك على الله. ولكل من هؤلاء الثلاثة أدب خاص يليق به، هذا مع الأشخاص, فماذا مع الأحوال؟ لكل حال أدب, فللأكل آداب:
ما كان عليه الصلاة والسلام يأكل متكئاً، كان يجلس جلسة العبد.
وللشرب أدب:
كان عليه الصلاة والسلام يبعد القدح عن فيه، وهذه السنة تتوافق مع أحدث نظرية في العدوى، زفير الإنسان قد يعدي, فإذا تنفست في أثناء شرب الماء, أبعدت القدح عن فيك, فهذا من الأدب.
((مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً فإن الكباد من العب))

وكان عليه الصلاة والسلام يشرب ثلاثاً، ويشرب جالساً، هذه كلها آداب للشرب، طبعاً نحن نتحدث بشكل إجمالي، وللركوب, والدخول، والخروج، والسفر، والإقامة، والنوم.
آداب نوم: الملوك على ظهورهم، ونوم الشياطين على بطونهم، وهناك نوم الأغنياء على شقهم الأيسر -لأنه أفرط في الطعام-, وهناك نوم الأتقياء على شقهم الأيمن.
كان عليه الصلاة والسلام ينام على شقه الأيمن, ويضع يده تحت خده الشريف, ويقرأ دعاء قبل أن ينام.
وللسكوت أدب:
كان عليه الصلاة والسلام يحسن الاستماع, وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به، وهناك أدب للسكوت يسكت عن علم لا عن جهل.
قال العلماء: أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره. مشاهد من السنة تلفت النظر :
والحقيقة أيها الأخوة: أن هناك في السنة مشاهد أو مواقف تلفت النظر.
سيدنا العباس سُئل: أيكما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني ولكني ولدت قبله. أرأيت إلى هذا الأدب؟.
امرأة عثمان بن مظعون جاءت إلى السيدة عائشة بثياب مبتذلة، فسألتها: مالكِ هكذا؟ فقالت: إن زوجي صوام قوام، لا يلتفت إلي إطلاقاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام أرسل في طلبه وعاتبه, فقال: يا عثمان, أليس لك بي أسوة؟ أنا أنام وأقوم، أصوم وأفطر, فيبدو أن عثمان بن مظعون عاد إلى توجيهات النبي, والتفت إلى زوجته، فجاءت امرأة عثمان بن مظعون إلى بيت السيدة عائشة بعد حين ورأتها عطرة نضرة، فقالت لها السيدة عائشة: مالك تغير حالك!؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس.
كلام لطيف لا يجرح الحياء، والقرآن الكريم:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5-7]
أرأيت إلى هذه العبارة التي ينطوي تحتها كل ألوان الشذوذ؟ فمن ابتغى وراء ذلك.
((يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك))
كلمة لا تثير الشهوة, تصف حجم عظامك، فالعظم لا يثير الشهوة، بل إن بعض الشعراء له بيتان في الغزل, يعني كان البيتان فيهما مأخذ عليه, قال: إن سلمى خلقت من قصب قصــب السكر لا عظم الجمل
وإذا قـربـت منها بصلاً غلـب المسك على ريح البصل

عظم الجمل لا يتناسب مع الغزل، فكذلك النبي عليه الصلاة والسلام جاء بكلمة تبعدك عن الإثارة كلياً:
إن هذه الثياب تصف حجم عظامك.
لا أذكر كل المشاهد المفعمة بالأدب من أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله فما أكثرها, لأنهم تربوا في مدرسة رسول الله، وسيأتي ذكر بعضها. ما قصة هذه المقولة: هذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور؟ :
أحياناً: هناك امرأة تعمل بفن ساقط, أساسه قلة الأدب, وقد تجدها غنية جداً، كنت في بلد عربي, وأشير إلى بناء في لب المدينة في القاهرة, قال: هذا البناء كل بيت فيه يزيد سعره عن ثلاثمئة مليون, تسكنه راقصة، الذي تعمل بقلة الأدب, تسكن في هذا البيت، والذي يعمل في الأدب, لا يجد قوت يومه، هذا مأخذ على مجتمع يعلو فيه المنحرف ويفتقر فيه المستقيم.
سْئلت امرأة, تعمل في الفن في بلد غربي, ولها شهرة واسعة: ما شعورك وأنت على خشبة المسرح؟ فقالت: شعور الخذي والعار. وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين وفي غرف مغلقة, وهي صادقة مع نفسها.
تأمل في هذا الشأن :
قال: فانظر إلى الأدب مع الوالدين, كيف نجا صاحبه من حبس الغار, حينما أطبقت عليهم الصخرة؟ تأمل أحوال كل شقي ومغتر ومدبر، كيف تجد قلة أدبه هي التي ساقته إلى الحرمان؟.
موقف لا يتسم بالأدب, قد يحرمك شيئاً كثيراً.
انظر إلى هذا الأدب عند هذا الصحابي الجليل مع رسول الله عليه الصلاة والسلام :

أنا لا أنسى هذا الصحابي الجليل -سيدنا زيد الخيل- لما التقى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له: ما اسمك؟ قال: أنا اسمي زيد الخيل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير، أعجب به النبي، قال له: يا زيد, ما وصف لي رجل فرأيته إلا رأيته دون ما وصف, إلا أنت يا زيد -أراد أن يكرمه, جاء من مكان بعيد, من نجد- فدعاه إلى منزله، في منزل النبي عليه الصلاة والسلام, قدم إليه وسادةً ليتكئ عليها، فقال زيد رضي الله عنه, وهو حديث عهد بالإسلام, مضى على إسلامه أقل من ساعة، قال له: والله يا رسول الله! لا أتكئ بحضرتك.
ما هذا الأدب؟ ومتى حصله؟ والعياذ بالله! هناك من يجلس ويضع رجليه على الطاولة قبالةَ الزائر, هذا من سوء أدبهم مع زوارهم.
مرة وأنا أمشي في الطريق, وجدت قدمين خارجتين من نافذة, فعلمت أن صاحبها درس في بلاد الغرب, وهو جالس على كرسي, وقد وضع رجليه على النافذة قبالة من يمشي في الطريق. المؤمن كله أدب لا يفعلها.
مخالفة شرعية في بيت مسلم!!! :
الآن: في بيوت كثيرة, يرتدي الأب ثياباً متبذلة أمام بناته، قد يرتدي الثياب الداخلية فقط، قد ترتدي البنت ثياباً فاضحةً أمام أخيها، ولو درسنا موضوع العورة: لا يجوز للأخت أن ترى من أختها ما فوق ركبتها إلى ما تحت ركبتها, وما يتناهى إلى أسماع الناس من شذوذ ضمن الأسرة الواحدة, سببه هذا التكشف، ما يتنامى إلى أسماعنا أحياناً من علاقات آثمة محرمة فاضحة بين أفراد الأسرة الواحدة, سببه هذا التكشف، ومن قال لك: إن محارمك يمكن أن ترى منهن كل شيء؟ من قال لك ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نستأذن على أمهاتنا:
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ, فَقَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا, أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ قَالَ: لا, قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا))
[أخرجه الإمام مالك في الموطأ]

والأب المؤمن يستأذن على ابنته غرفتها، يستأذن على أمه, موضوع الزوجة موضوع آخر, ما سوى الزوجة، الأم، البنت، الأخت، العمة، الخالة، وبنت الأخ، بنت الأخت، هذه محارم, لك أن تراها في ثياب الخدمة، لا أن تراها في ثياب متبذلة، ثياب الخدمة قميص مرتفع الصدر, والكم إلى ما تحت المرفق، والثوب إلى ما تحت الركبة، هذه ثياب الخدمة، ترى أمك بهذه الثياب، أختك بهذه الثياب، ابنتك بهذه الثياب، لا ينبغي أن تراهنَّ إلا بثياب الخدمة، حتى إن بعض علماء التفسير حينما قالوا في قوله تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]
المرأة التي سمح الشرع لك أن تراها, يجب أن تراها رؤيةً شمولية, دون أن تدقق في تفاصيل خطوط الجسم، المؤمن أديب لا يدقق في خطوط جسم امرأة من محارمه، يستأذن عليها في دخوله عليها، إذا نظر إليها, نظر نظرةً عامةً دون تدقيق يثير الشبهات.
هذا أدب الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أدب سيدنا الصديق رضي الله عنه مع النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، لم يتقدم بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنحى، تأخر قليلاً, ليبقى النبي في مقدمة الصفوف.
موقف شنيع :
كنت مرةً في العمرة, وفي مصلى النبي عليه الصلاة والسلام, وضع كرسي مصحف, وعليه مصحف كبير, بحيث غطى نصف القوس -محراب النبي الذي صلى به بأصحابه كهذا المحراب تقريباً نصف دائرة وامتداد- هكذا فهمت أنا: أنه لا ينبغي أن تصلي في مكان النبي تماماً, هذا مقام النبي يجب أن تصلي وراءه خطوةً، كنت في هذا المكان جالس, جاء رجل ضعيف الإحساس, فأزاح المصحف, وملأ القوس كله بجسمه وصلى.
ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال:
((أدبني ربي فأحسن تأديبي))
انظر إلى هذا الأدب بين الخلفاء الراشدين : سيدنا عمر حينما خطب المسلمين في أول خطبة, تسلم فيها الخلافة, وقف في الدرجة العليا, ثم نزل درجة, وقال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، وهناك تصرف حكيم جداً من سيدنا عثمان، سيدنا عثمان ما نزل درجة، فعلها الفاروق, ولم يفعلها سيدنا عثمان, وكان حكيماً جداً، اتضحت هذه الحكمة, حين سُئل أحد خلفاء بني أمية أنه: ِلمَ لمْ ينزل عثمان درجة كما فعل عمر؟ فقال هذا المسؤول ويبدو عالم، قال: لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر.
لو سيدنا عثمان نزل درجة، وسيدنا علي درجة, نحفر بئراً ويجلس الخطيب في. ما معنى: الأدب بين الغلو والجفاء؟ :
وقال بعض السلف: الأدب بين الغلو والجفاء.

يعني من تفسيرات الأدب مثلاً: إضاعة الأدب بالجفاء, كمن لم يكمل أعضاء الوضوء, ولم يوف الصلاة آدابها التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي قريب من مئة أدب, ما بين واجب ومستحب، فالجفاء أن تهمل هذه الآداب، والغلو أن تقع في وسوسة في هذه الآداب، ترفع يديك، تقول: الله أكبر, لم تصح تعيدها، هذه وسوسة، فالجفاء أن تقصر والوسوسة أن تبالغ والأدب بينهما، رفع الصوت بها أو الصمت الكامل، يعني ترى درساً قائماً بمسجد, يأتي أخ يصلي باثنين بأعلى صوته، يفسد على المتكلم الدرس كله؛ أين الملاحظة؟ أين الأدب؟ أين الذوق؟ مئات يستمعون إلى درس فصل, وأسمع الذي وراءك صوتك, أما أن ترفع الصوت إلى أعلى طبقة, وأن تطيل في الصلاة، وأن تفسد على المتكلم درسه، ليس هذا من الأدب إطلاقاً.

كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه.
بربكم: لو أن امرأة نائمة هل يوقظها صوت حفيف الثوب؟ .
يعني: ترى إنساناً لبس ثوباً, له صوت أثناء السير, حفيف الثوب, هل يوقظ امرأةً؟ من شدة أدبه صلى الله عليه وسلم: كان إذا دخل بيته لف ثوبه، أما الجاف يقول لزوجته: قومي واصنعي عشاء وتكون قد غفلت الآن، يقسو عليها في إيقاظها.
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه، كان يكنس داره، ويخصف نعله، ويرفو ثوبه، ويصغو الإناء للهرة، وكان في مهنة أهله.
في الدعاء مثلاً: إنسان تقول له: ادع لنا، فيدعو ساعة من الزمن يطيل ويطيل, ليس متعدلاً، وآخر يدعو بكلمتين فقط، فالأدب يبدو بين الإفراط والتفريط، بين الجفاء والغلو, هذا هو الأدب؛ في الصلاة، في الدعاء, في الذكر، في كل شيء.
من أكبر الفتن :
كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاةً في تمام:
عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ أَخَفَّ النَّاسِ صَلاةً فِي تَمَامٍ.
يعني مثلاً: لو أطلت الصلاة أكثر من صلاة رسول الله لست أديباً مع رسول الله، يعني أنت أشد خشوعاً منه؟ أنت أشد ورعاً منه؟.
إنسان أراد أن يحرم من مكان أبعد من الميقات, فقال له تابعي جليل: لا تفعل، قال: ولمَ لا أفعل وأنا في عبادة؟ قال: تفتن، قال: كيف أفتن؟ قال: وهل من فتنة أكبر من أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟.
هذه أكبر فتنة.
بالمناسبة: أي إنسان يدعو إلى الله, ويبلغ أخوانه فوق المنهج الذي جاء به النبي, فقد وقع في سوء الأدب مع رسول الله, هل أنت أشد ورعاً من رسول الله؛ تكلف الناس ما لا يطيقون؟ تكلف الناس فوق المنهج القويم الذي جاء به سيد المرسلين؟.
النبـــي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليأمر بأمر ثم يخالفه وقد صانه الله عن ذلك، كان يأمرهم بالتخفيف في الصلاة، حتى سيدنا معاذ صلى وأطال, فخرج أحد أصحاب رسول الله من صلاة مع هذا الصحابي، فاشتكى إلى النبي, فقال له عليه الصلاة والسلام: أفتان أنت يا معاذ؟.
كن متبعاً للسنة هي أكمل شيء، إن السنة هي من وحي الله عز وجل، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
من السنة :
عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ:
((حَدَّثَنِي قَزْعَةُ, قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ, وَهُوَ مَكْثُورٌ عَلَيْهِ, فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ, قُلْتُ: إِنِّي لا أَسْأَلُكَ عَمَّا يَسْأَلُكَ هَؤُلاءِ عَنْهُ, قُلْتُ: أَسْأَلُكَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: مَا لَكَ فِي ذَاكَ مِنْ خَيْرٍ, فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ, فَقَالَ: كَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ, فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا إِلَى الْبَقِيعِ, فَيَقْضِي حَاجَتَهُ, ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ, ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَسْجِدِ, وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى))
يكتبون على أبواب المساجد: أن الظهر بعد عشرين دقيقة، العصر بعد عشرين دقيقة، المغرب بعد خمس دقائق، الفجر بعد نصف ساعة، هذا من السنة أيضاً, أما الذي يختصر العبادات هذا من سوء الأدب مع رسول الله.
قال: هو كمن أكل مضطراً في مخمصة، أكل ما يسد به رمقه فليته شبع, هو كجائع قدَّم له طعام لذيذ, أكل لقمة واحدة أو لقمتين, فماذا يغنيان عنه؟ .
قالوا: إن الصلاة غذاء الروح والقلب, فإنه بحاجة إلى غذائه مما يتنزل من رحمات ربه، كما أن الجسم بحاجة إلى الغذاء مما تخرج الأرض من بقلها. ما يتعلق في حقوق الخلق :
في حقوق الخلق قال: ينبغي أن لا يفرط في القيام في حقوقهم وألا يستغرق فيها بحيث يشتغل بها عن حقوق الله.
أحياناً الإنسان ينغمس في خدمة الخلق لدرجة أنه يضيع في عمله حقوقه مع الله سبحانه وتعالى، وأحياناً يستغرق في عباداته حتى ينسى ما عليه من حقوق، ينسى أهله بلا طعام، يهمل أولاده في صلواته وأذكاره، أعطِ كل ذي حق حقه.
((إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار, وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل))
قف عند هذه الكلمة :

وكنت أقول لكم دائماً: إن العبادة المطلقة أن تعبد الله فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك، وفي الوقت الذي أظلك، عبادة هوية ومكان وزمان، أقامك غنياً أنفقْ المال, أقامك عالماً علم الناس، أقامك قوياً أنصف المظلوم، أقامك امرأةً أحسني تبعل زوجِك وخدمة أولادك ، أقامك طبيباً اعتن بمرضاك، أقامك محامياً لا تغش موكليك، أقامك تاجراً كن صدوقاً.

((إن أطيب الكسب كسب التجار؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا اشتروا لم يذموا))
أقامك تاجراً طبق هذه الوصايا، أقامك صاحب حرفة، إنما أهلك الصنعة قول غد وبعد غد، أنجز وعدك بالوقت المناسب، أتقن عملك:
((إن الله يحب من عبده إذا عمل عملاً أن يتقنه))
أقامك معلماً علم طلابك بإخلاص فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك، عندك ضيف أهمل الضيف, لم يُؤمن له الطعام, جعله في مكان غير مريح، لا, عبادتك الأولى أن تعتني بالضيف ، عندك مريض عبادتك الأولى أن تخدم المريض، عندك ابن امتحانه غداً, عبادتك الأولى أن تعتني بابنك قبل الامتحان، هذه العبادة.
الآن: وقت سحر, هذا وقت صلاة، وقت ذكر، وقت تلاوة قرآن، ليس وقت حسابات، وقت الفجر ليس وقت عمل وقت ذكر، يعني كل وقت له عبادة.
رجل جلس مع خطيبته فحدثها عن الموت، ما كان حكيماً بهذا الحديث، حدثها عن المستقبل، عن عش الزوجية، عن البيت، عبادة الأدب أن تكون معتدلاً، أن تكون وسطياً بين الغلو وبين الجفاء، بين الإفراط وبين التفريط. ما نوع هذا الأدب؟ :

يوجد نوع ثالث: أدب الأحوال، الأدب أن تمنع الخوف من أن يحملك على اليأس، يوجد شيء مخيف, إذا حملك هذا الخوف على اليأس, معنى ذلك أن توحيدك ضعيف.
تصور أنت جندي والده قائد الجيش، جاء عريف فهدده, فبكى هذا الجندي, وارتعدت فرائضه من هذا التهديد، معنى هذا أنه لا يعرف قدر والده، أحياناً يوجد شيء مخيف, أما هذا الشيء المخيف إذا حملك على أن تيأس من رحمة الله, فأنت لست أديباً مع الله, كأنك تتهم الله أنه لا يفعل شيئاً، كأنك تتهم الله عز وجل أنه غير قدير على حفظك.
بصراحة: أقول لكم كلمة اقبلوها مني: الله عز وجل هو المعبود، لا معبود سواه, لو سلمك إلى أحد من خلقه, لا يستحق العبادة، لا يوكل مصيرك إلى أحد من خلقه، قال تعالى:
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
[سورة الزمر الآية: 62]
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 59]
إذا ورقة يعلمها, فكيف بالأشياء الكبيرة؟!. من سوء الأدب مع الله :
فقال: الأدب في الأحوال: أن تمنع الخوف من أن يصل بك إلى اليأس, بالمقابل أن تمنع الرجاء برحمة الله من أن يصل بك إلى أن تأمن عذاب الله.
فالإنسان أحياناً براحة الرخاء يتوسع، يتساهل، يطمع بعفو الله ورحمته، هذا سوء أدب مع الله، إذا كنت معافى، صحيحاً، دخلك جيد، بيتك منتظم، زوجتك, أولادك لا يوجد عندك مشكلة، تهمل الصلوات، تهمل الأذكار, لا يوجد شيء تخاف منه، هذا الأمن الذي نعمت به قادك إلى التساهل في العبادة، وإن جاءتك شدة من الله ينبغي أن لا تقودك إلى اليأس من رحمته، يجب أن تمنع الخوف أن يأخذك إلى اليأس, وأن تمنع الرجاء أن يأخذك إلى الأمن، والأمن أن تتوسع في الحركة، أن تبتعد عن الورع.
هذا حال الأديب مع الله :
فالأديب مع الله لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله, فإن هذا الخوف مذموم، يوجد شخص كأنه متوهم أنه سينسحق، أنت مؤمن غالٍ على الله ، لك عند الله حقوق، الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه.
يَا مُعَاذُ, هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ, وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ:
((اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ: أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا))
الإمام الشافعي استنبط استنباطاً رائعاً: إن الله لا يعذب أحبابه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
[سورة المائدة الآية: 18]
لو أن الله قبل دعواهم لما عذبهم، فإذا عذبهم كذبهم, أنتم لستم أحبابي، أنا لا أريد إنساناً يخاف، أنت مؤمن, والأمر بيد الله، والله عز وجل يظهر آياته.
نقطة هامة :
أيها الأخوة, الخوف الذي ينتهي بك إلى اليأس إساءة أدب مع الله عز وجل، والرجاء الذي يفضي بك إلى الأمن من عذاب الله أيضاً إساءة أدب مع الله عز وجل، بل حد الرجاء: ما طيب لك العبادة, وحملك على السير, فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة, فإذا انقطعت وقفت السفينة، وإذا زادت عن حدها ألقتها في المهالك، وإذا كانت بقدر أوصلتها إلى البغية, فالرجاء كالرياح في البحر تماماً, إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.
الآن السرور: الإنسان أحياناً يسر, ضبط السرور لا يقدر عليه إلا الأقوياء, أرباب العزائم, الذين لا تستفزهم السراء فتغلب شكرهم، ولا تضعفهم الضراء فتغلب صبرهم، شخص تأتيه مصيبة يتحطم، غلبته الضراء، أبعدته عن الصبر، وأحياناً يتألق, يأتيه مبلغ كبير, يحقق هدفه, ويتزوج، يتعين بوظيفة راقية جداً, يختل توازنه, ففرحه أبعده عن الشكر، فالأدب مع الله أن لا تحملك السراء إلى أن تبتعد عن الشكر, وأن لا تحملك الضراء إلى أن تبتعد عن الصبر.

كنت أقول مرةً: بلوغ القمة صعب جداً, ولكن الأصعب منه أن تبقى في القمة، وأنت في أعلى درجات القوة متواضع لله عز وجل.
دخل النبي مكة فاتحاً، دخلها مطأطئ الرأس, حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
وطن نفسك السراء ينبغي ألا تحملك على ترك الشكر، والضراء ينبغي أن لا تحملك على ترك الصبر، في الرخاء شكور، وفي البلاء صبور.
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ, إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ, لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا, وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا))
قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
الله عز وجل يحب العبد الصابر، يوجد آيات إذا قرأتها يقشعر جلدك, قال تعالى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية:43]
إنسان تأتيه مصيبة يقول: يا رب لك الحمد.
الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها.
إنسان تأتيه ميزة لا يختل توازنه، يبقى وقوراً، هادئاً، شكوراً، متواضعاً، فالبطولة لا أن تصل إلى القمة بل أن تبقى فيها، طريق القمة صعب جداً, وطريق السقوط سهل جداً، الغرور إياك أن تغتر، صحابة رسول الله, وفيهم رسول الله حينما قالوا: لن نغلب من قلة، عشرة آلاف مقاتل بعد أن فتحوا مكة غلبوا في حنين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
خاتمة الدرس :
أختم الدرس بهذا القول: درس بليغ: أنت بين حالين؛ بين أن يتولاك الله وبين أن يتخلى عنك، إذا قلت: الله تولاك, وإذا قلت: أنا تخلى عنك، درس بدر ودرس حنين؛ درس بدر: قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 123]
مفتقرون إلى الله فنصركم، درس حنين: أعجبتم بقوتكم فتخلى عنكم, وهذا الدرس نحتاجه نحن كل يوم مئة مرة، تنجح أحياناً بعملك فتقول: أنا سقطت، تنجح تقول: يا ربي لك الفضل, تعلو وتسمو.
سمعت عن طبيب -جزاه الله خيراً- من أنجح الجراحين, لا يجري عملية جراحية قبل أن يصلي أمام المريض ركعتين؛ يا رب وفقني، يا رب سدد خُطاي، ألهمني الصواب، الإنسان بالافتقار، والمؤمن الصادق إذا أقدم على عمل:
اللهم إني تبرأت من حوالي وقوتي وعلمي, والتجأت إلى حولي وعلمك وقوتك يا ذا القوة المتين.
درس بدر افتقر يتولاك الله، درس حنين إياك أن تعتد بنفسك فيتخلى الله عنك، ونحن في أمس الحاجة إلى هذين الدرسين، بهذا تنتهي منزلة الأدب مع الله، في الدرس قبل الماضي، والأدب مع رسول الله في الدرس الماضي، والأدب مع الخلق في هذا الدرس, والأدب تاج يتوج به المؤمن، الإسلام عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب.
وقد سُئل النبي الكريم:
((ما هذا الأدب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربي فأحسن تأديبي؟))
ولم يرَ ماداً رجليه قط عليه الصلاة والسلام من العظيم أدبه.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:24 AM   #58


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع : الذوق - 1







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما الذي يشد الناس إلى الدين, ومتى يدخل العبد في مرحلة الذوق؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم: منزلة الذوق, تنطلق هذه المنزلة من قوله تعالى:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 14]
في الدين حقيقة يدركها العقل، وفي الدين طعم يذوقه القلب, فالذي يشد الناس إلى الدين ليست حقائقه الناصعة فحسب، بل الذي يشد الناس إلى الدين هذا الشعور الذي يغمر القلب حينما يتصل بالله عز وجل، لأن في الإنسان جانباً عقلياً، وجانباً جسمياً، وجانباً نفسياً، فالجانب العقلي غذاؤه العلم، والجانب الجسمي غذاؤه الطعام والشراب، والجانب النفسي غذاؤه الحب، الاتصال بالله، السكينة, التجلي، أن يمتلئ القلب ثقةً بما عند الله، أن يمتلئ غنى، أن يمتلئ طمأنينة، سعادة، سمها سكينةً، سمها قرباً، سمها تجلياً، سمها اتصالاً، سمها أنساً، هذه كلها أسماء لمسمى واحد وهي الذوق.
عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
منزلة اليوم: منزلة الذوق، قد تعتقد، قد تفكر، قد تحاكم، قد تتخذ قراراً، هذا كله نشاط عقلي, أما حينما تتصل وينغمر القلب بمشاعر لا توصف, دخلت في مرحلة الذوق. ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :
أيها الأخوة مرةً ثانية: الذي يشد الإنسان إلى الدين ليس ما في الدين من حقائق ناصعة، في الدين حقائق ناصعة، في الدين تفسير دقيق للكون وللحياة وللإنسان، الدين أعطاك تفسيراً منطقياً، تفسيراً متكاملاً, تفسيراً متماسكاً، تفسيراً عميقاً، تفسيراً مقبولاً، تفسيراً ينسجم مع معطيات الإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الدين ليس هذا التفسير الناصع، الواضح، العميق، المتناسق، القوي فحسب، بل الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان, هذا الذي عبر عنه بعض الشعراء:
فلو شــاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمــــا وليت عنا لغيـرنا
ولو سمعـت أذناك حسن خطابنا خلــعت ثيـــاب العجب عنك وجئتنا
ولو ذقــت من طعم المحبة ذرةً عـذرت الـــذي أضحى قتيلاً بـحبنا
ولو نسمـت من قربنا لك نسـمة لمــت غريباً واشــتياقاً لقــربنـا
ولو لاح مــن أنـوارنا لك لائح تـركـت جـميـع الكائـنات لأجـلـنا

أن تشعر بقربك من الله، الله عز وجل مصدر الأنس، مصدر الرضا، مصدر السعادة، مصدر الجمال، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى, فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، فمرتبة الذوق أن تذوق من خلال إيمانك حلاوة الإيمان. هذا حال من ذاق طعم الإيمان :
الذي ذاق حلاوة الإيمان قيل له: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ وكان على وشك أن يقتل صلباً, ذاك خبيب بن عدي رضي الله عنه، ألقى عليه القبض كفار قريش, وأرادوا أن يقتلوه صلباً، سألوه قبل أن يقتلوه: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة.
التي ذاقت حلاوة الإيمان, بلغها أن النبي قد قتل في أحد، فانطلقت إلى ساحة المعركة, فإذا أبوها مقتول، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا أخوها مقتول، قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا ابنها مقتول, قالت: ما فعل رسول الله؟ فإذا زوجها مقتول، أبوها، وأخوها, وابنها، وزوجها، إلى أن وقعت عينها على شخص النبي عليه الصلاة والسلام فاطمأنت، وقالت: يا رسول الله! كل مصيبة بعدك جلل.
تهون, هذه ذاقت حلاوة الإيمان.
الصحابة الكرام ذاقوا حلاوة الإيمان, فبذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، كما قال بعض العاشقين:

فليتك تحـلو والحـياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غـضاب
وليت الذي بيني وبينـك عامر وبيني وبين العالمين خــراب
وليت شرابي من ودادك سـائ غ وشربي من ماء الفرات سراب

هذا حال من ذاق طعم الإيمان، الذي يذوق طعم الإيمان لو تقطعه إرباً إرباً لا يتزحزح .
وضعوا على صدر سيدنا بلال صخرةً ليكفر, فما زاد عن أن قال: أحد أحد فرد صمد.
الإنسان حينما يذوق حلاوة الإيمان يفعل المعجزات، أما إذا بقي في الأفكار، الأفكار لا تقدم ولا تؤخر.
متى يتصل العبد بالله؟ :
إذا أنت اعتقدت أن لهذا الكون إلهاً، ماذا فعلت؟ ما فعلت شيئاً وهو كذلك، لو اعتقدت العكس لاتهمت في عقلك، أما حينما تبذل، حينما تعطي، حينما توظف طاقاتكم وإمكاناتكم في سبيل الله، عندئذٍ تتصل، وإذا اتصلت ذقت حلاوة الإيمان، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:
عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
هذا الفرق بين أهل الدنيا وبين أهل الإيمان :
للإيمان طعم، وإن القلب إذا ذاق هذا الطعم فلن يعجبه شيء بعد ذلك.
من عرف الله زهد فيما سواه.
أهل الدنيا في الوحول يصطرعـون، وأهل الإيمان في جنات القربات يحلقون، والدعاء الذي يدعوه بعضهم:
الحمد لله الذي أخرجنا من ظلمات الجهل والوهن إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
هرقل ملك الروم الذي عاصر النبي عليه الصلاة والسلام، سأل أبا سفيان: هل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه؟ فقال: لا، كذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب، إذا دخل الإيمان إلى القلب أنت إنسان آخر, يسعدك أن تعطي لا أن تأخذ عكس الناس، يسعدك أن تقدم جهدك للآخرين لا أن تأخذ جهدهم، يسعدك أن تكون أقل الناس شأناً وأحظاهم عند الله عز وجل.

متى ينتهي العبد من موضوع الأخذ والرد مع نفسه؟ :
أيها الأخوة, حلاوة الإيمان لا يعرفها إلا من ذاقها، وحينما تصل إلى حلاوة الإيمان, كأن موضوع الأخذ والرد مع النفس ينتهي، الإنسان قبل أن يذوق حلاوة الإيمان, تأمره نفسه فيردعها، يصطرع معها، يغلبها وتغلبه، يقودها وتقوده، هذا الصراع المستمر بين الإنسان ونفسه, ينتهي حينما يذوق حلاوة الإيمان.
يعني مثلاً: إنسان نزل في البحر في أجمل أوقاته، وفي أجمل حالاته، مياه صافية زرقاء, دافئة الموج, هادئ البحر, كصفحة الظل، المناظر جميلة, وهو مغمور في مياه البحر، والبحر محيط به من كل جانب, هل يحتاج إلى دليل أنه في البحر؟.
يا إمام متى كان الله؟ فقال: ومتى لم يكن؟ أحوال العاشقين, أحوال المحبين شيء آخر في الدين، أنت حينما تحب الله عز وجل, لو أردت أن تزيل جبلاً من مكانه لزال.
لله رجال إذا أرادوا أراد.
يعني مستجابو الدعوة، يعني هم حينما اقتربوا من الله, اقتربوا من مصدر القوة، قوي بالله.

قصة :
قصة أرويها لكم دائماً: لما الإمام الحسن البصري أدى رسالة العلم, فبين بعض الحقائق في عهد الحجاج, فغضب الحجاج, وقال لجلسائه: والله لأروينكم من دمه يا جبناء، وأمر بقتله ، وجاء بالسياف, ومد النطع, وطلب الحسن البصري ليقتل، دخل الحسن البصري إلى مجلس سيقتل فيه, فإذا به يحرك شفتيه, ويتكلم كلاماً لم يفهمه أحد، يناجي ربه, فإذا بالحجاج يقف له، يقول له: أهلاً بأبي سعيد, أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه إلى أن أجلسه على سريره, وتأدب معه، وسأله، واستفتاه، وتذكر القصة: أنه عطره وضيفه وشيعه إلى باب القصر، والسياف واقف ينظر، -هو جيء به ليقطع رأسه بعد دقائق، والنطع مد-، فلما خرج أبو سعيد تبعه الحاجب, وقال: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل فيك, فماذا قلت لربك؟ قال: قلت لله عز وجل: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم, فما كان من الحجاج, وهو الذي حمله غضبه على أن يقتله إلى أن أصبح موالياً له.
كن مع الله تــــرى الله معك واترك الكـــل وحاذر طمعك
وإذا أعـطـاك مـن يـمـنعـه ثم مـن يعطي إذا مـا منعك؟

إذا كنت مع الله سخر الله لك عدوك ليخدمك، وإذا ابتعدت عن الله تنكر لك أقرب الناس إليك، لذلك قالوا: حلاوة الإيمان هي التي تشد الإنسان إلى الدين, وبالنهاية يوجد أقوياء وأنبياء ، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والناس جميعاً تبعاً لقوي أو لنبي، فالذي يتبع القوي يخضع الناس بقوته، والذي يتبع النبي يملك قلوب الناس بكماله. علامات الذي يذوق حلاوة الإيمان :
1-يبتعد عن الآمال ويتجه الى الأعمال :
الإنسان إذا ذاق حلاوة الإيمان, يبتعد عن الآمال, ويتجه إلى الأعمال, كل إنسان يعيش في الأمل، يتمنى ويتأمل ولا يعمل, ما ذاق حلاوة الإيمان، إنسان فتح محلاً تجارياً, متوقع ربحاً في اليوم عشرة آلاف, باع بمئتي ألف، من اليوم الثاني لا يغيب أبداً, يأتي باكراً، أول من يفتح المحل، يعتني لما ذاق الغلة الكبيرة، هذا الذي ذاقه من الربح الوفير, حمله على المتابعة، أما إذا فتح المحل ولا يوجد ولا مشترٍ، من اليوم الثاني يقول: أنا متعب، لا يهمه المحل فتح أو ما فتح، يقول: لا يوجد شغل, السوق بارد، إذا إنسان ما ذاق لا يتابع، من علامة الذي يذوق حلاوة الإيمان: أنه يتابع, وكل إنسان يقوم إلى الصلاة كسلان, يؤدي العبادات بتثاقل، كل قضية ينسحب منها يعتذر، لا يرغب هذا, ما ذاق حلاوة الإيمان، ولو ذاق حلاوة الإيمان لكان كالمرجل، حلاوة الإيمان تعطيك قوةً عجيبة، تعطيك قوةً تنسى بها كل شيء.
لذلك قالوا: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، بالتمني يقول: جعلنا الله من أهل الإيمان، يقول: آمين، اللهم لا تحاسبنا حساباً عسيراً، اللهم لا تعاملنا على عملنا، اللهم تب علينا, وكل هذا تمنيات، هذا الطالب إذا قال: إن شاء الله ننجح ولكن ما درس، الله كريم, لا ينسى أحد من فضله، ننجح, قل: يا رب، لا ينجح، أما لما يتحرك يدرس، لما انتقل من الأمل إلى العمل, صار الوصول إلى الهدف ممكناً، علامة الذي ذاق حلاوة الإيمان: ينتقل من الآمال إلى الأعمال، من التمني إلى السعي، قال تعالى:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 123]
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الآية: 30]
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
2-أن تطلب المزيد :
قالوا: الذوق شيء باطني والعمل دليل عليه ومصدق له, الذوق شيء باطني: إذا إنسان أكل طعاماً وإنسان يراقبه، المراقب مهما كان ذكياً, لا يمكن أن يشعر بما يشـعر به من يأكل هذا الطعام، قضية داخلية، ولكن إذا كان الطعام طيباً, يقول لك: هل يوجد صحن آخر؟ كأس آخر، علامة الذوق الراقي: تطلب المزيد، المؤمن حينما يطلب المزيد دليل على أن ذوقه للإيمان بمستوى رفيع، أما إذا ذوقه ضعيف، يوجد تقصير, أو لهمة ضعيفة، أو لمخالفات، أو لأشياء يفعلها لا ترضي الله عز وجل, صار في جفوة، في بعد، لذلك ينصرف من كل شيء ديني، يرجئ, لا يلبي، بينما ذوق الإيمان الصحيح يدفع إلى العمل.
3- أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمل الدنيا وطمع في غرض من أغراضها :
وقالوا أيضاً: من علامات الذوق: أن لا يقطع صاحبه عن طلبه أمل الدنيا وطمع في غرض من أغراضها.
مستحيل أن تقف الدنيا عقبةً أمام الذي ذاق حلاوة الإيمان، أحياناً ترى شخصاً أقبل على المسجد, لكن ما ذاق حلاوة الإيمان، يعني شيء تافه جداً يصرفه عن الدرس, عذر صغير جداً يحمله على ترك متابعة طلب العلم، فكلما صرفك عن الدين صارف صغير, هذا دليل على أن حلاوة الإيمان لم تتمكن في قلبك.

من أنواع الشرك :
علماء القلوب يقولون: كل ما سوى الله فإرادته أمل قاطع كائناً من كان، كلما أردت غير الله، إذا ابتغيت غير الله، قصدت إلى غير الله، تعلقت بغير الله، عظمت غير الله، خفت من غير الله, هذا كله من أنواع الشرك، هذه تقطعك عن الله عز وجل، أما الموحدون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. 4-ذاق حلاوة الايمان من لم يكن له أمل في غيره:
من ذاق حلاوة الإيمان, ومعرفة الله عز وجل، والقرب منه, والأنس به, لم يكن له أمل في غيره، وإن تعلق أمله بسواه, فهو لإعانته على مرضاته ومحابه، فهو يؤمله لأجله ولا يؤمله معه, هذا ينقلنا إلى حقيقة الحب في الله والحب مع الله، الحب في الله عين التوحيد، حقيقة الإيمان أن تحب في الله، والحب مع الله نوع من الشرك, تحب الله فتحب رسول الله, فحبك للنبي حب في الله، تحب الله وتحب رسوله فتحب سنته، تحب الله فتحب العمل الصالح الذي يرضيه، تحب الله فتحب العلم الذي تتقرب به إليه، هذا كله حب في الله، تحب الوسائل التي توصلك إلى غايتك، إذا إنسان متعلق بالعلم يحب الكتاب، يحب القلم، يحب الدفتر، يحب غرفة التدريس, يحب المكتبة، يحب كل شيء, يقربه من هدفه، فأنت إذا أحببت الوسائل التي تقربك من هدفك, فهذا حب في الله مسموح، أما حينما تحب شيئاً يبعدك عن الله, هذا اسمه حب مع الله، الحب في الله عين الإيمان, والحب مع الله عين الشرك، إذا أحببت صديقاً بعيداً عن الدين، فانصرفت بمحبته عن محبة الله, فهذا حب مع الله، إن أحببت تجارةً شغلتك عن أداء عباداتك فهذا حب مع الله، إن أحببت زوجتك محبةً حملتك على أن تقصر في حق الله, هذا حب مع الله، هذا ينقلنا إلى الحب في الله والحب مع الله عز وجل.
فكل ما سوى الله إرادته أمل قاطع كائناً ما كان، فمن كان الله أمله ومنتهى طلبه فهو في بحبوحة الإيمان، وفي رعاية الرحمن, ذاق حلاوة ومعرفة الله عز وجل، لم يكن له أمل في غيره، إذا تعلق أمله في غيره, فهو لإعانته على مرضاته ومحابه، هذا حب في الله.

5-ذاق حلاوة الإيمان من كانت رغبته في المطلب الأعلى
والذي يقوله العلماء: من كانت رغبته في المطلب الأعلى الذي ليس شيء أعلى منه، ومعرفته بِخِسة ما يؤمن دونه، وسرعة ذهابه, فيوشك انقطاعه, وأنه في الحقيقة كخيال طيف أو سحابة صيف، فهو ظل زائل ونجم, قد تدلى للغروب، فهو عـن قريب آفل, فقد ذاق حلاوة الإيمان.
قال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ, قَدْ أَثَّرَ فِي جسمه, فَقَالَ:

((يا رسول الله, لَوِ اتَّخَذْتَ فِرَاشًا أَوْثَرَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا, مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ, فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ, ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا))
[أخرجه أحمد في مسنده]
دقق في هذه الكلمة :
دققوا في هذه الكلمة: كان سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل إلى مجلس الخلافة, يتلو هذه الآية:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 205]
متعناهم، إنسان يذهب إلى بلاد الغرب, يرجع ممتلئاً إعجاباً، بلاد جميلة، بلاد خضراء، أمطار غزيرة، جبال شاهقة، بحيرات, غنى، مساكن كالقصور، مركبات تحير العقول مثلاً، قال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 205-207]
متعناهم سنين، جاء ملك الموت، الإنسان يختل توازنه أحياناً إذا رأى أموال الكفار والغنى الذي ينعمون فيه، والبلاد التي يعيشون فيها, ليتلو قوله تعالى:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 196-197]
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 42]
أيضاً أيها الأخوة, يقول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 205-207]
سيدنا عمر يقول: لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل, ثم جاءه الموت, لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره, ثم استيقظ, فإذا ليس في يده شيء.
رجل فقير جداً في المنام, يشاهد أن معه مئة مليون في المنام يسر, فإذا استيقظ وجد نفسه في غرفته القميئة، وفي فراشه الخشن، وفي طعامه الخشن، وفي ثيابه الرديئة، كل هذه النشوة التي حصلت في المنام تذهب أدراج الرياح.

الدنيا ساعة اجعلها طاعة :
الدنيا ساعة اجعلها طاعة. قال تعالى:
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 112-113]
ساعة تمر، إذاً: الدنيا بحذافيرها, لو ملكها رجل لكانت كالحلم.
الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
في بعض الأشخاص يتعاطون المخدرات, هذا المخدر يطير بالصوت العالي، فرجل أخذ مخدراً، جاء رجل بآلة حادة, أصدر صوتاً شديداً, طارت ما تناوله، فالناس مخدرون في الدنيا، مخدر في بيته، في عمله، في المرأة، في المال، في المتع، فإذا جاء ملك الموت يصعق.
قف عند هذين القولين :
قال الإمام علي: يا بني! ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر, وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية.
قال بعضهم: نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة, أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا.
جبال هيمالايا: ارتفاعها اثنا عشر ألف متر, ما شأن ذرة أمام هذا الجبل؟ حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر))
إذا الإنسان ضمن الدنيا وجدها كبيرة, فإذا خرج منها رأى صغرها وحقارتها.
والدنيا جيفة طلابها كلابها.
والدنيا دار من لا دار له ولها يسعى من لا عقل له.
في المنطق السديد: كل شيء تحصله في الدنيا تخسره في ثانية واحدة.
هل لك في هذه القصة عبرة؟ :
يسكن رجل في القيمرية, في أحد أحياء دمشق الشعبية, في بيت صغير, قميء, رطوب, شمالي، أقسم بالله! أربعاً وثلاثين سنة يجمع المال, حتى اشترى بيتاً في المهاجرين, له إطلالة جميلة، له شرفة، اشترى البيت, ورتبه, وجلس في الشرفة, وشرب فنجان قهوة، وقال لزوجته : الآن أمنا مستقبلنا, هذا هو البيت، بعد ثلاثة أيام جاءه ملك الموت.
هل معقول أربع وثلاثون سنة جمع، حتى تمتع ثلاثة أيام فقط؟ من وضع كل أمله في الدنيا, فهو أكبر مقامر، وأكبر مغامر.

خاتمة الدرس :
أيها الأخوة, حقيقة أختم بها هذا الدرس, قالوا: السعادة في الدنيا الحسية تحتاج إلى ثلاثة شروط؛ تحتاج إلى وقت، وإلى صحة، وإلى فراغ.
الإنسان يمر في ثلاث مراحل: أول مرحلة: في وقت, وفي صحة, ولا يوجد مال، مقيد، المرحلة الثانية: أسس مشروع؛ عمل، صحة جيدة، ومال وفير، ولكن لا وقت، المرحلة الثالثة: أسس عملاً, وسلم أولاده, وصار دخله كبيرأ، وعنده وقت، مال وفير، ووقت متسع, ولكن صحة رديئة، دائماً ينقصك واحدة، هذه الدنيا؛ يتوافر الوقت والصحة ولا تجد المال، تجد الصحة والمال ولا تجد الوقت، تجد الصحة والمال أو المال والوقت ولا تجد الصحة، أما المؤمن عرف ربه في وقت مبكر, فوظف كل طاقاته لهذا الهدف الكبير فهو مع الله دائماً.
هذه الحقيقة التي قلتها قبل قليل تنطبق على أهل الدنيا فقط، لكنها لا تنطبق أبداً على أهل الإيمان, لأن هدفه كبير وهو سـعيد في هذا الهدف.
أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان متى يشيخ؟ عندما يختار هدفاً محدوداً ويصل إليه انتهى، يريد المال جمع المال، المال صار مملاً, هدفك الزواج تزوجت، شراء بيت اشتريت، مركبة اشتريت، إذا كان لك هدف محدود, ووصلت إليه, أصبحت شيخاً, يعني طاعناً في السن، الحياة أصبحت مملة، أما إذا كان لك هدف كبير وهو الله عز وجل، أنت في شباب دائم، حينما تختار هدفاً كبيراً, فأنت في شباب دائم، حينما تحمل هم المسلمين، وحينما تنطلق لخدمتهم, ولتحقيق آمالهم وأهدافهم, فأنت في شباب دائم.
أيها الأخوة, لهذا الموضوع تتمة نأخذه في درس قادم.









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:27 AM   #59


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع : الذوق - 2









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السابع والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ولا زلنا في منزلة الذوق، وقد بينت لكم في الدرس السابق: أن حقائق الإيمان شيء, وأن حلاوة الإيمان شـيء آخر, حقائق الإيمان كخارطة لقصر منيف على ورق، أما حلاوة الإيمان أن تسكن القصر نفسه، وشتان بين ورق عليه صورة قصر وبين قصر تسكنه وتستمتع به.
وذكرت لكم أيضاً: أن الذي يشد الإنسان إلى الدين ليست حقائق الدين الناصعة الواضحة فحسب، بل حلاوة الإيمان التي جاءت هنا معبراً عنها بكلمة الذوق، الإيمان فكرة تستوعبها وطعم تذوقه، إن ذقت طعم الإيمان أصبحت إنساناً آخر، بذلت الغالي والرخيص, والنفس والنفيس, وكانت راحتك في التعب، وسعادتك في بذل الجهد, وقمة نشوتك في القرب من الله عز وجل, لأنك ذقت حلاوة الإيمان, و:
ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
مَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا
-وبينت عند التعارض-:
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

إليكم هذا البيان في هذا الحديث :
لا زلنا في مرتبة الذوق, ولكن قمة الذوق في الدار الآخرة، في الدنيا يذيقنا الله حلاوة الإيمان تشجيعاً، في الدنيا يسمح الله لنا بنفحة من عنده فتحركنا، في الدنيا نحن بين القبض والبسط:
ما لك يا حنظلة تبكي؟ قال: نافق حنظلة.
عَنْ حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ:

((وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَـلَّمَ- قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ, فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا, قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا, فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ, فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ, وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلاثَ مَرَّاتٍ))
ساعة فيها نشوة، وساعة فيها فتور، ويتفاوت المؤمنون في عدد ساعات القرب إلى عدد ساعات الفتور، ساعة قرب ومئة ساعة فتور, مرتبة متدنية، خمسون ساعة قرب وخمسون ساعة فتور، كل ساعة وساعة، تسعون ساعة قرب وعشر ساعات فتور، أما مئة بالمئة الأنبياء وحدهم، المؤمنون ساعة وساعة يتفاوتون في عدد ساعات القرب إلى عدد ساعات الفتور.
إياكم, ثم إياكم، ثم إياكم أن تتوهموا أنه في ساعة الفتور تقع المخالفة، لا, دائماً وأبداً في طاعة الله, ولكن بين تألق وبين فتور, بين اتقاد وبين خمول، بين إقبال وبين قعود, لا بين طاعة ومعصية, لا، إذا كان بين طاعة ومعصية ليس هذا حال أهل الإيمان.
هذا ما أعده الله للمؤمنين في الجنة :
أما قمة هذا الذوق في الجنة: جنات تجري من تحتها الأنهار. قال تعالى:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾
[ سورة محمد الآية: 15]
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾
[ سورة الطور الآية: 24]
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾
[ سورة الواقعة الآية: 17]
قطوف هذه الأشجار الدانية، قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾
[ سورة الحاقة الآية: 23]
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً﴾
[ سورة الإنسان الآية: 13]
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾
[ سورة الإنسان الآية: 20]
إلى أبد الآبدين، قمة الذوق في الجنة، ذوق مستمر، ذوق متنامٍ, وما هم منها بمخرجين، هل تعتقدون أن فوق هذا الذوق ذوق؟ نعم, أنا أجيب عنكم: نعم وألف نعم، أعلى من الجنات التي تجري من تحتهـا الأنهار، وأعلى من الحور العين، ومن الولدان المخلدين, ومن قطوف الجنة الدانية، أعلى من ذلك النظر إلى وجه الله الكريم, قال تعالى:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾
[ سورة القيامة الآية: 22-23]
ماذا بعد النظر إلى وجه الله الكريم؟ :
سؤال ثانٍ: ورد في بعض النصوص الصحيحة: أن المؤمن يرى وجه ربه الكريم في الجنة كما يرى القمر ليلة البدر، وفي بعض النصوص: أنه يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة، هل بعد هذا الذوق من ذوق؟ الجواب: نعم، ماذا بعد النظر إلى وجه الله الكريم؟ قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[سورة يونس الآية: 26]
الحسنى هي الجنة, والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
لو دخلت إلى بيت, وكان صاحب البيت على درجة من التألق والجمال, يفوق حد الوصف ، هيبة، وقار، نور، جسم جميل، وجه منير، حركات متألقة، أنت ذهلت بهذا الجمال وهذه النورانية، لكنه لم ينظر إليك, ولم يعبأ بك، ولم يلتفت إليك، أنت مستغرق في كماله, ونورانيته, وجماله، وهو منصرف عنك, ألا تتألم؟ ها أنت تنظر إلى وجهه, وتستمتع بتألقه، وتكتشف نورانيته، ولكنه لا يلتفت إليك, فوق هذه المرتبة، قال تعالى:
﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 15]
أكبر شيء في الجنة: أن يشعرك الله أنه راض عنك، وأنه يحبك, وأنك تسير عنده، فصار في جنات تجري من تحتها الأنهار، نظر إلى وجه الله الكريم، رضوان من الله أكبر، هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وهذا النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا الرضوان العظيم, نضحي به كله من أجل سنوات معدودات في الدنيا, مشحونة بالمتاعب، والقلق، والخوف، والمرض، وما إلى ذلك, أليس هذا هو الخسران المبين: أن يبيع الإنسان آخرته دنياه ؟ أن يبيع جنةً عرضها السموات والأرض، أكلها دائم وظلها إلى أبد الآبدين, بسنوات معدودة لا تصفو لإنسان؟ إن جاء المال فقد الولد الصالح, وإن جاء الولد الصالح فقد المال, وإن جاء المال والولد الصالح لم تكن زوجته كما يتمنى، وإن كانت زوجته كما يتمنى يشكو من بعض الأمراض، وإن كان صحيح البدن هناك مشكلة في عمله.
((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي))
أيعقل: أن نضيع هذه الآخرة ويقيننا بحصولها يقين قطعي لسنوات معدودات؟. متى يحرم العبد هذا النعيم في الجنة؟ :
قال: من قطعه عن هذه الجنة أمل في الدنيا, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران, والله المستعان, وعليه التكلان, وما شاء الله كان, ومن عاقته أمنية، -وهي ما يتمناه العبد من الحظوظ-، من عاقه أمل, أو عاقته أمنية، -الأمل ممكن، الأمنية غير ممكنة:
ألا ليت الشباب يعود يوماً
أمنية، لن تكون هذه الأمنية-.
من عاقه أمل أو عاقته أمنية, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران.
ومن عاقته أمنية، -وهي ما يتمناه العبد من الحظوظ-، من عاقه أمل, أو عاقته أمنية، -الأمل ممكن، الأمنية غير ممكنة:
ألا ليت الشباب يعود يوماً
أمنية، لن تكون هذه الأمنية-.
من عاقه أمل أو عاقته أمنية, فقد فاز بالحرمان, ورضي لنفسه بغاية الخسران.
الأماني الباطلة رؤوس أموال المفاليس، المفلس رأس ماله الأماني، بها يقطعون أوقاتهم, وبها يتلذذون كتلذذ من زال عقله بالمسكر, أو بالخيالات الباطلة. وفي الحديث المرفوع:
عنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ, وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وقال بعض العلماء: ولا يرضى بالأماني عن الحقائق إلا ذوي النفوس الدنيئة الساقطة.
هذا ما يرجوه العابد من نعيم الجنة :
أيها الأخوة الكرام, ثم يذوق العبد بالإرادة طعم الأنس، والإرادة وصف للمريد, فالعبد يعتقد بأحقية وعد الله فينطلق, هناك مرتبة أعلى، أنت حينما تعتقد بأحقية وعد الله تنطلق، أما حينما تأنس بالله حالاً تزداد انطلاقاً، واحد وعد أن يدخل بيتاً جميلاً، هو يسعى, أما إذا دخل يسعى سعياً حثيثاً للبقاء فيه، تضاعفت همته.
الأنس بالله تعالى أعلى بما يرجوه العابد من نعيم الجنة، يعني يوجد جنة نسعى إليها، ويوجد جنة في الدنيا نعيشها، الجنة التي نسعى إليها جنة الآخرة، أما الجنة التي نعيشها جنة القرب في الدنيا, ومن لم يدخل جنة الدنيا لم يدخل جنة الآخرة، هناك جنة وعدنا الله بها وجنة ينبغي أن نعيشها، لأن الجنة التي وُعدنا بها أجمل ما فيها الاتصال بالله, وبإمكانك في الدنيا أن تتصل بالله, لذلك بعضهم يوجه قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
أبو بكر في الجنة.
يعني هو الآن في الجنة، في جنة القرب، جنة القرب في الدنيا.
في الدنيا جنة, من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
هناك آية تؤكد هذا؟ قال تعالى:

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 6]
أي أذاقهم بعضها، أذاقهم نموذجاً منها في الدنيا، ويدخلهم الجنة عرفها لهم.
الأنس بالله مقام من مقامات أهل القرب, هو على التحقيق مقام الإحسان، هناك مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان, الإسلام أن تنصاع للواحد الديان، والإيمان أن تقبل على الله, والإحسان أن تعبده كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

هذا ما قاله بعض العارفين :
قال بعض العارفين: كل ما سوى الله عارض.
شيء طارئ, جاءت موجة حر وانتهت، سحابة صيف عارضة، سخونة انتهت, أما الشيء القائم الدائم هو المعول عليه. فقالوا:
الله عز وجل هو الحي الباقي على الدوام، ما سوى الله عارض، من أراد سوى الله وقع في العارض, ولم يهتم بالجوهر.
في الحياة حقيقة ليس بعدها حقيقة ولا قبلها حقيقة ولا فوقها حقيقة: أن تسعى إلى مرضاة الله عز وجل، كل شيء يقربك إلى الله أمر به النبي، وكل شيء يبعدك عن الله نهاك النبي عنه، المؤمن همه الأوحد أن يتقرب إلى الله.
والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.

من معاني اسم الله الودود :
1- الودود يتودد إلى عباده بالإكرام :
واسم الله الودود: هو الذي يكرم عباده متودداً لهم، وهو الغفور الودود, أكرمك بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، منحك عقلاً، منحك جسماً، في أي صورة ما شاء ركبك، خلقك في أحسن تقويم، أكرمك بمأوى، خلق لك الطعام، خلق لك سائر المخلوقات, سخر لك ما في السموت وما في الأرض جميعاً منه، منحك نعمة الزوجة، نعمة الولد، حدث ولا حرج، كل شيء تتنعم به هو تودد الله إليك، هذا معنى.
2- الودود خلق بين عباده علاقات الود :
المعنى الثاني: خلق بين عباده وداً، هناك ود بين المؤمنين، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 96]
الود بين المؤمنين من خلق الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[سورة الأنفال الآية: 63]
الود بين الزوجين، الود بين الأم وأولادها، الود بين الأولاد والأم, الود بين الأولاد والأب، الود بين الأخوة، الود بين الجيران، هذا الود من خلق الله عز وجل، أما المعنى الثالث مهم وخطير.
3- الودود خلق لك إليه ألف طريق كي تتودد إليه، كي يكرمك بعد ذلك:
المعنى الثالث: لأنه خلقك ليسعدك, خلق لك ألف طريق وطريق إليه, الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، رجل قوي ملك لا تسـتطيع أن تصل إليه، لا أن تقابله ولا أن تزوره، ولا أن تقدم له هديةً، ولا أن تتصل به هاتفياً، لا يوجد طرق سالكة له، لكن الله عز وجل خلق لك ألف طريق وطريق إليه، وأنت في بيتك هناك عشرات الطرق إليه، أن تكون زوجاً صالحاً، أباً رؤوفاً، أن تكون ابناً باراً، أن تكد وتسعى من أجل أن تربي أولادك، في عملك لك ألف طريق إلى الله، أن تنصح المسلمين، أن تكرمهم، أن تخفف عنهم، أن تنصحهم ، في الطريق لك ألف طريق وطريق إلى الله عز وجل، فالودود يتودد إلى عباده بالإكرام، الودود خلق بين عباده علاقات الود، والودود خلق لك إليه ألف طريق كي تتودد إليه، كي يكرمك بعد ذلك.
ما هي الأشياء الثلاثة التي تقوي حالة الأنس بالله التي هي من مقامات الإحسان؟ :
أيها الأخوة الكرام, الأنس بالله حالة من حالات مقامات الإحسـان، قال: هذا الحال؛ حالة الأنس بالله التي هي من مقامات الإحسان, تقويها ثلاثة أشياء: دوام الذكر، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41]
ودليل صدق المحبة: اتباع سنة النبي، لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
ربنا عز وجل ما قبل من أحد من عباده دعوى محبته إلا بالدليل, فالذي يقوي حالة الأنس بالله التي هي فرع من حالة الذوق, الذوق منزلة من منازل السالكين إلى الله عز وجل، ويقوي هذه الحالة حالة الأنس بالله عز وجل إحسان العمل، عمل طيب، محبة صادقة علامتها اتباع سنة النبي, كثرة ذكر الله عز وجل، هذه تقوي حالة الأنس بالله عز وجل.
إليكم بعض هذه العوارض التي قد تصرف العبد عن ربه :
هناك عوارض كثيرة مفسدة، نحن نعلم أن هناك عوائق وهناك صوارف، والمؤمن البطل هو الذي لا يسمح لعائق أن يعيق حركته إلى الله عز وجل, ولا يسمح لصارف أن يصرفه عن الله عز وجل.
يعني: طالب ملتفت إلى أستاذه في الصف, قد يسمع صوتاً, فينظر من النافذة, فينصرف عن أستاذه، فالمؤمن لا ينصرف ولا يعيقه عائق عن الله عز وجل، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
يعني: يوجد أيام صوارف من حب الشهرة، قال: هناك إخلاص يحتاج إلى إخلاص، هناك إنسان يحب أن يؤكد ذاته, فيتحدث عن أعماله، وعن إنجازاته، وعن أقواله، هذا انصرف إلى حبه لذاته وتأكيد ذاته عن الإقبال عن الله عز وجل.
الإنسان له حالان ما هما؟ :
أيها الأخوة, هناك موضوع دقيق جداً أوضحه, لأنه في هذا الدرس مكانه الصحيح, الإنسان له حالان: له حالة مع الخلق وله حالة مع الحق، البطولة أن تكون مع الخلق ومع الحق في وقت واحد.
يعني كما ذكرت من قبل العبادة المطلقة، يعني أحياناً في وقت السحر أن تكون مع الله مصلياً، ذاكراً، متهجداً، تالياً للقرآن، في وقت جلست إلى أناس يستمعون إليك, يجب أن تكون معهم، وأن تؤثرهم على حظ نفسـك من الله عز وجل، عندك ضيف, إكرام الضيف هو العبادة الأولى، أقامك الله رجلاً غنياً, عبادتك الأولى إنفاق المال، أقامك رجلاً عالماً, عبادتك الأولى تعليم العلم، أقامك رجلاً قوياً, عبادتك الأولى إنصاف الضعيف, فهذا العبادة المطلقة مهمة جداً: أن تعبد الله فيما أقامك, وفي الظرف الذي وضعك فيه, وفي الوقت الذي يظلك، لك هوية، ويوجد أرضية، وفي زمان، فالظرف: لك ابن مريض, العبادة الأولى العناية بهذا الابن، عندك ضيف, العبادة الأولى إكـرام هذا الضيف، هذا ظرف، أما أنت من أنت؟ رجل علم علم العلم, رجل مال أنفق المال، رجل قوي أنصف الضعيف، فبهذه الطريقة تجمع بين حالك مع الله وبين حالك مع الخلق.
ما الدرس الذي نستنبطه من هاتين القصتين اللتين ذكرتا في القرآن الكريم؟ :
في القرآن الكريم قصتان نموذجيتان عن سيدنا داود وعن سيدنا سليمان، سيدنا داود آثر أن يكون مع الحق على أن يكون مع الخلق فعاتبه الله عز وجل، وسيدنا سليمان آثر أن يكون مع الخلق عن أن يكون مع الحق فعاتبه الله عز وجل, فلا بد من التوازن، وهذا شأن أكثر المؤمنين.
أحياناً يقبل الناس على الإنسان يعيش معهم، يذكرهم, يلقي عليهم المحاضرات، كل وقته معهم على حساب وقته مع الله, فهذا آثر أن يكون مع الخلق عن أن يكون مع الحق, صار في اختلال توازن، إنسان آخر ليس له عمل صالح, عمله تهجده، صلاته، ذكره, تلاوته ، ولكن ما علم أحداً، وما وجه أحداً، ولا سلك أحداً، ولا أعان إنساناً، ولا ربى أحداً، همه صفاؤه، وهمه ذكره، وهمه إقباله، وهمه حظه من الله، هذا عابد، وذاك عالم، ولكن العالم يحتاج إلى شحنة روحية من شحنات العابد، والعابد يحتاج إلى عمل صالح من أعمال العالم، لا بد من التوازن, الإسلام وسطي، الإسلام متوازن، الفضيلة وسط بين طرفين، الإسلام بين الإفراط والتفريط, بين التطرف والغلو، الإسلام في الوســط، الإسلام اعترف بالإنسان كائناً له جسد. قال عليه الصلاة والسلام:

((لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ, وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
الإسلام متوازن :
جاءت امرأة إلى بيت النبي عليه الصلاة والسلام رثة الهيئة, وضعها لفت نظر السيدة عائشة، سألتها عن حالتها ولم هي كذلك؟ قالت: إن زوجي صوام قوام، طلب النبي زوجها وهو سيدنا عثمان بن مظعون، قال: يا عثمان, أليست لك بي أسوة؟ إن لأهلك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً, فأعطِ كل ذي حق حقه، في اليوم التالي جاءت امـرأة عثمان بن مظعون إلى بيت النبي عطرة نضرة، فقالت لها السيدة عائشة: ما لكِ هكذا أصبحتِ؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس.
فالإسلام متوازن، الإسلام اعترف بالجسم, له حاجات، حاجات بقاء الفرد الطعام والشراب، وحاجات بقاء النوع بالجنس، لكنه أقره قوةً إدراكية فجعل غذاءه العلم, قال تعالى:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
بل إن الذي يرفع الإنسان عند الله عز وجل هو العلم, لقوله تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[سورة المجادلة الآية: 11]
بل إن رتبة العلم أعلى الرتب، واعترف به كائناً جمالياً، له نفس غذاؤها الحب, وأعلى درجة في الحب أن تحب الله، يعني أعلى سعادة أن تكون مع أصل الجمال، والإنسـان -كما تعلمون- يحب الجمال والكمال والنوال، فطرته، جبلته، تصميمه، يحب الجمال والكمال والنوال، يحب الذي يعطيه، ويحب الإنسـان الكامل، ويحب الإنسان الجميل، الإسلام أقر في الإنسان جسده وحاجات جسده، وأقر في الإنسان عقله وحاجات عقله، وأقر في الإنسان نفسه وحاجات نفسه، فلذلك الإسلام متوازن, فأي إنسان يسلك طريقاً واحداً، أي إنسان يؤثر جانباً على حساب جانب، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه قلب فقط فقد تطرف، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه عقل فقط فقد تطرف، أي إنسان يتعامل مع نفسه على أنه جسد فقط فقد تطرف، وهذا حال بعض المسلمين, أناس يعتنون بأجسامهم فقط، يأتي الموت ينهي كل هذه المكتسبات، مهما اعتنى الإنسان بجسمه, لا بد من أن يموت.
قصة :
أنا سمعت عن إنسان في مصر, عنايته في جسمه تفوق حد الخيال, في كل حياته ما تناول عشاءً إلا الفواكه، وما أكل إلا اللحم الأبيض, وكان يعتني بالرياضة عنايةً فائقة، وما ركب طائرةً في حياته ثم مات، ولا بد من أن يموت, لأن:
كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت
والليل مهما طال فلا بد من طلــــوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد مـــن نــزول القبر

فأنت حينما تتعامل مع جسمك, ومع نفسك، ومع عقلك تتوازن, فالإسلام وسطي, والإسلام متوازن. إليكم هذه الحيرة التي وقع بها العلماء :
أيها الأخوة, العلماء وقعوا في حيرة: أيؤثر الإنسان حظوظه من إقباله على الله أم أن يؤثر حظوظه من العمل الصالح بأن يكون مع الخلق؟ ماذا يفعل؟
قال: المؤمن الصادق يفعل ما يرضي الله, فإذا كان الذي يرضيه أن تكون مع الخلق, يجب أن تؤثر الخلق على حظك من الله, وإن كان الذي يرضيه أن تكون مع الحق, وجب أن تؤثر حظك من الله على حظك من الخلق، ما المناسب؟ وهذا شيء يعرفه الإنسـان بالفطرة، إنسان لهفان, جاءك من أقصى البلاد, طرق بيتك لتحل مشكلة، ليستفتيك في قضية، لتصلح ذات بينه وبين زوجه, لتعينه على متاعب الدنيا، قل له: ليس هنا، أنا مشغول، هذا وقت ذكر، استقبله, واجلس معه, وحل له مشكلته، فأنت في أعلى درجات الذكر.
والله لأن أمشي مع أخ في حاجته, خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
سيدنا ابن عباس: كان معتكفاً في مسجد رسول الله بعد وفاته، جاءه رجل رآه كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال: والله ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان، فقال ابن عباس: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه -يوجد إنسان استغرب: أنت معتكف!!-, قال له: أما علمت أنك معتكف؟ قال له: بلى، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر, والعهد به قريب, والله لأن أمشي مع أخ في حاجته, خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
كلامي دقيق: ماذا أؤثر؛ أن أكون مع الخلق أم أن أكون مع الحق؟ هناك من يؤثر أن يكون مع الحق، يعني أكبر همه سـلامة صدره, إقباله، صفاؤه، لا يعكر نفسه أبداً، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:

((من خالط الناس وصبر على أذاهم, خير ممن لم يخالطهم ولا يصبر على أذاهم))
ينسـحب من أي موضوع, من بيته إلى عمله، هذا رجل صالح, وعابد، ومستقيم، ومصلٍ، وذاكر، لكن لا يحب أن يخدم الخلق, يحب أن يكون مع الله دائماً, هذا عابد، وعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، العابد يعمل لذاته فقط، يؤثر ذاته على الخلق, أما الإنسان الآخر الذي يكون مع الخلق, يعلمهم, يرقى بهم, ويرقون به، ويبدو: ((فَوَ اللَّهِ! لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِـنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
فلا بد من التوازن. قف عند هذه المحطة :
أيها الأخوة, القول الفصل في هذا الموضوع: الإنسان الصادق في طلب, يؤثر مرضاة ربه على حظه، فإن كان رضا الله في القيام بذلك العمل وحظه في أن يكون مع الخلق, تخلى عن حظه وقام بما يرضي الله عز وجل، ومتى علم أن الله عز وجل راض عنه فقد حقق أمنيته في الحياة.
دائماً وأبداً أنظر: أي الأمرين أحب إلى الله, لا أحب إلى نفسك, إنسان أحياناً يؤاثر, يجلس وحده يقرأ قرآن, أو يتفكر, أو يطالع, أو يذكر الله عز وجل عن أن يجلس مع إنسان عنيد غير منطقي، يحتاج أن يبين له الحق مع أدلته، لكن أنت إذا جلست مع إنسان, وهذه الجلسة انتهت هدايته، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة المائدة الآية: 32]
ما كل شيء ممتع هو الأنفع، قد يكون الشيء المتعب هو الأنفع.
على كلٍ؛ والله أعلم: الإنسان يعلم بفطرته ما الذي يرضي الله عز وجل؟
أحياناً تشعر أو يلقي الله في روعك: أنك إذا جلست مع الناس كنت أقرب إلى الله مما لو جلست مع نفسك, وأحياناً تجد جلسة عادية, لا يوجد به صدق، لا يوجد اهتمام، دع هؤلاء وكن مع الله, يوجد حالات يجب أن تكون مع الخلق بشكل مستمر, إذا أمر جامع, مشكلة كبيرة حلت بالمسلمين, لا بد أن تنهض لخدمتهم، أما أن تنسحب من خدمتهم, وأن تؤثر الصفاء والذكر على هذا، هذا لا يرضي الله, إن كل مؤمن يعلم بفطرته وبحاسته السادسة ما الذي يرضي ربه، ولا تكن مع ذاتك، ولا تكن مع حظك، كـن مع الذي يرضي الله عز وجل ولو خالف هواك.
على كلٍ؛ الهوى أنواع، حتى لو كان الهوى أن تكون مع الله, حينما ترى أنه لا بد من خدمة الخلق وأن تكون معهم.
سيدنا خالد لما فتح البلاد, ما كان يبكي كثيراً على مصلاه, كما يفعل إنسان يصلي قيام الليل, لكنه فتح هذه البلاد, وجعل أهلها مسلمين، وهذه البلاد تنعم بنعمة الإيمان بفضل هؤلاء الصحابة الكرام الذين خرجوا, وفتحوا البلاد, وبذلوا الغالي والرخيص, والنفس والنفيس .

خاتمة القول :
الملخص: أن مرتبة الذوق هي من أقرب المراتب إلى النفس البشرية، وهي قمة سعادة الإنسان مع الله عز وجل، ولكن هذا الذوق أحياناً يزداد بأن تكون مع الله, وقد يزداد أحياناً بأن تكون مع الخلق، ورضاء الله عز وجل مقدم على أي رضى، والله بصير بالعباد.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-19-2018, 08:29 AM   #60


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع : الذوق - 3









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
خلاصة ما ذكر في الدرس السابق :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد مر بنا في درسين سابقين منزلة الذوق, وقد ذكرت: أن حقائق الإيمان شيء وحلاوة الإيمان شيء آخر, فقد قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا رَسُولاً))
وذكرت لكم أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجـَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
وبينت كيف أن الإنسان ينبغي أن يوازن بين أن يكون مع الخلق وأن يكون مع الحق، لا بد من أن تؤثر ما يرضي الله، فإذا كان رضى الله أن تكون مع الخلق, ينبغي أن تكون مع الخلق، وإذا كان رضى الله عز وجل أن يكون مع الحق, ينبغي أن تكون مع الحق, وهذا محور الدرس الثاني. ما الثمرة التي يجنيها العبد حينما يصطلح مع الله ويتصل به؟ :
الدرس الثالث والأخير في منزلة الذوق, وهي في من منازل إياك نعبد وإياك نستعين في مدارج السالكين إلى رب العالمين، الموضوع الثالث: هو أن الإنسان حينما يصطلح مع الله ويتصل به يفرح الفرح الحقيقي، قال تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 58]
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 158]
فحينما تفرح برحمة الله التي تنزلت على قلبك، وحينما تفرح بالعلم الذي امتن الله به عليك، وحينما تفرح بالحكمة التي آتاك الله إياها، وحينما تفرح أنك على الصراط المستقيم، وحينما تفرح أنك في اتجاه الجنة، وحينما تفرح أن الله راض عنك، هذا هو الفرح الحقيقي، هذا الفرح الذي لا يأتي بعده حزن.
هذه هي البطولة :
بعض الأمثلة يذكرها المفكرون الأجانب: من يضحك أولاً يبكي كثيراً، ومن يضحك أخيراً يضحك كثيراً، قال تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 34]
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 109-110]
﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
[سورة الإنشقاق الآية: 13]
ضحك أولاً، قال تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
[سورة الإنشقاق الآية: 9]
ضحك آخراً، فالبطولة: أن تضحك آخر الناس, لأنك إن ضحكت آخرهم كان الضحك مستمراً، والضحك هنا؛ أي السعادة.
مشكلة :
الآن: في مشكلة الإنسان حينما يصطلح مع الله ويتوب إليه، وحينما يشعر أن الله راض عنه لا شك أنه يفرح, ولكن هذا الفرح فيه منزلق، المنزلق أن يأمن به مكر الله، ما مكر الله؟ التدبير، الإنسان حينما يفرح بفضل الله تضعف همته، حينما يأخذ علامات عليا في المذاكرات, تضعف همته في الدراسة، فيميل إلى الراحة، يميل إلى أن يأخذ الوظيفة من صديقه، يميل إلى أن يغيب عن المدرسة لأنه هو حقق علامات عالية.
فالفرح بفضل الله وبرحمته معه منزلق: أن تأمن تدبير الله الذي يسوق الإنسان إلى أعلى المراكز.

من أعظم مقامات الإيمان :
لذلك قال العلماء: من أعظم مقامات الإيمان الفرح بالله والسرور به:
﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 58]
قل لي ما الذي يفرحك, أقل لك من أنت؟ .
هل يفرحك أن تجمع مالاً كثيراً؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن ترتقي إلى منصب رفيع؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن تنغمس في الملذات الدنيوية؟ أنت من أهل الدنيا، هل يفرحك أن الله علمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً؟ هل يفرحك أن الله آتاك الحكمة؟ هل يفرحك أن الله يستجيب دعاءك دائماً؟ هل يفرحك أن الله استعملك في الخير؟ هل يفرحك أن الله عز وجل أجرى على يدك هداية العباد؟ .
قل لي ما الذي يفرحك, أقل لك من أنت؟
ما الذي يدخل على قلبك السرور؛ أن تكون مع الله أم أن تكون غنياً؟ هل تقول مع الشاعر:
فليتك تحلـو والحياة مريــــرة وليتك ترضى والأنام غـضـــــاب
وليت الـــذي بيني وبيـنك عامر وبيني وبيـــــن العالمين خــراب
إذا صح منك الوصل فالـكل هين وكل الـــــذي فوق التـراب تراب؟

متى تساق هذه المصائب للعبد؟ :
أخواننا الكرام, مرتبة الفرح بفضل الله عز وجل مرتبة طبيعية, ولكن فيها منزلق أن هذا الفرح قد يقودك إلى التراخي، إلى الاسترخاء، إلى ضعف الهمة، إلى أن تطمئن إلى أن الله يحبك، قد يقودك إلى أن تطمئن إلى أن لك عند الله مقعد صدق عند مليك مقتدر، هذه الراحة, والاستجمام، والاطمئنان، والتساهل، وضعف الهمة، هذه تستوجب المعالجة، يأتي تدبير الله عز وجل ليدفعك من جديد إلى هدفك النبيل, يأتي تدبير الله عز وجل ليرقى بك إلى أعلى مستوى، لذلك المؤمنون لهم مصائب خاصة بهم، المؤمنون مؤمنون، والمؤمنون أطهار، والمؤمنون مستقيمون, ومع ذلك قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 155-157]
قاعدة :
أيها الأخوة, يقول الله عز وجل:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾
[سورة العلق الآية: 6-7]
بصراحة: الأنبياء والمرسلون والصديقون وكبار المؤمنين همتهم إلى الله عالية في الرخاء والشدة، لكن ضعاف المؤمنين أو أوساط المؤمنين همتهم إلى الله عالية في الشدة أما في الرخاء يميلون إلى الراحة، فلذلك الفرح بفضل الله عز وجل قد يقودك إلى التساهل, إذاً: لا بد من أن تكون حذراً وأنت في قمة فرحك بفضل الله عز وجل.
أحياناً: شخص يكون له مكانة كبيرة يقرب موظفاً عنده، يمازحه هذا الموظف إذا كان ذكياً وعاقلاً يتقرب من سيده ويتجاوب معه, ولكن لا يغيب عن ذهنه أبداً أنه موظف صغير, وأن سيده مدير كبير, وأنه إذا قربه ليس معنى ذلك أن يرفع الكلفة بينهما، فالموظف الموفق مهما قربه مديره يبقى في حدود الأدب, والذي هو أحمق إذا قربه مديره يتجاوز حده فيطرد من قربه، هذه قاعدة، فإذا إنسان فرح بفضل الله عز وجل يجب أن يكون مع هذا الفرح يقظة وانتباهاً وحذراً شديداً, أن ينقلك فرحك إلى ضعف الهمة والتساهل في تطبيق الأمر والنهي.

متى ينسى العبد المنعم؟ :
وهذه الآية:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾
[سورة العلق الآية: 6-7]
حينما يستغني، الصحيح يتوهم أن صحته طيبة فيستغني، الغني يتوهم أنه غني, والله آتاه المال يستغني عن فضل الله, فإذا استغنى تأتيه مشكلة لا تحلها ألوف الملايين.
أنا مرة كنت عند طبيب قلب, فجاء اتصال هاتفي, يبدو أهل مريض، سمعتهم يقولون: أي مكان في العالم نأخذه وأكبر مبلغ ندفعه, قال لهم: لا يوجد أمل, الورم الخبيث بالدرجة الخامسة, لا تجدي معه لا عملية ولا مستشفى ولا أي بلد أجنبي، فالإنسان عندما يعتد بماله له علاج، ولما يعتد بمكانته له علاج, ولما يعتد بعلمه له علاج، لذلك قالوا: الفرح بالنعمة قد ينسي المنعم.
إنسان خلع عليك خلعةً، ثوباً جيداً جداً, فهذا انتبه إلى الثوب ولون الثوب، وقياس الثوب، وارتداه, ووقف أمام المرآة, ونسي أن يشكر الذي أهداه هذا الثوب، يقال: هذا اشتغل بالنعمة عن المنعم, اشتغل بالشيء عن الذي قدره له.

هل تغيب عن المؤمن هذه الآية؟ :
لذلك: المؤمن لا تغيب عن مخيلته الآية الكريمة:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 53]
حتى لو إنسان ضحك، كان بين أهله وأولاده, وانطرح موضوع طريف وضحك، يجب أن يعلم علم اليقين: أن الله سمح له أن يضحك لأنه عافاه، ليس ملاحقاً بجرم سياسي ، لا يوجد بحقه مذكرة بحث بجرم مدني، ولا يوجد عنده فشل كلوي، ولا تشمع كبد، ولا انسداد شريان، ولا تبديل صمام، ولا ورم خبيث, لا هو ولا زوجته ولا أولاده، ويسكن في بيت, وعنده دخل يكفي لمصروفه, فلما طرح موضوع طريف ضحك, يجب أن لا تنسى فضل الله عز وجل, وأنه هو أضحك وأبكى، الذي يضحك يبكي، وقد ترى رجالاً يبكون.
ما واجبك تجاه النعم؟ :
دخلت إلى عند إنسان, صار معه خثرة بالدماغ فشُلَّ، ما إن رآني حتى أجهش بالبكاء، صار عاجزاً، كان ملء السمع والبصر؛ شخصية قوية، أموره مضبوطة, فلما شلت أعضاؤه, وانعقد لسانه, كلما يدخل عليه إنسان ليعوده يبكي، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
[سورة النجم الآية: 43]
فالإنسان إذا ضحك، فليشكر المولى على أنه سمح له أن يضحك, الله عز وجل يقول:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾
[سورة النور الآية: 21]
كلنا في هذا المسجد, لولا فضل الله علينا ورحمته ما كنا في هذا المسجد, كنا في ملهى، كنا في مكان يعصى الله فيه، الآن السجون ملأى بشر مثلنا، الزاني، ومتعاطي المخدرات، وشارب الخمر, والسارق، والمحتال، والمهرب، الله عز وجل تفضل علينا، وقد يكون إنسان في أعلى مستوى, فلما يغضب الله عليه يصبح في أسفل سافلين ويعذب، وتؤتى بأمواله كلها، وكان فضل الله عليك عظيماً.
هذا هو الفضل العظيم :
مرة دخلت إلى عند بعض أخواننا العلماء, بيته متواضع, ولكن في آية قرآنية لما قرأتها اقشعر جلدي، هو اختار هذه الآية:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
هذا هو الفضل العظيم، الفضل العظيم أن تكون زاكي النفس، قال تعالى:

﴿مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾
[سورة النور الآية: 21]
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 86]
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 99]
هذا الإنسان الأحمق :
أخواننا الكرام, الإنسان في ساعات قوته وجبروته إذا لم يدخل حساب الله عز وجل في خططه فهو أحمق، وربنا عز وجل لحكمة بالغة يرخي له الحبل, وقد يصعد صعوداً حاداً, فإذا بلغ قمة الصعود سقط سقوطاً مريعاً, وهذا ما يسمى ببطش الله عز وجل،
﴿إن بطش ربك لشديد﴾
أعرف أناساً تهتز لوجودهم الرجال يعذبون وحكموا بالسجن, الله عز وجل منتقم، الإنسان إذا كان قوياً وظلم ينتقم منه الله عز وجل.
بعض العلماء الصالحين يقول: اللهم لا تخذلني حتى آمن مكرك ولا أخافه.
أحياناً الإنسان: ينسى أن الله سوف يحاسبه فيرتاح, يرى نفسه في بحبوحة وقوي ولا يوجد عنده مشكلة, يتخذ مواقف لا مبالية, وينسى أن الله سوف يؤدبه، لذلك الإنسان حينما يذكر بالحق ولا يستجيب, يقسو قلبه ثم يكون الران عليه، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
كيف نوفق بين هاتين الآيتين؟ :
بالمناسبة: أخواننا الكرام، قال تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 58]
وفي آية ثانية قال: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
كيف نوفق بين الآيتين؟ الله عز وجل نهانا أن نفرح بالدنيا, لأنه من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا, وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا, فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي:

﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
لا تفرح بالدنيا لأنها مؤقتة، افرح بفضل الله عز وجل. أنواع أو مستويات الشكر :
1-مستوى فكري :
أيها الأخوة, الشيء الذي ينبغي أن يكون: هو أنك حينما تفرح بفضل الله عز وجل, هذا الفرح ينبغي أن يقودك إلى الشكر, والشكر -كما تعلمون- على مستويات ثلاثة؛ المستوى الأول: حينما تعزو النعمة إلى الله عز وجل فهذا أحد أنواع الشكر.
يعني أقرب مثل: إذا سمعت في الأخبار, أو قرأت في الصحيفة اليومية: أن منخفضاً متجهاً نحو القطر, هل ترى أنه منخفض أم أنها رحمة الله؟ حينما تفرغ المثانة وأنت مرتاح, لا يوجد انسداد ولا التهاب، ولا يوجد بروستات ولا يوجد مشكلة، هل ترى أن جسمك سليم أم أن الله عز وجل امتن عليك بالصحة؟ حينما تصعد درجاً عالياً دون أن تشعر بضيق في صدرك, هل تشعر أن هذا بفضل ما تمارسه من رياضة أم أن الله عز وجل تكرم عليك وسلم لك هذا القلب؟ لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله عز وجل فهذا أحد أنواع الشكر، قضية فكرية.

2-3 مستوى نفسي وسلوكي :
والشكر في مستوى أعلى منه مستوى نفسي: حينما يمتلئ قلبك امتناناً من الله عز وجل لأنه أنعم عليك, فهذا مستوى آخر أرقى, وحينما تبادر إلى خدمة الخلق إرضاءً للحق فهذا مستوى أرقى وأرقى.
يوجد مستوى فكري، مستوى نفسي، مستوى سلوكي، فإذا عزوت لفكرك هذه النعمة إلى الله كما قال الله عز وجل:

﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
[سورة النحل الآية: 53]
فهذا مستوى، وحينما تحمد الله على نعمائه ويمتلئ قلبك حباً لله عز وجل على ما منحك به من خير عميم فهذا مستوى أرقى, وحينما تعمل لخدمة الخلق إرضاء للحق فهذا من المستويات الراقية في الشكر:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 147]
ما علاقة الشكر بالعلم؟ :
قد يسأل أحدكم: ما علاقة الشكر بالعلم؟ أنت حينما تقول: سمع الله لمن حمده، حينما تقول: ربنا لك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً، الله جل جلاله سمع هذا الحمد، فأنت إذا شكرت الله فهو يعلم، ولو شكرته في قلبك ولم يتحرك لسانك فهو يعلم, وكان الله شاكراً عليماً:
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾
[سورة فاطر الآية: 34]
لك ذنب يغفره لك، لك عمل طيب يشكره لك، يغفر الذنب ويشكر العمل الصالح.
لم هذا التفاوت بين العباد في النعم؟ :
يقول سيدنا موسى في المناجاة: يا رب هلاَّ ساويت بين عبادك؟ قال: يا موسى إني أحب أن أشكر.
يعني تفاوت العباد فيها حكمة بالغة، إنسان يكون لحكمة بالغة ينبغي أن يكون بيته بوضع معين, الذي عنده بيت أكبر, إذا دخل إلى هذا البيت, يقول: يا ربي لك الحمد, بينه وبين نفسه وليس أمام صاحب البيت، يارب أنت أكرمتني ببيت أوسع، إنسان غير متزوج وأنت متزوج، يا رب أنت أكرمتني بزوجة، إنسان يعمل وإنسان لا يعمل, يا رب أنت أكرمتني بعمل, فهذا التفاوت من أجل أن تشكر, لو الناس كلهم في مستوى واحد, معاشي واحد, لا يوجد نعمة ظاهرة تختفي النعم.

موضوع دقيق :
أيها الأخوة الكرام, الموضوع الذي ينبغي أن يعالج قبل أن ينتهي الدرس موضوع دقيق: كل واحد من الأخوة الكرام في أول بداياته شعر بسعادة لا توصف، ويسأل بعض الأخوة الكرام: يا أخي, أنا الأحوال التي عشتها في بدايات الطريق الآن لا أشعر بها, فما سر ذلك؟ .
القضية بسيطة جداً: إنسان كان في منطقة باردة جداً, دخل فجأة إلى مكان مدفأ, خلال ربع ساعة يشعر بنعمة الدفء, وهو في نشوة, حينما شعر بالدفء, وتخلل بين ثنايا جسمه, ولكن بعد ساعتين ألف هذا الدفء، والدفء موجود, أما إحساسه به ضعف، إنسان بحالة معاكسة: كان في حر شديد جداً, دخل إلى غرفة مكيفة, أول عشر دقائق يعني يستمتع بالتكييف استمتاعاً لا حدود له, ولكن بعد ساعة ألف هذا الجو.
هذا الذي يحصل في طريق الإيمان: أول انطلاقة إلى الله يوجد سعادة لا توصف، الانتقال المفاجئ من الكفر إلى الإيمان، من المعصية إلى الطاعة، من الشرود إلى اللقية، من الهبوط إلى الصعود, من الوحول إلى الجنات, يوجد سعادة كبيرة جداً, لكن بعد حين تألف طريق الإيمان وتراه طبيعياً، لذلك قد تجد إنساناً يحضر أول درس وثاني درس يقول لك: أنا تألقت تألقاً ليس له حدود، بعد سنة ضبط بيته، وضبط استقامته، وضبط جوارحه، وأعضاءه، حواسه، حرر دخله، ربى أولاده، وحجب زوجته، عاش حياة مريحة، لكن لا يجد هذه السعادة كبيرة والسبب: أنه ألفها.
أحياناً الإنسان يركب سيارة, والسيارة واقفة, ولكن المحرك يدور, هذه الدورة موجودة, ولكن أنت لا تشعر بها, لأن السيارة واقفة، أما إذا أطفأت المحرك يوجد فرق واضح, لذلك الإنسان في البدايات يفرح فرحاً لا حدود له, ثم تأتيه حالة فتور, هذا شيء طبيعي جداً، هذا الكلام نقوله لكم ما دام لا يوجد معصية, أما إذا وجد معصية، وجد حجاب، فرق كبير بين الفتور والحجاب، الإنسان بالمعصية يحجب, لكن مع تقدمه في طريق الإيمان يصاب بفتور، الفتور حالة معتدلة من العبادة.
سيدنا عمر بن الخطاب يقول: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً, فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل, وإذا أدبرت فألزموها الفرائض.
أحياناً الإنسان يكون نشيطاً: يقرأ القرآن, ويقوم الليل, ويذكر الله عز وجل، طليق اللسان، وأحياناً تعبر متاعب, يصلي الفرض والسنة, ويترك النوافل، يأخذ الحد الأدنى من العبادات.
فسيدنا عمر قال: إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً, فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل, وإذا أدبرت فألزموها الفرائض.
والصادق ينتظر الفرج ولا ييأس من روح الله، ويلقي نفسه بالباب طريحاً، ذليلاً، مسكيناً، مستهيناً، والإنسان كلما عرف الله أكثر تذلل له أكثر.
بالمناسبة: توجد علاقة عكسية: الذي يستكبر عن طاعة الله يذله الله، أما كل إنسان تذلل على أبواب الله يعزه الله عز وجل.

ما الفرق بين الفتور وبين الحجاب؟ :
أيها الإخوة الكرام, حينما تفتر الهمة قبل كل شيء, يجب أن نفرق بين الفتور وبين الحجاب، المعصية تسبب حجاباً عن الله عز وجل، لكن المؤمن ساعة وساعة، وليس معنى ساعة وساعة: أي ساعة طاعة وساعة معصية أعوذ بالله! ساعة وساعة: أي ساعة تألق وإقبال، وساعة فتور, لأنه ورد في الحديث الشريف:
((إن لربكم في أيام دهركم نفحات, ألا فتعرضوا لها))
الله لحكمة بالغة له نفحات, فحينما تأتيك نفحة من الله عز وجل تسعد أيما سعادة وتتألق، وإذا غابت عنك هذه النفحة تفتر، الفتور غيرالحجاب، المعصية تسبب حجاباً, أما حينما لا تأتيك نفحة الله عز وجل أنت في حالة الفتور، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
أما إذا النفحة غابت عنك لحكمة أرادها الله فأنت في حالة فتور, حالة الفتور أحياناً طريق إلى الرقي، إذا أردت أن ترفع أسعار مادة ما تختفي من الأسواق ثم تطرح بأسعار جديدة، ولما الإنسان يفقد شيئاً من التألق الروحي, يصبح في حالة اسمها التعطيش, فربنا عز وجل يعطشه؛ أي يبحث عن حل, يبذل, يضاعف جهده, فيقفز قفزة نوعية، إذا أقامك بمقام الفتور, فلعل الله عز وجل سيتفضل عليك بنفحة كبيرة ترقى بها رقياً دقيقاً.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ, وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ, فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ, وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ))
كل عامل له تألق وبعد التألق يوجد فترة، فالفترة من أجل أن يبقى التالق تألقاً، وهذه الفترة تدفعك إلى تألق جديد.
الجنيد -رحمه الله تعالى- كان كثير الذكر لبداية سيره, والله عز وجل قال:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 5]
يعني أيام التألق، أيام الإقبال، أيام البكاء الشديد، أيام التضحية بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، هذه أيام الله.
ما هو أرقى أنواع البكاء؟ :
أيها الأخوة, قال بعضهم: دخلت على بعض أصحابنا, وهو يبكي بكاء شديداً, فسألته عنه, فقال: -هذا بكاء من أرقى أنواع البكاء: بكاء الشكر- ذكرت ما منّ الله به علي من السنة ومعرفتها, والتخلص من شبه القوم -أي من أهل البدع- وقواعدهم الباطلة, وموافقة العقل الصريح والفطرة السليمة مع النقل الصحيح لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام, فسرني ذلك, فلذلك أبكي، هذا أرقى أنواع البكاء؛ بكاء الفرح.
ما أكمل حالة للقلب؟ :
والذين ذاقوا طعم القرب من الله عز وجل يقولون: ما من حالة يسعد بها الإنسان, كأن يشعر أنه مع الله, وعمله في سبيل الله, ويبتغي مرضاة الله، ويسعى لخدمة خلق الله، ولا يرجو أحداً إلا الله، ولا يرجو من أحد شيئاً إلا أن يرضى الله عنه، هذا الشيء المسعد.
بالمناسبة: العلماء يرجحون أن ينطوي القلب على حب وخوف وتعظيم. ورد في الأثر القدسي:

((أن يا عبدي, خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن, أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك علي رزق, فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك, فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية, ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي, وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد, فإذا سلمت لي فيما أريد, كفيتك ما تريد, وإن لم تسلم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تريد, ثم لا يكون إلا ما أريد))
ورد أيضاً: ((أن يا ربي, أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي: تقي القلب، نقي اليدين, لا يمشي إلى أحد بسوء, أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقه، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي -هنا الشاهد-؛ ذكرهم بآلائي من أجل أن يعظموني, وذكرهم بنعمائي من أجل أن يحبوني، وذكرهم ببلائي من أجل أن يخافوني))
فأكمل حالة للقلب: أن يجتمع فيه الحب والخوف والتعظيم، النعم تدعوك إلى الحب ، والنقم تدعوك إلى الخوف، وعظمة الكون تدعوك إلى التعظيم، فقلب فيه تعظيم لله عز وجل من خلال آلائه, وفيه خوف من الله عز وجل من خلال بلائه, وفيه حب لله عز وجل من خلال نعمائه, هذا قلب سليم موصول, يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وفي درس آخر ننتقل إن شاء الله تعالى إلى منزلة أخرى من منازل مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 74 08-08-2018 07:11 AM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM
التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 55 07-10-2018 03:58 PM


الساعة الآن 12:46 PM