التربية الاسلامية - مدارج السالكين - الصفحة 4 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-18-2018, 01:32 PM   #31


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع : الكفر







الكفر .
مع الدرس التاسع والعشرين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبُد وإيّاكَ نستعين ، ومنذ أسابيعَ عِدة , بدأنا بعضَ الموضوعات المتعلقة بأنواع المعاصي ، تحدثنا عن أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم ، وعن الفحشاءِ والمُنكر ، وعن أنواعِ الفِسق ، وعن أنواعِ النِفاق ، وعن بقية المعاصي ، واليوم : الحديثُ عن الكُفر . تمهيد .
الحقيقة : من الأمراضِ الخطيرة الوبيلة التي ابتلي بها المسلمون :
أنَّ بعضهم يُكفّرُ بعضاً ، والتكفير شيء خطير وشيء كبير ، ومن كفّرَ أخاهُ فقد كفر .
أن تقول : فُلان مؤمن وفُلان كافر ، أن توزعَ الألقاب , هذا ليسَ من شأنِ الإنسان , هذا من شأنِ الواحد الديّان .
ومعَ ذلك : فالذي أتمناهُ من كُلِ قلبي , أن تتضحَ لكم الصورة الدقيقةُ حولَ معنى الكُفر .
مرةً ثانية وثالثة أقول : من السذاجةِ , وضيقِ الأُفقِ , والجهلِ الفاضحِ ، أن تظنَ أنَّ للكلمة في القرآنِ معنىً واحداً , وأوضحُ مثلٍ على ذلك :
كلمة الوحي ....
فالله سبحانهُ وتعالى أوحى إلى الأرض ؛ أي أمرها .
وأوحى إلى النحل ؛ أي أعطاها الغريزة .
وأوحى إلى أُمِّ موسى ؛ أي ألهمها .
وأوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ؛ أي أرسلهُ رسولاً , وأنزلَ عليه القرآنَ عن طريقِ سيدنا جبريل .
وكذلكَ الشِرك ...
هذا المُصطلح يضيق , حتى يكونَ الشِركَ الأكبر الذي يعبدُ بوذا ، ويتسع حتى يشملَ المؤمن إذا اعتمدَ على زيدٍ أو عُبيد ونسيَ الله عزّ وجل , فهُناكَ شِركٌ أكبر وهُناكَ شِركٌ أصغر .
الشِركُ الأكبر لا يُغفر , والشِركُ الأصغر يُغفر .
كلمة شِرك تتسع وتضيق .
وكلمة فِسق ...
كما تحدثنا في درسٍ سابق ، هُناكَ فِسقٌ يُخرِجُ من المِلّة ، يُخرِجُ من دينِ الإسلام , وهُناكَ فِسقٌ يوجِبُ التوبة .
والنِفاقُ نِفاقٌ أكبر ونِفاقٌ أصغر .
وكذلكَ الكُفر.
هذه المصطلحات الدقيقة في القرآن تتسع معانيها وتضيق , وسياقُ الآيات وسياقُ الأحاديث الشريفة هو الذي يُحدد اتساعَ المعنى أو ضيقهُ .
استخدمُ أحياناً بعض الأمثلة :
كلمة سيّارة ...
مفهوم السيّارة يتسع إلى أن يشمل الدابة ، أليست تسير ؟ كلُ شيء يسير , والدليل :
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 19]
ويضيقُ مفهوم السيّارة , حتى ينحصرَ في مركبةٍ , تتحركُ بمُحركٍ انفجاريٍ , يعملُ على الوقود السائل .
من السذاجة , من ضيقِ الأُفق , من الجهل الفاضح : أن تفهمَ الكُفرَ على حدٍ واحد .
من تركَ الصلاةَ فقد كفر .
فلان لا يُصلي كافر .
من تركَ الصلاةَ إنكاراً –لحِقها- إنكاراً لفرضيّتها فقد كَفر ، ومن تركها تهاوُناً فقد فَسق ، وفرقٌ كبير بينهما ، لأنَّ الذي يموتُ كافراَ مُخلّدٌ في النار , أكبرُ تُهمةٍ توجهُها إلى الإنسان على الإطلاق , أن تقول : فُلان كافر, كأنكَ تقولُ لهُ : أنتَ خالدٌ مُخلّدٌ في النار، فالإنسان قبلَ أن يتفوّه بكلمة كُفر ، وقبلَ أن يُكفّر ، وقبلَ أن يُنصّبَ نفسهُ وصيّاً على الناس ، وقبلَ أن يُقيّمَ الناس ، عليه أن يعرف أن هذا شيء فوقَ مكانتهِ , لقولِ اللهِ عزّ وجل :
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 17]
هذه مُقدّمة .
ودائماً وأبداً : ضِعاف التفكير محدودوا الأُفق عِندهم لونانِ فقط : أبيضٌ وأسود ، إمّا أنهُ كما قُلتُ في الدرس السابق : إمّا أنهُ قُطبُ زمانهِ ، وحيدُ دهرهِ ، فلتةُ عصرهِ ، نجمٌ متألق ، علّمٌ كبير رضي اللهُ عنهُ وأرضاه , وإمّا الشيخُ الأكفر كما يقولون , يعني لا تبتعدوا كثيراً : عالِمٌ جليل , نعتهُ بعضُهم بأنهُ سُلطانُ العارفين الشيخ مُحيِ الدين , ونعتهُ بعضُهم بأنهُ الشيخُ الأكفر , هذه الميوعة في المقاييس ، وهذه الحركة الواسعة جداً في التقييم ، هذا من علامات التخلّف , دائماً الرجل لهُ ميزات ، كلُ إنسانٍ يؤخذُ منهُ ويُردُ عليه ، وأنتَ قيمتكَ كمؤمن أنكَ مُنصف , ومعنى أنكَ مُنصف , أنكَ كما قالَ عليه الصلاة والسلام : (( لا يُخرِجُكَ الرِضا عن العدل , ولا تُوقِعُكَ الكراهيةُ في الظُلم ))
يعني كما قالَ عليه الصلاة والسلام : ((أُمِرتُ أن يكونَ صمتي فِكراً، ونُطقي ذِكراً، ونظري عِبرةً، أن أصِلَ من قطعني، أن أعفوَ عمّن ظلمني، أن أُعطيَ من حرمني، أُمرتُ بالقصدِ في الفقرِ والغِنى، وكلمة العدلِ في الغضبِ والرِضا))
ألم يرد في الأحاديث الشريفة : (( الشِرك أخفى من دبيب النملةِ السوداء , على الصخرةِ الصمّاء , في الليلة الظلماء ، وأدناهُ أن تُحِبَ على جَور ))
يعني : لكَ صديق جائر ، منحرف , لكنكَ تُحبهُ ، لكَ معهُ مصالح ، تأتيكَ منهُ مكاسب ، تحبهُ , وتعلم أنهُ يجورُ على بعض الناس , فهذا شِرك . (( وأن تُبغِضَ على نصيحة ))
إنسان نصحكَ , وهوَ صادق ومخلص, لكنهُ جرحك فكرهتهُ وحقدتَ عليه, هذا شِرك.
قبلَ أن ندخل في تعريف الكُفر , الذي أتمناهُ على كُلِ أخٍ كريم : أن يُنحي نفسهُ جانباً عن تقييم الناس , وعن تنصيب نفسهِ وصيّاً عليهم , وعن توزيعِ الألقابِ والتُهم على الناس , وكأنهُ لا يُخطئ , وكأنهُ معصوم , وكأنهُ هوَ الأصل , وهوَ المقياس , وكأنما عليهِ هوَ الدين , وما سِوى ذلك لا شأنَ لهُ بِهم , ليسَ معنى كلامي هذا : أن ترى إنساناً يشربُ الخمر , لعلّهُ وليٌّ كبير , لا , هذا جنون ، أن ترى إنساناً غارقاً في المعصية , تقول : لا نعرف يا أخي , الله جعل سِرّهُ في أضعف خلقه , لا , هذا اضطراب في المفاهيم ، المعصية معصية ، والخمر خمر ، والزِنا زِنا ، فلان لا يُصلي , لا نعرف , لعله رُفِعَ عنهُ التكليف , ما هذه السحبة ؟ لا يُصلّي , هذا تارك الصلاة ، شارب خمر ، زانٍ ، أمّا أن تُعطي لإنسان عاصٍ هالة ومكانة , وتقول : قد يكون وليّاً !! هذا انحراف ، أن تُكفّرَ إنساناً بصغيرة هذا انحراف ، وأن تُصبِغَ على إنسان الوِلاية وهوَ مُقيم على معصية هذا انحراف ، هذا انحراف وذاكَ انحراف ، نحنُ مقياسُنا الشرع , لكن لو رأيتَ عاصيّاً تقول : الآن فُلان يعصي , لكن غداً لا أعلم , لعلّهُ يتوب , ولعلّهُ يسبِقُني ، هذا الموقف الأديب ، الموقف المُنصف ، الموقف المعتدل ، والذي يدمى لهُ القلب : أنَّ المسلمين على ضعفهم , وعلى تفرقّهم , متعادون ، يتقاذفون التُهم ، يتقاذفون التكفير لأتفه الأسباب .
حسبُكَ ببعض البلاد الإسلامية التي تتهمُ الإنسان بالشِرك , إذا هوَ زارَ النبي عليه الصلاة والسلام , كلمة شِرك أهونُ عِندهم من شربةِ ماء , مباشرةَ مُشرك ، إذا قال : يا رسول الله مُشرك ، إذا قالَ : يا ربي بجاهِ حبيبكَ محمد , مُشرك لقد أشركت , إذا صلّى وقال : اللهمَ ربَ هذه الدعوة التامة , قرأ الدعاء , دعهُ ، إذا كان في مسجد قبر , ونحنُ لا نصلي إلى هذا القبر , في زاوية ميتة من المسجد , وبُنيَ قبلَ أربعمئة عام , هذا الجامع لا يجوز الصلاة فيه ، نحنُ أخطر شيء في الدين التطرّف يميناً أو يسارا ، هذا الغلو في الدين , في غلو سلبي وفي غلو إيجابي ، فبينما أنتَ معَ أُناس كُل شيء لهُ فتوى , مثلُهم كمثلِ أفسقِ البُلدان , يكفي أن تتصلَ , امرأة تشعرُ بحاجةٍ إلى رجل , بأي رجل , هذا الاتصال الهاتفي عقد زواج ، غلوّ ؛ فإمّا أن ترى أُناساً تحللوا من أحكام الدين , وأصبحَ دينُهم يُسايرُ أيَّ انحلالٍ , وإمّا أن ترى أُناساً يُكفرّونَ على صغيرة .
يعني إن أعطيتهُ عِطراً فيه كحول , قفزَ وكادَ يخرجُ من جِلدِهِ , لأنَّ هذا نجس , هذه نجاسة حُكمية كما قالَ عنها العُلماء , بل هيَ نجاسةٌ معفوٌ عنها , هذا الكحول لو شربهُ الإنسان لَسَكِر , فهذه النجاسة ليست حقيقية يُطهّرُ بهِ ، فنحنُ آفةُ المُسلمين في الغلو سلباً أو إيجاباً ، إمّا أن نُذيبَ أوامرَ الدين , حتى يُصبحَ الدينُ سائلاً يمكن أن يوضع في أي وِعاء .
في بعض البُلدان : يأتي الشيخ إلى العُرس , لِيُبارِكَ الزوجين , والزوجةُ في أبهى زينة , كاسيةٌ عارية , كما يفعل بعضُ رجال الدين الآخرين , لا أُريد أن نُذيب أُمور الدين , الدين دين , الدين مقاييس صُلبة ، مقاييس جامدة , صِراط مستقيم ، أو أن نُكفّرَ الإنسانَ , إذا قالَ : يا رسول الله ، أو أن نُكفّرهُ إذا انحرفَ انحرافاً طفيفاً , فالتكفير يُسبب الأحقاد . هذه المُقدّمة لا بُدَ منها لبحثٍ موضوع الكُفر . أنواع الكفر :
الكُفرُ عِندَ العلماءِ نوعان :
كُفرٌ أكبر ، وكُفرٌ أصغر .
فالأصغر موجِبٌ لاستحقاق الوعيد دونَ الخلودِ في النار .
كُلُكم يعلم : أنهُ يخرجُ من النار من كانَ في قلبهِ مثقالُ من خير .
فالكُفرُ الأصغر هوَ الذي يُوجبُ الوعيد , وعيدَ اللهِ عزّ وجل , ولكنهُ لا يخلدُ صاحبهُ في النار , يخرجُ منها .
يقولُ عليه الصلاة والسلام فيما رواهُ الإمامُ مُسلم والإمامُ أحمد, عن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ, وَالنيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ))
[أخرجه الإمام مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
الآن النياحة على الميت : ضرب الوجه ، تمزيق الشعر ، شق الصدر ، الولولة , هذه كُفر , كما قالَ عليه الصلاة والسلام .
يقولون عن الميت : الجسر تحطّم , أين الله عزّ وجل ؟ تسمع كلمات في مناسبات الحزن كُلُها كُفر , جهل , كأنَّ هذا الذي توفي هوَ الرزّاق , وهوَ القيّوم ، وهوَ الحي الذي لا يموت ، كُل إنسان يموت , فلذلك الاعتدال في الحزن من علامة الإيمان , والمبالغة في الحزنِ من علامة الجهل .
سيدنا إبراهيم توفي , كل أب يعرف ذلك , لا يوجد أجمل من طفل صغير وديع كالوردة , إذا ارتفعت حرارته , الأب لا ينام الليل , فنزلت دمعةٌ من عينِ رسول الله على خدهِ , قال له أحد أصحابهِ :
(( أتبكي يا رسول الله ؟ قالَ : نعم , إنَّ العينَ لتدمع , وإن القلبَ ليحزن , ولا نقولُ ما يُسخط الربّ , وإن عليكَ يا إبراهيم لمحزونون ))
هذا عمل طبيعي ، من قال لكَ : أنَّ المؤمن لا يتألم لمصيبة ؟ هذا كلام فارغ ، كلام خيالي ، كلام حالِم ، المصيبة مصيبة , لكن المؤمن يتلقّاها بصدرٍ جميل , يراها من عِندِ الله عزّ وجل , وما عِندَ اللهِ كُلهُ خير ، أمَا النياحة , والضرب , والتمزيق ، فاعتراض على القضاء والقدر .
قبل شهر تقريباً , إنسان توفي فجأةً , فذهبنا إلى أهلهِ لنواسيه , جاء أخوه وسب الدين , وقال : لماذا يموت أخي ؟ قيمة هذا الرجل صفر مُكعّب , كُل إنسان يموت , ومن قال لكَ : أنَّ الأجل على هوى الإنسان .
ففي عنّدنا كُفر أصغر يوجب استحقاقَ الوعيد , لكن لا يخلدُ صاحبهُ في النار . الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر :
اثنتانِ من أُمتي بهما كُفرٌ .
سأُوضح لكم الفكرة :
أنتَ إذا كفرت بالخالق , والرب , والمُسيّر , والحكيم , والعليم , والرحمن الرحيم , وكفرتَ برسول الله , وبهذا القرآن , هذا كُفر أكبر .
أمّا هذا الأمر لم تُطبقهُ ؟ لماذا ؟ لأنكَ لا تعرفُ قيمتهُ , فأنتَ كافر بهذا الأمر .
يعني الكُفر : عدم تطبيق أمرٍ فرعيٍ من أُمور الدين , كُفرٌ أصغر .
مثلاً إذا قالَ لكَ اللهُ عزّ وجل :
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 221]
الآن : أحضر لي واحداً مُسلماً , عِندهُ بنت بسن الزواج , جاءهُ خاطب شاب , مؤمن مستقيم , له مجلس عِلم , يخشى الله , يخاف الله , في قلبهِ رحمة , عِندهُ إنصاف , لكن منزلهُ صغير , في أحد أطراف دمشق , وعملهُ متواضع , ودخلهُ محدود ، ثمَ يأتي خاطب , لهُ معمل , ولهُ سيارة فخمة , ولهُ بيت واسع , وشاب وسيم , لكن لا يُصلي , يُصلي الجمعة فقط , وإذا أحرج بالمناسبات فيشرب , إذا كانت أسرة مسلمة , قالت : هذه الموافقة على زواج هذا الشاب الموسِر , الغني الوسيم , رقيق الدين , هذا كُفرٌ بهذه الآية , معناها : أنتَ هذه الآية غير مؤمن بها , لكن كُفر أصغر وليسَ أكبر .
الأكبر : كفرَ بالله , كفرَ بوجودهِ , وبرحمتهِ , وبعلمهِ , وبغناه , وبقدرتهِ , وبكتابهِ , وبرسولهِ , كل الدين يُشاهدهُ على أنهُ خُرافة , أفيون الشعوب , حالات الضعف الإنساني تتمثل بالدين ، الإنسان ضعيف , يحتاج إلى قوة يلتجئ إليها , فهوَ توهّمَ هذا الدين , هذا كُفر أكبر , أمّا المال أغراه , وغَلبتهُ نفسهُ , ورأى السيارة الفخمة , والبيت الواسع , والمعمل , والشكل , لكن ليسَ فيه دين , يقول لكَ : سيهدى , نحنُ إن شاء الله ! نأخذهُ إلى الجامع ، يفضلونه , ويطمعون بهدايته , والخوف أن يغويهم , فلمّا الإنسان يختار زوجاً لابنتهِ على غير مقياس الله عزّ وجل , أليسَ هذا كُفر بهذه الآية ؟ بهذا التوجيه ؟ بهذا الحُكم ؟ بهذا المقياس ؟ .
فنُفرّق بين الكُفر الأكبر , الكُفر الشمولي الكُلي , والكُفر الأصغر الذي فيه مخالفة لأمر إلهي , والمخالفة هذه أساسها : الإنسان غير قانع بحكمة هذا الأمر , يقول لكَ : سبحان الله ! أجد صعوبة في تطبيقه , هذا أحد أنواع الكُفر .
الكفر بشكل مطلق :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ : الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ , وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ))
[أخرجه مسلم في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
(( من أتى كاهِناً أو عرّافاً , فصدّقهُ بما يقول , فقد كفرَ بما أنزلَ اللهُ على محمد ))
عندما ربنا قال : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
باللهِ انظر لي بالفنجان , ويتنبأ لكَ قبضة ، لكَ عدو ، شخص يريد أن ينفعكَ ، أنتَ حينما تسألهُ عن المستقبل , فأنتَ كفرت بهذه الآية , كلمة لا يعلم الغيب , فأنتَ لستَ مؤمناً بها , هذا كُفر , لكن نستطيع أن نقول : خرجَ من المِلّة ، بجهنم خالداً مُخلّداً , غير معقول هذا الكلام .
عَنْ جَرِيرٍ قال , قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ :
(( اسْتَنْصِتِ لي النَّاسَ , فَقَالَ : لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا , يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
يعني هذه الحروب , وهذه المنازعات , وهذه التفرقة , وهذا التشتت , والتشرذم , والتبعثر كما يقولون ، وكُلٌ يدّعي وصلاً بليلى , وكُلٌ يتهم الآخر ، هذا الوضع المتمزق , هذا سمّاهُ النبي كُفر , لكن كُفر بقولهِ تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 103]
كُفر: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 46]
كُفر بما دعا إليه النبي للمسلمين :
كالبنيان المرصوص ، لا تحسسوا ، لا تجسسوا ، لا تنابزوا ، لا تدابروا ، لا تحاسدوا ، لا تنافسوا , وكونوا عِبادَ الله أخواناً .
أنتَ هذه الأحاديث لم تعبأ بها , فأنت كافرٌ بها ، قال تعالى : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
إذا لم تحكم بما أنزلَ الله , فهذا كُفرٌ بما أنزلَ الله ، إن لم تحكم في موضوع واحد , بحُكمٍ أنزلَ اللهُ فيه حُكماً , فقد كفرتَ بهذا الحُكم , وإن رفضتَ القرآنَ كُلَهُ , فقد كفرت بالقرآن , كما قلتُ في أول الدرس :
بين الأبيض والأسود آلاف الألوان الرمادية , آلاف الألوان الرمادية , الإيمان إيمان ، والكُفر كُفر ، وبينمُها درجاتٌ شتى .
ابن عباس قال : ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأؤلئكَ هم الكافرون , ليسَ بِكُفرٍ ينقلُ عن المِلّة , بل إذا فعلهُ فهوَ بهِ كُفرٌ ، بهِ بعضُ الكُفر هذا كلام ابن عباس ، وليسَ كمن كفرَ باللهِ واليوم الآخر.
قالَ عطاء : هوَ كُفرٌ دونَ كُفرٍ , وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ , وفِسقٌ دونَ فِسقٍ .
هذا الكلام ليسَ معناهُ أن يطمئنَ الإنسان ، أنا أخافُ من التطرف إن نحوَ اليمين وإن نحوَ الشِمال ، هؤلاءِ الخوارج الذين كفروا لأصغر الذنوب انحرفوا ، وهؤلاء الذين تسامحوا فقالوا : لا يضرُ مع الإيمان معصية أيضاً انحرفوا .
في فِرقة تقول : لا يضرُ مع الإيمان معصية .
ما دُمتَ قد آمنتَ بالله , فهذا الذي يفعلهُ أن نصل , إذا آمنتَ بالمسيح , فإنه يُخلّصُك , انتهى الأمر , افعل إذاً ما تشاء .
أنواع الكفر الأكبر :
أمّا الكُفر الأكبر , فهوَ ستة أنواع :
كُفرُ تكذيب ، وكُفرُ استكبار , وكُفرُ إباءٍ مع التصديق ، وكُفرُ إعراض ، كُفرُ شك ، وكُفرُ نِفاق , وكُل نوع له آيات خاصة بهِ .
1-كفر تكذيب :
أمّا كُفرُ التكذيب : هوَ اعتقادُ كَذِبِ الرُسل .
يعني إذا اعتقدَ الإنسانُ أنَّ الأنبياء أُناسٌ أذكياء, جمعوا الناسَ حولهم, وابتدعوا هذه الكُتب من بناتِ أفكارهم, وهدفُهم الزعامة ونيلُ المكاسب في الدُنيا, من اعتقدَ هذا الاعتقاد, فقد كفرَ كُفرَ تكذيب, لذلك أخطر شيء في العقيدة: أن تعتقد أنَّ النبي يقرأ ويكتب, إذا اعتقدتَ أنَّ النبي يقرأ ويكتب, ماذا فعلت؟ مهّدتَ الطريق لزعمٍ خطير, وهوَ أنَّ هذا القرآنَ من عِندهِ، قضية عبقرية وذكاء، قضية تألُق ذُهن، قضية بطولة, كُفرُ التكذيب: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل, وهذا القِسمُ قليلٌ في الكُفار, لماذا؟ لأنَّ اللهَ أيدَ رُسلَهُ, وأعطاهم من البراهين والآيات على صِدقهم, ما أقامَ بهِ الحُجة, وأزالَ بهِ المعذرة.
قالَ تعالى عن فِرعونَ وقومهِ :
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 33]
معناها: لمّا النبي يُمسك العصاة, فإذا هيَ ثُعبانٌ مُبين, السحرة خرّوا ساجدين, هذا ليسَ سِحر، حينما يضربُ البحرَ بعصاه, فإذا هوَ طريقٌ عظيم, هذا ليسَ بسحر، فالله سبحانهُ وتعالى أيّدَ أنبياءهُ بمعجزات خارقة, وأيّدَ النبي عليه الصلاة والسلام بهذا القرآن, تلكَ المعجزة الخالدة على مدى الدهور.
كُنتُ أقرأُ هذه الآية الكريمة :
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾
[سورة الرعد الآية: 2]
كانت تستوقفني كلمة ترونها :
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾
ترونها: قيد معنى هذه السموات التي رُفِعت بغيرِ عَمدٍ مرئية, لكنها مرفوعةٌ بأعمدةٍ غير مرئية, هذا هو المعنى الدقيق.
وكُنتُ في هذا الأسبوع, أُطالعُ كتاباً في الفيزياء عن الجاذبية, لفتَ نظري في هذا الكتاب, أنَّ المؤلّف قال: هذه الشمس تجذِبُ الأرض بِقوى هائلة, ولو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, أو أنَّ الشمس انعدمت فيها الجاذبية فجأةً, ماذا يحصل؟ هذه الأرض تنطلق في الفضاء الخارجي, في متاهات الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, والحرارةُ التي كما قالَ عنها العُلماء: هيَ الصِفرُ المُطلق, الصِفر المُطلق مئتان وسبعون درجة تحت الصفر, هذا فرضيّة علمية.
لو أردنا أن نربِطَ الأرض بالشمس بحِبال من الفولاذ المضفور, حتى تبقى الشمسُ مع الأرض تدور، تصورنا فجأةً أنَّ الشمس فجأةً انعدمت فيها قِوى الجذب, فالأرض إذاً لا ترتبط بالشمس بفِعل قانون العطالة, هذا القانون لطيف جداً, الأجسام المتحركة ترفض الوقوف, والدليل: إذا كُنت راكباً سيارة, ومر طِفل صغير, واضطر السائق أن يستعمل المِكبح فجأةً, أنتَ تقفز من مقعدكَ, لماذا؟ لأنكَ جسم مُتحرّك, فلّما وقفت السيارة بِفعل المكبح, أنتَ رفضتَ أن تقف, ودليل رفضك تابعتَ المسير, لذلك لا بدَ من أحزمة الأمان, لماذا نستخدم حِزام الأمان؟ لكي يبقى وجودكَ مُرتبطاً بالسيارة, حتى إذا توقفت فجأةً, أنتَ بحسب قانون العطالة تتابع المسير، والأجسام الساكنة ترفض الحركة, فإذا ركبتَ مركبةً وانطلقت, تشعر أنَّ المقعدَ الخلفي يدفعُ ظهركَ نحوَ الأمام, لماذا؟ لأنكَ ترفضُ الحركة.
لو أنَّ الأرض تفلتت من جاذبية الشمس, وانطلقت في الفضاء الخارجي, حيثُ الظلام الدامس, وحيثُ انعدام الحركة, والبرودة الشديدة, والموت المُحقق, لو أردنا أن نُبقي الأرضَ مع الشمس, قال: لاحتجنا إلى مليون مليون كبل فولاذي, قُطرُ كُلِ كبلٍ خمسة أمتار, وهذا العدد مليون مليون, لو بُرزت على سطح الأرض, ووصلت إلى الشمس, بطول قدره مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر, لغطّت هذه الحبال فضاءَ الأرض, ولرأيتَ بينَ الحبلِ والحبلِ مقدارُ حبلِ بالضبط، لو زرعنا هذه الحِبال على سطح الكرة الأرضية برها وبحرِها, لكانَ بينَ الحبلين حبلٌ فقط, ولحجبت هذه الغابة من الحِبال أشعة الشمس.
بالمناسبة: الميليمتر مربع من الفولاذ, يُقاوم مئتي كيلو شد, والكبل الواحد من الفولاذ, الذي قطرهُ خمسة أمتار, يُقاوم مليوني طن، فإذا احتجنا مليون مليون طن, وكُل طن يُقاوم قِوى شد مليونين، مليونين ضرب مليون مليون، هل تصدقون: أنَّ كُلَ هذه الحِبال من أجلِ أن تحرفَ الأرض عن مسارها المستقيم ثلاثة ميليمتر كل ثانية, حتى ينشأ للأرض مساراً إهليلجي مُغلق حولَ الشمس؟ .
هذا معنى قولهِ تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾
لو أنها بأعمدة, مُشكلة كبيرة جداً, كُل خمسة أمتار يوجد كبل, أينَ الأبنية؟ وأينَ الشوارع؟ وأينَ الحقول؟ وأين المزارع؟ .
إذاً: الكُفرُ الأكبر: أن تعتقدَ كَذِبَ الرُسل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
2-كفر الإباء والاستكبار :
الآن: كُفرُ الإباءِ والاستكبار.
يعني أحياناً مثلٌ مُصغّر: يكون أب فاسق, مُنحرف, شهواني, دخلهُ حرام، يأتيه من صُلبهِ ابنٌ طاهر مستقيم, يعني هذا الأب يستكبر عن أن يُصغي لنصائح ابنهِ, لو أنَّ ابنهُ تكلّم, لَسَمِعَ منهُ الحق, ولكنَ مكانة الأب أحياناً, واستعلاءه, وقوَتهُ المالية, وشأنهُ الاجتماعي, هوَ الذي يمنعهُ من أن يُصدّق, أو من أن يستسلم, أو من أن يؤمن، كُفر الإباءِ والاستكبار كَكُفرِ إبليس, إنهُ لم يجحد أمرَ الله, ولا قابله بالأبكار, ولعله تلقّاهُ بالإباءِ والاستكبار, يعني هذا يُشابههُ من عَرَفَ صِدقَ النبي, وأبى أن يؤمنَ بهِ:
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 47]
كلام فِرعون.
طبعاً لمّا فِرعون رأى أنَّ العصاة أصبحت ثُعباناً مُبيناً, ونزعَ يدهُ فإذا هيَ بيضاء للناظرين, قالَ: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾
هذا إذا كُفر استكبار وإباء: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 10]
اليهود يعرفونهُ أنهُ رسول الله كما يعرفون أبناءهم, ومعَ ذلك كفروا بهِ، والحقيقة: الإنسان السعيد الموّفق لا يمنعهُ أن يأخُذَ الحِكمة من صغير.
ألم أقل لكم في درسٍ سابق: سيدنا أبو حنيفة النعمان رضيَ الله عنه, مرَّ بغلامٍ صغير, أمامهُ حُفرة, قال لهُ: يا غلام, إيّاكَ أن تسقط, قالَ: بل أنتَ يا إمام إيّاكَ أن تسقط, إنّي إن سقطتُ سقطتُ وحدي, وإنكَ إن سقطتَ سقطَ العالمُ معك؟.
ألم يقُل عبد الله بن الزُبير لسيدنا عُمر رضي الله عنه: أيها الأمير, لستَ ظالماً فأخشى ظُلمك, ولستُ مُذنباً فأخشى عِقابك, والطريقُ يَسَعُني ويَسَعُك؟.
الكُفر الثاني والعياذُ بالله: كُفر الإباءِ والاستكبار.
أحياناً موظفون في دائرة, أو مُدرّسون في مدرسة, أو تُجّار في سوق, أحدُ هؤلاء يطلبُ العِلم بإلحاحٍ شديد, ويصدق معَ الله, ويبذل ويُقدّم ويفعل ويترك حتى يوفقهُ الله, وحتى يُلقي اللهُ في قلبهِ نوراً, وحتى يُطلقَ لِسانهُ, من هؤلاء الذين يستكبرونَ عن دعوتهِ؟ زملاؤه, هذا كان البارحة معنا.
كُنت في أحد ضواحي دمشق, يوجد قصّاب, أُحدثهُ, فقالَ لي: أبو الحسن كردي كُنّا سويةً لحامين, فقُلت: أين الثرى من الثريا؟ هوَ قارئ كبير.
يعني أرادَ هذا القصّاب أن يرتفعَ إلى مستوى هذا القارئ الكبير, أقول هذا الكلام: لمّا الإنسان يطلب العِلم, فيصبح لهُ شأن آخر, قد ينسى الناسُ أنهُ نجار أو أنهُ قصّاب, صار لهُ مكانة عليّة.
أنا أقول لكم هذا الكلام, وإن شاءَ الله واثق من كلامي, هذه كلمة:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
هذه للنبي عليه الصلاة والسلام, ولكُلِ مؤمنٍ منها نصيب, يعني أنتَ تخطُبُ وُدَّ الله، تجهدُ لطاعتهِ، تُمضي وقتاً طويلاً في طلب العِلم الشريف, في خدمة الخلق, في نُصح الخلق, وتبقى مغموراً وراء الصفوف, وراءَ الركب, لا, اللهُ عزّ وجل يُعلي قدركَ بينَ الناس.
ألم أقل لكم في درسٍ سابق: إذا أحببتَ الله, ألقى حُبكَ في قلوبهم, في قلوب الناس؟ إذا خِفتَ من الله, ألقى الخوفَ مِنكَ في الناس، إذا هِبتَ الله, ألقى عليكَ هيبةً عظيمة، إذا اشتغلتَ بالله, أصبحتَ شُغلَ الناس الشاغل. هذه:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
3-كفر الإعراض :
يوجد عندنا كُفر ثالث: هوَ كفُر الإعراض.
مرة التقيت مع رجل أجنبي, من بلد أجنبي, مندوب شركة, وحدثتهُ عن اللهِ قليلاً, فقالَ كلمةً لا أنساها، قالَ هذه الكلمة, وعلى أثرِ كلمتهِ تذوقتُ قولهُ تعالى:
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 23]
بعدَ أن حدّثتهُ قليلاً عن الكون, وعن خالِق الكون, وعن ماذا بعدَ الموت؟ قالَ: كُلُ هذه الموضوعات لا تعنيني, ولا أهتمُ بها, ولا أُفكرُ فيها, ولا أبحثُ عنها, إنما يعنيني امرأة جميلة, وسيارةٌ فخمة, ومنزلٌ كبير, قلتُ: صدقَ اللهُ العظيم:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ﴾
وليسَ فيهم الخير . ﴿ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
هذا كُفر الإعراض.
يمثلهُ رجلٌ عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام, لا صدّقهُ ولا كذّبهُ، لا والاهُ ولا عاداهُ ، ولا أصغى إليه أبداً, قالَ هذا الرجل للنبي.
أقول لكَ كلمةً: إن كُنتَ صادقاً فأنتَ أجلُّ في عيني من أن أرُدَ عليك, وإن كُنتَ كاذباً فأنتَ أحقرُ من أن أُكلّمكَ, لا أُصغي إليك, ولا أستمع إلى دعوتك, ولا أُصدقُك ولا أُكذّبُك, ولا أُواليك, ليس لي علاقة, هذا الوضع موجود عِندَ بعض الناس, لا يهزّهُ شيء أبداً.
أحدهم هجا شخصاً, قال: لا يُبالي أبداً, وإذا بالَ, فمن بالَ يبولُ, لا بالَ يُبالي لا يُبالي, غير مهتم, لا بهذه الدعوة, ولا بفهم كتاب الله, ولا بالوعد والوعيد، يعيش لِذاتهِ, يعيش للحظتهِ ، يعيش لحظوظ نفسهِ، فهذا كُفر إعراضي, ونعوذ بالله منه؛ هوَ في واد والدين في واد، هوَ في تجارته, في تنمية ثروته, في حاجات نفسه الأساسية, في تزيين بيتهُ, في تبديل سيارتهُ, في حظوظ جسمه, في سياحة حول العالم, فنادق خمس نجوم, وحفلات, ومجتمع مخملي ناعم كما يقولون, هُنا همُهم، كُلُّ الدين لا شيء, وإذا احتال الذكي يُجامل: ما شاء الله! الله يُبارك فيك يا سيدي, وما فيه من الدين شيء، في كلمات يتكلمها الناس, لا معنى لها أبداً، الله عزّ وجل يُحاسب على العمل والاتزان. 4-كفر الشك :
بقيَ علينا كُفرُ الشك، كُفرُ الشك قال: فإنهُ لا يجزِمُ بصدقهِ ولا بكذبهِ, لستُ أدري, ولماذا لستُ أدري؟ لستُ أدري.
يقول لكَ: شيء لا أُصدقُ أحداً, داخل في حالة الشك, والحقيقة: لو اشترى بيتاً, يا ترى هذا البيت عليه رهن؟ بأمورهُ المادية ليسَ عِندهُ شك, كُلهُ باليقين, كلهُ بالسندات, وكشف القيد العِقاري, ويأخذ براءة ذمة, وهذه عليك وهذه علي.
لماذا الإنسان بأمور دنياه دقيق جداً, وعلى اليقين يسير؟ يعمل لهُ عقد عِند محام, يُقيّدهُ كُل ضريبة, قبلَ هذا التاريخ على البائع, طلب القيد العقاري, وطلب الكشف المالي, ولم يُبق شيئاً, لماذا أنتَ في الدنيا باليقينيات دائماً وفي الآخرة في الشك؟ لا نعرف, يجوز ألا يكون في آخرة، والله شيء يُحير, كُل هؤلاء الناس يتكلمون على أهوائهم, ليسَ عِندُه تبني موقف, هذا كُفر الشك.
الحقيقة: كُفر الشك, الإنسان مُحاسب عن شيء واحد, لو أردتَ الأدلة القطعية لوجدتها:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
لو أردتَ الأدلة القطعيّةَ لوصلتَ إليها، دُللتَ عليها، لمستها بيدك، ولكنكَ تُريد أن تعيشَ في شك، في قصيدة لأحد الشعراء المهجريين, يعني مئات الأبيات كُلها: لستُ أدري, بعدَ هذا يقول: ولماذا لستُ أدري؟ قال: لستُ أردي.
أحياناً تجلس في مجلس هذا الشخص, لا يوجد عِندهُ إلا التشكيك, لا أعتقد, لا لا، أحدهم ذهبَ للأزهر, فلم يدرس, انغمسَ في اللهو في القاهرة, لمّا عاد إلى بلده, فأمام أهله وأهل قريته, أصبحَ عالِماً جليلاً, ووالدهُ ينتظرهُ, فلَبِسَ زيّ العلماء, وجلسَ بمجلس, ولا يفهم شيئاً إطلاقاً, فعلّموه, كل سؤال مُحرج, قل في المسألة قولان, فجاءه واحد خبيث, فقال لهُ: أفي اللهِ شكٌ؟ فقالَ لهُ: في المسألة قولان, فضربوه ضرباً مبرحاً.
فالشخص هذا دائماً يُشكك, إن تكلّمتَ لهُ بآية, يقول: هذه آية بالقرآن؟ طبعاً وافتح القرآن وشاهدها، ليسَ عِندهُ رغبة بالبحث عن آية في القرآن الكريم, هذا كُفرُ الشك.
5-كفر النفاق :
بقيَ علينا كُفرُ النِفاق, هذا المنافق واحد كافر, من ألد أنواع الكُفّار, لكن مصالِحهُ مع المُسلمين, أو يعيش في بلد إسلامي، أو يعيش في بلد أولو الأمرِ متمسكونَ بالإسلام، فلذلك يفعل كُل ما يرضى عنهُ المُسلمون, أمّا إذا خرجَ من هذا البلد, غَرِقَ في الفِسقِ والفجور, هذا الكُفر هوَ كُفرُ النِفاق, أن يُظهِرَ بلسانهِ الإيمان, وينطوي بقلبهِ على التكذيب, هذا النِفاق الأكبر, الذي قالَ اللهُ في حقهِ:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 145]
6-كفر الجحود :
آخر نوع من أنواع الكُفر: هوَ كُفر الجحود، الجحود الإلحاد، فلان مُلحد قال: لا إله، ما في إله, لكن الله عزّ وجل، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, أطلعنا على مصيرهم, وعلى شأنهم في العالم، هؤلاء الذين قالوا: لا إله, هذا كُفرهم كُفرُ جحود، قال: إمّا أن يكونَ جحوداً عامّاً أو جحوداً خاصاً، من نفى عن اللهِ رحمتهُ, هذه الزلازل, والبراكين, والمجاعات, والحروب, والأمراض, ما هذه الرحمة؟ هذا كُفر جحود خاص؛ جحدَ رحمةَ الله، أو جحدَ عِلمهُ، أو جحدَ حكمتهُ، ويكفي أن تقول: الله يعطي الحلاوة للذي ليسَ لهُ أضراس, هذا كُفر جحود, تتهمُ الله بأنهُ ليسَ حكيماً.
مرة واحد توفيت زوجته, ولها أخت أكبر منها بعشر سنوات, قالَ: كنتَ خُذ تلكَ يا رب, أبقها لي, هذا جحود؛ جحدَ حِكمة الله، جحدَ رحمتهُ، جحدَ عِلمهُ، جحدَ قدرتهُ، الآن: إذا واحد أصابهُ مرض عُضال, وتيقّن أنَّ اللهَ لا يقدر أن يشفيهُ, طيب لماذا؟ هكذا قال الطبيب, هذا مرض مستعصٍ.
أخ كريم حدثني, والدتهُ مريضة, الأطباء قالوا: مرضُها عُضال, ولن تصل إلى المستشفى، فدعت ربها عزّ وجل, وتصدّقت, ولجأت إليه, وقد عافاها الله.
يعني من السذاجة أن تظن أنَّ المرض العُضال ليسَ لهُ دواء, لهُ دواء, وهوَ الشفاء الذاتي، أنتَ إذا صدّقتَ الله عزّ وجل:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
يشفيك.
في مُدرّسة في فرنسا, أصابها مرض عُضال, ورم خبيث في صدرها, وقالَ الطبيب: إنَّ حياتها لا تزيد عن عشرين يوماً تقريباً, ذهبت إلى مكة المُكرّمة, لتُنهي حياتها هُناك, وطافت ثمانية عشرة طوافاً حولَ الكعبة, وهيَ غارقةٌ في البُكاء, وفي الالتجاء, وفي إعلان التوبة, وفجأةً وبعدَ هذا الطواف الشديد, بدأت الآلام تنحسر إلى أن شُفيت شِفاءً تاماً, ولها قِصةٌ مُبكيةٌ, ألّفت كتاباً, واسمهُ: لا تنس الله. آلاف القِصص.
لي صديق, خمسة أطباء أجمعوا على أنَّ بهِ سرطاناً بالرئة من الدرجة الخامسة، بالتصوير الشعاعي، وبالخزعات، وبالفحص المخبري في دمشق, وفي لندن، والعمر لا يزيد عن عُشر, وانحسر هذا المرض, والرجل لا يزال حيّ يُرزق, وصديقي انحسرَ انحساراً كاملاً, ولهُ في شِفائهِ التام ما يزيدُ عن عشر سنوات.
فإذا اعتقدتَ أن الله لا يستطيعُ أن يشفيكَ, أو واقع في ورطة مالية مثلاً مُفلس, فالله عزّ وجل يخلُقُ من الضعف قوة، هُنا عظمةُ الإيمان, لا يأسَ معَ الإيمان، يا ربي لا كربَ وأنتَ الرب, لا كربَ وأنتَ الرب, ما دامَ هُناكَ رب, كُل شيء بيده, وقادر على كُلِ شيء, وهوَ أرحمُ بِنا من أنفِسنا, لا كربَ يا رب وأنتَ الرب.
كُفرُ الجحود الخاص: أن ترى أنَّ الصلاة لا معنى لها في هذا الزمن, أخي عصرنا عصر دوام, وعمل كثيف, وارتباطات, ومواصلات, وما في وقت لنصلي, ولا في وقت لنتوضأ, هذه أنا عِشاء أُصلي, وأطلب من الله المغفرة مساءً, هذا الذي يُنكر فرضية الصلاة أو الصوم, ببعض البلاد الإسلامية اعتبروه أنهُ يُضعِف الإنتاج فألغوا الصوم, طيب: إذا جحدتَ الصوم, أو جحدتَ الصلاة, أو جحدتَ الزكاة, أو رأيتَ أن تحريمَ الرِبا شيء مُربك, لماذا المسلمون متأخرون؟ لأنَّ دينهم صعب يقيدهم, أمّا الأجانب طليقون, هذا كُفرُ جحود, لكنه خاصاً وليسَ عاماً. الخلاصة :
على كُلٍ الكُفرُ كما قُلنا قبلَ قليل :
كُفرٌ أكبر وهو الذي يوجب الخلودَ في النار .
وكُفرٌ أصغر وهو الذي يوجب التوبة , ويوجب تحققَ الوعيد إذا لم يتب صاحبه .
وتكفير الناس هذا ليسَ من شأن الناس , هذا من شأنِ ربِّ الناس , وأنتَ في أعلى درجات , ورعكَ إن رأيتَ عاصيّاً ادع لهُ أن يتوب , واذكر اللهَ عزّ وجل على أن نجّاكَ من هذه المعصية ، أمّا أن تُنصّبَ نفسكَ وصيّاً على الناس , توزع ألقاب الكُفر والإيمان على الناس , أو تضيقُ نظرتُكَ فتعتقدُ بصلاحِ جماعتكَ فقط , وتُكفّرُ بقية الجماعات , فهذا من ضيق الأفق , ومن أمراض المسلمين الوبيلة , وهذا الذي فرّقهم وشرذمهم وفتتهم , وجعلهم ضِعافاً في العالم .








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:34 PM   #32


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : الشرك









الشرك :
مع الدرس الثلاثين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, وقد أمضينا دروساً عِدة في أنواعِ الذنوب والآثام ، تحدثنا عن الفحشاء والمُنكر ، وتحدثنا عن الإثمِ والعدوان ، وتحدثنا عن أنواع الفِسق , وعن أنواع النِفاق , وعن أنواعِ الكُفر , وعن أكبرِ ذنبٍ من هذه الذنوب , وهوَ أن يقولَ الإنسان على اللهِ ما لا يعلم , وبقيَ علينا موضوعٌ من هذه الموضوعات وهوَ الشِرك , وربما تظنونَ أنني أُبالغ , ولكنني في الحقيقة أقولُ : إنَّ الشِرك هو من أخطر الذنوب التي يقعُ بها الإنسان , لماذا ؟!.
لأنكَ إذا أشركتَ باللهِ عزّ وجل , توجهتَ إلى غير الله , لا تجدُ شيئاً ، لا تجدُ نافعاً ، لا تجدُ ضاراً ، لا تجدُ مُعيناً ، لا تجد سعادةً , يعني هؤلاء الذين قالوا : ما تعلمّت العبيد أفضلَ من التوحيد .
ما تجاوزوا الحقيقة , وما وقعوا في المبالغة ، هؤلاء الذين أرجعوا أكثرَ الذنوبِ إلى الشِرك .
الحقيقة : الشِرك من أوسع الأبحاث , ويكفينا أنَّ كلمة التوحيد , هيَ شهادةُ أن لا إلهَ إلا الله .
على كُلٍ ؛ شأنُ هذا الموضوع كشأنِ الموضوعات الأخرى ، الشِرك تتسعُ دائرتهُ حتى يشملَ أن تعتمدَ على غير الله ، وتضيقُ دائرتهُ حتى تدعي إلهاً غيرَ الله . أنواع الشرك :
1-الشرك الأكبر :
كما هيَ العادة في منهج البحث , في هذه الموضوعات , هُناكَ شِركٌ أكبر وهُناكَ شِركٌ أصغر ، الشِركُ الأكبر لا يُغفر إلا بالتوبة , إذ أنَّ أيةَ آيةٍ قرآنيةٍ وأظنُهما آيتين فقط :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 48]

أجمعَ العلماءُ على أنَ هذا الشِرك الذي لا يُغفر إذا ماتَ صاحبهُ وهو مُشرك , أمّا إذا تاب تابَ اللهُ عليه ، لذلك يُعقّبون على الآيةِ بقولهم : إنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشركَ بهِ إن لم يتُب ، الشِرك الأكبر أن تتخذَ للهِ نِداً .
الآن يقول لكَ قائل : طبعاً يوجد من الشِرك الأكبر نوعان , هؤلاء الذين يعبدون آلهةً في هذا العصر , بوذا , هذه الديانات في شرقي آسيا التي تُتخذُ من بعضِ الشخصيات الموهومةِ آلهةً تعبُدها من دون الله , هذا شِرك أكبر .
لكن هذا من فضل الله عزّ وجل , المسلمون في عالمهم الإسلامي بعيدون عن أن يقعوا في هذا الشِرك الفاضح , لكنَّ هُناكَ شِركاً أكبر , لا يأخذُ هذا الشكل الفاضح : أن تتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاً , ولم أقل : أن تتخذَ غيرَ الله , أن تتخذَ من دون الله , لأنَّ اللهَ واحدٌ أحد فردٌ صمد , إن اتخذتَ غيرهُ فلا بُدَ من أن يكونَ دونهُ , ما قال : أن تتخذَ غيرَ اللهِ إلهاً , لا , قالَ : أن تتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاً ، وهذه المسافة بينَ هذا الذي اتخذتهُ نِدّاً من دون الله وبينَ خالق الكون , لا يُمكن أن يُوازنَ بينهما , يعني صفر مع القيمة المطلقة ، لا شيء معَ كُلِ شيء ، ضعفٌ معَ منتهى القوة ، جهلٌ معَ منتهى العِلم ، قسوةٌ مع منتهى الرحمة .
أيام نقول : هذا دونَ هذا , يكون بينهما درجة , نقول : هذا دونَ هذا بكثير , لكنهما يجتمعان في نسبة ، أمّا إذا اتخذَ الإنسانُ من دونِ اللهِ نِدّاً , لا يمكنُ أن يكونَ هذا المُتخذُ نِداً من دون الله , أن يُوازنَ بشكلٍ أو بآخر معَ خالق الكون , يعني القيم المُطلقة معَ التلاشي المُطلق ، عبدٌ ضعيف تستعين بهِ ، تستهديه ، تجهدُ في إرضائه ، تخافُ من سخطهِ ، تُعلّق الآمال عليه ، تربط حياتكَ كُلها من أجلهِ ، ما من جهةٍ , لا أقول : ما من مخلوقٍ , ما من جهةٍ في الكون تستحقُ أن تُفني حياتكَ من أجلِها ، تستحقُ أن تُمضي شبابكَ من أجلِها ، إلاّ أن يكونَ خالِقَ الكون , هوَ أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة . 2-الشرك الأصغر :
في شِرك أكبر وشِرك أصغر ، الشِركُ الأصغر المؤمنون مُبتلونَ بهِ , لقولهِ تعالى :
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
لكَ مُعاملة في وزارة ، ولكَ ابن عم في هذه الوزارة , لا بأس بهِ ، فأنتَ مرتاح , هذا ابن عمي لا يُقصّر , هذا شِرك ، نسيتَ الله واعتمدتَ على قريبك ، هذا الشِرك الذي يُبتلى بهِ المؤمنون , بسببِ ضعفِ إيمانهم , هذا هوَ الشِركُ الأصغر ، أدناهُ أن ترضى عن إنسان , وهوَ مُقيمٌ على معصية , كما قالَ عليه الصلاة والسلام : الشِركُ أخفى من دبيبِ النملةِ السوداء على الصخرةِ الصمّاء في الليلة الظلماء , وأدناهُ أن ترضى على معصية , وأن تغضبَ على عدل ، أن تسخطَ على عدلٍ وأن ترضى على جورٍ ، أن ترضى على جور أو أن تسخطَ على عدل فهذا شِرك :
أن ترضى على جور :
يعني هذا الذي جارَ على غيرهِ , لكنهُ نفعكَ , رضيتَ عنهُ , ونسيتَ رِضاءَ اللهِ عزّ وجل .
وأن تسخطَ على عدل :
وُجهِت لكَ نصيحةٌ مُحقّة , أنتَ تألمت فغضبت , أنتَ قد أشركتَ نفسكَ معَ اللهِ عزّ وجل , هذا الشِرك الأصغر .
نرجو اللهَ سبحانهُ وتعالى أن يعافينا منهُ , ويحتاج إلى مجاهدة, ومتابعة , ومراقبة دقيقة للقلب , وأن تفهمَ على اللهِ عزّ وجل , كُلما اعتمدتَ على غيرهِ , كيفَ يأتيكَ بالعلاج ؟ وكيفَ يُخيّبُ آمالكَ بغيرهِ ؟ هذا موضوع , والشِركُ الأكبر موضوع .
أنواع الشرك الأكبر :
الشِرك الأكبر نوعان : شِركٌ فاضح وشرك غيرَ الفاضح .
شِركٌ فاضح :
يعني أن تقول بوذا إله كما يقول السيخ أو الهندوس أو هؤلاء الذين لهم ديانات وثنية في أنحاء متفرقة من العالم .
لكنَّ الشِركَ الأكبر غيرَ الفاضح هوَ :
أن تتخذَ من دونَ اللهِ نِدّاً , هُنا المشكلة .
قد يقول لكَ إنسان : أيُعقلُ أن أتخذهُ نِدّاً ؟ أهوَ إله ؟ أهوَ الذي خلقَ الكون ؟ أهوَ الذي سيّرَ الشمسَ والقمر ؟ نقول له : لا , من لوازم الإله : أن تحبهُ ، وأن تعبدهُ ، وأن تُعظمّهُ ، فيكفي أن تُعظّمَ جهةً أرضية , وأن تُحبها حُباً حقيقيّاً , ويكفي أن تطيعها في معصية الله ، فهذه الجهة الأرضية , ولو كانت إنساناً , أنتَ أشركتها معَ الله , لا في مقام الألوهية بل في لوازم الألوهية ، لا في المقام الإله خلقَ السموات والأرض ، الإله مُسيّر ، الإله مُربّ ، لا في مقام الألوهية والربوبيةِ بل في لوازم الألوهية والربوبية .
مثلاً : من لوازم الأب الحُب ، من لوازم الأُبوة الطاعة ، من لوازم الأُبوة أن تُرضي هذا الأب ، فإذا لم تُكن مُطيعاً لأبيك فرضاً , ولم تكن مُحبّاً لهُ ، ولم تُكن خاضعاً لفضلهِ ، وتوجهتَ بكُلِ إمكاناتِكَ لخدمة شخصٍ غريب , وعوتبتَ في هذا الموضوع , تقول : أيعقلُ أن يكون هذا أبي ؟ يقول : لا , ليسَ أباك هذا , نعلمُ ذلك ولكنكَ عاملتهُ كما ينبغي أن تُعاملَ أباك .
هذا الذي واقع في شِركٍ أكبر , نحنُ لا نقول لهُ : أنتَ تدّعي أنهُ خلقَ الكون , لا , نعلمُ ذلك وتعلمُ أنتَ ذلك ، ولكنكَ أشركتهُ مع اللهِ عزّ وجل في لوازم الألوهية , وهوَ التعظيم والعِبادة والحب , هذا الشِرك الأكبر غير الفاضح .
هُناكَ من يُحاول التلفيق , يعني يُحب أن يجمع بينَ إشراكهِ الكبير , بأن اتخذَ من دونِ اللهِ نِدّاَ , يُعظّمهُ ويُحبهُ ويُطيعهُ , ولا يعبأُ بطاعةِ اللهِ , ولا بحُبهِ للهِ , ولا بتعظيمهِ للهِ , وكيفَ يوفّقُ هذا الإنسان بين هذا الشِرك الأكبر وبينَ ما هوَ واضحٌ كالشمس من أنَّ اللهَ خلقَ السموات والأرض ؟ لذلك الله سبحانهُ وتعالى يقول :
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾
[سورة الزمر الآية: 3]
﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
هذا اسمهُ تلفيق , يعني يحبُ أن يجمع بينَ عقيدتهِ الشركيّة وبينَ التوحيد , نحنُ نتخذهم شفعاء لنا عِندَ الله .
طبعاً قبلَ قليل : حدثتكم عن أنَّ الشِركَ الأكبر , ليسَ معناهُ أن تدعيَّ أنَّ هذا الذي اتخذتهُ من دون الله , هوَ خالِق الكون ، هوَ ربُّ السموات والأرض ، هوّ المُسير , لا , لكن لوازم الألوهية : التعظيم والمحبة والطاعة , أنتَ فعلتَ معَ هذا النِدّ للهِ عزّ وجل , الذي هوَ من دون الله , فعلتَ معهُ ما ينبغي أن تفعلهُ مع الله , قالَ تعالى : ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 97-98]
عندنّا سؤال : لماذا تروجُ هذه الأفكار الوثنيةُ في العالم ؟ يقول لكَ : أربعمئة ، خمسمئة مليون أتباع بوذا ، ستمئة مليون أتباع كذا ، السيخ عددهم كذا مليون ، أربعمئة مليون هندوسي , كلهم يعبدون بقرة أو صنماً أو وثناً ، طيب : أينَ عقولُهم ؟
الجواب هوَ : أنَّ هذه الآلهة المزعومة ليسَ لها منهج يُقيّدُكَ في حركتكَ اليومية فاتّباعُها سهل .
هُناكَ طقسٌ تفعلهُ كُلَ أسبوع , أو كُلَ يوم , وانتهى الأمر , لكَ أن تفعل ما تشاء ، لكَ أن تأكلَ من أموال الناس ما تشاء ، لكَ أن تُمارِسَ الشهوات كيفما تشاء .
فلذلك : دائماً المناهج الشركية الوضعية , لها ميزة عند أهل الدنيا , ليسَ لها منهج , فالانتماء لها سهل جداً , لا يُكلّفُ شيئاً ، لكنَ اللهَ سبحانهُ وتعالى إذا أردتَ أن تنتميَ إلى دينهِ , فهُناكَ افعل ولا تفعل ، هُناك قنوات نظيفة والباقي كُلُهُ مُحرّم ، فلذلك إذا أردتَ أن تتعرف إلى سِرِ انتشار هذه الديانات الوضعية , وهذا الشِرك الذي لا يقبلهُ عقل , ذلك لأن الانتماء إليه سهل .
واحد ذهب للهند , وجد في مقام بوذا فواكه من أنواع لا يرقى إليها , وهم تُقدّمُ هذه الفواكهُ إلى هذا الإله يوميّاً , ثمَّ تقصّى الحقائق , كُلُ هذه الفواكه في النهاية , يأكُلها من يعملون في هذا المعبد , فهم يُبالغون ، لا يقبلُكَ هذا الإله إلا إذا جوّدتَ له الفاكهة من أجلهِ .
يعني من أجلِ أن يأكُلها هو مساءً , لأنَّ هذا الصنم لا يأكل .
والشيء الغريب : ترى هُناك أشخاص مثقفون , يحملون شهادات عُليا , كيفَ أنَ هذا الإنسان يُعطّلُ عقله ؟ فلذلك : الله عزّ وجل يوم القيامة سيسأل هذا الإنسان هذا السؤال الكبير : عبدي أعطيتُكَ عقلاً فماذا صنعتَ فيه ؟ أينَ عقلُك ؟ أنتَ تقبل أن تقبض عملة مزيّفة لثمن بيت تسكنهُ ولا تملكُ غيرهُ , ومعك جهاز صغير يكشفُ لكَ زيفَ هذه العُملة من دونِ أن تستخدمهُ , فإذا صُعقتَ لهذا الخبر المؤسف وصِحتَ , يُقال لكَ كلمة بسيطة جداً , فيها استهزاء : ما دُمتَ تملكُ هذا الجهاز لِمَ لم تستخدمهُ ؟ وما دامَ اللهُ عزّ وجل قد أعطانا عقلاً , فإذا أشركَ الإنسانُ مع الله عزّ وجل ، هذا الإنسان مؤاخذ , أينَ عقلُك ؟.
أنا أُسمي العقل أداة المعرفة ، وقد وردَ في القرآن وصفٌ لهُ ، اسم وصفي ، قالَ : ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
[سورة الرحمن الآية: 7]
الله أعطاكَ ميزاناً ، ميزاناً دقيقاً ، ولا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ أثمنَ ما في الكونِ هوَ العقل , بل إنَّ أعقدَ ما في الكونِ على الإطلاق هو العقل , يعني ما في عضو في الكون , لا في النوع البشري فحسب في الكون , بالغ التعقيد , واسع الإمكانات , كالعقل البشري , فإذا عطلّتهُ فقد ضللتَ ضلالاً مُبيناً .
سِرُ تهافت الناس على الديانات الوثنية , هوَ أنَّ هذه الديانات ليسَ فيها منهج ، ليسَ فيها قيد ، ليسَ فيها حدٌ من حرية الإنسان ، ليسَ فيها منعٌ لشهواتِهِ ، هذا سِرُ رواجِها لا لذاتِها , بل لِما ينتجُ عنها من تفلت أيِّ قيمةٍ أو أيِّ نظام .
كيفَ نردُ على هؤلاءِ الذينَ أشركوا باللهِ ما لم يُنزّل به عليهم سُلطاناً :
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
الردُ عليهم : بأنَّ الشفاعةَ التي وردت في القرآن الكريم لها شروط ، قالَ تعالى : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 255]
لا تقعُ الشفاعةُ لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذنِ اللهِ تعالى ، ولا يشفعُ الشافعُ إلا بإذنِ اللهِ تعالى ، ولا يشفعُ الشافعُ إلا من رضيَ اللهُ عنهُ ، الدليل قالَ تعالى :
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 28]

اللهُ سبحانهُ وتعالى , من هوَ الذي يرضى عنهُ , حتى يسمحَ للنبي عليه الصلاة والسلام أن يشفعَ لهُ ؟ قالَ : من ماتَ غيرَ مُشرك .
يعني الذي أشرك لا يستحقُ الشفاعة ، وإذا بلغتَ التوحيد فقد بلغتَ كُلَ شيء . نهاية العلم التوحيد .
أقول لكم كلمات قُلتها كثيراً , لكن أتمنى أن تكونَ في موطن اهتمامكم نهاية العِلم :
التوحيد .
لن تُخلِصَ إلا إذا كُنتَ موحِداً ، إن لم تكن موحداً , تتمنى أن تُرضي الناس , وتخشاهم , وترجوهم , وتستعطفهم , وتشعر بقدرتهم عليك , هم يرفعونك , وهم يضعونك ، شفاؤك على أيديهم , وخلاصك ومصيرك بيدهم ، ما دُمتَ لم توّحد فهذا شِرك ، والشِرك معهُ خوف ، معهُ تبعثر ، معهُ تشرذم ، معهُ تبديد بالطاقات ، لذلك :
نهاية العِلم التوحيد .
لا إلهَ إلا الله حِصني من دخلها أمِنَ من عذابي ، لا إلهَ إلا الله لا يسبِقُها عمل ولا تتركُ ذنباً .
لا إلهَ إلا الله فيها نفي وإثبات ...
لا إلهَ : أي لا مُسيّرَ ، لا حركةَ لا سكنةَ ، لا عطاءَ لا منعَ ، لا رفعَ لا خفضَ ، لا إعزازَ لا إذلالَ ، لا قبضَ لا بسطَ ، لا توفيقَ لا إخفاقَ إلا بالله .
فلذلك : لن تُخلص إلا إذا وحّدت .
وهذا المثل أضرِبهُ دائماً , وأُعيدهُ , وفيه فائدة ...
لكَ قضية مهمة جداً في دائرة , إذا أنتَ عَلِمتَ عِلمَ اليقين أنَّ في كُلِ هذه الدائرة المؤلفة من أربعة آلاف موظف , لا يوجد إلا إنسان واحد , من صلاحيتهِ أن يوافق لكَ على طلبك , هوَ المدير العام ، إذا أيقنت لن تسألَ سِواه ، ولن تتجهَ إلى أحدٍ آخر ، ولن تُقدّمَ هديةً إلى أحدٍ غيرهِ ، ولن تبذِلَ ماءَ وجهِكَ إلى أحدٍ إلا هذا المدير العام , فإذا قيل لكَ خطأً أو وهماً أنهُ فُلان , هوَ بإمكانهِ أن يوافق , تتجهُ إليه ، تصبُ عليه كُلَ اهتمامك ، تتوسل إليه ، تُعلّقُ عليه الآمال , هذا هوَ الشِرك .
وقد ضربتُ مثلاً آخر في أثناء تدريسي السابق أيضاً , الآن مناسب أن نُعيدهُ ...
إنسان لهُ في حلب مبلغ كبير كبير , تُحلُ بهِ كُلُ المشكلات , ويجب أن يقبضهُ في ساعةٍ معينة , وتوجهَ إلى محطة القطارات , وركبَ القطار المتجه إلى حلب ، قد يرتكب وهو في القطار آلاف الأغلاط , قد يدفع ثمن بطاقة للدرجة الأولى , ويجلس خطأً في الدرجة الثالثة , ممكن ، قد يجلس بعكس اتجاه سير القطار يُصاب بالدوار ، قد يجلس مع شبابٍ متشاكسين , يملؤون القاطرة صخباً وضجيجاً , قد يتضور جوعاً , ولا يعلم أنَّ في القطار مطعماً ، قد ينسى بعضَ حاجاتهِ في القاطرة ، لكن ما دامَ في القطار المتجه إلى حلب , وما دامَ هذا القطار سيصل في الوقت المناسب , فالقضية سهلة , كُلُ هذه الأغلاط نتجاوزها .
ولكن الخطأ الذي لا يُغتفر :
أن تتجه إلى محطة القطار , وأن تصعد إلى القطار المتجه إلى درعا , وأنتَ تُطمئن نفسكَ , بعدَ قليل نصل إلى حلب , ثمَ تُفاجأ وأنتَ في درعا أنَّ هُنا درعا .
طيب : أينَ حلب ؟ هذا الخطأ الذي لا يُغتفر .
يعني أن تتجهَ إلى غير الله ، أن تُعلّقَ على غير الله الآمال ، أن ترجو غيرَ الله ، أن تخافَ من غير الله ، أن تظنَ أنَ الرِزقَ بيد فُلان ، أن تظن أنَّ فُلاناً بإمكانهِ أن يرفعك , بإمكانهِ أن يضعكَ ، بإمكانهِ أن يُعطيك ، بإمكانهِ أن يمنعك , هذا الشِرك , هذا الشِركُ الذي لا يُمكن أن يُغتفر , لأنهُ إذا اتجهتَ إلى الله وكُنتَ مُخطئاً غفرَ لك ، إن كُنتَ جاهلاً علّمك ، إن كُنتَ مستوحشاً آنسك ، إن كُنتَ ضعيفاً قوّاك ، إن كُنت فقيراً أغناك ، إن كُنتَ مُنقبضاً بشّرك ، لكنكَ إذا اتجهتَ إلى غير الله فقد أشركت .
واحد معهُ آلام الزائدة لا تحتمل , ما دام في طريقهِ إلى المستشفى , ودخل المستشفى , وفي عناية جيدة , وفي أطباء مهرة , وفي أدوية جيدة , وفي موظفين مخلصين , فالقضـية انحلت ، لكن لو اتجهَ إلى مكان آخر , فإذا هوَ مدرسـة أو فندق مثلاً , ماذا يفعل هُنا ؟ .
فلذلك موضوع الشِرك يا أخوان من أخطر الموضوعات في الدين , وأقول لكم بملء فمي :
لا نجدُ إنساناً يعصي اللهَ عزّ وجل إلا لأنَ فيه بعضَ الشِرك .
لأنهُ لماذا يعصي الله ؟ يعصيه ليستمتعَ بشيء نهى اللهُ عنهُ .
إنَّ سعادة القُرب أبلغُ بكثير من لذّة المعصية لكنهُ لا يدري .
أتعصيه من أجل أن يزدادَ مالُك ؟ اللهُ بيده المال ، فجأةً يُدمّرُ المال .
أنتَ اسأل نفسك لماذا أعصي الله ؟ يعني من أجل أن أُمتّع نفسي بما حرّمهُ الله عليّ .
الانقباض الذي يحصل من مخالفة أمر الله عزّ وجل لا يُحتمل ، بينما السعادة التي تحصل من طاعة الله عزّ وجل لا توصف .
لماذا أعصيه ؟ لأنني أرى في هذه المعصية خيرٌ لي , هذا هوَ الجهل .
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 57]
أينَ الله ؟
أيُعقل أنكَ إذا اهتديتَ إلى الله خُطّفتَ من أرضك ؟
والذي يقول : أخي أنا إن استقمت مِتُ من جوعي , هذا منتهى الجهل ، منتهى الحُمق .
يقول المحامي : إذا أنا صدقت ليسَ عِندي زبائن , يجب أن أُطمّعُهم , أنَّ الحُكم مضمون , غلط هذا الكلام , هذا شِرك بالله عزّ وجل ، يعني يجب أن تعلم :
أنَّ أيَّ إنسانٍ يعصي الله لا يعصيه إلا لأنهُ أشركَ بالله ، إمّا أنهُ أشركَ نفسهُ أو أشركَ غيرهُ ، أمّا لو تجرّدتَ عن كُلِ شِرك , لرأيتَ نفسكَ في طريق الحقِ شِبراً شِبراً .
الشفاعةُ التي وردت في القرآن الكريم , لا تكونُ إلا لمن رضيَ الله عنه ، ولن تُعطى إلا لمن رضيَ اللهُ لهُ قولاً :
﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى﴾
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾
واللهُ لا يرضى من عِبادهِ الشِرك , لذلك من ماتَ غيرَ مُشرك , نالتهُ شفاعةُ النبي ، أمّا من ماتَ مُشرِكاً , حُرم من هذه الشفاعة .
في مشكلة : أنهُ هُناك إنسان يدّعي التوحيد , إذا نظرتَ إلى عملهِ , وإلى حركاتهِ وسكناتهِ , وجدتَ عملهُ , وحالهُ يُكذّبُ توحيدهُ .
ما أطعتَ فلاناً وعصيتَ الله إلا لأنكَ رأيتَ فُلاناً أكبرَ من الله , ما خِفتَ من فلان أكثرَ من خوفِكَ من الله إلا لأنكَ عظمّتهُ فوقَ ما تُعظّم الله عزّ وجل , فلذلك المعصية قد تبدو صغيرة , لكن المؤشر كبير على جهل فاضح باللهِ عزّ وجل .
ربنا عزّ وجل قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 41]
لا أعتقد أن في القرآن آية بأنَ ذلكَ الذي اعتمدَ على غير الله ، اتجهَ إلى غير الله ، اتكلَ على غير الله ، علّقَ آمالهُ على غير الله , كمن تمسّكَ ببيت العنكبوت , حركة أصابعهِ تُحطمُ هذا البيت :
﴿كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت﴾
يوجد عندنا موضوع دقيق جداً : هوَ أنتَ حينما تعتمد على فُلان ، يعني فُلان لا بُدَ من أن يكونَ أحدَ أربعةِ أشخاص :
إمّا أنهُ مالِكُ هذا الكون ، أو مالِكُ جزءٍ منه شريك مع الله فيه ، أو ظهيرٌ , أو مُعين ، أو شفيع .
مالك ، شريك ، ظهير ، شفيع .
أنتَ إذا دخلت إلى مكان , وتوجهت إلى إنسان , هذا الإنسان أغلب الظن , بحسب هذا التوجه , مالِك المكان , وإذا لم يكن مالكاً , فلهُ النِصف , شريك .
إذا واحد زار بستاناً , دعاهُ مالك نِصف البستان , فلو قالَ له الثاني : أخي أين أنتَ داخل ؟ فيقول : فُلان دعاني , كلام معقول , داخل لِعند النصف الثاني , فهذا الذي اتخذتهُ إلهاً من دون الله , إمّا هوَ خالق الكون , أو شريك في الخلق , أو ظهير مُعين لله عزّ وجل , له دالة أو شفيع , استمعوا إلى قول الله عزّ وجل , قال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 22]
ليسَ مالِكاً , وليسَ شريكاً , وليسَ معيناً , وليسَ شفيعاً ، من هوَ إذاً ؟ هوَ لا شيء , هذا معنى قول الله عزّ وجل :
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الإخلاص الآية: 1]
فلذلك موضوع الشِرك من أخطر موضوعات الدين .
لن تعصِ اللهَ إلا إذا أشركت ، لن ترجو غيرَ الله إلا إذا أشركت ، أنا لا أقول الشِرك الجلي , ولا أقول الشِرك الفاضح , أن تتخذَ في البيتِ صنماً تعبدهُ من دون الله , هذا انتهى .
وقد قالَ عليه الصلاة والسلام :
(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ, إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ, يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا: هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ]
الطريق الموصل إلى الله هو العلم .
عندما الإنسان ينطلق إلى مخالفة , ينطلق لماذا ؟ لمنفعةٍ ماديةٍ أو شهوةٍ تقضيها , فلو عَلِمتَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالىَ هوَ المُسعد , وأنهُ لن يُسعِدكَ بمعصيتهِ , ولن تسعدَ إلا بطاعتهِ , ما عصيتهُ .
أيُ خطأٍ ترتكبهُ هوَ في الأصل خطأ في العِلم ، أيُ خطأٍ ترتكبهُ في السلوك أساسهُ جهل .
فلذلك أكادُ أقولُ :
إنَّ العِلمَ وحدهُ هوَ الطريق الموصل إلى الله عزّ وجل , وإذا أردتَ أن تتأكد التق مع صديق من أصدقائكَ القُدامى , واجلس معهُ ساعة , ولاحظ كيفَ أنكَ أنتَ في مجالس العِلم التي تتابع حضورها , كيفَ أنَّ المعلومات والقناعات والحقائق تراكمت شيئاً فشيئاً فشيئاً حتى ولّدت قناعةً ثمينةً , هذه القناعات جعلتكَ تستقيم على أمر الله .
فلذلك : أثمنُ ما في الحياة الدنيا أن تعرفَ الله , لأنكَ إن عرفتهُ عبدتهُ , وإن عبدتهُ سَعِدتَ بقربهِ في الدنيا والآخرة .
أقول لكَ مُلخص المُلخص : هذا الدين أكثر من مئات بل ألوف الملايين من مؤلفات الإسلام , كُلُ هذه المؤلفات يمكن أن تُضغط بثلاث كلمات :
يجب أن تعرفَ اللهَ حتى تعبدهُ , فإذا عبدتهُ سَعِدتَ بقُربهِ .
لذلك المؤمن لا يرى غيرَ الله ، ليسَ عِندهُ حِقد ، هذا الحِقد المُدمر من أين يأتي ؟ من الشِرك .
واحد عِندهُ في العمل التجاري صانع اختلف معهُ , فهذا الصانع أبلغ جهات معينة ، أنهُ هُناك بضاعة في المستودعات غير نظامية، فجاءت هذه الجهات وكلفتهُ بـ ستمئة ألف قصة من اثنتي عشرة سنة ، امتلأَ هذا التاجرُ حِقداً على هذا الصانع وقتلهُ , فحُكمَ عليه ثلاثينَ عاماً في السِجن ، لماذا نشأَ هذا الحِقدُ الشديد في قلبِ هذا التاجر ؟ لأنهُ رأى أنَّ هذا التدمير الذي أصابهُ من هذا الإنسان , هذا هوَ الشِرك .
فالشِرك فيه حِقد يا أخوان ، والشِرك فيه خوف ، يعني : إذا واحد شاهد حيواناً مُخيفاً , أو مجموعة حيوانات مخيفة , كُلها مفترسة وشرسة وجائعة , وهوَ بِلا سلاح , يموت من الخوف ، أمّا إذا أيقنَ : أنَّ كُلَ هذه الحيوانات مربوطة بإحكام , بيد جهة رحيمة وعادلة ومُنصفة , لا يخافُ منها , يخافُ ممن يقبضُ زمامها , هكذا قال سيدنا داود :
﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
حقيقة الأمراض النفسية التي يعاني منها الإنسان .
أيها الأخوة الأكارم ؛ واللهِ لا أُبالغ :
الحِقد أساسهُ الشِرك ، الخوف أساسهُ الشِرك ، المعصية أساسُها الشِرك .
أكادُ أقول : إنَّ كُلَ الأمراض النفسية ليست بأمراض , ولكنها أعراض لمرضٍ واحد وهوَ الشِرك , كلام دقيق , إنَّ كُلَ الأمراض النفسية : الخوف ، النِفاق ، الإنسان لماذا يُنافق ؟ لأنهُ يُرضي لهذا الذي يُنافق لهُ يُرضيه , لماذا يُرضيه ؟ لأنهُ يرى أنَّ لهُ شأناً , وأنَّ هذا الذي يُنافقُ لهُ بإمكانهِ أن يُعطيه شيئاً ثميناً , أو بإمكانهِ أن يحرمهُ من شيء ثمين .
النفاق أساسهُ الشِرك ، الحِقد أساسهُ الشِرك ، الخوف أساسهُ الشِرك ، المعصية أساسُها الشِرك .
يعني أنتَ تظن بالمعصية هُناكَ لذّة , لكنَّ اللهَ يَخلُق معَ اللذّة شقاء , ومع الشقاء فضيحة , ومعَ الفضيحة دماراً ، أمّا لو آمن أنَّ الله عزّ وجل لا يُسعدهُ إلا بطاعتهِ , وهو في الطريق الصحيح سعد .
فلذلك أقول لكم مرةً ثانية : إنَّ أكثرَ الأمراض النفسية , وإذا أردتُ أن أجزم : إنَّ كُلَ الأمراض النفسية ما هيَ في حقيقتها إلا أعراضٌ لمرضٍ واحد وهوَ الشِرك .
لذلك : تستغرب أنَّ الأنبياء على اختلافهم ، واختلاف أقوامهم , واختلافِ عصورهم وأزمانِهم ، جاؤوا بدعوةٍ واحدة ، أعتقد في سورة :
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 73]
العبارة نفسها قالها سيدنا صالح , وسيدنا هود , وسيدنا لوط , وسيدنا إبراهيم , نبيٌ نبي , حتى إنَّ اللهَ عزّ وجل لخّصَ كُلَ هذه العبارات في عبارةٍ واحدة , قال :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
هذا الدين كُلهُ ، الدين عقيدة وعمل ، العقيدة هيَ التوحيد ، والعمل هوَ الطاعة والتقوى ، لذلك قالوا : نهاية العِلم التوحيد , ونهاية العمل التقوى .
الطاعة , من حيث السلوك نهاية النهاية أن تُطيعَ اللهَ عزّ وجل ، من حيث العِلم نهاية النهاية أن توحّدَ اللهَ عزّ وجل ، فإذا وحدّتهُ وعبدتهُ فقد حققتَ كُلَ ما في الدين وما بقيَ إلا القشور ، إذا وحدّتهُ وعبدتهُ حققتَ كُلَ ما في الدين ، بل وضعتَ يدكَ على جوهر الدين ، بل كُنتَ أنتَ الديّنَ الحقيقي ، بل كُنتَ أنتَ الذي اتبعتَ النبي عليه الصلاة والسلام ، توحيد وطاعة , والتوحيد طريقهُ التفكّر في خلق السموات والأرض .
يقول لكَ :
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 59]
يقول لكَ : هذا الزواج كان غير سعيد , كأنَّ اللهَ ليسَ لهُ علاقة , الزواج أخطر حدث في حياتك , ما دام :
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾
هذه الزوجة الله عزّ وجل ساقها لك لتكونَ مكافأةً على ما فعلتهُ قبلَ الزواج ، إن كُنتَ عفيفاً فالزواج مُسعد ، وإن كنت منحرفاً قبلَ الزواج فالزواج مُشق ، فما دام : ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾
صندوق خشبي , فيه طفل رضيع مولود حديثاً في نهر : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 7]
عِندَ الله لا خطأ أبداً , كُل شيء بِحساب ، حركة أوراق الأشجار ، حركة الأغصان ، يقول لكَ : رصاصة طائشة , لا يوجد طائشة عِندَ الله , هذه عِندَ الناس ، عِندَ الله مصيبة ، عِندَ الله لا يوجد خطأ أبداً , شظية ، رصاصة طائشة ، قصف عشوائي , هذا كُلهُ عِند البشر , أمّا عِندَ الله لا يوجد عشوائي .
﴿كُل شيء بقَدر﴾
لكُلِ شيء حقيقة , وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ , حتى يعلم أنَّ ما أصابهُ لم يكن ليخطئهُ , وما أخطأه لم يكن ليصيبهُ .
أيها الأخوة ؛ أنا ناصحٌ لكم كُلما ارتقى توحيدكم سَعِدتم ، وارتحتم ، وأرحتم ، واطمأننتم ، ووثقتم بفضل اللهِ عزّ وجل .
النهاية :
أن لا ترى مع اللهِ أحداً , لا يوجد سِوى الله , واللهُ كبير .
إذا أردتَ المُلخص :
اللهُ موجود , ولا يوجد غيرهُ , وكامل .
ثلاث كلمات تلخّص تسعةً وتسعينَ اسما : واجبُ الوجود لا إلهَ غيرهُ . ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
فإذا عرفتهُ , عرفتَ كُلَ شيء , واللهِ إذا فاتكَ فاتكَ كُلُ شيء ، وإذا وجدتهُ وجدتَ كُلَ شيء ، وإذا لم تجدهُ لم تجد شيئاً ، وإذا كانَ اللهُ معكَ من عليك ؟ لا أحد ، وإذا كانَ عليكَ من معك ؟ لا أحد .
التوحيد هو العلاج لهذه الأمراض .
يعني : موضوع الشِرك موضوع أساسي في الدين ، هوَ الدينُ كُلهُ ، هوَ الحياة ، هوَ الراحة النفسية ، هوَ الثقة بالله ، هوَ الطمأنينة ، هوَ الشجاعة ، من أينَ تأتي الشجاعة ؟ الخوف من الشِرك ، الحِقد من الشِرك ، النِفاق من الشِرك ، الفجور من الشِرك ، التملّق من الشِرك ، استجداء المديح من الشِرك , ما في موقف ضعيف لكَ إلا أساسهُ الشِرك ، ما في موقف تصغُر فيهِ أمام الناس إمّا خائف منهم أو ترجو ما عِندهم .
الطمع كما قالوا : الطمع أذلَّ رِقابَ الرِجال ، لا تقف موقفاً سليماً إلا بسبب الطمع ، والطمع ما أساسهُ ؟ تطمع بمال فُلان , أنتَ لم تطمع بفضل الله عزّ وجل :
ملك الملوك إذا وهب قُم فاسألن عن السبب
اللهُ يُعـطي من يشاء فقِف على حـدِ الأدب
لن تكونَ عزيزاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ شجاعاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ عفوّاً إلا بالتوحيد ، لن تكونَ جريئاً إلا بالتوحيد ، لن ترضى إلا بما قَسَمهُ اللهُ لكَ إلا بالتوحيد ، التوحيد يشفي الإنسان من آلاف الأمراض .
تجد إنساناً صحيحاً معافى , أجرى تحليلاً , وجد جميع التحاليل كاملة , ويكون عِندهُ مئة مرض نفسي مُدمّر , وهذه الأمراض تبدأُ آثارُها بعدَ الموت ، أمراض الجسد تنتهي عِندَ الموت ، أمراض النفس تبدأُ بعدَ الموت خطيرة جداً ، مثلاً : حقد ، حسد ، خوف ، نِفاق ، فجور .
لو معكَ مِنظار دقيق : لا تُشهد إنساناً موقفهُ طفلي , أو عندهُ موقف يتحجّم فيه , أو صَغُرَ من عينك , إلا بسبب أنهُ أشركَ في هذه اللحظة ، يعني شاهدَ إنساناً منه نفع فتملّقَ لهُ , تملّق ، مدح ، كَذَب ، بالَغ ، تكلّم على غير قناعةٍ , صَغُرَ في نَظَرِكَ, لأنهُ أشرك , أبداً , فلن تَصِلَ إلى أعلى مقام إلا بالتوحيد ، وحُسبُكَ أنَّ اللهَ عزّ وجل جعلَ فحوى رسالات الأنبياءِ كُلهم :
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
أقول لكَ : إنَّ الدين كُلهُ معرفة ، عبادة ، سعادة , طيب العِبادة لن تكون إلا بالمعرفة , والعبادة من لوازمها الحتمية السعادة , فربُنا اكتفى بها .
في نقطة مهمة جداً : التوبة عِلم ، ندم ، إقلاع ، عمل . قالَ النبي : الندمُ توبة .
طيب : لماذا لم يقل الثلاثة ، لِمَ اكتفى بواحدة ؟ قالَ : لأنَ هذا الندم لن يكونَ إلا بالعِلم , وأن لا بُدَ من أن يُولّدِ العمل ، فما دام هوَ مُعلّق على شيء , ومن لوازمهُ شيء نكتفي بهِ ، لذلك قالَ اللهُ عزّ وجل : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
لم يحك المعرفة , العبادة لا بُدَ لها من معرفة ، العبادة لا بُدَ من أن تنتهي بالسعادة .
هذا الذي أتمنى أن يكونَ بينَ أيديكم في هذا الدرس هوَ :
أنَ الشِرك أكبرٌ وأصغر .
الأكبر فاضح وغير فاضح .
الأصغر مما ابتليَ بهِ المؤمنون , لكن كُل مؤمن لهُ مستوى من الشِرك ، في مؤمن قلَّ ما يوحّد ، وفي مؤمن قلَّ ما يُشرك , لكن في شرك أصغر .
يعني : الأم التي تعتني بابنها , أو تمنح ابنها كُلَ حُبها , مع أنهُ مُقيم على معصية , هذا فيه شيء من الشِرك ، لمّا أنتَ صديقُكَ لا يُصلي , أو ترك الصلاة , وأنتَ لم تهتم , لأن هناك مصلحة مشتركة , هذا شِرك , أمّا إذا كُنتَ مُوحّداً لا تأخُذكَ في اللهِ لومةُ لائم .








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:36 PM   #33


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )

الموضوع : الكبائر





ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الواحد والثلاثين من دروس مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين، الحقيقة: في دروسٍ سابقة عِدّةَ, تحدثنا عن أنواع الذنوب، تحدثنا عن الإِثمِ والعدوان، وعن الفحشاء والمنكر، وعن أنواع الفِسق، وعن أنواع الشِرك، وعن أنواعِ الفجور، وعن أنواع الكُفر، وتحدثنا عن أعظم هذه الذنوب وهيَ: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, واليوم ننتقلُ إلى موضوعٍ جديد, من سلسلةِ هذه الموضوعات التي نقدّمها لكم, تمهيداً لأخطرِ موضوعٍ في حياة المؤمن, ألا وهوَ التوبة.
من مراحل التوبة :

ذكرتُ لكم سابقاً: أنَّ الإنسانَ لا يتوبُ من ذنبٍ لا يعلمهُ ذنباً، فأولُ مرحلةٍ من مراحل التوبة: أن تعرف ما الذنب؟ ما الشِرك الخفي؟ ما الكُفر؟ ما الفجور؟ ما الإثم؟ ما العدوان؟ ما الفحشاء؟ ما المُنكر؟ ما هذا الذنب العظيم: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم؟ فلن يتوبَ الإنسانُ من شيء, هوَ عِندَ اللهِ ذنبٌ عظيم, إلاّ إذا عَلِمَ خطورةَ هذا الذنب, وما يؤولُ إليه صاحبهُ, من عذابٍ في الدنيا, وشقاءٍ في الآخرة.
ففي سلسةِ هذه الموضوعات التي تنتهي إن شاء الله تعالى بموضوع التوبة, نحنُ اليوم مع موضوع الكبائر، وقبلَ أن أخوضَ في تفاصيل هذا الموضوع, لا بُدَ من بعض الأمثلة:
ترتكب مخالفة سير، العملية تتراوح بين مبلغٍ يسير, أو حجز السيارة أسبوع أو أسبوعين, أو سحب شهادة, أو ما إلى ذلك ....., لكن حياتك سليمة, ترتكب مخالفة تُكلّف شهرين سجن، ترتكب مخالفة ثلاث سنوات، تزوير وثيقة رسمية ست سنوات, كتم معلومات ست سنوات، جريمة قتل خمس وعشرون سنة، خيانة عظمى إعدام, أليسَ كذلك؟ .
في كُل مجتمع بشري أنظمة وقوانين, بعضُها خفيف بعضُها جنحة، بعضها جناية وبعضها جريمة، وفي مخالفات مدنيّة وفي مخالفات جزائية، هكذا, كذلك: من السذاجة أن تظنَ أنَّ كُلَ معصيةٍ معصية، هُناكَ معصيةٌ تستطيع أن تقول: يا رب ندِمتُ على فِعلِ هذا, تشعر أنَّ اللهَ غفرَ لك، هُناكَ معصيةٌ لا تستطيع أن تتوب منها بهذه السهولة, لا بُدَ من دفعِ مبلغٍ كبير, لا بُدَ من ترميم, لا بُدَ من فعلٍ كبير يُغطي هذه المعصية، لكن أخطر فكرة أتمنى عليكم أن تكونَ بينَ أيديكم: هوَ أنهُ من السذاجةِ أن تظن أنكَ إذا عَصيت تتوب, بابُ التوبةِ مفتوح, واللهُ غفورٌ رحيم:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الحجر الآية: 49]
والقضية سهلة, هُنا الخطورة, كُلما كَبُرَ الذنب صَعُبَ عليك أن تتوبَ منه, بالضبط: كُلما كَبُرَ الذنب صَعُبَ عليك أن تتوبَ منه, لا تظن أنَّ الذنب كما لو أنكَ تمشي على الرصيف نزلتَ من على الرصيف ثمَ عُدتَ إليه, لا, هذه فِكرة ساذجة، هُناك معاصٍ تُبعِدُكَ عن الله إبعاداً كبيراً، هُناك معاصٍ يُحسُ صاحِبُها أنهُ ملعون وبعيد عن رحمة الله، هذه الفِكرة الخطيرة هيَ مِحورُ هذا الدرس, هُناك كبائر، وهُناك صغائر، الصغائر التوبةُ منها سهلة.
على مستوى مركبة: هُناك حادث يُصلّح في ساعة يُكلّفُكَ مئة ليرة, في حادث يُكلّف مئتي ألف، في حادث تُصبح المركبةُ قطعتين، أو تُصبحُ مسطحةً تحتاج إلى مئات بل إلى قريب من مليون ليرة إصلاح, مِثلُ هذه السيارة كُلهُ حوادث, لا, في حادث طفيف، حادث أكبر، أكبر، فالكبائر محور هذا الدرس.
من الكبائر :
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 31]
يظلُ المُسلمُ بخير ما لم يسفك دماً، الزِنا كبيرة، شُربُ الخمرِ كبيرة، السرقةُ كبيرة، القتلُ كبيرة، قذفُ امرأةٍ محصنةٍ كبيرة، فلذلك موضوعُ هذا الدرس: الكبائر, لا شك أنَّ هذا الموضوع خِلافي, معنى خِلافي: أي أنَّ السلفَ الصالح اختلفوا في تحديد الكبائر من سبعة إلى سبعين إلى سبعمئة.
على كُلٍ؛ في كتاب مشهور اسمهُ: الكبائر للإمام الذهبي, عد فيهِ سبعين كبيرة طبعاً استنبطها من كتاب الله ومن سُنةِ رسولِ الله ومن الآثار الصحيحة، نحنُ الآن مع النصوص المُحكمةِ مع كتاب الله, ومع سُنّةِ رسولِ الله في الصحيحين, وهوَ أعلى أنواع الحديث. 1-اليمين الغموس:

من حديثِ الشعبيّ: عن عبدِ الله بن عَمر, عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ:
((الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
اليمين الغموس: أن تحلِفَ باللهِ عن قضيةٍ سابقةٍ أنكَ ما أخذتَ هذا المبلغ وقد أخذتهُ ، يعني حينما تحلِفُ باللهِ لتأكُلَ حقَ مُسلِمٍ, فهذا اليمين اسمهُ: اليمين الغموس, وسُمي غموساً: لأنهُ يغمِسُ صاحبهُ في النار, وهذا اليمين الغموس لا كفارةَ لهُ, لأنكَ إن حلفتهُ خرجتَ من الإسلام, تحتاج إلى تجديد إسلامِك, وإلى تجديد إيمانِك.
2- عقوق الوالدين:

روي عن أنس رضي اللّه عنه قال:
((ذكر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الكبائر، فقال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
لذلك أنصحكم جميعاً: ألاّ تُشارك عاقّاً لوالديه, لأنهُ لا خيرَ فيهِ لوالديه, أيمكنُ أن يكونَ فيه خيرٌ لكَ؟ من باب أولى: أقربُ الناسِ إليه والداه, أولُ من أسدى لهُ معروفاً والداه, فإذا كانَ الإنسانُ عاقّاً لوالديه فلا خيرَ فيه، لذلك: ليعمل العاقُ ما شاءَ أن يعمل, فلن يدخُلَ الجنة، الإشراكُ بالله, وعقوق الوالدين, وقتلُ النفسِ طبعاً, قتلُ النفسِ بغير حق, لمّا القاضي يُمضي حُكماً بإعدام القاتل, هذا قتل نفس, لكن هذا بالحق, والقتلُ -كما قيل- أنفى للقتل:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 179]
3- الإشراك بالله وقتل النفس بغير الحق:

أمّا إذا قُلنا: القتل نقصد بهِ بغير الحق, طبعاً قتلُ النفسِ بالحق من خصائص الحاكم فقط، قتلُ النفسِ بالحق من اختصاص أُولي أمرِ فقط, ولا يستطيع آحادُ المسلمين أن يُقيموا هذا الحد، لا حد القتل, ولا حد الرجم، ولا أيّ حد من الحدود، الحدود منوطةٌ بالحاكِمِ المُسلم دفعاً للفوضى.
إذاً: الإشراكُ بالله، عقوق الوالدين، قتلُ النفسِ، اليمين الغموس.
في الصحيحين معطوفة على في الصحيحين، وفيهما عن عبدِ الرحمن بن أبي بكرَ, عن أبيه, عن النبي صلى الله عليه وسلم:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ, عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا, فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ, قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ))
لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يُحب أن تضيعَ الحقوق ولا يُحبُ الذُل. وقد وردَ في الأثر:
((أنَّ عدل ساعةٍ خيرٌ من عِبادةِ سبعينَ عاماً))
سبعون سنة تعبد الله خيرٌ من كُلِ هذه العِبادة, أن تَعدِل, لأنَّ اللهَ هوَ العدل, ويُحب العدل.

وقد شكا حجرٌ إلى اللهِ عزّ وجل, قال: ((يا ربي عبدُتكَ خمسينَ عاماً, وتضعني في أُسِ كنيف –بيت الخلاء وضعتني يا ربي-, فقيلَ له: تأدب يا حجر, إذ لم أجعلكَ في مجلسِ قاضٍ ظالم))
يعني في هذا المكان في الكنيف, أشرفُ لكَ ألفُ مرة من أن تكونَ في مجلسِ قاضٍ ظالم، وكُل واحد منا قاضٍ، أحياناً قاضٍ بين أولادك، بينَ شركائك، بينَ جيرانك، ليسَ شرطاً أن يكونَ في الحياةِ منصِبُكَ القضاء, لا, حينما يُحتكمُ إليك فأنتَ قاضٍ.
عدلُ ساعةِ خيرُ من عبادةِ سبعينَ عاماً.
وهذا الذي دخلَ إلى بيت, وقتلَ الرجل, وقال لزوجتهِ: أعطني كُلَ ما عِندكِ, أعطتهُ سبعة دنانير ذهبية, فقتلَ ابنها الأول, فلما رأتهُ جاداً في قتل الثاني, أعطتهًُ مذهبةً, أعجبتهُ جداً, فإذا عليهُما بيتان من الشعر قرأهُما فأُغميَ عليه: إذا جارَ الأميرُ وحاجبـاهُ وقاضِ الأرضِ أسرفَ في القضاءِ
فويـلٌ ثمَ ويـلٌ ثمَ ويـلٌ لقاضِ الأرضِ من قاض السمـاءِ
وأنا أقول لكم هذا الكلام: p ويلٌ ثمَ ويــلٌ ثمَ ويـلٌ لقاض الأرضِ من قاض الســماءِ
ويلٌ لإنسانٍ ظلمَ مخلوقاَ ضعيفاً.
((اتقوا دعوة المظلوم ولو كانَ كافراً))
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ:
((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاثًا؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ, وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ, وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا, فَقَالَ: أَلا وَقَوْلُ الزُّورِ, قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ))
عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ, قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ, ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ, قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
أن تقول: فُلان يُعطيني، وفُلان يؤذيني، وفُلان يُبعدني، وفُلان كُل آمالي مُعلّقةٌ عليه:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 151]
4- الزنا:

لأنَّ الزِنا كبيرة, أما أن تزني بامرأةِ جارِك, فهذا من أكبر الكبائر، لذلك: النبي عليه الصلاة والسلام بلغهُ أنَّ رجلاً سافر, وأوصى جاره بأهلهِ, فزنا بزوجةِ جارهِ, ومن أغربِ الصُدف: أنَّ كلبَ جارهِ قتلهُ, فقالَ عليه الصلاة والسلام: خانَ صاحبهُ, والكلبُ قتلهُ, والكلبُ خيرٌ منه.
عنترة العبسي في الجاهلية كان يقول:
وأغضُ طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
فأنزلَ اللهُ تعالى تصديقَ قول النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 68]
وفي الصحيحين: من حديث أبي هريرةَ رضيَ اللهَ عنهُ, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ, قلنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ, وَالسِّحْرُ, وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ, وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ, وَأَكْلُ الرِّبَا, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ, وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
((من سحرَ فقد كَفر))
((من أتى ساحراً فلم يُصدّقهُ, لم تُقبل لهُ صلاةُ أربعين صباحاً, ولا دعاءُ أربعينَ ليلة, من أتى كاهناً فصدقهُ فقد كفر بما أُنزلَ على محمد))
ربنا عزّ وجل يقول في آية رائعة جداً, في سورة التكوير:
﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 8-9]
يعني كُل مخلوق يُقتل بِلا سبب حتى العصفور, لو قتلتَ عصفوراً لغير مأكلةٍ, جاءَ يومَ القيامةِ ولهُ دويٌ كدويّ النحل, يقول: يا ربي سلهُ لِم قتلن؟
لذلك: الصيدُ دونِ حاجةٍ إلى طعامٍ مضطرٍ لهُ حرام, لأنهُ قتلُ نفسٍ بغير حق, وإتلافُ مالٍ, ومخالفةُ أمرٍ.
5- أكل أموال اليتامى:

اللهُ عزّ وجل لم يقُل: ولا تأكلوا أموال اليتامى, قال:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 34]
تقربوا أبلغ, يعني إيّاكَ أن يختلط مالكَ بمالهِ، فإذا اختلطَ مالهُ بمالك, ربما أخذتَ منهُ وأنتَ لا تشعر, وأنتَ لا تدري, فافرز ماله جانباً, ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ: الهروب من لقاء العدو هذه كبيرة، "وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ: قذفُ مُحصنةٍ يهدمُ عملَ مئة سنة، الإشراك، عقوق الوالدين، قتلُ النفس، اليمين الغموس، أُضيفَ لها في الحديث الثاني: قولُ الزور، أُضيفَ لها في الحديث الثالث: أن تُزاني حليلة جارك، وأن تقتلَ ولدكَ مخافةَ أن يأكلَ معك، أُضيفَ لها في الحديث الرابع: الشِركُ, وأكلُ الرِبا, وأكلُ مال اليتيم, والتوليّ يومَ الزحفِ, وقذفُ المحصنات الغافلات المؤمنات.
6- أن يسب المرء والديه:
وروى شُعبة, عن سعدِ بنِ إبراهيم, سمعتُ حميدَ بنِ عبد الرحمن يُحدّثُ عن عبدِ الله بن عمرٍ رضيَ الله عنهُما, عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ, قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ, وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ))
طبعاً: أن يَسُبَ الرجلُ والديه كبيرة جداً, لكن وكأنَ للنبي عليه الصلاة والسلام يوجهها توجيهاً آخر, قال: وكيفَ يَسُبُ الرجل والديه؟ الأب مُقدّس جداً, حتى إن أكبرَ سُبّةٍ في الأدب العربي في الجاهلية, أن تقول لخصمِكَ: لا أبا لك. سئمتُ تكاليفَ الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لكَ يسأمِ
يعني إذا أردتَ أن تَسُبَ إنساناً, قُل لهُ: لا أبَ لك, أنتَ بِلا أب, لمّا ربنا عزّ وجل قال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 24]
بدأَ بالأب, لأنَّ الأب موطن الاعتزاز الاجتماعي.
((أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ, قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ, وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ))
يعني: إذا أسأتَ للناس حتى حملتهم على أن يَسُبوا الأب, فكأنكَ أنتَ سببتَ أباك, كلام واضح كالشمس.7- النهش في أعراض الناس:

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم قال:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ, وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ))
نهش في أعراض الناس، تتحدث عنهم بغير حق، دون دليل، دون تثبّت، دون تأكد، قصة تُروّجها للتسلية، تتهمهُ في دينهِ وهوَ بريء، تتهمهُ في ذِمتهُ وهوَ بريء، تتهمهُ في عِرضهِ وهوَ بريء هكذا ....., خطب من عِندنا, وتزوج من أخرى, لا بُدَ من أن نُجرّحهُ, يا أخي هذا لا يجوز, نتهمه بدينه، وندعي أنهُ يشرب, أمتأكدٌ أنهُ يشرب؟ لأنَّ الخطبة لم تنجح, زعمنا أنه يشرب، يُجرّح بِلا سبب، بِلا دليل، بِلا تأكيد، بِلا بينّة، يُتهمُ في عقلهِ، يُتهمُ في دينهِ، يُتهمُ في أخلاقهِ, هذه من أكبر الكبائر. والمشكلة أيها الأخوة: هذا الذي اتهمتهُ وهوَ بريء, اسمعوا مني: في عِندك حل واحد في الدنيا, حل واحد: أن تذهبَ إليه, وأن تعتذرَ منهُ, وأن تطلبَ منهُ السماح, وأن تعقِدَ جلسةً أخرى كالتي عقدتها من قبل, وأن تذكُرَ ذلكَ للناس حتى تنجوَ من عذاب الله, وإلا يأتي يومَ القيامة, فيأخذ من حسناتك, ويعطيكَ من سيئاتهِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ, قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي, مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ, فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ, فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))
أقول لكم هذا الكلام, وأنا أعني ما أقول: إذا كان سبقَ وأن اغتبتَ, سارع إليه, واعتذرَ منهُ, واعقد جلسةَ مشابهةً للذي تكلمتَ فيها, واذكر للناس أنك تكلّمت بحق فُلان كلاماً غيرَ صحيح, وأنك تعتذر منهُ, وهوَ منهُ بريء, وإلا سوفَ يأخذُ من حسناتِك, وسوفَ يطرحُ عليكَ سيئاته, انتبه.
إنَّ من أكبر الكبائر: استطالة الرجل في عِرضِ أخيه المسلم بغير حق.
لستَ متأكداً, فكيفَ إذا كفّرتهُ بِلا سبب؟ كُلما خالفَ رأيهُ رأيكَ تُكفرّهُ، كُلما خالفَ اجتهادهُ اجتهادكَ تُكفّرهُ، يعني إذا قُلتَ: يا رسولَ الله, فأنت مُشرك.
إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ.8- الأمن من مكر الله:
الآن: عن الصحابة, وعن عبد الله بن مسعود قالَ: أكبر الكبائر: الشِركُ بالله، والأمن من مكرِ الله.
مُقيم على معصية، مُقيم على دخل حرام، مُقيم على اختلاط لا يُرضي الله، لكَ علاقاتٌ من وراءِ زوجتك لا تدري بها، وتُصلي, أنتَ ماذا تفعل؟ أنتَ آمنٌ من مكرِ الله؟ يعني الله عزّ وجل هكذا يدعُكَ تَغُشُ الناس!:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
هكذا ببساطة: تزور هذا البيت, وليست زيارتك بريئة, وتدّعي أنكَ مُسلم, وأنكَ تُصلي, والمسبحة بيدك، تُتمتم دائماً: لا إله إلا الله, سبحان الله!؟ لا بُدَ من أن تُكشف, ولا بُد من أن تُفتضح.
9- القنوط من رحمة الله:

لذلك: أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئٍ, أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ الْجَنْبِيَّ, حَدَّثَهُ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
((ثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ, وَعَصَى إِمَامَهُ, وَمَاتَ عَاصِيًا, وَأَمَةٌ أَوْ عَبْدٌ أَبَقَ فَمَاتَ, وَامْرَأَةٌ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا, قَدْ كَفَاهَا مُؤْنَةَ الدُّنْيَا فَتَبَرَّجَتْ بَعْدَهُ, فَلا تَسْأَلْ عَنْهُمْ, وَثَلاثَةٌ لا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رِدَاءَهُ, فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ, وَإِزَارَهُ الْعِزَّةُ, وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ, وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ))
يوجد أمل, ألا يقدر الله عزّ وجل أن يُخلّصكَ مما أنتَ فيه؟ أي هذا المرض: ألا يستطيع الله عزّ وجل أن يشفيكَ منهُ؟ هذا هوَ المرض الخطير، ليسَ مرضهُ العُضال, لكنَ المرضَ يأسهُ من رحمة الله, أين؟: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
واليأسُ من روحِ الله، اليأسُ والقنوطُ من الكبائر، لا أمل في الزواج, لا يوجد عِندي بيت ودخلي لا يكفيني، هل هذه المشكلة تستعصي على الله عزّ وجل؟ أو يفهم الأمور أنهُ جِهاد بالعالم, يفعلون ما يريدون, وكُلُ هذه الشعوب لِخدمتهم, أينَ الله عزّ وجل؟ هذا كلام فيه يأس, هذا فيه قنوط، القنوط من رحمة الله، واليأسُ من روح الله، والأمنُ من مكر الله، والشِرك من الكبائر.
10- الإصرار على الصغائر يحولها لكبائر:
قالَ سعيد بن جبير: سألَ رجلٌ ابن عباس عن الكبائر: أسبعٌ هُم؟ قالَ: هُنَ إلى السبعمئة أقرب, إلا أنهُ لا كبيرةَ مع الاستغفار, ولا صغيرة مع الإصرار.

يعني: إذا كُنتَ مُصرّاً على مصافحة امرأةٍ أجنبيةٍ, دائماً ليسَ فيها شيء, معَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إني لا أُصافح النساء))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
مُصافحة المرأة الأجنبية إذا أصررتَ عليها, وأكّدتَ إباحتها, وهيَ محرّمةٌ بنص الحديث الشريف, هذه كبيرة، والكبيرة نفسها لو تُبتَ منها أصبحت صغيرة.
لا كبيرةَ مع الاستغفار, ولا صغيرة مع الإصرار.
يعني مثل سريع أضرِبهُ كثيراً: الطريق عريض, وعلى يمينهِ وادٍ سحيق, عرضهُ ستون متر, وأنت في الوسط, وتقود مركبة، حرفُ المِقودِ تسعونَ درجةً فجأةً, هذه كبيرة, لماذا؟ لأنها تودي إلى الوادي بسرعة, أمّا لو انحرف سنتيمتراً واحداً, وثبتَ هذا السنتيمتر بعد مئة متر, سيقع بالوادي, إذا أصررتَ على الصغيرة, انقلبت إلى كبيرة.

سُميت صغيرة؛ لأنهُ يسهُل الاستغفار منها مباشرة, عادت إلى مكانها، لكن إذا أصررت, وما دام مُصِر, ففي الآخرة على الوادي.
لا صغيرة مع الإصرار, ولا كبيرةَ مع الاستغفار.
وقالَ هذا الصحابي الجليل: كُلُ شيء عُصيَ اللهُ بهِ فهوَ كبيرة. الدليل: لا تنظر إلى صِغر الذنب, ولكن انظر على من اجترأت.
كُلُ شيء عُصيَ اللهُ بهِ كبيرة.
من عَمِلَ شيئاً منها فليستغفر اللهَ, فإنَّ اللهَ لا يُخلّدُ في النارِ, إلا من كانَ راجعاً عن الإسلام, أو جاحداً فريضةً, أو مُكذباً بالقدر.
أمّا كُل ذنب يمكن أن تتوبَ منهُ.
وقد قالَ عبد الله بن مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: ما نهى اللهُ عنه في سورة النساء من أولِها إلى قولِهِ تعالى:
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 31]
كيفَ استنبط العلماء الكبائر؟ :
الآن السؤال الكبير: كيفَ استنبطَ العلماء الكبائر؟ فهذا الجواب, جواب أحد العلماء قالَ: كُل ذنبٍ ختمهُ اللهُ بنارٍ, أو بغضبٍ, أو لعنةٍ, أو عذابٍ.
اقرأ أنتَ القرآن:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 7]
كبيرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 57]
كبيرة: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
[سورة الفتح الآية: 6]
كبيرة: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 8]
كبيرة, أيُّ ذنبٍ خُتمَ بنارٍ, أو بغضبٍ, أو لعنةٍ, أو عذابٍ هوَ كبيرة.
تعريف الكبيرة :
في تعريف آخر للكبيرة: هي ما أوعدَ اللهُ عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة:

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة المائدة الآية: 38]
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة النور الآية: 2]
أيُّ ذنبٍ في القرآن الكريم, أوعدَ اللهُ به حدّاً في الدنيا, أو عذاباً في الآخرة, فهوَ كبيرة.
تعريف ثالث: ما سمّاهُ اللهُ في القرآن كبيراً فهوَ كبيرة:
﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 2]
﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 2]
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة لقمان الآية: 13]
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾
[سورة يوسف الآية: 28]
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 16]
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
أيّةُ كلمةٍ في القرآن عظيم كبير، كبير عظيم، فهذا يعني أنَّ هذا الذنبَ من الكبائر.
11- الابتداع في الدين:

ومن أكبر الكبائر: أن تبتدعَ في الدينِ ما ليسَ فيه، لأنَّ المُذنب يتوب من الذنب, أمّا المُبتدع يرى أنهُ على صواب، المُبتدع الذي جاءَ بعقيدةٍ لا أصلَ لها، أو بسلوكٍ لا أصلَ لهُ، أو نهى عن شيء أباحهُ الله، أو أمرَ بشيء حرّمهُ الله، أو حَرَفَ العقيدة وفقَ أهوائهِ ومصالحهِ, كُلُ من جاءَ بشيء ليسَ من الدينِ فهوَ مُبتدع, والمُبتدع هوَ من أكبر الكبائر, هوَ نفسهُ كبيرة, التعليل, قال: لأنَّ البِدعة لا يُتابُ منها, والمعصيةَ يُتاب منها.
إذا إنسان يعتقد أنَّ هذا العمل غلط ونفسهُ غلبتهُ, أغلب الظن أنهُ يتوب منه إن عاجلاً أو آجلاً, لكن إذا اعتقد أنه لا يوجد شيء, كيفَ يتوب منه؟ إذا اعتقدَ اعتقاداَ قطعيّاً أنَ هذا الشيء مُباح, أو أنَّ هذه الفكرة صحيحة, هذا لا يتوب منها:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾
[سورة الكهف الآية: 103-104]
لذلك: المُبتدع لا توبة لهُ, لأنهُ لن يتوب. قال: كلُ ذنبٍ عليه عقوبةٌ في الدنيا مشروعةٌ محدودةٌ؛ كالزِنا, وشُربِ الخمرِ, والسرقةِ, والقذفِ, أو عليه وعيدٌ في الآخرة كأكلِ مال اليتيم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 10]
هذه كبيرة, والشربُ في آنية الفضةِ والذهبِ، وقتلُ الإنسانِ نفسهُ كبيرة، وخيانته أمانتهُ ونحو ذلك, هذه كُلُها كبائر.
عَرفنا ما الكبيرة؟ فيها كلمة عظيم، فيها لعن، فيها غضب، فيها وعيد بالنار، والذي جاء في الحديث الشريف، الإمام الذهبي جمعها سبعينَ كبيرة, وأتمنى على الله عزّ وجل أن يحتاطَ الإنسانَ, وأن يعرفَ بالضبط ما الكبائر حتى لا يقعَ فيها.
قال: المُحسن من إكرام الله لهُ: إذا زلّت قدمهُ, حسناتهُ تشفعُ لهُ.
فإذا الإنسان وقع في مأزق, النبي علّمنا الدعاء: يا رب, إن كُنتُ فعلتُ هذا العمل خالصاً لوجهك ففرّج عني الآن, معناها الإنسان: لهُ أن يتوسل إلى اللهِ عزّ وجل بأعمالهِ الصالحة السابقة.
قالَ لي تاجر من تجّار الغنم الكِبار: كُنتُ في البادية مع قطيع غنم اشتريتهُ -قصة قديمة-, قالَ لي: وضللنا الطريق, وأصابنا عطشٌ شديد, كِدتُ أهلكُ أنا ومالي, فصليت ركعتين, وقُلتُ لهُ: يا رب, مرة راودتني امراةٌ عن نفسها فعففت وخفتك, يا رب إن كُنت تركتها خشيئةً منك فأنقذنا الآن, وما هوَ إلا وقتٌ قصير, حتى رأى بدوياً, دلّهُ على مكانٍ فيه ماء.
فمنَ السُنّة الإنسان أن يتوسل إلى الله عزّ وجل بصالح عملهِ.
12- عدم الخوف من الله والاستهانة مع الصغيرة تلحقها بالكبيرة:
في نقطة مهمة جداً سأقرؤها لكم بدقة, قال: الكبيرة التي يقترن بها حياءٌ وخوفٌ واستعظامٌ، -إذا اقترنَ بها حياءٌ من الله وخوف واستعظام لِما فعل, قال-: هذه الكبيرة تُلحق بالصغائر, والصغيرةُ إذا اقترنَ بها قِلةُ حياءٍ, وعدم مبالاة, وترك الخوف والاستهانة, تُلحق بالكبائر.
وهذه الكلمة يقولها معظم الناس: ماذا فعلنا يا أخي؟ إذا نظرنا ماذا يحصل؟ أكلناها. الله عزّ وجل قال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]
أنتَ حينما نظرت, ونفسكَ غَلبَتَكَ, واستحييت من الله, وبادرتَ إلى التوبة, وتصدقت, فالله يجعلُها صغيرة، أما إذا قُلت: ماذا صنعت؟ أين نذهب بأعيننا؟ هذا استخفاف بأمر الله عزّ وجل, معَ أنَّ اللهَ عزّ وجل لا يُكلّفُ نفساً إلا وسعها، استخفاف بأمر الله.
الكبيرة مع الحياء تلحق بالصغائر:
فإذا الكبيرة اقترنت بالحياء, والخوف, والاستعظام تُلحقُ بالصغائر، فإذا الصغيرةُ اقترنت بقلةِ الحياءِ, وعدم المبالاة, وترك الخوف, والاستهانة بها تُلحقُ بالكبائر. سيدنا يونس -كما تعلمون-, حينما ضَجِرَ من قومِهِ وتركهم, فكأنهُ بشكل أو بآخر تخلّى عن رسالتهِ, فربُنا عزّ وجل جعلهُ في بطن الحوت, لكن بعدَ أن أنقذهُ, قال:
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 143-144]

إذاً: تسبيحهُ السابق شَفعَ لهُ هذه الذلّة, أرجو الله أن أكونَ مصيباً في قولي, يعني المؤمن غالٍ على الله, إذا لكَ سابقة فضل، لكَ ماضٍ مجيد معَ الله، لكَ جهادك في سبيل الله, جِهاد نفسك وهواك، تُبذل، تُنفق من مالك، فإذا عثرت, فالله سبحانهُ وتعالى يجبرُ عثرات الكِرام؛ ماضيك المُشرّف، طاعتكَ المديدة، حُبك لله عزّ وجل، إنفاقك في سبيل الله، هذا يشفعُ لكَ عِندَ الله, بمعنى أنهُ يُقيلُ عِثارك إذا زلّت قدمُك -لا سمح الله-, لا يتخلى الله عنك, هذا الماضي الطيب, يدعو إلى أن يتولى اللهُ معالجتك معالجة دقيقة.
أحياناً: الإنسان يغلط, فيسوق الله من الشدائد ما يحملهُ على التوبة, ليسَ ذلكَ إلا لكرامة العبد على ربه.
إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ عدّلَ لهُ بالعقوبة.
يعني أنتَ إمّا أن تكون مُهملاً من قِبل الله عزّ وجل, وإمّا أن تكونَ في العناية المشددة، فإذا لك ماضٍ طيب، فيه صدق مع الله، فيه عبادة إلى الله، فيه خدمة الناس، فيه معرفة كتاب الله, هذا الماضي, هذا الذي يدعو إلى أن تكونَ في العناية المشددة, ليسَ معناها لا تُعاقب, لكن الله عزّ وجل لا يتخلّى عنك، ما دُمت قد سبقت منكَ الحُسنى, فلا بُد من أن يتولى اللهُ معالجتك, هذا استُنبط من قوله تعالى:
﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
قول لا إله إلا الله دون عمل لا تدخل الجنة:
في نقطة مهمة جداً, أتمنى على الله عزّ وجل أن تنكشفَ لنا جميعاً.
يوجد أحاديث كثيرة مُفادُها: أنهُ من قال لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة.
ففي أشخاص مُغرِضون, يفهمون هذا الحديث على غير ما أرادهُ النبي، يفهمونَ هذا الحديث أنهُ قُل: لا إلهَ إلا الله وانتهى الأمر, فكُل الذنوب مغفورة، كُلُّ الانحرافات مستورة، لا , المعنى أعمق بكثير.
المعنى: كلمة لا إلهَ إلا الله نور, نور ساطع, بشكل مادي: إنسان معهُ مصباحٌ منير, والطريق مُظلم, في بالطريق حُفر, وفي أكمات، في أفاعٍ، في ثمرات، في أحجار، في أشواك ، إنسان سوي, وعاقل, وبالغ, وراشد, ومُدرك, وبصرهُ حاد, ومعهُ مصباحٌ منير, أيُعقل أن أن يقعَ في الحفرة وهوَ يراها؟ لا يُعقل، أيُعقل أن يُمسكَ بالأفعى وهي أفعى؟ مستحيل، بمصباحِكَ المنير تتقي الحفرة، وتأكُلُ الثمرة، وتبتعدُ عن الشوك، وتقتلُ الأفعى.

إذاً: من قال لا إلهَ إلا الله نوّرت قلبهُ، فكيفَ يُغفرُ لأهلِ لا إلهَ إلا الله؟ لأنهم إذا قالوها فِعلاً لا يرتكبونَ ذنباً بهذا المعنى, ليسَ معناها أن ترتكبَ الذنوب, وأن تقول: لا إلهَ إلا الله, لا, هذا فهم ساذج، يعني:
لا إلهَ إلا الله حِصني, من دخلها أمِنَ من عذابي، لا إلهَ إلا الله نور في القلب.
الله ماذا قال؟ قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة التحريم الآية: 8]
﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
[سورة الحديد الآية: 12]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 28]
قال: هذا النور يُحرِقُ الشهوات والشُبُهات، كُلما اشتدَ النور أضاءَ ما حولهُ, ورأيتَ الحقَ حقاً والباطلَ باطلاً, رأيتَ كُلَ شيء.
يعني الإنسان مفطور على حُبِ ذاتهِ، سائق السيارة: أيُعقل أن يجد حفرة, والطريق مُعبّد, والحفرة عميقة أن ينزل فيها؟ مستحيل, إذا رآها فعلاً فهيَ لا إلهَ إلا الله, هذا التوحيد، نور في القلب، نورٌ يقذفهُ الله بالقلب, فإذا غُفر لأهل لا إله إلا الله, لأنهم وَقوا أنفسهم بهذا النور من أن يقعوا في ذنب, هذا هوَ المعنى.
كل حديث فيه "من قال" يعني من قال وعمل:
الشيء الثاني: الذي أتمناهُ عليكم: هوَ أنَّ كُلَ حديثٍ تقرؤونهُ فيه كلمة قال، من قالَ, من دعا، إيّاكم أن تظنوا أنكَ إذا قُلتَ بلسانك, قطفتَ ثِمارَ هذا الحديث، القول باللسان لا يُقدّمُ ولا يؤخّر, ولا يُغير شيئاً, ما لم يكن القلبُ حاضراً, والقلبُ خاشعاً، ما لم تكن في مستوى الحديث, في مستوى الدعاء, لن يؤثرَ الدعاء, ولن يؤثرَ القول, هذه حقيقة, مثلاً يقول لكَ: أنا عِندي وساوس, تأتيني كوابيس في الليل, أقول لهُ: ليسَ عِندي إلا حل واحد:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 200]
تقول: قلتها كثيراً ولم أستفد, أنتَ قُلتها بلسانك, إن لم تقلها وأنتَ حاضر القلب، وأنتَ مُدرِكُ لمعناها، إن لم تقلها وكأنها تجري في دمك, لن تقطفَ ثِمارَ هذا القول، فحيثما قرأتَ في السُنةِ, أنهُ من قال: لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة، من قال: سبحانكَ اللهم مئة مرة غُفرَ له.
يعني إذا سبحّتَ الله فعلاً, الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر, اذكرهن مليون مرة لا يحدثُ شيء، أمّا لو سبحّتَ اللهَ فعلاً, أي نزهّتهُ ومجدّتهُ, ولو وحّدتهُ سبحان الله، ولو حَمِدتهُ والحمدُ لله، ولو كبرّتهُ، أنتَ سبحّتهُ وحَمِدتهُ ووحّدتهُ وكبرّتهُ, فأنت تعرفه, وما دُمتَ تعرفهُ:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾
[سورة الكهف الآية: 46]
فالكلامُ يبقى كلاماً ما لم يكن القلبُ مواطئاً لهُ، وما لم يكن الخشوع ملامساُ لهُ، وما لم يكن الإدراك معنيّاً بهِ، فكل قول تقرؤهُ في الكتاب والسُنّة لا قيمةَ لهُ إلا إذا حضرَ القلبُ معك.
مثلاً: من قالَ في يومٍ: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ مئة مرة, حُطت عنهُ خطاياه, أو غُفرت ذنوبه.
الكلام صحيح بمعنى, وغلط بمعنى آخر، صحيح ما دُمت قد سبّحتَ الله فِعلاً, انتهى كُل شيء, فأنتَ عرفتهُ، أما إذا قُلت: سبحانَ الله, سُبحانَ الله, ومرّت امرأة ونظرت إليها, قلها مليون مرة لن تُقدّم ولن تؤخر، لا تكن شكليّاً أيها الأخ, ديننا أعظم من ذلك.
مستحيل أن تقبل جامعة, أن تعطيك إجازة بأن تقول إجازة مئات المرات، إجازة الليسانس أربع سنوات دراسة, وكل سنة فيها اثنتا عشرة مادة, وكل مادة فيها ثلاثون كتاب, ومراجع, وحلقات بحث, تحس وكأنك ذُبت ذوباناً بعد أربع سنوات، جامعة عادية لا بد فيها من دراسة, ومن مناهج, ومن كُتب, ومن امتحانات, معقول أن تقول: سبحان الله, ولم يعد هُناكَ ولا ذنب؟ هذا والله عمل سهل.
كُل مال حرام, وافعل ما تشاء, واذهب إلى أي مكان يُغضب الله عزّ وجل, وفي المساء يكفي أن تقول مئة مرة: سبحان الله, تحتاج إلى ربع ساعة, فالدين أعظم من ذلك، إذا وردَ معكَ بالسُنة كلمة من قال: سبحان الله, يعني قلبه تفطّر من تعظيم الله عزّ وجل، سبحان الله ودموعهُ على خدهِ، سبحان الله وجلدهُ مقشعّر، سبحان الله وقد عَزَمَ على التوبة فعلاً، من قالَ: سبحان الله, وفي معها توبة, ومعها خشوع, ومعها خشية لله, غُفرت لهُ كُلُ ذنوبهِ, فإيّاكم أن تفهموا هذه الأحاديث على ظاهرها، الأقوال وحدها لا قيمة لها، فبإمكان أيِّ إنسان مهما كانَ بعيداً عن الله أن يقولها.
كلما ارتفعت مرتبة الإنسان تصبح الصغائر في حقه كبائر:
بقيَ بحثٌ أخير: بالنسبة لكل إنسان لهُ ذنوب, يعني سيدنا ابراهيم أُمرَ أن يذبحَ ابنهُ, ماذا فعل؟ كُلما ارتفعت مرتبة الإنسان, تُصبحُ الصغائر في حقهِ كبائر, هُنا في نقطة جديدة:
يجوز أن أجد رجلاً في الأساس عاصياً, شارب خمر، زانياً، عندما تركَ الزِنا وترك الخمر, أُراه أصبح ولياً، هذا وليّ, لأنهُ ترك الزِنا والخمر فقط! لكن كُلما سِرتَ إلى الله, يمكن المؤمن الراقي يُعاتب على كلمة قالها، يُعاتب على نظرة نظرها؛ لذلك قالوا: حسناتُ الأبرار سيئات المُقرّبين.
سيدنا ابن رواحة ماذا فعل؟ عيّنهُ النبي عليه الصلاة والسلام قائداً رقم ثلاثة في معركة مؤتة, وأول قائد سيدنا زيد قُتل, وثاني قائد قُتل سيدنا جعفر, وجاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة, الموت سريع جداً تريّث, كانَ شاعراً قال:
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ
إن تفعلي فعلهُما رضيتِ وإن توليـتِ فـقد شـقيتِ
أخذَ الراية وقاتلَ بها حتى قُتل, ماذا عمل؟ ماتَ في سبيل الله، النبي عليه الصلاة والسلام قال: أخذَ الرايةَ أخوكم زيد, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامهُ في الجنة, ثم أخذَ الرايةَ أخوكم جعفر, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامهُ في الجنة, ثمَ سكتَ النبي عليه الصلاة والسلام, فلما سكتَ النبي, قَلِقَ أصحابهُ على عبد الله, قالوا: ما فعلَ عبدُ الله؟ قالَ: ثمَ أخذَ الراية أخوكم عبد الله, وقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى في مقامهِ ازوراراً عن صاحبيه، درجتهُ هَبَطت. مرة تكلّمتُ قصة نصفُها وقع, ونِصفُها أكملتهُ من عِندي, الذي وجدَ بالحاوية كيساً أسود يتحرك, فإذ به طفل مولود حديثاً, فأخذهُ وربّاه ... إلى آخره, أنا أكملتُها, خرجّهُ طبيباً, وقد زوجّهُ ابنتهُ, وأخذ له عيادة, صار من ألمع أطباء دمشق, فهذا الطبيب مرةً, رأى عمهُ يمشي في الطريق على قدمين, قالَ: يا فُلان أوصلني إلى البيت, ففكرَ أربع ثوانٍ, وقالَ لهُ: تفضل, هذه الأربع ثوانٍ بحق هذا الطبيب جريمة, أليسَ كذلك؟ كُنتَ في الحاوية, وانتشلكَ من الحاوية, وخرّجكَ طبيباً, تقول له: تفضل لكي أُوصلكَ, بعد تردد, التردد جريمة؛ فالإنسان كُلما علا مقامهُ, تصبح الصغائر في حقهِ كبائر.
ما الدرس الذي يجب أن نأخذه من غزوة حنين؟ :
ما فعلَ أصحاب رسول الله في حنين؟ هم كانوا ثلاثمئة, انتصروا بأُحد, بالخندق, الآن أصبحوا عشرة آلاف, أكبر قوة ضاربة في الجزيرة, فقالَ أحدهم: لن نُغلبَ اليومَ من قِلّة, فقط هذه الكلمة, قال:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
مباشرةً جاء العِقاب، حتى إنَّ النبيَ عليه الصلاة والسلام أمسكَ حفنة من تراب, وألقاها على وجوه الكفار, وقالَ: شاهت الوجوه:
أنا النبي لا كذب أنا ابنُ عبد المُطلب
عندها تماسك الصحابة, وألقى الله في قلوب أعدائهم الخوف وولوا مُدبرين.
الواحد في أول الإيمان يقول مليون كلمة, ولا يجري لهُ شيئاً.
الآن: اجلس مع واحد يقول لكَ: أنا ألف مرة أنا عملت، أنا كذا، أنا كذا، ما دام ترك الكبائر, يُهيئ لهُ الله معالجة لاحقة، فكُلما عَلا مقامك, تصبح الصغائر في حقِكَ كبائر.
يعني يجوز مؤمن ينظر نظرة بغير حق, فينحجب شهراً أو شهرين، يجوز أن يتكلّم كلمة لا تُرضي الله, فينحجب أربعة أسابيع، فإذا انحجبت لسبب صغير, معناها: مقامك كبير.مقامك كبير عند الله عندما يحجبك بسبب صغيرة:

دققوا في هذه الكلمة: إذا حُجبت لسببٍ صغير, معناها مقامك كبير.
منذ يومين زارنا أخ مع ابنه الصغير، سبحان الله! لم أنتبه للصغير, فقال لي: ابني أحبَ أن يُسلّم عليك, أكثر من يومين أو ثلاثة, وأنا متألم جداً وخجلان, كيفَ هذه تفوتني؟ أنا لم أنتبه لهُ، فالإنسان كلما شعر أنهُ انحجب بذنب, إن شاء الله عزّ وجل يكون قد غفر له، الإنسان إذا عرف ذنبه فيُحاسب حِساباً دقيقاً.
أحياناً: تتكلم كلمة, تمس واحداً, فتبقى شهراً محجوباً عن الله عزّ وجل, أيام ابتسامة تسبب لكَ الحجاب, فانتبه, كُلما عَلا مقامك, فالذنب الصغير يصبح في حقكَ كبيراً.
بعض العلماء قال: أنَّ سيدنا إبراهيم لهُ ابن نبي, فنحنُ إذا كان ابننا قد صلّى أمامنا صلاةً شكليّة, يطير عقلنا فرحاً به, نبي ابنٌ من أنبياء الله, يظهر تعلّق قلبه بابنه, قالَ لهُ: اذبحهُ, ماذا فعل؟ يجوز أي أب ابنه استقام, وصلّى, وأخلص, وأحبهُ, وانشغل به, فالله يكافئهُ على هذا العمل, أما الإنسان إذا علا مقامهُ جداً, يجب أن لا يتحوّلَ عن الله أبداً.
الخاتمة
على كُلٍ؛ نحنُ نعرف أن الإنسان إذا علا مقامهُ عِندَ الله, الشيء الصغير يحجبهُ عن الله فليدقق، يؤكدها:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
والمفسّرون قالوا: الفاحشة في حق نساء النبي: أن يُطالبن النبي بمصروف زائد.
يعني طبخة بالجمعتين مرة واحدة, هذا هو, يعني أحرجوه، هوَ يُحبُ أن يكونَ زاهداً متقشفاً, وهنَّ ضغطن عليه, فسماها الله فاحشة في حقهن, ومع ذلك: يُضاعف لها العذاب ضعفين. اسمعوا الآيات فقط:
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 74-75]
في قول إذا ذكرتهُ اقشعرَ جلدي, قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: هؤلاء الكُفار، هؤلاء الذين أخرجوك، هؤلاء الذينَ ائتمروا على قتلك، هؤلاء الذين نكلّوا بأصحابك، هؤلاء الذين ناصبوك العِداء عشرينَ عاماً، ها هم قد قُتِلوا مثّل بهم, فقالَ عليه الصلاة والسلام: لا أُمثلُ بهم فيُمثلَ اللهُ بي ولو كُنتُ نبياً.










والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:38 PM   #34


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : الصغائر







تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثاني والثلاثين من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين .
في الدروس السابقة القريبة : كانَ الحديثُ عن الشِرك وعن أنواعه ، وعن النِفاق وأنواعه ، وعن الفِسقِ وأنواعه ، وعن الكُفرِ وأنواعه ، وعن الذنبِ ، وعن الاثمِ والعدوان ، وعن الفحشاء والمُنكر ، وكانَ الدرس الأخير حولَ الكبائر .
وبقيَ علينا في هذا الدرس الحديثُ عن الصغائر .
أو عمّا يُسمى بمصطلح القرآن الكريم : اللمم .
أو ما يُسمى بمصطلح الحديث الشريف : المحقّرات من الذنوب .
وقبل أن نمضي في الحديثِ في هذا الموضوع , أضعُ بينَ أيديكم هذه المقدمة :
الكبيرة كبيرة تعرفونها من اسمها ، ولكن الصغيرة إذا أصررنا عليها , أعطت مفعولاً مساوياً للكبيرة ، يعني :
حينما ينقطع عنكَ التيار الرئيسي , مقدار ميليمتر , أو سنتيمتر , أو عشرة سنتيمتر ، أو متر , حصلَ انقطاع .
وما سُميت الصغيرةُ صغيرةً , إلا لأنهُ من المُمكن أن تتلافاها في وقتٍ قصير , وفي جهدٍ يسير , كالمثل الذي ضربتهُ لكم في الأسبوع الماضي :
من أنَّ الإنسانَ لو قادَ مركبةً على طريقٍ مستقيمٍ , وعريضٍ جداً , وعلى يمينهِ وادٍ سحيق , وحَرَفَ الِمقودَ انحرافاً يسيراً ، إنَّ هذا الانحراف بإمكانهِ أن يعيدهُ إلى ما كانَ عليه في وقتٍ قصير وفي جهدٍ يسير ، أمّا إذا حَرفَهُ تسعينَ درجةً , فلا بُد من أن تسقطَ المركبةُ في الوادي .
إلا أن المُشكلة والفِكرة : أنكَ إذا حرفتَ المِقودَ انحرافاً يسيراً , وثبّتَ هذا الانحراف , واستمرَ هذا الانحراف , لا بُد من أن تسقطَ في الوادي , كما لو أنكَ حرفتهُ تسعينَ درجة , هذا المثل معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( لا كبيرة مع الاستغفار , ولا صغيرة مع الإصرار ))
الذنبُ اليسير إذا استبحتهُ ، وإذا استصغرتهُ ، وإن لم تُبالِ بهِ , ولم تستغفر منه ، ولم تندم على فعلهِ , ولم تُحدّث نفسكَ بالتوبة منهُ , هذا الذنب الصغير هوَ في الحقيقةِ كبيرة من الكبائر , لأنهُ يقطع كالكبيرة , وما دامَ الإنسانُ قُطعَ عن الله عزّ وجل , فحدّث عن مشكلاتهِ ولا حرج .
أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء دقيق جداً , أتمنى أن يكونَ واضحاً بينكم :
الحقد خُلقٌ ذميم ، البُخل خُلقٌ ذميم ، الغضب خُلقٌ ذميم ، الاستعلاء خُلقٌ ذميم ، حُبُ الذات خُلقٌ ذميم .
لكن لا تستغرب ولا تتعجّب إذا قُلتُ لكَ ، هذه ليست أمراضاً , إنما هيَ أعراضُ مرضٍ واحد :
وهوَ البُعدُ عن الله عزّ وجل .
أقول لكَ : الناسُ رجُلان بعيدٌ وقريب ، موصولٌ ومقطوع ، مقبِلٌ ومُدبر ، المُقبل المتصل القريب , يتحلّى بمكارم الأخلاق , لأنَّ مكارم الأخلاق مخزونة عِندَ الله تعالى , فإذا أحبَّ اللهُ عبــداً منحهُ خُلُقاً حسناً ، واللؤم والبُخل والكِبر والاستعلاء وحُبُ الذات , إنما هيَ أعراضٌ لمرضٍ واحد , وهوَ البُعدُ عن الله عزّ وجل .
الذي يتمناهُ كُلُ إنسان, كما أنكَ حريصٌ حِرصاً بالغاً ولا حدودَ لهُ على سلامة جِسمك, ينبغي أن تكونَ حريصاً حِرصاً بالغاً ولا حدودَ لهُ على سلامةِ نفسك, وعلى سلامة قلبِك, لأنَّ الحقيقة الثابتة هوَ أنَّ أمراضَ الجِسمِ مهما تفاقمت، مهما كانت مؤلمةً، مهما كانت خطيرةً، تنتهي كُلُ آثارها عِندَ الموت، لكنَ الشيء الذي يُصعقُ لهُ الإنسان: أنَّ القلبِ وأمراضَ النفسِ وأنَّ أعراضَ الإعراض, تبدأُ آثارُها الخبيثة والمؤلمة بعدَ الموت، فالمرض الذي يبدأُ بعدَ الموت ويستمرُ إلى الأبد أشدُ, أم المرضُ الذي يستمرُ فترةً محدودةً وينتهي عِندَ الموت؟ لذلك قالَ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
من هذا المُنطلق: كانَ سيدنا عُمر رضيَّ اللهُ عنه, يقول لبعض أصحابهِ: فتعاهد قلبك, من هذا المُنطلق نتحدثُ عن الذنوب, الخطأ الكبير أن تكونَ واقعاً في ذنب وأنتَ لا تدري، أن يكونَ كسبُكَ حرام وأنتَ لا تدري، أن تكونَ منغمساً في انحرافٍ وأنتَ لا تدري.
الحقيقة: حينما تدري, هذه الدراية هيَ الخطوة الأولى في التوبة.
ضربتُ البارحة مثلاً: لو أنَّ طبيباً مختصّاً في الجراثيم, أُجبرَ في وضعٍ ما على أكل طعامٍ ملوّث, وأنَّ إنساناً جاهلاً لا يفقهُ شيئاً عن الجراثيم, أجبرَ مثلَ الطبيب على تناول مثل هذا الطعام، لماذا الطبيب يتألم ألماً شديداً, يتصور الكُزاز, يتصور الكوليرا, يتصور السِل, هذه الأمراض الخطيرة، الوبيلة، المضنية، المُتعبة؟ لأنهُ يرى في المخبر الجراثيم وأشكالهـا وأفعالها، وأعراض المريض؛ اصفرار وجهه وآلامهُ، المغص المِعوي، الإسهال الدائم، شحوب وجههُ، ضعف قِواه, إنهُ يرى بعينهِ إن في المِجهر في مختبرهِ, وإن في وجه المريض آلام، آثار المرض، ويعرفُ أنَّ هذا المرض بسببِ هذه الجراثيم، فإذا أُجبرَ الطبيب على تناول طعام ملّوث, يتألمُ ألماً شديداً, ويقلقُ قلقاً شديداً, ويعاني معاناة شديدة، أمّا الجاهل إذا أُجبرَ على أكل هذا الطعام الملّوث, لأنهُ جاهل لا يتألم, يقول لكَ: سمِ بالله وكُل, هذا لا يتألم، لذلك قالَ الشاعر:
ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ وأخو الجهالة في الشقاوةِ ينعمُ
سألني البارحة أخ كريم: أنَّ المؤمن دائماً متألم، دائماً قلق، خائف على نفسه، خائف على مكانتهِ عِندَ الله، لعلَّ اللهَ ليسَ راضياً عنه, يا ترى عملهُ مقبول أم غير مقبول؟ نيّتهُ عالية؟ نيّتهُ دنيوية؟ يا ترى عملهُ صحيح وفق السُنّة أم خِلاف السُنّة؟ دخلهُ حرام أم حلال أم فيهِ شُبُهة؟ هذه المُقلِقات التي تنتاب المؤمن, لماذا؟ ولماذا أهلُ الدنيا ساهونَ لاهونَ غارقون في ملذاتهم كأنكَ تشعر أنهم ليسوا متألمين؟ قُلتُ لهُ: ألم أقل لكم في درسٍ سابق: إنَّ المنافق يستمرُ على حالٍ واحدة أربعينَ عاماً, وأنَّ المؤمن يتقلُّب في اليوم الواحد بأربعينَ حالاً, هذا القلق المُقدس، هذا العِلم، هذه المعرفة التي أكرمهُ الله بها.
لماذا قالَ عُمر: ليتَ أُمَ عُمر لم تلد عُمر, ليتها كانت عقيماً؟ لماذا قالَ هذا الصحابي الجليل: لو أنَّ الله أنزلَ أنهُ معذّبٌ واحداً, لظننتُ أنني أنا, ولو أنهُ راحمٌ واحداً, لرجوتُ أن أكونَ أنا؟
ما هذا الخوف من الله الشديد؟.
ما الذي دفعَ سيدنا عمر رضيَّ اللهُ عنهُ, على أن يسألَ حذيفةَ بن اليمان, وأن يُناشدهُ اللهَ عزّ وجل, وأن يقولَ لهُ: ناشدتُكَ بالله: أاسمي بينَ المنافقين؟ قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين! أنتَ أكرمُنا ولا أُزكّي بعدُكَ أحداً, هذا القلق، هذا الخوف.
لذلك اسمعوا هذه الحقيقة: إنَّ خوفكَ من الله, والحقيقة الخوف أنواع, قد تخافُ من عقاب الله، وقد تخافُ أن تنقطعَ صِلتُكَ بالله، الخوف من عِقاب الله مرتبة، لكنَ الأعلى منها أن تخافَ أن تنقطعَ صِلتُكَ بالله, فأنتَ تستقيم حِفاظاً على هذه الصِلة، تتحرى الدخلَ الحلال حِفاظاً على هذه الصِلة، تخدمُ الناس، تعطِفُ على المساكين، تُطعمُ الفقراء، تحضرُ مجالسَ العِلم، تَبرُّ والديك, حِفاظاً على هذه الصلة.
اسمعوا جيداً: إنَّ هُناكَ علاقةً مضطردةً, عِندنا نحنُ علاقة طردية وعلاقة عكسية، العلاقة الطردية شيئان يتناميان معاً, والعلاقة العكسية كُلما ازدادَ العِلمُ قلَّ الجهلُ, الخوفُ من الله يتحركُ بشكلٍ مضطرد مع العِلم، كُلما كَثُرَ عِلمُك كُلما كَثُرَ خوفُك.
مرةً دخلت إلى معمل, رأيتَ صاحبَ المعمل, مكفهرَ الوجه, أصفرَ اللون, يعني مظهرهُ يدلُ على أنهُ فقدَ أحد أولادهِ, قُلتُ: خير إن شاءَ الله أبا فُلان, ما المُشكلة؟ قالَ لي: تعالَ انظر, وسِرتُ معهُ في أرجاء المعمل, ما رأيتُ شيئاً, رأيتُ معملاً واسعاً كبيراً, شاهقَ البنيان, الآلات حديثة تعمل, قالَ لي: انظر, قُلتُ: إلى أين؟ قالَ: إلى هذا الجِسر, قُلتُ لهُ: ما بهِ؟ قالَ: ألا ترى هذا الخطَ الصغير, خط عرضهُ واحد ملم تقريباً على جسر، قُلت: ما بالُ هذا الخط؟ قال: جاء المهندس دكتور في الهندسة, فأخبرني بأنَّ هُناكَ انزلاق في أساسات المعمل, وأنَّ تدعيمَ هذا المعمل, يحتاج إلى 500 ألف, والقضية عام السبعين قديمة, دكتور في الهندسة, درسَ دراسة دقيقة, وجدَ أنهُ الأساس منزلق بفعل المياه المالحة، انزلاق الأساس جعل هذا الصدع في الجسر الأساس في المعمل، قُلتُ: لو جاء إنسان ليسَ بالمهندس, ونظرَ إلى هذا الشق, وقال: هذا يحتاج إلى معجونة, شتّانَ بينَ هذا وهذا, مسافةٌ كبيرةٌ جداً, بين من يقول لكَ: أن هذا الشِق يحتاج أن نملأهُ بالمعجون, وبينَ من يقول لكَ: أنَّ هذا البناء خَطِر, يحتاج إلى تدعيم, ويُكلّف هذا المبلغ الكبير, هذا العلم, كُلما ازدادَ عِلمُك ازدادَ خوفك, إن كُنتَ لا تخاف فأنتَ لا تعلم.
وقد ذكرتُ لكم سابقاً, أن طالباً مرةً قالَ لي: أنا لا أخاف من الله، طبعاً أردتُ أن أجيبهُ جواباُ مُفهماً, قُلتُ له: معكَ الحق أنتَ بالذات، قال: ولِمَ؟ قلتُ لهُ: يا بُني, الطفل الرضيع يأخذهُ أهلهُ أحياناً إلى الحقلِ لحصد القمح, يمرُ بجانبهِ ثعبانٌ عظيم, لو رآهُ بطلٌ لخرجَ من جلدهِ خوفاً منهُ، هذا الطفل الصغير الرضيع, يضعُ يدهُ على هذا الثعبان, ويلمسهُ بيدهِ, ولا يخاف, لماذا لا يخاف؟ لأنهُ لا يُدرك، لو أنهُ أدرك, لصاحَ صيحةً ملأت الأجواء, لكنهُ لا يُدرك, الإدراك غير موجود, الخوف غير موجود، كلام دقيق.
يعني أنت لاسمحَ الله ولا قدّر, لو ارتكبتَ معصيةً, ولم تشعر بشيء, كالطبيب يضع يده على النبض, ويقول: لا نبض, يقول: ائتوني بمرآة يضعها على أنف المريض لا بخار، ائتوني بمصباح يضعهُ بعين المريض فالقزحية لم تنقبض, أمرهُ منتهٍ, وأنا أقول لكم قياساً على هذه القصّة: أنَّ الذي يفعل الذنب ولا يشعر بشيء أبداً, يقول لكَ: ماذا عملنا؟ هذا منتهٍ, هذا ماتت نفسه, والدليل قول الله عزّ وجل:
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 122]
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 80]
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 21]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 24]
معناها: إذا الإنسان ما أحسَّ بذنبهِ ولا تألّم, ولا تمزقت نفسهُ, ولا خاف ولا ندم, ولا حدّث نفسهُ بالتوبة ولم يُبالِ, وضحِكَ مِلءَ فمهِ, ونامَ نوماً عميقاً, وغطَ في نومٍ عميق, وبدا مرِحاً, وهوَ يقترفُ الذنب, هذا ميت.
من عصى اللهَ وهوَ يضحك, دخلَ النارَ وهوَ يبكي.
فلذلك: إذا وجدت أخاً زلّت قدمهُ, فتألمَّ ألماً شديداً, وصلى قيام الليل, واستغفرَ اللهَ عزّ وجل, دفعَ صدقةً مرهقةً, لعلَّ اللهَ يعفو عنه, معنى هذا أنه يوجد نبض, في حياة، لذلك هذا معنى قول النبي الكريم:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا, لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ, وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ, فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ))
يعني إن لم تشعروا بذنوبكم، إن لم تُحسّوا بها، إن لم تتأثروا بها، أنتم انتهيتم, لا خيرَ فيكم, لو لم تُذنبوا, بمعنى لو لم تُحسوا بذنوبكم, لذهبَ اللهُ بكم, وأتى بقومٍ إذا أذنبوا تألّموا, يُذنبون يشعرون بذنوبهم, فيستغفرون فيغفر الله لهم.
هذا الكلام مقصدهُ أنهُ: حينما صارَ التعريف بالنِفاق, بالشِرك, بالكُفر، بالفِسق، بالإثم، بالعدوان، بالفحشاء، بالمُنكر، بالكبائر, من أجل أن تأخذَ حذرك, وإنما العِلمُ بالتعلّم. الذنوب صغائر وكبائر .
الذنوب كما أجمع عليه العلماء , تنقسم إلى صغائر وإلى كبائر بنصِ القرآن والسُنّة وإجماع السلف , قال تعالى :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 31]
سياق الآية يَشِفُّ عن أنَّ الكبائر شيء والسيئات شيء آخر ، وقال تعالى :
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[سورة النجم الآية: 32]
أيضاً سياق الآية يَشِفُ عن أنَّ اللمم ليست كالكبائر .
وفي الحديث الصحيح : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الصلوات الْخَمْسُ, وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ, كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ, مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
في المصطلح النبوي الشريف , قال : إيّاكم ومحقّرات الذنوب . ومحقّرات الذنوب هيَ الصغائر التي أرادها النبي ، لكن يقول : إيّاكم .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ, فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلاً, كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ, فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ, فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ, فَيَجِيءُ بِالْعُودِ, وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ, حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا, فَأَجَّجُوا نَارًا, وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا))
أحياناً : إنسان يشرب شراباً فيه أصبغة كيمائية , يا ترى : كم في هذا الكأس من الصِباغ الكيميائي ؟ شيء لا يُذكر إطلاقاً , لكنَّ الأطباء يقولون : إنَّ هذه النِسب التي لا تُذكر إذا تراكمت من إدمانهِ على هذا الشراب مُضرة .
الذي أكثر طعامه معلبات , ومياه غازية , وأشياء كلها غازية ، هذه النِسب الضيئلة جداً من الأصبغة والمنكهات والملونات وبنزوات الصوديوم , هذه كُلُها تتراكم وتتراكم , فإذا بلغت حدّاً معيّناً أصبحت مسرّطنة .
هذا الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام : ((إيّاكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجلِ حتى يهلكنهُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده]
لذلك تجد المسلم يقول لكَ : أنا الحمد لله لم أسرق في حياتي , ولم أزن , ولم أشرب الخمر , جميل وباركَ اللهُ بِكَ , ولكن ممكن أن يُصافح امرأة ، ويُطلق بصرهُ ، ويكذب ، وقد يغتاب ، وفي ظنهِ أنَّ هذه صغائر معَ أنها كُلُها كبائر .
فهنا :
((إيّاكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجلِ حتى يهلكنهُ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط, والإمام أحمد في مسنده]
من صغائر الذنوب : اللمم .
الآن : من أدقّ المعاني لقولهِ تعالى :
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
الجمهور قال : اللمم هو أن يقترفَ الذنبَ مرةَ واحدةَ في حياتهِ ثمَ يتوبُ منه .
يعني ما كانَ يعلم أنَّ هذا حرام , يعني اشترى خاتماً ذهبيّاً , فوضعهُ , ثمَ أُبلغَ أنَّ هذا حرام , ألمَّ بذنبٍ من دونِ عِلمٍ لجهلٍ , وتابَ من فورهِ , أقلعَ من فورهِ , هذا رأيُ بعض العلماء في اللمم , يعني ألمَّ بذنبٍ من دون أن يعلم , فلما عَلِم تابَ منهُ فوراً , هذا المعنى معنى لطيف : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
قال جماعةٌ من السلف : اللمم هو الإلمام بالذنبِ مرة ثمَّ لا يعودُ إليه أبداً .
يعني أقرض إنساناً مبلغاً من المال , الإنسان المُقترض اشترى بيتاً , قال لهُ : سأجعل هذا القرض ثمن ربع هذا البيت , وسأعطيكَ أُجرة , وبعدَ عامين أُعطيكَ المبلغَ نفسهُ , هوَ ظن أنَّ هذه قضية إيجار , لكن فاتهُ أنَّ هذا رِبا ، الإيجار تملّكتَ رُبعَ البيت , ولو أنَّ هذا البيت احترق ذهبَ مالُك ، لو أنَّ هذا البيت صودر ذهبَ مالُك ، لو أنَّ هذا البيت انخفضت قيمتهُ انخفضَ مالُك ، إذا رضيتَ بهذه الشروط الثلاثة , لكَ الحق أن تأخُذَ الأُجرة , لأنهُ لا إيجارَ معَ الضمان ، فإذا أردتَ أن تستعيدَ مالكَ , يُقيّم البيت مرةً ثانية تقييماً جديداً , هذا الإيجار الصحيح ، أمّا إذا أردتَ أن تُقرضَ إنساناً , وأن يُسمي هذا القرضَ شِراءً لِرُبعِ المنزل , ويُعطيكَ على هذا القرض أُجرةً ثابتةً , مبلغٌ مضمون وثابت , تأخذهُ بعدَ عام هذا رِبا , ما كانَ يعلم , فلّما عَلِم أقلعَ فوراً , باركَ الله , هذا اللمم .
يعني وقعَ في الذنب مرةً , لأنهُ لا يعلم , فلمّا عَلِم أقلع : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
ومن أجمل المعاني هذا المعنى , أحد العُلماء سُئل : اللمم , قالَ : هوَ الرجُلُ يُلمُّ بالذنبِ ثمَ لا يُعاودهُ أبداً .
المعنى الثاني :
اللمم ما دونَ الشِرك .
مرةً ضربتُ لكم هذا المثل : أنتَ راكب في قطار باتجاه مدينة تقصدُها ، قد ترتكب بعض الأغلاط في هذه الرحلة , لكـنَّ القطار يسير باتجاه الهدف , فكُلُ أغلاطِكَ في هذا القطار مغفورة , لأنَّ القطار يسير نحوَ الهدف ، أزعجكَ رفقاء هذه المركبة , يمضي الوقت ، أزعجكَ مقعدكَ بعكسِ اتجاه القطار , يمضي الوقت ، أزعجكَ أنكَ جائع وفي عربةٍ أخرى طعام وأنتَ لا تدري , القطار يمشي باتجاه الهدف , لكنَّ الشيء الذي لا يُغفر أن تركبَ قطاراً لا علاقةَ لهُ بهدفك ، أنتَ تتجهُ نحوَ الشمال والقطار يتجهُ نحوَ الجنوب ، ضاعت عليكَ أهدافُكَ الكُبرى من هذه المدينة , فلذلك قالَ بعضُهم :
اللممُ ما دونَ الشِرك .
لقولهِ تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 48]
على كُلٍ جمهور العلماء يقول :
اللممُ ما دونَ الكبائر.
وقالَ بعضُهم :
الذنبُ الذي لم يُذكر عليه عِقابٌ ولا حدٌ ولا وعيدٌ في الآخرة .
هكذا قالَ بعضُهم : هوَ اللمم .
وأمّا سعيد بن المُسيّب فللهِ درّهُ , قالَ :
اللممُ ما ألمَّ بالقلب , لا تُحاسب عليه .
خطرَ في بالهِ أن يفعلَ شيئاً لكنهُ لم يفعلهُ ، إنَّ الله عزَّ وجل لا يُحاسبُ على الخَطَرات ، خطرَ في بالهِ أن يأخّذَ هذا لهُ , لكنهُ لم يفعل , خافَ اللهَ عزّ وجل .
فاللمم ما ألمَّ بالقلب .
الخاطر الذي لا يُرضي الله إذا ألمَّ بالقلب فهوَ لمم , هذا في بعض التفاسير , وهذا التفسير للتابعيّ الجليل سعيد بن المُسيّب .
والحُسين بنُ الفضلِ يقول :
اللممُ النظرُ إلى المرأةِ دونِ تعمّد .
لا يقصد أبداً أن ينظر , يعني هو في طريق , فيه منعطف حاد , فجأةً رأى نفسهُ أمامَ امرأةً , فغضَ بصرهُ مباشرةً , هذه النظرة الأولى التي لا تملكُ لها تلافياً , لم تكن عن إرادةٍ , ولا عن قصدٍ , ولا عن رغبةٍ , ولا عن طلبٍ إطلاقاً , ولمجردِ أن رأيتَ امرأةً غضضت البصرَ عنها , قال : هذا هوَ اللمم .
قال الحُسين بن الفضل :
اللممُ هوَ النظرُ من غير تعمّدٍ , فإن أعادَ النظرَ فليسَ باللمم .
الثانية ليست لمماً الأولى فقط لمم , كما قالَ النبي الكريم : الأولى لكَ والثانيةُ عليك , وهوَ ذنبُ .
هذا الذي قالهُ النبي مرةً :
إن تغفر اللهم تغفر جمّاً وأيُّ عبدٍ لا ألم
يدخل الرجل إلى دائرة حكومية نصفها موظفات ، بالطريق هوَ يغضُ بصرهُ , ولما يرى إحداهن لمحة دون رغبةٍ منه بذلك , ويغضَّ بصرهُ فوراً , هذا هوَ اللمم الذي عنتهُ الآية الكريمة , هذا رأي العالِمُ الجليل الحُسين بن الفضل .
سعيد بن المُسيّب : اللمم ما ألمَّ بالقلب , الخواطر , واللهَ سبحانهُ وتعالى لا يُحاسب إلا على الأعمال , أمّا الخواطر لا يُحاسب عليها ، أمّا المؤمن الوَرِع يخافُ من الخواطر , لأنها قد تنقلبُ إلى أعما , إذا أعطى لخواطرهِ العِنان , ولم يُبالِ بالخواطر التي تتأتى إلى ذهنهِ ، ربما أصبحت خواطرهُ أفعالاً ، فالوَرِع لا يسمح لخواطرهِ أن تتجه في اتجاهٍ لا يُرضي اللهَ عزّ وجل . النفس اللوامة .
بالمناسبة : كُلما حَجبكَ ذنبٌ صغيرٌ صغير عن رِبكَ العظيم فهذا لِعلوِ مقامك , ما الذي يحجُبُك ؟ يسمونها الحساسية ، يوجد ميزان مثلاً : ميزان يزن السيارات الشاحنة , لو وضع على الصفر , ومرَّ إنسان وزنهُ 150 كيلو لا يتحرك , هذا مهيأ أن يزن 5 طن ، 8 طن ، 10 طن ، 12 طن ، فهذا الميزان حساسيتهُ فوق الـ 200 كيلو ، ففي إنسان ميزانهُ ميزان سيارات .
يعني لكي يرتكب كبيرة , يقول لكَ : والله تضايقت , أمّا الصغائر لا يوجد عِندهُ حساسية أبداً , فهذا ميزانهُ سيء ، كُلما ارتقى الإيمان يُصبح الميزان حساساً .
يوجد الآن موازين , إذا وزنت بها ورقةً , وكتبتَ على هذه الورقة كلمة محمد , إنَّ وزنَ الحِبر الذي استغرقتهُ كلمة محمد , يجعلُ الكفةَ ترجح ، فكُلما علا مقامُكَ عِندَ الله يَدِقُ ميزانُك ، لذلك أثنى اللهُ على النفس اللوامة :
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾
[سورة القيامة الآية: 1-2]
يُحاسب نفسهُ على النظرة .
قاضٍ من القضاة , عُرفَ في مدينتهِ بحُبهِ الشديد للرُطبِ في بواكيرهِ ، الفاكهة في أولها محببة , والآن ضعنا من الزراعة المحمية ، فطُرقَ بابهُ مرةً , وجاءَ الخادم بطبقٍ من الرُطب في بواكيرهٍ , قال : ممن هذا يا بُني ؟ قال : من فُلان ، قال : صِفهُ لي ، قال : صِفتهُ كيتَ وكيت ، فعرفَ أنَّ هذا الشخص الذي قدّمَ هذا الطبق أحدُ خصومٍ عِندهُ في القضاء , فقال : رُدّهُ إليه , فردّهُ إليه ، في اليوم الثالث توّجهَ إلى الخليفة , وطلبَ منهُ أن يعفيهُ من منصب القضاء , قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : واللهِ قبلَ يومين , جاءني طبقُ رُطب , ورددتهُ في اليوم التالي , حينما وقفَ الخصمان أمامي , تمنيت أن يكونَ الحق مع الذي قدّمَ ليَ طبقَ الرُطب ، تمنيت أن يكونَ الحق مع الذي له طلب ، قالَ : هذا وقد رددتهُ فكيفَ لو قَبِلتهُ ؟ فعندهُ ميزان دقيق جداً .
سيدنا عليّ كرّمَ الله وجهه , كانَ في حضرة سيدنا عُمر , دخلَ يهودي يُخاصم سيدنا عليّاً , فقالَ : يا عليّ , فقالَ : يا أبا الحسن , جالس بجانبهُ خليفة المُسلمين , وأمير المؤمنين , وساعدهُ الأيمن المقرّب , دخلَ شخص يُخاصم أبا الحسن , فما كانَ من عُمر إلا أن قال : قُم يا أبا الحسن وقِف بجانب الرجل ، فتأثّرَ سيدنا علي وتغيّرَ وجههُ ، فلما حكمَ بينهما وانصرفَ اليهودي , فقالَ : لِمَ يا أبا الحسن وَجِدت لِمَ أوجدتَ عليّ ؟ قالَ : نعم ، قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : لِمَ قُلتَ لي : يا أبا الحسن , ولم تقل لي : يا عليّ ؟ لقد كرّمتني , ميزّتني عنهُ , أيضاً ميزانهُ دقيق جداً .
هذا الذي ترددَ قبلَ أن يُضحي بنفسهِ , قال : يا نفسُ إلا تقتلي تموتي هذا حِمـام الموتِ قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت وإن تــوليت فقد شـقيت
وقاتلَ حتى قُتل ، قالَ عليه الصلاة والسـلام : رأيتُ في مقامهِ ازوراراً عن صاحبيه .
فأنتَ كُلما ارتقى إيمانك , يُصبح عِندك ميزان حساس , تُحاسب نفسك على النظرة، على الكلمة، على السكوت أحياناً، هذا قد جاء لعِندكَ زيارة للبيت, لماذا هذا الصمت؟ النبي كان يمزح مع أصحابه، في أيام إنسان يُعطي لنفسهِ هيبة مصطنعة, هذا ذنب, أحياناً إنسان يشكو لكَ, ويقول: زوجتي غير جيدة, يقول لكَ آخر: أنا الحمد لله ممتازة, والله هذا ذنب, استوحش لحاله, أنتَ زوجتك ممتازة فقط هوَ زوجتهُ سيئة، من الأُنس أن تقولَ غيرَ هذا, فلذلك: كُلما ارتقى الإيمان, يَدقُّ الميزان, يصبح حساساً.
وفي تفسير جميل جداً , قالوا :
اللمم ما فعلتهُ في جاهليتك قبلَ أن تؤمن ، قبلَ أن تُسلم ، قبلَ أن تتوبَ إلى الله عزّ وجل : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾
لم تكن تعلم في عهد الجاهلية , حينما كُنتَ شارداً ، حينما كُنتَ تائهاً , هذا لمم .
كلمة لمم يا أخوان , أنا أُركّزُ على هذا الموضوع , لأنني أشعر أنَّ معظم المُقصّرين , أكثر المُسلمين , يفعلون كُلَ المعاصي تحت اسم اللمم, أخي هكذا قالَ الله: إلا اللمم, هذا فهم شيطاني لهذه الآية، يعني إبليس وسوسَ بهذا المعنى, قال أحدهم: كلُ ما ليسَ عليه حدٌ فهوَ لمم , حسناً: الحدود كلها خمسة؛ حد القتل، وحد الزِنا, وحد الخمر، وحد السرقة، وحد قذف المحصنة.
معناها الباقي كلهُ لا بأس به حسب الآية, لا, هذا فهم ما أراده الله عزّ وجل، مرةً ثانية: اللمم ما فعلتهُ قبلَ الإسلام، اللمم إذا نظرتَ لامرأةٍ, وأنتَ لا تُريد أن تنظرَ إليها, النظرة الأولى التي لا تستغرق عُشرَ الثانية, هذه لمم، اللمم ما ألمَّ بالقلب أي الخواطر، اللمم ما ليسَ بالشِرك لأنهُ يُغفر, هذه المعاني, أمّا أن تظُنَ أن تفعلَ شيئاً تحتَ اسم اللمم فهذا اللمم مُهلِك.
اللمم حينما تتخذُ الذنب عادةً، حينما تُصرُّ على الذنب, أصبحَ الذنبُ الصغيرُ كبيرةً، اللمم مرة واحدة لم تكن تعلم, سارعتَ إلى التوبة والاستغفار, هذا اللمم، أمّا تفعلُ الذنب على أنهُ ذنب, وتقول: هذا صغير, حينما تقول: أنهُ صغير فهوَ كبير.
لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
يروى أن سيدنا علي بن أبي طالب دُفع إليه سارق, فأمرَ بقطعِ يدهِ, فقالَ: يا أميرَ المؤمنين, ما سرقتُ غيرَ هذه المرة, فقالَ: كذبت، فلما قُطعت يدهُ, قال: اُصدقني: كم لكَ بهذه المرة؟ قالَ: والله كذا وكذا مرة, يعني عشرات المرات, فقال: صدقت, إنَّ اللهَ لا يؤاخذُ بأول ذنب أو كما قال.
زلّت قدمُك، غَلبَتكَ نفسُك، تُبتَ سريعاً, بابُ التوبِ مفتوح, أمّا حينما تعيد وتُكرر هذه أصبحت كبائر, العائدُ إلى الذنب كالمستهزئ بربهِ, الذي يعود من توبتهِ ويُذنب مرةً ثانية كالمُستهزئ بربهِ.
من أجمل معاني اللمم : معنى جديد, يعني إذا هممتَ أن تفعلَ هذا الذنب ولم تفعلهُ خشيةَ الله عزّ وجل, في قصة مشهورة: شاب في مقتبل حياتهِ, في ظروف سمحت لهُ أن يَحُج، عاد من الحج, وفتح مكتبة صغيرة في أحد أحياء دمشق، هذه القصة من أربعين خمسين سنة, كان في حافلات تُراب، يبدو أن فتاة وقفت على باب مكتبتهِ, وكانت فاسقةً, وكأنها أغرتهُ, وأشارت إليه فتَبِعها، هوَ في الطريق تذكّرَ الحجَّ الذي حَجهُ, فرأى حافلة ركبَ فيها, وعادَ إلى المكتبة، ما فعلَ شيئاً لكنهُ همَّ أن يفعل, هذه قِصة واقعة, وأنا إلى سنوات معدودة, قيلَ لي: هذا الشاب لا يزال حيّاً يُرزق، في اليوم التالي جاءه أحد وجهاء الحي, وسألهُ هذا السؤال الغريب: يا بُني أأنتَ متزوج؟ قال لهُ: لا والله يا سيدي، قالَ لهُ: عِندي فتاة تُناسِبُك، فأرسلَ أُمهُ فإذا هيَ فتاة ممتازة، جاءهُ مرةً ثانية, قالَ لهُ: يا بُني كيفَ الأمر؟ قالَ: ممتاز, ولكن ليسَ عِندي بيت، قالَ: هيَ والبيت يا بُني, وأغلق الدُكان, وجعلهُ شريكاً لهُ في تجارة الزيت, قبل سنوات أُبلغت أنهُ لا يزال حياً يُرزق.
يعني اللمم الشيطان وسوس لكن مباشرةً عُدت, إذا إنسان همَّ بسيئةٍ ولم يفعلها كُتبت لهُ حسنة, هذا معنى آخر من معاني اللمم, هذه المعاني كُلها رائعة، وكُلها شريفة، وكُلها تنسجم مع طهارة المؤمن, أمّا ينظر لامرأة حتى يأكُلها بعينيه, أخي لمم هذه, شيء مؤلم, قال: والقُبلة لمم أيضاً في بعض الكُتب, ما هذا اللمم؟. الخلاصة :
على كُلٍ ؛ بهذا ننتهي من أنواع الذنوب والكبائر والمعاصي, والحقيقة ذكرتُها كُلها تمهيداً لموضوع التوبة، لأنَّ التوبة أول مرحلة فيها هي العِلم، الآن عَلِمنا ما الصغيرة؟ وما الكبيرة؟ وما الكُفر؟ وما الشِرك؟ وما النِفاق؟ وما الفِسق؟ وما الإثم والعدوان والفحشاء والمُنكر؟ وأكبرُ كُلِ هذه الذنوب: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، لأنَّ الذنب مهما كانَ كبيراً تتوب منه، لكن المُبتدع ذا العقيدة الفاسدة لا يتوبُ من ذنبهِ، لذلك: أخطر شيء في الإسلام أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، يعني إذا أنتَ مُعتقد أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يومَ القيامة, لن يَدَعَ أحداً في النار, لا بُدَ من أن يشفعَ لأمتهِ كلها, هذا الاعتقاد الفاسد يجعلُكَ تفعل جميع الذنوب, والأخطر من ذلك يمنعُكَ من أن تتوبَ منها أيضاً، فكُلُ عقيدةٍ زائغةٍ خطورتُها أنها تمنعُكَ من التوبة, لأن:
من الناسِ من يدري ويدري أنهُ يدري فهذا عالِمٌ فاتبعوه، ومنهم من يدري ولا يدري أنهُ يدري فهذا غافل فنبهوه، ومنهم من لا يدري ويدري أنهُ لا يدري فهذا جاهل فعلّموه, ومنهم من لا يدري ولا يدري أنهُ لا يدري فهذا شيطانٌ فاحذروه.
لذلك : أكبر هذه الذنوب أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم، أن تعتقدَ اعتقاداً فاسداً، أن تعتقدَ اعتقاداً ما أرادهُ الله عزّ وجل، أن تتهمَ اللهَ فيما تظن، أن لا تنسِبَ إليه الأسماءَ الحُسنى والصِفات الفُضلى، لذلك قال لهَ: يا ربي أيُّ عِبادُكَ أحبُّ إليك؟ قالَ: ...
عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((إن داود عليه السلام قال فيما يخاطب ربه عز وجل: يا رب، أي عبادك أحب اليك أحبه بحبك؟ قال: يا داود أحب عبادي إلي: نقي القلب، نقي الكفين، لا يأتي إلى أحد سوءا، ولا يمشي بالنميمة، تزول الجبال ولا يزول، أحبني وأحب من يحبني، وحببني إلى عبادي، قال: يا رب, إنك لتعلم إني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي، يا داود, إنه ليس من عبد يعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته، إلا أثبت قدميه يوم تزل الاقدام))
.
إذا حببتَ العِبادَ إلى اللهَ عزّ وجل فأنتَ على حق.
فأيها الأخوة الأكارم , إن شاء الله في الدرس القادم نبدأ بموضوع التوبة , لأنَّ التوبة هيَ الباب المفتوح إلى الله عزّ وجل .





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:41 PM   #35


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع : ليلة النصف من شعبان– مفاضلة بين المطيع والعاصي التائب .







تمهيد :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس مدارج السالكين في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين ، وقبلَ أن نمضيَ في الحديثِ عن المفاضلةِ بينَ المطيعِ الذي لم يعص اللهَ عزّ وجل وبينَ العاصي الذي عصاهُ وتابَ من ذنبهِ ، قبلَ أن نمضي في المفاضلة بينَ هذين الرجلين أو هذين النموذجين , لا بُدَ من وقفةٍ في مناسبة النصفِ من شعبان ، ونحنُ في ليلةِ النصفِ من شعبان .
أيها الأخوة الأكارم ؛ من الثابت أنَّ هُناكَ مؤمنين ، وأنَّ هُناكَ سابقين , وأنَّ هُناكَ عُصاةً تائهين .
عاصٍ ، منحرف ، ضائع ، ضال ، تائه ، شارد , مؤمن ، مستقيم ، سبّاق إلى مرضاة الله عزّ وجل , هؤلاء النماذج الثلاثة حيالَ المناسبات الدينية لهم مواقف متباينة ، فالمقطوع عن الله عزّ وجل ، الخارجُ عن منهجهِ ، الشاردُ عن دينهِ ، الغارقُ في المعاصي ، هذه المناسبات الدينية كَليلةِ الإسراء والمعراج ، وليلة النصفِ من شعبان ، وليلة القدر , وما إلى ذلك من هذه المناسبات الدينية , هذا الإنسان الشاردُ لا يتأثّرُ بها إطلاقاً , لأنهُ في واد وهذه المعاني القدسيّة في وادٍ آخر ، ولكن بينَ المؤمن المُقتصد وبينَ المؤمن السابق مواقف متباينة حيالَ هذه المناسبات الدينية .
يعني البارُّ بوالديه الذي يقدّمُ لهُما آيات التعظيم والتوقير والإكرام والإحسان كـُلَ يوم ، إذا جاءَ عيدُ الأمِ مثلاً , هوَ كُلَ يومٍ عِندهُ عيدُ الأُم , في صبيحةِ كُلِ يوم يزور والديـه , ويسألهُما كُلَ حاجتهما , ويقدّمُ لهُما كُلَ ما يرغبانِ بهِ ، أمّا المُقصّر إذا جاءت مناسبة فهـذه المناسبة تُلفتهُ إلى واجبهِ ، لذلك المؤمن السابق كُلَ ليلةٍ عِندهُ هيَ ليلةُ النصفِ من شعبان , كُلُ أيامِ سَنتهِ رمضان ، كُلُ أيامِ رمضان ليلةَ القَدر ، لأنهُ أقبلَ على اللهِ عزَّ وجل , ووضعَ كـُلَ طاقاتهِ , وكُلَ إمكاناتهِ في سبيلِ الحق ، لكنَّ المُقتصد تأتي هذه المناسبات لتذكّرهُ ، لتشـوّقهُ ، لتزيدهُ عِلماً وعملاً ، فلا شك أنَّ الاحتفال بليلةِ الإسراء والمعراج , والاحتفال بليلةِ النصفِ من شعبان لها شأنُها في الدين ، لكن كُلما ارتقى الإنسان في مدارج المعرفةِ , مدارج القُربِ , كُلما اقتربَ من معاني هذه الأيام الفضيلة , ومن معاني هذه الأيام التي وردَ في حقِها بعض الأحاديث الشريفة .
قبلَ كُلِ شيء , ذكرتُ هذا في الخُطبة :
العبادات لها شأنُها عِندَ اللهِ عزّ وجل , لها شأنُها الكبير , وما دامَ لها هذا الشأنُ عِندَ الله , فلا بُدَ من أن يسبِقها تمهيد ، ما دامَ للعبادةِ شأنٌ كبيرٌ عِندَ الله عزّ وجل , إذاً : لا بُدَ من أن يسبِقها تمهيد ، فكما أننا نُصلي سُنّةً قبليّةً تمهيــداً للفريضة الأساسية , ونُصلي سُنّةً بعديةً ترميماً لِما فاتنا في الفريضة , فكأنَ السُنّةَ القبليّة تمهيدٌ وإعداد , والسُنّةَ البعديّةَ ترميمٌ وتلافٍ للنقص ، وكما أنَّ الحاجَّ يحجُّ من الميقات وبينهُ وبينَ الكعبةِ مراحلُ فِساح , من أجلِ أن يُهيئَ نفسهُ لهذا اللقاء الأعظم لقائهِ بربهِ جلَّ وعلا ، كذلكَ الشرعُ علّمنا أن نؤدبَ أبناءنا على الصلاةِ , والصيامِ , وتلاوةِ القرآنِ , وحُبِّ النبي عليه الصلاة والسلام قبلَ سِن التبليغ ، كذلك رمضان دورةٌ تدريبيّةٌ كُلَ عام عبادةٌ سنوية .
الإنسان في رمضان يقفزُ قفزةً نوعية ، لهُ مستوى في فهمهِ ، وفي عقيدتهِ ، وفي إدراكهِ ، وفي طاعتهِ ، وفي ورعهِ ، وفي صلاتهِ ، وفي تهجده ، وفي تلاوتهِ ، وفي إنفاقهِ ، كُل إنسان لهُ مستوى ، لهُ مكانة ، في رمضان لا بُد من أن يقفزَ قفزةً نوعيّة , فالعاصي يتوب , والتائب يزيد , والمُستزيد يتفوّق ، لا بُدَ من نقلةٍ في رمضان ، لكنَّ المُشكلة التي أتمنى على اللهِ جلَّ وعلا أن يقيّنا منها :
هوَ أنَّ عامةَ الناس كُلما جاءَ رمضان قفزوا قفزةً نوعية , فإذا انتهى عادوا إلى ما كانوا عليه , وطَوالَ حياتهم يرتفعونَ ثمَّ ينخفضون , يرتفعونَ ثمَّ ينخفضون , وهكذا ...
لكنَّ المؤمن الصادق إذا قفزَ قفزةً في رمضان , يستمرُّ عليها طوالَ العام , فإذا جاءَ رمضانُ آخر , قفزَ قفزةً ثانية , واستمرَّ عليها طَوالَ العام , فإذا جاءَ رمضانٌ ثالث قفزَ , وهكذا إلى أن يلقى اللهَ عزّ وجل , وهوَ في أعلى الدرجات .
لذلك الحقيقةُ الأولى : هوَ أننا إذا دخلنا في رمضان , ينبغي أن نقفزَ قفزةً نوعية , وهذه القفزة النوعية يجبُ أن نَثبُتَ عليها طَوالَ أيام السنة .
الآن ما علاقة النصف من شعبان برمضان؟
الحقيقة أيها الأخوة ؛ أنَّ الإنسان في رمضان يجبُ أن يصومهُ صياماً كاملاً من أولِ يومٍ حتى آخر يوم ، الانتقال المُفاجئ من مستوىً معين في العبادة إلى مستوىً متفوق , هــذا الانتقال لا بُدَّ لهُ من تمهيد , يعني نقطة هُنا ونُقطة هُناك ، لا بُدَّ من خطِ مائل يصعدُ من هذه إلى تِلك , هذا الخطُ المائل الذي يزدادُ حماس الإنسان فيه , ويُهيئ كُلَ شيء من أجلِ أن يقبلَ اللهُ صيامهُ ، نحنُ في شهرٍ تمهيدي شهر إعداد لرمضان , لهذا النبي - عليهِ الصلاةُ والسلام - كانَ يُكثر فيهِ من الدُعاء , ومن الصلاة , ومن القيام , ومن الأعمال الطيبة والأعمال الخيّرة .
على كُلٍ في هذا الشهر وفي ليلةِ النصف من شعبان تحوّلت القِبلة من بيت المقدس إلى بيت اللهِ الحرام .
سؤال :
لماذا أمرَ اللهُ من خلال السُنّةِ النبوية أن يتجهوا إلى بيت المقدس ؟
الجواب :
لأنَّ الكعبةَ المُشرّفة - وهذا اجتهادٌ في التفسير - كانت فيها الأصنام , وكانَ كُفّارُ قُريش يعتدّونَ بِها ويفتخرونَ ، فإذا توجّهَ إليها المسلمون , لعلَّ في هذا التوّجه ترسيخاً لهذه العبادةِ التي أنكرها القرآن الكريم , لذلك أُمرَ المسلمون إلى التوجّهِ إلى بيت المقدس , ريثما يستقرَ التوحيد فــي الجزيرة العربية , وريثما تتوطدُ دعائم الإيمان باللهِ عزّ وجل , فلمّا رَسَخَ التوحيد , واستقرّت النفوس , أُمِروا بالتوجهِ إلى بيت الله الحرام .
لذلك :
جاءت الآيات متتابعةً في دعوة المؤمنين إلى التوجّهِ إلى بيت الله الحرام ، في هذه الليلة نَزَلت الآيات التي تأمر المُسلمين بالتوجّهِ إلى بيت الله الحرام , ولِشدّةِ تعظيمِ أمرِ اللهِ عزّ وجل في مسجد في المدينة , كانَ أصحابُ النبي يُصلّونَ فيه في أثناءِ صلاتِهم , جاءَ من يُخبِرهم بِتحوّل القِبلة , فتحولوا من قِبلةٍ إلى قِبلة , وزُرتُ هذا المسجد قبلَ سنواتٍ عِدّةَ , فيه محرابانِ متعاكسان ؛ محرابٌ إلى بيت المقدس , ومحرابٌ إلى الكعبةِ المُشرّفة ، في الزيارة الثانية أُلغيَ محراب بيت المقدس , وبقيَ محراب الكعبة المُشرّفة .
على كُلٍ :
إذا ذكرتم ليلةَ النصفِ من شعبان , ففي هذه الليلة المُباركة تمَّ فيها تحويلُ القِبلةِ من بيت المقدس إلى بيت اللهِ الحرام , هذه واحدة .
النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما ترويه الأحاديث الشريفة وفيما رواهُ النسائيُ , مـن حديثِ أسامةَ بنِ زيد قال : قُلتُ يا رسولَ الله : لم أركَ تصومُ من شهرٍ من الشهور ما تصومُ من شعبان ، فقالَ عليه الصلاة والسلام :
(( ذلكَ شهرٌ يغفُلُ عنهُ الناس بينَ رجبَ ورمضان, وهوَ شهرٌ تُرفعُ فيهُ الأعمالُ لربِّ العالمين, وأحبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائم ))
وكانَ أصحابُ النبي صلى اللهُ عليه وسلم ورضي اللهُ عنهم ، إذا نظروا إلى هِلالِ شعبان , أكبّوا على المصاحفِ يقرؤونها , وأخرجَ الأغنياءُ زكاةَ أموالِهم , ليتقوّى بِها الضعيف والمِسكين على شهر الصيام .
أيها الأخوة ؛ إذاً :
فيما يبدو لكم من هذ الآثار القليلة : أنَّ شعبان تهيئةٌ لرمضان ، وأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كانَ يدعو ربهُ في شعبان ، لذلك خُصّت ليلةُ النصفِ من شعبان بالدُعاء .
الدعاء في الحقيقة : أداةُ اتصالٍ مباشرةٍ بينَ العبدِ وبينَ ربهِ .
لكنَّ هذا الدعاء الذي نسمعهُ أحياناً :
اللهم إن كُنتَ كتبتني في أُمِ الكتابِ شقيّاً محروماً مُقتّراً عليَّ في الرِزق , فأمح اللهم بِفضلِكَ شقاوتي وحِرماني وتقتيرَ رِزقي .
هذا الدُعاء لا أصلَ لهُ .
لم يَرِد لا عن رسول الله , ولا عن أصحاب النبي عليهم رِضوان الله ، نحنُ إذا دَعونا اللهَ عزّ وجل , ينبغي أن ندعوهُ بما دعا به النبي صلى اللهُ عليه وسلم .
يعني فِكرة الجبر :
أنَّ الإنسان خُلقَ كافراً , وكُتبَ عليه الكُفر من دونِ ذنبِ اقترفتهُ يداه , وسوفَ يدخُل النار شاءَ أم أبى , لأنَّ الكِتابَ سبقَ عليهِ بالكُفر ، هذه المعاني أيها الأخوة ليست من روحِ القرآن ، قال تعالى : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 148]
الإنسان مخير .
لو قرأتَ القرآنَ الكريمَ كُلَهُ لوجدتَ أنَّ الإنسانَ فيهِ مُخيّراً : ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾
[سورة الكهف الآية: 29]
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 3]
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
بل إنَّ بعضهم قال : مجرّدُ الأمرِ يقتضي التخيير .
أيُعقلُ أن تشُقَّ طريقاً عرضهُ 60 سم بعرضِ إنسانٍ تماماً , بحيثُ أنَ كتفيه يُلامسان جداري هذا الطريق , وأن تأمرهُ أن يتجهَ نحو اليمين أن يلزم اليمين ؟ أيُ يمين هذا !!؟ إذا كانَ الطريقُ ضيقاً بعرضِ السالِكِ فيه , فكيفَ تأمرهُ أن يلزمَ اليمين ؟ لمجرّدِ أن تأمرهُ فالإنسان خيّر ، لمجرّدِ أن تنهاهُ فالإنسـان مُخيّر .
هذه نقطةٌ دقيقةٌ جداً : لو أنَّ اللهَ عزّ وجل كما قالَ الإمامُ الحسن رضيَ اللهُ عنه : أجبرَ عبادهُ على الطاعة لَبَطَلَ الثواب ، ولو أنَّ اللهَ عزّ وجل أجبرَ عِبادهُ على المعصية لَبَطَلَ العِقاب , ولو أنه تركهم هملاً لَبَطَلَ الوعدُ والوعيد وكانَ ذلكَ عجزاً في القُدرة .
واحدٌ سألَ سيدنا عليّاً كرّمَ اللهُ وجهه قالَ : أكانَ مسيرُنا إلى الشام بقضاءٍ من اللهِ وقَدَر ؟ قالَ : ويحكَ ! لو كانَ قضاءً لازماً , أو قَدراً حاكماً , إذاً : لَبَطَلَ الوعدُ والوعيد, ولانتفــى الثواب والعِقاب , إنَّ اللهَ أمرَ عِبادهُ تخييراً ونهاهم تحذيراً , وكلّفَ يسيراً ولم يُكلّف عسيـراً , وأعطى على القليل كثيراً , ولم يُعص مغلوباً , ولم يُطع مُكرهاً , ولم يُرسل الأنبياءَ عَبَثاً , ولم يُنزّل الكُتُبَ لَعِباً .
الإنسان مُخيّر .
والأثر الذي تعرفونهُ جميعاً : رجل ضُبِطَ متلبّساً بِشُربِ الخمر, فاقتيدَ إلى عُمرَ بن الخطاب, ولمّا أرادَ إقامةَ الحدِ عليه قالَ: واللهِ يا أميرَ المؤمنين! إنَّ اللهَ قدّرَ عليَّ ذلك, فقالَ رضي الله عنهُ -وكانَ عالِماً بالكتاب والسُنّة- قالَ: أقيموا عليهِ الحدَّ مرتين؛ مرةً لأنهُ شَرِبَ الخمرَ, ومرةً لأنهُ افترى على الله, وقالَ: ويحكَ! إنَّ قضاءَ اللهِ لم يُخرِجكَ من الاختيارِ إلـــى الاضطرار. ندم الكافر يدل على أن الإنسان مخير .
وحينما تُطالعونَ القرآن الكريم , تجدونَ أنَّ مُعظم الآيات تُبيّنُ نَدَمَ الكافر على كُفرهِ :

﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 100]
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 56]
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾
[سورة الفرقان الآية: 27]
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
[سورة الفجر الآية: 24]
هذه الآيات كُلُها تؤكدُ : ندَمَ الكافر على فعلِهِ السيء وعلى معاصيه ، لو أنهُ كانَ مُجبراً عليها ولا خيارَ لهُ في ذلك , أيُعقل أن يندمَ على ذلك ؟!!.
الإنسان مسير ومخير بآن واحد :
إذا قرأتَ القرآن الكريم تشعر أنكَ مُخيّر، مُخيّر فيما كُلّفتَ به طبعاً، في دائرةٍ أنتَ مُسيّر وفي دائرةٍ أنتَ فيها مُخيّر، وُلِدتَ من أبٍ فلانيٍ وأمٍ فلانيةٍ؛ في المكان الفُلاني, في الزمن الفُلاني, من أَسرةٍ فلانيةٍ, بوضعٍ مُعيّن, ببنيةٍ معينة, بوراثةٍ معيّنة, هذا كُلهُ أنتَ فيهِ مُسيّر, ولستَ مُحاسباً عنهُ إطلاقاً, وسيماً، ذميماً، ضعيفاً، قوياً، قصيراً، طويلاً، ذكيّاً، أقلَّ ذكاء، غنيّاً، فقيراً، هذه الحظوظ التي جاءتكَ من دونِ حولٍ مِنك, من دونِ طلب, إنكَ فيها مُسيّر ولستَ مُحاسباً عليها إطلاقاً, إنك مُخيرٌ فيما كُلّفتَ بهِ, والدليل قول الله عزّ وجل:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
ما هوَ الكسبُ ؟ أنت حينما تنبعثُ إلى طاعة الله عزّ وجل , حينما تتوجه إلــى طاعة الله عزّ وجل , هذا التوجّه إلى طاعة الله هوَ الكسب ، وحينما تتوجه إلى معصية الله عزّ وجل , هذا التوجه إلى معصية الله هوَ الاكتساب . ﴿فلها ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت﴾
يعني : بشكلٍ أو بآخر لا بُدَّ من عُنصُرٍ مِنك ، هوَ الذي حددَ مصيركَ مِنكَ ، خيرُكَ فيكَ وشرُّكَ مِنكَ ، يعني الجنةُ محضُ فضلٍ والنارُ محضُ عدل , فإذا أردتَ أن تدخُلَ الجنة فبِفضل الله وكرمهِ , لكن إذا دخلَ إنسانٌ النار, فبِعملهِ السيء , وباختيارهِ السيء , وبتَبِعةِ عملهِ .
فالدعاء الذي لا يُوافق الكتاب والسُنّة , لا ينبغي أن نحفلَ بهِ , ادع بما دعا به النبي عليه الصلاة والسلام ، النبي عليه الصلاة والسلام وضّحَ وبيّنَ وفصّلَ , وحينما دعا يُستنبطُ من دعائهِ الشريف : أنَّ النفسَ البشريةَ : ﴿لها ما كسبت وعليه ما اكتسبت﴾
أمّا ما أنتَ مُسيّرٌ فيه , هذا موضوع دقيق جداً , إذا كان سابق لوجودك فهوَ لصالِحك ، وإذا كانَ تابعٌ لوجودِك فهوَ دفعٌ لثمنِ اختيارِك .
الفكرة دقيقة جداً : إن كانَ هذا الاختيار ، إن كانَ هذا التسييرُ سابقاً لوجودِك , لماذا خُلقت من فُلان وفُلانة , وبهذه الصِفات , وبهذه البُنى , وبهذه الإمكانات , وبهذه القُدرات ؟ هذا الخلق سابقُ لوجودِك , هوَ لمصلحتِك , وليسَ في إمكانِك أبدعُ مما أعطاك , كما قالَ الإمام الغزالي ، أمّا التسييرُ الذي يتمُ بعدَ وجودِك ودفعٌ لثمنِ اختيارِك , يعني الإنسان إذا اختارَ اختياراً صالِحاً , إذا اختارَ طاعة الله عزّ وجل , سيّرهُ اللهُ لِما فيه خير له الدنيا والآخرة ، وإذا اختارَ معصية اللهَ عزّ وجل , سيّرهُ الله لدفعِ ثمن اختيارِهِ ، سيّرهُ ليؤدبه ، سيرهُ ليقتصَّ منه ، سيّرهُ ليوقفهُ عِندَ حدهِ ، سيرهُ ليردعهُ ، فالتسييرُ الذي يأتي بعدَ اختيارك , هو لدفعِ ثمن اختيارِك , إمّا مكافأةً وإمّا عِقاباً ، والتسيير الذي يأتي قبلَ اختيارِك , إنما هوَ في مصلحة اختيارِك .
ما كانَ سابقاً لوجودِك اعلم عِلمَ اليقين أنهُ في مصلَحَتِك .
وما كانَ لاحقاُ لوجودِك إنهُ دفعٌ لثمنِ اختيارِك .
فلذلك : من أدق الآيات الكريمة , ومن أدق الصيّغ اللغوية التي تستعمل للنفي , هي صيغةُ ما كانَ لـِ : ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 70]
ربُنا عزّ وجل في هذه الآية لم ينف عن ذاتهِ ظُلمَ العباد, بل نفى عن ذاتهِ كُلَّ ما حولَ الظُلم، اللهُ عزّ وجل لا يُريد الظُلمَ ولا يقبلهُ ولا يأمرُ بهِ ولا يوقِعهُ بينَ عِبادهِ.
كُنتُ قلتُ لكم سابِقاً هذا المثل: يعني فرقٌ كبير بينَ أن تقول فُلانٌ لم يسرِق هذه الدراهم, وفُلانٌ ما كانَ لهُ أن يسرِق, لم يسرِق نَفيُ الحدث, لكن ما كانَ لهُ أن يسرِق نَفيُ الشأن، ليسَ من شأنِهِ, ولا من طبيعتهِ, ولا من أخلاقهِ, ولا من قيمهِ, ولا يُريد, ولا يرضى, ولا يقبل, ولا يُقرّ, ولا يدعو, أبداً كُل هذه المعاني منفيةٌ عنه, فلذلك إذا قالَ اللهُ:
﴿ما كانَ اللهُ ليظلمهم﴾
إذا قالَ اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 49]
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 124]
((لا ظُلمَ اليوم إني حرّمتُ الظُلمَ على نفسي, وجعلتهُ محرّماً بينكم فلا تظّالموا))
إذاً: الآيات والأحاديث القدسية الشريفة واضحةٌ، قطعيةُ الدلالةِ, في أنَّ اللهَ عزّ وجل منزّهٌ عن الظُلم؛ أي: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
هذا الأعرابيُّ الذي قالَ لهُ النبي عليه الصلاة والسلام, الذي سألَ النبي, قالَ:
((عِظني وأوجِز، فقرأَ عليه الصلاة والسلام:
﴿فمن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يره﴾
قالَ: كُفيت، فقالَ عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجُل)) شعبان إعداد لرمضان :
إذاً: نعود إلى ليلةِ النِصفِ من شعبان, إنها بادئَ ذي بدءٍ: إعدادٌ للنفسِ كي تستقبلَ شهرَ الصيام, وهيَ في أوجِ إقبالِها على اللهِ عزّ وجل، وهيَ في أتمِّ استعدادٍ للدخولِ في هذا الشهر الكريم الشيء العظيم، الشيء المُقدّس, يحتاج إلى تمهيد, لكن الشيء التافه لا يحتاج إلى تمهيد، فهذا رمضان لعلَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُعتِقُنا فيه من النار، لعلَّ هذا الشهرَ الفضيل يرتقي فيه الإنسانُ: من حالٍ إلى حال، ومن درجةٍ إلى درجة، ومن منزِلةٍ إلى منزِلة، ومن قيّمٍ إلى قيّم، ومن نوايا إلى نوايا، ومن رؤيا إلى رؤيا، فما دامَ هذا الشهرُ الكريم يمكن أن يكونَ سبباً في ارتقائِكَ, لا بُدَ لهُ من تمهيد، التمهيد هوَ شهرُ شعبان؛ صيامٌ وإنفاقٌ وتلاوة قرآنٍ وعملٌ طيب.
يعني بالمَثل المادي: إذا أردت أن تقطعَ مسافةً بينَ نقطتين بسرعةٍ عاليةٍ, لا بُدَ من أن تتحركَ قبلَ نُقطة البدء, إذا بدأت الحركة عِندَ نقطة البدء, إلى أن تزدادَ سُرعَتُكَ, وتأخذَ سُرعتكَ القصوى, تكون قد قطعتَ مسافةً هدراً، فمن أجلِ أن تبدأَ السيرَ سريعاً من نقطة - أ - إلى نقطة - ب – لا بُدَ من التحرُك قبلَ - أ - هذا بشكلٍ أو بآخر ما يعنيه الإعدادُ لرمضانَ من شعبان.
الشيء الثاني : النبي عليه الصلاة والسلام كانَ يدعو اللهَ في هذا الشهر الفضيل .
والدُعاء فصلتُ عنهُ كثيراً في خُطبة الجُمُعة ، وذكرتُ أنَّ في القرآنَ الكريم ثلاثَ عشرةَ آية فيها كلمة قُل : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 189]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 222]
ثلاثَ عشرةَ آية في القرآن الكريم فيها هذه الصيغة, إلا آيةً واحدة هي قولهُ تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
إذا فتحتم المُعجمَ المُفهرس على مادةِ سألَ تأتي آيات يسألونكَ, احصِ هذه الآيــات, ثلاثَ عشرةَ آيةً كريمةً, في كُلِ هذه الآيات كلمةٌ واحدة هيَ: قُل, هذه الكلمة كلمة قُـل, غابت في آية واحدة هي:
﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾
استفادَ العلماء من غياب كلمة: قُل في هذه الآية, أنهُ ليسَ بينَ العبدِ وبينَ ربهِ حِجاب, لا وسطاء, الدعاء وسيلةُ اتصالٍ مباشِر, أن يكونَ بينَ يديكَ هذا السلاح الخطير بإمكانِكَ أن تدعوَ اللهَ عزّ وجــل، واللهِ لا تستطيع أن تدخل على إنسان ذي أهميةٍ بسيطة إلا بموعدٍ قبلَ أسبوعين, وإلا بوقفةٍ لساعـاتٍ كثيرة على بابهِ، لكنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول: ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني﴾
قد تقفُ ساعاتٍ على بابِ إنسان. الترابط بين قوله وإذا سألك عبادي وقوله فمن كان يرجوا لقاء ربه:
ربُنا عزّ وجل يقول:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
هاتان الآيتان لا تُقدّران بثمن :
يعني إذا أردتَ أن تلتقي معَ الله عزّ وجل , اعمل عملاً صالحاً , وادخل إلى بيتٍ من بيوت الله , وصلي ركعتين , وانظركيفَ أنَّ اللهَ سبحانـهُ وتعالى يتجلّى على قلبِك ؟ وانظر كيفَ تنهمر دموعُك ؟ وانظر كيفَ تشعر أنكَ أسعدُ الناس ؟ هذا معنى قولِهِ تعالى :
﴿قُل إنما أنا بشرٌ مثلكُم يوحى إليَّ أنما إلهكم إلهٌ واحد فمن كانَ يرجو لِقاءَ ربهِ فليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادةِ ربهِ أحداً﴾
﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾
لكن ذكرت يوم الجمعة أنهُ : ﴿وإذا سألكَ عبادي عني﴾
أنتَ عن ماذا تسأل؟ قُل لي ما الذي تسألُ عنه, أقُل لكَ من أنت؟ ما الذي يعنيك؟ ما الذي يُقلِقُك؟ ما الذي تبحثُ عنه؟ ما الذي ترجوه؟ . ﴿وإذا سألكَ عبادي عني﴾
تسألُ عن حُطام الدُنيا، عن متاعِها، عن تجارتها، عن مكاسِبها، عن بيوتها، عـــن زوجاتِها، عن نِسائِها، أم تسألُ عن الله كيفَ أُرضيه؟ كيفَ يرضى عني؟ كيفَ أتقرّبُ إليه؟ كيفَ أُطيعهُ؟ كيفَ يقبلُني؟ كيفَ يُحبُني؟. ﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب﴾
أيام بعض الأخوة يدعونَ دعاءً بصوتٍ مرتفعٍ وصياحٍ وضجيجٍ ورفعِ اليدين إلى السماء, ودُعاءٍ بليغٍ منمّقٍ، مُسجّعٍ، مدروسٍ، مُعدٍ إعداداً رائعاً، مع أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول عن سيدنا زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 3]
بإمكانِكَ وأنتَ صامت، بإمكانِكَ وشفتاكَ مُطبقتان: أن تسألَ اللهَ في قلبِكَ شيئــاً، سِلاحٌ عظيمٌ بينَ يديك، يعني أنت من أجل أن تصل إلى شخص ذي أهميةٍ قليلة, تبذلُ جُهداً كبيراً، لكنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه, تقول: يا رب, يقول لكَ: لبيكَ يا عبدي اسأل تُعط.
هذا الحديث الشريف الذي أتلوه على مسامِعكم, دائماً لو وقفنا عِندهُ وقفةً متأنية:
عَنْ َأَبِي هُرَيْرَةَ قَال, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائـِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وأنتَ إذا قُلتَ: سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدَه؛ اللهُ يسمَعُكَ, سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدهَ, تفضّل, قُل له: يا ربي لكَ الحمد والشكر والنعمة حمداً كثيراً طيباً مُباركاً.
ليلة النصف من شعبان .
في الحديث عن ليلة النصف من شعبان :
حديثٌ عن الدُعاء , وعن قيمة الدُعـاء ، وكيفَ أنَّ الدُعاءَ سِلاح المؤمن .
ولكن قد تسأل هذا السؤال : يا رب المسلمون يدعونكَ ليلَ نهار في كُلِ مناسبة, وعَقِبَ كُلِ صلاة, وفي مناسباتِهم الدينية, وفي الخُطب, وفي الكلمات, وفي الاحتفالات, وفي عقودِ القِران, وفي المناسبات الحزينة، يسألونكَ أن تُهلِكَ أعداءهم, يا رب وأن .. وأن .. وأن .., والذي يراهُ الناظر: أنّ اللهَ عزّ وجل لا يستجيب.
الجواب في هذه الآية :
﴿وإذا سألكَ عبادي عني فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾
قد يُصبحُ الدُعاءُ سلوكاً، قد يُصبِحُ الدُعاءُ عادةً لا معنى لها, ادع لنا يا سيدي فيدعو لك, الداعي والذي يؤمنُ على دُعائهِ في وادٍ آخر.
قال : ﴿أُجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾
.
إذا دعاني حقيقةً، قد يدعوني الداعـي وهوَ متكئٌ على زيدٌ أو عُبيد معتمدٌ عليه، قد يدعوني الداعي وهوَ معتمدٌ على مالِه أو على جاههِ أو على قريبهِ أو على شيء في يدهِ, لكنهُ إذا دعاني حقّاً أُجيبهُ.
الله عزّ وجل يُعلّمُنا كيفَ يستجيبُ لنا؟ قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
يعني إذا آمنت بهِ تستجيبُ لهُ، فإذا استجبتَ لهُ ودعوتهُ يستجيبُ لكَ، هذه الآية قانون الدُعاء: آمن بهِ ثمَّ استجب لهُ ثم ادعهُ يستجب لك, فإذا حدثّتُكم عن دعاء النصف من شعبان, فهوَ الحديث عن الدُعاء, لأنه مُخُ العِبادة, يعني الإنسان يُصلي حتى يتصل، يصوم حتى يتصل، يَحُج حتى يتصل، يتصدّق حتى يتصل، يستقيم حتى يتصل، يعمل الأعمال الصالحة حتى يتصل، إذاً: الاتصال بالله هوَ كُل شيء, لأنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((الدُعاءُ مُخُ العِبادة))
[أخرجه الترمذي في سننه]
يعني أعلى درجات الاتصال: أن تدعوهُ وأنتَ في ضائقة، أن تدعوهُ بدُعاءٍ حار, أن تدعوهُ وأنتَ تستغيثُ بهِ، لذلك قالَ النبي الكريم:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ليسَ شيء أكرمُ على اللهِ من الدُعاء.
وأجمل ما في هذا الموضوع قولهُ تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 77]
يعني لولا أنكم تدعونَ اللهَ عزّ وجل, اللهُ عزّ وجل لا يعبأُ بِكم, أي الدُعــاءُ علامة الإيمان، إذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنَّ اللهَ موجود، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنــك مؤمنٌ بأنهُ يستمعُ إليك، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنكَ مؤمنٌ بأنهُ يستجيبُ لك، وإذا دعوتَ الله معنى ذلك: أنكَ مؤمنٌ بأنهُ قدير، إيمانُكَ بأنهُ موجود وبأنهُ سميعٌ وبأنهُ قديرُ وبأنهُ رحيمٌ دعاكَ إلى أن تدعوهُ، إذاً: دُعاؤكَ لهُ علامةُ إيمانِكَ بهِ, إذاً:
﴿ما يعبأُ بِكم ربي لولا دُعاؤكم فقد كذبتم فسوفَ يكونُ لِزاماً﴾
الدرس الثالث والثلاثين من دروس مدارج السالكين في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين:
مفاضلة بين المطيع والعاصي التائب .
عودةٌ إلى موضوعِنا المُقرر , وهوَ ما قالهُ بعضُ العُلماء :
في ترجيحِ الطائع الذي لـم يعصِ الله على الإنسانَ الذي عصى اللهَ ثمَّ تابَ منهُ , موضوع لطيف : على أنَّ كُل فريقٍ يحتجُّ بأنَّ الأول أفضلُ من الثاني.
أولاً :
قالَ بعضُهم : إنَّ أكملَ الخلقِ وأفضلُهم أطوَعُهم لله وهـذا الذي لم يعصِ فيكونُ أفضل .
إنسان لم يعصِ , وإنسان عصى وتاب .
الذي لم يعصِ أفضلُ من الذي عصى وتاب بشكل بديهي ، الذي عصى مضى وقتٌ من حياتِهِ , وهوَ في معصية , وهوَ في قطيعة , وهو في خسارة , فالذي يُرافِقهُ ولم يعص , هذا الوقت أمضاهُ في طاعة الله , استفادَ من الوقت , ومن عملهِ الصالح , ومن إقبالِهِ على الله , إذاً : الشخصُ الأول يُعدُّ أفضل .
العاصي في أثناء المعصية يمقُتهُ الله عزّ وجل .
الطائعُ في أثناء الطاعة يُحِبـهُ الله عزّ وجل .
إذاً :
بينَ أن يمضيَ وقتٌ وأنتَ في مقتِ الله , وبينَ أن يمضيَ وقتٌ وأنتَ في طاعة الله , بونٌ كبيرٌ بينهما , المُذنب حينما يُذنب قد يتوب وقد لا يتوب فهوَ مُغامر , وإذا عالجهُ الله بمصيبةٍ قد يستجيب وقد لا يستجيب ، وقد يستفيد وقد لا يستفيد ، ففي المعصيةِ مغامرةٌ كبيرةَ بل مقامرةٌ كبيرة .
يعني من يضمنُ لكَ أن تتوبَ من هذه المعصيــة ؟ هُناكَ أُناسٌ يُصرّونَ على ذنبِهم حتى الموت , أبداً .
إذاً :
الطائع في سلام , أما العاصي في مقامرة وفي مغامرة ، المُطيع أحاطَ نفســهُ بسياجٍ منيع من الطاعة , لكنَّ العاصي جعلَ في هذا السياج ثغرات كثيرة , من هذه الثغرات :
أتاهُ الشيطان فخرّبَ بنيتهُ الداخلية ، وخرّبَ صفاءهُ ، وخرّبَ إقبالهُ على الله عزّ وجل .
في نقطة دقيقة جداً : أجمعَ أصحاب رسول الله صلى اللهُ عليه وسلم وهذه الفِكرةَ أقولَها لكم دائماً , والآن أقرأُها أولَ مرة على أنَّ كُلَ ما عُصي اللهُ بهِ فهوَ من جهل .
يعني لا يُمكن أن تعصي اللهَ عزّ وجل إلاّ وتُدمغ بأنكَ جاهل .
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ :
((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجــَبَ بِعِلْمِه))
[أخرجه الدارمي في سننه]
مهما تعلّمت , ما دُمتَ مُقيماً على معصيةٍ , فأنتَ لا تعرِفُ الله .
مقياسُ علِمِكَ : طاعتُكَ لا حذلقةُ لِسانِك , ولا طلاقة لِسانِك , ولا إجابتُكَ عن كُلِ مسألةٍ تُسألُ بِها .
مقياسُ عِلمِكَ الحقيقي : الذي يُنجيّكَ يومَ القيامة طاعتُكَ للهِ عزّ وجل .
فلذلك أجمعَ أصحابُ رسول الله على أنَّ كُلَ ما عُصي اللهُ بهِ فهوَ جهالة ، والجهالــةُ نوعان :
الجهالة نوعان :
جهالةُ عِلمٍ وجهالةُ سلوكٍ .
إمّا من الجهلِ وإمّا من السُفهِ، الإنسان إذا انحرف فهوَ سفيه، وإذا ارتكبَ معصيةً فهوَ جاهل، لذلك أعدى أعداء الإنسان هوَ الجهل, وربُنا عزّ وجل حينما قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
الجاهليةُ الأولى هيَ الجهلُ المُفضي إلى الجهالة, هذا الانحراف, الإنسان حينما يعصي يطمعُ العدوُ بهِ والعدوُ هوَ الشيطان، يعني إذا أنتَ لم تعص أبداً, الشيطان ييأسُ مِنك, لكِنكَ إذا بدأتَ خطوةً نحوَ المعصية, طَمِعَ فيكَ الشيطان, وطَمِعَ بمزيدٍ من المعاصي.
الشيء المُهم: أنَّ المعصية لا بُدَّ من أن تُكفّر, إمّا بمصيبة كي تُمحى بِها هذه المعصية، وإمّا بحسنةٍ كبيرة تُمحى بِها هذه المعصية، وإمّا بعذابِ قبرٍ، وإمّا بسكراتِ موتٍ، وإمــّا بعذابٍ في النار.
يعني هذه المعاصي كما قالَ النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويهِ عن ربهِ:
((وعزتي وجلالي, لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها, سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء, شددت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
في درسٍ آخر إن شاءَ الله عزّ وجل نتحدّث عن فضلِ من وقعَ في مخالفةٍ ثمَّ تابَ إلى اللهِ عزّ وجل وقُبلِت توبتهُ، وكيفَ أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يرحمهُ ويقبلهُ؟ حتى يتوازن الوضع, إذا واحد لم يعص فهذا شيء جميل جداً، لكن إذا عصى وتاب وقَبِلهُ الله عزّ وجل لهُ عِندَ اللهِ شأنٌ كبير, لأنَّ اللهَ يفرحُ بتوبةِ عبدهِ.
أحياناً -ولله المثلُ الأعلى-: يكون في الأُسرة طِفلان أو شابان، شابٌ متفوقٌ في دراستهِ, وشابٌ آخر منحرف انحرافاً شديداً، المتفــوق والمستقيم ألِفَ والِداهُ أنهُ كذلك، لكن المُنحرف إذا عادَ إلى طريق الصواب, يُدخلُ على قلبِ والديهِ فرحاً لا حدودَ لهُ, لذلك: ((لا اللهُ أفرحُ بتوبةِ عبدهِ من الضال الواجد, والعقيم الوالد, والظمآن الـوارد))
والنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رأى امرأةً من السبايا رأت ابنها, فأقبلت عليه, ووضعتهُ على صدرِها, قال: ((لا اللهُ أفرحُ بتوبة عبدهِ من هذه بولدها))
أحاديث كثيرة تؤكد ذلك.
على كُلٍ؛ هذا في الدرس القادم إن شاءَ اللهُ تعالى, قيامُ ليلةِ النصفِ من شعبــان, يعني أن تُكثر فيها من الذِكرِ والدُعاءِ والصلاة.
وقالَ بعضُهم: إذا صليتَ قبلَ الفجرِ صلاة قيام الليل, أجزأتكَ عن قيام الليل عِندَ بعضِ العُلماء.
يعني شيء من قيام الليل وشيء من تِلاوة القرآن, هذا يجعلُكَ من الذين استجابوا للهِ ورسولهِ وأحيَوا ليلةَ النصِفِ من شعبان.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:43 PM   #36


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع : التوبة - 1




منزلة التوبة :
أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الرابع والثلاثين من دروس مدارج السالكين , في منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين ، ولا زِلنا في منزلة التوبة .
بدأنا هذه المنزلة بأنواع الذنوب والمعاصي , بِدءاً من أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم , إلى الشِركِ والنِفاقِ والكُفرِ والفسوق , إلى الإثمِ والعدوان , إلى الفحشاءِ والمُنكر , إلى الكبائر , إلى الصغائر . أحكام التوبة :
وفي هذا الدرس نتحدّثُ عن أحكامٍ مُهمةٍ جداً من أحكام التوبة .
الحُكمُ الأول : هوَ أنَّ المبادرةَ إلى التوبة من الذنبِ فرضٌ على الفور , فمن وقعَ في ذنبٍ , وتابَ منهُ بعدَ حين , عليهِ أن يتوبَ من ذنبين : الذنبُ الذي اقتضى التوبة ، وتأخير التوبة , لأنَّ المبادرةَ إلى التوبةِ من الذنبِ فرضٌ على الفور .
إذاً : لو أنَّ الإنسانَ اقترفَ ذنباً , ولم يَتُب منهُ فوراً , بل تابَ منهُ بعدَ حين , عليهِ أن يتوبَ مرتين :
أن يتوبَ من هذا الذنب , وأن يتوبَ من تأخير التوبة , لماذا ؟
لأنكَ إذا وقعتَ في الذنب , وبقيتَ عليهِ فترةً ما , لعلّ الذنبُ يصبح من عوائدِكَ ، لعلّكَ قَبِلتهُ ، لعلّك اعتدتَ عليه ، لعلّكَ اجترأتَ على الله ، لعلّهُ مع التكرار أصبحَ شيئاً بسيطاً عِندكَ , فالخطورةُ ليسَ في وقوعِكَ في الذنب , بل الخطورةُ في أن تستمرَ في الذنب ، فلذلك من استمرَ في ذنبهِ , فعليهِ أن يتوبَ من الذنبِ , ومن تأخير التوبة .
لذلك :
من وقعَ في ذنبٍ , ولم يتُب منهُ فوراً , عليهِ أن يتوبَ توبةً عامّةً .
هُناكَ توبةٌ خاصّة من هذا الذنب بالذّات , وهُناكَ توبةَ عامّة , فلعلَّ التوبةَ العامة تمحو ذنبَ تأخير التوبة .
كانَ عليه الصلاة والسلام يدعو في صلاتهِ , ويقول :
((اللهم إني أعوذُ بِكَ أن أُشرِكَ بِكَ وأنا أعلم, وأستغفِرُكَ لِما لا أعلم))
وكانَ يدعو في صلاتهِ ويقولُ : ((اللهم اغفر))
دققوا في هذا الدعاء :
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو : ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي, وَجَهْلِي, وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي هَزْلِي وَجِدِّي, وخطئي وَعَمْدِي, وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
لكن لو قُلتَ أنتَ لمن يدعوكَ إلى التوبةِ من هذا الذنب : أنا ما كُنتُ أعلمُ أنَّ هذا ذنب , لا أعلم يا أخي , ماذا تُجيبهُ ؟ إنَّ عدمَ عِلمِكَ معصية ، هُناكَ معصيةٌ , وهُناكَ معصيةُ أن لا تعلم ، لماذا لا تعلم ؟.
لذلك :
وردَ في الحديث الشريف , في كتاب الجامع الصغير فيما أذكر , أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : ويلٌ لمن لا يعلم , هوَ أكبرُ ذنب , وويلٌ لمن يعلم . كيف ؟ .
ويلٌ لمن لا يعلم : إنَّ عدمَ العِلمِ ، إنَّ عدمَ طلبَ العِلمِ ، إنَّ عدمَ معرفة الله عزّ وجل ومعرفة منهجِهِ ذنبٌ كبير ، لكنكَ إذا عَلِمت ولم تعمل أيضاً ويلٌ لك ، ويلٌ لمن لا يعلم , وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل .
فدِقّةُ هذا الدعاء : (( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي, وَجَهْلِي, وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي ))
فالجهلُ ذنب.
وكُلكم يعلم : أنَّ أيَّ مواطن إذا ضُبِطَ بمخالفةٍ , وقالَ للقاضي : يا سيدي ما كُنتُ أعلم , يُجيبهُ إجابةً ثابتةً , يقول لهُ : يا أخي لا جهلَ في القانون , الجاهل لا يُعذر , اطلب العِلم .
وفي المناسبة: ما من إنسانِ على وجه الأرض, على علمٍ, أو على خِبرةٍ, أو على اختصاصٍ, تستطيعُ أن تطرقَ عيادتهُ, أو مكتبهُ, أو مقرَّ عملهِ, دونِ أن تُهيىء الأموال الكافية, الأتعاب، الأجور، إلا أنَ اللهَ جلّت حِكمته, جعلَ دينهُ, وحقائقَ دينهِ, وكتابهُ, وتفسيرَ كتابهِ, وحديثَ نبيهِ الشريف, وتفسير حديثِ نبيهِ الشريف, جعلهُ مبذولاً بِلا مُقابل، بيوت الله مفتوحة, والخدمات تؤدى بِلا مُقابل، ولكَ أن تسأل, ولكَ أن تستفتي, ولكَ أن تحضر أيَّ مجلسٍ, مهما كانَ الذي يُلقي الدرس, على جانبٍ من الأهميةِ والشُهرةِ, تحضرُ درسهُ مجاناً، أمّا الطاولة ليلة, رأس الميلاد في بعض الفنادق, تُكلّف عشرةَ آلاف ليرة, المعاصي غالية جداً أمّا الطاعات مبذولة.
إذاً :
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ, عَنْ أَبِيهِ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي, وَخَطَئِي وَعَمْدِي, وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ, وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي, أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ, وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))
دُعاء رائع .
أيها الأخوة الأكارم ؛ في التوبةِ حقائق خطيرة ، وحينما أقول حقائق خطيرة , أعني بها حقائق مهمةٌ جداً ، من هذه الحقائق :
أنَّ العبدَ إذا تابَ من الذنب , فهل يرجِعُ بعدَ التوبةِ إلى ما كانَ قبلَ الذنب عِندَ الله ؟
كانَ في هذه المكانة ، سقطَ في ذنب ، ثمَ تابَ منهُ ، فهل يرجِعُ إلى مكانةٍ كانَ يحتلُها قبلَ الذنب ؟
هذا سؤال ؟
الجواب :
1- من التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ كانت قبلَ الذنب .
2- ومن التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ دونَ ما كانَ قبلَ الذنب .
3- ومن التائبين من يعودُ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كانَ قبلَ الذنب .
قال : لو أنَّ إنساناً يقطعُ طريقاً طويلاً , تارةً يركبُ ناقتهُ ، وتارةً يمشي الهوينى ، تارةً يُسرع ، تارةً يجلس ليأكل , ما زال كذلك , من طورٍ إلى طور , التفتَ يمنةً , فإذا شجرةٌ وارفةُ الظِلال , وعلى طرفِها ماءٌ يجري , عذبٌ سلسبيل , فتاقت نفسهُ أن يستريحَ , ويجلس هُنا , بينما هوَ يجلس , جاءَ عدوٌ لهُ , فقيّدهُ في مكانهِ وحَبَسهُ , هذا هوَ الذنب , حينما وقعَ الإنسانُ في ذنبٍ , أصبحَ مقيّداً : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
[سورة المُدثّر الآية: 38]
بالقوانين , الإنسان البريء حر طليق ، يجلس في بيتهِ ، يذهب إلى مكان جميل ، يلتقي مع شخص ، يزور إنساناً , أمّا إذا ارتكبَ جريمةً , يُلقى القبض عليه , ويودع في السجن , متى فقدَ حريّتهُ ؟ حينما وقعَ بالذنب , فهذا الإنسان يسير في طريقٍ طويل , وإلى هدفٍ بعيد , تارةً يركب ، تارةً يمشي ، تارةً يُسرع ، تارةً يُبطئ ، تارةً يجلس ، تارةً يأكل ، حارت منهُ التفاتةٌ , رأى شجرةٌ وارفة الظِلال ومياهٌ عذبة , فتاقت نفسهُ أن يستريح , استراح , جاءهُ عدوٌ لهُ وقيّدهُ ومنعهُ من الحركة ، ثمَّ جاءَ صديقٌ لهُ ففكّهُ من هذا القيد ، بعدَ هذه التجربة لعلّهُ يَجِدُ في السير ويُغذُ في السير , إذاً : هذا التائب ربما عادَ بعدَ التوبةِ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كانَ قبلَ التوبة , ممكن , وربما عادَ هذا المُسافر بعدَ أن فُكَ من قيدهِ إلى ما كانَ عليه قبلَ أن يستريح عند هذه الشجرة ، وربما أغوتهُ هذه الشجرة وبظِلِها الظليل ومائها العذب النمير تاقت نفسهُ أن يعود , ويقول : حينما يأتي من يُقيّدُني يأتي من يَفُكُني .
إذاً :
بعدَ التوبة إمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ كالتي كُنتَ عليها قبلَ التوبة ، وإمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ فوقَ ما كُنتَ عليها ، وإمّا أن تعودَ إلى مرتبةٍ دونَ ما كُنتَ عليها , هذا بحسَبِ هِمَتِكَ ونشاطِكَ وحُبِكَ وإخلاصِكَ وإدراكِكَ ووعيِكَ , هذه واحدة . الذنوب التي تغفر والذنوب التي لا تغفر .
شيءٌ آخر في التوبة هوَ : أنكَ إذا وقعتَ في ذنبٍ متعلّقٍ بآدميّ .
الذنوب كما تعلمونَ أنواع منوّعة :
1- هُناكَ ذنوبٌ فيما بينكَ وبينَ الله .
2- وهُناكَ ذنوبٌ فيما بينكَ وبينَ العِباد .
فالتي بينكَ وبينَ اللهَ , يمكن أن تستغفرَ اللهَ منها فيما بينكَ وبينهُ , ويغلِبُ على الظن أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى عفوٌ كريم ، ولكنَّ الذنوبَ التي فيما بينكَ وبينَ العِباد هذه لن تُغفر , ودققوا فيما أقول :
لن تُغفر إلا إذا غَفَرَ لكَ العِباد , لأنَّ حقوقَ اللهِ عزّ وجل مبنيّةٌ على المُسامحة , بينما حقوق الخلق مبنيّةٌ على المُشاححة ، لذلك قبلَ أن تقعَ في ذنبٍ معَ بني البشر , معَ إنسانٍ ، معَ مخلوقٍ ، معَ حيوانٍ ، معَ نباتٍ , قبلَ أن تعتدي على حقِ مخلوقٍ ، قبلَ أن تأخُذَ ما بيد مخلوقٍ ظُلماً وعُدواناً ، قبلَ أن تُجرّحهُ ، قبلَ أن تغتابهُ ، قبلَ أن تحقِرهُ ، قبلَ أن تأخُذَ مالهُ ، قبلَ أن تأخذَ بيتهُ ، قبلَ أن تبني مجدكَ على أنقاضهُ ، قبلَ أن تبني غِناكَ على فقرهِ ، قبلَ أن تبني حياتكَ على موتهِ ، قبلَ أن تبني أمنكَ على خوفِهِ ، قبلَ أن تقعَ في ذنبِ متعلّقٍ بالعِباد , فكّر ألفَ مرّة ، وفكّر مائة ألف مرّة ، وفكّر ألفَ ألف مرّة ، لأنَّ الذنوبَ التي يقعُ فيها الإنسانُ في حقِّ العِباد مبنيّةٌ على المشاححة , ولا بُدَ من مُسامحة ، وقد تقفُ أمامَ إنسانٍ موقِفاً ذليلاً .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الآن :
إذا تعلّق الذنبُ بمخلوقٍ ما ولعلّهُ إنسان ، لعلّهُ من بني البشر ، ماذا نعمل ؟
قال : هذا الحق إمّا أن يكونَ ماديّاً , وإمّا أن يكونَ معنويّاً .
فإذا كانَ حقّاً ماديّاً لا بُدَ من أدائهِ , أبداً , لا بُدَ من أدائهِ , مال ، حاجة ، آلة استعرتها منهُ , ثمَّ ادعيتَ أنها ضاعت مِنك , فسكت ، غافلتهُ , وأخذتَ هذا الشيء في ساعةِ غفلةٍ وجهلٍ وطيشٍ , وبعدَ حينٍ تُبتَ إلى اللهِ عزّ وجل , فإذا هذه الآلة الحاسبة بينَ يديك , هذه ليست لك , يعني الحقوق منها المادي مال ، عارية ، كتاب ، آلة ، ساعة ، حاجة ، دين ، ذِمّة ، أجور خِدمة ، اشتريتَ من بائعٍ حاجةً , وكانَ عِندهُ ازدحامٌ شديد , فوليتَ الأدبار , ولم تدفع الثمن .
إذا كانَ قد بدرَ مِنكَ ذنبٌ متعلّقٌ بآدميٍ أو بمخلوقٍ وكانَ الذنبُ ماديّاً , اسمعوا وسأقول بملء فمي : لا بُد من أداءِ هذا الحق , أو يُسامِحُكَ صاحِبُ هذا الحق ، كلامٌ واضحٌ كالشمس , لهذا حينما قالَ اللهُ عزّ وجل :
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
[سورة الأحقاف الآية: 31]
جاءت من للتبعيض، لأنَّ اللهَ عزّ وجل لا يغفرُ لكم كُلَّ ذنوبِكم، يغفر لكم بعضَ ذنوبِكم المتعلّقة فيما بينكم وبينهم.
إذاً: إذا كان الذنبُ متعلّقاً ببني البشر, أو بمخلوقٍ, وكانَ هذا العدوانُ على مالهِ, أو على حاجاتهِ, أو على بضاعتهِ, أو على متجرهِ, أو على بيتهِ, أو اغتصبتَ شِبرَ أرضٍ, أو دُكاناً, أو بيتاً, أو ......
تُروى قِصّة وقعت في هذه البلدة: إنسان مُضطر لثلاثمائة ألف ليرة, فجاءَ لأحد الأغنياء الكِبار, وعرضَ عليهِ مزرعةً فخمةً جداً، على أن يكتب هذه المزرعة باسمهِ, وأن يُقرِضهُ ثلاثمائة ألف ليرة, فإذا تمكّنَ من أدائِها, ردَّ لهُ المزرعة, اتفقا هكذا, فهذا الغني حينما كُتبت لهُ المزرعة, وذهبَ إليها, وأمضى فيها صيفاً جميلاً, فيها مسبح مثلاً، فيها أشجار مثمرة، فيها بيت, أعجبتهُ هذه المزرعة، بعدَ حين جاءهُ صاحبُ الدين, وقالَ: يا أخي هذا المبلغ توفّرَ لديّ, فيُرجى أن تُعيدَ لي المزرعة، قال: لا, كُل إنسان عِندهُ حقهُ، توسّلَ إليه, ورجاهُ, ووسّطَ لهُ أقرباءهُ, ووجهاء الحي, الجواب: دائماً: كُلٌ مِنّا عِندهُ ما بيدهِ, ويجب أن تعلموا: أنَّ المزرعة لها ثمن كبير جداً, وَضَعها رهناً, ولم يُعطِه هذهِ المزرعة مقابِلَ هذا المبلغ، هذا الرجل صاحب المزرعة, أصابهُ غمٌ شديد, وما زالَ هذا الغمُّ يتصاعدُ حتى قضى عليه وماتَ, وقبلَ أن يموت أوصى ابنهُ.
فأمرَ صاحب المزرعةَ ابنهُ: أن يا بُنيّ إذا مِت, فامشِ بجنازتي إلى المُهاجرين, ومُرَّ أمامَ بيتِ هذا المُغتصب, أعطهِ هذه الرسالة, كتب رسالة: أنني أنا ذاهبٌ إلى دارِ الحق, وسوفَ أُخاصِمُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل, فإن كُنتَ بطلاً لا تلحق بي إلى هُناك, هذه الرسالة وهذه قِصّةٌ وقعت.
طبعاً: مكتب دفن الموتى استغرب, لماذا نذهب إلى هذا المكان البعيد؟ هُنا التُربة, الباب الصغير, وأنتم في الميدان, قالَ: لا هذه وصيّةُ الوالد, فذهبت هـذه الجنازة إلى دار المُغتصب, ووقفت الجنازة هُناك, وطُرِقَ الباب, وأُعطيَ الرِسالة, ففتحها, وقرأَ ما فيها, والجنازة واقفة, قالَ لهُ: أنا ذاهبٌ إلى دارِ الحق, وإن كُنتَ بطلاً لا تلحق بي إلى هُناك.
يُروى أنَّ هذا المُغتصب بعدَ أيامٍ بادرَ فوراً إلى إرجاع المزرعةِ إلى الوَرَثة, شيء مُخيف: أن تغتصبَ شِبرَ أرضٍ، أن تغتصبَ بيتاً، دُكاناً، حاجةً، آلةً، مركبةً، هكذا, هذا الذي اغتصبتَ مِنهُ, لهُ رب, والربُّ كبير, وسوفَ يأخذُ مِنكَ الثمنُ باهِظاً يومَ القيامة.
لذلك قالَ عليه الصلاة والسلام :
(( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ))
الدين المُعاملة .
تركُ دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانينَ حجّةً بعدَ الإسلام.
ركعتانِ من وَرِع خيرٌ من ألفِ ركعةٍ من مُخلّط.
قال: أمّا إذا كانَ هذا الذنبُ متعلقاً بآدمي وهوَ ماديّ, قالَ عليه الصلاة والسلام: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ))
ممكن أن تُرسل حوالة بمبلغ، الآن مُمكن أن تضعَ هذا المبلغ بظرف, وأن تُلقيّهُ في دُكان هذا صاحبِ الحق، ممكن أن تعتذر، ممكن أن تستسمح، ممكن أن تُقدّم، ممكن أن تُحاسب، ممكن أن تترك البيت، ممكن أن تتخلى عن المحل التجاري.
إنسان وهوَ يقودُ سيارتهُ في الحِجاز, أصابتهُ أزمةٌ قلبيّة, فانكفأَ على مِقود السيارة, وإلى جانِبهِ زوجتهُ، من غرائب الصُدف: أنَّ صديقاً لهُ كانَ إلى جانب المركبة, فأخذهُ ووضعهُ في المقعد الخلفي, وساقَ المركبةَ إلى المُستشفى, وأُدخِلَ فوراً العنايةَ المُشددة، وهُناكَ أُناسٌ يُصابون بأزمةٍ قلبيةٍ بعدَ العنايةِ المُشددة, من فاتورةِ العناية المُشددة، فبعدَ ساعاتٍ انتعش وصحا, وقال: هاتوا لي مُسجلةً, فإذا هوَ يُصرّحُ: أنَّ هذا المحلَ التجاري الكائن في المكان الفُلاني ليسَ لي, هوَ لأخوتي, وقد اغتصبتهُ منهم, ولهم الحقُ فيه، اعترف.
أسرع طريقة للاعتراف هذه الطريقة، بعدَ أيامٍ عديدة, خرجَ من هذه العناية المُشددة, وشعرَ بقوةٍ ونشاط, فقالَ: أينَ الشريط؟ أعطوني إيّاه, فلمّا استرجعهُ كسّرهُ, وعادَ إلى ما كانَ عليه، وبعدَ ثمانيةِ أشهرٍ ماتَ ميتةً شنيعة, فهذا الذي حصلَ لهُ اسمهُ بالتعريف الحديث: إنذار مُبكّر.
أربعة شباب وَرِثوا عن والِدهم، الأخ الصغير ذهبَ حقهُ، هذا أخذ البيت من رائحــة والده، وهذا أخذ السجاد كُلهُ، وهذا أخذ المزرعة, وأبقوا الصغير بِلا شيء, أخونا هذا ونحنُ نُحبهُ, كلام فارغ, الإنسان يُغتصب أخوتهِ, لهُ أخت متزوجة, والبيت الذي يسكنهُ لهُ ولأختهِ, وهي متزوجة, يضيع نصيبها من البيت.
أعرف أخاً كريماً, يحضر معنا في هذا المسجد, يسكن في منزل غالي الثمن, وأُختهُ متزوجة, قيّمهُ, بسعر اليوم سعر خيالي, واشتغل, وجد, حتى قدّمَ لأختهِ حِصتها من هذا البيت, هذا الحق, بنت مستضعفة ضعيفة.
أعرف رجلاً مات, ترك ثروة طائلة، ترك ست بنات وأخٌ واحد, هذا الوريث المُذكّر أنكرَ حقوقَ أخوتهِ البنات كُلِهن بطريقةٍ أو بأُخرى، وقعهُ الأب سندات دين أو أشياء أُخرى حتى خرجت أخواتهُ من الإرث بِلا شيء.
لذلك: إذا الموضوع مادي, اسمعوا قولَ النبي عليه الصلاة والسلام: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَّلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ))
في أخ كريم من أخواننا الكِرام, عِندهُ معمل, فقالَ لي: أفقد مالي, وأفقد بِضاعة، بقيتُ أشهر عِدّة, وأنا أُراقب مُراقبة خيالية, والمال يُفقد من مكان الغلّة, والبِضاعة تنقص، هذا الذي يسرق خبير إلى درجة متناهية، ثمَ توقفت هذه السرقة, لم يعرف من هوَ الفاعل، قالَ لي: بعدَ عشر سنوات, طرقَ بابي شاب, مُلتح دعوتهُ, ودخل, فقالَ لهُ: هل عرفتني؟ فأجابهُ: كأني أعرِفُكَ، قالَ لهُ: أنا كُنتُ عِندِكَ عامِلاً قبلَ عشر سنوات, تذكرت, قالَ لهُ: أنا الذي كُنتُ آخذُ من جيبك, ومن بِضاعتك, وقد تعرّفتُ إلى الله, واصطلحتُ معهُ, فها أنذا أُريد أن أُعطيكَ كُلَ شيء, هذا الأخ الكريم قال لهُ: واللهِ نظير هذه التوبة سامحتُكَ بِكُلِ شيء.
رجل جاءتهُ قطعة أرض, ليست لهُ بحُكم توزيع الأراضي على الفلاحين, لهُ شيخ سألهُ: يا سيدي هذه الأرض جاءتني, وأصلُها لِفُلان, فقالَ لهُ: هذا لا يجوز يا بُني, اذهب إلى فُلان واشترها منهُ، ليسَ معهُ, فباعَ أساوِرَ زوجتهِ, وقالَ: لعلّهُ يرضى بهذه الدفعة المُقدّمة, وأُقسّط لهُ الثمن لسنوات طويلة، جاء إلى هذا الرجل, صاحِب هذه الأرض, وقال لهُ: يا سيدي أعطوني هذه الدونمات من أرضِك, وهيَ ليست لي, وسألتُ شيخي, فقال: هيَ ليست لي, وليسَ لكَ إلا أن تشتريها منهُ, وها أنا قد جِئتُكَ لأشتريها مِنك, فنظرَ إليه صاحبُ الأرض, وقال: واللهِ ذهبَ مني آلاف مؤلفة من الدونمات, وما وصلَ إليَّ واحدٌ من هؤلاء الأشخاص, يُريد شراء الأرض, إنها هديةٌ لكَ يا بُني, خُذها هذه, تأخذها حلالاً زلالاً كما يقولون.
لمّا الإنسان يطلب الورع, فالله عزّ وجل يُعينهُ، إذا أنت أردتَ أن تخرج من هذا البيت الذي ليسَ لكَ, فاللهُ عزّ وجل يُهيىء لكَ بيتاً ممتازاً, إذا آثرتَ اللهَ عزّ وجل, فاللهُ لا يُضيّعُك.
مرةً ثانية: ما تركَ عبدٌ شيئاً لله, إلا عوّضهُ اللهُ خيراً منهُ في دينهِ ودُنياه.
مستحيل أن تُطيعهُ وتخسر, ومرةً ثانية: مستحيل أن تعصيهِ وتربح، مستحيل أن تُطيعهُ وتشقى، مستحيل أن تعصيه وتسعد، مستحيل أن تُطيعهُ وتكون بآخر الركب إلا بالمُقدّمة ، مستحيل تعصيه وتكون في المُقدّمة إلا بالأخير، والدليل: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 128]
إذا كانت هذه المظلمةُ ليست ماديةً :
غيبة، نميمة، استهزاء، تجريح, احتقار، هذا ذنب يسمونهُ حقوق أدبيّة, أنتَ شتمتهُ، اغتبتهُ، جرحّتهُ، اتهمتهُ وهوَ بريء، طبعاً: لو أنهُ أقام دعوى لهُ حقٌ عِندك، طيب هذا الذنب كيفَ يُغفر؟ الآن دققوا وهذا نقعُ بهِ كثيراً.
بعضُهم قال: يجبُ أن تذهبَ لمن اغتبتهُ, وأن تذكُرَ لهُ ما قُلتَ لهُ في غيبتهِ عنهُ, وأن تطلُبَ أن يُسامِحكَ, لا يوجد سوى ذلك, هذا رأي.
وبعضُهم قال: يجوزُ أن تذهبَ إليه, وتقول لهُ: يا أخي لقد نِلتُ مِنك إجمالاً لا تفصيلاً, أرجو أن تُسامحني.
وبعضُهم قال: لا يكفي أن يعيدَ اللقاء الذي التقى بهِ معَ زيدٍ وعُبيد, وتحدّثَ بهِ في هذا اللقاء عن فُلان, أن تُعيدَ اللقاءَ مرةً ثانية, وأن تقول لهم: أنا كُنتُ مُخطئاً, وفُلان رجل جيد, وما إلى ذلك.
كم مذهب؟ ثلاثة؛ إمّا أن تذهبَ إليه, وأن تذكُرَ لهُ عينَ الذنب: الغيبة، الاحتقار، التقليد، النميمة, وأن تطلُبَ السماحَ منهُ، وإمّا أن تذهبَ إليه, وأن تقول لهُ بشكل عام: لقد نِلتُ مِنك, أرجو أن تُسامحني، أو أن لا تذهبَ إليهِ أبداً, وتذهبُ إلى من كُنتَ معهم, وتحدثتَ إليهم عنهُ, تعقِدُ لهم لِقاءً ثانياً, وتقول: أنا كُنتُ في خطأٍ كبير, وفُلان بريء, وأن قد تجاوزت حدّي, وقد اتهمتهُ ظُلماً, فأرجو أن يحصل لكم العِلم بذلك.
قال: مذهبُ الإمام الشافعي وأبي حنيفةَ والإمامِ مالِك, هوَ الإعلان التفصيلي والتحلل, قال: لأنَّ البراءةَ من حقِ المجهول ليست براءةً, أخي اكتب لي براءة ذمة، من ماذا ؟ من مبلغ لكَ معي، كم هوَ يجب أن يعرف المبلغ؟ براءة ذمة عامة لا يوجد، فُلان بريء الذمة من الدين الفُلاني البالغ كذا وكذا، فرأي الإمام الشافعي وأبي حنيفةَ والإمامِ مالِك: أنهُ لا بُدَّ من أن تذهبَ؛ إلى من اغتبتهُ, أو احتقرتهُ, أو جرّحتهُ, أو اتهمتهُ, أو غمزتَ من قناتهِ, أو طعنتَ في نَسَبِهِ, أو طعنتَ في أمانتهِ, حتى لو أنكَ أمسكتَ ثوبكَ, وحينما ذُكرت فُلانة, قُلت: أحسن منّي, هذه غيبة، هذا طعن.
قالوا: وردَ في الأثر: قذفُ محصنةٍ يهدِمُ عملَ مائة سنة.
فالبراءةُ من حقٍ مجهول لا تصح.
لهذا احتجّوا بقول النبي: (( رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ لأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ أَوْ مَالٍ, فَجَاءَهُ فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ, وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ, فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَملُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ))
لأنهُ حينما فعلَ هذا ارتكبَ جُرمين: ارتكبَ جُرماً في حقِ أخيه, طعناً في نسبهِ, أو بأمانتهِ, أو بإخلاصهِ.
الآن: إذا الإنسان ذُكر أمامهُ عالِم, لم يقل دجّال, عِندَ الله لا تمر هذه، هذا عالم لهُ دعوة, لهُ أخوان، أمتأكدٌ أنت؟ معك دليل، أمّ للتسلية؟ فكُل إنسان قبلَ أن يقول: دجّال، كاذب، غير فهمان، فهمان, قبلَ أن تتهمهُ بِتُهم هوَ بريء مِنها، حضرتَ مجلِسهُ، استمعتَ إلى دروسهِ ، التقيتَ معهُ، هكذا تتهم الناس غيابيّاً, وتنجو من عذاب الله؟ لا والله.
فقال: لا بُدَّ من أن تتحللهُ اليوم قبلَ ألا يكونَ درهمٌ ولا دينار, الآن في مجال أن تستسمح منهُ، تعقد مجلساً آخر تُغيّر كلامك، ممكن أن تتقرّب منهُ بهديّة، ممكن أن تخدمهُ خدمة، ممكن أن يلين قلبهُ, يقول لكَ: سامحتك, لكن قبلَ ذلك مُشكلة.
أمّا في اختيار ثان, ولعلّهُ مقبول، الاختيار الثاني: اجمع هؤلاء الذين اغتبته في حضرتهم، اجمعهم واذكر لهم أنكَ مُخطئٌ في هذه الغيبة, وأنهُ بريء, وأنهُ لا شائبةَ حولَهُ, وأنا كُنتُ مُخطئاً، ولا عليك ألا تذهبَ إلى صاحب الغيبة، لماذا؟ قال: لأنكَ إذا ذهبتَ إليه, وقُلتَ لهُ: قُلتُ عنكَ كذا وكذا, ربما غلا دمهُ، ورُبما حقدَ عليك، وربُما تفتتَ المُجتمع، ورُبما ورُبما, العلماء الآخرون رجّحوا أنهُ يكفي أن تجمعَ هؤلاء الذينَ اغتبته في حضرتهم, وأن تذكُرَ عكسَ ما قُلتهُ البارحة, وأن تتوبَ إلى الله عزّ وجل.
طبعاً: هُناكَ رأيان, والحقيقة الترجيح بينهُما: أنَّ الشخصَ الذي اغتبتهُ, إذا كانَ واسِعَ الصدر, حليماً, يترفّع عن الانتقام والحِقد, ولهُ عِندَ الله مكانة, لا تهزهُ أنتَ بِها, يعني ما ضرَّ السحابَ نبحُ الكِلاب، ما ضرَّ البحرَ أن ألقى فيهِ غلامَ بحجر.
في شخص سمعتهُ, ومكانتهُ عِندَ الله أكبر من كُل كلامك, يعني مكانتهُ وقُربهُ من الله وشعورهُ بالسعادة, أنتَ لا تهزهُ بكلامِك.
سيدنا موسى بالمُناجاة, قال: يا ربي لا تُبق لي عدوّاً, قالَ: يا موسى هذه ليست لي.
لي لم تصح, هذه ليست لي، كُل إنسان لهُ عدو, فإذا إنسان واسع الأُفق, عظيم الشأن لا يهتز، إذا كان ذهبتَ إليه, وقُلتَ لهُ: أنا قُلتُ كذا وكذا, أرجو أن تُسامحني, أغلب الظن يُسامحُك, ولا يحقد عليك، أمّا إذا إنسان إيمانهُ وسط, ونمطهُ عصبي, وقُلتَ لهُ: أنا قُلتُ عنكَ كذّاب, فإذا بهِ يعذبك مباشرةً, فمِثلُ هذه الحالة الأولى أن تُطبّقَ المذهب الثاني.
طبعاً يوجد حجّة: لماذا في الحقوق الماديّةِ: يجبُ أن يؤدى الحقُ إلى صاحبهِ, وفي الحقوق الأدبيّة: ليسَ ضروريّاً أن يؤدى الحقُ إلى صاحِبهِ, أن تذهب إلى من اغتبتهُ أمامهم؟ قال: لأنَّ الحقَ المادي يُنتفعُ بهِ, هذه الساعة لِفُلان, فإذا أديتها لصاحِبها, انتفعَ بِها, أعطاها لابنهِ, أمّا إذا ذهبتَ إلى من قد اغتبتهُ, وقلتَ لهُ: قُلتُ عنكَ كذّاب، ماذا استفاد؟ استفادَ من الحقد والغضب والشتم وما إلى ذلك.
إذاً: يُمكن بِحسب الحِكمةِ إمّا أن تتجهَ إلى من اغتبتهُ معتذراً مستسمحاً، طبعــاً: أن تذهبَ إلى من اغتبتهُ في حضرتهم, هذا شيء لا بُدَ منهُ, أمّا إليهِ بالذّات, هُنا يوجد خِلاف بينَ العُلماء حولهُ.
موضوع بالتوبة دقيق: قال: لو أنَّ إنساناً كانَ ذنبهُ الكذب, وذنبهُ الغيبة, ثمَّ قُطِعَ لِسانُهُ, وأصبحَ أبكم, هذا الإنسان تُقبل توبتهُ, إنسان زان أقيم عليه الحد، إنسان سارق قُطعت يدهُ، يعني أداةُ الذنب معدومة, كيفَ يتوب هذا الإنسان؟.
لهذا الإنسان توبة مع أنَّ لسانهُ مقطوع كُليّاً, ولا يستطيع أن يقولَ كلمةً واحدة, ولهُ أن يتوب من كُلِ ذنوبهِ السابقة القولية, والآن لسانهُ مقطوع, فكيفَ لهُ أن يتوب؟.
قال عليه الصلاة والسلام : (( النَّدَمُ تَوْبَةٌ, فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ, قَالَ: نَعَمْ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ, عَنِ ابْنِ مَعْقِلٍ]
حينما تندم فهذه توبة، إذا إنسان فرضاً فقدَ حريتهُ, وكانَ يُطلق بصرهُ بالحرام, دخــل لغرفة ليسَ فيها نساء لسنوات طويلة, ومات في هذه الغرفة, كيفَ يتوب من ذنب إطلاق البصر, لم يعد نساء هُنا؟ نقول: ندمهُ توبة, وهذا من رحمةِ الله بِنا, الندمُ توبة.
طبعاً: كيفَ قاسوا ذلك ؟ قال : قاسوا ذلك على أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا ))
لكَ أنتَ مجلس الاثنين والأحد والجمعة -لا سمحَ اللهُ ولا قدّر- صار في مرض, لَزِمـتَ الفِراش أسبوعين، هل تُصدّق أن أجرَ حضور الدروس الثلاثة مكتوبٌ لكَ وأنتَ في البيت إذا في عُذر طبعاً، أو سافرت سفراً شرعياً, وغِبتَ عن بعض الدروس، وغِبتَ عن بعض الأعمال الطيبة التي ألِفتَ أن تعمَلها, هل تُصدّق أن أجرَكَ هوَ هوَ؟.
إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ, كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا.
وفي الصحيحِ أيضاً : أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانَ في الجهاد , قالَ : ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا, مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا, وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا, إِلا كَانُوا مَعَكُمْ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ, قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ))
كُلكُم يعلم, لمّا النبي تفقّدَ بعض أصحابهِ في غزوة, ففي شخص طعنَ بِهم، غمزَ من قناتِهم، اتهمهم بالنِفاق، قالَ: ((يا رسولَ الله! فُلان شَغلهُ النظر إلى عِطفيه عن الجِهاد معك، فقام أحد أصحاب رسول الله, وقال: كذبتَ والله، يا رسولَ الله! لقد تخلّفَ عنكَ أُناسٌ, واللهِ ما نحنُ بأشدَّ حُباً لكَ مِنهم, ولو عَلِموا أنكَ تلقى عدواً ما تخلّفوا عنك))
إذا غاب أحدهم مباشرةً نطعن بهِ, تقول: همتهُ ضعيفة, قد يكون أمر قاهر, زوجتهُ تضع، عِندهُ مُشكلة، مباشرةً تتهِمهُ بالتقصير, لعلَّ لهُ عُذراً وأنتَ تلومهُ.
موضوع بالتوبة دقيق جداً ، قال: لو أن إنساناً عَمِلَ سيئات حديثة فاستغرقت حسنات قديمة وأبطلتها ثمَّ تابَ توبةً نصوحاً خالِصةً, -قال-: عادت إليهِ حسناتهُ ولم يكُن حُكمهُ حُكمَ المُستأنِفِ لهُ, بل يُقال: تُبتَ على ما أسلفتَ من خير.
صحابي جليل, اسمهُ حكيم بن حِزام, قـالَ: ((يا رسولَ الله! أرأيتَ عتاقةً أعتقتُها في الجاهلية، وصدقةً تصدّقتُ بِها، وصِلةً وصلتُ بِها رَحِمي، فهل لي فيها من أجر قبلَ أن أُسلم؟ قالَ عليه الصلاة والسلام: أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير))
بعد ما أسلمت ضُمّت لكَ هذه الأعمال الصالحةُ السابقة، يعني كُل عمل صالح فعلتهُ, قبلَ أن تُسلم, وقبلَ أن تؤمن, بعدَ أن أسلمت ضُم لكَ, وهذا من رحمةِ الله بِنا.
قال: الإساءةُ بينَ الطاعتين, إذا تابَ العبدُ مِنها حُذِفت, وضُمّت الطاعتانِ إلى بعضِهِما بعضاً, اللهُ عزّ وجل لا يقهر لكَ عملكَ السابق كُلُهُ, لكَ عِندَ الله مكانة، زلّت قدمُكَ، تعثرت، الله عزّ وجل جابِرُ عثرات الكِرام، فإذا زلّت قدمُك بينَ حسنتين, وتُبتَ من هذه الزلّة مُحيت, وضُمت الحسنتان إلى بعضِهما بعضاً. شروط قبول التوبة :
بقيَ موضوعٌ أبدأُ بهِ , لكن يحتاج إلى درسٍ مستقل , أنهُ من شروط التوبة :
أن لا يعودَ الرجلُ إلى الذنبِ مرةً ثانية .
من شروط قبول التوبة :
استمرارُ التوبة .
فمتى عادَ إلى الذنبِ , تبيّنَ أنَّ التوبةَ كانت باطلة غيرَ صحيحة ، عادَ الإثمُ الذي مُحيَ عنك , هذا اتجاه , بعضُهم قال : ليسَ هذا شرطاً , إنَّ الاستمرارَ على التوبةِ شرطُ كمالِها ونفعِها , وليسَ شرطَ صحتِها ، فنحنُ أمام اتجاهين وكُل اتجاه لهُ أدلّة .
قالوا : إنَّ العبد إذا تابَ من الذنبِ ثمَّ عاودهُ , فهل يعودُ إليهِ إثمُ الذنب الذي كانَ قبلَ التوبةِ , بحيث يستحقُّ العقوبة على الأولِ والآخر إن ماتَ مُصرّاً ؟ نحتكم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، اسمعوا ماذا قالَ النبي ؟
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ :
(( قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَاه فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِر ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
الإنسان حينما ينقض توبتهُ, يُحاسَبُ عن ذنوبِهِ التي تابَ مِنها مرةً ثانية، وبالقوانين: هُناكَ شيء من ذلك, الإنسان يرتكب مخالفة, فيكتب تعهّداً, فإذا وقعَ بالذنب مرةً ثانية, حوسب بالذنب الأول والثاني.
مثلاً قال: إنَّ العبدَ ليعمل بطاعة الله ستينَ سنة, فإذا كانَ عِندَ الموت جارَ في وصيتهِ فدخلَ النار.
أيها الأخوة ؛ عشرات بل بِضع عشرات الحالات التي وصلتني: أنَّ هُناكَ أشخاص مسلمين مؤمنين صائمين مُصلّين قبل الموت خصَّ بعضهم الذكور وتركَ الإناث، أو خصَّ ولداً دونَ ولد، أو وريثاً دونَ وريث، أو حرَمَ أُختهُ، أو حرمَ فُلاناً، وكأنهُ مُشرّع، لذلك:
إنَّ العبدَ ليعمل بطاعة الله ستينَ سنة, فإذا كانَ عِندَ الموت جارَ في وصيتهِ فدخلَ النار.
وحينما يجورُ الإنسانُ في وصيتهِ, ينشأُ أحقادٌ بينَ الأولاد لا تنتهي، هُناك تفصيل آخر, الأصل كذلك, لكنَّ العاق إذا حرمتهُ من نصيبهِ, يزدادُ عقوقاً, فإذا أعطيتهُ لعلّكَ تُقرّبهُ إليك، الدليل: قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 33]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 264]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 2]
اسمعوا إلى حديث السيدة عائشة: أخبري زيداً أنهُ أبطلَ جِهادهُ مع رسولِ الله إلا أن يتوب.
باعَ شيئاً بسعرين, إذاً: السيئات تستغرق الحسنات, الفكرة خطيرةَ جداً: السيئات تستغرق الحسنات، بشكل واقعي السيئة حِجاب.
يقولون بالأخبار: أنَّ الطريق مقطوعة بسبب تراكم الثلوج, والطريق مقطوعة إلى الله بسبب تراكم الذنوب, الطريق مقطوع بسبب تراكم الذنوب، إذا تراكمت الذنوب انقطعت الطريق إلى الله عزّ وجل، ما قيمة هذه الحسنات السابقة؟
أنتَ الآن ليسَ في الإمكان أن تستفيدَ منها, أمّا إذا تُبتَ من هذا الذنب الجديد ضُمت إليها, إذاً: السيئة تستغرق الحسنة السابقة, فإذا تابَ العبدُ منها, ضُمت إلى الحسنةِ اللاحقة, كلام دقيق جداً.
من قواعد الشريعة: أنَّ من السيئات ما يُحبط الحسنات بالإجماع, هذا الرأي الأول، أول رأي أنَّ السيئات تستغرقُ الحسنات وتُبطِلُها إلاّ أن يتوبَ منها، إذا تابَ منها ضُمّت الحسنات السابقة إلى الحسنات اللاحقة, وهذا الذنب كأنهُ لم يكُن.
الاتجاه الآخر هوَ: أنكَ إذا وقعتَ في ذنبٍ, ثمَّ تُبتَ مِنهُ, هذا الذنب كأنهُ لم يكن, فإذا فعلتَ ذنباً جديداً, هوَ ذنبٌ جديد, ولهُ توبةٌ جديدة, هذا رأي آخر, من أينَ استُنبط؟ قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 40]
الآية توحي أنَّ الحسنة لا تضيع عِندَ الله عزّ وجل.
في حديث للنبي عليه الصـلاة والسلام, رواه الإمام أحمد في مُسندهِ, قالَ:
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم, عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ, عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ))
لكن إذا أردتم أن تفهموا هذا الحديث: ليسَ تواباً من ذنبٍ واحد يقعُ فيهِ الفينةَ بعدَ الفينةَ, يعني: كُل مرة تاب من ذنب لم يكن يعرفهُ ذنباً من قبل, هذا الكلام يُوجّه الحديث توجيهاً جيداً. الخلاصة :
على كُلٍ؛ الإنسان في موضوع التوبة, عليهِ أن يكونَ دقيقاً جداً.
قُلتُ في الخُطبة السابقة يوم الجمعة في جامع النابلسي: التوبةُ صمام الأمان إذا ضغطت على الإنسان سيئاته، الوعاء البُخاري فيه صمام أمان, إذا ازدادَ الضغط ربما انفجر, لكنَّ صمامَ الأمان يقي الانفجار, إذا ضغطت عليكَ سيئاتُك فصمام الأمان هوَ التوبة، إذا غَرِقتَ في ذنوبِك فالتوبةُ حبلُ النجاة, حبلٌ متين، إذا ضللتَ الطريق التوبةُ تصحيحُ المسار، إذا أُغلِقت عليكَ أبوابُ النجاة, التوبةُ باب النجاة، يعني التوبة باب نجاة، وصمام أمان، وتصحيح مسار، وحبل إنقاذ.
أيام الغرقى يقفون بطائرة هيلكوبتر, ويُدلون لهم بالحِبال, يتمسكون بها, ثمَّ يرفعونهم, فالتوبة حبل, حبل إنقاذ، وصمام أمان، وباب نجاة، وتصحيح مسار، وبابُ التوبةِ مفتوحٌ ما لم يُغرغِرِ العبدُ, مفتوح على مصراعيه, والتائب من الذنبِ كمن لا ذنبَ له، وإنَّ اللهَ يُحبُ التوابين.
وللهُ أفرح بتوبةِ عبدهِ من الضال الواجد والعقيم الوارد والظمآن الوارد.
وإذا رجَعَ العبدُ العاصي إلى الله, نادى منادٍ في السمواتِ والأرض, أن هنئوا فُلاناً, فقد اصطلحَ مع الله.
فو اللهِ الذي لا إلهَ إلا هو, لا يُمكن أن تتذوقوا شعورَ التائب بالسعادة إلا إذا كُنتم كذلك , إذا تُبتم توبةً نصوحاً, تشعرون براحةً لا توصف، كأنكَ اصطلحتَ معَ الله خالق الكون، كأنكَ في حرزِ حريز، في أمنٍ عظيم، في رحمةٍ غامرة، في توفيقٍ بالغ، في سعادةٍ طافحة، في بِشرٍ لا يُقدّرُ بثمن, لذلك أنا أعجب ماذا تنتظر؟:
إلى متى وأنتَ في اللذات مشغولُ وأنتَ عن كُلِ ما قدّمتَ مسؤولُ؟
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾
[سورة الحديد الآية: 16]
كُن عن همومِكَ مُعرِضاً وكِلِ الأمورَ إلى القضا
وأبشر بخـــيرٍ عاجلٍ تنسى بـهِ ما قد مضى
فلــرب أمــرٍ مُسخطٍ لك في عــواقبهِ رِضا
ولربّما ضــاقَ المضيق ولربّما اتســـعَ الفضا
اللهُ يفعـــــلُ ما يشاء فلا تكُــــن معترضاً
اللهُ عـــــوّدكَ الجميلفقِس علــى ما قد مضى
وكُل واحد منكم إذا جلسَ مع نفسهِ متأملاً, أي ذنبٍ فَعَلَهُ, وعاهدَ اللهَ على تركِهِ, والإقلاعِ عنهُ, يشعر أنَّ الباب مفتوح وقَبِلهُ الله عزّ وجل.
إذا قالَ العبدُ: يا ربي لقد تُبتُ إليك, قالَ: عبدي وأنا قد قَبِلت, وأنا قد قَبِلت.







والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:46 PM   #37


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : (الخامس و الثلاثون )

الموضوع : التوبة - 2







ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس مدارج السالكين, ولا زِلنا في موضوع التوبة، في دروسٍ سابقة تحدثتُ عن الإثمِ والعدوان, وعن الفحشاءِ والمُنكر, وعن أنواعِ الفسوقِ والكُفرِ والشِركِ والنِفاق, وعن أكبرِ ذنبٍ وهو: أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم, وعن الكبائر وعن الصغائر, ثمَّ دخلنا في تفصيلات التوبة, وانطلقت في هذه الموضوعات من حقيقةٍ ثابتة وهيَ: أنَّ التوبةَ أساسُها العِلم، لن تتوبَ من ذنبٍ إلا إذا عرفتَ أنهُ ذنب، فالتوبـةُ أساسُها العِلم، ومن شروطِها الندم، ومن نتائجها الإقلاع من الفور, والعزم على أن لا يعودَ الإنسانُ إلى ذنبهِ في المستقبل, والإصلاح في الماضي إذا كانَ الذنبُ متعلّقاً بحقٍ من حقوق العِباد.
ما هو الأمر الموجه إلى المؤمنين في هذه الآية؟ :
أيها الأخوة الأكارم, ألا تكفينا هذه الآية التي قالَ اللهُ عزّ وجل فيها:
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة النور الآية: 31]
كأنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى جعلَ التوبةَ أساساً للفلاح، والفلاح مُطلق النجاح، قد نقول: فُلان ناجحٌ في عمله، أو قد نقول: فُلان ناجحٌ في حياته, يعني في حرفتهِ, وفي اختيار زوجتهِ, وفي تربيةِ أولادهِ, وفي علاقاتهِ العامة, حتى في صِحتهِ، ما مِنّا واحدٌ إلا ويتوقُ إلى النجاح، إلى مطلق النجاح، إلى مُطلقِ الفلاح، إلى مُطلقِ الفوز، إلى مُطلق التفوّق.
هذه الآية فيها أمرٌ صريحٌ واضحٌ للمؤمنين: بأن يتوبوا جميعاً دونَ استثناء:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
ما الشيء الذي يلفت النظر في هذه الآية؟ :
ولكنَّ الشيء الذي يلفت النظر: أنَّ هذه الآية وردت في سورة النور، وسورة النور مدنيّة، إذاً: اللهُ سبحانهُ وتعالى يُخاطبُ أصحابَ رسول الله, الذينَ خاضوا معركةَ بدرٍ وأُحدٍ والخندق, ولهم باعٌ طويلٌ في الجِهاد، ولهم تضحيتهم وهجرتهم ومؤاثرتهم.
التوبةُ ليست قاصرةً على مرحلةٍ من مراحل الإيمان، إنها تسير معَ الإنسان طــَوالَ حياته, لأنهُ في كُلِ مرحلةٍ قد يقع في ذنبٍ لم يقع بهِ من قبلُ، كُل مرحلة لها ذنوب ، من الذنوب أن تنشغلَ بغير الله عنه, هذا ذنب, كُلما ارتقت مرتبتُك كانت حسنات المؤمنين سيئات المُقرّبين، كُلما ارتقت مرتبتُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل كُلما دقّت حساسيتُكَ في اكتشاف الذنب.
الناس رجلان هما :
الشيء المُخيف: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 11]
الناسُ رجُلان على اختلافِ أنواعِهم ومشارِبِهم وانتماءاتِهم, الناسُ رجُلان؛ تائبٌ وظالم, وليسَ هُناكَ رجلٌ ثالث، تائبُ وظالم:
﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾
ما معنى هذا الحديث؟ :
وفي الصحيحِ: عن رسول الله صلى اللهُ عليه وسلمَ أنهُ قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه]
ربما إذا أقبلتَ على اللهِ عزّ وجل, وبدا لكَ من جمالِهِ، من كمالِهِ، من رحمتِهِ, ما لم تُكن تعرفهُ من قبلُ, فهذه المعرفة الدُنيا تُعدُّ في حقِ الأنبياءِ ذنباً، كُلما أقبلتَ على اللهِ, ورأيتَ من رحمتهِ, ومن عِلمهِ, ومن قُدرتهِ, ومن فضلِهِ, ومن لُطفِهِ, الشيء الذي لم تكُن تعرفهُ من قبلُ, تشعر أنَّ معرِفَتُكَ المتواضعة من قبلُ هيَ ذنبٌ في حقك.
إذا دخلتَ على رجُلٍ لا تعرِفهُ, وعرضتَ عليه خدماتِكَ في عِلمِك, فقال لكَ: أنا أحمل دكتوراه, ألا تستحي منهُ في هذا الاختصاص؟ عرضتَ عليهِ خِدمةً أُخرى في مجال آخر, فقال لكَ: أنا في هذا متفوّق، عرضتَ عليهِ خِدمةً ثالثة في مجال ثالث, فقال لكَ: أنا في هذا أحمل ماجستير، ألا تشعر أنكَ أذنبتَ في حقهِ, حينما ظننتَ أقلّ من ذلك؟ يعني مثل للتقريب.
ما معنى هذه الآية؟ :
إذاً: ربُنا سبحانهُ وتعالى حينما قالَ:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
معناها: الإيمان كُل مرتبة، كُل درجة، كُل طور، كُل حال، كُل منزِلة، كُل مستوى، لهُ استقامتهُ, ولهُ ذنوبهُ.
قد تقول لإنسان مبتدئ: يا أخي دع شُربَ الخمر، دع أكلَ مالِ اليتيم، فأنتَ إذا رأيتَ إنساناً غارقاً في المعاصي, تركَ شُربَ الخمرِ, وتركَ أكلَ المال الحرام, تشعر أنهُ إنسان صار جيد جداً، فإذا صلّى، فإذا صام ارتقى، إذا ترك العُصاة المعاصي درجة جيدة، إذا أدّوا صلواتِهم درجة جيدة، بعدَ أن صلّوا، الآن إذا تكلّموا كلمةً لا تليقُ, هذا ذنب.
يعني إذا نظرَ إلى إنسان نظرةً ليست جيدةً، نَظَرَ إليهِ شذراً, هذا ذنب بحق المؤمن، فكُلما ارتقت مرتبَتُك دقّت حساسيتُكَ في كشفِ الذنبِ، معنى ذلك: أنَّ التوبة مستمرّة، كُلّما ارتقت مرتبتُك, هُناكَ تقصيرٌ إن في خواطِرك، وإن في ظنك، وإن في تصوّرِك، وإن في حركاتِك، وإن في سكناتك.
إذاً: هذه الآيةُ التي نَزَلت تُخاطب المؤمنين، نَزَلت في المدينة, وهيَ تُخاطِبُ كِبارَ الصحابة, الذينَ ضحّوا بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾
لا ثالثَ لهُما, إمّا أن تكونَ تائباً وإمّا أن تكونَ ظالِماً. متى تكون التوبة غير صحيحة؟ :
هذه الفاتِحة التي تقرؤها كُلَّ يوم، كُلَ يومٍ, وفي كُلِ صلاة, وفي كُلِ ركعة, وفي الفرض والسُنّةِ والواجب، تقرؤها عشرات المرات, بل بِضع عشرات المرات, ألم تقرأ فيها قولهُ تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 6-7]
ألم تطلب من الله عزّ وجل أن يهديّكَ الصِراطَ المستقيم؟ الشيء الدقيق هوَ: أنـكَ إن جَهِلتَ الصِراطَ المستقيم فتوبَتُكَ ليست صحيحة, لن تكونَ تائباً إلا إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم ، إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم ولم تُزمع أن تستقيم, فأنتَ من نوع آخر, فإمّا أن تُرمى بالجهلِ وإمّا أن تُرمى بالتقصير، الذي يقولُ في صلاتِهِ:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 6-7]
لا يمكن أن يكونَ جاهِلاً بالصِراط المستقيم. من لوازم التوبة :
فمن لوازم التوبة: أن تتعرفَ إلى دقائق الصراط المستقيم، من لوازم التوبة: أن تُقبِلَ على تطبيق الصِراط المستقيم، وإلاّ تُعدُّ قِراءةُ الفاتحة في حَقِكَ باطِلةً، إن لم تتقص أمرَ اللهِ عزّ وجل, وإن لم تُطبّق هذا الأمر, فقراءةُ الفاتحةِ التي هيَ السبعُ المثاني التي لُخّصَ فيها القرآنُ كُلهُ تُعدُّ باطِلةً.
الإنسان متى يذنب؟ متى تتمكن منه شهوته؟ متى تؤثر الشهوة على طاعة الله؟ :
الإنسان متى يُذنب؟ متى تتمكنُ منهُ شهوتهُ؟ متى تَزِل قدمه؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟.
العلماء يقولون: إذا تخلّى الله عنه أصبحت مقاومتهُ هشّةً، امرأةٌ تُغريه، مبلغٌ من المال يُرديه، لقاءٌ يدفعهُ إلى ارتكابِ معصيةٍ، متى يعصي الإنسانُ ربّهُ؟ متى تَزِلُ قدمهُ؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟ قال: إذا تخلّى اللهُ عنه.
متى يتخلى الله عنك؟ :
ومتى يتخلّى اللهُ عنك؟ قال: إن لم تعتصم باللهِ تخـلّى اللهُ عنك.
فالعبدُ بينَ حالين؛ بينَ أن يكونَ اللهُ عزّ وجل وليّاً لهُ, وبينَ أن يدعهُ لنفسهِ. استمعوا إلى القرآن: يقول اللهُ عزّ وجل:
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة آل عِمران الآية: 101]
أنتَ تملِكُ هذا السِلاح، لو سافرت إلى بلد أجنبي مضطرّاً واعتصمت باللهِ عزّ وجل : يا رب قِن الزلل، قِن أن أقعَ في الهاوية، قِن أن أقعَ فيما لا يُرضيك، أنتَ ما دُمتَ قد اعتصمتَ بهِ لن يتخلّى عنك، يُلقي في قلبِكَ نوراً، يُلقي في قلبِكَ طُمأنينةً، يُقوّي مناعتكَ، يُقوّي مقاومتكَ، تشعرُ أن بينكَ وبينَ الذنب مراحِلَ فِساحاً، تشعر وكانّكَ في الأعماق ما دُمت قد اعتصمتَ باللهِ عزّ وجل، فإذا قُلت: أنا إرادتي قويّة، إذا لم تعتصم بالله, واعتمدتَ على نفسك, تخلّى اللهُ عنك, ووكَلَكَ إلى نفسك.
فلذلك: موضوع الذنب، اقترافُ الذنب، زلّةُ القدم، الانغماسُ في شهوةٍ مُحرّمةٍ، الانغماسُ في أكلٍ مالٍ حرام, هذا كُلُهُ يأتي في لحظة التخلّي من قِبِل الله عزّ وجل.
من اتكلَ على نفسهِ أوكلَهُ اللهُ إيّاها.
أمّا أن تبقى مع الله عزّ وجل معتصماً:
﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
كيف ينجو العبد من هذه المتاهات والمنزلقات في هذه الحياة؟ :
الآية الثانية:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
[سورة الحج الآية: 78]
الحياة فيها مغريات، فيها منزلقات، فيها متاهات، فيها تُرّهات، فيها أحابيل للشيطان.
الدُنيا تغرُّ وتّضُر وتَمُر.
فيها ما يُفتن، فيها ما يُغوي، فيها ما يُنسي، كيفَ تنجو من هذه المُنزلقات؟ كيفَ تنجو من تِلكَ المتاهات؟ أن تعتصمَ باللهِ عزّ وجل، من قدوتُنا في هذا؟ سيدنا يوسف:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
فالإنسان لا يعتمدُ على نفسهِ، لا ينبغي أن يعتمدَ على نفسهِ, وعلى إدراكِهِ, وعلى عِلمهِ, وعلى قُدرتهِ, وعلى قوةِ إرادتهِ, وعلى حزمِهِ, هذا كُلهُ كلام فارغ, إذا ضعّفَ اللهُ مُقاومتك, نسمعُ الكثير عن شخصياتٍ مهمةٍ, وقعوا في حبائلِ امرأةٍ ساقطةٍ, فأصبحت سُمعتُهم فـي الحضيض، أصبحت سُمعتُهم في الوحول، هذا يقع: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
اعلم هذا :
أأنتَ بينَ توليةَ اللهِ لك, أن يتوّلى اللهُ أمرك, وبينَ أن يخذِلِك؟ إن اعتصمتَ بــهِ يتولّى أمرك، وإن اعتمدت على ذاتِك وعلى نفسك خَذَلَك، ولِماذا يَخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ يخذِلُكَ ليؤدِبُكَ، يخذِلُكَ ليُعرّفُكَ، يخذِلُكَ ليُعطيكَ درساً قاسياً، ليُعطيكَ خِبرةً مُرّةً لا تنساها أبداً.
قصة شاب :
أنا أعرفُ شاباً زارني في البيت, ما إن دخلَ البيت حتى أجهشَ بالبُكاء, قُلتُ لهُ: لماذا تبكي؟ -هوَ من طُلابِنا-, قالَ: إنني أنظرُ إلى النساءِ في الطريق, وأنا بعدَ هذه التوبةِ النصوح, وبعدَ هذا الجهدِ البليغ, لي في طريق الإيمانِ سنواتٌ كثيرة, ثمَّ تنتهي بي النهايةُ, إلى أن أُطلق بصري في الحرام, وأتبعُ النِساءَ في الطريق، قُلتُ لهُ: يا رجل, تُب إلى الله عزّ وجل, فازدادَ بُكاءً, وقالَ: كيفَ أتوب؟ لقد تُبتُ إليه عشرين مرة.
مرة سألوا مُدمناً على الدُخان, قال: إنَّ الإقلاع عن التدخين أمر سهل جداً, فأنا أقلعتُ عنهُ عشرينَ مرة, معناهُ ليسَ سهلاً, في هذه الجلسة لم أكتشف السِر الذي ضَعُفت فيه مقاومةُ هذا الشاب, في سِر, كانَ شديداً في طاعته، كانَ غاضّاً لِبصره، فجأةً انهارت مقاومتـهُ, وصارَ يتبّعُ هؤلاءِ النساء الكاسيات العاريات بنظرِهِ, ويملأُ عينيهِ من الحرام، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام:
((من ملأَ عينيهِ من الحرام, ملأهُما اللهُ من جمرِ جهنم))
النظرةُ سهمٌ مسموم من سِهام إبليس.
في جلسةٍ قادمة, لعلَّ اللهَ عزّ وجل ألهمني, ذكر لي بعضَ التفصيلات، هذا بعدَ أن تابَ إلى اللهِ توبةً نصوحاً، وبعدَ أن شعرَ بحلاوة القُرب, وحلاوة الإقبال على الله, وشعرَ بمكانتهِ عِندَ الله، وشعرَ أنَّ اللهَ يُحبهُ، وأنهُ متفوق, وأنهُ فالح, وأنهُ وأنهُ ....., نظرَ إلى أبيهِ وأُمهِ, فرآهُما ليسَا على ما يُريد, فصارَ يُقرعهُما بِلا أدب, وصارَ يتيهُ عليهما باستقامتهِ, وظنَّ أنهُ مستقيمٌ بقوتهِ, وبحزمِهِ, وبإرادتهِ الحديدية، فجأةً انهارت مقاومتهُ, ووقعَ فيما كانَ يُحذّرُ منه, وكأنَّ اللهَ أرادَ أن يُؤدبهُ.
لذلك: لا تنس حينما تقرأُ الفاتحة قول الله عزّ وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
وقد قالَ عليه الصلاة والسلام:
ألا أُنبئكم بمعنى لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؟ لا حولَ عن معصيتهِ إلا بهِ، ولا قوةَ على طاعتهِ إلا بهِ.
هذا معنى قول النبي الكريم سيدنا يوسف: ﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾
متى يتولى الله أمر العبد ومتى يخذله ولماذا يخذله؟ :
مرةً التقيت مع رجل يعمل في مستشفى, وفيها ممرضات كثيرات، قالَ لي باعتداد: أنا لا أنظر إليهن أبداً, قُلتُ لهُ: يا رجل أنتَ أظلم من سيدنا يوسف؟ استعن بالله, لا تعتد بنفسك, استعن بالله:
﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾
طبعاً: لعلّي ذكرت موضوع النظر للنساء في أي موضوع، في أي موضوع آخر، في أي مخالفة، إيّاكَ أن تعتدَّ بنفسك.
إذاً: أنتَ بينَ أن يتولى أمركَ اللهُ إذا عتصمتَ بهِ, أو أن يخذلكَ إذا اعتمدتَ على نفسِك ولم تعتصم بهِ، ولماذا يخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ ليؤدِبَكَ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي؟. كيف يؤدب الله العبد؟ :
اللهُ كيفَ يؤدّبُ الإنسان؟ .
مرةً قالَ لي أخ من أخواننا الكِرام: عِندهُ معمل متواضع، جاءهُ أخ من المسجد, ليشتري بعضَ الحاجات، هوَ يبيع بالجملة, يبيع مئات الدزينات، فجاءهُ رجل صغير فقير, يريد أربع قطع ألبسة, قطعتين ثلاثة, فرأى في هذا الشِراء إهانةً لهُ، قال: يا أخي, أنا لا أبيع بهذا, أنا أبيع بالجُملة, اعذرني، قال لهُ: خير إن شاء الله وغادر، يُقسم هذا الأخ الكريم, أنهُ مضى عليه ثلاثةٌ وعشرونَ يوماً, لم يدخل معملهُ إنسان, ليسألهُ عن شيء يشتريه, هذا تأديب الله عزّ وجل:
((أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي))
كُلما خالفتَ أمرهُ يؤدِبُكَ، يقول العوام: المربى غالٍ, المؤمن كُلما زلّت قدمهُ جاءَ التأديب. قف هنا :
وبالمناسبة: أيها الأخوة الأكارم, إذا شعرتَ أنهُ كُلما أخطأت جاءكَ التأديب, افرح, إنكَ عِندَ اللهِ محظي، لأنكَ ضِمنَ العناية المُشددة، افرح إذا كُنتَ في العناية المُشددة، واحزن على نفسك, وابك عليها كثيراً, إذا فعلتَ المعصيةَ, ولم يحدث شيء, إذا تجاوزتَ الحدود ولم يحدث شيء، إذا تطاولتَ على العِباد ولم يحدث شيء, معناها أنتَ خارِجُ العناية المُشددة, أنتَ في دائرةِ الإهمال، فشتّانَ بينَ أن تكونَ مُعتنى بِكَ وبينَ أن تكونَ مُهملاً، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ ابتلاه، إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ عجّلَ لهُ بالعقوبة، فكُلما اقتربتَ من الله فَهِمتَ على الله، لماذا كذا؟ لأجلِ كذا، حقاً يا رب؟ سمعاً وطاعةً يا رب، لماذا يا ربي كذا؟ من أجلِ كذا، طيب: من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ هُنا السؤال, جاءت مصيبة، قضية انزعجتَ مِنها، من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ إلهامٌ يقعُ في القلب, هل هُناك دليل في القرآن عليه؟:
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 8]
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾
[سورة النساء الآية: 79]
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[سورة التغابن الآية: 11]
يهدي قلبهُ إلى أسبابِ هذه المصيبة. كلمة شهيرة :
الحقيقة: الكلمة الشهيرة: من لم تُحدث المصيبةُ في نفسهِ موعِظةً, فمصيبتهُ في نفسهِ أكبر.
إذا جاءت مصيبة, لا تمُر عليها مر الجاهلين، لا تمُر عليها مر المُتلبدين، مُر عليها مر الأذكياء، اللهُ عزّ وجل غنيٌ عن تعذيبي، غنيٌ عن ازعاجي، غنيٌ عن قهري، لماذا قهرني ؟ لماذا أزعجني؟ لماذا أقلقني؟ لماذا أخافني؟ لماذا أتلفَ مالي؟ لا بُد من ذنب, ابحث عن هذا الذنب.
ما أخطر الذنوب؟ :
أخطرُ الذنوب: هوَ الذنبُ الذي يقودُ إلى ذنبٍ آخر، أخطرُ ذنبٍ ما ولدَ ذنباً آخر، إنسان وقعَ في ذنب, فأعجبهُ هذا الذنب, فاستقر عليه, واستمر بهِ، استقرارهُ عليه واستمرارهُ بهِ ذنبٌ آخر، تحدثَ عنهُ ذنبٌ ثالث.
لذلك: أخطر أنواع الذنوب ما كانَ سبباً لذنوبٍ أكبرَ منها، من اقتراف الذنب، إلى الاستمرار في الذنب، إلى الفرحِ بالذنب، إلى المجاهرةِ بالذنب, هذا الذي استقرَ على ذنب واستمرأهُ وفَرِحَ بهِ, ألم يعلم أنَّ اللهَ ينظرُ إليه وهوَ يُذنب؟ إن قُلتَ: لا يعلم فهوَ كافر، وإن قُلتَ: يعلم فهوَ وقح، بينَ أن يكونَ الإنسانُ وقحاً وبينَ أن يكونَ كافراً، إن عَلِمَ أنَّ اللهُ ينظر إليه وهوَ يُذنب، وهوَ يعصيه، فهوَ لا شك وقح, سيءُ الأدبِ مع الله عزّ وجل، وإن كانَ لا يعلم أنَّ الله ينظر إليه فهوَ كافر، الذي يُنكرُ آياتِ القرآن هوَ كافر, لأنَّ اللهَ عزّ وجل يقول:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 4]
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
[سورة الفجر الآية: 14]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
[سورة النساء الآية: 1]
فشيء مُخيف بينَ أن يكونَ وَقِحاً، مُجترئاً على الله عزّ وجل, وبينَ أن يكونَ كافراً بكلامهِ.
من حقائق التوبة :
1-تعظيم الجناية :
من حقائق التوبة: تعظيم الجناية, واتهام التوبة, والغَيرةُ لله, كلام دقيقٌ جداً, الآن ندخل في التفاصيل، تفاصيل علاقَتِكَ بالله، تفاصيل اتصالِكَ بهِ، تعظيم الجِناية: هُناكَ علاقةٌ عكسية بينَ صِغرِ الذنب وبينَ الفرحِ بهِ، كُلما فَرِحتَ بالذنب، كُلما هانَ عليكَ الذنب عَظُمَ الذنب، وكُلما عَظُمَ عليكَ الذنب هانَ الذنب, هذه علاقة عكسية, العلاقة العكسية هكذا, كُلما استصغرتَ الذنب صارَ عظيماً، وكُلما استعظمتهُ صارَ صغيراً .
الحقيقة: أنهُ كُلما عَرَفتَ اللهَ أكثر استعظمتَ أن تعصيهُ.
لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
كُلما عَرفتَ اللهَ أكثر، كُلما ازدادت معرفتُك, استعظمتَ أن تعصيهُ، فإذا عظّمتَ ذنبك فقد صَغُرَ هذا الذنب، لذلك: علامة ذنب المُنافق أنهُ كالذبابة, كلام العوام عند ارتكابهم الإثم؛ ماذا حصل؟ ما فعلنا؟ نظرنا إلى المرأة!! أكلناها؟!! إذا جلسنا معها سوفَ تأكُلنا!! هذا كلام العوام, الذنبُ صغيرٌ عِندهم، ذنبُهم كذبابة، وأمّا المؤمنون فذنبُهم كأنهُ جبلٌ جاثِمٌ على صدرهم, علامة الإيمان.
الآن: الطفل المُربّى المُهذّب إذا أعرضَ عنهُ أبوه يموتُ بُكاءً, إذا أعرضَ عنه إعراضاً فقط، كُلما دقّت حساسيةُ الطِفلِ تجاهَ أبيه, كانَ إعراض الأبِ عنهُ كافياً لإيقاعهِ في أشدِ أنواعِ الآلام، وكُلما قلّت حساسيتهُ ربما إذا ضربهُ لا يتأثّر.
تعظيمُ الجنايةِ علامةُ التوبةِ الصادقةِ، لذلك المؤمن يبكي على خطيئته، يتوبُ منها كثيـراً, ويدفعُ الصدقات ويستغفر.
ما العبرة من هذه القصة؟ :
أحد الصحابة جاءهُ خاطر: أن رسول الله ينهانا عن قتلِ عمهِ, ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب، النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أصحابهُ في معركة بدر: ألاّ يقتلوا عمهُ العباس، الصحابة استغربوا, نحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب, لأنهم كُفّار, جاؤوا ليقتلونا, وكيفَ ينهى النبي عن قتلِ عمهِ؟ هذا عمهُ مُسلم, وقد كتمَ إسلامهُ, وبقي عيناً لهُ في مكة, فلا يقعُ شيء في مكة, إلا ويُخبر النبي عليه الصلاة والسلام, فإذا لم يخرج مع المُشركين, كُشِفت حالهُ أمامُهم, وإذا نهى النبي عن قتلِ عمهِ, وقال: أنهُ مُسلم كَشَفَ حالَهُ, في طريق دقيق جداً, فالنبي نهى عن قتلِ عمّهِ، هذا الصحابيُّ الجليل بعدَ أن كُشِفت له الحقيقة, وشعرَ أنهُ أساءَ الظنَّ برسول الله, قال: بقيتُ عشر سنوات, وأنا أتصدّق, وأُعتق العبيد, وأُصلّي الليل, لعلَّ الله يغفِرُ لي هذا الذنب, ما فعلَ شيئاً إلا أنهُ أساءَ الظن برسول الله، فلذلك الإنسان إذا أساءَ الظن باللهِ عزّ وجل, يجب أن يشعر أنهُ وقعَ في ذنبٍ كبير, حُسنُ الظنِّ باللهِ ثمنُه الجنة.
2- اتهام التوبة :
أمّا اتهامُ التوبة: الإنسان أحياناً يتوب .....
مرةً كُنتُ في الجامعة, رأيتُ لوحةً تُحذّر الطُلاب من العلاقات المشبوهة, حِرصاً على صحتِهم, واتّقاءً لمرض الإيدز، وقفت عِندَ هذه اللوحة متأملاً, قُلت: سُبحان الله! الإنسان إذا رأى خطراً مُخيفاً, قد يبتعد عن بعض المعاصي, لا خوفاً من الله عزّ وجل, ولا اتقّاءَ سخطهِ, ولا رغبةً فيما عِندهُ, ولكن ليتقي هذا المرض، طيب هذه توبةٌ لمن؟ هذه ليست توبةٌ إلى الله عزّ وجل، هذا حِرصٌ على صِحتِك، وشرُّ الناس من يتقونَ المعاصي, لا حُبّاً باللهِ, ولا خوفاً منهُ, ولا طمعاً فيما عِندهُ, ولكن حِرصاً على صِحتهم، هذه توبةٌ ليست كما يُريد الله عزّ وجل، يعني هُنا حَبِطَ عَمَلُهُ, فيتقي هذه العلاقة خوفاً من هذا المرض.
الآن بأوروبا: قِصص لا تُعد ولا تُحصى, يعني حمامات السِباحة, قلَّ روادُها إلى الربع, خوفاً من هذا المرض الوبيل, يعني هُناك صار كُل الفتيات اللواتي يفعلنَ الفاحشة, لا بُدَّ من أن يُقدّمن شهادة صحيّة, لمن يقترف معهن الفاحشة, تؤكّد هذه الشهادة: أنهُنَّ بريئات من مرض الإيدز، صار في خوف, وهذا الخوف ليسَ من الله عزّ وجل, بل من هذا المرض الوبيل.
ما هي البطولة في هذا الموطن؟ :
وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:
((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا, وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ, وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ, وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا, وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ, وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ, إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
هُناك نقابات, وهُناك جمعيات, تُطالب بحقوق, وتخرج بمسيرات, وتُقابل المسؤوليــن في دول الغرب, من أجلِ أن يُرد اعتبارُهم إليهم، الذين يرتكبون بعض الفواحش الشاذّة أيضاً.
((لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ))
وهذا من آيات اللهِ الدالةِ على عظَمتهِ, اتهام التوبة، الله عزّ وجل قال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾
لو أنَّ إنساناً اقترف مخالفة للنظام العام, والدين يُعاقب عليها, وتركها خوفاً من عِقابٍ ماديّ, هذا ليسَ تائباً إلى الله عزّ وجل، البطولة أن تتوبَ إلى الله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾
وأن تصبر لله:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
من علامة صحة التوبة :
من علاماتِ صِحةِ التوبة: أن تكونَ بعدَ الذنب خيراً مما كُنتَ قبلَ الذنب، حالك أعلى، وصِلتُكَ بالله أقوى، وشعورك أقرب إلى الله عزّ وجل.
الذي يقعُ في الذنب, يُصاب بحالة, اللهُ يُحبُها، ينكسر, هذا الانكسار يقتربُ بِكَ من حالة العبوديّة، قال: هذه الكسرة اسمُها كسرةٌ خاصّة, تحصل لقلب المؤمن إذا وقعَ في ذنب, صارَ يهيض الجناح، صارَ أمامَ اللهِ متذللاً، قال: هذا التذلل يُحبهُ الله عزّ وجل.
رُبَّ معصيةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً, خيرٌ من طاعةٍ أورثت عِزّةً واستكباراً.
لعلَّ بُكاء التائبِ أحبُ إلى اللهِ من خُيلاءِ المُطيع, لعلَّ الذي يُصلي الليل, ويُدِلُ على الناسِ بصلاة الليل أقلُ عِندَ اللهِ, من إنسانٍ زلّت قدمهُ, فمرّغَ الأرضَ بجبهتهِ وبللها بدموعِهِ، لأنهُ كُلما كُنتَ إلى اللهِ مُتذللاَ, كُنتَ أقربَ إلى العبوديةِ الحقةِ لهُ.
هذا حال المؤمن مع الله :
بعضُهم دعا ربهُ فقال: أسألُكَ يا رب بِعِزّكَ وذُلّي إلا َرحمتني، أسألُكَ بِقوتِكَ وضعفي ، بِغِناكَ عنّي وفقري إليك، هذه ناصيتي بينَ يديك، عبيدُكَ سِوايَ كثيرون, وليسَ لي سيدٌ سِواك، لا ملجأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، أسألُكَ مسألةَ المسكين، وأبتهِلُ إليك ابتهالَ الخاضع الذليل، وأدعوكَ دُعاءَ الخائف الضرير, سؤالَ من خضعت لكَ رقبتهَ, ورَغِمَ لكَ أنفــه, وفاضت لكَ عينهُ, وذلَّ لكَ قلبه.
الإنسان إذا صلّى الليل, وناجى ربهُ, وتذللَ لهُ, يشعر بطعمِ القُرب, وهذا حال كِبار المؤمنين، لكن هذا الذُل لله عزّ وجل يُقابِلهُ عِزٌ في الحياة الدنيا, يُعزُكَ الله عزّ وجل، يرفعُ من مقامِك.
موقع فيه تحذير :
يوجد أشخاص يتكبّرون عن الخضوع لله, لكنَّ الله يُرغمُ أنفهمُ بينَ الناس، يجعلهُم أذلاء، يُقهرون، يُهانون، يُشتمون، يُقرّعون.
إيّاكَ أن تستنكفَ أن تعبُدَ اللهَ عزّ وجل، إيّاك أن تتكبرَ على اللهِ عزّ وجل، إذا خضعتَ إليه خضعَ لكَ الناسُ جميعاً، إذا تذللتَ إليه رفعكَ اللهُ فوقهم جميعاً، إذا وقفتَ بينَ يديه وقفَ لكَ الناسُ احتراماً، علاقة عكسية: كُلما استنكفتَ أن تعبُدَ الله, وتكبّرتَ على اللهِ عزّ وجل, كُلما رَغِمَ أنفُك بينَ الناس، يعني هذا المُتذلل هوَ بينَ الناسِ علم، وبينَ الناسِ عزيز النفس، وبينَ الناسِ قوي، وبينَ الناسِ ذو شأنٍ رفيع.
اجعل لربِكَ كُلَ عِزّكَ يستقرُّ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزكَ ميتُ
آلاف القِصص؛ كُلما اعتززتَ باللهِ عزّ وجل, جعلَ اللهُ كُلَّ مصائِبكَ من قِبَلِ هذا الذي اعتززتَ بهِ.
خاتمة القول :
نحن نتمنى أن نتابع الموضوع, وموضوع التوبة شيّقٌ جداً, وفي درسٍ قادمٍ إن شاءَ الله نتابِعهُ، يعني موضوع التوبة موضوع الحياة, ليسَ موضوعاً ينقضي في أولِ طريق الإيمان, لا, هوَ معكَ في كُلِ مراحل الإيمان، في كُلِ أطوارِ حياتِك, لأنكَ معَ اللهِ عزّ وجل بينَ مُصيبٍ ومُخطئ، فإذا أخطات, فالتوبةُ صمامُ الأمان، إذا كان الذنوب ضغطت التوبة صمام الأمان، وإذا غَرِقَ الإنسان في ذنوبِهِ فالتوبة حبل النجاة، وإذا أُغلِقت عليكَ الأبواب فالتوبة باب النجاة, بابُ نجاةٍ، وحبلُ أمانٍ وصمام أمان، والقرآن الكريم يقول:
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:48 PM   #38


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع : حوار حول السلوك الى الله






ما هو المطلوب منك؟ :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس السادس والثلاثين من مدارج السالكين, وأُريد في هذا الدرس: أن نقفَ وقفةً متأنيّةً, ولا سيّما ونحنُ في رمضان, حولَ السلوكِ إلى اللهِ عزّ وجل، وصلنا إلى موضوع التوبة, وقبلَ أن ننتقلَ من التوبةِ إلى موضوعٍ آخر, أردتُ أن أقفَ وقفةً متأنيّةً حولَ السلوك إلى الله عزّ وجل.
الحقيقة: دينُ الله عزّ وجل واسعٌ جداً, يعني كما تعلمون: بابُ العقائد بابٌ كبير, وبابُ العباداتِ بابٌ أكبر, وبابُ المعاملاتِ بابٌ خطير, وبابُ الأخلاقِ والفضائل لا يُستهانُ بهِ، ولكن ينبغي للمؤمن دائماً: أن يضعَ يدهُ على جوهر الدين، ينبغي للمؤمن أن يضعَ يدهُ على الشيء الخطير في الدين، فحينما يلتبسُ عِندَ المؤمن ما هوَ من الدين أساسيٌ وما هوَ ثانوي، الأمور حينما تختلط ولا يُميّزُ المُسلم بينَ جوهر الدين وبينَ فروعهِ أو ثانوياتهِ, عندئذٍ يقعُ فيما يُسمّى بالخيطَ العشواء، فقد يستهلكُ عُمرهُ كُلهُ في شيء, لا يستأهلُ هذا الوقتَ الثمين, ولا هذا الجهدَ البليغ.
هل سألت نفسك هذا السؤال؟ :
في شيء اسمهُ: السلوك إلى الله عزّ وجل, يمكن أن تُصلّي, ويُمكن أن تصومَ رمضان, ويُمكن أن تَحُجَّ البيت, ويُمكن أن تقرأَ كِتابَ فِقه، ولكن أتمنى على كُلِ أخٍ كريم, أن يسألَ نفسهُ هذا السؤال: هل وضعتُ يدي على جوهر الدين؟ يعني هل وصلتُ إلى الله؟ اللهُ سبحانهُ وتعالى مصدرُ الكمال، مصدرُ الجمال، مصدرُ القوة، قويٌ قوي، جميلٌ جميل، كامِلٌ كامل, واحدٌ في كمالِهِ، واحدٌ في صِفاتِهِ، واحدٌ في ذاتِهِ، فإذا وصلتَ إليه, لا ينبغي أن تكونَ شقيّاً أبداً، أمّا لو أنَّ الإنسان أخذَ من الدينِ جوانب وأغفلَ جوانب, طريق الوصولِ إلى الله عزّ وجل أصبحَ غيرَ سالك، وما لم يسلُك الإنسان إلى اللهِ عزّ وجل, فلن يشعر بهذه السعادة التي وُعِدَ المؤمنونَ بِها.
ما الوعود التي وعدَ الله بِها المؤمنين في القرآن الكريم؟ :
1-الحياة الطيبة :
على سبيل السؤال والجواب, لأنني أرى أن المحاورة, وطرحَ السؤال, وتلقّي الجواب, شيء يبعثُ في نفسِ المُستمع الحيويةَ والنشاط، ما الوعود التي وعدَ الله بِها المؤمنين في القرآن الكريم؟ بعض الوعود, الوعد الأول: الحياة الطيبة, وتعريف الحياة الطيبة: الحياة التي لا يعتريها شقاء.
المؤمن هل تصيبهُ متاعب في الدنيا وهموم؟ يعني سؤال دقيق: حياة طيبة, يا ترى المؤمن يمرض؟ يفتقر؟ المؤمن يُعاني من متاعب اجتماعية؟ ما دُمتَ تقول: أنَّ اللهَ عزّ وجل وعدَ المؤمنَ بحياةٍ طيبة، أنا أُريد الآن أن أعرف ما الحياة الطيبة؟ لأنهُ في ضوء التعريف تتضح أُمور كثيرة جداً، أنا أقول لكم: الحياة الطيبة أن تشعُرَ أنكَ وفقَ المنهج الصحيح, وفي طاعةِ الله عزّ وجل, ولِتأتكَ المتاعب ما شاءت، سِرُّ السعادة أن تشعر أنَّ خالِقَ الكون يُحِبُك, وأنَّ خالِقَ الكون أنتَ في الطريق إليه وعلى منهجهِ وعلى طاعتهِ، هذا الشعور يمتصّ أي شعور مُتعب في الحياة الدُنيا، لأنهُ قد تقول: لو أنَّ الحياة الطيبة مالٌ وفير, قد ترى غنيّاُ غِنىً فاحِشاً, هل هوَ في حياة طيبة؟ هل هوَ في شقاء؟
لذلك: كما قالَ بعض الأخوان: الإنسان إذا أقبلَ على الله عزّ وجل, واتصلَّ بهِ, وشَعَرَ بالسكينةِ, هذه هيَ الحياة الطيبة، لذلك: لو يعلم المُلوكُ ما نحنُ عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف.
المؤمن يحيا حياةً نفسيةً من أسعدِ الحيوات, حياة نفسية. ما وراء هذا المثال :
يعني مثلاً: من مشاعر الحياة النفسيّة: الخوف شعور مُدمّر، القلق شعور مُدمّر، الإحباط شعور مُدمّر، القهر شعور مُدمّر، الشعور بأنَّ هُناك ظُلم عام, وأنَّ خصمَكَ بإمكانهِ أن يُدمِّرَكَ وأمرُكَ بيدهِ, هذا شعور كبير جداً, لذلك الإنسان إذا عاشَ حياةً طيبة، أي لا يعتريهِ شعورٌ مُدمّر، شعورهُ كُلُهُ صحيّ، شعور الطمأنينة والثِقة بالله عزّ وجل، والشعور أنَّ الله راضٍ عنه، هذه الحياة الطيبة قد يعتوِرُها فقرٌ أحياناً وضيقٌ أحياناً ومرضٌ وما إلى ذلك ......، لكنَّ الإيمان يمتصُّ كُلَ هذه المتاعب, هذا وعد.
2-الاستخلاف في الأرض والتمكين والأمن :
وعدٌ آخر: الاستخلافُ في الأرض والتمكين والأمن, الاستخلاف والتمكين والأمنُ, لو أننا سلكنا إلى اللهِ عزّ وجل السلوكَ الصحيح ووصلنا إليه, لاستحققنا وعدَ اللهِ عزّ وجل، حينما تجد في الكتاب الكريم وعداً إلهياً للمؤمن, وحينما لا تجد هذا الوعدَ مُحققاً, بِم تُفسّر ذلك ؟ الوعد الأول: الحياة الطيبة، الثاني: الاستخلاف والتمكين والطمأنينة, حينما لا تجدُ وعدَ اللهِ مُحققاً, كيفَ نُفسّر ذلك؟ أنَّ هُناك تقصير, مستحيل أن تتهِمَ الله عزّ وجل في أنهُ أخلَفَ وعدهُ, هذا مستحيل، كمالُهُ مُطلق، بقيَّ التفسير الوحيد هوَ: أنني أخلفتُ وعدي مع اللهِ حتى عاقبني بعدمِ تحققِ وعدهِ معي:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة النور الآية: 55]
ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ :
على العِباد أن يعبدوا اللهَ عز وجل, سُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام: ما حقُّ اللهِ على العِباد؟ بماذا أجاب؟: أن يعبدوه ولا يُشرِكوا بهِ شيئاً، فلمّا سُئِل: فما حقُّ العِباد على الله عزّ وجل؟ الجواب: أن لا يُعذّبَهم.
إذاً: كأنهُ هُناكَ وعد من طرف العِباد, وفي جزاء من طرف اللهِ عزّ وجل, فلو أنَّ العِبادَ أخلّوا بوعدِهم, لكانَ اللهَ عزّ وجل يُقابِلُ إخلالهم بوعدِهم بعدمِ تحقيقِ وعدهِ لهم بالمُقابل, حيثُ ما تجد أنَّ وعدَ اللهِ عزّ وجل ليسَ مُحققاً فاتهم نفسك, هذا وعدٌ ثانٍ.
3-المؤمن معافى من الخوف ومعافى من الحزن :
وعدٌ ثالث:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فُصلت الآية: 30]
المؤمن مُعافى من الخوف, ومُعافى من الحُزن، الحُزن لِما مضى لا يحزن على ما فاتَهُ والخوف لِما سيأتي، لا يخافُ من مجهول ولا يحزنُ على ما فاتهُ, هذا وعدٌ ثالث:
﴿أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾
طيب: ماذا على العِباد؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَـةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾
لا خوفَ ينتظركُم, ولا حُزنَ يأكُلُ قلوبَكم على ما فاتكم, هذا وعد ثالث, لكن كأنَّ الإشارة أنَّ الذي يقول: ربُنا الله فقط هذا لا يكفي, لا بُدَّ من أن يكونَ معَ الإيمان باللهِ عزّ وجل استقامةٌ على أمرهِ، والحديث الذي تعرفونهُ:
ليسَ الإيمانُ بالتحلّي ولا بالتمنّي, ولكن ما وقرَ في القلب, وأقرَّ بهِ الِلسان, وصدّقهُ العمل.﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
الاستقامةُ دليلً صِحةِ الإيمان, وإذا كانَ هُناكَ خَللٌ في الاستقامة, فهُناكَ خَللٌ في الإيمان. 4-المؤمن لا يقع في حيرة مدمرة :
وعدٌ رابع: المؤمن هل يقع في حيرة مُدمّرة؟ لا, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 9]
يعني: على اللهِ أن يُبيّنَ لنا سبيلَ القصدِ, على اللهِ أن يُبيّنَ لنا سبيلَ القصدِ:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
وقد فسّرَ العُلماءُ هذه الهِداية بأنها هِدايةُ التوفيق، هُناكَ هِدايةٌ عامّة وهِدايةُ الوحيِ وهِدايةُ التوفيق، فالإنسان إذا عَرَفَ اللهَ عزّ وجل, واستعانَ بهِ, وَفقَهُ, وكُلُ دروسِنا تحتَ قولِهِ تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
5-هذا الوعد بعد الموت :
وعدٌ خامس: هذا وعد بعدَ الموت:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾
[سورة الكهف الآية: 107-108]
هذا وعد ما بعدَ الموت، لكن وعد في الدنيا: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً﴾
[سورة طه الآية: 112]
الفرق الدقيق بينَ الظُلمِ وبينَ الهضمِ, يعني الظُلمُ: أن تُؤخذَ بذنبٍ لم تفعلهُ, أو أن يؤخذَ البريء بجريرةِ المُذنب, هذا هوَ ظُلمٌ، أمّا الهضمُ: أن يُنتقصَ من أجرك:
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾
تجد المؤمن يقول لكَ: الحمدُ لله, يشعر أنَّ اللهَ عزّ وجل أعطاهُ سؤلَهُ, وأنَّ اللهَ أكرمهُ, وأنَّ اللهَ جلَّ في عُلاه رَحِمَهُ, وأنَّ اللهَ أكرمَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾
من معاني هذه الآية :
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
هذه الآية لها معانٍ كثيرة, من معانيها: نفيُ الظُلمِ عن الله عزّ وجل، إذا أردتَ أن تنفي الظُلم عن الله عزّ وجل, تأتي بهذه الآية, تقول لهُ:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
، نُريد وعود لله عزّ وجل.ما معنى هذه الآية في سياقها العام؟ :
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2-3]
تقوى الله عزّ وجل دائماً تهديكَ إلى سواءِ السبيل، هذه الآية لو فرضنا قرأناها في سياقِها العام، ما معناها؟ جاءت آيةً بينَ آيات الطلاق، كيفَ من يتقي اللهَ يجعل لهُ مخرجاً؟ من اتقى اللهَ في إيقاع الطلاق السُنيّ, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً في إرجاعِ زوجتهِ إليه.
سؤال :
اليوم سُئلتُ هذا السؤال: ساعة غضب, قالَ لها: بالطلاق بالثلاثة, هذا طلاق بدعي, اللهُ عزّ وجل قال: الطلاقُ مرتان، قال:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾
[سورة الطلاق الآية: 1]
تبقى عِندكَ في البيت وتعتد وهيَ في بيتك، فالعدّة ألغيتها أنت, والطلاق مرتان ألغيتها, فخالفتَ شرعَ اللهِ في الطلاق, عندئذٍ تجد أنَّ الأمور أصبحت ضيّقة عليك، أمّا لو طبقّت الطلاق السُنيّ, لرأيتَ أنَّ هُناكَ مخرجاً شرعيّاً, لإرجاعِ زوجَتِكَ إليك, هذا:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
هذه في السياق، لو نزعناها من السياق, وقرأناها وحدها, ماذا يحصل؟ هذا من إعجاز القرآن الكريم, أنَّ كُلَّ آيةٍ لها معنىً, وهيَ في السياق, ولها معان كثيرة جداً, بعيدة عن السياق.
ومن يتقِ اللهَ في كسبِ المال, يجعل لهُ اللهَ مخرجاً من إتلافِهِ، من ضياعِهِ، من مصادرتهِ، من ذهابِهِ، من يتقِ اللهَ في معاملة الزوجة, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً من الشقاء الزوجي ، الشقاء الزوجي شقاء كبير، من اتقى اللهَ في معاملة الزوجة، من اتقى اللهَ في اختيار زوجتهِ, يجعل اللهُ لهُ مخرجاً من تطليقِها، هذه الآية يُمكن أن تُطبّقَ على آلاف الحالات، من اتقى اللهَ في التوحيد, جعلَ لهُ اللهُ مخرجاً من الشِرك، من اتقى اللهَ بالإيمان, جعلَ اللهُ لهُ مخرجاً من الكُفر، من اتقى اللهَ في كلامِهِ, جعلَ اللهَ لهُ مخرجاً من تجريحِ الناسِ لهُ. إذاً: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾
هذه علاقة الصلاة بالرزق :
مرَّ معنا من أسبوع, علاقة الصلاة بالرِزق:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾
[سورة طه الآية: 132]
يعني لا نسألُكَ رِزقاَ، معنى ذلك: من صلّى وأمرَ أهلهُ بالصلاةِ, فاللهُ سبحانهُ وتعالى يرزُقهُ رِزقاً حسناً.
متى يقطف العبد وعود الله؟ :
يعني أن تَصِلَ إلى الله عزّ وجل، أن تقطِفَ هذه الوعود، اللهُ وعَدَكَ بحياة طيبــة, وعَدَكَ برِزق وفير، وعَدَكَ أن يُدافِعّ عنك، وعَدَكَ بالاستخلافِ في الأرض، وعَدَكَ بالتمكينِ بالأرض، وعَدَكَ بالطُمأنينة, كُلُ هذه الوعود متى تنالُها؟ إذا سلكتَ إلى اللهِ عزّ وجل, لذلك مدارجُ السالكين إلى الله, في إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين.
ماذا تعني: -الحمد ا-؟ :
هذه الفاتحة الذي جعلها اللهُ عزّ وجل أُمَّ القرآن, وجعلها مِفتاح السُوَرِ كُلِها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 1-7]
نبدأ بالحمدُ للهِ, لأنَّ هذه الفاتحة نقرؤها كُلَّ يوم, وفي كُلِّ صلاة, وفي كَلِّ رَكعة, وقد يقول النبي عليه الصلاة السلام:
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ))
فالحمدُ للهِ ماذا تعني؟ النعمة قائمة، النِعمةُ مُعترفٌ بِها، النِعمةُ يُحِسُها الناسُ جميعاً، ولكن أيها الإنسان, ما تنعُم بهِ من نِعم, إنما هيَ للهِ عزّ وجل, تعزوها للهِ. ماذا تعني كلمتا: ﴿رب العالمين﴾؟ :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
العالمين جمع عالم, والعالم تقول: عالم الإنسان، عالم الحيوان ، عالم النبات، عالم المجرّات، عالم الفضاء، عالم الأسماك، عالم الأطيار، عالم الحشرات, فربُّ العالمين، كلمة رب ماذا تعني؟ الربُّ هوَ المُمِدُ بِكُلِّ الحاجات, والربُّ فوقَ ذلك, هوَ الذي يُعالِجُ النفوس، ففي إمداد مادي, وفي معالجة نفسية, فأقرب اسم من أسماء الله عزّ وجل للإنسان هوَ: اسمُ الرب، يا ربي.
يعني: يا من تمُدني بكُلِ حاجاتي, ويا من ترعى شؤوني، ويا من تُعالِجُني، ويا من تُكرِبُني، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
إذاً: هوَ ربُّنا, وربُّ آبائنا الأولين, وربُّ من بَعدَنا, وربُّ من قَبلَنا, وربُّ الحيوان, وربُّ النبات, ربُّ العالمين, الحمدُ للهِ ربِّ العالمين, يعني أقرب اسم من أسماء الله الحُسنى للمخلوقات هوَ كلمة رب. كيف نجمع بين هاتين الآيتين:
﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
الرحمن الرحيم, لمّا ربنا قال: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 156]
هذه الآية كيفَ نفهَمُها فهماً دقيقاً؟ ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
بالأرض, أليسَ هُناك مصائب؟ أليسَ هُناك أمراض وبيلة؟ أليسَ هُناك فيضانات؟ أليسَ هُناكَ شحُّ السماء؟ أليسَ هُناك زلازل؟ براكين؟ صواعق؟ صقيع؟ تلف محاصيل؟ شِقاق زوجي؟ عذاب منوّع.
فكيفَ نجمعُ هذا مع قولِهِ تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
أنــتَ مخلوقٌ للآخِرة, فإذا حِدتَ عن طريق الآخِرة, لا بُدَّ من أن يدفَعَكَ اللهُ إليها شِئتَ أم أبيت, من هُنا تنشأُ المتاعب, المتاعِبُ أساسُها حَيدانُ الإنسانِ عن طريقِ الآخِرة، حيدانهُ عن طريق الجنة ، يأتي اللهُ عزّ وجل ويسوقُ لهُ من الشدائد، الرحمن: رحمنُ الدُنيا والآخرة, فمن أجلِ الآخرة يُضيقُ علينا في الدُنيا. ماذا تعني كلمتي:﴿الرحمن الرحيم﴾؟ :
أمّا الرحيم: تعني العطاء, تعني حينما يرحمُنا اللهُ عز وجل, حينما يُعطينا ما نحتاجهُ؛ من طعامٍ وشرابٍ, وأُنسٍ ودِفءٍ, وأهلٍ وأولادٍ ومأوىً, فالرحيم تعني العطاء، لكنَّ الرحمن تعني أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى أعدَّ هذا الإنسان لحياةٍ أبديّةٍ, وحينما يَحيدُ عن هذا الهدف الكبير, يسوقُ لهُ من الشدائد من قِبَلِ اسمِ الرحمن, ويؤكدُ هذا قولُ الله عزّ وجل:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 45]
الرحمن يُعذّب من أجلِ الآخرة. ما معنى: ﴿مالك يوم الدين﴾؟ :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ, مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
ما معنى مالِكِ يومِ الدين؟ يوم الجزاء والحِساب, اللهُ عزّ وجل مالِكُ هذا اليوم.
في معنى مفهوم مُخالِف من هذا المعنى, الآن أنتَ في شيء تملِكُ, وعندما نموت يملِكهُ الله عزّ وجل, الاختيار, أنتَ الآن مُخيّر, أمّا إذا قالَ اللهُ عزّ وجل: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
انتهى اختيارُكَ نهائياً, ولم يبق إلا أن تُحاسَبَ على ما قدمت يداك, مالِك, أنتَ الآن تملك أن تُصلّي أو أن لا تُصلّي, تملِك أن تصدُق أو أن لا تصدُق، تملِك أن تذهبَ إلى الحج أو أن لا تذهب، تملِك أن تكونَ وفيّاً أو خائناً، تملِك أن تكونَ مُحسِناً أو مُسيئاً، أنتَ الآن مُخيّر, لكن حينما يأتي مَلَكُ الموت, انتهى الاختيار, وخُتِمَ العمل, وبقيَ الجزاء. ما معنى: ﴿إياك نعبد﴾؟ :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيـنُ﴾
فيها قِصَر, ما دامت قد قُدّمت إيّاكَ على نعبدُ, معناها لا نعبُدُ إلا إيّاك، لو أنَّ الله عزّ وجل قال: نعبدُ إيّاكَ يا رب, هذه ليسَ فيها قِصَر, نعبدُ إيّاك ونعبدُ غيرَك، أمّا حينما قالَ اللهَ عزّ وجل: إيّاكَ نعبُدُ, أي إلا نعبُدُ إلا إيّاك، لا نعبُدُ سِواك. ما هي العبادة؟ :
العبادة: كيفَ العبادة؟ الناس لا يُطيعون الله عزّ وجل، هذه الأوامر معروفة أوامر الله عزّ وجل بينَ أيدي الناس, يسمعونَ كلامَ اللهِ صباحَ مساء:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[سورة التحريم الآية: 8]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 278-279]
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور الآية: 30]
أوامر اللهِ عزّ وجل تُتلى على الناسِ صباحَ مساء وهم لا يعبدونهُ, لا يعبدونهُ لأنهم لا يعرفونهُ.
إذاً العبادة: أولاً: معرفة, وثانياً: طاعة، لن تطيعهُ قبلَ أن تعرِفهُ.
قف هنا :
ربنا عزّ وجل لمّا أمركَ أن تعبُدهُ, ماذا قال؟:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 21]
وقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة هود الآية: 123]
ما أمَرَكَ أن تعبدهُ إلا بعدَ أن طمأنَكَ أنَّ الأمرَ كُلَهُ عائدٌ إليه:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
إيّاك نعبدُ, الإنسان كأنهُ مالِك شيء, قال: وحتى يكون في حجمِهِ الحقيقي. ما معنى: ﴿إياك نستعين﴾؟ :
قال: وإيّاكَ نستعين, يعني أنتَ لا تملِك إلا أن تنبَعث إلى عبادته، لا تملك إلا أن تنطلق إلى عِبادته، لا تملك إلا أن تختار أن تعبُدهُ، ولكنَّ القوةَ التي يجب أن تنالها من أجلِ أن تعبُدهُ, بيدِ الله عزّ وجل, هذا ما قالهُ النبي عليه الصلاة والسلام:
ألا أُنبؤكم بمعنى لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؟: لا حولَ عن معصيتهِ إلا بهِ, ولا قوةَ على طاعتهِ إلا بهِ.
ما معنى كلمة: ﴿اهدنا﴾؟ :
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
إذا الإنسان يعرف الصِراطَ المستقيم, ما معنى كلمة اهدِنا ؟ هذا الطريق واضح، في عِدّة حالات, إنسان يعرفُ الصِراطَ المستقيم, فكيفَ نفهم معنى دُعائِهِ اهدِنا؟ إذا كُنتَ لا تعرف معنى الصِراطَ المستقيم, فالدُعاء يعني أن تطلب من الله عزّ وجل: أن يُبيّن لكَ الصِراطَ المُستقيم، فإذا كُنتَ تعرفُ الصِراطَ المُستقيم, فالدُعاء يعني أن تتبِعَ الصِراط المستقيم.
فإذا كُنتَ مُتبّعاً للصراط المستقيم, ماذا يعني الدُعاء؟ لا تعرف, يا ربي عرّفني، تعرف, يا ربي أعنّي، تعرف وتُطبّق, يا ربي ثبتني, فاهدِنا الصِراطَ المستقيم, لها ثلاث معان : إمّا يا ربي عرّفني، أو أعني على التطبيق، أو ثبتني على هذا التطبيق، فالمؤمن وهوَ يُصلي لهُ شأن معَ الله عزّ وجل, فإذا كان اهتدى, يا ربي أعني على أن أُطبق ما أعرف، وإذا كان فيما يبدو مستقيماً, يا ربي ثبتني على صِراطِكَ المستقيم. من هم الضالون؟ :
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
من هم الضالون؟ الضال هوَ الذي ما عَرَفَ الحق, لكنَّ المغضوب عليهم: هم الذينَ عَرَفوا الحق وحادوا عنه, يعني إنسان عَرِفَ ولم يُطبّق, فالذي ما عَرف هوَ الضال, والذي ما طبّق هوَ المغضوب عليهم, وفي كِلا الحالين: الإنسان إذا لم يعرف فهوَ ضال, وإذا عَرَف ولم يُطبّق, فهوَ مغضوب عليه. هذا الصراط المستقيم :
إذا قُلتَ:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* الرَّحْمَن الرَّحِيمِ* مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ* إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّــاكَ نَسْتَعِينُ* اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾
أنتَ مُكلّفٌ في ماذا؟ بالصلاة، أنتَ مُكلّف أن تقرأ سورة، ثلاث آيات أو سورة قصيرة، يعني بحسب شعورك الإيماني, هذه الآيات لماذا تُتلى عليك؟ لماذا تشعر أنَّ أحداً يتلوها عليك، أو ما علاقَتُها بالفاتحة؟.
أنتَ حينما طلبتَ من اللهَِ أن يهديَكَ الصِراطَ المستقيم, جاء الجواب: يا عبدي هذا هـــوَ الصِراطَ المستقيم, فالقرآن الكريم كُلُهُ هوَ الصِراط المستقيم، فإذا تلوتَ آياتِ الأمرِ عليكَ أن تأتمر، وإذا تلوتَ آياتِ النهيِ عليكَ أن تنتهي، وإذا تلوتَ آياتِ الوعدِ عليكَ أن ترجو ما عِندَ الله، وإذا تلوتَ آياتِ الوعيد عليكَ أن تخافَ ما عِندَ الله، وإذا تلوتَ آيات الأحكام الشرعيّة عليكَ أن تُطبِقها، وإذا تلوتَ الآيات الكونية عليكَ أن تعتبرَ بِها، وإذا تلوتَ آيات التاريخ والأخبار عليكَ أن تتعِظَ بِها, هذا معناه, فالإنسان إذا صحت صلاتهُ, صحَّ دينهُ, وصحَّ عملهُ, الفاتحة تكونُ هكذا, والتلاوة بعدها تكون على هذه الشاكِلة. تعريف الخضوع والسجود :
ما دُمنا في مدارج السالكين, في مراتب إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, هذا درسٌ فاصِلٌ بينَ درسين، الخضوع: يعني حينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تَغُضَّ بَصركَ عن محارِم الله ، أو حينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تقولَ للناسِ حُسناً، وحينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تقولَ قولاً سديداً يُصلح لكَ اللهُ عملَك، وحينما جاءكَ الأمرُ بعدَ الفاتحة: أن تزن بالقِسطاس المستقيم, وأن لا تقف ما ليسَ لكَ بهِ عِلم، الله أعطاك مجموعة كبيرة من الأوامر, والنواهي, والحقائق, والقواعد, والقوانين, والآيات الكونية, فأنتَ إذا رَكعت, ينبغي أن تُعلِنَ عن خضوعِكَ لهذا الأمر, فالركوع خضوعٌ للهِ عزّ وجل، والسجود؟.
يعني أنتَ خضعت, ولكنكَ فقيرٌ إلى الله عزّ وجل, أنتَ ضعيف، عبّرَ عن هذا سيدنا يوسف, حينما قال:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
فأنتَ في الركوعِ تخضع, وفي السجود تطلبُ العونَ من اللهِ عزّ وجل:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
من معاني الصلاة :
1-الصلاة قرب :
هذه الصلاة بماذا عرّفها النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو بماذا عرّفها القرآن؟ هذه الصلاة أن تقرأَ الفاتِحة وأن تركع وأن تسجد، أن تقرأَ الفاتحة وسورة, وأن تركع وأن تسجد, هذه الصلاة بماذا وصفها القرآن؟ بأنها قُرب، عملية مناجاة أو عملية قُرب, لقولِهِ تعالى:
﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الآية: 19]
1-الصلاة ذكر :
لها وصف آخر: الصلاة ذِكر، أنتَ إذا صليت إنكَ تذكُرُ اللهَ عزّ وجل:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
إذاً أول واحدة: الصلاة قُرب وذِكر. 3-الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر :
أيضاً: يعني ممكن أن ترى إنساناً يُصلي وهو غشاش، كلامهُ فاحش، يخون العهد، يكذب، مستحيل:
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
آليّةُ النهي كيفَ تتم؟ لماذا الإنسان قبل الصلاة الصحيحة: يكذب, ويَغُش الناس, ويتعدّى, فإذا صلّى صلاةً صحيحة, كما قالَ اللهُ عزّ وجل:
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
آليّةُ النهي: هوَ أولاً: النهي مستويات، النهي البسيط أنهُ أنتَ تلوتَ القُرآن, فأمركَ اللهُ عزّ وجل أن تَغُضَ بصَرَكَ, وترغب أن تُطيع اللهَ عزّ وجل, فغضضتَ بَصَرَك, هذا نهي أولي.
حينما تقرأُ أمرَ اللهِ أو نهّيَهُ, وأنتَ راغبٌ أن تُطيعهُ, وها هوَ ذا الأمر بينَ يديـــك, فإذا طبقّت هذا الأمر, فأنتَ مُريدٌ, أن تطلُبَ رِضاءَ اللهِ عزّ وجل عن طريقِ طاعتهِ، في مستوى أرقى من هذا, أول نهي هوَ أنتَ عَرفتَ أمرَ اللهِ, ورَغِبتَ في طاعتهِ, فتركتَ إطلاقَ البصر في مستوى أرقى, إنكَ حينما تتصل باللهِ عزّ وجل, يقذِفُ في قلبِكَ النور ، وهذا النور الذي يقذِفهُ في قلبِك, يُريكَ الحقَّ حقّاً, والباطِلَ باطلاً، يجوز حينما لا يكونُ هذا النورُ في قلبِك, وتُحِبُ أن تُصلي, تُجاهِدُ نفسكَ وهواك، لكن حينما يقذفُ اللهُ في قلبِكَ النور، حينما ترى الحقَّ حقّاً فتتبِعهُ, وحينما ترى الباطِلَ باطلاً فتجتنبهُ، الآن تنتهي أنت لا لأنكَ حريصٌ على طاعة اللهِ عزّ وجل فقط، بل لأنكَ حريصٌ على طاعتهِ, وحريصٌ على سلامتِكَ ، رأيتَ الخيرَ في طاعةِ الله, ورأيتَ الشرَّ في البُعدِ عنه.
إذاً: النهي نهيين: إمّا نهي تعرّفي وإمّا نهي عن طريق إلقاءِ النورِ في قلبِ المؤمن، إذاً: الصلاة قُرب وذِكر ونهيٌ عن الفحشاءِ والمُنكر. 4-الصلاة خشوع :
أيضاً: والصلاةُ خشوع, خشوع: أن تشعر أنكَ بينَ يدي الله عزّ وجل, تقفُ في حضرتهِ، الخشوع في الصلاةِ: من فضائِلِها أم من فرائِضِها؟ من فرائِضِها, فالصلاةُ من فرائِضِها الخشوع.
5-الصلاة دعاء :
حينما قالَ اللهُ عزّ وجل:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
ثمَّ يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
الدُعاءُ عِبادة, والصلاة أول العِبادات، الصلاة مناجاة ونور، الصلاة قُرب, وذِكر, ونهي, ودُعاء, ومُناجاة.
وكما وردَ عن النبي عليه الصلاة والسلام: الصلاةُ مِعراجُ المؤمن, يعرجُ بِها إلى اللهِ عزّ وجل.
6-الصلاة وعي :
صلاتُكَ أن تعقِلَ عن اللهِ عزّ وجل: ليسَ للمرءِ من صلاتهِ إلا ما عَقَلَ مِنها.
هذا حديث، والآية التي تؤكدهُ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
[سورة النساء الآية: 43]
معناها: الصلاة وعي. 7-الصلاة طهور :
أيضاً: الصلاة طَهور، والحقيقة: طَهور نفسي، يعني: الإنسان المشاعر المرضية في نفسه؛ حِقدُهُ، دناءتهُ, قذارتهُ، طمعهُ، أنانيتهُ، استعلاؤهُ، كُلُ هذه المشاعر السُفلى في الإنسان تطهر في الصلاة.
قالَ: الصلاةُ طَهور.
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ, وَالصَّلاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]
وقال: الصلاة عهد. 8-الصلاة ميزان :
في معنى آخر للصلاة: يعني أحياناً الإنسان يفعل شُبُهة، يا ترى صح أو خطأ أيجوز؟ قال: ليسَ فيها شيء, فلان سألناهُ, فقال: ليسَ فيها شيء، حينما يقع في هـذا التساؤل, الميزان عِندهُ هو اتصالُهُ باللهِ عزّ وجل، فإذا شعرتَ بالحِجاب بينكَ وبينَ الله، إذا شعرتَ بالخجل, فهذا العمل سيء, والصلاة كانت ميزاناً لكَ.
الصلاةُ ميزان فمن وفّى استوفى.
من وفّى للصلاةِ شروطها, استوفى من الصلاةِ حظوظها.
أيضاً: يعني أنتَ العمل الذي تستطيع أن تُقبِلَ على اللهِ بهِ حتماً صحيح، أمّا العمل الذي تخجل بهِ منَ اللهِ عزّ وجل هذا حتماً سيء, فالصلاة هيَ الميزان: الصلاةُ ميزان فمن وفّى استوفى.
الصلاة عِمادُ الدين, وعِصام اليقين, وسيدةُ القُرُبات, وغُرّة الطاعات, ومِعراجُ المؤمنِ إلى ربِّ الأرضِ والسموات.
9-الصلاة فيها معنى الصيام ومعنى الحج ومعنى الزكاة ..... :
قالَ بعضُهم: في الصلاة معنى الصوم, ومعنى الحج, ومعنى الزكاة, ومعنى الصلاة، الصلاة فيها صلاة وصوم وحج وزكاة.
الإنسان وهوَ في الصلاة, الصائم يتكلّم, ويضحك, ويمشي, وينام, ويغتسل, ويتكلّم حديث عشر ساعات, وهوَ صائم, أمّا الإنسان حينما يُصلّي ممنوع أن يلتفت، ممنوع أن يُفكّر بِما يُقال حولهُ, فأعلى درجات الصيام هيَ الصلاة فيهِ, وهوَ يُصلي أن يضجع, أو إذا بكيَ ابنهُ يقول لهُ: اسكت أثناء الصلاة؟ لا يقدر أن يُكلّمهُ، فالصلاة من أعلى درجات الصيام، صيام عن الطعام والشراب, إذا واحد يوجد في فمهِ حبة حُمص, لا يقدر أن يأكُلها خلال الصلاة.
إذاً: الصلاة فيها معنى الصيام, عن كُل شيء, وحتى عن الكلام المُباح, وحتى عن رد السلام، إذا المُصلّي رد السلام فصلاتُهُ فَسُدت.
أيضاً: ليسَ هُناكَ كسبٌ للمال إلا ببذل الوقت, فإذا اقتطعتَ من وقتِكَ للصلاةِ, فالوقتُ الذي هوَ أصلُ المالِ, أنتَ بذلتهُ للصلاة ففيها معنى الزكاة, أنتَ أنفقت من أصل المال وهوَ الوقت، معنى الحج القِبلة، ومعنى الصلاة الاتصال.
لذلك: الحج يسقط، والصوم يسقط، والزكاة تسقط، طبعاً: إمّا فقير أو مُسافر، والشهادة تُعلن مرةً واحدة في العُمر، لكنَّ الصلاة هيَ الفرضُ المُتكرر الذي لا يسقُط بحال.
أردت أن ننتقل إلى دروس أخرى, وأن نقف وقفةً متأنيّةَ عِندَ السلوك إلى الله, وفي قِمةِ السلوك إلى الله عزّ وجل: أن تُصليَّ صلاةً صحيحةً مقبولةً عِندَ اللهِ عزّ وجل.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:51 PM   #39


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع : التوبة - 3





ما معنى استئناف التوبة؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، منزِلةُ اليوم متعلقةٌ بآخرِ منزلةٍ, تحدثنا عنها في دروسٍ سابقة: إنها منزِلةُ التوبة, وهيَ آخر منازل التوبة: إنها منزِلةُ استئناف التوبة.
قد يسألُ سائل: ما معنى استئناف التوبة؟ ليسَ من الصواب أن تتوهم: أن التوبةَ تتِمُ في العُمرِ مرةً واحدة، إنكَ تُبتَ حينما تعرّفتَ إلى اللهِ عزّ وجل، ولكنَّ التوبة ينبغي أن تكونَ منزِلةً مستمرةً مع المؤمن, بل إنَّ نهايتهُ تُختمُ بالتوبة.
متى يدخل العبد في منزلة التوبة المستمرة؟ :
الإنسان حينما يكونُ غارِقاً في المعاصي، قبلَ أن يصطلِحَ معَ الله، قبلَ أن يعقِدَ العزمَ على طاعته، قبلَ أن يحمِلَ نفسهُ على الاستقامةِ على أمرِ الله، قبلَ هذا كانَ تائهاً, وشارِداً, وضالاً, وعاصياً، أدركَ خطورةَ ما هوَ فيه، أدركَ عَظَمةَ اللهِ عزّ وجل، انعقدَ في نفسهِ عزيمةٌ على التوبة, وعلى أن يُقلعَ عن كُلِ ذنبٍ من فورِهِ, وأن يعزِمَ على أن لا يعودَ إليه, وأن يندمَ على ما فعلهُ في الماضي، هذه التوبة نقلتهُ من المعصيةِ إلى الطاعة، من الشرودِ إلى الهُدى، من الضياعِ إلى الوجدان, لكن بعدَ أن تابَ وفتحَ معَ اللهِ صفحةً جديدة، بعدَ أن عاهدَ الله عزّ وجل على أن يلتزمَ أمرهُ, وأن ينتهي عما عنهُ نهى، الآن يدخلُ في منزِلةِ التوبةِ المُستمرّة تحقيقاً لقولِ النبي عليهِ الصلاةِ والسلام:
عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))
لأنهُ المؤمن حينما يتوب توبةً نصوحاً, قد يُفاجأ بسلوكٍ كانَ يَظُنهُ صواباً, فإذا هوَ خطأٌ, بعدَ معرفةِ, أو اطلاّعٍ, أو سماعِ محاضرةٍ, أو قراءةِ كتابٍ, يجدُ أنَّ هذا الموقف ليسَ صحيحاً.
إذاً: كلما اكتشفتَ خطأً في سلوكك, أو تقصيراً في أداءِ واجِبِك, أو انحرافاً عن جادّة الصواب، في الوقت التالي لا بُدَّ من أن تعقِدَ توبةً تغطي بِها هذا التقصير أو ذاكَ الانحراف.
إذاً: أنتَ في توبةٍ مستمرّة، التوبة الأولى نقلتكَ نقلّةً نوعيةً من المعصية إلى الطاعة ، من الشقاء إلى السعادة، من الضياع إلى الهُدى، من الشرود إلى الوجدان، لكنَّ التوبةَ المُستمرّة التي ينبغي أن تُرافق المؤمن، كُلما اكتشفَ أنَّ هذا الموقف لا يُرضي الله، أو أنَّ هذه الفِكرة ليست صحيحةً عن اللهِ عزّ وجل، أو أنَّ هذا الظن لا يليقُ باللهِ جلَّ وعَلا، أو أنَّ هذا الاعتقاد اعتقادٌ فاسد بنصِ الآية الكريمة، أو أنَّ هذا العمل مما يُخالف السُنّة. نقطة دقيقة :
هُناكَ نقطة دقيقة جداً: هوَ أنكَ إذا عَرَفتَ اللهَ عزّ وجل, بقي عليكَ أن تَعرِفَ مَنهَجَهُ، هل يُمكن أن تَعرِفَ مَنَهجَهُ في ساعةٍ واحدة؟ في يومٍ واحد؟ في شهرٍ واحد؟ في سنةٍ واحدة؟ معرفةُ منهجُ اللهِ عزّ وجل تتنامى، فكُلما كشفتَ موقِفاً للنبي عليهِ الصلاة والسلام لم يكن يخطُر على بالِك, لا بُدَّ من أن تتوبَ عن جهلِكَ بهذا الموقف, وعن السلوك الذي يُخالفُ هذا الموقف.
إذاً: أنتَ في توبةٍ مستمرّة, هذا معنى قول النبي: المؤمن مذنبٌ توّاب.
معنى مُذنب: يعني كانَ يَظُنُ أنهُ إذا تحدّثَ عن العُصاة مُقرّعاً، موبّخاً، محتقراً يُرضي اللهَ عزّ وجل، فإذا بهِ يرى أن في السيرةِ النبويةِ موقِفاً آخر.
انظر إلى هذا الموقف للنبي عليه الصلاة والسلام :
النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءهُ عِكرمةٌ مُسلِماً, قالَ لأصحابِهِ: جاءكم عِكرِمةُ مُسلِماً, فإيّاكم أن تَذُمّوا أباه, -أباهُ أبو جهل أعدى أعداءِ الإسلام، أعدى أعداءِ النبي، نكّلَ بأصحابِهِ وقتلهم-, فإنَّ ذم الميت يؤذي الحي ولا يبلُغُ الميت.
هوَ كانَ حينما يتحدّثُ عن الكُفار, يَظُنُ أنَّ اللهَ يُرضيهِ ذلك, فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يقفُ هذا الموقفَ الكامل.
إذاً: هوَ حينما كانَ يفعلُ هذا, كانَ يُرضي اللهَ بهذا, لكنهُ اكتشفَ أنَّ هذا الموقف هُناكَ موقِفٌ أكملُ مِنهُ، كانَ يفعلُ كذا, ثمَّ رأى أنَّ الشرعَ ينهى عن كذا.
متى تتنامى معرفة العبد بمنهج ربه؟ :
ليسَ في إمكانِكَ في أسبوعٍ أو شهرٍ أو سنةٍ أن تستوعِبَ مَنهجَ اللهِ كُلهُ، قد تستوعـب الخطوط العريضة فيه، قد تستوعب الكُليّات، لكنَّ الجزئيات لا تستوعبها, أنتَ كُنتَ تختلي مثلاً معَ زوجةِ أبيك في غيبةِ أبيك, بعدَ عشر سنوات قرأتَ في كُتب الفِقهِ أنهُ لا يجوزُ الخلوةُ لا بزوجةِ الابنِ في غيبةِ الابنِ, ولا بزوجة الأب في غيبة الأب, هكذا نص العُلماءُ والفُقهاء, إذاً: أنتَ تتوبُ من هذا الجهل الذي كُنتَ واقعاً فيه، كُنتَ تتحدثُ أحياناً عن علاقةٍ زوجيةٍ أمامَ والِدِ زوجتِك, ثمَّ كشفتَ أنَّ من آدابِ النبي عليه الصلاة والسلام: أنهُ لا يتحدثُ عن أيّةِ علاقةٍ نسائيةٍ أمامَ أبِ الزوجةِ أو أخِ الزوجة, لِئلا يذهبَ بهِ الخيالُ إلى شيء ينزعجُ منهُ، كُلما فعلتَ شيئاً وأنتَ تظنهُ هوَ الصواب, رُبما كشفتَ في السيرةِ النبوية أو في الحديث النبوي الشريف ما يُخالِف هذا.
إذاً: أنتَ تتنامى معرِفَتُكَ لمنهجِ اللهِ عزّ وجل، فكُلما بَلَغَكَ شيء عن رسول الله، كُلما وصلَ إلى عِلمِكَ شيء لم تكن تعلمهُ من قبل أو كُنتَ تفعلُ خِلافهُ, لا بُدَ من أن تُحدِثَ توبةَ وإحداثَ هذه التوبة سهلٌ جداً:
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الأنعام الآية: 54]
هذا السوء بجهالة، فالإنسان كُلما فعلَ شيئاً لم يكن يعلم أنهُ مُخالفة أو أنهُ معصية, يجبُ أن يعقِدَ توبةً مع اللهِ عزّ وجل.
ما المعنى الذي نسنتبطه من استمرار التوبة؟ :
ليسَ هُناكَ توبةٌ وحيدةٌ يتيمةٌ فريدةٌ تتوبُها وانتهى الأمر, هذه التوبةُ الكُبرى التي نقلتكَ من المعصيةِ إلى الطاعة، من الضياعِ إلى الهُدى، من الشقاءِ إلى السعادة، من القلقِ إلى الطُمأنينة، من التيهِ إلى الوجدان، هذه التوبةُ الأولى هيَ أجملُ توبةٍ تتوبُها في حياتِك؛ هيَ التوبةُ المُسعِدة, هيَ التوبةُ التي أخرجتكَ من الظُلماتِ إلى النور، من شقاءِ الدُنيا إلى نعيمِها، لكنكَ بعدَ أن سلكتَ في طريق الإيمان, أنتَ بحاجةٍ إلى توبةٍ يوميّة، كُلما اكتشفتَ شيئاً لم تكن تعرِفهُ من قبلُ, لا بُدَ من أن تعقِدَ توبةً خاصةً بهِ، كُلما كشفتَ تقصيراً أو مُخالفةً لم تكن تعهَدُها مُخالفةً, يجبُ أن تعقِدَ العزمَ على تركِها.
هذا المعنى الذي يُستنبط من استمرارِ التوبة.
من معاني الاستغفار والتوبة بحقِ النبي عليه الصلاة والسلام :
1-استغفار وقائي :
إذا قرأتَ حديثَ النبي عليه الصلاة والسلام: من أنهُ يستغفرُ اللهَ ويتوبُ إليه في اليومِ أكثرَ من سبعينَ مرة.
فهذا لهُ تفسيرٌ آخر، يُمكن أن يُفسّرَ هذا: بأن استغفارَ النبي استغفارٌ وِقائي، هُناكَ استغفارٌ بعدَ أن تقعَ في الذنب, وهُناكَ استغفارٌ وِقائيٌ لِئلا تقعَ في الذنب.
تمشي في الطريق, وتشعُرَ أنَّ عقبةً كؤود كانت في الطريق, أمسكتَ مِصباحاً وأضأتهُ، حينما تمشي في طريق, وتتعثرُ في هذا الطريق, ومعكَ مِصباح تُضيء المِصباح, لِترى هذه العَقَبَة التي ألقتكَ جانباً، لكنكَ إذا أضأتَ المِصباحَ قبلَ أن تسلُكَ هذا الطريق لا تتعثر, فأنتَ إمّا أن تكشِفَ العَقَبَةَ بعدَ أن تقعَ بِها, وإمّا أن تكشِفها قبلَ أن تقعَ بِها.
فبعضُ العُلماء قال: استغفارُ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم استغفارٌ وِقائي, كانَ يستغفِرُ اللهَ, وكانَ يُقبِلُ عليه, وكانَ يُكثِرُ من الدُعاء, لِئلا يقعَ في الذنب, فهذا معنى.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي وابن ماجه في سننهما, والإمام أحمد في مسنده, وابن حبان في صحيحه]
2-الشعور بالتقصير تجاه معرفة الله عز وجل :
وفي معنى آخر: هوَ أنكَ إذا تعرّفتَ إلى إنسان, وقال لكَ: أنا تاجر, فظننتَ أنَّ حجمَهُ المالي كذا, ثمَّ اكتشفتَ أنَّ حجمهُ المالي أضعاف أضعافَ ما توهمت, ألا تشعر بأنكَ لم تُعطِهِ حقهُ؟ لم تُقدّرهُ حقَّ قدرِهِ؟
فحينما تتعرفُ إلى اللهِ عزّ وجل -وللهِ المثلُ الأعلى-, وتكتشف أنَّ معرِفَتُكَ باللهِ عزّ وجل لم تكن في المستوى الذي ينبغي, ألا تشعر بالتقصير؟.
يعني: حينما تظنُ أن فُلان لن يُكرِمُكَ, ثمَ هوَ يُكرِمُكَ, ألا تستحي فيما بينَكَ وبينَ نفسِكَ من هذا الذنب السيء؟ فهذا معنى آخر من معاني الاستغفار والتوبة بحقِ النبي عليه الصلاة والسلام.
قد يقول قائل :
والآن: الذي يقول: أنا تُبتُ إلى الله, حينما استقمتُ على أمرهِ, وانتهى الأمر, ولستُ الآن بحاجة إلى التوبة, فالجواب على هذا السؤال: هل أديتَ حق اللهِ عز وّجل؟ هل عَمَلُكَ الصالح يُغطي فضلَ اللهِ عليك؟ هل طاعَتُكَ للهِ عزّ وجل في مستوى الفضلِ العظيم الذي تفضّلهُ اللهُ عليك؟ أغلبُ الظن لن تقولَ: نعم, لأنهُ ما من أحدٍ استطاعَ أن يوفي اللهَ حقَهُ حتى النبي عليه الصلاة والسلام, لا يعرِفُ اللهَ إلا الله, النبي عليه الصلاة والسلام أشدُنا معرِفةً بالله, لكنهُ لم يعرِفهُ حقَّ المعرِفة.
إذاً: يُمكن أن تستغفِرَ اللهَ وأن تتوبَ إليه من معرِفتكَ المحدودة التي لم تكن في المستوى المطلوب.
ما هي أسرع الأبواب إلى الله؟ :
أنا كُل هذا الكلام: من أجلِ ألاّ تأخُذّكّ العِزةُّ بإيمانِك وباستقامتِك، أنا استقمت وانتهى الأمر، هذه عِزّةٌ لا تُرضي اللهَ عزّ وجل, يجبُ أن تشعُرَ بالتقصير المُستمر, لأنكَ إذا شعرتَ بالتقصير المستمر, كُنتَ قريباً من اللهِ عزّ وجل, لأنَّ الانكسارَ أقربُ الأبواب إليه، بابُ الانكسار بابٌ واسعٌ, لكنَ الناسَ قلّما يسلكونَهُ, هُناك أبواب إلى الله كثيرة, لكن أسرع هذه الأبواب: بابُ الانكسار.
فلذلك: الإنسان حينما يأتي رَبهُ مُتذللاً.
لماذا النبيُ عليه الصلاة والسلام لمّا سألهُ جبريل: أتُحِبُ يا مُحمدُ أن تكونَ نبيّاً مَلِكاً أم نبيّاً عبداً؟ قالَ: بل نبيّاً عبداً؛ أجوعُ يوماً فأذكُرهُ وأشبعُ يوماً فأشكُرهُ.
لأنَّ الانكسار والضعف أقربُ إلى العبوديةُ إلى اللهِ عزّ وجل.
الإنسان متى يطغى؟ :
لاحِظوا الآية:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾
[سورة العلق الآية: 6-7]
لم يقُل اللهَ عزّ وجل: كلا إنَّ الإنسانَ ليطغى أن استغنى, قال:
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
هوَ توّهمَ أنهُ مستغنٍ عن اللهِ عزّ وجل، الإنسان متى يطغى؟ متى ينقطع؟ متى يبتعد؟ إذا ظن أنهُ مستغنيّاً عن اللهِ عزّ وجل, فإذا الإنسان لم يجد لهُ معصيةً ولا مخالفةً, وأحكمَ استقامتهُ, وتوهّمَ أنَّ هذه الاستقامة كافية كي تُنجيهِ من عذاب الدُنيا والآخرة, وقعَ في حالة الاستغناء, وهذه الحالةُ لا تُرضي اللهَ عزّ وجل. ماذا يعني هذا القول لابن السكندري؟ :
لذلك: قالَ ابنُ عطاء الله السَكندريّ: رُبَّ معصيةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً, خيرٌ من طاعة أورثت عِزّاً واستكباراً.
ما دُمتَ لم تُوف اللهَ حَقّهُ, ولم تكُن أعمالُكَ في مستوى فضلِهِ عليك, ولا في مستوى إكرامِهِ لك, منحكَ نِعمة الوجود, ومنحكَ نِعمة الإمداد, ومنحكَ نعمة الهدايةِ والرشاد:
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
إذاً: لا بُدَ أن تشعُرَ بالتقصير المُستمر, ولا بُدَ أن تشعر بالحاجةِ المُلّحةِ إلى توبةٍ من كُلِّ هذا التقصير.
قف هنا :
مما يؤكّدُ أنَّ منزِلةَ التوبةِ هيَ البدايةُ, وهيَ المنزِلةُ التي تُرافِقُ المؤمن طَوالَ حياتِهِ وهيَ النهاية, هذه الآيات التي وردت في القرآن الكريم.
النبيُ عليه الصلاة والسلام غزا غزواتٍ كثيرة, آخِرُ هذه الغَزوات هي أشدُها: غـزوةُ تبوك, حينما قَفَلَ النبي من غزوةِ تبوك, قالَ اللهَ عزّ وجل:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 117]
نهايةُ المطاف، نهايةُ الغزوات، نهايةُ الجِهاد، توبةُ من اللهِ عزّ وجل, معنى التوبة هُنا: أي كأنَّ اللهَ قَبِلَ هذا العمل، قَبِلَهُ وتغاضى عن الأخطاء, وتغاضى عن الشوارد, وتغاضى عن الشُبُهات التي رافقت هذا العمل, يعني قَبِلهُ مِنك, فالتوبةُ هُنا نهايةُ العمل.
ماذا استنبط بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من هذه السورة؟ :
شيءٌ آخر: وردَ في القرآن الكريم هيَ سورةُ النصر, إذ قالَ اللهُ عزّ وجل:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
أيها الأخوة الأكارم, في الصحيحِ؛ أي في الحديثِ الصحيحِ, أنهُ صلى اللهُ عليهِ وسلم ما صلّى صلاةً بعدَ أن نَزَلت هذه السورة, إلا قالَ فيها:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا, قَالَتْ:
((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ألم يقُل اللهُ عزّ وجل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
قال: ما صلّى صلاةً بعدَ أن نَزَلت هذه السورة, إلا قالَ فيها: سُبحانَكَ اللهمَ ربنا وبِحمدِك, اللهمَّ اغفر لي.
بعضُ أصحابِ النبي بإدراكٍ دقيق, واستنباطٍ حكيم, وفِطنةٍ كبيرة, شعرَ أنَّ هذه السورة فيها نعوةُ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلم, لأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام حينما نَزَلت هذه السورة, كانَ يقول: اللهمَّ اغفر لي, وألحِقني بالرفيق الأعلى.
رسالة تذكرة :
أخواننا الحاضرين, لا بُدَّ من هذا اللِقاء مع الله عزّ وجل, البطولة: أن تستعِدَّ لهُ، أن تُصفي كُلَّ المُشكلات، أن تُصفي كُلَّ العلاقات، أن تُهيىء عملاً تلقى اللهَ بهِ, أن تُهيىء عملاً يُرضي اللهَ عزّ وجل، فلذلك: ربُنا عزّ وجل يُحِبُكَ أن تستعِدَّ للقائه.
وكُنتُ أقول لكم دائماً: إنَّ الأعراضَ المَرَضِيّة التي تُصيبُ الإنسانَ بعدَ سِنِّ الأربعين, هيَ في حقيقتها, وفي جوهرِها, وفي دلالِتها: إشارةٌ لطيفةٌ لطيفةٌ لطيفة لهذا المؤمن: أن يا عبدي قد اقتربَ اللقاء, فهل أنتَ مُستعد؟.
يعني الإنسان يضع نظارات بعد سِن مُعيّنة, يقول لكَ: صار في تصلّب بالقرنيّة أو بالجسم البللوري, فمُعظم الناس بعد سِنّ معينة: يضع نظارات، يشيبُ شعرهُ، ينحني ظهرهُ، تضعفُ ذاكرتهُ، جميعُ الناس هكذا.
إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام حينما نَزَلت هذه السورة, كانَ يقول: اللهمَ اغفر لـي, وألحِقني بالرفيق الأعلى.
ما تعلمناه من النبي عليه الصلاة والسلام :
هناك شيء تعلّمناه من النبي عليه الصلاة والسلام: الاستغفار بعدَ الصلاة, وبعدَ الصوم, وبعدَ الحج, وبعدَ كُلِّ عِبادة.
يعني يا ربي أنا صِمت رمضان, لكن لعلّي لغوتُ في رمضان, لعلّي قصّرت, لعلّي شردت, لعلّي صليتُ صلاةَ جوفاء, اغفر لي هذا التقصير يا رب، بل إنَّ الإنسان حينما يُصلّي الصلوات الخمس, أولُ دُعاءٍ أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بعدَ الصلاة الاستغفار, أستغفِرُ اللهَ العظيم الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيَّ القيوم وأتوبُ إليه ثلاث مرات، تستغفر من ماذا؟ أنتَ وقفتَ لتُصلي, لعلَّ في الصلاةِ خللاً، لعلَّ في الصلاةِ تقصيراً، لعلَّ في الصلاةِ شروداً، لعلَّ في الصلاةِ زيغاً، لعلَّ في الصلاة سُرعةً، لعلَّ في الصلاةِ شيئاً لا يُرضي الله عزّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام كانَ يستغفرُ اللهَ عَقِبَ الصلوات, وعَقِبَ كُلِّ عِبادةٍ كبيرة، عَقِبَ الصوم وعَقِبَ الحج كان يستغفر.
ماذا كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام بعد عودته من الحج؟ :
ما قولكم: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما يعودُ من الحج, ماذا كانَ يقول؟:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ, يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ, ثُمَّ يَقُولُ:
((لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ, لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ, آيِبُونَ تَائِبُونَ, عَابِدُونَ سَاجِدُونَ, لِرَبِّنَا حَامِدُونَ, صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ, وَنَصَرَ عَبْدَهُ, وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
تائبونَ عن تقصيرٍ وقعنا بهِ في مناسِك الحج.
هذا ما يختم به النبي عليه الصلاة والسلام عمله باليوم :
وكانَ عليه الصلاة والسلام يختِمُ عملَ اليوم بالاستغفار، فقبلَ أن ينام يقول:
((أستغفرُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هوَ الحيُ القيوم وأتوب إليه))
يستغفر اللهَ قبلَ أن ينام, وعلّمنا أيضاً أن نستغفِرهُ بعدَ أن نقومَ من مجلس؛ سَهِرنا سهرةً، عقدنا ندوةً، دُعينا إلى وليمة، لعلّ في هذه الوليمة كلمة لا تُرضي الله، لعلَّ في هذه الوليمة نظرة أو في هذا الحديث خلل أو هنى, فأنتَ حينما ينتهي مجلِسُكَ استغفر الله، حينما تنتهي صلاتُكَ استغفر الله، حينما ينتهي صيامُك استغفر الله: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
[سورة هود الآية: 52]
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
[سورة نوح الآية: 12]
بل إنَّ العبدَ أحوجُ ما يكونُ إلى التوبةِ في نهايةِ عُمره، لذلك منزَلةُ اليوم: منزَلةُ استئناف التوبة، أنتَ تبدأُ التوبة وتستمرُ بِها, وتُنهي بِها هذا العُمر الذي أمضيتهُ في معرفة الله وطاعته.
ماذا تبين لنا هذه الآيات؟ :
الحقيقة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليهِ الله, وعلى عُمُره الثمين, حينما أقسمَ اللهُ بِعُمُرِهِ, حيثُ يقول:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
واللهُ سبحانهُ وتعالى في عِدّةِ آيات: ذكرَ النبي عليه الصلاة والسلام, وهوَ في أعلى مرتبة, وأعلى مرتبة أن يكونَ عبداً للهِ عزّ وجل, قال:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
وأنهُ لمّا قامَ عبدُ اللهِ يدعوهُ, عبدُ اللهِ يدعوهُ, قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 1]
كُلُ هذه الآيات تُبيّنُ: أن شرفَ الإنسان في عبوديتهِ للهِ عزّ وجل. هذه مهمتك كعبد لله :
الآية الدقيقة:
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 66]
أنتَ أيها العبد لكَ مُهِمةٌ واحدة: أن تتعرفَ إلى أمرِ اللهِ ونهيَه, وأن تلتزِمَ أمــرهُ, وأن تنتهي عما هوَ عنهُ نهى, وهُنا تنتهي مُهمَتُكَ كعبد, فلهذا تُعدُّ بعضُ العِبادات إعلاناً عن عبوديتُكَ للهِ عزّ وجل.
لماذا تحج البيت؟ :
الحج نحنُ في موسم الحج, لماذا تَحُجُ البيت؟ إنكَ من بعض معاني الحج: تُعلنُ عن عبوديتِكَ للهِ, في الحج تأتمر بأمرهِ، تدعُ بيتَكَ, وأهلكَ, وأولادكَ, وعملكَ, ومركزكَ, وتخلعُ ثيابَكَ, وتخلعُ مع ثيابِكَ الدُنيا كُلها, ومرتَبَتكَ الاجتماعية, وتُلّبي ربكَ, تقول: لبيكَ اللهم لبيك، هُنا تقصُ شعركَ, وهُنا تمتنع عن أن تَحُكَ جِسمك, أو أن تغتسل, أو أن تتطيب، تُنفّذُ محظورات الإحرام تماماً, هذا كُلهُ عبودية لله عزَ وجل.
بماذا ذكر الله مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ :
وسيدنا إبراهيمُ أبـو الأنبياءِ عليه الصلاة والسلام, أيضاً ذكرَ اللهُ عن مقامِهِ العظيم حينما قال:
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾
[سورة النجم الآية: 37]
يعني: وفّى حق العبوديّة، فنحنُ مُقصّرون إذا كان سيدنا إبراهيم وفّى, وهو أبو الأنبياء, والنبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَ في أعلى مقاماتهِ مرتبة العبودية والذُل للهِ عزّ وجل، فنحنُ قد نعتدُّ بعملٍ صالح قد نتيهُ بهِ، قد نستعلي بهِ على الآخرين، هذا كُلهُ يحتاج إلى توبة, فلذلك: أن تبذُلَ الجهدَ الكبير في سبيل التقرّبِ إلى اللهِ العليّ القدير, هوَ أعظمُ عملٍ وأنجحُ مسعى تسعاه إلى اللهِ عزّ وجل.
ما هما الحالان اللذان ينبغي ألا يفارقا المؤمن؟ :
1-حال جمع الهمة على الله عز وجل :
هُناكَ حالان ينبغي ألا يُفارِقا المؤمن؛ الحال الأول: حالُ جمعِ الهِمةِ على اللهِ عزّ وجل.
يعني بالتعبير المقبول عِندكم: الالتفات إلى الله؛ أن تلتفِتَ إليه، أن تعقِدَ معهُ الصِلة، أن تدعوَهُ، أن تستغفِرهُ، أن تُسبِحهُ، أن تذكُرهُ، أن تلجأ إليه، أن تستعيذَ به، أن تُقبِلَ عليه، أن تعقِدَ بهِ الصِلة.
هذا الحال سمّاهُ العُلماء: جمعُ الهِمةِ على اللهِ عزّ وجل محبةً وإنابةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً ومراقبة.
يجبُ أن تُراقِبَ الله، يجبُ أن تشعُرَ أنَّ اللهُ يُراقِبُك، يجبُ أن ترجوهُ وأنتَ في الشِدّة, لا أن تيأسَ من عطائهِ، يجبُ أن ترجوَهُ وأنتَ في الرَخاء.
العادة: أنَّ الناس يطمئنون وهم في الرَخاء, ويخافون وهم في الشِدّة، لكن المؤمن ينبغي أن يخافَ وهوَ في الرخاء, وينبغي أن يطمئن وهوَ في الشِدّة، لأنها إذا وقعت الشِدّة فلا مُنجّي إلا الله, لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام:
((لا يخافن العبدُ إلا ذنبَه ولا يرجونَ إلا رَبه))
إذا وقعتَ في شِدّة لا ينبغي أن تيأس، اليأسُ نوعٌ من الكُفر، اليأس والقنوت والسوداوية, وأنا انتهيت, وأنا هكذا الله قدّرَ عليّ, هذا كُلهُ من علامةِ ضعفِ الثِقةِ بالله عزّ وجل, فمن شأنِ المؤمن أن يرجو الله وهوَ في الشِدّة، ومن شأنِ المؤمن أن يخافَهُ وهوَ في الرَخاء.
الناس عادة: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾
إذا كان في صحةٍ طيبة, وأجرى تخطيطاً, والنتيجة جيدة, الضربات نظامية، التخطيط، الكوليسترول، المواد الدسمة, يقول لكَ: التحليل ممتاز, وينسى الله عزّ وجل، يذكُرهُ إذا كان النِسب عالية, إذا في ارتفاع شديد جداً, إذا في اضطراب بالنظم: يا رب, البطولة: أن تذكُرهُ وأنتَ في صحةٍ جيدة، وأنتَ في بحبوحة، وأنتَ قوي، وأنتَ غني.
إذاً: جمعُ الهِمّةِ على الله, تكونُ في الحُب, وفي الإنابة, وفي التوكل, وفي الخوف, وفي الرجاء, وفي المراقبة, هل هُناكَ هِمَةٌ أخرى؟ هذه الهِمّةُ الأولى: جمعُ الهِمّةِ على الله شوقاً ومحبةً وإنابةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً ومراقبةً, هذه إياكَ نعبدُ. 2-حال جمع الهمة على تنفيذ أمر الله :
بقيَ إياكَ نستعين. قال: وجمعُ الهِمّةِ على تنفيذِ أمرِ الله.
الآن دخلت بالعلم، دخلت في معرفة أمر الله، ما حُكمُ اللهِ في الدَين؟ لا بُد من كتابةِ إيصال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 282]
ما حُكمُ اللهِ في الوديعة؟ ما حُكمُ اللهِ في العارية؟ ما حُكمُ اللهِ في الإيجار؟ ما حُكمُ اللهِ في المُزارَعة؟ ما حُكمُ اللهِ في المضاربة؟ ما حُكمُ اللهِ في شِراءِ الفواكه على أغصانِها؛ كمُزارع؟ كطبيب مثلاً: ما حُكمُ أجرِ الطبيب إذا ماتَ المريض؟ ما حُكمُ أجرِ المُدرّس؟ ما حُكمُ أجرِ المحامي؟.
ففي عِندكَ قضية ثانية: بعدَ أن تتعرفَ إلى الله, وبعدَ أن تجمعَ هِمّتِكَ عليه محبةً وتوكُلاً وخوفاً ورجاءً وإنابةً ومراقبةً، الآن دخلتَ في طَورٍ آخر, يجبُ أن تجمعَ هِمَتَكَ على تنفيذِ أمرهِ, ولن تُنفِذَ أمرهُ إلا إذا عَرَفتَ أمرهُ أولاً، من هُنا جاءت الحاجةُ إلى حضور مجالس العِلم, وإلى معرِفةِ أمرِ الله عزّ وجل التفصيلي.
فلذلك: هذا الذي لا يجدُ نفسهُ راغِبةً في معرِفة أمرِ الله عزّ وجل, كيفَ يستقيمُ على أمرهِ؟ فأول خطوة في الاستقامة على أمر الله: أن تعرِفَ اللهَ عزّ وجل.
على كُلٍ؛ قولُهُ تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
هذه الآية جمعت الهِمتين؛ هِمةُ الإقبالِ عليه وهِمةُ تنفيذِ أمرِهِ، لذلك قالَ بعض العُلماء:
إنكَ حينما تركع تُعلِنُ عن خضوعِكَ للهِ عزّ وجل, وأنكَ حينما تسجُد تطلُبُ العونَ من اللهِ عزّ وجل, فكأنَّ إيّاكَ نعبدُ ركوعاً, وإيّاكَ نستعين سجوداً. محور الدرس :
1-ما يتعلق بالتوبة :
مِحوَرُ هذا الدرس: أنَّ التوبةَ التي تتوهمونَها تقعُ في العُمرِ مرةً واحدة, هذه التوبةُ الكُبرى التي نَقَلتكَ من الشقاءِ إلى السعادة، من المعصيةِ إلى الطاعة، من الضلالِ إلى الهُدى، من الضياعِ إلى الوجدان، التوبةَ التي تعقِبُ كُلّ خطأٍ طفيفٍ وكُل جهلٍ وكُل تقصيرٍ, هذه التوبةُ ينبغي أن تكونَ مستمرّةً طَوالَ الحياة, وهذا معنى قول النبي:
عَنْ أَنَسٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ, وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))
أمّا النهاية: في نهايةِ كُلِّ صلاة, ونهايةِ كُلِّ صيام, ونهايةِ كُلِّ عُمرةٍ أو حج, ونهايةِ كُلِّ مجلسٍ, وكُلِّ لقاءٍ, وكُلِّ علاقةٍ, وفي نهايةِ العُمر: ترجو الله عزَ وجل أن يقبَلَكَ، أن يقبَلَكَ بهذا العمل الذي هوَ جُهدُ مُقِلٍ كما قالَ عليه الصلاة والسلام، أن يقبَلَكَ وأن يتجاوَزَ عن أخطائِكَ وعن سيئاتِكَ وعن زللاتِكَ, فلعل اللهَ عزَ وجل يختِمُ هذا العملَ بتوبةِ القَبول، في توبة العفو وفي توبة القَبول، تتوبُ من ذنبٍ فيقبل الله توبَتَكَ؛ أي عفا عنك، لكن الآن: قد يعفو عنك ولكنه لا يقبَلُكَ، أنتَ ماذا تُريد؟ أن يقبَلَكَ الله عزّ وجل, لذلك: توبةُ نهاية العُمر توبةُ القَبول. 2-إفراد الله في العبادة والاستعانة :
أيضاً: حينما تقولُ: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, بكلمة إيّاكَ في تخصيص, يعني إيّاكَ وحدَكَ يا رب لا نعبُدُ سِواك، وإيّاكَ وحدَكَ يا رب لا نستعينُ بغيرِك، إفرادُ اللهِ في العبادة وإفرادُهُ في الاستعانة، حينما تتجهُ إلى أن تستعينَ بغير الله عزّ وجل أو أن تستعينَ بزيدٍ أو عُبيد, لا تنس هذا الحديث:
((ما من مخلوقٍ يستعينُ بي من دونِ خلقي, أعرِفُ ذلِكَ من نيّتهِ, فتكيدُ لهُ أهلُ السمواتِ والأرض, إلا جعلتُ لهُ من بينِ ذلِكَ مخرجاً, وما من مخلوقٍ يعتصمُ بمخلوقٍ دوني, أعرفُ ذلِكَ من نيّتهِ, إلا قطّعتُ أسبابَ السماءِ بينَ يديه, وأهويتُ الأرضَ من تحتِ قدميه))
إذاً: يجبُ أن تُفرِدهُ بالعِبادةِ, ويجبُ أن تُفرِدهُ بالاستعانة, والحديثُ الشريف: ((لا يخافنَّ العبدُ إلا ذنبَه, ولا يرجوّنَ إلا ربَه, ولا يُغيرُ اللهُ ما بِقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفِسهم))
3-تعريف العبادة :
وآخر شيء في الدرس: أنَّ العِبادة غايةُ الخضوع معَ غاية الحُب، خضوعٌ بِلا حُب لا يُعدُّ عِبادة, وحُبٌ بِلا خضوع لا يُعدُّ عِبادة، نهايةُ الخضوعِ ونهايةُ الحُبِّ هوَ العِبادة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
والعِبادة الحقّة هيَ أعلى مقاماتِ الإنسان, وقد رأيتم قبلَ قليل: كيفَ أنَّ اللهَ عزّ وجل وصفَ النبيَ عليه الصلاة والسلام وهوَ في أعلى درجاتِهِ, وصفهُ بأنهُ عبدٌ للهِ, وأنهُ لمّا قامَ عبدُ اللهِ يدعوهُ:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾
هذه كُلُها تؤكِدُ: أنَّ العبوديةَ هيَ كُلُ شيء, بل إنَّ كُلَّ هذه الدروس ما هيَ إلا في تفصيلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين. اعلم علم اليقين :
بقيَ موضوعٌ دقيقٌ متعلّقٌ بالعِبادة: العِبادة أيها الأخوة وقد ذكرتُ هذا من قبل هيَ طاعة، غايةُ الطاعة الخضوع مع غاية الحُب، لكن يجب أن تعلم عِلمَ اليقين: أنكَ لن تُطيع ولن تُحب إلا إذا عَرفت, فطريقُ العِبادةِ هيَ المعرِفة، العِلم هوَ الطريق الوحيد إلى الله عزّ وجل, وأنكَ إذا أطعتَ وأحببت سَعِدتَ باللهِ عزّ وجل، ثلاث كلمات أتمنى على اللهِ عزّ وجل أن تكونَ واضِحةً عِندكم، ثلاث كلمات في حياتِنا؛ الأولى: المعرفة، والثانية: السلوك، والثالثة: الثمَرَةَ وهيَ السعادة، فينبغي أن تسعد, ولن تسعدَ إلا إذا أطعت, ولن تُطيعَ إلا إذا عَرفت.
بماذا فسر العلماء هذا الحديث؟ :
النبي عليه الصلاة والسلام كانَ بليغاً جداً حينما قال:
((الندمُ توبة))
[أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
العلماء احتاروا بهذا الحديث, يا ربي التوبة ليست ندماً فقط, التوبة عِلم، أنتَ في أيةِ لحظةٍ تتوبُ من الذنب؟ إذا عرفتَهُ ذنباً، لا بُد في التوبةِ من علمٍ, فإذا حصلَ العِلمُ صار الندمُ, وإذا صارَ الندمُ نَقَلَكَ إلى السلوك، ففي أدقِّ تعريف التوبة: هيَ عِلمٌ وحالٌ وعمل.
جاءَ االنبي عليه الصلاة والسلام, وذكرَ في التوبةِ المرتبة الوسطى, قال:
((الندمُ توبة))
[أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
فالعُلماء عندما فسّروا هذا الحديث, قال: هذا الندم, لا بُد لهُ من علمٍ أحدثهُ, ولا بُد لهُ من عملٍ نَتَجَ عنهُ, هذه البلاغة بالإيجاز: ذَكرَ لكَ المرحلة الأساسية هيَ الندم، فالندم سببهُ العِلم, والندم نتيجتهُ الاستقامة, فقال النبي:
((الندمُ توبة))
[أخرجه البزار في مسنده, وابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
ينبغي أن تعلم :
ربُنا قال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
العِبادة طاعة وحُب، طيب: يا ربي أنتَ أغفلت العِلم وأغفلت السعادة, لأن هذه الطاعة وهذا الحُب لا يُمكن أن يكون إلا بالعِلم، وهذه الطاعة وهذا الحُب إذا حصل ينتجُ عنهُ سعادة أبديّة في الدُنيا والآخرة, فنهاية المطاف: يجبُ أن تعلم: أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى خَلَقَكَ كي تعبُدَهُ, أي كي تُطيعَهُ وكي تُحِبهُ، ولن تطيعَهُ ولن تُحِبهُ إلا إذا عَرفتَهُ, وإذا أطعتهُ وأحببتهُ سَعِدتَ بقُربِهِ في الدُنيا والآخرة.
حياتنا تبنى على هذه الكلمات الثلاث, هما :
إذاً: حياتنا كُلها ثلاث كلمات: نتعلّم ونعمل فنسعَد، تُلغي العمل لا تستفيد شيئاً، تُلغي العِلم لا تستفيدُ شيئاً, طبعاً: الثالثة تحصيل حاصل, تجد في القرآن أكثر من ثلاثمئة آية:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 82]
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
نهاية المطاف :
فأنا أتمنى على الأخوان الكِرام: أن يكونَ في حياتِهم شيئان كبيران: طِلَبُ العِلمِ والالتزامُ بما تعلّمت، لهذا قالَ عليه الصلاة والسلام:
((لا بورِكَ لي في طلوعِ شمسِ يومٍ لم أزدد فيهِ من اللهِ عِلماً, ولا بورِكَ لي في طلوعِ شمسِ يومٍ لم أزدد فيهِ من اللهِ قُرباً))
القرآن يؤكّد ذلك: حجمُكَ عِندَ اللهِ بحجمِ عملِك, والدليل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 132]
وحجمُكَ عِندَ اللهِ بحجمِ عِلمِك, والدليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[سورة المجادلة الآية: 11]
فأنتَ لكَ نشاطين: نشاط هوَ التعلّم ونشاط هوَ التطبيق؛ في المسجد تتعلم وفي بيتِكَ ودُكانِكَ ومكتَبِكَ وعيادَتِكَ ومعمَلِكَ تُطبّق، هُنا تتعلم والحياةُ كُلُها مجالٌ للتطبيق.
إذاً: حينما تختصر الدين بكلمات موجزة, وكلمات مُحكمة, وكلمات بليغة: الدينُ عِلــمٌ وعمل, والثالثة: تحصيل حاصل وهيَ السعادة تحصيل حاصل، أنتَ طبّق الأولى والثانية, والثالثة تأتيكَ وهيَ راغِمةَ.










والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-18-2018, 01:53 PM   #40


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع : الانابة









عن ماذا تتحدث هذه الآيات؟ :
أيها الأخوة الأكارم, مع الدرس الثامن والثلاثين من دروسِ مدارج السالكين, في منازِلِ إيّاكَ نعبدُ وإيّاكّ نستعين، منزِلةُ من أدقِّ المنازل وردت فيها آياتٌ كثيرة، وفي المناسبة: أنَّ هذه المنازل هيَ في الحقيقة تفسيرٌ لكتابِ اللهِ عزّ وجل, ولكن ليسَ أساسُهُ الآيات المُتتابعة, ولكن أساسُهُ الآياتُ ذات الموضوع الواحد، ففي القرآن الكريم آياتٌ كثيرة تتحدثُ عن الإنابة, من هذه الآياتِ مثلاً:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
أمرٌ إلهيٌ يقتضي الوجوب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾
[سورة هود الآية: 75]
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
[سورة ق الآية: 6-8]
وصِفَ النبي الكريم سيدنا إبراهيم بأنهُ حليمٌ أواهٌ مُنيب، جاءَ أمرٌ إلهي: وأنيبوا إلى ربِكم، وُصِفَ العبدُ الذي يتأثرُ بآيات اللهِ الدالةِ على عَظَمتهِ بأنهُ عبدٌ مُنيب. آيةٌ رابعة:
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾
[سورة غافر الآية: 13]
ووصفَ اللهُ عزّ وجل عِبادهُ الصالحين بأنهم مُنيبونَ إليه: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة الروم الآية: 31]
ما معنى منزلة الإنابة؟ :
1-إنابة لربوبيته :
هُناك منزِلة في القرآن الكريم يمكن أن نُسميّها: منزِلةَ الإنابة، ما معنى هذه المنزِلة؟.
بعضُهم قال: إنَّ هذه المنزِلة تعني شيئين, لأنَّ هُناكَ إنابتين؛ إنابةٌ لربوبيته وإنابةٌ لألوهيته، فالإنابةُ للربوبيّة إنابةٌ عامّة, فكُلُ الخلق على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم ومِللهِم ونِحلِهم واتجاهاتِهم، مؤمنهم وكافرهم, وفاسقهم وطائعهم منيبونَ إلى الله, حينما تأتي الشِدّة.
راكب طائرة, دخلت في سحابة مُكهربة, صار إمكان وقوعك كبير، راكب سفينة، واجهت مُشكلة، التحليل أظهر خللاً كبيراً في تركيب الدم، الصور الشُعاعية أظهرت خللاً في الخلايا، حينما تأتي المُصيبة جسمية أو مادية أو معنوية في المالِ, في الولدِ, في الأهلِ، حينما يلوحُ شبحُ المصائب, كُلُ الخلق من دونِ استثناء, كما قُلتُ قبلَ قليل: مؤمنهم وكافِرهم, عالِمُهم وجاهِلُهم, من كُلِّ الأجناس, من كُلِّ المِلل, من كُلِّ النِحل مُنيبينَ إلى الله, ولكن هذه الإنابة بحسب ضعفِ الإنسان, بحسب افتقارِهِ إلى الله، بحسبِ أنهُ مقهور، بحسبِ أنهُ مُضطر.
هل يرتقي العبد بإنابة الربوبية إلى الله؟ :
هذه الإنابة لا ترتقي بِكَ إلى الله، الدليل:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 33]
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾
الناس جميعاً، يعني حينما تأتي المُصيبة, وتنطلق إلى اللهِ عزّ وجل, هذا ليسَ لكَ فيهِ فضلٌ إطلاقاً, هذه طبيعةُ الإنسان، هذه جِبلّته، هذه فِطرَتُهُ، هذا ضعفُهُ، هذا افتقارُهُ، هذا اضطرارُهُ، هذا قهرُهُ, أيُّ إنسان، لذلك ربُنا عزّ وجل قال: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾
[سورة النجم الآية: 43]
الله عزّ وجل طبعاً من قدرتِهِ -وهذا شيء بسيط جداً- أنهُ يجعلُ أشد الرِجالِ جَلَداً تنهارُ أعصابُهُ ويجهَشُ بالبُكاء.
طبعاً: أن ترى طِفلاً يبكي شيء مألوف، أن ترى امرأةً تبكي شيء مألوف، أما أن ترى رجُلاً شديداً عتيداً جَلداً تنهارُ أعصابُهُ ويُجهِشُ بالبُكاء!! معنى ذلك: أنَّ اللهَ عزّ وجل حينما يؤدّبُ الإنسان, يعرِفُ كيفَ يؤدّبُهُ؟.
فإذا الإنسان ضحك, وكان مَرِحاً, وانطلق لسانهُ, وهوَ بينَ أهلِهِ، بينَ أصدقائِه، في عملِه، مع شركائِهِ، هذا فضلُ اللهِ: أنَّ اللهَ سلّمَه, وعافاه, ويسر له أُموره, وإلا فأيُ خبرٍ مُزعج يقلِبُ حياةَ الإنسانِ جحيماً.
إذاً: هذه الإنابة ليسَ لنا فيها فضلٌ إطلاقاً، هذه من جِبلّتِنا، من ضعفِنا، من قهرِنا، من افتقارِنا، من هلعِنا:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾
[سورة المعارج الآية: 19-21]
تحت أي إنابة تندرج هذه الحادثة؟ :
قُلتُ لكم من قبل: أنَّ طائرةً يركَبُها خُبراء من بِلادٍ, لا تؤمنُ باللهِ إطلاقاً, يعني لا تؤمنُ بوجودِ اللهِ إطلاقاً، دخلت هذه الطائرة في سحابةِ مُكهرّبةٍ, وبدا لرُكابِها أنها على وشك السقوط.
حدثني من كانَ في الطائرة: أنَّ هؤلاءِ الذينَ يُلحِدونَ في ذاتِ اللهِ وفي آياتهِ, صـاروا يرفعونَ أيديهم إلى السماء: يا رب .. يا رب .. بلُغاتهم؛ أينَ إلحادُهم؟ أينَ عِلمانيتُهم؟ أينَ إنكارُهم؟ أينَ كُفرُهم؟.
أعتقد أنَّ كلكم قرأَ في القرآن آيات كثيرة, كيفَ أنَّ اللهَ عزّ وجل يستدرج الكافر أحياناً إلى سفينة, فإذا ماجَ البحرُ واضطرب ....:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 22]
فحينما تأتي مُشكلة وتلجأ إلى الله عزّ وجل، لا أُقللُ من قيمةِ هذا اللجوء, ولكن أُبلغـكَ أنَّ هذا اللجوء لا فضلَ لكَ بِهِ, لأنَّ هذه طبيعَتُكَ, وهذا افتِقارُكَ.
هذه هي البطولة :
البطولةَ: أن تُنيبَ إليه إنابةَ الألوهيّة, وقد تحدّثتُ في درسٍ سابق, كيفَ أن الإلهَ الذي يستحّقُ العِبادة، الذي خَلَقَكَ يستحّقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي رَزَقَك يستحقُ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي أعطاكَ السمعَ والبصرَ والفؤادَ يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي مَنَحَكَ الأهلَ والأولاد يستحقّ أن تَعبُدهُ فهوَ الإله، والذي تفضّلَ عليكَ بنِعمةِ الهِدايةِ هوَ الإله.
إذاً: لا معبودَ بحقٍ إلا الله، أنتَ حينما تنطلِقُ إلى اللهِ عزّ وجل من قناعة, من مُبادرَة ، تنطَلِقُ ابتداءً إلى اللهِ عزّ وجل, وأنتَ في رَخاء, وأنتَ في بحبوحَة, فهذه هيَ البطولة، هذه هيَ الإنابةُ التي يُريدُها اللهُ عزّ وجل: أن تُنيبَ إليه إنابةَ حُب لا إنابةَ قهر، إنابةَ اشتياق لا إنابةَ اضطرار، إنابةَ اقتناع لا إنابةَ إجبار.
لذلك قالوا: الإنابةُ إنابتان؛ إنابةٌ لربوبيته: وهذه إنابةُ المخلوقاتِ كُلِها, يشتَرِكُ فيها المؤمن والكافر, البرُّ والفاجر,
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾
2-إنابة الألوهية :
الإنابةَ البطوليّة هيَ: إنابةٌ لألوهيته، وإنابةُ الألوهية؛ أي أن تعبُدهُ بعدَ أن تؤمنَ بهِ، أن تعبُدهُ وأنتَ مُحبٌ لهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ ترجوهُ، أن تعبُدَهُ وأنتَ راغبٌ فيما عِندهُ, من دونِ اضطرارٍ, من دونِ ضغطٍ, من دونِ إكراهٍ, من دونِ خوفٍ، لأن هذا الذي يُنيبُ إلى الله عِندَ الشِدّة.
من لوازم هذه الإنابة: أنها إذا رُفِعت الشِدّةَ عادَ إلى ما كانَ عليه.
أعِرفُ أُناساً كثيرين, حينما جاءتهم أزمةً في بعضِ أعضائِهم الخطيرة, أنابوا إلى الله, فلمّا تحسّنَ وضعُهم, وانزاحت عنهم هذه الآلام, وأظهرت النتائج المخبرية أنهم في صحةٍ جيدة, عادوا إلى ما كانوا عليه, من فِسقٍ وفجورٍ وانحرافٍ وطغيانٍ واستكبار.
إذاً: الإنابة التي تأتي عِندَ الاضطرار سُرعانَ ما تنزاحُ عِندَ الرخاء، إذاً: لا قيمةَ لها, والدليل:
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾
لكن روعة الآية: أنَّ فريقاً منهم، معناها: هُناكَ أُناسٌ حينما تأتيهم الشِدّة, وينيبونَ إلى الله, يستفيدونَ من هذه الشِدّة, وتكونُ إنابتُهم إلى اللهِ عزّ وجل مستمرة, والدليل: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾
من خصائص الإنابة :
1-أن تكون الإنابة أساسها المحبة :
الإنابة قالوا: أربعةُ خصائص؛ الخصيصةُ الأولى: أن تكونَ الإنابةُ أساسُها المحبة, يعني دائماً نتحدثُ عن العبوديةِ للهِ عزّ وجل، العبودية من الداخل حُب, ومن الخارج انصياعٌ إلى اللهِ عزّ وجل.
وفي أدقِّ تعاريف العبوديّة: غايةُ الخضوع للأمرِ والنهيِ, وغايةُ الحُب، خضوعٌ في الأعضاءِ والجوارح, وحُبٌ في القلب، فإذا اجتمعَ الحبُ في القلب, الحُبُ مع الإخلاص, والخضوعُ والاستسلام لأمر اللهِ عزّ وجل, فهذه هيَ العبودية, وهذا الذي قالهُ اللهُ عزّ وجل:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
يعني أنتَ في أعلى درجاتِك, وفي أفضلِ حالاتِك, وفي أعلى مراتِبِك عبدٌ للهِ عزّ وجل, قلبُكَ مُفعمٌ بالحُب, وجوارِحُكَ وأعضاؤكَ مُنساقةٌ إلى طاعته، إذا كُنتَ كذلك فأنتَ من عِباد الله الصالحين, فأنتَ من عِبادِ الرحمن الذينَ يمشونَ على الأرضِ هونَاً, وإذا خاطبهم الجاهلونَ قالوا سلاماً:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
فالأمرُ الأولُ في الإنابةِ هوَ: الحُب. 2-3 الإنابة خضوع وإقبال على الله عز وجل :
والأمرُ الثاني في الإنابةِ هوَ: الخضوع, كما قُلتُ قبلَ قليل، والأمرُ الثالِثُ في الإنابةِ: الإقبالُ على الله، الفرق بين الحُب والإقبال: الإقبال بالعبادات، بالأدعية، بالأذكار, بالتذكير أحياناً، بتلاوة القرآن.
في حُب وخضوع وإقبال على الله عزّ وجل. 4-الإعراض عما سواه :
والعُنصر الرابع: والإعراضُ عمّا سِواه.
أُناسٌ منحرِفون, شهواتٌ دنيئة، أماكن موبوءة, أيُّ شيء يُبعدُكَ عن اللهِ عزّ وجل تُعرِضُ عنهُ, يعني في النهاية هُناكَ في الكونِ حقيقةٌ واحدة وهيَ الله, فأيُّ شيء يُقرّبُكَ إليه تُبادر إليه، وأيُّ شيء يُبعِدُكَ عنهُ تبتعد عنه، هذا اللقاء، هذه النزهة، هذه العلاقة، هذه الشَرِكة, إن أبعدتكَ عن اللهِ عزّ وجل أعرضتَ عنها, وإن قرّبتكَ إلى اللهِ أقبلتَ عليها، هذا هوَ مُلخّصُ المُلخّص.
حينما ترى شيئاً يُقرّبُكَ إلى اللهِ عزّ وجل تنطلِقُ إليه, وحينما ترى شيئاً يُبعِدُكَ عن اللهِ عزّ وجل تجتنبهُ، فالحُبُ في القلب, والخضوعُ في الجوارحِ والأعضاء, والإقبالُ على الله, والإعراضُ عمّا سِواه, هذا هوَ المُنيب.
تعريف الإنابة في اللغة :
باللغة: الإنابة: الإسراع والتقدم, يعني أنابَ إلى الله غيرَ رَجَع، ممكن أن تنطلق من البيت, ثم تذكُرُ شيئاً في البيت, فتعودُ إلى البيت الهوينى، ولكنَّ الإنابة من معانيها الدقيقة: العودةُ إلى اللهِ بِسُرعةٍ إلى اللهِ عزّ وجل, المسارعةُ إلى الله.
لذلك: كان سيدنا عُمر -كما يقولون-: وقّافاً عِندَ كِتابِ الله.
المؤمنُ مذنِبٌ مُفتتنٌ توّاب, كثيرُ التوبةِ, كثيرُ الإنابةِ, يعودُ مباشرةً.
يعني مثلاً: وقعَ في ذنبٍ مساءً ما آوى إلى فِراشِهِ إلا وهوَ تائبٌ مِنه, هذه الإنابة, أمّا الذي يقعُ في الذنب, ويتوبُ إلى اللهِ بعدَ أسبوع, أو بعدَ أسبوعين, أو بعدَ شهرٍ, أو شهرين, ليست هذه هيَ الإنابة، الإنابة هيَ المُسارَعةُ إلى اللهِ عزّ وجل، المُسرِعُ إلى مرضاتِه، الراجعُ إليه في كُلِّ وقت، المتقدّمُ إلى محابّهِ، المُبتَعِدُ عن مُسخِطاتِهِ.
الحقيقة: قد يسألُ سائل: ما علاقةُ التوبةِ بالإنابة؟ أنتَ تُبتَ إلى الله, ولكن الإنابة التوبة المُستمرّة، الرجوع المستقر إلى الله عزّ وجل.
ما تفصيل هذه التعاريف؟ :
وقال العُلماء: الإنابةُ: الرجوعُ إلى الحقِ إصلاحاً كما رَجَعتَ إليهِ اعتذاراً, وأن ترجِعَ إلى الحقِّ وفاءً كما رَجَعتَ إليهِ عهداً, وأن ترجَعَ إلى الحقِ حالاً كما رَجَعتَ إليهِ مقالاً ، ما تفصيلُ هذه التعاريف؟.
أولاً: الإنسان حينما يتوبُ إلى اللهِ عزّ وجل, يُقلِعُ عن كُلِ ذنبٍ اقترفه, لكن يا تُرى: هل يكفي أن أستقمَ على أمرِ الله, أم الإنابةُ الحقيقيةُ: أن أُبادِرَ إلى الأعمال الصالحة؟ الاستقامة من طبيعتها أنها سلبيّة, تركت إطلاقَ البصرِ إلى النِساء، تركت أكلَ المالِ الحرام، تركت الغيبةَ، تركت النميمة، الاستقامة أساسُها سلبيّ, لكن ألا ينبغي أن تعودَ إلى اللهِ عزّ وجل لتدعو إلى الله؟ أن تعودَ إليهِ مُصلِحاً بعدَ أن عُدّتَ إليهِ تائِباً, عُدتَ إليهِ تائباً والآن تعودُ إليهِ مُصلِحاً، الإصلاح فيهِ إيجابيّات؛ ماذا قدّمتَ ليوم القيامة؟ ما العملُ الذي ترجو اللهَ أن يقبَلَهُ مِنك؟ ما العملُ الذي تُعلّقُ عليهِ أهميةً في عودَتِكَ إلى اللهِ عزّ وجل؟ كما قالَ النبي عليه الصلاة والسلام:
((يا بِشر, لا صدقةَ ولا جِهاد, فبِمَ تلق اللهَ إذاً؟))
أنتَ في رحلة, سميتُها في خُطبة الجُمُعة: الحج رحلة قبل الأخيرة, لكن هُناكَ رِحلةٌ أخيرة: ما الذي بينَ يديك؟ ما الذي تحفلُ بهِ عِندَ اللهَ عزّ وجل؟.
لو سُئلتَ: بماذا جِئتني يا عبدي؟ يقول: يا ربي, أنا استقمتُ على أمرِك, جميل, لكن استقمتَ فقط!! أنتَ حينما استقمت تعجلّتَ الراحةَ لقلبِك، أنتَ حينما استقمت ابتعدتَ عن آلاف المُشكِلات، ماذا قدمت؟ بماذا ضحيّت؟ ما الـذي بذلت؟ ما العمل الجليل الذي سعيتَ إليه وترجو بهِ رحمتي؟. من معاني الإنابة :
الإنابة لها معنى سلبيّ ومعنى إيجابيّ، المعنى السلبيّ ترك المعاصي, يعني أنابَ إلى الله: رَجَعَ إليهِ تائباً، وأنابَ إليهِ: رَجَعَ إليهِ مُحسِناً، في الأولى تارِكاً للذنب وفي الثانية عامِلاً للصالِحات، فهذا المعنى الأول معنى إيجابيّ, يعني أنتَ حينما ترى إنساناً يحتاج إلى مُساعدة, تُبادر إلى خِدمَتِهِ, فإذا وقفتَ لتُصلّي, شعرتَ أنَّ اللهَ قد قَبِلَ هذا العمل، ألم تعلموا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
صدقةُ السِرّ تقعُ في يدِ اللهِ قبلَ أن تقعَ في يدِ الفقير؟.
فنحنُ نُريد إنابة مع العمل الصالح لا إنابة مع التوبة، الإنابة مع التوبة وقعت وانتهى الأمر, تُبتَ إلى اللهِ من كُلِّ معصيةٍ، من كُلِّ مخالفة, من كُلِّ ذنب، أمّا الآن: تُريد أن تنيبَ إليه, وبيدِكَ عملٌ صالح, هذا هوَ المعنى الأول، المعنى الثاني:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الفرقان الآية: 70]
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة البقرة الآية: 160]
أعطينا مفهومَ الإنابة مفهوم إيجابي، أنتَ قدّمت عملاً ثميناً, تبتغي بهِ رِضوان الله عزّ وجل.
معنى آخر للإنابة :
ومعنى آخر للإنابة: أن ترجِعَ إليه بالوفاءِ بعهدِهِ.
أنتَ عاهدتهُ, أحياناً الإنسان يقفُ عِندَ الحجر الأسود, ويُقبلّهُ, ويذرِفُ الدمعَ غزيراً, ويقول: يا ربي عهداً على طاعتِك, عهداً على استقامتِك, شيء جميل, الإنسان لهُ أحوال مع اللهَ يُعاهِدهُ بِها.
طيب: هذا العهد أينَ مضمونهُ؟ أينَ الوفاءُ بهِ؟ أينَ تحقيقُهُ؟ أينَ تنفيذُهُ؟ أينَ ترجمتـُهُ إلى لُغةِ الواقع؟ فأنتَ تعودُ إلى اللهِ مُعاهِداً, وتعودُ إليه مرةً ثانية مُوفيّاً بعهدِك، وُضِعت في ظرفٍ حَرِج, أنت ماذا عاهدت الله عز وجل حينما تُبتَ إليه؟ عاهدتَهُ على الإنصاف, والآن أنتَ أمام موقف ينبغي أن تُنصِف، ماذا سوفَ تفعل؟ إما ألا تُنصِف وإمّا أن تُنصِف.
إذاً أول إنابة: أن تُعاهِدهُ على الاستقامة فهذه إنابة، ثمَّ أن تعملَ الصالِحات وهذه إنابة، أن تُعاهِدهُ على الإقلاعِ عن المعاصي هذه إنابة، وأن توفّي بعهدِكَ هذه إنابةٌ أُخرى.
بماذا تؤيد هذه الآيات؟ :
الآيات المؤيّدة لهذا المعنى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 34]
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 91]
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 177]
لذلك الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 2-3]
قف عند هذه الكلمة :
أنا أقول لكم أيها الأخوة: المؤمن في عِندهُ شفافية، لو فرضنا أنهُ عاهدَ اللهَ في لحظةٍ من لحظاتِ حياتِهِ، في ساعةٍ من ساعاتِ ضيقهِ، في وقتٍ من أوقاتِ مِحنتهِ وشِدتّهِ، وبعد أسبوعٍ أو أسبوعين, وبعدَ شهر أو شهرين, ظهر موقف يقتضي بأن يوفّي بعهدِهِ, ألا تشعر أيها الأخُ المؤمن, أنَّ اللهَ يُعاتِبُك إن لم توّفِ؟.
يعني: هل هُناكَ حساسية بحيث أنكَ تُحِسُ, وكأنَّ اللهَ عزّ وجل يقول لكَ: يا عبدي أينَ العهد الذي بيني وبينك؟ ألم تُعاهدن أن تفعلَ كذا وكذا؟ ألم تُعاهدن أن تكظِمُ غيظَك؟ ألم تُعاهدن أن تكونَ حليماً؟ ألم تُعاهدن أن تتجاوزَ عن السيئات؟ فلمّا الإنسان ينشأ بينهُ وبينَ الله هذا الحِوار -إن صح التعبير- يعني أبسط حِوار كما قُلتُ لكم من قبل: إذا أردتَ أن تُناجيَ اللهَ عزّ وجل فادعوه, الدعاء مناجاة, وإذا أردتَ أن يُحدّثُكَ اللهُ عزّ وجل, اقرأ كِتابَ اللهِ عزّ وجل، فقراءةُ القرآنِ كأنَّ اللهَ يُحدّثُك:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزُمر الآية: 53]
إذا أردتَ أن تُحدّثَهُ, تقول لهُ: يا رب أقِل عِثاري، اغفر زلّتي, ارحم ضعفي، اقبل توبتي، أقِل عثرتي يا رب، يا رب ألهمني الصواب, اهدِني واهدِ بي، أرِني الحقَّ حقّاً وارزقني اتباعه.
بماذا تتميز حياة المؤمن؟ :
أجمل ما في حياة المؤمن: أدعيةٍ نبويةٍ, فيها جوامِعُ الحِكم, أن تحفَظَها, فكُلما خَلوتَ معَ ربِك, وأنتَ في الطريق, وأنتَ في موعدٍ مُهم, وأنتَ مُستيقظ صباحاً, يعني كُلما جلستَ إلى مائدةٍ, أذكار النبي في الحمدِ, والشُكرِ للهَ عزّ وجل, فإذا أردتَ أن تُحدّثَ اللهَ عزّ وجل فادعوه، وإذا أردتَ أن يُحدّثَكَ الله عزّ وجل فاقرأ القرآن.
يا موسى! أتُحِبّ أن أكونَ جليسَك؟ قالَ: وكيفَ ذلِكَ يا رب؟ قالَ: أما عَلِمتَ أنني جليسُ من ذَكَرَني, وحيثُ ما التمسني عبدي وَجَدَني.
من أنواع الشكر لله عز وجل :
بعضُهم قال: حينما تذكُر الله عزّ وجل فهذا نوعٌ من الشُكر, إذا ذكرتَ نِعمةَ اللهِ عليك.
إذا الإنسان شَرِبَ كأساً من الماء, يعني الطُرق سالِكة, ليسَ هُناك حصيات, وليسَ هُناك انحباس في البول, وليسَ هُناك ضعف في عملِ الكُليتين, والأمور كُلها منتظمة, أليست هذه نِعمة كبيرة؟ لستَ مُضطراً لا أن تُصفّي دمَكَ في الأسبوع مرتين, ولا أن تُجري عملية تحطيم البحصة بالأشعّة.
إذاً: هذه نِعمة، أنتَ كُلما دعوتَهُ في أحوالِكَ كُلِها, دخلتَ إلى بيتِك, لكَ مأوى, ولكَ بيت, ولكَ زوجة, ولكَ أولاد, وجلستَ إلى الطعام, والطعام موجود, ومعكَ ثمن الطعام، يعني الله عزّ وجل أكرمكَ بهذا البيت, وبهذه الزوجة, وهؤلاءِ الأولاد, فأنتَ حينما تدعو اللهَ عزّ وجل فأنتَ تذكُرُهُ؛ فالنعِمةُ معرِفَتُها شُكرٌ, والحمدُ عليها شُكرٌ, ومقابلة النِعمةِ بالأعمال الصالحةِ شُكرٌ, ثلاثة مستويات, يكفي أن تعرِفَ أنَّ هذه النعمة من اللهِ عزّ وجل, فهذا أحدُ أنواعِ شُكرِها, ويكفي أن يمتلئ قلبُك امتناناً من هذه النِعمة, فهذا مستوى أرقى، أمّا إذا انطلقتَ في خِدمةِ الخلق تعبيراً عن شُكرِكَ للهِ عزّ وجل, فهذا مستوى أرقى وأرقى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
[سورة سبأ الآية: 13]
فقال: من علاماتِ النِفاق الغدرُ بعهدِ الله, هكذا رواهُ عليه الصلاة والسلام, فيما رواهُ البخاري.
فيما رواهُ البخاري: أنَّ من علاماتِ النِفاقِ الغدرُ بعهدِ اللهِ عزّ وجل.
متى تكون إنابة الحال؟ :
بقي شيء آخر: هوَ الرجوعُ إليهِ حالاً بعدَ أن رَجَعتَ إليهِ مقالاً.
يعني حالكَ مع الله دائماً، يجوز لِسانُكَ مع الله, يا رب تُبتُ إليك, لكن النفس موزّعة في الدُنيا, في شُعَبِها, في أوديتِها, في متاهاتِها, في شهواتِها، الآن نريد إنابة فوقَ الإنابة القولية: إنابة حاليّةِ.
أن تكون نفسُكَ مُطمئنةً إلى الله عزّ وجل, سابحةً في ملكوت الله، يعني سارحةً في فضلِ الله, قريبةً من الله عزّ وجل, فأن تُنيبَ إليه هذه إنابة اعتذار، وأن تُنيبَ إليه إنابة وفاء بعدَ أن أنبتَ إليه إنابة عهد، وأن تُنيبَ إليه إنابة حال بعدَ أن أنبتَ إليه إنابة مقال.
من علامات الإنابة :
1-الخروج من التبعات :
بعض خصائص الإنابة: من علاماتِ المُنيب: أنهُ يخرُجُ من التَبِعات.
يعني أيُّ عملٍ يضعهُ أمامَ مسؤوليةٍ أمامَ اللهِ عزّ وجل, يخافُ منه دائماً, هوَ خفيفٌ من التَبِعات، متى ينجو من التَبِعات؟ إذا أدّى الواجِبات.
إذا وَصَلَ رَحِمَهُ، أدّى ما عليهِ من حقوق, بر والِديه, أنصفَ مع من معهُ، حينما تقعُ عليكَ التَبِعات, فلستَ منيباً إلى اللهِ أبداً، أحدُ خصائص المُنيب: أن يبتعدَ عن كُلِّ تَبِعةٍ تُحمّلهُ أمامَ اللهِ مسؤولية.
سائل يسأل :
أخ حدثني وسألني, ممكن أن أُصور سناً لمريض, المريض يأتي مجاناً في مستوصف, لكن علّمونا في الجامعة أكثر من صورة هذه قد تؤذي, هذا المريض الفقير لا يعرف, نصوّرهُ صورة واثنتين وثلاث وخمس, نتعلّم فيه, أنتَ حينما تفعلُ هذا, وقعتَ في التَبِعَةِ، وقعتَ في المسؤولية، أليسَ اللهُ يعلم أنهم قد علّموك: أن لا تُجري هذه الأشعة إلا مرةً واحدة مع المريض, لأخطارٍ تابِعةٍ في المستقبل؟ فأنتَ حينما تفعلُ شيئاً يَضَعُكَ أمامَ مسؤوليةٍ أمامَ الله عزّ وجل فلستَ منيباً، لذلك: الإسلام مسؤولية والإيمان مسؤولية، يا تُرى: أنتَ حينما يكونُ هذا المريضُ أمانةً في عُنُقِك، وهذا الموّكِلُ أمانةً في عُنُقِك, قد ترفع مذكِرة غير مُعتنى بِها, فيخسرُ موكّلُكَ القضية, وهوَ مُحِقٌ بِها, هذا أمانة عِندك، فمن علامةِ إنابَتِكَ إلى اللهِ عزّ وجل: أنكَ تبتِعِدُ عن كُلِّ تَبِعةٍ تضَعُكَ أمامَ مسؤوليةٍ تِجاهَ اللهِ عزّ وجل.
2-التوجع للعثرات :
ومن علامةِ الإنابةِ: أنكَ إذا عثرت، إذا زلّت القدم، إذا وقعتَ في مخالفةٍ، تتألمُ ألماً حقيقيّاً، أنا الآن أُعطيكم مؤشِرات، يعني ولو أن حيواناً مسستهُ بأذى, لا بُد من رفعِ هذه التَبِعة بالإحسانِ إليه, بمعالجتِهِ عِندَ طبيبٍ بيطري، إذا سببتَ لحيوانٍ أذىً, فأنتَ قد وقعتَ في تَبِعةٍ مع اللهِ عزّ وجل.
دخلت امرأةٌ النارَ في هِرّةٍ حَبَستها.
فالتخفف من التَبِعات أو الخروجُ من التَبِعات من علامةِ أهلِ الإنابة.
الشيء الثاني: التوجّعُ للعثرات, يعني المؤمن يُحاسب نفسهُ حِساباً عسيراً حينما يُسيء, حينما يُخطئ دون قصد، حينما تزلُّ قدمُهُ، حينما ينطَلِقُ لِسانُهُ بكلمةٍ قاسيةٍ، حينما يفعلُ شيئاً يشعرُ أنهُ قد أخطأ هذه عَثَرَة، من علامات المؤمن: أنَّ العَثَرات توجِعهُ.
قصة :
البارحة في درس الفجر, أحد أخواننا حدثّني بقصّة بسيطة جدّاً, لكن أنا واللهِ استفدتُ مِنها, عرفتُ كم هيَ النفسُ دقيقة؟ قال لي: أنا اشتريت كوسا, ويوجد قطعة كوسا, لها استطالة طويلة, فانتزعها, ووضعتها في الميزان، بعد ما انتزعها, شعر أنهُ هوَ قد اشتراها بهذا الوزن فأعادها, ما وزنُها؟ خمسة غرامات, هذه الخمسة غرامات تسسببت لهُ مع الله أزمة.
أردت من القِصّة: كم هيَ النفسُ دقيقة؟ حينما نزعت شيئاً, وزنهُ خمسة غرامات, وقعتَ معَ اللهِ في أزمة.
لو واحد قال لكَ: خُذ تفاحة من التُفاحتين, فأخذت الكبيرة لنفسك, يا ترى: لو وزنتها بميزان حساس, ما في غرامين أو ثلاث، لو الوزن واحد, لكن واحدة لونها أحمر, شعرت مع اللهِ بِتَبِعة, لماذا استأثرتَ بالأطيب, بالأكبر, بالأجمل, بالأزهى؟ أنا أقول لكَ: حينما تخرُجُ من التَبِعة تشعرُ براحة.
فهذه العلامة الثانية: الخروجُ من التَبِعات والتوجعُ للعثرات.
3-إدراك الفائتات :
والثالِثة: إدراكُ الفائتات, في وقت مُعيّن فاتتكَ بعضُ الطاعات, فنُضاعف الجُهد، فاستدراكُ الفائتات, والتوجّعُ للعَثَرات, والخروجُ من التَبِعات, هذه علامةُ الإنابةِ إلى الله عزّ وجل.
4-عدم الشعور بلذة الذنب :
علامة رابعة: ما دام هُناكَ لذّةٌ بالذنب, فالانابةُ ليست صحيحة, يعني ممكن أن تشعر بسرور في بعض المعاصي، ما دام هُناكَ لذّةٌ بالذنب, فالإنابةُ ليست مُحكَمَةً ولا صحيحة.
إليك هذا السؤال :
لذلك قالوا: هُناكَ إنسانٌ تأمُرهُ نفسُهُ بالذنب, هيَ النفسُ الأمّارةُ بالسوء، وهُناكَ نفسٌ إذا اقترفت ذنباً لامت صاحِبها كثيراً, هذه النفسُ اللوامة، وهُناكَ نفسٌ مُطمئنةٌ إلى استقامتِها, وإلى رحمةِ ربِها، فهذه مرتبة. هذا مستوى, وذاكَ مستوى, والثالث مستوى.
هُناك سؤال: يا تُرى أيُهُما أرقى عنَد اللهِ: أن تُصارِعَ نفسَكَ وأن تنتصِرَ عليها وأن تتمنى المعصية ولا تفعَلُها, أم أن تكونَ مُعافىً مِنها؟ هوَ حسب ما يبدو: أنَّ الإنسان حينما يُجاهدُ نفسهُ وهواه, يرقى عِندَ اللهِ عزّ وجل, لكن هذه المُجاهدة: يجب أن تنتهي بالإنسان إلى أن تُوافِقَ نفسهُ, أن يتوافقَ هواهُ مع ما جاءَ بهِ النبي عليهِ الصلاة والسلام.
نقطة مهمة :
نقول لكم: وإن كانَ الإنسانُ حينما ترقى نفسهُ إلى درجة: أنَّ جِهادَ النفسِ والهوى يضعُفُ عِندهُ لا لشيء, إلا لأن نفسَهُ توافقت أحياناً معَ ما جاءَ بهِ النبي عليهِ الصلاة والسلام، أنتَ راقب مؤمناً, في أول إيمانهُ يشعر بنشوة كبيرة, حينما يَغُضُ بَصَرَهُ, لماذا؟ لأن هذه النفس تدعوهُ إلى النظر لكنهُ انتصرَ عليها، لكن بعد أربع أو خمس سنوات من سلوكِهِ طريقَ الإيمان, لا يشعُر بهذه اللذّة مع أنهُ يَغُضُ بَصَرَهُ، هل نقول لهُ: إنكَ قد تراجعت؟ لا, لم تتراجع, لكن هذه مرحلة أرقى، الأولى مرحلة الصِراع، مرحلة المُجاهدة، نفسُكَ تتمنى الذنب، تتمنى المعصية، تتمنى سماعَ الغِناء، تتمنى إطلاقَ البصر، لكِنكَ تخافُ اللهَ عزّ وجل, حملتَها على الطاعة، جاهدتَ نفسَكَ وهواك، شعرتَ بلذّةِ الانتصار، شعرتَ بأنَّ اللهَ أغلى عِندَكّ من كُل شهواتِك فارتقيت.
هذا هوَ السِرّ الذي يُحير معظَمَ المؤمنين، يقول لكَ: يا أُستاذ, أول ما تعرفت إلى الله عزّ وجل, عِشتُ سنتين ثلاثة بسعادة لا توصف، عِشت بسرور كأنني طائر، كأنني مع الملائكة، والآن عادي, لا, لستَ عادياً الآن والآن رقيت، لكن كانت نوازِعُ المعاصي قويّة عِندَك, فلمّا تغلبّتَ عليها, شعرتَ بلذّةِ الانتصار, فارتقيتَ عِندَ اللهِ عزّ وجل، أمّا الآن نوازع المعصية ضَعُفت, وقَويت نوازِع الطاعة، لم يعد هُناكَ ذاكَ الصِراع الذي تعهَدُهُ من قبل, لذلك لذّة النصر خفّت.
إذا كان عدو شَرِس وانتصرت عليه, تُحسُّ أنكَ بطل، أمّا إذا واحد مُصارع, جاءهُ شاب صغير, حديث العهد بالمُصارعة, فبضربة واحدة أنهاه, يحتاج لتصفيق حاد, لا, لأن هذه ليست بطولة، فحينما ترتقي نفسُك, وتسمو نوازِعُك, وتميل إلى الحق دائماً, وتبتعد عن كُل مظان المعاصي, عندئذٍ قد يخِفُّ شعور لذّة النصر عِندَك, هذا هوَ بعضُ أسرارِ ما يَظُنُهُ الناسُ تراجُعاً, ليسَ هذا تراجُعاً أبداً, إنما هيَ مرحلة أُخرى من مراحل السير إلى الله عزّ وجل.
الأولى: واستعينوا بالصبرِ, والمرحلة الثانية: الصلاةِ, المرحلة الثالثة:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
[سورة الفجر الآية: 27-30]
كُلكُم يعلم أن هُناكَ نفساً أمّارةً بالسوء، وأنَّ هُناكَ نفساً لوّامةً، وأن هُناكَ نفساً مُطمئنةً, اطمأنت إلى صِدقِ سلوكِها, وصِدقِ طَلَبِها للهِ عزّ وجل, واطمأنت إلى رحمةِ اللهِ عزّ وجل.
5-ترك الاستهانة بأهل الغفلة :
شيء آخر: من علاماتِ الإنابةِ إلى الله عزّ وجل: تركُ الاستهانةِ بأهلِ الغفلة.
أحياناً الإنسان من رعوناتِهِ، الإنسان في أولِ طريقِ إيمانِهِ: تاب إلى الله, كُلما ألقى نظرةً على إنسان متلبّس بمعصية, احتقرهُ وازدراه واستعلى عليه, هذه من رعوناتِ المؤمن في أولِ إيمانِهِ, من كمالِ إنابَتِكَ إلى الله عزّ وجل: أن تدعَ الاستهانةَ بأهلِ الغفلة، السبب: يُحتمل أن هذا الغافِل, أن هذا المُسيء يتوب بعدَ حين, ويشتدُّ صِدقُهُ معَ اللهِ عزّ وجل, ويتجاوزُكَ بمراحِلَ كثيرة، ما دام حيّ لم يُختم عَمَلُهُ.
ممكن أنتَ لكَ سُرعة, فهوَ واقف الآن, وأنتَ ماشي, لكن أنتَ ماشي على الثلاثين, وهوَ الآن واقف, فلو صحا ورَكِبَ مركبة على المئة وعشرين, فتبقى أنتَ في الخلف، فحتى أهل الغَفَلات, يمكن أن يتوبوا إلى الله توبةً نصوحاً, والحياة مليئة بالشواهد.
هُناك أُناس كانوا غارقين في المعاصي, فَرَجعَوا إلى الله رجعةً لو وِزعّت على أهلِ بلدٍ لكَفتهُم، فمن علامة المؤمن أن يدعو لهم بالهِداية، يتمنى لهم التوبة، يسألُ اللهَ السلامة، يسألُ اللهَ المزيد، أمّا حينما يحتَقِرُ أهلَ الغَفَلات, ويستعلي عليهم ويزدريهم, فإنابَتُهُ إلى اللهِ عزّ وجل ليست صحيحة وليست مُحكمة، لم يتأدّب بآداب الإيمان بعد.
قال: كُلما تقدّمتَ في طريقِ الإيمان, تخافُ على نفسِكَ, وأنتَ في قِمّةِ الطاعات, وترجو لهم الرحمة من الله عزّ وجل, وهم في المعاصي, لأنَّ الصُلحة في لمحة، يكفي أن يقول العبدُ: يا رب, فيقول الله عزّ وجل: لبيكَ يا عبدي، فأول علامة رابعة من علامة المُنيب: تَركُ الاستهانةِ بأهلِ الغفلة والخوفُ عليهم مع فتحِكَ بابَ الرجاءِ لنفسِك, والأرقى من ذلك: أن تخافَ على نفسِك وأنتَ في الطاعة، وأن ترجو لهم التوبةَ والإنابة وهم في المعصية.
6-استقصاء رؤية العلل :
من علاماتِ الإنابةِ إلى اللهِ عزّ وجل: استقصاءُ رؤيةِ العِلل.
يعني يقول لكَ: أنا والله ما في منّي, الناس كُلُها هالِكة, وكُلُها ضالّة, وكُلُها واقعة بالحرام, وأنا دخلي حلال, واستقامتي, وزوجتي محجّبة, وبيتي إسلامي, حينما تظُنُ أنهُ ليسَ في حياتِكَ عِللٌ, فهذه أكبرُ عِلّةٍ، لأنهُ:
سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ:
((سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى, فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا, أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا, فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))
فمثلاً: يقول مؤلفُ الكتاب: كم في النفوسِ من عِللٍ وأغراضٍ وحظوظٍ تمنعُ الأعمالَ أن تكونَ خالِصةً للهِ تعالى؟
المُشكلة: أنهُ في ظاهر وفي باطن، الظاهر: الصلاة والصوم والحج والزكاة، والظاهر: أنهُ أنتَ تصدّقت وزكيت ودفعت, شيء جميل, أنا أُريد القلب, ماذا أرادَ من دفعِ هذا المال؟ أن ينتزَعَ إعجابَ الناس أم أن يتقرّبَ إلى اللهِ عزّ وجل؟ لذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزُمر الآية: 2]
قالوا: فأعبد اللهَ في أعضائِك وجوارِحِك, بسمعِكَ وبَصَرِكَ ولِسانِكَ, لكن كيفَ يعبدُ القلبُ اللهَ عزّ وجل؟ بالإخلاصِ إليه, والإنابة إليه, والتوكلِ عليه، فلذلك موضوع الإخلاص موضوع مُهم جداً, بينَ القلبِ وبينَ العملِ مسافة, وفي هذه المسافة قُطّاعٌ للطريق، وبينَ القلبِ وبينَ اللهِ مسافة, وفي هذه المسافة قُطّاعٌ للطريق.
عمل لا يُثمر ثِمارهُ في القلب, يوجد موانع, الآن وصلت ثِمارُ هذا العمل إلى القلب, بقيَ أن يُرفعَ إلى اللهِ عزّ وجل, وأيضاً يوجد موانع، فالعُجب يمنع، الإدلال بالعمل يمنع، أن ترى هذا العملَ عظيماً, وقد قدّرَهُ اللهُ على يديك, والناسُ بعيدونَ عنهُ هذا يمنع، العُجب والإدلال والرؤيا هذه مانعة من قَبولِ العمل, وفي أشياء تمنع من وصول ثِمار العمل إلى القلب.
إذاً: هذه أيضاً من علامة الإنابة الصحيحة: أن تكونَ معافى من هذه القواطع التي تقطعُ آثارَ العمل الصالِحِ إلى القلب, وتقطعُ انتقالَ العمل الصالِحِ إلى الرب، من هذه الموانع التي تمنعُ أن يكونَ العملُ مقبولاً كما قُلتُ قبلَ قليل: الكِبرُ, والإعجابُ, والإدلالُ, ورؤيةُ العملِ, ونسيانُ المِنّةِ, وعِللٌ خفيّةٌ كثيرة، فالإنسان عليه أن يستقصي نيّتهُ, وعليهِ أن يُطهّرَ نفسَهُ, حتى يكونَ العملَ الذي عَمِلَهُ كُلُهُ مقبولاً.
وعلى كُلٍ؛ هذه منزِلةٌ من أهم المنازل, والآيات التي تحدّثت عنها كثيرةٌ جداً، الإنابةُ إلى الله, العودةُ إليهِ بشكل مستمر, عودة اعتذار وعودة إصلاح، عودة عهد وعودة وفاء، عودة قال: وعودة حال.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 74 08-08-2018 07:11 AM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM
التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 55 07-10-2018 03:58 PM


الساعة الآن 11:27 AM