تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 54 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-16-2018, 08:19 AM   #531


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المزمل (73 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية العِشرون من سورة المُزَّمل وهي قوله تعالى ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
أنت لكَ عمل - أيُّ عمَلٍ - سواء بِحَجْمِهِ أو بواعِثِه أو غاياتُهُ أو الصوارف التي تصْرفُ عنه، أو العَقَبات التي تقفُ أمامه، حجْمُ التضْحِيَة من أجْلِهِ ؛ كُلُّ هذه الخصائص للعَمَل يعْلَمُها الله، الواحدُ مُرْتاح لأنَّ الذي يعْمل له يُقَدِّرُ عملَهُ حقَّ التقْدير، أحْياناً دِرْهَمٌ يسْبِقُ ألْفَ دِرْهَم، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في إخْلاصٍ خير من مائة ألفِ دِرْهَمٍ يُنْفَقُ في رِياء، دِرْهَمٌ يُنْفَقُ في حياتك خيرٌ لك من مائة ألف درهمٍ يُنْفق لك بعد مَوْتِك، العَمَلُ له حجْمٌ هناك قصَّة ذكرتُها لكم ؛ إنسان ميسور أراد أن يبنيَ مسجداً في بعض أحياء دمشق الجديدة ؛ فبحث عن أرض فوجد أرضاً مناسبة، بحث عن صاحبها فإذا هو قد ورِثها قبل أشهرٍ يعمل مستَخدَمًا في مدرسة - آذن- راتبه ثلاث آلاف ليرة و عنده خمسة أولاد، فقير جدًّا، ساومه في الأرض حتَّى استقرَّ الأمر في ثلاثة ملايين و نصف، دفع له شيكاً بمليونين، الذي سيشتريها مليونير؛ وأراد أن يتقرَّب إلى الله ببناء مسجد ؛ فوقَّع له الشيك وسلَّمه إياه ؛ فقال له أين الباقي ؟ قال له الباقي ندفعها في الأوقاف بعد التنازل عن الأرض للأوقاف، قال له: ولِمَ التنازل ؟ قال له سأنشئها مسجداً ؛ قال له: مسجد ‍‍!! هاتِ الشيك و مزَّقه، قال له: أنا أولى أن أُقدِّمها للأوقاف منك، لا أسمح لك أن تقدِّمها أنت ؛ أنا أولى بها منك يقول هذا التاجر - و هو من المحسنين -: في حياتي ما غضبتُ مثل ذاك الغضب و ما صغُرتُ عند إنسان كما صغُرْتُ عند هذا الآذن يومئذٍ ؛ لأنه عندما قدَّم هذه الأرض قدَّم كل شيء يملكه على الإطلاق وبقيَ فقيراً، أما الأول فجزاه الله خيراً ؛ لو اشترى هذه الأرض فمن جزء بسيط من حجمه المالي، فمن يُقدِّر حجم العمل ؟! الله جل جلاله، من يُقدِّر مضاعفات هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الخسارة التي تحمَّلها من جراء هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر العقبات الكأداء التي كانت أمام هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر الثوابت المغريات التي يمكن أن تصرف عن هذا العمل ؟ الله جل جلاله، من يقدِّر البواعث الخفية ؟ الله جل جلاله من يقدِّر الأهداف؟ الله جل جلاله، العمل بكل تفاصيله و ملابساته ودوافعه و أهدافه و تضحياته و عقباته وصوارفه، الله جل جلاله يقدِّرها فالتَّعامل مع الله مُرِيحٌ لا يحتاج إلى واسطة و لا حلف ينين و لا شاهد أعرف عبدي، أعرف نيتك وحركتك و ما تحمَّلتَ في ؤ كم مجلس علم جلست، كل ذلك أعرفه، الله يقدِّر الليل والنهار، ليس هناك شعور مؤلم كأن تفعل عملاً كبيراً لا يقدِّره الآخرون، سفَّانة بنت حاتم الطائي دعتْ للنبي، قالت: أتأذن لي أن أدعوَ لك، قال: نعم، وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا، قالت: جعل الله صنائعك في أهل الخير والحفاظ، أي جعل الله معروفك عند من يُقَدِّرُهُ ويعرف قيمته، فهذه الآية لها معْنى عام وخاص ؛ إنَّك ربَّك يعلم أنَّك تقوم أدْنى من ثلثي الليل ونصْفه، أنت أخذْتَ شخْصاً معك في السيارة - طبْعاً البنْزين - غالٍ وأجَبْتَ دَعْوَةً لا لِشَيءٍ إلا إجابة الدَّعْوة ؛ أنت بِهذا قُمْتَ بِعَمَلٍ لا يعرف قيمته إلا أهله، أحْياناً يدْفعُ الإنسان لِوالِدِه مبْلَغاً هو بِأَمَسِّ الحاجة إليه ويُلَبِّي أمر والِدَتِه، أحْياناً تُطْلَبُ في وقْتٍ حَرِجٍ ؛ وأنت تأكل جاءَ طلبٌ لِعَمَلٍ صالح، فالله عز وجل يُقَدِّرُ كُلَّ شيءٍ بِكُلِّ بواعِثِهِ ومُلابساته وظروفه وعواقبه ومعْطَياته وأهْدافه قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
قد يسْهر الإنسان من أجل ترْبِيَة أوْلاده طويلاً، يُتْعِبُ نفْسَهُ كثيرًا، ويُقَدِّمُ لهم كُلَّ شيء، ويعْمَلُ عمَلاً شاقاً لِيُكْرِمَهُم كي يَدُلَّهُم على الله هذا غير الأب الذي يقول: يتَرَبَّوْنَ لِحالِهم ! والله يُقَدِّرُ الليل والنهار ؛ يُقَدِّرُ كُلَّ شيء.
ثمّ قال تعالى:
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
قالوا: هذه الآية نَسَخَتْ فَرَضِيَّة قِيام الليل، إذْ أصْبح قِيامُ الليل فرْضاً على النبي صلى الله عليه وسلَّم وسُنَّةً على أصْحابه وأُمَّتِهِ من بعْدِهِ، عَلِمَ أنْ لا تُحْصوه فَتَاب عليكم فاقْرؤوا ما تَيَسَّرَ من القرآن فإذا اسْتَيْقَظتَ من الليل فاقْرأ ما تيَسَّرَ من القرآن ؛ رَكْعَتَيْن أو ثلاثة... ثمّ قال تعالى
﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
(سورة المزمل)
السَّفَرُ له أرْبع أهْداف: أعْظَمُ أنواع السَّفر ؛ سَفَرُ الجِهاد ونشْر الحق ثاني درجة: لِطَلَب العِلْم، ثالث درجة: للفِرار بالدِّين، رابِعِ درجة: لِكَسْب الرِّزْق، خامسُ درجة: للسِّياحة المَشْروعة الخالِيَة من المَعْصِيَة هنا الخطّ الأحمر، وبعد هذا الخط تبْدأ المعاصي والآثام، وينْتهي بِما يُسَمى اليوم السِّياحة الجِنْسِيَّة، يُسافرُ لِيَزْني !! وهي الغالِبَة على مُعْظَم الناس الآن فإذا سافر المرْء من أجل معْصِيَة الله والعِياذ بالله هذه أكبر أنواع المعاصي ثمَّ قال تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾
[ المزمل: الآية 20 ]
أيُّ عَمَلٍ صالِحٍ تُقَدِّمُهُ لأيِّ مخْلوق كائِناً من كان هو قَرْضٌ حَسَنٌ، تُقْرِضُ من ؟ الله جلّ جلاله، والله يُضاعف لك هذا أضعافاً كثيرة قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
[ البقرة: الآية 245 ]
من هو الشَقِيّ والمَحْروم ؟ هو الذي لم يُقرض الله قرْضاً حَسَناً، حَدَّثني أخٌ أنَّهُ كان بِسَفَرٍ بسيط ؛ بِمَصْيَف، ونسى جِهازَ الرَّفْع، وأوَّلُ مكانٍ صادَفْناه بِطَلْعَةٍ اخْتَلَّتْ العَجَلَة ! والمُشْكِلة أنَّ الرافعة غير الموجودة !! فأصْبَحَ يُؤَشِّر للمارَّة ساعَة وساعَتَيْن إلى أنْ وَقَفَ شخْصُ فقال: ما الأمر فقلتُ رافِعَة فأعطانيهاَ، فأَكْبَرْتُ صنيعَ هذا الأخ وقُلْتُ لا تخْلو الدنيا من أهل الخير لما انْتَهَيْت قال لي: أوَدُّ خَمْسَ ليْرات !! فقُلُْ له: لو طَلَبْتَ ألفاً لأعْطَيْتُك ؛ لَيْتَكَ لم تطْلُب خمس ليْرات، حَبِطَ عمله كان مُقْرِضاً لله ثمَّ أصبح ثمنه خمس ليرات، إذا كان مُقابل العمل الدراهم انْدثر الأجر، يوم القيامة يرى الإنسان اللُّقْمة التي أطْعَمَها لِفَقير مثل جبل أُحُد هناك من لا يتَحَرَّك حركة إلا وهو طالبٌ للنقود ! هؤلاء ما أقْرضوا الله قَرْضا حَسَناً، تُوُفِّيَ لأحد إخْواننا أخ، فالأخ الذي لم يتَوَفَّ معه الملايين، والذي تَوَفى لا يمْلكُ من الدنيا شيئاً، فقال لي ابن الأخ عزم أخزه هذا كُلَّ الذين جاءوا للتَّعْزِيَة وأَعْطاهم ثمان مائة لَيْرة ؛ وهي تُعادل الآن ثمانين ألف ليرة !! وقال هذه لأوْلاد أخي الفقراء، كسب الوَجاهَة والسُّمْعة، وأقْرِضوا الله قرْضاً حسناً، وما تُقَدِّموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، ذَكَرَتْ لي أُخْت كنت معْزومَةَ على عُرْس فإذا قَدَّمْتُ باقة وُرود وَحَسِبْتُهُ من الزكاة فهل يجوز هذا ؟! قال تعالى:
﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(20)﴾
[ المزمل: الآية 20 ]








والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 08:21 AM   #532


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المدثر (74 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المُدَّثِر:
﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)﴾
[ المدثر: الآية 8 ]
أيْ نُفِخَ في الصور:
﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10)﴾
[ المدثر: الآية 9-10 ]
ذَرْنِي
يا محمَّد صلى الله عليه وسلم
﴿ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾
خلقْتُهُ المخْلوق الأول ؛ كَرَّمْتُهُ وسَخَّرْتُ له ما في السماوات والأرض ومَنَحْتُهُ نعمة العقْل وحُرّيَّة الاخْتيار وأوْدَعْتُ فيه الشهوات لِيَرْقى بها إلى ربِّ الأرض والسماوات، جَعَلْتُ له مالاً ممدوداً وزَوْجَةً من نفْسِهِ، قال تعالى:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
[ الروم: الآية 21 ]
فهذا المخْلوق الذي عَرَضَ الله عليه الأمانة قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾
[ الأحزاب: الآية 72 ]
هذا هو معْنى قوله تعالى:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾
[ المدثر: الآية 11 ]
وهناك رأْيٌ آخر وتفْسيرٌ آخر، خَلَقْتُهُ ضعيفاً لا عُزْوَةَ له ولا أتْباع له ولا أهْل له ؛ وحيداً وسَيَأْتيني وحيداً، خُلِقَ وحيداً إلا أنَّهُ حينما يَكْبُر يُكَوِّنُ له جماعة، وأتْباعٌ وأنْصار، ويَدْعَمُ نفْسَهُ بأساليب مُتَعَدِّدة، يشْعُرُ بِمَكانة فإذا كان الإنسان بِبَلَدِهِ وله مكانةٌ فيه ومنْصَب وله أتْباع ومُريدين وأنْصار هذا مرْكَزٌ قَوِيّ، أما إذا جاء الموتُ لَقِيَ الله وحْدَهُ كما خَلَقَهُ وحْدهُ قال تعالى:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا(12)﴾
[ المدثر: الآية 11-12 ]
الأغْنِياء يُعْطَوْنَ الدنيا، هذا يقول: لي مالٌ لا تأكُلُهُ النِّيران، ومالٌ لا ينْفَذ ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا(13)﴾
[ المدثر: الآية 13 ]
أوْلادٌ في بَيْت يشْهدون له فضْل الله عليه، أوْ أوْلادٌ يملئون له حياته بهْجَةً ويشْهَدون له كيْفَ خُلِقَ من ماءٍ مهين ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14)﴾
[ المدثر: الآية 14 ]
الأمور كُلُّها مُيسَّرة له الآن بلغ الإنسان درَجَةً من الحضارة المادِّية جَعَلَتْ له كُلَّ شيءٍ مُيَسَّرٌ ؛ السفر، والطعامُ والشراب، والمَسْكن، والاتِّصالات والمَرْكب، الأرض مُذَلَّلةٌ وصُمِّمَتْ خِصيصاً لِتَقومَ بِحاجات الإنْسان، هذه الأرض أمينَةٌ على مصالح الإنسان، ثمَّ قال تعالى:
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)﴾
[ المدثر: الآية 15 ]
ينْسى ربَّهُ ويغفُل عنه ويطْمعُ أنْ أزيده عطاءً قال تعالى عندها: كلاَّ، هذه الآية معْناها أنَّ الإنسان أحْياناً يكون خَطُّهُ البياني صاعِد، إنْ لم يكن على طاعة الله فهذا الصُّعود مؤقتٌ ؛ لا بد من هُبوط، مُستحيل أنْ يكون خطَّك البياني صاعداً صعوداَ مُسْتمِراً إنْ لم تكن على طاعة الله ! هذا صُعودٌ مؤقت، و صُعودٌ اسْتِدْراجي، وصُعودٌ يكْشِفُ عن حقيقتك، وصُعودٌ لِتُبْتلى، ثمَّ هناك هُبوطٌ حادّ ؛ إلا إذا كان طائِعاً لله فَصُعودُهُ مُسْتَمِرّ ثمَّ قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا(16)سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا(17)إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)﴾
[ المدثر: الآية 16-18 ]
هذه الآية تُبَيِّن أنَّ عقْل الإنسان كَعَيْنِهِ ؛ عَيْنُ الإنسان رائِعَةٌ جداً ولكن لا قيمة لها من دون ضَوْء لو وَضَعْنا إنْساناً أعْمى في غُرْفَة، وإنْساناً بصيراً في أدّقِّ أنواع البَصَر وأطْفأنا المِصباح لهما، فهما سواء ! فالعَيْنُ لا قيمة لها من دون نور كذلك العقل لا قيمة له إلا إذا كان هناك وَحْيٌ يهْتدي به لا بدّ من وَحْيٍ فِبِدون الوَحْي إنَّهُ فكَّر وقدَّر، الأجانب يُفَكِّرون ويَرَوْنَ أنَّ السعادة بالإباحِيَّة وبالزِّنى والشذوذ، وبِكَسْب المال بأيِّ طريق، وبِقَهْر الشعوب، وغصْب الثروات، وبالاسْتِعْلاء ؛ تفْكيرهم قادهم إلى هذا غفلوا عن الآخرة وظنوا أنَّ هذه الدنيا لهم وحْدهم، زارني أخٌ صباحاً فقُلْتُ له كلمة موجَزَة مهما ذَهَبْتَ إلى بلاد الغرب ورأيْتَ من إنْجازات علميَّة حدائق، مواصَلات، نظام صارم، أرض خضْراء، بلادٍ غَنِيَّة، ونظام قاسي ؛ إنْ كان هناك آخرة المؤمنون أذْكى منهم ؛ من باب الدُّعابة إنْ لم تكنْ هناك آخرة هم أذْكى منا لأنَّهم يعيشون في الرَّفاه واغتصبوا ما أرادوا، ثمَّ الحساب منعدم! أما إذا كان هناك حساب دقيق وآخرة أبدِيَّة للمُحْسِنِ المُستقيم، هنا يُصبحُ المؤمنون أذكى منهم، لذلك الإنسان عليه أن لا يتسَرَّع ؛ قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)﴾
[ المدثر: الآية 18-26 ]
لا يُنكرُ الإنسان أنَّهُ يُمكن أن يتفلَّتَ من منهج الله دون أنْ يطْعن في الدِّين الإنسانُ المُتَفَلِّت له رأيٌ في الدِّين غريب، يقول لك: الدِّين شيءٌ قديم فيه سذاجة، ومحْدودِيَّة، فيه غَيْبِيات وهو غير عِلْمي لا ترى الإنسانُ المُتَفَلِّت له رأيٌ في الدِّين غريب إلا وهو مُتَفَلِّت عن المنهج الرباني ؛ هذا الرأي السَّلْبي حتى يتوازن مع نفْسِهِ، الدِّين حقّ وهو مُخالفٌ لأوامره يخْتَلّ توازنه ويقعُ في قلقٍ شديد، فلذلك الإنسان من علامة ضَعْفِهِ أنَّهُ يتفَلَّت من منهج الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24)إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(26)وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ(27)لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ(28)لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ(29)عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30)﴾
[ المدثر: الآية 18-30 ]
هذا كلام ربِّ العالمين أيها الإخوة، كما قُلْتُ سابِقاً الأمور لا تجْري على ما يُرام إلا ما شاء الله، غير المؤمنين هناك صُعود ثمّ هبوط، أما إذا كنت مؤمناً فَخَطُّك البياني دائِماً في صُعود واسْتِمْرار إنْ شاء الله، ويجْعَلُ الله للمؤمن نِعَمَ الآخرة مُتَّصِلَة بِنِعَم الدنيا.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 08:24 AM   #533


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المدثر (74 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة في سورة المُدَّثِّر وهي قوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[المدثر: الآية 38-47]
لو أنَّ تاجِراً ذهب إلى سِجْن عدرا، وسأل مسْجوناً هناك، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ يقول مثلاً: بضاعة غير نِظامِيَّة، وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ قال: تحْويل العملة خِلاف القانون، هذا الجواب من هذين السجينَيْن ألَيْساَ درساً بليغاً لِهذا التاجر الطليق، الآن ربنا عز وجل ينقلنا إلى مشهد من مشاهد يوم القِيامة ؛ جَهَنَّم ممتلئة بمن فيها، وقد سُئِلَ بعض من فيها: ما الذي أوْصَلَكم إليها ؟ هذا كلامٌ دقيق جداً، فالله عز وجل أعاننا على أنْفسنا، وأعْطانا أحد أكبر أسباب دُخول النار، قال:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)﴾
[المدثر: الآية 42-43]
الدينُ هو الصلاة ولا خير في دينٍ لا صلاة فيه، والصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدِّين ومن هَدَمها فقد هدَم الدِّين، الصلاة هي الفرْض الذي لا يسْقط بِحالٍ، فالصيام يسقط عن المريض والمُسافر، ويسقط الحجّ عن المريض والفقير، والشهادة تُؤَدى مرَّةً واحدة، وكذا الزكاة على الفقير إلا الصلاة فهي الفرض المُتَكَرِّر الذي لا يسقط بِحال، وهي عماد الدِّين، فلو تَصَوَّرْتَ خَيْمة لها عمود بالوَسَط، لو ألْغَيْتَ هذا العمود لم تبْقَ خَيْمة وأصْبَحتْ قِماشاً على الأرض، هذه الخَيْمة بِهذا العَمود، فالصلاة عمود الدِّين أو عماد الدِّين، الشيء الذي يوصِل إلى النار قولهم: لم نكنُ من المُصَلين ! والدِّين اِتِّصال بالخالق وإحْسانٌ إلى المَخْلوق، فَهُناك حرَكَة نحو الله، وحركة نحو عِباد الله، نحوَ الله اتِّصالاً ونحو عباد الله إحْساناً قال تعالى:
﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾
[مريم: الآية 31]
الدِّينُ كُلِّه في كلمتين: اِتِّصال بالخالق وإحْسانٌ إلى المَخْلوق.
الآن هناك ألف مُشْكلة مع الخَلْق، وهذه المُشْكِلات مع الخَلْق هي أعْراض انْقِطاعُ الإنسان عن الله، فإذا صَحَّت صِلَتُهُ بالله حُلَّتْ مُشْكِلاته مع الخَلْق والطبيب الناجح إذا رأى اِرْتِفاع الحرارة يَعُدّ هذا الارْتفاع عارِضاً وليس مَرَضاً، فَهُوَ عرَضٌ لِمَرَضٍ، فهُوَ يُعالِجُ المَرَض وليس يُعالِجُ العَرَض أما الطبيب غير الناجح يُعْطي خافِض للحرارة أما السبب موْجود والمرض موجود فأنت بين أن تُعالِجَ العَرَض بِمُسَكِّن، وبين أنْ تُعالِجَ أصْل المَرَض بِدَواءٍ مُضادٍّ للالْتِهاب، إذاً المُشْكِلات مع الخَلْق هي أعْراض انْقِطاعُ الإنسان عن الله عز وجل، فالانْقِطاع عنه تعالى يُورث أنانِيَّة وكِبْر وعُدْوان وأن تأخذ ما ليس لك، وأن تخْدع وتكْذب وتُنافِق، هذه كُلُّها أعْراض الإعْراض، ولو أنَّك اِتَّصَلْتَ بالله عز وجل لَكُنْتَ إنْساناً آخر فلذلك الآية الكريمة:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)﴾
[المدثر: الآية 38]
يعْني اكْتَسَبَت عملُها والعمل مُطْلق حركة الإنسان، فأنت لك حركة إذْ تخرج من البيتْ وتلْتقي مع صديق، دَخَلْتَ إلى بَيْتك، وعامَلْتَ زَوْجَتَك وأوْلادك حركتُك في الحياة ما بين بيْتِك وعمَلِك، وطريقِكَ وحِلِّكَ وتِرْحالِكَ وسَفَرِك وإقامَتِكَ ومَرَضِكَ وصِحَتِك وغناك وفَقْرِك، فالحَرَكَة هي الكَسْب وهي من اخْتِيارك وأنت منوطٌ بِهذا الكَسْب، وهذا الكَسْب والحركة والعمل إن كان كريماً أكْرَمَكَ، وإن كان لئيماً أسْلَمَك، وفي النِّهاية إنْسانٌ مُحْسن في بيْتِه وفي عَمَلِه، وصادق ومُستقيم، فهذا إذاً عمله صالح، وما دام عملهُ صالح فالثَّمَن الجَنَّة، قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)﴾
[المدثر: الآية 38]
والدين كُلُّهُ قُيود، بل حُدود وضمانات لِسَلامَتِك، وهذه الأخيرة سبيل إلى الحُرِيَّة والرُّقَي، وتَرْكُ الدِّين كُلِّه هي حُرِيَّة البهائِم، وحُرِيَّة التَفَلُّت وتنْتهي إلى القَيْد ؛ إما قَيْدٍ نفْسي كالكآبة، وإما قيْدٍ حقيقيٍّ كَالسِّجْن، فإذا تَفَلَّتَ الإنسان من منْهج الله سَيَنْتهي بِمَرَضٍ نفْسي أو مهْجَعٍ من مهاجِع السِّجْن، أم إذا تَقَيَّد بِأمْر الله رَفَعَهُ الله عز وجل، فالنَّفْسُ رهينَةُ عَمَلِها ومَحْبوسَةٌ بِعَمَلِها، وبالحياة العَمَلِيَّة نفْس الشيء ؛ المُواطن المُنضَبط بالقوانين طليق، ومعه تأشيرة خُروج دائِماً، ويُسافر إلى أيِّ بلَدٍ أراده ولا أحد يمْنَعُهُ من ذلك، أما المُتَلَبِّسْ بِجَريمة قابِعٌ بالسِّجْن، وحُجِزَتْ نَفْسِيَّتُه قال تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)﴾
[المدثر: الآية 38-39]
قال تعالى:
﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)﴾
[المدثر: الآية 40-42]
ما الذي أوْصَلَكم إلى النار قال تعالى:
﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)﴾
[المدثر: الآية 43]
التِّصال بالله منعدِم قال تعالى:
﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)﴾
[المدثر: الآية 44]
الإحْسان إلى الخلق منعدِم قال تعالى:
﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)﴾
[المدثر: الآية 45]
مُصَمِّم أزْياء بِفِرَنْسا، يُحَدِّد للمُسلِمات في العالم الإسْلامي ثِيابَهُم، إذا أراد أنْ يُقَصِّر فله ذلك، وإن أراد التضْييق ضَيَّق، لو دَخلوا جُحْر ضَبٍّ لَدخَلْتُموه، يقولون لك: هكذا المُودا، رَكَّبوا صُحوناً فَرَكَّبْناها فأنت مع التيار العام والانْحِراف، ومع صَرْعات الأزْياء، والمُسْتَجَدات السَّخيفة ومع السُّلوط الرخيص، هكذا الناس، وهي حُجَّةُ الناس جميعاً ؛ هكذا الناس ! هل الكُلُّ على الغلط ؟! نعم كُلُّهم على الخطأ والغلط قال تعالى:
﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116﴾
[الأنعام: الآية 116]
وقال تعالى:
﴿ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28)﴾
[النجم: الآية 28]
وعندك بيْتاً ومُسْتأجر بيت وتوَدُّ النِّصْف الآخر لماذا ؟ كُلُّ الناس هكذا !! أصْبح هذا عُرْف، فإذا كان الإنسان ليس له بيت، وكان مُضْطر وسَيُصْبحُ بالطريق، يقول لك: سَنُعْطيه له بِنِصْف ثَمَنِهِ مع أنّه هذا الأخير له بيْت ! فالذي يُحَكِّم العادات والتقاليد غير الصحيحة ويَلْهَث وراء صَرْعات الأزْياء ؛ هذا هو معنى قوله تعالى:
﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)﴾
[المدثر: الآية 45]
والناس تقول: ضع رأسك بين الرؤوس وقل يا قُطاع الرؤوس.
قال تعالى:
﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)﴾
[المدثر:الآية 46]
لا يوجد تَكْذيب قولي في العالم الإسلامي، لا يجْرأ مُسلم أنْ يقول ليس هناك آخرة، أما إذا تَفَحَّصْتَ عملَهُ تجِدُهُ قطْعاً، لا يؤمن بالآخرة، فالذي يأخذ ما ليس له هل هذا يؤمن بالحِساب الدقيق، وهل يؤمن بِقَوْله تعالى
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[الزلزلة: الآية 7-8]
لو ذَهَبْتَ إلى بَيْروت هناك أشْياءٌ جميلة جداً، لكن هناك أمور ليْسَت من أهْلك، كُلَّما اشْتَرَيْتَ شيئاً تُفَكِّر بالطريق عن الجُمْرك هل تُؤخذُ منِّي ؟! وهل يُدَقِّقون فيها ؟ معقول أن تجد في بَيْروت سيارة رخيصة ولا تُدْخِلُها للشام ! لن يُسْمح لك بإدْخالها، وكذا المؤمن كلما وَقَف بِمَوْقف فَكَّر بِمَوْقِفِه أمام الله عز وجل، وهل يُسامِحُني فيها الله تعالى ؟ هذا هو مَوْقف المؤمن إذاً التَّكْذيب عَمَلي وليس قَوْلي، الآن تجد ستة آلاف دَعْوة كُلُّها كَيْدِيَّة بِقَصْر العَدْل، وكُلٌّ يأكل الآخر، مع أنَّهُم مُصلون !! نقول بِصَوْتٍ كبير هذا الذي يأخذ ما ليس له عُدْواناً: هذا يُكَذِّبُ بالآخرة ولكن تَكْذيباً عمَلِياً وليس قوْلِياً إذْ لو كَذَّبْتَ قَوْلِياً لناقَشْناك، أما أنت تُلَبِّس في الكَلام وهذا أخْطر، يقول: لا سبحان الله نؤمن بالله واليوم الآخر، أم لو تَفَحَّصْنا عَمَلَك لَوَجَدْناهُ خالِياً من الإيمان، فَحَرَكَتُك خِلاف منهج الله تعالى فهذه أربع خصائص:
لم نك من المُصَلين ولم نَكُ نُطعمُ المسكين وحركتنا بالحياة أننا كنا نخوض مع الخائِضين، وسبب اِنْكِبابنا على المعاصي: التكذيب العَملي كنا نُكَذِّب بِيَوم الدِّين، بِصَراحة بالتعْبير العامي: لا أحد قابِض جهنَّم، أما لو وضَع كبريت على يده وَلْوَلَ، إذا كان زبون غشيم تُلْبِسُه أسْوء بِضاعة بِأغبى سِعْر، وتشْعر أنَّك شاطر، وإذا الأخ الكبير يأخذ كُلَّ الثَّرْوة ويسْتغِلّ ضَعْف إخْوته ويأخذ وكالة عامَّة ويتْركهم لا شيء، لذلك من آمن بقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
[الزلزلة: الآية 7-8]
وقفَ عند حُدود الله، فهؤلاء الذين في النار سبب دُخولهم فيها هذه الأشياء الأربع، ونحن في الدنيا أعْطانا مَشْهد من مشاهد يوم القيامة قال تعالى:
﴿ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴾
[المدثر: الآية 43- 46]
الحقائق التي جاء بها الأنبياء يعرفها الناس جميعاً يومَ القِيامة، وهذه المعْرِفَة لا قيمة لها إطْلاقاً ولا تُقَدِّم ولا تُؤَخِّر تماماً كالذي يدخل للامتحان والورقة بيْضاء يأخذ صِفْر، ثمَّ إذا رجع إلى البيتْ يفْتح الكتاب فإذا به يفْهم السؤال، فَفَهْمُ السؤال بعد أداء الامتحان لا قيمة له إطْلاقاً، فلو قدَّم للوزير أنَّني عُدْتُ إلى المنزل وفَهِمْتُ الجواب على السؤال، كي يُدْرج اسمي مع الناجِحين ! لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾
[الأنعام: الآية 158]
الإيمان قيمتُه في الوقْت المُناسب، وأنت حيٌّ تُرْزق وأنت صحيح قَوِيٌّ غَنيّ، أما على فِراش الموت كُلُّهم يؤمن حتى فرعون، من الذي أنكر وُجود الله، الذين قالوا: لا إله هذا نفسُه تؤمن وسيقول كما قال تعالى:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
[يونس: الآية90]
فرعَون وآمن، والإنسان قبل فوات الأوان يجب أنْ يعرف الواحد الدّيان.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48)﴾
[المدثر: الآية 48]
يا فاطمة بيت محمد ويا عباس عمَّ رسول الله أنقِضا نفْسَيْكما من النار فأنا لا أُغْني عنكما من الله شيئاً لا يأتيني الناس بِأعْمالهم وتأتوني بِأنْسابكم من يبطئ به عمله لم يسْرِع به أجله، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾
[الزمر: الآية 19]
يعني يا محمّد هل تُنْقذ من في النار؟ مُسْتحيل، أما مفهوم من مات مُوَحِّدا غير مُشْرك بالله فهذا درس الشفاعة له مفهومه الصحيح لا بد أن لا يخرج عليه الإنسان في فهْمه، أما أن يتفلَّت الإنسان ثمّ يقال شفاعة، فهذا مفْهوم ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، مثاله من قدَّم لامتحان اثنى عشرة مادّة فَنَجح إلا في واحدة تنقصُه بعض النقاط فهذا يُمكن أنْ يُشْفع له، أما كُلُّ المواد صِفْر ثمَّ الشفاعة !! هذا كلامٌ مَرْفوض.قال تعالى:
﴿ فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ(49)كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ(51)﴾
[المدثر: الآية 49-51]
خلقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ أفَيُعْييني رغيفٌ أسوقُهُ لك كُلَّ حين، لي عليك فريضة ولك عليَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضتي لم أُخالِفْكَ في رِزْقِك، وعِزَّتي وجلالي: إن لم ترضَ بما قَسَمْتُهُ لك فلأُسَلِّطَنَّ عليك الدنيا، ترْقُد فيها رقْد الوَحْش في البريَّة ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قَسَمْتُه لك ولا أُبالي، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمْت لي فيما أريد كَفَيْتُكَ ما تريد وإنْ لم تُسلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 08:26 AM   #534


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المدثر (74 )



الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في أواخر سورة المدَّثر:﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فالإنسان يتحرَّك، يعْمل، ينتمي، يُوالي، يتعلَّق، يميل، من هذه الجِهَة التي ينبغي أنْ تميل إليها ؟ وأن تتعلَّق بها وتُحِبَّها ؟ وأن تمْحَضَها إخْلاصَك وحُبَّك ؟ وأن تُطيعَها وتُفْنِيَ شبابك فيها ؟ وتُمْضِيَ طول عُمْرك في طلب رِضْوانها ؟ إذا كنت تعرف من أنت ؟ فلن ترْضى إلا أنْ يكون الله عز وجل هو مَحَطُّ آمالك، ونِهايَةُ رغباتك.
الإنسانُ أحْياناً تصْغُرُ نفْسهُ فَيَتَعَلَّقُ بِزَوْجَةٍ، أو بِقَوِيٍّ يُواليهِ، يُقَدِّمُ له كُلَّ إمْكانِياته، طبْعاً هو أهْل التقْوى، ليس إلا الله أهْلٌ أن تُطيعَهُ وتتَّقِيَهُ وأن تُخْلِصَ له، لأنَّ المخْلوق ضعيف، قال تعالى:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
[فاطر: الآية 14]
لكنَّ الله سبحانه وتعالى معك ويسْمَعُ دعاءَك، ويسْتجيبُ لك ويُحِبُّك فقَضِيَّةُ الإيمان هي ولاءٌ لله عز وجل، المؤمن يُوالي لله قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾
[البقرة: الآية 165]
إحْدى الصحابِيات الجليلات عَقِبَ معْركة أُحُد ذَهَبَتْ إلى أرْض المعْركة فإذا زَوْجُها بين القَتْلى، قالت: ما فعَلَ رسول الله ؟ فإذا بِأبيها بين القَتْلى فقالت: ما فعل رسول الله ؟ فإذا ابنها بين القَتْلى، فقالت: ما فعل رسول الله ؟ فإذا أخوها بين القَتْلى ؛ ما من امرأةٍ ترى زَوْجها وأباها وأخاها وابنها قتْلى وتسأل عن رسول الله ! فمازالتْ تسْأل عنه حتى رأتْهُ بِأُمِّ عَيْنِها واطْمأنَّتْ، وقالتْ: يا رسول الله كُلُّ مُصيبةٍ بعدك جَلَل !
أردتُ أن أبيِّنَ لكم أنت تُوالي من ؟ هناك من يعْصي الله من أجْل زَوْجَتِه معنى ذلك أنَّ ولاءه لِزَوْجَتِه، وإنسانٌ يعْصي الله من أجل أولاده، ومعنى ذلك أنَّ ولاءه لأوْلاده، إنْسان يعْصي الله من أجل قَوِيٍّ يتمنى قُرْباً منه أو نوالاً أو عطاءً أو يتَّقي شَرَّهُ فَيَعْصي الله، إذاً ولاؤُهُ لهذا القَويّ بينما المؤمن ولاؤُه لله عزَّ وجل، ومن كان الله وَلِيَّهُ كاهُ كُلَّ شيء.
الله عز وجل حينما يتدَخَّل فَكُلُّ شيء بِيَدِهِ، فَمَن هو العاقل ؟ هو الذي يُوالي أقْوى الأقْوِياء وهو الله تعالى، وملِكَ المُلوك، أنا ملِكُ المُلوك ومالكُ المُلوك قُلوبُ المُلوك بِيَدي، فإن العِبادُ أطاعوني حَوَّلْتُ قلوب المُلوك عليهم بالرَّحْمة والرأفة، وإنْ العباد عَصَوْني حَوَّلْتُ قُلوب العِباد عليهم بالسُّخط والنقْمة، فلا تشْغُلو أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلوك، وادْعوا لهم بالصلاح فإنَّ صلاحَهم بِصَلاحِكم، ما من مخْلوقٍ يعْتَصِمُ بي من دون خَلْقي أعْرفُ ذلك من نِيَّتِه فَتَكيدُهُ أهْلُ السماوات والأرض إلا جعَلْتُ له من بين ذلك مخْرجاً وما من مخْلوقٍ يعْتَصِمُ بِمَخْلوقٍ دوني أعْرِفُ ذلك من نِيَّتِه إلا جَعَلْتُ الأرضَ هَوِياً تحت قَدَمَيْه، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يَدَيْه، المؤمن وَلِيُّه الله، قال تعالى:
﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾
[يونس: الآية 62]
ولله رِجالٌ إذا دَعَوا الله أجابَهُم، وأعْظَمُ كرامَة ينالُها المؤمن عند الله كرامَةُ العِلْم وكرامة الدُّعاء المُسْتجاب، فحينما تكون وَلِياً لله عز وجل يكون دُعاؤُكَ مُسْتجاب وهو يَحْفَظُك لذلك قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾
[الأفال: الآية 19]
وقال تعالى:
﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
[البقرة: الآية 193]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾
[البقرة: الآية 153]
ماذا تعْني كلمة مع ؟! معَهُم بالتأييد والنَّصْر والحِفْظ والتَّوْفيق، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
[المائدة: الآية 12]
هذه مَعِيَّةُ الله مبْذولةٌ لكم جميعاً ؛ هو أهل التَّقْوى، ولذلك من قال: الله أكبر ألْفَ مرَّة وأطاعَ مخْلوقاً وعصى خالقاً فما قالها ولا مرَّة ولو رَدَّدها ألْف مرَّة، لو كانت لك بضاعة كاسِدة جاءك من يطْلبها أوْهَمْتَهُ أنَّها جيِّدة جداً، وكذَبْتَ عليه حتى بِعْتَها، مع أنَّكَ خالَفْتَ أمْر الله عز وجل إذْ كَتَمْتَ عَيْبَها وحقيقَتَها، فأنت بِهذا العَمَل ترى أنَّ بَيْع هذه السِّلْعة أغْلى من رضى الله تعالى، فالقَضِيَّة مع الله ليس كلاماً تتكَلَّمُه فَبِالكلام نحن فِداه، ونُحِبُّه ونُطيعُهُ، دينُكَ يظْهر في مَحَلِّكَ التِّجاري، وفي بَيْعِكَ وشِرائِك وفي صِدْقِكَ وأمانتك، فإذا كانت طاعة الله عندك أغنى من كُلِّ شيء كنت ولِياً لله وإن لم تكن كذلك كانت هناك مُشْكلة كبيرة تتعَرَّضُ لها، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56) ﴾
[المدثر: الآية 56]
فلا يليق بك أنْ تكون لِغَيْر الله، وإلا تحْتقِرُ نفْسك كلُّ إنسان يجْعل نفْسهُ تَبَعاً لِجِهَة أرْضِيَّة أو تبعاً لِجِهَة قَوِيَّة، أو لشَهْوة من شَهَواتِه، معنى ذلك أنَّهُ لا يعرف الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54)فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55) ﴾
[ المدثر: الآية 54-55 ]
فالإنسان بِصِحَّة جيِّدة وفي بَحْبوحة وفي بَيْتِهِ، يتحرَّك، وحواسُّهُ الخَمْس سليمة، وعندهُ قوتُ يومه، وله أهْل، أما حينما يقترب الأجل وكان هناك تقْصيرٌ سابقاً يصيحُ الرَّجُلُ صَيْحَةً لو سَمِعَها أهْل الأرض لَصُعِقوا، نَدَماً على ما فرَّطَ، قال تعالى:
﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾
[الزمر: الآية 56]
وقال تعالى:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾
[الفجر: الآية 24-30]
وقال تعالى:
﴿ َيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾
[الفرقان: الآية 27]
فَكُلُّ إنسان ينْدم كان ذلك دليلاً على نَقْصٍ في العَقْل أما سيِّدُنا عليّ قال: لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً، ولو عَلِمْتُ أنَّ غداً أجلي ما قَدَرْتُ أنْ أزيدَ في عَمَلي.
أنا وَقَفْتُ عند هاتين الكلمتين ؛ هو أهل التقوى أيْ أهْلٌ أنْ تُحِبَّهُ أبَدِي وسَرْمدي، لو أحْبَبْتَ من دونه ؛ أحْياناً يُحِبُّ الإنسان زوْجتهُ فإذا كبرَتْ بالسِّنّ ذهب أكثر بريقِها، أو تتنَكَّرُ له حينما يكبرُ أوْلادها تُهْمِلُ زوْجَها وما أكثر من يفْعَلْن ذلك، فَهُوَ مَحَضَها حُبَّهُ وإخْلاصَهُ، وهي قابَلَتْهُ إنْكاراً لِجَميلِهِ، والنبي قال: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (( رَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا أَفْظَعَ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ قَالُوا لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بِكُفْرِهِنَّ قَالَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لَا وَلَكِنْ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ * ))
[ رواه أحمد ]
فَكُلُّ إنسان يضَعُ كُلَّ آمالهِ بِزَوْجَتِهِ أو أوْلاده أو مالِهِ، قال أحدهم كلمَةً أظُنُّهُ مؤمناً لكِنَّهُ غلط: الدراهِم كالمَراهِم، تَحُلُّ كُلَّ مُشْكِلَة، فإذا بالله بعثَ له مُشْكلة بَقِيَ بالسِّجن ثمانٍ وستون يوماً ولم تحلّ معه بالدراهم، فأنت بِتَوْفيق الله وحِفْظِهِ لا بِمالِك ولا بِأعْوانك، وكُلُّ إنسانٍ يتعلَّق بآخر ويضَعُ كُلَّ الثِّقَة عليه ويعْقِدُ كُلَّ الآمال عليه الله عز وجل يُلْهِمَ هذا المُتَّبَع أنْ يتنكَّرَ لك ! وهذا يحْصل دائِماً.
قال تعالى:
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فإذا أراد أنْ يغفر لك فلا جِهَة تمْنعُه، أما الأشْخاص يقول لك: لا أستطيع والقانون لا يسْمحُ لي أنْ أُسامِحَكَ بالضَّريبة، وهناك لجنة مُبايعات فلا أستطيعُ أنْ آخُذها بهذا السِّعْر، فأيُّ جِهَةٍ أرْضِيَّة هناك جِهَةٌ أعلى منها قال تعالى:
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
[المائدة: الآية 118]
الذي لا يحفظ كتاب الله يقول: فإنَّك أنت الغفور الرحيم ! ولكن الآية فإنَّك أنت العزيز الحكيم، أيْ إنْ أردْتَ أنْ تغْفر فلا جِهَة تُحاسِبُك لماذا غَفَرْتَ ؟! فلو أنَّ أعلى إنسانٍ أعْفاك من ضريبة لَحُوسِبَ، أما إذا أراد الله تعالى أنْ يغْفر لك فلا يوجد في الأرض جِهَةٌ تمْنَعُه ولله المَثَلُ الأعلى قال تعالى:
﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾
المائدة: الآية 118)
عزيزٌ فلا يسْتطيعُ أحدٌ أن ينال منك أو أن يصِلَ إليك أو أن يُحاسِبَك.
فالقصْدُ من هذا أنْ تتَّجِهَ لله وحْدهُ، ولا تُعَلِّقَ الأمل على زَيْدٍ أم عُبَيْد إنما أنْ تُعَلِّقَ الأمل على الله عز وجل، وأكبر مرض يُصيبُ المسلمين الآن الشِّرْك الخَفيّ، أما الشِّرك الجليّ لا يوجد ولله الحمد، هناك آلاف الآلهة كُلُّها أصْنام وبوذاَ وما إلى ذلك، نحن لا يوجد لدينا آلهة نعْبدها من دون الله، لكن يوجد مليون إله نعْبُدُه ولا نشْعر، قال تعالى
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾
[ الفرقان: الآية 43 ]
فالهوى أحد هذه الآلهات تعْبده وأنت لا تشْعر، وتُضَحي بِطاعتك لله من أجل هواك، فالشِّرْك الخَفيّ كما قال النبي الكريم: أخوف ما أخاف عليكم الشِّرْك الخفيّ...شَهْوَةٌ خَفِيَّة وأعمال لغير الله ".
إذاً كما قال تعالى:
﴿ " كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ(54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]
فقوله تعالى: كلا إنه تذكرة أي القرآن، وقوله:
﴿ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ(55)وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾
هذا ربْط فضْل، وقَيْد فضْل وليس قيْدُ جَبْرٍ كلامٌ دقيق جداً، فأنا دخَلْتُ إلى مَحَلٍّ تِجاري يبيعُ ألْماس فأقول لك: اِخْتر ما شئْت فانْتَقَيْتَ خاتماً ثمنُهُ ثمان مائة ألف !! ثمَّ عند خروجك قلتُ لك: لولا أنَّني سَمَحْتُ لك بالاختيار لما أخذْتَ هذا الخاتم، فلو مَنَعْتُكَ أن تخْتار ربما كنتُ أهْدَيْتُكَ خاتماً ثمنه ثمان مائة ليرة، فَرَبْطُ مشيئة العَبْد بِمَشيئة الربّ ربْط فضْل وليس ربْط جبْرٍ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ لولا أنَّ الله شاء لهم أنْ يذْكروا لما ذَكروا، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لهم أنْ يشاءوا لما شاءوا، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لهم أنْ يعْقِلوا لما عقلوا، أعْطاهم عقْلاً فهذا كُلُّه من مشيئة الله لنا، فقد شاء لنا أنْ نكون المخْلوقين الأوَّلين في الكون
﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾
[المدثر: الآية 54-56]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:12 PM   #535


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، النفوس أيها الإخوة في القرآن ثلاثة ؛ نفْسٌ أمَّارةٌ بالسوء، ونفْسٌ لوَّامة ونفْسٌ مطمئنَّة قال تعالى: ﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾
[سورة الفجر]
فالنفسُ اللوَّامة قوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
والنفس الأمَّارة بالسوء كما ورد في قِصَّة سيِّدنا يوسف قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)﴾
[سورة يوسف]
وأصْل هذا التَّقْسيم هو أنَّ الإنسان المخلوق الأوَّل أوْدَعَ الله تعالى فيه شَهَوات، قال تعالى
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)﴾
[سورة آل عمران]
هذه لشَّهوات عَمْياء، والله عز وجل أعْطاه عقْلاً وفِطْرةً وشَرْعاً فالعَقْل ميزان والفِطْرة ميزان والشرْع ميزانٌ على ميزتانَي العقل والفِطْرة العلماء قالوا: الحَسَنُ ما حَسَّنَهُ الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع فالأصْل هو الشَّرْع لأنَّه كلام الخبير جلَّ وعلا، والغَرْب اسْتَحْسنوا تبادل الزَّوْجات، واسْتَحْسنوا زِنا المحارِم والشُّذوذ من ذُكورٍ مع الذُّكور والإناث مع الإناث، فالحَسَن مِقْياسُه الشَّرْع وليس عَقْلنا، أما العَقْل إذا اسْتنار بالوحْي توافق مع الشرْع فالعَقْل يحْتاج إلى وَحْيٍ ونورٍ، فَكُلُّ إنْسانٍ أوْدَعَ الله فيه الشَّهوات وهي حِيادِيَّة، فإذا قلتَ شَهْوَةً يعْني أنَّها حِيادِيَّة، يُمْكن أن تكون طريقاً لك إلى الله وسبيلاً إلى الجَنَّة، فالإنسان يشْتهي المرأة ويتزَوَّج ويُنْجِب أوْلاد، وطاهِرين طيِّبين ومؤمنين وهم في صحيفته إذا رَبَّاهم تَرْبِيَةً صحيحة فهم صَدَقَةٌ جارِيَة إلى يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ *))
[ رواه الترمذي ]
فالمرأة تُشْتهي، وهذه الشَّهْوة تُلَبَّى عن طريق الزَّواج فَتَرْقى، وتُلَبَّى عن طريق الزِّنا فَتَسْقُط، فالشَّهْوة هي سُلَّم نرْقى بها أو نهْوي بها.
كُلُّ إنسان له شَهَوات فإذا لم يرْجِع إلى عقْلِه ولم يصْغَ إلى فِطْرتِه ولم يطْلب العِلْم فَحَتْماً نفْسه أمَّارة بالسوء وهو طبيعِيٌّ جداً، فلو أنَّ مُحَرِّكا يندَفِع بِقُوَّة بِسُرْعة مائة وليس هناك مِقْواد، فالنُّزول بالوِدْيان حَتْمي لأنَّ الطرقات مُتَعَرِّجة والمحرِّك قَوِيّ إذاً الحادث حَتْمي، فالله عز وجل ما خلَقَ مفْساً أمَّارة بالسوء، لا ! بل جعَلَ فيها شَهَوات حِيادِيَّة، وهذه الشَّهوات ترْقى بها إلى الله، أو تهْوي بها إلى النار.
فأنت تحْتاج إلى شرْعٍ ومنْهَجٍ إلهي ؛ اِفْعل ولا تفْعَل، وتحتاج مع الشَّرْع إلى عَقْل، ومع العَقْل إلى فِطْرة، فالأصْل هو الشَّرْع، الحَسَنُ ما حَسَّنَهُ الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع، إلا أنَّ العقْل والفِطْرة يُعيناك على ذلك فإذا لم يصْغَ الإنسان إلى فِطْرته ولم يسْتَجِب إلى عَقْلِه ولم يطْلب العِلْم الشَّرْعي فَنَفْسُهُ حَتْماً أمَّارةٌ بالسُّوء، هذه الأولى، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول (( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ...* ))
[ رواه أبوداود ]
مَثَلٌ بسيط جداً ؛ كيلو سُكَّر ثَمَنُهُ ثلاثون لَيْرة، إذا وَضَعْتَهُ بِمُحَرِّك سيارة يُكَلِّفُك المُحَرِّك ثلاثين ألف !! فهل السُّكَر شرّ ؟ لا، وهل المُحَرِّك شرّ ؟ لا، إلا أنَّ وَضْعَ السُّكَر بالمُحَرِّك شرّ، فالشَرّ جاء من سوء الاسْتِعْمال، وليس بِأصْل الشيء وكذا لو وَضَعْتَ أوقَيَّة سكَّر داخل الطعام لا تسْتطيع أكْلها ! فالشَّر أساسه سوء الاسْتِخْدام والمنْهَج يُبَيِّن لك طريقة الاسْتِعْمال، فَكُلّ إنسانٍ خرج عن منهَج الله تعالى سَقَط، وأصْل الأشْياء كُلُّها خَيِّرَة، فالله تعالى خلَق الزَّوْجَيْن الذَّكَر والأُنْثى ولِقاؤهم وِفْقَ الشَّرْع ووِفْق الزَّواج وأسْرة، فلو أنَّ صَوْتهم علا في الجِماع لما كان هذا خَطأً لأنَّهُ حلال، دون أن ينْحَرِجوا، ولكن لو كان في الحرام تجدهم في خوْف واِرْباك، فالعَلاقة إذا كانت مَشْروعة لا حياء فيها، أما غير المَشْروعَة تخاف منها فالشَّهوات إذاً حِيادِيَّة والمنْهَج هو الشَّرْع، والعَقْل يُعينُك ولكن لا يكْفي وَحْده، والفِطْرة كذا لا تُعينك بِمُفْرَدِها، إذْ هناك فِطْرة مُنْطَمِسة وعَقْل مُنْحَرِف، أما العَقل المطلق يتوافق مع الشَّرْع، والفِطْرة السَّليمة تتوافق مع الشَّرْع، والحق دائرة يمُرّ بها خط النَّقْل وهو القرآن والسنَّة وخطّ الفِطْرة والواقِع، فالواقِع المَوْضوعي يتوافق مع الفِطْرة السَّليمة ومع العقل الصريح والنَّقل الصحيح، أما العقل المُنْحرِف والتَّبْريري لا يتوافق مع الشَّرْع.
الفِطْرة المُنْطَمِسَة تتناقض مع الشَّرْع، من هو الحَكَم ؟ هو الشَّرْع فالحَسَن ما حَسَّنه الشَّرْع والقبيح ما قَبَّحَهُ الشَّرْع، فهذه هي النَّفْس الأمارة بالسوء، أما نفْسُ المؤمن، المؤمن بين إقْبال وتألُّق وبين فُتور أحْياناً تَغْلِبُهُ نفْسُهُ فَيَتَكَلَّم كَلِمَة غير مُناسِبَة، وتكون منه نظْرة غير مناسِبَة ماذا يفْعل ؟ لا يوجد إلا الله الذي يقْبل التوبة عن عِبادِه فَعَلامة المؤمن أنَّهُ يلوم نفْسَهُ دائِماً، والمؤمن إنسانٌ غير مَعْصوم فلا هو نَبِيٌّ ولا هو كافِر، إذْ الكافِر نفْسه أمَّارة بالسوء، والمؤمن نفْسُه لوَّامة أما الأنْبِياء نُفوسهم مُطْمَئِنَّة ؛ اِطْمَأنَّت إلى طاعَتِه وإقْباله وإلى صِلَتِه وإلى إخْلاصِه وأعْماله الصالحة، فَنَحن إذا أكْرَمَنا الله عز وجل مع النَّفْس اللَّوامَة.
لو صَدَر من الإنسان عَمَلٌ ولم يشْعُر بِشَيْء، فهذا نَفْسُهُ مَيِّتَة وهو الصِّنْف الرابِع، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾
[سورة فاطر]
قال عليه الصلاة والسلام (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ *))
[ رواه مسلم ]
فَمَعنى لو لم تُذْنِبوا أيْ لم تشْعُروا بِذُنوبِكم، سَهْرو كُلُّها غيبة وبعدها يقول لك: ماذا فَعَلْنا ! وهذا باع بِثَمَن مُغْرٍ جداً وبعدها يقول لك: هكذا البيْع شطارة، وذاك ظَلَم زَوْجته ثمَّ يقول لك: هذه مقطوعين لا أحد لها ! وأنا حُرّ فَكُلُّ إنسانٍ يرْتَكِبُ المعاصي ولا يتَحَرَّكُ له قَلْب ولا يتألَّم ولا يُحاسِب نفْسَهُ فهذا إنسانٌ مَيِّت ومعنى كلِمة يُذْنبون في هذا الحديث أيْ أنَّهم شَعَروا بِذُنوبِهِم، فلو كان هناك مثَلاً إنسان مُسْتلقي على الأرض، ثمَّ جئت بمرآة ووضَعْها قرب أنفه ولم تجد أثر البخار، ووضَعت له الإنارة الشَّديدة على عَيْنِه فلم تَصْغر، حينها تقول: هذا مَيِّت، ولا حياة فيه، وكذا حال الإنسان المُرلاْتكب للمعاصي والآثام ويأكل المال الحرام ولا يشْعر بشَيء فهذا مَيِّت وهو صِنْفٌ رابِع، لذلك قوله تعالى:
﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)﴾
[سورة يوسف]
هذا الكافر والمؤمن نفْسه لوَّامة، والذي وَصَل إلى مرْتَبَةٍ عالِيَةٍ في الإيمان أو كان نَبِيًّا فهذا نفْسُهُ مُطمئِنَّة، قال تعالى:
﴿ يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾
[سورة الفجر]
علامة إيمانك أنَّك تُحاسِبُ نفْسك حِساباً عَسيراً، وهذا سيِّدُنا عمر عِمْلاق الإسلام والذي قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كان نَبِيٌّ بعدي لكان عمر..." هذا الأخير جاء إلى حُذَيْفة ابن اليَمان وهو أمين سِرُّ رسول الله، وأمْلى عليه أسْماء المنافقين، وهذا سِرٌّ بين النبي وبين حُذَيْفَة فجاءه عمَر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال له: يا حُذَيْفة بِرَبِّك هل اسْمي مع المنافقين ؟! فالاطْمِئنان الساذج هو الحمق يقول أحد التابِعين: الْتَقَيْت بأربعين صَحابياً ما من أحدِ إلا ويخْشى النِّفاق على نفْسِه، وهذا كلّه من شِدَّة الخزف من الله والحرْص على طاعَتِه، فإذا الواحِد ارْتَكَب ما يُغْضِبُ ربَّه كأن ينظر نظْرة فيها سُخْرِيَة أو تَكَلَّمْتُ كلاماً غير صحيح أو شَهدْت شهادة فيها باطل، أو كنت تاجِراً فَبِعْتُ قِطْعة قُماش مثلاً منْكَمِشَة لِزَبون وبِسِعْر عالٍ ولم تُحاسِب نفْسَك فهذا يعني أنَّك مَيِّت وعَظَّم الله أجْركم.
فيا أيها الإخوة، ربنا عز وجل يقول:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
وإذا قال تعالى لا أُقْسِم فهذا شيء عظيمٌ جداً، فلو قال لك إنسان الشَّمْس ساطِعة لَوافَقْتَهُ لأنَّها كذلك، ويكفي أن ينظر إليها ويراها، فهل يحْتاج الأمر إذاً أن تقول: والله والله والله هي ساطِعَة !!! فهذا رأي بعض المُفَسِّرين في قوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)﴾
[سورة القيامة]
وهذه النَّفْس اللَّوامَة نفْسٌ عَرَفَتْ ربَّها وحاسَبَتْ نفْسَها حِساباً عسيراً، فإذا حاسَبَتْ نفْسَها حِساباً عسيراً كان حِسابها يسيراً يوم القِيامة، قال تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
ويا أيها الإخوة هناك نقطة دقيقة جداً أرْجو أن تكون واضِحةً عندكم يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
الأوَّل معناه واضِح ؛ إنسانٌ على منْهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَلِمَ العذاب والعِقاب والشِّدَّة والضِّيق ؟ ولمَ المرض الشديد والخوف المُرعِب ؟ لا داعي لهذا لأنَّ الله عز وجل يقول:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾
[سورة النساء]
أما أنت في بَحبوحة الاسْتِقامة على منهج رسول الله قال علماء التَّفْسير: ما دامَتْ يا محمَّد سُنَّتُك في حياتِهم فَهُم في بَحْبوحَة من عذاب الله تعالى قال الله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
ليس شَخْصُكَ فيهم، ولكن سُنَّتُك فيهم، فإذا كانت بُيوتنا إسْلامِيَّة وتِجارتنا إسْلامِيَّة ونزهاتنا إسْلامِيَّة واحْتِفالاتنا إسْلامِيَّة وأعْراسنا إسْلامِيَّة وتَوْزيع الثَّرْوة إسْلامي وميراثنا إسْلامي فَنَحْنُ في بَحْبوحَةٍ من عذاب الله تعالى الله عز وجل:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
ولك بَحْبوحَةٌ ثانِيَة قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
إنسان غلط، فَطَلب المغْفرة من الله واسْتَغْفَر الله، وراجع نفْسَهُ وخاف من الله فمادام هو في حالة الخوف والاسْتِغفار واعْتِذار وطلب المُسامَحَة من الله تعالى ودفع صَدَقة أو صام فَهُوَ يسْتَرْضي الله تعالى، فالله عز وجل لما يجد عبْدَهُ تاب إليه واسْتغفر وندم وصام يغفر له إن شاء الله ومثل هذا المذْنِب في بَحْبوحَة من عذاب الله، وهذا معنى قَوْل الله تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
فنحن في بحْبوحَتَين ؛ بحْبوحَة تطبيق السنَّة وبَحْبوحَة الاسْتِغفار والتوبة والله عز وجل يُسْتَرْضى، أما الإنسان القَوِيّ لا يُسْترْضى، واسْتِرْضاء الله تعالى بالصَّدقة فَصَدَقَةُ السرّ تطفئ غضب الربّ، باكِروا بالصَّدقة فإنَّ البلاء لا يتخطاها، وهي تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ! فالله تعالى يُسْترضى بالتوبة الصَّدقة والصوم والاسْتِغفار، والذِّكْر والتَّسْبيح، فهذا يونس عليه وعلى نَبِيِّنا أفضل الصلاة والتَّسْليم قال وهو في بطْن الحوت في قوله تعالى:
﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾
[سورة الأنبياء]
فهذه هي النفوس الثلاث أمارة بالسوء ولوامة ومطمئِنَّة والرابِعَة كما قلنا مَيِّتَة.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:14 PM   #536


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في عِلْم المنطِق شيئان مُتعاكِسان، وشيْئان مُتناقِضان، فالشيئان المُتعاكِسان يجْتمعان كالأبْيَضِ والأسْود، أما الشيئان المتناقِضان فلا يجْتَمِعان كالظلام والنور، فَوُجود أحدهما ينْفي الآخر، فالأشْياء المتعاكِسَة تجْتَمِع بينما المتناقِضة لا تجْتَمِع.
حقيقتان إن آمَنْتَ بِأحَدِهما يجب أن تُنْكِرَ الأُخرى، فَوُجودُ إلهٍ في هذا الكون بِيَدِهِ كُلُّ شيء وكاملٌ كمالاً مُطْلَقاً، وإما أن تُؤمن بالعَبَثِيَّة فإن آمَنْتَ بالعَبَثِيَّة فلا معنى لأن تُؤمن بالله، وإن آمنتَ بالله فَيَجِب أن تنفي العَبَثِيَّة إطْلاقاً، يقول الله عز وجل: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾
[سورة القيامة]
أكل أموال الناس بالباطل وطغى وبغى ويأتي الموت وينتهي كلُّ شيء ولا شيء بعد الموت، هذه هي العَبَثِيَّة، هناك ضعيف وقويّ وفقير وضعيف، وهناك صحيح ومريض، وإنسانٌ عَمَّر والآخر مات بِسِنٍّ مُبَكِّرَة، وهناك إنسان وسيم جداً وآخر دميم جداً، فهذا الذي تَمَتَّع بالمال طوال حياتِه وحار في إنْفاقِه، وهذا الذي يتمنى أن يكون معه ألف ليرة وهذا الذي أكل أَطْيَبَ الطعام، وهذا الذي لم يأكل شيئاً، وهذه المرأة التي تَمَتَّعَت بِجَمال صارِخ فَخَطَبها أغْنى الأغْنِياء، وهذه الذَّميمة التي ما خَطَبها أحد، ثمَّ يأتي الموت وينتهي كُلُّ شيء، ولا شيء بعد الموت ! هذه عَبَثِيَّة، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)﴾
[سورة المؤمنون]
وقال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
فأنت إذا آمنْتَ بالعَبَثِيَّة فلا معنى أن تؤمن بالله تعالى إطْلاقاً، أم إذا آمَنْتَ بالإله فلا يُمْكن أن تعْتدي على أحد لأنَّك سَتَدْفَعُ الثَّمن باهِظا، ولا يمكن أن تأخذ مال أحد، فأنت مع الإنسان القَوِيّ وتنْضَبِط فَكَيْف بالله تعالى ؟! إذا عَلِمْتَ أنَّ هذا الإنسان القوِيّ يعلم كلّ حركاتك وسَكَناتك وسوف يُحاسِبُك حِساباً عسيراً، فلا يُمكن أن تُخالف أمره، فَكَيْف مع الواحِد الدَّيان ؟! فالله تعالى يقول:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
يوم الجزاء والدَّيْمومة، ويوم تُوَفَّى كُلُّ نفْسٍ ما كَسَبَتْ ويوم تُسَوَّى الحِسابات، ويوم يؤخَذ من المظلوم للظالم، ويوم يأخذ للمغتصَب من مُغْتَصِب، يقوم العدْل المطلق بين الخلْق ؛ هذا يوم القِيامة، نحن في دار ابْتِلاء، وغذاً في جزاء، ونحن في دار تَكْليف وغداً تشْريف ونحن في دار عَمَل وغداً دار أمَل، ونحن في حياةٍ دُنيا مُتْعِبَة، والإنسان ينشأ ويتنامى إلى أن يَصِل إلى قِمَّةِ مَجْدِه، ثمَّ يأتي مَلَكُ الموت بعد أن ضَبَط أُموره، وحقَّق دَخْلاً كبيراً، واشْترى بيْتاً مُريحاً، ورَكِبَ مَرْكَبَة فَخْمَةً وعلا اسْمُه وذاع صيتُه يأتي ملكُ الموت ليأخذ منه ما جَمَعَهُ من عُمْرٍ مديد في ثانِيَةٍ واحِدَة، إذاً هذه الدنيا أحْقر من أن تكون عطاءً من الله تعالى، لأنَّ الله تعالى إذا أعْطى لا يأخذ، فالدنيا ليسَتْ عطاءً، ولو أنَّها تَعْدِل عند الله جناح بَعُوضة ما سَقى منها الكافر شَرْبة ماء، هي أحْقَر من أن تكون عَطاءً، وأحْقر من أن يكون الحِرْمان منها عِقاباً قد يحْرِمُها الله تعالى من أحْبابه، وقد يُعْطيها لأعْدائِه، والدليل أنَّهُ أعْطى المُلْك لمن لا يُحِبّ ولِمَن يُحِبّ، فهذا إذاً ليس مِقْياساً، فقد أعْطاهُ لِفِرْعَون، وأعْطى لِخِيرَتِه كَعُثْمان، فالمال إذاً ليس مِقْياساً، وكذا القوَّة فالعِبْرة أن تعْمل لِهذا اليوم الذي سوف يدْفع الإنسان فيه الحِساب دقيقاً فهذا أعْرابِيٌّ سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يَعِظَهُ وأن لا يُطيل عليه فَتَلا عليه قوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
فقال: كُفيت فقال عليه الصلاة والسلام فَقُهَ الرَّجل ! أي صار فقيهاً وكذا كلّ آية في كِتاب الله تعالى تَكْفينا طوال حياتنا، ألا يَكْفينا قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾
[سورة النساء]
أنت تحت المُراقبة، فلو قلنا لك أنت مُراقب فَيُمْكن أن تتوَهَّم الخطأ توهّماً، فَكيف إذا كان الله تعالى هو الذي يُراقبك، فقوله تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾
[سورة القيامة ]
هي التي تَحَدَّثنا عنها البارحة بالتفصيل وذَكَرْنا أنَّ النفْس اللَّوامَة نفْسٌ يُحِبُّها الله عز وجل، قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾
[سورة القيامة]
فهذا الإبْهام دَرَسَهُ العلماء فَوَجدوا فيه مائة نقْطة، ومائة علامة، وطَبَعوا إبْهاماً بِحَجْم مائة مُرَبَّع، وطَبَعوا مائة ألف إبْهام، ومَرَّروا هذه المائة ألف على هذا الإبْهام فلم يكن يَجِدوا ولا واحِداً يُوافق الآخر ! بل إنَّ العلماء قالوا: لو أنَّ سَبْعة نِقاط تشابَهَت في إبْهامَيْن لكان الإبْهامان لِرَجُلٍ واحِد فهذا الإبْهام بَصْمة وتوقيع بل وأدَقُّ توقيع، بعض المُجْرمين بِأمْريكا وَضَعوا جزءً من جِلْدٍ على إبْهامِهِم بِعَمَلِيَّة جِراحِيَّة حتى يخْلصوا من موضوع البَصْمات، بعد ثلاثة أشْهر عاد شَكْل الإبْهام الأصْلي إلى الجِلْد الذي رُكِّب فوقه ! والعلماء قالوا: قُزَحِيَّة العَيْن هوِيَّة لك، ليس في الأرْض كُلِّها له قُزَحِيَّة عَيْن تُشْبِهُك، لذلك هناك أقْفال على قُزَحِيَّة العين يَضَعَهُ الإنسان عَيْنيْه على القِفْل فَيُفْتَحُ الباب ! ولا يُفْتح إلا لِصاحِب هاتين العَيْنين، وكذا رائِحَة الجِلْد هُويَّة، فَكُلُّ إنسانٍ له رائِحَة والكلاب البولِسيَّة تهْتدي بهذه الرائِحَة والكلب له قوَّة شمّ يُساوي مليون ضِعْف الإنسان، وكلّ إنسان له نَبْرة صوت خاصَّة وهي هَوِيَّة ثانية، وكلّ إنسان له بلازما دم خاص، وكل إنسان له زمرة نسيجِيَّة خاصَّة ؛ خمسة آلاف زمرة نسيجِيَّة، فَقُزَحِيَّة العَيْن ورائِحَة الجِلْد، ونبرة الصوت وبلازما الدم والزمرة النَّسيجِيَّة والإبهام، فالله تعالى جعل فرْداً لا شبيه لك، وذلك لِكَرامتك عند الله قال تعالى:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾
[سورة القيامة]
فهذا الشكل الذي على الإبهام سوف يعود كما كان، لكن متى ؟! قال:
﴿ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)﴾
لا يوجد لُجوء سياسي هناك، أما هنا فلَدَيْك لُجوء سياسي تنتقل به من دولة لأخرى، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[سوة الأنعام]
فالإنسان في الدنيا له جماعة ووُسَطاء وأتباع، يقول لك أحدهم: فلان جاءَتْهُ أزْمَة، فَجاءَهُ مائة تلفون من أجله ! أما هناك كما قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(94)﴾
[سورة الأنعام]
قال تعالى:
﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(25)وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ(26)وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ(27)كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ(28)فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ(29)وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ الْعَذَابِ الْمُهِينِ(30)﴾
[سورة الدخان]
خِطاباً لِفِرْعَون، فهذه الآية أيها الإخوة تُبَيِّن أنَّه لا عَبَثِيَّة في الكون قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
[سورة القيامة]
لن تُحاسَب ! طَلَّقْتَ زَوْجَتَك ظُلماً وأخذْتَ بيتها ولن تُحاسَب ! وأكلت أموال الناس بالباطل ولن تُحاسَب، واعْتَدَيْتَ على أعْراضِهم، واسْتَغَلَّيْتَ ضَعْفَهُم ولن تُحاسب، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37)﴾
[سورة القيامة]
باللِّقاء الزوْجي يُفْرز الرجل خمسمائة مليون حُوَيْن، والبُوَيْضَة تحتاج إلى حُوَيْنٍ واحدٍ ! أكبر رقم سَمِعْتُه خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجة وسَمِعْتُ رقماً بِمِلْيون، ولا أدري الدِّقة بينهما، أما هناك مليون أمر مُبَرْمَج على الحُوَيْن المنوي، وكذا على البُوَيْضَة، فإيَّاك أم تؤمن بالعَبَثِيَّة وأن تقول: هذا القوي يفْعل ما يشاء ! ألا يوجد إلهٌ يُحاسِبُه ؟! هذا سوء ظَنٍّ بالله عز وجل، هؤلاء سَيُحاسبون حِساباً عسيراً، الذين يعيشون على أنْقاض الشُّعوب ويتَحَكَّمون بِمَصائِر الشُّعوب، والله عز وجل يُمْهِل ولا يُهْمِل وإليكم هذه القِصَّة الرَّمْزِيَّة وهي شوحَةً جاءَت سيِّدنا سليمان قبل الطوفان وقد أوتِيَ لغة الطير، فقالت له: ربُّك عَجول أم مَهول ؟ فسأل ربَّهُ فقال تعالى: أنا مَهول ولسْتُ عَجول، فاطْمَأنَّتْ فَسَرَقَتْ لحْماً على النار فَعَلِقَتْ جمْرةٌ في اللَّحْم أحْرَقَت عُشَّ أوْلادِها فعادَتْ إليه وقالت له: ألم تقل إنَّه مَهول ؟! فقال له قل لها: هذا حِسابٌ قديم وليس على آخر شيء فَعَلْتيه !! قال: ما من علقة ولا اخْتلاج عِرْقٍ ولا خَدْشِ عودٍ إلا بما قَدَّمَتْ أيديكم، وما يَعْفو الله أكثر، فإذا وَقَع الإنسان بِمُشْكلة عليه أن يُراجِعَ نفْسه، فالله تعالى أكبر من أن يُصيبك بِمُصيبة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:17 PM   #537


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في سورة القيامة، ومع الآية العاشرة وهي قوله تعالى:
﴿ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
[سورة القيامة]
أيها الإخوة الكرام، إنسان يحمل دكتوراه، هل تُصَدِّقون أنَّهُ نالها وهو نائِم ؟ نالها في ليلة واحِدة وفي ساعَةٍ واحِدة ! قَدَّم طلباً للجامعة قائِلاً: يُرْجى مَنْحي دكتوراه، وهو لا يقرأو لا يكتب ! فَمُنِحَ هذه الشهادة لأنَّها مرْتبة عِلْمِيَّة، فهل مَرْتبة الإيمان هَيِّنَة على الناس إلى هذه الدَّرَجة ؟ لا لِطَلَبِ العلم، ولا يحضر مجالس العِلْم، وما قرأ القرآن، وما فَهِمَ كلام ربِّه، وما سأل عن حُكْمِ الشَّرْع في قَضِيَّاته، ثمَّ يقول لك: أنا مؤمن ! الإيمان يُبْنى عليه عَمَلاً فمن لم يعْمل عَمَلاً وِفْق إيمانِه فليس مؤمناً، لو أنَّ أحداً من الناس بأشَدِّ الحاجة إلى المال وقلتَ له في الجِهَة الفلانِيَّة تُعْطى لك حاجتك التَّامَّة، ولكن بِكَلِمَة، فلو أنَّ هذا الأخير ما تَحَرَّك كان دليلاً على أنَّ فيه خَلَلاً، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾
[سورة الأنعام]
هنا الإيمان باليوم الآخر يقوله الناس بألْسِنَتِهم إلا أنَّك تفاجئ أنَّ معظَمَ الناس يأكلون أموال بعضهم بعْضاً وكأنَّهم لا يُحاسَبون ويعْتدون على أعْراض بعضهم بعْضاً وكأنَّهم لا يُحاسبون، حركة المسلم والمؤمن المُعاصِر الآن تدلّ وكأنَّه لا قِيامة، اِغْتِصاب أموال وغيبة ونَميمة، وطَعْن، وحُضوض النَّفْس في أعلى درجة، وكأنَّ الله تعالى لن يُحاسِبَهم، تجد شَخْص بِسِنٍّ مُتَقَدِّن يريد أن يفْعل شيئاً الشباب لا يجرأ أن يفعله ! ألا يوجد موت ؟! دائِماً وراء هذه المُلْهِيات، ساعة النزول للقبر ماذا تقول لله عز وجل ؟ أين المَفَرّ ؟! لو أنَّ سارِقاً ارْتَكَب جريمة، حين يسْرق المال يتنعَّم ويزْني ويُسافِر، ثمَّ أُلْقِيَ القبْض عليه وسيقَ للمُحاسَبَة، قُبَيْل أن يُشْنَق يمكن أن ينْسى كُلَّ اللَّذائذ التي اسْتَمْتَع بها، فالإنسان حينما يدْنو أجله ويقرب من مُغادرة الدنيا يقول: لم أرَ خيراً قطّ ! في هذه اللَّحْظة تظْهر بُطولة الإنسان يُنَبَّؤ الإنسان ويقول أين المفَرّ ؟ أنا أقول للإخوة إياك ثمَّ إياك أن تَصِل مع الله تعالى إلى طريق مَسْدود، قال تعالى:
﴿ وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾
[سورة الزخرف]
وقال تعالى:
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)﴾
[سورة المؤمنون]
إياك أن تَصِل مع الله تعالى إلى طريق مَسْدود، كما أنَّ المَشْنوق قُبَيل أن يُشْنق يُحِبّ أن يبكي أو يضْحك المُهِمّ ؛ اِفْعَل ما شئْتَ سَيُشْنَق، لذا نحن الآن في بَحبوحة والتوبة مقبولة، والباب مَفْتوح، قال تعالى:
﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10)﴾
[سورة القيامة]
لا أهْل ولا مال ولا جماعة ولا أتْباع، ولا أحد.
قال تعالى:
﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)﴾
[سورة القيامة]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[سورة الغاشية]
وقال تعالى:
﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)﴾
[سورة القيامة]
كُلُّ شيءٍ تُقَدِّمُهُ سوف تُخْبَرُ به، وكل شيء تُؤَخِّرُه سوف تُخْبر به، ما معنى بِما قَدَّم ؟ قدَّم من عملٍ صالحٍ فَتَقَدَّم به إلى الله، وهذا أخَّر فتأخَّر عن اللُّحوق بِأهْل الإيمان، فهناك ما يُقَدِّمُك وهناك ما يؤَخِّرُك، فالإيمان يُقَدِّمُك وكذا الاسْتِقامة والإخلاص والصِّدْق والإحْسان للناس، إلا أنَّ الكذِب يُؤَخِّرُك، الحقيقة العُظْمى في الكون ولا حقيقة بعدها ؛ كُلُّ شيءٍ يُقَدِّمك منه هو عمل صالح، وكلُّ شيء يُبْعِدُك عنه هو عَمَل سيئ كان لي صديق بِبَلَدٍ أجْنبي وقال لي: كنت أتَصَفَّحُ مَجَلَّة، ووجَدْتُ دِعاية لِهاتِف فضائي، مَرْسوم رجل دين واضِع قُبَّعَة على رأسِه، والأنوار تَشِعُّ منها، وتَمُرُّ أمامه فتاةٌ مُتَبَذِّلَة فَيَنْظر إليها فإذا هذه الأنوار تنْطفىء ! فهم أدْرَكوا بِفِطَرِهم أنَّ إطْلاق البصر لهذه الفتاة يَحْجُبهم عن الله، فإطْلاق البصر يُبْعِدُك وغَضُّهُ يُقَرِّبُك، وكذا الصَّبْر والضَّجَر، وضَبْط اللِّسان يُقَدِّمك وتفْليت اللِّسان يُبْعِدُك، وإنفاق المال يُقَرِّبك وحبْسه يُبْعِدك زَوْج مِثالي يُقَدِّمك وزوْجٌ سيِّء يُؤَخِّرُك، يُنَبَّؤُ الإنسان بِما قَدَّم وأخَّر، والعِبْرة أن تقْترب من الله.
قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾
[سورة المائدة]
أحْياناً رجل قَوِيّ ومَلِك من ملوك الأرض، ولك عنده حاجة، تجد أنَّ الطريق له صَعْب وليس لك أن تُقابلَهُ،ولكنَّ مَلِكَ المُلوك سبحانه وتعالى وَضَع لك ألف طريق إليه، فالطرائِق إلى الخالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فأنت بِبَيْتك إذا كنت زوْج صالح كان هذا طريقاً إليه تعالى، وكذا إذا كنت ابناً صالحاً، وممكن أن تخْدم زوْجَتَك بِالبيْت طريق إلى الله، وإذا صَدَقْت بِعَمَلِك كان هذا طريقاً إلى الله، فأنت تُصَلِّي باليوم خمْس صلوات أما إذا كنت ماشِياً بالطريق فكلَّما غَضَضْتَ بصرك عن محارِم ترْقى دَرَجة والآية الواضِحة جداً، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾
[سورة الكهف]
خَلَقنا لِيَرْحَمنا ولِيَتوب علينا، ولِيَسْتجيب لنا، فالمُشْكلة إذا جاء مَلَك الموت انتهى كلُّ شيء، كنت البارِحة مع طبيب قلب، وأنا شَخْصِياً لا أعْرِف قُطْر الشريان القلب التاجي الذي يشْغل الأرض كلَّها الآن، فَكُلُّ إنسان يضيق شِرْيانه التاجي يحْتاج إلى قصْطَرة، فالقُطْر ملم واحِد، فَكُلُّ آمالك وقوَّتِك وجَبَروتِك على هذا الطريق الواحد، فإذا انغلق أصْبحت الحياة جحيماً، فهل يُعْقل أن تكون كلَّ آمالك ومُنْجَزاتِك وكلّ سَيْطَرَتِك على ملم واحِد مَفْتوح، فهم خَمْسُ شرايين كُلُّ شِرْيان قُطْره ملم واحِد، والقَضِيَّة الثانِيَة أنَّ كلَّ آمالك مَبنِيَة على سُيولَة دمك، ومتى تَجَلَّط الدم أصْبحت مُشْكِلة، فما عليك إلا أن تتوب قبل تَجَمُّد الدَّم وتَضَيُّق الشريان، يُمْكِن أن تَكْذِب على كلّ أهل الأرض وتفوقهم بِحِيَلِك إلا نفْسَك فَمُسْتَحيل قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)﴾
[سورة القيامة ]
مهما كانت عندك طلاقة لِسان وذكاء ونصوص وتُغطِّي اِنْحِرافاتك كُلِّها بالمنْطق، أما يوم القيامة فكما قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(65)﴾
[سورة يس]
لا تقل يوم القيامة أنا قَصْدي كذا ونَوَيْتُ كذا، إنَّما أعْمالك هي التي تنْطق، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(21)﴾
[سورة فصلت]
فهذه الآية:
﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
[سورة القيامة]
واحِد سرق فَسيق لِسَيِّدنا عمر كي يقْطع يده، فقال السارق هذه أوَّل مَرَّة، فقال له عمر: كَذَبْت إنَّ الله لا يفْضح من أوَّل مَرَّة، وهذا الذي أرْجوه من الله عز وجل أنْ نصْطَلِح معه قبل فوات الأوان، البارِحَة قرأت مقالة بِمَجَلَّة خليجِيَّة أنَّ الأمر القَلْبِيَّة تكون بالخمْسين والسِتِّين، أما الآن بالأربعينات أو الخمسينات، شيء ليس بِالحُسْبان وتَجِدُه بِكَامل قِواه ونشاطِه، في ثانِيَة انتهى، كان شَخْصاً وصار خَبَراً على الجُدْران اِعْلموا أنَّ ملك الموت قد تَخَطَّانا إلى غَيْرنا وسيتَخَطى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذْرنا، فكُلُّ البطولة أنْ نَعُدَّ العِدَّة لِهذا اليوم إذا نُبِّئْت بأعْمالك لم فَعلْتَ كذا ؟ وإذا لم تسْتحِ فاصْنَع ما شئْت.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:19 PM   #538


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القيامة (75 )



الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة القيامة في الآية العشرين:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
فالله تعالى سمَّى هذه الحياة حياةً دُنيا، وسَمَّى الآخرة حياةً عُلْيا فالآخرة حياةٌ أبَدِيَّة، والدنيا حياةٌ مُنقَطِعة، والآخرة أساسها الإكرام والدنيا أساسها الكدْح والتَّعَب، قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾
[سورة الانشقاق]
الدنيا أساسها السَّعْي والآخرة أساسها الإكرام، والدنيا دار ابْتِلاء والآخرة دار جزاء، والدنيا دار تَكْليف والآخرة دار تَشْريف، والدنيا منقطعة والآخرة مُتَّصِلَة، لذلك ربنا عز وجل في آيات كثيرة يلوم هؤلاء الناس الذين يَتَعَلَّقون بالحياة الدنيا، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
هناك درجات كثيرة بين الناس، فكما أنَّه هناك مسافة كبيرة جداً بين طبيبٍ وبين مُمرِّض، وبين أكبر أستاذ بالجامعة وبين مُعَلِّم بالقرية وبين تاجِرٍ وبين بائِع مُتَجَوِّل، وبين أعلى رتبة في الجيْش وبين مُتَجَوِّل إذاً هناك مسافات كبيرة حتى في البيوت ؛ بيت في طرف المدينة وبين ثمنه مائة وخمسون مليون ! وحتى بالمركبات، والطائرات والبواخر، وحتى بالطعام والشراب، قال تعالى:
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾
[سورة الاسراء]
مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً وهي مُؤقَّتة، وقد تعني العكْس قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[سورة الأنعام]
ربَّ أشْعث أغبر ذي طمرين مدْفوعٍ بالأبواب لو أقْسم على الله تعالى لأبَرَّه أهْلاً بِمَن خَبَّرني جبريل بِقُدُومِه ؛ رَجُلٌ فقير من الصحابة قال: أَوَمِثْلي فقال:نعم يا أخي ! خامِلٌ في الأرض عَلَمٌ في السماء، فَمَرْتَبَة الدنيا لا تعني شيئاً، والمال لا يعْني شيئاً، أعْطاهُ الله تعالى لِعَدُوِّهِ قارون، قال تعالى:
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ(81)﴾
[سورة القصص]
والمُلْك لا يعْني شيئاً فقد أعْطاهُ لِفِرْعَون، أما المؤمن يُعْطاه كما قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾
[سورة يوسف]
فإذا آتاك الله تعالى الحِكْمة وعَرِفْتَ سِرَّ وُجودك وغاية ذلك، وعرفْتَ ربَّكَ ومَنْهَجَهُ، واسْتَعَنْتَ به على طاعته فأنت من الفائِزين، قال تعالى:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]
خالقُ الكون يقول لك: إذا أطَعْتني فُزْتَ فوزاً عظيماً، والناس يرَوْن الفوْز بِجَمْع المال وبِبِناءٍ يملِكُهُ وبِأَرْض ارْتَفَعَ سِعْرها مائة ضِعْف وبِبَيْت كذلك، والفوز بِتِجارةٍ رابِحَة وبِوَكالة حَصْرِيَّة وبِزَوْجة جميلة، أما الفوز عند الله تعالى بِطَاعَتِه قال تعالى:
﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]
فقوله تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20)﴾
[سورة القيامة]
احْتِقاراً، أحْياناً عِصابة تسْرِق، وتقع في قَبْضَة العدالة والتُساق إلى السِّجْن، وتُعَذَّب حتى تعْتَرِف، وتُؤخذ الأموال كلّها منها، بعد هذا الحُكْم تجد هؤلاء العِصابة نَسِيَت كُلَّ المَلَذَّات التي تَمَتَّعَتْ بها في سَرِقاتها ! فالعِبْرة في النِّهاية والعاقِبَة ولِمَن يضْحك آخِراً، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(198)﴾
[سورة آل عمران]
والله أيها الإخوة، لو أنَّ الٌنسان يقرأ كلام الله تعالى قِراءَةً مُتَأنِّيَة، فالله تعالى يقول ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
فَرَبُّنا عز وجل يُخْبرنا أنَّ متاع الدنيا قليل، وأنَّها أحْقَرُ من أن تكون عطاءً، والحِرْمان منها أحْقر من أن يكون عِقاباً، تافِهَة، لذلك العِبْرة أن تكون مُطيعاً لله تعالى فيها، أنا هؤلاء الناس الذين غفلوا عن الله عز وجل يَرَوْنها كُلَّ شيء، ويُعَظِّمونها ويُعَظِّمون أغْنِياءَها وأرْبابها وأقْوِياءَها، وينْسَوْن الله عز وجل فيأتي الموت فَيُنْهي هذا الغِنى.
قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
[سورة القيامة]
فالمؤمن الصادِق يسْعى للآخرة في كُلِّ يوم، وفي كُلِّ حَرَكة، وفي كُلِّ سَكَنة وفي كُلِّ كَسْب مالٍ، وفي كُلِّ إنْفاق مالٍ، وفي كُلِّ زِيارَةٍ يسْعى للآخرة قال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ(198)﴾
[سورة آل عمران]
المؤمن الذي صَلى في الدنيا وضَبَط شَهَواتِه وأعْضاءَهُ ودَخْلَهُ وجوارِحَهُ واسْتقام على أمْر الله تعالى، وطلب العِلْم في الآخرة، يقول تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
[سورة القيامة]
ففي الآخرة أيها الإخوة، يُتاحُ للمؤمن أن يرى الله عز وجل كما في الأحاديث الصحيحة، كما يرى القمر ليلة البدْر، وفي بعض الرِّوايات أنَّ الذي يرى الله عز وجل يغيب من نَشْوة النظر خمسين ألف عام !
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
[ سورة القيامة]
ثمّ قال تعالى: ووُجوه يومئذ باسرة.." شديدة الكلوحة، كالِحَة ومُسْوَدَّة ومُغْبرَّة وقاتمَة، قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾
[سورة القيامة]
الفاقرة الداهِيَة التي تقسم الظَّهْر، ففي النِّهاية البَشَرُ كلّهم على اخْتِلاف مشاربهم وأعراقِهم وأجْناسِهم ومِلَلِهم ونِحَلِهم، وكلّ هذه الاختلافات شَكْلِيَّة فالناس في الآخرة رجلان كما قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾
[سورة القيامة]
كَمَن أُلْقِيَ القبْض عليه وينتظر العِقاب، ولا يعرف هل سَيكون بِسِجْن مُأبَّد أو أعمال شاقَّة ؟ فهذه الأيام تَمْضي عليه كالسنوات، وانْتِظار الحُكْم صَعْب جداً.
ثمَّ قال تعالى
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)﴾
[سورة القيامة]
اِنْسَحَبت الروح قال تعالى:
﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)﴾
[سورة القيامة]
من يرْقى له، من يقرأ له قال تعالى:
﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)﴾
[سورة القيامة]
فالإنسان يمْرض إلا أنَّه في كُلِّ أمْراضِه يغلِبُ عليه الأمَل في الحياة أما أحْياناً تأتيه تقارير عن حالته النِّهائِيَّة، أحدهم قال له: أنت معك سرطان وسَتَعيش أربعة أشْهر ! ففي هذه الأيام ما عليك إلا أن تُنهي أمورك ووَصِيَّتَك، وأنْهي علاقاتِك، ثاني يوم تَوَفَّى هذا الشَّخْص، ولم ينتظر أربعة أشهر
قال تعالى:
﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)﴾
[سورة القيامة]
أحياناً المريض يَتَيَقَّن أنَّهُ سَيَنْتهي، كان هناك رجل حكوا لي عنه إلا أنَّها سبحان الله قِصَّة يصْعب أن تُصَدَّق وأنا لم أرَهُ إلا أنَّني سَمِعْتُ عنه ؛ رَجُلٌّ صالِح وكان يُنفق أموالاً طائلة في سبيل الله، وله مكْتب في الحريقة، كُلَّما دَخَلَتْ عليه لَجْنة خَيْرِيَّة له طريقة رائِعَة وهي أنَّهُ يعْطيهِم مِفتاح الصُّنْدوق ويقول لهم: خُذوا ما شِئْتم، ولا تُعْلِموني، أُصيب بِمَرضٍ في دَمِه ولِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى وَصَلَ الخبر له حيث أنَّه رفع السَّماعة الإضافِيَّة فكان من الطبيب لابنه، ولأنَّ عمله الطَيِّب ولأنَّه كان مُسْتقيماً ما تأثّر كثيراً، إنَّما خَبَّر صديقه من أصْدِقائِه وقال له: أنا انْتَهَيْتُ ! عندي صَفْقَة الفُلانِيَّة تُنهيها لي، وتُعْطي أرْباحها لأوْلادي ورَتَّب أموره وقضايا العمل والتِّجارة والاسْتيراد والمُسْتوْدعات، وثاني يوم وَدَّع كُلَّ أهْلِه، واحِداً واحِداً، وثالث يوم تَغَسَّل بِنَفْسِه، وفي الساعة الواحِدَة له شَيْخ بالشام صالِح، ذَهَب إليه وبَقِيَ يذكر الله عنده، وفي الساعة الثانِيَة فارق الحياة، هذا الأمر صَعْب جداً أن تعرف أنَّك في الرقت الفلاني سَتُفارِقُ الحياة، فَكَلامي أنَّك إنْ عَمِلْتَ عَمَلاً طَيِّباً لن يكون الموت مُخيفاً لك، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ(158)﴾
[سورة آل عمران]
تَجِد فلان من الناس مُهِمَّتُه جمْع المال، والله تعالى قال:وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ ﴿ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾
[سورة آل عمران]
قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)﴾
[سورة القيامة]
سُئِلَ عالِمٌ جليل: كيف القُدوم على الله ؟ فقال: أما العبْدُ المؤمن فكالغائِب رُدَّ إلى أهْلِه، لو كان لك ابن بِمَنْطقة من البلاد الأوروبيَّة وبقي هناك ثماني سنوات فلو عَلِمْتم قُدومه لرَتَّبْتُم له غرفة خاصَّة به، وتطْبخون له أكْلات يُحِبُّها، أليس كذلك ؟! وأما العَبْد الكافر فكالعَبْد الآبِق رُدَّ إلى مَوْلاه، وهذه قِصَّة قديمة أذْكرها لكم ؛ أنَّ أحد الناس خرج من بلدِه إلى أروببا وهاجم نِظام بلَدِه وكان صَحَفِيًّا، ودَبَّروا له حتى أصْبح بين أيْديهم، فكيف سَيفعلون الآن به؟! قال تعالى:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[سورة الغاشية]
ففي النِّهاية نذْهب كلنا إلى الله تعالى، فالذي يأكل مال الحرام، ويعتدي على أعْراض الناس، والذي يسْتَعلي على خلق الله ؛ كُلُّه سَيُحاسَب وأصْعب ليلة في القبر هي أوَّلها، يقول الله عز جل: عَبْدي رجعوا فَتَركوك وفي التراب دَفَنوك، ولو بَقوا معك ما نَفَعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحيُّ الذي لا يموت، كُلَّما زُرْتُ بيْتاً لأُعَزِّي آتي بهذا الكلام، أرى بيْتاً فَخْماً، بِكامِل المُعِدَّات، أقول: أين صاحبُه الآن ؟! الثريَّات كُلُّها كريستال، وصالون ثمانية أمْتار، وتُحَف أقول كيف انتقل صاحِبُه إلى باب صغير ؟ نحن عندنا حيّ المالكي هو حيّ أكْواخ بالنِّسْبة لِحَيّ الشَّهْباء بِحَلَب، هناك فِلَّة أرانيها شَخْص وقال لي: هذه فيها رُخام من سنة الأربع والسَّبْعين، وكان الدولار بِثَلاثة ليرات وثَمانِيَة قِرْش، ثَمَنُ هذا الرُّخام خمْس ملايين ليرة، هذا الرُّخام هو رخام أونِكْس شَفاف، الآن ثَمَنها أكثر من ثمانمائة مليون !! صاحبها عمره اثنان وأربعون سنة، وكان طويل القامة، فكان القبْر قصيراً عليه، فاضْطر الذي حَفَر القبر أن يُمَيِّل رأسَه!! فهذا الذي كان يسْكن في بيْتِ ثمنه ثمان مائة مليون، كان مثْوه في قبر أصغر منه !
قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)﴾
[سورة القيامة]
أعرف رجل، يقرب أحد أصْدِقائي، عاش بالسَّعودِيَّة ثلاثين سنة، وجَمَّع ثلاثة آلاف مليون وما صلى الفرْض بِحياتِه، ولا حجَّ ! ذهَب لاسْتنبول فمات بالفندق هناك، والبارِحَة بِجامِع النابلسي كان جالساً في القاعة فانقلب ومات في الصلاة ! الموت يأتي بَغْتَةً، والقبر صندوق العمَل.
قال تعالى:
﴿ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33)﴾
[سورة القيامة]
فالفاجِر يجْلس قَعْدَةً لا أدَب فيها، وقد يضْطجع اضْطِجاعاً غير لائِق.
ثمَّ قال تعالى: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35)﴾
[سورة القيامة]
أي أوْلى لك أن تؤمن،وأن تسْتقيم وأن تُفَكِّر بهذا اليوم، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
[سورة القيامة]
الذي خلق هذا الكون العظيم والذي خلقك ألا يُحاسِبُ أحداً ؟ هل يعْتدي الإنسان على من يُحِبُّ ويظْلم ثمَّ ينْجو من عذاب الله، وهل يُعْقل من جامِعَة بأرْقى الأساتِذة والغُرف والسَّكن ثمَّ لا يوجد فيها امْتِحان ؟! وكُلُّهم ناجِحون، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾
[سورة القيامة]
هذا هو الإيمان إذا آمَنْتَ أنَّ هناك آخرة وحِساب ومَسْؤولِيَّة، وتُحاسَب على أدَقِّ الحركات السَّكَنات، قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾
[سورة الحجر]
وقال تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
ما من عثرة ولا اخْتلاج عِرق ولا خدْش عود إلا بما قَدَّمت أيديكم، وما يعْفوا الله أكثر.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:22 PM   #539


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأولى من سورة الإنسان وهي قوله تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[سورة الإنسان]
لا شكَّ أنّ أحدنا وقع تحت يدِه كتاب مَطبوع قبل تاريخ ميلاده، ففي أثناء طبع هذا الكتاب هل هناك شَخْص هو أنت ؟ فأنت إذا تَصَفَّحْتَ كتاباً قبل تاريخ ميلادِك ألم يخْطر في بالك أنَّهُ في أثناء طبْع هذا الكتاب لم تكن إطْلاقاً، ولم يكن لك وُجود ولا مكان ولا حجم ولا هُوِيَّة، فهذا معنى قوله تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[سورة الإنسان]
فَمَن أنْعم عليك بِنِعْمة الإيجاد ؟ الله جلَّ جلاله، وُجِدْتَ بعد إذْ لم تكن هذه أكبر نِعْمة ألم تسأل نفْسك هذا السؤال ؛ لماذا أوْجَدني الله عز وجل ؟ لا يليق بالله ولا بِكَماله ولا بِعَظَمَتِه ولا بِطَلاق قدرته لِيَخْلق مَخْلوقاً لِيُعَذِّبَهُ، العوام يقولون كلاماً مُضْحِكاً ! يقولون: الله تعالى خَلَقنا للعذاب من قال لك هذا ؟ القرآن يردُّ على هذا، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119)﴾
[سورة هود]
خلقهم لِيَرْحمهم، ولِجَنَّةٍ عرْضها السماوات والأرض، وَخَلَقهم لِيُسْعِدَهم وليَجْعل لهم من نِعَم الدنيا مُتَّصِلَةً بِنِعَمِ الآخرة، ولله المَثَل الأعلى سيارة مُصَمَّمة أعلى تَصْميم كي تَكون لِخِدْمَتِك ولكي تنقلك إلى مكانٍ جميل فلو أنَّ إنساناً ساقَها وهو سَكْران، قد تَتَدَهْوروتنكسِرُ أضْلاعه، فَمَن المسؤول ؟ هو الذي قادها بِطَريقة مَغْلوطة والذي شَرِبَ الخَمْر وقاد السيارة والأصل أنَّ هذه المركبة صُنِعَت كي تنقلك إلى أيِّ مكانٍ تشاء وكي ترْتاح باسْتِعْمالها، وكي تسْعَدَ بها، صُمِّمَت لإسْعادِك وليس لِتَدْميرك أما لو قُدْتَها دون وَعْي وكان هناك حادِث والحادِث مؤْلم فأنت هو السَّبب، فربُّنا عز وجل خلقنا لِيُسْعِدنا ولِيَرْحَمنا، ولِيَنْصُرنا ويُطَمْئِننا خلقنا لِجَنَّةٍ عرْضها السماوات والأرض، لِجَنَّةٍ يدوم نعيمها، لذلك أوَّل سؤال: ألم يمُرّ وقْتٌ في الأرض لم تكن مَذْكوراً ؟
لو رَجَعْنا إلى عَهْد رسول الله تعالى، فهل كُنَّا مَوْجودين ؟ لم نك إطْلاقاً وكذا إلى عهْد الصحابة والتابِعين والأمَوِيِّين والعباسيِّين وإلى عهْد الدُّوَل المُتتابعَة، هذه الأزْمِنَة لم نكن موجودين فيها، فهذه نِعْمةٌ أولى.
النِّعْمة الثانِيَة هي نِعْمة الإمْداد، مَنَحَك الله تعالى نِعْمة الوُجود ثمّ نِعْمة الإمْداد، أمَدَّك بالهواء، فالهواء ليس له فاتورة، ولو كان كذلك لكانت هذه مُشْكِلَة، تأتيك الفاتورة تجد فيها ؛ ثمان مائة ليرة تَنَفُّس ‍! تَدْفَع أو نقْطع عليك التَّنَفُّس !! شيء غير مَعْقول، إذْ هو مُباحٌ للجميع، وكذا الماء، والطعام وأمَدَّك بِزَوْجة تأنَسُ بها من جِنْسِك وطبيعتك ونفْسِك تُحِبُّ كما تُحِبُّ وتكْره كما تكْره وترقى كما ترْقى وتَسْمو كما تَسْمو جعلها مُتْعَةً لك وأنْجَب لك منها أوْلاداً، يملئون لك البيْت فرْحَةً، فإذا تَقَدَّمَتْ بك السِنّ كانوا لك مِعْواناً، فهو تعالى أمَدَّك بِكُلِّ شيء، ثمَّ دَلَّكَ عليه وأمَدَّك بِنِعْمة الهُدى والرَّشاد، يقول عليه الصلاة والسلام: أحِبوا الله لما يغْدوكم..." فهذه الكلية الصغيرة تعمل بِصَمْت ؛ الدم يُصَفَّى فيها في اليوم خمْس مرات، أما الكلية الصِّناعِيَّة فَثَمانِيَةُ ساعات ويدك مَمْدودة وأنت مُعَطَّل والسيروم بِيَدِك، كُلُّ هذا من أجل جمعة أو ثلاثة أيام ! والتَّصْفِيَة ثمانون بالمائة، وحجم الكلية قدْر هذه الطاولة، وكذا الكبد لولاه لما عِشْتَ ثلاث ساعات، وكذا القلب، فهذا دَسَّام خنزير ثَمَنُه ثمانون ألف وأحْياناً الشرْيان الأبْهر يتعطَّل ووَصْلة طولها اثْنى عشرة سنتمتر ثَمنها اثْنى عشَر ألف ! كُلُّ شيءٍ فيك ثَمين، فهذا زَرْع الكلية يُكَلِّف مليون أو مليونين، فالله تعالى أمَدَّك بالإمداد والإيجاد، والهُدى والرَّشاد، فإذا كان الإنسان من الشاكرين قَيَّدَ هذه النِّعَم بالشُّكْر، وإن لم يَشْكُرْها ضَيَّعَها وأحد أنواع شُكْر النِّعَم أن تسْتَعْمِلها في مَرْضاة الله، لا أن تنظر بِهذه العَيْن إلى ما حَرَّم الله، وكذا السَّمْع والنطْق والبطْش باليد ولا أن تقودك رجلك إلى ما لا يُرْضي الله، فالله تعالى قال:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[سورة الإنسان]
فهذه النُّطْفة تُلَقِّح البُوَيْضة، وهناك ثلاثة وعشرون مُوَرِّث وكذا البُوَيْضَة أصْبَحَ عددهم ستٌّ وأرْبعون، فالحُوَيْن المنوي فقط فيه ثلاث وعشرون مُوَرِّث، وفقط البُوَيْضة عليها ثلاث وعشرون، أما أيُّ خَلِيَّة أخرى عليها سِتٌّ وأربعون، لذلك الاسْتِنْساخ مُشْكِلَتُه أن نأخذ خَلِيَّةً عليها سِتاًّ وأربعون وليس ثلاث وعِشْرون، فهذا الذي يأتي هو أخٌ لأبيه أو أُخْتٌ لأمِّها، أما هنا من نُطْفَةٍ أمْشاج، الحُوَيْن والبُوَيْضة تفاعَلا وكَوَّنا هذا الجنين، وهذا الجنين فيه صِفات الأب والأمّ، وفيه أقْوى الصِّفتَيْن ويُتَلافى فيه أضْعَف الصِّفتَيْن، فهذه الآية وَحْدَها تنْفي الاسْتِنساخ قال تعالى:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[سورة الإنسان]
أي نَمْتَحِنُه، جَعَلْناهُ سميعاً كي يسْمَعَ الحقّ، وبصيراً لِيَرى الآيات، قال تعالى:
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)﴾
[سورة الملك]
أحدُ أسباب دُخول النار ما سَمِعَ وما عَقَلَ، فهو لا فَكَّر بالحق وتأمَّل ولا سَمِع له، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة الأنفال]
هذه الآية تَكْفينا، أخٌ كان في أمْريكا ودَخَل إلى مَسجِد ووجَدَ شَخْص يبْدو من مَظْهره من أرْقى الأُسَر وشَخْصِيَة مُحْتَرَمَة جداً، تُنَظِّف المَسْجد فقال له: أنت من أين ؟ فقال: له أنا من أمريكا، ماذا تعمل ؟ قال: بأعلى الرتب البحْرِيَّة بأمريكا ! قال: كيف أسْلَمْت ؟ فقال له: ذَهَبْتُ إلى الشَّرْق بِمُهِمَّة، وسَكَنْتُ بِبَيْت وكان هناك رجل داعِيَة أقْنَعني بالإسلام فأسْلمْتُ، هذه الآية تُريحُ الإنسان، وهذه بِشارةٌ لكم ولي فمادام الله تعالى أسْمَعَنا الحق لَعَلَّ فينا خيراً، فالآية هكذا نَصُّها، قال تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)﴾
[سورة الليل]
لفظة على إذا أُضيفَتْ إلى ذات الله عز وجل تُفيد الإلْزام الذاتي، فالهُدى من الله، هو الذي يهْدي، فهو تعالى هداك بالعَقْل والفِطْرة وهداك بالقرآن والنبي العَدْنان والدُّعاة والمنامات، فالكَوْنُ يُعَرِّف بالله، وعَقْلُك يَصِلُ بك إلى الله، وفِطْرَتُك تَدُلُّك على الله، والقرآن والنبي عليه الصلاة والسلام يدلان على الله تعالى، وأفعال الله تدُلُّ عليه، والعلماء من بعد الأنبياء يَدُلُّون على الله، فقوله تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾
[سورة الإنسان]
السبيل المُوصِل إلى الله، والسبيل الموصِل إلى السعادة في الدنيا والآخرة، والسبيل الموصِل إلى السلام مع الله تعالى، والسبيل الموصِل إلى الدنيا كما أرادها الله والآخِرة، أما الذي كفر وانْحرف وضَلَّ وتَكَبَّر فقد قال تعالى:
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا(4)﴾
[سورة الإنسان]
لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(5)﴾
[سورة الإنسان]
أيها الإخوة، نحن في بَحْبوحَة الحياة والقلب يعْمل، الصِّحة طَيِّبَة فلما علينا إلا التوبة الصُّلْح مع الله، وما علينا إلا أن نُحاسِبَ أنفُسَنا حِساباً عسيراً، وأن نتوب قبل أن لا نتوب، وأن نُؤَدِّي ما علينا من حُقوق قبل أن لا نجِد، فمادُمْتَ حيًّا كُلُّ شيء مَحْلول، لو جِئْتني بملء السماوات والأرض غفرتها ولا أُبالي، يوم يعلم المعْرضون انْتِظاري لهم وشَوْقي إليهم، وترْك معاصيهم لَتَقَطَّعَت أوْصالهم من حُبِّي، ولماتوا شَوْقاً إليَّ إنِّي والإنس في نبإٍ عظيم أخْلق ويُعْبَدُ غيري، وأرزق ويُذْكر سِواي خيري إلى العباد نازِل، وشَرُّهم إليَّ صاعِد، أتحبب إليهم بِنِعَمي، وأنا الغَنِيُّ عنهم، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليَّ منهم تَلَقَّيْته من بعيد، ومن أعرض عنِّي منهم نادَيْتُه من قريب أهْل ذِكْري أهْلُ مَوَدَّتي، وأهْل شُكْري أهْل زِيادتي، وأهْل مَعْصِيَتي لا أُقَنِّطُهم من مَعْصِيَتي، إن تابوا فأنا حَبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبْتَليهم بالمصائِب لأُطَهِّرهم من الذُّنوب والمعايِب، الحَسَنَةُ عندي بِعَشَرَة أمْثالها وأزيد، والسَّيِّئة بِمِثْلِها وأعْفو وأنا أرْأف بالعَبْد من الأمِّ بِوَلَدِها خَلَقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ، أفَيُعْييني رغيف أسوقُه لك كُلَّ حين، لي عليك فريضة ولك عَلَيَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضَتي لم أُخالِفْك في رِزقِك، وَعِزَّتي وجلالي إن لم ترْض بما قَسَمْتُهُ لك فلَأسَلِّطَنَّ عليك الدنيا، ترقُد فيها رقْد الوَحْش في البَرِيَّة، ثمَّ لا ينالك منها إلا ما قَسَمْتُه لك ولا أُبالي وكنت عندي مَذْموماً، أنت تريد وأنا أُريد فإذا سَلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُك ما تريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.
أيها الإخوة الكرام، مِحْوَرُ هذا الدرْس أنَّ ربَّنا عز وجل مَنَحَنا نِعْمَة الإيجاد، وأوْجَدَنا لِيُسْعِدنا ويرْحَمَنا، فإذا أخْطأنا شَقَيْنا، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]
وقال تعالى:
﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57)﴾
[سورة البقرة]
ثمَّ إنَّ الله تعالى أكْرَمَنا بِنِعْمة الإمْداد، أمَدَّك بِمالٍ وبنين وبِنِعمَة الهُدى والرَّشاد، وما علينا إلا أن نسْتجيب، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾
[سورة الأنفال]
قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾
[سورة القصص]
فإن لم نسْتَجِب شَقَيْنا.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:24 PM   #540


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الثانى


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الثالثة والعشرون والتي بعدها من سورة الإنسان، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
قد يُعَبّر عن ذات الله عز وجل في القرآن الكريم بِكَلِمَة أنا قال تعالى:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
وقد يُعَبَّر عن لفْظ الجلالة في القرآن الكريم بالضَّمير نحن، قال تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
فهل هناك فرْق بين التَّعْبيريَن ؟ متى يقول الله عن ذاته العَلِيَّة:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
﴿ومتى يقول الله عز وجل عن ذاته العَلِيَّة: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)﴾
[سورة الإنسان]
قال علماء التَّفْسير، إذا كان المُراد ذات الله عز وجل جاء التَّعْبير إنَّني أنا الله أما إذا كان المَقْود أفعاله وأسْماؤُهُ فَكُلُّ أفعاله تَدْخُل فيها كُلُّ أسْمائِهِ، فَفِعْلُهُ رَحْمَةٌ وفِعْلُهُ حِكْمَةٌ وعَدْلٌ وقُوَّةٌ وَهَيْمَنة فإذا عَبَّر عن أفْعاله يقول: إنَّا نحن، فهذا القرآن رحْمة وعَدْل كما قال العلماء ؛ الشَّريعة عَدْلٌ كُلُّها، ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ كُلُّها، لا يليق بِشَريعة الله تعالى إلا أن تكون كذلك فأيَّةُ قَضِيَّة خَرَجَت من العَدْل إلى الجَوْر أو من الرَّحْمة إلى خِلافِها أو من المَصْلحة إلى المَفْسَدَة فليسَتْ من الشريعة ولو أُدْخِلَت عليها بألْف تأويل وتأويل، هل تُصَدَّق أن يذْهب مليون حاج أو أكثر إلى الدِّيار المُقَدَّسَة وأن يذْبحوا الخرفان ويُلقونها في العَراء فَيُصْبِحُ الجوُّ نَتِنا لِعِدَّةِ أشْهر ! هل هذه هي الشَّريعة ؟! لا، الآن تُذْبح في مَسالِخ وتُبَرَّد وتُرْسَل إلى الفقراء، هذه هي الشَّريعة، أما أن نذْبَح مليون خروف وتذْهب هباءً والناس يموتون بالجوع ! ليْسَت هذه الشَّريعة، فلابدّ أن تكون الشريعة رحْمةً وحِكْمَةً ومَصْلَحة، فإذا ورد في قوله تعالى: إنَّا نحن، فأسْماء الله تعالى كُلُّها حُسْنى وفُضْلى وأفعاله كُلُّها حكيمة فإذا كان التعبير عن أفْعاله يأتي ضمير الجَمْع، لأنَّ هذا الفِعْل تدْخل فيه أسْماؤُهُ كُلُّها، وإذا كان التعبير عن ذاته يقول: إنَّني أنا الله، أحْياناً الإنسان لا تتَّضِحُ له الصورة، لو دَخَلْنا إلى أكبر مَكْتبة بالعالم، ورأيْنا فيها فَرَضاً مليون مُجَلّد، أو أكثر وكانت كُلُّ هذه الكُتب في كَفَّة، وكتاب الله تعالى في كَفَّة هذا كلام خالق الكَوْن، دَخَل مُغَنِّي بريطاني في إيطاليا إلى مَكْتبة وهو مُغَنِّي شَهير جداً وتُباع أشْرِطَتُهُ بِمئات الملايين، ورأى في هذه المكتبة القرآن مُتَرْجَم، فسأل صاحب المَكْتبة من مُؤَلِّف هذا الكتاب ظن فأشار صاحب المَكْتبة إلى السَّماء فَسَخِرَ هذا المُغَنِّي أشَدَّ السُّخْرِيَة واشْترى الكتاب ليَنْتَقِدَهُ ويدْحض هذا الادِّعاء فآمَنَ بالله تعالى ! وتاب تَوْبَةً نصوحَة وكُلُّ دَخْلِهِ من الأغاني تَصَدَّق به، وكان يشْتري تسْجيلاته وأسْطُواناتِه ويُتْلِفُها لأن لا يرْتَكِب مَعْصِيَةً، وهو الآن من أكبر الدُّعاة إلى الله اسمهُ يوسف إسلام، لذلك فَضْلُ كلام الله على فضْل كلام خَلْقِهِ كَفَضْل الله على خلْقِه، وازِن بين خالق الكون وبين إنْسان ! بين عِلْمٍ مُطْلَقٍ وبين جَهْلٍ، وحِكْمَةٌ وغباوَة ! المسافة التي بين الله وبين خلْقِه هي نفْسها بين كلام الله وكلام خلْقِه، فإذا قرأ الإنسان القرآن فهذا كلام الواحِد الدَّيان، قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا(23)فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
فالله عز وجل قَضى أن تكون ذا دَخْلٍ مَحْدود فهذا قضاء الله عز وجل ويوم القيامة يكْشِفُ لك الحِكْمة فَتَذوب كالشَّمْعَة مَحَبَّةً لله عز وجل وقضى أن تكون أباً لِبَناتٍ فقط، فهذه هي حِكْمَتُهُ، وقضى أن تكون أباً لأوْلاد، وقضى أن تكون عقيماً أو صحيحاً أو مريضاً فهذه مشيئة الله وعلامة إيمانك بالله أن تحْتَرِم مشيئته وأن ترْضى بقَضائِه وقَدَرِه ولكن هذا متى ؟! بعد اسْتِنفاذ الجُهْد، فإذا كنت كَسول ولا أدْرس ثمَّ أقول حَسْبِيَ الله ونِعْم والوَكيل، هذا كلام باطِل، الأصْل أن أقول هذا بعد الاجْتِهاد وبذْل كُلّ ما في الوُسْع لِتَحْسين مَعيشَتي ونَيْل الدَّرَجات العُلْيا فإذا انتهى بك السَّعْي إلى هذا المكان فهذا قضاء الله تعالى وقدره.
إذاً قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
لو أنَّ أحدكم ذَهَب إلى طبيب أسْنان وقال له: أنت لك مُشْكلة في القلب والبنج لا يُناسِبك، ولا بدّ من أن تُقلع الضرْس من دون بنْج، واقْتَنَعْتَ أنت، فَمِن أجل قناعَتِك بالسَّبب تتَحَمَّل الألم وتصْبِر، وهذا الصبْر لا يحْتاج إلى جُهْد إطْلاقاً، ولكن متى يكون الأجْر على الصَّبْر عالياً ؟ إذا لم تكن الحِكْمة غير واضِحَة لك ! يا ترى ألا يسْتحق الله عز وجل أن تُسَلِّم له الأمْر ولو لم تتَّضِح لك الحِكْمة ؟ فأنت مع طبيب تُسَلِّم الأمْر فكيف مع الخالق، فالله عز وجل يمْتَحِنُ عُبودِيَّتك له، ويبْعث لك مشكلة غير معْقولة، وليس معها مُبَرِّر، ولو أنَّك في أعلى درجة من الاسْتِقامة تأتي مُشْكلة فلا تقل والله أنا المفروض لا تأتيني مثل هذه المصائب ! وأعلى امتحان عُبودِيَّة أن يقول الله عز وجل لِنَبِيٍّ كريم اِذْبَح ابنك، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الصافات]
وكلمَّا كان أمر الإلهي واضِح كلَّما كانت العبودِيَّة قليلة وكلَّما كان الأمر الإلهي غير واضِح كانت العبودِيَّة فيه أعلى، أبٌ قال لابنه نَظِّف أسْنانك وآخر قال لابنه أنت معك اِلْتِهاب أمْعاء ما عليك إلا أن تأكل الشاي واللَّبَن فقط كُلُّ هذا لِمَصْلحة الولد، أما إن كان الابن جائِعاً والطعام موجود وأراد أن يأكل ثمَّ يقول له الأب لا تأكل ! فهنا تظْهر طاعة الابن لأبيه لأنَّ الأمر معْقول وهذا اسْمه اِمْتِحان عُبودِيَّة، فالله تعالى يمْتَحِننا إمْتِحان عُبودِيَّة، فهذا سيِّدُ الخلق وحبيب الحق في الطائِف كَذَّبوه وسَخِروا منه واسْتَخَفوا بِدَعْوَتِه، وفي روايةٍ ضَربوه، قال عليه الصلاة والسلام: يا ربّ إن لم يكن بِكَ عليَّ غَضَبٌ فلا أُبالي ولك العُتْبَة حتى ترْضى ولَكِنَّ عافِيَتَك أوْسِعُ لي، وامْرأةٌ في مَعْرَكة أُحُد والله مليون رجل لا يُساوي قلامة ظفرها، رأَتْ زَوْجَها قتيلاً، فقالت: ما فعل رسول الله، ورأتْ ابنها قَتيلاً فقالتْ: ما فعل رسول الله، ورأتْ أخاها قتيلاً، فقالت: ما فعل رسول الله، ورَأَتْ أباها قتيلاً، إلى أن رأَتْهُ فقالتْ: يا رسول الله، كُلُّ مصيبةٍ بعدك تهون ‍! فنحن لِضَعْف إيماننا لا نُمْتَحَنُ هذه الامتحانات، هناك صحابي فقَدَ بَصَرَهُ، فقال: اُدْعو الله أن يردَّ لك بصرَك، فقال: والله إنَّني أسْتحي من الله، هو اخْتار لي هذا وأنا أرْفُضُه ! فالإيمان له مُسْتَوَيات، لما قال لنَبِيِّه اِذْبح ابنك، هل ذُبِحَ الابن ؟ لا، الله تعالى رحيم إلا أنَّهُ امْتحنَك، إذاً هناك امتحانات عُبودِيَّة، والواضِحَة لا تحتاج إلى صبْر، كَحال الذي يؤلِمُه ضِرْسه ولكن متى تحْتاج إلى الصبْر، إذا لم يكن الأمر واضِحاً، تجد شاباً مُسْتَقيماً فقَدَ عمله فجْأةً ! وما أكل مال الحرام، فأصْبَحَ يَدَّيَن أوَّل الشَّهْر وثانيه وثالثه ؛ هذا امتحان عُبوديَّة فإذا قال: يارب لك الحمْد، مَن أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومن طلب منَّا أعْطَيْناه، ومن اكْتفى عمَّا لنا كُنَّا له وما لنا تأتي الدنيا وهي راغِمَة، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عَوَّضَهُ الله تعالى خيراً منه، في دينه ودُنْياه، ولا يوجد واحِدٌ مِنَّا ليس له قائِمَة مُزْعِجات بِحَياتِه ونقائِص ومُشْكِلات، فإذا قلتَ أنت: يا ربّ أنا راضٍ حَدَّثونا عن رجل معه ورم خبيث بأمْعائِه، فَدَخَل إلى المُسْتشْفى، فأحد إخْواننا الأطِبَّاء قال: ما دخل عليه إنسان إلا بادَرَهُ بهذه الكلمة ؛ اِشْهَد أنَّني راضٍ عن الله ! وكانت به آلام لا يعلمها إلا الله تعالى وكان يُغْمِضُ عيْناه ويسْتَغْفِر، وكان يُكْثِرُ الحمْد، ثلاثة أيام تُوفِّي، ولِحِكْمةٍ بالغة بالغة بالغة جاء بعده مريض مُصاب بِنَفْس المرض، ما تَرَكَ نَبِيًّا ما سَبَّهُ فذاك المؤمن يحْمد وذاك يشْتم ! قال تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)﴾
[سورة النحل]
اسْتَعِن بالله على الصبْر، وفي آيةٍ ثانِيَة:
﴿ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7)﴾
[سورة المدثر]
هناك شَخْص ينْقهِر فَيَصْبر، فهذا ليس لله، ولكنَّهُ مَقْهور، أما المؤمن وهو في أعلى درجات القوَّة يصْبر لله، فاصْبِر وصابِر، وكان سيِّدنا عمر إذا أصابته مُصيبةٌ قال: الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، والحمْد لله إذْ لم تكن أكبر منها، والحمد لله أَنَّني أُلْهِمْتُ الصَّبْر عليها.
قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا(24)﴾
[سورة الإنسان]
فلا شيء يقعُ لك إلا والله تعالى هو الذي سمح فيه، والله تعالى حكيم وعادِل، وفَسِّر كُلَّ أفْعاله بالرَّحْمة والعَدْل واللُّطْف، فما دام الشيء وَقَع فهذا قرار ربِّك فاصْبِر والصَّبْر مُريح، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر]
كأنَّ لك شيك مَفْتوح، فهذه الصَّحابيَّة أُمُّ سَلَمة تُوُفِّي زوْجها ومن ألْمَع الصحابة والنبي علَّمَنا أن إذا أصابتْنا أن نقول: اللهمّ اخْلُفني خيراً منها فإذا بالنَّبي صلى الله عليه وسلَّم هو الذي خَطَبها.
فإذا صَبَرْتَ ورضيت بِقَضاء الله فالله تعالى يُحِبُّك ويُعَوِّضك أحْسن منه.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 07:30 PM