المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير سور القران الكريم كاملا


الصفحات : [1] 2 3

السعيد
02-26-2018, 09:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الفاتحة (1)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الأخوة المؤمنون، نحن بدأنا تفسير كتاب الله من سورة لقمان، ولم نختم بعدُ كتاب الله سبحانه وتعالى، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يمدنا جميعاً بقوة منه، كي نتابع فهْمَ كتاب الله وتطبيقه والأخذَ به.



القرآنُ الكريم جُمع في الفاتحة:



سوف نفسِّر إن شاء الله تعالى سورةَ الفاتحة، لأن هذه السورة عظيمة القدرِ، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ))

[ مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/01.jpg
سماها النبي عليه الصلاة والسلام أساس القرآن، وسماها أم القرآن، وسماها فاتحة الكتاب، ولها عشرة أسماء، وقد جُمع القرآنُ في الفاتحة، لهذه الأسباب كلِّها رأيت من المناسب أن أفسر سورةَ الفاتحةِ بعد السورِ القصيرة الأخيرة التي خُتم بها القرآن الكريم.
أولاً يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾

(سورة النحل)
أجمع العلماء أن كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليست آية، لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقرأ القرآن الكريم إلا ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، امتثالاً لقوله تعالى:
﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) ﴾

(سورة النحل)
العلماء قالوا مندوب أن نقرأها في غير الصلاة وواجب أن نقرأها في الصلاة، فيجب أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة ولكن سراً، تقول: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك، سراً، ثم تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم سراً.


النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين:


أما البسملة فالأكثرُ على أنها تُقرأ جهراً، وأبو حنيفة رضي الله عنه يرى أن تُقرأ أيضاً سراً، ومذهبُه رضي الله عنه يبدأ القراءة بقوله: الحمد لله رب العالمين، لكن الأكثرَ على قراءة البسملة جهراً، أما التعوذ فيجمعون على أنه يُقرأ سراً وهذا في الصلاة.

(( اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَباً، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ))

[البخاري عن سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ]
إذا سافر عليه الصلاة والسلام وأدركه الليل ونزل في أرض فإنه كان يقول:
(( يا أرض، ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك ومن شر ما فيك وشر ما خلق فيك، وشر ما يدب عليك، أعوذ بالله من أسد وأسود، ومن الحية والعقرب، ومن شر ساكن البلد، ووالد وما ولد ))

[رواه أبو داود عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ]
النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً يتعوذ بالله ولاسيما في السورتين الأخيرتين:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾

(سورة الفلق)
وأيضاً:
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ﴾

(سورة الناس)



الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة "الله":



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/02.jpg
قال بعضهم: العوذ هو الالتجاء لقوي كي تتقي به الشر، وأما اللوذ بمعنى لاذ به، الاحتماءُ بقويٍّ من أجل أن يجلب لك الخير، عاذ به، ولاذ به، عاذ اتقاء للشر، ولاذ طلب الخير، فربنا سبحانه وتعالى يأمرنا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأما كلمة الله فهي اسم الله الأعظم الجامع للأسماء الحسنى كلها، وهو عَلَمٌ على الذات، وأكبر أسماء الله اسم الله الأعظم، يجمع كل أسمائه، أعوذ بالله، يعني أعوذ بالله الرحيم، أعوذ بالله الحكيم، أعوذ بالله اللطيف، أعوذ بالله القوي، أعوذ بالله الغني، أعوذ بالله العادل، أعوذ بالله الفرد، الصمد، الواحد، الأحد، القهار، الجبار، أعوذ بالله الودود، إذا قلت: الله، فإن الأسماء الحسنى كلها جمعت في كلمة الله، لو قال قائل: أعوذ بالرحيم، والأمر محتاج إلى قوة، فهذه الاستعاذة لا تصح، أما أعوذ بالله إن كنت تخاف شيئاً قوياً فَعُذْ بالله فهو القوي، وإن كنت بحاجة إلى رحمة فعذ بالله فهو الرحيم، وإن كنت بحاجة إلى إمداد فعذ بالله فهو رب العالمين، وإن كنت بحاجة إلى لطف فعذ بالله فهو اللطيف الخبير، وإن كنت بحاجة إلى علم فعذ بالله فهو العليم الخبير، فكلمة أعوذ بالله يعني أنا ألتجئ إلى الذات الكاملة التي جمعت الأسماء الحسنى كلها، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

(سورة الأعراف)



الله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً:



لِمَ سُمِّي الشيطان شيطاناً ؟ لأنه شَطَنَ، بمعنى ابتعد وخرج عن طريق الحق، والله سبحانه وتعالى حينما خلقنا رسم لنا منهجاً، قال تعالى:

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

(سورة البقرة)
وقال:
﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾

(سورة طه)
وقال:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾

(سورة فصلت)



ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن:


ما دمت على المنهج الإلهي فلا تخف ولا تحزن، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

(سورة المائدة)
إذا اتبعت رضوان الله سبحانه وتعالى يهديك بمنهجه إلى سبلِ السلام، سلام في بيتك، سلام في صحتك، سلام في أولادك، سلام في تجارتك، سلام في عملك، سلام في ماضيك، سلام في حاضرك، سلام في مستقبلك، سلام في خريف عمرك:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

(سورة المائدة)



الشيطان هو ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم الذي رسمه الله لعباده المؤمنين:


عندما يطبق الإنسان المنهج الإلهي يَسْلَم، وللإيضاح أضرب مثلاً بآلة ثمينة جداً، معها تعليمات دقيقة جداً من خبراء الشركة، إذا اتبعتَ التعليمات فإن هذه الآلة تخدمك إلى أمد طويلٍ طويل، وإذا خالفتَ التعليمات فسوف تصاب بالعطب، وتخسرها، وتخسر ثمنها، إذاً مَن هو الشيطان ؟ ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج القويم، الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، لذلك قال الله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) ﴾

(سورة الإسراء)
من منا لا يحب أن يعيش حياةً سعيدة فيها سلام، وفيها رضا، فيها طمأنينة، وفيها ثقة بالله، من منا لا يحب أن ينجو من الخوف، وأن ينجو من القلق، أن ينجو من القهر، وأن ينجو من الألم:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾

(سورة المائدة)




كل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان:



إذاً الشيطان ذلك المخلوق الذي خرج عن المنهج الإلهي، وكل مخلوق خرج عن المنهج الإلهي فهو شيطان، هناك شياطين الإنس، وهناك شياطين الجن، قال تعالى:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) ﴾

(سورة القصص)
يعني خرج عن طريقتهم الصحيحة، قال تعالى:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) ﴾

(سورة طه)
الطغيان خروج عن طريق الحق، والبغي خروج عن طريق الحق، والشطن خروج عن طريق الحق، والفسق خروج عن طريق الحق، قال الله سبحانه وتعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) ﴾

(سورة الأنعام)
وقال:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1) ﴾

(سورة الكهف)
يُحمد الله مرتين ؛ مرةً على خلق السماوات والأرض، ومرة على هذا المنهج القويم الذي أنزله على أنبيائه.


ما دمت في طاعة الله فأنت في ظلّ الله وذمته:


ملخص الكلام أن لله في الأرض منهجاً، وأن لله في الأرض قرآناً، وشرَعَ لنا شرعاً، فما دمت ضمن الشرع فأنت في سلام، في حياتك الدنيا، ويوم تقوم الساعة، ويوم تقوم القيامة، وأنت في جنات عدن خالداً فيها إلى أبد الآبدين، مادمت وفق هذا المنهج، فإذا خرجت عنه تدفع الثمن، ما دمت في طاعة الله فأنت في ظل الله وذمته، فإذا خرجت عن طاعته خرجت من حيّز ظله، تحمَّل المتاعب حينئذٍ، جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله عظني وأوجز، قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال: أريد أخفَّ من ذلك، قال إذاً فاستعد للبلاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/04.jpg
قضية واضحة كالشمس، إما أن تطبق التعليمات، وإما أن تستعد للبلاء، قل أعوذ بالله من الشيطان، هذا المخلوق الذي طغى، والذي غوى، والذي بغى، والذي شطن بمعنى ابتعد، وبعضهم قال: الشيطان من شاط، بمعنى احترق، احترق بنار البُعد، شقي بالبعد، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((.. فالناس رجلان رجل بَرَّ تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله..))

[الترمذي والبيهقي عن ابن عمر]
أي لو أن في الأرض إنساناً واحداً بعيداً عن الله، وهو يعيش سعيداً رغْمَ بُعْده عن الله لكان هذا الدين باطلاً، ولو أن إنساناً واحداً كان متصلاً بالله، وهو شقي في حياته رغمَ طاعته وتقواه لكان هذا الدين باطلاً، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾

(سورة طه)
وقال:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) ﴾

(سورة النحل)



آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بالتعويض الجزيل:



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الرجيم أي البعيد، والأصح من كلمة البعيد المُبعَد لأنه خرج عن طريق الحق، وشطن ابتعد فاحترق فأبعد، قال تعالى: الشيطان يعدكم الفقر، الشيطان يخوفكم، الشيطان يأمركم بالفحشاء من طريق الأمر بالفحشاء، يغريك بالمعاصي، يزين لك المعاصي، يعدك بالفقر، يوسوس لك إذا أنفقت مالك تبقى فقيراً، ثماني آيات في كتاب الله تَعِدُ الذين ينفقون أموالهم بالتعويض الجزيل قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) ﴾

(سورة البقرة)
وقال:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) ﴾

(سورة سبأ)
وقال:
﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) ﴾

(سورة النساء)



الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم في الصلاة واجبة:



إذاً:

﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ (98) ﴾

[سورة النحل]
إذا قرأته خارج الصلاة فهذا مندوب، أما إذا قرأته في الصلاة فهذا واجب، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعوذ بالله من كل شيء، من دار يدخلها، ومن دابة يركبها، كان إذا ركب دابة يقول:
(( أعوذ بالله، اللهم إني أسألك خير هذه الدابة، وخير ما خُلقت له، وأعوذ بك من شرها، وشر ما خلقت له.))

[ورد في الأثر]
الاستعاذة بالله من دابة، من بيت، من عمل لا يرضي الله عز وجل، من رفقاء السوء، من نزهة قد تكون فيها النهاية الوبيلة.
الإنسان المؤمن من علامة إيمانه أنه دائماً يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنْ يضله، أو أن يغريه، أو أن يفسده، أو أن يفتنه، أو أن يحمله على معصية، أو أن يوسوس له، أو أن يبعده عن أهل الحق، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.


هناك معنيان للبسملة:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/05.jpg
أما كلمة

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
فلها حديث طويل، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة النمل:
﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

(سورة النمل)
النبي عليه الصلاة والسلام من سنته المطهرة أنه كان يبدأ كل أفعاله ببسم الله الرحمن الرحيم، ونحن نرى على مقدمة الكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وفي أكثر المجالات بسم الله الرحمن الرحيم، وأصبحت تقليداً، قد يكون الكتاب يتحدث عن نظرية داروين، ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، البسملة خلاف المضمون.
الموضوع في
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
أن هذه الباء حرف جر، أي أبدأ بسم الله، وأسماء الله كلها حسنى، الرحمن الرحيم، كأن الكلام ناقص، هناك فعل يتعلق بهذه الباء، يعني أبدأ عملي بسم الله، آكل بسم الله، أؤلف هذا الكتاب بسم الله، أصدر هذا الحكم كقاضي بسم الله، فما معنى بسم الله ؟
إذا أردت أن تأكل، وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾


هناك معنيان لهذه البسملة:


1ـ المعنى الأول أن طعامك وشرابك وغير ذلك إنما هو من نعمِ الله عز وجل:

أن هذا الطعام الذي تأكله إنما هو من نعمِ الله عز وجل، فكل هذا الطعام باسم الرزاق، كل هذا الطعام باسم المغني، بسم المقيت، بسم المجيد، بسم الواهب، بسم اللطيف، بسم الله، الله كما قلت قبل قليل: اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فإذا قلت: باسم الله فالبسملة بحسب الموضوع الذي أنت بصدده، فإذا أكلت، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني أنك آمنت بأن هذا الذي تأكله من صنع الله فهل فكرت في ذلك ؟ وأن الله سبحانه هو الرزاق، قال تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71)﴾

(سورة يس)
إذا شربت كأس ماء وقلت بسم الله الرحمن الرحيم، هل فكرت في أن هذا الماء أصله شمس سُلطت على بحار شاسعة، فتبخر ماؤها، وتقطر، وأصبح بخاراً عالقاً في الجو، واجتمع سحباً ساقته الرياح إلى أرض عطشى، أنزله الله بفضله وبقدرته ماءً ثجاجاً أنبت به الزرع والزيتون، أودعه في الجبال، فجره ينابيع، أساله أنهاراً، فالشمس ساهمت في هذا الكأس، والمجرات، والأنواء، والمناخ، والرياح، والحرارة، والبرودة، والجبال، فإذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
أي هل فكرت بسم الرزاق، باسم المعطي، باسم الواهب، باسم الغني،
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
يعني أشرب الكأس بسم الله الرحمن الرحيم.


2ـ المعنى الثاني أن لله في خلقه سنةً:

أن لله في خلقه سنةً، في شرب الماء إذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
فلا ينبغي أن تشرب الماء خلاف السنة، أن تشربه مصاً، ولا تعبه عباً، أن تشربه على ثلاث مراحل، أن تشربه وتحمد الله عز وجل، أن تبعد الإناء عن فيك، ألا تتنفس في الإناء، هذه سنة النبي المطهرة، نهانا عن التنفس في الإناء.
الآن ثبت أن هناك أمراضاً تنتقل عدواها عن طريق الزفير الذي يختلط بالماء المشروب، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( أَبِنْ القدح عن فيك.))

[رواه البيهقي وسمويه عن أبي سعيد الخدري]
بين الشربتين أَبِنْ القدح عن فيك، لئلا يختلط النَفَس بالماء، وكان عليه الصلاة والسلام قد قال:
(( مصوا الماء مصاً ولا تعبوه عباً، فإن الكباد من العب.))

[رواه ابن السني والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها]
مرض الكبد يأتي من عب الماء، وكان عليه الصلاة والسلام إذا شرب حمد الله وكل هذا من سنته المطهرة، إذا قلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
لها معنيان، الأول: هل فكرت في هذه النعم ؟ والثاني: هل أنت مطبق سنة رسول الله في شرب الماء ؟ هذا في الشرب.


على الإنسان أن يحمد الله ويشكره على نعمه في كل حركاته وسكناته:



في الطعام، قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾

(سورة الأعراف)
كلوا واشكروا له:
(( الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني، وسقاني فأرواني.))

[أبو يعلى عن عبد الله بن قيس]

(( إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها.))

[رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه]
ليرضى عن العبد، يعني إذا أكل الإنسان وشبع فليقل: الحمد لله، فإذا قلت: بسم الله فهذه التسمية تعني أنْ فَكِّر في هذه النعم، وأنها من رزق الله تعالى، وطبق أمر الله في الطعام، وإذا دخلت البيت وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
قال الله عز وجل: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/06.jpg

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (27)﴾

(سورة النور)
إذاً بيوتكم أولى بالسلام على مَن فيها، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيما معناه: إن الرجل إذا دخل بيته ولم يسلم على أهله قال الشيطان وجدنا المبيت، فيبيت الشيطان في المنزل، ويعيث فيه فساداً ما شاء له أن يعبث تلك الليلة، إذاً إن هذا أمر الله، وهو أن تسلم إذا دخلت المنزل، وإذا قلت: بسم الله، وفتحت باب المنزل، فلتقل أيضاً: الحمد لله الذي آواني، فكم من الناس من لا مأوى له، هل شعرت أن هذه نعمة، نعمة المأوى كبيرة جداً ؟ كم ممن لا مأوى له، في أكثر دول شرقي آسيا ينام الناس على الأرصفة، يتخذون بيوتاً قوارب في الأنهار، في بعض الدول الفقيرة تشاهد الآلاف ينامون هم وزوجاتهم وأولادهم على الرصيف، وصار ذلك منظراً مألوفاً جداً في بلادهم، فإذا كنت في بيت وفتحت باب البيت وقلت:
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
فمعنى ذلك: الحمد لله الذي آواني، وتذّكرت كم من الناس مَن لا مأوى له.


بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر:



هل رأيت نعم الله عز وجل ؟ إذا فتحت الماء لتتوضأ، وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هل عرفت أن هذه نعمة لا تُقدر بثمن، نعمة الماء داخل المنزل، الآن إذا دخلت إلى البيت وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (19) ﴾

(سورة النساء)

(( أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً.))

[ورد في الأثر]
يعني البسملة، إذا قدت سيارتك وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، فليبادر ذهنك إلى أين أنت ذاهب ؟ هل أنت ذاهب إلى مكان لا يرضي الله عز جل، فيتناقض ذلك بين البسملة وبين هذا المكان، فتنثني عن ذهابك عندئذٍ وتعود إلى صوابك.
هل تشكر الله على نعمة المركب ؟ هل تسخرها لعباد الله ؟ هل تعين بها الضعيف ؟ هل تنقذ بها المريض ؟ القضية واسعة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام، قال:
((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر.))

[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة]
يعني: مقطوع الخير، ألَّفت كتاباً، هل تذكر في الكتاب شيئاً باطلاً، فإذا كتبت في صدر صفحاته بسم الله، فإنك تدقق: هل هدفك من هذا التأليف خالص لوجه الله أم تبتغي به السمعة والرفعة، بسم الله تجعلك على بصيرة من الأمر.


العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم:



هذه البسملة تضعك أمام شيئين، تذكرك بنعم الله عز وجل، وأن هذا من نعمة الله، وتذكرك بأمر الله في هذا الموضوع، في الطعام، في الشراب، في دخول المنزل، في الخروج إلى السوق، وكان النبي الكريم يعوذ بالله من صفقة خاسرة إذا دخل السوق، ويمينٍ فاجرة، يقول لك البائع: الله وكيلك بعتُك برأسمالها، وهو يكذب، لقد باع دِينَه كله بكلمة واحدة، النبي كان يعوذ بالله من يمين فاجرة، ومن صفقة خاسرة، فإذا جمع الإنسان مالاً من حرام فإنّ الله عز وجل يريه أن هذه الصفقة فيها ربح وفير فيشتريها، ويكون إفلاسه عن طريقها، هذا الذي جمعه من حرام أذهبه الله في صفقة خاسرة، فإذا دخل الإنسان إلى السوق فهناك بسملة، إذا دخل بيته فهناك بسملة، إذا ركب في مركبة فهناك بسملة، إذا شرب الماء، إذا تناول الطعام، حتى إذا التقى مع أهله فهناك بسملة، لئلا تأتيك ذرية سيئة، بسم الله، فهذه الباء تعني التجئ وألوذ بسم الله، آكل بسم الله، أتزوج بسم الله، أدخل إلى بيتي بسم الله، دائماً هذه البسملة تذكرك بأسماء الله الحسنى، وتذكرك بأوامره المثلى،

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
وبعد فالحقيقة إن العلماء حاروا في الفرق بين الرحمن والرحيم.
قال بعضهم: الرحمن بخلقه جميعاً، والرحيم بالمؤمنين.
وقال بعضهم: الرحمن بجلائل النعم، والرحيم بدقائقها.
وقال بعضهم: الرحمن في الأولى، والرحيم في الآخرة.
وقال بعضهم: الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله.
وهذا الأخير من أوجه التفسيرات، لأنك قد تلتقي بطبيب يرى مريضاً فيسرع إلى إنقاذه أمام ملأ من الناس، فإنقاذُ هذا المريض يكسب الطبيبَ سمعةً طيبة، فنقول: هذا الطبيب رحيم، لكن الطبيب لا ينطوي على رحمة في قلبه، بل فعَلَ هذا ابتغاء السمعة، فهو رحيم، لكنه لم ينطلق في عمله من رحمة في قلبه.


الرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/07.jpg
هناك فرق بين الرحمن والرحيم، الرحمن في ذاته، والرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، وأفعاله رحيمة، الرحمن الرحيم، والرحمة شيء يبعث الراحةَ في النفس، فالمطر من رحمته، تهطل الأمطار فتمتلئ الينابيع، وينبت النبات، وتثمر الأشجار، ونأكل، وترخص الأسعار، فهذا من رحمته، والأبناء من رحمته، يبدلون سكون البيت حركة وحياة، ويبعثون الأنس في البيت، وإذا كبر الابن يعين والديه، فالابن رحمة من الله، قال تعالى:

﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (84) ﴾

(سورة الأنعام )
وهبنا له، فالرحمة كل شيء يرتاح له الإنسان، فأن تعمل هذه الأجهزة عملاً منتظماً فهو من رحمة الله، وأن تأكل طعاماً لذيذاً فهو من رحمة الله، وأن تشرب ماءً عذباً فراتاً فهو من رحمة الله، وأن تسكن إلى زوجة، تطيعك إذا أمرتها، وتسرك إذا نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، فهو من رحمة الله، وأن ترى طفلاً كالملاك يتحرك في البيت، فهو من رحمة الله، وإن كان لك عملٌ يدرُّ عليك دخلاً فهو من رحمة الله، وإذا ذهبت إلى بستان فمتعت النظر بجماله فهو من رحمة الله، وإذا هبت نسمات لطيفة عَطَّلت عمل المكيفات، وأوقفته فهو من رحمة الله، وإذا كان الدفء فهو من رحمة الله، فالرحمة الشيء الذي يرتاح له الإنسان، فالله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا قال تعالى:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾

(سورة هود)
ليرحمنا في الدنيا، ويرحمنا في الآخرة، أما أن يقول الإنسان: سبحان الله، خلقنا الله ليعذبنا، هذا كلام الشيطان، ما خُلقت يا أخي للعذاب بل خُلقت للرحمة، كي يسعدك في الدنيا والآخرة.


الله تعالى خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير:



في الدنيا إذا آمنت بالله يمتعك إلى حين ويؤتي كل ذي فضل فضله، حتى في الدنيا فيها سعادة، وفيها سرور لمن أطاع الله عز وجل:

﴿ مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ( 147)﴾

(سورة النساء)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/08.jpg
خلقنا ليرحمنا هذا هو الهدف الإلهي الكبير، ولكن العذاب الذي يعذبنا الله به من صنع أيدينا، من معاصينا، من ضلالنا، من انحرافنا، من طغياننا، مِن بُعْدِنا، ومن تقصيرنا، حتى الهمُّ يهتم له الإنسان إنه انعكاس لأعماله الزائغة.
بعضهم قال: هذه البسملة ينبغي أن تدور مع الإنسان في كل نواحي حياته، وفي كل نشاطاته، إذا قام ليتوضأ، إذا دخل البيت، إذا قام ليأكل، إذا قام ليشرب، قمت لتأكل فقلت بسم الله الرحمن الرحيم، النبي أمرنا بالوضوء قبل الطعام، ووضوء الطعام ليس وضوءاً كاملاً، غسل اليدين والفم فقط:
(( وبركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده.))

[أبو داود والترمذي عن سلمان]
أجمع العلماء على أن وضوء الطعام غير وضوء الصلاة، وضوء الطعام غسل اليدين والفم، كنت في الطريق، غبار، صافحت إنساناً، أمسكت بحذائك، يعني هذه اليد أمسكت بأشياء كثيرة، بركة الطعام الوضوء قبله، فلو قمت إلى الطعام فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قف اذهب واغسل يديك وفمك، هذا معنى
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾



تسمية الفاتحة بعدة أسماء:



قال تعالى:

﴿ الحمد لله رب العالمين(2) ﴾

(سورة الفاتحة)
الآن نبدأ بالفاتحة، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة، لقوله:
(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]
شيء آخر سُميت الفاتحة بسورة الحمد لأنها مصدرة بالحمد لله رب العالمين، وسميت فاتحة الكتاب لأن القرآن الكريم افتتح بها، وسميت أم الكتاب، وأم الشيء أصله، ربنا عز وجل قال:
﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ (7) ﴾

(سورة آل عمران آية 7 )
آيات الفاتحة كلها آيات محكمات، الفاتحة سماها النبي عليه الصلاة والسلام أم الكتاب، وسُميت أم القرآن، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((الحمد لله أم القران وأم الكتاب والسبع المثاني.))

[الترمذي عن أبي هريرة]
سميت الشفاء، لأنه عليه الصلاة والسلام قال:
(( في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء.))

[البيهقي عن عبد الله بن جابر]
سُميت الأساس، أساس الكتاب القرآن، يعني أساس الكتب السماوية القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وسُميت الوافية، وسميت الكافية، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها عوضاً عنها.))

[الحاكم عن عبادة بن الصامت]
وقد ورد في تفسير القرطبي: " إن جميع القرآن فيها ".
أذكر حديثاً روى عن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ أنّ الله أنزل مئة كتاب وأربعة كتب، جمع سرّها في الأربعة، وجمع سرّ الأربعة في القرآن، وجمع سرّ القرآن في الفاتحة، وجمع سرّ الفاتحة في هاتين الكلمتين:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها.))

[مسلم عن أنس بن مالك]



الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها:



سأتلو عليكم حديثاً شريفاً يبعث في أنفسكم الطمأنينة هو:

(( الحمدُ على النعمة أمانٌ لزوالها.))

[الديلمي عن عمر]
أية نعمة تحمد الله عليها لن تزول، ولن تضيع، وأن تقول الحمد لله على النعمة أمان من زوالها، وهناك حديث دقيق جداً يقول الحسن: " ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها." كيف ؟
يعني إذا أعطاك الله نعمة الصحة، وكنت شديداً عتيداً قوياً نشيطاً كالحصان، لا بد من سنوات تمضي وتمضي حتى يأتي الأجل، ويموت الإنسان فأين هذه النعمة ؟ زالت، لكنك إذا حمدت الله عليها، وارتقت نفسك في مدارج الحمد، وسَمَتْ سعدت بحمدك إلى الأبد، إذاً الحمد على النعمة أفضل من النعمة نفسها قال الحسن: "ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها ".
لو أنك وهبت زوجةً صالحة، فأعانتك على متاعب الحياة، وحصنتك، وسكنت إليها، فلا بد من ساعة تفارقها، أو تفارقك، إما أن تفارقها أولاً، وإما أن تفارقك أولاً، لكنك إذا حمدت الله على نعمة الزوجة الصالحة فإنّ هذا الحمد تسعد بثوابه إلى أبد الآبدين.


الحمد لله على النعمة أمان من زوالها:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/09.jpg
لذلك لقي أحدُهم شريحاً القاضي، فقال: يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال: منذ عشرين سنة لم أجد ما ينغص حياتي، أو يعكر صفائي، قال: وكيف ذلك ؟ قال: خطبت امرأة من أسرةً صالحة، فلما خلوت بها، صليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلمت وجدتها تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر بشكري، فلما دنوت منها قالت: على رسلك يا أبا أمية، إني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب، ولا ما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله، فاتقِ الله فيّ، وامتثل قوله تعالى:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) ﴾

(سورة البقرة)
قال: ثم قعدتْ، يعني هذه الزوجة الصالحة تنتظر ردّ زوجها، ذكرت هذه القصة للإفادة مما فيها من عِبر، فالقاضي شريح، حينما دخل على زوجته الصالحة صلى ركعتين صلاة الشكر، إذاً الحمد على النعمة آمان من زوالها، أية نعمة، نعمة الصحة لن تزول، يمتعك الله بسمعك، وبصرك، وعقلك، وقوتك ما أحياك، هل تغض الطرف عن محارم الله هذه العين لن تُفجع بها، هل تمسك أذنك عن سماع أي صوت لا يرضي الله، هذه الأذن لن تفجع بها، هل ينطق لسانك بالحق، ولا ينطق بالباطل، هذا اللسان لن تُفجع به، هذه الذاكرة، تستخدمها لماذا ؟ بالحق أم بالباطل ؟ إن استخدمتها في حفظ كتاب الله، وحفظ أحكام الله، وحفظ الأحاديث الشريفة، فإن الله سبحانه وتعالى لن يفجعك بها، وهذه اليد، وهذه القوة وغير ذلك من النعم، فالحمد لله على النعمة أمان من زوالها.


كلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها:



قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ))

[ابن ماجة عن أنس بن مالك]
العبد ماذا أعطي ؟ هذه الكلمة، كلمة الحمد لله، هذه الكلمة التي أعطاها العبد لربه أفضل عند الله مما أخذ، لو أخذ بيتاً ثمنه خمسة ملايين، وقال: يا رب لك الحمد، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من هذا البيت، لأن هذا البيت مصيره إلى الخراب، لكن هذا الحمد يسعد به الإنسان إلى الأبد، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك كله.))

[الديلمي وابن عساكر وابن النجار عن أنس]
الدنيا بحذافيرها يعني بيوتها الفخمة، وبساتينها النضرة، ومالها الوفير، ونساءها الجميلات، ومراكبها الفخمة، كلمة الحمد لله يعني أنك تعرف الله، وإذا عرفته عرفت كل شيء وإذا فتّه فاتك كل شيء، لو أن الدنيا بحذافيرها بيدك وقلت: الحمد لله، فكلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها.
لذلك العلماء حاروا أيهما أفضل، الحمد لله، أم لا إله إلا الله ؟ هناك أقوال تقول: إن الحمد لله أفضل، وبعضهم قال: لا إله إلا الله أفضل، لكن كلمة الحمد لله هي الحمد الأولى في كتاب الله تبارك:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾

(سورة الفاتحة)
أما الحمد، لمَ لم يقل الله عز وجل حمداً لله رب العالمين، بل قال سبحانه: الحمد لله ؟ قالوا: هذه الألف واللام لاستغراق الحمد كله، يعني الحمد كله بحذافيره كله، وجزؤه ـ مهما كان حجمه ـ صغيره وكبيره لله عز وجل.


أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام:



لا يوجد جهة أخرى تستحق الحمد إلا الله، أبداً، أصغِ سمعك إلى قول ربنا عز وجل:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾

(سورة آل عمران)
سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق، لو جمعت رحمة أمهات الأرض منذ آدم إلى يوم القيامة لا تعادل رحمة النبي بأمته، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾

(سورة التوبة)

(( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر... ))

[أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أنس]
أما أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أرحم بك من نفسك، ومع ذلك قال الله عز وجل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾

(سورة آل عمران)



الرحمة كلها من الله والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها:



قال ربنا عز وجل:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (58) ﴾

(سورة الكهف)
ما الفرق بين "رحمة" المُنكَرة في آية آل عمران، و"الرحمة" المُعرَّفة في آية سورة الكهف ؟ قال هذه الرحمة الثانية، هذه ليست أل التعريف، إنما للاستغراق، يعني الرحمة كلها من الله، والنبي عليه الصلاة والسلام أوتي طرفاً منها.
الآن الحمد كله لله، ذكرت قصة قبل شهر أو أكثر أن الحَجَّاج أمر بضرب أعناق عشرة رجال، فأذن المغرب، وبقي رجل لم تضرب عنقه، فقال لأحد وزرائه: خذه إلى بيتك وائت به غداً، هذا الرجل في الطريق قال له: والله لم أخرج على طاعة الأمير، وما آذيتُ أحداً من المسلمين، فهل تأذن لي أن أذهب لأهلي فأوصي قبل أن أموت وأرى أولادي، واكتب وصيتي، فضحك هذا الوزير وقال: أو مجنون أنا ! فقال: عهداً لله إن أطلقتني لأعودَنَّ إلى بيتك قبل الفجر، فما زال هذا الرجل يقنعه حتى سمح له، فلما سمح له شعر بضيق لا يُحتمل، قال: نمتُ أطول ليلة في حياتي، لأنه سيموت مكانه غداً ـ مكان الرجل ـ إن لم يرجع، ما إن أذن الفجر حتى طُرق الباب، وجاء هذا الرجل الذي عاهده على أن يعود، جاء ليموت، فلما كان الغد ذهب به إلى الحجاج فقال له: سأنبئك بما حصل البارحة، فلما أنبأه قال له الحجاج: أتحب أن أهبه لك، قال: نعم، قال: إذاً هو لك، يعني ما دام عنده هذا الوفاء عَفَوْنا عنه، فلما خرج قال له: يا هذا اذهب لوجهك، فهذا الذي عُفي عنه لم يتكلم، ولم ينظر إليه، ولم يشكره، ولم يقل كلمة، إلا أنه توجه إلى السماء، وقال: الحمد لله.
هذا الذي سعى بإطلاق سراحه وتخليصه من الموت المحتم تألم ! لو أنه شكرني، قال: ثم جاءه بعد ثلاثة أيام و قال: أحمدك على عملك، ولكنك حين قلت لي: اذهب لوجهك كرهت أن أحمد مع الله أحداً.


الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه:



الإنسان أحياناً يلوح له شبح مصيبة، كأن يصاب بورم لم يعرف أهو خبيث أم غير خبيث ؟ أجرى تحليلاً، فإذا هو ورم طبيعي، أول شيء عليه أن يقول: الحمد لله رب العالمين، ولا تحمد مع الله أحداً.
هناك التهاب في السحايا على وشك الوفاة مع الابن الأصغر، فنجا من الموت بتوفيق الله وقدرته، لا تقل: واللهِ إنّ الطبيب لا يفهم، قال لي: اجرِ تحليلاً في وقت مبكر قل: الحمد لله رب العالمين، فلذلك الحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه، هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.))

[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
قال بعضهم: الحمد حالة نفسية، والشكر سلوك، فليس هناك سلوك شاكر إلا على أساس حالة حمد، فإذا لم يكن عند الإنسان حالة حمد فسلوكه باطل، وهو في حالة نفاق ومداهنة:
(( الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده.))

[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
الحمد أولاً والشكر ثانياً، قال تعالى:
﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) ﴾

(سورة سبأ)
الشكر عمل،
﴿ اعْمَلُوا آَلَ داود شُكْراً ﴾
أما الحمد فهو حالة نفسية، أحياناً يقدم لك إنسان خدمة تحس أنك ممتن من أعماقك منه، تعبر عن الامتنان أحياناً بخدمة، أحياناً بكلمة طيبة، أحياناً بقولك جزاك الله عني كل خير، ولكن هذا الكلام أو هذه الخدمة أساسها حالة نفسية شعرت بها هذا هو الحمد.


نعمة الرضا أكمل نعمة:


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/10.jpg
أنت في الصلاة تصلي الفرض، الفروض فقط في اليوم سبعة عشر ركعة، ومثلها سنن، يعني تقول: الحمد لله في الصلاة حوالي أربعين مرة، هل أنت في مستوى هذه الآية ؟ يعني راض عن الله عز وجل، راض عن صحتك، عن دخلك، عن ضيقك، عن عملك، راضٍ وأنت من أصحاب الدخل المحدود، أم ترى نفسك دائماً أنك محروم، إذا كان دخل الرجل محدوداً مثلاً يقضي عمره كله غير راضٍ، بينما يجد بائع فلافل دخله خمسة آلاف وهو أميّ، يقول صاحب الدخل المحدود: أنا حائز على شهادة ليسانس، ودخلي فقط ألف ومائتان بالشهر تقريباً، فهو دائماً غير راضٍ، أما إذا كان مؤمناً وقال: الحمد لله رب العالمين، فليس عنده حرمان أبداً، إن نعمة الرضا أكمل نعمة، لو جاءك مئة مليون في الشهر وأنت على ضلال فالنهاية إلى جهنم، أما المؤمن فكلمة الحمد لله رب العالمين تدل على أنه راضٍ عن الله عز وجل: يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ قال: يا عبدي هل أنت راض عني حتى أرضى عنك.
هل أنت راض عن الله عز وجل ؟ هل تقول الحمد لله من أعماقك، من أعماق أعماقك ؟ أراضٍ، وليس عندك إلا بنات فقط، وليس عندك ولا ذكر واحد، فهل أنت راضٍ ؟ هل رأيت حكمة الله عز وجل أنه يحبك على هذا، ليس عندك أولاد إطلاقاً، بل عقيم راض عن الله عز وجل، عندك زوجة سيئة الخلق، فهل أنت راض بها ؟ هل ترى أن الله شاءت حكمته أن تكون كذلك ؟ لك عمل محدود دخله، أنت في مرض عضال مزمن بشكل مستمر تعاني من بعض الأمراض هل تقول الحمد لله رب العالمين ؟ هذه البطولة.

ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل
***

الحمد لله في السراء والضراء ، في الغنى والفقر ، في القوة والضعف ، في إقبال الدنيا وإدبارها ، في الرفعة والضعة ، في العز والذل ، الحمد لله على كل حال ، الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ، المكروه نعمة ، لكنه نعمة باطنة .



الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نحمده وألا نحمد أحداً معه :



الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نحمده ، وأمرنا ألا نحمد أحداً معه كيف ؟ قال تعالى :
﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾

(سورة النجم)
مثلاً نراك تحاضر محاضراتٍ كثيرة عن زيد وعبيد ، وقد تكون مجانباً الحق في كثير مما تحاضر ، إذاً فإنه لا يستحق الحمد إلا الله ، وإذا سئلت تقول : الله أعلم بحاله ذلك علمي به ، وعن الصديق تقول : ذلك علمي به ، فإن بدل وغير فلا أعلم الغيب ، لم اختار سيدنا أبو بكر سيدنا عمر ؟ ألم يقل : لا أعلم من هو خير منه ؟ وقال : ذلك علمي به فإن بدل وغيّر فلا أعلم الغيب ، الله قال :
﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾

(سورة النجم)
هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ، كان النبي عليه الصلاة والسلام عند صحابي متوفى ، كشف عن وجهه فقبله ، سمع امرأة تقول :
(( هنيئاً لك أبا السائب الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وما يدريك يا أم معاذ ؟ أما هو فقد جاءه اليقين ولا نعلم إلا خيراً .))

[الطبراني عن سالم أبى النضر]

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)﴾

(سورة النجم)



الحمد أنواع وقد جُمع كل هذا في الفاتحة :



لذلك الحمد لله وحده ، أما البشر فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ، كانوا قديماً إذا كلفوا إنساناً ليزكي إنساناً آخر لزواج أو لشهادة يكتب : أعلم منه الصلاح والتقى ، والله أعلم ، معنى والله أعلم قد يكون غير ذلك ، قد يكون منافقاً ، والله أعلم ، فالإنسان ليس مكلفاً ليقيّم الآخرين ، وليس أهلاً لذلك ، ولا يملك الأداة الصحيحة ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( احثوا في وجه المداحين التراب .))

[رواه ابن عياش عن عبد الله بن عمرو]

((إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض .))

(البيهقي عن أنس رضي الله عنه)
مثلاً رجل يشرب الخمر تقول عنه : أكابر ، أخلاقه عالية ، لبق جداً ، ما معنى قولك لبق جداً ؟ أيُّ لباقة هذه على شرب الخمر ، وعلى ترك الصلاة ؟ فهذا الذي يقوله الناس عن بعض الناس رغم شربهم للخمر ، ورغم تركهم للصلاة ، ورغم أكلهم للربا ، إنّ أخلاقه عالية ، لبق ، هذا كلام باطل :
((إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض .))

(البيهقي عن أنس رضي الله عنه)
العلماء قالوا : هناك حمد لذات الله ، وهناك حمد له لنعمة سبقت منه ، وهناك حمد له لنعمة ترجوها منه ، وهناك حمد له خوفاً منه ، إذاً الحمد أنواع ، وقد جُمع كل هذا في الفاتحة .
الحمد لله لذاته ، فالإنسان أحياناً تحمده من دون أن يصيبك من خيره شيء ، وقف موقفاً أخلاقياً أمامك من شخص آخر ، هذا الموقف الأخلاقي تحمده عليه ، مع أنك لست معنياً بهذا الموقف ، وقد ينعم عليه فتحمده ، الحمد لله لذاته ، رب العالمين لنعمه ، الرحمن الرحيم لما نطمع من رحمته ، مالك يوم الدين خوفاً منه .


الحمد في بادئ الأمر إنشاء وفي نهاية الأمر واقع ثابت :



بعضهم قال : ربنا عز وجل بدأ قرآنه الكريم بالحمد لله رب العالمين ، وآخر كلمة يقولها الناس وهم يدخلون الجنة :
﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

(سورة يونس)
أَمَرنا أن ننشئ الحمد كما هو الحال في الفاتحة ، وفي نهاية الحياة كان الحمد واقعاً كما في آية سورة يونس السابقة ، أحياناً يقول لك أحد الناس : اشكرني ، ويعاملك معاملة سوء ، أي شكر هذا ؟ أساء لك المعاملة ، ويطلب منك أن تحمده ، لكن ربنا عز وجل أمرك أن تحمده وبعد أن اتصلت به ، وسعدت بقربه تحمده ، تحمده على نعمه التي وقعت ، إذاً الحمد في بادئ الأمر إنشاء ، وفي نهاية الأمر واقع ثابت .
شيء آخر ، الحمد لله على أنه أوجدنا ، والحمد لله على أنه بث فينا الروح ، والحمد لله على أنه أمدنا بالطعام ، والشراب ، وكل ما نحتاج ، والحمد لله على أنه قومنا ، الأمراض ، والهموم ، والمتاعب ، والأحزان ، هذه كلها ألفاظ خفية من أجل التقويم ، هناك نعمة الإيجاد ، ونعمة الخلق ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الرزق ، ونعمة الحياة الروحية ، ونعمة الهدى ، ونعمة التقويم .
نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى ، ونعمة التقويم أربع نعم كبرى .


الله سبحانه وتعالى شعر بعجزنا عن حمده فعلمنا كيف نحمده :



هناك شيء آخر ، الحمد لله على ما أعطى ، أن تعرف أن هذه النعمة من الله عز وجل ، أن تعرف من أعطاك ، وأن ترضى بما أعطاك ، وألا تعصي الله فيما أعطاك ، هذا من معاني الحمد ، آخر شيء في الحمد ، مع أن هذه الآية تنقضي الأيام ، ولا ينقضي شرحها ، ولكنّ أخذَ القليل خيرٌ من تركِ الكثير :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾

(سورة الأنعام)
وقال :
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (1)﴾

(سورة الكهف)
إنّ نعمة الهدى كما في آية الكهف تعادل نعمة الخلق كما في آية الأنعام ، والحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض ولم يكن لغيره ، إن الإنسان لئيم ، فلو كان الأمر والخلق لغيره لمُنع الناس القطر ، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمنا أن نحمده الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض .
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
قالوا : جمعت هذه الآية نعمة الهدى ، ونعمة الإمداد ، وأكبر نعمة هي أن الله سبحانه وتعالى علمنا كيف نحمده :
((قال موسى : يا رب كيف شكرك ابن آدم ؟ فقال : علم أن ذلك مني فكان ذلك شكره .))

[الحكيم عن الحسن مرسلاً]
نحمد الله بطريقة علمنا إياها الله سبحانه وتعالى ، شعر بعجزنا عن حمده فعلمنا كيف نحمده .


الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/107/11.jpg
كلمة الحمد لله يقولها الناس في اليوم آلاف المرات ، كيف حالك ؟ يكون ملحداً ويقول : الحمد لله ، وهي من فلتات اللسان عنده ، لكن إذا وقفت على معانيها تماماً تذوب محبة لله على كل شيء ، فإذا كان فهمك عميقاً جداً تحمده على المصيبة :
(( إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه .))

[ورد في الأثر]
تعاني من مصيبة مزعجة ، ولعلمك برحمة الله ، وحكمته ، ولطفه ، وحرصه على هدايتك ، وحرصه على إسعادك ، ففي أثناء المصيبة تقول : الحمد لله رب العالمين على هذه المصيبة ، إنها عناية من الله ، وأحياناً يقسو المعلم على تلميذه كي يكون الأول في الصف ، فإذا صار الأول يحمده على قسوته لا على جوائزه ، نعم بحمده على قسوته ، كذلك إذا عرفت الله حق المعرفة تحمده على المصائب ، قال سيدنا علي كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين " .
أعلى درجة في اليقين برحمة الله أن ترضى بمكروه القضاء ، القضاء الذي لا تحبه ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، والحمد لله تعني معرفة الله ، علامة أنك تعرفه ، وأنك تحمده ، تعرفه فتحمده ، أما إذا كنت لا تعرفه فلا تحمده .






والحمد لله رب العالمين


تــــــــابــــــــع

السعيد
02-26-2018, 09:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل:



أيها الأخوة المؤمنون لا زلنا في سورة الفاتحة، وفي الدرس الماضي وضحت بتوفيق الله عز وجل معنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى بسم الله الرحمن الرحيم، وشرحنا طرفاً من قوله تعالى الحمد لله رب العالمين، كلمة الحمد كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( الحمد رأس الشكر ما شكر اللهَ عبدٌ لا يحمده.))

[عبد الرزاق والبيهقي عن ابن عمرو]
الحمد حالة نفسية مبنية على معرفة بفضل الله عز وجل، فالكلمة الأولى في الإسلام "الحمد لله"، "الحمد لله" على إيجادنا، فأول نعمة هي نعمة الإيجاد، فلان الفلاني ابن فلان وُلِد في دمشق عام كذا، من أخرجك إلى هذا الوجود، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) ﴾

(سورة الإنسان)
إذا ولدت عام ثمانية وثلاثين فأين كنت عام ستة وثلاثين ؟ إذا وقع تحت يديك كتاب طُبع عام ثلاثين أين كنت حينما طُبع هذا الكتاب ؟ لم تكن شيئاً مذكوراً، "الحمد لله" على نعمة الإيجاد، و"الحمد لله" على نعمة الإمداد، أمدنا بكل ما نحتاج، و"الحمد لله" على نعمة الإرشاد، الإيجاد، والإمداد، والإرشاد، قال تعالى:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) ﴾

(سورة الحجرات)



الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل:



كلمة "الحمد لله" إحدى أكبر شعارات المؤمن، "الحمد لله" على السراء وعلى الضراء، على الصحة وعلى المرض، على إقبال الدنيا وعلى إدبارها، على الغنى وعلى الفقر، على الزواج، وقبل الزواج، وبعد الزواج، "الحمد لله" تعني أنك تعرف أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، هو على كل شيء قدير، فإذا حرمك من شيء فهذا حرمان معالجة لا حرمان عجز، "الحمد لله" تعني أن الذي خلقك يحبك، يحبك أكثر مما تحب نفسك لذلك يعالجك ولولا المعالجة لما اهتديت.
موضوع "الحمد لله" موضوع واسع جداً، لكن علماء البلاغة قالوا: الحمد مسلَّم به، لكن لمن ؟ ربنا قال: لله، كلمة الحمد تقتضي وجود نِعَم، والنِّعم ظاهرة لا ينكرها جاحد، حتى الذي ينكر وجود الله لا ينكر النعم، يقول لك: الطبيعة، استثمار المياه في الطبيعة، استثمار الخيرات، تحسين النسل، هذه موضوعات يعالجها الكفرة أيضاً، فالنعم لا ينكرها أحد، حتى الذين أنكروا وجود الله عز وجل لا يستطيعون إنكار النعم، الهواء، الماء، الطعام، الشراب، النبات، الأسماك، الأطيار، الأزهار، هذه الشروط الدقيقة جداً التي خلقها الله عز وجل موافقةً لطبيعتنا، هذه نِعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في الآية أن الحمدَ لله فقط، أما أهل الدنيا فإنهم يحمدُ بعضهم بعضاً ويشكرُ بعضهم بعضاً.
"الحمد لله" ؛ فصار الحمد أمراً مؤكداً لا يمكن أن تحمد الله إلا إذا عرفته، وقبل أن تعرفه لا تحمده، بل تحمد أنداداً له، تحمد شركاء تظنهم شركاءه، فالحمد تقتضي المعرفة، لذلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم سُمي محمداً لأنه أحمد الخلق قاطبةً، ما من مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى حمده أكثر منه عليه الصلاة والسلام، كأن الحمد مقياس للقرب من الله عز وجل، سيد الحامدين هو سيد الخلق، فاسم أحمد، ومحمد، وحامد، هذه كلها من الحمد، والله سبحانه وتعالى خلق لنا النِّعم، وعلمنا كيف نحمده عليها، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، كيف أثنى الله على نفسه ؟ بقوله تعالى:

﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾
لذلك فإن النبي الكريم قال:
(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له.))

[مسلم عن صهيب]




الفرق بين المؤمن وغير المؤمن حالة الحمد التي يعيشها المؤمن:



(( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال.))

[البيهقي عن عائشة]
إذا أردت فرقاً أساسياً بين المؤمن وغير المؤمن لا أقول: كلمة الحمد التي يقولها الناس جميعاً، بل حالة الحمد، المؤمن يعيش حالةً دائمةً من الحمد لله عز وجل، فهو شاكر، جاء من أسرة فقيرة "الحمد لله"، رزقه الله زوجة ليست صالحة، كيف يفهم هذا الأمر ؟ يفهم هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى رزقه هذه الزوجة ليصلحها، ويكسب بها أجراً عند الله كبيراً، رزقه الله أولاداً ذكوراً "الحمد لله"، وإن رزقه إناثاً "الحمد لله"، ذكوراً وإناثاً "الحمد لله"، جعله الله عقيماً "الحمد لله"، له وظيفة متعبة "الحمد لله"، مريحة "الحمد لله"، دخلها قليل "الحمد لله"، كبير "الحمد لله"، ولكن هناك نقطة دقيقة جداً، إياكم أن تفهموا من هذا الكلام أنه في أي وضع تحمد الله عليه ولا تحاول تحسين هذا الوضع، لا، هذا يتنافى مع أخلاق المؤمن، هو يحاول تحسين وضعه المادي، يحاول تحسين وضعه العلمي، يحاول رفع مستواه في كل الميادين، فإذا بذل كل طاقته، ووصل إلى هذا المستوى، وليس في إمكانه أن يتجاوزه فيقول: "الحمد لله"، هنا "الحمد لله".
قدم طالبٌ امتحاناً ولم ينجح "الحمد لله"، إذا كنت باذلاً جهدك كله فقل "الحمد لله"، لكن إذا ما درست فهذا جزاء التقصير، ليس له علاقة بالحمد، هذا جزاء التقصير، عندما يبذل الإنسان كل جهده، ولا يُحقق مطلبه عندئذ "الحمد لله" على كل حال.
كأني أقول: إن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن، لا أقول كلمة الحمد، بل حالة الحمد التي يحياها، المؤمن لِمَ يحمد الله ؟ لأن الله بيده كل شيء، لا إله إلا الله، وهو الغني، لم تهطل أمطار "الحمد لله"، وهو القدير على كل شيء، ليس لله عز وجل أندادٌ يمنعونه من أي تصرفٍ، صغيراً كان أم كبيراً، وهو الغني والقدير.


النعم لا ينكرها أحد ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله:



أنت تعمـل في دائرة مثلاً، المعلومات تصل إلى من هو فوقك غير صحيحة، يثنى على المقصر، ويذم المجتهد، أما العلم الصحيح فهو عند الله، لأنه سبحانه عليم، هو الغني، هو القدير، هو العليم، هو السميع، وهو القريب، تكلمت أم لم تتكلم يعلم السر وأخفى، لماذا "الحمد لله" ؟ لأنه لا إله إلا الله أولاً، لا إله إلا الله الغني، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) ﴾

(سورة الحجر)
إله إلا الله القدير، هو الواحد القهار، والله يحكم لا معقب لحكمه، القاضي مثلاً يحكم في قضية ثم ترفع إلى قاض آخر أعلى منه فينقض حكمه، لكن الله سبحانه يحكم لا معقب لحكمه، "الحمد لله" لأنه لا إله إلا الله، و"الحمد لله" لأنه غني، و"الحمد لله" لأنه قوي، و"الحمد لله" لأنه سميع، و"الحمد لله" لأنه بصير، و"الحمد لله" لأنه عليم، و"الحمد لله" لأنه رحيم، فلمَ لا تحمد الله عز وجل ؟
الحقيقة إذا عرفت أسماء الله فلا تحزن أبداً على أي حال كنت، لأنك لا ترى إلا حكمة بالغةً في تصرفات الله عز وجل، فالآية في مبدئها تشير إلى أن النعم التي أسبغها الله علينا ظاهرة، وجلية، وواضحة، وناصعة، وهي كالشمس، لا يستطيع أحد على ظهر الأرض أن ينكرها، ولكن المشكلة أن هذه النعم تُعزى لغير الله، جاء قوله تعالى:
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ (2) ﴾

(( إن الجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلي العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي )).

[ الجامع الصغير عن أبي الدرداء بسند ضعيف ]
النعم لا ينكرها أحد، ولكن المشكلة في أن هذه النعم تُعزى لغير الله:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ﴾

(سورة يوسف)




المؤمن كلما تفتحت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله:


قد يرى بعضهم أن فلاناً الفلاني بيده نفعه وضره، هذا إشراك، قد يرى أن هذه الزوجة ملجأ له وملاذ، ولولا أن الله سبحانه وتعالى جعلها سكناً لك، ولولا أن الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبها محبتك، أو ألقى في قلبها رجاءك لَمَا خدمتك، فالمؤمن كلما تفتحـت بصيرته يرى أن كل من يقـدم له خدمةً في الحياة إنما هي بفضل الله، وبإذن الله، والحمد لله وحده، فلذلك نعمة الصحة نعمة كبرى، وليس العجب أن يمرض الإنسان، بل العجب ألا يمرض، لأن هناك آلاف الآلاف من الشروط التي تتوافر جميعها كي تقول صباحاً: "الحمد لله رب العالمين"، الأجهزة لديك تعمل، جهاز الهضم، بدءاً من الفم، إلى اللعاب، إلى البلعوم، إلى لسان المزمار، إلى المريء، إلى المعدة، إلى البنكرياس، إلى الإثني عشر، خلايا الامتصاص في الأمعاء الدقيقة، الأمعاء الغليظة، جهاز التصفية البولية إلى الكليتين، جهاز القلب إلى الرئتين، العضلات، العظام، الجلد، هذا كله يعمل بانتظام، الجهاز الودي النظير، الجهاز العصبي، الجهاز الهرموني، الغدة النخامية، الغدة الدرقية، غدة الكظر، البنكرياس كله يعمل بانتظام، "الحمد لله"، هذه معجزة، أن تستيقظ صباحاً وتحس أنك بصحة تامة "الحمد لله".
أكلـت طعاماً، مَن خَلَقـه ؟ من سخره ؟ من جعلـه مناسباً لنا ؟ طعماً، ولوناً، ورائحةً، وقواماً، ومضموناً، وغذاءً، من نَوَّع هذه الأغذية ؟ البروتينات، والفيتامينات، والسكريات، والمواد الدسمة، من وزعها على هذا الطعام الذي بين أيدينا ؟ إذا أكلت لقمة خبز فمن خلق القمح ؟ الأرض، والقمر، والشمس، والبحار اشتركت في صنع هذا الرغيف، إن شربت كأس ماء من سخره لك ؟ إن لترَ الماء المحلى في دول النفط يكلف ثلاثة ريالات، أيْ عشر ليرات سورية تقريباً، هذا الينبوع ينبوع عين الفيجة الذي سخره الله لنا، والذي بلغني مؤخراً أن حوضه الجيولوجي يمتد إلى حدود كبيرة جداً، من سخره لنا ماءً عذباً فراتاً ؟ "الحمد لله" على كأس الماء، "الحمد لله" على رغيف الخبز، "الحمد لله" على هذه التفاحة التي تأكلها، إياك أن تظن أنك دفعت ثمنهـا لا، دفعت ثمن خدمتها، لو اجتمع أهل الأرض لا يستطيعون صنع تفاحة واحدة، من جعل هذه الكميات بكميات معقولة، لو كان التفاح قليلاً جداً لكان ثمن الكيلو مئتي ليرة، من يأكله إذاً ؟ من الذي عمل تناسباً بين الإنسان ومتطلباته ؟ لو أن الدجاجة تبيض في السنة بيضة لكان ثمنها ألف ليرة، أما إذا كانت تبيض كل يوم بيضة فثمنها نصف ليرة هذه معقولة، إذاً "الحمد لله"، الحليب، البيض، الجبن، اللحوم، هذه كلها من نعم الله، فهذه النعم لا يستطيع أحد أن ينكرها، لكن المشكلة في أن أهل الأرض معظمهم يعزونها إلى غير الله فجاء قوله تعالى:
﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾



"الحمد لله" كلمة تعني الله المسير:


كلما تعمقت في الإيمان بالحركة تحمده بالسكون، فإذا نظرت إلى ابنك قلت: "الحمد لله"، من جعله بهذه الصورة الحسنة، إذا نظرت إلى زوجتك، أو دخلت إلى بيتك، وأشعلت المدفئة، وأدرت المروحة، من سخر هذه القوى ؟ من أودع في الأرض هذه المادة التي تُسمى الطاقة، وعن طريقها تولدت الكهرباء ؟ "الحمد لله".
"الحمد لله" كلمة تعني الله المسير، هناك خالق ورب وإله، فالخالق الذي خلق، والرب هو الممد، والإله هو المسير، وتقريباً لأذهانكم أقول: هذه السيارة لها معمل صنعها، وتحتاج إلى إمداد مستمر بالزيت والوقود، وما إلى ذلك، وتحتاج إلى من يقودها، فالذي يسيرها اسمه المسيِّر، والذي يمدها اسمه الرب، والذي صنعها اسمه الخالق، فإذاً "الحمد لله" لأن أمورك جميعها، صغيرها وكبيرها، عظيمها وحقيرها، دقيقها وكبيرها، بيد الله عز وجل، إليه يُرجع الأمر كله، هذا هو التوحيد.
إذا كنت تريـد أن تلخص الإسلام في كلمات ففي كلمة " لا إله إلا الله"، وكلمة "الحمد لله" هو كل شيء، ويحمد على كل شيء، وهو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، يحمد على كل شيء، و"الحمد لله" الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
ما من حادث يقع، ما من مصيبة تقع، ما من فقر ينزل بإنسان، ما من مرض يلحق بجسم إنسان إلا بأمر الله، قال تعالى:
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) ﴾

(سورة الحديد)
وقال:
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) ﴾

(سورة آل عمران)
هذا هو التوحيد، وهذا هو الحمد، وكأنني بهذه الآية أدرك أن عبارة "الحمد لله" جمعت لا إله إلا الله والحمد لله.


الدين كله توحيد وحمد:



"الحمد لله" جمعت التوحيد والحمد، وهذا هو الدين كله، توحيد وحمد، وبعد النظر إلى المشركين تجد الشركَ وسخطَ الكافر السماتِ العميقةَ بتفكيره وتصرفاته، أول شيء لديه الشرك، فلان، وفلان، وفلان، يرجو فلاناً، يخاف فلاناً، يتمنى رضاء فلان، يحسب لفلان حساباً، يعيش بدوامة الشرك، قلبه فارغ، يكاد ينفطر خوفاً من فلان، يكاد يذوب حباً بفلان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً.))

[البخاري والبيهقي عن ابن عباس]
ليس هناك إنسان أحبَّ إنساناً على وجه الأرض كحبِّ سيدنا أبي بكر لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك "الحمد لله"، من سخر هذا الصديق لهذا النبي العظيم ؟ الله عز وجل، لو خُلِق الصِّديق عام ألف وخمسمئة وخمسين لما التقى معه، من جعله بعصره ؟ الله عز وجل، إذاً الحمد لله رب العالمين.
نسأل كل واحد منا: من جمعك بهذه الزوجة ؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي قدَّر وجمع، من رزقك هؤلاء الأولاد ؟ الله سبحانه وتعالى، من أعطاك هذا الذكاء فحصلت، وأصبحت لك خبرات ترتزق منها ؟ الله سبحانه وتعالى، طبيب، محامٍ، مهندس، مدرس، خبير ببعض الحاجات، بيده مصلحة بأعلى مستوى تدر عليه أرباحاً طائلة، "الحمد لله"، لو أن نقطة دم كرأس الدبوس تجمدت في أحد شرايين الدماغ لفقدت كل ذاكرتك وخبراتك.


الكافر دائماً ساخط على كل شيء ويشك في حكمة الله:



فلان خبير بهذه المصلحة، عمله نظيف جداً، حتى تتمكن من إنجاز عمل عنده تحتاج إلى شهرين، الفضل لمن ؟ لله عز وجل، إن كنت طبيباً ناجحاً، أو مدرساً ناجحاً، أو تاجراً ناجحاً، أو صاحب معمل ناجحاً، أو كان عندك مشروع زراعي ناجحٌ، أو كنت أباً ناجحاً أو كنت موفقاً في زواجك فـ "الحمد لله" رب العالمين، هذا هو الدين كله توحيد وحمد، الكافر يحيا في شرك وسخط، الكافر دائماً ساخط على كل شيء، متشائم، دائماً يشك في حكمة الله، أحياناً يقول لك: فلان ليس أهلاً للنعمة، يستكثر نعمة الله على بعض عباده، ويستقلها على آخرين، كأنه شاك في حكمة الله، مع أنك لو تعمقت في الأمور وكُشف الغطاء، وأطلعنا الله على كل شيء لكان هذا هو الصواب و لقلنا: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى:

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ "الحمد لله" رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) ﴾

(سورة يونس)
تحدث في الأرض زلازل، وفيضانات، وبراكين، وأعمال عنف، وهناك قوي وضعيف، فيها صحة، فيها فقر مدقع، فيها مجاعات، الحمد لله رب العالمين، لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.
لكن المشكلة أن هذه الحياة الدنيا بالنسبة إلى الدار الآخرة لا شيء، لذلك ربنا سبحانه وتعالى قد يضحي بها من أجل الهداية، فإذا أغلق صاحب المحل محله مثلاً والصانع نسي شمعة مشتعلة، وفي الساعة الثانية ليلاً أبلغوه أن المحل احترق، المحل فيه بضاعة بثلاثة ملايين، فإذا أخذ يصلي على أثر هذا الحريق فهذا عند الله حكمة بالغة، أما عند الناس فماذا يقولون ؟ ليت هذا الصانع لم ينس الشمعة مشتعلة، هي عند الله حكمة بالغة، لأن هذا المحل بكل هذه البضاعة التي احترقت إذا أثمر احتراق المحل توبة لصاحبه فهذا خير كبير لا يعلمه إلا عند الموت.


لو كُشفت للإنسان الحقائق لما اختار إلا أن يكون كما كان:

قال تعالى:
﴿ يَومَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون (42) ﴾

(سورة القلم)
أي يُكشف عن كل شيء ساقه الله إليك،
﴿ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُون﴾
خجلاً، وصغاراً، وشعوراً بالخزي، والعار، وكانوا يدعون إلى السجود من قبل وهم سالمون، فـ"الحمد لله" رب العالمين، وقع هنا بعض العلماء في حيرة، أيهما أفضل كلمة "لا إله إلا الله" أم "الحمد لله" ؟
ملخص الملخص قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، بعضهم فهمَ هذا الكلام فهماً مغلوطاً ؛ والصواب في فهم العبارة: ليس في إمكان المخلوق أبدع مما أعطاه الله عز وجل، الذي أعطاك الله عز وجل هو أنسب شيء إليك، ولو كُشفت لك الحقائق لما اخترت إلا أن تكون كما كنت.
بعض الناس يتمنى الغنى، بعض الناس يتمنى الصحة، لو كُشفت لك الحقائق لن تتمنى إلا أن تكون كما كنت لأن الله عز وجل يعلم ما كان، ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن، لو كان كيف كان يكون ؟ لذلك ليس في الإمكان أبدع مما كان.
هذه الزوجة أنسب امرأة لك، يقول معترضاً: لأن الحق على أمي، لا ليس الحق على أمك، خطبتها بسرعة، كانت مستعجلة، رأوها في الليل، وقعوا في الغش، ليس في الإمكان أبدع مما كان، علامة واحدة تصير مهندساً، ليس في الإمكان أبدع مما كان، اسمي ورد في القائمة، آخر اسم، كنت سأوفد في بعثة، ليس في الإمكان أبدع مما كان، لو نظرت إلى الأمور بعين التوحيد لرأيت أن الله وحده بيده كل شيء، قدَّم وأخر، سمح ومنع، يسَّر وعسَّر، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً:
(( إن الله إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبه.))

[الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس]




الذي ساقه الله إليك مبني على علم وحكمة وخبرة ورحمة:



قال تعالى:

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) ﴾

(سورة الرعد)
وقال:
﴿ ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) ﴾

(سورة فاطر)
"الحمد لله" رب العالمين كلما تعمقت في الإيمان ازددت تمثلاً بهذه الآية، كم جزئية في حياتك ؟ أعتقد أن في حياة أحدنا خمسين ألف أو مئة ألف جزئية، نوع بيته، ذاكرته ضعيفة قليلاً، "الحمد لله" أنسب شيء معلوماته، ما عنده إمكانية لدخول فروع علمية، هكذا خلقني الله، أنا أحب الحفظ عند مذاكرة الدروس، الحمد لله رب العالمين، يعني إمكاناتك الفكرية والجسدية قدرُك، جعلك طويلاً وقوياً، أو جعلك ضعيفاً، جعلك من أسرة غنية، من أسرة فقيرة، جعلك في بيئة راقية في بيئة متخلفة، كله ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعني ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا الذي أعطاك الله عز وجل، لو كُشف لك الغطاء لما اخترت غيره، وقد يكون هذا الشيء طريقك إلى الجنة، الفقر هو الهادي، قال تعالى:
﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) ﴾

(سورة الرعد)
يهتدي إنسان عن طريق الفقر، ويهتدي آخر عند موت أحد أقاربه، وثالث يهتدي بمصيبة مؤلمة، أو بإكرام كبير، هذا الذي ساقه الله إليك مبني على علم، وحكمة، وخبرة، ورحمة، "الحمد لله"، الله المسير الذي لا إله إلا الله، لا مسير غيره، لا رافع، ولا خافض، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع، ولا قابض، ولا باسط إلا الله عز وجل، الحمد لله رب العالمين.


كل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ تربية لجسمه، وتربية لنفسه:

الإله نفسه رب العالمين، الممد، هذا عطاؤنا، المياه من عطاء الله عز وجل، نهر الأمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية ، نبع الفيجة أحياناً بأيام الخير يفيض، يلبي حاجة دمشق بكاملها ويفيض عن حاجتها، نصف كثافته يرفد بها نهر بردى، ربنا ممد فأمدنا بالماء.
أحياناً يكون هناك شح في الماء، ترى النباتات صفراء، قال لي صديق: والله دفعت في الأسبوع الماضي خمسمئة ليرة، كل أربعة أيام أدفع خمسمئة ليرة ثمن ماء لسقي المزروعات في المزرعة، الأمر صعب جداً وإلا تموت الأشجار، فالذي أمدنا بالماء هو الله سبحانه وتعالى، نهر الفرات يبلغ عرضه أحياناً في أيام الفيضانات أحد عشر كيلو متراً، بعمق كبير جداً، الآن إذا مشى الإنسان فيه لا يتجاوز مستوى الماء ركبتيه، الحمد لله رب العالمين على عطائه، وعلى منعه، عطاؤه عطاء، ومنعه عطاء، الحمد لله رب العالمين، المُمِدُّ بكل نعمة، لكن ربنا عز وجل يمد هذه الأجسام بكل ما تحتاجه من الهواء، إلى الماء، إلى الطعام، إلى الشراب، إلى كل شيء، سواء أكان هذا الشيء أساسياً أو ثانوياً، الأساسي الطعام والشراب، والثانوي الأزهار هل تؤكل هذه ؟ لا، هذا الجمال الذي بثه الله في الأرض، هذه السماء التي زينها بالنجوم، هذه الأماكن الجميلة التي جعلها منتجعاً لنا كلها من عطاء الله، الحمد لله رب العالمين.
لكن معنى الربوبية يشمل التربية النفسية أيضاً، فكل أنواع المصائب مشتقة من قولـه تعالى: الحمد لله رب العالمين، الأب مثل مصغر، يمد ابنه بكل ما يحتاج، حاجاته، أدواته، كتبه، دفاتره، ألبسته الصيفية والشتوية، غرفته بما فيها من تدفئة، طاولة إنارة، سرير، وسائد مثلاً، فرش وثيرة، أغطية مناسبة صيفية وشتوية، هذا إمداد، فإذا ضبطه يكذب فقد يضربه، والضرب أيضاً تربية، فالتربية لها معنيان ؛ معنى الإمداد بما تحتاجه من مواد، والمعنى الثاني التربية النفسية، فكل إنسان يتلقى من الله عز وجل تربيتين ؛ يتلقى تربية لجسمه، ويتلقى تربية لنفسه، فكل ما يحدث لك فهو من الله عز وجل، بناءً على واقعك، وعلى نفسيتك، الحمد لله رب العالمين.


الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ؛ رحمن في ذاته، رحيم في أفعاله:



في درس سابق قلت لكم: إن كلمة "رب" تقتضي العلم، وتقتضي الخبرة، وتقتضي الغنى، وتقتضي الإشراف الدائم، وتقتضي الحكمة، وتقتضي الرحمة، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وحكيماً، وعليماً، وخبيراً، ورحيماً، وقيوماً، دائم الإشراف، لا يُسمى المربي ناجحاً إذا غاب عن الذي يربيه، لا يُسمى المعلم ناجحاً إذا تغيب عن الطلاب، لا بد أن يكون رب العالمين قوياً، وغنياً، وقديراً، وحكيماً، ورحيماً، ودائم الإشراف، وقيوماً، الحمد لله رب العالمين.
كلمة "رب" فيها عطاء، ربنا عز جل ما قال: الحمد للإله، ما قال: الحمد للخالق، بل قال: الحمد لله رب العالمين، أي أن لك رباً، ذات مرةٍ سمعت في الطريق رجلاً يقول وهو في حالة غضب: مَنْ ليس له أب ليس له رب ؟ تأثرت بهذه الكلمة، قد ينشأ أحدنا يتيماً ولا أب له، لكن الله موجود.

وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان
***
إذا أعطاك فمـن يمنعــه ثم من يعطي إذا ما منعك
***
كن مع الله تر الله معــك واترك الكل وحاذر طمعك
***

﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾
الرحمن في ذاته، الرحيم في أفعاله، ذاته رحيمة، هناك تطابق كامل بين أفعاله وبين ذاته، أحياناً تكون هناك مسافة بين الإنسان وبين أفعاله وبين نفسيته، هناك مسافة بين أفعاله وبين نفسيته، قد يفعل عملاً فيه رحمة ولكن قلبه قاس كالحجر، الظروف اضطرته لذلك، ذكاؤه أرشده لذلك، لكن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم ؛ رحمن في ذاته، رحيم في أفعاله.


الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب:



قال سبحانه حكاية سيدنا إبراهيم:

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾

(سورة مريم)
الرحمن يعذب أما الرحيم لا يعذب، انظر إلى دقة الآية السابقة، ربنا عز وجل رحمن في ذاته، تقتضي رحمته أن يسوق لعبده بعض الشدائد، هذه الشدائد تُسمى شدائد، أما الرحمة فهي رخاء، لذلك قال ربنا عز وجل:
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)﴾

(سورة الأنعام)
انظر الإعجاز أي تقتضي رحمته ألا يرد بأسه عن المجرم، قال تعالى:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) ﴾

(سورة مريم)
الرحيـم صفة أفعاله، أما الرحمن صفة ذاته، ماذا بقي ؟ هو الإله، وهو الرب، وهو الرحمن الرحيم، والرحمن الرحيم اسم جامع لأسماء الله الحسنى، فقوته من رحمته، ولطفه من رحمته، وبطشه من رحمته، وأفعاله نابعة من رحمته، لذلك هناك أسماء جامعة، الرحيم من الأسماء الجامعة.


إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك وكل شيء أصبح ملكاً لله وحده:


لكن:

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
لو عقلنا معناها لارتعدت فرائصنا، أنتم الآن مخيرون ما دام في القلب حياة، ما دام القلب ينبض فأنت مخير، كل شيء ممكن الآن، الإصلاح ممكن، والتوبة ممكنة، قال تعالى:
﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82) ﴾

(سورة طه)
لكن:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
إذا جاء يوم الدين فلا اختيار لك، هذه الأمانة التي أودعها الله فيك، هذا التكليف وهذا الاختيار الذي منحك الله إياه، هذا الكون الذي وهبه الله لك، هذا العقل والفكر الذي ميزك الله به كله انتهى،
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
وهو في الدنيا مالك، وأنت مختار، لكنه في الآخرة ملك كل شيء، وملك اختيارك، إذاً لا تستطيع أن تفعل شيئاً يوم الدين، يوم الجزاء، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الشيرازي والبيهقي عن جابر ]
افعل ما شئت، أعط أولا تعط، اعدل أو اظلم، أحسن أو لا تحسن، اعملوا ما شئتم فإن يوم الدين هو يوم الجزاء، عاملت زوجتك بالإحسان، فهو لك، وإن أسأت فعليك، أنفقت مالك في سبيل الله فهو لك، لم تنفق فمغبة البخل عليك.
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (286) ﴾

(سورة البقرة)
وقال:
﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾

(سورة الروم )




الآية التالية تحض على العمل الصالح:



﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ﴾
إذا جاء ملك الموت انتهى كل شيء، الاختيار انتهى، والأمانة انتهت، والشهوات نزعت، والكون طوي، والفكر تعطل، كل شيء انتهى، يوم الدين يوم الجزاء والله مالكه، أما الآن فأنت تملك الاختيار، مخير أن تتوب أو لا تتوب، أن تسيء أو تحسن، لكن يوم الدين ينتهي فيه الاختيار، كأن هذه الآية تحضك على العمل الصالح، فإياك أن تصل إلى هذا اليوم وليس لك عمل صالح تلقى الله به، لذلك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ﴾

(سورة آل عمران)
يوم الدين يوم جزاء، نحن الآن في يوم عمل، في العام الدراسي مثلاً، الطالب يأتي للمدرسة، يحب أن يدرس أو لا يدرس، يجتهد أو لا يجتهد، يراجع أو لا يراجع، يذاكر أو لا يذاكر، يكتب وظائفه أو لا يكتبها أو ينقلها من رفاقه، يستطيع لأنه مخير، لكن إذا قُرع جرس الامتحان في آخر العام وطرحت الأسئلة هذا اليوم يوم الجزاء، وفي الامتحان يكرم المرء أو يهان، أما في أثناء العام الدراسي فلا إهانة للكسول، معه مهلة، أُعطي فرصة، ونحن الآن كذلك، الآن نحن في فرصة، أنت حر، تحب أن تأتي إلى هذا المجلس أو لا تأتي، هناك من يسهر وراء جهاز لهو، يقول لك: والله هذه المحطة أمتع، لكن تلك المحطة ناشفة وبرامجها هزيلة، اليوم دار عمل، لكن الآخرة دار جزاء، قالوا: الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، في الآخرة انتهى الاختيار وانتهى التكليف، انتهت كلمة حرام وحلال، أنت في جنة عرضها السماوات والأرض، لا غض بصر في الآخرة، ولا استيقاظ لصلاة الصبح باكراً، وليس هناك بذل مال، ولا مشي في الشمس، ولا حر، في جنة عرضها السماوات والأرض.


جزاء المؤمن يوم الدين كما وردت في بعض آيات الذكر الحكيم:




قال ربنا عز وجل:

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) ﴾

(سورة يس)
هنيئاً لهم، هذا الوقت:
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

(سورة الصافات)
وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

(سورة المطففين)
وقال:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) ﴾

(سورة الذاريات)
وقال:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) ﴾

(سورة الحاقة)




جمع القرآن في الفاتحة:



نحن الآن في دار عمل، ويوم الدين دار جزاء وحساب، أما إذا وصل الإنسان إلى يوم الدين فقد انتهى كل شيء، انتهى اختياره، وانتهت الفرص كلها، أمّا الآن فالفرص كلها مفتحة، أبواب الرحمة مفتحة، أبواب التوبة مفتحة، أبواب الاستقامة مفتحة، أبواب العمل الصالح مفتحة، لكن إذا جاء يوم الدين انتهى كل شيء، انتهت حرية الاختيار، انتهت الدنيا، ليس التعامل هناك بالأموال بل بالحسنات والسيئات، يؤخذ من حسنات المسيء ويعوض بها عما اغتصبه:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

(سورة الشعراء)
بعد هذه المقدمة:
﴿الحَمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
حينمـا قال النبي عليـه الصلاة والسلام:
(( جمـع القرآن في الفاتحة ))

[ورد في الأثر]
والله معه الحق، لأن كل شيء في الفاتحة، الألوهية، والحمد، والربوبية، واسم الله الأعظم:
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
والمصير الذي لا مفر منه،
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾
الآن موقفك المنطقي ؛
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
لو أن الله عز وجل قال: نعبد إياك لاختلف الأمر، إذا سبق المفعول به الفعل فهذا أسلوب الحصر ؛ أيْ نعبدك ولا نعبد أحداً معك، لو قال: (نعبد إياك) شيء، و(إياك نعبد) شيء آخر، لذلك فإن أعلى مرتبة يبلغها الإنسان في الأرض أن يدرك أن حق العبادة لله وحده، وأعلى مقام بلغه النبي أنه كان عبداً لله، عبداً حقيقياً، فتطابقَ اختياره مع أمر الله تماماً، نحن أحياناً لا يتطابق اختيارنا مع أمر الله، نطبق مثلاً تسعين بالمئة، وهناك مثلاً عشرة بالمئة لم تطبقها في عملك، فلست إذاً عبداً كاملاً، أما العبودية الكاملة أن يكون اختيارك موافقاً مئة بالمئة لما أمر به الله عز وجل، إذاً أنت عبد لله، وإن لم تكن عبداً لله فلا بد أن تكون عبداً لشهواتك:
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]
إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لشهوتك، وإن لم تكن عبداً لشهوتك فأنت عبد لعبد من عبيد الله، فأنت عبد لعبد لئيم، كن للهِ عبداً فعبد الله حر.


العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله:



﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾
إن العبادة طاعة تامة، مبنية على معرفة، ومنتهية بسعادة، التعريف الدقيق: طاعة تسبقها معرفة، وتعقبها سعادة، وإلا لما كانت لها هذه الأهمية، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

(سورة الذاريات)
العلة الكبرى لخلق الإنسان على وجه الأرض أن يعبد الله، أي أن يعرفه فيطيعه ويسعد بقربه،
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾
لا نعبد إلا إياك، قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

(سورة الأنبياء)
التوحيد والعبودية لله عز وجل قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

(سورة الأنبياء)
وقال:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)﴾

(سورة طه)
والله هذه الآية تكفي، الكافر عنده أمل طويل.


الركوع هو الإعلان عن الخضوع لله والسجود هو طلب العون منه:




قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾

(سورة الكهف)
نهيٌ إلهيٌ عظيم جداً
﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
قال تعالى:
﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
لكن العبادة لله عز وجل تحتاج إلى عون من الله عز وجل، فأنت في الركوع تعلن عن خضوعك لله، وفي السجود تطلب العون منه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.))

[البيهقي عن أبي العالية]
تقول:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
الأنبياء الصديقين، الصالحين، المؤمنين، أهل العقل، أهل اللب الطيب، وذوي النفوس الزكية.


الفرق بين " المغضوب عليهم" و "الضالين":




قال تعالى:

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
هناك أناس عرفوا وعصوا هؤلاء الذين غضب الله عليهم، وهناك أناس ما عرفوا الله عز وجل فهؤلاء هم الضالون:
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
يقول لك الله عز وجل وكأنه يخاطبك في الصلاة:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ﴾

(سورة النور)
في الركوع تقول: "سبحان ربي العظيم"، أي خضوعاً لك يا رب بهذا الأمر، أنا خاضع لك، أنا مطيع لك، في السجود تقول: "سبحان ربي الأعلى"، يا ربي أعني على تنفيذ هذا الأمر، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لكل سورة حظها من الركوع والسجود.))


[البيهقي عن أبي العالية]



آيات من الذكر الحكيم عن ضعف الإنسان:



كل آية تقرؤها في الصلاة لها ركوع خاص بحسب مضمونها، ولها سجود خاص بحسب مضمونها، تبدأ:

﴿الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
لا نعبد إلا إياك، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكننا ضعاف:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾

(سورة النساء)
وقال:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾

(سورة يوسف)



إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك:



﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
على عبادتك، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك.
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾
عندئذ تتوجه إلى الله عز وجل:
﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
هؤلاء الناجحون، هؤلاء المفلحون، هؤلاء المؤمنون السعداء في الدارين، الذين عرفوك، وأطاعوك، وتقربوا إليك، وعقلوا عنك، وسعدوا بقربك،
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
من يطع الله ورسوله يحشره الله عز وجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
هؤلاء الذين عرفوا الله، وحادوا عن شريعته، سمعنا وعصينا، هذا الذي يقول: نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، وثمة أدعية من صنع أحدهم: أمرتنا فما ائتمرنا، ونهيتنا فارتكبنا، ولا يسعنا إلا فضلك، هؤلاء مغضوب عليهم.
﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾




البطولة أن تقرأ الفاتحة وأنت متمثل لمعانيها:




عرفت الله وتعصيه، قال رجل لابن الأدهم: ائذن لي بالمعصية، قال: أشياء خمس إذا فعلتها لن تضرك المعصية، قال: وما هي ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تسكن أرضه، قال: وأين أسكن إذاً ؟ قال: فكيف إذاً تسكن أرضه وتعصيه ؟ قال: الثانية ؟ قال: إذا أردت أن تعصيه فاجهد ألا تأكل من رزقه، قال: وماذا آكل إذاً ؟ قال: كيف إذاً تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه ؟ قال: هات الثالثة، قال: إذا أردت أن تعصيه فاجتهد ألا يراك، قال: وكيف لا يراني وهو رب العالمين ؟ قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، ويراك ؟‍‍‍‍‍! لذلك:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾
نختم هذا الدرس بقوله عليه الصلاة والسلام:
(( القرآن كله في الفاتحة ))

[ورد في الأثر]
تقرؤها في كل ركعة:
(( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ))

[متفق عليه عن عبادة بن الصامت]
البطولة أن تقرأ الفاتحة، وأنت متمثل لمعانيها.
﴿ الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ﴾




الإنسان عندما يطيع الله عز وجل وهو مفتقر إليه يعينه على طاعته:


عند إياك نعبد، وإياك نستعين بدأ موقفك العملي، ما دام الله سبحانه وتعالى رب العالمين، وهو الرحمن الرحيم، الذي لا إله إلا هو، يُحمد على كل شيء، فماذا تنتظر ؟!!








والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-26-2018, 03:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة البقرة (2)

الجزء الاول





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام نبدأ اليوم تفسير سورة البقرة، ولهذا سبب سأوضِّحه لكم قبل أن أشرع بالتفسير، مضى على هذا الدرس أيها الأخوة بفضل الله جلَّ جلاله أكثر من خمسٍ وعشرين عاماً، كان التفسير في البدايات آيات مختارة من القرآن الكريم، ثمَّ بَدَأْتُ من سورة لقمان، وتابعت إلى نهاية المصحف، بدأ التسجيل الواضح من جزء عمَّ، وقبل هذا الجزء التسجيلات غير واضحة، ثم رجعت إلى سورة يونس، وتابعت التفسير إلى سورة لقمان، وكان وقتها بحسب الخطة أن أعود إلى سورة البقرة، أي فسرت الثلث الأخير، عشرة أجزاء، ثم الثُلث الثاني، ثم الثلث الأول، لسببٍ أو لآخر تابعت التفسير إلى نهاية الجزء التاسع والعشرين، جزء عم مُفَسَّر بشكل واضح جداً، ومسجَّل بشكل واضح جداً، فحسب الخطة نعود الآن إلى القسم الأول، لأن كل السور من هود إلى نهاية المصحف مفسـَّرة ومسجلة على أشرطة واضحة جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكنني من تفسير الثلث الأول.



كل شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة:

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/01.jpg
اليوم نبدأ تفسير سورة البقرة، ولكن أُقَدِّم لكم هذه الحقيقة، أي شيءٍ في الدنيا زائل إلا عملاً يتصل بالآخرة، وكل واحد من الأخوة الحاضرين إذا لم يكن له عمل متعلق بالآخرة فهناك خسارة كبيرة ؛ الدنيا تمضي، البيوت تزول، لاحِظوا: الميت ترك كل شيء إلا عملاً صالحاً ينزل معه في قبره، فالله عزَّ وجل يقول:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108) ﴾

(سورة يوسف)
كُلُّ من يتبع نبي الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يدعَو إلى الله بطريقةٍ أو بأخرى، وقلت لكم من قبل: استقيموا يُسْتَقَم بكم، الموقف الصادق دعوة، الموقف الأمين دعوة، الوَرَع دعوة، الصدق دعوة، الإتقان دعوة، قد يكون لكل واحد عمل طيّب، هذا العمل يُسَبب اتساع دائرة المسلمين، فالدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، والدعوة إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرِف، وكل إنسان جلس في مجلس علم، واستمع إلى تفسير صار مؤاخذاً، صار مسؤولاً، صار مكلَّفاً أن ينقل هذا إلى الآخرين إما بلسانه، أو بشريط، أو بلقاء، لا بدَّ أن تُلْقي بعد أن استمعت، لا بد أن تعطي بعد أن أخذت، وهذا الذي يبقى، الذي يحَرِّك المؤمن في الدعوة إلى الله حديثٌ لرسول الله، والله أيها الأخوة لو تلوت هذا الحديث على مسامعكم آلاف المرات لا أشبع منه: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/02.jpg

((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ البخاري عن سهل بن سعد ]

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]




الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد:



الجهاد كما تعلـمون ذِروة سنام الإسلام، ومن مات ولم يجاهد، ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مـات على ثلمةٍ من النفاق.
الجهاد الدَعَوي من أكبر أنواع الجهاد، والدليل قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾

( سورة الفرقان)
جميل جداً أن يمتلئ المسجد بطُلاَّب العلم، والأجمل من هذا أن ينتشر هذا العلم خارج المسجد، جميل جداً أن يفكِّر كُلٌ منا كيف ينْقُل الحق إلى أخيه، إلى صديقه، إلى جاره، إلى موظفي محلِّه، إلى زملائه، إلى أقربائه، لأننا جميعاً كل الأخوة الحاضرين طرفٌ واحد، ولكن البطولة أن تُدخل إلى هذا المجموع الطيِّب إن شاء الله أطرافاً جديدة، فكل واحد مكلف أن يبحث من أقربائه، من زملائه، من جيرانه، من أتباعه، ممن هم دونه، ممن هم فوقه، بطريقةٍ أو بأخرى لنشر هذا الحق، هذا الذي يبقى، وترون كيف يموت الناس ولا يأخذون معهم شيئاً، إلا عملاً صالحاً ابتغوا به وجه الله عزَّ وجل، فتعليم العلم من أعظم الأعمال الصالحة، نشر الحق صنعة الأنبياء:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

( سورة فصلت)




كلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً:



بدأ هذا الدرس أيها الأخوة في عام 1976 بأربعة أشخاص فقط، وترون هذا الإقبال ـ وهذا من فضل الله عزَّ وجل ـ هؤلاء الذين يأتون لطلب العلم، ولمعرفة كلام الله عزَّ وجل، وسنة رسوله، هؤلاء يبتغون وجه الله عزَّ وجل، فالبطولة أن تتعلم، وأن تُعَلِّم، وأن تستمع، وأن تُلْقي، وأن تتلقَّى، وأن تعطي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[ البخاري عن عثمان ]
على الإطلاق، خيرية مطلقة، وكلما اتسعت دوائر الحق ضاقت دوائر الباطل، وكلما اتسع الحق صارت الاستقامة سهلةً، قال تعالى:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ﴾

( سورة النور)
وقال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا (103)﴾

( سورة آل عمران )
الفضل لله عزَّ وجل، وهذا القرآن الكريم مائدة الله، وهذا القرآن الكريم حبل الله المتين، دستوره القويم، الصراط المستقيم، المنهج الصحيح، هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا الكتاب فيه نبأ من قبلكم وذكر مَن بعدكم، فيه الأمر، فيه النهي، فيه الحلال، فيه الحرام، فيه أخبار الأمم السابقة، فيه مشاهد من يوم القيامة، فالحقيقة الفضل لله عزَّ وجل أن سورة يونس والتي بعدها مُفَسَّرَةٌ بشكلٍ مفصل إلى نهاية المصحف، ومسجَّلة بأشرطة واضحة جداً، واليوم نبدأ الثلث الأول لهذا الكتاب الكريم، ونبدأ بسورة البقرة.


النقطة الأولى سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر:



قبل أن نبدأ في شرح هذه السورة لا بد أن نسأل هذا السؤال: لماذا سميت سورة البقرة، مع أن البقرة ليست حيواناً مألوفاً في الجزيرة العربية ؟ الحقيقة أن هذه البقرة التي سُمِّيَت بها السورة الأولى في القرآن الكريم بعد الفاتحة، هذه البقرة لها قصة ؛ كان هناك رجل غني جداً من بني إسرائيل، كان ثرياً جداً، ولم يكن له أولاد، فقتله ابن أخيه، وألقى الجثة بعيداً على مشارف قريةٍ بعيدة، واتُّهِمَ أهل هذه البلدة بقتل هذا الرجل، ونَشِبَ خلافٌ بين القرية الأولى والقرية الثانية، إلى أن جاء أولياء القتيل ليسألوا موسى عليه السلام عَن الذي قتل هذا الرجل، فربنا عزَّ وجل في الآية الثالثة والسبعين من هذه السورة الكريمة ذكر قصة هذه البقرة، فقال:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
الأمر الإلهي أن يذبح بنو إسرائيل أيَّةَ بقرة، فإذا أخذوا أحد أعضائها، وضربوا به هذا القتيل يحيى، ويقف، ويقول: فلان قتلني، أي كأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُثْبِت لبني إسرائيل الحياة بعد الموت ؛ نقف قليلاً لننتقل إلى موضوع اليوم الآخر.
الحقيقة الكبرى أيها الأخوة أنه بعد الإيمان بالله ـ وهـو الرُكن الأول ـ أن تؤمن بالـيوم الآخر، لأن الحياة الدنيا من دون إيمانٍ باليوم الآخر غابة يأكل القوي فيها الضعيف، يستغلُّ الغني الفقير، وهذا مـا يجري في العالم اليوم، هو عالم لا يؤمن باليوم الآخر، فالقوي هو الذي يسحقُ الضعيف، والغني هو الذي يستغلُّ الفقير، والأقوى هو الذي يعتدي على الأضعف.


لم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر:



الأحداث كلُّها تشير إلى أنه لن تقوم حياةٌ إلا أن تؤمن باليوم الآخر، وكل ما يقال من كلامٍ لا معنى له ؛ ضمير يقِظ، وازع داخلي، هذا كلُّه إن لم يُدَعَّم بالإيمان باليوم الآخر لا جدوى منه، ولم ينجح مجتمع على وجه الأرض إلا مجتمعاً آمن بالله واليوم الآخر ؛ فربنا سبحانه وتعالى من خلال قصة البقرة أراد أن يبيِّن لبني إسرائيل أن هذا الذي تراه ميتاً سوف يُحْييِه الله يوم القيامة لينال جزاء عمله، فماذا فعل بنو إسرائيل ؟ هذا الأمر لم يتلقَّوه بالقبول، ولم يستقبلوه بالرضا، ولم يستقبلوه بالانصياع، بل استقبلوه بالتشكيك والسخرية:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) ﴾
نبيٌ كريم يستهزئ ؟! يمزح !!
﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ (68) ﴾
هنا..
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (67) ﴾
وانتهى الأمر.


الذي يموت ذاتُهُ باقية وسوف يحاسب:



أية بقرةٍ تُجْزِؤكم، وأية بقرةٍ لو أخذتم أحد أعضائها وضربتم به الميت لقام، وتكلَّم، وقال: قتلني فلان، ولكن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم:

﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (72) ﴾
كل طرفٍ ألقى التهمة على الطرف الآخر:
﴿ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ﴾
يقول الناس عن الذي يموت: الفقيد الفلاني، هذا الذي يموت خلع ثياباً فقط، أما ذاتُهُ فباقية، وسوف يحاسب، وسوف يعيش حياةً أبدية في جنةٍ يدومُ نعيمها، أو في نارٍ لا ينفد عذابها.


تدل الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/03.jpg
أخواننا الكرام تُلحُّ الآيات التي نزلت في أول الدعوة الإسلامية على شيئين ؛ أن تؤمن بالله، وأن تؤمن باليوم الآخر، لأن الإيمان بالله لا معنى له من دون أن تؤمن أنَّه مطلعٌ عليك، وسيحاسِب، وسيعاقِب، لن تستقيم على أمر الله إن لم تؤمن أنه مطلعٌ عليك، وسيحاسب، وسيعاقب، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾

( سورة الطلاق )
أي إنك تستقيم حينما تعلم أن الله يعلم، وأنَّك في قبضته وسيحاسب ؛ ولن تجد إنساناً مستقيماً إلا بسبب أنه يُدْخل في حساباته اليوم الآخر ؛ والذي يثير العجَبَ أن الإنسان حينما يأكل المال الحرام، وحينما يعتدي على أعراض الآخرين، وحينما يتفَلَّت من منهج الله عزَّ وجل، كيف ينام الليل ؟ كيف يتوازن مع نفسه ؟ إذا قرأ قول الله تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )




خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت:


حينما يوقن الإنسان المؤمن أن كل حركةٍ، وكل سكنة، وكل تصرفٍ، وكل عطاءٍ، وكل منعٍ، وكل وصلٍ، وكل قطعٍ، وكل زيارةٍ، وكل نظرةٍ، وكل كلمةٍ سوف تَدْخُل في ميزان أعماله، وسوف يُسأل عنها يوم القيامة، عندئذٍ يستقيم الإنسان على أمر الله، ولن تجد في الأرض إنساناً مستقيماً إلا إذا كان إيمانه باليوم الآخر عظيماً، هذه الدنيا فيها نِعَم، وفيها مُتَع، وفيها شهوات، وفيها حظوظ، ما الذي يحصل ؟ هذه الحظوظ، وهذه الشهوات، وهذه المُتع، وهذه الِنعم بشكل عام إما أن تفارِقَك وأنت حي، وإما أن تفارقها عند الموت ؛ لا بدَّ من الفراق، لأنّ خصوصية هذه الدنيا أن النعم التي أنت فيها لا بدَّ أن تفارقها عند الموت، وقد تفارقك قبل الموت ؛ من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا ))

[ رزين عن نافع مولى ابن عمر]
أما الدار التي لا تفارقك فيها النعم ولا تفارقها هي الدار الآخرة.
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

( سورة الصافات)
وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

( سورة المطففين)
هناك قلق في الدنيا، الإنسان قَلِق على صحته وكلما تقدَّم به العمر يزداد هذا القلق، يا ترى أَأُصاب بالمرض الفلاني ؟ أو بالمرض الفلاني ؟ والأمراض كثيرة جداً، هذا أكبر قلق، قلقٌ على الصحة ؛ يوجد قلق على الدخل، هل يبقى هذا الدخل أم يتقلَّص ؟ هل أبقى في هذه الوظيفة ؟ هل تبقى لي هذه التجارة ؟ هل يبقى لي هذا الدخل ؟ الحياة الدنيا مشحونة بالقلق، لأنك لا بدَّ أن تُغادر الدنيا، إذاً سوف تفارق كل النعم ؛ وأوضح شاهد إذا تَبِعْتَ جنازةً، ورأيت الميت كيف يدفن، كان ساكناً في بيت، قد تكون مساحته مئتي متر، قد يكون أربعمئة متر، قد يكون بيت بأحياء دمشق الراقية، قد يكون بيتاً له إطلالة جميلة، له شرفات ومُعْتَنى به، غرف للنوم، غرف للاستقبال، غرف للجلوس ؛ فيه كل شيء، فيه تدفئة، تكييف، أين مصير صاحب هذا البيت ؟ تحت أطباق الثرى، في حفرةٍ صغيرة ؛ هذا مصيرُ كل حي.


أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر:

هذه النعم، لا بدَّ أن تفارقها بالموت، وقد تفارقُكَ قبل الموت ؛ أما الآخرة فحياةٌ أبديةٌ سرمدية، حياةٌ لا نغص فيها، ولا شيخوخة فيها، ولا حُزْنَ فيها، ولا قلق فيها، ولا برد، ولا حر، ولا مرض، ولا فقر، ولا غنى، ولا قهر.

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

(سورة الصافات)
وقال:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

( سورة المطففين)
إذاً أراد الله جلَّ جلاله حينما جعل هذه السورة تحمل اسم سورة البقرة أن يذكِّرنا باليوم الآخر، وأن الإيمان باليوم الآخر يأتي بعد الإيمان بالله تماماً، ولو تتبعت الآيات التي تذكر الإيمان لوجدت أن أكثر ركنين متلازمين من أركان الإيمان هما الإيمان بالله واليوم الآخر ؛ والحياة الدنيا من دون إيمان باليوم الآخر غابة ؛ يأكل القوي الضعيف، يستغل الغني الفقير، شعوبٌ تُقْهَر، شعوبٌ تموت من الجوع، وشعوبٌ تُطعِم كلابها من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها في جنوبي آسيا، هناك محلات، وهناك رَفاه لكلابهم يفوق رفاه بعض الشعوب ؛ حياةٌ القوي فيها هو المسيطر، والضعيف مسحوق، هذه حياةٌ دُنيا من دون يوم آخر، انظر إلى مجتمع إيماني صغير، أفراده مؤمنون باليوم الآخر، تجد الإنسان يأخذ ما له ويدع ما ليس له، قلت مرةً في موضوع الزواج: لماذا ينجح الزواج الإسلامي ؟ لأن الله بين الزوجين، لأن كل طرفٍ يخشى أن يظلم الطرف الآخر، يخشى الله، يخاف من الله أن يظلم الطرف الآخر، وكل طرفٍ يرجو رحمة الله بخدمة الطرف الآخر، فكلا الزوجين يرتقيان إلى الله، ويزداد التفاهم والوئام بينهما بسبب إيمانهما بالله واليوم الآخر.


فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:


أنا أُلِحُّ على الإيمان باليوم الآخر ؛ يجب أن يدخل هذا اليوم ـ اليوم الآخر ـ في الحسابات اليومية، وقال لي أخ: في الحسابات الساعيِّة، والأصح أن يدخل هذا اليوم في الحسابات اللحظيَّة، كل لحظة، كل عملٍ سوف تحاسب عليه.

﴿ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ﴾

(سورة الكهف)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/04.jpg
الإنسان المؤمن شخصية فَذَّة ؛ ذكرت مرة أن الشخصية الفَذَّة فيها درجة علمية، من هو المؤمن ؟ المؤمن عرف الحقيقة الكُبرى في الكون، عرف الله، هذا أكبر عالم لأنه عرف الله ـ دققوا في هذا القول ـ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، القرآن الكريم هذا الكتاب وازن بينه وبين أي كتابٍ آخر، المسافة بينهما كما بين الله وهذا المؤلِّف، لأن هذا كلام الله ؛ وازن بين من عرف الدنيا، وبين من عرف الله، بينهما كما بين الله وخلقه ؛ هذا الذي عرف الله إنسان كبير جداً، عرف الحقيقة العظمى وانسجم معها فسعد في الدنيا والآخرة، والإيمان درجة أخلاقية، لأن المؤمن محكوم بمنظومة قيمٍ أخلاقيةٍ كثيرةٍ كبيرةٍ جداً، ففي حياته نهج دقيق تفصيلي، وذكرت سابقاً أنه ما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه اليوم إلا لأنهم توهَّموا أن الإسلام مجموعة عبادات شعائرية فقط، هي الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بينما يحوي الإسلام ـ وأرجو ألا أُبالغ ـ مئة ألف بند تقريباً ؛ بنود في كسب المال، بنود في إنفاق المال، بنود في الزواج، بنود في الطلاق، بنود في المجالس، بنود في أداء الحِرَف، بنود في السفر، بنود في الإقامة، بنود في تربية الأولاد، منهج كامل ؛ حينما فهم المسلمون أن الإسلام بضعة عبادات شعائرية كانوا خلف الأمم جميعاً، أما حينما فهم الصحابة الكرام أن الدين هو الحياة كما أرادها الله عزَّ وجل ساروا وفق المنهج التفصيلي، لذلك طلب العلم فرضٌ على كل مسلم، في حياة المسلمين لا شيء يعلو على طلب العلم ؛ إنَّك بالعلم تعرف من أنت، وتعرف موقعك بين الناس، وتعرف ماذا بعد الموت، وماذا قبل الموت، وما المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه ؟ فلذلك حينما يؤمن المؤمن باليوم الآخر تنتهي مشاكله.


الدين كله محاسبة ذاتية:



هذه قصة نموذجية أرويها دائماً ؛ أخ من أخواننا يعمل في لف المحركات قال لي: أنا قبل أن أصطلح مع الله يأتيني محرك محروق، طبعاً أجرة لفِّ المحرك خمسة آلاف تقريباً، قال لي: أفتحه، فإذا به قَطْع بسيط جداً في خط خارجي، يُصَلَّح في دقيقة، قال لي: قبل الصلح مع الله أُصَلِّح هذا المحرِّك وآخذ خمسة آلاف عداً ونقداً، لأن صاحب المحرك لا يعرف ماذا حدث ؟ يعرف أن المحرك واقف عن العمل، إذاً هو محروق، وجاء به للفّه، قال لي: بعد أن عرفت الله عزَّ وجل أقول له: كلَّف خمساً وعشرين ليرة، مع أن الشرط خمسة آلاف، دخل بالمحاسبة الذاتية، هذه هي القصة كلّها.
الدين كله محاسبة ذاتية، الدين كله كما قال هذا الأعرابي، هذا البدوي لسيدنا عمر، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، فقال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت، ليست لي، خذ ثمنها، ليست لي، ثم ألحّ عليه، قال له: والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟ هذا الدين كله، الدين كله أن تؤمن باليوم الآخر، ضبطْتَ لسانك، ضبطت كسبك للمال، ضبطت إنفاقك للمال، ضبطت عَيْنَك، ضبطت أذنك، ضبطت يدك، ضبطت حركاتك وسكناتك.
أيها الأخوة الكرام سُمِّيت هذه السورة التي هي أطول سورةٍ في القرآن، سميت بالبقرة لأن البقرة دليلٌ لبني إسرائيل على اليوم الآخر، كيف أن الله سبحانه وتعالى أحيا هذا الميت الذي قال: فلان قتلني.
هذه واحدة، فلذلك الإنسان عندما يعصي الله عزَّ وجل يجب أن يعلم أن إيمانه باليوم الآخر ضعيف ؛ لو كان إيمانه باليوم الآخر قوياً لما عصى الله أبداً ؛ مستحيلٌ أن يعصي الله إذا كان مؤمناً أنه سيحاسب ؛ إذا ذهبت إلى بلد مجاور، ووجدت في أثناء الذهاب تفتيشاً دقيقاً جداً، وأنه لا يمكن لشيء أن يمر إلا بمحاسبة دقيقة، هل تشتري شيئاً هناك ؟ أبداً، شيء طبيعي، ما دام هناك حساب دقيق لا تشتري شيئاً، يقول لك رخيصة: ليست المشكلة أنها رخيصة، ولكن كيف سأنقلها إلى بلدي ؟ لا تمر، والمؤمن كذلك، أي شيء، قد لا يوجد عليه رقابة، أنت موثوق، الطبيب موثوق، المهن الراقية كلها موثوق بأصحابها، لو قال طبيب لمريض: تحتاج إلى تحليل، عشرة تحاليل، هل يستطيع المريض أن يناقش الطبيب ؟ لا يستطيع، تحتاج إلى التحليل الفلاني، انتهى ؛ من الذي يعلم أن هذا التحليل ضروري أو غير ضروري ؟ هو الله وحده، إذا قال لك المحامي: الدعوى رابحة، وهي خاسرة حتماً، هل بإمكانك أن تناقشه ؟ من يعلم ذلك ؟ الله وحده، والله أيها الأخوة لو صح إيمان المسلمين باليوم الآخر لأغلق قصر العدل أبوابه.



الدين منهج كامل وليس عبادات شعائرية فحسب:



بقي سيدنا عمر وزير عدل مع سيدنا الصديق سنتين، ولم يَرفع له أحد قضية، لو أنصف الناس لاستراح القاضي ؛ نحن مشكلتنا الإيمان باليوم الآخر، وأنك سوف تُسأل.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )
مرة ثانية يا أخواننا الكرام، أكبر وهم نتوهمه أن الذي يأتي إلى المسجد ويصلي هو صاحب دين ؛ تأتي إلى هنا لتأخذ تعليمات الصانع فقط، وتعود مرة ثانية لتقبض الثمن، دينك بعملك، دينك بدكّانك، دينك بمكتبك، دينك بعيادتك، دينك بشركتك، دينك بالحقل، دينك بالمعمل، دينك مع أولادك، هنا تأخذ تعليمات الصانع، وتعود إلى الحياة كي تُمارس هذه التعليمات ؛ وأوضح شيء كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيت الله عزَّ وجل يقول:
(( اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))

[مسلم عن أبي حميد]
يا رب أشعرني بقربي منك، أما إذا خرج من المسجد يقول:
(( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))

[مسلم عن أبي حميد]
العمل خارج الجامع، هناك الدين، هناك الاستقامة، هناك ضبط اللسان، هناك ضبط الدخل، هناك ضبط الإنفاق ؛ نحن حينما فهمنا الدين خمس عباداتٍ شعائرية صرنا في مؤخَّرة الأمم، ولكننا يجب أن نفهم الدين منهجاً كاملاً، لهذا أكبر شيء يشغل المؤمن: ما حكم الشرع في هذا الموضوع ؟


الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى:


سميت سورة البقرة لأن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة ليضربوا ببعضها هذا المقتول، فيعيد الله جل جلاله له الحياة فيقف، ويقول: فلان قتلني ! أي أن الله عزّ وجل قادر أن يُعيدَنا جميعاً مرةً أخرى، وهذا الذي ذكره القرآن الكريم .
الشيء الثاني: كان في بني إسرائيل رجل صالح، وكان مستقيماً ورعاً مخلصاً، لم يَدَع لأهله إلا بقرة ؛ هذه كل ثروته في الدنيا لابنه الوحيد، هذه الصفات التي في سورة البقرة:

﴿ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) ﴾
انطبقت جميعها على هذه البقرة، فلم يرض صاحبها (ابن هذا الصالح) بثمن أقل من أن يُملأ جلدها ذهباً فكانت ثروةً طائلة ؛ يستنبط من هذا: أن الإنسان إذا كان صالحاً تولَّى الله مِن بعده رعاية أولاده ؛ يقول الله عزّ وجل في الأثر القدسي:
((عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول هذا العبد: يا ربِ أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين ـ يقول الله عزّ وجل في هذا الأثر القدسي ـ عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك )).

[ورد في الأثر]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/05.jpg
معنى ذلك: تحرَِّ الحلال، ولا تأخذ ما ليس لك، ولا تَخْشَ على أولادك من بعدك، الله وليُّهم هو الحافظ الأمين، هو الذي يرعى لك أولادك بعد موتك، هو الذي يسترهم، هو الذي يرزقهم، هو الذي يحفظُهم، هو الذي يُكرمهم ؛ كم من أبٍ ترك ملايين طائلة لأولاده كسبها بالحرام من أجلهم، فكانت النتيجة أنهم بدّدوا هذه الأموال في وقتٍ قصير وعاشوا فقراء ؛ وكم من أبٍ خاف الله عزّ وجل في كسبه فتولَّى الله من بعده رعاية أولاده، لا تقلق على أولادك، اقلق على شيء واحد هو: أن تقع في معصية ؛ هذا الذي مَكَّنك الله منه ؛ معظم الناس الآن يكسبون المال الحرام من أجل أولادهم، من أجل بناء مستقبل أولادهم، شراء بيوت، تزويج أولادهم، يكسبون المال الحرام، ما الذي يحدث ؟ هذا المال الذي كسبوه حراماً يبدَّد، ويذهب كما أتى، ويبقى أولادهم فقراء، تتمة الأثر القدسي يقول الله لعبدٍ آخر:
(( عبدِ أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا ربِ لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، يقول الله عزّ وجل: إن الذي خشيت على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ))

[ورد في الأثر]




النقطة الثانية احرص على الدخل الحلال وعلى طاعة الله والله سيتولى أولادك من بعدك:



هي بقرة مباركة، لأن الأب كان صالحاً:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً (82)﴾

( سورة الكهف )
بنى سيدنا الخضِر الجدار لأن أباهُما كان صالحاً، فلذلك الحقيقة الثانية في هذه السورة: احرص على الدخل الحلال، احرص على طاعة الله، ولا تفكر في مصير أولادك، لأن الله سيتولى أمرهم، إذا كنت أباً صالحاً سيحفظ الله لك أولادك من بعدك، وسيتولى أمرهم ؛ والله كم من قصةٌ مؤثرةٍ ؛ رجل اتقى الله فكان أولاده من بعده أعلاماً، قمماً، وكم من رجل لم يتق الله في كسب المال، ترك أيضاً ملايين طائلة فرأى صديق المتوفى ابن صديقه في الطريق فقال له: إلى أين أنت ذاهب ؟ قال بالحرف الواحد: إنني ذاهبٌ لأشرب الخمر على روح أبي، روح الميت تُرفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبَن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة علي.
النقطة الثانية: أن هذه البقرة التي جاءت صفاتها مفصَّلةً انطبقت على تلك البقرة التي كانت لرجلٍ صالح فأبى ولده ثمناً لها إلا مِلءَ جلدها ذهباً، أحياناً يَدَعُ أب صالح قطعة أرض، بيتاً، دُكَّاناً صغيرة، تدرّ هذه الدكان على أولاده من بعـده خيراً كثيراً، لأنه كان صالحاً، لا تقلق على أولادك، اقلق على دخلك، حلال هو أم حرام ؟ أنت لست مكلفاً أن تُطعم أولادك المال الحرام، هذه النقطة الثانية.


النقطة الثالثة أن هذه السورة سورة مدنية :




النقطة الثالثة في هذا الدرس: أن هذه السورة سورة مدنية ؛ طبعاً القرآن الكريم كما تعلمون مكيٌّ ومدني، والعلماء اختلفوا هل الآية التي نزلت في مكة مكية، والتي نزلت في المدينة مدنية إطلاقاً ولا علاقة للزمن بها، مراعين المكان فقط ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد فتح مكة أُنزل عليه القرآن، فالآيات التي أُنزلت عليه في مكة مكيةٌ أم مدنية ؟ هناك علماء راعوا الزمن فقط، فكل آيةٍ نزلت بعد الهجرة في أي مكان فهي مدنية، وكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة في أي مكان فهي مكية، هذا مقياس زمني، ويوجد مقياس مكاني ؛ فكل آيةٍ نزلت في مكة بأي وقت فهي مكية، وكل آية نزلت في المدينة فهي مدنية.
الذي يعنينا أن القرآن المكي له خصائص، والمدني له خصائص ؛ يركِّز القرآن المكي على الإيمان بالله عن طريق الآيات، ويركِّز على اليوم الآخر، اِقرأ سورة من الأجزاء الأخيرة من القرآن الكريم، سورة عمَّ، النازعات، المرسلات، يركِّز على الإيمان بالله، وعلى الإيمان باليوم الآخر، لأنهما أصلا العقيدة، يركز على الرد على الكفار والملحدين، والمشركين والمنكرين، وعلى ذكر الجنة والنار، تكاد هذه القواسم تتجاذب السور المكية، الإيمان بالله من خلال الآيات، الإيمان باليوم الآخر، الرد على المشركين والكفار والملحدين، ذكر الجنة والنار، لو انتقلت إلى البقرة، إلى آل عمران، إلى النساء، إلى الأنعام، يختلف الأمر، تجد آيات التشريع اِفعل ولا تفعل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ٌ (282) ﴾

( سورة البقرة )
شيء جميل، تشريع.


كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين:

يوجد منافقين..

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا (120) ﴾

( سورة آل عمران )
صـار هناك طبقة منافقين، لم يكن في مكة منافقون لأن الإسلام كان مُضطَهَدَاً، فلا داعي لأحد أن ينافق ؛ إذا أعلن الكفر يمشي على عرض الطريق، كان المسلمون مضطهَدين، لذلك لم يكن نفاق في مكة، أما حينما أُسس للمسلمين دولة قوية في المدينة صار هناك نفاق ؛ تجد في السور المدنية حديثاً عن التشريع، وحديثاً عن المنافقين ليحذِّر المؤمنين، وحديثاً عن علاقة المسلمين بغيرهم، هذا في المدينة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/06.jpg
ما الذي يعنينا ؟ الذي يعنينا هو أن كل دعوةٍ إلى الله لا بد أن تمر بمرحلتين: مرحلة التعريف بالله واليوم الآخر، ومرحلة التعريف بالمنهج، وأية دعوةٍ إلى الله غَفَلَت عن تعريف أتباعها بالله واليوم الآخر دعوةٌ عرجاء، دعوةٌ لا تنجح، فأنت حينما تأمر الإنسان أن يصلي، يصلي لمن ؟ تأمره أن يستقيم، يستقيم خوفاً مِن مَن ؟ لا يعرف الله !! وكنت أقول دائماً: إذا عرف الإنسان الأمر، ولم يعرف الآمر تفنن في التفلُّت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين اليوم أعظم من أن يُخفى، مغنية تسأل عالماً: إنني تبت فهل يوجد مانع أن أغني ؟ لا يوجد مانع بموضوعات دينية ؟ صار الغناء مسموحاً، والاختلاط مسموحاً، والبنوك مسموحة في مصر، لم يعد هناك شيء، كل شيء له فتوى، وكنت أقول متحسّراً: إنَّ لكل معصيةٍ فتوى.
إذا عرف الإنسان الأمر ولم يعرف الآمر تفنن في التفلت من هذا الأمر، وهذا حال المسلمين ؛ صار الإسلام فلكلوراً، مظاهراً، لباساً إسلامياً ؛ آيات قرآنية نزين بها البيت، وتوجد سهرات لا ترضي الله في هذا البيت، توجد أجهزة لا ترضي الله في هذا البيت، توجد علاقات لا ترضي الله في هذا البيت، أما كله آيات قرآنية، وصورة الكعبة، وآية الكرسي ؛ بقي الإسلام مظاهراً، مؤتمرات إسلامية، كتباً فخمة جداً، العنوان على عرض الكتاب، أناقة بالطباعة، أشرطة مرئية ومسموعة، ومكتبات، وكل شيء في أعلى درجة، لكن لا توجد استقامة، لا يوجد التزام ، وكأن الله عزّ وجل تخلَّى عنا.


الآيات المكية تُعرفنا بالآمر بينما الآيات المدنية تُعرفنا بالأمر الإلهي:

ذكرت هذا فيما مضى، أن شخصاً سألني فقال لي: لِمَ ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قلت له: سُئل الإمام إبراهيم بن الأدهم هذا السؤال مرةً في البصرة فقيل له: إن الله تعالى يقول:

﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (60) ﴾

( سورة غافر )
ونحن ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ قال: " لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ ادعيتم أنكم آمنتم بالله ولم تنصاعوا لأمره، قرأتم القرآن فلم تعملوا به، ادعيتم حب نبيَّكم فلم تعملوا بسنَّته، قلتم: إن النار حق فلم تتقوها، قلتم: إن الجنة حق فلم تعملوا لها، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا.." ذكر اثني عشر بنداً، وقال: فكيف يُستجاب لكم ؟!!
الذي أريده ما دام هناك مّكي ومدني، معنى ذلك أن القرآن المكي يدعوك إلى الإيمان بالله واليوم الآخر عن طريق الآيات، وأيَّة دعوةٍ إلى الله تُغفل هذا الشطر الكبير من الدين فهي دعوةٌ عرجاء لا تنجح، والآن ترى أننا اعتنينا بالفقه على حساب العقيدة، يجب أن نعتنيَّ بالفقه والعقيدة معاً، والشيء الدقيق أن الإنسان حينما يؤمن بالله إيماناً صحيحاً، هو يبحث عن أمره ونهيه، يبحث بشكلٍ حثيث، لذلك المؤمن الصادق شغله الشاغل ما حكم الشرع في هذا ؟
أنت أحياناً موظف في شركة، نُحِّيَ المدير العام السابق عن عمله وجاء مدير جديد، أنت تسأل: من هو ؟ فلان، ما ثقافته ؟ ما أخلاقه ؟ ما طبيعته ؟ ما طباعه ؟ بعد أن عرفت شيئاً عن شخصيته الآن تنتظر الأوامر والنواهي ؛ سلوك طبيعي جداً أن تعرف الآمر أولاً، ثم الأمر ثانياً ؛ فنحن في المكِّي عرفنا الآمر، الآن في المدني يجب أن نعرف الأمر ؛ لذلك أيُّ أمرٍ لم يسبقه تعريفٌ بالآمر هذا الأمر لا قيمة له، لأن شرف الرسالة من شرف المُرسل، وقيمة الأمر من قيمة الآمر، وكلَّما عرفت الله أكثر وَقَّرْتَ أمره أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعده أكثر، وكلَّما عرفت الله أكثر صدَّقتَ بوعيده أكثر ؛ القضية دقيقة جداً، لذلك لا تحاول أن تُملي على الناس الأوامر الإلهية دون أن تعرِّفهم من أمر بها ؛ ماذا عند الله لو أطعته ؟ وماذا عنده لو عصيته ؟ إذا لم يكن هناك فكرة واضحة ماذا ينتظر الطائع، وماذا ينتظر العاصي فلا تعبأ لا بالأمر ولا بالنهي.


بالكون تعرف الله وبالشرع تعبده:



هذا درس بليغ لنا، فلذلك أنا حاولت في أول التفسير أن أبدأ بالقسم المكي أي بالثلث الأخير ثم بالثلث الثاني، ورجوت الله عزّ وجل أن يُمَكَّن الإيمان بالله في قلوب الأخوة المؤمنين.
الآن يأتي التشريع تاجاً يتوَّج به المؤمن ؛ أنت حينما تعرف الله تبحث عن أمره ونهيه تبحث عما يرضيه، لذلك بالكون تعرفه وبالشرع تعبده ؛ هذان الخطَّان في عهد النبي ؛ الخط الأول: التعريف بالآمر، والثاني: التعريف بالأمر ؛ الحد الأدنى الآن أن يسير الخطَّان معاً، لذلك لا بد من درسٍ تعرف الله فيه، التفكُّر في خلق السماوات والأرض هذا الخط الأول، كل إنسان يأكل، ويشرب، ويتزوج، وينام، ويستيقظ، ويتأمَّل، وينظر، يجب أن تعلم أن أرقى عبادة على الإطلاق تتقرَّب بها إلى الله أن تتفكَّر في خلق السماوات والأرض، من أجل أن تزيد معرفتك بالله، من أجل أن يكون أمر الله عندك عظيماً:

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

( سورة نوح)
إذا فكَّرت في خلق الإنسان أطواراً ترجو لله الوقار، من أين يأتي الوقار ؟ يأتي إذا فكَّرت في خلق الله عزّ وجل:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر: الآية 28)
أيها الأخوة الكرام، علمتنا كلمة مكي ومدني أن الدعوة ينبغي أن تمر بمرحلتين ؛ مرحلةٍ نتعرف فيها إلى الآمر، والمرحلةٍ الثانية نتعرف بها إلى الأمر الإلهي.


النقطة الرابعة يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/109/07.jpg
هذه السورة أيها الأخوة ـ سورة البقرة ـ من أطول سور القرآن الكريم، فيها خاصة ثالثة أُسأل عنها دائماً، هذه الخاصة: حديثٌ طويل عن بني إسرائيل وما علاقتنا ببني إسرائيل:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ (134) ﴾

( سورة البقرة )
صفحات طويلة، سيدنا موسى، وعلاقته بفرعون، وعلاقته بقومه، وكيف نجَّاه الله من فرعون ؟ وكيف انتقل إلى سيدنا شعيب ؟ الحديث عن بني إسرائيل له مغزى هو: أن الأسلوب التربوي الحكيم ينطلق من هذه المقولة: " إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة "، يُعَلِّمنا الله جلَّ جلاله أن التوجيه غير المباشر أبلغ أثراً من التوجيه المباشر، فكل الأمراض التي وقعت بها بنو إسرائيل المسلمون مرشَّحون لأن يقعوا بها، فأيُّ مرضٍ من أمراض بني إسرائيل نحن مُرشَّحون لأن نقع فيه:
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾

(سورة البقرة)
هذا يعتقده المسلمون اليوم، يعتقدون بمفهومٍ ساذج للشفاعة، اِفعل ما شئت، والنبي عليه الصلاة والسلام يشفع لك:
﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) ﴾

( سورة المائدة)
هذا مرضٌ أصاب المسلمين:
﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (93)﴾

( سورة البقرة )
لو تتبعت أمراض بني إسرائيل لوجدت أن كل هذه الأمراض قد تلبَّّسنا بها ؛ فإذا قرأنا قصة بني إسرائيل نقرأها كي نتعظ، كي نعتبر من هؤلاء القوم الذين خرجوا عن منهج ربهم فاستحقوا لعنة الله عزّ وجل، هذه النقطة الثالثة.


ملخص لأهم نقاط الدرس:

نعيد ملخص هذه النقط:
الأولى: سميت هذه السورة بسورة البقرة تأكيداً على الإيمان باليوم الآخر، وأن الناس جميعاً سيحاسبون حساباً دقيقاً جداً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً:

(( ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم..))

[ابن سعد والبيهقي والديلمي عن أبي البجير]
العبرة باليوم الآخر.
الشيء الثاني: أن الذي يحيا حياةً مستقيمة ينبغي ألا يقلق على أولاده من بعده، لأن الله عزّ وجل هو الذي سيحفظ له أولاده من بعده، أي عليك أن تستقيم وانتهى الأمر:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) ﴾

( سورة الزمر)
وقال:
﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) ﴾

( سورة الأعراف)
النقطة الثالثة: هي أن هذه السورة مدنية، والسور المدنية فيها تشريعات، والتشريع مكانه الطبيعي بعد معرفة المُشَرِّع، الأمر مكانه الطبيعي بعد معرفة الآمر، فإذا عرفنا الآمر وعرفنا الأمر تكاملنا، ولا تنسَ أن الله سبحانه وتعالى جعل التشريع نصف الدين تماماً.
والنقطة الرابعة في سورة البقرة: أن كل قصص بني إسرائيل بأمراضهم، وتقصيرهم، وانحرافاتهم تنطبق علينا، ذكرت مرة أنّ هؤلاء الذين نسوا:
﴿ حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾

(سورة المائدة)
معنى ذلك متى تكون بيننا العداوة والبغضاء ؟ إذا نسينا حظاً مما ذُكرنا به، كأن للعداوة والبغضاء قانون.


في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً ومع ذلك هناك عداوة وبغضاء:



قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ (91) ﴾

(سورة المائدة)
وقال:
﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14) ﴾

(سورة المائدة)
معناها في مجتمعنا قواسم مشتركة كبيرة جداً، ومع ذلك عداوة وبغضاء مع هذه القواسم المشتركة، وصف الله عزّ وجل بني إسرائيل فقال:
﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (14) ﴾

( سورة الحشر )
يحوي المجتمع عشرات العوامل المشتركة، ومع ذلك عداوةٌ وبغضاء ما بعدها من عداوةٍ وبغضاء، هذا قانون ثالث، فأردت من هذا الدرس أن يكون مقدمةً للدروس القادمة التفصيلية، اسم البقرة، والأبُ الصالح، وبنو إسرائيل، لماذا كثر ذكرهم في هذه السورة ؟ والشيء الرابع المكي والمدني.





والحمد لله رب العالمين



تــــــــابــــــــع

السعيد
02-27-2018, 08:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة البقرة (2)

الجزءالثانى



الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.




اللغة من تكريم الله للإنسان وهي أداة اتصالٍ راقية جداً:


أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني من سورة البقرة.

﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/01.jpg
أيها الأخوة الكرام... الكتاب هو الذي يُحْفَظُ في السطور، ويُقرأ مدى الدهور، والقرآن هو الذي يُحفظ في الصدور، ويُقرأ، يغلب على القرآن أنه يُقرأ، إذاً يحفظ في الصدور، ويغلب على الكتاب أنه يكتب، ويحفظ في السطور ؛ فالقرآن والكتاب اسمان لشيءٍ واحد ؛ لكن هذا يُذَكِّرنا بقوله تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

( سورة الرحمن)
البيان اللُّغة، واللغة من تكريم الله للإنسان ؛ أداة اتصالٍ بين أفراد النوع، أداة اتصال راقية جداً، أداةٌ يعبِّر بها الإنسان عن فكره وشعوره، أداةٌ اجتماعية ؛ يتَّصل الإنسان مع الآخرين عن طريق اللغة ؛ لو أن اللغة تُقرأُ، لو أن اللغة تقتصر على أن تُلقى، وأن تُسمع، لما انتقلت ثقافةٌ من جيلٍ إلى جيل، ولا من أمةٍ إلى أمة، لذلك قال تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) ﴾

( سورة العلق)



البيان من أخص خصائص الإنسان:


اللغة حديثٌ واستماع، واللغة كتابةٌ وقراءة ؛ حينما مَكَّنَ الله الإنسان من أنْ يكتب اللغة، ومن أن يقرأ المكتوب، معنى ذلك أن هذه الـعلوم التي بين يدي الإنسان انتقلت من جيلٍ إلى جيل، ومن عصرٍ إلى عصر، وعن طريق الترجمة من أمةٍ إلى أمة ؛ فالإمام القُرطبي مثلاً صاحب التفسير المشهور، لو لم يكن هناك كتابة أين علمه ؟ ضاع بموته، فأيُّ عالمٍ صَبَّ علمه في كتاب، فهذا الكتاب انتفع به أبناء عصره الذين لم يلتقوا به، وانتفع به الذين جاؤوا بعده إلى يوم القيامة، وانتفعت به الأمم الأخرى عن طريق الترجمة، إذاً معنى قوله تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

(سورة الرحمن)
البيان من أخص خصائص الإنسان، وهو من تكريم الله للإنسان ؛ عَلَّمك أن تنطق، وعلَّمك أن تفهم الكلام الذي ينطقه غيرك، وعلمك أن تكتب، وعلمك أن تقرأ المكتوب ؛ فلذلك الكتاب محفوظٌ في السطور، ويقرأ على مدى الدهور، والقرآن محفوظٌ في الصدور، ويُقْرَأُ بلسانٍ عربيٍ مبين.


فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه:


أيها الأخوة... أما كلمة الكتاب.

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/02.jpg
هذه (أل) العهد، أيْ: هذا الكتاب الذي يتميَّز عن كتب أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة، أيُّ كتابٍ ألَّفه إنسان، أُُدخل إلى أضخم مكتبةٍ في العالم، كل هذه الكتب في كفة، وهذا القرآن في كفةٍ أخرى ؛ إنه كلام الله، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ؛ لذلك هذا الكتاب، هو كتابنا المقرر، هو أساس سعادتنا، هو منهجنا، هو دستورنا، هو حبل الله المتين، هو الصراط المستقيم، هو النور المبين ؛ لا تنس هذه المقولة " فضل كلام الله على كلام خلقه، اِقتنِ أعلى كتاب ألَّفه إنسان في العالم، المؤلف إنسان لكن هذا القرآن من عند خالق الأكوان.
دخل مغنٍ بريطاني شهير إلى مكتبة في إيطاليا فرأى فيها القرآن الكريم، فسأل صاحب المكتبة: من مؤلِّف هذا الكتاب ؟ رفع صاحب المكتبة يده إلى السماء، وأشار إلى الله عزَّ وجل، استهزأ هذا المغنِي بهذه الكلمة، واشترى الكتاب ليقرأه، ولينتقده، وليوبِّخ صاحب المكتبة على هذا الادعاء ؛ فلما قرأه آمن به، وترك الغناء، وصار من دعاة الإسلام، واشترى بثروته الطائلة، كل تسجيلاته، وأحرقها ؛ فهذا الكتاب كتاب خالق الأكوان، هذا كتابنا، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( خيركم من تعلم القرآن و علمه )).

[ البخاري عن عثمان ]
خيركم على الإطلاق.

الجهاد الكبير هو نشر كتاب الله و تبيانه و شرحه و حَمْل الناس على تطبيقه:


الجهاد ذِرْوة سنام الإسلام، أعلى شيء في الإسلام الجهاد، وسمَّى الله نشر هذا الكتاب وتِبيانَه للناس، وتفسيره، وشرحه، و حَمْل الناس على تطبيقه سمَّى ذلك: جهاداً كبيراً، فقال تعالى:
﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) ﴾

(سورة الفرقان )
والشقي كلُّ الشقي الذي جاء إلى الدنيا، وخرج منها، ولم يفهم كلام الله.


﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
هذه (أل) العهد، أيْ: كتاب الله، هذا الكتاب متميِّز عن كتب بني البشر قاطبةً ؛ فما من كتابٍ على وجهِ الأرض إلا فيه خطأ، وفيه صواب، أما الكتاب الذي لا ريب فيه فهو هذا الكتاب، فلن تجد في هذا الكتاب حرفاً ثبت أنه خطأ، لأنه كلام خالق البشر.


ابتعاد القرآن الكريم عن الخلل لأنه كلام خالق البشر:


أنا أقول لكم هذه الكلمة: مهما كان المؤلف عظيماً، قد تكون معطيات العصر الذي أُلِّف فيه الكتاب واضحةً، فإذا قرأت كتابه بعد مئة عام وجدت فيه خللاً ؛ هذا الكتاب الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم منذ أربعة عشر قرناً، هل في تقدُّم العلوم المُذهل في كل أنواع العلوم ؛ في الفلك، وفي الطب، وفي علم القارَّات، وفي الجيولوجيا، وفي التاريخ، هل هناك حقيقةٌ علميةٌ قاطعةٌ صَدَمت آيةً قرآنية ؟ مستحيل، لأنه كلام خالق البشر ؛ وليس هذا الكلام من عند النبي عليه الصلاة والسلام. مثلاً: قال تعالى:

﴿ وَالْخَيْلَ (8) ﴾
والخيل أمام النبي..
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾

(سورة النحل )
هذا الشيء موجود في الجزيرة العربية، لو كانت هذه الآية من صنع النبي، لانتهت عند هذا الحد..
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
لم يكن في عهد النبي طائرة، لم يكن في عهد النبي سيَّارة، ولم يكن في عهد النبي حَوَّامة، ولم يكن في عهد النبي مركبة فضائية، لكنه كلام خالق الكون، قال تعالى:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾


( سورة النحل)
فالذي يركب طائرةً ويقرأ هذه الآية يرى أن الطائرة دخلت في هذه الآية، والذي يركب مركبةً فخمة ويقرأ هذه الآية يرى أن المركبة دخلت في هذه الآية، لأنه كلام خالق البشر.


من استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة :


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/03.jpg
يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾

(سورة الحج)
الإنسان يعجَب، لِمَ لَمْ يقل الله عزَّ وجل:
﴿ من كل فجٍ بعيد ﴾
القصد أن الفج بعيد، لكن لأن الأرض كرة فإنك كلما ابتعدت عن إحدى نقاطها صار البعد عمقاً..
﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (28) ﴾

(سورة النحل)
إذاً هذا الكتاب غير كتب أهل الأرض، وما أتعس الذي أمضى حياته مع كتبٍ من صنع بشر ؛ أمضى حياته في الأدب، في الشعر، في القصة، كل هذا من صنع البشر، أما إذا استوعب كلام خالق البشر سعد به في الدنيا والآخرة .


تميز القرآن الكريم عن كل الكتب السماوية السابقة:


شيءٌ آخر..

﴿ ذَلِكَ (2) ﴾
و(أل) للعهد، أي أن هذا الكتاب متميزٌ عن كل الكتب السماوية السابقة، كيف ؟ اِئتمن الله البشر على الكتب السماوية السابقة لحكمةٍ أرادها، وكانت معجزة النبي شيئاً، والكتاب الذي أُنزل عليه شيءٌ آخر ؛ معجزة سيدنا عيسى أنه أحيا الموتى ؛ ومعجزة سيدنا موسى أنه ضَرَبَ البحر فكان طريقاً يبساً، والأفعى، والعصا، فالمعجزة شيء، والكتاب الذي نُزِّل عليه شيءٌ آخر، الكتب السماوية اِئتمن الله البشر عليها، بينما القرآن الكريم يتمَيَّز من بين الكتب السماوية أن الله تولى حفظه بذاته، قال:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ﴾

( سورة الحجر)



القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل الكتب الأخرى:



لذلك لا يستطيع بشر أن يبدِّل حرفاً واحداً، ولا أن يبدِّل حركةً، ولا أن يضع آيةً مكان آية، وليس معنى حفظ الله عزَّ وجل لهذا القرآن أنه لا تجري محاولةٌ لتغييره، الآن في الإنترنت سور اِدّعى الذي وضعها أنها من سورة البقرة، رقم ثلاثة وعشرين، ولا علاقة لها بالقرآن إطلاقاً ؛ الأمر يكشفه الأطفال، وفي درسٍ آخر إن شاء الله أقرأ عليكم هذه السور التي افتعلها أعداء الدين، وجعلوها كأنها سور من كتاب الله عزَّ وجل ؛ إنك إذا قرأتها أمام طفل يكشف أنها اِدِّعاء وكذب، أمام طفل من المسلمين ؛ إذاً هذا الكتاب كتاب الله عزَّ وجل يتميز عن بقية الكتب السماوية أن الكتب السماوية اِئتمن الله خَلْقَهُ على حفظها، فما الذي حصل ؟

﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ (13) ﴾

( سورة المائدة: آية " 13 " )
أو بدلوا وحرَّفوا لأهوائهم، فالكتب السماوية السابقة غاب منها قسم وحرف وبُدل منها قسمٌ آخر، إذاً ليست هي كلمة الله الآن ؛ وكما أن الكتب السابقة أُنزلت على قومٍ معيَّنين لفترةٍ معينة ؛ بينما القرآن الكريم هو المُهَيمن على كل هذه الكتب..
﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (85) ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (33) ﴾


( سورة الصف )



القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء من بدايات الرسالات حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها:


إذاً:

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
هذا الكتاب متميِّز على كل الكتب السماوية السابقة، وعلى كل الكتب التي ألَّفها بنو البشر قاطبةً..
﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
بعضهم قال: القرآن جامعٌ لكل أحكام السماء، من بدايات الرسالات، حتى يَرثَ الله الأرض ومن عليها، هذا الكتاب ليس للأمة العربية، ولا للمسلمين، بل هو لكلِّ أبناء الأرض قاطبةً، والله تولى بنفسه.. بذاته.. حفْظَ كتابه ؛ والعلماء يُضيفون على ذلك أنه من لوازم حفظ كتاب الله جلَّ جلاله حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن سنة النبي مبيِّنة للقرآن، فإذا ضاع التفسير ضاع الأصل ؛ فإذا قلت: إن الله تولى حفظ القرآن الكريم، معنى ذلك أنه تولى أيضاً حفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف تولى حفظها ؟ عن طريق علماء آتاهم الله قدراتٍ عاليةً جداً فمحَّصوا، ونَقَّبوا، ودققوا، وحفظوا سنة رسول الله الصحيحة.


تولي الله عز وجل بذاته حفظ القرآن الكريم :



يطمئننا الله عزَّ وجل أن هذا القرآن لن (لن تفيد تأبيد النفي) أي لن تصل إليه يد التحريف والتبديل، لذلك قال:

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾
إذا قرأته لا يمكن أن يتبادر إليك شكٌ طفيف أن هذه الكلمة ليست من القرآن، هذا الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هوَ هو بين أيدينا، بسوره، وآياته، وكلماته، وحركاته، وسكناته..
﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ (2) ﴾
لأن الله بذاته تولى حفظ القرآن الكريم ، لذلك لا يمكن أن يطرأ عليه أي تغيير، لكن ليس معنى ذلك أنه لا تجري محاولات، تجري، بدأها مسيلمة الكذاب، فإذا قرأت ما صاغه، وادَّعى أنه وحيٌ من السماء لأخذك الضحك إلى مكانٍ بعيد.


الإعجاز في القرآن الكريم على أنواع منها :



1 ـ الإعجاز الإخباري:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/04.jpg
أيها الأخوة الكرام... قد يسأل سائل: ما السبيل إلى أن أؤمن أن هذا القرآن من عند خالق الأكوان ؟ السبيل كلمة واحدة: إعجازه، لا يستطيع بنو البشر مجتمعين إلى يوم الدين أن يأتوا بآيةٍ واحدة إطلاقاً، فهذا الكتاب فيه إعجاز، والإعجاز أي أن البشر يَعْجزون عن أن يأتوا بمثله، أولاً فيه إعجاز إخباري..
﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ (44) ﴾

( سورة آل عمران: آية " 44 " )
ما كنت لديهم، جاء القرآن الكريم بآيات تبيِّن، وتوضِّحُ التاريخ البشري بدقةٍ متناهية ؛ ففي مصر مثلاً كان هناك فراعنة، وفي حقبةٍ قصيرةٍ جداً حكم مصر ملوك، الحاكم الذي عاصر سيدنا يوسف جاء ذكره في القرآن ملك فقال:
﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ (54) ﴾

( سورة يوسف )
أما الذي عاصر سيدنا موسى كان فرعوناً:
﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) ﴾

(سورة الزخرف )
هناك دقة بالغة لأن هذه القصص سمَّاها العلماء: من إعجاز القرآن الإخباري، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾

(سورة الروم)



إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل:



إعجاز القرآن الإخباري يتناول الماضي والحاضر والمستقبل ؛ قصة فرعون مع سيدنا موسى، وقصة سيدنا يوسف مع ملك مصر، وقصة أقوامِ عادٍ وثمود جاءت بتفصيلٍ شديد ودقةٍ شديدة، هذا اسمه: الإعجاز في الإخبار عن الماضي ؛ وفي القرآن الكريم إخبارٌ عن الحاضر البعيد مكانياً عن رسول الله ؛ وفي القرآن الكريم إعجازٌ إخباريٌ عن المستقبل، قال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾

(سورة الروم)
وفعلاً في بضع سنين تزيد عن الثلاثة وتقِلُّ عن التسعة غلب الرومُ الفرسَ في أدنى الأرض، قال بعض علماء التفسير: أي في أخفض نقطةٍ من الأرض، ولم يكن أحدٌ يعلم قبل عشرات السنين أن غور فلسطين أخفض نقطةٍ في الأرض، عُرِفَ بعد اكتشاف أشعة الليزر أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض إطلاقاً، والمعركة تاريخياً تَمَّت في غور فلسطين، قال تعالى:
﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ (4) ﴾

(سورة الروم)
في القرآن الكريم إعجاز إخباري ؛ إخبار عن الماضي، وإخبار عن الحاضر، وإخبار عن المستقبل.


2 ـ الإعجاز العلمي:




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/05.jpg
وفي القرآن الكريم إعجاز علمي، مثلاً، اكتشف علماء الفيزياء الآن أن كل عنصرٍ في الأرض من دون استثناء ذرَّات، وفي الذرة نواة، وحول النواة مسارات، وعلى المسارات كهارب، قال تعالى:
﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ﴾

( سورة يس)
مثل آخر: اِكتشف أن جنس المولود ذكراً كان أو أنثى يحدده الحوين لا البويضة، ولا علاقة للبويضة بتحديد جنس المولود، قال تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) ﴾


(سورة النجم)

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾

(سورة الحج)
الأرض كرة.
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) ﴾

( سورة النمل)
الأرض تدور، تمُرُّ الجبال مر السحاب ثلاثين كيلو متراً بالثانية، كل ثانية تقطع الأرض في دورتها حول الشمس ثلاثين كيلو متراً، في الدقيقة تقطع ألفاً وثمانمئة كيلو متر، في العشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلو متر، نحن الآن مشينا عشرين ألف كيلو متر، من بداية الدرس وحتى الآن..
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ (88) ﴾

( سورة النمل)



الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:



منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، وإلى بضع عشراتٍ من السنين كان يُظَن أن الشمس ثابتة، والكواكب تدور من حولها، على أقل تقدير المجموعة الشمسية تدور حول الشمس، ثم اكتشف أن الشمس تجري، قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) ﴾

( سورة يس)
يوجد بالقرآن إعجاز علمي ؛ لم يكن على عهد النبي طائرات، ولا صواريخ، ولا مناطيد، قال:
﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ (125) ﴾

( سورة الأنعام )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/06.jpg
تـرى أنت السحاب سقفاً أبيضاً، فإذا ركبت طائرةً ترى السحاب من فوق جبالاً، ودياناً، هِضاباً، سهولاً.. كتضاريس الأرض تماماً.. وهذا ذكر في القرآن الكريم ؛ طبعاً أنا أعطيكم أمثلة على سبيل المثال لا على سبيل الحصر، الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الآن أصبح اختصاصاً اسمه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

( سورة الطارق)
فَهِمَ العلماء أن هذا البخار يصعد إلى السماء ويرجع مطراً، هذا المعنى الذي يتناسب مع معطيات ذلك العصر، ثم فهموا أن هذه الموجات الكهرطيسية تصعد إلى السماء فترُدُّها طبقة الأثير، ولولا هذه الطبقة التي ترجع هذا البث لما كان هناك إذاعة ولا نقل صورة عبر الفضاء..
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

( سورة الطارق)
ثم اكتشف العلماء أن كل كوكبٍ في الكون يسير في مسارٍ مُغْلَق، معنى مسار مغلق أنه يرجع إلى مكان انطلاقه بعد حين، فالصفة الجامعة المانعة الشاملة لكل الكون أن السماء ذاتُ رجعٍ..
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

( سورة الطارق)



3 ـ الإعجاز البلاغي:



الطريقة كي تؤمن أن هذا القرآن كلام الله هو الإعجاز ؛ الإعجاز الإخباري، الإعجاز العلمي، الإعجاز البلاغي..
﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا (6) ﴾

( سورة هود )
احذف ( مِن ) الكلام ليس قرآناً، لأن من تفيد استغراق أفراد النوع، احذف (ما) و (إلا) ليس قرآناً، لأن أسلوب النفي والاستثناء يفيد الحصر والقصر، لو ألغينا النفي والاستثناء فقد ألغينا القصر، اِحذف (على).. ما من دابةٍ إلا الله يرزقها.. ليست قرآناً، لأن حذف (على) أَلغى الإلزام الذاتي لله عزَّ وجل، قل: الدواب صار محدوداً (أل) العهد، بعض الدواب، الدواب الأهلية، أما جاءت دابة منكَّرة، مُنَكَّرة تنكير شمول ؛ قد تقف أمام آيةٍ ترى فيها إعجازاً بلاغياً، هنا استثناء، هنا حصر، هنا قصر، هنا تقديم، هنا تأخير، قال تعالى:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾

(سورة الفاتحة )
إذا قال: نعبد إياك.. هل يختلف المعنى ؟ يختلف اختلافاً كبيراً، إذا قلت: نعبد إيَّاك يا رب، لا يمنع أن نعبد غيرك، أما إذا قلت:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ (5)﴾

(سورة الفاتحة )
قدَّمت إياك على الفعل، أي لا نعبد إلا أنت..
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ (59) ﴾

(سورة الأنعام )
لـو قال: مفاتح الغيب عنده، فهي عنده، وعند غيره، أما حينما جاءت عنده قبل مفاتح الغيب، أصبح المعنى حصراً ؛ هذا موضوع طويل جداً، الإعجاز العلمي طويل جداً، يحتاج إلى أشهر، الإعجاز البلاغي يحتاج إلى أشهر، الإعجاز التاريخي، الإخباري، إعجاز النظم، شيء مذهل.
فيا أيها الأخوة الكرام... طريق الإيمان بهذا الكتاب هو الإعجاز.

أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه:



هناك شيء آخر: الذي أنزل هذا الكتاب، الذي أنزله يشهد لنا أنه كلامه، كيف يشهد لنا أن كلامه الذي أنزله ؟ من خلال التأويل، والتأويل بأدق التعاريف: وقوع الوعد والوعيد ؛ أي حينما يمحق الله مال المُرابي، محق مال المرابي شهادة الله لهذا المرابي قوله تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (279) ﴾

( سورة البقرة )
هو كلامه، محقُ مال المرابي شهادة الله للمرابي أن هذا القرآن كلامه ؛ والشاب الذي يؤمن بالله ويعمل صالحاً ويحيا حياةً طيبة، الحياة الطيبة التي يحياها الشاب هي شهادة الله له أن هذا القرآن كلام الله ؛ وحينما تنفِقُ من مالك فيزداد مالك، فزيادة المال شهادة الله لك أن القرآن كلام الله عزَّ وجل..
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276) ﴾

( سورة البقرة )
أي فعلٍ من أفعال الله هو شهادة الله لنا أن هذا القرآن كلامه..
﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ (40) ﴾

(سورة الحج )
يوجد توازن قُوى في العالم:
﴿ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ (40) ﴾

(سورة الحج )
فحينما أُلْغي هذا التوازن عانت الشعوب ما عانت، عانت الأمَرَّين كان هذا التوازن بين قُوى الأرض نعمة من نعم الله العظمى، غفلنا عن هذه النعمة فعرفناها بفقدها ؛ كان التوازن نعمةً من نعم الله العظمى،
﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾
توازن القوى، شرق وغرب، فلما اختل هذا التوازن، وصار هناك قوة واحدة، فقَدْنا هذه النعمة ؛ اللهمَّ عرفنا نعمك بكثرتها لا بزوالها، لابدَّ من أن نعرف النعم، إما أن نعرفها بوفرتها أو بزوالها.

القرآن كلام الله وحبله المتين ومنهجه للعالمين:



شيءٌ آخر: هذا القرآن كلام الله، وحبل الله المتين، والصراط المستقيم، ومنهج ربِّ العالمين، والنور المبين، غنىً لا فقر بعده، ولا غنىً دونه، من أوتي القرآن فهماً وتفسيراً فرأى أن أحداً أُوتي خيراً منه فقد حقَّرَ ما عظَّمه الله عزّ وجل ؛ أهل القرآن أهل الله، أنت حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله لتتعلم كلام الله فلا شيء في حياتك يعلو على هذا الهدف ؛ لاشيء، أي أهم ألف مرة من أن تؤدي امتحاناً جامعياً يُبنى عليه مستقبلك، إنك تتعرف إلى كلام الله، إلى منهج الله، إلى افعل ولا تفعل، هذا حرام وهذا حلال، فلذلك يقول الله جلَّ جلاله:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (1) ﴾

(سورة الأنعام )
نحمد الله على أنه أَوْجد الكون، وفي المستوى نفسه:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾

( سورة الكهف )
أي أن الكون كلُّه في كَفَّة وهذا القرآن في كفة، الكون خَلْقه والقرآن كلامه، لا معنى لخلق الكون من دون منهجٍ تسير عليه ؛ يتَّضحُ هذا في قوله تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾

( سورة الرحمن)


ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي وليس ترتيباً زمنيًّاً:



يا رب كيف تعلِّم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟ ليس هذا هو المعنى..
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) ﴾

( سورة الرحمن)
المعنى: أن ترتيب تعليم القرآن مع خلق الإنسان ترتيبٌ رُتَبي، وليس ترتيباً زمنيًّاً، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهجٍ يسيرُ عليه، اِذهب إلى بعض الشعوب، ماذا يعبد شعب في الهند بأكمله ؟ البقر، وشعبٌ آخر يعبد الجرذان، وعندي تحقيقٌ علمي لمجلةٍ محترمةٍ جداً فيها صورٌ لا تُصدَّق، معبد ضخم جداً.. إله هذا المعبد الجُرذان.. لذلك قال الله تعالى:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) ﴾

( سورة الكهف )
نحن نعبد الله عزّ وجل، نعبد خالق السماوات والأرض، نعبد الذي بيده ملكوت كُلِّ شيء، نعبد الذي إليه يرجع الأمر كله، نعبد الذي إذا قال لشيءٍ: كن فيكون، نعبد القوي، نعبد الغني، نعبد صاحب الأسماء الحُسنى، والصفات الفُضلى.


النعم الكبرى التي أنعمها الله عز وجل على الإنسان:



لذلك أحد أكبر النعم بعد نعمة الوجود نعمة الهدى ؛ هناك ثلاث نعم ؛ نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهُدى والرشاد، يؤكد هذا المعنى:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) ﴾

( سورة الكهف )
من أجل أن تطمئن أن هذا الكتاب الذي بين يديك هو نفسه الكتاب الذي أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من دون زيادةٍ ولا نقص، قال تعالى:
﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾

( سورة الكهف )
لا تُبَدَّل، ولا تُغَيَّر، ولا تُحَرَّف، ولا يُضاف عليها، ولا يُحذف منها إطلاقاً.. تولَّى الله بذاته حفظ كتابه..
﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27) ﴾

( سورة الكهف )



الله تعالى دعا الإنسان ليؤمن به طوعاً ليكون إيمانه اختياراً لا إكراهاً :




أنت حـينما تؤمن طـوعاً تـرقى به، لو أراد الله عـزَّ وجل أن نؤمن به قسراً لفعل، ولـكن هذا لا يُسعدنا، لـو أراد الله أن نؤمن بهذا القرآن قسراً لكان ذلك، ولـكن هذا الإيمان القَسري لا يسعدنا، قال تعالى مخاطباً نبيه محمد:

﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) ﴾

( سورة الشعراء)
لكن الله دعانا لنؤمن به طوعاً، لنرقى بهذا الإيمان، ليكون إيماننا اختياراً لا إكراهاً:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) ﴾

( سورة البقرة )



فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: آية تدل على إعجاز الله عز وجل في قرآنه :


يقسم ربنا جلَّ جلاله رحمةً بنا فيقول:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) ﴾
( سورة الواقعة)
لا يعرف معنى هذه الآية إلا من درس الفلك ؛ أذاعت محطة أخبار عالمية خبراً من سنة ونصف أنه: تمّ اكتشاف مجرة تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ؛ أقرب نجم مُلتهب للأرض يبعُد عنا أربع سنوات ضوئية، أجْرِ مساءً على الآلة الحاسبة ما معنى أربع سنوات ضوئية ؟ أي ( ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية × 60 بالدقيقة × 60 بالساعة × 24 باليوم × 365 بالسنة × 4 هذا الرقم قسمه على مئة)، عندنا سيارة نريد أن نصل بها إلى هذا الكوكب، السرعة مئة، ثم قَسِّم هذا الرقم على الساعات، أي 24 تعرف عدد الأيام، ثم قسم هذا الرقم على 365، يظهر معنا أننا نحتاج لأن نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى خمسين مليون سنة، وبإمكانك أن تجري هذا الحساب مساءً، تقود سيارة خمسين مليون سنة لتصل إلى أقرب نجم ملتهب للأرض، هذه المجرة الأخيرة، ثلاثمئة ألف بليون، أي ثلاثمئة ألفْ ألف مليون سنة ضوئية ؛ قال الله عزّ وجل: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾
( سورة الواقعة)
فما جواب هذا القسم ؟ ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾
( سورة الواقعة)
جواب هذا القسم إن هذا كلامي يا عبادي.

زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين:



ذكرت قبل يومين في حفل ـ بدأت الحفل هكذا ـ قلت: زوال الكون أهون على الله من ألاّ يحقِق وعده للمؤمنين: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ (55) ﴾
( سورة النور )
أين الاستخلاف ؟ ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ (55) ﴾
( سورة النور )
أين التمكين ؟ ﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ (55) ﴾
( سورة النور )
أين الاطمئنان ؟ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا (38) ﴾
( سورة الحج )
أين الدفاع ؟ ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) ﴾
(سورة النساء )
لهم علينا ألف سبيلٍ وسبيل.. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ (7) ﴾
( سورة محمد )
أين النصر ؟ زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعده للمؤمنين.

إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات تبعد الإنسان عن الله عز وجل:


ولكن:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾
( سورة مريم )
الساعة الخامسة قيام ليل الحمد لله !!
قيام ليل بقنوات المجاري، لا بالتحليق مع الله عزّ وجل.. ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) ﴾
هذا هو الجواب، فلذلك: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) ﴾
( سورة الواقعة)


فضل القرآن الكريم :



إذا عرف الإنسان قيمة هذا القرآن لا ينام الليل، لا يغيب عن درس تفسيرٍ واحد، كلام الله دستورنا، منهجنا، نور الله المبين، صراطه المستقيم، حبلُ الله المتين، هو الغِنَى، هو العِز، كلكم يعلم إذا تفوَّق عالم في القرآن الكريم ومات ترتج الدنيا له، مات وأخذ معه كُلَّ شيء، أخذ معه كل الخير، أما أهل الدنيا إذا ماتوا فيتركون كل شيء ؛ الذين عرفوا الله، وأمضوا حياتهم في الدعوة إليه يأخذون معهم كل الخير، إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً، تعلَّموا القرآن وعلموه، اِفهموا أحكامه، ولقنوا أحكامه لأبنائكم، وربوا أبناءكم على هذا القرآن الكريم، وعلى حُبِّ نبيِّكُم، وعلى حب صحابته الكرام.
﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ (2) ﴾
( سورة يونس )
يشكك أكثر أعداء الدين في هذا القرآن أنه جاء به بشر، ولكن أنتم يا من تشكّكون بهذا القرآن ألاَ تتبعون نبيَّاً من بني البشر ؟ ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا (2) ﴾
( سورة يونس )
هذه سُنَّة الله في خلقه، أنزل الله هذا القرآن على سيد الخلق، وحبيب الحق، أنزله على أمين وحيِّ السماء.. ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) ﴾
( سورة هود)


عبادة الله عز وجل فَحْوى القرآن كُلّه:



هذا الكتاب كله ملخَّصه كلمة واحدة: ألا تعبدوا إلا الله: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾
( سورة هود)
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾
( سورة الكهف )
فَحْوى هذا القرآن كُلِّه: ﴿ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) ﴾
( سورة الكهف )
هذه آية تلخيص، يلخِّص الله عزّ وجل لنا قرآنه كله.. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾

( سورة الكهف )


من عمل أعمالاً صالحة ألقى الله في قلبه الأمن و الطمأنينة و السعادة:



قد تنتظر سنوات وسنوات، ولا تستطيع أن تقابل مَلِكاً، لكن ملك الملوك يقول لك:
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110) ﴾
( سورة الكهف )
ثمن اللقاء عملٌ صالح، اِجعل عملك صالحاً فأنت مع الله، تلقَ الله في الدنيا قبل الآخرة، يُلقي عليك أنواره، يُلقي عليك تجليِّاته، يملأ قلبك أمناً وطمأنينةً، يملأ قلبك سعادةً، يملأ قلبك رضاً.
جاءت سيدَنا الصديقَ استغاثةٌ من أحد قواده في بلاد الفرس ـ في نهاوند ـ المسلمون ثلاثون ألفاً، والأعداء مئةٌ وثلاثون ألفاً، أرسل سيدنا خالد إلى سيدنا الصديق يطلب منه النجدة، بعد حين جاءت النجدة، أقل شيء ثلاثون ألفاً مع الثلاثين، أو خمسون ألفاً، أو سبعون ألفاً، فكانت النجدة رجلاً واحداً اسمه القَعْقَاع، عندما وصل إليه نظر إليه فقال له: أين النجدة ؟ فقال له: أنا، معي هذا الكتاب فاقرأه، فتح الكتاب: " من عبد الله أبي بكر إلى خالد بن الوليد، أحمد الله إليك، يا خالد لا تعجب أن أرسلت إليك واحداً، فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم "، وانتصر الجيش وفيه القعقاع، القرآن يصنع بطولات، القرآن يجعل منك ألفاً، القرآن يجعل منك مئة ألف، أنت واحد، هذه كلها حقائق.

التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:



لذلك:
﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾
( سورة هود)
فَحْوى هذا القرآن كله: ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (2) ﴾
( سورة هود)
الأدق من ذلك أنّ فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم هو التوحيد.. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾
(سورة الأنبياء)


قصص القرآن الكريم أحسن القصص:



ما من مكتبة الآن في الأرض إلا فيها قصص، ساعة تسمى أدباً مكشوفاً، وساعة تسمى أدباً واقعياً، فالإنسان البعيد عن الله في الوحل، الإنسان ساقط، الإنسان شهواني، الإنسان خائن، الإنسان أناني، الإنسان متعجرف، يقول الله عزّ وجل:
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾
( سورة يوسف )
اِقرأ قصة سيدنا يوسف تَسْمُ نفسك ـ إنسان مبدأ ـ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: ﴿ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) ﴾
(سورة المائدة)
كان عبداً فجعله الله مَلِكاً بطاعته لله، وقف سيدنا موسى مع الحق، ولم يعبأ: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ (15) ﴾
( سورة القصص)
وخرج من مصر خائفاً يترقب، وصل إلى سيدنا شُعَيب، وزوَّجه ابنته، وعاد إلى فرعون رسولاً: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (7) ﴾
( سورة القصص)
﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾
( سورة القصص)
هذا القرآن الكريم ؛ امرأة فرعون آسية مَثَل أعلى لكل النساء، إن إيمان المرأة مستقلةٌ به عن زوجها، أكثر النساء الفاسقات يقُلن: هكذا يريد زوجي، سوف تُسألين أنت وحدك عن إيمانك:" لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
فرعون وما أدراكم ما فرعون، الجبار الطاغية ما استطاع أن يحمل امرأته على أن تؤمن به.. ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) ﴾
( سورة التحريم)


قصص القرآن الكريم تغطي جميع الأحوال التي يمر بها البشر :



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/124/07.jpg

أيها الأخوة: القرآن فيه قصص، إذا قرأ أحدهم قصة نوح وكان عنده ابن سيئ يمتلئ قلبه جبراً، ومن يقرأ قصة سيدنا إبراهيم وعنده أبٌ سيئ:
﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي (43) ﴾
( سورة مريم )
ومن كانت زوجته سيئة جداً فليصبر عليها.. ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ (10) ﴾
( سورة التحريم )
والتي عندها زوجٌ شرير، فلها في امرأة فرعون القدوة.. ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ (11) ﴾
( سورة التحريم )
والذي يحتل مكانة عَلِيَّة في المجتمع بإمكانه أن يكون صالحاً، قصة ذي القرنين، مكَّنه الله في الأرض وجعله مؤمناً كبيراً صالحاً، والذي لا ينجب الأولاد، سيدنا زكريا، وإذا دخل إنسان السجن ظُلماً، سيدنا يوسف، نبيٌّ كريم دخل السجن، ليس السجن وصمة عار بحق الإنسان أحياناً، فإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن كل قصة دواء، إنسان ظُلِم فرضاً له في سيدنا يوسف أسوةٌ حسنة ؛ امرأةٌ عفيفةٌ طاهرةٌ تكلَّم الناس في عرضها ظلماً وزوراً لها في السيدة عائشة أسوة حسنة ؛ كأن قصص القرآن تُغَطِّي كل الأحوال.. ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3) ﴾
( سورة يوسف )


الآيات القرآنية تعطي الإنسان إيماناً فطرياً:



أما إذا قرأت مثل هذه الآيات:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ (2) ﴾
( سورة الرعد)
هل يستطيع أحدٌ من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ إلا أن هذا كلام الله عزّ وجل، أي أنت بالفطرة إذا قرأت هذه الآية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ (2) ﴾
( سورة الرعد)
من يستطيع من بني البشر أن يدَّعي ذلك ؟ هذه الآيات تُعطيك إيماناً فطرياً، وهذا القرآن في النهاية: ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (1) ﴾
( سورة إبراهيم)
الكافر في ظلام، في ظُلُماتٍ بعضها فوق بعض، وأما المؤمن إذا قرأ القرآن فهو على بيّنةٍ من ربِّه، إنه في نور الله عزّ وجل، حتى إنّ بعضهم قال: الله نور السماوات والأرض، نوَّرها بهذا القرآن الكريم، بيَّن، ووضَّح.

أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن يتخلق الإنسان بأخلاق القرآن الكريم:



اقرأ القرآن تعرف أنك المخلوق الأول ، اقرأ القرآن تعرف أن هذه الدنيا لعبٌ، ولهوٌ، وزينة، وأن الآخرة هي دار القرار، اقرأ القرآن تعلم أن العمل الصالح هو رأس مالِكَ في الدنيا، اقرأ القرآن تعلم أن أعلى خُلُقٍ على الإطلاق أن تتخلق بأخلاق القرآن ؛ سُئلت السيدة عائشة عن أخلاق رسول الله ؟ قالت: كان خلقه القرآن، فأنت إذا قرأت القرآن، تلوْتَه حق تلاوته، فهمتَ آياته، تدبَّرْتها، وعملت بها سعدت في الدنيا والآخرة، كنت في ظلام البعد وظلام الجهل، فانتقلت إلى نور العلم والمعرفة، والدعاء: " اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، من وحول الشهوات إلى جنَّات القربات ".
فاليوم: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ (2) ﴾
إن شاء الله في الدرس القادم سنتابع قوله تعالى: ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ﴾




والحمد لله رب العالمين





تــــــــابــــــــع

السعيد
02-27-2018, 02:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزءالاول





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد ؛ فقد أنهينا في الدروس السابقة، بعض الآيات الكريمة المختارة من سورة البقرة، وننتقل إلى سورة آل عمران، وفي أوائل هذه السورة آيتان كريمان يقول الله سبحانه وتعالى فيهما:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)﴾

(سورة آل عمران)
أيها الإخوة الكرام ؛ رُكب في كيان الإنسان هذه الشهوات، وقد يَفهم بعضهم أن هذه الشهوات أساس فساد العالم، والحقيقة عكس ذلك، فلولا هذه الشهوات التي ركبت فينا لما دخلنا الجنة، ثمّ إن هذه الشهوات حيادية، إنها سُلَّم ترقى بها إلى الجنة أو دركات تهوي بها إلى النار، إن هذه الشهوات بمثابة محرك يحرك هذه المركبة، فإذا كان مع هذا المحرك مقود يحافظ على بقاء السيارة على الطريق المعبد، كان هذا المحرك قوة دفعٍ لهذه المركبة، أما إذا كان هذا المحرك يعمل بلا مقود، والطريق فيه انعطافات، وعلى جانبيه وديان سحيقة، فالهلاك حتمي.
إذاً الشهوات حيادية، ليست هي سبب فساد العالم، بل إن سوء استخدامها هو سبب فساد العالم.
إنّ الشهوات التي أودعها الله فينا، قيَّدها في الوقت نفسه بمنهج رسمه الله لنا، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة، لو سارت هذه الشهوة في خلال القناة لآتت أكلها ضعفين، كنت ضربت من قبل مثلاً، الوقود السائل بالسيارة، فيه قوة انفجارية، لكنه إذا وضع في مستودع محكم، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، ولّدَ حركةً نافعة، تسعد بها، وتنقلك أنت وأهلك إلى مكان جميل، ماذا يجري بالسيارة ؟ انفجار، لكنه انفجار وفق المنهج، أما لو خرج هذا الوقود عن مساره، وأصابت السيارةَ شرارةٌ لأحرقت المركبة وما فيها.
فإياك أن تتهم الشهوات، فلولاها لما ارتقيت إلى رب الأرض والسماوات، ولولاها لما دخلت الجنة، ولما تقربت إلى الله، تصور هل من طريق آخر تتقرب به إلى الله غير طريق الشهوات، المال محبب فإذا أنفقته حلالاً ارتقيت إلى الله، فإذ كان مع شخص خمسمئة ليرة، يمكنه أن يأكل طعاماً نفيساً هو وأهله، لكنّه أعطاها لفقير، لولا أنك تحب هذا المبلغ لما ارتقيت بإنفاقه، وأودع الله فيك حبَّ النساء، فلولا أنك تحب النساء ومررت في طريق على امرأة سافرة وغضضتَ بصرك عنها لا ترقى إلى الله، بل إن هذه الشهوات ترقى بها إلى الله مرتين، ترقى بها مرة صابراً ومرة شاكراً، فإذا نظرت إلى ما يحل لك ترقى شاكراً، وإذا غضضت عما لا يحل لك ترقى صابراً، إذا كسبت المال من وجوهه المشروعة وأنفقته فيما هو مشروع، كأنْ تأتيَ مثلاً بالطعام والشراب والفواكه لأولادك، وقد أدخلت على قلوبهم السرور، فإنّك ترقى إلى الله شاكراً، فإذا امتنعتَ عن أخذ مالٍ حرام، فيه شبهة، وأنت في أشد الحاجة إليه، وقد أودع اللهُ في كيانك حبَّ المال، ترقى إلى الله صابراً، هذه الشهوات إذًا كالمنشار، ترقى بها مرتين، فإنْ سلكت القناة النظيفة التي سمح الله لك أن تسلكها ارتقيت إلى الله شاكراً، وإن ابتعدت عن الوجه الذي حرمه الله عليك ترقى إلى الله صابراً، ولولا الشهوات لما ارتقيت إلى رب الأرض والسماوات، ولولا الشهوات لما تقربت إلى الله عز وجل، والإنسان يُصلي في اليوم خمس مرات، أما إذا سار في الطريق المشروع يصلي آلاف المرات، لأنّه كلما غضَّ بصره عن امرأة أجنبية ارتقى إلى الله، فهناك ألف طريق لكسب المال.
اليوم سمعتُ في الأخبار أنَّ أكبر ربح في العالم ربح المخدرات ‍‍‍‍‍‍‍؛ ألف مليار دولار، أعلى ربح في العالم، أرباح المخدرات التي تسبب الآلام لملايين الأسر، إنّها أرباح طائلة، إذاً فالإنسان إذا امتنع عن أخذ المال الحرام يرقى، وإذا سلك الطريق المشروع يرقى، وإذا غض بصره عن امرأة أجنبية يرقى، وإذا نظر إلى امرأته يرقى، كالمنشار ترقى بالشهوات مرتين، كلما أقبلت على طريق مشروع ترقى بها، وكلما ابتعدت عن طريق حرمه الله ترقى بها، فالإنسان لا يتألم من الشهوة، بل يتألم من نفسه، بشكل أو بآخر، السُّكَّر مادة ثمينة، والملح مادة ثمينة، فلو وضعت الملح في الحلويات، هل تأكلها ؟ أو وضعت السكر في طبخة غالية الثمن هل تأكلها ؟ لقد فسدت الطبخة، السكر مادة ثمينة ونافعة، والملح مادة ثمينة ونافعة، لكن أسأتَ الاستعمال، فالفساد هو في إساءة الاستعمال ؛ فالمرأة صممت لتكون زوجة لك، تسعد بها وتسعد بك، وتنجب أطفالاً ترفرف بوجودهم على البيت السعادة والهناءَة، أما إذا سلكت في قضاء هذه الشهوة طريقًا حرَّمه الله عليك تشقى، فالشقاء هو في سوء استخدام هذه الحظوظ وتلك الشهوة.
هذا معنى قول الله تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾
أما الشيء الدقيق في هذه الآية:

﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
وكأن المتاع كلَّه في كلمة:

﴿ذَلِكَ﴾
هذه التي بين يديك.

﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾
فإذا اتقى الإنسانُ اللهَ في هذه الشهوات، وجاءه ملك الموت ليقبض روحه، وقد مات على الإيمان، وعلى طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فله عودةٌ إلى الله لا توصف من شدة السعادة.

﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾
فحينما تؤوب إلى الله، وقد اتقيت الله في هذه الشهوات، فلك عودة لله عز وجل، وأنتَ في أسعد الحالات.
لذلك قالوا: الموت عرس المؤمن، والشيء الثابت أنَّ أسعد لحظات المؤمن حين يلقى ربه، وا كربتاه يا أبي ‍! قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبه محمداً وصحبه.
فلك أن تتزوج، وأنْ تنجب الأولادَ، وتشتغل وتكسب المال كله بالطريق الحلال، وفق المنهج الربَّاني، ادرس واحصل على شهادات عليا، وتاجر وافتتح محلات، ضمن المنهج، وكن صادقًا، لا غش، ولا تدليس، ولا ربا، وكل عملك وفق المنهج، فالله ما حرَّم عليك الدنيا، ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزود منهما معاً، فإن الأولى مطية للثانية، والدعاء الشريف:
(( اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنيايّ التي فيها معاشي، وأصلح آخرتي التي إليها مردي، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسن، ة وارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت ))
وهذه واقعية النبي صلي الله عليه وسلم.
لكن دققوا في الآية التالية، فكل واحد من إخواننا الكرام ذاق نعمة المال، ونعمة النساء، ونعمة الزوجة، والبيت المريح، والمركبة الفاخرة، والبيت في المصيف.
فهذه الشهوات مارِسْها وعرفها، ثم إنّ ربنا عز وجل يقول لكم:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾
هل أنت مصدق لله عز وجل:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
وأثمن من كل ذالك:

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)﴾

لذلك قال صلى الله عليه وسلم:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر ))
سافِر إلى طرطوس واركب القارب لأرواد واخرج من جيبك إبرة واغمسها في مياه البحر، ثم اسحبها، واحسُب النسبة، كم نقص البحر من مائه ؟
وكذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم وهو:

﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾

( سورة النجم: الآية: 4، 5 )
لقد قال:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر.))







والحمد لله رب العالمين






تــــــــابــــــــع

السعيد
02-27-2018, 02:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزءالثانى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
ففي سورة آل عمران أيها الإخوة، آية تعد مقياساً لكل مؤمن ؛ هذه الآية هي الآية الواحدة والثلاثون وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾
قال العلماء: لما كثر مدَّعو المحبة لله عز وجل جعل الله سبحانه دليلاً على صدق المحبة أو عدمه، آية في كتابه الكريم، فالمحبة شعورٌ داخلي يستطيع أن يدَّعيها كل إنسان، ولو كان أبعد الناس عن الله عز وجل، يقول لك: أنا أحب الله، فالحب يُدَّعى، لكن الله سبحانه وتعالى طالب المؤمنين بالدليل، فحبك لله عز وجل له دليل، ودليله طاعة رسول الله:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
فالإنسان أيها الإخوة لئلا يقع في وهمٍ مهلك، لئلا يتوهم أنه على حق وهو على باطل، لئلا يتوهم أنه محب وهو ليس بمحب، جعل الله هذه الآية دليلاً على محبته للمؤمنين.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
ويبدو أنَّ هذا المرض يصيب أهل الكتاب أيضاً.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
( سورة المائدة: 18 )
هذه دعوى.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
فرد الله عليهم:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
( سورة المائدة: 18 )
فلو أنّ الله قَبِل دعواهم وأقرهم على ادِّعائهم، لمّا عذَّبهم، وما دام يعذبهم فهم كاذبون في دعواهم، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الإمام الشافعي حقيقةً ثابتة، وهي أن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحبابه، بل يبتليهم ويمتحنهم، ولكن لا تستقر حياتهم إلا على الإكرام.
وهنا محل الإشارة إلى أن حياة المؤمن تمر بأطوار ثلاثة ؛ فتمر في طورٍ يعالجه الله، ويؤدِّبه إلى أن يحمله على طاعته، وهذا الطور الأول، يعالجه ويضيق عليه ويشدد عليه ويؤدبه بشتى الوسائل النفسية والمادية إلى أن يحمله على طاعته.
إذًا هذا طور التأديب، فإذا حمله على طاعته دخل في طورٍ آخر ؛ طور الابتلاء:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾
( سورة الأنبياء: 35 )
فإذا نجح في الابتلاء دخل في طورٍ ثالث ؛ وهو التكريم، لذلك اليهود والنصارى قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال تعالى:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
( سورة المائدة: 18 )
فإذا رأيت أن المسلمين ليسوا على ما يتمنون، وحالهم لا ترضي، وليسوا كما قال الله عز وجل، فلم يُستخلَفوا في الأرض، ولم يمكِّن الله لهم دينهم الذي ارتض لهم، ولم يبدلهم بعد خوفهم أمناً، هذه وعود الله عز وجل:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
(سورة النور: 55 )
إخوتنا الكرام ؛ أي وعد في القرآن الكريم، إنْ رأيته غير محقق، ينبغي أن تشك في الطرف الثاني، لأن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)﴾
( سورة النور: 87 )
وقال:
﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
( سورة التوبة: 111)
إنّ الله وعد المؤمنين بالنصر فقال:
﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
( سورة محمد: 7 )
وقال:
﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾
( سورة آل عمران: 160 )
وعد المؤمنين أن يدافع عنهم فقال الله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
( سورة الحج: 38 )
ووَعَد المؤمنين أن لن يجعل للكافرين عليهم سلطانا:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾
( سورة النساء: 141 )
هذه وعود خالق الكون، فإن رأيت وعود الله ليست محققه في عالم المسلمين، فماذا تظهر ؟ أتقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى لا يفي بوعده ؟ هذا كلام فيه كفر، حاشا لله عز وجل، يجب أن نشك في إيماننا، وفي طاعتنا لله، وفي استقامتنا، إن الله سبحانه وتعالى يقول في آيةٍ أخرى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
هؤلاء أهل الكتاب لو أن الله أقرهم على دعواهم لمَّا عذبهم.
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
على كلٍ هناك نقطة دقيقة، الإنسان يحيا ضمن مجتمع، والمجتمع فاسد منحرف، يأكل الربا، يرتكب الفواحش، يقلد الغربيين، ولو دخلوا حجر ضبٍ خَرِبٍ لدخلتموه، فإذا كان الإنسان في بمجتمع منحرف، في مجتمع الدنيا كلها همُّه ومبلغ علمه، في مجتمعٍ لا يبالي أأكل حراماً أم حلالاً، مجتمع لا يبالي أكان على منهج الله أم على منهج الشيطان، فإذا كان المؤمن في هذا المجتمع، واصطلح مع الله وحده، واستقام إلى الله استقامةً تامة، فهل تظن أن الله يعذبه مع المجموع.
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء )
لا تنسوا هذه القصة التي أوردها القرآن الكريم، سيدنا يونس حينما كان في بطن الحوت، ما من مصيبةٍ أشد على الإنسان من أن يجد نفسه فجأةً في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل، في ظلماتٍ ثلاث، الأمل في النجاة ضئيل، في بطن حوت وزنه مئة وخمسون طنًا، والإنسان كله لقمة صغيرة، فالتقمه الحوت لقمة واحدة، والحوت كما تعلمون أيها الإخوة ؛ حيوان ثديّ، يعني تُرضِع أُنثاه، كل رضعة ثلاثمئة كيلو، ثلاث رضعات في اليوم تعني طنًا، والحوت مئة وخمسون طنًا كمّا بيَّنا، وفيه تسعون برميلاً من الزيت يُعرَف بزيت الحوت، وفيه خمسون طنًا من اللحم، وخمسون طنًّا من الدُّهن، هذا الحوت إذا دخل إنسان إلى بطنه، فالوجبة المعتدلة وهي تسكيت لجوعه أربعة أطنان، هذا هو الحوت إذًا، وقد وجد سيدنا يونس نفسه ببطن الحوت فجأة، في ظلمة بطن الحوت وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، أنت الآن، اركب بالبحر بين طرطوس وأرواد بالليل، تشعر بوحشة كبيرة، فإذا غرق الإنسان بالليل، ودخل في بطن الحوت:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾
في ثلاث ظلمات:
﴿ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾
( سورة الأنبياء: 87 )
القصة انتهت، استمع إلى القانون بعدها، إنّه القانون الإلهي الثابت أبدًا، قال:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
يعني أي مؤمن، وفي أي مكان، وزمان، بعد ألف سنة، بعد آلاف السنين، في آسيا أو إفريقيا، أو أمريكا أو ألاسكا، بالقطب الشمالي والجنوبي، في البحر، والجو، والبر، طائرة تحلق على ارتفاع ثلاثةٍ وأربعين ألف قدم فوق جبال الألب، احترقت وانشطرت وسقطت، ومات جميع ركابها إلا راكباً واحدًا، فقد كان مقعد هذا الراكب مكان انشطار الطائرة، فوقع، ونزل على غابةٍ من الأرز مغطاةٍ بخمسة أمتار من الثلوج، هذه الخمسة الأمتار امتصت الصدمة، كما امتصتها ليونة الأغصان أيضاً، فنزل واقفًا، وحيثما كنتَ ؛ في الجو أو البحر أو البر أو برأس جبل.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
وكل إنسان يُحاسب عن عمله، فإذا تبتَ توبة عامة، فالفرج عام، وإذا تبتَ توبة خاصة فالفرج خاص، والمؤمن له معاملة خاصة.
قال:
﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)﴾
( سورة الذاريات: 31 - 32-33-34 )
ثم الآية التالية تقول:
﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾
( سورة الذاريات: 35-36 )
يعني أنّ الله عز وجل قَبْلَ أن يدمِّر هذه البلدة، أخرج منها المؤمنين، فالمؤمن إذا صار في هدى جماعي، فهذا أنعم وأكرم، فيصير في فرج جماعي، وإذا لقيت الناس حولك غير مستقيمين فلا تقل: أنا مثل هؤلاء الناس، هذا الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا))
(رواه الترمذي عن حذيفة)
والقول الدارِج الآن: أخي أنا مثل الناس، حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس، أهذه آية أم حديث ؟ هي كلام فارغ، فالإنسان إذا استطاع أنْ يهدي من حوله، فهذا واللهِ شيء جميل، وإذا استطاع فليصطلح مع الله وحده، وله معاملة خاصة وحده.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
فهذه الآية مقياس دقيق:
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
وقال تعالى:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾
تعامل مع الله مباشرةً، تعامل مع الله بصدق وإخلاص، وأقم أمر الله، يعزك الله:
كن مع الله ترَ الله معك و اترك الذل وحاذي طمعك
وإذا أعطاك من يمنعـه ثم من يعطي إذا ما منـعك
***
أطع أمرنا نرفع لأجلك حـجبنا فإنا منحنا بالرضى من أحبنـا
و لذ بحمانا و احتمِ بجنابـــنا نحمك مما فيه أشرار خلقــنا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــلٌ وأخلص لنا تلق المسرة والهنـا
و سلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب ولإبعاد إلى بأمـرنا
ينادى له بالكون أنا نحبــــه فيسمع من في الكون أمر محبنا
***
والذي لم يذق طعم القرب لم يذق من الدنيا شيئاً، قال: بعض العارفين مساكين أهل الدنيا، دخلوا إلى الدنيا، وخرجوا منها، ولم يذوقوا أطيب ما فيها، إنها ساعات القرب من الله، والثمن كامِنٌ بنفس كل واحد منكم، الثمن طاعة الله، قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾
( سورة الأحزاب: 71)
راجعوا حساباتكم، راجعوا حسابات قيودكم، بيوتكم فيها مخالفات، فيها معاصٍ، حسابات أعمالكم، حسابات جوارحكم، هي كلها حسابات، فإذا أقمت الإسلام في كيانك، وفي بيتك، وفي عملك، غيَّر الله نمط حياتك، فالله عز وجل قال:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾










والحمد لله رب العالمين







تــــــــابــــــــع

السعيد
02-27-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزء الثالث




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
يها الإخوة الكرام ؛ في سورة آل عمران الآية الخامسة والثلاثون وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)﴾
الحقيقة أنّ دخول الجنة بالعمل مبدئياً، لقوله تعالى:
﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
( سورة النحل: 32 )
النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أحد أصحابه، يقول له كما ورد:
((يا بشر لا صدقة ولا جهاد، فبمَ تلقى الله إذاً ؟))
لا بد للإنسان من عمل يلقى الله به، فكل إنسان أكرمه الله عز وجل بعمل، فهذا يتقن الطب، وهذا يتقن المحاماة، وهذا مهندس، وهذا تاجر، وهذا موظف، وهذا له صنعةٌ يرتزق منها، فعملك الذي تتقنه يمكن أن يكون عملاً يدخلك الجنة، فلذلك القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ، فامرأة عمران ماذا تملك ؟ لا تملك شيئًا، إلا أنها حامل، قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
خالصاً لك يا رب، فكان الذي جاءت به ليس ذكراً لكنه أنثى، ولدت السيدة مريم، والسيدة مريم جاءت بنبيٍّ عظيم، وهو سيدنا عيسى، والأمر الدقيق أن كل مسلمٍ وكل مؤمنٍ لا بد له من عمل يلقى الله به، من هم أسعد الناس، هم الذين جعلوا من مهنهم ومن شرفهم ومن دَوْرهم الاجتماعي، أب، أم، زوجة، أبن، من مهنهم وحرفهم ومن م الاجتماعي، جعلوا أعمالاً تؤهِّلهم للعرض على الله عز وجل، فكان السلف الصالح إذا فتح أحدُهم دكانه، نوي خدمة المسلمين، فالمحامي المؤمن لا يتسلم قضية إلا فيها رضي الله عز وجل، يقسم أن يدافع عن الحق وعن المظلومين، فأصبحت حرفة هذا المحامي عملاً يدخل به الجنة، فمَن نفَّس عن مؤمن كربة مِن كُرَب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والطبيب إذا نوى أن يستخدم علمه في تخفيف آلام الناس، فكان علمه واختصاصه وحرفته عملاً يدخل به الجنة، فما مِن عمل في الأرض يستعصي على أن يكون في سبيل الله، إذا كان في الأصل مشروعاً، فمَن هو السعيد ؟ هو الذي يوظف أعماله كلها ؛ اختصاصه، خبرته، ماله، مكانته الاجتماعية في سبيل الله، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾
( سورة الأنعام: 162 )
فلما ترعى الأمُّ أولادَها تقرباً إلى الله، فإنّ ا الاجتماعي عملاً يصبح يدخلها الجنة، ولما يكون الأب أبًا مثاليًا، ويربِّي أولاده تربية صالحة، ف الاجتماعي صار عملاً يدخله الجنة، والابن إذا برَّ والديه ف الاجتماعي صار عملاً يدخله الجنة، وكذلك الخياط، والمحامي، والمهندس، والمدرس، والطبيب، والتاجر، والموظف، وأصحاب الصنعات كلها إذا كانت أعمالهم مشروعة، وسلكوا فيها أساليب وطرق مشروعة، فلا كذب، ولا غش، ولا تدليس، ولا احتيال، ولا احتكار، ولا إيهام ولا غبن، ولا استغلال، فإذا برئ العمل الذي هو في الأصل مشروع، برئ من أساليب غير مشروعة، كان عمله هذا فلاحًا له، شيء آخر ؛ فلو ابتغى بالعمل خدمة نفسه وأهله، وابتغى به خدمة المسلمين، ولم يشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن طاعة، و لاعن طلب علم فقد انقلب عملك إلى عملٍ صالحٍ تلقى الله به، وهذا معنى الآية الكريمة:
﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾
قبل أيام سمعت قصة ؛ واللهِ تأثرتُ لها أشد التأثر، بضع نسوة من المؤمنات الصالحات التقيات، بدأن يطبخن طبخات نفيسة، ويبعنها لأسر غنية، وخصصن ريع هذا العمل أجرًا للعمليات الجراحية، أو أيّ أعمال صالحة، فماذا تملك امرأة عادية، تملك أن تتقن طبخة جيدا، إذاً يطبخن الطبخات المناسبة لبعض الأسر توصية، ويأخذن ريع هذا العمل، ويعملن به أعمالاً صالحة، كأنْ يسددن نفقات عمليات جراحية لبعض المرضى.
إنّ أبواب الأعمال الصالحة مفتحة على مصاريعها، فإذا كنتَ تملك أنْ تخدم الناس خدمة، فافعل ولا تقصِّر، بلِّغْ ولو آية، أمَا تملك إذا كنت محاميًا أن تتسلم قضية لإنسان فقير مظلوم دون مقابل ؟ أما تملك إذا كنت طبيبًا تعالج مريضًا من دون مقابل ؟ أما تملك إذا كنت صيدليًّا أنْ تقدِّم الدواءَ مجانًا لإنسان فقير إذا تأكدت من فقره؟.
من هو الشقي ؟ الذي حرم نفسه الأعمال الصالحة، ما من واحد له حرفة إلا وبقدر أنْ تجعل جزءًا منها لله، لوجه الله، هذه المرأة ماذا تملك ؟ تملك شيئًا طبخته، وأخذت أجرة، وقدمتها مساعدات لإنسان يعاني من مرض قلبي، أو إنسان يعاني من فشل كلوي، وهناك عمليات مصيرية في الحياة، الإنسان يربي أولاده، ويمكن للعمّة أنْ تربي أولاد أخيها، فنحن نريد أعمالاً صالحة نلقى الله بها، فالسيدة امرأة عمران:
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾
فإخواننا طلاب الجامعة ؛ ينبغي لهم أن يوظفوا علمهم لخدمة المسلمين، يغادر بعضهم إلى أمريكا فيشتري سيارة رخيصة، وفيلا فخمة تقسيطًا، يوظف كل علمه للكفار، الذين يكيدون للمسلمين، كيف يلقى الله ؟ فالطبيب يجب أن يوظف علمه للمسلمين، والمهندس يجب أن يوظف علمه للمسلمين، والمدرس ينبغي أن يعلَّم أبناء المسلمين، والتاجر ينبغي أن يجلب السلع ليوفرها للناس ويرخصها، قال النبي الكريم: والمحتكر ملعون، والموظف كما تعلم لا يكفيه راتبُه فساعِدْه، وهذا بحث ثانٍ، وأمامك مواطن له حاجة، فإذا خدمته وخفّفت عنه الأعباء، ويسّرت له الأمر وأرشدته، وطيبت خاطره، فهذا العمل الصالح،ينفع المواطنين، وهذا المواطن له عندك حاجة، فما مِن عمل مهني، وما من عمل حرفي، إلا ويوظف في خدمة الحق، فالتاجر مثلاً: التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين يوم القيامة، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، سبع صفات للتاجر، فليعمل خيرًا إذًا، فنحن ما دمنا أحياء وقلبنا ينبض، نحن في فرصة لا تعوض أبداً، ولا بد من اقتناصها.
تطالعك بالطرقات نعوات: فلان.. وفلان.. وفلان.. وفلان..أربعة بنعوة واحدة، ثلاثة بنعوة واحدة، اثنان بنعوة واحدة، في سنِّ 30، أو 40، أو 31 أو 48 أو 58، فالمغادرة سريعة.
لا بد أن توظف عملك للآخرة، من هم أشقى الناس ؟ الذين عملوا عمل الآخرة من أجل الدنيا، وهذا خسار و بوار.
من هم أسعد الناس ؟ الذين وظفوا أعمالهم الدنيوية من أجل الآخرة، فكل أخ كريم له اختصاص، له حرفة، أو دكان، أو تجارة، أو صناعه، أو زراعة، محاماة، أو كان طبيبا، أو مدرسًا، أو مهندسًا، أو موظفًا، حتى ولو كان يعمل في مهنٍ قد لا تُعدُّ عند الناس عظيمة، رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
هذه امرأة عمران قدوة لنا:
﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾
مَنْ خَيرٌ.
﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)﴾
اسمعوا الجواب :
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾
إذا قلت: يا رب دراستي الجامعية أقدِّمها نذرًا لخدمة عبادك، يا رب حرفتي من أجلك لخدمة عبادك.
إخوانا الكرام ؛ هذه حقيقة أطرحها وهي الله ملخص خبرات طويلة، أيُّ إنسان صاحب حرفة، إذا وضع المادة هدفه سقط وافتقر، وإذا وضع مصلحة المسلمين غايته وهمَّه والمادة وراء ظهره، اغتنى، وجاءته الدنيا والآخرة، فلا تكن ماديًا، كن في خدمة الخلق، وتأتيك الدنيا وهي راغمة، من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه وشتت عليه شمله ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.
راجعوا حسابتكم، فأي شغل تشتغله يمكن أن توظفه للآخرة، كأن تضع اللقمة في فم زوجتك، فهي لك صدقة، والله لو أخذت أولادك إلى نزهة عمل صالح، واللهِ لو دعوت ناسًا إلى طعام في سبيل الله فهو عمل صالح.
أخ مؤمن جاء مسافرًا، دعوته إلى الغداء عندك، واللهِ هذا من الأعمال الصالحة، وإطعام الطعام حضَّ عليه الإسلام، والمؤمن ما عنده شيء خاص، فسهراته، ولقاءاته، ونزهاته، وأولاده، وأسرته، وإخوانه، وتدريسه، وحرفته، كلها في سبيل الله، وآيات كثيرة تؤكد هذا، اقرؤوا آخر التوبة.
" ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم به عمل صالح "
وكذلك حركاتك، وسكناتك، وعطاؤك، ومنعك، وغضبك إنْ كان لله، ورضاك إنْ كان عما يرضي الله في سجل عملك الصالح.
لكن العبرة أن تؤمن أولاً، فإذا آمنت انقلبت المباحات إلى عبادات، وإن لم تؤمن كانت العبادات نفاقاً، يا رب علَّمتُ القرآن في سبيلك، فيقول: علَّمتَ القرآن ليقال عنك عالم، وقد قيل خذوه إلى النار، يقول: يا رب قاتلت في سبيلك، فيقول: كذبت قاتلت ليقال عنك شجاع، وقد قيل خذوه إلى النار.
من هم إذاً أشقى الناس ؟ الذين عملوا أعمالاً تبدو أنها أعمال الآخرة، لكنهم عملوها للدنيا.
إذا أُعطِيَ شخصٌ شيكًا بمئة مليون، واعتبره ورقة بيضاء، وكتب عليه، كمسودة، رقم هاتف، ثمّ شقه وألقاه، فحينما يكتشف أن هذا شيك بمئة مليون، ماذا تتوقع أن يصيبه ؟ هذا الذي يستخدم الدين من أجل الدنيا، يستخدم الدين لمصالحه الشخصية، ثم يفاجأ أن استغلال الدين سبب تعاسته الأبدية، وقد ضيع سعادته الأبدية.
فلذلك أندم الناس عالمٌ دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، وأندم الناس غنيٌ دخل ورثته بماله الجنة، ترك أموالاً طائلة، فتزوج الشباب وكانوا مؤمنين، وتاجروا وربحوا ودخلوا الجنة، بينما هو جمعه من حرام ودخل بماله النار لذلك: اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس به أحدًا سواك، وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتني مني، أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك.
هذه الدنيا - دققوا في هذا التشبيه - كمجموعة كراسٍ للمشاهدين ومسرح، فإذا كنت مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين، تستريح وتسمع وترى، وإن لم تستقم تُجَرُّ إلى المسرح، وتلقى النصيب الأوفى من الأذى، وتصبح قصة للناس، فلاتجعلني عبرة لأحد من خلقك.
فإذا استقام الإنسانُ صار متفرجًا، وإذا لم يستقم صار هو القصة، ويتندر الناسُ به.
أما إذا لم يستقم يُجَرُّ إلى المسرح ليأكل لكمات، ولكمات، ليصبح قصة يتندر الناسُ بها.
أما إذا كنتَ مستقيمًا فلك محل مع المشاهدين، تشاهد وتتعظ دون أن تكون أنت قصةً للتهكُّم و التندُّر.






والحمد لله رب العالمين






تــــــــابــــــــع

السعيد
02-27-2018, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزءالرابع


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ ورد في الحديث الشريف، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))
(رواه أبو داود)
أما معنى كثير، فالمسلمون اليوم يعدون ألفًا ومئتي مليون، يعني خُمس سكان العالم.
(( فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.))
ذكرت هذا الحديث تمهيداً لقوله تعالى في الآية التاسعة والأربعين بعد المئة من سورة آل عمران، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ(151)﴾
يعني أنَّ الإنسان حينما يطيع رجلاً غير مؤمن يتردَّى في الهاوية، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
(سورة الكهف: 28 )
فهذا خطأ كبير كبير، والخطأ الفاحش أن تستنصح إنساناً مقطوعاً عن الله عز وجل:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ﴾
والآية المقابلة:
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ ﴾
(سورة لقمان: 15 )
إذاً في شأن معاشه، وشأن تجارته، وشأن تربية أولاده، وشأن تخطيب بناته، لا ينبغي أن يستنصح إنساناً بعيداً عن الله عز وجل، والآية الدقيقة أيها الإخوة ؛ وهي قوله تعالى:
﴿َكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾
(سورة النساء: 101 )
يروى أن بعض اليهود آلمتهم هذه المحبة التي بين الأوس والخزرج، فأرسل أحدهم غلاماً له، بقصيدةٍ قيلت في الجاهلية ليثير بينهم الأحقاد، والأنصار حديثو عهدٍ بالإسلام، فلما سمعوا هذه القصيدة تذكروا بعض ما كان بينهم وبين إخوانهم من عداوةٍ وبغضاء، فكادت تنشب فتنة، فما كان مِن النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أنْ خرج وقال: أتفعلون هذا وأنا بين أظهركم، فنزل قوله تعالى:
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)﴾
حقًّا أن نجتمع، أن نتحابب، أن نتوادد، أن يكون بعضنا دعماً لبعض، أن نكون كالبنيان المرصوص، أن نكون كالصف الواحد، أن نكون كتلة واحدة، كيف السبيل إليها ؟ يقولون: الآلام مشتركة، والآمال مشتركة، واللغة مشتركة، والتاريخ مشترك، حوالي اثني عشر شيئًا مشتركًا، ومع ذلك هناك خصومات، وهناك عداوات، وهناك تشتت، وتشرد، وتبعثر، كيف السبيل إلى وحدة القلوب ؟ قال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
(سورة النساء: 103 )
هذه الآية نقرؤها كثيراً، وقلّما نقف عند معانيها الدقيقة، ما لم يكن هناك إيمانٌ يجمعنا، ما لم يكن هناك منهجٌ يجمعنا، ما لم يكن هناك كتاب يجمعنا، ما لم تكن هناك سنةٌ تجمعنا، ما لم يكن هناك هدف يجمعنا، ما لم تكن وسائل لهذا الهدف تجمعنا، إذًا فلن نجتمع، ولن نكون كتلةً واحدة، ولن نكون صفاً واحداً، ولن نكون يداً واحدةً على أعدائنا، إلاّ إذا أخذنا بقوله سبحانه:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
تذكروا السُّبحة ؛ هل تجتمع حباتها من دون خيطٍ بداخلها ؟ الخيط الذي بداخل السُّبحة هو الذي يجمعها، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
إخواننا الكرام ؛ الأنصار رضي الله عنهم، حينما وزع النبي عليه الصلاة والسلام الغنائم في معركة حنين، لم يعطهم لثقته أنهم مؤمنون، فألَّف بهذه الغنائم قلوبَ أناس ضعاف، فجاءه زعيم الأنصار سيدنا سعد بن عباده وقال له: يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، في شأن هذا الفيء الذي وزعته بين أناس كثيرين، ولم تعطِ منه الأنصار، فقال: يا سعد أين أنت من قومك ؟ فقال سيدنا سعد: ما أنا إلا من قومي، أنا واحد منهم، يعني متألم مثلهم، فقال: اجمع لي قومك، فجمع سعد قومه الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعندئذٍ وقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا معشر الأنصار مقالةٌ بلغتني عنكم، وجدةٌ وجدتموها عليّ في أنفسكم، من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم لإسلامكم، يا معشر الأنصار – الآن دققوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما انتقده الأنصار كان في أعلى درجات قوته، فَتَحَ مكة، وانتهت معركة حنين وانتصر عليهم، وصار الجيش الذي تحت إمرته أقوى قوةٍ ضاربةٍ في الجزيرة، والنبي زعيم هذه الأمة، ونبيها، ورسولها، وقائدها، وفئةٌ من الأنصار غمزت، وانتقدت، وقالت: يعني نحن أَوْلى، لم نأخذ شيئاً – فقال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، أما إنكم لو قلتم فلصُدقتم ولصدقتم به، أتيتنا مكذباً فصدقناك، وطريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك، والنبي صلى الله عليه وسلم، كان بإمكانه أن يلغي وجودهم، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم، وكان بإمكانه أن يعاتبهم لمصلحتهم، لم يفعل لا هذا ولا هذا ولا ذاك، ولكن جمعهم - دققوا مرة ثانية - وذكرهم بفضلهم عليه، وهو في أعلى درجات القوة، قال: يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلاَّلاً فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، إذًا ما الذي يؤلف بين القلوب ؟ إنّه الدين، وما الذي يفرق ؟ المصالح الدنيوية، الدنيا تفرق والدين يجمع، والمال يفرق والحق يجمع، والمعصية تفرق والطاعة تجمع، فإذا أردت لهذه الأمة أن يجتمع أمرُها فعليها أن تأتمر بقوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾
ما لم تكن هناك عقيدة واحدة، وكتاب واحد، وسنة واحدة، وهدف واحد، ومنطلق واحد، ووسائل واحدة، فالقلوب لا تجتمع.
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
إذاً، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً، ما ألفت بين قلوبهم، لو أنفقت المال جزافاً، لو أعطيت مساعدات، لو أعطيت بيوتًا للناس مجانًا، ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم.
إذاً تأليف القلوب شيءٌ يخلقه الله في القلوب، الذي يجمعنا هو دين الله، والشيء الخطير أن الله سمى الفرقة والتنابذ والبغضاء والعداوة والطعن والتدابر سماها كفراً، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾
كيف تكفرون ؟ وهذه الآية نزلت في هذه القصة، يعني أسباب نزول الآية تكشف جوانبها الدقيقة، إذاً هذا الذي يفرق بين المسلمين ويطعن ببعضهم، وينشئ بينهم العداوة والبغضاء، هذا وقع بالكفر وهو لا يدري، هذا الذي يظن أن الله له، وأن الجنة له، وما سواه باطل، هذا إنسان منعزل، هذا إنسان لا يعرف حقيقة هذا الدين.
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
أيها الإخوة الكرام ؛ هذه الآيات في سورة آل عمران تتلوها آيات بعد قليل يقول الله عز وجل:
﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾
- الآية الأولى - وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بحبل الله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
وهناك عداوة، وهناك بغضاء.
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
عن حبل الله.
﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾
هذه المحبة التي تراها بينك وبين أخيك، هذه من خلق الله، هذه علامة الإيمان.
فاسمع إلى الحديث القدسي:
(( عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا وَإِذَا النَّاسُ حَوْلَهُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ وَصَدَرُوا عَنْ رَأْيِهِ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ هَجَّرْتُ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَنِي بِالْهَجِيرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ بِالتَّهْجِيرِ وَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَقَالَ أَاللَّهِ فَقُلْتُ أَاللَّهِ فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))
(رواه أحمد)
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ:
((َ الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))
(رواه الترمذي)
يعني أرقى علاقة بين شخصين علاقة الإيمان، الحب في الله، والبغض في الله، فنسأل الله أنْ يؤلِّف بين قلوب هذه الأمة على الخير.




والحمد لله رب العالمين




تــــــــابــــــــع

السعيد
02-27-2018, 02:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزء الخامس



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية التاسعة والخمسون بعد المئة من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾
أيها الإخوة الكرام ؛ إنَّ الرحمة في قلب الإنسان مؤشر على اتصاله بالله عز وجل، فأبعدُ قلب عن الله عز وجل هو القلب القاسي.
لذلك ورد في الحديث القدسي:
((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ))
الراحمون يرحمهم الله، أبعد القلوب عن الله القلب القاسي، فإذا كان للرحمة مؤشر، وللإيمان مؤشر، وللاتصال بالله مؤشر، فهذه المؤشرات تتحرك معاً.
يعني حجم إيمانك بحجم اتصالك بالله، وبحجم رحمة الخلق في قلبك، فلما يقسو قلبُ الإنسان على عبادِ الله، يوقع فيهم الأذى.
صدقوني... لا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا حجه ولا زكاته، لأنه بعيد عن الله عز وجل، وهذه العبادات أساس القرب، إما أنها طريق إلى القرب، أو إن القرب من خلالها يظهر، ومن كان قاسياً في معاملته مع عباد الله عز وجل، فهذا دليلُ بُعدِهِ عن الله عز وجل هذه نقطة، أما النقطة الثانية كما قال عليه الصلاة والسلام: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ))
(رواه البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو)
فلْنُبلِّغ هذه الآية:
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
ولو كان الإنسان فظاً غليظ القلب، وكان متمكناً من علمه، متبحراً في ثقافته، لكنه فظٌ غليظ القلب، فإنّ الناس يجفونه، ويصدُّون عنه.
فما قولك أن النبي عليه الصلاة والسلام، ومَن هو النبي ؟ إنّه سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، المعصوم، الموحى إليه، المؤيد بالمعجزات، كل هذه الميزات لو كان فظًّا غليظ القلب مع كل هذه الميزات لانفض الناس من حوله.
فكيف إذًا بإنسان لا معجزة معه، ولا وحي، ولا هو معصوم، ولا سيد الخلق ولا حبيب الحق، بل هو واحد من عامة المؤمنين.
فإذا كان في دعوته قاسياً فظاً غليظاً هل تقبل دعوته ؟ فمعنى الآية دقيق، يعني: أنت أيها النبي، أنت على ما أنت عليه من تفوقٍ، من عصمةٍ، من تأييدٍ بالمعجزات، من إكرامٍ بالوحي، أنت بكل هذه الميزات !!! ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك.
فكيف بالذي ليس متفوقاً، وليس مؤيداً بالمعجزات، ولا يوحى إليه، ولا سيد الخلق، ولا حبيب الحق، فكيف تكون فظا غليظ القلب.
تروي كتب التاريخ، أنَ رجلاً دخل على بعض الخلفاء، فقال: إنني سأعظك وأغلُظ عليك، وكان هذا الخليفة فقيهاً، فقال: ولِمَ الغلظة يا أخي، لقد أرسل الله من هو خيرٌ منك إلى من هو أشرُّ مني ؛ أرسل موسى وهارون إلى فرعون، فقال:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
(سورة طه: 44 )
لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، فلن تستطيع أن تفتح عقول الناس، قبل أن تفتح قلوبهم بالإحسان، لذلك قالوا: الإحسان قبل البيان، لا تستطيع أن تقنع الناس بالحق إلا إذا كنت على الحق، والقدوة قبل الدعوة، هناك قواعد، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، لن تستطيع أن تكون مؤثراً بالآخرين إلا إذا كنت محسنًا إليهم.
فلذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((بعثت بمداراة الناس))
هذه الباء في اللغة من معانيها الاستعانة، يعني أنا أستعين على هدايتهم بمدارتهم.
وقد يسأل سائل: ما لفرق بين المداراة والمداهنة ؟ ثمَّةَ فرقٌ كبير، فما أبعد المداراة عن المداهنة.
المداراة بذل الدنيا من أجل الدين، تنفق شيئًا من وقتك، وخبرتك، وراحتك، ومن مالك في سبيل أن تؤلف قلب أخيك، هذه مداراة، ولكن المداهنة أن تنفق من دينك من أجل الدنيا.
﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾
( سورة القلم: 9 )
المداهنة خطيرة، والمداهن منافق، لا يصلي لئلا يظن أنه به دين، هذا بذل من دينه من أجل حسن علاقته بزيد، فهذه مداهنة، فالمداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، أما المداراة فبذلُ الدنيا من أجل الدين فلذلك:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لف ثوبه حتى لا يزعج أحدًا، للثوب عند المشي حفيف، فهل يعقل أن حفيف الثوب يوقظ الأهل ؟ من شدة رقته، ومن شدة رحمته، وشدة عنايته بأهله، فكان إذا دخل بيته لف ثوبه، وكان إذا رأى صبياً سلَّم عليه، وكان الحسن والحسين يركبان على ظهره في البيت فيقول: نعم الجمل جملكما، ونعم الحملانِ أنتما، لماذا وصل إلى ما وصل إليه، بأخلاقه العالية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾
(إنك لعلى)، ما قال الله سبحانه: إنك ذو خلق عظيم، لأنّ ثمة فرقًا كبيرًا بين أن يقول: إنك ذو خلق، وإنك لعلى خلق.
فإذا وقع الإنسان في صراع، يقول: جاهدتُ نفسي جهادًا كبيرًا، حتى ضبطت أعصابي، إذاً أنت ذو خلق، أما النبي فعلى خلق، و(على)تفيد الاستعلاء، فهو متمكن، فمهما استُفِزَّ فلا شيء في الأرض يخرجه عن خلقه العظيم، إنّه متمكن من خلقه.
إخواننا الكرام ؛ الإيمانُ حسنُ الخلق، فإذا ألغيت الخلق، ألغيت الإيمان، وألغيت الدين، ولم يبق إلا شيئان، لن يبقى من الدين إذا ألغيت الخلق إلا طقوس لا معنى لها، وثقافات لا تنفع ولا تجدي، معلومات وطقوس من دون أخلاق نعم.
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
فالآية دقيقة، يجب أن تستشير، لأنه من استشار الرجال استعار عقولهم، فأنت تستعير مثلاً خبرة خمسين سنة بسؤال.
من هو الذكي العاقل الموفق ؟ هو الذي يستشير، والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه صحابي جليل، قال له: هل هذا الموقع في بدر، وحيٌ من الله أم الرأي والمشورة ؟ فإذا كان وحيًا، فلا اعتراض، فقال له: بل الرأي والمشورة فقال الصحابي: يا رسول الله هذا ليس بموقع، قال له: أين الموقع إذًا، قال له هناك، وأشار إليه بكل بساطة، بكل طيب نفس، وقف قدوة لكل مَن يأتي بعده من العلماء والأمراء، فأمر الجيش أن يستقر في المكان الذي أشار إليه الصحابي، إذاً لقد مارس المشورة.
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
فمن خصائص المؤمن، أنه يشاور، لكنْ من يستشير، الاستخارة لله، وتعلمون الاستخارة، يعني قبل أن تقدم على أمر مباح، من زواج، من شركة، من سفر، تستخير الله عز وجل، بأن تصلي ركعتين، وتدعو بدعاء معروف، إن كان في هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فيسره لي، وإذا كان خلاف ذلك فاصرفه عني واصرفني عنه فلا أتعلق به، واقدر لي الخير حيث كان، هذه هي الاستخارة، أما الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، فعوِّد نفسك، بكل عملك، بتجارتك، بصناعتك، بزراعتك، أنْ تبحثَ عن إنسان تثق بعلمه، وبخبرته، وبورعه، لتستشيره، فأنت إذا استشرته فقد استعرت خبرة خمسين عامًا بسؤال واحد.
لذلك يا أخي، القرآن الكريم يحضُّ على المشورة:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
إذا كان النبي المعصوم، المؤيد بالوحي، وبالمعجزات، مأموٌر أن يشاور أصحابه، فالمؤمنون من بابٍ أولى، فنحن إذاً من باب أولى أن نستشير، وما مِن إنسان يقع في شر عمله إلا وقد انفرد برأيه، استشِرْ يا أخي إن كنت تاجرًا، فابحثْ عن تاجر تثق في علمه، ودينه، وفهمه، وخبرته فاسألْه عما أنت مقبِل عليه، وإذا كنت بالصناعة فاسأل صناعيًّا مؤمنًا، وإذا كنت بالزراعة فاسأل زراعيًّا مؤمنًا، وإن كنت بالوظيفة فاسأل موظفًا مؤمنًا، فاستشر، فمن استشار الرجال استعار عقولهم.
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
والتوكل أيها الإخوة بالقلب لا بالجوارح، فعليك أن تسعى بجوارحك، قال أحد العلماء الكبار: السعي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والتوكل حالة النبي، فله حال وله سلوك، فالسعي سنته، والتوكل حاله.


والحمد لله رب العالمين






تــــــــابــــــــع

السعيد
02-27-2018, 02:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ال عمران (3)

الجزء السادس




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التسعون بعد المئة من سورة آل عمران وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
مَنْ هم (أولي الألباب) ؟ قال المفسرون: هم أصحاب العقول، وقد شبه الله العقل في الإنسان كاللب في الثمرة، فما قيمة قشرة الثمرة، بكم تشتري قشور الثمار ؟ بلا شيء، لكن بكم تشتري الثمار ؟ بكل شيء، لأن فيها لبًّا، فالعقل في الإنسان كاللب في الثمرة، والعقل كما ورد: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، ورأس الحكمة مخافة الله، فعقلك يظهر بقدر خوفك من الله وحبك له، فإذا قلَّ الخوف ضعف العقل، وإذا قلَّت المحبة ضعف العقل، يقول الله عز وجل:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
فأنت بحاجة إلى شيئين ؛ بحاجةٍ إلى أن تعرف الله، وبحاجةٍ إلى أن تعبده، كي تحقق سر وجودك، فبالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، الأمر والنهي، نعرفه من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أردت أن تعبده عليك أن تعرف أمره ونهيه، أما إذا أردت أن تعرفه، عليك بقول الله عز وجل، وأنْ تتدبَّر قوله:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
السموات والأرض كما قلت من قبل، تعبير قرآني عن الكون، فخلق السموات والأرض يدل على وجود الله، وعلى كماله وعلى وحدانيته، فالأرض مثلاً تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو مترًا بالثانية، هذا الدرس المتواضع الذي لا يزيد عن عشر دقائق، تقطع فيه الأرض ثمانية عشر ألف كيلو متر، لأن الأرض تسير ثلاثين كيلومترًا بالثانية، بالدقيقة: 6x 3 = ثمانية عشر، عشر، وصفرين، ألف وثمانمئة، بعشر دقائق ثمانية عشر ألف كيلومترًا خلال درس التفسير الذي لا يزيد عن عشر دقائق.
الأرض إذًا أيها الإخوة تدور حول الشمس، قال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
المسار إهليلجي، هناك قطر طويل وقطر قصير، وعند القطر الصغير الأصغري، تزيد سرعتها، لتنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، وعند القطر الأعظمي، تقل سرعتها، لتبقى مرتبطة بالشمس.
إذاً حركة الأرض حول الشمس بسرعةٍ متفاوتة، تزيد سرعتها وتقل سرعتها، لتبقى في مسارها الإهليلجي، شيئاً آخر:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
تتابع الليل والنهار ما سببه ؟ الشمس هنا، يعني في جانب، هي منبع الضوء، والأرض هنا، يعني في جانب آخر، فلو أن الأرض توقفت عن الدوران، لما كان ليلٌ ولا نهارٌ، ولو أن الأرض دارت حول الشمس، ودارت على محور موازٍ لمستوى دوارنها حول الشمس، ودارت هكذا، والشمس من هنا، مع أنها تدور لا ليل ولا نهار، الليل ثابت إلى الأبد، والنهار ثابت إلى الأبد، ولو أن الليل ثبت إلى الأبد، لكانت حرارة الأرض في الليل دون المئتين والسبعين تحت الصفر، وهو الصفر المطلق، إذًا تنتهي الحياة، ولو أن الوجه المقابل للشمس ثابت، لكانت الحرارة ثلاثمئة وخمسين درجة فوق الصفر واحترق كلُّ شيء، إذاً لو أنّ الأرض توقفت لأُلغي الليل والنهار، ولو دارت هكذا بالعكس، والشمس من هنا، فالوجه المقابل للشمس، في حرارة درجتها ثلاثمئة وخمسون فوق الصفر، والوجه الآخر يكون بدرجة مئتين وسبعين تحت الصفر، ولانعدمت الحياة، لكن الأرض تدور هكذا، و الشمس هنا تدور هكذا، إذًا:
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾
لكن في الآية معنى آخر، الليل والنهار يختلفان فيأتي الأول بعد الثاني، والثاني بعد الأول، وهكذا، أمّا المعنى الثاني، أن اختلاف الليل والنهار، يعني أن طول النهار وطول الليل يختلفان، من سبع عشرة ساعة ونصف إلى عشر ساعات أحياناً، فما سر هذا الاختلاف ؟ فلو أن الشمس هنا والأرض هنا تدور الأرض حول محور عمودي على مستوى الدوران هكذا، لانعدمت الفصول، بالمنطقة الاستوائية صيف دائم إلى الأبد، وبالمناطق القطبية شتاء دائم إلى الأبد، والتغت الفصول، لكن هذا المحور مائل قليلاً، مع ميل المحور تأتي الشمس عموديةً على القطب الشمالي، فإذا أصبحت الأرض هاهنا جاءت الشمس عموديةً على القطب الجنوبي، وصار في السنة اختلاف فصول، من صيف، وشتاء، وربيع، وخريف، إذاً هذه الحكمة البالغة، أن الأرض تدور حول محورٍ مائلٍ على مستوى الدوران.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
الأرض حول نفسها، تتناسب مع طاقة الإنسان، لو كان الليل ساعة واحدة، والنهار ساعة، تنام وتستيقظ، ولا بد لك ثماني ساعات، ثمانية أيام نوم وثماني ليال، لكن لو كان النهار أو الليل مئة ساعة، أيضاً لصارت الحياة صعبة، أما الليل والنهار فيتوافقان مع طاقة الإنسان، لوجود تصميم وتناسق رائع، إذًا الإنسانُ إن لم يفكر في هذه الآيات التي بثَّها الله في الكون، فكأنه عطل عقله، أو كأنه لم يستخدمه، أما إذا استخدمه فيما لم يخلق له، فقد أساء إساءةً بالغة، إذاً دقق في هذه الآية:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾
الألباب أصحاب العقول، وإنسان من دون عقل كالثمرة من دون لب.
يعني أنت بكم تشتري قشر كيلو الموز، أتأخذه بمئة ليرة، أعوذ بالله، لن تأخذه ولو بقرش، أما كيلو الموز فثمنه مئة ليرة، وفيه اللبُّ، واللبُّ مغذٍ، والإنسان من دون عقل ثمرة من دون لب، والعقل يقتضي أن تُعمله في الكون كي تعرفه، إن أعملت عقلك في الأمر والنهي فمن أجل أن تعبده، وإن أعملت عقلك في الكون فمن أجل أن تعرفه، فأنت تعرف الله بالكون، وتعبده بالكتاب والسنة، فمعرفة الكتاب والسنة من دون معرفة الله نقص كبير، ومعرفة الله عز وجل من دون أن تعرف أمره نقص كبير، فلابد من التناسق بين معرفة الله ومعرفة أمره.
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول بصدد هذه الآية:
((الويل لمن لم يفكر بهذه الآية ))
كان كلما استيقظ في الليل يتلو هذه الآية، وكأن الإنسان مكلف أن يجول فكره في خلق السموات والأرض حتى يعرفه، فإذا عرفه عَبَدَه من خلال الكتاب والسنة.
فالإنسان لا يمر على الآيات مرورًا سريعًا، فكأس الماء الذي تشربه و، كأس الحليب الذي تشربه، ورغيف الخبز الذي تأكله، وهذه الفاكهة التي تأكلها، وهذه الأمطار التي تهطل، وهذه البحار التي تزخر بما فيها من أسماك، ولآلئ ومرجان، هذه كلها بين يديك من أجل أن تعرفه، وكلما ازدادت معرفتك بالله عز وجل ازدادت خشيتك له.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
(سورة فاطر: 28)
و (إنما) تفيد القصر، أي أن العلماء وحدهم، ولا أحد سواهم يخشى الله عز وجل.
فتبدُّل الليل والنهار، وتعاقبهما، والصيف وما فيه من خصائص، والربيع، والشتاء، والخريف، هذه الأرض بدورانها حول الشمس، ولا تنسوا هذا الرقم البسيط، نحن خلال هذا الدرس كم قطعنا من مسافةٍ حول الشمس ؟ ثمانية عشر ألف كيلو متر، الآن مرَّت بنا عشر دقائق، فقطعنا ثمانية عشر ألف كيلو متر في مسيرنا حول الشمس.
فكم هي عظمة هذا الكون ؟ والمؤمن كما قلت قبل أيام، بالكون والنظر في عظمته يعبُر المؤمن إلى المكوِّن، ومن النظام للمنظم، ومن التسيير للمسيِّر، ومن الخلق للخالق، ومن التربية للمربي، ومن التصوير للمصور، فما لم تعبر من هذه الحقيقة الكبرى إلى حقيقةٍ أكبر فأنت لا تعرفه.
الغربيون وقفوا عند الكون، أما المسلمون فتجاوزوه إلى المكوِّن، والمؤمن ينتقل من النعمة إلى المنعِم.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-28-2018, 06:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء الاول



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الإخوة الكرام:
أناس كثيرون يشككون في كل شيء، يقولون لك لا ندري، لا نعلم، الله أعلم، لماذا خلقنا ؟ كأننا خلقنا لنعذب، لا أحد مرتاح، كلما عرضت عليهم حقيقة، أو آية، ردوا عليك بأنهم لا يعلمون، ولا يفهمون سر الوجود.
الله جل جلاله، يقول في سورة النساء وفي الآية السادسة والعشرين:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28) ﴾
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾
وقال سبحانه:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
( سورة هود: 119 )
يعني يا عبادي خلقتكم لأرحمكم.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
( سورة الذاريات: 56 )
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
( سورة النساء: 77 )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5)﴾
( سورة فاطر: 5 )
لو قرأت القرآن الكريم، لوجدته كله يبيِّن لهذا الإنسان سرّ وجوده، لماذا جيء به إلى الدنيا ؟ ماذا بعد الدنيا ؟ ما حكمة وجودك ؟ في حين ترى أنّ كل إنسان يشكك، يقول أحدهم: جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت، هكذا قال بعض الشعراء، رأيت قدامي طريقًا فمشيت، كيف جئت، كيف أبصرت طريقي، لست أدري، ثم يقول: ولماذا لست أدري لست أدري، هذا الذي يشكك، له مِن وراء التشكيك غاية.
الإنسان المنحرف يريد ألا يعلم، لأنه لو علم، لأصبح مسؤولاً، والدليل:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾
يا محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
( سورة القصص: 50 )
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
( سورة الماعون: 1- 2 )
هو نفسه.
﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)﴾
( سورة الماعون: 3 )
إذاً الإنسان حينما يريد ألا يعلم، معنى ذلك أنه منحرف، وأنه مقيم على المعاصي، وأنه يتبع شهواته، فإذا علم أصبح مسؤولاً، هو أميَل إلى ألاّ يعلم، إلى أن يشكك، إلى أن يقول: لا نعرف، ففي الحياة في أسرار، وكأنّ كلّ الأسرار عنده، قل له: فُكَّ سراً واحداً، يقول لك: لا أقدر، هذا القرآن كلما غُصتَ فيه غرقتَ، أعوذ بالله، كلام الله، نزل هذا القرآن من لدن حكيم عليم لنفهمه، لنقرأه، لنتدبر آياته، انظر في الآية الكريمة:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾
لقد بيّن لك، بيّن لك لماذا خلق الكون، ولماذا خلق الإنسان، ولماذا جاء بك إلى الدنيا، وماذا يقول الإنسان عند الموت. ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾
( سورة المؤمنون: 99 - 100 )
إذاً سر وجودك في أنْ تعمل العمل الصالح. ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
( سورة العصر: 1 -3 )
القرآن كله بيان، قال:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
(سورة النساء: 26 )
الآن هؤلاء الأقوام السابقة، حينما انحرفوا ماذا حل بهم، أتريد عبرة نظرية، أتريد حقيقة نظرية، اقْرأ القرآن الكريم، أتريد حقيقة عملية، أقرأ ماذا حل بالأقوام السابقة:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3)﴾
( سورة الفيل: 1 -2 - 3 )
وأنت أيها الإنسان، ألم تَرَ كل يوم ماذا يحل بالمنحرفين.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
(سورة النحل 112 )
ألا ترى كل يوم فيما حولنا من البلاد الفلانية ؛ هنا حرب أهلية، هنا فيضان، هنا زلزال، هنا صواعق، هنا براكين، إن أردت الحقيقة مجردة، فاقرأ القرآن، وإن أردت الحقيقة مطبقة على أقوام، قال سبحان:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
من أجل ماذا قال: ليتوب عليكم ؟ من أجل أن:
﴿َيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)﴾
أمّا الآية التي بعدها:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
هذه مشيئته.
لذلك إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد، فشيء مخيف.
﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾
( سورة التوبة: 118 )
وفي آية:
تابوا فتاب الله عليهم.
ما معنى توبة الله قبل توبة العبد ؟
ما معنى توبة الله بعد توبة العبد ؟
﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾
(سورة التوبة (118))
تابوا فتاب الله عليهم...
العلماء قالوا:
إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة.
أما إذا جاءت توبة الله قبل توبة العبد، أي هي الشدائد، التي يسوقها الله لهذا الإنسان ليحمله على التوبة، أيْ تَوَّبَهُ، تَوَّبَهُ، فلما ربنا يقول:
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
يعني كل هذه المصائب، كل هذه المتاعب، الفقر، الفرج، القهر، الذل، الخوف، القلق.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
( سورة الشورى: 30 )
ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفوا الله أكثر.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
إذاً الشر المطلق ليس له وجود في الكون، الشر الهادف، والشر بنظر الإنسان شر، في نظر الواحد الديان مطلق الخير.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
ثم قال:
﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾
(سورة النساء)
إذاً أنت محاط بناس لا دين لهم، فَسَقَة، يحبون الشهوات، مشكلة الإنسان أنه يعيش معهم، دائما يريدون منك أن تميل ميلاً عظيما، يجرونك إلى الربا، إلى الاختلاط، يجرونك لتزويج ابنتك من شاب غني فقط، يقول بعضهم: الدراهم كالمراهم، ماذا تستفيد من الفقير المعترِّ.
إذا كان الذين حولك دين لهم، فإنهم يجرونك لاتّباع الشهوات والميل عن الحق، فهذه الآية دقيقة.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾
عن الحق، لذلك:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
( سورة الكهف: 28 )
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾
( سورة لقمان: 15 )
إذا استشرتَ فاستشِر إنسانًا مؤمنًا، صادقًا، استشِر إنسانًا واثقًا من ورعه، من علمه، أما أنْ تسأل واحدًا لا دين له ؟ فإنّه يغرقك، لماذا يريد الله أن يتوب عليكم؟ قال:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾
(سورة النساء: 27 )
أنت تحمِّل نفسك مالا تطيق، لماذا يحمل الإنسانُ نفسَه مالا تطيق في حين:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾
لكن:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
أنت تقدر على معاينة المعصية عند الموت ؟ وفي أثناء الحياة تجد الناس نيامًا مخدرين، تشغلهم نزهات مختلطة، يقترفون السيئات، فهم مخدرون، والمال موجود، والصحة موجودة لا يدري أحدهم ما يعمل لغفلته، لو أن إنسانًا عاين هذه المعاصي وهو في القبر فإنه لا يتحمل ؟ يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا منها، ولمّا يرى الإنسان مكانه في النار يصيح صيحةً لو سمعها أهل الدنيا لصعقوا بها.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
أربع آيات بمحور واحد، يريد الله ليبين لكم، كل هذا القرآن تبيان وإذا لم تكفِ الحقائق النظرية، فإنه يريك حالَ الأقوام السابقة التي كفرت.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
( سورة الفيل)
قوم عاد، قوم ثمود، قوم فرعون، قوم نوح، انظر إلى هؤلاء القدامى، أمّا حال المعاصرين، فانظر حولك، كم من حرب أهلية ؟ كم زلزال صار ؟ كم فيضان ؟ يقولون: إعصار ؛ خسارة البلاد بسببه تقدَّر بثلاثين مليارًا، إعصار واحد في نصف ساعة، ما لنا لا نرى ولا نبصر ؟ المصائب التي تأتي، بساعة أعاصير، بساعة زلازل، بساعة فيضانات، بساعة حروب أهلية، واللهُ ماذا قال:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾
( سورة الأنعام: 65 )
هذه الصواعق قديماً وحديثاً، والصواريخ،حديثا مِن فوقكم:
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
الزلازل والألغام،
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾
الحروب الأهلية.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
قبل أسبوع تحاربت بإفريقيا دولتان، عشرة آلاف قتيل في يومين، عشرة آلاف، هذا من فعل الله عز وجل، من تأديب الله عز وجل لعباده، فلذلك، يريد الله ليبين لكم أتحب بيانًا عمليًا، فهؤلاء القتلى بيانٌ عملي صارخ " ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، لذلك، واتبعْ سبيل من أناب إليَ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا.
وبعد ؛ لماذا كل هذا ؟ قال:
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
(سورة النساء)
يريد أن يبين، ببيان نظري، يريد أن يبين، ببيان عملي، يريد أن يخفف عنكم، يريد أن يتوب عليكم.
لذلك هذه الآيات في سورة النساء جاءت متتابعة، ثلاث آيات تبدأ بكلمة:والله يريد، إذا قلت: أنا لا أعرف لماذا خُلِقت، والله هذا منتهى الحمق ! كتاب الله معجز، وهو بين يديك، يبين لك خالق الكون لماذا خلقك.
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
(سورة هود: 119 )
يقولون: أريد تفسيرَ الآية، لا أريد تفسير الزمخشري، ولا الجلالين ولا الطبري ولا القرطبي، بل أريد شيئًا واضحًا مثل الشمس، فإليك الجواب في الآية:
﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
خلقك ليرحمك.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
(سورة الذاريات)
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) ﴾
(سورة آل عمران)
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
(سورة النساء: 77)
﴿َالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾
(سورة الأعلى)
اقرأ القرآن فإذا قلت: لا أدري فهذا جوابه:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
(سورة القصص: 50)








والحمد لله رب العالمين




تــــــــابــــــــع

السعيد
02-28-2018, 06:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء الثانى


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التاسعة والخمسون من سورة النساء، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾
الله سبحانه وتعالى يخاطب عامة الناس بأصول الشريعة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾
ويخاطب المؤمنين بفروع الشريعة، فحيثما قرأت في كتاب الله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
فالذي آمن بالله ورسوله واليوم الآخر وملائكته وكتبه، هذا الخطاب موجَّه إليه، أما إذا خاطب الإنسان لعموم وصفه يقول:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾
فالناس يخاطبون بأصول الشريعة، بينما المؤمنون يخاطبون بفروع الشريعة.
هذه الآية أيها الإخوة، للإمام الشافعي شرحٌ دقيقٌ لها، كلكم يعلم إن الدين في أصله، وحيٌ من الله إلى رسوله، ونقلٌ عن رسول، فالدين وحيٌ ونقلٌ، فإذا قال الله عز وجل:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾
يعني أطيعوا الأمر الذي وصلكم عن طريق الوحي، يعني القرآن، كيف أطيع الله ؟ بتطبيق أوامر القرآن، وأطيعوا الرسول، وكيف أطيع الرسول ؟
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
( سورة الحشر: 7 )
وقال: ليبين للناس ما نزل إليهم.
فالسنة النبوية المطهرة، نوعان أو ثلاثة أنواع.
أولاً: نوع قولي.
ثانياً: نوعٌ عملي.
ثالثاً: نوعٌ إقراري.
فإذا وقف النبي في موقف، وحَدَثَ أمامه حدثٌ، وسكت النبي، فهذه سنة، لإن سكوته يعني أنه أقره، لو لم تكن على حق لما سكت، لأنه رسول ومشرع، فهنالك سنة ٌ، أقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة.
فإذا قال الله عز وجل:
﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
تتلخص طاعتُه في ثلاثة أشياء ؛ الأحاديث الشريفة الصحيحة التي فيها أمرٌ ونهيٌ.
ينبغي أن تطيعه فيها، وسيرته الصحيحة هكذا فعل، ففي بيته فعل كذا وكذا، مع إخوانه، مع أصحابه في حربه، في سلمه، في قيادته كانت أفعاله كذا وكذا.
سنته الفعلية هي سيرته، وإقراراته، أيضاً من سنته.
فأنت مأمور من قبل الله عز وجل، أن تطيع الأمر الذي جاءك في القرآن الكريم، وأن تطيع الأمر الذي جاء به النبي ليبين لك ما في القرآن الكريم، وأن تقلد النبي قي سلوكه، وأن تطيعه أيضاً في إقراره، وهذا كلُّه واضح.
أطيعوا الله ؛ الأوامر القرآنية، وأطيعوا الرسول سنته القولية، والعملية، والإقرارية.
الآن: وأولى الأمر منك.
الإمام الشافعي قال: وأولي الأمر هم العلماء والأمراء.
ما الفرق بينهما ؟ العلماء الذين يعرفون الأمر والنهي، والأمراء الذين ينفذونه.
لكن لو وقع شعب مسلم تحت حكم استعماري كافر، هل هؤلاء أولو الأمر ؟ لا !!! هؤلاء الكفرة هم أولو الأمر فيكم لا منكم، فمِن للتبعيض.
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
كلمة " من" للتبعيض.
من هم " أولي الأمر" ؟ هم العلماء الذين يعرفون أمر الله، والأمراء الذين ينفذون أمر الله، فأنت بحسب هذه الآية.
مكلفٌ أن تطيع الأوامر التي وردت في هذا الكتاب.
ومكلف أن تتبع سنة النبي القولية والعملية والإقرارية.
ومكلفٌ أن تطيع من يفتي لك وهو على علمٍ، وورعٍ وتقي، ويقول لك: الحكم الشرعي في هذا المبلغ مثلاً إنه حرام، " أولي الأمر" صار معناها: عالم مُفْتٍ، وإذا أحيل هذا الأمر إلى الدوائر التنفيذية، فلو كنتَ أمام القاضي الشرعي مثلاً، وحَكَم لك في خلاف بينك وبين زوجتك بحكم الله، فأوجب لها المهر، فهذا القاضي الشرعي من أولي الأمر، فلما أحيلت هذه القضية إلى دوائر التنفيذ، صرنا من مع "أولي الأمر" من نوع ثانٍ، وهو المنفذ.
"أولي الأمر " نوعان، الذي يعلم، والذي ينفذ، بِشرطِ أن يكون منكم.
الآن:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ ﴾
فَمَع مَنْ نتنازع.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
ماذا حذف من هذه الآية ؟ هم ثلاثة فيما سبق مِن الآية:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
قال:
﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
هل تفهمون مَنْ حُذِف " أولي الأمر "، فالنزاع بين مَنْ ومَنْ.
النزاع إذاً بين المسلمين وبين علمائهم، وبين أمرائهم، فإذا حصل نزاعٌ وجاءك أمر مخالف للقرآن الكريم فالحكم لله ولرسوله، والقصة التي أرويها لكم دائماً.
أن النبي صلى الله عليه وسلم: أرسل سريةً وأمَّر عليها أنصارياً فيه دعابة، هذا الأنصاري بعد أن تسلّم القيادة أعطى أمراً أن تضرم نارٌ عظيمة، وقال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أميرهم: اقتحموها !!!
فترددوا، بعضهم قال كيف نقتحمها ؟ وقد آمنَّا بالله ورسوله فراراً منها، وبعضهم قال: لا بد من اقتحامها، فطاعة الأمير طاعة الرسول.
وقعت منازعةٌ بين الصحابة وبين هذا الأمير الذي أمرهم أن يقتحموا ناراً، والنبي حيٌّ يُرزق، فذهبوا إلى النبي يخبرونه، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في المعروف.))
فالمنازعة هنا بين المسلمين وبين علمائهم أو بين أمرائهم، حول شرعية حكم يجوز أو لا يجوز، فَمَنْ هو الحَكَم في هذه المنازعة، كتاب الله وسنة رسوله، الآية أصبحت على الشكل التالي:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾
بطاعة أوامره في القرآن الكريم، لأن هذا وحيٌ من عند الله نقله إلينا النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
فاللهُ مثلاً بيَّن لنا البيوع بآية واحدة، والنبي بيّن البيوع بمئتي حديث، وأمّا الزكاة: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾
( سورة التوبة: 103 )
فالنبي بيّن زكاة الزروع، وزكاة التجارة وعروض التجارة، وزكاة المواشي، وزكاة الركاز والأنصبة، ومصارف الزكاة.
فالنبي وصَّى وفَصَّل، فأنت عليك أن تطيع الله عز وجل فيما أمر، وأن تطيع النبي عليه الصلاة والسلام فيما بين بسنته القولية، وفيما فعل سنة فعلية وفيما سكت فسكوته إقرار.
ذات مرة ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد أصحابه وقد توفي توًّا في بيته، فسمع من خلف الستار امرأةً تقول: هنيئاً لك أبا السائب، تعني أبا السائب، لقد أكرمك الله، فلو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً، لكنه عليه الصلاة و السلام قال: ((ومن أدراكِ أن الله أكرمه، قولي: أرجو الله أن يكرمه.))
لأن هذا تَأَلٍّ على الله، قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبيٌ مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.
إذاً النبي لم يسكت فإذا سكت فما عاد نبياً، أي كلمةٍ باطلةٍ تلقى أمامه لا بد أن يصححها، فسنة النبي ؛ أقواله الصحيحة، وسنة النبي أفعاله يعني سيرته، وسنة النبي إقراره.
وكثير مِن الأحاديث أساسها أن صحابيًا فعل كذا وكذا في حضرة النبي، والنبي ما نهى عن ذلك، إذاً هذه الواقعة أصبحت سنة، " أولى الأمر" هم العلماء العاملون، الصادقون، المخلصون، الذين يعرفون أمر الله ورسوله، والذين ينفذون هذا الأمر أيضاً هم من أولي الأمر، أما لو وقع مجتمع مسلم تحت حكم مستعمر كافر، فلا يكون هذا الكافر من أولي الأمر.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
إذا آمنت أن الله هو المشرع، هو الذي يعلم، وهو الذي يميت، وهو الذي سيحيي، وهو الذي سيحاسب، إن آمنت بهذا، فعليك أن ترد النزاع إلى الله والرسول.
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾
الآن عندنا سؤالان، ماذا ترون في تعلُّم سنة النبي القولية ؟ يعني يستحسن أن تتعلمها، وهنا يطالعنا سؤال ؟ يستحسن، يعني أهو مندوبٌ أن تتعلمها ؟ لا، أهو فرض كفاية أن تتعلمها ؟ لا، بل تعلُّمها فرض عين، قل لي ما الدليل في أن تعلم سنة النبي القولية فرض عين، لأن الله تعالى يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
فكيف تأخذ شيئاً لا تعلمه ؟ إذاً كل واحد من إخواننا الحاضرين عليه أن يعرف سنة النبي القولية، وهذا فرض عين، ولا يعفى منه أحد.
وهذا سؤال آخر:
أقراءة سيرة رسول الله، يعني: مستحسن، مندوب، فرض كفاية ؟ لا بل تعلُّمها فرض عين، والدليل:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: 21 )
أمر إلهي هو قدوتك، كيف تقتدي به وأنت لا تعلم أحواله وأفعاله وتصرفاته، إذاً لابد من تعلم سنة النبي القولية والفعلية والإقرارية حتى تنفذ أمر الله عز وجل.
﴿ َأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
هذا طيبٌ، ثم لابد من أن تستسقي العلم من أولي الأمر الذين يعرفون أمر الله.
ابن عمر دينَك دينَك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، إذاً:
﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
العلماء والأمراء طبعاً منكم.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾
مثل ما صار مع الصحابة، تنازعوا مع أميرهم، قال لهم: اقتحموا النار، فلما ردوا هذه المنازعة إلى الله ورسوله، قال عليه الصلاة والسلام: والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف.
﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(59)﴾
هذه الآية واضحة، وتلخيص للموضوع أقول:
طاعة الله في اتباع القرآن.
طاعة النبي في العمل سنته القولية والعملية والإقراري.
طاعة أولي الأمر، أن تتعلم من العلماء الذين يعلمون أمر الله ورسوله، وأن تطيعهم فيما يفتون لك بشرط أن يكون من المسلمين، أما إذا وقع المسلمون تحت سيطرةٍ كافرةٍ أجنبيةٍ، عندئذٍ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
و الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..



والحمد لله رب العالمين



تــــــــابــــــــع

السعيد
02-28-2018, 07:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء الثالث



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآيات السابعة والسبعون والثامنة والسبعون والتاسعة والسبعون من سورة النساء، تشير إلى موضوع دقيق، قد يفهمه المسلمون على غير ما أراده الله عز وجل.
مثلاً، إذا خاطبتَ إنسانًا متلبساً بمعصية الله، ألا تتق الله يا أخي، يقول لك، هذا قدري، بالتعبير الدارج، يقول: طاسات معدودة في أماكن محدودة، ليس بيدنا شيء، هذا ترتيب سيدك، يعني الله، هذا كلام ليس له أساس من الصحة.
سيدنا عمر في عهده، جيء له برجل شارب للخمر، فلما أمر أن يقام عليه الحد قال هذا الرجل: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليَ ذلك، فقال رضي الله عنه، وهو الذي فهم حقيقة الدين، قال: أقيموا الحد عليه مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، ثم قال له: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباَ.
لو أن الله سبحانه وتعالى، أجبر الإنسان على طاعته لبطل الثواب !! ولو أجبره على معصيته لبطل العقاب !! ولو تركه هملاً لكان عجزاً في القدرة !!.
فالإنسان حينما يتوهم أن الله قدر عليه أن يعصيه، فقد وقع في ذنبٍ بنص القرآن الكريم، هو أكبر ذنبٍ على الإطلاق.
الله عز وجل، ذكر الذنوب، ذكر الإثم والعدوان، ذكر الفحشاء والمنكر، ذكر الشرك، ذكر النفاق ذكر... ذكر... ثم قال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)﴾
( سورة البقرة: 169 )
أن تقول على الله ما لا تعلم، هذا أكبر ذنبٍ يقترفه الإنسان، فأن تتوهم أن الله عز وجل خلق الإنسان وقدر عليه أن يعصيه، ولا يستطيع إلا أن ينفذ قدر الله عز وجل، ثم يأتي ليحاسَب ويدخل جهنم إلى أبد الآبدين، فهذا افتراء على الله، قال الله عز وجل: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾
( سورة الفتح: 6 )
وقال عز وجل: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾
(سورة النساء:77 )
وقال:
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
( سورة غافر: 17 )
وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
( سورة العنكبوت: 40 )
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾
(سورة الزلزلة: 7، 8 )
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
( سورة الأنبياء: 47 )
ماذا نفعل بهذه الآيات:
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾
( سورة فصلت: 17 )
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
( سورة البقرة: 148 )
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان: 3 )
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا ﴾
ويقولون: هذا ترتيبه ! ! ! فهذا كلام مَن، كلام المشركين:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾
( سورة الأنعام: 148 )
حينما تتوهم، أن الله سبحانه وتعالى أجبرك على معصيته، فقد وقعت في أكبر ذنب، وهو سوء الظن بالله عز وجل.
فالإمام الغزالي يقول: لأنْ يرتكبَ العوامُ الكبائرَ أهون من أنْ يقولوا على الله ما لا يعلمون، حسن الظن بالله ثمن الجنة.
وبعد ؛ فأنت مخير فيما كلفت، لن تحاسب لماذا ولدت عام 1940، لماذا ؟ لأنك لست مخيرًا في تاريخ ميلادك، لست محاسبًا لماذا كان أبوك فلانًا، فلست مخيّراً في اختيار أبيك، أنت مخير في ماذا ؟ فيما كلفت، أمرك أن تصلي، بإمكانك أن تصلي وألاّ تصلي، أمرك أن تكون صادقاً، فبإمكانك أن تكذب، وبإمكانك أن تصدق، أمرك أن تكون مخلصاً، فبإمكانك أن تخون، وبإمكانك أن تخلص، أمرك أن تغض البصر، فبإمكانك أن تطلق البصر وأن تغض البصر، إذًا أنت مخير في ماذا ؟ فيما كلفتَ، في دائرة التكليف أنت مخير، فإذا فعلت شيئاً محرماً، فإياك أن تقول: اللهُ قَدَّرَ عليَّ، هكذا ترتيب سيدك، وهكذا أراد الله، حتى يشاء الله، لا أتوب حتى يريد الله، هذا كله كلام باطل، كلام تُحاسب عليه، كلام لا أصل له من الصحة، وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى، الإنسان مخير فيما كلف، أما هو مسير في شؤون كثيرة، أنْ يكون فلان والده فهو مسير، فلانة والدته مسير، ولد عام كذا مسير، طويل مسير، قصير مسير، كل صفاته الحسية والجسمية وقدراته العقلية، ولادته، ومحيطه، وبيئته، في كل هذا هو مسير، لكن هو مخير فيما كلِّف.
ويجب أن تعلموا أيها الإخوة ؛ أنّ الذي سيرت به هو محض خيرٍ، ولصالحك، محض خير، اختار لك أنسب أب، وأنسب أم، وأنسب زمن، وأنسب إمكانات، وأنسب شكل، وأنسب قدرة، وأنسب زوجة، وأنسب أولاد، كل شيء أنت مسير به فهو لصالحك.
لذلك الإمام الغزالي عبّر عن هذه الحقيقة فقال: ليس في الإمكان أبدع مما كان، يعني ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
ما أنت مسير به فهو لمصلحة إيمانك، ولمصلحة آخرتك.
التخيير من أجل أن تدخل الجنة بعملك.
وبعد ؛ فها هنا نقطة دقيقة، فبعد أنْ عرفتَ أنك مخير فأنت مسير، كيف ؟.
لو أن إنسانًا اختار أن يغش الناس، وأن يأكل أموالهم بالباطل، فربنا الآن يسيره،ويدفع ثمن اختياره، إذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبٍّ لبَّه، يورطه في قضية يُفلس فيها ويحار، يا رب أنا حائر تائه، لأنّ كل مالك حرام.
بعد أن تختار فالله عز وجل يسيرك لدفع ثمن اختيارك، فإذا اخترت الإحسان للآخرين، فالله يسيرك لعمل مريح، وإذا اخترت إيذاء الآخرين، فالله يسيرك بعمل يزعجك، فأنت بالأساس مخير، ثم تسير لدفع ثمن اختيارك، وإذا أراد ربك إنفاذا أمر أخذ من كل ذي لب لبه، ولا ينفع من ذي الجد منك الجد، فمهما كنت ذكيًا وعاقلاً، ولديك خبرات متراكمة ؛ ثمانين سنة مثلاً، يُؤتى الحَذِرُ من مأمنه، عند الله ليس هناك ذكي، وعنده ليس هناك خبرات، كل الخبرات تضيع، وإذا أراد ربك إنفاذا أمر أخذ من كل ذي لب لبه يا رجل أين عقلك ؟ فيقول: هذا ما حدَث معي، الله سيرك لتدفع ثمن اختيارك، لمَ اخترت أن تفعل المعاصي والآثام، وأن توقع الأذى بالعباد، فالله سلبك لُبَّك، وفعلت شيئاً دفعت فيه ثمن اختيارك، وهذه هي المقدمة، من أجل قوله تعالى:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
هنا دقة الآية، من حيث التنفيذ، من حيث الفعل.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
وبعد قليل:
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)﴾
قد يبدو لبعض الناس، أن بين الآيتين تناقضاً، لا
الفعل له عنصران ؛ عنصر كسبي.. وعنصر تنفيذي..
العنصر الكسبي: منك والعنصر التنفيذي: من الله .
فلو أردت أن تقوم للصلاة، أنت أردت أن تصلي، هذا الجانب الاختياري الكسبي، أما من يعطيك القوة على أن تقف، وأن تقرأ وأن تركع وأن تسجد، فهو الله سبحانه وتعالى.
أنت صليت اكتساباً، وصليت بقضاء الله وقدره، من حيث الفعل، الفعلُ فعلُ الله، أمَّا الاختيار والكسب فاختيارك وكسبك.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
( سورة البقرة: 286 )
فإذا أشار الله عز وجل إلى أن الفعل كله لله، إلى أن عمل الإنسان من عند الله، فهذا يعني المعنى التنفيذي.
إليك مثلاً آخر أوضح.
لو كتب مدير المدرسة على جلاء الطالب، لقد تم ترسيب الطالب في صفه، فمَن أصدر قرار الترسيب ؟ المدير، لكنْ مَن سبب الرسوب ؟ إنّه الطالب، فالرسوب كسبٌ من الطالب، أما كتنفيذ، وكقرار أُصدر ووُقِّع وخُتِم مِن المدير، فالرسوب مَن سببه ؟ الطالب الكسول، مَن نفذه ؟ المدير المسؤول.
فالرسوب له جانبان... سبب.. وفعل..
التوقيع وإصدار القرار من المدير، فإذا قلنا: المدير رسب الطالب، كلام صحيح، لأنه كسول، أشرنا الآن إلى فعل الرسوب، إذا قلنا هذا الطالب رسب، مسكين، صحيح أيضا، فتنفيذ القرار صدر عن المدير، هذه صحيحة، وهذه صحيحة.
إذا قلنا هذا الطالب رسب فقد أشرنا إلى الجانب الكسبي الاختياري.
وإذا قلنا المدير رسبه، أشرنا إلى الجانب التنفيذي، فليس ثمّة غلط، ولا تناقض العبارتين.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾
لا، أنتم غالطون.
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾
الأفعال كلها من قَبَل الله، أما الآن الاختيار.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
لو أنت فعلت معروفًا، فالله لمّا أعطاك الخير، فهو منه، وليس لك عنده شيء.
ذات مرة ضربت مثلاً، لو أن أبًا قال لابنه: إذا نجحت فسأشتري لك دراجة، هذا الابن أخذ الجلاء، وركض رأساً إلى بائع الدراجات، وقال له: هات دراجة، أعطِني دراجة، وانظرْ إلى الجلاء، فقد نجحتُ، فهل يعطيه دراجة ؟لا، بل يقول له: ما الذي يعنيني في نجاحك، قالوا: العطاء محض فضل.
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾
( فمن نفسك)، يعني أنت الذي تسببت في ذلك، وحينما يُعزَى العمل إلى الله نقصد به الفعل، وحينما يُعزَى العمل إلى الإنسان، نقصد به الكسب، والآية في آخر سورة البقرة:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
أمّا هنا في سورة النساء:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79)﴾
ملخص الدرس: إذا توهّم الإنسان أنه هكذا ترتيب ربه، هكذا خلقه، وهكذا جعله لا يصلي، وتركه يشرب الخمر، وتركه يعمل أعمالاً خارج طاقته وإرادته، فهذا تدليس مِن الشيطان، وهذا كلام لا أصل له، والإنسان محاسب لا محالة.﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة الحجر: الآية: 92، 93 )
وما وجدتُ واحدًا في حياتي قال: إذا فعلت أعمالاً صالحةً، هكذا أراد الله، لا !!! يقول لك: بالخيرات وبالصلوات وبالصدقات، أنا فعلت، وأنا تصدقت، أنا صليت، بينما عند فعل الموبقات والأثام يقول: هكذا أراد الله، هذا كلام فيه تناقض، الخيرات تعزوها إلى نفسك، أما إذا وُجِدَ تقصير، وأكل مال حرام، هكذا شاء الله، وهذا قدري، لا، ليس قدرك، هذا وهم، وهذا جهل، وهذه الفكرة إذا شاعت بين الناس شلّت حركتهم، فانتهوا يا عباد الله، وانتبهوا:
﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78)﴾
الخير من الله، والشر من الله فعلاً، ومِن الإنسان كسباً.
العمل له جانبان.. كسب.. وفعل.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين..


والحمد لله رب العالمين





تــــــــابــــــــع

السعيد
02-28-2018, 07:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء الرابع




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الخامسة والثمانون من سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾
إذا كنت أيها المؤمن سبباً في علاقةٍ أدّت إلى مفسدة، فعليك وزر هذه المفسدة، وإن كنت سبباً في علاقةٍ أدت إلى خير، إلى هدى، إلى تقى، إلى صلاح، إلى تحقيق مصالح المسلمين، إلى التخفيف عنهم، فَلَكَ منها نصيب، وإذا كنت سبباً في علاقةٍ سيئةً فعليك منها وزر، لذلك فالله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس: 12 )
دقق في كلمة " وآثارهم"، فأعظم الأعمال عند الله هي الأعمال التي إذا مات صاحبها، واستمرت من بعد موته، تتجدد منافعها، يتجدد ثوبها، من هنا، ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. صدقةٍ جاريةٍ. وعلم ينتفع به. وولدٍ صالح يدع له.))
لا بد مِن ضرب بعض الأمثلة ؛ لو فتحت محلاً تجاريًا وكل الزبائن نساء، واستخدمتَ شابًا في ريعان الشباب، فلو نشأ فسادٌ عند هذا الشاب فأنت السبب.
﴿َمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾
فقَبْل أنْ تتحرك، وقبل أنْ تعمل مشروعًا، قبل أنْ توظف، قبل أنْ تعين، قبل أنْ تفصل، قبل أنْ تعمل أي علاقة، انتبه إلى أنك إذا كنت سبباً في علاقةٍ أدت إلى مفسدةٍ، فعليك وزرُ مثل هذه المفسدة، ولو دللت شابًا فاسدًا ليتزوج فتاةً طيبةً، فأنت الذي دللت عليه، فلك من هذا الزواج، ومما ينتج عن الفساد منه وزر.
هذه الآية أيها الإخوة: من أدق الآيات التي تجعل المؤمن يفكر ملياً قبل أن يقدم على عمل.
ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((إذا أردت إنفاذ أمرٍ تدبر عاقبته.))
يعني... أنت نصحت صديقك أنْ يبعث ابنه إلى بريطانيا، ليتعلم اللغة الإنكليزية، فهنالك ببريطانيا مثلاً، يفرزون الشاب إلى أسرة، يسكن معهم ليلاً ونهاراً، فقد تكون فتاة في هذا البيت، ويمكن لهذا الشاب أنْ يقع في الزنى، وأنْ يشرب خمرًا، أنت نصحت رفيقك، ليتعلم ابنه لغة، فبعثه إلى بريطانيا، ليتلقى دروسًا وتدريبات عملية.
قبل أنْ تتكلم كلمة، وقبل أنْ تنصح، وقبل أنْ تقيم علاقة، قبل أنْ تجمع بين شخصين، قبل أنْ تدل على زواج، قبل أنْ تؤسس مشروعًا، فقد تكون المفسدة في نصيحتك أو اقتراحك، وتوجيهك لهذا المشروع.
قال لي أحد إخوانا الكرام: إنّ بعض الأعمال تقوم مِن أساسها على معصية، فإذا أنت ساهمت إما بمالك، أو بجهدك، أو بخبرتك، فلا تعطِ خبرتك ولا رأيك لمفسدةٍ تقع بين المسلمين.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾
انتبِهْ ؛ كلمة " نصيب"غير كلمة "كفل"، الكفالة فيها غرامة، أما النصيب ففيه ربح، ما نصيبي من أرباح هذا العام، النصيب فيه ربح، أما الكفالة ففيها مغرم.
هذه الآية أيها الإخوة، تعضدها الآية الثانية.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس: 12 )
آثار الأعمال، أحياناً تشير على إنسان بتطليق زوجته، فيطلِّق، وحينها تريد المرأةُ أن تغيظ زوجها، فتفسد، وتدع الصلاة، وتسفر، وتختلط بالرجال، فأنت الذي أشرت على الصديق أن يطلق زوجته، والآثار المترتبة على هذا الطلاق، أنت أيها المشير تتحملُ كفلاً منها، وبالمقابل إذا دللت إنسانًا على مجلس علم، دللته على خير، على أبواب الخير، على دفع زكاة ماله، على غض بصره.
فأيَّة دلالةٍ تدل بها إنسانًا تنتهي بخيرٍ في الدنيا أو في الآخرة فلك منها نصيب، أروع ما في الإسلام، أنك إذا دللت على خيرٍ كُتب لك أجرٌ كأجر فاعله، وإذا دللت على سوء تحملت وزراً كوزر فاعله.
أسس رجلٌ ملهى وناديًا ليليًا، تقام فيه المعاصي بكل أنواعها، وبعد ما افتتحه بأسبوع توفي، ولا يزال النادي مفتوحًا إلى الآن، وعلى المؤسِّس كِفل من كل مفاسده وخبائثه.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس: 12 )
فاحرص أيها الأخ الكريم، أنْ تعمل عملاً صالحًا، فإذا غبت عن الحياة يبقى العمل مستمرًا، ولك أجر مستمر ما دام العملُ قائما.
أحيانا وكلاء بعض الشركات، قد يأتيه إنسان بغير علم صاحب الشركة ويشتري البضاعة، فيأتي إشعار لصاحب الشركة، سجلنا لك ثلاثين ألف دولار في حسابك، وأنت لا تدري، يوم القيامة لما يختارُ اللهُ الإنسانَ إلى جواره، تكون له أعمال صالحة من هذا النوع، أعمال خيرة، فكل الثواب يأتيه، وتأتي نسخةٌ من هذا الثواب إلى من دلّ عليه.
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان أعطاه اللهُ عقلاً، وكثير من المفاسد الاجتماعية أساسها نصيحة، وأساسها دلالة،و أساسها خبرة، وأساسها إغراء، وأساسها تحميس، فقبْل أن تغري، قبل أن تشير، قبل أن تقترح، قبل أن تدل، قبل أن تفعل شيئاً، دقق أن هذا العمل إذا ظهرتْ منه مفسدة فعليك من هذا العمل وزر، وإذا دللت على خيرٍ فلك من هذا العمل نصيبٌ من أرباحه.
الآية الكريمة:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾
( سورة الزلزلة: 7-8 )
نعيد الآية مرة ثانية:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾
الشفع الزوج، يشفع شفاعةً، يعني كان سبب علاقة، لك صديق عنده بنت ضعيفة في الرياضيات، فتقول له: أنا عندي أستاذ درجة أولى بالمادة، فانتبِهْ، عنده بنت، فأنت جمعت رجلاً مع فتاة في خلوة، وكل شيء قد يحصل، فإنّ الذي دل على هذا العمل عليه وزرٌ من هذا العمل، أضرب أمثلة من أجل توضيح الفكرة.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾
يعني على كل شيءٍ مقتدرا، يعني الله قادر أنْ يمنح الدال على الخير مثل أجر فاعله، وقادر على أن يحاسب الدال على الشر ويعاقبه مثل عقاب أجر فاعله.
لذلك كما ورد في حديث قدسي: ((عبادي الخير بيدي والشر بيدي فطوبى لمَن قدَّرتُ على يده الخير، والويل لمن قدّرتُ على يده الشر.))
هناك أشخاص مفاتيح للخير مغاليق للشر، فأحيانا يقع زواج غير صحيح، في مفسدة، تعقبه فاسد، زوجة فاسدة، وأنت الوسيط، فإذا كان في الأمر فساد فإياك أن تقترب، شركة مبنية على التعامل الربوي، شركة مبنية على موضوع لا يرضي الله عز وجل، مطعم تدار فيه الخمور، فأنت إذا كان لك نصيب في هذه الشركة فهذه مشكلة كبيرة، وهذه الآية يجب أن تكون في ذهن كل أخ مؤمن، قبل ما يتكلم كلمة، قبل أنْ يدل، قبل أنْ ينصح، قبل أنْ يكون وسيطًا، قبل أنْ يكفل كفالة مصرفية مثلاً، قبل أنْ يكفل ينتبه، هذه فيها مخالفة للشرع، فالكفيل مسؤول أيضاً.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ ﴾
فانتبِهْ.
واحدة نصيب، وواحدة كفل، ولكلٍّ منهما معنى.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾
يعني مقتدر على أن يجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته.


والحمد لله رب العالمين



تــــــــابــــــــع

السعيد
02-28-2018, 07:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء الخامس



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
(سورة النساء: الآيات: 123،124، 125 )
الإنسان أيها الإخوة يتمنى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يصبح غنياً، وما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يكون صحيحاً معافًى، ما منا واحدٌ إلا ويتمنى أن يدخل جنة ربه.
والله سبحانه وتعالى يؤكد لنا في هذه الآية، أن هذه التمنيات لا قيمة لها إطلاقاً، لأن الله لا يتعامل مع التمنيات.
لو أن واحداً تمنى أن يكون أغنى أغنياء بلده، وهو قاعد في بيته، مسترخياً على فراشه، هل يصبح غنياً.
لو تمنى أحد الطلاب أن يكون أكبر طبيبٍ في هذا القطر، وهو لا يقرأ، ولا يذاكر، ولا يدرس، فهل يكون كذلك ؟.
عجيب في أمر الدنيا ؟ يسقط الناس التمنيات كلياً،لكنْ لماذا يتمنون في الآخرة أن يكونوا من أهل الجنة ؟ وهم لا يدفعون ثمنها، ربنا عز وجل ينفي، قال:
﴿لَيْسَ﴾
فعل ماض ناقص. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
طيب، يا رب فبِمَ إذاً ؟.
نفى ربنا عز وجل أن تكون الجنة بالتمنيات، إذاً بماذا ؟
قال:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل: الآية: 32 )
قال:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
(سورة الإسراء: الآية:19 )
دققوا في الهاء:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ﴾
لو قال الله عز وجل وسعى لها ؟ معنى ذلك أن أى سعيٍ مقبول، لكن حينما قال:
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
يعني لها سعيٌ خاص، لا يُقبَل سعيٌ دون هذا السعيٍ.
كأن نقول مثلاً، من أتى بمجموع كلية الطب، بمجموعها، لها مجموع خاص، تقريبًا (230 درجة ) مِن أجل أنْ يسمح للطالب بالانتسابِ إلى كلية الطب، من جاء بمجموع هذه الكلية فإنّه يدخلها، أما من جاء بأي مجموع أدنى فلا يقبل.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
الخاص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
هذه هي الآية الثانية.
أمَّا الآية الثالثة:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
( سورة الكهف: الآية:110 )
إذًا ثمن هذا اللقاء العمل الصالح.
الآية الأولى:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
القضية ليست بالتمني، ولكنها بالسعي.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل)
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
( سورة الأنعام: الآية: 132 )
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
( سورة الكهف: الآية:110 )
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
آيات واضحة كالشمس.
الآن آية تشبه هذه الآية:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
( سورة فاطر: الآية: 5 )
الغرور هو الشيطان.
يعني أنّ الشيطان قال:
﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾
( سورة الأعراف: الآية: 17 )
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾
يعني... الشيء الجديد، ونحن في عصر علم وتقدم، وقد يوحي لأوليائه أنّ هذا الدين تخلف وغيبيات، فالشيطان إذًا أتى الإنسانَ من بين يديه.
أمّا:
﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾
هكذا رباك أبوك على الاختلاط مثلاً، هكذا يتاجر أبوك بهذه الطريقة، قد تكون الطريق غير شرعية، فإما أن يأتينا من بين أيدينا، وإما أن يأتينا من خلفنا، وأما أن يأتينا عن شمائلنا، يدعو إلى المعاصي، إذًا لم يبقَ إلاّ هذه الجهة الرابعة.
﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾
فما معنى عن أيمانهم ؟ يقول لك الشيطان: إن الله غفور رحيم، أنت تنتمي لهذه الأمة العظيمة، والنبي عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنة حتى يدخل أمته قبله، يسجد ولا يرفع رأسه حتى يشفع وتُقبل شفاعته لأمته، واللهِ شيء مريح، فمثل هذا المفهوم الخاطئ عن الشفاعة مضلِّل، الشفاعة حق، وهي في نص القرآن الكريم، وفي نص السنة النبوية، ولكن بعض العوام يفهمون الشفاعة فهماً مغلوطاً، فيظن أنه إذا فعل كل المعاصي وشفع له النبي فقد انتهى الأمر.
مع أن ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئا لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه))
يقول النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: ((أمتي أمتي، فيقال له لا تدري ماذا أحدثتْ بعدك، فيقول سحقاً سحقا.))
إذا الآية الكريمة.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
البديل.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل)
البديل الثاني.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
البديل الثالث.
﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
(سورة الأنعام: 132 )
وأما الآية التي تنهى الإنسان عن أن يغتر بالحياة الدنيا.
أنا أعرف رجلاً توفاه الله، كان شاباً يعمل في محل تجاري في سوق الحميدية، شاب مراهق في ريعان الشباب، يحب أن يداعب الناس، كان يكنس المحل التجاري، ويضع الكناسة في علبةٍ أنيقة، ويلف هذه العلبة بورق ثمين، ويضع حولها شريطًا أحمر، ويضع هذه العلبة على الرصيف، فيمرُّ شخصٌ، ويرى علبةً أنيقةً، ملفوفةً بورق أنيق، لها شريط أنيق، فيظنها شيئاً ثمينًا، فيأخذها ويعدو بها، فيتبعه خفيةً، وبعد مئتي متر يفكُّ الشريط، ثم بعد مئة متر أخرى يفتح الورق، وبعد مئة متر ثالثة يفتح العلبة فإذا فيها كناسة المحل !!! فينفجر ويسب ويلعن.
واللهِ هذا المثل وهذه القصة أراها تنطبق على الدنيا مئة بالمئة، الإنسان في مقتبل شبابه يرى المال شيئاً ثميناً، المرأة، الزوجة، النزهات، الطعام، الشراب، الولائم، وعند منتصف العمر يرى أن المال مجرّد شيء، ولكنه ليس كلَّ شيء، وعند خريف العمر يرى أن المال ليس بشيء، فهذه الرؤية هي الحقيقة التي نراها عند الموت، ولو رأيناها في مقتبل الحياة لكنا في أوَّج السعادة، ولكنا في أعلى عليين، فالمفروض بالإنسان أن يرى الحقيقة في الوقت المناسب، فرعون رأى الحقيقة، واللهِ لقد رآها، وأيقن بها، واعترف بها، ولكن عند الغرق. قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين.
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
( سورة يونس: الآية: 91 )
فقضية الرؤية قضية وقت، دققوا أيها الإخوة، والله أنا ناصحٌ لكم، قضية رؤية الحقائق قضية وقت فقط، إما أن ترى الحقيقة في الوقت المناسب، أو بعد الوقت الناسب، ومَا من إنسان ولو كان فرعون إلا وسيرى الحقيقة، لكن بطولتك كلها تعني أن ترى الحقيقة وأنت شاب كي تعمل صالحاً قبل فوات الأوان، وكي تتقرب إلى الله عز وجل.
وبعد ؛ الآية دققوا في الآية مرة ثانية:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾
فيها فقرة مخيفة، قال:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
هذا كلام مَنْ ؟ كلام خالق الكون، آية بالقرآن الكريم الآية، رقمها ثلاثةٌ وعشرون بعد المئة، في سورة النساء:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾
فالواحد لا يغتر بحِلم الله عز وجل، فالله عز وجل من سننه في الكون أنه يرخي الحبل للإنسان، لينظر ماذا يعمل، فالإنسان إذا كان مربوطًا بحبل، والحبل مرخى، قد يتوهم أنه ليس هناك حبل، والحقيقة هناك حبل، وفي أية لحظة هو في قبضة الله عز وجل.
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾
أجلْ ؛ في دارٍ من الدور الأماني تصلح، أين ؟ في دار الدنيا الأماني لا تصلح لها، والله سبحانه وتعالى لا يتعامل معها أبداً، ولا يعبأ بها، لا ينظر إليها، والدليل هذه الآية:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
لكن في الدار الآخرة لمجرد أن يخطر على بالك شئ هو أمامك.
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾
( سورة ق: الآية:35 )
لمجرد أن يخطر على بالك شئ تجده أمامك والدليل:
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
التمنيات أين ؟ في الآخرة، أمّا في الدنيا فهي دار السعي والعمل.
الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار تكريم، فلما يتوهم الإنسانُ أنه في الدنيا يتمنى، ويكفيه التمني فقد وقع في خطأً كبير، الدنيا تحتاج إلى سعي.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾
وكذلك:
﴿لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
(سورة الأنعام: 132 )
حجمك في الدنيا وعند الله بحجم عملك في الدنيا.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
(سورة النحل)
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
لا تقل: " شفاعة" هذا مفهوم ساذج، مفهوم سوقي، مفهوم الغوغاء، فأنت مخطئ عندئذٍ، والشفاعة حقٌّ لمَنْ عمل صالحًا، أمَّا:
﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً(124)﴾
آخر آية الله عز وجل ضغط الدين كله في كلمتين قال:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾
التعريف الدقيق للدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، هذا جوهر الدين إحسان إلى الخلق، واتصال بالحق، وبينهما علاقة، لن تستطيع أن تتصل بالحق إلا إذا كنت محسناً إلى الخلق.






والحمد لله رب العالمين


تــــــــابــــــــع

السعيد
02-28-2018, 07:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء السادس


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ في سورة النساء الآية السابعة والأربعون بعد المئة، يقول سبحانه و تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾
كيف يتوقف عذاب الله عز وجل ؟ عن كل إنسان، آمن به وشكره، هذا الجواب أيها الإخوة.
هذا الكون بسماواته وأرضه، مسخر للإنسان تسخرين ؛ تسخير تعريف.... وتسخير تكريم....
أضرب لكم مثلاً، لو أن لك صديقاً مهندساً في الإلكترون، قدّم لك جهاز هاتف من أعلى مستوى، قدمه لك هديةً، وهذا الجهاز نادر، ويؤدِّي خدمات كثيرة، ينوب مناب إنسان، أنت أمام هذه الهدية العالية مستواها، أمام شعورين ؛ شعور امتنان لأن هذا الجهاز قدم لك هدية، وشعور إكبار لهذا العلم الدقيق الذي وراء هذا الجهاز.
هذا معنى قولي... تسخير تعريف... وتسخير تكريم...
فالكون له مهمتان ؟
المهمة الأولى أن تتعرف إلى الله من خلاله.
والمهمة الثانية أن تنتفع به.
رد فعل التعرف، إيمان، ورد فعل الانتفاع، الشكر.
فإذا آمنت وشكرت، فقد حققت الهدف من وجودك، وحينما تحقق الهدف من وجودك يتوقف العلاج الإلهي.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
أنت متى تتيقن، أن كل أنواع المعالجات، والمضايقات، والشدائد، والمصائب، تتوقف ضدّك ! حينما تحقق الهدف من وجودك.
إنَّ الأب الذي يتمنى لابنه أن يكون طبيباً، يضيِّق عليه، يشدِّد عليه، متى يتوقف التضييق والتشديد ؟ إذا دخل كلية الطب، ونال علاماتٍ عالية، فقدْ حقق الهدف من تخطيط الأب، لذلك متى يتوقف العلاج ؟ متى يتوقف التشديد ؟ التعقيب ؟ المضايقة ؟ الإلجاء ؟ الهم ؟ الحزن ؟
حينما يحقق الإنسان الهدف من وجوده، وهذه آيةٌ دقيقةٌ.
الله سبحانه وتعالى لا يعذب عباده إلا لهدف كبير، لأنّ الشر المطلق لا وجود له في الكون.
مثلاً أب طبيب جراح، وله ابن يتمتع بصحة جيدة، فهل يضعه على منصة التشريح، ويخدره ويفتح بطنه بلا سبب ؟ مستحيل.
أبٌ طبيبٌ جراح، قلت: أب لأن في قلبه رحمة لا حدود لها تجاه ابنه، وقلت: طبيب لأنه يعلم وهو جراح أيضًا، أيضع ابنه على المشرحة، ويفتح بطنه بلا سبب ؟ أما إذا رأيت أباً يفتح بطن ابنه، فالمعنى أنّه يعاني من التهاب زائدة.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾
يعني إذا أردت أن يتوقف العلاج الإلهي، والشدة الإلهية، فعليك بتحقيق الهدف من وجودك، وتحقيق الهدف من وجودك في هذه الآية، يتمثل بإيمانك بالله، كرد فعلٍ على أن الكون مسخرٌ لك تسخير تعريف، وبشكره كرد فعلٍ على أن هذا الكون مسخر لك تسخير تكريم، والله عز وجل يقول:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾
( سورة الجاثية: 13 )
بنص القرآن الكريم.
أيها الإخوة ؛ رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام – مما يؤكد هذا المعنى – مرةً هلالاً فقال: ((هلال خيرٍ ورشد، هلال خيرٍ ورشد ))
يعني هذا الهلال يرشدني إلى الله، وأنتفع به في عد الأيام والأسابيع،
﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾
( سورة يونس: 5 )
الآن مرحلة ثانية: أية مهمةٍ أعظم، أن تهتدي بالكون، أم أن تنتفع به ؟ الحقيقة الأجانب الغربيون، انتفعوا بالكون أشد الانتفاع، يعني ما من أمةٍ وصلت إلى أعماق البحار، وصلت إلى الأقمار، استغلت المناجم، الفلزات، المعادن، كل شيء مستخدم ومسخر إلى أعلى درجة، وقد أثبت الله لكم ذلك:
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
( سورة الروم: 7 )
لكن مهمة الكون لتعريفك بالله، أعظم مليون مرة من مهمة الكون في الانتفاع به.
لو كان دخلك محدودًا، حيث لا يسمح لك أن تأكل العسل، وأمسكت كتاباً عن النحل، وقرأت عن عجائب النحل، كيف أن كل كيلو عسل، محصلة طيران أربعمئة ألف كيلو متر، لو أننا كلفنا نحلةً واحدة، أن تصنع لنا كيلو عسل، لاحتاجت أن تطير حول الأرض عشر مرات، وأن هذه النحلة، فيها أجهزة لا يعلمها إلى الله، لا تقف على زهرةٍ امْتُصَّ رحيقُها، توفيراً لوقتها وجهدها، أكرِّر: لا تقف على زهرةٍ امتص رحيقها، وأن النحلات العاملات ترقص رقصاتٍ، تُعلم بقية النحلات العاملات، كم هي المسافة بينهم وبين الأزهار، هناك بحث قائم بذاته اسمه " رقص النحل"، والشيء الذي لا يصدق أنها تصنع هذا الشمع، بشكل سداسي منتظم، ليس فيه فراغات بينية، هناك ملكة، وهناك ذكور، وهناك عاملات، بعض العاملات وصيفات للملكة، يأتين بغذاءٍ ملكيٍّ خاص، مأخوذٍ من غبار الطلع، وبعض العاملات تنظف الخلية، فإذا وجدنَ فيها حشرةً كبيرةً، يغلفنها بطبقة شمع حتى لا تؤذي وتتفسخ، وبعض العاملات تُهوِّي هذه الخلية، وبعض العاملات تحمل، والموضوع طويل الذيل، وقد أُلِّفتْ كتب كثيرة حول النحل وطريقة عمله وأسلوب حياته.
فلو أن إنساناً قرأ كتاباً عن النحل، فخشع قلبه، وانهمرت عيناه، ولم يسمح له دخلُه أن يأكل لعقة عسلٍ واحدة، بينما إنسان آخر كاد ينفزر من أكل العسل، من الذي حقق الهدف من وجود النحل والعسل ؟ هو الذي عرف الله من خلال هذه الآيات.
لذلك أن تعرف الله من خلال الكون أعظمُ بكثير من أن تنتفع به، كل أهل الدنيا انتفعوا بالكون، الكفار، الملحدون، ما من إنسان إلا وينتفع بالكون، لكن المؤمن وحده، هو الذي يهتدي بالكون إلى الله، هو الذي يعبر بالكون إلى المكون، من النظام إلى المنظم، من التسيير إلى المسير، من التربية إلى المربِّي، من النعمة إلى المُنعم.
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ يجب أن نعلم أنّ كأس الماء، كأس الحليب، رغيف الخبز، قطعة الجبن، البرتقالة، التفاحة، ابنك الذي أمامك، الفراش الذي تنام عليه، اللحاف الذي تتدثر به، ثيابك التي تلبسها، الشمس والقمر، الليل والنهار، البحار، الأسماك، الأطيار، كل شيءٍ حولك يدل على الله، فحينما لا تُعمل فكرك في الكون، فقد عطلت أكبر شيئاً فيك، وهو أنه دليلك إلى الله عز وجل، أما إذا انتفعت منه فقط، فشأنُك شأنُ أهل الدنيا الذين ينتفعون بالكون، الكفار ينتفعون بالكون، الملحدون ينتفعون بالكون، الانتفاع بالماء والهواء، والزراعة، والصناعة، كل إنسان ينتفع بالكون.
النبي الكريم يقول: ((هلال خيرٍ ورشد.))
تنتفع به، لكن ينبغي أن تهتدي به أيضاً، فالإنسان إذا أكل شيئًا، أو شرب شيئًا، أو نام، فالنوم والأكل والشرب نعمة، وإذا نظر فالنظر نعمة، إذا استمع فالاستماع نعمة، إذا تكلم فالتكلم نعمة.
يأكل وينام، هناك أجهزة معقدة أيّما تعقيد، عملية هضم معقدة، البنكرياس والكبد، والصفراء، والحركة المعوية، والعصارات الهاضمة.
الإنسان إذا لم يفكر في تكوين جسمه، لا ينتفع بعقله، لذلك هذه الآية من أدق الآيات.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾
حينما تؤمن، وحينما تشكر، فإيمانك ردُّ فعل أن الكون مسخر تسخيرَ تعريف، وشكرك ردٌ على أن الكون، مسخر تسخير تكريم، فإذا آمنت وشكرت، توقف العلاج الإلهي.
قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
هل أدركنا لماذا إن شكرتم وآمنتم، فلِمَ لمْ يقل الله عز وجل إن شكرتم وصبرتم، إن شكرتم وأطعتم ؟ بل قال:
﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
لأن الشكر دليلٌ أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تكريم والإيمان دليل... أنك تأثرت بهذا الكون الذي سخر لك تسخير تعريف، فإذا آمنت وشكرت، ما يفعل الله بعذابك ؟
هذه الآيات الكريمة أيها الإخوة: مرةً ثانية وثالثة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((بلغوا عني ولو آية))
أجل ولو آية.
أنا أعطي آية واحدة خلال الدرس، لا أضيف آية ثانية، فإذا استوعب الإنسان معناها وعقل الغاية منها، وحدثها بها زوجتَه، أولاده، جيرانه، شركائه، فما منا أحد إلا عنده سهرة أو سهرتان في الأسبوع ؟ لقاء، لقاءان، هل منا أحد بلا عمل ؟ أماله أصدقاء، جيران.
(( بلغوا عني ولو آية))
هكذا قال عليه الصلاة والسلام، وإذا ما تذكرت معناها في شريط مسجل، وشرحت هذا المعنى لجلسائك فقد بلغتَ غاية كبرى، فلذلك نأخذ القرآنَ آية، آية، نحن نمشي في القرآن بالتسلسل، إن شاء الله، فكلما حان وقتُ درس جديد، نختار آية من هذه الآيات الأساسية، التي تعد ركناً من أركان الإيمان، ونعالجها حتى نقطف ثمراتها.


والحمد لله رب العالمين



تــــــــابــــــــع

السعيد
02-28-2018, 07:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء السابع



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء الآية السادسة والستون بعد المئة، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166)﴾
كلكم يعلم أن إنساناً شهد حادثةً، ثم دُعِيَ لأداء الشهادة، يقول لك: نعم لقد حصل كذا وكذا، هذه شهادة الإنسان، تسمعها بأُذنك من فمه، فكيف نفسر هذه الآية ؟
إن الله سبحانه وتعالى يشهد لنا بما أنزل إليك يا محمد، أيْ يشهد لنا أنَّ القرآن كلامه، كيف يشهد الله لنا أن القرآن هو كلامه ؟ هل يعقل أن نستمع إلى الله مباشرةً.
قال تعالى:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ﴾
( سورة الأنعام: 103 )
فكيف نفهم هذه الآية ذات الدلالة الواضحة ؟
الله سبحانه وتعالى هو بذاته يشهد لعباده أن القرآن كلامه.
أوضح لكم معنى هذه الآية بمثلٍ بسيط ؛ لو أن طلاب صف من الصفوف، دخلوا غرفة الصف في أحد الأيام، فإذا على السبورة العبارة التالية، "غداً الساعة الثانية مذاكرة رياضيات "، التوقيع: مدرس الرياضيات، الطلاب نظروا إلى هذه العبارة، يا ترى أهذا كلام المدرس ! أو أنَّ طالباً يداعبنا ؟.
كيف يشهد المدرس أن هذا الكلام كلامه ؟ غداً الساعة الثانية يدخل هذا المدرس ويقول: افتحوا الأوراق البيضاء عندكم مذاكرة، حينما تأتي الأحداث مطابقةً للأقوال، معنى ذلك أنّ هذا القول قول المدرس.
اتفق العلماء على أن وقوع الوعد والوعيد، هو شهادة الله لعباده بأنَّ القرآن كلامه.
يعني إذا قال الله عز وجل:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
( سورة البقرة: 276 )
ورأيت إنساناً نمت أمواله بالربا، ثم أُتلِفتْ هذه الأموال فجأةً، ثم أحرق الله ماله، أو أتلف ماله، فإتلاف هذا المال شهادة الله لنا أن القرآن كلامه، لأن الله قال بالقرآن الكريم:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾
إذا رأيت إنساناً يتصدق، فإذا بأمواله تنمو شيئاً فشيئاً، فنمُّو أموال المتصدق شهادةُ الله لعباده أن القرآن كلامه، لأنه يقول:
﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
( سورة البقرة: 276 )
إنْ رأيت شاباً نشأ في طاعة الله، مستقيماً على أمر الله، ضبط جوارحه، وضبط دخله، وتزوج امرأةً مؤمنةً صالحةً، وكان هذا الشاب في سعادةٍ كبرى، هذه السعادة الكبرى التي يعيشها هذا الشاب شهادة الله لعباده أن هذا القرآن كلامه، لأن الله تعالى يقول:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
( سورة النحل: 97 )
إن رأيت إنسانًا معه ألوف الملايين، وهو غير سعيد في حياته، بل يعاني مُرَّ الشقاء، وقال لك: أنا أشقى إنسان على الأرض وأقسم على ذلك، فشقاء هذا الإنسان الغني شهادةٌ من الله عز وجل لعباده أن القرآن كلامه، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
( سورة طه: 124 )
لذلك إذا قرأت في القرآن أن الله يشهد لعباده أن القرآن كلامه، فشهادة الله غير شهادة العباد، حينما تأتي الأحداث، وهي أفعال الله مطابقة لما في القرآن، فهذه أكبر شهادة من الله سبحانه وتعالى أن القرآن كلامه.
فلما قال المدرس: افتحوا الأوراق، وإليكم الأسئلة، معنى الكلام أنّ الذي كتب على السبورة قبل يومين المدرسُ بخطَّه، وإن لم يكن بخطه فبأمره تمَّت الكتابة، حينما جاءت المذاكرة مطابقة للتصريح السابق فهذه شهادته.
فيا أيها الإخوة الأكارم ؛ قال الله تعالى في آية أخرى تؤكد هذا المعنى:
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
( سورة يونس: 39 )
قال جمهور العلماء: تأويل القرآن في هذه الآية، وقوع الوعد والوعيد.
إذا رأيت الله سبحانه وتعالى، نصر المسلمين الأوائل، ومكنهم في الأرض، واستخلفهم على عباده، وبدل خوفهم أمنا، هذا مصداق قوله تعالى:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
( سورة النور: 55 )
إذا رأيت المسلمين في هذه الأيام ليسوا كما يتمنى أحدُهم، وليس أمرهم بيدهم، فاذكرْ قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
( سورة مريم: 59 )
ولقد لقي المسلمون ذلك الغي، حينما تأتي الأحداث مطابقة للقرآن الكريم، فاعلمْ أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾
( سورة الروم: 2 - 3 )
المعركة التي جرت بين الروم والفرس في غور فلسطين، وما كان أحد يعلم في حينه، ولا في عهد رسول الله، أن غور فلسطين أخفض نقطة في الأرض قال الله تعالى:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾
إذاً كل الحقائق التي تأتي الآن تؤكد أن هذا القرآن كلامه، حينما قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) ﴾
( سورة الحج: 27 )
المنطق أنْ يقول ب سبحانه: "بعيد"، لكنه قال:
﴿عَمِيقٍ (27) ﴾
( سورة الحج: 27 )
وهذا يعني أنَّ الأرض كرة، كلما ابتعدت عن نقطة الكرة، نشأ بُعد نحو الأسفل، بُعد غير بُعد المستقيم.
﴿ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾
العمق يتنامى مع البُعد، على سطح الكرة، أجلْ العمق يتنامى مع البعد، فلو أخذت سنتيمترًا على سطح كرة يكوِّن خطًا مستقيمًا، أمّا لو أخذت خمسين سنتيمترا، وهي كرة كبيرة، صار الخط منحنيًا، إذاً العمقُ يتنامى مع البُعد، معناها الذي قال هذا الكلام خالق الكون.
هناك آيات كثيرة، فهناك إعجاز علمي، وهناك إعجاز تشريعي، وهناك إعجاز إخباري.
لكن الذي يعنينا في هذا اليوم، الإعجاز الذي هو من نوع تحقق الوعد والوعيد، فحيثما رأيت حالةَ إنسانٍ مثلاً ماله حرام، فقد ورد في الجامع الصغير حديث شريف أن النبي خاطب بعض القبائل حسب لهجتهم، قال:
(("من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر ))
المهاوش يعني بالاحتيال، والنهابر يعني يذهب نهباً، من أصاب مالاً في مهاوش أذهبه الله في نهابر، يعني إذا الإنسان ماله حرام، في الأعم الأغلب، يذهب هذا المال بشكل غير معقول، سلبًا أو نهبًا أو غصبًا إلخ....
إذاً أنت دائماً وأبداً دقِّق فيما يجري، عندما ترى مثلاً بلدًا تُرتَكب فيه المعاصي على قدم وساق، ليس فيه إلا الشهوات، والأموال الحرام، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، ولقد أصابتها مصيبة كبيرة طحنتها طحناً في عشر سنوات، اقرأ قوله تعالى:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
كل حدث يقع في الأرض يدلُّك على أن يدَ الله تعمل، حينما ترى كيانًا عمره سبعون سنة تداعى كبيت العنكبوت، وكان قلعة عاتية من قلاع الأرض، فاقرأ قوله تعالى:
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء: 81 )
فأنت إذا قرأت القرآن فإنّه يلقي ضوءًا ساطعاً على كل حدث، والأحداث تؤيد ما في القرآن، والقرآن يدلك على تفسير الأحداث، الأحداث دائماً تؤكد مضمون القرآن، ومضمون القرآن يلقي ضوءًا على ما في الأحداث.
لذلك أحد أنواع شهادة الله لعباده مِن أنَّ القرآن كلامه هو تحقُّقُ الوعد والوعيد، وتطابق الأحداث الكبرى مع ما في القرآن الكريم، أنا قلت: أحد أنواع الشهادة، لأن الله عز وجل يشهد لك شهادة أخرى، حينما تقرأ القرآن ترتاح نفسك، ويطمئن قلبك، قال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾
( سورة الرعد: 28 )
إذاً أيضاً حينما تقرأ القرآن، وتشعر بالراحة والسعادة، فهذا مصداق قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) ﴾
نعيد تلاوةَ الآية مرة ثانية:
﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ﴾
يا محمد هو الذي يشهد لكم.
﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) ﴾
فكل شاب مؤمن مثلاً قرأ الآية:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
فأيّ شاب يستقيم على أمر الله، يُقبل على الله، يطلب العلم، يعلّم الناس، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، ينفق من ماله، يختار زوجة صالحة، تسأله عن حاله والناس في ضائقة وفي قلق وفي شك، يقول لك: الحمد لله، واللهِ أنا من السعداء، هذا الكلام مصداق قوله تعالى:
﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
وقد تلتقي مع إنسان ماله حرام، بيته غير إسلامي، فيه مخالفات، فيه تجاوزات، يقول لك: ما هذه الحياة "، الموت أشرف، فكلامُه صحيح:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
إذًا فاقرأ القرآن وأربط بينه وبين ما يجري، تجد أن كل الأحداث، تؤيده، وهو يكشف لك حقيقة الأحداث، فذات مرة قلت لإخواننا: إنَّ أحداث جيراننا، هناك من يفسرها تفسيرًا عربيًا، وتفسيرًا دوليًا، وتفسيرًا طائفيًا، حتى وصل الأمرُ إلى تفسير نسائي، أصابتْه عين مثلاً، لكن هناك تفسير إلهي، وهو الصواب:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) ﴾
هذا كلام الله عز وجل، وهذا التفسير الذي يصيب كبد الحقيقة.
يا أيها الإخوة الأكارم ؛ شهادة الله هي في وقوع الوعد والوعيد، الوعد والوعيد يتحقق، وبتحققه تكون شهادة الله لنا أنَّ هذا القرآن كلامه.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-28-2018, 07:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء الثامن


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة النساء آية هي الآية الواحدة والسبعون بعد المئة وهي تبدأ بقوله تعالى:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
وللنبي عليه الصلاة والسلام حديث صحيح يقول:
((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم ))
الغلو في الدين.
يعني أنّ الغلو في الدين كان سبباً لهلاك الأقوام السابقة، فما هو الغلو في الدين ؟.
أيها الإخوة ؛ قلت لكم من قبل، إن في الدين كليات ثلاث.
- كلية العقيدة...
- كلية القلب...
- كلية السلوك...
فالإنسان له عقل، وغذاؤه العلم، وله قلب وغذاؤه الذكر، وله سلوك وصحته الانضباط بالشرع.
هذه الكليات الثلاث، إذا نمت كلية واحدة نمواً غير طبيعي، فنموُّها هذا على حساب الكليتين الأخريين، فهذا هو الغلو في الدين.
يعني أن تعتمد على الفكر وحده وتهمل القلب والسلوك، أو أن تعتمد على القلب وحده وتهمل الفكر والسلوك، أو أن تعتمد على السلوك وحده وتهمل القلب والعقل.
حينما ينمو جانبٌ على حساب جانبٍ آخر نمواً سرطانياً، هذا هو الغلو في الدين، فهذا الذي يظن أن الفكر كل شيء، ويهمل الذكر كغذاء لقلبه، وقع في الغلو، وهذا الذي يعمل ليلاً ونهاراً، ويهمل إغناء عقله بالحقائق، وإغناء قلبه بالذكر، وقع في الغلو.
هذا نوع من أنواع الغلو، لذلك نحن أمام تطرف، وأمام تفوق، فإذا نمت الجوانب الثلاثة نمواً متوازياً، فنحن أمام التفوق.
وكان أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، كانوا متفوقين، معنى أنهم كانوا رهباناً في الليل، فرساناً في النهار، فإنّ لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.
أحد الرسل، أرسلَهُ عاملُ عمر بن الخطاب على أذربيجان، فقَدِم المدينة ليلاً، وكره أن يطرق باب أمير المؤمنين في الليل، فتوجه إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ظلامٌ دامس، في هذا المسجد سمع رجلاً يناجي ربه، يقول: يا رب: هل قبلت توبتي لأهنئ نفسي ؟ أم رددتها فأعزيها، فقال هذا الرسول: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر، فقال الرسول: يا سبحان الله، ألا تنام الليل يا أمير المؤمنين، فقال عمر: إني إن نمت ليلي كله، أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، إن لله عملاً في الليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله بالليل.
ثم تابعا إلى أن أذن الفجر، فصلَّيا، ومن باب التكريم أخذ عمر بن الخطاب هذا الرسول إلى بيته، وقال: يا أم كلثوم ؛ ماذا عندك من طعامٍ لضيفنا ؟ قالت: واللهِ ما عندنا إلا خبزٌ وملح، فقال: هاته، فأكل سيدنا عمر مع الرسول الخبز والملح، وكان قد خيره ؛ أتأكل عندي في البيت، أم مع فقراء المسلمين، طبعاً مع فقراء المسلمين هناك اللحم، أما في بيت خليفة المسلمين خبزٌ وملح، فظنّ هذا الضيف أنّ طعام أمير المؤمنين متميّز.
وذات مرة سيدنا عمر في عام المجاعة خاطب بطنه، وقال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين، فلما انتهيا من تناول الطعام، دعا سيدنا عمر، فقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وأسقانا فأروانا.
ثم التفت إلى هذا الرسول، قال يا هذا: ما الذي جاء بك إلينا ؟ ولماذا قدمت ؟ قال: معي علبةٌ فيها حُلْوٌ من أذربيجان، هديةٌ من عاملك، قال: أو يأكل عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، الطبقة الغنية، قال يا هذا: أَوَ أعطيت فقراء المدينة كلهم مثل ما أعطيتني ؟ قال: لا: هذه لك وحدك، عندئذ طلب عمر من رسول عامل أذربيجان أن يبلِّغ عامله أن يأكل مما يأكل منه عامة المسلمين، قائلاً له: كيف يرضيك أمر المسلمين إن لم تأكل مما يأكلون ؟، وأَمَر الرسول بهذه العلبة أن توزع بين فقراء المدينة، وقال: حرامٌ على بطن عمر أن يذوق حلاوة لا يأكلها فقراء المسلمين.
الغلو في الدين، مرةً أخرى أيها الإخوة ؛ أن ينمو جانب على حساب جانب، لا بد من التفوق، فكان أصحاب رسول الله متفوقين، لأن الجوانب الثلاثة، نمت عندهم نمواً متوازياً.
أما حينما ينمو جانب على حساب جانب، فهذا هو التطرف، والتطرف يكون عبئاً على المسلمين، وليس في خدمة المسلمين.
شيءٌ آخر، هناك من يأخذ فرعاً من فروع الدين ويجعله أصلاً، هذا أيضاً تطرف، هناك من يتعصب لفئةٍ أو لجماعةٍ، أو لشخص، أو لعصرٍ، هذا إذاً تطرف، وغلو في الدين، التعبير الحديث "تطرف"، أمّا التعبير القرآني " غلو في الدين "، أن تتعصب لفئةٍ، أو لجماعةٍ، أو لرجلٍ، أو لعصرٍ، أو لحقبةٍ، مع أن الدين للإنسان بمثابة الهواء له لا يستطيع أحدٌ أن يحتكره، ولا جماعةٌ، ولا فئةٌ، ولا أمةٌ، ولاشعبٌ وبلدٌ، ولا مصرٌ، ولا عصرٌ، ولا حقبةٌ.
دين الله لا يحتكر، دين الله لعباد الله، فمن تعصب، ومال لجهةٍ وكفَّر الباقين، فقد تطرف، وغلا في الدين.
إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك الذين من كان قبلكم، هذا ورد عن رسول الله. إخوانا الكرام ؛ لقد قال الشيطان: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
( سورة الأعراف: 17 )
في الآية شيءٌ دقيق:
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
أي إنّ الشاب لمجرد أن يتوب إلى الله عز وجل، ويسلك الطريق الصحيح يأتيه الشيطان، موسوساً، محمساً، داعياً إياه إلى المعصية، حينما كان غارقاً في المعاصي تركه الشيطان، فمتى أقبل عليه الشيطان ؟ حينما انطلق إلى الرحمن.
﴿ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾
يعني أنا على الطريق إليك فإذا سلك أحدٌ هذا الطريق، لأقعدن في الطريق ولأوسوسنّ له، هذه أول مهمة للشيطان.
أحيانا يقول لك شخص: يا أخي كنت غارقًا في المعاصي، ولم أعاني مِن مشكلة ! طبعاً، فلما اتجهت إلى الله اتجاهاً صحيحاً بدأت المشكلات ؟ هذا ابتلاء.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)﴾
( سورة العنكبوت: 2 - 3 )
ماذا تعني:
﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
يعني من أمامهم، فأكبر دعوة للشيطان، يقول لك: التحديث عنوان الحياة، ونحن في عصر العلم، وهذه كلها تقاليد بالية، هذه عادات الآباء والأجداد، وقد كانوا جهلة.
فالدعوة إلى إحلال التحديث بما فيه من فسق وانحلال واختلاط وأكل مال حرام وشهوات مستعرة، حينما يحل التحديث محل الدين الصحيح، فهذه دعوةٌ شيطانية، هي:
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
أما: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
حينما ينشأ مجتمع على عاداتٍ بالية وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان، أو أشياء لا ترضي الله عز وجل، كسب المال حرام، وإنفاق المال، وكذلك العلاقات الاجتماعية في تفسُّخ وانحلال، فالدعوة إلى التمسك بالقديم البالي المخالف للسنة أيضاً دعوة شيطانية.
كم جهة في الحياة عند الناس ؟ نعتقد أنّ هناك ستة جهات ؛ أمام، خلف، يمين، يسار، فوق، تحت.
الآن أول جهة الأمام، الدعوة إلى تبنِّي الأشياء المستجدة، والبدع محل الدين الأصيل.
ثم:
﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
الدعوة إلى التمسك بالتقاليد البالية المخالفة للدين، وهذا أنْ يصمد الشابُ مع زوجته أمام جمع غفير من النساء الكاسيات العاريات، ثم يقول: نحن تربينا على هذا، وهكذا نشئنا، وهكذا العادات، وإلاّ تكلَّم الناس علينا.
الدعوة إلى الجديد.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
الدعوة إلى العادات البالية المخالفة للشرع.
﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
أمّا:
﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
فنجمِّدها قليلاً، لكن:
﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ﴾
الدعوة إلى المعاصي ؛ الزنى، والسرقة، وشرب الخمور، والملاهي، إلخ...
أما:
﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
الشيطان يأتيك من قبل الدين، عن طريق الغلو، فالغلو في الدين، مَن المنتفع منه، الشيطان، المسلمون حينما يتفرقون، ويتخاصمون، ويتفتتون، ويضعفون، مَن الرابح الوحيد في هذه المعركة ؟ الشيطان، ومن المنتفع ؟ الشيطان، لذلك:
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
الغلو في الدين.
يأخذ فرعًا فيضخِّمه ويجعله أصلاً، أو يأخذ أصلاً فيضخمه ويجعل منه الدين كله، أو يتعصب لجماعة، أو لفئة، مهمته تفتيت الأمة الإسلامية هذه دعوة شيطانية، سأقول مبدئياً: لا ينتفع منها إلا الشيطان.
يطالعنا سؤال سألنيه أحدٌ، جهة " فوق " ما ذكرها القرآن الكريم، وجهة تحت ما ذكرها القرآن الكريم، قال:
﴿لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾
فقط.
إذًا جهة فوق لمَ أغفلها القرآن الكريم ؟ وكذلك جهة تحت.
قال العلماء: جهة فوق هي السماء !! ولا يستطيع الشيطان أن يأتيك من جهة السماء، يعني إذا اتجهت إلى الله أحرقت الشيطان، إذا اتجهت إلى الله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منك، ولا أن يلقي في قلبك أو نفسك شيئاً، ولا أن يوسوس لك، لمجرد أن تتصل بالله عز وجل.
﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)﴾
(سورة الفلق: 1 - 2 )
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) ﴾
(سورة الناس: 1 - 2 -3 - 4 )
يوسوس، فإن قلت: يا رب خنس، فالشيطان ضعيف، وسواس خناس، يوسوس، فإذا استعذت بالله عز وجل خنس.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) ﴾
( سورة الأعراف: 200 - 201 )
لذلك فالقرآن الكريم أغفل جهة فوق، لأن جهة فوق تعني الاتصال بالله عز وجل، والإنسان حينما يتصل بالله عز وجل لا يستطيع الشيطان أن يقترب منه.
هذا طيب، وجهة تحت، لماذا أغفلها الله عز وجل ؟ لأنّ جهة تحت تعني العبودية لله عز وجل، الإنسان حينما يفتقر إلى الله، لا يستطيع الشيطان أن يوسوس له، إذاً أنت محصن من جهة العبودية لله، ومن جهة القرب من الله، جهتان لا يستطيع الشيطان أن يأتيك منهما، لكن:
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾
شيء حديث، أجهزة حديثة، اتصالات، لقاءات، حفلات مختلطة، مثلاً، وسفور، وعمل المرأة في الحقل العام، أشياء لم تكن من قبل.
﴿َمِنْ خَلْفِهِمْ ﴾
تقاليد بالية، الأخذ بالثأر مثلاً، كلها أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.
﴿َعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾
من طرف الدين وناحيته، لذلك الشيطان يستطيع أن يصل إلى الإنسان وأن يقض عليه مضجعه، وأن يهلكه عن يمينه، أحياناً بالوسوسة، وأحيانًا بالابتداع، وأحيانًا بالحقد على بقية المسلمين، أو بالتفرقة بينهم، وأحيانًا بالتعصب لجهة، أو لجماعة، أو لفئة، أو لشخص، وتكفير من سواهم.
﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾
إذاً يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، الكلام لأهل الكتاب، والمقصود الآن المسلمون، وورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((إياكم والغلو في الدين !! فإنه أهلك من كان قبلكم))
الغلو في الدين خطِرٌ خطرًا مدمِّرًا.
يعني أن تضخم فرعاً فتجعله أصلاً، أو أن تضخم أصلاً فتجعله ديناً، على حساب الفروع الأخرى، أو على حساب الكليات الأخرى، وبهذا يتمزق الإسلام، ويتطرف الناسُ فيه، والتطرف عبءٌ على الدين وليس في خدمته.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-28-2018, 07:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النساء (4)

الجزء التاسع


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم عدة آياتٍ، تشير إلى طبيعة الإنسان.
قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
( سورة النساء: 28 )
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)﴾
( سورة الأنبياء: 37 )
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾
( سورة المعارج: 19 إلى 23 )
عدة آيات لا تزيد عن أربع آيات، تتحدث عن طبيعة الإنسان، فهذه خصائصُ في خلقه، ليست ذنباً يعزى إليه، لكن الله هكذا خلقه.
أولاً... الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾
لماذا خلقه ضعيفاً ؟
لو أن الله عز وجل خلق الإنسان قوياً، لاستغنى بقوته عن الله، وحينما يستغني بقوته عن الله يشقى باستغنائه.
لماذا خلقه من عجل ؟
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾
قال العلماء: لأنه لو خلقه يحب الآجلة، واختار الآخرة وفق طبيعته لما ارتقى عند الله، لكن ما الذي يحصل ؟ لو أن الإنسان خلق يحب الآجلة، والدنيا بين يديه، فالشهوات يقظة، الفتن مستعرة، الملذات أمامه، لوجدته يعرض عنها كلها، ويختار ما عند الله في الآخرة، فخالف طبيعته، والإنسان لما يخالف طبيعته يرقى عند الله، ولما يستجيب إلى طبيعته الأرضية فإنّه لا يرقى.
شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان عجولا، وجعل الله الدار الآخرة بعيدة المدى، لو كان عرضاً قريباً، أو سفراً قاصداً لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، يقول بعضهم: يفرجها الله.
فالناس يندفعون إلى إرواء شهواتهم، إلى اقتناص الأموال الحرام، إلى الاستمتاع بما حرم الله، لأن هذه الشهوات بين أيديهم، وفي متناولهم، والإنسان عجول، أما إذا اختار الآجلة فالأمر على عكس العاجلة.
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
( سورة القيامة: 20 ـ 21 )
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
( سورة الإنسان: 27 )
فالإنسان إذا استجاب إلى طبعه، وإلى عجلته، عندئذٍ يعصي ويرتكب الموبقات، ويعيش كما يقول الوجوديون: ليعِشْ لحظته، فهو الآن قوي ليستمتع بقوته، غني ليستمتع بماله.
أما الإنسان إذا أحكم عقله، فإني أضرب لكم مثلاً بسيطاً، لكن له دلالة كبيرة ؛ قبل سنين، حافلة حي المهاجرين، كانت تقف بساحة المرجة أمام مركز التسويق العراقي، في أيام الصيف الحارة، صعد للحافلة راكبٌ، فوجد على اليمين شمسًا، وعلى اليسار ظلاً، بحكم طبيعته قعد في الظل على اليسار، فلما انطلقت الحافلة، ودارت بساحة المرجة، فخلال دقيقة واحدة، انعكست الجهة لآخر الخط، وبقي طيلة الوقت في الشمس، فأنا لما أركب الحافلة كنت ألاحظ الركاب، فالذي يشغِّل فكره يقعد بالشمس، والذي يستجيب لطبيعة جسمه يقعد في الظل، لكن بعد دقيقة واحدة عندما تدور الحافلة تنعكس الجهة، فمَن اختار الظل تمتع به دقيقة، ومَن اختار مقعده تحت الشمس تحملها دقيقة، ثم راح يتمتع بالظل عشرين دقيقة، ومَن اختار الظل راح يتنعم دقيقة، ويتحمل أشعة الشمس الحارة عشرين دقيقة، فالفرق بين الراكبَيْن، واحد أعمل عقله، والآخر عطل عقله، وهذا المثل لو أنه مثل بسيط، لكن له دلالة كبيرة.
فأيّ إنسان بحكم عقله، ويفكر فإنه يختار الآجلة إلى الأبد، وأي إنسان يعطل عقله، فبين يديه الكثيرُ مِن في شهوات، أموال حرام، نساء كاسيات عاريات، طعام، احتفالات، اختلاط، مكاسب، يا نصيب تارةً، واختلاط تارةً، ورحلة سياحية تارةً، فإنه يختار العاجلة، والله عز وجل قال:
﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)﴾
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾
فلما يحكِّم الإنسان عقله فإنه يختار الآخرة، مع أنها بعيدة المدى، ويرفض الدنيا مع أنها في متناول يديه.
أما إذا عطل عقله، فإنه عيش لحظته كالوجوديين، فما دام يعيش إذاً هو يأكل ويشرب، ويتمتع بدون ضوابط، بدون قيم، دون مبادئ، دون افعل ولا تفعل، دون منهج، دون دستور، كالدابة السائمة، كالدابة الطليقة، تفعل ما تشاء بدون قيد أو شرط.
إذاً لما فطَرَ ربنا عز وجل الإنسانَ على حبِّ العاجلة مِن أجل أن يرقى، إذا جاهدها، لأنه لو اختار الآجلة لعاكس طبيعة نفسه.
وبالمناسبة إخواننا الكرام ؛ الإنسان له طبع، وله فطرة، ولديه تكليف، والطبع يتناقض مع التكليف غالباً، التكليف أن تصلي الفجر في وقته، وجسم الإنسان يميل إلى النوم والاسترخاء، ولا سيما في أيام الشتاء الباردة، والفراش وثير، ودافئ، نام الساعة الواحدة متأخرًا، وهو مرتاح، فطبعك يدعوك إلى النوم، والتكليف يدعوك إلى الصلاة، والمؤذن يقول الصلاة خير من النوم، وطبعك يدعوك إلى إطلاق البصر في النساء، كي تستمتع بحسنهن، لكن التكليف يدعوك أن تغض البصر عن محارم الله، طبعك يدعوك أن تقبض المال، والتكليف يأمرك أن تنفق المال، طبعك يدعوك أن تتحدث عن عورات الناس، عن قصصهم، عن فضائحهم، عن سقطاتهم، عن مشكلاتهم، عن خصوماتهم، لماذا طلق فلان فلانة ؟ ولماذا تزوج فلانة ؟ وما خلفية الموضوع ؟
طبعك يدفعك إلى تقصي أخبار الناس، لكن التكليف يقول لك:
﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾
( سورة الحجرات: 12 )
((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه))
الملاحظ إذاً أن الطبع يختلف مع التكليف، لماذا يختلف مع التكليف ؟ من أجل أن ترقى، لو توافق الطبع مع التكليف لارتقى أبداً، والتغت العبادة، والتغت الجنة، ولم يعُد هناك ثواب ولا عقاب، إذا توافق الطبع مع التكليف، لكن التكليف يتناسب مع الفطرة، أنا قلت الطبع، والطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس.
فلما يتعرف الإنسان إلى الله، ويستقيم على أمره، تهدأ نفسه، ويطمئن قلبه، ويشعر بسعادة لا توصف، لأنه توافق مع فطرته.
إذاً من ينشد السعادة الحقيقية، فعليه بتطبيق أمر الله عز وجل، ولو كان أمر الله في ظاهره فيه تكليف، وكلفة، وجهد، لولا هذا الجهد لما ارتقى إطلاقاً.
لو فرضنا أنّ جامعة وزعت على الطلاب أوراق الإجابة، مطبوع عليها الجواب التام، فما عليك إلا أن تكتب اسمك ورقمك، كله طالبٍ يحصل على مئة درجة، ومنحت تلك الجامعة الشهادات العليا، الليسانس، والدكتوراه هذه الشهادات هل لها قيمة عند الناس؟ هل لها قيمة عند الطلاب ؟ لا قيمة لها، صفر في الحقيقة، لأن هذه الشهادات لم يكن لصاحبها جهد مبذول.
أما لما تكون المواد صعبة، ولا بد لها مِن دراسة شاقة، ودخول امتحان صعب، وأسئلة معقدة، وسُلَّم دقيق، وتصحيح دقيق، فعندئذٍ لما ينجح الطالب يتيه على أقرانه بهذا النجاح الذي مقابله في جهد مُضنٍ.
فالإنسان لا يطمع أن يكون التكليف موافقًا للطبع، يطمع أن يجد الدين مثل ما يريد تمامًا، يريد من الدين أن يُسمَح فيه بكذا، وكذا، وكذا، يأخذ ما فيه راحته، ويتصيد الرخص.
لذلك فقد أردت من هذا الدرس، أن أشير إلى ناحية واحدة، أن الإنسان خلق عجولا، يحب الشيء الذي بين يديه، ولا يحب الشيء البعيد، فالمؤمن إذا اختار الآخرة، وما عند الله، فقد خالف طبعه، و لما خالف طبعه ارتقى عند الله.
وغالباً الطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس، وتكاليف الشرع لا تتوافق مع الطبع، لقوله تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
( سورة النازعات: 40 ـ 41 )
لكن الإنسان إذا طبق أمر الله عز وجل وعاكس هواه، في النهاية ترتاح نفسه، لأن هذا الكمال الذي حصله، وتلك الطمأنينة التي اكتسبها، هذه غذاء الفطرة.
لذلك قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾
( سورة الروم: 30 )
إخوانا الكرام ؛ أقول لكم هذه الكلمات وهي دقيقة، في النفس فراغ لا يملؤه المال، قد تملك مئات الملايين، وفي النفس فراغ لا تملؤه القوة، وقد تكون أقوى الأقوياء، في النفس فراغ لا تملؤه الشهادات العليا، والدرجات العلمية العالية، في النفس فراغ لا تملؤه الأسرة الناجحة، في بالنفس فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، من دون إيمان يعيش الإنسان في قلق، والدليل:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
( سورة طه: 124 )
أما لو أنّ الإنسان استقام على أمر الله فالحياة الطيبة هانئة، قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل: 97 )
فنحن موعودون بالحياة الطيبة، من قبل الله عز وجل.
والله أيها الإخوة ؛ لزوال الكون أهونُ على الله من ألاّ تتحقق وعوده ووعيده بأي عصر ومصر، وبأي وقت، من أي منبت طبقي أنت ؟ من أي أم وأب ؟ من أي بلدة ؟ من أي مكان ؟ من أي زمان ؟ من أي إمكانيات كنت ؟ حينما تستقيم على أمر الله، فلك من الله حياة طيبة، وأي إنسان مهما كان قوياً، مهما كان غنياً، مهما كان جباراً، إذا أعرض عن الله عز وجل فإن له معيشة ضنكا.
والله أيها الإخوة ؛ لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هاتان الآيتان لكفتانا.
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل: 97 )
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
( سورة طه: 124 )
أمّا الآية الثالثة، فدققوا فيها، والله لو أنني أتلو هذه الآية آلاف المرات، لا أرتوي منها.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
( سورة الجاثية: 21 )
أَيُعامَل المؤمن من الله كما يعامل الكافر ؟ في بيته، في عمله، في صحته، في زوجته، في أولاده، في طمأنينته، في سعادته، في إقباله، في إشراق نفسه، في تفاؤله في المستقبل، تجد شخصًا غنيًا لو أنفق كل يوم مئة ألف لبقي لديه ما يفيض على حياته، ولو عاش مئة سنة، ومع ذلك فهو متضايق، وقلق، ويقول: السوق مسموم، ولا نربح، وما هذه الحياة، ولا يُعاش في هذا البلد، ومعه أموال واللهِ لا تأكلها النيران، ويقابلك مؤمن لا يملك إلا قوت يومه، ويقول: الحمد لله من أعماقه، راضيًا بعيشه.
هذه السعادة لها سّر، السعادة أيها الإخوة لا تأتي من الخارج، لا تأتي من بيت واسع، ولا من زوجة جميلة، ولا من أموال طائلة، ولا من بيت بالمصيف، ولا من مركبة فاخرة.
السعادة تنبع من الداخل، لما يتجلى ربنا على المؤمن يشعر بالسرور والسعادة، إذ قال لك: أنا أسعد الناس فصدِّقْه، ذات مرة قال لي شخصٌ كلمة، أقسَمَ بالله ليس في الأرض - "أقسم بالله" - مَن هو أسعد مني، فقلت: هذا الكلام ليس معقولاً، ثم استدرك قائلاً: إلا أن يكون أتقى مني، ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.
فلما يتعامل الإنسان مع خالق الكون، ويمشي على منهج الله، يجعل بيته إسلاميًا، وعمله إسلاميًا، يقرأ القرآن، يذكر الله، ويترك هذه الأجهزة التي تسمم حياتنا، وتجعل حياتنا كلها حياة جنس، حيث المصيبة الكبرى، والخسارة المردية، فنعوذ بالله مِن ذلك.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-28-2018, 01:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المائدة (5)

الجزء الاول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
موضوع اليوم حول كلمة الوسيلة !!!.
يعني إذا أردت أن تصل إلى مكان ما، فلا بد من وسيلة تنقلك إلى هذا المكان، إذا أردت الماء، فلا بد أن تحفر بئرًا، إذا أردت أن تأكل فلا بد أن تشتري الطعام، إذا أردت أن تستنبت فلا بد أن تزرع البذر.
فالإنسان له هدف، وله أن يتخذ وسيلةً إلى هذا الهدف، فمن أراد الله فلا بد أن يبتغي إليه الوسيلة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
من أوسع التفاسير لهذه الكلمة، وأَوجه معنى من معاني الوسيلة طلبُ العلم، فهو وسيلة، والعلم طريقٌ إلى الله عز وجل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
يجب أن تعرف أنه موجود، يجب أن تعرف أنه واحد في ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، يجب أن تعرف أنه كامل، أسماؤه كلها حُسْنَى، وصفاته كلها فُضْلَى.
إذاً ينبغي أن تعرفه، ينبغي أن تعرف ما عنده من إكرام من أجل أن تقبل عليه، وينبغي أن تعرف ما عنده من عذابٍ أليم إذا أعرضت عنه.
إذاً إذا أردت الله عز وجل فابتغِ إليه الوسيلة عن طريق العلم، لقول الله عز وجل:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر: 28 )
لو أن هناك طريقاً إلى الله، غير طريق العلم لذكرَه الله عز وجل، لا بد أنْ تتعرف إلى الله، لأنك كلما عرفت الله عز وجل ازدادت خشيتك له، فالخشية مترافقة مع حجم العلم، حجمُ خشيتك بحجم علمك، رأس الحكمة مخافة الله، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
وبعد ؛ فإن عرفته أقبلت عليه، فمعرفته وسيلة، وإنْ عرفت أمره ونهيه طبقتَ أمره وابتعدت عن نهيه، إذاً معرفةُ منهجِه وسيلة.
لا ينبغي أن تكتفي بمعرفته من خلال الكون، لا بد من أن تعرف منهجه من خلال الكتاب والسنة، يجب أن تعرفه، وأن تعرف منهجه، الكون يدلك عليــه، والكتاب والسنة يعرفانك بأمره ونهيه، بالكون تعرفه وبالشرع تعبده.
إذاً لا بد من جانب من جوانب هذه الوسيلة، أن تفكر في خلق السموات والأرض.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
( سورة آل عمران: 190 - 191 )
ومن أجل أن تعبده، لا بد أن تعرف أمره ونهيه، ماذا تعمل أنت ؟ في التجارة مثلاً: لا بد أن تعرف أحكام الشراء والبيع لئلا تقع في الحرام، فمن دخل الأسواق من دون فقهٍ، وقع في الربا شاء أم أبى، تعمل في الطب لا بد أن تعرف أحكام الجُعالة، لأنك أجرك أيها الطبيب ليس مِن نوع عقود التراضي، ولا المعوضات، ولكن من نوع الجُعالة، أنت مقبلٌ على الزواج، فلا بد أن تعرف أحكام الزواج، كيف تعامل الزوجة ؟ كيف يتم هذا العقد ؟ ما شروط هذا العقد ؟
إذاً إذا أردت أن تعبده فلا بد أن تعرف أمره، لذلك ورد في الأثر: أن طلب الفقه حتمٌ واجبٌ على كل مسلم، ليس هذا خياراً لك، لا بد أن تقتطع من وقتك لتتعرف فيه إلى أمر الله ونهيه، إن أردت أن تعرفه، إن أردت أن تعبده، إن أردت أن تتقرب إليه.
إذاً معرفة ذاته، وأسمائه، وصفاته، من خلال الكون وسيلة، ومعرفة منهجه من خلال الكتاب والسنة وأحكام الفقه وسيلة.
من أجل أن ترى نفسَك للإسلامِ مطبِّقاً، لا بد أن تقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعله مثلاً أعلى وقدوة يقتدي به.
إذاً معرفة السيرة فرض عين، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
( سورة الأحزاب: 21 )
طيب، إن جلست مع أهل الدنيا، صَدِئ قلبك، وشعرت بالضيق، لابد إذًا أنْ تجلس مع المؤمنين، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
( سورة التوبة: 119 )
أن تجلس مع الصادقين وسيلة، أن تجلس مع المؤمنين، أن تلتقي معهم، أن تأخذ عنهم، من علمهم، من أخلاقهم، من قيمهم، فكل هذه وسيلة، انظُر فالمطلق على إطلاقه.
الوسيلة أن تعرف الله من خلال الكون، والوسيلة أن تعرف أمره ونهيه من خلال الكتاب والسنة، والوسيلة أن تجتمع مع المسلمين، لتأخذ من علمهم ومن أخلاقهم ومن قيمهم، وأن تقتدي بهم والدليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
( سورة التوبة: 119 )
هذه وسيلة، والوسيلة الرابعة ؛ أن تتقرب إليه بالعمل الصالح.
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
( سورة الكهف: 110 )
فمعرفة الله من خلال الكون وسيلة، ومعرفة منهجه وسيلة، وصحبة المؤمنين وسيلة، والأعمال الصالحة التي تقربك إلى الله وسيلة، المطلق في القرآن على إطلاقه، فأي شيءٍ يقربك من الله عز وجل هو وسيلة، لكن أكثر شيء يقربك من الله عز وجل أن تتأمل في خلق السموات والأرض، فأنت أمام عظمة الله عز وجل وجهاً لوجه، هذا أكبر شيء نظري، وأكبر شيء عملي يقربك إلى الله عز وجل الإنفاقُ، مطلق الإنفاق.
﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
( سورة البقرة: 3 )
لأن الله سبحانه وتعالى جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تعدَّ نفسك إلى حياة أبدية، فلا بد من عملٍ صالحٍ ترقى به، " يا بشر لا صدقة ولا جهاد، فبِمَ تلقى الله إذاً ؟ "، لا بد من شيء تلقى الله به، إنها الوسيلة.
لذلك إنسان يدّعي أنه مؤمن ولا يتحرك دعواه باطلة، دعواه كاذبة، لأن الإنسان من طبيعته الحركة، ترجمةً لديناميكي، وليس سكونياً "استاتيك"، "ديناميك" يعني حركي، فأنت تؤمن بالله وتظلّ واقفًا في محلك، فلا يليق ذلك بالمؤمن.
أنت لا بد لك مِن بيت تسكنه، مقدم على زواج، تسمع أنّ بيتًا ثمنه نصف قيمته الحقيقية، ثمنه خمسمئة ألف بدمشق وعلى الطابو فورًا، وأنت معك المبلغ وتظل نائمًا، لا أظن، بل تذهب في نصف الليل مشيًا ولو آخر مكان، أنت بحاجة ماسّة إلى بيت، والبيت بنصف قيمته، وطابوا فورًا، وليس فيه مشكلة، والدلال فلان، وتظل ساكنًا، ولا حركة، فهذا غير معقول أبدًا !!!.
تسمع أنّ على كتفك عقربًا - لا سمح الله - إذ قال لك شخص: على كتفك عقرب، هل تلتفتَّ نحوه بهدوء، وتقول له: أشكرك على هذه الملاحظة، وأتمنى أن أقابلك بخير منها، معنى ذلك أنك لم تفهم قولَه، ولو علمت ماذا قال لقفزت وخرجت من جلدك خوفاً من هذه الحشرة.
أتسمع الحق ولا تتحرك، لا تغض بصرك، ولا تنفق من مالك، لا تلازم المسجد، ولا تصلي، معنى هذا أنك ما فهمت شيئًا إطلاقاً، فعلامة الفهم الحركة.
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
أنتَ عرفت الله وبيتك غير إسلامي، يعني أنك ما عرفته، ولو عرفته، وعرفت ما عنده من إكرام، وعرفت ما عنده من عقاب، وعرفت تفاهة الدنيا، وعرفت أبدية الآخرة، وعرفت أن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إذًا فلا بدّ أن تتحرك.
ذات مرة ضربت مثلاً مضحكًا ؛ لما كان عندنا أزمات تموينية، قلت: لو أن واحدًا تلزمه صفيحة زيت، وقد خرج من وظيفته توًّا وهو مُتعَب، وقد خلع ثيابه وارتدى ثياب البيت، وجلس على أريكةٍ مريحةٍ، فقال له ابنه عدّةَ كلمات ؛ قال له: في المؤسسة زيت، والصفيحة بـ 800 ل س وثمنها لدى السمّان 1600 ل س، وليس في المؤسسة ازدحام، ولا يوجد عندنا زيت، وقد قبضتَ راتبك منذ يومين، أيبقى قاعدًا ؟ لا شكّ أنه يسارع إلى المؤسسة مهرولاً ناسيًا تعبه كله.
فإذا كان الدين واضحًا، والأفكار صحيحة، والعقل يقظًا، والعاطفة جياشة، وسمعت الحق، فلا بد أنْ تتحرك، أما يبقى على ما هو عليه من المعاصي والآثام والتقصير، ويدّعي أنه مؤمن، وأنا مسلم، ويقول: اللهم اجعلنا من أهل الجنة، فنحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر، وربما يكون حجة على قائله.
﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
أي شيءٍ من علمٍ، أو عملٍ، أو تضحيةٍ، أو شيءٍ آخر يقربك إلى الله عز وجل فهو وسيلة، التفكر في خلق السموات والأرض وسيلة، معرفة المنهج الأمر ؛ والنهي وسيلة، صحبة المؤمنين وسيلة، البذل والعطاء وسيلة، وأي شيءٍ آخر ترى أنه يقرب إلى الله عز وجل فهو وسيلة، ونسيت أن أقول لكم: إنّ ذكرَ الله وسيلةٌ، ذكره باسمه المفرد، والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والتكبير، والحمد، والدعاء، وتلاوة القرآن هذه وسيلة، وأعود لأكرِّر: التفكر وسيلة، الذكر وسيلة، الطاعة وسيلة، البذل وسيلة، صحبة المؤمنين وسيلة، الإطلاع على سيرة رسول الله وأصحابه الكرام وسيلة، والآية واسعة جداً، وأي شيء يقربك من الله هو وسيلة، درسنا اليوم كان حول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾
واستمع لقوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾
( سورة الإسراء: 19 )
علامة الإرادة السعي، وعلامة التمني القعود، المتمني يقعد، والساعي يتحرك، فأنت امتحن نفسك، إذا بقي الإسلام معلومات تتلقاها وأنت مرتاح لها، ولديك مشاعر إسلامية وليس لديك حركة إطلاقاً،ف القضية صعبة، أما إذا أيقنت بأحقية هذا الدين، وعظمة هذا الخالق العظيم، فلا بد أن تتحرك نحوه، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّكَ فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.


والحمد لله رب العالمين



تــــــــابــــــــع

السعيد
02-28-2018, 01:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المائدة (5)

الجزءالثانى


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة موضوعنا اليوم الآية الثامنة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
الإنسان أيها الإخوة قد يجري اتصالاً هاتفياً، وهو مضطجعٌ على سريره، أما لو أنه تلقى نبأً مؤلماً لقعد، فانتقاله من الاضطجاع إلى القعود دليل أن الأمر مهمٌ، فإذا كان الأمر أكثر أهميةً وقف، والإنسان يعبر عن اهتمامه بالأمر إلى أقصى درجة حينما يقف.
الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ﴾
قوَّام على وزن فعَّال، صيغة مبالغة اسم الفاعل، قائمٌ قوَّامٌ، القوَّام أشد اتصافًا بالقيام من القائم، قائم لكنه متهاون، قائم لكنه متململ، قائم لكنه متراخٍ، أما قّوام فهو في أعلى درجات النشاط، وفي أعلى درجات اليقظة، وفي أعلى درجات الجاهزية، قوَّام.
يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾
يعني طاقتكم، نشاطكم، عضلاتكم، علمكم، طلاقة لسانكم، ذكاؤكم، مكانتكم، جاهكم، هذا كله ينبغي أن يوظف لله عز وجل، وأن تستنفر، وأن تفرَّ إلى الله عز وجل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾
يعني أعلى درجات الاهتمام أن تقف، وأن تكون مستعداً لبذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، أن تقف وأن تكون في أعلى درجات الجاهزية، أن تقف وأنت في أعلى درجات النشاط.
هذا معنى.
﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾
( سورة آل عمران: 79 )
يعني يجب أن تَهَبَ كلَّ ما تملك لله عز وجل.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾
أحد أصحاب رسول الله، وكان حِبَّ رسول الله، أراد أن يشفع عند النبي في امرأةٍ سرقت، فغضب النبي أشد الغضب، وكما ورد في الأثر:
((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها))
هذا هو الإسلام.
يروى أن سيدنا عمر جاءه ملِك من ملوك الغساسنة مسلماً، رحب به أشد الترحيب.
كان الموسم موسمَ حج، وفي أثناء طواف الملك حول الكعبة، بدوي من فزارة داس طرف ردائه، فالمِلك لم يحتمل هذا، فالتفت نحوه وضربه ضربة هشمتْ أنفه.
هذا البدوي ليس له إلا عمر، ذهب إليه ليشكو هذا الملك الغساني جبلةَ ابن الأيهم، فاستدعى عمر جبله، وقال: أصحيحٌ ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح، قال: لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي، قال عمر: أَرضِ الفتى، لا بد من إرضائه، فمازال ظفرك عالقاً بدمائه، قال له: وإن لم أفعل ؟ قال له: يُهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلت كفك.
قال له كيف ذاك يا أمير المؤمنين ـ ما هذا الكلام ـ هو سوقة، وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟ قال له: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا، فقال جبله: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالَمٌ نبنيه، كلُّ صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾
لذلك ورد أنَّ عدْلَ ساعة أفضل عند الله من أن تعبد الله ثمانين عاماً، ورد أن حجراً ضج بالشكوى إلى الله، قال: يا رب، قصة رمزية، عبدتك خمسين عاماً وتضعني في كنيف ـ المرحاض ـ قال تأدب يا حجر، إذْ لم أجعلك في مجلس قاض ظالم، يعني مكانك في الكنيف أشرف لك من أن تكون في مجلس قاض ظالم.
إذاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾
أما الشيء الدقيق في الآية، قوله تعالى:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾
معنى لا يجرمنَّكم أي لا يحملنَّكم.
﴿ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾
الشنآن البغض.
﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾
الله يخاطب من ؟ يخاطب المؤمنين، من هم أعداء المؤمنين التقليدين الكفارُ، الفجارُ، الملاحدةُ، المنافقون.
كأن الله عز وجل يقول: يا عبادي، إذا توهمتم أنني أرضى عنكم، إذا لم تعدلوا مع خصومكم الكفار فأنتم واهمون، لا يرضيني إلا أن تعدلوا معهم، ولا يقربكم إليَ إلا أن تنصفوهم، ولا تقرِّبوهم إليَّ إلا إذا أنصفتموهم، إن لم تنصفوهم فأنتم متوهمون أني أرضى عنكم، إذا أكلتم أموالهم واعتديتم على أعراضهم بدعوى أنهم كفار، فهذا هو عين الخطأ.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾
لا يحملنكم بغض قومٍ على أن تظلموهم.
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
أنتم إذا عدلتم مع هؤلاء الأعداء أنتم أقرب إليّ، وإن عدلتم مع هؤلاء الأعداء قرّبتموهم إليّ، فقد عرفوا عظمة الدين، لذلك الإنسان المتوهم إذا رأى شخصًا غير مسلم يقول في نفسه: الطُشْهُ بالسعر ولا حرج، خذ ماله ولا تهتم، فهذا غير مسلم، هذا هو عين الخطأ، وأعود وأكرِّر الآية: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
يعني إذا عدلتم مع أعدائكم قربتموهم من الله، قال: يا أمير المؤمنين أتحبني، يبدو أنّ شخصًا فاجرًا قالها لسيدنا عمر، قال له: والله لا أحبك، قال: وهل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي، قال له: لا والله، حقك واصلٌ إليك، أحببتك أم كرهتك، هذا هو الإسلام.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
يعني إذا عدلتم معهم قرَّبتموهم إليّ، وعرفوا أحقِّيّة هذا الدين، و إن عدلتم معهم تقرَّبتم أنتم إليّ، فأنا لا أرضى عنكم إذا ظلمتم هؤلاء، لأنكم إذا ظلمتموهم، فإنكم إذاً مثلهم، وأين الإسلام عندئذٍ ؟ وأين عظمة هذا الدين ؟ وأين أحقّيّة هذا الشرع؟
لذلك يبدو أن الذي يخطئ مع مسلم، فالخطأ صغير حجمه، أما الذي يخطئ مع غير المسلم فالخطأ كبير حجمه، لأنك إذا أخطأت مع مسلم يقول: فلان آذاني، أما إذا أخطأت مع غير مسلم يقول: المسلمون فعلوا معي كذا، وكذا، ينتقل من ذمك إلى ذمِّ دينك.
ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.))
كل مسلم يمثل هذا الدين، فعليه أن يكون في أعلى درجات الكمال، أعلى درجات الإنصاف، أعلى درجات القسط.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾
استنفِرْ، فِرَّ إلى الله، شمروا فإن الأمر جِد.
﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾
في آية أخرى قال:
﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
( سورة النساء: 135 )
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾
لا يحملنكم بغض قومٍ على ألا تعدلوا.
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
يعني أنتم أقرب إليّ، وأعداؤكم الذين عدلتم معهم، يصبحون أقرب إليَّ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
سبحانه وتعالى خبير بعملك، يعرف حجم عملك، ويعرف الأهداف البعيدة من عملك، ويعرف البواعث الحقيقية من عملك، ويعرف المضايقات التي تعترض عملك، ويعرف كل ما بذلتَ من أجل هذا العمل من غال ورخيص، ونفس ونفيس.
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
أيها الإخوة ؛ هذه الآية لو طبقت فلن تجدوا عداوات ساحقة بين المسلمين وغير المسلمين، يعني إذا ظلَمَ المسلم، فقد سمعت مرة كلمة، أن الأجانب ينظرون إلى الإسلام نظرة سيئة، لأنهم شاهدوا إساءات مِن قِبَل مَن فَتَحَ بلادهم، بعد ما استقر الفتوح في أوربا مسافات طويلة، ظهر أناس أساءوا إساءات بالغة، فالأجانب حملوا هذه الصور القاتلة ونظروا إلى الإسلام نظرة قاسية، فلذلك المسلم أحيانًا يسيء إلى دينه كله.
طالب ذهب إلى أوربا ودرس، واقترن بفتاة ألمانية، أحبها وأحبته، درسا الطب طبعاً، بعد سبع سنوات، بعد أن نال الشهادة، اختفى !!.
عاشت معه وأعانته، وقدمت له كل ما تستطيع، وأخلصت له، فلما نال الشهادة في الطب اختفى !! تبعته إلى بلده، فإذا هو في بلد آخر، أجرى عقداً مع دولة من دول الخليج، إحدى دول النفط، فوصلت إلى وزير الداخلية هناك، والوزير رفع الأمر إلى الملك، والملك أصدر أمراً بطرد هذا الطبيب، لأنه أساء إلى ألف مليون مسلم.
تقول هذه الفتاة: ماذا فعلت له حتى تركني ؟ لقد أحسنتْ إليه، واللهِ.
أحيانًا إنسان واحد قد يسيء لأمة، لمَ لمْ تخبرها بأنك ستطلقها إذا انتهت دراستك، وليعلم كل واحد أنّ الزواج على التأبيد، أخلصت لك كل الإخلاص، وأنا ما أردت من هذه القصة أن نناقشها، لكن أردت من هذه القصة أن الإنسان أحياناً يسيء لأمته كلها إذا أساء التصرف.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
فالمسلم ليدقق بمعاملته المسلَم مرة، وليدقق مليون مرة في معاملته غير المسلم، لأنه لو عامله معاملة طيبة ربما جلبه إلى الدين، رجل معروف يمثل الحزب اليساري في فرنسا، أسلم، فكان يروي منذ أيام سبب إسلامه، قال: قبل ثلاثين سنة، كنتُ جنديًا ورفض مسلم أنْ يقتلني، في الحرب العالمية الثانية، لقد رفض أنْ يقتله لأسباب دينيه، فبقيت هذه الفكرة في ذهنه ثلاثين عاماً، وحملته بعدها على أن يسلم.
فالعمل الطيب ربما جرَّ أمة، والعمل السيِّئ ربما نفَّر أمة.
لذلك: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-28-2018, 01:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المائدة (5)

الجزء الثالث



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الإخوة الكرام ؛ قال تعالى:
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
أيها الإخوة الكرام ؛ ما منا واحدٌ إلا ويتمنّى أن يكون الله معه، لأنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يستطيع في الأرض أن ينال منك، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ما معك أحد، أمّا إذا كان الله معك، فلو أن الأمة بأكملها اجتمعت على أن يضروك بشيءٍ لم يستطيعوا، وإذا تخلى الله عنك، ولم يكن الله معك، فأقرب الناس إليك، ابنك الذي من صلبك، زوجتك التي عشت معها أربعين عاما، تتخلى عنك، إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله عليك فمن معك ؟.
إذا كان الله معك ألقى حبك في قلوب العباد، وإذا كان الله عليك ألقى بغضك في قلوب العباد.
يا أيها الإخوة ؛ الأقوياء يملكون القوالب، لكن الأنبياء يملكون القلوب، والبطولة الحقيقية في أن تملك قلوب الناس، لا أن تملك أجسامهم، القوي يخاف الناس منه، لكن النبي يحبه الناس.
لذلك ما منا واحد إلا ويتمنى أن يكون الله معه، ولكن هذه المعية قال عنها العلماء: إنها معيتان ؟
معيةٌ خاصة... ومعيةٌ عامة...
فما المعية العامة ؟ المعية العامة أن الله مع كل عباده، مع الكفار، مع الفجار، مع الملحدين، مع المنافقين، مع العصاة، مع المتجاوزين.
في قوله تعالى: ﴿هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
( سورة الحديد: 4 )
مؤمن، كافر، مطيع، عاصٍ، هو معك، بل قيامك به أبلغ من أنه معك.
الآن دققوا، معية الله الخاصة، تعني التوفيق والحفظ، تعني التأييد والنصر، إذا كان الله معك نصرك على أعدائك، وإذا كان الله معك وكنت في عملٍ وفقك فيه، إذا كان الله معك حفظك من كل شر.
إذا كنت في كل حالٍ معي فعن حمل زادي أنا في غنى.
فأنتم هو الحق لا غيركـم فيا ليت شعري أنا مـن أنا.
***
العلماء قالوا: المعية معيتان ؛ معيةٌ عامة، ومعيةٌ خاصة، المعية العامة تشير إلى الآية الكريمة:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾
لكن المعية الخاصة معية التأييد، معية التوفيق، معية الحفظ، معية النصر، معية السكينة، يُلقي الله في قلبك السكينة، تكون كالجبل الأشم لا تتزعزع، هذه المعية الخاصة، ممكن الحصول عليها ولكن بدفع ثمنها، الآن بدأ الدرس.
المعية الخاصة التي نبحث عنها جميعاً متاحةٌ لكل إنسان، بشرط أن تدفع ثمنها، يا رب أين ثمنها ؟ أو يا رب من يملك ثمنها ؟ يقول الله: أنت أيها العبد تملك ثمنها، ابدأ بهذه الآية: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
هذه العناصر التي اشتملت عليها الآية هي ثمن المعية الخاصة، هذه ثمن المعية التي هي من أينع ثمار الدين، وأجمل ما في الدين أنْ تشعر أن الله معك، أعظم ما في الدين أن تشعر أنك مقربٌ إلى الله، أعظم ما في الدين أن يتجلى الله على قلبك بالسكينة، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، حينما يتيه الناس أنت لا تتيه، حينما يخاف الناس أنت لا تخاف، حينما تنهار أعصاب الناس أنت لا تنهار، حينما يشعر الناس بالحرمان أنت تشعر بالفوز والغنيمة، حينما يخضع الناس أنت لا تخضع، هذه معية الله الخاصة، وثمنها تملكه أنت، وهذه مفردات ثمنها.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
ولكن يا أيها الإخوة ؛ الله قال: أقمتم الصلاة، لمْ يقل الله عز وجل: إني معكم لئن صليتم، فإذا قلنا: لئن صليتم، يعني واحد دخل للمسجد توضأ وصلى، هذه الصلاة، أما:
﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
فانتبه لكلمة أقام البناء، تحصل على رخصة أولا، وبعد مضي سنتين من الملاحقة تحصل عليها، ثم حفرت الأساسات، وبُني أول طابق، والثاني، والثالث، ثم كسوتَه وفرشتَه، فشغله سنوات حتى تم إنجازه، من هنا نعلم أنّ إقامة الصلاة تبدأ قبل الصلاة، إقامة الصلاة تبدأ بغض البصر، إقامة الصلاة تبدأ بتحرير الدخل، إقامة الصلاة تبدأ بأن يكون بيتك إسلامياً، بأن تربي أولادك التربية الصحيحة، يعني أنت تعمل عملاً تستقيم معه على أمر الله، تصطلح معه، تتوب إليه، تنفق من مالك، من أجل أنّك تصلي حقًّا إذا دخلت إلى المسجد، ففرقٌ كبير بين أن يقول الله عز وجل: إني معكم لئن صليتم، وبين أنْ يقول: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
أحياناً إنسان يقدم امتحانًا في ثلاث ساعات، يمنح دكتوراه، إذْ تجري مناقشة أطروحته أمام لجنة من العلماء، وبعد ثلاث ساعات مِن قراءة ملخص الأطروحة قال الدكتور المشرف رأيه في الموضوع، واجتمعت اللجنة، واتخذت قراراً بمنحه الدكتوراه بتقدير امتياز، العملية تمت في ثلاث ساعات، أما عملية تأليف الكتاب الذي تقدّم به الطالب لنيل الدكتوراه فتمّتْ في عشر سنوات، فالدكتوراه لا تأتي في ساعات ثلاث.
وإذا دخل شخصٌ المسجدَ وقام يصلي، فهذه ليست صلاة، قبل الصلاة لا بد من استقامة، قبل الصلاة لا بد من توبة، قبل الصلاة لا بد من صلح مع الله، قبل الصلاة لا بدّ مِن إنابةٍ إلى الله، قبل الصلاة تكون الأعمال الصالحة، مِن إنفاق ونحوه، فالآن إذا دخلتَ لتصلي فهذه إقامة الصلاة.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾
إما أن نفهم أنّ إيتاء الزكاة دفعُ جزءٍ من المال كما هم معروف، أو أن هذه الآية تعني مطلق العمل الصالح، وهناك للعلماء استنباط، سيدنا المسيح قال: ﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31) ﴾
( سورة مريم: 31 )
بعضهم قال: هاتان الكلمتان جمعتا جوهر الدين، الدين اتصال بالله الخالق، وإحسانٌ إلى المخلوق، هذا الدين.
في حركة أفقية وحركة شاقولية، الأفقية إحسان للخلق، والشاقولية اتصال بالحق.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾
أقمتم الصلاة، هذه الساعات في مناقشة الأطروحة، ثم منح على إثرها الطالب دكتوراه بامتياز، هذه سبقها عشر سنوات تحضير، عشر سنوات تأليف، فلما يغضُّ الإنسان بصرَه في الطريق، والطريق فيه كاسيات عاريات مائلات مميلات، ويضبط لسانه، يضبط أذنه، يضبط بيته، يضبط دخله وإنفاقه.
فإذا دخل ليصلي، فإنّ هذا قد أقام الصلاة، لكن إذا دخل فتوضأ وصلى، وهو غارق في المعاصي والشبهات، هذا نقول عنه: إنه صلى، لا نقول: أقام الصلاة، انتبه: أقام البناء يعني عمل طويل، شراء الأرض، والحصول على رخصة، وحفر الأساسات، وبناء الهيكل، ثم إكساء الهيكل، ثم تزيين الهيكل، ثم إكساء خارجي، ثم فرش البيت، فمثل ذلك إقامة الصلاة.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾
يعني آمنتم بأحقِّية هذا الشرع، هذا هو النظام الأكمل، هذا الذي فيه حل لمشكلاتنا، أمّا أنْ تقول: الدين نغمة قديمة، معنى ذلك أنك لا تعرف عن الدين شيئاً.
الدين منهج خالق الكون، دستور الإنسان.
﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾
أنت لما تصلي، كأنْ تكون في نزهة وتقوم لتصلي، فأنت نصرت دين الله عز وجل، لما تمتنع عن دخل مال حرام، وغيرك لا يمتنع، فقد نصرت دين الله عز وجل، الله عز وجل لا يحتاج إلى أن تنصره، ولا نبيُّه يحتاج إلى أن تنصره، إلا أنك أقمت شعائر الدين، ونفذت أمر الله عز وجل، وسَّعت دائرة المؤمنين، أمّا إذا كان الناس في نزهة، وواحد قام فصلى وحده فلعله يستحيي بنفسه، لكنْ إذا قام ثلاثة أو أربعة وصلوا، فمَن الذي يستحيي ؟ الذي لم يقم ليصلي.
فإذا كان كل التجار يتعاملون بطريقة ربوية، وأحبَّ تاجرٌ أنْ يستقيم فضحوه، أمجنون أنت ؟ أما إذا كان الكلُّ مستقيمين أعطوا غطاء للمستقيم، أنت لما تطبق شرع الله عز وجل فإنك تدعم الدين، وتنصر.
﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾
( سورة محمد: 7 )
فإذا كانت الأسرة كل بناتها كاسيات عاريات، فإذا أحببتَ أنت أن تحجب ابنتك، أُقيم عليك النفير، وشعرتَ بصعوبة بالغة.
أما إذا كان كل من حولك بناتهم محجبات، صار الطريق لابنتك سهلاً، انظري إلى ابنة خالتك، وانظري إلى ابنة خالتك الثانية، وإلى ابنة عمك أيضًا، انظري إليهن جميعهن، فكلهن محجبات.
أنت لما تطبق الدين، وترسخ دعائمه، يصير تطبيق سهلاً، إذا كل الناس تخلوا عن الدين، صار المؤمن غريبًا، والغريب يواجه صعوبات، يواجه عقبات، يواجه اعتراضات، هذا معنى قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾
يعني أيَّدتَ الرسول وطبقت أمر الله.
﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
والله ما من كلمة تهز مشاعر المؤمن كهذه الكلمة، خالق الأكوان، الغني الحميد، يقول لعبده: هل تقرضني قرضاً حسناً، على أن أوفيك إياه بغير حساب يوم القيامة، وأي عمل صالح تجاه أي مخلوق هو قرض حسن، حقًّا أيّ عمل صالح تجاه أي مخلوق، حتى ولو كان حيوانًا، كما لو أنك سقيت كلباً، أو أطعمت هرة، أو أنقذت نملة في حوض الغسيل، فيه نملة، وأنت تريد أنْ تتوضأ، فتوقّفتَ إلى أن خرجت، إذًا بعملك هذا أنقذت مخلوقاً، وهذا قرض لله، أقرضتَ الله قرضاً حسناً.
وهذه آية أخرى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾
( سورة البقرة: 245 )
إذا خدمتَ إنسانًا، أو دللْتَه، أو أعنتَه، أو خفَّفْتَ عنه، أو شفعت بين زوجين، دللت على خير، طلبت العلم، أو علَّمته، توسَطتَ في حل مشكلة، كله قرض حسن، فمعية الله التي لا تقدر بثمن، ثمنها بيدنا جميعاً.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾
إن دفعتم هذا الثمن.
﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾
كل شيء كان يسوؤكم سوف تنسونه، وتُفتح لكم صفحة جديدة.
﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
أنت تتمنى معية الله عز وجل، يعني التوفيق، النصر، التأييد، الحياة الطيبة، السعادة، التجلي، السكينة، الوقار، المكانة الاجتماعية، أن يدافع الله عنك، أن ينصرك على عدوك، أن يؤيدك، أن يقربك، فما عليك إلاّ أنْ تلتزم بنص الآية مع التنفيذ.
﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾
فعندنا معية عامة، ومعية خاصة.
المعية العامة... الله مع كل مخلوق، حتى الكافر، هذه المعية لا تقدم ولا تؤخر، بل تعني أنْ يرى ويسمع ويعلم كل ما يفعلون، فهم تحت رقابته، ليحاسبهم يوم القيامة.
ولكن المقصود المعية الخاصة... وهي أن يتجلى الله عليك بالحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، وهذه أبرز الأشياء أنواع المعية.
الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، وثمنها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالمنهج، وتأييد الرسل بتطبيق تعليماتهم، عندئذ الماضي الحالك كله يشطب، وتفتح صفحة جديدة، والمستقبل: الجنة وما فيها من نعيم مقيم.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-28-2018, 01:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة المائدة (5)


الجزءالرابع


أبواب الرزق....


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.


الآية الأولى....


أيها الإخوة الكرام؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
[ سورة المائدة الآية: 66]


الآية الثانية....


هذه الآية تؤكدها آية أخرى:
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾
[ سورة الجن الآيات: 16-17]


الآية الثالثة....


﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 96]


الوسائل التي تزيد في الرزق:


العلماء استنبطوا من الكتاب والسنة الوسائلَ التي تزيد في الرزق .


أول وسيلة الاستغفار ...


قال تعالى :
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾
[ سورة نوح الآيات: 10-12]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3943/ar-3943/01.jpg

الذي يستغفر الله من ذنوبه يجلب له ولأهله الرزق بالاستغفار، هذه واحدة، فمن شكا من ضيق الرزق فعليه بالاستغفار، هذا قرآن، وهو كلام خالق الكون.


ثاني وسيلة الصلاة...


فقال تعالى:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾
[ سورة طه الآية: 132]
فالبيت الذي تقام فيه الصلوات، يتلى فيه القرآن، تقام فيه حدود الله عز وجل، فهذا بيت مرزوق، فالرزق بيد الله عز وجل، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.

العامل الأول ... هو الاستغفار .

العامل الثاني ... إقامة الصلوات وشعائر الله في البيت .


ثالث وسيلة الأمانة...


مستنبط من الحديث الشريف ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( الأمانة غنى ))
[ هكذا ورد بالأثر]
الأمين موثوق، فإذاً أنت أثمن شيءٍ تملكه ثقة الناس، وإذا ملكت ثقة الناس فأنت أغنى الناس، وأكبر خسارة تحيط بك أن تفقد ثقة الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول : "الأمانة غنى ".

إذًا: وسائل الرزق هي :

الاستغفار أوّلاً، وإقامة الصلوات والشعائر الدينية في البيوت ثانياً، والأمانة ثالثاً.


رابع وسيلة صلة الرحم...


قيل: صلة الرحم تزيد في الرزق.
(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))
[ البخاري، مسلم، أبو داود، أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ ]
إذاً أنْ تصل رحمك، وصلة الرحم تعني أشياء ثلاثة:

أن تزورهم أولاً ، وأن تتفقد أحوالهم تمهيداً لمساعدتهم ثانياً ، وأن تدلهم على الله ثالثاً.

هذا ما تعنيه صلة الرحم، وهو العاملُ الرابع.

الاستغفار وإقامة الصلاة والأمانة وصلة الرحم.


خامس وسيلة صلة الإتقان...


http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3943/ar-3943/02.jpg


إتقان العمل جزء من الدين ، إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ، وهذه حقيقة ، فالشركات المصنعة المتقنة ، بضاعتها محجوزة لسنوات ، وصاحب الحرفة المتقن محجوز لسنوات ، وإذا كسدت البضائع وبارت الأعمال فالمتقنون لا يتعطلون أبداً.


فالإتقان عامل ، وصلة الرحم عامل ، والاستغفار عامل ، وإقامة الصلوات والأمر بها عامل، وإقامة القرآن الكريم عامل.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
[ سورة المائدة الآية: 66]


سادس وسيلة صلة الصدقة...


وهناك عامل سادس وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( استمطروا الرزق بالصدقة))
[الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]
صدقة السر تطفئ غضب الرب، بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها.


سابع وسيلة الاستقامة...


فالإنسان المستقيم على أمر الله.
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾
[ سورة الجن الآيات: 16-17]
المستقيم على أمر الله، والمقيم للصلوات، وهو يأمر بها أهله ومن يلوذ به، والمستغفر، والواصل لرحمه، والمتقن لعمله، والأمين، هؤلاء جمعياً أرزاقهم وفيرة، وهي قوانين ربنا عز وجل.


مثال للتوضيح:



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3943/ar-3943/03.jpg


فلما يكون الإنسان راكبًا مركبة في سفر، وفجأة تتوقف المركبة! ويطالعك هنا سلوكان؛ فأيهما السلوك الذكي؟


أول سلوك: يصيح المسافر ويبكي ويزعبر!!!؟؟؟


السلوك الثاني: يفتح غطاء المحرك ، ويبحث لماذا وقفت المركبة، هذا هو السلوك العلمي.


فإذا شعر الإنسان أن رزقه ضيق، فإنّه يتساءل :


يا ترى هل مِن سبب؟


عدم إتقان، أو عدم أمانة، أو تفريط في أوامر الله عز وجل، أم مِن قلَّة الاستغفار، أم من في قطيعة رحم مثلاً، إذًا هناك أسباب.


الخلاصة:



لذلك فالإنسان حينما يشعر أن رزقه أقل مما ينبغي، فليبحث عن السبب، وربنا عز وجل قال :
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 66]
وبعد هذا يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
[ سورة المائدة الآية: 68]
ونحن كمسلمين، واللهِ الذي لا إله إلا هو لسنا على شيء حتى نقيم القرآن الكريم في بيوتنا ، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 33]
قال علماء التفسير: أنت فيهم، أي سنتك قائمة في بيوتهم، وفي أعمالهم، ما دامت سنة النبي علية الصلاة والسلام فينا، وفي علاقاتنا، وفي كسبنا للمال، وفي إنفاقنا للمال، وفي نشاطاتنا، وفي بيوتنا، فالله لا يعذبنا. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 33]
وإذا عرفنا أغلاطنا، وتبنا منها أيضاً فنحن في بحبوحة، فنحن في بحبوحة مرتين، إذا أذنبنا واستغفرنا، أو إذا تبنا واصطلحنا، فإذا كنا في أحد هذين الحالين، فنحن في بحبوحة، ونحن في سلام، وفي أمْنٍ من الله عز وجل.


الخاتمة:



أيها الإخوة الكرام؛ هاتان الآيتان مع أنهما موجهتان لأهل الكتاب إلا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا بأسلوب تربوي، فأحياناً الإنسان يخاطب شخصًا، وهو يعني شخصاً آخر، فالشخص الآخر لا يأتيه الكلام مباشراً، قال تعالى :
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 66]
هذا كلام خالق الكون ، ولا شيء يمنع أن تكون هذه الآية قانوناً. ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 68]
لذلك أداء الصلوات والصيام والحج، أو أداء العبادات الشعائرية، إذا لم يرافقه التزام بإنفاق المال وكسبه، و لم يرافقه التزام بالجوراح، وتطبيق للشرع الإلهي في بيوتنا وأعمالنا، فهذه الشعائر لا تقدم ولا تؤخر، وسأسمعكم بسرعة. ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 45]
فإن لم تنهَهُ فصلاته لا قيمة لها.

ومَن لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.

هذا مع الصيام.

أمّا الحج:

فإذا حج الإنسان بمال حرام، وقال: لبيك اللهم لبيك، يقول الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك ، وحجك مردود عليك.

وإذا أنفق من مال حرام ، أو لم يكن مستقيمًا ، قال تعالى : ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾
[ سورة التوبة الآية: 53]
هذه آيات قرآنية، فالصلاة والصوم والحج والزكاة، إذا لم رافقها استقامة تامة فلا تُقبَل، وحتى لا يضيع وقته، وحتى لا يتوهم أنه يصلي كما قلت سابقًا، بل أقم الصلاة، فإقامةُ الصلاة التزامٌ بقواعد الشرع الذي يسبق الصلاة، حتى إذا دخلت في الصلاة شعرتَ بهذه الصلة التي بينك وبين الله عز وجل.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
02-28-2018, 01:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة المائدة (5)


الجزء الخامس


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الخامسة بعد المئة من سورة المائدة، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾
قبل أن نمضي في شرح هذه الآية الكريمة لا بد من مقدمة تلقي ضواءً على هذه الآية.
أيها الإخوة ؛ الإنسان مؤلف من نفس وروح وجسد ،نفسه هي ذاته، هي حقيقته، نفسه هي التي تؤمن أو تكفر، هي التي تسعد أو تشقى، هي التي ترضى أو تغضب، هي التي تذوق الموت ولا تموت.
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
( سورة آل عمران: 185 )
هي التي تخلد في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفذُ عذابها.
لكن الجسد ما هو إلاّ قالبٌ لهذه النفس، وعاءٌ يحتويها، ثيابٌ ترتديها فالنفس من خلال الجسد ترى، والنفس من خلال الجسد تسمع، والنفس من خلال الجسد تتحرك، وقد تبطش، وقد تحسن، فما الجسد إلا وعاءٌ أو قالبٌ لهذه النفس.
والروح هي القوة المحركة، فلولا الروح لما رأى الإنسان بعينه، ولا سمع بأذنه، ولا تقلصت عضلاته، ولا عملت أجهزته.
إذاً من باب التقريب والتوضيح، القوة المحركة للأجهزة الكهربائية هي الكهرباء، فإذا قطعت الكهرباء عن هذا الجهاز توقف.
فصار الآن واضحًا أنّ النفس هي الأصل، هي ذات الإنسان، هي التي تسعد، هي التي تشقى، هي التي ترقى، هي التي تسمو، هي التي تخلد، هي الباقية، هي الخالدة، تذوق الموت ولا تموت.
والجسد بمثابة ثيابٍ خلعتها.
والروح قوةٌ محركةٌ لهذا الجسد، فإذا انتهى أجل الإنسان، توقف الإمداد الروحي، فتعطل الجسد فخلعته النفس، فصعدت النفس إلى باريها.
ربنا عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
يعني إذا اعتنيت بالجسد، فالجسد فانٍ، اعتنيت، أكلت أطيب الأكل، وتمتعت بأجمل المناظر، وسكنت في أجمل البيوت، واقترنت بأجمل النساء، هذا الجسد مؤدَّاه إلى التراب، فكل عنايتك وكل طاقتك، وكل رعايتك لهذا الجسد خسارة، لأنه سينتهي إلى القبر، وإلى الفناء.
الله سبحانه تعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
اعتنِ بنفسك لأنها باقية، لأنها خالدة، لأنها في جنةٍ، أو في نار، لذلك يقول الله عز وجل:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة الشعراء: 88 ـ 89 )
يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: " تعَاهَدْ قلبك ".
أمراض الجسد أيها الإخوة مهما تفاقمت تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، أمراض الجسد مهما كانت عضالة أو خطيرة، مرض خبيث فإذا مات الجسد انتهى أثرُ المرض، والموت يُنهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وصحة الصحيح، ومرض المريض، وغنى الغني، وفقر الفقير، الموت ينهي كل شيءٍ، فأي عناية وأي جهدٍ منصَبٍّ على هذا الجسد فهو خسارة.
يعني مثلاً إنسان ساكن في بيت أجرة، ومالكُ البيت بأية لحظة - حسب الأنظمة - بإمكانه أن يطرد المستأجر إلى خارج البيت، وهذا المستأجر له دخل كبير، هل من الحكمة أن ينفق هذا الدخل الكبير في تزيين هذا البيت، والعناية به، وطلائه، وتزيين سقفه، وبأي لحظة يخسر البيت، لكن العقل أن تزيِّن بيتك الأبدي، البيت النهائي.
فربنا عز وجل يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
يعني هذه النفس، هناك أربع آيات في القرآن.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾
(سورة الشمس: 9 )
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾
( سورة المؤمنون: 1 )
الفلاح كل الفلاح، والتفوق كل التفوق، والفوز كل الفوز والنجاح كل النجاح، والذكاء كل الذكاء، والعقل كل العقل، بأن تعتني بنفسك، أن تُعرفها بربك، أن تحملها على طاعة الله، لأنه إذا جاء الموت، وأصبح الجسد جثة هامدة، بعد حين تتفسخ، والروح انقطع إمدادها، بقيت هذه النفس التي هي أنت، إما أن تسعد لتزكيتها، وإما أن تشقى لفسادها.
فالآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
يعني الزموا أنفسكم، طهروا أنفسكم، زكُّوا أنفسكم، عِّرفوا أنفسكم بربها، احملوها على طاعته، عرِّفوها كتاب الله، عرِّفوها سنة رسوله، احملوها على العمل الصالح، لتعرف حقيقتها جوهرها، موقعها، أين كانت ؟ ماذا تفعل هنا ؟ ماذا بعد الموت ؟
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
عليكم اسم فعل أمر بمعنى الزم، يعني انتبه لنفسك، هي الأصل، يعني المرض بالجسم ينتهي عند الموت، لكن مرض النفس يبدأ عند الموت.
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
تتمة الآية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
من إعجاز القرآن الكريم، أن بعض آياته لها عدة معانٍ في وقت واحد.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
لا تقل: يا أخي الناس هكذا يفعلون، أنا مع الناس، هذا هو الإمعة، الذي يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، وكل إنسان يحتجُّ بالتيار العام، يحتجُّ بقوله: الناس كلهم هكذا، هكذا يكون كسب المال، والتجارة هكذا كما يتاجر الناس، إذا ما غششنا لا نعيش، عندنا أولاد، هذا الذي يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، هذا إمعة، وطِّنْ نفسك على أن الناس لو أساءوا جميعاً، عليك أن تحسن.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
يعني إذا اهتدى إنسان إلى الله، وعرف الحق ينبغي ألاّ يقلد الناس، الناس في ضلال، في بُعد، في غفلة، في جهل.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
( سورة الأنعام: 116 )
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾
( سورة سبأ: 13 )
هكذا الآيات:
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
إذا عرفت الحق، لو أن الأكثرية كانت مع الباطل، الأكثرية مع أكلِ الربا، الأكثرية مع الاختلاط، الأكثرية مع إطلاق البصر الأكثرية مع كسب المال الحرام، الأكثرية مع التفلت من الدين، الأكثرية مع الانغماس في الشهوات، أنت عليك نفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت، وهناك معنى آخر للآية، يعني أنت إذا لزمت نفسك وزكيتها، وطهرتها وحملتها على طاعة الله، عندئذٍ لا تستحق المعالجة من الله، عندئذٍ هؤلاء الذين ضلوا لا يستطيعون أن يصلوا إليك.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾
إذا عُرِف عن الإنسان أنّه مقصر، ومرتكب معاصٍ، وآكل حقوق، معتدٍ على أعراض، مقصّر في واجبات، هؤلاء الضلال أقوياء غالباً، فسيصلون إليه ويؤدبونه، وينالون منه، أما أنت ؛ إذا عرفت الله، وحملت نفسك على طاعته فلا يستطيع هذا الضال أن يضرك.
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
لذلك ورد في أحد الأحاديث الصحيحة، أن إذا رأيت شُحاً مُطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فالزم بيتك، وامسك لسانك، وخذ ما تعرف، و دع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة.
ففي القرآن الكريم إعجاز، يتماشى مع كل العصور، ففي عصر النفاق، والفجور، والضلال، في عصر الفتن، في عصر الضلالات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
عليك مِن نفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت، أو عليك نفسك، يعني الزم نفسك، عرفها بربها، عرفها بمنهج ربها، احملها على طاعته، زكِّها كي تسمو بها، إن كنت كذلك فلا يستطيع الضال أن يصل إليك، ولا أن ينال منك، ولا أن يؤذيك.
فصارت الآية، إذا كنت في زمنٍ صعبٍ، في زمن القابض على دينه كالقابض على جمر، في زمن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفًا، في زمن يُؤمر فيهُ بالمنكر وينهى عن المعروف، في زمن يُكَذَّب الصادق، ويُصَدَّق الكاذب، يُؤتمن الخائن ويُؤمَّن الخائن.
في هذا الزمن الصعب.
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
يعني لا تحمل همَّ الناس، أنت في زمن صعب فعليك مِن نفسك، عِّرف نفسك بربها، واحملها على طاعته، لا يضرك من ضل، لو أن الناس جميعاً ضلوا، لهم رب يحاسبهم، هذا معنى.
المعنى الثاني عليك نفسك، يعني الزمها، اعتنِ بها، عرفها، احرص على إيمانها، احرص على طاعتها، فإذا سمت نفسك وزكت، عندئذٍ لا يستطيع الضال أن يصل إليك، ولا أن يتسلط عليك، ولا أن ينال منك، ولا أن يضيق عليك، أو أن يفعل معك شيئاً يضرك، لقوله تعالى:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾
( سورة النساء: 141 )
مستحيل.
فهذه الآية أيها الإخوة لك أن تفهمها على أي وجه، وكلا الوجهين صحيح، وكما قال سيدنا علي كرم الله وجهه: القرآن حمال أوجه.
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
أي انتبه لنفسك، وعليك من نفسك، ودع عنك أمر العامة، إذا كنت في زمن الفساد والضلال والفتن والانحراف والفجور والمعصية.
والمعنى الثاني، عليك نفسك أي الزمها، واعتنِ بها، عرِّفها، زكِّها، ارقَ بها، فإذا كانت في هذا المستوى الرفيع عندئذٍ لا يستطيع أحد أن يصل إليك، فأنت في حفظ الله.
إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك
***
أيها الإخوة الأكارم ؛ الإنسان ليس بحكيم إذا لم يدارِ مَن لا بد مِن مدراته، فهو مخطئٌ إذًا، يعني لك أخ، لك جار مخلص، لك ابن، لك صهر، هذه خاصة نفسك، لكن أنْ تمسك امرأة سافرة في الطريق، ثم تقول: أنتِ فاسقة، أنتِ فاجرة، فلا تقل ذلك، فيكفيك الإنكارُ بقلبك، وهذا معنى الآية.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾
يعني إذا كان الإنسان بإمكانه أن ينكر المنكر بقلبه، فلينكره بقلبه، طبعاً إذا كان لا يستطيع أن ينكره بلسانه.
الله سبحانه وتعالى لا يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادرًا على أن تنكره بلسانك، كما أنه لا يقبل منك أن تنكره بلسانك إذا كنت قادرًا على أن تنكره بيدك، فإذا رأى الإنسان منكرًا، وليس بإمكانه أن يصلحه فليقل: اللهم هذا منكر لا أرضى به، ولا أقوى على تغييره.
إذاً الآية الكريمة:
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
الزموا أنفسكم.
فلماذا إنْ شعَر الواحدُ بذبابةٍ أمام عينه تمشي مع حركة عينه فلا ينام الليل، ثم يراجع طبيب عيون، فحدَّد بله موعدًا بعد ستة أشهر، يقول: أنتظر فهذه عين ليس معها لعب، فلماذا أنت حريص حرصاً لا حدود له على عينك ؟ ولست حريصاً على قلبك.
لذلك ورد في بعض الآثار القدسية: ((أن يا عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))
تريد مدخل البناية أنيقًا، أخي المدخل غير لائق، ولعله يصادفنا فرح تريد مدخلاً أنيقًا، بيتًا مرتبًا، غرفة ضيوف، غرفة صالون، غرفة طعام، دهان جديد، ورق أحياناً، جبصين.
طهرت منظر الخلق، بيتك، ومركبتك، ولبسك، وأناقتك هذا منظر الخلق.
(( عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))
ما هو منظر الله ؟ القلب لأن الله ينظر إلى قلوبكم، إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فصار القلب منظر الرب.
فيا عبدي، عتاب:
(( طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))
أتستحيي من ضيف يدخل بيتك غرفة الضيوف، عندما تكون الغرفة غير منتظمة، أو فيها حاجات مبعثرة، أتستحيي من ضيف أن يرى الغرفة على هذا الشكل ؟ ولا تستحيي من الله أن يرى في قلبك غلاً للمؤمنين، أو حسداً، أو كبراً، أمراضًا وبيلة.
إذاً:
(( عبدي طهَّرتَ منظرَ الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة ؟))




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانعام (6)


الجزء الاول


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنامحمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام: يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الإسراء: 82 )
وفي آية أخرى وصف الله كتابه الكريم بأنه شفاء لما في الصدور.

﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) ﴾

( سورة يونس: 57 )
معنى هاتين الآيتين، أن الإنسان في الحياة الدنيا، قد يقف أمام ظاهرة محيرة فمثلاً: لو أن امرء ذهب إلى بلاد الغرب، لرأى بلاداً جميلة وأمطاراً غزيرة وأبنية شاهقة وحدائق غناء ودخلاً مرتفعاً، ورأى كل وسائل الرفاء متوافر لدى أي إنسان، ورأى مع ذلك انحرافا خطيراً، زنى، شذوذ، مخدرات، تبادل زوجات، زنى محارم، وهم أقوى وهم الأقوياء، والأغنياء، والمسيطرون على العالم كله، ينشئ عنده سؤال يا رب ؟ ما بال هؤلاء يزدادون قوة وسيطرة واستبدادا للشعوب وهم في أحط دركات الفسق والفجور، أين الله ؟ إذا نشأ هذا التساؤل، هذه مشكلة، قد يختل لها توازن المؤمن، كيف أن القرآن الكريم شفاء لما في الصدور، دققوا في هذه الآية الكريمة في سورة الأنعام الآية الثانية والأربعين قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾
فلما نسوا ما ذكروا به، وذكرناهم و ذكرناهم تارة بالبأساء وتارة بالضراء وتارة بالخوف، فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ، ليس باباً واحداً، ولكن أبواباً، وليس شيئاً واحداً، ولكن أبواب كل شئ، هل من آية أكثر شمولاً واتساعا من هاتين الكلمتين.
يعني... الغنى مع البلاد الخضراء، مع الأمطار الغزيرة، مع الدخل المرتفع،
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
هذا كلام رب العالمين:

﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾
المؤمن أحياناً يختل توازنه حينما يرى كافراً فاجراً فاسقاً منحلاً قوياً مسيطراً ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

(سورة آل عمران: 196 - 197 )

في آية أخرى يقول الله عز وجل:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

( سورة الفجر: 15 )
هذه مقولته،

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

( سورة الفجر )
يقول الله عز وجل،

﴿كَلَّا﴾

(سورة الفجر: 17 )
كلا أداة نفي وردع، يعني هذا ليس صحيحاً، هذه مقولتكم هذا وهمكم هذا ظنكم، ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عبداً مالاً أو جاهاً أو قوة أو ذكاء أو وسامة، هذه لا قيمة لها، هذا العطاء موقوف على نوع استعماله، فإذا أنفق ماله في طاعة الله، انقلب المال إلى نعمة، وإذا أنفق قوته في نصرة المظلوم، انقلبت القوة إلى نعمة وإذا أنفق ذكائه في الدعوة إلى الله، انقلب ذكائه إلى نعمة، أما إذا أنفق ماله فيما لا يرضي الله صار المال نقمة ليس نعمة، إذا أنفق جاهه فيما يغضب الله صار الجاه نقمة لا نعمة، إذا أعمل فكره اللماح فيما لا يرضي الله، صار هذا الذكاء وبالاً على صاحبه. فالنعمة الحقيقة، هي النعمة التي تنفق فيما ترضي الله.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) ﴾

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾

( سورة آل عمران: 196 - 197 ـ 198 )
قارون حينما خرج على قومه في زينته:

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

(سورة القصص: 79 ـ 80 )
فأنت أمام مظاهر البذخ والغنى والقوة والسيطرة، أنت كمؤمن ممتحن قد يختل التوازن إذا رأيت أن هذا يزداد قوة ومناعة وسيطرة وهو في أحط الأحوال في الوحول، فلئلا يختل توازنك تأتي هذه الآيات ليطمئنك.
البطولة أن تكون على منهج الله كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله،

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196)﴾

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة آإبراهيم: 42 )
فالإنسان كلما رأى مظاهر القوة، مظاهر الغنى، يتمتع بها إنسان، بعيد عن الدين، غارق بالمعاصي والشهوات، لا ينبغي أن يختل التوازن، يقول ما بال هؤلاء المؤمنين، فقراء مستضعفين.
الغنى والفقر بعد العرض على الله.
الإنسان كلما كان إيمانه قوياً يزداد ثقة بوعد الله.

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

( سورة القصص: 61 )
هذه الآيات أسوقها لكم، كي يزداد المؤمن ثقة بربه، لأن الله سبحانه وتعالى إذا رضي عنك فأنت أقوى الناس، وأنت أغنى الناس، وأنت أسعد الناس، أنت المتفوق، وأنت الفائز، وأنت الرابح، وأنت الناجح وأنت الفالح، وأنت الذكي، وأنت العاقل.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

( سورة الأحزاب: 71 )
يعني... لما المؤمن يكون على منهج الله تماماً، ويرى أحداً فاقه في الدنيا إذا شعر بالحرمان، فو الله الذي لا إله إلا هو هذا ضعف كبير في إيمانه، من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، أتاك الله القرآن، أتاك الله الحكمة، جعلك على صراط مستقيم، جعلك في خدمة الخلق، ألا يكفي الإنسان أن يقيَم نفسه وفق هذه القاعدة، إذا أردت أن تعرف مقامك فنظر فيما استعملك ما دورك في الحياة، هناك أعمال مربحة جداً، قائمة على أخذ ما في أيدي الناس، أو على إيذاء الناس، أو على تخويف الناس، هذه الأعمال لو درت عليك ألوف الملايين، لا تعبأ بها، اجعلها تحت قدمك، ابحث عن رزق حلال، ابحث عن رزق يرضي الله عز وجل ابحث عن خدمة للخلق، لأن هذه الدنيا زائلة، فهذا شيء أساسي في الدين، إذا رأيت إنساناً قوياً، مسيطراً، يزداد قوة ومناعة، وهو في أحط الدركات، في الوحول، في المعاصي، في الأثام، في الكفر، في الفسق، في الفجور، لا ينبغي أن تقول هذا الله أعطاه، الله ما أعطاه شيئاً، هذا ليس عطاء، العطاء ؟! إذا أعطاك الله حظ من حظوظ الدنيا فتستهلكه فيما يرضي الله، هذا هو العطاء.
لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله علماً فهو يعلمه للناس، ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفقه في طاعة الله، هؤلاء الشخصين لك أن تغبطهما، أما أن تغبط غنياً على غناه، سوف تسأل عن كل درهم كيف اكتسبته وكيف أنفقته.
يحشر الأغنياء أربعة فرق يوم القيامة...
فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام، هذا حسابه سريع جداً، يقال خذوه إلى النار.
فريق جمع المال من حرام ـ عنده ملهى ـ وأنفقه في حلال، أشترى بيت وأزوج يقال خذوه إلى النار، فيه فقرة حرام لأنه.
فريق جمع المال من حلال ـ تجارة مشروعة ـ وأنفقه في حرام، على النوادي الليلية، فيقال خذوه إلى النار.
جمعه من حرام وأنفقه في حرام إلى النار.
جمعه من حلال وأنفقه في حرام إلى النار.
جمعه من حرام وأنفقه في حلال إلى النار.
وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال، قال هذا حاسبوه، هذا قفوة فاسألوه، هل تاه بماله على عباد الله، هل نسيَ فرضاً أو واجباً، هل قال جيرانه يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا.
يقول عليه الصلاة والسلام:
((فما زال يسأل ويسأل، تركهم يسألونه، وأمامه حساب طويل، حتى ما من ميت إلا وروحه ترفرف فوق النعش تقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعية عليَ.))
فيا أيها الأخوة الكرام:
العبرة أن تكون في طاعة الله

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

(سورة الحجرات: 13 )
العبرة أن تكون على منهج الله، العبرة أن تكون فيما يرضي الله.
الإمام الجنيد سئل من هو الولي ؟! أهو الذي يطير في الهواء، قال: لا، قالوا أهو الذي يمشي على سطح الماء قال: لا، قال الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، البطولة أن يجدك الله حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، هذا الولي.
فالإنسان أيام يتألم لخلل مقايسه، إذا مقايسه فيها خلل يتألم، أما إذا كانت مقايسه طاعة الله عز وجل، وأن الآخرة هي الدار الحقيقية، وأن الجنة هي المغنم الكبير، وأن الله سبحانه وتعالى سميع بصير، وعليم بأحوال عبده.
لذلك يقول الله عز وجل:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

( سورة الشعراء: 213 ـ 214 ـ 215 ـ 216 ـ 217 ـ 218 ـ 219 ـ 220 )

والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 08:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانعام (6)


الجزء الثانى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
قد يسأل أحد هذا السؤال، لماذا يعصي المسلم ربه ؟ مع أن الأوامر معروفة، الحلال بين، والحرام بين، ولا جهل في بلد الإسلام، ما من مسلم إلا ويحضر ميئات الخطب، فالحلال بين، والحرام بين، فلماذا يعصي المسلم ربه ؟ أغلب الظن أن الإنسان حينما لا يعرف الله عز وجل، و يعرف أمره لا يطبق أمره.
فهناك فرق كبير بين معرفة الله، ومعرفة أمره...
معرفة الأمر يحتاج إلى مدارسة، أي إنسان في رأسه عقل يقرأ كتب الفقه، فيعرف أن هذا حلال وهذا حرام، وهذا واجب، وهذا مباح، وهذا مكروه، وهذا مندوب، وهذا مكروه كراهة تحريمية، وذاك مكروه كراهة تنزيهية.
لكن لماذا لا يطبق المسلم أمر الله عز وجل ؟ لأنه في حياته نقص في عبادة فريدة قلما يلتفتوا المسلمون إليها، إنها عبادة التفكر.
هو يعرف الأمر ولا يعرف الآمر، يعرف الحكم الشرعي، ولا يعرف الذي أنزل هذا الحكم الشرعي.
إليكم هذه القصة من سورة الأنعام، تبين عبادة التفكر، وقبل أن نمهد لهذه القصة، لو أن جندياً في قطعة عسكرية تلقى أمراً من عريف سبعة، قد لا يعبأ بهذا الأمر، كلما علت الرتبة اهتم بالأمر.
فحينما لا تهتم بأمر الله، فهذا دليل أنك لا تعرفه، عليك أن تتعرف إلى الله، فإذا عرفت عظمة الله عز وجل، وعرفت ما عنده من إكرام إذا أطعته، وعرفت ما عنده من عقاب إذا عصيته، عندئذٍ تبادر إلى أمره، إذاً قيمة الأمر من قيمة الآمر. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ﴾
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
سيدنا إبراهيم نظر إلى هذه الأصنام، أيعقل أن أنحت حجراً بيدي وأنزع الأزميل عن رأسه ثم أقف بين يده متأدباً !
في بعض القبائل كانت تعبد رباً من تمر، فلما جاعت أكلته، فقالوا أكلت ودٌ ربها، بعضهم رأى ثعباناً يبول على رأس صنم،
قال:
أربٌ يبول الثعلبان برأسه قد ضل من بالت عليه الثعالب
***
سيدنا إبراهيم، قطعة حجر منحوته نعبدها:
﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾
يعني أن الإنسان، إذا طلب الحقيقة صادقاً أراه الله إياها، إذا طلبت الحقيقة بصدق أراك الله إياها.
قال:
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾
كوكب متألق.﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾
معقول صنم من حجر، نحته الإنسان يعبده من دون الله.
فلما:
﴿رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76)﴾
مادام هذا النجم أفل، من يرع الكون في غيبته؟ إذاً ليس رباً.
ما معنى ذلك ؟ هناك نشاط فكري، هناك سؤال، طرح فرضية امتحان فرضية.
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾
أكبر هذا.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾
شعر أن هذا كله يأفل ويذهب، هذا كله مخلوقات.
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾
هذه المحاكمة الفكرية، ينبغي أن يجريها المسلم، ينبغي أن يبني إيمانه على النظر، وعلى بحث، وعلى درس، وعلى سؤال، وعلى جواب، وعلى تفكر.
لأنه كلما عرفت الآمر، انطلقت إلى تنفيذ أمره، وكلما ضعفت قيمة الآمر عندك، حاولت أن تتفلت من أمره.
يقول الله عز وجل: على لسان سيدنا إبراهيم:
﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾
هؤلاء الأصنام الأقوياء الأشرار، هؤلاء لا أخافهم:
﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾
هذه القوى الشريرة، هذه لو سمح الله لها تصل إليك، هذا موقف المسلم، قد يجد إنسان شرير، إنسان مخيف، نام في البرية في أفعى، في عقرب، في حيوانات مفترسة، في أمراض وبيلة، في جراثيم، في فيروسات، الحياة كلها أخطار، هذه الأخطار بيد الله لأن الله عز وجل يقول:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
( سورة الزمر:62)
بيده الخلق والأمر قال:
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾
إلا إذا أذن الله أن يصل هؤلاء إليَ.
﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
إخوانا الكرام:
نعمة الأمن لا تعدلها نعمة على الإطلاق، وهذه النعمة لا يعرفها إلا المؤمن حصراً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون، جاء الجواب، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.
إذا أردت أن تنعم بنعمة الأمن، وهذه النعمة والله يفتقر إليها الأقوياء والأغنياء والأثرياء والمتسلطون والجبابرة لأن الله عز وجل يقول:
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾
( سورة آل عمران: 151 )
لمجرد أن تشرك يقذف الله في قلب الإنسان الرعب.﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء: 231 )
إذاً نعمة الأمن، الأمن بالمناسبة ليس ألا تقع مصيبة، لا ! هذه السلامة، هذه السلامة، نعمة الأمن ألا تتوقع المصيبة، وفرق كبير بين عدم وقوع مصيبة وبين عدم توقعها، لأنك من خوف الفقر في فقر وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها وهذا الذي يخاف المرض الخبيث والأزمة القلبية، الآن في أمراض قلب سببها، قد تستغربون، أمراض قلب وبيلة، سببها الخوف من أمراض القلب، الخوف من أمراض القلب يسبب مرضاً في القلب، قلق، هناك أمراض خبيثة، سببها الخوف من الأمراض الخبيثة، الخوف والقلق يضعف جهاز المناعة لدى الإنسان، وإذا ضعف جهاز المناعة نمى، نمت الخلايا نمواً عشواقياً فكان المرض الخبيث.
لذلك نعمة الأمن أعظم نعمة يتمتع بها المؤمن، أمره كله بيد الله، والله يرى ويسمع وقدير وعليم وغني وعادل ورحيم وقدير ولطيف لا يحتاج إلى قسم ولا إلى بيان ولا إلى وثيقة ولا إلى شهود هو يعلم.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً (31)﴾
(سورة الفرقان: 31)
﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)﴾
(سورة آل عمران: 173)
يقول الله عز وجل:﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾
جاء الجواب:﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
إخوانا الكرام:
ربنا عز وجل تعامله مع الناس واضح جداً، أتريد نعمة الأمن، عال، ثمنها واضح، ثمنها أن تؤمن وأن لا تظلم، لا زوجة، ولا ولد ولا جار، ولا زبون أبداً، كن منصفاً في كل شيء، إياك أن تظلم، آمن ولا تظلم، تنال نعمة الأمن.
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾
هذه الآيات، الإنسان لابد له من تفكراً في خلق السماوات والأرض، لابد له من وقفت من حين إلى آخر، قد تكون هذه الوقفة بعد صلاة الفجر، في ساعة تأمل، في وقت فراغ، بتركب سيارة، جالس بالبيت وحدك، فكر في نعمة الطعام والشراب، نعمة الأمن، نعمة الأولاد، في هذه العين، في هذا اللسان، في هذا الشعر، كلما تفكرت في ملكوت السماوات والأرض ازداد حجم معرفتك بالله، وكلما ازداد حجم معرفتك بالله، ازدادت خشيتك له.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
( سورة فاطر: 28 )
أريتم أيها الأخوة لماذا يعصي المسلم ربه ؟ لأنه يعرف الأمر، ولا يعرف الآمر، لأنه فكر في الحكم الشرعي ولم يفكر في ملكوت السماوات والأرض.
إذاً في هذه الآيات من سورة الأنعام والتي تبدأ بالآية الرابعة والسبعين، في هذه الآيات إشارة إلى عبادة التفكر التي هي من دون شك أرقى العبادات.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾
(سورة القدر: 2 ـ 3 )
يعني ألف شهر ثمانين عام، ثمانون عاماً تعبد الله صائماً ومصلياً، قائماً، منفقاً، حاجاً، معتمراً، لحظة تفكر في ملكوت السماوات والأرض يزداد حجم معرفتك بالله عز وجل، هذه اللحظة خير من ألف شهر.
قال تعالى:﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾
(سورة الزمر: 67 )
لما الإنسان بكون جندي أمام لواء، يقول له ازحاف عالزاي بكون انبطح، عالزاي، قبل أن تأتي الحروف البقية، أما إذا قال له عريف ما برد عليه.
هي القاعدة قيمة الأمر من قيمة الآمر.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
فالإنسان يشرب كأس ماء يفكر فيه، أكل رغيف خبز يفكر فيه، كأس حليب يفكر فيه، أو ابنه أمامه، يعرف أنه كان نقطة ماء ـ ثلاث مائة مليون حوين يقذفها الرجل باللقاء الزوجي من حوين واحد مع بويضة واحدة، مع عشر آلاف انقسام بالطريق إلى الرحم، ثم تغرز هذه البويضة بالرحم، ويتشكل الدماغ والعمود الفقري واللحم كيف صار هذا الطفل ؟ يأكل، ويشرب، ويبكي ويضحك ويتثاءب ويعطس، ويطلب، ويتكلم.
ابنك آية من الآيات الله الدالة على عظمة الله، ما بتعرف شوفي بجسمك، أخونا القصاب عنده اللحم، الله جعل الخروف مثل الإنسان شوف الكبد، شوف الكليتين، شوف المسالقة، شوف الأمعاء العضلات العظام، الأربطة، إذا واحد وقف عند قصاب، بيعرف كل شي عن جسم الإنسان، لحكمة بالغة جعل طعامك اليومي من حيوان مشكل وفق تشكيل الإنسان، في جمجمة، في دماغ، في أعصاب، في أورده، وفي شرايين، وفي قلب.
أنا مرة ابني جاب قلب للبيت، قلب خروف، قبل أن نأكله، شرحناه هذا الدسام، الأوردة، البطين، الأذين، شيء عظيم جداً.
فكل معرفتك بالله ازدادت، تزداد الخشية.
فآيات اليوم دعوة للتفكر في خلق السماوات والأرض، ليزداد حجم معرفتك بالله، وبالتالي لتزداد حشيتك له.
والشيء الثاني الأمن أعظم نعمة على الإطلاق، ثمنها الإيمان وعدم الظلم، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، والأمن ليس عدم وقوع المصيبة، بل هو عدم توقع المصيبة.
والحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 08:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانعام (6)


الجزء الثالث



لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الحادية عشر بعد المائة من سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) ﴾
القرآن الكريم: أيها الأخوة، معظم آياته محكمة، معنى محكمة يعني واضحة، لا تحتاج إلى تفسير، يفهمها كل من ينطق بالعربية، مثلاً إن الله يحب الصادقين، فسر، كالشمس في رابعة النهار.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36)﴾
(سورة النساء:36)
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً (103)﴾
(سورة النساء: 103 )
أكثر آيات القرآن الكريم، محكمة، بل إن معظم الآيات الكريمة المتعلقة بالفرائض، وأصول الشريعة، محكمة.
لكن بعض الآيات متشابهة، معنى متشابهة تحتاج إلى تأويل.
أما التأويل سأوضحه لكم، بقصة تروى عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يروى أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان عند سيدنا عمر رضي الله عنه، فقال والله يا أمير المؤمنين: إني أصلي بغير وضوء، وأفر من رحمة الله، وأكره اليقين، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء، هذه كلها كلمات كفر.
سيدنا علي رضي الله عنه، أوتي فهماً دقيقاً.
قال يا أمير المؤمنين: لا تعجل عليه، إنه يصلي على النبي بغير وضوء، ويفر من المطر، وهي رحمة السماء، ويكره اليقين وهو الموت ليزداد عمله الصالح، وله زوجة وولد ما ليس لله في السماء.
فأحياناً النص يحتاج إلى تأويل، التأويل غير التفسير، إذا ورد في النص شيء غير معقول، لابد من تأويله، حتى يتوافق مع المعقول.
بعض الآيات متشابهة، الإنسان ماله حق يرفض المعنى، أو المعنى يجعله ارتباك، أو افتراض، أو سوء ظن بالله، ربنا عز وجل قال:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
(سورة يونس: 39 )
لو جاء تأويله لما كذبوا به، في آية أخرى.
يقول الله عز وجل:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾
(سورة الأنبياء:7 )
في آية ثانية،
﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59) ﴾
(سورة الفرقان: 59 )
هذه الآية لعلها من المتشابهات.
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ نزل سيدنا جبريل، مو لسيدنا محمد لكل مؤمن، قال له أنا جبريل: وأنا جئتك من عند الله، والجنة حق والنار حق، وإلخ...
لو أن أحدنا لقى سيدنا جبريل، وسمع من فمه أن هذا القرآن حق وأن الجنة حق، وأن النار حق.

﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾
بعد ما دفنا فلان، طرق الباب جاء بذاته، أنا كنت بالجنة وراجع أو كنت بجهنم وراجع، انتبهوا في أوضح من هذا دلالة، يعني ميت يرجع يحكي لنا شو صار معه.
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾
المعجزات، النبي الكريم قال للجبال: تنحي بعيداً راحت الجبال، ممكن ! الله على كل شيء قدير.
لكن مع كل هذه المعجزات قال:
﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
يعني هل يفهم من هذا أن الله سبحانه وتعالى ما شاء لهم الهداية طيب لماذا خلقهم إذاً ؟
ألم يقل الله عز وجل:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
(سورة هود: 119 )
ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
(سورة الذاريات: 56)
هذه الآية أيها الأخوة: دقيقة جداً، يعني الإنسان إذا طلب الهدى بخرق العادات فهو واهم، الكون بحد ذاته بوضعه الراهن بدون أن تخرق عاداته أكبر معجزة، ابنك أليس معجزة، باللقاء الزوجي ثلاثمائة مليون حوين وفي قول خمسمائة مليون، والبويضة تحتاج إلى حوين واحد، فيه رأس، وعنق، وذيل، ومادة نبيلة مغطاة بغشاء رقيق فإذا وصل هذا الحوين القوي إلى البويضة وأرتطم بها تمزق الغشاء فساهم هذا السائل النبيل بحفر جدار البويضة ليدخل هذا الحوين وهذا الحوين فيه خمسة آلاف مليون معلومة، الواحد، والبويضة فيها خمسة آلاف معلومة، وبيتحدوا وينقسموا عشرة آلاف قسم، والبويضة في طريقها إلى الرحم، دون أن يزداد الحجم، لئلا تتعرقل الحركة، ثم تغرس هذه البويضة في جدار الرحم، وتأتي الأغذية، وبعد تسعة أشهر طفل، دماغ، أعصاب، أعصاب العين تسعمائة ألف عصب إذاً الإنسان مسك جمجمة، بلاقي فيها ثقب، هذا الثقب هو عرض أو قطر العصب البصري، تسعمائة عصب، لكل عصب ثلاث أغماد أغلفة، قطر هذه الأعصاب كلها واحد ميلي ونصف، أليس هذا معجزة خلق الإنسان معجزة، طعامه معجزة، والنبات مو معجزة ؟ يعني النبات هي الروشين كائن حي، روشين، سويق وجذير ومحفظة غذاء على الرطوبة ينموا، هذه البزرة تشكل شجرة، والشجرة ثمار وكل ثمرة فيها ملايين البزور، أليست هذه معجزة ؟ النبات أليس معجزة ؟ بدك ليفة نبات، بدك خلة نبات، بدك مسواك نبات، أسبغة نبات، بدك خشب أساس نبات، بدك تآكل نبات، بدك كوشك نبات، بدك فلين نبات.
الله قال:
﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
(سورة الأنعام: 99 )
فلما الإنسان يتعامى عن هذه الآيات الصارخة الدالة على عظمة الله، ويطلب خرق للقوانين، بدو الملك يحاكي بريد الميت يحاكي.
قال:
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
إلا أن يسلكوا الطريقة التي رسمها الله.
يعني أوضح مثل، لو تقرأ كل المجلات الطبية، طبيبك، إلى آخره ما بتصير طبيب، لو بتعمل كل ثلاثاء سهرة مع خمس أطباء، ما بتصير طبيب، ممكن تعمل ألف قضية لها علاقة بالطب، بس ما بتصير طبيب، إلا أن تدخل كلية الطب، بمجموع عالي بتعمل خمس سنوات أو سبع سنوات، بتعمل اختصاص، الآن بتصير طبيب، بتقرأ مجلات طبية بتم غير طبيب، بتسهر مع أطباء، بدك خرق عادات بدك كرامات، بدك الملائكة يحكو لك، بدك ميت يحاكيك.
قال الله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
إلا أن يسلكوا الطريق التي رسمها الله.
الله عز وجل قال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
(سورة الأنعام: 190 ـ 191 )
بتفكر بالكون كما أمرك الله، تدبر القرآن كما أمرك الله، تنظر في أفعال الله في الحوادث كما أمرك الله، تتعلم منهج الله عز وجل تطبقه، هذا هو الطريق الذي رسمه الله لك.
أما بدك كرامات، بدك خزعبلات، بدك شطحات، بتريد يعني خرق للعادات، هذه كلها لا تجعلك مؤمناً، ولن تؤمن بها، إن لم تؤمن بالكون بوضعه الراهن المعجز، لا تؤمن بخرق القوانين.
بالله عليكم ثمود ألم يروا الجبل قد شق وخرجت منه الناقة، ومع ذلك عقروها.
طيب بنو إسرائيل ألم يروا موسى علية السلام، ضرب بعصاه البحر فإذا هو طريق سالك، وساروا فيه، وتبعهم فرعون وعاد البحر بحراً بعد أن خرجوا منه، فلما رأوا أناس يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، خرق هذه العادة أثر فيهم ما أثر فيهم شي.
طيب قوم إبراهيم ألم يروا أن النار لم تحرقه، الله أطلعنا عشرات المعجزات الخارقة وقعت ولم يؤمن بها أصحابها، لأن الإنسان إذا ما آمن بالكون بوضعه الراهن لن يؤمن بخرق قوانينه.
النقطة دقيقة كون علمي، يعني، لا تكون طوبائي، لا تكون حالم، لا تكون خيالي لا تشوف الدين كرامات، أعظم كرامة كرامة العلم، إذا الله علمك هذه أعظم كرامة.
بتلاقي بيتعلقوا الناس، أنه فلان يعني فات للمحل قاموا الزبائن كثروا فات واحد فقسة البيعة، تفقس البيعة ما لها علاقة، النبي هكذا علمنا
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي ابنه إبراهيم، يعني الله عز وجل أراد أن يكون ذلك، الشمس كسفت، فأصحاب النبي قالوا إنما كسفت لموته، شوف البساطة شوف الفكر العلمي، شوف الوضوح.
قال: إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه مالها علاقة، فالإيمان علم.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
( سورة فاطر: 28 )
لا تطلب الكرمات، ولا خرق العادات، ولا الشطحات، تتعلق بأشياء موهومة.
قال لي مرة واحد، قال لي فلان ولي عظيم، قلت له أنعم وأكرم، قال لي بالحج ما طاف حول الكعبة، لكن ماذا أفعل، قال هي طافت حوله ما شاء الله، شي يطير العقل.
واحد ثاني تلميذ لعالم صوفي، والله أنا أقطاب الصوفين أنا أحترمهم وأجلهم والله، لكن في بعدين صار في دجل كبير، له تلميذ جاء شخص قريب للتلميذ يتفقده، قال له وين فلان في ماء بالأرض من شدة حبه لهذا وذاك، هي صفي شوية مي بالأرض، كأس ماء، هذا هو فلان، فلان ثمانين كيلو وزنه هذا هو، فلان، هذه وارده في كتب التصوف لا تتعلق بالأوهام، بالخرافات، والشطحات، والطوبائيات، والمنامات وخرق العادات.
﴿َلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
يعني إلا أن يسلكوا الطريق التي رسمها الله، أوضح مثل تبع الطب بتقرأ كل مجلات الطب، بتسكن جنب مستشفى، بتصاحب الأطباء بتعيش بأجواء الأطباء، لا تكون طبيباً، إلا أن تسلك الطريق التي رسمتها الدولة لتكون طبيباً مثلاً يعني.
كذلك الله عز وجل قال لك: لا تعرفني ألا بهذه الطريقة، الكون يدل عليّ وهذا كلامي، وهذه أفعالي، لك أن تعرفني من خلال خلقي ومن خلال كلامي، ومن خلال أفعالي، وهذا منهجي طبقه فأنت ولي.
كثير عند الناس كلمة ولي مهزوزة، الله عز وجل عرف الولي، غريب، معقول إنسان يترك تعريف الله، ويلحق تعريفات معقدة.
الله عز وجل قال:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
( سورة يونس: 62 ـ 63 )
فكل إنسان تعرف إلى الله، وطبق أمره فهو ولي.
ويمكن تشوف واحد لابس قميص وبنطلون، بس صادق ما بيكذب مستقيم في بيعه وشرائه هذا ولي، قد تجد امرأة في بيتها ترعى زوجها ترعى حق أولادها، محجبة مهتمة في شؤون بيتها، لاتفوتها صلاة، هذه وليه هذه، ليس شرط الولي يكون ثيابه مبتذلة، وطرف قصور عقلي ليكون ولي، بالعكس.
المؤمن كيس، فطن، حذر، المؤمن شخصية فذة يعني تشده بعقله عقله راجح، وبأخلاقه وبأذواقه، مذوق.
أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامة بين الناس.
كان عليه الصلاة والسلام، إذا مشى يعرف بريح المسك، بيتعطر بيتنظف، شعره مرجل، ثيابه أنيقة، نظيفة، هذا المؤمن، المؤمن سفير الإسلام، في دولة بتختار سفير عفش ! عفايشي، يعني أنيق ومثقف، بعض الدول ثلاث شهادات بكون معه، علوم، وآداب وحقوق، ثلاث ليسانسات، ليصير سفير، وكمان شروط إقامته وذكائه، وسرعت بديهته، بوسامته، بأناقته، لكن، عما يمثل دولة.
والمسلم يمثل الدين.
لذلك أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلي.
إذاً الإيمان يتم، بتفكر في خلق السماوات والأرض، دون أن تخرق العادات، يتم بمعرفة منهج الله، يتم في فهم القرآن، يتم في النظر في أفعال الله.
فأنت إذا عرفت الله وطبقت منهجه، فأنت ولي، وهذه الطريقة التي رسمها الله لك.
أما خرق العادات، قال له سيدي خذني على الحج، قال له روح، قال له لا بدي دفشة منك، ففي شيخ الله مآتي فطنة، قال له تعال على التكية، جابوا على التكية، ووقفه على البحرة، وحلفه بالطلاق ما بيحكي شو بيصير معه، ودفشه بالبحرة، قال له روح على الحج، شو هي شطحة، شو روح على الحج.
عصر علم إذا الإنسان تحدث بهذه الشطحات بهز مركز الدين بين الناس.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
هذه معنى الآية، ليس معنى الله ما ساق الهدى، لا بالعكس، يفهم منها أول وهلة، أن الله لا يريد أن يهدي أحد، لا.
﴿َلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾
بهذا الطريق، الطريق مسدود.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
إلا أن يسلكوا الطريقة التي رسمها الله.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾


والحمد لله رب العالمين








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 08:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانعام (6)


الجزء الرابع




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الحياة الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء :


أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الثالثة عشرة بعد المئة من سورة الأنعام وهي قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾
[ سورة الأنعام : 112-113]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3948/ar-3948/01.jpg
هذه الآية أيها الأخوة ؛ تحل مشكلات عديدة ، كلكم يعلم أن في الأرض مذاهب وضعية ، مذاهب ما أنزل الله بها من سلطان ، مذاهب قد بنيت على أنه لا إله ، وهذه المذاهب لها كتب ، ولها مؤلفات ، ولها دعاة ، ولها قوى تحميها . فربنا سبحانه وتعالى لماذا سمح لهؤلاء أن يعرضوا هذه الأفكار المضلة الضالة ؟ أليس بيد الله كل شيء ؟ يقول الله عز وجل - وهذا من سنته في خلقه - : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾
[ سورة الأنعام : 112]
لولا العدو لما ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما ظهر جهاده ، ولما ظهر فضله ، الإنسان من دون خصومات ، من دون معارضات ، لا يرقى ، أي لا يسعى ، لا يُمتن، لا يظهر فضله . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً ﴾
[ سورة الأنعام : 112]
يروى أن في المناجاة التي جرت بين سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، وبين الله عز وجل ، سيدنا موسى كليم الله هكذا تروي الكتب ، لا ندري مبلغ هذا من الصحة ، لكن له مغزى قال : يا ربي لا تبقي لي عدواً ، قال : يا موسى هذه ليست لي : ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾
[ سورة البقرة : 98]
طبيعة الحياة حلبة صراع بين الحق والباطل ، بالصراع يرقى المؤمن ، وتقام الحجة على الكافر . طبيعة الحياة دار ابتلاء لا دار استواء ، لا دار تشريف ، دار تكليف ، هذه حقيقة الحياة .

الحكمة من أن يكون لكلّ نبي عدو :


الله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام في بلدة كلها مؤمنون ، لا يوجد غير سيدنا الصديق ، وسيدنا عمر ، وسيدنا عثمان ، وسيدنا علي ، وسيدنا طلحة ، و الزبير ، أحباب وأصحاب وإخوان ، لا يوجد مشكلة ، لا يوجد بدر ، ولا أحد، ولا الخندق ، ولا يوجد يهود ، ولا يوجد شيء ، لماذا ؟
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
[ سورة الأنعام : 112]
الإنسان بالعدو يجتهد ، بالعدو يرقى ، بالعدو يظهر صدقه ، بالعدو يظهر ثباته ، بالعدو يقيم الحجة عليه ، بالعدو لعله يهديه إلى الله . لو تأملنا في الحكم التي وراء أن يكون لكل نبي عدو ، لوجدنا العجب العجاب ، هذه نقطة . ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
[ سورة الأنعام : 112]


خصائص التقديم في القرآن الكريم :


التقديم في القرآن له خصائص ، ما قدم الله شياطين الإنس على شياطين الجن ، إلا لأن شياطين الإنس أخطر من شياطين الجن ، إنسان لطيف ، يحمل شهادة عالية ، لبق ، أفكاره كلها إلحادية ، أفكاره إباحية ، أفكاره دنيوية ، هذا بجلسة يدعوك إلى غداء ، يلاطفك يؤنسك ، تفضل ، ثم يقول لك : حتى الآن أنت قابض الدين ؟ أين عقلك ؟ هذا أخطر من الشيطان .
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
[ سورة الأنعام : 112]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3948/ar-3948/02.jpg
ما قدم الله شياطين الأنس على شياطين الجن إلا لأنهم أخطر .
الآن مثلا ربنا عز وجل قال : ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾
[سورة النساء :76]
وقال : ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾
[سورة يوسف : 28 ]
المرأة كيدها أشدّ من كيد الشيطان ، لأنه ليس لك عند الشيطان حاجة ، لكن لك عند هذه المرأة حاجة ، فإذا استغلت حاجتها لك ، ودعتك إلى معصيةٍ ، أو إلى مخالفةٍ ، فقد كانت عدوةً لك . إذاً : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾
[ سورة الأنعام : 112]
دققوا في الباطل : ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
[ سورة الأنعام : 112]
كلام منمق ، كلام محبب أحياناً ، قد يكون هناك أدلة واهية ، أمثلة ، لقطات ، أسلوب أدبي ، عرض شيق ، هذا معنى . ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾
[ سورة الأنعام : 112]


توظيف الشر للخير المطلق :


أما الحكمة فالله عز وجل دائماً وأبداً يوظف الشر للخير المطلق ، الشر شر ، لكن هو شر نسبي ، بمعنى أن صاحبه أراد الشر ، لكن الله سبحانه وتعالى يوظف هذا الشر ، للخير المطلق ، كيف ؟ الظالم سوط الله ، الظلم شر ، ينتقم به ثم ينتقم منه .
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً﴾
[ سورة الأنعام : 129]
إنسان أراد أن يسرق ، هذا شر ، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من ماله حرام، فالله أخرج لهذا الإنسان شهوته الشريرة وأدّب هذا الذي كسب مالاً حراماً في وقت واحد .
الشر المطلق ليس له وجود ، هناك شر نسبي ، الشر النسبي في نفوس أصحاب الشر ، لكن شرهم يوظف للخير ، فهذا الباطل ، الإلحاد ، النظرية الوجودية ، نظرية دارون مثلاً ، أفكار فرويد ، أفكار هؤلاء الطغاة ، الذين قلبوا المفاهيم ، فرويد جعل الإنسان كتلة جنس وإنسان آخر جعل الإنسان مادة فقط ، لا شيء غير المادة ، وإنسان جعل اللذة هي كل شيء ، وإنسان رأى أنه ليس لهذا الكون إله ، هذه النظريات الهدامة .

المؤمن محصن لا يتأثر بالباطل :


﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾
[ سورة الأنعام : 112]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-3/3948/ar-3948/03.jpg
أخواننا الكرام ؛ أوضح ما يفسر هذه الآية . إنسان يعطى لقاح مثلاً ، كوليرا ، ما هو لقاح الكوليرا ؟ هي جراثيم الكوليرا ، حينما ندخل هذه الجراثيم إلى الجسم ، عندنا جهاز مناعة ، جهاز المناعة هائل جداً ، مؤلف من ثلاثة أقسام : قسم استطلاعي . . . قسم مخبري . . . قسم مقاتل . . . فعندما يدخل جرثوم الكوليرا إلى الجسم ، الاستطلاع يكشف حقيقة هذا الجرثوم ، ويأتي إلى المراكز ، ليبلغ عن ترتيب هذا الجرثوم ، المراكز اللمفاوية في الجسم تُصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم ، الآن عندنا عنصر مقاتل ، يحمل هذه الأسلحة ويمضي بها إلى هذا الجرثوم ويحاصره ، ما الذي حصل ؟ صار هناك مناعة عند الإنسان ، مناعة أي أدَرب على مواجهة الهجمة الشرسة لهذا الجرثوم .
وهذا الذي يكون تماماً حينما تطرح نظرية هدامة ، فكر منحرف ، فكر علماني ، نظرية أساسها المادة ، نظرية أساسها المصلحة ، نظرية أساسها اللذة ، نظرية أساسها اللحظة الراهنة . قال : هذه لقاحات . . . فالمؤمن يسارع إلى أن يرد عليها ، فيرقى عند الله ، وغير المؤمن يقع في حيرة ، فيسأل ، فيأتي الجواب ، والذي في نفسه مرض يقبلها ، ينطلق إلى شهواته ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يسرع له بالمعالجة ، وقد تقام الحجة على من ابتدعها فيتوب إلى الله ، أي الذي نراه شراً هو في الحقيقة خير .
حديث الإفك مثلاً ، جاء في بالي هذا المثل ، أليس الحديث عن السيدة عائشة عمل خطير جداً وعمل شرير ؟ قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[سورة النور : 11 ]
له مؤديات ، ظهر كمال النبي صلى الله عليه وسلم ، ظهرت قيمة الوحي ، تأخر الوحي في تبرئة السيدة عائشة شهراً ، لو أن الوحي شيء من فعل النبي لأتى بآية بعد ساعة ، وبرّأ السيدة عائشة . بقي النبي ينتظر شهراً ، ليس في إمكانه أن يبرئها ، ولا أن يثبت الشيء ، ظهر الوحي كياناً مستقلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام ، والصحابة امتحنوا ، بعضهم ظن في نفسه خيراً ، بعضهم انزلق ، بعضهم روج ، فلذلك الذي تراه في الحياة محض شر ، الحقيقة شر نسبي ، هو فعلاً ظاهره شر ، لكن حقيقته قد يكون فيه خير .
أحياناً الإنسان تكون هذه النقطة مرتاحاً منها ، يقرأ كتاباً يجد فيه شبهة ، يخطئ ، يسأل عالماً ، يسأل عالماً ثانياً ، يسير لطلب العلم ، ينضم لمجالس العلم ، يرتقي ، لولا هذه الشبهة التي ألقيت لما انطلق هذا المؤمن لمعرفة الله ، ولما انطلق إلى متابعة الحق . لذلك ربنا عز وجل قال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾
[ سورة الأنعام : 112]
أي هناك حكمة بالغة . ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
[ سورة الأنعام : 112-113]
إذاً لا يصغي للباطل إلا من كفر بالآخرة ، لا يتأثر بالباطل إلا من أراد الدنيا فقط، لا يقنع بالنظريات الهدامة إلا من أراد الشهوة ، المؤمن لا يتأثر ، المؤمن محصن لا يتأثر بالباطل .

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :


لذلك : ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
[ سورة الأنعام : 113]
في نفسه شهوة ، هذه الشهوة . يجيب وبعدها يعالجه الله عز وجل ، كل هذه الخيرات من هذا الشيء ، أحياناً تأتي ذبابة على محصول القطن ، محصول القطن هذا يعيش منه خمسة آلاف إنسان ، يأتي المهندس يبحث عن مضاد حيوي ، يسافر ، يتحرك ، شغل الناس ، فالظاهر ذبابة ، أما الحقيقة فصار هذا باباً للرزق ، رب ضارة نافعة . أيضاً هذه النظريات الهدامة إذا رأيتها تنتشر ، لا يوجد إنسان يضر إنساناً ، لكن لا يستجيب لها إلا ضعاف النفوس ، وهؤلاء يستجيبون لها ثم يعالجون من قبل الله عز وجل ، فالعالم يرد ، والمؤمن يسأل ، والضعيف يتردد ، تكون حافزاً له على مزيد من الإيمان .
قالوا مثلاً : إنسان عاق الوالدين ، جاء إنسان سبّ له أبوه ، قامت الحمية في نفسه وردّ عليه ، صار باراً بوالديه ، لولا هذا الاستفزاز لما كان باراً بوالديه ، كان هو عاق الوالدين . أحياناً يسافر الإنسان إلى أوربا و يكون ضعيف الدين ، يتهمون دينه الإسلامي اتهامات خطيرة جداً، تنشأ عنده نخوة إسلامية ، يقرأ يرد يسأل يصبح مؤمناً ، لولا هذه التهمة الطارئة لما سارع إلى الإيمان . إذاً نهاية الدرس : كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، والدليل : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾
[ سورة آل عمران: 26]
ما قال والشر . ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 26]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 08:30 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانعام (6)


الجزء الخامس



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في القرآن الكريم: آياتٌ كونية، وفي القرآن الكريم، أوامر ونواهي ووعدٌ ووعيد، ووصفٌ للجنة، ووصفٌ للنار.
أحد أبرز آيات القرآن الكريم، آيات الأمر والنهي، وقد سئل الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال لا، قال أهو الذي يمشي على وجه الماء، قال لا، قال الولي كل الولي أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
لذلك من أدق تعاريف الأولياء، تعريف قرآني.
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾
(سورة يونس: 62 ـ 63)
فأنت حينما تتقي أن تعصي الله، وحينما ترغب أن تطيعه، وحينما يجدك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك، وحينما تكون عند الأمر والنهي، وحينما يكون أمر الله عندك عظيماً.
النبي عليه الصلاة والسلام، وصف الذنب بالنسبة للمنافق، كأنه ذبابة دفعها عن وجهه، ووصف الذنب بالنسبة للمؤمن، كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره.
فمن أجل أن تعرف أين أنت من الإيمان ؟ هل إذا وقعت في غلطةٍ أو ذنبٍ هل تتألم ألماً شديداً.
من ساءته سيئته وسرته حسنته فذالكم المؤمن.
تنفيذاً لهذه المقدمة، يقول الله عز وجل: في الآية الواحدة والخمسين بعد المائة من سورة الأنعام.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)﴾
علة المؤمن إذا قرأ القرآن الكريم، وقرأ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
فأي أمر يأتي في القرآن الكريم، يعلم أنه موجهٌ له، أنت مؤمن.
ويقول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
فإذا ما شعرت أن هذا الأمر موجهٌ لك، وأنه عليك أن تطبقه فهذا ضعف في إيمانك، إن لم نقل انعدام في إيمانك.
ربنا عز وجل يقول:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾
يعني أكبر ذنب، كما قلنا البارحة، أكبر ذنب، وهذا الذنب لا يغفر لا لأن الله لا يغفره، بل لأنك توجهت إلى غير الله، ليس المعنى أن الله عز وجل لا يرحم، لا، لكن أنت توجهت، إلى شيء، إلى لاشيء توجهت إلى مخلوق، توجهت إلى ضعيف، توجهت إلى فاني، توجهت إلى فقير، إلى جاهل، فكيف ترجوا من الله العطاء ؟ وقد توجهت إلى غيره.
لذلك كما قلت البارحة، الذنب الذي لا يغفر أن تشرك بالله عز وجل أول نهي.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾
من هو سبب وجودك ؟ أبوك وأمك.
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾
(سورة الإنسان: 1)
سنة ألف وتسعمائة وعشرة، ما في حدى منا بهذا السن ولدان، ألف وتسعمائة، ألف وثمانمائة وتسعين، بعض من الحاضرين وأنا معكم كان له اسم بهذا البلد ؟ كان له وجود ؟ ما في.
الأب والأم هما سبب وجودك، إذاً الله جل جلاله رفع أمر الإحسان إليهما إلى مستوى عبادته.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
(سورة الإسراء: 23)
بعد الشرك.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
فهذه الباء أيها الأخوة، بمعاجم اللغة لا تقرأ إلا أحسنت إليه، فعل أحسن يتعدى بإلى، إلا في القرآن في هذه الآية، يتعدى فعل أحسن بالباء، طيب لماذا تعدى بالباء في القرآن، وفي معاجم اللغة يتعدى بإلى، تقول أحسنت إليه أما هنا، وبالوالدين إحسانا، قال هذه الباء تفيد الإلصاق، أمسكت به، تفيد السببية، تفيد المجاوزة، تفيد الظرفية، لها أكثر من عشرين معنى، من معانيها الإلصاق، يعني إحسانك إلى أبيك وأمك، لا يقبل بالوكالة إلا منك بالذات، أيام بقول إنسان للسائق خذ أبي مشوار، غير مقبول هذا، قدم لوالدي هذه الحاجة يجب أن تذهب أنت بنفسك، يجب أن تخدمه بنفسك.
هذا معنى:
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾
قد يسأل سائل ما علاقة هذه الآية بحياتنا اليوم، كل إنسان من أجل كسب المال يضحي بدين ابنه كأنه قتله.
ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
(سورة البقرة: 191)
أكثر الأباء من أجل تحصيل المال الوفير يزجون بأولادهم في متاهات لا ينجون منها.
يعني دين رقيق يبعثه لوحده إلى بلد أجنبي، وهناك الزنى أقرب إلى الشاب من ظله، فحينما يضحي الأب في دين ابنه وآخرة ابنه، وسعادة ابنه من أجل كسب المال فقط، قتله.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ﴾
من إملاق، يعني من فقر، أي خشية الفقر.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾
إذاً الأب والأم يحسنوا إليهما، وربنا عز وجل قال:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾
(سورة طه: 132)
الأب ماله حق، الأب المسلم، أن يضحي بدين ابنه وآخرة ابنه من أجل كسب مال وفير.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾
أي شيئاً تخشى، إذا نقل عنك تستحي منه هذه فاحشة، فكل عمل تفعل في السر تخشى أن يظهر أو أن ينقل أو أن يتحدث به فهو فاحشة، الشيء المشين، الشيء الذي تستحي به، العدوان على أعراض الناس فاحشة، العدوان على أموالهم فاحشة، الائتمار على أخذ ما في أيديهم فاحشة.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
يعني القتل بالحق، أيام حشرة لا تؤذي يمعسها برجله، نملة لا تؤذي في حشرات مسموح لك أن تقتلها، ولكن في حشرات لا تؤذي، فهذا الذي كلما وقعت عينه على مخلوقاً قتله، هي نفس.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾
أخوانا الكرام:
أية معصية فيها قوة جذب، يأتي التحريم به بهذه الصيغة:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾
معصية الزنى، المرأة محببة، الخلوة محرمة، والاختلاط محرم، والحديث عن النساء بما يغري بفعل الفاحشة محرم، وصحبة الأراذل محرمة، لأنها كلها تقود إلى الزنى.
فالإنسان ينبغي أن يجعل بينه وبين المعصية هامش آمان، تصور نهر عميق مخيف له ضفة مائلة، وعلى هذه الضفة المائلة حشائش زلقة، فأنت إذا سرت على هذه الضفة المائلة على النهر، هن في خطر وقوع في النهر، لا بد من ترك هامش آمان بينك وبين النهر، تماماً كالتيار 8000 فولت، ثمانية أمتار يجب أن تبتعد عنه، إذا دخلت في حرم التيار جذبك إليه، وأصبح الإنسان قطعة من فحم، فالإعلانات دائماً ممنوع الاقتراب من التيار الكهربائي، الاقتراب وليس المس، سوف أعيدها على مسامعكم مرة أخيرة.
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 08:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانعام (6)


الجزء السادس



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
يقول الله سبحانه وتعالى في الآية الثالثة والخمسين بعد المائة من سورة الأنعام:
﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾
نستنبط أيها الأخوة من أن كلمة:
﴿ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾
جاء الصراط مفرداً، ونستنبط من قوله تعالى:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
السبل جاءت جمع، فماذا نستنبط من أن كلمة صراطي مستقيماً جاءت مفردةً، وأن السبل جاءت جمعاً، نستنبط أن الباطل يتعدد، وأن الحق لا يتعدد، الحق واحد.
يعني من نقطتين لا تستطيع أن ترسم إلا خطاً مستقيماً واحداً، لو رسمت خطاً آخر يأتي فوق الأول، خطاً ثالث يأتي فوق الثاني، فبين نقطتين ليس في إمكانك أن ترسم إلا خطاً واحداً.
لذلك الحق لا يتعدد، لو أننا على حق لاجتمعنا، لو أن فلان وفلان وفلان أو أن الجماعة الفلانيه والجماعة الفلانيه والجماعة الفلانيه والفئة الفلانيه، والفئة الفلانيه، لو أنهم على حق لاجتمعوا، فإذا تفرقوا منهم من هم على باطل، لأن الحق لا يتعدد.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ﴾
لذلك ربنا عز وجل قال:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾
(سورة آل عمران: 103 )
ما الذي يجمعنا، كلكم يعلم ويرى ويسمع، رغم الماضي واحد، والمستقبل الواحد والآلام الواحدة، والآمال الواحدة، واللغة الواحدة، و، و، ويقتتلون.
ما الذي يجمع إذاً ؟ أن نكون جميعاً على حق، فإذا كان بعضنا على حق وبعضنا على باطل لا نجتمع.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾
إذاً الذي يجمعنا حقيقةً، يجمعنا قلباً وقالباً، هو أن نلتزم الحق جميعاً، فالحق يجمع، كيف أن خيط السبحة يجمع حباتها المتناثرة ؟ هذا الخيط يجمع، لولا هذا الخيط لما اجتمعت هذه الحبات.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾
ومعنى مستقيم، بمعنى الآخر، الخط المستقيم أقصر خط بين نقطتين، المنحني أطول، المنكسر أطول المتعرج أطول، المستقيم لا يتعدد، والمستقيم أقصر خط إلى الله عز وجل.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾
هذا يذكرنا بأن الله سبحانه وتعالى، وحد كلمة النور وجمع كلمة الظلمات،
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
(سورة البقرة: 257 )
الباطل متعدد، إذاً ظلمات فوقها فوق بعض، الحق واحد، إلى النور، النور مفرد والصراط المستقيم مفرد.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾
طيب ما الذي نستفيده ثالثةً ؟ طيب الطريق مستقيم هناك مسلمون كثيرون، يعلمون أن دينهم هو الحق، وأن دينهم لم يتبدل ولم يتغير، وأن دينهم هو أقصر طريقٍ إلى الله، هذا كله يعلمونه، لكن ما الذي يقصرون فيه ؟ لا يتبعوه.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾
الحق لا يتعدد، وأقصر طريق إلى الله.
﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾
فالإنسان لما، الله عز وجل قال:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾
من هم المغضوب عليهم ؟ هم الذين عرفوا وانحرفوا، عرفوا وقصروا عرفوا ولم يسيروا، الضالون هم الذين ما عوفوا وهلكوا، المغضوب عليهم، هم الذين عرفوا وشقوا.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
الباطل لا يؤدي إلى الحق، يؤدي إلى الهلاك.
﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾
(سورة البقرة: 221 )
الباطل يدعوا إلى الدنيا فقط، والدنيا إن وصلت إليها بالظلم والعدوان والبغي، هذا يوصلك إلى النار.
لذلك طريق الباطل ينتهي بصاحبه إلى النار.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
سبيل الله هو الوحيد إلى الجنة، فإذا اتبعت سبيلاً آخراً باطلاً، صرفك عن طريق الحق إلى طريق الباطل، وطريق الباطل إلى جهنم.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
ثم يقول الله عز وجل: في الآية الواحدة والستين بعد المائة.
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
أنت مسلم في عندك منهج دقيق، منهج في علاقتك مع ربك، منهج في علاقتك مع زوجتك، منهج في علاقتك مع أولادك، منهج في علاقات العمل، علاقات البيع والشراء، علاقات الهبا، حتى في منهج في علاقاتك مع من هم فوقك، من هم دونك، حتى في المناسبات مناسبات الفرح، مناسبات الحزن، هناك منهج تفصيلي، الإسلام منهج كامل.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
(سورة المائدة: 3 )
هذا المنهج الكامل هو الذي عبر عنه القرآن الكريم، في قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾
شيء ثمين، قيم، يأخذ بالألباب.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)﴾
(سورة الأنعام: 161 )
لذلك ينبغي.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾
المؤمن الصادق أيها الأخوة، علمه، خبرته، عضلاته، طاقاته شهاداته العليا، رأس ماله، كله موظف في خبرة المسلمين،هو طبعاً يعيش ويسعد لكن له هدف نبيل، هذه آية الإخلاص.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾
(سورة الأنعام: 162 ـ 163 )
ما في حهة بالكون غير الله عز وجل مؤهلةٌ، أن تفني من أجلها عمرك، أن تفني من أجلها شبابك، أنت مخلوق لله عز وجل.
الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لله عز وجل.
خلقت لك ما في الكون من أجلك، فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك، لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك خلقت لك السماوات والأرض، ولم أعيّ بخلقهن، أيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، وعزتي وجلالي، إن لم ترضى بما قسمته لك فلا أسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها، إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عني مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمتني فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
هذه إخوانا آية الإخلاص: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾
آخر آية. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)﴾
يعني معقول أن تعمل لغير الله، معقول أن تجير لغير الله، معقول أن تحسب على غير الله، أنت الخاسر الأكبر.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾
يعني سؤال استفهام إنكاري ؟ يعني معقول أنت مخلوق أول، خلقت من أجل الله عز وجل، أن تكون لغير الله.
أيها الأخوة الكرام هذه الآيات ينبغي أن نتأملها، وأن نتدبرها، وربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾
(سورة محمد: 24 )







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 08:34 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانعام (6)


الجزء السابع



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
وبعد، ففي القرآن الكريم آية كريمة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)﴾
في هذه الآية إيجازٌ بليغ، السماع عند الله، هو السماع التي تعقبه استجابة.
لو أن إنساناً على وشك الموت عطشاً، وقلت له بلسانٍ فصيح في المكان الفلاني وهو قريبٌ منك، ماءٌ عذبٌ فرات، سمع هذا الكلام وتحركت طبلة أذنه باهتزازات الصوت، وبقي قاعداً في مكانه، وهو على وشك الموت عطشاً، ولم يقم إلى مكان الماء.
هذا في القرآن الكريم لم يسمع، لو أنه سمع لبادر إلى أن يشرب الماء.
لو قلت لإنسان على كتفك عقربٌ، فبأعصابٍ باردة تبسم وقال لك: أشكرك على هذه الملاحظة، وأنا ممتن منك لحرصك على سلامتي وبقي هادئاً مستقراً، ولم ينفض ثوبه الذي على كتفه.
هذا في القرآن لم يسمع، لأن السماع الذي لا تعقبه استجابة فورية، لا يسميه الله سماعاً.
الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾
فالذي يسمع حقيقةً، هو الذي يستجيب.
طيب هذا الذي يسمع ولا يستجيب، ماذا سماه الله عز وجل، سماه ميتاً، شيء خطير جداً، أن الإنسان يستمع لخطبة، لدرس، لنصيحة لموعظة فيها دليل من القرآن، والسنة، فيها توجيه لصالحه لمستقبله يكتفي أن يجامل ويقول والله شي جميل، والله درس لطيف، والله خطبة بليغة يا أخي، لكن هو هو، في بيته هو هو، في عمله هو هو، في دخله للمال هو هو، لا يتغير ولا يتبدل، هذا عند الله ميت، الآية على قصرها، وعلى إيجازها خطيرةٌ جداً.
يعني المسلم إذا حضر خطبة جمعة، أو درس علم، أو درس تفسير، واستمع إلى حكم الله عز وجل، بلسانٍ فصيحٍ واضح، آية قرآنية واضحة وضوح الشمس.
يقول لك:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
( سورة النور: 30 )
قال شو بدنا نساوي، نحن عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان، الله يتوب علينا، هذا عند الله ميت، لأنه سمع الحكم الشرعي، ولم يبادر إلى تطبيقه.
فأردت من هذه الآية، أن يقف المسلم وقفةً متأنيةً، متفحصةً متبصرة، أي أن الإنسان، أنه هذه فرصة لا تعوض، الله عز وجل حينما يسمعك الحق، هذه فرصة لا تعوض.
بالمناسبة كل إنسان وصله الحق له بشارة من الله عز وجل، ما هذه البشارة؟ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾
(سورة الأنفال: 23 )
لولا أن الله سبحانه وتعالى علم فيك الخير لما أسمعك، لما أوصل لك هذا الكلام.
فالإنسان إذا حضر مجلس علم، خطبة جمعة، درس تفسير نصيحة من أخ، الدليل قوي، الآية واضحة، واضحة وضوح الشمس الحديث الشريف واضح، واكتفى بالثناء على هل الكلمة، وعلى فصاحة المتكلم، وعلى دقة الكلام، يا أخي الكلام حلو كتير، ما غير ولا بدل، هذا أخطر أنواع التكذيب، هذا هو التكذيب العملي، سماه الله ميتاً.
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾
والذين لا يستجيبون إذا سمعوا موتى.
﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾
فالإنسان حينما يحضر مجلس علم، القضية أخطر بكثير، من أن تستمع إلى كلام لطيف، أو كلام منظم، أو كلام فصيح، أو في طرفة أو في نكته بلاغية، أو في إشارة لطيفة إلى آية قرآنية القضية أخطر من ذلك، القضية قضية مصير.
سيدنا علي كرم الله وجهه قال: يا بني العلم خير من المال لأن العلم يحرسك، شوف العلم يحرسك، وأنت تحرس المال.
مرة جاءني رجل، والله القصة من عشرين سنة، قال لي أنا زوجتي تخونني، قلت أعوذ بالله، قال لي: والله من ثلاث سنوات قلت له مع من، قال: مع جارنا، قلت كيف تعرفت عليه ؟ قال والله الحق عليّ، مرةً جاء يزورنا، قلت لها يا بنت الحلال تعي عدي معنا، مثل أخوكِ، قلت له لو أنت تحضر مجالس علم، وعرفت حكم الله في الاختلاط لم تفعل ما فعلت، وبالتالي لم تقع فيما وقعت.
إخوانا الكرام، دققوا في هذا الكلام، ما من مصيبةٍ على وجه الأرض، إلا ورائها معصية لله، خروج عن منهج الله، وما من خروج على وجه الأرض ومعصية إلا بسبب الجهل، والجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيعوا أعدائه مجتمعون أن يفعلوا به.
يعني اعتبر أن أعدى أعدائك هو الجهل، وأن الطريق إلى الله يبدأ بالعلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أرتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً.
أحياناً الإنسان يستمع إلى مجلس علم، بدقة بالغة، وينصت ويصغي ويتأمل، لكن لو أنه أراد الدنيا، لو أن الدنيا هي أكبر همه مبلغ علمه، شأنه كشأن آلة تصوير، غالية جداً دقيقة جداً، فيها ميزات هائلة بس فلم ما في، فأمهما كان المنظر جميلاً، والألوان زاهيةً والخلفيةُ رائعةً، هذه الآلة على أنها غالية جداً وثمينة جداً، بس فلم ما في، إذاً.
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾
الذي لا يستجيب ميت، وهذه فرصة لا تعوض، أن الإنسان يستمع إلى حكم الله، إلى أمرٍ، إلى نهيٍ، إلى توجيهٍ، إلى حضٍ، إلى دفعٍ، ثم يقف موقف المعجب، والله كلام لطيف، والله درس جميل، والله درس منظم، والله في عمق الحمد لله، كله كلام لا يغنيك عن تطبيق هذا الكلام شيئاً، فحجمك عند الله بحجم التزامك وعملك الصالح، لأنه قال تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
(سورة فاطر 10 )
إذا كان تكلمت كلام لطيف هذا الكلام يصعد إلى الله، لكن ما الذي يرفعك عند الله، قال:
﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾
الذي يرفعك عملك الصالح، لا ثنائك، ولا كلماتك.
إذاً قال الإمام علي كرم الله وجهه: يا بني العلم خيرٌ من المال لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال.
سائق تكسي في دمشق، هذه القصة من ثمانية أشهر، أشارت إليه امرأةٌ، فصعدت إلى مركبته، قال لها: إلى أين ؟ قالت له إلى حيث ما تشاء، فهم، بعد أن قضى حاجته، أعطته رسالةً، وظرفاً فيه مبلغٌ من المال، فعد نفسه فائزاً، يعني شيء لا يقدر بثمن، قضى حاجته، وقبض مبلغ على هذه الحاجة، ورسالة، فلما نزلت من مركبته، فتح الرسالة وإذ هي مصابة بمرض الإيدز، قالت له: مرحباً بك في نادي الإيدز، ذهب ليصرف المبلغ بالعملة الصعبة طلع مزور وضعوه في السجن.
ما الذي كان يمكن أن يحرسه ؟ العلم، لماذا وقع في هذا الشَرك ؟ لأنه جاهل.
العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكوا على الإنفاق.
يا بني مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
يعني إذا أردت أن تُخلد، وهذا مستحيل، لكن تخلد بعلمك.
أنا مرة سألت طلابي سؤال، قلت لهم من يقول لي ؟ من يعطيني اسم تاجر عاش في الشام، عام، 1893، أعطيه علامة تامة فحكوا رؤوسهم وتأملوا لم يهتدوا إلى اسم تاجر، قلت لهم وأنا مثلكم لا أعلم، لكن من منا لا يذكر سيدنا صلاح الدين الأيوبي، سيدنا عمر بن الخطاب، سيدنا الشافعي، سيدنا أبو حنيفه.
يا بني مات خزان المال وهم أحياء، وهم في أوج حياتهم، وهم في أوج نشاطهم ماتوا، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة.
العلم يرفعك أيها الأخ الكريم، يرفعك إلى أعلى عليين، إنك إن عرفت الله، طبقت أمره، وإن طبقت أمره استحققت سعادة الدنيا وجنة الآخرة، فالقضية خطيرة جداً.
نعود للآية الكريمة:
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾
الذي لا يستجيب للسماع الحق هو عند الله ميت، وقال تعالى: في آية آخرة.
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
(سورة النحل)
بآية ثالثة:
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
( سورة فاطر: 22 )
مقبور بشهواته، بأعماله، بطموحاته، فالإنسان حينما يصغي ويستمع ويغير، ويبدل، ويأخذ موقف، في حياة، في نبض، أما إذا استمع واكتفى بالثناء على المتكلم وقال لك: شي جميل، هذا لا يرفعك عند الله عز وجل، لأنك حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
(سورة الأنعام: 132 )






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 01:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الاعراف (7)


الجزء الاول



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الواحد والثلاثون من سورة الأعراف وهي قوله تعالى:
﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾
أولاً... المؤمن كما وصفه النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((أصلحوا رحالكم وحسنوا لباسكم حتى تكونوا شامةً بين الناس.))
وقال عليه الصلاة والسلام ((: من كان له شعر فليكرمه.))
وكان عليه الصلاة والسلام، يعرف بطيب المسك، وكان إذا شرب الماء أبان القدح عن فيه.
النبي عليه الصلاة والسلام، كان مثلاً أعلى، في النظافة، وفي اللطافة، وفي الرقة، وفي حسن الأدب.
يقول الله عز وجل: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
الإنسان أحياناً يرتدي أجمل ثيابه، في احتفال، في عقد قران، لكن يستصيغ لنفسه يوم الجمعة وهو عيد المسلمين، أن يأتي بثيابٍ ليست مقبولةً، هذا مخالف للسنة.
لكن القرآن كما يقول بعض العلماء، أو كما يقول الإمام علي كرم الله وجهه: القرآن حمال أوجه.
وفي تفسير اسمه التفسير الإشاري، بعضهم فهم من هذه الآية، أن الإنسان إذا أتى بيت الله عز وجل، عليه أن يتزين، الزينة تعني النظافة، والثياب الحسنة , ويعني أيضاً أن يكون معك هدية إلى الله هذه أيضاً زينة، الهدية هي العمل الصالح، فإذا أردت أن تدخل بيت الله عز وجل، فليكن معك هدية له، وهي خدمة عباده.
كيف أن الجندي الغر، حديث العهد بالخدمة الإلزامية، لو أنه فعل عملاً طيباً مع أعلى رتبه في هذه القطعة، أنقذ ابنه من الغرق هذا العمل الطيب، لو وقف هذا الجندي الغر، على باب هذا القائد الكبير وقال للحاجب قل له فلان، لماذا يقتحم الغرفة اقتحاماً ؟ لأن عمله صالحٌ، فهذا العمل الصالح إنقاذ ابنه من الغرق، جعله يدخل بلا استئذان.
فأنت أيضاً إذا أردت أن تدخل بيت الله عز وجل، ولك عملٌ صالحٌ قبل الصلاة، لك خدمةٌ لعباده، لك نصحٌ لهم، لك إنصاف لهم لك معونةٌ لهم، فإذا دخلت بيت الله، لتتصل بالله، معك له هدية هديتك خدمة عباده، هذا التفسير الإشاري لهذه الآية.
التفسير الظاهري أن تكون نظيفاً، وأن ترتدي ثياباً أنيقةً أو نظيفةً، كي لا تؤذي المسلمين في بيت الله، هذا معنى مقبول.
والقرآن حمال أوجه، ولكن المعنى الإشاري أنك إذا أردت أن تقبل على الله، وأن تتصل به، فليكن معك شفيعٌ من عملٍ صالحٍ وهو في أصله خدمة الخلق.
إخوانا الكرام: الدين له حقيقتان أساسيتان، أو ! الدين يضغط بكلمتين... إحسان للخلق... واتصال بالحق.
﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)﴾
( سورة البقرة:112)
ممكن تعرف الدين بألف صفحة، هناك، تعريفات جامعة مانعة مضغوطة.
الدين في حقيقته... إحسان للخلق... اتصال بالحق.
فإذا أردت أن تتصل بالحق، وأن تدخل بيت الله، لتعقد صلةً مع الله ليكن معك زينة.
هذه الزينة بمعناها الظاهري، كن نظيفاً، أنيقاً.
بمعناها الإشاري، ليكن معك عملٌ صالح.
يعني كل العباد عباد الله، إذا كنت صادق معهم، ما غشيتهم، ما أذيتهم، ما أحرجتهم، ما أكلت مالهم بالباطل، ما احتلت عليهم، كنت صادقاً مخلصاً، هذه الاستقامة قبل الصلاة، هي زينتك عند الصلاة.
﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
الآن:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾
هذا أمر إباحة.
نحن في عندنا أمر وجوب.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾
( سورة البقرة:43)
وفي عنا أمر ندب.
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾
(سورة النور: 32 )
وفي عنا أمر إباحة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾
وفي عنا أمر تهديد.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
( سورة الكهف:29 )
في أمر تهديد... وأمر إباحة... وأمر ندب... وأمر وجوب.
الآن:
﴿َكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾
أمر إباحة، لك أن تأكل ولك أن تشرب، لكن إياك أن تسرف، يعني المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء.
الله سبحانه وتعالى في آيةٍ دقيقة قال:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)﴾
( سورة الشعراء: 78 )
خلقني فهو يهديني، الفاعل هو.
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾
( سورة الشعراء: 79 )
لكن:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾
( سورة الشعراء: 80 )
ما قال والذي يمرضني، وإذا أمرضني، لماذا عزي المرض إلى الإنسان ؟ لأن المرض في أصله خروج عن منهج الله في الأصل، وإذا في أمراض الآن تتناسب مع العصر، في خروج جماعي عن منهج الله، أو خطأ في حياتنا، بسبب نقص يعني في معلوماتنا، فأحياناً هذه المشروبات الغازية، كلها أصبغة كيماوية هذه تتراكم في أجسامنا، الزيوت المهدرجة، هذه ضارةٌ في أجسامنا، ففي خطأ في غذائنا أحياناً، الضجيج، الضجيج الصوتي، والضجيج الإعلامي، هذا الهواء كله ملوث بالبث، والضجيج من حيث المواد الكيماوية العالقة في الجو، فإذا في أخطاء عامة، إذا في ارتفاع بأمراض معينة، فهناك أخطاء على مستوى العصر ترتكب، يخيبوا الفروج، يطعمونه غذاء مكثف، كله هرمونات، أربعين يوم بدون أن ينام، هذا وضع غير طبيعي، أولاً متراكم في جسمه مواد هرمونية تعين على النمو، دون أن ينام لحظة.
فلذلك أحياناً هناك أمراض تستشري، لا بسبب خطأ يقع من الفرد، بل بسبب خطأ يقع من المجموع.
لذلك:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾
قال:
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾
طيب قد يقول أحدكم، لما لم يقل الله عز وجل: ولا تسرفوا في الأكل والشرب، ماذا يفيد هذا القول ؟
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
لما لم يقل ولا تسرفوا في الأكل والشرب، طبعاً لو قال، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا في الأكل والشرب، صار الإسراف مقيداً في الطعام.
لكن:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
في أي شيء، لا بالسهر، ولا باللقاءات المباحة، أي شيء مباح، شرعه الخالق جلى وعلى، إياك أن تسرف به، ينقلب الإسراف في أي شيء إلى مضرة، وإلى مرض.
فالمؤمن الحق، معتدل في كل شيء.
طبيب من أطباء القلب، له أربع نصائح، أنا أقول هذه النصائح الأربعة جمعت الطب كله، يقول:
أولاً: كُل كل شيء.
ثانياً: باعتدال.
ثالثاً: ابذل جهداً.
رابعاً: وحّد لئلا تصاب بشدة نفسية.
التوحيد يعطيك صحة نفسية، وبذل الجهد يعطي صحة قوية، لأنه أحد الأطباء يقول، أجدادنا سر صحتهم القوية، لأنهم يبذلون جهداً عضلياً كبيراً، ويتمتعون براحة_ٍ نفسية.
نحن بالعكس، نحن نتمتع براحةٍ جسمية، مصاعد، كل شيء مريح أوتوماتيك، ما في جهد، لكن في متاعب نفسية كثيرة.
أمراض القلب أساسها، توتر نفسي، وكسل عضلي، أمراض القلب كلها، بدأً من الضغط، وضيق الدسامات، واحتشاء العضلة القلبية توتر نفسي، وكسل عضلي، كانوا أجدادنا، تعب عضلي، وراحة نفسية، وإذا الإنسان بحب يتمتع بصحة إلى أمد طويل، عليه بالتوحيد لأنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وعليه ببذل الجهد، يعني الإنسان العمل المجهد هذا عنوانه الصحة.
لذلك:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾
إذاً الآية تفيد، أنك إذا أردت أن تدخل بيت الله عز وجل، ينبغي أن تكون متزيناً، والزينة هنا تعني النظافة، والثياب النظيفة، والأناقة لكن المعنى الإشاري، أنك إذا أردت أن تتصل بالله في بيته، فلا بد من هديةٍ بيدك، هذه الهدية، هي خدمة عباده، وكل واحد بعمله بيقدر يؤدي خدمات خالصة لله عز وجل، لعباد الله الضعاف التائهين أصحاب الحوائج، الكلمة الطيبة، والمعونة الصادقة، والحديث اللطيف، والإخلاص، والصدق، والأمانة.
أما الذي يتوهم، أخي إذا ما كذبنا لا نعيش، هذا كلام الشيطان، لا بتعيش ونص بالصدق، إذا ما غشينا لا نأكل الخبز مساء، تأكل أطيب أكل بدون غش، هذا كله كلام الشيطان.
لذلك:
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
هذا أمر إباحة، لكن النهي عن الإسراف في كل شيء، حتى الواحد أكل، لنفرض أكل كل يوم بيضتين مثلاً، احتمال أن يلتهب كبده قائم بالأسبوع مرتين أو ثلاثة، أما كل يوم، الأكلة الطيبة المفيدة، لو أكلتها كل يوم، هذا يضر بالصحة، الدول الغنية أمراض القلب ثماني أمثال الدول الفقيرة، الدول الغنية الصناعية، أمراض القلب عددها ثماني أمثال الدول الفقيرة السبب لكثرة أكل اللحوم، حتى اللحم لو كنت غني لو أكلته بإسراف له مضاعفات خطيرة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
حتى الأشياء التي تظنها خير، الفواكه لو أسرفت منها في مشكلة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 01:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الاعراف (7)


الجزء الثانى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.


الدعاء سلاح المؤمن :


أيها الأخوة الكرام؛ الآية الخامسة والخمسون من سورة الأعراف وهي قوله تعالى:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف:55]
أيها الأخوة؛ الدعاء سلاح المؤمن، وأنت في الدعاء أقوى الناس على الإطلاق، لكن هذا السلاح الخطير الذي يجعلك أقوى الأقوياء له شروط.
الدعاء سلاح المؤمن، والدعاء مخ العبادة أي قمة العبادة أن تدعو الله عز وجل، إذا أردت أن تخاطب الله فادعه، وإذا أردت أن يخاطبك الله فاقرأ القرآن.
يقول الله عز وجل: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾
الله عز وجل أسماؤه كثيرة، اختار الله من بين أسمائه اسم الرب، لأن أقرب اسم للإنسان هو الرب، أي مربّ، الابن من يدعو؟ يدعو أمه لأن قلبها رحيم، وعنايتها فائقة، وقريبة منه، قرب مع رحمة مع علم مع عطف مع حنان، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾
الآن ﴿تَضَرُّعاً﴾
التضرع هو التذلل، ﴿وَخُفْيَةً﴾
سراً.

شروط الدعاء :


من شروط الدعاء المقبول أن يدعو الداعي ربه وهو في تذلل، وهو في عبوديةٍ لله عز وجل، فمن كان مستكبراً، ومن كان مستعلياً، ومن كان معتزاً بغير الله، فلن يستجاب دعاؤه، ولا يسمع أساساً، لأنك أنت في أعلى مقاماتك إذا كنت متواضعاً لله عز وجل، كلما ازددت لله تواضعاً ازددت عزاً http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4024/ar-4024/01.jpg
لذلك الشرط الأساسي بالدعاء: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف:55]
يوجد كلام دقيق جداً حول هذه الآية، موضوع خفية أنت لا تخاطب أصماً ولا أبكماً.
سيدنا زكريا: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾
[ سورة مريم:3]
دليل إيمانك أنه يسمعك، لا تصيح ولا ترفع الصوت في الدعاء: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾
هناك من يدعو الله عز وجل دون أن يحرك شفتيه، لأن الذي خلقه يسمع خواطره الداخلية، فالإنسان أحياناً يدعو الله عز وجل بقلبه، في ظروف صعبة، في أشدّ الظروف، وفي أصعب الظروف، لك أن تطبق شفتيك، وأن تناجي ربك بقلبك، وهو يستمع إليك، هذه معنى خفيةً.
الشرط الثاني: التضرع، التذلل، الشعور أنك ضعيف، أنك فقير، أنك لا تعلم، أن الله بيده كل أمرك، مشاعر العبودية والافتقار إلى اله عز وجل شرطٌ للدعاء المستجاب، وعدم رفع الصوت شرط أيضاً لقبول الدعاء.

العدوان في الدعاء :


ثم يقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف:55]
قال علماء التفسير: من العدوان في الدعاء أن ترفع صوتك به، ومن العدوان في الدعاء أن تنمق الدعاء وكأنه قطعة أدبية، لم يعد هناك خشوع، ولا حضور قلب، يوجد تفنن، و تشدق، وتقعر، وفواصل متوافقة، وسجع، وكلمات متوازنة، أنت نسيت الله عز وجل وانصرفت إلى تنميق الدعاء.
فمن العدوان في الدعاء رفع الصوت، ومن العدوان في الدعاء تنميق الدعاء، وضعف شعور العبودية فيه، هذا قول المفسرين.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4024/ar-4024/02.jpg
يوجد قول آخر، وأنا أراه عميقاً جداً، أي يا عبدي إياك أن تدعوني وأنت معتدٍ على الآخرين، إني لا أستجيب لك، مع الله لا يوجد مزح، معتد على أموال الناس، وعلى أعراضهم، تغش الناس، تكذب عليهم، تأخذ ما ليس لك، ثم تتفاصح بالدعاء أمامي و تدعي أنك صاحب دين؟! لا. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف:55]
إذا اعتديت على مخلوقٍ كائنٍ من كان. إن فلانة تذكرُ أنها تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار. (( دخلت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))
[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر]
أي يا عبدي أنا لا أستجيب لك إن كنت معتدياً، لا أستمع إليك إن كنت معتدياً. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[ سورة الأعراف:55]
ولهذه الكلمة معنيان؟ أول معنى: إذا كان مضمون الدعاء فيه عدوان، أنت قائم دعوى على إنسان، الدعوى كلها باطلة، يا رب انصرني عليه، إذا كان مضمون الدعاء ظلماً، أحياناً يكون الدعاء فيه ظلم، يا رب قوني عليه، أنت الظالم، مثل هذا الدعاء لا يسمع، ولا يستجاب، إذا مضمون الدعاء فيه ظلم.
الآن مضمون الدعاء صحيح، لكن أنت ظالم جهة أخرى، أيضاً غير مقبول، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
لا في مضمون الدعاء، ولا في موضوعٍ آخر، فإذا أردت أن تكون أقوى الناس، وأن تستخدم السلاح الذي يعد من أقوى الأسلحة، وهو سلاح الدعاء، فعليك ألا تكون معتدياً.
اسمع الآية الثانية: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 81-82]
أول معنى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾
الرب المربي، الرحيم، العليم، القريب، السميع، المجيب، الذي يربيكم، يربي أجسامكم، يربي نفوسكم، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾
هنا يوجد معنى ضمني، أي إياكم أن تدعوا غيره، لن تستفيدوا، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾
من بيده الأمر، من هو الرحيم، من هو القوي، من هو الغني، الذي يحبكم، الذي يحب أن تكونوا من السعداء، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾
حالك أثناء الدعاء ﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾
- تذلل وافتقار- ﴿وَخُفْيَةً﴾
ما من داع للصياح، والضجيج، وتنميق الدعاء، والفواصل، والسجع، والتقعر، هذا كله لا يجدي، هذا يبعدك عن صحة الدعاء.
لكن أخطر ما في الآية: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
إذا كان مضمون الدعاء فيه عدوان لن يستجيب الله لك، إن الله هو الحق.
مرة أحد الصحابة، قال: يا رسول الله اشهد أنني نحلت ابني حديقة، قال له: هل لك ولدٌ غيره؟ قال: نعم، قال له: هل نحلت أولادك مثل ما نحلته؟ قال: لا، قال: (( أشهد غيري، فإني لا أشهد على جَور))
[أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
الله لن يستجيب لك دعاء أساسه ظلم، أساسه عدوان، أساسه افتراء.

الله عز وجل حسابه مع العباد حساب جار :


الآن لو كان دعاؤك حقاً، يا رب يسر لي مثلاً زواج ابني، شي جميل، يا رب يسر لي هذه التجارة، شي جميل، دعاء حق، يا رب ارزقني رزقاً حلالاً، كلام حق، لكن أنت عندك عدوان، عدوان آخر، فإذا الإنسان حرر علاقاته من الشرك، ومن العدوان، ودعا دعاء صحيحاً، مع التضرع، مع الخفية، الآن الدعاء يستجاب، وإذا استجيب دعاؤك فهذا مقام عظيم جداً، النبي دعا لأحد الصحابة أن يكون مستجاب الدعوة، سيدنا سعد، اجعله مستجاب الدعوة، والمؤمن قال: لله رجالٌ إذا أرادوا أراد، فكلما كانت النفس طاهرة - هذا تعبير عامي - أي فيها تضرع، فيها استقامة، فيها التزام، لا يوجد عدوان، لا يوجد تجاوز، لا يوجد شطط، ترتقي إلى استجابة الدعاء.
الآية:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4024/ar-4024/03.jpg
هذه حال، إعرابها حال، أي حالة تضرعكم، متضرعون لله مع التذلل، لا يوجد استكبار، ﴿وَخُفْيَةً﴾
بصوت منخفض، ممكن أن تدعو الله وأنت مطبق شفتيك، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
لا يوجد إطالة، ولا رفع صوت، ولا استكبار، والمعنى الأدق ولا أن يكون مضمون الدعاء عدواناً، ولا أن تكون معتدياً على الآخرين، أي الله عز وجل حسابه مع العباد حساب جار ليس حساب سندات كيف؟ بمحلك التجاري مستقيم استقامة تامة، البضاعة كلها مسعرة، لا يوجد مشكلة، الربح قانوني، البضاعة حلال، البيع حلال، تمام.
أحياناً يأتي إنسان يسبب لك مشكلة، والله لم أعمل شيئاً يا أخي، لكن الله حسابه جار، بالبيت يوجد معاصي؟ إذا كان بالبيت معاص يجوز أن تعاقب بالمحل التجاري، وإذا كان بالمحل معاص يمكن أن تعاقب بالبيت، الله عنده حساب موحد، حساب جار، ليس حساب سندات، كل صفقة بصفقتها.
يروون قصة أن شوحة قالت لسيدنا سليمان: اسأل لنا ربك: هل هو عجول أم مهول؟ سيدنا سليمان قال: يا ربي ماذا أقول لها؟ قال له: قل لها: أنا مهول ولست عجولاً، فهي خطفت قطعة لحم وطارت فيها، كان بطرف القطعة بصيص فحم فاحترق العش الخاص بها وبأولادها، قالت له: أن تقل أن الله مهول؟ قال له: يا رب ماذا أقول لها؟ قال له: قل لها: هذا حساب قديم،حساب كامل، انتبه.
ببيتك، مع عملك، مع تجارتك، مع قبض المال، مع إنفاق المال، مع جوارحك، حساب موحد، أخي أنا والله لم أعمل شيئاً، هنا كلامك صحيح، لكنك بمكان آخر قد أفسدت: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 02:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الاعراف (7)


الجزء الثالث


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الكريمة الثامنة والثمانون بعد المائة من سورة الأعراف وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
الحقيقة هذه الآية، ولها أخوات في القرآن الكريم، من أخوات هذه الآية قل:
﴿َلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
( سورة الأنعام: 50 )
من أخوات هذه الآية:
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾
( سورة الأنعام: 15 )
من أخوات هذه الآية:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾
( سورة يونس: 49.)
إذاً إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا، فلا أن لا يملك لغيره نفعاً ولا ضرا، من باب أولى.
معنى هذه الآية، أن الإنسان مهما أحب النبي، ومهما قدر النبي، ومهما فنيَ في حب النبي، لا ينبغي أن يعبد النبي بدون الله لأن الصديق رضي الله عنه، ما من إنسانٍ على وجه الأرض، كان أشد حباً، وأعظم تقديراً لرسول الله منه، ومع ذلك حينما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، قال هذا الصحابي الجليل الصديق قولةً لو لم تكن له إلا هذه القولة لكفته، قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
إذاً يجب أن نفرق، بين الحب، والولاء، والتقدير، والتعظيم وبين العبادة، العبادة لله عز وجل، والحب، والتقدير، والفناء في حب النبي، هذا للنبي، لكن العبادة لله وحده.
لذلك، يقول الله عز وجل يا محمد قل لهم:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
الله هو الخالق، وهو الرب، وهو الإله، والذي بيده الخير والشر، هو الذي يرفع ويخفض، هو الذي يعز ويذل، هو الذي يعطي ويمنع، هو الذي يقبض ويبسط، هو الذي يحيي ويميت، هو الذي يرزق، العبادة للخالق، المربي، المسير، الرزاق، الوهاب المعطي، المانع، القابض، الباسط، العبادة لله عز وجل، والحب والولاء، والتقدير، والتعظيم، والإتباع، للنبي عليه الصلاة والسلام النبي لا يملك أن ينفع أو يضر، لكنك إذا اتبعت سنته تنتفع بها، هو لا ينفعك بالأمر التكويني، لكن ينفعك بالأمر التكليفي.
يعني مدرس لا يملك أن يضع على ورقة الامتحان، مائة من مائة وأنت مالك فهمان شي، لكن يملك أن يعلمك الرياضيات، أما الامتحان مع جهة أخرى، هو يعلمك ويرشدك ويفهمك، لكنك ممتحن مع جهة أخرى.
إذاً أردت من هذه الآية، أن نفرق بين العبادة، وبين الحب والإتباع العبادة للخالق، للرب، للمسير، للإله، للمعطي، للمانع للرازق، للوهاب، للرافع، للخافض، للقابض، للباسط، للمعز للمذل، العبادة لله هذه الآية، قل يا محمد لأصحابك، قل للأهل مكة:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
ما شاء الله كان وما لم بشيء لم يكن.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
في عنا نقطة ثانية، لا يملك أن يعلم الغيب.
طيب ماذا نفسر الأحاديث الشريفة الكثيرة، التي وردت عن قيام الساعة، وعن أحوال آخر الزمان، كيف عرف الغيب ؟
قال العلماء، علماء العقيدة، لا يعرف النبي الغيب بذاته، أما إذا أخبره الله عز وجل، عندئذٍ يعلم الغيب.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾
( سورة الجن: 26 ـ 27 )
النبي إذا أخبرنا عن أحوال قيام الساعة، وعن آخر الزمان، وعن الفتن هذا ليس علماً بذاته إنما هو علم عن طريق الله عز وجل.
إذاً مقام النبي، هو سيد الخلق، وحبيب الحق، سيد ولد آدم ولا فخر، ما طلعت شمس على إنسان أعظم من رسول الله، ومع ذلك لا يعلم الغيب، لماذا ذكرت هذه الآية، ممكن بهذه الآية تنفي مليون قصة، يفتريها ويختلقها أناس يدعون أنهم على صلة بالله.
صار التنجيم، والعرافة، والكهانة.
من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، من أتى ساحراً ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا قيام أربعين ليلةً.
هذه آية خطيرة جداً، لما ربنا عز وجل بقلك يا محمد صلى الله عليه وسلم، لا تعلم الغيب أنت، هل يستطيع إنسان كائناً من كان، أن يدعي ماذا سيكون بالمستقبل، لذلك أي سلوك يسلكه من يدعي بأنه مؤمن لمعرفة الغيب عن طريق إنسان، عراف، كاهن، ساحر منجمة، بالقهوة، حظك هذا الأسبوع، هذا كله من وسائل الكفر. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
هذا حجم العبد لله عز وجل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان مرة عند أحد أصحابه الذين ماتوا، ذهب لبيته ليعزي أهله، كان مسجيا على سرير، سمع النبي من وراء الستار، امرأةً تقول له هنيئاً لك أبا السائب فقد أكرمك الله، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سكت لكان سكوته إقراراً لهذا الكلام، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ومن أدراك أن الله أكرمه ؟ قولي أرجو الله أن يكرمه، كلمة لقد أكرمك الله، هذا تأله على الله، قال وأنا نبيٌ مرسل، لا أدري ما يفعل بي ولا بكم، إذاً لا يعلم الغيب إلا الله. ))
نحن أردنا بهذه الآية أن نقطع الدجل، أن نقطع الخرافات، أن نقطع الادعاءات، أن نقطع الزعبرة التي يدعيها بعض من يمتهنون الدين، هذه الآية سلاح معنا، النبي عليه الصلاة والسلام بنص القرآن الكريم سيد الخلق، أقسم الله بعمره الثمين قال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾
( سورة الحجر: 72 )
قال:
﴿فَأَنَا أَوَّلُ﴾
(سورة الزخرف: 81 )
ومع ذلك قال قل لهم:
﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
في حادثة في السيرة، لها دلالة كبيرة جداً، وفد جاء من قبيلة لا أذكرها الآن، طلبوا من النبي أن يعطيهم علماء وقراء، ليعلمونهم أمر دينهم، سبعين قارئ وعالم، أخذوهم وذبحوهم، هل كان يعلم النبي الغيب ؟ لو علم لما أعطاهم هؤلاء، هذه حادثة تؤكد أن النبي لا يعلم الغيب، إلا أن يعلمه الله، والله أعلمه مئات المرات، أعلمه عشرات مئات المرات عن طريق الوحي، أما أن يعلم هو بذاته مستحيل.
فنحن ما نسمع لإنسان يدعي أنه يعلم الغيب، ولا أن إنسان بإمكانه بأن ينفع، أو أن يضر، فإذا كان نفينا عن الإنسان، النفع والضر وعلم الغيب، أعطيناه حجمه الطبيعي، أما مقامه عند الله قد يكن صديق، قد يكون ولي من أولياء الله، قد يكون مؤمن كبير، وقد يكون نبي، وقد يكون رسول، وقد يكون سيد الخلق، ومع ذلك لا يعلم الغيب، ولا يملك الخير والشر لنفسه، فلئن لا يملكه لغيره من باب أولى.
حتى ما نسمح لقصة فيها دجل، فيها افتراء، فيها إفك، فيها ارتزاق بالدين، فيها ابتزاز للأموال، هذا حجم النبي العظيم، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، نعيد الآية مرة ثانية:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾
هذه بليغة جداً، يعني إذا كنت لا أملك لنفسي، نفعاً ولا ضراً، فلئن لا أملك لكم نفعا ولا ضراً من باب أولى.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾
طبعا إلا ما شاء الله، يعني إذا شاء الله لي الخير كان، وإن شاء لي غير ذلك كان، أنا عبد أتلقى من الله عطاءه أو منعه.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
وهو أصبح النبي نذير وبشير، ينذر بعذاب الله في جهنم، ويبشر بالجنة لمن أطاعه، وهو لمن ؟ لمن آمن بالله أصلاً، لمن آمن بالله أصبح له نذيراً وبشيراً، أما الذي لن يؤمن بالله ليس له النبي نذيراً ولا بشيراً، هذه الآية، آية مفصلية بالتعبير الحديث آية مفصلية، يعني لا تقبل قصة خلافا.
أخي قال لي أنه بدو يجيني دفعة كبيرة، كذب هذا. قال لي أنه ابنك بدك تزوجه من وحدة غنية كذب، لا تصدق كلام في غيب حتى الجن لا يعلمون الغيب.
سيدنا سليمان بقي ميتاً، فترة طويلة جداً، إلا أن جاءت دابة الأرض ونخرت عصاته.
﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾
( سورة سبا: 14 )
أعطاهم أمر شاق، ومتعب ومهين، وقد مات لو علموا أنه مات ما بقوا في هذا العذاب.
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾
أي عصاه.
﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)﴾
إذاً يا أخوانا الكرام، الأنبياء جميعاً والنبي عليه الصلاة والسلام في رأس القائمة لا يعلمون الغيب، فإذا أدع أحد غير النبي، أنه يعلم الغيب، يجب أن لا نلتفت إليه،وأن نظنه كاذباً، مدجلاً مزوراً للحقائق هذا هو مقام النبي، لا يعلم الغيب، ولا يملك الخير والشر إلا أن يشاء الله.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-01-2018, 02:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الاعراف (7)


الجزء الرابع


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في سورة الأعراف قصص عدة عن أنبياء الله الكرام الذين أرسلهم إلى أقوامهم، الشيء الذي يلفت النظر، بعد أن حدثنا ربنا جل جلاله، عن قصص الأنبياء جميعاً قال لنا:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(94)﴾
وما أرسلنا في قرية من نبي. هذه الآيات تأخذ طابع القانون، المؤمن إذا قرأ القرآن الكريم، ومر بآيةٍ، فيها معنى القانون، عليه أن يستمسك بها، وعليه أن يجعلها منهجاً في حياته.
مثلاً:
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)﴾
(سورة يونس:33)
قانون.
مثل آخر:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
(سورة النحل: 97 )
قانون.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
(سورة طه: 134 )
قانون.
﴿ أَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) ﴾
( سورة يوسف: 52 )
قانون.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء: 88 )
قانون.
إذا أكرمك الله عز وجل، وقرأت القرآن، ومررت بآية فيها معنى القانون، هذه الآية أكتبها واجعلها في جيبك، واجعلها قانون في حياتك.
ذكرت هذه الآيات كي نستأنس بهذا القانون الجديد، بعد أن حدثنا ربنا جل جلاله، عن أقوامٍ كثيرين، أرسل إليهم الأنبياء، وأنزل معهم الكتب هؤلاء الأقوام كفروا،و استهزئوا، وكذبوا فحاط بهم عذاب الله عز وجل.
من كل هذه القصص، يستنبط القانون التالي: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾
معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى، أول شيءٍ يفعله يبلغ الإنسان يبلغه عن طريق نبي، أو عن طريق رسول، أو عن طريق عالم، أو عن طريق داعية، وقد يبلغ الحق عن طريق فاجر، الإنسان في طريق غلط، في معصية، في انحراف، يقال له هذا حرام، وهي الآية هذا لا يرضي الله.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا﴾
هذا في قصر يعني ما من قرية أرسلنا إليها نبياً، فإذا رفض الإنسان دعوة النبي، إذا كذبها، إذا سخر بها، انتقل هذا الإنسان إلى مرحلة أخرى، مرحلة العلاج.
أول مرحلة: التبليغ، بالحسنة، كلام، دعوة.
المرحلة الثانية: بالعقاب.
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾
هؤلاء الذين أصابهم البأساء والضراء، ماذا ينبغي أن يفعلوا ؟ ينبغي أن يتضرعوا، فإذا تضرعوا، توقف العلاج، طيب هؤلاء الذين جاءهم الأنبياء والمرسلين، أو العلماء العاملون، أو الدعاة الصادقون ماذا ينبغي أن يفعلوا ؟ ينبغي أن يستجيبوا، فإذا استجابوا انتهى كل شئ، أن لم يستجيبوا، انتقلوا إلى مرحلة أخرى، مرحلة الشدة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾
لماذا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾
فإنسان يأتي ربه بالدعوة الحسنه، و إنسان يأتي ربه بعد الشدة، كلاهما على العين والرأس، واحد يأتي بالحسنة بالكلام لم يستجب بالكلام، لم يصغي، لم يهتم، لم يعبئ، طيب، في طريقة ثانية، بالحمية بطيب، ما احتمى، في عملية، بتحب الحمية أهلاً وسهلاً، بتحب بالعملية في عملية، فلما لم يستجيبوا، لما لم يؤمنوا، لما لم يصدقوا، لم يصطلحوا، لم يعودوا، لم ينيبوا، طيب.
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾
وهم في البأساء والضراء.
إذا تضرعوا انتهى البأساء والضراء، حصل.
مثلاً: طبيب قرر استئصال كلية، وقبل أن يجري العملية، عمل صورة أخيرة فإذا بها تعمل ! بكامل العملية ! مستحيل، فإذا:
﴿أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾
فإذا تضرعوا، رفع الله عنهم البأساء والضراء.
المرحلة الثالثة: دعوا بالحسنة فلم يستجيبوا، ساق الله لهم الشدائد فلم يتضرعوا، قال، حتى قالوا ـ المرحلة الثالثة كي يقطع الله عليهم الحجة، يعطيهم، يمدهم، كانوا في فقر هي مال، كانوا في قحط هي أمطار، كان كل شئ مغلق كل شئ مفتوح.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾
المرحلة الثالثة، مرحلة التبليغ القولي، ثم مرحلة سوق الشدة، والبأساء، والضراء، بالتبليغ القولي عليهم أن يستجيبوا فإذا استجابوا انتهى كل شئ، ما استجابوا جاءت الشدة والبأساء والضراء، عليهم أن يضرعوا، ما تضرعوا، في مرحلة ثالثة الثالثة الإكرام الاستدراجي، إكرام استدراجي، في فقر هي غنى، في شدة هي رخاء، في مرض هي صحة، شو بتحكي، ليقطع الله عليهم الحجة.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾
الحسنة نستهم السيئة، الرخاء نساهم الفقر، الصحة نساهم المرض، يقول لك أصبحت ذكرى.
﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا﴾
هي الحياة هكذا، يوم لك ويوم عليك، نسي الله نهائياً، يقول لك هي الحياة مد وجرز، دولاب، مرة لك ومرة عليك، يوم أبيض ويوم أسود، يوم حلو، يوم حامض يوم لفان، نسي الله، نسي القرآن، نسي المعالجة، جعل هذا من الدهر.
﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾
( سورة الجاثية: 24 )
يسب ابن آدم الدهر يسبني ابن آدم حينما يسب الدهر، وأنا الدهر أقلبه كيف أشاء، لما.
المرحلة الثالثة: جاءهم الرخاء، فنسوا بالرخاء الشدة، وقالوا هذه أحوال الناس.
﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾
المرحلة الرابعة: صاروا جاهزون للضربة القاسمة:
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾
هذا قانون.
أربع مراحل: أول مرحلة الدعوة بالكلام، الثانية بالبأساء والضراء الثالثة الرخاء الإستدراجي، الرابعة القصم، هذا القانون يطبق على الأمم والشعوب والأفراد.
إنسان الله عز وجل يسوقه لك كي يبلغك الحق، ليتك استجبت، ليتك أنبت، ليتك أصغيت، ليتك أهتميت، لا.
في بأساء وضراء، ليتك تضرعت، انتهى البأساء، ما تضرعت.
في استدراج إكرامي، إكرام استدراجي، خذ، ليتك تأثرت، ليتك شكرت، لا نسيت، وقلت هكذا الحياة، مدٌ وجزر، أخذٌ وعطاء غنى وفقر، صحةٌ ومرض، يوم لك ويوم عليك، حتى قالوا مس آباءنا الضراء، القضية طبيعية جداً، شئ مألوف، سنة محل وسنة خير سنة شدة، سنة فقر، هي المرحلة الثالثة.
الرابعة: وضعوا في خانة الإهلاك.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾
أخوانا الكرام هذه سياسة الله مع عباده، وهذه سنة الله في خلقه وهذا قانونٌ مستنبطٌ من قصص الأنبياء، أنا أرى أن أسعد إنسانٍ، هو الذي يستجيب إذا سمع الحق، هذا أرقى إنسان، أعمل عقله، في مرتبة أدنى، حينما تأتي الشدة يستجيب، ماشي كمان على العين والرأس، لعلهم يتضرعون، لكن الثالث جاءه الرخاء، كان بضيقة صار برخاء، كان بفقر صار بغنى، كان مريض تخطيط بخوف طلع ما في شئ، خطأ في التخطيط ما طلع في شئ، بهذا المكان واحد راكب سيارته، طب على المقود جلطة، أخذ إلى المستشفى كان صديقه قريب منه، أخذه على المستشفى، بالعناية المشددة، صحي طلب مسجلة، وشريط كاسيت، المحل الفلاني الذي، لأخواتي أنا مغتصبه، البيت الفلاني، الأرض الفلانية، صرح بكل الحقوق عال والله ! معنى تاب، بعد يومين لقى حاله، ما في شئ أبدا، رجع مشي وين الشريط هاتوا كسره!! بعد ثمانية أشهر ؟ جاءت القاضية ! كان هذا إنذار مبكر، مات فجأةً موت نهائي.
فإخوانا قانون دقيق، أول مرحلة إعلام، كلام، إن كنت ذكي جداً على الكلام أبدء، أستفيد، ما أستفد بكلام، في شدة، إن كنت أقل ذكاء تضرع يتوقف البلاء، ما تضرعت، في رخاء استدراجي بالرخاء أشكر يا رب لك الحمد، بدلت فقرنا غنى، وبالرخاء ما أستفدته، المؤمن يفهم على الله، المؤمن عنده حساسية بالغة المؤمن لأدنى ضيق بقلك أنا لازم كون عامل شيء، هي الآية أخوانا الكرام قانون، سنة الله في خلقه.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا﴾
تركيب قصري.
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)﴾
ما تضرعوا.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا ﴾
نسيوا.
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾
هنيئاً لمن يستجيبوا بالدعوة القولية.
هنيئاً لمن يستجيبوا بعد البأساء والضراء.
هنيئاً لمن يأتي بالرخاء.
الويل لمن لم يستفد، لا من الدعوة السلمية ولا من البأساء والضراء ولا من الرخاء، هذا عندئذٍ يتعرض لإهلاك الله عز وجل له.
لذلك دققوا في هذه الكلمة، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، هو المصبية، إذا الإنسان ضاقت به الدنيا وما تأثر ولا استجاب، ولا صحح، ولا أناب، ولا تاب، هذا ميت القلب، الله سبحانه وتعالى قال:
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾
( سورة النحل: 21 )
كم مرحلة ؟ أربعة:
الأولى دعوة قولية، والثانية دعوة عن طريق الشدة، والثالثة عن طريق الرخاء، والرابعة قصم.



والحمد لله رب العالمين.

السعيد
03-01-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الاعراف (7)


الجزء الخامس


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام يقول الله في كتابه الكريم في سورة الأعراف الآية الثامنة عشر بعد المائة: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
النبي الكريم، لا يملك نفعاً ولا ضراً لا لنفسه ولا لغيره ولا يستطيع أن يكره إنسان على الهدى، هي المقاييس.
أمامك قطع من الذهب، وهذه القطع، ذهب خالص، من هذه القطع عيار واحد وعشرين، الذهب، ثماني عشر، ست عشر، إحدى عشر، نحاس مطلي ذهب، نحاس ملمع تنك، يحتاج إلى مقياس يعرف عيار العالي من المتدني، فنحن أحياناً نحتاج إلى مقياس، نقيس فيه هذه المقولات في الإسلام، آلاف المقولات، من هذه المقاييس:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
هذا النبي الكريم، سيد الخلق وحبيب الحق، قال له يا محمد قل لهم:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾
الآن نبحث في القرآن عن مشابهات لهذه الآية:
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
( سورة الأنعام: 50)
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾
( سورة الأعراف: 118)
مشابه ثالث:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾
( سورة الجن: 21 )
﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
﴿لَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾
إذا كان هذا شئن النبي، المعصوم المخلوق الأول، سيد الخلق حبيب الحق، فهل يدعي إنسان في مؤخرة الصف، في الدرجة الدنيا أنه يعلم الغيب ؟ هي القصة، هذه الآيات الثلاثة، ممكن تنفي فيهم مليون قصة، مليون مقولة باطلة بالإسلام، مليون دعوة من بعض الدعاة، مليون سحبة، مليون فرية مليون دجل، مليون تزوير.
إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب فكيف تأتي إنساناً وتقول له حدثني عن مستقبلي، من أتى كاهناً فقد كفر، من أتى ساحراً ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، ولا دعاء أربعين ليلة، لا أعلم الغيب، أخي شو اسمك، أنا عندي حساب الأرقام الميم رقمها كذا، أنت أخرتك غني، كله دجل، هناك من يعتقد ذلك، من يقتني كتب، حتى لو قرأت حظك هذا الأسبوع في المجلات فأنت آثم من برج الثور مثلاً، شو يساوي هذا البرج ؟ في صعوبات أمامك في أكمات، في دفعة جانبية، كله كلام فاضي، ولا أعلم الغيب، أبداً النبي الكريم:
﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾
ثلاث مقاييس، تنفي بهذه المقاييس الثلاثة، آلاف القصص الخرافية، آلاف الضلالات آلاف الافتراءات، آلاف الكذب، آلاف أنواع التدجيل، دائما الميزان هو القرآن هذا كتاب من عند الله.
إذا كان الله عز وجل يأمر نبيه قل، أن يصرح، ويبين ويؤكد، من دون إخفاء، أنه:
﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
فلا أن لا يملك لغيره من باب أولى، في آية أوضح:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾
واحد جاء النبي وكان طليق اللسان، قوي البيان، قوي الحجة احتكم اثنان إلى النبي، أحدهما ألحن، ذكي، طليق اللسان، عنده قوة إقناع، فأقنع النبي أنه على حق، والنبي قنع مثلاً، وأفتى له، أو حكم له، يقول عليه الصلاة والسلام:
((لعلى أحدكم ألحن بحجته من الآخر فإذا قضيت له بشيء، فإنما أقضي له بقطعة من النار ))
معناها ما استفدنا شي، لو انتزعت من فم النبي حكماً لصالحك لا تنجو من عذاب الله، هي مقاييس دقيقة جداً، لو أن إيمانك كان بهذا المستوى، لا تتكل لا على فتوى، ولا كلام شيخ، رب عادل، هذا كلامه واضح كالشمس.
فلذلك، ممكن وأنا لا أبالغ، ممكن إذا حفظت هذه الآيات الثلاث، أن تنفي من خلالها، آلاف القصص الخرافية، المبنية على الخجل، المبنية على التزوير، مبنية على الإيهام، مبنية على المصالح المادية.
أشخاص، بدنا نفك السحر، راح لعند هذا قال له بدي خروف مصالح كلها، مصالح، فعليك بكتاب الله.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((ما إن تمسكتم بهما فلم تضلوا بعدي أبداً كتاب الله، وسنة نبيه.))
كتاب الله كتاب خالق الكون، والسنة بيان للكتاب المعصوم.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
( سورة النجم: 3 ـ 4 )
هي الضمانات كلام الله وحي في مليون دليل على أنه كلام الله إعجازه، والسنة المبينة، الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نأخذ عن النبي وقال إنه معصوم، ما عنا ثوابت بالدين إلا الكتاب والسنة، ما قال أحد العلماء الكبار، وأظنه الإمام مالك: ما جاءنا عن صاحب القبة الخضراء فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن سواه، فهم رجال ونحن رجال، كل إنسان يأخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذه القبة الخضراء.
فمن أجل أن تنبنى العقيدة بناء صحيح، من أجل أن لا نقع بالأوهام ما نروح فرق حساب، الآن إذا واحد سمع أن النبي سيشفع لنا وافعل ما تشاء أنت من أمة محمد، أمة محمد مرحومة يا أخي، اللهم صلي عليه، زده صلاة، وافرحوا، كل مال حرام، وافعل ما تشاء النبي يشفع لك، فكيف إذا فوجئت يوم القيامة، بأن الله عز وجل يقول:
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾
( سورة الزمر: 19 )
النبي يرى أمته، يقول: أمتي، أمتي، يقال: لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، يقول: سحقاً، سحقاً، يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأجسادكم، من يبطئ به عمله، لم يسرع به نسبه احفظ هذه الآيات الثلاث.
واحد يقف قدام محي الدين رضي الله عنه وأرضاه وأنا أعتقد بولايته، أنا بدي ولد يا شيخ محي الدين، شرك هذا، إذا كان النبي لا يملك لك نفعاً ولا ضرا، محي الدين يملك لك نفعاً لا ضرا، مستحيل.
لنبني العقيدة بناءً صحيح، النبي سيد الخلق، وحبيب الحق سيد ولد آدم المعصوم، الذي يوحى إليه، الذي أيد بالمعجزات، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا ولا يملك لنا نفعاً ولا ضرا، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، انتهى الأمر.
إذا كان هذا مقام النبي، فما قولك ما دون النبي.
فأنت ممكن بهذه الآيات الثلاثة، تنفي الخرافات، تنفي السحبات، تنفي الدجل تنفي الافتراءات، تنفي ما أضيف على الدين مما ليس منه، لأنه آن الأوان أن نصحوا من غفلتنا، آن الأوان أن ننهض، يعني إله الصحابة إلهنا الذي نصرهم ينصرنا، لكن الله قال:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾
( سورة النور: 55 )
فيا أخوانا: كتاب الله، وسنة رسوله، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا أبدا، مقياس، لا تصدق واحد جاءه ولد لأن حط يده عليه، سحبات كلها هي.
النبي عليه الصلاة والسلام، كان عند أحد أصحابه وقد توفاه الله عز وجل، سمع من وراء الستار، امرأة تقول هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، النبي لو سكت كان كلامها صحيح، النبي فقط، لأنه مشرع، أنا إذا سمعت كلام وسكتت ما لي مآخذ، أما النبي بالذات لو سكت لكان هذا الكلام صحيحاً، لأنه سنته وأقواله، وأفعاله، وإقراره إذا واحد حكى قدام النبي كلام، والنبي بقي ساكت هل الكلام صار صحيح، قالت له هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( ومن أدرا كي أن الله قد أكرمه، هذا تألي على الله قال لها قولي أرجو الله أن يكرمه، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.))
هذه العبودية، هذا حجمك الطبيعي، إذا كنت بحجمك الطبيعي ترقى عند الله، أما إذا كبرت حال تصغر، لا تكبر عند الله إلا إذا كنت عبداً له، إلا إذا اعترفت أنك لا تملك نفعاً ولا ضرا.
فكل إنسان يعطيك توجيهات، أنه أنا بقدر أعمل هذا يطلع بواحد يهديه ما هذا الكلام هذا، قال إن الله لا تهدي من أحببت هذه رابعة نسيناها والله.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة القصص: 56)
من عباده، مخير الإنسان.
إذاً لا يملك لك ضراً ولا نفعاً، ولا يملك لنفسه ضراً ملا نفعاً ولا يعلم الغيب، ولا يستطيع أن يهدي أحداً، إلا أن يختار الهدى الإنسان.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
من يشاء الهداية، يهديه الله عز وجل، أما أنت تلزم إنسان بالهدى لا تقدر.
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ﴾
( سورة الشورى: 52)
دعوتك حق، لو واحد اتبعك وصل للحق، أما لا تستطيع أن تكره إنسان على أن يؤمن الإنسان مخير، هذه الحقيقة أربع آيات، أربع مقاييس، لا يعلم الغيب إلا الله، النبي الكريم لا يملك نفعاً ولا ضراً، لا لنفسه ولا ليغيره ولا يستطيع أن يكره إنسان على الهدى، هذه المقاييس.
لذلك القرآن هو المقياس، هو المرجع، هو القانون، هو الصح لأنه كلام الله عز وجل.
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾
( سورة فصلت: 42 )






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 01:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانفال (8)


الجزء الاول



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ يتوهم المسلمون أنّ أوامر الدين تقتصر على العبادات الخمس التي أشارت إليها الأركان الخمسة للإسلام ؛ من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ونطقٍ بالشهادة.
لكن الحقيقة ؛ واسمعوا لهذه القاعدة، أنّ كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، أيّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب.
لذلك أنت أمام، آلاف بل عشرات الآلاف من الأوامر الإلهية، وإذا كنت مؤمناً حقاً فكل آيةٍ قرآنيةٍ تتوجه إلى المؤمنين تشير إلى أمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
( سورة التوبة:119)
هذا أمر:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
(سورة الأنفال الآية: 1)
هذا أمر:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
( سورة البقرة: 43)
هذا أمر، فأيّ أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وأنت حينما تقرأ كلام الله عز وجل، انتبه إلى أفعال الأمر، إذا أتى أمر فلم تتحرك نحو تطبيقه فلست مؤمناً.
والآن ما الأمر ؟:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)﴾
ما هي ذات البين، هي النفس التي بين جوانحك، أنت الآن مأمور من قِبَلِ الله عز وجل بآيةٍ قطعية الدلالة، قطعية الثبوت أنْ تصلح ذات بينك، وكيف تصلح ذات بينك ‍‍؟ عن طريق تطهيرها من الأدران، وتحليتها بالكمال، عن طريق تطهيرها من الأدران، فأمراض النفس كثيرة، الِكبرُ من أمراض النفس، الأثرةُ من أمراض النفس عدم الإنصاف من أمراض النفس، المحاباة من أمراض النفس، النفاق من أمراض النفس، العجُب من أمراض النفس، الحقد من أمراض النفس، القسوة من أمراض النفس.
﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
بتنقية نفوسكم من النقائص، من الأدران، من الأمراض، هذه الأمراض هي التي تعذِّب صاحبها يوم القيامة، بل إن أمراض الجسد تنتهي عند الموت لكن أمراض النفس تبدأ تأثيراتها السلبية المؤلمة الساحقة المُشقية عند الموت.
قال تعالى:
﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
لا يُكتفَى بتطهير النفس من الأدران، لا بد من تحليتها بالكمال، تحليتها بالرحمة، بالإنصاف، بالإيثار، بالتضحية بالإكرام، بالالتزام، بالتواضع، هذا هو المعنى الأول، وللآية ثلاثة معانٍ:
المعنى الأول أصلح نفسك، والدليل:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة: الشعراء 89)
إذاً في جزء من وقتك يجب أن تستبطن ذاتك، أن تتأمل هل هناك أغلاط ؟ هل هناك أمراض ؟ هل هناك أدران ؟ هل هناك نقائص ؟ هل هناك أمراض نفسية ؟ أفيَّ حقد وفيَّ كبر ؟ أفيَّ عُجب ومحاباة ؟ أعنديَ نفاق وتدليس ؟ ألديَّ تدجيل وتزوير ؟، هذه كلها أمراض تهلك صاحبها، بعد أن كرمك الله بأن تتخلى، أو أن تتطهر من هذه الأمراض، هل هناك كرم ؟ هل هناك عفو ؟ هل هناك رحمة ؟ التخلية والتحلية، التطهير والتنوير.
إذًا حسب المعنى الأول:
﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
أي النفس التي بين جوانحكم، أمّا المعنى الثاني:
﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
أصلح ما بينك وبين إخوانك، فما يكون لديكم تقاطع، ولا تدابر وبغضاء، ولا شحناء، وخصومات، مثل علاقات مالية سيئة، علاقات اجتماعية سيئة.
﴿َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
أصلح ما بينك وبين المؤمنين، وهم أولى الناس بمودتك، وأصلح ما بينك وبين الناس عامةً.
فما بينك وبين الناس قد يزول بالاعتذار، بحل مشكلة، فأحيانًا تنشب في خصومةٌ بينك وبين أخٍ، فهديةٌ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((هذه الهدية تذهب بوحل الصدر))
اعتذار، اعتراف، أداء حقوق، طلب مسامحة، تقديم هدية، فهذه العلاقة السيئة، هذه الخصومة، هذه المشاحنة، هذا الحقد، هذا الارتباك، هذا الاضطراب يجب أن يزول، وممكن إزالته وأنت على وجه الأرض، هو قضية سهلة، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، أيْ أدِّ الحق يسامحك، أدِّ الحق يعفُ عنك.
المعنى الثالث، أصلحْ ما بين الناس.
أولاً أصلح نفسك التي بين جنبيك داخلياً.
ثم أصلح ما بينك وبين الآخرين، فهذه علاقة أنت أحد أطرافها.
ثم أصلح ما بين شخصين.
الإنسان المؤمن دائماً يصلح ولا يفسد، يصل ولا يقطع، فإذا دخل إلى بيت أخته مثلاً، وأثنى على زوج أخته، يقرِّب بين الزوجين، أما إذا ذمَّ زوج أخته، ما هذا البيت ؟! كيف وسعكما ؟! والله يليق بكِ قصر، ماذا فعلت أنت ؟ لقد أفسدتَ بين أختك وزوجها، أما إذا أثنيت على أخلاق صهرك ؛ إنسان شهم، طيب، والأصل الأخلاق يا أختي، وهذا رجل عظيم، وأسأل الله أنْ يكرمه لكل تكرمة، فهذا كلام، وذاك كلام، لكن شتّان بين الإيجاب والسلب.
المؤمن دائماً يصلح بين زوجين، بين أخوين، بين شريكين، بين أب وابنه، بين أخ وأخيه، بين شريك وشريكه، دائماً يصلح، ولا يفسد، والشيطان دائماً يفسد، كيف ما تحرك قطع العلائق، فأول معنى، أصلح نفسك، بتطهيرها من الأدران، وتحليتها بالكمال.
المعنى الثاني، أصلح ما بينك وبين إخوانك، وكن منصفًا، أدِّ الذي عليك، اعتذر إذا وقعتَ في خطأ، أدِّ الحق إذا كان عليك حق، وإذا كنتَ مقصِّرًا فعالج التقصير، وإنْ تُحل القضية بهدية فقدِّم هدية، وإنْ تُحل بزيارة فزرْهُ، وبادره بالزيارة، لا تسمح ببقاء علاقة متوترة، ولا علاقة متشنجة، لا تَدَعْ حقدًا، أو خصومة، أو انحرافًا يفرِّق بينك وبين الآخرين، أصلح ذات بينك.
الحالة الثالثة، أنت تعيش في مجتمع، لك جيران، لك أقرباء لك أزواج بنات، لك أزواج أخوات، لك أصهار، لك أولاد، حاول أنْ تقرِّب بين الناس.
لذلك أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح.
قال لي رجل: شكوت إلى أخٍ أختَه، أخ زوجته، أختك تفعل معي كذا، أختك تفعل كذا.
قال له: طلقها، واللهِ هذا أحسن لك، أهذه نصيحة ‍!؟ لكني أقول: هذه قبيحة وليست نصيحة.
قال له: طلقها أحسن لك، هذا إنسان مفسد ! فالشيطان دائماً يحلو له الإفساد، تقطيع العلاقات، إيقاع ذات البين، إقامة هوّة بين الناس، المؤمن من صفاته الأساسية، يقرب، يوحد، يؤلف.
لذلك أحيانًا كلمة قد تكون مدمِّرة.
((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
لا يلقي لها بالاً.
(( لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))
قال:
(( يا رسول الله وهل نؤاخذ بما نقول، قال ويحك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم))
قضية كبيرة، فهذه آية، لتَكُن القاعدة عندك ؛ وهي أنّ كل أمرٍ يقتضي الوجوب، فأنت لستَ أمام خمسة أوامر في القرآن، صوم، وصلاة وحج، وزكاة، أنت أمام مئة ألف أمر، هذا أمر منها.
قال لك:
﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
يجب أن تكون مع المؤمنين، أن تكون معهم بكلِّيتك.
قال لك الله عز وجل:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
( سورة الكهف: 28)
هذا أمر.
فاقرأ القرآن، وكلما وقفت على أمرٍ دقق، أين أنا من هذا الأمر ؟ هل أنا مطبقٌ له ؟ فهذا أمر:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
أصلح نفسك وحدها، وأصلح ما بينك وبين الآخرين، وأنت طرفٌ، وأصلح بين اثنين، وهذا من صفات المؤمن، والقرآن كما قال سيدنا علي: حمَّال أوجه، أيْ له أوجه كثيرة.
إذاً مرة ثانية:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)﴾
فإذا حفظ الإنسان هذه الآية، وكلما جلس مع أخ، بيَّن له معناها، ولها ثلاثة معانٍ بسيطة:
أصلح نفسك بالاتصال بالله تشفَ من أمراضك.
أصلح نفسك بالاتصال بالله تتحلَّ بالكمال، كمِّل نفسك أولاً، وكل علاقة، مع أقربائك، مع جيرانك، مع زبائنك، مع أصحابك، مع زملائك بالمهنة، أصلحها، بالاعتذار، بأداء الحقوق، بتقديم هدية، وكذلك أصلح بين اثنين إنْ كنت تعرف بوجود خصومة بين زوجين، الزوج يكون ابن أخيك فرضاً، والزوجة تكون بنت أختك مثلاً، لا تقل: يصطفلوا ‍! "ينباعوا بالعزى" ! "فخار يكسر بعضه"، هذا من أخلاق الشيطان، لكنك أصلح ذات بينك، وذات بين الناس.
أحيانًا تنشأ بين زوجين خصومة، فالزوج ركِب رأسه، والزوجة ركبت رأسها، فهما يحتاجان طرفًا ثالثًا يوفِّق بينهما، يكون هو كبش الفداء، اذهب وزُرْ أهل الزوجة، وبيِّن لهم شمائل الزوج، وزُرْ الزوج، وأقنعه أنّ زوجته جيدة، وفِّق بينهما، المؤمن من شأنه أن يصلح، والمنافق من شأنه أن يفسد، ودائماً يقطع العلاقات، أمّا المؤمن فإنّه يصلها، والنبي يقول:
((ليس منا من فرق ))
ليس منا، يعني برئ النبيُّ منه ومِمّن يفرّق بين الناس، أحيانا يفرق بين علماء المسلمين، يحضر مجلسَ علم، يسمع كلمة فيخطفها خطفًا ولم يفهمها، ينقلها لعالم آخر، سيدي هكذا قال فلان، فما قولكم، فتحرجه أنت بكلام غلط، تحدث أحيانا خصومات بين دعاةٍ، ما السبب ؟ هم كلهم على حق، لكن لأنّ النقل عنهم غلط، النقل عنهم كان مغلوطًا.
فالمؤمن يصلح دائمًا، ولا يفسد، يصل ولا يقطع.
آخر حديث: ((أمرني ربي بتسع ؛ خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضى، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعف عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً ))







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 01:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانفال (8)


الجزء الثانى



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد.
أيها الإخوة الكرام ؛ في سورة الأنفال آيات، وهذه الآيات أرقامها عشرون وواحدة وعشرون واثنتان وعشرون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23)﴾
من أدق الآيات المتعلقة بالسماع:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾
تعرضوا عنه، لا تديروا ظهوركم لهذه الدعوة، لا تنصرفوا عنها، هي تولوا عنه.
﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾
يعني كتاب الله يتلى عليكم صباحاً ومساء، تستمع لهذا الكتاب، بالمناسبات الحزينة، في عقود القران أحياناً، تسمع في الإذاعة أحياناً، تقرؤه كل يوم، أنت بين يديك كتاب الله عز وجل، إذا أردت أن تخاطب الله فادعُهُ، وإن أردت أن يخاطبك الله فاقرأ القرآن.
﴿لَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾
مثلاً إنسان يقرأ القرآن، يستمع للقرآن، بلَغَهُ القرآن، يَفهمُ القرآن، ثم تجده يتعامل في بيته وفي تجارته بخلاف أحكام القرآن‍‍.
لذلك ورد في الحديث أنه:
((ما آمن بالقرآن من أستحل محارمه ما آمن بالقرآن من أستحل محارمه))
وورد أيضاً:
(( رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه ))
وإذا قلت: صدق الله العظيم، ولم تكن مطبقاً لأحكام القرآن، فهذا كلام منكَ غير صحيح، أنت ما صدقته، أنت في الحقيقة تكذبه.
والاتجاه الجديد حاليًا في العالم كله، أن الإنسان لا يُقَيَّم أبداً من أقواله ولا من معتقداته، بل يُقَيَّم فقط من سلوكه، لأن سلوك الإنسان هو الترجمة الحقيقة لمعتقداته وتصوراته، فإذا قال إنسان: أنا مؤمن بالله، وأسعى للآخرة، وأخاف دخول جهنم، ولم تر في عمله ما يؤكد ذلك فهو كاذب.
فبالسلوك إذًا التقييم الحقيقي، لأنّ رفع الشعار سهل، الادِّعاء سهل، دعوة الانتماء سهلة، كل إنسان لسانه يتكلم كما يشاء لكثرة الكذب والدجل والتزوير والانتماءات الباطلة، والادعاءات الفارغة لدى الناس.
لذلك اتَّجه الناس الآن إلى تقييم الإنسان لا من أقواله، ولا من تصوراته، ولا من إشاراته، ولا من لفتاته، بل من عمله فقط، هذا المعنى تؤكده هذه الآية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾
أيْ تسمع القرآن، والآية الأخرى تقول:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
( سورة النور: 30 )
فكيف تطلق بصرك في الحرام، والآية تقول:
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
( سورة البقرة: 221 )
كيف ترضى لابنتك زوجًا غنيًا ولا يصلي، وليس فيه دين.
والله عز وجل قال أيضًا:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
( سورة البقرة: 276 )
فكيف تتعامل تعاملاً ربوياً.
والله عز وجل يقول:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾
( سورة التوبة: 103 )
فكيف تقصر في دفع الزكاة.
والله عز وجل يقول:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾
( سورة يوسف: 52 )
فكيف تحتال على بعض الناس ؟.
إنّ القرآن بين أيدينا، وعلى الإنسان أنْ يكون صادقًا مع نفسه، يعني هذه النشاطات الفارغة، كل عبادة لا تكلف شيئًا يبادر لها، أما عند الدفع، عند الحلال، عند الحرام، عند الأخذ، عند العطاء، عند أداء الحقوق، عند الاعتراف بالحقوق يقول: عليك بالمحاكم، أهذا شأن المؤمن ؟ يقول لك: هذه المحاكم أمامك، يجب أن تؤدي الحق من دون دعوى إنْ كنتَ مؤمنًا، ومن دون محكمة، فالمؤمن وقَّافٌ عند القرآن، يؤدِّي كلّ حقٍّ عليه.
﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾
الآية التي بعدها:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾
ذكرت هذا قبل فترةٍ في بعض أحاديثي، ماذا أراد الله بكلمة أننا سمعنا ؟! وقد ذكرتُ يومها مثلاً يوضِّح الآية.
إذا شاهد شخصٌ على كتف صديقه عقربًا، وقال له: العقرب العقرب ‍‍‍، فالذي على كتفه العقرب قال بهدوء وراحة وبساطة: أنا أشكرك أشدَّ الشكر على هذه الملاحظة القيِّمة، وأنا لا أملك إلا أن أعبِّر عن تقديري الجزيل لهذه اللفتة البارعة، فقد سمع ما قال له، وحذَّره، فإذا بقي هادئًا، فلعلّ اهتزاز الصوت وصل إلى طبلة أذنه ولم يفهم شيئًا، فالعلماء يفرقون بين الصوت والكلام، ممكن أنْ تسمع ضجيجًا، وممكن أنْ تسمع من بعيد إنسانًا يتكلم، لكنّك لم تفهمْ من كلامه شيئًا، فهذا يعني صوتًا، اهتزاز بوسط مرن، هذا هو الصوت، لكن مضمون هذا الصوت هل فهمته ؟ لا.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾
يعني أنّ الله عز وجل أراد بالسماع التطبيق، شيء طبيعي إذا قيل لإنسان: على كتفك عقرب فانتبه، أن يقفز، ويهيب واقفا، وأن ترتعد مفاصله، وبعد أن يزيله عن كتفه يقول: شكراً، أما إذا جامله، معنى ذلك أنه ما سمع قولَه، لقد سمِع صوتًا، ولم يفقه له معنًى.
فحينما يخاطب المؤمن خطاباً معيناً ولا يتحرك، فهذا المؤمن إنْ لم يتحرك فهذا لم يفهم مِن الخطاب شيئًا، نحن في ذكرى الهجرة هذه الأيام، والله عز وجل قال:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
( سورة الأنفال: 72 )
فإذا لم تأخذ موقفًا عمليًا، وإذا لم تتحرك، ولم تقف موقفًا إيجابيًا، ولا اندفعت، ولا أعطيت، ولا منعت، ولا وصلت، ولا قطعت، ولا غضبت، إن لـم تتحرك، بناءً على معتقداتك، فهذا الاعتقاد السلبي الذي لا يقدم ولا يؤخر لا شأن له عند الله. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾
لو سمعت الحق لأمضيت الوقت كله في التقرب إلى الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث:
((إنّ روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا أهلي يا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعة عليّ. ))
جاء في الحديث الشريف أنه: ((ما من بيت، إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات، فإذا رأى أن العبد قد انقضى أجله، وانقطع رزقه، ألقى عليه غم الموت، فغشيته سكراته، فمن أهل البيت، الناشرة شعرها والضاربة وجهها، والصارخة بويلها، يقول ملك الموت: ممَّ الفزع ؟ وممَّ الجزع، ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قربت له أجلاً، وإنّ لي فيكم لعودة، ثم عودة، حتى لا أبقي منكم أحداً ))
يقول عليه الصلاة والسلام:
((فو الذي نفس محمد بيده، لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم.))
كثير ما تلاحظون أنه عندما يموت الإنسان، إذا كانت يده قابضة يفرحون، هو طبعاً في حزن معلن، يطيلون شعرَ ذقونهم، يلبسون الأسود، لكن عملياً يفرحون، لقد أخذوا الثروة، فهذا الذي فرح ألم يعلم أنه حين يموت سيفرح الآخرُون مثل فرحه هو يوم أخذ الثروة.
منذ عدة سنوات توفي إنسان بهذه البلدة، وترك ألف مليون ! أحد الورثة نصيبه مئة وعشرون مليونًا، ترك عمله، وترك محله التجاري، وشمّر وبدأ يتابع حصر الإرث، إنّه مبلغ ضخم، لم يدخل إلى محله التجاري ستة أشهر، وهو يتابع معاملة الميراث، وفي أحد الأيام دخل الحمام ليغسل فسقط ميتاً، قبل أن يأخذ قرشاً واحداً.
هذه الحياة، فلذلك على الإنسان أنْ يحتاط.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾
معنى ذلك أنّ الله عز وجل يعني بالسمع أنْ تستجيب، أعطاك أمرًا لتنفيذه، هذا السماع، وإلا فهذا الإنسانُ ميت إنْ لم ينفذ الأمرَ، ثم يقول الله عز وجل - يا لطيف ما أدقَّ هذه الآية:
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)﴾
يوصف بأنه ذو ضرس طيب، أذواقه في الدنيا عالية، يعرف من أين تؤكَل الكتف، قناص درجة أولى، يأخذ حقَّه حقَّ غيره، لسانُه له سبع شطلات، أما عند معرفة الحقوق، وعند معرفة الله، فهو جاهل.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)﴾
مرة التقيت شخصًا أجنبيًا، قلت: لعلى أُلقي على سمعه بعض الكلمات التي تذكِّره بالله عز وجل، فذكرت له كلامًا موجزًا عن عظمة الخالق، ففوجئت أنه يقول لي: هذه الموضوعات لا تعنيني، ولا أهتم لها، ولا أُلقي لها بالاً، لا يعنيني إلا ثلاثة أشياء ؛ بيتٌ واسع، وسيارةٌ فاخرة، وامرأةٌ جميلة.
طيلة حياتي ما تذوقت هذه الآية، كما تذوقتها حينما سمعت كلامه، قال سبحانه:
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾
وقال عز وجل:
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
( سورة النحل: 21 )
شخص عربي مسلم جلس في أمريكا بحديقة عامة، وجلس إلى جانبه رجل أمريكي الأصل، وهذا المسلم العربي لونه غامق، فسأله الأمريكي: أنت من هنا ؟ ولو قال له: نعم لما كلمه إطلاقاً، بسبب التفرقة العنصرية في تلك البلاد، قال له: أنا من الشرق، من أين ؟ قال: من البلد الفلاني، قال: أنا مسلم، قال له: حدثني عن الإسلام، هذا رجل عالم، فشمَّر وبدأ يعطيه خلال ساعةٍ خلاصةً مركزةً عن الإسلام، بعد أن انتهى، مدَّ يده إلى جيبه وأخرج دولارًا، ثم قال له: أمّا أنا فهذا هو ربي. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾
يعني إذا كان الشخص فيه خير من تلك البلاد فلا بد أنْ يسوقه اللهُ إلى بلد مسلم، أو أنّ الله يدله عليه، فهذه الآية دقيقة، يقول بعض الناس: هؤلاء قد تركهم الله وشأنهم، ليس هذا صحيحًا:
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾
هذه الآية فيها بشرى لنا جميعاً، إذا أسْمَع الله شخصًا الحقَّ فماذا يُفهَم من ذلك ؟ أن الله علم فيه خيراً، المعنى المخالف.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾
طبعاً ما أسمعهم، لأنه لم يعلم فيهم خيراً، فإذا أسمع الله عبداً الحقَّ، فماذا يعني ذلك ؟ أنه علم فيه خيراً، لمجرد أن الله سبحانه وتعالى، شاءت حكمته أنْ تولد أنتَ في بلاد المسلمين، فهذه رحمةٌ من الله عز وجل.
أحد إخواننا كان في بلد أجنبي، يعمل سائق تكسي، ركبت معه امرأة وهي تبكي، وهو يقود السيارة، سألته لمَ لمْ تسألني عن سبب بكائي ؟ فقال لها: هذا لا يعنيني، قالت له: أبي يمارس معي الجنس منذ عشرين عامًا، واليوم قدَّمت في حقه شكوى، فقد كان زنى المحارم شائعًا هناك.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾
إذًا:
﴿َلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾
هذه الآيات دقيقة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)﴾
يعني شر الدواب، "شر" اسم تفضيل، شر دابةٍ على وجه الأرض، الذي يأكل ويشرب، ويستمتع، لكنه لا يعقل، لا يسمع ولا يفكر.
﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾
وليس فيهم الخير.
﴿لَتَوَلَّوْا﴾
هذه الآية قد تذوقتُها، عندما قال لي الأجنبي،: هذه الموضوعات لا تعنيني أبداً، ولا أهتم لها، يعنيني زوجة جميلة، وبيت واسع، وسيارة فاخرة، فقط، فلا ترهِقْ نفسك معي ولا تتعب.
﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾
السماع عند الله ماذا يعني ؟ التطبيق، وإنْ لم تطبّق فما سمعت شيئًا، السماع يعني التطبيق، الآيات بين أيدينا، القرآن بين أيدينا، الله يسره، تقرؤه وقد طُبِع بخط جميل، تسمعه بشريط، وتسمعه بمولد، وتسمعه في تعزية، هذا شيء دقيق، لكنّ السماع عند الله يعني التطبيق، فإن لم تطبق فأنت لم تسمع ولم تفهم.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانفال (8)


الجزء الثالث




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الإخوة الكرام ؛ الآيات الثانية، والثالثة، والرابعة، من سورة الأنفال، وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(4)﴾
هذه التعريفات للمؤمن لها وظيفتان.
الوظيفة الأولى: أنْ تعرف نفسك من خلالها.
الوظيفة الثانية: أنها تحدد الهدف أمامك.
تعرف وتتجه، فلو قلت لك مثلاً: إن الوردة الطبيعية تنمو، وهي ذات رائحة فوّاحة، وأنت عندك وردة لا تنمو، وليس لها رائحة فواحة، فمعنى ذلك أنّها مِن بلاستيك، فهذا التعريف الدقيق للورد الطبيعي يجعلك تقيِّم ما عندك، فـ "إنما" أداة قصر وحصر، يعني المؤمن هكذا، وخلاف ذلك ليس بمؤمن، تقول: إنما العلم بالتعلم، يعني ليس ثمّة طريقة أخرى لكسب العلم إلا بالتعلم، تفيد القصر، مثلاً، تقول:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
( سورة فاطر: 28 )
يعني العلماء وحدهم يخشون الله، وليس أحدٌ سواهم.
يجب أن نعرف ماذا تعني "إنما" ؟ إنما أداة قصر، وأداة حصر، إذا قلنا: شوقي شاعر، فقد يكون شوقي كاتبًا كذلك وتاجرًا، وحقوقيًا، وقاضيًا.
أما إذا قلنا إنما شوقي شاعر، يعني أنّه شاعر فقط، قصرنا شوقي على الشعر، لو قلنا: إنما الشاعر شوقي، يعني ليس هناك شاعر آخر، هو وحده الشاعر، فإذا المؤمن عرف ماذا تعني كلمة "إنما"، وقرأها في القرآن الكريم يصبح فهمه للآية دقيقاً.
قال لك:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
( سورة الحجرات: 10 )
يعني إن لم تشعر بهذه الأخوة مع المؤمنين فلست مؤمناً، إذا كنت تبغضهم وتحسدهم، وتتمنى أن يفشو الخبر السيئ عنهم، تتمنى تدميرهم، فلست مؤمناً قطعاً، لقوله تعالى:
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾
( سورة التوبة: 50 )
فقد صاروا منافقين، فحيثما قرأت "إنما" في القرآن الكريم مثل:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
ومثل:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
ونحو:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
إن لم يكونوا كذلك فليسوا مؤمنين، أما لو قلنا: المؤمنون وجلت قلوبهم، فليس في الآية قصر، وجلتْ قلوبهم أَوْ لا، وغيرهم قد وجلت قلوبهم، أما إذا قلنا:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
قصرنا هذا الحال النفسي على المؤمنين، فمن لم يشعر بهذا الحال النفسي فليس مؤمناً، ولقد أردت من هذه اللقطة، أو من هذه النظرة اللغوية، أنكم كلما قرأتم آيةً قرآنيةً فيها كلمة: " إنما" فاعلموا أنّ "إنما" تفيد القصر والحصر، ولو أنّ الله عز وجل قال: العلماء يخشون الله، يعني هذا الكلام أن غير العلماء كذلك يخشون الله، أما إذا قلت:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
يعني العلماء وحدهم وليس أحد سواهم يخشـون الله، إذا قلت: المؤمنون إخوة، هذا لا يمنع أن يكون الكفار إخوة أيضًا، والمنافقون إخوة، أما إذا قلت:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
أي الأخوّة محصورةٌ ومقصورةٌ بين المؤمنين، ومن لم يشعر بهذه الأخوّة فليس مؤمناً، والكلام واضح.
وآيات اليوم التي نحن بصدد الاستفادة منها:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
يعني أنّ الله عز وجل يذكِّر بآياته الكونية، يذكِّر بآياته التكوينية، يذكر بآياته القرآنية، وتذكر أيضًا أسماؤه الحسنى، تذكر صفاته العظمى، يذكر فضله، تذكر عظمته، يذكر حلمه، تذكر رحمته، تذكر قدرته، ثم لا تضطرب ‍‍‍، ولا تهتز لك حاسة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، ولا تشعر بقشعريرة بجلدك، لا تشعر بوجلٍ في قلبك، لا تضطرب ‍‍‍، لا تبكي لا تتأثر، فلست إذًا مؤمناً، فالقلب ميت.
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
( سورة النحل: 21 )
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
( سورة فاطر: 22 )
ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميت ميت الأحياء
إذاً هذه الآية مقياس وهدف، هذا هو الهدف، وذاك هو المقياس، قِس نفسك، المتر مئة سانتي، عندك قطعة قماش قسها، أنت ظننتها ستة أمتار، وهي متر واحد، المقياس أمامك.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
لذلك العلم غذاء العقل، والذكر غذاء القلب، والطعام والشراب غذاء الجسم.
أنت أيها الأخ الكريم، بحاجة ماسة إلى أغذية ثلاثة ؛ غذاء لجسمك، هذا شيء معروف، وغذاء لعقلك، وهو العلم، غذاء لقلبك، وهو الذكر.
واستمع إلى قوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾
( سورة الرعد: 28)
استمع إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن القلوب لتصدأ، قيل وما جلاؤها ؟ قال: ذكر الله، فإذا أردت أن تطمئن، أن تستقر، أن ترتاح نفسك أن تسعد، فأكثر من ذكر الله، ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند ملككم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فيضربوا أعناقكم وتضربوا أعناقهم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله.))
لذلك نحن بحاجة إلى الذكر، كي يغذى القلب، وكي يذهب عنه القلق والخوف والقهر.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
الآن:
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾
العقل يؤمن، لكن كلما رأى برهانًا جديداً وآية جديدة ازداد إيماناً، لذلك قال العلماء: الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالأدلة والآيات والروائع القرآنية، وينقص بالإهمال، إذا توقف الإنسان عن طلب العلم، فمثلاً طبيب، إذا بقي على معلومات الجامعة، فبعد عشر سنوات ينسى معظمها، يبقى على معلومات بسيطة، فالطبيب إذا لم يتلقَّ العلم بشكل مستمر فلن يواكب العصر، فمن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، إذاً أنت بحاجة إلى غذاء للقلب:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
وبحاجة إلى غذاء للعقل:
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾
محصلة غذاء القلب مع غذاء العقل، وعلى ربهم يتوكلون، حال التوكل لا يعرفه إلا من ذاقه، يعني ملك الملوك، يدافع عنك، يحبهم ويحبونه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96)﴾
( سورة مريم: 96 )
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
( سورة الحج: 38 )
فربنا عز وجل يحفظ المؤمن قال سبحانه:
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
هذا الدين كله إحسان واتصال، حركة أفقية نحو الخلق بالإحسان إليهم، وحركة علوية نحو الله بالاتصال به، هذا الدين، هذا الدين في أدق تعاريفه، وفي أوجز تعريفاته، اتصال بالخالق، وإحسانٌ للمخلوق.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
يصلي وينفق، ويذكر الله ويزداد علماً، العلم غذاءٌ لعقله، والذكر غذاءٌ لقلبه، ويخدم الناس ويتصل بالله.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)﴾
لهم درجات عند ربهم ومغفرةٌ، للماضي، ورزقٌ كريم، ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، آيات موجزات عرفتك بالإيمان، الإيمان غذاء للعقل، بالآيات الكونية، والتكوينية، والقرآنية، والإيمان ذكر للقلب، للطمأنينة، والإيمان اتصال بالخالق، وإحسان للمخلوق.
النتائج، التوكل، وعلى ربهم يتوكلون لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم، هذا الطريق، يعني أنّ شخصًا معه عملة، بعضها مزور، أخذ مقياسًا ليفحصها، فوجد ثلاثة أرباعها مزورًا، انتبهْ هذا مقياس لفحص العملة، وهذه الآية مقياس فحص، وتحديد هدف، تُعرفك من أنت، تحجم حالك، لأنّ كل إنسان لا يرضى عن رزقه لكنه يرضى عن عقله، يظن نفسه أعقل الناس، ويرضى عن إيمانه، ويظن أنه في صفّ الصديق، لكن لا شي في حياته العملية يؤكد ذلك.
إذاً هذه الآيات، تعريف، تحجيم، تقييم، قياس، وهدف، اجعلها هدفًا، اجعل هدفك أنك إذا ذكرت الله طَرِبَ قلبك، وإذا تلوتَ آياته ازداد إيمانك، واجعل همك الأول الاتصال بالخالق، والإحسان إلى المخلوق، عندئذٍ يحسن توكلك على الله، ويغفر الله لك ما سلف منك، ويرزقك رزقاً كريماً.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانفال (8)


الجزءالرابع






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الثانية والسبعون من سورة الأنفال قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
الهجرة أيها الإخوة ؛ ونحن هذه الأيام نعيش ذكرى الهجرة، الهجرة هي المظهر العملي للإيمان.
الإيمان: ما وقر في القلب، وأقره اللسان، وصدقه العمل.
فالإنسان أيها الأخوة ؛ إذا آمن بالله، آمن بالله ولكنْ من دون حركة نحو الله فذلك مستحيل ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، آمن بالله من دون تطوير لنمط حياته فهذا مستحيل، آمن بالله من دون تغيير لطريقة كسب المال فهذا ليس إيماناً.
فكأن الله سبحانه وتعالى أراد من الهجرة، معناها الواسع، والهجرة لها معنى ضيق، ولها معنى واسع، فمعناها الضيق الانتقال من مكة إلى المدينة في عهد النبي، لكن باب الهجرة أغلق بعد الفتح، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا هجرة بعد الفتح.))
لكن باب الهجرة مفتوح إلى يوم القيامة، بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة، باب الهجرة مفتوح، من دار الكفر إلى دار الإسلام، ويبقى هذا هو المعنى الضيق.
لكن المعنى الواسع: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، لما يرتاد الإنسانُ بيوتَ الله، ويدع الأماكن الموبوءة فقد هاجر إلى الله، ولما ينضم الإنسان إلى المؤمنين، ويأنس بهم، ويدع الفسقة والفجار، فقد هاجر إلى الله، ولما يأوي الإنسان إلى بيته ويجعله كهفه في زمن الفتن، والانحرافات، والضلال فقد هاجر إلى الله، وحينما يدع الإنسان الحرام، ويأخذ الحلال فقد هاجر إلى الله.
فالهجرة بمعناها الواسع الانتقال من المعصية إلى الإيمان، من التفلُّت إلى الانضباط، من مجتمع الكفار، إلى مجتمع المؤمنين، من تقليد الكفار، إلى تقليد المؤمنين، من التخلي عن أهل الدنيا، والانضمام إلى أهل الدين، هذا المعنى الواسع، وهذا المعنى يسع الناس في كل زمان، وفي كل مكان، وأجمل ما في الموضوع الحديث القدسي، الذي يقول الله جل جلاله فيه:
((عبادةٌ في الهرج كهجرةٍ إليّ ))
الهرج الفتن، يعني إذا كان الطريق، مليئًا بالكاسيات العاريات، فغضُّ البصر حينئذٍ هجرة، ولزومُ مجالس العلم هجرة، والالتجاء إلى بيوت الله هجرة، والانضمام إلى المؤمنين الصادقين هجرة.
((عبادةٌ في الهرج كهجرةٍ إليّ ))
هذا ما يقوله الله عز وجل في الحديث القدسي.
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال مرةً: ((اشتقت لأحبابي قالوا أو لسنا أحبابك، قال لا: أنتم أصحابي، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان، القابض منهم على دينه كالقابض على جمر أجره كأجر سبعين، قالوا: منا أم منهم قال: بل منكم، قالوا: ولِمَ ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))
الإنسان إذا تديّن حقًّا، وإذا استقام حورِب من كل الناس، حتى من أهله، وزوجته، وأولاده، حتى من أقرب الناس إليه.
هكذا، قال عليه الصلاة والسلام: ((بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء أناسٌ صالحون في قوم سوءٍ كثير. ))
فإذا شعرت بالغربة فهي علامة صادقة على إيمانك، يقول بعضهم: أخي الناس كلهم فسقة، الناس كلهم منحرفون، وأنا منهم، وإلاّ فأين أذهب، ثم يعايشهم، أمّا أنت إن شعرت بالغربة فهذه علامة طيبة، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾
( سورة يوسف: 103 )
إخوانا الكرام ؛ إنّ الأحداث التي مرت بعهد النبي أحداثٌ ساقها الله عز وجل لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، ليقف النبي منها موقفاً كاملاً، ليكون هذا الموقف تشريعاً إلى يوم القيامة، لأن هذه الأحداث تتكرر.
الأحداث التي وقعت في عهد النبي، ليست أحداثاً تاريخية وقعت ولن تقع، وقعت وسوف تقع، وسوف تقع دائماً.
لذلك جاءت في عهد النبي، ووقف منها النبي موقفاً كاملاً، ليكون هذا الموقف موقفاً تشريعياً لمَن كان في عصره، ولمَن بعده إلى يوم القيامة.
أول درس أيها الأخوة من الهجرة ؛ أن الهجرة تعلمنا أنه إذا تعارضت مصالحك مع مبادئك فعليك بالمبادئ، إذا تعارض حبُّك لبلدك ولمكان إقامتك مع طاعتك لله عز وجل، فابحث عن مكانٍ تطيع فيه الله عز وجل.
﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾
( سورة النساء: 97 )
طبعا هناك كثير من الأقطار أو القرى أو المدن تلجأ إليها، ففي العصور الوسطى حدَث اضطهاد ديني، فالذين رضوا بالاضطهاد الديني، تفلَّتتْ أمورهم، وتركوا عباداتهم، وأطلقوا لبناتهم العنان إرضاءً للمضطهدين، ضيعوا دينهم وآخرتهم، لكن الذين فروا بدينهم هم كثيرٌ، فرُّوا بدينهم من الاضطهاد الديني، فقد أنقذوا آخرتهم.
فالإنسان إذا كان الخيار صعبًا لديه، بين أن يقيم شرع الله، وبين أن يترك، عليه أن يطيع الله في أي مكان آخر، هذا أول درس.
الدرس الثاني أيها الإخوة ؛ النبي عليه الصلاة والسلام علمنا بحادثة الهجرة أنّ أخذ الأسباب لا يتناقض مع التوكل، فقد رَسَمَ خطّةً محكمة، وغطّى كل الثغرات، أولاً سار باتجاه البحر، وربض في غار ثور، وكلف إنسانًا لتقصي الأخبار، وإنسانًا لموح الآثار، وإنسانًا ليأتي له بالزاد والأخبار، واستأجر خبيرًا في الطريق، لقد هيَّأَ كلَّ شيء، هذا هو الأخذ بالأسباب، ومع ذلك كان متوكِّلاً صادقًا.
أيها الإخوة ؛ المسلم الصادق يأخذ بالأسباب، ويتوكل على رب الأرباب، لأنّ عنده منزلقين.
أول منزلق: أن يأخذ بالأسباب وأن يعتمد عليها فيقع في الشرك.
ثاني منزلق: إنْ لم يأخذ بها وقع في المعصية.
فأنت أيها المسلم بين معصيتين، أن تأخذ بالأسباب وتقع في الشرك، أو أن تدع الأخذ بالأسباب فتقع في المعصية، وما سبب تخلف المسلمين إلا أنهم أخذوا بالأسباب، واعتمدوا عليها، فأشركوا فأحبط الله أعمالهم، وإما أنهم تركوا الأخذ بالأسباب، لفهمٍ ساذجٍ للتوكل، وقعوا في المعصية، فلم يستحقوا نصر الله عز وجل.
هذا درسٌ بليغ، يجب أن يضعه كل مسلم نصب عينيه في حياته اليومية كلها، في كل شأنٍ من شؤون حياته، حتى في شأن صحته، سمِّ الله وكُلْ، والتفاحة ليست مغسولة، هذا ليس توكلاً، هذا عدم أخذ بالأسباب، ألا تلقح أولادك ؟ يا أخي، أنا على الله متوكل، هذه غفلة ومعصية، عدم الأخذ بالأسباب معصية، وأن تأخذ بالأسباب وتقول لا يوجد شيء، وأنا عملت مراجعة للسيارة وهي جاهزة للسفر، لن يحدث معي شي يسوؤني، هذا شرك، لأنّك اعتمدت عليها، الله عز وجل قادر أنْ يخلق لك مشكلة، وأنت آخذ بكل الأسباب.
أيها الإخوة: من لم يأخذ بالأسباب فقد عصى، ومن أخذ بها واعتمد عليها فقد أشرك، والنبي علمنا بالهجرة، كيف أنه أخذ بالأسباب، فلما جاؤوا إليه توكل على الله، وصلوا له، رغم كل الأسباب، وصلوا إلى غار حراء، فلأنه لم يعتمد عليها، ولو اعتمد أنه عليها لانهار، لكنه أخذ بها، طاعةً لله، ولم يعتمد عليها، بل اعتمد على الله عز وجل، لذلك لم يخف أبدًا.
قال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما، قال أبو بكر: لقد رأونا، قال: يا أبا بكر، ألم تقرأ قول الله تعالى:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾
( سورة الأعراف: 198 )
يبدو أن أحد المطاردين وقعت عينه على عين أبي بكر رضي الله عنه، قال له: لقد رأونا، فقال له عليه الصلاة والسلام: ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾
أنت حينما تأخذ بالأسباب، ولا تكفي الأسباب، فالله يرمم لك إياها، أنت حينما تأخذ بالأسباب، ولا تكفي الأسباب، فالله يتولى الباقي، أما إن لم تأخذ بها، فهذه استهانةٌ بنظام الكون، وهذا استخفافٌ بنظام الله عز وجل، أما إذا أخذتها واعتمدت عليها، ونسيت الله، فقد أشركت، وهذا الدرس الثاني.
الدرس الثالث أيها الإخوة ؛ هذا الحديث الشريف، والله أتمنى عليكم أن يكون أمامكم في كل ساعة.
(( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
أقسم بذات الله، زوال الكون أهون على الله من أن يدع مؤمنٌ شيئًا لله ثم يخسر.
(( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
أحد الصحابة، حينما بايع النبي بيعة الهجرة، عقبة بن عامر الجهني وعنده غنيمات، يحرص عليها حرصاً بالغاً، فكان يقول لأصحابه: اذهبوا أنتم إلى رسول الله، ودعوني مع الغنمات، يخاف عليها، لأنّها كلها رأس ماله، لكنه لم يلبث أنْ أجرى محاكمة مع نفسه، أنا إلى متى أسمع عن النبي، ولم أسمع منه مباشرةً، فترك الغنيمات وذهب إلى النبي يسمع منه بنفسه وتصحبه سحابة يومه، هذا الإنسان صار فاتح مصر، وفاتح الشام، وفاتح جزيرة رودس في البحر المتوسط، وصار أكبر عالم من علماء الصحابة، وأكبر قارئ قرآن، لمَّا ترك الغنيمات، وكان مجرد راعٍ، فصار عالمًا جليلاً، وصار واليَ مصر، وفاتح الشام، وفاتح رودس.
(( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
أنا لن أقول لك جرِّب الله، ولا أقول لك شارِط الله، ولكن أنقلُ لك عن النبي صلى الله عليه وسلم، تركُ أمرٍ لله، تركُ مبلغ لله، إذا لم تأخده أضعافًا مضاعفة بطريق حلال، فإنّ الدين يكون باطلاً.
(( ما ترك عبدٌ شيئًا لله إلاّ عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
دائماً كن مع الله، دائماً كن مع الحق، ضع مصلحتك تحت قدمك، قل: يا ربِّ أبتغي رضاك، والله عز وجل لا ينساك.
الخلاصة في الهجرة ثلاثة دروس:
أول درس، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو كلفني ترك بلدي، فإذا مُنِع المسلم من الصلاة، مُنِع أن يقيم شعائر الله.
﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾
فلا عذر لك أبدً، لكن نحن والحمد لله نقيم شعائر الله بشكلٍ رائع، وما من بلدةٍ في العالم كهذه البلدة الطيبة، التي يعرف الجميع أن الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي:
((رأيت عمود الإسلام قد عمد به إلى الشام.))
هذه نعمة كبيرة، وإن شاء الله في بدرس قادم، نتحدث عن الهجرة المعاكسة، كيف أنّ الإنسان لمّا يترك بلدًا فيه مجالس علم، وتقام فيه شعائر الله عز وجل، من أجل الدرهم والدينار، يضيع دينه، وعرضه، وأولاده، هذه هجرة معاكسة، في سبيل الشيطان.








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانفال (8)


الجزء الخامس




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية الستون من سورة الأنفال، يقول الله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) ﴾
الحقيقة أنّ هذه الآية مِن أدق الآيات المتعلقة بالعلاقات الدولية في المنهج الإسلامي.
الله سبحانه وتعالى يخاطب المؤمنين فقال:
﴿وَأَعِدُّوا﴾
أما: " هم" فتشير إلى أعداء المؤمنين، الكفار.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾
هذا أمر، أمر تكليفي، وكل أمرٍ في القرآن الكريم، يقتضي الوجوب.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾
طبعاً حينما يوجه الأمر إلى مجموع الأمة، هو موجهٌ في الأصل إلى أولي الأمر، لأنهم يمثلون مجموع الأمة.
إذاً ؛ هذه الآية موجَّهة إلى أولياء الأمور في العالم الإسلامي، هذه الآية موجه إليهم بالذات.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾
هذا الفعل، يفيد استنفاذ الجهد، وقد يفهم إنسانٌ هذه الآية فهماً على عكس ما أراد الله.
﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
بين أن تفهم الآية، في أن تبذل بعض الجهد، و بين أن تفهم الآية، في أن تبذل كل الجهد، المعنى الذي أراده الله عز وجل ليس المعنى الشائع السوقي، بل المعنى اللغوي الدقيق، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)﴾
( سورة الشعراء: 195 )
ومعنى:
﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾
أي يجب أن تستنفذوا كل استطاعتكم في حشد القوة، وقوله:
﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾
القوة جاءت نكرة، وهذا التنكير في اللغة، يفيد الشمول، يعني كل أنواع القوة، المعلومات قوة، الإعداد قوة، التدريب قوة، التوجيه الإعلامي قوة، الأقمار الصناعية قوة.
إذا أردت أن تفهم الآية، فهماً دقيقاً، أصولياً، فهماً نظامياً، لغوياً وَفق قواعد علم أصول الفقه، يجب أن نستعد لأعدائنا بكل أنواع القوى، وما أكثر القوى، التي تستخدمها المجتمعات كسلاحٍ على أعدائهم، فالمعلومات قوة، التغطية الفضائية قوة، التدريب قوة، الأسلحة المتفوقة قوة، الأسلحة التي تحقق إصابات محكمةً قوة.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
لكن أدق ما في الآية كلمة (من)، هذه (من) أيها الإخوة، تفيد استغراق أفراد النوع، ولنضرب مثلاً، لو أنّ رجلاَ سأل شخصًا آخر، أعندك مالٌ لإنشاء مشروعٍ تجاري يكلف مليونين، يقول المسؤول منهما: ما عندي مالٌ، قد يقصد بهذا الجواب، ما عندي مالٌ كافٍ لهذا المشروع، فهو معه مئة ألف مثلاً، بينما اطلبْ منه مليونًا، والمشروع يحتاج إلى مليونين، أما إذا قال لك المسؤول: ما عندي من مالٍ، أضاف " من"، فالمعنى الدقيق، يعني ما عندي ولا ليرة سورية واحدة، إذًا "من" تفيد استغراق أفراد النوع.
فربنا عز وجل قال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
يعني أيَّ شيءٍ ؛ العلم قوة، التفوق في العلم قوة، استطلاع المعلومات قوة، هذا طبعاً يعني أنّ إخواننا الذين يدرسون في الأكاديميات العسكرية، يعرفون ما معنى القوة أما الآية الكريمة:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
إنّ هذه القوى، المال قوة، العلم قوة، السلاح قوة، التدريب قوة، القيادة الحكيمة قوة، المعلومات قوة، هذه القوى، يجب أن تستغرق كل أنواع القوى، فكلمة " من".
﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
يمكن أنْ تكون القوة الآن طائرة، فعلى عهد النبي لم توجد طائرات، فلكي يفهم أصحابه الكرام ما معنى قوة، قال علماء الأصول: أحياناً نعطف بعض الشيء على ذاته، قال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
رباط الخيل قوة، لكنْ هذه القوة مألوفة في عهد النبي، فحتى يفهم أصحاب النبي ما القوة.
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
من باب عطف الشيء على ذاته، لكن هذه الآية تصلح بعد ألف سنة، بعد ألفين، بعد خمسة آلاف سنة، فأيّة قوة يستخدمها المجتمع البشري، لتكون سلاحاً ضد أعدائه فهذه قوة.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
الآن يتبادر سؤال ؟ نحن أحياناً نقول: المسلمون ضعاف في العالم، أما هؤلاء الأجانب الذين يخططون للنيل منهم أقوياء، فمهما أعددنا من القوى لن نستطيع أن نصل إلى قوى تكافئ قوتهم، إذًا ما الحل ؟ الجواب أنكم مأمورون أن تعدوا لهم ما استطعتم فقط، فإن كانت استطاعتكم لا تبلغ القوة المكافئة لهم، فالله سبحانه وتعالى يتولى ترميم النقص، أنت عليك أن تعد نفسك، المسلم عليه أن تكون معنوياته عالية، فلو نظر إلى أعدائه على أنهم أقوياء، لا.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
لأن الإسلام مستهدف في كل أنحاء العالم الآن، فما الذي يضعفنا ؟ ضعف معنوياتنا، فأنتم يا عبادي.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
وأنْ يكون الاقتصاد قوة، وأنْ يكون الإنتاج قوة، وأنْ تكون السياسة الحكيمة التي تقود المركبة إلى جانب شاطئ السلام قوة.
فالإنسان مأمور أن يعد كل أنواع القوى، استغراقاً، لا اصطفاءً، حتى نفهم ما هي القوة، في عهد النبي كانت الخيل:
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
قال سبحانه: هذه القوة قد لا تستخدمونها، لكن لها وظيفة كبيرة، هي أنكم:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
المشكلة يجب أن تكون هذه القوة موجهه إلى عدو الله وعدوكم، يجب أن يكون عدوكم هو عدوٌ لله وعدوكم في وقتٍ واحد.
فإن كان الأخ يحارب أخاه، فهذا خلاف المفهوم من القرآن، فليس معقولاً أنّ المؤمنين يتقاتلون، دقق معنى العدو:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
يعني لا يكون هذا عدواً لكم إلا إذا كان عدواً لله، لأنكم مؤمنون، أما أن تتوهَّموا أنه عدوكم وهو مؤمن، وتقيموا حرباً طاحنةً قذرةً بين المؤمنين، فهذا شيءٌ مخالفٌ لأصل الدين
لذلك، لو كان لدى المجتمع وعي كبير، فلو أُعطي الأمر للمسلم أن يضرب أخاه المسلم، فعليه ألاّ ينفذ، لا ينفذ، لأن هذا مخالف للدين، وهذه القوى تفتت الأمة داخلياً إن فُهِم الأمرُ مغلوطًا، وهذا ما يحصل الآن في الأفغان، وما يحصل في اليمن، يجب أن يكون عدوكم عدواً لله عز وجل.
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
وفي الآية نقطة دقيقة، أنّ السلاح أحيانًا لا نستخدمه، لكن نُرهب به، فمثلاً كم دولة في العالم عندها سلاح نووي، لا أحد يستطيع أن يتعرَّض لها، مع أنها لم تستخدم هذا السلاح النووي إطلاقاً، لكن هذا السلاح قوة ردع كما يسمونها، فالسلاح ليس المهم أن نستخدمه، لكن وظيفته الأولى أن نُرهب به عدوَّنا.
لذلك:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
هذه الآية أيها الإخوة ؛ أصل في العلاقات بين المسلمين، وبين غيرهم، يعني لا وجودَ لمسلم ضعيف، المسلمون حينما فهموا هذه الآية رفرفت راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها، حينما فهموا هذه الآية كانت كلمتهم هي العليا، حينما فهموا هذه الآية ما استطاع عدوُّهم أن ينال منهم، لكن حينما تواكلوا، وقصَّروا في تطبيق هذه الآية، غُزُوا في عقر دارهم.
أقول لكم: إنّ الإسلام نظام متكامل، لو نفذت بعض جوانبه لقطفتَ الثمار، لكن لا تقطف الثمار اليانعة الكاملة، إلا إذا أحاطَ المسلمون بكلِّ جوانبه.
طبعاً هذه الآية من أجل أن نعرف أنه لو طبَّقها المسلمون دائمًا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن مِن هوان.
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
هذه آية ثانية: أتمنى أن نقف عندها قليلاً، قال تعالى يخاطب النبي:
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾
( سورة الأنفال: 62 ـ 63 )
يعني أنّ بين المؤمنين مودة، إخواننا الكرام ؛ دققوا في معنى الآية، هذه المودة من خَلْق الله، الله يخلقها.
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾
لو أنفقت يا محمد:
﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾
أحيانًا إنسان يتألف قلب إنسان بمالٍ، فاعلم أنّك لو أنفقت أموال الدنيا من أجل الولاءات فلن تفلح، لكن حينما يكون الإيمان بين رجلين فهذا الإيمان يؤلِّف بينهما، وهذا أساس القوة.
الدين إذاً جعل بين المؤمنين مودة، ومحبة، وتراحمًا، وتعاونًا وتعاضدًا، وإخلاصًا، وتضحية، وإيثارًا، وكلُّه مِن خَلْقِ الله.
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾
يكفي أن تكون مؤمناً حقاً، ويكفي أن يكون أخوك مؤمناً حقاً، تجد اللقاء العفوي، المحبة، التعاون، الإخلاص، التضحية، الإيثار، ويصبح المؤمنون صفاً واحداً:
﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾
( سورة الصف: 4 )
يصبح المؤمنون:
((" كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))
هذا الذي أراده الله عز وجل.
أمّا المعنى المخالف: إن رأيت بين المؤمنين عداوةً، بغضاء تحاسدًا، تدابرًا، تقاطعًا، كيدًا، إن رأيت هذا بين المؤمنين، فاعلم أن أحد الطرفين، أو كليهما ضعيف الإيمان، ومن ضعف إيمانه عادى أخاه، ولو كان مؤمناً حقاً، وكان أخوه مؤمناً حقاً، لانطبقت عليهم الآية الكريمة:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾
إذًا أنت يا محمد أنت:
﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾
ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششتٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم. ))
وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي:
(( وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتحابون في جلالي، على منابر من نور، يغبطهم عليها النبيون يوم القيامة.))









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة الانفال (8)


الجزءالسادس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام ؛ الآية التاسعة والخمسون، من سورة الأنفال، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾
بالنسبة لهذه الآية فقد وردت آياتٌ أخرى، تشبهها في المعنى نفسه، فما معنى أن يظن الكافر أنه سبق الله عز وجل ؟
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾
علماء التفسير قالوا: ظن الكافر أنه سبق، بمعنى أنه فعل شيئاً في كون الله لا يريده الله، وهذا مستحيل، لأن الحقيقة التوحيدية، أن كل شيءٍ وقع أراده الله، معنى أراده الله، أي سمح به، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق.
ما معنى حكمة مطلقة ؟ الإنسان حينما يكون عادلاً يكون عدلُه نسبيًا، فلو أن قاضياً عادلاً أصدر تسعةً وتسعين حكماً عادلاً، وحكماً واحد ظالماً، يوصف عند بني البشر بأنه قاضٍ عادلٌ، لأنه غلب على أحكامه العدل، لو حكم في تسعين حكمًا بالعدل، وفي عشرة بالغلط، فهو عند الناس قاضٍ عادل، هذا في حق البشر، أما في حق خالق البشر، إذا قلنا: الله عادل، وهو المتَّصِف بالعدل يعني: منذ أن خلق آدم إلى يوم القيامة، لو أن نملةً ظلمت ليس بعادل، لو أن إنساناً واحداً من آدم إلى يوم القيامة، لم يُعطَ حقه فليس بعادل، الله عدلُهُ مطلق، الإنسان عدلُه نسبي، فربنا عدالته مطلقة.
ما معنى حكمته مطلقة ؟ يعني إذا كان تصرف واحد لله عز وجل ليس فيه حكمة، فليس بحكيم.
لذلك، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والإنسان متى لا يكون حكيمًا ؟ في حال جاءه ضغط شديد، فاضطر أن يقول قولاً، أو أن يفعل فعلاً ليس مقتنعًا به، يا أخي والله مضغوط، وعليّ ضغطٌ شديدٌ، فقال قولاً ليس مقتنعًا به، أو فعل فعلاً ليس موقناً به، أو وقع تحت إغراء شديد، فيفعل شيئاً غير حكيم، بدافعٍ من شهوته، أو لنقصٍ في علمه، فهو إمّا لديه نقص في العلم، أو ضغطٌ إكراهي، أو إغراءٌ شديد، لكن هذه الحالات الثلاثة هل تليق بالله عز وجل ؟ مستحيل.
إذاً حكمته مطلقة، ما معنى حكمته مطلقة ؟ أن أي شيءٍ لو كان على خلاف ما كان، فالله ليس بحكيم، عطاؤه وَفق الحكمة، منعه وفق الحكمة، إعزازه وفق الحكمة، إذلاله وفق الحكمة،وعندنا دليل قطعي على ذلك:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾
( سورة آل عمران: 26 )
ما قال: بيدك الخير والشر، لا ‍‍‍، بل الخير فقط، فالإعزاز خير والإذلال خير، حكمة مطلقة، يعني كيف تكون حكمة مطلقة، مثلاً أب طبيب جراح، شعر أنّ ابنه عنده التهاب، وإذا لم يسعفه خلال ساعة فلعله تقضي عليه، أليس من الحكمة أن يأخذ ابنه إلى المستشفى، وأن يمسك المبضع، وأن يفتح بطنه، والدم يخرج، ويأتي بملاقط، يشد هذه الشرايين، ويستأصل الزائدة، بعد أن يخدره، الحكمة المطلقة فتح البطن.
لذلك كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، والدليل: "بيدك الخير "، ما قال: والشر.
﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)﴾
( سورة الحج: 6 )
أما معنى قوله تعالى:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾
يعني الكافر مهما كان قوياً، لا يمكن أن يفعل شيئًا ما أراده الله، لكل شيءٍ حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
لكن قد يقول قائل: هناك قتل، هناك سرقة، هناك زنى، كيف أن الله سمح بها؟ الجواب: الإنسان مخير، وعلى هذا الشرط جاء إلى الدنيا.
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾
( سورة الإنسان: 3 )
﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾
( سورة فصلت: 17 )
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
( سورة الكهف: 29 )
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾
( سورة البقرة: 148 )
الإنسان مخير، لكن إذا اختار السرقة، لا يستطيع أن يسرق ممن شاء، فهو لا يسرق، إلا ممن يشاء له الله أن يُسرق، ففي الأمر تنسيق.
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾
( سورة البقرة: الأنعام 129 )
إذاً إذا وقع شرٌ في الأرض، لا نقول: إنّ الله أراده، نقول: سمح به، فما معنى أراده الله ؟ أيْ سمح به.
لذلك في التوحيد، أراد ولم يرضَ، أراد ولم يأمر، يعني ما أمر بالزنى، ولا رضي الزنى، ولكن سمح به.
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً﴾
( سورة النور: 3 )
سمح به لأن الإنسان مخير، وجاء إلى الدنيا على هذه الطريقة، وهذا أساسُ التكليف.
أما معنى:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾
يعني الكافر لا يستطيع أن يفعل شيئًا ما أراده الله، وما دام وقع الشيء فقدْ أراده الله، قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾
( سورة يونس: 24 ـ 25)
لو شاهدت حربًا عالمية، لو شاهدت دولة أغارت على دولة هذا بأمر الله عز وجل، وليس كما يقولون: الله لا دخلَ له، فالله في السماء، فاعلمْ أنّ الله عز وجل قال:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
( سورة الزخرف:84 )
أساساً الغربيون يعتقدون أن الله خلاقٌ وليس فعالاً، لكن المؤمنين يعتقدون، وهم على حق فيما يعتقدون، أن الله خلاقٌ وفعال في الوقت نفسه، بيده الأمر.
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
( سورة الأنفال: 17 )
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
( سورة الفتح:10 )
إذاً: ما معنى:
﴿سَبَقُوا﴾
أي أنهم فعلوا شيئاً ما أراده الله، فكل شيء تسمعه في الأخبار وقع فقد أراده الله، وليس المعنى أنّه رضي به، ولا أنّه أمر به، بل وقع، لأنه سمح بوقوعه لحكمةٍ مطلقة، لكن ما أراده، ولا أمر به.
المعنى الثاني، الكافر لا يُعجز الله عز وجل، في بعض معامل الحديد رافعةٌ ضخمة مغناطيسية، عبارة عن سطح حديدي حوله وشيعة كهربائية، فإذا وقفت الرافعةُ كان الرافعة أو وقعت على كوم من الحديد، قد يكون عشرين طنًا، فهذه الرافعة ترفع الكمية بأكملها، لو أراد إنسان أن ينتزع قطعة منها فلن يستطيع، لأنّ الشدَّ قوي، لكن العامل الذي على هذه الرافعة، لو ضغط زرًا، مقدار ربع ميلي وقطع الكهرباء عن هذه الوشيعة، كل هذه الحمولة تسقط.
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾
( سورة الأنفال: 59 )
هذا مثل ذكرته لكم، فأيّ إنسان تراه قوياً، لو أن الله شاء له أن يضعف لتهاوى أمامك كبيت العنكبوت، انظُر إلى قلعة كبيرة من قلاع الأرض، قلاع الكفر، كيف تهاوت كبيت العنكبوت.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾
هذا الكلام يبث في قلب المؤمن الطمأنينة، فالله عز وجل خلقك وما أسلمك لأحد، فلو أسلمك لأحد لو يأمرك بعبادته، وقلت عندئذٍ: يا رب أنا سأعبد ذاك لأنّ أمري بيده، قال لك:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
( سورة هود: 123 )
وما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن أمرك كله عائدٌ إليه، الآية دقيق معناها، وهذه الآية تَرِدُ كثيراً في القرآن، أنا أذكر أنّها وردتْ أكثر من عشرين مرة.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾
يعني الحروب العالمية، أعمال القوى الشريرة في الأرض، هذه لا تكون إلا بمشيئة الله، والله عز وجل مشيئته كلها حكمة، حكمة مطلقة، لكن نحن نرى في الدنيا دمارًا، ونقصًا في الأموال، وزلازل، وبراكين، وحروبًا أهلية، لكن الله سبحانه وتعالى يُعِدُّ الناس للآخرة، لذلك فإذا ضحى بدنياهم من أجل أن يستفيدوا خلودًا في الجنة فلا مانع، عالِم من علماء البلاد التي تعاني القهر، والتطهير العرقي أُجرِيت معه مقابلة، قال: نحن لم نكن مسلمين من قبل، والآن أصبحنا مسلمين، وعرفنا أننا كنّا منحرفين، لقد ردَّتهُم المصائبُ إلى صوابهم، معنى ذلك أن الإنسان يتألم، فيردّه الألمُ إلى كتاب الله بعد المعاناة.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾
الإنسان في قبضة الله دائماً، في أيّة لحظة هو في قبضته، ولا يفعل الكافر شيئاً إلا إذا أراده الله، ولا يستطيع أن ينجوَ من قبضة الله، أين المفرُّ.
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾
( سورة الجمعة: 8 )
هذه الآية فيها إعجاز، إذا كان الشخصُ هاربًا من شخص آخر، والخوف يلاحقه ويطارده، وفجأة وجده نفسه يصعق.
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾
﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾
فليس لأحد مهرَب.
أصاب شخصًا مرض عضال، فاعتنى عناية فائقة بنفسه، إلى درجة غير معقولة، يعني من شدة خوفه من أن يموت بهذا المرض، فلم يعُد يأكل إطلاقاً إلاّ قليلاً واعتنى بالرياضة، والمشي والحمية، جاء صهره من السعودية، فذهبا معًا في نزهة إلى الزبداني، فوقع لهما حادث في الطريق بالحادث، فمات في هذا الحادث، كان خائفًا أن يموت بمرض في قلبه، فمات بحادث، فالمعنى.
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾
أين المفر.
﴿لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾
( سورة التوبة: 118 )
لا ننجو من بأس الله، إلا إذا كنا معه، لا ملجأ من الله إلا أن نكون في طاعته، فالآية دقيقة، ولها مثيلات.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾
الكفار في قبضة الله، والدليل:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾
( سورة الأنعام: 65 )
كالصواعق، والصواريخ.
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾
كالزلازل والمتفجرات.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
أيّ نوع من المصائب، فإذا كان الإنسان قويًّا يعتدي على إنسان آخر، فبمشيئة الله.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾
( سورة النساء: 90 )
الله عز وجل قال:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
( سورة النساء: 141 )
فإذا كان التسليط فمِنَ الله عز وجل، ومن الله كل شيء، لكن التوحيد مريح، وفيه النجاة والسلامة.
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾
( سورة الشعراء: 213 )




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الاول


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في سورة التوبة وفي الآية الرابعة والعشرين وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾
أيها الأخوة:
هذه الآية، من أدق الآيات ! يعني إذا أردت أن تذهب إلى مدينة، وعلمت أن هذا الطريق مغلق، فما جدوى الحركة في هذا الطريق ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟ لو أن الإغلاق في آخر الطريق، فهذا جهد ضائع، فربنا عز وجل قال:
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾
يعني مكانكم، يعني الطريق إلي ليس سالكاً قل:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ﴾
ما معنى أن يكون الأب أحب إلى الإنسان من الله بالضبط.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾
ما في شيء يؤلم التاجر، كأن يرى البضاعة مكدسةً لا رواج لها ولا أحد يسأله ماذا عندك ؟ ربنا عز وجل هو الخلاق العليم، يعرف ماذا يؤلم التاجر.
﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾
بقلك، أربع مائة متر، قبلي، شرقي، غربي، شي جميل.
﴿ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ ﴾
أنا هنا أريد، ما معنى:
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ ﴾
ما معنى أن يكون الأب أحب إلينا من الله ؟ ما معنى أن يكون الابن أحب إلينا من الله ؟ ما معنى أن يكون الأخ أحب إلينا من الله ؟ ما معنى أن تكون الزوجة أحب إلينا من الله ؟ ما معنى أن تكون التجارة أحب إلينا من الله ؟ ما معنى أن يكوم المنزل المريح أحب إلينا من الله ؟ قال:
﴿وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾
يعني مكانكم لا ترقون إليّ أبد.
﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾
مفتاح الآية:
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾
يعني إذا حملتك محبتك لزوجتك على أن تفسق، وأن ترى أن إرضائها أكبر عندك من إرضاء الله، فالطريق إلى الله ليس سالكاً إذا الإنسان آثر أن يرضي أباه، في معصيةٍ، معنى ذلك أن إرضاء أبيه، أكبر عنده من إرضاء الله، إرضاء أبيه أحب إليه من إرضاء الله، ساكن ببيت، هذا البيت تغتصبه لا سمح الله، بيت مريح موقع مريح، أجرته مائة ليرة بالشهر، هذا البيت أحب إليك، من أن تطيع الله عز وجل، وتؤدي الحق إلى أصحابه، لك تجارة مشبوها إما في نوع البضاعة، أو في طريقة التعامل، لكن لها دخلاً وفيراً مطعم بس في مشروب مثلاً، شركة تتعامل بمادة محرمة، طريقها في البيع والشراء خلاف الشرع، إذا كانت هذه التجارة، تدر عليك أرباحاً طائلة، هي أحب إليك من طاعة الله، وإذا كان هذا البيت المغتصب المريح الواسع، في الموقع الإستراتيجي، تسكنه وترتاح في السكنة فيه وبقائك فيه مخالفٌ للشرع، لكن هذا البيت أحب إليك من طاعة الله وأداء الحقوق لأصحابها، وهذه الزوجة تطيعها وترى أن إرضائها أحب إليك من إرضاء الله عز وجل.
قال: إذا كنت كذلك، فاالله سبحانه وتعالى أعظم، وأعز من أن تنال منه شيئاً، لأنك أثرت شهوةً على طاعة الله عز وجل، وما عرفت الله وما قدرته حق قدره.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
(سورة الزمر: 67 )
هي الآية خطيرة جداً.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ﴾
أخي أبي بدو، أبي أمرني طلق زوجتي، ليش أبوك مشرع ! زوجتك، بقلي والله مالا عاملة شي، والله آدمية، وأنا والله ظلمتها، بس هي أبي بدو، أنت معنى ذلك أطعت أباك وعصيت الله عز وجل، أو أبوك ألزمك بتجارة محرمة، جلست عنده بالمحل، بيع، اشتري، ما بقدر أبي.
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ﴾
ابني، ابنك بدو يعمل مشروع لا يرضي الله، بدو يعمل سفرة لا ترضي الله، بدو تنفق عليه بسفر في معصية، أخي لا أريد أن أحرجه هذا ابني مالي غيره.
﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾
أنت مثل ما قال الشاعر:
ما أنا إلا من غزيــــة إن غوت غويت وإن ترشــــد غزيـــة أرشـــــــد
***
أنت مع إخوانك، على الباطل، أو على الحق، معهن معهن، عليهن عليهن، هذا انتماء عصبي، انتماء عصبي هذا مآخذ عليه الإنسان.
﴿وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾
والزوجة، طبعاً مظنة، إرضائها إرضاء للشهوة.
﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾
لذلك، قال:
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾
(سورة التغابن )
قال العلماء هذه عداوة مآل، لا عداوة حال، الآن ليس عدوة، تحبها حباً جما، لكن يوم القيامة، حينما ترى أنك ضيعت الآخرة كلها من أجلها عندئذٍ تنشأ عداوة كبيرة.
مثل إذا كان شريكين، اتفقوا يشتغلوا تجارة مهربة، فالثاني لان ثم ضبطوا وأودعوا في السجن، الآن ينشأ بين الشريكين عداوة كبيرة، أنت السبب، أنا ما كنت بدي أعمل تجارة.
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾
لما الإنسان، بطيع زوجته ويعصي ربه، بطيع ابنه ويعصي ربه، تنشأ عداوة المآل، في النهاية عداوة كبيرة جداً، لولا أنتم لكنا من الناجين.
لذلك بقول الابن يوم القيامة: لرب العزة، يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأنه كان هو السبب.
﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾
هذا المال كيف اكتسبته ؟ بأي طريق، في تدليس في كذب، في غش في احتكار، في استغلال، في إيهام، في احتيال.
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾
يا ما ناس، بيت آخذينه من سنوات طويلة مو لازمه، وتاركه، وآفلو، بقلك أنا مستأجر، له أصحاب صاحبه له أولاد، أنت ساكن ببيت فخم، أعرف أناس ساكنين ببيوت فخمة، وحاجزين بيوت مستأجرة مقفلة، وتاركينا، احتياط تاركينا وأصحابها يتلوون على بيت يزوجون فيه أبنائهم، جاءت الآية:
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾
لا تغلبوا حالكم لن أقبل عليكم، لن أتجلى على قلوبكم، لن أسمح لكم أن تتصلوا بي لأنكم معتدون، لأنكم آثرتم شهوة الدنيا على مرضاتي.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
مفتاح الآية بكلمة فاسقين. ملخص الآية، يعني، إذا حملتك طاعتك لزوجتك على الفسق فأنت قولاً واحداً تحبها أكثر من الله، قلت مرة في خطبة، من أطاع مخلوقٌ كائنٌ من كان، وعصى خالقه، فهو ما قال الله أكبر ولا مرة ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه إنما أطاع الأقوى في تصوره، ومن لم يكن الإسلام في بيته إرضاءاً لأهله، ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه إنما فضل أن يرضي أهله على إرضاء الله عز وجل، فهم عنده أكبر من الله.
ومن كسب مالاً حراماً، فهو ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو رددها بلسانه ألف مرة، لأنه إنما رأى مال أكبر أو أحب، آية اليوم، عنده من مرضاة الله وطاعته.
فهي أمور بديهيات بالدين، حتى الإنسان ما يتوهم أن الدين، ركعتين صليناهن، وليرتين دفعناهن، وعملنا حج، وعملنا عمرة، وانتهى الأمر، لا، الدين أعظم من هذا، الدين منهج كامل.
إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال هي في النار، عليه الصلاة والسلام:
(( ودخلت امرأة النار في هرةٍ حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.))
فالإسلام منهج، الإسلام قيم، الإسلام صدق، الإسلام أمانة هذا هو الدين، إن كنت كذلك، عندئذٍ ترى الطريق إلى الله سالكاً.
يعني بتلاقي تجلي، بتلاقي في طعم للصلاة، بتلاقي حالك قريب من الله عز وجل، أما إذا في عدوان، التجارة أغلى عليك من الله، والبيت أغلى عليك، والزوجة أغلى عليك، والابن أغلى عليك والأب أغلى عليك، والأخ أغلى عليك، وشو بقى في عند الله عز وجل لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص في ملكي شيئاً.
فالقضية قضية أن تقدر الله حق قدره، إذا قدرته حق قدره آثرت طاعته على أي طاعة، ومحبته على أي محبة، والالتزام بأمره على أي التزام.
وهذه الآية، أقول لكم مرة ثانية، مفصلية، يعني أساسية بالدين، الطريق صار مغلق، من وقف ليصلي ولم يشعر بشيء، قرأ القرآن ما شعر بشيء، ذكر الله ما شعر بشيء، معناه في علة خطيرة في حجاب، هذا الحجاب قد يكون، ابنه، أو زوجته، أو أبوه، أو أخوه أو تجارته، أو ماله، أو مسكنه.
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾
النتيجة:
﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾
يعني إذا حملك حبك لزيد على أن تفسق، إذاً تحبه أكثر من الله.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الثانى

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون من سورة التوبة وهي قوله تعالى:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ﴾
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾
يعني لما لم ينصركم، لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين.
ورد في الحديث الشريف:
((لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر يا رسول الله ما هو الشيء الذي هو أكبر من الذنب ؟ قال عليه الصلاة والسلام: العجب !!! العجب !!! ))
الإنسان إذا أعجبته نفسه، استغنه عن ربه، وكان إعجابه لنفسه حجاباً فيما بينه وبين الله عز وجل.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾
سابقاً مئات المرات الله نصركم، لما هنا لم ينصركم، قال: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. سنأخذ آية مقابلها.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
(سورة آل عمران: 123 )
معنى أذلة يعني مفتقرين إلى الله، متذللين له، تشعرون بالعبودية له، تتبرئون من حولكم قوتكم.
هاتان الآيتان، والله الذي لا إله إلا هو، ما من مؤمنٌ إلا ويمتحن في اليوم الواحد عشرات المرات بهاذين الامتحانين، المؤمن بين بدرٍ وحنين، في بدرٍ أفتقر إلى الله، فتولى الله أمره، ونصره وفي حنين، أعجبته كثرته، فتخلى الله عنه.
طيب أيعقل أن يتخلى الله عن أصحاب رسول الله ! وهم الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله، وكان فيهم رسول الله، إذا كان أصحاب رسول الله الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم في الجهاد في سبيل الله وحينما أعجبوا بكثرتهم في حنين، تخلى الله عنهم، فمن نحن، إذا أعجبنا بأنفسنا.
هذا الكلام أيها الأخوة، يعني، أنه في كل موقف تقفه، إذا قلت الله وأنا لا شئ، اللهم إني تبرئت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، تولى الله أمرك، وإذا كان الله معك فمن عليك، أما إذا قلت أنا، خبرتي، مالي، علمي، خبرات متراكمة، تفوق في الدراسة، أنا أبن فلان، أنا حجمي المالي كذا لمجرد أن تقول أنا يتخلى الله عنك، ولمجرد أن تقول الله وأنا لا شئ يتولى الله أمرك، فأنت في اليوم الواحد، بين امتحانين، إن افتقرت إلى الله تولى الله أمرك، وإن أعتززت بنفسك، تخلى الله عنك.
لذلك إذا أقدمت على عمل، طبيب سيجري عملية جراحية مدرس سيلقي درس، إذا قال: اللهم أني تبرئت من حولي وقوتي وعلمي والتجئت إلى حولك وقوتك وعلمك، يا ذا القوة المتين، تجد التوفيق العجيب، وما في واحد من أخوانا الكرام، إلا يعرف أيام توفق توفيق عجيب، يكون في قبله في افتقار إلى الله عز وجل خائف، أيام رغم ذكائه، رغم خبرته، رغم ماله، يرتكب حماقة، ما بعدها حماقة، كيف أرتكب هذه الحماقة ؟ لأن الله تخلى عنه، لأن الله إذا أراد إنفاذ أمرٍ، سلب من كل ذي لب لبه، بسحبلك خبرتك وذكائك ومالك، بتلاقي أعمال كلها حمقاء، وأنت ذكي وقوي.
لذلك أنت دائماً بين حالتين، حالة التولي وحالة التخلي، تولي وتخلي، إن قلت أنا تخلي، ولو كان رسول الله معك، الصحابة الكرام معهم رسول الله.
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
فإذاً بدر وحنين، في حياة كل مؤمن في اليوم عشرات المرات عشرات المرات، أنا بقلك استعملت خبرتي في هذه الصفقة، بتفلس منها، يا جبار بتربح منها، إذا قلت يا جبار بتربح، إذا قلت أنا خبراتي متراكمة، أنا بنقي البضائع الرائجة، ما بتنباع معك هذه البضائع.
أخ حدثني بياع أقمشة في سوق الحميدية، هل آتي لعنده زبون من حماه، أشترى، أشترى، أشترى، قصة من سنة الخمس والخمسين أشترى شيء بخمسين ألف، يعني حق بناية، في عند صفة قماش أجمل صفة، قال له بدي هي، قال له والله هي منباعة، قال له إذا ما بتعطيني إياها ما بدي كل الصفقة، أشاور مع صانعه قال له سيدي بيعوا إياها، مادام وقف البيعة على هي دبرها، قل له أخي راحت، بحكي لي التاجر، قال لي: والله أربعين سنة، ما انباعت الصفقة معي بعدين قسمها مربعات، لف فيها الأقمشة، أن هو شافه هي أحل شيء بدو يبيع ويربح منها، وإذا ما أستلمها بلغي الصفقة كلها، قل لي أربعين سنة ما كان تنباع معنا، من جرد إلى جرد إلى جرد، صار في تحدي لأنه، قال هي أربح فيها، الله تخلى عنه، قل لي والله ما صرفنها إلا قطع مربعة، صررنا فيها الأقمشة، هي أجمل صفة.
بس تقول أنا، بس تعتد برأيك، بس تعتد بعلمك، بخبرتك بخبرتك التجارية، بذكائك، بمالك، بأسرتك، بصحتك، بيجي التخلي بس تقول يا رب، أنا لا شيء، أنا الفقير وأنت الغني، أنا الجاهل وأنت العالم، أنا الضعيف وأنت القوي، بتلاقي الله عز وجل أعطاك قوى لا محدودة، عطاك دعم، عطاك توفيق، عطاك نصر عطاك سداد في الرأي، طلاقه في اللسان، موقف حكيم، كل حكمتك وكل ذكائك، وكل التوفيق، بسسبب افتقارك إلى الله.
أخوانا الكرام:
هل الآيتين خلهن ببالكم.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت. قبل أن تعقد صفقة، قبل أن تقدم مرافعة أمام القاضي، قبل أن تلقي درس، قبل أن تمسك بمريض.
في طبيب نسائي، تألق اسمه إلى درجة مذهلة، صار الطبيب الأول، شعر أنه هو أول طبيب بالبلد، يجري عملية ولادة، صار في محاولة لقطع أربطة الجنين، قطع الرحم وقطع الأمعاء، ولولا أن أخذ المريضة للإسعاف الفوري، لسحبت منه الشهادة.
بتلاقي بيرتكب المعتد بنفسه، حماقة ما بعدها حماقة، إن كان في التجارة، إن كان في الصناعة، إن كان في الزراعة، إن كان في العمل الحر، أم إذا كان في توكل،وفي إنابة، وفي افتقار، وفي عبودية، وفي تذلل.
المؤمن أيها الأخوة، عزيز النفس كثير، بس مع الله متذلل أهل الدنيا، مستكبر على الله عز وجل، وأمام القوي مثل القط بتلاقي مثل الحيوان المتذلل أمام القوي، أما أمام ربه، مستعلي، استكبرت عليهم أنفسهم.
فنحن درسنا البليغ، عنا آيتين، بدر وحنين، بدر افتقروا ! الله نصرهم، حنين ماذا قالوا ؟ الصحابة أطهر من الملائكة، باعوا أنفسهم ما قالوا: إلا لن نغلب اليوم من قلة، ولعلهم قالوا هذا بأنفسهم فاستحقوا أن يتخل الله عنهم، وهم صحابة رسول الله، نحنا مين نحنا مين معنا نحنا، فإذا الواحد منا قال أنا.
لذلك قالوا أربع كلمات مهلكات: أنا !! ونحن !! ولي !! وعندي !! قال الشيطان.
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾
فأهلكه الله، ونحن، قوم بلقيس.
﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾
(سورة النمل: 33 )
فأهلكهم الله، ولي قالها فرعون.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾
( سورة الزخرف: 51)
فدمره الله، وعندي قالها قارون.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
(سورة القصص: 78 )
فأربع كلمات مهلكات، أنا ونحن، ولي، وعندي.
الافتقار في معه توفيق، في معه دعم، في معه تسديد، في معه ترشيد، في معه تنوير، في معه نصر، في معه حفظ، في معه تأيد، والاعتداد في معه تخلي، لذلك، من أتكل على نفسه أوكل الله إياها، والإنسان ضعيف، بالله قوي، بنفسه ضعيف، فالإنسان إخوان الكرام قبل كل عمل، أفتقر إلى الله، بس بإخلاص، بحضور قلب يا ربي ليس لي إلا أنت، أنا ضعيف فقوي في رضاك ضعفي، أنا ذليلٌ فأعزني، أنا جاهلٌ فعلمني، أنا مفتقر فأغنني، هكذا المؤمن، ما في أحل من التذلل إلى الله، رفعة، وما في أحل من أن تكون عزيزاً على الناس، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثي دينه، من جلس إلى غني أتمسكن له يا سيدي ما في شغل ما في كذا فتضعضع له تمسكن له، ذهب ثلثي دينه، ملك الملوك إذا وهب، قال الشاعر: لا تسألن عن السبب، لا، أنا بقول موهيك.
ملك الملوك إذا وهب قم فسئلن عن السبب
الله يعطي من يـشاء فقف على حد الأدب
***
يلي عطاه بيعطيك، أطلب من الله، الحسن البصري قيل له بما نلت هذا المقام، قال باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي
لا تسألن بنـــــي آدم حاجة وسل الذي أبوابــــــه لا تغلق
الله يغضب إن تركت سؤاله وبـني آدم حـين يـسأل يـغضب
***






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الثالث



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
فلآية التاسعة عشرة، من سورة التوبة، وهي قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)﴾
الحقيقة، أحياناً نتوجه بالخطاب، لعامة الناس، فنقول لهم: استقيموا، اعبدوا ربكم، آمنوا بالله، اعملوا الصالحات.
لكن إذا توجهنا بالخطاب إلى المؤمنين، خاصةً، نبين لهم أن هناك أعمال صالحة كثيرة، لكن بعضها أعظم من بعض.
إذا رأيت إنساناً شارداً واستقام على أمر الله، فهنئه، وبارك له وشجعه، لكن إذا رأيت مؤمناً يعرف الله عز وجل، يختار من الأعمال أهونها، ويدع الأعمال الجليلة، فينبغي أن تنصحه.
فأحياناً في أعمال صالحة، ما بتكلف، دفع مبلغ، يعني أحياناً إنشاء جمعية خيرية، شي جميل، جمعية، ولها مقر، ولها مكتب فخم وتبرعات، وجاهة، وعطاء، أيام إنشاء مسجد عمل عظيم، لكن عملية شراء أرض وتطويب، ورخصة، وهندسة.
أما غض البصر غير سهل، غض البصر، التفكر في خلق السماوات والأرض ليس سهلاً، ففي أعمال فيها بناء للنفس، وفي أعمال أخرى أعمال صالحة مشكورة، لكن ما بتكلف جهد، ولا بتكلف مجاهدة، ولا بتكلف ضبط نفس، ولا بتكلف صراع.
فربنا يقول جل جلاله:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾
واحد فكر بالكون، عرف الله ضبط جوارحه، ضبط بيته، ضبط عمله، ازداد معرفة بالله، فهم كتاب الله، فهم سنة رسول الله، دعا إلى الله، جاهد نفسه وهواه بذل جهد كبير.
واحد حالته المادية جيدة جداً، قال: مائة ألف عليّ هذا شك نحن نشكره، نشكره أشد الشكر، لكن يلي معه مائة مليون، ودفع مائة ألف ما انهزت شعرة، وله سهرات مختلطة، وله نظر للنساء، ودخله في شبه، بيدفع إذا بدك.
نحن بدنا عمل صالح، يصل إلى أعماق النفس، نحن بدنا انضباط، بدنا سمو، بدنا إنسان تسمو نفسه، فليس كل إنسان عمل عمل صالح مادي، شكلي، كلامي دقيق جداً، أنا قبل كل شيء قلت: لو توجهنا بالخطاب لعامة الناس، ورأينا إنسان يبذل، يبني مسجد ينشئ جمعية، يبر أيتام، نشكره، ونهنئه، ونمتن منه.
أما إذا تحدثنا للمؤمنين، يعني واحد خارج المدارس، قام التحق بمدرسة، بارك الله، أما الآن إذا كان درسنا، وجلسنا مع طلاب مدرسة، اختاروا فرع أدبي، نقول لا: الفرع لا يناسبكم، بدكم فرع علمي، بدنا أطباء، بدنا مهندسين، بدنا علماء، ما بدنا خطباء، ولا بدنا شعراء، ولا بدنا حالمين.
فإذا كان توجهنا إلى طلاب العلم، ندلهم على أعظم الفروع أما إذا خاطبنا الجهلة، نقول لهم ادرسوا، التحق بأي مدرسة التحق.
فالدرس اليوم ليس لعامة الناس، طبعاً عامة الناس، إذا واحد ساهم ببناء مسجد، نشكره أشد الشكر، ونثني عليه، وعلى كرمه وعلى عمله الصالح، وعلى إحسانه، أنشئ جمعية خيرية، نشكره أشد الشكر.
لكن في أعمال الإنسان بيبذلها، لكن نفسه متلبسة بالمعصية بالمخالفات، المخالفات حجاب.
فلذلك، بناء النفس عمل عظيم، بناء النفس، تحقيق الإيمان عمل عظيم، تتعرف إلى الله عز وجل عمل عظيم، تتعرف إلى كتابه عمل عظيم، تعرف سنة رسوله عمل عظيم، توقع أعمالك وفق السنة عمل عظيم، يكون بيتك إسلامي عمل عظيم، عملك إسلامي عمل عظيم تجارتك وفق الأحكام الشرعية عمل عظيم، أن تكون داعياً إلى الله أن تكون آمر بالمعروف، ناهي عن المنكر، ضابط جوارح ضابط بيتك، زوجتك، أولادك، هذا العمل العظيم.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾
الأعمال المادية، التي لا تكلف شيئاً، أيام واحد بقلك أرباحه من البنوك أنشئ فيها مسجد، بثلاثين مليون، كثر خيرك يا سيدي فضلت، نثني عليه.
لكن إذا خاطبنا كبار المؤمنين، نقول لهم: لا، يجب أن تبنوا نفوسكم بناءً صيحاً.
دائماً نحنا المتفوقون لهم حساب خاص، أهل الإيمان لهم حساب خاص.
النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا استيقظ في الليل، له دعاء يقول: والدعاء قرآني أساساً:
اللهم اهدني لما أختلف فيه من الحق ضمن الحق
في حق، وفي أحق، في عمل صالح، وفي أصلح وفي عمل مادي، وفي عمل كبير.
الآن إذا ا_لإنسان صلى، على العين والرأس، وصام، وحج وزكا عبادة هي، لكن، فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.
فإذا الإنسان سلك طريق الإيمان، ينبغي أن يبحث عن البطولات، عن الأعمال الجليلة، الأعمال العظيمة، أما إذا خاطبنا عامة الناس، لو شفنا إنسان تحرك حركة نحو الحق، نصفق له ونشجعه، ونثني عليه، بارك الله بك، بارك الله بمالك، وأهلك وأولادك، إذا كان دفع ألف ليرة لجامع.
لكن المؤمنين، الله لا يكتفي، لا يقبل منك أن تنفق مالك وأنت لست منضبطاً على كتاب الله، في كثير أشخاص، البذل سهل عليه، إذا واحد أمواله ضخمة، البذل ليس صعب عليه، أخي علي خمسين ألف علي، مرة حضرنا جلسة، والله أنا أكبرتهم إخوانا التجار، مليونين ونصف بربع ساعة للأيتام، شي جميل، بس يا ترى لو فتت لبيت التجار، بتلاقي في انضباط، هون البطولة، الانضباط في البيت، في العمل، في السلوك، في الجوارح، في كسب المال في إنفاق المال، فهذه الآية خاصة للمؤمنين، ليست لعامة الناس.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)﴾
فكل واحد منا يبحث عن عمل عظيم، أنا أرى أنه أعظم عمل بناء النفس، قل لي وين الدليل ؟ إليك الدليل:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) ﴾
( سورة الشمس: 9)
يلي بزكي نفسه، بطهرها من الأمراض القصية، بحلي بالكمال، من خلال مجاهدة نفسه وهواه، من خلال طلب العلم الجلوس في مجالس العلم، تلاوة القرآن، فهم القرآن، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، تربية أولاده التربية الصحيحة، تربية زوجته، اختيار إخوانه من المؤمنين، يعني له عمل صالح، حجمك عند الله بحجم عملك، فإذا كان عملت عمل صالح، اعتبر أعظم عمل صالح، أن تزكي نفسك، الله قال: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾
(سورة الفرقان: 52 )
بالقرآن.
﴿جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾
فمن أنواع الجهاد: الجهاد واسع جداً، هو الجهاد بذل للجهد أيام إنسان بزيح كأس، هذا شيء بسيط، لكن أزاحت صخرة، بقلك تنهنهت، هذا الجهاد، الجهاد بذل الجهد، إما في ساحات المعركة وإما في الدعوة إلى الله، وإما في فهم القرآن، وإما في تفسير القرآن.
فالمؤمن مطالب أن يختار أعظم الأعمال، أجل الأعمال، أجلُ عملٍ أن تزكي نفسك، أجلُ عملٍ أن تزكي نفسك، أجلُ عملٍ أن توقع سلوكك وفق الكتاب والسنة، أجلُ عمل أن تكون داعيةً إلى الله عز وجل، أجلُ عملٍ أن تكون قدوةً للناس، أجلُ عملٍ أن يتسع خيرك ليس هذا تقليلاً من شئن الصدقات، إياكم أن تفهموا عني خطأً، أنا ما قصدت أن أقلل من شئن بناء المساجد، ولا إنشاء الجمعيات ولا رعاية الأيتام، كلها أعمال جليلة، لكن لو اكتفينا بها، ولم نستقم على أمر الله، لو اكتفينا بها، ولم نغض أبصارنا، لو اكتفينا بها، ولم نحرر دخلنا، لو اكتفينا بها، ولم نضبط جوارحنا، لو اكتفينا بها ولم نربي أولادنا، لا تكفي، هذه الأعمال المادية لا تكفي، لأنه سهلة.
لكن جهاد النفس والهوى، بناء النفس، تزكية النفس، هو الذي أراده الله عز وجل.
هذه الآية تعطي هذا المعنى، وإن كان لها أسباب نزول وملابسات أخرى، لكن القرآن المطلق على إطلاقه، تعطي المعنى أنه أهم شيءٍ تفعله أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، وأن تجاهد في سبيل الله، من أجل أن تزكي نفسك، وأن تبنيها البنية الصحيحة، هذا العمل العظيم، إذا أضفت إليه الإنفاق في سبيل الله، يا عيني نور على نور، إذا ساهمت في بناء المسجد يا عيني، إذا ساهمت في تأسيس جمعية خيرية، ترعى الأيتام، ترعى الفقراء، عمل عظيم الأعمال المادية تكسب قيمتها الجليلة، لأن صاحبها ملتزم، أما من دون التزام، مشكلة، بقلك مثلاً يا نصيب خيري، حفلة غنائية يرصد ريعها لليتامى، لا تصح هي، هي أشياء تخليط اسمها، تخليط الحق بالباطل.
إذاً الآية الكريمة:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) ﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الرابع




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
الآية الثامنة والعشرون، من سورة التوبة، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)﴾
لا نتحدث عن اللغة، في مجلس العلم، إلا بالقدر الذي يلقي ضوءاً على معنى الآية.
هل هناك فرقٌ بين كلمة نَجِس، ونَجَس، فرقٌ كبير ! سُحُور وسَحُور، وُضُوء، ووَضُوء، سِتر، وسَتر، شِق، وشَق.
الفرق بينهما: هو فرقٌ بين المصدر والاسم.
الاسم ما دل على ذات.
المصدر ما دل على حدوث عمل.
فعملية شَق الورقة، هذه العملية اسمه شَق، لكن لو أشرت إلى هذا الخط بين جزئي الورقة، اسمه شِق.
عملية إضافة الماء للحليب، هذه العملية اسمه غَش، أما هذا الحليب المغشوش، اسمه غِش.
عملية الاستيقاظ وتناول الطعام برمضان، اسمه السَحُور، أما هذا الطعام اسمه السُحُور.
عملية إرخاء الستار، اسمه سَتر، أما هذا القماش اسمه سِتر.
الفرق بين المصدر والاسم ؟ فرق بين كلمة تدل على الذات وبين كلمة تدل على الحدث، من دون زمن.
ربنا عز وجل قال: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
الكأس قد يتنجس الصحن قد يتنجس، السجادة قد تصيبها نجاسة، الثوب قد يصيبه نجاسة، نقول هذا ثوبٌ نَجِس، وهذه آنيةٌ نَجِسة، صفةٌ أصابت هذا الشيء، أما إذا قلنا نَجَس، يعني عين النجاسة.
النجاسة نفسها، الغائط نفسه، يتطهر معنا ؟ مستحيل، فرقٌ بين الشيء النَجِس، والنَجَس، هو الفرق بين صفةٍ ألمت بالشيء وبين عين النجاسة.
فربنا عز وجل، وهذا من أدق ما في الآية، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
يعني هم عين النجاسة، ليسوا نجسين، لو أنهم نجسون يطهروا، الوعاء النجس نطهره، الآنية النجسة نغسلها أما النجاسة نفسها، مالها حل هي.
فربنا عز وجل قال:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
لذلك في بعض الأشخاص إذا صافح إنسان مشرك، يصافحه من طرف العباية، غلط قد يكون عامل حمام درجة أولى، ليس القصد من الآية، أن جسمه نجس، لا، الجسم مادة، تتنظف بالماء والصابون، القصد أنك إذا زوجته، أو إذا شاركته، أو إذا جاورته، أو إذا سافرت معه، أو إذا حاككته بالدرهم والدينار، أو إذا أقمت معه علاقةً حميمة، أو إذا ماشيته، أصابك نجسه، تزوره بتطلع زوجته قدامك، بحرجك بتشاركه بالبنك أمواله، تسافر معه بدو يسهر، ما تقدر.
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
يعني الإنسان يستفاد من هذه الآية، إنه ماله حق يقيم علاقة حميمة مع مشرك، هذه العلاقة الحميمة، لابد من أن تلوثه بنجاسته. نجاسة المشرك معنوية، بمعنى أنه ماله حرام، سهرته مختلطة، حديثه غيبة ونميمة، قيمه مادية، طموحاته شهوانية، حركته شيطانية، إلهاماته خبيثة، قيمه منحطة، هذه معنى:
﴿نَجَسٌ ﴾
فما من مشكلةٍ تصيب مسلم، إلا سببها أنه تورط مع واحد مشرك، بعلاقة، بتجارة، بسفرة، بزواج.
فربنا عز وجل، يحذرنا ! قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
لا تنسوا أن مركز الثقل بالآية، نَجِس، غير نَجَس، نَجِس صفة اسم فاعل مبالغ به، على وزن فَعِل، حَزِر، قَذِر، نَجِس، لكن نَجَس اسم ذات عين النجاسة، هو نفسه نجاسة، فإذا كان صاحبته، ماشيته وأكلته، سافرت معه، شاركته، زوجته، كله نجاسة، بمزحه السخيف كلامه بذيء، حديثه غيبة ونميمة، ماله حرام، نظراته وقحة شهوانية، ميوله شيطاني، فربنا عما يحذرنا، وهو الخبير.
قال:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) ﴾
( سورة فاطر 14)
طيب من هو المشرك ؟ المشرك كلمة لها معنى واسع ومعنى ضيق، من قال إن بوزا إله فهو مشرك، لكن من قال أنا وهو لا يدري، عزى القوة لذاته هذا الشرك الخفي، ففي عنا شرك جلي و شرك خفي، الشرك الجلي قلما نجده بالعالم الإسلامي، ما أحد يقول أنا إله، لكن يجوز بآسيا ببعض البلاد الإفريقية، بتلاقي في بوزا، والسيخ، والهندوس، آلها تعبد من دون الله، لكن بالعالم الإسلامي، في شرك خفي.
أخوف ما أخاف عليكم من بعدي الشرك الخفي، أما إني لست أقول، الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوةٌ خفية، وأعمالٌ لغير الله.
الآن في عنا مشكلة ثانية، قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
قال لي واحد أخي أنا شريكي فلان بمطعم الفلاني، ببيع خمر إن شاء الله برقبته، لا ليس برقبته، برقبتك كمان، و برقبتك قبل رقبته عما تقبض ربح، هي إن شاء الله برقبته، وأنا ما دخلني، وأنا معي فتوى كله كلام فاضي قال:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
مطعم خمس نجوم بس في خمور، ودخله كبير كثير
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
مصلحة فيها شبهات، تجارة فيها مواد محرمة، تجارة مبنية على المفاسد، فندق خمس نجوم مثلاً، في حفلات، في اختلاط، في خمور تدار، أخي والله عما يوزعوا بالمائة خمسة وثلاثين، مربحة هذه الشغلة.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
نحنا نقول العالم كله بقلك صناعة السياحة، بدنا سياح، السياح بدهن انحرافات، نغض النظر عن البيوت.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
هذه آية السياحة.
﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
ممكن إنسان دخله محدود، وساكن مع زوجته وأولاده، بأجر غرفة لواحد غريب، وهذا الغريب يرتكب الفاحشة مع زوجته، بكون وفت معه، أخي والله عما يدفع بالشهر ثلاثين ألف، ما بتوفي معه قد ما جاءك دخل، إذا ضيعت عرضك ما استفدت شي.
فلذلك نحنا بدنا نروج السياحة، بدنا نتساهل مع السياح، بدهن نوادي عورات، بدهن بيوت دعارة، حتى نكسب، قال هذا:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)﴾
هذه الآية من أدق الآيات، المتعلقة بالعلاقة مع المشركين مسموح تقيم علاقة عمل مع واحد مشرك، ما بهم، في دوام، في عطاء، في تقديم في أجر، علاقات العمل ما فيها شي، الإسلام مرن والنبي تعامل مع أهل الكتاب، باعهم، واشترى منهم، لكن تقيم علاقة حميمة، مع مشرك، يعني تشاركه بتجارة، تسافر معه، تتعامل معه معاملة فيها احتكاك شديد، هو نَجَسن لأنه، لابد من أن تصيبك من نجاسته، هي قاعدة، هي الآية تحذير:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
الله عما يخاطب المؤمنين.
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
هي إنما أداة قصر وحصر يعني غير معقول يكون نجس أو غير نجس، نجَس حتماً نجَس قطعاً وبعدين غير نَجِس، نَجَس، أبلغ.
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
وإذا كان في علاقات تجارية، في أرباح طائلة، في كثير تجار يستخدموا مندوب شركة، بدو يشرب خمر، يقدموا له خمر شو بدنا نساوي مضطرين نحنا وكلائه، ما بصير نزعجه، وين الدين صفي، انتهى الدين، هذا يلي يدفع من مصروف مشروب لمندوب الشركة يغذي بمطعم في خمور، يقيدها على المصروف، وقعت بالحرام وأنت لا تدري.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
هذه الآية خلوها ببالكم:
﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
والله أيها الأخوة، حديثٌ شريف يجب أن يكون أمام كل واحد منكم:
(( ما ترك عبدٌ شيءٌ لله إلا عوضه الله خيرٌ منه في دينه ودنياه.))
والله زوال الكون، أهون على الله، من أن يضيع مؤمناً آثر رضوانه مستحيل !
يعني: اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمنا سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 02:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الخامس



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة:
الآية الثامنة والثلاثون، والتاسعة والثلاثون، من سورة التوبة وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)﴾
الخطاب أيها الأخوة، موجهٌ للذين آمنوا، وعلامة إيمانك، أنه كلما قرأت مثل هذه الآية، شعرت أنك معنيٌ بها، إذا كنت مؤمناً حقاً وقرأت أية آيةٍ تبدأ بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
تشعر أنك معنيٌ بهذا الخطاب، وتأخذه مأخذاً جدياً.
يعني مثلاً: لو صدر قرار إلى مالكي العقارات التالية وعقارك ضمن هذه العقارات، في مصادرة أو في استملاك، أو في تنظيم، بتقول كلام جرائد، لما ما بتنام الليل يومها، إذا إنسان وجهلك بالجريدة، إلى مالكي العقارات التالية: لقد تقرر استملاكها بماذا تشعر ؟ هذا الخطاب موجهٌ إليك، وقضية مصيرية.
فحينما تشعر، إذا قرأت آية قرآنية، تتصدره بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
حينما تشعر أنك معنيٌ بها، تصغي إليها، الآية الكريمة الرائعة:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
(سورة التحريم: 3 )
إذا سمعت آية وبادرت إلى تطبيقها، معناها أصغيت لها فإن لم تطبق فما أصغيت لها، ولا عرفتها ولا عقلتها.
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
الآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
طبعاً كل عصر له معطياته، بجوز في هذا العصر. ﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
الزموا مجالس العلم، تعلموا العلم، أمروا بالمعروف، افعلوا الخيرات، اقرأوا القرآن، طبق الإسلام في بيتك، طبقوا في عملك كل عصر له معطيات، لا يكلف الإنسان في هذا العصر أكثر من أن تطلب العلم، هذه المجالس متوافرة، وما أكثرها، أطلب العلم حاول أن تقيم الإسلام في بيتك، في عملك، حاول أن تضبط جوارحك، أن تضبط دخلك، إنفاقك، هذا العصر لا يزيد معنى النفور إلى الله عز وجل، أكثر من هذه المعاني.
﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾
يعني آثرت أن تبقى في محلك التجاري، عن صلاة الجماعة آثرت أن تمضي سهرةً مع أهلك عن مجلس علم، آثرت أن تقبع في مكان جميل، تلعب النرد للساعة الوحدة بالليل، عن أن تجلس مع أخوة يقرءون كتاب الله، آثرت أن تغير زخرفت البيت، عن أن تزوج شاب فقير، آثرت أن تقرأ قصص نجيب محفوظ، عن أن تقرأ القرآن مثلاً.
يعني:
﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
واسع الآية طلب العلم، قراءة القرآن، فهم القرآن، الإنفاق في سبيل الله تزويج الشاب المسلم، معاونة المؤمنين على قضاء حوائجهم، خدمة المؤمنين، ارتياد المساجد، هذه كلها مما تعنيه الآية الكريمة.
﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
رد الفعل الكسول.
﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾
مقعدك الوثير في غرفة الجلوس، بتابع فلم، لا يرضي الله عز وجل، أغلى عندك من مجلس علم !
﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾
تطلعلك بألف ليرة، بتروح صلاة الجمعة مثلاً، تجلس جلسة في مقهى تلعب النرد، أحسن من أن تقرأ القرآن.
﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾
الشهوات شدتكم إليه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾
الله عز وجل يعجب !
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾
يعني أنت دنياك عاجبتك، هذا طموحك فقط، شقفة بيت وسيارة وكم سيران وكم عزيمة، هذا كل طموحك، ما بدك مني فوق هذا شي.
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾
حياة كلها متاعب كلها هموم كلها أحزان، لا تستقيم لإنسان، إن جاءه المال فقد السعادة الزوجية، وإن سعد بأهله فقد المال، وإن جاءه أولاد طيبين زوجته سيئة، وإن كان زوجته مليحا أولاده سيئن، وإن كان أولاده وزوجته جيدين، صحته فيها متاعب كثيرة، وبيته صغير، وعمله قليل وشغل ما في، وعليه دفع مثلاً، هي كل الحياة متاعب، يوم مرض الابن، يوم مرض الزوجة، يوم أسيد أوريك يوم، مثلاً التهاب مفاصل، يوم معه وجع راس دائم، شقيقه، ما هذه الحياة هي كلها متاعب، لاتصفوا لإنسان قبلان فيه أنت هي، قنعان فيها، هذا طموحك فقط، دخلت على ملك قبلان منه قلم رصاص فقط، بس ! مالك طموح أكثر من.
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾
قبلان فيها الدنيا، قنعان فيها عاجبتك، مالك طموح أكثر منها، الله يعجب !! أعدك لحياة أبدية سرمدية.
الآن ربنا أنبئك
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾
يا مسكين مالك عرفان، مساكين أهل الدنيا، جاءوا إلية وخرجوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها، ما عرفوا.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾
إذا واحد راح إلى طرطوس، وركب قارب إلى أرواد، وطالع من جيبته إبرة، غمسها في مياه البحر وسحبها، يا ترى هذه الإبرة ؟ كم أخذت من مياه البحر ؟ قال علية الصلاة والسلام:
((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كم يأخذ المخيط ))
الإبرة يعني إذا غمست في مياه البحر.
الله عز وجل قال:
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ﴾
﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾
(سورة السجدة: 17 )
كل واحد منكن له مشاهدات، هذا قال لك أنا بعرف مصر والأردن ولبنان، بقلك لا أنا بعرف أوربا، رحت إلى هولندا وفرنسا لا أنا بعرف اليابان، هذا يعرف التايون. المشاهدات ؟ ‍‍‍
النبي الكريم ينقل عن ربه قال:
(( أعدت لعبادي الصالحين، مالا عين رأت. ))
مشاهدات العين محدودة، كل واحد له مشاهدات، ما بتعرف هي مثلاً جوهنزبورد، تسمع فيها بالأخبار، إذاً لا تعرفها يجوز تعرف عمان تعرف بيروت، تعرف مكة والمدينة يجوز تعرف باريس أما في مائتين دولة في العالم، بتعرف كل دولة وعاصمته، ومقاصفها وريفها، ما تعرف ‍.
قال:
(( أعدت لعبادي الصالحين، مالا عين رأت ولا أذن سمعت))
أنت سمعان بألف مدينة،سمعان، سمعان كولالامبور، هنالولو، سمعان فيها بالأخبار، بتعرفها لا، معناها دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المشاهدات.
أما الخواطر مالها حدود، قد يخطر على بالك، أن إنسان طوله من هون إلى القمر، مثلاً، خاطر هذا ماله قيد.
الحديث القدسي يقول:
((أعدت لعبادي الصالحين، مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلبي بشر. ))
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾
ربنا عز وجل، إذا رأى إنسان رضي بالحياة الدنيا، طموح كل شقفة بيت، وسيارة وزوجة، بيطلع على المصيف، ويتغذى بالمقصف ها هي ما بدو غير هيك، ماذا يفعل الله به ؟
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾
يبعث لك متاعب، بنزعلك حياتك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد بتعبك، بتسب الساعة يلي فتحت فيها المحل التجاري، خسارات ومشاكل ومصادرات، مالنا مسرورين، بتأخذ بيت بتعلق بمشكله مع صاحبه، ومحاكمات، وإذا لم تسلمني فيما أريد، أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾
قال لي: واحد كلمة قال لي: فيك تلخص لي كل دروسك، قلت له نعم: بكلمتين، الله ألهمني، قلت له يا أما تأتي ركض، يا أما بيجيبك ركض، هي كل دروسي، يا بتجي ركض لحالك، تائب منيب، مستقيم، مقبل، أو بيعرف هو يجيبك ركض، بستناولك من مليون بند، بتطلع أيام نقطة سوداء بالعين، أعوذ بالله على الطبيب، بتم شهر واقع بمتاهات أخي في ذبابة سوداء، عما شوفها بعيني، من العين مرة، من الدماغ مرة، من الكلية مرة، في ضعف بالكلية ضعف بالمعدة، يقلك عم بلهث زيادة، بطلع درج ما بكمل، من مليون بند الله مستناول الإنسان، ومن زوجته، ومن أولاده، من عمله، من تجارته، من استرداده من كل شي.
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾
إذا كان أصررتم على الدنيا و ركبتوا رأسكم، و بدكم الدنيا فقط، ساعتها بالتعبير العامي تمحقوا عندئذٍ.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾
لا تدلل زيادة، ما بدك راحتك، لا تمن على الله إنك عما تصلي ركعتين.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾
( سورة الحجرات: 17)
بتركض لحالك أهلا وسهلا، ما بدك تصطفل، في غيرك بيجي بروح زاهد بيجي عاشق، أخي أنا ما بدي صعب، طيب بلاها روح افلات على كيفك، طيب إذا واحد فلت شو بدو يطلع معه، اسمعوا هذا الحديث أيها الأخوان، والله يقسم الظهر.
قال:
((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، إذا كان ما بدو الله، ولا بدو الآخرة، ))
هذا الدين غيبيات يا أخي ليس لهذا العصر الدين، قيود، عصرنا عصر علم، عصر تفتح، عصر نمارس حاجاتنا الطبيعية، نتعرف على الحياة، كلام فاضي، طيب إذا واحد ما بدو غير الدنيا، شو في قدامه.
قال:
((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غناً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً أو الدجال، فشر غائبٍ ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر.))
يعني إذا واحد ما بدو الآخرة، ما بدو الله ورسوله، ما بدو هذا الدين، شو في قدامه، في قدامه فقر مفاجئ، وصارت، أو غنى مطغي، كان مستقيم فلت على المصاري، أو مرض مفسد ينزع له كل حياته، أو هرم مفند، بعيد القصة ميت مرة، بصير حشري كرهوا أهله وجوده، هربوا منه، أو موت مجهز، أو الدجال، فشر غائبٍ منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر.
الآية دقيقة جداً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
بتعطف، بلطف، بتحبب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ﴾
شو صاير لكم.
﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾
مالنا فاضين عنا موسم، شغل مثل النار مثلاً، ما في شغل مثل النار كله واقف.
﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾
قبلانين فيها أنتم فيها هي.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾
غلطانين أنتم.
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾
من رحمتنا فيكم.
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾
إذا أصررتم.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)﴾
فاالله عز وجل أخبرنا: أن متاع الحياة الدنيا قليل، والمؤمن لما ينتقل للآخرة، ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كما ينتقل الجنين، من ضيق الرحم، 750 سانتي مكعب إلى سعة الدنيا، هكذا.
فهذه الآية يجب أن تبقى في أذهاننا، الحياة الدنيا زائلة ومتاعها قليل في آيات أخرى.
﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
( سورة النساء: 77 )
﴿وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)﴾
( سورة الزخرف: 35 )




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء السادس


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
يقول الله عز وجل: في سورة التوبة.
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
أما خفافاً: يعني صغار في السن، الشب خفيف، والإنسان المتقدم فالسن حركته ثقيلة، أو خفيف بالأعباء، أو ثقيل بالأعباء يعني مشغول أو مالك مشغول، عندك ازدحام بالأعمال أو متفرغ صحيح أو مريض، كبير أو صغير، في كل الأحوال كلمة:
﴿خِفَافاً وَثِقَالاً﴾
تعني كل الأحوال.
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾
معنى انفروا ؟ في معنى أكبر من سارعوا بقلك نفير عام، يعني جاهزية قسوة، ضع كل إمكاناتك، وقدراتك وعضلاتك، وعلمك، وخبرتك، ومالك، ضع كل هذا في سبيل الله إن كنت في السراء أو في الضراء، في الصحة، أو في المرض متقدم في السن، أو صغير في السن.
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
الله عز وجل دائماً بقدم المال عن النفس.
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾
لأن بذل المال أهون من بذل النفس، إلا في آية وحدة ! ربنا عز وجل قدم بذل النفس على بذل المال قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
هذا بيع قطعي، إذا كان اشتريت بيت وكراج بتقدم بالعقد البيت لأهميته، مادام بيع قطعي، الله قدم النفس عن المال مادام بذل الله قدم الأسهل.
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
كلام خالق الكون.
أما النقطة الدقيقة بالآية ؟
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
فإذا الواحد يرى أن الدنيا أثمن، وأن الراحة أثمن من الجهاد، فهو بنص هذه الآية لا يعلم لو كان عاقل، لو كان ذكي، لو كان معه أ_كبر شهادة، إذا ما آثر الآخرة على الدنيا، إذا ما آثر البذل على الإمساك، ما آثر النفور إلى الله عز وجل، النفرى إلى الله على القعود والكسل، فهو لا يعلم، لا يعلم من هو، ولماذا هو في الدنيا، وماذا بعد الموت.
الحقيقة الآية هي، ممكن تنسحب على أي آية، كلما قرأتم قوله تعالى:
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
معنى إن لم يكن علمك وفق هذه الآية، فأنت لا تعلم، يعني إن لم تكن رؤيتك، الإنسان يتحرك برؤية، الإنسان لما يسرق، ماذا يرى ؟ يرى أن السرقة أفضل من العمل كسب كبير بلا جهد، فما في إنسان يمشي يتحرك إلا برؤية.
أنا مرة كنت جاية من بلد من حلب، دخلت دمشق من شارع العدوي بأيام الشتاء القارصة، برد شديد صقيع، لقيت إنسان عما يركض، بالليل ما الذي جعله يركض ؟ الرؤية، هو يرى أن الجري صحة، والجري المنتظم، كل يوم، برد، حر، شوب، مطر، ثلج لابد من أن يجري، فهذا الإنسان الذي يجري في هذا الوقت البارد علمني درساً، أن الإنسان حينما يرى الخير في شيء، يبادر إليه يعني الشام فيها خمس ملايين إنسان، خمس ملايين في غرف الجلوس والمدفأة شاعلة وعما يتعشوا ومسرورين، إلا هذا الإنسان رؤيته أنه الجري أفضل بالبرد، قضية رؤية.
فالذي يرى أنه الآخرة هي الخير، فهو يعلم، الذي يرى أن بذل الجهد في سبيل الله هو الخير، إذاً يعلم، الذي يرى العكس لا يعلم فكل ما بتجي آية بالقرآن الكريم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
اقرأ مضمون الآية إذا أنت رؤيتك وفق هذا المضمون، والله، بارك الله بك، معناها تعلم أما إذا كان رؤيتك خلاف المضمون، يعني مثلاً إذا واحد يرى أنه كل ما كثر ملح ينزل ضغطه، هذا جاهل، هو لا يعلم، أنه بقلك الطبيب، خفف الملح من أجل أن ينزل الضغط، إن كنت تعلم، فإذا كان رفعت الملح، لتنزل الضغط، معناها ما بتعرف شي، مدموغ بالجهل، لو كان معك شهادة عالية، دقيقة الآية، رؤيتك، ما هي رؤيتك ؟ هل ترى أنه:
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
بس:
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
فإن كنتم لا تعلمون، ترون الدنيا خيراً لكم، القعود خير، جمع المال خير الانغماس بالملذات خير، جلب المصالح نحو ذاتك خير.
قل لي ما هو الخير بنظرك ؟ أقل لك من أنت، خير، هناك من يرى الخير بالمال أوفي قبض المال، أو في السيطرة، أو في التمتع في الملذات، أنت أنظر إلى رؤيتك ماذا ترى، ما الذي يسعدك، أن تأخذ المال أو أن تنفقه، ما الذي يسعدك، أن تبذل جهداً في طاعة الله أو أن تستمتع بالنعيم، والرخاء، هذه الرؤية هي أخطر ما في الإنسان هي عقيدة الحقيقة الرؤية ملخص العقيدة، لما الإنسان يرى أن هذه الدنيا دار مؤقتة، والآخرة هي دار قرار، يفعل للآخرة، فأنت كل ما بتقرء آية.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
بتقرأ مضمون الآية، إذا كان رؤيتك الحقيقة الداخلية للحياة وفق هذه الآية، فأنت ممن تعلم، بارك الله بك وإذا كان رؤيتك، خلاف الآية، فأنت لا تعلم، اشتغل، إذا رأيت أن قبض المال أفضل من أنفاقه أنت لا تعلم.
الله عز وجل قال:
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
خالق، إله، الخبير، الذي إلية المصير.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
فإذا رأيت أن قبض المال هو الخير أنت لا تعلم ! ممكن كل واحد يمتحن علمه من هذه الآية، تعلم أو لا تعلم، الله قال:
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
تفعلون كذا.
يعني إذا واحد على جانب بسيط من الثقافة قال لك هذا البناء يحتاج إلى حديد، في نقطة مهم كنت أقوله دائماً، إذا قال لك مهندس أن ممكن عمرك بناء من دون حديد أسمنتي، هذا لا مهندس ولا متعهد ولا بناء ولا فاعل، كلمة وحدة حكاه، قال لك ممكن عمر بناء من دون حديد هذا لا مهندس ولا متعهد ولا بناء ولا فاعل، لأنه هذه حقيقة بديهية، إذا قال لك واحد كل ما أكلت ملح أكثر بنزل ضغطك، هذا لا طبيب، ولا مساعد طبيب، ولا ممرض ولا إنسان يفقه شيء بالطب.
فالقضية دقيقة، الخير في الأنفاق، والخير في بذل الجهد والخير في أن تجاهد نفسك هواها، والخير أن تنفر إلى الله خفيفاً أو ثقيلاً، فما بقى في سن أخي أنا تقاعدت، المؤمن لا يشيخ.
كان في الشام رجل، من كبار العلماء، ذهب إلى المدينة المنورة كي يجاور النبي علية الصلاة والسلام، قال رواه في المنام قله يا ولدي بقاءك في بلدك خيراً من مجاورتي، روح أشتغل يعني رجع على بلده، وفتح مدرسة، فتحها كان عمره 18 سنة، وبدأ يعلم الصغار، العلم الشرعي، حتى 98 ! يعني علم 80 سنة، كان إذا رأى شاباً، يقول له أنت كنت تلميذي يا ولدي، وكان أبوك تلميذي وكان جدك تلميذي، أنت وأبوك وجدك تلاميذي، وبلغ 98 وهو منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، ويتمتع بقوته التامة، كلما قيل له يا سيدي ما هذه الصحة الذي حباك الله بها يقول يا بني حفظنها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، مين منا ما بحب يتمتع بسمعه وبصره وقوته وما يبرك الله عز وجل، ويكرمه ويجعله مكانة عالية، وما يعيد القصة مائة مرة ولا يخرف ولا شيء، يحفظ الله في الصغر، أحفظ الله يحفظك، قله هذه كلمته الشهيرة، يا بني حفظها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً، زرت شخص بالعيد، عمره 96 سنة والد صديقي، قللي اعملنا تحاليل ما طلع في شيء، قللي والله يا أستاذ ما أكلت قرش حرام في حياتي، ولا بعرف الحرام، قصده النساء يعني، لا بيعرف الحرام ولا أكل قرش حرام، 96 تحاليل كاملة ما في شي، يا بني حفظنها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، كمان إذا الإنسان حضر مجلس علم، وفهم كلام الله، وفعل هذا، النبي يقول:
(( من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))
أنت إذا قرأت القرآن وحاولت أن تفهمه، وأديت الصلوات الخمس، وأطعت الله عز وجل النبي الكريم، بشرك أنك لا تخرف، ولا ترد إلى أرذل العمر.
حدثني أخى عن والدته، طبعاً كل ما لبسوها تخلع كل ثيابها تأكل من نجسها، قللي نربطها يديه لفوق وننيمها على ليوان مقور هذا أرذل العمر، خرفت، عما تأكل نجسها، نربطها لفوق، أيام بتلاقي مؤمن يعني بـ 98 متألق، مثل كوكب الدري، ماكن، ذاكرته جيدة، مكانته كبيرة، مصدر خير للناس، شغلة مدروسة يعني يا بني حفظها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)﴾
خليه بالك هي، كل ما رأيت رؤيتك متوافق مع القرآن بشارة لك، إذا العكس، لا تعلم، أنا معي بورد خير أن شاء الله، أعلى شهادة معك، لا تعلم بنص الآية، هذا ذكاء جزئي أسمه ليس ذكاء شمولي، في ذكاء جزئي، قد يكون الإنسان ذكي فيما هو في أما الذكاء الشمولي يعرف ربه، يعرف آخرته يتوافق مع مصيره المحتوم.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء السابع


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
الآية الخمسون من سورة التوبة وهي قوله تعالى:
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) ﴾
هذه الآية أيها الأخوة تصفوا المنافقين، علامة المنافق ؟ أنه إذا أصاب المؤمن خير، تألم، وإن أصابته مصيبة فرح، ويمكن لكل مؤمنٍ، أن يقيس إيمانه بهذه الآية، فهل إذا أصاب المؤمنين مكروه يفرح ‍؟ أم هل إذا أصابهم خير يحزن؟
آية أخرى تؤكد هذه الآية وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾
( سورة النور: 19 )
العذاب الأليم: لا على معصيةٍ ارتكبوها، بل على تمنياته.
﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
يعني أنت تعرف نفسك، لك أخ مؤمن، أصابه خير، نال مرتبه اشترى بيت، تزوج، أسس مشروع نال شهادة عالية، علامة إيمانك أن تفرح له، علامة النفاق أن تتألم مقياس دقيق جداً، ما في أخ إلا ما في حوله إخوان، أصدقاء، جيران مؤمنين طبعاً، فإن أصابهم الخير يجب أن تفرح، وكأن هذا الخير إليك، إن أصابهم مكروه يجب أن تحزن، وكأن هذا المكروه قد أصابك
لذلك الله عز وجل قال:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾
( سورة البقرة: 188 )
لم يقل ولا تأكلوا أموال إخوانكم، لأن الله عز وجل عدا المؤمنين أسرةً واحدة، فمال أخيك مالك، من زاوية أن تحافظ عليه، وأن تتمنى نمائه، وأن تتألم إذا زال هذا المال، هذه الآية سقتها تمهيداً للآيتين.
يقول الله سبحانه وتعالى في الآية السابعة والستين والثامنة والستين من سورة التوبة:
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)﴾
ذكرت الآية الأولى من أجل أن تعرف من هو المنافق ؟ المنافق هو الذي يفرح بمصيبةٍ قد نزلت للمؤمن، ويتألم لخيرٍ أصاب المؤمن.
هل هناك أمٌ على وجه الأرض تتمنى لأبنتها الشر ؟ فإذا تمنت إذاً هذه ليست ابنتها، ليست ابنتها، ليست قضية تمني أو عدم تمني قضية موقع، حينما تتمنى الشر للمؤمنين، فأنت في موقع المنافقين وحينما ترجو الخير للمؤمنين، فأنت معهم في خندقٍ واحد.
إذاً التمني والفرح له نتائج خطيرة.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
دققوا في الآية الثانية:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
فرقٌ كبير.
﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
من جنس عاطل واحد، لكن:
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
ينصحون بعضهم بعضا يحبون بعضهم بعضا في ولاية، كل مؤمن يرى أنه ولي أخيه المؤمن ينصحه، يعاونه، بيستره، ينصره، يؤيده، يدافع عنه، يتعاون معه هي علامة المؤمنين، المؤمنون بعضهم لبعضٍ، نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعضٍ، غششتنٌ متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم.
الآية دقيقة: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
ما قال أولياء بعض، من جنس واحد عاطل.
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾
بُخلاء.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾
الله عز وجل، لم ينسهم، لكن نسيانهم لله أنساهم أنفسهم، دقة الآية، نسيانهم لله، فاعل فنسيهم، نسيانهم لله جعلهم ينسون أنفسهم.
تعريف ثاني:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)﴾
بالآية الأولى، الذي يتمنى الشر لأخيه المؤمن منافق، الذي يتألم للخير منافق.
الآن المنافق هنا هو الفاسق، والفاسق هو الذي خرج عن أمر الله.
﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾
( سورة الكهف: 50 )
في منهج خرجت عنه، أُمرت بغض البصر، أطلقت البصر فهذا فسق، أُمرت بالكسب الحلال، الكسب حرام، هذا فسق، أُمرت بأداء الزكاة، لم تؤدي الزكاة فهذا فسق، الخروج عن منهج الله، الخروج عن أمر الله كما لو أن تمرةً ناضجةً جداً، ضغطها فخرجت وبقية جلدتها بيدك أيام في بعض الفواكه، تضغطها يخرج اللب من الجلد، هذا هو الفسق في أصل اللغة، خرج من أصله، خرج عن منهج الله.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)﴾
اسمعوا المؤمنين:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
في نصيحة، في محبة، في معاونة، في تضحية، في إيثار، في ود.
﴿َيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
( سورة آل عمران: 104)
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
في كل تفاصيل حياتهم، هي شاملة والباقي، في بقية شؤون الحياة يطيعون الله ورسوله، في كل شيء.
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾
شوف كلمة:
﴿سَيَرْحَمُهُمُ﴾
الدقة في السين، سين استقبال، يعني إذا المؤمن الآن معذب شوي، مغلب، متضايق، أموره ليست على ما يرام، بكون في طور المعالجة، لكن إطمئن حالك أيها المؤمن.
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾
سين للاستقبال.
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾
بالمقابل:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)﴾
الآيتين مع بعضهن، وتعريف المنافقين، يأمر بالمنكر، ينهى عن المعروف، يمنع الخير، يتمنى للمؤمنين الشر، يتألم إذا أصابهم خير، تعريفات بالقرآن الكريم، هذا منافق.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾
من جنس واحد، وعدهم الله نار جهنم، أما المؤمنون:
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾
أختم الدرس بمثل، قد يقول قائل المؤمن يصيبه ما يصيب الناس، يعاني الأزمات نفسها، فأين رحمة الله للمؤمن ؟ الآية هنا:
﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾
ضربت مرة مثل، لو أن واحد دخله 1800 ليرة في هذه الأيام، عنده خمس أولاد، بيته بالأجرة، عليه دعوة إخلاء، شو هذه الحياة هي، له عم يحكي بخمسمائة مليون، ما عنده أولاد مات بحادث، فكل هذا المبلغ، صار إليه بثانية واحدة، لكن حتى قبضه لبعد سنة، براءة ذمة، وإخراج قيد، لماذا في هذا العام هو أسعد الناس ؟ ما قبض ليرة واحدة، ولا غير بيته، ولا حسن أكله، ولا غير ثيابه، لماذا هذا الإنسان الذي وعد بخمسمائة مليون ؟ بس حتماً وعد قطعي، بس قضية زمن، إجراء معاملات، وبراءة ذمة وروتين.
قال:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
( سورة القصص: 61 )
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)﴾
(سورة القصص: 60 )
إذاً:
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾
يعني طول بالك.
الخير كله لك في المستقبل، والعاقبة للمؤمنين، والجنة فيها مالا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حال المؤمن مع الله في العناية المشددة، وحال الكافر مرضه خبيث ما منه أمل، قال له كل ما شئت ما منه أمل كل ما شئت، أما يلي عنده التهاب معدة، الطبيب بقيم قيامته لو أكل أكلة خلاف الأصول، فإذا المؤمن في خير ضمن العناية المشددة، مقطوع الأمل منه يعطى الدنيا كما يشتهي. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
(سورة الأنعام: 44 )
احفظوا صفات المنافقين، واحفظوا هالآيتين المتقابلتين والواحد يراقب نفسه باستمرار، إذا كان أخوه الله أكرمه بأي شيء بمال، بمرتبة، بعلم بعمل، لازم يفرح، علامة إيمانه، إذا ما فرح يشتغل بحاله، معناها بينه وبين الإيمان مراحل فسيحة.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الثامن


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الواحدة والثمانون، من سورة التوبة، وهي قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)﴾
سيدنا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، في حوارٍ مع نفسه، قال يا نفس، لو أن طبيباً حاذقاً منعك من أكلةٍ تحبينها، ماذا تفعلين ؟ لا شك أنك تمتنعين، ولو أن الأكلة محببةٌ إليك، حفاظاً على صحتك.
الإنسان إيام بكون آخذ بيت رابع طابق، مزينه، تعبان فيه يقول له الطبيب لازم تسكن ببيت أرضي، ثاني يوم حطه عند الدلال ثاني يوم، بقلك الصحة ما معها لعبة.
يقول هذا الإمام الجليل: يا نفس لو أن الطبيب منعك من أكلةٍ تحبينها، لاشك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله.
الله ما منعك عن أشياء كثيرة، ما أمرك، ما نهاك، معقول تسمع كلام طبيب، وتتجاهل كلام خالق الأطباء.
أيكون الطبيب أصدق عندك من الله، قال إذاً ما أكفرك.
أيكون وعيد الطبيب، إذا ما بتغير البيت في مشكلة بالقلب، إذا ما الملح تركته يطلع الضغط، إذا كان الضغط طلع يجوز يصير في انفجار بالدماغ، خثرة دماغية، مالا حل هي، أو تنزلق الشبكية. أيكون وعيد الطبيب أصدق عندك من وعيد الله، إذاً ما أجهلك فالإمام الغزالي بحوار منطقي مع نفسه، يتهم كل إنسان لا يطيع الله إما بالكفر، لأن الطبيب عنده أصدق من الله، وإما بالجهل لأن وعيد الطبيب أشد على نفسه، وأخوف من وعيد الله.
فربنا عز وجل يبين هنا:
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾
المعنى الواسع للآية: يعني إذا في احتفال الإنسان يلبي، في مولد في وجاهة، في سيران، في عزيمة، في حفل، في تكريم، أما عند البذل، عند غض البصر، عند إنفاق الأموال، عند تعلم القرآن عند أداء الصلوات، بتلاقي في كسل، إذا موقف في وجاهة، أيام بمجلس عام، يدفع مئات الألوف، بكون له أولاد أخ يموتون من الجوع، ما يعطيهن شي، لأنه هون ما في لوحة، هون في لوحة المحسن الكبير، هون ما في المحسن الكبير، هون ممعوسة هنا، ما يعطي شي.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾
إذا في وجاهة، يروا أنه أُبي ابن خلف كان زعيم المنافقين، وكان يجلس إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام، فلما توفي، طلب قميص رسول الله قال: أعطوه قميصي، وماذا يغني عنه قميصي من الله ؟ الآن استقر في جهنم حجر، كان يهوي سبعين خريفا.
يعني بتحضر حفلة يكن لك مقعد أول، يكن لك اسم، الناس يبجلوك، لا تقدم ولا تأخر، المطلوب أن تكون علاقتك مع الله صحيحة، المطلوب البذل، التضحية، الالتزام.
هل الولي الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال لا: الإمام الجُنيد هل الولي الذي يطير في الهواء ؟ قال لا: الولي كل الولي، الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾
( سورة يونس: 62 )
أجمل تعريف وأدق تعريف، وأبسط تعريف:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾
( سورة يونس: 63 )
أنت ولي، وزوجتك ولية، وأخوك ولي، وكل مسلم ولي، شو الولي إنسان عرف الله وأطاعه، وانتهى الأمر.
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾
لو كان لبسك عادي، لو مالك مظهر ديني، إنما التقوى هاهنا كما قال عليه الصلاة والسلام: ((إنما التقوى هاهنا ))
قال عليه الصلاة والسلام: ((أشدكم لله خشيةً أنا، أنام وأقوم، أتزوج النساء، آكل اللحم أصوم وأفطر، هذه سنتي، فمن رغب عنها فليس من أمتي.))
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) ﴾
اخترت هذه الآية، لهاتين الكلمتين:
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾
العبرة لا لمن يضحك أولاً، العبرة لمن يضحك آخراً، الإنسان إذا كان الله أعطاه الدنيا يضحك، _أيام يضحك وينثني نصفين يقصع لوراء، يطلع منه صوت ضحك بسمع الحارة كلها، عما يضحك، لكن لو علم ماذا وراء هذا الضحك ؟.
يعني أيام إنسان بكون راكب سيارة، والطريق انحداره شديد وفي نهاية الطريق منعطف حاد، والهويات عما ينسمو، والسيارة فخمة، بس ما فيها فرام ‍، عما يضحك، لو عرفان ما فيها فرام، وآخر الطريق رايح يعمل حادث غير ميت، ما كان يضحك، كان يبكي فالبطولة تعرف جاهزية السيارة، ما يكون في هواء رخيم، بس فرام ما في، والطريق منحدر والمنعطف حاد.
فالله قال:
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾
المهم من يضحك آخراً.
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)﴾
( سورة المؤمنين: 107، 108 109، 110 )
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
( سورة المؤمنين: 115 )
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)﴾
( سورة التوبة: 129 )
في آية أخرى بمكان آخر، يقول الله عز وجل:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
(سورة المطففين: 34 )
لما الطفل يولد، كل من حوله يضحك وهو عما يبكي، ماشي الحال، لما بيموت، كل من حوله يبكي، فإذا كان بطل، ساعتها يضحك.
وا كربتاه يا أبت، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
اجهد أن يكون الموت عرسك، أن يكون الموت أسعد لحظات وجودك، الصحابة كانوا، مرحباً بلقاء الله، ينتظر هذه الساعة أسعد الناس بهذه الساعة، فبحسب عملك الصالح، من قدم ماله أمامه سره اللحاق به، عملك الصالح هو يلي حدد موقفك من الموت الموت إما القبر حفرة من حفر النيران، أو روضة من رياض الجنان.
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾
( سورة غافر: 46 )
يعني آل فرعون من ست آلاف وخمسمائة سنة كل سنة ثلاث مائة وخمسون وستين يوم، كل يوم مرتين:
﴿غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾
والخير للأمام.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾
هكذا الإنسان ‍‌‍.
أما إذا عرف الله عز وجل، قبره روضة من رياض الجنة قال: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً ﴾
أيام إنسان يغتني فجأةً، يستلم منصب رفيع يشتري بيت فخم، السيارة ثمنها أربع وعشرين مليون بقلك أخذتها.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)﴾
فالبطولة، من يضحك آخراً، البطولة موقف الإنسان عند الموت، البطولة أن تلقى الله وأنت راضٍ عنه، وهو راضٍ عنك، البطولة الكيس، شوف هذا الحديث ما أدقه معروف، الكيسُ العاقلُ من دان نفسه، ضبطها ضبط دخله، ضبط إنفاقه، ضبط عينه، إذنه، لسانه، يده بيته عمله، الكيسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
أكثر المسلمين بقلك يا رب نحن عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان، يا رب لا تعاملنا بعملنا، هل الكلام ماله معنى.
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
( سورة النحل: 32 )
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
( سورة ااحجر: 92، 39 )
أنت تدعوا بدعاء خلاف القرآن.
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
لذلك الإنسان إذا دع، قال عليه الصلاة والسلام:
((اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، لا تطلب الرحمة وحدها لها ثمن الرحمة طلوب موجباتها ))
يعني لو فرضنا ابن قال لأبيه: وأبوه ملك، قال له: بدي سيارة، قال له: هي سيارة، قصر، هي قصر، طائرة هي طائرة، يخت هي يخت، قال له: بدي صير رئيس جامعة، قال له: هي بدها شهادات منك هي، الباقي كله مني سهل، أما إذا بدك تصير رئيس جامعة، أستاذ جامعة، هي بدك أنت يكون معك دكتورا، هي ليست علي هي عليك.
فالنبي كان أديب جداً مع الله، ما قال اللهم إني أسألك رحمتك قال لا موجبات رحمتك، اجعلني أهل لرحمتك، رحمتك لها ثمن يا ربي لأنه لها ثمن، رحمة الله لها ثمن، فالنبي سأل الله، موجبات رحمة الله وعزائم مغفرتك، والمغفرة لها ثمن، الرحمة لها ثمن والمغفرة لها ثمن.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء التاسع



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة:
في سورة التوبة، آيةٌ رقمها، أربعةٌ وسبعون، وهي قوله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(74)﴾
هذه الآية: لا نعرف منهم الذين قالوا ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، ولا في أية مناسبةٍ قالوا وكيف كفروا بعد إسلامهم، أسلموا ثم كفروا، هذه الآيات وهي قلةٌ في القرآن الكريم، لا تفهم إلا بأسباب النزول.
لهذه الآية قصةٌ غريبة، هذه القصة هي أن رجلاً صحابياً توفي في معركةٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلف طفلاً صغيراً، اسمه عُمير بن سعد، أم هذا الطفل الصغير الأرملة تزوجت رجلاً ثرياً في المدينة، هذا الرجل الثري، صاحب رسول الله، وأسلم.
حينما كان النبي عليه الصلاة والسلام، يغزو مع أصحابه كان لا يخبرهم بوجهته، من باب أخذ الحيطة، فالحرب خدعة، إلا أنه حينما توجه بهم إلى تبوك، في أيام الصيف الحارة، لأن الشقة بعيدة، ولأن العدو كثير العَدد والعُدد، فالأول مرةٍ النبي صلى الله عليه وسلم، يصرح لأصحابه بوجهته ليستعدوا، وبدأ أصحابه يستعدون.
امرأة باعت فراشها، وقدمت ثمنه للنبي عليه الصلاة والسلام الذي تنام عليه.
سيدنا عثمان جاء بجراب، فيه ألف دينارٍ ذهباً وقدمه للنبي عليه الصلاة والسلام.
سيدنا عبد الرحمن بن عوف، حمل على عاتقه مائتي وقيةٍ من الذهب، وألقاها بين يدي النبي الكريم.
يعني ما من واحدٍ من الصحابة، إلا وقدم كل شيء.
هذا الغلام يرى عمه زوج أمه، قاعد لا يتحرك، لا يستعد لا يقدم، لا يبذل مع أنه غنيٌ كبير، فأراد أن يستثير همته، كيف استثار همته ؟ بدأ يحدثه عن أصحاب النبي كيف يقدمون، اليوم يا عمي جاء سيدنا عثمان وفعل كذا، اليوم جاء ابن عوف وفعل كذا اليوم رجل باع فراشه، ضاق به ذرعاً ! وقال له:
قال إن كان محمدٌ صادقاً فيما يقول، مما يدعيه من النبوة فنحن شرٌ من الحمر.
سعد بن عُمير، لما سمع هذا الكلام من عمه، كان في رأسه عقلٌ وطار، هذا كفر، إن سكت خان الله ورسوله، وإن تكلم ولي نعمته، يعني الجلاس عمه أكرمه إكراماً ما بعده إكرام، وقع هذا الطفل الصغير في صراعٍ شديد، إن هو تكلم يعني كأنه سبب لعمه وولي نعمته شراً كبيراً، وإن هو سكت خان الله ورسوله، هذا غلامٌ صغير، اسمعوا ماذا قال لعمه.
التفت عمير إلى الجلاس، اسمه الجلاس عمه قال والله يا جلاس: ما كان على ظهر الأرض، أحدٌ بعد محمد بن عبد الله أحب إليّ منك، ما على ظهر الأرض، أحدٌ بعد محمد بن عبد الله أحب إليّ منك، فأنت آثر الناس عندي، وأجلهم يداً عليّ ولقد قلت مقالة إن ذكرتها فضحتك، وإن أخفيتها خنتُ أمانتي وأهلكت نفسي وديني وقد عزمتُ أن أمضي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قلت فكن على بينةٍ من أمرك.
أنا لا أعمل بالخفاء من وراء ظهرك، أنا إن سكت فقد خنت الله ورسوله، وإن تكلمت فضحتك، أنا سأذهب إلى النبي، وسأذكر له ما قلت، لأنه أنت محسوب صحابي، عما تقول لو كان محمداً صادقاً فيما يقول، فنحن شرٌ من الحمر، معناه غير صادق عندك أنت النبي الكريم استدعاه، فجاء الجلاس فحيى رسول الله طبعاً وجلس بين يديه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: مقالةٌ سمعتها منك، سمعها منك عُمير بن سعد، وذكر له ما قال، قال كذب عليّ يا رسول الله، وافترى، فو الله ما تفوهت بشيءٍ من ذلك، كذاب هذا وأخذ الصحابةُ ينقلون أبصارهم، بين الجلاس وبين فتاه عُمير وكأنهم يقولون، هل من واحدٍ أشدُ لؤماً من هذا الغلام، ولي نعمته وأكرمه، وضمه إلى أسرته، وأعطاه، ومع كل ذلك يفعل به كذا وقال آخرون: إنه غلامٌ نشأ في طاعة الله، وقسمات وجهه تدل على أنه صادق، شي بحير، صحابي يقول هذا كذاب يا رسول الله، أنا معقول أحكي هذا الكلام، والطفل بريء، والتفت النبي صلوات الله عليه، إلى عُمير فرأى وجهه قد احتقن بالدم، والدموع على خديه تنحدر انحدارا، فتساقطت الدموع على خديه، وقال هذا الغلام الصغير: اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلم به.
أنا كذبوني، اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به، فانبرى الجلاس وقال: إنما ذكرته لك يا رسول الله، هو الحق، وإن شئت تحالفنا بين يديك، هذا كذاب هذا، وإني أحلف بالله أني ما قلت شيئاً مما نقله لك عُمير، فما إن انتهى من حلفه، وأخذت العيون تنتقل منه إلى عُمير، حتى غشيت رسول الله السكينة، فعرف الصحابة أنه الوحي، فالزموا أماكنهم، وسكنت جوارحهم، ولاذوا بالصمت وتعلقت أبصارهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهنا ظهر الخوف والوجل على الجلاس، وبدى التلهف والتشوف على عُمير، وظل الجميع كذلك حتى سُريّ عن رسول الله فتلى قوله عز وجل:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾
إلى قوله تعالى:
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾
فارتعد الجلاس من هول ما سمع، وكاد ينعقد لسانه من الجزع، ثم التفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال يا رسول الله: بل أتوب بل أتوب يا رسول الله ! صدق عُمير، وكنت من الكاذبين، إسئل الله أن يقبل توبتي، جعلت فداك يا رسول الله، وهنا توجه النبي عليه الصلاة والسلام، إلى الفتى عُمير بن سعد، فإن دموع الفرح الآن دموع من نوع ثاني، هلق تبلل وجهه المشرق بنور الإيمان، فمد النبي يده الشريفة، إلى أذنه وأمسكها برفق، بلطف، وقال: وفت أذنك يا غلام ما سمعت وصدقك ربك.
عاد الجلاس إلى حضيرة الإسلام، أما الشي الغريب، ماذا تتوقعون ؟ أنه الجلاس يسئ له لأنه فضحه، ونزل به قرآن، إلى يوم القيامة، الذي حصل خلاف ما تتوقعون، عرف الصحابة صلاح حاله صلاح حال الجلاس، مما كان يغدقه على عُمير من درٍ بعد هذه الحادثة، ضاعف إكرامه له، وكان كلما ذكر عُمير، يقول الجلاس: جزاه الله عني خيراً، فقد أنقذني الله من الكفر، وأعتقى رقبتي من النار على يدي هذا الطفل الصغير.
وبعد: هذه سورة من سور أبناء المؤمنين، طفل صغير، يقف موقف رائع، في ذكاء، في عقل، في حكمة، ويجعل توبة هذا العم المحسن على يد هذا الطفل الصغير، هي تفسير الآية.
الآية الرابعة والسبعين:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾
إذا واحد قال ليش الصلاة: كفر، كَفر، إذا كان أنكر شيء بالقرآن أو بالسنة الثابتة، كَفر، في كلام كفر، بقلك الله عز وجل: يطعمي الحلاوة يلي ماله أضراس، هي كلمة كفر هي، معناها الله ليس حكيم، معناها ليس حكيم أنت الحكيم، هذا ما يستاهل يعطيه، هذا يستاهل ما يعطيه، انتبهوا يا أخوان في كلمات كلها كُفر، إذا قال لك واحد، أخي الدنيا مد وجزر، معناها ما في مصائب، الله ما دخله بالموضوع، إذا في رخاء، أو في شدة، في فقر أو غنى، الدهر يعني، بقلك الدنيا مد وجزر، الدهر يومان يومٌ لك ويوم عليك، هذا كلام كله خلاف القرآن، كُفر الكلام.
من جلس إلى كاهنٍ فصدقه فقد كفر، أيام بالسيران تجي منجمة احكي لنا، وين ماشي كفر، كفرت وأنت لا تدري، من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، من جلس إلى ساحرٍ فلم يصدقه، لتسلية فقط لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا دعاء أربعين يوماً.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
نقموا صار غني، الدين ما عاد يعجبه، بدو اختلاط، بدو سفر، بدو شهواته، بدو أجهزة لهو بالبيت، قال:
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)﴾
هي تفسير الآية، هذه الآية لا تفهم إلا بأسباب النزول، وهذا سبب نزولها .



الحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء العاشر




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة:
الآية الثالثة بعد المائة، من سورة التوبة، وهي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾
أيها الأخوة:
أول شيءٍ يلفت النظر في هذه الآية، أن الخطاب ليس موجهً للمؤمنين.
كقول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
( سورة البقرة: 183 )
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾
( سورة التحريم: 6 )
هذه الآية وجهت، لا إلى المؤمنين، بل إلى النبي، ووجهت إلى النبي لا على أنه نبي، بل على أنه ولي الأمر، الحاكم.
أحياناً يخاطب النبي، بصفة النبوة.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾
( سورة المائدة: 67 )
أما الآن النبي مخاطب، لا على أنه نبي على أنه ولي الأمر، الحاكم، لماذا ؟
أيها الأخوة:
الزكاة من حق الفقير، وكاد الفقر كفراً، وحينما ينشأ فارقٌ كبير، بين الدخول بالمجتمع، تنشأ الجرائم، والفساد، والدعارة والسرقة، والاحتيال، فالله جعل المال قوام الحياة.
فحينما نقول للمؤمن صلي، فإن لم يصلي يأثم وحده، صُم فإن لم يصُم، يأثم وحده، أما إذا كلف أن يدفع زكاة ماله، إذا لم يؤدي الزكاة، فسد المجتمع، وانهارت قيمه.
لذلك الزكاة لم يؤمر بها المؤمن أن يدفعها، بل أُمر منه ولي الأمر أن يأخذها منه عنوةً، لأنها حق الفقير.
هذا سر أن الآية موجه، لا إلى المؤمنين، بل إلى النبي وليس على أنه نبي، بل على أنه ولي الأمر.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
أما من تفيد التبعيض، ما في مصادرة كاملة بالإسلام.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
بعض أموالهم، اثنان ونصف في المائة، من تفيد التبعيض أما كلمة:
﴿أَمْوَالِهِمْ﴾
جاءت جمعاً ولم تأتي مفرداً يعني جميع الأموال تجب فيها الزكاة، لو عندك مزرعة فريز، مزرعة كرز عسل، أي مال زراعي، مال تجاري، صناعي، أي نشاطٍ في كسب المال، هذا معنى:
﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
من كل أنواع الأموال، إبل، بقر غنم، مزروعات، محاصيل، خضار، فواكه مما أنتجته الأرض معامل، صناعة، تجارة.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
من تفيد التبعيض وأموالهم تفيد كل أنواع المال، تجب فيها الزكاة.
أما كلمة:
﴿أَمْوَالِهِمْ﴾
في هم ضمير الجمع، أي الزكاة تجب على مجموع المسلمين، وليس هناك واحد مستثنى من الزكاة، ما في طي ضريبة، استثناء، يستثنى فلان من أحكام المادة كذا وكذا. خذ يا محمد على أنك ولي الأمر، من خذ بعض أموالهم، دع لهم كرائم أموالهم، أموالهم جمع، تفيد الزكاة تجب في جميع أنواع الأموال، وأموالهم، هم تفيد الجمع ضمير جمع أيضاً غائب، تفيد أن كل المسلمين، مكلفون بدفع الزكاة، لا فرق بين قوي وضعيف، ولا غنيٍ وفقير.
صدقةً: هذه آية الزكاة، فلماذا سماها الله صدقة ؟ ما سماها صدقة إلا لحكمةٍ بالغة، لأنها تؤكد صدق المؤمن، الإنسان كله حكي بحكي، لما يدفع الخمسميات زكاة ماله معناها صادق، والباقي زعبرة واحد عواطفه إسلامية، واحد تفكيره إسلامي، واحد بتابع قضايا إسلامية، واحد مشاعره إسلامية واحد بحب الإسلام ينتصروا بالبوسنة مثلاً، هذا كله زعبرة، أما حينما تخرج من مالك، مالاً تدفعه للفقير الآن أنت صادق بإيمانك.
فما سمى الله الزكاة صدقةً، إلا لأنها تؤكد صدق الإنسان، هي خذ ومن وأموال وهم.
﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾
أية طهارةٍ هذه ‍‍.
قال الفقير يكفر من الحقد، الفقير المحروم حاقد، أساساً كلما انخفض الدخل، والفرق الاجتماعي أصبح كبيراً، تكثر الجرائم والسرقات والاحتيال، تسقط النساء من أجل أن يأكلن.
فلذلك الآية الكريمة:
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾
تطهر الفقير من الحقد والغني من الشح، وتطهر المال من تعلق حق الغير به.
الحجر المغصوب في دارٍ رهنٌ بخرابها، إذا دار فيها حجر مغصوب، ربما انهارت هذه الدار.
وإذا مال في تعلق به حق الفقير، ربما أتلف هذا المال.
لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( ما تلف مالٌ في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة.))
إذاً: تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، وتطهر المال من تعلق حق الغير به.
لذلك العلماء قالوا: الأموال مهما بلغت، لا تسمى كنزاً إذا أديت زكاتها، والأموال مهما قلت، إن لم تؤدى زكاتها فهي كنز:
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾
( سورة التوبة: 35 )
إذاً المال الذي أديت زكاته، لا يسمى كنزاً، والمال الذي لم تؤدى زكاته يسمى كنزاً، والنبي علمنا اللهم صلي عليه:
برء من الشح من أدى زكاة ماله.
إذا بتقول عن واحد شحيح، وقد أدى زكاة ماله، فقد ارتكبت إثماً كبيراً، مادام أدى الزكاة ليس شحيحاً، قد يكون عنده وجهة نظر، يريد تأمين بيت لأولاده، فضغط مصروفه هذا كمال بالإنسان، إياك أن تتهم إنسان بالشح، إذا أدى زكاة ماله.
النبي الكريم علمنا: برء من الشح من أدى زكاة ماله، وبرء من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرء من النفاق من أكثر من ذكر الله إكثار ذكر الله براءةٌ من النفاق،، وأن تحمل الحاجة بيدك براءةٌ من الكبر، وأن تؤدي زكاة مالك براءةٌ من الشح.
هي:
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾
طيب:
﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾
الزكاة في اللغة النماء فالفقير حينما يعطى له زكاة الأموال، محروم، جائع، أولاده في عُري، يُطرق بابه يعطى الطعام، الشراب، الكساء، اللباس أو المال، يشعر أن مجتمعه، مهتمٌ به، ترتفع معنوياته، تنقلب ميول الحقد، إلى ميول محبة، فالغني الذي يؤدي زكاة ماله، الفقراء الذين حوله حراسٌ له، أما الغني الذي لا يؤدي زكاة ماله، الفقراء حوله لصوص، يقلبهم إلى لصوص، أما الغني الذي يؤدي زكاة ماله يجعل من حوله حراساً له، في محبة. إذاً معنى النماء، نفس الفقير تنمو، تنمو حينما تشعر، أن المجتمع مهتمٌ بالفقير. شيء ثاني: ونفس الغني تنمو، كيف تنمو ؟ حينما يشعر الغني أنه سبب لإشاعة البسمة في نفوس الفقراء، هذا شعور آخر والمال ينمو بطريقة العناية الإلهية المباشرة، هناك وسائل لنماء المال لكن هناك وسائل خفية، يكرم الله بها المؤمنين، الذين أدوا زكاة أموالهم، بمعنى.
أن الله سبحانه وتعالى قد يصرف عن الغني المؤدي زكاة ماله صفقةً خاسرة، الله يعلم لأنه وقد يلهمه صفقةً رابحة، فهو حينما أدى زكاة ماله، ألهمه طرائق في كسب المال، لم يكن يعرفها من قبل.
إذاً:
﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾
تنمي نفس الفقير، حينما يشعر أن مجتمعه مهتمٌ به، وتنمي نفس الغني، حينما يشعر أنه في قلوب الآلاف والمئات، وتنمي المال ذاته، عن طريق العناية الإلهية المباشرة. يعني في وسائل لكسب المال، وفي وسائل ربنا عزوجل يدخرها للمؤمنين.
يعني واحد أقرض قرض ربوي، على الآلة الحاسبة، هناك ربح ثابت من هذا القرض، جاء مؤمن آخر أقرض قرض حسن لوجه الله، بحسب الآلة الحاسبة في خسارة، بقلك في تضخم نقدي، كل عام سبعة عشرة بالمائة، أنا دينت هل المائة ألف، عادت لي بعد عام أقل بسبعة عشرة ألف ليرة، فأين الربح ؟.
ربنا عز وجل بهذه المناسبة، ييسر لهذا المقرض القرض الحسن مورد رزق لم يكن يخطر على باله.
إذاً هذه الآية:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
النبي عليه الصلاة والسلام حينما يرى من أصحابه كمالاً وإنفاقاً وبذلاً، وتضحيةً، حينما يرى من أصحابه سمتاً حسناً وسكينةً، ووقاراً، وحباً، وتضحيةً، يصلي عليهم بمعنى، يتوجه إليهم، هذه الصلة من النبي على أصحابه، سكينةٌ لهم.
هذا ما قاله أحد أصحاب رسول الله، اسمه حنظلة، كان في الطريق يبكي، مر به الصديق.
قال: مالك تبكي يا حنظلة ؟ قال: نافق حنظلة.
قال: ولما يا أخي ؟
قال: نكون مع رسول الله نحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، عافسنا.
الإنسان بكون بمجلس علم يشعر بصفاء، بحال طيب، فإذا ذهب إلى البيت، الحاجة غير ميسرة، الأكل غير ناضج مثلاً، علق تعليق قاسي شوي، صار في خصومة، أين الحال الذي كان فيه بالمسجد ؟
فإذا عافسنا الأهل ننسى.
فما كان من هذا الصديق الجليل وهو يتمتع بأعلى درجات الكمال، إلا أن قال لحنظلة، أنا كذلك يا أخي، أنا مثلك.
إنطلق بنا إلى رسول الله، فلما انطلقا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وحدثا النبي بهذه المشكلة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( لو بقيتم على الحال، التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة. ))
إذاً: ماذا حصل عند رسول الله ؟
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
( سورة التوبة: 103 )
لذلك الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾
( سورة الكهف: 28 )
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
( سورة الكهف: 119 )
لذلك:
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
النبي الكريم يقول: ((لو بقيتم على الحال، التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ))
ولزارتكم في بيوتكم، أما نحن معاشر الأنبياء، فتنام أعيننا ولا تنام قلوبنا اتصال مستمر، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، المؤمن ساعة وساعة ليس ساعة معصية، وساعة طاعة، إياكم أن تفهموا ذلك، ساعة إقبال وساعة فتور، أما الاستقامة مستمرة.
هذه الآية أصبحت كما يلي: بسم الله الرحمن الرحيم
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الحادى عشر


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة:
الآية الربعة بعد المائة من سورة التوبة وهي قوله تعالى:
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) ﴾
سنقف قليل عند كلمة يأخذ الصدقات.
يبدو أن النبي علية الصلاة والسلام، أقتبس من هذه الآية الحديث الشريف: ((إن الصدقة لتقع في يده الله قبل أن تقع في يده الفقير ))
ويقول عليه الصلاة والسلام: ((بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها، ثانياً. ))
ويقول علية الصلاة والسلام ((: صدقة السر تطفئ غضب الرب. ))
معنى ذلك؟ إن الإنسان إذا زلت قدمه، أو أرتكب خطيئة وبسبب هذه الخطيئة، حُجب عن الله عز وجل، ماذا يعمل ؟.
لو أن إنساناً أخطأ، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابين، زلت قدمه، غلبته نفسه، وقع في خطيئةٍ أيبقى مطروداً من رحمة الله ؟ أيبقى محجوباً عن الله عز وجل، عندئذٍ تتفاقم الأمور الإنسان في زيادة دائماً، إما في زيادة للخير أو للشر.
فهذه نصيحةٌ كريمة، أي أخٍ مؤمنٍ يؤمن بالله عز وجل، يقرأ هذه الآية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾
((إن الصدقة لتقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد الفقير ))
(( باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ))
((صدقة السر تطفئ غضب الرب. ))
معنى ذلك أن الله يسترضى، أما العبد اللئيم لا يسترضى، لكن الله جل جلاله يسترضى، واحد غلط، أساء، أخطأ، نظر، تكلم يبقى محجوب ؟ لا ! معناه جاهل.
الله عز وجل: هو يقبل التوبة عن عباده، لكن التوبة تحتاج إلى ثمن، إذا دفعت صدقةً فيما بينك وبين الله، لا تدري شمالك ما أنفقت يمينك، تبتغي أن تسترضي الله عز وجل، فإن البلاء لا يتخطى هذه الصدقة، وإن هذه الصدقة تطفئ غضب الرب، وإنها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير.
فالواحد إذا كان على صلة بالله، وهو سعيد بهذه الصلة، ثم حجب، بسبب معصية، أو خطيئة عن غير قصد، لا يبقى مكتوف اليدين، لا، لا يبقى يجتر همومه، ويندب حظه، لا، يتحرك نحو الله عز وجل، لا ملجأ منه إلا إليه.
يعني لو أن طفل صغير، أمه نبذته، أحياناً الأطفال يتقدم ويلقي بنفسه في أحضان أمه، ويسألها المعذرة، الأم، أم، فالله عز وجل هو أرحم، فالإنسان يسجد ويمرغ جبهته بأعتاب الله عز وجل ويدفع صدقة كي تطفئ غضب الرب، وتؤكد صدقه مع ربه، في توبته.
الأحاديث الثلاثة، هي تجسد هذه الآية:
﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾
تقع في يد الله، هذا العبد الفقير هو عبد لله عز وجل، أعطيته هذا المبلغ دون أن تعلم أحد بذلك، تبتغي مرضاة الله عز وجل، تبتغي أن يعفو الله عنك أن يسمح لك، أن تتصل به ثانيةً.
لذلك: لله أفرح بتوبة عبده، من الضال الواجد، والعقيم الوالد والظمآن الوارد، وإن الله يحب التوابين، والتوابين صيغة مبالغة لاسم الفاعل، يعني شديدوا التوبة، كثيروا التوبة، كلما زلت قدمهم يتوبون إلى الله عز وجل.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾
( سورة الُزمر: 53 )
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
( سورة الحجر: 49، 50 )
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾
تصور ما في توبة، ما الذي يحدث ؟ يحدث الإنسان يقول لك هي هي الله غضبان عليّ، بفجر، الأمور تتفاقم، تتفاقم، كثير، لو ما في باب توبة مفتوح، الإنسان ينتقل من أصغر معصية، لأكبر معصية بصير مجرم، رحمة الله بالإنسان، لو جئتني بملء السماوات والأرض، ذنوب غفرتها لك ولا أبالي، لو جئتني مشياً أتيتك هرولتاً لو تقربت إليّ ذراعاً، تقربت إليك باعاً، لو أتيتني مشياً أتيتك هرولةً إني والأنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليَ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عنيّ منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لطهرهم من الذنوب والمعايب الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بالعبد من الأم بولدها.
باب التوبة مفتوح أيها الأخوة: بادروا، لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد.
إنسان ركب ناقته ليقطع فيها الصحراء، جلس ليسترح، فاستيقظ فلم يجد الناقة، فأيقن بالهلاك، فصار يبكي، حتى أدركه النعاس فأفاق فرأى الناقة، من شدة فرحه، قال يا ربي أنا ربك وأنت عبدي غلط النبي يقول:
(( لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته.))
فلذلك، كلمة يلي عنده إحساس رقيق، كلمة يقبل الصدقات هذه الصدقة التي أردت بها، وجه الله، تقع في يد الله، قبل أن تقع في يد الفقير.
(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))
(( بادروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ))
الله يسترضى، يسترضى بالتوبة، والصدقة.
قال له آماء لا يسترضون، لذلك:
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)﴾
هي آية دقيقة جداً:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾
( سورة الُتوبة: 105 )






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الثانى عشر


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد: الآية التاسعة بعد المائة من سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) ﴾
أيها الأخوة الكرام:
من إعجاز القرآن الكريم، أن الآية لها معنى، في السياق وفي السباق، وفي اللحاق، فإذا نزعت من سياقها، تُعد قانوناً، فلعل تفسير هذه الآية في سياق الآيات التي قبلها، لها منحى، ومعنى، لكن لو اقتطعنا هذه الآية وحدها، ووقفنا عند معانيها الدقيقة، لكانت وحدةً مستقلةً في معانيها.
فمثلاً: الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾
بناء يا ترى هل بنيت عقيدتك على أساسٍ صحيح ؟ هل عرفت حقيقة الحياة الدنيا ؟ هل عرفت من أنت ؟ ما دورك في الحياة ؟ هل عرفت حقيقة الكون ؟ لماذا خلقت في الدنيا ؟ يعني تصوراتك عن الكون، والحياة والشهوات، صحيحة ؟ ما حكمت الشهوة التي أودعها الله فيك ؟ هل أنت مخير أم مسير ؟ ما أثمن شيء بالحياة الدنيا ؟ هل هو أن تجمع الأموال ؟ أم أن تنغمس في الملذات ؟ أم أن تعمل صالحاً.
فالبنيان ؟ البناء الفكري، طيب، الآن البيت بناء، أسست بيت بناء بشكل إسلامي ؟ اخترت زوجة صالحة مؤمنة ؟ من تزوج المرأة لجمالها أذله الله ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، فعليك بذات الدين تربت يداك.
بنيت عقلك بناء صحيح، بنيت بيتك بناء صحيح، الآن بنيت عملك بناء صحيح، في أعمال مبنية على معصية، في أعمال مبنية على بضاعة محرمة، في أعمال مبنية على أخذ ما عند الناس، على إيقاع الأذى بالناس، على بث الخوف عند الناس، يا ترى بنيت عقيدتك، وبنيت بيتك وبنيت عملك بناء صحيح ؟
ربنا عز وجل يقول: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾
على طاعة الله، كنت أقول في عقود القران: ما من زواجٍ يبنى على طاعة الله ولو افتقر إلى معظم مقومات نجاحه، إلا ويتولى الله في عليائه التوفيق بين الزوجين، وما من زواجٍ يبنى على معصية الله ولو توافرت له كل أسباب النجاح، إلا ويتولى الشيطان التفريق بينهما.
فالآية واسعة جداً، بناء ذاتك، فكراً، وشعوراً، وسلوكاً، بناء بيتك وهو ألصق شيءٍ بك، اختيار زوجتك، تربية أولادك، بناء عملك، فهل هذه الأبنية ؟ ذاتك، وأهلك، وعملك، هل هذه الأبنية ؟ بنيت وفق طاعة الله، وفق منهج الله، وفق الكتاب والسنة، أم وفق العادات والتقاليد، أو وفق ما تألف الناس عليه، أو وفق ما يأتين من الغرب.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾
يا ترى في بالبيت معاصي ؟ في بالعمل معصية ؟ هناك أعمال مبنية على المعاصي، مبنية على المحرمات، أم في ذاتها، أو في طريقة التعامل بها، فالله عز وجل يقول: ما أبعد المنى، بين الذي أسس بنيانه على تقوى من الله، وبين الذي، أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.
لو واحد عنده مطعم مثلاً، يقدم فيه الخمور، فهذا: أسس عمله على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.
ورد في الأثر:
((أن الأغنياء يحشرون أربع فرق يوم القيامة. ))
فريق جمع المال من حرام وأنفقه في حرام، هذا حسابه سريع جداً، يقال خذوه إلى النار، ما في مشكلة، كلمة وحدة.
وفريقٌ جمع المال من حلال، تجارة مشروعة، وأنفقه في حرام أنفقه على ملذاته، وعلى الليالي الحمراء، والموائد الخضراء والدخل مشروع في الأساس.
وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام، فيقال خذوه إلى النار أيضاً شيء سهل، كلمة وحدة.
وفريق جمع المال من حرام، عنده ملهى مثلاً، أو تجارة محرمة، أو طريقة ربوية، وأنفقه في حلال، أتزوج، واشترى بيت وربى أولاده، من مال حرام، أيضاً هذا الشخص الثالث حسابه سريع فيقال خذه إلى النار، من بقي ؟ بقي الرابع.
وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال، قال هذا خذوه فسألوا، هذا حققوا معه، هل تاه بماله على عباد الله ؟ هل نسي فرض صلاة ؟ هل قصر في حق جيرانه ؟ هل قال من حوله يا ربي لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا.
فالنبي عليه الصلاة والسلام، كان بليغ، فحتى يعبر عن مدى ما أمامه من أسئلة، قال فما يزال يسأل ويسأل، أنتظر ‍‍‍‍‍، هذه قصة طويلة كثير، تركه ومشي فما زال يسأل ويسأل.
يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة.فريقٌ جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام، فيقال خذوه إلى النار.وفريقٌ جمع المال من حلال، وأنفقه في حرام، فيقال خذوه إلى النار. فريقٌ جمع المال من حرام، وأنفقه في حلال، فيقال خذوه إلى النار. فريقٌ جمع المال من حلال، وأنفقه في حلال، فيقال خذوه فسألوه، قفوه فسألوه أول سؤال، ثاني سؤال، هل تاه بماله على من حوله ؟ هل قصر في حق جيرانه ؟ هل ظهر بماله وما عنده ؟ حتى قال جيرانه يا ربنا لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا، فالنبي عبر عن كثرة الأسئلة، قال فما زال يسأل ويسأل.
فلذلك لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ! عن شبابه فيما أبلاه ؟ وعن عمره فيما أفناه ؟ وعن علمه ماذا عمل به ؟ لكن المال سؤالين ! وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه ؟
فأخوانا الكرام:
آية دقيقة جداً، طبعاً لها بالسياق معنى آخر، أما لو نزعت من السياق، الله عز وجل يقول: هل يستوي من أسس بناءه الفكري بناءه الشعوري، أذواقه كلها إسلامية، يتغنى بالقرآن، ما بحب المغنية الفلانية، أذواقه الشعورية، بناءه الفكري صحيح، أمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، آمن بالله خالق، ورباً، ومسيراً موجوداً وواحداً، وكاملاً، آمن بعصمة الأنبياء، وفطانتهم وعصمتهم، وجهادهم، وبطولتهم، آمن بالكتب السماوية، بناء الفكري صحيح، آمن أن سيدنا آدم أول البشر، وأن هي نظرية دارون نظرية مالها أساس من الصحة، يعني بناءه الفكري صحيح أذواق النفسية.
لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به، أذواقه قرآنية يتغنى بالقرآن، يطرب لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، يأنس بالمسجد، يطرب بمجالس العلم، ينفر من أماكن اللهو، يبتعد عن الأسواق، بنيانه الفكري صحيح، بنيانه النفسي صحيح، بيته اختار زوجة مؤمنة، أنجب أولاد رباهم تربية إسلامية، بيته ما في مخالفات، ما في اختلاط، برمضان، أخي سفرة وحدة حتى ما نتغلب ما في عنده اختلاط، ما في عنده انحرافات، ما في سهرات وراء أعمال فنية ساقطة، ما في عنده أجهزة لهوا، بتسمم له أخلاق الأهل بيته صحيح، عمله ما في كذب بتجارته، ما في غش ما في خداع، ما في إيهام، ما في تدليس، ما في بضاعة محرمة، ما في تعامل محرم هذا يلي أسس بناءه الفكري، وبناءه النفسي، وبيته وعمله، على طاعة الله وعلى منهج الله وعلى أمر الله وعلى سنة رسول الله، قال هذا يستوي، مع من أسس بنيانه على شفة شو بطالع قصص فلان الفلاني، كلها قصص، أدب مكشوف، أذواقه الأفلام الفلانية، أذواقه المسرحية الفلانية، الأعمال الفنية الفلانية، هي أذواقه، بحب الاختلاط بحب الفرفشة كما يقول الناس، طيب ببيته ما في انضباط ما صلاة ولا في قرآن ولا في استقامة، عمله كله على هبج بالتعبير العامي، من وين ما صح له قرش حلال على الشاطر، طيب هذا ماذا فعل ؟ هذا أسس بنيانه على شفة جرف هار أخرته على جهنم، فانهار به في نار جهنم، فالآية دقيقة جداً:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)﴾
يعني: في فندق بأغادير بالمغرب، هي أغادير مدينة سياحية يرتادها الأجانب وفيها كل الموبقات، التي لا تعقل، فيها فندق فخم خمس نجوم، الفندق هذا أسمه هوليدي إن، في الزلزال، هبط إلى أعماق الأرض وبقيت لوحته في الطابق الثلاثين، كشاهده على قبره فندق ثلاثين طابق يغوص في أعماق الأرض إثر زلزال، لحكمة أردها الله أسمه على آخر طابق مكتوب هوليدي إن، بقي هذا الاسم على السطح، يعني مثل شاهده، على هذا القبر، لكان.
إذا كان مكان في معاصي، موبقات، وزنى، وانحراف، هذا أخرته ينهار في الدنيا والآخرة.
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)﴾
أخوانا الكرام:
العمر قصير، والزمن خطير، واللقاء حتمي، والخيار بالإيمان ليس خيار قبول أو رفض، خيار وقت فقط، لأن فرعون آمن، بس آمن بعد فوات الأوان، فمالنا خيار بالإيمان، الإيمان:
﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق: 22 )
فالواحد يعمل دراسة دقيقة لعمله، لطرق كسب المال في حياته، طرق إنفاق المال بيته، بناته زوجته، أولاده، شو في أشياء محرمة، بناءه الفكري، عقيدته مشاعره، أذواقه، لهوه، طربه، نمطه، يعني إنسان يحضر مجلس علم، حتى المجلس يساهم بشكل تدريجي، ببنائك البناء الصحيح حتى تعرف الحقيقة من أنت ؟ إلى أين ؟ وأين كنت ؟
فالإنسان من دون مجلس علم ما بتعلم، مجلس العلم هو الذي يبني إيمانك البناء الصحيح، وأنت عليك التطبيق، وهي الآية احفظوها:
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الثالث عشر



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الحادية عشرة بعد المائة من سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112)﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
هذا كلام خالق الكون:
﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
بالمناسبة الآيات التي تتحدث عن بذل المال والنفس كثيرة جداً، إلا أن كلها ورد فيها بذل المال قبل بذل النفس.
لأنه أسهل ! بقلك خذ كل شئ وخلصني، فالمال أهون عند الإنسان من ذاته، فإنفاق المال أهون من إزهاق الروح.
لذلك ربنا عز وجل، وصف الواقع، فالإنسان أسهل عليه ينفق ماله من أن يضحي بحياته، لذلك قالوا: والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
لذلك أعلى مرتبة، الشهداء ! لأنهم ضحوا بأثمن ما يملكون وهي ذاتهم، لكن ربنا عز وجل وصف طبيعة الإنسان، أنه أحيان يسخو بماله، ولا يسخو بنفسه، لذلك قدم ربنا بذل المال على بذل النفس.
﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾
( سورة الحجرات: 15 )
هذه الآية متكررة أكثر من ثمانية عشر مرة، إلا هذه الآية الوحيدة، التي جاء فيها بذل النفس قبل بذل المال، لأن هنا بيع قطعي الله اشترى وهو باع ‍! فإذا في عقد بيع، الألطف والأكمل، أن نبدأ بالأغلى.
واحد باع بيت ودكانه، بعنا الدكان الفلانية ذات المحضر والبيت الفلاني، لا ! يبدأ بالبيت، ثم بالدكان، لأنه أغلى.
فربنا عز وجل قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
هي الآية، لو الإنسان يتحقق فيها، تنحل كل مشاكله، أنت مؤمن ؟ قول لا لأشوف، لا مؤمن، ورب الكعبة، بعت، بعت لماذا تعترض على الله إذاً ؟ ما بعته أنت ؟ هو حر، بفقرك، يغنيك يعطيك، يمنعك، يرفعك، يعمل لك مشكلة، يخوفك، هو اشتراها نفسك منك اشتراها، فالآن عما يربي لك إياها، أيام بمناسبة بخوفك أيام يطمئنك، أيام يغنيك، أيام بقلل عليك شوي، أيام يخوفك، أيام يطمئنك.
فتبدل الأحوال من خوف إلى طمأنينة، من جوع إلى شبع، من عري إلى إكساء، من غنى إلى فقر، من انطلاق إلى انكماش، هذا التبدل، تبدل تربوي من حكيم، فأنت مالك حق تعترض، لأنك أنت بعت والله اشترى.
تصور هل المثل واحد عنده بيت عرضه للبيع، جاء مشتري قال له كم ثمنه ؟ قال له ثلاث ملايين، قال له: هي ثلاثة، بالتمام والكمال بعت، بعت، طوب، طوب، يلي اشترى البيت حب يقيم حائط بين الغرفتين، أخي ليش عما تقيم الحائط، شو دخلك أنت، ما بعت البيت أنت ؟ خلص، ما دام بعت، بعت.
فهذا المعنى دقيق جداً، لما الإنسان يشعر أنه باع، باع نفسه لله فصار طاقته، ونفسه، وماله، وجهده، وعرقه، وعضلاته، وقته باعن لله، فالله عز وجل بحسب حكمته، وحسب علمه، أيام يطمئنه أيام يخوفه، أيام يعطيه، أيام يمنعه، أيام يجمعه، أيام يفرقه لحكمةٍ أرادها الله.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾
لكن الله اشترى وأنت بعت، هي خاصة بالمؤمنين.
الكافر مال بايع، يعترض دائماً، لا باع ولا اشترى، هو أساساً ضائع ماله عرفان حاله وين صفيان، أما المؤمن باع، باع الله نفسه، باع وقته، باع ذكائه، باع طلاقة لسانه، باع قلمه، باع ماله باع جهده، باع جاه، كل هذه الحظوظ، التي أكرمه الله بها، باعها في سبيل الله، والله اشتراها منه.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
طيب ما الثمن ؟ الله اشترى وأنت بعت، طيب الثمن ؟ قال:
﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
هي إلى أبد الآبدين، فيها مالا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت كثير الآية دقيقة:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
الثمن هو الجنة.
لذلك:
﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
والله أيها الأخوة: زوال الكون أهون على الله من أن يخلف وعده مع المؤمن، زوال الكون أهون على الله من أن يخلف وعده مع المؤمن.
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾
(سورة التوبة)
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)﴾
( سورة النساء: 87 )
لذلك قالوا العلماء لما ربنا عز وجل قال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
( سورة الفيل: 1 )
بربكم أنتم هل رأيتم هذه الحادثة ؟ ما رأيتم ! الله عز وجل ما قال ألم تسمع قال:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾
والله يا ربي أنا ما شفت هذا الشيء، ما رأيته سمعت به لكن لم أراه بس كلام ربنا هذا، لما يقول الله:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾
وهي خبر وليس مشاهد، وليس هذا مشاهداً.
قال علماء التفسير، خبر الله، لأنه من الله يجب أن تتقبله وكأنك تراه، خبر الله لأنه، الله المخبر، إذا أخبرك بخبر، كأنك تراه رأي العين.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
قال:
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا﴾
الاستبشار الإنسان أيام، الله يمرره بطريق الإيمان بحالات صعبة، عما يربي فالإنسان ما لازم يخضع يخنع.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
( سورة آل عمران: 139 )
علامة المؤمن معنوياته عالية كثير، لأنه يتعامل مع خالق الكون من علامات المؤمن، أنه.
سيدنا رسول الله، وهو في طريقه في الهجرة لحقه سراقة يعني إذا ممكن نعمل خط بياني لمعنوياته، أو إلى نجاحه أو عدم نجاحه بالدعوة، إذا في خط بياني، يمكن الخط البياني وصل إلى النهاية الصغرة، أو إلى الحضيض رياضياً، وهو في طريقه إلى المدينة.
أولاً: ملاحق... مهدور دمه... موضوع مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً...
ويرى سراقة ! ويقول له يا سراقة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ماذا يقول النبي، وهو ملاحق، وهو مهدورٌ دمه، وقد موضوع مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يقول له يا سراقة: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ كم معنوياته عالية اللهم صلي عليه ! كم يشعر أنه الله سينصره لن يتخلى عنه.
الآن المسلمين في أمس الحاجة إلى هذه المشاعر، الله ما يتخلى عن المسلمين، بس عليهم أن يطبقوا أمر الله.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
( سورة الأنفال: 33 )
دقيقة الآية، قال علماء التفسير، ما دمت بين ظهرانيهم، وما كان الله ليعذبهم في معهم بحبوحة، وقال علماء آخرون، وهم محقون في قولهم، ما كان الله لعذبهم وسنتك مطبقة في حياتهم، مستحيل، طبقوا المنهج.
يعني إذا كان جنابك أب، وعندك ابن، طموحك يكون طبيب أخذ بكالوريا بمائتين وثلاثين، ودخل طب، وأخذ كل مادة جيد جداً جيد جداً، وأخلاقه عالية، يعني يخطر ببالك تهينوا بكلمة، يخطر ببالك تمنع عنه المال، ما في داعي.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
ما دامت سنتك مطبقةً في حياتهم في بيوتهم في أعمالهم، في علاقاتهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في نشاطاتهم، في حركتهم.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾
وفي حالة ثانية في بحبوحة.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
( سورة الأنفال: 33 )
تصور أب له ابن أخذ بالرياضيات صفر، والأب غضب وأرعد، وأزبد وبدو يعمله له مشكلة، قام فلقى ابنه ما عد أكل أبداً راح نصف وزنه، مصمد مبلغ بدو يحط أستاذ رياضيات، بتلاف التقصير، لما شاف الأب ابنه بهذا الاهتمام، وبهذا الألم، وبهذا الندم وبهذا الخوف، وبهذا البذل، خلص ما في داعي قرب عليه.
فربنا عز وجل: أنت في بحبوحة مرتين، مرة إذا طبقت السنة ومرة إذا ندمت على خطئك، وتأثرت، وبادرت إلى التوبة، وأصلحت واستغفرت، وتبت. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
فهؤلاء الذين:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ﴾
أيام الإنسان بس يشتري بيت يدقر، بكن كنه، وإذا كان خطب ونكتب الكتاب، بس ينتهي الكتاب بتلاقي كن، ليكون مالنا موفقين بهذه الشروة، ليكون مالنا موفقين بهذه الجوازة.
كل إنسان، بقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((ما دعوت أحد إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر.))
وأنا ألاحظها أثناء عقود القران، تلاقي جمد نظره الخطيب ليكون ما توفقنا مثلاً ؟ أثناء شراء البيت وعند التوقيع ودفعت المبلغ ليكون في له مشكلة هذا البيت ليكون ما راح توفق منه.
فربنا عز وجل، إذا أنت بعت فعلاً لا تكن.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾
كون متفائل، أنت عاملت خالق الكون، لا تدقر، لا تقلق، ليكون غلطنا.
﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾
خالق الكون العظيم يقول لك هذا، هو الفوز العظيم.
واحد لو أنه جمع أكبر ثروة، وجاء الموت، هذا ليس فوز عظيم، لو كان بأعلى مكانه، وجاء الموت، ليس فوزاً عظيماً، ربنا عز وجل يصف أن تبيع نفسك، ومالك لله عز وجل، على أن يعطيعك الجنة، هذا هو الفوز العظيم وهذا هو البيع الرابح، وهذه هي التجارة، وذلك هو الفوز العظيم.
هؤلاء الذين باعوا، ما صفاتهم ؟
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)﴾
أخوانا بالمناسبة:
في عنا قاعدة منطقية قلتها لكم سابقاً، الصفة قيد، قول إنسان تشمل خمسة آلاف مليون، قول إنسان مسلم، صاروا ألف مليون قول إنسان مسلم عربي، بقي مائة مليون، قول إنسان مسلم عربي مثقف، بقي فرضاً أربعين مليون، قول إنسان مسلم عربي مثقف طبيب، بقي مليون، قول إنسان مسلم عربي مثقف طبيب قلب بقي مائتين ألف، قول إنسان مسلم عربي مثقف طبيب قلب جراح بقي عشرة، قول مقيم في الشام بقي اثنين، لاحظ كلما ضفت صفة، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله بيع قطعي، هؤلاء تائبون، ضاقت الدائرة.
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾
قال:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)﴾
هؤلاء هم المؤمنون فهذه الآية: من جهة هدف، ومن جهة مقياس، هدف لك ومقياس لك، قيس نفسك فيها، تائب دائماً، المؤمن تواب كثير التوبة.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾
( سورة البقرة: 222 )
عابد يعني غاية الاستسلام وغاية الحب وغاية الإخلاص، حامد على السراء والضراء، سائح تفكر في ملكوت السماوات والأرض، راكع خاضع للأمر، ساجد تطلب العون من الله عز وجل، تأمر بالمعروف، ولا تأخذك في الله لومة لائم، تنهى عن المنكر، ولا تأبى، تحفظ حدود الله، قال:
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)﴾
أصبحت الآية:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112)﴾
إذا واحد بصلي خمس أوقات، وكل ركعة، والعصر إن الإنسان، أحفظ كم مقطع هكذا، يذكروك، يعني الصورة إذا حفظت وكررت باستمرار، بالنسبة لك ما عاد تفهم منها شيء، لكن إذا كان يوم حفظت مقطع، أحفظ مقطع، أقرأه بالمغرب والعشاء والفجر.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112)﴾
هذا مقطع يقرأ في الصلاة، كمان بذكرك بعقد البيع.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الرابع عشر



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
ففي آواخر سورة التوبة قوله تعالى:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
أيها الأخوة: لهذه الآيات قصة مثيرة جداً، ثلاثة من أصحابه رسول الله تخلفوا عن الجهاد، وحينما وقفوا أمام النبي صلى الله عليه وسلم، ليعتذروا أرادوا أن يكونوا صادقين، فلم يقدموا عذراً واهياً بل كانوا صادقين مع الله ورسوله وأنفسهم.
لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقاطعوهم قرابته خمسين يوماً ‍‍‍‍‍‍ ثم تاب الله عليهم، وسوف أتلو عليكم هذه القصة إن شاء الله تعالى، بداً من يوم السبت، السبت والأحد نتلوا عليكم قصة هؤلاء الصحابة الثلاث الذين خلفوا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت.
لكن الآية التي تليها، وهي موضوع اليوم وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾
أمر ألهي، وكل أمر ألهي يقتضي الوجوب، كونوا معهم.
﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾
وهناك من يرى أنكم عليكم أن تتقوا الله، أي عليكم أن تطيعوا، والذي يعينكم على طاعته، أن تكونوا مع الصادقين، لو كنتم مع الكاذبين، أو المنافقين، أو الكافرين، أو مجتمع أهل الدنيا، لا تستطيعون أن تطيعوا الله عز وجل، من أجل أن تطيعوا الله عز وجل، كونوا مع الصادقين، العلم يطلب في الجامعات، لا في الأسواق، فإذا أراد الإنسان أن ينال أعلى شهادة علمية، عليه أن يلتحق بالجامعة، لا بالسوق، سوق ينمي الأموال أما الجامعات تعطي العلوم، لكن قد يسأل سائل، من هم الصادقين ؟ الأمر الإلهي.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾
طيب من هم الصادقون ؟ كل يدعي أنه صادق، هل هناك في الأرض يقول لك أنا كاذب ؟ لا، طيب هل هناك علامات في القرآن الكريم تعرفنا بالصادقين ؟ نعم، علاماتٌ كثيرة.
من هذه العلامات:
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾
( سورة يس: 20 ـ 21 )
ما في إنسان بتحرك حركة إلا بهدف فإذا كانت حركته منزهةً عن الأهداف الأرضية، فيغلب على الظن والله أعلم أنه مخلص، لا يبتغي لا درهماً، ولا ديناراً، ولا شيئاً أدبياً ولا معنوياً، ولا مادياً، ولا مديحاً، ولا ثناءً، ولا يبتغي شيئاً، إذاً هو يبتغي وجه الله.
فأول علامةٍ من علامات الصادقين:
﴿لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾
﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) ﴾
هي علامة.
العلامة الثانية: مستنبطة من قوله تعالى:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾
( سورة البقرة: 124 )
ما استحق هذا النبي العظيم، أن يكون إماماً إلا بعد أن طبق أمر الله مائة في المائة، فالإنسان المستقيم هو الذي يتبع، ابن عمر دينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، هذه علامة ثانية.
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾
العلامة الثالثة:
﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾
( سورة السجدة: 24)
إذا إنسان ابتلي وصبر معناها يعرف الله، يرى حكمته، يرى عدالته، فالذي يأتمر بما أمر الله، والذي يصبر على حكم الله، والذي لا يبتغي أي مكسبٍ دنوي، ثلاثة.
العلامة الرابعة:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾
( سورة يوسف: 108 )
دعوة منهجية، دعوة معللة، دعوة مدعمة بالبراهين والأدلة، شيء منطقي، بتوافق الفطرة، بتوافق الواقع، بتوافق العقل بتوافق النقل، في انسجام، ما في تناقض، ما في خلل، ما في ضعف ما في تناقض، هي علامة رابعة.
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
في عنا علامة خامسة:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
( سورة آل عمران: 18 )
فإذا إنسان بين لك عدالته الله عز وجل، هذا يعرف الله، أما إذا قال لك أنت بملكه، إذا حب يحطك بالنار ولو كنت طائعاً مالك عنده شيء، لأنه أنت بملكه، هذا ليس ظلم هذا، إنسان يفني حياته في طاعة الله ويحطه في جهنم، لأنه بملكه، هي ليست عداله هي، الله قال:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود: 56 )
الله عز وجل ألزم نفسه بالكمال، وين.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾
( سورة النساء: 77 )
وين.
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
( سورة غافر: 17 )
وين.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)﴾
( سورة الزلزلة: 7 )
الله خلقه كافر، منذ أن خلقه كافراً، وقدر عليه الكفر، قدر عليه شرب الخمر، والزنى ثم يجعله في جهنم إلى أبد الآبدين، وما له أي خيار، ألقاه في اليم مكتوفاً، وقال له: إياك، إياك أن تبتل في الماء، هي دعوة مبنية على الظلم ليس على العدالة، فلذلك:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾
هي علامة خامسة.
العلامة السادسة:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾
( سورة الأحزاب: 39 )
هذا الذي يبلغ رسالة الله عز وجل لو خشي غير الله، فسكت عن الحق إرضاء لهذا القوي، أو تكلم بالباطل إرضاء له أيضاً، إذا تكلم بالباطل وسكت عن الحق، ماذا بقي من تأدية رسالة الله عز وجل انتهت الرسالة هي علامة سادسة، فلما ربنا عز وجل قال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾
ومن أجل أن تتقوا الله.
﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾
من هم الصادقين هؤلاء ؟ لا يسألونكم أجراً.. يصبرون على حكم الله.. يطيعون أمر الله يبينون عدالته الله وأسمائه الحسنه.. لا يخشون في الله لومة لائم ترفعوا على كل مكاسب الدنيا.. هؤلاء يدعون على بينة بدليل بحجة ببرهان، دعوتهم منطقية، مع الواقع والدليل والفطرة والعقل.. هي علامات الصادقين، لأن الإنسان ضمن الجماعة، والجماعة رحمة والفرقة عذاب.
إن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاسية، عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب، ويده الله مع الجماعة، ومن شذ، شذ في النار، ولا تجتمع أمتي على ضلالة. النبي عليه الصلاة والسلام، معصوم بمفرده، وأمته معصومةٌ بمجموعها، هي المشكلة، فهذه الآية أيها الأخوة، مهمة جداً الإنسان يكون له مشرب ديني، مرجع ديني، يبحث إلى أن يثق بعلم إنسان، وإخلاصه، وصدقه، إذا كان وثق، يطلب العلم، يلتحق بمسجد، يكن له جماعة مؤمنة، على كتاب الله وسنة رسوله، في رحمة، بالجماعة في تنافس يصير، التنافس الله بحب التنافس، هذا صلى قيام الليل، أنا ما عما اصلي قيام الليل، هذا حفظ القرآن أنا ما حفظت القرآن، ضمن المجتمع المؤمن يتنافسوا المؤمنين، يتعاونوا يتناصحوا، يتكاتفوا، واحد متضايق والثاني مسرور، يعدي بالسرور تسري هذه المشاعر، الإيجابية، لكل.
ما قال سيدنا حنظلة: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين فإذا عافسنا الأهل ننسى، وكل إنسان مؤمن صادق دخل بيت الله عز وجل مخلصاً، إذا كان جلس بمجلس علم، إكرام الله ليس بس المعلومات يلي نسمعها، بحس براحة بحس بانشراح، بحس كأنه غسل، هل الهموم كلها تبدلت، هل المخاوف زالت عنه، شعور القلق خلص منه، هي لما ربنا يتجلى على إنسان في المسجد.
إن بيوت في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبد تطهرا في بيته ثم زارني، وحق على المزوري أن يكرم الزائ.
أنت الآن في ضيافة الرحمان، الله ما راح يضيفك كأس شاي حي ضيفك طمأنينة، حي ضيفك سلامة صدر، حي ضيفك ثقة بعدالة الله، حي ضيفك شعور بالراحة، سعادة.
إذاً هي الآية أخوانا الكرام:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾
ومن أجل أن تتقوا الله.
﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
من هم الصادقون ؟ ذكرهم الله عز وجل، ذكرهم أنهم يترفعون عن مكاسب الدنيا، ذكرهم يطيعون الله ورسوله، يصبرون على بلاء الله عز وجل، لا تأخذهم في الله لومة لائم، يبينون كمال الله وعدالته، يدعون على بصيرة بالدليل المنطقي العقلي الجيد، والحجة النيرة، والواقع والفطرة والعقل، والنقل، هؤلاء الذين ينبغي أن نكون معهم، فالإنسان من دون مسجد ضائع، يكلك مسجد، والله عز وجل بحب الجماعة والنبي الكريم وأصحابه، لازم نقلدهم نحنا، بتعاونهم، بتآزرهم بتكاتفهم، بمحبتهم، بمأثرتهم، من يساويها منا، بتلاقي ثمانية بيوت مسكرة، سبعة مقفولة، وبيت ساكن في، وهؤلاء الشباب عما يتلووا على غرفة براس الجبل ما في، بقلك أنا مؤمن، مسلم، ما في تعاون، لو في تعاون، لو في تآزر، لو في مساعدة، حتى يحس المسلم أنه يعيش مع مجتمع مسلم، أنا ما عما قول أنه عطوا بيتكم لأحد، لا، لكن تعاون ما في، بس في مشاعر إسلامية، بس تعاون حقيقي.
واحد مثلاً بزوج بناته، لو أنه أمن بيت لصهره شو في مانع بنته هي، ما قلت لكم مرة من جمعة سمعت كلمة والله بكتني، وحدة بتقول لأبوها على فراش الموت، الله يحرمك الجنة، لأنه حرمتني نعمة الأولاد، ما زوجتني، كل ما جاء خاطب بدك واحد غني، ما يصلحنا، بعدين أنا أصبحت عانس، وطبعاً عمرها خمسين سنة عمرها، بين واحد يجبر خاطر بناته مثلاً أولاده، يعاون إخوانه يبذل، بدو عمل يلقى الله به قال له يا بشر: لا صدقة ولا جهاد فبما تلقى الله إذاً.
بدنا عمل، كل واحد بمهنته يخدم المسلمين، ببيته يساوي إسلامي بعمله يساوي إسلامي، إذا معه فائض يعاون إخوانه المؤمنين الصادقين، حتى تلقى الله والله راضٍ عنك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الخامس عشر


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
فلآية المائة والعشرون، من سورة التوبة، وهي قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)﴾
أيها الأخوة: من خلال هذه الآية، تستنبط حقائق كثيرة.
الحقيقة الأولى: أن العبادة تشمل الحياة كلها، النشاطات كلها الأوقات كلها، مناح الحياة كلها، قد يتوهم الإنسان، أن العبادة، تلك العبادات الشعائرية، من صومٍ، وصلاةٍ، وحجٍ، وزكاة.
ولكن حقيقة العبادة، أن تأتمر بما أمر الله، وأن تنتهي بما نهى عنه، في كل شؤون حياتك، أيعقل أن يكون، ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب يعني كل نشاطات الحياة، في بيتك، في عملك، في جهادك، في لقائك مع العدو، إذا حجمت العدو، صغرته أعززت الدين، هذه عبادة.
لذلك عرفوا أن العبادة، بأنها عبادة طوعيه، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبدية.
أوضح لكم هذه المعاني بشكلٍ آخر، كل واحد منا له عمل اختصاصه حرفته، صناعته، تجارته، وظيفته، عملك يمكن أن يكون عبادة، بكل معاني هذه الكلمة، لو أن العمل مشروعٌ، وتعاملت معه بطريقةٍ مشروعةٍ إسلامية وابتغيت به خدمة نفسك، وكفاية أهلك وأولادك، وخدمة المسلمين، ولم يشغلك عن فرض أو عن واجبٍ، أو عن طلب علمٍ، انقلب العمل إلى عبادة، إذا دعوة الله فأنت في عبادة إذا طلبت العلم فأنت في عبادة، إذا أمرت بالمعروف فأنت في عبادة حتى إذا تبخترت في مشيتك في الحرب.
أحد الصحابة تبختر في مشيته، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن، لأن المتكبر على المتكبر صدقه.))
معنى ذلك: أنه العبادة لا تقتصر على الصلاة، والصيام والحج والزكاة، كل نشاطاتك، إذا أدخلت على قلب أولادك السرور فأنت في عبادة، إذا جلست مع أولادك تؤنسهم، وتفرحهم، فأنت في عبادة، إذا أدخلت على قلب مؤمن السرور فأنت في عبادة، إذا فهمت العبادة، بمعناها الواسع كل نشاط المؤمن، كل حركاته، عطاءه منعه، غضبه، رضاه، صلته، قطعه، إلقائه تكلمه، سكوته، هي كلها عبادة، العبادة غاية الخضوع إلى الله، أنت بس تفهم الأوامر كثيرة جداً، الإسلام نظام متكامل، ادخل بعلاقتك مع جسدك، ادخل في بنظافتك، ادخل بعلاقتك مع أهلك، مع أولادك، ادخل بعلاقتك مع ربك، بكسب المال، بإنفاق المال، حتى في لهوك، اللهو في له مشروعية بالإسلام، حتى في الحزن، المسلم يأتمر بما أمر الله، في كل مناح الحياة، هي الآية تقريباً تجسد هذا المعنى، ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب تعب يعني، ولا مخمصة، جوع، في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، معناها الجوع الذي تجوعه في سبيل الله فهو عمل صالح، الظمأ الذي تظمئه في سبيل الله فهو عمل صالح التعب الذي تتعبه في سبيل الله فهو عمل صالح إذا نلت من عدو نيلاً، لو ناقشت إنسان، لو جلست معه أربع ساعات وأقمت عليه الحجة هذا عمل صالح حجمته، كان يلقي الشبه على الناس، أنت حجمته، أنت بينت عظمت الدين.
﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً﴾
ذهبت تعزي إنسان، تبارك لإنسان، دعاك إنسان لزيارته توجهت إليه قطعت مسافة، ضيعت وقت، هذا كله محفوظ.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)﴾
هذه الآية تشير إلى أن كل حركات المسلم، وكل نشاطاته وكل أعماله، أعماله القولية، والفعلية، مواقفه، هذه كلها من عبادته، فإذا فهمنا العبادة بمعناها الواسع تشمل بيتك، وعملك، وعلاقاتك مع إخوانك، ودعوتك إلى الله، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر هي العبادة.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
( سورة الذاريات: 56 )
فإذا الإنسان توهم أنه العبادة الصلاة فقط، أو الصيام فقط أو الحج فقط، يعني الله خلق الكون من أجل أن نؤدي هاتين الركعتين لا، خلق الإنسان من أجل أن ينصاع إلى أمره، فإذا انصاع إلى أمره سعد بقربه في الدنيا والآخرة.
فهذه العبادة فيها ثلاث أشياء:
فيها شيء فكري.
وشيء سلوكـــي.
وشيء جمالــي.
الفكري أولاً، السلوكي ثانياً، الجمالي ثالثاً.
الفكري ثمن، والسلوكي هو صلب العبادة، والجمالي الجائزة.
فأنت تتعرف إلى الله، وإلى منهجه، الآن تنطلق إلى التطبيق الآن تسعد بقربه، طاعةٌ طوعيه، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبدية.
يعني إذا أردت أن تلخص الدين كله، هذا هو الدين معرفة وسلوك وسعادة، السعادة هي الهدف، هي النهاية، هي المصير، هي الجائزة، هي الإكرام والسلوك هو الثمن، والمعرفة هي السبب، سبب وثمن، وجزاء.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾
في بالآية إشارة ثانية:
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾
يعني كأنه الآية تشير إلى أن المؤمنين يجتمعون، يتعاونون لا يتخلفون، لا يتنصلون، لا ينسحبون، ليسوا فرادة، هم أمة مجتمعة طبعاً في عهد النبي الآية لها معنى، إنسان يتخلف عن رسول الله معناها ما في إيمان إطلاقاً، لكن بعد عهد النبي، ماذا تعني الآية ؟ كن مع جماعة المؤمنين، كن معهم، عاونهم، أيدهم، قوهم، بمالك باختصاصك، بخبرتك، لا تكن فرد، الأفراد ضعفاء، يد الله مع الجماعة.
فالآية فيها نقطتان:
النقطة الأولى أن تلزم جماعة المؤمنين، وأن تكون أنت لهم وهم لك، إمكانيتك لهم جميعاً، وهم جميعاً لك، هكذا الإيمان وجماعة المؤمنين بأوسع دائرة طبعاً، جماعة المؤمنين كافةً، أن تكون معهم.
والمعنى الثاني، أن كل نشاطاتك في الحياة، إذا كنت تعرف الله عز وجل وتبتغي رضوانه، تصبح عبادة، كل نشاطاتك.
النبي الكريم قال: وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة حتى لو الإنسان قارب أهله له أجر، أنه مشى في الطريق المشروع لو لم يفعل هذا لفعل العكس، لفعل المعصية.
فإذاً حياتك، نشاطاتك، عطائك، منعك، هذا كله عبادة فينبغي أن نفهم العبادة بمعناها الواسع، جزء من العبادة، العبادة الشعائرية، جزء، من هذه العبادات، يعني كل شيء الله أمر فيه الائتمار به عبادة، كل شيء الله نهى عنه الانتهاء عنه عبادة، في شتى مناح الحياة، جزء من هذه العبادة، الصلاة والصوم، والحج والزكاة، جزء منها، هي سموها عبادة شعائرية، أما العبادة التعاملية هي الأصل، إذا صحت العبادة التعاملية، صحت العبادة الشعائرية.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء السادس عشر


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
وعدتكم قبل أسبوع، أن أتحدث عن قصة هذه الآية، لقد قال الله عز وجل في الآية السابعة عشر بعد المائة من سورة التوبة: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) ﴾
أحد هؤلاء الثلاثة، الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، سيدنا كعب، فقال هذا الصحابي الجليل كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوةٍ غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير إني قد تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدٌ تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينه وبين عدوه على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ليلة العقبة، حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر. ويقول: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.
أيها الأخوة: هذه القصة تعلمنا أشياء كثيرة، لكن أكثر درس تعلمنا إياه الصدق.
قال: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أني لم أكن قطُ أقوى، ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في هذه الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في هذه الغزوة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوةً يغزوها إلا وراء بغيرها لحكمةٍ أرادها، حتى كانت تلك الغزوة، فكان الغزو في وقت حرٍ شديد، واستقبل سفراً بعيداً، ومفاوذ يعني صحارى، واستقبل عدواً كثيراً، لذلك هذه المرة، جل النبي للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة عدوهم، أول مرة بصرح النبي بجهته أنا سأتجه إلى تبوك، صحارى شاسعة، مسافة طويلة، عدو كثير العدد، والعُدد، وقتٌ حار، فجل النبي للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كثير لا يجمعهم كتاب حافز ما في ديوان، أسماء تفقد.
قال كعب: فقل رجلٌ يريد أن يتغيب، إلا ظن أن ذلك سيخفى على رسول الله، يعني ما دام ما في تسجيل، ما في تفقد، ما في ميمات، ونحن كثر كثيرون جداً، فإذا تغيب واحد، يعني أغلب الظن أن النبي لا ينتبه إليه، ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله عز وجل، إلا بهذه الحالة هي، وغزى النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة، حين طابت الثمار، وطابت الظلال، وأنا إليها أميل.
يعني وقت فواكه وظلال، وثمار، والسفر بعيد، والحر شديد والمفاوذ شاسعة.
فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون معه فطففت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضي من جهازي شيئاً فأقول لنفسي أنا قادرٌ على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي وفي قول يقول هلك المسوفون: والمسوف الذي يرجئ عمل اليوم إلى الغد، هو للآن ما في نية ما يكون مع رسول الله، لكن أنا قادر في أية لحظة على أن أجهز نفسي، يغدو، ويعود، دون أن يجهز نفسه قال: فأرجع ولم أقضي من جهازي شيئاً، فأقول لنفسي أنا قادرٌ ذلك إن أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غازياً، والمسلمون معه، ولم أقضي من جهازي شيئاً، وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد لأتجهز، فرجعت ولم أقضي شيئاً.
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل لألحقهم، وليتني فعلت، ثم لم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت للناس، في المدينة، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموسا عليه في النفاق، أو رجلاً مما عزره الله عز وجل، طبعاً ما رأى غير المنافقين المنافقون لم يذهبوا مع رسول الله، والمقعدون، والمرض، والعجزة والمعذرون.
النبي عليه الصلاة والسلام، في هذه الغزوة، قال لم يذكرني حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس مع القوم في تبوك: ما فعل كعب بن مالك ؟ شدة اهتمام النبي بأصحابه.
قال ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجلٌ من بني سلمة، حبسه يا رسول الله برداه، يعني أحب أن يبقى في المدينة، ويتبختر في مشيته والرطب والفواكه، والظل الظليل، وبستانه هو الذي حبسه.
فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً.
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، هم بدل هم، ماذا سأقول له ؟ وطففت أتذكر الكذب، وأقول بما أخرج من سخطه غداً، وأستعين على ذلك بكل ذي رأيٍ من أهلي، فلم قيل لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أظل قادماً، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنجو منه بشيء أبداً فأجمعت صدقاً.
فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا قدم من سفرٍ فبدأ بالمسجد فصلى ركعتين، ثم جلس للناس فلما فعل ذلك، جاء المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً.
كل واحد ركز قصة، هذا زوجته مريضة، وهذا في عنده مشكلة، فيقبل النبي منهم عذرهم، وعلانيتهم، ويستغفر لهم، و يكل سرائرهم إلى الله، كلهم كذابين كانوا.
حتى جئت فلما سلمت عليه، تبسَم تبسُم المغضب، هون وضع ثاني، هذا صار صادق هذا، ليش ما كنت معنا ؟
ثم قال لي تعال: فجئت أمشي حتى جلست بين يديه.
فقال لي ما خلفك: ألم تكن قد اشتريت ظهراً ؟ ما معك أنت ناقة ؟
قلت يا رسول الله: هون بقى، لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلاً، عنده لسان طليق، وحجه قوية، بس لو كان غيرك، كنت كذبت عليه، أما أنت في وحي، ما بقدر، والله لقد علمت لأن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، شاف أنه إرضاء النبي إرضاء لله، اسخاط للنبي اسخاط لله، لو حدثتك بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك بحديث صدقٍ تجد فيه علي، تزعل مني، إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل، والله يا رسول الله، ما كان ليّ عذرٌ أبداً، والله يا رسول الله، ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني، حين تخلفت عنك يعني في أعلى درجات القوة، والنشاط والغنى بس ما في عذر أبداً. فقال عليه الصلاة والسلام: اسمعوا ماذا قال ؟ قال أما هذا فقد صدق: سمعان خمس وثمانين رواية، من المنافقين، ما حكى شي قبل منهم عذرهم، وقبل علانيتهم، ووكل أمرهم إلى الله، فلما تكلم هذا صادقاً، قال أما هذا فقد صدق، معنى السابقين كلهم كذابين، قم حتى يقضي الله فيك، فقمت وقام إليّ رجال من بني سلمة، واتبعوني وقالوا والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى النبي، حين اعتذر المخلفون، كنت دبر حالك بشي قصة احكي له إياها، فقد كان كافيك لذنبك استغفار النبي لك.
فقال والله مازالوا يؤنبونني، حتى أردت أن أرجع فأكذب على النبي، قد ما لاموني دبر حالك بشي كذبة، بشي قصة، زعل منك، مثل ما دبروا حالهن هدنة.
ثم قلت لهم، هل لقي معي أحدٌ.
قالوا نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت تماماً، ما كذبوا وقيل لهما مثل ما قيل لك.
قال فمن هما ؟
قال مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا إليّ رجلين صالحين، قد شهدا بدراً لي فيهما أسوةٌ حسنة قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
الآن: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن الثلاثة عن كلامنا، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي نفسي في الأرض، فما هي بالأرض، التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، وسوف نتابع القصة غداً إن شاء الله.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء السابع عشر


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
فقد قال الله عز وجل: في الآية السابعة عشرة بعد المائة من سورة التوبة:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) ﴾
ذكرت في الدرس الماضي، الأسباب التي من أجلها نزلت هذه الآية، وهي أن ثلاثةً من أصحاب رسول الله، هم:
كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لهم عذر ‍‍، فلما صدقوه، ولم يكذبوا كما كذب المنافقون، الله سبحانه وتعالى أراد أن يعالجهم، وأن يربيهم تربيةً حاسمة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم.
فقال كعب بن مالك: نتابع القصة، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، أيها الثلاثة، أي نحن الثلاثة، من بين من تخلف.
الذين كذبوا لم ينهى عن كلامهم، خارج العناية، خارج التربية لكن الذين صدقوا، ولم يكن لهم عذرٌ في التخلف، الله سبحانه وتعالى تولى تربيتهم.
إذاً: ماذا يستنبط ؟ الإنسان حينما يكون صادقاً، والله سبحانه وتعالى يريد أن يطهره، ويرقيه، يتولى تربيته، فالإنسان إذا الله تولى تربيته هذه نعمةٌ كبرى، إذا أحب الله عبداً عجل له بالعقوبة عاتبه في منامه، أما هذا الذي يعص، ولا يعاقب، ولا يحاسب، ولا يربى، ولا يؤدب، فهذه علامة خطيرةٌ جداً.
قال فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، الأرض لم تعد الأرض التي يعرفها، البيت الذي يسكنه تنكر له، الطريق الذي يمشي بها تنكرت له، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم، كان شاباً وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، فلا أحد يكلمني، عزلة، مقاطعة محاصرة، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم وأقول في نفسي، أسلم عليه، أقول السلام عليك يا رسول الله، ينظر إلي فأقول في نفسي، أحرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا، ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا ألتفت نحوه أعرض عني، الدواء مر دائماً، هو دواء لكنه مر، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتاده وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام، فقلت له يا أبى قتاده، أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله، قال فسكت، قال فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فقال الله ورسوله أعلم.
تنكر لهؤلاء الثلاثة، كل أصحاب رسول الله، حتى النبي صلى الله عليه وسلم، ما كلمه، ولا رد عليه السلام.
قال ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبين أنا أمشي بسوق المدينة، إذ بنبطي، من أنباط الشام ممن قدم بطعامه يبيعه بالمدينة، يقول من يدل على كعب بن مالك، غريب فطفق الناس يشيرون له إلي، هذا كعب بن مالك، حتى جاء فدفع إلي بكتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً، كان يقرأ.
فإذا فيه، أما بعد:
فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وأن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، صاحبك محمد، قد جفاك، وأنت لست بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك صاحبك محمد قد جفاك وأنت لست بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك.
قال: فقلت حين قرأته، وهذا أيضاً من البلاء، هذا زاده ألماً قال فتيممت به التنور فجسرته، حرقه، حرق الكتاب، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، ويقول:
يأمرك رسول الله أن تعتزل امرأتك، الدواء أرتفع مستواه حتى زوجته، عليك أن تعتزلها، فقلت أطلقها، قال لا، أطلقها أو ماذا أفعل، قال بل اعتزلها ولا تقربها، فقط.
قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال ك فقلت لامرأتي ألحق بأهلك فكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء يعني في نعمة أيها الأخوة ما حد يعرفها، أن إنسان بعيش بمجتمع محبوب معزز مكرم يسلموا عليه يحترموا يسهروا معه يأنسوا، إذا كان مرض بزوره، هذه من نعمة الله العظمة، إنسان عايش بمجتمع له مكانه، شوف هذا الدواء كم هو مر، حتى امرأته أمرت أن تعتزله.
فجاءت امرأة هلال ابن أمية، رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله: إن هلالاً شيخ ضعيف، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال لا، ولكن لا يقربنك، قالت وإنه والله ما به من حركة إلى شئ، وإنه والله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
قال: فقال لي بعض أهلي، لو استأذنت رسول الله في امرأتك مثل ما هلال ساوه، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه.
قال: فقلت لا والله، لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول فيها، إذا استأذنته، وأنا رجل شاب.
قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، خمسين يوم مقاطعة، وعشرة أيام أخيرة، زوجته ضمت إلى هذه المقاطعة.
قال: ثم صليت صلاة الفجر، صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾
على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً، أوفى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته، أبشر يا كعب ابن مالك.
قال فخررت ساجداً وعرفت أنه قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أخبرنا بتوبة الله علينا، حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي يبشرون، وركض إليّ رجلٌ، وسعى ساعٍ وأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي فكسوته إياه لهذه البشرة، والله لا أملك يومئذ ثوباً غيره، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقاني الناس فوجاً فوجاً، يهنؤ نني بتوبة الله، هي التهنئة الحقيقة، يقولون ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، جالس في المسجد، والناس حوله، فقام إليّ طلحت بن عبد الله يهرول حتى صافحني وهنئني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يبرق كالبدر، من فرحه، النبي كالأب فرح له بهذه التوبة، قال يا كعب أبشر بخير مر عليك منذ ولدتك أمك قلت أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله، بدو يطمئن، يعني إجراء داخلي أم من الله، قال لا من الله، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت يا رسول الله، أن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقةً لله عز وجل، قال أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي، ألا أحدث صدقاً ما بقيت، قال: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين ابتلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي، وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقيت.
في سؤال الآن، القصة كلها أساسها الصدق، الصادق الله بنجي، ويتولاه ويربيه، هؤلاء الثلاثة تخلفوا، طيب ماذا فعل النبي حتى يتوب الله عليهم ؟ الآية: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾
ماذا فعل النبي من الذنب حتى يتوب الله عليه ؟ وماذا فعل أصحابه من الذنب الذين كانوا معه في تبوك حتى يتوب الله عليهم ؟ قال بعض العلماء، لكرامة الإنسان على الله، أراد الله عز وجل، أن يجبر هؤلاء المتخلفين، فجمع بين توبة الله عليهم، وتوبته على النبي وأصحابه، شملهم كلهم:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾
هي الآية تعلمنا كيف أن الله سبحانه وتعالى، رحم هؤلاء التائبين وجمع توبتهم مع توبة الله على النبي صلى الله عليه وسلم.
إخوانا الكرام: هذه القصة محورها الصدق، كن صادقاً مع الله، الصدق منجاة، والكذب مهواة، إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة ومازال الرجل يصدق، ويصدق حتى يكب عند الله صديقاً.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء الثامن عشر



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) ﴾
أيها الأخوة الكرام: في الدين أولويات، الشيء الأول أن تعرف الله، من خلال آياته الكونية، والتكوينية، والقرآنية.
فإذا عرفته، فهناك شيء يلي بالضرورة معرفة الله، أن تعرف أمره ونهيه، لذلك الفقه في الدين، من معاني هذه الكلمة، أن تعرف أسرار الدين، ومن معاني هذه الكلمة، أن تعرف أحكام الشريعة.
يعني إنسان طيب، ومآمن، وبحب الله ورسوله، لكن أكثر بيعه حرام، عن غير نية سوء، لكن لا يعرف هي علاقة ربوية هل البيع بهل الشكل يودي إلى الربى، أكثر علاقاته الاجتماعية علاقات فيها مخالفات للشرع، في احتفالاته، في أحزانه، في أفراحه، في بيعه، في شرائه، في كل نشاطاته، إنسان يعرف الله عز وجل ومعلوماته الفقهية محدودة، يقع في الحرام شاء أم أبى، عرف أم لم يعرف.
لذلك ورد في الحديث الشريف: (( طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم.))
يعني أنت من شدة حرصك على التقرب إلى الله عز وجل تحرص على معرفة أمره ونهيه، كيف تطيع الله عز وجل إذا لم تعرف أمره ونهيه ؟
فالمؤمن يبذل جهد كبير لمعرفة الله، كما قلت قبل قليل، من خلال آياته الكونية، والتكوينية يعني أفعاله، والقرآنية، لكن بعد أن يقطع شوطاً في معرفة الله، لابد من أن يلتفت لمعرفة الأمر، والنهي كيف آكل ؟ كيف أنام ؟ كيف أختار الزوجة الصالحة ؟ كيف أربي أولادي ؟ كيف أبيع ؟ كيف أشتري ؟ هي علاقة ربوية، وهي علاقة ربوية، وهي فيها مخالفة، وهي فيها تدليس، وهي كذب، فابتلاقي الجاهل يقع في آلاف المعاصي وهو لا يشعر، وهو لا يشعر فلابد من طلب العلم الشرعي، يعني الإنسان أحياناً يحضر خطبة جمعة، على العين والرأس هذه فريضة، لكن هذه الفريضة عملية إقناع، عملية إثارة همم، لكن لابد من طلب العلم في مجلس علم هادئ، تعرف أحكام الشريعة، أبعاد كلام الله عز وجل، الكسب المشروع، الكسب غير المشروع، أحكام الربى، أحكام الصدقات، أحكام الزكاة.
والله أخ كريم، يحضر مجالس علم من عشرين سنة، بس مجالس علم عامة، قال لي الحمد لله دفعت زكاة مالي، قلت له: الله يجزيك الخير قال لي: والله صهري ناقصه سيارة، أعطيناه مئتين ألف ليشتري سيارة، مو من الزكاة سيدي هي، صهره زوج بنته ناقصه سيارة، أعطاه مئتين ألف من زكاة ماله، قال لي مو من الزكاة سيدي هي، قلت له أعوذ بالله، مو لازم يعرف أحكام الزكاة.
أنا أرى مخالفات كبيرة جداً في أنفاق المال، مو عرفان بالطلاق بتلاقي يتحدث، لأتفه الأسباب بطلاق زوجته، من شيخ إلى شيخ، نقص بالفقه شديد.
أيها الأخوة: لازم كل واحد أقل شئ يكون عنده كتاب فقه بالبيت، الفقه الميسر، أقل شئ يحضر مجلس علم، أقل شئ يسأل أما الفقه علم قائم بذاته.
البائع مثلاً: من منكم يصدق، أن معرفة أحكام البيع والشراء في حقه البائع فرض عين، أحكام البيع والشراء في حقه البائع فرض عين، أحكام الجعالة في حق الطبيب، فرض عين، لأنه أجره جعالة المحامي والطبيب والمهندس أجره ليس معاوضة، جعالة، لها أحكام خاصة، واحد دخل شريك مضارب، أحكام المضاربة، طيب شريك بشركة عادية، أحكام الشراكة، دخل بالمزارعة أحكام المزارعة المساقات، أحكام الإيجار، بتلاقي عما يطالب بحقه وكأن شئ القرآن عطاياه، بدي ثلثين حق البيت، طول بالك، أقرأ أحكام الإيجار بتلاقي أنت الآن تطلب شئ ليس لك، عند بيت ثاني، عند بيت وما لك حق تطلب نصف حق هذا البيت، فإذا كان عندك بيت آخر، يعني ما راح أدخل في تفاصيل الإيجار، لكن بتلاقي، عما يطلب، واثق من نفسه، وطلبه كله ظلم، وهو لا يشعر، ترك دانق من حرام خير من ثمانية حجة بعد الإسلام، دانق من حرام ففي أخطاء كبير جداً في أمور الزواج، شو صار إذا كان انصمد العريس قدام العروس أخي بعدين بظنوا في عيب بعدين، بظنوا في عاهة، شي عال، بفوت إنسان أمام مئة امرأة، كاسية عارية، في أبى زينة، وأنت مسلم ترتاد مجالس العلم، مو معقول هذا الكلام، ففي أخطاء بالزواج حريص يكون الكتاب براني ليش يا أخي براني، أنت تشتري بيت الآن، تدفع ثلاثين مليون حق بيت بتأخذ مفتاحه، قبل مائتين سنة كان شراء البيت يعني بتأخذ المفتاح وتعطيه الثمن، هلق، بدك الطابوا الآن العقود لا تثبت إلا بالدوائر الحكومية، ليش بس بالزواج بدك كتاب براني، ليش، لعل صار شيئ، ففي أخطاء بعقود القران، في أخطاء بالطلاق، أخطاء بحلف يمين الطلاق، أخطاء بالبيع والشراء أكثر العلاقات ربوية، والناس لا يشعرون، من دخل السوق من غير فقه، أكل الربى شاء أم أبى، من دخل السوق من غير فقه، أكل الربى شاء أم أبى، لازم تعرف أحكام البيوع، أحكام الربى، أحكام القرض الحسن، أحكام الأمانة، أحكام العارية، أحكام الحوالة الكفالة، الوكالة، في حوالة، في كفالة، في وكالة، في إيجار، في مضاربة، في مزارعة، في مساقات، في بيع وشراء، في طلاق وفي زواج، هي أحكام لابد منها، يعني أقل من كتاب فقه في بيتك، أقل ما تسأل عن كل قضية، أقل ما تحضر مجلس علم فقه.
أيها الأخوة الكرام: هي الآية. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾
بعدين ابنك علمه شريعة، لا ما بدنا شريعة، ليش، العلم الآن لا يطعم خبزاً إطلاقاً، مادام العلم لا يطعم خبزاً، دخلوا شريعة علمه علم بفيده في أخرته، يعني أنا كثير بكبر الأب إذا حط أبنه بالشريعة، يعلمه الدين، يهرب من تعليم الشريعة، بخاف يفوت على المساجد، أخي ابني ما عما يعجبني، طبعاً ما راح يعجبك، لأن أنت حرمته العلم الشرعي، حرمته التوجيه الصحيح، ما بقى في مجال.
أردته من هذا الدرس، بعد أن نقطع شوطاً في معرفته الله شوطاً، وبعد أن نؤمن به، لا بد من أن نطعيه، طيب كيف نطعيه إلا لم نعرف أمره ونهيه.
إذاً: طلب الفقه حتما واجب على كل مسلم، بعد أن نقطع شوطاً في معرفته، وبعد أن نؤمن بوجوده وبكماله ووحدانيته، الآن يجب أن نتحرك إلى طاعته، كيف نطيعه، أين أمره ؟ أين نهيه ؟ ماذا يأمر بالبيع والشراء ؟ ماذا يأمر في هذه الصفقة ؟ بتلاقي تجار، مسلمون في الصفوف الأولى، حتى يروج بضاعته، يعمل لها إعلان، مع إنسانه ساقطة، كاسية عارية، في أجهزة الأعلام، وهو صاحب دين يده للخير، هي محرمة هي، امرأة كاسية عارية، بتروجلك بضاعتك بتدفع على الدقيقة أربعمائة ألف، من أجل ترويج، هي خلاف الشرع بتلاقي الدعاية خلاف الشرع، في بضاعة محرمة بالأساس، بتعاملنا فيها الناس، فأنا أردت من هذا الدرس أن أنبه، إلى أنك إذا قطعة شوطاً في معرفته الله، لابد من أن تعرف أمره ونهيه، وطلب الفقه حتما واجب على كل مسلم.
أخوانا الكرام: يعني إذا كان ممكن قل لك بالعلم بعضه فرض كفاية، أن تتبحر بالمواريث، فرض كفاية، تتبحر بأحكام التجويد بالقراءات العشر يمكن فرض كفاية، لكن تجهل أحكام البيع والشراء أحكام الزواج، أحكام العلاقة الزوجية، هذا شيئ مستحيل، طلب الفقه حتما واجب على كل مسلم، فرض عين على كل مسلم، فالإنسان يقل لي ما عندي وقت، عندك وقت ليش لكن، إذا ما عندك وقت تعرف الأمر والنهي، معناه أنت ما عندك وقت لشيئ إطلاقاً، هذا أهم شيئ لأنه، أهم شيئاً أن تعرف الله وأن تطبق منهجه، وإلا في هلاك. يعني هلق نحنا نقول لسائق سيارة لازم تعرف، كيف صنعت هذه المكابس ؟ والله ما بيعرف، بس لازم يعرف كيف يستخدم المكبح استعماله شئ، ومعرفة صنعه شئ آخر، معرفة صنعه، طريقة صنعه، مواده الأساسية الكوليات، هي فرض كفاية، هي خاصة بأصحاب المعامل، أم أي سائق سيارة لازم يعرف كيف يستعمل المكبح، وإلا بيعمل حادث، لازم نفرق بين فرض العين، وفرض الكفاية، فرض العين إن لم نتعلم نهلك، ما في مجال، من دخل السوق من غير فقهٍ أكل الربى، شاء أم أبى، كثير في علاقات ربوية في صفقات ربوية، في بضاعة محرمة، في أساليب محرمة، في أضعاف مضاعفة، في أساليب في الاحتفالات كلها محرمة فأيام بتلاقي واحد مو عرفان، أنا أيام بحترم إنسان بقلك ما بعرف والله، طيب ما تعرف، ليش إذا كان واحد وقفه شرطي، هون ممنوع، ما لي عرفان يقبلها منه الشرطي ؟ يقول له لا جهل في القانون، أول كلمة، لا جهل في القانون.
لا يقبل منك أن تجهل، فإذا أنت أمام إنسان مرفوضة هي كلمة ما بعرف فأن تجهل أمر الله عز وجل.
لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-02-2018, 03:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة التوبة (9)


الجزء التاسع عشر


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، آيَةُ الزَّكاة ونحن في رمَضان، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾
[ سورة التوبة ]
العلماء اسْتَنْبَطوا من هذه الآية أحْكامًا كثيرة فالحُكْم الأوَّل أنَّ الزَّكاة تُؤْخَذُ ولا تُعْطى لأنّ المُجْتَمَع الإسْلامي سَلامَتُه مُتَوَقِّفَةٌ على أداء الزَّكاة فلا ينْبغي أن يكون أداءُ الزَّكاة مِزاجِيًا، تُعْطي أو لا تُعْطي، فالزَّكاة ينْبغي أن تُؤْخذ لأنَّها فريضَة، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24)لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)﴾
[ سورة المعارج ]
فالله تعالى يقول: خُذْ، يُخاطِبُ الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام هَلْ يُخاطِبُهُ على أنَّهُ رسول الله ؟ لا، بل هو تعالى يُخاطِبُهُ على أنَّهُ وَلِيُّ أمْرِ المُسْلِمين، لذلك الزَّكاة فريضَة، وتُؤْخذُ من قِبَلِ ولِيِّ أمْر المُسْلِمين، ولا تُعْطى ابْتِداءً من قِبَلِ المؤمنين.
أمَّا معنى أموالِهِم ! جاءَتْ كلمَة جمْعًا ؛ أيْ كُلُّ أموالهم، فما أنْتَجَتْهُ الأرض هو من المال، والعسَل مال، والمحاصيل أموال، والفواكه أموال، والأراضي التي اشْتُرِيَتْ لِتُباعَ بِرِبْحٍ عُدَّتْ عُروضًا تِجارِيَّة وتاجِر بُيوت عنده بيْتَيْن أو ثلاثة فَكُلُّ بيْتٍ عليه الزَّكاة، فالمُنْشَآتُ المُعَدَّة للتِّجارة هي أموال، والذَّهَب والفِضَّة، والأنعام والإبل والغنَم والماعِز هي مِن الأموال، فَكَلِمَة أموالِهم جاءَتْ جمْعًا كي تُغَطِّي كُلَّ الأموال، وخُذْ فِعْلُ أمْرٍ والمُخاطَبُ هو النبي عليه الصلاة والسلام لا على أنَّه نبِيّ ولكن على أنَّه وليّ أمْر المُسْلمين، ولكن مِنْ للتَّبْعيض ففي الإسلام لا يوجَدُ أخْذُ المال كُلِّهِ، والنِّسَب ضئيلة جدًّا ؛ اثْنان ونِصْف بالمائة.
قال تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾
[ سورة التوبة ]
وفي الحقيقة هذه آيةُ الزَّكاة، فَلِمَ سَمَّى الله الزَّكاة صدقَةً ؟ هي آيَةُ الزَّكاة وسمَّاها الله تعالى صدَقَةً ؛ لماذا ؟ قالوا: لأنَّ إنْفاق المال يُؤَكِّدُ صِدْق الإيمان، فأحْيانًا تتوافَق الأوامر الشَّرْعِيَّة مع المصالِح الدُّنْيَوِيَّة، فالزَّواج أمر شَرْعي، وكذا القصْر في الصَّلاة سمح لنا أنْ نقْصُرَ الصَّلاة، أما حينما تتناقَض الأوامِر مع المصالح يُعَدُّ البَذْل دليلاً على صِدْق الإيمان، فمَثَلاً النَّفْس تَميل إلى النَّظر إلى النِّساء، والأمْر بِغَضِّ البصَر يتناقَض مع طَبْعِ النَّفْس، فَهِيَ به تَرْقى والنَّفْس تَميل إلى أخْذ المال وكسْبِهِ، والأمر بإنْفاق المال يتناقض مع الطَّبْع ؛ فهِيَ به تَرْقى، والله عز وجل لمَّا ذَكَر المُتَّقين قال:
﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)﴾
[ سورة آل عمران ]
المُتَّقون لهم آلاف الصِّفات، ولكنَّ الله بدأ بِصِفَةٍ تُؤَكِّدُ تَقْواهم، فقال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾
[ سورة آل عمران ]
فالمُلَخَّص أنَّك لا ترْقى عند الله إلا إذا خالَفْتَ هواكَ، قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)﴾
[ سورة النازعات ]
وقال تعالى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46)﴾
[ سورة الرحمن ]
والآية دقيقة جدًا، أوْدَعَ الله فيك الشَّهوات، وأمامَكَ موضوع الشَّهْوَة امرأة في الطريق، أو مال أمامك، فالنَّفْسُ ميَّالَةٌ إلى أخْذ المال، أو إلى إطلاق البصَر، ولا أحَدَ يُحاسِبُكَ، فأنت حينما تغُضُّ البصَر أو تتعفَّفُ عن المال خَوْفًا من الله عز وجل فأنت مِمَّن انْطَبَقَتْ عليه الآية الكريمة،:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)﴾
[ سورة النازعات ]
مقام الله عز وجل مَقام الإشْراف والعِلم والسَّمع والبصَر، فلمَّا يخاف الإنسان ربَّهُ عز وجل يسْتَحِقُّ جنَّة ربِّهِ، لذا قال الفقهاء: مَن حلَفَ يمينَ طلاقٍ إذا ترَكَ شَهْوَةً مخافَةَ الله عز وجل، حلفَ بالطَّلاق أنَّهُ مِن أهل الجنَّة لأنَّه خشِيَ الله غَيْبًا، فامْرأتُهُ لا تَطْلُق ! لأنَّ الله يقول:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ(46)﴾
[ سورة الرحمن ]
وقال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)﴾
[ سورة النازعات ]
فَمِنْ في قوله: خُذْ مِن أموالهم هِيَ للتَّبْعيض، أيْ خُذْ بعض أموالهم واتْرُك لهم كرائِمَ أموالهم، وأموال جاءَت جَمْع لأنَّ كُلّ أنواع الأموال تَجِبُ فيها الزَّكاة، وكلمة هُمْ ضمير جَمْع، أي لا يوجَد مُسْلِم مُسْتَثْنى من الزَّكاة، هُمْ ضمير الجمْع، فالأموال كُلَّها تَجِبُ فيها الزَّكاة والمسلمون جميعًا تَجِب عليهم الزَّكاة، والدَّفْع بعض أموالهم وليس كلَّ أموالهم، والزَّكاة تؤْخَذُ ولا تُعْطى، والأمْر مُوَجَّه لوليّ أمْر المُسْلمين وأما كلمة صدَقة فتَعْني ما يُؤَكِّدُ صِدْق الإنسان.
فالله قال أنَّ هذه الصَّدَقة تُطَهِّرُهم ؛ مَن ؟ فَهِيَ تُطَهِّرُ أشْياء ثلاثة: تُطَهِّرُ الغنيّ من الشُّح، لذا ورَدَ عن النبي الكريم: ((برئ من الشُّح من أدَّى زكاة مالِهِ وتُطَهِّرُ الفقير مِن الحِقْد ))
مَحْروم ودون أكْل وشُرْب والمُجْتمَعَ أهْمَلَهُ وجعلَهُ وراء ظَهْرهِ، أما حينما تُقدَّم له الزَّكاة ويشْتري الطَّعام والشَّراب، ويشْتري منزلا، وحينما تُقَدَّم له الألْبِسَة ويُطَبَّب يشْعر أنَّه غالٍ في المجتمع وأنَّه مُهِمّ عند إخوانِهِ، فَيَطْهُرُ من الحِقْد ويطْهُرُ الغنيّ مِن الشُّح، ويَطْهُر المال من تَعَلُّق حقّ الغير بِهِ فإذا الواحِد معه مليون ليرة، ومعه دَين بِثمان مائة ألف ولم يَدفَعها ! فهذا المال الذي مَعَهُ يتعلَّقُ به حقّ الآخرين، لذلك يُتْلِفُهُ الله عز وجل ومَن أخذَ أموال الناس يريدُ إتْلافها أتْلَفَهُ الله، ومَن أخَذَ أموال الناس يُريدُ أداءَها أدَّى الله عنه، فكَلِمَة خُذْ مِن أموالهم صدقَةً تُطَهِّرهم تُطَهِّرُ الغنيّ من الشُّح، والفقير من الحِقْد، والمال من تَعَلُّق حق الغير به.
الآن قال تعالى:
﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾
[ سورة التوبة ]
الآية دقيقة ؛ تُزَكِّي الغنيّ، فالغَنِيّ حينما يؤَدِّي زكاة مالِهِ، ويملأُ بِمَالِهِ حاجات الناس، يُدْخِلُ الفرْحة على الفقراء، وتَعْلو البسْمةُ على جبين المحروم، يشْعُر الغنيّ بقيمته، فهو لم يَعُدْ تاجِرًا فقط، بل أصْبَحَ مُحْسِنًا، ودخلَ في قلوب الآخرين، والمُجْتمَع الإسلامي مَبْني على التباذل لا على الحِقْد، فالغنيّ تنْمو نفْسُهُ ويشْعُر بقيمتِهِ وأهمِّيتِهِ ومكانَتِهِ في المُجْتمع الإسلامي لأنَّه كان عُضْوًا نافِعًا وهامًّا في المُجْتَمَع، فالإنسان يشْعُر بِثِقَة وتألُّق كُلَّما كان لهُ دَوْر خطير في المُجْتَمَع، فالله تعالى قال:
﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾
[ سورة التوبة ]
تُزَكِّي نفْس الغنيّ، والفقير تَزْكو نفْسُهُ ويشْعُر أنَّ له مكانة، فهو صحيح أنَّ قدرًا كان فقيرًا لكِنَّ المُجْتَمَع غطَّى لهُ حاجَتَهُ، فتَنْمو نفْسُهُ والله أعرِف أسْرة كان ربُّ بيْتِهم له مرض خطير في قلبِهِ ويَحتاج إلى عَمَلِيَّة مائتان وخمسون، وكان الكآبة تحومهم، فقال هذا المريض: اتَّصَلَتْ بيَ امرأة وقالتْ لي: اِذْهَب إلى الطبيب الفُلاني، وأجْري العَمَلِيَّة، وهِيَ مُغَطَّاة، ولم يكنْ يعْرِفُها، فذَهَبَ إلى الطبيب ووضَعَ له مَوْعِدًا بعد يوْمين أو ثلاثة، وأُجْرِيَت العَمَلِيَّة ونَجَحَتْ، وزُرْتُهُ بعد العَمَلِيَّة، والله رأيْتُ أولادَهُ يرْقُصون من الفرَح، وهو على وَجْهه البسْمة ! ما معنى تُزَكِّيهِم ؟ فقير مَقْهور ومَكْسور ومَحْروم، ومُتضايِق فلمَّا جاءَتْهُ أموال الزَّكاة وأكل ولبِسَ هو وزوْجَته وأولاده نَمَتْ نفْسُهُ وشَعَر بِعَظَمَةِ الإسلام، ولولا هذا الإسلام لما أكَلَ ! فهذا الفرض فرَضَهُ على كُلِّ الأغنياء، وكُلاًّ مِن الغنيّ والفقير أشْرَقَت أنفسهما والمال يزْداد بِطَريقَتَين، بِطَريقة قانونِيَّة، فالدُّوَل الغنِيَّة تُساعِد الدُّوَل الفقيرة، تقول لك: حتَّى ترْتفع عندها القدرة الشِّرائِيَّة، فلمَّا الأغنياء يدْفَعون زكاة أموالهم للفقراء، ماذا يصْنَعون بها ؟ سَيَشْتَري بها الألْبِسَة والأطْعِمَة والأحْذِيَة، معْنى ذلك أنَّه أصْبَحَ هُناك رواج بِالسُّوق، فلو أنَّ كلّ أغْنياء المسلمين دفَعوا أموال زكاتِهِم فإنَّ هذا يَحُلّ مُشْكلات الفقراء نِهائِيًّا، في إحْصاء سنة السِّتة والخمسين الدَّخل القومي لِبَلَدِنا كانت زكاتُه أربعُ مائة وثمانون مليون ليرة ! فلمَّا تُدْفَعُ الزكاة بأكملِها تُحَلُّ مُشْكلات الفقراء.
قال تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾
[ سورة التوبة ]
تُزَكِّي نفْس الغنيّ، ونفْسَ الفقير وتُزَكِّي المال لِنَمائِهِ بِطَريقة واقِعِيَّة ولكن قال هناك طريقة أخرى يَنْمو المال بها، وهذه الطريقة هي طريقة العِنايَةِ الإلهِيَّة المباشرة، فهذا التاجر الذي أدَّى زكاة مالهِ إذا كانت هناك صَفْقة خاسِرَة فالله تعالى يقْبض قلبَهُ، وإذا كانت هناك صفْقة رابِحَة ينْشرِحُ صدْرُهُ، فَمَانِعُ الزَّكاة يُوَرِّطُهُ الله بِصَفْقة خاسِرَة ويَحْجب عنه الصَّفقة الرابِحَة يقول لك: خسِرْتُ ثلاثة ملايين ! وهذه العَمِلِيَّة فلَّسْنا منها، لأنَّه ما تلِفَ مالٌ في برٍّ أو بَحْر إلا بِحَبْسِ الزَّكاة سَمِعْتُ قِصَّة وكان مطْلوبًا منه طُنَّيْن من الكاكاو، فسافَرَ إلى بلدٍ أجْنبي فلم يَجِد هذا العدد وأقلّ شيء كونْتينَر عشرين طنّ، فهذا المَعْمل وثقَ منه وأعطاه كونتينرين وكُلْفة كلغ بِثلاثة ليرات، فلم يجِد مَن يشْتري عنه بِهذا الثَّمَن فذَهَب إلى الحجّ ودعا الله أن يجري له هذه الصَّفْقَة ففي ظرفٍ اسْتِثنائي مُنِع الاسْتيراد فَبَاعَهُ بثمانِيَة عشر، سِتَّة أضْعاف فالله تعالى بالعِناية الإلهيَّة المُباشِرة يُضاعف لك أموالك أضعافًا لأنَّك أدَّيْتَ زكاة مالك، وآخر من الأذْكِياء يَخْسر الملايين لأنَّهُ لم يُؤَدِّ زكاة مالهِ ولذلك لا يوجد الذَّكاء مع الله، وإذا أراد ربُّكَ إنْفاذ أمْرٍ أخذَ مِن كُلِّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ فإذا بك تَجِدُه خَسِر وندم، أما الذي يُؤَدِّي زكاة مالهِ فهُوَ بالعِناية الإلهِيَّة فقد ذَكَر لي أخٌ، وكان يُؤَدِّي زكاة ماله بِثَلاثَة أضْعاف فقال لي: آخر مرَّة شَعَرْتُ بانْقِباض ما بعْدَهُ انْقِباض، فرَفَضْتُ أن أُصَدِّر بِضاعتي، ولا أمْلِكُ السَّبب ولا التَّعليل، فقال لي: بعدها في آخر السَّنة فرَضوا ضرائِب باهِظة، حتَّى أنَّ هناك مَن دفَعَ ضرائب من عشرين سنة، ونَفَذْتُ من الضَّرائب حينها لأنَّني لم أُصَدِّر، فالله يُلْهِمُ عبْدَهُ إذا زكَّى، والمال ينْمو بالعِناية الإلهِيَّة المُباشِرَة، وينْمو بالقانون الطبيعي إذا صار للفقير قوَّة شِرائِيَّة، وهناك طريقة أخري من العناية المُباشِرَة وهو أنَّهُ تعالى يُلْهِمُكَ الشيء الرابِح ويصْرف عنك الشَّيء الخاسِر.
فَخُذْ لها معنى، ومِن للتَّبعيض، وأموالهم لها معنى، وهم لها معنى وصدقَة تُؤكِّدُ صِدْق إيمانِهِ، وتُطَهِّرهم لها ثلاثة معاني وتُزكِّيهم لها ثلاثة معاني.
ثمَّ قال تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِم﴾
[ سورة التوبة ]
أيْ إذا عَطَفَ عليك رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فإنَّك تشْعُر بِسَعادة ما بعدها سعادة، وصلاة رسول الله على أصحابِهِ هي صلاة العَطْف والمحبَّة، والاتِّصال بهم اتِّصال الإكْبار والتَّعظيم، وما تلف مال في برٍّ أو بحْر إلا في حَبْس الزَّكاة، فهذا سيِّدنا أبو الدرداء أبْلغوه أنّ محلَّهُ احْتَرَق، فقال لهم: لا فإنَّه لا يحْترِق ‍‍! فذَهبوا فإذا بهم يجِدوا المحلّ الثاني الذي احْتَرَق !! فقال لهم: ما كان له أن يحْترق.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((حصِّنوا مالكم بالزكاة))
وقد ورَدَ بالأَثَر أنَّهُ ما عُبِدَ الله بأفْضل من إعانة المسلم، وثمانية آيات حصْرًا في الزَّكاة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾
[ سورة سبأ ]
يُخْلِفُه أضعافًا كثيرة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء الاول



لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثانية والعشرون من سورة يونس، وهي قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)﴾
هذه الآية أيها الأخوة: تصور الإنسان قبل أن يعرف الله، الله سبحانه وتعالى يستدرجه، فإذا وقع في شدةٍ دع ربه مخلصاً، وما من إنسان على وجه الأرض، مستقيم، غير مستقيم، عاصي، فاجر، إذا وقع في شدة.
إنني سمعت بعضاً من الخبراء ركبوا طائرة، وهؤلاء من الملحدين، وكان الجو مضطرباً والمطبات كثيرة، وجيوب الهواء عديدة، وكانت الطائرة تهبط بهم مائة متر فجأةً قال لي من في الطائرة وأنا أثق بكلامهم، هؤلاء الملحدون الخبراء ما كان منهم إلا رفعوا أيديهم ودعوا الله.
أي إنسان كائن من كان مستقيم، غير مستقيم، ملتزم، غير ملتزم، مؤمن كافر، هذا هو الإنسان، حينما يكون قوياً ينسى أنه ضعيف، أما حينما يضعف يذكر الله عز وجل، هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف.
في باخرة أيها الأخوة، اسمها تايتانيك، هذه صنعت عام 1912، هذه الباخرة صنعت بطريقة عجيبة، صنعت بطبقتين، وبين الطبقتين حواجز عرضية وقد كانت يعني هذه الباخرة، قمة الصناعة الأوربية وقتها، حتى أن كل ما في الحضارة الغربية من فن، ومن تحف، ومن أناقة، كانت في هذه الباخرة الخشب من أرقى أنواع الخشب، الثريات، المسابح، المطاعم، الملاهي، يعني مدينة عائمة. وفي أول رحلة لها، من بريطانيا إلى أمريكا، مع هذه الباخرة نشرة، كتب على هذه النشرة، إن القدر لا يستطيع أن يغرق هذه الباخرة، الباخرة التي لا تغرق، لأنه أي خلل هناك في طبقتان وحواجز عرضية، فلو خرقت من زاوية الماء لا تصل إلى داخلها.
لذلك هذه الباخرة، لم تزود بقوارب نجاة، وفي أول رحلة ركب هذه الباخرة أثرياء أوربا، الأثرياء، الأغنياء، قدر ثمن حلي النساء في هذه الرحلة بمئات الملايين، حلي النساء، طبعاً مدينة سياحية، المطاعم، الملاهي، المقاصف، غرف النوم الفخمة المسابح، كل شيء بالباخرة.
وفي أول رحلة لها، اصتدمت بجبل ثلجي، شطرها شطرين أنا قرأت عن هذه الباخرة، قبل ست أشهر أخرجوها، وصلوا إليها فيها كنوز، فيها ذهب، فيها كل شيء. فالإنسان يجهل أنه ضعيف يعتد بقوته، فهذه الآية، تصور الإنسان قبل أن يؤمن، إذا كان قوي يعتد بقوته، فإذا ساق الله له مصيبةً أظهر الخضوع والضعف، هذا الخضوع والضعف عند الشدة لا قيمة له والدليل حينما ترتفع الشدة يعود إلى ما كان عليه، من جبروت، وقرة واستعلاء.
اسمعوا الآية:
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾
يعني هذا البحر، تراه هادئاً، رقيقاً، جميلاً، رائعاً، فإذا هاج قد ترتفع الموج عن خمس وعشرين متراً، كا لجبال، والله قال:
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾
( سورة هود: 42 )
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)﴾
ما في إنسان بمرض ابنه، التهاب سحايا، يا رب إذا كان بطيب لي يا حتى صلي، بطيب له إياه ما بصلي، يا رب إن طيبت لي ابني حتى أترك هذا المعصية، بطيب ابنه والمعصية قائمة، يا رب إذا رزقتني ولد حتى حج، بجيه ولد ولا بحج، بروح لأوربا، يعني هذا الإنسان قبل أن يؤمن، بالرخاء متكبر، بالشدة بتلاقيه خضع.
المؤمن بالرخاء شكور، بالبلاء صبور.
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾
تطاول واستعلاء، لاحظ الناس بمرض ابنه مرض شديد، يا رب إذا شفيت لي يا سوف أفعل كذا وكذا، يشفى له يا، إسماع شو بحكي، هذا الطبيب ما في منه، هذا اشهر طبيب، هذا خلص، أعطاه دواء مرة وحدة استفدنا عليه، ينسى أن الله شفاه، يعزو الشفاء إلى الطبيب، يوكل محامي بقضية، يا رب إذا نصرتني على خصمي لأفعل كذا، وكذا، ينجح بالدعوة هذا المحامي يده طائلة وفايت بالقضاة للباط بقلك، هذا كلام، الله يلي نجاك. ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
يعني في خمسة أشياء، لا أذكرها الآن كلها، البغي يعود على صاحبه وهي آية.
﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
والمكر يعود على صاحبه.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾
( سورة إبراهيم: 46)
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾
( سورة الأنفال: 30 )
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)﴾
( سورة الأنعام: 123 )
هي الآية الثانية. ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾
( سورة الفتح ك 10 )
هي الثالثة. هن خمس، خمس آيات حصراً، أن من كن فيه كن عليه.
﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)﴾
المشكلة: أن كل الدنيا تنتهي بالموت، إذاً ليست عطاءً، الموت ينهي غنى الغني، وفقر الفقير، وقوة القوي، وضعف الضعيف، وصحة الصحيح ومرض المريض، ينهي وسامة الوسيم، ودمامة الذميم، كل شي ينتهي بالموت إذاً.
﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
( سورة يونس: 23 )
شيء عارض طارق.
﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)﴾
( سورة يونس: 23 )
هذا الإنسان العادي.
المؤمن: المؤمن في الرخاء هو شاكر، هو بالقوة متواضع هو بالعلم يقول أنا لا أعلم، الله يعلم، أنا طالب علم، هو بالغنى يقول الله هو الغني.
سئل رجل لمن هذا القطيع من الإبل قال: هو لله في يدي الإنسان مستخلف في المال، المال مال الله، والدليل.
﴿وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾
( سورة النور 33 )
﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾
( سورة الحديد: 7 )
أنت مالك مالك المال، تملك حق الانتفاع به وسوف تحاسب.
فالإنسان المؤمن، وهو غني متواضع، وهو قوي متواضع وهو صحيح متواضع.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام، كانت تعظم عنده النعمة مهما دقة، الإنسان شرب كأس ماء، هذا لو كان الطريق غير سالك، لو صار الطريق مسدود، بحس بآلام لا تحتمل، بمشي، في ناس ما يمشوا، مقعدين، يرى، في ناس لا يرون.
فالمؤمن وهو متمتع بالنعم، يشكر الله عليها، حينما تأتي المصيبة يصبر يرى أنها من فعل الله، وأن الله هو العادل، والرحيم والحكيم، والعليم.
فالمؤمن عكس الكافر، في الرخاء شكور، في البلاء صبور في الرخاء متواضع، في البلاء متواضع، ما في عنده تجبر، فاالله يرزقنا الحال الثاني حالة المؤمن الذي لا ينسى، والنبي الكريم يقول: أغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، و حياتك قبل موتك.
أغتنم ! الآن القلب عما ينبض، ما له مشكلة، اعمل أعمال صالحة، صلي صلاة متقنة، اطلب العلم، ابذل من مالك، لأنه قد يأتي يوم لا تستطيع، قد يأتي يوم ليس معك ما تنفق، فأغتنم خمس قبل خمس.
والحديث الذي يعد قاسمة الظهر، أن الإنسان لو أراد الدنيا وأصر عليها، وأعرض عن الآخرة، ماذا ينتظر من الدنيا ؟ قال سبع أشياء:
((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكما من الدنيا ؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، قد يأتي فقر مفاجئ، أيام قرار تروح الأملاك كلها، أو كساد إفلاسات، إذا كان في عليك مسؤوليات ما في بيع، والبضاعة كاسدة، تطر تبيع ما نباع معك بتفلس، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غناً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال، فشر غائبٍ منتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر.))
أيها الأخوة: هذا النموذج الله ذكره، حتى نتجنبه، الإنسان لا يعتد بالرخاء، لا يعتد بالصحة، كل شيء زائل.
ملك سئل وزيره ؟ قال له قل لي كلمةً، إن كنت حزيناً أفرح، وإن كنت فرحاً أحزن، قال له: كل حالٍ يزول.
ما في شيء دائم، وقف بسوق الحميدية، شوف هل الدكاكين على الصفين هلق في طقم، أصحاب المحلات طقم غير طقم قبل خمسين سنة، وغير قبل مائة سنة، طقم وراء طقم، يكبر بموت بيعوا المحل، يجي واحد ثاني، والبيوت نفس الشي، والمزارع كذلك، كل شيء موقت، أنت مستخلف:
﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ﴾
( سورة الأنعام: 165 )
فهذا النموذج يجب أن نحذر أن نكون منه، بالرخاء يعتد، قوي متجبر بالشدة بصير مثل الطفل، لا، أنت بطولتك أن تكون بالرخاء تكون متواضع، عرفان حجمك، عبد لله، ضمن منهج الله، حتى إذا جاءت الشدة تتقبلها، وأغلب الظن الله عز وجل يحميك.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء الثانى


تمهيد :
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين :
أيها الأخوة الكرام؛ من أدق الآيات القرآنية، تلك التي تأخذ طابع القانون، هذه الآيات التي تأخذ طابع القانون، سميت في بعض آيات القرآن الكريم كلمات الله.
﴿ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾
[ سورة الكهف الآية: 32]
يعني هناك سنن، هناك قوانين، هذه السنن، وتلك القوانين، من اكتشفها وعرفها، وعمل بها، سعد في الدنيا والآخرة...
هي مفتاح السعادة، مفتاح النجاح، مفتاح التوفيق، مفتاح الفلاح، مفتاح الفوز، مفتاح التفوق.
في عنا آية في القرآن الكريم، من هذا القبيل، في سورة يونس، يعني مثلاً قبل أن نصل إليها، هل هناك في القرآن الكريم قانون التيسير والتعسير، ما من شيء أمتع للإنسان، وأسعد لقلبه، من أن تيسر أموره، وما من شيء أدعى لغضبه، وخروجه من جلده، من أن تعسر أموره، يا ترى هذا التعسير وهذا التيسير ألهما قانون ؟ لهما قانون .
قال تعالى : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
[ سورة الليل الآيات: 5-7]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4138/ar-4138/01.jpg
أموره كلها ميسرة، في زواجه، في تجارته، في بيعه، في شرائه، في سفره، في إقامته، في حله، في ترحاله، في إنجابه لأولاده، في تربية أولاده. ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
صدق بهذا القرآن، واستقام على منهج الله، وأعطى ممن أعطاه الله، ثلاث أسباب تؤدي للتيسير. ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[ سورة الليل الآيات: 8-10]
أموره معسره، مخنوقة، مسطومة، مسكرة، ما في ضوء، كل الطرق مغلقة بالتعبير العامي نضربها يمين تجي شمال، ما في توفيق، في تعسير. ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
هي قانون ، هي آية مهمة جداً هذا قانون التيسير والتعسير.
الإنسان أيها الأخوة : كلما ارتقى الإنسان تصلح كرامته وعزته أغلى شيء عليه، العرب كانوا يقولون: المنية ولا الدنيا، وإنسان يذلك، يهينك، يحطملك، مبادئك، يسخر منك، يلطخك بالوحل وأنت ساكت.

القانون الإلهي مفتاح السعادة :


العزة والكرامة ، ما قانونهما ؟ الآن في عنا آية قانون .
يقول الله عز وجل : في الآية السادسة والعشرين ، من سورة يونس .
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
الحسنى ؟ الجنة ، والزيادة ؟ النظر إلى وجه الله الكريم. ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[ سورة يونس الآيات: 26-27]
معناها إذا أحسنت ، تشعر بالعزة ، وإذا أسأت لا سمح الله تشعر بالذلة .
أنت انظر إلى هؤلاء الذين يخرجون عن مبادئ الحق والخير حينما يلقى القبض عليهم ، انظر إلى وجوههم ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾
إذا كشف أنك غششت بضاعة يرهق الوجه ذلة، إذا اكتشف أنك كذبت ، يرهق الوجه ذلة ، فالذلة أساسها الإساءة ، والعزة أساسها الإحسان المحسن ، أما الإحسان ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾
طيب وين المفعول به ، أحسن بماذا ، في عنا قاعدة باللغة ، إذا حذف المفعول أطلق الفعل ، يعني أحسنوا في كل شيء ، أتقن صنعته ، أحسن، أتقن كلامه ، أحسن بكلامه ، ما تكلم كلام منحرف ، أحسن اختيار زوجته أحسن ، أحسن تربية أولاده ، أحسن علاقته مع جيرانه ، أحسن علاقته مع إخوانه أحسن علاقته مع أولاده ، أحسن ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾
علاقاته كلها أساسها الإحسان ، الانضباط والإحسان ، الاستقامة ، إعطاء كل ذي حق حقه فإذا أردت أن ترفع رأسك ، إذا أردت أن تتمتع بمكانة لا يستطيع إنسان كائن من كان أن ينالك بالأذى ، أو أن يغض من مكانتك فأحسن ، أتقن عملك ، اصدق بالبيع والشراء ، لا تكذب أبداً لا تغيير صفات البضاعة ، تكلم كلام مختصر مفيد بالبيع والشراء ، هذه البضائع منشئها كذا ، صفاتها كذا ، عيبوها كذا ، سعرها كذا ، هذا الحاضر تحب أهلا وسهلاً ما تحب مع السلامة ، هذا بيع راقي بيع إسلامي، ما بسترجي زبون يحكي عليك ، لكن إذا في تدليس ، في كذب ، في إيهام ، في إخفاء عيب ، ثم كشف هذا ، يحكي عليك شهر شهرين ثلاثة، ليملوا الناس من هذه القصة، فإذا أردت العزة ، إذا أردت التيسير ﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾
إن أردت التعسير ﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾
إن أردت العزة أحسن ، إن أردت الذل أسئ ، فالإساءة تؤدي إلى الذل، الإحسان يؤدي إلى العز.
لو فرضنا واحد ، يعني سحب من الدعامات قضبان الحديد حتى يبيعها ، وضع بدل سبع أكياس خمس أكياس ، البناء مال ، أول شيء ، يلقى القبض على المتعهد ، يساق ذليل ، لأنه أساء ، أما لو أعطى كل شيء حقه ، والبناء قائم ، ومتماسك ، ومتين ، ما أحد يستطيع أن يناله بأذى ، شوف السجون أكثرها ، قصر العدل كلها إساءات ، إساءة من الزوجة أو من الزوج ، من الشريك أو من شريكه ، أي مخالفة تعمل الإنسان ذليل ، فأنت لا تستطيع أن تكون عزيزاً إلا باستقامتك وإحسانك ، أما إذا خرجت عن منهج الله ، وخرجت عن مبدأ الإحسان ، بتلاقي ، تسمع كلام بمنتهى القسوة ، وينبغي أن تسكت ، لأن الكلام محق .

الإحسان والإساءة.


الآيات مرة ثانية:
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4138/ar-4138/02.jpg
لا ، الحسنى الجنة ، أحسنوا مطلق الفعل ، أحسنوا ، طيب بماذا ؟ أن أحسنت الكلام أحسنت التجارة ، أحسنت الاختيار ، أحسنت التصدق ، للذين أحسنوا مطلق ، والمطلق في القرآن على إطلاقه ، والمطلق يفيد العموم، علاقتك مع أبنك أساسها الإحسان ، مع زوجتك الإحسان ، في بيتك الإحسان ، مع الجيران الإحسان ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾
لو واحد أساء لجاره، وجاره سفيه طلع سبه ، طيب ليش سبه، لأنه أساء لو ما أساء ما كان بسبه، هذا قانون، الحسنى الجنة، هي الحسنى المطلقة، وزيادة النظر إلى وجه الله الكريم. ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾
لا قتر، لا قلق، ولا خوف ، ولا ذلة. ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
بالمقابل ، والذين كسبوا السيئات ، شيء يسيئ ، أساء المعاملة، أساء البيع، أساء الوصف، قال لك هذه البضاعة أصليه وهي غير أصليه ، قال لك هذه مصدرها بريطانية ، وهي تايون ، أساء الوصف أساء ، دلس ، كذب ، غش ، قلل الكمية ، لعب بالسعر ، لعب بالوزن لعب بالمساحة بالكيل ، بالعدد. ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-4/4138/ar-4138/03.jpg
في عنا قانونين، قانون التيسير والتعسير، وقانون الذل والعز، العزة والذلة ، أساسه الإحسان والإساءة ، كل ما بحثت عن قانون بالقرآن تمسك به ، وسجل عندك و حفظه ، لأن هذه قوانين ربنا قوانين خالق الكون ، فإذا أخذت بها ، قطفت الثمار يانعة جيدة ، قبل منها . ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾
[ سورة يونس الآية: 24]
شوف هذا الوصف كل شيء تزين، كل شيء ديكور، أناقة ما بعدها أناقة، يعني إذا البيت ما كان مرتب، جبصين ثريات، سجاد ، تدفئه مركزية ، المحلات التجارية ، شيء يأخذ بالعقول ، فنادق ، حتى الحدائق ، الطرقات ، يعني التزين أساس الحياة ، من شدة حب الناس بالدنيا ، جعلوا التزين أساس حياتهم. ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾
شوف شرك ، وصف دقيق لربنا إلى آخر الزمان ، حبٌ للدنيا ما بعده حب ، وشركٌ ما بعده شرك، شرك وحب للدنيا. ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾
قيام الساعة. ﴿ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ﴾
ساعة شاملة ، على قوم ليلاً وعلى قوم نهاراً. ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً ﴾
هون كان بلده أسمه باريس ، هون كانت ، هي آثار باريس ، هون كان في بلده أسمها نيويورك مثلاً. ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
يعني الله يدعوك إلى الجنة، دار السلام، لا في قلق ولا في حزن، ولا في خوف، ولا موت، ولا في مرض، ولا في مشاحنة، ولا في خصومة. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
لهذه الدار. ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء الثالث

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
في سورة يونس آية كريمة هي التاسعة والثلاثون وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)﴾
باللغة كلمة لم... تفيد نفي الماضي.
وكلمة لما... تفيد نفي الحاضر.
وكلمة لن... تفيد نفي المستقبل.
فقد تقول لن أفعل هذا ! يعني في المستقبل، ولم أفعله ! في الماضي، ولما أفعله ! يعني حتى الآن لم أفعله، الآن لم أفعله، لكن احتمال أن أفعله قائم.
أوضح من ذلك، مدرس لم يحضر، الدرس مضى ولم يحضر نقول لن يحضر، أتصل هاتفياً أعتذر عن الدرس قبل أن يأتي، نقول لن يحضر ! لا أتصل ولا أعتذر، مضى خمس دقائق، عشر دقائق سؤلنا أين المدرس ؟ قلنا لما يحضر ! للآن ما أجى، ممكن يأتي. طيب كلمة لما دقيقة جداً، ربما فهمت الآية من لما. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
يعني الله وعد المرابي بالدمار بس الآن غني وقوي وأمواله عما تتضاعف ! وعد الزاني بالفقر وعما يزداد مال الزاني ! وعد المنحرف بالعقاب، ما تعاقب ! ليس معنى هذا بأنه لن يعاقب، إلى الآن لم يعاقب، لكن احتمال عقابه قائم بكل لحظة.
الإنسان متى يكذب بالنص ؟
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾
أنت مختص بالفيزياء، أعطينك حقيقة بالفيزياء، بحسب علمك تقول صح أو غلط، إما أن تقبلها بعلمك أو أن ترفضها، فالتكذيب هنا بعلم والتصديق بعلم، لا تعلم ما إن كان صحيح أو غلط، بتجربها التجربة تؤكد ذلك، لا تعلم ولا تجرب، كيف تكذب ! لا تعلم ولا تجرب، كيف تكذب ! معناها التكذيب من دون علم جريمة، والتكذيب من دون تجربه جريمة، فربنا عز وجل كأنه يريد، إما أن تعلموا أو أن تنتظروا وقوع تأويل هذا القرآن.
يعني الله عز وجل وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات بحياة طيبة، قال:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
( سورة النحل: 97 )
ما تأويل هذه الآية، قد يظن بعضكم بأنه التفسير، لا ! التأويل: الحياة الطيبة التي يحياها المؤمن هي تأويل هذه الآية.
وعد المعرض بمعيشة ضنك، متاعب وقلق وهموم وخوف إلى آخره، ما تأويل هذه الآية ؟
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
( سورة طه: 124 )
المعيشة الضنك هي تأويل هذه الآية.
طيب:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾
( سورة الطلاق: 2 )
ما تأويل هذه الآية ؟ إذا الإنسان اتقى الله عز وجل، قد تكون الأمور كلها مغلقة لكن ثم تفتح، هذا الفتح، وهذا التوفيق لخلاص من أزمة هو المخرج، هو تأويل هذه الآية.
فأيها الأخوة الكرام: ضعوا في أذهانكم أن التأويل، تحقق الوعد والوعيد فالإنسان ما له حق يكذب قبل أن ينتظر النتائج، الله قال:
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)﴾
( سورة النحل: 36 )
فالإنسان ما له حق يكذب بالكتاب، قبل أن يحيط علماً به وقبل أن ينتظر تأويله.
إذاً هذا الذي يتسرع، أخي نحن شو عاملين، هكذا عما يصير فينا مثلاً، في آيات تؤكد ذلك، ليش الأجانب أخي أغنياء، وأقوياء وما عندهم مشكلة، ما قرؤوا القرآن معناها، الله قال:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾
( سورة الأنعام: 44 )
إذاً التأويل تحقق الوعد والوعيد. ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
( سورة الإسراء: 81 )
أخي في باطل، ألم ترى كيف أن الله أزهقه بعد سبعين عام.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
طبعاً زهوق هذأ الباطل تأويل الآية.
فإذا الإنسان في عنده إدراك عميق ما من آية، إلا والحياة والزمن والأحداث تأكدها، الآية الكريمة:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
( سورة البقرة: 276 )
هو بالحساب بالعكس، إذا كان تصدقت نقص مالك، إذا كان أقرضت قرض ربوي، فائدة مركبة زاد مالك الآية بالعكس.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾
طيب جرب تصدق وشوف، كيف أن الله عز وجل من حيث لا تحتسب، يأتيك الرزق الحلال الطيب، اعمل قرض ربوي وشوف، يدمر الإنسان ضربة وراء ضربة، وراء ضربة، فالضربات الساحقة، الماحقة للمال عقب أكل الربا، تأويل الآية، والتوفيقات غير المتوقعة لنماء المال عقب الصدقات، تأويل الآية، فخلي ببالك التأويل هو تحقق الوعد والوعيد، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعده أو وعيده.
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾
( سورة القصص: 83 )
الأمور تدور، تدور تدور، لا تستقر إلا على إكرام المؤمن ومحق الكافر.
تاريخ الصحابة، سيدنا الصديق أين هو الآن ؟ ذكره، سمعته مكانته مصيره، وأبو لهب، وأبو جهل.
فالتأويل أيها الأخوة: تحقق الوعد والوعيد، الإنسان ما له حق يكذب بالكتاب قبل أن يحيط علماً به، الآية مالك قارئها، أو ما عندك علم بهذا الموضوع.
لو فرضنا واحد فلكي، وقرأ آية كونية.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾
( سورة الواقعة: 75 ـ 76 )
إذا يعرف أنه بين بعض المجرات أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، شو هل الرقم هذا، المجرات أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، شو معنى سنة ضوئية ؟ يعني الضوء يقطع بالثانية الوحدة ثلاث مائة ألف كيلو متر، بالدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين باليوم ضرب أربع وعشرين، بالسنة ضرب ثلاث مائة وخمس وستون، تضرب ثلاث مائة ألف، بستين، بستين، بأربع وعشرين، بثلاث مائة وخمس وستون هذا ما يقطعه الضوء في ثانية واحدة، تضربه بأربع وعشرين ألف مليون.
الله قال:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾
عالم الفلك يقرأ الآية بدوب، يخشع.
عالم الفيزياء يقرأ الآيات المتعلقة بالماء يخشع.
عالم الرياضيات يخشع، عالم الطبيعة يخشع.
عالم مثلاً قال لك:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً﴾
( سورة يس: 80 )
والله هذه الآية ما كنت أفهمها بحياتي، شجر أخضر ما بصير نار، بكون يابس، لو قال اليابس بتضبط، أما الأخضر، كلمة أخضر، يعني هذا النبات العملاق، لولا هذه الورقة الخضراء لما كان المعمل بالورقة المعمل، هي الأخضر وصف سببه، لولا الورقة الخضراء، يلي فيها يخضور فيها فتانات، وفيها فلزات حديد، وفيها 18 معدن مذاب بالماء، وفيها آزوت، وفيها طاقة شمسية، وهذه الورقة معمل يعد أعقد معمل موجود بالكون، وأعظم معمل صنعه الإنسان يبدو تافهاً أمامها.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ﴾
لولا هذه الورقة الخضراء، لما كان هذا شجراً، نارا، كيف نار ؟ هذا البترول أساسه غابات عملاقة، طمرت تحت الأرض، فكانت هذا البترول.
﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)﴾
لذلك العالم بقدر الآيات، عالم الطبيعة، عالم الجيولوجيا، عالم الفيزياء عالم الكيمياء، عالم الرياضيات، عالم الفلك، عالم الجغرافية.
الله عز وجل قال:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾
( سورة الروم: 2 ـ 3)
اسأل عالم جغرافية، أخفض نقطة باليابسة، هي غور فلسطين أخفض نقطة باليابسة، أخفض نقطة بالبحر، بالمحيط الهادي، بخليج مريانا، أثنى عشر ألف متر، أما أخفض نقطة باليابسة، هي غور فلسطين، والمعركة تمت بغور فلسطين، وما كان معروف أن هذه المنطقة أنها أخفض نقطة، كلام خالق الكون:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
إذا أنت، إما أن تعلم أو أن يأتي التأويل الواقع يؤكد القرآن الكريم، لا انتظرت التأويل، ومالك علم بالكتاب كيف عما تكذب؟
واحد جاءته رسالة، ممكن وهي بالظرف يشقها، اقرأها وشوف شو فيها أحمق بكون، افتح الظرف واقرأ الرسالة، ما عجبتك شقها وحطها بالزبالة، لكن قبل أن تقرأها تمزقها، أحمق هذا، بدو قصير هذا.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
ينبغي أن تتحقق، وأن تنتظر التأويل، حتى تخشع وترى أن القرآن كلام الله لا يؤكد أن هذا القرآن كلام الله، إلا أنك تعلم، الله ماذا قال:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
( سورة فاطر: 28 )
العالم وحده هو الذي يخشع، واثقون على أن النوية بالنطفة خمسة آلاف مليون معلومة عرفوا منها حتى الآن ثمانمائة ألف، بالهندسة الوراثية، على النوية بالنطفة، الخلية الحيوية لها غلاف، لها هيولا، لها نواة، ضمن النواة في نوية، وعلى هذه النوية خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة زمنياً تسهم في تشكيل الإنسان، لو سألت عالم هندسة وراثية وعرفوا حتى الآن ثمانمائة منهم، من خمسة آلاف مليون، لو قرأ الآية.
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)﴾
( سورة الطور: 35 )
يخشع، الإنسان بإلقاء الزوجي، يطلع منه ثلاث مائة ألف حوين حوين واحد يلقح البويضة، واحد، وعلى البويضة في ثلاث وعشرون كروموزون، وعلى الحوين ثلاث وعشرون كروموزون، مجموعهم ست وأربعين.
فإما أن تعلم فتخشع، وإما أن ترى النتائج فتخشع، لا هي ولا هي وتكذب غير معقول هذا الكلام، الآية دقيقة جداً، إما أن تعلم وإما أن ترى التطبيقات، لا انتظرت التطبيق، لا شاف مصير المرابي ولا مصير المتصدق ولا مصير الزاني، ولا مصير القاتل، ولا مصير المؤمن، ما شاف المصير ولا أراد أن يعلم حتى يقدر الكتاب.
هذه الآية أيها الأخوة: هي التاسعة والثلاثين.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
التأويل، تحقق الوعد والوعيد.
﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)﴾
في عندنا ثلاث مبادئ، الخلق يدل عليه، والقرآن يدل عليه والأفعال تدل عليه، أن تعرف الله من كلامه، ومن أفعاله الحوادث ومن خلقه الكون الكون.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
( سورة البقرة: 164 )
والحوادث.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾
( سورة الأنعام: 11)






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء الرابع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية السابعة والخمسون، من سورة يونس، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾
موعظة، وشفاء، وهدى، ورحمة، الله عز وجل وصف هذه الرسالة التي أنزلها على النبي صلى الله عليه وسلم بأنها موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى لعقل الإنسان، ورحمة لنفسه.
موطن الشاهد:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾
هذا مقياس دقيق جداً، اسأل نفسك دائماً ماالذي يفرحك ؟ ماالذي يدخل على قلبك السرور ؟ الله عز وجل ينتظر من المؤمن أن يفرح بالهدى، أن يفرح برحمة الله، أن يفرح بموعظة بليغة أتعظ بها، أن يفرح بشفاء لما في صدره من أمراض، فإذا أتعظ بموعظةٍ وشفي صدره من كل حقدٍ، أو حسٍد، أو كبرٍ، أو عجبٍ، أو أنانيةٍ أو انحرافٍ، أو استعلاءٍ، هي الأمراض المهلكة، الأمراض التي تودي بصاحبها إلى النار.
فالإنسان إذا أتعظ بموعظةٍ ربانية، وشفي صدره من كل مرض نفسي واستنار عقله، ثم انغمس في سعادةٍ، شوف أربع أشياء، جاءته موعظةٌ فاتعظ، وكان القرآن له شفاءً، فشفي به، واستنار عقله، ثم انغمس في رحمة الله.
الله عز وجل قال:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
بجوز إنسان يكون له أرض مهملة، يرسموا إلى جانبها شارع، يقل لك تضاعفت مائة ضعف يقل لك أنا مالي عاطي فرحتي لأحد، بقل لك عما برقص، أو أنه تمكن أن يصل إلى وكالة حصريه، بضاعة مطلوبة، وهو الوكيل حصراً، أو ممكن يشتري بيت يصير حقه أربعين مليون، كان حقه مائتين ألف بزمانه، أو أنه تزوج امرأة غنية أخذ كل المال، مثلاً، عما أعطي نماذج من فرح الإنسان.
الله عز وجل يقول:
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
يمكن يجيك ابن يصير وزير، ابن بصير أكبر طبيب قلب بالقطر، هذا ابني بتقول، فرحان فيه، فرحان بابنك فرحان بابنتك، فرحان بصهرك، فرحان ببيتك الواسع، فرحان بتجارتك العريضة، بس ربنا عز وجل في هذه الآية ينتظر من عبده المؤمن، لا أن يفرح بالدنيا لأنها منقطعة، لأنها زائلة لأنها تنتهي بالموت، لأن الموت ينهيها، ينتظر من عبده المؤمن أن يفرح بالآخرة، يفرح أن يتعظ، أن يشفى من كل مرض، أن يستنير عقله، أن يرحمه الله بسعادةٍ لا توصف.
قال:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
لذلك خذ القاعدة قل لي ما يفرحك أقل لك من أنت، ماالذي يفرحك ؟ أن تأخذ أم أن تعطي، أن تحسن أم أن تسيء، أن يقدر الله على يدك عملاً صالحاً أم أن يعطيك مالاً وفيراً، ماالذي يفرحك مجلس علم، أم مجالس طرب وكيف، تجلس ببيتك مع أهلك وأولادك آخذ راحتك، مزح ضحك، عما تابع برامج ما كثير بترضي الله عز وجل، لما تقعد ببيت من بيوت الله، تتعلم كتاب الله، مالذي يفرحك ؟ قل لي ماذا يفرحك، أقل لك من أنت، لكن الله ينتظر منك أن تفرح بفضله، أن تفرح بعملٍ صالح أن تفرح بفهمك لكتاب الله، أن تفرح بخدمة الخلق، أن تفرح أن توفق لهداية الناس، الله ينتظر منك أن تفرح بعمل، شوف، يعود عليك خيره بالآخرة، في أعمال في الدنيا ضخمة، لكن كل خيرها يعود بالدنيا، شايف هالمستشفى كلها إلي، خير إن شاء الله، ست مائة ألف كل يوم، بس هي بالموت تنتهي هي مو لك صارت.
الله عز وجل ينتظر من عبده المؤمن، أن يفرح بعمل أن يعود خيره عليه في الآخرة لا في الدنيا، لأن الدنيا يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب، المال أعطاه لقارون ولا يحبه، كنوز قارون لا يستطيع عصبة من الرجال أن يحملوا مفاتيحه.
﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
( سورة القصص: 76 )
هلق إذا مفتاح صندوق حديد، شو وزنه، شيئ مائة غرام وزنه بنحط فيه شيئ خمس ملايين صندوق الحديد، أما إذا كان ذهب أكثر وإذا كان دولارات كل دولار بخمسين ليرة، بنحط فيه مائة مليون دولار، شو وزن المفتاح، مائة غرام.
﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾
وهو لا يحبه، أعطى سيدنا ابن عوف وهو يحبه، قال ماذا افعل: إن كنت أنفق مائة في الصباح فيأتي الله ألف في المساء، سمع أن هناك من يقول والله لتدخلنا الجنة حبواً، قال والله لدخلنها خبباً، سيدنا عثمان ألف ناقة محملة، والله لا أبالغ في مقياس اليوم، ألف شاحنة، ألف شاحنة ! أيام تركب لحلب بتلاقي مجموعة شاحنات، حسب النظام الجديد ( كنفير ) بتمل منهم أخي كم وحدة مائة بطلعوا، تمشي تمشي تمشي ! ما بيخلصوا، ألف ناقة محملة بالبضائع قال هي لله سيدنا عثمان رضي الله عنه، لله كلها.
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
إن فرحت ببيت هذا بيت موقت، اقرأ النعوات، وسيشيع إلى مثواه الأخير، مالك فايت لتماسي بيت يأخذ العقل، وين صاحبه ؟ باب صغير، معناه بيت موقت، مثواه الأخير، بدك الأخير، بستان بنترك، زوجة بنترك مال بنترك، مكتب بنترك.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
افراح إذا عرفت الله، افراح إذا فهمت كلام الله، افراح إذا جوارحك منضبط بالشرع، افراح إذا بتغض بصرك، افراح إذا بتصون أذنك عن الحرام، افراح إذا يدك بالخير، افراح إذا أجمل مكان عندك الجامع، افراح إذا كنت طالب علم، افراح إذا متن على شيئ من العلم إذا عقلك مستنير افراح، إذا كان عملك مستقيم افراح، إذا كان بيت مسلم افراح، لك زوجة محجبه صالحه حافظه لكتاب الله افراح، إذا عندك بنت مستورة زوجت من شاب مؤمن افراح، هي فرحة فعلاً أما إذا فرحت بالدنيا الدنيا زائلة.
لذلك ملخص درسنا اليوم: قل لي ما الذي يفرحك، أقل لك من أنت، الله عز وجل يقول:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
أفرح بهذا، يعني لو فرضنا، تقريباً: إذا أب عنده ابن بـ 17 بالبكلوريا، وكل طموحه أن يكون طبيب، قال لأبيه لعبت ثلاث دقوق طاولة بالثلاث غلبت رفيقي، شو قولك بابا، يا ترى إذا جاب مائتين وخمس وعشرين، دخل فيهن طب، أليس أفضل، يقول له أنا جبت مائتين وخمس وعشرين علامة، لما أربع دقوق غلبت فيهن بالطاولة بابا، بدو يفرح بالعلامات لأهله يكون طبيب، مثلاً يعني.
النقطة الدقيقة، قال:
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾
شوف لما الإنسان يتجاوز، بتجاوز رزقه أكله مأمن، بيته مرتب بناته مرتبين، كل شيئ مرتب، ينشأ عند الأغنياء رغبه جامحة للجمع هذا أخي بيت بشتريه ثلاثمائة مليون، وهذا بمائتين، وهذا بمائة، هذا حجمه ألف، لما بتجاوز بتأمن بيت وسيارتك وأولادك ودخلك، ما عندك ولا مشكلة، بصير عنده رغبة جامحة يجمع، الله عبر عنها تعبير دقيق، ما قال مما يكسبون، مما يرزقون، لا !! مما يجمعون، في حد للمال خط أحمر، دونه بخدمتك المال، من فوق الخط الأحمر أنت بخدمته، خادم له.
لذلك ورد في الحديث القدسي:
(( عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعى بخلقهن، أفعييني رغيف أسوق لك كل حين رغيف، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضة لم أخلفك في رزقك، وعزتي وجلالي، إن لم ترضى بما قسمته لك فلا أسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وأن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
وهو خير مما يجمعون، فالموازنه الآن، لما الإنسان يأمن بيته، سيارته أولاده، زوجته، وتجارته ماشيه، في عنده بقى شيئين، إما أن يجمع للدنيا، وإما أن يعمل للآخرة، من دخل في الأربعين، دخل في أسواق الآخرة، من بعد الأربعين، ما بيليق بالإنسان أن يعمل للدنيا، أعمل للآخرة، هذا وقت خطير، محاسب على الدقيقة، على اليوم، على الساعة.
لذلك أيها الأخوة الآية دقيقة جداً:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾
موعظة.
﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى﴾
هدى لعقولكم.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾
وين رايح، شب: قال له رفيقه وين رايح ؟ رايح يشرب على روح أبوه، يعمل سكرة على روح أبوه، فلما الإنسان بخلف مال لأولاده، ما بعلمهن، ينفقون هذا المال في معصية الله، ترفرف روحه فوق النعش تقول يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كم لعبت بي، جمعت المال مما حل وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة علي.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء الخامس


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الواحد والستون في سورة يونس وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) ﴾
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾
الشأن الحال في أي شأن.
﴿ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ ﴾
يا محمد:
﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾
أيها المؤمنين:
﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾
في أي شأن أنت في بيتك، مع أهلك، في لهوك، في حزنك في بيعك في شرائك، في سرورك، في غضبك، وما تكون في شأن وما يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم ينسحبوا على المؤمنين بالتبعية، لقوله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
( سورة هود: 112 )
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾
إنسان في بيته وحده، مع أهله، منطلق يتكلم.
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾
أي عمل، عمل جاد، عمل هازل، عمل حقير، عمل دنيء عمل جليل، عمل صغير، عمل كبير.
﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾
أيها الأخوة لمجرد أن توقن أن الله معك، ويراقبك، ولك بالمرصاد، لا بد من أن تستحي من الله عز وجل، لابد من أن تستقيم على أمره.
أيها الأخوة:
في آية بالقرآن الكريم، لعلي ذكرته لكم من قبل، من أدق الآيات:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾
( سورة الطلاق: 12 )
هذه اللام في اللغة لام التعليل، يعني علة خلق السماوات والأرض وما بينهما من أجل أن تعلموا، يعني أنت إذا ألغيت العلم، ألغيت وجودك، وألغيت حكمة خلق السماوات والأرض، إذا ألغيت العلم في حياتك، ألغيت وجودك، الإنسان وبقيت على وجود يهم، أنت لك وجود إنساني ولك وجود يهم أكل، أشرب، أنام، أتعب، أتستريح، هذا الصفات يشترك بها الإنسان والحيوان، هذا وجود يهمني، أما، أتعلم، أفكر، أتأمل أتعرف إلى الله، أطلب العلم، أطلب الحقيقة، هذا وجود إنساني لمجرد أن تلغي من حياتك العلم، طلب العلم، ومعرفة الله ومعرفة منهجه، ألغيت وجودك الإنساني، وعطلت حكمة خلق السماوات والأرض، شيء خطير.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾
هذه اللام في اللغة لام التعليل طيب أنا دخلت الجامعة لأنال الشهادة، لام التعليل، حفرت البئر لأسقي الأرض، زرعت البزرة لأجني الثمرة، هي باللغة لام التعليل علة الوجود، هل تصدقون أيها الأخوة، أن علة وجود السماوات والأرض، من أجل أن تكون السماوات والأرض مظهراً لأسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلة، من أجل أن نعرفه، فإذا ألغيت معرفة الله واكتفيت بالطعام والشراب، ألغيت وجودك الإنساني، وبقيت على وجود حيواني.
لذلك قال تعالى:
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾
( سورة الفرقان: 44 )
الأنعام ليسوا مكلفين، ليس عندهم حساب، ليس عندهم مسئولية، أودع الله فيهم الشهوات وسمح لهم أن ينالوا منها ما شاءوا من دون حساب، من دون تكليف.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾
آية ثانية:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾
( سورة الأعراف: 176 )
آية ثالثة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾
( سورة الجمعة: 5 )
آية رابعة: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
( سورة المنافقون: 4 )
أبلغ هي، جماد يعني: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾
آية خامسة: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾
(سورة المدثر: 50 ـ 51)
آية سابعة: أيها الأخوة:
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾
(سورة الحجر: 3 )
﴿كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)﴾
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾
فإذا اقتصرت حياة الإنسان على المتعة والطعام والشراب، ألغى وجوده الإنساني، وهبط إلى المستوى الحيواني.
لذلك الآية:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾
ماذا نعلم ؟ شيئين:
﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾
(سورة البقرة: 106 )
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾
(سورة الطلاق: 12 )
لمجرد أن توقن أن الله يعلم وسيحاسب استقمت على أمره، مستحيل مستحيل، أنت تستقيم مع أمر إنسان لا تحبه، إذا أيقنت أنه يعلم وسيحاسب، إنسان عادي، أي إنسان إذا كنت تاجر، استوردت بضاعة نسخة من الوثائق إلى المالية، والمالية بإمكانها أن تصادر كل المحل التجاري هل بإمكانك أن تخفي عن المالية هذه الصفقة ؟ نسخة من هذه المعاملة تذهب إلى المالية سلفاً، وستحاسب، وقادرة أن تصادر المحل كله، هل تخفي عنها شيئاً أبداً أنت مع إنسان عادي، إذا أيقنت أنه يعلم وسيحاسب تستقيم على أمره، فكيف بخالق الكون ؟ هي الآية أساسية، الله اختار من أسمائه أسمين فقط.
﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾
يعني علة خلق السماوات والأرض أن تعلم أن الله يعلم وسيحاسب، وأنت إذا أيقنت.
مرة ضربت مثل أنت راكب هذه المركبة تبعك، والإشارة حمراء والشرطي واقف، والسيارة واقفة وميتورات واقفين، وأنت مواطن عادي، هل يمكن أن تسير على الحمراء ؟ والشرطي واقف، والنقيب واقف، وكلهم واقفين وممنوع السير، لا، مستحيل أنت عامل الله عز وجل، كما تعامل إنسان قوي كيف مع القوي تطيع أمره وتخاف من عقابه.
أيها الأخوة:
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾
لذلك: أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، إذا علمت أن الله معك حيث كنت، لابد من أن تستقيم على أمره.
﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾
لو أنقذت نملةً وأنت تتوضأ، نملة أنقذت، لو أنقذت هذه النملة لو نزعت قشةً من المسجد، ما هذا العمل ؟ ماذا فعلت ؟ لقيت قشة صغيرة طولها سانتي وضعتها في جيبك، يعني تقرباً إلى الله عز وجل هذا العمل فما فوقه ؟ لا يعزب عند ربك، ولا يعزب.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)﴾
كله مسجل.
في بعض الدول الغربية، الساعة الثالثة بالليل ما في أحد الإشارة حمراء يأتي إنسان من بلاد بعيدة عن النظام الدقيق، ما في حدى بيمشي، بعد يومين يأتيه مخالفة، بخمسين مارك، أنا ما كنت بهذا المكان ! يعطونه الصورة، تفضل في أجهزة تلتقط المخالفين بتشوف السيارة مع رقمها، يسكت.
﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾
ويوم القيامة صدقوني، تعرض أعمال الإنسان على صاحبها، عملاً، عملاً عرض صورة، كاملة، هكذا فعلت، فإذا الإنسان أيقن، أن عمله مسجل أن أقواله مسجلة.
إذا واحد حققوا معه، يمكن الكلمة يحسبها خمس ساعات، هي لا ما راح أحكي هيك، إذا أنت مع إنسان، شعرت أن كل كلامك سوف تحاسب عنه، تراقب كلامك، مراقبة تامة.
أيها الأخوة الكرام، إذا أيقنا، أن الله معنا، فهذه من أعلى درجات الإيمان هذا العلماء سموه حال المراقبة، أن تشعر أنك مراقب من قبل الله عز وجل، بكل أحوالك، وما تكون في شأن، يعني حتى الإنسان أحياناً، في اللذائذ المباحة التي أباحها الله عز وجل له، لا ينسى أن الله أكرمه، وأن الله تفضل عليه، وأن الله سبحانه وتعالى سخر له هذا العطاء من أجل إنجاب الأولاد، ومن أجل تربيتهم يعني حتى في الساعات التي قد يغيب معظم الناس عن ربهم، هناك من لا يغيب عن رب، يشعر أنه مراقب، هو الله يراقبه، فالإنسان كلما أدرك عظم هذه المراقبة، تطامن، وتأدب، لهذا أعلى إنسان تأدب الأدب العالي هو النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا ؟ لأنه يشعر أن الله معه دائماً.
النبي الكريم قال مرة: ((أنه أستحي من الله كما تستحي من رجل من علية قومك.))
واحد منا له أقرباء، أيام بكون في عميد الأسرة، يعني شخص كبير في السن راقي علم على أخلاق، لو أن هذا الإنسان زارك، هل تستقبله بالقميص الداخلي، مستحيل، هل تستقبله وأنت منفوش الشعر مستحيل، كيف بتعامل إنسان راقي بأسرتك ؟ الأولى بك أن تتأدب مع الله، كما تتأدب مع رجل من علية القوم.
أيها الأخوة الكرام: هي الآية أساسية، أن تشعر أن الله معك إذا وصلت أن الله معك، ويراقبك، وسيحاسبك، استقمت على أمره وإن استقمت على أمره نلت خيري الدنيا والآخرة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء السادس



لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
فمن قصة سيدنا موسى مع فرعون، التي وردت في سورة يونس عليه السلام، فقرة مهمة جداً، هذه الفقرة، تؤكد أن خيار الإنسان مع الإيمان ليس خيار قبول أو رفض، بل هو خيار وقت خيار الإنسان مع الإيمان ليس خيار قبول أو رفض، كيف ؟.
يعرض عليك محل تجاري، كي تشتريه، لك أن تشتريه ولك أن لا تشتريه، خيارك معه، خيار قبول أو رفض، تخطب فتاة تنظر إليها كم أمر الشرع، ثم تتخذ قراراً، إما أن تُقدم، وإما أن تُحجم، فخيارك مع هذه الفتاة في الزواج منها، خيار قبول أو رفض لكن الإنسان لو أن له ابناً، خياره مع ابنه خيار قبول أو رفض، لا صبر أو عدم صبر، ابنه ‍، قدره، لا يستطيع أن يتبرء منه، ولا أن يلقيه خارج البيت، فخياره مع ابنه ليس خيار قبول أو رفضاً خيار صبر أو ضجر.
قدمت هذه الأمثل، لأصل أن أخطر فكرة في هذه القصة، أن خيار الإنسان مع الإيمان، ليس خيار قبول ولا رفضاً، لكنه خيار وقت فقط.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)﴾
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)﴾
أذكركم بقوله تعالى:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾
( سورة آل عمران: 196 ـ 197 )
ضعاف العقول ضيقوا الأفق هم الذين يأخذون بمظاهر العظمة والبذخ والرفاه والسيطرة والقوة وما إلى ذلك. ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
( سورة إبراهيم: 42 )
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)﴾
بالمناسبة: الإنسان كلما ارتقى يخاف بعقله، وكلما تدنى يخاف بعينه، العوام إلى أن يصاب أبنه بالمرض يتألمون، لكن المثقفين ثقافة صحية، يحتاطون قبل أن يأتي المرض، من تعقيم، من نظافة بأخذ الحيطة، بالتلقيح، دائماً الراقي يخاف بعقله، والإنسان القرب للتفكير المحدود يخافه بعينه، فربنا عز وجل يصف هؤلاء الكفار بأنهم محددون، قال:
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)﴾
يعني حتى يواجه المشكلة بقلك والله صح إلى أن يدمر المال بقلك والله الربا حرام، صح الله دمر لي مالي، في آيات، في أحاديث، في قصص، أتعظ قبل أن ترى المصيبة، حتى تخون زوجته بقلك الاختلاط حرام، ما كنت عرفان الاختلاط حرام، اختلاط، اختلاط، رفقاته دخلوا عليه، أخي ما في مانع أنا سبور، أنا منفتح زوجتي واثق منها، إلى أن يواجه الخيانة بقلك والله معه حق فلان ينهى عن الاختلاط، دائماً الإنسان الضعيف الفكر بخاف بعيونه، إلى أن يواجه المشكلة، والراقي يخاف بعقله.
﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)﴾
يقول بعض المفسرين: أن بين أن الله سبحانه وتعالى قال لسيدنا موسى، أجيبت دعوتكما، وبين أن غرق فرعون أربعون عام، فالإنسان لا يلج دائماً، وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك، يعني يا محمد وأنت حبيباً إما أن ترى وعيدنا بالكفار وإما أن لا ترى، أنت عليك أن تكون على منهج الله، ويجب أن تكون واثقاً من كلام الله.
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾
أذكركم ماذا قال سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف لما ضربوا هل قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم، قال:
(( اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ))
شو معنى سيد الأنبياء، ماذا قال أصحاب موسى لموسى:
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)﴾
( سورة المائدة: 24 )
ماذا قال أصحاب النبي: والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجلاً واحد، إنا لصبرن في الحرب صدقاً عند اللقاء، فلعلى الله يريك منا ما تقره به عينك، يا رسول الله صل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعادي من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، الذي بعثك بالحق، للذي تأخذوا من أموالنا احب إلينا مما تدع لنا، هكذا أصحاب النبي.
﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)﴾
شو معنى النبي سيد الأنبياء وأصحابه سادة الصحابة.
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
خيار فرعون مع الإيمان خيار قبول أو رفض، لا ! خيار وقت، في النهاية آمن، واسلم، لكن بعد فوات الأوان، كما لو يعرف الطالب وجوب السؤال، بعد ما قدم الورقة بيضاء وأخذ صفر، طلع فتح الكتاب عرف الجواب، هذه معرفة جاءت متأخرة.
فيا أخوان الكرام، فرعون قال:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
( سورة النازعات: 24 )
فرعون أكثر الكفار ومع ذلك قال:
﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
فإذاً نحنا خيارنا مع الإيمان ما هو خيار قبول أو رفض، خيار وقت فقط.
يعني ملخص الكلام، إما أن تؤمن قبل فوات الأوان، أو أنه لا بد من أن تؤمن بعد فوات الأوان، إما أن تؤمن وفي العمر بحبوحة تصلي وتصوم وتنفق من مالك تطلب العلم تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، وإما أن تعرف الحقيقة على فراش الموت:
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
( سورة ق: 22 )
هي قدرة خطير جداً يعني ليست على كيفك القضية، أن لم تؤمن الآن، لابد من أن تؤمن ولكن الإيمان الذي يكون عند الموت حصرت على صاحبها.
لذلك ربنا عز وجل يقول:
﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)﴾
( سورة الزخرف: 83 )
ساعة خطيرة جداً، والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت أعقل ولا أرشد ولا أحكم ولا أعظم ممن يعدوا لهذه الساعة الحرجة التي لابد منها، عنده خمس ست أولاد واحد راح على المقبرة يشتري قبر، واحد راح لعند قراء القرآن الكريم واحد راح على المطبعة، عما يكتبوا الإعلان كيف تصميمه، هذه الساعة الحرجة، والأهل بعضهم فرحان إذا كان الأب بخيل، خلصنا بقلك طلعت روحنا، وبعضهم حزنان إذا كان الأب كريم، بس إذا حزنوا أو فرحوا ما بيصير شي، هي اللحظة الحرجة لحظة لقاء الله عز وجل، فالإنسان العاقل يعد لهذه اللحظة، كثير في أشخاص طغوا وبغوا، عند هذه اللحظة، يعني انهاروا، وهلكوا، وشعروا بتفاهة حياتهم.
لهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((اغتنم خمس قبل خمس ))
شبابك ـ إذا واحد ما في شي فكره فاضي، إذا في معه مشكلة بجسمه كبيرة خلص فات بدوامة التحاليل والأطباء والتصوير والأدوية، دخل بمتاهة القلق على صحته، الإنسان ما عند مشكلة، صحته وقته شبابه.
(( أغتنم خمس قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك وحياتك قبل موتك. ))
يقول عليه الصلاة والسلام: ((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غناً مطغياً ))
دققوا والله ولا أبالغ، إن من أكبر المصائب، أن يحملك الغنى على معصية الله، هذا هو الغنى المطغي.
((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غناً مطغياً، أو مرضاً مفسداً أو هرما مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائباً ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر. ))
ولكن أبشركم، بأن الموت بالنسبة للمؤمن تحفته، وعرسه يمكن بكل حياته لا تمر علية لحظة يسعد بها أشد من لحظة لقائه مع الله، كل هذا التعب لهذه الساعة، تصور طالب، ما ينام الليل دراسة تسعة أشهر ليلاً ونهاراً، قرع جرس الامتحان، والسؤال متوقعه، وفهمانه، وعنده تعليقات جيدة، وقارئ مراجع أوسع، وقلمه سيال ولغته قوية، يرقص قلبه رقص، إذا قرع جرس الامتحان ودخل إلى قاعة الامتحان، وهو مستعد، ويكتب وينطلق، هكذا سئل أحد العلماء، قال له كيف القدوم على الله، قال له أما المؤمن مثل الغائب عاد إلى أهله، ألم يقل الله عز وجل:
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾
( سورة الزخرف: 32 )
﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ﴾
وين رايح أنت.
﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)﴾
( سورة آل عمران: 158 )
﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)﴾
يعني إذا واحد هيك ألقينا القبض عليه، وسقنا إلى عند والدته شوفي عند والدته في كل إكرام وكل محبة، وكل دلال.
لذلك أيها الأخوة محور الجلسة، هذه الكلمة، خيارنا مع الإيمان، ليس خيار قبولٍ أو رفضٍ، بل هو خيار وقت فقط، إما أن تؤمن قبل فوات الأوان، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان، إما أن تؤمن وتنتفع بإيمانك، وإما أن تؤمن ويكون الإيمان حسرة على قلب الإنسان، مثل فرعون، كلام دقيق، الآن، الآن تأخرت كثير تأخرت.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)﴾
ويروي التاريخ أن هذا الفرعون الذي غرق وألقاه البحر إلى الشط ولولا أن ألقاه إلى الشط ما صدق الناس أن غرق، لأنه إله بزعمهم، فربنا عز وجل نجاه ببدنه، لفظه البحر إلى الشاطئ، وحنط وقبل سنوات، أخذا إلى فرنسا، واستقبل في المطار استقبال الملوك رمم تحنيطه صار في تلف هو نفسه بعض فحصه الدقيق وجدوا أثار ملوحة مياه البحر في جسمه.
هذا معنى قوله تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)﴾
ونحن الآن في بحبوحة نحن القلب، في صحة، في بقية بالحياة لنبادر إلى معرفة الله، وإلى معرفة منهجه، وإلى طاعته قبل فوات الأوان.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء السابع



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
ففي القرآن الكريم آية، وهي قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾
( سورة هود: 1 )
من معان الإحكام أن الآيات مترابطة فيما بينها، ومن حِكم القرآن الكريم، أن نهايات السور، تلخص السورة بأكملها.
البقرة مثلاً:
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾
آل عمران أواخرها تلخيص للسورة بأكملها.
واليوم نقرأ الآيات التي ختمت بها سورة يونس عليه وعلى نبينا أفضل السلام يقول الله عز وجل في الآية الخامسة بعد المائة من سورة يونس:
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105)﴾
هذه الآية، وردت في صيغتين أخريين.
﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾
أيام الإنسان يقبل على الشيء لا بكليته، ببعض اهتمامه ببعض وقته، ببعض شوقه ببعض شغفه، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾
يعني أجعل كل وجهتك، معنى أقم أعلى درجات النشاط وأنت واقف.
أحياناً لاحظت مرة أشخاص يتناقشون فلما احتد النقاش وقف أحدهم، الوقوف دليل الجاهزية القسوة، الجاهزية العليا، يعني يجب أن تقبل على الدين بكليتك، بكل طاقاتك، بكل فكرك، بكل وقتك بكل اهتمامك، بكل إمكاناتك، بكل خبرتك، بكل مالك.
﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾
لاحظ إنسان يفحص ضغطه، ومعه ارتفاع بالضغط، وبعد تناول الحبوب، هو حينما يضغط على معصمه يلاحظ الإبرة، كيف أن عيونه معقودة بالإبرة، لا يحيد عنها، معقول أثناء قياس الضغط يتشاغل عن الساعة، ينظر لابنه، غير معقول من شدة اهتمامه تنعقد عينيه على المؤشر ليطمئن على صحته.
فهذه:
﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾
يعني أعلى درجة بالجاهزية، أعلى درجة بالاهتمام الصدق بالإقبال.
﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾
في إنسان يعطي الدين درجة خامسة، يعني إذا كان ما في عنده شيء، ما في عنده لا سهرة، ولا لقاء، ولا عزيمة، بقلك نحضر مجلس علم نتسلى، والله في درس حلو يا أخي، واضع على الهامش احتياط، أهم شئ حياته، تجارته كسبه للمال، أيام يعني إذا في عنده وقت فارغ يحضر مجلس علم يتسلى به، هذا زبون شتوي، بالصيف الناس ينفردوا بالشتاء يجتمعوا بالمساجد، هؤلاء زبائن شتويين، بالصيف سارح، بالشتاء ينضب بهذا الجامع، ما عنده شي لأنه، سهرة طويلة، لليل طويل.
أما المؤمن الصادق، مبرمج حياته على الدين، الدين هو الأصل، وما تبقى من وقت يمضيه في نشاطات أخرى، بالعكس ليس الأصل عمله، الأصل لقاءاته، متعته سهراته، ندواته، أدواره ولائمه، ما تبقى بقلك للدين، يعني سجادة عتيقة أعطوها للجامع ثريا موديل قديم، ابعثوها على الجامع، ليس هذا القصد، القصد أن تقيم وجهك للدين حنيفا، معنى حنيفاً، مائلاً إليه، معرضاً عمن سواه الأحنف المائل، يعني الطاعة من دون محبة ليست عبادة.
العبادة: طاعة طوعيه ممزوجة بمحبة قلبية، لو أحببت ولم تطع فلست عابداً هذه زعبرة، وإذا أطعت ولم تحب فلست عابداً، لا تكون عبداً لله إلا إذا أطعته مائلاً إليه بالمحبة، الحب نصف الدين ونصفه الثاني سلوك، سلوك من دون محبة ليس عبادة، محبة من دون سلوك زعبره.
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك العمل في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب يطيع
***
هي معنى، وأن:
﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾
يعني المؤمن قوي بإيمانه ولا تكونن من المشركين، إياك أن تشرك نفسك، وما سوى الله مع الله.
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾
يعني إذا لك معاملة بدائرة، ثلاث طوابق، وكل طابق والغرفة فيها خمس موظفين، أما الذي يعطيك الموافقة بالأخضر هو المدير العام، من الغباء أن تتجه إلى موظف وتبذل ماء وجهك أمامه ما له شغل، ليس بإمكانه أن يوافق على ذهابك، أو سفرك، شوف الإنسان كيف بتعامل بالمنطق بالدنيا، هي دائرة ثلاث طوابق، فيها مائتين موظف، بآخر طابق في المدير العام، هو وحده الذي يعطيك الموافقة على السفر، فأنت حينما تعرف أن ما في غير واحد يوافق لا تتجه إلى إنسان آخر، ولا تترجى أحد، تقيم علاقة مع هذا المدير العام، كي تأخذ الموافقة، هذا التوحيد.
أنت إذا علمت أن كائناً من كان أن لا يستطيع أن ينفعك ولا يضرك، حينما توقن أن الأمر بيد الله، تقطع علاقتك مع الآخرين طبعاً أنت لطيف ومجامل، لكن لا تشرك، لا تعلق الآمال على إنسان لا ترى أن زيد ينفعك أو يضرك، ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، هذا كلام خالق الكون من دون الله، أعظم إنسان في الأرض دون الله، ملك من دون الله، أمير من دون الله، غني من دون الله.
من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، راح ثلثين دينه، إذا جلست إلى غني وتمسكنت قدامه، لعله يرق قلبه عليك يعطيك، وين دينك صفي، أنت عبد لله، والله بحبك ما بحبه، اطلب من الله، خليك عزيز النفس، ارفع رأسك، من جلس إلى غني فتضعضع له، تمسكن، تذلل، ذهب ثلثا دينه. ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير
***
شرف المؤمن، قيامه في الليل، وعزه استغنائه عن الناس ألهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، يا رب ليس لي إلا أنت، هذا التوحيد، مرغ وجهك بأعتاب الله، إلى الله تذلل فقط، قد ما بتقدر إلى الله تذلل، أما لعبد الله خليك رافع رأسك.
واحد مشى في الطريق هكذا، فاعلاه عمر بالدرة، قال له ارفع رأسك متى موت علينا ديننا، ارفع رأسك.
فالمؤمن عزيز النفس، لا بنافق، لا بداهن، لا بجامل، ما له مصلحة، لأن علاقته مع الله فقط، اعمل لوجهٍ واحدٍ، يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها.
واحد، قال له وحدوه، إذا كان واحد نايم وحد، يعني لا تتبعثر، المؤمن موحد، الكافر مبعثر، بدو يرضي الناس كلهم والناس متفاوتون في أهوائهم، وفي طلباتهم، بيرضي زيد، بيغضب عبيد، يرضي فلان، يغضب علان، شغلة بتحير، أنت كلهن حطهن وراء ظهرك وارضي الله عز وجل.
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبين وبين العالمين خراب
إذا صح منك الوصف فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب تراب
***
هذا التوحيد.
لك إله ما سلمك لأحد، إذا كان سلمك لأحد لا يستحق العبادة قال لك:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
( سورة هود: 223 )
مالك غيري يعني.
ولما الإنسان بموت أول ليلة، ورد بالأثر يقول الله عز وجل:
((عبدي رجعوا وتركوك ))
راحوا يأكلوا أوزي، حطوه بالتراب راحوا يأكلوا أوزي.
(( رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقى لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.))
يعني مؤمن له صلة بالله، له مناجاة، له التجاء، له دعاء له استغفار، عامرة بينه وبين الله عز وجل، هذا التوحيد، بتلاقي إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله لغير الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فتقي الله، ثلاث أشياء، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله.
أنا مرة قلت لكم، الحسن البصري هذا التابعي الجليل، أدى أمانة العلم وبين أشياء، هذه الأشياء لما بينها، أغضبت الحجاج وكان الحجاج كما تعلمون طاغية، وقتل الرجل عنده أهون من قتل ذبابة، فلما سمع مقالة الحسن البصري خاطب من حوله، يا جبناء والله لأسقيناكم من دمه، رأساً طلب السياف، ومد النطع ليقتل الحسن البصري، وقال لصاحب الشرطة ائتني به، فلما دخل الحسن البصري حرك شفتيه، طبعاً رأى السياف جاهز، والقماش ممدود تبع القتل تكلم بكلمات فيما بينه وبين الله، فلما دخل على الحجاج، وقف الحجاج واستقبله وقال: أهلاً بأبي سعيد، وما زال يقربه، ويقربه حتى وضعه على سريره، وسأله عن صحته، وسأله بعض الأسئلة وعطره وقال: يا أبا سعيد أنت سيد العلماء، وقام وشيعه إلى باب القصر، أما الذي صعق هو السياف، الذي جيء به ليقطع رأسه، والذي صعق الحاجب، تبعه الحاجب، قال له: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، شو القصة، جيء بك للقتل، الذي فعل لك أنك قد أكرمت فما الذي قلته وأنت داخل ؟ قال قلت له: يا ولي نعمتي، ويا ملاذي عند كربتي أجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، ما الذي حصل ؟ قلوب العباد بيد الله، يقلبها كيف يشاء.
إذا أنت كنت مع الله عز وجل، أكبر أعدائك الله يلين له قلبه بتلاقي صار يخدمك.
أخوانا الكرام: اسمعوا هذه الكلمة الدقيقة، إذا الله رضي عنك يخدمك عدوك وإذا الله غضب، تهينك زوجتك يلي هي أنت سيد نعمتها، ابنك يضربك، إذا الله غضب، إذا أحبك الله ألقى حبك في قلوب الخلق، وإذا أبغضك الله ألقى بغضك في قلوب الخلق.
فالتوحيد، وين التوحيد.
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106)﴾
يعني إذا اتجهت لإنسان ضعيف مثل حكايتك عملية فيها حمق ترجيت واحد أفقر منك، أضعف منك، غني بس ما بحبك، أما الله عز وجل معك أينما كنت، اطلبني تجدني.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
( سورة الزمر: 53 )
ابن آدم اطلبني تجدني فإذا تجدني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، من هو الأحمق ؟ الذي يتجه لغير الله، يعلق عليه الآمال. ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106)﴾
ظلمت نفسك، ضيعت وقتك، وضيعت حياتك وخسرت نفسك.
اسمعوا الآن:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾
( سورة الأنعام: 17)
﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ﴾
( سورة يونس: 107)
بربكم، هاتان الآيتان، آلا تكفي الإنسان.
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)﴾
في هذه الآية إعجاز.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾
﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾
في فرق بينهما، الخير مراد من الله، أما الضر ليس مراداً.
لما الأب يفتح بطن ابنه، لاستئصال الزائدة، يتمنى الأب أن يفتح بطن ابنه ؟ بس مضطر يساويها، لأنه في آلام شديدة، وفي أخطار، أما لما الأب يأخذ بيت لأبنه يزوجه، هذا ضمن مراده، الأب نفسه يفتح بطن ابنه يقيم له الزائدة، يخدره بشق البطن، يطلع هذا الدم يقيم الزائدة، بعمل له ضماد، عمل مزعج، في دماء، الأب يفعل ذلك برحمته، لكن لما يأخذ له بيت ويزوجه ويعمل له عرس يفرح فيه هي مراد فالأب يفعل هذا، ويفعل هذا، بس الإكرام ضمن مراده، أما المعالجة ليست من مراده، لكنه من حكمته.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾
ما قال وإن يمسسك بخير، قال:
﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾
معنى ذلك أن الخير مراد، وأن الضر ليس مراداً، لكنه لابد منه من أجل سلامة الإنسان ودينه.
هاتان آيتا التوحيد.
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾
لو أن الأمة اجتمعت، الأمة كله خمسة آلاف مليون، على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك، إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك هذا التوحيد.
إذاً:
﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾
إذا وقع الأمر المزعج لا يزيله إلا الله، إذاً ما في إلا الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 08:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يونس (10)


الجزء الثامن



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الأولى بعد المائة من سورة يونس يقول الله عز وجل: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) ﴾
علماء الأصول يقولون إن كل فعل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، المسلمون يتوهمون أن الأوامر، أن تصوم، وأن تصلي، وأن تحج، وأن تزكي، مع أن كل فعل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب.
يقول الله عزوجل:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) ﴾
الحقيقة يقول بعض العلماء أن في الكون ما يقترب من مليون مليون مجرة مليون مليون ! وفي كل مجرة ما يقترب من مليون مليون نجم وكوكب، وأن مجرتنا نحن درب التبان، شكلها مغزلي كشكل عضلة الإنسان، في هذه المجرة نقطة واحدة، نقطة، في طرفها الأعلى، أسم هذه النقطة المجموعة الشمسية !.
يعني الشمس، والأرض، وعطارد، والمشتري، والمريخ وكل هذه المجموعة الشمسية، في هذه النقطة ! والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، وبين الأرض والشمس مائة وست وخمسين مليون كيلومتر ! وأن الأرض لو ألقيت في الشمس، لتبخرت في ثانية واحدة، إلا أن الأرض مرتبطة بالشمس ما الذي يربطها ؟ قال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
( سورة الرعد: 2 )
معنى الآية أنه رفعها بعمد لا ترونها، بغير عمد ترونها معنى الآية أنه رفعها بأعمدة لا ترونها، إنها قوى التجاذب.
الأرض مثلاً مربوط بالشمس بقوة تكافئ مليون مليون حبل فولاذي، قطر الحبل خمس أمتار، مليون مليون، وأن هذا الحبل الفولاذي يقاوم قوى الشد ما يعادل مليونين طن، فالأرض مربوط بالشمس بقوة تساوي مليون مليون ضرب مليونين من الأطنان من أجل أن تحرفها في مسارها ثلاث ميليمتر كل ثانية، ليأتي مسارها مغلق حول الشمس، فلولا هذه القوة، القوة الجاذبة، لانعتقت الأرض من مسارها حول الشمس، ولسارت في متاهات الفضاء الخارجي، فإذا ابتعدت عن الشمس، أصبحت الأرض في حرارة تقل عن مائتين وسبعين درجة تحت الصفر، وعندها تنتهي الحياة، هذا هو الصفر المطلق.
إذا لمجرد أن يلتغى ارتباط الشمس بالأرض، تخرج من مسارها، ما الذي يجعلها على مسارها المغلق حول الشمس، هذه القوى الجاذبة، التي تعادل مليون مليون طن ضرب مليونين، لو أردنا أن نزرع هذه الحبال على سطح الأرض، لوجدنا أن بين الحبليين حبل واحد فارغ، نحن أمام غابة من الحبال الفولاذية تعيق الحركة تعيق البناء، تعيق الزراعة، تعيق النشاط، تعيق أشعة الشمس تغدو الحياة مستحيلة، لو أن هذه الأعمدة مرئية.
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾
شوف هذه الآية ما أعظمها، وهذه الأعمدة المليون مليون حبل، كل حبل يقاوم مليونين طن من أجل أن تحرف الأرض في مسارها حول الشمس، ثلاثة ميليمتر كل ثانية، ثلاثة ميليمتر كل ثانية بصير للأرض مسار حول الشمس، هذا المسار الأرض تقطعه في عاماً يكمله، بسرعة ثلاثين كيلومتر بالثانية الواحدة، يعني نحن الآن بدا درسنا وحدة وربع الآن وحدة وثلث، يعني خمس دقائق، خمس دقائق ضرب ستين ثلاثمائة ثانية، ضرب ثلاثين، تسعة آلاف كيلومتر من وقت ما قلت بسم الله الرحمن الرحيم إلى الآن نحن ماشين تسعة آلاف كيلومتر، هذا كلام بديهة لا يحتاج إلى المناقشة سرعة الأرض حول الشمس، ثلاثين كيلومتر بالثانية، منذ أن قلت بسم الله حتى الآن قطعنا تسعة آلاف كيلومتر، يعني من هنا إلى قريب شمال أوربا تقريباً.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾
(سورة غافر:64)
عما بقلك:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
ومرة قلت لكم بين الشمس والأرض مائة وست وخمسين مليون كيلومتر، والشمس تتسع لمليون وثلاثمائة ألف أرض بوسطها وأن الأرض إذا ألقيت في جوف الشمس تبخرت في ثانية واحدة، وأن هناك نجماً يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، في برج العقرب أسمه قلب العقرب، إذا سرنا حول الشمس لأثني عشر شهراً، نمر على أبراج، برج العقرب، برج الحمل، برج الثور، الله قال:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾
( سورة البروج: 1 )
من هذه الأبراج برج العقرب فيه نجم صغير متألق أحمر، أسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
أقرب نجم للأرض بعده عنا أربع سنوات ضوئية، يعني لو أردت أن تصل إلية بسيارة تحتاج إلى خمسين مليون سنة، لازم يكلك عمر خمسين مليون سنة، كل التاريخ ستة آلاف سنة، التاريخ كله، بقلك ما قبل التاريخ، ستة آلاف سنة التاريخ، كله، كل تاريخ البشر، ستة آلاف، لازم يكون عمرك خمسين مليون سنة من أجل أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، أربع سنوات ضوئية، شوف القطب تقفز رأساً أربع آلاف سنة ضوئية، قطب نجم الشمال، من أربع سنوات إلى أربع آلاف، المرأة المسلسلة أربع ملايين سنة ضوئية إحدى المجرات أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئية.
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾
(سورة الواقعة: 75)
لذلك: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
( سورة فاطر: 28 )
ربنا يقول:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
شوف شو فيها، من أجل أن تعرف الله، من أجل أن تعرف من هو الآمر الذي أمرك، إذا قال لك غض بصرك من، إذا واحد جندي بثكنة، وجاءه أمر من سبعة يمكن ما يبالي فيه سبعتين أحسن، ثمانية أحسن، ثمانيتين أحسن ثمانية ونجمين أقوى مساعد، نجمة على كتفه أقوى، نجمتين، ثلاثة أما لو جاءه أمر من أعلى رتبة بالجيش، على هوى الرتبة الأمر تأخذه أنت، أنت هل تعلم من هو الآمر ؟
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
( سورة الحديد: 4 )
يلي خلق مليون، مليون مجرة، بكل مجرة، مليون مليون، نجم، وبين بعضهم المجرات، أربع وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، مع أن الضوء يقطع بالثانية ثلاث مائة ألف كيلو متر والدقيقة ضرب ستين، والساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرين، وضرب ثلاث مائة وخمس ستين، هذا قول الله عز وجل:
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾
أشعة الشمس أيها الأخوة، تبعد عنا ثمان دقائق، لسان اللهب يزيد عن مليون كيلو متر، لسان اللهب، على سطحها ستة آلاف درجة الشمس بقيت مشتعلة العلماء يقدرون خمسة آلاف مليون سنة، قال وسوف تشتعل حسب التقديرات خمسة آلاف مليون سنة أخرى، فلا قلق من انطفاء الشمس، من أين الطاقة ؟ تحط بثمان مائة ليرة بنزين بعد يومين يخلصوا، يخلصوا مرة ثانية، تجيب خمسة متر مكعب مازوت، بعد شهرين عندك شوفاج يخلصوا.
طيب هذا النجم الملتهب، يلي صار له خمس آلاف مليون سنة شاعل، وحسب تقديرات خمسة آلاف مليون سنة قادمة سوف يبقى ملتهب، مصدر الحرارة، والضوء، والتعقيم، والجذب، من أين الطاقة ؟ يا ترى شو في مستودعات، شو عما يحرقوا فوق الإنسان مو لازم يفكر ؟ من أجل أن تعرف الله، من أجل أن تعرف ما معنى أمر الله، الله أمرك أن تفعل كذا، نهاك أن تفعل كذا، الذي أمرك هو خالق السماوات والأرض.
فهذه الآية أيها الأخوة الكرام:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) ﴾
إذا كان غير رغبان يؤمن، ما في شي يقنعه الإنسان، وإذا كان رغبان يؤمن كل شيء يقنعه.
أيام إنسان يفوت على محل تجاري، بدو مثلاً حاجة، بفرجي البياع ميت حاجة، ما بدي، ما بدي، عندك الحاجة الفلانية، أصعب من أن تقنع إنسان بشيء ما بدو ياه، يفرد له قماش، أخي ما بدي قماش، بدي بدلة جاهزة قماش إنكليزي، درجة أولى كبونة، بدي بدلة ما بدي قماش.
فإذا واحد ما بدو يهتدي، لو بتفرجيه أعظم آية، كاميرا بلا فلم، هي القصة، قد ما أخذت المسافة، والسرعة، واللقطة حلوة بس فلم ما في لا تغلب حالك فلم ما في، الفلم هو الرغبة بالهدى، إذا كان ما في رغبة بالهدى فلم ما في، قد ما يطلع الإنسان على آيات.
وكم آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها غافلون، وكم من آية، نحن عنا مليون آية، عينك آية لحالها، شعرك آية، أنفك آية لسانك آية، العضلات آية، القلب آية، والله في بالإنسان آيات الله بيشهد، لو تمضي كل حياتك في التأمل في الآيات الصارخة، الدالة على عظمة الله بس بجسمك ما تنتهي، يعني أقل شيء هذا القلب ينبض بلا كلل، وبلا تعب، ثمانين سنة، تسعين سنة، حركة مستمرة، عما يضخ الدم، له أمر كهربائي ذاتي، العضلات أنواع ثلاثة، عضلات مخططة، عضلات ملساء، والقلب نوع خاص مستقل، القلب لوحده معجزة.
عقد مؤتمر بأمريكا لأمراض القلب، قال لي صديق حضر المؤتمر، قال لي شيء لا يصدق، ألف وخمس مائة محاضرة اخترنا عشرة بس نحنا نحضرهم حول أحدث معطيات القلب، القلب هذه العضلة الصنوبرية التي تعمل بلا كلل وبلا ملل، الشرايين، الأوردة الأعصاب.
فأخوانا الكرام:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
أمر إلهي يقتدي الوجوب، لازم تفكر بالكون، من أجل أن تعرف عظمة الله، إن عرفت عظمته تستقيم على أمره، لأنه تعالى يقول:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
الآية رقم مائة وواحد من سورة يونس:
﴿قُلِ انْظُرُوا﴾
يعني فكروا. ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
لهذا:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
( سورة آل عمران: 190 ـ 191 )
انتهى الوجه الأول من الشريط
قبل ما طلق، قبل ما تزوج، قبل ما تحضر هذه الحفلة، هذا الذي خلقك خلق السماوات والأرض، هل أنت ترضيه بهذا العمل أما تغضبه، هون الذكى، أبحث عن ما يرضي الله، وأنت الرابح وأنت الفائز، وأنت الناجح، وأنت المتفوق، وأنت الذكي، وأنت العاقل، لذلك، ارجكم عقلاً أشدكم لله حباً.
أعطينا واحد ألماسة، حقها ثلاثمائة ألف ليرة، وكأس كريستال حقها ثلاثمائة ليرة، وقطر ميز بلور للمكدوس حقه ثلاثين ليرة، نقي، إذا أخذ القطر ميز بكون مخ ما في بنوب، هذا رخيص بقلك شوف حجمه، لذلك ارجكم عقلاً أشدكم لله حباً، الكأس صغيرة لكن ثمنها ثلاثمائة ليرة كريستال، أما هذا كبير كله حقه عشرين ليرة غطى بلاستيك للمكدوس، ارجكم عقلاً أشدكم لله حباً، كل ما عقلك كبر تصير تعرف تختار.
المؤمن أختار الله والدار الآخرة، طلع أذكى واحد، والباقون اختاروا الدنيا، فضحكت عليهم، عند نجاحه تفضل شرف معنا، خلص عمرك تفضل، حتى خلص هذا البيت، ما سكن بالبيت والمسبح ما سبحنا في، شرف خلص، انتهى الأمر.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة هود (11)


الجزء الاول



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
في سورة هود، القصة الأولى، قصة سيدنا هود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) ﴾
أنظر أيها الأخ الكريم إلى مقياس أهل الدنيا، معنى كلمة أراذلنا، أي فقرائنا، الآن كلمة أراذل لها معنى آخر، لكن الرذيل في أصل اللغة هو الفقير، مقاييس البشر البعدين عن الله عز وجل مقاييس مادية، وقد أشار إلى هذا الإمام علي كرم الله وجه، فقال في آخر الزمان قيمة المرء متاعه.
مكانتك من موقع بيتك، من مساحة بيتك، من أثاث بيتك من مركبتك من دخلك، من حجمك المالي، ولو كان أسقط الناس والفقير لا يعبئ به أحد ولو كان أكرم الناس.
هذا من علامات آخر الزمان، من علامات تخلف المجتمعات أن يقيم المرء بالمقاييس المادية فقط، ويبدو أن هذا شئن الكافر في كل زمان. ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾
يعني التفكير المحدود، نحن متعمقون، نحن أصحاب فلسفات عميقة نحن أصحاب ثقافات عريقة، نحن أهل المجد، نحن علية القوم، من هؤلاء الذين اتبعوك ؟ هم فقراء من عامة الناس، من سوقتهم.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) ﴾
اسمعوا الجواب، قال يا قوم، هذا الجواب من الآيات النادرة قال:
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾
أنا أعرف لماذا خلقت، ولماذا أنا في الدنيا، وماذا بعد الموت، وما الجنة، وما النار، والله سبحانه وتعالى، أسمائه الحسنى، صفاته الفضلى، أنبياءه، رسله، معي دليل، دليل عقلي ودليل نقلي، ودليل فطري، ودليل واقعي والأمور واضحة تماماً كالشمس، إنني أرى الحقيقة كما أراكم.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾
بعد أنني اهتديت.
﴿وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾
أنا من السعداء، سعيد بمعرفة الله، سعيد بالإقبال عليه، سعيد بالتوكل عليه، سعيد بالتفويض له، سعيد بالعمل له سعيد بالإخلاص له، سعيد بالإنابة إليه، قلبي يأتيه من الله التجليات.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾
إذا واحد ما ذاق العسل في حياته، لو أقسم بالله أيماناً مغلظة أن أطيب شيء أكله هو الدبس هو صادق، لكن العسل ما ذاقه بعد، هذا العسل عميّ عليه ما رآه.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾
أنا معي أدلة، أنا معي رؤية صحيحة، معي فهم عميق، معي تصور دقيق، معي عقيدة صحيحة، أنا أعرف أين كنت، ولماذا أنا هنا، وماذا بعد الموت، أنا لي منهج أسير عليه، أنا عندي منظومة قيم عندي مجموعة أوامر عندي منهج، عندي دستور.
﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾
هذا الجانب الفكري. ﴿وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾
أنا سعيد جداً، سعيد بالتوحيد، سعيد بفضل الله، سعيد بمعرفته، سعيد بالإقبال عليه، سعيد بالتوكل عليه، سعيد بالإنابة له.
﴿وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾
أيام الإنسان بلاقي محل صغير متر، بمتر، وقديم متداعي متهالك، قد يكون غلته باليوم مائة ألف، بس هذا يلي نظر للمحل، بشكله المتواضع، وحجمه الصغير، ما نظر للغلة اليومية تبعه، ليش قاعد في فلان، شو علق في، إذا بتعرف الغلة تبعه بتلزق أنت فيه، تقريباً من باب التقريب.
المؤمن موصول بالله، المؤمن مقبل عليه، المؤمن مطمئن برحمته، مطمئن لعدالته، ما عنده تشرذم، ما عنده تبعثر، ما عنده ضياع، ما عنده خوف، ما عنده قلق، ما عنده نفاق، ما عنده تملك هي أمراض الكفار كلها بريء منها، القلق، القهر، هذا كله خالص منه هو، هي رحمة من الله.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾
صادق، لا تأخذه في لله لومة لائم، ما عنده استعداد أن يتكلم خلاف الحقيقة ولو بتفرمه، على الله رزقي، الله هو خلقني وكرمني، والله عز وجل ما كلفني أن أكذب، من أجل الرزق، بتلاقي الطرف الثاني عما يكذب ويحلف أيمان، ويتمسح بالأغنياء ويتضعضع أمامهم، يتذلل، ويتمسكن مقهور، مرفوض، شاق بشاق حياته، لأن القاعدة:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
( سورة طه: 124 )
إذا الآية هذه لا تنطبق على أي إنسان في الأرض، يكون هذا الكلام ليس كلام الله عز وجل، قال لك:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
إذا بتلاقي واحد سعيد في البعد عن الله، يكون هذا الكلام ليس كلام الله، إله عما يتكلم.
طيب في واحد سئل قال: ما بال الأغنياء والملوك، عندهم كل شيء، ما عنده مشكلة بحياتهم، فأجاب المفسرون ضيق القلب المعيشة الضنك للغني ضيق القلب، بقلك متضايق، مالل، راح أطلع من جلدي، قرفة كل شئ، معك مئات الملايين، ضيق القلب ما في سعادة.
أيام شخص ببيت صغير مع زوجة وأولاد الله يتجل عليه بتلاقي أسعد الناس على زيتونه وكأس شاي أسعد الناس.
فربنا عز وجل إذا تجلى على إنسان، بالرحمة، يسعد بها ولو فقد كل شئ، وإذا حرمه من رحمته، يشقى بالدنيا ولو ملك كل شئ لو ملك كل شئ يشقى بالدنيا، و لو حرم كل شئ يسعد بالدنيا، برحمة الله.
قال:
﴿: أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾
هذه الرحمة التي عميت عليكم، ما تيجي بإلزام، ولا بإكراه، هذه تطلب ولا تعطى، كيف يعني، تأخذ ولا تعطى يختاره الإنسان ولا يلزم بها، لقوله تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
( سورة البقرة: 256 )
كلام دقيق.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾
فلذلك من هو السعيد الذي كشف رحمة الله، وممكن يعيش بين أناس لا يعرفونها، ينكرون عليه، بقلك أنجدب، مو شايف شي من الدنيا، إلا الله الله ومن بيته للجامع، ما شفت الملاهي، ما شفت الحفلات المخملية مثلاً، ما شفت السهرات الجميلة، لم نعرف شو الله أعطى من رحمة.
لذلك المؤمن أسعد الناس، والله أقول لكم، إذا ما قلت بكل جوارحك بكل خلايا جسمك، بكل قطرات دمك، أنا أسعد الناس بكون بالإيمان في شك
إذاً الإيمان مسعد، أنت مع الله، ولو كنت فقيراً، أنت مع الله ولو كنت مريضاً، لأن ربنا عز وجل إذا أعطى أدهش، إذا أعطاك من رحمته تجلى عليك، شعرت أنك إنسان آخر.
فالسعادة بمقياسها المادية سخيفة جداً، مملة، لكن السعادة برحمة الله لا توصف.
لذلك قال يوم القيامة المؤمن، يسمح له أن يرى وجه الله عز وجل فيغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة.
فيا أيها الأخوة الكرام، علينا برحمة الله، الله عز وجل قال:
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
( سورة الزخرف: 32 )
إذا معه ثلاثة آلاف مليون، ثم جاءه ملك الموت ! وليس له عمل صالح، هذا فقير ضعوا في أذهانكم هذه الكلمة لسيدنا علي رضي الله عنه: الغنى والفقر ـ متى ؟ ـ قال بعد العرض على الله.
الآن لا يسمى الغني غنياً ولا الفقير فقيراً، الغنى والفقر بعد العرض على الله بعد الموت والحساب، من دخل الجنة فهو الغني ومن دخل النار. فهو الفقير بقلك عرس كلف عشرين مليون بالشيراتون فرقة راقص بخمسين ألف دولار جاءت من هولندا، والزهور من المكان الفلاني، الألبسة، وإذا كان يعني، هذا كلام لا قيمة له إطلاقاً ليست هذه رحمة الله، وهي على الأسكي قال لها طالق طالق، طالق قد ما انضغط.
لأن الكفار، البعيدين عن الله، إذا أمسكوا المال، أمسكوا بخلاً وتقطيراً، وإذا أنفقوه، أنفقوه إسرافاً وتبذيرا، بتلاقي زواج واحد كلف عشرين مليون، وعشرين ألف شاب يكفي مائتين ألف يزوجوا فيهن، لا ينفقوا.
لذلك هدفنا رحمة الله.
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾
رحمة الله بهدها صلاة بدها استقامة، بدها عمل صالح، بدها بذل، بدها إنفاق.
﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 01:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة هود (11)


الجزء الثانى

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثانية عشر بعد المائة من سورة هود، وهي قوله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)﴾
يقول عليه الصلاة والسلام:
((شيبتني هود و أخواتها ))
هود يا ترى قبيلة هود ؟ الذي شيبه سورة هود، والذي شيبه من سورة هود هذه الآية:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
معظم المسلمين إذا طالبتهم بالاستقامة يقولون: نحنا مالنا أنبياء يا أخي، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
كلامٌ دقيقٌ واضحٌ كالشمس.
(( إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
بالأمر والنهي ما في تفريق.
لكن كل إنسان له مكانته عند الله، وله مقامه، بحسب إخلاصه وبحسب نواياه العالية، وبحسب العمل الذي قدره الله يديه.
فالتفاوت بحجم العمل و بالإخلاص، لكن بالاستقامة ما في تفاوت، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، هذا الكلام: هذا جوابٌ فيصل لكل من يقول لك أنا ما لي نبي يا أخي، أنت مأمور أنت تفعل ما يفعله الأنبياء.
مثل للتوضيح، من في أعلى إنسان بالطب بالعالم، جراح قلب، من في أقل إنسان بالطب بالعالم، ممرض مبتدئ، لو أراد هذا أو ذاك، أن يعطي المريض حقنة، يقدر واحد ما يعقمها، التعقيم للاثنين، بقدر واحد ما يضعها بمكان ما في أعصاب وشرايين، ما يقدر، إن كان أعلى طبيب بالعالم، وإن كان أقل ممرض بالعالم، بدو يختار محل فيه نسيج شحمي، بالإلية، بدو يأخذ عشرة سانتي وعشرة سانتي، عند العظم الذي في الحرقف، عشرة أفقياً وعشرة عمودياً، هذا المكان ما في،لا في أعصاب، ولا في أوردة ولازم تكون الإبرة معقمة، والزجاجة معقمة، وكله معقم، وإذا كان في حقنة مؤلمة، بدها مادة مخدرة خفيفة، فالو كلفنا أعلى طبيب وأقل ممرض، نفس الترتيب.
بالاستقامة ما في حالة وسط، ما في نسبية.
أوضح مثل آخر مستودع، في مستودع يسع خمسين لتر مستودع مائة لتر، مستودع ألف لتر، مستودع عشرة آلاف لتر للأبنية الضخمة، مستودع عشرين ألف لتر، لكن كل هذه المستودعات يجب أن تكون محكمة، فإن لم تكن محكمة، ما في مستودع معناها أنت تتساهل بحجم أصغر، مصاريك قلال تأخذ حجم أصغر، لكن واحد بلا قعر تقبله، هذا ليس مستودع هذا.
الاستقامة حدية، بينما العمل الصالح نسبي، الاستقامة حدية أما العمل الصالح نسبي، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ما في المؤمن يطلق بصره، وقد أمر بغض البصر، ما في يأكل مال حرام، ما في يكذب، هذا الشرع يجب أن يطبق من قبل أعلى إنسان وأدنى إنسان.
(( إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
هذا الحديث لعلى النبي عليه الصلاة والسلام: استنبطه من هذه الآية، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
التفاوت في حجم العمل الصالح.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
(سورة الأنعام: 132 )
التفاوت في مستوى الإخلاص، هي اثنان التفاوت في العلم.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
( سورة المجادلة: 11 )
التفاوت بين المؤمنين بالعلم، والعمل الصالح، والإخلاص.
أما التفاوت بالاستقامة، هذا شيء غير وارد إطلاقاً، منهج يجب أن يسيروا عليه جميع المؤمنين، متبعين سيد المرسلين.
هذا معنى قوله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ﴾
الطغيان مجاوزة الحد، الحد هو النص الشرعي، لأن الدين في الأصل وحي من الله، ونقل عن رسول الله، أصل الدين وحي من الله، ونقل عن رسول الله، هذا الوحي من عند خالق الكون.
إذاً أي مجاوزة لهذا النص القرآني، أو ما صح من كلام رسول الله هو: الغلو، والعدوان، والطغيان.
﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾
أبقى في حدود النص الشرعي.
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)﴾
( سورة فصلت: 40 )
يعني بصير بحجم العمل، بصير بالنوايا التي وراء العمل، بصير بالأهداف البعيدة من هذا العمل، بصير بحجم التضحية، بصير بمستوى الإخلاص.
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
أنت كإنسان قد تجد عمل طيب، لكن لا تعرف نوايا صاحبه قد تجد عمل طيب، لكن لا تعرف إخلاص صاحبه، قد تجد عمل طيب، لكن لا تعرف حجم التضحية التي بذلها صاحبه، إلا أنه.﴿وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
النقطة الثانية أيها الأخوة: يعني أنت لن تستطيع أن تستقيم ولن تستطيع أن تبقى في حدود الطاعة لله عز وجل، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً، إذا كنت مخطلطاً مع الكفار، يعني في علاقات حميمة، في اطمئنان، واحد ما بصلي أخي أخلاقه عالية كثير، لبق، فهيم، مذوق ما بصلي، هذا مقطوع عن الله، ذكي فقط.
فلما الإنسان يركع للذين ظلموا.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾
( سورة إبراهيم: 45 )
لعدم معرفتهم باالله، ظلموا أنفسهم، بمعصيته، ظلموا أنفسهم بالعدوان على الآخرين، هؤلاء لا ينبغي أن تركن إليهم، لا ينبغي أن ترتاح إليهم، إذا ركنت إليهم، وارتحت إليهم، دليل أنك على شاكلتهم، المؤمن في عنده إحساس مرهف، لا يطيق أن يجلس مع إنسان بعيد، ظالم لنفسه.
فالنبي قال: ((اللهم لا تجهلي خيراً على يد كافرٍ أو منافق ))
لو صار في علاقات حميمة، وصار في زيارات متبادلة، وصار في ولائم، وصار في نزهات، وصار في شراكه، وصار في تعامل يومي، وصار في اختلاط، هو صار يجلبك إليه، ركنت إليه فمستك النار.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
المؤمن لا يستطيع أن يحافظ على استقامته، وعلى نقائه، وعلى صفائه، وعلى حيويته، وعلى تدفقه إلا ببعده عن أهل الظلم، لو خالطهم سحبوه، لو خالطهم أقنعوه باتجاههم، لو خالطهم قطعوه عن الله عز وجل.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
في الدنيا نار البعد، وفي الآخرة نار جهنم الموصول مع المقطوع مقطوع، الموصول مع الظالم ظالم الموصول مع الشقي شقي، الموصول مع الغافل غافل، الموصول مع المعرض معرض، الموصول مع المسيء مسيء.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
لذلك إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، وين عما تمدحه، لك يشرب، وما في دين، نسائه كاسيات عاريات، ولا بصلي، عما تقول أخلاق، وفهم وذوق، وغيرة يا أخي، هذا خربطت الناس بهذا العمل أنت، هذا مديح يعمل إطراب، إنسان مقطوع عن الله، متفلت من الدين كيف تمدحه ؟ لعله ذكي، بذكائه يقنعك أنه على صواب، لكن مقطوع عن الله عز وجل.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
إذا ركنت إليه بالدنيا، مستك نار البعد، بتقول أنا متضايق في ضيق، الضيق أنه صار لك علاقة نفسية مع واحد ظالم، مع واحد بعيد، ظلم نفسه، واحد مقطوع عن الله عز وجل، واحد شقي.
وفي الآخرة، لو إنسان أقام علاقة مع ظالم حميمة، وهذا الظالم أخذ منه دينه، أعطاه الدنيا، أعطاه الدنيا وسلبه دينه، طبعاً يستحق النار في الآخرة.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)﴾
هاتان الآيتان هم محور هذا الدرس.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
أخوانا الكرام: أي إنسان بقلك أنا ما لي نبي، قول له هذه الآية قول له:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
والنبي بين، قال:
(( إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
هذه الثانية.
﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾
أي لا تجاوزا النص الشرعي، الأمر.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
( سورة الأحزاب: 36 )
هذا النص الشرعي، هذا الحد، هذا الأمر هذا النهي.
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾
يعرف نيتك، وهدفك، وتضحيتك وحجم عملك، مكشوف لا تحاول تحلف أيمان، ولا تمدح نفسك، ولا تزكي نفسك، ولا تجيب أدلة وبراهين الله يعرف، وأنت تعرف.
﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
( سورة القيامة: 14 )
. بإمكانك أن تضلل الناس لوقت قصير، وبإمكانك أن تضلل واحداً لوقت طويل، أما أن تضلل مجموع الناس إلى أمدٍ طويل هذا مستحيل ! تعلم أنت نفسك على حقيقتها، والله يعلمك من أنت.
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
علاقات حميمة مع كفار، مع ظالمين، مع بعيدين، مع مقطوعين، لا تجوز إذا ما صار فرز، تجلس بمقاصف الظالمين، نساء كاسيات، عاريات، غناء، وأنت مسلم غير معقول هذا الكلام، تزورهم في بيوتهم واختلاط وأنت مسلم، انتهيت، لا بد من تمايز، لابد من فرز.
المؤمنون لهم طريقتهم الشرعية في نزهاتهم، المؤمنون لهم أسلوبهم في معيشتهم، في أفراحهم، مسلم وأعراس، وغناء، ورقص أما المسلم الحقيقي، أعراس بناته فيهن دعوة إلى الله، مديح لرسول الله فقط، آلاف الأعراس الآن بتلاقي مديح للنبي الكريم، وكلمة توجيه هذا عرس المؤمنين، أما غناء لمغنيات ساقطات، ورقص وأنت مسلم ما بتصير هي.
هذا الذي أردت أن أقوله، إذا ما صار في فرز علمي، ما صار المؤمن صارخ في سلوكه، في أفراحه، في أتراحه، في نزهاته حتى في ولائمه، أخي والله في عنده خمس أصهرى، وخمس بنات فطروا سوى كلهن، وكل صهر ما له حق يشوف أخت مرته، ما بجوز يشوفها، اختلاط صار، فالاختلاط مما نهى الشرع عنه، فأنت مسلم هذه الحد الشرعي يجب أن تتقيد فيه.
الآية مرة ثانية:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 01:45 PM
3





بسم الله الرحمن الرحيم



سورة هود (11)


الجزء الثالث الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
أيها الأخوة الكرام:
الآية السابعة عشرة بعد المائة، من سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾
في هذه الآية، إشارات دقيقة جداً، أول إشارة أن صيغة، ما كان ربك ليفعل، هذه أشد صيغ اللغة العربية تأكيداً، فالعلماء علماء اللغة، فرقوا بين نفي الحدث، ونفي الشأن.
نفي الحدث لو سألنا أكبر سارق، هل سرقت هذه الحاجة ؟ يقول لك هذه لم أسرقها، لن ينفي عن نفسه هذه السرقة، بل نفى عن نفسه سرقت هذه الحاجة، لكنه أكبر سارق.
أما لو سألنا إنسان عظيم، شريف، كريم، أخلاقي، ورع زاهد، هل أنت سارق ؟ لا يقول لك لا، يقول لك كلا: أداة ردعٍ وزجر، ويقول لك بعدها: ما كان لي أن أسرق، يعني هذا ليس من شأني، ولا من طبيعتي، ولا من مقامي، ولا يتفق مع مبدئي، ولا أريده، ولا أفعله، ولا أتمناه، ولا أرضى به.
ممكن تنفي بهذه الصيغة مائة حادثة، تنفي الرضى، والتمني والرغبة، والقبول، والإقرار، ما كان لي أن أفعل.
يعني إذا أردت صيغةً في اللغة العربية أشد صيغ النفي على الإطلاق، هذه الصيغة، لو تتبعتموها في كتاب الله.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
( سورة الروم: 9 )
يعني يستحيل على ذات الله، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى مقامه، وعلى عدالته، وعلى رحمته، وعلى علوه وعلى جبروته، أن يظلم مخلوقاً ضعيفاً.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
﴿َمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾
( سورة البقرة: 143 )
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
( سورة آل عمران: 179 )
لو تتبعتم في معاجم القرآن الكريم، صيغة، ما كان الله لِ، لو قال لك حول موضوع أطروحة، ما كان الله لِ، يعني إذا أردت نفي، قطعي يشمل الرغبة، والإرادة، والفعل، والطموح، والإقرار، والهدف استخدم فيه كلمة ما كان الله لِ.
أعيد مرة ثانية، لو سألت أكبر سارق هل سرقت هذا الكأس ؟ يقول لك لا لم أسرقه، هذا نفي الحدث، لكن نفي الشأن، يقول لك ما كان لي أن أفعل، هذا لا يتفق مع مقامي، ولا مع شأني، ولا مع أخلاقي، ولا مع سلوكي، ولا مع أهدافي ولا مع مبادئي، ولا أرضى به، ولا أقره، ولا أطمح إليه، ولا، ولا مائة حادثة تنفي.
الآية:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾
يعني زوال الكون أهون على الله من أن يهلك قريةً ظلماً، مال عاملة شي، قرية مؤمنة مستقيمة، تقيم الشرع فيما بينها، الله عز وجل يدمرها بزلزال، أو بفيضان، أو بحرب أهلية، لأن الله عز وجل قال:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾
( سورة الأنعام: 65 )
الله عز وجل قال:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
( سورة النحل: 112 )
تدمير القرى، أم بالزلازل، أو بالبراكين أو بالصواعق، أو بالفيضانات، أو بقحط السماء، بجفاف السماء، أو بالأوبئة الفتاكة، أو بالحشرات التي تأتي على المحاصيل، أو بحرب أهلية، أو ببأس الإنسان لبعضه، هذا التدبير وفق حكمة بالغة، وفق تقدير حكيم، قال:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
هل تصدقون أن ميم بالآية هي المفصل، ميم، لو قالوا وأهلها صالحون يهلكهم، متى لا يهلكهم إذا كانوا مصلحين، يعني الصالح لذاته الأناني هو صالح مستقيم، الناس يصطفلوا، ينباعوا بالعزى هالكانين، ما فيهن خير، كفار، هذا الإنسان الله يعاقبه، لكن، أين فعل الخير ؟ أين الأمر بالمعروف ؟ أين النهي عن المنكر ؟ أين إصلاح ذات البين ؟ هؤلاء مسلمون، لا يعنيك أمرهم، لا تهتم لهم لا تغار على أعراضهم، لا تبكي لبؤسهم، وشقائهم، من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم.
إذاً الله عز وجل يهلك الصالح، إذا انسحب من مجتمع وأثر سعادته الذاتية، وقال الناس يصطفلوا، أب عندك أولاد، أخ عندك أخوات، جار عندك جيران، رئيس دائرة عندك موظفين، شو يصطفلوا، انصحهم، نبهن، ذكرهم، صاحب معمل عندك عمال محل تجاري عندك صنايعية، أخي بدي بس يداوم، ينباع بالعزى يصطفل لا يصلي، إذا أنت كنت صالح لحالك، وما في عندك رغبة تكون مصلح الله يهلك.
بعض الأحاديث، أن الله أمر الملائكة بتدمير قرية، قالوا يا رب إن فيها رجلاً صالحاً، قال فيه فبدؤوا، به فبدؤوا، يا رب كيف ؟ قال: كان لا يتمعر وجهه إذا رأى المنكر، لا يتمعر وجهه إذا رأى المنكر.
فأنت مالك أهل ؟ مالك بنات ؟ مالك أولاد ؟ مالك بنات أخ ؟ مالك بنات أخت ؟ ما بهمك أمرهم ؟ أنت عم ! أنت كبير القوم ! أنت أب ! بس بدك ذاتك، بتلاقيه بصلي بأول صف، وزوجته بثياب متبزلة، معقول هذا الكلام ! طيب ما تنصحها ؟ أنت قيم.
فهذه الآية كلها بالميم.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
يعني إذا كانوا صالحين يهلكهم، أما إذا كانوا مصلحين.
بالمناسبة صالح أسم فاعل، صلح، يصلح، صالح.
أما إذا قلنا أصلح، هذه همزة التعدي، يعني أصلح غيره أصلح، يصلح، مصلح، مصلح، غير صالح، مثل علم، يعلم عالم أما، أعلم، يعلم، معلم، علم، يعلم، معلم.
بين صالح ومصلح مسافة كبيرة كثير، صالح بذاته يعني هو صالح في ذاته، لكن مصلح لغيره.
فإن لم تكن مصلحاً لغيرك، فاالله عز وجل بحاسبك على ذنب السلبية، على ذنب الأنانية، على ذنب عدم فعل الخير، على ذنب عدم المبالاة في المسلمين
لذلك الحق إذا ما توسع، الباطل يتوسع ويحاصره، أحد أركان النجاة.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
( سورة العصر: 3)
فيا أيها الأخوة الكرام: هذه آية دقيقة، يعني الله عز وجل لا يهلك القرى بظلم ولكن يهلك بعدلٍ.
أنا حدثني مرة قصة على أنها بسيط جداً، لكن لها دلالة كبيرة قال لي أخ: سيارة تعمل على خط بين دمشق وبيروت، يظهر أن في شب وزوجته حجزوا بالسيارة مقعدين، وقال له نحن الساعة الثالثة فرضاً نحنا في انتظارك، الساعة الثالثة جاء السائق على الوقت، قال له أنتظر سوف تأتي محفظة، يعني شنتا هذا أنتظر السائق ربع ساعة ضاج ‍‍، وبعدين جاء رجل كبير بالسن يحمل على ظهره حقيبة أعطاها لهذا الشاب، الشاب وخزوه في صدره، ليش تأخرت قال له السائق ما عرف من هذا الإنسان الكبير بالسن، بعدين يبدو أن زوجته عنفته لهذا الشاب، أنه هذا أبوك هذا، لما سمع السائق أن هذا الرجل أبوه، وقف، قال له أنزل، أنزل نعمل حادث، طبعاً لو كان سكت السائق، أقره على عمله، لما أساء لأبوه هذه الإساءة هي السائق وقف موقف مشرف قال له أنزل، نزل هو وزوجته: قال له هل نعمل حادث، أنت إنسان مغضوب، أنزل، حادث بسيط جداً لكن له معنى كبير.
لو كل مسلم يلاقي أنحرف، أساء، عق والديه، سب الدين عمل عمل سيئ، نقاطع كليتنا، الحق ينتشر، سب الدين سكتنا أساء لأبوه سكتنا، اعتدى على أموال الناس سكتنا، جاملنا عزمنا كمان.
فلما نحنا ما بهمنا الخير العام بهمنا أنفسنا، نستحق العقاب من الله، هي الآية كلها بالميم، بالميم كلها.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
لو أنهم صالحون يهلكهم، يهلكهم، هذا إنسان انسحب من المجتمع، شو بدي بالناس يصطفلوا، كل الناس هلكانين، كلهن لجهنم، الله لا يردون، هذا ليس موقف مؤمن يغار على المسلمين.
سيدنا رسول الله قال له جبريل: لو أردت لأطبقت عليهم الأخشبين،
((لا يا أخي اللهم أهدي قومي، أنهم لا يعلمون، لعلى الله يخرج من أصلابهم من يوحده.))
فآيتنا كلها اليوم.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
إذاً ما تنجو من عذاب الله إلا إذا كنت صالحاً مصلحاً طاهراً مطهراً، مهتدياً هادياً، محسن، يعني لازم تخرج من ذاتك إلى خدمة الآخرين، حتى المجتمع يصلح، إذا كل واحد استقام لحاله وأنسحب، هذا أنسحب، المجتمع من له، لذلك العلماء قالوا، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هو الفريضة السادسة، صوم صلاة، حج، زكاة، والفريضة السادسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدليل.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾
( سورة آل عمران: 104 )
نبدأ ببيوتنا، بزوجاتنا، ببناتنا، بأولادنا، بأولاد أخواتنا بأخواتنا البنات، أخوانا الذكور، بجيراننا، بأصدقائنا، بمعارفنا بشركائنا.
فنحن هذا إذا كان خرجنا من ذاتنا، بإصلاح غيرنا، الله عز وجل يرحمنا ويعفو عنا، ولا يهلكنا.
قال لهم به فأبدوا، أما إذا كان انسحبنا من المجتمع، وآثرنا حظوظنا حتى الروحية، ولم نعبئ بمستقبل أمتنا، إذا الدعاة انسحبوا والعلماء انسحبوا والمؤمنين ما نصحوا، والشباب ضايعين، فاسدين والمستقبل أسود ومظلم.
فيا أخوانا الكرام هذه الآية خطيرة جداً، يعني نحنا لا يكفي أن نكون صالحين، ينبغي أن نكون مصلحين، مصلح أسم فاعل من الرباعي، أصلح غيره يصلح، مصلح، أما صالح من الثلاثي صلح، يصلح، صالح، صالح ذاتياً، أما مصلح لغيره.
هي الآية كلها بالميم، مركز ثقلها بالميم، وبعدين، وما كان الله لِ، هذه أشد حالات النفي باللغة، أسمه نفي الشأن، يعني لا يفعل ولا يريد، ولا يتمنى، ولا يرضى، ولا يقر، وليس من أخلاقه وليس من طبيعته، ولا من سجيته، ولا من خصائصه، ولا من مقامه.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
(سورة العنكبوت: 40 )
ليست نفي الحدث، إذا قلنا لم يظلمهم، نفي الحدث.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾
نفي الشأن .



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 01:46 PM
4





الجزءالرابع الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الربعة عشر بعد المائة من سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) ﴾
النقطة الأول في هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى فتح باب التوبة على مصراعيه لعباده المؤمنين، لو تصورنا أن باب التوبة مغلق، والإنسان أرتكب ذنب ويئس من توبة الله عليه، ورحمة الله ما الذي يحصل ؟ يفجر، يعربد يعني مادام ما في توبة، ولا في قبول لتوبة، ولن يسمح عنه، ينحرف أشد الانحراف.
لكن ربنا عز وجل، برحمته بعباده، فتح باب التوبة على مصراعيه، فكل إنسان وقع بذنب، يتوب إلى الله، وفي الحديث الصحيح، لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد والظمآن الوارد.
لكن أحيان الإنسان إذا فعل الذنب، وتاب منه، رأى رحمة الله قريبةً منه، وشعر أن هذا الذنب محي، وعفي عنه، وكأنه لم يفعله، لكن لو وقع بالذنب مرة ثانية، الآن يتضعضع، يشعر كل المستهزئ بربه.
الإنسان إذا شعر أن هناك قوةً نشأة بينه وبين الله، وأن هناك ثلمةً لحقت إيمانه، وأن هناك حجاباً كفيفاً حال بينه وبين ربه، ماذا يفعل ؟
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
فكل إنسان بدو يتعامل مع ربه تعامل صادق، لو أنه زلت قدمه أو أرتكب خطيئة، عن غير قصد، وشعر بحجاب، في عنده حل واحد، هي الحسنات، سآتيكم ببعض الأحاديث.
ورد في الحديث الصحيح: ((أن صدقة السر تطفئ غضب الرب وأن الصدقة تقع في بيد الله قبل أن تقع في بيد الفقير، وباكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ))
فالإنسان إذا شعر أنه صار في حجاب وتاب سابقاً من هذا الذنب، ثم عاد الكره مرة ثانية، فلئلا يقع في اليأس، واليأس كفر، اليأس كفر، لا ييأس إلا الكافر، ولا يقنط إلا الكافر، لئلا يقع في اليأس، ولئلا يقع في القنوط، عليه أن يفعل الأعمال الصالحة، وفي مقدمة الأعمال الصالحة، إنفاق المال، والذي لا يملك إنفاق المال، أي عمل صالح آخر صوم، الصوم تكفيراً لما وقع منه من ذنوب، إنفاق المال، خدمة الخلق، خدمة مسجد، خدمة الأهل، على كلٍ العمل الصالح معروف بالفطرة، ربنا عز وجل قال:
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
بالمناسبة أخوان الكرام: هذه النفس هي حركية شديدة، معنى الحركية: أنك إذا فعلت سيئةً، ولم تتب منها، دفعتك هذه السيئة، إلى سيئةٍ أكبر، وأن فعلت الأكبر، ولم تتب منها، دفعتك إلى أكبر وهكذا ينتقل الإنسان من سيئة إلى أكبر، إلى أن يقع في الفاحشة الكبيرة، إلى أن يقع في ما يوجب الحد، فالنفس طابعها حركي، أو ديناميكي، إن فعلت حسنة، قادتك إلى حسنة أكبر منها، وأن فعلت سيئة قادتك إلى سيئة أكبر منها، ما في حالة سكونية بالنفس، إلا لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر.
إذاً من خطورة حركية النفس، إذا أنت أهملت نفسك، عملت بعض السيئات، ولم تبادر بالتوبة، بادرت إلى التوبة لقيت في حجاب هذا الذنب عملته مرة ثانية، إذا بدو الآن عمل صالح، بدو ترميم بدو إنفاق، فإذا الإنسان أهمل نفسه، لا تاب من الذنب، ولا رمم الثلمة التي في نفسه، بشكل أكيد، ينتقل من معصية إلى أكبر، من معصية إلى أكبر، إلى أن يقع في الحجاب السميك الذي لا يخرق هذا هو الران.
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) ﴾
( سورة المطففين: 14 )
أخطر شيء تتراكم المعاصي، ويتراكم الإصرار عليها، إلى أن تصبح هذه المعاصي، حجاباً كثيفاً بينك وبين الله.
لذلك سيدنا عمر قال: تعاهد قلبك، الإنسان شعر بفتور يعمل عمل صالح.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
(سورة الكهف: 110)
في عمل صالح، في إنفاق مال، في صيام، في عبادة استثنائية في صلاة ليل، في تهجد، في خدمة الخلق، في خدمة المسجد، ممكن تبحث عن عمل يرمم هذه الثلمه، ممكن أن تتوب أولاً، إذا الذنب عملت مرة وحدة، يا ربي لا أعود إليه، الله قبل منك التوبة، أما إذا عملته مرة ثانية، بتحس صار في حجاب، لو قلت يا ربي تبت، غير مقبول، تحتاج إلى ترميم إلى حسنه، كي تذهب السيئة
وإذا الإنسان أهمل نفسه، نفسه طابعها حركي، ديناميكي يعني كل حسنة تقود إلى أكبر، وكل سيئة تقود إلى أكبر، فإذا تفاقمت الذنوب، وأشتد الحجاب، أصبح لا يعي على خير، صار ميت، الله عز وجل قال:
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
( سورة النحل: 21 )
ميت انتهى، هذا لا يصحو إلا عند الموت، هذه الحالة خطيرة جداً.
فالإنسان يتعاهد قلبه، بقلك واحد أنا غلط ما عاد إجي على المسجد، هذا الكلام يشبه تماماً، واحد قال أنا مريض، لما بطيب بشوف الطبيب، مستحي منه، هو الطبيب مهمته.
فإذا الواحد وقع بغلطه، لا يبتعد عن مجالس العلم، يتفاقم الغلط، لما الإنسان يقع بغلط، يرتاد المساجد أكثر، الله يستقبله، إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر.
إذا بقلك بس تصلح نفسي بجي على الدروس، هذا غلط كبير كمن يقول لك تماماً أنا حينما أشفى تماماً آتي المستشفى، عندئذٍ لا حاجة لك بها، المستشفى الآن أنت بحاجة لها.
فحينما تقع في مشكلة، أو تقع في حجاب، اقصد بيت الله الله عز وجل يقبلك في بيته، هو المضيف وأنت الزائر، ومن تمام الزيارة، من لوازم الزيارة إكرام الزائر، وحق على المزور أن يكرم الزائر.
فلذلك الآية اليوم: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)﴾
يعني هي محاية، إذا أنت كاتب بالرصاص، ومعك محاية القضية سهلة، خطأ بمحي.
فالحسنة هي المحاية.
﴿ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)﴾
بقي:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾
الحقيقة الصلاة، صلاة الفجر، النبي الكريم قال: ((من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله ))
يعني أنت آخذ أمان من الله عز وجل، طوال هذا اليوم يكفيك الله ما فيه من شر، من مطبات، من ورطات، من مصائب، من افتراءات، من ابتلاء، من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، لا تعجز عن ركعتين قبل الفجر، أكفك النهار كله.
حدثني أخ أنا والله أكبرته كثير، قال لي: أنا أستيقظ قبل الفجر، وأصلي الليل وأصلي الفجر ولي أذكاري، وأورادي، ولا أجرؤ أن أخرج من البيت، إن لم أفعل هذا، إن فعلت هذا، وخرجت من البيت أشعر بثقة كبيرة جداً أن الله يحفظني وأن الله يوفقني، وأن الله معي، وأن الله يؤيدني، وأن الله ينصرني، وأن الله يرزقني والله أنا أعجبت بهذا الإنسان، قال لي في مرة فقت بعد الشمس ما رحت على الدائرة خفت، خفت روح أقع بورطات كبيرة جداً، محصن.
من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبواً، زحف، ولو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً.
وكل ما قال لي إنسان أنا أعاني من مشكلة، أقول له الحل كما يلي: حديث صحيح.
يقول عليه الصلاة والسلام: إذا كان ثلث الليل الأخير، واحد عما يعاني من مرض لا سمح الله، له عدو كبير، قوي، عما يتربص فيه بدو يسحقه سحق، في له مشكلة ما عما تنحل، بيت ما عما يلاقي زوجة مناسبة ما عما يلاقي، بلا شغل صفيان، عنده مشكلة، مشكلة مؤلمة جداً النبي الكريم قال: ((إذا كان ثلث الليل الأخير، هذا وقت السحر، نزل ربكم إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من تائبٍ فأتوب عليه، هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفرٍ فأغفر له، هل من طالب حاجةٍ فأقضيها له، حتى ينفجر الفجر.))
أنا والله الذي لا إله إلا هو، كلما قال لي أخ أنا أعاني من مشكلة كبيرة جداً ماذا أفعل ؟ أقول له: صلي قيام الليل، واسجد واسأل ربك عز وجل أن يزيح عنك هذه المشكلة، وهذا ثقة بالله كبيرة جداً.
أخ من أخوانا الكرام، أبنه معه مرض، يبدو أنه عضال صار تفاقم ما عاد نام إطلاقاً، طول الليل عما يبكي، قال لي والله ذبحت خروف ووزعته، أقسم بالله قال لي بعد يومين، صار ينام، بس صروا عما يعاني ثمانية أشهر، ثمانية أشهر ما ينام بالليل، كل الليل بكاء، ما خلا طبيب، بعدين يئس، توجه إلى الله بالدعاء، وبذل هذه الصدقة وزعها على فقراء محتاجين، فشعر بدأ المرض يتراجع.
الله يسترض أخوانا، اللئيم لا يسترض، الله يسترض بالصدقة، بالصيام، بخدمة الخلق، القصد من هذا الدرس تراقب نفسك لا تهمل قلبك فتعاهد قلبك، قمت للصلاة شعرت في حجاب معناها في مشكلة، في معصية قائم عليها، شعرت أن هذا الذنب وقعت فيه مرة ثانية، إذاً بدو صدقة، نظرت النظرة الثانية الأولى لك، والثانية عليك عملت الثانية، هي بد مبلغ صار، حتى تم مع الله مستقيم، ما تهمل نفسك نفسك حركيه، معنى حركية، يعني ما تبقى بحالة وحدة، إن كنت نازل عما تنزل باستمرار، وإن كنت طالع عما بتطلع، مبدأ العطالة معروف هذا، الجسم يحافظ على حركته، إذا كان متحركاً وعلى سكونه إن كان ساكناً.
فإذاً الإنسان إذا عمل أعمال صالحة، هذه تقوده إلى الاتصال بالله، الاتصال بالله يقوده إلى عمل صالح أكثر، تكبر معه الأمور وإذا عمل عمل سيئ، يقوده إلى عمل أسوأ، والأسوأ حجاب والحجاب إلى أسوأ، والأسوأ حجاب، تتفاقم الأمور.
فلاحظ نفسك، وأنت في حالة الغفلة أو اليأس، أذهب إلى بيوت الله، واستمع إلى مجالس العلم، حتى الله يتجل على قلبك ويفتح لك شيء من رحمته، ويتنزل عليك بسكينته.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 01:48 PM
5




بسم الله الرحمن الرحيم



سورة هود (11)


الجزءالخامس




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثامنة عشرة بعد المائة، والتاسعة عشرة بعد المائة من سورة هود وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾
هذه الآية أيها الأخوة: من الآيات المتشابهات، التي قد يتوهمها الناس في معناً، وهي في الحقيقة في معناً آخر.
أما معنى قوله تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
أي أن الله سبحانه وتعالى لو ألغى اختيارهم، وألغى تكليفهم، وألغى الأمانة التي حملهم إياها، وطبعهم على شكل واحد، وطريقة واحدة هذا الهدى الذي يلغي اختيارهم لا قيمة له، ولا يسعدهم.
وأوضح مثل على هذه الفكرة، أن رئيس الجامعة، لو أراد أن يجعل كل الطلاب ناجحين، وزع عليهم الأوراق وعليها الإجابة التامة، مطبوعة طبع، وكلف الطالب أن يكتب اسمه ورقمه والعلامة مطبوعة مائة على مائة، مادام وزع أوراق وعليها الإجابة معناها كل الطلاب ناجحين، لكن هذا النجاح لا قيمة له إطلاقاً لا عند الطلاب، ولا عند الناس، ولا عند رئاسة الجامعة، نجاحهم تافه لأنه لا علاقة له بجهد الطالب ولا باختياره.
فربنا عز وجل كان من الممكن أن يلغي اختيار الإنسان ويلغي الأمانة التي حمله إياها، ويلغي التكليف الذي كلف به، وأن ينزع من نفسه الشهوات وأن يجعله على طريقة واحدة متشابها مع كل المخلوقات، إذاً هداهم جميعاً ولكن هذا الهدى عطل فيهم الاختيار وعطل فيهم التكليف، وعطل فيهم الأمانة، ولم يجعل منهم أناساً بذلوا جهداً، ولا اختاروا عبادةً، ولا طاعةً، إذاً هذا الهدى القصري لا قيمة له إطلاقاً.
كما أن ذلك النجاح، الذي يصطنعه رئيس الجامعة لطلاب من دون جهد، من دون دراسة، من دون امتحان، من دون تصحيح علامات أوراق، من دون تفاوت بين الطلاب، هذا النجاح الاجتماعي ما له قيمة إطلاقا، يعني أحياناً بزور إنسان بلد يعطوه دكتوراه فخرية يكتب دكتور، لكن لا تحس هذه الدكتوراه لها قيمة، لأنها عمليه برتوكولية.
أما حينما يؤلف الإنسان كتاب فريد من نوعه، يبذل فيه سبع سنوات دراسة، وتنقيب، وبحث، وكتابة، وتصحيح، وطبعات، ثم ينجح هذا الكتاب، ويقول الناس عنه دكتور، تحس هذا اللقب يتناسب مع هذا الجهد.
إذاً حيثما وردت في القرآن الكريم هذه الآيات.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ﴾

( سورة الرعد: 31 )
معنى ذلك إن الله عز وجل إذا سلب الاختيار، وسلب الأمانة والتكليف، نزع الشهوة، دمى أصبح البشر، دمى، هذا الهدى ما له قيمة إطلاقا، ولا يرفع من شأنهم ولا يسعدهم في الآخرة.
لذلك الروعة لا أن يتشابه الناس، بل أن تأتي النتائج وفق المقدمات، الذي استقام له الجنة، الذي انحرف له النار، الذي تحر الرزق الحلال له رزق وفير، الذي أكل أموال الناس بالباطل يتلف مواله.
أروع ما في الحياة أن تأتي النتائج مطابقةً للمقدمات، لا أن تكون النتائج كلها علامات عالية، الآن الجامعة المحترمة في عندها رسوب، لكن أروع ما فيها أن الطالب الجيد علامته عالية، والسيء راسب، تطابق النتيجة مع المقدمة هو العدالة، هو الشيء الطيب والرائع، واللطيف.
إذاً:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)﴾
لماذا هم مختلفون ؟ لأن الله أعطاهم حرية الاختيار، ولو ألغى هذه الحرية لما اختلفوا، فاختلافهم دليل حريته، إلا من رحم ربك، لكن هؤلاء الذين اختاروا الهدى، وتجل الله عليهم لا يختلفون، المؤمن إذا دخل على مائة منافق وفيهم مؤمن واحد يميل إليه.
المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم والمنافقون بعضهم لبعض غشش متحاسدون ولو اقتربت منازلهم.
فالاختلاف دليل الاختيار، أما لو مائة إنسان اختاروا الله ورسوله يتشابهوا، أخلاق رفيعة، صدق، أمانة، عفاف، استقامة غض بصر، دخل حلال، إنفاق، إحسان، فاعدم الاختلاف دليل المشرب الواحد، إذا في مشارب متعدد في اختلاف، الإنسان مخير فاختلاف الناس دليل أنهم مخيرون، واتفاقهم دليل أنهم ينهلون من مشرب واحد.
فالمؤمنون مبادئهم واحدة، قيمهم واحدة، أهدافهم واحدة وسائلهم واحدة، بتلاقي مؤمن في الشام يتلاقي مع مؤمن في أقصى الصين، يشعر أقرب له من أخوه، مؤمن يلتقي مع مؤمن بالمغرب بجنوب إفريقيا، بشمال أوربا، بكندة بتلاقي في توافق عجيب مبادئ واحدة، هدف واحد، استقامة، طهر، عفاف، حياء، خجل أدب، ذوق، إحسان، رحمة، إنصاف، عدل.

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)﴾
لأنهم مخيرون، واختاروا أشياء متفاوتة، أما لو أنهم اختاروا شيء واحد وهو.

﴿اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

( سورة الأحزاب: 29 )
لو اختاروا جهةً واحدة، إذاً يتفقون، لا يختلفون.
طيب الله لماذا خلقهم ؟ قال خلقهم ليتعرفوا إليه، وليسعدوا بقربه، وليرحمهم.

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

هذه الآية واضحة وضوح الشمس، هذه الآية، الآية المحكمة التي تبين سر وجودنا على وجه الأرض.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
خلقهم ليرحمهم.

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

هذه الآية أيضاً مشكلة، إذا فهمناها فهم سطحي نقع بإشكال كبير جداً، يعني معقول نحنا نبني سجن مركزي، فخم، حديث، وفق المواصفات العالمية الحديثة، بس ما حدى عما يرتكب ذنوب، نعمل حاجز بالطريق، الكل على السجن، ليش فاضي لأنه بدنا نعبيه، هذا المعنى مقبول على ذات الله الكاملة ؟
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

بدنا نعبيها جهنم ما في خواص، طيب ما في أحد عما يذنب، كيف ما كان بدنا نعبيها، هذا معنى ساذج، هذا معنى لا يليق بكمال الله.
لكن الإنسان إذا توهم أن الله أجبره على المعصية، هو واهم لو أن الله أراد أن يجبره، لما أجبره إلا على الهدى، أما هذه المعاصي التي تقترف هي من اختيار الإنسان، ومن كسبه، لذلك سيدخل النار من أجلها، هذا المعنى الدقيق لو أن الله أراد أن يجبر عباده على شيء ما، لأجبرهم على معرفته.
﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾

لو شاء أن يسلبهم اختيارهم لأجبرهم على طاعته، أما هذه المعاصي، الموبقات، التي تقترف هذه ليست من إجبار الله، هذه من كسب الإنسان، لذلك سوف يدفع الإنسان ثمن هذه المعصية باهظاً وهو دخول النار، وتمت، يعني قانون ربنا قرر أنه المعاصي من كسب البشر، هم مخيرون، وهم مسئولون، وسوف يدفعون ثمن هذه المعاصي باهظاً.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وضحت هذه الآية، هذه الآية مشكلة، وآية لو الإنسان قرأها، وأخذها على ظاهرها، ربما أساء الظن بالله عز وجل، لأن الآية الكريمة جاية.
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

( سورة آل عمران: 154 )
حسن الظن بالله ثمن الجنة.
يعني لو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجبر عباده على شيء ما، على ماذا أجبرهم ؟ على طاعته.

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

( سورة السجدة: 13 )
لو شئنا أن نلغي اختياركم، لو شئنا أن نلغي تكليفكم لو شئنا أن نلغي الأمانة التي حملتموها، وأجبرناكم على شيء ما، لما أجبرناكم إلا على الهدى.

﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
لكنكم إذا توهتم أن هذه الأفعال التي تفعلونها هي من إجبار الله فأنتم واهمون هي من كسبكم، ومن اختياركم ولهذا الكسب والاختيار جزاء عادل وهو النار.
إذاً معنى الآية.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)﴾
لأنهم مخيرون، أما لو أن فئةً من الناس اختاروا الله ورسوله والدار الآخرة وأقبلوا عليك لما اختلفوا، لتفقوا واجتمعوا، وتحاببوا.

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
الهدف الإلهي الكبير من خلق الإنسان أن يرحمهم، وأن يسعدهم في الدنيا والآخرة ولذلك خلقهم.

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾
قانون ربنا، أنه:

﴿َمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾

( سورة فصلت: 46 )
لكل سيئة عقاب، السيئات التي تقترف ليست من إجبار الله، إنما هي من كسب الإنسان.

﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)﴾

( سورة الأعراف: 28 )
عقيدة أهل الشرك.

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾

( سورة الأنعام: 148 )
ترتيبه أخي ما تصلي ؟ الله ما أراد لي الهدى، سبحان الله، الله الله ما أراد لي الهدى، وكمان بسبح الله عليها، الله ما أراد لي الهدى، الله عز وجل أراد الهدى لكل الخلق، فأنت مخير.
إذاً:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾
أن الأعمال السيئة هي من كسب الإنسان، من اختياره، يتحمل نتائجها.

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾
من هؤلاء الذين يزعمون أن الله أجبرهم على الطاعة.
آخر قول لسيدنا الحسن البصري: لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب اختفت الجنة.
لو فرضنا واحد قدمت له أوراق بالامتحان مكتوبة جاهزة، هو لا يقرأ ولا يكتب أمي، قدمت له أوراق وأخذ أعلى علامة بالقطر مثلا وعملنا احتفال ضخم من أجل تكريم التفوق تبعه، هذا التفوق له معنى ؟ تفوق غير...... إطلاقاً.
لو كان الله أجبر العباد على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لماذا فعلت كذا ؟ أنت أجبرتني أنا مالي علاقة، ولو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخيراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصى مغلوباً، ولم يطع مكرهاً.
الآية تمت.

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-03-2018, 01:50 PM
6






بسم الله الرحمن الرحيم



سورة هود (11)


الجزء السادس الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
الآيات الأخيرة، ولا سيما الآية العشرون بعد المائة، والآية الثالثة والعشرين بعد المائة من سورة هود، وهي قوله تعالى:
﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) ﴾
أيها الأخوة: هذه الآية أولاً تدل على أن أنجع وسيلة في التربية القصة، القصة الواقعية، والقصة المتعلقة بالبطولات والإيجابيات، قد تقرأ قصةً لكاتب معاصر، يصور لك فيها الإنسان في أحط مستوياته، في نوازعه الدنيا، في مشاعره الرخيصة، في دناءته يصور لك المجتمع في تفككه، يقول لك هذه قصة واقعية، تماماً كمن ينقب في القمامة، ماذا سيجيد ؟ كل شيء يدع إلى اشمئزاز.
لكن إذا رويت للناس قصص الصلحاء، الصالحين، الأبطال القادة، الفاتحين، المؤمنين، الصادقين، الصدقين، هؤلاء يرفعون في نفسك معنويات عالية.
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
يعني أنت كأب إذا أردت أن توجه أبنائك التوجيه الصحيح، احرص على أن تسمعهم قصةً واقعيةً ترتبط فيها النتيجة بالمقدمة، أن هذا الإنسان فعل كذا وهذه هي النتيجة، اغتصب أموال الناس بالباطل دمر الله أمواله استقام على أمر الله أكرمه الله، كلما ربط المقدمة بالنتيجة ربط منطقي، وفي عدالة، وفي رحمة، تكون هذه القصة أسعد في نفس المستمع.
لذلك كأب، وكمربي، وكمعلم وكداعية، يجب أن تستخدم الأسلوب التربوي الذي استخدمه القرآن الكريم مع النبي، أراد الله سبحانه وتعالى أن يثبت قلب النبي ماذا قال له ؟ ﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يثبت فؤاده بقصص الأنبياء، والصالحين، فنحن من باب أولى أننا إذا قرأنا قصة النبي عليه الصلاة والسلام تزكوا نفوسنا، وتشتئب أعناقنا إلى هذا المقام الرفيع.
لذلك أيها الأخوة تعد هذه الآية، أحد الأدلة الكافية على أن تحتفل بعيد مولد النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾
يعني ماذا فعلت إذا جمعت الناس في بيتك وأسمعتهم شيئاً من شمائل النبي، وأخلاقه، وسيرة النبي ومواقفه، ثم أطعمتهم الطعام، هذا الاحتفال، عند هذا الحد لا شيء عليه أبداً، بل هو محض طاعة الله عز وجل، محض الائتمار بأمر الله، محض الانسجام مع توجيهات الله عز وجل، ماذا قال عز وجل:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾
( سورة المؤمنون: 69 )
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾
حض على أن نعرف رسولنا لأنه قدوة لنا.
شيء آخر.
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾
أسمعوا الآية:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ﴾
أن تفعلوا هذا الشيء.
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
( سورة سبأ: 46)
يعني أنت مفروض فيك كمسلم تتفحص هذا الدين، تقرأ القرآن، تقرأ السنة، تدلي برأيك بهذا الدين، إما أنه حق تتبناه، أو أنه في أخطاء ترفضه، أما ما لك علاقة لا سلباً، ولا إيجاباً، هذا موقف في غباء.
إنسان جاءته رسالة أيها الأخوة: بربكم ماذا تحكمون عليه لو أنه مزقها قبل أن يقرأها ؟ اقرأها وبعد ذلك مزقها، فالإنسان له حق يرفض شيء قبل أن يطلع عليه.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾
إذاً ممكن أن يكون الأسلوب التربوي أنجع أسلوب في تعليم الأبناء، وفي تعليم الكبار، وفي الدعوة إلى الله، وفي إرشاد الناس وفي تربية الطلاب، يقوم بها المعلم، والأب، والمربي، والداعية والخطيب، وأي إنسان آخر.
القصة شيء ثمين، ببساطة لأنها حقيقة مع البرهان عليها، لو حدثتنا بالمثل المجردة، ماذا يقال لك ؟ أخي هي كلها مثاليات، أما إذا جئت بقصة فيها بطولة، هي مثالية لكنها واقعة، هذا ما يسمى بالمثالية الواقعية، هذه الآية الأولى الآية الأخيرة:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
وهذه الآية من أدق الآيات في كتاب الله.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
يعني ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك أن أمرك كله بيده، لو أن أمرك بيد غير الله عز وجل، كيف يأمرك أن تعبده ؟ معك الحجة، يا رب أنا بدي اعبد فلان لأنه مصيري بيده، حياتي بيده، رزقي بيده، إذا غضب عليّ يقطع رزقي، إذا غضب عليّ يقتلني، كيف أعبدك يا رب وحدك لكن الله طمأنك.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
ولو قال لك إليه يرجع الأمر يعني كل الأمر، لكن كل توكيد.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
المعنى واضح كله، كل أنواع الأمر، أمر صحتك، أمر أعدائك، أمر أقوى منك أمر أضعف منك، أمر دخلك، رزقك، أمر من حولك، من فوقك من دونك.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
ولو أن الله ملكك إلى أحد خلقه، لا يستحق أن يعبد، ولو أن الله ملكك إلى أحد خلقه، قال لك:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
لذلك الإنسان ما يرتاح حتى يوحد، إذا وحد علاقته مع جهة واحدة، اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها.
﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود: 56 )
ضع هذه الحقيقة بذهنك، لما ربنا عز وجل يجعل أمرك بيد غير ذاته، كيف يقول لك اعبدني يا عبدي ؟ الله قال لك:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
إذاً نحن نعبده لأننا بيده، ولأننا في قبضته، ولأن أمرنا كله بيده، ولأن مصيرنا إليه، ولأننا راجعون إليه، ولأن حياتنا بيده وأعضائنا بيده، وحواسنا بيده، وعقلنا بيده، وزوجتنا بيده، وأولادنا بيده، ورزقنا بيده، ونجاحنا في الدنيا بيده، وإخفاقنا بيده، هو المعز وهو المذل، وهو الرافع، وهو الخافض، وهو القابض، وهو الباسط وهو بكل شيء عليم.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
كل ما واجهة مشكلة، في قضية شخص أقوى منك عما يهددك طريق مسدود، تذكر هذه الآية.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله، أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فتقي الله.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾
( سورة الحجرات: 13 )






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 08:37 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



سورة يوسف (12)


الجزء الاول

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
أسلوب التقرير، إذا قلت:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد: 19 )
أي لا مسير لهذا الكون إلا الله، لا معطي إلا الله، لا مانع إلا الله، لا رافع إلا الله، لا خافض إلا الله، لا معز إلا الله، لا مذل إلا الله، هذا معنى التوحيد، ربنا عز وجل قال في آيات كثيرة.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء: 25 )
وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
ولكن كلمة لا إله إلا الله، كلمة التوحيد في قصة يوسف تأتي بأسلوب آخر، تأتي على شكل قصة، أخوة يوسف أقوياء، أشداء، اجتمعوا، اتفقوا، قرروا أن يضعوا أخاهم في غيابت الجب، هذه مشيئتهم، ولكن مشيئة الله تقتضي أن يكون هذا الطفل الصغير، الضعيف، نبياً كريماً، وعزيز مصر، يتسلم قمة المكانة الاجتماعية والسياسية.
فبدل أن يقول الله عز وجل: فاعلم أنه لا إله إلا الله، بأسلوب مباشر، عبر عن هذه الحقيقة بأسلوب آخر، عن طريق قصة لها بداية، عقدة، نهاية، شخصيات، حوادث، حبكة، تحليل، حوار، سرد، وصف، هذه أطول قصة في القرآن الكريم، إذا قرأتها كلها تشعر في كل خلية في جسمك أنه لا إله إلا الله، أحياناً لما نقرأ تعبير مباشر تقريبي، كقولك:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
هذه لعقة عسل مكثفة، أما حينما تذيب هذه اللعقة في كأس ماء وتحركه وتشربه، القصة شربة عسل، التعبير التقريري، لعقة عسل، أما التعبير التصويري الفني، شربة عسل.
لذلك الإنسان دائماً في عنده خطوط دفاع، إذا جاء الكلام التقريري المباشر خلاف قناعته يرفضه، لكن القصة تتغلغل وهو لا يشعر إلى أعماقه فتحدث قناعات جديدة، لم يكن ليقبلها لو جاءت بشكل مباشر.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
( سورة يوسف: 111 )
يعني قصة، أسلوب راقي جداً، فعال جداً، مؤثر جداً، يتغلغل في أعماق الإنسان، ويحدث قناعات جديدة لم تكن من قبل، لأنه قصة.
لذلك القصة تعد من أشد الوسائل التربوية فعاليةً، من أشدها تأثيراً، ذلك لقدرتها على التغلغل في أعماق الإنسان، ذلك لأنها تصف الإنسان وهو أقرب شيء للإنسان، تصف أخاه الإنسان في قوته، وفي ضعفه، في سموه، وفي انحطاطه، تصف المجتمع في تماسكه وتفككه، في رقيه وفي هبوطه، القصة وسيلة من وسائل الوصف والتحويل، والتصوير، والتغلغل في أعماق الإنسان، وتخطي خطوط دفاعه.
لذلك ليس عجباً ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، مثلاً: الله عز وجل حينما يذكر قصة في القرآن الكريم ما أرادها أبداً قصة، أرادها حقيقة يعبر عنها بشكل قصة، فإذا فهمت القصةَ قصةٌ للمتعة وإملاء الوقت فأنت واهم.
أحياناً ربنا عز وجل يذكر القصة ويصل منها إلى القانون، قال سيدنا يونس
﴿: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) ﴾
(سورة الأنبياء: 87)
وهو في بطن الحوت، بعد أن التقمه الحوت في ظلمات ثلاث، في ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
القصة انتهت.
الله جل جلاله ما أرادها قصة، ما أرادها قصة وقعت ولن تقع بعد اليوم، أرادها قانوناً وقال:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء: 87 )
في أي عصر، في أي مكان، أي زمان، أي مؤمن، غني، فقير، أبيض، أسود، ريفي، مدني، في عصور قديمة، في عصور حديثة، أي مؤمن.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
فيا أيها الأخوة الكرام إذا قرأتم القصة في القرآن ينبغي أن تبتعدوا عن أن تفهموها قصة، إنها حقيقة، لكن جاء التعبير عنها بشكل قصة، ما أرادها الله قصة، أرادها قانوناً.
سيدنا يوسف قال:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾
ماذا قال بعد ذلك ؟
﴿رَأَيْتُهُمْ﴾
يجب أن يقول رأيتها، كل شيء لا يعقل يجمع جمع مؤنث سالم، أنت تقول رأيت النوافذ رأيتهم ؟ أنت باللغة العربية، الأبواب رأيتهم ؟ هي هم للعاقل، الأبواب رأيتها جيدة، المراوح رأيتها تعمل، كل جمع غير عاقل يجمع جمع مؤنث، هون.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾
معناها ليست الشمس شمساً، ولا القمر قمراً، ولا الكواكب كواكب إنها أمه، وأبوه، وأخوته.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾
فلما دخلوا على يوسف، هذا السجود ليس سجود العبادة، لكن سجود التقدير، والخضوع، هكذا قال العلماء.
إذاً ماذا فعلوا أخوة يوسف ؟ وضعوه في البئر، في غيابت الجب ليموت.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾
( سورة يوسف: 19)
يعني: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
ما من عبد يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه.
إذاً قصة سيدنا يوسف يمكن أن تقع في كل زمان، وفي كل مكان، ومع أي مؤمن، مهما كان أعدائك أقوياء، كثر، أذكياء، بيدهم مقاليد، إذا كان الله معك، معك كل شيء.
إذاً هذه القصة شربة عسل، وكلمة فاعلم أنه لا إله إلا الله، لعقة عسل.
السؤال: هل ورد في هذه القصة مغزاها ؟ الكُتاب عادةً يكتبون القصة ويدعون للقارئ أن يستنبط مغزاها، لكن ربنا عز وجل لحرصه على عباده يذكر القصة وفي الأعم الأغلب يذكر مغزاها، ورد مغزى القصة ؟ الجواب ورد، في ثنياتها، قال:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة يوسف: 21 )
أمره هو النافذ، مشيئته هي النافذة، ما شاء الله هو كان، وما لم يشاء لم يكن.
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
( سورة فاطر: 2 )
إذا أراد الله شيئاً وقع، وإذا وقع الشيء فقد أراده الله، هذا التوحيد، على كلٍ لنا مع هذه القصة وقفات متأنية إن شاء الله في الدروس القادمة، والذي أرجوه أن نفهم القصة فهماً عميقاً، وأن نستنبط منها الحقائق، والدقائق، والمواعظ، والعبر، والقوانين، ومعالم الطريق، حتى تكون القصة قرآن، قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
سيدنا يوسف انتقل إلى رحمة الله من آلاف السنين، وهو عند الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يستفيد أن نذكر قصته، لكن نحن وحدنا نستفيد إذا فهمنا هذه القصة فهماً عميقاً، فاليوم إطلالة عامة على القصة، لكن إن شاء الله بالدروس القادمة نعود إليها، ونستنبط بعض القوانين والحقائق منها.


والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
أسلوب التقرير، إذا قلت:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد: 19 )
أي لا مسير لهذا الكون إلا الله، لا معطي إلا الله، لا مانع إلا الله، لا رافع إلا الله، لا خافض إلا الله، لا معز إلا الله، لا مذل إلا الله، هذا معنى التوحيد، ربنا عز وجل قال في آيات كثيرة.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء: 25 )
وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
ولكن كلمة لا إله إلا الله، كلمة التوحيد في قصة يوسف تأتي بأسلوب آخر، تأتي على شكل قصة، أخوة يوسف أقوياء، أشداء، اجتمعوا، اتفقوا، قرروا أن يضعوا أخاهم في غيابت الجب، هذه مشيئتهم، ولكن مشيئة الله تقتضي أن يكون هذا الطفل الصغير، الضعيف، نبياً كريماً، وعزيز مصر، يتسلم قمة المكانة الاجتماعية والسياسية.
فبدل أن يقول الله عز وجل: فاعلم أنه لا إله إلا الله، بأسلوب مباشر، عبر عن هذه الحقيقة بأسلوب آخر، عن طريق قصة لها بداية، عقدة، نهاية، شخصيات، حوادث، حبكة، تحليل، حوار، سرد، وصف، هذه أطول قصة في القرآن الكريم، إذا قرأتها كلها تشعر في كل خلية في جسمك أنه لا إله إلا الله، أحياناً لما نقرأ تعبير مباشر تقريبي، كقولك:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
هذه لعقة عسل مكثفة، أما حينما تذيب هذه اللعقة في كأس ماء وتحركه وتشربه، القصة شربة عسل، التعبير التقريري، لعقة عسل، أما التعبير التصويري الفني، شربة عسل.
لذلك الإنسان دائماً في عنده خطوط دفاع، إذا جاء الكلام التقريري المباشر خلاف قناعته يرفضه، لكن القصة تتغلغل وهو لا يشعر إلى أعماقه فتحدث قناعات جديدة، لم يكن ليقبلها لو جاءت بشكل مباشر.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
( سورة يوسف: 111 )
يعني قصة، أسلوب راقي جداً، فعال جداً، مؤثر جداً، يتغلغل في أعماق الإنسان، ويحدث قناعات جديدة لم تكن من قبل، لأنه قصة.
لذلك القصة تعد من أشد الوسائل التربوية فعاليةً، من أشدها تأثيراً، ذلك لقدرتها على التغلغل في أعماق الإنسان، ذلك لأنها تصف الإنسان وهو أقرب شيء للإنسان، تصف أخاه الإنسان في قوته، وفي ضعفه، في سموه، وفي انحطاطه، تصف المجتمع في تماسكه وتفككه، في رقيه وفي هبوطه، القصة وسيلة من وسائل الوصف والتحويل، والتصوير، والتغلغل في أعماق الإنسان، وتخطي خطوط دفاعه.
لذلك ليس عجباً ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، مثلاً: الله عز وجل حينما يذكر قصة في القرآن الكريم ما أرادها أبداً قصة، أرادها حقيقة يعبر عنها بشكل قصة، فإذا فهمت القصةَ قصةٌ للمتعة وإملاء الوقت فأنت واهم.
أحياناً ربنا عز وجل يذكر القصة ويصل منها إلى القانون، قال سيدنا يونس
﴿: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) ﴾
(سورة الأنبياء: 87)
وهو في بطن الحوت، بعد أن التقمه الحوت في ظلمات ثلاث، في ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
القصة انتهت.
الله جل جلاله ما أرادها قصة، ما أرادها قصة وقعت ولن تقع بعد اليوم، أرادها قانوناً وقال:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء: 87 )
في أي عصر، في أي مكان، أي زمان، أي مؤمن، غني، فقير، أبيض، أسود، ريفي، مدني، في عصور قديمة، في عصور حديثة، أي مؤمن.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
فيا أيها الأخوة الكرام إذا قرأتم القصة في القرآن ينبغي أن تبتعدوا عن أن تفهموها قصة، إنها حقيقة، لكن جاء التعبير عنها بشكل قصة، ما أرادها الله قصة، أرادها قانوناً.
سيدنا يوسف قال:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾
ماذا قال بعد ذلك ؟
﴿رَأَيْتُهُمْ﴾
يجب أن يقول رأيتها، كل شيء لا يعقل يجمع جمع مؤنث سالم، أنت تقول رأيت النوافذ رأيتهم ؟ أنت باللغة العربية، الأبواب رأيتهم ؟ هي هم للعاقل، الأبواب رأيتها جيدة، المراوح رأيتها تعمل، كل جمع غير عاقل يجمع جمع مؤنث، هون.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾
معناها ليست الشمس شمساً، ولا القمر قمراً، ولا الكواكب كواكب إنها أمه، وأبوه، وأخوته.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾
فلما دخلوا على يوسف، هذا السجود ليس سجود العبادة، لكن سجود التقدير، والخضوع، هكذا قال العلماء.
إذاً ماذا فعلوا أخوة يوسف ؟ وضعوه في البئر، في غيابت الجب ليموت.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾
( سورة يوسف: 19)
يعني: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
ما من عبد يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه.
إذاً قصة سيدنا يوسف يمكن أن تقع في كل زمان، وفي كل مكان، ومع أي مؤمن، مهما كان أعدائك أقوياء، كثر، أذكياء، بيدهم مقاليد، إذا كان الله معك، معك كل شيء.
إذاً هذه القصة شربة عسل، وكلمة فاعلم أنه لا إله إلا الله، لعقة عسل.
السؤال: هل ورد في هذه القصة مغزاها ؟ الكُتاب عادةً يكتبون القصة ويدعون للقارئ أن يستنبط مغزاها، لكن ربنا عز وجل لحرصه على عباده يذكر القصة وفي الأعم الأغلب يذكر مغزاها، ورد مغزى القصة ؟ الجواب ورد، في ثنياتها، قال:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة يوسف: 21 )
أمره هو النافذ، مشيئته هي النافذة، ما شاء الله هو كان، وما لم يشاء لم يكن.
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
( سورة فاطر: 2 )
إذا أراد الله شيئاً وقع، وإذا وقع الشيء فقد أراده الله، هذا التوحيد، على كلٍ لنا مع هذه القصة وقفات متأنية إن شاء الله في الدروس القادمة، والذي أرجوه أن نفهم القصة فهماً عميقاً، وأن نستنبط منها الحقائق، والدقائق، والمواعظ، والعبر، والقوانين، ومعالم الطريق، حتى تكون القصة قرآن، قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
سيدنا يوسف انتقل إلى رحمة الله من آلاف السنين، وهو عند الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يستفيد أن نذكر قصته، لكن نحن وحدنا نستفيد إذا فهمنا هذه القصة فهماً عميقاً، فاليوم إطلالة عامة على القصة، لكن إن شاء الله بالدروس القادمة نعود إليها، ونستنبط بعض القوانين والحقائق منها. والحمد لله رب العالمين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
أسلوب التقرير، إذا قلت:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد: 19 )
أي لا مسير لهذا الكون إلا الله، لا معطي إلا الله، لا مانع إلا الله، لا رافع إلا الله، لا خافض إلا الله، لا معز إلا الله، لا مذل إلا الله، هذا معنى التوحيد، ربنا عز وجل قال في آيات كثيرة.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء: 25 )
وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
ولكن كلمة لا إله إلا الله، كلمة التوحيد في قصة يوسف تأتي بأسلوب آخر، تأتي على شكل قصة، أخوة يوسف أقوياء، أشداء، اجتمعوا، اتفقوا، قرروا أن يضعوا أخاهم في غيابت الجب، هذه مشيئتهم، ولكن مشيئة الله تقتضي أن يكون هذا الطفل الصغير، الضعيف، نبياً كريماً، وعزيز مصر، يتسلم قمة المكانة الاجتماعية والسياسية.
فبدل أن يقول الله عز وجل: فاعلم أنه لا إله إلا الله، بأسلوب مباشر، عبر عن هذه الحقيقة بأسلوب آخر، عن طريق قصة لها بداية، عقدة، نهاية، شخصيات، حوادث، حبكة، تحليل، حوار، سرد، وصف، هذه أطول قصة في القرآن الكريم، إذا قرأتها كلها تشعر في كل خلية في جسمك أنه لا إله إلا الله، أحياناً لما نقرأ تعبير مباشر تقريبي، كقولك:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
هذه لعقة عسل مكثفة، أما حينما تذيب هذه اللعقة في كأس ماء وتحركه وتشربه، القصة شربة عسل، التعبير التقريري، لعقة عسل، أما التعبير التصويري الفني، شربة عسل.
لذلك الإنسان دائماً في عنده خطوط دفاع، إذا جاء الكلام التقريري المباشر خلاف قناعته يرفضه، لكن القصة تتغلغل وهو لا يشعر إلى أعماقه فتحدث قناعات جديدة، لم يكن ليقبلها لو جاءت بشكل مباشر.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
( سورة يوسف: 111 )
يعني قصة، أسلوب راقي جداً، فعال جداً، مؤثر جداً، يتغلغل في أعماق الإنسان، ويحدث قناعات جديدة لم تكن من قبل، لأنه قصة.
لذلك القصة تعد من أشد الوسائل التربوية فعاليةً، من أشدها تأثيراً، ذلك لقدرتها على التغلغل في أعماق الإنسان، ذلك لأنها تصف الإنسان وهو أقرب شيء للإنسان، تصف أخاه الإنسان في قوته، وفي ضعفه، في سموه، وفي انحطاطه، تصف المجتمع في تماسكه وتفككه، في رقيه وفي هبوطه، القصة وسيلة من وسائل الوصف والتحويل، والتصوير، والتغلغل في أعماق الإنسان، وتخطي خطوط دفاعه.
لذلك ليس عجباً ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، مثلاً: الله عز وجل حينما يذكر قصة في القرآن الكريم ما أرادها أبداً قصة، أرادها حقيقة يعبر عنها بشكل قصة، فإذا فهمت القصةَ قصةٌ للمتعة وإملاء الوقت فأنت واهم.
أحياناً ربنا عز وجل يذكر القصة ويصل منها إلى القانون، قال سيدنا يونس
﴿: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) ﴾
(سورة الأنبياء: 87)
وهو في بطن الحوت، بعد أن التقمه الحوت في ظلمات ثلاث، في ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
القصة انتهت.
الله جل جلاله ما أرادها قصة، ما أرادها قصة وقعت ولن تقع بعد اليوم، أرادها قانوناً وقال:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء: 87 )
في أي عصر، في أي مكان، أي زمان، أي مؤمن، غني، فقير، أبيض، أسود، ريفي، مدني، في عصور قديمة، في عصور حديثة، أي مؤمن.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
فيا أيها الأخوة الكرام إذا قرأتم القصة في القرآن ينبغي أن تبتعدوا عن أن تفهموها قصة، إنها حقيقة، لكن جاء التعبير عنها بشكل قصة، ما أرادها الله قصة، أرادها قانوناً.
سيدنا يوسف قال:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾
ماذا قال بعد ذلك ؟
﴿رَأَيْتُهُمْ﴾
يجب أن يقول رأيتها، كل شيء لا يعقل يجمع جمع مؤنث سالم، أنت تقول رأيت النوافذ رأيتهم ؟ أنت باللغة العربية، الأبواب رأيتهم ؟ هي هم للعاقل، الأبواب رأيتها جيدة، المراوح رأيتها تعمل، كل جمع غير عاقل يجمع جمع مؤنث، هون.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾
معناها ليست الشمس شمساً، ولا القمر قمراً، ولا الكواكب كواكب إنها أمه، وأبوه، وأخوته.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾
فلما دخلوا على يوسف، هذا السجود ليس سجود العبادة، لكن سجود التقدير، والخضوع، هكذا قال العلماء.
إذاً ماذا فعلوا أخوة يوسف ؟ وضعوه في البئر، في غيابت الجب ليموت.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾
( سورة يوسف: 19)
يعني: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
ما من عبد يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه.
إذاً قصة سيدنا يوسف يمكن أن تقع في كل زمان، وفي كل مكان، ومع أي مؤمن، مهما كان أعدائك أقوياء، كثر، أذكياء، بيدهم مقاليد، إذا كان الله معك، معك كل شيء.
إذاً هذه القصة شربة عسل، وكلمة فاعلم أنه لا إله إلا الله، لعقة عسل.
السؤال: هل ورد في هذه القصة مغزاها ؟ الكُتاب عادةً يكتبون القصة ويدعون للقارئ أن يستنبط مغزاها، لكن ربنا عز وجل لحرصه على عباده يذكر القصة وفي الأعم الأغلب يذكر مغزاها، ورد مغزى القصة ؟ الجواب ورد، في ثنياتها، قال:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة يوسف: 21 )
أمره هو النافذ، مشيئته هي النافذة، ما شاء الله هو كان، وما لم يشاء لم يكن.
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
( سورة فاطر: 2 )
إذا أراد الله شيئاً وقع، وإذا وقع الشيء فقد أراده الله، هذا التوحيد، على كلٍ لنا مع هذه القصة وقفات متأنية إن شاء الله في الدروس القادمة، والذي أرجوه أن نفهم القصة فهماً عميقاً، وأن نستنبط منها الحقائق، والدقائق، والمواعظ، والعبر، والقوانين، ومعالم الطريق، حتى تكون القصة قرآن، قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
سيدنا يوسف انتقل إلى رحمة الله من آلاف السنين، وهو عند الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يستفيد أن نذكر قصته، لكن نحن وحدنا نستفيد إذا فهمنا هذه القصة فهماً عميقاً، فاليوم إطلالة عامة على القصة، لكن إن شاء الله بالدروس القادمة نعود إليها، ونستنبط بعض القوانين والحقائق منها.


والحمد لله رب العالمين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
أسلوب التقرير، إذا قلت:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
( سورة محمد: 19 )
أي لا مسير لهذا الكون إلا الله، لا معطي إلا الله، لا مانع إلا الله، لا رافع إلا الله، لا خافض إلا الله، لا معز إلا الله، لا مذل إلا الله، هذا معنى التوحيد، ربنا عز وجل قال في آيات كثيرة.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
( سورة الأنبياء: 25 )
وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
ولكن كلمة لا إله إلا الله، كلمة التوحيد في قصة يوسف تأتي بأسلوب آخر، تأتي على شكل قصة، أخوة يوسف أقوياء، أشداء، اجتمعوا، اتفقوا، قرروا أن يضعوا أخاهم في غيابت الجب، هذه مشيئتهم، ولكن مشيئة الله تقتضي أن يكون هذا الطفل الصغير، الضعيف، نبياً كريماً، وعزيز مصر، يتسلم قمة المكانة الاجتماعية والسياسية.
فبدل أن يقول الله عز وجل: فاعلم أنه لا إله إلا الله، بأسلوب مباشر، عبر عن هذه الحقيقة بأسلوب آخر، عن طريق قصة لها بداية، عقدة، نهاية، شخصيات، حوادث، حبكة، تحليل، حوار، سرد، وصف، هذه أطول قصة في القرآن الكريم، إذا قرأتها كلها تشعر في كل خلية في جسمك أنه لا إله إلا الله، أحياناً لما نقرأ تعبير مباشر تقريبي، كقولك:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
هذه لعقة عسل مكثفة، أما حينما تذيب هذه اللعقة في كأس ماء وتحركه وتشربه، القصة شربة عسل، التعبير التقريري، لعقة عسل، أما التعبير التصويري الفني، شربة عسل.
لذلك الإنسان دائماً في عنده خطوط دفاع، إذا جاء الكلام التقريري المباشر خلاف قناعته يرفضه، لكن القصة تتغلغل وهو لا يشعر إلى أعماقه فتحدث قناعات جديدة، لم يكن ليقبلها لو جاءت بشكل مباشر.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
( سورة يوسف: 111 )
يعني قصة، أسلوب راقي جداً، فعال جداً، مؤثر جداً، يتغلغل في أعماق الإنسان، ويحدث قناعات جديدة لم تكن من قبل، لأنه قصة.
لذلك القصة تعد من أشد الوسائل التربوية فعاليةً، من أشدها تأثيراً، ذلك لقدرتها على التغلغل في أعماق الإنسان، ذلك لأنها تصف الإنسان وهو أقرب شيء للإنسان، تصف أخاه الإنسان في قوته، وفي ضعفه، في سموه، وفي انحطاطه، تصف المجتمع في تماسكه وتفككه، في رقيه وفي هبوطه، القصة وسيلة من وسائل الوصف والتحويل، والتصوير، والتغلغل في أعماق الإنسان، وتخطي خطوط دفاعه.
لذلك ليس عجباً ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، مثلاً: الله عز وجل حينما يذكر قصة في القرآن الكريم ما أرادها أبداً قصة، أرادها حقيقة يعبر عنها بشكل قصة، فإذا فهمت القصةَ قصةٌ للمتعة وإملاء الوقت فأنت واهم.
أحياناً ربنا عز وجل يذكر القصة ويصل منها إلى القانون، قال سيدنا يونس
﴿: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) ﴾
(سورة الأنبياء: 87)
وهو في بطن الحوت، بعد أن التقمه الحوت في ظلمات ثلاث، في ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر.
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾
القصة انتهت.
الله جل جلاله ما أرادها قصة، ما أرادها قصة وقعت ولن تقع بعد اليوم، أرادها قانوناً وقال:
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
( سورة الأنبياء: 87 )
في أي عصر، في أي مكان، أي زمان، أي مؤمن، غني، فقير، أبيض، أسود، ريفي، مدني، في عصور قديمة، في عصور حديثة، أي مؤمن.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
فيا أيها الأخوة الكرام إذا قرأتم القصة في القرآن ينبغي أن تبتعدوا عن أن تفهموها قصة، إنها حقيقة، لكن جاء التعبير عنها بشكل قصة، ما أرادها الله قصة، أرادها قانوناً.
سيدنا يوسف قال:
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾
ماذا قال بعد ذلك ؟
﴿رَأَيْتُهُمْ﴾
يجب أن يقول رأيتها، كل شيء لا يعقل يجمع جمع مؤنث سالم، أنت تقول رأيت النوافذ رأيتهم ؟ أنت باللغة العربية، الأبواب رأيتهم ؟ هي هم للعاقل، الأبواب رأيتها جيدة، المراوح رأيتها تعمل، كل جمع غير عاقل يجمع جمع مؤنث، هون.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾
معناها ليست الشمس شمساً، ولا القمر قمراً، ولا الكواكب كواكب إنها أمه، وأبوه، وأخوته.
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)﴾
فلما دخلوا على يوسف، هذا السجود ليس سجود العبادة، لكن سجود التقدير، والخضوع، هكذا قال العلماء.
إذاً ماذا فعلوا أخوة يوسف ؟ وضعوه في البئر، في غيابت الجب ليموت.
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾
( سورة يوسف: 19)
يعني: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
ما من عبد يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض، إلا جعلت من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه.
إذاً قصة سيدنا يوسف يمكن أن تقع في كل زمان، وفي كل مكان، ومع أي مؤمن، مهما كان أعدائك أقوياء، كثر، أذكياء، بيدهم مقاليد، إذا كان الله معك، معك كل شيء.
إذاً هذه القصة شربة عسل، وكلمة فاعلم أنه لا إله إلا الله، لعقة عسل.
السؤال: هل ورد في هذه القصة مغزاها ؟ الكُتاب عادةً يكتبون القصة ويدعون للقارئ أن يستنبط مغزاها، لكن ربنا عز وجل لحرصه على عباده يذكر القصة وفي الأعم الأغلب يذكر مغزاها، ورد مغزى القصة ؟ الجواب ورد، في ثنياتها، قال:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة يوسف: 21 )
أمره هو النافذ، مشيئته هي النافذة، ما شاء الله هو كان، وما لم يشاء لم يكن.
﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
( سورة فاطر: 2 )
إذا أراد الله شيئاً وقع، وإذا وقع الشيء فقد أراده الله، هذا التوحيد، على كلٍ لنا مع هذه القصة وقفات متأنية إن شاء الله في الدروس القادمة، والذي أرجوه أن نفهم القصة فهماً عميقاً، وأن نستنبط منها الحقائق، والدقائق، والمواعظ، والعبر، والقوانين، ومعالم الطريق، حتى تكون القصة قرآن، قرآن يتلى إلى يوم القيامة.
سيدنا يوسف انتقل إلى رحمة الله من آلاف السنين، وهو عند الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يستفيد أن نذكر قصته، لكن نحن وحدنا نستفيد إذا فهمنا هذه القصة فهماً عميقاً، فاليوم إطلالة عامة على القصة، لكن إن شاء الله بالدروس القادمة نعود إليها، ونستنبط بعض القوانين والحقائق منها.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة الكرام، مع الآية الخامسة من سورة يوسف عليه السلام قال تعالى:
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)﴾

[سورة يوسف]
أوَّلاً: كَثْرَةُ الظُّهور تَقْصِمُ الظُّهور، فأحْيانًا ينْشأ لدى الإنسان رَغْبة لإظْهار ما عنده ؛ بيْتَهُ وأثاثهُ وثُرَيَّات، وسُجَّاد، ومَرْكَبَته، ورِحْلاتِه وعَقْد قِران ابنِه، هذه الرَّغْبة غير مَشْروعَة لأنّ الله تعالى وصَفَ قارون، ماذا فَعَل ؟‍‍! خرَجَ على قَوْمِهِ بِزِينتِه، قال تعالى:

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)﴾

[سورة القصص]
وهناك آية أدَقُّ من ذلك، وهي قوله تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

[سورة القصص]
فالآخرة أحَدُ أثْمانِها أنَّ الذي يَطْلُبُها لا يُريدُ عُلُوًّا في الأرض، وكلّ إنسان يبْتغي العُلُوّ في الأرض إما عن طريق التَّباهي بِمَتاعِهِ، يقول الإمام علي كرَّمَ الله وَجْهه: في آخر الزَّمان؛ قيمة المرء متاعهُ فقيمتُكَ الاجْتِماعِيَّة تَسْتَمِدُّها من مساحة بيْتِك، ومِن ثمن بيتِك، ومن مَوْقِعِ بيتِك، ومِن مركبة سيارتِك، ومِن حجْم دَخْلِك، ومن أناقة بيتك أما القِيَم فهي مُنْعَدِمة، لذا كلّ إنسان حَجْمُهُ الاجْتِماعي عند الناس بِحَجْمِهِ المالي.
متى يبْحث الإنسان عن العُلُوّ في الأرض ؟ إذا أفرط بالبُعد عن الله تعالى، ومتى يبْحث عن السَّجداء المديح والسَّجداء الثَّناء ؟ ومتى يشْعر بِنَشْوةٍ إذا دُهِشَ الناس بِما عنده ؛ ماله وأناقة بيْتِه، وطعامِه ؟! هذه الأعراس التي تُقام بالفنادِق وتُكَلِّف عشرات الملايين، لماذا هي ؟ قال تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

[سورة القصص]
كلّ إنسان أكْرمهُ الله بالاتِّصال به وذاقَ طَعْم القُرْب، يسْتَغْني عن مديح الناس، وحُبِّ الظُّهور.
قال تعالى:

﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)﴾

[سورة يوسف]
لم يَقُل: رَأيْتُها، هذا لو كان الشَّمْس والقمر، فَكُلّ جمْع غير عاقل يُجْمَع جَمْع مُؤَنَّث، إنَّما قال رأيْتُهم، فالمَقْصود بالشَّمْس أبوه، وبالقَمَر أمُّه، وبالكواكب أخوته شيءٌ دقيق جدًا؛ جِبِلَّةُ النَّفْس الإنسانِيَّة فُطِرَت على صِفَةٍ هي الغَيْرَة، والغيرَة في الأساس تُوَظَّف في الحق والباطل فلو رأى إنسانٌ رجلاً مُؤْمِنًا مُتَفَوِّق في إيمانِه واسْتِقامَتِه، وعمَلِهِ ودَعْوَتِهِ إلى الله عز وجل فهناك مَن وظيفتهم الغيْرة، فالغيْرة إذا اتَّجَهَتْ إلى أعْمال الآخرة فَهِيَ مَحْمودة، تُصْبِحُ حينها غِبْطة، أما إن اتَّجَهَت إلى الدنيا تُصْبِحُ حَسَدًا فَأهْل الدِّين يغارون مِن بعْضِهم بعْضًا، ويتمنَّى الذي لا يَحْفَظ القرآن أن يحْفظَهُ، والذي لا يقوم الليل أن يقومَهُ والذي يُنْفِقُ مئَةً أن يُنْفِقَ ألْفًا، فالغَيْرة في حَقْل الدِّين مَطْلوبَة، والله عز وجل قال:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾

[سورة المطففين]
وقال تعالى:
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61)﴾

[سورة الصافات]
إلا أنّ هذه الغيرة هي المَحْمودة، والنبي عليه الصلاة والسلام سمَّاها بالمَجاز الحَسَد، قال عليه الصلاة والسلام: عن قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْد َاللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))

[ رواه البخاري ]
فهذه الجِبِلَّة هي في النَّفْس البَشَرِيَّة، وهي أنَّ الإنسان يتمنَّى أن يكون كأخيه، شيء طيِّب، لكن هذه الجِبِلَّة قد تُصْرف في الحق، وقد تُصْرَف في الباطل، ففي الحق مُنافَسَة، وفي الباطل حسَد، والحسَد يُوَلِّد المكائد والمؤامرات.
يبْدأ بِتَمَنِّي زوال النِّعْمة عن أخيه، وأن تتحوَّل إليك، هذا أوَّل مُسْتوى والمُسْتوى الأعلى يتمنَّى أن تزول عن أخيك دون أن تَصِلَ إليك والثالثة أخْطر: يتحرَّك، ويُقَدِّم شَكْوى كي يُضْبط بِمُخالفَة، فهذا يُتْبِعُ التَّمَنِّي بِعَمَل، والتَّخْطيط له وبِسُلوك وشَكْوى وتَقْرير ووِشايَة.
فهؤلاء المستويات أحلاهم مُرّ، وهؤلاء إذا رأَوْا إخوانهم في الضِّيق فَرِحوا، والثالثة هي مِن أشَدِّ أنواع الحسَد، أما إذا الإنسان غبط أخوه من أجل الآخرة ؛ حفظ القرآن، وإيمانٍ قوِي، إنسان طليق، إنشاء مَسْجد، فهذا كلُّه اسمُهُ غِبْطة وهو مَقْبول وفضيلة، وهو الذي يُحِرِّكُ الإنسان إلى مَرْضاة الله عز وجل، والغيرة في الحق فضيلة
فالآية:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

[سورة القصص]
التَّعْليل العِلمي، لمَّا الإنسان يَقْسو قلبُه من الاتِّصال بالله عز وجل وليس حولَهُ إلا ثناء الناس عليه، يَسْعى حينها إلى الظُّهور، يبْني حياته كلَّها على المظاهر ؛ إن في البيت أو في العمل أو في الإنفاق أو الولائم، فالأصل في هذا ثناء الناس عليه في ذَوْقِه وأخْلاقِه وإنفاقِه فهذا مرض خطير، والله عز وجل حينما يعْلم من العبْد هذا الاتِّجاه يُخَيِّبُ ظنَّهُ كثيرًا، يأتي الحسد فيقول لك: به عَيْنٌ
لله درُّ الحسَدِ ما أعْدَلَه بدأ بِصاحِبِهِ فَقَتَلَهُ
فلمَّا الإنسان يُحاوِل الظُّهور، وإبداء ما عنده فما عليه إلا أنْ يتحمَّل حسَدَ الحُسَّاد، فالآية فيها إشارة لطيفة:

﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)﴾

[سورة يوسف]
هناك أشْخاص يتكلَّم في المجالس عن زَوْجَتِه ! مُمْتازة خياطة وطبَّاخة وإن كان قليل المروءة قد يتكلَّم عن جمالها ! وهذا عن دَخْلِهِ وإنْفاقِه ونُزُهاتِهِ، وعن ولائِمِه، قال تعالى:

﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)﴾

[سورة يوسف]
فالاسْتِنْباط الأوَّل من هذه الآية هو: أنْ لا تُحاوِل أن تَعْلُوَ في الأرض عن طريق إظْهار ما عندَكَ، أما إذا كان هناك اتِّصال بالله عز وجل وتَجَلِّي على قلْب الإنسان، يشْعر الإنسان بِغِنى عن مديح الناس له وعن ثنائِهِم، وهذا سِرُّ الإخْلاص، فهو لا يحتاج إلى ظُهور ولا إلى عُلُوّ ولا إلى مديح، لأنَّه جاءَهُ من الله تعالى من الطمأنينة والسَّكينة ما أغْناه عن هذه المشاعِر المَرَضِيَّة.
فيا أيها الأخوة الكرام، هذه القِصَّة منا قلْتُ في دَرْسٍ سابِق فيها اسْتِنْباطان كثيرة، وفيها حوارات، ومواقف، وتَحليل، وعُقَد وحركات، وسَرْد، وكلّ شيء في القِصَّة يعْني قاعِدَة ينبغي أن نتَّخِذَها في حياتنا.
مُلَخَّص هذا الدرس ؛ كَثْرة الظُّهور تَقْصِمُ الظُّهور، قال تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(7)﴾

[سورة القصص]
والإنسان إذا رأى شيئًا جميلاً، وسيارة جميلة، ومَكْتب فَخْم، ماذا يفْعَل ؟‌ يقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((اللهم لا عَيْش إلا عيش الآخرة ))
وهذه هي السنَّة، كما أنَّه يدْعو بالبَرَكة، وفي دَرْس آخر نُتابع هذا الموضوع.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثالث


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأخوة الكرام، ففي الآية السادسة الكريمة من سورة يوسف وهي قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)﴾

(سورة يوسف)

نقِفُ في هذه الآية عند كلِمَةٍ واحِدَة ؛ ويُعَلِّمُكَ من تأويل الأحاديث، إذْ هناك مَن يَفْهم النَّص فهْمًا يُهْلِكُهُ، وهناك آخر يَفْهَمُ النَّص فهْمًا يُسْعِدُهُ فالحديث شيء، وتأويلُهُ شيء آخر، مثلاً: لو أنَّك فهِمْتَ قوله تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾

[سورة الشمس]
إذا فَهمْتَ أنَّ الله يُلْهِمُ العَبْد الفُجور، ويُجْبِرُهُ عليه فأنت هنا وَقَعْتَ في شرِّ عقيدة ؛ عقيدة الجَبْر، وعَزَوْت إلى الله تعالى كل الأخْطاء وتقول: هكذا يُحِبّ الله !! يشْرب الخمْر ويقْطع الرَّحِم، ثمَّ يقول لك: هكذا يُحِبّ الله !! إذا فَهِمْتَ هذه الآية على أنَّها جَبْر هَلَكْتَ وأهْلَكْتَ، أما إذا فَهِمْتَ هذه الآية على أنَّها الفِطْرة فالنَّفْسُ إذا فَجَرَتْ تَعْلَمُ أنَّها فَجَرَت من دون أن يُعْلِمَها أحَد، فالله ألْهَمَها أنها فَجَرَتْ ؛ الكآبَة، والشُّعور بالذَّنْب، والنَّقْص، ومُرَكَّب النَّقْص، فهذه المشاعِر الداخِلِيَّة هي دليل الفِطْرة السَّليمة، وهي أنَّ الإنسان إذا انْحَرَفَ عن مبادئ فِطْرتهِ عذَّبَتْهُ، فشَتَّان بين أن تَفْهَمَ الآية على أنّ الله تعالى أجْبَرَكَ على الفُجور، وبين أنّ الله تعالى فَطَرَكَ فِطْرَةً عالِيَة ؛ إذا فَجَرَتْ تتألم، فالله تعالى خلقك ومنَحَك، وخيَّرَك، وفَضْلاً عن كلّ ذلك فطرَكَ فِطْرَةً عالِيَة، بِحَيث لو أنَّك انْحَرَفْتَ عن مبادئ الحق عذَّبَتْكَ فِطْرتك، فالنَّص شيء، وتأويلُهُ شيء آخر.
مثلاً آخرَ، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(8)﴾

(سورة فاطر)

يقول لك: أضَلَّهُ الله ! بِحَسَبِ الظاهر أنَّ الله تعالى هو المُضِلّ، فالله خلقَ الكَوْن لِيَهْدِيَنا إليه فَكَيْفَ يُضِلُّنا عن ذاتِه ؛ مُسْتحيل وهذا لا يَقْبَلُهُ العَقْل، لكن هذه الآية تَفْسيرُها أنّهُ إذا عُزِيّ الإضْلال إلى الله عز وجل فَهُوَ الإضْلال الجزائي المَبْنب على إضْلال اخْتِياري ! قال تعالى:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5)﴾

[سورة الصف]
فلو أنَّ طالبًا كان مُنْتَسِبًا إلى الجامعَة، ولم يُقَدِّم الفحْص وما داوَمَ فأنْذَروه أوَّل مرَّة وثاني مرَّة وثالث مرَّة، حينها صدر قرارٌ فيه على ترقيم قَيْدِهِ، وإلغاء اسمه من الجامعة، هذا القَرار تَجْسيدٌ لِرَغْبَةِ الطالب، وعلى هذا إذا عُزِيَ الإضْلال إلى الله عز وجل فهذا الإضْلال الجزائي المَبْني على ضلال اخْتِياري، لذا لو اعْتَقَدْت أنَّ الضلال من الله تعالى، فقد وَقَعْتَ في شرِّ عقيدة، وهي عقيدة سوء الظنّ بالله عز وجل.
مَثَلٌ ثالث، قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(31)﴾

[سورة الرعد]
ظاهِر الآية يُشْكِل علينا، ولكِنَّ المَعْنى ليس كذلك، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يُلْغِيَ اخْتِيارَكم وتَكْليفَكم، والأمانةَ التي حَمَلْتُموها وطبيعة العلاقة التي بينكم وبينه، وأراد أن يُجْبِرَكم على شيء ما لأجْبَرَكم على الهُدى، لو شاء الله أن يُلْغِيَ اخْتِيارَكم لأجْبرَكُم على الهُدى، فلو أراد مثلاً رئيس الجامِعَة أن يُنْجِحَ الطلاب لكانت القَضِيَّة سَهْلَةً جدًا، يُوَزِّع أسئلة مع الأجْوِبَة، وما للطالب إلا أن يكْتب اسْمهُ ! فهل لِهذا الهُدى قيمة ؟! هذا هُدى الإجْبار، الله تعالى شاء لك أن تَسْعَد في جنَّته إلى أبَدِ الآبِدين، لذلك أعْطاكَ حُرِيَّة الاخْتِيار، ومنَحَكَ الشَّهوات لِتَرْقى بها صابِرًا أو شاكِرًا إلى ربّ الأرض والسماوات.
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾

(سورة السجدة)

شيء عظيم جدًا أن يُعَلِّمَكَ الله تعالى تأويل الأحاديث، فالمؤمن ولو سرق وزنى يدْخل الجنَّة، لأنّ الإسلام يَجُبّ ما قبلهُ.
لذا أيها الأخوة الكرام، يُمْكِن أن تَفْهَمَ نَصًّا يُتْلِفُكَ، أحَدُهم قرأ شفاعتي لأهْل الكبائر من أُمَّتي، فأصْبح يقول: بادِر إلى الكبائر مِن أجل أن تنال شفاعة النبي عليه الصَّلاة والسلام.
وذكر البخاري في صحيحه:

((عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ ))

[ رواه مسلم ]
فهل المعنى أن نُذْنِبَ ؟! الإنسان إذا أذْنَبَ ولم يشْعُر بِشَيْءٍ، فهذا ميِّت لذا مَعْنى لولا تُذْنِبون أي لو لم تَشْعُروا بِذُنوبِكم، اِغتاب وافْترى ونمَّم ثمّ نام وهو مُرْتاح، فَعَلامةُ الإيمان أن يرى المؤمن الذَّنْب كالجَبَل وعلامة النِّفاق يرى الذَّنْب كَذُبابَة !
أخْطَر شيء أن تَفْهَمَ النَّص لِوَحْدِك، ومِن دون مُعَلِّم، وفهْمًا على هواك، يقول لك: قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130)﴾

[سورة آل عمران]
فأنا آكُل الرِّبا خمْسة بالمائة !! عُلماء الأصول قالوا: هذا قَيْد وَصْفي وليس احْتِرازي، أي لا تأكُلوا الرِّبا الذي مِن خصائصِه أنَّهُ أضْعافًا مُضاعَفَة.
وقال تعالى:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ(33)﴾

[سورة النور]

طيِّب إن لم يُرِدْنَ تَحَصُّنًا، فَهَل تُكْرِهُهَا على البِغاء ؟‍ النُّصوص القرآنِيَّة لِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى جَعَلَها في مُعْظَمِها قَطْعِيَّة الدَّلالة وجعل بعْضَها ظَنِيَّة الدَّلالة، فلو قُلْتَ لِواحِدٍ: اعْطِني ألف دِرْهَمٍ ونصْفه ! على ما تعود الهاء ؟! على الدِّرْهم أم على الألف ؟! فلو قال لك: على الدِّرْهم هنا تكون قد امْتَحَنْتَ بُخْلَهُ وكَرَمَهُ دون أن يشْعُر لأنَّكَ جئْتَ بِصيغَةٍ ظَنِيَّة.
فالله تعالى يَمْتَحِنُنَا، ويأتي بِنَصّ ظَنِيّ الدَّلالة، وكُلّ إنسان يُدْلي بِدَلْوِهِ فإذا الواحِد كان مُنْحَرِفًا فَهِمَ النَّص مُنْحَرِفًا، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)﴾

[سورة آل عمران]
درْسُا اليوم تأويل النُّصوص، فالواحِد لا حقَّ له إن كان النَّص في ظاهِرِهِ يَبْدو خِلاف المألوف والمَعْقول، وخِلاف رحْمة الله تعالى وعدالَتِهِ وحِرْصِهِ على هُدانا، يتوجَّب عليك أن تسأل أهْل الذِّكْر إن كنتم لا تعْلمون، من قبل أن يخْلُقَكَ الله كتَبَ عليك ما سَتَفْعَلُهُ شئْتَ أم أبَيْتَ ؟!!! فالله تعالى ما قال هذا ؛ قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ(12)﴾

[سورة يس]
كلامٌ جميل جدًا ؛ نَكْتنُب فِعْل مُضارِع، فَبَعْدَ أن فَعَلْتَ الشيء وأصْرَرْتَ عليه، ولا اسْتَغْفَرْتَ ولا نَدِمْتَ، حينها يُسَجَّل عليك فالتَّسْجيل بعد الفِعْل، وليس قبل أن تُخْلَق، عقيدة الجبْر عقيدة فاسِدَة قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)﴾

[سورة الأنعام]
هذه عقيدة الشِّرْك.
فَدَرسُنا اليوم كما قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)﴾

[سورة يوسف]
فالأحاديث شيء، وتأويلُها شيء آخر، وكُلٌّ على حسب ظنِّه ومَعْرِفَتِهِ بالله تعالى، فلو أنَّ أخًا أحْضر لِهذا المَسْجِد كلّ شيء، ثمَّ مدَّ يدَهُ إلى أحد الألبِسَة الموضوعة وأخذ عَشْر لَيْرات، هل تَقول سرَّاق ؟ لقد أنْفقَ مائة ألف، فهل يُعْقَل أن يَذُلّ نفْسَهُ على عَشْر ليْرات ؟ فالإنسان يُؤَوِّل بِحَسَب حُسْن ظَنِّهِ، لذا مَن عرف الله تعالى أوَّل الآيات بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بالله تعالى، ولا تَقُل كان النبي عليه الصلاة والسلام ماشي بالطريق ورأى بابًا نَفْتوحًا، وفيه امْرأة تَغْتَسِل عارِيَةً، وجميلة جدًا، فلَفَتَتْ نظَرَهُ، فقال: سبحان الله ! فطلَّقَها الله من زوْجِهَا وأخَذَها مُحَمَّد !!! هذه ليس أخلاق نُبُوَّة، هذه أخلاق أشْخاص يتعلَّقون بالنِّساء، وهذه القِصَّة باطلة ولا أساس لها، وهي من فِعْل الزَّنادِقَة، فأنت إذا عرَفْتَ مقام النُبُوَّة كان لك أن تُفَسِّر الأحاديث،فتأويل الأحاديث تَسْبِقُهُ مَعْرِفَةٌ بالله ورسولهِ، وحقيقة الإيمان.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزءالرابع





أيها الأخوة الكرام، لازِلْنا في الآية السادسة الكريمة من سورة يوسف وهي قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)﴾

[سورة يوسف]
مرْكز الثِّقل قوله: ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عليك، فلا شكَّ أنَّنا جميعًا مُتَمَتِّعون بِنِعْمَةِ الوُجود، وهي نِعْمَةٌ كُبْرى، قال تعالى:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾

[سورة الإنسان]
فأنت الآن مَوْجود، فإذا كان هذا الوُجود مِن أجْل أن تَسْعَد بالقُرْب من الله عز وجل فالشَّرْط الأوَّل مُحَقَّق، وهو أنَّك مَوْجود، فلو أنَّ الله تعالى خَلَقَ الخلائِقَ لِيُسْعِدَهم، فإذا لم تَكُن مَوْجودًا لم تتحقَّق فيك هذه النِّعْمة، لذا أوَّل نِعْمة هي الإيجاد.
هناك نِعْمة أخْرى، وهي نِعْمَة الإمْداد، فَهُناك هواء تسْتنْشِقُه ؛ إذْ هناك مُدُنٌ مِن شِدَّة التَّلوُّث لا تسْتطيع أن تسْتنشِق، ففي بعض البلاد يأخذون عَشَرات الألوف بِسَبَب الاخْتِناق.
وهناك ماءٌ تَشْرَبُهُ، وبيْتٌ تأوي إليه، وهناك عَمَل ترْتَزِقُ منه، هذه كُلُّها نِعَم، لكنَّ هذه النِّعَم المؤمن وغير المؤمن فيها سواء، إلا أنّ - هنا الدرْس - تمام النِّعْمةِ الهُدى، فَمَهْما غَرِقْتَ في نِعَمٍ كثيرة، فَهذه نِعَم، ولكنَّها لا تَتمُّ إلا بِمَعْرِفَة الله عز وجل، لذلك درْسُنا اليوم، قال علماء التَّفْسير بالحَرْف الواحِد: تمام النَّعْمة هُدى، فالإنسان إذا لم يهْتدِ إلى الله تعالى، هذه النِّعَم التي بين يَدَيْه نِعَمٌ زائِلَة، وتنْقطِعُ بالموت، وعند الموت كُلّ هذه النِّعَم تنْقطِع، لكِنَّ النِّعْمة التي تُتَمِّمُ هذه النِّعَم ؛ وهي نِعْمةُ الهُدى، لن تَعْرِفَ قيمتها إلا بعد الموت، يجب أن ترى في الدنيا الآن ؛ مؤمنٌ فقير، وكافِر غَنِيّ، ومؤمن ضعيف، وكافر قوِيّ ومؤمن مريض وكافر صحيح، ومؤمن مُسْتَضْعَف، وكافر مُتَكَبِّر لكِنَّكَ لا تعرِف نِعْمة الهُدى حتَّى تنتهي هذه الحياة ويُفْرَزُ الناس لا بِحَسَبِ أموالهم ولا بِحَسب قُوَّتِهم، بل بِحَسَبِ معْرِفَتِهم بالله، وأعمالهم الصالحَة، لذلك أرَدْتُ أن أقِفَ عند هذه الكلمة في هذه الآية: ويُتِمَّ نعْمته عليك ؛ لأنَّ الله عز وجل أنْعَمَ على كُلِّ المَخْلوقات، وأعْطى المال لِمَن لا يُحِبّ ؛ أعْطاه لِقارون قال تعالى:
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

[سورة القصص]
وأعْطى السُّلْطة لِمَن لا يُحِبّ، فقد أعطاها لِفِرْعَون، وألم يقل فرعون: أليس لي مُلك مصْر ؟!! ألم يقل: أنا ربُّكم الأعلى ! لكِنَّه تعالى أعْطى المُلْك لِفِرْعَون، وأعْطى المُلْك لِسُلَيْمان، فالمُلْكُ يُعْطيهِ لِمَن يُحِبَ، ولِمَن لا يُحِبّ، فالمُلْك لا يُعَدُّ مِقْياسًا.
كُلٌّ مِنَّا يسْتنْشِقُ الهواء ؛ الكافر والمؤمن، فهل اسْتِنْشاق الهواء علامة الإيمان ؟ لا، وهل هي عَلامة كُفْر ؟ لا، كلّ هذا لا علاقة له فالقاسِم المُشْترك بين المؤمن والكافر يُنَحَّى على أن يكون مِقْياسًا.
سمِعَ سيِّدُنا عوف عائشة رضي الله عنهما تقول: أخْشى أن يدْخل الجنَّة حَبْوًا، فقال والله لأدْخُلَنَّها خببًا ‍‍!! أي هَرْوَلَةً، وقال: وما عليَّ إذا كنتُ أنْفِقُ مائة في الصَّباح فَيُؤْتيني الله ألْفًا في المساء، أحد الصَّحابة الأنصار عرضَ على سَيِّدنا ابن عوف: نصف مالهِ، ونصف بساتينِهِ، ونصف حواتينه، فقال: لا يا أخي، بارَكَ الله بِمَالِك ولكن دُلَّني على السُّوق فما رأيْنا ناسًا أتْقِياء كالأنصار، وما رأيْنا ناسًا أعِفَّة كالمُهاجِرين ولم يرْوِ التاريخ أنَّ مُهاجِرًا أخَذَ مِن أنْصارِيٍّ، وكان السَّخاء من الأنصار كثيرًا.
فَتَمامُ النِّعْمة الهُدى، والله تعالى أعْطانا نِعْمة الوُجود، وأعْطانا نِعْمة الإمْداد، فما دام هناك طعام وشراب ومأوى، وزَوْجة تأْوي إليها فهذه نِعَمٌ إلا أنَّها تنتهي عند الموت، وكما قلنا المُلْك والمال ليْسا مِقياسَيْن ولكن الذي أحبَّهُ الله تعالى ماذا أعْطاهُ ؟ قال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

[سورة القصص]
الحِكْمة في التَّصْريف، والحِكْمة أن تقول الشيء المناسب في الوقت المناسب في المكان المناسب، ومع الرَّجُل المناسب، والحِكْمة أن تُعْطِيَ الشيء المناسب للرَّجُل المناسب بِالقَدْر المناسب في الوَقت المناسب، والحِكْمة أن تغْضَبَ الغَضَب المناسب في الوقْت المناسب مع الرَّجُل المناسب، فالحِكْمة أكبر عطاء تناله من الله عز وجل والدليل قوله تعالى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)﴾

[سورة البقرة]
أعْظمُ عطاء من الله تعالى، إلا أنَّ العِلْمَ والحِكْمة هما خاصَّان لِمَن يُحِبّهُ الله تعالى، فالذي لا يُحِبُّه يُعْطيه الجَهْل والحُمْق، والدليل قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1)﴾

[ سورة محمد ]
لا بدّأن يرتكب حماقَةً وشيئًا غير مَعْقول، وإذا أراد ربُّكَ إنْفاذ أمْرٍ أخذَ مِن كُلِّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ، فارْتِكاب الحماقات مِن لوازِمِ الكُفْر، والدعاء الشريف: اللهم اجْعل تدبيرهم في تدميرهم، يَعْقِدون المؤْتَمَرات مِن أجْل إفْساد الشُّعوب، ولازِم لِشُعوب العالم الثالث بعدما ألجئوها للفَقْر المرّ، يُلَوِّحون لها بالمُساعدات السَّخِيَّة كلّ هذا مِن أجل أن تُصْدِر هذا الشُّعوب قوانين تُبيحُ الزِّنا واللِّواط والسِّحاق وتَجْعل العلاقات الجنْسِيَّة خارِج الأُسْرة، وما على الأب إلا أن يرْعى أولاده المُراهقين مارسوا الجِنس، ويُقَدِّم لهم التَّسْهيلات، ماذا حصَل ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾

[ سورة الأنفال ]
لا توجد شَهْوة أوْدَعَها الله في الإنسان إلا رسَمَ لها قناةً نظيفة، أما الانْحِراف مِن صِفات الجَهَلَة.
أيها الأخوة، أنا أرَدْتُ أن أقِفَ عند كلمة واحِدَة، وليتم نعمته عليك فلا تظننَّ أبدًا أنَّك في نِعْمة إن لم تكُن مُهْتَدِيًا إلى الله عز وجل، نِعْمة المال والصِّحة والملك والزَّوْجة والبيت الواسع المُزَيَّن والمُزَخْرف ؛ كُلُّ هذه تنتهي بالموت، فلا تبْقى إلا نِعْمة الهُدى، لذلك احْفظ هذه العِبارة: تمام النِّعْمة الهُدى، ولم تكون في نِعْمةٍ عُظْمى إلا إذا كنتَ مُهْتَدِيًا إلى الله عز وجل، لذلك كما قال تعالى :

﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)﴾

[ سورة يوسف ]
فالنِّعْمة أن تعرِفَ الله، وأن تعْبُدَهُ وتُؤَدِّيَ حقَّهُ، وأن تكون في خِدْمة الخَلْق، وان يكون لِسانُكَ رطْبًا من ذِكْر الله تعالى، وأن يكون مُتَّصِلاً بالله.
قال الإمام عليّ رضي الله عنه: النِّعَمُ ثلاثة ؛ نِعْمَةُ الصِّحة، ونِعْمَةُ الكِفايَة، ونِعْمةُ الهُدى، فلا معْنى لِنِعْمة الكِفاية من دون صِحَّة، ولا معنى لِنِعْمة الصحَّة من دون هُدى، فأوَّل نِعْمة الهُدى ويليها الصِّحة وتليها الكِفايَة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ))

[ رواه مسلم ]
فَمَن قال لك: ليس لي فائض على ما أعيش به فهذا مَحبوب فقد دعى له النبي عليه الصلاة والسلام، وأنت خُذْ من الدنيا ما شئت، وخُذ بِقَدَرِها همًّا، ومن أخَذَ من الدنيا فوق ما يَكْفيه أخذَ مِن حَتْفِهِ وهو لا يشْعُر.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الخامس




أيها الأخوة الكرام، فقِصَّة يوسف عليه السلام هي أطْوَلُ قِصَّةٍ في القرآن الكريم، وقد ذَكَرْتُ لكم قبل دَرْسَيْن أنَّ القِصَّة حقيقةٌ تُعْرَضُ بشَكْل حوادِث وتَحليل وحِوار وبِدايَة وعُقْبى ونِهايَة، وكُلّ قِصَّةٍ أبْرَزُ ما فيها المَغْزى، فمن قرأ قِصَّةً ولم يضَع يدَهُ على مَغْزاها فكأنَّما لم يقرأ قِصَّة، أو أنَّ هذا الذي قرأهُ ليس قِصَّةً، إنَّها قِصَّة وفيها مَغْزى.
أيها الأخوة، دَقِّقوا في المَغْزى، يقول الله عز وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ (9) ﴾
[ سورة يوسف ]
عبْدي أنت تُريد وأنا أُريد، ماذا أراد أخوة يوسف ؟ أن يَخْلو لهم وَجْهُ أبيهم، وأن يتخلَّصوا من يوسف إما بالقَتْل أو بِوَضْعِهِ بِغَيابَةِ الجُبِّ ؛ هذه مشيئة أخوته لكنَّ الله سبحانه وتعالى شاء له أن يكون عزيز مِصْر، فالعِبْرَة لا بِمَشيئَتِك، ولا بِمَشيئَةِ خُصومِك، ولكنَّها بِمَشيئَةِ الله عز وجل، لذا عبْدي أنت تُريد وأنا أُريد، فإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُكَ ما تُريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أُريد أتْعَبْتُكَ فيما تُريد ثمّ لا يكون إلا ما أُريد.
أخوته أقْوِياء، وأشِدَّاء، وأرادوا به كَيْدًا، وأرادوا أن يَقْتُلوه وأن يَجْعَلوهُ في غيابات الجبّ، ماذا أراد الله له ؟‍
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)﴾
العلماء قالوا: نَفْيُ الشيء أحَدُ فُروعِ تَصَوُّرِهِ، أحْيانًا تُكَلِّف إنسانًا بِكذا، فيقول لك: هذا ثمنُهُ، وهذا الباقي، وأنا لم آخُذْ شيْئًا ‍‍!! فلمَّا نفى عن نفْسِهِ أنَّهُ أخَذَ شيئًا فهذا يَدْعو للشَّك لذا نَفْيُ الشيء أحَدُ فُروعِ تَصَوُّرِهِ فالكاذب دائِمًا يكاد أن يقول: أنا كاذب، ولا يشْعُر من تفلّت لِسانِ ولهذا كان سيِّدُنا يَعْقوب على مُسْتوى من الفطانة كما قال تعالى:

﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)﴾
[ سورة يوسف ]
الصَّبْر الجميل هو الصَّبْر الذي معه رِضا، وإذا أحبَّ الله عبْدَهُ ابْتَلاه فإن صَبَر اجْتباه، فإنْ شكر اِقْتناه فالبُطولة كما يقول سيدُنا علي كرَّم الله وَجْهه: الرِّضا بِمَكْروه القضاء أرْفَعُ درجات اليقين، فلا يوجد إنسان يمْتحِنُ السيارة بالنَّزْلة، لأنَّ كلّ السيارات تنزل بالهبوط، ولكن بالطَّلْعة، أسرع نوع مع أرقى مُحَرِّك ودرَّاجة ؛ كلّ هذه بالنَّزْلة تمْشي ‍‍! فالمرْكَبَة تُمْتَحَنُ في الصُّعود، وكذا الإنسان بالرَّخاء لا يُمْتَحَنُ أما حينما يأتي قضاءٌ إلهي بِخِلاف المُراد، هنا يُمْتَحَنُ المؤمن لذلك قالوا: المصائب مِحَكُّ الرِّجال، قال تعالى:

﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)﴾
[ سورة يوسف ]
والله عز وجل قال:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[ سورة النحل ]
فأنت بالله تعالى تَصْبر ولكن بِقُوَّتِك الذاتِيَّة لا تسْتطيع الصَّبْر، والإنسان ضعيف، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾
[ سورة المعارج ]
فالإنسان بِقِواه الذاتنِيَّة لا يستطيع الصبْر والصُّمود، أما أن تصْبر لله تعالى فهنا يُمْكِنُك المُقاوَمَة.
قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10)﴾
[ سورة المزمل ]
فلو أنَّكَ تتبَّعْتَ آيات الصَّبْر لوَجَدْتَ شيئًا دقيقًا جدًا، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(49)﴾
[ سورة هود ]
وقال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾
[سورة غافر ]
فسيِّدُنا يعقوب قال:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) ﴾
[ سورة يوسف ]
أيها الأخوة الكرام، كل إنسان امْتَحَنَهُ الله تعالى بِمُصيبة، متى الصَّبْر؟ عند الصَّدْمة الأولى، وهي حين تلقِّي النَّبأ، فالمؤمن حينها يقول: الحمد لله، وهذا مُراد الله تعالى، ويقول: أنا راضٍ، اِجْعل كلامك قُدْوةً للنبي عليه الصلاة السلام ؛ قال:
((إن لم يكن بك غضب فلا أُبالي، ولك العُتبى حتَّى ترْضى، ولكنَّ عافِيَتَك أوْسعُ لي))
إذا كنت عنَّا راضيًا فهُوَ قصْدُنا
فلَيْتَكَ تَحْلو والحياة مريرةٌ وليْتَكَ ترْضى والأنام غِضاب
وليت الذي بينك وبيني عامِرٌ وبيني وبين العالمين خراب
إذا صحَّ منك الوَصل فالكُلّ هيِّن وكل الذي فوق التراب تراب
***
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) ﴾
[ سورة يوسف ]
اُنْظر إلى فعْل الله عز وجل ؛ من الذي ساق هذه السيارة ؛ وهي القافلة وضَعه أخوته بالجبّ، والخطر بالمائة تسعين، ولولا هذه السيارة جاءَت لمات، قال تعالى

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)﴾
[ سورة يوسف ]
أي اشْتَرَوْهُ بِأرْخَص الأثمان دراهم مَعْدودة، ثمَّ قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾
[ سورة يوسف ]
الآن جاء المَغْزى، والقِصَّة كُلُّها من أجل هذه الكلمات:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) ﴾
[ سورة يوسف ]
فالآن مثلاً كلّ الناس يقولون: فلان قوِيّ، والدَّوْلة الفُلانِيَّة قَوِيَّة ؛ كلّ هذا كلامٌُ لا قيمة له ! قَلْعة من قلاع العالم الشرقي لا يظنّ أحدٌ أن تنْهار ولا بِخَمْس مائة عام، تداعَتْ كَبَيْتِ العَنْكَبوت، باخرة من أعظم البواخر في العالم، وقيل عنها إنَّ القَدَر لا يستطيع أن يُغْرِقَها في أوَّل رِحْلة غَرِقَتْ، وأرْسَلوا مرْكَبَة فضائِيَّة وبعد سبعين ثانية من انْطِلاقِها أصْبَحَت كُتْلَةً من اللَّهَب، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾
[ سورة يوسف ]
يقولون لك: هناك تَسَحُّر، تأتي أمْطار تُخَوِّف، ودِمَشق صُنِّفَت مع الدُّول التي انْتَقَلت خُطوط أمْطارِها، لا يوجد اليأس مع الله تعالى، والأمْر بِيَدِهِ تعالى، وكُل إنسانٍ بيأس يكون ضَعيف الإيمان بالله تعالى، وهو نَوْعٌُ من أنواع الكُفْر.
فهذا هو المَغْزى ؛ قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾
(سورة يوسف )
لا ترى قُوَّة عُظْمة ولا صُغْرى، ولا مرَض ؛ كُلّ هذا بِيَدِ الله عز وجل جفاف السَّماء بِيَد الله عز وجل، وكذا الأمطار، أنت فقط كُنْ مع الله تعالى، ولا تُبالي، قال تعالى:
﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾
[ سورة الجن ]
فالله عز وجل رحْمَةً بنا ذَكَر صراحَةً مَغْزى القِصَّة، وقال:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) ﴾
[ سورة يوسف ]
فالآن الإنسان يُخَطِّط ويقول لك: الصُّهْيونِيَّة العالميَّة مثلاً، ما هذه الصُّهْيونِيَّة ؟ هل هي آلِهَة؟! نحن إلهنا مَوْجود، وما عليك إلا أن تسْتقيم على أمْرِهِ وتفاءَل، أما هناك أفْكار تَدْعو لليأس، وهي: لن تقوم لنا قائِمَة، مَن قال لك هذا ؟ هذا كلامُ الكُفْر، اليأس والشِّرْك والقنوط، فاله تعالى لم يُسَلِّمْكَ لأحَدٍ، وأمْرُكَ إليه كلُّه، قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
[ سورة هود ]
هل يوجد أكثر من سيِّدنا يوسف ؟ وضَعوه بالبئر لِيَموت لكنَّ الله تعالى جعَلَهُ عزيز مِصْر، لذلك مَن كان في قصْر العزيز بعضهم رأى يوسف عبْدًا ؟، ثمَّ رآهُ عزيز مصْر !! فقالت امرأةٌ: سبحان مَن جعَلَ العبيد مُلوكًا بِطاعَتِه، وجعل الملوك عبيدًا بِمَعْصِيَّتِه ! فالله عز وجل يُمْكِن أن يجْعَلَ من العَبْد ملِكًا، ومِن المَلِكِ عَبْدًا، والأمْر بِيَد الله عز وجل.
فهذه القِصَّة مَغْزاها العميق ؛ مهما كان خَصْمُكَ قَوِيًّا، ومهما كان مُحْكِمًا قبْضتَهُ عليك، وكان ذَكِيًّا، وعريض الجاه، وأنت ليس معك أحدٌ، اِقْرأ هذه الآية:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) ﴾
[ سورة يوسف ]
والأمور تسير بعد حين كما قال تعالى:

﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾
[ سورة يوسف ]
تجد إنسان ضعيف ؛ لا بيْتَ له ولا حائِط، ولا دَخْل، ولكِنَّهُ مُستقيم فَيَشَاءُ الله تعالى أن يُعْطِيَهُ مِن عِزِّ الدنيا، وعِزِّ الآخرة، فإذا به شخصِيَّة مرْموقة بالمُجْتمع، فأنت كُن مع الله، والاسْتِقامة عَيْنُ الكرامة، فسيِّدُنا يوسف كان مع الله تعالى إلا أنَّهُ كان ضعيفًا وكان أخوته أقْوِياء فأرادوا أن يَقْتُلوه ويَخْلُوَ لهم وَجْهُ أبيهم فما الذي كان ؟ كان الأب والأم والأخوة عند يوسف وهو عزيز مِصْر ولذلك طريق الطاعة طريق النَّصْر والعِزّ والرُّقَي، والفلاح كُلُّ الفلاح، والنَّجاح كل النَّجاح، والذَّكاء كل الذَّكاء، والفَوْز كل الفَوْز في طاعة الله تعالى، قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾
[ سورة الحجرات ]
إنِّي و الإنس والجنّ في نبإٍ عظيم، أخلُق ويُعْبَدُ غيري، وأرزُق ويُشْكر سِواي، خيري إلى العباد نازل، وشرُّهم إليَّ صاعِد، أتَحَبُّب إليهم بِنِعَمي وأنا الغنيّ عنهم، ويتبغَّضون إليّ بالمعاصي وهم أفْقر شيءٍ إليّ، مَن أقْبَلَ إليَّ منهم تلقَّيْتُهُ من بعيد، ومَن أعْرض عنِّي منهم ناد‌يْتُهُ مِن قريب أهْل ذِكْري أهْل مودَّتي، أهْلُ شُكْري أهْل زِيادتي، أهْل مَعْصِيَتي لا أُقنِّطُهم مِن رحْمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبُهم أبْتليهم بالمصائب لأطَهِّرَهم من الذُّنوب والمعايِب، الحسنة عندي بعشْرة أمْثالها وأزيد، والسيِّئة بِمِثْلها وأعْفوا، وأنا أرأفُ بِعَبدي من الأمِّ بِوَلَدِها مُلَخَّص الدرس ؛ أنت تريد وأنا أريد، والله يفعل ما يريد، والله غالب على أمْرِه ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون، ونحن أساسًا لو سَمِعْنا أخْبار العالم نتفاجأ بِمُفاجآت لا تُصَدَّق ‍، نُفاجأ بِقِوى كبيرة انْهارَت ؛ هذه مِن آيات الله، وأنت كُلّ قوتك من الله، وكلّ تَوْفيقك من الله، فإذا قلتَ: أنا فوجِئْتَ، وإذا قلتَ: الله أكرمَكَ.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السادس



أيها الأخوة الكرام، ففي قوله تعالى الآية الواحدة والعشرين من سورة يوسف عليه السلام:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
العِلْمُ مَعْروف ؛ وهو أن تَكْشِفَ العلاقة القَطْعِيَّة بين ظاهِرَتَيْن، وأن تَقْطَعَ بين هذه العلاقة، وأن تُطابِقَ الواقِع، وأن يكون عليها دليل وهذا هو العِلْم.
فلو داخل الشكّ أصْبحَت وَهْمًا، أو شكًّا أو ظنَّا، فالوَهْم ثلاثون بالمائة والشَّك خمسون بالمائة، أما الظنّ سبعون بالمائة، أما العلاقة مَقْطوع بِصِحَّتِها أي مائة بالمائة، وهذه اسمُها اليقينِيَّات، قال تعالى:
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾

[ سورة التكاثر ]

فالجَهَلة والعوام دائِمًا يتعاملون بالأوْهام وبالخُرافات، وبالدَّجَل، وبِكُلِّ شيءٍ بعيد عن الواقِع، وعلامة العِلْم مُطابَقَتُهُ للواقِع، وهذه مِن تعاريفِهِ الموجَزَة ؛ وَصْفٌ مُطابِقٌ للواقِع ومعه الدليل، فإذا خلى العِلْم من الدليل أصْبَحَ تَقْليدًا، والتَّقْليد غير مَقْبول في الدِّين، فلو قُبِلَ التَّقْليد في الدِّين لكانتْ كُلّ الفِرَق الضالَّة عند الله مَقْبولة لأنَّها قلَّدَتْ مَن دعاها إلى الله تعالى بِهذه الطريقة ‍! فالأتْباع ما ذَنْبُهُم ؟ دُعُوا إلى هذه الطريقَة فصَدَّقوا !! أما العِلْم ؛ الوَصْفُ المُطابِقُ للواقِع مع الدليل، وإذا خلى العِلْم من مُطابَقَتِهِ للواقِع كان جَهْلاً ويا أيها الأخوة، هناك مَن يتوهَّم أنَّ الجَهْل هو مَن لا يعْلَم ! الجاهل مَن بِحَوْزَتِهِ مَعْلومات ولكنَّها غلَط، فهؤلاء يقولون: الاخْتِلاط يُهَذِّب النُّفوس، والإسْراف في الشَّهْوَة يُعَدِّلُها !!

فلا تَروا بالمعاصي كَسْر شَهْوَتِها إنَّ الطعام يُقَوِّي شَهْوَن النَّهِم
***

واسْتِثْمار المال بِطَريقَة ربَوِيَّة تُنَمِّيه ! فالجاهل هو الذي اعْتَقَد بِمُعْتَقَدات يرفُضها الواقِع، أما الذي لا يَعْلم هو الأمِيّ.
فأصْبَحَ العِلْم علاقة بين مُتَغَيِّرَيْن ؛ مَقْطوعٌ بِصِحَّتِها، فلا مجال أن تقول: لعلَّ، أو بالمائة تسعين..قال تعالى:

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾

[ سورة التكاثر ]
وقال تعالى:
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)﴾

[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ(15)﴾

[ سورة الحجرات ]
لذا يجب أن تتعامَل مع اليقينِيَّات، هذه أوَّل نُقْطة.
النُّقْطة الثانية ؛ أن تكون مع الأدِلَّة، وإنَّما الطاعة في مَعْروف، فلا تقْبل شيئًا من دون دليل، ولا ترفض شيئًا من دون دليل، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا أرسل سَرِيَّةً وأمَّر عليها أنْصارِيًّا ذا دُعابَة وأمر بإبرام نارٍ وقال: اقْتَحِموها، فقال أصحاب النبي: كيف نَقْتَحِمُها وقد آمَنَّا بالله فرارًا منها ؟! قال بعضهم: بل نَقْتَحِمُها لأنَّ طاعة الأمير هي طاعة رسول الله ! فاخْتَلفوا، فعَرَضوا أمْرهم على النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقال:
((والله لو اقْتَحَمْتُموها لازِلْتُم فيها، إنَّما الطاعة في مَعْروف ! ))
فلا تَقْبَل شيئًا دون دليل، ولا ترفض شيئًا من دون دليل وهناك دليل نَقْلي، وآخر عَقْلي، وآخر واقِعي وفِطْري، فإذا اجْتَمَعت هذه الأدِلَّة كلُّها كان هذا هو الحق.
مَن هو السَّعيد ؟ الذي مَجْموع اعْتِقاداتِه وتَصَوُّراتِه مُطابقة للواقع والفِطْرة والعَقْل والنَّقْل، لذلك أعْظمُ شيءٍ يُعْطيكَهُ الله أن تكون عالِمًا لأنَّ العِلْمَ يُؤَكِّدُ إنْسانِيَّتَك، فأنت إنسان لأنَّك تَعْلَم، فإن لم تكن كذلك فأنت تُشبِه بعض المَخلوقات في الوظائف الحَيَوِيَّة وهي ليْست من بني البشر ! طعام وشراب وإفْراز ودوران ودم وعضلات وأعْصاب ونوم وعمل واسْتِمْتاع وجِماع، فهذا كُلُّه تقوم به الحيوانات، فأنتَ إنْ رَفَضْتَ العِلْمَ رَفَضْتَ إنْسانِيَّتَك ووُجودَك، لذلك رُتْبةُ العِلْم أعلى الرُّتَب قال تعالى

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
العلماء قالوا: الحُكْم هو التَّصرُّف الحكيم، وهو سُلوك، أما العِلْم فَهُوَ حقائق، فالحقائق التي في ذِهْنِكَ يُعَبَّرُ عنها بِسُلوك حكيم، فالحكيم هو الذي يقول القَوْل المناسب في الوقت المناسب مع الشَّخْص المناسب والذي يُعْطي العطاء المناسب في الوقت المناسب، مع الرجل المناسب، أعلى درَجَة تُمْنَحها أن تكون حكيمًا، فالحكيم يُغَيِّر الأمْر من السيئ إلى الأحْسن والحكيم يُجْلب المال، والأَحْمَق يُبَدِّدُهُ، والحكيم يعيشُ سعيدًا في بيتِه ويكْسب رِزْقه الحلال، والحكيم يتعرَّف إلى الله تعالى، ويَحْيى سعيدًا ويموتُ سعيدًا.
فيا أيها الأخوة، قد أعطى الله المال لِمَن لا يُحِب، قال تعالى:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

[ سورة القصص ]
فالواحِد إذا أعْطِيَ المال لم يكن هذا دليل الحب من الله، فقد يكون كذلك وقد يكون لا ! فالمال ليس دليلاً، ولا مِقْياسًا إنَّما يعْتبِرُ الدليل أنَّه تعرَّف على الله تعالى، وأعانه على طاعتِهِ، وكذا المُلْم فقد أعْطاه لِفِرْعَون، وأعْطاه لِسُلَيْمان، وكذا ذو القَرْنَيْن فَفِرْعَون قال عنه تعالى:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ(38)﴾

[ سورة القصص ]
وقال تعالى عنه:
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى(24)﴾

[ سورة النازعات ]
لكنَّ المِقْياس كما قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
لذا هنيئًا لِكُلِّ مؤمن نصيبهُ من الله كنَصيبِ الأنبياء، مِن النَّوْع نفْسِه أما بالدَّرجة فلا ؛ الأنبياء أنبياء، لكنْ أعْطاكَ شيئًا مِن العِلْم والحِكْمَة وساعة الأُفُق، وشيئًا مِن إدراك الحقائق، والبصيرة، والتَّصرُّف الحَسَن ؛ هذا مِن نِعَم الله الكُبرى، فَسَيِّدُنا يوسف امْتَنَّ عليه الله بالعِلْم والحِكمة، فما السَّبب ؟ لِمَ لمْ يُعْط غَيْرَهُ ؟ هل عطاء الله تعالى مُقَنَّن أم غير مُقَنَّن ؟ هل يُعْطي تعالى دون قواعِد ؟ الحقيقة أنَّ العطاء مُقَنَّن والدليل الآية:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
لا تظنّ المسألة تاريخ، وأنَّ هذا نبيٌّ فعل به الله تعالى هكذا ! لا، هذا قانون، هذا القرآن ليس تاريخًا إنَّه قوانين، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

[ سورة يوسف ]
كُلّ واحِد مُحْسِن نُؤتيه حُكْمًا وعِلْمًا، فالشيء إذا عرف ثمنُه انتهى، أما هناك أشياء مُسْتحيل أن تصِلَ إليها، أما هناك أشياء يُمكن أن تصِل إليها، هل يُمكن أن تحْمِل الأرض؟! وأن تصِل إلى الشَّمْس ؟:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

[ سورة القصص ]
قال تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

[ سورة الأعراف ]
إنَّ رحمة الله قريب من المحسنين، وقال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾

[ سورة السجدة ]
أكثرُ شيء أُركِّزُ عليه أنَّ الله تعالى لمَّا قصَّ هذا القصص ما أرادهُ تاريخًا، لذلك أحْيانًا تتساءَل: يا رب، لماذا تُغْفل أسماء الشَّخْصِيَّات ؟ وأسماء الأمْكِنَة ؟ والأزمان ؟ القِصص القرآنِيَّة أكثرُها مُجْمَلَة ! مَن هو ذو القرْنَيْن ؟ وبأيِّ زمان ؟ وبأيِّ مكان ؟ إذا أردْتَ أن تصِل إلى لا تفاصيل القصص والجُزئِيَّات، وإلى التواريخ والأمكِنَة والأزْمِنة، أنت بِهذا تُفْسِدُ على الله تعالى حِكْمَتَهُ، فهو تعالى ما أرادها قِصَصًا، إنَّما أرادها حقائق مُتَجَدِّدَة، فالله تعالى ما أراد ذا القَرنين أن يكون تاريخًا إنَّما نموذَجًا مُتَكَرِّرًا، فلو كُنْتَ رئيس دائرة فقد يكون هذا طريقًا إلى الجنَّة والإنصاف والعَدْل، فإيَّاك أن تتوهَّم أنّ المناصب العالِيَة تتناقض مع الدِّين، المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف لأنَّه كلَّما ازْدادَت القوَّة ازْدادَتْ دائرة الخَدَمات.
إذًا أنت إذا أردْتَ التَّفاصيل بِهذا تُفْسِدُ على الله تعالى حِكْمَتَهُ، سيِّدُنا يوسف انتقل إلى رحْمة الله، وهو في مرْتبةٍ عالِيَةٍ جدًا، لا يرْفَعُنا مدْحُنا له، ولا يخْدش من قَدْرِهِ إذا لم نفْهم ماذا فَعَل، نحن المُعَوَّلُ علينا ! يا ترى هل همَّ بها ؟ لا، ما همَّ بها، إنَّما همَّ بِدَفْعِها، هَمُّهُ غير همِّها، وهناك رأي آخر، وهو أنَّه لو لم يكن في قلبِهِ نور لَهَمَّ بها فيَجِب عليك أن تُنَزِّه الأنبياء، وأنَّ مقامهم عالٍ جدًا، وأنَّه لو همَّ بها لما كان نَبِيًّا، فالواحِد إذا بدأ أوَّل خطواتِهِ بالمَعْصِيَة سَقَط، ولو ندِمَ.
قال تعالى:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ ﴾

[ سورة يوسف ]
الإغْلاق شيء، والتَّغْليق شيء آخر، يُمْكن أن تُغلق كلّ الأبواب لكنَّ باب السَّماء مَفْتوح، الله يراك حينها خشَعَ قلبُه وابْتعد عنها.
ثمَّ قال تعالى:

﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾

[ سورة يوسف ]
أي هُيِّئْتُ لك قال تعالى:

﴿رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾

[ سورة يوسف ]
أيُّها الأخوة الكرام، هناك مَعْنى فاسِد وخطير فَبَعْضُ إخواننا الدُّعاة عن طيبِ قَصْدٍ يتداولونه، ألا وهو قوله تعالى:

﴿رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾

[ سورة يوسف ]
ربِّي أي سيِّدي، وهو زَوْجُكي، فهو الذي أحْسَن مَثْواي، فعلى هذا المعنى ما الذي منَعَهُ من الزِّنا ؟ هو إحْسانُ سيِّدِها، فلو لو لم يكن مُحْسِنًا لزنى بِها، وهو معنى فاسِد، ولكن معنى ربِّي هو الله تعالى أحْسن مَثْواي، فالمعنى الأوّل لا يُمْكن أن يُقْبَل، فالزَّوْج سواء كان مُحْسِنًا أو غير مُحْسِن لا يُمْكن أن يُقْدِم يوسف على هذا العمل الخبيث، فلذلك إنَّه ربي أي الله أحْسنَ مَثْواي فكَيْف أحْصيهِ ؟ وقد أكْرمني.
ولمَّا ربُّنا قال:
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(2)﴾

[ سورة النور ]
قدَّم الزانِيَة على الزاني لأنَّها السَّبب في الزنا ؛ لأنَّها هي المُغْرِيَة، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ))

[ رواه الترمذي ]
لذلك الخلوَة حرام، وهي مُقَدِّمات الزنا.
غير مُتَزَوِّج، والتي دَعَتْهُ إلى الزِّنا ليس من صالِحِها أن يكشف الخبَر عنها، والأمر الآخر أنَّها زوْجة ملِك، وحَتْمًا هي جميلة لأنَّ المُلوك يَنْتَقوا زوْجات جميلات، وهو غريب، والأبواب مُغَلَّقة، وهو رَيْعان شبابه، وهي ذات مَنْصِب وجمال، إلا أنَّهُ اسْتحْضر عظمة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

[ سورة يوسف ]
والإنسان يرْقى بالشَّهْوة مرَّتَين: ترْقى بها مرَّةً صابِرًا، وأخْرى شاكِرًا لا يوجد شَهْوة أوْدَعَها الله فينا ثمّ حرمنَا منها، إنَّما رسَم قناةً نظيفة لهذه الشَّهوات ؛ النِّساء بالزَّواج، والمال بالعَمَل، والعلوّ في الأرض بالعمل الصالح وخِدْمة الناس، وهناك شُهْرَة إيجابِيَّة وأُخرى سلبيَّة فهناك مَن يشْتهر بالجريمة، وهناك من يشْتهر بالعمل الصالح، وإن شاء الله تعالى نُتابع الحديث عن هذا النبي العظيم.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السابع





أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾
[ سورة يوسف ]
أوَّلاً: ما أوْدَعَ الله فينا من شَهوات، ومنها حُبُّ النِّساء ومنها حُبُّ المال، وحُبّ العُلُوّ في الأرض ؛ هذه الشَّهوات بالتّعريف الدقيق: قِوى مُحَرِّكَة، حِيادِيَّة، فإن سلَكْنا فيها المنْهَج الإلهي ارْتَفَعْنا بها إلى أعْلى عِلِيِّين، وإن لم نسْلك بها المنْهَج إلهي هبَطْنا بها إلى أسْفل السافلين، فلا أحَد يتَّهِمُ الشَّهوات بأنَّها أضَلَّتْهُ، إنَّما هي قِوى مُحَرِّكَة، فَسَيِّدُنا يوسف لولا أنَّ الله تعالى أوْدَع فيه حبَّ النِّساء وقال: إنَّي أخاف الله ربَّ العالمين، ثمَّ فيما تَرْوي الكُتب تزوَّج هذه المرأة بالذات، فلو أنَّ الله أوْدَعَ فيه هذه الشَّهَوات ما ارْتقى إلى ربِّ الأرض والسَّماوات.
فالشَّهْوة نرْقى بها مرَّتين: نرْقى بها صابرين، ونرْقى بها شاكِرين نرْقى بها إن غضَضْنا أبْصارَنا عن محارِمِ الله، ونرقى بها إذا متَّعْنا أبْصارَنا فيما أحلَّ الله لنا.
فَسَيِّدُنا يوسف ارْتقى إلى أعلى عِلِيِّين بهذه الشَّهْوَة، وكان بأمس الحاجة لِهذا اللِّقاء إلا أنَّ الله تعالى حرَّمَهُ، لأنَّهُ خِلاف الحُكم الشَّرْعي، حينها قال:

﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾
دقِّقوا معي الآن ؛ هناك طَبْع وهي حاجات الجَسَد، والشيء الذي يَلْفت النَّظر أنَّ التَّكْليف دائِمًا يتناقض مع حاجات الجسَد، فالله تعالى أمرَكَ بِغَضِّ البصر ؛ هذا التَّكْليف، وجِسْمُك يتمنَّى أن تتطلَّع ! الله أمرَكَ إلى الاسْتِيْقاظ وأداء الصُّبْح، وجِسْمُك يتطلَّب النَّوم ! والله أمرَكَ بِإنفاق المال وجسْمُك يتطلَّب قبْض المال ! وكذا في الغيبة، وكشْف العوْرات فالتَّكليف يتناقض مع الطَّبْع، ويتوافق مع الفِطْرة، والفِطْرة غير الطَّبْع فالفِطْرة مُتَعَلِّقَة بالنَّفْس، والطَّبْع مُتَعَلِّق بالجَسَد، فالتّكْليف مُحَصِّلَتُه يتوافق مع الفِطْرة، فلمَّا يسْتقيم يرْتاح، وكذا العِفَّة والطَّهارة، والدَّخْل الحلال، والاتِّصال بالله، والاطْمِئنان، فالتَّكليف هو ذو كُلْفة، وهو يُعاكِس الهَوَى.
فَسَيِّدُنا يوسف راوَدَتْهُ التي هو في بيْتِها، وكانت ذا منْصِبٍّ وجمال، وغلَّقَت الأبواب، وليس مِن صالِحِها أن يفْشوَ الخبَر، وكان شابًّا في ريْعان الشَّباب، وشَهَواتُه مُتَّقِدَة، وغريب لا أحد يعْرِفُه، فَكُلّ المُرَجِّحات أن يفْعل أمْرًا كهذا، لكنَّهُ قال: معاذ الله ! لذلك الآن مِن أينَ يؤْخَذُ الشباب ؟ التُّجار يُؤاخذون من المال ؟ أما الشباب فَمِن النِّساء فَكُلّ الشباب المؤمن قُدْوتهم سيِّدُنا يوسف، فالله آتاه صورةً مِن أجْمل الصُّوَر، ومع ذلك عفَّ عن الحرام، ولذلك الدُّعاء: اللهم اكْفنا بحلالك عن حرامك، وبِطاعَتِك عن مَعْصِيتِك، وبِفَضْلِك عمَّن سِواك.
الشيء الثاني ؛ هذا الشاب المؤمن الذي يَعُفُّ قبل الزَّوَاج عن محارِمِ الله، ماذا تَظُنُّون له مِن مُكافأة في الدنيا قبل الآخرة ؟ زوْجَة صالِحَة تَسُرُّهُ إن نظَرَ إليها، وتَحْفظهُ إن غاب عنها، وتُطيعُهُ إن أمرها، وهذا إلى يتفلَّتْ مِن منهَج الله تعالى قبل الزَّواج ؛ لعن الله الذَّواقين والذَّواقات، أوَّل عِقابٍ له ؛ زواجٌ كالجحيم تمامًا، لُؤْمٌ وانْحِراف وفساد وأبوها يُخيف، فالذي له تجارب قبل الزَّواج يُمْنح زوْجة كقِطْعَةٍ من الجحيم !والذي يَعِفّ قبل الزَّواج يُكْرِمُهُ الله تعالى بِزَوْجة كَقِطْعةٍ من النَّعيم، وقال عليه الصلاة والسلام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))
[ رواه مسلم ]
فالذي عفَّ عن محارِم الله تعالى لا يضيعُ عنه شيء، بالعَكْس يتمتَّع بهذه الغريزة التي أوْدعَهُ الله فيها إلى نِهاية عُمُره بِأعلى الدَّرجات.
قال تعالى:

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾
[ سورة يوسف ]
الظُّلم هو العُدْوان على الآخرين، ثمَّ قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾
[ سورة يوسف ]
طبْعًا هَمُّها غير همِّه، هو نبِيٌّ كريم، هو هَمُّهُ في دَفْعِها، والدليل جاء بعد قليل قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾
(سورة يوسف )
لا كما يقول بعض المُفَسِّرين هداهم الله تعالى ؛ جلس منها مَجْلِسَ الرِّجال !! لا، بل همَّتْ بآرائه، وهمَّ بِدَفْعِها وهنا تفسير آخر جيِّد، وه والوَقف في همَّت به، ثمَّ همَّ بها لولا أن رأى برهان ربِّه، فلأنَّهُ رأى برهان ربِّه ما همَّ بها، وكلّ مؤمن استنار قلبُه بالطاعة يقف عن المعصيَة.
قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)﴾
[ سورة يوسف ]
ماذا تقرأ بالصلاة كلّ يوم ؟ وبِكُلِّ ركْعة ؟ إياك نعبد وإياك نستعين فالأدَب النَّبوي قال

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) ﴾
[ سورة يوسف ]
دعا الله تعالى أن يحْفظهُ، وما كان الله تعالى لِيُعَذِّب قلبًا لِشَهْوَةٍ تركها صاحِبُها في سبيل الله.
قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)﴾
[ سورة يوسف ]
وكم من رِجال كان بِحَوْزَتِهم ملِكات جمال، وتعلَّقوا بِفَتيات أدْنى مِن أزْواجِهم بِملايين الدَّرَجات، فالأفضل أن يفتقر الإنسان إلى الله، ولا يقل: عندي إرادة ومناعة قوِيَّة !!.
قال تعالى:

﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾
[ سورة يوسف ]
هذه أُصول التَّحقيق، وأُصول اسْتِنباط الأدِلَّة.
ثمَّ قال تعالى:

﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾
[ سورة يوسف ]
قال تعالى:

﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148)﴾
[ سورة النِّساء ]
فإذا كنتَ بريئًا لا تَخْجل، وإنَّما قُل: أنا بريء، وأنا لم أفْعل ! فلا تسْكُت لأنَّ السُّكوت إقْرار.
قال تعالى:

﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)﴾
[ سورة يوسف ]
هنا أقِفُ قليلاً ؛ ماذا قال تعالى الله عن الشَّيْطان ؟ قال تعالى:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)﴾
[ سورة النساء ]
ماذا قال عن المرأة ؟

﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾
فالشيطان ضعيف، ذلك لأنَّك إن قلتَ: أعوذ بالله من الشيطان الرَّجيم ولَّى الشَّيْطان، أما أمن فلك حاجة بالمرأة، وحاجةٌ كبيرة جدًا، لذلك المرأة كَيْدُها عظيم، لذا اتَّقوا الله في النِّساء، إنَّ إبْليس طلاَّع رصَّاد، وما هو مِن فُخوخِهِ بأوْثَق في صَيْدِه في الرِّجال من النِّساء، فأكْبَر فخٍّ معه والذي لا يخيبُ معه هو النِّساء، ولذلك إن أرَدْتَ أن تُفْسِدَ الإنسان فَعَن طريق المرأة، وإذا أرَدْتَ أن تشْتري الإنسان فَعَن طريق المرأة، وإن أرَدْتَ مِن الإنسان أن يبيع وَطَنَهُ فعَن طريق المرأة ! المؤمن بِغَضِّ بَصَرِهِ، وعدم الخَلْوَة، وعدم الاخْتِلاط يُغْلِقُ على الشَّيْطان منافِذَهُ.
لِكُلّ إنسان نُقطتا ضَعْف ؛ المال والنِّساء، فإذا تَحَرَّيْتَ الحلال، وتجنَّبْتَ النِّساء، لم يعُد هناك مَأخذ عليه، فهذان هما أكبر مأخذين على الرِّجال ؛ المال والنِّساء، فَبِغَضِّ البَصَرِ، وعدم الخَلْوَة، وعدم الاخْتِلاط يُحَصِّنُ الإنسان نفْسَهُ من النِّساء، وبِالمال الحلال يُحَصِّن نفْسَهُ من الحرام، فإذا تحصَّن من هذين أصْبَحَ الطريق سالِكٌ إلى الله تعالى.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾
(سورة يوسف)
بالتَّعْبير العامي: مِن فضْلِك يا يوسف اُسْتُرْنا ثمَّ قال تعالى:
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
إذًا مِن الأصول أن لا تَقْبَل التُّهْمَة إلا بِدَليل، وهو هنا قدُّ القميص.
فالله تعالى علَّمنا كيف نسْتنبط الأدِلَّة بإصْدار الأحكام، أما حُكْمٌ دون دليل فَهُوَ هوى وتجنِّي وجَهْل.
النُّقْطة الثانِيَة: أنَّكَ إن كُنتَ مَظْلومًا عليكَ أن تتكلَّم، فإن لم تَفْعَل كُنْتَ بِهذا مريضًا بالخَجل، والحياء غير الخَجَل، فالحياء أن تسْتحي أن تعْصِيَ الله، أما الخجَل أن تسْكُتَ عن حَقِّك، قال تعالى:

﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)﴾
[ سورة يوسف ]
والله تعالى قال:
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148)﴾
[سورة النساء]
فالمَظْلوم عليه أن يَحْكي، وإذا الواحِد كان مَظْلومًا فإنَّه لا يدْخُل في الغيبة، فهو يدخُل في الحالات السِّتّ الذي أُبيحَتْ فيها الغيبَة ودائِمًا نحن لا نؤَوِّل إلا وِفْقَ كمال الأنبياء، وهم مَعْصومون، فإذا كان مَعْصومًا عن الخطأ في الفعْل والقَول والحال فَكَيْفَ نُفَسِّر أنّ سيِّدنا يوسف همَّ بِها، فالشَّباب معهم حقّ أنْ يَفْعَلوا ما يشاءون ‍‍!! لكنْ هذا تَفْسير لا يليق بِكَمال النُّبُوَّة، وعظمة الأنبياء، لكِنَّ التَّفْسير الكامِل أنَّهُ همَّ بِدَفْعِها، وهي همَّتْ بِإغْرائِه، والدليل أنَّ قميصَهُ قُدَّ من دبر والأقوى من هذه جميعًا قوله تعالى بعد ذلك:

﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)﴾
[سورة يوسف]
وهذه كُلُّها لا أدِلَّة نَقْلِيَّة، والأدِلَّة العَقْلِيَّة ؛ أنَّهُ لا يُعْقَل للنبي أن يهمّ بالمَعْصِيَة ! فأين يكون مقام النُبُوَّة حينها ؟! وهناك دليل آخر يعيشُهُ كُلّ الشباب، فالشباب المؤمن تَجِدُهم يبْتَعِدون عن النِّساء أشَدَّ البُعْد.
في الدرس القادِم نُتابِع الحديث عن هذه القِصَّة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثامن




أيها الأخوة الكرام، سيِّدُنا يوسُف لمَّا افْتُضِحَ أمْر امرأة العزيز، أرادَتْ أنْ تُبَرِّرَ سُلوكَها أمام صُوَيْحِباتِها، قال تعالى:
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)﴾

[سورة يوسف]
أي ارْتَكَبَتْ حماقة كبيرة، ثمَّ قال تعالى:

﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)﴾

[سورة يوسف]
ومعنى قطَّعْن أيْدِيَهُنّ أي جَرَحْنا أيْدِيَهُنّ من شِدَّة الشَّغَف، فرَبَّما أعْطَتْهُنّ سكاكين حادَّة، فأثناء اسْتِعمال السِكِّين دُهِشْنَ بِهذا الجمال فقَطَّعْنَ أيدِيَهُنّ، ثم قال تعالى:

﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾

[سورة يوسف]
ألَيْسَت هذه شَهادة قَطْعِيَّةَ الدَّلالة من امرأة العزيز أنَّهُ لم يَهُمَّ بها كما توَهَّمَ الناس، قال تعالى: ولقد راودتهُ عن...الصاغرين " معنى ذلك أنَّهُ كان أمام خِيارَيْن إمَّا أن يُسْجَن وإمَّا أن يقْترِف الفاحِشَة ؛ وهذا هو مَوْقِف النبي الكريم، ومَوْقِف كلّ مؤمن يقْتدي بأنبياء الله الصالحين قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
أحْيانًا يُغْرى المؤمن بِمَالٍ وفير من طريق حرام، فهل يقول: ربِّ الفَقْر أحبُّ إليّ من هذا المَبْلَغ الحرام ؟! وأحْيانًا يدْفَعُ الإنسان ثمَن طاعتِهِ لله ؛ حِرْمان مِن وظيفة وحِرْمان مِن شراكة وحِرْمان مِن دَخْل كبير ؛ هذا حال المؤمن، العِلْم حرْف والتَّكْرار ألف، ماذا قال سيِّدُنا يوسف ؟

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
لو أنَّهُ اسْتَجاب لما سُجِن، إضافة إلى قضاء الشَّهْوة والاسْتِمْتاع ؛ هذا حال المؤمن:

فَلَيْتَكَ تَحْلو والحياة مريـــرةٌ وليْتَك ترْضى والأنام غِضاب
وليْتَ الذي بيني وبينك عامِــرٌ وبيني وبين العالمين خراب
إذا صَحَّ منك الوَصْل فالكُلّ هَيِّنٌ وكل الذي فوق التُّراب تُراب
***
أيها الأخوة، هناك حديث أنا أعْتَقِدُهُ شِعار كُلّ مُسلِم:
((ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه في دينه ودنياه ))
دِقَّةُ الحديث أنَّ عبْدًا من عباد الله الصالحين عُرِضَ له شيءٌ مِن مَتاع الدنيا إلا أنَّهُ حرام فقال:

﴿مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
ربِّ الحِرمان من هذا المبلَغ أحَبُّ إليه مِن أن أعْصِيَك طيِّب.

((ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه ))
وصَدِّقوا أيها الأخوة أنَّ زَوال الكَوْن أهْوَنُ على الله مِن أنْ يُؤْثِرَ عبْدٌ طاعة الله ثمّ يَحْرِمُهُ الدنيا إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه، كيف ؟ قال: في دينِهِ ودُنْياه، ففي دينِهِ ما دام قال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
وقال:

﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
وأنِّني لن أفْعَلَ هذا ولو بقيتُ مَحْرومًا أصْبَح الطريق إلى الله تعالى سالك، أما إذا اقْتَرَفَ المَعْصِيَة أصْبح الطريق إلى الله تعالى مَقْطوع، إذا اقْتَرَفَ الشَّهْوة كان الطريق مَقْطوعًا، وإذا قبض المَبْلغ كان الطريق مَقْطوع، وإذا كذب وربِح كان الطريق مَقْطوع، وكذا إذا اغْتَصَبَ مَحَلاًّ وآثَرَ هذا المحلّ على الطاعة الله ؛ وهذا هو مَعنى إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه في دينه، طيِّب وَدُنْياه ؟ تأتيه الدنيا وهي راغِمَة ولكن مِن طريقٍ حلال.
رجلٌ أُمِّيٌ له شَيْخ، وأعْطَوْهُ أرْضًا كبيرة، وقد كان قبلها فقيرًا لا يمْلِكُ شيئًا، فقال هذا الفقير للشَّيْخ: لقد أعْطَوْنَا أرضًا يا شيخ، فقال : هذه أرْضٌ مُغْتَصَبَة ‍! وإذا كان الأمر كذلك فَحَرامٌ أخْذها، فذَهَبَ هذا الأخ يبْحث عن صاحِبِها إلى أنْ وَجَدَهُ فقال له: هل تَسْمَحُ لي أن أُعْطِيَكَ أساوِر زَوْجتي وأشْتري عليك البيت بالتَّقْسيط ! فقال صاحبُها: لقد ذَهَبَ عليَّ أربعة أضْعاف ما أخذْت، ولم يأتِ أحدٌ إلا أنت، وعلى هذا فهذه الأرض هَدِيَّةٌ مِنِّي لك !! ما ترك عبد شيئًا لله إلا عوَّضَهُ الله.
وأحد الشباب قديمًا، كان في مَحَلِّه فجاءت إليه فتاة ودَعَتْهُ للزِّنا، فأغْلَقَ المَحَلّ وتَبِعَها، وهو في الطريق تذَكَّر إلى أين سيَذْهَب فَرَجَع واسْتَغفَر الله، ففي اليوم الثاني جاءَهُ أحدُ كِبار تُجار الزِّيت، وعرض عليه ابنتهُ ! أُكْرِمَ مِن أجل تَرْكِهِ الحرام، حقٌّ على الله إذا تَرَكْتَ الدنيا أن يُكرِمَكَ الله تعالى ؛

((ما ترك عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه في دينه ودنياه.))

دِقَّةُ الآية:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
هذا شِعارُ كُلِّ مؤمن، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؟
((إن لم يكن بِك غضَبٌ عليّ فلا أُبالي، ولك العُتبى حتَّى ترْضى، لكنَّ عافِيَتَكَ أوْسَعُ لي.))

أجْمَلُ شيء في الآية العُبُودِيَّة لله تعالى، لم يقل: أنا إرادتي قَوِيَّة، وأنا سيِّدُ نَفْسي ! هذا شِرْك، أحْيانًا تَجِدُ إنسانًا شَخْصِيَّة في البلد، وله زَوْجة ملِكَة جمال، فإذا به يتعلَّق بامْرأة مثل الممْسحة !! فَسَيِّدُنا يوسف انتَبَهَ لهذه النُّقْطة قال تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
يا رب أنا مُسْتقيم بِمَعونَتِك، وعفيف بِمَعونتِك، وهذا مُلَخَّص إياك نعبد وإياك نسْتعين، أحدُ العلماء ألَّف كتابًا يَحْوي مُجَلَّدَيْن اسمهُ مدارج السالِكين بين منازل إياك نعْبد وإيَّاك نسْتعين، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)﴾

[سورة النحل]
صَبْرُكَ بالله، وعِفَّتُكَ بالله، ووَرَعُكَ وطاعتُك بالله، وهذا هو معنى لا حول ولا قوَّة إلا بالله، لا حَوْل عن معْصِيَة الله إلا بالله، ولا قوَّة على طاعَتِهِ إلا به، فإذا وفَّق الله عبْده للصَّلوات الخمْس في المَسْجِد فهذه مِن نِعَم الله، إذ هناك مَن يُغازِل النِّساء بِالبَيْع والشِّراء والصَّلوات تمرّ عليه مرور الكرام، فإذا سَمَح لك الله تعالى بِغَضِّ البَصَر، وبِزَوْجة صالِحَة ومالٍ حلال، فلا تَعْزو الطاعة لك ؛ هذا شِرْك، قُل: يا رب سَمَحْت لي أن أُطيعَك، وأن أقْتَرِن بِزَوْجة صالِحَة، وأولاد أبْرار.
قال تعالى:

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(34)﴾

[سورة يوسف]
أي سميع لِقَوْله، عليم بِقَلْبِهِ وحالِهِ وصِدْقِهِ، والله عز وجل سميعٌ عليم أنتَ اُدْعوا الله وإن كان دُعاؤُكَ وِفْقَ السُّنَّة سترى الإجابة إن شاء الله قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ))

[رواه البخاري ]
ناجي ربَّك وسَلْهُ وادْعوهُ وترجَّاه، وتذَلَّل بين يَدَيْه ؛ هذا هو المؤمن إلهي أنت مَقْصودي ورِضاك مَطْلوبي، كلمتين: قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

[سورة يوسف]
قال تعالى:

﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)﴾

[سورة يوسف]
رأوا الآيات الدالة على براءَتِهِ وعِفَّتِهِ وطهارَتِهِ، أرادوا أنْ يطفئوا الفِتْنة فَوَضَعوه بالسِّجْن.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء التاسع




أيها الأخوة الكرام، لازِلْنا مع قِصَّة سيِّدُنا يوسُف عليه الصلاة والسلام قال تعالى:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾

[سورة يوسف]
أوَّلاً هناك الرؤْيا، وهناك الحُلُم، فالحُلُم اضْطِرابات هَضْمِيَّة، لو أنَّ الإنسان تناوَلَ طعامًا ثقيلاً قبل أن ينام يرى أشْياء غير مَنْطِقِيَّة، وغير مُترابِطَة، ومُتَداخِلَة، ومُضْطَرِبَة، ومُشَوِّشَة، ولا معنى لها ؛ هذا اسْمُهُ أضْغاث أحْلام.
لكِنَّ الرؤيا، والرؤيا الصادِقَة جُزْء مِن ستٍّ وأربعين جزْءً من النُّبُوَّة فالإنسان أحْيانًا يرى رؤْيا واضِحَة ذات مَعْنى، وذات دلالة ؛ مُبَشِّرَة أو مُحَذِّرَة، فهذه رؤْيا صادِقَة ؛ إنَّها جُزْء مِن ستٍّ وأربعين جزْءً من النُّبُوَّة.
فالله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يُعْلِمَ أنبياءَهُ شيئًا يُرْسِلُ إليهم سيِّدنا جبْريل عن طريق الوَحْي، أما إذا أراد أن يُعْلِمَ المؤمن عن شيءٍ وأراد أن يُحَذِّرَهُ، وأن يُنْذِرَهُ، وأن يُخَوِّفَهُ، وأن يلْفِتَ نَظَرَهُ، وإعلامٌ واتِّصالٌ مٌباشِر من الله إلى المؤمن ؛ عن طريق ماذا ؟! لا يوجد جبريل، ولا وَحْي، فهذا يكون عن طريق الرؤيا الصالحة، ويراها الرَّجُل الصالِحُ، أو تُرى لهُ.
الآن، الرؤيا الواضِحَة من الله عز وجل، إن كُنْتَ مُسْتقيمًا، ورأيْتَ رؤْيا مُبَشِّرَة فهذه مِن الرحمن، وإن لم تكُن كذلك لا سَمَحَ الله ورأيْتَ رؤْيا مُخيفة فَهِيَ من الرحمن، فالله جلَّ جلاله يُبَشِّر أو يُنْذِر، أما أن يكون الإنسان غارق بالمعاصي، وتارك للصلاة، ومات على هذه الحال، ثمَّ يقولون لك: رأيناه في المنام لابِسًا رداءً أبْيَضًا، ووَجْهُهُ كالقمر !! هذه مِن الشَّيْطان تَضْليلاً وتَمْويهًا، فالرؤيَة المُبَشِّرَة لإنسانٍ مُنْحرِفٍ هذه من الشَّيْطان، والرؤيَة المُخيفة لإنسان مؤمن هي من الشيطان، عندنا أربع حالات: إنسان مؤمن رأى رؤيا مُبَشِّرة من الرحمن، وآخر مُقَصِّر رأى رؤيا مُخيفة تَحْذيرًا هي من الرحمن لكنَّ غير المستقيم والمنحرف رأى رؤيا مُبَشِّرة فهذه من الشيطان تَضْليلاً.
أيها الأخوة، لي صديق له خالة له علاقة وثيقة بها، ويُحِبُّها كثيرًا فَتُوُفِّيَتْ، أقْسَم لي بالله خِلال ثماني سَنوات وهو يراها بِرُؤْيا مُخيفة وَجْهُهَا أسْوَد، وألْسِنَةُ اللَّهب قريبة منها، بعد ثماني سَنَوات رآها في المنام بِحالٍ جيِّدَة وقالتْ له: الحمد لله يا بنيّ ! كُلُّ هذا العذاب الذي أصابني مِن كأس الحليب !! فقد كان لِهذه المرأة ابن زَوْج، لها ولَدٌ منه وله ولدٌ من غيرها، وكان الولَدَان في بيْتٍ واحِد، فكانت تملأُ كأس الحليب لابنها وتملأ الكأس الآخر نصف حليب والنصف الآخر ماء لابن زوْجِها، فأحْيانًا الرؤيا الصادِقة ذات دلالة كبيرة جدًا.
فالرؤيا يراها الرجل الصالح، وتُرى له، ويراها لنفسه ولِغَيره ويراها غيرهُ له أو لنفسه، فالرؤيا الصادقة ذات الدلالة الواضِحة، وذات إشارة عميقة إلى معنى مُعَيَّن هي الرؤيا الصادقة.
لي صديق له طفل في مُقْتَبَل العمر، سَنَتَيْن، وأُصيب هذا الولد بِمَرَضٍ مُزْمِن جعل البيت في حزنٍ دائِمٍ، فرأى رجُلاً صالحًا في المنام يرتدي عمامة خضْراء وقال له: يا فلان تَصَدَّق لابنك، فقال لي هذا الشخص في اليوم التالي: ذَبَحَ خروفًا ووزَّعَهُ، فأقْسَمَ لي أنَّهُ بعد سبْعة أيَّام شُفِيَ الطِّفل، فالله تعالى قد يُوَجِّهُكَ تَزْجيهًا في المنام.
وعندي صديق ثاني مُقيم بالكُوَيْت مذ سنَوات طويلة، ومُجَمِّع ثروَة كبيرة وضَعَها بِشَرِكة اسْتِثْمارِيَّة، فجاء إلى الشام لِنُزْهة شَهْر، وله قريب طبيب أطْفال، فَجَلسوا جلْسَةً فقال الطبيب عمَلُكَ فيه شُبْهَة بهذه الشَّرِكَة، وبقِيَ يتناقَش معه للساعة الثانية عشر، وبعد الساعة الثانية عشر أقَرَّ أنّ عملهُ فيه شُبْهة، وقال: إن شاء الله سأسْحب مالي، يقول هذا الشَّخْص: فاتَّصل بالهاتف إلى الكويت صباحًا ومساءً فلم يتمكَّن لِرداءة الخطوط، وحاوَل فلم يسْتطع، حينها قال: لمَّا أرْجِع إلى الكويت أضَعُ مالي بِجِهَةٍ شَرْعِيَّة، وبعد شَهْر رجع إلى الكويت فاسْتقْبَلَهُ أخوه وقال له: أما سَمعْتَ يا أخي ما حدَث ؟ فقال: وما الذي حدث ؟ فقال الأخ: فلَّسَتْ الشَّرِكَة !! فَبَرِكَ هذا الشَّخْص من شِدَّة الحادثة، وقال لأخيه: والله لقد رأيْتُكَ بالمنام وأنت تقول لي: بِعْني الأسْهم برأس مالها، ثلاث مرَّات، وفي الثالثة بِعْتُكَها ! لقد رأى في المنام هذا مِن جرَّاء أنَّهُ أراد التوبة النَّصوح، فالله لما رآه يُحاوِل الاتِّصال تاب عنه، وهذه هي الرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له.
وأحد العلماء بطرابلس الشام، فقير ومُستقيم، ويَسْكُن بِبَيْت أُجْرة وتمكَّن صاحب البيت يُخْليه، فأحد أغنياء طرابلس رأى النبي عليه الصلاة والسلام بالمنام يقول له: يا فلان، اِشْتري لِفُلان بيْتًا ! فالله أحْيانًا يتدخَّل بِرُؤيا واضِحة كالشَّمْس، أما أن ترى أضْغاث أحلام فهي من الشيطان.
قال تعالى:

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾

[سورة يوسف]
يُرْوى أنَّ الإمام ابن سيرين وهو كبار العلماء في التفسير، فالإمام مالك دار الهِجْرة رأى في المنام ملك الموت، فقال له الإمام مالك: كم بقِيَ لي مِن حياتي يا ملك الموت ؟ فأشار له بِخَمْسة !! يا تُرى خمْسة أسابيع أم خمْسة أيام أم خمْسة أشْهر أم خمْس ساعات أم...فاضْطرب ثاني يوم، وحكى له ما رأى، فقال الإمام ابن سيرين: يقول لك ملك الموت ؛ هذا من خمْسة أسئلة التي لا يعْلمُها إلا الله ! فإذا الإنسان رأى رؤيا صالِحَة وقصَّها على إخْوانه فلا مانع، إنَّما هي بِشارة، وغن رأى شرًّا بصق عن يساره واسْتعاذ من الشيطان الرجيم.
والإنسان إذا رأى رُؤيا مُخيفة، وكان مُتَلَبِّسًا بِحَرام، فالجواب ؛ إن تاب تعطَّلَتْ الرؤيا، وإذا لم يتُب قُضِيَ الأمر الذي فيه تَسْتفْتِيان، فالرؤيا تَحْذير من الله فإن تاب العبد توقَّفَتْ، وإن لم يتُب وقَعَتْ.
قال تعالى:

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)﴾

[سورة يوسف]
مرَّةً ثانِيَة لو قال لك رؤيا تأخذ العَقل، فهل أنت مُكَلَّف أن تُصَدِّقهُ ؟ فالرؤيا لا تُصرف إلا لِصاحِبِها، كالشِّيك تمامًا لا يُصْرف إلا لِصاحِبِه فالرؤيا طريقة من طرق إعْلام العَبْد، ودينُنَا ل يُبنى لا على المنامات ولا على الخرافات ولا على الكرامات، دينُنَا دينُ عِلْم، أما أن تتَّخِذ حكاية المنامات كالجرائد فهذا ليس شِعار المؤمن، فلو أنَّ الإنسان رأى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وأمَرَهُ بِمُخالفة الشرع ؛ قال العلماء: يثبت الشرع وتُرَدُّ الرؤيا ؛ نحن عندنا كتاب وسنَّة، فأنت ليس عليك تَصْديق الرؤيا البتَّة، وديننا دين حقائق وبراهين وعلم، ومادام ورد موضوع الرؤيا فهذا هو موضوع الرؤيا ؛ إعلام من الله تعالى مُباشر فإذا كان مُخيفاً فَهُوَ تَحْذير، وإذا كان مُريحًا فَهُوَ تَبْشير.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء العاشر




أيها الأخوة الكرام، لازِلْنا أيُّها الأخوة في قِصَّة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾

[سورة يوسف]
لماذا فعَلَ هذا النبي التَّصرف هذا ؟! الإنسان إذا أراد أن يَدْعُوَ إلى الله عز وجل عليه أن يعْتَمِدَ على حاجات الناس الأساسِيَّة، فالإنسان يحْتاج إلى الأَمْن وإلى الرِّزْق الوفير وإلى زَوْجَة صالحة وإلى أولاد أبرار هذه حاجات أساسيَّة، فإذا رَبَطْتَ هذه الحاجات بِمَعْرِفَة الله وطاعة الله اسْتَفَدْتَ من فِطْرة الإنسان الحريصة على ما يُصْلِحُها، وتَخْشى على ما يُفْسِدُها، فهذان الرجلان الفَتَيان رَأَوَا منامًا، فَسَيِّدُنا يوسف ما أراد أن يُفَسِّر لهم هذه الرؤيا فَحَسْب، بل أراد أن يسْتَغِلَّ الْتِفاتهما إليه وسُؤالهما له، وحاجتهما له لِيُعْطِيَهُما فِكْرَةً عن التَّوحيد، فاطْمَئِنُّوا سوف أُفَسِّر لكم هذه الرؤيا، قال تعالى:

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)﴾

[سورة يوسف]
يا ترى أنت لو كان عندك مَحَلّ تِجاري، ومُوَظَّف فقير فإذا أرَدْتَ أن ترفع أُجْرته وأن تُعينَهُ وأن تُكافِئهُ، أليس لك أن تربط إعانتَك له بِطَاعة الله واسْتِقامته ؟ فلِمَ لا يَعْنيك دينهُ وصلاتُهُ واسْتِقامَتُه ؟ المُهِمّ أن يُقَدِّم لك خِدْمة جيِّدة، أما الدِّين لا تعْبأ به ! فلا ينبغي أن تسْتفيد من الخلق دون أن تَهْدِيَهُم إلى طاعَتِه تعالى، فأنت إن جَعَلَك الله أبًا لِهذا الولد فَمَصْروفُهُ عليك، فارْبِط بين الإكرام والجزاء بِطاعة الله وحفظ القرآن الكريم، فَهُناك آباء يُقَدِّموا لأولادهم كلّ شيء ولا يَعْنيهم أمْرُ صلاتِهم وطاعتهم لله تعالى، وآخر مؤمن يرْبط المكافأة والمال والهَدِيَّة بطاعة الله تعالى، وصلاته، وغضِّ البصر وحفظ القرآن فالله إن جعَلَك أبًا فَهُرَ قد ربَطَ أولادك وزَوْجتَك معك وإن جعلكَ صاحب مَتْجَر فأنت لك مجْموعة مُوَظَّفين ؛ هؤلاء الذين أناطهم الله بك وجعل حوائِجَهم عندك، لا ينبغي أن تُهْمِلَ دينهم بل أن تسْتَغِلَّ حاجتهم إليك في تَوْجيههم إلى الله عز وجل، لذلك صاحِبُ المعْمَل مسؤول عن دينِ عُمَّالِهِ، ففي أحد المصانِع التي زُرْتُها بنى صاحبه فيه مسْجِدًا يُؤَذَّن للصلاة فَيُوقَفُ العمل، والكُلّ يأتي لِصَلاة الظُّهْر، فهذا دلَّهم على الله تعالى، وكذا الأمر إذا كنت مُدير مَعْمَل أو مَشْفى، اِسْتَفد من هؤلاء لِتَوْجيههم إلى الله عز وجل، فَسَيِّدُنا يوسف سُئِل، ولكن قال: لا ‍! قال تعالى:

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)﴾

[سورة يوسف]
قال تعالى:

﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)﴾

[سورة يوسف]
لَفَتَهُم إلى الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالدار الآخرة، ثمَّ قال:

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)﴾

[سورة يوسف]
لمَّا الإنسان يُصبِح يخاف من زيد وعُبَيد، ويرْجو فلان تَمزَّق بِهذا وتَبَعْثَر وتَشَتَّت، أما لو اتَّجهَ الإنسان إلى الله تعالى وَحْدَهُ وأرضاهُ تعالى وَحْدَهُ، وخافهُ تعالى وَحْدَهُ، واعْتَقَد أنَّهُ لا رافِعَ ولا خافض إلا هو تعالى، ولا مُعْطِيَ إلا الله، وأنَّ كلّ أمْرِهِ بيَدِ الله لذا اِعْمَل لِوَجْهٍ واحِدٍ يَكْفيك كُلَّ الوُجوه ! لماذا اسْتَغَلَّ حاجة هذين الرَّجُلَيْن إلى تَفْسير رُؤْياهما؟ لأنَّهُ أراد أن يُوَجِّههما إلى الله عز وجل، وهذا القرآن الذي يُتْلى إلى يوم القِيامة القَصْدُ منه أنْ نتعلَّم من أساليبه فأنت أب ومُعَلِّم وصاحِب مَتْجر أو معْمَل أو شركة أو من يلوذ بك أو أنتَ قيِّم على أيْتام أو لك أولاد أخ أيتام ؛ اِرْبِط بين المُكافأة والدِّين فإذا رَبَطْتَ هذا بِذاك تكون قد اسْتَفَدْتَ من هذا الحاجة في تَوْجيه الناس إلى الله عز وجل.
قال تعالى:

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)﴾

[سورة يوسف]
إلهٌ عظيم بِيَدِهِ كُلّ شيء أم أن تَخاف مِن زَيْد أو عُبَيْد، وتَرْجو فلان وتُنافِق لِفُلان وأن تَخْشى فُلان ؛ لن تنام الليل من القلق، والله تعالى قال:
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(88)﴾

[سورة القصص]
أحَدُ أكبر عذابات الإنسان الشِّرْك بالله وقال تعالى:

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾

[سورة يوسف]
تَسْمَع مناصب وأسماء ووظائف هي أسْماء سَمَّيْتُموها أنتم وآباؤُكم ما أنزَلَ الله بها مِن سُلْطان، ويقولون لك: أكبر قُوَّة ضارِبَة نَوَوِيَّة !! هذه أسْماء، قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(24)﴾

[سورة يونس]
لا تَقُل الدَّولة الفُلانِيَّة معها نَوَوي !! لا، كل شيء بِيَدِ الله، قال تعالى:
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾

[سورة الكهف]
وقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)﴾

[سورة الزخرف]
وقال تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
بماذا وَجَّهَهُم هذا النبي الكريم ؟ وماذا اخْتار من الدِّين ؟ اخْتار التَّوحيد فالإنسان إذا وحَّد ارْتاحَتْ نفْسُه، ويرْفَع رأسُه، ولا يخاف ولا يُنافِق ولا يسْتَخْزي ولا يَقْنَع، ولا يقْلق، ولا يَحْزَن، ولا يُضَحِّي بِدِينِه مِن أجل دُنياه، لذا سيِّدُنا يوسف لمَّا أراد أن يسْتغِلّ حاجة هذين الشابَّيْن اخْتار لهما التَّوْحيد، ولذا ما تعلَّمَتِ العبيد أفْضَل من التَّوْحيد، وهو نِهايَةُ العِلْم، والتَّقْوَى نِهايَةُ العَمَل.
هناك شيْئَين كبيرين: العَلْم والعَمَل، فالعِلْمُ نِهايَتُهُ التَّوحيد، والعمل نِهايَتُهُ طاعة الله عز وجل، وأعلى أنواع الأعمال أن تُطيعَ الله تعالى وأعلى أنواع العلم أن تُوَحِّدَ، والدليل أنَّ الله تعالى جعَلَ فَحْوى دَعوة الأنبياء التَّوحيد والعِبادة، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾

[سورة الأنبياء]
فإذا وَحَّدْتَ الله تعالى، وعَبَدْتَهُ فقد حقَّقْت المُراد مِن الدِّين، فأنت بالكَوْنُ تُوَحِّدُهُ، وبالشَّرْعِ تَعْبُدُهُ، فَكِّر بالكَوْن تُوَحِّد، واطْلب العِلْم الشَّرْعي تَعْبُدُهُ، وربُّنا عز وجل أسْماؤُهُ كثيرة إلا أنَّهَا كُلُّها في ثلاث كلمات: الله موجود، وواحِد وكامل.
مُلَخَّصُ درْسِنا اليوم ؛ كُلُّ واحِدٍ جعَلَهُ الله قَيِّمًا على أشْخاص أب أو أم أو صاحب معْمل أو مَتْجَر، رئيس دائرة أو مُدير فما دام هؤلاء تحت يَدِك ومُكافآتُهم منك، اِسْتَغِلّ هذه الحاجة وادْعُهُم إلى الله تعالى، قال تعالى:

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)﴾

[سورة يوسف]
لا تَكُن مع الأكْثَرِيَّة ولكن كُن مع الأقَلِيَّة، فالأكْثَرِيَّة لا تَعْلم وكلَّها فاسِقَة، وهي لا تُؤمِن ولكنَّها تَظُنُّ ظنًّا، قال تعالى:
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(36)﴾

[سورة يونس]
وقال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[سورة يوسف]
فالمَجْموع الآن كُلُّهم غافِل وساهٍ وفاسِق ومُنْحَرِف في كُلّ شؤونِه ولكن كُنْ مع الأقَلِيَّة الواعِيَة والمُسْتنيرة والمُلْتَزِمَة، ولا تَكُن مع الخط العريض الساهي اللاهي، هؤلاء الفتيات اللاتي يمْشينَ بالطريق ألَيْس آباؤُهنّ مؤمنين ؟‍‍! أين آباؤهم وإخوانهم ؟! المؤمن التَّقاليد والمواد تحت قَدَمِه، ولا يعْنيهِ منها شيئًا، إنَّما يَعْنيه الشَّرْع.
وفي الدَّرْس القادِم نشْرح تَفْسير الرؤيا، قال تعالى:

﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ(41)﴾

[سورة يوسف]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الحادى عشر




أيها الأخوة الكرام، الآن بعد أن اسْتَغَلَّ سيِّدُنا يوسف هذين الفتَيَيْن الذان اسْتَفْتَياهُ في رؤْيا رأوْها، الآن جاء دَوْرُ تَفْسير الرؤيا.
وذَكَرْنا في دَرْسٍ سابق أنَّ المؤمن إذا أناط به الله أُناسًا، وجعَلَهُ قيِّمًا عليهم ؛ أبًا أو رئيس دائِرَةٍ أو مُديرًا، هؤلاء الذين عَهِدَ الله بِهم إليك، وأناطهم بك، عليك أن تُوَجِّههُم إلى الآخرة، وتُصْلِحَ دينهم، ألا ترَوْن الدعاء النبوي الشريف: اللهم أصْلِح لنا ديننا الذي هو عِصْمة أمرنا..." فأنت إذا أصْلَحْتَ شأن مَن حَوْلَكَ، وأصْلَحْتَ دُنْياهم عليك أن تُصْلِحَ آخرَتَهم.
قال تعالى:
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآَخَرُ﴾

[سورة يوسف]
فالأوّل يُطْلَقُ سراحُهُ، ويَعود إلى عَمَلِهِ في قَصْر المَلِك، ويَخْدِمُهُ ثمَّ قال تعالى:

﴿وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾

[سورة يوسف]
أي سَوْفَ يُقْتَل، وهناك رأْي لِبَعْض العلماء أنَّ قَوْلَهُ تعالى:

﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)﴾

[سورة يوسف]
أنَّ المرء إذا رأى رؤيا مُخيفة، وفيها تَحْذير، لو أنَّهُ تاب إلى الله تعالى فإنَّها لا تَقَع أما إن لم يَتُب وَقَعَت فلَعَلَّ هذا النبيَّ الكريم رأى من أحدهما اسْتِهْزاءً بِهذا التَّفْسير ؛ فقال:
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)﴾

فالإنسان إذا رأى رؤيا واضِحة كالشَّمْس، ومُخيفة، وكان مُنْحَرِفًا ومُتَلَبِّسًا بِمَعْصِيَة وآكِلاً لِحَقٍّ، فهذه الرؤيا تَقَعُ ولا تَقع ! تقَعُ إن لم يتُب ولا تَقع إذا تاب.
نُريد أن تكون هذه الحقيقة واضِحَةً في أذْهانِنَا، إنسان مُتَلَبِّس بِمَعْصِيَة مالٍ حرامٍ، أو ظالمٍ، أو مُقَصِّر في أداء حُقوق، وهو يعْلَمُ ذلك فرأى رؤْيا مُخيفَة، ورأى أنَّهُ وقَعَ مِن بناءٍ شاهِق فَنَزَل ميِّتًا، وأنَّ حيوانًا نهَشَهُ، وأنَّ محلَّهُ حُرِق، واسْتَيْقظ رْهوبًا، فهذه الرؤيا من الله عز وجل ؛ تَحْذير لما فيه مَعْصِيَة، وهل تقع هذه الرؤيا ؟ الجواب: هذه الرؤيا تَقَعُ ولا تَقع ! تقَعُ إن لم يتُب، ولا تَقع إذا تاب، وبعض المُفسِّرين لعلَّ أحدهما استهزئ فقال يوسف عليه السلام:
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)﴾

[سورة يوسف]
قال تعالى:

﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)﴾

[سورة يوسف]
هناك من يقول: أنَّ يوسف عليه السلام طلب مِن هذا الفتى الذي هو ناجٍ أن يَذْكرَهُ عند ربِّه ولذا أبْقاهُ الله تعالى في السِّجْن بِضْعَ سِنين عِقابًا له !! فهذا الكلام ليس صحيحًا، والعلماء قالوا: يجوز للمؤمن أن يبْتَغِيَ إلى الله الوسيلة، وأن يسْعى لإنقاذ نَفْسِهِ عند إنسان قَوِيّ ؛ فهذا يجوز، ولكن لا يجوز أن تعْتَقِدَ أنَّ هذا الإنسان سَيُنْجيه، ويكون بِهذا قد أشْرَك، أما إذا أخذَ بالأسباب، وتوَكَّل على ربِّ الأرباب فلم يُشْرِك، وهذا من باب الشَّفاعة، قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا(85)﴾

[سورة النساء]
هذا مَشْروع، والله عز وجل في حديث دقيق جدًا:
((إنَّ الله يلوم على العَجْز، عليكم بالكَيْس ؛))

فهذا الحديث الشريف لو طبَّقَهُ الناس لكانوا سادَةَ الدنيا أنت اِسْع وتظلَّم واشْتكي، وقابِل، وأقْنِعْهُم بالحُسنى والمعروف فإذا غلبَكَ أمْرٌ وما اسْتَطَعْتَ حينها تقول: حسْبِيَ الله ونِعْمَ الوكيل، وهذا بعد السَّعْي والأخْذ بالأسباب، فلا يجوز قَوْلُها قبل التَّسبُّب.
((إنَّ الله يلوم على العَجْز، عليكم بالكَيْس ؛))
دَبِّر وخَطِّط وفَكِّر وبيِّن ووضِّح وتحرَّك، وعندما يغْلبك الأمْر فقُل: حسْبِيَ الله ونِعْمَ الوكيل إذًا لا يجوز أن تسْتَسْلِم للمَقْضِيّ، والعلماء فرَّقوا بين القضاء والمَقْضِيّ فالقضاء كالزِّلزال والمطر الشَّحيحة، والمرض لكنَّ المَقْضِيّ هو أن يَعْتَدي عليك إنسان، وأن يسْرُقَك، حينها لا تَقُل هذا قضاء عليّ وتتْرُكهُ يسْرق، ولكنْ عليك أن تكْمشَه.
سيِّدُنا عمر كان في طريقِهِ إلى الشام فَعَلِموا أنَّ بها وباءً هو الطاعون فتَحيَّروا في الأمر ؛ بعضهم قالوا: ندْخُل، ولا نَفِرُّ من قضاء الله والآخر قالوا: لا ! فلمَّا عرضوا الأمْر على عمر رضي الله عنه قال: لا نَدْخُل، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، أَتَفِرُّ مِن قَضاء الله ؟ فقال: نعم، أنا أفِرُّ مِن قَضاء الله إلى قضاء الله ! لو أنَّ راعِيًا معه شياه وهناك أرضان إحْداهما مُجْذِبَة والآخرة مخْصبة، أليس لو حوَّل غنَمَهُ من المجذبة إلى المخْصِبَة فرَّ مِن قضاء الله إلى قضاء الله !!
فالقضاء ما يأتي من الله مُباشَرَةً، أما المَقْضِيّ ما يأتي من ظُلْمِ العباد فالمَقْضِيّ يُقاوَم ويُعارَض، لذا لا تَقْبَل أن يُؤْخَذ منك حقُّك وأنت ساكت ليس هذا من خُلق المُسْلِم، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)﴾

[سورة الشورى]
قال تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40)﴾

[سورة الشورى]
فإذا غلبَ على ظنِّك أنَّ عَفْوَكَ على أخيكَ يُصْلِحُهُ ويُقَرِّبُهُ فيَجِبُ أن تَعْفوا، أما إذا غلَبَ على أمْرِكَ أنَّ عفْوَك يزيدُه عُدْوانًا وبَغْيًا وتطاوُلاً يجب أن تأخذ حقَّك دون اسْتِسلام، ولكن إذا أخَذْت حقَّك ينبغي أن لا تزيد على حَقِّك شيئًا.
لذا سيِّدُنا يوسف لمَّا قال: اُذكرني عند ربِّك ما فعَلَ شيئًا بِهذا ! وما فعَلَ شيئًا خِلاف مَنْهج الله تعالى، فهو لا يعْتَقِد النَّجاة من غير الله تعالى، ففي بعض التَّفاسير كما قلنا قالوا: أبقاه سبع سنوات في السِّجن من أجل ان قال: اُذكرني عند ربِّك ! فهذا الكلام لا أصْل له، ونحن كَمُؤمنين بِإمْكانِنَا أن نصِل إلى أهْدافِنا عن أسباب لا تضُر إيماننا ولا تَقْدَحُ في تَوْحيدِنا.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)﴾

[سورة يوسف]
هذه هي الرؤيا التي رآها المَلِك، قال تعالى:

﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً﴾

[سورة يوسف]
سبْع سنوات تُغِلّ غلاَّت وفيرة ثمَّ قال تعالى:

﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47)﴾

[سورة يوسف]
وهذه إشارة في عِلْم الزِّراعة أنَّ القَمْح إذا بَقِيَ في سُنْبُلِه يُحْفَظُ سبْع سنواتٍ بالتَّمام والكمال، ثمَّ قال تعالى:

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)﴾

[سورة يوسف]
أي البِذار ثمَّ قال تعالى:

﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)﴾

[سورة يوسف]
هل هناك إنسان يصْدُر أمْر الإفْراج عنه من السِّجْن، ولا يخْرج ؟ المؤمن كرامتُه عالِيَة، وشرَفُ المؤمن قِيامُهُ باللَّيل، وعِزُّه اسْتِغْناؤُهُ عن الناس فلو أنَّهُ كانَ سجينًا عاديًّا ما إن سَمِع بِإطلاق سراحِهِ حتَّى تراه مُسْرِعًا ولكن قال له قال تعالى:

﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)﴾

[سورة يوسف]
وهذا نأخُذه في دَرْسٍ قادِمٍ إن شاء الله.
والمُلاحظ أنَّ الله تعالى يَمْتَحِنُ الناس بالرَّخاء والشِّدَّة، تأتعي سبْعة سنوات خير، وأخرى شرّ، فالناس إذا فُتِحَت عليهم الأمور يَفْسُقون وإذا ضُيِّقَت يَكْفرون، والله تعالى قال:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

[سورة المعارج]
فالمؤمن في الرَّخاء شَكور، وفي البَلاء صَبور، وغير المؤمن في الرَّخاء ساهٍ وغافلٍ، وفي الشِدَّة يَيْأس وهي كُفْر، والغَفْلَة أيْضًا بُعْدٌ عن الله تعالى، فالله تعالى عالَجَ هؤلاء بِسَبْعِ سَنوات عِجاف وأخرى خَيِّرات، والمًُلاحظ في البلاد الإسلامِيَّة هذه المَوْجات ؛ انْفِتاح وانْغِلاق أما المؤمن الصادِق فلا ينسى فضْل الله تعالى في الرَّخاء، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((أمرني ربي بِتِسْع: خَشْيَةُ الله في السرّ والعلانِيَة، وكلمة العدل في الغضب والرِّضا، القَصْد في الفقْر والغِنى وان أصِل منْ قطني، وأن أعْفُوَ عمَّن ظلمني، وأُعْطِيَ مَن حرَمَني وأن يكون صَمْتي فِكْرًا، ونُطقي ذِكْرًا، ونَظري عِبْرَةً.))









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 09:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثانى عشر




أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
هذه الآية فيها إشارات كثيرة.
الإشارة الأولى: أنَّ الإنسان إذا ظَهَرَ أمام الناس بِمَظْهَر الغِنى أو عرض ما عندَهُ، أو تحدَّث عن أمواله، وعن مَصْروفِهِ، وعن بيْتِهِ وعن رِحْلاتِه، ودَخْلِهِ، وحجْم إنْفاقِه.. إذا ظهر الإنسان بِمَظْهر الغِنى والتَّرَف، ما الذي يَحْصَل ؟ قد يأتي إنسان فقير قد تلبَّس به الشَّيْطان فإذا نظر الفقير إلى هذا الغَنِيّ نَظْرَةَ حسَدٍ، وكان هذا الغنيّ غافلاً عن الله تعالى سرى هذا الشَّيْطان من هذا الفقير الحاسِد إلى هذا الغنِي الغافِل، وهذا ما يُعَبِّرُ عنه العَوام بالعَيْن، وربُّنا عز وجل يقول:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)مَلِكِ النَّاسِ(2)إِلَهِ النَّاسِ(3)مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(4)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ(5)مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ(6)﴾

[سورة الناس]
وقال تعالى:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(1)مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(2)وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(3)وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ(4)وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ(5)﴾

[سورة الفلق]
لذلك قالوا كَثْرة الظُّهور تَقْصِم الظُّهور قال تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)﴾

[سورة القصص]
فَهُناك أشْخاص همُّهم الحديث عن أوْلادِهم وذكاء أولادِهم، وعن نجابَةِ أولادهم، أو عن بيْتِهم أو عن موْقِعِ بيْتِهم، أو الأثاث الفاخِر الذي زُيِّنَ به البيت ! فإذا كان هذا الهو الهَدَف دون أن يشْعُر، ففي ساعة الغَفْلَة قد يَحْسُدًُه حاسِد مُتَلَبِّسٌ به الشَّيْطان، ويسْري حينها الشيطان فيه.
يقول لك: به عَيْن، ومرِضَ مرضًا كبيرًا ومات به، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((العين تضع الجمل في القدْر...))
فأنت لا تَضْمَن أنَّ هذه الذي أمامك مَوْصول بالله تعالى فلو أنَّهُ كان مَوْصولاً لما حسَدَك، لأنَّ ربَّنا عزَّ وجل وصَفَ المؤمنين أنَّهم يتنافسون في طاعة الله تعالى، قال تعالى:
﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾

(سورة المطففين)

المؤمن الدنيا خارِج اهْتِمامِه، ولذا علَّمَنا النبي أنَّهُ من رأى بيتًا فخْمًا أو مرْكَبَةً كان يقول:

((اللهم لا عيْش إلا عيش الآخرة..))
فمتاع الدنيا من بيوت ومركبات مُتَوَقِّفَة على نبْض القلب انتهى كل شيء، فلا يوجد قَبْر خمْس نُجوم !! فَكُلّ مَخْلوق يموت ولا يبْقى إلا ذو العِزَّة والجبَروت ؛
الليل مهما طال فلا بدّ من طلوع الفجْر
والعُمْر مهما طال فلابدّ من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامتـــه
يــومًا على آلة حَدْباء مَحْمــــول
فإذا حَمَلْتَ إلى القبور جنـــازَةً
فـــاعْلَم بأنَّك بعْدها مَحْمــــول
***

أيها الأخوة، ما ذُكِرَ الموت في كثير إلا قلَّلَهُ، ويُذْكر في قليل إلا كثَّرَهُ فإذا الإنسان مَحْروم وفقير وزواجُهُ غير ناجِح، وبيتُهُ صغير، ودَخْلُهُ أقلّ مِن مَصْروفِه، وكان مؤمنًا ومُسْتقيمًا على أمْر الله فإنَّهُ إن ذَكَر الموت ذَكَر الجنَّة، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[سورة القصص]
فالذي معه أموال لا تأكلُها النِّيران إذا مات لم يبْقَ معه إلا هذا القبر الصغير وسَيُشَيَّع إلى مَثْواه الأخير، أما المَثْوى مُوَقَّت فَهُوَ مُوَقَّت ولن تبْق فيه إلى أبد الآبدين، فإذا الإنسان إذا فكَّر بِبَيْتِه فلا بدّ من يومٍ يخرجُ منه دون أن يرْجِع، فالإنسان لا بدّ مِن أن يخْرج من بيتِه مرَّةً بِشَكْل أُفُقي والإنسان يرى مئات المساجد وآلاف المساجِد ؛ يُصَلي أو لا يُصَلِّي لكنَّه بِأنَّهُ ينتمي إلى أمَّة الإسلام يجب أن يدْخُلَ المَسْجِد ليُصَلَّى عليه ! كنتُ مرَّةً في مدينة المغرب ؛ مدينة فاس الإسلامِيَّة، رأيْتُ سمَّانًا كاتِبًا على محلِّه: صلِّ قبل أن يُصَلَّى عليك!
أيها الأخوة، أرَدتُ من هذه الآية:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
لا تُعَوِّد نفْسك الكلام عن أهْلِك وبيْتِك وزوْجَتِك وعن ترتيبها ونظافتها وأناقَتَها، وعن دَخْلِك ؛ هذا مرض النِّساء ؛ فهذا المديح لا يجْلب الخير، فلعلَّ إنسانًا فقيرًا نظَرَ إليك نظْرة حسدٍ فسَرَى إليك الشيطان، متى يُؤثِّر الحسد ؟ إذا كان المَحْسود غافِلاً عن الله تعالى وكان الحاسِد مُتَلَبِّس بالشَّيْطان، وهذه نصيحة كريمة، قال تعالى:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي(152)﴾

[سورة البقرة]
اُذْكر الله في كل مكان ولن يحْسُدك أحد، بل يغارون منك، وهي مَحْمودة، قال عليه الصلاة والسلام: لا حسد إلا في..." فأنت خلال سماعِك للخُطباء والدروس بلِّغ ما سمِعْت، لأنّ الحديث إذا كان عن الدنيا فإنَّك تجْلب به الأعداء دون أن تشْعُر ؛ إنَّ العَين لتَضَع الجمل في القِدْر، والرجل في القبر مأخوذ من قوله تعالى:
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ(5)﴾

[سورة الفلق]
فالإنسان إذا خرج من مصالحِه، ومن بيْتِهِ إلى خِدْمة الخَلْق وتذْكيرهم بالله وتعريفِهم به، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر انتهى من الحسد، لأنّ الناس تعلَّقوا به عن طريق الله تعالى، قال تعالى:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
يروون قِصصًا غريبة أنَّ أحدهم توفَّى فجاءَهُ الملكان لِيَسْألانِه فجاءتهما - الملكان - ضَرْبتان أخْرجتْهما من القبر، وكانت من شيخ المُتَوَفَّى، وقال لهما: أهذا يُسأَلُ ؟!!! هذه قِصص ما أنزل بها من سلطان، يت فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار ! قال تعالى:
﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ(46)﴾

[سورة هود]
وقال تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2)سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ(3)وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(4)فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ(5)﴾

[سورة المسد]
فالخَلْط والدَّجل ليس من الدِّين فلا ينقذك إلا التوحيد والاسْتِقامة على الطريق المستقيم
لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يُسرِع به نسبُه.
قال تعالى:

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]
وقال تعالى:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ(128)﴾

[سورة آل عمران]
وقال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

[سورة الأنفال]
وقال تعالى:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(10)﴾

[سورة الفتح]
وقال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
وقال تعالى:
﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ(4)﴾

[سورة السجدة]
قال تعالى:
﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ(71)﴾

[سورة الزمر]
فالفِكْرة الشائِعة بين العوام أنَّ أُمَّة مُحمَّد مرْحومة ! الأمَّة المرحومة هي أمَّةُ الاسْتِجابة لا أمَّةُ التَّبْليغ، فَكُلّ من وُلِد بِبِلاد المسلمين، وكان ينتمي إلى أب وأم مسلمان ؛ هو مِن أُمَّة التَّبليغ، أما أُمَّة الاسْتِجابة هم الذين اسْتَجابوا لله وللرسول لما يُحييهم ؛ صام وصلة وغضَّ بصَرَهُ وحرَّرَ دَخْلَهُ ؛ هذا مِن أمَّة الاسْتِجابة، أما الذي يظنّ أنَّ مَن ارْتَكَب الفواحش والمعاصي وأكل الحرام، والنبي سَيَشْفَعُ له فهُوَ مَفْهوم ساذج، إلا أنَّ الشفاعة لا تكون إلا لِمَن أذِنَ له الرحمن وقال صوابًا، قال تعالى:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)﴾

[سورة الأنبياء]
فالشفاعة تحتاج إلى إذْنٍ من الله تعالى، ومَن مات غير مُشْركٍ أصابَتْهُ شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
فالطالب لو نجَحَ بِكُل العلامات، وفي مادَّةٍ واحِدَة بقي له خمْس علامات كي ينجَح، هنا يُمْكن أن يُساعَد، ولكن ليس أن يرسُب بِكُل المواد ثمّ يُساعد !
نبْقى في هذه الآية إن شاء الله تعالى، وننتقِل في درْس قادِم إلى التي بعْدها، قال تعالى:

﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)﴾

[سورة يوسف]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 01:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثالث عشر



أيها الأخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[سورة يوسف]
إنسانُ سجين، ومودَعٌ في غياهب السُّجون يدْعوهُ المَلِكُ إلى قَصْرِهِ ! هل في الأرض إنسانٌ واحد يتردَّد في الخُروج من السِّجْن ؟ قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[سورة يوسف]
أوَّل استِنباط أنَّ المؤمن عزيز، وأغْلى شيءٍ يَمْلِكُهُ كرامَتُهُ وسُمْعَتُهُ وسيِّد المسيح يقول في قَوْلٍ مَشْهور: ليس بالخُبْز يحْيى الإنسان ! كُل واحِدٍ مِنَّا يعيش بِكَرامَتِهِ وسُمْعَتِهِ ومكانتِهِ الاجْتِماعِيَّة، فلو خُدِشَت هذه المكانة والسُّمْعة لم يُصْبِح للمال قيمة !
هذا الإنسان الراقي الذي يَحْمِل مبادئ، والذي له قِيَم ورِسالة، أما مِن دون رسالة ومبادئ وقِيَم فالمال كُلُّ شيء، يعني ألْف جبان ولا رحِمَهُ الله !! كان العرب يقولون في الجاهِلِيَّة: المَنِيَّة ولا الدَّنِيَّة.
فهذا النبي الكريم علَّمنا أنَّ الإنسان يعيش بِكَرامَتِهِ وبِسُمْعَتِهِ ونظافَتِهِ ونزاهَتِهِ، فماذا ينبغي أن يقول هذا النبي لما اسْتُدْعِيَ ؟ اُنْظروا للحِكْمَة لو قال للمَلِك: أنا بريء ! فَكُلّ سجين يدَّعي البراءة، لو قال له: القِصَّة كيْت وكَيْت وكَيْت، وطعَنَ بِزَوْجَتِهِ، فهو عليه السلام ما تحدَّث عن زوْجَتِهِ إطْلاقًا، ولا عن براءتِهِ، إلا أنَّ ألْقى في قلب الملِك سؤالاً كبيرًا ؛ قال له:

﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)﴾

[سورة يوسف]
ابْتعدَ عن ذِكْر القِصَّة التَّفْصيلِيَّة، وعن براءَتِهِ، وعن الطَّعْن في زَوْجَتِهِ، فلو ذَكَرها تَفْصيلاً أو أباح ما حصَل لما أفْلَح، ماذا فَعَل هذا النبي الكريم ؟ ألْقى تساؤُلاً في نفس المَلِك، وهناك قِصَّة ؛ هل تعْرِفُها ؟ قِصَّةُ النِّسْوَة اللاتي قطَّعْنَ أيْدِيَهُنّ ؛ هل تعْرِفُها ؟ أنا لا أخْرُج حتَّى تعرِفَها، فجعل هذا النبي الكريم المَلِك يتحرَّى الحقائق بِنَفْسِهِ ! فدائِمًا إذا قدَّمْتَ للناس حقيقةً من عندك دون برهان يرفضونها، أما إذا كنتَ ذَكِيًّا وجعلْتَ هذا الإنسان يكْتشِف لِنَفْسِه الحقيقة، فأرْوَع شيء في الدَّعْوَة أن تَجْعَلَ المَدْعو يكْشِفُ الحقائق ويضعُ يده عليها لِوَحْدِهِ، وهذه الطريقة ذَكِيَّة جدًا في الدَّعوة إلى الله تعالى ؛ تَجْعل المُسْتَمِع شريك وتَحْتَرِمُ ذكاءَهُ وعقْلَهُ وإمْكانِيَّاتِه، فإذا وصَل لِوَحْدِهِ تمسَّك بها والقاعِدة مَعْروفَة ؛ مَن أخذَ البلاد بِغَير حرْب يهون عليهِ تَسْليم البلاد، فالذي يُرَبِّي ثَرْوَة مِن كدِّه وعرق جبينِه حِسابُهُ دقيق في إنْفاقِها، أما الذي يأخُذها إرْثًا من والِدِه فهذا يُبَدِّدُها لأتْفَه الأسباب، فهذا الموقف رحْماني وتعليمي، فأنت أيها الإنسان تعيش بِكَرامتك ومبادئِك أكثر مِمَّا تعيش بِجِلْدِك وكرامَتِكَ والطَّعام والشَّراب والمال.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50)﴾

[سورة يوسف]
بالمناسبة ربنا عز وجل قال:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾

[ سورة التحريم ]
فَكَم هو كَيْدُ النِّساء ؟ هؤلاء كلُّهم في مُقابل النِّساء، وربنا عز وجل قال:

﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)﴾

[ سورة النساء ]
وقال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)﴾

[سورة يوسف]
والنِّساء حبائب الشيطان، فالخَلْوَة والحديث والمُجامَلَة ؛ هذا كُلُّهُ يذْهب بِدينِ الإنسان لذا أنت كَرَجُل لك نقطة ضَعْف واحِدة: المرأة، فحينما يغضّ بصره عن النِّساء، ويرفض الاخْتِلاط، ولا يخْلو بامرأة يحْفظك الشَّرْع وتكون في حِصْن الله، أما إذا خَرَقْتَ هذا الحِصْن بِأن اخْتَلَطْت وأطْلقْتَ البصر تخرج حينها من رحمة الله وحِصْنِه.
تجد إنسان له ثمانية أولاد وزوْجة، وتراه يتكلَّم مع امرأة ويَخلو بها وهي دون زوْجَتِهِ ؛ كل هذا من الاخْتِلاط والحديث.
قال تعالى:

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)﴾

[سورة يوسف]
فالمَلِك لما سأل قالوا كما قال تعالى:

﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾

[سورة يوسف]
البطولة لا أن تشْهَدَ لِنَفْسِك بالبراءة والنَّزاهة، البطولة أن يأتي المَدْح مِن خصْمِك، ومن الطرف الآخر فالعدوّ هو الذي شَهِد، وحينها قالت امْرأة العزيز كما قال تعالى:

﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)﴾

[سورة يوسف]
فالله هو الحق، فإذا كُنْتَ مَظلومًا فلا تَخَف، فالله اسْمُهُ الحق، ومِن لوازِم اسمِه أنَّهُ يُظْهِرُ الحق، إلا أنَّه تعالى قد يسْمَح للباطِل بِجَوْلَة إلا أنَّه في النِّهايَة لا يَحِقّ إلا الحق، ولا يصِحُّ إلا الصَّحيح، فهنيئًا لِمَن كان على الحق ولو اتَّهَمهُ الناس.
لماذا اتَّهَمْتيه ؟ وأوْدَعْتِهِ في السِّجْن ؟ قال تعالى:

﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

[سورة يوسف]
لِيَعْلَم أي زَوْجي.
أيها الأخوة، هناك قانون وهو منذ خلق الله الأرض وإلى نِهاية العالم قال تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

[سورة يوسف]
فهذه الآية لا علاقة لها بهذا الموضوع فقد، بل هي قاعِدة، الخيانة مَفْضوحَة، فقد تكفَّل الله أن يكْشِفَ كلَّ خائِنٍ، وقد يكون الإنسان ذَكِيًّا إلا أنَّ الله يكْشِف خِيانتَهُ بأتْفَه أسلوب، وهذا بِكُل الشُّعوب والمناطق وعلى كل المعمورة، لذا مهما احْتَلْتَ وحَبَكْت الأمور يكْشِفُك الله.
فلا تَخن الله ورسوله، ولا شريكك، ولا المريض ولا الزَّبون، وهناك آلاف القصص تُبرْهِن افْتِضاح الخائِن بِسَقْطة لِسان، فالذي يظنّ أنَّه يخون ولا يُفْتَضَح فَهُوَ أحْمَق.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 01:52 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزءالرابع عشر



أيها الأخوة الكرام، لازِلْنا في قِصَّة يوسُف عليه السلام، قال تعالى:
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

[ سورة يوسف ]
هذه الآيات انتَهَيْنا منها في الدرس الماضي، قال تعالى:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
أيها الأخوة الكرام، النُّفوس ثلاثة ؛ نَفْسٌ أمَّارةٌ بالسُّوء، ونَفْسٌ لوَّامَة ونَفْسٌ مُطْمَئِنَّة، قال تعالى:
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)﴾

(سورة القيامة)

وقال تعالى:

﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)﴾

[ سورة يوسف ]
وقال تعالى:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْس هي أنت، هي ذاتُك، هي المُخاطَبَة، والمُؤْمِنَة، والمُقَصِّرَة والمُحْسِنَة، والمسيئة، وهذه النَّفْس لا تَموت، ولكن تَذوق المَوْت فما دام الله قد خَلَقَها فقد خَلَقَها لِتَبْقى إلى أبد الآبِدين ؛ إمَّا في جنَّة يدومُ نعيمُها أو في نارٍ لا يَنْفذ عذابها.
أيها الأخوة الكرام، تَصَوَّر تمامًا النَّفْس الأمَّارَة بالسُّوء مَرْكَبة تسير بِلا مِقْوَد، وبلا مصابيح، يقولون فلانٌ فَعَل وأكل حرامًا وزَنى، شيءٌ طبيعِيّ جدًا، وهذا هو الشيء الطبيعِيّ لِإنسانٍ مَقْطوعٍ عن الله تعالى ولإنسانٍ انطفأت أنوارُهُ، ولا يَمْلِكُ المَنْهَج الصحيح، فَكُلّ إنسانٍ لا يَعْرِف المَنْهَج وانْطَفأتْ أنْوارُه فالحادِث صحيحٌ وحَتْمِيّ، وطبيعيّ ومَعْقول، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْسُ أودِع فيها الشَّهوات وحُبَّ النِّساء والمال والعُلُوَ والسَّيْطَرة، أوْدَع فيها هذه الشَّهوات كي تَرْقى إلى الله تعالى، الشَّهوات كما أقول لكم دائِمًا: سُلَّم نرْقى بها إلى الله تعالى، ودَرَكاتٍ نَهْوي بها إلى النار وهي حِيَادِيَّة، فما مِن شَهْوَةٍ أودِعَتْ فينا إلا ويُمكن أن تُوَظَّف في الخير أو في الشرّ، وما مِن قُدْرَةٍ أوْدَعَها الله تعالى فيك، وما مِن مَلَكَةٍ أو غريزَةٍ إلا ويُمْكِنُ أن تُوَظَّفَ في الحق، كما يُمكنُ أن تُوَظَّف في الباطل، لذلك النَّفْس قبل أن تَعْرِفَ الله فهِيَ أمَّارَةٌ بالسُّوء، وهو شيء طبيعيّ جدًا، فَهِيَ أوِدَع فيها حُبَّ المال، والمال أمامها وينبغي أن تأخُذَهُ حقًّا كان أو باطِلاً، لكِنَّ النَّفْس التي تَعَرَّفَتْ إلى الله تعالى واتَّصَلَتْ به رَحِمَها اله عز وجل، ورَحِمَها بِهذا النُّور الذي أُلْقِيَ في قلْبِها، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29)﴾

[ سورة الأنفال ]
وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(28)﴾

[ سورة الحديد ]
فالإنسان يُرضيه القرار الأحْمَق ! لماذا ؟ لأنَّهُ رأى أنَّ هذا لِصالِحِه، وهذه رؤيةٌ خاطِئَة، إذًا سببُ شَقَاء الإنسان رُؤْيَتُهُ الخاطِئَة، لماذا قال يوسف عليه السلام: معاذ الله إنَّه ربي أحْسن مثواي ؟! لأنَّهُ رأى عواقب الزِّنا ولماذا ينْغَمِس في هذه المَعْصِيَة الآن العَفِنَة القذِرَة ملايين الأشْخاص كُلّ يوم ؟! لأنَّهم رأَوْها مَغْنَمًا، إذًا الذي يُفَرِّق بين الإثْم والطاعة صِحَّةُ الرؤيَة فأنت إما أن ترى بِنُورٍ أوْدَعَهُ الله تعالى فيك، وإما أن ترى بِبَيانٍ بيَّنَهُ الله لك.
أوَّلاً تُصْغي السَّمْع للحق، وتقْرأ القرآن، فإذا فَعَلْتَ هذا قذفَ الله في قلبِكَ النور، فلو أنَّ طالِبًا اخْتِصاص كيمْياء مُبْتَدِأ يعْرِفُ المواد في البِداية باللُّصاقات ؛ هذه صوديوم وهذا بوتاسيوم... لكن بعد الممارسة الطويلة يعْرِفُ المادَّة ليس مِن اسْمِها ولا مِن لُصاقَتِها بل مِن مُعايَنَتِها فأنْتَ تَصْعَد إذا اتَّخَذْتَ قرارًا صحيحًا، وهذا القَرار أساسُهُ إمَّا القناعَة التي أساسُها البيَان، وإمَّا رؤيَة أساسُها الاتِّصال بالله، وإما أن يجْتَمِع هذان معًا ‍، لذلك النَّفْس الأمَّارَة بالسوء مِن الطَّبيعيّ والمَعْقول أن تأمُرَ بالسُّوء أو تتَّجِهَ إليه، كما لو قيل لك: سيارة تمْشي بِطَريق مملوء بالمُنْعَطَفات وليس معها مصباح ‍! فلا بدّ مِن أن تصْطَدِم، وأخرى تمْشي بلا مِقْوَد ! فلا بدّ أن تصْطَدِم، فالحادِث حَتْمي، وطبيعيّ والشيء الغريب أن لا تصْطَدِم، وأن لا تقع بحَواجِز، فَكُلّ إنسانٍ مَقْطوعٌ عن الله تعالى مِن البديهي و الطبيعي أن يواكب الحرام ويعْصِيَ الله تعالى ويزْني لأنَّهُ أعْمى، ومعه شَهَوات تُحَرِّكُهُ، ولا نورَ معه ولا بيان ؛ فالقرآن والسنَّة بيان، والاتِّصال بهما مَعْدوم، وهذا هو معنى الآية: إنَّ النفس لأمَّارة بالسوء.
أما إذا تعَرَّفَ الإنسان بالله واتَّصَل به، ويذوق طَعْم القُرْب فإذا انْقَطَع من الله تعالى فجْأةً، فهذا دخل بِصِنْفٍ ثاني، هو في قوله تعالى:
﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2)﴾

[ سورة القيامة ]
دائِمًا يلوم نفْسَهُ، لماذا إقبالي على الله ضَعيف ؟ ما الذي فَعَلْتَ ؟ لعلِّي اقْتَرَفْت ! أو تكلَّمْت كلمَةً غير مناسبة، فالنَّفْس اللَّوامَة أقْسَم بها الله تعالى، والإنسان الراقي جدًا مَن أسرَّتْهُ حسَنَتُه وساءَتْهُ سيِّئتُهُ، فالذي يَقْتَرِف السيِّئات ثمّ ينام ويسخر هذا إنسانٌ ميِّت لا يعْبأ الله به أبدًا، وهذا معنى قول النبي الكريم:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))

[ رواه مسلم ]
ليس معنى لو لم تذنِبوا أي ترْتَكِبوا الذُّنوب ! لا، ولكن المعنى إذا لم يَكُن لكم حساسِيَّة.
أحْيانًا يضعُ أحدنا يده على قلب المريض فيقول: له نبْض ضعيف ! فإذا لم يكن هناك نَبْض فهذا ميِّت، تضَعُ مرآةً أمامَهُ فلا تَجِدُ البُخار هذا يعني: عظَّم الله أجركم ! فالطبيب إذا وَجَد النَّبض ضعيفًا أو مُقارب للصِّفْر يأتي بِخيْط ويضعُه أمام عين المريض فإذا تحرَّكَت الحدقة كان هذا دليل الحياة، ويأتي بِمرآةٍ ويضعُها أمام أنفِه فإذا وُجِد بُخار ماء كان هذا يعني أنَّه على قيْد الحياة، فإذا ما تغيَّت الحدقة وما ظهر البخار كان هذا يعني أنَّه لا يوجد نَبْض، وهكذا الإنسان إذا ارْتَكَب معْصِيَة ولم يتأثَّر ونام مرتاحًا وأكل الحرام، فهذا إنسان قد انتهى.
وعلى هذا فالنَّفْس اللَّوامة تعْرف الله ؛ يجوز أو لا يجوز، يرْضى أم لا يرْضى، شَرعي أو غير شرْعي، ظلَمْت أم لا، فهذا شُعور دليل الحياة، إلا أنّ الأرْقى منه النَّفس المطمئِنَّة، قال تعالى:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْس اللَّوامَة نفْسٌ تعرَّفَتْ إلى الله تعالى مَعْرِفَةً غير كافِيَة، فهي بين أخْذٍ وردّ، وبين طاعة ومعْصِيَة لكِنَّ النفس المطمئنة كما قال تعالى:
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)﴾

[ سورة يوسف ]
علامة الحياة اللَّوْم، لكنَّ النبي الكريم وصَفَهُ الله تعالى بأنَّهُ مَحْمود عنده وعند الناس، وعند نفْسِهِ، فأحْيانًا تجد أحدهم ذَكِيًّا أمام الناس ويَنْتَزِع إعْجاب الآخرين ولكِنَّه يحْتَقِرُ نفْسِهِ؛ يكون عنده شيء من النِّفاق، وشيء من الازْدِواجِيَّة والدَّجَل، يُظْهِر شيئًا ويُبطِن شيئًا آخر، فالإنسان لا يرْتاح إلا إذا تعرَّفَ إلى الله تعالى، قال تعالى:

﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]
نرْجو الله سبحانه وتعالى أن نكون مِن أصْحاب النُّفوس المطْمَئِنَّة، اِطْمأنَّتْ حينما عرفَت ربَّها وأطاعَتْهُ وتقَرَّبَتْ إليه.

فلو شاهَدَت عَيْناكَ مِن حسـن ما رأوْهُ لما ولَّيْتَ عنَّا لِغَيْرِنَا
ولو سَمِعَت أُذناك حُسْن خِطابنا خَلَعْتَ عنك ثِياب العُجْب وجئْتَنا
ولو ذُقْتَ مِن طَعْم المحبَّة ذرَّةً عَذَرْتَ الذي أضْحى قتيلاً بِقُرْبِنا
ولو نسمَتْ من قربنا لك نسمة لَمُتَّ غريبًا واشْتِياقًا لِقُرْبِـــنا
فما حبُّنا سَهلٌ وكل من ادَّعى سُهولتهُ كُنَّا له قد جَهِلْتَــــنا
***








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 01:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الخامس عشر



أيها الأخوة المؤمنون، لازِلْنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[ سورة يوسف ]
يُسْتَنْبَط من هذه الآية أنّ الله سبحانه وتعالى هو الحق، وهو الذي يُظْهِرُ الحق، ويُجازي المُحْسِنَ على إحْسانِهِ، ماذا أراد أخوة يوسف ؟ وماذا أراد الله ؟ أنت تريد وأنا أريد والله تعالى يفْعَل ما يريد.
ابن آدم كُن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كُن لي كما أريد ولا تُعْلمني بما يُصْلحك، ومَن أحبَّنا أحْبَبْناه، ومَن طلب مِنَّا أعْطَيناه ومن اكتفى بنا عمَّا لنا كنا له وما لنا، وإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُك ما تريد، وإذا لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.
الإنسان عليه أن يستقيم على أمر الله، وأن يُخلص لله له ويتقرَّب إليه، وعلى الله تعالى الباقي ؛ هو الذي يُدافِعُ عنك وينصُرك ويُكْرمك ويُسْعِدُك ويُقَرِّبك ويُعْلي مكانك ويرفعُ ذِكْرك، اسْتقيموا ولن تُحْصوا قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: أي لن تُحصوا الخَيْرات مادِيَّة ومَعْنوِيَّة، وقريبة وبعيدة، مِن كُلّ النواحي، لذلك الفَوْز والنَّجاح كلّه في طاعة الله، والفلاح كله في طاعة الله، وكذا التَّفوُّق.
وُضِع بالجبّ، واشْتُرِيَ بِثَمَنٍ بخْس، ووُضِع في قَصْر الملك خادِمًا وعَبْدًا، وأُمِر أن يفْعل ما يفْعل بامرأة العزيز، وكان شابًّا غريبًا جميل الصورة، وفي أشدِّ ثوران الشباب، أمَرَتْهُ امرأة ذات منْصب وجمال وقالت: هيْتَ لك، وليس مِن صالِحِها أن يفْشُوَ الأمر، وقد أمرتْهُ فقال معاذ الله إنَّه ربي أحْسنَ مَثْواي، ودخل السِّجن وفي النِّهاية - العِبْرَة في النِّهاية - قال تعالى:
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾

[ سورة الأعراف ]
نريد أن نرى مَن يضْحك أخيرًا، لأنّه مَن يضْحك أخيرًا يضْحك كثيرًا ومن يضْحك أوّلاً يبكي كثيرًا، المغانِم الآنِيَّة لا تغْتَرّ بها، فهذه تزول إنَّما اهتَمّ بالمغانم البعيدة التي لا تزول، فقارون قال عنه تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)﴾

(سورة القصص)

ونِهاية القصَّة يقول الله عز وجل:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

(سورة القصص)

فسيِّدُنا من طِفْلٍ صغير إلى جب خطير إلى سِجْن إلى خادم في السِّجن إلى إلى..عزيز مصر ! قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾

[ سورة يوسف ]
قال تعالى:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾

[ سورة يوسف ]
وهنا سؤالٌ دقيق فالمؤمن ليس سلبيًا، وليس انْطِوائِيًّا، وليس منهَزِمًا، ولا يهْرب وإيجابي، ولكن بِشَرْط: إذا أوصِلَ إليك عمل فيه نَفْعٌ للأمة وأُطْلِقَت يدك ينبغي أن تَقْبَلَ به، وأنا أقول: وأطلقت يدك، أما إذا كنت أداةً فينبغي أن لا تَقْبَلَها، إذا أوكِلَت إليك مهمَّة فيها نفْعٌ للمؤمنين وأطلقت يدك، فلا بدّ أن لا تنْزوي وأن تتقَوْقَع، ولا تكن انعزالي، وقيل لك: أنت مخلص عندنا، كما أنَّهُ لا يهمُّك مَن وكَّلَك، فأنت في عملٍ تنفَعُ المسلمين ؛ فهذا الذي فعلَهُ يوسف عليه السلام، قال تعالى:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾

[ سورة يوسف ]
فالإنسان مثلاً إذا كان مُدَرِّسًا أو طبيبًا، ومدير مستشفى، فإذا كنت مؤمنًا فأنت أفضل من ذاك المدير غير المؤمن ألف مرَّة ! الأمور مَضْبوطة عندك ؛ فلا رَشْوَة ولا انْحِراف، لذلك قال يوسف في قوله تعالى:

﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾

[ سورة يوسف ]
وهذا حُكْم شرعي ؛ لك أنْ تعمَلَ عمَلاً فيه نَفْعٌ للمسلمين بِشَرْط أن لا تكون أداةً لِغَيْرِك، وأن تُطلق يدُكَ في هذا العمل، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

[ سورة يوسف ]
والله لَزَوال الكَوْن أهْوَنُ على الله تعالى أن يُضَيِّع عمل مُحْسِنٍ، ومِن أن يُضَيِّعَ على مستقيم اسْتِقامتَهُ، ومِن أن يُضَيِّع على مَن خاف الله تعالى خَوْفهُ، تخاف الله تعالى ولا تنتفِع، ولا يرْفع ذِكْرَكَ، تقول: معاذ اله تعالى ثمَّ تكون آخر الناس ! تخْشى أن تعْصِيَ الله تعالى ولا تُوَفَّقُ في عملِك ؛ مُستحيل.
أيها الأخوة، ما ترَكَ عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه في دينه ودُنياه، فقد كان الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين إذا قرءوا بِقِيام الليل بعض الآيات تهتزّ مشاعرهم، وكان بعض التابعين والعلماء العاملين يقرؤون آيةً يُعيدونها إلى الفَجْر، فهذه الآية:

﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

[ سورة يوسف ]
حاش لله تعالى أن يُضَيِّعَ عليك عملك الصالح واسْتِقامتك وخَوْفك وخشْيتك ومحبَّتَك، لابدّ أن تتفاءَل فأنت مع الله تعالى، وأنت مَحْفظ بِحِفْظ الله ومُكَرَّم بِكَرامة الله ومُقَرَّب إليه تعالى ومَنْصورًا بإذن الله، لذا الإخلاص الإخلاص، يا معاذ، أخْلِص دينَك يكْفِكَ القليل من العمل، أنْفِق يا بلال ولا تخْش من ذي العرش إقلالاً والقِصص المُؤيِّدة لهذه المعاني لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، فَكُلُّنا يعْلَم أنَّ مَن يستقيم ومن يخلص لله عز وجل يعرف كيف يحفظه الله ويرفع شأنه قال تعالى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4) ﴾

[ سورة الشرح ]
فالمستقيم يكون في المقدِّمة وليس في المؤخِّرة.
المؤمن يمرّ بِثلاثة أطوار ؛ طَوْر يُعالَج، وفي طَوْر يُمْتَحَن، وفي طَور يُكَرَّم وهو الطَّوْر المديد والأخير، فمرحلة المُعالَجَة تكو هناك أمراض ومُخالفات، فإذا اسْتَقَمْتَ على أمْرِهِ كانت هناك مرحلة ثانية وهي مرحلة الابتِلاء، وقد سُئل الإمام الشافعي أنَدْعو الله تعالى بالتَّمْكين أم بالابْتِلاء ؟ فقال: لن تُمَكَّنَ قبل أن تُبتَلى، قال تعالى:
﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73)﴾

[ سورة الأنبياء ]
تمر بثلاثة مراحل: مرحلة المعالجة ومرحلة الابتلاء، ومرحلة التَّكريم، فسيِّدنا يوسف مرَّ بهذه المراحل ووصل إلى مرحلة التَّمكين قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)﴾

[ سورة يوسف ]
ولكن أجْمَل ما في الآية أنَّ الإنسان إذا مكَّنَهُ الله تعالى في الأرض وجعلهُ قَوِيًّا، ومتَّعَهُ بِمالِهِ وأولادِه وصِحَّتِهِ، ومأوى، وكلّ الدنيا مُقْبِلَةٌ عليه، فهذا العَطاء الدُّنْيَوي ليس بِشَيء أمام عطاء الآخرة، اِذْهب إلى الساحل وارْكَب قارِبًا واغْرُسها في مياه البحر، ثمّ ارْفَعْها، فماذا حَمَلَتْ مِن مياه البحر ؟‍‍‍‍! هذا تَمثيل مثَّلَهُ النبي عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ..

(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

[ رواه مسلم ]
قال تعالى:
﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
أصْبَحَ عزيز مصر، وملِكًا وعظيمًا ويفعل ما يشاء، ومع ذلك هذا العطاء الدنيوي إذا قيس بعَطاء الآخرة فليس بشيء.
مِحْوَر الآية أنَّ المؤمن ليس انعزاليا وليس سلبيًا، ولكنَّهُ إيجابيّ ولكن وِفْق الشرع، يُضَحِّي بالدنيا كلِّها ولا يعصي الله تعالى، أما إن دُعِيَ لِعَمَلٍ صالحٍ، ولِخِدْمة المسلمين وأُطْلقت يده يقبلُهُ.
الفكرة الثانية أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُضيع أجْر المحسنين، والفكرة الثالثة أنَّ الدنيا لا تساوي شيئًا قياسًا بالآخرة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 01:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السادس عشر




أيها الأخوة المؤمنون، هم لم يعرفوه ولكنه هو عرفهم، وهذا تفسيرها سهل، أحيانًا يكون مُدَرِّس درَّسَ ثلاثين سنة، وعلَّم الصِّغار، وفَهُوَ شَكْله ثبت بعد الخامسة والعشرين، ولكنهم هم كانوا صِغارًا، فحينما يرى بعدها طالِبًا له لا يعرفُهُ، أما الطالب يعرفُهُ، فسيِّدُنا يوسف كان صغيرًا حينما وضَعوه بالبئر، ويعرفهم تمامًا، وكانت أشْكال أخوته ثابتة، وهو كان صغيرًا، وهم ظنُّوا أنَّه مات، وأنهم حينما وضَعوه بالبئر لقي حتفه وانتهى الأمر.
دخلوا على عزيز مصر الآن، لذلك الآية:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾

[ سورة يوسف ]
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئة الله تعالى هي النافذة وهو القاهر، والمُهَيْمِن، وهو الذي إذا قال: كُن فيكون، وزُل فَيَزول فكل إنسان يتعامل مع غير الله فهو مسكين، فهذا يتعامل مع الأصفار فهذا لا يتعامل مع قوَّة وإنَّما شبح وظِلّ ووَهْم، فالله عز وجل يقول:
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

(سورة الفتح)

وقال تعالى:

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

[ سورة الأنفال ]
فالتعامل مع لا سِوى الله تعالى تعامل مع اللا شيء، وتعامل مع خيال ووهْم وشبَح، وتعامل مع كذب ودَجَل، قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

[ سورة فاطر ]
قال تعالى:

﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)﴾

[ سورة يوسف ]
علَّق إعطاء حصَّتِهم لهم من الميراث في العام القادم على أن يأتوا بِأخيهم مِن أبيهم.
قال تعالى:

﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)﴾

[ سورة يوسف ]
أي لا نظنّ أنَّه أبانا سيَسْمحُ لنا بأن نأخذ أخًا لنا ! لأنَّهم علموا ما فعلوه، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)﴾

[ سورة يوسف ]
فَحَسب السِّجِلات الأخ غائب، فإذا لم يأت لم يأخذ حِصَّتَهُ، فهو قال لهم: لن تأخذوا حِصَّتَهُ إلا إذا جاء، فهو جعل حِصَّتَهُ في رِحالهم.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)﴾

[ سورة يوسف ]
مُنِعَ منهم كَيْلُ أخيهم قال تعالى:

﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]
هناك مثَل يقول: مَن جَرَّبَ المُجَرَّب كان عَقْلُهُ مُخَرَّب، قال تعالى :

﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

[ سورة يوسف ]
ورَدَ بالأَثَر القُدسي أنَّ الله تعالى يقول لِبَعض عِبادِهِ الأتْقِياء يوم القيامة:
((عبدي أعطيتك مالاً، فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ فيقول هذا العبد - ولا كذب هناك -: لم أُنْفِق منه شيئًا مَخافَةَ الفَقْر على أولادي، فيقول الله عز وجل: ألم تعْلَم بِأنِّي أنا الرزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنّ الذي خشيتهُ على أولادك من بعدك قد أنْزَلْتُهُ بهم، ويقول لِعَبْدٍ آخر: قد أعْطَيْتُك مالاً، فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ فيقول: يا رب، قد أنْفَقْتُهُ على كُلِّ محتاجٍ ومسْكين، لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافظًا وأنت أرْحَمُ الراحمين، فيقول الله عز وجل: أنا الحافظ لأوْلادِكَ مِن بعْدِك ))

فالرَّجُل الصالِح، ولو مات فإنَّك هو الذي تكفَّل بِهم، وهو الذي يُكْرمهم، ويُعلي شأْنَهم، فأنت كُنْ صالِحًا مع الله تعالى فقط، أما الذي يقول لك: أنا إن لم أَغُشّ لا أستطيع أنْ أُطْعِمَ أوْلادي ‍! فهذا شِرْك، يكْذِب ويَغُشّ كي يُطْعِمَ أوْلاده.
إذا ترك الإنسان ثرْوَة حرام لأولاده يقول: يا أهلي، يا ولدي لا تلْعَبَنَّ بكم الدنيا كما لعِبَتْ بي، جَمَعْتُ المال مِمَّا حلَّ وحَرُم، وأنْفَقْتُهُ في حِلِّه وفي غير حِلِّهِ، فالهَناء لكم والتَّبِعَةُ علينا.
وورَدَ في الأثر:
(( أنّ أنْدَمَ الناس يوم القيامة رجُلٌ دَخَلَ ورَثَتُهُ بِمالِهِ الجنَّة ودخل هو بِمَالِهِ النار ))

المال نفسُهُ ؛ جُمِعَ بالحرام فدخل النار، ووَرِثَهُ أهْلُهُ بالحلال فأنْفَقوه بالحلال فدخلوا الجنَّة، لذلك دِرْهَمٌ تُنْفِقُهُ في حياتِك خير لك من ألف درهم يُنْفَقُ بعد مماتِك.
بِعُمْرٍ قصير شَهِدْتُ أكثر من مائة وَصِيَّة لم تُنَفَّذ، أحدهم يَضَع وصِيَّة بمائة ألف للفقراء، فيقول الأولاد: إنَّ أبانا لم يكن بِعَقْلِهِ !! لا تكن تحت رحمة أحد، قدِّم مالك وارْتاح، فالورَثَة قد لا يُنَفِّذوا الوصِيَّة، فالآن إذا لم تكن هناك وَصِيَّة عند كاتب العَدْل، ومُصَدَّقة وشُهود فلا تُنَفَّذ.
قال تعالى:
﴿قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ(65)﴾

[ سورة يوسف ]
اسْتَغْربوا أنَّ البِضاعة التي مُنِعوا منها وَجَدوها في رِحالهِم، فقالوا: إن ذَهَبْنا بأخينا نأخذ حِصَّة ثانِيَة أخرى، وفي درس قادِمٍ نُتابِعُ القصَّة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء السابع عشر



أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾

[ سورة يوسف ]
الصبر الجميل أيها الأخوة نتيجة لِمَعرفة الله عز وجل، ونتيجة طبيعِيَّة لِمَن يؤمن بأنَّ الله تعالى إذا أراد شيئًا وقَع، وإذا وَقَعَ الشيء أراده الله
الصبر الجميل هي نتيجة طبيعِيَّة لإيمان المؤمن بِهذه الحقيقة التي هي أصْل في العقيدة، وإذا أراد الله شيئًا أن يكون كان، وإذا رأيْتَ شيئًا قد وَقَع فقد أراده الله، فإنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُمكن أن يكون في مُلْكِهِ إلا ما يُريدُهُ، ولا يكون في مُلْكِهِ شيء لا يُريدُهُ، ومن ألوهِيَّتِهِ أن إذا أراد أن يقع شيء وقع، الخيرة فيما اخْتارَهُ الله، ولكنَّ إرادة الله مُتَعَلِّقَة بالحِكمة المطلقة، والحكمة المطلقة أيْ أنّ الله تعالى مُنَزَّهُ أن يفْعَلَ فِعْلاً غير حكيم لِعِلَّةِ الجَهْل أو الضَّغْط أو الإغْراء، فالإنسان يرتكب حماقة بِسَبب ضَغْط ؛ يقول لك: جاءني ضَغْط فوق طاقتي، وهو غير قانِعٍ، أو أغْراه شيء أو جذَبَهُ فارْتَكَب حماقَةً، أو كان جاهِلاً في موضوع ما فارْتَكَب حماقة، فالعَمَل المنافي للحكمة أساسه الإغراء أو الضَّغْط أو الجَهْل، وذات الله سبحانه وتعالى مُنَزَّهة عن كلّ هذا، فأفْعال الله أنَّ كل شيء وَقَع أراده الله، وكل شيء أراده الله وَقَع، وإرادة الله مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المطلقة، وحِكْمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
أيها الأخوة، حقيقة من أخْطر الحقائق، الشرّ المطلق لا وُجود له بالكون ‍، أي الشرّ لأجْل الشرّ، فيُمْكن لإنسان أن يُخَدِّر إنسانًا ويفتح له بطْنه ويخرجه الزائدة ؛ فهذا شرّ لكنَّهُ نِسْبي، وهدفُهُ نبيل، وهو إزالة الالْتِهاب، إذًا يجب علينا أن نعْتَقِد أنَّ الشر المطلق لا وُجود له بالكون وأيُّ إنسان يعتقد خِلاف هذا، فإنَّه يرتكب الكفر بكمال الله عز وجل ولكن هناك الشر النِّسبي، فهو عندنا نسبي أما عند الله تعالى فهو مُعالجة.
هذا المعنى إذا ترخَّس في نفْس المؤمن، يصبر، وأنّ ما وقع أراده الله، وهذه الإرادة مُقَدَّسة، فهي رحيمة وعادِلَة وخير، تجد إنسانًا لأتْفَه سبب يسبُّ الدِّين، وهذا مِن جهْلِهِ، أما المؤمن إذا جاءَتْهُ أصعب المصائب تجده يقول: حسبِيَ الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، يرى يد الله تعمل في الخفاء، وتعْمل فوق أيدي الناس، فالمؤمن الكامل لا يرى أنَّ أفعال العباد إلا تعْبيرًا عن مشيئة الله عز وجل، فالواحد إذا تلقَّى الضربَة بالعصا، فهل يغضب ويحقد العصاة ؟‍‍‍‍! هذه عصاة، وإذا كان الضارب حكيم وعليم وخبير، هذا يعني أنَّ الغلط منه !! تعالى الله، لذا المؤمن لما يتلقى مشكلة أو ضربة يقول لك: فعل هذا معي بِمَشيئة الله، والله تعالى حكيم وعليم ورحيم، لهذا ورد في الحديث الشريف: ما من عثرة ولا اخْتلاج عرق، ولا خدْش عود إلا بِما قدَّمت أيديكم، وما يَعْفو الله أكثر، والمصائب مصائب قَصْم، فالمصائب رفْع للمؤمنين، قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[ سورة البقرة ]
صَبْرُكَ بِقدْر إيمانك، ومعرفتك بكمال الله، ولا إله إلا الله، فالله هو معطي والقابض، وهو الفعَّال، والمانِع، والمحيي والمُمِيت، وهو المعزّ والمُذِلّ، هناك حديث غريب:
((الصبر هو الإيمان..))
فأنت لا تصْبر إلا إذا علمْت أنّ الإيمان فيه صبر وحكمة ورحمة، أما ضعيف الإيمان، فيرى الواحد جوعان، ويُصلي، وذلك لا يصلي وسينفجر أكلاً ! ما هذا ؟ هذه نَظْرة قاصرة، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]
إذًا كلمة فَصَبْر جميل، هذه كلمة ولكنَّها مُحَصِّلَة إيمان كبير جِدًّا وأنت كُلَّما ارْتقى إيمانك تتلقى الأشياء المُزْعِجَة بِصَبْر جميل، وهذا فِعْلُ الحبيب، فهذا الذي تُحِبُّه هذا قرارُهُ، والذي تَعْبُدُه وترْجوه هذه إرادتُهُ.
قال تعالى:

﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)﴾

[ سورة يوسف ]
لذلك قال العلماء: مرض ابْيِضاض العَيْن سببُهُ نفْسي، والآن يكاد يُجْمِع الطب على أنَّ معظم الأمراض تعود في أسبابها الرئيسة إلى الصَّدَمات النَّفْسِيَّة، بل إنّ مرَضَ السَّرطان الذي هو المرض الخبيث المسْتعصي، في أحْدَث التَّحليلات الدقيقة له ؛ أنَّه مادام النُّمو العَشْوائي للخلايا بِسَبب ضْعف جِهاز المناعة، وجهاز المناعة هو الضابط لِنُموّ الخلايا، وهو يضْعف أثناء الصَّدمات النَّفْسِيَّة، معنى ذلك أنَّ التوحيد هو الصِّحة، فإذا أرَدْت الصِحَّة، فما دام جِهاز المناعة سليم ؛ معنى ذلك أنَّ الأجهزة كلَّها سليمة، هناك آلام عَضْمِيَّة أسبابها صَدَمات نَفْسِيَّة وحتَّى عضليَّة، فهذه الصَّدمات وراء القرْحة، والهضْم والْتِهاب المعِدَة والأمعاء، ومرض السُّكَر، وضغط الدم، فلو أحْصَيْتَ الأمراض لرأيْتَ أنَّ معظم الأمراض أسبابها شِدَّة نَفْسِيَّة، والإنسان يرْتاح بالتوحيد، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد.
قال تعالى:

﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾

[ سورة يوسف ]
قال: يُعاب مَن يشْكو الرحيم إلى الذي لا يرْحَم، والعلماء قالوا: مَن شكى إلى مؤمن فكأنَّما شكى إلى الله، ومَن اشْتكى إلى كافر فكأنَّما اشْتكى على الله، فأنت لو شَكَوْتَ همَّك لإنسان غير ملتزم رأْسًا يقول لك: قلنا لك دَعْك من هذا الدِّين السَّميك !! وأنت مُتَزَمِّت، وأنت تعيش بِعَصْر آخر، أما لو شَكَوْتَ لمؤمنٍ يُصَبِّرُك، ويَهْتمُّ لك، فإيَّاك أن تشْكو همَّك لكافر، لأنَّك تُضيف للمُصيبة مصيبَةً أخرى، والدعاء النبوي الشريف: اللهم إنا نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَّلْب بعد العطاء، والأفضل أن لا يشْكو الإنسان همَّه لأحد بل يدعه لله تعالى.
قال تعالى:

﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)﴾

[ سورة يوسف ]
فأنت تكبر عند اله تعالى إذا جاءَتْكَ مُصيبَة وما تكَلَّمْتَ لأحدٍ، قال له: يا إبراهيم، هل لك من الله حاجة ؟ سيَحْرَقونه في النار، علمُهُ بِحالي يُغني عن سؤالي، فإذا كان الأمر مع المؤمن لك أن تشتكي له أما مع غيره فلا، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200)﴾

[ سورة آل عمران ]
هناك من يفْضح كل سرّ المُشتكي، فأكْمَل مِن أن تشْكو لِمؤمن أو كافر أن تشكو إلى الله تعالى وعلمه بِحالك يُغني عن سؤالك، وإذا كنت في كل حال معي فعن حمْل زادي أنا في غِنى، وكن لي كما أريد أكن لك كما تريد، ولا تعلمني بِما يُصلِحُك، وإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كَفَيْتُكَ ما تُريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثامن عشر




أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)﴾

[ سورة يوسف ]
الآن وصَلَت العقدة إلى نهايتها، وسوف تُحَلُّ هذه العقدة بكلمة من هذا النبي الكريم، قال تعالى:

﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)﴾

[ سورة يوسف ]
صُعِقوا ! أين يوسف ؟ يوسف ماتَ مِن زمنٍ طويل ! أيُّ يوسف ؟! قال تعالى: قالوا

﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
القصَّة كلُّها تكْمُنُ في هذه الآية:

﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
وهذه الآية يجب أن يقولها كل مؤمن، يتَّق أن يعْصِيَ الله ويصبر عن ثلاثة أشياء: يصْبر عن الشَّهوة، ويصبر على الطاعة، ويصبر على قضاء الله، فعلى الشَّهوة ؛ امرأة جميلة بالطريق فأنت لك أن تنظر ولا قانون في الأرض يمنعُك أن تنظر،و لكنَّه تخشى الله وتقول: يا رب، إنّ أخافك.
والصبر على الطاعة ؛ أن تُصَلِيَ الفجْر في جماعة، وأن تؤدِّي زكاة مالك، وتحجّ، وتصوم رمضان وتُؤدِّي الحقوق، وأن تكون أمينًا وأن تقول كلمة الحق، وتتراجع عن الخطأ، وتقول: أخْطأْتَ أصابَت امرأة وأخطأ عمر، فهناك من يُكابِر، تصْبر عن مَبْلغ ضَخْم يحلُّ كل مشكلاتك لكنَّه من الحرام، يمكن أن تشتري به بيتًا ومركبة.
وأن تصبر على قضاء الله، خالق الكون هذه مشيئتُهُ، شاء لك أن تكون من أصْحاب الدَّخْل المحدود، وشاء لك أن لا تنجب أولاد، أو أن لا تنجب الإناث، أو أن لا تنجب إطْلاقًا، أن يكون في حياتك شيء مزعج، قال تعالى

﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
يتَّقِ غضبه بِطاعته، والشِّرْك بالتَّوْحيد، والكُفْر بالإيمان، والمصائب بالانْسِجام، وأجْرك مَحفوظ، والله تعالى قال:
﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة المزمل ]
كل عصْر له ظروفه ومُغرياتِهِ، وضُغوطِه، فالله عز وجل يعْرف كم بدَلْتَ وكم صَبَرتَ وتجشَّمْتَ، وكم كان هناك خِيارات كثيرة واخْتَرْتَ ما يُرضي الله تعالى، وكيف ترَكْتَ المغريات، والله يُقَدِّر كلّ شيء، إنسان له والدة في البيت مُتَقَدِّمة بالسِنّ، وتحتاج إلى عناية كبيرة، فهو يستطيع أن يصْبر، أو أن لا يصْبر ؛ أثنى عشرة سنة وهو يعامل أمَّه معاملة جيِّدة، أحد الأيام غضب فسبَّ وشَتَم وقال لها: اذْهبي عند أهْلك، فبَكَت وجاء أخوه وأخذَها، ففي اليوم التالي ماتَتْ !
وأعرف رجل محسِن كان يرْعى امرأة مُحْسِنة مُقْعَدة، فانتقل إلى مكان آخر بعيد عما كان عليه، فأهْله انْزعَجوا لهذا، وقد أصْبح عمره ثمانون سنة، فلمَّا ضجروا، قالوا له: آتِ بها إلى عندنا، وأفْردوا له غرفة، وبعد جمعة ماتت.
وأحدهم صاحب مطعم كان يبيع اللحم والخمر، فحجَّ وتاب وألغى المشروب، وبعد ستَّة أشهر رجع إلى المَشروب، وبعد سبعة عشرة يومًا مات ! قال تعالى:

﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
وذكر لي أخٌ محامي أنا أحْتَرِمُهُ كثيرًا، فجاء رجل وقال له: القضِيَّة الفلانيَّة، فقال المُحامي: هذه لا تحْتاج إلى قضِيَّة إنَّما هي مَشْمولة بِقانون العَفْو، تُقَدِّم اسْتِدْعاء، فرأى مُحامٍ آخر فقال له هذا المحامي: إنَّ المحامي الذي ذَهَبْت إليه لا يفْهم شيء ! فقلتُ له: والله لقد علَّقْت وِسام شرَف، فالمال الحرام يَتْلَفُ ويُتْلِفُ صاحبه.
قصْدُنا من هذه السورة، قوله تعالى:

﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)﴾

[ سورة يوسف ]
أنت بِحاجة للنتيجة والعاقبة، مَن يضْحَكُ آخِرًا يضْحك كثيرًا، ومن يضْحك أوَّلاً يبكي كثيرًا، قال تعالى:
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ(111)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وهناك آية ثانية وهي قوله تعالى:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)﴾

[ سورة المطففين ]
كل البطولة هي من يضْحكُ آخرًا قال تعالى:
﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ(31)﴾

[ سورة المطففين ]
أما المؤمن ينقلب إلى أهله مسْرورًا، فالقضِيَّة قَضِيَّة تفكير ؛ إما أن تستعجِل طيِّبات الدنيا ويشقى إلى أبد الآبدين، وإما أن يصبر عن الشهوة وعلى الطاعة، وعلى قدر الله، والعاقبة الله، وهذا هو التاريخ أمامكم، فأين أبو جهْل ؟ وأين كُفَّار مكَّة وقريش ؟ قال تعالى:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾

[ سورة غافر ]
وأين الصَّحابة ؟ في أعلى عِلِيِّين.
مركز الثِّقل في هذه الآية، قال تعالى:

﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

[ سورة يوسف ]
المؤمن يعْفو، سفينة شامخة في البحر بحيث قال لهم كما قال تعالى:

﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)﴾

[ سورة يوسف ]
العَفْوُ ؛ تعريفُهُ الدقيق: أن يأتي إنسان ويُبالِغ في إيذائِك، وأنت ضعيف، ثمّ يقعُ في قبْضَتِك، ويمكنُك أن تسْحقَهُ، وأن تُحَطِّمَهُ، أو تُدَمِّر حياته ؛ هذا العَفْو، فلن تكون عَفُوًّا إلا إذا كنتَ ضعيفًا، النبي عليه الصلاة والسلام بفتح مكَّة كان قادِرًا على أن يقضي على كفار قريش، قال: ما تظنُّون أنِّي فاعِلٌ بكم، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء.
منزلة العَفْو لا يعرفهَا إلا من ذاقها ؛ أن تكون مضْطهدًا وأن ينصرك الله على خصْمك وأن تعْفُوَ، والأبلَغ أن تُحْسِنَ إليه وتُقَرِّبَهُ، لذا المسلمون فَتَحوا العالم بِأخلاقِهِم، هذا كلام غير مَعْقول إطْلاقًا، وفي الدرس القادم نصل إلى قوله تعالى:

﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)﴾

[ سورة يوسف ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء التاسع عشر





أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94)﴾
حينما كنَّا في الجامعة، وفي كليَّة التربية كان لنا أستاذ من كبار علماء النَّفْس، حدَّثنا عن هذه الحقيقة النَّفْسِيَّة التي اسْمُها التَّخاطر النَّفْسي، امرأة في ميلانو بإيطاليا وهي في المطبخ رأَتْ ابنها الذي في فرنسا أنَّ سيارةً دحستْه رأيَ العَين، وبعد أربعة أيام جاء النَّعْش مع تَقْرير مُفَصَّل يُفَصِّل اللَّحظة التي رأتْ فيها ابنها، وقد سمَّى العلماء هذه الظاهرة التَّخاطر النَّفْسي وهذه حقيقة يصْعُب تفْسيرُها، أحْيانًا الحقيقة نافذة وسارِيَة إلا أنّ تفْسيرها صَعْب، لمَّا سيِّدُنا عمر وهو على المنبر قطع الخُطبة وقال: يا سارِيَة الجبل الجَبَل، سارِيَة أحد قوَّادِهِ في بلاد الفرس، وكان وراء الجبل كمين، فسيِّدُنا عمر رأى رأْيَ العَيْن قائِدَهُ وأمامه الجبل ووراءه الكمين، فقال: يا سارِيَة الجبل الجَبَل ‍! فقيل لِسَارِيَة بعد أن عاد: هل سَمِعْتَ صَوْت أمير المؤمنين ؟ فقال: سمِعْتُ صَوْت أمير المؤمنين يُحذِّرني الجبَل ‍! هذه أرْقى من الفاكس.
فهذه الآية:

﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾

[ سورة يوسف ]
النَّفْس البَشَرِيَّة كَقُرْص الشَّمْس لها إشْعاع، فالأمّ أحياناً من شِدَّة عَطْفِها على أولادِها قبل أن تنام تزورهم واحِدٍ بِنَفْسِها، واحد بالسعودِية والآخر بالخليج العربي فالنَّفْس الإنسانِيَّة إذا أحبَّتْ توسَّعَت، فالجنَّة الأمر واضِحٌ فيها، فأحد المؤمنين بالجنَّة تذَكَّر صديقًا له كان كافِرًا، قال: إنَّه كان لي قريب فاطَّلَع فرآه في سواء الجحيم، فأنت في الجنَّة كلُّكَ أعْيُن، فأيُّ خاطِرٍ يخْطر في بالك تراهُ أمامك، فسيِّدُنا يعقوب كما قال تعالى:

﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95)﴾

[ سورة يوسف ]
قالوا له: هذه كُلّها هواجس، وقوله تعالى تُفَنِّدون أي نقل أقْوالَهُ، فنَّد أقواله أي أظْهر عُيوبها وأخْطاءَها، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟..أو هرمًا مُفَنِّدًا ))
فالهرَم يكْشف عُيوب الإنسان، تضْعف ذاكرته وبصره، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(70)﴾

[ سورة النحل ]
ومن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقْلِهِ حتَّى يموت، ومن أدى الصلوات الخمس وطلب العلم له من الله ضمانة ؛ متَّعَهُ الله بعقله حتى يموت الْتقَيْت بأحد العلماء بالمغرب حسين مخلوف عاش أبوه مائة وثلاثين عامًا مُتَمَتِّعًا بالصِّحَة، وكان لنا أخٌ من أخوة كذا كان عمر أبيه ! والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((خيركم من طال عمره وحسن عمله...))

تمتُّع الإنسان بِصِحَّتِهِ أسبابها الاسْتِقامة بالشَّباب، قالوا له: يا سيِّدي ما هذه الصِحَّة ؟ فقال: حفظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله لنا في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا.
لي أحد الأقرباء مرض ففي أوَّل الأسبوع عِنايَة فائِقَة، ثمَّ في الثاني قلَّت، وهكذا في الثالث إلى أن أصْبحوا يقولون: نسأل الله تعالى أن يُخفِّف عنك ‍! تخَلُّوا عنه، وأحلى موتة ثلاثة أيام كما مات النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، لذا الاستِقامة بالشباب ضروريَّة حتَّى يُكافئك الله تعالى بِخَريف عمر طيِّب، وبكل المكانة، والملكات العَقْلِيَّة.
قال تعالى :
﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾

[ سورة يوسف ]
قرأتُ مقالَةً علْمِيَّة عن الموضوع أنَّ ابْيِضاض العَيْن مرضٌ يُصيب العَيْن وليس له أسباب عُضْوِيَّة بل نَفْسِيَّة، وأنا أقول لكم مرَّة ثانِيَة لا يوجد مرض إلا وسببُهُ الصَّدْمة النَّفْسِيَّة ؛ القرْحة وضغْط الدم، والاحْتِشاء، فالتَّوْحيد وظيفتُهُ التَّخْفيف صلتُكَ مع السميع البصير القدير الرحيم الرؤوف الغنيّ المُجيب، هذا هو التَّوحيد، وإذا لم تُوَحِّد فَمُشْكِلَتُكَ مُشْكِلَة، والإيمان هو التَّوْحيد وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التوحيد.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)﴾

[ سورة يوسف ]
والمؤمن يعْلم من الله ما يعلمون، تجدهم يقولون: إنَّ أمريكا بيَدِها كلّ شيء ونحن انتَهَيْنا، والماسونِيَّة و...حتَّى تَيْأَس، لا فإنَّ الله تعالى مَوجود لذا على الإنسان أن لا يَيْأَس فهذا من الكفر.
قال تعالى:

﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾

[ سورة يوسف ]
لماذا قال: سوف أسْتغفر لكم ؟ العلماء استَنْبَطوا من سوفَ أشياء دقيقة ؛ قال:لأنّ هناك أوقات فضيلة، مثل السَّحر، ويوم الجمعة فلا عَبْد يسأل الله فيها إلا أجابَهُ وكذا حينما تقَعُ عيْنُك على الكعبة، وعند الملتزم، وعرفات هو يوم الإجابة وكذا السعي والطواف ؛ هذه أمْكِنَة، وفي الثلث الأخير، وعند نزول الرب تعالى هل طالب حاجةٍ فأقْضِيَها له ؟ فهو أراد أنَّه ينتظر الوقت المناسب للاستِغفار.
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99)﴾

[ سورة يوسف ]
لذلك مطار مصر مَكتوب: اُدْخلوا مصر إن شاء الله آمِنِين، والنبي خرج قال: اللهمّ إنِّي خرجْتُ من أحبِّ البلاد إليك-مكَّة- لذا فيها جمال.
قال تعالى:

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾

[ سورة يوسف ]
هذا ليس سُجود العبادة والمحبَّة، فالكلمة بالقرآن الكريم لها عِدَّة معاني أوْضَح مثل على هذا كلمة أوْحى، قال تعالى:
﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)﴾

[ سورة الزلزلة ]
الوحي إلى الجماد أمْر، وقال تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾

[ سورة النحل ]
الوحي إلى الحيوانات غريزة، وقال تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾

[ سورة القصص ]
هذا إلْهام وقال تعالى:
﴿َوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾

[ سورة يوسف ]
أي رِسالة.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾

[ سورة يوسف ]
الله عز وجل حليم ويسْتوْعِب الناس كلَّهم، فانْظُر ما فعل أخوة يوسف به، ودخل إلى السِّجن، وخرج منه، وكيف كان بِمِصْر غلامًا ؟ رأتْهُ جارِيَة وقد كان عَبْدًا بِقَصر العزيز ثمَّ أصْبح ملِكًا، فقالتْ: سبحان مَن جعل العبيد مُلوكًا بِطاعَتِه، قال تعالى:

﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)﴾

[ سورة يوسف ]
وهذه الآية نُعيدُها إن شاء الله في الدرس القادم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء العشرون




أيها الأخوة الكرام، لازلنا في قصة يوسف عليه السلام، ووصلنا إلى قوله تعالى:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾

[ سورة يوسف ]
ما معنى كلمة الملك ؟ لو أنَّ أحدنا فَهِمَ المُلك على أنَّهُ الحُكْم، جعلتني عزيز مصر وهذا عطاء يشْترك فيه المؤمن والكافر، ألم يؤتِ الله فرعون المُلك ؟ ألم يؤت الله الجبابرة الملك ؟ فهل هذه نِعْمة ؟ مِن أوْجز هذه الكلمة أنَّ المُلْك الذي أراده هذا النبي الكريم أنَّهُ ملَكَ شَهْوَتَهُ، فالناس رجُلان رجُلٌ ملَكَ شَهْوَتَهُ ورَجُل ملَكَتْهُ شَهْوَتُه، والثاني هلك في الدنيا والآخرة، بِمَ نال هذا المقام الرَّفيع ؟ لأنَّه قال:
﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
ولأنَّه قال:
﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾
لأنَّها قالت:
﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾
فحينما ملَكَ شَهْوتَهُ وسَيْطَرَ على أهْوائِه اسْتَحَقَّ هذا المقام الرَّفيع، ولن ترقى إلى الله عز وجل إلا إذا ملَكْتَ شَهَواتك ؛ لأنَّ الله تعالى يقول:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)﴾

[ سورة النازعات ]
الهَوى، كما قالوا: مَن هوى فقد هوى، الهَوى مِن الهويّ وهو السُّقوط، فالمُلك هنا أي صار عزيز مصر، والقرآن حمَّال أوْجه ولا تُحَدُّ معانيه، والقرآن ليس ملْكًا لأحد، لكن من المعاني التي تُضاف إلى المُلك أنَّ الله سبحانه وتعالى مكَّن هذا النبي الكريم مِن نفسِه وسَيْطَر على نفسِه، أحدُ زعماء أوروبا الكبار الذين قاد الحرب العالمية الثانية قال كلمَةً دقيقة: قال ملَكْنَا العالم ولم نمْلِك أنفُسَنا فَعَظمة الإسلام تكمن مِن أنَّ المُسلم يمْلك نفسه، ويمْلك شَهوته ويجعلها وفق القنوات النظيفة ؛ رب قد آتيتني من الملك ؛ هذه أكبر نعمة عليك، فإذا الله عز وجل نوَّر لك قلبك، وسيْطَرْتَ على نفسِك وجوارحك، وسَيْطَرت على كسب المال أن جعلته حلالاً، وعلى إنفاقه وسَيطَرت على بيتك أن جعلْتَهُ إسلامي، فأنت هنا آتاك الله المُلك وأنت مُسَيْطِر، وقائِد وليس مَقود، فالكافر مَقود بِشَهَواتِك، والعقل له وظيفتان ؛ إما أن يكون قائِدًا وإما أن يكون مُسَيْطِرًا، فالكافر تَمْلِكُه شَهَواته، وعقْلُهُ يُبَرِّر، أما المؤمن يقودُهُ عقله إلى الله عز وجل، وهذا الفرق واضح، فالكافر جهدهُ العقلي كلّه في تَبْرير أخْطائِهِ وتَبْرير انحيازه لِشَهواتِهِ، أما المؤمن فَعَقْلُهُ يقودُهُ إلى الله، وشَهَواتهُ يضْبطُها وِفْق شَرْع الله، قال تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾

[ سورة يوسف ]
مِن هنا للتَّبْعيض، وفيها أدَب، ومَن يُفِّق إلى تأويل الأحاديث يسْعد سعادَةً كُبرى، فلو توهَّمْت أنَّ معنى قوله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾

[ سورة الشمس ]
فلو توهَّمْتَ أنّ الفُجور من عن الله، وأنّ الله هو الذي ألْهَمَكَ أن تفْجر فهذه أفْسَد عقيدة، أما لو فهِمْتَ النَّص كما يلي: ألْهَمَها فُجورها ؛ أيْ أنَّ النَّفْس إذا فجَرت تعلم أنَّها فجَرَت بالفِطْرة، أعطاها دليل كاشف من دون تعليم، وبين المعنييْن مسافة كبيرة جدًا، كما بين الإيمان والكفر فالنَّفس فُطِرَت فطرة عالِيَة بحيث لو فجرَتْ تعلم فُجورها، أما لو فهمْتَ الآية أنَّ الله هو الذي أجْبر النَّفْس على فُجورها، وألْهَمَها أن تفْجر فهذا تأويل فاسد، ربنا عز وجل لما قال:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
فلو قال أحدنا أنّ المعنى ؛ الله تعالى ما أراد أن يَهْدِيَهم وهو يريد أن يُدخلهم النار ! فهذا معنى فاسِد، أما المعنى الصحيح أنَّه لو أراد الله تعالى أن يجبركم لأجْبرَكم على الهُدى لكنكم مُخَيَّرون، فَمَوضوع تأويل الأحاديث موضوع هامّ جدًا وخطير جدًا، فقد تفهم الحديث فهْمًا خاطئا فيَحْمِلُكَ على المعْصِيَة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لولا تذنبون...))

ليس المعنى عليك أن تُذْنب ! ولكنَّ المعنى إن لم تشعروا بالذُّنوب فأنتم ميِّتُون، وتَهْلَكون، أما المؤمن إذا ارْتَكَب معْصِيَة يشْعر بِضِيقٍ حينها يُبادر إلى التوبة.
قال تعالى:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾

[ سورة يوسف ]
قال تعالى:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ سورة البقرة ]
ثمّ قال تعالى:

﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾

[ سورة يوسف ]
أخطر يوم بِحَياة الإنسان هو يوم موتِهِ، والدليل قوله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾

[ سورة الملك ]
بدأ بالموت لأنَّ الموت منْفذ له طريقان ؛ إما إلى الجنَّة وإما إلى النار أما حينما يولَدُ الإنسان فله أمامه ألف خِيار ؛ له أن يتعلَّم أو يجهل أو يؤمن أو يكفر، أما حينما يموت فله خياران، فو الذي نفس محمَّد بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، فالإنسان إن لم يكن مؤمنًا فهو كافر، وإن لم يكن مُستقيم فهو ضال، وإن لم يكن مُحسِن فهُوَ سيِّء، لذلك بدأ الله بالموت لأنَّ حَدَث الموت أخطر من حدَث الحياة، وفيه يتحدَّد المصير، ففي الدنيا والحياة لك مجال التوبة والصلح، أما حين الموت فإما إلى جنَّة أو نار، لذلك قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾

[ سورة الملك ]
لذا ينبغي على الإنسان أنْ يعْلَم أنَّ أخْطَر يوم هو يوم مَوْتِهِ، وهو إما إلى جنَّةٍ يدوم نعيمُها، وفيها ما لا عين رأتْ ولا أذُن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإما إلى نار لا ينفذ عذابها، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا(56)﴾

[ سورة النساء ]
طيِّب مَن هو العاقل ؟ هو الذي لا يغيب عنه هذا الحَدَث ولا ثانِيَة بِكُل حركاتِهِ وحِساباتِهِ اليَوْمِيَّة، وبِكُلّ نشاطاتِه وقبْضِهِ ودَفْعِهِ، وبِبَيْتِهِ وعَمَلِهِ، كيف سأُسْأَل ؟ وماذا سأُجيب ؟ وما هو موقفي من الله حينما أقف بين يديه ؟ هذه هي البطولة، والذي له حُرِيَّة الحرَكَة، وله عمل حر فيه ؛ عليك أن تهيئ جوابًا لِله على كُل عمل فعلته تراه غير ملائم، جوابًا لله وليس لِمُديرك، وكل منا له عمل يهيئ لربِّه جوابًا لِمَ أعْطَيْت ؟ ولمَ مَنَعْتَ ؟ ولِمَ طلَّقْتَ ؟ لمَ تزوَّجْت ؟ ولِمَ بخِلْتَ ؟ كل تصرُّف منك هيأ له جواب لله تعالى، مَن هو السَّعيد ؟ فكلٌّ منَّا سوف يأتي عليه يوم يخرج من بيته أفقًا، ويُوضَع في نعْش ويُصَلَّى عليه، فهذا اليوم العظيم عليك أن تُدْخِلَهُ بِحِساباتِك اليَوْمِيَّة واللَّحْظِيَّة امرأة جميلة رأيتها ولم تغُضَّ البصر، هذه مُسَجَّلَة، قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾
وكذا الابْتِسام ف غير محلِّه، وهذا هو حال المؤمن يُحاسب نفسه أشَدَّ الحساب، كي يكون حسابهُ يسيرًا إن شاء الله يوم القيامة.
قال تعالى:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾

[ سورة يوسف ]
أي ملكْتُ نفسي، وعلَّمتني من تأويل الأحاديث ؛ هذا من نِعَم الله الكُبرى أنْ تفْهَمَ النَّص فهْمًا صحيحًا، فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة ؛ فيا رب، اجْعَل حياتي مُنْتَهِيَةً بالاسْتِسلام إليك بِأعمالي ومشاعري، وقوله:

﴿َأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾
هذا أدَبٌ من الأنبياء، فالإنسان دائِمًا يتواضع، الكبرياء إزاري فمن نازعني إزاري قصَمْتُهُ ولا أُبالي، فسيِّدنا يوسف عليه السلام كان مُتواضِعًا، قال تعالى: رب إن ليم تصرف عني كيدهن..."، وهو طلب منه عليه السلام أن يُلْحقَهُ بالصالحين.
الآية الأخيرة:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾
هذه القصَّة من دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)﴾

[ سورة يوسف ]
من أعلمك هذه القِصَّة ؟ ومن بلَّغك هذه التفاصيل ؟ هل كنت معهم ؟! قضِيَّة لها أربعة آلاف سنة، فهذه من دلائل نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام، ومركز الثقل في هاتين الآيتين: أن تَمْلُكَ نفْسَك وتُسَيْطِر على شَهَواتِك ومُيولِك، فإذا سَيْطَرْتَ ملَكْتَ كُلّ شيء، وإن لم تُسَيْطِر فأنت عبْد مَمْلوك، قال عليه الصلاة والسلام:
((تعس عبد الدرهم...))
فهناك من هو عَبْدٌ لِفَرْجِهِ، أو عبْدٌ للدِّرْهم والدِّينار أو عَبْدٌ لِثِيابِهِ أو عبْد لِبَطْنِهِ لكنَّ المؤمن عبدٌ لله عز وجل، والمؤمن عبْدٌ حرّ وليس له قيود.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الحادى والعشرون




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام، إلى التعقيبات الشموليَّة في آخر القصَّة، فالقِصَّة انْتَهَت، يقول الله عز وجل في آخر القصَّة:
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[سورة يوسف]
تصوَّر ميزَانًا، فالشَّهَوات وزْنُها خمْسة كلغ والإيمان خمسة غرامات، كفَّة الشَّهوات راجحة، فإذا حضر خطبة جمعة أصبحوا عشرة غرامات، إلى أن تكون القيمة الحقيقيَّة الإيمانيَّة تكافئ الشَّهوات، حينها تدخل بالصِّراع ؛ هذه تجوز وتلك لا تجوز، وأفعل ولا أفعل فأنت إذا دَخَلْت في باب الصِّراع كان معنى ذلك أنّ الإيمان قاربَ أن يكون في قوَّة الشهوات، أما إذا كان الإيمان ضعيفًا والشَّهوات كبيرة جدًا فهذا يعني أنَّ الإنسان مُنْحَرِف، وله تبرُّك أجْوَف، وله عقيدة سَطْحِيَّة لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، وله عبادات شَكْلِيَّة لا تُسْمِنُ ولا تُغني من جوع، وله اعْتِزاز شَكلي بالإسلام، ومشاعر، هذه كُلُّها لا تُقدِّم ولا تؤَخِّر، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
الإيمان المُنَجِّي هو الذي يحْمِلُكَ على طاعة الله تعالى، كلامٌ واضِحٌ كالشمس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنَّة ))
قالوا: وما حقها ؟..." فالإنسان حتى لا يقع في الوَهْم ويقول: أنا مؤمن ! عليك أن تُقَيِّم إيمانَك بمُستوى اسْتِقامتك وما دام عندك إمْكانِيَة أن ترتكب معْصِيَة، وأنت تعلم أنَّها مَعْصِيَة وأنَّ الله سَيُحاسِبُ عليها، فهذا إيمان هشّ وضعيف، وهذا الإنسان مِمَّا تُغَطِّيه هذه الآية:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
قد يقول أحدكم: أنا مؤمن ! فإبليس آمنَ، قال تعالى: رب فبعزتك لأغوينهم..." فهو آمَنَ به تعالى ربًا وآمَنَ به عزيزًا، فالإنسان حينما تنفصل عقيدته عن سُلوكهِ فهذا الإيمان يُسَمِّيهِ بعضهم تجاوُزًا إيمان إبليسي ! لأنّ هذا الإنسان آمَنَ وعلم أنَّ هذا حلال وذاك حرام، وانْغَمَسَ في الحرام، ثمّ يقول: نحن عبيد إحْسان وليس عبيد امتحان، وهكذا كل حال الناس، هذا الكلام لا يُقَدِّم ولا يؤَخِّر، قال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
الإيمان يجب أن يظهر في السلوك، وأن يظهر في الحرفة والعمل، طبيب ومهندس ومحامي وتاجر، يجب أن يبْدو الإيمان صارِخًا في مُعاملاتِكَ اليَوْمِيَّة صِدْق وأمانة وتعَفُّف، فالمؤمن لا يكْذِب، يُطبع المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الكذب والخِيانة، فالذي يكذب ثمّ يصلي، فهذه الصلاة لا تنفعُهُ نقول له: صلِّ ولا تكذب ؛ لأنّ الصلاة من شأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولا تغتَرّ أن ترى بالحرم المكي مليون ونصف حاجّ ؛ شيء جميل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لن تغلب أمتي من اثني عشر ألف من قلة..." ))
أي أثنى عشر ألف مؤمن حقيقي لن يُغْلَبوا ‍، أما مليار ومائتان مليون ليسَتْ كلمتهم هي العُليا ! وليسَت أمورهم بأيْديهم لأنَّهم كما قال تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
وقال عليه الصلاة والسلام:
((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم..." ))
وقال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
بِرَبِّكُم هل يستطيع أحدكم أن يدخل عند طبيب أو محامي ولا يدْفع الأتعاب ؟ أو إلى أيِّ محلّ دون مال ؟ أو أن تتلقَّى خِدْمة من الناس دون مُقابِل ؟ أما بيوت الله تعالى فأنت تدخلها وتتلقى منها العلم دون أجر، قال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
لا تستطيع أن تتحرَّك حركة من دون مال، لو سألتَ مُحَامِيًّا كلمة يقول لك: خمسة مائة ثمَّ السؤال !
ثمَّ قال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
أمَّا بيوت الله فهِيَ مُفَتَّحَة على مصراعيها ؛ لا بطاقة اشتراك ولا ضريبة ولا أجرة، تسمع التفسير، وسنَّة النبويَّة، والسيرة، وأحكام دينك دون أي شيء، ومِن علامات الدعوة الصادِقَة كما قال تعالى:

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)﴾

[ سورة يس ]
فهذه علامة، هو لا يريد أجْر مادِّي ولا أي شيء، إنما يريد التَّقَرُّب إلى الله تعالى بِخِدْمة عِبادِهِ فقط، والمؤمن لا يبْتغي من الناس أجْرًا، قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
أنت تلعق مغرفة من عسَل، فهل تدري ما يَجْري في خلايا النَّحْل، هناك ملِكَة تعيش خمْس سَنَوات تُفْرِز مادَّة تشْعر بِها كل النَّحلات في الخليَّة ؛ شُعور النَّحْل أنّه يوجد ملِكَة والعمل يجْري بانْتِظام، وعامِلات للملِكَة، ويُقَدِّمْن الغِذاء المَلَكي وحارِسات، ولا يسْمحن إلا لِنَحْلةٍ واحِدَة أن تقول كلمة السرّ فإن قالت كلمة السرّ قُتِلَتْ، ومن يُنَظِّف الخليَّة، ومن يقوم بِتَدْفِئَة الخلِيَّة شِتاءً وترطيبها من الجفاف، وعاملات رائدات يخرجن إلى الحُقول يكْشِفْنَ ومواقع الأزهار لِيَرْقُصْنَ رقْصَةً يُحَدِّدْن فيها موقع الأزهار والمسافة بينهما، وتُغادر النَّحْلة الخليَّة إحدى عشرة كيلومتر دون أن يعلم العلماء كيف تعرف الرَّجْعة إلى موطنها، فقد أخذوا نحْلاً وأبْعَدوه مرَّةً غربًا وأخرى شرْقاً، وبعد نصف ساعة عاد النَّحل إلى خليَّتِهِ ‍! طيف ؟! والنحلات التي يصْنَعْن الشَّكْل المُسَدَّس هو الشَّكْل الوحيد الذي ليس فيع فراغات بَيْنِيَّة، ويعْجز عن صُنع هذا الشَّكل كِبار المهندسين، فنحن في عالم البشر لو أردنا أن نبلِّط هذا المسجد فأخذ أحدهم من اليمين والآخر من اليسار ؛ فهل يمكن أن يلتقيان؟! مستحيل ! أما النحل فيبدأ من زوايا مختلفة ويلتقوا في نقطة واحدة وعلى أشكال سُداسِيَّة ونِظامِيَّة، فهذا شيء فوق طاقة البشر، قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
طبقة الأوزون، طبقة تمنع الأشِعَّة المؤذِيَة، والآن أكبر سرطانات الجلد أسبابها تخلخل هذه الطبقة، تأتينا أشِعَّة مؤذِيَة تسقط على الجلد تُسَبِّب أوْرام خبيثة، فَمَن جعل السماء سقْفًا محدودًا ؟ لو نقضي أيام وسنوات في الحديث عن الآيات الكَوْنِيَّة لا ننتهي ! مَن جعل الماء يتمَدَّد في الدرجة أربعة، لولا هذه الظاهرة لما قامَتْ حياة على وجه الأرض ‍، كلّ العناصر تنكمش في البرد، وتتمدَّد في التَّسْخين إلا الماء، فهو شأنه شأن العناصر الأخرى حتى الدرجة زائد أربعة، فهو يتمدَّد إذا برَّدْتَهُ، معنى ذلك كلَّما جمدتْ سطوح مياه المُحيطات ازْداد حجْمُها وقلَّتْ كثافتها فطافَتْ على الماء وبَقِيَتْ أعْماق المُحيطات دافئة، أما لو تجمَّدَت فانْكَمَشَت وازْدادت كثافتها وخاصَة في أعْماق البِحار، بعد حين تُصبح البِحار جامِدَة، وينعدِمُ التَّبخر والماء والحيوان والنبات والإنسان ويكون كلّ شيء، فَكُلّ حياتنا منُوطة بأنَّ هذا الماء في الدرجة زائد أربعة يزيد حجمه على عكْس كل العناصر، قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
لعْقَة العسَل فيها سبعين مادَّة دوائِيَّة، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(69)﴾

[ سورة النحل ]
مَن صنَعَ العسل، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾

[ سورة النحل ]
خاطَبَها بِضَمير المؤنَّث لأنَّها مؤنَّثة، فالذُّكور لا تعْمل شيئًا تُلقِّح الملكة وانتهى دَوْرُها، ثمّ تُطرَدُ أو تموت ولكن لمَّا خاطب الله النَّمل قال:

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(18)﴾

[ سورة النمل ]
لأنَّهم ذُكور وإناث ؛ للجِهَتَيْن، والعنكبوت عُلِمَ الآن أنَّ التي تبني البيت هي الأنثى، قال تعالى

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)﴾

[ سورة العنكبوت ]
مَن كان يعْلم أنَّ هذه الحشَرَة التي تبني البيت هي الأُنثى ؟‍ وقال بعض العلماء: إنَّ الإناث في عالم الحشَرات مُتَفَوِّقات على الذُّكور ولهنّ السَّيْطَرة، وربُّنا عز وجل وصَفَ الكفار وأنَّهم أضل سبيلاً، معناها إذا سَيْطَرَتْ أصْبَحْنا كالأنعام، وفي الحديث الصحيح:
((إذا كان أمراؤكم خياركم...".))
قال تعالى :

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

[ سورة يوسف]
الإيمان يحتاج إلى جُهْد عقلي، ونفْسي، فالعَقْل يُفَكِّر بالكَون، والقلب يذْكُر، والسُّلوك ينضبط، فإذا ساهَمَ عقلك وقلبكَ وسُلوكك ترتقي في الإيمان وقال تعالى:

﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104)﴾

[ سورة يوسف ]
وقال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
قلتُ لأخٍ البارِحَة: إنَّ الاتِّصالات الخارِجِيَّة أصْبَحت مُريحة جدًا، قال لي: لأنَّه أصْبَحَ هناك خطّ كهربائي ‍! وما هو الخط الكهربائي ؟ ألف خط يمشوا بِشَريط واحد ! فقُلْتُ له أما العصب البصري فيَحوي تسعمائة ألف خط بعرض ميلي وربع، ولكل خط ثلاثة أعمدة ! قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11)﴾

[ سورة لقمان ]
وأخ يغسل كلاويه مرَّتين بالأسبوع فقال لي: ستَّة ساعات، وصوت وكهرباء فقلتُ: سبحان الله ! أما الكلية فهي عجيبة ؛ تعمل بِصمت وفيها طريق طوله مائة كيلومتر، والدم يمرّ فيها خمْس مرَّات، ويقطع الدَّم كل يوم خمس مائة كيلومتر دون ضجيج، ومن شِدَّة عظم هذه الكلية فهي له قدْرة تَصْفِيَة عشْر أمثال حاجتك، وإذا توقَّفَتْ الكلية فالحياة لا تُطاق فلذلك:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

[ سورة يوسف ]
يجب أن تمتلئ تعْظيمًا لِخَلق الله، لا لِتَعْظيم البشر، فلا تقل: سوني ولا كونكورد ! قرأتُ كلمة في مجلَّة تقول: أعظم طائرة صُنِعَت حتى الآن لا تُعادل طائِرًا من الطيور الطبيعية، وأكبر معمل و أعْقَدُه لا يرقى لِصُنع ورَقَة:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)﴾

[ سورة يوسف ]
هذا هو الشرك الخفيّ، فالجلي أن تعبد بوذا، أما الخفي أن تقول: فلان ! وأنا أمري بيد فلان، وأنا معي مال لا تأكله النِّيران، فالله قد يبعث لك مصيبة لا يحلها المال وكل مَن يعتمِد على ماله أو على علمه أو جاهه أو على زيد أو عُبَيد فهو مُشرك، يقول عليه الصلاة والسلام:
((أخوَف ما أخاف على أمتي...".))









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثانى والعشرون



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة يوسف عليه السلام وقد انتَهَينا منها قبل درْسَيْن، وبدأتْ التعقيبات القرآنية على هذه القصَّة، قال تعالى:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

[ سورة يوسف ]
أيها الإخوة، الشرك نوعان: شرك جلي، وشِرك خفي، فالجلي أن تعبد صَنَمًا من دون الله، أما الشِّرْك الخفي أن تُعَلِّقَ أمَلاً على إنسان وأن تتوهَّم أنَّ هذا الإنسان بِإمكانِهِ أن ينفَعَكَ أو يضرَّك أو يُقَرِّبَك أو يُبْعِدَكَ، فإذا علَّقْتَ الأَمل على جهَةٍ غير الله عز وجل ولْيَكُن المال أو الجاه أو زوْجة أو ابنًا، فإذا اتَّكَأتْ على غير الله، ووثِقْتَ الآمال على غيره فقد وَقَعْتَ في الشِّرْك الخفي، ويقول عليه الصلاة والسلام:
((الشرك الخفي...دبيب النملة السمراء...".))
وأدناه أن تُبغض على عدْل أو أن تُحِبَّ على جَوْرٍ، فلو كنتَ تُحِبُّ شَخْصًا ولم يكن مُسْتقيمًا وليس مُنْصِف، فأنت أشْرَكْتَ، وآخَرَ نصَحَكَ بِإخْلاص فَغَضِبْتَ فقد أشْرَكْتَ نفْسَكَ مع الله، فإذا أبَيْتَ أن تنْصاع إلى الحق فقد أشْرَكْتَ، وقد يكون ابن وزوْجة ولكن ليسوا مستقيمين ومُنحرفين، لذا أدنى أنواع الشِّرْك أن تُحِبَّ على جَوْر، وأن تُبغض على عدْل، والشِّرْك الخفي قلَّما ينجو منه أحد، ولكن عِلاجُهُ أنَّ الله يتولى تأديب من وقعَ في الشِّرْك الخفي، فأنا لا أقول أنَّ هذا الشرك يُخْرِجُكَ من الدِّين ‍! إنَّما ذاك الشرْك الجلي، هو الذي يُخْرجُك من الدِّين، وكذا إن اعْتَزَزْت بِنَفسك، كأن تقول: خبرتي بالشِّراء أعلى خِبْرة، يُعطيك الله تعالى صفْقة تخسر فيها الكثير، فإذا اعْتمَدْت على خبرتك أو مالِك أو جاهك أو شخص، ولكن إن اعتَمَدَ الله وفَّقه الله وكما قلتُ البارحة: صحابة رسول الله ومعهم رسول، وخاضوا بدْر وأحد والخندق، وباعوا أنفسهم، فأعلى مستوى في البشر بعد الأنبياء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ومع ذلك حينما قالوا: لن نُغْلَب من قِلَّة ! أدَّبَهُم الله عز وجل وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال تعالى:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾

[ سورة التوبة ]
طبْعًا أنا أُعيد هذا الموضوع لِفائِدَتِه وكل يوم أيها الإخوة لكم مائة درس مُتَعَلِّق بِبَدْر وحُنَيْن، فأنت إذا قلت فلان تخلى الله عنك، وإذا قلت الله تولاَّك، فإذا أرَدْتَ أن يتولاَّك الله فاعْتَرِف بِضَعْفِكَ وجَهْلِكَ وافْتِقارِك لله، ومن اتَّكل على نفْسِهِ أوْكَلَهُ الله إياها، فأنت دائِمًا بين حالَيْن حالة التَّوَلِّي مع العُبودِيَّة، وحالة التَّخَلِّي مع الشِّرْك الخفيّ، والشرك الخفي قلَّما ينْجو منه مؤمن، ولكنَّ الله يُؤَدِّبُهُ، وهناك مليون قِصَّة على هذا الموضوع، فإذا دعا المرء الله تعالى وقال: يا رب، تولاَّه وليَّنَ له قلبَهُ، وإذا قلتَ فلانًا تجد أنَّ ذاك يُعامِلك بمُنْتَهى الفضاضة، ودائِمًا يُلْهم الله من أشركْتَهُ معه أن يُخَيِّبَ ظنَّك، لذلك العُقَلاء هم الذين اعْتَمَدوا على الله، لهذا قال الله تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[ سورة الشعراء ]
وقال تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

[ سورة يوسف ]
ثم قال تعالى:

﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)﴾

[ سورة يوسف ]
آيةٌ آمنة ومطمئنَّة فجأةً ترى نفسها تحْترق، وصاعقة تنزل إلى مستودعات النَّفْط، وكذا الزلازل فهذا الذي يعصي الله تعالى على مَن يعْتَمِد ؟ الإنسان في قبْضة الله عز وجل:

﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)﴾

اسْمعوا الآن:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]
كلّ مَن يدْعوك إلى الله تعالى على غير بصيرة فهو على غير سبيل رسول الله عليه الصلاة والسلام، والبصيرة الدليل والتَّعْليم والنَّص القرآني، فأنت لا تكون مُحْتَرَمًا إلا إذا تكَلَّمْتَ بالدليل فهذه حلال لقوله تعالى وهذه حرام لقوله تعالى، لذا:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]
فكُلّ من يدعوا على بصيرة فهو على منهج رسول ا لله صلى الله عليه وسلَّم، والإنسان إذا قال: كلامي هو الشَّرْع، وما أقولُهُ هو الحقّ، وما أقول عنه باطلاً فهو باطل، فهذا إشراك نفْسَهُ مع لأنَّه دعا إلى الله بِمَصْلَحَتِهِ، يقول: هذا حرام ويكفي دون أن يأتي بالدليل فهذا مُشْرِك، والمُشَرِّع هو الله، إذًا أيَّةُ دَعْوَة وٍ إلى الله تعالى على غير بصيرة، فهي طريقة على غير ما أراده الله ورسوله ويكون هذا قد أشرك، والدليل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]
وما أنا من المشركين، حتى أدْعوكم برأيي الشَّخْصي، فالدَّعوة لا بدّ أن تكون وِفق الشَّرْع وبه منْضبطة فالصحابي الذي أمَّره رسول الله، ثمَّ أمرهم هذا الصحابي أن يقْتَحِموا نارًا فقالوا: كيف نقتحمُها وقد آمَنَّا بالله فِرارًا منها، فقال بعضهم: نُطيع الأمير واخْتَلَفوا، فعرضوا أمْرهم على النبي عليه الصلاة والسلام:
((والله لو اقْتَحَمْتُمونا لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنَّما الطاعة في مَعْروف))
فالعَقْل لا يُعَطَّل أبَدًا، اُدْعوا الله على بصيرة، فَكُل شيء تؤمن به لا بد له من الدليل، ورفْضُك الشيء لا بدّ له من دليل.
قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾

[ سورة يوسف ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الثالث والعشرون





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الكرام، قبل أن نَمْضي في الحديث عن الآيات الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام أُحِبُّ أن أُنَوِّهَ تَعْقيبًا على كلمة البارِحَة حينما قلتُ: أربع كلمات مُهْلِكات ؛ أنا ولي وعندي ونحن، سألني أخٌُ كريم بعد الدرس ؛ لو أنَّ أخٌ سأل: مَن يحْفظ سورة البقرة، فقال أحدهم أنا فقوله: أنا هنا لا علاقة لها بالدرس إطْلاقًا، مَن عنده غرفة تفيض عن حاجته ؟ يقول: أنا، لذا أيُّ أنا المُهْلِكَة ؟! التي فيها إثْبات الفِعْل للذات، تقول: أنا أفْعل كذا، والفاعل هو الله، قال تعالى: ولا تقولنَّ لشيء إنِّي فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله، فإذا قلتَ: أنا وتقْصِد إثبات الفعل لِذاتِك فهذا هو الشِّرْك، وإذا قلنا: نحن نفْعَلُ ما نشاء، وننْسى الله سبحانه وتعالى هو الذي يفْعل ما يشاء، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، مَن هم القوم الذين تواصَوا بالحق ؟ نقول: نحن، فنحن هذه لا علاقة لها بالكبر، وكذا إذا قلت هذا القلم لي، فأنت بهذه الكلمات ما أشْرَكْتَ، الشِّرْك أن تُثْبت الفِعْل لِذاتك أو لِمَجموعة تعيش فيها.
الشيء الثاني ؛ وهو نقطة دقيقة، وأرْجو الله تعالى أن يُوَفِّقَنا إلى تَوْضيحِها، الأخْذ بالأسْباب فرض، لأنَّ الله تعالى خلَقَ هذا الكوْن وِفْق نِظامٍ دقيق، فحينما لا تأخذ بالأسباب فأنت لا تعبأ بِهذا النِّظام بل تسْتخِفُّ به، والاسْتِخْفاف بالنِّظام اسْتِخْفاف بالمُنَظِّم.
لو أنَّ ابنَك أخذتهُ حرارة، ماذا تفعل ؟! تأخذه عند الطبيب وتشتري له الدواء وتتوكَّل في كل هذا على الرب سبحانه وتعالى، فالفرق بين الشِّرْك والتَّوحيد أنَّ الشِّرْك تأخذ بالأسباب لكِنَّك تعتمِدُ عليها، لكنَّ التَّوْحيد تأخذ بالأسباب ولكنَّك تعْتمِدُ على الله تعالى، واسْمَعوا الكلمة الدقيقة: الطريق الصحيح على يمينِهِ وادٍ سحيق، وعلى يساره وادٍ سحيق، فالواد الأوَّل عدم الأخْذ بالأسباب مَعْصِيَة، والوادي الثاني الاعْتِماد على الأسباب شِرْك، ما الصَّواب ؟ أن تأخذ بالأسباب كي لا تعْصي، وأن تعتمِد على الله لكي لا تُشْرِك، فهذه نقطة مُهِمَّة جدًا الأخذ بالأسباب طاعةً لله تعالى، والاعتِماد على الله لا على الأسباب اتِّقاءً للشِّرْك، ولك أن تسأل وتُقَدِّم اعْتِراض، وأن تتوسَّط لدى شَخْص كُلّ هذا مُباح ومِن باب الأخذ بالأسباب، لكن حينما تقول: صديقي فلان ولن يُخَيِّبني، أما إذا قلت: يا رب، الأمر بيدِك، وأنا عبدك وأمرك نافذ فيَّ، وأطلب منك تيْسير هذا العمل، فاللهمَّ وفِّقني ويسِّر لي، لكن إن ظنَنْت أنّ هذه الوسائل تفْعل ما تشاء فقد أشْرَكْت.
الآيات الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)﴾

[ سورة يوسف ]
كيف تعرف الله ؟ مِن خلْقِهِ، قال تعالى:
﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

[ سورة يونس ]
وكيف تعرفُ الله ؟ مِن أفعالِهِ قال تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)﴾

[ سورة يوسف ]
وكيف تعرف الله ؟ من كلامه، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

[ سورة محمد ]
طُرقٌ ثلاثة توصِلُكَ إلى الله ؛ خلْقُهُ الكَون، وأفْعالهُ الحوادث، وكلامه القرآن، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾

[ سورة يوسف ]
الآية دقيقة، ليس الرُّسل أكثَرَ الناس يأسًا ! لا، لكنَّهم آخرهم يأسًا، فأحْيانًا يؤخِّر الله النَّصْر، فتَجِدُ ضِعاف الإيمان سَقَطوا ويقولون: أين الله ؟ تأخير النَّصر امْتِحان للعباد، ويكشف منه الصالح من الطالح، وهناك مَوْقف في القرآن دقيق جدًا ؛ فئة صغيرة مُستَضْعفة موسى وأتباعه فرُّوا من فرعَون ؛ أكبر قُوَّة غاشِمة في مصر ! جنود وخدم وأتباع وقَهْر، وكان البحر أمامه، بِرَبِّك هل هناك أمل للنَّجاة واحد بالمليون ؟! قال تعالى:
﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذا سيِّدنا يونس ؛ هل مِن مُصيبة أعظم مِن أن تكون في بطْن الحوت ؟ ظلام بطن الحوت وظلام الليل، وظلام البحر !! قال تعالى: " فنادى في الظلمات..." الفِعْلُ فِعْلُ الله، ولا تيأس مهما تكن المُصيبة، مرض خبيث، والله أعرف عشرات الأشْخاص مرضهم وصل بالدرجة العاشرة من الخبث، وهذا المرض تراجعَ من ذاتِهِ، والقصَّة من اثنى عشرة سنة وهو حيٌّ يُرْزَق ! لا يأس ولا قنوط مع الإيمان، والقنوط دليل الإيمان الضعيف، وقد يكون كُفْرًا.
قال تعالى:

﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)﴾

[ سورة يوسف ]
فالمؤمن لا ييأس، والله تعالى قويّ وعادل وسميع وبصير، لذلك قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾

[ سورة يوسف ]
أما لو جاء النَّصر سريعًا، لكان كلّ شيء مُغَطَّى، لكن بِتَأخير النَّصْر نرى المؤمن من غيره، ففي الخندق عشرة آلاف مُقاتِل حاقِد وأرادوا أن يستأصِلوا شفقة المسلمين، ونقض اليهود العهْد، لذلك أحدهم قال:

﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾

[ سورة الأحزاب ]
وهناك تعبير آخر: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضِيَ حاجته ؛ ما قال رسول فقد ظنَّه دجَّالاًّ ! هكذا قال بعض من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[ سورة الأحزاب ]
وقال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾

[ سورة البقرة ]
تأخير النَّصْر امْتِحان للمؤمنين، وكُلَّما كان إيمانك بالله أقْوى كلَّما كان إيمانك بالنَّصر أكثر، وكلَّما كان ضعيفًا ففي بداية المرحلة يُهشّ.
فالواحد يمتحننا ليرى الصادق من الكاذب، وأحيانًا ليضَع المتخوِّل والذي يفتخر، يُحَجِّمُهُ، كي يعود لما هو عليه، حدَّثني أحد الأصدقاء البيْطَريِّين أنَّ داءً يُصيب الدواجن فينتفخ الصغير من هم لِغازات في جلده، والدواء أن يثقب الجلد لِيَعود الديك لِحَجْمِهِ، لذلك قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[ سورة العنكبوت ]
فأوَّل الإيمان للصُّمود بالامتِحان، ولكي تصل إلى الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض وسلعة الله غاليَة، قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾

[ سورة البقرة ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-04-2018, 02:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة يوسف (12 )

الجزء الرابع والعشرون






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، فالآية الأخيرة من سورة يوسف عليه السلام يقول الله عز وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾

[سورة يوسف]
أكَّدَتْ هذه الآية أنَّ أُسلوب القِصَّة مِن أنْجع الأساليب التَّرْبَوِيَّة لإحْداث قناعة وتأثيرٍ معًا في وقتٍ، فالأب أو المعلِّم أو الداعِيَةُ إذا أراد أن يُحْدِث تأثيرًا بليغًا في نُفوس السامِعين، أو أن يحملهم على مَوْقف أو أن يحْجزهم عن سُلوكٍ ما، فَعَلَيْهِ أن يستخْدِم أسْلوب القِصَّة ؛ لماذا ؟ لأنّ الإنسان بِطَبيعتِهِ مُتَعَلِّقٌ بِتَتَبُّع قِصص بني الإنسان ؛ مِن جِنْسٍ واحِدٍ وطبيعَةٍ واحِدَة، فالإنسان أحْيانًا إذا قرأ قِصَّةً يرى ذاتَهُ، أو يرى نقيضهُ أو مَثَلَهُ الأعلى،فَهُناك تَعَلُّق فِطْري للإنسان بأحداث أيِّ قِصَّة تتعلَّق بِبَني الإنسان، شَرْط أن تكون القِصَّة واقِعِيَّة، أما إن كانت خيالِيَّة فهذه يُعْنى بِها الصِّغار، أما الراشِدون لا تَعْنيهم إلا القصص الواقِعِيَّة أو التي يُمْكِن أن تَقَع.
القِصَّة مِن شَخصِيات مُصَوَّرةٌ و مُحَلَّلَةٌ، ونَفْهم تصوُّراتِها ودوافِعَها، وأهدافها، والصِّراعات في نُفوسِها ؛ عمليَّة تحليل نفْسي دقيق، فالإنسان أحْيانًا تُحَلُّ مُشْكلاته أو يرى ذاته أو مثلَهُ الأعلى أو نقيضَهُ لذلك قال بعض كُتَّاب القِصَّة: لا بدّ للإنسان مِن شَخْصِيَةٍ يكونُها أو شَخْصِيَّةٍ يتمنَّى أن يكونها أو شَخْصِيَّةٍ يَكْرهُ أن يكونها، فمَثَلاً الشَّباب مَن هو مَثَلُهم الأعلى ؟ هذا النبي الكريم يوسف عليه السلام لِعِفَّتِهِ وطَهارَتِهِ وخَوْفِهِ من الله، فأصْبَحَتْ المبادئ ليسَتْ مُجَرَّدة ولكِنَّها مُجَسَّدَة في واقِعٍ من خلال القِصَّة، وفي شَخْصِيات والحقيقة أيها الإخوة، القُدْوَة هيَ أفْعَلُ شيءٍ في التَّوْجيه ؛ أي ألف مُحاضرة في الصِّدْق لا تُغني عن شَخْصٍ واحِدٍ صادِق، وألف مُحاضرة في الأمانة لا تُغني عن واحِدٍ أمينٍ يعيش بين أظْهُرِنا.
ألْقَيْتُ مرَّةً في جامع العُثمان حول الأمانة، وبيَّنْتُ دقائق هذا الخُلُق الثَّمين، فالإنسان أحْيانًا يكون عليه سَنَد أو ذِمَّة أو دَيْن ويتبَجَّح أنَّهُ أدَّى الأمانة وأدَّيْتُ الدَّيْن، والحقيقة ليْسَت هذه هي الأمانة لأنَّك مُوَقِّع بيَدِك وأنت مُدان، وهذا السَّند تُقام عليه دَعْوى، أو يوضَعُ في التَّنْفيذ وقد يُحْجز على أَمْلاكك وقد يُسيء إليك صاحِبُ الدَّيْن، وقد يُشَهِّر بك بين الناس، فأنت حِفاظًا على سُمْعَتِك ومكانتِك بادَرْتَ إلى دَفْع هذه القيمة وهذا سُلوك مَدَني وذَكيّ، ولكنَّ الأمانة بِتَعْريفِها الدَّقيق أنْ يُعْطيك إنسانٌ مائة ألف ويَموتُ فَوْرًا دون أن يُعْلِمَ أحدًا كائِنًا مَن كان بِهذا المَبْلَغ، وتَذْهب أنت إلى وَرَثَتِهِ وتُعْطي هذا المَبْلَغ، إذًا هو أن تُؤدِّي ما عليك دون أن تكون مُدانًا أمام الخَلْق، بعد سِتَّة أشْهَر جاءَتني ورقة صغيرة، وأنا أثق أنَّ صاحبها صادِق يقول لي: والله الذي لا إله إلا هو أدَّيْتُ لِوَرَثَةٍ عشرين مليون ليرة دون أن أكون مُدانًا أمام أحد ولكن خَوْفًا من الله عز وجل، لذا أمانة الرجل خير مِن ألف مُحاضرة في الأمانة، وكذا العفيف والصادِق، لذا التَّعْليم النَّظري لا قيمة له فلمَّا أصْبَحَ الإسلام بالكُتب انتَهى، ولكن لمَّا يكون الإسلام في أشْخاص تراهم أمامك يتحرَّكون، ويعيش الظروف نفسها، وكذا المُغرَيات والضُّغوطات نفسها، وعوامل البيئة نفسَها، ومع كل هذه المضائق والاخْتِناقات يبْقى أمينًا صادِقًا عفيفًا، فهذا الإنسان هو الذي يُحْيي ويؤثِّر في الناس، نحن الآن لَسْنا بِحاجَة إلى معلومات، والمكتبة الإسلامِيَّة الآن مُمْتلئة، وأينما ذَهَبْتَ تجد آلاف التفاسير، وآلاف كتب الحديث وآلاف كتب السيرة، وآلاف البحوث والموضوعات التي تردّ على خُصوم الإسلام، وأشرِطَة، ولكن نحن الآن إلى أمَسِّ الحاجة إلى إنسانٍ مُسلِم، ترى في بيتِهِ وعمله ودُكانِهِ الإسلام، وترى في نُزهته وأفراحِهِ الإسلام، ولا يُحْيي هذا الدِّين إلا المَثَل الأعلى، لذلك قد تَسْتغْرِبون ؛ ما مُهِمَّة النبي ؟ الله عز وجل أرْسَلهُ رسولاً، قد يقول أحدكم التَّبْليغ فأقول لك: لا، فالتَّبْليغ مُهِمَّة ثانَوِيَّة وأيُّ إنسانٍ يُمْكن أن يُبلِّغَك، النبي عليه الصلاة والسلام أكبر مُهِمَّتِهِ القُدْوَة ! وأنت كأب وكصاحِبِ محَل، وكَمُعَلِّم ومُربِّي، أنتَ بِإمْكانِكَ أن تكون أكبر داعِيَةٍ وأنت صامِت ؛ إتْقانُ عَمَلِكِ وصِدْقكَ وعَمَلَك، سمَّان جاءهُ زَبون فقال له: هل البيض طازج ؟ فقال السَّمان: لا، ولكن جاري الآن جاء بِبَيْضٍ طازِج ؛ هذا هو المَوقف الصادق، الدنيا كُلُّها لا تستأهل أن تكذب من أجلها لأنَّها فانِيَة، ويأتي ملَكُ الموت ويأخذ مِنَّا كُلَّ شيءٍ في ثانِيَة ويبْقى الإنسان رهينَ عملِهِ، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ(39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ(41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ(43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ(44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ(45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ(46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ(47)﴾

[سورة المدثر]
لذا أيها الإخوة، قِصَّة واحِدَة إذا أطْلَعْتَ أولادَكَ عليها، وكانت النتائِج باهِظَة جدًا، يكون لها أثَر فعَّال، إنسانٌ عاشَ معك فارْتَكَبَ الحرام فدَمَّرهُ الله، أخٌ كريم حدَّثني كان ذاهِبًا إلى المطار مع صديقٍ له انْحَرَفَت السيارة على اليمين فجْأةً، فابتسَمَ السائق ابْتِسامةً استهزائِيَّة والذي حصَل أنَّ كلْبًا كان بالطريق حاجِزًا مكانًا قدرُهُ أربعين سنتمتر، كان نائِمًا تحت واقِيَة مِن شِدَّة البرْد، فهذا السائِق مرَّ على الكلب لِيَقْطَعَ رجليهِ دون أن يقتل الكلب !! يُقْسِمُ هذا الرَّجل وهو حيّ يُرزَق أنَّهُ في الأسبوع الثاني الذي فَعَلَ هذا الفِعْل بالمكان نفسِهِ، تعطَّلَت سيارة ذاك المجرِم فأخَذ الكريك لِيُبَدِّل عجلة السيارة، فإذا بالدولاب يقع فوق رُسْغَيْه، فحين وصل إلى المستشفى اسْوَدَّت يديْه، فقال الطبيب لا حلّ إلا بِقَطْه يَدَيْك !! فَهُو فعل فعلته بالسبت مع الكلب وفي السبت القادِم قُطِعَت يداهُ.
قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)﴾

[سورة يوسف]
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، أرادوا وَضعهُ في الجبّ وأراد الله تعالى أن يكون عزيز مصر، قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

[سورة فاطر]
فيا أيها الإخوة مرَّةً ثانِيَة أقول لكم: يُمْكن أن تعرف الله تعالى مِن الكَون، وهذا باب واسِع ؛ الشَّمس والقمر والنُّجوم والبِحار والطيور والجبال والصَّحارى والخضار والفواكه والأغْوار، كُلّ هذا خَلْق الله، ويُمْكِن أن تعرفهُ بالقدر نفسِهِ مِن أفعالهِ تعالى ؛ زلازل، فيضانات، حروب أهْلِيَّة فسق فُجور ودمار وحريق، ويُمكن لن تعرفَهُ من كلامه تعالى، فأنت لك ثلاثة مصادِر، فَكَلامُهُ يدلّ عليه وهو القرآن وأفعالهُ تدلّ عليه، وخَلْقُهُ يدلّ عليه، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190)﴾

[سورة آل عمران]
هذا خلقُه، وقوله تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(69)﴾

[سورة النمل]
هذه أفعالهُ، وقوله تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

[سورة محمد]
وهذا كلامُه.
أيها الإخوة، هذه أطْوَل قِصَّة في القرآن على الإطلاق، ومُلَخَّصُها أنَّ الله هو الفعَّال وبِيَدِهِ كلّ شيء، فأنت إذا وحَّدْتَ اسْتَقَمْت، وأيْقَنْتَ أنَّ الأمر كلَّه بيَدِه، فلو كان لك شُغل مع المدير فهل تترجَّى الآذِن ؟! تكون حينها أحْمَقًا، فكذلك إن أيْقَنْتَ أنَّ الأمر بيد الله تعالى لا تبْذل ماء وجْهك لأحَدٍ، شرف المؤمن قيامُهُ بالليل وعِزُّهُ اسْتِغْناؤُهُ عن الناس ولا ينبغي للمؤمن أن يُذِلَّ نفْسهُ، واطْلُبوا الحوائِج بِعِزَّة الأنفس فإنَّ الحوائِج تَجري بالمقادير.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 08:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الاول




أيها الأخوة الكرام، يقول الله تعالى في سورة الرعد:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[سورة الرعد]
الحقيقة أنَّ الكون كما تعلمون أيها الأخوة مُؤلَّف من ملايين المَجَرَّات بل الرَّقم قد يقترب مِن مليون مليون مجرَّة في حُدود معلومات علماء الفلك، وكل مجرَّة تقترب من مليون مليون نَجم، وهذا الكون كلّه في فلكٍ يسْبح، وكلّ كوْكَبٍ يَجري في مسارٍ مُغْلَق، وإذا أردْنا أن نصِفَ السماء بِوَصْف جامِعٍ مانِعٍ شامِلٍ مطلق: والسماء ذات الرَّجع، فَكُلّ كوكَبٍ ينطلق ويدور ويعود بعد آلاف السِّنين مِن نقطة انْطِلاقه، أي أنَّ المَسَار مُغْلَق، فالأفلاك التي تدور فيها النُّجوم أشْكال بَيْضَوِيَّة مُغْلَقَة وهذا معنى قول الله عز وجل:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

[سورة الطارق]
أما أن يقول الله عز وجل:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[سورة الرعد]
المعنى المُتبادَر أنَّها بِغَير عمَد، أما المعنى اللُّغوي الدقيق أنَّها بِعَمَد ولكن لا تَرَوْنها، هيَ بِغَير عَمَدٍ مَرْئِيَّة، إذًا هي بِعَمَدٍ غير مَرْئِيَّة، فما هي الأعمدة ؟ وما هو العَمَد غير المرئي ؟ قال علماء الفلَك هي قِوى التَّجاذب ! وقانون التجاذب الذي كشَفَهُ نيوتن: أنَّ كلّ كتلة تَجْذب أو تنجذب إلى كتلة أخرى وهو معروف عند طلاب العلم الكوني ؛ جداء المسافة مضروبة بمُربع الكتلتين، فالكتلة الأكبر تجذب الأصغر، والجذب مُتَعَلِّق بالمسافة وبالكتلة.
أيها الأخوة، لولا حركة الكواكب لأصْبَحَ هذا الكون وِفْق هذا القانون كتلةً واحِدَة ؛ لأنَّ الأكبر يَجْذب الأصغَر، فما الذي يَمْنَعُ مِن تجمُّع الكَون ؟ كلّ كوكب يدور، ومع دَوْرَتِهِ تنشأ قِوى نابِذة، هذه القِوى النابِذة تكافئ القِوى الجاذبة، فالكون يدور بانتِظام دون أن يتجمَّع في كتلة واحِدَة.
الآن هناك نقطة دقيقة جدًا أُريد أن أضَعها بين أيديكم ؛ الشَّمس مثلاً فالأرض تدور حول الشَّمس في مسار مُغلق، والدَّوْرَة تستغرق ثلاثمائة وخمس وستون يوم وربع، وهي السنة الشَّمْسِيَّة، فلو فرَضْنا أنَّ الأرض تفلَّتَتْ مِن مسارِها حول الشَّمْس، وسارَت في الفضاء الكوني وأرَدْنا أن نُعيدها إلى مسارِها فَكَم نحْتاج إلى قوَّة ؟ قال العلماء: نحتاج إلى مليون مليون كَبْل فولاذي مظفور، وقُطر كلّ كَبْل خمسة أمتار والكَبل الذي قطره خمسة أمتار يُقاوِم مليونين طنّ، فهذه القوَّة التي ترتبط الأرض بها بالشَّمس مِن أجل أن تبقى الأرض فيها تدور حول الشَّمس ثلاثة ميلي في الثانية، إذًا الأرض مربوطة بالشَّمس بِأَعمِدَة أو حِبال لكنّ هذه الحِبال غير مَرْئِيَّة، والله عز وجل قال إنّ هذا الكون يتحرَّك بِنِظام مُبْدِع ومُعْجِز ومن دون حِبال وأعمِدة ودعائم، ثمّ لو أرادنا زرْع هذه الكبلات في الأرض لأعاقَت السَّيْر والزَّرْع وضوء الشمس نفسه، فَكَم هي آيات الله باهرة ؟! كُلُّكم يعلم أنَّ ما بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، ومع ذلك الأرض مَرْبوطة بالشَّمس بِقِوى الجذب، قال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[سورة الرعد]
والضوء يقطع هذه المسافة في ثمانية دقائق وكلُّكم يعلم أنَّ في بُرج العَقْرب نَجمًا صغيرًا اسمه نجم العقرب يتَّسِع للأرض والشمس والمسافة بينهما ! لذلك الله عز وجل قال:
﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

[سورة يونس]
وقال تعالى:

﴿ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(48)﴾

[سورة الزخرف]
هذا الكون خُلِق مِن أجل أن نعرف الله عز وجل، فربُّنا عز وجل يقول لك:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾

[سورة الرعد]
فهل عَرَفْتَهُ ؟
ثمَّ قال تعالى:

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[سورة الرعد]
يُقَدِّر علماء الفلك أنَّ الشمس مضى على تألُّقها خمسة آلاف مليون سنة ويُقَدِّر العلماء أنَّها تعيس خمسة آلاف مليون سنة، فهل عندك أنت مِدفأة تشْتعل دون وَقود ؟ أين وَقودُها ؟ الحديث عن الشمس حديث يَطول ! مليارات الأطنان لا تكفي كي تشتعِلَ بهذه الطريقَة، ستَّة آلاف درجة على سَطْحِها، عشرين مليون درجة في نواتها، ألسِنَة اللَّهَب طولها مِن نِصف إلى مليون كيلومتر، ولو أنَّ الأرض أُلْقِيَت في الشمس لتَبَخَّرَت في ثانِيَة واحِدَة قال تعالى:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلْ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(11)﴾

[سورة لقمان]
فهو تعالى قال:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

[سورة الرعد]
والدليل قوله تعالى:
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4)وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5)وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6)وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7)وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9)﴾

[سورة التكوير]
فكل يمشي لأجل مُسَمّى، ثمَّ قال تعالى:

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[سورة الرعد]
أي لعلَّكم تؤمنون أنَّ بعد هذه الحياة حياةٌ، وبعد هذه الحياة يوم يُحاسَب الإنسان فيه على أعْمالِهِ قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾

[سورة الرعد]
تَمشي بِطُرق سهلة ومُمْتَدَّة، وهناك بالهندسة شَكل واحِد الخُطوط عليه مُمْتَدَّة فالمُكعَّب الحرف ينتهي عند حدِّه، والمَوْشور ينتهي عند حَرْفِهِ وكذا متوازي المستطيلات وكل شَكْل هندسي إلا الكرة ! فليس لها حُروف، فالخُطوط على الكُرة تَمْتدُّ إلى ما لا نِهايَة، وهذه إشارة في كتاب الله على أنّ الأرض كُرَة.
قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً﴾

[سورة الرعد]
معنى رواسي ؛ كلُّ مَن عنده مَرْكَبَة يقول لك عدَّلْت الدولاب، وذلك مِن أجل إذا مشى بِسُرعة مائتان لا تضطرب، والأرض في سرعتها الشديدة حول نفسها ومع سَيْرِها حول الشمس قد تضطرب، فما الذي يَجْعلها لا تضطرب ؟ هذه الرَّواسي والجبال، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[سورة الرعد]
وعلاقة الرواسي بالأنهار أنَّ مُستَوْدعات الأنهار بالجبال.
أندونيسيا بها أربعة آلاف جزيرة، ولكل جزيرة نَبْع ماء، وينابيع الماء بالجُزر مُستَودَعاتُها في القارات، فكلَّما جاءتْ كلمة رواسي جاءَت معها كلمة أنهار، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[سورة الرعد]
أربعة آلاف وخمسمائة نوْعًا بالعالم، وثلاثمائة نوعٍ من العِنَب والبن فيها نوع للعصير ونوه للسَّلطة ونوع كبير وآخر مُضَلَّع ونوع ماؤُهُ كثيف، كل نوعٍ من أنواع الفاكهة مُنوَّع، الزَّيتون والتفاح والعنب.
قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[سورة الرعد]
معنى ذلك أنَّ الله يَحُضُّنا على التفكّر في هذا الكون، قال تعالى:

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

[ سورة الرعد ]
مَن أعطى هذه الفاكِهَة هذا الطَّعم ؟ يقول لك: فيها فوسفور وكالسيوم ومغنيزيوم وفيتامينات، من صَمَّم هذا الغِذاء ؟ قال تعالى:

﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾

[ سورة يوسف ]
وهنا لي سؤال: كُلْ حبَّة توت وكُلْ حبَّة خوخ، وحبَّة مشمش وأجاص ود راق، وحبَّة عِنَب، هل لك أن تصف واحدة من هذه الفواكه دون أن تلجأ لاسمِها، لا يُمكِن وَصْف الطَّعم من دون ذِكْر الفاكِهَة، كلّ فاكِهَةٍ لها طَعْم، قال تعالى:

﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

[ سورة الرعد ]
لذلك أيها الأخوة الكرام أعلى عِبادة على الإطلاق التَّفكُّر في السماوات والأرض، أوْسَع باب لِمَعرفَةِ الله هو الكَوْن، وأقْصَر طريق لِمَعرفَة الله هو الكون، وهو أعلى عِبادة لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾

[ سورة القدر ]
إذا قدَّرْت الله حقّ القدر يكون هذا أحسن مِن أن تَعْبُدَه ألف شهر أي ثمانين سنة، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)﴾

[ سورة فاطر ]
فالتفكّر عبادة فهذا الكون خُلِقَ من أجل أن تعرفه، فالإنسان لابد أن لا يأكل كما تأكل البهائِم، قال تعالى:
﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾

[ سورة محمد ]
واشكر الله على نِعَم الله، ولا شرْط أن تكون غَنِيًّا، فالعَين نِعْمة كبيرة، وكذا الكِليَة، مَن يبيعُ كِلْيَتَهُ ؟ فأنت غنِيٌّ بِصِحَّتِك وإيمانِك وإخوانك، والله عز وجل قال:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

[سورة الرعد ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 08:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة من سورة الرعد وما بعدها وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(9)﴾
(سورة الرعد )
ما الفرق بين أن يقول الله: يعلم الله ما تحمل كل أنثى وبين أن يقول: الله يعلم ؟ الفرق كبير جِدًّا ! كالفرق بين أن تقول: نعبد الله، وبين أن تقول: اللهَ نَعْبُدُ التَّقديم والتأخير يُعطي معنًى جديدًا، إذا قلْتَ: يعلم الله ما تحمل كل أنثى فهذا يعني أنَّ غير الله كذلك يعلم، أما إذا قلتَ: الله يعلم فهذا يعني أنّه وحْده الذي يعْلم، لكن قد يقول لك: لكنَّ الآن قد عرفوا ! تذْهب إلى الطبيب فيقول لها: ذَكَر أم أُنثى ! أين الآية ؟ فالله تعالى لم يقل: يعلم مَن تحمل ! وإنَّما قال: ما تحْمل، فَمَا قال العلماء: البُوَيْضَة والحُوَيْن المنوي يَحْمِلان مِن المُوَرِّثات ما يزيد عن خمسة آلاف مليون معلومة، وهذا الرَّقَم أذْكُرُهُ بِدِقَّة، عُرِفَ منها حتَّى الآن ثمان مائة ! أسْمع بالمَجَلات والصُّحف ؛ الهَنْدَسة الوِراثِيَّة، فهذه البُوَيْضَة في نواتِها كروموزونات ومُوَرِّثات، هذه المُوَرِّثات تَحْمِل في طيَّاتِها خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمجَة تُسْهِم في تَخليق الجنين، هذا الجنين له شامة على خدِّه الأيْسَر، وذاك شعْرُهُ جعد، والآخر سبك وهذا أنفه أفْطَس، وذاك مُنْحَني، خمسة آلاف مليون صِفة كلُّها مُتَوَضِّعَة سَلَفًا على الكروموزونات ومُبَرْمَجَة زَمَنِيًّا، هذه هي التي يعلمُها الله، أما أن تعلم هذا ذَكَر أم أنثى، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾
[ سورة الرعد ]
هذا الجنين ما مصيرُهُ ؟ مُصْلِحٌ كبير ؟ أم مُجْرِمُ كبير ؟ لا نعرف ! غنيّ أم فقير ؟ الله يعلم ما تحْمِل كلّ أنثى، أَهُوَ مسلم أم كافر ؟ فاسق أم تقيّ ؟ كلّ هذا لا نعرفهُ ! هل سيكون عنصر إيجابي في الأمَّة ؟ ممْكِن، هل سيَقود أُمَّة ؟ مُمْكِن.
قال تعالى:
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾
[ سورة الرعد ]
المرأة إن لم تُنْجِب، وقوله تعالى:
﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾
[ سورة الرعد ]
إذا أنْجَبَت أولادًا كثيرين، قال تعالى
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)﴾
[ سورة الرعد ]
كلّ هذا وِفْق قرارٍ ووِفْق حِكْمَةٍ مطلقة، فالكَون لا يَحْمِل العَبَثِيَّة والصُّدْفَة، قال تعالى:
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾
[ سورة الشورى ]
كل هذا بِحِكْمَة، وبعضهم عبَّرَ عن الحِكْمَة فقال: إنَّ الشيء إذا وَقَع لو لم يقَع لكان نَقْصًا في حِكْمة الله، ولَكَان الله تعالى مُلامًا على عدم وُقوعِهِ ولِهذا عبَّر الإمام الغزالي عن هذا الموضوع فقال: ليس في الإمكان أبْدَعُ مِمَّا كان، فالذي هو كائِنٌ أبْدَعُ ما يكون، وليس في إمْكاني أبْدَعُ مِمَّا أعْطاني، فأنسَب شيء لِوَضْعِك أن يكون لك أولاد ذُكور أو إناث أو لك أولاد وإناث، أو دون أولاد.
قال تعالى:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9)﴾
[ سورة الرعد ]
فعالِمُ الغيب أيْ عَلِمَ ما كان، وعَلِمَ ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ‍‍! لذلك كما قال تعالى:
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾
[ سورة الرعد ]
همَسَ وأضْمر شيئًا بِقَلْبِهِ أو فكَّر بِشَيء، فالواحد يذهب لأوروبا ويدخل للمركز الإسلامي ويأتي بِواحِدَة فرنسية، والعقْد شرعي مائة بالمائة، ولكنَّه ينوي بها أربعة سنَوَات ولمَّا ينتهي من الدِّراسة يُطَلِّقُها، ويأتي نظيف على بلده ويأخذ واحدة بالشام فالظاهر لا شيء يَكْشِف هذه الحقيقة، أما الله يعلم ما في قلب هذا المجرِم، لذلك مَن تَزَوَّج امْرأةً على صداقٍ وفي نِيَّتِهِ لا يُؤَدِّيه لها لَقِيَ الله وهو زانٍ، فكيف لو تزوَّج الله على نيَّة مُؤَقَّتَة ؟! هل يوجد أب يقبل أن يُزَوِّج ابنتَهُ على أربع سنوات ؟ مَن يعْلم ؟ قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾
[ سورة الرعد ]
تجد له منزل يصنع فيه الموبقات ويقول لزوجته كنت بالمصنع ! يسْتخفي في هذا المنزل، وقال تعالى:
﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)﴾
[ سورة الرعد ]
أي يتحرَّك بالنَّهار، قال تعالى :
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
مُراقَب أشَدّ المُراقبة، وفي سِرِّكَ وعَلَنِك، وفي سُكونِك وحركتِك، فأنت إن فَهِمْتَ هذه المَقولة تسْتقيم، أدقُّ النوايا والخواطِر والطُّموحات كلّ هذا مَكْشوف عند الله عز وجل، قال تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
[ سورة الرعد ]
كل شيء مُسَجَّل، قال تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ(18)﴾
[ سورة ق ]
ثمَّ قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة الرعد ]
فأنت تعيش ضِمْن هذه الدائرة، ولكن حولك دائرة لها قِوى مُخيفَة، فالحاصل أنَّ هناك دائرتين ؛ دائرة أنت فيها ولك عليها سُلطان، ودائرة مُحيطة بك لا سلطان لك عليها، فالدائرة التي أنت فيها، عن هذه الدائرة التي تُحاسَب، فإذا أَقَمْت أمْر الله في هذه الدائرة، الله جل جلاله تولَّى عنك وحفظك مِن القِوى الشِّريرَة في الدائرة التي تُحيط بك، أما إن أهْمَلْتَ ما أنت عليه قادِر في هذه الدائرة أوْكَلَكَ الله إلى القِوى الشِّريرَة المُحيطة بك، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[ سورة الرعد ]
هذه الآية أيها الإخوة الكرام تَحُلّ مليون مُشكلة، أنت بِبَحْبوحة ومُرْتاح لِهذا الدَّخل، إنَّ هذا الدَّخل لن ينقص إذا أدَّيْتَ زَكَاةَ مالِك، وتتواضَع وتُعين الفقراء والمساكين ؛ فالله أكرم مِن ذلك، وكذا الأمر إن كُنتَ مَزْعوجًا مِن مسألة اِبْحَث عن المعاصي، لن تتغيَّر الحالة إلا بالاسْتِقامة والتَّوبة، فالآية لها معْنيان مُتَعاكِسان: إذا كنت في بَحبوحة إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، وإذا كنتَ في ضيق إن لم تُغَيِّر فالله لن يُغَيِّر، فكلمة: ما بِقَوم هي الظروف القاهِرَة التي لا تمْلِكُها، فأنت لا تمْلِك أن تكون بِصِحَّةٍ جيِّدَة طول الحياة، وأنَّ القلب يعمل بِشَكل منتَظم وكذا الكلية والكبد، والفيروسات، فأنت لا تملِك لا الصِّحة ولا الدَّخل ولا الخُصوم، ولا الأقوِياء ؛ فهذه أمطار صاعقة حطَّمَت مستودعات النَّقل، وصاعقة أخرى أسالت النَّفط فأحْرَقَ قريَةً كاملة ! وهل تملك بناية خمسون طابق لا تتحطَّم في ثانية من الزمن بِزِلزال ؟ صاعِقَة وزلزال وبركان وفيَضَان، وحروب أهْلِيَّة، فأنت لا تمْلك شيئًا، إنَّما تملك نفسَك وبيْتك وأهلك، فما عليك إلا أن تُغَيِّر هذا والباقي ليس عليك، فهذه الآية أيها الإخوة، تَحُلّ مليون مشكلة.
لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم....المخيط.." آخر فقرة بالحديث والمهمَّة: ((فمن وجَدَ خيرًا فليَحْمد الله، ومن وجدَ غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه ))
فالمُختصر المفيد ؛ إذا كنت مُرتاحًا لا تُغَيِّر لا يُغَيِّر، وإذا كنت مَزعوج غيِّر يُغَيِّر.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 08:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزءالثالث



أيها الأخوة المؤمنون، الآية الثامنة عشرة من سورة الرعد وهي قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
الاستِجابة لله عز وجل الانْصِياع لأمْرِهِ، والتوبة له، وطاعته، وفتْحُ صفْحةٍ جديدة معه، والإنابة إليه، والتَّوَكُّل عليه، فالله تعالى دعانا فاسْتَجَبْنا، والله عز وجل يقول:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
أمَرَكَ بِغَضِّ البَصَر فغَضَضْتَهُ، معنى هذا أنَّك اسْتَجَبْتَ، اِدْفَعْ زكاة مالِكِ، وانْصِف الناس فزكَّيْتَ وأنْصَفْت ؛ هذه هي الاسْتِجابَة، كُنْ عفيفًا ومُنْصِفًا ومُحْسِنًا ورحيمًا، وأدِّ الصلوات الخمس، وغضّ بصرَك، وحرِّرْ دَخْلَك أنْفِق مالك في الوجه الصحيح ؛ كل هذا يعني أنَّك اسْتَجَبْتَ.
المُطْلَق على إطْلاقِهِ، ماذا يعني الحُسنى ؟ حُسْنى في صِحَّتك وزواجِك وحُسنى في عملك، هناك فندق في ألمانيا خمس نُجوم ذكر لي أخ نام في هذا الفندق مَكتوب على لَوْحَة: إذا تَقلَّبْتَ بالليل، وأصابك الأرق فالعِلَّة ليْسَت في السرير ولكن فيك ‍! الحُسنى سلامة مع نفْسِك، يمكن أن تصل إلى أكبر مرتبة اجْتِماعِيَّة، وإلى أكبر دَخْل، ولكنّ هذا الدَّخْل مَبني على إنقاذ الآخرين، وعلى الكذب والغِشّ والاخْتِيال، الذي له حساسِيَّة لا يرْتاح، المؤمن العاقل يطلب السلامة لِنَفْسِه، إذْ يُمكن أن يكون إنسان لا يكذب ودخلهُ حلال، وهو عند الناس بالدَّرجة الدنيا ولكنَّه عند الله تعالى في أعلى عِلِيِّين، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقال عليه الصلاة والسلام: ((أهلاً بِمَن خبَّرني جبريل بِقدومه ‍ ! فقال هذا الصحابي: أَوَ مِثْلي ! قال: نعم، أنت خامِل في الأرض علم في السماء...))
يجوز أن يكون ضارب آلة كاتبة، والمدير له ثمانية تلفونات، وسِكْرتارْيا، ومكتب طوله ثمانية أمتار وقد يكون هذا الخادم أفضل منه عند الله، التقوى ترفع الإنسان، لذلك قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
وعظمة القرآن أنّ المطلَق على إطْلاقِهِ، حُسنى في أسْرته، وحُسنى في عملهِ، وحُسنى في صِحَّتِه، وحتى في مماتِه، فقد كنتُ في تَعْزِيَة، وإلى جانبي كان أحد عُلماء دمشق الأكارم ؛ وله دعوة، خرج من بيْت التَّعْزِيَة، وما إن خرَجَ من بيت التَّعْزِيَة حتى رآهُ رجل، فقال له: هل لي أن أوصِلَكَ إلى البيت ؟! وكان هذا الشَّخص بيتُهُ إلى جانب بيت التَّعْزِيَة، فأوْصَلَهُ ونزل هذا العالِم من السيارة، وصَعِد أربعة طوابق نزع ثيابه وتسطَّح على فِراشِهِ، وقُبِضَتْ روحُهُ، فالله سخَّر إنسانًا يوصِلُهُ إلى بيتِه ويموت فيها مرتاحًا، ولا يموت كما يموت البعض شرّ موتة، فأحيانًا يموت الإنسان بالطريق ويبقى بها خمس ساعات حتى يؤخَذ، وهناك من يموت بالمرحاض، كما أنّ هناك من يموت وهو ساجِد، وهناك من يموت في الحج، وكذا الحسنى بالآخرة:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
أيْ كيفَما تحرَّكْت يكْرِمُكَ الله، ولهذا قال العلماء: هناك أمَّة الاسْتِجابة، وهناك أمَّة التَّبليغ، فأُمَّة الاسْتِجابة الذين اسْتَجابوا لِرَبِّهم، وأمَّة التَّبليغ هم الذين يولدون مسلمين بِحُكم أنَّ أوْلِياءهم مسلمين، فكلمة مسلم بالهَوِيَّة لا تُقَدِّم ولا تؤخِّر، أمَّة التبليغ إذا كنت منها لا ميِّزَة لك، ولكنّ الميِّزة أن تكون من الذين استجابوا ؛ اسْمعوا لهذه الآية:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾
[سورة الأنفال ]
عندنا بِأصول الفقه قواعِد كُلِيَّة، عندنا المعنى والمعنى المُخالِف العكسي يعني، فإذا الواحِد ما اسْتَجاب فَمَن هو ؟ ميِّت، والله تعالى قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾
[ سورة فاطر ]
وقال تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[ سورة النحل ]
فالطبيب إذا فحص مُصابًا على الأرض ورأى أنَّ النَّبْض معدوم، وكذا التَّنفس والاسْتِجابة منعدمة، معنى هذا أنّ المُصاب مُنْتَه، قال لي فلان: فلانة سافرة ومُتَبَرِّجة ومات زوْجُها، ومُوَظَّفة فكيف العدَّة بالنِّسبة لها ؟! فقلتُ له: هذه لا عُدَّة لها، لا صلاة ولا صوم ؛ هذه مُنعدِمَة، قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾
[ سورة الرعد ]
فالاستِجابة حياة، والإنسان إذا بدأ يُصَلِّي، وغضَّ بصره، وينفق ماله فهذا دليل الحياة، وأنَّ فيه نبْض ! أما أن تجعل القرآن للموتى فقط فهذا جَهل، مَن دخل الأربعين فقد دَخَل أسواق الآخرة، تجده لا يدخل المنزل إلا ليلاً، أين كنت ؟!
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾
[ سورة الرعد ]
لم يُزَكِّ ماله، ولم ينفق، وما غضَّ بصره، وما عَدَل، وما حرَّر دَخْلَهُ، قال تعالى:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾
[ سورة الرعد ]
إذا كان الواحد له محلّ بالحمراء ؛ يقول لك: المتر بمائة وخمسون ألف ! لو أنَّ لك الشام كلّها، وكل شركات الطيران، وكل النَّفط لك، ثمّ قال تعالى:
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
أحيانًا يُكتب بالجريدة ثلاث كلمات: أنَّنا سَنَسْتَوْرِد سيارات، تجد في اليوم التالي أنَّ أسعار السيارات نزَلَت إلى مائتان ألف ليرة ! إذا إنسان صرَّح تتغيَّر كل أسعار البلد، وهذا إله يقول لك: لو تَمْلِك كلّ الدنيا وكل الأسواق والشركات ؛ هناك شركات ضَخمة جدًا كما في اليابان تجد الفائض من الشركات الملايير، الله تعالى:
﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
أي خلِّصوني وخُذوا كلّ شيء، لن يتخلَّص إنسان، هذا كلام إله وخالق الكون، قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[ سورة الزلزلة ]
فهذه الآية تكفينا:
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)﴾
[ سورة الرعد ]
فالكافر يستعِد أن يدْفع كلّ شيء ويتدَيَّن من أجل أن ينفذ من سوء الحِساب ! قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾
[ سورة الحجر ]
لماذا أعْطَيْتَ ؟ ولماذا مَنَعْتَ ؟ ولماذا طلَّقْت ؟ ولماذا صافَحْتَ ؟ والآن نحن في بَحْبوحة، ومادامت هناك حركة بالقلب، فباب التَّوبة مَفتوح، مُشكلة الإيمان أنَّ الخِيار ليس قبول أو رفْض، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾
[ سورة الشعراء ]
ففِرْعَون آمن بعد فوات الأوان.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 08:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الرابع



أيها الإخوة المؤمنون، الآية التاسعة عشرة من سورة الرعد، وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)﴾
[ سورة الرعد ]
وصَفَ الله لنا أولوا الألباب، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، ويُطْبَعُ المؤمن على الخِلال كلِّها إلا الخِيانَة والكذب، فإذا خانَ أو كذب، إنَّ أطْيَب الكَسب كَسب التُّجار كما ورد في الأثر ؛ الذين إن حدَّثوا لم يكذبوا، وإن وَعَدوا لم يُخْلِفوا، وإذا ائتُمِنوا لم يخونوا، وإذا اشْتَروا لم يَذُمُّوا، وإذا باعوا لم يُطْروا، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُنْقِذوا، فالدِّين صِدْقٌ وأمانة ووفاء بالعَهْد، لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له وهؤلاء أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ؛ شخص اشْترى بيت بِمَساكن دُمَر، فقال له صاحبها: البيت بثلاثمائة ألف ليرة الحاصل أنّ البائع جاءه من دفع له أكثر من هذا المبلغ، فلم يرضَ بيْعَهُ مِن أجل أنَّ وعد وسلَّم البيت، فلما جاء هذا الشّخص ؛ قال له: هل جاءك مَن أعطاك أكثر مِنِّي ؟ فقال البائِع: نعم، ولكنَّني لا أبيعُ ديني مِن أجل مبلغٍ بخْس من الدنيا ! فأُعْجِب هذا الشخص بِعَهد هذا البائِع، ولم تمْض أيام حتَّى طلبت الجمعيات السَّكنِيَّة من البائِعين دَفْع مبلغًا ماليًا كبيرًا ؛ فَدَفَعَ المُشتري هذا المبلغ دون أن يُعْلِم البائِع !!
فهذه المُعاملات النادرة تُثلِجُ الصَّدْر، وإذا نظرنا إلى الخيانات التي تكون بين الناس تجعل القلب يضيق، فلو أنّ الإيمان عَشْعش قلوبنا لَعِشْنا في جنَّة، سبعمائة ألف بيت مُغْلَق في دمشق، فلو كان هناك ثقة وعَهْد لما غُلِقَتْ، وحتى قالوا: ليس هناك أزْمَة سَكَن، ولكن أزْمَة إسْكان ! فأزْمة سكَن يعني لا توجَد بُيوت، أما أزْمة إسْكان يعني لا توجَد ثِقَة، إذًا لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عَهْد له، والمؤمن يُنْفِذ وعْدهُ ولو على قَطْعِ رأسِهِ، أحد الصحابة قبل الهِجْرة أُلْقِيَ عليه القَبْض من قِبَل الكفار فقال لهم: أطْلِقوا صراحي وأُعاهِدُكم على أن لا أُقاتِلَكُم ! فجاءَت الغزْوَة فلما أراد أن يُقاتِل قال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((اِرْجِع ألم تُعاهِدهم أن لا تُقاتِلَهُم ))
لذلك إذا عامَلْتَ مؤْمِنًا تشْعر أنَّ كلمته أثقل شهادة أحد.
قال تعالى :
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾
[ سورة الرعد ]
هذه صِفات أولي الألباب، يَصِلون ما أمرَ به الله أن يوصَل، يَصِلُ رحِمَهُ والمؤمنين وإخوانهُ، أما الكفار والفجار والعُصاة، هؤلاء ينبغي أن تبتعِدَ عنهم، ولكنَّ الذي يَحْصَل أنَّ الإنسان يبْحث عن مصالِحِهِ ؛ يَصِلُ أهل الدنيا ويَقْطعُ أهْل الحقّ، ويُؤْثِر مجالس الطَّرَب على مجالس العِلْم، إذًا قُلْ لي مَن تَصِلُ ومَن تَقْطَعُ أقول لك مَن أنت ؟‍ تؤثِر ماذا ؟ أما المؤمن فَيَصِلُ أهْل الحق، ويصِلُ المؤمنين وأهل الحق، وغير المؤمن يَصِل الأقوِياء ومَن عندهم الجاه.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)﴾
[ سورة الرعد ]
ساعة الحِساب نافِذة بين يَدَيْه وعَيْنَيْهِ ولا تغيب عنه لَحْظة، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
كما قلتُ لكم في درسٍ سابِق صَبْرٌ على الطاعة، وصبْر عن المَعْصِيَة وصَبْرٌ على أمر الله وقضاء الله، قد تصبر على إنسانٍ قهَرَكَ، هذا ليس لِوَجْه الله، أما الذي لِوَجه الله أن تكون أنت القويّ والطرف الآخر ضعيف، صَبَرْتَ على زوْجَتِك وأولادِك ؛ هذه هي البُطولة، أما القوي فَكُل الناس يصبرون لأنَّك لا تستطيع أن تتنفَّس معه، فالصَّبر الحقيقي أن تصبر عمَّن هو دونك.
شدَّ أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام من ثوبه...فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك...." هذا هو الصَّبر، قال تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ...علانية " فمثلاً الإنسان يتجبَّر عمَّن هم دونه في الوظيفة، وأمام مُديره تجده كالطِّفل ‍! إذا لم تَقْدِر على القويّ، فارْحَم الضعيف، أما مع الضعيف مُتَجَبِّر ومع القوي كالطِّفل فهذا موقف مُتناقض ولا أخلاقي، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
كلمة ومما رزقناهم عامَّة ؛ أعطاك مال أنْفِقِ المال، وأعطاك علم أنْفِقِ العِلْم، فلو وضَعَ أخ عندك ابنه لِيَتَعَلَّم مَصْلحة واسْتَخْدَمْتَهُ لِمَصالِحِك الخاصَّة ولم تُعَلِّمْهُ المَصْحلة، فالله كبير، فالمؤمن يُعْطي من مالهِ وعِلْمِهِ وجاههِ وخِبْرَتِهِ ومن كل شيء، فالآية واضِحَة ينفق سِرًّا وعلانِيَة، فإذا هو أنْفَقَ علانِيَةً لِيُشَجِّعَ الناس، وخاف الرِّياء أنْفَقَ سِرًّا، وكل واحِدٍ حكيم نفسِهِ فالضابِط هو النيَّة.
قال تعالى:
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)﴾
[ سورة الرعد ]
الإنسان يغلط لكنَّ الله تعالى مِن كريم رحْمته قال لك: إذا غلطْت اصْنع المعروف فإنَّ الحسنات يُذْهِبن السيِّئات، كلَّما شَعَرْتَ بِعَلاقة سيِّئة مع والدَيك أو أقارِبِك أو إخوانِك قدِّم لهم الهدِيَّة وبادِرْهم بالحسنى واسْتَرْضِهِ، وإذا لم يكن معك اِقرأ القرآن، صُم، اِسْتَغْفِر، قدِّم مَعونتَك.
ثمَّ قال تعالى:
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)﴾
[ سورة الرعد ]
مِن كل بابٍ مِن أبواب الخير، هناك المنفقون والدعاة إلى الله والذين أمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر، والذين تركوا عِلْمًا ينتَفَعُ به من بعدهم، والذين أسَّسوا مشاريع خَيْرِيَّة ؛ كل هذه أبواب خَيْرِيَّة، قال تعالى:
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)﴾
[ سورة الرعد ]
هؤلاء هم أولوا الألباب ؛ يوفون بِعَهْد الله، و:
﴿يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾
فالأمْر واضِح، وهذه صِفات المؤمنين، لا تعيش بالأحلام الدِّين يُسر، ولا تَشْديد في ديننا، ولا يوجد أمر تَعْجيزي، ألا تستطيع أن تفْعَل عوض السيِّئة حسَنَة، إن فَعَلْت كنتَ مِن أهل الألباب.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 08:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء الخامس





أيها الأخوة المؤمنون، فالآية الخامسة والعشرون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]
اللَّعْنُ هو الإبْعاد، أكبر عِقابٍ يُعاقَب به الإنسان أن يطْردَهُ من رحْمتِه تعالى، فَمَعنى أن يلْعَنَهُ أيْ يطْرُدَهُ فاللَّعْنُ هو الطَّرْد.
قد يُعْطيك الله المال كما تشاء، ويُعطيك القوَّة كما يشاء، والجمال والذَّكاء والشَّأن، ولكنْ يطردهُ من رحمتِهِ ! يا رب، ماذا فَقَدَ مَن وَجَدَك ؟ وماذا وَجَدَ مَن فقَدَك ؟ والمصير: لهم سوء الدار، ماذا يَفْعَلُ هؤلاء ؟ قال: ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقِه ! أحدهم قال لِصَديقِهِ وكان تاجِر عَمار: هل عندَكَ بيت ؟ فقال له هذا: أنا لا أُؤجِّر ولكن أبيع، فهذا الطالب قال له: والله، إن أرَدْتَ البيت أُسَلِّمُهُ لك بعد أربعٍ وعِشرين ساعة ! فبعد إلْحاحٍ سلَّمَهُ هذا الأخ البيت، والقِصَّة قديمة سكَنَ هذا فيه ثماني سَنَوات، فجاء زبون بِثَماني مائة ألف ؛ فدَقَّ بابهُ وقال له: أنت وَعَدْتني أنَّك تخرج بعد أرْبَعٍ وعشرين ساعة، وأنا أعْطيك ستَّة أشْهر، فقال هذا الأخ: أنا قلتُ لك أربعًا وعشرين ساعة!
فهذا لم يُصَدِّق كلامهُ، وكذا الجيران، سألوا عنه ؛ أين هو ؟ قالوا بالفندق، باع أثاثهُ !! ذهب إليه وقال له: هذا البيت لك وسأبيعُكهُ بِسِعر يوم سَكَنْتَهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ألا لا إيمان لِمَن لا أمانة له، ولا دين لِمَن لا عهْد له...." ))
أنا قلتُ لكم: أزْمَتُنا أزْمة إسكان وليس سَكَن ! لا يوجد هناك ثِقَة ؛ قال تعالى:
﴿ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾
أحْيانًا يطوف الإنسان حول الكعبة ويُعاهِد الله على أن لا يعصِيَهُ فإذا وصل إلى الشام ؛ رَجَعَتْ حليمة إلى عادَتِها القديمة ! غِشّ بالبيع، وأيمان كاذِبَة.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
شَخص عادي تائِه شارِد، دخل المَسْجد فإذا بالناس يقولون له: ما لك والمَسْجِد، ولمَ الصلاة ؟!! لماَّ كان تائِهًا لم يسأل عنه أحد فإذا تاب عارَضَتْ شياطين الإنس ؛ هذا موقف لا أخلاقي، المؤمن يصل ولا يقْطع، أما غيره الطَّعْن والحسَد وتَفْنيد، دِقَّة الآية: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾
الله أمَرَك بِوَصْل والِدَتِك، تقول لك زوْجتُك: لا تَصِل أمَّك ! لماذا ؟ ألم يأمرني الله بِوَصْلِها ؟! والنبي سُئِل: مَن أعظم الرِّجال حقًّا على المرأة ؟ قال: زوْجُها، فلمَّا سُئِل ؛ مَن أعظم النِّساء حقًّا على الرجل ؟ قال: أمُّه، ولم يقل زوْجتُهُ، فَمَن منَعَك أن تصِل والِدَيك فلا تردّ عليه وأيُّ إنسانٍ أمَرَكَ أن توقِعَ بين الناس فهذا يقْطع ما أمر به أن يوصَل والنبي الكريم قال: ((ليس مِنَّا من فرَّق..." ))
وبالمناسبة أيها الأخوة الدعاة إلى الله صِنفان: دُعاة إلى الله، ودُعاةٌ إلى ذواتِهم بِدَعوة مُغَلَّفَة إلى الله، فَمِن لوازِم الدَّعوة إلى الذات الحسَد والتنافس والطَّعن وعدم الإنصاف، ومِن لوازم الدعوة إلى الله الاتِّباع والتَّعاوُن والإنصاف والاعْتِراف بالفَضْل، فينبغي أن يكون الدعاة يدًا واحِدة مُتَعاوِنين ومُتَفاهمين، أما الطَّعْن والتَّجريح، والتَّقليل مِن أهَمِيَّة الآخرين مِن أجل أن تبْرز وحْدَك، فهذا ليس من الدِّين في شيء، والآية دقيقة جدًا
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾
[ سورة الرعد ]
إما أنَّهُ عاهَدَ الله أو أشْهَدَ الله على شيء فإذا أشْهَدْتَهُ على شيء فينبغي أن تُنَفّذ العَهْد، لذلك المؤمن يُنَفِّذ وَعْدَهُ ولو كان مُرًّا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
فالله أمرَكَ بِوَصْل أقْرِبائِك، وَصْل حِكم، ووصْل العلماء، وحُضور مَجالس العِلْم فَكُلّ مَن نهاك عن شيء أمَرَك الله به فتُطَبَّقُ عليه هذه الآية.
قال تعالى:
﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
[ سورة الرعد ]
فالماء مثلاً لو وَضَعْت فيه قطرة نفط أو غسَلْتَ فيه يدك أو مَحْرَمَة أصبحَ فاسِدًا، فالإفْساد إخْراج الشيء عن طبيعَتِهِ، فالله عز وجل جَعَلَ المَوَدَّة والرحمة بين الزِّوْج وزَوْجته فيكفي أن تقول لأُخْتِك: جاء العيد ولم يُهْدِكِ شيئًا ‍‍! أهذا زَوج ؟! فأنت خَرَبْتَ بيْت أُخْتِك، وأَفْسَدْتَ العلاقة بينها وبين زوْجِها، فكلَّما تريد أن تُنقِص من أزواج أختك أو بنتك، حتى تصبح العلاقة بينهم سيِّئَة فهذا مُفْسِد، فالإفْساد إما علاقات أو إفْساد البيئة، بنْتٌ طاهرة وتقِيَّة تُفْسِدُها قدَّم له ستلايتْ ! أحدهم تزوَّجَت بنته وبعد الزواج قدَّم لها ستلايْت فأصبَحتْ لا تعتني به، وتسْهر للساعة الثانية ليلاً، وكذا الحال في زوجها.
فهذه ثلاث صِفات ؛ ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، ويُفْسِدون في الأرض، فلو كنت تَسكن في بيت ضَخم، فلماذا تقول لِغَيرِك: هل هذا بيت تسْكنهُ ؟! لماذا تَطعن بِبَيْت أخيه ؟! أو تقول لأختك كيف يمكنك أن تعيشي مع زوْجك ؟ فهذا كيفما تحرَّك أفْسَد ! إما أن يُخبِّب امرأةً على زوْجِها، أو عَبْدًا على مَوْلاه، أو يُفْسِد العلاقات والأجوَاء، أو يُلْقي بُذور الحسَد والعَدَاوَة والبَغْضاء، لذا نَعوذ بالله أن نكون من المُفْسِدين.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)﴾
[ سورة البقرة ]
هذا هو الإفساد، والشيء الثاني أن تقطعَ ما أمَرَ به الله أن يوصَل، يجد أخاه الْتَزَم عند داعِيَة فيقول له: لا تلتزِم معه فهذا لا يعْرِف شيئًا ! لقد رأيتَهُ طوال حياته في الشَّهوات فما كلَّمْتَهُ، وحينما رأيْتَهُ أراد الالْتِزام أردْتَ أن تُعَكِّر عليه أجواء الدِّين !! كُنْ أداة جَمْعٍ لا أداة تَفْريق، وأداة إصْلاح لا أداة إفْساد.
فالأولى ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، والثانية يقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، والثالثة يُفْسِدون في الأرض، اِسْمعِ العِقاب الآن قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾
[ سورة الرعد ]
مَلْعون ومَقطوع عن الله، وقلبهُ مُتَصحِّر وإذا جالَسْتَهُ تضايَقْت، كلُّهُ إساءة ونقذ وكلام قاسي وبذيء.
قال تعالى عن هؤلاء:
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]
فالقضِيَّة خطيرة جدًا، أحد الصحابة قال: أو نُؤاخذ بما نقول ؟ قال: ويحك..." قبل أن تتكلَّم الكلمة عُدَّ للمليون، ولو بالإشارة فهذه غَْبَتة: ((إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً...".))
وقد قالت عائشة عن أختها صفِيَّة أنَّها قصيرة..." المياه السوداء بالبِحار تمشي خمسين كيلومتر، ومع ذلك البحر ماؤُهُ طويل، هذِّب لِسانَك واضْبُطْهُ وإلا تهوي بِكَلامِك سبعين خريفًا، فهذه ثلاث صِفات فالأولى ينقضون عهْد الله من بعد ميثاقه، والثانية يقطعون ما أمر الله به أن يوصَل، والثالثة يُفْسِدون في الأرض، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)﴾
[ سورة الرعد ]










والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 08:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء السادس





أيها الإخوة المؤمنون، فالآية السادسة والعشرون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
لو أنَّ الله تعالى قال: يبسط الله الرزق لِمَن يشاء ويقدِر، وهذا الكلام يعني أنَّ الرزق من عند الله ومن عند غيرِهِ، أما حينما قال الله عز وجل:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
تَقْديم لفْظ الجلالة يُفيد القَصْر والحَصْر فالله وحده الذي يبسط الرِّزْق ويمْنعهُ، والإنسان عنده في حياتِهِ شيئين خطيرين ؛ حياتُهُ ورِزْقُه، فحياتُكَ بِيَدِهِ وموتك بِيَدِهِ، ورِزْقُكَ بِيَدِهِ كثرةً وقِلَّة، فماذا بَقِيَ للبشر ؟ إذا أيْقَنْتَ أنّ حياتَكَ بِيَدِهِ، وأنَّ الرزق بِيَدِهِ وأنَّ كلمة الحق لا تقطعُ رزْقًا ولا تُقَرِّب أجلاً.
الله عز وجل يبسط الرزق لِمَن يشاء، لكن مشيئة الله عز وجل مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المُطْلقَة ؛ فهُوَ تعالى يبْسُطُ الرِّزق لِمَن يستقيم على شرْعِهِ قال تعالى:
﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾
(سورة الجن )
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾
[ سورة الأعراف ]
وقال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)﴾
[ سورة المائدة ]
فهذه الآية:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
هذه آية مُجْمَلَة ومُفَصَّلة بآياتٍ كثيرة.
قال تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى(132)﴾
[ سورة طه ]
معنى ذلك أنَّ البيت المُسلِم الذي تُقامُ فيه الصلاة ويأمر الأب أهله بالصلاة هذا البيت مَرْزوق، فهذا عامِلٌ للرِّزق، عامِلٌ آخر ؛ قال عليه الصلاة والسلام:
(( الأمانة غِنًى...))
فالأمين غَنِيّ، ومعه أكبر رأس مال، وهو الثِّقَة به، والناس يتهافتون عليه، فالاسْتِقامة والأمانة تزيدان في الرِّزق، و يقول عليه الصلاة والسلام:
(( صلة الرحم تزيد في الرزق...))
فالذي له أخوات إناث أو ذُكور، أولاد أخ أو أخت تفقَّدَهم وأعانهم ؛ فهذا إنسان مَرْزوق.
قال تعالى:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)﴾
[ سورة نوح ]
معنى ذلك أنّ هذا الذي يسْتغفِر ويتوب ويُحاسِب نفسه، ويُصلي ويقرأ القرآن فهذا يجْلب الرِّزق، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( اسْتمطِر والرزق بالصدقة...))
فالذي يتصَدَّق يجْلب لِنَفْسِه الرِّزْق، إذًا الاستقامة والأمانة والصدقة وصلة الرحم ؛ هذه كُلُّها تزيد الرزق، فحينما يقول الله: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.." مشيئتُهُ وِفْق حِكْمةٍ مُطْلَقة؛ فالمُستقيم يرْزقُهُ الله، وفي الأثر:
(( قد يُحْرَمُ المرء بعض الرِّزْق بالمَعْصِيَة ‍!))
فالمَحَلاَّت إذا صارَتْ أماكن الغَزَل والمُحادَثَة ومعْصِيَة الله، فهذا المحلّ يُمْحَق الرِّزْق فيه.
المعْصِيَة تقْطع الرِّزق، والاسْتِقامة تجْلبُهُ، صلةُ الرحم تجْلبهُ، وقطيعة الرحم تقطع، وكذا الأمانة والخِيانة ؛ وأحيانًا إتْقان العَمَل يجْلب الرِّزق، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنَهُ...))
لكنَّ الله تعالى يعلم ما تخفي الأنفس، فهناك من يسْتقيم في الضيق، ويفلت في الرخاء، هؤلاء بِعِلْم الله يُعطيهِ رِزْق مَحْدود، والدليل قوله تعالى:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)﴾
[ سورة الشورى ]
فالرِّزق في بعض عواملِهِ مُتَعَلِّق بِحِكمة الله ؛ إنّ من عبادي من لا يصلحُ له إلا الغِنى فإذا أفْقَرْتُهُ أفْسَدْتُ عليه دينَهُ، وإنَّ مِن عِبادي مَن لا يصلحُ له إلا الفقْر فإذا أغنَيْتُهُ أفْسَدْتُ عليه دينهُ.
نُلَخِّص الموضوع ؛ الاستِقامة والاستِغفار والأمانة وصلة الرحم والصلاة هي عوامل زِيادة الرِّزق، وحينما تتوفَّر كل هذه الحالات ويبقى الرِّزق مَحْدودًا فهُناك حِكْمَةٌ لو كُشِفَ الغِطاء لاخْتَرتم الواقِع، قال تعالى
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(101)﴾
[ سورة المائدة ]
وليس بالإمكان أبدعُ مِمَّا كان، فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر، لكن هناك ناحِيَة مهمَّة جدًا ؛ قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[ سورة الفجر ]
ماذا تعني كلاَّ ؟! هي ليْسَت حرف نَفْي، إنمَّا حرف رَدْع، فلو قلتُ لك: هل أنت جائع ؟ تقول لي: لا، ولكن إن قلتُ لك هل أنت سارق: فتقول لي: كلاَّ ترْدَعُني، فالله عز وجل يقول لنا ردْعًا ليس عطائي لكم إكرامًا وليس مَنْعي لكم حِرْمانًا ! عطائي ابتِلاء وحِرْماني دواء، فإذا كان الرزق قليل لا تشْعر أنَّك مُهان ! هذا غلَط، فلو أنّ الأب كان رحيمًا ومنَعَ ابنه مِن تناوُل أكلةٍ يُحِبُّها مِن أجل أنَّه مريض فهل هذه إهانَة للابن ؟! لا فالله تعالى يَحمي عبدَهُ المؤمن من الدنيا كما يَحمي أحدكم مريضه من الطعام، فالله تعالى: فأما الإنسان إذا فأكرمه: هذا ليس إكرام بل ابتِلاء، ثمّ قال تعالى:
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾
[ سورة الفجر ]
وليس كذلك هذا مَنعًا.
آخر نقطة بالدرس ؛ الله تعالى أعْطاكَ مالاً، فهل يُسَمَّى هذا المال نِعْمَةً ؟ الجواب: لا يُسَمَّى هذا المال نِعْمةً، ولا نِقْمة، فهُوَ حِيادي وهو ابْتِلاء فإذا أنْفَقْتَهُ في طاعة الله انْقَلَبَ إلى نِعْمة، وإذا أنْفَقْتَهُ في مَعْصِيَة الله انْقَلَبَ إلى نِقْمة، فَعَطاء الله ابْتِلاء وليس إكرامًا لكن بعد أن يُعْطِيَكَ المال أو الصِحَّة أو الجمال وتُوَظِّفُ هذا في طاعة الله تنقلبُ هذه النِّعَم إلى إكرام، وكذا لو حرَمَ الله عبدهُ من الدنيا، وكان هذا سبَبًا لإقبال العبد على طاعة الله، هذا الحِرْمان ينقلب إلى عَطاء، فَرُبَّما كان المَنْعُ عَيْن العَطاء، وربَّما كان العطاء عَين الحرمان، فهذا المعنى يرفع معنوِيَّات المؤمنين، فإذا أراد الله أن يجعلَكَ ذا دَخْلٍ مَحدود فهذه حكمة ما بعدها حِكْمة، ولو كُشِفَ الغِطاء لاخْتَرْتُم الواقِع.
أيها الإخوة، يقول سيدنا علي رضي الله عنه: الغِنى والفقْر بعض العَرْض على الله، ولا يُسَمَّى الغنِيّ غنيًا ولا الفقير فقيرًا، إنَّما الغِنى الحقيقي بعد العَرْض على الله، قال تعالى:
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[ سورة آل عمران ]
قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)﴾
[ سورة الرعد ]
ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غُمِسَ في مياه البحر ! والمؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سَعَة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، لذلك الآخرة هي الحياة الحقيقيَّة، قال تعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى(23)يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾
[ سورة الفجر ]
كلمة الحق لا تقطع رِزْقًا ولا تُقرِّب أجلاً، وهذا هو التوحيد، والضامِن هو الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
[ سورة هود ]
الأمر مُعَرَّف بأل وهي للاسْتِغراق، ولا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق.
الذي أراد أن يزيد رِزْقهُ عليه بالاسْتِغفار والاستِقامة والأمانة والصلاة والإتْقان وهي عوامل زيادة الرزق، فإذا اجْتَمَعَت هذه العوامل ولم يرزق فهناك حكمة ما بعدها حكمة ولو كُشف لك الغطاء لَذُبْت كما تذوب الشَّمْعة، لذلك قال تعالى:
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)﴾
[ سورة يونس ]
فلو ضربك إنسان من أجل مَصْلحَتِك لرُبِّما كان هناك عقرَبًا فأبْعَدَك عُنْفًا كي لا يلْدَغَكَ فهل تغضب منه ؟! لا، بل تشْكرهُ، قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾
[ سورة البقرة ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 08:28 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الرعد (13 )

الجزء السابع




أيها الأخوة المؤمنون، فالآية الواحدة والثلاثون من سورة الرعد، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
(سورة الرعد )
هذه الآية أيها الأخوة بالِغَة الدِّقَّة، وهي مُتَعَلِّقَة بِأصل العقيدة ؛ مَضمون هذه الآية أنَّ هذا الكون بِوَضْعِهِ الراهِن هو مُعْجِزَة وليس خلقُ قوانينِهِ هو المُعْجِزَة، مَن لم يرَ عظمة الله عز وجل في الشمس والقمر، ومن الليل والنهار، ومِن خلق الإنسان، ومِن المطر في السماء، ومن إنبات النبات، والسمك في البِحار، والطيور في الأجْواء، مَن لم يرَ عظمة الخَلْق مِن خِلال الخَلْق فهذا لا يُقْنِعُهُ خرق القوانين، فهذه الأمور لِضِعاف العُقول، فالله تعالى يقول:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾
[سورة الرعد]
قرأْنا آية فَمَشى الجَبَل، قال تعالى:
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾
[سورة الرعد]
وقرأنا آية ثانِيَة فَوصَلْنا إلى الصِّين في دقيقة، قال تعالى:
﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾
[سورة الرعد]
أو اسْتيقَظ الميِّت وجعل يُكَلِّمُنا، كلّ هذا خرْق للقوانين، فلو أنَّ القرآن الذي نزل على النبي عليه الصلاة والسلام قُطِّعت به الأرض أو سيِّرَت به الجبال أو كلِّم به الموتى، إذا لم يُرِد الإنسان أن يَهتدي - فالهِداية قرار داخِلي يتَّخِذُهُ الإنسان في أعْماق نفسِهِ، فإذا أراد أن يَهْتدِيَ إلى الله فأَصْغَر شيءٍ يهديه إلى الله ! أما إن أعْرَض عن الهِدايَة فلو عاشَ مع النبي عليه الصلاة والسلام كتِفًا بِكَتِف، ورآهُ رأْيَ العَيْن، وقرأ القرآن فمَشَتْ الجِبال، وقطع الأرض، وكُلِّم به الموتى، فخَرْق القوانين لا يمكن أن يُقْنِعَ إنسانًا بالهُدى، الكون بِوَضْعِهِ الراهِن يكْفي، فالإنسان حينما يولد، لو أمْعنَ النَّظر ! يُخَلَّق الإنسان مِن حُوَين مَنَوي ومِن بُوَيْضَة، والعِلْم أثْبَتَ أنَّ اللِّقاء الزَّوْجي يخرج من الذَّكَر خمسمائة مليون حُوَين ! وَحُوَيْنٌ واحِدٌ يَكفي لِتَلْقيح البُوَيْضَة، البُوَيْضَة والحُوَيْن على كلٍّ منهما مَعْلومات مُبَرْمَجَة تزيد عن خمسة آلاف مليون، وحتى الآن اكْتُشِف منها ثمان مائة وأكبر ضَجَّة عِلْمِيَّة الآن حول الهَنْدَسة الوِراثِيَّة ؛ هذه الجينات المُوَرِّثات خمسة آلاف مليون معلومة، فإذا عرفْتَ أنَّ في العَين مائة وثلاثون مليون عُصَيَّة ومخروط، وأنّ العصب البصري تسعمائة ألف عصب وأنَّ في شَعْر الإنسان ثلاثمائة ألف شَعْرة، وفي كُلّ شَعْرة وريد وشريان وعضلة وعصب وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، وإذا عرفت الخلايا في المعدة، خمسة وثلاثون مليون عُصَارَة، وفي كل نصف سنتمتر مربَّع بالمعِدَة، وإذا رأيْت خصائص الكبِد خمسة آلاف وظيفة، وخصائص السَّمع والبصر، والقلب ماذا يعْمَل ؟ فهل أنت بِحاجة لخرق هذه القوانين ؟! فالقوانين نفسُها ؛ الشمس والقمر، لِسان لَهَب الشمس مليون كيلومتر، عشرين مليون درجة في نواتها، وستَّة آلاف درجة على سطحها، مُتألِّقة من خمسة آلاف مليون عام، وقرأتْ مقالة أنَّهُ بقِيَ من عُمُرِها مائة مليار عام ! قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
الجواب مَحْذوف ! وهو: ما آمنوا، ولن يؤمنوا، ولو فكَّروا في الكون لعرفوا الله من دون خرْق القوانين، قال تعالى:
﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾
[سورة الرعد]
قال تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة الرعد]
فرئيس الجامعة هل يعْجز أن يُوَزِّع أوراقًا مَكْتوبة كاملة بالإجابة الصحيحة، وعلى الطالب فقط كتابة اسمِهِ ؟! فهل لِهذا النَّجاح قيمة ؟! ليس له قيمة لا عند الناس ولا عند إدارة الجامعة، ولا عند الطالب نفسِه، فالله تعالى:
﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
لكن هذا الهُدى لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر ولا يرفع عند الله عز وجل، فهذا المؤمن لا بد أن يعرف أنَّ لو القَضِيَّة قضِيَّة إجْبار لأجْبَر الناس على الهُدى، لكنّ هذا الإجبار لا يُسْعِدُهم ولا يجعلهم يَرْقَون، فالذي يجْعلهم يَرْقَون مُبادرتهم إلى الهُدى الذاتِيَّة، والإنسان بالخِيار يُقَيَّم عملُه.
إذًا خَرْقُ القوانين من دون أن تطلب الحقيقة من الداخل لا ينفع، فإذا أراد الإنسان الهُدى يمكن لِكأس الماء أن يوصِلُهُ إلى الله، وابنُهُ في البيت الذي يعلم أنَّه كان نقطة ماء وأصبحَ إنسانًا يتكلَّم ويضْحك وفيه قلب ومرارة وكبد وبنكرياس وكلية، وعضلات وأعصاب وعِظام وجلد وشعر، الكون وَحْدَهُ مُعْجِز، ورَدَ في الأثر: حَسْبكم الكَون مُعْجِزَة، فإذا كان بين الأرض والشمس مائة وستٌّ وخمسون مليون كيلومتر، وتكبر الشمس الأرض بِمِلْيون وثلاثمائة ألف مرَّة، ونجم العقرب يتَّسِعُ للشمس والأرض مع المسافة بينهما، فالأرض مثلاً تُسقى بِماء واحِد، وهذا فجل وذاك جزر، قال تعالى:
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾
[سورة الرعد]
تفاح وبصل وموز وخيار، وفلفلة، وذكر لي صديق أنّ حقل بطيخ كان له شهرين وهو يأخذ منه، فقلتُ في نفسي: لو كان البطيخ كالتُّفاح ! ماذا نفعَل به ؟ نَرْميه، فَحِكْمَةُ الله شاءَت أن ينضج كلّ يوم قسمٌ، فسألْتُهُ كيف تختار التي نضَجت من غيرها، فالكل أخضر ؟ قال لي: الله تعالى جعَلَ حلَزون إلى جانب البطيخة تمسِكُه فإذا انْكَسَر كان دليل على أنَّها نضَجَت، وإن لم ينكسِر كان دليل عدم النُّضْج، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)﴾
[سورة النمل]
والله تعالى قال: ﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)﴾
[سورة عبس]
ثلاثة آلاف نوع قمْح بالعالم، وهو مادَّة أساسيَّة ينبت بِكُلّ الفُصول والله تعالى رحمةً بنا الأشياء التي هي من القوت تنضج بِيَوم واحِد، أما التفاح والمشمش والكمَّثرى هذه تنضج تِباعًا ؛ هذه كلُّها آيات دالة على عظمة الله عز وجل.
المُلخَّص أنَّ الكون بِوَضْعِهِ الحقيقي، وبِسَمائِهِ وأرْضِهِ، وبِمِياهِهِ وينابيعِه، وخلق الإنسان والحيوان وحْدَهُ يدلّ على الله، ولكنَّ خرْق الكون إذا لم يكن هُدى لا يفيد شيئًا، قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
فلو كان هذا يَحْمِلُهم على الهُدى لفعَلَهُ الله، ولكن لا يفيدهم !
قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[سورة الرعد]
الكفار مطلوبون من قبَلِ الله، قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
كل الخَلْق خلقَهم لِيَرْحمهم ولو كفروا، وحتى الكافر، يسوق له من الشدائد ما يحْملهُ على الهُدى، وأنا أقول: تسعين بالمائة من الذين اهْتَدَوا على أثر تربيَة إلهِيَّة وحكيمة ؛ إما أن يُخيفَهُ أو يُمرِضُه.
آيتُنا فيها ثلاثة نِقاط أساسِيَّة ؛ الكَون بِوَضْعِهِ الراهِن هو المُعْجِزَة، ولو انَّ الله تعالى أراد أن يَهْدِيَ الناس جميعًا هُدى قَسْرِيًّا يسْلبهم اخْتِيارهم لَفَعَل ولكن هذا لا يُسْعِدُهم، والشيء الأخير أنَّ الخَلق كلهم مَطْلوبون عند الله عز وجل، لذلك حتى الكفار كما قال تعالى:
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)﴾
[سورة الرعد]
لذا علينا أن نُفَكِّر في الكون كي نَتعرَّف إلى الله، وأن نأتِيَ الله مُخْتارين، وإذا قصَّرْنا يُرَبِّينا الله.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 01:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، يقول الله تعالى في سورة إبراهيم في الآية الخامسة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)﴾
[سورة إبراهيم]
في هذه الآية كلمتان هما مركزا الثِّقل فيها ! أيام الله ما تفسير أيام الله ؟ وهل في حياة كل مؤمن أيامٌ لله عز وجل ؟ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ((أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه، و أحبوني بحب الله، وأحبوا آل بيتي بِحُبِّي..." ))
فالإنسان حتى يمتلأَ قلبُهُ بِحُبِّ الله ؛ هناك فِعْلٌ إرادي وهو أن يُذَكِّر نفسه بِأيام الله، فما هي أيام الله؟ اليوم الذي نجاه الله من مُشْكلة مُحَقَّقة، اليوم الذي يسَّر الله له الزواج من تلك المرأة الصالحة، واليوم الذي بنى في البيت، واليوم الذي شفاهُ الله من هذا المرض الخطير، واليوم الذي نجاه الله من هذا العدوّ الشرير.
لا يوجد مؤمن إلا وفي أيامه عشرات بل مئات الأيام التي أكْرَمَهُ الله بها، قد ينجحُ في امْتِحان صعب، قد ينال درجَةً عِلْمِيَّة عالِيَة، قد يُوَفَّقُ في وظيفةٍ جيِّدة، قد يشتري بيْتًا بِسِعْرٍ مُعْتَدِل فإذا به الآن هذا البيت بالمَلايين، قد يُؤَسِّس عمَلاً تِجارِيًّا يتنامى، قد يلوحُ له شبَحُ مُصيبة يُنَجِّيهِ الله منها، قد يَمْكُر به عدُوّ خصِم فَيُدافِعُ الله عنه، لا يوجد مؤمن إلا وفي أيامه أيام، هذه الأيام سمَّاها الله أيام الله، قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم]
والإنسان تفتر هِمَّتُهُ، ويضعفُ إيمانُهُ وتضْعف صِلَتُهُ بالله عز وجل، عليه أن يذكر أيام الله، فأيام الله بالنِّسْبة إلى قَوْمِ موسى يومَ أنْجاهُم من فِرْعَون، كان يُذَبِّحُ أبناءَهم ويسْتحيي نِساءهم كما قال تعالى، وأيام الله بالنِّسْبة إليك تختلف من كلّ واحِد بالنِّسبة لِحياتِه، فلَعَلَّ زواجَهُ مِن أيام الله، ولعلّ سُكْناهُ في هذا البيت مِن أيام الله، ولعلَّه لما الْتقى بهذا الإنسان في المسجد كان هذا اللِّقاء يومًا من أيام الله، ولعلَّه يوم قرأ هذه الآية يوم من أيام الله وتعرَّف إلى الله معرِفَةً لم يكن يعرفها من قبل، فالإنسان كلَّما ضعُفَت هِمَّتُه وضاقَت نفْسُهُ، وصلته بالله عز وجل بِإمكانِهِ أن يُذَكِّر نفْسَهُ بِأيام الله.
قال تعالى:
﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾
[سورة النساء]
هذه للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي لِكُلّ مؤمن، ألَسْتَ الآن مَوجودًا ؟! فأنت الآن بِنِعْمة قد لا تعرفُها، وهي نِعْمة الإيجاد، أنت كائِن موجود، لماذا أوْجَدَك الله تعالى ؟ لِيَرْحَمَكَ، قال تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
فأنت تتمتَّع بِنِعْمة عُظمى وهي أنَّك مَوجود.
ألم يمدّك الله بالصِّحة ؟ ألم يمدّك بالمال ؟ ألم يُهيِّء لك مأوًى تأوي إليه مساءً ؟ أليْس َلك زوْجة ؟ أليْس لك أولاد ؟ أليس معك قوت يومِك ؟ هذا مِن نِعَم الله عز وجل، لذلك نِعْمة الإيجاد، ونِعْمة الإمْداد ونعمة الهُدى والرَّشاد، بل إنّ نعمة الهُدى والرَّشاد هي أكبر نعمة على الإطلاق، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)﴾
[ سورة الفاتحة ]
إذا كنتَ فِعْلاً على الصراط المستقيم، ويسبق هذا معرِفَة الربّ الكريم، فهذه نِعْمَةٌ لا تعدلها نعمة، لن تعرف قيمة الهُدى إلا إذا رأيْتَ الضلال، والعقيدة الزائِغَة، والسُّلوك المنحَرِف، وشرب الخَمر، والعُدوان على الأعراض، لن تعرفها إلا إذا الْتَقَيْتَ مع أشْخاصٍ تائِهين شاردين مُعَذَّبين وأشْقِياء بِبُعْدِهم عن الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(46)﴾
[ سورة الزخرف ]
سؤال الآن ! لماذا الظلمات جمْع والنور مفرَد ؟! لِمَ لَمْ يُجمع النور ؟ أو أن يأتي لفظ الظلمات مفردًا ؟ قال: لأنّ الباطل يتعدَّد، لكنَّ الحقّ واحِد، هناك ضلالات فِكْرِيَّة وسُلوكِيَّة، وظلمات المعاصي، وظلمات الشِّرْك وظلمات أكْل المال الحرام، فَكُلّ مَعْصِيَةٍ هي ظُلْمَة إن أخْرَجْتَ يَدَكَ لم تَكَد تراها ! ظُلمات ؛ الغَفْلَة ظلمات والظُّلْم، وهدم حُقوق الناس وأن تعْتَقِد عقيدَةً زائِغَة ظُلمات، أما الحق فلا يتعَدَّد وهو واحِد، فلو الْتَقَيْتَ مع أهْل الحق في الأرض كلِّها فلن تجِدَ فرْقًا واحِدًا بينك وبينهم ؛ فالمبادئ والأهداف هِيَ هِيَ، وكذا الانْضِباط والعِفَّة والصِّدْق والأمانة والرَّحمة، وخِدْمَة الآخرين، النور واحِد.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾
[سورة إبراهيم]
لذلك قال الشاعِر: كُنْ عَن هُمومِكَ مُعْرِضًا وَكِلِ الأمور إلى القضا
وابْشِر بِخَيْرٍ عاجِـــلٍ تنْسى به ما قدْ مضـى
فَلَرُبَّ أمْرٍ مُسْخِــــطٍ لك في عواقِبِه رِضـا
ولَرُبَّما ضاق المضــيق ولرُبَّما اتَّسَع الفضــا
الله يفْعَلُ ما يشــــاء فلا تكن مُعْتَرِضـــا
الله عَوَّدَكَ الجميــــل فَقِفْ على ما قد مضى
***
المؤمن أيها الإخوة ربَّاني، معنى ربَّاني أي أنَّ علاقته بِرَبِّهِ طيِّبَةٌ جدًا أساسُها طاعَتُهُ وعملُهُ الصالِح، وأساسُها خِدْمَتُهُ للخَلْق، طاعتُهُ لله وعملُهُ الصالِح، تَجعل هذه الأعمال كلُّها علاقة المؤمن بالله تعالى طيِّبَة، يحبُّ الله عز وجل ويُحِبُّ خلْقَهُ، ويحبُّ خِدْمَتَهُم والدَّمْعة مِن على خُدودِهم، ويرسُم البَسْمَةَ على أفْواهِهِم، أساس حياتِه العَطاء وليس الأخْذ، أما الكافر فحياتُهُ يَبْنيها على الأخْذ، يمصّ الناس، ويأخذ الأموال بالحيلة والقَهر، فالمؤمن لا يُسْعِدُهُ إلا العطاء من مالهِ ووقْتِهِ وجُهْدِهِ وصِحَّتِهِ وخبرته ومكانَتِهِ، وكلَّما بالغَ في العَطاء أكْرَمَهُ الله تعالى بالسَّعادة، وألقى على قلبِهِ السَّكينة، لذلك يقول الإنسان أثناء الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: اللهمّ صلِّ على أسْعَدِنا محمّد لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم جاء الحياة فأعْطى ولم يأخذ، والطُّغاة أخَذوا ولم يُعْطوا، والأنبياء أعْطَوا ولم يأخذوا، ونحن نأخذ ونُعْطي، لذلك يا مَن جئتَ الحياة فأَعْطَيت ولم تأخذ، ويا مَن قدَّسْتَ الوُجود كلَّه ورعَيْت قضِيَّة الإنسان، ويا مَن زكَّيْتَ سِيادَة العَقْل، ونهنسْت سيادة القطيع، ويا مَن هيَّأك تفَوُّقك كي تكون واحِدًا فوق الجميع فَعِشْتَ واحِدًا بين الجميع، دخل عليه عمر وهو صلى الله عليه وسلم مُضطجِع على حصير، وقد أثَّر على خدِّه الشريف فَبَكى عُمَر، فقال: لمَ تبْكي يا عمر ؟ فقال: رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملِكُ الفرس ينام على الحرير، فقال:
((يا عمر: إنَّما هيَ نُبُوَّة ولَيْسَت مُلْكًا ))
فكان إذا سقى القوم كان آخرهم شُرْبًا، وإذا جلسَ جلسَ حيث ينتهي به المَجْلِس وكان إذا دَخَلَ عليه مَن لا يعْرِفُهُ ينظر ويقول: أيُّكُم محمّد ؟ لا علامة تدلّ عليه من بين أصْحابِهِ، كان مُتَوَاضِعًا عليه الصلاة والسلام، ولماذا أحَبَّهُ أصْحابُه هذا الحبّ الذي لا يوصَف ؟ يقول: ما رأيْتُ أحدًا يُحِبّ أحدًا كَحُبّ أصحاب محمدٍ مُحَمَّدًا ! وقع أحد الصحابة في قبْضة قُريش، وأرادوا صَلْبَهُ وقتْلهُ، اسمُه خبيب ابن عديّ، سأله أبو سفيان: أَتُحِبُّ أن يكون محمّد مكانَكَ ؟! وأنت مُعافًى في بيتِك ؟ اُنظروا ماذا قال هذا الصحابي وهو على وشك الموت: والله ما أُحِبُّ أن أكون في أهلي، وولدي، وعندي عافِيَة الدنيا ونعيمُها، ويُصابُ رسول الله بِشَوْكَة ! هكذا أحبّ أصْحابُ النبي عليه الصلاة والسلام محمَّدًا صلى الله عليه وسلَّم، عندها قال أبو سفيان: ما رأيْتُ أحدًا يُحِبّ أحدًا كَحُبّ أصحاب محمدٍ مُحَمَّدًا !
ونحن أيُّها الإخوة، إن لم نتعاوَن، ويحبّ بعضنا بعضًا، خدمنا بعضنا بعضًا، والله في عَون العَبد ما كان العَبْد في عَون أخيه، ومَن نفَّس عن مُؤمنٍ كربَةً نفَّس الله عنه كُربَةً مِن كُرب يوم القيامة، لذلك إذا أردْتَ أن تكون سعيدًا فأسْعِدِ الناس، قرأتُ كلمة في مجلَّة أربع كلمات: إذا أرَدْتَ أن تسْعَدَ فأَسْعِدِ الآخرين تكن أنت أسعدهم، أكْرِمهم وأعْطِهِم من وقتك وصِحَّتك ومالِك.
إذًا قال تعالى:
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)﴾
[ سورة إبراهيم ]
مِحْوَر درسنا اليوم ؛ أيَّام الله، يومٌ نجَّاك الله مِن عَدُوّ، ويوم يُسِّر لك فيه شِراء بيْت، والزواج ورزق أولاد، وأعطاك درجة عِلْمِيَّة، فَكُلَّما ضاقَتْ نفْسُك واضطرب فُؤادُك، وفتُرت عبادك ذَكِّر نفْسَك بِأَيام الله كما أمرَ الله سيِّدنا موسى وقومه بني إسرائيل.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 01:21 PM
سم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، الإنسان يميل إلى أن يُحَمِّل أخطاءَهُ للآخرين فالإنسان يَحْتَجّ أنَّ البيئة سيِّئَة، والمُجْتَمَع فاسِد، والشَّيْطان وَسْوَس وزَوْجَتُهُ ضَغَطَتْ عليه ! فَحينما يتبرَّأ مِن ذَنْبِهِ، ويُلْقي التَّبِعَة على الآخرين، يكون قد ضلَّ ضلالاً بعيدًا، فربُّنا عز وجل في الآية الثانية والعشرين من سورة إبراهيم يُحَدِّثُنا عن الشَّيْطان، وكيف أنَّ هذا الشيطان ليس له على بني آدمَ سُلطان، أما أن يقول الإنسان: لَعَنَ الله الشيطان، والله يخزيه فهو الذي وَسْوَس لي، ودفعَني إلى هذا العَمَل هذا كلام لا معنى له إطلاقًا.
يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
أي أنَّ الله جلّ جلاله حَكَمَ بين الخلائِق ؛ فريق إلى الجنَّة، وفريق إلى السعير، ففي الدنيا هناك تصانيف كثيرة ؛ أغْنِياء وفقراء، أقْوِياء وضُعَفَاء، وأصِحَّاء ومرْضى، مِن الشرق الذي يُؤمن بالجماعة، وبالغرب الذي يُؤْمِن بالفَرْدِيَّة، وهذا أصلُهُ سامي، وذاك آمي، وبيض وسود وطبقة كادِحَة وطبقة وُسْطى وطبقة أرستقراطِيَّة ؛ هذه التَّصْنيفات تنتهي في النِّهاية إلى صِنْفَيْن مؤمنٍ وكافر، ومُتَّصِل ومُنقَطِع، مُحْسِنٍ ومسيء وصادِق وكاذب، ووفِي وخائِن، رحيم وقاسٍ، فالمؤمن مُصَدِّق بِرَبِّهِ ومُتَعَرِّف إلى منهَج ربِّه، ومُتَّصِف ومُنضَبِط، ورحيم ومُحْسِن ومُنْصِف، أما الكافر فَمُكَذِّب ومَقْطوع ومُتَخَلِّف ومُسيء ؛ فريق إلى الجنَّة وفريق إلى السَّعير، فحين يُقْضى الأمْر ويُساق كلّ الناس إلى مصيرِهم الأبَدِي، ما معنى أبَد؟! قد نقولها ولا نعرف معناها ! معنى اللانِهاية لو تصَوَّرْت أكبر رقم وقسَّمْتَهُ على ما نِهايَة تكون النتيجة صِفْر، ما معنى خالدين فيها أبدًا ؟ معنى ذلك لو أنَّ الإنسان عاشَ سنَةً أو مائتان أو ألف سنة ومليون سنة، ومليار مليار...حتى ينقطِعَ النَّفَس لو قِسْتَ هذا بالآخرة ؛ فما عاش شيئًا ‍! لذا الإنسان لما يكفر بالله عز وجل أتدْرون ماذا خَسِرَ ؟ خسِرَ الأبد، وهذه هي الخَسارة الأبَدِيَّة قال تعالى:
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(21(﴾
[ سورة هود ]
قد يحترق محلّ فيَقُول الناس: هذه خَسارة ! لا، هذه ليْسَتْ خَسارة، فقد يكون هذا سبب الهِدايَة، فالخسارة قد تكون سبب الهِدايَة في الدنيا، أما الخَسارة الحقيقيَّة أن تَخْسَر الأبَدَ، قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)﴾
[ سورة الكهف ]
لذا يقول الإمام عليّ رضي الله عنه: الغِنَى والفقْر بعد العَرْض على الله فالغِنى أن تدْخل الجنَّة، والفقْر أن تُحْرَمَ منها، والغِنى غِنى العمل الصالِح، والفقْر فقرُكَ من الأعمال الصالِحَة، ألم يقُل سيِّدنا موسى حينما سقى بنتي سيِّدنا شُعَيْب: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
لماذا هو فقير ؟ للأموال الطائلة والأجْنبِيَّة وغير المنْقولة للعقارات... فالعمل الصالح هو الشيء الرابح يوم القيامة.
ربنا عز وجل يقول:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)﴾
[ سورة الحاقة ]
ظنَّ هنا بِمَعنى أيْقَنَ، وحينما كنتُ في الدنيا علمْتُ أنَّ هناك يوم آخر وهناك جنَّة إلى الأبد ونار إلى الأبد، قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي(26)يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(34)﴾
[ سورة الحاقة ]
هذا اليوم المُخيف، والذي إن غَفَلَ عنه الإنسان فَهُوَ أحْمَق، هو يوم الحِساب والدَّيْنونة والجزاء، اِعْمَلوا ما شئْتُم فكلّ شيء مكتوب، قال تعالى:
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)﴾
[ سورة آل عمران ]
ردَّ عليهم الله وقال:
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾
فالإنسان إذا أَيْقن أنَّ كلّ ما فعَلَهُ مُسَجَّل شيء مُخيف، ففي أوروبا يضَعون جهاز تَصْوير لِمَن يُخالف قوانين السَّيْر ويعمل ليل نهار، فإذا الواحِد أيقَنَ أنَّه هذا الشارِع مُراقب بالرادار لن يُسْرِع، فالإنسان إذا أيْقَنَ أنَّ الله تعالى رقيب عليه انتهى الأمر.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
ضَحِكْتُ عليكم قال تعالى:
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾
[ سورة آل عمران ]
فالشَّيْطان يُخَوِّفُك ويَعِدُكَ الفقْر، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
خالق الكون يؤَكِّد لك في ثمان آيات في كتابه، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾
[ سورة سبأ ]
وعدك بالتَّعْويض ووعدَك بالنَّصْر قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾
(سورة آل عمران )
وقال تعالى:
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[ سورة النّساء ]
فالشَّيْطان يُخَوِّفُك ويَعِدُكَ الفقْر.
قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هذه الآية تكفي، وما وَجَدْتُ مثلاً يُوَضِّحُ هذه الآية كالمَثَل التالي: إنسان يلبس بدْلة أنيقة ثمنها ثمان مائة ألف، وإذا به يصطدم بِبِرْكة، فيذْهب للشرطة يشْتكي، فإن قيل له: مَن الذي دَفَعَك ؟ يقول لا أحد، وهل مِن أحد رماك هناك ؟ فيقول: لا، فيقولون له: مَن إذًا ؟ فيقول: قال لي أحدهم اُدخل في هذه البركة ‍‍‍‍!! بِرَبِّكم ألا يُعْتَبَرُ هذا مَجنونًا، قال تعالى:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لذا لا يقل الإنسان: لعن الله الشيطان فهو الذي أغواني !! فالشيطان لا علاقة له ولا سلطان له عليك، وليس له أن يفعل بك شيئًا، لكنَّه يَمْلِك أن يُوَسْوِسَ لك، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كلام خالق الكون، قال تعالى:
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ(42)﴾
[ سورة الحِجر ]
أنت يكفي أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وانتهى الأمر، قال تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200)﴾
[ سورة الأعراف ]
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201)﴾
(سورة الأعراف)
قال تعالى:
﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾
[ سورة إبراهيم ]
مُلَخَّص الآية أنَّ الإنسان مسؤول ولا يتوهَّم أنَّ هذا لا علاقة له فيها ؛ يقول لك: البيئة والمُورِّثات، والضّغوط والأشرة والمُجتمع، لا تستطيع أن تدَّعي هذا الكلام لأنَّك حرّ، ومتى اسْتَعْبَدْتُم الناس وقد وَلَدَتهم أُمَّهاتهم أحْرارًا ورِزْقك وحياتك بيَدِ الله وحْدهُ، وكلمة الحق لا تقطع رِزْقًا ولا تُقَرِّب أجلاً، ولما الإنسان يُحجِم عن طاعة الله من أجل إنسان قويّ فهذا فهْمٌ سقيم، والأمر كلّ بيَدِ الله، إلهٌ يَدَعُكَ لِخَلْقِهِ ويقول لك: اعْبدني فلو أوْكَلَ أمرَكَ إلى الخلق لما اسْتَحَقَّ العبادة، وما معنى لا إله إلا الله ؟ لا مَعْبود بِحَقٍّ إلا الله، ومَن هو المَعْبود ؟ الذي يخلق ويُميت، ويعطي ويَمْنَع، ويعزّ ويذِلّ، ويرفع ويخفض، فهذه الآية أساسِيَّة في موضوع الشيطان، فلا أحد يَحْتَجّ بالشيطان، لأنّ لا علاقة له، اِلْعَنْهُ وتعوَّذ منه ولكن لا تجْعلْهُ السَّبب، فلو لم تكن هناك رغْبة مُمَاثِلَة لما فعَلْتَ ما أمرَكَ به.


والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 01:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الثالث



يها الأخوة الكرام، الآية الرابعة والعشرون من سورة إبراهيم وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾
[ سورة إبراهيم ]
قبل بِعْثة النبي عليه الصلاة والسلام كيف كانت الجزيرة العَرَبِيَّة ؟ تموج بالفَوْضى والفِتَن والزنا والخمر والربا والإقلال والتَّناحر والبغْضاء ؛ مُجْتَمَعٌ بلَغَ من الجاهِلِيَّة ما يوصَف.
جاء النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لماذا جاء النبي ؟ هل جاء بِصاروخ ؟ هل جاء بِمُخْتَرَع ؟ كلمة طيِّبَة، قال عليه الصلاة والسلام: ((الكلمة الطيِّبة صدقة..." ))
ربنا جل جلاله يقول:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾
[ سورة إبراهيم ]
معنى طيِّبةً أي صادِقَةً وتُعَبِّر عن واقِع وليس خيال والطِّيبُ في الكلام يعني الإخلاص، ويَعْني الصِّدْق، والصِّدْق يعني أن يأتي الكلام مُطابِقًا للواقِع، بِماذا جاء الأنبياء ؟ بِكَلِمَة، لكنَّها طيِّبَة ؛ فيها إخْلاصهم للبَشَرِيَّة جمْعاء، وفيها صِدْقهم الذين يُعبِّرون به عن الواقِع، والله عز وجل شبَّه هذه الكلمة الطيِّبَة كشَجَرةٍ طيِّبَة، ولنَضْرِب على ذلك شَجَرة التِّين مثلاً ؛ هذه الشَّجرة أصلها بذرة وتحمل آلاف الثِّمار، وفي كلّ ثمرة آلاف البذور، فلو أرَدْتَ أن تأخذ كل ثِمار هذه الشَّجَرة، وان تأخذ كلّ بُذور هذه الثِّمار وأن تُحَوِّلَها إلى أشْجار وأنا أعْتَقِد أنَّ شَجَرَةً واحِدَة يمكن أن تصْنع غابة من الشِّجار، فالله تعالى شبَّه هذه الكلمة الطيِّبَة كشَجَرةٍ طيِّبَة.
دُعيتُ مرَّةً إلى تَعْزِيَة فألْقَيْتُ كلمَةً، وكان الحُضور عدد كبير، وأحد هؤلاء الحُضور جاءتْ كلمتي مُناسبة تمامًا معه فاصْطَلَحَ مع الله وتاب من فَوْرِهِ، وكان سببًا في هِدايَة بِضْع عَشَرات مِن أصْدِقائِهِ ؛ كلمة واحِدَة، لذا أيها الأخوة لا يبْخَل أحدكم بالكلمة، تتكلَّم كلمةً تقع في موقِعِها الصحيح، وقد يكون المُسْتَمِع تائِه وشارِد، وفي حَيْرَة وشَقاء، فقد تأتي كلمتُكَ بلْسَمًا له، فإذا اهْتَدى أقام الإسلام في بيتِهِ، وإذا أقامَهُ عملِهِ، وإذا اهْتَدَى جدعا إليه، وألَّم شَمْلاً كبيرًا بِهذه الكلمة، ولا ينسى أحدكم قَول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجُلاً واحِدًا خير لك من حمر النعم..." ))
ما هي الدنيا ؟ تجد محلاًّ صغيرًا المتر مائة وخمسون متر، إن شاء الله كل المدينة وكل السوق والشركات ؛ الكلمة الطيِّبَة خير لك من الدنيا وما فيها، والأنبياء جاءوا بِكَلِمَة، وكذا النبي عليه الصلاة والسلام جاءوا بِكَلِمَة طيِّبة هي كلام الله، وسُنَّتُه، فَبِهذه الكلمة الطَيِّبَة الخالصة الصادِقَة قلَبَ وَجْهَ الأرض في رُبْع قرن، والإسلام وصَل إلى الصِّين، وإلى إسبانيا وأذربيجان وغطَّ مساحاتٍ شائعة رُفِعَت فيها كلمة الله عز وجل، وأنت كلمة طيِّبة أحْيانًا لِجارِك وأصْدِقائِك ولابنِك ولأخيك ؛ هذه الكلمة قد تأتي في الوقت المناسب وتفعلُ فِعْل السِّحْر في قلبِهِ، ويهْتدي ويهدي آلافًا كلّهم في صحيفَتِك، قال تعالى:
﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لكنَّ الكلمة الطيِّبة تستند إلى واقِع وإلى أُسس، فالآن أيّ مذْهب وَضْعي بعد حينٍ يظْهر خطؤُهُ، وبعد حين ينْهار ويُصبح مصْدر سُخرِيّة لأنَّ لا أصل له ثابت، أما هذا القرآن فَهُوَ كلام خالق الكون، ومن أصدق من الله حديثًا.
قال تعالى:
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾
[ سورة إبراهيم ]
فأنت قد تهدي الواحد، والواحد قد يهْدي عشرة، والعشرة مائة والمائة ألف ويوم القِيامة تُحْشر أمَّة، وما معنى قول الله تعالى:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)﴾
[ سورة النحل ]
فالأب يبقى ذِكْرهُ عشرات السِّنين في قلوب أبنائِه إذا مكَّنَهُ الله تعالى أن يُرَبِّيهِم التَّرْبِيَة الحسَنَة، يموت ويبقى ذِكْرهُ عَشَرات السِّنين تجده يقول: أبي رحمه الله هكذا نصَحَنا، وأبي عوَّدنا هكذا، وعلى الصِّدْق وعلى الصلاة في وقتِها، فالأب توفي وبقِيَ عمله في أولاده عَشَرات السِّنين بل مئات السِّنين، أنا لا أريد أن يبقى الإنسان مُسْتَمِعًا، وأن يبقى مُتَلَقِّيًا ومُسْتَمِعًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((بلِّغوا عنِّي ولو آية..."))
لا يوجد مِنَّا مَن لا أهْل له، ولا جيران له، ولا زملاء، ألا يجْلس مع أولادِهِ ؟ ألا يزور بنْتَهُ ؟ أليس له أصْهار ؟ لا يوجد مَن يعيش لِوَحْدِهِ، هؤلاء الذين معك عمَّا تتحدَّثون ؟ عن الأسْعار والأمور العامَّة، لا تزيدُنا إلا انْقِباضًا ! حدِّثْهم عن ربِّهم وعن أخلاق نَبِيِّهِم وعن معاني كِتابهم، وعن أخلاق صَحابَة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَلَعَلَّ هذه الكلمة تَصْنَعُ أُمَّةً، فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام جاء بِكَلِمَة طيِّبة، ولكن مرَّة ثانِيَة الكلمة الطَّيِّبَة هي الكلمة الصادِقَة ومعنى صادِقَة: هي الكلمة الواقِعِيَّة المُسْتَنِدَة إلى الواقِع، فَعَظَمَةُ الأنبياء مِن أين أتَتْ ؟ أنَّهم ما تكلَّموا كلِمَةً إلا طبَّقوها في حياتِهم، ولا يمكن أن يرى الإنسان مسافَةً بين أقْوالهم وأفْعالهم ؛ هذه معنى طيِّبَة الصادِقَة المُخْلِصَة تَفْعَل فِعْل السِّحْر في المجتمع، أما الكلمة غير الصادِقَة فَهِيَ تَسْتَدْعي السُّخْرِيَة، والانْتِقاد، أما الكلمة الطَيِّبَة كالشَّجرة الطَّيِّبَة أصلها ثابت وفرعها في السماء تُؤتي أُكُلَها كلّ حين، والله هناك آلاف القِصص عن إنسان تَكَلَّم كلِمَةً واحِدَة، فأنا الْتَقَيْت رجلاً يزيد سِنُّهُ عن السِّتِّين، فقال لي: كنتُ بالابْتِدائي وكان لي معلّم صالح بالابْتِدائي، فغاب يومًا عن المدرسة وذهب إلى السينما فالمُعَلِّم ضيَّقَ عليه، واسْتَدعى أولياءهُ فإذا الولد بالسينما، قال لي: ذكر الأستاذ كلمات والله لا أنساها حتى الآن، وما تركْتُ الصلاة حتَّى الآن، فأنت لا تدع الكلمة الطيِّبة للجار وللصاحب والابن والمُوَظِّف بيِّن له طريق الحق واتْلُ عليه آيةً، الكلمة الطَيِّبَة كالشَّجرة الطَّيِّبَة أصلها ثابت وفرعها في السماء، معنى أصلها ثابت أيْ مَبْنِيَّة على الواقِع، والواقِع هو الحق الذي لا يتغَيَّر ولا يتبدَّل، فالحق حق والباطل باطل، تُؤتي أُكلها حين ؛ فَوُكَلاء الشركات أحيانًا وهو جالس في مَكْتبِهِ يأتيه فاكس يقول: ثلاثين ألف دولار بِضاعة اِشْتَراها، فهذا في الدنيا إذا كنتَ وكيلاً فكل بيعة يبيعونها لك فيها حِساب.
قال تعالى:
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
الشيء الغريب أَّن الله تعالى يقول بعد هذا:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كلمة تَدعوا إلى المعْصِية، وإلى الإباحِيَّة، والمُتْعَة التي لا تُرضي الله عز وجل، وإلى الفرقَة وعلى إنكار وُجود الله، تُبْنى على العِلْمانِيَّة، الدِّين باطل وخُرافة، ومشاعر في الإنسان الضعيف، هذه الكلمة تجد لها شُعوب بالهِند أربعمائة وخمسون مليون يعبدون بوذا من دون الله، هذا هو شأن الكلمة إن كانت طيِّبَة تنتشِر، وإن كانت خبيثة تنتشر، فالكلمتان اتَّفقتا في سرعة الانْتِشار، لكنَّ الله تعالى قال عن الكلمة الخبيثة:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لا بدّ مِن أن تنْهار وتَسْقط، وكل مبْدَأ وَضْعي قام على الباطل فلابدّ أن يَنْهار ويسقط، والآيات التي نراها كلَّ يوم خير شاهِدٍ على ذلك، انْهارَتْ الدَّعَوات الباطلة كما ينْهار بيت العنكبوت، قال تعالى:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ سورة إبراهيم ]
وهو القرآن، زوال الكون أهْوَنُ على الله أن لا يقَعَ وعيدُهُ، فلما تقرأ قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾
[ سورة النحل ]
هذا وَعْد إلهي، ولما يقول لك الله تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
فلما تُطَبِّق منهج الله قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9)﴾
[ سورة الإسراء ]
وقال تعالى:
﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[ سورة النساء ]
تطمئِنّ للقول قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
[ سورة إبراهيم ]
درسنا اليوم الكلمة الطَّيِّبَة والمُخْلِصَة والصادِقَة والواقِعِيَّة، فهذه تفْعل كلّ شيء، وقد جاء الأنبياء بهذه الكلمة، ولن نحتاج أكثر من كلمة طيِّبة وناصِعَة، وإخلاص في إلقائِك، وواقِعِيَّة في تَصْديقك، وعلى الله الباقي.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الرابع




أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة السابعة والعشرون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هذا هو الفرق بين الحق والباطل، فالحق ثابت والباطل مُتَغَيِّر أو زائِل، والقول إذا كان حقًّا فهو ثابت، والمؤمن أحد أكبر سعادَتِهِ أنَّهُ شكَّل حياته وِفْق الحق، كما قال الله عز وجل:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾
[ سورة التوبة ]
فلو أسَّس الواحد بُنيانَهُ على الصَّخر، وإنسان أسَّسَهُ على مغارة ؛ أليس هناك فرق كبير؟ نحن نقرأ أحيانًا أنَّ بيتًا هدم، وعند التحقيق نجد أنَّه أُسِّس على مغارة ! قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(109)﴾
[ سورة التوبة ]
القَول الثابت هو القول الحق، والله تعالى حق، لأنَّه قَديم أبَدِيّ، ولا يحول ولا يزول، لم يُسْبَق بِعَدم، مبادئه تعالى، وقوانينُهُ حق، وسُننُهُ وكذا أوامره و نواهِيه، معنى حق أنّه شيء ثابت، تعيش الزَّمَن كلَّه ولا يمكن أن ترى شيئًا يُناقِض الحق، أما أيّ شيء باطل، وأيّ تَشْريع أرضي بعد حينٍ يظهر فساده، ويُلْغى أو يُعَدَّل، الحق جِدار أنْشأتَهُ على شاقول مِن حجَر وأساس قَوِي، فهذا بُنِيَ لِيَبْقى، أما جِدارًا أنشئ على غير أساس ومن دون شاقول ؛ مائِل فهذا بُنِيَ لِيَنْهار فالحق هو الشيء الثابت، والباطل الشيء الزائِل، فالإنسان إذا انْطلَق من عقيدة صحيحة وثابِتَة ولا تتبدَّل، فهذا الكتاب الذي بين أيدينا نزَل على النبي عليه الصلاة والسلام قبل ألف وخمسمائة عام تقريبًا، والعِلْم تقدَّم تقَدُّمًا مُذْهِلاً فهل ظَهَر في العلم حقيقة تُناقض القرآن ؟ مهما امْتَدَّ بك العُمر لن تجد شيئًا يُناقض الحق، ما الذي يجعَل المؤمن ينفِقُ مالهُ ؟ لأنَّ الله عز وجل قال:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39)﴾
[ سورة سبأ ]
هذا قَوْل ثابت، وما الذي يجعل المؤمن يخاف من الربا ؟ قال تعالى:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
وما الذي يجعل المؤمن يغضّ بصره ؟ قال تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[ سورة النور ]
فالمؤمن أحَدُ أكبَر سعادته أنَّهُ ينطلِق في علاقاتِه ؛ في كَسب المال وإنفاقِهِ من الحق، وهو ثابت، قال تعالى لِنَبيِّه فَتَوَكَّل على الله:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾
[ سورة النمل ]
فالإنسان بالتَّعبير الحديث إذا بَرْمَجَ حياته وِفْق الحق فلن تعتريه مُشكِلَة أبدًا، تجدهُ مِن خير لآخر، ومِن تَوفيق لِتَوفيق، ومِن رُقَيّ لآخر حتَّى يَعُدُّهُ الناس أكبر مُصيبَة على الإطلاق وهو الموت، فهو عند المؤمن عرسٌ ! والمَوت بِدايَة السَّعادَة وبِدايَة العَطاء، وبِدايَة الإكرام، لذلك قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لماذا لا يأكل مالاً حرامًا ؟ لأنَّ الله تعالى قال له::
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾
[ سورة البقرة ]
ولماذا يتصَدَّق ؟ لأنَّ الله وعدَهُ بالتَّعويض والمُضاعفَة، قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)﴾
[ سورة البقرة ]
فأنت اِقْرأ القرآن وبُطولتُكَ أن تكشف فيه القوانين.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(33)﴾
[ سورة يونس ]
فإيَّاك أن تفْسق وتَعصِي، فإن لم تفْعَل فأنت أقربُ مَخلوقٍ إلى الإيمان، فالإنسان قد يتردَّد والتَّردُّد صَعْب، ينشأ عندهُ صِراع، ولكنَّ الله إذا وَعَدَهُ ونهاهُ عن كَسب الحرام، فهذا لا نَدَم عندهُ، فالمؤمن لا ينْدَم، فأحَد عوامِل الثبات أنَّك مُسْتَنِد إلى كلام خالق الكون، هذا أمْر وهذا نَهي، وذاك مُباح والآخر مَكروه ومُستَحب وحرام... لذلك طلب الفقه حَتْمٌ لازِم على كل مسلم، فلو فَرَضْنا أنَّك عَرَفْت الله من خلال الكون ومن خلال آياته التَّكْوينِيَّة، ومِن خِلال أفْعالهِ ؛ ما انتهى الأمر ! فأنت عرَفْتَهُ ولكن كيف تتقرَّب إليه ؟ بِطَاعَتِهِ، فأين أمرهُ إذًا ؟ الفقه كلّ واحِد مِن إخواننا الكرام على حسب اخْتِصاصِهِ، فالبائِع عليه أن يعرف أحكام البيع والشراء، وهي فرض عَين عليه، لأنَّه كيف يعبد الله ؟ باجْتِهاد الفقهاء ؛ هذه حرام وهذه حلال وتلك فيها شبْهة وتدليس وكذب إلى آخره، فأنت إذا عرفْت الله من خِلال الكون ومن خِلال آياته التّكوينيَّة، ومن خلال آياته القرآنيَّة ينشأ عندك حاجة مُلِحَّة كي تتقرَّب إليه ؛ كيف؟ بِطَاعَتِهِ، طيِّب أين أمرهُ ؟ الأحكام الفقْهِيَّة أمْرُهُ لذلك معرفة العبادات من صوم وصلاة وحج وزكاة، ومعرفة أحكام القرْض والهِبَة والحوالة والكفالة والمُضاربة والمُساقاة والمُزارَعة ؛ هذه كُلُّها أحكام فِقْهِيّة من خلالها تعبد الله، لذلك قالوا: أنت بالكَون تعْرِفُهُ، وبالشَّرْع تَعْبُدُه، لذا هناك خمْس آيات مُتَشابِهات ويُشْبِهُ بعضُها بعْضًا قوله تعالى: أن اعْبُدوا الله ما لكم من إله غيره.." سيِّدنا لوط وشُعَيب وإبراهيم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وآيةٌ مُوَحَّدَة قوله تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه..." الدِّينُ كلّه أن تؤمن أنْ لا إله إلا الله وهذا هو الجانب الفِكْري، وأن تُطيعَهُ، أنْ تَعْرِفَهُ أنَّه موجود وكامِل وواحِد، وأن تُطيعَهُ فيما أمَر ونهى، فأنت إن عَرَفْتَهُ بالكَون وعَبَدْتَهُ بالشَّرْع حَقَّقْتَ الهَدَف مِن وُجودِه، لذلك الإنسان لا يتردَّد فيما حرَّم الله عز وجل، إذا حرَّم الله شيئًا فهذا يعني أنَّه حرام، لا تقل فيه ربْح ملايين !! المُحَرَّم يبقى مُحَرَّم، وما الذي يُثَبِّتُكَ على هذا الشيء ؟ أنَّ الله تعالى حرَّمَهُ، وما الذي يَدْعوك إلى فِعل هذا الشيء مع أنَّه خطِر ؟ أنَّ الله أمرَكَ به، فالله أمَرَكَ أن تُصَلِّي وأن تُقيمَ الشعائِر في بيتِك، أعْجَبَ الناس أم لم يُعْجِبْهُم ؛ ما الذي يَمْنَعُكَ أن تُقيم احْتِفالاً على خِلاف ما يفْعَلُهُ الناس في الأعراس، فالله تعالى حرَّم الاخْتِلاط فأنت لا تَهُمّك العادات والتقاليد فهِيَ تحت قَدَمِك لأنّ هذا خِلاف الشَّرْع، مِن أين تأخذ مَوْقِفَك القويّ ؟ أنّ الله تعالى حرَّمَهُ، فأقْوى حُجَّة أنَّ الله حرَّم هذا وأحلَّ هذا، تَفْعل الحلال وتترك الحرام ولا تأخذك في الله لَوْمَة لائِم، كلمة يثبتُ الله الذين آمنوا ؛ لماذا تغضّ بصَرَك، قد تُتَّهَم أنَّك أجْدب ؛ يقول لك: هل سَتَأْكُلها ؟ أم سَتَأْكُلُك ؟ الله عز وجل قال:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[ سورة النور ]
وأحيانًا لا تُصافِح، وقد يكون هذا مَوْقِف حَرِج فقد جاءَت وزيرة إلى بلدِنا، وكان هناك مُوَظَّف كبير ما صافَحَها فَتَأَلَّمَتْ أشَدَّ الأَلَم، ومساءً قالتْ: أريد أن ألتقي بِهذا الذي لم يُصافِحني وسألَتْه باخْتِصار لمَ لمْ تُصافِحْني، فأجابها: لأنَّ ديني يَمْنعُني من هذا، وأنت امرأة أجْنَبِيَّة، فقالتْ على مَسْمَع الحاضِرين وقالتْ: لو أنَّ المُسلمين أمْثالَك لَكُنَّا تحت حُكْمِكُم ! هذا هو شأنُ المؤمن، فإذا تساهَلْنا وقلنا هذه بَلْوَة، وهذه ماذا نفعل لها ؟ وتلك وَضْعُها صَعب، وهذه عليَّ ضَغْط، انتهى الدِّين، لذا أنت تثْبت على الدِّين لأنَّ الله أمرك ونهاك ووعَدَكَ، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾
[ سورة القصص ]
ضَرَبْتُ مثلاً غريبًا وقلت: لو أنَّ إنسانًا فقيرًا جدًا معاشُهُ قليل، ومعاشُهُ بالأُجرة، وعليه دَعْوى أخلاق، ماذا تقول في هذا ؟ وله أخ معه خمسين ألف ليرة ولكنَّه بخيل ! وهذا الأخ مات بِحَادِث فجْأةً، وليس له أولاد، فَلِمَن هذا المبلغ ؟ لِهذا الفقير، إلى ان اسْتطاع أن يأخذ أوَّل دَفْعَة سَنَتين، لماذا هو في هاتين السَّنَتين أسْعَد إنسان ؟ لأنَّهُ دَخَل بالوَعْد، يقول: أنا معي خمسمائة مليون ! ثمّ يُصبح يتمنى، ويشعر بِسَعادة وغِبْطة قبل أن يتلَقَّى هذا المبلغ ! وهكذا حال المؤمن فالمؤمن وَعَدَهُ الله بالجنَّة، وهذا الوَعْد يَمْتَصّ كلّ مشَاكِل الحياة، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾
[ سورة القصص ]
لذا أيُّها الأخوة اقرؤوا القرآن وآيات الأمر والنَّهي، وطبِّق فالذي يُثَبِّتُكَ على هذا الوَعْد الإلهي، والذي يُسْعِدُكَ أنّ الله وَعَدَك، والذي يُخسفك أنَّ الله أوْعَدَكَ، فإذا صَدَّقْت وَعْدهُ ووعيده، وهذا هو القول الثابت، وهذا الكلام القرآني فيه إعْجاز وهو دليل أنَّه من عند الله، فإذا آمَنْتَ أنَّهُ كلام الله يقينًا أمَرَكَ ونهاكَ، فهذا الإنسان القويّ في زمننا إذا أعطى أمْرًا يُنَفَّذ بِحَذافيره ! لا تعصي مَن إذا قال فَعَل، فإذا كان الأمر مع البشر فما بالك مع رب البشر، لذا أحد عوامل التَّثبيت أنَّك تمشي على منهج إلهي، فهذه هي الآية التي أردْتُ أن تكون مِحْوَر الدرس، وهي قوله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
كَمَن وعَدْتَهُ وأنْجَزْتَ وَعْدَكَ يَشكُرك على هذا، لذا أنت بالدنيا مُصَدِّق، وفي الآخرة مُصَدِّق.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 01:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس الخامس




أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة الواحدة والثلاثون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)﴾
[ سورة إبراهيم ]
عباد وعبيد ! ما الفرق بينهما ؟ كِلاهما جَمْع، فالعِباد جَمْع العَبْد الذي أتى الله طائعًا، وأتاهُ تَعَبُّدًا، وأتاهُ مَحَبَّة وطاعةً وشَوْقًا، أما أيّ مَخلوق ولو كان كافِرًا فهذا عَبْدٌ لله بِمَعنى أنّهُ في قَبْضَتِه ؛ يَفْعَل بِهِ ما يشاء، لذا جَمْعُ العَبْد الشارِد عبيد، وجَمْع العَبْد الطائِع عِباد، قال تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)﴾
[ سورة الفرقان ]
وقال تعالى:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[ سورة فصلت ]
ففَرْقٌ كبير بين العِباد والعبيد، والآية الكريمة:
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾
وهذه الياء تَقول أنت: فلان شاميّ، وذاك حلبي ؛ هذه الياء إعرابُها ياء النِّسْبَة، شامي أي أنَّ هذا الإنسان مَنْسوب إلى الشام وعربي مَنسوب إلى العرب، والياء في عبادي هي من هذا النوع، هذا الإنسان نسَبَهُ الله تَشريفًا إلى ذاتِه، قد تَجِد مليون شرطي يحرس الملك لكنّ أحدهم يرافقهُ فَنَقُول عنه: شرطي المَلِك، وهناك بَوْنٌ شاسع بين هذا الشُّرطي المَنسوب، وبين الحراس، طبْعًا ولله المَثَل الأعلى قال تعالى:
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ﴾
[ سورة إبراهيم ]
هؤلاء الذين نَسَبَهُم الله تعالى إلى ذاتِه تَشْريفًا لهم، لذا أيها الإنسان أنت مُشَرَّف ومُكَرَّم والمخلوق الأوّل إذا كان كلّ مَخلوق على الإطلاق يُسَبِّح الله، قال تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)﴾
[ سورة الإسراء ]
وبعضهم تأوَّل هذه الآية تأويلاً ما أرادهُ الله، وهو أنّك إن نظرتَ إلى ورْدَةٍ أعْجَبَتْكَ رائِحتها ومنظرها تقول: سبحان الله! لا، ليس هذا المُراد، أفَيَليق بالإنسان الذي سُخِّرَت له السماوات والأرض، وكرَّمَهُ الله أعظم تَكريم، أيَليق بِهذا الإنسان أن يَغْفَلَ عن الله ؟ فإن كنتَ عَبْدًا لله وقد نسَبَك الله تعالى إلى ذاتِه نِسْبَةَ تَشْريف قال تعالى:
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لا خَير في دينٍ لا صلاة فيه والصلاة عماد الدِّين مَن أقامَها أقام الدِّين، ومَن هَدَمها هدَمَ الدِّين، وبين الرجل والكُفر تَرْك الصلاة، والصلاة نورٌ، وطَهور، ومِعراج المؤمن، وميزان فَمَن وفَّى اسْتَوْفى، وهي قرْب، وصِلَةٌ، ووعْيٌ وليس للرجل من صلاته إلا ما عقَلَ منها، وهي ذِكْر قال تعالى:
﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[ سورة طه ]
وهناك خمسة أركان في الإسلام فالحج قد لا يُفْرض على الفقير، والصَّوم يسقط عن المُسافر والمريض، والزكاة تسقط عن الفقير، بقِيَت الشهادة وهي مرَّة واحِدَة، ما هو الفرض المُتَكَرِّر الذي لا يمكن أن يسقط بِحَال ؟ هي الصلاة، وقال بعضهم: الصلاة تأخذ مِن كل أركان الدِّين نَصيبًا، إذا تَوَجَّهْنا إلى الكعبة فهذا من فريضة الحج، وإذا تركنا الطعام والشراب فهذا من الصِّيام، وإذا اقْتَطَعنا من وقتنا وصلَّينا فهذا الوقت زكاة لنا، تأخذ الصلاة من الزكاة أنَّ الوَقْت الذي تصْرفه في الصلاة هو جزءٌ مِن رأس مالِكِ الذي قد تكْسِب به مالاً، وحينما تتَّجِهُ إلى الكعبة المُشَرَّفة لها من الحج نَصيب وحينما تمتَنِع عن الطعام والشراب والكلام في الصلاة فهذا معنى الصيام، لذا فيها معنى الصيام والحج والزكاة، وكأنَّ الصلاة وَحْدَها تَجْمع أركان الإسلام الخمسة، بل إنَّ الحج مِن أجل الصلاة، والصيام من أجل الصلاة، وإنّ الزكاة من أجل الصلاة، وإنّ التَّوحيد من أجل الصلاة، وإنّ الصلاة من أجل الصلاة، ومن هَدَمها فقد هدَمَ الدِّين قال تعالى:
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي(25)﴾
[ سورة الحاقة ]
وقال تعالى:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42)﴾
[ سورة المدثر ]
قال تعالى :
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لماذا لم يقل الله: قل لعبادي يُصَلُّوا ؟ كلمة يُقيم الصلاة، كالذي يريد أن يُقيم البناء لا بدّ لهُ من رخصة، لِعِظَم الصلاة لا بدّ أن تُقامَ قبل أن تُصَلي ! من الصبح إلى الظهر إذا كان هناك إطلاق بصَر لا تقل صلاة الظهر ! وكذا الكذب والأيْمان الكاذبَة، فإقامَة الصلاة أن تسْتَعِدَّ لها قبل أن تأتي، وتَسْتَعِدَّ لها بالاسْتِقامَة، وتهيئ نفْسَك بالطاعة والإحسان، أما أن تقضي يومك بالكذب والاحْتِيال وخمسين نظْرة باطلة، فالله تعالى ما قال لِيُصَلُّوا ولكن قال:
﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
إقامة البناء تحتاج إلى تخطيط وبراءات ذِمَّة.
ثمَّ قال تعالى:
﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
[ سورة إبراهيم ]
أتاك العِلم أنْفِق العِلم، إن آتاك المال أَنْفِق المال، وآتاك سُلطة فكُن عادِلاً، والعَدل حسَن ولكن في الأمراء أحْسَن، والسَّخاء حسَن ولكن في الأغنياء أحْسَن، والحياء حَسَن ولكن في النِّساء أحْسَن، والتوبة حسنة ولكن في الشباب أحْسَن لذا عليك أن تُنْفِقَ مِمَّا أعْطاك الله، المال والعِلم والجاه، عَدْلُ ساعة يفضل أن تعبد الله ثمانين سنة !! لا يوجد إنسان على وَجْه الأرض لم يُؤتِهِ الله شيئًا، فإمَّا أن تكون مِمَّن آتاك الله قُدرات كلامِيَّة، وقدرات عِلْمِيَّة، وذاك قدرات مالِيَّة، وذاك قدرات اجْتِماعِيَّة، لا يوجد إنسان ليس له نصيب من حُدود الدنيا، فهذا النَّصيب زكاتُه أن تُنْفقهُ في سبيل الله ماذا قال تعالى لِقَارُون ؟:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)﴾
[ سورة القصص ]
أيها الإخوة حقيقة مهمَّة جدًا، فالمال حظّ مِن حُدود الدنيا، وكذا الذَّكاء والوَسَامَة، والجاه والصِحَّة، والسُّلْطة ؛ فهل تُسَمَّى هذه الحُظوظ نِعَم ؟ لا تُسَمَّى لا نِعَم ولا نِقَم !! هذه مَوْقوفَة على نَوع اسْتِخْدامِها، فالمال لا يُسَمَّى نِعمةً إلا على طريقة إنْفاقِهِ، فإذا أُنْفق في طاعة الله كان نِعْمَةً وإذا أُنْفِقَ في تأسيس مَلْهى انْقلب إلى نقمة، وكذا طلاقَة اللِّسان إذا أيَّدْت بهذه الطلاقَة الحق فالطَّلاقة هذه نِعْمة، أما إن أيَّدْت بها الباطل فَهِيَ نِقْمَة، والمرأة إن تَزَوَّجْتها وِفق شَرْع الله فَهِيَ نعمة، والدنيا كلُّها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، أما إذا خرجْت عن منهج الله تعالى في علاقتك معها صارَتْ المرأة نِقْمة، فالزَّوْجة نعْمة والسكرتيرة نقمة، فَحُظوظ الدنيا ليْسَت نِعَمًا وليسَتْ نِقَمًا إنَّما هي حُظوظ حِيادِيَّة مَوْقوفَة على نَوْع اسْتِخْدامِها ؛ إما أنَّها دَرَجات ترْقى بها، وإما دركات تهوي بها.
قال تعالى :
﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾
[ سورة إبراهيم ]
يأتيك الشيطان ويقول لك: أنت تُنفق أمام الناس، لا يستطيع أن يقول لك الشيطان أنت مُرائي أو منافق، وكذا إن أنْفَقْتَ علانِيَةً وشَجَّعْتَ الآخرين فلا مانِع من هذا، قد يكون مشْروع بناء خيري تقول أنت: مِنِّي خمسين ألفًا، فقد يسْتحي الذين معك أو من كان سيُعطي خمسة آلاف، وحينها ينفقون أكثر، فأحيانًا الإنفاق المُعْلَن مُشَجِّع، والإنفاق السِّري مُؤَيِّد للإخلاص وأنت مُخَيَّر بين أن تنفق سرًا أو جهْرًا، لكن ينبغي لِمَن أنفق أن يكون هذا سِرًّا، أما إن كان مَشْروع خَيري أو مُؤسَّسة خَيْرِيَّة.
قال تعالى:
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)﴾
[ سورة إبراهيم ]
الخِلال جَمع خُلَّة ؛ وهي المودَّة، فلا واسِطَة، فأحيانًا الإنسان يكون في أشَدِّ الحاجة إلى المال ويتلوَّى من الجوع، وأحيانًا ليس معه العُمْلة المناسبة للبلد الأجنبي، لكن بالآخرة لا مال ولا بِضاعة تَشْتريها، لذلك حقوق العباد لا تسقط إلى في حالين ؛ بالأداء أو المُسامَحَة.
فالشَّهيد يُغْفَر له كل شيء إلا الدَّيْن ! والوَهْم الشائع أنَّ الإنسان إذا حجَّ كبَّ كلّ ذُنوبِهِ ؛ فهذا فقط الذي بينك وبين الله، أما التي بينك وبين العباد فلا تسقط إلا بالأداء والمُسامَحَة، وتَرْك دانِقٍ من حرام خير من ثمانين حجَّة بعد الإسلام، اتَّق المحارِم تكن أعْبَد الناس، وأدِّ الحُقوق إلى العباد تكن أعْبد الناس، فلو صلَّيت ألف ركعة في اليوم وكنت مِمَّن أكل الحرام فأداء الحقوق لأهلها خير لك من هذه الصلاة، وهذه امرأة تُكثر من صلاتها وقيامها، غير أنَّها تؤذي جيرانها بِلِسَانِها، فهي في كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( ودخَلَت النار امرأة في هِرَّة حَبَسَتْها فلا هي أطْعَمَتْها ولا هي تَرَكَتْها !))
فالأمور مه اله تعالى دقيقة، قال تعالى
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
فالقضايا التي في محاكم من غِشَ وتَزوير ؛هذه في الدنيا أما في الآخرة عَدْل مطلق، ولا يوجَد إعْفاء، إنَّما يوجد العَدْل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 01:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس السادس





أيها الأخوة الكرام، الآية الكريمة الثانية والثلاثون والثالثة والثلاثون والرابعة والثلاثون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
[ سورة إبراهيم ]
أوَّلاً: الله جل جلاله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي خلقَنا، وهي النِّعْمة الأولى نِعْمة الإيجاد، قال تعالى:
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا(1)﴾
[ سورة الإنسان ]
الشيء الثاني: أنَّه تعالى أنزل من السماء ماءً، فإذا أنت سَمِعْت بالأخبار أنَّ هناك منخفض جَوِيّ مُتَمَرْكِز فوق قبرص، يجب أن تفْهَمَ أنّ هذا المنخفض نِعْمَةٌ ساقَها، فالإنسان قد ينسى نِعْمَةَ الله عز وجل نتيجة المصطلحات الحديثة ؛ كل هذا كما قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
خِصِّيصًا لكم، أحيانًا يدْعو إنسان شَخْصًا غالٍ عليه إلى وليمة، يَدْعوهُ ويَدْعو بعْضًا من الناس المُقَرَّبين إليه ؛ هذا المَدْعو الأوَّل هو ضَيف الشَّرَف، وقد يُطْرَق الباب والناس يأكلون فيقول له: تفضَّل واجْلِس واحْضَر الزاد، فالوليمة لِوَاحِد، أما الحُضور فكثير، هذا هو المعنى المُستفاد من لكم قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾
[ سورة إبراهيم ]
امْسك التفاحة ترى حجْمها وقِوامَها ورائحتها وطريقة إنباتها ومَوْسِم نضجها، وكل هذه الخصائص متناسبة مع الإنسان معنى ذلك أنَّ التفاحة خُصِّصَت لنا، ونظر مُكَوِّنات الحليب، البقرة ليْسَت عاقلة، وغُدَّتها الثَّدْيِيَّة كالقُبَّة وتجري فوق هذه الغدَّة أوْعِيَة دَمَوِيَّة يجول الدم فيها، وهذه الخليَّة لثَّدْيِيَّة إلى الآن لا أحد يعرف طبيعة عملها إلا أنَّها تأخذ من الدم الذي فوقها مُكَوِّنات الحليب وترشح نقطة حليب من تحت، هذا يجْتمع في ضرع البقرة، وهذا الحليب يحوي كالسيوم ومغنيزيوم وحديد ونُحاس وبروتينات ومواد دسمة ودَهنِيَّة ؛ مَن أعطى هذه النِّسَب، قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)﴾
[ سورة النحل ]
ذكري لي أخ مرَّةً كلمة لا أنساها ؛ قال لي: لنا جار له بقرة أصابها مرض التَّوَحُّش، فقَتَلَتْ أوَّل رجل والثاني، وكادَت تقتل الثالث ؛ فما كان مِن صاحِبِها إلا أن أطلق عليها النار فقتَلَها ! لو أنَّ هذه الحيوانات التي نسْتفيد من حليبها كانت مُتَوَحِّشَة ماذا قال الله عز وجل: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ(72)﴾
[ سورة يس ]
فلو كان الغنم كالضَّبع، فمَن أعطى هذه الطِّباع ؟ ونحن إذا أردنا أن نُعَبِّر عن إنسان لطيف وسَهل نقول عنه: مثل الغنَمَة ! وزْن البقرة طن ونصف، والجمل أربعة طن فقط ؛ تجد الطفل الصغير يقود الجمل، بينما العقرب الرجل الشجاع يفرّ منه، وكذا الأفعى، فَمَن ركَّب في هذين النَّوعين هذه الطِّباع ؟! إذًا كما قال تعالى
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُم﴾
[ سورة إبراهيم ]
خطر في بالنا أنَّ المحاصيل الزِّراعِيَّة تنضج في يوم واحِد، بينما لا فواكه تنضج تباعًا على ثلاثة أشهر ؛ ألَيْسَت هذه حكمة ؟ أليس هذه برمجة من عند خالقٍ عظيم حكيم.
قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لو لم يكن قانون أرخميدس، والأجسام لا تطفو على الماء، مَن أوْدَع في الماء قوَّة الدَّفع نحو الأعلى.
قال تعالى :
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)﴾
[ سورة إبراهيم ]
أنت سَل بعض الدُّوَل التي تُحلِّي المياه المالِحَة، كل لتر ماء أثنى عشرة ريال، وأنت تأخذ الماء حلوًا عذْبا من الينابيع، مَن حلَّ هذه المياه ؟ ونِظام التَّبخُّر من الذي خلَقَهُ ؟ يكون معك ماء مالح تَغْليه على النار يتبخَّر، ثمَّ ضَعْهُ بِقَارورة باردي يتقطَّر، أين الملح ؟ بالأرض، فهذا نَهر الآمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب بالثانية، ودمشق خمس ملايين وزيادة يسقيها نَبْع الفيجة ستَّة عشر متر مكعَّب بالثانية، هذا الحَوْض يبدأ من عين الفيجة وإلى حمص وإلى قريب من البادِيَة، فمَن سخَّر هذا ؟ قال تعالى:
﴿ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)﴾
قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لولا الشمس لدخَلَتْ الأرض في برودة مُميتَة.
قوله تعالى:
﴿دَائِبَيْن﴾
العلماء قالوا: مضى على تألُّق الشمس خمسة آلاف مليون سنة، وسوف تبقى خمسة آلاف مليون سنة أخرى.
قال تعالى:
﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
[ سورة إبراهيم ]
قال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)﴾
[ سورة الإسراء ]
ولكن الآية فيها مركز ثِقَل، قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
ذكرْتُ مرَّةً وقلت لكم: لو أعْطَيت إنسانًا ليرة حديد وقلت له عُدَّها ! هي ليرة واحِدَة فَكَيْف يَعُدُّها ؟ نِعْمة البصر، ونعمة السمع والحركة والعقل وجهاز الهضم، فنِعْمة حَبْس البَول فقط هل تُقَدَّر بِثَمَن ؟ لولا هذه المثانة لكانت حياة الإنسان جحيمًا وجعل الله للمثانة عضلات، وهناك مَن يُصلب بِسَرَطان بالمُستقيم، فيلجئوا إلى فَتْح فتحة على جنبه، وكل كيس ثلاثمائة ليرة، شيء لا يُطاق ! أما المُستقيم و عضلاته، فهذه نِعَم كبيرة لا يعرفها إلا من فقَدَها، فمثلاً نِعْمة القناة الدَّمْعِيَّة لو أنَّها غُلقَت لكلَّفك الأمر إلى أن تحمل دائِمًا منديل وتمسح على عينيك وخدِّك، وهذه هي أدقّ قناة في الإنسان، وكذا صِّيوان الأذن ؛ لولاه لما عرفتَ جِهَة السيارة ! لذا نعمة واحِدَة لو أمْضَيْت الحياة في تِعداد فضائِلَها لما أحْصَيْتَها فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى، فإذا جاء موْلود وجاءَتْهُ مائتان هَدِيَّة وكان مَحْبوبًا، يا ترى هل إحصاء الهدايا هو السهل أم ردُّها ؟ لذلك قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
لذا أيها الأخوة مَن ضاقَت نفْسُه فأنت عندَكَ نِعْمة الهُدى، فهناك من يسرق ويزني ويعصي، ونعمة الصِّحة هذه كذلك ليْسَت قليلة، فَهُناك صُوَر من مشفى المجانين لا تُصَدَّق ؛ يموت كل يوم شَخْصِين ثلاثة، يخلعون ثيابهم ويُكَسِّرون الأثاث والمدفآت، وكذا نِعْمة الحَرَكَة ونِعمة السمع والبصر والتَّكلّم والنطق ؛ فهذه نِعَم لا يستطيع الإنسان إحْصاءَها قال تعالى:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
[ سورة إبراهيم ]
قد يظلم الإنسان أحيانًا نفسهُ بِكُفْرِهِ، فإذا الواحد ضاقت نفسُه عليه أن يُعَدِّد نِعَم الله عليه، يقول عليه الصلاة والسلام: ((أحِبُّوا الله لما يغدوكم به من نعمه..." ))
نعمة الهدى والرشاد والإيجاد ؛ فهذه النِّعَم تُحَبِّب بالله، وإذا أحبَّ الله عبده ألْهَمَهُ شُكْرهُ، لذا اُشْكر ما عندك ولا تهتمّ بما ليسس عندك، فالكُفَّار تجدهُ غرقان بالنِّعَم، ومعه مال يعيش به خمسون سنة، فالإنسان عليه أن يشكر، والله تعالى قال:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾
[ سورة إبراهيم ]
الحمد لله الذي أذاقني لذَّته وأبقى فيّ قوَّته.
لذا درسنا اليوم حول النِّعَم وشكرها، وقال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾
[ سورة إبراهيم ]
والإنسان بالشُّكْر يزيدُكَ الله من النِّعَم، وبِشَكل موجَز الشكر ثلاثة مراحِل ؛ أن تعلَم أنّ هذه النِّعْمة من الله تعالى كدَرَجة أولى، وأن يمتلأ قلبك امْتِنانًا، وهي درجة الحَمْد، والدرجة الثالثة خِدْمة العِباد، فَخِدْمة العباد شُكْر لربِّ العِباد.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-05-2018, 01:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة ابراهيم (14 )

الدرس السابع





أيها الإخوة الكرام، الآية الكريمة الثانية والأربعون من سورة إبراهيم عليه السلام، وهي قوله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾

[سورة إبراهيم]
فالآية فيها نهَي وهي لا، وهذه اللام هي لام النَّهي، فلعلَّ بعض الناس يتوهَّم خطأً أنّ الله غافلٌ عمَّا يعمل الظالمون، حتَّى أنَّ أحدهم يقول لك: أين الله ؟ ولِحِكْمَةٍ أرادها الله، يُمِدُّ الله الظالم بطَريقةٍ تحسب أنَّه لن يضعف، وأحيانًا ترى وُجود الله وعدالتَهُ ظاهِرَةً للعَيان ربُّنا سبحانه وتعالى يَمْتَحِنُ العباد مرَّةً بِإظهار وَحْدانِيَّتِه، ومرَّةً بإمداد الكفار الظالمين، فالمؤمن القويّ وهو في أشَدِّ حالات الضِّيق، ويرى أنَّ الأقوياء الطُّغاة يسيحون ويَمرحون فإيمانُهُ لا يتزَعْزَع، فمثلاً النبي عليه الصلاة والسلام ؛ نَبِيٌّ مُرْسَل، وسيِّد الخلق،وحبيب الحق، ودعا إلى الله هاجَر من مَكّة إلى المدينة، وهو في أعلى درجات القرب، ومعه صحابة كِرام مُخلصون عابِدون وتائِبون وساجِدون، ومع ذلك في معركة الأحزاب جاءَت جُموع الكفرة إلى المدينة وأحاطوا بها، وبقيّ الإسلام مُجَرَّد ساعات، فَمَعْركة الخندق جاءَت لا لِتَنْتَصِر على المسلمين بل لِتُبيدَهم وتستأصِل شأفتَهم ؛ حتَّى أنَّ بعضهم قال: أَيَعِدُنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكِسرى، وأحدُنا لا يأمَن أن يقضي حاجته، قال تعالى:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾

[سورة الأحزاب]
فالله قد يمُدّ القوي بالطغيان والتجبُّر، كما نرى أحيانًا دُوَل عُظْمى يظنّ الناس أنَّها تمْلك رقاب الشُّعوب كلها، فالإنسان بِساعات ضَعف الإيمان يقول: أين الله ؟ فربنا عز وجل قال:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾

[سورة الأحزاب]
ولكنَّ الله كذلك قال:

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[سورة الأحزاب]
فالله تعالى لما يمُدُّ القوي هو تعالى بِهذا يَمْتَحِن المؤمنين، فالضعيف يسقط والقوي يثبت ولا تضعف ثِقَتُه، وهذه الآية دقيقة جدًا:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
فلولا أنَّ بعضًا من الناس ظنَّ هذا لما نزل هذا الوحي الإلهي ‍! وهؤلاء لِضَعْف إيمانِهم يظنُّون أنّ الله تعالى غافل عنهم ؛ يقول لك: صُهْيونِيَّة عالمِيَّة، وماسونيَّة، وكأنَّ هذه الحركات بِيَدِها مصير الشُّعوب وهذا كلام فيه ضَعْف إيمان والله تعالى لا يتخلَّى عن دينِهِ والمؤمنين ولكن لِحِكْمَة يُريدُها.
قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)﴾

[سورة القصص]
إذا عصاني من يعرفني سلَّطتُ عليه من لا يعرفُني ؛ إذًا قال تعالى:
ً
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
أوْضَح مثل لهذه الآية ؛ صاحب محل تِجاري عنده مُوَظَّف، ويفتح المحل صاحِبُه، ويجلس أمام صندوق المال، ويُغلق المحلّ بِيَدِهِ ؛ فهل المُوَظَّف الذي معك أمين أم خائِن ؟! لن يظهر معك صِدْق الموظّف أو خِيانتهُ، متى يظهر ؟ إذا خرج صاحب المحل وترك الموظَّف لِوَحْدِه فأمانة المُوظَّف لن تظهر إلا إذا تغافل عنه، فبرُّنا عز وجل حتَّى يمْتَحِن العِباد يرْخي لهم الحبل، فتجِدُه أنت يشرب الخمر ويزني ويسرق ودخله حرام وليس به شيء ! هنا الله تعالى يمُدّ الإنسان ويرخي الحَبل، لكن بأيّ لحظة هذا الإنسان قد يُحاسب حِسابًا عسيرًا، وكذلك المؤمن يغضّ بصرهُ ويستقيم ويُصلي، ويُعاني مِن مَشاكِل كثيرة ؛ كلّ هذا من أجل أن يُرَى هل هذا إخلاصًا أم يريدُ المَنْفَعَة مَن أحَبَّنا أحْبَبْناه، ومَن طلبَ مِنَّا أعْطَيْناه ومَن اكْتَفى بِنا عمَّا لنا كنَّا له وما لنا، فالمؤمن يُمْتَحن فقد تُحْجَب عنه الدنيا وهو مُستقيم، وقد يُعْطيها الكافر وهو مُنْحَرف، لكنَّ الله تعالى كما قال:
ً
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
فالعِبْرة بالنِّهايَة، ومَن يضحَك آخرًا، قال تعالى:

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)﴾

[ سورة القصص ]
الإنسان المَحْدود التَّفْكير يعيشُ وَقْتَهُ ؛ يأكل المال الحرام ويعتدي على الناس وعلى أموالهم وأعراضِهم، ويتحرَّك حركة عَشْوائِيَّة، لكنَّه في قَبْضة واحِدة يكون عند الله، إما بِمَرض عُضال أو قَسْمٍ أو حادِث، وينقلب إلى شرّ عمله، لذلك هذه الآية مُهِمَّة لكلّ إنسان، فلو وَجَدْتَ إنسانًا قوِيًّا ومُلْحِدًا وكافِرًا، فلا تعْبأ فإنَّه في امْتِحان والعِبْرة بالنِّهايَة، قال تعالى:
ً
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
والإنسان إذا أيْقَنَ أنَّ الله يُعْطي كلِّ ذي حقٍّ حقَّه يرْتاح، ففي الدنيا هناك فقير وغني وقوي وضعيف ومُعتدي وغير معتدي والأوراق مُخْتلِطَة ويتفَلْسَف ولكن يوم القِيامة هو يوم الفَصْل والجزاء والعَدل والحِساب، ومالك يوم الدِّين، فالبُطولة ان تنْجو من ذاك اليوم، ولذا قال سيدنا عليّ رضي الله عنه: الغِنَى والفقْر بعد العرض على الله، قال تعالى:
ً
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
أراد أحد المُتَفَلِّتين أن يقطع يد كلب صغير في يوم شَتْويّ كي يُبرْهِنَ مهارتَهُ بالسِّياقَة، فَمَرَّ عليه وقَطَعَ يَدَيْه، وضحِكَ ‍! فهذا الحادث حصل بالسَّبت، وبالسبْت القادِم أصاب العجلة خلل فخرَج هذا السائق لِيُصْحها وأثناء تصْليحه العجلة انحل الكريك وسقطت الدولاب عليه فأُصيبَت يَدَيْه إلى حدِّ الرسْغَين، وإلى حين أخْذِهِ إلى المستشفى اسْوَدَّتْ يداه واضْطرّ الأطباء إلى قَطْع يدَيْه ! قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[سورة إبراهيم]
لكن أيها الإخوة هناك نقطة دقيقة، ربنا عز وجل قال:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(69)﴾

[ سورة النمل ]
وفي آية أخرى فانظروا، وفي أخرى ثمّ انظروا ! آيتين مُتَشابِهَتين، إحداهما بالفاء والأخرى بِثُمَّ، فالفاء تُفيد الترتيب على التعقيب، ولكن حرف ثمّ تفيد الترتيب على التراخي، والله تعالى يُمْهِل ولا يُهْمِل، فالله تعالى يُعطي العبْد فرصة التوبة، وأحيانًا لِعِلْم الله بِعَبْدِهِ يتركُهُ يرتكب معْصِيَة كبيرة يقْصِمُهُ بعدها قَصْمًا، فإذا قُصِمَ بعْدَها سريعًا فالفاء، وإذا قُصِم بعد عَشْر سَنَوات على ثُمَّ فَكِلاهما صحيح، فإما أن يأتي انتقام الله بسرعة فالفاء، وإما أن يأتي انتِقام الله على التراخي، قال تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)﴾

[ سورة الأنعام ]
وكلَّما كبُر عقلك كبر خوفك من الله شديد، دَخَلْتُ مرَّةً لِمَصْنَع فإذا بي أجِد صاحِبُهُ في غمٍّ شديد، فقال لي: أرأَيْت ؟‍ فقلتُ: ماذا أرى ؟‍ قال لي: اُنظر إلى الجسر ذاك، وكان فيه شِق وذاك الشق يُسَبِّب انْهِيار، وجاء بِدُكتور طلب منه خمسمائة ألف ليرة وهذه بِسَنة السبعين، فالإنسان كلَّما كبر عقلُهُ يزْداد خَوْفُهُ من الله، ولذلك رأس الحِكْمة مَخافة الله، وأشَدُّكم لله معرفةً أشدُّكم خوْفًا منه.
قال تعالى:

﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) ﴾

[ سورة إبراهيم ]
مُهطعين خاضِعين، ومُقْنعي رؤوسِهم أي مُطَأطِئي رؤوسِهم، فهم في الخوف والهَلَع والجزع والخُضوع قال تعالى:

﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)﴾

[ سورة إبراهيم ]
كل خِطَط الكفار عند الله، ويعلمها، فإذا نسَجُوا منها شيئًا لم تقع، ولأنَّ خطَّة الله تَسْتوْعِب خِطَّة الكافر، ولا يقع شيء في كون الله إلا إذا أراد الله، فلو بدى لك أنَّ الكافر قال لك: سأفْعَل وأفعَل، إذا فعَلَ شيئًا فَفِعْلُه من خُطَّة الله عز وجل، الظالم سوط الله ينتقِمُ به ثمَّ ينتقِمُ منه، قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[ سورة الأنعام ]
قال تعالى:

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

[ سورة إبراهيم ]
تسمع أنت أعداء الدِّين والكفار والمُلْحِدين يُخَطِّطون لِتَدْمير الإسلام وإطفاء نور الله لكن هذه نواياهم والله يفعل ما يريد، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد أعْطَيْتُكَ ما تُريد، وإذا لم تُسلِّم لي فيما أريد أتْعبتُكَ فيما تُريد قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾

[ سورة الأنفال ]
فإذا خطَّط هؤلاء فخُطَّتُهم هاوِيَة وإن كانت تهدّ الجبال، قال تعالى:

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾

[ سورة إبراهيم ]
وعَدَ الله المؤمن بالجنَّة والحياة الطَّيِّبَة، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾

[ سورة إبراهيم ]
هنيئًا لِمَن كان مع الله وعلى منهج الله ولِمَن خافهُ تعالى، إنِّي والإنس والجنّ في نبأ عظيم أخلقُ ويُعبَدُ غيري، وأرزق ويُشْكَر سِوَاي، وخيري إلى العباد نازِل وشرُّهم إليَّ صاعِد، أتَحَبَّبُ إليهم بِنِعَمي وأنا الغني عنهم، ويتبغَّضون إلي بالمعاصي وهم أفقَر شيء إليّ، مَن أقبل إليَّ منهم تلقَّيْتُهُ من بعيد، ومن أعرض عنِّي منهم نادَيْتُهُ من قريب، أهل شُكري أهل زِيادتي، وأهل ذِكري أهل مودَّتي، وأهل معصِيَتي لا أُقَنِّطُهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا حبيبهم، أبْتَليهم بالمصائِب لأُطهِّرهم مِن الذُّنوب والمعايِب، الحسنَةُ عندي بِعشرة أمْثالها وأزيد، والسيِّئة بِمِثْلها وأعْفو، وأنا أرأف بِعَبدي من الأم بِوَلَدِها، قال تعالى:

﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزمر ]
وإذا رَجَعَ العبد إلى الله نادى مُنادٍ بالسماء أن هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 07:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثانية والثالثة من سورة الحجر، وهي قوله تعالى:
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) ﴾

﴿رُبَمَا﴾
قد نتوهم أنها تفيد التقليل، لكنها في الأعم الأغلب تفيد التكثير، تفيد غلبة اليقين، قد تقول هل أنت راغب في عمل، إذا قلت ربما، معنى ذلك أنك راغب، يغلب على يقينك أنك راغب، لا كما يتوهم العامة أنها تفيد التقليل دائماً، تفيد التقليل قليلاً، وتفيد التكثير كثيراً.

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)﴾
يعني يتمنى الذين كفروا عند اكتشاف الحقيقة لو كانوا مسلمين، الإنسان متى يندم ؟ معناها منه.
لو أن أحدنا قال ليتني درست، معنى الإدراك سابقاً كان غير صحيح، اتخاذ القرار كان غير حكيم، ليتني لم أعقد هذه الصفقة معناها الدراسة لم تكن كافية، ليتني ربيت ابني في سنٍ مبكرة، معناها غابت عنك الحقيقة الأساسية، تأخرت في تربيته، فتفلت من يدك لاحظ نفسك كلما قلت ليتني، ليتني فعلت كذا، معناها حينما اتخذت القرار الخاطئ، لم يكن هذا القرار مدروساً، أو لم تستخدم عقلك استخداماً صحيحاً، أو لم تستشر، أو لم تتبع، في خلل، أما الخلل في الإدراك، أو الخلل في التنفيذ، إذا قلت ليتني معناها ندمان.
إذاً: من هو العاقل ؟ تعريف العاقل، هو الذي لا يندم على شيءٍ فعله، لاحظ الإنسان إذا كان مؤمن، وقضى حياته في معرفة الله وفي طاعته، وفي التقرب إليه، ثم جاءه ملك الموت، تراه في أسعد لحظات حياته، ما ندم على شيءٍ من الدنيا، بالعكس، أمضى حياته في معرفة الله، في طلب العلم، في طاعة الله، في إنفاق المال، في تعليم العلم، في الأمر بالمعروف، في النهي عن المنكر، ربى أولاده، اعتنى بزوجته، أخذ بيدها إلى الله ورسوله، فإذا جاء الموت، لا يندم لأنه عمل عين العقل لذلك قالوا: "أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ".
الندم يعني عدم استعمال العقل، الندم يعني تعطيل العقل، الندم يعني إساءة استخدام العقل.
أخوانا الكرام:
العقل أثمن ما يملكه الإنسان، لكن هذا الجهاز الخطير، أم أن تستخدمه وفق ما خلق له، وأم تستخدمه عكس ما خلق له، وفق ما خلق له، تجعله القائد، أم أن تستخدمه عكس ما خلق له، تجعله المبرر ترتكب لا سمح الله المشكلة، المعصية، تصر على شهوة، وتستنجد بعقلك، فلسف لي هذه المعصية، فلسف لي هذا الانحراف، برر لي هذا المال الحرام الذي أكلته، العقل إذا استخدم مبرر، ومفلسف، ومغطي للانحراف، فقد يصبح هذا العقل سبب هلاك صاحبه، من دون عقل أريح كان، جهاز خطير جداً.
يعني آلة تصوير ملونة، ممكن تكسب منها ألوف يومياً، ألوف لو زورت فيها عملة، للسجن، وبنفس الآلة إذا استخدمتها في تصوير وثائق ملونة، في تصاميم أوراق مراسلة، إذا استخدمتها فيما صنعت له ترقى بها، أم إذا استخدمتها لغير ما صنعت له، تهلك بها، والعقل كذلك، فأم أن يكون العقل قائداً، وأم أن يكون مبرراً، أنا أفعل كما أشتهي، أنحرف كما أشاء، واستنجد بالعقل، برر عملي، فلسفلي عملي، وهذه هي المبادئ الوضعية بالعالم، إنها فلسفة العدوان، فلسفة الانحراف، فلسفة التفلت، فلسفة اقتناص الشهوات، فلسفة أكل أموال الناس بالباطل، العقل خطير، لأنه كما أنه يقودك إلى الله ورسوله، قد يبعدك عن الله ورسوله، كما أنه يقود إلى الله ورسوله، قد يبرر لك الانحراف كله.
فلذلك: الندم يساوي عدم استخدام العقل، أو استخدامه لغير ما خلق له، أما تعطيله، أو إساءة استخدامه، لذلك " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً "، العقل يتوافق مع النقل مائة بالمائة، حتمية توافق العقل مع النقل لماذا ؟ لأن النقل كلام الله، والعقل مقياس الله أودعه فينا، مقياس نتائج العقل يجب أن تتفق مع نتائج النقل، النقل يعني القرآن والسنة العقل مقياس، والنقل كلام الله عز وجل، وبيان النبي الكرام عليه الصلاة والسلام، مستحيل أن يتناقض العقل مع النقل مستحيل، إلا، أن يتناقض العقل مع النقل غير الصحيح، أو أن يتناقض النقل الصحيح مع النظرية التي لم تثبت بعد، أما هذا الكون خلقه، وهذا القرآن كلامه، وهذا العقل مقياساً أودعه فينا، توافق حتمي.
أقول لكم دائماً، الحق دائرة يمر منها خط العقل، وخط النقل تتقاطع فيها خطوط العقلي، والنقل، والفطرة، والواقع، الواقع ثابت والفطرة مقياس نفسي أودعه الله فينا، والعقل مقياس علمي، والنقل كلامه، هذا الحق، أحياناً يبتدع في الدين شيء، تأباه الفطرة، معناه ليس حق هذا، لو النص شديته ومطيته، ما أحد يزوج ابنته شهر واحد ما أحد يقبل هذا، وإذا طلبت منه قد يغضب، هذا خلاف الفطرة.
إذاً: العقل، والنقل، والفطرة، والواقع.

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾
إذاً يندمون، وآيات الندم في القرآن الكريم كثيرة.

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

( سورة الزمر: 56 )

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾

( سورة الفجر: 24 )

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)﴾

( سورة الحاقة: 25 ـ 26 )

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28)﴾

( سورة الفرقان: 27 ـ 28 )
اجمعوا آيات الندم وحدها، آيات الندم تشير إلى أن الإنسان مخير أبداً، دليل قطعي، لو أن الإنسان كان مقهور لا يندم على خطئه ليس لي علاقة أنا، أنا مقهور، لو واحد قبل الامتحان بساعة، أخذناه وحجزنا حريته، ثم رسب بالامتحان، ما له اختيار مقهور كان، بقلك أنا ما درست، يا للأسف العام، ما لي علاقة أنا، مقهور لأنه، الندم يعني أنك مخير، كل آيات الندم في كتاب الله، تؤكد أنك مخير، لو لم تكن مخير لما ندمت.
الشيء الثاني:

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾
الفكرة الأساسية، أخوانا الكرام خيارك مع الإيمان، ليس خيار قبول أو رفض، خيار وقت، فقط، الدليل، هؤلاء الذين كفروا، في ساعة من ساعاتهم تمنوا أن يكونوا مسلمين، معناها، الخيار خيار وقت، أنت مخير خيارين، إما أن تؤمن الآن، وأنت صحيح، شحيح، قوي، معافى، غني، إما أن تؤمن الآن، وبإمكانك أن تنتفع بإيمانك، وإما أن تؤمن بعد فوات الأوان.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾

( سورة الأنعام: 158 )
إما أن تؤمن كما آمن الصحابة، وإما أن تؤمن كما آمن فرعون فرعون آمن، لكن وهو يغرق، قال له الله:

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾

( سورة يونس: 90 ـ 91 )
الخيار الحقيقي، ليس بين أن تؤمن وبين أن لا تؤمن، الخيار متى تؤمن ؟ إما إيمان الصحابة، وإما إيمان فرعون، كلاهما آمنوا الأولون آمنوا، وهم في مقتبل حياتهم، فانتفعوا بإيمانهم، وفرعون آمن بعد فوات الأوان.

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾

المؤمن يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع، المتعة هي ديدنه، المتعة هي هدفه الوحيد يعيش ليتمتع، هناك من يعيش ليأكل، وهناك من يأكل ليعيش، والمؤمن أرقى من هذا وذاك، يعيش ليعرف الله عز وجل.

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾

مرة كنت أنتظر شخص، قاعدين أثنين عما يتكلموا، سمعت حديثهم، قال واحد هلكنا فلان، قال له لماذا ؟ قال له عما يكسي بيت محتار يكون التمديد للشوفاج، داخلي تحت البلاط، لما خارجي، قال له صرنا ست أشهر محتارين بأمرنا، ما كان يعتمد، ساعة يقنعوه الناس داخلي، وساعة يقنعوه أنه خارجي، بعدين اتخذ قرار من جمعة، شو هذا القرار، قال راح يساوي داخلي، وبعد عشرين سنة إذا كان الأنابيب فسدت، عواض ما يكسر البلاط يساوي خارجي، بخلي كل شيء بمحله ويساوي خارجي، بعد عشرين سنة، شوف الناس أكثرها كل واحد في باله طموحات عشر سنوات، خمسة عشر سنة، ثماني سنوات، عشرين سنة، خمس وعشرين سنة، أنا والله جلست مع واحد رحمه الله، جلست معه ساعة، كان مدير ثانوية، بالحرف الواحد قال لي، بدي أطلع إعارة على بلد عربي، مليت من التعليم، قال لي بقعد خمس سنوات بالجزائر، وقتها كان في طلب شديد للجزائر، لأن كان التعليم كله فرنسي، قال لي أقضي أول صيفية بفرنسا، صيفية بكاملها قال لي، بدي أتملى منها، شوف ريفها، شوف مقاصفها، شوف متاحفها، شوف الأشياء الجميلة فيها، قال لي وصيفية بإيطالية وصيفية بإنجلترا، وصيفية بسويسرية، ذكر أربع أماكن، قال لي برجع بكون خمس سنوات إعارة، برجع بتقاعد، بأخذ محل بيع فيه تحف فازات، كريستال، أشياء لطيفة، بكون كبروا أولاد بحطهن بالمحل وأقضي حياتي بهذا الشكل، والله كلام لطيف، واحد متضايق من وضعه الحالي، عم يخطط لمستقبله، فأنا رحت ودعته بعد ساعة ضيفني كأس شاي ورحت، وكملت التدريس، ومساء في عندي مدرسة خاصة ألقيت درس فيها، وأنا طالع، والله الذي لا إله إلا هو رأيت نعوته على الجدران، بنفس اليوم، ثاني يوم، فالإنسان أيام يتأمل، النبي رسم مستطيل، ورسم خط ضمن المستطيل، والخط مدده حتى خرج من المستطيل، قال هذا أجل الإنسان، وهذا أمله، أبداً آلاف الأشخاص يعني عمر البيت ما سكنه، أخذ شهادة ما انتفع بها، آلاف، اليوم عرسه مات قبل عرسه بيوم، هذا الأمل خطير، كل إنسان أمله طويل، يقول سيدنا الصديق، " والله لا أمنُ إن وضعت رجلي في الجنة أن أنقل الثانية إليها "، كل ما قصر أملك تكون راقي عند الله، وكل ما طولت الأمل مشكلة تكون، لأن الأمل بس يمتد، بصير معه الإنسان يتهاون بالطاعات، وينكب على الدنيا، شوف هذه الآية ما أخطرها.

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾
هذا تهديد هذا أفعل وكثر غداً ترى، بالتعبير العامي.

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾

فأنت بطل إذا بتعرف الحقيقة قبل فوات الأوان بطل إذا بتقصر أملك، بطل إذا ما بتندم، بتقدر ما بتندم، شغل عقلك، الندم يعني عدم استعمال العقل، أو استعماله على عكس ما خلق له.
فهذه الآية فيها معنيان، معنى الندم، ومعنى الأمل، الندم علاجه استخدام العقل، والأمل علاجه التفكير بالموت، أبداً، أقرأ النعوات كلها وسيشيع إلى مثواه الأخير، ويلي قاعدين في الآن، هذا موقت هذا، لو كان ملكك، بس موقت، ما دام القلب هيك إلك، توقف الورثة، خلص، ما عاد إلك البيت.
﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾
آخر كلمة طالب أخذ الأولى على القطر، أجروا معه مقابلة قرأتها أعجبني فيها كلمة واحدة، قال هذا الطالب: ساعة الامتحان ما غابت عن ذهني طوال العام الدراسي، لهذا طلع الأولي، ونحنا إذا كان بدنا نطلع الأوائل بالامتحان، امتحان ربنا لازم ساعة لقاء الله ما تغيب عن ذهنا أبداً، ولا يوم، كل يوم بفكر فيها، ساعة اللقاء، بتشتغل، وبتزوج، وتأخذ دكتوراه، وتأسس مشروع تجاري، ما علاقة هي بهي هذا كله ضمن المنهج الإلهي، أما التفكر بالموت، يمنعك من المعصية ويدفعك إلى الطاعة، ولطلب العلم، هي مهمة الموت، مو معناها يتناقض مع العمل لا، اشتغل العمل ضروري، اليد العلي خير، قال سيدنا عمر، "إني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني "، بكلك اختصاص، ودراسة، وشهادة، وعمل تجاري، ووظيفة، واعتني بأولادك، واشتري بيت ما في مانع، كله وفق المنهج، أما التفكر بالموت يحميك من أن تعصي الله يحميك من أن تتكاسل من طلب الحق يعني التفكر بالموت له هدفين: باعث، دافع، وحصن، بخليك بالمنهج على الطريق.
مركبة على طريق، في عنا مشكلتين، تدهور، أو توقف المحرك، المحرك يمشيها، والمقود بخليها على الطريق، فإذا واحد فكر بالموت مهمة التفكير بالموت، يبقى على المنهج، لا يعصِ الله، بخاف من الموت لأنه، ينطلق، فإذا كان ما انطلق، أو انحرف، معناها الأمل أزداد، الأمل يناقض الموت، الأمل علاجه الموت، الانحراف علاجه العقل، استخدم العقل وفق ما أراد الله، تلتزم بمنهج الله عز وجل، فكر بالموت يضعف الأمل يقصر الأمل، فالموت ما ذكر في قليل إلا كثره، ولا في كثير إلا قلله، قد ما كانت الثروة طائلة بالموت تنتهي، تتلاشى، وقد ما كنت معذب بالحياة الموت بحل مشاكلنا فالإنسان إذا ضاقت عليه الصدور عليه بزيارة القبور.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 07:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية التاسعة من سورة الحجر وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

أيها الأخوة:
الدين في الأصل نقل عن الله عز وجل، تعليمات، خبرٌ، وأمرٌ وربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)﴾

( سورة الأنعام: 115 )
لو قرأت القرآن الكريم، لا تجد فيه إلا شيئين، إما أن الله يخبرنا عن خلق السماوات والأرض، عن أصل العالم، عن حقيقة الحياة الدنيا، عن حقيقة تكليف الإنسان في الحياة، عن حقيقة الدار الآخرة، عن حال أهل الجنة، عن حال أهل النار، عن الصراط المستقيم، وإما أنه يأمرنا وينهانا، فالقرآن خبرٌ وطلب، وقد قال الله عز وجل:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾
خبره صادق، وأمره عادل، لذلك هذا القرآن الكريم، تولى الله حفظه، القرآن الكريم نزل من السماء على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، من أنزله ؟ جبريل الأمين، نزل به الروح الأمين، الحركة من السماء على قلب النبي، نزل به جبريل الأمين، الآن من النبي إلى أمته، هذا الكتاب المعجز، منقول بالتواتر، والتواتر أعلى درجات النقل يعني رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، يستحيل، فهذا الكتاب الذي انزل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام هو هذا نفسه، بسوره، وآياته، وكلماته، وحروفه، حركاته، وسكناته، الله جل جلاله، تولى حفظ هذا القرآن الكريم، ليس معنى ذلك لا تجري محاولة لتحريفه ؛ تجري المحاولة، ولكنها لا تنجح، لذلك قبل مائة عام فيما أذكر طبعت خمسين ألف نسخة من كتاب الله حذفت منها كلمة واحدة.

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾

(سورة آل عمران: 85 )

﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
حذفت كلمة غير فقط المصاحف جمعت وحرقت، وانتهى الأمر، لأن الله سبحانه وتعالى تولى حفظه، كيف ؟ لا نعلم، أما الذي يبدو لنا أن هناك رجال بكل معنى الكلمة، نذروا حياتهم، نذروا جهدهم، نذروا وقتهم، نذروا إمكاناتهم لحفظ كتاب الله عز وجل، يعني قبل شهر تقريباً أقيمت مسابقة للقرآن الكريم هنا في بلدنا ولله الحمد، مائة وثلاثون حافظاً لكتاب الله يحفظونه من ألفه إلى يائه، قام طفل عمره تسع سنوات يحفظ كتاب الله كله، لكن الذي يلفت النظر أن الذي قدمه قال يحفظ كتاب الله، لكن ما قال له اقرأ، لا، قال أنتم اسألوه، وتولى الحاضرون وهم يملئون جامع العثمان أن يسألوه، يعطوه آية يذكر رقمها ويتمها، سألوه أكثر من عشرين سؤال، من أول المصحف، من وسطه، من آخره، وعمره تسع سنوات، قام طفل عمره خمس سنوات لا يقرأ ولا يكتب يحفظ ثمانية عشرة جزءاً، هذا من فضل الله مائة وثلاثين حافظ من الصغار من معاهد تحفيظ القرآن.
الذي يبدو أن الله سبحانه وتعالى سخر لهذا الكتاب العظيم رجالاً سخروا طاقاتهم، وإمكاناتهم، وقدراتهم لحفظ هذا الكتاب، فهذا الكتاب محفوظ، لكن الذي يلفت النظر، طبعاً هو نزل به الروح الأمين النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وأميته كمال في حقه، لأن كل الذي ذكره.

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

( سورة النجم: 3 )
وفي مطلع الدعوة الإسلامية نهى النبي عن كتابة الحديث لماذا ؟ لئلا يتداخل القرآن مع الحديث، " لا تكتبوا عني ومن كتب عني شيئاً فليمحه "، بعد أن استقر القرآن في نفوس أصحابه، وبعد أن تمايز أسلوب القرآن عن أسلوب النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((قيدوا العلم بالكتابة ))
فالقرآن الكريم كتب على رقاقٍ، وكان حول النبي كتبةٌ كتبوا هذا الكتاب، وسيدنا عثمان جمع هذه الكتابات، ووحدها في ستة مصاحف وزعها في الأمصار، ولا يزال مصحف سيدنا عثمان في متحف استنبول حتى الآن هذا شيء ثابت.
فالقرآن محفوظ، محفوظ وحياً، ومحفوظ نقلاً، الخط الشاقولي محفوظ من السماء على قلب النبي، الخط الأفقي محفوظ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بينه بأحاديثه الشريفة، لو أنه صدر قانون معين مؤلف من ثمانية عشر مادة، ثم صدر مرسوم تشريعي يفسر هذا القانون هل يكفي أن نحفظ أصل القانون ؟ لكن لابد من حفظ هذا المرسوم التشريعي الذي يفسره.
لذلك من لوازم حفظ الله لكتابه حفظ سنته، أيضاً توافر على السنة رجالٌ كالإمام البخاري، كالإمام مسلم، كالإمام الترمذي، كالإمام ابن ماجة، رجالٌ أشداء بذلوا وقتهم، وطاقاتهم، كان أحدهم ينتقل من المدينة المنورة إلى البصرة ليتلقى حديثاً واحداً عن رجل، فلما رآه يغش فرسه، ويوهمها أن في ثوبه شعيراً لم يكلمه، الكذب على الفرس يجرح عدالة الراوي وانتهى الأمر، يعني لا أعتقد أن في العالم كله علماً محص، كحديث النبي عليه الصلاة والسلام، روايةً، ودرايةً، ونقلاً، وسنداً، حتى إن هذا العلم مما تنفرد به أمتنا عن بقية الأمم، فصار في حديث صحيح، حديث متواتر، تواتر لفظي، تواتر معنوي، وحديث صحيح، وحديث حسن، وحديث ضعيف، وحديث موضوع، فالعلماء أعطونا كل جهدهم في هذا الموضوع، من لوازم حفظ القرآن الكريم حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي الكريم يقول:
(( تركت فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً ؛ كتاب الله وسنة رسوله ))
السنة مبينة، الله عز وجل قال:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾

( سورة المزمل: 20 )
طيب زكاة الغنم كم ؟ والبقر ؟ والإبل ؟ الزروع ؟ زكاة الذهب ؟ الفضة ؟ عروض التجارة ؟ من بينها بالتفصيل ؟ النبي عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل قال:

﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾

( سورة النساء: 29 )
طيب في عندنا أربعمائة حديث عن التجارة، عن البيع والشراء، وخيار العيب، وخيار الوقت، وخيار الصحة، وعن تلقي الركبان، وعن بيع المنابذة، وعندنا موضوعات كثيرة عن البيوع، من بينها ؟ النبي بينها، فالسنة مبينة، الله عز وجل ذكر سنة النبي كاتبين قال:

﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

( سورة النحل: 44 )
من لوازم حفظ القرآن الكريم، حفظ سنة النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، نحفظ القرآن، ونحفظ السنة، فإذا تمسكنا بهما لن نضل أبداً.
الآن المقولات في الإسلام لا تعد ولا تحصى، يعني مليون مقولة فيه المسلمون فرق، وأحزاب، واتجاهات، ومذاهب، وتيارات وطوائف، وكلٌ يدعي أنه هو على حق، وأن الآخرين على الباطل ما السبيل إلى معرفة الحق من الباطل ؟ هو كتاب الله وسنة رسول الله.
يعني أنت أمام مائة قطعة قماش، على كل قطعة لصاقة فيها طولها، يا ترى القياس صحيح ؟ غلط ؟ مبالغ به ؟ فيه كذب ؟ أنت معك متر ؟ خلص، إذا معك متر، ما عندك مشكلة، أمسك هذه القطعة وقيسها بهذا المتر، ثم امتحن هذه اللصاقة، صدق لما كذب.
فإذا الإنسان فهم كتاب الله، وفهم سنة النبي، صار معه مقياس قال لك شفت الجني، وأمسكته بيدي، الله قال:

﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)﴾

( سورة الأعراف: 37 )

معناها كذاب هذا، أنت بالكتاب والسنة صار معك متر نظامي وأي سحبة، وأي دجل، وأي خرافة مرفوضة، والله مشينا من حلب للشام تقديساً للجامع الأموي، غلط، " لا تشد الرحال إلا لثلاث مساجد " أموي دمشق، مثل أموي حلب، مثل أي جامع بالشام، ما في فرق أبداً فنحن نقيم سلوكنا، نقيم حركاتنا، عباداتنا، أعمالنا، فأنت ينبغي أن تعبد الله، وينبغي أن تعبده وفق ما أمرك، نحنا المشكلة، الآن أكثر أخوانا غايصين بالخلافيات، والأساسيات لا يعرفونها.
تصور إنسان ما أخذ شهادة إطلاقاً، ما درس إطلاقاً، عما يشغل نفسه بالخلافات بين علماء الفيزياء والكيمياء، أنت ما معك ابتدائية.
قبل ما نخوض بالخصومات بين الفرق الإسلامية، دعك من هذا الآن، ادرس كتاب الله أولاً، يعني أهم شيء هذا الكتاب المقرر، كلام ربنا عز وجل، ما في شيء يعلو عليه، أولاً افهم هذا الكتاب، اقرأه تدبره، حاول أن تفهم تفسيره ممن تثق به، ثم افهم سنة النبي، ثم افهم سيرة النبي هذا هو الدين، أن تفهم كتابه، وأن تفهم شرحه بيانياً، وأن تفهم شرحه سلوكياً، والدين هذا هو ديننا، كتاب معه مذكرة إيضاحية للمتصوفين، والسلفيين، قبل أن تخوض في كل هذا افهم كلام الله عز وجل قبل كل شيء،
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)﴾

( سورة الشعراء: من 193 إلى 196 )
الآن الحركة الأفقية، نقل هذا الكتاب بالتواتر، أي نقله جمع غفير عن جمع غفير عن جمع غفير إلى أن وصلنا كما نزل على قلب نبياً، الفكرة الثانية، ليس معنى أن الله حفظه، أنه لا يمكن أن تجري محاولة لتحريفه، يمكن، لكنها لا تنجح، أطلق على هذه السيارة رصاص، لكن السيارة ضد الرصاص، لا تتأثر، محفوظة، لا مانع أن يطلق عليها رصاص، لكن الأصول أن هذه السيارة لا تتأثر بالرصاص، قد تجري محاولات في تحريفه، لكنها لا تنجح.
النقطة الثانية: من لوازم حفظ كلام الله عز وجل، حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا فهمنا هذا القرآن كما يريد الله عز وجل واكتفينا بالأحاديث الصحيحة، وفهمنا كما أرادها النبي، وصلنا إلى أصل الإسلام، وإلى جزعه الواحد الموحد، وما فرقنا إلا تأويل القرآن على غير ما أراد الله عز وجل، والأحاديث الموضوعة والضعيفة، يلي فرق المسلمين سوء التأويل، ووضع الأحاديث، إذا ألغينا الأحاديث الموضوعة، ولم نعتن بالضعيفة، ولم نفهم هذا القرآن إلا وفق ما أراد الله، وفق علم الأصول، نجتمع كلنا، تغدو أمة الإسلامي أمة واحدة أما الآن فرق، وأحزاب، وطوائف، ومذاهب، لماذا ؟ من الخطأ في التأويل، أو في فرقة تقول أنا لا أصلي الآن، طيب لما لا تصلي ؟ يقول: الله عز وجل يقول:

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾

( سورة الحج: 41 )
الله ما مكنا لسع، هي تأويل تفضل، هذا تأويل، عطلوا الصلاة فهناك تأويلات في كتاب الله، ما أنزل الله فيها من سلطان، يكفي أن نفهم كلام الله وفق ما أراد الله، ويكفي أن نبق بالحديث الصحيح حتى نجتمع، الذي يجمعنا الآن أن نتمسك بكتاب الله، وسنة رسوله الصحيحة، وانتهى الأمر، هذا الذي يعصمنا من الذلل، ويعصمنا من الخطأ، ومن الفرقة، ومن العداوة، ومن البغضاء، والمسلمون لم يمر عليهم في تاريخهم، هم في أمس الحاجة إلى هذه الوحدة، من هذا التاريخ، حرب عالمية كبرى على الإسلام في شتى بقاع الأرض، الآن ماذا ينقذنا ؟ التمسك بكتابنا، وسنة نبينا، وأن نتحد، أن نتعاون فيما اتفقنا، وأن يعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا، أما هذه العدوات بين الجماعات الإسلامية، لم تعد تحتمل، هذه لا يستفد منها إلا أعدائنا، فقط، نحن نبقى في الكتاب الكريم، مؤولاً وفق ما أراد الله، ونبقى في سنة رسول الله، وفق ما أرادها النبي، وننبذ الضعيف، والموضوع، والتأويلات الباطلة، نجد أنفسنا قد اجتمعنا، وأصبحنا أمة واحدة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 07:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية التاسعة عشر وما بعدها من سورة الحجر وهي قوله تعالى:
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)﴾

ماذا تعني كلمة مَعَايِشَ ؟ وهي كلمة دقيقة، والحديث عنها طويل الله سبحانه وتعالى، خلق الإنسان في الأصل، ليسعد في جنة عرضها السماوات والأرض، ولكن هذه الجنة ؟ لها ثمن، ثمنها أن يأتي الإنسان إلى الدنيا فيعمل عملاً صالحاً، كيف يجعل الله الإنسان يعمل ؟ أودع فيه حاجات أساسية، أودع فيه حاجة إلى الطعام، وحاجة إلى الطرف الآخر ؛ الجنس، وحاجة إلى إثبات الذات، هذه حاجات أساسية الإنسان يأكل ويشرب، ثم يتزوج، ثم يتباهى أنه فعل كذا وكذا.
الحاجة الأولى إلى الطعام والشراب، والحاجة الثانية إلى الجنس والحاجة الثالثة إلى إثبات الذات، كيف يلبي الإنسان هذه الحاجات ؟ لا بد من أن يأكل، في مشكلة ثانية، خيرات الأرض لا يستطيع الإنسان أن يستفيد منها مباشرة، إلا أن يعمل من أجلها.
الإنسان لا يجد خبز جاهز، أما في تربة، وفي ماء، وفي حب قمح، ما في ألبسة جاهزة بالأرض، أما في صوف، وفي قطن، وفي كتان، وفي جز، وفي تنظيف، وفي غزل، وفي صباغ، وفي نسيج وفي تفصيل، خيرات الأرض، كل ما في الأرض من خيرات، معادن أشباه معادن، مزروعات، أنسجة، هذه تحتاج إلى عمل، فلو ألغينا الجوع، لما رأيت هذا المسجد، ولا هذا الكأس، لا ترى في الدنيا شيئاً لو ألغيت الحاجة إلى الطعام، من أجل أن تأكل تعمل، وأن تعمل تمتحن، هل أنت صادق، هل أنت كاذب، هل أنت مخلص، هل أنت خائن، هل أنت مستقيم، هل أنت منحرف، هل أنت منصف، هل أنت ظالم، خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمن هذه الجنة، العمل في الدنيا، من أجل أن تعمل، أودع فيك حاجات إلى الطعام والشراب وحاجات إلى الطرف الآخر، وحاجات إلى تأكيد الذات، وأنت تعمل من أجل أن تأكل تمتحن، وأنت تتحرك من أجل أن تتزوج تمتحن وأنت تريد إثبات ذاتك تمتحن، الدنيا ابتلاء.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

( سورة المؤمنون: 30 )

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

( سورة الملك: 2 )
الآن كيف تعمل ؟ المرحلة الثالثة، كيف تعمل، لو أن الله سبحانه وتعالى جعل حرارة الأرض من 18 إلى 20، في القارات كلها على مدار الفصول، لا نحتاج إلى مدافئ إطلاقاً، ولا إلى مراوح، ولا إلى مكيفات، لو أجريت إحصاء، كم إنسان يعمل في الأرض في التدفئة ؟ وفي التبريد ؟ لو أن الإنسان خلق له شعر على جسده كالحيوانات، كم إنسان يعمل في الألبسة في العالم، يمكن ثلث سكان الأرض يعملون في الألبسة، كم إنسان يعمل في الزراعة ؟ لو كان ما في حاجة للطعام، كم إنسان يعمل في التجارة ؟ لنقل البضاعة، كم إنسان يعمل في الصناعة ؟ كم إنسان يعمل من طول الشعر ؟ كم إنسان يعمل من بعض الأمراض ؟ كم طبيب في بالعالم ؟ هي كلمة مَعَايِشَ ؛ يعني جعل لكم فيها سبل للعيش يشتد الحر بدنا مرطبات، بدنا مروحة، بدنا مكيف، بدنا ألبسة قطنية، بدنا نعمل نزهة، شوبنا، بردنا، بدنا حرامات، بدنا معاطف، بدنا لحشات، بدنا صوبيات، بدنا طعام حار حلويات، كم إنسان يعمل في إصلاح هذا الجسم ؟ كم طبيب بالعالم ؟ كم ممرضة ؟ كم مستشفى ؟ كم معمل أدوية بالعالم ؟ بعض معامل الأدوية في أمريكة، مبيعاتها أربعمائة مليار دولار، شركة واحدة، لو ما في مرض كلهم ماتوا من جوعهم، أيام تأتي ذبابة بيضاء تفسد المحصول، تعمل زعفرة، كم مهندس ؟ كم دواء ؟ كم مرش ؟ كم إنسان اشترى هذا الدواء ؟ حملهم في سيارات، عمل فواتير، ما معنى مَعَايِشَ ؟ يعني أولاً خلقت أيها الإنسان للجنة، ثمن الجنة العمل في الدنيا، من أجل أن تعمل، أودع فيك الحاجة إلى الطعام، وإلى الزواج، وإلى تأكيد الذات، وأنت تعمل طبعاً جعل لك سبل الآن ـ الآن كل واحد منا له مصلحة، أنت تلبي حاجة واحدة في المجتمع، وتحتاج إلى مليون حاجة هذا الكلام يفسر معنى قوله تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)﴾

بتلاقي واحد قاعد في زقاق الجن، محتار ما في شغل، بيجي ابن يأخذ سيارة أبوه يعمل حادث يرتزق ذاك، هذا الذي صاير، الناس يرزقونا بعضهم بعضا، هذا أكل أكلة خبص، صار معه آلام، راح إلى الطبيب، الطبيب ارتزق، الصيدلي ارتزق، يعني كم واحد يعيش من مشكلة، تنزل أمطار شديدة ناس في عندهم ترميمات في البيوت، هي كلمة مَعَايِشَ ؛ يعني سبل للرزق، أما في سبل أساسها الحر، والبرد، وطول الشعر، والمرض، والألبسة.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾
أي شيء شوف.

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾
الأمطار العام الماضي نزل حتى الآن في العام الماضي 28 مم، دمشق البارحة 185 مم، التاريخ الذي يقابل العام الماضي 28 مم، الآن 185 مم، باقي للمعدل السنوي حوالي 20 مم، أمطار السنة كلها نزلت قبل قدوم فصل الشتاء.

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾

من كم سنة إنتاجنا من القمح ثلاث ملايين طن، حاجة القطر بأكمله مليون طن، ثلاث أمثال حاجتنا، تأتي سنة 235 ألف طن إنتاج القطر كله من القمح، أيام بتلاقي المشمش بخمس ليرات يكون أربع أمثال الإنتاج، ما في قاعدة، بقلك السنة التفاحات ملاح، السنة ما في تفاح، سنة الزيتون كثير، سنة ما في زيتون.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾
تقول فقط هذا كلام مالتوس كله كلام باطل، أنه هناك تفجر سكاني، هناك مجاعات، هذا كل كلام نحن نصدقه من جهلنا، حتى نخاف، وتم تابعين لهم، أم الله عز وجل:

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾

( سورة الذاريات: 58 )

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)﴾

( سورة الذاريات: 23 )

﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)﴾

( سورة الذاريات: 22 )

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾

يعني الله عز وجل قال:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾

( سورة الشورى: 27 )
في إنسان لا يتحمل الغنى، على الغنى يفسق، على الغنى يفجر على الغنى يعصي، الله عز وجل هو الحكيم.

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾

هذه الآية من الأعجاز العلمي، الآن ثبت أن المطر لا تنعقد إلا بذرة من الهباب، أو من الغبار، فالرياح حينما تثير الغبار، ذرات الغبار تنعقد عليها حبات المطر، لأنه أساس المطر، أن الهواء جعل الله من خصائصه، أنه يحمل بخار ماء، الآن الإنسان في بيته، يأتي بإبريق شاي يضعه على المدفئ، آخر السهرة نشف، وين راحوا، في الهواء إذا خارج الغرفة في برد تشاهد على النافذة صار في بخار ماء، فالهواء يحمل بخار ماء، بس الهواء له ميزة، بكل درجة يحمل كمية، أنت لو سخنت الهواء، وأشبعته بخار ماء، ثم بردت الجو، تشاهد قطرات الماء على النافذة صارت، إذاً هذا أساس المطر، حينما تتحرك رياح تحمل بخار ماء، تواجه جبهة باردة، تنعصر، الهواء يعصر ما زاد على حاجتها من الماء، صار مطر، لكن هذا المطر لا ينعقد إلا بحبات من الغبار، فهذه النظرية هي، طبعاً لولا هذا القرآن كلام خالق الكون هي دليل أن هذا الكلام كلام الله.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾
تلقح الأمطار، نحنا قد نفهم تلقح الأزهار، أما هنا المعنى الأمطار، الدليل:

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾
علاقة الغبار، والدخان وذرات الهواء العالقة، هي التي تنعقد عليها حبة المطر، ولما تسمعوا أنه في مطر صناعي، عما يلقحوا الغيوم بحبات من الغبار لتنعقد عليها حبات المطر، هي معنى:
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾
أنت في عندك صنبور بالبيت، هي مياه الفيجة، أما لو كلفناك تخزن ماء سنوي كله، بيتك مائة متر مربع، تحتاج إلى مائة متر مكعب، دراسة دقيقة أجريت كل بيت تقريباً يحتاج إلى الماء بقدر حجم البيت، يلي عنده بيت مائتين وخمسين متر مربع بـ ثلاثة أمتار ونصف، يعني بدو حوالي سبعمائة وخمسين متر مكعب، يحتاج إلى سبعمائة وخمسين متر مكعب من الماء طول السنة يستخدمهم، فلو كلفنا الله بتخزين الماء، شو صار بحالتنا، نحنا بدون شي عندنا أزمة سكن، الله قال:

﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

بتلاقي حوض الفيجة، من دمشق إلى حمص إلى قريب من البادية، إلى تحت لبنان نصف لبنان، هذا حوض مياه الفيجة، تسقي خمس ملايين إنسان، بواقع ستة عشر متر مكعب بالثانية، قال:
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

أي نهر هكذا، من جعل الأنهار عذبة ؟ من جعل أربع آلاف نبع بأربع آلاف جزيرة بأندوسيا، من جعل لكل جزيرة ؟ حتى في شيء غريب جداً، بجبال جنب جبل هملايا، في نبع ماء، في وعول تعيش هناك، هي إذا كان بدنا نكلفها تشرب ماء من الوادي، تموت من تعبها الله عز وجل جهز لها نبع في قمم الجبال، ومعنى جبل في قمم الجبال حسب القوانين الفيزياء، والمستطرقة، لازم يكون مستودع هذا النبع بجبل أعلى، لا يمكن يتحرك الماء نحو الأعلى إلا إذا له خزان أعلى منه، هذا شيء بديهي، ألف باء العلم، فإذا رأيت نبع ماء في قمة جبل الآن في مضايا ما في عين ميسة، وين خزانها هي ؟ بجبل أعلى منها ما في نبع ببلودان ؟ وين خزانها بجبل أعلى، قال:
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾
آيات اليوم:

﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾
يعني أسباب للرزق.

﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)﴾









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 07:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الرابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
بعض المسلمين يذكر آية ولا يذكر تتمتها، فكلما نبهته إلى معصية متلبساً بها، كلما ذكرته بمخالفة للشرع، كلما قلت له أنت على طريقة لا ترضي الله عز وجل، يقول لك:
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

( سورة الحجر: 49 )
يقول لك:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

( سورة الزمر: 53 ـ 54 ـ 55 )
إذاً: ما من آية تحدثت عن رحمة الله، وعن مغفرة الله، وعن عفو الله، وعن حلم الله، إلا جاء في تتمتها.

﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾

( سورة الحجر: 50 )
ما معنى هذه الآيات إذاً ؟ معنى هذه الآيات، أن الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحة، أنسى الله حافظيه، والملائكة، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه، فعلاً الله غفورٌ رحيم، والله سبحانه وتعالى رحيم ودود ينبغي ألا نقطت من رحمته، ولكن متى يرحمنا ؟ دققوا في قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ))
هذا هو الأدب، ما طلب رحمة الله، طلب موجبات الرحمة ما طلب مغفرة الله، طلب عزائم المغفرة، هذا الذي طلب من النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا ربيعة، أن يكون رفيقه في الجنة، ماذا قال له النبي:
(( إذا أعني على نفسك بكثرة السجود ))
الإنسان حينما يطلب شيئاً عظيماً، دون أن يدفع الثمن، هذا يستهزئ، هذا كالمستهزئ بربه، لذلك طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، لو قرأتم بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن المغفرة، شيءٌ يلفت النظر.

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾

( سورة النحل: 119 )
بعد التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، لذلك أيها الأخوة الكرام، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

( سورة فاطر: 5 )
أنا مرة قلت لكم، في رجل توفي رحمه الله، كان يشتغل بمحل بسوق الحميدية، يعني عنده دعابة كان، كان يكنس قمامة المحل يضعها في علبة، يلفها بورق ثمين، يربطها بشريط فاخر، يضعها على الرصيف، فيأتي إنسان مغفل يظنها شيئاً ثميناً، مطيف ألماس يظنها، فيأخذها ويسرع، يتبعه، ليرى الإحباط، بعد ثلاثمائة متر، يفك الشريط الحريري، بعد مائتين متر يفك الورق، بعدين يتوقع الألماس، والمطيف، والساعة الذهبية، أقل شيء ستة أزواج جوارب، أقل شيء، يعني يفتحها يلاقي قمامة المحل، يلعن، ويسب، هذا المثل واضح جداً للاغترار بالدنيا، الإنسان يظن الدنيا شيئاً عظيماً، بدو بيت بدو سيارة، بدو زوجة جميلة، بدو بيت بالمصيف، بدو مسبح، بدو يعمل سياحة إلى أوروبا، بدو يساوي عزايم، إذا اقترب الموت، رأى الدنيا شيئاً تافهاً، رآها ليست بشيء، الله عز وجل رحمةً بنا قال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾

إياكم أن تغتروا بها، إياكم أن تعطوها حجماً فوق حجمها، إنها تافهة، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى الكافر منها شربة ماء، يعني هو أكبر موعظة فيها، أن الذي تجمعه في عمر مديد، يأخذه الموت منك في ثانية واحدة.
أنا مرة كنت بحلب، مضيفي أراد أن يطلعني على بعض أحياء حلب الراقية، في حي الشهباء هناك، كل فيلة مكلف ـ هي قصة عام 1974 م ـ شوفنا فيلة مكلف خمس وثلاثين مليون، كلفتها، كان الدولار ثلاثة وثمانين، فيها رخام أونكس بخمس ملايين، أنا ما دخلتها لكن حدثوني، الشيء الذي لا يصدق، صاحبها توفي بالثانية والأربعين وكان طويل القامة، يعني لحكمة أرادها الله جل جلاله، القبر كان قصير، لما وضع في القبر، لم يتسع القبر لطوله، فجاء الحفار ودفعه من صدره حتى صار هكذا، قلت سبحان الله أين كان وأين صار.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
الذي نجمعه في عمر مديد، يأخذه الموت منا في ثانية واحدة، ما في واحد، ما عنده درج بالبيت قافل عليه، يعني ساعة ذهب، شغلة ثمينة، قطعة، بس يموت ينفتح الدرج تأخذ القطع، يأخذ مفتاح السيارة كله يصير مستباح لهم، طبعاً ورثة لأنهم، أقسم لي بالله رجل، زار رجل من أهل العلم، في عنده كتاب ثمين طلب أن يستعيره ليلة واحدة ما رضي، قال له والله هذا الكتاب أغلي عندي من أولادي ما فيني عيره، يقسم بالله العظيم بعد وفاته رآه بالحاوية، كتاب نفسه، بالحاوية فهذا الذي أنت عم تجمعه، يأخذه الموت في ثانية واحدة، طوال ما في حركة القلب، والله أنا هذه العمارة لي، المكتب لي، هذا البيت لي، بس يوقف، ما عندك شيء، خلص، عظم الله أجركم، أيام الطبيب يطلب بيل، يفتح يضع المصباح، الحدقة ما تغيرت، يطلب مرايا يضعها على أنفه ما في بخار ماء، يقيس النبض صفر، القلب خطه مستقيم، منتهي، عظم الله أجركم، كل أمواله انتقلت إلى غيره، بثانية وحدة، فلذلك الله عز وجل قال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
الغرور الشيطان يعطيك أمل طويل، الشيطان بخوفك.

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)﴾

( سورة آل عمران: 175 )
الشيطان يوقع بينك وبين إخوانك العدواة والبغضاء، مهمته الثانية الشيطان يأمركم بالبخل، ضب قرشك الآن بلا جنان، وأنت ناوي تعطي أختك مبلغ، تعين أولاد أخوك مثلاً، تعمل عمل صالح، تعمل شيء بجامع، بقلك بلا جنان ضب قرشك، هذا الشيطان بقلك هذا الكلام لأن الله عز وجل بثمانية آيات حصراً وعد المنفق بالتعويض، قال:

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

( سورة سبأ: 39 )
أضعاف مضاعفة، والله حدثني أخ قال لي: شفت مسجد يحتاج إلى تدفئة، أقمت تدفئة المسجد، كلفه مليون ليرة، يقسم بالله العظيم، الله عز وجل صرف عنه، مبلغ كان ينبغي أن يدفعه خمس ملايين، الله صرفه عنه.

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾
فنحن إذا قرأنا الآيات الكريمة:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)﴾

(سورة الحجر)
كمل الآية:

﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
إذا قرأت قوله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

(سورة الزمر)
كمل الآية:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

لذلك أدب النبي صلى الله عليه وسلم، أدبه حينما قال:
(( اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك ))
يعني إذا كان ملك عنده ابن غالي عليه، قال له بدي طائرة، تكرم هي طائرة، يخت، هي يخت، قصر هي قصر، قال له ضعني أستاذ جامعة، قال له: لا هي بدك يكون معك دكتوراه، هي ما علي، هي ما بقدر عليها، هذا منصب يحتاج إلى مؤهل، الجنة منصب من هذا النوع، بدو مؤهل، التأهيل معرفة الله، التأهيل الأعمال الصالحة، ما في يا ربي دخلنا الجنة، أدخلوا خلصوا بقى، هي شغل كركوز وعواظ، مو إله وعظيم إذا كان قضية أن يدخلهم الجنة، ما هذا الموضوع ؟ هذا معنى ساذج جداً معنى سخيف، يعني يا ربي دخلنا الجنة، يا رب لا تسألنا عن شيء، شو هذا الدعاء هذا ! خلاف القرآن الكريم.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر: 92 ـ 93 )
شو هذا الدعاء هذا، يا رب نحنا عبيد إحسان ما لنا عبيد امتحان هذا الكلام لا يلغي الحساب، الواحد لا يكون ساذج ولا يكون عامي، لا يتعامل مع الله بالأماني، شوف الآية ما أدقها، في مسلم على وجه الأرض لا يتمنى أن يكون من أهل الجنة، طبعاً، بس وين العمل، في طالب على وجه الأرض لا يتمنى أن يكون الأولي على القطر، بس عما ينام طول الليل، ما عما يقرأ.

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾

( سورة النساء: 123 )
القضية ليست بالتمني، الله يتعامل مع السعي لا مع التمني.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾

(سورة الإسراء: 19 )
بس الغ من بالك التمني، هذا التمني من دون عمل، استهزاء بالجنة، الآن أدخل إلى محل كوكش بسوق الحميدية قول له أريد سجاد تبريزي درجة أولى، طالع أول سجادة، قلت له بدي أثقل، طالع، أثقل، أثقل حتى عاف حياته، قلب لك خمسين سجادة، قال لك هذه أحسن سجادة عندي، كم ثمنها، قال ثماني مائة ألف، تأخذ ثمنها خمس ليرات ؟ ليس هذا بمعقول، لأن هذا استهزاء بالسجادة، استهزاء بصاحب المحل.
لذلك قالوا طلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، يا أخوان آخر حديث أقوله لكم:

(( أغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك ))
أيام المتاعب والهموم والأمراض تنسيك كل شيء، مدام الواحد شب ويصلي بقدر يعمل عمل صالح، ويحضر مجلس علم، ويقرأ قرآن، استغل شبابك وإلا الإنسان يندم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 07:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الحجر (15 )

الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثامنة والثمانون من سورة الحجر وهي قوله تعالى:
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

هذه ألا أيها الأخوة: لا الناهية، الله سبحانه وتعالى ينهى النبي عن أن يمد عينيه، ما معنى مد عينيه ؟ إذا الإنسان رأى بيتاً فخماً ينظر إليه هكذا، ويتمنى أن يكون عنده مثل هذا البيت، هذا المعنى المألوف بيننا، إنسان نظر إلى مركبة فارهة، نظر إليها فكانت ملئ عينيه، وتمنى أن يكون له مثلها، لكن لو أردنا أن نفهم هذا المعنى بحق النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
إلى ما، هذه إلى ما أيها الأخوة: لغير العاقل، ومن للعاقل، لو أن إنسان قال أنا أنظر إلى ما عندي من بقر، لا يقول أنا أنظر إلى من عندي من بقر، من للعاقل، وما لغير العاقل، تقول جاء من تحبه وهذا ما تحبه، هذا ما تحبه أداة، كأس، طعام، لباس، هذا ما تحبه لكن جاء من تحبه، من للعاقل.
المعنى الثاني:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

الأزواج هنا لا تعني الزوج وزوجته أبداً، يعني هذا الإنسان أحب المال حتى أصبح المال زوجاً له، فلان أحب البيت حتى أصبح البيت زوجاً له فلان أحب السفر حتى أصبح السفر زوجاً له، يعني أعلى درجة من الاندماج، والحب، والولاء، والاهتمام، والاستغراق، والانصراف هو الزوج، قال هؤلاء الذين أحبوا الدنيا، بعضهم أحب مالها، بعضهم أحب نسائها، بعضهم أحب مراكزها، بعضهم أحب طعامها، بعضهم أحب متعها الرخيصة، هذا الذي أحب هذا الشيء، صار الشيء زوجاً له، قال هذا الإنسان وعاء، فإذا أحب الدنيا حباً جما، امتلئ وعائه، فلا يتسع لشيء آخر، لذلك مهما حاولت أن تلقي عليه الموعظة، أن تلفت نظره إلى حقيقة الدنيا.
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)﴾

( سورة البقرة: 18 )
هذا القلب وعاء امتلئ بحب الدنيا، لا يتسع الآن إلى شيء آخر فكأن الله سبحانه وتعالى يوجه نبيه الكريم، والدعاة من بعده، إلى أنك إذا أردت أن تهدي إنساناً غارقاً في حب الدنيا، غارقاً في شهواتها غارقاً في نسائها، غارقاً في متعها الرخيصة، لا تجد أن هذا الإنسان ممكن أن يستجيب إطلاقاً، ولا أن يلتفت، ولا أن ينتبه، ولا أن يعي ولا أن يفكر.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾
لكن أجمل ما في الآية أن الله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء بأنهم غير عقلاء، من كلمة واحدة، ما قال ولا تمدن عينيك إلى من متعنا به أزواجاً منهم، قال:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
الإنسان قد يصل للدنيا بشيء عالي جداً، يعني أناقة ما بعدها أناقة، نفاسة بالطعام ما بعدها نفاسة، مركبة من أعلى مستوى، بيت بالمصيف بيت بالساحل، بيت هنا، قال:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
بربكم هل يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام أن يمد عينيه إلى ما متع به هؤلاء من الدنيا، كما يمد أحدنا عينيه إلى شيء فخمٍ في الدنيا هذا لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام، لا يتناسب مع مقامه إطلاقاً هو الذي قال:

((والله لو الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))
هذا المعنى الذي نقع به أحياناً، قد نرى مركبة فارهة نقول هنيئاً لصاحبها، قد ترى بيتاً جميلاً في موقعٍ ممتاز، له إطلالة جميلة واسع، تقول هنيئاً لصاحبه، قد تجد قطعة أرض فيها مسبح وفيها فيلة، وفيها أشجار مثمرة، بقلك مثل الجنة، هنيئاً لصاحبها، هذا المعنى يليق بنا، لكن لا يليق بالنبي عليه الصلاة والسلام، إذاً يمد عينيه إلى ماذا ؟ هنا السؤال، هو ينهاه، لا تمدن عينيك إلى هؤلاء، أي لا تطمع في هدايتهم، هناك معنى يؤكد هذا المعنى، قال:

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
تنفي عن هذا النبي العظيم أن يمد عينيه بالمعنى المألوف عندنا يعني أنت إذا رأيت إنسان غارقاً في حب المال، في حب النساء، في حب المراكز، في حب المتع الرخيصة، غارق في شهوات دنيوية لأنك تحرص على هدايته، وفي الوقت نفسه تحزن عليه، علامة الرحمة أن تحزن عليه، إذا كان لقيت إنسان بعيد، مقطوع، غارق بالمعاصي، لا تحقد عليه، احزن عليه، هو جاهل، لا يعرف الحقيقة.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾
أيام بقلك واحد فلان تزوج الشغل كل همه شغله، أيام إنسان يقبر في تجارته، والله عز وجل قال في آية أخرى:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

(سورة فاطر: 22)
هذا مقبور ومنته، هذا تجارته قبرته، لا يعي على خير، ما في عنده وقت ليعرف الله عز وجل، ما في عنده وقت يحضر مجلس علم، ما في عنده وقت يقرأ قرآن، ما في عنده وقت يفهم حكم الله عز وجل، ماله فاضي، غرقان بعمله حتى قمة رأسه، قال هذا وعاء تلَ لا تغلب حالك معه، ما فيه محل، كلامك ماله محل عنده، فهذا المعنى يليق بالنبي، النبي عليه الصلاة والسلام كان يمد عينيه إلى هؤلاء الغارقين في الدنيا، إلى هؤلاء التائهين، إلى هؤلاء الشاردين، إلى هؤلاء المقطوعين عن الله عز وجل، إلى الذين أحبوا الدنيا، وانغمسوا بها، وتعلقوا بها، وامتلئ وعائهم منها، فلا يعرفون حقاً، ولا باطلاً قال: يا محمد هؤلاء الأشخاص وفر وقتك، ولا تمدن عينيك إلى هدايتهم، فقد امتلأت قلوبهم بالدنيا، ولا مكان في قلوبهم لمعرفة الله ابحث عن إنسان طالب الحق، هذا المعنى الذي يليق بالنبي.

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾
بعدين.

﴿ إِلَى مَا ﴾
كلمة ما تعني غير عقلاء هؤلاء، لو كانوا عقلاء لفكروا بالفانية.
بربكم أيها الأخوة، واحد ساكن ببيت مستأجر بنظام ببلد أن المالك يطرد المستأجر بثانية، بدون إنذار، هكذا النظام تبع البلد، وله دخل كبير هذا الإنسان المستأجر، يضع دخله في تزيني هذا البيت ؟ وله بيت آخر مهدم، بلا أبواب، بلا جدران، بلا سقف ذاك البيت لك ملكك، إذا وضعت فيه مالك، مالك محفوظ، أما إذا وضعت كل مالك في هذا البيت المستأجر، بأي ثانية، إطلاع لبره صفيت بره، هذا وضع الناس بالدنيا، كل إمكانيته لتزيين حياته، وملك الموت جاهز، أبو ترابة جاهز، شرف شرف خلص، طيب البيت أمشي، شوف أنت لما يطلع النعش من البيت بشكل أفقي، آخر طلع، ما في رجعة، في واحد توفى أحد أقاربه قال عشية لماذا لم يأتِ إلى البيت، خلص ما عاد يرجع، يوزعوا ملابسه، بتحل مشاكلهم، يحزن شي شهر بعدين ما حزن، مثل العادة يصيروا، قال:

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾

النبي ما كان يطلع ما كان عندهم من دنيا، هي تحت قدمه صلى الله عليه وسلم، لكن كان يحزن عليهم، إلا كان يمد عينيه إلى هدايتهم يطمع بهدايتهم، لكن الله الخبير العليم، أنبئه أن هؤلاء لا خير فيهم، لا تشغل نفسك بهم، انصرف عنهم، وقتك أثمن من هؤلاء، فإذا أنت رأيت إنسان غرقان في الدنيا إلى قمة رأسه، مقبور فيها، ما في محل لكلمة حق عنده، لا ضيع وقتك معه، ابحث عن واحد راغب بالحق، طالب للحق، ابحث عن واحد عنده فكر هذا ما عنده فكر.
﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
ما في دعوة بالقسوة، من أنت ؟ إذا النبي عليه الصلاة والسلام، النبي، الرسول، المعصوم، الذي يوحى إليه، المؤيد بالمعجزات، سيد الخلق، حبيب الحق، قال له أنت بالذات على كل ما أنت عليه من ميزات.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

( سورة آل عمران: 159 )
ما بدى غلاظ الشغلة، ما بدى عنف، ما بدى قسوة:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾
تواضع، الإنسان المتواضع محبوب جداً، المتواضع باب إلى الله عز وجل، ما في شيء يفسد الدين كالكبر، ما في شيء يفسد العالم كالفوقية، الشعور بالعلو، هذا يفسد دعوته إلى الله عز وجل النبي الكريم مأمور بالتواضع، قال له:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

وفي آية ثانية:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

( سورة الشعراء: 215 )
والآية هي:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

ماذا تفهمون من هاتين الآيتين ؟ يعني أنت كمؤمن، لو التقيت بإنسان ليس من جماعتك، ليس من جامعك، مؤمن على العين والرأس، لازم تحبه، تتواضع له وتقدره، أم هذا التعصب الأعمى، النظرة الضيقة، هذا من أخوانا هذا ليس من أخوانا، هذا من جماعة فلان، ما أضعفنا إلا هذه النظرة الضيقة، شوف هاتين الآيتين:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

الثانية:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

يعني عامة.
أنت كمؤمن، أي إنسان من أي مكان، بأي زمان عرف الله، استقامة على أمره، خشي الله هذا أخوك بالله، دعك من هذه النظرة الضيقة، ومن هذا التمزق الذي أصاب المسلمين، لا هذا من جماعتنا، لا هذا من جماعتكم، هؤلاء يفكروا هؤلاء، وهؤلاء يفكروا هؤلاء، هذا يلي لا يرضي الله عز وجل، والآيتين دقيقتين جداً.
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

الثانية:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

وكل مؤمن من أخوان الكرام، التقى بمؤمن آخر من أي بلد، من أي جهة، من أي جماعة، من أي مكان، على العين والرأس، لازم تحبه وتعتني فيه، تصادقه، تعاون، تخدمه، هي الإيمان، لأن الله عز وجل أمرنا أن ننتمي لا إلى جماعة، ولا إلى فئة، ولا إلى طائفة، أمرنا أن ننتمي إلى مجموع المؤمنين، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾

( سورة الحجرات: 10 )
ما لم تشعر بانتمائك إلى مجموع المؤمنين ما لك مؤمن، فهذه الآية تكفي.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾
يعني لا تغلب حالك، ليس عليك هداهم.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾

( سورة القصص: 56 )
إنك لا تستطيع أن تهدي من أحببت، ولست مسئول عن عدم هدايتهم، كم آية ؟ آيتين.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

( سورة البقرة: 272 )
لست قادراً، ولا مسئولاً.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾
أما هؤلاء الغارقون في الدنيا، المنغمسون في شهواتها، ما لهم هم إلا الطعام، والشراب، والنساء، والشهوات، والسفر، واللقاءات، والأكل، هؤلاء دعك منهم وفر وقتك، من تكلم بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلها فقد ظلمها، يعني تعطي دابة فله يأكلها، هذه ليست للأكل، هي للشم، أكلها، طبيب يلي أعطاها له هو الدابة، ليست هي.

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)﴾







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية الأولى في سورة النحل، وهي قوله تعالى:
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)﴾
مما يلفت النظر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾
يعني أتى وانتهى، ثم يقول:

﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

إذاً هو لم يأتِ، كلمة:
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
يعني أنه لم يأتي وكلمة:

﴿أَتَى﴾
تعني أنه أتى، فهل هناك تناقض في هذه الآية ؟
القرآن الكريم من أساليبه البلاغية، أنه يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي، تحقيقاً لوقوعه، وكأنه وقع، يعني هذا الذي وعد الله به، كأنه وقع، لذلك لما الله عز وجل يعد المرابي بمحق المال، المحق وقع مع وقف التنفيذ، حينما يعد المؤمن بحياة طيبة، الحياة الطيبة آتية لا محالة، حينما يعد المعرض عن الله عز وجل بمعيشة ضنك، المعيشة الضنك آتية لا محالة، حينما يعدنا ربنا أن نقف بين يديه لنحاسب عن كل أعمالنا، هذا الوقوف وقع لا محالة، فالتعبير عن المستقبل بالفعل الماضي إشارة إلى أنه محقق الوقوع.
لذلك الزمن من خلق الله عز وجل، الله جل جلاله، لا يسأل عنه بما كان، لأنه خالق الزمان، ولا أين هو، لأنه خالق المكان، يعني الذي سيكون يعلمه الله عز وجل، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهذه الآية:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
يشبهها قوله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾

( سورة المائدة: 116 ـ 117 ـ 118 )
يوم القيامة " إذ قال " فعل ماض، هذا الكلام سيكون يوم القيامة ربنا عز وجل يقول:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾
ما هو أمر الله عز وجل ؟ أي وعد في القرآن، أو أي وعيد هو أمر الله، مما يفهم من قوله تعالى:
﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22)﴾

( سورة الفجر: 22 )
الله عز وجل لا يأتي، ليس مكانٌ يحويه حتى يأتي، لكن العلماء أولوا هذه الآية أنه جاء أمر ربك، لما الإنسان يستقيم، الله وعده بالإكرام، فإذا بدأ الإكرام معناه جاء أمر ربك، لما الإنسان ينحرف، الله وعده بالدمار، فإذا جاء الدمار، جاء أمر ربك، فأمر الله عز وجل، وعده ووعيده، والساعة من أمر الله، كل واحد منا له أجل، يعتبر حاله الأجل جاء مع وقف التنفيذ، يعني له أيام معدودة، قد يكون سنوات، قد يكون خمس سنوات، الإمام مالك رأى ملك الموت في المنام قال: " يا ملك الموت كم بقي لي من عمري ؟ فقال له ملك الموت هكذا "، فازداد هذا الإمام الجليل حيرةً، يا ترى خمس سنوات ؟ لما خمس أشهر ؟ لما خمس أسابيع، لما خمس أيام ؟ لما خمس ساعات ؟ لما خمس دقائق، فلما سأل الإمام ابن سيرين، " قال له يا إمام: ما تفسير هذه الرؤية ؟ سألت ملك الموت فقال لي هكذا، قال له: إن ملك الموت يقول لك إن سؤالك من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله ".
فكل واحد منا له أجل، هو الأجل وقع، لكن مع وقف التنفيذ.

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

يقول سيدنا علي: " كل متوقع آت وكل آتٍ قريب " لو أحدنا ينتظر الامتحان يبدأ بأيلول فتح غمض جاء حزيران، إذا ينتظر انتهاء الشتاء ينتهي الشتاء، إذا ينتظر قدوم الصيف يأتي الصيف، إذا كان سافر سيبقى أسبوعين، بقلك أسبوعين، بطولهن بمد الأسبوعين، بيمضو، فتح غمض لقى انتهوا الأسبوعين، إذا الإنسان استأجر بيت أجار سياحي بقلك ست أشهر جيدين، بعده ما فكر انتهوا الستة أشهر، هذا معنى:
﴿أَتَى﴾

الزمن يمضي، ومع مضي الزمن يستهلك الإنسان، لذلك قالوا النقطة إذا حركت رسمت خطاً، والخط إذا حرك رسم سطحاً، والسطح إذا حرك رسم حجماً، والحجم إذا حرك شكل زمناً، ما هو الزمن ؟ هو البعد الرابع للأشياء، هذا رأي أنشتاين، في عنا البعد أول، الطول، العرض، العمق أو الارتفاع، الرابع هو الحركة، فنحن نتحرك، وفي نهاية محددة، فكل دقيقة بالساعة، وكل ثانية تقربنا إلى نهايتنا، لذلك قالوا أنفاس الإنسان خطواته إلى أجله، كل نفس، استنشق الهواء، وزفر الهواء، أنفاس الإنسان خطواته إلى أجله، كل هذا الكلام من قوله تعالى:
﴿أَتَى﴾

لم يأتِ بعد.
﴿أَتَى﴾

أيام الواحد لا سمح الله ولا قدر، إذا راكب سيارة ونازل بنزلة وهذا النزول ينتهي بمنعطف حاد، وقبل كيلو متر، شعر ما في معه مكابح، ما في مكبح إطلاقاً، والانحدار شديد، والمنعطف حاد، بقلك رحنا، بعدك ما رحت، كثير من الأشخاص يعبروا عن المستقبل بالفعل الماضي، بتحقق الوقوع، بقلك انتهينا.
لو فرضنا واحد بالامتحان ما كتب بشكل جيد، بقلك رسبت بأثناء الامتحان، وباقي للنتائج ثلاثة أشهر، من حزيران لنصف أيلول نتائج، بقلك رسبت، بالفعل الماضي، ربنا عز وجل، هذا أسلوب بلاغي أن يعبر عن المستقبل بالفعل الماضي.
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾
إذا الإنسان يلاقي الدنيا طويلة، غلطان، الدنيا قصيرة، ولا يدري إلا وقد جاء الأجل، إلا وقد جاء الحساب.
أخوانا الكرام:
في نقطة مهمة جداً، اللذائذ مع المعاصي ما الذي يحصل ؟ ينقضي اللذائذ، وتبقى التبعات، لو واحد آكل شي ثلاثين عزيمة درجة أولى، وليلة من الليالي ما نام من وجع ضرسه، إذا حاول أن يستقدم طعوم الأكلات السابقة، تنسيه وجع ضرسه ؟ شوف طعمة الكبة الحميص، الآن شو في بعد الآن ؟ في آلام بالضرس، الصور الماضية ما لها قيمة، لذلك الإنسان الماضي، إذا واحد أمضى حياته بالمعاصي، ومع المعاصي كان في لذائذ، لا شك المعصية محببة لدى الكفار، يقول لك سررنا، تنقضي اللذائذ وتبقى التبعات، وإذا الإنسان جاهد نفسه وهواه، صلى الفجر في المسجد، في جماعة، غض بصره أنفق ماله، طلب العلم، اقتطع من وقته وقت ثمين في طلب العلم، كظم غيظه، عاكس نفسه، هذا الجهد المبذول طبعاً في مشقة، حينما ينتهي الأجل، تنتهي المشقة، ويبقى الأجر، مثل الطلاب تماماً، يلي ما ذهب ولا سيران طوال السنة، ونجح الأولي ينسى كل تعبه، وتبقى المباهج التفوق، والطالب يلي أمضى كل العام الدراسي مع أصدقائه، والسهرات للساعة الواحدة بالليل، وقام رسب صار في وضع الخزي المستمر، لذلك:

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)﴾

هذا الدين كله، أن تؤمن أن لا إله إلا هو، وأن تتقي ربك، إذا أمنت أنه لا إله إلا الله، واتقيت أن تعصيه فقد حققت المراد.
أخوانا الكرام:
الأمر أخطر من أنه الدرس لطيف مثلاً، كان الدرس لطيف، والأستاذ مرح مثلاً، درسه محبب، الأمر أخطر من هذا، أخطر بكثير قضية مصير، قضية مصير أبدي، يعني الواحد لا يأخذ الكلام على أنه ممتع، يعني والله واضح، مرتب، دقيق، فيه أمثلة، القضية أخطر بكثير، قضية مصير، الإنسان بحياته في أشياء عادية، لكن في أشياء مصيرية، الواحد إذا كان فقد عمله شغلة مصيرية، إذا كان فقد ساعة، تعوض، أما فقد عمله ؟ يلي عايش منه ؟ دخله منه، فقد العمل قضية مصيرية، طيب إذا كان معه مرض عضال، هذه قضية مصيرية، ففي أشياء بحياة الإنسان كبيرة جداً، يعني أخطر شيء بالحياة هو الدين، " ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم "، أخطر شيء بحياة الإنسان عقيدته، إن صحت عقيدته صح عمله، وإن صح عمله سعد في الدنيا والآخرة، وإن فسدت عقيدته، فسد عمله، وإن فسد عمله شقي في الدنيا والآخرة.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثالثة من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) ﴾
أولاً هذه الآية تتكرر كثيراً في القرآن الكريم.

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
يقولوا المفسرون: إن خلق السماوات والأرض لابسه الحق، أو إن الحق لابس خلق السماوات والأرض، كلام يحتاج إلى توضيح، كلمة الحق، كلمة كثيراً ما تتكرر في كتاب الله، بل إن هذه الآية بالذات، تتكرر كثيراً.

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾

أضرب لكم مثلاً:
لو أردنا أن نشيد بناءً، درسنا خصائص الإسمنت، الإسمنت يتحمل أعلى درجة من قوى الضغط، يعني سانتي متر مكعب من الإسمنت يتحمل ثلاثمائة كيلو، لكن على أساس الشد لا يتحمل خمسة كيلو، إذاً يحتاج إلى تسليح بالحديد، لو أننا أنشأنا بناءً وفق مواصفات المهندسين، هذا البناء يبقى، لأنه أنشأ بالحق يبقى، البقاء ما سببه ؟ أنه وفق خصائص الإسمنت والحديد، وفق عوامل الضغط والشد، فكل شيء بني على أساس، فيه عوامل البقاء والاستمرار، الحق الشيء المستقر، الشيء الثابت، يعني إذا أردت أن يستمر هذا الزواج، وأن يبقَ، أقيمه على أسس الحق، أقيمه على منهج الله، إذا أردت أن تدوم هذه الشراكة بينك وبين فلان، أقيمها على الحق، أقيمها على منهج الله كل شيء بني على أصول ثابتة، يبقى، ويستمر، فالبقاء، والاستمرار أساسه أنه بني على أصول، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)﴾

( سورة التوبة: 109 )
معناها الحق الشيء الثابت، وأوضح مثل إذا أقمت بناءً وفق أصول البناء، وفق معايير الإسمنت، وأسس الحديد، هذا البناء يبقى أما إذا لم تضع في المتر المكعب إلا كيسين أسمنت، ولم تسلح هذا البناء هذا البناء في عوامل انهدامه، فالبناء إما أن يكون في عوامل بقائه، إذا بني وفق أسس، أو في عوامل انهدامه، فالكون خلق بالحق ؛ أي خلق ليبقى، وما سوى منهج الله باطل، وكل تشريع باطل، في عوامل إلغائه، وأنتم لاحظوا أي تشريع أصدره إنسان خلافاً لمنهج الله، هذا التشريع بعد حين يُعدل، ثم يُعدل، ثم يلغى، ثم يطوى هذا القانون، إذاً كلمة الحق كلمة كبيرة جداً، يعني الشيء الباقي، الشيء المستقر.
إذا الإنسان اعتنق الحق، آمن بالحق وهو الله عز وجل، نفذ منهج الحق، إذاً هو مع البقاء والاستمرار، أولاً: هناك آيتان، الآية الأولى، ربنا عز وجل عرف الحق بأنه ليس باطلاً قال:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)﴾

( سورة الحجر: 85 )
خلقناهما بالحق إذاً الحق عكس الباطل، وقال:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)﴾

( سورة الدخان: 38 )
إذاً الحق عكس اللعب، اللعب ؛ الشيء العابث، غير الهادف والحق الشيء الثابت، المستقر غير الزائل، فالباطل زائل، والباطل عابث، والحق ثابت، والحق هادف، فالحق الشيء الهادف، والثابت أسباب ثباته أنه مبني على علم، مبني على أصول، مبني على منهج فلذلك أي تشريعٍ يستمد من منهج الله مستمر، أي تشريع يستمد من تشريع أرضي يزول، والله عز وجل قال:

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾

( سورة الإسراء: 81 )
إذاً خلق السماوات والأرض بالحق ؛ أي خلق هذا الكون ليبقى والإنسان خلق ليبقى، يعني إذا أردت أن تتصل نعم الدنيا بنعم الآخرة فكن على الحق، الحياة فيها نعم، نعمة الأمن نعمة، ونعمة الصحة نعمة، ونعمة السكينة نعمة، هذه النعم العظمة، إذا أردت أن تستمر بعد الموت، فكن على الحق، إذا أردت الزواج اجعلوه وفق الحق، إذا أردت أن تشارك اجعل هذه الشراكة وفق الحق، إذا أردت أن تتاجر، إذا أردت أن تدرس، إذا تحركت في حياتك وفق منهج الله، هذه الحركة ثابتة، ومتنامية، ومستقرة، ومتصلة إلى الدار الآخرة، أما إذا أردت الانهدام، والانهيار، والسقوط، والإحباط، فليكن الباطل في سلوكك، اسمه باطل، فلان، أبطلنا هذه القاعدة، معنى أبطلنا ؛ يعني ألغينا، الباطل في عوامل السقوط، الآن أنت عمر حائط مائل بلا شاقول وضع الإسمنت قليل جداً، هذا الحائط لابد من أن يسقط، هذا هو الباطل، في عوامل سقوطه، عوامل انهياره.
فإذا أردت الحياة أن تزدهر، اجعلها وفق منهج الله، إذا أردت الحياة أن تنهار اجعلها على خلاف منهج الله، إذا أردت بزواجك أن يستمر، نسب الطلاق في أمريكة 62 % يعني كل مائة حالة زواج ينتهي منها 62 % إلى الطلاق، نسبة الطلاق بألمانيا 36 %، نسبة الطلاق في بلاد المسلمين 3 بالألف، هذا كلام القاضي الشرعي، سألته قال لي 3 بالألف، معنى ذلك ؛ أن الزواج الإسلامي مبني على الحق، أما إذا كان واحد رفع النسبة، غض بصره، وما سمح بالاختلاط أبداً، ولا سمح لأجهزة اللهو أن تغزو بيته، وما سمح لنفسه أن يمتع نظره بامرأة لا تحل له، يصبح مو نسب الطلاق، يصبح نسب السعادة الزوجية، في إنسان لا يطلق، لكنه ليس سعيد ببيته، في مخالفة، يجب أن تعلم أنه ما من خروج عن منهج الله إلا يرافقه شقاء، فإذا أردت لكل شيء أن يكون في أرق مستوى اجعله وفق منهج الله عز وجل، فهذه الآية:

﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
الكون مقهور، الكون خلق بالحق، ما في فساد أبداً، لأنه من فعل الله مباشرةً، أما الإنسان مخير، فهو إما أن يفسد، وإما أن يرقَ يفسد بمخالفته لمنهج الله عز وجل، الفساد أن يخرج الماء عن خصائصه، خصائص الماء ؛ لا لون له، ولا طعم له، ولا رائحة، فإذا أضفت إليه مادةً ملوثة عكرة صفائه، وغيرة طعمه، وأفسدت رائحته، أنت الآن أفسدته، فأي نشاط إنساني إذا خرج عن منهج الله نشاط فاسد.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)﴾

( سورة البقرة: 11 ـ 12 )
فالموضوع دقيق ومتداخل، أنت مخير، بإمكانك أن تجعل حياتك مستقرة، ومستمرة، إذا وفرت لها عوامل الاستمرار.
مرة سمعت أن هناك سهرة، استمرت سبعة عشرة عاماً، كل ثلاثاء في لقاء بين بعض الأصدقاء، فسأل أحدهم ما سر هذا الاستمرار قال ليس في هذا المجلس غيبة، ولا فيه امرأةٌ، هذه عوامل الاستمرار.
فأنت إذا أردت لهذا الزواج أن يستمر، أردت لهذه الشركة أن تستمر، أردت لهذه التجارة أن تستمر، أردت لهذه العلاقة أن تتنامى أردت إلى هذه السعادة أن تستمر، أردت إلى هذه السعادة أن تتصل بسعادة الآخرة، أقم حياتك على أسس الحق، كلمة حق الشيء الثابت الباطل الشيء الزائل، وضع ببالك هاذين المثلين، إذا أنشأنا بناء وفق الأصول، وضعنا نسب الإسمنت الكافية، الحديد بشكل دقيق، هذا البناء بني ليبقى، حق، أما إذا أهملنا النسب، وأهملنا الحديد، وأهملنا الشاقول، هذا البناء بني لينهدم، البناء الأول في عوامل بقائه، والبناء الثاني في عوامل انهدامه فأي شيء باطل في عوامل انهياره، هو هو أي شيء باطل في هذا الشيء عوامل انهياره، وأي شيء مبني على الحق في عوامل بقائه، لذلك الإنسان يذوق الموت ولا يموت، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57)﴾

( سورة العنكبوت: 57 )
الإنسان خلق ليبقى، أيام نحن ننشئ بناء لرآسة الوزارة، تلاقي الحجر رخام، هذا البناء أنشئ ليبقى، أما أيام ننشئ بالمعرض جناح من القماش أسبوعين فقط، هذا البناء أنشئ ليزول بعد حين.
الحق الشيء الثابت، والدائم، والمستقر، والمستمر، والهادف والباطل الشيء المنهدم، والزائل، والعابث، لازم تعرف ما هو الحق وما هو الباطل، الباطل ليس له هدف.
حفلة انتخاب ملكة جمال، خير إن شاء الله، باطل هذه، يعني أشياء ما لها علاقة بأهداف الإنسان الكبرى، أما نريد أن نجتمع لنفهم كتاب الله، هذا منهجنا إلى طوال حياتنا، وسبب سعادتنا بعد الموت إذاً اجتماعنا حق، إذا اجتمعنا اجتماع فيه اختلاط، وفيه غيبة ونميمة هذا اجتماع باطل، هذا بعد حين ينتهي، يصير فيه عدوات، ويصير فيه أحقاد، ينتهي، إذا اجتمعنا وتدارسنا كتاب الله، هذا الاجتماع يستقر ويستمر، لذلك: " ما جلس قومٌ مجلساً ذكروا الله فيه، أو تدارسوا كتاب الله، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار "، ما في رائحة بالأرض أشد وأقسى من رائحة اللحم المتفسخ، فهذه الآية دقيقة جداً، الحق كتاب الله، وسنة رسول الله، تبني عليه زواجك يستمر، تبني عليه تجارتك تزدهر، تبني عليه علاقاتك يرفع الله لك ذكرك، تبني عليه صحتك تتمتع بصحتك إلى يوم الوفاة، " ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا "، النبي ذكر تعليمات كثيرة بالطعام، والشراب، إذا أردت الاستمرار، والرقي، كلمة حق، شيء مستمر، و يصعد، الثبات من جهة، والرقي من جهة ثانية، الشيء الثابت والهادف هو الحق والشيء الزائل، والعابث هو الباطل، فإيانا جميعاً أن نتعلق بالباطل.

﴿نَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
لو عاش سبعين سنة في النهاية ينهار، وكل شيء مبني على أسس باطلة، مصيره الانهيار، وكل شيء مبني على أسس صحيحة، مصيره الاستمرار والدوام، الكون بالحق، لذلك منتظم ما فيه مشكلة، لأن فعل الله مباشرة، لكن نحن مخيرون، فنحن إما أن نأخذ بالحق فنستقر، ونستمر، ونرقى، ونسعد، وإما أن نأخذ بالباطل فنهوي مع الباطل.
" من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها " ـ بالباطل يعني ـ " أتلفه الله "، يعني إذا ربط مصيرك مع الحق أنت في أمنٍ، ودعةٍ، وسلامٍ، واستقرارٍ، ورقيٍ، وازدهار، وإذا ربطت مصيرك بالباطل، الباطل زائل.
في رئيس وزارة بفرنسا انتحر قبل سنة، كتبت حول انتحاره مائة مقالة، شيء بحير، من أرقى عوائل باريس، غني، له سمعة طيبة، ففي صحفي واحد وفق إلى سر انتحاره، لأنه هذا كان مؤمن بالباطل، مؤمن بمبدأ إلحادي، فبعد سبعين سنة وجد نفسه غلطان، وجد نفسه، وكل حياته، وكل طاقاته، سخرها بمبدأ ما له أساس من الصحة، في مسلم عنده مفاجأة بحياته ؟ خلال آلاف السنوات ظهرت حقيقة علمية نقضت الدين ؟ أبداً، أنت بالدين مع الحق، والحق ثابت، إذا أنت اعتنقت الإسلام، وأمنت به والتزمته، ما في عندك مفاجأة إطلاقاً أما أصحاب النظريات الموضوعة في عندهم مفاجأة قاتلة، يكتشفون بعد فوات الأوان أن مذهبهم باطل، ماله أساس من الصحة، انهار كبيت العنكبوت، هذا شيء يهز أركان الإنسان، إذا أنت اعتقدت بالحق الحق مستمر، وباقي، ومزدهر، وراقي، إذا أمنت بالباطل الباطل زائل، شوف كلمة زهوق، زهوق صيغة مبالغة اسم الفاعل، الله ما قال إن الباطل كان زاهقاً قال:

﴿كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
يعني شديد الزهوق، مهما تعدد الباطل الباطل زاهق، ومهما كبر زاهق، صيغة مبالغة اسم الفاعل تعني الكم أو النوع، مثلاً:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

( سورة فصلت: 46 )
الظلام شديد الظلم، أو متعدد الظلم، صيغة مبالغة اسم الفاعل تعني الكم أو النوع، فربنا عز وجل قال:

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81)﴾
يعني الباطل مهما كان كبير زاهق، ومهما كان متعدد زاهق.
الحق: الشيء المستقر، والمستمر، والثابت، والمزدهر والهادف، لأنه في عوامل استقراره، وازدهاره، والباطل الشيء الزائل والعابث، لأنه في عوامل انهياره، وعوامل احتقاره، والسعيد من ربط منهجه بالحق، زواجه إسلامي، بيعه شرعي، بيته إسلامي، نزهته إسلامية، ما في اختلاط بالمقاهي، وغناء، نزهته إسلامية، أفراحه إسلامية، أتراحه إسلامية، لذلك يزدهر، الآن نحن في نعمة، إذا أردتم أن تتصل نعم الدنيا بعم الآخرة، فعليكم بطاعة الله، كونوا على الحق، والحق مستمر لأنه.
آخر كلمة: المؤمن خطه البياني صاعد، صعود مستمر والموت نقطة على هذا الخط، لو مات الإنسان صعوده مستمر، لأن الموت خلعت الثوب لترتدي أثواب، فإذا الإنسان آمن، ووفق حياته وفق منهج الله، ضبط بيته، وضبط عمله، ضبط جوارحه، أعضائه حواسه، دخله، إنفاقه، على الحق، إذا في ثبات، واستمرار، أنت في خير، تحب أن الله لا يغير عليك ؟ لا تتغير ما بغير، مزعوج من قضية غير ليغير، قلناها مرة سابقاً، إذا كنت ببحبوحة لا تغير ما بغير مزعوج غير ليغير، الحق هذا معناه الشيء الثابت والمستمر، والباطل الشيء الزائل والعابث.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الرابعة من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)﴾

النطفة ؛ حوين له رأس، وله عنق، وله ذيل، باللقاء الزوجي يخرج من الرجل خمسمائة مليون حوين منوي، وعلى كل حوين مورثات خمس آلاف مليون معلومة مبرمجة، هذه الأرقام بديهية، لا تستكبروها، هذا الذي يتحدث عنه علماء اليوم الهندسة الوراثية، هي هي، يريدون أن يتحكموا بصفات الجنين، عن طريق الهندسة الوراثية الهندسة الوراثية أن هذا الحوين عليه خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة فكل تفاصيل الإنسان تتشكل بأمر من هذه المعلومات، خرج من عورة ودخل إلى عورة، ثم خرج من عورة، وهذا الماء إذا وجد على ثياب أحدنا يستحي به، من ماء مهين، فالإنسان خلق من ماء مهين، وخرج من عورة، ودخل في عورة، ثم خرج من عورة، فإذا شب الإنسان وكبر، يرى نفسه عظيم.
أنا مرة في المطار وجدت طفل صغير يعني لكثرت ما أحاطوا وسطه بالفوط صار كالكرة وسطه، يخافون أن يؤذي الطائرة، قلت هذا الطفل الصغير، المحاط بفوط كالكرة، هذا إذا أصبح كبيراً، وحمل شهادة علية، وبدأ يتفلسف على الله عز وجل.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)﴾

يعني أنا مرة كنت في تشيع جنازة طبيب كبير، له فضل على هذه الأمة، صديق من أصدقائي، أستاذ في الجامعة، في كلية الطب، وقف خارج الجامع، عمره ستين سنة تقريباً يعني استكبر أن يصلي، ما صلى، وقف خارج المسجد، يحمل دكتوراه، يعني:
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)﴾

ألا يجدر بك أن تصلي لخالق السماوات والأرض ؟ ألا يجدر أن تقرأ كتابه
أخوانا الكرام: في إنسان تأتيه رسالة، يمزقها قبل أن يقرأها يكون أحمق، هذا الكتاب رسالة الله إلى الناس، أقرأ الكتاب، اقرأه، ودبره وتفهم آياته، اعرف الأمر، اعرف النهي، اعرف الحلال، اعرف الحرام، اتعظ بمواعظه، اتق العبرة من قصصه.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)﴾

أخوان الكرام:
أتمنى على الله سبحانه وتعالى، أن يعرف كل منا حجمه، عظمة الإنسان، وذكائه، وماله، وقوة شخصيته، مرهونة بميوعة دمه لو خثره صغيرة في الدماغ، انتهى، أينما تقف تصب إصابة كبيرة، بمكان ينسى كل معلوماته، بمكان يفقد البصر، بمكان يفقد السمع، بمكان يفقد المحاكمة، الذي يقول الإنسان أنا، على ماذا أنت معتمد، قبل أيام كنا في تعزية، شابة بالأربعين، خثره دماغية انتهت، تصوروا، فالذي يقول أنا على أي شيء يعتمد.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)﴾

صار بدو يناقش الله عز وجل، مو قناع بالدين، ما له قناع بالشرع، هذا الدين لغير العصر، نحنا بعصر العلم، هذا الذي يقوله الله عز وجل ينطبق على كل كافر.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)﴾

مبين يعني يتفاصح، يتكلم، يأتي بحجج، يعمل معرض الحاد ببلاده، الروس عملوا معرض الحاد، مادة اللحاد تدرس بكل المدارس، وعز وجل انتقم منهم، شر انتقام.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾

أتمنى على الله أن تقفوا عند كلمة لكم، يعني خلقت خصيصاً لكم الورود لمن ؟ الأبقار ؟ الأزهار ؟ المصفحات الخضراء ؟ أشجار الزينة ؟ هذه لا تأكل، النباتات الصالونات كم نوع ؟ آلاف مؤلفة، يعني يلي يعرفوا بالأشكال، آلاف مؤلفة من نباتات ما لها ثمرة، ما لها وظيفة، إلا أن تستمتع بها بالبيت، اسمها نباتات الصالونات، أنا عندي كتاب ثمانية عشر جزء، كل جزء ثماني مائة صفحة، كل صفحة صورة وردة، وطباعة، تحتاج إلى هواء إلى رطوبة إلى ماء، طبعاً من شركة أزهار، تقول أنه مائة ألف مائتين ألف نوع من الأبصال من أجل من خلقت ؟ لكم خصيصاً لكم، العطور لمن خلقت ؟ واحد أعطى دابة فلة قام أكلها، معناها يلي أعطاه إياها هو الدابة، هذه لا تأكل هذه تشم، كلمة:
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾

يعني البقرة لو توحشت لقتلت الإنسان، والله عز رحمة بنا، هناك مرض يصيب البقر، اسمه التوحش، بقرة بجوبر قتلت أول واحد، والثاني، والثالث، أضطر صاحبها لقتلها، ثمنها سبعين ألف ليرة، لو الله خلق البقر متوحش شو نساوي بحالنا ؟ لو ركب بالغنم طباع الذئب، شو نساوي بحالنا، من ذللها ؟ من خلقها لكم ؟ في بالقرآن يمكن ثلاثمائة وثمانية عشر آية فيها كلمة لكم، يعني خلقت خصيصاً لكم، من أجلكم، مبرمجة، مهيأة، هذه التفاحة لمن ؟ هذه الفواكه ؟ الفواكه تنمو بالتدريج، المحاصيل تنمو بيوم واحد، تنضج يعني.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾

ساعة تأكل جبنه، ساعة تأكل قشطه، ساعة شمندور ساعة قيمع عرب، ساعة لبن مصفى، ساعة سمنة بلدي، ساعة عيران، ساعة لبن، كله من الحليب.
﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾
في أرق من الصوف، الصوف الخالص غالي كثير، تلبس كنزة كأنك قاعد بغرفة، تقعد على سجادة صوف بتلاقي حالك مرتاح بالشتاء، طيب من خلق الصوف ؟ هذا خيط الصوف يحبس الهواء داخله.

﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾

تلبس حذاء بقلك هذا جلد طبيعي، الطبيعي يتنفس، إذا واحد لبس جلد صناعي تحبس، بصير في أنتان بقدميه، يعني ما في تنفس، الجلد الصناعي، أما الطبيعي في مسام، في ليونة، الجلد من خروف الصوف من خروف، تأكل أيام أكلات هيك رجاجة، جيلاتي، هي من عظام الخروف هي.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾
يعني حتى الأمعاء لها استعمال، ما في شيء ما له استعمال، أما أغلى شيء بالسماد، السماد الطبيعي، أغلى شيء، بقلك دفعت أستاذ على هذا البيت الزراعي عشرين ألف ليرة سماد طبيعي، يعني زبل خروف.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾

فضلاته سماد، أمعائه لها استعمال، جلده له استعمال، صوفه له استعمال، اللحم له استعمال، الدهن له استعمال، يعني أنا أعتقد الخروف لا يضيع منه شيء إطلاقاً، طبعاً الخروف، والبقر، والماعز، والضأن، والجمال.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾

هذه الجمال ترى البعيد قريباً، والصغير كبيراً، لها أجفان إذا هبت عواصف هوجاء بالصحراء تتقي بهذه الأجفان رمل الصحراء، الجمل يقدر أن يعيش ثلاث أشهر من دون شرب ماء، هذا رقم دقيق، أخذ من مقالة علمية، لأنه يقدر أن يأخذ ماء الخلايا، وسنامه مدخرة غذائية، ويجلس جلسة نظامية حتى تحمل عليه، لو كان يجلس مثل الدواب الأخرى، لا تقدر أن تمحل عليه، بدك سلم، إذا بيمشي بيروحك، انظر إلى الجمل.
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾

( سورة الغاشية: 7 )

﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾

الآن في أحصنه، ثمن الحصان 11 مليون درهم، يعني مائة وخمسين مليون ليرة، ثمن حصان، يعني في أشياء.
﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾
يعني أيام الإنسان يركب الخيل لا وسيلة نقل، في جمال.

﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ﴾
البغال مختصة بالجبال، يستخدمونها المهربين، يحملونها البضاعة تأتي وحدها على المكان الذي يريد، ما في واحد مسؤول معها يتحاسب، لوحدها تصل إلى المكان، يعني هذا الحيوان مختص بالجبال بالطرق الوعرة.

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾
الآن إذا واحد ركب جانبه، أو كنكورد، أو ركب سيارة 600، بقلك وين الحمار ؟

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
هذا كلام خالق الكون لأنه، لو كان كلام سيدنا محمد، كان نسي، بطلع القرآن بعيد عن العقل، الآن في طيران في طيارة فيها ستمائة وخمسين راكب، مدينة، في سيارات تمشي مائتين وثمانين، في قطارات تمشي ثلاثمائة وخمسين، في حوامات فوق البحار، في مراكب فضائية، الله قال:

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

معناها هذا الكلام خالق الكون، لولا هذه الآية لكان هذا القرآن من كلام سيدنا محمد، أما:
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾

هي الآية دقيقة جداً، أساسها، وعلى الله سبيل القصد، يعني على الله سبحانه وتعالى ألزم نفسه، أن يبين للعباد الطريق الموصل إليه.
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾
يعني سبيل القصد، وعلى الله أن يبين لعباده الطريق الموصل إليه.

﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾
ومن هذه النفوس المنحرفة، قال:

﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)﴾
لكنه لم يشأ لماذا ؟

﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)﴾

لكن الله سبحانه وتعالى إذا هداكم أجمعين هداية قصرية، هذه الهداية لا ترقى بكم، ولا تنتفعون بها، ولا تسعدون بها.
لو شاء رئيس الجامعة أن ينجح كل الطلاب القضية سهلة، يوزع أوراق مطبوع عليها الإجابة الكاملة، اكتب اسم ورقمك العلامة من مائة، هذا النجاح ما له قيمة، الإنسان مخير لأنه، لو الله ألزمه بالهدى، هذا الهدى الملزم به لا يسعد به الإنسان، ولا يرقى به، إذاً لم يشأ أن يهديكم هداية قصرية، أرادكم أن تهدوا مختارين، " إن الله أمر عباده تخيراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً "، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، " إن الله أمر عباده تخيراً، ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعطَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً ".
يعني كلما قرأت في القرآن الكريم.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)﴾

﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾

( سورة الرعد: 31 )

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾

(سورة الأنعام: 35 )
هي الآيات كلها معناها، أن الهداية القصرية التي فيها إلغاء الاختيار، وإلغاء التكليف، وإلغاء حمل الأمانة، هذه الهداية لا قيمة لها لا عند الله، ولا عند الناس، ولا عند أنفسكم، ولا ترق بكم، ولا تسعدون بها، لا تفهوا فهم ما أرادوا الله.

﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
كان يهدينا كان، يعني أحياناً، قلت البارحة في خطبة الجمعة، أو قبل يومين، أن الإنسان، المتعة كلما هبط مستواها، لا تحتاج إلى تأجيل، واحد بردان، وفي غرفة دافئة، يكفي أن يدخل، ويستمتع بالدفء، أما إذا أردت أن تستمتع بقيادة طائرة فوق جبال الألب مثلاً.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية العاشرة وما بعدها من سورة النحل تلفت النظر، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)﴾

﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)﴾

لو أحصينا الآيات التي تشير إلى آلاء الله في الكون لوجدناها كثيرة جداً تقترب من ربع القرآن، هذه الآيات لماذا كانت ؟ و لماذا أنزلت ؟ أجعلُ هذا السؤال منطلقاً لهذا الموضوع الدقيق، هناك في الكون مخلوقات، ولله أمر، ونهي، قال الإمام الغزالي: " هناك علم بخلقه، وهناك علم بأمره، وهناك علم به ".
فالعلم بخلقه، جامعات الغرب تفوقت تفوقاً كبيراً جداً، الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والطب البشري، والصيدلة، والفلك، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم التاريخ، وعلم الجغرافيا والتكنولوجيا، والصناعة، والزراعة.. الخ، فكل هذه العلوم المادية، أو العصرية، هي علم بخلق الله.
وأما العلم بأمره فهو علم الشريعة، الحلال، الحرام، أحكام البيوع، أحكام الزواج، الطلاق، الحوالة، الكفالة، الرهن.. الخ.
لكن الذي يجمع بين علم خلق الله، وعلم أمر الله، أن هذين العلمين يحتاجاني إلى مدارسة، يعني إلى قراءة، إلى حفظ، إلى تذكر إلى بحث، إلى درس، والذي أوتي مقدرة فكرية عالية يستوعب هذه العلوم، ويحفظها، لكنه في واد، وعلمه في واد آخر.
أم العلم بالله، هنا التقصير في العالم الإسلامي، العلم بالله أن تعرف الله، وأن تعرفه من خلال خلقه، ومن خلال أمره، ومن خلال أفعاله، معرفة الله شيء، ومعرفة أمر الله شيء آخر، معرفة أمر الله هذا الشيء يحتاج إلى مدارسة، إلى قراءة، إلى حضور دروس، إلى إمساك بالكتاب، إلى قراءة كتاب، إلى وضع خطوط، إلى تلخيص على الحواشي، إلى حفظ، إلى تذكر، والذي أوتي مقدرة فكرية عالية يتفوق في هذه العلوم، إن في علوم خلق الله ؛ كعلوم الغرب، أو في علوم أمر الله ؛ كعلوم الشريعة، ولكن العلم بالله شيء آخر، لا يحتاج إلى مدارسة، بل يحتاج إلى مجاهدة، إذا تفكرت في خلق السماوات والأرض، فأنت في الطريق إلى معرفة الله، إذا تفكرت في أفعال الله عز وجل.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

( سورة الأنعام: 11 )
فأنت في طريق معرفة الله عز وجل، إذا درست حكمة أمره، فأنت في طريق معرفة الله عز وجل، النبي عليه الصلاة والسلام، بقي مع أصحابه في مكة المكرمة، ثلاثة عشر عام يعرفهم بالله عز وجل، فلما تمكنت هذه المعرفة، جاء التشريع، أما نحن إذا اختصرنا على تعريف الناس بأمر الله، ولن نعرفهم بالله عز وجل، هذا الأمر لا يطبق، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، فلذلك حيث ما قرأتم مثل هذه الآيات الكونية، في القرآن هذه من أجل أن تكون عنوانات، وهذا الجمع صحيح، هو الأصح، مو عناوين، عنوانات، عنوانات لموضوعات في التفكر، الله عز وجل يقول لك:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ﴾
هذا المطر لنا.

﴿مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ﴾
لكم بالذات.

﴿بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾
جعل الله الليل لباس، وجعل النهار معاش، جعل الليل مظلماً ساكناً، وجعل النهار مضيئاً، نشيطاً.

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾
أنواع الأزهار.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾

هذا المحار، حيوان بحري، إذا شعر أن في محاره شيئاً غريباً، ولو ذرة كالهباب، يفرز عليها مادة كلسيه فسفورية، كي يحاصرها، هذه المادة الفسفورية الكلسية هي اللؤلؤ، لذلك الآن في لؤلؤ زراعي، ولؤلؤ طبيعي، ولؤلؤ صناعي، صناعي لا قيمة له إطلاقاً، أم الزراعي يأتون بهذا الحيوان خارج البحر يضعون فيها حبة رمل صغيرة، ويضعونه في صناديق خشبية، ويعيدونه إلى البحر، بعد حين يفتحونه فيه لؤلؤه، ألم يضعوا له ذرة رمل غريبة، هو أفرز مادة كلسيه فسفورية أحاطت بهذه الذرة، لكن يبقى مستوى اللؤلؤ الزراعي أقل بكثير من مستوى اللؤلؤ الطبيعي.
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾
لو هذا القانون أرخميدس، أن الماء يدفع الأجسام المنغمسة فيه إلى الأعلى، ما كان في ملاحة بحرية في الأرض، وأصبح البحر أداة فصل بين القارات.

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾
يعني أوضح مثل على ذلك الإنسان أحياناً يذهب إلى بعض الأشخاص بقلك رفرفت الدولاب، الدولاب الجديد على الدوران السريع يضطرب، في أجهزة إلكترونية تحدد مكان في العجلة ضع هنا خمسة غرامات، هذه الغرامات الخمسة، مع الدوران السريع تجعله منتظماً، فربنا قال:

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾
هي الجبال موضع بشكل دقيق جداً، لأن الأرض تدور حول نفسها، بسرعة ألف وستمائة كيلومتر بالساعة، النقطة على خط الاستواء تدور بسرعة ألف وستمائة كيلومتر بالساعة، يعني إذا ركبنا طائرة، وسرعتها ألف وستمائة كيلومتر بالساعة، واتجهنا نحو الغرب يتوقف الزمن، لأنه سارت مع الأرض، هذه السرعة العالية في الدوران، تحتاج إلى انتظام.

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ﴾

مرة قلت لكم سألنا أخ ضمن حقل بطيخ ثلاثة أشهر، قال لي ثلاثة أشهر كل يوم حوش سيارة، قلت له شيء جميل، فكيف تعرف هذه الثمرة الخضراء الجميلة أنها نضجت، قال لي كل الثمار الخضراء بلون واحد، لكن لو فتحت واحدة بيضاء، لم تنضج بعد، والثانية حمراء، مثل السكر تماماً، كيف تعرف أن هذه نضجت، قال لي الله عز وجل جعل إلى جانب ذنب البطيخة حلزون، طوله ثلاثة سانتي، فإذا الإنسان أمسكه بيده وفتله إذا انكسر، يكون نضجت البطيخة، إذا بقي طري يكون ما استوت، الله قال:
﴿وَعَلَامَاتٍ﴾
عمل لك علامة أي مرض داخلي له علامة ظاهرية، حرارة، قيئ، وجع في الرأس، لو ما في علامات، الناس كانوا ماتوا، إذا كان السن انتخر في علامة يتألم منه، أي شيء له علامة، أي خلل في الجسم له علامة، أي خلل في الفاكة له علامة، بقلك هي الفواكه لونها ما عجبني، معناها ناقصها حديد، ناقصها بوتاس، ناقصها كذا، لولا العلامات لتاه الإنسان في هذا الكون، إذاً: كلما قرأت آية كونية، يجب أن تجعلها موضوع للتفكر، لأنك إذا تفكرت في خلق السماوات والأرض، أنت في طريق معرفة الله، أما إذا قرأت أمره ونهيه، أنت في طريق معرفة أمره، معرفة الله تحتاج إلى تفكر، وإلى مجاهدة، إلى تفكر في خلقه، وتفكر في أفعاله، وتفكر في أوامره، وإلى مجاهدة النفس والهوى، فإذا تفكرت وجاهدة نفسك وهواك، عرفت طرف من كمال الله، فإذا عرفته بادرت إلى تطبيق أمره، إذا عرفته بادرت إلى تطبيق أمره، وإذا رأيت رجل، يعرف أوامر الله ونواهي، ولا يفعل الأوامر ولا ينتهي عن النواهي، فاعلم أن معرفته بالأوامر جيدة، لكن معرفته بالله ضعيفة، إن لم تعرف الله تشرك به، إن لم تعرف الله تنافق، إن لن تعرف الله تخاف إن لم تعرف الله تحاذي، إن لن تعرف الله تظلم، مشكلة العالم الإسلامي اليوم لا من نقص معرفته بأمر الله، لا، أمر الله مبذول، كم معهد شرعي بالأرض، يعلم أمر الله، نحن نحتاج إلى معرفة بالله ومعرفة الله عن طريق خلقه، تفكروا بالمخلوقات، ولا تفكروا بالخالق فتهلكوا، لذلك هي سورة النحل معظمها آيات كونية، وأنا أتمنى على أخوة الكرام، إذا قرأت القرآن، ووقفت عند آية كونية لا تقرأها فقط، أجعلها موضوع للتفكر، إذا الله قال لك:

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

( سورة الحجر: 22 )
للماء، يعني بعد صلاة الفجر ممكن تعمل موضوع التفكر حول خزن الماء، هل تستطيع تخزين الماء لعام، لما ربنا خزنه لك بالجبال يعني أرادت مصلحة مياه عين الفيجة، أن تقيم مستودع في شروط جيدة فكان عمقه تحت الأرض أربعمائة متر، لكي تقلد مستودعات الماء عند ربنا، تقليد، هذا الجبل الذي فيه هذه المياه، بعدي في صخور، وفي مياه فيها كلسيوم، و منغنزيوم، وحديد، وبتاسيوم، يقول لك مياه معدنية، يقول لك هي مفيدة جداً، ومياه التحلية في الحجاز هي غير صالحة للشرب، إلا إذا خلطت بمياه الآبار، فإذا أنت عملت كل ما أتيح لك وقت، أو بعد صلاة الفجر، أن تفكر في آية من آيات الله، فكلما ازدادت معرفتك بالله، ازددت محبة له، وتعظيماً له، وخوف منه، ورغبة في تطبيق أمره، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

( سورة فاطر: 28 )
فهذا المقطع الكوني الكبير، وأي مقطع كوني في القرآن الكريم ما ذكره الله لنا كي نقرأه فقط، كي نجعله عنوانات لموضوعات التفكر وليس في الأرض عبادة أرقى من التفكر، وتفكر ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاماً.

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

( سورة القدر: من 1 إلى 3 )
ثمانين عام عبادة، تعدلها ساعة تفكر بالله، لأنك إذا عرفت الله أحببته، وإذا عرفت الله عظمته، وإذا عرفت الله أطعته، وإذا عرفت الله خفت منه، وإذا عرفت الله اتقيت أن تعصيه، وإذا عرفت الله أقبلت عليه، وإذا عرفت الله اتصلت به، وإذا عرفت الله سعدت في الدنيا والآخرة، هي الآيات الكونية أرجو الله عز وجل ألا تمروا عليها مروراً سريعاً، قفوا عندها، اجعلوها موضوعات للتفكر، هذا الفكر البشري جهاز يعمل بلا كلل ولا ملل، يعني لا يليق بها أن يعمل لكسب المال فقط، وللإيقاع بين الناس فقط، يليق بها أن يعمل في معرفة الله، والله أعطاك موضوعات، العلم حرف التكرار أنت، هذه كلها موضوعات للتفكر، الليل والنهار، والشمس والقمر، المطر، السحاب الجبال، الأنهار، الينابيع، البحيرات، الطعام، الله قال لك:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

( سورة عبس: 24 )

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾

( سورة الطارق: 5 )

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة يونس: 101 )
المخلص: أن هناك ثلاث علوم، علم بخلقه، برعة به أوروبا وأمريكة، وعلم بأمره، برعة به كليات الشرعية في العالم الإسلامي، وعلم به، وهذا ما نحتاج إليه، علم به، أن تتفكر في خلقه، وأن تجاهد نفسك وهواك، فإذا عرفت طبقت أمره.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الخامس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثامنة عشر من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)﴾
وفي آية أخرى.

﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾

( سورة إبراهيم: 34 )
في هذه الآية معنى دقيق، أن النعمة الواحدة، لو أمضينا الحياة كلها في تعداد خيراتها، وبركاتها، لا نحصي هذه الخيرات، فإذا كنا عاجزين عن إحصاء خيرات نعمة واحدة، لأن نكون عاجزين عن شكرها من باب أولى، نحن لسنا عاجزين عن شكرها فحسب، بل عاجزون عن إحصاء خيرات نعمة واحدة، هذا هو المعنى الأول لهذه الآية.

﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾
أنتم عاجزون عن إحصاء خيرات نعمة واحدة، إذاً: أنتم عن أن تشكروا هذه النعمة، أو تلك النعم من باب أولى، عجزنا عن الشكر من باب أولى.
لكن مرة يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
يعني حينما يكفر هذه النعمة، لا يظلم ربه، بل يظلم نفسه.

((عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي: لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ، وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ، وَجِنَّكُمْ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي: إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

[ راوه مسلم ]

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾

يظلم نفسه حينما يكفر بنعمة ربه، و الآية هذه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
يعني إن كنت عاجزاً عن إحصاء النعم أو عن إحصاء خيرات نعمة واحدة، وإن كنت عاجزاً على أن تشكر نعمة واحدةً، أو أن تشكر النعم كلها، واعترفت بعجزك عن أداء الشكر فالله سبحانه وتعالى غفور رحيم، هذه المعنى الثاني.
أما الشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

( سورة النساء: 147 )
يعني الإنسان حينما يؤمن وحينما يشكر، لا يعذبه الله عز وجل ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أنه حقق المراد الإلهي، معنى ذلك أنك خلقت من أجل أن تعرفه، ومن أجل أن تشكره، لأن الكون كله مسخر تسخيرين، تسخير تعريف، وتسخير تكريم، فرد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، فإذا أمنت وشكرت حققت مراد الله من خلقك، إذاً لما المعالجة ؟ لما العذاب ؟

(( حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم، قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ ابْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ))

[ رواه البخاري ]
كلام دقيق جداً.

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

( سورة النساء: 147 )
موضوع ثالث: كلام خالق الكون، وزوال الكون أهون عليه من أن لا يتحقق وعده ووعيده.

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾

( سورة إبراهيم: 7 )
إذا أردت أن تزيد أي نعمة فاشكرها لله عز وجل، صاحب أكبر معمل حلويات في لبنان، قال عنده سبعين فرع في لبنان، يصدر كل يوم طائرة شحن كاملة إلى بعض البلاد يومياً، دخل إلى معمله، ما أعجبته عريكة المعمول من قبل أحد الموظفين، فوضع هذه العريكة على الأرض، وعركها بقدميه وحذائه، وعلم هذا الموظف كيف تعرك هذه العجينة، قال له يا سيدي بحذائك ؟! قال: الناس يأكلون من تحت قدمي، هذا الإنسان بعد ثلاثين يوماً من هذه الحادثة قطعت رجلاه الاثنتان، بمرض الغرغرين، والآن مقيم ببريطانيا.
أسرة من أغنى الأسر في لبنان، عملت وليمة فخمة، ولم تطع صاحبة البيت صحون للسجاير، فلما طلب منها صحن قالت: افتحوا قرص كبة وضعوا الصفوة داخلها، وهذه الأسرة الآن تعاني من آلام الجوع، هدم بيتها.

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾
فإذا أردت أن تدوم النعم فاشكرها.
النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا دخل إلى الخلاء، وخرج يقول:
(( الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى لي ما ينفعني ))
يعني إذا الإنسان لا سمح الله ولا قدر، ونحن دائماً نعوذ من عضال الداء، لو أبلغ أن كليته توقفت عن العمل، كان يقول:
(( الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى لي ما ينفعني ))
كان يقول إذا دخل إلى الخلاء:
(( الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيّ قوته، وأذهب عني أذاه ))
كان إذا دخل إلى بيته يقول:
(( الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له ))
معك مفتاح بيت ؟ صغير، كبير، واطي، عالي، بعيد، قريب أجار، ملك معك مفتاح بيت، تدخل للبيت، ترتاح، تغير ملابسك، تعمل حمام، تأكل، تنام.

(( الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له ))
يعني ترى بعينيك، نعمة البصر لا تعدلها نعمة، تسمع بأذنيك، نعمة السمع لا تعدلها نعمة، تنطق بلسانك، نعمة النطق لا تعدلها نعمة، القلب يعمل بنظام، نعمة لا تعدلها نعمة، يعني ماذا أقول لكم ؟ إذا الإنسان حب يعمل لكل عضو تلف عملية، لازم يفع مائة مليون، كل هذه الأجهزة تعمل بنظام.
من أجل أن تكون علاقتك بالله علاقة محبة وشكر يجب أن تفكر في نعم الله، هذه النعم لها تصانيف، أول نوع من أنواع النعم أنك موجود، الحمد لله على نعمة الإيجاد، أنت موجود، لك كيان، لك سجل بالنفوس، فلان الفلاني ابن فلان، يعني أوجدك ليتيح لك عملاً صالحاً تسعد به إلى الأبد، هذه نعمة الإيجاد، نعمة الإمداد، أوجدك وأمدك بما تحتاج، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بزوجةٍ، بأولاد ببيت، بحرفة، تكتسب رزقك منها،

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي ))

[ رواه الترمذي ]
أسباب محبة الله استعراض النعم.
أخوانا الكرام:
السعداء هم اللذين يشتغلون بشكر ما عندهم، لا بالحسرة على ما فقدوه، أنت في عندك أشياء، وفاقد أشياء، والنبي الكريم علمنا بهذا الدعاء العظيم يقول:
(( اللهم ما رزقتني مما أحب، فاجعله قوة لي فيما تحب ))
أعطاك مال، اجعل هذا المال قوةً لك في إيمانك ؛ يعني أنفقه في طاعة الله، أعطاك صحة اجعل هذا النشاط، وهذه الحركة في خدمة خلق الله عز وجل، أعطاك أحياناً جاه، اجعل هذا الجاه في خدمة الضعفاء والمظلومين، أعطاك علم اجعل هذا العلم في خدمة المسلمين أعطاك طلاقة لسان، اجعل هذه الطلاقة في تأييد الحق ونصره، فالمؤمن إذا أراد أن يزيد من نعم الله عليه، عليه أن يستخدمها في خدمة خلقه، دققوا في قول الله عز وجل على لسان قوم قارون حينما قال:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾

( سورة القصص: 77 ـ 78 )
يعني:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

يعني أول معنى.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾

يعني حينما يكفر هذه النعم يظلم نفسه، الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)﴾

(سورة إبراهيم)

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾

( سورة الزمر: 7 )
والمعنى الثاني: إذا عجزت عن شكر هذه النعم، إذا عجزت عن إحصاء نعمة واحدة، ثم عجزت عن إحصاء النعم كلها، ثم عجزت عن شكر نعمة واحدة، وعن شكر النعم كلها، واعترفت بعجزك، فهذا أحد أنواع الشكر.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هذا المعنى الثاني، وإذا أردت لهذه النعمة أن تثبت، وأن تدوم فاشكرها.

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
وإذا أردت لهذه النعمة أن تزول فاكفرها.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

( سورة النحل: 112 )
يعني في أسرة مات أبوهم، وما في تجول، وفي قنص، وفي قصف بعد ثلاثة أيام ألقوه من على الشرفة إلى الأرض، من شدة الخوف، والفقر، ثلاثة آلاف وسبعمائة ليرة الدولار وصل، يعني هذا الجوع والخوف.

﴿الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
وأي بلد آخر إذا كفر بأنعم الله يذيقه الله لباس الجوع والخوف، هذا موضوع الشكر، وإذا أمنت وشكرت حققت المراد من وجودك في الأرض.

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾
انظر إلى الدعاء ما أجمله، " اللهم رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ".
يعني زوجته ليست على ما يرام، ما سمح الله زوجة شاطحة معناها الله أراد به الخير حتى يتفرغ لطاعته، " فما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ".
هذه معاني الشكر كلها تقريباً، والآيات متعلقة بشكر النعم، لكن أحب الله لما يغزوكم به من نعمه، يعني إذا استعرضت النعم، والإنسان إذا رأى مصاباً أو مبتلاً من غير أن يسمعه عليه أن يشكر الله عز وجل.
أخوانا الكرام:
أحد معرفة أبواب النعم أن تنظر إلى من هو أدنى منك، أيام تلاقي عشرة أولاد والأم والأب في غرفة واحدة نائمين، على الأرض، أنت عندك غرفتين بالبيت، أو ثلاثة، أنت وزوجتك في غرفة والأولاد في غرفة، هذه نعمة، هذه النعمة يجب أن تعرفها، أنت معك ثمن الطعام والشراب، كان عليه الصلاة والسلام يدخل إلى البيت أحياناً يقول أعندكم شيء، يقال له لا، قال فإني صائم، في بيت من أخوان الحاضرين جميعاً، ما في عنده كأس شاي و زيتونه، ما في بيت ما في حواضر لثلاثة أشهر يكفي، هي نعمة، صحتك نعمة، أجهزتك تعمل، عقلك برأسك.
لنا أخ كريم الله يرحمه، طلع من معمله ما كان يلاقي بيته وين ثلاثة أرباع الساعة يدور، وين بيته ؟ أضاع بيته، عمره خمس وخمسين سنة، فقد ذاكرة جزئي، راح لبيت أبنه، قال له: وين بيتي أنا بابا، بيته بخورشيد، ثلاثة أرباع الساعة يدور، الله لو سحب جزء من الذاكرة، وين اختصاصك، وين خبراتك، بتكون معمر بيت مرتبه إذا كان العقل أختلج، يعمل لك واسطة أقرب الناس لك إلى مستشفى المجانين، بقلك دبرنا له واسطة، بواسطة كمان، من ؟ ابنك، زوجتك بخوف صار، إذا عقله برأسه، وأجهزته سليمة، لذلك ملك سئل وزيره قال له من الملك ؟ الملك كان جبار، قال له أنت، قال له لا ليس أنا الملك، الملك رجل لا يعرفنا ولا نعرفه، له بيت يأوي، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد باسترضائنا، وإن عرفنا جهدنا في إذلاله، فكل واحد منكم، عرفنا طرف من عظمة الله، ومستقيم، وصحته في، وعنده قوت يومه، حيزت له الدنيا بحذافيرها،

(( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الانْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، آمِنًا فِي سِرْبِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[ رواه ابن ماجه ]









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية العشرون من سورة النحل وما بعدها وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾
الله جل جلاله يصف المشركين المنقطعين عن الله عز وجل بأنهم أموات غير أحياء، يؤكد هذا المعنى، قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

( سورة الأنفال: 24 )
الإيمان: حياة، والشرك والكفر: موت.

ليس من مات فستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
***
يقول أحد علماء الغرب: " كل من لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون، حكيمةً هي أحكم ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون هو إنسان حي، ولكنه ميت "، فربنا عز وجل يصف المشرك الملتفت إلى غير الله، متوجه للإنسان، أو لجهة، أو إلى ماله، أو إلى ملذاته يصف المشرك بأنه ميت.

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾

ضائع، الأحداث تتقاذفه، الأحداث تفاجئه دائماً، أما المؤمن من توفيق الله له، أنه لا يفاجئ بشيء، أليس الموت أكبر مصيبة عند الناس، هو مستعد للموت من أول حياته، مستعد له بطاعة الله، مستعد له بالعمل الصالح، مستعد له بإنفاق المال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾
في ضياع، وفي موت، هذا المشرك، المشرك: من توجه لغير الله أشرك، لكن من كفر بالله أنكر وجوده، أو أنكر كماله، أو أنكر شرعه هذا كافر، الكافر غير المشرك.

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
وكل ما في الكون هو دون الله عز وجل، في إله، وفي ما دونه، فكل إنسان دع إلى ما دون الله عز وجل، فقد أشرك.

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) ﴾

إذا الإنسان وضع كل ثقله بالدنيا، وجعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه،
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتِ الاخِرَةُ هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ رواه الترمذي ]

﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾
كل أفكاره دنيوية، الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، ولا يعرف إلا الدنيا، وقد وصف الله الكفار بذلك قال:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

( سورة الروم: 7 )
والنبي الكريم يقول:
(( إن أسعد الناس فيها، أرغبهم عنها وأشقاهم فيها، أرغبهم فيها ))
مفارقة عجيبة، إذا اتجهت إليها تشقى فيها، وإذا أدرت لها ظهرك تسعد بها، إذا جعلت الآخرة أكبر همك، تأتيك الدنيا وهي راغمة، وإذا جعلت الدنيا أكبر همك، خسرت الدنيا والآخرة.

﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ﴾
للحق:

﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾

المعاصي أخوانا الكرام، لها سببان كبيران، إما أن تغلبك الشهوة، وإما أن تستكبر، المعصية التي بسبب غلبة الشهوة في الأعم الأغلب الله عز وجل، يعنيك على التوبة منها، أما المستكبر، هذا لا علاج له إلا جهنم المستكبر:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)﴾

( سورة البقرة: 34 )
فإذا كان الإنسان ما انصاع إيبائاً، وكبراً، واستعلائاً، شغلته كبيرة كثير هذا، هذا منتهى، أما إذا غلبته شهوته، استغفر ربه، وتاب في الأعم الأغلب الله عز وجل يغفر له، ويتوب عليه، بل يحمله على التوبة.

﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)﴾

مكشوفين، كل هذه الآيات تميل لهذه الآية:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)﴾
شايف الدين شغلة قديمة، لا تتناسب مع طبيعة العصر، عصر النور، عصر الفهم، عصر التبصر العلم، التكنولوجيا، التقدم، الدين قضية شعور الإنسان الضعيف أمام قوى الطبيعة المجهولة.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)﴾

مشكلة الكافر ضال مضل، فاسد مفسد، ضائع مضيع، يعني مسيء، ويعين على الإساءة، بخيل، ويأمر بالبخل.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ﴾

يعني سمعتم عن زلزال اليابان، أربعة آلاف وخمسمائة قتيل تحت الأنقاض، والكلفة ألف مليار، من دون حرب هيك، لا في حرب ولا في صراع عرقي، ولا في تطهير عرقي، ولا في كما يجري في بعض الدول، الله عز وجل إذا أراد إهلاك أمة، في قبضته، أبنية شامخة، كل شيء من أرقى ما يكون، ما في ميزان رابح بالعالم كميزان اليابان، ستين مليار كل سنة فائض نقدي عندهم، أما هنا:
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾
طريقة في هدم البناء عجيبة، في أيام إنسان يهدم بنيان بالمعول، بدو سنوات، أما الآن في طريقة حديثة يضعوا أربعة ألغام على الأساسات، من الداخل، بعيارات دقيقة، فالبناء بثواني، يصبح كتلة أنقاض، هدم البناء بالطريقة القرآنية.

﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾

يعني الله عز وجل لما يدمر أمة بأسباب بسيطة جداً، سبعة رختر وين صفيت المدينة الضخمة، والمعامل الضخمة، والمرافق، والإنتاج تحت الأنقاض كله.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾

الحوادث دائماً أمامنا، بين أعينينا.
كان في قرية بالمغرب أسمها أغادير، من أفسق البلاد بالعالم، فيها نوادي عراة، كلها مهيأ لأجانب، وفيها فندق اسمه هوليدي إن، هذا من أفخر فنادق العالم، ثلاثين طابق من عجائب زلزال أغادير، أن هذا الفندق غاص كله في الأرض، وبقي اسمه على الطابق الأخير كشاهدة، نزلوا تسع وعشرين طابق، صفي طابق واحد على وجه الأرض، مكتوب هوليدي أن، هنا يرقد هوليدي أن يعني.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾

التقوى أقوى، إذا الإنسان عقله نشيط، واخترع مخترعات وتجارة رائعة جداً، حقق أموال طائلة، وانغمس بالملاهي، والفسق والفجور، من دون حرب، سياسته الخارجية حكيمة جداً، وعلاقاتهم طيبة جداً، وكسحوا العالم باقتصادهم، لكن:
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾

وإذا الله عاقب أمة، أو عاقب شعب، أو عاقب بلد، فهذا عاقب ردعي لبقية البلاد المنحرفة، الآية الكريمة:
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً (58)﴾

(سورة الإسراء: 58 )
يعني كل أمة.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

( سورة النحل: 112 )
هذا قانون إلهي، أية أمة تنحرف، وتفسق، وتفجر، وتستمرئ المعاصي، الله عز وجل لها بالمرصاد، يقول الله عز وجل:

﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾
من مصدر أمنه، في أطباء مختصين بجهاز الهضم، من اختصاصه، طبيب مختص بالقلب، من اختصاصه، الجهة التي تطمئن لها أنت، واثق منها، معتمد عليها مرتكز عليها، أشركتها مع الله.

﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾
يا ترى انتهى الأمر، قال:

﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)﴾

﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾
بالدنيا عذاب أليم، وعذاب عظيم، وعذاب مهين، وبالآخرة.

﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)﴾

هذا مقطع، تنتهي حياتهم بالدمار، ويقدمون على الآخرة بعذاب الخزي البئيس، وينتهي مصيرهم إلى النار، وفي الدنيا أنكروا الآخرة واستكبروا عن طاعة الله عز وجل، وهم في الأصل أموات غير أحياء، مقطع دقيق جداً في سورة النحل، الآية العشرين وما بعدها، طبعاً هذا المقطع يقابل مقطع آخر، هذا نأخذه غداً إن شاء الله.
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً﴾
هؤلاء أساطير الأولين، غداً إن شاء الله نوازن بين أهل الكفر استكبارهم، معصيتهم، كفرهم بالآخرة، تدميرهم، خزيهم يوم القيامة خلودهم في النار، وكيف أن أهل الإيمان قالوا خيرا، وآيات تأتي بالطرف الآخر كالتي ذكرناها اليوم.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثلاثون من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30)﴾
الله جل جلاله يقول:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)﴾

( سورة الأنعام: 115 )
لو قرأت القرآن الكريم كله، كل آياته لا تزيد على أن تكون خبراً أو أمراً، إما أن الله سبحانه وتعالى أخبرك عن أصل العالم، عن أصل الكون، عن حقيقة الحياة الدنيا، عن حقيقة الإنسان، عن حقيقة الإنسان بعد الموت، عن حقيقة الدار الآخرة، كل الآيات التي يخبر الله بها، عن الكون وحقيقته، وعن الإنسان ومهمته، وعن الآخرة وأحقيتها، هذا كله خبر، أما إذا أمرك الله أن تكون صادقاً، أمرك أن تصلي، أمرك أن تصدق، أمرك أن تصوم رمضان، القرآن الكريم كله يمكن أن يندرج تحت عنوانين، خبرٌ وأمرٌ، خبر الله صادق، وأمره عدل.

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾
خبر الله صادق، وأمره عدل.
الآن ربنا عز وجل أخبرنا عن حال أهل الجنة، هؤلاء في الدنيا حينما اتقوا، يعني اتقوا أن يعصوا الله عز وجل، لا شك أن الإنسان حينما يستقيم على أمر الله، يقطف ثمار عمله، يقطف ثمار عمله توفيقاً.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

( سورة الليل: 5 ـ 6 ـ 7 )
يقطف ثمار عمله راحة نفسية، يقطف ثمار عمله سكينة، يقطف ثمار عمله تفاءلاً، يعني المؤمن تنتظره نعم الآخرة بعد نعم الدنيا فالنعم متصل، بينما الكافر، ولو كان في الدنيا ذا جاهٍ عريض، أو كان في الدنيا ذا مالٍ وفير، أو كان في مستمتعاً بكل متع الحياة الدنيا، هذه النعم الظاهرة التي بين يديه، هذه سوف تأتي ساعة يخسرها دفعة واحدة وينقلب إلى جحيم لا يحتمل، فالنعم في الدنيا لأهل الدنيا منقطعة، لكن النعم في الدنيا لأهل الإيمان متصلة بنعم الآخرة، شتان بين نعم منقطعة ونعم متصلة، فهؤلاء الذين أمنوا، حينما سألوا عن فحوى هذا الدين عن مضمون هذه الشريعة، عن جدوى هذا الوحي الذي أنزله الله على النبي عليه الصلاة والسلام، لخصوا هذا الوحي كله، وهذا الدين كله وهذا الشرع كله، بكلمة واحدة، خير، خيرٌ مطلق، معنى ذلك، أن في الحياة خير مطلق، وشر مطلق، معرفة الله وطاعته، ونعيم أهل الدنيا في الدنيا، ونعيمه في الآخرة هذا خير مطلق، والبعد عن الله ومعصيته، والحرمان من اتصالهم بالله عز وجل، هذا شر مطلق فأهل الإيمان حينما اتقوا ربهم، اتقوا أن يعصوه، اتقوا الشرك بالتوحيد اتقوا الكفر بالإيمان، اتقوا سخطه بطاعته، اتقوا عذابه باستقامتهم على أمره.

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً﴾
أخوانا الكرام:
في علامات للإيمان، من علامة الإيمان الصحيح، الحقيقي الذي أراده الله، أن يكره الرجل أن يعود في الكفر، كما يكره أن يلقى في النار، يعني إذا الإنسان انتقل فرضاً، من بيت في حي متخلف جداً صغير جداً، تحت الأرض، شمالي، متداع، سياق مكشوف، إلى بيت في أرقى أحياء دمشق، بأكبر مساحة، إذا كان تمنى صاحب البيت الجديد أن يعود إلى السابق، معناها مجنون، فالمؤمن من علامة إيمانه أن يكره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يلقى في النار، يا ترى نحن على حرف، ماشي الحال عما نصلي، لما الحمد لله الذي هدانا إليه، في فرق، إذا الإنسان مالُ مستقيم، وصلى، وصام، بتلاقي ما قطف ثمار الإيمان، الصيام عنده عبئ، والصلاة عبئ، وهي كلها تكاليف، وهي كل عبادات، بالنسبة له جوفاء ما لها معنى، لذلك:

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

( سورة النساء: 142 )
صيام رمضان عادة من عاداتنا يأتي رمضان، ويذهب رمضان ونحن نحن، لكن لما الإنسان يستقيم، ويتصل بالله عز وجل، يقطف ثمار الدين، فإذا سألته ما أنزل الله عز وجل، يقول كلمة خيرا، بكل خلية من خلايا، بكل قطرة من دمه، بكل ذرة من كيانه.

﴿قَالُوا خَيْراً﴾
فإذا أنت ما شعرت أنك أسعد الناس، بمعرفتك بالله، وأنك أسعد الناس بطاعتك له، وأنك أسعد الناس بإقبالك عليه، فالطريق لا يزال طويلاً وتحتاج إلى جهد كبير.

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً﴾
الآن:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾
هذا خالق الكون، الذي خلق الإنسان، يعده بالحسنى، الحسنى ؛ راحة نفسية، الحسنى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (107)﴾

( سورة الكهف: 107 )

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

(سورة النحل: 97 )
الحسنى:

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

( سورة طه: 123 )
الحسنى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

(سورة الجاثية: 21 )
هي الحسنى، إله يعدك، يقول:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾
لكن، مهما نلت في هذه الدنيا من حسنة الدنيا، عددوا، راحة نفسية، على عز، على رفع ذكر، على طمأنينة، على تفاءل، على صحة، على مكانة اجتماعية، على دخل مريح، على عمل شريف، على تبجيل، على تعظيم، مهما تمتعت في الدنيا بنعم أهل الإيمان، إذا قيست بنعم الآخرة لا شيء، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما أخذت الدنيا من الآخرة ـ تمثيل رائع ـ إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر ))
الآن طالع للساحل، و إركاب قارب، وأمسك إبرة، واغمسها بالبحر، وارفعها، هذا المخيط، ماذا أخذ من البحر، الذي أخذه هي الدنيا، والبحر هو الآخرة، الله عز وجل يقول:

﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾

يعني الله ناصحنا.
﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ﴾
مهما تمتعت بالدنيا، مهما على شأنك بالدنيا، مهما كان الرزق وفيراً، مهما كان الصحة طيبة.

﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)﴾
نحنا في الدنيا نظام الدنيا نظام سعيد، بقلك حتى وصلت طلعت عيوني بالطول والعرض، لوصل لهذا البيت، حتى أخذ الدكتوراه بقلك ثلاثة وثلاثين سنة دراسة، حتى تزوج، حتى أسس بيت، حتى أخذ بيت بالمصيف، حتى طلع عن الأرض بسيارة صغيرة، الدنيا أساسها السعي.

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

(سورة الإنشقاق: 6 )
لكن نظام الآخرة نظام آخر، نظام الآخرة الطلب، اطلب تعطى.

﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾
أي خاطر يخطر على بالك تراه أمامك، هذا نظام الآخرة، نظام الدنيا من أجل صحن سلطة، بدك تعمل نصف ساعة، من أجل تقلي بيضتان، بدك تأتي بالمقلاة، وتفقس البيضات، وتخفقهم، وتأتي بالسمنة، وتجلي من أجل أن تأكل بيضتان ما في عمل بالدنيا إلا ويحتاج إلى سعي وثمن بالآخرة ما في من هذا.

﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾
أي متقي اتق الله، واتق أن يعصي الله عز وجل هذا جزائه.

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾
قال هؤلاء حينما يموتون.

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾
أهل الآخرة المؤمنين، يأتي ملك الموت في صورة أحب الناس إليه، رجل صالح على فراش الموت، أولاده أمامه، ما تسلموا على عمكم ؟ له أخ يحبه كثير، جاء ملك الموت في صورة أخيه، هذا عمكم له فضل عليكم، ما تسلموا عليه يا ابني ؟ ما تتحركوا ؟ هم لا يرون أحد، الله عز وجل يكرم المؤمن عند الموت، يأتيه ملك الموت في صورة أحب الأشخاص إليه في الدنيا، ثواني ينتهي، وأما أهل الإعراض والعياذ بالله وحش، يقول لهم في حريقة، يقول لهم في ثعبان، في وحش فات بقرون، يأتي ملك الموت بشكل وحش، أو تنين أو شيء مخيف،

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

ما في مشكلة، لا في خوف، لا في قلق، لا في حزن، لا في مرض، لا في تقدم في السن، لا في مفاصل، لا في أسيد أوريك ما في مشكلة، شو في مشاكل بالجسم، بقلك دسام، ساعة وظائف الكبد وفشل كلوي، والتهاب مفاصل، والشحوم الثلاثية مرتفعة معي زيادة وعم دوخ، ومعي سكر، وماشي بالطريق ودخت، هذه انتهت كلها كل شيء اسمه مرض انتهى، كل شيء اسمه قلق انتهى، كل شيء اسمه خوف انتهى، لا خوف، ولا مرض، ولا قلق، ولا كبر في السن، ولا خوف على أن يذهب ما في يد الإنسان، الإنسان أيام له تجارة رابحة، بقلك والله إذا منعوا استيرادها انتهينا، في قلق، لو كان الآن عنا يربح بس في قلق، بقلك الحمد لله، لكن خائف يسمع ساعة مرض خبيث، ساعة ورم، ساعة قلب، ساعة جلطة، يتم خائف الإنسان بالدنيا، في سيوف مسلطة فوق منه، بالآخرة ما في شي من هذا،
﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

أما أهل الدنيا قال:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(33)﴾
أختم هذا الدرس بهذا الحديث الذي ينخلع له القلب، واحد أراد الدنيا، أراد زينتها، أراد مالها، أراد مناصبها، أراد أموالها، أراد نسائها، ماذا ينتظره ؟.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَادِرُوا بِالاعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ. ))

[ رواه الترمذي ]
ماذا تلد الأيام ؟ كل يوم يستيقظ مثل الأمس على طول ؟ إلى أبد الآبدين ؟ مستحيل، كيف الناس يموتون ؟ يا ترى من أين تبدأ معي ؟ من الكلوة ؟ من القلب ؟ من الكبد ؟ حادث ؟ من أين تبدأ معي ؟ فإذا الإنسان ماله ثقة بالله، ماله استقامته، في عنده مفاجأة خطيرة جداً قال: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ، فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ، الله ماذا يقول ؟

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾

ملائكة الموت، شرف، واحد عامل بيت، مرتبه، عامل جبصين الشرفات، الألمنيوم، البرونز، البلاط الأونكس، مو مخلي شي مو مساويه، صار معه مرض خطير وهو في مقتبل حياته، وزوجته شابه زاره شخص، من كثر ما هو متضايق قال له بنت هالحرام بكرى بطقها جوازة، يأتي واحد على هذا البيت على بادر الماء هذا واقع، هنا الله عز وجل قال:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾
ملك الموت أو يأتي أمر ربك ـ قبل الموت، مصيبة كبيرة، مرض خطير، ذل شديد إهانة كبيرة، الله يبعث إنذارات قبل الموت، قال:

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33)فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34)﴾

الأمر أصبح واضحاً كالشمس، في طريقين، أن تعرف الله، أو تبقي نفسك جاهلةً به، أن تستقيم على أمره، أو أن تعصيه، أن تكون منصفاً، أو أن تكون غير منصف، أن تكون محسناً أو مسيئاً، الطريق الأول كله سعادة في الدنيا والآخرة، والطريق الثاني كله شقاء في الدنيا والآخرة، والإنسان، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
إذا عرضنا على إنسان قطرميز أزرق مكدوس، ثمنه عشرين ليرة، وكاسة كريستال ثمنها ألف ليرة، والماسة ثمنها خمسمائة ليرة، طبعاً الماسة صغيرة، والكاسة أكبر، والقطرميز أكبر، قلنا له نقي، لا نعرف عقله إلا من اختياره، إذا نق القطرميز مثلاً ؟ نعرف عقله من اختياره، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، نقي كل شيء في الدنيا فاني، إذا أحببت زوجتك حب مع الله، إذا أحببتها في الله حب مشروع توحيد إذا أحببتها بالله توحيد، إذا أحببتها مع الله شرك، كيف شرك ؟ إذا أحببتها لدرجة أمرتك بمعصية، وقلت ما بدي ازعل الخانم أشركت أنت، أما إذا كان أحببت الله عز وجل، وأردت أن تقربها إلى الله بخدمتك لها بإكرامك لها، هذا حب في الله، كثر منه ما في مانع، الحب في الله ممكن، تحب زوجتك، وأولادك، وإخوانك، وجيرانك، كل إنسان تحبه في الله، وهذا يرفعك عند الله، أما إذا أحببت الإنسان مع الله بمعنى أنك انصعت لأمره، وعصيت الله فقد أشركت، لذلك الإنسان بدو ينتبه هي حياة الدنيا موقتة، وكل يوم نمر بالطرقات نلاقي في نعوات، قال لي واحد يموت في الشام كل يوم من 50 لـ 70، نعوات من 15 لـ 20ينطبعوا، والإعلان بالمئذنة من 5 لـ 10، اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، في أحد الأيام ملك الموت سيتخطى جميع الناس، ويصل إلينا، فلنتخذ حذرنا.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية الخامسة والثلاثون من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)﴾
أخطر شيء في الدين أن يعتقد الإنسان اعتقاداً خاطئاً، لأن الخطأ في المفردات لا يتكرر، أما الخطأ في العقيدة لا يصلح، الخطأ في الميزان شيء، والخطأ في الوزن شيء آخر، إذا الميزان غلط والكفتين غير متوازنتين، لو نزين فيه مليون وزنه كلهم غلط، أما إذا كان غلطنا بوزنه واحدة هذا الغلط لا يتكرر، إذا الإنسان كان عقيدته صحيحة، لو أخطأ خطأه يرجع عنه سريعاً، ولا يتكرر، فأخطر ما في الدين أن تعتقد اعتقاداً خاطئاً، لا أصل له، ولا صحة له، من أخطر العقائد الفاسدة التي تشل الإنسان، وتقعده أن يعتقد أنه مكره على المعاصي، يعني طاسات معدودة بأماكن محدودة، كله شغل سيدك، أقام العباد فيما أراد، وله المراد فيما يريد، ارتاح، كل أخطائه، وكل معاصيه، وكل انحرافاته، وكل تقصيره، كل أكله للمال الحرام، هكذا الله يريد، أكبر عقيدة فاسدة توصل الإنسان إلى الهلاك أن يعتقد أنه مجبر على معاصيه.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ﴾

هكذا ترتيبه، في آية أخرى تؤيدها، وهي أصل في الاختيار.
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾

( سورة الأنعام: 148 )
العقيدة التي تشل حركة الإنسان، وتقعده، وتضعف همته وتجعله كالفوطة البالية، عضواً أشلاً، أن تعتقد أن مسير في كل شيء الآيات:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

( سورة الكهف: 29 )

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

( سورة الإنسان)

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

( سورة البقرة: 148 )

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾

( سورة فصلت: 17 )

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

( سورة البقرة: 286 )
أيها الأخوة:
ذكرت لكم هذا من قبل، جاءوا إلى سيدنا عمر برجل شاربٍ للخمر، فقال والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: " أقيموا عليه الحد مرتين، مرةً لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له ويحك إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار "، أنت مخير، معنى آخر: كل آيات الندم التي أشار إليه القرآن، هذه الآيات تؤكد أن الإنسان مخير، لو كان مسير، ما كان ندم على علمه.

﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

(سورة المؤمنون: 99 )

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)﴾

( سورة الأنعام: 27 )

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾

( سورة الفرقان: 27 )
كل آيات الندم تؤكد أن الإنسان مخير، كل آيات الأمر والنهي تؤكد أنه مخير، إذا أنت جالس بسيارة المقود بيدك، وراكب بالمقعد الخلفي واحد تقول له بالله خذ على اليمين، روح على اليسار، المقود بيدك، تعطيه أمر للراكب بالمقعد الخلفي ينحرف نحو اليمين ؟ ما له طعمة هذا الأمر لأنه هو قاعد، ماله علاقة بالموضوع، أنت بيدك المقود، أما إذا كان قاعد صاحب السيارة بالخلف، وفي أمامه سائق يقول له خذ على اليمين مجرد الأمر والنهي، مجرد أن في القرآن أمراً ونهياً معنى ذلك أنك مخير، الأمر يقتضي الاختيار، والنهي يقتضي الاختيار، والندم يقتضي الاختيار، والمسؤولية تقتضي الاختيار، والثواب يقتضي الاختيار، والعقاب يقتضي الاختيار، والجنة الاختيار، والنار الاختيار، والتكليف الاختيار، والأمانة الاختيار، إذا ألغيت الاختيار ألغيت الجنة، والنار، والثواب، والعقاب، والمسؤولية، والتكليف، والأمانة، وما عاد بقي بالدين شيء إطلاقاً، بقي تمثيلية، بتمثيلية، سيدنا علي بن أبي طالب، واحد أشار لهذا المعنى، قال له: " ويحك لعلك ظننت قضاءً لازماً، أو قدراً حاتماً، إذاً لبطل الوعد والوعيد، وانتهى الثواب والعقاب، إن الله أمر عباده تخيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصى مغلوباً، ولم يطع مكرهاً ".
فإذا اعتقدت أن الله أجبرك على المعصية، انتهى الدين كله.

﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)﴾

( سورة الأعراف: 28 )

﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً (6)﴾

( سورة الفتح: 6 )
قال الله بسورة الأنعام أيها الأخوة الكرام:

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)﴾

(سورة الأنعام: 151 )
حرم الإثم، والعدوان، والفحشاء، والمنكر، والشرك، والكفر وذكر المعاصي كلهم، وجعل أكبر معصية على الإطلاق.

﴿َأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)﴾

( سورة الأعراف: 33 )
أكبر معصية على الإطلاق.

﴿َأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)﴾
التوجيه الغلط خطير جداً، توجه إنسان أن القضية منتهية، أنت شقي من الأزل خلص انتهى كل شيء، ما في حاجة يشتغل.
تصور مدير مدرسة جمع الطلاب أول يوم بالعام الدراسي، مسك قائمتين الناجون سلفاً هؤلاء، والراسبون هؤلاء، واذهبوا وادرسوا، ما فائدة الدراسة إذا الناجحون هؤلاء، والراسبون هؤلاء، لماذا الدراسة ؟ لماذا المدرسة، لما تلغي الاختيار لغيت الدين كله، الإنسان محاسب عن عمله.

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾

( سورة النحل: 32 )
أيها الأخوة دققوا في الآية مرة ثانية:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ﴾

هذه مشيئته، الإمام الحسن رضي الله عنه قال: " لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ".
قال الله تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)﴾
يعني أنتم خاطئين، والنبي بلغكم أنكم مخيرون، وأنتم ورفضتم هذا التبليغ.
أيها الأخوة:
لكن الإنسان في دائرة مخير، ما هي الدائرة ؟ هي دائرة التكليف كلما أمرك الله بأمر، أو نهاك عن نهي، فأنت في هذه الدائرة مخير، أما كونك ولدت من فلان، وفلانة، هذا مسير، كونك ولد في الشام، هذا مسير، كونك ولدت في هذا العصر، هذا مسير، كونك خلقت طويل القامة، أو قصير القامة، أو حاد الذكاء، أو قليلة، طليق اللسان هذا مسير، إلا أنه ـ ودققوا فيما سأقول ـ الأمور التي أنت مسير بها أنت مسير بها لصالحك، لأن الله اختار لك أفضل مكان، وأفضل زمان، وأفضل والدين، وأفضل قدرات، لصالح إيمانك، لا لصالح دنياك، لصالح أخرتك، لذلك قال الإمام الغزالي: " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، أو ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، الشيء الذي أنت مسير به هو لصالحك، هو أقرب حالة، وأقرب ظرف لصالح إيمانك.

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾

( سورة الشورى: 37 )
أنت مسير في مكان ولادتك، مسير بالأبوين، مسير بزمن ولادتك، مسير ببنيتك، مسير بقدراتك الخاصة، مسير في رزقك هذا كله مسير به، أما إذا قال لك:

﴿َأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾

( سورة الروم: 31 )
أنت مخير بها، لك أن تصلي، ولك أن لا تصلي، قال لك:

﴿َكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

( سورة التوبة: 119 )
لك أن تكون معهم، ولك أن تكون مع الكاذبين، قال لك:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾

( سورة هود: 112 )
لك أن تستقيم، ولك أن لا تستقيم، أنت مخير، أنت مخير في دائرة التكليف، في دائرة أكبر أنت فيها مسير، وأنت مسير مرتين مسير لتحقيق اختيارك، تملك الانبعاث فقط، ومسير لدفع ثمن اختيارك يعني إذا كان الإنسان أراد أن يفعل شيئاً، الفعل فعل الله، هو يريد ويطلب، فيبعثه الله لهذا العمل، هذا معنى عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإنسان له الكسب، والفعل فعل الله عز وجل، يعني لو فرضنا ثريا في لها مفتاح خلبي غير موصول بشيء إطلاقاً، حفرة بحائط عليها مفتاح أما المفتاح الحقيقي معي، لو أمرت ابني أن يطفئ هذه الثريا، قال لي حاضر، جاء وكبس الزر، وأنا أطفأته من عندي، لكن أنا كشفته كشفت طاعته، قال لي لا أطفئها، قضية اكتشاف فقط، أما الفعل فعل الله عز وجل، لو أراد أن يشعل هذه الثريا خلافاً لتوجيهاتي، جاء وكبس الزر أنا أشعلتها من عندي، سمحت له أن يشعلها، سمحت له يعصي حتى امتحنه، فالفعل فعل الله عز وجل، والإنسان له الكسب فأنت مسير لتحقيق اختيارك، أردت أن تصلي أمدك الله بقوة، أردت أن تصوم أمد الله بقوة، أردت أن تفعل خيراً أمد الله بقوة، ومسير مرة ثانية، بدفع ثمن اختيارك، إذا اختار إنسان يكذب على الناس أو يغشهم هكذا اختار، الآن لو كان ذكي الله يورطه بشغله بدفعه ثمن اختياره صار مسير، فأنت مسير بتحقيق اختيارك، ومسير بدفع ثمن اختيارك وبينهما أنت مخير، ومخير لا في الفعل ولكن بالكسب، أنت ما لك خالق أفعالك، لا بالفعل ولكن بالكسب، والاختيار أساس التكليف وأساس الأمانة، وأساس تذكية النفس، وأساس الثواب والعقاب وأساس الجنة والنار، وأساس التبعة والمسئولية، حيثما يلغى الاختيار يلغى الدين.

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾

( سورة الأنعام: 148 )
قال الله تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾

( سورة البقرة: 148 )
ما دام أمرك أن تستبق الخيرات، فالوجهة بيدك، مثل السيارة مرة ثانية، تقول لواحد خذ على اليمين، معناها المقود بيده، ما يقول واحد بيده المقود لواحد قاعد بالخلف خذ على اليمين، أنت انحرف أنا ما لي علاقة.

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ الإنسان هو تعود على الإنسان الأمر.

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الواحدة والأربعون من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)﴾

هذه الآية لها مدلول كبير، بمعنى أن الإنسان إذا خشي أن يذهب دينه، وأن تفسد عقيدته، وأن يفسد أولاده، في مجتمع ما، فحفاظاً على دينه، وعلى أخرته، وعلى سلامة إيمانه، عليه أن يهاجر، فكيف إذا هاجر الإنسان من أجل الدنيا ؟‍‍ فكيف إذا ترك بلداً تقام به شعائر الله ؟ ترك بلد تقام فيه الصلوات، ودروس العلم، ترك بلداً فيه بقية من إيمان، إلى بلدٍ تركب به الفواحش على قارعة الطريق، الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نترك بلدنا إذا خشينا أن يذهب ديننا فيه، فكيف إذا كان ديننا مضموناً في بلد وتركناه من أجل الدرهم والدينار، لذلك العلماء فرق بين هجرة في سبيل الله، وهجرة في سبيل الشيطان، المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: " كيس فطناً حذر "، من أراد إنفاذ أمراً، فيتدبر عاقبته، أناس كثيرون ترك بلدهم الإسلامي وعاشوا مع المشركين، فحينما شب أولادهم على الفسق، والمعصية، والخمر، والزنى، والمخدرات، كأنك طعنتهم في قلوبهم.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾
وعد إلهي قطعياً.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾
في الدنيا، قبل الآخرة، ما دام الإنسان ترك هذا البلد، أو أي بلد خشي فيه من الفتنة، أو على دينه، أو على أولاده، وذهب إلى مكان يعبد الله فيه، مكافئة له في الدنيا قبل الآخرة.

﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾

أيها الأخوة:
الإنسان اجتماعي، ولا يخف أثر البيئة الكبير على الإنسان، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( الجماعة رحمة، والفرقة عذاب ))
هل تصدقون، أن في القرآن تشريعاً لصلاة الخوف ؟‍‍‍‍‍‍ صلاة الخوف متى ؟ وأنت في ساحة المعركة، هل تقصدون صلاة الخوف، لا، صلاة الجماعة في ساحة المعركة، لو كانت قضية صلاة فردية ما بدها تشريع جيش فيه عشرة آلاف مقاتل، كل إنسان يصلي في مكان، بالتناوب، ما نحتاج إلى تشريع لصلاة الجماعة، ولكن الله عز وجل في القرآن الكريم شرع لنا صلاة الجماعة في أثناء الحرب، وأنت تواجه العدو، فكم هي ثمينة صلاة الجماعة، كم هي ثمينة الجماعة.

(( الجماعة رحمة، والفرقة عذاب ))

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ.))

[ أخرجه الترمذي ]

((قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، وَلا بَدْوٍ، لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ، إِلا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ.))

[ أخرجه النسائي ]

((عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ. ))

[ أخرجه الدارمي ]
لأن صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد سبعاً وعشرين ضعفاً، لأنه في جماعة، في أنس، بالجماعة تقوى العزيمة، بالجماعة تسدد الخطى تصحح المسيرة، الإنسان وحده يبكي على كيفه، تتكون عنده قناعات غير شريعة، إذا انعزل عن المجتمع، وعاش لحاله، يفتي لنفسه، يتخذ آراء غير صحيحة، يتجاوز الحدود، يتساهل في العبادات، لكن عزيمته، ونشاطه، ينموان في الجماعة، فلذلك إذا كان الله جل جلاله شرع لنا صلاة الجماعة في أثناء مواجهة العدو، والعدو على الطرف الآخر، صلاة وردت في القرآن الكريم، والفقهاء شرحوها في التفصيل فالمقصود من هذه الصلاة، أن نعرف قيمة الجماعة، وهنا الآية بالعكس، إذا كانت الجماعة مفسدة، وضالة مضلة، وخاف الإنسان على نفسه، عليه أن يعتزل، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾

( سورة الكهف: 16 )
يعني بمعنى مخفف، إذا المجتمع فسد، إذا الطرقات فسدت، أنت الزم مسجدك، والزم بيتك، وعليك بخاصة نفسك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، ودع عنك أمر العامة، الأمكنة العامة، الاحتفالات العامة، الفنادق، الطرقات، الأسواق التي تعج بالنساء.

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾
نحن مقدمون على شهر فضيل، هذا الشهر شهر عبادة، معظم الناس يتحركون في هذا الشهر على شكل ثمانات كيف ؟ برمضان يحزم أمره، يؤدي الصلوات في المسجد، بصلي الترويح، يقرأ القرآن، بغض بصره، يضبط لسانه، فإذا انتهى رمضان عاد إلى ما كان عليه، الثمانية جنبها ثمانية، جنبها ثمانية، جنبها ثمانية المحصلة صفر، أما المؤمن برمضان يقفز قفزة نوعية، يحافظ عليها طوال العام، رمضان ثاني قفزة ثانية طوال العام، رمضان ثالث قفزة ثالثة، درج المؤمن، المؤمن الصادق كلما حقق برمضان مكتسبات يحافظ عليها طوال العام، فإذا جاء رمضان الثاني قفز قفزة أخرى، وهكذا، أما هذا الذي يصوم ويفطر، لا يدري لا لما صام، ولا لما أفطر، هذا مثله كمثل الناقة، عقلها أهلها فلا تدري، لا لما عقلت، ولا لما أطلقت، وأخطر ما في رمضان أن ينقلب هذا الشهر إلى فلكلور، تراث، عادات، وتقاليد، وكل حفلاتنا المجانة إكراماً لشهر رمضان المبارك، إكراماً لهذا الشهر تقام، وكل الأشياء الخليعة إكراماً لشهر رمضان المبارك، هذا ما عاد شهر عبادة، صار شهر فلكلور، تقاليد، تراث، عادات، أما هذا الشهر شهر عبادة.

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾

النبي الكريم سن لنا في هذا الشهر الاعتكاف، الاعتكاف بالمساجد صعب الآن، إذا الإنسان خفف علاقاته في هذا الشهر، في مشكلة أخر حلها إلى ما بعد رمضان، لقاء يخشى على نفسه انسحب منه، حاول إذا كان ميسور، وكلف ابنه مكانه بالعمل، ويقدر ينسحب من عمله، ضمن الطاقة، هذا الشهر شهر عبادة، شهر اعتكاف، شهر شحنة سنوية، الصلاة أيها الأخوة شحنة يومية، تصلي الظهر تمدك هذه الصلاة بشحنة روحية إلى صلاة العصر، العصر للمغرب، المغرب للعشاء، العشاء للصبح، الصبح للظهر، شحنة يومية، أما خطبة الجمعة، هذه شحنة أكبر، هذه شحنة أسبوعية، تمدك أسبوع، لكن صيام ثلاثة أيام من كل شهر هذه شحنة شهرية، كما سن النبي عليه الصلاة والسلام، أما رمضان شحنة سنوية ثلاثين يوم، ثلاثين يوم قيام الليل، يعني تراويح، ثلاثين يوم فجر في جماعة، ثلاثين يوم ترك الطعام والشراب، ثلاثين يوم ضبط الجوارح، ثلاثين يوم ضبط اللسان قفزة، هذه الشحنة لعلها تمدك بطاقة روحية إلى رمضان الثاني.
لذلك ورد في الحديث:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ))

[ أخرجه مسلم ]
معنى كفارة ؛ إما بالمفهوم الوقائي، أو المفهوم العلاجي.
المفهوم الوقائي: إذا كان الشحنة كبيرة في رمضان، تمدك بطاقة روحية تحول بينك وبين المعصية طوال العام.
المفهوم العلاجي: لو صار في أخطاء فيما بين الرمضانيين، وجاء رمضان الثاني، فهو مناسبة لتكفير الذنوب.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن ]
فنحن مقبلون على شهرٍ مناسبة سنوية، أولاً لفتح صفحة مع الله جديدة، أيام التاجر يكون حساب قديم تصافوا، يتسامحوا، بجيب خرازة يخرز الحساب القديم، يقول له نحن الآن من أول وجديد، فأنت مع الله عز وجل، إذا كان في لك دفتر حسابات مع الله، يفتح لك في رمضان صفحة جديدة، الماضي كله يعفي عنك فيه، الإنسان يحرص يكون في هذا الشهر في أعلى درجة، كما يحب الله عز وجل، سئل أحد الأئمة الكبار ابن المبارك: من هو ولي الله أهو الذي يمشي على وجه الماء، أهو الذي يطير في الهواء، قال: " لا، ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء ولا الذي يطير في الهواء، لكن الولي كل الولي، الذي تجده عند الحلال والحرام "، وأنت لازم تكون ولي لأن الولي في القرآن الكريم تعريفه سهل جداً.

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

( سورة يونس: 62 ـ 63 )
لا تعقد الأمور أنت، ما بدها مرقعيه، ولا ريالة شاطة، ولا بدها واحد مجذوب، الإنسان في أعلى درجات الفهم، والذكاء، والعلم والإنتاج، والعمل، والإيجابية، والعمل الطيب، إذا كان عرف الله عز وجل، واتقى أن يعصيه فهو ولي من أولياء الله.
في نقطة مهمة جداً في رمضان، من الذي يعين الإنسان على السير في طاعة الله ؟ أن يقطف الثمار، في عنا مشكلة في الدين، هي ما هي مشكلة، بس عند الناس مشكلة، إذا كان في معاصي، في مخالفات، طبعاً المسلمين في الأعم الأغلب لا يزنون، ولا يسرقون، ولا يشربون الخمر، من الذي يهلكهم الصغائر، يعني النبي عليه الصلاة والسلام، أخوف ما خاف علينا منه، ما نحقر من أعمالنا، كل صغائر، شو كان إذا سهرنا هذه السهرة، شو أكلناها للمرأة، إذا كان قعدنا معها، لو ما تجوز لنا معليش، أنا مثل أختي إن شاء الله، هذا كله كلام فارغ، حينما يقترف الإنسان الصغائر، يحجب عن الله عز وجل، فإذا حجب، صار الدين ما له معنى، صار الصلاة عبئ.

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

( سورة النساء: 142 )
ما في محجوب، الآن أدعِ إنسان للطعام، صحون، ثلاث صحون، وست شوكات، وست معالق، بس ما في شيء على الأكل يأتي لعندك مرة ثانية، يعتذر، خلص ما أكل شيء لأنه، طاولة في صحون في، معالق في، شوكات في، بس ما في أكل، إذا الإنسان صلى وما صار له صلة، يمل من الصلاة، يقوم إلى الصلاة كسالى السبب هو الحجاب، هذا الحجاب الذي بينك وبين الله، هذا الحجاب قد لا تكون أسبابه كبيرة، ما في كبائر، بس في صغائر، لذلك الصغيرة إذا أصررت عليها انقلبت إلى كبيرة، لا صغيرة مع الإصرار، فنحنا لما في رمضان نعمل صلح مع الله، متين، ونضبط أمورنا ضبط شديد جداً، ونقطف ثمار رمضان، هذه الثمرة اليانعة، تعيننا على متابعة السير بعد رمضان، الإنسان إذا ما ذاق طعم القرب، ما شعر أن الله راضي عنه، ما شعر أن الله يحبه، فمشكلته في الدين كبيرة، محجوب والمحجوب ما قطف شيء من الثمار.
الآن واحد اشترى سيارة، ما ركبها ‍، وكل يوم بالتصليح، تطلع روحه منها بعدين، أما إذا ما ركبها شي مرة، أخذ أهله سيران، ما بحس بقيمتها، دائماً بزقاق الجن، تطلع روحه، يكره السيارات، من أجلها، أما إذا كان طلع فيها سيرانين ثلاثة، أخذ عياله، وانبسط صار لها معنى السيارة، كمان هذا العبادات إذا الإنسان ما صار له فيها صلة، ما قطف ثمارها، يؤديها أداء شكلياً لا معنى له.
لذلك نحنا أمام شهر ممكن نقفز قفزة نوعية، بس نحتاج إلى مراجعة حسابات مع الله عز وجل، يعني الإنسان بدو يبتعد عن أجهزة اللهو في رمضان، هذا شهر، شهر القرآن، لعل إذا كان الله عز وجل مكنك، أعطاك المناعة، والمقاومة، بصير البيت بيت إسلامي، يصدح فيه القرآن، وتتلى فيه آيات الله عز وجل، في رمضان بدنا ننتبه، أكثر الناس يسهر إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، يأكل وينام، يروح عليه صلاة الفجر، أي صيام هذا، هو الحقيقة في كلمة قالها الغزالي: والله أنا ما بحب أحكيها، " من ترك الطعام والشراب فقط، صيامه كصيام الكلاب "، صوم المؤمن يترك المنهيات كلها، صوم التقي يصوم عما سوى الله.

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

( سورة المؤمنون: 3 )
اللغو هو ما سوى الله، عامة الناس يدعون الطعام والشراب المؤمنون يدعون ما نهى الله عنه، أما الأتقياء لا يشغلوا أنفسهم إلا بالله عز وجل، الآية لفت نظري.

﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾

الله سبحانه وتعالى وعدهم أن:
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس العاشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثالثة والأربعون من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾
نقف عند شطر هذه الآية:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

الإنسان أحياناً يجد في نفسه حاجة، إلى أن يبقى في الكليات، وأحياناً يشعر بحاجة إلى أن يعرف التفصيلات، من كليات هذه الآية، أن الإنسان مخلوقٌ لسعادة أبدية في الجنة، هذه السعادة الأبدية تحتاج إلى تأهيل، والتأهيل في الدنيا، وقوام هذا التأهيل العمل الصالح، لكن العمل الصالح لا يصح إلا بالعلم.
علم، عمل، سعادة وهذا معنى قول الله عز وجل:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

( سورة الذاريات: 56 )
في بالعبادة سلوك أساسه معرفة، نهايته سعادة، سلوك، انضباط أساسه علم، نتيجته سعادة.
العلم: ما دام الإنسان خلق لجنة عرضها السماوات والأرض هذه الجنة:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾

( سورة النحل: 32 )

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

(سورة الكهف: 110 )

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

( سورة المؤمنون: 99 ـ 100 )
معناها أنت في الدنيا من أجل أن تعمل صالحاً، لكنك لا تستطيع أن تعمل صالحاً، إلا إذا علمت، العلم سبب العمل، لأنه حركة من دون علم، دمار، أما حركة مع علم، نجاح، الله عز وجل قال:

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾

( سورة النحل: 78 )
معناها العلم كسبي، وليس العلم فطرياً، ما دام الله عز وجل خلق الإنسان لا يعلم شيئاً على الإطلاق، إلا أن العلماء اكتشفوا أنه يعلم شيئاً واحداً ؛ هو المص، هذا ليس علماً، هذه غريزة، منعكس المص الطفل الآن يلد، يضع فمه على ثدي أمه، يحكم إغلاق شفتيه على حلمة ثدي أمه، ويسحب الهواء، الآن ولد، هذا منكس معقد جداً، لو هذا المنعكس، لما كنا في هذا المكان، ما عاش إنسان على وجه الأرض لأن الإنسان كيف يأكل، عن طريق الرضاعة، الرضاعة لو ما عرف يسحب الهواء، صار له نفس يموت من جوعه، لو ما أحكم شفتيه على حلمة الثدي بيجي هواء ما بسحب حليب.

﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾

طبعاً هذا منعكس، وليس علم، إذاً العلم كسبي، العلم نوعان: بحث ذاتي، وسؤال.
﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

( سورة الملك: 10 )
أما أن تطبخ أنت، وأما أن تأكل أكلاً جاهزاً، على كلٍ كلاهما غذاء، أما أن تعقل، وأما أن تسمع، إذاً شطر العلم السؤال، نصف العلم أن تسأل، الله عز وجل في آيتين اثنتين، الأولى هذه:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

والآية الثانية:
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

( سورة الفرقان: 59 )
العلماء قالوا: في شأن الدنيا.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾

في شأن الآخرة.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

أنت بحاجة إلى رجلين، رجل مختص في اختصاص في الدنيا مؤمن، وورع، ورحيم، اجعله مستشار في أمور الدنيا، لا تخبص لحالك، لك تجارة، انتقي من بين تجار هذه المصلحة أقربهم إلى الله، وأكثرهم خبرة، واجعله مستشاراً لك، ورد في الحديث الشريف:
(( ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار ))

أنت لما تستشير تستعير خبرة سبعين سنة، متراكمة، سؤال، ما بكلفك إلا سؤال، من استشار الرجال استعار عقولهم، فالله عز وجل في القرآن آيتين اثنتين، أمرنا أن نستشير أهل الذكر إن كنا لا نعلم، وأمرنا أن نسأل به خبيرا، فما الذي يمنع الإنسان أن يسأل، مع أن الإجابات الدينية مبذولة بلا مقابل، بلا ثمن، ما في رسم دخول، ما في أجرة معاينة، ما في قيمة أتعاب، ما في تعقيدات:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

قال أهل الذكر الذين يذكرون، والذين يذكرون إذا سئلوا، ويذكرون العلم لغيرهم من دون بخل، يعلم ولا يبخل، تعني شيئين: تعني أنه يعلم فإذا سئلت يذكر الجواب، وتعني أنه يذكر ولا يبخل بهذا العلم.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

من أنت ؟ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمر أن يستشير.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

( سورة آل عمران: 159 )
والله عز وجل، نبيه عليه الصلاة والسلام، لعلو مقامه، ولعصمته التي عصمه بها من أن يخطئ، وللوحي الذي يتنزل عليه، غني على أن يستشير، ومع ذلك، أمر أن يستشير، ليكون قدوة لأمته من بعده، وكان سيدنا عمر يستشير الصغار أحياناً، قال لحدة ذكائهم، كان يستشير النساء، هذا حديث، شاورهن وخالفهن، هذا ليس حديث، ولا أصل له، النبي الكريم استشار أم سلمة، في الحديبة، سيدنا عمر استشار السيدة عائشة، في كل أمور النساء، وفي أمور حياة رسول الله البيتية، سيدنا عمر استشار ابنته حفصة في المدة التي تصبر بها المرأة عن زوجها، النبي عليه الصلاة والسلام على علو مقامه، وعلى عصمته، وعلى أن الوحي يوحى إليه، أمر أن يستشير، قال له:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

ووصف المؤمنين.
﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)﴾

( سورة الشورى: 38 )
بأن فلماذا لا تستشير ؟ والقرآن يأمرك، ويقول:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

هي الآية متعلق بخبرات أهل الدنيا، أما:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

هذه متعلق بالله عز وجل، أنت يجوز تذهب لبلد أجنبي فرضاً، تعمل عقد زواج شرعي مائة بالمائة، إيجاب وقبول، وشاهدان، ومهر، وكل شيء، لكن في نيتك أن إذا نهيت دراستك، تطلقها، وتأتي إلى الشام وحدك، القضية انتهت.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

إن سألت به خبيرا، ينبئك أن هذا الزواج باطل، لو نجوت من أحكام الفقهاء، فقيه ما له عليك سلطة، ما دام في إيجاب، وقبول، ومهر وشاهدين، انتهى، الزواج شرعي مائة بالمائة، لكن اسأل به خبيرا، بقلك لو أنها أختك هل تقبل لها زواجاً موقتاً، لا تقبل، لن تنجوا من عذاب الله، النقطة الدقيقة، لو أنك انتزعت حكم من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الآن في عنا قاعدة، لو أن إنسان رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأباح له بعض المحرمات، ترد الرؤية، ويكذب الرائي، ويسكت الشرع، نحنا ديننا مو دين منامات، دين شرع، دين منهج، لو قال أقسم بالله العظيم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباح لي هذه المعصية، نقول له كذبت ورب الكعبة، والنبي لا يقول هذا الكلام، و يثبت الشرع.
الآن أبلغ من ذلك، لو كنت في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسألته في موضوع، أو في خلاف بينك وبين أخيك، وكنت أنت طليق اللسان، قوي الحجة والبرهان، فأقتنع النبي بقولك وحكم لك لا تنجو من عذاب الله، لا تستفيد شيء، النبي حكم لك، ما تستفيد.
((عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا.))

[ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن ]
إذا كان رسول الله بنفسه، وسمعت الحكم بأذنك من فمه الشريف، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، علقتك مع مين إذاً، مع الله عز وجل، هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) ﴾

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾
من تزوج امرأة على صداقٍ، بالإيجاب، والقبول، والصداق، وفي نيته إلا يؤديه لها لقي الله زانياً، ومن أخذ أموال الناس وفي نيته ألا يؤدي لهم هذه الأموال، لقي الله سارقاً، الله بحاسب على النوايا، يجوز لا يقدر عالم فقهي دينك، أنا أخي أدينت، وهي توقيع، وهي سند، بس هذا غني وأنا فقير ما راح أعطيه، بماطلوه حتى أمللهوه، لقيت الله سارقاً أما هو القرض مشروع بالإسلام، والوصل جيد، شغلتك مع الله عز وجل.

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

لا تقتنع أنه والله فلان أخي إمام مسجد فتى لي إياها، لو أفتالك إياها رسول الله ما تنفد، أكثر الناس برتاح بشوف شي هيك مسجد متطرف وله إمام، على سلامته الإمام بس قد لا يكون متعمق بالعلم، يسأله سؤال كبير بالبنوك أو بالذكاء، يقول له ماشي الحال، هذا بدو يخلص منه، خلص أخذ الفتوى وارتاح، ما بتنفد لو أخذت الفتوى من فم رسول الله، ما تنفد، هذا الدين، لما الصحابة حاسبوا أنفسهم حساباً شديداً، نصرهم الله عز وجل، وأيدهم، ورفع ذكرهم، وحفظهم، وأعلى مقامهم، أما حينما فهم الناس الدين عبادات شعائرية فارغة، أداؤها، ولم يلتزموا بالعبادات التعاملية، خذلهم الله عز وجل، " كنا قوم أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ونقطع الرحم، حتى بعث الله فينا رجلاً، نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آبائنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء "، هذا هو الدين، الدين صدق وأمانة، واستقامة، ووفاء، ورحمة، والشريعة رحمة كلها وعدل كلها، ومصلحة كلها، وأية قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة ابن لا يضرب بالحطبة من أجل الصلاة، ينصح، يضرب ضرباً رفيقاً أما أيام إذا كان الأب قاسي جداً، لدرجة غير معقولة، بصلي الابن من غير وضوء بصير، وإذا مات أبوه يفلت، أنا بعرف رجل عنيف جداً حجب كل بناته في حياته، ثم مات لبسوا في الطريق بنطلونات، لا تكن قمعياً، كن مربياً، فهم ولا تلقن، يسر ولا تعسر، سدد وقارب، بشر ولا تنفر، الشريعة رحمة كلها، مصلحة كلها، عدل كلها، أية قضية خرجت من الرحمة إلى القسوة، أو من العدل إلى الظلم، أو من المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-06-2018, 02:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النحل (16 )

الدرس الحادى عشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية الخامسة بعد المائة من سورة النحل وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) ﴾

أحد العلماء الكبار يرى، أنه ما من حديث شريف، نطق به النبي عليه الصلاة والسلام، إلا وهو مستنبط من آيات الله، لأنه كما هو ثابت أعلى فهماً على الإطلاق، لكتاب الله، هو فهم رسول الله، لذلك جاءت السنة النبوية القولية، والعملية، تبياناً، وتوضيحاً، وتفسيراً وبسطاً لكلام الله عز وجل.

((عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ. ))

[ أخرجه أحمد في مسنده ]
وهذا الحديث يعد من السبق العلمي لنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآن في علم النفس، علم جديد، اسمه علم الطباع، بتلاقي إنسان حاد الطبع، إنسان هادئ، إنسان اجتماعي، إنسان منعزل، إنسان متفائل، إنسان متشائم، إنسان إدراكه كلي، إنسان معنى بالتفاصيل، " يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا "، وكل هذه الخلال على العين والرأس، تنوع، أيام الأب يرى أن ولديه كل منهما بطبع، ولد جاد، ولد هازل دائماً، ولد، يعني يؤخذ بالقيم، ولد يؤخذ بالمصالح.

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا ))
هكذا قال النبي:

(( إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))
فإذا كذب فليس مؤمناً، من أين استنبط النبي هذا الحديث ؟ من هذه الآية:

﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
يعني ممكن يقع الإنسان بألف غلطة، وهو مؤمن، لأنه، كل بني آدم خطاء، وخير الخطاءين التوابون، أما أن يكذب، معنى ذلك ليس مؤمناً، لذلك المؤمن لا يكذب لا في الصغائر، ولا في الكبائر، لا في العلاقات الشخصية، ولا في العلاقات الموضعية، لا يكذب، والإنسان يوطن نفسه أن يكون صادقاً، وكل مقولة يقولها بعض الناس، يا أخي إذا ما كذبنا لا نعيش هذا كلام أركله بقدمك، بتعيش كريم وغني، لأن الله عز وجل قال:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

( سورة الجاثية: 21 )
مستحيل، لو أن الذي يعمل السيئات، ساوه الله مع الذي يعمل الصالحات، فما كان لهذا الدين من قيمة، لما كان لخلق الإنسان من فائدة، لكان خلق الإنسان عبثاً، وإنزال الكتب لعباً، وإرسال الأنبياء لهواً.

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
الإنسان لا يكذب، لا في بيعه، و لا في شرائه ولا في علاقاته، حتى مع زوجته، هذه الفرية هي، الوهم، المنتشر بين الناس، الكذب على الزوجة جائز، هو جائز بس في حالات نادرة جداً، لو سألته أتحبني ؟ ما بحبها هو، لازم يحكي الصدق ويخرب علاقة الاجتماعية ؟ لو قال لها إني أحبك، ما كذب، لأنه جبر خاطرها وملئ قلبها ثقة بنفسها، ما كل زواج يبنى على الحب، لو سألها زوجها أتحبني ؟ قالت نعم، أنت زوجي، وأنت قرة عيني، ما كذبت، فقط في هذا الموضوع، أما في الأسعار نكذب، الكذب على الزوجة جائز فقدت مصداقيتك، كلامك ما عاد له قيمة أمام زوجتك، وإذا كذبت عليك تكرها أنت، فهذا الكذب الذي أباحه الفقهاء فقط لو سألته الزوجة أتحبني ؟ السيدة عائشة سألت النبي عليه الصلاة والسلام كيف حبك لي ؟ قال كعقدة الحبل ؛ يعني عقدة متينة، فأصبح هناك بينهما شفرة، تسأله من حين إلى آخر كيف العقدة ؟ يقول على حالها، الإنسان من علامة نجاحه أن يكون ناجح في زواجه، الزوجة تحتاج إلى حكمة، إلى رحمة إلى حلم، إلى تصرف ذكي، أما والله لا أحبك، أنا ما رأيت أحمق من الزوج الذي يصف زوجته بالصفات التي يكرهها منها، لو كنت على أطول، لو كنت كذا، حطمها، حطم سعادته بيده، ما في غيرها أمامه أصلاً، فالأولى في هذا الموضوع لو كذب ما في مانع، فقط حصراً لذلك:

﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾
اسمعوا الآن الآية يا أخوان الكرام:
أكثر الناس يقولون الله غفور رحيم، كلما قلت له يا أخي استقيم اضبط لسانك، اضبط بيتك، اضبط نسائك، يقول أخي الله غفور رحيم يعني أخذوا شطر من آية اسمعوا هذه الآية، أعتقد في مثيل لها أربع آيات في القرآن الكريم.

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)﴾

( سورة النحل: 110 )
الآية الثانية:

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾

( سورة النحل: 119 )
هذا القرآن بين أيدينا، وينبغي أن نقرأه قراءة تدبر، الله عز وجل غفور رحيم بعد أن تتوب، غفور رحيم بعد أن تصلح، غفور رحيم بعد أن تستقيم، غفور رحيم بعد أن تجاهد نفسك وهواك، غفور رحيم بعد أن تنفق مما أعطاك الله، غفور رحيم إذا أصلحت الماضي، أما إذا كان أقمنا على المخالفات، وعلى المعاصي، وقلنا إن الله غفور رحيم، هذه كلمة حق أريد بها باطل، هو غفور رحيم لكن ليس لهؤلاء الآية الأخيرة في هذه السورة يقول الله عز وجل:

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

( سورة النحل: 125 )
تفوت إلى بيت أحياناً تلاقي فيه صورة مثلاً، يكون البيت فيه ألف مخالفة، ألف معصية، يمسك الصورة ويكبرها، يا أخي هذا عمل غير إسلامي، ما يجوز أن تضعوا صور، في أشياء أهم منها تاركها هو، ابدأ بالأولويات، الإنسان يحتاج إلى حكمة، إذا الإنسان المنحرف المتفلت، بلغته بكل أخطائه دفعةً واحدة، زهد في الدين، يعني ما بقي في أمل، الله عز وجل أعطانا درس بليغ في تحريم الخمر، كيف حرمت الخمرة ؟ حرمت تدريجاً، فإذا أنت تعاملت مع إنسان متفلت دينه ضعيف، عقيدته زائغة، لا تدقق بالتفاصيل، لأن هذه تنفره، ابحث بالكليات، وربنا عز وجل علمنا بالقرآن الكريم أنه خاطب الناس بأصول الدين، وخاطب المؤمنين بفروع الدين، قال:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)﴾

( سورة البقرة: 21 )
أما لما خاطب المؤمنين، قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

(سورة البقرة: 138 )
إذا أنت تتعامل مع إنسان بعيد عن الدين، من السذاجة وعدم الحكمة، أن تدخل بتفاصيل الدين، وتحاسبه عليها، هو بالأصل ليس مأمن بها، أصل الدين في شك منه، فليس من الحكمة أن تصل، بعدين الإنسان الداعي ما هو قاضي، هو داعي، الداعي شيء، والقاضي شيء، يعني أنت لا تدخل إلى أعماق الإنسان، وتحاسبه، وتنصب نفسك وصي عليه.

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
أما الآية الدقيقة جداً في هذا المجال، الله عز وجل قال:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

(سورة آل عمران: 159 )
أي في رحمة استقرت في قلبك، كنت ليناً لهم، يعني اتصالك بالله نتج عنه أن استقرت الرحمة في قلبك، فكنت ليناً لهم، فأحبوك، أربع مراحل، اتصال بالله، لين، محبة.

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
لو لم تستقر الرحمة من قلبك، لكنت فظاً معهم.

﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾
إذاً:

﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
هذا قانون، أتحب أن يجتمع الناس إليك كن ليناً معهم، أتحب أن ينفضوا عنك، كن قاسياً معهم، واحد نصح أمير قال له سأنصحك وأغلظ عليك، فكان الأمير أحكم من الناصح، قال له وما الغلظة يا أخي، لقد أرسل الله من خير منك، إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون.

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾

(سورة طه: 44 )
فالنبي عليه الصلاة والسلام مع أنه رسول، ونبي، ويوحى إليه ومعه القرآن، ومعه معجزات، والسماء تؤيده، والله عصمه، كل الميزات هي، قال له:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
تحتاج للطف والمودة، والحكمة، مع أولادك، مع زوجتك، مع جيرانك، مع شركائك، مع أقاربك، لا يكون الرفق في شيء إلا زان، ولا ينزع من شيء إلا شان.

((عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ. ))

[ أخرجه مسلم ]
وقال:
(( علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))

الإنسان لما بعلم ما بعنف، يكسب مهابة كبيرة جداً، فهذه المهابة تعينه على التعليم، أما إذا كان دقق في التفاصيل، وكان عنيف وقمعي، تكلم بكلمات قاسية، صار معنف، والمعنف مبغوض لا يحبه أحد، فالنبي علمنا قال:
(( علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
وقال:
(( إن الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه ))
وقال:
(( لا يكون الرفق في شيء إلا زان، ولا ينزع من شيء إلا شان ))
والله عز وجل يقول:

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
دخل على أبي حنيفة النعمان خارجيان، ومعهما سيفاهما ليقتلاه وقبل أن يقتلاه، سألوه سؤال مما يختلفون معه فيه، أول سؤال: أن فلان ارتكب الكبائر، زنى، وسرق، هل هو مسلم ؟ فالخوارج يكفرون بالصغيرة، فهو وجد السيفين في يديهما، والسؤال محرج، فقال هاذين الرجلان أهما نصرانيان ؟ قالا: لا، قال أهما يهوديان ؟ قالا: لا، قالا هما مسلمان، قال: هذا هو الجواب، انتزع الجواب من فمهما.
دخل مرة أبو حنيفة النعمان على المنصور، فإذا عنده قاض من ألد أعدائه، فهذا القاضي أراد أن يحرجه، قال له يا إمام: إذا أمرني الخليفة بقتل امرئٍ أأقتله أم أتريث ؟ فلعله مظلوم ؟ والخليفة قاعد، قال له: الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ أجبني، قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق، وانتهى الأمر، فلما خرج قال أراد أن يقيدني فربطه، يعني ما في أروع من الجواب الشافي، الذكي في الوقت المناسب، بالحكمة تؤلف القلوب، بالحكمة تقرب الناس إلى الله عز وجل.

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
شوف أحسن اسم تفضيل، يعني إذا في مائة عبارة، يجب أن تنتقي أحسن عبارة من هذه العبارات:

﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾
أخي ما بتفهم أنت، هذا ليس بالتي هي أحسن، أنا أعتقد أن هذه الفكرة تفتقر للدليل، هي معنى ما بتفهم، أعتقد أن هذه الفكرة تفتقر إلى دليل، أنا عندي فكرة أخرى فيها دليل قطعي، هذا نقاش جميل، حوار، أما ما فهمك أنت بهذا الموضوع، هذا أصبح سباب، إذا الإنسان يريد أن يحاور، وسلك سبيل السباب انتهى الحوار، صار معركة قذرة، فالله عز وجل أمرنا أن ندع إليه بالحكمة، والموعظة الحسنة، ومرة النبي عليه الصلاة والسلام دخل عليه رجل شرير، لان معه قليلاً السيدة عائشة استغربت، قالت أتلين مع هذا ؟ قال لها يا عائشة:
((شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره.))










والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 02:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاسراء (17 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
مقولة ارددها كثيراً، وهي أن الخطأ في العقيدة خطير، لأن الخطأ في العقيدة، ينتج عنه انحراف في السلوك، والصواب في العقيدة ينتج عنه استقامة في السلوك، والإنسان لا يليق به أن يعتقد بأوهام، ولا خرافات، ولا خزعبلات، لذلك ربنا سبحانه وتعالى في سورة الإسراء وفي الآية الثالثة عشرة والرابعة عشرة وهي قوله تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(14)﴾
العرب في الجاهلية قبل الإسلام كان أحدهم إذا طار عن يمينه طائر، تفاءل، فإذا طار عن شماله طائر، تشاءم، وهذا هو التطير الذي ورد في الأحاديث الشريفة.

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ولا هَامَةَ ولا صَفَرَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ]

خرافة، ليس لها أساس من الصحة، وأوهام، تدجيل، إنسان يمشي في الطريق، طار عن يمينه طائر يتفاءل بكل خير، طار عن شماله طائر يتشاءم بكل شر، هذا كلام غير صحيح، فربنا عز وجل رد على هؤلاء الخرافيين، الواهمين، الجهلاء، قال:

﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾
يعني طائرك منك، سعادتك منك، شقائك منك، تيسير أمورك منك، تعسيرها منك، التوفيق منك، التعسير منك النجاح منك، الإخفاق منك، بحسب استقامتك.

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً (16) ﴾

( سورة الجن: 16 )

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾

( سورة المائدة: 66 )

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾

( سورة فصلت: 30 )

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

( سورة الجاثية: 21 )
طيب الآن لا أحد يعتقد بهذا، لكن بقلك كابين ماء وملح أمام بيتي خرافة هي، فات إنسان وأنت في مناسبة عقد صفقة، البيعة فقست أخي قدمه قدم شؤم، لا ما لها علاقة، أخذ غرفة في فندق رقم 13، ما لها علاقة، كله دجل، لا يمكن أن نقبل إلا ما في القرآن والسنة، الإنسان لا يليق به أن يعتقد بالخرافات، لا يليق به أن يعتقد بالأوهام لا يليق به أن يهبط عن مستواه المكرم، خيرك منك، والشر منك، والتوفيق منك، وعدم التوفيق منك، والتعسير منك، والحفظ منك، وعدم الحفظ منك، بحسب عملك، الإنسان لو وضع مصحف أمام سيارته، شيء جميل، بس إذا ما لك مستقيم ما بحميك، كون واقعي أكتب على محلك قول الله تعالى:

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1)﴾

( سورة الفتح: 1 )
إذا ما في استقامة بالبيع والشراء ما بيجيك فتح مبين، حط آيات حط أحاديث، حط عين الحاسد تبلى بالعمى، حط نعل فرس، شوية خرز، كله دجل، كله كذب، كله أوهام.

﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾
تفاؤلك من استقامتك، تشاؤمك من انحرافك، الله عز وجل قال:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

( سورة الليل: 5 ـ 6 ـ 7 )
قانون، قانون التيسر، قال:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) ﴾

( سورة الإسراء: 9 )
طبق القرآن، زواجك استقام، تجارتك استقامت، صحتك استقامت، نفسيتك استقامت، لأن أنت لما لذت بعظيم شعرت بالطمأنينة أما لما عم تلتمس العزة، من غير الله، هذا ضد هذا، إذا واليت هذا يزعل هذا، إذا صفيت مع هذا، تغضب الطرف الآخر، بتصف مع الأول يغضب الثاني، شو هذه الحياة، لك أن ترضي الله وحده، ولا تعبئ بالآخرين. إلهي أنت مقصود، ورضاك مطلوبي، لذلك:
﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾
يعني لا في نحس، ما في يوم أربعاء ما في 13، ما في إنسان قدمه سوء، ما في فنجان قهوة.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَتَى كَاهِنًا، قَالَ مُوسَى فِي حَدِيثِهِ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، ثُمَّ اتَّفَقَا، فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ. ))

[ أخرجه أبي داود ]

يكفي أن تذهب لإنسان، تقول له: شوف لي ماذا في مستقبلي ؟ بقلك في أمامك عقبات كبيرة، أمامك قبضة كبيرة، كله خلط بخلط بخلط، يا ليت تسليه مع التسلية في كفر، لا أحد يتسلى بهذه الأشياء هي لا تقرأ حظك هذا الأسبوع، وهذا برج الجدي، وهذا برج الثور، هذا الباب لا تقرأه إطلاقاً، لا يجوز أن تقرأه، ما له أساس من الصحة، كله كذب.

﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾

أسمعوا الحديث الشريف:
(( من أتى ساحراً فلم يصدقه ـ ما صدقه ـ لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، ولم يقبل له دعاء أربعين ليلة ))

هذا إذا ما صدقه، أما إذا كان صدقه فقد كفر، الدين مبادئ، الدين منهج، الدين أدلة، علاقة مع الله مبنية على طاعة لمنهجه فقط، الإنسان خيره منه، وشره منه، التوفيق من استقامته، التأخير بكون في خلل، ما في رزقه يا أخي، كله من زوجتي، لا ما لها علاقة زوجتك، منك الشغلة، تقصيرك تلزقه بغيرك كمان، هذا منتهى الظلم، لا تعزي المشكلات لغيرك.
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(14)﴾
ربنا عز وجل وصف هذا الكتاب بأنه مرقوم، والعلماء لهم في هذه الكلمة توجيهات لطيفة، قال: مرقوم من الرقم، والرقم هي الصورة، مرقوم من الرقم والرقم هو العدد، صفحات كتاب الإنسان مرقمة لا يستطيع أن ينزع واحدة منها، مثل المالية تماماً، تأخذ الدفتر تكتب هذا الدفتر 230 صفحة مع الختم والتاريخ، فيك تمزق صفحة منهم أنت ؟ إذا نزعت صفحة تهدر حساباتك كلها، بكلفوك بضريبة عشوائية من عندهم، إذا كان مزقت صفحة، فكتاب الإنسان مرقوم من الرقم، وكتاب الإنسان مرقوم من الرقم، يعني كل مخالفة وصورتها، فيك تنكرها ؟ الآن في مخالفات أيام تتجاوز سرعة مع الصورة، سيارتك ورقمها وتاريخ المخالفة والشارع، تقول لا مو أنا، من الرقم أي الصورة، أو من الرقم الرقم، فكتاب الأعمال مرقم، صفحاته ثابتة، وكل مخالفة مع صورتها.

﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(14)﴾
في عدل مطلق، حاسب نفسك هذه الإنسانة لماذا أفسدتها ؟ كان ممكن أن تكون أماً، وزوجةً، وربة منزل، وجدة في المستقبل، ولها أولاد، وأولاد أولاد، معزز، مكرمة مبجلة، أنت أفسدتها، فجعلتها زانية، سقطت فأصبحت بغياً، فلم أصبحت بالأربعين نبزها المجتمع فأصبحت متسولة، هي عملك.

﴿نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)﴾

( سورة يس: 12 )
أثار عملك، فقبل أن تفعل شيئاً عد للمليار، يا ترى هذا العمل ماذا ينتج عنه، فلانة طلقتها بساعة غضب، لماذا طلقتها، ما لها أحد، لما طلقتها نقمت، وأنت لك مظهر ديني وبصلي، نقمت على دينك، انطلقت متبذلة نكاية بك، وانحرفت، طلاقك العشوائي التعسفي سبب انحرافها، فأنت محاسب، فالإنسان قبل ما يطلق، قبل ما يزوج، قبل ما يعطي، قبل ما يمنع، قبل ما يصرف، قبل ما يغضب، قبل ما يؤذي إنسان، يعني إنسان داهم محل لقى في بضاعة غير نظامية، شاريها من محل ثاني، وراح للمحل الثاني أنكر البضاعة، واقنع هذه البضاعة أساسها مشروع، كتب مخالفة بثلاثة أمثال، صار معه داء الصرع، إلى الآن يعاني هذا المرض، ما تحمل شاب أول حياته، ما تحمل أن تصادر بضاعته كلها ويضع مخالفة، قبل أن تبيع بضاعة مالك متأكد من فاتورتها، بلغه، نوره، قل له:
﴿نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾
إياك أن تكون السبب في شقاء إنسان، كل ما ينتج عن هذا الشقاء في صحيفتك، راح إلى أوربا أقترن بواحدة، لفترة بسيطة، بعدين تركها، بعدين جاءه ولد منها، سألني شو نساوي ولد فلتان فأنت أبوه وبرقبتك.
ألا رب شهوة ساعة، أورثت حزن طويلاً، ألا يا رب طاعم ناعم في الدنيا، جائعٍ عارٍ يوم القيامة، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا رب مكرماً لنفسه، وهو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم.
الآن كثير أحياناً أب يقسو على أولاده أكثر مما يجب، يتشرد بكون بمشكلة بصير بعشرة، أنت مسؤول فكر، إذا أردت إنفاذ أمرٍ تدبر عاقبته، فخيرك منك، وشرك منك، والتوفيق منك، والتعسير منك، النجاح منك، الإخفاق منك، سعادتك منك، شقائك منك، نجاحك مع زوجتك منك، مطبق منهج الله بالزواج ينجح الزواج، ما لك مطبق ما ينجح الزواج، لا تعزي ذنوبك للآخرين، لا تقول أخي في طير طار عن يميني، واحد حسدني، واحد كاد لي، واحد كب لي ماء وملح، لا تصدقها هي، هي خرافة، لا تعيش بالأوهام، عيش بالحقائق.

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً(14)﴾
ورد بالجامع الصغير حديث، قال:
(( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك لي إلى النار أهون علي مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ))

العذاب النفسي يضاف إلى العذاب الجسدي، عذاب النفس الشعور بالندم هذا الشعور، إذا الإنسان، يعني معه مبلغ محدود، وشاف بيت بسوى أربع أضعاف المبلغ، تصفية ورثة، ما اشترى، ولقى حاله بيت مرتب، منطقة جيدة، مبلغ بسيط جداً، وعرضوه عليه ما رضي يشتري، بقلك محروق قلبي، طول عمره، بقلك راح مني هذا البيت، وهذا شيء فاني، كيف الآخرة، كل الآخرة، كل الجنة راحت، لجهنم إلى الأبد شغلة كبيرة كثير، الإنسان قبل ما يعتدي، قبل ما يترك الصلاة، قبل ما يأكل مال حرام، يعني أيام يظنها الإنسان شطارة، أن تأكل مال بالحرام، هي مو شطارة هي، منتهى الغباء، منتهى الحمق، منتهى الشقاء، فالإنسان يعرف سعادته منه، شقائه منه هي الزعبرة هي، حط خرزة، حدوة حصان، ما بساوي شي هي، ما بساوي إلا استقامتك، حط مصحف بأول السيارة، إذا مالك مستقيم ما بيحميك هذا، سلوك غير منطقي، المصحف طبقه، طبعاً أنا بحط مصحف بسيارتي، الإنسان يفتخر، يلزمه أيام يراجع سورة، عم ينتظر مثلاً، صار معه مشكلة، بدو يصلح السيارة، معه وقت فاضي بحط مصحف، وبقدس المصحف، وبقبله من ست وجوهه، بس إذا كان بخالف الإنسان أوامره ما بيحميه، أخي أنا في بجيبتي مصحف ما بساوي شي هي، لا تفرح به هي، المصحف يجب أن يطبق، بطبقه يحميك، منهج لأنه، وكلمات الناس أخي تباركنا، شو تباركنا، الآن إذا واحد جاب دواء ما شربه، أخي تباركنا فيه، زعبرة هي، اشرب الدواء، هذا المصحف يطبق، بطبقه تبارك في، البركة بالخير الكثير، لا تعمل أساليب طقوس، الآن في كثير ناس بقلك تباركنا، على أي شيء تباركت ما لك مستقيم أنت، ما لك مطبق شي من الدين، وإذا كان زارك عالم يعني شو صار، ما بصير شي بنوب، قعد جنب النبي واحد لما توفي قال النبي:
(( الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي به سبعين خريفاً ))

رئيس المنافقين كان يقعد جنبه، طلب قميصه أعطوه قميصه قال خذوا قميصي، لا يغني عنه قميصي، لبسوه قميصه قبل أن يموت ولما مات قال:
(( الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي به سبعين خريفاً ))
لا ينفعك أن تلبس قميص رسول الله، ما بنفعك إلا أن تستقيم على أمره كلام دقيق واضح، الواحد يكسب عمره، لا يضيع وقته بالخرافات، بالدجل والأوهام، ديننا ما في أوهام، المصحف تطبقه تقطف ثماره، تزينه بالبيت، ما بطلع شي منك، سهرة مختلطة وحاطت مصحف، هذه السهرة خالف المصحف، عرس بالشرتون مكلف عشرين مليون، راقصات، وفسق، وفجور، واختلاط، على بطاقة الدعوة الطيبون للطيبات، كلام زعبرة هذا، شو الطبيون للطيبات وفي رقص وخمور، وفي اختلاط، لا مو طيبين، لا تعيشوا بالأوهام إطلاقاً، عيشوا بالحقائق، لما الصحابة طبقوا الدين كما أراد الله فتحوا العالم، ولما مسكوا طقوس الدين، ومظاهر الدين، وتركوا جوهره، لم تكن كلمتهم هي العلية.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 02:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاسراء (17 )

الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية الحادية عشر من سورة الإسراء وهي قوله تعالى:
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً (11) ﴾

هناك تساءل دقيق، ما دام الله سبحانه وتعالى قد خلقه عجولاً، ما ذنبه ؟.
﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾

(سورة النساء: 28 )
ما دمت يا رب قد خلقته ضعيفاً، فما ذنبه ؟.

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)﴾

( سورة المعارج: 19 )
فهو هلوعٌ، وعجولٌ، و ضعيف، هذه صفات ضعف فيه، خلقاً لا كسباً، هو عجولٌ، وضعيفٌ، و هلوعٌ، صفات في الإنسان خلقاً لا كسباً، فكيف يحاسب عليها ؟ سؤال دقيق.
أولاً: هي صفات ضعف في الإنسان، وضعف خلقي لا ضعف خُلقي، إلا أنها سبب رقيه عند الله عز وجل، الدليل ؟ لو أن الإنسان خلق قوياً، لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، كل السعادة عند الله عز وجل، في الإقبال عليه في الاتصال به، في الالتجاء إليه، في الاستعانة به، في التوكل عليه، في محبته، في الشوق إليه، السعادة كلها عند الله عز وجل، لو خلقه قوياً، لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، خلقه ضعيفاً ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره.
ثانياً: خلقه هلوعاً، ما معنى هلوع ؟ قال:

﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20)﴾

( سورة المعارج: 20 )
يعني خويف، كثير الخوف، لو خلقه ما بيخاف، لا يلتجئ، ولا يتوب، ولا يندم، ولا يبادر إلى التوبة، خلقه هلوعاً، حتى إذا لاح له شبح مصيبة سارع إلى أبواب الله، سارع إلى التوبة، سارع إلى الاستغفار، سارع إلى طلب العفو، سارع إلى العهد مع الله عز وجل، إذاً خلقه هلوعاً، والهلوع كثير الجزع.

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾

( سورة المعارج: من 19 إلى 21 )
يحب المال، لو كان لا يحب المال إنفاق المال لا قيمة عنده، حينما يدفع ألف ليرة.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾

( سورة آل عمران: 14 )
الله عز وجل أودع في الإنسان حب المال، من أجل أن يرقى إذا أنفقه، فهو هلوع كثير الجزع، من أجل أن يسوقه الجزع إلى باب الله، كثير الحرص على ما في يديه، من أجل أنه إذا أنفق يرقى عند الله، خلقه ضعيفاً ليفتقر بضعفه، فلو استغنى بقوته، لشقي باستغنائه.
ثالثاً: خلقه عجول، لو خلقه مهولاً، لاختار الآخرة البعيدة، لا حباً بالله، ولا طاعةً له، ولا عبادةً له، إنما اختارها تمشياً مع طبعه، خلقه عجول، فإذا اختار الآخرة، يرقى، خالف طبعه يعني، الإنسان لا يرقى إلا إذا خالف طبعه، الدين يتوافق مع الفطرة، ولا يتوافق مع الطبع، الطبع مادي، الإنسان بحب ينام، الأمر التكليفي أن تستيقظ قبل الشمس، الإنسان يحب أن يأخذ المال، الأمر التكليفي أن تنفق المال، الإنسان يحب أن يطلق بصره في محاسن النساء، الأمر التكليفي أن يغض بصره، الإنسان يحب أن يخوض بأعراض الناس، موضوعات ممتعة، ليش فلانة طلقت، خانته يا ترى، مع مين خانته، بحب الأمر التكليفي أن لا يغتاب أحداً، وأن لا يتحدث فيما لا يعنيه، فالأمر التكليفي دائماً يتناقض مع الطبع، من أجل أن ترقى، والأمر التكليفي يتوافق مع الفطرة الكاملة، الفطرة متعلق بالنفس، والطبع متعلق بالجسد فالأمر التكليفي يتوافق مع النفس، الله عز وجل قال:

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

( سورة الروم: 30 )
أن يكون الإنسان ضعيفاً، واحد، وأن يكون الإنسان هلوعاً، وأن يكون الإنسان عجولاً، هذه خصائص للإنسان خلقيه، وليست خُلقية خلقية في أصل تكوينه، لا يحاسب عليها، بل هي سبب ارتقاءه عند الله والله لولاها لما ارتقى عند الله، هلوع، شاهد في التحليل في ورم ما عرف شو هذا الورم لسع ما أخذ النتيجة، على الصلاة رأساً، على الجوامع، طبعاً، شاهد في مشكلة، هناك من يهدده، يا رب ما لي غيرك، لو خلقه قوي لا يطلب من الله، لو خلقه قوي لا يساق إلى باب الله أبداً، أكثر المؤمنين، ولا أبالغ سبب إيمانهم، وإقبالهم، وتوبتهم، أن الله سبحانه وتعالى ضيق عليهم، بحسب فطرتهم خافوا، خوفهم ساقهم إلى باب الله، فالإنسان خلق هلوعاً لمصلحته، وخلق جزوعاً لمصلحته، وخلق منوعاً لمصلحته، وخلق ضعيفاً لمصلحته، وخلق عجولاً لمصلحته، لو أن الإنسان خلق مهولاً، يعني طبعه يتناسب مع الأشياء البعيدة، لاخترنا جميعاً الآخرة، لكن إنسان أحياناً أمامه مكسب كبير، خلال أيام يغير بيته، بغير مركبته، بغير حياته كلها، الإنسان يحب الشيء العاجل، فإذا رفض الشيء العاجل طمعاً بالآجل، ارتقى، الإنسان إذا قرأ هذه الآيات:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾
هذه نقاط الضعف الخلقي للإنسان لصالحه، من أجل أن يرقى بها إلى الله، ولولا أنها من خصائص خلقه لما ارتقى إلى الله، الآية الآن:

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾
يعني إذا كان في مكسب مادي سريع، يقبله ويقبل عليه، ويدع الخير الكثير البعيد، هكذا طبعه، الخيار، أن تختار الشيء البعيد على الشيء القريب.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

( سورة النازعات: 40 ـ 41 )
أنا ضربت مثل مرتين ثلاثة أعيده مناسب بهذه الجلسة، كان باص المهاجرين يقف بالمرجة أمام المركز التجاري، باتجاه الشرق، يطلع الركاب يلي يستخدم عقله يقعد بالشمس، على اليمين، لما يدور واحدة خلال دقائق، يأخذ الظل إلى آخر الخط، إذا الإنسان ما شغل عقله يقعد بالظل، يتهم تبع الشمس بالجنون، إذا الإنسان فكر، أنه ثلاث دقائق إذا كان تحمل الشمس، أفضل ما يتحملها نصف ساعة، إلى آخر الخط، الدنيا مؤقتة، الإنسان العاقل، ما قال النبي:
(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))
الإنسان العاقل يختار الآجل، الأبدي، السرمدي، المتنامي، عن الشيء العاجل الموقت، سريع الزوال، لذلك الدعاء النبوي الشريف:

(( ألا يا رب نفسٍ طاعمة ناعمة في الدنيا، جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب نفسٍ جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه، وهو لها مكرم، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً ))
العقل ميزان الدين، العقل أصل الدين.
" أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ".
فهذه الآيات الثلاث، آيات الإنسان عجول، والإنسان هلوع، والإنسان جزوع، والإنسان ضعيف، هذه خصائص الإنسان الخلقية لصالح الإنسان، لصالح ارتقائه عند الله عز وجل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاسراء (17 )

الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية الثامنة عشرة من سورة الإسراء وما بعدها وهي قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً(20)﴾

أيها الأخوة الكرام:
هذه الآيات الثلاث تؤكد حقيقة الاختيار، الإنسان مخير، إما أن يريد العاجلة، وإما أن يريد الآخرة، وسميت عاجلة لأنها قريبة، وسميت الآخرة لأنها أبعد، الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي:
(( أنت تريد، وأنا أريد ))
الله جل جلاله ماذا يريد ؟ في آيات أخرى يقول:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾
آية واضحة كالشمس:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾
عن الحق:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾

(سورة النساء: 27 ـ 28 )

(( إني والأنس والجن في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ))
دققوا الآن:

(( من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم مكن رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها واعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد ))
تأتيك الدنيا وهي راغمة، يرفع الله لك ذكرك، يعلي قدرك، يحفظك، يؤيدك، ينصرك، يسعدك ـ فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد ـ أردت العاجلة وأصررت عليها، ولم تعبأ بمنهجي، ولم تعبأ بتشريعي، وأكلت المال الحرام، واعتديت على حقوق الأنام ـ أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد ـ خرجت عن المنهج، ما الذي يحصل ؟ وإن لم تسلم لي فيما أريد ـ لم يتحقق لك ما تريد ـ وكان الذي أريد ـ يعني لا يحصل إلا ما أراد الله عز وجل.

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾
أراد الدنيا:

﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾
ما نشاء؛ بالقدر الذي نشاء، وللشخص الذي نريد، لو طلبت الدنيا، قد تأتي وقد لا تأتي، وإذا أتت، قد تأتي كما تريد، وقد تأتي أقل مما تريد، لماذا ؟ لحكمة بالغة، فالإنسان كلما أصر على طلب الدنيا أعطي الدنيا، أما إذا ما أصر عليها، يعطى منها بالقدر الذي يريده الله عز وجل.

﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾

لذلك المؤمن يفوض أمره إلى الله، الدعاء النبوي الشريف:
(( اللهم خر لي واختر لي ))

دخلت على بائع صديقك، صديق حميم، مخلص، وفي قال لك نقي، قلت له أنت نقي لي، لك ثقة فيه، فلما الإنسان يفوض أمره إلى الله، الله يختر له أنسب وقت، أنسب زوجة، أنسب عمل، أنسب دخل، أنسب علاقات، أنسب سفر، استخر الله عز وجل، أما مركز الثقل ليس في هذه الآية، الآية فيها نقطة واحدة، أنه إذا الإنسان أراد الدنيا بإصرار، الله عز وجل يعطيه الدنيا ويخرج من دائرة العناية المشددة، إذا أصر الإنسان على الدنيا، يعطيه الله إياها ويخرج من العناية المشددة، تصديقاً لقوله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

( سورة الأنعام: 44 )
المؤمن لا يصر، يطلب إذا تحقق يكون في خير، ما تحقق، الخير كله في عدم التحقق، ربما كان المنع عين العطاء، " إن الله ليحمي صفيه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة "
المؤمن حاله مع الله هكذا، اطلب فإذا أجاب الله له فهذا هو الخير، وإن لم يستجيب فهذا هو عين الخير، ما بصر، أما إذا أصررت، تأتي الدنيا.

﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
لكنه أخرج الله عز وجل من دائرة العناية المشددة، أهمله، أما إذا ما أصر، الله عز وجل يعطي الدنيا بالقدر الذي يريد، وللشخص الذي يريد، والمؤمن لا يصر، بل المؤمن يفوض أمر الدنيا إلى الله، يسعى، على الإنسان أن يسعى، وليس عليه أدراك النجاح، أما الآية الثانية:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾
العلماء فرقوا بين التمني، وبين الإرادة.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
الآية كلها في ضمير هو الهاء، لو قال وسعى لها أي سعي مقبول، من أراد الآخرة، سعى لها، لكن الآية ليست كذلك.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
واحد أراد أن يكون طبيباً، نقول للطب علاماته، مو أي علامات يقبلوك بهم، 230 فما فوق.
إذا أردت الآخرة لها سعي خاص، لا تقول ركعتين، وليرتين ندفعهم، الله يتولانا بالمغفرة، القضية أعمق من ذلك، تطلب الجنة أنت تطلب الجنة إلى أبد الآبدين، هذه لها سعيها، يجب أن تستقيم على أمر الله.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
السعي المطلوب أداء العبادات، ضبط الشهوات، ضبط الجوارح، ضبط الدخل ضبط الإنفاق، ضبط البيت، ضبط العمل، الالتزام الكامل، تطبيق منهج الله في كل حذافيره، هذه سعيها ما في قد ما بتقدر، على التيسير هذه ليست واردة، لا تدقق كثير نحن عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان، لا يسعنا إلا عفوه وكرمه، ماذا نفعل ضع رأسك بين الروس وقول يا قطاع الروس، هذا كله كلام فاضي، هذا الكلام لا ينبغي أن يذكر إطلاقاً.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾

بقلك من هون اليوم الله يفرجها الله، هذا كلام العوام، كلام الجهال، كلام البعيدين عن الله عز وجل.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
صلاة، صوم، حج، زكاة، غض بصر، تحري الحلال، إقامة الإسلام في البيت، التحرك في كسب الرزق وفق منهج الله عز وجل هذه سعيها، قال:

﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
أيام الذكاء يقودك إلى عمل يشبه الطاعة، الذكاء الشديد يقودك إلى عمل يشبه الطاعة، لأن أكمل شيء هو منهج الله عز وجل، الإنسان أيام في بدافع ذكائه، وعقله، يصدق مثل الأجانب بالمعاملة، لا يكذبون، هم يربحون أكثر بهذه الطريقة بدو يكون.

﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
مؤمن بالله عز وجل، مؤمن باليوم الآخر، مؤمن بما عند الله من ثواب، مؤمن بالجنة، مؤمن بالنار.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
الآية الثالثة:

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
يعني الله عز وجل جاء بنا إلى الدنيا على شرط أن يعطينا سؤلنا أنتم مخيرون، اطلبوا ما تشاءون، لكن أنا لا أعطي على التمنيات، الله جل جلاله لا يتعامل بالتمني إطلاقاً، والدليل:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً (123)﴾

( سورة النساء: 123 )
الله عز وجل بضاعته الصدق، لا يقبل إلا الصدق، مثلاً:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(110)﴾

( سورة الكهف: 110 )
دليل سعيك الصحيح التحرك نحو العمل.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

الآن الآخرة لها آيات كثيرة جداً، مثلاً:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

( سورة التوبة: 119 )
البيئة لها تأثير كبير جداً، إذا عايش في بيئة منحرفة، بيئة غير مؤمنة بالله عز وجل، تسحب إليها، يجب أن تختار بيئة مؤمنة، يجب أن ترداد بيوت الله عز وجل، يجب أن تطلب العلم الشرعي، يجب أن تنتقي أصدقائك من المؤمنين، لا من المتفلتين، هي من مناهج الله إلى الآخرة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)﴾

( سورة المائدة: 35 )
ابحث عن وسيلة تتقرب بها إلى الله عز وجل.

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

ورد بالحديث، بالأثر القدسي:
(( أن عبدي خلقت لك ما في السماوات والأرض، ولم أعي بخلقهن، أفيعنيني رغيف أسوقه كل حين، لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي، إن لم ترض بما قسمته لك، فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش بالبرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمت لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد ))

إذا الإنسان أراد الدنيا من غير منهج الله، يأتي وقت يلعن الساعة التي جاء بها إلى هذه الدنيا، الدنيا متعبة، لما ربنا عز وجل يسوق للإنسان المتاعب من الدنيا، يخرج من جلده،
(( وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

لذلك من هو السعيد ؟ الذي جاءت إرادته وفق إرادة الله عز وجل، يعني أعظم شيء أن تتوافق أرادتك مع إرادة خالقك، الله ماذا يريد ؟.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾

( سورة النساء: 27 ـ 28 )

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)﴾

( سورة إبراهيم: 8 )

﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾

( سورة الزمر: 7 )
تعرف إلى إرادة الله عز وجل، واجعل إرادتك موافق إلى إرادة الله عز وجل، من أجل أن تسعد، ثلاث آيات.

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾
واحد طلب الموت على الرخيص، يرتاد نوادي ليلية، واحد طلب كسب المال الحرام، يسرق، لكن الثمن باهظ النتائج وخيمة جداً، الله عز وجل بين.

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

( سورة الإنسان: 3 )

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾

( سورة فصلت: 17 )

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾

( سورة البقرة: 148 )
اليوم الآيات حول الإرادة، يعني ملخص الآيات، احرص على أن تكون أرادتك وفق إرادة الله عز وجل، الله يريد أن يتوب عليك، أن تستقيم على أمره، أن تقبل عليه، أن تستعيذ به، أن تسعد بقربه، أن يستنيرا قلبك بنوره، هي الإرادة.

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾
لذلك ما دام الله يريد أن يتوب علينا، لذلك يسوق لنا من الشدائد ما يحملنا على التوبة، والأعقل هو الذي يتوب قبل أن تأتيه الشدائد.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاسراء (17 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية الواحدة والعشرون من سورة الإسراء وهي قوله تعالى:
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

حينما قال الله عز وجل:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

( سورة الإسراء: 18 )
لحكمة أرادها الله عز وجل يعطي إنسان الدنيا بالقدر الذي يريده الله عز وجل، وبالوقت الذي يريد، إلا أن الحظوظ في الدنيا الآن موزعة، لكن هناك اختلافاً كبيراً، يعني مثلاً، وازن بين إنسان في الجيش مثلاً جندي، وإنسان رئيس أركان، بين ممرض وبين أكبر طبيب جراح، بين بائع متجول بين رئيس غرفة تجارة، بين مزارع بسيط وبين إنسان يملك ألف دونم، وعنده معدات حديثة في الزراعة، بين إنسان لا يملك قوت يومه، بين إنسان يحار كيف ينفق المال.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
إنسان يتمتع بعينيه، إنسان لا يرى بعينيه، إنسان يتمتع بعقله الراشد، وإنسان مودع في مشفى المجانيين، إنسان يتمتع بأعلى درجات النشاط، وإنسان مقعد على الفراش، إنسان عنده زوجة ترضيه، وإنسان عنده زوجة تسخطه، إنسان عنده أولاد أبرار، وإنسان عنده أولاد عاقين.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

من حيث الدخل، بيت أربعمائة متر أمام، حديقة بأرقى أحياء دمشق، وبيت بأطراف المدينة تحت الأرض خمسين متر.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

إلا أن هناك سؤال دقيق، سيد الخلق وحبيب الحق، وسيد ولد آدم ونبي هذه الأمة، كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل، لا تتسع غرفة لصلاة الليل، ونوم السيدة عائشة، فكانت تبتعد، أو تنزاح قليلاً، ليصلي قيام الليل، سيدنا علي يقول:
" فلينظر ناظر بعقله، أن الله أكرم محمد أم أهانه، حين زوى عنه الدنيا، فإن قال أهانه فقد كذب، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا ".

أردت من هذه الموازنة، من حيث البيت، من حيث الزوجة الأولاد، الصحة، الدخل، من حيث عملك جندي أم رئيس أركان ممرض في مستشفى أم مدير مستشفى، بائع متجول أم رئيس غرفة تجارة، مسافة كبيرة كثير، أستاذ جامعة ذو كرسي، ثلاث ساعات بالأسبوع، تعويض تفرغ، تعويض تأليف، معلم ابتدائي بقرية ملحوش هو والآذن، والمعلم، والمدير.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

لعلكم تظنون أن الأقوياء أسعد من الضعفاء، والأغنياء أسعد، أنا أمهد لحقيقة خطيرة جداً، هذه الدرجات في الدنيا، أولاً موقتة، الموت ينهي صحة الصحيح ومرض المريض، وينهي قوة القوي وضعف الضعيف، وينهي وسامة الوسيم ودمامة الدميم، وينهي مرض المريض وقوة القوي، الموت ينهي كل شيء، والناس جميعاً في القبور سواسية، كلهم بعد حين، يصبحون عظاماً متفرقة في القبر.
إذاً: هذه المراتب الدنيوية، مراتب المال، مراتب الصحة، مراتب الذكاء، مراتب القوة، المناصب، مراتب الحواس والملكات، هذه لا تعني شيئاً لأنها مؤقت، والدليل: يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ـ لأن الرخاء مؤقت، والشقاء مؤقت ـ قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبة، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.))
لم ندخل بعد في الآية.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

فعلاً في مسافات شاسعة جداً بين الأغنياء والفقراء، بقلك أنا من شهرين ما أكلت وقية لحمة، في أغنياء في بعض بلاد النفط بقدم قاعود، يعني هذا أرقى أنواع الأكل هذا جمل صغير يأكل الأمير هيك نصف وقية والباقي في الزبالة، إنسان من سنة مو آكل وقية لحمة، إنسان اللحم يلقى في القمامة.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

بالأكل، بالشرب، بالشكل، بالوسامة، بالدمامة، بالمال، بالزوجة، بالأولاد، بالبيت، بالمركبة، بتلاقي مركبة من سنة 48 موديلها، وفي مركبة 94، 95 مثلاً، ما في نسبة.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

لكن حظوظ الدنيا أيها الأخوة لا تعني شيئاً، لماذا ؟ لأنها مؤقتة، وثانياً لأنها لا تتناسب مع مكانة الإنسان عند الله، " رب أشعث اغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو اقسم على الله لأبره ".
دخل على النبي الكريم صحابي من فقراء الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه ))
الصحابي صعق، قال و مثلي، من أنا، قال يا أخ أنت خامل في الأرض، علم في السماء، المراتب الدنيوية من صحة إلى مال إلى جاه، إلى تفوق إلى وسامة، إلى......ألخ، لا تعني شيئاً، لأنها مؤقتة ولأنها، لا تتناسب مع مكانة الإنسان عند الله، الدليل:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

( سورة الأنعام: 44 )
المال، النساء، الغنى، البلاد الجميلة، الأجانب.
﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

مرةً ملك سأل وزيره من الملك: فالملك جبار، الوزير خاف قال له: أنت الملك، قال له: لا لست أنا الملك، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له زوجته ترضيه، وبيت يؤويه، ورزقٌ يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إذلاله، لا نعرفه ولا يعرفنا، ماذا أريد من كل هذا الكلام ؟ أن أصل إلا أن البطولة أن تحتل مرتبة عالية في الآخرة، لماذا ؟ لأنها إلى أبد الآبدين، ولأنها تتناسب مع مكانتك عند الله، ولأنها كسبية، أيام إنسان يموت معه ثلاثمائة مليون عنده ابن عمره تسع سنوات، هذا ولد معه ثلاثمائة مليون، ليس بشطارته، لأنه ابنه فقط، حظوظ الآخرة تتناسب مع كسب الإنسان في الدنيا، وحظوظ الآخرة إلى أبد الآبدين.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

تكاد تكون الآخرة فيها مراتب بعدد أهل الجنة، عندنا الموظفين عشرة درجات، كل درجة ثلاث مستويات، أولى ثالثة، ثانية ثانية يصبحون ثلاثين درجة، أما درجات أهل الجنة بعدد أهل الجنة والدليل:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

( سورة الأنعام: 132 )
كل إنسان له درجة بحسب عمله، درجة الآخرة لها معنى، كسبية، ودرجة الآخرة أبدية، كسبية، وأبدية، أما درجة الدنيا قد تتناقض مع مكانتك عند الله، بالعكس الله يمد للكافرين.

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

(سورة آل عمران: 196 )

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم: 42 )
مراتب الدنيا مؤقتة، ولا تعني شيء، وقد تعني عكس واقعها لكن مراتب الآخرة تتناسب مع مكانتك عند الله، وكسبية بحسب عملك وأبدية، العاقل يسعى لمرتبة الدنيا أم لمرتبة في الآخرة ؟ يسعى لمرتبة عالية عند الله أم عند الناس ؟
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

لهذا يقول سيدنا علي كرم الله وجهه، سيدنا علي يعد كلامه أفصح كلام على الإطلاق بعد كلام رسول الله، فمن أساليب النبي البلاغية أن مرةً يقول:
(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاد فلم تتزوج من أجلهم ))
إذا سمعت هذا الحديث امرأة مات عنها زوجها، وهي في العشرينات، وترك لها ولدين، فأبت الزواج رعاية لحق هاذين الولدين، إن سمعت المرأة هذا الحديث بماذا تشهر ؟ يمكن تذوب، النبي كان بليغ، منقول بالأثر عنه أنه أفضل إدامٍ الجوع، أن تكون جائع، هو يصف الإدام، ترك الإدام ووصف حالة الآكل، في بالبلاغة لقطات لطيفة جداً، قال أنا أفصح العرب، قال بيدا أني، لما قال بيدا أني كأنه سيذم نفسه، قال بيدا أني من قريش، وقريش أفصح قبيلة بالعرب، هذا اسمه أسلوب المدح بما يشبه الذم، من أساليب النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا علي يبدو أنه تعلم من النبي أساليب رفيعة قال الغنى والفقر متى ؟ بعد العرض على الله، لا في الدنيا، الغنى غنى العمل الصالح، والفقر فقر العمل الصالح، هذه الآية أخوانا لوحدها بحث.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

حتى بمستوى الحج بقلك كلفتني الحجة 250 ألف، و حجي ثاني كلفته 42 ألف، هذه غير هذه.

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)﴾

الإنسان العاقل يسعى لمرتبة في الآخرة، والمرتبة في الآخرة يحصلها كل إنسان، لكن مراتب الدنيا، مثلاً زار فيها مدير شؤون الموظفين، محتله شخص خلص، حتى يموت، ما في أمل تصل إليها لكن مراتب الآخرة مفتوحة لكل البشر، كل إنسان إذا أطاع الله عز وجل احتل مرتبة في الآخرة.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

(سورة القمر: 54)
هذه الآية تدفعنا جميعاً إلى كسب العمل الصالح ليكون هذا العمل سبباً لمرتبة علية عند الله، مرة ثانية الحظوظ في الدنيا، شوف الحظوظ أعني بها شيئاً دقيقاً، المال حظ، الصحة حظ، الزوجة حظ، الأولاد حظ، القوة حظ، الوسامة حظ، الملكات العالية حظ، هذه حظوظ الدنيا حظوظ الدنيا موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، لا تعني شيئاً قد يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني، وقد يكون الحاجب أقرب إلى الله من المدير يلي قاعد وراء الطاولة، وقد تكون الدابة خير من راكبها هكذا النبي ذكر في بعض الأحاديث، قد تكون الدابة خير من راكبها، الحظوظ في الدنيا لا تعني شيء، إنما قد وزعت توزيع ابتلاء، لكن الحظوظ في الآخرة تعني كل شيء، لأنها أولاً أبدية، وثانياً كسبية أبدية، وكسبية، بالدنيا عكسها، لا هي أبدية مؤقتة، ولا هي كسبية بحسب حكمة الله عز وجل، فلذلك الإنسان عليه، قال: ابتغوا الرفعة عند الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاسراء (17 )

الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الكريمة الثانية والعشرون من سورة الإسراء وهي قوله تعالى:
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾
أيها الأخوة:
هذه الآية متعلقة بأخطر موضوع في الدين، موضوع التوحيد فما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وفحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء التوحيد.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

( سورة الأنبياء: 25 )
ما معنى لا إله إلا أنا ؟ الإله هو الذي يستحق أن تعبده، وينبغي أن تعبده، لماذا ؟ لأنه الخالق، لأنه الرب الممد، لأنه المسير، لأنه المحيي، لأنه المميت، لأنه الذي يعلم، العليم، البصير، لأنه الرافع، لأنه الخافض، لأنه المعز، لأنه المذل، لأنه المعطي، لأنه المانع، لأن كل شيء بيده، قلبك، دسامات قلبك، دماغك، أعصابك أهلك، أولادك، تجارتك، من هم فوقك، من هم تحتك، لأن كل شيء مفتقر إليه في كل شيء، لأن كل شيء يحتاجه في كل شيء، لذلك هو الذي يستحق أن تعبده، وهو الذي ينبغي أن تعبده، الكلام واضح، أما أن يعبد الإنسان إنساناً، يقول لك أنا هذا لا أتخذه إلهاً، كلام طيب، ولكنك تعامله كما يعامل الإله، تعامله ؛ أي تطيعه فيما يغضب الله، جعلته إلهاً إذاً معنى قول الله عز وجل:

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

أن تجعل مع الله إلهاً آخر ؛ أي تطيع إنساناً كائن من كان في معصية الله، سؤال ؟ لو أنك أطعت هذا الإنسان في طاعة الله ؟ هذا لم يعد إله، هذا أصبح مبلغ عن الله، لو قال لك إنسان حرر دخلك من الحرام، قلت له سمعاً وطاعة، ما معنى هذا أنك اتخذته إلهاً، لأنه نقل لك أمر الإله، الذي ينقل لك أمر الإله، أول من نقل لك أمر الله هو الرسول، و كل من جاء من بعده من الدعاة نقل لك بالوكالة أمر الله إليك، هذا هو الحلال، هذا هو الحرام، هذا هو الخير، هذا هو الشر إذاً أنت إذا أطعت إنساناً فيما يرضي الله، هذا لم تتخذه إلهاً، لكنك جعلته وسيلة إلى طاعة الله، أما إذا أطعت إنساناً وعصيت الله، أطعت إنساناً فيما يغضب الله، هنا، هو إنسان ضعيف، يموت، تعلم ذلك أنت ولكنك عاملته كما يعامل الإله، معنى أن الله عز وجل قال:
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

هو ليس إله، والذي جعله إلهاً لا يصدق أنه إله، لكنه عامله، وتعامل معه على أنه إله، يعني خاف من غضبه، وتمنى رضاه، رضاه في معصية الله، وغضبه في طاعة الله، فإذا أطعت إنساناً، وعصيت خالقاً جعلته مع الله إلهاً.
الآن نكمل هذه الآية، أو هناك آية على صلة متينة معها في سورة التوبة، دققوا في معانيها تماماً:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

( سورة التوبة: 24 )
يقول لك واحد معقول حب هذا البيت أكثر من الله، ما هذا الكلام ! إذا كنت مغتصبه ويرضي الله أن تعطيه لصاحبه فحينما بقيت فيه مغتصباً، فأنت آثرت هذا البيت على طاعة الله، طيب أنا معقول أحب زوجتي أكثر من الله عز وجل ؟ ممكن إذا أقررتها على معصية، أو على خروج لا يرضي الله، أو على اختلاطٍ يغضب الله، أقررتها دفعاً لمشكلة معها، فأنت رأيت غضبها أشد من غضب الله، يعني أي واحد من هؤلاء:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾

هذه التجارة فيها شبهة، أنت آثرت هذه الشبهة على طاعة الله، معناها التجارة أحب إليك من الله، قال:
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾

فإذا كان هذه كذلك إذا كانت الزوجة، والأب، والولد، والأم، والعشيرة، والصاحبة، والتجارة، والمسكن، والمال، أغلى عليك من الله، أحب إليك من الله.

﴿فَتَرَبَّصُوا﴾

يعني مكانك تحمدي أو تستريحي، الطريق إلى الله غير سالك، والدليل قال:
﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ﴾

أمر الله هو الموت.

﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

يعني حينما تحملك محبتك إلى هؤلاء على الفسق، معنى ذلك كانوا هؤلاء أحب إليك من الله ورسوله، هذه الآية نفسها.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

لا أب، برضاي عليك أن تطلق زوجتك، والزوجة مستقيمة، وطاهرة، وعفيفة، ومحجبة، لكن أبي لا يحبها.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

لا أب، ولا ابن، ابنك أصبح في مرتبة عالية لكن ما فيه دين إطلاقاً، معلق فيه على معاصيه على ترك الصلاة، على أنه يشرب، وابني، وابني، ومعه شهادة، ومنصبه كذا، أنت جعلته مع الله إلهاً، أحببته على معاصيه، لا أب، ولا ابن، ولا زوجة، ولا أخ، ولا عشيرة، ولا قبيلة، ولا أمة، ولا مسكن فخم جداً، ولا مال وفير جاءك من شبهة، ولا تجارة رائجة جداً لكن البضاعة محرمة، أو التعامل مع هذه الشركة محرم.

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾

يعني آثرتم المعصية من أجلها على طاعة الله.
﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ﴾
وأمر الله هو الموت.
﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) ﴾

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

هو ليس إلهاً، هو إنسان، لكنك تعاملت معه على أن غضبه مخيف، وعطائه كبير، جعلته إلهاً وأنت لا تشعر، آثرت طاعته على طاعة الله، رأيت وعيده أشد من وعيد الله، رأيت عطائه أغلى عندك من عطاء الله، إذاً تعاملت معه على أنه إله، إذاً اتخذته إلهاً، إذاً جعلته إلهاً.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

تحتقر، وتقهر، وربنا عز وجل لحكمة يريدها، كلما تعلقت بإنسان، وهذا الإنسان بعيد عن الله هذا الإنسان الله عز وجل يسيره كي يؤذيك، حتى تنقطع عنه، لأن الله يغار، من غيرة الله عليك أنك إذا تعلقت بإنسان بعيد عن الله، أما لو واحد أحب رسول الله، الطريق واحد، لو أحب الصحابة الكرام، لو أحب إنسان مؤمن، صالح، هذه المحبة من محبة الله، لذلك القاعدة الدقيقة لا ينبغي أن تحب مع الله لكن ينبغي أن تحب في الله، إذا أحببت زوجتك مع الله أي نفذت رغبتها وعصيت الله، هذا حب مع الله شرك، أما إذا أحببتها في الله وأن تضع اللقمة في فمها هي لك صدقة، شتان بينما من يحب مع الله، وبينما من يحب في الله، ممكن تحب الناس كلها في الله، عباد لله، تحب زوجتك وأولادك، وإخوانك، ومن حولك، وجيرانك، والمؤمنين تحبهم، وتودهم، وتزورهم، وتكرمهم، هذا حب في الله، أما أن تحب مع الله فقد أشركت بالله، لذلك:
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

مقهور، ومحتقر، لأن هذا الذي أحببته ضعيف، ضعيف، ولئيم فإذا كان يقدر أن يعاونك من لؤمه لا يعاونك، وإذا كان يحب أن يعاونك من ضعفه لا يقدر أن يعاونك، يا أما لا يقدر يعاونك، يا أما لا يحب يعاونك، أنت اتخذته إله، ووضعت كل ثقتك فيه، وعلقت عليه الآمال ثم خيب ظنك.

﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) ﴾

لذلك ورد في الأثر القدسي:
((خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعيني رغيف أسوقه لك كل حين، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فالأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي بما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي بما أريد أتعبتك بما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
هذه الآية أخوانا: مهمة جداً، من أخطر الآيات، متعلقة بأخطر الموضوعات، موضوع التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

يعني محتقر من قبل نفسك، تقول الله يلعن الساعة التي تعاملت بها مع فلان، شريكه يبيع خمر في المطعم، أخي عما يعطيني بالسنة مليون ليرة، شو نساوي إن شاء الله برقبته، لا بعدين ما طلع لك شيء بالمرة بالشركة، فالسك.

﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

محتقر من قبل نفسك، ومن قبل الناس، ومن قبل الله، هلق النبي اسمه محمود، من أسمائه المحمود، محمود عند نفسه، ومحمود عند الخلق، ومحمود عند الحق، وهنا:
﴿مَذْمُوماً﴾

عند نفسك، وعند الخلق، وعند الحق.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ﴾

قل لا.

﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

مخذول، ومقهور، يعني بالنهاية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾

( سورة الأنفال: 36 )
مستحيل إنسان عاصي يصل إلى شيء، يصل إلى شيء موقت لكن العاقبة للمتقين، الأمور تدور، وتدور، وتدور، وتستقر على إكرام المؤمن، وخذلان الكافر، على علو المؤمن، وسقوط الكافر على نصر المؤمن، وخذلان الكافر، على تكريم المؤمن، وإهانة الكافر على رفع المؤمن، وخفض الكافر، بالنهاية الله قال:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾

(سورة الأعراف: 128)
والعبرة في الآخرة، والعبرة في النهاية، والأمور في خواتيمها والأمور بحسن الختام، هذه الآية أخوانا الكرام: على أنها قصيرة جداً لكنها خطيرة جداً.

﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾

آخر كلمة بالدرس، أحد أكبر أسباب العذاب النفسي هو الشرك قل لي ما لدليل، أقول لك:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

(سورة الشعراء: 213)
في أوضح من هذه الآية ؟

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

أحد أكبر أسباب العذاب النفسي هو الشرك بالله، لهذا الله عز وجل قال:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

(سورة يوسف: 106)
مأمن، ويصلي، لكن زيد، وعبيد، وفلان، وعلان، موزع وآخر شيء.

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً، ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله ))














والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاسراء (17 )

الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية السابعة والستون، وما بعدها في سورة الإسراء وهي قوله تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً (69)﴾
هذه الآيات الثلاث، تعني أنه لا ضمانة لإنسان إلا بطاعة الله مهما يكن قوياً، مهما يكن ذكياً، مهما يأخذ الحيطة.

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ﴾
المس ؛ أيام الإنسان يريد أن يفحص حرارة المكواة، يضع طرف إصبعه على لسانه ويمس المكواة مساً سريعاً بأقل مساحة من إصبعه، وبأقل وقت، وهناك لعاب ليمتص الحرارة، ومع ذلك لا يحتمل، هذا هو المس، يعني الله عز وجل يمس الإنسان، كريزة كلية يطلع من جلده الإنسان، تأتي دقائق، لو كان عذاب مستمر الإنسان لا يتحمل، إذا مس الإنسان عذاب من الله عز وجل، قد يكون عذاب نفسي، قد يكون عذاب مادي، قد يكون عذاب قهر، شيء لا يحتمل، قال:

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾
الإنسان يراقب نفسه، في الأزمات يدعو من ؟ لا يدعو إلا الله طيب الأولى في الرخاء قال لك أن تدعو الله عز وجل، مادام في الأزمات لا تدعو إلا الله، فالعقل يأمرك ألا تدعو في الرخاء إلا الله لذلك:

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا غُلامُ، أَوْ يَا غُلَيِّمُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ، فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ.))

[ رواه أحمد ]
الإنسان صدقه وقوة إيمانه لا تبدو في طلب العون من الله في الشدة، ما من مخلوق على وجه الأرض مهما يكن إيمانه ضعيفاً حتى لو كان ملحداً في ساعات الشدة يقول الله.
حدثني رجل يركب طائرة، فيها خبراء من بلاد لا تؤمن بوجود الله، فلما هبطت الطائرة مرتين أو ثلاثة في جيوب هوائية، ظنوا هؤلاء الخبراء أن هذه الطائرة سوف تحترق، وسوف تسقط، بدؤوا يرفعوا أيديهم إلى السماء ويدعون وهم ملحدون، الإنسان مهما كان ملحد الإلحاد عملية تزوير.

﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)﴾

( سورة الأنعام: 23ـ 24 )
ما من مخلوق في الشدة إلا ويدعو الله عز وجل، لكن هذا الدعاء في الشدة لا يرفعك عند الله، أنت الآن مضطر، أنت الآن كونك عبد مقهور تدعو الله عز وجل، لكن إيمانك العظيم يأمرك أن تدعوه وأنت في الرخاء، وأنت معافى، وأنت صحيح، وأنت شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، لك زوجة وأولاد، ولك بيت، عقلك برأسك، وملكاتك جيدة.

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾
لا تظنوا الآية متعلقة بالبر والبحر، بكون في شبه التهاب سحايا للابن، يا رب، قيام ليل، وصلاة، وقراءة قرآن، وصدقة، أجري التحليل طلع ما في شيء، رجعنا على السهرات، ولعب الشدة يعني ليس شرط تدخل للبحر، وتطلع من البحر، تدخل بشدة وتخرج منها، الوفاء يقتضي إذا طلبته في الشدة، إذا دعوته في الشدة، إذا التجأت إليه في الشدة، الوفاء يقتضي أن تلتجئ إليه وأنت صحيح معافى، الحقيقة قوة إيمانك لا تبدو في الشدة، تبدو في الرخاء، قوة إيمانك تبدو وأنت بصحة، ما في عندك مشكلة، ما في عندك قضية مالية، ولا صحية ولا أسرية.

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً (67)﴾
الموقف سيئ جداً، وأنت تحت سيف الشدة تقول يا الله، فإذا أزيح عنك هذا السيف تعود إلى ما أنت عليه.

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾
وأنت على البر، وأنت في بيت عتيد، بيت من الإسمنت المسلح هل تضمن ألا ينهار هذا البيت ؟ مدن شاهقة ثلاثين طابق تحت الأرض باليابان، ومع ذلك سبعة ريختر أصبحت أنقاض، مدينة كوكي أصبحت أنقاض.

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾
أشياء من السماء، صواعق، أو براكين.

﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾

أيام الله يستدرج، يخلق لك حاجة في بلد بعيد، وحجز طيران ما في تركب البحر، أنت لما كنت راكب بالبحر سابقاً والتجأت إلى الله فلما أتيت إلى البر نسيت الله عز وجل، الله قادر أن يستدرجك مرة ثانية إلى البحر، يعني مع الله ما في ذكي، ما في ذكي أبداً، لا ينفع ذا الجد منك الجد ؛ العقل يعني والذكاء، الله عز وجل قادر أن يستدرج الإنسان إلى البحر مرة ثانية، ويعيده في الظرف نفسه.
الآيات لها روح، روح الآيات، لا ضمانة للإنسان إطلاقاً إلا أن يكون مع الله، لا ملجأ من الله إلا إليه، واحد مرة قال كلمة: الدراهم مراهم ينحل بها كل شيء، هكذا اعتقاده، الله عز وجل ابتلاه بمصيبة لا يحلها ولا ألف مليون دولار، بقي في المنفرة ستة أشهر، تفضل حلها بالمال، هي الدراهم مراهم، ما في مع الله ذكي أبداً، ما في مع الله قوي، ما في مع الله إنسان عنده خبرة، إنسان آخذ احتياطات، يؤتى الحذر من مأمنه، لا ينفع حذر من قدر، ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل، فادعوا الله عباد الرحمن، لا ملجأ منك إلا إليك، يعني ما في طريقة أن تهرب من قضاء الله إلا أن تلتجئ إلا الله.
كان سيدنا علي رضي الله عنه يقول بالسفر: " اللهم أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل، والمال، والولد "، ممكن تكون موجود في السفر، ومع أهلك في الحضر ؟ مستحيل، إلا الله، فإذا إنسان دع بهذا الدعاء يشعر بطمأنينة، وأنت في السفر الله معك، وأهلك بالبيت الله معهم.
لذلك الآيات الثلاث على خلاف أن يكون البحر والبر، بعني وأنت في الشدة تدعو الله، هذا الدعاء أنا أقول لك جيد لكن لا ينفعك عند الله، لأن كل إنسان مقهور، وخائف يدعو الله عز وجل، بحكم الفطرة لكن متى يبدو إيمانك ؟ متى يبدو ورعك ؟ متى يبدو حبك لله عز وجل ؟ متى يبدو اتصالك به ؟ وأنت في الرخاء، لذلك الإنسان يجب أن يدعو الله في الرخاء كما يدعو في الشدة، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾
الإنسان أحياناً إذا معه مال يطمئن، هذه طمأنينة فارغة.
أنا مرة كنت عند طبيب قلبية، جاءه اتصال هاتفي، قال له دكتور قد ما بدك ندفع، قال لي سرطان من الدرجة الخامسة، قال له أي مكان في العالم ندفع بالملايين، أنا سمعت التلفون بأذني يدفعوا ملايين، وأي مكان في العالم.

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)﴾

( سورة الرعد: 11 )
يعني الإنسان لا يصل مع الله لطريق مسدود، تصور واحد ارتكب جريمة قتل، وحكم عليه بالإعدام، والحكم صدق من رئيس الجمهورية، وسيق للمشنقة، الآن قبل أن يشنق بحب يبكي مثل بعضها بحب يضحك يضحك، بحب يترجى يترجى، بحب يدخن يدخن، بحب يطلب أهله يأتوا أهله، لكن لابد من أن ينعدم، بكون الإنسان مشي بطريق مسدود مع الله عز وجل، ارتكب عمل كبير استحق العقاب، أما المؤمن مذنب تواب، لا يصر على ذنب، لذلك:

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾
ما في مع الله ضمانة إلا أن تكون معه، تحط مصحف على السيارة، تحط حدوة حصان، تكتب الحسود لا يسود ما في ضمانة إلا أن تكون مستقيماً على أمر الله، إلا أن تكون مع الله كن مع الله ولا تبالي، كن مع الله ترى الله معك، واترك الكل وحاذر طمعك، وإذا أعطاك من يمنعه، ثم من يعطي إذا ما منعك.
يعني أنا أردت من هذه الآيات الثلاثة أن ينطلق الإنسان إلى الله وهو في الرخاء، يصبح موقفه شريف، وهو في الرخاء يدعو الله، وهو في الرخاء يصلي، وهو في الرخاء يذكر الله عز وجل، إذا جاءت الشدة ودعا الله موقفه سليم، هو عرفه في الرخاء، وهذه هي الشدة، أما لا يعرف الله إلا تحت الشدة، هذا موقف عبد جمعه عبيد، أما العبد الذي جمعه العباد يعرف الله في الرخاء، قبل أن يعرفه في الشدة، والله عز وجل قادر، وإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه.
واحد عنده كمية قماش كبيرة جداً، مطابقة مع بيان صحيح متطابقة مطابقة كاملة، مع بيان صحيح، وهو أخذها غير نظامية، فلما جاءه من يسأله عن أصل هذه البضاعة، قال له عندي منها عشرين ألف يرد، قال له أرينا إياهم، في المستودع في فرق بسيط جداً في البيان الصحيح، وهذه البضاعة، دفعوه كل ما يملك، لما الله يريد أن يؤدب إنسان يأخذ لبه، يرتكب حماقات عجيبة، بأي مهنة، بأي حرفة الضمانة أن تكون مع الله، أن تكون مستعيناً به، أن تكون على منهجه عندئذٍ يدافع عنك ويحفظك، لأن الله عز وجل قال:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾

( سورة البقرة: 153 )
والعلماء لهم في هذه الآية وقفة دقيقة جداً، قال هذه معية خاصة معية التوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ، أما إذا قال الله هو معكم أينما كنتم هذه معية عامة، الله مع الكافر بعلمه، لكن مع المؤمن بتأييده ونصره، وتوفيقه، والقانون معروف.

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾

( سورة الليل: من 5 ـ إلى 9 )
لا تقول لي أنا ذكي، وأنا خبير، وآخذ احتياط، يؤتى الحزر من مأمنه، لا ينفع ذا الجد منك الجد، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه، مع الله ما في ذكي، ما في خبير، ما في قوي، الله عز وجل قادر أن يستدرجك إلى حيث الخطر وأنت لا تدري.
قلت لكم إنسان مغتصب بيت، وسيارة اغتصاب، في قصة سابقة، أن واحد معه مرض خبيث، أمرته أمه أن يكتب البيت والسيارة لأخيه، خافت أن الزوجة تتزوج واحد غريب ويذهب المال، وهذا خلاف الشرع، وتوفيت الأم، وتوفي الأخ المريض بالسرطان، خلف زوجة وخمس أولاد، خلف لهم بيت وسيارة، لكن البيت كتب باسم أخيه والسيارة باسم أخيه، وهذا الأخ الثاني جاهل، اغتصب البيت، وطرد امرأة أخيه، وطرد أولاد أخيه، وأصبح له سنة بأعلى درجة من البحبوحة، بيت احتياط، وسيارة، فلت باص بالمهاجرين، وهو راكب نفس السيارة، وين ذكائه أصبح ؟ وذهبوا كلهم الزوجة والأولاد، مع الله ما في مزح أخوانا، كل ما كبر عقلك يزداد خشوعك، يزداد خوفك من الله، يزداد ورعك، يزداد استقامتك، الله ضربته قاسمة.

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

( سورة البروج: 12 )
كلمة قاسية، تحدي، اغتصاب، عدوان، ظلم، عقوق والدين الله عز وجل ينتقم، فأردت من هذه الآيات، مع الله ما في ذكي، ولا قوي، ولا في خبير، ولا في إنسان آخذ احتياطات كافية، يعني أحياناً يكون المختص بأمراض القلب يصاب بجلطة، وآخذ كل الاحتياطات لأن هذا اختصاصه، يصاب ليؤدب، وإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه، الله قال:

﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾

يعني إذا واحد غني ومستغني عن الله، الله يتوهه، يعقد صفة يخسر منها، يستدرجه، هو وخبرته، وذكائه، يخبره يفلس من صفقة.

﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً (69)﴾

الإنسان يأخذ احتياطات، ويتعرف إلى الله في الرخاء، أما إذا جاءت الشدة وتعرف إليه ما في مانع.











والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الاسراء (17 )

الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية الثامنة والثمانون من سورة الإسراء، وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾
مما يلفت النظر في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قدم الإنس على الجن، هذه أول ملاحظة.

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)﴾

( سورة الرحمن: 33 )
في هذه الآية قدمت الجن على الإنس، هذه الحالة الثانية.

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)﴾

( سورة النور: 2 )
الزانية مقدمة على الزاني.

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)﴾

(سورة المائدة: 38 )
قدم السارق على السارقة.

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾

( سورة الجمعة: 11 )
قدمت التجارة على اللهو.

﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)﴾

( سورة الجمعة: 11 )
انعكست الآية.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)﴾

( سورة الأنعام: 112 )
قدم الإنس على الجن في الشياطين.

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

( سورة النور: 30 )
قدم غض البصر على حفظ الفرج.

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

( سورة التوبة: 24 )
قدم الأب، في القربات قدم الأب.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)﴾

( سورة آل عمران: 14 )
قدمت المرأة.

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)﴾

( سورة عبس: 34 )
قدم الأخ.

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11)﴾

( سورة المعارج: 11 )
قدم الابن، مرة الابن، مرة الزوجة، مرة الأب، مرة الأخ، السارق قبل السارقة، والزانية قبل الزاني، والإنس قبل الجن في موضع، والجن قبل الإنس في موضع، واللهو قبل التجارة في موضع والتجارة قبل اللهو، يا ترى في علاقة بين ترتيب هذه الكلمات بعضها في بعض ؟ هل يستنبط من الترتيب حكم شرعي ؟ هل يستنبط من الترتيب معنى في القرآن الكريم ؟ لو أنه كلام البشر لا يستنبط، مرة قال إنس، مرة قال جن، إذا كان هذا كلام بشر، أما إذا كان هذا الكلام كلام خالق البشر في معنى دقيق، قدمت الزانية على الزاني لأن المرأة أقدر على الزنى من الرجل، لأنها هي السبب، هي تتبذل في ثيابها، تتمختر في مشيتها، تخضع بالقول في لسانها، فيطمع بها الزاني، فقدمت الزانية على الزاني لأنها هي السبب، لكن الرجل أقدر على السرقة من المرأة، في خرق السماوات والأرض قدم الجن.

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)﴾
أما في صياغة الكلام.

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾
إذاً في معرض صياغة الكلام والبلاغة، الإنس قدموا على الجن، في معرض خرق السماوات والأرض الجن قدمت على الإنس، في معرض الزنى قدمت المرأة، في معرض السرقة قدم الرجل، في مناسبة الاعتزاز الاجتماعي قدم الأب، أنا ابن فلان.

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾
في معرض الشهوة قدمت المرأة.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾

في معرض الاستعانة، الإنسان والده كبير، ووالدته كبيرة وابنه صغير، بمن يستعين الإنسان بأخيه.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)﴾
في معرض الفداء الابن أغلى شيء.

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11)﴾

إذاً في موضع الفداء الابن، موضع الاستعانة الأخ، موضع الشهوة المرأة، موضع الاعتزاز الأب، بخرق السماوات والأرض الجن بصياغة الكلام الإنس، بالزنى المرأة، بالسرقة الرجل.
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾

لا لهو بلا تجارة، اللهو يحتاج إلى مال وفير، والتجارة سبب جمع المال.
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾

أما الإنسان إذا ترك صلاة الجمعة لعلة التجارة أقل إثماً مما لو تركها لعلة اللهو.
﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾

معنى ذلك فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، إذا قرأت القرآن ينبغي أن تعلم أن كل حرف له معنى.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

( سورة البقرة: 286 )
كسب غير اكتسب، في عندنا قاعدة في اللغة أن كل زيادة في المبنى تقابلها زيادة في المعنى، فالسين غير سوف، السين للمستقبل القريب، أما سوف للمستقبل البعيد، كل زيادة في المبنى، تقابلها زيادة في المعنى.

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

الإنسان لمجرد أن ينبعث للعمل الصالح سجل له، أما إذا انبعث إلى عمل سيئ لا يسجل له إلا بعد أن يصر عليه، وبعد أن يفتخر به، وبعد أن لا يتوب منه، لم يتوب واستمر، وأصر، وافتخر به، عندئذٍ يسجل، فالفعل اكتسب يعني صار في إصرار، صار في تأكيد.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)﴾

(سورة الأنعام: 17)
الخير مراد، أما الشر غير مراد، الإنسان أيام يعالج ابنه بدواء مر ويبكي الابن، لكن الأب ليس من مراده إزعاج ابنه، لكنه مضطر إلى هذا الدواء، فقال:

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾

أما الخير مراد من الله عز وجل، ما قال لك وإن يمسسك بخير.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)﴾

الخير مراد، أما الشر غير مراداً.
في آية أخرى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85)﴾

( سورة النساء: 85 )
النصيب غير الكفل، النصيب إيجابي فيه عطاء، لك حصة، أما هنا أنت متحمل مسئولية، أنت كفيله، كل إنسان دل على معصية يتحمل مثل إثم من عصى.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾

لو قرأنا القرآن الكريم بهذه الدقة، زيادة حرف تعني شيء، نقصان حرف.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً (80)﴾

( سورة الإسراء: 80)
مدخل غير مُدخل، المدخل اسم مكان من أدخل.

﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾

الله هو الفعال.

﴿وَأَخْرِجْنِي﴾

والمخرج اسم مكان من أخرج، أما خرج مخرج، ودخل مدخل، لكن أدخل مدخل، وأخرج مخرج، لأن هذا الكلام كلام خالق الكون، ينبغي أن نقف عند كل جملة، وعند كل كلمة وعند كل حرف، وعند كل حركة، الله قال:
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)﴾

( سورة يوسف: 23 )
غلقت غير غلّقت، غلق الباب يعني جعله مغلق، أما غلّقه يعني أرتجه.

﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾

أردت من هذه الإشارات إلى أن يعرف الإنسان أن في هذا القرآن إعجازاً، أحياناً كلمة واحدة، أحياناً شدة، أحياناً حركة، مثلاً:
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

( سورة التوبة: 40 )
القرآن.

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

أنت بحسب اللغة.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

يا لطيف، لو أنك قلت كلمة لصار المعنى فاسداً، والمعنى لا يليق بحضرة الله عز وجل، لأن:
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

يعني كانت عليا فجعلها سفلى.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

يعني كانت سفلى فجعلها عليا!! أعوذ بالله، أما القرآن.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

دائماً، وقف.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

وقف.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

على الاستئناف، يعني كلمة الله هي العليا دائماً.
آيات كثيرة جداً يمكن أن نستنبط منها أحكام دقيقة من حركة، من تقديم، من تأخير مثلاً:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

قدم غض البصر على حفظ الفرج، لأن غض البصر طريق حفظ الفرج، إذا الإنسان أطلق بصره ربما وقع في الفاحشة الكبيرة ربما، لأن النظر سبب أساسي للفاحشة، فإذا غض الإنسان بصره حفظ نفسه من الفاحشة، فكان حفظ الفرج سببه غض البصر.
أيها الأخوة الكرام:
جدير بنا أن نقف عند دقائق القرآن الكريم كلمةً كلمة، وحركةً حركة.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

( سورة فاطر: 28 )
الله عز وجل بالمعنى الظاهر بدون إعراض، الله هو الفاعل، أما:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

العلماء فاعل مؤخر، هذا هو المعنى، أحياناً في إشارات أيضاً في كتاب الله، من هذا القبيل.
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾

( سورة الأعراف: 172 )
لو أنهم قالوا نعم لكفروا، إذا قلنا نعم، يعني نعم لست ربنا، أما إذا قلنا بلى، يعني أنت ربنا، نفي النفي إثبات، أما إذا قلت نعم أثبت النفي، نفيت النفي فأنت تثبت، أيضاً شيء دقيق جداً في كلام الله عز وجل، لذلك يجب أن نقف عند هذه اللفتات، هي لفتات لغوية، لأن الله عز وجل قال:

﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)﴾

( سورة الزخرف: 3 )
وقال:

﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)﴾

( سورة الشعراء: 195)
إذاً هذا القرآن الكريم أحد شروطه، ما أقول كل شروطه، أحد شروطه أن تكون متمكناً من هذه اللغة التي شرفها الله بأن جعل كلامه بها.

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾

الآن معنى هذه الآية ؛ أخوانا الكرام في عندنا أشياء ثلاثة، لابد من أن يكون الإيمان بها عقلياً في عندنا أشياء أخرى يكون الإيمان بها تصديقياً، الإيمان بالله خالقاً، ورباً، ومسيراً، الإيمان بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، الإيمان بأسمائه الحسنى من خلال النظر في خلق السماوات والأرض، هذا لا يكون إلا عن طريق العقل.
﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾

(سورة يس: 68 )

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155)﴾

(سورة الصافات: 155)

﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)﴾

(سورة الأنعام: 50)

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

( سورة آل عمران: 190 )
أولاً: الإيمان بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وخالقاً، ورباً ومسيراً، الإيمان بأسمائه الحسنة، يحتاج إلى تفكر في خلق السماوات والأرض.
ثانياً: أما الإيمان بكتابه أيضاً يحتاج إلى إعمال عقلٍ فيه، لأن فيه إعجازاً، ممكن القرآن يقول غلبت الروم في أدنى الأرض، هل كان أحد يعلم في عهد النبي، أن أخفض نقطة على الإطلاق في الأرض بالقياس بالليزر في غور فلسطين ؟ وهذه المعركة جرت في غور فلسطين، هذا إعجاز علمي.

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

(سورة النمل: 88)
من كان يعلم أن الأرض تدور، سرعة الجبل عند خط الاستواء 1500 كيلو متر بالساعة، أسرع من طائرة الكون كورد.

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾

هذا في دورتها حول نفسها، أما في مسيرها حول الشمس كل ثانية ثلاثين كيلو متر، إعجاز.
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾

( سورة الحج: 27 )
ما قال بعيد، قال عميق، والله بعيد أوضح ! لا قال عميق الأرض كره معناها، كلما ابتعدت عن نقطة صار في عمق، العمق أبلغ من العمق في الكرة، في آيات كثيرة جداً تؤكد أن هذا القرآن ليس كلام البشر، إذاً ما السبيل إلى الإيمان أن هذا القرآن كلام الله ؟ إعجازه إعجاز علمي ـ إعجاز تشريعي ـ إعجاز غيبي ـ غيب الماضي، غيب الحاضر، غيب المستقبل، إعجاز بلاغي، إعجاز تربوي، كل شيء فيه.
الشيء الثالث: الذي جاء بهذا الكتاب المعجز من هو ؟ رسول الله، إذاً بالعقل نؤمن بوجود الله، وكماله، ووحدانيته، وبكلامه. وبرسالة رسوله، وانتهى دور العقل، وجاء دور النقل، الله قال لك:

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾

( سورة المائدة: 3 )
انتهى حرام، تحب أن تفهم الحكمة ما في مانع، لكنها حرام قولاً واحداً، الخنزير حرام، فلإنسان له دور في الإيمان بعقله، وله دور في التلقي عن الله عز وجل، فبعد أن آمنت بالله، ورسوله، وقرآنه بعقلك الآن ينتهي دور العقل، ويبدأ دور التصديق، فلإنسان إذا أعمل عقله في النقل ممحصاً فقد أعلن عن شكه بهذا النقل، في أشياء للتصديق، في أشياء للتحقيق.

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)﴾











والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الكهف (18 )

الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
كلما مرت بكم قصة في كتاب الله عز وجل، يجب أن تعلموا علم اليقين، أن هذه ليست بقصة كما نتوهم، إنما هي حقائق، وقواعد صيغت على شكل حوادث، وحوارات، فالله سبحانه وتعالى أراد من هذه القصة أن نستنبط منها القوانين، أوضح لكم هذا بمثل من غير قصة سيدنا يونس حينما وقع في البحر، ودخل في بطن الحوت، وكان في ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )

هذه هي القصة، لكن الله سبحانه وتعالى أرادها أن تكون قانوناً قال:
﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

يعني أي مؤمن إلى آخر الدوران، إذا نادنا، داعياً، منيباً، ملتجأً وعقد الأمل علينا، وأخلص في دعائه وتاب من ذنبه، ننجيه، الله سبحانه وتعالى ما أراد أن يحكي لنا قصة هذا النبي الكريم لنستمتع بها كبداية، وعقدة، ونهاية، وحوادث وحوار، وتحليل شخصية، ورسم شخصيات، لا، أراد أن تكون هذه القصة حقيقةً على شكل قصة، لذلك كلما قرأنا قصة في كتاب الله ينبغي أن نستنبط منها القواعد، والقوانين التي توعيننا على التحرك وفق منهج الله عز وجل.
ننتقل اليوم إلى سورة الكهف، الآية التاسعة وما بعدها، هؤلاء الفتية الذين لجئوا إلى الله عز وجل.
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً (12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)﴾

﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾

وقد يسأل سائل أين الكهف حتى نؤوي إليه، بيتك هو الكهف، ومسجدك هو الكهف، وكلما اعتزلت الفسق والفجور فأنت في كهف وورد في الحديث القدسي، ودققوا في هذا الحديث أن عبادة الله في الهرج ؛ في زمن الفتن، هجرة إلي، عبادة الله في الهرج ؛ والهرج كثرة الفتن، هجرة إلي، فإذا أردنا أن نأخذ موقفاً عملياً من هذه القصة الذي أتمنى على الله عز وجل أن كل مؤمن إذا قرأ قصة، أو قرأ آية يجب أن ينطلق من الفائدة العملية بالنسبة إليه، أنا ماذا يعنيني أن هؤلاء الفتية آووا إلى الكهف ؟ يعنيني أنني إذا كنت في زمن الفتن، ونساء كاسيات، عاريات، واختلاط، وفجور، وكذب، وغيبة، ونميمة، وما إلى ذلك، وكسب مال حرام، هذا المجتمع الجاهل المنقطع عن الله عز وجل، علي أن أنسحب منه لأكون مع مجتمع مؤمن، فلذلك ربنا عز وجل يقول:
﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾
عطاء الله كله بأنواعه المتنوعة، من صحة، إلى طمأنينة، إلى أمن شعور بالأمن، إلى مكانة، إلى سعادة زوجية، إلى علاقة بأولاد أبرار، إلى تجلي يلقى في قلبك فيبعث في نفسك السعادة، عطاء الله كله مختصر كل في كلمة، " رحمة ".

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

(سورة هود: 119)

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)﴾

(سورة آل عمران: 157)

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾

(سورة الحجرات: 10)

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79)﴾

( سورة الإسراء: 78 )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

(سورة الحج: 77)

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

( سورة الزخرف: 32 )
يبدو من آيات كثيرة تزيد عن مأتيين آية، أن طاعتك، واستقامتك، وصلاتك، وصيامك، وحجك، وزكاتك، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وتربية أولادك، أن كل أمر تأتمر به سواء كان تعبدياً، أو أمراً تعاملياً، من أجل أن تتصل بالله، فإذا اتصلت بالله يرحمك، يرحمك بسعادة نفسية، وتوفيق، ونصر، وتأييد وما إلى ذلك، إذاً:

﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)﴾

(سورة آل عمران)

لو جمعت الملايين المملينة رحمة ربك خير، لو بلغت أعلى مراتب الدنيا، رحمة ربك خير، إذاً أنت مخلوق لرحمة الله، فإذا أويت إلى الكهف، أويت إلى مكان طاهر، إلى مكان نظيف، إلى أخوة كرام، إلى مجلس علم، إلى فهم كتاب، إلى فهم سنة، أنت أويت إلى الكهف، إذا جلست في بيتك بعيداً عن المعاصي والآثام، وتلوت القرآن فأنت في كهف، ورحمة الله لا تكون إلا إذا أويت إلى الله، إما في بيتك، وإما في مسجدك.

﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾

لما كان النبي يدخل المسجد ماذا يقول ؟ كان يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، معنى أنت إذا دخلت إلى بيت الله من أجل أن تصلي أو من أجل أن تتلو كتاب الله، أو من أجل أن تستمع إلى مجلس علم، أنت أويت إلى رحمة الله، فكان عليه الصلاة والسلام إذا خرج من المسجد يقول: اللهم افتح لي أبواب فضلك، أنت بين حالين لا ثالث لهما إما أنك في بيت الله تتلقى رحمة الله، وإما أنك خارج بيت الله تفعل خير، الإنسان الراقي إما أنه في بيت من بيوت الله يتلقى رحمة الله، وإما هو في الحياة العامة يخدم الناس، حتى إذا جاء أجله كان من السعداء، قال:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾
الهدى أربع أنواع، من أنواعه:
الهداية الأولى: أن الله سبحانه وتعالى أعطاك هداية عامة، أعطاك عين ترى بها، أعطاك أذن، أعطاك دماغ كي تفكر، أعطاك إحساس، أعطاك حاسة شم، أعطاك حاسة نطق، سمح للإنسان أن يتكلم، أعطاك قدرة فهم، هذا هو الهدى العام، الفاكهة لها لون تنضج به، إذا نضجت هناك لون يدل على نضجها، هذه علامة، إذا الإنسان عنده التهاب بأمعائه في حرارة، إذا في عنده ضيق في شرايينه في وجع رأس، فكل ظاهرة في الجسم يقابلها علامة، والعلامة هداية، العنب حتى يسود، الحنطة حتى تشتد، كل فاكهة، وكل محصول له علامة نضج، وكل تبدل في جسم الإنسان له علامة، لولا هذه العلامات لما أمكن لهذا الطبيب أن يعالج مريضاً، هذه هداية العامة أعطاك حواس، وعمل للأشياء علامات، أعطاك حواس، وأعطاك فكر، وخلق لكل حواس علامة، هذه هداية عامة.
الهداية الثانية: هداية الوحي، أوحى الله إلى نبيه هذا الكتاب هذه هداية، خطاب السماء إلى الأرض.
الهداية الثالثة: أنك إذا قبلت هذه الهداية مبدئياً فالله سبحانه وتعالى يتولى شؤونك من مرتبة إلى مرتبة، ومن منزلة إلى منزلة .

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾

هذه هداية التوفيق، يا رب دلني بك عليك، الله جمعك مع أهل الحق، يا رب استخدمني في الخير الله أعطاك مال وقال لك افعل خير أنت أردت من الله أن يكون لك عمل صالح جعل حوائج الناس عندك هذه هداية التوفيق، هداية عامة وهداية الوحي، وهداية التوفيق.
الهداية الرابعة: هداية الجنة.
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

( سورة محمد: 5 )
إذاً: هداية عامة، هداية الوحي، هداية التوفيق، هداية الجنة.

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) ﴾

معنى ذلك أن العبد إذا تقرب إلى الله شبراً، تقرب الله منه ذراعاً وإذا تقرب العبد من الله ذراعاً تقرب الله منه باعاً، وإذا أتيت ربك مشياً أتاك الله هرولةً، يعني إذا فيك ذرة خير الله ينميها، يشجعك، يوفقك يتجلى على قلبك، ييسر لك أمورك، من أجل أن تقترب منه، لا كما يفهم عامة الناس، أن الله كاتب عليه الشقاء من الأزل، وانتهى الأمر، قد ما حاول ما في خواص، باصات معدودة، بأماكن محدودة، هذا كل هذا الكلام خلط، هذا كلام شياطين الله عز وجل أرادك أن تكون مؤمناً، ثم يقول الله عز وجل:
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾

إذا عبد غير الله يجب أن تعتزل هؤلاء أما إذا عبدوا الله ينبغي أن تكون معهم، لذلك القاعدة: الوحدة خير من الجليس السوء، لكن الجليس الصالح خير من الوحدة، يعني أنت يفضل مليون مرة أن تبقى في بيتك عن مكان فيه اختلاط، أو فيه غيبة، أو فيه نميمة، أو فيه فسق، أو فيه فجور، أو فيه لعب نرد مثلاً، أو فيه عمل لا يرضي الله، وأفضل ألف مرة أن تكون في مسجد تستمع إلى مجلس علم من أن تبقى وحدك في البيت، الجليس الصالح خير من الوحدة، لكن الوحدة خير من الجليس السوء.
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾
أما:

﴿إِلَّا اللَّهَ﴾
لو أنهم عبدوا غير الله يجب أن تعتزلوا.

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾
معناها الإنسان كل يوم يكون له جلسة مع الله تسميها كهف في غرفة الضيوف، بزاوية بالمسجد بعد صلاة الفجر، إما أن تذكر الله وإما أن تسبحه، وإما أن تتلو القرآن، وإما أن تتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وإما أن تدعوه، والأفضل أن تجمع بينها جميعاً فقرة دعاء، وفقرة تفكر، وفقرة ذكر، وفقرة تلاوة قرآن.

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78)﴾

(سورة الإسراء: 78)
هذه الجلسة الصباحية هي الكهف، وهي التي يهيئ من خلالها أن يلقي الله بقلبك رحمته.

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾

الملخص: أن الإنسان عليه أن يكون مع المؤمنين، أن يكون معهم، أن يطلب العلم معهم، أن يستشير من يثق بدينه، في أمر دنياه وعندك آيتين، الأولى:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

(سورة الفرقان: 59)

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)﴾

(سورة الأنبياء: 7)
قضية متعلقة بالدنيا اسأل أهل الخبرة من المؤمنين، إذا استشرت الرجال استعرت عقولهم، أما إذا القضية متعلقة بالآخرة.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾
اسأل إنسان تثق بعلمه وإخلاصه، من أجل أن لا تكون وحدك بالحياة، من أجل أن لا تقع ضحية جهل فاضح، الواحد أحياناً يلاقي قنبلة يا ترى منزوعة الفتيل أم لم تكن منزوعة الفتيل ؟ سأختبرها بنفسي هذه مشكلة كبيرة، يزوج أن تطلع قنبلة، وتنفجر، ما عاد في بالحياة ثانية تستفيد من هذا الدرس، أما اسأل خبير، يأتوا خبراء ألغام، إذا كان في معركة سابقة، في بقايا ألغام يأتون بخبراء ألغام، والخبير يعرف، فالإنسان عليه أن يسأل، ومفتاح العلم السؤال، و إذا استشرت الرجال استعرت عقولهم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:26 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الكهف (18 )

الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
في سورة الكهف آية في حد ذاتها تنصب على معناً جزئي من معاني هذه السورة، إلا أنه يقاس عليها أشياء كثيرة، يقول الله عز وجل:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22) ﴾
طيب يا رب لما لم تذكر كم هم بالضبط ؟ ما ذكر الله عز وجل ذكر اختلاف الأقوال في عددهم، ولم يذكر العدد، الحقيقة هذا الموضوع يقودنا إلى موضوع دقيق جداً، الموضوع الدقيق أن الإنسان له حواس خمس، وفي أمامه واقع، فهذا الواقع الذي أمامه، أداة إدراكه الحواس الخمس، الشيء الذي له صوت يسمع بالأذن، الذي له رائحة يشم بالأنف، الذي له ملمس يلمس بالجلد، الذي له صورة يرى بالعين، الشيء التي ظهرت عينه، الشيء له حيز، له وزن، له طول له عرض، له ارتفاع، له لون، سبيل إدراكه الحواس الخمس، هذا اسمه اليقين الحسي، الآن الشيء غابت ذاته، وبقيت آثاره، نحن جميعاً نوقن يقيناً قطعياً أن في هذا المسجد كهرباء، مع أننا جميعاً لا نراها ولا نستطيع أن نراها، لكن نرى المصابيح متألقة، نرى تكبير الصوت في الصيف نسمع صوت المكيف، صوت المكيف مع برودته، وتكبير الصوت، وتألق المصابيح، دليل قطعي على وجود الكهرباء، مع أننا لم نراها، الكهرباء غابت عينها، بقيت آثارها، مثل الأداة المكلفة باكتشاف ما وراء الآثار، هو العقل، لذلك الإيمان بالله عز وجل لا عن طريق الحواس، لقوله تعالى:

﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾

( سورة الأنعام: 103)

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾

( سورة الغاشية: 17 )

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾

(سورة يس: 68)

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)﴾

(سورة يونس: 101)

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

(سورة عبس: 24)

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾

(سورة الطارق: 5)

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105)﴾

(سورة يوسف: 105)
الله سبحانه وتعالى سبيل معرفته الوحيد عن طريق العقل من خلال الكون، هذا اسمه الاستدلال، هذا اسمه اليقين الاستدلالي، وكذلك الإيمان بالأنبياء، وكذلك الإيمان بالقرآن، القرآن من خلال إعجازه والأنبياء من خلال الكتب السماوية، والله من خلال الكون، لكن الآن دققوا، إذا غابت عين الشيء، وغابت آثاره معاً، عين الشيء نراها بالحواس، وإذا غابت عينه، وبقيت آثاره نرى الشيء بالعقل، أما إذا غابت عنا عين الشيء وآثاره، الجن، الملائكة، اليوم الآخر، الماضي السحيق، المستقبل البعيد، هذه الموضوعات لا سبيل إلى معرفتها إلا بالخبر الصادق، أكبر أخطاء المسلمين أن موضوعاً ينبغي أن يسلم له لله عز وجل يحكمون عقولهم فيه، وأن موضوعاً ينبغي أن تفكر فيه تسلم تسليماً.
لذلك النبي الكريم يقول:
(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

تقريباً للتقريب، بقالية فيها عشرة آلاف صنف، في ميزان حساس إلكتروني مع ذاكرة، غالي كثير، هذا الميزان على أنه غالي الثمن، وحساس جداً، وفيه ميزات كبيرة، إلا أن طاقته من خمسين غرام، إلى خمسين كيلو، فإذا أردت أن تزين به سيارتك تكسره، هذا الميزان لم يصنع من أجل سيارتك، هذا صنع من أجل هذه البقالية، فإذا استخدمته ضمن هذه الشروط يؤدي أعلى النتائج.
فكل إنسان حكم عقله في ذات الله يهلك، أخي أنا إذا ما في دليل قطعي على الملائكة لا أؤمن، ما في دليل قطعي، الإيمان بالملائكة إيمان إخباري، إذا أمنت بالله إيماناً يقينياً بوجوده، وأمنت بنبيه، وأمنت بكلامه، القرآن أخبرك أن هناك ملائكة، الإيمان بالملائكة إيمان تصديقي، أما الإيمان بالله إيمان تحقيقي، أيام الإنسان من جهله يريد إيمان تحقيقي على الإيمان بالملائكة، وعلى الإيمان بالله يقول لك على الفطرة، يجب أن تطالب نفسك بالدليل التحقيقي على وجود الله، وعلى ربوبيته، وعلى ألوهيته، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى وحدانيته، وأن تسلم فيما أخبرك به.
الآن لما ربنا عز وجل يذكر لنا بعض القصص في كتاب الله، الآن دققوا، ذكر معلومات محددة، مثلاً، أغفل اسم فلان، أغفل المكان، أغفل الزمان، أغفل التفصيلات، نحن بخطأ منا فاحش نسعى جهدنا لمعرفة الأسماء، والأمكنة، والأزمنة، والتفاصيل، وماذا حصل بعد ذلك، يا ترى يوسف تزوجها أم لم يتزوجها لامرأة العزيز ؟ وماذا اسمها إزديخا فعلاً ؟ لما الإنسان يطلب تفاصيل، وجزئيات، وأسماء وأماكن، وأزمنة، ما ذكرها الله إطلاقاً، هذا الإنسان يرد أن يفسد على الله حكمته، لأن الله عز وجل أراد من هذه القصة أن تكون نموذج متكرر، أنت أردتها أن تكون قصةً، وتاريخاً، والآية دقيقة جداً في نقطة أحب أن تكون واضحة عندكم، النبي قال مثلاً:
((تجب الزكاة بالقمح، والشعير، والتمر، والزبيب))
فقط، ويلي عنده مزرعة كرز و مضمنها بمليون ليرة، قال ما عليها زكاة ! يلي عنده مزرعة تفاح ويلي زارع الفريز مثلاً، في أشياء غالية جداً قال ما عليها زكاة ! من قال لك ذلك ؟ العلماء قالوا: تجب الزكاة في علتها لا في عينها، ما علتها ؟ أنها محصول ثمين، لما الله عز وجل ذكر هذه القصة تقيس عليها مليون موضوع، لا تطلب تفاصيل، الله ما ذكرها.
يعني قلت أنا لو أستاذ جامعة أراد أن يبين للطلاب عوامل نجاح التجارة، قال: لي صديق اشترى محل في مكان مزدحم، واشترى بضاعة أساسية في حياة المواطن، غذاء مثلاً، اختار أفضل الأنواع، وضع سعر معتدل، ما دين، كان طيب المعاملة، هذه عوامل نجاح التجارة، الأستاذ لأنه بليغ وأديب، صاغ هذه العوامل على شكل قصة، قام طالب ورفع إصبعه قال له أستاذ هذا صاحبك أبيض لما أسمر ؟ معناه لم يفهم الدرس بالمرة طويل لما قصير ؟ ما اسمه ؟ في أي سوق محله، كل هذه الأسئلة ليست مقصودة، مغزى القصة أن عوامل نجاح التجارة مكان فيه ازدحام، البضاعة أساسية، النوع جيد، السعر معتدل لا تدين، وأن تكون طيب المعاملة، هذا النجاح.
لا تفسد على الله حكمته، لا تطلب تفاصيل أهل الكهف.

﴿آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)﴾
أهل الكهف اعتزلوا مجتمعهم المنحرف، أنت اعتكف في بيتك، وفي مسجدك، ودع الأماكن الموبوءة، هذا المغزى من القصة، لا تقول كم واحد كانوا ؟ ربنا عز وجل ما أراد أن يجيب عن هذا، لأن قال كلمة هم سبعة، وانتهى الأمر، لا لم يقول لك قال:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (22)﴾

أخي من هو ذو القرنين ؟ لا أعرف ؟ يا ترى اسكندر المخزومي ؟ لا أعرف، بأي بلاد ظهر ؟ بما وراء النهر ؟ لا أعرف والله، ولا أريد أن أعرف، لأن الله عز وجل ما أرادني أن أبحث بالتفاصيل التي لا تعنيني، أما أرادني أن أستنبط من هذه القصة أنه يمكن أن يكون هناك ملك، وله عند الله مكان رفيع جداً لعدالته وإحسانه، هذا المغزى.
لذلك نحن في عندنا في حياتنا الآن يقين حسي، يقين استدلالي يقين إخباري، إذا قضية مع اليقين الإخباري، لا تنقلها إلى اليقين العقلي دعها في اليقين الإخباري، اكتفي بما قاله الله عز وجل، لذلك قالوا العلماء: أية زيادة على الخبر الصادق، فهي زيادة ظنية، أخي أهل الجنة كيف يعيشون ؟ لا نعرف، لا نقول إلا ما قاله الله عز وجل.

﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْئُولاً (16)﴾

( سورة الفرقان: 16)
يتغوضون ؟ لا أعرف معناها، لا يأكلون ! طيب قال الله يأكلون ! الجنة لها نظام آخر، غير نظامنا، نظام آخر مستقل.
في ساعة يسمونها بيانية، وساعة عقارب، أستاذ هذه الإلكترونية ما لها أسنان ؟ نظام ثاني هذا، ما في أسنان هنا، طيب كيف بدون أسنان ؟ ما لها محاور، لا، هذه نظام إلكتروني، هذه لوحة كريستال هذا موضوع ثاني.
الجنة موضوع ثاني غير موضوعنا، لا تنقل موضوع لموضوع لا تدخل موضوع بموضوع، موضوع الإخباري دعه إخباري موضوع العقلي دعه عقلي، الحسي دعه حسي، أما لما الإنسان ينقل موضوع لموضوع يقع بإشكال وهذه الآية من أدق ما يكون، أنت اكتفي بما قاله الله عز وجل، اسكت عما سكت عنه الله، وابحث فيما أمرك الله أن تبحث به، قال لك:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

(سورة آل عمران: ـ 190 ـ191)
قال لك فكر بالمخلوقات، فكر بها، بالذات لا تفكر، تجن، مثل ورقة سيجارة سنضعها في فرن صهر الحديد، أخي شو صار بها، من الوهج تبخرت، انتهت من الوهج.

﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾

(سورة الأعراف: 143)
لا تقرب على ذات الله، لا تطلب الغيوب الثلاثة، الماضي والمستقبل، والحاضر، لا تطلب تفاصيل، يلي الله ذكره اكتفي به، هذا هو الإيمان، والصحابة الكرام رضي الله عنهم بلغوا أعلى المراتب دون أن يقحموا أنفسهم بموضوعات نهاهم الله عنها، الدين عقدنا ! لا نحن عقدنا الدين، الدين واضح، والدين عملي، الدين مثل الهواء للإنسان، نحن عقدناه وعملنا الهواء مقنن، الأمور بسيطة جداً، قول أمنت بالله ثم استقم، قال له عظني ولا تطول قال له:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7)﴾
نحن عندنا مائة صفحة، وعندنا تفاسير وخطب وأشرطة، وكتب، قال له كفيت وقال النبي فقه الرجل، بدوي تكفيه آية واحدة بالقرآن الكريم، والنبي يقول فقه الرجل، ما قال فقيه، قال فقه، يعني صار فقيهاً وبآية واحدة ونحن نقرأ القرآن كله وتفسيره، وأراء العلماء، والكاسيت، والخطب، ما بدها عيّ الشغلة، بدها استقامة، وبدها إخلاص، وبدها تقرب إلى الله عز وجل.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الكهف (18 )

الدرس الثالث




لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
في سورة الكهف آية كريمة رقمها سبعة وعشرون، يقول الله عز وجل:
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27) ﴾

كلمات الله عز وجل في أرجح الأقوال هي سننه، وبالتعبير المعاصر ؛ القوانين التي يعامل الله بها عباده، وحينما نقرأ القرآن الكريم ينبغي أن نفهمه، وينبغي أن نتدبره، والتدبر أن تدرس هذا القرآن الكريم دراسة نوعية، هناك آيات أمر، وهناك آيات نهي، وهناك آيات وعد، وهناك آيات وعيد، وهناك وصف للجنة، وهناك وصف للنار، وهناك غيب الماضي، وهناك غيب الحاضر، وهناك غيب المستقبل، وهناك قصص الأنبياء السابقين، وهناك حلال، وهناك حرام، وهناك قوانين، حبذا لو أن المؤمن وهو يقرأ القرآن يكتشف هذه القوانين، أو حبذا أن تقرأ القرآن مرتين، مرةً قراءةً تعبديةً تتلوه، ومرةً قراءة تدبر تقف عند آياته آيةً آية، فهذه الآية:
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾
ما هذه الكلمات ؟ مثلاً:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

(سورة يوسف: 52)
هذا قانون، أية خيانة على وجه الأرض لا بد من أن يفضها الله عز وجل في أي موضوع، وفي أي زمان، وفي أي مكان.

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)﴾

(سورة يونس: 33)
الفاسق لا يؤمن.

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

(سورة النحل: 97)
قانون.

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

(سورة طه: 124)
قانون.

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)﴾

(سورة آل عمران: 151)
قانون.

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)﴾

(سورة الزمر: 61)
المتقي يفوز، وينجو دائماً، قانون.

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

(سورة الأنبياء: ـ 87 ـ 88)
قانون.
آيات كثيرة جداً، لكن المطلوب أنك إذا قرأت القرآن أن تكتشف هذه القوانين، وحبذا لو تكتبها، هذه المدارسة، هذا التدبر، إذا في عندك مجموعة قوانين من قبل خالق الكون.

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)﴾

(سورة سباء: 39)
قانون.

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

(سورة النساء: 142)
أية مخادعة لله تعود على الإنسان.

﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾

( سورة الفتح: 10 )
قانون، ممكن أن نستنبط القوانين، الحقيقة قد تكون صياغة، صيغتها شرط، من يفعل كذا يلقى كذا، صياغة شرطية.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً (36)﴾

(سورة الأحزاب: 36)
قانون، بمجرد أن تضع قضية بث فيها الشرع الله عز وجل قضى فيها حكمه على بساط البحث فأنت لست مؤمناً، لمجرد، يعني إذا الله حرم شيء خلص حرام، هذه قانون.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)﴾

(سورة النور: 19)
ما فعل شيء، ما تكلم، فقط أراد أن تشيع الفاحشة في الذين أمنوا وضع نفسه مع المنافقين، لا أريد أن أستقصي، لكن ذكرت بعض الأمثلة، حبذا لو أننا قرأنا بعض الآيات، وتفهمناها، وكتبناها على دفتر خاص، وتأملنا بها، فهذه القوانين التي يتعامل الله بها معنا، الله عز وجل يتعامل مع عباده وفق سنن، ممكن نسميها سنن، ممكن نسميها قوانين، القرآن سماها كلمات.

﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27)﴾
يعني زوال الكون أهون من أن يبدل قانون الله عز وجل، يعني إذا قال الله لك:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
إذا في إنسان واحد بالأرض من آدم إلى يوم القيامة أعرض عن ذكر الله وكان سعيداً فالقرآن ليس كلام الله مستحيل، قد يكون غني، يوجد ضيق القلب، ليس شرط المعيشة الضنك هي الفقر، لا، قد يكون غني، وقد يكون قوي، لكنه ليس سعيد، في ضيق بقلب الكافر، ولو كان غنياً، أو قوياً لو وزع على أهل بلد لكفاهم ما هذا القانون ؟

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
أي مؤمن إذا عمل صالحاً، وأمن بالله عز وجل له عند الله حياة طيبة بأي عصر، بأي قطر، بأي زمان، بأي مكان، بظروف صعبة، غير صعبة، بالحرب، بالسلم، المعرض:

﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
والمؤمن.

﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
قانون، فالله سبحانه وتعالى نسأله أن يلهمنا كشف القوانين، والقضية سهلة.

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾

في ألف قصة، مليون قصة، إنسان رسم خطة مبنية على الخيانة، الله عز وجل في وقت مناسب يمكن يعطيه مجال فترة، لكن في وقت معين تكشف هذه الخيانة، يفتضح، يسقط، ولو سمعت القصص التي تداولها الناس تجد مصداق لهذه الآية على أتفه سبب كشفت خيانته.
سمعت في بعض الأقطار العربية تاجر يأتي بلحوم مستوردة، ومنته مفعولها يغير اللصاقة عليها، وربح ملايين، العمال نسو أن يبدلوا علبة واحدة كشفت العملية، طلع قانون في مصر الآن الغش التجاري، وافتضح الإنسان، وأودع في السجن لأنه يغش المسلمين، يأتي ببضاعة فاسدة ويغير لصاقتها، هذه خيانة لا يمكن إلا وأن يفتضح فإذا الإنسان فهم على الله، الخيانة مصيرها الفضيحة، خلص لا يخون.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52)﴾
إذا فهم أن الفاسق لا يؤمن.

﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)﴾
معنى ذلك لما تقرأ الآية صنفها هي أمر، هي نهي، هي حلال، هي حرام، هي وعد، هي وعيد، هي بشرى، هي نذير، هي غيب الماضي، هي غيب الحاضر، هي غيب المستقبل، هي مشاهد يوم القيامة، هي موضوعات إخبارية، هي موضوعات عقلانية، هذا قانون مستقل.

﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (27)﴾

بعدين إذا كان في قانون إيجابي ينطبق عليك أنت من أسعد الناس هذا القول الثابت، أيام بقلك هذه القضية لا يمكن أن تقبل بها الواسطة، أيام يكون في قاعدة معينة، مثلاً العلامات الفلانية طب، ما في واسطة، أيام يكون الأب أستاذ بالجامعة، ليس مسموح له في القوانين تأخذ القاعدة الحتم، والاطراد فأنت إذا رأيت نفسك القانون ينطبق عليك، رأيت نفسك مستقيم، وتخشى الله، والله وعد المستقيم بالدنيا بحياة طيبة، هذا القول الثابت ألم يقل الله:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾

(سورة إبراهيم: 27)
هذا القول الثابت، أيام يكون الواحد معتمد على مادة بالقانون بقلك يطلعه من البيت بخليه، أيام يعتمد بالاجتهاد على محكمة النقد تلاقيه شديد، من أين جاء بالثقة بنفسه، من الاجتهاد لمحكمة النقد، إذا القانون لصالحة تلاقيه يمشي بالعرض، إذا كانت آية قرآنية تنطبق عليك أنت دخلك حلال، معناها الشغلة كبيرة كثير، الله وعدك بالتوفيق، إذا كان تتحرج أن تعصي الله عز وجل، وفي مشكلة ثانية إذا كان القانون ينطبق عليك سلبياً شغلة كبيرة كثير، إذا كان في إنسان عما يخالف أمر الله عز وجل، والله وعد العاصي بالتدمير، مثلاً:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾

(سورة البقرة: 276)
وماله بعد لم يمحق، الشغلة خطيرة، ينطبق على هذا الإنسان القانون السلبي، والله توعده بمحق ماله، ففي أصبح عندنا نقطتين، أن تكشف القانون، وتقول أين أنا من هذا القانون، في عندنا نقطتان، أن تكتشف القوانين من كتاب الله، ثم أن تضع نفسك بشكل موضوعي، يا ترى أنا ينطبق علي هذا القانون ؟ أم هذا القانون ؟

﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

(سورة النساء: 142)
المنافقون، أنا ينطبق عليّ هذا القانون ؟

﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)﴾

(سورة التوبة: 54)
أما المؤمنين:

﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)﴾

(سورة التوبة: 92)
انظر هذه قاعدة، المؤمن إذا ما تمكن ينفق يتألم، يبكي والمنافق إذا حاييته، وأخذت منه مبلغ لله ينزعج، تلاقيه ينزعج انزعاج شديد، انزعاج الإنسان، هو قانون النفاق، إذا واحد قام إلى الصلاة بنشاط دليل إيمانه، قام بتكاسل دليل نفاقه، إذا كان المؤمن أصابه خير وفرح دليل إيمانه، أصابه شر وفرح دليل نفاقه.
إذاً الإنسان يقرأ كلام الله قراءة جادة، يفهم أبعاده، ويقيم نفسه نقرأ نكتشف القوانين، نقيم أنفسنا من خلال هذه القوانين، فإذا كانت القوانين تنطبق عليك إيجابياً فأنت من أهل السعادة، لذلك:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)﴾

(سورة الأحقاف: 13)
وهذه من قوانين ربنا عز وجل،

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

(سورة طه: 123)

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

(سورة البقرة: 38)
هذا قانون، واحد سار على منهج الله، لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، إذاً المفضل أن نقرأ القرآن مرتين، مرة قراءة تعبد، ومرة قراءة تدبر، قراءة التعبد مسعدة، لكن قراءة التدبر عميقة جداً، اقرأ كل يوم خمس صفحات تعبداً، واقرأ باليوم آيتين فقط تدبراً، اقرأ الآية مرتين، ثلاثة توقف عند كلماتها مثلً:

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء﴾

( سورة ص: 24 )
من هم الخلطاء ؟ الشركاء، الأزواج، الأصدقاء، كل إنسان خالط إنسان هم الخلطاء.

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾

معناها إذا كان ممكن تأخذ حصة شريكك بأسلوب احتيال مالك مؤمن، أما إذا وقفت عند حدودك أنت مؤمن، يا ترى على مستوى زواج، على مستوى جوار، على مستوى شراكه، أي خليطين إذا بغى أحدهما على الآخر، هذا عدم إيمانه بالآية الكريمة.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾
معناها المؤمنين لا يبغوا أحدهم على بعضهم بعضاً، قانون هذا، يعني كثير شيء ممتع أن تكشف قوانين ربنا بالقرآن الكريم شيء دقيق جداً تكشف، وتقيم نفسك، وإذا كان في قوانين تنطبق عليك إيجابياً أنت من أسعد الناس هذا القول الثابت.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾
أيام بكون في مادة لمصلحتك بالقانون تلاقي نفسك مطمئن، يا ترى أيهما أشد طمأنينةً أن تطمئنك مادة ويمكن لا تطبق عليك، بقلك والله ما بقي شاغر، أو والله لم يوافقوا، لا نعرف لماذا، أما آية قرآنية تطبق عليك.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾

(سورة محمد)
قانون، ما ذكرت إلا بعض الذي خطر في بالي، لمجرد أن تنصر دين الله ينصرك، قاعدة.
قانون ثاني:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

(سورة النور: 55)
قانون الاستخلاف.

﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

هذا قانون.
أيها الأخوة الكرام:
الإنسان إذا يكتشف شيء بذاته يسعد به، الآن النظرية الحديثة ليست هي التعليم، بل هي التعلم، الواحد يقرأ، إذا كان قرأ كل يوم صفحة صفحتين قراءة تدبر كشف القوانين، وكتبها على دفتر، وقرأها مراراً، وتفاعل معها، وفهم أبعادها، عندئذٍ طبقها خائف، والخوف أحد أسبابه الشرك.
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا﴾
وأحد أسبابه معرفة الله عز وجل، ورأس الحكمة مخافة الله، شوف خوفك من أي نوع، خوف معرفة، لما خوف شرك، الذي يعرف الله يخافه كثيراً، لأنه يعرف عدالته، ويلي أشرك به يخافه.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الكهف (18 )

الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
قصة سيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام، وردت في سورة الكهف، وينبغي أن نعلم علم اليقين، أن أية قصة في القرآن الكريم ليست مقصودة لذاتها، إنما هي مقصودة للقواعد التي تستنبط منها فالقصة معروفة لا تحتاج إلى تفاصيل، ولكن ماذا يمكن أن نستنبط منها ؟.
أيها الأخوة: من الثابت أن الأنبياء الكرام جاءوا بالشريعة وسيدنا موسى نبيٌ كريم من أولي العزم، وهو يمثل أمر الله التكليفي التشريعي، لكن هذا الرجل الصالح الذي هو في أرجح الأقوال نبي وهناك أدلة على ذلك، سيدنا الخضر، هذا لا يمثل الأمر التشريعي إنما يمثل الأمر التكويني.
يعني الله عز وجل له أمر، وله فعل، الأمر التشريعي أمره، أما الأمر التكويني فعله، يعني مثلاً طريق نكتب عليه لوحة حمراء فيها مستطيل أبيض، في وسطها ممنوع المرور، هذا أمر تكليفي، أما حينما نأتي بقطع إسمنتية ارتفاعها متر، وفيها حديد مسلح، نضعها على عرض الطريق، هذا أمر تكويني، هنا نهينا، أما هنا منعنا، فرق كبير بين المنع وبين النهي، فأفعاله منع، أما أوامره، العبد حر، عنده حرية اختيار، يطبق أو لا يطبق، سيدنا موسى يمثل الأمر التكليفي التشريعي، بينما الخضر يمثل الأمر التكويني، فعل الخضر أشياء على ميزان العقل غير مقبولة، إنسان ركب سفينة ضيافة، فهذا الضيف خرقها، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؟ ثم تبين أن هذه السفينة سوف تصادر من قبل ملك ظالم، فلما راءها قد خرقت لن يصادرها، وهكذا أفعال الله كلها، لذلك أفعال سيدنا الخضر تلخصها آية كريمة:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

( سورة البقرة: 216 )
هذا الغلام قتل ! وقتله خير له ولوالديه، هذا الجدار بني بلا ثمن.

﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (78)﴾
هذا العمل غير منطقي، يعني من هو المؤمن ؟ هو المستسلم لأمر الله عز وجل، بناء الجدار، تحت هذا الجدار كنز لهما.

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾

﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82)﴾
لو دققنا في الآيات، نجد أن بعض أفعال الخضر.

﴿ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾

﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81)﴾

﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾

واحدة باجتهاد الخضر، والثانية بأمر من الله، والثالثة باجتهاد وأمر مجتمعين، نحن نريد من هذه القصة أن نستثمرها في حياتينا اليومية.
أخوانا الكرام:
كل شيء وقع أراده الله، هذا فعل الله التكويني، وفعل الله التكويني فيه أسماء الله كلها، لماذا قال الله عز وجل:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

( سورة طه: 14 )
لماذا قال الله إنني أنا ؟ بضمير المتكلم المفرد، ولماذا قال ؟

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)﴾

( سورة يس: 12 )
لماذا جاء الحديث عن الله عز وجل مرة بضمير المفرد، ومرة بضمير الجمع، العلماء قالوا حينما يتحدث ربنا عن ذاته.

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
يستخدم ضمير المتكلم المفرد، أما حينما يتحدث عن أفعاله، يستخدم ضمير الجمع، لأن أفعاله فيها كل أسمائه، يعني كل أفعاله، فيها عدل، وفيها رحمة وفيها حكمة، وفيها لطف، وفيها رائفة، وفيها علم، وفيها من كل أسمائه.
لذلك الإنسان، كل ما تعمق بالدين، يرى أنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، بس هذا، ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، يعني أنت كطبيب، أفضل شيء للإنسان معه التهاب زائدة، في عملية جراحية أن تأخذه إلى مستشفى، وأن تخدره، وأن تفتح بطنه، وأن تستأصل هذه الزائدة، هذا شيء غير محبب للإنسان، وإنسان صحيح، البنية قد تأخذه إلى نزهة، فربنا عز وجل حكيم، يعطي كل بحسب حاله، فلذلك النبي الكريم كان أديباً مع الله جل جلاله، حينما كان يدعو ويقول:

(( اللهم أنا نسألك موجبات رحمتك ))
موجبات رحمتك لأنه رحمة الله عز وجل تحتاج إلى ثمن، أدفع ثمنها وخذها.
ما من قصة في كتاب الله عز وجل تتلى إلى يوم القيامة، إلا القصد منها القواعد التي يمكن أن تستنبط منها، أما القصة وقعت وانتهت، ماذا يعنينا أنه فعل كذا وكذا، سيدنا موسى، وأن سيدنا الخضر قال له كذا وكذا، هذا قرآن كتاب هداية، نتلوه إلى يوم القيامة لكن يعنينا، أنه إذا جاءت الأمور على غير ما تحب، فقل كما قال النبي:

(( الحمد لله على كل حال ))
وإذا جاءت الأمور كما تحب، فقل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ))
والإنسان لا يبدو إيمانه إلا في مكروه القضاء، القضاء نوعان، قضاء مكره، وقضاء محبب، إذا واحد قضى الله له أن يتزوج امرأة صالحة هذا قضاء لكنه محبب، قضى له أن يجعله غنياً، قضى له أن يجعله صحيحاً، هذا قضاء محبب، القضاء المحبب لا يكشف حقيقة إيمانك، يتوافق مع الطبيعة، مع طبع الإنسان، أي قضاء يكشف حقيقة إيمانك ؟ القضاء المكروه، لهذا قال سيدنا علي كرم الله وجهه: " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين "، إيمانك الحقيقي يظهر حينما تأتي الأمور على غير ما تحب، وتبقى راضياً وصابراً، ومستسلماً، وشاكراً، إذا احب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن شكر أقتناه.
أيها الأخوة:
لو عملتم حق العلم، أن الله عز وجل حينما يعالج إنساناً، هذا دليل أن الإنسان مطلوب، في خير، في عنده إمكانية يتوب، هذا جبر لخاطره، لما ربنا عز وجل يتابعك، حكيت كلمة غلط تابعك، أدبك، أنفقت إنفاق غير صحيح ضيق عليك، تجاوزت حدك مع إنسان ضعيف أدبك في اليوم الثاني، إذا شعرت أن الله يتابعك، فهذا دليل أن فيك خيراً وفي إمكانية تتوب، من هو الذي يجب إن يبكي على نفسه، هو الذي يهمله الله عز وجل، يعصيه ويمده، هؤلاء الذين يعصون الله ويمدهم بالقوة والصحة والمال والذكاء والجمال، هؤلاء أبغض خلق الله لله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى في أحاديث صحيحة كثيرة، يخبرنا عنها النبي عليه الصلاة والسلام:
(( إذا أحب الله عبده ابتلاه، إذا أحب الله عبده عجل له بالعقوبة، إذا أحب الله عبده عاتبه في منامه، إذا أحب الله عبده ضيق عليه أحياناً، أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتضيقي وتمرري، على أوليائي حتى يحب لقائي ))
يعني إذا أنت مسكن واحد بالبيت، وأردت أن تنقله إلى حي راقي جداً، يعني الحكمة تقتضي أن تكره في هذا البيت، لو حببت في ما عاد يطلع منه، من حكمة الله عز وجل أن الله يحب عبده المؤمن، يحب عبده لكن العبد متشبث بالدنيا، فلما الله عز وجل يكره إنسان بالدنيا دليل أن يحبه، حتى ينقل إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
في شيء ثاني، يعني كان من الممكن أن يعيش الإنسان في أعلى درجات الصحة حتى الموت، ممكن، أيام تصنع طاولة، ما تفنى يعني فيها احتياط كبير جداً، الكاسة، ما وزن هذا الكأس ؟ ما وزن هذه القطعة من الخشب ؟ ما وزن هذا المصحف ؟ لكن هذه الطاولة تتحمل مائتين كيلوا وزن، معناها فيها احتياط كبير، ما دام فيها احتياط كبير لن تتكسر، كان من الممكن، أن يكون خلق الإنسان هكذا، في احتياط كبير، لا يمرض أبدا، ولا يشيب شعره، ولا يضعف بصره، ولا ينحي ظهره، ولا تضعف قوته، لكنه لو فعل الله ذلك، لأخذنا بغتة إلا أن ضعف البصر، وانحناء الظهر، وشيب الشعر، وبعض الأمراض، هذه كلها إشارات لطيفة جدا، جداً، جداً من الله، أن يا عبدي قد اقترب اللقاء فهل أنت مستعد له، صفي علاقاتك، عليك ديون دفعتها، في حسابات، في ذمم، في أشياء، لذلك السعيد دائماً، هو الذي يعد لهذه الساعة عدتها، هي ساعة الموت النبي الكريم يقول:
(( ما رأيت يقين أشبه بالشك من الموت ))
هو يقين تجد الناس لا يعبئون به ولا يدخلونه في حساباتهم، يحلف يمين كذب، اليمين الكاذبة منفقة للسلعة، ممحقة للبركة، يأخذ ما ليس له، يعتدي على أعراض النساء ولو بالنظر، يعتدي، هذا عدوان هذا، هذه ليست لك، إذا هي سافرة تصطفل، هي التي خرجت عن منهج الله عز وجل، فلما الإنسان يضع ساعة الموت وساعة الحساب بين عينيه، يستقيم على أمر الله.
فلذلك سيدنا الخضر، يمثل الأمر التكويني، وسيدنا موسى يمثل الأمر التشريعي، حينما كشف لهذا النبي الكريم، سيدنا موسى ما فعله الخضر، استسلم ورضي، أن أصبحت حكمة، يعني مثلاً، بالنظام الداخلي، لا يسمح النظام الداخلي، بأن ينخفض صف الطالب من الأعلى إلى الأسفل، في نجاح أو رسوب بس ما في تنزيل، بالنظام الداخلي، أحياناً المعلم، يسلك أسلوب تربوي، يهدد الطالب بإنزاله إلى الصف الأدنى، يخاف الطالب يدرس، هذا خلاف النظام بس فيه حكمة ربنا أحياناً يفقر، يغني، يعطي، يمنع، يرفع، بعز، بذل، بخوف هي كلها معالجة لهذا الإنسان، فلذلك هذه القصة ملخصها:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
أرض بقضاء الله وقدره تكن أسعد الناس، لا المال يسعد، ولا اللذائذ تسعد، لكن الذي يسعد، أن تشعر أن الله راضي عنك، لما الله عز قال للصحابة الكرام في القرآن الكريم:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾

( سورة الفتح: 18 )
ماذا شعر هؤلاء المؤمنين ؟ لما قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)﴾

( سورة الفتح: 10 )
بماذا شعر هؤلاء ؟ يعني أعظم مكسب تصله، أن تشعر أن الله راضي عنك، وأن الله يحبك.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الكهف (18 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
الآية الثالثة بعد المائة والتي تليها من سورة الكهف وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106)﴾
يعني أكبر مصبية على الإطلاق، ألا تدري، وألا تدري أنك لا تدري، أن ترتكب أشنع الخطأ، وتظن أنك على صواب، أن تكون أبعد الناس عن الحق، وتظن أنك على الحق وما سواك على الباطل، هذه أكبر مصبية تصيب الإنسان.
من الناس من يدري ويدري أنه يدري فهذا عـالم فاتبعوه.
ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه.
ومنهم لا يدري ولا يدري أن لا يدري فهذا شيطان فحذروه.
المصيبة أن تعالج ارتفاع الضغط بمزيد من الملح، المصيبة أن تعالج أزمة القلب بمزيد من الجهد، هذه أكبر مصيبة، أن تمشي في الطريق المعاكس، ولماذا تمشي في الطريق المعاكس ؟ بجهل مستحكم ولماذا لا تسمع النصيحة، لأنك تعتقد أنك على صواب، هذا العناد يعني خطأ فاحش، وعناد مع جهل.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾
ما قال بالخاسرين قال:

﴿بِالْأَخْسَرِين﴾
الأخسر اسم تفضيل على وزن أفعل، يعني أشد الناس خسارة على الإطلاق، الذي يظن أنه إذا بالغ في انغماسه في الشهوات فهو من الأذكياء، الذي بالغ في أكل أموال الناس في الباطل فهو من الشاطرين، الذي بالغ في استعباد الناس فهو من الأقوياء.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
السعي العمل، العمل في الحياة الدنيا ينبغي أن يتجه إلى هدف، وهذا الهدف مرضاة الله عز وجل، وأن يوظف هذا العمل لبلوغ الجنة.

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾

(سورة القصص: 77)
العمل، بالتعبير الآخر الحركة، يعني حركة الإنسان في الحياة الإنسان له حركة، يستيقظ، يأكل، يشرب، يبتسم، يضحك، يغضب يعنف، يقبض المال، ينفق المال، هذه الحركة يجب أن تتجه لمرضاة الله عز وجل، هذه الحركة، العمل، السلوك، يجب أن يتجه ليكون ثمن الجنة، هذا هو الإنسان المهتدي، ألم تقرؤون بالفاتحة كل يوم عشرات المرات، بل بضع عشرات المرات.

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

(سورة الفاتحة: 6 ـ 7 )
العمل يجب أن يتجه إلى مرضاة الله، أو العمل يجب أن ينطبق على منهج الله، يجب أن ينطبق، ويجب أن يتجه، يعني أن ينطبق من حيث السلوك، وأن يتجه من حيث النية، أما هؤلاء الأخسرون أعمالاً عملهم لم ينطبق على المنهج، ولم يتجه لمرضاة الله.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾
ذكرت هذا من قبل، لك مبلغ كبير جداً يجب أن تقبضه من حلب يمكن أن تركب قطار حلب، ويمكن أن تقع في عشرات الأغلاط وأنت في القطار، قد تركب مركبة فيها شباب يزعجونك، قد تركب مركبة من الدرجة الثالثة، وبطاقتك من الدرجة الأولى، قد تتلوى من الجوع ولا تعلم أن في القطار مركبة طعام هذه كلها أغلاط، لكن القطار يتحرك نحو حلب، وسوف تصل في الوقت المناسب، وسوف تأخذ هذا المبلغ الكبير، لكن الغلط الذي لا يحتمل، أن تركب قطار درعا، عكس الاتجاه، هذا الخطأ.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾
لكن ما التعليل ؟ لماذا ضل هؤلاء، لماذا ضل سعي هؤلاء؟ لماذا يحسب هؤلاء أنهم يحسنون صنعا، يعني قضية مزاجية ؟ قضية مالها تفسير ؟ قضية عشوائية ؟ لما قضية مقننة القضية مقننة، الدليل الآية الثانية:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ﴾
آياته الدالة على عظمته، كفروا بها ؛ أي ما عبئوا بها آياته القرآنية لم يقرؤوها، آياته التكوينية لم يلتفتوا إليها.

﴿كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ﴾
آياته القرآنية، وآياته التكوينية، وآياته الكونية، لم يفكر، ولم يعبئ، ولم يتجه.

﴿كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ﴾

وكفروا بلقائه، لو أنهم أمنوا بلقائه لانضبطوا، في إنسان يؤمن بالحساب ولا ينضبط ؟ أبداً، ثلاث حقائق والله أيها الأخوة لو أيقن بها لما حاد عن منهج الله ولا قيد أنملة، أن يؤمن أن الله موجود، وأنه يعلم، وأنه سيحاسب، ثلاث كلمات، إن أمنت بها إيماناً يقينياً، والله لا تستطيع أن تخرج عن منهج الله ولا قيد أنملة، أن تؤمن أنه موجود، وأنه يعلم، وأنه سيحاسب.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾
لما كفروا بلقاء ربهم ولقائه:
﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾
إحباط العمل له معنيان:
المعنى الأول: أن العمل ينحط، يزني يعتدي على نساء الآخرين، يخون زوجته، ويخون الناس من حوله، يأكل المال الحرام، يكذب، يدجل، ينافق، يماري، سقط العمل، الخيانة ساقطة، الكذب ساقط، اللؤم ساقط، البخل ساقط، الانتقام ساقط، الأنانية ساقطة، عمل ساقط بالفطرة.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾

المعنى الثاني: قد يكون عظيماً في أعين الناس، أما النوايا سيئة قد تنشئ مستشفى، هذا عمل إنساني، الهدف الوحيد هو الربح، قد تنشئ مدرسة، العمل تعليمي شريف، الهدف الوحيد هو الربح المادي قد تطلب العلم ليقول الناس عنك عالم، وقد قيل خذوه إلى النار، لذلك إحباط العمل إما من نوعيته، وإما من نيته، إما أن مضمون العمل يسقط، وإما أن نية العمل تسقط.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾

أحد كبار رجال الأعمال في أميركا وجد ميت في يخت في البحر مع امرأة عاهرة، كالفطيسة، المؤمن كريم على الله عز وجل، يموت في أبهج حالة، حياته مقدسة، بيته مقدس، علاقاته مقدسة، لكن أهل الدنيا لا شأن لهم عند الله، يسقطون من نظر الله، والله الذي لا إله إلا هو لأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، الإنسان إذا اقترف المعاصي سقط من عين الله إذا اعتدى على خلق الله سقط من عين الله، إذا بخل مما أتاه الله عز وجل سقط من عين الله.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾
هؤلاء يوازنون مع قوله تعالى:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18)﴾

(سورة الفتح: 18)

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

(سورة الفتح: 10)
هؤلاء يوازنون مع هذا الصحابي الجليل الذي قال عنه النبي الكريم:
(( والله يا معاذ إني لأحبك ))

أيوازن هذا مع هذا، هذه مرتبة الآخرة، يعني أنت تشعر أن الله راضي عنك، أعلى مرتبة تنالها في الدنيا، والله الذي لا إله إلا هو، هي خير لك من حمر النعم، من أموال الأرض، من الدنيا وما فيها، من نعم الدنيا مجتمعة، أن يكون الإنسان في رضوان الله، بعدين أحياناً في أشخاص أقوياء وكبراء، لا تستطيع أن تنال رضوانهم، رضاهم مستحيل، مغلق على أناس معدودين، لكن الله سبحانه وتعالى رضوانه مبذول لأكل عبد، ما في فئة محرومة وفئة مسموح لها، لا.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(110)﴾

باب الله مفتوح لكل إنسان، أبيض، أسود، غني، فقير، مثقف، غير مثقف، بقلك أنا ما لي مثقف، قل له مثقف، بقلك كيف ؟ ألست مستقيم على أمر الله ؟ نعم، الحمد لله، هذا علم هذا، لقول النبي الكريم:
(( كف بالمرء علماً أن يخشى الله، وكف به جهلاً أن يعصيه ))
والله لو واحد معه بورد، ويشرب الخمر هو عند الله جاهل، وآذن، حاجب، يغض بصره عن محارم الله، ويتحرى الحلال، هو عند الله عالم، كل واحد منكم مستقيم هو عند الله عالم، بالدليل القطعي.

(( كف بالمرء علماً أن يخشى الله، وكف به جهلاً أن يعصيه))

فالعاصي جاهل، والمطيع عالم، فلذلك:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾

" رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره "، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي الليل، غرفته صغيرة جداً جداً، لا تسمح له مساحتها أن يصلي الليل، وزوجته نائمة، ومع ذلك قال الله عز وجل:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

( سورة الحجر: 72 )
أقسم الله بعمر النبي، هل هناك تكريم بعد هذا التكريم ؟ ما خاطب الله النبي باسمه أبداً، قال:

﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (12)﴾

( سورة مريم: 12 )

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾

(سورة آل عمران: 55 )

﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (7)﴾

( سورة مريم: 7 )

﴿قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾

( سورة البقرة: 33 )

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)﴾

(سورة الأعراف: 144 )

﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾

( سورة هود: 46 )
ولم يقل أبداً يا محمد بالقرآن كله، يا أيها النبي، يا أيها الرسول جاء أسمه خبرا بس ما جاء أسمه مخاطباً.

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾

( سورة الفتح: 29 )
أما بالخطاب، يا أيها النبي، يا أيها الرسول، ورفعنا لك ذكرك لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، ولماذا أراد الله أن يكون قبر النبي في المدينة ؟ لو كان في مكة المكرمة، الحجاج أثناء أداء المناسك يزور النبي، بالجملة، جعل قبره بالمدينة، ليزوره الناس خصيصاً له تكريماً له، تلاقي آلاف، مئات الألوف يقصدون زيارة النبي عليه الصلاة والسلام، ويسعدون بها، لذلك:

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105)﴾
" رب أشعث أغبر ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره ".
النبي الكريم جاءه أحد الصحابة الكرام، قال أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال أو مثلي ! يبدو أنه فقير، قال نعم يا أخي خامل في الأرض علم في السماء، قد تكون أنت موظف من الدرجة العاشرة ضارب آلة كاتبة، و ظفرك يسوى مليون شخص، ظفرك يسوى مليون عاصي، أنت مستقيم.
لذلك أخوانا الكرام: ابتغوا الرفعة عند الله، لا تبتغي رفعة عند الناس، الناس يموتون، ولا قيمة للمكانة عندهم، الآية أصبحت على الشكل التالي:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106)﴾









والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-07-2018, 03:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الكهف (18 )

الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية التاسعة والعاشرة بعد المائة من سورة الكهف، وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

كلنا يعل أن دواة الحبر تكفي الإنسان عاماً بأكمله، وقد تكفيه عامين أو ثلاثة، أما لو أن الإنسان اشترى لتر حبر هذا اللتر يكفيه طوال العمر كتابة، فكيف إذا كان البحر كله مدادا لكلمات الله، كي نعلم ما معنى البحر ؛ القارات الخمس: أسيا، وإفريقيا، وأوربا، وأوقيانوسيا، وأمريكا، تشكل خمس اليابسة، وأربعة أخماسها بحراً، وأعمق نقطة بالبحر 12 كيلو متر، في خليج مريانا بالمحيط الهادي، فإذا كان أربع أخماس الأرض، القارات الخمس وما فيها من دول، وإفريقيا، وأوقيانوسيا، وأمريكا، وأوربا، كلها خمس البحر، و أربعة أخماس الأرض بحر، وفي أعماق متفاوتة، وعميقة، البحر كله مداد لكلمات الله.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾
يوجد آية أخرى تشبهها.

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)﴾

(سورة لقمان: 27)
غابات الأرض كلها أقلام، هناك غابات بالأمازون كلها عذراء لم يستطيع إنسان أن يدخلها.

﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾
هذا هو كتابنا هذا هو كتاب الله، تقرأ الآية ألف مرة، وفي كل مرة يتضح لك من معانيها ما كان خافياً عليك، وصف النبي كلام الله عز وجل أن لا يبلا على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وكلما زدته فكراً، زادك معناً وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، فهذا القرآن الكريم الذي هو منهج الله، الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه، ولا من خلفه، مهما تقدم العلم، هل رأيتم آية علمية صدمت آية قرآنية ؟ أما أي كتاب مهما على شأنه بعد حين ترى فيه أفكار مضحكة، أنا قرأت كتاب لعالم ملئ الأرض له سمعة، في حينه كان يظن أنك إذا أكلت طعاماً دسماً بخار الطعام يصعد إلى الدماغ، وكأن المعدة مفتوحة كالوعاء، وبخار الطعام يصعد إلى الدماغ، ويعطل التفكير، هذه الفكرة الآن تبدو ساذجة مضحكة، ما من كتاب على وجه الأرض تقرأه بعد خمسة أعوام إلا وترى فيه أشياء مضحكة، وغير مقبولة، القرآن الكريم مضى على نزوله من السماء 1500 عام، هل فيه آية قرآنية تصدم حقيقة علمية ؟ أبداً، لأنه كلام الله عز وجل، عندما قال ربنا:

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

(سورة النحل: 8)
لو كان ما في.

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
يركب الإنسان طائرة يركب سيارة شبح، لكن لما ربنا قال:

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

معناها كلام خالق الكون، لو أنه كلام النبي لغاب عنه ماذا سيكون.
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

لذلك ربنا عز وجل قال:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109)﴾
آية قرآنية: مثلاً الله عز وجل قال:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾

(سورة الطارق: 11)
ماذا فهم العلماء من هذه الآية ؟ أن بخار الماء يصعد إلى السماء ويرجع مطراً، شي جميل، هذه الآية تتوافق مع حقيقة علمية، بعد حين وجدوا أن الأمواج الكهرطيسية إذا انبعثت من الأرض هناك طبقة اسمها الأثير تعيدها إلى الأرض، ولولا هذه الطبقة لما كانت هناك إذاعة تنطق، كل الإذاعات مبدئها أن هذه الأمواج تنعكس من طبقة الأثير إلى الأرض، لذلك أحياناً يضطرب الإرسال يقول لك هناك اضطراب في طبقة الأثير هذا معنى آخر.

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾

ثم اكتشف العلماء أن كل الكون يتحرك، ولولا هذه الحركة لأصبح كتلة واحدة، من حركته تنشأ قوى نبذ، تكافئ قوى الجذب، لأن نظام الجاذبية كل كتلة تجذب الأصغر منها، لو كان الكون سكوني لأصبح كتلة واحدة، مادام في حركة، الحركة تنشئ قوة نابذة، الآن مبدأ النشافة بالغسالة، الحركة السريعة، الماء يخرج من الثياب إلى خارج المستودع، طيب هذا المعنى الأخير أن كل نجم بالكون يسير في مدار مغلق، مذنب هالي قبل سبعين عام بدى، وعاد بعد سبعين عام، بالدقيقة والثانية، لذلك الوصف الوحيد الجامع المانع، الشامل، والمطلق للكون أن كل كوكب فيه يدور حول كوكب آخر، بمسار مغلق، إذاً:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾

لهذا النبي عليه الصلاة والسلام إما بتوجيه من الله عز وجل، أو لاجتهاد منه لم يشأ أن يفسر الآيات الكونية، لماذا ؟ لأنه لو فسرها تفسيراً بسيطاً يتناسب مع عقول من كان، ومع معطيات العصر وقتها لأنكرنا عليه هذا التفسير، ولو فسرها تفسيرات حديثة جداً تقبلها عقولنا لأنكر عليه أصحابه هذا التفسير، الآيات الكونية تركت لتطور العلمي، فكلما تطور العلم كشف جانباً من عظمة هذه الآيات.
الآية الأخيرة في سورة الكهف:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(110)﴾
أيام الإنسان يقرأ كتاب ثمين، يلاقي في كل فصل ملخص، في كتب لكل فقرة ملخص على الهامش، في كتب لكل فصل ينتهي الفصل بالتلخيص، الآن نحن أمام آية تلخص القرآن الكريم كله.

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
هذا هو الدين، الدين كله توحيد، أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً هذه قضية لا قيمة لها، بسيطة كل الخلق يعلمون هذه الحقيقة، ولئن سألت عباد الأوثان، الذين عبدوا ألاّت والعزى.

﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾

( سورة العنكبوت: 61 )

﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

( سورة الزمر: 3 )
فالإيمان أن لهذا الكون خالقاً، هذه حقيقة معروفة، ويستوي فيها جميع الناس، لكن الإيمان الحقيقي أن تؤمن أن هذا الذي خلق الكون بيده كل شيء، هو الفعال، ليس خلاقاً فحسب، بل هو خلاق وفعال.

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

(سورة الزمر: 62)

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾

(سورة الأعراف: 54)
لذلك الآية هنا:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(110)﴾
يعني أدق ما في الآية، ما قيمة العقيدة الصالحة إذا ما في حركة، ما في التزام، ما في تطبيق، لو أنك قلت الشمس ساطعة هي ساطعة، إن قلت أو لم تقل هي ساطعة، إن قلت ساطعة، هي ساطعة إن قلت ليست ساطعة، هي ساطعة، إقرارك بها لا يقدم ولا يؤخر لكن ما الذي ينفعك من هذه الحقيقة ؟ أن تتعرض للشمس، أن تستفيد من ضوئها، أن تستفيد من أشعتها، أن تستفيد من دفئها، لذلك:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
هذه العقيدة، الآن:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾
العبرة أن تلقى الله عز وجل، أن تتصل به، أن تقبل عليه، أن تتوجه إليه، أن تلوذ به، أن تستعين به، أن تتوكل عليه أن تسمو نفسك إليه، حقيقة دون أن لا تستفيد منها لا قيمة لها.

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾

الثمن:
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

يعني أحياناً لا يتاح لك أن تقابل زيد من الناس ولا بشهر، ما في عنده مواعيد، أيام طبيب بقلك لثلاثة أشهر، أيام رجل مسؤول بقلك ما في والله، لشهر محجوزة المواعيد، أما خالق الكون قال لك:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
لمجرد أن تعمل عملاً صالحاً خالصاً لله عز وجل تشعر أن الطريق إلى الله سالك، لذلك الله عز وجل لرحمته تعامله مع خلقه مقنن، واضح، يعني أي إنسان عمل عملاً صالحاً يجد نفسه مع الله عز وجل، يقبل عليه، الله جل جلاله يتجلى على قلبه بالسكينة، بالرحمة، بالطمأنينة، هذا الدين كله بهذه الآية، أن تؤمن أن الله واحد، وبيده كل شيء، خالق، بسيطة، إبليس عرفه خالق، هذا إيمان إبليسي اسمه، أنه خلق الكون، الكفار قالوا الله خلق السماوات والأرض، الأجانب والأمريكان ثقتنا بالله على الدولار موجودة، عما يفرمون العباد فرم بالعالم كله، لذلك العبرة أن تؤمن أن الله هو الفعال، بيده الأمر.
النقطة الثانية:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

طيب عمل صالح من دون استقامة، لا يعطي ثماره.
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
يعني يجب أن تسير على منهج الله، وأن تؤمن بالله، وأن تعمل عملاً يقربك من الله، والله هذه الآية تكفينا جميعاً، والله الذي لا إله إلا هو، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، الإيمان أن تؤمن أنه واحد، وفعال، وطريق الوصول إليه أن تستقيم على أمره، وأن تعمل عملاً صالحاً، فإذا فعلت وصلت إلى كل شيء.

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
عليه أن يطبق منهج الله وحده، استقم، واعمل صالحاً، وأمن بأن الله هو واحد وبيده كل شيء، وصلت إلى كل شيء.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد
الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآيات الأولى من سورة مريم، وهي قوله تعالى:
﴿ كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5)﴾

((عنْ أَبـِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُـولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ، إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[ أخرجه مسلم ]
مهما تكن حياتك مفعمة بالأعمال الصالحة، مهما تكن حياتك مليئة بالأعمال الطيبة، حينما تنتهي الحياة ينقطع العمل، لكنك إذا أردت عملاً مستمراً إلى يوم القيامة، فعليك بتربية أولادك، أو عليك بترك علم نافع، أو صدقة جارية، سيدنا زكريا نبي كريم، طلب من الله عز وجل أن يهبه غلاماً يرثه بالدعوة إلى الله، والعلماء الكبار من شأنهم أن يهيئوا خلفاء لهم، قد تجد دعوة عريضة، كبيرة تنتهي بموت الداعية، لذلك كدعاة، كأباء، كمؤمنين، العوام لهم مثل، أقوله لكم باللغة الدارجة، بقلك ساقية جارية ولا نهر مقطوع، فلإنسان مهما كان عمله كبيراً ينتهي بموته، يروى عن الإمام الغزالي: أنه كان يجلس في مجلسه أربعمائة عمامة، ومع ذلك حينما توفي رحمه الله انتهى عمله، أما إحياء علوم الدين، هذا العمل بقي مستمراً إلى آخر الزمان، لابد من ترك أثر، إما ولد صالح، مؤمن، عالم، فقيه، أو علم ينتفع به، أو صدقة جارية، فهذا النبي الكريم طلب من الله من يثره في الدعوة إلى الله عز وجل، دائماً الإنسان ليس من شأنه أن يعيش في عصره فقط، وأن يتقوقع في زمانه، عليه أن ينظر إلى مستقبل الدعوة، فإذا الإنسان له دعوة، إقتداء بهذا النبي الكريم عليه أن يهيئ من يرثه من بعده في هذه الدعوة إذا أب عرف الله عز وجل عليه أن يربي أولاده تربية يكونون خلفاء من بعده، مرةً حضرت تأبيناً لعالم جليل بهذه البلدة الطيبة، طبعاً كان التأبين في أكبر جامع في دمشق، والخطباء أشادوا بهذا العالم الخطيب لكن فوجئنا ونحن في التعزية أن ابن هذا العالم وقف بيننا خطيباً، وألقى خطبةً لا تقل عن خطبة والده، وكان في التعزية وزير الأوقاف، فقدم بشرى لزوي المتوفى أن ابنه أصبح خطيباً من بعده في نفس الجامع، بقيت هذه الصورة في ذهني، معنى ذلك أن هذا العالم لم يموت، هذا الرجل له ولدان يخطبان في دمشق، طلبا العلم، فكل جهدك الذي تبذله في تعليم أولادك استثمار لك، إذا تركت ولداً صالحاً يدعو الله من بعدك، أو تركت ولداً يمشي على سيرتك، يقفو أثرك، فهذه من نعم الله الكبرى، فهذا القرآن الذي يتلى علينا كل يوم، ليس القصد أن نستمتع بقصة سيدنا زكريا، لا، القصد أن نقتدي بهذا النبي الكريم، فأنت على مستوى داعية، على مستوى عالم، لو أنت تاجر، ولك معاملة إسلامية، متميزة، يجب أن تربي ابنك على هذه المعاملة نفسها، حتى يكون أمر مستمر، لذلك يجب هذا الحديث أن يكون في أذهاننا
" إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ، إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ "
لا أبـالغ إذا قلت لكم إن أعظم عـمل على الإطلاق أن تربي ابنك تربية إسلامية، أن تجعله عالم، أن تجعله طالب علم شرعي، أن تطمح أن يكون هذا الابن داعية إلى الله عز وجل، لأنه أكثر الناس يريده طبيب، في شارع واحد بالجسر 64 طبيب أسـنان يريده مهندس، لمـاذا لا نتمنى أن يكون ابننا عالماً شرعياً، داعية إلى الله عز وجل، لماذا كلية الطب تستقطب الأذكياء فقط ؟ ولا تستقطب الشريعة الأذكياء لماذا ؟ لماذا نريد صلاح أمورنا، وأولادنا، ولا نتمنى
لهم أن يكونوا طلاب علم شرعي، لماذا ؟ هذا خطأ كبير في المجتمع الإسلامي، لازم كل أب يكون طموحه الأول أن يكون ابنه عالماً، عالماً يدعو إلى الله عز وجل، كل أعماله إلى يوم القيامة في صحيفته، يعني بشكل عام الآن العلم، في علم نادر جداً له دخل جيد، أما بقية الفروع لا تسمن ولا تغني من جوع، واحد خطب فتاة، ماذا يعمل الشاب، قالت لها مهندس، قالت لها: وأبوه ؟ قالت لها أيضاً مهندس، فأجابتها من يصرف عليك ؟! يعني ممكن إنسان يكون معه أعلى شهادة لكن ما في شغل، العمل الوظيفي انتهى، ما بقي غير العمل الآخر، إذا العلم وحده لا يكفي، مادام لا يكفي علمه علماً شرعياً، مادام العلم لا يسمن، ولا يغني من جوع إذاً علمه علماً شرعياً، واقتدي بهذا النبي الكريم.
شيء آخر: " إذ نادى ربه نداء خفيا "، قال تعالى:

﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ﴾

(سورة الأعراف: 55).
فسر بعضهم " المعتدين " هؤلاء الذين يدعون الله بصوت عالٍ بصخبٍ، بضجيج، هذا عدوان في الدعاء، يقول عليه الصلاة والسلام: " إنكم لا تخاطبون أصماً "، الله عز وجل يحول بين المرء وقلبه بإمكانك أن تدعو الله عز وجل دعاءً صادقاً، خالصاً، وشفتاك لا يتحركان، بقلبك، " إذ نادى ربه نداء خفيا "، ليس المطلوب الضجيج والصخب، ورفع الصوت، والدعاء المنمق، والمسجع، ولا يحب الله التقعر بالألفاظ، ولا المتشدق، يحب قلباً، مخلصاً، صادقاً، ملتفتاً إليه.
أول نقطة: اعتقد أعظم عمل على الإطلاق أن تربي ابنك تربية صحيحة، أن تجعله عالماً، أو أن تجعله داعية، أو أن تجعله طالب علم شرعي، لأن كل أعماله في صحيفتك وأنت لا تدري، الله عز وجل قال:

﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين ﴾

(سورة الطور: 21
أعماله كلها في صحيفة الأب، والذي يربي أولاده تربية إسلامية لا يموت، بمعنى أنه لو مات فكان ابنه خليفة له من بعده، لذلك الحرص البالغ على تربية الأولاد.
الشيء الثاني: في ثلاث عدوانات على الدعاء، أول عدوان أن تكون معتدياً على الناس، عندئذٍ الله جل جلاله لا يستجيب لك، " ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين "، يعني إذا أنت اعتديت الله سبحانه وتعالى لا يقبل دعائك، ولا يستجيب لك، هذا أول معنى.
المعنى الثاني: إذا رفعت الصوت بالدعاء هذا عدوان على مقام الألوهية إنك لو خاطبته سراً سمعك، العدوان الثالث: أن تدعوه من دون تضرع ولا تذلل، ناظر لمكانتك الدينية، لمكانتك الاجتماعية، لشهاداتك حجمك المالي، لا،
ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين "، وكون مستقيماً مع خلقه حتى يستجيب لك، " ادعوا ربكم تضرعا "، تذللاً تواضعاً، من طريق منكسر، " وادعوا ربكم "، همساً بينك وبينه، وبإمكانك أن تدعو الله الدعاء الصادق المستجاب، دون أن تحرك شفتيك كما فعل سيدنا زكريا، " إذ نادى ربه نداء خفيا " إنسان دخل يقابل إنسان قل يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين، أردت أن تلقي درس، قل اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك يا ذا القوة المتين، كل ما تحركت حركة ادع الله، مالك مضطر أن ترفع يديك بالطريق وتقول يا رب، لا لست مضطر، وأنت ساكت، وشفتاك مغلقتان، بإمكانك أن تدعو الله عز وجل، ويستجيب لك وأنت لا تدري.
لذلك نقطة ثانية بالدرس: عليك أن تربي أولادك التربية الإسلامية حتى تكون أعمالهم كلها في صحيفتك، من أجل الأعمال، أن تلتفت إلى ابنك، إلى أخلاقه، إلى حفظه للقرآن، أن تأتي به إلى المسجد، أن تعلمه على إنفاق المال، أن تدربه، هذا الذي يرضي الله عز وجل.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " خير كسب الرجل ولده "، يعني أعظم عمل أن تأدب ابنك على معرفة الله، وحب النبي عليه الصلاة والسلام، وتلاوة القرآن، يعني يجب أن تقتطع من وقتك الثمين وقتاً لتربية أولادك، وتوجيههم، وتعليمهم، ودفعهم إلى طاعة الله عز وجل لذلك ربنا عز وجل قال أعطانا جزاء تربية الأولاد في الدنيا قبل الآخرة ما هذا الجزاء قرة العين.

﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ﴾

(سورة الفرقان: 74)
لا يصدق شعور الأب إذا رأى ابنه في طاعة الله، إذا رأى ابنه يتعلم، إذا رأى ابنه يتكلم كلاماً صحيحاً، شيء لا يوصف، هذا يحتاج إلى جهد، كل شيء يأتي من كل شيء، أما كل شيء من لا شيء لا يأتي.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام :
لا زلنا في قصة سيدنا زكريا، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ودائماً أقول لكم إن قصص القرآن الكريم ليس القصد منها أن نقف على أخبار السابقين من الأنبياء والمرسلين، أن نستنبط من هذه القصص قواعد نسعد بها في حياتنا الدنيا، سيدنا زكريا يقول:
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4)﴾
هذه الآية تكفي، " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، يعني يا ربي أنا لا أشقى أبداً إذا دعوتك، مادمت أدعوك فلا أشقى، " ولم أكن بدعائك رب شقيا ".
صورة منتزعة من الواقع، أيام الإنسان يحمل بيده أشياء ثقيلة وفي أيام الشتاء الباردة، ويرتدي ثياب غليظة، فلو سأله طفل صغير كم الساعة، يضطر أن يضع الحاجة على الأرض، وأن يرفع بيده اليمنة كمه الأيسر، ويقول له الساعة السابعة يا بني، ألا يستحي رجل وقور من طفل صغير أن لا يرد عليه ؟
الله عز وجل يقول:

﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾

(سورة غافر: 60).
ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا، لذلك: " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، لا يمكن أن يشقى مؤمن دعا الله عز وجل، والدعاء أيها الأخوة مخ العبادة، جوهر العبادة، قمة العبادة، ولا سيما إذا كنت محتاجاً، الدعاء عند الحاجة رقة، فهذه أول نقطة، " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، ويجب أن يقول هذا الكلام كل مؤمن، يا ربي أنا لا أشقى بدعائك، في نقطة مهمة، يعني شوفي مصيبة كبيرة تفوق حد الخيال، إنسان يجد نفسه فجأةً في بطن حوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، سيدنا يونس.

﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾

(سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )
ثلاث ظلمات، " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم "، والقصة انتهت واسمعوا التعقيب: " وكذلك ننجي المؤمنين "، هذا الكلام يعنينا نحن الأحياء، هل عندك مصيبة من أن تجد نفسك في بطن الحوت ؟ في الليل ؟ وفي بطن الحوت ؟ وفي ظلمة البحر ؟ ومع ذلك " فاستجبنا له " وليست له وحده، والدليل: " وكذلك ننجي المؤمنين " لذلك: " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، اقرؤوا كتاب الأذكار للنووي، في دعاء إذا دخلت البيت، دعاء إذا خرجت من البيت، دعاء إذا أصيب الإنسان بمرض دعاء إذا خاف الإنسان، ما من حالة من حالات الإنسان، إلا وهناك دعاء نبوي، إذا دعوت الله بهذا الدعاء كشف الله عنك ما أنت فيه، فهذه الآية: " ولم أكن بدعائك رب شقيا " لا يشقى إنسان يدعو الله، لا يشقى إنسان يدعو الله أبداً.
النقطة الثانية:
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5)﴾
الملك تكون زوجته عاقر، لا يدع طبيب بالعالم، ما في أمل، هناك ملوك يحبون زوجاتهم، وزوجته عاقر، علم البشر كله ليس فيه حل لهذه القضية، فما طلب شيء سهل، قال:

﴿ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (8)﴾

الإنسان أيها الأخوة من رحمة الله بالبشر أن المرأة في عندها بيوض محدودة، كذا ألف بيضة، كذا مائة ألف بيضة، هذه تنتهي في سن اليأس، في 40 ـ 45 ـ 48 ـ 52 ـ نقول دخلت المرأة سن اليأس، لم يعد في إنجاب، لو كانت هي منجبة، في عندها سن اليأس، السبب أن البيوض محدودة، تصور امرأة عمرها 90 سنة وحاملة، غير معقول ؟ أما الرجل ينجب بالتسعين، أو في الثمانين، انظر إلى حكمة ربنا عز وجل، أن الرجل قدرته على الإنجاب مستمرة حتى الموت، بينما المرأة قدرتها على الحمل محدودة، إلى سن اليأس، هذا من رحمة الله بالإنسان، هو كان كبيراً في السن، وامرأته عاقر.

﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9)﴾
" قال كذلك " فالإنسان لا تستعظم شيء على الله عز وجل، أشخاص كثيرون معهم أورام خبيثة والله أعرف صديقاً نمى عنده ورم خبيث في الرئة، أعرفه معرفة جيدة، والأطباء الذين عالجوه، واتفقوا على أنه ورم خبيث من الدرجة الخامسة أعرفهم واحداً، واحداً، وزرته مرتين أو ثلاثة في البيت، وفي مرة والله بكيت، ثم انحصر هذا المرض، والله بلا علاج وبلا عملية، وبلا، والآن حي يرزق، والقصة من 12 سنة، أنا عندي عشرات القصص، مهما كان شيء مستعصي، مرض خبيث، مرض في القلب، في الكليتين، الله على كل شيء قدير، " قال كذلك قال ربك هو علي هين "، إذا اعتقدت أن قدرة الله تتعلق بكل ممكن، أي شيء الله عليه قادر أولاً: " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، ثانياً:

﴿ الله على كل شيء ﴾

( سورة الطارق: 12 ).
في إنسان عنده زوجة سيئة، الله يصلحها له، عنده أولاد الله يصلحهم له، عنده مرض الله يشفيه منه، عنده فقر متقع الله يغنيه، العبرة أن تتصل بالله، وأن تسأله.
﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (12) وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (13) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (15)﴾

وهذا الكلام لكل مؤمن، طبق أمر الله بقوة، ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، " خذ الكتاب بقوة "، لا تتقيد الرخص هذه مسموح فيها، وهذه الله يسامحنا، وهذه عبيد إحسان مالنا عبيد امتحان، وهذه بلوى عامة، ما عاد في شيء من الدين، " خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا، وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا "، من حنان الله بنا، وحرصه على هدايتنا، وعلى تزكيتنا، كنا كما نحن عليه، كل واحد منا له عناية مشددة، بقلك دخل عناية مشددة، كل مؤمن بالعناية المشددة، الله يتابعه، يحاسبه، يخوفه، يطمئنه، يرزقه يحجب عنه يضيع له ماله، تصيبه أوهام، أمراض، مخاوف، هذه هي العناية المشددة، لولا رحمة الله بنا، ولولا حرصه على تزكيتنا، وهدايتنا، وإسعادنا، لما كنا كذلك.

أيام يبعثوا واحد يدرس باختصاص نادر بقلك هذا مكلف الدولة ثلاثمائة مليون، وكل واحد من المؤمنين مكلف آلاف، ملايين الإجراءات التي تسوقه إلى باب الله عز وجل، كل أفعال الله هدفها أن تسوق المؤمن إلى باب الله، " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا "، لولا حرصنا على هدايته، وتزكيتنا له لما كان تقيا، إذا الإنسان غلط وبقي غلطان، والله ما نبهه، ولا خوفه، ولا حذره، إلى أن ينتهي أجله فدخل النار، هذا ليس واقع، " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " يعني إذا الله وهب الإنسان ولد صالح، يحب أن يسجد لله عز وجل، ويشكره على هذه النعمة، الابن الصالح قرة عين، " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا "، الابن الجبار، العصي، الشقي، هذا يشقي والديه.

لذلك أخوانا الكرام: لو تفوقتم في الدنيا، لو تفوقتم في كسب المال، في نيل الشهادات العليا، ولم تهتموا بأولادكم، الإنسان يشقى بشقاء أولاده، يعني أحد أكبر مهماتنا بالحياة تربية أولادنا التربية الصالحة، وشعور الأب حينما يرى ابنه في طاعة الله، ليس جباراً ولا عصياً، هذا الشعور لا يقدر بثمن، لا يعرفه إلا الأب الذي رأى أبناءه كذلك، فهذه القصة نستفيد منها، في ضرورة العناية بأولادنا، نستفيد منها في خطورة الدعاء في حياتنا، " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ومهما كان الأمر فيما يبدو لك مستحيلاً هو على الله هين، ومهما بدا لك الأمر مستحيلاً لأنه يخالف ما ألفه الناس، احفظ، " ولم أكن بدعائك رب شقيا "، إذا كان طلبك كبير كثير، الجواب هو: " هو علي هين "

الشيء الثالث: ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط
الشيء الأخير: لولا رحمة الله بنا، وحنانه علينا، وحرصه على هدايتنا، لما كنا كذلك، لكن كل واحد مكلف آلاف آلف ملايين الأفعال الإلهية التي ساقته إلى بابه، قصص كثيرة جداً، يغلط الإنسان غلطة الله يعاقبه عليها، ما من عثرة ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، فإذا الإنسان، الله عز وجل ساق له الشدة لذنب ارتكبه، الآن في أب يضرب ابنه ضرباً مبرحاً دون أن يعلمه السبب ؟ لا يكون مربي، هذا أب جبار يكون، إذا آلمه من ابنه شيء وبطش به ولم يعلمه السبب إطلاقاً، ينشئ عند الابن حقد، ويحتار لماذا ضربني والدي، أما الأب الرحيم المربي يقول له هذه من أجل كذا معنى ذلك أن كل مصيبة يسوقها الله عز وجل.
﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء علي﴾

(سورة التغابن: 11).

ربنا عز وجل إذا أرسل مصيبة يلقي في روعك أن هذه من أجل كذا، هذا إلهام، وفي طريق ثاني، توافق المصيبة مع الذنب يشعر أنها من أجل ذلك، إما توافق، أو، واحد لم يدفع زكاة ماله، الله اتلف له مال بقدر الزكاة، هذا إعلام له، إنسان نظر إلى الحرام دخل إلى بيته فشقي بزوجته دخل الشيطان إلى البيت، من كلمة لكلمة أذهبها إلى بيت أهلها، أهلها علموا بها، وبعدين طلقها، بعدين ندم عنده أولاد، من أين بدأت المشكلة ؟ من إطلاق البصر للحرام، أحياناً يكون العقاب من جنس الذنب، هذا إعلام من الله، وأحياناً الله يلقي في روعك أن هذه من أجل كذا هذا معنى: " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا "، إذا واحد عنده ابن صالح لا يقول أنا ربيته، أنا اعتنيت فيه، الله قال:
﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾

( سورة العنكبوت: 27)
وهبنا، هبا، ممكن تكون أكبر علماء العالم ويأتيك ابن شقي سيدنا نوح أليس نبي ؟ ما كان ابنه كافراً ؟ كان كافر، لا أحد يعزي ابنه الصالح لتربيته، وأنا مهتم فيه من صغره، أنا حريص عليه، هو جيد عملك، لكن قول هذا من فضل الله عليّ، يلي عنده ولد يصلي، صالح لا يسبب له متاعب، قرة عين له، يجب أن تشكر الله ليلً نهاراً على أنه وهب لك هذا الابن الصالح.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام:
في سورة مريم التي سميت باسم السيدة مريم الله جل جلاله ذكر قصة هذه الصديقة قال تعالى:

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ﴾
وقال تعالى:

﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ﴾

( سورة المائدة: 75 )
" وأمه صديقة "، مبيناً أن المرأة لا تقل عن الرجل إطلاقاً، لا من حيث التشريف، ولا من حيث التكليف، ولا من حيث المسئولية إنها مساوية للرجل مساواة تامة، في التكليف، مكلفة بالإسلام والإيمان كما هو مكلف بالإسلام والإيمان، مشرفة بأنها المخلوق الأول، كما أنه المخلوق الأول، ومسئولة عن بيتها، وعن زوجها، وعن أولادها، كما هو مسئول عن بيته، وعن زوجه، وعن أولاده، المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف والمسئولية، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ﴾

( سورة الأعراف: 189 )
أي أنها تحب كما تحب، وتكره كما تكره، وترجو ما ترجو وتسعد بما تسعد، وتعرف الله كما تعرفه، وتتصل به كما تتصل به وتتعلم أحكام دينها، كما تتعلم أحكام دينك، وأية نظرة، ينطلق منها الرجل إلى أن المرأة دون الرجل، للمتعة، للخدمة، للطبخ، لغسل الغسيل، هذه نظرة جاهلية، بعيدة عن منظور الإسلام، المرأة في الإسلام مساوية للرجل، والدليل:

﴿ إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ﴾

( سورة الأحزاب: 35 )
لماذا ذكر الله المرأة مع الرجل ؟ تأكيداً لهذه المساواة.

﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾

( سورة النحل: 97 )
الله جل جلاله يقول:

﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾

( سورة آل عمران: 195 )
يعني القرآن الكريم بكل آياته، والسنة المطهرة بكل تفاصيلها، تؤكد أن المرأة مساوية للرجل، يعني عليك أن تعتني ببناتك كما عليك أن تعتني بأبنائك، عليك أن تعطينهن نصيبهن كما عليك أن تعطي أبنائك نصبيهم، هذا الذي يحرم البنات، يقول هذا المال يذهب للغريب، يغير شرع الله، يغير أحكام الميراث، منطلقاً من نظرة غير واقعية للمرأة هذا الإنسان ما عرف حقيقة هذا الشرع الحنيف.
إذاً أول فكرة، لماذا ذكر الله السيدة مريم ؟ لأن امرأة عمران قالت:

﴿ إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ﴾

( سورة آل عمران: 35 )
كل أملها أن يأتيها غلام يخدم في بيوت الله، قالت:

﴿ فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾

( سورة: آل عمران 36 ).
الخير كله في هذه الأنثى، في رجل أسمه أنس بن عامر، تزوج امرأة في المدينة المنورة، يوم دخل بها، ما أعجبته، وندب حظه شعرت عليه، وقالت له: قد يكون الخير كامناً في الشر، ولم يستجيب لها، وخرج من البيت، وهام على وجهه عشرين عاماً، عاد إلى المدينة، ومن السنة أن يصلي الإنسان الصلاة قبل دخوله البيت، دخل إلى المسجد، فإذا فيه درس علم كبير، وجمع غفيرٌ غفير ملتف حول شاب صغير، لا تزيد سنه عن عشرين عاماً، سأل من هذا العالم الشاب قالوا هذا مالك بن أنس، فقال له يا بني: قل لأمك إن في الباب رجلاً يقول لك قد يكون الخير كامناً في الشر، في إنسان يتبرأ من البنت قد يكون الخير كله في البنت، لذلك من جاءه بنتان وأحسن تربيتهما، فأنا كفيله في الجنة، من عنده فتاة عليه أن يعتني بها عناية لا حدود لها يعلمها أمر دينها، يعلمها القرآن، إنك إن هديت شاباً هديت شاباً، أما إن هديت فتاةً هديت أسرةً، أسرة بأكملها، هذه أليس لها زوج ؟ أليس لها أولاد، ربنا سبحانه وتعالى ذكر قصة السيدة مريم كي نعرف أن المرأة مساوية للرجل تماماً، في التكليف، في التشريف، وفي المسئولية، تصلي كما تصلي، وتتقرب من الله كما تتقرب، وتعرف الله كما تعرف، وترضي الله كما ترضيه، وتحب كما تحب، وتكره كما تكره، وتسمو كما تسمو، هذه نظرة الإسلام، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءته فاطمة ضمها، وشمها، وقال: ريحانة أشمها وعلى الله رزقها، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: فاطمة بضعةٌ مني فمن أكرمها فقد أكرمني، ومن أبغضها فقد أبغضني، ومن عنده بنات يعرف، كيف أن الفتاة تتعلق بأبيها أشد التعليق، أنا لا أريد إنسان مسلم يعامل ابنته أقل من ابنه، يأمن لأبنه بيت، ومعمل، وسيارة، وابنته، أخي حتى يأتي نصيبها، أنت خصص لها بيت صغير يأتي ألف واحد من أرقى الناس، لماذا ابنك له بيت، وسيارة، ومعمل ؟ وابنتك هذه مثل ابنك تماماً، والله الذي لا إله إلا هو حينما أرى أب هو ميسور الحال ويخصص لابنته بيت صغير، والله أكبره أشد الإكبار وإذا سكن به زوجها ماذا يعني، زوجها أقرب الناس لها، أكثر الناس يحاول أن يحرم الفتاة، يعمل طريقة أنه كل شيء للذكور، المحل لابنه، والبيت لابنه، والبنت ليس لها حق عندك ؟
أيها الأخوة:
هي مساوية له تماماً في التكليف، وفي التشريف، وفي المسئولية لكن ربنا عز وجل قال: " وليس الذكر " معنى ذلك أن المرأة لها مهمة في الحياة، لذلك خصائصها النفسية، والعقلية، والجسمية والاجتماعية متناسبة مع مهمتها في الحياة، وخصائص الرجل الجسمية والنفسية، والاجتماعية، والعقلية، متناسبة مع مهمته في الحياة.
امرأة جاءت النبي عليه الصلاة والسلام قالت يا رسول الله: إن زوجي تزوجني وأنا شابة، ذات أهل، ومال، وجمال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال أنت عليّ كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، دقق التعبير، هي مهمتها تربية الأولاد في البيت، وهو مهمته كسب الرزق خارج البيت.
لذلك ما زاد من عاطفة المرأة، واهتمامها بالقضايا الجزئية، وما نقص من حدة إدراكها، وضعف اهتمامها بالقضايا العامة، كمال فيها، وما زاد من عقل الرجل، واهتمامه بالقضايا الكبرى، وما نقص من عاطفته، واهتمامه بالقضايا الصغرى كمال فيه، فنقصها كمال، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لعن المتشبهين من النساء بالرجال، عبر عنها علماء النفس بالأنوثة، أية امرأة كاملة تحافظ على أنوثتها، ومن أول علائم أنوثتها حيائها.

﴿ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾

(سورة القصص: 26)
ما الذي يعجب الفتاة في الرجل ؟ قوته وأمانته، ما الذي يعجب الرجل بالفتاة ؟ حيائها، من علامات أخر الزمان، أن يرفع الحياء من وجوه النساء، لا تستحي، تطلع فيك، تزورك، تدخن، وتسب الدين كمان، أن يرفع الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا رحمة في قلوب الأمراء، ولا نخوة في رؤوس الرجال، ولا حياء في وجوه النساء

﴿ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾
الدرس الماضي، وهذا الدرس ألح على أن أعظم عمل على الإطلاق تعمله أن تحسن تربية أبنائك وبناتك، تربي ابنك ليكون داعية إلى الله عز وجل، وتربي ابنتك لتكون زوجة كاملة يسعد بها زوجها وأولادها، والمجتمع من بعدها، " وليس الذكر كالأنثى "، أي أن للمرأة خصائص.
أنت تحتاج إلى مركبة تأخذك إلى نزهة جميلة، صوتها ناعم ومقاعدها وثيرة، يسمونها مركبة سياحية، وتحتاج إلى تركس، لتهدم به بناء، خصائص هذه الآلة، غير هذه المركبة، فقوة هذه الآلة وجبروتها، وأحصنتها العالية جداً، وضجيجها، وحجمها، ورافعتها كمال فيها، ونعومة هذه السيارة وصوتها المنخفض، ومقاعدها الوثيرة وحجمها المعقول كمال فيها " وليس الذكر كالأنثى " الذكر خصه الله بخصائص جسمية، وعقلية، ونفسية، واجتماعية، تتناسب مع مهمته في الحياة، ما هو الفساد ؟ اختلاط الأوراق، أن تقف المرأة موقف الرجل، أن تدخل في غمار الحياة كالرجل، أن تختلط مع الرجال، هي محببة للرجال، جعلها مسعدة لزوجها، ولأولادها، ولمن حولها فأصبحت تمتع كل الناظرين بها، والناظرون قد يريدون بها شراً، لذلك الفساد، الله قال:

﴿ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾

(سورة الأحزاب، 33)
يعني جزء من دينك أن تعرف موقع المرأة من الدين، جزء من دينك أن تعرف مال لزوجتك عليك من حق، وما لها عليك من حق أن تعرف مال لبناتك عليك من حق، أحياناً البنت كما ورد في السنة تقف يوم القيامة وتقول يا رب لا أدخل النار حتى ادخل أبي قبلي، طبعاً إذا اخترت لها زوجاً غنياً، ولم تهتم بدينه، فأطلقها، وجعلها تختلط مع الرجال، وأفسد أخلاقها، وأفسد سيرتها، الأب مسئول طبعاً حتى يزوجها من الشاب المؤمن أو يموت عنها، هكذا، جزء من دينك أن تعرف كيف توسوس زوجتك وبناتك، هذه الزوجة في رقبتك، أعود إلى ما بدئت به، حينما ينطلق الرجل من أن المرأة دونه، للخدمة، للطبخ للغسيل، لغسيل الصحون، لقضاء حاجته، هذه نظرة جاهلة، وربما كانت المرأة أفضل من الرجل، المرأة المؤمنة، والله الذي لا إله إلا هو، قلامة ظفرها أفضل عند الله من مائة ألف رجل فاسق، يلي عنده زوجة لا يقطف ثمارها المادية، يعتني بدينها، يعرفها بربها، يتيح لها أن تطلب العلم عن طريقه، أو عن طريق كتاب، أو عن شريط، أو مجلس علم مضمون، يلي عنده فتاة عليه أن يعلمها، كي تكون صدقة جارية له بعد موته، " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له "، السيدة مريم صديقة قبل النبوة بقليل، قال عليه الصلاة والسلام: " كمل من الرجال الكثير ولم يكمل من النساء إلا أربع، مريم ابنة عمران، وأسيا امرأة فرعون وفاطمة بنت محمد، وخديجة بنت خويلد "، الأربعة كمل، صديقات، ونساء مؤمنات، طاهرات، عفيفات.

﴿ عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ﴾

(سورة التحريم: 5).
الهدف من تقديم هذه الآيات أن تعتني بالمرأة، امرأة، وأماً وبنتاً، وأختاً، وما في عمل أعظم من أن تعتني بالمرأة لأن النبي الكريم أوصانا بها في حجة الوداع، " أوصيكم بالنساء خيراً "، وكل زوج قلب مفعم رحمة تجاه زوجته وبناته، ولا يظلوهن إلا مجرم، إلا بعيد عن الدين، إلا ذو القلب القاسي.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالميـن ، والصـلاة والسـلام علـى سـيدنا محـمد الصـادق الوعد الأمين .


صفات المرأة المؤمنة :



في قصة السيدة مريم هذه الصديقة ، الذي ضرب الله لنا بها مثلاً في الطهر والعفاف
أيها الأخوة ؛ في القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى صفات المؤمنات ، فهذه المرأة الطاهرة العفيفة التي فاجئها ملك ، فظنته رجلاً قالت :
﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾

[ سورة مريم الآيات : 18-22 ]



1- الخوف والحياء :



http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4355/01.jpg
فالصفة هنا الخوف ، الخوف من الصفات المحمودة من النساء ، لا أقول البخل ، لكن عدم إتلاف المال من الصفات المحمودة في النساء ، والحياء من الصفات المحمودة في النساء ، لذلك من علامات آخر الزمان أن الحياء يرفع من وجوه النساء .
﴿ قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ﴾

[ سورة القصص الآية : 26 ]
أعجبها ، في سيدنا موسى ، أعجبها قوته ، وأمانته ، وأعجبه فيها حيائها .
﴿ فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ﴾

[ سورة القصص الآية : 25 ]



معنى الاستعاذة :




أما هذه الآية يسأل عنها كثيرون ، قالت :
﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ ﴾
أخوانا الكرام ؛ الاستعاذة ورد بها آيات كثيرة ، الله عز يقول :
﴿ قل أعوذ برب الفلق ﴾

[ سورة الفلق الآية : 1 ]
وقال :
﴿ قل أعوذ برب الناس ﴾

[ سورة الناس الآية : 1 ]

﴿ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 200 ]

نحن مأمورون أن نستعيذ من الشيطان الرجيم ، يقول أحدهم أنا أستعيذ بالله من الشيطان ، ولا أقطف الثمار ، فما تفسير ذلك ؟
العلماء اتفقوا ، وأجمعوا على أن الاستعاذة التي أمرنا الله بها لا تقبل إلا بحضور القلب ، أما أن تستعيذ باللسان هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر ، لابد من أن تستعيذ بقلبك ، لابد من أن تتوجه بقلبك إلى الله ، لابد من أن تستحضر عظمة الله عز وجل ، إذا استعذت بالله كما أراد الله فأنت أقوى من الشيطان بمليار مرة ، ولا تنسوا أن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ﴾
ـ الآن دققوا ـ
﴿ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾

[ سورة إبراهيم الآية : 22 ]

http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4355/02.jpg
الشيطان ليس له على الإنسان سلطان ، لا يملك إلا أن يوسوس أنت إما أن تستجيب ، وإما أن لا تستجيب ، وإذا وسوس بإمكانك أن تستعيذ بالله عز وجل ، مع حضور القلب يحترق الشيطان ، وانتهى الأمر .
لا بدنا شيخ يفك السحر ، ولا بدنا مشعوذين ، ولا بدنا خروف يقدم إلى فلان ، ما بدنا شيء إطلاقاً ، لا نملك إلا أن نستعيذ بالله كما أمرنا الله ، وما سوى ذلك ، بدع في الدين ما أنزل الله بها من سلطان ، ما سوى الاستعاذة بالله عز وجل مع حضور القلب .
﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ﴾
إذا وصلت هناك إشكال بالآية ، أما :
﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ﴾
تعرف معنى استعاذتي ، وإن كنت تقياً لا تضرني ، خافت ، خوفها دليل عفتها ، الآن المرأة تخوف ، الأصل المرأة تخاف ، أما حينما تتواقح ، وتبتعد عن الله عز وجل ويركبها الشيطان ، تصبح المرأة هي المخيفة ، قال يا بابا لا تسرع ماما في انتظارك ، يعني في قدامك مشكلة .
﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ﴾



2- العفة والشرف :



ثم تأتي الآيات فيقول الله عز وجل .
﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾

[ سورة مريم الآيات : 23-25 ]
أعظم شيء تملكه المرأة ، شرفها ، وعفتها ، أثمن شيء تملكه ، لذلك ورد في الأثر أن قذف محصنة ، يهدم عمل مائة سنة ، مالك حق تتكلم لا إشارة ، ولا عبارة ، ولا تصريح ، ولا تلميح ، ولا تهز قميصك أن فلانة الله أعلم ، لا نعرف ، قذف محصنة يهدم عمل مائة سنة ، لذلك هذه المرأة الطاهرة ، الصديقة ، حينما امتلئ بطنها بالحمل ، ولم يقاربها إنسان ، ماذا تقول لقومها ؟ لذلك الإنسان لما يتكلم بالأعراض يعد للمليون ، لأن الله كبير ، ماله متأكد ، كلمة ، إشارة ، سمعة ، اتهام لذلك الله عز وجل ، جعل أطهر سيدة ، السيدة عائشة يتكلموا الناس عنها بالفاحشة ، جبراً لخاطر أية امرأة بريئة ، لمليون سنة قادمة ، أية امرأة ، طاهرة ، بريئة ، عفيفة ، كاد لها خصومها ، واتهموها بالفاحشة فلها بالسيدة عائشة أسوة حسنة ، لماذا سمح الله لهذا الحدث أن يقع ؟ لتكون السيدة عائشة ، قدوة ، لكل امرأة ، طاهرة ، عفيفة ، تكلم الناس في شرفها .
﴿ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ ﴾

[ سورة مريم الآيات : 23-25 ]



ضرورة الأخذ بالأسباب :




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4355/03.jpg
بربكم لو وقفتم أمام نخلة عملاقة هل بإمكانكم أن تهزوها ؟ طيب ما معنى هذه الآية ؟ يعني خذي بالأسباب .
﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾



1- السعي :


معنى ذلك أن تأخذ بالأسباب فقط ، وعلى الله النجاح ، عليك أن تأخذ بالأسباب ، وعندئذٍ توكل على رب الأرباب ، لذلك لو توكلتم على الله حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، والطيور أين تقعد بأعشاشها ؟ تغدو ، يعني أعلى نوع من التوكل ، الطير ، ومع ذلك تغدو خماصاً ، وتروح بطاناً ، في غدو ، وفي رواح ، الطير تغدو ، والسيدة مريم ، قال لها هزي ، وأنا والإنسان المقصر بقلك ما في رزقه ، تحرك ، اطلع من بيتك بكير ، افتح محلك ، لذلك إن الله يلوم على العجز ، ولكن عليكم بالكيس ، فإذا غلبك أمر ، فقل حسبي الله ونعم الوكيل ، لا تقول حسبي الله ونعم الوكيل ، إلا بعد أن تستنفذ كل الجهد ، اسعى ، إن الله يلوم على العجز ، الاستسلام ، الكسل ، عدم الحركة ، عدم السعي ، هذا ليس من صفات المؤمن ، إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا ، واحدة .


2- احتساب أمرك لله تعالى :


أنت حينما تسعى ، لو أن الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة لا تعرفها ، ما مكنك مما تسعى إليه ، الآن تقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، لا تقال هذه الكلمة ، كما أرادها النبي إلا بعد أن تستنفذ السعي وهذه مشكلة المسلمين اليوم ، أعدائهم أخذوا كل الأسباب وتوكلوا عليها فأشركوا ، وهم تركوها فعصوا ، زاعمين أنهم متوكلون ، وهذا ليس هو التوكل ، هذا تواكل .
سيدنا عمر رضي الله عنه سأل أناس فقراء في أثناء موسم الحج .
قال : من أنتم ؟
فقالوا : نحن المتوكلون .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4355/04.jpg
قال : كذبتم ؛ المتوكل من ألقى حبة في الأرض ، ثم توكل على الله .
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أمسك بيد سيدنا المسعود فكانت خشنة ، من كثرة العمل ، فأمسك بيده ، ورفعها بين أصحابه ، وقال إن هذه اليد يحبها الله ورسوله .
وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يقول إن أرى الرجل ليس له عمل ، فيسقط من عيني ، ومن بات كالاً في طلب الحلال بات مغفور له ، من بات كالاً ، وسبحان الله لحكمة أرادها الله جعل الحلال صعباً ، والحرام سهلاً ، أيام واحد يغض بصره عن شغلة يأخذ مليون ليرة ، عن غض بصر ، وأيام حتى يجيبهم بدو سنتين ليل نهار هو وشركاته ، لحكمة أرادها الله جعل الله الحلال صعباً ، لو أنه جعل الحلال سهلاً لأقبل الناس عليه ، لا حباً لله ، ولا طلباً لمرضاة لأنه سهل ، لكن الحلال صعب ، أما الحرام سهل ، إذا في فساد تجمع ملايين في جهد قليل ، بلا جهد ، فلذلك من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفور له ، والمال يذهب من حيث أتى ، المال الحلال ينفع المؤمنين ، لكن المال الحرام لا يتلف ليتلف معه صاحبه .
﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾



فوائد التمر:




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4355/05.jpg
التمر عقد مؤتمر حوله .
أخوانا الكرام ؛ التمر من الفم إلى الدم ، أقصر زمن على الإطلاق ، عشرين دقيقة ، إذا الإنسان قبل أن يتناول طعام الإفطار برمضان ، وإذا كان صائم صيام نفل وأكل ثلاث تمرات ، وصلى المغرب ، والسنة ، هذا التمر صار في الدم ، شعر بالشبع ، الآن يأكل أكلاً معتدل ، هذه سنة النبي ، أسرع مادة سكرية تصل إلى الدم هو التمر .
الشيء الثاني التمر فيه مادة مهدئة ، يلي عنده توتر عصبي ، عليه بالتمر ، التمر مادة قابضة ، يلي عنده تميع بالدم عليه بالتمر ، والتمر مادة ملينة ، المرأة التي سوف تلد ماذا تحتاج ؟ تحتاج إلى مادة ملينة ، لأن الكتم بأمعائها يعيق الولادة ، وتحتاج إلى مادة قابضة ، لأن سينفتح آلاف الشرايين ، بدها مادة تجمد الدم ، وتقبض الأوعية ، والمرأة بحاجة إلى طاقة ، لأن الطلق جهد عنيف جداً ، فهذا التمر فيه طاقة ، ومادة ملينة ، ومادة قابضة ، ومادة تعين على تقلصات الرحم ، أربع صفات فيه ، والتمر لا يتلوث ، تركيز السكر فيه تمتص ماء أية جرثومة وفيه 46 مادة غذائية ، ويسميه بعض العلماء صيدلية في تمرة .
﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً ﴾

[ سورة مريم الآيات : 25-26 ]



نصيحة :




http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4355/06.jpg
أخوانا الكرام ؛ نصيحة أخ محب ، هذه الأغذية المستوردة ، أيام فيها مواد تعين على الإدمان ، تلاقي الطفل معلق بهذه الأكلة ، ليس طبيعي تعلقه ، غير معقول ، يسرق ويشتريها ، يضعون فيها مادة تعين على الإدمان ، والمواد الدسمة ، مواد مأخوذة من شحم الخنزير في أغلب الأحيان ، نحن نأكل ، التمر ، اللبن ، الليمون ، هذه الأغذية الطبيعية التي خلقها الله لنا ، هذه تنمي أجسامنا ، وتحفظ أعضائنا ، أما كل شيء مستورد ، قد يكون الذبح غير شرعي ، قد يكون صعق ، ويكتبون على أي علبة سردين ذبح على الطريقة الإسلامية ، سردين معناها كذب ، علب السردين فيها سمك ذبح على الطريقة الإسلامية ، معناها شو بدك بس اشتروا من عنا ، أكثر البضاعة المستوردة ممنوع استعمالها ببلد المنشأ ، هم يحرمونها على أنفسهم ، لكن يبيحون أن يصدروها للشعوب المتفلتة .
الإنسان قد ما يقدر يقرب من الغذاء الطبيعي ، التمر مادة أساسية اللبن مادة أساسية ، الليمون مادة أساسية ، كثير من الشربات ليس فيها من المواد الغذائية شيء إطلاقاً ، كلها مواد كيماوية ، والناس يتهافتون عليها ، كلها مواد كيماوية ، وهذه المواد تعمل تراكمات ، يعني أحد أسباب انتشار مرض السرطان لكثرة تناول المواد الكيماوية ، تلاقي أنواع المشروبات البادرة ، كلها مواد كيماوية ، ليس فيها شيء من الطبيعي ، فهذه الآية إشارة إلى أن التمر مفيد ، والعسل مفيد ، اللبن مفيد والإنسان يقرب من المواد الطبيعية ، بدل هذه الأشياء التي لها بهرج لكن في حقيقتها لها ضارة .







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
في آخر قصة السيدة مريم، الصديقة، قوله تعالى:
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)﴾
معنى أسمع بهم وأبصر ؟ وما هي هذه الصيغة ؟ هل هي فعل، اسم ؟ هذه صيغة من صيغ التعجب، القياسية، في اللغة العربية تقول ما أعدل القاضي الصيغة الأولى، وأعدل به، ما أغنى هذا الرجل ما أعظم هذا الرجل، وأعظّم به، فأفعل به صيغة من صيغ التعجب في اللغة العربية، فربنا سبحانه وتعالى يقول، هذا الخلاف الذي بينهم في الدنيا خلاف ليس سببه نقص العلم، ولكن سببه البغي، والحسد، لذلك الإنسان حينما ينقطع عن الدنيا، لو إنسان له دخل كبير من طريق ربوي، لا يحتمل أبداً أن يكون الربا محرماً، يقول لك لا، هذا الربا الذي تقول عنه ربا القروض، أما هذا ربا الاستثمار، ماله حرمه أبداً، ما عنده إمكانية يقبل كلامك، ما الذي أعماه عن الحقيقة ؟ الشهوة، المنفعة، المال، فإذا
الإنسان تلبس بالشهوات يعمى عن الحقائق، أما حينما يموت، وتذهب عنه الشهوات، يصبح على مستوى عالٍ جداً من الفهم، والرؤية، والسمع قال الله:

﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)﴾
في هذا اليوم، حينما تنقطع الشهوات، وتنقطع المصالح، وتفنى الدنيا، ولا مال، ولا شهوات، ولا نساء، ولا مناصب، قال عندئذٍ:

﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾
يعني ما أشد سمعهم، وما أشد بصرهم، بس ما في عمل، بعد فوات الأوان، وقت في أمل ما في سمع وبصر، وهو في الدنيا أبواب التوبة مفتحة أمامه، بس ما في رؤية صحيحة، ولا إصغاء للحق.

﴿آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾

(سورة فصلت: 44)

حبك للشيء يعمي، ويصم، حب الدنيا رأس كل خطيئة، الذي يعمي الإنسان عن الحقيقة في الدنيا شهواته، ومصالحه، ونزواته، وما هو فيه من نعيم موقت، أما إذا انقطعت الدنيا، وزالت الشهوات، يصبح الإنسان في أعلى مستوى من السمع، والبصر.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)﴾
هذه الآية تذكرني في آية وردت في البقرة، على اتصال شديد بين المعنيين، هذه الآية في البقرة يقول الله عز وجل:

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
يعني كانوا على الفطرة، ما في خلاف اطلاقاً.

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)﴾

( سورة البقرة: 213 )
الإنسان أيها الأخوة: آتاه الله عقلاً، آتاه الله حواساً ؛ كي يكشف ما حوله من مرئيات، ومسموعات، وروائح، وحاجات، فإذا أراد أن يعرف المحيط المادي الخارجي، سبيله الحواس الخمس، وهذه المعرفة معرفة من نوع اليقين الحسي، أما إذا أراد أن يعرف الله، والله لا تدركه الأبصار، فلا سبيل إلا للتفكر في خلق السماوات والأرض، عن طريق العقل، فمن خلاله يصل إلى الحقائق عن طريق اليقين العقلي، لكن مهما كان ذكياً وعاقلاً، ومهما أعمل فكره في خلق السماوات والأرض، هناك حقائق لا يمكن أن يعرفها، إلا أن يبلغها، هذه هو اليقين الإخباري، فعقلك يقول لك هذا الكون لابد له صانع، شي جميل، طيب من هو الصانع ؟ يأتي الوحي ويقول:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4)﴾

( سورة السجدة: 4 )
لماذا خلق الإنسان ؟ الوحي يقول لك لماذا خلق.

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

(سورة الذاريات: 56)
ما أثمن شيء في الحياة الدنيا ؟ العمل الصالح.

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (46)﴾

(سورة الكهف: 46)
في أشياء حسية، وأشياء عقلية، وأشياء إخبارية،‏ الله عز وجل بعث الأنبياء والمرسلين ليعطونا الحقائق التي يعجز فكرنا عن الوصول إليها، ليحدثوننا عن ذات الله، عن كمالاته، عن أسمائه، ليحدثوننا عن أصل العالم، عن الماضي السحيق، ليحدثوننا عن المستقبل عن الجنة والنار، عن المخلوقات الغائبة عنا الجن والملائكة، هذه كلها بالوحي، لذلك كانوا الناس أمةً واحدة، من جبلة واحدة، وفطرة واحدة، وخصائص واحدة، ورغبات واحدة، وميول واحدة، لكن هناك حقائق لابد منها

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾
هذا أول خلاف، هذا خلاف نقص المعلومات، إذا ما في معلومات، نختلف، نتكهن، كل واحد يخطر بباله شيء، قد يكون صحيح، قد يكون غير صحيح، مثلاً لو كان اليوم 29 رمضان، واسمعنا العصر صوت، يا ترى ثبتوها ؟ بقلك لا عملوا طريق بالجبل، ما في شيء دقيق، ما في خبر إلا هذا الصوت، يا ترى غداً العيد ؟ لما هذا انفجار بفتح طريق ؟ نقص المعلومات يساوي خلاف، أول خلاف نشأ بين البشر، أنه في عندهم معلومات ناقصة في دينهم، فجاء الأنبياء، وجاءوا بهذه المعلومات الصحيحة، الدقيقة، القاطعة، هذا الخلاف معقول، سببه نقص المعلومات، خلاف حيرة، لكن في خلاف ثاني قذر، قال:

﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾

بعد أن جاءت الكتب، وجاء الأنبياء، ونزل الوحي، وجاء القرآن، في خلاف ثاني، الخلاف الأول خلاف طبيعي، خلاف نقص معلومات خلاف عجز، أما الخلاف الثاني خلاف قذر، خلاف حسد .
﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
هذا خلاف قذر، هذا خلاف حسد، خلاف تسابق على حطام الدنيا، خلاف مناصب، خلاف زعامة، هذا الخلاف يسبب الطعن، وأنت غلط، وأنا على صواب، هذا الخلاف بعد أن جاء القرآن، القرآن واحد، والسنة واحدة، والهدف واحد، وما في أي مبرر للخلاف، ومع ذلك خلافات لا يعلمها إلا الله، بسبب الحسد.

﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
وفي الآن خلاف شريف في خلاف طبيعي، خلاف الحيرة، وفي خلاف قذر، خلاف الحسد، وفي خلاف شريف، خلاف التنافس.
النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا استيقظ في الليل يدعُ بهذا الدعاء

((عن أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.))

[ أخرجه مسلم والترمزي والنسائي وابو داود وبن ماجه وأحمد واللفظ له ]

وأنت بالحق، وأنت في حقل الدين، وأنت في دائرة الحق يا ترى أيهما أولى صلي، لما أطلب العلم، صلي صلاة نافلة، أم أطلب العلم، دخلت لمسجد فيه مجلس علم، أجلس لأستمع، لما صلي عشر ركعات، في خلاف، يا ترى ألف كتب، لما أدعُ إلى الله شفهياً، يا ترى اذكر الله، ولا أعمل شيء إطلاقاً، وحافظ على طهارة قلبي، لما أخدم الناس، وأنت بالحق في متراجحات، في عمل فاضل، وفي عمل أفضل، في عمل حسن، وفي أحسن.
أول خلاف خلاف حيرة، طبيعي، الخلاف الثاني قذر، خلاف حسد، الخلاف الثالث خلاف تنافس، مثل إذا كان واحد ساكن ببيت أربعمائة متر، مليء بالأثاث، والأجهزة، وأدوات، أعطي أمر بالمغادرة خلال أربع وعشرين ساعة، معه يحمل فقط متر مكعب، ماذا ينقي من البيت ؟ يأخذ أغلى الأجهزة، وأقلها حجم، يأخذ الصيغة، الألماس، الذهب، إذا كان جهاز صغير كمبيوتر يأخذه، لا يأخذ كنباية متر مربع، بكون أحمق، يأخذ أثمن شيء، وأغلى شيء، لما الإنسان عايش عمر قصير، ممكن يقضي كل عمره بالتجويد، والتجويد بيطلع لبنه ببناء مائة طابق التجويد ضروري، لكن جزء صغير من الدين، ممكن تقضي كل حياتك بالمواريث فقط، بدك تختار الشيء الثمين، تختار معرفة الله عز وجل، تتحرك، تعمل شيء، الآن أنت مؤمن، أنت مع المؤمنين، بالحقل الديني، كمان هنا يوجد متراجحات، في عمل أجره قليل، في عمل أجره كبير، في عمل مادي، واحد ميسور هي مائة ألف، هي مائتان ألف، لكن ليس مستقيم، ظن نفسه بلغ الأوج، لا لم تبلغ الأوج، الله يريد نفسك، يريد إخلاصك، يريد طاعتك، فهذا خلاف تنافس، وأنت في الدين أن تصل إلى أعلى شيء بالدين، إلى معرفة الله، إلى العمل من أجل الله، ألم يقول الله:

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)﴾

( سورة الواقعة: 10 ـ 11 )
وفي أصحاب اليمين، قال له يا سيدي كم الزكاة ؟ قال له: عندنا أم عندكم، قال له عجيبة كم دين في ؟ بعرف في دين واحد، قال له: عندكم، اثنان ونصف بالمائة، أما عندنا العبد وماله لسيده، بقلك أخي ساعة لك وساعة لربك، هذا عند عامة الناس، أما عند المؤمنين الصادقين كل وقته لله عز وجل، الخلاف الثالث خلاف تنافس، أول خلاف، خلاف حيرة، ثاني خلاف، خلاف حسد، الخلاف الثالث، خلاف تنافس، الآية الآن:

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
على الفطرة، ممكن بعقولهم أن يصلوا إلى الله، لكن عقولهم مهما كانت عظيمة لا تمكنهم من معرفة كل الحقائق، لابد من وحي.

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾
خلاف حيرة، تكهن.

﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾
أما يكون في اختلاف، بعد ما جاءت البينات، بعد أن أنزل القرآن، يكون في خلاف ؟
القرآن قطع في كل شيء، وفصل كل شيء، ونختلف بعدها أيضاً ـ وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات ـ مفعول لأجله هي ـ بغيا بينهم ـ لأنهم حسدوا بعضهم بعضاً، هذا الخلاف القذر، الخلاف الأول طبيعي، خلاف حيرة، الخلاف الثاني، خلاف قذر، الخلاف الثالث، خلاف تنافس.

﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾

ضمن الحق، يجب أن تجمع بين أن تتزود بالعلم كغذاء لعقلك، وأن تتزود بالذكر كغذاء لقلبك، وأن تنضبط بالشرع كتقويم لسلوكك.
الدين في كليات ثلاثة، في جانب عقلي، في جانب قلبي، في جانب سلوكي، لازم تجمع، بين العلم، والذكر، والانضباط، والعمل الصالح، فإذا الإنسان دخل في حقل المؤمنين، لازم يبحث عن الشيء المجدي، الآن في إنسان يغوص يأتي بأصداف، إنسان يغوص يأتي بلؤلؤ، أنت غصت وغصت خذ لؤلؤ، الواحد انضم للدين، وآمن بالآخرة، لا تجعل عملك صغير، مادي، اجعل عملك كبير، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرجح ))
هنا الإنسان لما يصل إلى الله عز وجل، إلى شيء من معرفته يشعر بتفوق، التفوق.

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)﴾
هذه الآية صار عنا ثلاث اختلافات، خلاف بين الناس بسبب الجهل، خلاف طبيعي، وخلاف بسبب الحسد، خلاف قذر، و خلاف بسبب التنافس، هذا خلاف مقدس، الله يجعلنا من النمط الثالث أن نختلف، لكن على الأحسن، الله عز وجل قال:

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾

(سورة المطففين: 26)

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

(سورة الصافات: 61)

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾

(سورة يونس: 58)
اجعل فرحك، وتنافسك، وعملك، للأفضل، تنافس مع إخوانك لا على جمع الدرهم، والدينار، على بلوغ مراتب العلم، على التفوق بالعلم، والاستقامة، وخدمة الخلق، والدعوة إلى الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس السادس






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
في الإسلام كم تعلمون عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق هناك عقائد إسلامية، وهناك عبادات، صوم، صلاة، حج، زكاة، وهناك معاملات أحكام البيوع، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، وهناك أخلاق إسلامية، في قصة سيدنا إبراهيم، التي وردت في سورة مريم الصديقة، إشارات لطيفة إلى بعض الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها الإنسان اتجاه أبيه، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً (41)﴾
صديق صيغة مبالغة، على وزن فعيل، يعني كثير الصدق، والتصديق، الإنسان متى يصدق ؟ كلكم ترون أن هذا كأس ماء، فإذا قلت لكم هذا كأس ماء، تقولون صدقت، لأنكم تشاهدونني، فالذي يرى يصدق، والأعمى لا يصدق، ربنا عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72)﴾

( سورة الإسراء: 72 )

﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾

( سورة الحج: 46 )
الإنسان حينما يستقيم على أمر الله، ويتصل بالله، يقذف الله في قلبه نوراً يريه حقائق الأشياء، فإذا هو مبصر، إذا قيل له الحقيقة الفلانية، يقول صح، وأنت أحياناً أثناء حديث مع شخص، إذا كان ذكرت بشيء هو يعرفه تماماً، بقلك صح، أو بالعشرة.
اليقين ثلاثة أنواع: علم يقين، وحق يقين، عين يقين.
علم اليقين: استنتاجي، نحنا عنا علم يقين قطعاً أن في هذا المسجد كهرباء، والدليل: تألق المصابيح، وتكبير الصوت، هذا علم اليقين.
أما الإنسان إذا مسك الكهرباء وانتفض بدنه، هذا أبلغ من علم اليقين، هذا أسمه حق اليقين.
عين اليقين أبلغ.
الأوضح من ذلك، لو رأيت دخان وراء جدار، تقول لا دخان بلا نار، هذا علم اليقين، ألتفت وراء الجدار، رأيت النار، هذا حق اليقين، لو لمست النار بيدك وشعرت بوهجها هذا عين اليقين.
إذا الإنسان في عنده يقين وسمع حقيقة نظرية بقلك صدقت، فلماذا صدق هذا النبي الكريم، لأنه رأى، فالإنسان إذا بلغ الرؤية هي مرتبة عالية جداً، هذه سماها النبي مرتبة الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، في عنا إسلام، إيمان، إحسان:

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42)﴾
إذا أنت ساكت، الله يعلم، فإذا تكلمت الله يسمع، هل يكفي أن يعلم الله وأن يسمع ؟ الآن الله يستجيب، فعال، قدير، إذاً هو يعلم، ويسمع، ويستجيب، " يا أبت لم "، جاء الاعتراض على شكل الاستفهام، وألطف اعتراض، أن يأتي على شكل استفهام، لو أنه إنسان أمامك أخطأ خطأ فاحش، تقول له أخطأت، لم فعلت كذا ؟ الاعتراض على شكل استفهام لطيف جداً، هذا من الأدب.

﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يَا أَبَتِ﴾
الآن سيدنا إبراهيم عالم، وأبوه جاهل، لو قال له يا أبت أنت جاهل، شوف الأدب.

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (43)﴾
أيام الإنسان مالك فهمان يقول له، فيها وقاحة هي، أنا عندي معلومات يمكن أنت ما وصلتك، يعني أنا أعرف وأنت لا تعرف، لكن بين أن تقول له أنت جاهل، هذا سباب صار، أما إذا قلت له لقد بلغني من الحقائق ما لم تصلك، يعني أنا أعلم وأنت لا تعلم لكن بشكل لطيف.

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (43)﴾

أول أمر اعترض على عبادة غير الله، عن طريق الاستفهام الإنكاري، والآن قال له:
﴿قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾
هو لو جاءك لكنت مثلي، لكن هذا العلم لم يأتيك، أيضاً في تلطف ثالث.

﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (44)﴾
الإنسان إما أن يعبد الله، وإما أن يعبد الشيطان، إما أن يعبد الله، وإما أن يعبد شهوته، حينما يعبد الشيطان، الشيطان يأمرك بماذا ؟ بالفحشاء والمنكر، الشيطان يمثل الشهوة، والغريزة، والنزوة، والرحمان يمثل، القيم الرفيعة، والمبادئ.

﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45)﴾
في بهذه الآية إشارة دقيقة، الإنسان أحياناً الله يؤدبه، ليصلحه، التأديب في مغامرة، قد ينتكس وهو يؤدب، أيام أنت قصدك تربي أبنك أحياناً أثناء العلاج، بالتأديب ينتكس، لما الإنسان يرتكب الأخطاء الفاحشة، ويعتدي على حقوق الآخرين، يستحق المعالجة والتأديب، في احتمال ينتكس.

﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45)﴾
المس كما تعلمون، أقل مساحة، وأقل وقت، وأقل زمن، أيام الإنسان يمس المكواة، يضع لعاب على رأس إصبعه، بقدم أصغر مساحة على الإطلاق، بأقصر زمن، هذا المس، فربنا عز وجل إذا مس الإنسان بعذاب، لا يحتمل، الآن الكريزات ما بطول، بس الإنسان يطلع من جلده، كريزة رمل صعب كثير، يعني الآلام التي يسوقها ربنا للإنسان، وإن كان لدقائق، لا تحتمل، قلع الضرس من دون تخدير صعب كثير، أثناء قطع العصب بقلك أحسست برأسي أنقلع، هذا المس، طيب كيف العذاب المستمر، إذا المس بهذا الشكل.

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً (46)﴾
كل الرقة، وكل الطف، وكل الأدب بكلام سيدنا إبراهيم، لذلك أحد العلماء قال لأحد تلاميذه، يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك، المؤمن له آداب رفيع جداً، مرة واحد سأل عم النبي اللهم صل عليه، أيكما أكبر أنت أم هو ؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله، كل ما الإنسان أرتقى، في مراتب الإيمان يتملك أدباً رفيعاً، سيدنا يوسف قال:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾

( سورة يوسف: 100 )
هو وضعوه في الجب، أخوته، أيهما اخطر الجب أم السجن ؟ الجب، في موت محقق، أم السجن ما في موت، يعني الطعام مضمون والشراب مضمون، بس في اسر حرية، لماذا قال:

﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾

ولم يقل من الجب، لو قال من الجب لذكر أخوته بجريمتهم، لئلا يخجلهم، ترك الجب وقال:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
سيدنا عمر ماشي في الطريق في الليل، رأى أناس يضرمون نار، قال: السلام عليكم يا أهل الضوء، ولم يقل السلام عليكم يا أهل النار، تأدباً، لو تتبعت أقوال الصحابة، أقوال الأنبياء، لوجدت في أدبهم العجب العجاب، الإنسان كل ما ارتقى بالإيمان، بصير كلامه مهذب، النبي اللهم صل عليه، شاهد أحد قريباته ترتدي ثياب شفافة، قال:
((يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك ))
أنتقى كلمة لا تثير الشهوة أبداً، كلمة عظم لا تثير الشهوة، لكن كلمة أخرى، تثير الشهوة، الله عز وجل قال:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾

( سورة المؤمنون: من 5 إلى 7 )

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾
كل انحرافات الجنس بهذه الآية.

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾
قال لك:

﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾

( سورة النساء: 43 )
بس مع الطفل ما بحس بشيء، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾

( سورة الأعراف: 189 )
لو تتبعت الآيات التي تصف النكاح في القرآن، كنايات لطيفة جداً فالإنسان يتعلم من القرآن، من الأنبياء، من أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، من أقوال الصحابة، الأدب الرفيع.

﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42)﴾
اعتراض على شكل استفهام،

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45)﴾
فظاظة، هذا شئن الكفر، وهذا شئن البعد عن الله عز وجل، في قسوة، الله عز وجل قال:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

( سورة آل عمران: 159 )

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
شوف هذا الآية ما أجملها، يعني بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد، كنت لين لهم، فلما كنت لين لهم، التفوا حولك، وأحبوك، وتعلقوا بك، وهاموا بك حباً، وفدوك بأرواحهم.

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً﴾
لو لم تستقر هذه الرحمة في قلبك من لوازم البعد عن الله، الفظاظة، والقسوة، كلام قاسي، تصرف أرعن، تعليقات لذعة، سخرية مرة، هجوم عنيف.

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
يعني المعنى صار، يعني الإنسان إما أنه موصول بالله، في رحمة بقلبه، هذه الرحمة من لوازمها، لين الجانب، فلان لين العريك، يألف ويؤلف، بتلاقي شخص يقطر أدب.
أحد الصحابة الكرام لما رأى موقع بدر، الموقع ما أعجبوه، فجاء النبي، أنا أقول هذا الصحابي، يعني معجون بالأدب، قال يا رسول الله، هذا الموقع هو وحياً أوحاه الله إليك، أم هو الرأي والمكيدة يعني إذا كان وحي، لا يمكن يحكي حرف، النبي الكريم طبيعي، تكلف ما في، قال له بل هو الرأي والمكيدة، فقال يا رسول الله ليس بموقع، بكل بساطة، بكل عفوية، النبي أعطى أمر تحول الجيش إلى الموقع الذي راءه الخباب بن المنذر، وقف النبي الموقف الكامل، لمن أدى إليه النصيحة إلى يوم القيامة، فكل عالم، وكل أمير من بعده، إذا إنسان قدم لك نصيحة بإخلاص، أصغي وأشكره عليها، واستجب له، شوف الأدب، هذا الموقع وحياً أوحاه الله إليك، أم هو الرأي والمكيدة، فلذلك كل ما ارتقيت بسلم الإيمان، يرتقي أسلوبك بالكلام، تختار أجمل كلمة، وألطف عبارة، وتعليق لطيف، ولفت نظر لطيفة.
سيدنا الحسن والحسين، فيما يروى شاهدوا إنسان كبير في السن كان يتوضأ ويخطئ في الوضوء، توضئا أمامه، قال والله أنا مخطئ ولستم أنتم، ممكن تفهم إنسان كل شيء بلطف، بأسلوب لطيف، من دون عنف من دون قسوة، من دون جرح، من دون استعلاء، من دون كبر، من دون أن تشعره أنك أفهم منه.

﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾
أنا في عندي معلومات، لو أنت عرفتها تقف كموقف، هي معناها أنت جاهل وأنا عالم، بس بشكل لطيف جداً.

﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً (43)﴾
معناها الأدب، يمثل ربع الدين، عقائد، عبادات، معاملات، آداب، فالمؤمن يطمح إلى آداب مجالس العلم.
النبي الكريم ما رئي ماد رجليه قط في حياته، ولا بين أصحابه برء من الكبر من حمل حاجته بيده، سيدنا الصديق يربك على ناقة، وقع منه زمامها، وأصحابه حوله، نزل من على الناقة، وتناول زمام الناقة، فعجبوا، قال يا خليفة رسول الله، نكفيك ذلك، قال: لا ! أمرني حبيب ألا أسال الناس شيء.
النبي الكريم مع أصحابه في سفر، عالجوا شاة ليأكلوها قال أحدهم علي ذبحها، وقال الثاني علي سلخها، وقال الثالث علي طبخها فقال عليه الصلاة والسلام وعلي جمع الحطب، قال نكفيك ذلك، قال:
((أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده، متميزاً على أقرانه، هي السنة.))
سيدنا الصديق لما جيش جيش أسامة، أراد أن يستبقي عمر، طيب سيدنا الصديق علم خليفة المسلمين، سيدنا عمر عملاق الإسلام، وهذا القائد 17 عاماً عمره، طفل، قول لسيدنا عمر خليك عندنا أنت، أبو حفص خليك عندنا، لا ما عمل هذا، أستأذن أسامة، في تسلسل لأنه، أتأذن لي بعمر ؟ شو هذا ! خليفة المسلمين يستأذن شاب عمره 17 عاماً، في عمر، حتى يعطيه مكانته، سيدنا أسامة راكب الناقة، وهو قائد الجيش، وسيدنا الصديق ماشي على الأرض، فسيدنا أسامة ما تحمل، قال له: والله يا خليفة رسول الله لتركبن، أو لأنزلن، قال: لو والله لا نزلت ولا ركبت، وما علي أن تغبر قدماي ساعة في سبيل الله.
سيدنا الصديق كان يحلب شياه جيرانه، فلما صار خليفة، دخل على جيرانه الحزن غير معقول يستمر بالخدمة هي، صار خليفة المسلمين، في اليوم الثاني طرق باب جيرانه، الأم قالت لأبنتها أفتح الباب يا بنية، طرق الباب، قالت من الطارق يا بنية، قالت جاء حالب الشاة يا أمي، أجئ يحلب الشياه، سيدنا الصديق خليفة المسلمين، الإسلام كل أدب، كل لطف، كل مودة، هي أعمال العنف، والفظاظة والغلظة، والنصيحة بقسوة، هذا ليس من الدين في شيء، شعار المؤمن:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾











والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
في سورة مريم آية رقمها التاسعة والخمسون، هذه الآية تجيب عن تساؤلات كثيرة، فالإنسان أحياناً يقول: ألم يقول الله عز وجل:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

(سورة النور )
أين الاستخلاف ؟ شكل واقعي.

﴿ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾
أين التمكين ؟

﴿ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾
أين الأمن ؟ على مستوى العالم الإسلامي، هذا تساؤل أليس هذا وعد الله عز وجل، ألسنا مسلمين ؟ مسلمون، وهذا وعد ثابت، طيب تساؤل آخر:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾

(سورة الحج: 38)
أين هذا الدفاع ؟
تساؤل ثالث:

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

(سورة النساء: 141)
هذا غير واقع، لهم علينا ألف سبيل وسبيل، هذا الواقع.
تساؤل: رابع، وخامس، وسادس، استعرض الآيات التي فيها وعد الله للمؤمنين، لا تجد هذه الوعود محققة، يعني الله عز وجل غير ؟ جل وعلا، سبحانه وتعالى عن أن يغير، يعين إلههم غير إلهنا ؟ إله واحد، القوانين اختلفت ؟ لا ما اختلفت، القرآن تغير ؟ لا لم يتغير في الإجابة عن هذه التساؤلات، التي تحير العقول، قال تعالى بعد أن حدثنا عن سيدنا زكريا، وعن السيدة مريم، وعن سيدنا إبراهيم، وعن سيدنا موسى، وعن سيدنا إدريس، يقول الله عز وجل:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
ولقد لقينا ذلك الغي، أما دقة الآية:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾
أخوانا الكرام:
من الثابت أنه ليس من تضيع الصلاة أن لا نصلي، لا نصلي، والجوامع ممتلئة، لكن اذهب إلى بيوت هؤلاء المصلين، هل ترى الإسلام فيه قائماً ؟ لا والله، اذهب دكاكينهم إلى أسواقهم، إلى احتفالاتهم، إلى علاقاتهم، إلى التزامهم بمبادئ الشريعة، تجد هم في واد والدين في واد آخر، وآخر ما تنقض من عرى الإسلام الصلاة، في صلاة، لكن ما في التزام، يعني واحد مرة استوقفني في الطريق، قال لي خطب ابنتي شاب غني، له معمل، وبيت، ومركبة، وأنا في حيرة من أمري، أعطيه ؟ سألته عن دينه، قال ما فيه دين، ثم بلغني أنه زوجه، طيب لما ربنا عز وجل قال لك في القرآن الكريم.

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)﴾

(سورة البقرة: 221)
طيب إذا الإنسان قرأ القرآن، وبعد ما انتهى قال صدق الله العظيم، وراح زوج ابنته لواحد غني ما في دين، معناها ما صدق الله عز وجل، كلام فارغ هذا، لو صدقه لاختار لبنته الزوج المؤمن، لا الغني، إذا قدر أن يجمع بين الإيمان والغنى ما في مانع، أما إذا كان غنى مع عدم دين، لا والله لا نقبل، فهذه الآية تحل كل التساؤلات.

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾

ليس تضيع الصلاة بتركها بل بتفريغها من مضمونها، وكيف تفرغ الصلاة من مضمونها ؟ بعدم الاستقامة على أمر الله، حينما لا تستقيم، ينشأ حجاب بينك وبين الله، قال له قم فصلي إنك لم تصلي.
﴿الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

(سورة العنكبوت: 45)
لكن العلماء قالوا عن هذه الآية كلمة رائعة، قال يا ترى أضاعوا الصلاة لأنهم اتبعوا الشهوات ؟ أم اتبعوا الشهوات فأضاعوا الصلاة ؟ هل هو إتباع الشهوات سبب، أم نتيجة ؟ هناك في القرآن بعض الآيات تحتمل المعنيين، يعني إتباع الشهوات سبب، ونتيجة، حينما أضاعوا الصلاة اتبعوا الشهوات، وحينما اتبعوا الشهوات، أضاعوا الصلاة، يسمونها علاقة مترابطة، ترابط عكسي، إنك إن اتبعت الشهوات أقمت بينك وبين الله حجاباً، أضعت الصلاة، لو صليت، لكن لن تقع الصلة بينك وبين الله، وإنك إن أضعت الصلاة من لوازم إضاعة الصلاة إتباع الشهوات.

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾
كلمة:

﴿ فَسَوْفَ ﴾
للاستقبال هذه، يعني هذا لم يقع عند نزول القرآن، لكن بعلم الله عز وجل سيقع، وقد وقع، وهذا من إعجاز القرآن، إعجازاً متعلقاً في غيب المستقبل، هذا هو غيب المستقبل.

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

الغي ؛ قهر، الغي ؛ فقر، الغي ؛ إذلال، تفرق، بأسنا فيما بيننا، هذا الغي، لكن الإنسان ييأس ؟ ماذا نفعل، اسمعوا الجواب قال:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60)﴾
يعني إذا المجموع اتبع الشهوات، وأضاع الصلوات، ولقي الغي هذا لا يعني أن كل فرد يتحمل هذه التبعة، لو واحد وحده استقام، وعرف الله، ووقف عند حدوده، له معاملة خاصة، أنت تتمنى، وتسعى من كل قلبك أن يكون المجوع على اتصال بالله، وأن يكون المجموع ملتزماً بأمر الله، إذا كان هذا لم يكن ماذا نفعل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾

(سورة المائدة: 105)
القرآن الكريم واضح جداً، ومريح، القوم بمجموعهم اتبعوا الشهوات، وأضاعوا الصلوات، وقد لقوا ذلك الغي، طيب أنا كفرد ماذا أفعل، في بالعالم الإسلامي مليار ومائتين مليون مسلم، يقول واحد أنا وحدي ماذا أفعل، أنت وحدك لو اتبعت المنهج، فأنت مستثنى من هذا الحكم، لأن الله عدالته مطلقة، لو المجموع أساء، أنت عليك من نفسك، والآية واضحة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾
إذا بالإمكان تصلح اصلح، إذا لم تقدر.
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7)﴾

(سورة نوح: 6 )
معناها الإنسان لما يعجز، يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾

(( عَنْ أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ، كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الايَةِ ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ، فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، وَزَادَنِي غَيْرُهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ، قَالَ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ. ))
[ أخرجه أبي داود ]
نسعى بكل جهدنا، وطاقتنا لإرساء الحق بين الناس، فإذا رفض الناس الحق، علينا أنفسنا، الواحد لا يتألم، الله عز وجل عدالته مطلقة فهذا الغي لن يصيب المؤمن، المستقيم، يصيب المجموع إذا أساءوا، وانحرفوا، وتركوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، أما الفرد إذا استقام، والتزم له معاملة خاصة، وفي دليل قوي.

﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)﴾

(سورة الذاريات: من 30 ـ إلى 36)
الله عز وجل قبل ما يبدأ يقول لك أنت مالك علاقة، طبعاً هذه الآية تبشر، بقلك الناس فسدوا، وإذا فسدوا ؟ أنت عليك من نفسك، أخي الناس ما عاد فيهم دين، الناس فلتوا، ما عليك من الناس، إذا أنت عامل حمام درجة أولى، ولابس ملابس نظيفة، ولقيت حفرة سياقات ماء سوداء، وناس عما يلعبوا فيها، وعما يسبحون بها، أخي مضطر كلهم قاعدين فيها، أنت لا تنزل خليك خارجها، مادام أنت نظيف، ونقي، وطاهر، ثيابك نظيفة، والناس غرقانين بهذه الوحول، المياه المالحة السوداء، وفرحانين بأنفسهم، نازلين سباحة وتراشق بالماء، هل أنت مجبر أن تكون معهم، هل هذا الوضع المؤلم يغريك أن تكون معهم؟ لا، فالإنسان يقول أنا مع الناس ؟ هذا إمعة، النبي الكريم قال:
((لا يكن أحدكم إمعة ))
ماذا نفعل بلوى عامة الله يصلحهم الأهل هكذا بدهن ماذا أفعل، جبنا لهم دش الله يصلحهم، أنا مو هاين علي والله، ما هذا الأب، قال هو مو هاين عليه بس جبلهن يا.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

فكل ما لقيت وعد إلهي ليس محققاً اقرأ هذه الآية، هذه الآية هي الجواب، كل ما لقيت وعد إلهي، لا في تمكين، ولا في تطمين، ولا في نصر، ولا تأييد، ولهم علينا ألف سلطان وسلطان، وسبيل وسبيل معناها الإسلام شكلي، الإسلام بقي صلاة، أما الإسلام ما هو صلاة، الإسلام استقامة، الإسلام أمانة، وصدق، والتزام، الإسلام تعاون، وبناء، الإسلام حركة إيجابية، الإسلام نظام متكامل الإسلام أسرة مسلمة، عمل مسلم، الدين تقلص، انضغط، انضغط أصبح صلاة، وشعائر، وطقوس، حركات لا معنى لها، تؤدى، ويحصل منها وهم مريح أنا صليت والحمد لله، مسبح مختلط، وعمل فيه مولد، ودعا كم واحد يلقوا فيه كلمات، عرس بالشيراتون قدمت فيه الخمور، وجيء بالراقصات، والعرس مختلط، وعلى البطاقة، الطيبون للطيبات، هكذا أصبح الإسلام، فلكلور، القرآن الكريم قرأ في باريس هل تصدقون على أنه فلكلور شرقي، أقيمت حفلة في باريس، ذهب المنشدون إلى هناك، والقراء، وقرأ القرآن هناك على أنه فلكلور شرقي، تراث شرقي، كألف ليلة وليلة.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

إذا واحد عنده مأساة، وعنده وفاة وذهب إلى دفن الموتى، يلحقوه خمسين قارئ، يتنافسوا، يتقاتلوا، أنت قارئ قرآن ؟ أنت حافظ قرآن ؟ تعرض بضاعتك بهذا الابتذال ؟ هذا الإسلام، في فرق كبير كثير، يعني بين الصحابة الذين أكرمهم الله بالنصر، ورفع ذكرهم، وأعلى قدرهم، وأيدهم، وأكرمهم، وبين المسلمين الذين ترونهم، ما في اتزان، صلوات في، لكن ما في استقامة، ما في انضباط، في خمور، في ربا، في اختلاط، في تسيب، في تساهل، التربية غير إسلامية، البيت غير إسلامي، العمل غير إسلامي، البيع غير إسلامي كله بقلك لا تدقق، لما ما بدقق ما في وعد، وعود الله تتعطل كلها، لأن الله عز وجل قال:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
ثلاثة، وعلى الفريق الثاني.

﴿يَعْبُدُونَنِي﴾
فإذا أخل الفريق الثاني بما عليه، الفريق الأول في حل من وعوده الثلاث، فكلما رأيت وعداً لله عز وجل للمؤمنين غير محقق، اقرأ هذه الآية:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾











والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-08-2018, 08:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة مريم (19 )

الدرس الثامن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الآية الواحد والسبعون من سورة مريم وهي قوله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾

﴿وَارِدُهَا﴾
الهاء تعود على النار، هذه الآية تحتاج إلى وقفت متأنية، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

وإن هنا نافية، يعني ما منك واحد إلا وهو واردها، الحقيقة أن ورود النار شيء، ودخولها شيء آخر، الله جل جلاله، الكون كله ينطق بأسمائه الحسنة، لكن أسم العدل لا يتحقق إلا في الآخرة، الدنيا دار ابتلاء، الحظوظ موزع في الدنيا توزيع ابتلاء، في الدنيا أقوياء، وفي الدنيا ضعفاء، في الدنيا أغنياء، وفي الدنيا فقراء، في الدنيا أصحاء، وفي الدنيا مرضى، في الدنيا ظالمون، وفيها مظلومون، وتنتهي الحياة، يقول الله عز وجل:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

( سورة مريم: 115 )

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

( سورة القيامة: 36 )
هذا المعنى أن أسماء الله الحسنة، كلها محقق في الدنيا، أسم العليم، كل ما في الكون ينطق بهذا الاسم، أسم الحكيم، أسم الغني، أسم القدير، لكن أسم العدل، قد لا يبدو للناس في الدنيا، قد يجد الناس رجل، قوياً، فاجراً، منحرفاً، فاسقاً، يتحدى ذات الله عز وجل ويتمتع بأقوى صحة، وقد تجد إنسان مؤمن مستقيماً مستضعفاً، لا يقوى على أن يحرك ساكناً، أسم العدل لا يتحقق إلا بالآخرة، لذلك ورود النار شيء ودخولها شيء آخر، فإذا ورد المؤمن النار، لا ليصلى حرها، بل ليرى مصير الظالمين فيها، ليتحقق عنده العدل الإلهي، ليرى مكانه في النار فيما لو لم يكن مؤمناً، هذا مما يضاعف سعادته بالجنة.
يعني لو فرضنا شريكان، أقترح أحدهم على الآخر، أن يتعامل بضاعة غير نظامية، الثاني رفض أشد الرفض، فلما رفض فسخت الشركة، وتولى الأول خطته، واشترى بضاعة غير نظامية، وباعها، ثم ضبطت هذه المخالفة، وألقي القبض علي، والقي في السجن، فذهب الثاني ليزوره، فضلاً عن أنه يزوره، ويواسيه، ألا يشعر بحكمة بالغة وسعادة غامرة، من جراء القرار الحكيم الذي رفض به، هذه الصفقة، فربنا سبحانه وتعالى، إذا أورد الناس جميعاً النار، ليروا عدالته، ليروا أسم العدل محقق.

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم: 42 )

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

( سورة آل عمران: 196 ـ 197 )
آيات كثيرة.

﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)﴾

( سورة إبراهيم: 30 )

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾

( سورة القيامة: 3 ـ 4 )

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33)﴾

( سورة الحاقة: من 19 إلى 33 )
مرة ثانية أيها الأخوة:
دخول النار شيء، وورودها شيء آخر، مرة كنا في متحف حيوانات، في قسم الأفاعي والثعابين، يعني مكان فيه الثعبان من أكبر حجم، لكن أمامه بلور كثيف، فنحن نقف أمامه، بيننا عشرين سانتي مطمئن، نحن لم ندخل على هذا الثعبان، نحن أطللنا عليه إطلال، وبيننا وبينه حرز حريز، تمتعنا برؤية حركته، وعيونه، وأجزاء خلقه، وبيئته الذي هو فيها، وبيننا وبينه عشرين سانتي، لكن في بلور كثيف في إضاءة شديدة، وهو في بيئته الطبيعية، يتحرك ويتلوى، هل يقال نحن دخلنا إلى جحر الثعبان ؟ لا ! نحن وردنا ولم ندخل، فالمؤمن إذا وردا النار، لا يشعر بوهجها، أبداً، لا يرى إلا عدالة الله فيها محققة هؤلاء الذين ظلموه في الدنيا، له شريك مثلاً فاجر، كافر، منحرف أنتزع منه المحل التجاري، وشكاه إلى الله، وعاش في بحبوحة وقوة ومنعة، وانتهت الحياة، ولم يقع حكم الله في، جاءت الآخرة، رأى شريكه في مكانه الطبيعي، وشيء آخر، لولا أنه آمنا بالله، وعرفه، واستقام على منهجه، وسار في طريق الإيمان، لكان هنا محله، بالنار تتضاعف سعادة المؤمن في الجنة، بعد هذا الورود، فهذا الورود ليس دخولاً، قال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71)﴾
يعني أحياناً، لما ينزل العقاب بالمجرمين بالساحات العامة، إنسان قاتل نعدمه في الساحة العامة، هناك هدف تربوي كبير، أما إذا أعدم في السجن، ما رآه أحد، ولا أخبر به أحد، هناك حكمة بالغة، الإنسان حينما يرى عدالة الله عز وجل، وأنه قيوم السماوات والأرض وأن كل شيئاً عنده، بمقدار.

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

( سورة الأنبياء: 47 )

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً(77)﴾

( سورة النساء: 77 )
تأكل تمرة بتلاقي بالنواة، لها فلقتين، وسط الفلقتين في خيط، والتمرة لها رأس مدبب، النواة، لو وضعتها على اللسان كالإبرة، هذا النقير، والفتيل الخيط، وأيام لها غشاء رقيق جداً أسمه القطمير، فربنا عز وجل قال:

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

( سورة النساء: 124 )

﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)﴾

( سورة فاطر: 13 )
هل هناك من قيمة لغلاف رقيق يلف النواة ؟ ترونه، هل هناك من قيمة لرأس مدبباً كالدبوس تنتهي به النواة ؟ هل هناك من قيمة لخيط بين فلقتين نواة ؟ قال:

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)﴾

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾

( سورة غافر: 17 )

﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾

( سورة العنكبوت: 40 )
إذاً هذه الآيات التي تقرأها في الدنيا، في كتاب الله، تراها محققة يوم القيامة، لذلك يوم القيامة، هو الذي خلقكم ثم يعيدكم لتجزى كل نفس بما تسعى.

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر: 92 ـ 93 )
لذلك المؤمن أيها الأخوة:
هذا المشهد، مشهد العبد المطلق، لا يغيب عن ذهنه أبداً، قبل أن يظلم، قبل أن يفعل شيئاً لا يرضي الله، قبل أن يأخذ ما ليس له، يقف عند هذه الآيات.

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾
العلماء قالوا على جهنم صراط مستقيم، أدق من الشعرة، و أحد من السيف، الحقيقة هذا الصراط المستقيم في الدنيا، فإذا حاسبت نفسك حساباً عسيرة، وحاسبت نفسك على القطرات وعلى الساكنات وعلى الحركات، رأيت الصراط على النار عريضاً، تنطلق به في بحبوحة، أما إذا تساهلت في حساب نفسك في الدنيا، رأيت يوم القيامة ضيقاً، وإذا كان في أخطاء فاحشة ربما وقع هذا الإنسان من على هذا الصراط وسقط في النار.

﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾
فلذلك هذه آية الصراط، وورود النار من أجل أن يشعر المؤمن بقيمة الهدى الذي هداه الله إليه، وبقيمة الطاعة التي وفق إليها، وبقيمة هذا الطريق القويم الذي سار فيه، والمؤمن العاقل، الذكي، الموفق، هو الذي يعد لكل شيئاً عدة قبل أن يأتي.
تروى قصة رمزية، بكتب الأدب، أن صيادين مرا على غدير ففي هذا الغدير سمكات ثلاث، كيسة ؛ يعني عاقلة، وكيسة منها، وعاجزة، توعدا الصيادين أن يرجعا، ومعهما شباكهما، ليصيدا ما في هذا الغدير من سمك، قال فسمع السمكات قولهما، أما أكيسهن، يعني أعقلهن، فإنها ارتابت وتخوفت، وقالت العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ثم إنها خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت، هذا العاقل، قال وأما الكيسة، الأقل عقل، الأقل ذكاء، بقيت في مكانها، أهملت، حتى عاد الصيادان، في بذهنها خطة ثابتة، جاهزة، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سد، قالت فرطت وهذه عاقبة التفريط، غير إن العاقلة، لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت، فطفت على وجه الماء، متقلبة، تارة على بطنها، وتارة على ظهرها، فأخذها الصيادان، ووضعها على الأرض ميتة، بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، لكن حرقت أعصابها هي، الأولى أذكى، قال وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وأدبار حتى صيدت، هي الحوصان، لا ينجز شيء، الكسول المهمل، بعيش لساعة أجله، إلى أن يأتيه الموت لا يصلي، كل عمر بالطاولة بالليل حتى الساعة الثانية، طاولة، وغيبة، ونميمة، واختلاط، إلى أن يأتي الأجل، ليس مستعد، قال وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وأدبار حتى صيدت وأكلت، أما العاقلة جداً، احتاطت للأمر قبل وقوعه، والأقل عقل مع وقوعه، والغبي لا قبل وقوعه، ولا مع وقوعه، ولا بعد وقوعه، هذا عطل تفكيره، فلذلك هذه الآية أيها الأخوة متعلقة بيوم القيامة.

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً (72)﴾














والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-09-2018, 01:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة طــــة (20 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة المؤمنون:
في سورة طه آيات عدة ذات مدلولات كثيرة، الآية الأولى وهي قوله تعالى:
﴿طه (1)﴾
قال علماء التفسير: هذه أسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد في بعض التفاسير أن يا طاهراً من الذنوب، ويا هادياً إلى علام الغيوب.

﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)﴾
هناك نوع من الشقاء مقدس، الإنسان حينما يكبر قلبه، ويرى من حوله ليسوا على هدى، يتألم أشد الألم، فحينما تتألم لضياع الناس وشرودهم عن الله عز وجل، وشقائهم فهذا شقاء مقدس، الأم حينما تتألم لضياع ابنها، أو لتقصيره في تحصيله، أو لإخفاقه في زواجه أو لضيق ذات يده، وقد تكون في بحبوحة هي هذه الأم ألمها مقدس.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لو علمتم ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعام عن شهوة، ولا دخلتم بيوتكم تستظلون بها ولخرجتم إلى الصعدات تندمون أنفسكم وتبكون عليها، ولو علمتم ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلة.))
الإنسان المؤمن في بقلبه رحمة، يتألم أشد الألم لما يلحق بالمسلمين من أذى، يتألم أشد الألم حينما لا يرى المسلمين كما يتمنى أن يراهم فهذه الآلام التي لا علاقة لك بشخصك، ولا ببيتك، ولا بأهلك هذه آلام مقدس، الله سبحانه وتعالى يعتب له لا عليه، يعني يا محمد كفاك ألم، كفاك هماً، كفاك تمزقاً بما يجري حولك.

﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)﴾
فلذلك إذا الإنسان ما في بقلبه رحمة، وقال أنا ما لي علاقة بالناس، من قال هلك الناس فهو أهلكهم، أنت مسلم، والذين حولك مسلمون، فإما أن تسعى إلى هدايتهم، وإلى نصحهم، وإلى إرشادهم وإلى معاونتهم، إما أن تخفف عنهم متاعب الحياة.
لذلك الحديث:
الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله.
تخوف إنسان ؟ ملعون عند الله، تفقر إنسان ؟ تجعله فقير تلقي بقلبه القلق؟ تذله أمامك ؟ تجعله ضائع ؟ تجعله شقي في بيته ؟ ترفع عليه سعر حتى يلهث ما يلحق، تستغل حاجته للسلعة، يمكن تحقق أرباح طائلة، هو ينفق كل راتبه من أجل معالجة بسيطة.
مريض بعناية مشددة في له قريب بالشام، جاء يعوده ممنوع ممنوع زيارته بأمر الطبيب، زاره أول يوم، وثاني يوم، وثالث يوم رابع يوم ممنوع، ممنوع، ممنوع، أحد عشر يوم، بعدين قال بدي شوفه، قال له من ربع ساعة مات، دخلوا، جاب طبيب شرعي من أحد عشر يوم ميت، الفاتورة خمسين ألف ليرة.
يعني تستغله، تأخذ أمواله، تفقره، عملية غير ناجحة وسبعين ألف، الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، ملعون، من هدم بنيان الله.
أيام الإنسان يستغل علمه، يستغل حاجة الناس إليه، يستغل ثقة الناس فيه، يستغل مهنته الراقية، ويبتز أموال الناس حراماً يأكلها سحتاً، والله هذه الأموال سوف يتلفها الله ويتلفه معها، هذا إنسان أي إنسان لا يكون متعصب، أي إنسان هذا عبد لله، خذ منه حقك، الذي لك عليه، خذ منه نظير أتعابك، لا تبتز أموالك وأساليب ابتزاز أموال الناس لا يعلمها إلا الله، والآن كانت في المهن الدنيا والآن في المهن الراقية، تكون الدعوة خاسرة سلفاً، في اجتهاد محكمة النقض، لا يجز للقاضي أن يحكم لهذا المدعي، يمنيه ويعده بالفوز ويلقيه سنوات وسنوات ثم يتهم القاضي بأنه قبض رشوة من خصمه وابتز أمواله، أحياناً يطلب منه ست تحاليل، ما بحاجة لها، بحاجة لأول تحليل، في اتفاق مع المحلل، حلل أول قسم والباقي القيه بالمجلى والثمن بيني وبينك، مهن راقية هي.
الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله، ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام.
فلذلك لما الإنسان يرى الناس يفهمون الدين فهماً سقيماً يفهمون الدين صياماً، وصلاة، ولا يستقيمون في معاملاتهم، لا يصدقون، لا يخلصون يغشون، يبتزون أموال بعضهم بعض يأكلون أموال بينهم بالباطل، ويدلوا بها إلى الحكام يتألم الإنسان، هذا ألم مقدس، إذا تألمت على ضياع الناس وعلى تقصيرهم، وعلى انحرافهم، وعلى جهلهم، وعلى ضلالهم، فأنت إنسان مؤمن.

﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)﴾
هذا الشقاء المقدس، الشقاء النابع من الرحمة، الشقاء النابع من حرص.

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾

( سورة التوبة: 128 )
رحمته دعته إلى أن يتألم.

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)﴾

( سورة النحل: 127)

﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ﴾

( سورة الحجر: 88 )
إياكم أن تفهم هذه الآية أن النبي عليه الصلاة والسلام يمد عينيه إلى ما في أيدي الناس من الدنيا، لا، يمد عينيه إليهم، ليهديهم إلى الله عز وجل.
لذلك:

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
لو كان يتمنى ما عندهم من دنيا لتحزن على نفسك، لا تحزن عليهم و القرينة واضحة جداً، في إشارة علمية بالآية:

﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾
معناه في ثروات تحت، إذا واحد قال لأولاده أنا لي هذا البيت ولي الأرض، ولي ما تحت الأرض، قبل ما يدفنوا ينبشوا الأرض كلها، معناها في كنز الله عز وجل أشار:

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)﴾
ماذا تحت الثرى، هذه الثروات التي لا يعلمها إلا الله، مرة ذهب، مرة ألماس، مرة نفط، مرة بوتاس، مرة فوسفات، هذه كلها ثروات، إشارة إلى هذه الثروات.

﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾
السر واضح شيءٌ أسررته، أما الأخفى، الذي أخفي عنك أنت خفي عن علمك وتجاوز سرك.

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾
يعلم ما في الكون، ويعلم حقيقة هذا الإنسان، لذلك علم ما كان وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أنت على العشر الآلف في الشهر ماشي حالك من بيتك إلى الجامع، تبع المليون لا نعرف، لا نعرف بتم مستقيم، لما تنحرف لا نعرف، هو الله يعرف.
إن من عبادي لا يصلحه إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، هذا علم ما لم يكن لو كان كيف يكون.

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾

(سورة طه)

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾

( سورة ق: 16 )
والله يحول بين المرء وقلبه، كل خواطرك عنده مسجلة خواطر طموحاتك، تمنياتك، نواياك، قاعد بالغرفة بالشتاء دافئة وجاءت صديقة زوجتك تعوا لهون أدفأ لكم، أدفأ لكم هون لما في شي ثاني، الله بعرف، القصد أدفأ لكم والقصد شيء آخر.

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) ﴾

أي فكرة، وأي عقيدة، وأي تفسير، وأي مقولة، وأي رأي لا يتناسب مع أسمائه الحسنى ينبغي أن تردها، يجب أن تفهم أسماء الله أنها أسماء حسنى كلها كمال، يعني مثلاً:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾

( سورة الشمس: 7 ـ 8 )
إياك أن تفهم هذه الآية، أن الله أكره الإنسان على أن يفجر هذا لا يليق بجلاله، إياك أن تفهم هذه الآية أن الله قدر عليك الضلال قبل أن يخلق، قدر عليه المعصية، لا، أي أن هذه النفس لفطرتها العالية، إذا فجرت تعلم أنها فجرت من دون معلم، من دون موجه لما الإنسان ينحرف، يعلم أنه منحرف هي فطرة، هذه الفطرة العالية التي تتوافق مع الدين، لذلك الإنسان إذا أنحرف بفطرته يعلم أنه أنحرف، هذا معنى:

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾
ألهمها أنها حينما تفجر فاجرة، بقلك متضايق، شاعر بضيق الدنيا لا تسعني، شاعر بوخز ضمير، شاعر بكآبة، هي الكآبة ووخز الضمير ومتضايق، وقلبك عاصص، والأرض ما عما تسعك من ذنوبك، فندق في بعض البلاد الغربية مكتوب على، فندق خمس نجوم، إذا لم تنم فالعلة في ذنوبك لا في فروشنا، العلة من ذنوبك نحنا فراشنا وثيرة، من الدرجة الأولى، بس ما عم تنام أنت عامل ذنوب بالنهار.

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)﴾
اسمعوا هذه الحكمة، كن لي ما لا ترجو أرجى منك ممن ترجو، سيدنا موسى ذهب ليأخذ قبس من نار، يتدفأ بها وأهله، فنجاه الله هناك، أيام الله بقدرك الهدى من سفرة، من زيارة، تلتقي مع إنسان يفتح لك باب رزق الله عز وجل لا تيأس، لا تزهد، أي عرض جاءك أقبله، قول إن شاء الله، لا ترفض عرض، لا تعلو على عرض، لعلى في هذا العرض ربح كبير، لعلى في هذا العرض فلانة قالت، عنده بنت مناسبة بدو يزوجها لي معناها فيها علة، لا ما فيها علة، من قال لك ذلك ؟ سيدنا موسى قال له:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾
عرض الفتاة شيء جيد وفق السنة، اذهب، ابعث من يراها لا ترفض عرض، لا تتكبر على رزق ساقه الله إليك.
هذا معنى أن سيدنا موسى قال:

﴿إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) ﴾
فناجاه الله عز وجل، يمكن أن تدخل لمسجد بصلي بتلاقي في درس، ينشرح قلبك بكون سبب هدايتك، لا تزهد، أخي واحد سحبك على درس روح معه، بجوز تستفيد منه، أما هذه المواقف المتشنجة العقل المتكلس، ما بغير ولا بدل، الناس جميعهم لم يفهموا، أنا لحالي فهمان، التفكير الساذج، والسخيف والجامد، روح جرب، واحد دعاك إلى قراءة كتاب أقرأ الكتاب، لعل يكون فيه هدايتك، دعاك إلى مجلس علم استجيب، استجب له، كن لي لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو.
سيدنا موسى ذهب ليأخذ قبساً من النار فكان في هذا الذهاب مناجاة الله له، هكذا تقول بعض الكتب، قال له يا ربي بالمناجاة لا تبقي لي عدواً قال له يا موسى هذه ليست لي، لي ما صحت لي، ما في إنسان ما له أعداء، قال له يا ربي لا تبقي لي عدواً قال له يا موسى هذه ليست لي، كلما الإنسان نضج بوطن نفسه له خصوم، خير إن شاء الله.

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾

( سورة النمل: 79 )
قل الله ثم ذرهم في غيهم يعمهون، الخصومة لا بد منها.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾

( سورة الأنعام: 112 )

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾

( سورة الفرقان: 31 )
الأنبياء لهم أعداء، طيب الله ما كان قادر يلغيه أبي لهب وأبي جهل، وهؤلاء الصناديد الكفار يريحهم منهم كان، لا، يرقى بهم لأنه، لا يرقى إلا بهم ليظهر صدقه، وصبره، وإخلاصه وجلده، وحبه لله عز وجل، خرج مشياً إلى الطائف، ضربوه في الطائف، قال ربي إلا لم يكن بك غضب علي لا أبالي ولك العتبة حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، نحنا شو أسمك ما عاد يأتي إلى الجامع، إذا قال له شو أسمك ما عاد يأتي إلى الجامع، ضرب النبي اللهم صلي عليه، فلذلك كن لي ما لا ترجو وأرجى منك لما ترجو.

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) ﴾
هذه ندرسها في الأسبوع القادم، لكن في سؤال، قال:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)﴾
يعني الله لا يعلم ما في يمينه، قال:

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾
خلص هي عصاي.

﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ﴾

﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18)﴾
ما حكمة هذا الجواب، وما حكمة هذا السؤال، إن شاء الله نأخذها يوم السبت القادم.

السعيد
03-09-2018, 01:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة طــــة (20 )

الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام في سورة طه، جاءت مفصلة وجاءت معالجة من زوايا عدة، قال تعالى:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى(10)﴾
هو أراد أن يقتبس من هذه النار قبس، قلنا في الدرس الماضي.
كن لي مالا ترجو، أرجى منك لما ترجو
فذهب ليأخذ قبس من النار لأهله فناجاه الله عز وجل:
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)﴾
أيها الأخوة الله جل جلاله يقول مرة:

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾

( سورة يس: 12 )

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً (23)﴾

( سورة الإنسان: 23 )
فمرة يتحدث الله عن ذاته بضمير الجمع، ومرة يتحدث عن ذاته بضمير المفرد، هنا إنني:

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) ﴾
إذا تحدث الله عن ذاته تحدث بضمير المفرد.
أما إذا تحدث عن أفعاله تحدث بضمير الجمع.
لأن أسمائه الحسنى كلها داخلة في أفعاله.
فأي فعلاً من أفعاله فيه:
رحمةٌ، وفيه رأفةٌ، وفيه عدلٌ، وفيه قوةٌ، وفيه قدرةٌ، وفيه علمٌ، وفيه تقديرٌ، كل أسمائه الحسنى داخلة في أفعاله، إلا أن خلقه جل جلاله، قد يتبدى فيه أسم أوضح من اسم، فإذا نظرت إلى الوردة الجميلة، اسم الله الجميل أبرز ما فيها، وإذا نظرت إلى بحر هائج فاسم الله الجبار أبرز ما فيه، وإذا نظرت إلى بطش ربك للظالمين اسم الجبار، وإذا نظرت إلى الطفل الصغير وكيف يلتقم ثدي أمه إلى اسم الله الرحيم، أفعاله، كل أسمائه في أفعاله، لكن كل فعل يتبدى فيه أسم أوضح من الاسم الآخر، على كل إذا تحدث الله عن ذاته تحدث بضمير المفرد.

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾

أما إذا تحدث عن أفعاله، تحدث بضمير الجمع.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾

( سورة يس: 12 )
هي أول نقطة.
النقطة الثانية: في تفسير للقرآن إشاري، نأخذ بعضه أحياناً.

﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)﴾

متى أستحق هذا النبي العظيم أن يناجيه الله عز وجل ؟ لأنه بالوادي المقدس، يعني أنت إذا كنت بالوادي المقدس همومك نبيلة همك أن تعرف الله، همك أن تطيعه، همك أن تتقرب إليه، همك أن تنشأ أولادك التنشئة الإسلامية الطيبة، همك أن تحجب أخواتك البنات همك أن تزوجهن من أزواج صالحين همك أن ينتشر الحق، همك أن يهتدي الناس، همك أن يقيم الناس الإسلام في بيوتهم، إذا كانت هذه همومك فأنت بالوادي المقدس، أما همك جمع الدرهم والدينار، همك أن تبني مكاناً جميلاً كي تقضي فيه عطلة الأسبوع، همك أن تجمع أكبر قدر من المال، همك أن تقتنص أكبر قدر من الشهوات، هذا الوادي ليس مقدساً، الإنسان لينظر بأي وادي هو، هل هو بالوادي المقدس، أهدافه نبيلة، نواياه عالية، عمله مستقيم، يحب الحق يحب أهل الحق، يحب الله ورسوله، يحب أن يعطي أم أن يأخذ يحب أن يرحم أم أن يقسُ، ما الذي يحبه ؟
لذلك لا تستحق أن تتلقى من الله تجلياً، إلا إذا كنت بالوادي المقدس، لا تستطيع أن تتلقى من الله رحمة، إلا إذا كنت بالوادي المقدس، ليقذف النور في قلبك فترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، إلا إذا كنت بالوادي المقدس، لا تستحق أن يرفع الله ذكرك، إلا إذا كنت بالوادي المقدس، كن بالوادي المقدس وانتظر كل خير، وانتظر كل عطاء، قل لي ما الذي يقلقك، أقل لك من أنت، قل لي ما الذي تسعى إليه، أقل لك من أنت، قل لي ما الذي يفرحك أقل لك من أنت، هل تفرح بالأخذ أم بالعطاء، هل تفرح بطاعة الله، أم بجمع الدرهم والدينار، فلذلك الوادي المقدس، المعنى الإشاري، أنا لا أفسر الآن أنا أشير إلى بعض المعاني هي بسموها خواطر إيمانيا، أما فاخلع نعليك.
وما مقصودهم جـنات عــدن ولا الحور الحسان ولا الخيامة
سوى نظر الحبيب فذا مناهم وهـــــــذا مطلب القوم الـــكرام
***
العباد ثلاثة: العبيد ـ والتجار ـ والأحرار ـ العبيد يعبدون الله خوف من نارهم، والتجار يعبدونه طمعاً في جنته، والأحرار عرفوا أن لهم رباً يستحق العبادة فأطاعوه.
الإنسان حينما يتخلى عن حظوظ الدنيا وقال بعضهم وعن حظوظ الآخرة، ويرجو وجه ربه الكريم، هي فاخلع نعليك.

﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)﴾
هذا معنى إشاري، وحينما يصل الإنسان إلى جنة ربه، قال تعالى:

﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62)﴾

( سورة الرحمن: 62 )
من دونهما، يعني في مرتبة بالجنة، الجنتان دونهما، أي جنتين، جنة الدنيا، وجنة الآخرة.

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

( سورة الرحمن: 46 )
جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، وفوق الجنتين، جنة القرب من الله عز وجل، ورضوان من الله خير.
فلذلك قال: المؤمنون الصادقون يوم القيامة ينظرون إلى وجه ربهم الكريم فيغيبون خمسين ألف عام من نشوة النظرة، قال النبي اقرأ قوله تعالى إذا شئتم.

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾

( سورة القيامة: 22 ـ 23 )
وأكبر عاقب يعاقب به الإنسان يوم القيامة.

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

( سورة المطففين: 15 )
يعني إذا كان ابن حساس كثير عنده محبة لوالده، الأب قال له إطلاع لبره لا تحاكيني، يمكن ما بنام الليل، إذا عنده الحساسية البالغة.
فأكبر عقاب يعاقب به الإنسان يوم القيامة، أن يحجب عن الله الله سبحانه وتعالى، لا يكلمه، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه يوم القيامة هذه الآية وردت في آل عمران.

﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)﴾

( سورة آل عمران: 77 )
أيها الأخوة:
قال بعض العارفين بالله:

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــــــا
***
هذا الذي يقدم على المعاصي، والملذات، والنساء، والخمور لو سألتموه وأجابكم بصراحة لماذا تقبل على هذه الأشياء ؟ يقول طلباً للذة، لو علم أن في القرب من الله سعادة لا تعدلها سعادة، أنا مضطر لأن أضرب الأمثال، لو إنسان دعي إلى وليمة فاخرة جداً، العصير الحساء، الفتات، المقبلات، اللحوم، الخضراوات، الفواكه الحلويات، القهوة، الشاي، بعد ما أكل من كل لون عاد إلى البيت لقى في الطريق بائع فلافل، هل يتمنى أن يقف ليشتري شطيرة ؟
من عرف الله زهد فيما سواه، فالإنسان لما لا يعرف الله عز وجل، يعجب بكل شيء، ويتعلق بكل شيء، ويتمنى كل شيء، أما إذا عرف الله عز وجل، زهد في كل شيء، من عرف الله زهد فيما سواه، أما قول لواحد زهد في الدنيا، قبل أن يعرف الله، مستحيل مستحيل، هي روحه، هي دمه، هي لحمه، فالزهد في الدنيا، صعبٌ جداً إلا لم تذق طعم القرب، أما إذا ذقت طعم القرب، كما قال بعض العارفين، لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلون عليه بالسيوف، يعني في بقلب المؤمن من السعادة، والله الذي لا إله إلا هو ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم.
إذاً: ماذا حصل لهذا النبي الكريم، لما الله ناجاه.

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)﴾
أخوانا الكرام:
الأشياء التي يتصف بها الأنبياء، أشياء ثمينة جداً، ولكن أطمئنكم، أن لكل مؤمنٍ من هذه الأوصاف نصيب، بقلك لنا لحسة نحنا، على قدر الإيمان وقدر الإحسان، وقدر المحبة، يعني إذا الله عز وجل ناجا سيدنا موسى، المؤمن أيام يتجلى على قلبه تجلي ينسيه الحياة كلها، أيام يغمسه في سعادة لا تستطيع سياط الجلادين اللذعة ولا سبائك الذهب اللامعة أن تصرف عنها، أيام بقلك المؤمن وهو صادق أنا أسعد الناس.
مرة قال لي شخص كلمة لولا أنه أتبعها بكلمة لانتقده، كان في الحج فلما عاد ذهبت إليه كي أهنئه بالعودة، قال لي ليس في الأرض من هو أسعد مني، ثم قال، إلا أن يكون أتقى مني.
وفعلاً المؤمن الصادق، ولا يكذب، ولا يبالغ، يقول لك أنا أسعد الناس، طيب هو أقل من الناس، قد يكون دخله محدود، في عنده خمسين علة بجسمه بجوز، بيته وسط، هو سعيد بالله عز وجل لأن الله عز وجل إذا أعطى أدهش، لو حجبت عنه الدنيا بأكملها هو أسعد الناس، وإذا حجب الله رحمته عن العبد لو أعطاه الدنيا بأكملها هو أشقى الناس.
لذلك: لما سيدنا موسى ناجى ربه، وناجاه الله عز وجل ونادى.

﴿يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)﴾
يعني إذا كان ربنا أختار سيدنا موسى، طيب المؤمن أيام يوظفه عنده بوظيفة، ييسر له عمل في سبيله، بجري الخير على يده ينطقه بالحق، أيام يعطيه مالاً يعطي منه الفقراء، هذا وظيفة عند الله عز وجل، يلهمه ببناء المساجد يلهمه بالدعوة إلى الله، يلهمه الأمر بالمعروف، يلهمه خدمة الناس، كمان وظيفة هي، نحنا عما نطلب الشي الواقعي، كمؤمنين، إذا أنت أخلصت لله عز وجل وأقبلت عليه اتجهت إليه، قد يجري على يديك الخير، إذا أراد ربك إظهار فضلك عليك خلق الفضل ونسبه إليك.

﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾

والله أيها الأخوة:
في كلمات يقولها العوام، بس والله الذي لا إله إلا هو هي تعبر عن حقيقة أشد التعبير، بقلك ما في إلا الله، ما في أقوياء، ولا في أغنياء، ولا في ظُلام، ما في إلا الله، كن له كما يريد، يكن لك كما تريد، كن له كما يريد، ولا تعلمه بما يصلحك، يعني لا تكلف خاطرك تقل شو بدك، بيعرف شو بدك، عبدي كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾
لا في رافع، ولا في خافض، ولا في معطي، ولا في مانع ولا في معز، ولا في مذل، ولا في قابض، ولا في باسط، ولا في فعال في الكون إلا الله، لذلك:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

( سورة الشعراء: 213 )
تعذب حالك ما في إلا الله، والمثل بعيده آلاف المرات، معك معاملة سفر تحتاج إلى موافق على السفر، دخلت إلى دائرة فيها ثلاث طوابق، في كل طابق مائة موظف، لكن عندك علم اليقين أن واحداً هو المدير العام في هذه الدائرة هو وحده الذي يوافق لك على السفر هل تبذل ماء وجهك أمام غيره، تترجى واحد، مستحيل، ما دام في واحد يوافق، والباقي ما لهم علاقة، المؤمن في الدنيا يعلم أن أمره كله في يد الله، رزقه، حياته، صحته، زوجته، أولاده، زبائنه تجارته، وظيفته، رؤسائه، مرءوسيه، كلهم بيد الله، علاقته مع واحد، المؤمن شغلته مريحة كثير، عنده حساب واحد،ليس ألف حساب بالدفتر، حساب واحد يعامل الله ويستريح.

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾

ربنا لخصنا الدين كله، هي كلمات الدين كله مخلص بالآية هي.
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾

موقفك.
﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
طعني واقبض الثمن بالصلاة، أطعني في كل حياتك، وأقبض الثمن في الصلاة.

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ﴾
أما الناس في غفلة عنها.

﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾
أما أكاد أخفيها تحتاج إلى درس كامل، كيف الله كاد يخفيها هنا الاختيار لو أنه مثلاً، واحد قلنا له إن شربت هذا الماء ضربنا عنقك، ورأى أمامه واحد شرب قطعت رأسه، يشرب ؟ ما عاد مخير صار مضطر، أم الله عز وجل جعل الجزاء آجل، تقدر تعصي تفعل ما تشاء، وترتكب الموبقات، والمعاصي تكسب مال حرام تمشي بالعرض، وتقول ما في أقوى مني، والحبل مرخي، أما في لحظة من اللحظات يشد الحبل فجأة، تقع في قبضة الله، يعني:

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
تأخير العقاب، وتأخير الجزاء، هو الذي يرفعك عند الله، أما لو كان الجزاء أمامك تطيع ولا أجر لك، لأنه شغلة مبينة، ما عاد بدها محبة لله، ولا بدها طاعة لله، أما الله جعل الشهوات أمامك، و الطاعات أمامك، والجواب، الجزاء بعيد، لأنه بعيد الجزاء صار في اختيار، صار في ابتلاء، صار في امتحان، من يختار الشيء البعيد على القريب، معناها فكر.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ﴾
لكن.

﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
أكاد أخفيها بتأخير الثواب والعقاب، حتى الإنسان يمتحن، كي يأخذ أبعاده كلها، يعني ممكن، بالمناسبة، تطيع الله عز وجل إلى أمد طويل، ودخلك هو هو، وبيتك هو هو، والمشاكل هي هي، حتى الله يمتحنك، أنت عبد التوفيق، لما عبد الله، عبد إذا كان واحد استقام الله يغنيه، عبد الغنى لما عبد الغني، عبد الغني ففي امتحان وممكن إنسان يعصي، يكفر، ويلحد، ويزني، ويشرب خمر، ويفعل الموبقات كلها، ومثل البغل، ما في البلى، تخطيط قلبه جيد، كله ما في شيء إطلاقاً، طيب، بقلك وين الله، ما في شيء.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾

طول بالك.
﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾
إن شاء الله الدرس القادم نقف عند هذه الآية وقفة متأنية.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 08:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة طــــة (20 )

الدرس الثالث


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة المؤمنون:
ذكرت لكم البارحة، أن الله سبحانه وتعالى، لخص الدين كله بكلمات قال:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾
ما في غيره، ما في إلا الله.

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾
توحد ثم تعبد، وما أمرك أن تعبده، إلا بعد أن طمأنك أن الأمر كله بيده قال:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾

( سورة هود: 123 )
ما أمرك أن تعبده، إلا بعد طمأنك أن أمرك كله، صغيره وكبيره، جليلة وحقيرة، قريبه وبعيده، ما بدا لك وما لم يبدو لك كله بيد الله، فإذا يأست مما سوى الله، اتجهت إلى الله عز وجل، ما دام أنه لا إله إلا أنا فاعبدني إذاً لا تعبد أحداً معي.

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
إن عبدتني، أمكنك أن تصلي لأن العبادة ثمن الاتصال بالله عز وجل.

﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
العبادة هي الثمن، والصلاة فيها الجزاء، فيها الاتصال، فيها النور، فيها السداد، فيها الطمأنينة، فيها ذكر الله عز وجل، الآن اليوم الآخر.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ﴾
قولاً واحداً، لكن.

﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
كيف ؟ لحكمة بالغة أرادها الله عز وجل، جعل الشهوات في متناول الإنسان، لكن الجزاء والعقاب، بعد حين، كلمة بعد حين من هنا نرقى، لو أن المعصية أمامك، وأن جزاءها أمامك، لا تفعلها لو أن الطاعة أمامك وجزاءها أمامك، تطيعه لا حباً بالله ولا طلباً لمرضاته، ولكن بحثاً عن المكاسب فلذلك الله عز وجل، أمرك بالطاعة ونهاك عن المعصية، وقال بعد حين أنا أكافئك، وكلمة بعد حين يعني الحبل أرخاه لك، لك أن تطيعه ولك أن تعصيه، لك أن تحسن، ولك أن تسيء، ما في شي، تحسن إلى أمد طويل، لا ترى شيئاً غير طبيعي، تسيء لا أحد يعاقبك، لك أن تستقيم، لك أن تنحرف، لك أن تخلص، لك أن تخون، لك أن تنصف، لك أن تجحد لك أن تعطي، لك أن تمنع، لك أن تسمو، لك أن تكفر، لك أن تتبع العقل، لك أن تتبع الشهوة، لكن كل شيء له حساب.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ﴾

لكن:
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾

الإنسان، بتلاقي شارع في أبنية، هذا البيت فيه دين، هذا البيت ما فيه دين، هذا البيت فيه صلاة، هذا البيت ما فيه صلاة، هذا البيت نسائه متحجبات، هذا البيت نسائه متفلتات، هذا البيت صاحبه يتعامل بالربا، هذا البيت ما بتعامل بالربا، لكن كلهم عايشين، يأكلون ويشربون، وينامون، ويستيقظون، ويشربون الماء العذب الفرات ويأكلون الطعام الطيب، ويتنزهون، وينجبون الأولاد، كلهم مثل بعضهم، هي.
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾

لكن في لحظة واحدة.
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾

(سورة يس:59 ـ 60 )
يعني شوف الطلاب أثناء العام الدراسي كلهم مثل بعض، بس واحد يرسب، واحد ينجح الأول، واحد قوي بالرياضيات، واحد ضعيف، كلهم مثل بعض، لابس البدلة النظامية ويأتي إلى المدرسة متى يصير في الخزي والافتخار، بعد الامتحان.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
لولا أن الله أخفاها، لما ارتقينا، ولما كان للجنة معنى، ولما كان للنار مبدأ.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾

فعل أكاد من الأفعال النادرة في اللغة العربية، هذا الفعل، إذا سبقه حرف نفيٍ معناه الإثبات، وإذا أثبته معناه النفي، كيف ؟
إذا قلت:
ما كدت أن أقع حتى وقفت.
يعني وقعت.
ما كدت أقع حتى وقفت.
كدت أقع.. حتى وقفت.
الفعل وقع
ما كدت، نفيته، فجاء مثبتاً.
قلت:
كدت أقع.
معناها ما وقعت.
إذا قلت:
كدت أقع ؛ أي أنك لم تقع.
أما إذا قلت:
لم أكد أقع حتى وقفت، يعني وقعت.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾

يعني الله أخفاها.
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
ما أخفاها، يعني كلمة أكاد أخفيها، بين الظل والنور، ممكن إذا الإنسان في غفلة بقلك وين الله عز وجل، ما في غير الدنيا، يلي معه دراهم في جنة، الدراهم مراهم، لا يرى المال إلا كل شيء أما:

﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر: 92 ـ 93 )
في أدق من ذلك.

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

( سورة الزلزلة: 7 ـ 8 )

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

( سورة الأنبياء: 47 )

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾

( سورة لقمان: 16 )

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

( سورة النساء: 124 )
رأس النواة المدبب.

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾

( سورة النساء: 77 )
خيط بين الفلقتين.

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾
الغلاف الرقيق.

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾

( سورة غافر: 17 )

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

( سورة العنكبوت: 40 )

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾

( سورة الكهف: 49 )

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ﴾

( سورة النحل: 118 )

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾
نحنا في زمن هدنة، نحنا في زمن العمل، أما الآخرة زمن الجزاء، نحنا في زمن التكليف، أما الآخرة زمن التشريف، نحنا في زمن السعي، أما الآخرة زمن العطاء.
الآن دققوا أيها الأخوة: الله عز وجل ينصحنا، قال:

﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾
لا تجلس مع أناس كفروا بالآخرة، وعاشوا للدنيا، إن جلست معهم تزهد بالآخرة وتحب الدنيا، تزهد بالطاعة وتتمنى المال، فأنت قل لي من تصاحب أقل لك من أنت، لا تصاحب إلا مؤمناً، لا تصاحب إلا من ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، هي حكيتها من يومين، ما ممكن إنسان يستقيم إذا له أصدقاء متفلتين، له أصدقاء من أهل الدنيا، له أصدقاء لا يصلوا له أصدقاء الدين مالهم قابضينوه، له أصدقاء عمي حطلي خليني أمشي، على الحارك على الحامي، هؤلاء الأصدقاء حجاب بينك وبين الله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

( سورة التوبة: 119)
أمر إلهي.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾

( سورة الممتحنة: 13 )

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

( سورة المائدة: 51 )

﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾

( سورة آل عمران: 28 )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
في آية، ولو كان آبائهم.

﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ﴾

( سورة المجادلة: 22 )
فحتى تستقيم بدك مجلس علم، حتى تستقيم، بدك أصدقاء مؤمنين، وحتى تستقيم بدك صديق إذا نسيت يذكرك، قوم لنصلي أمشي معي على الدرس، بدك صديق إذا غفلت يصحيك، نسيت بذكرك، لذلك العلاج لازم تبحث عن طقم جديد من المؤمنين تقيم علاقات طيبة معهم، المؤمن يذكرك بالله عز وجل، هكذا قال النبي قال:
((أولياء أمتي إذا رأوا ذكر الله بهم ))
إن رأيته أي والله تذكر الله عز وجل، هو مع الله عز وجل، فنحنا بدنا نصاحب أهل الإيمان لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له.

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾

( سورة الكهف: 28 )
حليبه فارط، هو شرق، وامرأته غرب، وأولاده شمال وبناته جنوب، شي فيه دين، وشي ما فيه دين، شي جاء الساعة 12 جاء وحدة، هكذا أسرة لا تصاحبها، يعني أسرة متفلتة لا تصاحبها لا تقم علاقة معها، لا بد من حمية اجتماعية، هذا الجواب الذي أقترحه وأنا والله أكبرت صراحته وجرأته، يعني أيام إنسان يحكي مضطر يعرف الجواب.

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾
شوف هل الربط:

﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾
في آية ثانية تؤكد هذا المعنى.

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾

( سورة الماعون: 1 ـ 2 )
طيب آية ثالثة.

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

( سورة القصص: 50 )
يعني كل إنسان يكذب بالدين، أنظر إلى سلوكه.

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) ﴾

( سورة العلق: 9 )
انتهت الآية، طيب وين الجواب ؟ يعني هذا الذي ينهاك عن الصلاة، دعك من كلامه انظر إلى أخلاقه، انظر إلى أنانيته، انظر إلى قذارته، انظر إلى استعلائه، انظر إلى جشعه، انظر إلى كذبه انظر إلى إخلاف معاديه، انظر إلى خيانته.

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) ﴾
آية ثانية.

﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12)﴾

( سورة العلق: 11 ـ 12 )
شوف أخلاقه، شوف طاعته لله، شوف وفائه، شوف أنصافه، شوف رحمته بقلبه، شوف صدقه، يعني أحياناً لا تحتاج إلى دليل، أخلاق المؤمن دليل ولا تحتاج إلى دليل على الكفر أخلاق الكافر دليل، يعني حدث ولا حرج يعني حاوية، حاوية شو هي الحاوية اطلع فيها، كل شيء يقرف، ما في أخلاق راقية إطلاقاً.

﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) ﴾
أي تسقط، تشقى.

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)﴾
سيدنا موسى يناجي الله عز وجل، يعني هو في سعادة لا توصف، لا توصف، أنت مع شقفت مؤمن موصول بالله إذا قعدت معه تسعد، شقفت مؤمن يعني آخذ لحسة، إذا قعدت معه بتأنس أشد الإيناس، ينطلق قلبك بمعرفة الله كيف إذا جلست مع صديق، فكيف إذا جلست مع نبي، كان النبي الكريم... ينام على عتبة الباب، من شدة تعلقه به، من شدة حبه له، فكيف إذا ناجاك الله عز وجل ؟ شغلة ما توصف هي.

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)﴾

سيدنا موسى بدو يطول النقاش إلى أطول الوقت، قال:
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾
خلص عصاي، قال:

﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾
قام استحى ليكون زودا كمان، قال:

﴿وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18)﴾
إذا الله حب، يقول له كمل، ما هذه المآرب يا موسى بكمل شوف دقة الكلام:

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾
شعر أنه زودها ؛ يعني أطال، قال يا ربي:

﴿وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18)﴾

يعني إذا أردت أن أقول لك هذه المآرب أقولها لك، الله ما أراد ذلك، أراد أن يقلبها بعد حين إلى حية، قال له أنظر إلى هذا هذا الذي بيدك عصا من خشب، تأملها، دقق فيها.
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)﴾
إنسان يقول لك أنا رسول الله، تقول له أنت أين الدليل ؟ فهذه المعجزة، المعجزات التي يأتي بها الأنبياء هي الدليل على أنهم رسل الله عز وجل، والمعجزات ينبغي أن تكون مما تفوق به القوم لو كان سيدنا موسى مختص بالإلكترون، وبعصره في سحر، ما بصدقوه، لما بعصره في سحر، وجاءهم بشيء يفوق السحر، يجب أن تكون المعجزة، مما تفوق به قوم النبي، سيدنا رسول الله قومه تفوق بالبلاغة، فجاء القرآن بليغاً، سيدنا عيس قومه تفوق بالطب أحي الميت، دائماً النبي يأتي بمعجزة، مما تفوق بها القوم، ويزيد على أعلى من تفوق في، قال:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)﴾

قال له:
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22)﴾
يده كالكوكب الدري، معه عصاي إذا ألقاها تصبح أفعى ويده بيضاء للناظرين.

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)﴾
وكل مؤمن يرى من آيات ربه الشيء الكثير، لكن أقول لكم الكون من دون خرق للعادات هو أكبر معجزة على الإطلاق، بكأس الماء هذا، العذب الفرات، سمعك، بصرك، طلاقة لسانك، كل حرف تنطق به تسهم في صنعه سبعة عشر عضلة، إذا كلمة من خمس حروف، وإذا كان جملة خمس كلمات، وإذا خطبة خمس ساعات، كم عضلة تحركت، الإنسان في وضعه الراهن، هو معجزة، لكن لضعف عقول الأقوام السابقة، كانت المعجزات خرق للعادات والنواميس، أما أنت معك مليون معجزة، ابنك ليس معجزة، باللقاء الزوجي في خمسمائة مليون حوين، حوين واحد تختاره البويضة ليلقحها، وهذا الحوين بعد حين يغدو طفلاً، في دماغ، مائة وأربعين مليار خلية، استنادية، وأربعة عشر مليار خلية قشرية، وتسعمائة ألف عصب بصري، ومائة وثلاثين مليون مخروط عصبي بالعين في شبكية العين، وثلاثمائة ألف شعرة، لكل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة وغدة دهنيه، وغدد صبغية، والقلب بضخ ثمانية أمتار مكعبة كل يوم دم، ثمانية أمتار، أنت تستخدم وقود سائلة بالسنة كلها مترين مكعبة، كل السنة، القلب كل يوم يضخ لك ثمانية أمتار مكعبة، المعجزات بين أيديكم وفي أنفسكم وما تشعرون، وقد ورد في الأثر::
((حسبكم الكون معجزة ))
شي لا يصدق، لا تقول أنا ما شفت العصاية تبع سيدنا موسى، شايف مليون شغلة أهم منها، كل بين يديك، مينا الأسنان ثاني أقس مادة بالكون، بعد الألماس، وأصل الإنسان من ماء مهين، عظم عنق الفخذ، الفخذ هكذا، عظم الفخذ هكذا من أجل أن يكون شكل الإنسان جميل، في له توسع بالوسط، ثم هكذا، بيكون في عظم له عنق، هذا العنق يحمل مائتين وخمسين كيلو، هون الإنسان القوي الشديد يحمل نصف طون على ظهره ولا ينكسر عظمه، طيب ما كان ماء هذا، ما كان ماء مهين، أن له هذه القسوة ؟ في بجسم الإنسان آيات لا يعلمها إلا الله، المعجزات موجودة وقائمة، وابنك يلي أمامك، تعرف شو أصله، صار طفل يحكي، بتحرك بضحك ويسعل، ويعطس، ويأكل، ويشرب، ويمشي، وبعدين يتعلم بحفظ القرآن، هذا كان نقطة ماء كيف صار هكذا، الآيات بين أيديكم وطعامك شوف الحليب، الحليب، واللبن، والقشدة، والزبدة كل من:

﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66)﴾

( سورة النحل: 66 )
شوف الدجاج ماذا تأكل، وسخ تأكل، بتعطيك بيضة، كل ما كان بلدي كل ما كان أغلى، معناها تأكل أشياء لا تأكلها أنت والبيضة غذاء كامل لأنها بصير صوص، بعد حين، موضوع الآيات حدث ولا حرج.
لذلك:

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)﴾












والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 08:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة طــــة (20 )

الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
وصلنا في قصة موسى التي وردت في سورة طه إلى قوله تعالى:
﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(24)﴾
أما عند قوله تعالى:

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)﴾
يجب أن نعتقد جميعاً أيها الأخوة:
أن الإنسان إذا طلب الحقيقة بإخلاص لا بد من أن يريه الله سبحانه وتعالى هذه الآيات، إن الإنسان إذا طلب الحقيقة بإخلاص لابد من أن يريه الله آياته، والحقيقة أن الإنسان قد يرى معجزات ولكن المؤمن ما علاقته بهذه الآية، لو أنه أخلص لله لأراه الله بعض آياته من خلال.. يعني إكرام ؛ أي خرق للعادات، أو كرامة، فما من مؤمن صادق إلا ويرى من آيات الله الدالة على عظمته، يعني مثلاً:
إنسان طلب شيء من الله، هو في أشد الحاجة إلى المال وجاءه مبلغ من طريق مشبوه، قال:

﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)﴾

( سورة الحشر: 16 )
مثل هذا الإنسان كيف يريه الله آياته ؟ يريه آياته بأنه يرزقه رزقاً حلالاً طيباً بعد حين لم يكن يتوقعه، هي آية، لو إن إنسان خطب فتاة أعجبته، ثم علم رقة في دينها، فقال:

﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)﴾
اللهم رزقني زوجة صالحة، كيف يريه الله آياته ؟ يريه آياته بأن يهيئ له زوجة مؤمنة تدخل على قلبه السرور.
طيب: إنسان أكرم والدته، برها في حياتها، كيف يريه الله آياته، يوفقه في عمله، ما من مؤمن صادق، إلا ويرى أن أفعال الله كلها، تتجه إلى إكرام المؤمن، وإلى معاقبة الكافر، هذه آيات، طبعاً الأنبياء جاءوا بآيات صارخة، العصاة أصبحت أفعى حينما ألقاها ويده وضعها تحت إبطه فأصبحت بيضاء للناظرين، هذه معجزة حسية صارخة، ولكن المؤمن يرى كرمات والكرمات خرق للعادات لكن بطريقة ملطفة.
يعني أنا أردت أن أقول لكم علاقتنا من هذه الآية أنه ما من مؤمن يدع شيئاً لله إلا ويعوضه الله خير منه في دينه ودنياه، ما من مؤمن يخلص لله عز وجل إلا ويرزقه رزقاً حلالاً طيباً.
فلذلك لا تخلو حياة المؤمن من أحداث سماها الله في بعض الآيات أيام الله، يعني مرة الله أنقذ الله من مصيبة كبيرة بعناية فائقة مرة الله صرف عنك شر كبير، مرة ألهمك أن لا تسافر، فكان في هذا السفر هلاك لمن سافر، بتقول الله نجاني، الله أنقذني، الله حفظني، الله وفقني، الله أيدني، الله نصرني، هي آيات الله عز وجل، هذه نسميها في حق المؤمنين كرمات، ونسميها خرق العادات للأنبياء معجزات، وخرق العادات للمؤمنين كرمات، الكرامة آية من آيات الله عز وجل، إذاً:

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)﴾
يجب أن نعلم أن كل آية خاصة بالنبي لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه، يعني مثلاً، الله عز وجل أوحى إلى الأنبياء عن طريق سيدنا جبريل، طيب أنت مالك نبي، إذا الله عز وجل أراد أن يعلمك أعلاماً مباشراً من دون وسائط، لا كتاب، ولا عالم، ولا خطيب يريك رؤية صادقة، تأتيك كفلق الفجر، في رؤى واضحة وضوح الشمس.
لهذا قال النبي الكريم:
((الرؤية الصادقة جزء من ست وأربعين جزء من النبوة.))
في صديق واضع كل أمواله بشركة استثمارية في الكويت شركة ضخمة، تعطي أرباح سبعين ثماني بالمائة، واضع مليون دينار كويتي، في هذه الشركة، جاء إلى الشام له أقرباء في الشام، فمن حديث إلى حديث، تبين أن هذا المال بهذه الطريق في عليه شبه، فقال له طبيب قريب، مخلص، متدين على شيء من العلم أقنعه أن هذا الاستثمار لا يرضي الله عز وجل، إلى أن أقتنع إلى الساعة الثانية عشر، لما قنع قال والله إن شاء الله سأسحب هذا المال من هذه الشركة، شركة ربوية لأنه، تجارته خلبية ما في تجارة، بس موضوع سندات ولعب بالأسعار... الخ، يقول هذا الأخ الذي يلي كل شيء جمع في حياته في هذه الشركة حينما آواه إلى فراشه أتصل بأخوة بالكويت ليبع له الأسهم بثمن شرائه، الاتصال ما تم، كان الاتصال صعب قصة قديمة، أتصل به صباحاً اتصال ما في، مساء ما تمكن ثلاثة أيام يتصل به كل يوم مرتين، الاتصال لم يتحقق، ثم قال أنا حينما أعود إلى الكويت بعد شهر، بعد أن تنتهي إجازتي أسحب هذه الأموال وأنتهي من هذه الحرمة، بعد شهر سافر للكويت أستقبل أخوه في المطار، أول كلمة قالها له، قال له هل تعلم ماذا حل بهذه الشركة ؟ قال له لا والله، قال له لقد أعلنت إفلاسها، كل شيء يملكه بهذه الشركة مليون دينار كويتي، القصة كما سمعتها أنه وقع في أرض المطار مغشياً عليه، واحد أكل ضربة قاسمة، بعد أيام أنعش، أخوه تسرع قال له والله ما نفد واحد إلا أنت، قال له كيف ؟ قال له أنا قبل شهر رأيت في المنام تقول لي بيع الأسهم برأس مالها، قال له معقول بيعها لك في المنام ؟ غير معقول ما بعتها، رأيتك في الليلة الواحدة مرة ثانية ما صدقت، على المرة الثالثة، ذهب وباع الأسهم لحاملها، وباع الأسهم برأس مالها بعد أربعة أيام الشركة أفلست، واحد له فيها ثمان مائة مليون دينار عرضهم بعشرة آلاف لم يباعوا معه، شوفوا هو لما نوى يسحب أمواله على الميل وما تمكن يتصل الله عز وجل تولى مباشرة هذا الأمر، قصة واقعية، والصديق قريبي وهو صهره مهندس.
فربنا عز وجل يريك آياته أنت نويت تسحب هذا المال من الشركة إذاً الله في عنده اتصالات خاصة في خط خاص ما له علاقة بالأرض، وبهذه الطريقة نجى من الخسارة.
فالله عز وجل له آيات، ما في واحد منا يخلص لله، ويستقيم على أمره، يرجوه بإخلاص إلا ويريه آياته، وما أكثرها، هذه الله سماها بالقرآن أيام الله.

﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾

( سورة إبراهيم: 5 )
كيف الله زوجك، كيف أمن لك هذا البيت، كيف يسر لك هذه الشهادة، كيف أمن لك هذا المكتب، كيف أنجبت أولاد، كيف يسر لك زواج ابنك، كيف الله ألهمك أن تزوج ابنتك من إنسان مؤمن، هذه كلها نعم.
أنا أردت من هذا التعليق أن أوضح لكم أن المؤمن يرى من آيات الله واضحة.
وفي آيات من نوع ثاني، أيام إنسان يظلم، أخذ البيت لأخيه والسيارة والمعمل، وطرد مرت أخوه وأولاد أخوه، وتمتع بالسيارة والمعمل، والبيت، لأن قالت له الأم أنت معك مرض خبيث يا ابني بعد شهرين بدك تموت، اكتب البيت، والمعمل، والسيارة لأخيك وأخوه له خمس أولاد وزوجة، وما لهم أحد ما رد ونفذ وصية أمه الجاهلة، وهو أجهل منها، بعد شهرين توفي، والدته توفيت، أصبح هل المتوفى له زوجة وخمس أولاد، بيتهم راح، والمركبة راحت والمعمل راح، وعمهم يتمتع بهذا المال كيف ما يشاء، وكان عمهم صانع عند أبوهم، فلت باص بالمهاجرين، فلت فرامه، نزل لساحة الأمويين في مائة سيارة، ركب سيارة قتل الرجل، والمرأة، وخمس أولاد، وعاد البيت، والسيارة، والمعمل إلى أولاد أخيه الورثة الشرعيين.
هي آية كمان، آية من آيات الله، هو كل شيء يحصل بهذه الطريقة بس نحنا لا نعرف، كل شيء يقع بهذه الطريقة.
واحد عنده أخت عانس، وله زوجة في خصومة بين أخته وزوجته، فكان يتلذذ بإهانة أخته أمام زوجته، مرة تجاوز الحد المعقول نكشها برجله لأخته أمام زوجته، قومي هات كاس ماء برجله، سافر على حلب ثاني يوم صار معه حادث قطعت رجله من أعلى الفخذ.
ففي آيات، في آيات إيجابية، وفي آيات سلبية، وكلما كبر عقل الإنسان يستقيم، وكل ما أحب الله عز وجل يريه آياته كيف أنقذه كيف حفظه، كيف أيده، كيف نصره، كيف أمن له هذا العمل، كيف أمن له هذا الرزق، هذه على كلمة:

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)﴾
سيدنا موسى شاف العصا أصبحت ثعبان مبين، ورأى يده أصبحت بيضاء للناظرين، لكن أنت كمؤمن بتشوف أشياء مخففة أسمها كرمات مو معجزات، لكن ما في واحد مؤمن يستقيم على أمر الله إلا يرى الأعاجيب.
والحقيقة الإنسان ليس ماشي في طريق الإيمان لأن الإيمان مقنع لا في شي أعمق من ذلك، معاملة الله له تغيرت، صار في سعادة، صار في طمأنينة، صار في وفاق زوجي ما كان، كان في خصومة، كان في بيت كله شقاء، صار في ود بينه وبين زوجته مثل ما قال الشعراني أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي تبدل معاملة الله له تبدل جزري، هذا الذي يشده إلى الدين، ابن آدم كن لي كما أريد أكن لك كم تريد، كن لي كم أريد ولا تعلمني بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد قال:

﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)﴾
تجاوز الحد المعقول.

﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً (35)﴾
أخوانا الكرام:
الأمر بالذكر ليس أمر بالذكرِ بل هو أمر بالذكرِ الكثير.

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33)﴾

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾

( سورة الأحزاب: 41 )
لذلك ورد في السنة أنه برء من النفاق من أكثر من ذكر الله وبرء من الكبر من حمل حاجة بيده، وبرء من الشح من أدى زكاة ماله واحد أدى زكاة ماله لا يسمى شحيحاً، واحد حمل الحاجة بيده لا يسمى متكبراً، واحد أكثر من ذكر الله لا يسمى منافقاً.
سيدنا الصديق يركب ناقته وحوله أصحابه، وقع منه زمام الناقة فنزل من على ناقته وتناول الزمام، ما انتبه أصحابه أنه نزل من أجل الزمام، ظنوه نزل لأمر آخر، فلما رأوه نزل من أجل الزمام عجبوا، قالوا كنا نحن نعطيك إياه، قال: سمعت حبيبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تسألوا الناس شيء.
ما دام أنت قوتك فيك قدران اخدم نفسك أكمل.
ولما النبي الكريم كان مع أصحابه في سفر، قال عليَ جمع الحطب، قالوا نكفيك، قال:
((إني أعلم أنكم تكفونني إلا أن الله يكره يرى عبده متميز على أقرانه.))
لذلك:

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)﴾
يعني أنا بعجب، أعظم شيء في الدين الدعاء والاستجابة، ما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك، وأنت معك إذا كان دعوت الله عز وجل هو خالق الأكوان القوى من كل قوي، الغنى من كل غني أرحم من كل رحيم، تزهد بالدعاء له وتدعو غيره.

ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
***
المؤمن، الدعاء مخ العبادة، في صلاة، وصوم، وحج وزكاة، إذا هل الأشياء الأربعة هي جسد، مخ هذه العبادات الدعاء الحج كله دعاء، الصيام كل دعاء، الصلاة دعاء.
إن الله يحب من عبده أن يسأله، شسع نعله إذا أنقطع، إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها، إن الله يحب الملحين بالدعاء، من لا يدعوني أغضب عليه، أطلب منه يا أخي، أطلب رزق وفير، أطلب صهر لابنتك يكون مؤمن، أطلب عمل لابنك يكون حلال، أطلب وظيفة لابنك أطلب التوفيق، أدعو، ودعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لا يرد.

﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) ﴾
أخوانا الكرام في عنا أربعه أنواع من الوحي.

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)﴾

( سورة الزلزلة: من 1 إلى 5 )
هذا وحي الأمر، للجمادات أمر.

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾

( سورة النحل: 68 )
هذا وحي الغريزة.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾

( سورة القصص: 7 )
هذا وحي الإلهام.

﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ﴾

( سورة يوسف: 3 )
وحي جبريل، في عنا وحي الأمر للجمادات، وعنا وحي الغريزة للحيوانات، وعنا وحي الإلهام للإنسان العادي، وعنا وحي جبريل للأنبياء.

﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38)﴾
طبعاً الله عز وجل أمر أم موسى بأمرين، ونهاها نهين وبشرها بشارتين، من يذكر هذه الآية ؟

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾

( سورة القصص: 7 )
هذا أول أمر، إذا كان خفت عليه ما تحضنيه أرميه بالبحر شو هذا الكلام، إذا خائف على هذه الجوهرة أضيع منك أرميها بالبحر شو هل الحكي، إذا خائف عليها خبيها، إذا خائف عليها حطها بصندوق، أما إذا خفت عليه ألقيه باليم.

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾
الأمر الثاني.

﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾
هي نهيان.

﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)﴾
أمراني ونهياني وبشرتاني، بعدين إذا إنسان بكون طفل، طفل الآن ولد موضوع بصندوق بنهر، معناها عناية الله معه، معناها النهر ماشي بيد الله عز وجل، من مشاه باتجاه قصر فرعون ؟ من جعل غصن يعترض طريقه ؟ من ألهم امرأة فرعون تنزل على النهر من ألهما لما شافته تحبه ؟.

﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾

( سورة القصص: 9 )
هو أساساً فرعون هكذا تروي الأخبار أنه رأى في المنام، أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، قال القضية سهلة مادام طفل، أنا سأذبحهم جمعياً وانتهى الأمر، ومما يرويه التاريخ أن أية ولادة ؛ يعني قابلة، إن لم تخبر عن مولد ذكر لفرعون وحاشيته تقتل مكانه، ما أجرؤ، كل وحدة ولدت امرأة من بني إسرائيل تخبر السلطات، أنه أنجبت ذكر فيذبحوه، أم هذا الذي سيقضي على ملكه رباه في قصره، الله ألقى محبته في قلب امرأة فرعون.

﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾
فعل الله عجيب، أيام ربنا تبدو آياته بأسباب بسيطة ما الذي أنقذا الدعوة الإسلامية كلها من أن يقض عليها في نهدها ؟ العنكبوت الله عز وجل حمى أعظم خلقه بأضعف خلقه.
في واحد يعني، مسرف في العاصي، إسراف ما له حدود ويعتدي على أموال الناس، وعلى أعراضهم، يعني رفع ديجنتور لما كان أعلى قال له الكهربجي، فلما أضطر يستخدمه ما عاد يطول جاب كرسي فأس دخل بمقعده، دخل لمستشفى أثنى عشر يوم كان ميتاً.
ممكن إنسان تنتهي حياته بسبب رفع ديجنتور من محل أعلى ممكن، الله عز وجل يقسم الجبار بأتفه الأسباب، هي كلها من آيات الله الدالة على عظمته.

﴿أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
أخوانا الكرام:
إذا واحد الناس بحبوا لا يشوف حاله، لوما الله أودع محبته بقلوبهم كانوا طردوه، لا حد يقول أنا ذكي، أنا شاطر، أنا عندي ذكاء اجتماعي، أنا بدبر حالي، محبوب، بألف الناس كلها، لا، الله عز وجل أودع محبتك في بقلب الناس لو نزعها بطردوك.

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
إذا شاف الواحد نفسه الناس بحبوه، يشكر ربه، ويقبل الأرض شكر لله، لأنه لو أراد ذلك بالعكس بصير.

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

( سورة آل عمران: 159 )

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)﴾
وهذه إن شاء الله بالدرس القادم أشرحها.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 08:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة طــــة (20 )

الدرس الخامس




الدرس الخامس
5


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة المؤمنون:
كثيراً ما تدور موضوعات التوجيه الديني حول طاعة الله عز وجل، وحول الاستقامة، وحول النجاة من عذابه من الدنيا والآخرة لا شك أن هذا هو الحق، ولكن ألا يطمح الإنسان من حين إلى آخر أن يرقى إلى مرتبة أعلى، ربنا سبحانه وتعالى في سورة الواقعة وصف الناس على أقسام ثلاث، قال:
﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27)﴾

( سورة الواقعة: 27 )

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10)﴾

( سورة الواقعة: 10 )

﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41)﴾

( سورة الواقعة: 41 )
فهناك الهلكة، وهناك الناجون، وهناك السابقون، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن أكتف بنا عما لنا كنا له ومالنا من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، لك أن تكون مقتصداً، وبإمكانك أن تكون سابقاً، لك أن تنفق من وقتك الوقت الذي أمرك الله أن تصلي به، ولك أن تنفق من مالك الذي فرضه الله عليك، ولكن السابقين السابقين وقتهم كله لله، ومالهم كله لله، هذا الكلام يحوم حول كلمة وردت في قصة سيدنا موسى في سورة طه.

﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)﴾

الآن انتبهوا !
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾
يعني أنت لي، المؤمن الصادق، المتفوق وقته لله، بيته لله مركبته لله، ماله لله، حركاته، سكناته، سفره، استقامته، إذا عمل وليمة لله، لا يبتغي إلا مرضاة الله، ندواته، زيارته، سهراته، حله ترحاله، يعني، قل:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾

( سورة الأنعام: 162 )
قال له يا سيدي كم الزكاة ؟ قال له عندكم أم عندنا ! قال له عجيب ! ما عندكم وما عندنا ؟ قال عندكم 2.5 بالمائة، أما عندنا العبد وماله لسيده، هي:

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

هو أساساً الله أكرم الأكرمين، هل تعتقدوا في إنسان بالأرض أسعد من رسول الله ؟ ما أخذ شيئاً من الدنيا، أحب الله من كل قلبه أعطى كل وقته للدعوة إليه، بذل كل جهده لنشر الحق، لكن الله سبحانه وتعالى رفعوه إلى أعلى مقام، فنحن الآن لا نذكر الله إلا ونذكر معه رسول الله.
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

( سورة الشرح 4 )
فالإنسان إذا أراد خيري الدنيا والآخرة أراد المقامات العلية في الآخرة، أراد أن يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أراد أن يكون من السابقين السابقين، أراد أن يكون من كبار المؤمنين، فعليه أن يشكل حياته كلها بطريقة يجعلها لله كلها.

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

إذا واحد عنده هذه الحساسية يقشعر جلده من هذه الآية، أنت ألي يعني، يعني خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك.
الماء مخلوق للجماد ليسقى به التراب، والتراب للنبات والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن ‍؟ لله عز وجل أنت حينما تنشغل عن الله بشيئاً آخر، تحتقر نفسك.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

( سورة البقرة: 130 )
فيا أيها الأخوة الكرام:
ذكرت البارحة قصة بالخطبة، رجل عمره 55 سنة في مصر له ابن طلب العلم، الأب على كبر سنه اشتهى أن يكون كالابن، ركب دابته وأتجه إلى القاهرة ليلتحق في زعمه بالأزعر، سأل أين الأزعر ؟ غير فهمان شو أسمه أساساً، هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، القصة واقعية أسمه العالم زكريا الأنصاري، تعلم اللغة العربية القراءة والكتابة في الخامسة والخمسين، وتعلم القرآن في هذا السن، وما زال يرقى في طلب العلم حتى صار شيخ الأزهر، وما مات إلا شيخ الأزهر، في السادسة والتسعين.
لا أحد يقول أنا راحت عليّ، هي كلام شيطان، ما راحت على أحد، ما دام القلب هكذا ما راحت عليك، إذا في نبض ما راحت عليك، اطلب العلم، النبي الكريم يقول: خيركم من تعلم القرآن وعلمه خيركم، ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين.

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

اسأل نفسك هذا السؤال، النبي الكريم قال لبشر أحد الصحابة:
((يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبما تلقى الله إذاً ؟))
لو واحد منكم سأل نفسه أنا بما ألقى الله ؟ يا ربي اشتغلت، لك اشتغلت، أسست بيت كله جبصين عملته، خير إن شاء الله، ما الذي تلقى الله به ؟ هل لك عمل طيب ؟ هل لك دعوة إلى الله ؟ هل لك أمر بالمعروف ؟ نهي عن منكر ؟ هل ربيت ولداً صالحاً يدعو الناس من بعدك ؟ هل لك صدقة جارية ؟ هل تركت أثراً علمياً ؟ هل رعيت الأيتام والفقراء ؟ نريد عملاً يتجاوز حدود ذاتك، نريد عملاً يتجاوز مصالحك المادية، نريد عملاً يتجاوز الدنيا، من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، ما أجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون كتاب الله إلا نزلت عليهم السكينة هي الطمأنينة، بتلاقي المؤمن أسعد الناس، وغشيتهم الرحمة، زواجه موفق، تجارته موفق، صحته طيبة، أولاده أبرار، يعني رزقه وفير غشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، في إلهامات، وذكرهم الله فيمن عنده.
ما أجتمع قوم في بيت من بيوت الله يذكرون الله تعالى ويتدارسون كتاب الله إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وما أجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله في إلا قاموا عن أنتن جيفة حمار.
هل تعتقدون أن في الأرض رائحة أشد كراهية من جيفة الحمار إلا قاموا عن أنتن جيفة حمار.
الحديث عن الأملاك وعن الأموال المنقولة، وغير المنقولة وأسعار العملات، وأسعار الذهب، والبورصات وما إلى ذلك، هذا الحديث يسبب الإقباض بالنفس.
فلذلك الآية هي، هي ليست لعامة المؤمنين، هي لخاصتهم.

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

لكن دائماً استقامة، نجاة من العذاب والنار، بدنا شيء إيجابي نحنا، ينبغي أن نرقى إلى الله، ينبغي أن نكون إيجابيين في التعامل مع الله عز وجل، فلكن من السابقين السابقين، الإنسان لازم يطلع من ذاته، لاحظ نفسك 24ساعة حول مصالحك، أكلنا، شربنا، نمنا اشتغلنا، أربحنا، زوجنا أولادنا، رتبنا بيتنا، دهنا، سافرنا، أتسيرنا أكلنا، عزمنا، كله لك، ألا تحتاج إلى عمل يخرج عن ذاتك يخرج عن مصالحك، تبتغي به وجه الله، لا تريد به إلا رضوان الله هذا العمل يرقى بك، هذا العمل يرفعك من مرتبة أصحاب اليمين إلى مرتبة السابقين السابقين.
فلذلك أول شيء طلب العلم، طلب العلم حتم واجب على كل مسلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم إذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، هذا العلم أخوانا الكرام، عبارة عن قناعات متراكمة، لا تصدق ممكن واحد يقنع قناعات متراكمة ما يلاقي سلوكه استقام وهو لا يشعر، ضبط لسانه، ضبط جوارحه، ضبط بيته، ضبط دخله، ضبط إنفاقه، هي من آثار طلب العلم، إذا الإنسان علمه قليل، في تفلت، في زلة قدم، في مخالفات، في معاصي، في آثام، في حجب، في ملل، في سقم، في.
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾

( سورة النساء: 142 )
فلذلك:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾
يعني أنت لما بضحي، بتقدم شيء لله عز وجل، تأخذ أضعاف مضافة، لا يعلمها إلا الله.

﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)﴾

( سورة الأنعام: 144 )
يعني طبعاً النبوة انتهت، والصديقة انتهت، لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرجح، لكن ممكن تكون مؤمن كبير، مؤمن متفوق، كل ما كثرت الأوقات التي تذكر الله فيها، في إنسان يذكر الله في الأسبوع له درس علم، واحد درسين أحسن، ثلاثة أحسن ثلاثة وخطبة أحسن، ثلاثة وفجر أحسن، وثلاثة وثلاثة دروس الظهر أحسن، ثلاثة وتلاوة قرآن كل يوم أحسن، ثلاثة وسهرتين لله أحسن كل ما كثرت ذكر الله عز وجل، عطاء أو أخذ، اجتماع أو عطاء كل ما وسعت دائرة الذكر، ترقى عند الله، تنتقل من أصحاب اليمين إلى السابقين السابقين، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه ومن أكتف بنا.
يعني النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا أراد أن يصلي الليل غرفته صغيرة جداً، بحيث لا تستطيع لنوم زوجته وصلاته، ما سكن ببيت أربعمائة متر، ما سكن ببيت حقه ثمانين مليون، والأثاث حقه عشرين مليون، ما نزل بفندق خمس نجوم أبداً، ولا زار البلاد الجميلة، ولا شاف أنياغارة، ولا شاف كان، ولا منكر ما شاف شيء كان بصحراء قاعد عليه الصلاة والسلام، هو أسعد الناس، ألا تقول اللهم صلي على أسعدنا، أراه ملكوت ربه، أراه الله ملكوت السماوات والأرض.

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾

( سورة النجم: من 8 إلى 18 )
يلي الله بعطيه يدوب الإنسان، بقلك معي فاكس، سيدنا عمر قال له يا سارية الجبل الجبل، قال أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل، أنو فاكس هذا، مباشرة رآه وحذره وسمع صوته، لما الإنسان يتجه إلى الله عز وجل يرى من آيات ربه الكبرى، لا صدق مؤمن، يخلص ويستقيم، ويقبل على الله بكل إمكانيته إلا ويريه من الآيات التي تدل على عظمته.

﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾

( سورة النجم: 18 )
اليوم درسنا أعلى مستوى، ليس درس استقامة وغض بصرك وانتبه من دخلك، لا أعلى، اليوم درسنا أن تنتقل من مرتبة أصحاب اليمين، إلى مرتبة السابقين السابقين، من خمس صلوات إلى الإكثار من ذكر الله، من إنفاق الزكاة فقط، إلى إنفاق أكثر من الزكاة، في ناس بقلك كل الناس هلكانين، الله يعينهم، ما في دين، في فساد أنت شو قاعد عم ساوي أنت، ما تعاونهم، ما لك أهل حولك، ما لك أخوات، ما لك أقارب، ما لك أصهار، ما لك بنات، ما لك بنات بنات، شو عم ساوي، بقلك الناس هلكانين، الناس ما فيهم دين، كلن ركب دش بقلك، أنت شو عم ساوي أنت، عاونهم على إصلاح ذات بينهم، على إصلاح دينهم، لا تكون سلبي، لا تكون بس ببيت وأولادك، ما بدك أحد، كيفك، نومتك بعد الظهر، قول لهم نائم لا تفيق، لا أحد يوقظني إذا أنا نمت، يوقظني لا يهم، إذا كان في عمل صالح، في عمل طيب.
فلذلك أخوانا الكرام:
لازم نطمع من حين لأخر نطلع من مرتبة أصحاب اليمين إلى مرتبة السابقين السابقين، وسع دائرة ذكرك لله عز وجل، كثر حضور مجالس العلم، اطلب العلم، اعمل لك كم أخ، ما لك أصدقاء ما لك أقرباء، اعمل لهم جلسة أسبوعية ما سمعت بهذه الدروس آية واضحة جداً حفظتها عن غيب، اكتبها على ورقة، أجمعهم وقولها لهم هي الآية، لما الإنسان يطلع من ذاته يسعد، إذا كان لك مجلس علم أنت ترتقي العلم، بكون كل إنسان داعية إلى الله عز وجل شي جميل.

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

( سورة العصر )
تواصي بالحق أحد أركان النجاة، فلازم الإنسان هي العادات له نظام معين تقاليد أتركها، حاول توسع دائرة معرفة بالله، كثر مجالس العلم، كثر مجالس الذكر، أستعمل دعوة متواضعة، أقرب الناس إلك أيام أولاد أختك، أولاد أخوك أربعة خمسة أجمعهم، كل خميس، سهرة، آية، وحديث، وحكم فقهي، وذكر قرآن كريم تحس حالك أصبحت أنت داعية، أطلع من ذاتك، أطلع من نظامك الرتيب إلى أفاق معرفة الله عز وجل، هي الآية، هي لسيدنا موسى بس كل مؤمن له منها لحسة، بيأخذ منها لحسة المؤمن.

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)﴾

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾

بقدر إخلاصك، بقدر طاعتك، بقدر تضحيتك، بقدر بذل وقتك ببذل مالك، ببذل طاقاتك في خدمة الخلق الله بقربك منه، إذا قربك بذوقك، والدنيا كلها تغدو كجناح بعوضة، تنتقل الدنيا من قلبك إلى يديك، تتعامل بها، لكن القلب معلق بالله عز وجل.
القرآن الكريم بيننا، من أجل أن نقتدي بما فيه من آيات كريمة الإنسان يعني لا يكون لذاته، يخرج من ذاته، يوم القيامة الله يقول للعبد، ماذا صنعت من أجلي ؟ يا ربي زهدت، أما زهدتك فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك، وأما كذا فلك، وأما كذا فلك، لكن ماذا صنعت من أجلي، يقول يا ربي وماذا أصنع من أجلك، يقول هل واليت فيا ولياً عاونت أهل حق أنت، أطلعت من ذاتك، لما يصطفلوا ما دخلنا سلامتك يا رأسي، لا ! كون إيجابي لا تكون سلبي، طبعاً الله:
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)﴾
الله رب النوايا، النية الطيبة الله يكرم صاحبها، ما بخليه يتورط.
فلذلك الإنسان يطمح يكون من السابقين السابقين، من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا، كنا له وما لنا.
أب عنده خمس أولاد، الأربعة منهن كل واحد بشغله بطل عليه بالشهر مرة بدك شي بابا، لا الله يرضى عليك في واحد ما بتركه ليل نهار معه، ليل نهار، يعني ممكن، أنا ومالي لك يا بني هذا غير هدنة، هدنة عم يؤدوا الواجب، يؤدوا الفرض فقط، بطلع عليه بالشهر مرة، الأب أعطاهم حاجتهم، أما الابن الذي لازمه ليل نهار أعطاه كل شيء.
فلذلك الإنسان يطمع يكون من السابقين عند الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة طـــة ( 20 )

الدرس السادس



بسم الله الرحمن الرحيم سورة طــــة ( 20 ) الدرس السابع بسم الله الرحمن الرحيم سورة طــــة ( 20 ) الدرس السابع

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
لا زلنا في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، بعد أن قال الله سبحانه وتعالى:
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾
كانت هذه الكلمات محور الدرس الماضي.

﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42)﴾
ولا تنيا، يعني لا تتباطأ.

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
دخل واعظ على بعض الملوك، قال إني سأعظك وأغلظ عليك فقال له الملك وكان أفقه من الواعظ، ولما الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون فقالا:

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
الإسلام قوته في أفكاره، قوته في الحقائق التي ينطوي عليها قوته في هذا الكتاب، قوته في السنة، أما أن يلجأ الإنسان إلى العنف هذا الأسلوب ما أنزل الله به من سلطان، هذا الأسلوب من صنع أعداء المسلمين، في تشويه سمعة المسلمين، ليستقر في ذهن كل إنسان أن المسلم مجرم، والآن العالم كله يكافح الإرهاب الإسلامي.

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾

أضرب لكم مثلاً:
في طريقة اسمها التدخل الإيجابي، لو فرضا في عندنا مائة محل تجاري وهذه المحلات أصحابها لا يتقيدون بالتسعيرة، مثلاً يقدمون بضاعة سيئة بأسعار باهظة، هناك تدليس، هناك غش الخ.. ولي أمر المسلمين ماذا عليه أن يفعل ؟ عليه أن يقمع الغش، فإذا داهمنا هذه المحلات، وضبطنا الغش، وأغلقناها، وختمناها، وأخذنا أصحابها إلى السجن، هذه الطريقة اسمها طريقة القمع في طريقة نظرية ليست مطبقة عملية، تفتح محل تبيع أحسن بضاعة، بأرخص سعر، بأطيب معاملة، وكل هؤلاء الناس يأتون إليك، وينصرفون عن هؤلاء الغشاشين، لا قمعت، ولا قهرت، ولا ظلمت، ولا اعتديت بل قدمت هذا الأسلوب بأرقى شكل.
الدعوة الآن إلى الله لا تنجح إلا بهذه الطريقة، قدم الإسلام بأبهى صورة، قدمه بالتفكير العميق، قدمه بالأدلة الواضحة، قدمه بالنموذج الصادق، قدمه بالقدوة الحسنة، قدمه باليسر، قدمه بالتسامح قدمه بالموعظة الحسنة، قدمه بالنصيحة المخلصة، قدمه بالواقعية، لا تحقد، ولا تكن عنيفاً، ولا تسلك سبل المجرمين لنشر هذا الإسلام وهذه الآية دليل.
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43)﴾
فرعون الذي قال:

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

( سورة النازعات: 43 )
فرعون الذي ذبح أبناء بني إسرائيل، فرعون الذي استحيا نسائهم، فرعون الذي ملكهم، وعبّدهم، هذا بالذات:

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
إذاً: من أمر بالمعروف، انظروا الحق أعظم، وأسمى وأجل من أن نتخذ وسائل غير مشروعة لنشره، الهدف النبيل نسلك في نشره الأسلوب النبيل، الأهداف النبيلة لا تبرر الوسائل غير النبيلة الأهداف النبيلة لها وسائل نبيلة، الشريعة رحمة كلها، عدل كلها مصلحة كلها، فأي قضية خرجت من العدل إلى الجور، من الرحمة إلى القسوة، من المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، لا يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

( سورة آل عمران: 159 )

حديث قدسي:

((إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه.))

الدعوة إلى الله تحتاج إلى حكمة بالغة، تحتاج إلى أن تملك القلوب، لا أن تملك الرقاب، الأقوياء ملكوا الرقاب، لكن الدعاة إلى الله ملكوا القلوب، ولا تملكوا القلوب إلا بالإحسان، والتلطف والمثابرة، والحلم، والتبشير لا التنفير، والتيسير لا التعسير والستر لا الفضيحة، فالأساليب التي تستخدم الآن في نشر الإسلام المخالفة لمنهج الإسلام هذه تخدم أعداء الإسلام، نحن لا نخشى على الدين من أعدائه، نخشى على الدين من أدعيائه، أعداء الإسلام يدفعون الملايين المملينة من أجل تشويه الإسلام، والإسلام لا يشوه إلا بالعمل الإجرامي، إلا أن يستقر في ذهن العالم كله، أن الإسلام يعني جريمة.
فلذلك:

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾
الإسلام قوي بأفكاره، قوي بحججه، قوي ببيانه، قوي بالمنهج، قوي بهذا الكتاب، قوي بهذه السنة.

﴿إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)﴾
هذا قتل الإنسان عنده مثل قتل نملة، اقتلوهم.

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) ﴾
لكن وين قاعد أنا ؟ أنا معكم.
إذا المؤمن قرأ هذه الآية، فكلما واجه قوياً، أو إنساناً شريراً أو عدواً حاقداً،.

﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾
يسمع يطمئن، الله عز وجل ما خلق مخلوق وفلته، ما خلق مخلوق إلا وقابضه.

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

( سورة الزمر: 62 )
لا تخاف، وحوش كاسرة كلها بإمكانها أن تفترس الإنسان لكنها مربوطة بأزمة محكمة، بيد عادل، رحيم، علاقتك مو مع الوحوش، مع من يملك أزمة الوحوش، علاقتك ليست مع الوحوش الكاسرة، المخيفة، بل هي مع من يملك أزمتها.
فلذلك قال سيدنا هود:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

( سورة هود: 55 )
لذلك:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

( سورة الشعراء: 213 )

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾
قصة رويتها لكم من قبل، لكن الآن مناسبة لنذكركم بها الحسن البصري أدى أمانة العلم، وضح بعض الأمور، هذه الأمور التي وضحها أغضبت الحجاج، وأغضبته غضباً شديداً، حتى قال لمن حوله: أنتم ماذا فعلتم حينما قال كذا وكذا ؟ يا جبناء، والله لأسقيناكم من دمه الآن، واستدعى السياف إلى قصره، ومُد النطع حتى الدم لا يلوث الأثاث الفاخر، وقال ائتوني بالحسن البصري لقطع رأسه انتهى الأمر، فلما دخل الحسن البصري على الحجاج ورأى السياف جاهزاً لقطع رأسه، والنطع قد مُدّ، تمتم بكلمات لم يسمعها أحد ثم دخل على الحجاج، فما كان من الحجاج إلا أن وقف له، وقال أهلاً بأبي سعيد وما زال يقربه، ويقربه حتى أجلسه إلى جانبه على السرير، وسأله عن بعض الأسئلة، قالوا: وعطره، وطلب الدعاء منه، وقال أنت يا أبا سعيد سيد العلماء ثم شيعه، من الذي صعق ؟ السياف، والحاجب تبعه الحاجب قال له يا أبا سعيد لقد جيء بك لغير ما فعل بك، ماذا قلت وأنت داخل ؟ قال له: قلت ما ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي عند وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
الله بدل له قلبه، ألبسه هيبة كبيرة جداً، ألقى العطف بقلب الحجاج، ألقى الهيبة على الحسن البصري، والحسن البصري مرة سأله والي البصرة، جاءه توجيه من يزيد هذا التوجيه لا يرضي الله عز وجل قال له إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله إذا أنت أطعت مخلوق وعصيت الخالق الله في عنده أورام خبيثة، في عنده أشياء، الواحد ينهار منها، وهؤلاء لا ينفعونه، أما إذا أرضيت الله عز وجل، وأسخطهم، الله يمنعهم منك، إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله.

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾
لكن الإنسان متى يستحي يطلب من الله، يخجل أن يتوكل عليه، إذا كان مقيم على معصيته، إذا مقيم على معصية لا يستطيع التوكل عليه، ولا يستطيع الالتجاء إليه، ولا يستطيع أن يحتمي بحماه أما إذا كنت مقيماً على طاعته أنت أقوى إنسان، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن فيما يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقي الله.

﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)﴾
يعني مو السلام عليك.

﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)﴾
يعني إذا أنت خاطبت إنسان ينكر وجود الله عز وجل تقول له السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا الكلام ماله معنى، قول له السلام على من اتبع الهدى لا عليك.

﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾
الآن فرعون يسأل من هو الله ؟ من هو ربكم ؟ والله هذه الآية يمكن أن يكتب فيها مائة ألف صفحة.

﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
أوسع كلمة على الإطلاق في اللغة، شيء.

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

( سورة الإسراء: 44 )
جسم الإنسان فيه مليون آية تؤكد هذه الآية، بالطعام والشراب بالنبات، بالحيوان، بالسماوات، بالأرض.

﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
هذه الشعرة لها وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنيه، وغدة صبغية، في برأس الإنسان ثلاث مائة ألف شعرة تقريباً ولكل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وغدة، وعضلة، دهنيه وصبغية، شبكية العيد 130 مليون مخروط وعصية، قال لي واحد الاتصالات الخارجية أصبحت سهلة جداً ما هو السبب ؟ قال في خط الآن كهربائي ألف مكالمة بخط واحد، لكن العصب البصري 900 ألف خط بخط، ولكل خط ثلاث أغمده، بحزمة قطرها ميلي واحد هذه الآية إن شاء الله موضوع درس الغد.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
شوف خصائص الحيوانات، خصائص النباتات، أنت عندك حقل بطيخ بدك تعرف أني استوت، وكله أخضر، معقول تنبطح جنب البطيخة ودقها بيدك !! هي بدها شغل غير معقول، الله عمل لك حلزون بعد ذنبها بقليل، تمسكه تضغطه إذا انكسر تقطعها، استوت، إذا طري بتخليها.
في آلاف الأدلة بالنبات، حليب الأم ما فيه حديد، بطحال الطفل الرضيع في كمية حديد تكفيه سنتين، إلى أن يأكل الشوربة والعدس.

﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾

هذا الماء إذا تبرده ينكمش، ينكمش، ينكمش، عند زائد أربعة يتمدد يتمدد لولاها ما كنا نحن قاعدين، هل تصدقون أن الحياة على وجه الأرض متوقفة على هذه الخاصة، إذا كان برد ينكمش معناها تزداد كثافته، معناها ويقل حجمه و يزداد وزنه، معناها يغوص، معناها البحار متجمدة بعد حين تصبح إلى أعماقها متجمدة والتجمد يتمدد إلى أن يعم بحار الأرض، عندئذٍ ينعدم التبخر ومع انعدام التبخر تنعدم الأمطار، ومع انعدام الأمطار ينعدم إنبات النبات ويموت الحيوان، ويموت الإنسان، كل حياتنا موقفة على هذه الخاصة بالماء عند الدرجة زائد أربعة يتمدد الماء، عبي قنينة وحطها بالفريزر تنكسر القنينة، لماذا ؟ لأنه يتمدد، والماء إذا حب يتمدد بالمناسبة ما في قوة بالأرض أرضية تمنعه، بكون محرك فولاذ، من أقسى المعادن، إذا الماء فيه وصار فيه تجمد ينشق نصفين المحرك والآن أحدث طريقة لقلع الرخام يحفروا أنفاق ويملؤها ماء ويبردونها يحيطها من أربع جهات تطلع كتلة متر مكعب رخام بدون جهد كبير عن طريق تمدد الماء بعد التبريد، يعني يشق الصخر الماء إذا تمدد والماء لا ينضغط، جابوا مكبس 800 طون ما تمكنوا يضغطوا الماء ولا ميلي، إذا تمدد ما في قوة تقف أمامه، هذا الماء، شو بدك آيات بالماء في آيات، بالنبات في آيات، بالفواكه في آيات، بالأشجار في آيات، هذه الآية أفخم آية للإنسان أن يفكر فيها طول حياته.
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)﴾
من هو الله ؟ فرعون قال:

﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

( سورة النازعات: 24 )
من هو إلهكم ؟ من هو ربكم ؟ قال له:

﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
إن شاء الله غداً نفصل فيها.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة طـــة ( 20 )

الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
لا زلنا في قصة سيدنا موسى مع فرعون التي وردت في سورة طه، ووصلنا في الدرس الماضي إلى أن فرعون سأل موسى عليه السلام.
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
وذكرت لكم أن هذه الآية يكتب فيها المجلدات، لأن الكون كله كما قال الله عز وجل:

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

( سورة الملك: 3 )
الكون كله في أعلى درجات الإتقان.

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

( سورة النمل: 88 )
وأما معنى قوله تعالى:

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾
أي ليس في صنعة الله مستويات، مستوى تجاري مثلاً ومستوى صناعي، ومستوى متقن جداً غالي، كل شيء خلقه في أعلى مستوى.
الإنسان أيها الأخوة:
إذا نام في الليل، له هيكل عظمي، وتحت الهيكل العظمي عضلات ونسج، وفوق الهيكل العظمي عضلات ونسج، وزن الهيكل العظمي مع الذي فوق الهيكل العظمي يضغط على ما تحت الهيكل العظمي، فإذا ضغط ضاقت الأوعية التي تروي العضلات، الله عز وجل أودع في الجسم مراكز الإحساس بالضغط، فإذا تنبهت هذه المراكز أعطت إشارة عصبية إلى الدماغ، تلاقي الإنسان يتقلب بالليل قلب على جانب، بعد ثلث ساعة انضغط الجانب الذي تحت الهيكل العظمي، يتنبهوا المراكز الأخرى مراكز الإحساس بالضغط، تنبه الدماغ، يتقلب قلبة ثانية، لكن من رحمة الله بنا أن التقليب ذات اليمين وذات الشمال، ولو بجهة واحدة كان لاقى حاله بالأرض.
قال تعالى:

﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾

( سورة الكهف: 18 )
لولا التقليب لتفتت اللحم، المرضة الذين يصابون بالثبات أول وصفة لهم من قبل الطبيب التقليب، لولا التقليل تضيق لمعة الأوعية تضعف التروية يتفسخ اللحم.
قال تعالى:

﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾
فأهل الكهف لولا أن الله قلبهم بعد أقل من سنة يتفسخ لحمهم وهذا من إعجاز القرآن العلمي، تصوروا إنسان نائم ثماني ساعات تقلب ثمانية وثمانين مرة ذات اليمين وذات الشمال، حتى كلما انضغط قسم من الأنسجة بوزن الهيكل العظمي وما فوق الهيكل العظمي استراح قسم، وهكذا، والحكمة مرة نحو اليمين ومرة نحو الشمال.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
الإنسان يعجب ليس في الشعر أعصاب حس، وليس في الأظافر أعصاب حس، ولو كان في الشعر والأظافر أعصاب حس لاضطررنا إلى أن نجري عملية تخدير في المستشفى قبل أن نحلق وقبل أن نقلم أظافرنا، وبالمقابل في العظام في نقي العظام في الداخل في أعصاب حس، ما لها شغل، ما لها أي فائدة، لها فائدة كبيرة الإنسان إذا أصيبت رجله لا سمح الله بالكسر من شدة الألم يبقيها على حالها، وهذا الألم الشديد الذي دعاه إلى أن يبقيها على حالها أربعة أخماس العلاج، لو ما في أعصاب حس بنقي العظام، وأصبح في كسر، وما في ألم يمشي عليها تصبح شقفتين.
إذاً:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
لسان المزمار ؛ أيام أنت عند طبيب الأسنان يضع لك شراقة حتى تسحب الريق، إذا العملية طويلة لابد من شراقة أو شفاطة تسحب العاب الزائد، طيب أنت نائم ثماني ساعات يتجمع اللعاب في الفم كيف ينصرف هذا اللعاب إلى المعدة ؟ قال حينما يتجمع اللعاب في الفم تذهب إشارة وأنت نائم إلى الدماغ، اللعاب زاد عن حده تأتي إشارة من الدماغ إلى لسان المزمار يفتح ويغلق على الرئتين إغلاق محكم لو نفذت نقطة لعاب بالرئة لا تنام الليل، يغلق طريق القصبة إغلاق محكم ويفتح طرق المري وأنت نائم، فهذا لسان المزمار كما سماه بعضهم شرطي مرور يعمل ثمانين عاماً ليلاً ونهاراً بلا كلل.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
الله عز وجل جعل العضلات نوعان...
عضلات إرادية، وعضلات لا إرادية.
لو كان العضلات كلها إرادية، القلب يحتاج إلى أن تقلصه أنت بإرادتك فلو كنت مشغولاً توقف القلب ومات الإنسان، عندئذٍ لا تستطيع أن تنام، إذا الإنسان نام يموت فوراً.
والرئتان كذلك لو أن الرئتين تتحركان بإرادتك لانعدم النوم وإذا انعدم النوم أرهق الإنسان، وأصبحت حياته جحيماً.
حدثني أخ كريم طبيب قال لي:
في مرض يصيب مركز التنبه الرئتين النوبي، هذا المركز يصاب بالعطب، الإنسان ما فيه ينام، الآن اخترعوا حب غالي جداً تأخذه كل ساعة، تنام التاسعة، وتصحو العاشرة، على أربع منبهات تأخذ حبة، تصحو الحادية عشر تأخذ حبة، الثانية عشر حبة الواحدة حبة الثانية حبة، لولا هذا الحب يموت الإنسان، هذا حتى يرتاح ساعة، مفعول الحبة ساعة فقط.
فأنت تنام مرتاح ثماني ساعات والرئتان تعملان بلا كلل و بلا ملل، من جعل العضلات بعضها إرادي وبعضها لا إرادي.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
طيب الكليتان تفرز كل عشرين ثانية نقطة، الكلية كل عشرين ثانية تطرح نقطة بول، والكلية الثانية نقطة أصبحوا نقطتين، لو ما في مثانة الخروج مباشر معناها الإنسان بدو كل عشرين ثانية يكون جانب المرحاض جاهز، أو يبلل حاله أو بدو فوط الرجل السعيد، أما ربنا جعل مثانة، مثانة تتحمل خمس ساعات، سبع ساعات، تعبي لتر ونصف، شيء متقن، عندك سهرة، راكب سيارة، تلقي كلمة في اجتماع بمحضر، عندك زيارة، عندك احتفال، الكليتان تعملان والتجميع بالمثانة، طيب هذه المثانة لو ما فيها عضلات البول لا ينزل إلا بالتنفيس طيب ما في تنفيس طيب واحد بربيش طالع لفوق حتى ينفس، الله جعل للمثانة عضلات، بأقل من ثلاثين أربعين ثانية تفرغ، هذا إتقان الصنعة، وتوفير كرامة الإنسان.
المرأة عندما يأتيها المخاض...
الرحم يتقلص تقلصاً متزامناً متقارباً لطيفاً لأنه في غلام.أما حينما تـلد يتقلص الرحم تقلصـاً شـديداً فجأة..
لماذا التقلص الشديد ؟!
حتى يغلق الأنابيب المفتوحة.
يتمزق من الأوعية الدموية عشرات آلاف الأوعية فتحت وتمزقت، صار في نزيف، فالرحم ينقبض انقباض شديد جداً، يصبح كالصخر، المولدة إذا وضعت يدها على رحم المرأة ورأته كالصخر تطمئن الولادة سليمة.
العلماء قالوا:
لو أن هذا التقلص عُكس، الشديد قبل الولادة، واللين بعد الولادة، لماتت الأم ووليدها، الشديد يقتل الغلام، واللطيف يسمح بالنزيف، بالشديد يموت المولود، وباللطيف تموت الأم.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
جهاز المناعة بالإنسان، حديث العالم كله عن نقص المناعة المكتسب بسبب الانحرافات الأخلاقية، هذا الجهاز مؤلف من خمس وعشرين مليون كريه بيضاء، في أثناء السلم، فلو دخل جرثوم في أثناء الاستنفار تصبح هذه العناصر خمسين مليون، في أثناء الحرب تصبح مائتين مليون.
كيف في عنا جيش نظامي وعنا احتياط، في عنا جيش نظامي ما في ولا مشكلة، مع القلاقل بصير في استنفار، أما أثناء الالتحام والحرب يستدع الاحتياط يتضاعف الجيش ثلاثة مرات.
هكذا بالضبط جهاز المناعة المكتسب، خمس وعشرين مليون في السلم، خمسين مليون بالاستنفار، مائتين مليون بالحرب، بدخل جرثوم، يتوجه بعد ثواني، عناصر مهمتها الاستطلاع، تقترب منه وتأخذ شفرته الكيماوية، تأخذها إلى مراكز اللنف في الجسم، هذه المركز فيها خلايا أسمها الخلايا المحصنة المصنعة، تأخذ رمز الجرثوم، وتفك الرمز وتصنع مصلاً مضاد لهذا الجرثوم بعد أن تنتهي مهمتها، تأتي خلايا مقاتلة تحمل هذا السلاح وتتجه به إلى الجرثوم وتقتله، بقيت جثة الجرثوم في الدم، تأتي خلايا لاقمة منظفه تنظف أرض المعركة من هذه الجثث، كريات مستطلعة، وكريات مصنعة، وكريات مقاتلة وكريات منظفة.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
هل تصدقون أن حليب الأم في أثناء الرضاعة يتبدل ؟ !
في أثناء الرضعة الواحدة، تتبدل بنية الحليب، يبدأ الحليب بماء كثير الدسم في الحليب، يتضاعف أربع أمثال في نهاية الرضعة والسكر مثل ونصف، وتركيب الحليب يتبدل مع الأيام والأسابيع لنمو الطفل، ولما يكون الطفل مولد حديثاً جهاز الهضمي حتى لا يلتصق داخله شحم أسود، هذا الشحم الأسود أول أربع وعشرين ساعة، الأم تفرز مادة مذيبة لهذا الشحم يسمونها صمغه، فأول أربع وعشرين ساعة مفيدة جداً في إذابة الشحم الذي في الجهاز الهضمي، فأول أربع وعشرين ساعة بتلاقي خروج الطفل أسود، هو شحم ذائب، بعدين يبدأ الغذاء.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
أنت بعمر تقدير سبعين سنة في بذاكرتك سبعين مليار صورة سبعين مليار صورة ومصنفه، بقلك أن هذا الكمبيوتر أربعمائة وخمسين حرف يقرأ في ثانية، ذاكرتك أبلغ من الكمبيوتر، في عندك ذاكرة شميه، وعندك ذاكرة بصرية، ذاكرة سمعية، عندك ذاكرة وجوه، ذاكرة ألوان، ذاكرة أشكال، ذاكرة أرقام، وكل ما تتلقى شيء، يتصنف بمكانه، والذاكرة عاقلة إما أن تصنف هذا الشيء بمكان بعيد تحتاجه قليلاً، أو بمكان متوسط، أو بمكان تحت يدك هي الذاكرة.
فتحوا دماغ إنسان، وضعوا تيار كهرباء خفيف جداً في مكان الذاكرة تذكر هذا الإنسان حادثة من ثلاثين عاماً، فلما رفعت شدة التيار رأى الشيء أمامه في أشياء بالذاكرة دقيقة جداً، ولا تزال هذه الموضوعات، يعني ليست واضحة لدى العلماء.
الشجرة إذا نسيها صاحبها دون أن يسقيها ماذا يحدث ؟
دققوا هذه الشجرة لأن الله هكذا خلقها، تستهلك بادئ ذي بدئ ماء الأوراق، وبعد ماء الأوراق، تستهلك ماء الأغصان، وبعد ماء الأغصان، تستهلك ماء الفروع، ثم ماء الجزع، وآخر ماء تستهلكه ماء الجزر، لو معكوسة الآية، إذا ينسى الفلاح الشجرة من دون سقي يوم واحد تموت، أم ينسها أيام، ثلاثة أسابيع أربع أسابيع، شهر تذبل الأوراق، أما لا يزال بالجزر في ماء، أستهلك الماء بهذا التسلسل، بدأ من ماء الأوراق، إلى ماء الأغصان، إلى ماء الفروع إلى ماء الجزع، إلى ماء الجزر، هذا الذي يحفظ الأشجار من التلف إذا عطشت أو جفت السماء.
هل تصدقون أن هذه الغابات الطبيعية، وتلك المراعي التي لم يزرعها إنسان، كيف تزرع ؟ قال هناك بزور لها أجنحة، تنتقل عبر القارات مع الرياح هذه البزور، موضوع بأنبوب حلزوني، فإذا سقطت في الأرض انغرز هذا الحلزون في الأرض، ثم فتحت الفتحة الأخيرة زرع البزر من دون أن تفعل يد بشر بزور لها أجنحة ومودعه في أنبوب حلزوني، فإذا وقعت على الأرض ينغرز هذا الحلزون في الأرض، وتفتح الفتحة الأخيرة، زرع طبيعي، لذلك المراعي والغابات الخضراء الطبيعية التي لم يزرعها إنسان، زرعت بهذه الطريقة، البزور بتنام ثلاثة أشهر، حينما نستخرج البزور من الثمرة تنام ستة أشهر، إذا أردنا أن نزرعها وهي نائمة لا بد من أن نوقظها، نضعها بجهاز يعطيها برد وحر متناوب تستيقظ، أما إذا زرعت البزرة قبل أن تستيقظ لا تنبت كائن حي، بعض أنواع الأزهار سبعين ألف بزرة بالغرام الواحد، وكل بزرة لها سويق، ولها جزير ولها رشيم، وفي حياة.

﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
الأشجار لها أنابيب يصعد فيها النسغ الصاعد، وأنابيب ينزل منها النسغ النازل، هذه الأنابيب مع النمو تضيق لمعتها، مقواة بحلزون ليفي في داخلها حتى إذا صار نمو للشجرة ما تضيق لمعتها.
أيام إذا عندك أنبوب بسيارة وماشي بطريق معكوف ينثني يغلق الماء في هذا الأنبوب، ماذا يفعلوا ؟ بقوه بحلزون داخلي بنابض داخلي.
فكل أنابيب الأشجار مقواة بنوابض من ألياف قاسية جداً بحيث لو نمت الشجرة لا تضيق لمعة هذا الأنبوب، وفي أنابيب أخرى كالأوردة في الإنسان تسمح للدم بالصعود لا بالهبوط، يلي معه دوالي هذه الدسامات تضعف، لأن الدم صاعد، واحد واقف والقلب ينبض فالدم يصعد من قدمه إلى قلبه، هذا الصعود بحكم الجاذبية ينبغي أن يعود إلى الأرض الدم، أما في دسامات إذا صعد الدم لا يرجع وأيضاً هذا في الأشجار، وهذا من إتقان صنعة الله عز وجل.
السمك يعرف أين هو من أعماق البحر، في أنبوب مفرغ من الهواء هذا الأنبوب في الثلث الأعلى من جسم السمك، إذا واحد مسك سمكة بلاقي فيها خط هذا أنبوب الضغط، تعرف السمكة بعدها عن السطح وعن العمق، دائماً، جهاز ضغط، كالغواصة تماماً، بل إن الغواصة كالسمكة، وفي عندها جهاز ثاني بتعرف الجهة، عبارة عن محفظة فيها بعض الرمال، وهذه المحفظة بأسفلها فيها أعصاب حساسة فإذا الرمال مع الأعصاب معناها هي باتجاه السطح، فإذا ابتعدت الرمال عن المنطقة الحساسة، معناها قالبة، بتعرف جهتها وبتعرف بعدها عن الأعماق، السمكة، هذا من إتقان الله عز وجل.
الحيتان مفيدة جداً للإنسان إلا أنها تتنفس الهواء، لولا أنها تتنفس الهواء لما أمكن صيدها، تخرج كي تتنفس فيصطادها الإنسان أما إذا كانت كبقية السمك تتوالد وتتوحش، ما أحد بصيدها، بالأعماق عائشة.
السمك إذا تقدم ما برجع إلى الوراء، بهذه الميزة يصطاده أما لو كان يرجع ما يصطاده، الشباك عبارة عن جدار فقط، إذا دخل بالشبكة ما في يرجع السمك، لولا الخاصة لا يمكن أن نصطاد شيء من السمك.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
القوارض لا تتقيأ لو أنها تقيأت لا تستطيع أن تدمرها ولا أن تبيدها، أيضاً هذا من خلق الله عز وجل.
على كل الحيوانات مذللة الله عز وجل قال:

﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾

( سورة يس: 72 )
في مرض يصب البقر وهو التوحش، إنسان أضطر يطلق الرصاص على بقرة قتلت رجلين، وخسر ثمنها، لأنها توحشت، لو أن الله سبحانه وتعالى أودع التوحش في هذه الأغنام وتلك الأبقار، لما أمكن أن نستفيد منها.

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
طبعاً هذه نماذج، أما على كل أخ كريم أن يفكر في هذا الكون الواسع وفي خلقه بالذات، لقوله تعالى:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

( سورة الذاريات: 21 )







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة طـــة ( 20 )

الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
لازلنا في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون وفي الدرس الماضي كان الحديث عن قوله تعالى:
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
وقد ذكرت لكم أن الكون كله بسماواته وأرضه، بنباتاته بحيواناته، بأسماكه، بأطياره، بطعامنا وشرابنا، بأنفسنا وأولادنا ينطق بتوضيح هذه الآية:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)﴾
هذه الآية تنقلنا إلى موضوع في العقيدة دقيق جداً، ألا وهو أن في حياة الإنسان:
دائرة المحسوسات...
ودائـرة المعقولات...
ودائـرة المغيبـــات...
المحسوسات: أداة معرفتها الحواس الخمس.
المـعـقـولات: أداة معرفتها العقل.
والمـغـيـبـات: أداة معرفتها الخبر الصــادق.
أكبر خطأ يرتكبه الإنسان حينما ينقل قضية من دائرة إلى دائرة.
المعتزلة لماذا انحرفوا في عقيدتهم ؟ لأنهم نقلوا دائرة المغيبات إلى دائرة المعقولات، فجعلوا كل شيءٍ خاضعٍ للعقل، وجعلوا العقل هو الحكم على كل شيء.
وأخطأ أناس آخرون حينما عطلوا عقلهم ونقلوا ما في دائرة المعقولات إلى دائرة المغيبات.
أيها الأخوة الكرام:
الشيء إذا ظهرت عينه وأثاره سبيل معرفته الحواس الخمس هذا أسمه اليقين الحسي.
أما الشيء الذي غابت عينه وبقيت آثاره سبيل معرفته العقل.
بعقلك تصل إلى الله، لأن كل ما في الكون يدل عليه وبعقلك تصل إلى أن هذا القرآن كلامه من خلال إعجازه، وبعقلك تصل إلى أن هذا الذي جاء بالقرآن والذي بينه هو النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك علماء العقيدة قالوا:
لا يقبل الإيمان تقليداً، لو قبل الإيمان تقليداً، لكان كل الفرق الضالة عند الله معذورة، ماذا يقول أحد أتباع الفرق الضالة يا رب:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)﴾

( سورة الزخرف: 22 )
لذلك ما كان في دائرة العقل لا يقبل تصديقه، لا يقبل إلا بحثاً ودراسة، وتفكراً، وتأملاً، لأن الإيمان لا يمكن أن يكون تقليداً، لو كان تقليداً لكان أي مبتدع قال لأتباعه شيئاً عليهم أن يصدقوه.
كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية وأمر عليها أنصارياً ذا دعابة، هذا الأنصاري أمر بإضرام ناراً عظيمة قال اقتحموها، لأصحابه، وقف أصحاب النبي فريقين، فريق قال كيف نقتحمها ؟‍‍ وقد آمنا بالله فراراً منها، وفريق قال نقتحمها لأن طاعة الأمير من طاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام فلما بلغ النبي ذلك قال:
((والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف.))

العقل لا يعطل أبداً، وإذا عدتم حوسب صاحبه أشد الحساب فالذي في دائرة المعقولات لا بد من التفكر فيه.
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾
هذه ضمن دائرة المعقولات، أما المغيبات ؛ ما المغيبات ؟ ذات الله عز وجل.
قال عليه الصلاة والسلام:
((تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.))
لأن الإنسان الحادث لا يستطيع أن يحيط بالقديم الأزلي الأبدي شيء مستحيل، هذا العقل أخوانا الكرام ميزان حساس جداً لكن مخصص لبقالية يزن من خمسة إلى عشرة كيلو غرام، أي من خمسين غرام إلى عشرة كيلو غرام، فإذا أردت أن تزين به مركبتك حطمته.
فلذلك دائرة المعقولات تصل به إلى الله، وإلى أن هذا القرآن كلامه، وإلى أن الذي جاء بالقرآن نبيه، أما المغيبات فذات الله عز وجل، الآيات المتعلقة بذات الله عز وجل في القرآن الكريم، السلف الصالح فوضوا تفسيرها إلى الله والخلف أولوها تأويلاً يليق بكمال الله أما الذين عطلوها فقد ضلوا وأضلوا، والذين جسدوها ضلوا وأضلوا.
الدائرة الثلاثة دائرة الإخباريات، ليس لك إلا الخبر الصادق قضية ذات الله، قضية الماضي السحيق.

﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)﴾
ما قال له فكر، لا، قــال:

﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾
هذه قضية الإخباريات، الله أخبرنا عن الماضي السحيق وعن المستقبل البعيد، وعن حال أهل الجنة، وعن الجن، والملائكة وعن كل شيء مغيب عنا فنحنا دائماً في بالعقيدة عنا ثلاثة موضوعات.
محسـوسات: الحواس.
معـقـولات: العقل.
مغيبــــــات: الخبر الصادق.
الشيء ظهر عينه وآثاره محسوس.
والذي غابت عينه وبقيت آثاره، كالكهرباء، العقل، يا ترى في الآن بالجامع كهرباء، طبعاً في، الدليل ؟ الصوت، تكبير الصوت وتألق المصباح، هذا الدليل دليل قطعي.
أما الشيء الذي غاب عنا جميعاً، غابت عينه وغابت آثاره هذا ما في طريق إلا الحواس لأن عينه غابت، ولا العقل لأن آثاره غابت، هذا هو القسم الثلاث وهو القسم السمعي أو الإخباري الذي سبيله الخبر الصادق.
أرجو الأخوة الكرام أن أية قضية في الدين يجب أن تصنف بادئ ذي بدئ في أحد الدوائر الثلاث فإذا كانت من نوع المغيبات عليك أن تؤمن بها تصديقاً، وإن كانت من المعقولات عليك أن تؤمن بها تحقيقاً، وإن كانت من المحسوسات ينبغي أن تؤمن بها مشاهدة وإحساساً، قال:

﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)﴾
بعض العلماء بنوايا خبيثة جداً أرادوا أن يضربوا الدين في العصور الوسطى، فابتدعوا نظرية دارون، وأن الإنسان أصله قرد.
من باب الطرفة أنا أؤمن بهذه النظرية لكنها معكوسة، كان إنسان فمسخ قرداً الآن، الآن الإنسان مادي، لئيم، خسيس، دنيء وصولي، يضرب بالقيم بعرض الطريق، كان إنسان ذا قيم، فصار قرداً ذا شهوات دنيئة، ليس هذا الموضوع.
هؤلاء الذين زعموا أن الإنسان أصله قرد، هناك آية في القرآن الكريم ترد على كل من استخدم عقله في المغيبات.
العقل في المعقولات، والخبر في المغيبات، والحواس في المحسوسات.
المغيبات لا يجوز أن يسلط العقل عليها، هو عاجز، العقل يحتاج إلى أثر مادي، العقل يحتاج إلى أثر يعرف المؤثر، إلى كون يعرف المكون، إلى نظام يعرف المنظم، إلى تربية يعرف المربي إلى شيء في علم يعرف العالم، العقل لا بد له من أثر، إذا ألغيت الأثر نقلت القضية إلى الإخباريات، فربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الكهف: 51 )
يعني واحد لو فرضنا اشترى محل بالثلاثينات، وبالأربعينات أزوج، وبالخمسينات جاب ولد، الولد كبر، قاعد بجلسة، قال له والله أنا هذا المحل أخذته بزماني بخمس آلاف، فروغ، قال له غير صحيح بابا، قال له أنت متى ولدت أنت، أنا لما أخذت المحل أنا ما كنت مزوج، أنت لم تكن في عالم الأحياء.
يعني لما الإنسان بدو يتنطح ويحكي على الماضي السحيق وكأنه يشاهده شو هذا، هذا كذاب، الله عز وجل قال:

﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾
فكل شيء بالماضي السحيق، الله جل جلاله يحدثنا عنه الحديث الصادق وكل شيء في المستقبل البعيد في الجنة والنار، وعالم الملائكة، وعالم الجن والحوض، والصراط، والصحف، وما إلى ذلك، هذا كله خبر صادق.
لذلك أكبر مغالطة تقع بين المسلم وبين خصمه إذا تناقشا، يقل له هات لي، قال له في دليل، الجنة ما لها دليل، دليلها الخبر الصادق، إن لم تكن مؤمناً بالمتكلم ما لها دليل.
يعني أنا فتت لغرفة لقيت فيها ثريا، وطقم كنبات، وسجادة هذا كل شيء أدركه بعقلي، لقيت رجل، دخل صاحب البيت استقبلني بحرارة، ولباسه أنيق، وضيف ضيافة جيدة، حكمت على عقله أن له عقل راجح وعنده حكمة، أما في غرفة جنبنا بابها مغلق، مهما كنت عبقرياً، مهما كنت ذكياً لا أعرف ما فيها، مهما كان الواحد، لو معه بورد، شوف هون ما بيعرف، أما لو صاحب البيت صادق عندك تقول له شو في بالغرفة التي تلينا، بقلك غرفة نوم، الغرفة التي لا تراها لا لها آثار، ولا في بلور تشوف شو فيها، ما في غير الخبر الصادق والتي أمامك بالحواس، تصرفات الشخص تحكم على عقله وحكمته وذكائه من تصرفاته.
فنحنا في عنا قضية، قبل أن تناقش أي قضية بالدين، لا تسمح لنفسك تسلط عقلك على قضية غيبة، كما أنه لا تسمح لنفسك أن تصدق قضية عقلية، القضايا العقلية يجب أن تتحقق منها بعقلك والقضايا الغيبة يجب أن تؤمن بها لأن الذي تكلم بها صادق وهو الله سبحانه وتعالى، هذا الكلام من قوله تعالى:

﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)﴾
أما أنتم بماذا تفكرون ؟ قال:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾
لو ما في تربة، لو أرضنا كلها صخرية، كيف نأكل ؟ لو ما في ينابيع، ما قيمة هذه البلدة بلا نبع الفيجة ؟ لا شيء، كل ثانية خمسة وثلاثين متر مكعب بالثانية، إلى أين تصل حدود هذا النبع ؟ إلى حمص، وإلى نصف البادية، وتحت نصف لبنان، لبنان فوق حوض هذا النبع، والبادية فوق حوض هذا النبع، وإلى حمص ويعطينا كل ثانية من خمسة وثلاثين إلى ستة عشر، إلى خمسة عشر في أيام الشح الشديد، إلى ثلث متر مكعب، خمسة ملايين إنسان يشربون من هذا النبع

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾

يعني مهدة، فيها ماء فيها تربة، فيها نباتات، فيها أسماك فيها أطيار، فيها معادن، فيها أشباه معادن.
﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾
هي لها معنيان:
أول معنى، في وديان، في طرق، في اختناقات، في قناة السويس، في قناة بناما، في باب المندب، في خليج، الله جعل بين البحار مضايق، وجعل بين الجبال وديان، وفي معنى أوسع من المعنى هذا.
يعني لو أن الإنسان يطول شعر الإنسان، بعيش من وراء طول شعر الإنسان مليون إنسان، يمرض الإنسان يعيش من وراء مرض الإنسان مليون إنسان، ما بدو أطباء، كليات الطب وجامعات ودراسات، كم إنسان عايش من مرض الإنسان، كم إنسان عايش من الحر، مكيفات، مرطبات، جليد، وأشياء ملطفة، كم إنسان عايش من البرد مدافىء، و حرامات، و كنزات، كم إنسان عايش من طيش الشباب، بكسروا السيارات، الابن طايش بعمل حادث، بجي المصلح بعيش الله برزقه من طيش الأولاد، كم إنسان عايش من الجهل، كم معلم في بالعالم.
الله عز وجل جعل بالأرض سبلاً للرزق، سبل، تأتي ذبابة بقلك ذبابة بيضاء، تشغل ثمانية آلاف مهندس، تطعم مائة ألف أسرة هي الذبابة هي تفسد المحصول بدك مهندس زارعي، بدك مبيد حشري بدك بخاخة، بدك هوندا تركب، بدك فواتير، بدك تروح تجي، هي مائة ألف أسرة عايش من وراء ذبابة، ما لنا حاسين نحنا، إنسان جاهل لازم يتعلم، كم إنسان عايش من التعليم، كم إنسان عايش من الطب، كم إنسان عايش من الحر، كم إنسان عايش من البرد الإنسان جاء عاري الجسد ما عليه ثياب، كم إنسان عايش من اللباس القطن، والصوف، والمنسوجات، والغزل، والنسيج، والصباغ والخياطة، كم إنسان عايش.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)﴾
أنت أحصي ظاهرة النبات، في نبات أثاث خشب، في نبات طعام، في نبات صباغ، في نبات دواء، في نبات للزينة، في نبات إسفنج، في نبات فللين في نبات مسابح، في نبات ليف، في نبات مساويك، في نبات نكاشات أسنان خلة، في نباتات أدوية، في خشب زان للأثاث، في خشب كندي للنوافذ، لأنه الكندي يتحمل برد ورطوبة في خشب من أجل الصناعة لين الكبريت، في خشب من أجل الأساسات المنزل أساسه خشب، بالمرجة، خشب، خاص بالأساسات على الماء يتمدد، مائة نوع خشب.
إذا الإنسان فكر في هذه الآيات وصل إلى الله.
مخلص الدرس:
المحسوسات نــــؤمــن بها بحواسنا...
المعقولات نــــؤمــن بها بـعـقـولـنـا...
المغيبات نؤمن بها بالخبر الصادق...
وأخطر ما في الدين أن تنقل قضية من الإخباريات إلى المعقولات أو تعكسها، تقع في ضلال مبين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة طـــة ( 20 )

الدرس االتاسع





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة المؤمنون:
لازلنا في قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام التي وردت في سورة طه، وصلنا إلى قوله تعالى:
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾
أي لفرعون.

﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى(61)﴾

ألم يلفت نظركم في هذه الآيات شيءٌ ليس من طبيعة فرعون ؟ ! قتل الإنسان عند فرعون لا يكلفه إلا كلمة، فلما لم يقل لمن حوله اقتلوه، انتهى الأمر، لما جعل فرعون موسى نداً له، نعمل مناظرة، نجمع الناس، نحتكم إلى الناس، نأتيك بسحر مثله، هذا هو الجواب، لا إله إلا الله، من الذي ألبس هذا النبي الكريم ثوب المهابة وجعل فرعون يعامله كند، لا كمواطن عنده، لما لم يقتله ؟! لما يجمع الناس لمناظرة بينه وبينهم، لما يقول له سنأتيك بسحر مثله، هذه أول ملاحظة.
يعني كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً، وإذا خفت من الله خافك كل شيء، من هاب الله هابه كل شيء، ومن لم يهب الله أهابه الله من كل شيء، يخاف من كل شيء.
﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)﴾
أي طريقة مثلى هو عليها فرعون ؟ الكذب، لكن ما في إنسان إلا ويتحدث بالمثل، حتى ولو كان فرعون، فالعبرة لا بما يقول الإنسان، العبرة بعمله.
لذلك الشيء الثابت الآن أن الناس لا يقيمون بأقوالهم أبداً، ولا قيمة لأقوالهم، لأن كل الناس يستطيعون التحدث عن المثل العليا ولكنهم لا يطبقونها لهذا كان النبي الواحد بمثله الخلقي أبلغ في التأثير من آلاف الكتاب الذين ملئوا بالحكمة بطون المجلدات، تحدثوا عن المثل العلية ولم يطبقوها ولم يعيشوها.
لذلك أعظم شيء في حياة النبي هو مبلغ، أمره الله أن يبلغ الناس، ومبين لكن مهمته العظمة فيما أرى ليست في التبليغ، ولا في التبيين، ولكنها في القدوة والأسوة، أذاقه الله مرارة الفقر، كان إذا دخل بيته يقول هل عندكم من شيء نأكله؟ فإذا قالوا لا، يقول فإني صائم.
في بيت من بيوت المسلمين الآن ما في جبنه، كأس شاي.
يدخل النبي إلى بيته ليس في بيته شيء يأكله، يقول فإني صائم، ولما فتح الله عليه البلاد، ودخل الناس في دين الله أفواجاً صار غنياً، سأله رجل لمن هذا الوادي ؟ قال هو لك، قال أتهزئ بي قال لا والله هو لك، قال أشهد أنك تعطي عطاءً من لا يخشى الفقر في الفقر وقف الموقف الكامل، وفي الغنى وقف الموقف الكامل طيب بالقهر، حينما ذهب إلى الطائف.
إذا واحد منكم له مكانة اجتماعية، وقال له شخص بالمفرد أنت بحس حاله انهان، إذا ما قال له أنتم سيدي ما ينبسط.
طيب النبي ضرب بالطائف، وكذب، واستهزئ به وبدعوته وسار الدم من قدميه، ماذا قال ؟ قال: ربي إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولك العتبة حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي، جاءه ملك الجبال قال يا محمد لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال لا يا أخي اللهم أهدي قومي فإنهم لا يعلمون لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده.
لما ذاق القهر أستسلم إلى الله عز وجل، ولما أنتصر، مكة المكرمة عادته عشرين عاماً، أخرجته ائتمرت على قتله، حاربته ثلاث مرات، نكلت بأصحابه أشد التنكيل، دخلها فاتحاً، كيف دخلها ؟ قال كادت ذوأبت عمامته تلامس عنق بعيره، شكراً لله وتواضعاً فلما قالوا له ما أنت فاعلٌ بنا، بإمكانه بكلمة من شفتيه أن يبيدهم جميعاً عشرة آلاف سيف متوهجٍ تأتمر بأمره، قالوا أخ كريم وابن أخ كريم قال: أذهبوا فأنتم الطلقاء.
أذاقه الفقر فصبر، إني صائم، أذاقه الغنى، قال هو لك طيب أذاقه القهر، إن لن يكن بك غضب علي فلا أبالي، أذاقه النصر قال أذهبوا فأنتم الطلقاء، أذاقه موت الولد، قال إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون.
من يتحمل منكم أن يقال عن زوجته زانية ! حديث الإفك اتهمت السيدة عائشة بالزنى، ولحكمة أرادها الله عز وجل، تأخر الوحي شهراً بأكمله، لا في معه دليل إثبات ولا دليل نفي، والمدينة تلغط بهذا الموضوع، وهي أم المؤمنين، وهي السيدة المصون الحصان، العفيف، الطاهرة، يتكلمون عنها، صبر، فلما نزلت التبرئة، قال لها أبوها سيدنا الصديق: قومي لرسول الله فاشكريه قالت والله لا أقوم إلا لله، النبي تبسم قال: عرفت الحق لأهله، ما تألم منها، طيب أذاقه مشكلة داخلية ساحقة.
مرة إحدى زوجاته السيدة عائشة، جاءها طبق من ضرتها صفية أمسكت الطبق ورمت به أرضاً وكسرته، أصابتها الغيرة النبي عليه الصلاة والسلام في يخلع رقبتها كان، جمع أشتات الطبق وقال غضبت أمكم غضبت أمكم، علمك الحلم بالبيت طول بالك، قد تكون مقهورة الزوجة متضايقة، لا تكون أنت قاسي، قال، غضبت أمكم، غضبت أمكم.
أختار موقع في بدر اللهم صلي عليه، جاء صحابي يكاد يذوب أدباً معه، قال له هذا الموقع يا رسول الله وحي أوحاه الله إليك، أم هو الرأي والمشورة، قال هو الرأي والمشورة، قال ليس بموقع، هذا الصحابي تجرأ وأنتقده، النبي ما قال شيئاً أعطى أمر لينتقل الجيش إلى الموقع الجديد، وتلقى هذه النصيحة برحابة صدر وقلب كبير وعلمنا كيف نصغي لمن ينصحنا، وعلمنا كيف نشاور من حولنا وكيف لا تأخذنا العزة بالخطأ، كان لنا قدوة.
فأنا الذي أراه وهذا رأي شخصي، أن مهمة القدوة أخطر بكثير من مهمة التبليغ، أي إنسان ببلغك الحق، أما الذي يشدك للحق ليس إنسان طليق اللسان، لا إنسان يطبق في سلوكه ما يقوله في لسانه الآن نحنا لا نحتاج إلى خطباء فصحاء لا، بدنا مسلم حقيقي، بدنا مسلم آمين صادق إذا قال فعل، بدنا مسلم ورع عفيف، بدنا مسلم ما في عنده ازدواجية أبداً، ما في مسافة بين أقواله وأفعاله، هذا الذي يشدنا إليه، فمهمة القدوة والمثل الأعلى، هذه المهمة أبلغ بكثير من مهمة التبليغ فالنبي عليه الصلاة والسلام، كان مبلغ عن ربه.

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

( سورة المائدة: 67 )
وقال:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

( سورة الأحزاب: 21 )
فنحنا في عنا مشكلة أن معرفة سنة النبي العملية، يعني سيرته فرض عين على كل مسلم، الدليل هذه الآية، كيف يكون النبي أسوة لك في بيتك، مع زوجتك، مع أولادك، مع أصحابك، مع جيرانك مع أصدقائك، في حربك، في سلمك، مع أعدائك، كيف يكون النبي أسوة لك إن لم تعرف ماذا فعل، وكيف تحرك وتصرف، إذاً معرفة سنة النبي القولية والعملية، القولية الدليل عليها.

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر: 7 )
والعملية:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21)﴾

( سورة الأحزاب: 21 )
أحياناً إنسان يدعي شيء فوق مقامه، بقلك المؤمن ذو بصيرة حادة يكشف حقائق الأمور، إلى حد ما، يعلم ما في النفوس، لا ليس صحيحاً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جاءه وفد وطلب منه سبعين قارئ قرآن ليعلموا قومهم، فلما أخذوا هؤلاء قتلوهم في الطريق، لما لم يعلم ؟ هذا هو البشر، لا يعلم إلا أن يعلمه الله، لا تدعي ما ليس لك، لا يعلم النبي ولا أي إنسان آخر، إلا إذا أعلمه الله إذا ما أعلمه الإنسان ضعيف، رحم الله عبد عرف حده فوقف عنده، أنا أقول لكم ثلاث آيات.
الآية الأولى:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)﴾

( سورة الزمر: 13 )
فأي إنسان يقترف أي معاصي ولا يخاف الله عز وجل ليس متبعاً لرسول الله، هي وحدة.
الثانية قل:

﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

(سورة الأنعام: 50 )
وكل إنسان يقول لك سيكون معك كذا وكذا، هذا علمٌ للغيب، النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، فلأن لا يعلم أحد بعده من باب أولى، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

( سورة الأعراف: 188 )
النبي الكريم على مقامه العظيم لا يملك النفع والضر، ولا يعلم الغيب ويخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم، هذا مقام سيد الأنبياء، فهل هناك بعد النبي رجل يفوقه في هذا، طيب هذا الذي يقول خضت البحر الذي وقف بساحله الأنبياء هذا كلام غير مقبول هذا كلام مرفوض، هذه شطحات لا نرضى بها ولا نقبل بها، مقام النبوة أعلى مقام، هذا هو مقام النبوة.

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)﴾
قل:

﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾

( سورة الأعراف: 188 )
الآية الثلاثة:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
يا فاطمة بنت محمد يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكم من الله شيئا لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه.
شيء ثاني.
ألاحظ أنه أخ كريم يحاول يأخذ فتوى من شي عالم، هو يراه هيك أمام مسجد بقلك أخذنا فتوى الحمد لله برقبته صارت ليست برقبتي أسمعوا الجواب يا أخوان، لو استصدرت فتوى من رسول الله، لو أن النبي بفمه الشريف أفتى لك ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله.
لعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر، فإذا قضيت له بشيء فإنما أقضي له بقطعة من النار.
أعرف حجمك، النبي أعظم إنسان على الإطلاق، ومع ذلك لو أخذت من فمه الشريف حكماً لصالحك ولم تكن محقاً، لا تنجو من عذاب الله، بالتعبير الدارج علقتك مع الله، الله كاشف، عليم، سميع بصير.
في رجل استقرض ثلاثمائة ألف ليرة، عنده مزرعة جيدة، ما أحد دينه، عرضها على شخص أنا أطوبها لك على أن تقرضني هذا المبلغ، فإذا رددتها لك تعيدها إلي، قال له ما في مانع، أعطاه ثلاثمائة ألف، وذاك الرجل تملك المزرعة، والمزرعة غالية ومريحة، فيها مسبح، فيها فيلة، أشجار مثمرة، بعد سنتين ثلاثة تمكن المقترض من تجميع المبلغ، جاءه وقال هذا المبلغ، رد لي المزرعة قال له لا كل واحد معه حقه، أصابه الهم والغم حتى ألمت به جلطة أودت بحياته من شدة الألم، قبل أن يموت أوصى ابنه الأكبر بيته بالمهاجرين كان، وخصمه له دكان، أعتقد بالقصاع خصمه، قال له مشي الجنازة من المهاجرين إلى القصاع، وتوقف الجنازة أمام الدكان، وتدخل أمام الناس، وتسلمه هذه الرسالة، ابنه فعل الوصية مشى الجنازة من المهاجرين إلى القصاع أمام دكان الخصم، وقفت الجنازة، خرج ابنه من المشيعين معه رسالة كبيرة بظرف مختوم قدمها للذي أغتصب هذه المزرعة، ماذا كتب فيها ؟ قال له المظلم إنني ذاهب إلى دار الحق، والله سبحانه وتعالى هو الحكم بيننا، وإن كنت بطلاً لا تلحق بي.
إذا واحد خاف من الله، القضية ما في معها مزح، في قبر في حفرة سوداء مظلمة، أنا بعرف رجل من أغنى الناس، توفي في أيام مطيرا بعض الأسقية مفتوحة على القبر، بلغوا ابنه أن في القبر في سياقات مي سوده، قال لهم شو بدنا نساوي ادفنوه خلصونا، دفنوه يعني من بيت لا يوصف، إلى هذا القبر بقلي مدير معمله بقيت أسبوع ما أكول هون معلمي وضعوه !! هذا مصير الإنسان لذلك الإنسان العاقل يجهد أن يجعل هذا القبر باستقامته وعمله الصالح روضة من رياض الجنة، والمغادرة سريعة.
طلع واحد من كبار التجار في الحريقة على بيته في بقين من شي أسبوعين ثلاثة، دق لأبنه تلفون لقي ما في حرارة بالخط، قال له هات التلفون لمحل ثاني لعله في وصلة ثانية، راح ليجب ابنه، جاء وجده خالص، ثلاثين ثانية، غادر الدنيا بثلاثين ثانية، ماله بصفي حساباته مع ربه.
فلذلك النبي الكريم أكبر مهمة له هي القدوة لا التبليغ، بلغنا أما القدوة فعل بسلوكه ما قال بلسانه.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس العاشــر



10




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
فلا زلنا أيها الأخوة في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون تلك القصة التي وردت في أماكن عديدة من كتاب الله جل جلاله لكنها اليوم من سورة طه، سأقرأ عليكم فقرة من هذه القصة ولا بد أن هناك استنتاجات دقيقة جداً تستنبط منها.
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)﴾

﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)﴾

هذه إشارة إلى التنويم المغناطيسي، أصحاب الشخصيات القوية قد يسيطرون على ضعاف النفوس، فهؤلاء الضعاف يرون غير الحقائق، طبعاً هؤلاء السحرة جاءوا بأنابيب وضعوا بها زئبق والزئبق معدن رجاج سريع التأثر بالحرارة، وسخنوا تحتها هذه الأنابيب، وقد دهنت على شكل أفاعي فلما سخنوا ما تحتها، تحركت ما في شي.
الحقيقة السحر له طريقتان، إما أنه يعتمد على مهارات فائقة أو على معاونة الجن.
﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)﴾
لما سيدنا موسى رأى هذه الحبال تحركت وكأنها أفاعي.

﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)﴾
يعني فأوجس موسى في نفسه خيفة.

﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)﴾
يستنبط من هذه الآية أن الإنسان إذا كان مع الله، وإذا كان متبعاً لكتاب الله دائماً يجب أن يقرأ هذه الآية.

﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)﴾
مالك ماشي مع جهة أرضية، مالك ماشي مع شخص، تعاملك ليس مع فئة، تعاملك مع خالق الكون، قلنا يا موسى لا تخف إنك أنت الأعلى.

﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾
الآن لو ألقى سيدنا موسى العصا فإذا هي ثعبان مبين حقيقة لكن مائة ألف إنسان متفرج عن بعد ماذا سيرى ؟ سيرى ثعبان حقيقي وما يشبه الثعابين، قد يختلط عليه الأمر، لذلك ماذا فعل هذا الثعبان المبين أكل كل هذه الحبال.

﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)﴾
من سحر فقد كفر، ما في إنسان يتعامل مع السحر إلا لإضلال الناس، ولو كان مظهره ديني، كل شيء متعلق بالسحر إضلال للناس ربنا عز وجل لحكمة بالغة جعل هذا الثعبان المبين يأكل كل هذه الحبال والعصي، لو أنه لم يأكلها وبقي في جانب وهذه الحبال المتحركة في جانب، لأختلط الأمر على المشاهدين، لكن الله سبحانه وتعالى جلت حكمته جعل هذا الثعبان المبين يأكل كل ما ألقاه السحرة.
في عنا شيء يشبه ذلك، لما الله أغرق فرعون ما الحكمة البليغة من أن جسده قذف إلى الشاطئ ؟ لأنه هو يقول أنا ربكم الأعلى فإذا غرق لا أحد يصدق أنه غرق، بقلك طلع للسماء، ربنا عز وجل أنجاه ببدنه وقذفه اليم إلى الشاطئ، ليرى الناس بأعينهم هذا الذي أدع الألوهية كيف أنه بشر، والشيء الذي يلفت النظر أيضاً، هو أن هذا المومياء الذي في متاحف مصر بعض هذه المومياء أصابها بعض التعفن، فنقلت إلى فرنسا وأستقبل في مطار باريس على أنه ملك، فلما عولج وجدوا آثار الملح في فمه، هذا هو فرعون موسى في أرجح الراويات الذي نجاه الله ببدنه ليكون لمن خلف آية، لا يزال فرعون موسى مسج في متاحف مصر هو الذي وجد الملح في فمه، والملح يبقى إلى أمد طويل.
إذاً:

﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)﴾
ما بدأ الدرس بعد، الدرس الآن بدأ، ممكن ساحر كائن ضال مضل من أعوان فرعون أتى به ليدحض معجزة سيدنا موسى، هذا الساحر في لمح البصر يصبح من كبار المؤمنين ؟!
نحنا في نظام التعليم عندنا شيء مستحيل، الشهادة الثانوية تحتاج إلى اثنتي عشر سنة، أبداً.. قد ما كان الطالب ذكي، في بعض البلاد مشان تشجيع المتفوقين ممكن الطالب يدرس الليسانس ثلاث سنوات، عوض أربعة، هل المقررات خمسين مقرر يأخذهم على ثلاث سنوات، أما أن واحد يأخذ دكتوراه بساعة، هي في نظام التعليم الأرضي مستحيلة.
أما عند الله غير مستحيلة، بالقدر الذي تصدق فيه، تقل المرحلة، يبدوا أن هؤلاء السحرة سحرة مهرة، وهم يعلمون علم اليقين أن عملهم عمل تقليد، عمل إيهام، عمل سحر، فلما رأوا ثعبان مبيناً حقيقةً عرفوا أنه رسول الله، أنت بينك وبين الإيمان العالي لحظة تفكير صادقة، ساحر، كائن، ضال، مضل من أعوان فرعون جاء ليطفئ نور الله عز وجل لكنه ذكي، نظر إلى هذه العصاة فإذا هي ثعبان مبين حقيقة، إذاً هذا الذي جاء بها رسول خالق الكون.
طيب عمير ابن وهب أحد الصحابة الكرام قبل أن يسلم كان من ألد أعداء النبي، مرة جالس في مكة، مع صفوان ابن أمية يقول لصفوان: لولا هؤلاء الصغار الذين أخشى عليهم العنت، ولولا هذه الديون التي ركبتني لذهبت وقتلت محمد وأرحتكم منه، فصفوان ألد أعداء النبي وكان غني قال له أما ديونك فهي عليّ بلغت ما بلغت وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، أذهب لما أردت.
فقام هذا الرجل العدو اللدود، وسقى سيفه سماً، وركب ناقته وتوجه إلى المدينة ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام، تحت غطاء أن يفدي ابنه، ابنه كان أسير عقب بدر.
رأوه سيدنا عمر قال هذا عدو الله عمير جاء يريد شراً بفراسته الصادقة، قيده بحمالة السيف، وقاده إلى النبي، وقال هذا عدو الله جاء يريد شراً.
النبي الكريم قال له أطلقه يا عمر: أطلقه، قال له أبتعد عنه أبتعد عنه، قال له أدنو مني يا عمير فدنا منه، قال له ألم تقل لصفوان لولا ديون ركبتني وأطفال أخاف عليهم العنت لذهبت لمحمد وقتلته وأرحتكم منه، فقال لك كذا وكذا، ذكي وقف، وقال، أشهد أنك رسول الله، مثل السحرة نفس الشيء، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لم يعلم به أحد إلا الله، وأنت رسوله، أنت شو عرفك حوار جرى بيني وبينه ولم يعلم به أحد، وها أنت تذكر فقرات الحوار فقرة فقرة، قال له أشهد أنك رسول الله.
فاصفون ملئ الفرح قلبه، لأنه بعد أيام سيأتي خبر قتل محمد وسيرتاح الناس منه على حد زعمه، فكان يقول لأهل مكة، انتظروا أخباراً سارة، كان يخرج كل يوم إلى ظاهر مكة ينتظر مجيء الركبان لينقلوا له هذا الخبر السار، بعد أمد طويل لم يأتي هذا الخبر، ثم جاءه خبر معاكس، لقد أسلم عمير ابن وهب، أسلم هؤلاء السحرة، أنت لا تحتاج إذا كان صدقت إلى هذه المدة الطويلة، شيء عجيب، كل ما كبر صدقك تقل المسافة.
يعني مثلاً:
هذا البناء يحتاج إلى سنة، بدو مائة عامل، طيب مائتين عامل ستة أشهر، طيب أربعمائة ثلاثة أشهر، كل ما كبرت الطاقة الفعالة بقل الزمن.
وعند الله عز وجل كل ما رفعت الصدق تحرق المراحل ممكن واحد اليوم يصطلح مع الله يسبق شخص له في طريق الإيمان ثلاثين عام، ممكن، العبرة لا لمن سبق، بل لمن صدق، في عنا شيء بالدين أسمه حرق المراحل، ممكن إنسان.
أنا مثلاً، عندي كان طالب من طلابي قبل أن يكون طالب قريب من أقربائي، أخذ صف سادس ابتدائي، وأبوه فرزه على عمل في سوق الحميدية له بنت عم بالصف السابع، صارت بالصف الثامن بالصف التاسع، كل ما يصير في زيارات أنا صرت بالتاسع، هو شب يعني وجد نفسه مهان أمامها، فمرة جاءني، قال لي ممكن أخذ كفاءة قلت له أنت بأي صف ؟ قال لي أنا معي سادس بس، قلت له السنة كفاءة مباشرة، مباشرة، معقول واحد السابع والثامن، علمته كم درس ما مر بحياتي طالب شغوف للعلم، قد ماله مقهور من بنت عمه، فقدم ثلاث سنوات ونجح من السادس إلى التاسع نجح، هذا مثل.
فلما الإنسان يشتاق إلى الله عز وجل ويتحرك على أن يصل إليه، يحرق المراحل، الزمن ما عاد له قيمة، يلي ممكن تصل له بالسرعة الطبيعية بشهر، بشهرين، سنة، سنتين، بعشر سنوات تقطعه بثانية هي قصة دقيقة جداً.
الآن سحرة فرعون:

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً﴾
بسرعة لله سجدوا، قالوا:

﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)﴾
أما فرعون ما توقع الهزيمة هي، جبناكم لتدعمونا قمتم أمنتم معه، قال:

﴿قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾

إذا واحد فقط قال له شو أسمك أنت على باب الجامع ما عاد بيجي بنوب، أخذوا أسمي.
قال لهم:
﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71)﴾
هذا كلام يلي عايش مع فرعون يعرف شو معناه لأقطعن أيدكم فرعون قتل الشخص عنه أهون من قتل ذبابة.

﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71)﴾
أيها الأخوة:
انظروا إلى حجم إيمانهم، من يجرؤ أن يقول لفرعون هذا الكلام، قالوا:

﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾
يعني يدك و ما تعطيك، هي بالتعبير العامي أفعل ما تشاء بلط الزرقة، شراب البحر.

﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾
كل ما تملك علينا أن تقتلنا، ونحن في القتل عرسنا، أنا لا أخاف الموت بل هو غاية، يعني أنت كل شيء تملكه أن تقتلنا، أما إذا قتلتنا فنحن إلى الجنة متى تعلموا هذا العلم ؟‍ الواحد يمكن بعيش ثلاثين سنة، بحضر مجالس علم ويسمع أشرطة، ويقرأ كتب ويلحق مشايخ، ويخدم مشايخ، إذا واحد ضغط عليه ضغطة صغيرة بقلك ما عاد بدي هذه الشغلة، فرعون وما أدارك وما فرعون، يقول لهم:

﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)﴾

كل ما تملك، لذلك قالوا: الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، ممكن القوي يأمر بقتل واحد، في جنة في آخره.
﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾
إذا واحد عرضوا عليه تمتلك دراجة حقه سبعة آلاف ليرة أو تركب سيارة خمس دقائق، ماذا تختار ؟ السيارة بس خمس دقائق والدراجة ملكك، ماذا تختار؟ دراجة، طيب إذا عرضوا عليك تركب سيارة خمس دقائق أو أن تمتلكها، الاثنتين سيارات، بدك السيارة تمتلكها، أما إذا عرضوا عليك تركب الدرجة خمس دقائق، أو تمتلك سيارة شبح، مثلاً، طبعاً بدها وقفة.

﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾
بس الآخرة أطول وخير، الدنيا أقل وخطيرة، الآخرة أطول وأبقى وخير.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾

( سورة الأعلى من 14 إلى 17 )
يعني أنت عم تأخذ بيت فخم على طول، وكوخ صغيرة لساعة هي الدنيا.

﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74)﴾
هي حالة لا حرب ولا سلم بطقق، لا حرب ولا سلم، هي شيء يعانوه الشعوب أحياناً، مو قدران يبني بلده، مو قدران يحارب هي.

﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74)﴾
إذا مات أرتاح، والحياة معذب فيها.

﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)﴾
الله قال:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾
يعني أنت مهمتك الأولى في الأرض أن تذكي نفسك، أن تصل إلى الله، طبعاً هذا الموقف، موقف السحرة أنهم في لمح البصر، في محاكمة عقلانية شديدة صحيحة، عميقة وصلوا إلى أن هذا الإنسان رسول الله، لأن هذا الثعبان حقيقي، هم خيلوا الناس بأنابيب وبألوان، في زئبق، وبالتسخين، أما هذا ثعبان حقيقي، فأمنوا ولما أمنوا عرفوا أن هذه الحياة الدنيا إعداد للآخرة، يعني كشفت لهم الحقائق.
لذلك:

﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

( سورة الأنعام: 75 )
إذا الإنسان أخلص لله عز وجل يلقي الله في قلبه نور يكشف له الحقائق فإذا كشفت له الحقائق عاش في سعادة أبدية.
فنحنا إذاً سحرة فرعون يعلموننا أن العبرة لمن صدق لا لمن سبق، وممكن إذا كان صدقت تقطع مراحل طويلة جداً بوقت قصير.
والسبت القادم إن شاء الله ننتقل إلى تتمة القصة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الحادى عشر




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
لا زلنا في قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون وقبل أن نتابع الحديث عن تفاصيل هذه القصة، وعن فصولها وجزئياتها، أود أن أضع بين أيدكم الحقيقة التالية، الله جل جلاله رحمةً بنا جعل الكون بدأ من الذرة وانتهاء بالمجرة، وفق قانون السببية، ما معنى قانون السببية ؟ أن شيئين لا يقع الثاني إلا إذا وقع الأول، نحن اصطلحنا على أن نسمي الأول سبباً، والثاني نتيجة، هذا من أجل أن نصل إلى الله، كيف ؟
العقل البشري صمم على ثلاث مبادئ.
1ـ مبدأ السببية.
2ـ مبدأ الغائية.
3ـ مبدأ عدم التناقض أو الهوية.
فأنت لا يمكن أن تفهم شيئاً بلا سبب، لو أنك قطعت الكهرباء عن بيتك، وسافرت إلى بلد ما، وعدت وقد أحكمت إقفال الأبواب حينما عدت وجدت المصباح متألقاً، لماذا تضطرب ؟ تقول لا بد من إنسان دخل إلى هذا البيت في غيابي، لأن المصباح لا يتألق من ذاته أنت لا تفهم شيئاً حولك بلا سبب.
هذا هو العقل أساسه مبدأ السببية، ونظام الكون صمم وفق هذا المبدأ، فأنت وأنت لا تشعر من أين هذه البيضة ؟ من الدجاجة ومن أين الدجاجة ؟ من البيضة، ثم تقول أول دجاجة من خلقها ؟ الله جل جلاله.
الأقدام تدل على المسير، والبعر يدل على البعير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج ألا تدلاني على الحكيم الخبير.
يعني الله عز وجل صمم الكون وفق نظام السببية، وصمم العقل وفق مبدأ السببية، وهذا هو المبدأ الذي يقودك برفق إلى الله عز وجل.
لكن حينما تعتقد أن السبب يخلق النتيجة وقعت في الشرك وحينما لا تعتقد أن لكل شيء سبباً وقعت في المعصية.
التوحيد طريق على يمينه وادي وعلى يساره وادي، على يمينه وادي الشرك، وعلى يساره وادي المعصية، فمن لم يأخذ بالأسباب فقد عصى الله، ولم يوقر نظام الله عز وجل، لم يعبأ بهذا النظام وطمع بغير حق أن يخرق له هذا النظام بلا سبب، هذا من لم يأخذ بالأسباب، من أخذ بالأسباب كالغربيين واعتمدوا عليها وجعلوها إلهاً، ورأوها أنها وحدها تخلق النتائج وقعوا في الشرك أما المؤمن الذي هداه الله إلى الحق يعتقد أن لكل شيء سبب لكن السبب لا يستطيع وحده أن يفعل النتيجة إلا أن يأذن الله.
لذلك علماء التوحيد لخصوا هذه العقيدة بكلمتين، قالوا عندها لا بها، عند مشيئة الله أن تحرق النار تحرق، أما النار وحدها لا تحرق، هذا ملخص الملخص.
معناها الأسباب بيد الله، إذا الإنسان أشرك الله كيف بأدبه ؟ يعطل له الأسباب، لذلك لا ينفع حذر من قدر، لا ينفع ذا الجد منك الجد، يؤتى الحذر من مأمنه، إذا أراد الله إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لباً لبه، كل من يعتمد على الأسباب وقع في الشرك، وكل من لم يأخذ بالأسباب وقع في المعصية.
ماذا تعنينا هذه القاعدة في هذا الدرس ؟ تعنينا أن كل شيء بيد الله، مهما كانت المشكلة كبيرة، مهما كان الضيق شديداً، مهما كان المرض عضالاً، مهما كانت المشكلة مستعصية، مهما كان الإنسان فقيراً، الله عز وجل يخلق من الضعف قوة، ومن الفقر غناً، ومن المرض شفاء، يعني في مصيبة على الإطلاق أن يجد الإنسان نفسه فجأة في بطن الحوت، وهو في البحر في أعماق البحر، وفي ظلمة الليل، والله عز وجل قال:
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾
( سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )
دائماً قيس مصيبته مع سيدنا يونس، تلاقيها لا شيء، لا شيء إطلاقاً أكبر مصيبة حلت بكلمة، الآن سيدنا موسى قلة مستضعفة.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾
( سورة القصص: 4 ـ 5 )
فبنوا إسرائيل الذين آمنوا بسيدنا موسى كانوا قلة مستضعفين ذبح أولادهم جمعياً، واستحيت نسائهم، ولا يملكون شيئاً، أما فرعون الذي قال:
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾
( سورة النازعات: 24 )
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
( سورة القصص: 38 )
هذا الملك الذي بيده فيما يبدو كل شيء، تصور الآن الإنسان سيدنا موسى مع جماعته القلة، المستضعفة، الخائفة، المه الدم تتجه نحو البحر الأحمر، وفرعون بجيشه، وأعوانه، وقواته وجبروته، وكبريائه، وألوهيته المزعومة، وراء سيدنا موسى.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾
( سورة الشعراء: 61 )
في أمل ؟ إذا واحد البحر أمامه وشي مائة واحد عزل من السلاح، ورائهم شي خمس ألوية، مع طيران، مثلاً، مائة واحد عزل ورائهم أكبر قوة ضاربة، من كل أنواع الأسلحة، والهدف سحقهم.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾
انتهت، معهم نبي، قال:
﴿قَالَ كَلَّا ﴾
بهذه البساطة، قال كلا، طيب وين الأمل ؟ تعتقد لا يمكن إنسان في ذرة عقل يجد بصيص من الأمل ولو واحد بالمليون، قلة مستضعفة، خائفة مه الدم يتبعها فرعون بكل قواته، وكل جبروته وكل حقده، وكل كبريائه، ليسحق هذه الفئة.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾
هذه القصص لمن ؟ هل هي تاريخ ؟ لا، لنا، من أجل تعرف من هو الله.
﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
( سورة الشعراء: 62 )
بأمر بسيط أضرب البحر، فأصبح كل فرق كالطود العظيم طرق مشوا اتبعوهم فرعون، خرج سيدنا موسى وقومه، صار فرعون بالوسط، عاد البحر بحراً، انتهى الأمر.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)﴾
( سورة الشعراء: 8 )
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾
( سورة غافر: 64 )
مشكلتك أمام المشكلة، لا شيء، ليس لها وجود أساساً مرض عضال مشكلة كبيرة، عدو شرس، تحل، الله عز وجل بيده كل شيء، فهذه القصص كل ما أرجوه منكم، ألا تعدو هذه القصص تاريخاً، ما أرادها الله تاريخاً، أرادها حقائق، وقوانين، أراد منك أن تفهمها، وأن تستوعبها، وأن تكون نوراً تضيء لك الطريق.
فلما الإنسان يخاف من عدو، يخاف من جهة، الله فوق كل شيء، لماذا الإنسان في الحج يقول الله أكبر ؟ مهما كان عدوك كبير الله أكبر منه.
﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
( سورة الشعراء: 61 ـ 62 )
فالقصة اليوم:
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى (77)﴾
كلمتين أقولهم لكم: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك، ما معك حد.
أخوانا الكرام:
إذا كان الله معك بخدمك عدوك، وإذا كان الله عليك أقرب الناس إليك ابنك بغلبك، فالعبرة أن يكون الله معك، هي المعية مشروطة، في شيء غير مشروط في معية غير مشروطة، وهو معكم أينما كنتم، هي معية العلم، الله مع الكافر مع الملحد، مع الفاسق مع العاصي، هذه معية غير مشروطة، لكن المعية المشروطة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾
(سورة الأنفال: 19 )
﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)﴾
( سورة البقرة: 194 )
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾
( سورة الأنفال: 46 )
هذه المعية تعني النصر، والتأييد، والحفظ، والرعاية والتوفيق، رعاية، وتوفيق، ونصر، وتأييد، وحفظ، العلماء قالوا، إلا أن هذه المعية الخاصة التي أختص بها المؤمنون والمتقون والصابرون، مشروطة.
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾
( سورة المائدة: 12 )
أدفع الثمن وأخذ البضاعة.
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)﴾
يعني الآن في عنا نقطة دقيقة الإنسان لا يكون غلطة إنسان هيك أبي قال لي، أبي علمنا، أبي نشئنا، بدك تتبع المنهج الإلهي.
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28)﴾
( سورة الكهف: 28 )
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾
( سورة لقمان: 15 )
لا تكون غلطة إنسان، لا تكون فرق حساب كلك، إذا واحد نشئ نشأة ما فكر، ما تأمل، مشي مع البيئة، نشئنا، تربينا بدو فلان أقوى مني، ينقلني أخي ما بقدر، هيك بدها زوجتي لا تكون غلطة، لا تكون فرق حساب.
لذلك الله عز وجل قال:
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)﴾
من وقفت ضده وقاومت جبروته ؟ زوجته.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾
( سورة التحريم: 11 )
هي قصة بليغة جداً، امرأة لا يستطيع هذا الفرعون أن يحملها على مبدئه أبداً، وهي صديقة، كمل من الرجال الكثير ولم يكمل من النساء إلا أربع منهم آسيا امرأة فرعون.
فالإنسان مستقل لا يكون خطأ للإنسان، ما يكون غلط للإنسان.
النبي عليه الصلاة والسلام أرسل سرية وآمر عليها أنصارياً ذا دعابة هذا الأنصاري ذا دعابة، مزوحي يعني، أمر بإضرام ناراً عظيمة وقال اقتحموها ألست أميركم ؟ أليست طاعتي طاعة رسول الله فقال بعضهم ـ والقصة في البخاري ومسلم وردت ـ قال بعضهم كيف نقتحمها وقد آمن بالله فراراً منها، وقال بعضهم طاعة الأمير طاعة رسول الله، اختلفوا، عرضوا الأمر على النبي فقال:
(( والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها إلى يوم القيامة، إنما الطاعة في معروف.))
العقل لا يتعطل أبداً إلا مع القرآن، كلام الله عز وجل، ومع الحديث الصحيح، وما سوى ذلك هم رجال ونحن رجال، كل إنسانٍ يأخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء.
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾
لا تتجاوز.
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)﴾
يا لطيف، والله لأن يسقط الإنسان من طائرة أربعين ألف قدم يكون في الأرض محطماً، أهون من أن يسقط من عين الله، أهون من أن يحل عليه غضب الله، والله إذا غضب على إنسان يمد له الحبل، حتى يظن نفسه ما في إله، ثم يشد الحبل فجأة فإذا هو في شر عمله.
الإنسان لا يغتر، قال إذا كان الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فحذره، الآية الأخيرة، هي آية من أدق الآيات:
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82) ﴾
الآية يرد بها على كل إنسان جاهل، أخي الله غفور رحيم لا دقق، لا دقق الله غفور رحيم، ما راح يحط عقله بعقلنا ويحاسبنا هيك يقولوا الناس.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾
لمن ؟.
﴿لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾
هذا هو الذي يغفر الله له، لأن الله عز وجل قال:
﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)﴾
( سورة لقمان: 33 )
الشيطان، الشيطان بقلك الله غفور رحيم، لا دقق، الله غفور رحيم، الله غفور رحيم لمن ؟
﴿لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى (82)﴾






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الثانى عشر




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
اللهم.. لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم.. علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين...
أيها الأخوة الكرام:
لازلنا في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، وقد سألني البارحة أخر كريم سؤالاً، قال لي أليست هذه القصة متكررة في القرآن الكريم ؟ قلت نعم لقد كررت سبعة عشرة مرة، لكن إعجاز القرآن الكريم أنها في كل مرة عولجت من زاوية غير الزاوية الثانية فكلما دق فهم الإنسان في كتاب الله أدرك الحكمة البالغة من نظم هذا القرآن الكريم، وقد يسأل سائل آخر، ما حكمة ورود قصص سيدنا موسى، وبني إسرائيل، وأهل الكتاب في القرآن الكريم، الحكمة أن هذا هو الأسلوب التربوي الرفيع، لأن الأمراض التي يمكن أن يصاب بها المسلمون وهم أهل كتاب سماوي، هي الأمراض نفسها التي أصيب بها أهل الكتاب، معالجة وبيان النقاط الضعيفة والمشكلات التي يعاني منها أهل الكتاب هي أمراض يمكن أن نقع فيها نحن، لكن دائماً المعالجة غير المباشرة أقوى أثراً من المعالجة المباشرة.
لو أنك وضعت أبنك أمامك وألقيت عليه المواعظ والمحاضرات، قد لا يستجيب، وقد لا يقبل، لكن إذا كان يجلس معك وأنت توجه خطاب لإنسان آخر فهو يستمع، وليس هو المخاطب يستفيد أكثر.
فالحكمة البالغة من أن الله سبحانه وتعالى أورد قصص أهل الكتاب وبني إسرائيل مع أنبيائهم لأننا مشرحون أن نقع في الأمراض التي وقعوا فيها نفسها، ألم يقل بنوا إسرائيل. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى﴾
الله عز وجل بماذا أجابهم قال:
﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾
( سورة البقرة: 111 )
ألم يقول النبي: ((يا فاطمة بنت محمد يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار أنا لا أغني عنكما من الله شيئا، لا يأتين الناس بأعمالهم وتأتونني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه.))
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾
( سورة البقرة: 80 )
وهذا الذي يقول مثلاً، أن نحن يشفع لنا النبي، و شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، وهذه أيضاً من الأماني، الشفاعة حق فيها أحاديث صحيحة، ولكن ليست إلا لمن مات غير مشرك.
يعني واحد عنده عشر مواد، نجح في التسعة وبقيت له في المادة الأخيرة أربع علامات، طيب يجتمع مجلس الكلية ويقرر إضافة هذه العلامات الأربع، مو أخذ أصفار بالعشر مواد.
هذا الإنسان لا تناله شفاعة النبي من مات غير مشرك، على كلٍ المسلمون في الأعم الأغلب مرشحون لأمراض وقع بها أهل الكتاب وهذا هو الأسلوب التربوي، إياك أعني وأسمعي يا جارة.
أنت الآن أحياناً عما تخاطب إنسان وابنك قاعد، لو فرضنا ابنك يدخن لا سمح الله وأنت عم تخاطب إنسان بشكل موضوعي عن مضار التدخين، ابنك ليس هو المقصود، وليس هو المخاطب، لكنه يصغي، إصغائه لنصائحك تترك في نفسه أبلغ الأثر، فيما لو أجلسته أمامك وبدأت تلقي على رأسه المواعظ، الأسلوب غير المباشر هو الأسلوب المؤثر، فالله عز وجل يعالجنا ونحن لا ندري عن طريق ذكر قصص بني إسرائيل، مثلاً:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾
( سورة المائدة: 66 )
طيب ألا يقاس على ذلك، لو أنهم أقاموا القرآن الكريم لأكلنا من فوق أيدين ومن تحت أرجلنا، نعم يقاس على ذلك، الآن في بالقصة نقطتان دقيقتان.
النقطة الأولى:
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)﴾
في عنا قاعدة، هذا القاعدة أن علامة التائب أنه يتوب من قريب، يعني بعد الذنب مباشرة، لا تؤخر، لا تسوف، قيل هلك المسوفون، الشيطان في عنده سلاح خطير، هو غداً، غداً، بعد غدٍ بعد الانتهاء من الفحص، على أول الموسم، لما بسلم المحل، لما بأخذ الدكتوراه، لما بزوج، لأشتري بيت، بمضي الإنسان كل حياته وهو عم يعلق التوبة على حدث قادم، هذه مثل جزرا ماسكها راكب الدابة، هي المسافة ثابتة، الآن سأصل إليه، هو ماسكها بيده ماسكها بيده والمسافة ثابتة بينه وبين الدابة، لن تصل إليها.
لذلك هلك المسوفون، لا تسوف التوبة، من الآن، منذ اللحظة أما على أول الصيف، لأفتح المحل، لأسس الشغل، لأخذ الشهادة لأزوج، واحد قال له متى تتوب قال له غداً، النبي غضب قال: ((ويحك أو ليس الدهر كل غداً ))
غداً مطاطة.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)﴾
طيب واحد استيقظ بعد الشمس، متى يصلي ؟ فوراً، ممكن يصلي بعد ساعة، ساعتين، ثلاثة، وخمسة، لكن الأفضل فوراً.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ﴾
الآن قوم موسى ماذا شاهدوا ؟ شاهدوا بأم أعينهم كيف أن العصا أصبحت ثعبان مبيناً، وشاهدوا بأم أعينهم كيف أم هذا الثعبان المبين أكل كل عصيهم وحبالهم، وشاهدوا بأعينهم كيف أن يد هذا النبي الكريم أصبحت بيضاء للناظرين وشاهدوا بأم أعينهم كيف أم هذا النبي الكريم ضرب البحر فأصبح طريقاً يبساً ودخل فيه بنوا إسرائيل وكيف غرق فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى، كل هذه الآيات لم تنفعهم.
لذلك إن لم تؤمن بالكون وهو على وضعه الراهن لن تؤمن به عندما تخرق سننه وقوانينه، هي قاعدة، الكون بحد ذاته معجزة.
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)﴾
أي باختيارنا.
﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)﴾
ماذا فعل السامري ؟ من يعطي إنسان سم يقول له هذا سم كله ما أحد يساويها، ماذا يفعل المجرمون ؟ يضعون السم في البئر ثم في الدسم، الباطل دائماً في معه حق حتى يمر، باطل صرف ما في، كل الفرق الضالة لها مظاهر لها أفكار صحيحة، أما السم في الدسم.
الآن الإسلام لا يحارب من خارجه، لا يحارب مواجهة يحارب من داخله، ممكن فرقة ضالة، جماعة منحرفة، ترفع شعار إسلامي ممكن، تتزيا بزي المسلمين وتعمل أعمال إجرامية، من أجل تشوي سمعة المسلمين.
فلذلك دائماً السم لا يقدم على أنه سم، يقدم على أنه غذاء والسم في الدسم، فالإنسان ينبغي ألا يقبل الحق إلا صرفاً، لا ينبغي أن يقبل الحق إلا صرفاً دائماً الباطل في معه حق، الخمر الله عز وجل قال:
﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
( سورة البقرة: 219 )
هل الأفكار الضالة لن تنتشر إلا مع أفكار مقبولة، هنا اليقظة يقظة المؤمن لا يقبل فكراً إلا وفق الحق الصرف، وفق الحق النقي فمشى السامري أخرج لهم عجلاً جسداً له خواراً فقال:
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (89)﴾
يعني صنم من الذهب عدوه إله، طيب هذا إذا سألت لا يجيبك ولا ينفعك ولا يضرك، معنى من هو الإله الذي ينبغي أن تعبدوه ؟ إذا دعوت أجابك، وهو الذي يملك نفعك وضرك، قاعدة هذه.
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)﴾
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)﴾
يعني أخذ شيء من الحق ودخل فيه الباطل وعرضوه على قومه ودعاهم إلى عبادة هذا الصنم الذي من الذهب، هو السؤال الكبير كيف قبل قومه أن يعبدوا هذا الصنم ؟! وقد رأوا المعجزات.
المعجزات الحسية أيها الأخوة:
كعود الثقاب تتألق مرة واحدة ثم تنطفئ تصبح خبراً يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه، لكن كتاباً الكريم هذا من تكريم الله لنبينا ولأمتنا هذا الكتاب معجزة مستمرة، ليس كالعصا التي أصبحت ثعباناً مبيناً، وليس كاليد التي تألقت بيضاء للناظرين، وليس كشق الطريق في البحر، ولكن هذا القرآن معجزة علمية بيانه مستمرة وكلما تقدم العلم كشف عن جانب من إعجاز هذا القرآن الكريم.
نستفيد من هذه القصة نقطتين:
أن الباطل دائما يقدم مع الحق، فإذا قدم الباطل وحده صرفاً لا أحد يقبله، فنحنا ينبغي أن نكون على حيطة وحذر شديد من أن نقبل حقاً مع الباطل، والإسلام الآن لا يحارب من خارجه، ولا يحارب وجهاً لوجه، إنما يحارب من داخله عن طريق تزيف مبادئه، تزيف قيمه، حمل المسلمين على سلوك أسلوب غير إسلامي، وغير شرعي ما جاء به الأنبياء، ولا جاء به المرسلون، فليحذر كل منا أن يقبل سلوكاً غير إسلامي ضمن إطار إسلامي.
الأهداف النبيلة لا يمكن أن نصل إليها، إلا بوسائل نبيلة الوسيلة من جنس الهدف، أما هدف نبيل وسيلته الجريمة، لا، هذا ليس من الدين، والدين قوي بمبادئه، قوي بأفكاره، قوي بقيمه، قوي بهذا النظام المعجز، فنحنا لا نقبل سلوكاً غير شرعي ضمن دائرة الإسلام، هذا الذي شوه سمعة المسلمين، وهذا الذي يجهدوا أعداء المسلمين لفعله، يجهدوا أعداء المسلمين لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين في العالم كله عن طريق الدس الداخلي.
كما فعل موسى السامري أخذ من سيدنا موسى شيئاً و أضاف إليها أشياء وطرحها على أنها البديل، دعاهم إلى عبادة صنم من ذهب.
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً (89)﴾
طيب كيف قبل هؤلاء أن يعبدوه ؟ لأنهم ما أرادوا الهدى ذاتياً لكن رأوا معجزة حسية، رأوها ولم يبقى لها أثرٌ فيهم.
لذلك الذي لا يهزه الكون بسماواته وأرضه وجباله وأنهاره وبحيراته، في ظاهرة النبات، في ظاهرة الحيوان، بأسماكه، بأطياره بخلق الإنسان، بما فيه من معجزات الذي لا يهزه الكون بوضعه الواقع لا تهزه خرق نواميسه، والدليل:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)﴾
( سورة الشعراء: 8 )
كلما الإنسان مستواه التفكير هبط بدو معجزة، في كثير دعوات مبنية على المنامات والكرامات، دعوات طويلة عريضة كل المحتوى الكرامة الفلانية، يعني دفشة راح على الحج، من دون طائرة، مشي على وجه المي، طار في الهواء، مريد قد ما حب شيخه ذاب صار شوية مي في الأرض وين هدول هنا هل الميات خرافات، وكرامات، ومنامات، الدين أعظم من ذلك، الدين منهج الدين مبادئ، الدين قيم، الدين قواعد جامدة، مو زئبقية، قوانين حتمية النتائج، ما هي ظنية.
فنحنا نريد ألا يختلط الحق بالباطل، واحد من جماعة أحد الشيوخ توفي جاء الملكان ليسألانه فتلقوا رفسة جعلتهم خارج القبر قيل لهما أمثل هذا يسأل هذا من جماعتي، ينبسطوا الأخوان والله شي لطيف، إذا واحد كان مع شيخ أنكر ونكير يرتفسوا، يصفوا برا قصص ما أنزل الله بها من سلطان، لا تمت إلى الحق بصلة فنحنا لا بدنا كرمات، ولا بدنا منامات، ولا بدنا خرافات، ولا بدنا مقاييس زئبقية مطاطة، نريد منهج الله عز وجل، الكتاب والسنة.
ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً.
واحد قال لإخوانه:
لأن يسقط المريد من عين الله أهون من أن يسقط من عين شيخه، قال لأنه سقط من عين الله تلقفه ، أما إذا سقط من عين شيخه من يتلقفه ؟ مسكين كلام غير صحيح، يعني نحنا نريد الكتاب والسنة.
ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً.
لا تقبل شيء من دون دليل، ولا ترد شيء من دون دليل والدليل الكتاب والسنة.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
( سورة يوسف: 108 )
الصحابي الذي أمر بإضرام نار وقال اقتحموها، لما بلغ النبي ذلك قال:
والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها، إنما الطاعة في معروف عقلك لا يعطل، في كتاب، في منهج، طالب بالدليل.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
( سورة يوسف: 108 )
من يكشف لي العلاقة بين أول آية وآخرها.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
علامة المتبع للنبي يقول لك هذا الدليل، هذا حرام هي الدليل حلال هي الدليل، أنا ومن اتبعني.
﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
طيب ما علاقة الإشراك ؟ يعني إذا ألقيت على الناس أمراً ليس عن رسول الله بلا دليل من عندك، أشركت نفسك مع الله، بالتشريع جعلت نفسك نداً لله عز وجل.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
( سورة يونس: 15 )
هذا مقام النبوة، لذلك الإنسان معه منهج واضح، النقطة الأخيرة والموجزة دائماً الباطل يقدم مع الحق، والسم يقدم دائماً مع الدسم، وأنت بحاجة إلى دقة بالغة وإلى يقظة، لئلا ينطلي الباطل عليك باسم الحق، والآن بالعالم في ممارسات والله الذي لا إله إلا هو آلاف الممارسات غير إسلامية ضمن إطار الإسلام.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الثالث عشر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، بعد أن تحدَّث ربنا عز وجل في سورة طه عن قِصَّة آدم عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
(سورة طه)
لغةً يجب أن تكون الآية فتَشْقَيا، لكنّ الآية فتَشْقى، فكيف نُفسِّر هذه الآية ؟ قال علماء البلاغة هذا إيجاز، لأنّ شقاءَ الرَّجل هو شقاءٌ حُكْمِيٌّ للرَّجُل، والنبي عليه الصلاة والسلام لعلَّه اسْتَنبط من هذا الكلام وقال: ((المرأة على دين خليلها ))
هو قائِدُ المركبَة وهو القيِّم فإن تفلَّتَ مِن منهج الله أفْسَدَها، وإن دلَّها على الله أسْعَدَها، فهذه لَفْتَةٌ لطيفة.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
[سورة طه]
الجنَّة لها نِظام خاصّ فالدُّنيا أساسها الكَدْح، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾
[سورة الإنشقاق]
يقول لك: كي أمَّنْتُ هذا البيت مِتُّ من التَّعب، وحتَّى حصَّلتُ هذه الشَّهادة العليا سَهِرتُ الليالي، وحتَّى تزوَّج يعلم الله ! أما الآخرة فلهم ما يشاءون فيها، لِمُجَرَّد ان يخْطر على بالك شيء تراهُ أمامك، فالدنيا دار سَعي، والآخرة دار تَكريم، والدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء والدنيا دار تَكليف والآخرة دار تَشْريف، نِظام الدنيا غير نِظام الآخرة فَهُنا جئْتَ إلى الدنيا مِن أجْل أن تعمَل، أما في الآخرة فَمِن أجل أن تُكَرَّم، فقديمًا الأوائِل بِكُلّ الشهادات دُعوا إلى ولائِم وإلى زيارات وحَفلات ؛ قَضِيَّة تكريم مَحْض، هدايا، هذا مُؤقَّت، أما الآخرة فَكُلُّها تَكريم، وَمِن أوَّلها إلى آخرها، فالإنسان إذا رأى شَجَرة تُفَّاح يذوق كلّ طُعومها قبل أن يضَعَها في فَمِهِ، وهكذا نِظام الآخرة، فالإنسان يشْعر بِطَعم الفاكهة قبل أن يبْلعَها، يأتي اللِّسان فيضَع اللُّقْمة ممضوغة بِسَقف الحلق ؛ هنا أعْصاب الذَّوْق، فالفرق بين الفجل والبندق فقط في هذه المنطقة، وبعدما يدخل الأكل إلى الجوف فكلّ شيءٍ مثل بعضه فالذي أكل غذاء بِألفين ليرة مثل الذي أكل سندويش بِخَمس ليرات ! فالله عز وجل بالدنيا يُمْتِعُكَ بِطَعْم الطَّعام لِثَواني عديدة، أما في الآخرة فَكُلّ ما في الجنَّة تسْتَمْتِعُ به دون رهق، فالإنسان بالدنيا له خِيارين صَعْبين ؛ إما أن يأكل ما يريد ويتحمَّل متاعب الضَّغط والشرايين والوَزْن، وإما أن يحْرِمَ نفْسه الطَّعام لِيَشْعر بالراحة ورشاقة، أما في الآخرة فَكُلْ ما شئْتَ دون أن يكون لِهذا الطَّعام تأثير، قال تعالى:
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)﴾
[سورة طه]
الدنيا إن أردْتَ أن ترى إنسَانًا للَزِمَكَ الأمْر أن تركب مركبة أو طائرة تسْتغرق الساعات للوُصول إلى صديقك أو أخيك، أما في الآخرة فقال تعالى:
﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)﴾
[سورة الصافات]
فأيُّ إنسانٍ يخْطر بِبَالِكَ ترى مصيرهُ ! نِظام الآخرة نِظام رائِعٌ جدًّا، وكلّ هذه الآخرة الأبَدِيَّة تَحْتاج إلى ثمَن وهو طاعة الله تعالى في الدنيا.
قال تعالى:
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)﴾
[سورة طه]
لمَّا دخل الطَّعام جِسْمَهُ أصْبَحَ هناك نِظام آخر ؛ الأكل المحدود، والهَضْم والغائِط، والعُريّ، وكانت نفسٌ الجسَدُ مَرْكَزُها، فأصْبَحَ جسدًا والنَّفس بِداخِلِه، فالنِّظام اخْتلف.
قال تعالى:
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)﴾
[سورة طه]
لكن هناك آية قبلها، يقول تعالى فيها:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) ﴾
[سورة طه]
فهو لم يَعْصِ اجْتِراءً على الله، ولكن عَصِيَ نِسيانًا، ولم يكن له عَزمٌ على المَعْصِيَة، والأمر كان أمرًا إرْشادِيًّا ولم يكن أمْرًا تَكْليفيًّا، ولم يكن هناك كذب، فالشيطان هو الذي كذب عليه وأغْراهُ أن يأكل من هذه الشَّجرة لِيَبقى في هذه الدنيا، فأوَّلا الأمر إرشادي، وثانيًا غير تَكليفي، وثالثًا لم يكن هناك كذب، ورابِعًا أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون لِهذا النبي الكريم درسٌ لِذُرِيَّتِهِ إلى الأبد، فهذا الشيء مَقصود ؛ لأنَّ الله تعالى قال:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
[سورة البقرة]
إنّي جاعل في الأرض خليفة، فأصْل الخلق أنّ الإنسان بالأرض، ولكن وُضِعَ في هذه الجنَّة لِيَكون هذا الحدَث درسًا لِذُرِيَّتِهِ إلى أبد.
قال تعالى:
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾
[سورة طه]
الآن دَقِّقوا في هاتين الآيتين والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله إلا هاتان الآيتان لَكَفتنا ! قال تعالى:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾
[سورة طه]
هذا كلام خالق الكون، وزوال الكون أهْوَنُ على الله مِن أن لا تُحَقَّق هذه الآية، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[سورة طه]
فلو كان مع الملايين، أو كنت أقْوى إنسانٍ في الأرض، ولو كنت أغْنى إنسانٍ أو أصَحّ إنسان، أو أجْمل إنسان أو غارق في الملذَّات إلى أقصى درجة، فَكَلام الله هو الصادِق، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[سورة طه]
بعض العلماء سأل: يا رب، أَيَّةُ معيشَةٍ ضنْك يعيشُها الأغنياء والمُلوك ؟ فكان الجواب: ضيقُ القلب، فَهُناك ضيقٌ في قلوبهم لو وُزِّع على أهْل الأرض لكفاهم، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
[سورة طه]
أنا أقول لكم هذه الكلمة: الأرض الآن فيها خمسة مليارات، إذا وَجَدْتُم إنسانًا واحِدًا سعيدًا وهو مُعْرضٌ عن ذِكْر الله فهذه الآية ليْسَتْ مِن كلام الله ! لأنَّه تستحيل السَّعادة مع الإعراض عن ذِكْر الله، قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]
وإذا أمسَكَ الله عنك شيئًا فهذا مِن رحْمَتِهِ، وهذه الحقيقة إذا عرفناها اختلف الوَضْع، فلا تبْحث عن السَّعادة بامرأة ولو زوْجتك، ولا بِوَلدٍ، ولا بِمَال، ولا بِبَيت فَخْم ولا بِمَرْكبَة، ولا بِمَنْصِب رفيع، ولكن اِبْحَث عن السَّعادة بِمَضانِّها، ومضانُّها طاعة الله عز وجل، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
[سورة طه]
لا يضلّ عقلهُ ولا تشْقى نفْسُه،ُ هذا كلام الذي خلقنا، فالإنسان أحيانًا يبْحث عن السَّعادة بِمَعْصِيَة، ومن ابتغى أمْرًا بِمَعصِيَةٍ كان أبْعَدَ مِمَّا رجى، وأقْرَبَ مِمَّا اتَّقى، وهل يوجد مَن لا يحبّ السَّعادة ؟ هذا مطْلب ثابِت لِكُلّ البشَر، ولو كان مُلحِدًا، فهذا له مطْلبَان؛ السلامة والسَّعادة، مَنْ الذي يُحِبّ أن يكون معه مرضٌ خبيث ؟! فشَل كَلَوي، أو الْتِهاب كبِد وبائي، فهو يرْضى بالفقْر وغيره ولكن السلامة والسعادة مطْلبان ثابتان لِكُل البشر على اخْتِلاف مِلَلِهِم ونِحَلهم، وهذا المطلبان ثَمَنهما طاعة الله عز وجل، لذا قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾
[سورة طه]
لهذا قال بعض العارفين بالله تعالى: لو يعلم المُلوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسُّيوف، والمُجَرِّب يعرف هذا، فالذي يضْبِط إنفاقه وجوارحهُ وضبطَ بيْتَهُ وعملهُ، إن لم تقُل أنا أسْعَدُ الناس فأعمالك هذه ليْسَتْ صحيحة ‍! قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾
[سورة الأحزاب]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الرابع عشر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
[سورة طه]
في الآية تقديم وتأخير فأصْل التَّرْكيب: ولولا كلمة سبقَتْ مِن ربِّك وأجلٌ مُسَمَّى لكان لِزامًا، ففي الآية إيجاز، ما هو الشيء الذي كان ينبغي أن يكون ؟ هو إهْلاكُهم، وإهْلاك العُصاة، تجِدُ إنسانًا يعْصي الله، ويأكل المال الحرام، ولا يُؤَدِّي فرائض الله عز وجل، ويتحدَّى ويتكلَّمُ كلامًا يتَجاوَز حُدود العُبودِيَّة، ومع ذلك ترى لهُ صِحَّةً جيِّدَة، ويأكل ويشْر ويُسافر ويتمتَّع، وقد يزْداد قُوَّةً على قُوَّتِهِ، فهذه الظاهرة المُحَيِّرة قد يقول قائِل: لِمَ لمْ يقْصِمْهُ الله عز وجل ؟! يكْفُر ويُلْحِد ويفْجُر ويَعصي ويتحدَّى وصِحَّتُهُ جيِّدَة وقوَّة إلى قوَّة، وغِنًى إلى غِنًى !! هذه الآية هي الجواب، قال تعالى:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
[سورة طه]
الكلمة هي أنَّ رَحْمتي سبقَتْ غضَبي، خلقَنَا تعالى لِيَرْحَمنا، فمثلاً قد تكون هناك مادَّة بالنِّظام الداخلي في التَّعليم الثانوي أنَّ أيَّ طالبٍ تَجاوَز غِيابُهُ الأسبوع يُفْصَل نِهائِيًّا،المدير الذي امتلأ قلبه رحمة والذي يسعى لنشر العلم قد يجمِّد هذه المادة وقد يتجاوز ويقوا للطالب: آتنا بتقرير طبي، لأن الهدف تعليمه و ليس إنزال العقاب عليه، فرحمتي سبقت غضبي، فكل إنسان يعيش وهو مرتكب للمعاصي تفسير ذلك أن الله سبحانه وتعالى سمح له أن يعيش يوما كي يتوب، فالله عز وجل أعطاه فرصة كي يتوب، لذلك أخطر حالة أن الإنسان يقصِّر و لا يؤدي العبادات و يزداد قوة إلى قوته وغنى إلى غناه، معنى ذلك أن الله سبحانه و تعالى سمح له أن يعيش أياما عديدة لعله يتوب، فالله عز وجل أعطاه فرصة للتوبة، أما عمله فيستحق به الهلاك، وتحدِّيه يستحق سحقه ومعاصيه تستحق تدميره،
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)﴾
[سورة طه]
أن رحمتي سبقت غضبي لكان لزاما عقابهم وتدميرهم و قصمهم و إهلاكهم، وهناك شيء آخر وهو أن كل إنسان أُعطي أجلاً لابد أن يعيشه، قال عليه الصلاة والسلام:
((إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ))
أنت عندك مدرسة فيها صف وفيها طلاب و عندك طالب كسول جدا، فهل يعقل أن ترسبه أثناء العام الدراسي، لا يمكن حتى ينتهي العام الدراسي و يجري الامتحان و يرسب فيه عندئذ يصدر قرار من عند المدير بترسيبه في هذا العام، فالله عز وجل أعطانا أجلا وقال:
﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(40)﴾
[سورة فصلت]
و قال: ﴿:وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف]
فلك أن تصلي ولك أن لا تصلي ولك أن تستقيم ولك أن لا تستقيم، ولك أن تحسن ولك أن تسيء، ولك أن تقسو ولك أن ترحم، ولك أن تظلم و لك أن تعدل، فأنت مخيَّر، قال تعالى: ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات، فنحن في بحبوحة ؛ بحبوحة الأجل و بحبوحة أن رحمة الله سبقت غضبه، ولو لا أن كلمة الله أن رحمته سبقت غضبه ولكل إنسان له أجل محدود لا يزيد و لا ينقص لكان لزاما إهلاكهم و تدميرهم و سحقهم، إذا هذه الآية تفسر لك كيف يبقى القوي قويا وهو يعصي اله و كيف يبقى الذي يمكر لدين الله صحيح الجسم قوي المال وقوي الحال.
أيها الأخوة الكرام، نحن في بحبوبة كلمة الله، فحينما سمح الله لنا أن نعيش يوما، فكل إنسان حينما يستيقظ من نومه و ينهض من فراشه و يتحرك معنى ذلك أن الله سمح لك أن تعيش يوما جديدا، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي منادٍ: يا ابن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
وعندنا بحبوحتان أيضا ؛ ٌقال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
الآن النبي عليه الصلاة والسلام قد انتقل إلى الرفيق الأعلى ما الذي بقي منه بين أيدينا ؟ سنته المطهرة، وما دامت سنته المطهرة مطبقة في حياتنا وفي بيوتنا و في أعمالنا و في علاقاتنا و في إعطائنا و في منعنا في صلتنا و قطعنا و غضبنا و رضانا فنحن في بحبوحة من عذاب الله و الدليل قال تعالى:
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾
[سورة النساء]
أنت تسير على منهج الله فلِمَ العذاب ؟ ليس هناك مصلحة لأحد أن يعذبك الله عز وجل و قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾
[سورة سبإ]
و قال تعالى: ﴿ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ(35)﴾
[سورة الأحقاف]
و قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)﴾
[سورة الشورى]
و البحبوحة الثانية قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
مثلا طالب أخذ صفرا في الرياضيات وأبوه سيقيم عليه القيامة وجده يبكي و يدرس و لا ينام الليل و يحاول أن يؤَمِّن أستاذا خاصا فاهتمامه و بكاءه و سهره يترك أباه لا يفعل شيئا قال النبي الكريم: عن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ))
[رواه ابن ماجه]
الندم توبة.."و العبد الندمان الخائف الذي يسترضي الله عز وجل بتوبة أو بصدقة، هذا في بحبوحة ثانية، فنحن في أربع بحبوحات ؛ بحبوحة التوبة وبحبوحة الأجل و بحبوحة الاستقامة على أمر الله و البحبوحة الرابعة إذا كنت مستغفرا.
أختم هذا الدرس بالحديث النبوي الشريف،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))
[رواه الترمذي]
عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمتَ لي فيما أريد كفيتُك ما تريد و إن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس الخامس عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثلاثون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى:﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
ما الذي يعينك على الصبر ؟ الاتصال بالله عز وجل، طبيعة النفس أنَّها تَكْره المُعارَضَة، والنَّقْد، والطَّعْن، والتَّكْذيب، والكُفْر، ولكنَّ الإنسان إذا اتَّصل بالله عز وجل وسَعِدَ بِقرْبِهِ ؛ هذا يُعينُهُ على الصَّبْر، فالصَّبْر من دون بديل هذا شيءٌ غير واقِعي، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
أيْ إنْ سبَّحْتَ بِحَمْد ربِّك صَبرْتَ على ما يقولون، فالدُّنيا دار الْتِواء لا دار اِسْتِواء، ودار ترَحٍ لا دار فرحٍ، دار فِتْنة وامْتِحان ودار كدٍّ وعمل وبذْل جهد، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾
[سورة الإنشقاق]
ما الذي يُعينُكَ على تَحَمُّل الشَّدائد ؟ وتحمُّل المعارضَة ؟ وتَجاوُز العقبات ؟ الاتِّصال بالله عز وجل، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
مرَّ إنسانٌ يطوف حول الكعبة، يقول: يا رب، هل أنت راضٍ عَنِّي ؟ وكان وراءَهُ الإمام الشافِعي فقال له: يا هذا وهل أنت راضٍ عن الله حتَّى يرْضى عنك، فقال: يا سبحان الله ومَن أنت يَرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا محمَّد بن إدريس، فقال: كيف أرْضى عن الله وأنا أتمنَّى رِضاه ؟! فقال: إذا كان سُرورُكَ بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمة فقد رضيتَ بالله، بُطولة المؤمن أنَّك إن أصابه خير شَكَر فكان خيرًا له، وإن أصابَتْهُ ضرَّاء صبر فكان خيرًا له ! وليس ذلك لِغَير المؤمن، رَوْعة الإيمان أنَّك ترى أنَّ الأمور بِيَدِ الواحِدِ الدَّيان فإن أعْطاك فالحمْدُ لله، وإن منَعَكَ فالحَمْدُ لله، ورُبَّما كان المَنْعُ عَيْن العطاء، إنَّ الله ليَحْمِي صَفِيَّهُ مِن الدنيا كما يَحمي أحدكم مريضهُ من الطعام، وإنَّ الله لَيَحْمِي عبْدَهُ المؤمن من الدنيا كما يَحمي الراعي الشَّفيق والرفيق غنَمَهُ مِن مراتِع الهلَكَة، فالنبي عليه الصلاة والسَّلام كان يقول: ((اللهم ما رَزَقْتني مِمَّا أُحِبّ فاجْعلهُ عَوْنًا لمَا تُحِبّ ))
رزَقتني مالاً، فَليَكُن هذا المال في سبيلِكَ، رزقتني جاهًا فلْتكن هذه القوَّة لِنُصْرة الضَّعيف، رزَقْتني عِلْمًا فلْيَكن هذا العِلْم مَبْذولاً لأحْبابِكَ فأنت بين أمْرين ؛ بين أن تكون قد طلَبْتَ من الله شيئًا فَنِلْتَهُ، وبين أن لا تنالَهُ، وفي الحاليْن أنت راضٍ
هم الأحِبَّةُ إن جاروا وإن عدَلوا فليس لي عنهم مَعْدِلُ وإن عدَلُوا
والله وإن فتَّتوا في حُبِّهم كبِدي باقٍ على وُدِّهم راضٍ بِما فعَلوا
***
مقام الرِّضا في الإيمان لا يعْدِلُهُ مقام، أنت راضٍ عن الله إن أعْطاك وإن منَعَك، وإن زوَّجك أم لم يُزَوِّجك، وإن رزقَكَ أم لم يرْزقك ! ولسَوْف يُعطيك الله فَتَرْضى، فَحِكْمة الله تعالى تَقْتضي أحْيانًا أن يكون مُضَيَّقًا عليه فهذا الإنسان لأنَّه يعرف الله تعالى يرْضى عنه، فالبُطولة لا أن يرْضى الله عنك، ولكن أن ترْضى أنت عنه، رِضاؤُكَ عنه عِلْمٌ، عرَفْتَ أسماءَهُ وصِفاتِهِ، وحِكْمَتِهِ ورَحْمتَهُ، فإذا عرفْتَ أسماءَهُ الحُسنى ترْضى عنه، وإذا رضيتَ عنه رضِيَ عنك، لذا قال تعالى:
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ(8)﴾
[سورة البينة]
قال تعالى:
﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة المائدة]
فالله سبحانه وتعالى ردَّ عليهم، والإمام الشافعي رحمه الله اسْتنْبَطَ من هذه الآية أنَّ الله تعالى لا يُعَذِّبُ أحْبابَهُ لو أنَّه أقرَّهم على أنَّهم أحْبابه لما عذَّبهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة المائدة]
لذا قال العلماء: حياة المؤمن تمرّ بِمَرْحلة تأديب وبِمَرحلة امْتِحان، وبِمَرْحلة إكرام، فإذا كانت هناك أخطاء كان التأديب، وبالامْتِحان كي تعرف مَن أنت، وكي تعرف صِدْقَكَ واسْتِقامَتَك، ومرحلة الأخيرة والمُسْتقرَّة هي الإكرام، لا تستقر حياة المؤمن إلا على الإكرام، لذا الآية الكريمة، قال تعالى:
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى(130)﴾
[سورة طه]
أي إذا أقبَلْتَ على الله وذًقْتَ طعْم القُرب، وأُنْس المحبَّة رضيتَ عن الله وشَعرْتَ بِسَعادة لا توصَف، هذه السَّعادة تسْتغني بها عن المادَّة، ومَن عرف الله زهِدَ فيما سِواه، وقوله تعالى:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)﴾
[سورة الضحى]
هذه آية جَبر خاطِر ‍‍! وتطْمين، أي أنت يا عبدي الآن في العِناية المُشَدَّدة.
ثمَّ يقول اله عز وجل:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]
لا يُعْقل إطلاقاً من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتمنَّى متاع الحياة الدنيا فهو فوق ذلك، فهو عليه الصلاة والسلام حينما كان طِفلاً صغيرًا ويُدْعى إلى اللَّهْو يقول: لم أُخْلق لِهذا، لكنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم اجتهَد أنّ هؤلاء الأغنياء والأقوياء لعلَّهم إذا أنابوا إلى الله عز وجل يهْتدي أتْباعهم ! فجاء الوَحي مُبيِّنًا للنبي عليه الصلاة والسلام أنَّ هؤلاء لا خير فيهم لأنَّهم تزوَّجوا الدنيا، فَقِبْلَتُهُم شَهَواتهم، وأهدافهم أموالهم، قال تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]
رب أشْعثَ أغبرَ ذي تمْرين مَدْفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه، فأنت قد تتوهَّم أنَّ هذا الإنسان القويّ إذا اهْتدى إلى الله تعالى يهْتدي معه كُلُّ أتْباعِه، ولكنَّ هذا الذي ترجو فيه الخير قلبُهُ مختوم عليه، قال تعالى:
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)﴾
[سورة البقرة]
والله تعالى قال:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[سورة الأنعام]
ما قال: باب ولكن قال: أبواب، وما قال: شيء، ولكن قال: كلّ شيء ! المال والجمال والقصور والمركبات والجاه، فالإنسان إذا أرْخِيَ له الحَبل قد يظنّ نفسَهُ طليق، ولكن في أيِّ ثانِيَة يُمْكن أن يكون في قبْضَةِ الله عز وجل، ولذلك كما قال تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]
خير وأبقى، والنبي عليه الصلاة والسلام كلَّما رأى شيئًا مِن متاع الدنيا قال كما في الحديث، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ))
[رواه البخاري]
ذكرتُ لكم مرَّة الفرق بين مُمَرِّض وبين جرَّاح قلب ! وبين الموظِّف ورئيس قسم دائرة، وبين بيتٍ أربعمائة متر وبين خمسين متر تحت الأرض، فالله تعالى يقول بعد هذا: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾
[سورة الإسراء]
فمرتبة الدنيا لا تعني شيئًا، ولكن مرتبة الدنيا تعني كلّ شيء، ومرتبة الدنيا مُؤقَّتة، ومرتبة الآخرة أبَدِيَّة، فَمَن هو العاقل ؟ أَهُوَ الذي يسْعى لِمَرتبة عليا أبَدِيَّة أم لِمَرتبةٍ دنيا مُؤَقَّتَة ؟! والآية الكريمة:
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾
[سورة الإسراء]
مرتبة الدنيا ربَّما تعني العَكْس قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[سورة الأنعام]
أما مرتبة الآخرة فلا تعني العكْس، ولكن تعني أنَّك كلَّما تقرَّبت إلى الله كلمَّا فزتَ بِجَنَّةِ عرضها السماوات والأرض، مرَّةً الملك العباّد وهو من مُلوك الأندلس كان يمْشي في قصْرِهِ، فرأى بِرْكةَ ماءٍ قد أثَّرَت فيها الرِّياح، فقال:
نشَر الرِّيحُ على الماء زرَد، وما تمكَّنَ مِن إكْمال البيْت، فسَمِعَ جارِيَةً تقول: يا له ذِرعًا حصينًا لو جمَد ! فأُعْجِبَ بِهذه الجارِيَة وهذا الشِّعْر فتزوَّجَها، وأكْرَمَها إكرامًا مُنْقَطِعَ النَّظير، فمرَّةً اِشْتَهَت أن تعود إلى حياة الفقْر، فمزَجَ لها المِسك والعنْبر بِماء الزَّهْر وقال: هذا هو الطِّين ! ثمَّ جاء ابن تاشفين فأزاحَ كلَّ المُلوك عن ممتلكاتِهِم وتولَّى الحُكمَ مكانهم جميعًا، وأوْدَعَهُ السِّجْن، وضاقَت بِهِ الدنيا، وأصْبَحت فتياتُهُ مُعَذَّبات وجائِعاتٍ وعارِيات - وهذه قصيدة مُؤثِّرة جدًّا في الأدب الأندلسي تُشير إلى ما حال إليه هذا الملِك - فكانت امرأتُهُ هذه الجارِيَة التي أكْرمَها إكرامًا ما بعدهُ إكرامًا تقول له: لم أرَ مِنك خيرًا قطّ ! فيقول لها: ولا يوم الطِّين !! فالنِّساء يكْفرن العشير.
قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102)﴾
[سورة هود]
فيا أيها الأخوة الكرام، حتَّى تتصاعد النِّعَم وتتَّصِل نِعَم الدنيا بِنِعَم الآخرة عليْكَ بِطاعة الله، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
[سورة الرعد]
فإذا كنت في بَحبوحةٍ وصِحَّة فإذا لم تُغيِّر لم يُغَيِّر، إذا كنت في ضائِقة فَغَيِّر كي يُغَيِّر.
وآيتنا اليوم، قوله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾
[سورة طه]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-10-2018, 02:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة طــــــة ( 20 )


الدرس السادس عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

قال تعالى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ...


أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الرابعة الثلاثون بعد المائة من سورة طه وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾
[سورة طه الآية : 134 -135]


أسس الدعوة .


فَمِن سُنَن الله جل جلاله في مُعاملة عِبادِهِ أنَّهم يَدْعوهم أوَّلاً دَعْوةً بيانِيَّة ، فالأنبياء والمُرسَلون والدُّعاة والعلماء هؤلاء يُحَقِّقون الدَّعوة البيانِيَّة ، دَعْوةً عن طريق المنطق والوحي والدليل والتَّعليم، والإنسان إما أن يستجيب وإما أن لا يستجيب، فإن لم يسْتَجِب هناك دَعْوةٌ عن طريق التأديب ، فإمَّا أن يتضرَّع وإما أن لا يتضَرَّع، فإن تضرَّع كان بها وإن لم يتضرَّع جاء القصْمُ ! قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ﴾
[سورة طه الآية : 134 -135]
قالوا لو أنّ أهلكناهم بِعذاب دون أن نُبيِّنَ لهم ودون أن نُحذِّرهم، ودون أن نتْلُوَ آياتنا عليهم، فالله تعالى يقول: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الجمعة الآية : 2]
هذه الآية أيها الأخوة فيها أُسُسَ الدَّعوة ؛ يتْلُو عليهم آيات الله الدالة على عَظَمَتِهِ .
والعلماء قالوا : هناك آيات كَوْنِيَّة ، وهناك آيات تَكْوينيَّة ، وهناك آيات قرآنِيَّة .
وكلّ هذه آيات الله .
فالآيات الكَوْنِيَّة خلْقُهُ ، والآيات التَّكْوينيَّة أفْعالهُ ، والآيات القرآنيَّة كلامه .
فَمُهِمَّة أيّ نبيٍّ أو أيِّ داعِيَةٍ أن يتْلُوَ على الناس آيات الله الكوْنِيَّة ، والتَّكْوينِيَّة ، والآيات القرآنِيَّة .
قال : يا رب ، أيُّ العِباد أحبّ إليك حتَّى أُحِبَّهُ بِحُبِّك ؟
قال: أحبُّ العباد إليّ تَقِيُّ القلب ، نَقِيُّ اليَدَيْن لا يمْشي إلى أحَدٍ بِسُوء ، أحبَّني وأحبَّ مَن أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي .
فقال : يا رب إنَّك تعلم أنِّي أُحِبُّك ، وأُحِبُّ مَن يُحِبُّك ، فكيف أُحَبِّبُكَ إلى خلْقِكَ ؟!
فقال : ذَكِّرْهم بآلائي ونَعْمائي وبلائي !
فالتَّذْكير بالبلاء من أجل أن يخافوني، وبالنَّعْماء من أجل يُحِبُّوني .
وذَكِّرْهم بآلائي .
مِن أجل أن يُعَظِّموني .
معنى ذلك لا بدَّ أن يجْتَمِعَ في قلب المؤمن تعظيم وخوف وحبّ .
فقَلْبُ المؤمن ينْطوي على تَعظيم لله تعالى عن طريق الآلاء ، وحبٍّ لله عن طريق النَّعماء ، وخوفٍ من الله عن طريق البَلاء .
لذا البلاء له مُهِمَّة تَرْبَوِيَّة عاليَة ، ولمَّا الإنسان يسرق تُقْطَعُ يَدُهُ ، فهذه اليَدُ المَقْطوعة أكبر طريق رادِعَة للناس ‍، لذلك سأل أحد الشُّعراء الإمام الشافعي رحمه الله فقال له : يدٌ بِعَشْر مئينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ما بالها قُطِعَتْ في رُبْعِ دينار
***
لو أنَّ يدًا قُطِعت بِحادِث سيارة فإنَّ دِيَّتُها في الإسلام عَشْر مائة من الدنانير الذَّهَبِيَّة ؛ أيْ ألف دينار ذَهَبي، والدِّينار بِخَمسة آلاف الآن ! يا رب إذا قُطِعَت خطأً دِيَّتُها ألف دينار، وإذا سرَقَت ربع دينار، فهذا السائل سأل الإمام الشافِعي .
يجب أن تُعَظِّم الله من خلال آيات الكون ، ويجب أن تُحِبَّهُ مِن خِلال النِّعم ، ويجب أن تخافَهُ مِن خِلال النِّقَم .
يا رب أي عبادك أحبُّ إليك حتى أحبه بحبك .
قال : أحب العباد إليَّ تقي القلب نقي اليدين لا يمشي إلى أحد بسوء أحبني وأحب من أحبني وحبَّبني إلى خلقي .
قال : يا رب إنك تعلم أنني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك .
قال : ذكِّرهم بآلائي ونعمائي وبلائي .
وأنت أيها الأخ الكريم إذا دعوت أحدا إلى الله اجمع بين هذه جميعا ، ذكره بنعم الله ، وذكره بالمصائب التي إذا ساقها الله للإنسان جعل حياته جحيما ، وذكِّره بالآيات الكونية الدالة على عظمته ، لذلك الآية الكريمة ، قال تعالى : ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الجمعة الآية : 2]
يتلو عليهم آياته هذا أول بند ، ويزكيهم هذا الثاني لقوله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾
[سورة الأعلى الآية : 14]
وقوله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾
[سورة الشمس الآية : 9]
فتزكية النفس علة وجودك في هذه الأرض، هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾
[سورة الأحزاب الآية : 72]
أيَّة أمانة هذه ؟ إنها نفسك التي بين جنبيك أوكلك الله بها و أمرك أن تزكيها بالاتصال بالله عز وجل، يعلمهم الكتاب هذا البند الثالث، الكتاب هو القرآن الكريم و الحكمة السنة، فأيَّة دعوة إلى الله لا بد من جانب كوني و جانب نفسي تطهيري و جانب سلوكي انضباطي، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الجمعة الآية : 2]
فإذا اكتفينا بتعليم الأحكام الفقهية دون أن نعرف الناس بخالق الكون قد لا تجدي هذه الدعوة، إذا اكتفينا بتعريف الخالق دون تعليم الأحكام الفقهية كيف نعبد الله عز وجل ؟ أنت بالكون تعرفه و بالشرع تعبده، فالكون و الشرع متكاملان، الأول يعرفك بالله والثاني يقرِّبك إلى الله بطاعته، فأنت عليك أن تتعرف إلى الله كما عليك أن تتعرف إلى منهجه و إلى شرعه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
[سورة طه الآية : 134]
سيدنا عمر جيء له برجل سارق فقال السارق: يا أمير المؤمنين واللهِ هذه أول مرة فقال: كذبت إن الله لا يفضح لأول مرة، فالله عز وجل قبل أن يعاقب يبيِّن و يحذر و ينذر وينصح، لذلك السعيد من يتعظ بغيره و الشقي لا يتعظ إلا بنفسه.
الآن عندنا سؤال ؛ لو فرضنا من باب الجدل أو مثل افتراضي أن أبا مثقَّفا ثقافة عالية وله ابن، قال الابن لأبيه مرة واحدة في حياته: أنا لا أحب الدراسة، قال له: كما تحب، فلما كبر هذا الشاب ورأى أصدقاءه أصبحوا أطباء و شخصيات مرموقة في المجتمع، وهو يعمل عملا عضليا متعبا، بأجر زهيد و بضغط اجتماعي كبير، ألا يتألم من أبيه، يقول له: يا أبي أنا قلت لك لا أحب الدراسة، لِمَ لمْ تؤدبني ؟ و لم تضربني و لم تنصحني، بكلمة واحدة قلت: افعل ما تشاء، فربنا عز وجل يسوق المصائب و الأمراض و التأديب حتى لا يقول العبد لربه يوم القيامة: يا رب لو ضيَّقتَ عليَّ أنا ما عرفت، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
[سورة طه الآية : 134]
فأحيانا الشدائد والأنبياء و الرسل هذه كلها لتُقام الحجة على العبد، فلذلك لما الإنسان يسوق له الله عز وجل من الشدائد هذه محض رحمة، و أنا أقول كلمة ؛ كل مؤمن في العناية المشدَّدة، فإذا ساقته الشدة إلى باب الله فهي عين الرحمة و عين العناية المشددة، أما إذا كان مرتكبا للمعاصي و الآثام فالله سبحانه و تعالى يطلق له العنان، هذا ليس رحمة من قِبَل الله الدليل قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية : 147]
يعني تقتضي رحمته الواسعة ألاَّ يرُدَّ بأسه عن القوم المجرمين.
الإنسان أيها الإخوة بمجرد أن يفهم على الله قطع أربعة أخماس إلى الله، لماذا ساق لك هذا ؟ هو غنيٌّ عن تعذيبك، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
[سورة النساء الآية : 147]
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
[سورة فصلت الآية : 30]
فيجب أن تعلم أنه ما من عثرة و لا اختلاج عرق و لا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر، و حاسبوا أنسكم قبل أن تحاسبوا و زِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنأخذ حذرنا، قال عليه الصلاة والسلام: (( والكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني.))
الملخص لهذا الدرس، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
[سورة النساء الآية : 147]
فإذا لاقيتَ مضايقات هذه محضا العناية المشددة من الله عز وجل، و قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾
[سورة طه الآية : 134]
فالله عز وجل أرسل الرسل و ساق الشدائد وأعذر من أنذر وعلى الإنسان أن يستجيب لله عز وجل.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية السادسة عشرة من سورة الأنبياء وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
لو أردنا أن نستكمل الموضوع، هناك آيات أخرى تقول:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)﴾
[سورة الحجر]
هناك آية تثبت، وهاتان الآيتان تنفيان، قال تعالى: ما خلقناهما إلا بالحق فماذا تعني كلمة الحق و كلمة الباطل و كلمة اللعب؟
أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى نفى أن يكون خلق السماوات و الأرض لاعبين، و اللعب أيُّ عمل لا جدوى منه ينتهي بانتهائه، أي عمل غير هادف يُمضَى به الوقت، فالله سبحانه وتعالى أجلُّ و أسمى و أعظم من أن يكون خلقه لعبا، نأتي إلى الدنيا كما تشاهدون ونتعب تعبا شديدا إلى أن نقف على أرجلنا و بعد حين يأتي ملَك الموت، وهناك غنيٌّ و هناك فقير و هناك قويٌّ وهناك ضعيف و هناك صحيح وهناك سقيم و هناك ذكيٌّ وهناك غبيٌّ و هناك ظالم و مظلوم ويأتي الموت و ينتهي كل شيء !! هذا لعب، إذا انتهت الحياة الدنيا و لا شيء بعد الدنيا فهذا عين اللعب، الإنسان يكاد ينفجر من الطعام والشراب و التخمة و إنسان يتمنى أن يأكل لقمة لحم في السنة، إنسان مسحور وإنسان ساحر و تنتهي الحياة و ينتهي كل شيء، هذا لعب، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
فإذا انتهت الدنيا هكذا وليس هناك تسوية حسابات و لا لي هناك إنصافا للمظلوم و لا محاسبة القوي و لا مكافئة المحسن و لا معاقبة المسيء فهذا لعب، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
ثم قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ(27)﴾
[سورة ص]
و قبل أن نصل إلى كلمة الحق، الله سبحانه و تعالى تفى أن يكون خلق السماوات و الأرض بالباطل، و ما هو الشيء الباطل ؟ هو الشيء الزائل، ولو أقمنا جدارا بلا أصول، هذا الجدار سيقع، لأنه بُنِيَ على أسس غير صحيحة، لكن الله سبحانه وتعالى ما خلق السماوات و الأرض وما بينهما باطلا، فخلق الكون ليبقى، أما نهاية العالم فستُحوِّله من حال إلى حال، و خلق الإنسان ليبقى، قال تعالى:
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾
[سورة الزخرف]
فالباطل هو الشيء الزائل، فلو فرضنا أنه صدر تشريع غير مدروس لا شك أنه بعد حين يُلغَى، فأي مشروع مرتجَلٍ غير مدروس بعد حين يُلغى لأن الواقع أثبت فساده و بطلانه، إذا من معاني الحق أنه عكس الباطل وهو الشيء الدائم، فأنت أيها الإنسان خُلقت بالحق ومعناه أنه لن تفنى إلى أبد الآبدين، وما الموت؟ هو انفصال النفس عن الجسد، فكنتَ في عالم و دخلتَ في عالم، كنت في نظام و انتقلت إلى نظام، كانت نفسك داخل جسمك فصار جسمك مرتكزا لنفسك، أما لك حياة بعد الموت، قال تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)﴾
[سورة آل عمران]
القبر أيها الأخوة يتسع للمؤمن حتى يكون مدَّ البصر، و حتى يصبح روضة من رياض الجنة و يضيق بالكافر حتى تختلف أضلاعه و يكون قطعة من النار قال تعالى مؤَكِّدا عذاب البرزخ:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾
[سورة غافر]
إذا كيف نفهم الحق ؟ نفهم الحق بالمعنى الباطل لأن الله عز وجل نفى أن يكون خلق السماوات و الأرض باطلا و اثبت أنهما خُلقتا بالحق، فالحق عكس الباطل، الباطل هو الشيء الزائل، قال تعالى:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾
[سورة الإسراء]
فالباطل الاعتقادي لو عاش سبعين سنة فبعدئذ يتهافت و يندثر و يصبح في الوحل، فالفكر الباطل يزهق و العمل الباطل يزهق، و زهوق اسم مفعول وهو صيغة مبالغة اسم الفاعل، أي كثير الزهوق، فالإنسان وُجد ليبقى، فحينما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
[سورة الأنعام]
أي خلق الكون ليبقى، و لكنه يتطور من حال إلى حال، هذا المعنى الأول، والمعنى الثاني،
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
العب هو الشيء العابث غير الهادف، فالحق عكس اللعب فإذا خُلق الإنسان بالحق فخُلق ليبقى و لهدف كبير، فإذا عرفت أن نفسك لا تموت و لكنها تذوق الموت، وفرق كبير بين أن يقول الله ﴿:كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾
[سورة آل عمران]
و بين أن يقول كل نفس ميِّتة، قال تعالى:
﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77)﴾
[سورة الزخرف]
فإما جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفد عذابها، هذا بالحق وهو عكس الباطل، أما بالحق عكس اللعب أنت خُلقت لهدف ثمين كبير و جليل قال تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(33)﴾
[سورة الأحقاف]
أيعييني رغيف أسوقه إليك، لي عليك فريضة و لك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك رزقك، و عزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك و لا أبتلي، وكنت عندي مذموما، أنت تريد و أنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد و إن لم تسلمني فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، خلقتُ السماوات و الأرض من أجلك فلا تتعب و خلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، فكلمات وجدت في القرآن خلق السماوات و الأرض بالحق، أي خلق السماوات و الأرض لهدف كبير، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)﴾
[سورة هود]
خلقهم ليرحمهم و ليسعدهم و ليعطيهم، ثم إنه خلقهم ليكونوا إلى أبد الآبدين في جنة نعيم أو في نار الجحيم.
فمعنى الحق، الشيء الثابت والهادف، أحيانا يُنشَأ في المعرض جناح من قماش لأنه أنشأ ليُهدم بعد أسبوعين أما رئاسة الوزارة فمن حجر لأنه بُنيَ ليبقى لا ليُهدم، فالكون خُلق ليبقى، و الكون مخلوق لهدف كبير، قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾
[سورة الأحزاب]
فلذلك ما لم تعرف هذا الهدف الكبير الذي خُلقت من أجله فأنت غي ضلال مبين و ضياع و تيه و عمى ما لم يعرف ذلك الهدف الكبير الذي خُلق الإنسان من أجله، والله سبحانه وتعالى خلق التراب للنبات وخلق النبات للحيوان و خلق الحيوان للإنسان و خلق الإنسان لله عز وجل، لذلك أيها الأخ الكريم لا يليق بك أن تكون لغير الله و لا يليق بك أن تزوِّر طاقاتك و فكرك وبيانك و عقلك و خبرتك لغير الله، لذلك قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾
[سورة التوبة]
فهو بيع قطعي لا خيار فيه، ولما علم المؤمنون أن الشاري هو الله و أن الثمن هو الجنة باعوا بيعة الرضوان من دون ثبوت خيار، لأنهم رأوا أنهم مغبونون أشد الغبن إذا باعوا أنفسهم و أموالهم لغير الله.
هذه الآية ترد في القرآن عشرات المرات، بل لعلها ترد المئات المرات، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ(27)﴾
[سورة ص]
وقال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)﴾
[سورة الحجر]
و قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾
[سورة الأنبياء]
فالحق خلاف اللعب و خلاف الباطل، والباطل هو الشيء الزائل و اللعب هو العمل العابث، و الإنسان من هذا الكون خُلق ليبقى و خُلق لهدف كبير، وأحد أركان الهدى أن تعرف الهدف الذي جئت من أجله
آخر شيء في الدرس، إنسان سافر إلى بلد، وهناك سؤال كبير ؛ لماذا أنا في هذا البلد ؟ إن كنت طالبا تتحرك نحو المعاهد و الجامعات و إن كنت تاجرا فنحو المعامل و المؤسسات و إن كنت سائحا فنحو المقاصف و المتنزهات، فلا تصح الحركة إلا إذا عُرف الهدف، دققوا في هذه الكلمة، لا تصح الحركة إلا إذا عُرف الهدف، و أنت في الدنيا لا تصح حركتك ولا نشاطك و لازواجك ولا بيعك ولا شراؤك إلا إذا عرفت لماذا أنت في الدنيا، قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾
[سورة الكهف]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والعشرون من سورة الأنبياء وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
بعضهم فهم هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قد يضع العبد الذي أمضى حياته في طاعة الله في النار، وقد يضع العبد الذي فجر فجورا كبيرا في الجنة، لماذا ؟ لأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، هذا المعنى يفهمه العامة من هذه الآية، و ماذا نفعل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[سورة الزلزلة]
ماذا نفعل بقوله تعالى:
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا(49)﴾
[سورة النساء]
و قوله تعالى:
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا(124)﴾
[سورة النساء]
" وقوله تعالى:
﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾
[سورة غافر]
و قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(40)﴾
[سورة العنكبوت]
و قوله تعالى:
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُنْ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ(16)﴾
[سورة لقمان]
و ماذا نفعل بقوله تعالى: ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾
[سورة هود]
هذه الآيات التي تؤكد عدالة الله و تؤكد رحمته ماذا نفعل بها، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[سورة الزمر]
يفهم العامة من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى قد يظلم لكنَّ ظلمه مغطى بقوله:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
مع أن هذه الآية لها معان أخر.
أول معنى: ليس من شأن الإله أن يُسأل، هذا مقام الألوهية وليس معنى ذلك انه ظالم و لكن ليس من شأن الإله أن يسأل، هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: لفرط عدالته، وعدالته تسكت الألسنة، فلا يسأل عما يفعل.
المعنى الثالث: أن أفعال الله سبحانه و تعالى ليست تتصف بالعلة الغائية، الإنسان إذا أراد أن يأكل خبزا لا بد من أن يزرع قمحا فهو مقهور بعلة الزراعة حتى يصل إلى القمح، وإذا أراد أن يشرب ماء لابد من حفر البئر، فالإنسان مقهور بعلة توصله إلى غايته، وهذا من ضعفه، ويكمِّل ضعفه بالوسيلة، ولو أراد أن يصل إلى حلب مقهور بركوب مركبة لكن العلة الغائية لا يمكن أن تتصف بها أفعال الله عز وجل، أفعاله كن فيكون، أنت إذا رأيت من يحفر بئرا في أرض و قلت له لماذا ؟ لقال لك لأصل إلى الماء، و إذا رأيت من يلقي في الأرض بذرة تسأله ماذا تفعل ؟ يقول لك أزرع القمح، لكن الله سبحانه وتعالى أفعاله كن فيكون لذلك لا يسأل عما يفعل، الله لا يحتاج إلى وسيلة ليصل بها إلى غايته و لا يحتاج إلى أداة، ونحن نحتاج إلى قلم، و مركبة و حفر بئر، فكل أفعالنا وسائل لغايات، ولضعفنا مقهورون بالوسائل، إذا أردنا الولد فلا بد من زوجة، تريد أن تشبع لابد من أن تأكل، أفعال العبد معللة و فيها علة غائية، لكن أفعال الله جل جلاله لا يمكن أن تكون محتاجة إلى علة غائية، لذلك لا يسأل عما يفعل لأن أفعاله كن فيكون، الشيء الثاني عدالته المطلقة تسكت الألسنة، لذلك لا يسأل عما يفعل، و المعنى الثالث شأن الله أن لا يسأل، هناك آيات كريمة تحير من ذلك قوله تعالى:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(118)﴾
[سورة المائدة]
فما علاقة العزيز الحكيم بالمغفرة ؟ لأنه ما من مخلوق إذا أراد أن يغفر إلا و يحاسَب من غيره، و لكن الله عزيز حكيم لا يُسأل عما يفعل، فإذا غفر فلا أحد يستطيع أن يسأله لماذا غفرت ؟ إذا ليس من شأن الإله أن يسأل و عدالته المطلقة تسكت الألسنة، فلا يسأل عما يفعل و المعنى الثالث حينما يفعل فعلا لا يحتاج إلى وسيلة ولا إلى علة، ولذلك أنت تسأل الإنسان لماذا تحفر الأرض ؟ يقول لك: لأجل بلوغ الماء، لماذا تأكل ؟ لأجل أن أشبع، وأفعال العبد معللة و فيها علة غائية، لكن أفعال الله جل جلاله لا يمكن أن تكون محتاجة إلى علة غائية، لذلك لا يسأل عما يفعل لأن أفعاله كن فيكون، قال تعالى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
هناك موضوع ثاني ؛ وهو أن الله عز وجل قدير و رحيم، بمعنى أن الأب الذي لا ينجب، و بعد عشر سنوات أنجب مولودا هو قطعة من روحه، هذا الأب عضليا ألا يستطيع أن يذبح ابنه ؟ يستطيع، ولكنه مستحيل، فربنا عز وجل قدير ورحيم، فقدرته لا يسأل عما يفعل، لكن أيفعلها، قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾
[سورة هود]
رجل راكب في سيارته مع زوجته بينهما تفاهم كبير وفيه محبة وود، ألا يستطيع أن يفعل هكذا على الوادي ؟ يستطيع، لكن يستحيل، فالله على كل شيء قدير و غفور رحيم، لذلك حسن الظن بالله ثمن الجنة، النبي عليه الصلاة والسلام مرض مرضا شديدا فظن بعض أصحابه أنه أصيب بذات الجنب، أعطوه دواء ذات الجنب فغضب فقال عليه الصلاة والسلام: ((ذلك مرض ما كان الله ليصيبني به ))
و يقاس على ذلك أن المؤمن مكرم عند الله، و سيدنا أبو الدرداء قيل له: احترقت دكانك، قال: ما كان الله ليفعل، فلما ذهبوا وجدوا دكان جاره قد احترق، المؤمن المستقيم له ثقة بالله و يحسن بالله الظن و يظن أن الله لا يضيعه و لا يتخلى عنه، لكنه يصلحه و يؤدبه، فالإنسان جزء من سعادته حسن ظنه بربه و الجزء الآخر توكله عليه، قال تعالى:
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾
[سورة النمل]
إذا معنى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
[سورة الأنبياء]
لا ينبغي أن نفهمها كما يفهمها عامة الناس، تعني أنه يضع عبده المؤمن الصادق المستقيم في جهنم و لا أحد يسأله، لا يليق هذا بكمال الله عز وجل، الأمر بالعكس فالله عز وجل إذا كان في الإنسان ذرة خير يأتي بها، فإذا انطوى الإنسان على شيء من الخير هذا الشيء ينمو و ينمو حتى يحمله على التوبة، فكل إنسان على شيء من الحياء وعلى شيء من الحب الرحمة هذا مصيره طيب، هذه الخيرات في نفسه تتنامى حتى تحمله على التوبة فارجوا الخير من الذين يستحون و ممن يرحمون وممن يحسنون وممن ينصفون، فهؤلاء يُرجى منهم الخير، فالقصد أن نفهم كلام الله وفق ما أراد الله، لا وفق ما يمليه علينا الجهلة لأن هذه الآية تعني أنه لا أحد يحاسبه، قال تعالى:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾
[سورة الشعراء]
فإذا وصف الله نفسه بالقسط يجب أن يكون معنى القسط كما نفهمه نحن ؛ لأن هذا القرآن بلسان عربي مبين.
قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾
(سورة الحجر)
لذلك هذا الدعاء: اللهم لا تسألنا عن شيء" لا أصل له بدليل هذه الآية، فلا بد من أن تسأل، قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾
[سورة العنكبوت]
فلا بد أن تفتن و لابد من أن تسأل وتحاسب وتقف موقف المسؤول، فأحيانا الإنسان إذا استلم منصبا يقول: أنا مسؤول كبير، فلو دقق في معناها لارتعدت فرائسه، معناها سوف تسأل و تقف بين يدي الله و تحاسب عن كل كلمة وعن كل شيء، فالطائر الذي يُقتل لغير مأكلة يأتي يوم القيامة وله دويٌّ كدوي النحل يقول: يا رب سله لِمَ قتلني ؟
إخواننا الكرام الإنسان العاقل الذكي قبل أن يفعل أي شيء يتصور نفسه أمام ربّه لماذا فعَلْتَ ؟ ولماذا أعْطيتَ ؟ ولماذا فَعَلْتَ ؟ ولماذا قسَمت ؟ مَن أعان ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، قال تعالى:
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾
معنى الآية أنَّه ليس مِن شأن الله أن يُسأل، ولكنّ مِن شأن المخلوق أن يُسأل، فالبَطَل الذي يهيئ جوابًا عن كلّ سؤال.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والعشرون من سورة الأنبياء وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
ما إعراب مِنْ ؟ مِنْ تُفيد اسْتِغراق أفراد النَّوْع، رسُول ذُكِر أو لم يُذْكَر.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
" فقوله لا إله إلا أنا هذه العقيدة، وقوله تعالى فاعْبُدون هذا العَمَل، أحْيانًا الإنسان يتوق إلى التَّلْخيص، وأحْيانًا يشْعُر بِحاجة إلى التَّفصيل، فهنا التَّلخيص، ومعنى هذا أنّ فَحْوى دَعْوى الأنبياء في القرآن الذين لم يُذْكروا، وفَحْوى دَعوة الرُّسل جميعًا أنَّه لا إله إلا أنا فاعبُدون.
الإنسان لماذا يعْصي الله ؟ هو يعصي الله لِنَقْصٍ في تَوحيدِهِ ؛ لأنَّه يظنّ أنَّ في هذه المعْصِيَة لذَّةً أو منْفعَةً، ويغيب عنه أنَّ الله بيَدِهِ كلّ شيء، فلماذا يُنافق ؟‍ لِنَقصٍ في تَوحيدِه، ولماذا يَخاف ؟ لِنَقْصٍ في تَوحيدِهِ، ولماذا يَقْلق ؟ لِنَقْصٍ في تَوْحيدِهِ، لماذا يداهن؟ لنقص في توحيده، فما من معصية و لا انحراف و لا تجاوز و لا خوف و لا تنقل ولا قلق و لا وجل إلا لنقص في التوحيد، لذلك الدين كله توحيد، الدين كله أن توقن أنهن لا معطي و لا مانع ولا رافع ولا خافض و لا معز ولا مذل ولا مسعد ولا مشقي ولا مكرم ولا مهين إلا الله، فعلاقتك مع الله وحده و حبَّذا إذا قرأت القرآن أن تستنبط الآيات الدالة على التوحيد مريحة جدا و سأضيف، إن كل مشكلة أساسها نقص في التوحيد و إن كل شقاء أساسه نقص في التوحيد، و الدليل قوله تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾
[سورة الشعراء]
و الإنسان لا يعلم و إذا علم لا ينصف و إذا أنصف ينسى، وإذا علم ولم ينسَ وأنصف لا يستطيع، لكنَّ الله بيده كل شيء، فكل أجهزتك بيده، قلبك بيده و أعصابك بيده ورزقك بيده و أموالك بيده و خصومك بيده و الأقوياء بيده و الضعفاء بيده، فأنت حينما تبتغي من غيره العطاء وقعتَ في خطأ كبير، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
العقيدة التوحيد و العبادة الطاعة، لذلك قالوا: نهاية العلم يقرأ و يكتب فقط، و التوحيد فوق الشهادات، فوق الليسانس و الماجيستر و الدكتوراه، و نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل ـ أنشأنا معملا أرباحه مائة بالمائة ـ و أعظم عمل " فاعبدون "، فنهاية العلم التوحيد و نهاية العمل الطاعة، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
[سورة الأنبياء]
أنت مخلص بقدر ما أنت موحِّد، و تتمتَّع بإرادة قوية بقدر ما أنت موحِّد، تشعر بالطمأنينة بقدر ما لأنت موحِّد و تشعر بالشجاعة بقدر ما أنت موحد، و تشعر بالرضا بقدر ما أنت موحد، ما تعلَّم العبيد أفضل من التوحيد، و أقول لكم مرة ثانية ؛ أتمنى إذا قرأتم القرآن أن تقفوا عند آيات التوحيد، قال تعالى:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود]
بعد أن طمأنك برجوع الأمر كله له أمرك بالعبادة.
﴿ فَاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
قال تعالى:
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾
[سورة الكهف]
قال تعالى:
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)﴾
[سورة الزمر]
قال تعالى:﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)﴾
[سورة الأعراف]
و قال تعالى:
﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55(﴾
[سورة هود]
و قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)﴾
[سورة الزخرف]
و قال تعالى:
﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾
[سورة الحج]
كيف نصل إلى التوحيد أساس الإخلاص و الاستقامة و أساس الراحة النفسية و أساس الجرأة و أساس الطمأنينة وأساسا الأمن، فكل الميِّزات المادية و المعنوية موجودة في التوحيد، لذلك شعار الإسلام " لا إله إلا الله " فلا مسيِّر في هذا الكون ولا معطي و لا مانع و لا معز ولا مذل و لا باسط و لا قابض و لا رافع ولا خافض إلا الله، وهناك مثل ردَّدته مئات المرات، أردت أن تسافر لابد من تأشيرة خروج و لا يمنحها إلا موظف واحد، وفي الدائرة ألف موظف فهل تبذل ماء وجهك لواحد لا سلطة عنده، هذا حمق، فأمرك بيد الله، لذلك أيها الأخوة، الصلحَ الصلحَ مع الله، تعامل مع الله مباشرة و أخلص له وتوخَّى الأمر و طبِّقه و ابحث عن المعصية و ابتعد عنها، ومن اتقى الله هابه كل شيء ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شيء، لذلك التوحيد أساس الإيمان فالإنسان ينافق بقدر نقص توحيده و يعصي بقدر نقص توحيده و يخاف بقدر نقص توحيده، والتوحيد غير الإيمان بوجود الله، هناك فرق كبير، ذاك توحيد الربوبية لا يختلف فيه اثنان في الأرض كلها و حتى الذين يعبدون الأصنام قال تعالى:
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[سورة الزمر]
البطولة ليست في توحيد الربوبية و لكن في توحيد الألوهية، هو المسيِّر.
الحقيقة بعد ما بيَّن ربنا عز وجل أن التوحيد هو كل شيء ساق بعض الآيات فقال تعالى :
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)﴾
[سورة الأنبياء]
من شق السماء فأعطت المطر و منشق الأرض فأنبتت الزرع، هذا موضوع التفكر، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)﴾
[سورة الأنبياء]
هذه الجبال "
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾
[سورة الأنبياء]
فالجبال موزعة توزيعا بحيث مع الدوران السريع تبقى الأرض مستقرة "
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)﴾
[سورة الأنبياء]
نهر الأمازون كثافته في الثانية ثلاثمائة ألف متر مكعب، ونبع الفيجة ستة وثلاثون ألف أثناء الثوران.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ﴾
[سورة الأنبياء]
هذه طبقة الأوزون التي تخلخلت الآن بسبب تغيير خلق الله، هذه المحركات و هذه المعامل وهذا التلوث وارتفاع غاز الفحم في الهواء مقابل ارتفاع الحرارة و ارتفاع الحرارة أثَّر على نزول المطر.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً ﴾
[سورة الأنبياء]
" وقال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) ﴾
[سورة الأنبياء]
هذه الآيات إذا فكر فيها الإنسان و دقق و تأمل يصل إلى التوحيد وما تعلمت العبيد مثل التوحيد




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الرابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، في سورة الأنبياء عدة قصص الأنبياء كرمهم الله عز وجل و ذكر قصصهم في هذه السورة.
بادئ ذي بدء، القصة في القرآن لها هدف كبير، إنها حقيقة مع البرهان عليها، فالمبادئ النظرية وحدها لا تقنع الإنسان فلا بد لهذه المبادئ من تطبيقات عملية و ما القصص التي وردت في القرآن الكريم إلا تطبيقات عملية لهذه المبادئ النظرية، لذلك قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(111)﴾
[سورة يوسف]
و القصة أسلوب تربوي بالغ التأثير لأن الإنسان حينما يقرأ القصة يتفاعل معها لأن أبطالها بشر والله سبحانه وتعالى جعل الأنبياء من بني البشر لتقوم الحجة على البشر، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾
[سورة التوبة]
و قال تعالى ﴿:قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة فصلت]
فكل الظروف التي تحيط بنا تحيط بالرسل و كل الضغوط يتحملونها، و البيئات يعيشونها و الملابسات يمرون بها فلذلك حينما ينتصرون على أنفسهم يكون الأنبياء حجة علينا، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر و تجري عليه كل خصائص البشر لهذا حينما انتصر على نفسه كان سيد البشر، ولا يقنع الإنسانَ أن يكون النبي ملَكا، فلا بد من أن يكون من بني البشر، يشتهي كما نشْتهي، ويُحِبّ كما نُحِبّ، ويغْضب كما نغْضَب، ولكنَّه انْتصَر على نفْسِهِ وسار على منهَج الله، ودعا إلى الله، لذلك نحن جميعًا حينما نقفُ أمام قبْر النبي عليه الصلاة والسلام نقول: نشْهَد أنَّك أدَّيْتَ الأمانة وبلَّغْتَ الرِّسالة ونصَحْت الأمَّة، وكشَفتَ الغُمَّة، وجاهَدْتَ في الله حقّ الجِهاد، وهَدَيْتَ العِباد إلى سبيل الرَّشاد.
الآن تنشأ عِدَّة أسئلة ؛ طبْعًا هذه الأسئلة تُثيرُها هذه القِصَّة، النبي صلى الله عليه وسلَّم قالوا عنه ساحِر، وقالوا عنه مَجْنون، وقالوا عنه كاهِن ؛ هذه التُّهَم التي ألْصَقَها كُفَّار مكَّة للنبي عليه الصلاة والسلام لماذا أثْبَتَها الله في القرآن الكريم ؟ لِيُتْلى إلى يوم القيامة، والحقيقة أنَّ الله تعالى أثْبَتَها لِيَكون النبي صلى الله عليه وسلَّم أُسْوَةٌ لنا، فهذه القِصَّة التي جَرَت مع سيِّدنا إبراهيم، كانت مِحْنةٌ شديدة أن يؤمر هذا النبي الكريم بِذَبْح ابْنِهِ، ومِحْنةٌ شديدة أن يُلْقى في النار، فما الحِكمة مِن ذِكْر هذه القِصَّة في القرآن الكريم ؟
هؤلاء الأنبياء جَعَلهم الله مُثُلاً عُلْيَا، وجعلهم الله تعالى أبْطالاً كي نقْتَدِيَ بِهِم، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
كلمة آتَيْنا أنَّ الرُّسُل لا يُكْتَسَبوا اكْتِسابًا، ولكن يُؤتى إيتاءً ‍، فَكُلّ مَن اسْتَقام على أمر الله، وأقْبَلَ عليه يُؤتى الرُّشْد ويُؤْتى الحِكْمة، قال تعالى:
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ(32)﴾
[سورة محمد]
فالكافر لا بدّ أن يفْعَل فِعْلاً أحْمقًا، ولا بدَّ أن يكون تَدْبيرُهُ في تَدْميرِهِ، ولا بدّ مِن أن يرْتَكِبَ عمَلاً جُنونِيًّا، ولا بدّ مِن أن يفْقِدَ الحِكْمة ؛ لأنّ الحِكْمة لا تأتي بالذَّكاء، ولا تأتي بِالخِبْرات ولكن تُؤْتى إيتاءً مِن الله عز وجل، فالله جلَّ جلاله إمَّا أن يُؤْتِيَ الحِكْمة وإما أن يحْجُبَها، وإما أن يأتي رُشْدَ الإنسان وإما أن يحْجُبَ عنه الحُجْب، فإذا أراد ربُّك إنْفاذَ أمْرٍ أخَذَ مِن كلّ ذي لُبٍّ لبَّه، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
لذا كلمات آتيْنَا ووَهَبْنا لا تعني أنَّها تأتي كَسْبًا، فالابن الصالِح لا يأتي كَسْبًا، قال تعالى:
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)﴾
[سورة الأنبياء]
." والحِكْمة لا تأتي كَسْبًا وإنَّما إيتاءً وكذا الرُّشْد، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
أيْ أنَّ إيتاء الله عز وجل وِفْق عِلْمٍ وحِكْمة والله جلَّ جلاله لا يُعْطي الأشياء جُزافًا، ولِمَن يسْتَحق ومن لا يسْتَحِق ! هذا ليس مِن شأن الإله، فالعَوام يقولون أحيانًا كلمات هي كُفْر ؛ كأن يقول أحدهم الله تعالى يُعطي الحلاوة للذي ليس له أضْراس !! هذا الكلام يعني أنَّه الحِكمة الإلهيَّة غير موجودة ! أما الله تعالى فيقول:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)﴾
[سورة الأنبياء]
قال تعالى :
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)﴾
[سورة الأنبياء]
لذلك ماذا يقول الشيطان ؟ قال تعالى: لأقْعُدَنَّ لك، فهناك سِتَّة جِهات ؛ الأولى نحو الأعلى وجِهَة نحو الأسفل، وجِهة عن اليمين وأخرى عن الشِّمال، وأخرى من الأمام والوراء، فالله عز وجل في هذه الآية أغْفل الجِهَة العُليا وأغْفل الجِهَة السُّفلى ‍! لماذا ؟ لأنّ الطريق الواصِل إلى الله عز وجل لا يمْكن أن يكون فيه شيطان، أما الجِهَة السُفلى فيض جِهة الافْتِقار إلى الله، وجِهة التَّذلُّل والانْكِسار والعبودِيَّة، وهذه الجِهة لا يستطيعُ الشيطان أن يأتِيَ منها، لذا جِهتان مَصونتان عن الشَّيطان وكَيْدِهِ جِهَة العلوّ، وجِهة الانْكِسار والافتِقار إلى الله عز وجل، أما قوله تعالى:
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
[سورة الأعراف]
بِاسْم الحداثة والعَصْرَنَة، وعصْر تقدُّم الإنسان تُرْتَكَب المعاصي والآثام، والفسْق والفُجور، فالشَّيْطان أحَدُ أكْبر مآخِذِهِ على هذا الإنسان بِدَعْوى التَّجْديد والتَّقدُّم والحضارة والعَصْرَنَة، ومِن خلفِهِم إذا كانت هناك عادات وتقاليد تُخالف الدِّين فالتَّمَسُّك بالعادات والتقاليد والتُّراث والأصالة وما إلى ذلك إذا كانت هناك مخالفات في الدِّين ؛ كان هذا أيضًا بابًا من أبواب الشيطان، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾
[سورة الأعراف]
الشَّمائل هي المعاصي مِن خَمْر والزِّنا والفُجور، أما عن أيمانهم فقد يقول الشيطان للإنسان أنت مَكتوبٌ عليك بالشَّقاوَة مِن الأجَل، وهذه الصلاة التي تُصَلِّيها ليسَت هي الصلاة المطلوبة، إذًا لا تُصَلِّ !! فالشيطان إما أن يأتي عن اليمين أو عن الشِّمال، أو مِن الأمام أو مِن الوراء، لذلك قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54)﴾
[سورة الأنبياء]
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))
[رواه الترمذي]
فالله عز وجل أعْظَمُ مِن أن تَعْصِيَهُ مِن أجل تقاليد وعادات، أحَدُ كِبار العلماء قال: والله ما مِن رجلٍ أحبُّ إليّ مِن شَيْخي فلان، ولكنَّ الحقَّ أحبَّ إليَّ منه ! فإذا كانت التقاليد وِفْق المنهج فلا مانِع، أما إذا صادَمَت المنهَج الإلهي والتشريع فلا نعبأُ بها، أنت لسْتَ عَبْدَ البيئة، ولا عبْدَ التقاليد ولا عبْدَ العادات ولكنَّك عبْدُ الله عز وجل، فالمؤمن الحرّ لا يستجيب إلا لأمْر الله عز وجل، وهناك قِصَّة شَهيرة جدًا، ولها مغْزى كبير، عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:
(( بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))
(رواه البخاري)
فالإنسان عليه أن يُعْمِلَ عَقْلهُ وقد ورَدَ في الأثَر أنَّ الله تعالى قال: ما خلَقْتُ خلْقًا أحبّ إليّ من العَقل، بِكَ أُعْطي وبِكَ آخذ ! فالإنسان إذا أعْمَل عقْلَهُ سَعِد، وإن عطَّلهُ شَقِي قال تعالى:
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) ﴾
[سورة الأنبياء]
لأكيدنَّ أصْنامكم ؛ أيْ سوف أُريكُم بِدَليل قَطعيّ أنَّها أحجار لا تنفعُ ولا تضرّ وسوف أحْمِلُكم على النُّطْق بأنَّها أحْجار، فلمَّا كسَّر هذه الأصْنام ووضَعَ الفأس في عُنُق كبيرِهم، قال تعالى:
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) ﴾
[سورة الأنبياء]
فَحَمَلهم على الاعْتِراف بأنَّ هذه الأصنام حِجارة لا تنفعُ ولا تضرّ.
أحد الأعراب كان له صَنَم مِن تَمْر، فلمَّا جاعَ أكلَهُ فقالت العرب: أكلَتْ وُدٌّ ربَّها، وأحدُ الرِّجال في الجاهِلِيَّة رأى صنمهُ قد بال عليه ثعلبان، فقال:
أإلـه يبول الثُّعلبان بِرأسِهِ لقد ضلّ مَن بالتْ عليها الثعالبُ
***
فالإنسان لا حقَّ له أن يؤمن بِشَيء لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يُحيي ولا يُميت.
قال تعالى:
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)﴾
[سورة الأنبياء]
وقرأْتُ تعليقًا لِشَيْخ الأزْهر عن حديث شريف فَحْواه أنَّ هذا النبي الكريم قد كذَب فقال هذا العالم: والله لأنْ أتَّهِم الراوي بالكَذِب أهْوَنُ عليَّ مِن أن أتَّهِمَ نبيًّا بالكذِب.
قال تعالى:
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) ﴾
[سورة الأنبياء]
الله عز وجل سَمَح لهم أن يُلقوا القبْض عليه، وسَمح لهم أن يُبْرِموا نارًا عظيمة، وسمَحَ لهم أن يُلْقوهُ في النار، فالسُّؤال الآن: أليْس الله قادِرًا على أن يُخْفِيَهُ عن الأنظار كما فعَلَ بِسَيِّدنا عيسى، قال تعالى: وما قتلوه وما صلبوه، فَلِمَ مكَّنَهم الله مِن القبْض عليه؟ ومِن إبرام النار ؟ أليْسَ الله قادِرًا على أن يُرْسِلَ أمطارًا غزيرة تطفئ نيرانهم ؟ هذه القصَّة دقيقة جدًّا فالله عز وجل أحْيانًا يُقَرِّبُكَ مِن الخَطَر، لِيَمْتَحِنَ إيمانك، فهذا سيّدنا موسى مع أصْحابِهِ، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي(62)﴾
[سورة الشعراء]
فرعون وما أدْراكم ما فرعون بِجَيْشِهِ وحِقْدِهِ وجبَروتِهِ واسْتِعلائِهِ وجَيْشِهِ الجرار وراء شِرْذِمَة قليلة وخائفة، تهرب منه والبحر أمامها وفرعون وراءَها ؛ ماذا قال أصْحاب موسى ؟ إنا لَمُدْرَكون ! والنبي عليه الصلاة والسلام في معركة الخندق قال أحدهم: أيزْعم صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيْصر وكِسْرى، وأحدُنا لا يأمنُ أن يقْضِيَ حاجتَهُ ؟! قال تعالى:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾
[سورة الأحزاب]
فالله تعالى أحيانًا يُقَرِّبُك من الخطَر، وكلمَّا قرَّبَك أكْثر وكنت ثابتًا فمعنى هذا أنَّك نَجَحْتَ ولذا قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾
[سورة العنكبوت]
فالله تعالى سوف يضَعُكَ في امْتِحانٍ دقيق دقيق تُكْشَفُ حقيقة إيمانِك، فكما أنّ المعادن كالإسْمنت تُجَرَّب قُوَّتها بآلات، وكذا كل مؤمن له درجة ينكَسِر فيها، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام في طريقه إلى المدينة كان مُلاحَقًا ودَمُهُ مَهْدورًا، ومائة ناقةٍ لِمَن يأتي بِهِ حيًّا أو ميِّتًا يتْبَعُهُ سُراقة فيقول له: يا سراقة كيف بِك إذا لبِسْتَ سِوارَي كِسْرى ؟! النبي عليه الصلاة والسلام كان واثِقًا من وُصوله المدينة، وسَيُقيم دولة، ويُنشأُ جيشًا، وسيَنْتَصر على أكبر قوَّة في العالم، وستأتي صحابتُهُ بِكُنوزِ كِسرى وتاجهِ وسِواراه وقميصهِ، وهكذا كان الحال فلمَّا جاءت كُنوز كِسرى لِسَيِّدنا عمر قال: أين كُنوز كِسْرى ؟ فألبسَهُ القميص والتاج والسِّوارين، وقال: أُعَرابِيٌّ مِن بني مَدْلَج يلْبِسُ سِواري كِسرى ؛ بَخٍ بخٍ ! فالأنبياء ثِقتهم بالله تعالى كبيرة، فالنبي وهو في هِجْرته يقول هذا الكلام، وبعد الطائِف يقول له سيِّدُنا زيْد: كيف تعود إلى مكَّة وقد أخْرَجوك ؟! فقال: إنَّ الله ناصِر نبيِّه! هؤلاء هم الأنبياء ؛ واثِقون مِن نَصْر الله، وواثِقون مِن أنَّ الله تعالى لن يتخلَّى عنهم، واله تعالى لا يدَعُ دينَهُ للكُفار، قال تعالى:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾
[سورة النساء]
فالآن يقول لك ضِعاف المؤمنين: انتهى الإسلام !! والعالم كلّه ضِدّه ! ومن قال لك هذا ؟ إذا كان الله معك فَمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فَمَن معَك ؟ فالله سَمَح للكفار أن يُلْقوا القبْض على سيِّدنا إبراهيم، وسمَحَ للنار أن تشْتعِل، وسمَحَ لهم أن يُلقوه في النار !!! فكانت كلمة مِن الله تعالى، قال تعالى:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾
[سورة الأنبياء]
قال العلماء: لو قال الله يا نار كوني برْدًا لمات مِن البرْد.
درس اليوم معناه أنَّ الله تعالى أحْيانًا يمْتَحِنُك، ويُقَرِّبُكَ من الخطر لِيَمْتَحِنَ إيمانك، والمؤمن مهما أحاطت بِهِ المِحضن فَهِيَ مِنَح، والشِّدَّة عنده شدَّةٌ إلى الله عز وجل، ونحن بِحاجة ماسَّة إلى ثِقَةٍ بالله عز وجل، وأنَّ الله لا يتخلَّى عنَّا، وأنَّهُ يُحِبُّنا، ولكن عليكَ أن تُطيعه ونحن إن لم نقْبل بالاسْتِقامة فلْنَسْتَعِدّ للمتاعِب، قال: عظني ولا تُطِل..." وعلى قدْر طاعة لله عز وجل يأتيك النَّصر والتَّطْمين.
قال تعالى:
ً﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) ﴾
[سورة الأنبياء]
والله تعالى يقول:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12(﴾
[سورة آل عمران]
الكفار جميعًا أين هم الآن ؟! في مَزْبلة التاريخ ! أين أبو لهب ؟ وأبو جهْل ؟ ولكن أين أبو بكر ؟ إلى جنب المصطفى عليه الصلاة والسلام.
كن مع الله ترى الله معك واتْرُكِ الكُلّ وحاذِر طمَعَك
وإذا أعْطاكَ مَن يَمْنَعُــهُ ثمّ مَن يُعطي إذا ما منَعَك
***






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، لازلنا في سورة الأنبياء، وقد ورَدَ ذِكْرُ الأنبياء أغْلبِهِم في هذه السورة ولكِنّ الذي يهمُّنا في نِهاية المطاف هذا التَّعقيب الذي شَمَل جميع الأنبياء، قال تعالى:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(90)﴾
[سورة الأنبياء]
أيها الأخوة الكرام، أنت موْجُود في الدنيا مِن أجل أن تعْمل الخيْر فقط وإذا أردْت الدليل، فهاكَهُ: الإنسان حينما يأتيهِ مَلَكُ الموت ينْدَمُ على ماذا ؟ ينْدم على العمل الصالح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾
[سورة المؤمنون]
فَكُل إنسان غفَل عن المهمَّة الأولى التي جاء مِن أجْلها فهو غافِل وضالّ، فأنت لم تأتِ إلى الدنيا مِن أجل أن تجْمَعَ الدِّرْهم والدِّينار ولم تأت إلى الدنيا مِن أجل أن تنْغَمِسَ في الملذَّات، إنَّك أتَيْتَ إلى الدنيا مِن أجل أن تعبد الله، وعِبادة الله هي تَطبيق منْهَجِهِ، والتَّقرُّب إليه وهذا لن يكون إلا بِمَعرفة الله تعالى، فإذا عرفْتَهُ عبَدْتَهُ، وإذا عبَدْتَهُ سَعِدْتَ بِقُرْبِهِ، وهذا هو الهَدَف، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود]
إذًا كما قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ﴾
[سورة الأنبياء]
الله عز وجل قال: سارِعوا وقال: سابِقوا، وهاتان الكلمتان تُشيران إلى مُضِيّ الزَّمَن، والزَّمَنُ مَحْدود والإنسان بِضْعة أيَّام، كلَّما انقضى يومٌ انْقضى بِضْعٌ منه، وما مضى فات والمُؤمَّل غَيْب ولك الساعة التي أنت فيها.
أيها الأخوة، نحن جميعًا لا نمْلِكُ إلا هذه الساعة، لأنّ الذي مضى لن يعُود، والمستقبل لا نعرف إن كنَّا من الذين يبْلُغونه أم لا ! ومن عدَّ غدًا مِن أجَلِهِ فقد أساء صُحْبة الموت، وهَلَك المُسَوِّفون، وسوف مِن جُنود إبليس، لذلك أخْطر مرضَيْن يُصابُ بِهما الإنسان مرض الغفْلة ومرض التَّسْويف.
قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(9)﴾
[سورة المنافقون]
وقال تعالى:
﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ(10)﴾
[سورة المنافقون]
قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ﴾
[سورة الأنبياء]
فاليأسُ مرض، والانْبِساطُ الشديد مع الله تعالى مرض، فالانْبِساط الشديد عِقابُهُ الحِجاب، واليأس دليل الجهْل بالله عز وجل، ولكنّ المؤمن يدعو ربَّهُ راجِيًا وخائِفًا وسَهل على الإنسان أن يتطرَّف، ولكنّ البُطولة أن تجْمَعَ بين الخَوْف والرَّجاء، وبين الرَّهبة والرَّغْبة، لذلك قال: يا رب، أيُّ العِباد أحبُّ إليك حتَّى أحبَّه بِحُبِّك ؟ قال: أحبُّ العِباد إليّ تَقِيُّ القلب، نقِيُّ اليدَيْن لا يمْشي إلى أحَدٍ بِسُوء، أحبَّني وأحبَّ مَن أحبَّني وحبَّبني إلى خلقي قال: يا رب، إنَّك تعلم أنِّي أُحِبُّك وأُحِبُّ مَن يُحِبُّك، فكيف أُحَبِّبُكَ إلى خلقِك ؟! قال: ذَكِّرْهم بآلائي ونَعمائي وبلائي، قال شُرَّاح الحديث: الآلاء مِن أجل أن تُعَظِّمَهُ، والنَّعماء مِن أجل أن تُحِبَّهُ، والبلاء مِن اجل أن تخافهُ، ولا بدّ مِن أن يجْتَمِعَ في قلب المؤمن تَعْظيم لله، وخوفٌ منه، ومحبَّة إليه، فالنِّعَمُ سبب المحبَّة، أحِبُّوا الله لِما يغْدوكم به مِن نِعَمِه، والبَلاء سبب الخوف، والآلاء سبب التَّعظيم، فأنت بالآيات الكَوْنِيَّة تُعَظِّمُهُ، وبالنِّعَم السابغة الظاهرة والباطنة تُحِبُّه، وبالمصائب و الابْتِلاءات تخافُهُ فالوضع الصِّحي أن يكون في قلبِكَ تعظيم وحبٌّ وخَوف، فالحُبّ مِن دون خَوف انْبِساط وتمادي وتساهل وخوفٌ من دون رجاء يأسٌ وقنوط وخوف ورجاء من دون تعظيم يضعف الخَشْية، قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) ﴾
[سورة الأنبياء]
وقال تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)﴾
[سورة المؤمنون]
قال العلماء: الخُشوع في الصلاة ليس مِن فضائِلها، ولكن مِن فرائِضِها ! فَهُم ما أفْلحوا لأنَّهم يُصَلُّون، ولكنَّهم في صلاتهم خاشِعون، وفي آياتٍ أخرى قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾
[سورة النساء]
وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)﴾
[سورة الأحزاب]
فالأمْر ليس على الذِّكْر، ولكنْ على الذِّكْر الكثير ! لأنَّ المنافقون يذْكرون الله تعالى، قال تعالى: ولا يذكرون الله إلا قليلا.." معنى الأمْر على الكثير.
قال تعالى:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)﴾
[سورة الأنبياء]
قد لا يفْهم بعض الناس حِكمة امرأة فِرْعون على أنَّها صِدِّيقة ! فرعون الذي قال كما قص الله تعالى::
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى(24)﴾
[سورة النازعات]
أنا ربكم الأعلى، وقال تعالى:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص]
لِحِكْمة بليغة بليغة أراد الله أن تكون زَوْجتهُ صِدِّيقة لِتَكون هذه المرأة الصِّديقة آية لِكُلّ نِساء العالمين، بِمَعنى أنَّ المرأة مُسْتَقِلَّةٌ في عقيدتها، وفي طاعتها لِرَبِّها عن زوْجِها، مُعْظم النِّساء يقلن الآن: هكذا يريد زَوجي ! إن شاء الله في صحيفتِهِ !! لا، بل في صحيفَتِكِ أنت !!! لا طاعة لِمَخلوقٍ في مَعْصِيَة الخالق، فامرأة فِرعَون جابَهَتْ مَن ؟ جابَهَتْ منْ يدَّعي الألوهِيّة، والذي قتَّل بني إسرائيل واسْتَحْيى نِساءَهم، وبَقِيَت مُطيعةً لله عز وجل، وصِدِّيقةً، فأيَّةُ امرأة يُجْبرُها زوْجُها على الاخْتِلاط، أو على أن تتكشَّف أمام أصْدِقائِهِ، أو على أن تُسايِرَهُ في معْصِيَة، وتقول: ماذا أفْعَل هذا زوْجي، وإذا لم أفْعَل يُطَلِّقني !! نقول لها اسْمعي ماذا قال تعالى عن امرأة فِرعون:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾
[سورة التحريم]
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا(15)﴾
[سورة الإسراء]
ولا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق، وقال تعالى:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
[سورة لقمان]
وقال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾
[سورة الكهف]
ولا تُطِع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتَّبع هواه وكان أمره فهذه قالتْ له أُمُّه: يا سعْد، إمَّا أن تكْفر بِمُحَمَّد وإما أن أدَعَ الطَّعام حتَّى أموت ! فقال: يا أُمِّي لو أنَّ لك مائة نفْسٍ فخرجَت واحدَةً واحِدَةً ما كفرْتُ بِمُحَمَّد، فَكُلي أو لا تأكلي !! فالأم أمّ ولكن لا تُطاع في المعْصِيَة، والأب أب ولكن لا يُطاع في معْصِيَة، قال تعالى:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
[سورة الإسراء]
العبادة لله تعالى، والإحْسان للوالدَين، أما أن تعبُدَ الوالدين من دون الله، فَتَرْتَكِب الكبائر إرْضاءً لهما فلا ثمَّ لا.
عندنا باللغة العربيَّة، وفي البلاغة أسلوبًا يُسَمَّى الاسْتِخدام والاسْتِخدام أن تذكُرَ كلمةً وأن تُعيد عليها الضمائر لِمَعانٍ أخرى مِن معانيها ويأتون على ذلك بِشَاهدٍ واضِحٍ، وهو قولهم: أقرَّ الله عَيْنَ الأمير وأجْرى له ماءَها، وكفاه الله شرَّها، فقَوْلُهُ: أقرَّ الله عَين الأمير أي عَيْنَهُ، وأجْرى له ماءَها أيْ ماء البستان، وكفاه الله شرَّها أيْ عَين الحَسود، فنحن أتَينا بِكَلمَة عَين وأعَدْنا عليها الضمائِر لِمعانٍ أخرى فالله تعالى أيضًا قال:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(1)﴾
[سورة التحريم]
الفرج معروف فنفَخنا فيه، أي في فَتْحَةِ الثَّوْب، فَمِن معاني الفرْج فتْحَةُ الثَّوب العليا، ثمَّ قال تعالى:
﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(12)﴾
[سورة التحريم]
ويأتون بِشاهِدٍ آخر وهو قوله تعالى:
﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
[سورة البقرة]
فالقَمَر لا يُصام بل يُصام معنى آخر من معاني الشَّهر وهو الثلاثون يومًا ؛ فهذا أُسلوب الاسْتِخدام، فَلكي لا يتوهَّم الواحِد أنّ النَّفْخ كان في فرْجِها المعروف !
المُلخَّص ؛ أنتم يا بني البشَر عليكم أن تفعَلوا ما فعل الأنبياء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وَقَالَ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))
[رواه مسلم]
لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إنّ الله أمر المسلمين بِما أمر به المرسلين))
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾
[سوة هود]
فَجِنْسُ البشر واحِد، والجِبِلَّة واحِدَة، وكذا الخصائِص، والقوانين واحدة، وكذا الحركات والنُّفوس مَجبولة على حبّ مَن أحسَن إليها وبُغْض مَن أساء إليها، وبالمناسبة لولا أنّ النبي عليه الصلاة والسلام مِن بني البشَر، ولولا أنّه تجري عليه كلّ خصائص البشَر، لما كان سيِّدَ البشَر، فلأنَّه تجري عليه خصائص البشَر أصبح سيِّد البشر ولأنّه انتَصَر على نفسِهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))
[رواه الترمذي]
فهو عليه الصلاة والسلام جاع كما يجوع البشر، وأوذِيَ كما يؤْذى البشَر، وفي الطائف سَخِروا منه، واستهزءوا به وهو يقول: اللهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون، لعلَّ الله يخرج من أصلابهم من يُوَحِّدُهُ !
أيها الأخوة الكرام، المُلَخَّص قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) ﴾
[سورة الأنبياء]
وهناك آية تنْظِمان العلاقة بين الخالق والمخلوق، قوله تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾
[سورة الأنعام]
أي يا عبادي منكم الصِّدْق ومِنِّي العَدل، وتتفاوتون عندي بِمِقْدار صِدقِكم، ومِنِّي العَدل.
بهذا تنتهي سورة الأنبياء ؟، وأنتم كما تعلمون نأخذ مقاطِع منها وننتقل في درسٍ قادِم إلى موضوع له علاقة بهذه السورة نرجئه.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:19 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الدرس الأخير مِن سورة الأنبياء، يتركَّز حول آيةٍ كريمة، وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
هذه الآية تُذَكِّرنا بِآية أخرى، وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة الكهف]
وقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
بالآية شيئان ؛ عقيدة وعمل، ومُنْطَلَقات نَظَرِيَّة، وتَطبيقات عَمَلِيَّة، فلو أنَّ إنسانًا معه مرضٌ جِلدي، وهو بأمَسِّ الحاجة إلى الشَّمْس، ليَتَعَرَّض لها، ويشْفى مِن مرضِهِ، لو أنَّه قال: إنَّ الشَّمس ساطِعة، ماذا يُفيدُهُ هذا القَوْل إن لم يتعرَّض إلى الشَّمس ؟! فلو أنَّه أقرَّ أنَّها ساطِعَة فَهِيَ ساطِعَة، وإقْرارُهُ تَحصيلُ حاصِل ! ولو أنَّه قال: ليْسَتْ ساطِعَة، فهُوَ أنْكَرَ شيئًا واقِعًا، وإنْكارُهُ لا معنى له ! فلا إنكارُكَ له معنى، ولا إقرارُكَ له معنى، إن لم تأخذ مَوْقِفًا عَمَلِيًّا، وإن لم تتحرَّك قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال]
مع أنَّ العقيدة الصحيحة ضَرُورِيَّة ومطْلوبة، ولكِنَّك إن اكْتَفَيْتَ بِها لا تُغْني عنكَ شيئًا، لذلك الآية الأولى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة الكهف]
ربُّنا عز وجل يُلَخِّص القرآن كلَّهُ مِن دفَّتِهِ إلى دفَّتِهِ، وآية اليوم:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
لذلك أيُّها الأخُ الكريم طالِبْ نفْسَكَ بعد أن صَحَّتْ عقيدَتُكَ بالتَّطبيق العملي والمَوْقِف الحركي، وبالالتزام، وبالطاعة والبَذْل والإنفاق وبِإقامة الإسلام في بيْتِك، وبإقامَتِهِ في عَمَلِك، ولا تكْتفي بالإقْرار فإبْليس لعنه الله أقرَّ بالرُّبوبيَّة لله تعالى، وبالعِزَّة ومع ذلك قال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)﴾
[سورة الحجر]
أيها الأخوة الكرام، هذه آيةٌ تُعَدُّ أصْلاً في تلخيص كِتاب الله كلِّه فالقرآن كلُّه تَوحيدٌ وعِبادة، والدِّين كلُّه تَوحيدٌ وعِبادة، والعقيدة هي التَّوحيد والسُّلوك هو العِبادة.
السؤال الآن ؛ هل هناك مِن علاقة بين التَّوحيد والعِبادة ؟! علاقة خطيرة جدًّا وعلاقة وَظيفِيَّة، فأنت لت تعْبُدَهُ وَحْدَهُ إلا إذا أيْقَنْتَ أنَّ الأمْر كلَّهُ بِيَدِهِ وَحْدَهُ، لذلك الله عز وجل بِحَسَب عَقْلِكَ، وبِحَسَبِ ما فطَرَك عليه ما أمرَكَ أن تَعْبُدَهُ إلا بعد أن طَمْأنَكَ أنَّ الأمْر كلَّهُ بِيَدِهِ قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
[سورة هود]
فالمرحلة الثانية: هل هناك مِن علاقة بين التوحيد والعبادة ؟! لن تَعْبُدَهُ إلا إذا وحَّدْتَهُ، أما إذا توهَّمْتَ أنَّ مصيرَك ورِزْقَكَ وحياتَكَ ومَوْتَكَ بِيَدِ زَيْد، فلا بدّ مِن أن تعْبُدَ زيْدًا ! ولا بدّ مِن أن تُطيعَهُ وتعصي الله تعالى !! وهذا هو شأنُ الإنسان، وحقيقتِهِ، فَمهما اعْتَقد أنَّ أمْرهُ بِيَدِ زَيْد لا بدّ مِن أن يعْبُدَ زيْدًا، ويعْبُدَهُ حقيقةً، ولو قال: أنا أعبُدُ الله لذا علاقة العبادة بالتَّوحيد هي علاقة سبب بِنَتيجَة، فلن تسْتطيع أن تعْبُدَهُ إلا إذا وحَّدْتَهُ فإذا اعْتَقَدْتَ أنَّهُ وحْدَهُ يُعطي ويَمْنَعُ ويرْفع ويخفض ويُعِزّ ويذِلّ ويُحيي ويُميت، ويشْفي ويُمْرِض، يُغْني ويُفقِرٌ، ويُسْعِدُ ويُشْقي ؛ كلّ هذا وحده لا شريك له، عِنْدَئِذٍ تلتَفِتُ إليه وحْدهُ، فتَوحيد الرُّبوبيَّة شيء وتوحيد الألوهِيَّة شيءٌ آخر، تقريبًا كلّ بني البشَر يعْتَقِدون أنّ لِهذا الكون خالقًا واحِدًا، لكنّ القِلَّة القليلة هي التي تعْتَقِدُ أنّ لهذا الكون إلهًا واحِدًا مُسَيِّرًا، فلو جلَسْتَ مع الناس لرأيْتَهُم يعْزون الخَلْق والأمْر والقوَّة والتَّصرُّف للقِوى التي يَرَوْنها في الأرض، يقولون: القوَّة الفلانيَّة، والنِّظام الفلاني، وتارةً يعْزونها إلى جِهاتٍ أرْضِيَّة أو جِهاتٍ خُرافِيَّة، ولكنَّ المؤمن الحق يعْزو هذا إلى الله تعالى، قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾
[سورة يونس]
قالوا: الاتِّحاد السوفيتي السابق كانت له قنابل ذريَّة تُدَمِّر الأرض خمس مرَّات !! والآن هو يتهاوى كما يتهاوى بيتُ العنكبوت !!!
أيُّها الأخوة الكرام، كلّ بني البشر لا يستطيعون أن يعبدوا الله إلا إذا وحَّدوه، وما تعلَّمَتِ العبيد أفضل من التَّوحيد، والتَّوحيد نِهايَةُ العِلْم والعِبادة نِهاية العَمَل، فإذا وحَّدْتَهُ وعبَدْتَهُ حقَّقْتَ المُراد مِن وُجودِكَ في الدنيا، وحقَّقْتَ الهدف الأمْثل، لذلك الآية الأولى:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾
[سورة الأنبياء]
يُطيعُهُ في منهَجِهِ، ويعمل الصالحات تَقَرُّبًا إليه والآية الثانية:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة الكهف]
ثمَّ يقول الله عز وجل:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ﴾
[سورة الأنبياء]
هناك آية أخرى وهي قوله تعالى:
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾
[سورة آل عمران]
ماذا يُسْتفاد مِن هاتين الآيتين ؟! أنَّ للباطِل جَوْلة، فمهما رأيتَهُ قَوِيًّا، وجبَّارًا ومُتَمَكِّنًا، الله جلَّ جلاله على أتْفَهِ الأسباب يقلبُ الأمور رأسًا على عَقِب، والآية الكريمة:
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾
[سورة آل عمران]
وفي أواخر آل عمران يقول الله عز وجل:
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾
[سورة آل عمران]
وقال تعالى:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ(55)﴾
[سورة التوبة]
لذلك الآية الكريمة:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) ﴾
[سورة الأنبياء]
فالأُمور تسْتَقِرّ لِصالِحِ المؤمنين، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾
[سورة آل عمران]
أصْبَحَ على الإنسان أن يتفاءَل، وعليه أن لا يتشاءم، وأن لا ييأس، ولا أن يخْنَع، فالقُنوط واليأس مِن لوازِم الكفْر بالله، أما المؤمن فأمْرُهُ كُلُّه بِيَدِ الله، ولا يرْضى بِطاعة الله بديلاً، وما ترَكَ عبْدٌ شيئًا لله إلا عوَّضَهُ الله خيرًا منه في دينِهِ، ودُنْياه، ومَن أصْبح وأكبر همِّه الدنيا...راغمة ".
نُنْهي هذه السورة بهاتين الآيتين اللَّتين لخَّصتا الدّين كُلَّه.



والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس السابع






أيُّها الأخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة الأنبياء، وهي قوله تعالى :
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
هذه الآية شُرِحَت البارحة وتَتِمَّة هذه الآيات، قوله تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
تَوَلَّوا عنْ ماذا ؟ الآية الكريمة:

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
إن لم يقْبَلوا عقيدة التوحيد، وإن لم يَقْبَلوا توْحيد الألوهِيَّة، وإن أصَرُّوا على أنَّ هناك شُركاء بِيَدِهم الأمْر ! أو تَوَلَّوا عن طاعة الله، ؛ لأنّ الآية الكريمة:

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
فإمَّا أن تَوَلَّوا عن قَبول هذه العقيدة، أو أنَّهم تَوَلَّوا عن تَصديق هذا الأمر، فإما أحدهما أو الآخر أو كلاهما، فإن تَوَلَّوا فقُل يا محمَّد آذَنْتُكم على سواء ؛ أي أبْلغتكم جميعًا وانتَهَت مُهِمَّتي، قال تعالى:
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(18)﴾

[سورة العنكبوت]
وقال تعالى:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56) ﴾

[سورة القصص]
وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾

[سورة المائدة]
والله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة يقول:
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾

[سورة المدثر]
دَعْهُ لي إن لم يسْتَجِب.
أيها الأخوة هناك موضوع دقيق جدًا ورَدَ في سورة الأعراف، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(94)ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(95)﴾

[سورة الأعراف]
هذا الموضوع دقيق جدًا، وهذه الآية تُبيِّن أنَّ سياسة الله مع عبادِهِ أساسُها أربعة مراحل، فأوَّل المراحل الدَّعْوة البيانِيَّة، وهي الكلام فالله جل جلاله يُرسِل الأنبياء، والمرسلين والعلماء والدُّعاة يُبَلِّغون الناس الحق بألْسِنَتِهِم، فإن لم يسْتجيبوا تَوَلَّى الله تأديبهم، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة الأنفال]
وقال تعالى:
﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ(94(﴾

[سورة الأعراف]
المرحلة الثانية ؛ هي الدَّعْوَة التأديبِيَّة عن طريق البأساء والضَّراء ماذا ينبغي أن يفْعَل الإنسان إذا ضيَّق الله عليه وشدَّدَ عليه ؟ عليه أن يضَّرَع إلى الله تعالى، فإن تضرَّع إلى الله تعالى انتهى الأمر.
فإن لم يتضرَّع دخَلَ بِمَرحلة ثالثة ؛ الإكرام الاسْتِدْراجي، قال تعالى:
﴿ثمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(95)﴾

[سورة الأعراف]
جاءَتهم الدنيا واغْتَنَوا وفُرِّجَ عنهم، وشَعَروا بِحُرِيَّةٍ، فإذا جاء الإكرام الاسْتِدْراجي، لا بدّ أن يكون المَوْقف مَوْقِفَ شُكرٍ لله تعالى، ويتوب إليه، فإن لم يشكُر لم يبْقَ مِن المراحل إلا آخرها، وهي مرحلة القَصْم قال تعالى:

﴿ثمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(95)﴾

[سورة الأعراف]
فهذه الآية مِن أدقِّ الآيات، مرحلة بيانيَّة ومرحلة تأديب، وإكرام اسْتِدراجي، وفي الأخير القَصْم.
لذلك الآن كما قال تعالى:

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾

[سورة الأنبياء]
أي لم يؤْمنوا بهذه العقيدة، كما أنَّهم لم يُسْلِموا لله عز وجل، قال تعالى :

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾

[سورة الأنبياء]
أبْلَغْتُكم، وانْتَهَتْ مُهِمَّتي، أما متى يأتي التأديب الإلهي ؟ فهذا لا أعْلَمُهُ ! يأتي بعد شهر أو شهرين أو سنة أو أكثر، فهذا لا أعلمهُ، وهل تقتضي حِكمة الله تقْتضي التأديب السريع أو الإمْهال، فهذا لا يعلمُهُ أحد، قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109)﴾

[سورة الأنبياء]
يعني لا أدري، وهذا مَتروك لِحِكمة الله، قال تعالى:
﴿طقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾

[سورة الروم]
فالفاء هنا تُفيد الترتيب على التعقيب، وفي آية ثانية قال تعالى:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)﴾

[سورة الأنعام]
ثُمّ تُفيد الترتيب على التراخي، فقد يأتي العِلاج باكِرًا وحاسِمًا، وقد يأتي مُتأخِّرًا لِحِكمة يُريدُها الله تعالى، وهذه لا يعلمُها أحد.
ثمَّ يقول الله:

﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) ﴾

[سورة الأنبياء]
أحيانًا يعصي الإنسان، ولكن مَغلوبٌ على أمْرِهِ، وهوة يتمنَّى أن يُطيعُ فالله تعالى يُعطيه مُهلة، وأحْيانًا يعْصي ويتحدَّى ! ويفْتَخِرُ بِمَعْصِيَتِهِ.
قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)﴾

[سورة الأنبياء]
لعلَّ الله تعالى بِهذا الإمهال أراد أن يسْتَدرِجَهُ، أو لعلَّه أجَّل لكم أجلاً لا يتقدَّم ولا يتأخَّر وعلى كُلٍّ هنا بدَتْ عُبودِيَّة الله عز وجل، وأنَّ ما عليه إلا البلاغ، وهناك آية أخرى، وهي قوله تعالى:

﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ(144)﴾

[سورة الأعراف]
مُهِمَّة النبي التَّبليغ وانتَهتْ مُهمَّتُهُ، ومُهِمَّة العبد التطبيق فالداعي تنتهي مُهِمَّتُهُ بالتبليغ، والمستمِع تنتهي مُهِمَّتُهُ بالتطبيق، والإنسان لا يحْمل السُّلَم بالعَرْض ! والله تعالى لم يُكَلِّفْكَ ما لا تُطيق، وإذا عَبَدْتَ الله تعالى وشَكَرْتَهُ على ما أولاهُ لك مِن نِعَم، فقد حقَّقْتَ العُبودِيَّة الكاملة.
قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
فالنبي بيَّنَ وبيَّن، ووضَّحَ وبشَّر وحذَّر وأنْذَر، وأعاد وكرَّر حتَّى اسْتَنْفذَ كلّ الأسالي، والكفار كذَّبوا وسَخِروا وأتمروا، وأخرجوا ونكَّلوا وآذَوا، واسْتَنْفذوا كلّ الأساليب وما بَقِيَ إلا أن يتدخَّل الله تعالى، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا(6)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7)﴾

[سورة نوح]
فأنت ما عليك إلا التَّبيِين والتَّوضيح، والاستجابة ليْسَت عليك،قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
فهم بالغوا في الإساءة من تَكذيب، وسُخريَة وما تركوا سبيل الشرّ إلا طبَّقوه.
قال تعالى:

﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
قال أحدهم كلمة رائِعَة: الحمد لله على وُجود الله تعالى، يعلم السرّ وأخفى، يعلم مَن هو على الباطل، والمُفتري، ومَن هو على الحق، ومَن هو الطيِّب و من هو الحاقد و من هو البريء، الحمد لله على وجود الله، و من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس فيه، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)﴾

[سورة الأنبياء]
ملخَّص الدين كله الكتاب كله ؛ لا إله إلا الله، فعليكم أن تعبدوه، قال تعالى:

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾

[سورة الأنبياء]
إما عن التصديق بألوهيته أو عن عبادته أو عن كليهما.

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ ﴾

[سورة الأنبياء]
أنا بينت لكم و انتهت مهمتي، أمَّا متى يأتي العلاج فهذا ليس عندي،أمره إلى الله، قال تعالى:

﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) ﴾

[سورة الأنبياء]
ثم لما بالغ الناس في تكذيبه بالغ هو في دعوته، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
إذا قلت إن هذا الماء عكر وهو صافٍ، فكلامك لا يغيِّر من طبيعته القافلة تسير و الكلاب تنبح، و ما ضرَّ السحابَ في السماء نباحُ الكلاب، و ما ضر البحر العظيم أن ألق غلام فيه بحجر، ولو تحوَّل الناس كلهم إلى كنَّاسين لِيُغَبِّروا على الإسلام ما غبَّروا إلا على أنفسِهم، فهذا دينُ الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) ﴾

[سورة الأنبياء]
فلو كان معك كيلو غرا مِن الذَّهب، وقال لك الناس: هذا معْدن خسيس، لما كان لِكلامهم معنى وكذا لو أوْهَمْتَ الناس أنَّ هذا المعدن الذي معك من رصاص أو نحاس هو مِن الذَّهب، واقْتَنَعوا بِما قلتَ فقناعَتُهم لا تجْعلُهُ ذهبًا ! فَخَيْرُكَ مِنك وشرُّكَ مِنك، وأنت وحْدَكَ الرابِح، وأنت وحْدَك الخاسِر، وهنيئًا لِمن عرف ربَّه، وتقرَّب إليه.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 08:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الانبياء ( 21 )


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين:
أيها الأخوة الكرام:
أخ كريم رجاني البارحة، أن أفسر هذه الآية، فأجبته إلى طلبه هي قوله تعالى:
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)﴾
لو قرأنا القرآن الكريم، لوجدنا فيه كليات عديدة، كليات، ففي القرآن الكريم، آيات كونية، قد تصل إلى ثلثه.

﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ﴾

( سورة آل عمران: 190، 191)

﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت﴾

( سورة الغاشية: 17، 81، 19، 20 )
هذه الآيات ومثيلاتها، تشكل كلية في القرآن الكريم، الآيات الكونية الدالة على وجود الله، وعظمته، وكماله، ووحدانيته.
كلية ثانية: الأوامر التكليفية.

﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ﴾

( سورة البقرة: 43)

﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ﴾

( سورة البقرة: 183)

﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾

( سورة البقرة: 169)
الآيات التي فيها أمر ونهي، هي الآيات التكليفية، افعل ولا تفعل، أمر ونهي، هذه كلية ثانية.
كلية ثالثة: مشاهد يوم القيامة.

﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه، إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية، وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه، خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ﴾

( سورة الحاقة: 18 إلى 33 )
هذه كلية ثالثة مشاهد يوم القيامة.
آيات كونية، آيات تكليفية [أمر ونهيٌ

﴿ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون ﴾

( سورة هود: 113)
هي نموذج ثالث.
كونيات، وتكليف، ومشاهد من يوم القيامة، ثم قصص الأمم السابقة،
﴿وجاء فرعون ومن قبله﴾

( سورة الحاقة: 9 )


﴿ كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ﴾

( سورة القمر: 18 )
حدثنا ربنا عن قوم نوح، وعن قوم إبراهيم، وعن قوم لوط وعن قوم عاد، وعن قوم ثمود، وعن قوم صالح إلى آخره، هي كلية رابعة.
إحدى كليات القرآن الكريم، أنه قدم للمؤمن، نماذج بشرية نماذج بشرية ! فكل إنسان له في القرآن نموذج.
مثلاً

﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ﴾


( سورة آل عمران: 133 )

﴿ الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، هذا نموذج ﴾

( سورة آل عمران: 135 )
نموذج آخر
﴿: وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم ﴾

( سورة الأنعام: 54 )
هي نموذج آخر.

﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ـ من هم ـ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴾

( سورة البقرة: 2 ـ 3 )
هي نموذج رابع.
فأنت إذا قرأت القرآن الكريم، ينبغي أن تعلم أين أنت من هذه الآيات

﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ﴾

( سورة الكهف: 107)

﴿ من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾

( سورة النحل: 97)

﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾

( سورة البقرة: 6 )

﴿ صم بكم عمي فهم لا يرجعون ﴾

( سورة البقرة: 18 )
فربنا عز وجل وصف الكفار، وصف الفجار، وصف المشركين، وصف المنافقين،

﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك ﴾

( سورة النساء: 142 )

﴿ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ﴾

( سورة البقرة: 13 )
آيات المنافقين،

﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها ﴾

( سورة آل عمران: 120 )
فلإنسان إذا قرأ القرآن الكريم، ينبغي أن يعلم أين هو من هذه النماذج،
﴿ والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم﴾

( سورة الواقعة: 10ـ 11ـ 12 )
هل أنت مع السابقين ؟ هل أنت مع أصحاب اليمين. لا سمح الله ولا قدر، هل هذا الذي يكفر، مع الفجار المجرمين ؟
قال العلماء

﴿ فيه ذكركم ﴾

( سورة الأنبياء: 10)
يعني ما في إنسان يقرأ القرآن الكريم، إلا ويجد فيه وصفاً له، فهنيئاً لمن انطبقت عليه آيات المؤمنين، ونحن نكبر كثيراً من انطبقت عليه آيات المتقين ونحن نصدغ بمن انطبقت السابقين أليس كذلك ؟ ونحن نتمنى من انطبقت عليه آيات المنافقين أن يتوب من نفاقه، ونحن نخاف أن يمسنا وصف آيات الكفار والمشركين، فربنا وصف المؤمنين، وصف المحسنين،

﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ﴾

( سورة آل عمران: 134)
هذا وصف، وإن كثيرا من الخلطاء ـ الشركاء ـ

﴿ ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ﴾

( سورة ص: 24 )
لك شريك، هل تبغي عليه، أم أنت منصف له إن كنت منصفاً له فأنت في القسم الثاني من الآية،

﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ﴾
فلان يتقن الشعر

﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾

( سورة الشعراء: 224 ـ 225 ـ 226 )
هي نموذج

﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ﴾

( سورة التين: 6 )
هي نموذج، إنه إنسان مفكر ينكر وجود الله،

﴿ إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر ﴾

( سورة المدثر: من 18 إلى 26 )
هي نموذج.
إذا قرأت القرآن الكريم، حدد هذه النماذج، عملوا:

﴿ عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ﴾

( سورة التوبة: 102 )
هذا نموذج رابع، يا ترى أنت مع الذين عملوا عملا صالحاً وآخر سيئاً مع الذين، إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله، مع الذين أخذتهم العزة بالإثم، يفعل الإثم ويتباهى به، مع من، مع المؤمن مع المغتصب، مع،

﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾

( سورة آل عمران: 102 )
أيها الأخوة أتمنى على كل أخ كريم، أن يقرأ القرآن الكريم وأن يتدبره، أين أنا من هذه الآيات، مع المؤمنين، مع المقصرين مع المقتصدين، مع السابقين، مع الأتقياء، مع المحسنين، مع لا سمح الله ! مع المنافقين، في صفات منافقين، حديث الإفك

﴿ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ﴾

( سورة النور: 19 )
يعني إذا مؤمن بلغك عنه قصة سيئة جداً بتفرح، يا لطيف ! إذا فرحت صنف نفسك مع المنافقين، إذا فرحت فقط، ما عملت شي، ما تكلمت ولا نطقت، بس بالداخل ارتحت، منيح يلي انفضح، أنت مع المنافقين، شي بخوف، لأنه الله عز وجل يقول:

﴿الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ﴾
أنت وضعت نفسك مع صف المنافقين، هل هناك أم على وجه الأرض، تتمنى فضيحة ابنتها، لا ! فإذا تمنت ! فهي ليست ابنتها فإذا أنت تمنيت فضيحة المؤمنين فأنت لست منهم، هذا ذنب، أنت مع المنافقين.
مقياس ثاني: أخوك المؤمن اغتنى تحسده، ما لك مؤمن، يجب أن تفرح له، أخوك المؤمن اشترى بيت جيد، تنزعج ؟ ما بيستاهل مع المنافقين، أخوك المؤمن أخذ شهادة دكتورة، تزعل ؟ تتضايق ؟ مع المنافقين، أخوك المؤمن تزوج، لمع اسمه تزعل، المؤمن أخ المؤمن، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، إنما التقوى ها هنا، إنما التقوى ها هنا، كل المسلم على المسلم حرام، ماله، ودمه، وعرضه،
هذا القرآن الكريم فإذا قرأنا القرآن الكريم، ينبغي أن نعرف أين نحن من هذه الآيات أنت على من، أية آية تنطبق عليك، منهم ظالم لنفسه، منهم مقتصد نص على نص منهم سابق في الخيرات، أنت مع من.
فهذا الأخ الكريم الذي رجاني أن أشرح له هذه الآية، يريد هذا المعنى، أنه كل إنسان لابد له من أن يرى، أو أن يقرأ ذكره في القرآن الكريم، فإذا كان انطبقت عليك الآيات الطيبة، اشكر الله عز وجل واثبت على ذلك، وإن لم تنطبق عليك الآيات الطيبة، انج من هذه الحالة، بالتوبة، غير حتى الله يغير، أما أنا ما دخلني، أقرأ تبركاً.
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

((أنه ربى تال للقرآن والقرآن يلعنه، ربى تال للقرآن والقرآن يلعنه ))
طبعاً هذا الذي في ذهني الآن، عن كليات القرآن الكريم، كلية الآيات الكونية، كلية الأمر والنهي، كلية مشاغل يوم القيامة، كلية أخبار المم السابقة كلية النماذج البشرية، بين مؤمن ومنافق، ومشرك، وكافر، وفاجر.
مثلاً: لك صديق غير مسلم ما نوعه ؟ قال تعالى:

﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ﴾

( سورة التوبة: 7)
غير مسلم بس حقاني، يجب أن تسلم عليه، وأن تزوره، وأن تعوده، ما دام قد استقام لك، يجب أن تستقيم له، كي تشده إلي دينك، هذا نموذج.
ربنا عز وجل يقول الآية الدقيقة:

﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ﴾

( سورة المائدة: 8 )
يعني أنت إذا كرهت إنساناً كافراً هل لك أن تظلمه، لا تستطيع،

﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾
اعدل مع هذا العدو الكافر، اعدل معه كي تقربه إلى الله، اعدل معه كي يرى أن إسلامك عظيم.
قال له هل تحبني يا أمير المؤمنين، قال له والله لا أحبك واحد منافق سئل سيدنا عمر، هل تحبني، قال له والله لا أحبك، قال له هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي، قال له لا والله، قال له إذاً إنما يأسف على الحب النساء، مو مشكلة، هذا نموذج

﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾

( سورة المائدة: 82 )
أيام يكون لك جار نصراني، يعني أخلاقه عالية، ولطيف، وبيراعي شعورك، راعي شعور أنت، لا تقره على عقيدته، لكن راعي شعوره، يعني عاملك بالإحسان عامل بالإحسان.
الأخ الكريم، الله يجزي الخير، يلي طلب مني أن أفسر هذه الآية، يعني يتمنى، كأنه يتمنى علينا جميعاً أننا إذا قرأنا كتاب الله أن نبحث، نحن مع أي نموذج ينطبق علينا، أي نموذج، فإذا كان نموذج طيب، الحمد لله، وإذا كان نموذج آخر، طيب واحد قام ليصلي، يلله سيدي رايحين نصلي العشاء ونرتاح منه

﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾

( سورة النساء: 142 )
تنطبق علينا معناها الآية معنى في نفاق معناها،

﴿ خذ الكتاب بقوة ﴾

( سورة مريم: 12)
هي نموذج

﴿ لعلكم ترحمون ﴾

( سورة الحجرات: 10)
يعني خذ أمر الله بقوة، نفذه بحزم، نفذه بإصرار، هي نموذج فيمكن أن تشتق من كتاب الله، مئات النماذج البشرية، ودائم ليكن الحوار بينك وبين نفسك، هل أنا مع هؤلاء ؟ هل ينطبق علي هذا الوصف ؟ هل أنا مع هؤلاء ؟ وهذا الذي نرجو من هذه الآية.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم..






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فمَع الآية الأولى والثانية من سورة الحج، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
مثال تَوْضيحي ؛ لو أنَّ طِفلاً صغيرًا قال لك: معي مبْلَغٌ كبير، فهذا الطِّفْل الصغير إذا قال لك معي مبْلغٌ كبير، فَكَم تظنّ هذا المبلَغ ؟‍ مائة ليرة أو أقلّ، أما إذا قال لك أحد أكْبَر أغْنِياء القُطْر: لي رصيدٌ كبير فَكَم تُقَدِّر هذا الرَّصيد ؟‍ كلمة كبير هي واحِدَة، قالها طِفلٌ، وقالها ثَرِيٌّ كبير، فإذا صَدَرَت عن طِفْل تُقَدِّر المبْلغ بمائة ليرة، أما إذا صَدَرت عن أحد أكبر أغنياء القطْر فَتُقَدِّرُها بألف مليون.
الآن إذا قال خالق الكَون:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
فَكَم هذه الزلزلة ؟ قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾

[سورة الحج]
نقِفُ قليلاً لِنُوَضِّح ما تعني كلمة مُرْضِعَة، نحن في اللُّغة العربيَّة الصِّفات الخاصَّة بالإناث لا تُذَكَّر ولا تؤنَّث، فمتى تُذَكِّر وتُؤنِّث ؟ إذا كانت هناك صِفةً مُشْتركةً بين الرِّجال والنِّساء، فتقول: مُدَرِّسٌ ومُدَرِّسَة، أما إذا كانت الصِّفة خاصَّة بالنِّساء فتقول: امرأة طالِقٌ، وثيِّبٌ وبِكْرٌ ومُرْضِعٌ، فَلماذا نُذَكِّر صِفات النِّساء هنا ؟‍! لأنَّ هذه الصِّفات خاصَّة بالمرأة فلا معنى مِن تَذْكيرِها وتأنيثِها، تقول: امرأة مُرضِع، وفي القرآن جاءتْ اللَّفظة مُؤنَّثة بالتاء، مُرْضِعَة، فكيف نُفسِّر هذا ؟ قال: إذا قلتَ امرأةً حامِل، أو قلتَ امرأةٌ حامِلَة، فما الفرق بينهما ؟ أنت إذا قلتَ حامِل، فهذه صِفة خاصَّة بالمرأة، أي في بطْنِها، أما إذا قلتَ: امرأةٌ حامِلَةٌ أي على ظَهْرِها، فما دام هناك حامِلٌ وحامِلَة، فحامِلَة تعني على ظَهْرِها، وحامِلٌ في بطْنِها.
أيُّ إنسان سواء ذكرًا أو أنثى بِإمكانِهِ أن يضَعَ طِفلاً على صَدْرِهِ، فإذا قلنا امرأةٌ مُرْضِع، فيعني أنَّها في طَوْرِ الإرْضاع، فقد تكون في زِيارة وهي امرأة مُرْضِع، وقد تكون في المطْبَخ وهي مُرْضِع، لكن لا تُسَمَّى مُرْضِعَة إلا إذا كان ابنُها على صَدْرِها، فهي الآن تكون مرضِعٌ ومرْضِعَة، وكلُّكم يعلم أنَّ دافِعَ الأمومة هو أشَدُّ دافِعٍ في الجِنس البشَريّ على الإطلاق، نحن عندنا دافِع الجوع، ودافِع الجِنس ودافِع الأمومة هو أشَدُّ دافِعٍ في الجِنس البشَريّ على الإطلاق، فإذا كانت المرأة أمام أكبر دافِعٍ في كِيانها، وهذا الدافِع يفوق ما عند الرِّجال، ومع ذلك حينما ترى الزَّلزلة التي وصَفها الله عز وجل تضَعُ كلّ مرضِعَةٍ، وتذْهَلُ كلّ مرضعة عمَّا أرْضَعَت.
حدَّثني قريبٌ كان في القاهرة يوم وَقَع الزِّلزال، فامرأة مِن شِدَّة هَول الزِّلزال، أمْسَكَتْ كيسًا فيه حِذاءٌ لها، وظنَّتْهُ ابنتها !! لذلك قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
هناك قريَة في إيطاليا في سطح جبلٍ اسْمُهُ فيزرف، قبل سنوات تزيد عن الخمسين أثناء بعض الحَفرِيَّات وجَدوا آثارًا، وهذه الآثار غريبة جدًّا، آثار مُجَوَّفة، فحَقَنوها جِبصينًا سائِلاً، ثمَّ كسروا هذه الصُّخور فإذا هم أمام مشاهِد مُذْهِلَة ! هذه القرية كانت في سَفح جبل في عَهْد الرومان، وثار برْكان في قِمَّة الجَبَل، وأطْلق غُبارًا بُرْكانيًّا صارَت سماكَتُهُ فوق أطلال المدينة ثمانية أمتار، وارْتَفَعَت الحرارة إلى ثمان مائة درجة، فَيُمْكِنُ أن نشْهَد مدينةً بأكملها تقريبًا بعد الظُّهر، والطعام على المائدة، لمَّا حقَنوا هذه الصُّخور المُجَوَّفة التي أساسها أشخاص كلاب ونِساء في القصور، وفي الحمامات وفي الطرقات، فلمَّا كُسِرَ الصَّخر فإذا هم أمام صُوَرٍ مِن صُوَر الفزَع البشري، لأنَّ الجثَّة لما انتهَتْ، الغبار البركاني أصبَحَ صَخْرًا، ومُجَوَّف بِحَسَب مَلامِح هذه الجُثَّة تمامًا، فأنا لي صورة لِهذه المدينة والتي اسْمُها بونبي في إيطاليا، وللشاعر أحمد شَوقي قصيدة في هذا البركان !
المهمّ كما قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾

[سورة الحج]
لو أُتيح لنا أن نرى أشْخاصًا عاصروا زِلزالاً أو فيَضانًا أو صواعِق، أو فزعًا مِن حروب أهْلِيَّة لرأيْتَ العجب العُجاب، ماذا يقول الله عز وجل ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾

[سورة الحج]
لئلاَّ يُصيبكم الفَزع الأكبر، وهذا الهَوْل الكبير، لذلك علَّمنا الله تعالى أن نقول:

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾

[سورة البقرة]
فالله تعالى يسوق أحيانًا مِن الشدائد ما لا يستطيع أحدٌ أن يصِفَهُ والرَّضيعُ على صَدْر الأم تُلقيهِ جانبًا وتنْجو بِنَفْسِها، قال تعالى:

﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

[سورة الحج]
أيها الأخوة الكرام، لو أنَّ الإنسان ارْتَكَب جريمة القتْل، وسيقَ إلى المحكمة، وأُجْرِيَ معه تَحقيق دقيق، واعْتَرَفَ بِجَريمتِهِ، وأصْدَرَ القاضي اسْتِئناف حُكْمًا بِإدانتِهِ، وحكمَ عليه بالإعْدام، ورُفِعَ الأمر إلى محكمة الأمر، ودُرِسَ الحكْم فصُدِّق، وكذا رُفِعَ الأمر إلى القصْر فصُدِّق، وسيق هذا المُجْرِمض لِيَلْقى جزاءَهُ، الآن وهو على عتبَةِ المَشْنَقة ؛ هل ينْفَعُه البُكاء أو الضَّحِك ؟! هل ينْفَعُهُ التَّوسُّل أو التَّجَشُّم ؟ نقول له: اِبْكِ أو اِضْحَك أو توسَّل، أو أيُّ شيءٍ تفْعلُهُ لا بدّ مِن تنْفيذ الحُكْم، رجل تركَ ثَرْوَةً تزيد على ثمان مئة مليون، مِن مَكْسَبٍ ليس حلالاً، وهو على فِراش الموت شعر بالخَطَر، وشَعَر أنَّهُ سيَلقى عذابًا أبَدِيًّا فطَلَبَ أحد العلماء، فجاءَهُ هذا العالم، ولا أريد أن أُقيِّم ما قالهُ له هذا العالم إلا أنَّهُ كان صريحًا معه، فقال هذا الذي على فراش الموت: ماذا أفْعَل ؟ فقال له: والله لو أنْفقْتَ الثماني مائة مليون لا تنْجو مِن عذاب الله

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

[سورة الحج]
لأنَّ كل هذه الثَّرْوَة بُنِيَت على إفساد الناس، وأخلاقهم وإشاعة المنكر.
أنا قصْدت مِن كلامي، إيَّاك أن تصِلَ مع الله إلى طريق مَسْدود، لي طالبٌ في الحادي عشر، قال لي: لي خال له دار سينما، وفي الثانية والأربعين أصابهُ سرطان بالدَّم، فقال لي: والله رأيْتُهُ يبكي كما تبكي الأطفال ! فقال وهو في بُكائِهِ: جَمَّعْتُ هذه الثَّرْوَة - والقِصَّة سنة الخامسة والسِّتين - خمسة ملايين لأسْعَدَ به بقِيَّة حياتي، فلم يبْق لي بقِيَّة أسعَدُ بها، لذلك إيَّاك أن تصِلَ مع الله إلى طريق مَسْدود، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

[سورة الحج]
أي إن اتَّقَيْتُم نَجَوْتُم، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

[سورة الأنبياء]
وهذا مهما كانت المصيبة كبيرة، قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[سورة الأنبياء]
قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(31)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32)لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(35)فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(36)﴾

[سورة الذاريات]
معنى هذا، كلّ شيء مُسَوَّم، فالبلاء لا يعُمّ إلا بِحالة واحِدَة وهي إذا كان هؤلاء الذي لا يقترفون الإثْم راضون عمَّن يقْترفون الإثم، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)﴾

[سورة هود]
لو أنهم صالحون لما أهْلكم الله، فهم ما أمروا بالمعروف وما نهوا عن المنكر فهذه الآية مُلَخَّصُها ؛ يا عبْد الله كُنْ يَقِظًا، وتُبْ إليه، وتوسَّل إليه ولا تصل مع الله إلى طريق مَسْدود، ولا إلى طريق يستحقّ به الإنسان الزلزلة من الله، فإذا كان خالق الكون يقول: إنَّ زلزلة الساعة شيء عظيم ! فكم هي العظمة !! ومِن صُوَر هذا الزلزال ؛ يوم ترونها تذْهل كل مرضعة عما أرْضَعَت، فهذه السُّوَر مَشْهد مِن مشاهد عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة، وقد قال الله تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)﴾

[سورة السجدة]
وهذا هو العذاب الأدنى، وانظروا ما يجري في العالم من زلازل، وحروب، وجراثيم ؛ فهذا مِن صُنع البشَر فكيف بالذي هو من صُنْع خالق البشَر ؟! هدف هذه الآية أن تأخذ حِذْرك.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فمَع الآية الخامسة من سورة الحج، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

[سورة الحج]
هذه الآية مُتَعَلِّقة بالإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالله عز وجل لا يُحَقِّق ثِماره إلا إذا اقْتَرَن معه الإيمان باليوم الآخر لأنَّك لن تُطيع الله عز وجل إلا إذا أيْقَنْتَ أنَّ الله تعالى مَوجود، ويعْلم، وسَيُحاسِب لذلك ربنا سبحانه وتعالى أشار في هذه الآية إلى الدليل العقلي على بعْث الخلائق يوم القيامة.
والعادة أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا خاطَب عامَّة الناس خاطَبهم بِأُصول الدِّين، أما إذا خاطب المؤمنين خاطَبَهم بِفُروع الدِّين، وهذه طريقة في التَّرْبِيَة، فإيَّاك أن تُحاوِرَ إنسانًا يُنْكِرُ أصل الدِّين، وأن تقول له: هذا الخاتِم حرام ! أو هذه الصورة انْزَعْها مِن بيْتِكَ !! فهذا دليل عدم الحِكْمة في الدَّعوة إلى الله، فهذا الذي تُحاوِرُهُ يُنْكِرُ الدِّين كلَّه، فما الداعي لِقَوْلك له: هذه حرام، وهذه حلال ؟! إذا خاطَبْتَ إنسانًا بعيدًا عن الدِّين خاطِبْهُ بِأصول الدِّين، بل إنَّ كلَّ الغَيْبِيَّات لا ينبغي أن تَجْعلها مدار بحْثٍ بينك وبينهُ ؛ لأنَّه كما تعلمون هناك إيمانٌ بالمَحسوس، وهناك يقين اسْتِدْلالي، وهناك يقين إخباري، أتمنَّى أنَّ كُلَّ مَن يُحاوِر رجلاً بعيدًا عن الدِّين أن لا يخوض معه أبدًا في اليقين الإخباري ؛ لأنَّهُ لو صدَّق الله تعالى لصدَّق خبرَهُ، فاليقين الإخباري أساسُهُ التَّصديق بأنَّ الله تعالى كلامه حقّ، فالعامَّة يُخاطَبون بِأُصول الدِّين مِن إيمانٍ بالله واليوم الآخر، والأدلَّة العَقْلِيَّة والفِطْرِيَّة والواقِعِيَّة فربُّنا عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

[سورة الحج]
الواحِد مِنَّا يقف على الميزان فإذا بِوَزْنِه من السبعين إلى ثمانين، يوم وُلِدَ كان ثلاثة كيلو غرام، سبعة وسبعون كيلو مِن أين جاءَتْ ؟! مِن تُراب، فالذي تأكلهُ وتشْربُهُ أصْلُهُ مِن التُّراب، البيوت البلاستيكِيَّة مساحاتها نصف زُلُم، يُزْرع به خمسة غرامات بذور من البن وبعد خمسةٍ وثمانين ويمًا تجد مجموع خُضري في البيت وزْنُهُ بالأطنان !! فهذا النبات يتسلَّق ويسخن عودُهُ، ويصل إلى متْرين ونصف تقريبًا، لذا خمسة غرامات تُساوي خمسة أطْنان تقريبًا فَمِن أين جاء هذا النبات ؟! مِن التُّراب.
قال تعالى:

﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾

[سورة الحج]
هذه النُّطْفة لِوَحدها مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ، فباللِّقاء الزَّوجي يُفْرِزُ الإنسان خمسمائة مليون حُوَين والبُوَيْضَة تحتاج إلى حُوَين واحِدٍ فأَقْوى هذه البُوَيْضات يدْخل إلى البُوَيضَة ويدْخُلها بِطَريقَةٍ عجيبة، مُزَوَّد بِمادَّة نبيلة، ومُغَلَّف بِغِشاء ما إن يتمزَّق الغِشاء، حتَّى تخرق هذه المادَّة جِدار البُوَيْضَة، وهذه البُوَيْضة تحمِل خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرمَجَة، وهذا الحُوَيْن يحْمِل خمسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمجة، ويتلقَّح هذا الحُوَين وتِلك البُوَيْضَة وينقسِمان إلى عشْرة آلاف قِسم، وهي في طريقِها مِن المِبيض إلى الرَّحِم، وبعدها في تِسْعة أشْهر ترى طِفلاً يحوي دِماغًا وجمجمة وسمعا و بصرا و يأكل ويهضم..قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾

[سورة الحج]
أن يثبت الحمل هذا بيد الله عز وجل قال تعالى:

﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

[سورة الحج]
تسعة أشهر، وعندما تحين الولادة يتوسع حوض المرأة ميكانيكيا بفعل هرمون لا يُرى بالعين، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾

[سورة عبس]
و عضلة الرحم أقوى عضلة في الجنس البشري، ولو أن الطريق أمامها مفتوح لقذفت الوليد في الطلقة الواحدة إلى اثني عشر مترا، لكن هذا التقلص لطيف و متزامن و متقارب، فإذا خرج الطفل و خرجت المشيمة تقلص الرحم تقلصا كالصخر لرأب صدع الشرايين و قد قال العلماء: لو أن التقلصين انعكسا لمتت الأم ووليدها، لو كان التقلص شديدا و الطفل في الرحم لمات الطفل، ولو كان التقلص لطيفا بعد خروج الطفل لماتت الأم، لذلك طبيب الولادة أول ما يفعل أن يضع يده على الرحم فإذا كان كالصخر يقول: الولادة جيدة، أما إذا كان ليِّنا معناه وجود نزيف يؤدي إلى الموت، قال تعالى:

﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾

[سورة عبس]
فربنا الذي خلق هذا الخلق المبدع أيعجز أن يعيد الخلق مرة ثانية؟ هنا الدليل وهو عقلي، قال تعالى:

﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ﴾

[سورة الحج]
في الأربعين ثم قال :

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾

[سورة الحج]
ونعوذ بالله من أرذل العمر، ضعف الذاكرة , التدخل في شؤون الغير ثقل على أهله، يتمنى أقرب الناس إليه أن يخفف الله عنه، قال لي شخص: ربطنا الوالدة من يديها إلى رجليها لأنها لو أُطلِقت لأكلت من غائطها، و لخلعت ثيابها أمام الناس، هذا أرذل العمر، لكن أطمئنكم من تعلم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت، لأن هناك قاعدة علمية العضو الذي يعمل لا يضمر، فكل إنسان يعمل بعقله لا يخرف هكذا صمم الله العقل، لي قريب أُصيب بضيق بشريين الدماغ فشُلَّت حركته، لفت نظر الطبيب أن من أنواع العلاج أن تحدثه و أن تسأله فإذا سألته فسيجيب ويصير هناك نشاط في دماغه، فكل إنسان يقرأ القرآن و يصلي و يحضر مجلس العلم يفكر في الكون و يطالع موضوع علمي هذا الله جل جلاله يمتعه بعقله حتى يموت قال تعالى:

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ﴾

[سورة الحج]
هناك علماء عاشوا أكثر من تسعين سنة و أكثر من مائة و ثلاثين سنة و كانوا يُسألون: ما هذه الصحة ؟ فيقولون يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقيا عاش قويا، فعين غضَّت عن محارم الله يحفظها الله حتى الموت، أذن لم تستمع إلى الغناء يحفظها الله لك، يدٌ ما بطشت بل خدمت الناس يحفظها لك و رجْل قادتك إلى المساجد يحفظها الله، وهذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:
عن ابْنَ عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ:

(( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا ))

[رواه الترمذي]
لا يوجد إنسان إلا و يتمنى بشكل لا حدود له أن يمتعه الله بصحته، والصحة ثمنها الطاعة، قال تعالى:

﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)﴾

[سورة الحج]
أنظر إلى البساتين في الشتاء ثم انظر إليها في الربيع شيء لا يُصدق الأشجار ترتدي ثوبا أبيض و الأرض خضراء و الأزهار، أين كان كل هذا الجمال في الشتاء؟ الذي أحياها يحي الموتى، فالإيمان باليوم الأخر أساسي من أجل طاعة الله عز وجل لأنك إذا أيقنت أن الله موجود ويعلم وسيحاسب في اليوم الآخر و أسماء الله كلها محققة في الدنيا، أما اسم العدل فإنه يحقق يوم القيامة، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾

[سورة الروم]
فلذلك المؤمن يعِد لهذا اليوم عدَّته و يضبط لسانه و جوارحه و يحرر دخله و يقيم الإسلام في بيته و في عمله من أجل أن يصل إلى اليوم الآخر سليما معافى، و المؤمن يهديه الله سبل السلام، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[رواه الترمذي]
وإنك تبيع دينك ببعض الليرات، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ عبدي كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك.
أيها الأخوة الأكارم، طريق السلامة في طاعة الله و طريق السعادة في طاعة الله و طريق النجاح في الأعمال في طاعة الله، طريق السمعة الطيبة في طاعة الله، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ))

[رواه ابن ماجه]
فمهما أردت أن تحصي الخيرات التي تأتي من طاعتك لله لن تستطيع إحصاءها.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الحادِيَة عشرة من سورة الحج يصِفُ الله فيها نموذَجًا مُتَكَرِّرًا تَجدُهُ في كلّ زمانٍ ومكان، وهذا النَّموذج هو الإنسان الذي لا يُقْبِلُ على الدِّين إلا مِن أجل مكاسِب مادِّيَّة، فإذا انْقَطَعتْ هذه المكاسِب أدار ظَهْره للدِّين، وهذا النَّموذَج خطير، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)﴾

[سورة الحج]
مِنْ للتَّبعيض أي بعْض وما الذي يُقابِل الحرف ؟ الأعماق، مؤمنٌ في الأعماق، ومؤمن على حرف، ومؤمن على شاطىء البحر، فلو جاءت مَوْجةٌ عاتِيَة لجرَّتْهُ إلى البحْر، ومؤمن في رأس جبل مهما طغى الموْج هو في الأعماق وفي المرتفعات، قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾

[سورة الحج]
ما دام الصِّحة طيِّبة، والمال وفير، والأمور منتظمَة، فأعظم شيء الإسلام، مَدْحُهُ للدِّين مَبنِيٌّ على المصالِح، هل سَمِعْتُم بِرَبِّكم إنسانًا يمتَحِنُ مركبَةً في النزول ؟ كلّ المركبات في النزول تنطلق سريعةً لكنّ المركبات تُمْتَحَنُ في الصُّعود، يُمْتحَنُ قوَّة محرِّكها، وتجاوُبها مع سائِقها، هذا يُمْتحَنُ في الصُّعود، لذلك إذا توهَّم أحدكم، وأنا معكم أنَّه يمكن لِمُؤمنٍ أن يعيش عُمُرَهُ كلَّهُ مِن دون امْتِحانٍ فَهُوَ واهِم، قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
هل هناك جامعة في الأرض تمنح أعلى شهادة على طلب يقدمه الطالب يرجى منحي شهادة الدكتوراه بلا امتحان ‍‍‍! قال تعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ومعهم رسول الله يوم حنين الله قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)﴾

[سورة التوبة]
صحابة رسول الله في معركة الخندق قال تعالى:

﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ(61)﴾

[سورة المائدة]
و قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾

[سورة الأحزاب]
قال أحدهم: أيعدنا صاحبكم ـ ما قال رسول الله ـ أن تفتح..حاجته" قال تعالى:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾

[سورة الأحزاب]
و قال تعالى:
﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[سورة الأحزاب]
فإذا كان أصحاب رسول الله برفعة منزلتهم وشدة إخلاصهم و فيهم رسول الله وخضعوا للامتحان و الله نصرهم و أعزهم، ففي حنين لم يبق أحد مع رسول الله قال رجل للبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ رَضِي اللَّه عَنْه:

(( أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبْ * أنا النبي لا كــــــذب أنا ابن عبد المــــــطلب ))

[رواه البخاري]
و مع ذلك الامتحان قائم فهل يعقل أن يُختفَى بنا لنصلي، لا بد من أن تمتحن، فالإنسان يمتحن في صحته و في ماله وفي زوجته وفي غلق الطرق عليه، يفتح بابا حرام ؟ لا، تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها لذلك ما ترك العبد شيئا لله إلا عوَّضه الله خيرا منه في دينه و دنياه ومن ابتغى أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى، فهذا النموذج المتكرر، قال تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ﴾

[سورة الحج]
رجل له والدة خدمها اثنتي عشرة سنة، ثم ضاق بها ذرعا فرفع صوته عليها، فقال لها: أنا لستُ ابنك الوحيد اذهبي إلى فلان أخي فبكت و استدعت أخاه وقالت له: خذني لعندك، وبعد يومين توفاها الله، فهدم عمل اثني عشرة سنة، و أعرف رجلا يرعى أرملة في غرفة في المسجد ثلاثين عاما، وكان ساكنا في المهاجرين ثم انتقل إلى المزة، وعمره سبعين سنة، يوميا يتوجه من المزة إلى المهاجرين ليرعى هذه المرأة العاجزة، أهله أقاموا عليه النكير و طلبوا منه التوقف عن ذلك فأبى وقال: هذا عمل أكرمني الله به، فلما رأوا إصراره و ثباته على رعايتها و أشفقوا عليه قالوا له: ائت بها إلينا، فجاءوا بها إلى البيت بعد يومين توفاها الله، كسب ثلا ثين سنة من عمل خالص، فنحن جميعا نخضع للامتحان، و البطولة أن تقول: إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي .
الحقيقة كلنا في الرخاء و البحبوحة و الصحة ليس هناك مشكلة، أنا أريد أن أعرف الإنسان ماذا يقول إذا ابتلاه الله ببلاء قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(157)﴾

[سورة البقرة]
هذه للمؤمنين بدليل أن الله قال قبلها:

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي(152)﴾

[سورة البقرة]
فلذلك دققوا ؛ إذا أحب الله عبدا ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن شكر اقتناه و إذا أحب الله عبده عجَّل له بالعقوبة، جعل حوائج الناس إليه، و إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، و إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه منم مراتع الهلاك، فلا بد من أن نمتحن، سُئل الإمام الشافعي:أندعوا الله بالإبتلاء أم بالتمكين ؟ قال: لن تُمكَّنوا حتى تُبتَلَوا، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾

[سورة السجدة]

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124(﴾

(سورة البقرة)

و إذا كان من الممكن أن ينجو إنسان واحد من الامتحان لنجا رسول الله عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[رواه الترمذي]
و ابتلاه الله بالطائف، وابتلاه بالقهر و بالتكذيب والسخرية و الضرب، ثم ابتلاه بالنصر في مكة، حينما دخل مكة كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعا لله عز وجل، على خلاف كل القادة الفاتحين في العالم، كلهم تأخذهم نشوة النصر فيتعجرفون و يتغطرسون لكن النبي دخل مكة متواضعا فلما قيل له: ما أنت فاعل بنا ؟ قالوا أخ كريم و ابن أخ كريم،فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، أما في الطائف قال: اللهم أشكو إليك ضعف قوتي و قلة حيلتي و هواني على الناس يا رب إلى من تكلني ؟ إلى عدوٍّ يتجهمني إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع، ثم امتحنه بالهجرة، فتبعه سراقة وامتحنه في حنين، فالنبي امتحن، كان إذا دخل بيته يقول عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ:

(( قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَتْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ قَالَتْ فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا قَالَ مَا هُوَ قُلْتُ حَيْسٌ قَالَ هَاتِيهِ فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا))

[رواه مسلم]
هل هناك بيت من إخواننا الحاضرين ليس فيه زيتونة واحدة ؟ و قطعة خبز ؟ امتحن بموت الولد، لما مات ولده إبراهيم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

(( دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))

[رواه البخاري]
وامتُحن بموت الزوجة، فلما فتح مكة قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وفاء لها، نام ليلة إلى جوار قبر خديجة عليه الصلاة والسلام امتُحِن بقول الناس عن زوجته عائشة حين رموها بالفاحشة، من يحتملها منكم؟ حديث الإفك
قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة السجدة]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

[سورة المؤمنون]
و قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾

[سورة الملك]
آية اليوم هي قوله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) ﴾

[سورة الحج]














والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الرابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الخامسة عشْرة من سورة الحج، وهي قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
لهذه الآية معاني عِدَّة وَرَدَتْ في التفاسير.
المعنى الأوّل أنَّ هذا الذي يسْلُكُ أيَّ طريقٍ فَيَرَاهُ مسدُودًا، ويتحرَّك في أيِّ اتِّجاه فيرى عقبةً، ويتَّجِهُ نحو اليمين فلا يُفلح، وكذا مِن جِهَة اليسار، يُسافر فلا ينْجح، ويُقيم فلا يرْتَزِق، ويتزوَّج فَيُطَلِّق، ويعْمل فيُسَرَّح، مَن كان يظنّ أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة.
وردَ في بعض التفاسير، وليس كلّ ما في التفاسير صحيحًا، فَلْيَمْدُدْ بِسَببٍ إلى السماء ؛ لِيُعَلِّق حبلاً في سَقف البيت، ولْيَضَعْهُ على رقبتِهِ فهذا بعض ما ورد في أحد التفاسير، ولكنّ هذا المعنى يُمكن أن يُحسَّن فاليائس من رحمة الله، والقانِط من رحمة الله موْتُهُ كَحَياتِهِ.
وورَدَ معنى آخر لهذه الآية، وهو أنَّ هذا الذي يتمنَّى أن لا ينْصر الله نبيَّهُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويتمنَّى أن يبقى الباطل مُنْتشِرًا ويغيضُهُ أن يبقى الهدى وينتشِر، ويغيضُهُ أن ينتصر النبي عليه الصلاة والسلام على خُصومه، ويغيضُهُ أن يعمَّ الهُدى الخلائق، من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فلْينتقل إلى السماء لِيَقْطع الوَحي عنه إن استطاع، ولينتقل إلى السماء لِيَمْنَعَ نصْر الله عنه فالحق سيَنْتَصِر رغم أنف الكفار، والحق لا بدّ من أن ينتصِر، والحق أبْلج، وراسِخ، والباطل له جَوْلةٌ ثمَّ يضْمَحِلّ؛ هذا المعنى الثاني.
المعنى الثالث ؛ مَن توهَّم أنَّ الله لن ينصُرَهُ، ولن يُوَفِّقَهُ في عملِهِ ولن يشْفِيَهُ في مرضِهِ، ولن يسْمَحَ له أن يسْعَدَ في الدنيا، ولن يُعْطِيَهُ المال الوفير، ولن يرْزُقَهُ زوْجةً صالِحَة، ولن يُوَفِّرَ له المسْكن والمأوى ومن كان يظنّ أنَّ الله ضِدُّهُ، وأنَّ الأقْدار تسْخر منه، وأنَّه غير مُوَفَّق في حياتِهِ، والأسباب كلّها مُقَطَّعة، والعقبات كلُّها كَأْدَاء، كلّ هذا وَهمٌ في وَهْم، وهو ليس إلا في ذِهْن الواهِم، فالخلق كلُّهم عِيال الله، يا سَعْدُ لا يغرنَّك أنَّه قد قيل خال رسول الله فالخلق كلُّهم عند الله تعالى سواسِيَّة، وليس بينهم قرابَة إلا طاعتهم له، فإذا اعْتَقَدْتَ أنَّ الله كتبَ عليك الشَّقاء قبل أن تُخْلق، ولا سبيل إلى تغيير هذه الكتابة، وأنَّه بلا سبب منك، ولا حيلة ولا ذنبٍ، ولا تبَعِيَّةٍ، كتَبَ عليك الشَّقاء، قال: هذا وَهْمٌ كبير، من كان يظنّ أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فهناك سبيل لِتَغَيُّر الوَضْع، قال تعالى:

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
ولْيَقْطَع كلّ مَعْصِيَة ثمَّ ليَنْظُر كيف أنَّ الله تعالى يُوَفِّقُهُ ؟ وكيف أنَّ الله يرْزُقُه ؟ وكيف أنَّ الله يُسْعِدُهُ ؟وكيف أنَّ الله تعالى يرْفَعُ مكانته ؟ هذا هو المعنى الثالث يُعطي الإنسان دَفقٌ كبير، أيْ يا عبْدي إذا ظَنَنْتَ أنِّي لن أوفِّقُكَ، ولن أُعْطِيَكَ ولن أسْعِدَك ولن أُوَفِّقَ لك حاجاتِكَ الأساسيَّة وإذا ظَننْتَ أنِّي ضدَّك وأنَّني لن أُسْعِدَكَ فأنت واهِم ‍ وأنت مُتَلَبِّسٌ في المعاصي كثير، أولاً اسْتَقِم على أمْر الله تمامًا، واقْطَع كلَّ معْصِيَة واعْمَل عملاً صالحًا خالصًا لِوَجْه الله تعالى، ثمَّ انْظُر كيف الأمور تتغيَّر، الأمور تتبدَّل، هذا الوَهْم في عقْلِكَ وَحْدهُ، فالعِباد كلُّهم سَواسِيَّة عند الله، فيا أيُّها الأخوة الكرام، كلّ إنسان عنده يأسٌ وقُنوط وتساؤُل أو شُعور أنَّ الله لا يُحِبُّه، وأنَّه لن يُوَفِّقه، وأنّ الله حرمَهُ ولم يُعْطِهِ شيئًا لذلك كلمة الحظّ قليل كلامٌ لا معنى له ! إذا كان الأمر كذلك فهذا دليل المعْصِيَة يَسُبُّني ابن آدم وما كان له أن يسبَّني، ويسبُّني إذْ يسبُّ الدَّهر وأنا الدَّهْر، فلا تقل: فلان يدهُ طولى، وذاك يدُهُ خضْراء، وفلان أموره تجري على ما يريد، فالله عز وجل وضَعَ للتَّوفيق قانون، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

[سورة الليل]
قانون التيْسير والتَّعسير، سؤال دقيق وحرِج: هل مِن مصلحة أن يُعَذِّب الله العِباد، زارني رجل في المسجد قبل خمسة عشر عاما قال لي: أنا مصاب بمرض عضال وهو الصرع قال لي: أنا مهندس معي شهادة من دولة أوروبية ورئيس قسم بمعمل، و أثناء عملي و أنا وراء طاولتي أُصاب بهذا الصرع أمام العمال و مرة في الطريق وأمام السيارات العامة، فقال لي: هل هناك حل ؟ قلت: عند الأطباء، قال أريد حلا دينيا فقلت: أنا أؤمن أن الله سبحانه و تعالى لا يمكن أن يعذب مخلوقا بلا حكمة، لأن الله غني عن تعذيب عباده، قال: ماذا أفعل، قلت: استقم على أمر الله قال: مثل ماذا ؟ فذَكَرتُ له غضَّ البصَر، وتحرير الدَّخل، وإقامة الإسلام في البيت، وعدم الاخْتِلاط وعدم سماع الغناء، فما رأيْتُ إنسانًا أشَدَّ رغْبةً في طاعة الله مِن هذا الإنسان ! أخْرَجَ ورقَةً وبدأ يكْتُب، وقال لي: إذا طبَّقْتُ هذه البُنود هل أُشْفى مِن هذا المرض ؟ فأجبْتُ وقلتُ له: نعم، تُشْفى ! كان درسُنا الأحد، وجاء بالدَّرس الثاني مُشْرق الوَجه: وقال لي هذا أوَّل أسبوع في تَطبيق أمْر الله تعالى، ولم أُصاب بِشَيء، وأذْكر أنَّه جاء سبْعة أسابيع، وهو يُطَمئِنُني، وفي الأسبوع الثامِن غابَ ! فقلْتُ في نفسي: لعلَّه عادَت به هذه النَّوْبة، فجاء بعد أسبوعَين وقال لي: والله لقد عادَتْ، ولكن لا تقْلق على مبدئِكَ فقد ارْتَكَبْتُ معْصِيَة، فقد زرْتُ صديقًا مُتفلِّتًا زُرْتُهُ وجلسْتُ مع أهلِهِ، وتضاحكنا وتمازَحنا، وتغامَزْنا ولمَّا خرجْتُ من المنزل جاءتني نَوْبتي هذه !! قال تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[سورة النساء]
فهل لله تعالى مَصْلَحَة ؟ الله عز وجل غَنِيٌّ عن تعذيب عِبادهِ، والله تعالى ليس ضِدَّك ولا يكْرَهُكَ، بل يكْرهُ عَمَلَك، وإذا رجَعَ العبْد العاصي إلى الله تعالى نادى مُنادي في السماوات والأرض أن هنؤا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله تعالى، فَمَن كان يظنّ أنْ لن ينصُرَهُ الله في الدنيا والآخرة، فإمَّا أن يشنق حاله، والمعنى الثاني أنَّه لن يستطيع مَنْعَ الهُدى عن البشَرِيَّة، ولن يستطيعَ إيقاف الوحي عن رسول الله ولن يستطيع منْع الحق، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾

[سورة الأنفال]
والمعنى الثالث أنَّك إن توهَّمْتَ أنَّ الله تعالى لن يرْحمَك، ولم ينْصُرَكَ وحرَمَك كُلّ شيء، وأبواب السماء مُغْلقة، والناس ممنوعون أن يُساعِدوك ؛ إذا توَهَّمْتَ هذا فعليْكَ بِهذه الوَصْفة ؛ قال تعالى:

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
كي ينصُره الله، ويرزُقَهُ، وبِسَبب كي يُغنيه تعالى بِرَحْمَتِهِ، ثمَّ ليَقْطَع كلَّ مُخالفة، ثمَّ ليَنْظر هل يُذْهِبَنَّ كيْدُهُ ما يغيض ؟ لذلك مُعاملة التائب الصادِق أن يقول لك: تغيَّرَتْ مُعامَلة الله معي، المشكلة الخطيرة يقول أحد الناس: الله لا يوفقني، ابحث عن المعاصي، والأمن الجنائي عندهم قاعدة كلما وجدوا جريمة: ابحث عن المرأة، أنا أقول لك كلما واجهت مشكلة وجاءت الأمور على خلاف ما تريد و ضاقت بك الدنيا فتِّش عن المعصية لأنه ما من مشكلة ولا مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل بأمر الله و الجهل أعدى أعداء الإنسان، و يفعل الجاهل في نفسه ما لا يفعل العدو بعدوه، فلذلك ؛ هذه الآية ؛ المعنى الأول ورد وهناك وجهة نظر وهي أن اليائس من رحمة الله القانط منه هذا حياته كموته ولا جدوى من حياته و المعنى الثاني هو أنه لن تستطيع قوى الأرض أن تمنع وحي السماء و لا أن تمنع نصر الله لعباده للمؤمنين ولن تستطيع أن تمنع الهدى أن ينتشر وهذا الدين هو لله وكلما ضغطت عليه كلنا زاد تألقا و كلما وضعت العقبات أمامه ازداد قوة كمن يطفئ النار بالزيت فيزيدها اشتعالا، و المعنى الثالث لا سمح الله إذا كنت يائسا وموهوما أن الله لن ينصرك ولن يرزقك و لن يسعدك هذا هو العلاج قال تعالى:

﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) ﴾

[سورة الحج]
ثم ليقطع كل معصية فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ.
من سابع المستحيلات أن تستقيم على أمر الله ولا تجد من الله معاملة جديدة و لا تسعد في الدنيا ولا تبقى محروما، فالله غني عن تعذيب العباد و أوضح آية قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[سورة النساء]
قال تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[سورة الأنعام]
لا يوجد واحد من الحاضرين إلا ويتمنَّى السلامة والسَّعادة والرِّزْق وزواج سعيد، وأولاد أبرار، ومكانة راقِيَة، فهذه كلّها في طاعة الله وحينما ترى الأمور على خِلاف ما تُحِبّ فَفَتِّش عن المعْصِيَة، هل هناك مخالفات من حرام، وإطلاق بصر، وكذب وغِشّ، وتدليس فقد يغشّ الإنسان الناس في البيْع والشِّراء، يسرِق المبالغ ثمّ تدفعها دُفعَةً واحِدَة، فكلَّما وَجَدْت نفسَك مُتضايِق من قَضِيَّة فَتِّش عن المعْصِيَة لذلك أخطر شيء فليس الدِّين أن تعرف الحلال والحرام، ومنهَج اللهَ كَيف تُصَدِّقه إن لم تعرف منهَجَه ؟ وكيف تعْرف منهَجَهُ ؟ فلا بدّ مِن أن تأتِيَ بيوت الله، كي لا تتيهَ، ولذلك طلب العلم فريضة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .




تفسير قوله تعالى : إن الله يدافع عن الذين :





أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الكريمة وهي قوله تعالى :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[سورة الحج الآية : 38]
لو أنَّ الإنسان اسْتعرض الآيات التي وعَدَ الله بها المؤمنين ، فالله تعالى يُدافع عن الذين آمنوا ، والله سبحانه وتعالى لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً ، والله سبحانه وتعالى ينْصُر المؤمنين ، لو أنَّ الإنسان اسْتَعرض الآيات التي تتحدَّث عن وَعْد الله للمؤمنين في الدنيا مِن التَّوفيق ، والنَّصْر والتأييد ، والحفظ ، ثمَّ لا يَجِدُ هذه الوُعود مُحَقَّقة ماذا يفْعل ، وكيف يُفَسِّر ذلك ؟ الله سبحانه وتعالى لا يُخْلِفُ وَعْدَهُ قال تعالى :
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾

[سورة النساء الآية :87]
وزوال الكون أهون على الله مِن أن لا يُحَقِّقَ وَعْدَهُ ، وإذا رأيْتَ وُعود الله عز وجل للمؤمنين ليسَتْ كما عليه ، قال تعالى :
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[سورة النور الآية : 55]
أين الاسْتِخلاف ؟ وأين التَّمكين ؟ وأين التَّطْمين ؟ وقال تعالى :
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾

[سورة النساء الآية : 141]
لهم علينا ألف سبيل وسبيل وقال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾

[سورة محمد الآية : 7]
إذا رأينا وُعود الله تعالى التي في القرآن الكريم لم تُحَقَّق ، فكيف نُفَسِّر ذلك ؟! هناك تفْسير واحِد وهو أنَّنا لسْنا في المستوى الذي وُصِفنا به ولسْنا من الإيمان بالمكان الذي نسْتَحِقُّ وَعْد الله عز وجل ، ماذا نعْمَل ؟ نُصْلِحُ نُفوسَنا ، قال تعالى :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[سورة الحج الآية : 38]
فالمؤمن الصادِق والمُخْلِص يُيَسِّر له الله أشْخاصًا أقْوِياء يُدافعون عنه وكأنَّ هؤلاء مَدْفوعون مِن قِبَل الله عز وجل كي ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعى الله عز وجل قال كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلْيَتَوَضَّأْ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ ولَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ))

[رواه الترمذي]
لذلك أيها الأخوة الكرام ؛ أيَّةُ آيةٍ في كتاب الله تعالى فيها وعدٌ للمؤمنين بِوَعدٍ أو حِفْظٍ أو تَمْكينٍ أو تَطمين إنْ لم تروا أنَّها مُحَقَّقة ينبغي أن نتَّهِمَ أنفسنا ، ومن أصْدَق من الله حديثًا .
الآية التي بعدها ، آية دقيقة جدًا ، قبل أن أشْرحها أُقَدِّم لها بِهذا التَّقديم النبي عليه الصلاة والسلام يقول : اللَّهم أرِنا نِعَمَك بِكَثْرَتِها لا بِزَوالها فلا بدَّ مِن أن ترى النِّعَم ؛ هناك طريقان ؛ يُمْكن أن تكون هذه النِّعَم مُتوافِرَة بين يَدَيْك ، وأنت بِجُهْدٍ فِكري تنظر إلى هذه النِّعَم ، فتشكر الله عليها ، ويمكن أن تفْقِدها لا سَمَح الله تعالى ، فتَعْرِفَ قيمتها .
فَمِن نِعَم الله التي لا تُحْصى ؛ هذا التوازن بين القِوى الذي جَعَله الله رحْمة للضُّعفاء ، قال تعالى :
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
توازن القِوَى لِصالِحِ المؤمنين ، وهذه النِّعْمة العظمى التي كانت بالعالم وكان الضِّعاف يأخذون من الفريقين ما يشاءون حينما أصْبَحَت القوَّة في بيئةٍ واحِدَة رأيْتَ الفرق الواضِح جدًا بين توازن القِوى ، وبين انْفِرادها وتلك النِّعمة مَذْكورة لذلك فُقِدَت ، وصارَتْ قُوَّة في الأرض غاشِمة ، ومُنْحازَةٌ انْحِيازًا أعمى ، وهذا ما كان لِيَكون يوم كان توازن للقِوى قال تعالى :
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
لذلك هذا درس ؛ النِّعمة التي أنت فيها ينبغي أن تشْكُرَها ، وإلا سوف تعرِفُها بِفقْدِها ؛ نِعْمة الصِّحة ، ونِعْمة المال والفراغ والأمْن ، هذه النِّعَم التي تنْعُم بها ، حينما لا تُفَكِّر فيها ، ولا تشْكر المولى عز وجل ربَّما أدْرَكَها الإنسان وعرفها حين فقْدِها ، فالإنسان العاقل والمُوَفَّق الذي يسأل الله شُكره تعالى عليها مع وَفْرَتِها لا مع زوالها ، ولكن يقول الله عز وجل :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
إذا أردْتَ نصْر الله عز وجل المطلق ومِن أمْتَع المشاعر التي يشْعر بها الإنسان حينما ينْصره الله عز وجل ، هذا النَّصْر يتنافس في البيع والشِّراء ، وأحيانًا ينتصِر على من في البيت ، وحتَّى على جرثوم دخل إلى جسْمِهِ ، هذا النَّصْر بِمُطْلِقِه أليْسَ له قانون ؟! قال تعالى :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
هل الله تعالى بِحاجة إلى أن ننْصُرَهُ ؟ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :
(( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
قال العلماء : المضاف محذوف ، نحن علينا أن ننْصر دين الله حينما تؤدِّي الصلوات الخمْس ولا تأخذك في الله لَومة لائِم ؛ هذا نصْر لِدِين الله تعالى ، وحينما تُقيم الشَّرع في عَمَلِكَ فهذا نصْر لِدِين الله تعالى ، نحن عندنا وقائِع وعندنا شرائِع فالوقائِع ربَّما لو أعْلَنْتَ عن بِضاعَتِك في أجْهزة الإعلام عن طريق نِساءٍ كاسِيات عارِيات ربَّما كان هذا هو المانِع ، أما لو خِفْت الله ولم تفْعَل هذا فأيَّةُ طاعةٍ لله هي في حقيقتِها نصْرٌ لدِين الله ، لأنَّك إذا أنت أطَعْتَ الله وفلانٌ أطاع ، فالحق يتنامى ، وينْكَمِش الباطل ، وبه تكون قد نصرْت دين الله ، أما إذا كان الكلّ يأكل الرِّبا ، فإذا خالف أحدهم اتُّهِمَ ! وكذا المصافحة والاخْتِلاط، فهذه الآية دقيقة جدًّا :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
ونصر الله هو نصْرُ دينِهِ ، وتطبيق أيُّ حكمٍ شرعي هو في الحقيقة نصْر لِدِين الله تعالى ، وبه تتَّسِعُ دوائر الحق ، وتضيق دوائر الباطل ، فإذا كان بالحي بنايات كبيرة جدًا أمام مسْجِدٍ ، ثمَّ في الصُّبْح لا تجِد إلا سبعة من المُصَلِّين ! أين قوله صلى الله عليه وسلَّم :
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ))

[رواه مسلم]
وإذا رأيْتَ جماعة كبيرة كلُّهم بالسيارات يوم الجمعة يمْشون وتاركين لِصَلاة الجمعة ، أين نصْر دين الله ؟! قال تعالى :
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الجمعة الآية : 9]
فالذي يَحْصَل أنَّ أمْر الله هان على الناس ، فهانوا هُمْ على الله تعالى ! قال تعالى :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
فأنت أقِمِ الشَّرع ومعنى ذلك أنَّك نصَرْتَ لِدِين الله تعالى ، وحينما تنتصِرُ لِدِين الله ينْصُرُكَ الله مطلقًا وأنت لك باليوم مئات المعارك ؛ تِجارتُكَ معركة ، وبيعُكَ وشِراؤُكَ معركة ، وتزْويج البنات معركة ، فالحياة مُعَقَّدة جدًّا ، قال تعالى :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

[سورة الحج الآية : 40]
فكلّ من أطاع الله يكون قد ساهَمَ في نشْر الحق ، ونصْر دِين الله تعالى ، وكثَّر سواد المسلمين .




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السابعة و العشرون من سورة الحج وهي قوله تعالى:
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾

[سورة الحج]
أي يأتون راجلين أو ممتطين ركابهم.
قد يقول الإنسان لِمَ لم يقل الله عز وجل " فج بعيد" ؟ نحن نظن أن الآية تشير إلى بعد المكان، فلمْ يقل الله عز وجل "فج بعيد " العلماء يقولون: إن الأرض كرة و أنت إذا ابتعدت عن إحدى نقاط الأرض ينشأ بعدٌ ثالث هو العمق، فكلما ازداد العمق ازداد البعد، و العمق يشير إلى أن الأرض كرة، قد تكون مكة هنا و دلهي هنا، فالطريق من هنا، وهذا العمق هو إشارة علمية سمَّاها العلماء " السبق العلمي " هناك في القرآن الكريم إشارات علمية دقيقة جدا، مثلا، المعركة التي جرت بين الفرس و الروم والتي تحدث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾

[سورة الروم]
و المعركة جرت في غور فلسطين ولم يكن أحد يعرف قبل ذلك أن غور فلسطين أعمق نقطة في الأرض و في اليابسة، و أعمق نقطة في البحر في المحيط الهادي في خليج مريانا عمقها اثنا عشر ألف متر، بينما أعمق نقطة في البر هي غور فلسطين، ولم يكن وقتها أشعة ليزر تقاس بها الأعماق و الارتفاعات و الأبعاد، الآن بأشعة الليزر يقيسون المسافة بين الأرض و القمر على مستوى المليمتر، قال تعالى:
﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ﴾

(سورة الروم)
أي في أخفض نقطة في الأرض، هذا سبق علمي لم يكن يعلم أحد من قبل أن الجنين ذكرا كان أو أنثى هو من النطفة لا من البويضة، قال تعالى:

﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾

[سورة النجم]
لم يكن يعلم أحد في عهد رسول الله أنَّ كل كوكب في الكون يتحرك، قال تعالى:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

[سورة الطارق]
الصفة الأساسية الثابتة في السماء أن كل كوكب فيها يدور حول كوكب آخر في مسار مغلَق، لذلك كل كوكب سيرجع إلى مكان انطلاقه، قال تعالى:

﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12) ﴾

[سورة الطارق]
الأرض تنصدع عن النبات و السماء من خصائصها أن كل كوكب فيها ينطلق و يعود إلى مكان انطلاقه، هذه الإشارات العلمية التي أشار إليها القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

[سورة المرسلات]
الجاذبية، فكل شيء على الأرض لو تركته يسقط، ولماذا يسقط؟ بفعل الجاذبية، أما لو خرج رواد الفضاء من الأرض إلى القمر ووصلوا بين الكوكبين إلى منطقة انعدام الجاذبية التي الأشياء فيها لا وزن لها، بإمكان الإنسان أن يسبح في جو المركبة في الوسط و بإمكانه إذا خرج من المركبة أن يبقى معلقا في الفضاء، منطقة انعدام الوزن، الله جل جلاله أشار بقوله:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا(26)﴾

[سورة المرسلات]
فكل شيء في الأرض ينجذب إلى مركزها هذه هي الجاذبية، و التجاذب الحركي عبَّر عنه الله عز وجل بقوله:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ(7)إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ(8)يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ(9)﴾

[سورة الذاريات]
حبَّذا لو جُمعت هذه الإشارات العلمية التي سماها بعض العلماء " السبق العلمي " والتي تؤكد أن هذا الكلام هو كلام الله، قال تعالى:

﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾

[سورة النحل]
إلى هذا الحد هذا الكلام يمكن أن يقوله محمد عليه الصلاة و السلام، الخيل موجودة و البغال و الحمير لتركبوها و زينة، أما إذا ركب الإنسان سيارة فخمة أين هي في القرآن ؟ قال تعالى:
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)﴾

[سورة النحل]
كلام خالق الكون، هذا سبق علمي، الله تعالى قال:

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)﴾

[سورة يس]
و الذي يحيِّر العقول أن الشجر الأخضر يحترق، لا يحترق، أنا كنت أتمنى أن تكون الآية " الذي جعل لكم من الشجر اليابس لكن قال تعالى:
﴿مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَر﴾

قال العلماء هذه آية البترول لأن كلمة " أخضر" تشير إلى مادة اليخضور التي في الورقة، و الورقة هي أعظم معمل حتى الآن في الكون، قرأتُ كلمة عن الورقة الخضراء: إن أعظم معمل صنعه الإنسان لا يرقى إلى مستوى الورقة الخضراء، تأخذ ثمانية عشر معدنا مذابا في الماء من التربة و يصعد هذا الماء المذاب فيه المعادن بأوعية في الشجرة مدعَّمة بحلزون ليفي، حتى إذا نمت عرضا لا تضيق لمعة هذا الحلزون، فمن سمح للمعادن أن تذوب في الماء عن طريق الأملاح ؟ الله جل جلاله، يصعد هذا الماء إلى الورقة و الورقة تأخذ من أشعة الشمس الطاقة "البوتون" و الورقة دائما في اتجاه الشمس، ومن طباعها أنها في اتجاه الشمس و تأخذ البوتون و تأخذ الآزوت من الهواء و تأخذ النصغ الصاعد وتصنع منه مادة اسمها "النصغ النازل " و المادة الواحدة تشكل الأوراق الجديدة و الأغصان الجديدة و ينمو بها الجذع وتنمو بها الجذور و تنمو بها الأزهار وتنمو بها الصماغ، هل هناك في الأرض سائل ينحقن ويصير حديدا ؟ أو خشبا ؟ هذا مستحيل، هذه الورقة الخضراء لولاها لما كان النبات، ونظرية البترول أن هناك عصور هطلت فيها أمطار غزيرة نبتت نباتات عملاقة دُفنت تحت الأرض فكانت البترول، قال تعالى:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(80)﴾

[سورة يس]
توقدون من البترول.
القرآن الكريم زاخر بالإشارات الكونية، الآن يقول علماء الذرة: إن كل ذرة فيها نُوَية و فيها كهارب تدور حول هذه النوية بحركة دائمة، قال تعالى:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

[سورة يس]
"كل" تفيد الإطلاق و الإبهام، أي شيء خلقه الله في الكون يسبح في فلك، بدءا من الذرة وانتهاء بالمجرة، فإذا قرأ الإنسان القرآن و تدبر آياته ولاسيما آياته الكونية إن لم يشعر بكل قطرة من دمه أن هذا القرآن كلام الله فأنا مسؤول عن هذا الكلام، الذي يقرأ القرآن يشعر أن كل حرف من هذا القرآن هو كلام الله عز وجل
أيها الأخوة الكرام، الآيات التي تشير إلى السبق العلمي، هناك إعجاز تاريخي و هناك إعجاز إخباري وهناك إعجاز غيبي ؛ غيب الماضي و غيب الحاضر و غيب المستقبل، و هناك إعجاز بلاغي، مثل ذلك قوله تعالى:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾

[سورة التوبة]
الواو حرف عطف، لِمَ لم يقل الله " و كلمة الله " بنصب كلمة عطفا على" كلمة الذين كفروا" ؟ لو كانت بنصب "كلمة " لفُهم أن كلمة الله صارت عليا بعدما كانت سفلى، و هذه عقيدة فاسدة، قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾

[سورة التوبة]
الواو استأنافية وكلام جديد، قال تعالى:

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾

[سورة التوبة]
لذلك في القرآن إعجازي، و إعجاز شرعي و إعجاز تربوي و إعجاز علمي و إعجاز تاريخي و إعجاز إخباري عن غيب الماضي و الحاضر و المستقبل و إذا سألتَ ما الدليل على أن هذا الكلام كلام الله ؟ الجواب إعجازه،و هناك دليل آخر مهم جدا، وهو أن الله يشهد لك أنه كلامه أنت بتفكيرك و تدبرك تعلم أنه كلامه من إعجازه لكن الله وحده يشهد لك أنه كلامه، الله تعالى قال:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

[سورة النحل]
يتوب الشاب إلى الله و يستقيم، ماله حلال و إنفاقه حلال، ضبط جوارحه وبيته و إنفاقه، فيرى بعد ذلك أن كل حياته صلحت، نفسيته و معنوياته و علاقاته الداخلية مع زوجته و أولاده و جيرانه، ورفع الله ذكره، هذه الحياة الطيبة التي بدت له و التي لم تكن من قبل شهادة الله لهذا العبد على أن الذي قال:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

[سورة النحل]
هو خالق الكون وهو الذي أنزل هذا القرآن، ويأتي إنسان آخر يتفلَّت منكر للآخرة و يأخذ المال الذي يريد و ينفق كما يريد فيعيش حياة ضنكا كلها شقاء وهموم وأمراض وقلق و على خوف، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

[سورة طه]
وهذه شهادة الله لهذا العبد، و الذي أنزل هذا القرآن هو الذي صنع هذه الحياة الضنك، هذا دليل آخر، لذلك قال تعالى:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ(39)﴾

[سورة يونس]
قال علماء التفسير: التأويل وقوع الوعد والوعيد، قال تعالى:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) ﴾

[سورة البقرة]
يقول أحدهم: أنا معي أموال طائلة من ربا وأين هذه الآية ؟‍‍‍‍!بعد حين يتلف ماله كله، و يصادر ماله كله، و هذه الزلازل و الفيضانات و الإفلاس كلها يمحق الله بها الربا و يربي الصدقات، فأنت عندك طريقان للإيمان بكلام الله ؛ إما طريق التدبر وعندئذ تشعر أن كل كلمة من هذا الكتاب كلام الله، أو طريق أن تنظر إلى أفعال الله و إلى مطابقتها معى كلامه، هذا هو الذي يشعرنا أن القرآن كلامه، وبالمناسبة إذا كان نُشر في الجريدة اليوم مثلا خبر السماح باستيراد خمس سيارات بدون قيد أو شرط، ستنزل كل سيارة إلى خمسمائة ألف، أليس عيبا أن يصدق الإنسانُ إنسانا مثله في تصريح بسيط و تتغير الأسعار كلها ؟! و خالق الكون في ستمائة صفحة يبين لنا فيها الوعد و الوعيد والحلال و الحرام والخير و الشر ولا يصدقه أحد ؟!! الله تعالى قال::

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) ﴾

[سورة البقرة]
فلا بد من إيمان لذلك.
قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾

(سورة الحج)








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
الإنسان يركب الطائرة على ارتفاع خمسة و أربعين ألف قدم أدار مقبض الباب فانفتح ولأن الضغط في الطائرة ثمانية أمثال ضغط خارج الطائرة، فالهواء سحبه إلى الخارج ووقع من هذا الارتفاع، فماذا ننتظر مصيره ؟! سينزل جثة هامدة في أرض صحراء مقفرة، فجاءت الطيور لتأكله و تنهش لحمه، هذا المثل الذي ضربه القرآن الكريم يساوي تماما الإشراك بالله، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
ذلك أن كل أمراض النفس هي أعراض لمرض واحد،النفاق ليس مرضا بل هو عرض و الخوف ليس مرضا بل هو عرض والاعتماد على الذات عرض وليس بمرض، عدم الإخلاص عرض، هذه الأمراض التي تبدو متفشية في المجتمع الإسلامي إنها أعراض لمرض واحد ألا وهو الشرك، لذلك قال العلماء: الشرك نوعان: شرك جلي و شرك خفي، الشرك الجلي قلما نجده في العالم الإسلامي لأن الله سبحانه وتعالى بعد أن أنزل الكتاب على عبده وانتشر الهدى يئس الشيطان أن يُعبد غير الله في بلاد المسلمين، أن يكون هناك إلها كاللات و العزى تعبد من دون الله تعالى بعد بعثة المصطفى هذا مستحيل، عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهم ))

[رواه الترمذي]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:

(( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))

[رواه ابن ماجه]
الشرك الجلي غير موجود، أما الموجود أن يعتمد الإنسان على زيد أو عبيد، على فلان أو علان، الآية دقيقة جدا والتي ينبغي أن تكون واضحة لديكم قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾

[سورة التوبة]
هناك موضوع دقيق ينبغي أن يكون واضحا وهو يعين على فهم هذه الآية التي توضِّح تلك الآية، هناك حبٌّ في الله و هناك حب مع الله، فمن أحبَّ زوجته حبا حمله على أن يطيعها و يعصي الله فهذا حب مع الله وهو عين الشرك، أما إذا أحب الله فرأى امرأته مستقيمة مؤمنة طاهرة فأحبها لدينها فهذا حب في الله، و الحب في الله من كمال الإيمان والحب مع الله عين الشرك، من أحب بيتا مغتصَبا أحبه و آثر أن يبقى فيه على أن يرده إلى صاحبه.

﴿ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾
رأى البيت مميزاته أفضل عنده من أداء الحقوق و من إرضاء الله عز وجل، تجارة مبنية على الحرام ؛ بضاعة حرام أو التعامل حرام لكن الدخل كبير و فلكي، ويقول: أنا مضطر وعندي أولاد.

﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾
أحبها مع الله، و الإنسان قد يحب الدخل الحلال في الله، فالحب مع الله شيء و الحب في الله شيء آخر، الحب في الله من كمال الإيمان، و الحب مع الله عين الشرك، فأن يشرك الناس و أن يعبدوا إلها غير الله فهذا في العالم الإسلامي غير موجود، هذا هو الشرك الجلي، لكن الشرك الخفي كما قال عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:

(( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))

[رواه ابن ماجه]
إخواننا الكرام، ضعف الإخلاص من ضعف التوحيد و ضعف المحبة لله من ضعف التوحيد، النفاق من ضعف التوحيد و التملق من ضعف التوحيد و التمزق من ضعف التوحيد، و الخوف من ضعف التوحيد، فأمراض النفس الوبيلة واحدة واحدة لو حلّلتها لوجدتها من ضعف التوحيد، لذلك "عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ:

(( خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))

[رواه ابن ماجه]
الآية الكريمة، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
أعتقد أنه لا توجد مصيبة في الدنيا أعظم من أن يسقط الإنسان من الطائرة و أن يأتي إلى الأرض جثة هامدة و أن تأتى الطير فتأكله وتبعثر أشلاءه، هذه مصيبة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
الطريق مسدود، بعت حياتك لإنسان و الإنسان ضعيف وهو ضعيف مثلك قد لا يعلم حجم التضحية و إذا علمها قد لا يكافئ و إذا أراد أن يكافئ قد لا يستطيع، فلما يضبط الإنسان حياته و شبابه ووقته وعمره وذكاءه و لغته لغير الله فقد غُبِن غبنا فاحشا، فقد باع النفيس بالخسيس، لذلك أخطر موضوع في القرآن على الإطلاق الشرك والدين كله توحيد، وفحوى دعوى الأنبياء جميعا هي التوحيد، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾

[سورة الانبياء]
فإذا اعتقدت أن فلانا قويٌّ وبإمكانه أن ينفعك أو يضرك إذًا تطيعه و تعصي الله عز وجل، وفي الحقيقة هو ليس قويا والله هو القوي، و من أرضى الناس بسخط الله سخط عنه الله و أسخط عنه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضيَ الله عنه و أرضى عنه الناس، فالتوحيد هو الدين كله، و لن تجد في العالم الإسلامي شركا جليًّا لكن الذي تجده شرك خفي، الواحد إذا قال: الله أكبر لكنَّه يطيع زوجته ويعصي ربه، و الحيقة التي لا مراء فيها أنه رأى إرضاء زوجته أكبر من إرضاء الله، و الواحد يغش الناس في البيع والشراء و يحقق دخلا كبيرا، إذا قال لك: الله أكبر يوم العيد فلا تصدقه، رأى هذا الدخل الكبير أكبر عنده من طاعة الله، هذه هي الحقيقة، و إنسان أطاع إنسانا أقوى منه و عصى ربه ؛ رأى هذا الإنسان أقوى إرضاءً له، و إرضاؤه أغلى عنده من إرضاء الله، فنحن مشكلتنا في الشرك الخفي، وهو الذي يشل الإنسان و يقعده عن العمل الصالح، و يخيفه قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾

[سورة آل عمران]
فالخوف من الشرك و النفاق من الشرك و التملق من الشرك و الانهيار الداخلي من الشرك و الخنوع من الشرك والقلق من الشرك، أما التوحيد فقد قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)﴾

[سورة الأنعام]
لذلك قالوا: نهاية العلم التوحيد و نهاية العمل الطاعة، فهذا مثل في كتاب الله قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]
ضربتُ لكم مثلا حديثا، إنسان له مبلغ في حلب مليون ليرة و عليه أن يقبضه على الساعة الثانية عشر من يوم السبت، ركب القطار على الساعة السابعة، فقد يرتكب في هذا القطار عشرات الأخطاء و كلها مغفورة، أما الغلطة التي لا تغتفر أن تركب قطار درعا، فإذا توجه العبد إلى الله و أخطأ يتوب ويغفر الله له، أم أن يعتمد على إنسان فلا و لا يشرك الإنسان بربه إلا و يخيِّب الذي أشركه مع الله ظنه، قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

(( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ))

[رواه مسلم]
و ابن عطاء الله السكندري يقول: إن الله لا يقبل العمل المشترك " لا يحب العمل المشترك و لا القلب المشترك، فكيف نوحِّد؟
بالتفكر في خلق السماوات و الأرض والتفكر في أفعال الله و التفكر في كلامه، هذه المصادر الثلاثة ؛ خلقه و أفعاله وكلامه تدل عليه، فإذا أيقنت أنه لا إله إلا الله سعدت و أسعدت، و إن لم توقن فاسمع قوله تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾

[سورة الشعراء]
أحد أكبر عذاب النفس الشرك بالله، لذلك الآية قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)﴾

[سورة الحج]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:41 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام الآية الثانية والخمسون و الثالثة و الخمسون و الرابعة والخمسون من سورة الحج وهي قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)﴾

[سورة الحج]
أيها الأخوة: من خلال هذه الآيات يتضح أن معركة الحق و الباطل قديمة قدم الإنسان، و مستمرة إلى يوم القيامة،فلا ينبغي للمؤمن أن يعجب أو أن يفاجأ أو أن يتألم إذا رأى هناك من يكيد للحق، وهذه الصيغة صيغة شمولية، قال تعالى:

﴿ُوَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾

[سورة الحج]
على الإطلاق.

﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾

[سورة الحج]
ما المفعول به لفعل " تمنى " هذا النبي ماذا يتمنى؟ وما الذي يليق به أن يتمنى ؟ تمنى هداية الخلق، و تمنى تعريفهم بربهم و إسعادهم و الأخذ بيدهم إلى الله و تمنى أن يستقيموا على منهج الله، وأن يعرفوا سر وجودهم، تمنى أن تأتي أعمالهم موافقة للآخرة قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
فهذه الهاء في " أمنيته" على من تعود ؟ الحقيقة إذا أعدناها على النبي وقعنا في معنى فاسد و الأنبياء معصومون ولا يستطيع الشيطان أن يدنو منهم، قال عليه الصلاة والسلام:
((يا عمر ما سلكتَ فجًّا إلا وسلك الشيطان فجًّا غير فجِّك.."))
فإذا كان هذا من عمر أفيعقل أن يصل الشيطان إلى النبي ؟!! و إذا وصل إلى النبي فأين حصانته ؟ و أين إقباله واستعاذته ؟ وأين نوره و أين عصمته ؟ إذا وصل الشيطان إلى النبي صار كل شيء قاله النبي يُظن فيه هل سُحر أم دخل عليه الشيطان ؟ لكن الصواب أن الهاء تعود على الشيطان نفسه كلما تمنى النبي هداية الخلق و إسعادهم ألقى الشيطان في أمنيته هو أن يضلهم و أن يفسدهم و أن يخوفهم و أن يعدهم الفقر هذه مهمة الشيطان إذا خطر ببال الواحد أن يعطي أخته ذات الدخل المحدود مساعدة ثم تردد ثم قال: مالي ولها، هذا خاطر شيطاني،قال تعالى:

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268)﴾

[سورة البقرة]
و قال تعالى:

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾

[سورة آل عمران]
أيها الأخوة الكرام: أي خاطر يرد عليك، نويتَ الإنفاق ثم ترددت فهذا خاطر شيطاني، دخلت مجلس العلم، لعل أخطار تنتظرني، فهذا خاطر شيطاني، لأنك تعبد خالق الأكوان والذي تعبده هم أٌوى الأقوياء وملك الملوك، وقلوب الملوك بيده، فإن أطاعوه العباد حوَّل الله قلوب ملوكهم بالرحمة والرأفة، و إن هم عصوا حوَّل الله قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسد الملوك وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم، لذلك خاطر يخوِّف شيطاني،ى خاطر يدعوك إلى البخل فهو من الشيطان، خاطر يدعوك إلى المعصية خاطر شيطاني، يجب أن تفرز الخواطر، هناك إلهامات ملائكية و هناك خواطر شيطانية، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
تمنيات الأنبياء راقية جدا هداية إسعاد و رحمات وكسب الدنيا و الآخرة قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
عكس ما يتمنى النبي، فهناك معركة من الأزل و إلى الأبد بين الحق و الباطل، الشيطان يدعوك إلى الانحراف والله يدعوك إلى طريق الاستقامة، الشيطان للخيانة والإله العظيم إلى الإخلاص، الشيطان إلى الإساءة والله يدعوك إلى الإحسان، الشيطان إلى الجحود و خالق الأكوان إلى الاعتراف بالفضل، دائما هناك إثنينية في الحياة ؛ حق وباطل، خير وشر، استقامة وانحراف، إحسان و إساءة، صلاح وطلاح، إنصاف وجحود، قال لي أخ: طلبت مني أختي خمسة آلاف ليرة، قال لي: واللهِ لا أملك غيرها، وقعت في صراع شديد بيني وبين نفسي، ثم عزمتُ أن أعطيها المبلغ، و نزلت إلى محلي التجاري جاءني رجل سألني عن بضاعة ليست عندي فقال دلني على من يبيعها ؟ فدللتُه، وفي المساء جاءني صاحب المعمل بعشرة آلاف ليرة، قال لي: هذه مني لك نظير ما اشترى الذي جئتَ به.
عندنا ثمان آيات في القرآن الكريم، وإذا صدَّقنا خالقنا، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ(39) ﴾

[سورة سبأ]
و قال تعالى:

﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

[سورة البقرة]
فالله يعلم و يخلف، وكل إنسان يحجم عن الإنفاق معرفته بالله ضعيفة الله يضاعف إلى سبعمائة ضعف، لذلك الإنسان يطعم اللقمة في الدنيا فيراها يوم القيامة كجبل أحد، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾

[سورة الحج]
هو والفعل فعل الله قال تعالى

﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾

[سورة الحج]
التخويف باطل والوعد بالفقر باطل، والوعد بالدنيا المديدة باطل، أمل الشيطان باطل، فكل وساوس الشيطان تتلاشى كفقاعة الصابون، قال تعالى:

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ ﴾

[سورة الحج]
وعده يتحقق ووعيده يتحقق وأحلام الشيطان لا قيمة لها إطلاقا وليس لها عند الله وزن، قال تعالى:

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(120)﴾

[سورة الحج]
قال تعالى:

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾

[سورة الحج]
أيَّة آيات ؟ مثلا وعد المؤمن بحياة طيبة، فإنه سيجدها وهذه الحياة الطيبة هي شهادة الله لهذا المؤمن على أنَّ هذا الكلام كلام الله والدليل هذه الحياة الطيبة التي وعدتك بها بين يديك، المعيشة الضنك شهادة الله للمعرض أن هذا الكلام كلام الله، والمعيشة الضنك التي أوعدت بها المعرض عني هي بين يديك، قال تعالى:

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) ﴾

[سورة الحج]
أمَّا قوله تعالى:

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾

[سورة الحج]
الوساوس امتحانات من الله لهذا الإنسان الضعيف، أحيانا الشيطان يوسوس له فيستجيب الإنسان فيسقط من عين الله، فكل بطولتك أن تنجح في الامتحان، فهذه الوساوس كالوعد بالإفقار و التخويف و الإغراء بالمعصية،هذا الذي يفعله الشيطان
هو امتحان للإنسان، فسائق الطاكسي في الشام استوقفتْه امرأة يبدو أنه سائحة من بلاد خليجية، ركبتْ معه، قال: إلى أين يا أختي، قالت له: إلى حيث تريد، فهم الموضوع، ونال وطره منها، أعطته ظرفا فيه خمسة آلاف دولار و رسالة، فتح الرسالة فإذا فيها: "مرحبا بك في نادي الإيدز " هي مصابة، و ذهب ليصرف هذه الدولارات فإذا هي مزورة فأودع في السجن، هذا هو فعل الشيطان، لو كان مؤمنا لفتح الباب وركلها برجله، أليس كذلك ؟! لذلك الشيطان كما قال تعالى:

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(120)﴾
قال تعالى:

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)﴾

[سورة الحج]
و الأيام تدور و الأحداث تتطور قال تعالى:

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾

[سورة الحج]
فالذي جاء في كتاب الله هو الحق وكل ما كان خلافه فهو باطل ولا يبقى إلا الحق ولا يثبت، ولو بقي سبعين عاما لتهاوى كبيت العنكبوت ويسقط في الوحل، وما من مجتمع منهار فيه المافيا والجرائم و الفقر كالمجتمع الذي قال: لا إله، أصبح شراذم متفرقا منحرفا مهانا فقيرا، وهذا هو مصير المنحرفين قال تعالى:

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

[سورة الإسراء]
شديد الزُّهوق، بحجمه الكبير، أو بأعداده الكثيرة قال تعالى

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)﴾

[سورة الحج]
فمهما تحرك الإنسان فمآله إلى الله و إلى هذا الدين القويم، والشيء المؤلم أن يعود الإنسان إلى الله بخريف العمر وهو كبير بعد ما قضى كل شهواته وشبابه وصحته و ماله، المفروض أن تأتي إلى الله و أنت شاب في ريعان شبابك و قوتك و غناك و صحتك، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) ﴾

[سورة الحج]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-11-2018, 02:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الحج ( 22 )


الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآيات الأخيرة بدءا من الآية السادسة والسبعين وحتى نهاية سورة الحج وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
ما هو الفلاح ؟ هو النجاح و الفوز و التفوق و الشعور بالسبق، ففي حياتنا الدنيا لو أن الإنسان يعتني بصحته، و أجرى تحليلا لدمه، فوجد أن كل شيء في جسمه نظامي ؛ نسبة السكر طبيعية و الكولسترول وكل شيء جيد ؛ عمل تخطيطا فكل شيء جيد، و نبضات القلب صحيح فحينما يشعر أن صحته جيِّدة يشغر بالتفوق والفلاح، و إذا اشترى بيتا بثلاثين ألف ثم أصبح سعره ثلاثين مليونا يفرح، و إذا عنده مزرعة يقيم فيها وقت طيبا، وتجارته رابحة هذا هو الفلاح في الدنيا، فربنا عز وجل يقول إذا أردتم الفلاح الحقيقي ؛ هذه الدنيا تنتهي عند الموت، فالموت يلغي غنى الغني و يلغي فقر الفقير، يلغي قوة القوي و ضعف الضعيف يلغي وسامة الوسيم و دمامة الدميم، فأين الفلاح إذا ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
العلماء قالوا "اركعوا واسجدوا " أي صلوا لأن الركوع و السجود أبرز أركان الصلاة، فعبَّر عن الكل بالجزء، لأن أبرز ما في الصلاة أن تركع لله خاضعا و تسجد له مستعينا، أنت في الركوع خاضع لأمر الله و في السجود تستمد منه العون كي تطبقه، قال تعالى:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)﴾

[سورة الفاتحة]
نعبد في الركوع و نستعين في السجود، فربنا سبحانه تعالى عبَّر عن الصلاة التي هي عماد الدين و التي من أقامها أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ولا خير في دين لا صلاة فيه و ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، والصلاة معراج المؤمن، و لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل و الصلاة طهور و الصلاة نور، و الصلاة ميزان، فمن وفَّى استوفى، قال تعالى:

﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)﴾

[سورة مريم]
بل إن الدين كله اتصال بالخالق و إحسان إلى المخلوق، حركة نحو السماء و حركة نحو الأرض، قال تعالى:

﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)﴾

[سورة مريم]
أي يا عبادي إنكم تحبون التفوق و الفلاح والنجاح و الفوز، فالإنسان إن شعر أنه متفوق في دراسته أو في عمله أو في تربية أولاده، هذا هو الشعور بالتفوق وينتهي بالموت، فمهما كنت متفوقا فإنه ينتهي مع الموت والذي يجمعه الإنسان في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة.
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
هذه عبادة، وكل أمر في القرآن و في السنة الصحيحة يقتضي الوجوب و أنت أمام منهج واسع جدا، و من السخافة و الغباء و المحدودية في الإنسان أن يتوهم الدين صلاة و صوما و حجا وزكاة فقط، الدين أكثر ما يظهر في الأسواق وفي البيع و الشراء و في إتقان العمل و في صدق الحديث وفي الأمانة و الوفاء بالعهد، الدين معاملة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
أنت مكلف أن تطيع الله في كل شيء في علاقتك الحميمة مع زوجتك وفي علاقتك بمن حولك، قال تعالى:

﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُم﴾

[سورة الحج]
في كل ما أمر، فلا تبع ما ليس عندك، لا تبع شيئا حتى تحوزه إلى رحلك، فأكثر بيوع التجار فيها شبهات لجهلهم بأمور الفقه، قال تعالى:

﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُم﴾

[سورة الحج]
هذا الأمر و الفرض و الإلزام، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾

[سورة الحج]
التطوع، إنفاق المال، الدعوة إلى الله، عيادة المريض، تشييع الجنازة الإحسان للفقراء، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾

[سورة الحج]
و الخير ليس له حدود، قال تعالى :

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
فالفلاح الحقيقي هل تعرفون متى ؟ عندما يأتي ملك الموت و تشعر بأنك من معظم الناس تفوقتَ في معرفة الله و الإعداد لهذه الحياة الأبدية، هذا التفوق، و أحيانا الإنسان يتوهَّم التفوق في زينة الحياة الدنيا في مزرعته و بستانه و بيته و سيارته، هذا التفوق الموهوم الذي يدل على بعد و جهل بالله عز وجل، أما التفوق الحقيقي قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)﴾

[سورة الحج]
أحيانا تجد طالبين في الجامعة، أحدهما يقضي كل وقته في النزهات و اللعب و العزومات، و الثاني يجتهد في الدراسة، لكن متى الخزي للأول ؟ عند الفحص، فالتفوق في الدراسة يقتضي السهر للدراسة، فربنا عز وجل يلفت نظرنا أنه إذا أردتم التفوق فهذا هو طريق التفوق، ثم قال تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾

[سورة الحج]
النملة تصعد وتنزل، فأحد الأشخاص الأميين رأى نملة صعدت إلى هدفها أربعين مرة، و كان عمره أربعين عاما، علَّمتْه هذه النملة المجاهدة فتعلم القراءة و الكتابة و قرأ القرآن و حفظه و ما مات إلا وهو شيخ الأزهر، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه﴾

[سورة الحج]
بالغ في الطاعة و أنفق من مالك و اجلس على ركبتيك في طلب العلم، و تعرَّف إلى ربك و إلى سنة نبيك، وجاهد نفسك و هواك، فطاعة الهوى هوان.

وا خجلتي من عتاب ربي إذا قال لي أسرفتَ يا فلان
إلى متى أنت في المعاصي تسير مُخَرى لك عن العنان
عندي لك الصلح وهو بِري و عندك السيف و السنان
ترضى بأن تنقضي الليالي وما انقضتْ حربُك العوان
فاستحِ من كتاب كريــم يحصي به العقل و اللسان
واستحِ من شيبة تراهــا في النار مسجونة تُهــان
***
يا عبدي كبرتْ سنُّك وانحنى ظهرك و ضعف بصرك و شاب شعرك فاستحِ مني فأنا أستحي منك

إلى متى أنت باللذات مشغول و أنت عن كل ما قدَّمتَ مسؤول
***
و قال الشاعر:

تعصي الإله و أنت تظهر حبه ذاك لعَمري في المقال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعتـه إن المحِبَّ لمن يحبُّ مطيع
***
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) ﴾

[سورة الحج]
امرأة أُصيبتْ بورم خبيث في دماغها، ولكنَّ الله جل جلاله أكرمها بالشفاء، ماذا تفعل؟ كيف تقربتْ إلى الله ؟ إنها تُجيد الطبخ، فصارت تطبخ طبخات عالية المستوى و تبيعها إلى الأسر الغنية و تأخذ ربحها و تعطيه للفقراء و المساكين، و تعالج به بعض المرضى، و أكثر من اثني عشر عملية قل بتمَّت على نفقة هذه المرأة الفقيرة التي لا تملك إلا إتقانها للطبخ، لأبواب الخير مفتوحة، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ ﴾

[سورة الحج]
لا تستطيع أنت أن تعمل درسا أسبوعيا لأولادك و أهلك ؟ آية و حديث و سيرة و فقه، فلما تعيش بقلوب الآخرين فأنت أسعدهم، وإذا أردتَ أن تسعد فأسعد الآخرين، ألا تستطيع أن تزور فقيرا ؟ حينما تلبي دعوة الأقوياء و دعوة الأغنياء فهذه التلبية من الدنيا، أما حينما تلبي دعوة الفقراء و المؤمنين هذه التلبية من الآخرة، أليس لك قريب تزوره، أفلا تستطيع أن تتفقد الأسر الفقيرة، تطعمهم بوجبة شهرية، قال تعالى:

﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾

[سورة الحج]
ثم قال تعالى:

﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾

[سورة الحج]
هو اختاركم لهذه الرسالة العالية ثم قال تعالى:

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾

[سورة الحج]
فالدين يسر، "قال تعالى:

﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾

[سورة الحج]
أنتم أيها العرب جعلكم الله أمة وسطا بينه و بين خلقه، هذه الرسالة حمَّلكم الله إياها، فلا تتمُّ الدعوة بكلمة، فلا بد من طول زمن و صبر .

﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾

[سورة الحج]
أيها الأخوة: هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة تلخِّص السورة بأكملها فإن أردتم التفوق هذا هو الطريق، أما جمع المال فلا يجعلك متفوقا وكل شيء تجمعه في حياتك الدنيا تخسره في ثانية واحدة، فالفلاح في طاعة الله وفي عبادته و في أداء الصلوات وفي فعل الخير و في مجاهدة النفس و الهوى وفي الدعوة إلى الله، قال تعالى:

﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) ﴾

[سورة الحج]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 08:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الأولى من سورة المؤمنون، والمؤمنون على الحكاية، لأنها في اللغة سورة المؤمنين، لكن المؤمنون اسم سورة يبقى على حاله، و إذا قلنا سورة المؤمنون و حتى لا يُتوهم أننا أخطأنا، نقول على الحكاية، فالآية الأولى قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
أوَّلا ؛ نقول: نجح فلان وقد نجح فلان إذا رأيت اسمه بعينك في قائمة الناجحين، ف "قد" حرف تحقيق، و "أفلح " من الفلاح وهو النجاح والتفوق و الفوز، فالله عز وجل يقرر في هذه الآية أن الذي يفلح و ينجح و الذي يتفوق ويسعد هو المصلي، فإذا كان تصورك للتفوق غير ما في كتاب الله فهذه مشكلة كبيرة جدا، فإذا تصور أحدنا أن النجاح في حيازة المال، و الله يقول:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
هذا هو الضلال البعيد، و إذا توهمت أن الفلاح في الانغماس في الملذات فهذا هو الضلال المبين، البطولة أن تأتي مفاهيمك و تصوراتك و مقاييسك عن الفلاح مطابقة لما في كتاب الله عز وجل، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به.))
هذه قضية خطيرة، تصوُّرك للفلاح ما هو ؟ أن تمتلك المال الكثير ؟ أم أن تكون في منصب رفيع ؟ أم يكون حولك أتباع كثيرون ؟ أم تكون لك أجمل زوجة في الأرض؟ أو أن تكون ذا مكانة اجتماعية رفيعة ؟ فكيف تفهم التفوق ؟ و كيف تفهم الفوز؟ و كيف تفهم النجاح و الفلاح ؟ عُد إلى كتاب الله خالق الكون هو الخبير، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

[سورة فاطر]
ليس هناك إنسان في الدنيا عنده حاسوب تعطَّل فذهب إلى جاره بائع الخضر ليصلحه، لا لابد لك من خبير في هذا الجهاز، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾

(سورة فاطر)

و خبرة الله قديمة، بينما خبرة الإنسان محدثة، و الدليل ؛ انظُر إلى سيارة صُنِعت عام (1912)و إلى أخرى عام (1995) ترى المسافة شاسعة جدا، معنى ذلك أن خبرة الإنسان تنمو، أنا سمعتُ أن أول قطار صُنع في بريطانيا أُمِر صاحب القطار أن يوظِّف شخصا يمشي أمامه ليحذر الناس، كم سرعته ؟ أقل من ثلاثة كيلومتر، هكذا كانت الآلات في أول عهدها، الآن 360كيلو في الساعة للقطار، فما معنى هذا الفارق الكبير ؟ الخبرة تُكتسب و هي محدثة، أما خبرة الله عز وجل فقديمة هل طرأ على الإنسان تغيير ؟ كل البشر من خلق واحد و من كمال واحد معنى ذلك أن خبرة الله قديمة، لم يطرأ على الإنسان أي تعديل في خلق الإنسان، لذلك هناك من ينتقد كلمة " الزائدة الدودية " يعني ان الله خلقها زائدة !! هي جهاز دفاع لذلك الطبيب المسلم يسميها "الذائدة " ذاد بمعنى دافع، فإذا أردت أن تقول: فلان التهبت زائدته الدودية، و إلا تقع في خطأ كبير، فليس ثمة شيء زائد، شركة سيارات هل تضع شيئا زائدا في السيارة ؟ قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
الله عز وجل يقرر وهو الخبير قال تعالى:

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14)﴾

[سورة الملك]
أن الفالح هو المؤمن ولو كان فقيرا ضعيفا مستضعفا، وأن الخاسر هو الكافر و لو كان غنيا قويًّا، و كفى بالمرء علما أن يخشى الله و كفى به جهلا أن يعصيه، الذي معه أعلى شهادة و يعصي الله مدموغ بالجهل وواحد حاجب يصلي الأوقات الخمس و يغض بصره و دخله حلال هذا مدموغ بالذكاء مع أنه أميٌّ، وهناك حديث مُخيف، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ:

(( كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ قَالَ و قَالَ مَسْرُوقٌ الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْهَا ))

[رواه الدارمي]
عَنْ مَسْرُوقٍ:

(( قَالَ كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ قَالَ و قَالَ مَسْرُوقٌ الْمَرْءُ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَجَالِسُ يَخْلُو فِيهَا فَيَذْكُرُ ذُنُوبَهُ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى مِنْهَا ))

[رواه الدارمي]
لذلك فرقوا بين العقل و الذكاء، فما كل ذكي عاقل، لكن كل عاقل ذكي فالإنسان لو كانت معه أعلى الشهادات و كان زانيا أو شارب خمر، هذا غير عاقل رغم ذكائه في اختصاصه، فالعقل يتعلق بالكليات و الذكاء يتعلق بالجزئيات.
الله تعالى يقرر أنْ يا عبادي الفلاح كل الفلاح والنجاح كل النجاح و الفوز كل الفوز و التفوق كل التفوق أن تكون مؤمنا، فمتى آمنتَ ؟ هل هناك في عالم الماديات أن رجلا نام ثم استيقظ فوجد معه دكتوراه !! إيمان و جنة عرضها السماوات و الأرض و ما عندك وقت لحضور مجلس العلم، ولا ملتحق بجامع تأخذ العلم منه، و لستَ حريصا على فهم كتاب الله الذي هو منهج الحياة و لا فهم سنة رسول الله التي هي بيان لكتاب الله، متى آمنتَ إذا ؟! هذا إيمان تقليدي لا يقدِّم ولا يؤخِّر، بل هو إيمان إبليسي، لأنَّ الله قال عن إبليس:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾

[سورة ص]
فربنا عز وجل قال:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة: الإيمان مراتب، مرتبة علمية و مرتبة أخلاقية و مرتبة جمالية، فإذا قلتَ أنَ فلانا مؤمن أي معه اختصاص في العلم و اختصاص في الأخلاق و اختصاص في الجمال، أذواقه عالية جدا وعلمه عالٍ وأخلاقه عالية، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
الإيمان يحتاج إلى بذل جهد مثلا ؛ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل "))
أحد العلماء الكبار وهو الجنيد يقول: ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء و ليس الولي الذي يطير في الهواء فالطائر يطير و السمكة تمشي ولكن الولي كل الولي هو الذي تجده عند الحلال و الحرام .
إخواننا الكرام، الدين لا يظهر في المسجد، فكلنا في المسجد، الدين يظهر في الأسواق في البيع و الشراء، في غض البصر وفي تحرير الدخل في صحة الإنفاق، في الأمر بالمعروف وفي تربية الأولاد، وفي ضبط الزوجة وضبط البنات، أن تكون مع المؤمنين لا مع أهل الدنيا، هذا هو الإيمان، قال النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب و صدقه العمل "))
يقول عليه الصلاة والسلام عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ:

(( يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ قَالَ يَا مُعَاذُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا ))

[رواه البخاري]
قال تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19)﴾

[سورة محمد]
فكلمة الإيمان كبيرة جدا، وتقريبا لأذهانكم كلمة " دكتور" التي يُرمَز لها حرف "د" التي كلَّفته دراسة خمسة وثلاثين سنة، هذا بمقياس أهل الدنيا بمقياس أهل الإيمان كلمة " "مؤمن" يعني لا يمكن أن يأكل الحرام و لا يمكن أن يكذب لا يخون و لا يعصي الله عن علم، إلا بجهالة ثم يتوب هذا هو المؤمن، فكلمة مؤمن مرتبة أخلاقية ؛ المؤمن لا يغدر و لا يغش ولا يكذب، ومرتبة علمية، فالمؤمن يعرف موقعه من الحياة، ويعرف لماذا خلقه الله، وما مهمته في الدنيا، ما الهدف البعيد الذي يسعى إليه و لماذا يتزوج، ولماذا يعمل، فله فهم عميق للحياة، والكافر سطحي المؤمن مرتبة جمالية، لا يقعد للغناء والنساء كاسيات عاريات والكؤوس تُدار، هذا مكان للمتفلتين، تختار مكانا هادئا و جميلا تسبح الله عز وجل لا يرى الناس أهلك و لا يرى أهلُك الناس، هذا هو الذوق، فالمؤمن مرتبة جمالية و مرتبة علمية و مرتبة أخلاقية، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
أنت متى آمنتَ ؟ هل لك مجلس علم تحضره ؟ هل عرفت كتاب الله ؟ و هل وقفت على أحاديث رسول الله ؟ وهل تتبعت أخبار الصحابة ؟ هذا العلم لذلك الله تعالى يقول:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
والذي عنده الملايين لم يفلح لأنه سيتركها، أكبر غني في العالم مات في يخت مع عاهرة في البحر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

[سورة القصص]
و قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(6)إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ(7)الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ(8)وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي(9)وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ(10)الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12)فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13)إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

[سورة الفجر]
ما أفلحوا، و ما أفلح من ملك الأرض لأنه سيموت، قال تعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)﴾

[سورة الرحمن]

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر و العمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول
فإذا حملتَ إلى القبور جــنازة فاعلم بأنك بعدها محــمول
***
فكل ذكائنا و عقلنا يجب أن يتجه إلى ساعة لقائنا مع ربنا .

وا خجلتي من عتاب ربــي ذا قال لي أسرفت يا فـــلان
إلى متى أنت بالمعــاصـي تسير مرخى لك العنـــــان
عندي لك الصلح وهو بـري وعندك السيف والســـــان
ترضى بأن تنقضي الليـالي وما انقضت حربكُ العــوان
فاســتحِ من كتاب كريم يحصي بها العقل و اللسان واسـتـح من شيبة تراهـا فـي النار مسجونة تـهان
***
أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
هذه الآية واردة فيما أعتقد أربع مرات في القرآن كله، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)﴾

[سورة الأعلى]
و قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)﴾

[سورة الشمس]
وقال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾

[سورة المؤمنون]
فعند الله تعالى إذا آمن الواحد و اتصل به و زكى نفسه فهو العالم و الذكي و المفلح و الذي رضي الله عنه، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾

[سورة الكهف]
لذلك:

رجـــل يدري بـأنه يــــدري فذاك عـالم فاتــــبـعــوه
ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلمــــــــوه
ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهـذا شيــطان فاحــــذروه
***










والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 08:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، قال تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)﴾

[سورة المؤمنون]
وقال تعالى بعد ذلك:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة: هناك حقيقة منطقية دقيقة وخطيرة، أضع لكم مثلا تمهيديا لهذه الآيات، الله جل جلاله يقول: الذين، إعراب الذين: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع صفة، وفي علم المنطق الصفة قيد، نقول كلمة إنسان التي تشمل خمسة آلاف مليون، و الآن أصف هذا الإنسان بأنه مسلم، ضاقت الدائرة من خمسة آلاف مليون إلى ألف مائتي مليون ثم أضع صفة ثانية، إنسان مسلم عربي، ضاقت هذه الدائرة إلى مائتي مليون، أضع صفة رابعة، إنسانٌ مسلمٌ عربيٌ مثقّف، ضاقت إلى خمسين مليون، أضعُ صفةُ جديدة، إنسانٌ مسلم عربيٌ طبيب، إلى مائتي ألف، أضع صفة جديدة، إنسان مسلم عربي طبيب سوري، إلى خمسين ألف، وأضع صفة أخرى، اختصاص قلب، إلى خمسة، وصفة جديدة مقيم في دمشق، إلى واحد، الصفة قيد و كلما كثرت الصفات ضاقت الدائرة، لو احتجنا موظفا معه دكتوراه في العلوم و خادم عسكرية و عمره أقل من أربعين سنة، ويتقن اللغة الإنجليزية و الفرنسية، من خمسة عشر مليون لا يُجد خمسة، فكلما كثرت الصفات تضيق الدائرة حتى لا يتوهم الواحد أنه فالح لأنه مؤمن، والله عز وجل قال :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾

[سورة المؤمنون]
خرج الذين لا يخشعون في صلاتهم،

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

[سورة المؤمنون]
ضاقت الدائرة، لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، وآفات اللسان كثيرة جدا، وهي محبطة للعمل، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ:

(( الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا فَيَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا ))

[رواه ابن ماجه]
وقال عليه الصلاة والسلام:
((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ ثُمَّ تَلَا ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ قُلْتُ بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))

[رواه الترمذي]
قد أفلح ليس كل المؤمنين "قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)﴾

[سورة المؤمنون]
فما تلف مال في بّرٍَ أو بحر إلا بحبس الزكاة، قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)﴾
تطهر الفقير من الحقد و الغني من الشح و المال من تعلُّق حق الغير به و تزكيهم، أي تنمي مال الفقير لأخذه للزكاة، وتنمي مال الغني بوجود قدرة شرائية بيد الفقير يشتري من الغني مرة ثانية، و تُنمِّي المال بالعِناية الإلهية المُباشرة، قال تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)﴾

[سورة التوبة]
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)﴾

[سورة المؤمنون]
العَيْنُ تزْني و زِناها النَّظر، و الأذن تزني وزناها السمع، و اليد تزني و زناها اللمس، فالزنا له معنى واسع، أيُّ متعة أجنبية لا تحل لك ولو بنظرة في الطريق.

﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) ﴾

[سورة المؤمنون]
الآن كل انحرافات الجِنس التي تفيض الكتب في الحديث عن تفاصيلها، أجملها القرآن الكريم في كلمة واحدة، قال تعالى:

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

[سورة المؤمنون]
الدين كله حياء، دقِّق كيف أن الله تعالى عبَّر عن كل انحرافات الجنس ـ لواط وزنا المحارم و سحاق ـ كل هذا الانحراف عبَّر الله تعالى عنه بقوله:

﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

[سورة المؤمنون]
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)﴾

[سورة المؤمنون]
قال عليه الصلاة والسلام:
((مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[رواه أحمد]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))

[رواه البخاري]
وقال: من عامل الناس فلم يظلمهم وحدَّثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملتْ مروءته وظهرت عدالته و وجبت أخوته و حرمت غيبته"و قال ذاك جعفر بن أبي طالب للنجاشي: حتى بعث الله فينا رجلا نعرف صدقه وأمانته "
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))
الإسلام بناء بُني على هذه الخمس، لما سيدنا جعفر بن أبي طالب بيَّن للنجاشي حقيقة الدين.

(("... فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ قَالَ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ..." ))

[رواه أحمد]
سيدنا جعفر الصحابي الجليل أحد أركان الإسلام عرَّف الإسلام بقيم أخلاقية، إذًا بُني الإسلام على خمسة أركان و ليست هي الإسلام.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)﴾

[سورة المؤمنون]
المحافظة على الصلاة ليس أداؤها في وقتها فحسب، بل في الاستقامة قبلها، إن لم تحافظ على استقامتك فأنت محجوب عن الله عز وجل، قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

[سورة المؤمنون]
فحتى لا يتوهم الإنسان أنه مؤمن لا ينقصه شيء، الله عز وجل وصف صفات المؤمنين وكل صفة تضيِّق الدائرة إلى أن تصبح الدائرة ضيِّقة جدا، هؤلاء بالذات.

﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)﴾
قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)﴾

[سورة المعارج]
شديد الخوف ترتعد فرائسه لأي خبر و إذا مسه الشر.قال تعالى:

﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

[سورة المعارج]
الترتيب نفسه، ليس كل مصَلٍ يصلي، إنَّما أتَقَبَّل الصَّلاة مِمَّن تواضَع لِعَظَمتي، وكفَّ شَهواتِهِ عن مَحَارِمِي، ولم يُصِرَّ على معْصِيَتي وأطْعَمَ الجائِع، وكسَى العريان، ورَحِمَ المُصاب، وآوَى الغريب ؛ كُلّ ذلك لي، وعِزَّتي وجَلالي إنّ نورَ وَجْهِهِ لأضْوَءُ عندي من نور الشَّمس على أنْ أجْعَلَ لهُ الجَهالَةَ حِلْمًا، والظُّلْمة نورًا، يدْعوني فَألَبِّيهِ ويسْألني فأُعْطيه، ويُقْسُمُ عليَّ فأبرّه، أكلأه بِقُرْبي وأسْتَحْفِظُهُ ملائِكَتي، مثَلُهُ عندي كَمَثل الفِرْدَوْس لا يُمَسُّ ثمرُها، ولا يتغيَّرُ حالها، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

[سورة المعارج]
قال تعالى:

﴿أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ(35)﴾

[سورة المعارج]
الصِّفَةُ قَيْدٌ في اللُّغَة، وكلَّما جاءَتْ صِفَة ضاقَت دائرة الشُّمول، فهذه الآية في مَطْلَعِ سورة المؤمنون دقيقة جدًّا، ليس كُلُّ المؤمنين مفلحي بل الذين هم في صلاتهم خاشِعون، ولذلك قالوا: الخُشوع في الصَّلاة ليس مِن فضائِلِها، بل مِن فرائِضِها، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) ﴾

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾

[سورة المؤمنون]
نرْجو الله سبحانه وتعالى أن تنطَبِقَ علينا كلّ هذه الصِّفات حتَّى نسْتَحِقَّ هذا الوَعْد الإلهي.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 08:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآيات الحادِيَة عشْرة والتي بعدها مِن سورة المؤمنون، آياتٌ كَوْنِيَّةٌ دالَّةٌ على عَظَمَةِ الله عز وجل، ويا أيُّها الأخوة الأكارِم مرَّاتٍ ومرَّاتٍ أُذَكِّرُكم بأنَّ الآيات الكَوْنِيَّة في القرآن الكريم هِي موضوعات للتَّفكُّر في خَلْق السَّماوات والأرض ؛ لأنّ الطريقة الوحيدة لِمَعْرِفَة الله تعالى هِي التَّفكُّر في خلْقِهِ، فالحَوَاسُّ البشَرِيَّة عاجِزَةٌ عن إدْراكِ الله تعالى، لِقَوله تعالى:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(103)﴾

[سورة الأنعام]
لكنَّ العُقول تُدْرِكُهُ وتصِلُ إليه مِن خِلال خَلْقِهِ، فالكَون ما هو إلا آياتٌ دالَّة على وُجود الله، وعلى كمالِهِ، وعلى عَظَمَتِهِ، ويغيبُ عن الناس أنَّ كلّ أمْرٍ في القرآن الكريم يقْتَضي الوُجوب ! فحِينما قال الله عز وجل:

﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)﴾

[سورة عبس]
هذا أمْرٌ إلهي، وهذا يعني أنَّه ما دُمْتَ أيُّها المؤمن تؤْمِنُ أنَّ هذا الأمْر مُوَجَّهٌ إليك، ينبغي أن تنظُرَ في طعامِكَ وقال تعالى:

﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

[سورة الطارق]
ففي اللِّقاء الزَّوْجي خمسمائة حُوَين يخرج مِن الإنسان ؛ أيْن كانَتْ ؟! في الخِصْيَتَيْن ! لماذا الخِصْيتان بعيدتان عن الجِسْم لأنَّ هذا الحُوَيْن في الدَّرجة السابِعَة والثلاثين يموتُ ! يحتاج إلى درَجَتَيْن أقلّ، لذا الذي يُصاب بِضُمورٍ في خِصْيَتَيْهِ لا يُنْجِبُ لأنَّ الحرارة تقتل هذه الحُوَيْنات وهذه الحُوَيْنات تنْضُجُ في ثمانِيَة عشر يوْمًا، وتبْقى غير قادِرَة للتَّفاعُل إلى أن تَخْرُج مِن الرَّجُل، عِنْدها تتحرَّك والله رأيْتُ قبل يَوْمَين صُوَرًا لِحُوَيْنات حقيقيَّة بالمِجْهَر ؛ شيءٌ لا يُصَدَّق !! خمسمائة مليون، ولِكُلّ حُوَيْن رأسٌ مُذَبَّب، وعُنقٌ، وذَيْلٌ يتحرَّك، وهذا الحُوَين في رأسِهِ مادَّة نبيلة، مُغَلَّفَةٌ بِغِشاءٍ رقيق، وما إن يَصِل أقْوى هذه الحُوَيْنات إلى البُوَيْضَة حتَّى يتمزَّق الغِشاء، وتُذيبُ هذه المادَّة جِدار البُوَيْضَة فيَدْخُلُ إليها، وماذا يَحْمِل هذا الحُوَين ؟! خمس آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة ! وماذا تحْمِل هذه البُوَيْضَة ؟! خمْسة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة ! وتُلقَّحُ البُوَيْضَة، وتنْقسِمُ إلى قِسْمَين ثلاثة أو أربعة إلى عشرة آلاف قِسْم بِحَجْمِها الصَّغير، وهي في طريقِها إلى الرَّحِمَ، فإذا وصَلَتْ إلى الرَّحِم كيف تنغَرِسُ هذه البُوَيْضَة في جِدار الرَّحِم ؟ وكيف يسْتَقبِلُها الرَّحِم ؟ وكيف يحْضِنُها. وكيف يُمِدُّها بالغِذاء ؟ وكيف تنْمو هذه البُوَيْضَة شيئًا فشيئًا ؟ ويتخلَّق الإنسان ؛ رأسٌ وقلبٌ وأطْراف وجِلدٌ وشَحم وعَظمٌ ولكنَّ الحقيقة التي ذكَّرني بِها أحدُ الأخوة الأطِبَّاء أنَّه كان يدْرُس في بريطانيا وعندهم أستاذ بروفيسور في بريطانيا يُعَدُّ أوَّل عالمٍ في عِلم الجنين، وله كِتابٌ يُسَمَّى تجاوُزًا الإنجيل ! لأنَّه مشْهور جدًّا وهذا الكتاب يُدَرَّسُ في مُعْظم جامِعات العالم، ويُؤَكِّدُ هذا العالِمُ في كتابِهِ أنّ تشَكُّل العَظْم يأتي بعد تشَكُّل اللَّحْم ؛ وهذا خِلاف القرآن الكريم ! وقبل عامَين أو ثلاثة يدْخل هذا الأستاذ على طُلاَّبِهِ ويقول: لقد اكْتَشَفْتُ حقيقةً لا يعْرِفُها أحدٌ في العالَم، وهي أنَّ النَّسيج اللَّحْمي يتشَكَّل بعد تشَكُّل العِظام، على خِلاف ما قلْتُهُ في مُؤَلَّفي الشَّهير، فإذا بِطالِبٍ باكِسْتاني يقول: يا أُستاذ، هذه الحقيقة في القرآن الكريم، صُعِقَ ولم يُصَدِّق، فجاءَهُ بِتَرْجَمَتِهِ، وأطْلَعَهُ عليه، فإذا بِهذا العالِم يُعْلِنُ إسْلامه ! يقول الله عز وجل:

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)﴾

[سورة المؤمنون]
الرَّحِم أيُّها الأخوة، يُعَدُّ وسَطًا هَنْدَسِيًّا في عِلْم الهَنْدسة، لو أخذْنا خطًّا مِن نصْف الرَّأس إلى أسفل القَدَميْن، وخطَّا مِن مُنْتصَفِ الجِسم عرضًا لتقاطع هذان الخطَّان في الرَّحِم ؛ في قرارٍ مكين، وحينما يكون الحمْل سريعًا، ودقيق العطَب فالرَّحِم يكون في حَوْض المرأة، وحَوْض المرأة تمامًا كالجُمْجُمَة للدِّماغ كيفَ أنَّها صُنْدوقٌ يَحْميهِ مِن كلِّ الكدمات كذلك حَوْض المرأة غِلاف يَحْوي الرَّحِم، قال تعالى::

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك ثُمَّ، وفاءُ ثمّ فاءٌ أخرى ! العلماء الآن يُؤَكِّدون أنَّ مكان ثمَّ هناك تراخي ومكان الفاء تعْقيب، عِلمُ الجنين الآن يُؤَكِّد أنَّ بيْن النُّطفة إلى العَلَقة تراخٍ ومِن العلقَةِ إلى المُضْغَة تتابُع، فحتَّى حُروف العَطْف في هذه الآية تتطابق مع عِلْم الجنين، قال تعالى:

﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يوجَدُ واحِدٌ مِنَّا بعيدٌ عن هذه الآية، كلُّكم يعْلم عِلْمَ يقين أنَّ أصل هذا المَخلوق نُطْفة، في الدِّماغ مائة وأربعين مليار خَليَّة لم تُعْرف وظيفتها بعْدُ وثلاثمائة ألف شَعْرة بالرَّأْس، ولِكُلّ شَعْرة وريد وشِريان وعصَب وعضَلة وغُدَّة دُهْنِيَّة، وأخرى صَبْغِيَّة، خمسة وثلاثون مليون عُصارة هاظِمَة في المَعِدَة، مائة وثلاثون مليون عُصَيَّة مَخروط في الشَّبَكِيَّة في العَين، وقلبٌ يَضُخُّ في اليَوم ثمانِيَة أمْتار مُكَعَّبة، فما هذا القلب ؟ وما هذه الشَّرايين ؟ وما هذه الدَّسَّامات التي لا تسْمَحُ للدَّم بِأنْ يرْجِع ! وثمَنُ الدَّسَّام الواحِد مائة وخمسون ألف، وهو دسَّام خِنْزير !!! فهذا الدَّسَّام الذي بين الأُذَيْن وبُطَيْن مَن صَمَّمَهُ ؟! ومن صَمَّم الأوْرِدَة في الخارِج ؟ والشَّرايين في الدَّاخِل ؟ فالإنسان بِعِدَّة ثواني يُمْكِن أن يموت إذا قُطِع شريانُهُ ! لذا وُضِعَ في الداخِل، مَن صمَّم ذلك ؟ ومَن صمَّم العِظام ؟ مئتان وسِتَّةُ عظْمةٍ ! وهناك مفاصِل ثُنائِيَّة، وأُحادِيَّة، وهل تعلمون أنَّه لولا الجُمْجُمة فيها هذه النُّتوءات لكان الطِّفل مِن أوَّل وَقعَةٍ ينْكَسِرُ الطِّفْل ! لكن هذه المفاصِل الثابِتَة على شَكْل خُطوط مُتعاكِسَة تمْتصُّ الصَّدْمة، ومَن جعَلَ وسَطَ الدِّماغِ سائِلاً، لكي تُوَزَّع الصَّدْمة على مَجْموعِ الدِّماغ، ولو كان الدِّماغُ مَوْصولاً بالجُمْجُمَة، لكانَت أوَّل ضرْبة تجعل الطِّفْل يفْقِدُ بصَرهُ ! ومَن جَعَلَ هذه العَين ؟ وهذه المادَّة الشَّفافة ؟ كيف تتغذَّى ؟ ومن صمَّم القُزَحِيَّة ؟ والأنف واللِّسان ؟ والحنْجرة ؟ والبلْعوم ؟ ولِسان المِزْمار ؟ والقصَبَة الهوائِيَّة، إلى يومنا هذا لا يستطيع أحدٌ أن يزْرَعَ الرِّئة ؛ لأنّ الذي تُزْرعُ رئتُهُ لا يسْعُل ! ما هو السُّعال ؟ سرعة الهواء بالسُّعال مائة وخمسين كيلومتر بالساعة، هناك بالقصَبة الهوائِيَّة أشعار تدْفَعُ كلّ شيءٍ نحوَ الأعلى، وكلّ مادَّة غريبة بالقصَبة الهوائِيَّة تدفع نحو الأعلى وأنت لا تشْعر، ولِسان المِزمار يعمل ثمانين عامًا دون كلل ولا مللٍ ! وأنت نائِمٌ يزْدادُ اللُعاب في فَمِكَ، وتُعطى إشارةٌ للدِّماغ فيأمُر الدِّماغ لسان المِزْمار فيُغْلق القصَبة الهوائِيَّة ويفْتح المريء وأنت لا تدْري !! قال تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)﴾

[سورة التين]
المَعِدَة والبِنكرياس، ومن جَعَل الطُّحال مَقْبرَة ؟ الإنسان يموت فيه بِكُلّ ثانِيَة اثنان ونِصْف مليون كُريَّة حَمْراء، ويولَدُ بِكُلّ ثانِيَة اثنان ونصف مليون كريَّة حمراء،، فهذه الكريات الحمراء الميِّتة تذْهب إلى الطُّحال والطُّحال مَعْمَل ؛ يُحَلِّل هذه الكُرَيَّات وتأخُذ الحديد منها وتُرْسِلُهُ إلى نقي العِظام لِيُعادَ تَصْنيعُه، وتأخذ المادَّة الصَّفراء وتُرْسِلها إلى الكَبِد لِتَكون صَفراء، فالصَّفْراء عِبارة عن كُرَيَّات حَمْراء مَيِّتَة، والطُّحال مُسْتَودع للدَّم، ومعمل احْتِياط للدَّم، فلو توقَّفَتْ معامِل الدَّم في نقي العِظام عن صُنْع الكُريَّات الحمراء يعْمل الطُّحال مِن جديد، فلذلك الطُّحال له ثلاثة وظائِف: مَخْزن ومَقْبرة ومَعْمل احْتِياط.
والبنكرياس، والغُدَّة الدَّرقِيَّة، والغُدَّة النُّخامِيَّة التي هي ملكة الغُدَد وتعطي أثنى عشرة أمرًا هرموني، وأحد الأوامر هذه يُحَقِّق توازن السوائِل في الجِسْم، ولو اخْتلّ الأمْر لقضى الإنسان كلّ وقْتِهِ بِجانب الماء يشْرب ويطرحه ! من صمَّم هذا التَّصْميم ؟ ومَن خلقَ ساعة الرَّأس ؟ وجِهاز التَّوازن ؟ وهذه المفاصِل ؟ فالرُّكْبة لا تحْتكُّ بِبَعْضِها، وإنَّما عن بُعْد وَوِفْق أرْبِطَة بالغة الدِّقَّة، وهناك بِمِصْر مستشفة مِن أوَّل طابق إلى عاشِرِه مختصّ بالرُّكْبة ! أعْقَد مَفْصَل هو الرُّكْبة، مَن صمَّم هذا الإنسان ؟ ومن كساهُ لَحْمًا ؟ قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾

[سورة البلد]
فالآيات الكَوْنِيَّة بالجسم لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، وهذه مناسبتها، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك احفَظوا هذه القاعِدة: كُلُّ أمْرٍ في القرآن الكريم يقْتضي الوُجوب قال تعالى:

﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

[سورة الطارق]
فالإنسان ينظر إلى ابنِهِ، وهو يعلمُ عِلم يقين أنَّه ماء مهين، خرَجَ مِن عَوْرَةٍ، ودَخَل إلى عَوْرَةٍ، ثمَّ صارَ كائِنًا يتحرَّك ويتنفَّس ويأكل ويضْحك ويُصيبهُ ما يُصيبهُ، وله قلب وأمعاء وبنكرياس وأعضاء أخرى فالكَبِد يقوم بِخَمسة آلاف وظيفة، وهو أسْرع عُضْو يقوم بِبِناء نفْسِهِ فلو أُصيب الإنسان بِتَشَمُّع كَبِد، لكفى الطبيب أن ينزِع المكان المُصاب بالتّشَمُّع ويكفي للكبِد أن يبنيَ نفْسَهُ خِلال سِتَّة عشرة أسبوعًا ! والكبد يستطيع أن يُحَوِّل السُّكَر إلى دسَم ! وهو يُخَزِّن الغِذاء بِشَكل مُفَكَّك، ويُرَكِّبُهُ في الدَّم، فَمَن جعل هذا النِّظام ؟! والله لو جَلَسنا ساعاتٍ وساعات لا تنتهي آيات الله في خلق الإنسان، لماذا عندك عينين وليس عينٌ واحِدَة ؟!! وذاكرة الإنسان شيءٌ مُذْهل !! ذاكرة صَوْتِيَّة، وذاكرة شَمِيَّة، وترتيب المعلومات في الذاكرة، والمُحاكمة والتَّصوُّر، لذلك الآية الكريمة اليوم:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[سورة المؤمنون]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 08:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآيات في سورة المؤمنون تتحدَّث عن بعض الأنبياء الصالحين، منهم سيّدنا نوح عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة، كلّ الدَّعوات إلى الله، لا تخرج عن دَعوة إلى التوحيد وعن دَعْوة إلى الطاعة والتَّقْوى، فالعقيدة هي التَّوحيد، والسُّلوك الطاعة قال تعالى:

﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)﴾

[سورة المؤمنون]
قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
الآن اسْمعوا أقوال الكفار في كلّ زمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((مِلَّة الكفر واحدة ))
دائِمًا أهل الباطل يَطْرحون هذه القضايا، قال تعالى

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يوجد عندهم شيءٌ مُقَدَّس وأنا هذا نبيّ يُوحَى إليه ومَعْصوم، ويأتي بالحق، ومنْهَجٍ قَويم، فالكافر لا يعيش النوايا الطيِّبَة ولا يعيشُها، ولا يُصَدِّقُ شيئًا دون هَدَفٍ مادِّي، ولا يُصَدِّق سَعْيًا دون مَكْسَبٍ شَخصي فَحَتَّى الأنبياء عند الكفار، قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك حينما تَجدُ إنسانًا يتَّهِمُ دَعْوَةً والقَصْد جَمْع الناس، والقَصْدُ هذه مِلَّةُ الكُفْر، في كلّ زمانٍ ومكان وقد قال الله عز وجل:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
أوَّ علامة مِن علامات الدُّعاة الصادِقين ؛ لا يُريد شيئًا، لا مادِّيًا ولا مَعْنَوِيًّا ولا مُعَجَّلاً، ولا مُؤَجَّلا، ولا كبيرًا ولا صغيرًا، فهذه أوَّل علامة.
العلامة الثانِيَة ؛ قال تعالى:

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

[سورة البقرة]
فلا بدّ لِمَن يَجْعَلُهُ الله إمامًا أن يُمْتَحَن بالشَّدائِد فيَصْبِر، وأن يُمْتَحَن في الرَّخاء فَيُنْفِق وأن يُمْتَحن بالضِّيق النَّفسي فيُكابِر.
الآية الثالثة ؛ قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

[سورة الأحزاب]
فَلِمجَرَّد أن يَخشى أحدًا إلا الله، سَيَسْكُت عن الحق، وينطِق بالباطل فإذا سكت عن الحق وتكلَّم بالباطل، ماذا بَقِيَ مِنْ تَبْليغ رِسالات الله ؟! لم يبْقَ شيء !
العلامة الرابعة ؛ قوله تعالى:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[سورة آل عمران]
العالم الحقيقيّ يشْهد لك بِكَمال الله تعالى، أما الذي ينقل لك النُّصوص التي يضْرب بعضها بعْضًا، ويقول لك: لا أدري، والله قدَّر على الإنسان المَعْصِيَة، ثمّ يجْعلهُ في جهنَّم إلى الأبد دون ذَنْبٍ من هذا الإنسان ! فهذه دَعْوَة غير صحيحة، وفيها نسْبة ظُلم كبيرة، فالله تعالى قال:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[سورة آل عمران]
شيءٌ آخر، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾

[سورة السجدة]
فالصَّبْر مِن لوازِم الدَّعْوة إلى الله تعالى.
المِقْياس الخامِس، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[سورة يوسف]
هناك دليل وتعْليل وتَفْسير واضِح، وانْسِجام لكلّ المُعْطَيات والقِيَم فهذه المقاييس التي في الكتاب والسنَّة، والتي تُؤكِّد الدلائل التي يقوم عليها الدُّعاة الصادِقين، قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة الكِرام لا تسْتَغْرِبوا ؛ البعيد عن الله والذي لا يرْجو رحْمة الله لا يتصوَّر عملاً بِلا هدَفٍ مادِّي، لكنَّ الذي يعرف الله عز وجل لا يتصوَّر عملاً بِهَدَفٍ مادِيّ، بِمَعنى آخر أنَّ الإنسان له اسْتراتيجيَة ؛ فالمؤمن أساس حياتِهِ العَطاء، ويسْعَدُ بالعَطاء، والكافر أساس حياتِهِ الأخذ، قال بعضهم: إذا أردْتَ أن تعرف ما إذا كنتَ مِن أهل الدنيا أم مِن أهل الآخرة ؛ فانْظر إلى الذي يُسْعِدُكَ، هل تأخذ أم تُعْطي ؟ فالمؤمن يُسْعِدُهُ أن يُعْطي مِن وقْتِهِ و مالهِ وخِبْرَتِهِ، فهذا أخٌ مؤمن له محل بسكويت دخل إليه شَخْص مِن أطراف الجزيرة، فقال له: هل تسْتطيع أن تُعَلِّمَني الكاتو ؟ فأدْخَلَهُ المعمل، فطَبَخَ طبْخةً أمامه، وقال له: اُطْبُخ طبْخةً أمامي، يقول لي هذا الأخ صاحِب المعمل: والله مِن ثلاثين سنة إلى الآن ؛ كلّ سنة يأتيني بالهدايا ويقول لي: أنت لك فضْلٌ عليّ !! فالمؤمن أساس حياتِهِ العطاء، مرةً أراد أخ أن يعمل محلّ حلويات فسأل بالبزوريَّة ؛ هل هذا المَعْمَل مُجدي أم لا ؟ فقال لي: كل المَحَلاَّت خَوَّفوني !! إجْماع منهم، فقلتُ له: سوف أبْعثُكَ عند فلان وسَلْهُ، فلمَّا ذهَب إليه قال له هذا الأخ: إنَّ البِضاعة رائِجَة هنا جدًّا !! ورِبْحُها قليل فهذا خالف إجماع هؤلاء لأنَّه مؤمن، لذلك المؤمن حياتُهُ مَبْنِيَّة على العَطاء، والكافر أساس حياتِهِ الاحْتِكار والأسَرَة، فالمؤمن يُعطي والكافِر يأخذ، قال تعالى:

﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يأخذ مِن الماضي إلا التشبّث بالكُفْر، قال تعالى:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)﴾

[سورة المؤمنون]
ما قال مِن كُلِّ، وإنَّما قال: مِن كُلٍّ زَوْجين اثنين، فَبَعْضُ المُلْحدين يقولون: هذه السَّفينة لو كان فيها مِن كلّ حَيوان زوْجَين يجب أن يكون طولها مِن هنا إلى أمريكا مثلاً ! فالله ما قال مِن كُلِّ، وإنَّما قال: مِن كُلٍّ زَوْجين اثنين، أي مِن كلّ زوجٍ تَحتاجُهُ، فالفرق التَّنوين، قال تعالى:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)﴾

[سورة المؤمنون]
صدَر أمر بإغْراقِهِم قال تعالى:

﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)﴾

[سورة المؤمنون]
يرْوون قِصَّة لا أصل لها، ولكن لها مَغزى، وهي أنّ امرأةً مُسِنَّة جاءَت إلى سيِّدنا نوح، وقالتْ: متى الطُّوفان ؟ قال: بعد حين، فقالتْ: لا تنْسَني ! فسيِّدُنا نوحٌ نَسِيَها، ولمَّا ظَهَر الطُّوفان ورَكِب هو وإخوانهُ في السَّفينة، تذَكَّر هذه المرأة، وبعد أن انتهى الطُّوفان جاءَتْهُ وقالتْ: متى الطوفان يا نوح ؟! فقصَدَت أنَّك إن نسيتني فالله تعالى ما نَسِيَني !! قال تعالى:
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى(52)﴾

[سورة طه]
لا ينْسى نمْلةً سَمْراء، على صَخْرةٍ صمَّاء، في ليلةٍ ظَلماء، فالله تعالى مطلق، ونحن نِسبيُّون.
قال تعالى:

﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)﴾

[سورة المؤمنون]
فالعِبرة بالنِّهاية.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 08:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الخامس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، لازِلنا في سورة المؤمنون، وننتقل اليوم إلى قصَّة جديدة مِن قِصص الأنبياء، يقول الله عز وجل :
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آَخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)﴾

[ سورة المؤمنون ]
تَحَدَّثتُ البارحة عن أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
((مِلَّة الكفر واحِدَة ))
الكفار والفُجَّار والعُصاة، في أيِّ مكانٍ، وفي أيِّ زمانٍ، وفي أيِّ ظرْفٍ قديمًا، وحديثًا، وفي أيِّ جِهَةٍ ينطَلقون مِن مَقولاتٍ واحِدَة ويتَّهِمون اتِّهاماتٍ واحِدَة، ويتصوَّرون تصَوُّراتٍ واحِدَة، ويعْتَقِدون اعْتِقاداتٍ واحِدَة.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة المؤمنون ]
دقِّق في أتْرفناهم، التَّرَفُ في القرآن الكريم ورَدَ ثمانِيَة مرَّاتٍ حصْرًا، لو فَتَحْتَ المعْجم المُفهْرس على كلمة سرِف لوجَدْتَ أنَّ هذا الفِعْل وردَ ثماني مرَّاتٍ حصْرًا، وإذا رجَعْتَ إلى الآيات كُلِّها التي وردَت فيها كلمة التَّرف لا تجِدُ كلمة ترف إلا مع الكُفْر ! لذلك يقول الله عز وجل:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31)﴾

[ سورة الأعراف ]
وقال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27)﴾

[ سورة الإسراء ]
فالمُتْرف مُسْرِف ومُبذِّر، فهو مُسْرفٌ في المباحات ؛ في طعامه وشرابِهِ وسفرِهِ وسهراتِهِ، ومُبذِّر في المعاصي ؛ في الحفلات المُخْتلطة، ودور اللَّهْو وفي شرب الخمور، والتعامل بالربا والقِمار، لذلك الإنسان منْهي أن يكون مُسرفًا في المباحات، ومنهي أن يكون مُبذِّرًا في المعاصي فالمُتْرف مُسْرِف ومُبذِّر، وقُرِنَ مع الكفْر في ثماني آياتٍ حصْرًا، وهذه أحد الآيات، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة المؤمنون ]
فالإنسان ممكن بمائة ليرة يجلب مليارا، أو هذه المائة يُنفقها على وجْبة طعام واحِدَة يأكلها وتنتهي، فالذي معه المال الفائِض يُمكن أن يصل بِمَالِهِ إلى أعلى درجات الجنَّة، ولكنَّه يُنفقهُ إسْرافًا ويسْتهْلِكُه اسْتِهلاكًا رخيصًا، كُلْ واشْرَب وتزوَّج ولكن إيَّاك أن تسْرف أو تبذِّر لأنَّ الفائِض النَّقدي يُمكن أن تتقرَّب به إلى الله تعالى، فهذا بن عوفٍ رضي الله عنه يقول: حبَّذَا المال، أصونُ بِهِ عِرْضي، وأتقرَّبُ به إلى ربِّي فهذا الصَّحابي حدَّد وظيفتان للمال ؛ صِيانة العِرْض ؛ أُنْفقُهُ على زوْجتي وأولادي، وأشْبِعُهم، وأكْسوهم، وأُقرِّبهم من الله عز وجل، والوظيفة الثانية التَّقرّب به إلى الله تعالى، فهذه هي وظيفة المال، فالذي معه المال الفائض يُمْكن أن يصِل به إلى أعلى الدَّرجات، عن عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا))

[رواه البخاري]
فالذي يتْرف ماله يلتقي مع الكُفَّار، أما إذا وظَّف مالهُ في خِدْمة الخَلق ارْتقى إلى الحقّ، لذلك يوم القيامة يوقِفُ الله رجلين غَنِيَّيْن، يقول لأحدهما: عبدي أعْطيتُكَ مالا فماذا صَنَعتَ فيه ؟ " والله ترك أحدهم مالا لا تحرقه النيران كما يقولون، ثمّ بعد بضعة سنوات أصبح أولاده فقراء وبالمقابل ترى أُناسًا توَفَّاهم الله فأكْرم الله أولادهُ حتَّى جعلهم في أعلى عِلِيِّين، عِلمُ وغنَى، وأدب وتَقوى، فالذي يُنفق ماله في حياتِهِ يتولَّى الله أولاده مِن بعد مماتِهِ، وأنْدَمُ الناسِ رجُل عاشَ فقيرًا لِيَموت غنيًّا وأندَمُ الناس رجل دَخَل ورثَتُهُ بِمَالِه الجنّة، ودخَل هو بِمالِهِ النار، فالمال الحرام ورِثوه حلالاً، فتزوَّجوا، وتصَدَّقوا، ودخلوا الجنَّة بِمالهِ وصاحِب المال الذي جمعه دخل النار بِمالهِ !!
أيُّها الأخوة الكرام، دَقِّقوا لما يقوله: الإسراف في المباحات ؛ في الطعام والشراب واللِّباس، والبيوت، والحفلات في المباحات، وعرس يُكَلِّف عشرين مليونًا !! واللهِ الذي لا إله إلا هو بِمِئتان ألف نُزَوِّج شابًّا، فكم مِن شابٍّ نُزَوِّجُهُ بالعشرين مليون ؟!! كم من شابٍّ يتلوَّى على زوْجة ؟! يُحْصِنُ بها نفْسَهُ، حضَرتُ عقْدَ قِرانٍ أكْبرْتُ أصْحابَهُ، فقد قام صاحب العرس وقال: لقد وضَعتُ لكم هدايا قيمتها سبعة مئة ليرة لكلّ واحدٍ منكم وقد عزمْتُ ألف شخْصٍ، وهذا المبلغ الذي كنت ناوٍ إهْداءكم إياه أعْطيْتُهُ لِعالٍمٍ - قيمة المبلغ سبعمائة ألف ليرة - كي يُزَوِّج به الشَّباب !! فهؤلاء هم المُسرفون، ولو في المباحات.
وإذا كان الأمر في المحرَّمات أصبح تبْذيرًا، فلو كان العرس مُختلَط وهناك راقِصات وخُمور، وعلى البِطاقة الطَّيِّبون للطَّيِّبات، فإذا كان العرس على هذا الشَّكْل أصْبَحَ تبْذيرًا، وكلاهما أخوة الكُفر، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة المؤمنون ]
لو أنَّ الله أرسَلَ ملكًا وأمرهم بِغَضِّ البصَر، ما صدَّقوه، ولقالوا له: أنت ملَكٌ ونحن بشَر !! وكذا لو أمرهم بالصِّدْق، ولكن ينبغي أن يكون الرسول مِن بين البشَر، لولا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مِن بني البشَر تجري عليه كلّ خصائص البشَر لما كان سيِّد البشَر، فجَميع الشَّهوات التي أوْدَعَها الله فينا أوْدَعَها في الأنبياء، وجميع الرَّغبات ومع ذلك ضَبطوا أنفسهم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا مَا وَارَى إِبِطُ بِلَالٍ ))

[رواه ابن ماجه]
فالإنسان إذا كان بشرًا وانْتصَر على بشَرِيَّته يرقى عند الله تعالى، أما إذا انْتصَرَت عليه شَهَواته يسفل إلى أسفل السافلين، قال تعالى:

﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)﴾

[ سورة المؤمنون ]
هيْهات اسم فعل ماض بِمَعنى بَعُدَ، أنا لا أعْتَقِد أنَّ في العالم لإسلامي مَن يجرأ أن يقول: ليس هناك آخرة، فالتَّكذيب اللَّفظي لا يوجَد، ولكن لو دقَّقْتَ في حياة الناس لوَجَدْت باليقين القَطعي أنَّ الآخرة ليسَت داخِلة في حِساباتهم إطلاقًا، فالذي يأكل المال الحرام هل يؤمن بالآخرة ؟ والذي يعْتدي على أعْراض الناس هل يؤْمِن بالآخرة، والذي يبْني مَجْدَهُ على أنقاض الناس ؛ هل يؤمن بالآخرة ؟ والذي يشتري هذا الصحن المقعَّر هل يؤمن بالآخرة لذلك التَّكْذيب العملي أخْطر مِن التَّكذيب القولي والعِبْرة ليس بالكلام ولكن بالأفعال.
لو أنَّك ذَهَبتَ إلى طبيب، ووصَفَ لك وصْفةً فصافَحْتَهُ بِحَرارة ولم تشْتر الوَصْفة لاعْتِقادِكَ أنَّه لا يفْهم بالطِّب، فأنت بهذا الفِعل تُكَذِّبُهُ رغْم أنَّك تحترِمُهُ في الظاهِر، فالتَّحذير الآن لا مِن التَّكذيب اللَّفظي، ولكن مِن التَّكذيب العَمَلي، ومِن أن يكون السُّلوك لا يؤكِّدُ لك إيمانَك بالآخرة يقول أحد العلماء الكِبار: تَرْكُ دانِقٍ مِن حرام خير من ثمانين حجَّة بعد حجَّة الإسلام ! فما بال الذين يغْتَصِبون البيوت والأموال، ويَعِدون الناس بِنَجاح الدَّعْوة وهي خاسِرَة علم يقين، وهم يعلمون أنَّها خاسِرَة ويأخذون الأموال !! وهؤلاء الأطِبَّاء الذين يطْلبون تحاليل ليسَ المريض بِحاجة إليها، وهؤلاء التُّجار الذين يَغُشُّون !! فالدِّين بالأسواق والمحاكِم والمحلاَّت، والمسْجد مناسبة لِقَبض الثَّمَن فقط، أما العمل في الخارج.
أيها الأخوة، ملَّة الكُفْر واحِدَة، قال تعالى:

﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الآن دقِّقوا، قال تعالى:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الدنيا عند الكافر هي كلّ شيء، أحدهم جلسَ بِحَديقة بأمريكا، وكان من المشايِخ، فجاء رجل وجلس أمامه،وطلب منه أن يُحَدِّثه عن الإسلام ولمَّا أتمَّ هذا الكلام، أخرج ذاك الرَّجل بعض الدولارات وقال له هذا هو رَبِّي !! فالدنيا عندهم كلّ شيء، فقولهم الدَّراهِم مراهم هذا كلام الشَّيْطان، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾

[ سورة الحجر ]
قال تعالى:

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38)﴾

[ سورة المؤمنون ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 08:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الرابعة والأربعون من سورة المؤمنون وهي قوله تعالى:
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)﴾

[ سورة المؤمنون ]
تتْرى أيْ تتابَع نحن جميعًا بعد حينٍ نغْدو أخْبارًا، إما على الجُدْران وإما في الصُّحف وإما في المآذِن، فالإنسان قبل أن يكون حديثًا عليه أن يعْمَل أرْوَعُ كلمةٍ قرأتُها لِسَيِّدنا عمر ابن عبد العزيز: إنَّ الليل والنَّهار يعْملان فيك فاعْمَل فيهما ! اُنْظر إلى سورة لك في العاشِرة مِن عُمُرك، وانْظُر إلى سورةٍ لك في الخمْسين، وضَعْهُما إلى جانب بعضِها بعْضًا، ترى البَون شاسِعًا، وكأنَّ هذا غير هذا !! إنَّ الليل والنَّهار يعْملان فيك فاعْمَل فيهما! فأنت في خسارةٍ مُحَقَّقة، لأنَّ الزَّمَن يسْتَهلكُ الإنسان، شيئًا فشيئًا، أما إذا عَمِلْتَ في هذا الزَّمَن الذي سينْقضي الأعمال الصالِحَة تلافَيْتَ الخَسارة نحن جميعًا في خسارةٍ مُحَقَّقة، إنَّها مُضِيُّ الزَّمَن الذي يسْتَهْلِكُ الإنسان والإنسان بِضْعة أيَّام كُلَّما انْقضى يومٌ انْقضى بِضْعٌ منه !
زُرْتُ القلْعة في القاهرة، وقد تحدَّث الدليل عن تارِيخ إبراهيم باشا، وعن تاريخ المماليك، وكيف قُتِلوا هنا، أين هم الآن ؟! تحت أطباق الثرى، ونحن سوف نكون تحججت أطباق الثَّرى، وسوف يكون لنا أخْبار فإمَّا أن تكون أخبارا طيِّبَة نرقى بها عند الله، وإما أخْبارًا سيِّئة يلْعننا الناس والملائكة، فالقضِيَّة أنَّن سَنَكون خبرًا، قال تعالى:

﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الدنيا ساعة اِجْعلها طاعة والنَّفسُ طمَّاعة عوِّدْها القناعة قال تعالى:

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ (46)﴾

[ سورة المؤمنون ]
أيها الأخوة، الإنسان قد يعْصي الله حينما تغْلبُهُ شَهوْتُهُ، وقد يعْصي الله كِبْرًا وعِنادًا واسْتِكْبارًا، فشتَّان بين المَعْصِيَتَين، المعصِيَة التي يفْعَلُهُا العاصي لأنّ نفْسَهُ قد غلبَتْهُ، والمعْصِيَة التي ارتُكِبَت اسْتِكبارًا، فالله تعالى قال:

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ (46)﴾

[ سورة المؤمنون ]
فاللَّبَن يتحمَّل الماء باللترات، ولا يتحمَّل نقطة نفْطٍ واحِدَة ! لذلك العُبودِيَّة لله تعالى لا تتحمَّل ولو ذرَّة كِبْرٍ ولا يدخل الجنَّة،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ))

[رواه مسلم]
لذلك أيُّها الأخوة، وأنت في أعلى درجات إيمانِكَ أنت عبْدٌ لله، كلَّما خَضَعْتَ لله تعالى رفَعَك الله، وهل تعتَقِد أنَّ في الأرض كلِّها منذ أن خلق الله آدم وإلى يوم القيامة إنسانًا رفع الله شأنَهُ كَرَسُول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟ لو ذَهَبتَ إلى مقام رسول الله لرأيْتَ الملايين واقِفَةً تبْكي فالله تعالى قال:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)﴾

[ سورة الشرح ]
فكلَّما خضَعْتَ لله رفَعَ الله ذِكْرَك، لذا المؤمن بينه وبين الله في أشَدِّ حالات التَّذلُّل يُمَرِّغُ جبْهَتَهُ في أعتاب الله، ولكنَّه في أشَدِّ حالات الإيذاء مع أهل الدنيا، عزيز على أهل الدنيا، وفيما بينه وبين الله تعالى ذليل هذا هو المَوْقف الكامل، بينما البعض الآخر إذا دَعَوْتَهُ إلى صلاة أو إلى ذِكْر أو مجلسِ عِلم أبى واسْتَكْبر، وقال: هذه خرافاتٍ لا أومِنُ بها !! فإذا رأيْتَهُ أمام من هو أقْوى منه تَجِدُهُ كالطِّفْل، وكالحيوان الأليف يتمسَّحُ به !!! أما المؤمن فيتذَلَّلُ لله، ويتأبَّى على خَلْق الله، والتَّكبُّر على المُتَكَبِّر صَدَقة، ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: ما تكبَّر عليَّ مُتَكَبِّرٌ مرَّتَين !! لا أسْمَحُ له المرَّة الثانيَة، وقد مشى أحدُ الصَّحابة مِشْيةً مُتَبَخْتِرَة قُبَيل أحد المعارِكَ فقال عليه الصلاة والسلام:
((إنّ الله يكْرهُ هذه المِشْيَة إلا في هذا الموطن !))
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)﴾

[ سورة الشورى ]
فأنا أدْعوكم إلى التَّذلل لا إلى عِباد الله، بل إلى الله، وأدْعوكم إلى أن تكونوا في أعلى درجات العِزَّة مع عِباد الله، فَشَرَفُ المؤمن قِيامُهُ بالليل وعِزُّهُ اسْتِغْناؤُهُ عن الناس، قال تعالى:

﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)﴾

[ سورة المؤمنون ]
الأخبار الصحيحة والصادِقة تُخْبر أنَّه لا بدّ مِن أن يظْهر سيِّدُنا عيسى عليه الصلاة والسلام يأتي أخي عيسى ابن مريَم فَيَملأُ الأرض عدْلاً وقِسْطًا، بعد أن مُلئَت جَوْرًا وظُلْمًا، قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وأكثر المُفَسِّرين على أنَّه سيَظْهر في دِمَشْق هذه البلْدَة، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61)﴾

[ سورة الزخرف ]
وقال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159)﴾

[ سورة النساء ]
وقال تعالى:

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55)﴾

[ سورة آل عمران ]
وهناك آيات كثيرة وأحاديث تُنبؤ بِمَجيء عيسى عليه وعلى نبِيِّنا أفضَلُ الصلاة والسلام.
قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)﴾

[ سورة المؤمنون ]
كلّ هؤلاء البشَر أمَّة واحِدَة ولهم خصائِص واحدَة، ولهم فِطَر واحدَة، وأما التَّقْسيمات فَهِيَ مِن صُنْع الإنسان، وهي باطلة ما أنزل الله بِها مِن سُلطان، الإغراق قالوا: هناك النُّبَلاء، وهناك العَبيد، وهناك القُوَّاد ‍! فالله تعالى قال:

﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)﴾

[ سورة المؤمنون ]

كلّ يدَّعي وصْلاً بِلَيلى وليلى لا تُقِرّ لهم بِذاك
***
فالبُطولة لا أن تفْرح بِما عندك، ولكن أن تُطابِقَ ما عندك بِما عند الله فإن تطابقا فافْرَح، فَكُلّ إنسان يدَّعي نَظَرِيَّة، ومبدأً، ويأتي بأدِلَّة واهِيَة وبِبِناءٍ لا أصْل له، وينْحازُ انحيازا مُعَيَّنًا، ويفرح فرحًا مُعَيَّنًا، ويؤمن بشيءٍ مُعَيَّن، ولكن ما قيمة هذا الشيء إذا كان مُخالفًا لِمَنْهج الله تعالى لذلك البُطولة لا أن تأتي بمبدأ جديد بل أن تجْعل مِن مبدئِكَ مُطابِقًا لِكِتاب الله، وسنَّة رسوله، والحقّ واحِد، قال تعالى:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾

[ سورة الأنعام ]
فالباطِل يتعدَّد، والحق واحِد لا يتعدَّد، والباطل كالخُطوط المُنْحَنِيَة والمُنْكسرة، لذلك جاء الصِّراط المستقيم مُفْردًا، وجاء الانْحِرافُ جمْعًا، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾

[ سورة الأنعام ]
وقال تعالى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ سورة البقرة ]
النور مُفْرَد، والظلمات جَمْع، فَكُلّ معْصِيَة ظُلمة، وكلّ مبدأ وَضْعي ظُلمَة، وكل باطِل ظلمة، أما النور فَوَاحِدٌ.
قال تعالى:

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)﴾

[ سورة المؤمنون ]
عندنا نقطتان: الأولى كلُّ حِزْبٍ بما لديهم فرِحون، والثانِيَة: وتحسبهم جميعًا وقلوبهم شتَّى ! فهذه الأمَم وهذه الشُّعوب وهذه المِلل لا يُمْكن أن تُوَحَّد إلا بالدِّين الإسلامي، قال تعالى:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(63)﴾

[ سورة الأنفال ]
شيءٌ عقَدَهُ الله بين رَجُلين هيَ المحبّة والأُلْفة، فهل تستطيع جِهةٌ على وَجه الأرض أن تنقض هذا الحبّ؟! مُستحيل، فالحب بين المؤمنين حقيقة والمُجامَلة والمُداهنة بين الكُفَّار غير حقيقة، أما الله عز وجل قال:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103)﴾

[ سورة آل عمران ]
فالحَبل واحِد، والشيء العجيب أنَّك تَجِد الواحِد بالشام والآخر بإفريقيا والثالث، بِجَنوب إفريقيا، قِيَمٌ واحِدَة، والقرآن واحِد والنبي واحِد والأساليب، بينما لو دَخَلتَ أُسْرةً وكان لِكُلّ واحِدٍ منهم انْحِرافًا لرأيتَ تشتُّتًا عجيبًا، وعداوَةً، وتباعُدًا ما لا سبيل إلى وَصْفِهِ ! فالدِّين يُشَكِّل نِقاطًا مُوَحَّدَة، وجُلوسُكَ مع المؤمن فيه مُتْعة، وقد تجلس مع غير المؤمن فتجد الخِلافات الكثيرة، لذا الإسلام يتَغَلْغَل إلى أعماق النَّفس فالمؤمن صابِر وعفيف وصادِق، يرْجو الله والدار الآخرة، ويؤثر ما عنده، لذا المؤمنين مُتَّحِدين ومُتَفاهِمين، ومُتعاوِنين، وتجِدُ أهل الدنيا مُتباغِضين، ومُتحاسِدين، ومُتنافِسين ؛ لماذا ؟ الحق يجْمع والباطل يُفَرِّق قال تعالى:

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14)﴾

[ سورة الحشر ]
أما الؤمنين قال تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103)﴾

[ سورة آل عمران ]
فإذا أردْتَ وحدةً متينةً لا تنفصِم،ووحْدة قُلوبٍ، ووحْدة هدفٍ ووحْدة مبادئ، فعليك بأهل الإيمان، لذلك الآية الكريمة:

﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)﴾

[ سورة المؤمنون ]
وقال تعالى:

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55)﴾

[ سورة المؤمنون ]
هذا اسْمُه الاسْتِدراج وإذا رأيْتَ الله تعالى يُمِدُّك بالمال والصِّحة والقوَّة والجاه وأنت تعْصيه فاحْذر فإنَّ هذا اسْتِدراج وليس إكرامًا.







والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 01:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآيات التالية من سورة المؤمنون تتحدَّث عن أهل الدنيا، وكيف أنَّهم يتوهَّمون أنَّ دُنياهم دليل رِضاء الله عنهم، فيقول الله عز وجل:
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56)﴾

[سورة المؤمنون]
أيُّها الأخ الكريم لا تتَّخِذ مِقياسًا لِمَكانتِكَ عند الله لا ينطبق على القرآن فإذا كنتَ غَنِيًّا فلا يعني أنّ الله تعالى يُحبُّك، وإن كنتَ فقيرًا فلا يعني أنَّ الله تعالى يبْغضك، فالفقْر والغِنى لا علاقة له بالقُرْب من الله تعالى، إذا كنتَ قَوِيًّا فليس معنى هذا أنّ الله يُحِبُّك، وإن كنتَ ضعيفًا ليس معنى هذا أنَّ الله يُحِبُّك، وكذا الأمر إن كنت وسيمًا أو ذَميمًا، فهذه الحُظوظ لا علاقة لها بالقُرْب من الله أو البُعْد عنه، فالعلامة المُمَيِّزة مدى انْطِباق السُّلوك على الشَّرع، قال تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾

[سورة الحجرات]
يُمْكن أن تقول: لأنَّني أفعل ما أمر الله، وأنْتَهي عمَّا نهى عنه وزَجَر أرْجو الله أن أكون مُقرَّبًا ؛ فهذا مِقياسٌ صحيح، لذا لا تتَّخِذ مقياسًا لا يُقرّ به القرآن، والله عز وجل ما أقرَّ أهل الحُظوظ على حُظوظهم، وما اعْتَمَد الصِّحة والقوَّة ولا المال ولا الذَّكاء في التَّرْجيح بين خلْقِهِ، اِعْتَمد العِلم والعَمَل، قال تعالى:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾

[سورة الزمر]
وقال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(132)﴾

[سورة الأنعام]
فدائِمًا اِسْتَخدم المِقْياس القرآني لأنَّ الإنسان يتوَهَّم ويقول: أرى كثيرًا مِن الناس ؛ إما لِقُوَّتِهم وغِناهم، يقولون: لولا أنَّ الله راضٍ عنَّا لما أعْطانا أعطى قارون وهو لا يحبه و أعطى فرعون وهو لا يحبه، ماذا أعطى الأنبياء ؟ قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

[سورة القصص]
اِبْحَث عن شيء يرفعُكَ عند الله إذا قلتَ: هذا مِن فضل الله عليّ قال تعالى:

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ(57)﴾

[سورة المؤمنون]
فالله عز وجل إذا وصف المؤمنين ما الهدف ؟ هناك هدفان ؛ هذا الوصف هدفٌ و مقياسٌ، هدف تجعله نصبَ عينيك و مقياس تقيسُ به إيمانَك، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)﴾

[سورة المؤمنون]
إذا أردتَ أن تعرف ما لكَ عند الله فانظر ما للهِ عندك، هل أنتَ حريصٌ على إرضائه أم أنَّه لا تُبالي أكان عملُك في رضاه أم في سخَطِه ؟! فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)﴾

[سورة المؤمنون]
يخاف خوفًا حقيقِيًّا لذا قال عليه الصلاة والسلام:
((رأس الحِكمة مخافة الله))
وإذا رَمَزْنا لِمَعرفة الله تعالى بِمُؤشِّر، فَمُؤشِّر الخوف يتحرَّك مع مؤشِّر المعرفة، فكلمَّا زادَتْ معْرفتك بالله ازْداد خَوْفُك، فالطَّبيب الذي يُعالِج الأمراض الهَضْمِيَّة كلّ يوم، ويرى الانتانات والاخْتِلاطات والالْتِهابات والْتِهاب المعِدَة بِسَبب الطَّعام المُلوَّث تَجِدهُ يُبالِغُ في تَنظيف الطَّعام ؛ لأنّه لمَّا ازْداد عِلْمُهُ ازْدادَتْ خَشْيتُهُ، والقضِيَّة تنطلِقُ مِن حُبِّ الإنسان لِذاتِهِ فكُلَّما ازْداد عِلْمُكَ ازْدادَتْ خشْيتك، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك علاقة بينهما، فهو لماذا يخاف الله تعالى ؟ لأنه آمَنَ بالله تعالى متى خافَهُ ؟ بعدما عرفهُ، فلا خَوْف من دون معرفة، فالطِّفْل الصغير قد يمرّ عليه صاحب رتْبة عالِيَة جدًّا، فيتعامَل معه وكأنَّه شخص عاديّ أما لو كان مكان الطِّفل جُندِيّ لرَجَف، فالطِّفل لمْ يعْبأ لِعَدم وُجود الإدراك فكلمَّا ازْداد الإدْراك ازْداد الخوف، وهذه قاعِدة، لذا قالوا: هناك قانون التعامل مع المُحيط ؛ إدْراك وانفعال وسُلوك، فإذا صحَّ الإدْراك كان الانْفِعال، وإذا صحَّ الانْفِعال صحَّ السُّلوك، أوْضَحُ مثلٍ ؛ أن يكون المرء يمْشي في البسْتان فإذا به يَجِدُ أفْعى، فإذا كان راشِدًا يعْلم ما معنى أفْعى ؟ وما معنى لدْغَةُ الأفعى ؟ وما معنى أنَّها غدَّارة ؟! فإذا كان إدْراكُهُ صحيحًا لِخَطر هذا الحَيوان ينْفَعِلُ ويضْطرب ويخاف ويصيحُ، ويتحرَّك، فإمَّا أن يقْتُلها أو يهْرُبَ منها، فالإدْراك الصحيح يعْقِبُهُ الانفِعال الصحيح، والانْفِعال الصَّحيح يعْقِبُهُ السُّلوك الصَّحيح، فإذا أعدم الانْفِعال كان دليل عدم الإدْراك، فلو أنَّك قلتَ لأحَدِهِم: على كَتفِكَ عقْرب ! وبَقِيَ هادِئًا ومُرْتاح !! فهذا يعني أنَّه لم يُدرك ما قلتَ له !! لأنَّه لو فَهمَ الموقف لانْفَعَل وصاح، أردْتُ مِن كلامي هذه العلاقة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)﴾

[سورة المؤمنون]
فلأنَّهم آمنوا بآياتِ ربِّهم أصْبَحوا من خَشْيَة ربِّهم مُشْفِقون.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[سورة المؤمنون]
لا يرى مع الله تعالى أحدًا، مع أنَّ الله تعالى يقول:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)﴾

[سورة يوسف]
فَهُوَ يؤْمِنُ أنَّ الله تعالى خلق الكَون، ولكنَّه يرى زَيدا وعُبَيدا أقْوِياء في نَظَرِهِ، غضَبُهم مُخيف، ورِضاهُم مُسْعِدٌ، ويُطيعُهم، ويعْصي الله تعالى وهذا هو الشِّرْك.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

[سورة المؤمنون]
ينْفِقُ المال، وهو خائِفٌ، خائِفٌ مِن ماذا ؟! خائِف مِن أن لا يُقْبل ! لأنَّ الناقِدَ بصير، والله عز وجل مُطَّلِعُ على خبايا النّفس وباطِنِها، قال تعالى:

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)﴾

[سورة الحاقة]
فالنوايا كلُّها عند الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ))

[رواه مسلم]
لذلك المؤمن يخاف أن لا يُقْبَلَ عملُهُ، ولماذا لا يُقْبلُ عملُهُ ؟! إن لم يكن خالِصًا لله عز وجل، لأنّ الله تعالى طيِّبٌ ولا يقبَلُ إلا طيِّبًا، وإنَّ الله تعالى أغْنى الأغنياء عن الشِّرْك، والله سبحانه وتعالى لا يقْبل العمل المُشْترك، والقلبُ المُشترك لا يُقْبِلُ عليه ! القلبُ المُشْتَرَكُ بين حُبِّ اله وبين حُبِّ الدنيا لا يُقْبِلُ عليه الله تعالى، وكذا العمل المشْترك، قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)﴾

[سورة المؤمنون]
وإذا قال الواحِد: هذا فوق طاقَتِنا !! فهذا تَزَمُّت، وهذا الكلام فوق طاقة البشر، والحياة مُعَقَّدَة وصَعْبَة، اِسْمَعْ الرَدَّ الإلهي، يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)﴾

[سورة المؤمنون]
يقول لك: فلانٌ هكذا أفْتى ! قلتُ مرَّةً لِوَاحِدٍ: عندَكَ بيت تَوَدُّ أن تبيعَهُ وخرَجْتَ مِن بيتِك، ووجَدْتَ دلاَّلاً، وعرَضْتَ عليه البيت، فقال لك: ثلاثة ملايين، هل تعْمَل معه عقْدًا رأسًا ؟! لا، بل تسأل ثانيًا وثالثًا وحتَّى العاشِر ؛ لماذا مِن أجل الدنيا لا تثِقُ بالواحِدِ، وإذا كان أوَّل إنسان أفْتى لك بِفتوى فيها رُخْصة ترتاح له ؟ وتقول: كلامُهُ حقّ !! إذا مات صاحبُ المبْلغ تؤْخَذُ أعلى ضريبة منه دون النَّظر إلى دُيونِهِ، فالناس سحَبوا أموالهم !! خوفًا مِن الضرائب فلِمَ لمْ تسْحَبوا أموالكم خوفًا من الله ؟!! قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾

[سورة المؤمنون]
يتصَّدق ويخاف من الرِّياء والنِّفاق، لأذلك المؤمن يتحرَّى الإخلاص دِرهم تُنفِقُهُ بإخلاص خير مِن مائة درْهمٍ تُنْفقُهُ في الرِّياء.
قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)﴾

[سورة المؤمنون]
معنى هذا أنَّك لسْتَ مرْجِعًا إن كنت تُطيق هذا الشَّرْع أو لا تُطيقُهُ فالمرجِعُ هو الصانِع، تمامًا إذا اشْتَرَيْتَ آلةً فأنت تُصَدِّقُ صانِعَها وليس مُسْتَعْمِلَها ! فالشَّركة هي المرجع في أخْذ رأيِها هل هذه الآلة تُطيق كذا أم لا ؟ لذا لا تقل غضّ البصَر صَعْب وإنفاق المال لا أُطيقه ؛ هذا كلام لا دليل له، فأيُّ إنسان يعُدّ نفسه مرجِعًا في قبول هذا الحق أم لا، فهو جاهِل، فالمرجع هو الله تعالى، قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ لَبَتْ(286)﴾

[سورة البقرة]
لكنَّ هؤلاء الذين يدَّعون هذه الدَّعوة قال عنهم تعالى:

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)﴾

[سورة المؤمنون]
لمَّا الإنسان يأكل الرِّبا فهو يُدافِعُ عنه، ولمَّا يحبّ الاخْتِلاط يُهاجِم الحِجاب، ولمَّا يحبّ التَّفلُّت يُهاِجم الانْضِباط، فالإنسان أحْيانًا ينطلق مِن مُناقشَتِهِ لا مِن الحقيقة، ولا يهْدِفُ إليها، ولكن مِن واقِعِهِ ودِفاعًا عنه لذلك هؤلاء الذين يُكابرون قلوبهم مُنْغَمِسَة في الدنيا، قال تعالى:

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)﴾

[سورة المؤمنون]
ثمَّ قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ (67)﴾

[سورة المؤمنون]
المُلَخَّص إذًا أنَّه إذا كان الإنسان غارِقًا في حُبِّ الدنيا، وله أعمال خسيسة فهذا يُعارِض الحق ويرْفُضُهُ، وحين يُحاسِبُهُ الله يعْرِفُ ما إذا كان على الصَّواب أو الخطأ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية التاسعة والستُون من سورة المؤمنون، قال تعالى:
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
الله جل جلاله يريدنا أن نعرف رسول الله، و لماذا ؟ لأن الله تعالى جعل أحكام القرآن الكريم كُلِّيةً و جعل تفصيلاتِ الأحكامِ عن طريق النبيِّ عليه الصلاة والسَّلام، و لذلك قال تعالى:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾

[سورة الحشر]
فأنت إن لم تأخذ ما أمرك به رسولُ الله وإن لمْ تنتَهِ عما نهاكَ عنهُ الرسولُ فلستَ مطَبِّقًا لكتاب الله عز وجل، مثلًا قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(103)﴾

[سورة التوبة]
أنصِبَةُ الزكاة، نصابُ عُروضِ التجارة و نصابُ النبات ما أنتجَتْه الأرضُ، ونصابُ الأنعام و نصابُ الرِّكازِ و نصابُ الذهب و الفضة و مصارفُ الزكاة، هناك مئاتُ الأحاديثِ لهذه التفصيلات، ولو أنَّ القرآنَ وهو كلام الله عز وجل تضَمَّن التفصيلاتِ لكان مائة ألفِ صفحةٍ، ولا يُمكِن أن تقرأَهٌ و لا أن تحفظهُ، فالله سبحانه و تعالى جعل كلامه موجزًا وعامًّا و ترك للنبيِّ عليه الصلاة و السلام التبيينَ و التفصيلَ، وعصمَهُ مِنْ أنْ يُخطئَ لأي أقواله و أفعاله، و في أحواله، وجعل كلامَه وحيًا غيرَ مَتلُوٍّ، وعلماءُ العقيدةِ يقولون: هناك وحيٌ متلُوٌّ هو القرآن الكريم وهناك وحيٌ غيرُ متلُوٍّ وهو السنَّةُ و أحاديث الرسول، فلذلك قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾

(سورة النجم)

فلماذا يجبُ أنْ نعرفَ رسولَ الله ؟ يجبُ أن نعرفَه منْ سنَّتهِ القوليةَ لأنَّ اللهَ أمرَنا أن نفعل ذلك، مَن حرَّم علينا عدم الجمْع بين الأخ وأختها ؟ وبين الزوجة وعمَّتهَا وخالتها ؟ السنَّة، ومن قال: يحْرُمُ مِن الرَّضاع ما يحْرُمُ مِن النَّسَب ؟ آلاف الأحكام التي تركها الله للنبي عليه الصلاة والسلام إما لِفَهْمِهِ الدَّقيق لِكتاب الله، أو للوَحْي المباشِر الذي أوْحاه الله إليه لِيُبَيِّنَهُ لنا، إذًا معرفة سنَّتِهِ القَوْلِيَّة فرضُ عَين انْطِلاقًا من القاعِدَة الأصوليَّة ؛ ما لا يتِمُّ الواجِب إلا به فَهُوَ واجِب، وما لا يتمُّ الفرض إلا به فهو فرض، وما لا تَتِمُّ السنَّة إلا به فهو سنَّة، فالوُضوء فرض لماذا ؟ لأنَّ الصلاة التي هي فرْض لا تُؤَدَّى إلا به، فإذا قال الله عز وجل:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾

[سورة الحشر]
هذه الآية تَطبيقُها فرض، فكيف نأخذ ما آتاه النبي صلى الله عليه وسلَّم إن لم نعْرِف ما آتانا ؟ وكيف نعرف ننتَهِي عمَّا عنه نهانا إن لم نعرف عمَّا نهانا، لذا قال تعالى:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
نقْطَةٌ ثانِيَة ؛ حينما قال الله تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)﴾

[سورة الأحزاب]
أي يا عِبادي المؤمنين هذا النبي الكريم أُسْوَةٌ لكم في كلّ حياتِكم ؛ في بيتِكم ومع زوْجاتِكم ومع أولادكم، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ:

(( انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَالِي فَقَالَ أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ قَالَ لَا قَالَ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي ثُمَّ قَالَ أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا إِذًا ))

[رواه البخاري]
فأن تُعْطِيَ ابنًا دون الآخر هذا مِن الجَوْر، فالنبي عليه الصلاة والسلام أُسْوَةٌ لنا في بيتنا، ومع جيراننا، ومع أهلنا، وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))

[رواه البخاري]
فقد كان له عليه الصلاة والسلام جارٌ يَهودي، كان يُؤذيه فلمَّا انْقَطَعَ عنه الأذى ظنَّه أنَّه مات فعادَهُ ! فالأسْوة هو النبي عليه الصلاة والسلام فَمَعرفَةُ سنَّتِهِ صلى الله عليه وسلَّم فرض عَيْن، وليس لك خِيار، ومَن تركهُ أثِم وعوقِب، لأنَّ هذه الأوامر الإلهيَّة لا تتِمُّ إلا بِسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهناك مَن يُنكر أن نقوم بالاحْتِفال بِعيد المولِد النَّبوي الشريف، مِن أين خالَفْتَ السنَّة ؟ كيف أعرف رسول الله ؟ أصْغي إلى كلمة حول شمائله وأخلاقه وعدْله وعَفْوِهِ.
السؤال: هل هناك دليل أقوى من ذلك على وجوب معرفة رسول الله ؟ يقول الله عز وجل:
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(99)كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا(99)﴾

[سورة طه]
إذا كان فؤاد النبي يزداد ثباتا بسماع قصص الأنبياء الذين هم دونه، فما قولك بمؤمن يستمع إلى قصة رسول الله ؟ وهو سيِّد الخلق و حبيب الحقِّ من بابٍ أولى، قلب النبيِّ يزداد ثباتاً على الحق إذا قصَّ اللهُ عليه أنباءَ الرسلِ الذين
من قبله وهم جميعًا دونه، أمَّا إذا استمعنا نحن المؤمنين إلى سيرة النبيِّ كيف قال:
((واللهِ يا عم لو وضعوا الشمسَ في يميني و القمر"))
ثبات على المبدأ، كيف قالت له السيدةُ خديجةُ: خذْ قِسطًا من الراحةِ، بعد أن جاءه الوحيُ قال: انقضَى عهدُ النومِ يا خديجةُ، نحن أمامَ مهِمَّةٍ كبيرة، و أكثرُ الناس يبحث عن الراحة، و الرَّفاهِ و السرورِ و المكانِ الجميل و عن الطَّعام الطّيِّبِ و عن السيَّارةِ الفخمةِ، و عن الزوجة الجميلة، و عن البيت الفخم، يريد أنْ يستمتِعَ، أمَّا النبيُّ ففهِمَ الحياةَ شيئًا آخرَ، فهِمَها رسالة، و فهمها أمانة يجبُ أن تُؤَدّى، قال له لمَّا جاءته الرسالةَ و قال: زمِّلُوني زمِّلُوني، قالت: خذْ قِسطًا من الراحة، قال: انقضَى عهدُ النوم يا خديجةُ، أُسوتُنا، و حينما بلغَ قِمَّةَ النجاح و دانتْ له الجزيرةُ العربيةُ منْ أقصاها إلى أقصَاها و دخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا ؛ صعِدَ المنبَرَ باكيًا وقال:

((مَن كنتُ أخذتُ له مالًا فهذا مالي فليأخُذْ منه، ومَنْ كنتُ جلدْتُ له ظهرًا فهذا ظهري فَلْيَقْتَدْ منه، و من كنتُ شتمْتُ له عِرضًا فهذا عِرضِي فلْيَقتَدْ منه ))
وهو لا يخشى الشحْناءَ فهي ليستْ مِن طبيعتِه و لا من شأنِه، ما هذا التوَا ضعُ ؟ و متى قال هذا الكلامَ ؟ في قمَّة نجاحهِ بعدَ أنْ فتحَ مكَّةَ و دخلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا و دانتْ له الجزيرةُ العربيَّةُ دخل مكَّةَ فاتِحًا و كادَتْ ذُؤَابةُ عمامتِه تُلامِسُ عنقَ بعيرهِ، تواضُعًا لله و ما مِن قائدٍ فاتحٍ يفتحُ بلدةً مُسْتعْصِيةً إلا أخذَه الزُّهُوُّ و الغطرسةَ و الكِبرَ و سفكَ الدِّماءَ، قال: ما تظُنُّون أنِّي فاعلٌ بكم ؟ قالوا: أخٌ كريمٌ و ابن أخٍ كريمٍ، قال: اذهبوا فأنتم الطُّلَقاءُ، كان عليه الصلاةُ و السَّلامُ يصلِّي الفجرَ وكان في قمَّة نَشْوتهِ قرأ سورةً قصيرةً و ختم الصلاةَ على عجَلٍ ما فهِم أصحابُه شيئًا، ثم فهموا أنَّ النبيَّ عليه الصلاةُ و السلام سمع بكاءَ طفلٍ صغيرٍ خلفَ الصُّفوف، و علم أنَّ هذا الطفلَ ينادي أمَّه ببكائه فرحم الطفل و رحم أمَّه، فقطّع الصلاة، عَنْ أَنَسٍ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً فِي تَمَامٍ ))

[رواه مسلم]
سيِّدنا عمرُ تعلَّم منه فاستأذَنَ السيِّدةَ عائشةَ أن يُدفَن إلى جوار أبيها فأذِنَتْ له وهو على فراش الموت، و لا يزال خليفةَ المسلمينَ، فقال لابنِه: يا عبدَ اللهِ مُرَّ بجنازتي أمام بيتِ عائشةَ و اسْتَأْذِنْها ثانيةً فلعلَّها أذِنتْ لي و أنا أميرُ المؤمنين، فلو نقرأُ سنَّةَ رسول الله واللهِ لَكُنَّا في حالٍ غيرِ هذه الحال، و رسولُ الله يقول:
((عليَّ جمعُ الحطب، إنَّ الله يكره أن يرى عبدَه مُتمَيِّزًا عن أقرانه))
فحتَّى يحبَّك الناسُ اجعلْ نفسك واحدًا منهم، هناك شيء أبلغُ من ذلك يدخل أعرابي على النبيِّ يقول: أيُّكم محمَّدٌ ؟! فيقول الواحدُ: ذلك الوَضِيئُ، فكيف أحبَّه أصحابُه ؟ و كيف فدَوْهُ بأرواحهم ؟
قرأْتُ مقالةً عن الحرب العالميةِ الثانيَةِ، قائد مُعادي يصفُ الجيشَ الآخرَ فقال: هذا الجيشُ لا ينتصِر، و لماذا ؟ لأنَّ هناك مطبخًا للقادةِ و مطبخًا للجُنود، كيف فعَل هذا النبيُّ ؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

(( كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَا نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ فَقَالَ مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[رواه أحمد]
هذا هو قائدُ الجيش.
أنا أقول لكم من هذه الآيةِ، قال تعالى:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
واللهِ يجب أن نقرأَ سيرةَ النبيِّ واحدًا واحدًا، و أن نعكِف عليها و أن نستَنْبِطَ منها الأشياءَ الكثيرةَ، دخل إلى البيت فوجدَ أنَّ عائِشةَ جاءها طبقٌ من طعامٍ من ضرَّتِها، فرَمَته أرضًا و كسرتْه، كان بإمكانه أنْ يُؤَدِّبها ولكنْ قال: غضبتْ أمُّكم غضبتْ أمُّكم، كان إذا دخل بيتَه ضحَّكًا بسَّامًا كان يقول عن النِّساءِ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا تُكْرِهُوا الْبَنَاتِ فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ ))

[رواه أحمد]
كان يقول:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ ))

[رواه الترمذي]
فإذا لم يكنِ الإنسانُ في خيرٍ مع أهله فبالأحرَى أن يكون خارج البيت بلا خيرٍ، داخل بيته كالوحش و خارج البيت مداهنة و..و هذا ليس من السُّنة في شيء، كان يقول عليه الصلاة و السلام:
((أكْرموا النساء فو اللَّهِ ما أكرَمهُنَّ إلاَّ كريمٌ و ما أهانَهُنَّ إلاَّ لئيمٌ يغلِبْنَ كلَّ كريم ويغلبهنَّ لئيم، و أنا أحبُّ أنْ أكون كريمًا مغلوبًا من أن أكون كريمًا غالبًا.))
أيُّها الأخوة الكِرامُ، نحن في عيد المولد، وهذه الآية:

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

[سورة المؤمنون]
يجبُ أن نعرفَ رسولَ اللهِ، و أنا أتمنَّى أن يجمعَ كلُّ واحدٍ منَّا أقرِباءه المُتَفَلِّتين غيرِ المنضَبطين الذين لا يأتون إلى المساجد، يجمعهم في بيته و يطعمهم ويسمِعهم إمَّا مِنْ قِبَلِه أو مِن قِبَل من يحسن ذلك شيئًا عن أخلاقِ النبيِّ، فالعبرةُ أن تكسبَ الطرفَ الآخرَ، و بطولتُك ليس أن تكسبَ الطرفَ الأوَّلَ، نحن كلُّنا طرفٌ واحدٌ، البطولةُ أن تكسبَ الشاردين المنحرفين و المُشَكِّكين و المنتقِدون، هؤلاء اجْمعْهم و أطْعمهم الطعام و أسمِعْهم من هديِ النبيِّ فلعلَّهم يلتفُّون حولك و لعلَّهم ينْضَوُون تحت لواء الإسلام.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 01:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، يقول الله جل جلاله في الآية الواحدة والسبعين من سورة المؤمنون:
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة، مِن تعريفات الفساد أن يخرج الشَّيء عن صِفاتِهِ الأصيلة فالماء مِن خصائِصِهِ الأصيلة أنَّه لا لَوْن له، ولا رائِحَة له، فإذا أصْبَحَ له لون أو رائِحَة نقول: فسَدَ الماء، أي خرج عن صِفاتِه الأصيلة والفساد ليس له إلا معنًى واحِدًا.
مَخلوقٌ أَوْدَعَ الله فيه الشَّهوات، ومَنَحه حُرِيَّة الاخْتِيار فَتَحَرَّك بِخِلاف منهَج الله، ماعدا الإنس والجنّ كلٌّ بيدِ الله، يتحرَّكون وِفق منهج قويم، أمّا الإنسان لأنه مُخيَّر ولأنَّ الله سبحانه و تعالى أودعَ فيه الشَّهواتِ و لأنَّه يتحرَّك بخلاف منهجِ اللهِ، يَحْصُل الفسَاد في الأرض، فالفَساد كائِنٌ أودِعَتْ فيه الشَّهوات لِيَرْقى بها في الأصل إلى رب الأرض السماوات ولكنَّه تحرَّك مِن خِلالها بِخِلاف منْهَج الله فَعَمَّ الفسَاد في الأرض، والله عز وجل خلَقَ الذَّكر والأنثى، ومنْهجُهُ يقْتضي الزَّواج، والزَّواج لَبِنَة من لبِنات المُجتمع، والإنسان حينما يتزوَّج فيما يبْدو للناس أنَّهُ يقْضي وطرَهُ ولكنَّهُ في الحقيقة تُبْنى أُمَّةٌ مِن خلال الزَّواج ‍، لذلك قال تعالى:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(32)﴾

[سورة النور]
أمْرٌ إلهِيٌّ مُوَجَّهٌ لأولي الأمْر، وإلى أوْلِياء الأمور، وهذا الأمْر يرْقى إلى مُسْتوى النبل، أما حينما تخرُجُ المرأة بأبْهى زينة مِن أجل أن تُثير شَهَوات الآخرين في الطريق يحْصُل الفساد، وحينما يكون لِقاء بين رجل وامرأة خارِج نِطاق الزَّوْجِيَّة يكون الفساد، وحينما نشرب شيئًا يُذهب عُقولنا يكون الفساد، وحينما يكون الاخْتِلاط يكون الفساد، وحينما نكْسب المال بِغَير طريق مَشْروع يكون الفَساد، فالفساد يعني إنسانًا مُخَيَّرًا تحرَّكَ بغير منهَج الله تعالى، لو أنَّ الناس اسْتقاموا على أمْر ربِّهم لكانت الحياة بِشَكل آخر، ولكن المُزْعِجات في الحياة أساسها خُروج الإنسان عن منْهَج الله، لذلك ما مِن مُشْكِلةٍ على وَجْه الأرض بالتَّحْديد، والإطلاق إلا بِسَبَبِ خُروج عن منهَج الله، وما من خُروجٍ عن منهَجِ الله إلا بسببِ الجَهْل، والجَهْل أعْدى أعداء الإنسان وطلب العِلْم فرضٌ عَينيّ على كُلّ مُسلِم، وأنت بالعِلم إنسان، ومن دونه تهْبِطُ إلى مُسْتوى أدْنى، وطلب العِلْم الشَّرعي فرضٌ عَيْنيّ، ومِن أجل أن تعرف ما ينبغي أن تفْعَل وما لا ينبغي، ومِن أجل أن تعرف الحق مِن الباطِل، والخير مِن الشر والحلال من الحرام، وما مِن شيءٍ في الأرض إلا ولهه حُكْمٌ شَرعي فإمَّا أن يكون فرْضًا أو مندُوبًا أو مُستَحبّ أو مُباح أو مَكروه أو مُحَرَّم وطلب الفقْه حَتْمٌ لازِمٌ على كلّ مُسلِم، وما مِن موضوعٍ أخْطر بعد الإيمان بالله تعالى مِن موضوع الحلال والحرام،
عن بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ))
أضربُ لكم مثلاً مُنْتزَع من واقِعنا اليومي ؛ إنسان يصَلِّي ويصوم وحاج لِبَيت الله مرات عديدة واعْتَمَر المرات العديدة، كان جالسًا مع أُخْتِه، ويُحَدِّثُها عن زَوْجِها السيِّء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ))

[رواه أبوداود]
و معنى خبَّب أي أفْسَدَ، فهيَ نَفَرَتْ مِن زوْجِها حينما صَغَّرَه أخوها في نظَرها، أنت بِهذا ارْتَكَبْتَ كبيرةً، وهل يُكبُّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائِد ألْسِنَتِهِم !! لا يستقيم إيمان عبْدٍ حتَّى يسْتقيم قلبُهُ ولا يستقيم قلبُهُ حتَّى يستقيم لِسانُهُ، فالإنسان مُمْكِن أن يرْتَكِب أكبر الكبائر بِلِسانِهِ، وهو صائِم ومُصليّ يرْتاد المساجِد ويُزَكِّي ويُخَبّب امرأةً على زوْجِها، ومعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام ليْسَ مِنَّا أي نفى انْتِماءه عن هذا الدِّين وهذه كبيرة، أي ليْسَ مِن أمَّة مُحمَّد صلى الله عليه وسلم ولا تنْسَوا أنَّ أمَّة محمَّد أمَّتان ؛ أُمَّة التبْليغ وأمَّة الاسْتِجابة، فَأُمَّة الاسْتِجابة هي التي اسْتَجابَتْ لله ولِرَسوله إذا دعاها لِمَا يُحْييها، أما أيُّ إنسانٍ وُلِدَ في العالَم الإسْلامي مِن أبٍ أو أمٍّ مُسْلِمَين فَهُوَ مِن أمَّة التَّبليغ ومَن كان مِن أُمَّة التَّبليغ ليس له أيَّة ميزَةٍ عند الله تعالى مثلك مثل أيّ إنسانٍ في الأرض، أما ميزَتُك قوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ(110)﴾

[سورة آل عمران]
عِلَّة الخَيْرِيَّة الإيمان بالله، والأمْر بالمعروف والنَّهْي عن المنْكَر، فإذا كان الإيمان ضعيف والأمْر بالمعروف غير مَوْجود والنَّهي عن المنْكر غير موجود فأنت مِن عامَّة الناس، ولا شأن لك عند الله تعالى إطْلاقًا، فلذلك الآية الكريمة:

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)﴾

[سورة المؤمنون]
أضْربُ لكم مثلاً دائِمًا أنّ بعض البِحار الكبرى بِبَعْض الدُّوَل العظمى المياه السَّوْداء تمشي في البحر خمسين كيلومتر ! ولونها أسْوَد، ومع ذلك البَحْر طاهِرٌ ماؤُهُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

(( حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

[رواه الترمذي]
فالغيبة مِن الكبائر، والنَّمام لا يدخل الجنَّة مُجْتَمَعُ المسلمين اليوم فيه النميمة والبغْضاء والحسد، ولذا الحِجاب قائِمٌ بين العَبْدِ وربِّه ما لم يضْبِط لسانَهُ.
الآن عندنا إشارة قرآنِيَّة لطيفة جدًّا، يقول الله عز وجل:

﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)﴾

[سورة المؤمنون]
لماذا لا يُطَبِّقون هذا الصِّراط ؟ ولِمَ لا يمْشون عليه ؟ ألم يخْطُر لكم هذا السُّؤال ؟ الحلال بيِّن والحرام بيِّن، ولماذا الناس مُنْصرِفون عنه ؟ اسْمعوا الجواب، يقول الله عز وجل

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾

[سورة المؤمنون]
ما عِلَّة عدم الاسْتِقامة ؟! عدم الإيمان بالآخرة ! فإذا آمَنْتَ أنَّ الدنيا كلّ شيء، وليس بعدها شيء، لا يُمْكِن أن تستقيم على أمْر الله تعالى فَكُلّ إنسان لا يؤْمِن بالآخرة فَفِعْلُهُ للحرام يكون منْطِقِيًّا، أما حينما يؤمن أنَّه يوجد رب سَيُحاسِبُهُ عن كل كلمة وعن كل سكنة، وعن المال كيف اكْتَسَبَهُ وأين أنْفقَهُ ؟ حينما تؤمن بالآخرة تستقيم على أمْر الله فالشيء الذي يُؤْسَفُ له أن تَجِدَ إنسانًا مُسلم يُقِرّ بالله تعالى ربًّا وخالقًا ومُسيِّرًا ويقول لك: الجنَّة حق، والنار حق ولا ترى في عملِهِ ما يُؤَكِّدُ إيمانه بالآخرة، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[سورة الحجر]
قال تعالى:

﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)﴾

[سورة المؤمنون]
فإذا شاق الله تعالى للناس بعض الشَّدائِد، فما حِكْمَتُها ؟ أن يمْنَعَهُم مِن الطُّغْيان، والله تعالى يقول:

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)﴾

[سورة الشورى]
فالله تعالى قابض وباسِط، ومُعِزّ ومُذِلّ وضارّ ونافِع، ومانِع ومُعطي وإنَّ أوْجَهَ التفسيرات أنَّهُ يضرّ لِيَنْفَع ويمْنَعُ لِيُعْطي، ويُذِلّ لِيُعِزّ، ويقْبضُ لِيَرْفَه، وكلّ أسمائِهِ تعالى حُسنى قال تعالى:

﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)﴾

[سورة المؤمنون]
وقال أيضا:

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)﴾

[سورة المؤمنون]
ماذا نسْتنبِط من هذه الآية ؟ لمَّا الله تعالى يَسُوق العذاب ماذا ينْتَظِرُ مِنَّا ؟ قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)﴾

[سورة المؤمنون]
فالله ينتظِر مِنَّا أن نسْتكينَ إليه، وأن نصطلِحَ معه، ونتوب إليه، وأن نُطَبِّقَ أمْرهُ، ونُطَبِّقَ سُنَّة نبيِّهِ في حياتنا، هذه عِلَّة أيَّة مُصيبة، وهذه عِلَّة أيَّة مِحْنة، وأعلى مراتب العِبادة التَّضرُّع، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؟!
((إن لم يكن بِك غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العُتْبة حتَّى ترْضى ولكنَّ عافِيَتَك أحبّ إليّ.))
أوَّل معنى أنّ الله تعالى إذا ساق لعَبده بعض الشدائد ينتظر منه أن يصطلح معه، وأن يتوجه إليه بالدعاء فإذا ما حصلوا فإن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر، أصبح هو المصيبة من أجل أن تصطلح مع الله وأن تتوجه إليه بالدعاء، الاصطلاح ما حصل، والدعاء ما حصل بل الذي ساق الله له المصيبة هو المصيبة فإن لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر.
الشيء الثاني وجدت هناك ضيق وهذا الضيق من عند حكيم إن الله لا يحمي صَفِيّه المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مرضه من الطعام، إن الله لا يحمي عبده من الدنيا كما يحمي الراعي غنمه من مرافع الهلكة أصبح المنع كبحا، إنسان لا يستقيم لأنّ إيمانه بالآخرة غير كامل، هناك فساد عَامْ وهو مُقِيم على الفساد هذا كلام الشيطان، عدم الإيمان بالآخرة أنا أذكر أن ستة آلاف تاجر انسحبوا من الاسترداد وقت إصدار قانون العملة لماذا أنت مع إنسان تنسحب وتخاف مع إنسان قوي تخاف، لماذا من خالق الكون إذا حرّم شيئا لا تخاف.
ملخَّصُ الدرس، عدمُ الاستقامة قطعاً كما قال تعالى:

﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾

[سورة المؤمنون]
عدم الاستقامة سببُه عدمُ اليقين بحسابِ الله يومَ القيامة هذه واحدةٌ الشيء الثاني، المنعُ كبْحٌ ورحمةٌ، وحسنُ الظَّنِّ بالله من حسن العبادةِ،

(( قال عليه الصلاة و السلام فيما يرويِه عن ربِّه:عن وَاثِلَةُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ))

[رواه أحمد]
و الشيء الثالثُ، إذا ساقَ اللهُ بعضَ الشدائِد ينتظِرُ من عبدِه أن يستَكينَ إليْهِ وأن يتوجَّه له بالدعاء، ثلاثُ موضوعاتٍ، موضوعُ الشِّدائدِ وموضوع الحِرمانِ وموضوعُ عدمِ الاستقامةِ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 01:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة المؤمنون، الله جل جلاله يخاطِب الناسَ عامَّةً و أهلَ مكَّةَ خاصَّة، حينما أرسل النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم مُبيِّنًا وهاديًا و مُنقِذًا يقول الله عز وجل:
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)﴾

[سورة المؤمنون]
هي مُلكُ مَنْ؟ الله جلَّ جلالُه مالكُ المُلك، وملكُ الله عز وجل ملكٌ مُطلَق هو الذي خلَق وهو المُتصَرِّف وإليه المصيرُ، الإنسانُ أحيانًا يملكُ بيتًا ولا ينتفِعُ به، وينتفعُ ببيتٍ و لا يملكُه، أو ينتفع به و يملكُه وليس له مصيرُه، فمُلكُ الإنسان دائمًا ناقصٌ، لكنّ َ اللهَ سبحانه وتعالى يقول:

﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)﴾

[سورة آل عمران]
خلقًا و تصرُّفًا و مصيرًا، فهو الذي خلَق وهو المُتصَرِّف وإليه المصيرُ وهذه أعلى مُستوَياتِ الملك، يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)﴾

[سورة المؤمنون]
الواحد إذا اشترى بيتًا و اعتنَى به إلى أَقصَى درجة، هل تملك أن لا تهْتزَّ الأرضُ سبعَ درجاتٍ على مِقيَاس رِيشْتَرْ فيغدُو البيتُ في الأرض ألم يحدُثْ هذا في القاهرة، بناءٌ مِن عشرين طابقًا في ثوانيَ معدودةٍ أصبحَ رُكامًا، مَن مالكُ المُلكِ ؟ اللهُ مالكُ المُلك، لا تملِكُ البيتَ و لا تملكُ مركبةً و لا تجارةً، ولو ملكْتَ كلَّ شيء ولم تملك عقلَك أقربُ الناس إليك يتوسَّل عند أولِي الأمرِ ليجعل أباه في مستشفى المجانين ؛ الذي اشترى البيتَ و أنجبَ الأولاد و أنشأَ هذا المعمل إذا اختلَّ عقلُه أقربُ الناس إليك يتوسَّل عند أولِي الأمرِ ليجعل أباه في مستشفى المجانين ؛ فهل تملكُ عقلَك ؟ و هل تملك ذاكرتك؟ وهل تملك معملك ومتجرَك و أهلك؟ قال تعالى:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)﴾

[سورة المؤمنون]
تذكرون تعني أن الإيمانَ موضوعٌ في الإنسانِ بالفطرةِ ولا يحتاجُ إلا إلى تذكُّرٍ، فربنا قال:
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ(11)﴾

[سورة عبس]
أيْ أنَّ نفسَك مفطورةٌ على الإيمان بالله، مُصَمَّمةٌ كي تؤمن بالله والإيمان بالله جزء مِن جِبِلَّتِها، وأنت لا تحتاج إلا إلى ذِكْرى، قال تعالى:

﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)﴾

[سورة المؤمنون]
هذه أوَّل آية، وقال تعالى:

﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)﴾

[سورة المؤمنون]
لِمَ لا تُطيعهُ ؟ وماذا تنتظر ؟ وما الذي يمْنَعُكَ أن تُطيعهُ ؟ فأوَّلاً أفلا تتَّقون ؛ الإيمان فِطري وجِبِلِّي، ومُركَّب في جِبلَّتِكَ وأنت لا تحتاج إلا إلى ذِكْرى، وبعد أن أقْررْتَ أنَّ الله ربَّ العرش العظيم أفلا تتَّقون ؟! وقال تعالى:

﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)﴾

[سورة المؤمنون]
ما الذي لفتكَ عنه ؟ وما الذي سحَرك ؟ وأغراك أن تنسى ربَّك ؟ فالآية الأولى أفلا تذكَّرون، والثانية أفلا تتقون، والآية الثالثة: ما الذي صرَفَكَ عنه ؟ أوَّلاً أنت لا تحتاج إلا إلى ذِكْرى لأنَّ الإيمان جزء من جِبلَّتِكَ والشيء الثاني ؛ هل مِن جِهةٍ في الكون تسْتحِقّ أن تُطاع غير الله عز وجل ؟ فإذا انْصرَفْتَ عن الله فما الذي صرَفَك ؟! ينصرِفُ الإنسان عن الجَوْهَر إلى الفَحْم ! وعن اللُّؤلؤ إلى الأصْداء !! وعن التِّبر إلى التَّنَك ! وعن النفيس إلى الخسيس، قال تعالى:

﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)﴾

[سورة المؤمنون]
هم يريدون شَهَواتهم، يزْعمون أنَّهم يبْحثون عن الحق ولا يَجِدونه، هم يبْحثون عن شَهوَاتِهم، قال تعالى:

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)﴾

[سورة المؤمنون]
هذا الكون الذي يعْمل بانْتِظام، وقد ذكرْتُ لكم أنَّك لو أتيْتَ بِكُرة ووضَعتها بين مغناطيسيين فلا يمكنك أن تجْعلها في الوسَط، والكتلتين مُتَساوِيَتَين فكيف إذا كانتا مُختلفين ؟ وكيف إذا كانت هذه الكُتَل في فراغ ؟ فكيف إذا تَحَرَّكَت هذه الكُتَل ؟
كتلٌ لا تعدّ و لا تحصَى بأحجام متفاوِتةٍ و أبعاد متفاوتة و شُحناتٍ متفاوتة تتحرَّك في الفضاء و المحصِّلُ الاستقرار وسمَّى العلماء هذا التوازنَ الحركِي، هذا الكونُ العظيمُ هل رأيتَ مَن يدَّعي خلقَه ؟!! أبدًا هل رأيتَ نزاعًا في السماوات و الأرضِ ؟ هل رأيتَ تنافرًا و تضَادًّا و تناقضًا ؟ أم رأيتَ الانسجام المُطلق والوحدَةَ المُطلقةَ، إذا درسَ الإنسانُ في كندَا و يصفُ دواءً صُنِعَ في أمريكا لمريضٍ في أُستراليا يشعرُ بالراحةِ، البشرُ كلُّهم من بُنيةٍ واحدةٍ؛ إلهٌ واحدٌ و خلق واحدٌ وخصائصُ واحدةٌ و دِقَّة واحدةٌ، وقد يدرسُ الإنسانُ التشريحَ في روسيَا و يطَبِّقه على إنسان في الشام، معنى ذلكَ أنَّ البنيةَ واحدةٌ، و ما أحدٌ ادَّعى الأُلوهيةََ غيرَ الله عز وجلَّ، قال تعالى:

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك أخَوَانِ ورِثَا معملًا عندهم عشرُ عمَّال، فيضيعُ العمَّالُ بين الأخوين يعصي أمرَ الأوَّلَ فيعتِبُ عليه الثانِي، فالشرِيكانِ يصدِرانِ أوامرَ مستمِرَّةً لمجموعة مِن العمالِ، قال تعالى:

﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)﴾

[سورة المؤمنون]
نفيقُ في أحدِ الأيَّام ونجدُ الأرضَ لا تدورُ هكذا أراد إله السماء، احترقَ الناسُ فماتوا، و الإلهُ الآخرُ لا يريدُ أن تُشرقَ الشمسُ، فإلهُ الشمسِ في نزاعٍ مع إله الأرضِ سبحانَ الله ‍‍‍!! ما دامَ هناكَِ انسجامٌ مطلقٌ معناهُ وجودُ إلهٍ واحدٍ، وشيءٌ بالفطرة، وهو أنَّك إن وجَدْتَ مدرسةً خالِيَة من المشاكل معنى هذا أنَّهُ يوجد مُدير واحِدٌ مُسَيْطِر، وكذا المستشفيات والقطاعات، إذا كان هناك انْسِجام وتعاوُن وتناسب معناه يوجَد مُسيِّر واحِد، وهذا هو معنى الآية:

﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)﴾

[سورة المؤمنون]
قال تعالى:

﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)﴾

[سورة المؤمنون]
اسْمعوا هذا المثَل: الحياة مَسْرَحِيَّة فيها مقاعِد للمُشاهِدين، وخشبَة مسْرح، فإذا اسْتَقام الإنسان كان له مقام مع المُشاهِدين، سوف يرى ويسْمع ويعْجَب لما يجْري على خشبة المسْرح، إلا أنَّه مُشاهِد، فله أنْ يستمْتِع و أن ينظُرَ و أن يراقِب و يتعجَّب، أمَّا إذا لم يكن مستقيمًا فسوف يُجَرُّ إلى خشبة المسرح و سوف يُضرَب ضربًا مُبرِّحًا وسوف يصبح قصَّةً يراه المشاهدون، فإما أن تكون مشاهدًا مستقِيمًا أو سوف تغدُو أنت القصَّةُ، لذلك الدعاءُ الذي يقشَعِرُّ منه الجِلدُ: يا ربِّي لا تجعلني عبرةً لأحدٍ مِن خلْقِك، لا أكون أنا القِصَّة، اللهم إني أعوذ بك أنْ أتزَيَّن للناس بشيء يَشِينُنِي عندك، اللهمَّ إني أعوذ بك أنْ يكونَ أحدٌ أسعدَ بما علَّمتَني مني، اللهمَّ إني أعوذ بك أنْ أقولَ قولاً فيه رِضاكَ ألتمِسُ به أحدًا سِواكَ
فإذا استقامَ الإنسانُ على منهجِ الله فهو في ظِلِّ الله يومَ لا ظلَ إلا ظلُّه و في سِتر الله، ويحفظُه الله و يسترُه و يُؤَيِّده و ينصُره، فلا تخرجْ عن مَظَلَّة الله، و منهجُ الله دستورُك فلا تخرجْ عنه، فأنت في رِعايَته و في ظِلِّه و في إكرامِهِ و في رحمتِه، واللهُ عز وجل يقولُ:
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48)﴾

[سورة الطور]
قال تعالى:

﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94)﴾

[سورة المؤمنون]
صرفيًّا اسمُ تفضيل، فإذا وُجِد ألفُ أسلوبٍ حسنٍ يجب أن تختارَ أحسنَها لدفع السيِّئةِ، ماذا فعلَ سيِّدُنا الصِّديقُ مع الذي قال عن ابنته زانية ؟ منعَ عنه المساعدةَ، فعاتبَه اللهُ عز وجل فقال:

﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(22)﴾

[سورة النور]
الله عاتبَ سيدَنا الصَديق لأنَّه كفَّ عن مساعدة مَن اتَّهمَ ابنته عائشةَ بالزنا فترُدَّ على السيِّئة بالعفو، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)﴾

[ سورة الحجر ]
و قال تعالى:

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(13)﴾

[ سورة المائدة ]
قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾

[ سورة آل عمران ]
ألفُ أسلوبٍ حسنٍ يجب أن تختارَ أحسنَها لدفع السيِّئةِ، لذلك أخلاقُ الأنبياءِ في هذا الحديثِ، قال عليه الصلاةُ و السلامُ:
((عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ صَلَّى بِنَا عَمَّارٌ صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالُوا بَلَى قَالَ أَمَا إِنِّي قَدْ دَعَوْتُ فِيهِمَا بِدُعَاءٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِ اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ))

[رواه أحمد]
قال تعالى:

﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)﴾

[سورة المؤمنون]
و غدًا إن شاءَ اللهُ نشرحُ هذه الآياتِ الدقيقَة التي مِحوَرُها:

﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106)﴾

[سورة المؤمنون]










والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-12-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة المؤمنون ( 23 )


الدرس الحادى عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة المؤمنون، فالآية التاسعة والتِّسْعون، وما بعدها من سورة المؤمنون وهي قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾

[سورة المؤمنون]
أيها الأخوة الكرام، أحَدُ تعريفات العَقْل، أنّ الإنسان العاقِل أو الذي يسْتَخْدِمُ عقْلَهُ ؛ هو الذي لا ينْدَم، لأنَّ الإنسان الذي ينْدَم معناه أنَّهُ عطَّل عقْله، ولم يسْتفِد منه، فإذا توهَّم الإنسان أنَّه قد أفْلَحَ، ونجَحَ، وربِحَ وتفوَّق، ثمَّ وصَلَ إلى هذا اليوم، وقال:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون]
إذًا لم يكنْ عاقِلاً لذلك ليس كلّ ذَكِيٍّ عاقلاً، فالذَّكاء شيء، والعقْل شيء آخر فالذَّكاء مُتَعَلِّق بالجُزْئيَّات، وفيما أنت فيه، والعَقْل مُتَعَلِّق في الكُلِيَّات فَلِمُجَرَّد أن تنْدم فأنت لسْتَ عاقِلاً، أيْ أنَّ هذا الجِهاز الذي أوْدَعَهُ الله فيك لم تسْتَخْدِمْهُ، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)﴾

[سورة المؤمنون]
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((الليل والنهار يُقَرِّبان كلّ بعيد و يُبليانِ كلَّ جديد))
و كلُّ مُتوقَّع آتٍ و كلُّ آتِ قريب، والإنسانُ يظنُّ أن الأمدَ طويلٌ و فجأةً هو على مشارف الدار الآخرة، فلذلك العقلُ كلُّ العقلِ أن نعمل لهذه الساعةِ التي لا بدَّ منها، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)﴾

[سورة المؤمنون]
الآن هذا الذي سيقولُه هذا النادِمُ هو أثمَنُ ما في الدنيا، لعلِّي أعمل صالحًا فالإنسان لا يطلب الرُّجوع من أجل أن ينهي بِناءَ بيْتِهِ ! فهذا الكلام لا يقوله أحد، ولكن يقول:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون]
فالدنيا كلَّها مِن أجل أن تعملَ عملاً صالِحًا يُؤَهِّلُكَ للجنَّة التي وَعَدَك الله بها، وكلمة عمل صالح ؛ أيْ عمل يصْلُحُ للعَرْض على الله، أي عملٌ صالِحٌ، وعمل مُتْقَن، وعمل وِفْق السنَّة، مُطابق للمنْهَج، والإمام الفُضَيْل يقول: إنّ الله عز وجل لا يقْبَلُ مِن الأعمال إلا ما كان خالصًا وصَوابًا ؛ فالخالِصُ ما ابْتُغيَ به وجْه الله، والصواب ما وافَقَ السنَّة فإذا غاصَ الإنسان في البحر، واللآلئ بين يدَيْه ؛ أخذ الأصْداف، فإذا أعْلَمهُ رُفقاؤُهُ يقول: لعلَّي كنتُ آخُذُ اللؤلؤ، وإذا الإنسان ذهَب لِبَلَد لِيأخذ شَهادة عُليا وعاد بخفيّ حُنَين، يقول: يا ليتني نشلْتُ هذه الشَّهادة ولكان شأني في المُجْتمَع شأنٌ آخر، فالشيء الذي تنْدَمُهُ عليه هو أثْمَن شيءٍ على الإطلاق، وأثْمَنُ شيءٍ في الدنيا على الإطلاق هو العمل الصالح قال تعالى:
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)﴾

[سورة النحل]
وقال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون]
بل إنَّ سِرَّ مجيئِكَ إلى الدنيا، وعِلَّة وُجودك فيها العمل الصالح، فالدنيا مزْرعة الآخرة، وتهيئَةٌ وإعداد للآخرة، وإنَّها حياةٌ دُنيا لِتَكون سبب حياة عُليا.
قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾

[سورة المؤمنون]
فعذاب البرْزخ أُشير فيه إلى هذه الآية، قال تعالى:

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46)﴾

[سورة غافر]
فهُم يُعرضون على النار كلّ يوم غُدوًّا وعَشِيًّا، مِن سِتَّة آلاف عام إلى يوم القيامة، وهذا عذاب البرْزخ، والقبر إمَّا روْضة مِن رياض الجنَّة، أو حُفْرة مِن حُفر النِّيران.
قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)﴾

[سورة المؤمنون]
قد تقَعُ عَيْن الابن على أُمِّه، وقد تقعُ عين الأمّ على ابنها، فتقول يا ولدي كان لك صَدْري سِقاءً، وبطْني وِعاءً، وحِجْري وِطاءً، فهل مِن عَمَلٍ يعود عليَّ خيرهُ اليوم ؟! فيقول: ليْتني أسْتطيع ذلك يا أُمَّاه ! إنَّما أشْكو مِمَّا أنت منه تشكين !! قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)﴾

[سورة المؤمنون]
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ))

[رواه مسلم]
قال تعالى:

﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102)﴾

[سورة المؤمنون]
موازين أعماله الصالحة، لذا قال الإمام عليّ رضي الله عنه: الغِنَا والفقْر بعض العرْض على الله، فالغِنَى والفقْر لا يوصَفُ بهما الإنسان إلا بعد العرْض على الله، وهذا سيِّدُنا موسى عليه الصلاة والسلام قال بعد أن سقى الفتاتين بِنْتَي سيِّدنا شُعيب، قال تعالى:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

[سورة القصص]
مُمْكن أن تجد شَخْصًا لا يمْلِكُ من الدنيا إلا القليل وهو أغنى الأغنياء بِأعمالِهِ الصالحَة، وقد تجد الآخر له سبعمائة مليون ‍‍‍!! قال تعالى:

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)﴾

[سورة المؤمنون]
قد يخْسر الإنسان بيتًا أو تِجارَةً أو شرِكَة أو يخْسر أحد أولادِهِ، إلا أنّ أكْبر خسارة على الإطلاق أن تخْسر نفْسَكَ التي خلقها الله لِجَنَّة الأبَد، قال تعالى:

﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)﴾

[سورة المؤمنون]
الآيات الكَوْنِيَّة والتَّكْوينِيَّة والخُطب والآيات القرآنيَّة، وكتب ومُحاضرات وأفعال، كلّ هذا قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106)﴾

[سورة المؤمنون]
غلبتْهم شَهَواتهم، قال تعالى:

﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)﴾

[سورة المؤمنون]
تجدهم يسْخرون من أهل الله تعالى، ويقولون لك: هذا لا يفْهم إلا العِبادة ! وهذا غبيّ !! قال تعالى:

﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)﴾

[سورة المؤمنون]
هناك آية ثانية تُكَمِّل هذه الآية وهي قوله تعالى:

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ(34)﴾

[ سورة المطففين]
هذه بِتِلك، وواحِدَة بِوَاحِدَة، والعبْرة لِمَن يضْحك آخرًا، والشَّقي من يضْحك أوَّلاً، لذا الإنسان لا يعبأ من كلام الناس، ولا بالقال والقيل لأنَّ الناس جميعًا لو مَدَحوك ولم يكن الله تعالى راضٍ عنك فلن ينفعُك مديحهم ولا رفْعهم لك.
قال تعالى:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)﴾

[سورة المؤمنون]
هذا العُمْر الذي قضَيْتُموه في النزهات والفنادق وأكل الحرام، والحفلات المُشْتركة كم مِقدارهُ ؟! قال تعالى:

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)﴾

[سورة المؤمنون]
أذْهبْنا آخرتنا مِن أجل يومٍ أو بعض يوم، فالكافر لا يعتقد يوم القيامة إلا أنَّ حياته لا تزيد إلا عن يومٍ أو بعض يوم، قال تعالى:

﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك الدنيا ساعة اِجْعلها طاعة، والنَّفْسُ طمَّاعة عَوِّدْها القناعة، والقبْر صُندوق العَمَل، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)﴾

[سورة المؤمنون]
ثمَّ يقول الله تعالى:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

[سورة المؤمنون]
دون هدف، ومن دون حِساب، وتأكل المال الحرام، وتعتدي على أعراض الناس دون حِساب، وتحتال عليهم من دون حساب، خُلقت للأكل والشُّرْب، قال تعالى:

﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾

[سورة المؤمنون]
جلَّ شأنهُ، وسبحانه وتعالى أن يخْلق الخَلْق عبثًا، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(16)﴾

(سورة الأنبياء)

﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾

[سورة المؤمنون]
مِن شأن الإله الآخر أنَّ لا برهان له

﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) ﴾
قال تعالى:

﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾

[سورة الأعراف]
اقرؤوا الواقعة قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
فالذي كان في الحضيض يمكن أن يكون في الأخير.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 07:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، أخٌُ كريم طلب مِنِّي يوم الخميس أن أُعالِجَ هذه الآية في هذا الدَّرْس، الآية الكريمة :
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(26)﴾

[سورة النور]
يسأل هذا الأخ الكريم، وهذه آيَةٌ مُحْكمة في كتاب الله، كيف يكون زَوْجٌ طيِّب وزوْجةٌ غير طيِّبَة ؟ وبالعَكس، فكيفَ نُوَفِّق بين الواقِع وبين هذه الآية ؟! فالآية تقول:

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾

[سورة النور]
أليْسَ هناك امرأة صالحة وصائمة وقائِمَة وتحْفظ كتاب الله وزوْجُها يشْرب الخمْر ؟!! أليْسَ هناك زوْجٌ خائِفٌ ومُنيب وتائب وله امرأة تأبى الحِجاب ولا تُصَلِّي ؟! فكيف نُوَفِّق بين هذه الآية وبين الواقِع ؟! الحقيقة أنَّ هناك باللُّغة العربيَّة خبَر، وهناك إنشاء، أقول: سافر أخي ؛ هذا خَبَر، يُحْتَمَلُ أن يكون هذا الخبرُ صادِقًا أو كاذِبًا، أما إذا قلتُ لأحدهم: سافِر تغْنَم، هل يُمكن أن يقال للذي يقول هذا الكلام كاذِب ؟! هذا إنشاء وهذا أمْر، فالأمر والنَّهْي والاسْتِفهام والطَّلَب والحظ والتَّمَنِّي ؛ هذه أساليب الإنشاء، والخبَرُ كلّ كلامٍ يحْتَمِلُ الكذب والصِّدْق، لذا القرآن الكريم بأكْمَلِهِ إمَّا خبرٌ أو إنشاء، فحينما قال الله جل جلاله:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾

[سورة الأنعام]
أي أنَّ القرآن كلَّه خبرٌ وإنشاء، فَخَبَرُهُ صادِق، وأمْرُهُ عادِل.
أما نوعٌ ثالث يوجد هو أدَقّ من أخَوَيه ؛ هناك كلامٌ صيغَ صيغَةَ خَبَر ويُراد به الإنشاء، وهناك كلام صيغَ صيغة الإنشاء ويُرادُ بالخَبَر، وهذه حالة نادِرة في كتاب الله، وهذه الآية مِن هذه الحالات، فهذه الصِّيغة هي صيغة خبَرِيَّة، وهي أنَّ الله تعالى أخْبرنا أنَّ الخبيثين للخبيثات ولكنَّ هذه الصِّيغة صيغَةُ خَبَر يُراد بها الإنشاء، أي يا عبادي اِحْرصوا أن يكون الطِّيِّبون للطَّيِّبات، إذا تَزَوَّجْتُم وإذا خَطَبْتُم، فيا أيُّها الآباء، ويا أيُّها الأمَّهات هذه فتات صالحة وتحْفظ كتاب الله لا تُزَوِّجْها لِغَنِيٍّ جاهِل تطْمَعُ بِمالِهِ أو مرْكَبَتِهِ أو بيْتِه ؛ إنَّهما يستحيل أن يتعايشَا ؛ هي تُريد وَجْه الله الكريم، وهو يريدُها كَغَيْرِها مِن الفتيات ! فهذه الآية في الحقيقة هي آيةٌ أمْر، والعلماء قالوا: يجب أن نُظيف كلمة ينبغي ؛ أي ينبغي أن يكون الطِّيِّبون للطَّيِّبات، إذا زوَّجْتُم وإذا تَزَوَّجْتُم ؛ إن كنتَ فتاةً أو أبًا أو أُمًّا فهذا الكلام مُوَجَّه للشَّباب والأولياء، لذا في كتب الفقه باب كبير اسْمُهُ الكفاءة الزَّوْجِيَّة، لا ينبغي أن يكون هناك مُفارقة كبيرة بين الزَّوجة وزوْجِها، فالتي نشأَتْ في بيئةٍ طاهِرَة ينبغي أن تبْحَث لها عن زوْجٍ مؤمن فإن لم تفْعل فالحياة لن تسْتَمِرّ، هو في وادٍ وهي في وادٍ.
هناك رجُلٌ خَطَب فتاةً مِن بيتِ عِلْمٍ، وكان غَنِيًّا غناءً فاحِشًا، وله مركبة ومعمل وبيت، فخطب فتاةً تربَّتْ في بيتٍ مُسْلمٍ، فَهُوَ يبْدو أنَّهُ أعْجَبَهُ جمالُها، ولكنَّه ما انْتبَهَ أنَّ هذه الفتاة نشأَتْ في بيتٍ مُسْلمٍ تحْرصُ على طاعة ربِّها، فهو أرادها فتاةً كَغَيرِها مِن الفتيات ؛ تجْلسُ مع أصْدِقائِهِ، وتُقَدِّمُ لهم الضِّيافة، وتذْهب معه إلى الفنادق والنوادي والسَّهرات المختلطة، فلمَّا أبَتْ ورفضَت اسْتحالَتْ الحياة بينهما وكانت له أُمٌّ شِرِّيرة، فَخَطَّطَت على أن تحْمِلها أن تطْلبَ المُخالَعَة، فأمرَتْ ابْنَها أن يأتي إلى منتصَف الليل، وأن يضْربها ويُهينها، ونجَحَتْ الخُطَّة وبعد شَهْرٍ أو شَهْرين طلبَت المُخالعَة، وسامَحَتْهُ بِكُلِّ مُقَدَّمِها، ومُؤخَّرِها وكان المُقَدَّم والمؤخَّر مبْلغًا ضَخْمًا جدًّا ! وخُلِعَت عن عِصْمَتِهِ وتزوَّجَ فتاةً كما يريدُ ؛ مُتَبرِّجَة ومُتَفَلِّتة، وصارَت هذه القِصَّة نادرة، فكل من وقَعَ في ضائقة يقول: نَجَوْنا منها كما نَجَونا من مُتأخِّر فلان، وهذه القِصَّة واقعِيَّة ورواها لي أحد الأخوة، مرَّةً نزل هذا الرُّجل الثرِيّ من مَصْيَفِهِ إلى الشام وقد جَعَلَ زوْجَتَهُ الجديدة إلى جانِبِه، ووالِدُهُ خلْف زوْجَتهِ، وكان الوالِدُ يُنْكِرُ على الأسْرة هذا التَّصرُّف، وأُمُّه خلف ابْنِها فوقعَ في حادِث سيارة شَطَرَهُ هو وأُمُّه إلى شَطْرين، ونجا أبوه لأنَّه لم يكن راضِيًا ! فهذه القِصَّة سببُها أنَّ الاخْتِيار لم يَكُن طيِّبًا، الطَّيِّبون للطَّيِّبات أيْ ينبغي أن ينبغي أن يكون الطَّيِّبون للطَّيِّبات، أي ليس هذا حكمًا تَكْوينيًّا، ولكن أمْر تَكليفي، فلو أنَّك مررْتَ بطريق ورأيتَ مكتوبًا على اللَّوْحة ممنوع المُرور، ولكنَّ الطريق مَفْتوح، نقول: هذا أمْر تَكليفي، أما إذا وَجَدْتَ الطريق مُغلق بِحاجِز ؛ هذا أمْر تَكويني.
سؤالنا الآن ؛ هذه الآية أمْر تكليفي أم تَكويني ؟ تكليفي، لأنَّه لو كان الأمر تَكوينيًّا لتناقَضَت مع الواقِع، فهناك آلاف الأزواج الصالحات مع أزواجٍ فسَقَة، وهناك آلاف الأزواج الصالحين مع فاسِقات، فلو جَعَلنا هذه الآية أمْرًا تَكوينيًّا لخالفَت الواقِع، لكنَّ هذه الآية أمر تكليفي، أيْ يا عبادي مِن أجل صالِحِ بناتِكم وشبابكم احْرَصوا أن يكون الطَّيِّبون للطَّيِّبات، أما حفلة في الشيراتون ونستقبل لها راقصات من أوربا بمليوني ليرة و الخمور من فرنسا و الزهور من هولندا و الحفلة مُختلَطة والنساءُ كما خلقَهن اللهُ عز وجل و تُنشَرُ في الصُحُف اللبنانية، وعلى بطاقةِ الدَّعوةِ: الطَّيِّبون للطَّيِّبات، لا واللهِ ؛ الخبيثون للخبيثات، الطيِّبون للطيِّبات ؛ أيْ ينبغي أن يكونَ الطيِّبون للطيِّبات، هذا أمرٌ تكليفيٌّ و ليس أمرًا تكوينيًّا، وهناك آيةٌ تشبِهُ هذه الآيةَ، لمّا تحدَّث اللهُ عز وجل عن مكةَ المُكرَّمةِ بيت اللهِ الحرام قال تعالى:
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾

[سورة آل عمران]
صارتْ فتنةٌ قبل عشر سنواتٍ مات فيها خمسةُ آلاف وسطَ الحرَم، فماذا نفعلُ بهذه الآيةِ وهذه الواقعةِ، الشيء نفسه، أيْ يا عبادي ينبغي أنْ يكونَ هذا البيتُ آمنًا، واجْعلوهُ آمنًا، أنتم خلفائي في الأرضِ، فهذه الآيات ليست أمرًا تكوينيًّا إنَّما هي أمرٌ تكليفيٌّ، الله تعالى كلَّفنا أن نجعلَ هذا البيتَ آمنًا، أمّا إذا فهِمْتَها على ظاهرها فلا، لأن علماء التفسير يقولون: هذا أسلوبٌ خبرِيٌّ يُرادُ به الإنشاء، و هناك آيةٌ ثالثةٌ، قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

[سورة البقرة]
هذا خبرٌ، أيْ يا أيَّتُها الوالداتُ أرضِعْن أولادكُنَّ حولين كاملين، هذا خبرٌ أُريدَ به الإنشاءَ، و هذه بلاغةٌ في القرآن الكريم الأُسلوبُ يأتي خبرِيًّا و يأتي إِنشائِيًّا، و الخبرُ يحتملُ الكذبَ و الصِدقَ و الإنشاءُ لا يحتملُ، و لكنْ في القرآن ظاهرةٌ فريدةٌ، فإذا قال الواحدُ لابنِه:يا بُنَيَّ إيَّاكَ أن تأتيَ بعد الساعة العاشرةِ إني لن أفتحَ لك البابَ، فأنتَ لمَّا أمرتَه أن لا يتأخَّرَ تصَوَّرَ إمكانَ التأخُّر، و ما جاء بباله التأخُّرُ، فلمَّا نبَّهتَه على عدم التأخُّر معنى ذلك أنه ممكنٌ أن يتأخَّر، فمشكلة الأمرِ و النهيِ يحتملُ تصوُّرَ العكس دائمًا، أما إذا قلتَ: ليس عندي من يدخل البيتَ بعد الساعة العاشرة، هذا خبرٌ ؛ و تقصِدُ به أنه لا يوجَد من يدخل بيتك بعد الساعةِ العاشرةِ، وهذا ليس أمرًا و لا نهيًا، هو خبرٌ عن حالك، أنا يا ابني ليس عندي في نظام حياتي إنسانٌ يدخل البيتَ بعد الساعةِ العاشرةِ، هذا خبرٌ أردتَ به الإنشاءَ، ولكنَّ الخبرَ له ميِّزةٌ ينتفِي في ذهنِ السامعِ إمكانَ العكسِ، فكلُّ لأمرٍ و نهيٍ يخلقُ تصوُّرَ العكس أمَّا إذا جاء الخبرُ يُرادُ به الإنشاءَ كآيةِ الإرضاع، أي من شأن الوالدات أن يُرضعْنَ أولادهنَّ، فإذا جاء الخبرُ و قُصِد به الإنشاء فهو من أبلغِ أنواعِ الأمرِ.
الآيةُ الأُولى:

﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(26)﴾

[سورة النور]
و الآية الثانيةُ:
﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾

[سورة آل عمران]
ومن دخله..آمناو الآية الثالثةُ:

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

[سورة البقرة]
و قال عليه الصلاة و السلام ؛عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:

(( لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْجَمَلِ بَعْدَ مَا كِدْتُ أَنْ أَلْحَقَ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ فَأُقَاتِلَ مَعَهُمْ قَالَ لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً ))

[رواه البخاري]
هذا خبرٌ أيضًا، أيْ ؛ يا أيها القومُ لا تجعلُوا امرأةً على رأسكم، فهذا خبرٌ يُرادُ به الإنشاء، و مرَّةً أحدُ العلماء الصالحين وهو بدر الدين الحسني شيخ الشيوخ في الشام يمشي مع إخوانِه في بستانٍ و الطريقُ فيه وَحَلٌ و جاء إنسانٌ جاهلٌ أرعنُ راكباً بغلةً بدأ يؤذي الأخوة بالوَحَلِ فصاحوا به أنْ إيَّاك أن تؤذيَ َ وقد تضايق ُ منه، وأحدُ الأخوة لم يتحَمَّلْ ضربه ضربةً فماتَ بها، و لم يُقِرَّه ُ على ذلك، فقال: ما أفلح قومٌ لا سفيهَ لهم، هذا خبرٌ يُراد به الإنشاء، وهو أحدُ أساليب اللغةِ العربيةِ، أنْ تستخدِمَ الخبرَ و تريد به الإنشاءَ






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 07:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآياتُ الحاديةَ عشرة و التي بعدها من سورة النور آياتٌ تتحدَّث عن موضوعِ الإفكِ الذي كان في عهدِ النبيِّ صلى الله عليه و سلم، و قبل أنْ نقرأَ الآياتِ و نقف عند أبرزِ معانيها ينبغِي أن نضعَ بينَ أيديكم هذه الحقيقةَ ؛ هناك مَقُولةٌ أنَّ لكلِّ واقعٍ حكمةً، ولو أنه بدَى لك أنَّ الذي وقع مُؤلِمٌ أو شرٌّ و ليتَه لم يقعْ، يجبُ أن تعتقدَ أنَّ كلَّ شيء وقع أراده اللهُ، وأنَّ كلَّ شيء أراده اللهُ يقعُ، و أنَّ إرادةَ اللهِ متعَلِّقةٌ بالحكمة المُطلقةِ، والحكمةُ المطلقة متعلِّقة بالخير المطلق، هذه المقولةُ لو وَعَيْنَاها و استوعبناها لزالتْ من أنفسنا كلُّ الهمومِ و الأحزان ؛ لأن لكلِّ شيء حقيقةً و ما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتَّى يعلمَ أن ما أصابه لم يكن ليُخطِئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبَه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ﴾

[ رواه مسلم]
السَّيِّدةُ عائشةُ زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم و أمُّ المؤمنين و بنتُ سيِّدِنا أبي بكرٍ الصدِّيق رضي اللهُ عنه، و هي العَفافُ الحَصانُ الرَزَانُ الطَّاهرةُ المُطهَّرةُ و مع ذلك هناك من قال عنها أنها وقعتْ في الفاحشةِ
شيء لا يُحتمَلُ، زوجةُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام قالوا عنها بملابسةٍ وقعتْ إنَّها وقعتْ في الزنا، و اللهُ سبحانه وتعالى برَّأها بعدَ ثلاثين يومًا مضَتْ على النبيِّ صلى الله عليه و سلم كأنَّها ثلاثون يومًا ؛ إلى أن جاءتْ براءتُها، وكلكم أزواجٌ و تعرفون أن الإنسانَ يتحمَّل كلَّ شيء الفقرَ و يتحمَّل مصائبَ لا حصرَ لها، أمَّا أن يُتَّهم في عرضه و في شرفِ زوجتِه فسينتقمون بالقتل، أما النبيُّ عليه الصلاة و السلام فكان إذا دخل البيتَ قبلَ هذا الحديث يقول: كيف عُوَيْش؟ تحَبُّبًا فلما انتشر هذا الحديثُ ـ و مقالةُ السوءِ تنتشر بسرعةٍ ـ و المدينةُ كلُّها تتحدَّث عن هذه القصَّةِ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يملِكُ لهذا الوحيِ جلبًا و لا ردًّا وقد ظهر للناسِ أنَّ الوحيَ ليس من عند محمدٍ، وليس افتراءً على اللهِ ولو أن الوحيَ من عنده و كان افتراءً على الله لحاء النبيُّ بعد ساعةٍ بآيةٍ تحسِمُ الموضوعَ، ثلاثون يومًا و النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يدري ماذا يفعل، ليس هناك دليلُ إثباتٍ و لا دليلُ نفيٍ، و لكنَّه غيَّرَ موقفَه من عائشةَ، فكان إذا دخل عليها يقول: كيف آتيكم، اسمُ إشارةٍ ـ ذا و ذي و تا و ته ـ هو يعلم أنّها طاهرةٌ و لكنَّ المدينةَ كلَّها تتحدَّث عن قصَّة لا يحتمِل الإنسانُ أن يسمعها عن إنسان عاديٍّ فكيف عن سيِّد الخلق و حبيبِ الحقِّ، ماذا يقول اللهُ عن هذه القصَّةِ، و أوَّلُ سؤالٍ ؛كيف وقعتْ ؟و كيف سمحَ اللهُ لمسطحَ أن يقول ؟ و الجوابُ أن لكل واقعٍ حكمة، أيُّ شيء وقع في الكونِ، فهذا الكون مُلْك الله تعالى، ولا يقَعُ في مُلك الله إلا ما أرادَهُ الله، حتَّى الشيء الذي يبْدو لكَ شرًّا، فما دام قد وقَع فالله أرادهُ، وما دام الله أرادهُ فهو في حِكْمةٍ مطلقة، وما دام في حِكْمة مُطْلقة فهو في خيرٍ مُطْلق، والله أيها الأخوة هذه المَقولة لو اسْتَوْعَبناها لم يبْق في حياتنا مُشْكلة، ففي الحياة مشاكل مادِّيَّة، ولكن لا يوجد ألَمٌ ولا ضيقٌ ولا شَكّ ولا قلق، فالله بيَدِهِ كلّ شيء، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
بهذا الحديث الكاذِب وهذا الافْتِراء إلى السيِّدة الطاهرة، قذْفُ مُحْصَنَةٍ يهْدِمُ عمَل مائة سنة ! وإنَّك إن اتَّهَمْت مُحْصَنَةً كأنَّكَ قَتَلْتَها، وكأنَّكَ سَحَقْتَها، فقَبْلَ أن تتَّهِم وتُرَوِّج ؟، وقبل أن تنْقل، تحقَّقْ مما سمعتَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))

[رواه مسلم]
أنت إنسان عاقِل، ولا يُعْقَلُ مِنك أنَّ كلّ ما تسْمَعُهُ تقولُهُ، اسْمَع مليار قِصَّة ولا ترْوِها، فهناك قِصص كأنَّها تطْعَنُ بِعَدالة الله، هذه القِصَّة لا ينبغي أن تُروِّجَها، ولكن تحَقَّق واسأَل، قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾

[سورة الحجرات]
وقال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
فالقصَّة التي وقعَت في الإفك مادامَتْ قد وَقَعَتْ فقد أراد الله منها الخير فلا تَحسبوه شرًّا ومهما بَدَتْ مُؤْلِمَة، وهذا درْسٌ لنا، فالشيء المؤْلِم الذي يقع، ففيه الخير المطْلق لأنَّ الله سَمَحَ فيه، فالخير ليس بِنَظَرِكَ ولكن بِمِقياس خالق الكون فالله خلَقَكَ للجنَّة، فيُمْكِنُ أن تُفلِس أو يحْترق المحَلّ فلو أنَّ واحِدًا عمرُهُ خمسٌ وخمسون سنة ولم يُصَلِّ قطّ ! ثمَّ جاءتْهُ مشْكِلة كبيرة حَمَلَتْهُ على الصلاة، فهل هذه مشكلةٌ ؟! لا واللهِ، لولاها ما صلَّى كاد يموت كافرًا فربُّنا عز وجل يُرَبِّي و رحيم، فقال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

[سورة النور]
هذه القصَّةُ التي لا تُحتمَل و الذي روَّج لحديث الإفك و نقل الحديثَ و الذي أشاعَه، وهذه القصَّةُ المُزعجةُ المؤلمةُ التي يتفطَّرُ لها القلبُ قال تعالى فيها:

﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ﴾

[سورة النور]
هذه القصةُ كاشفةٌ، أحيانًا الإنسانُ يُعطي الصائغَ سوارات و يحُكُّها الصائغُ بالمِحكِّ فيظهرُ خطٌّ أبيضُ معناه أنه مُزَيَّف فيقول الصائغ: خمس ليرات، و إذا ظهر خطٌّ أصفرُ يقول له: بخمسةٍ و عشرين ألف، قال تعالى:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾

[سورة النور]
أي الذي رمى الفتنةَ و روَّجها و أشاعَها و نقلها له عذابٌ عظيمٌ، و الغِيبَةُ أشدُّ من الزنا، لأن الإنسانَ له كرامتُه و له سمعتُه، هذا العِرضُ أثمنُ ما يملكُه الإنسانُ، و بالتعريفِ الدقيقِ هو موطِنُ المديحِ و الذَّمِ قال تعالى:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
يقول الله عز وجل:

﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾

[سورة النور]
المؤمنُ الطاهرُ النقيُّ إذا سمعَ قصَّةً عن مؤمنٍ لا يُصدِّقُها، لأنه يعرف من حاله كما أنَّه وَرِعٌ فالآخَرُ ورِعٌ، و كما أنَّه يخافُ اللهَ الآخرُ يخافُ اللهَ، أنتَ لا تقبلُ أن تأكلَ قِرْشًا حرامًا، فهل تقبلُ عن أخيكَ المؤمنِ يأكلُ مليون ليرة حراما، فالمؤمنُ دائمًا يُحسنُ الظنَّ بأخيه المؤمنِ، و بالمناسبةِ ؛ من أحسنَ الظنّ‍َ بأخيهِ المؤمنِ فكأنَّما أحسنَ الظنَّ بربِّه، فلا بدَّ مكن حسنِ الظنِّ و لا تتسَرَّعْ، كطان عندنا أخٌ تُوُفِّيَ رحمه اللهُ و كان عنده معمل حلويات، فطلبَ من معملِ الزُّبدةِ مائةَ قطعةٍ، فجاءته القطعُ فعدَّهم فوجدَهم تسعةً و تسعينَ قطعةً، اقترب من معطفِ أحدِ مُوَظِّفيه فوجد في جيبِه القطعةَ الناقصةَ، أليس هذا دليلاً قاطعاً على أن هذا الموظَّفَ خان الأمانةَ، فلا يتسرَّع الإنسانُ و العاقلُ لا يندمُ، وهذه قصَّةٌ عابرةٌ، و مثلُها آلافُ القصص، قال تعالى:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

[سورة النور]
النبيُّ كان مع أصحابه في معركةٍ فقال: أين فلانٌ ؟ فتفقَّد أحد أصحابه فقال أحدُهم: يا رسول اللهِ شغَله بستانُه، فوقفَ صحابيٌّ آخر و قال: لا واللهِ يا رسول اللهِ لقد تخلَّفَ عنك أُناسٌ ما نحن بأشدَّ حبًّا لك منهم و لو علموا أنك تلقى عدوًّا ما تخلَّفوا عنك، ابتسم النبيُّ لهذا الدفاعِ الشريفِ فإذا علمتَ من أخيك الخيرَ و الاستقامةَ فلا يقبلْ عنه تُهمةً باطلةً فليتحقَّقْ و ليسألْ عنه، ما الحقيقةُ ؟ أُترُكْ صدرَك سليمًا نحو إخوانك قال تعالى:

﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)﴾

[سورة النور]
فإذا اتَّهمَ إنسانٌ إنسانًا آخرَ بالزنا و لم يأتِ بأربعةِ شهداء جُلِدَ، قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)﴾

[سورة النور]
من السَّهلِ أن تتحدَّث عن رسول اللهِ و عن زوجاته الطاهراتِ، قال تعالى:

﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)﴾

[سورة النور]
فاللهُ عز وجل بيَّنَ للصحابةِ أنَّ الوحيَ شيء لا يملكه النبيُّ، وهو خارجٌ عن إرادته، و لو كان يملكه لأنزل بعد دقيقةٍ آيةً، إذًا فهو صادقٌ فيما نقلَ عن ربِّه و الصحابةُ اُمتُحِنوا امتحانًا مُفاجئًا فهناك من نجحَ و رسبَ و السيِّدةُ عائشةُ اُمتحِنتْ و صبرت و كانت قدوةً لكلِّ امرأةٍ طاهرةٍ عفيفةٍ من بعدها إلى يوم القيامةِ، فإذا الواحدُ اُتُّهم خطأً فله في هذه السيِّدة قُدوة و أُسوةٌ حسنةٌ، فالسيِّدة عائشة كسبتْ أجرًا و صارت قدوةً و الصحابةُ امتُحنُوا و المنافقون ظهروا، و الصحابة أحسنوا الظنَّ برسول الله و بزوجته، و الوحيُ ظهرَ، لذلك قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)﴾

[سورة النور]
ثم قال تعالى:

﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)﴾

[سورة النور]
و قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)﴾

[سورة النور]
فلمَّا نزلتْ براءتُها قال لها أبوها: قومي إلى رسول الله فاشكريه قالت: و اللهِ لا أقوم إلا لله، فتبسَّم النبيُّ وقال:

((عرفت الحقَّ لأهله.))
هذه القصَّةُ أيها الأخوة تُعادُ كلَّ يومٍ مرَّةً، في الأُسرِ و الأحياء و الأقرباءِ فلا تتسرَّعْ، لأن المؤمنَ عفيفٌ طاهرٌ، فإيَّاك أن تُسِيء الظنَّ به، و المنافقًُ عدوٌّ بغيضٌ يُعلِنُ عن فرحِه بهذا الخبر، بل إنَّ الله سبحانه و تعالى في آياتٍ أخرى يقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)﴾

[سورة النور]
ما تكلَّم بكلمةٍ و لكنَّه ارتاحَ لهذا الخبرِ، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)﴾

[سورة النور]
فلمَّا فرِح بهذا الخبرِ وضع نفسَه في خندقِ المنافقين و هو لا يشعرُ، و المنافقون بوصْفِهم الدقيقِ قال تعالى:

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ(50)﴾

[سورة التوبة]
عندنا الآنَ مقياسٌ ثابتٌ، أخوك المؤمنُ أكرمه اللهُ بشيءٍ إذا غضِبتَ فضعْ نفسَك مع المنافقين وإذا فرحتَ فأنتَ مع المؤمنين، أخذ الدكتوراه أو أسَّسَ شركةً لماذا تنزَعِجُ، معناه أنت منافق، و قِسْ حالتَك بهذا المقياسِ، فإذا آلمَك خيرٌ أصابَ المؤمنَ فهذه علامةُ النِفاق و إذا فرحْتَ حقيقةً فأنتَ مؤمنٌ، فهلْ هناك في الأرضِ أمٌّ تتمنَّى الفضيحةَ لابنتِها ؟‍‍‍! فإذا وُجِدتْ فمعناه أنها ليست ابنتَها، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)﴾

[سورة النور]
لأهْلَكَكُم بهذا الحديثِ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 07:56 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الواحدةُ و العشرون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)﴾

[سورة النور]
أيها الأخوة من خلالِ هذه الآيةِ تتَّضِح حقائقُ كثيرةٌ، و هي أن اللهَ سبحانه و تعالى كلَّفنا حملَ الأمانةِ و أعطانا مُقوِّماتِها، أعطانا كونًا ينطِق بوجود اللهِ و وحدانيتِه و كمالِه، و أعطانا عقلا نستطيع أن نصلَ به إلى الله، من خلالِ مبادِئَ متوافقةٍ مع نظام الكونِ، أعطانا فطرةً لا ترتاحُ إلا إلى الصوابِ و الخير فإذا انحرف الإنسانُ ضاقتْ نفسُه قال تعالى:

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس]
أعطانا شهوةً نرقى بها مرَّتين ؛ مرَّةً إذا سلكنا فيها القنواتِ الشرعيةَ التي سمحَ اللهُ لنا بها، ومرَّةً إذا ضبطْنا أنفسَنا عن قناةٍ غير شرعيةٍ، نرقى إلى الله بإطلاق البصر في من يحلُّ لنا من زوجاتنا و بغضِّ البصرِ عن كلِّ امرأةٍ أجنبيةٍ لا تحلُّ لنا، نرقى بأخذِ المالِ الحلالِ و إنفاقه في الوجوهِ الصحيحةِ و نرقى بالكفِّ عن المال الحرامِ مهما كان كثيرًا، فهذه الشَّهواتُ التي يظُنُّ الناسُ أنها سببُ شقائنا هي في الحقيقةِ لا بدَّ لها من أن تكونَ سببَ سعادتِنا، بالشهوات نرقى إلى الله، حبُّ النساء و حبُّ المال و حبُّ العُلوِّ في الأرضِ، أعطانا كونًا و عقلا و فطرةً و أعطانا شهوةً، و أعطانا حرِّيةَ الاختيار، و أخَّرَ الثوابَ و العقابَ، ولو جاء الثوابُ بعد الإحسان و العقابُ بعد الإساءةِ لانتهى الاختيارُ وحلَّ محلَّه الاضطرار، فإذا دفع الإنسانُ ثمنَ المعصيةِ غاليًا و سريعًا لا يعصي اللهَ لا حبًّا في اللهِ و لا طمعًا في الجنَّةِ و لا ابتغاءَ وجهه، لا يعصي اللهَ خوفًا من الضربةِ القاصمةِ، و إذا أحسنَ الإنسانُ و أنفقَ ألفَ ليرةٍ و جاءه بعد ساعةٍ ألفُ ليرةٍ، ينطلِق الناسُ إلى إنفاق المالِ لا حبًّا في اللهِ و لا حبًّا في الآخرةِ و لا ابتغاءَ وجهه و لكنْ ابتغاءَ الربحِ الجزيلِ، إذاً أعطانا حرِّيةَ الاختيارِ و أخّرَ الثوابَ و العقابَ ليظهرَ الإنسانُ على حقيقتِه و ليأخذَ أبعادَه، ومع ذلك و لئلَّا يطغى العقلُ و تنطلقَ الفطرةُ أعطانا شرعًا، فالحَسَنُ ما حسَّنه الشرعُ و القبيحُ ما قبَّحه الشرعُ، ولو أن الله تعالى اكتفى بهذا ما زكى منَّا من أحدٍ، فضلًا عن الكون و العقل و الفطرة و الشهوة و الاختيارِ و القوَّة و الشرعِ إذا أخطأنا يعاقِبُنا و إذا أحسنَّا يُكافئُنا، هذه هي التربيةُ، فلولا أن الله يربِّينا و يأخذ بأيدينا لِّبنا بين الخوف و الرجاءِ و الرَّخاء و الشِّدَّةِ و الصِّحة و المرض و العلوِّ الانخفاضِ و العزَّة و الذلِّ و الفقر و الغنى ؛ لولا أن الله يقلِّبنا دائمًا ما زكى منَّا من أحد أبدًا، ففضلُ اللهِ علينا بأن خلقَنا و أمدَّنا و هدانا و ربَّانا نعمة الإيجادِ وأمدَّنا بالهواء و الشراب و الزوجةِ و الأولادِ و كلِّ مقوِّماتِ الحياةِ، خلقَنا خالقٌ و أمدَّنا مرَبِّي ثم هدانا إليه فهو الهادي و بعد أن هدانا ربَّانا تربيةً نفسيةً، تربيةُ الإمداد تربية جسميةٌ و تربية التأديبِ و الثوابِ و العقابِ تربيةٌ نفسيةٌ، ومع كلِّ هذا قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾

[سورة النور]
يبدو أن الإنسَ و الجنَّ أعطاهم الله عقلا و الدليلُ أن الشيطانَ ذكيٌّ لا يأتي إلى المؤمنِ و يقول له: إِزْنِ، يقول له: هذه المرأةُ نصف المجتمع و هذه المرأة لها حق الحياة و لها أن تعمل و إذا كانت معك هُذَِبتْ أخلاقُك و إذا نظرتَ إليها هديتَها إلى الله، يدخل عليك من اليمين، لأن الشيطانَ أقسم كما قال تعالى:

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
قاعد لك على الطريق، أمَّا الملاهي فالذي يسلكُها هو الشيطانُ ذاتُه، فلا داعي للشيطانِ أن يقفَ على أبواب الملاهي، فالشيطانُ يقعد للمؤمن الصراط المستقيمَ، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
الرجلُ قد يربحُ الملايينَ ثم يقول السوق ميِّتٌ و لا نربحُ، فلماذا تنكر فضل الله عليك، أما عن شمائلهم يأمرهم بالمعاصي و أما من بين أيديهم يدعوهم إلى الحداثة و التقدُّمِ والعلم والرُّقَيِّ و الحضارةِ و أن القديم لا يصلح، و أما من خلفهم ؛ آباءنا و أجدادنا هكذا تربيْنا و نشأنا، فإذا كانت في العادات والتقاليد أشياءُ مخالفةٌ للدينِ الشيطانُ يتمسَّك بها ويقول لك: تراث الآباءِ و الأجداد و التقاليد و الفلكلور، كلُّها مخالفةٌ للدين، و إذا أراد الشيطانُ من الحداثةِ التَّفلُّتَ و الاختلاطَ و الخمورَ و الملاهيَ يقول لك: هو علم و حضارة و تقدُّم، أجهزةُ الاتصال أنت تعيش مع العالم كلِّه بهذه، لماذا تحرم نفسك منها ؟! من بين أيديهم ؛ الأشياءُ الجديدةُ ‍، و من خلفهم الأشياءُ القديمةُ، و عن أيمانهم من طريق الدين إمَّا أن يوسْوِسَ لك في العباداتِ أو في المعاملاتِ، و على كلٍّ فله أربعةُ مداخلَ، أمَّا من فوق فليس له مدخلٌ، العلوُّ لله عز وجل، فمن أقبل على الله هذا الطريق ليس فيه شيطانٌ، وتحت الأرض الانكسار إلى الله عز وجل، فهناك طريقان ليس فيهما شيطان ؛ الطرقُ إلى الله و طريقُ الانكسار إلى الله، من تحت ليس فيه شيطانٌ، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16)ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)﴾

[سورة الأعراف]
فالشيطانُ ذكيٌّ يأتيك في الصلاة ؛ أنقصْتَ شدَّةً في الفاتحةِ بطُلت الصلاةُ معقول هذا !! فالأشياءُ الصغيرة يكبِّرها الشيطانُ إلى حدِّ الكبيرةِ، فأهل الضلال الأشياءُ الصغيرة يجعلونها أكبر الكبائر و الكبيرة يتغاضَوْن عنها هكذا يفعل بعضُ الناسِ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

[سورة النور]
فأوَّلُ خطوةٍ معقولةٌ، قاسم أمين قال: هذه المرأةُ مخنوقةٌ بهذا الحجابِ تغطِّي وجهَها فقط، فتوسَّعت الفتحةُ حتَّى مشتْ في الطريق كما خلقها اللهُ، فدائمًا الشيطان يمشي خطوةً خطوةً، و المعاصي التي لها قوَّةُ جذبٍ، اللهُ نهانا عن الاقتراب منها، تيارٌ من ستَّةِ آلاف فولْت إذا تقرَّب منه الإنسانُ ثمانيةَ أمتار يصير فحما، وزير الكهرباء يضع لوحةً "ممنوع الاقتراب " و ليس "ممنوع المسُّ " لأنه يصير فحماً قبل الاقتراب، و كذلك كلُّ شهوةٍ فيها قوَّةُ جذبٍ لا بدَّ أن تتركَ بينك و بينها هامشًا كبيرًا للأمانِ، نهر عميق سيَّالٌ و له على الحافةِ حشيش زَلِقٌ ثم بعده منطقةٌ جافَّةٌ التي هي الأمانُ و المنطقة الزَّلِقةُ هي الشبهاتِ و النهرُ هو الهلاكُ فالإنسانُ يدَعُ بينه و بين المعصيةِ هامش أمانٍ، هذا معنى قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾

[سورة النور]
و كذلك قوله تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[سورة البقرة]
وقوله تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾

[سورة البقرة]
لا تقربوها لأن من الشهواتِ ما لها قوَّةُ جذبٍ ؛ منها النساءُ، و السليم هو الذي يهرب من أسبابِ المعصيةِ، و الإنسانُ إذا أُثِيرَ يفرِزُ الدماغُ مادَّةً تعطِّلُ المحاكمةَ، و الإنسانُ في أعلى درجاتِ الفهم و الثقافةِ كيف تُغوِيه فتاةٌ ساقطةٌ ‍!! فالقاعدةُ أن الإنسانَ إذا أثيرَ تتعطَّلُ محاكمتُه، لذلك
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ:

(( اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ))

[رواه الترمذي]
هذه قاعدةٌ، ممنوعٌ الخلوةُ و ممنوع النظرُ و ممنوع الاختلاط و ما حرُمَ فعلُه حرم استماعُه و حرم النظرُ إليه، فصار النظرُ محرَّمًا و الاستماع محرَّمٌ و مخالطةُ الأشرارِ محرَّمٌ، وكلُّكم يعلم أنَّ ممَّا يجرح عدالةَ الإنسانِ أن يصحبَ الأشرارَ كما أن الأكلَ في الطريقِ يجرح العدالةَ و المشيُ حافيا يجرح العدالةَ و البولُ في الطريقِ يجرح العدالةَ و الصِّياحُ في البيتِ و التطفيفُ بتمرةٍ و أكلُ لقمةٍ من حرامٍ و الحديثُ عن النساء و التنزُّهُ في الطرقاتِ و من أطلقَ لفرسِه العِنانَ بالسيَّارةِ يجرح العدالةَ، ومنها صحبةُ الأراذلِ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾

[سورة النور]
فالله خلقَنا على حرِّيتِنا و تصيبُنا أحيانًا المصائبُ و الأمراضُ و الضيقُ الماديُّ و الخوفُ و القهر، و القهر مفيدٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

[سورة الأنعام]
و لولا المرضُ و الفقرُ و القهرُ والشِّدَّة و الخوفُ و الحزْنُ و الهمُّ لمَا صلُحَ الإنسانُ قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾

[سورة النور]
تصوَّرْ طالبًا ذكيًّا لكنَّه متفلِّتٌ و له أبٌ حازمٌ ضبَطَه و ضيَّقَ عليه حتَّى حمله على الدراسة، و توفِيَ الأبُ فصار الابن طبيبًا ذا مكانةٍ اجتماعيةٍ فكلَّما رأى بحبوحتَه و مكانتَه ترحَّمَ على أبيه الذي ضربه و الذي حبسَه و ضيَّقَ عليه حتَّى جعله إنسانًا متمّيِّزًا، لذلك الإنسانُ يوم القيامةِ ـ و اللهِ الذي لا إله إلا هو ـ حينما يُكشَف لك الغطاءُ أنَّ كلَّ شيءٍ ساقه اللهُ إليك ممَّا تكرهه هو محضُ رحمةٍ و محضُ خيرٍ يجب أن تذوب كما تذوب الشمعةُ، ولو كشفَ اللهُ لك الحكمةَ البالغةَ ممَّا ساقه اللهُ إليك من مكروهِ القضاءِ ؛ كشف لك الحكمةَ و النتيجة وَ التي حصَّلْتَ عليها يجب أن تذوبَ كما تذوبُ الشمعةُ إذا أُشعِل فتيلُها، لأن الكفَّارَ و كلَّ الخلقِ أجمعون يقول يوم القيامةِ كما حكى الله عنهم:

﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)﴾

[سورة الزمر]
قال الإمامُ الغزاليُّ رحمه الله مُعَبِّرًا عن هذه الحقيقةِ: " ليس في الإمكانِ أبدعُ ممَّا كان"، هذا الذي أنتَ فيه هو أبدعُ شيءٍ بحسَبِ حالك، فالإنسانُ إذا رأى فعلَ اللهِ فعلًا حكيمًا و عادلاً رحيمًا يرضى عن اللهِ و قد لا يرضى عن نفسه، لذلك الإمامُ الشافعي يطوف حولَ الكعبةِ سمع طائِفًا يقول: يا ربِّي أنتَ راضٍ عنِّي، فقال له الشافعي: هل أنت راضٍ عن الله ؟ فالتفتَ إليه وقال له: من أنتَ يرحمك اللهُ ؟ فقال الشافعي: إذا كان سرورُك بالنقمةِ كسرورِك بالنعمةِ فقد رضيتَ عنه "
فحينما ترضى عن اللهِ لمشكلة ساقها اللهُ لك أو لمرضٍ ألمَّ بك أو لفقرٍ أحوَجَكَ حينما ترضى عن اللهِ بمكروه القضاءِ فأنتَ في أعلى درجات اليقينِ، أمَّا أنت ترضى عن اللهِ في محبوبِ القضاءِ فقط، فهل يمكنُ أن تمتحِنَ السيَّارةَ في النزولِ لتُجرَّبَ المحرِّكَ، جرِّبها في الصعودِ، فالرضا بمكروه القضاءِ كما قال سيدُنا عليٌّ أرفعُ درجات اليقين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 07:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، الآية الثلاثون من سورة النور و هي قوله تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
قبل أن نشرحَ هذه الآيةَ لا بُدَّ من مقدِمةٍ ؛ كتابُ اللهِ جلَّ جلالُه هو منهجُ الإنسانِ في الحياةِ، فيه أمرٌ وفيه نهيٌ، أمرَ اللهُ بأشياءَ ونهى عن أشياءَ و سكتَ عن أشياءَ، فالذي أمرَ به تتعلَّقُ به سعادتُنا في الدنيا و الآخرةِ كتعلُّقِك بوجود الهواءِ و الماءِ، فتنَفُّسُ الهواءِ شرطٌ لبقائك حيًّا و شُربُ الماءِ شرطٌ لبقائك حيًّا و تناولُ الطعامِ شرطٌ لبقائك حياًّ، وهناك أشياءُ تُلغِي الحياةَ، فتناوُلُك السُّمَ يَحْرمُك الحياةَ فهو حرامٌ إذًا، فالحرامُ هو اقض مع سرِّ وجودك، و الأمرُ الفرضُ الذي يتعلَّق وجودُك، إذا ذهبَ الطالبُ للدراسةِ، هناك شيءٌ متعلِّقٌ بالدراسةِ تعلُّقًا إيجابيًّا و شيءٌ يتعلَّق سلبيًّا، أن يقرأ هذا فرضٌ، أن لا يتناولَ المسَكِّناتِ و المُنَوِّماتِ هذا حرامٌ أمّا إذا سكنَ في الطابق الثاني أو الثالث فلا فرقَ، فهناك شيء له علاقة إيجابية بالهدف هو الأمرِ وشيءٌ له علاقة سلبية بالهدف هو النهيُ، وشيء لا علاقة له لا سلبًا و لا إيجابًا، تسكن في الثالث أو تأكل الفاصولياءَ هذه مباحاتٌ لا علاقة لها بسعادتك الدنيوية و الأُخروِية، فأول شيءٍ الله تعالى ـمرَ بأشياء و نهى عن أشياء و سكت عن أشياء، فالذي أمر به هو الفرضُ تتعلَّق به السعادةَ وهو شرطٌ أساسيٌّ لسعادتك، و الذي نهى عنه يحرِمُنا سعادتَنا، والذي سكت عنه حياديٌّ ليس له علاقةٌ إيجابية و لا سلبية بسعادتك ؛ هذه أشياء مباحة.
الآن لِمُجَرَّد أنَّ الله تعالى أمر بأشياء، فهي إذًا أساسيَّة في حياتنا، ولِمُجَرَّد أنَّ الله نهى عن أشياء فهي أساسيَّة في حياتنا، أما الذي سكت عنه فهو حيادي لا إيجابي ولا سلْبي، فهذا تَمْهيد.
التَّمْهيد الآخر، لو أنَّ لك مَحَطَّة وَقود، وكان هناك مكان للإعلان مُمْكن أن تكْتب بِهذا الإعلان ألف عبارة، أيَّةُ عِبارةٍ يجب أن تُكْتب ؟ ممنوع التدخين ‍، لماذا ؟ لأنَّ هذا النَّهْي مُتَعَلِّق بِسَلامة المحطَّة، أما الصَّبْر الجميل لا علاقة له بالسَّلامة، اِصْبر أو لا تصْبِر، فلِمُجَرَّد أنَّ الله نهى عن شيءٍ في كتاب الله يعني أنه شيءٌ خطيرٌ و مصيري، و بمجرَّد أنه أمر بشيء فهو أساسي، هذا منهج خالق الكون، فلمجرد أن جاء في كتاب الله آيةٌ تأمرنا بغضِّ البصرِ معنى ذلك أن إطلاق البصر يحجبُك عن الله، و ليست قضيَّةً ثانويَّةً من اللَّمَمِ، ما دام أن هناك آية تقول:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
لو كانت علاقتُها حياديةً عن السعادة ما ذكرها الله إطلاقًا، و اللهَ لم يذكر أنواعَ الطعامِ في القرآن و لا نوع اللباس و لا نوع الأثاث و لا نوع البناء، هذه أشياء حيادية لا علاقةَ لها بالسعادة و الشقاء، فالذي سكت اللهُ عنه هناك حكمة بالغةٌ لا حدود لها من السكوت عنها، والذي أمرَ به ضرورةٌ و الذي نهى عنه خطورةٌ، فالذي أمرك به لا بدَّ أن تأتيه و الذي نهاك عنه لا بدَّ أن تجتنبه، لأنك إن لم تأتِ الذي أمرَك به تشقى و إن اقترَفْتَ ما نهى عنه تشقى، فعلاقة الأمر بالسعادة علاقةٌ إيجابيةٌ و علاقةُ النهيِ بالسعادة سلبيةٌ و الذي سكتَ عنه كتابُ اللهِ ليس له علاقة لا إيجابية و لا سلبية، فلمجرَّد أنه في كتاب الله أمرٌ معنى ذلك انه شيء خطيرٌ ومتعلِّقٌ بسعادتك، و ليس معقولا أن تطلِقَ بصرَك و تملأ عينيك من الحرامِ و تستمتِع بمنظر النساء الغاديات الرائحات في الطريق و تستطيع أن تتصل بالله عز وجل، النفسُ تُشغَل، هذه لها صفةٌ وهذه لها صفة أخرى، وهذه تفتقدها في زوجتك، فأنت تعيش في عالم الجنس، و أنت تعيش بمهمَّةٍ بسيطةٍ جدًّا، و لوقت قصير، ثم إلى الجنة فيها الحور العين، أحد الصحابة طلبتْ منه زوجتُه شيئًا لم يفعله النبيُّ فقال لها: اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّتْ إحداهنَّ على الأرض لغلَبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمس والقمر، فلَئِنْ أُضحي بكِ من أجلهن أهونُ من أُضَحِي بهن من أجلكِ، فالاستمتاع اللا متناهي في الجنة، و اللهُ قادرٌ أن يجعل النساء في مستوى واحدٍ، لكنَّ الدنيا كلَّها امتحانات، يمتحِنُ فلانةً بما أعطاها و فلانةً بما حرمها، و هذه تصبر وهذه ترضى، و الحظوظُ في الدنيا موَزَّعةٌ توزيعَ ابتلاءٍ و سوف تُوزَّع في الآخرة توزيعَ جزاءٍ، فلو نجح الفقيرُ في امتحان الفقر و رسبَ الغنيُّ في امتحان الغِنى لنَعِمَ الفقيرُ إلى أبد الآبدين بالغنى و لشقِيَ الغنيُّ إلى أبد الآبدين بالفقر، و الغِنى و الفقرِ بعد العرض على اللهِ، و لو نجح الضعيفُ في امتحان الضعف و صبر و رسب القويُّ في امتحان القوَّة لصار الضعيف قويًّا إلى أبد الآبدين و القويُّ ضعيفًا إلا أبد الآبدين، و هذا معنى قوله تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
دخل على النبيِّ رجلٌ قليلُ الشأنِ فوقف له النبيُّ وقال له: أهلًا لمن خبرني به جبريل" و قال النبيُّ صلى الله عليه و سلم:
((ابتغوا الرفعةَ عند اللهِ ))
هذه مقاييس البشر، و اللهُ لم يعترِفْ بها، و ما ذكر إلا مقياسين مُرَجِّحَيْن بين البشر ؛ العلم و العمل الصالح، أما الوسامةُ و الذكاءُ و المال و الغِنى و القوةُ، هذه لم يعتمدْها القرآن و لا اعترف بها أما العلم فقال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾

[سورة الزمر]
و اعترف بالعمل فقال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(132)﴾

[سورة الأنعام]
أحد التابعين كان قصير القامة أسمرَ اللونِ أحنف َالرِّجْلِ ـ أعرج ـ مائلَ الذِّقن ناتئَ الوجنتين غائرَ العينين ضيقَ المنكبين، ليس شيءٌ من قُبحِ المنظرِ إلا وهو آخذٌ منه بنصيبٍ، و كان مع ذلك سيِّد قومه، إذا غضب غضبةً غضِبَ لغضبتِه مائة ألف سيف لا يسألونه فيما غضِب، فعند الله مقياسان ؛ العلمُ و العملُ و لا تعبأ بغيرهما، أنا جدُّ كلِّ تقيٍّ و لو كان عبدا حبشيًّا، قال تعالى:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)﴾

[سورة المسد]
إنه عمُّ النبيِّ و قال عليه الصلاة و السلام:
((سلمان منا آل البيت))
ووقف أبو سفيانَ عند باب سيِّدنا عمر ساعةً لم يُؤذَن له و صهيبٌ و بلالٌ يدخلان بلا استئذان، فآلمَه ذلك، فلما دخل عليه قال: سيِّدُ قريش يقف ببابك ساعةً دون أن يُؤذَن له و صهيب و بلال يدخلان بلا استئذان فقال له عمر: أنتَ مثلُهما ؟ كنتَ تعذَّبه، وهو الذي اتبع النبيَّ في ساعة العسرة و لم يرَ في الدين مكاسبَ بل رأى مغارمَ، و الذي عرف الله قبل الفتح و قبل أن يعِزَّ الله الإسلامَ،
فإذا اختار الإنسانُ الإيمانَ في وقت قوَّة الأعداء و ضعفه هو، فقد رحم نفسه من الدنيا لله و اختار ما عند اللهِ، فلذلك لمجرَّد أن ترى في كتاب الله أمرًا أو نهيًا فهو شيءٌ مصيريٌّ متعلِّقٌ بسعادتك الأبدية في الدنيا و الآخرةِ، ولو لم يكن مصيريًّا لمَا ذكره الله في كتابه أصلاً، فلمَّا قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

[سورة النور]
حرف " مِنْ " هنا للتبعيضِ، يعني ليغضُّ بعضَ أبصارهم، لك أن تنظر إلى أمِّك و إلى زوجتك وإلى أختك و إلى عمَّتِك و خالتك و ابنة أخيك وابنة أختك.. " مِنْ " للتبعيض، غُضَّ البصرَ عن بعض النساء غيرِ هؤلاءِ، و هناك تبعيضٌ آخرُ، لو نظرتَ إلى المحارم عدا الزوجةِ لا تُدقِّقْ في التفاصيلِ و في الخطوطِ، و " من" الثانية لو نظرتَ إلى المحارم لا ينبغي أن تنظرَ لشهوةٍ و لا بالتدقيق و لا بالتفاصيل والمعنى الثالثُ لو نظرْتَ إلى امرأةٍ أجنبيةٍ خطأً غُضَّ بصرَك لصار هناك تبعيضٌ وقتيٌّ و تبعيضٌ نوعيٌّ و تبعيضٌ شخصيٌّ، في المنعطَفِ رأيت امرأةً ؛ الأُولى لك و الثانيةُ عليك، نظرتَ إلى محارمِك فبدون تدقيق هذا نوعيٌّ، و للأجنبيةِ خطأً تبعيضٌ وقتيٌّ، أمّا انظُر إلى أمِّك و إلى زوجتك وإلى أختك و إلى عمَّتِك و خالتك و ابنة أخيك وابنة أختك.. هذا شخصي، هؤلاء محارم لك أن تنظرَ إليهنَّ و ما سواهنَّ غُضَّ عنهنَّ البصرَ.
قال تعالى:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾

[سورة النور]
و أجمل ما في الآيةِ أنَّ حفظَ الفرجِ جاء بعد غضِّ البصر لأن طريقَ حفظ الفرجِ غضُّ البصرِ، لا يُوجَدُ إنسانٌ لا يغُضُّ بصرَه يتورَّطُ في الزنا، و في الآيةِ إشارةٌ دقيقةٌ، ما قال الله:و يحفظوا من فروجهم" لو كان كذلك لصار هناك حالات من الزنا مُباحة، يغضُّوا من أبصارهم و يحفظوا فروجَهم كُلِّيَّةً، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)﴾

[سورة المؤمنون]
لذلك التبعيضُ للبصرِ أمَّا الجزمُ و القطعُ فللفرجِ.
قال تعالى:

﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾

[سورة النور]
أقربُ إلى اللهِ و أطهر للقلبِ و أجمعُ للنفس،فإذا يغضَّ الإنسانُ بصرَه و يسلكُ في شهوةٍ أودعَها اللهُ فيه القناةَ النظيفةَ التي سمحَ بها يشعر بطمأنينةٍ و الله يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
هذه الخبرةُ الطبيبُ أمام المريضةِ له أن ينظرَ إلى موضعِ الدَّاءِ، و لو نظر إلى موضعٍ آخرَ فليس في الأرضِ جهةٌ تكشف ذلك إلا اللهُ، لذلك قفال تعالى:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)﴾

[سورة غافر]
العينُ قد تخونُ لذلك:

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[سورة النور]
و اللهُ يعرف إذا كان النظرُ بريئًا أو بشهوةٍ، نظرْتَ إلى موضع الدَّاءِ و إلى موضع آخرَ الله يعلم ذلك.
فهذه الآيةُ أيها الأخوة من الآيات الدقيقةِ جدًّا، فالإنسانُ يصلِّي خمسَ مرَّاتٍ في اليومِ، أما إذا في الطريقِ مائةُ امرأةٍ فيصلِّي مائة مرَّة بغضِّ البصر:
عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَسَمِعَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ يَقُولُ:

(( حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ قَالَ وَقَالَ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا قَالَ أَبُو شُرَيْحٍ سَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ ذَاكَ حُرِّمَتِ النَّارُ عَلَى عَيْنٍ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ أَوْ عَيْنٍ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[رواه الدارمي]
و ما كان اللهُ ليعذِّب قلبًا بشهوةٍ تركها في سبيل اللهِ، لأن الصراعَ الداخلي مُزعِجٌ وإذا أخذتَ قرارا حازِمًا لا تشعر بضيق، و إذا كان الإنسانُ يُدخِّن في اليوم علبتين من السيجارةِ ؛ في رمضانَ يرتاحُ لأنه قرارٌ حازمٌ، و لماذا لا تتوق نفسُه في نهار رمضانَ، فلمَّا يأخذ الإنسانُ قرارًا حازمًا ليس عنده مشكلةٌ و إذا كان قرارُه غيرَ حازمٍ فإنَّه سيُواجه صراعًا سببُه قرارٌ غيرُ حازمٍ لغضِّ البصرِ، أمَّا لو اتَّخذ قرارًا حازمًا انتهى الأمرُ معه.
الآنَ بقدرة قادرٍ و بحكمةِ حكيمٍ الذي يغُضَّ بصرَه عن محارم اللهِ يخلقُ اللهُ بينه و بين زوجته سعادةً لا تُوصَفُ نضيرَ غضِّ بصرِه، و الذي يطلق بصرَه في محارم الله يدفع الثمنَ غاليًا من سعادته الزوجية فبقدر غضَّ بصرك عن محارم اللهِ بقدرِ سعادتِك الزوجيةِ، و بقدر إطلاق بصرك بقدْرِ شقاوتِك الزوجية، هذه قواعدُ الدينِ وهذه أشياءُ أساسيَّةٌ حتَّى إن بعضهم سمَّى ذلك " مدرسة غضِّ البصرِ" قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)﴾

[سورة المؤمنون]










والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 07:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانيةُ و الثلاثون والتي بعدها من سورة النور و هي قوله تعالى :
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
أوَّلاً، فعلُ الأمر يقتضي الوجوبَ في القرآن الكريم، و يشبهه الفعل المضارعُ المقترِنُ بلام الأمرِ كقوله تعالى:

﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾

[سورة الطلاق]
هذه لام الأمرِ، و إن كان الفعلُ مضارعا ولكن معناه الأمرُ، فكلُّ أمرٍ في كتاب الله يقتضي الوجوبَ، و لكنَّ علماءَ الأصول قالوا: هناك أمرُ وجوبِ وهناك أمرُ ندبٍ وهناك أمر إباحةٍ و هناك أمرُ تهديدٍ، أمرُ التهديد كقوله تعالى:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[سورة الكهف]
فهل من المعقولِ أن الله عز وجل يأمرُنا بالكفرِ؟! هو يهدِّدُنا إذا كفرنا، و المعنى ؛ إِفعلْ وانظُر ماذا سيكون، فهذا أمر تهديدٍ و هناك أمر إباحةٍ قال تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾

[سورة البقرة]
فإذا الواحدُ استيقظ و ما أكلَ هل يُؤثمُ ؟ لا، لأنه أمر إباحةٍ، و أمر الندبِ هذا الأمر، و أمر الوجوب قال تعالى:

﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

[سورة المجادلة]
قال تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

[سورة النور]
أي زوِّجوا، وهذه الواو للجماعة، فالأمر مُوَجَّهٌ لمجموع الأمَّةِ، و أيُّ أمر موَجَّه لمجموع الأمة هو موجَّه حكمًا إلى أولي الأمر و إلى أولياء الأمور، فأيُّ إنسانٍ تولَّى أمرًا من أكبرِ واجباته تزويج الشباب و الشابات لأنه فيما يبدوا لنا تزويج الشاب هي تلبيةٌ لحاجة أودعها الله فيه، أما على مستوى الأمنة فهو بناء أمَّةٍ، و الأمةُ إمَّا إنها تتقدَّم و ترقى عن طريقِ وحْداتٍ أُسريَّةٍ و إمَّا أنها تنهارُ و تتهاوى عن طريق الزنا، فنحن و إن لبّيْنا رغبةَ شابٍ في الزواج لكنْ في الحقيقة نبني أُمةً، و أهدافُ الزواج بعيدةٌ جدًّا، اُنظُرْ إلى شابٍ أخذ هندسةً وكلُّ الطرقِ أمامه مسدودةٌ ووازعُه الديني ضعيفٌ زلَّتْ قدمُه في الزنا فانتهى نهائيًّا، أمَّا إذا كان تعاونٌ و زوَّجناه فصارتْ له زوجةٌ و أنفق عليها و صار عملُه متقَنًا، و صار له دخلٌ وأتى إلى البيتِ بالطعام و الشراب و اللباس أسعدَ زوجتَه و سعد هو و أنجب الأولادَ، فبناء الأمة يبدأ من إنشاء الأسرِ، فلذلك الآنَ أعظم عمل هو تزويجُ الشباب، كنتُ قبل يومين أو ثلاثة أقرأ كتابًا لفت نظري دعوة زواج بُعِثَتْ لابني، و بطاقة الدعوةِ معها إيصالٌ مبلغ من المال مكتوبٌ اسمي عليه: هذا عِوض أن نبعث لك هديةً دفعنا لبناء ثانوية شرعية بدوما هذا الإيصالَ وكتبوا أنه إذا ترغب دفع أكثر، على مدخل مكان الدعوة فيه لجان مع الإيصال و دفعنا و الحمد لله، دخلنا للعرس و انتهت الحفلةُ، جمعوا التبرُّعاتِ أحدهم قال: عليَّ نصف مليون لتزويج الشباب و الثاني مائة ألف، قلتُ: هذا عقد قران مبارك بدأ بإيصالٍ و دفع استثنائي وجمع مليوني ليرة، فإذا كان عقلاءُ الأمة ما فكَّروا في تزويج الشبابِ فسيحِلُّ السفاحَ محلَّ النكاحِ، فإذا ما انتبهنا و عاونَّا، قريةٌ من قرى غوطة دمشق أنا أكبِرُها كثيرًا اجتمع عقلاؤها و قالوا: أعلى مهر هو خاتم وساعة فقط،
سيِّدُنا شعيبٌ قال:
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾

[سورة القصص]
هذا توجيه لنا، فنحن الآن أيها الأخوة كما ترون الفتنَ في الطريق مشتعلةً، الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " ونحن في عصْر الفساد والنِّساء الكاسِيات العارِيات، فلا عَمَلَ أجلّ مِن أن تُؤَمِّن لِشَابٍّ بيْتًا، وإذا كان الواحِدُ مَيْسور المال، وكان عندهُ بنات، وأمَّنَ لِكُلّ بِنت بيتًا صغيرًا بمائة متْر فقد تَجدُ البنْت شابًا بِأعلى مُسْتوى ولا بيْتَ له، فهذا عَمَلٌ عظيم وأنا لا أرى مِن عملٍ أعظم عند الله مِن تَحْصين الشَّباب والشَّابات بالزَّواج الشَّرعي، قلتُ لأحدهم: ألا تسْتطيع أن تُؤَمِّن بنايَةً تبْنيها بأرخَص المستلزَمات، وتُزَوِّج فيها الشَّباب، فالله تعالى قال:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

[سورة النور]
فلمَّا يَجِدُ الشاب غرفةً ومنافِعَها يسْتطيع أن يتزوَّج، فهذا أعظم عمَل فالذي عنده شباب وبنات، فلا بدّ أن يكون عَمَلَهُ الأوَّل تَزْويج الشَّباب والفتيات، لأنّ هناك فِكرة تقول: أنا كنتُ عصامِيًّا، ولا بدَّ أن أجْعَلَ ابني عِصامِيًّا ‍‍!! والله أعرف أُناسًا باعوا بُيوتَهم واشْتروا أربعة بيوت خارِج الشام، لِكي يُزَوِّجوا أبناءهم ؛ أنا هذا أَعُدُّه بطلاً، لأنَّ الشاب إذا زنى وكان الأب مَيْسورًا لَعُوتِبَ الأب، ويوم القيامة يقول: يا رب، لا أدخُل النار حتَّى يدْخل أبي !! أعرفُ رجلاً عنده أثنى عشرة بِنايَة، وابنُهُ يتمنى بيتًا يسْكُنُه لِكَي يتزوَّج ! مُدَّعِيًّا أن يسْلُكَ الابن ما سَلَكَهُ الأب !!! بيت متواضِع وأثاث مُتواضِع،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

[رواه الترمذي]
والآية أكبر دليل، أوَّلاً الأمر مُوَجَّه لأولي الأمر فكلّ مسؤول بالوزارة عليه أن يحفظ النَّفقات المُتَعَلِّقة بالزَّواج، وتيْسير البُيوت، وأنا أعرف واحد بِدَارِيَّا عمَّر عمارات كبيرة ورفض بيعَها ولكن تأجيرها للشَّباب المُسلِم، فنحن نريد بِناء مُجْتَمَع عن طريق تسْهيل الزَّواج، وهذا أعظم عمل.
فالآية الأولى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
الفقْر ليس عَيْبًا ولكن وِسام شرَف للإنسان المُستقيم، وبالجامع الصغير أثنى عشرة حديثًا تبدأ بِحَقّ الأب على ابنهِ، وحق الجار على جارهِ ولكنَّ حديثًا واحِدًا إذا قرأْتَهُ يقْشَعِرُّ جلْدك ؛ حق المسلم على الله أن يُعينهُ إذا طلبَ العفاف، وما شَكَى أحدٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ضيقَ ذات يَدهِ إلا قال له: اِذْهَب فتَزَوَّج، وقال عليه الصلاة والسلام:
((مَن تَرَكَ الزواج خيفة العيلة فليس مِنَّا ))
الله تعالى هو الذي يُغْنيه، واحْذَر أن تقول: ليس معه ! فهذا رجلٌ غنيّ تَقَدَّم لِخِطْبة ابنِهِ رجل مهندس فقال الأب: هذا معاشُهُ لا يكْفي يَوْمَين !! وبقُدْرة القادِر جل وعلا، أفلسَ هذا الغنيّ وتوسَّل لأحد الناس كي يتقدّم ذاك المُهندِس لِخِطبة ابنِهِ، وأغنى الله ذاك المهندس وأصبَحَ العمّ يشْتغل عند زوْج ابنَتِهِ !! والأمر الإلهي:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
ولو رأيتَ كيف أغنى الله أُناسًا كانوا فقراء تَدْهَش فالله تعالى إذا أعطى أدْهَش، وإذا حاسَب فتَّش، وأذْكُرُ أنَّني زرْتُ واحِدًا في مَحَلِّه بدويلعة فإذا به يأكل علبة سرْدين من دون صَحن، ونائِم على طاولة التَّفصيل، وقال لي: عندي بيت ألف متْر مساحته، وحدائِق وثلاثة سيارات، فالله إذا أعطى أدْهش، فهذا أحدُ الأخوة تبرَّع لِجَمْعِيَّة خيْرِيَّة بِسِتَّة ملايين بيوت فأقام له أهل الجَمْعِيَّة حفلاً تَكْريمِيًّا، وأثنى عليه الجلوس، أما أحدهم فكان نبيهًا وقال: نحن عندنا سبعمائة أُسْرة مُنْتَفِعَة بهذه الجَمْعِيَّة، وكان مِن المُمْكِن أن يكون المُحْسن هذا أحدُ المُنْتَفِعين ولكن شاء الله أن يُعطي ولا يأخذ، فكما أنَّ الله تعالى أعْطاك يُمْكِن أن يترُكَكَ تأخذ، فالذي أعْطاهُ الله وأنفقَ لا بدّ أن يذوبَ خجلاً منه تعالى وهذا مِن فضْل الله عليك.
إحدى الأُسَر كانت تأكل فجاء أحد الطرقاء للباب، فَهَمَّتْ الزَّوْجة أن تُعْطِيَهُ بعض الدَّجاج فَعَنَّفَها وقال لها: اُطرُديهِ ! بعد حينٍ ساءَت العلاقات فطَلَّقها، وتزوَّجَت مع إنسانٍ آخر، وفي أحد الأيام كانت جالسَةً معه وهي تأكل الدَّجاج فطَرَقَ الطارِق الباب: فإذا بها تضْطرب ! فقال لها: لمَ اضْطَرَبْت ؟ فقالتْ: إنَّهُ زوْجي الأوَّل ! فقال لها: أَو َتَدْرين مَن أنا ؟ أنا السائِلُ الأوَّل !!! فالله تعالى كبير، وقد يُفْقرك بِثانِيَة، وقد يُغنيك بِثانِيَة، فالإنسان يكون بحبوحة إذا كان في طاعة الله عز وجل.
المُلَخَّص قوله تعالى:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
حاوِل أن تُساهِم أن تُزَوِّج شابًّا ولو بمائة ليرة، ولو بِقليل مِن الأثاث، ولو بِبَرَّاد، كي يُلغى السِّفاح ويَحِلَّ محلَّهُ النِّكاح.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانيةُ و الثلاثون من سورة النور، وهي قوله تعالى:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
سألني أحدُ الإخوة البارحة بعد نِهايَةِ الدَّرس عن معنى كلمة الأيامى ومِن أدَقِّ معاني هذه الكلمة، وهي أنَّ الأيامى جَمْعُ أيِّم، والأيِّمُ هو الشَّخْص - ذَكَرتُ شَخْصًا لأنَّه يعني ذَكَرًا أو أُنثى - الذي لا طرف آخر له أعْزَبَ كان أو مُتَزَوِّجًا، أي فتاةً غير مُتَزَوِّجة أو فتاةً مُتَزَوِّجة ثمَّ طُلِّقَت، ولا زوْجَ لها، أو شابٌّ أعزبُ غير مُتَزَوِّج أو رجلٌ تزوَّج ثمَّ أصبَحَ دون تلك الزَّوجة، فأيُّ شَخْصٍ ليس له طرفٌ آخر وليس له نِصْف آخر، فهو أيِّم، فهذه الآية شامِلَة جدًّا:

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾

[سورة النور]
بعض الأدْيان ابْتَدَعَ رِجالها الرَّهْبَنَة، وترْكَ الزَّواج، قال تعالى:

﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا﴾

[سورة الحديد]
هم حينما كَتَبوها على أنفسِهِم أرادوا منها إرْضاء الله عز وجل، فالله هو الخالق، وهو الذي جَعَلَ هذا الدافِعَ مُتَغَلْغِلاً في أعْمَقِ قِيَمِ الإنسان وهذا لا يتناقَض مع أن تكون إنسانًا عظيمًا أو مُخْلِصًا أو مؤمنًا فالحاجة إلى الطَّرَف الآخر أودِعَت في أعْمَق أعماق كِيان الإنسان فالأنبياء تَزَوَّجوا، وكذا الصَّحابة الكِرام وهذا شيءٌ مِن سُنَّة الله تعالى في خلْقهِ، لذلك أشغاله فلابدّ مِن أن ينْصَرِف إلى طريق آخر غير مَشْروع، فدائِمًا إذا اتَّسَعت مساحة الزَّواج المَشْروع تضاءَلَتْ مساحة الزِّنا، وإذا ضاقَتْ مساحة الزواج المَشْروع تواسَعَت مساحة الزِّنا ولا سيما في عصْر الفتنة، والتَّفلُّت، ولا سيَما في زَمَن ضَعْف الإيمان وشَهَوات مُسْتَعِرَة، وكلّ شيءٍ يتحدَّث عن الجِنْس، الأزياء الفاضِحَة التي يُصَمِّمُها اليهود لِكَي يُفْسِدوا بناتِنا، ولذا كان للفقهاء حُكْمٌ في الزَّواج، فقالوا: مَن تاقَتْ نفْسُهُ للزَّواج وخَشِيَ على نفْسِهِ العنت فالزَّواجُ بِحَقِّهِ فرْضٌ كالصلاة، بل هو مُقَدَّم على فريضة الحج، ومن كانتْ حالتُهُ من دون الزَّواج مُتوازِنَة فهو في حقّهِ مُباح ومن لم يكن مُؤمنًا، وكان ممكنًا أن يظلِمَ زوْجتَهُ، أو أن يُفْسِدَها فهو في حقِّهِ مَكروه، أما السفيه فَزَواجُهُ مُحَرَّم لأنَّه سفيهٌ لِوَحْدِهِ فإذا تزوَّجَ أجْرَمَ بِحَقِّ الطَّرف الآخر.
الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[سورة النور]
كنتُ أضْربُ مثلاً في باب الرِّزق، تُفاحةٌ نَمَتْ في غصْنٍ في أحَدِ البساتين، ففي علم الرِّزق هذه التُّفاحة لِفُلان، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)﴾

[سورة الذاريات]
فمادام هذا الفم مَفتوح له عند الله تعالى رِزْق ولكنَّ هذه التُّفاحة طريق الوُصول إليها مُتَعَدِّد بِحَسَب اخْتِيار الإنسان، فلَكَ أن تَصِل إليها شِراءً ولك أن تصِل إليها هَدِيَّةً، أو سرِقَةً، أو ضِيافةً، أو تسوُّلاً، لذلك الدُّعاء الشريف:
عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي قَالَ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ قَالَ قُلِ:

(( اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ))

[رواه الترمذي]
وما مِن شَهْوةٍ على الإطلاق أوْدَعَها الله في الإنسان إلا وَجَعَلَ لها قناةً نظيفةً ومُريحَة، تفْعَلُها وأنت في أعلى درَجَات القُرْب وتفْعَلُها وأنت في أعلى درجاتِ التَّألُّق ؛ لأنَّها وِفْق المنْهَج، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِي﴾

[سورة المؤمنون]
وقد ورَدَت في بعض الآيات كلمةٌ رائِعَة، قال تعالى:

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(86)﴾

[سورة هود]
فما معنى بَقِيَّة الله ؟ هناك نساءٌ على عرْض الطريق، مَن بقِيَ لك منهنّ تَحِلُّ لك ؟ زوْجَتُكَ ؛ هذه بَقِيَّة الله، وهناك أموال لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، فأيُّ الأموال المَشْروعَة التي بَقِيَتْ لك ؟ هي الأموال التي تكْسِبُها عن طريق مَشْروع، بَقِيَ لك مِن أنواع المال ؛ المالُ الحلال ومِن النِّساء الزَّوْجة، ومِن العُلُوّ في الأرض أن تكون طائِعا لله، فهو تعالى يرْفَعُ قدْرَكَ وذِكْرَك، فالذي بَقِيَ لك هو الذي شَرَعَهُ لك.
الآن قوله تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

[سورة النور]
فالإنسان إذا صَبَر، ولِكُلّ شيءٍ أوان، فَمَن تعجَّل الشيء قبل أوانِهِ جوزِيَ بِحِرْمانِهِ فما أجْمل في الإنسان أن يقْضِيَ حاجاتِهِ التي أوْدَعَها الله فيه وِفْق ما يُرْضي الله، وما أحْمَقَ الإنسان حينما يتعجَّل فيقْضي حاجاتِهِ فيما يُغْضِبُ الله، لذلك قال تعالى:

﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

[سورة النور]
سأسْألكم هذا السُّؤال: لو أنَّ بالأرض هناك مليار ومائتان مسلْمٍ، فهل تُصَدِّقون أنَّ مُسْلِمًا واحِدًا يُكْرِهُ فتاتَهُ على البِغاء ويأكُلَ مِن زِناها ؟! فما معنى الآية؟ هذه الآية مُوَجَّه إلى المؤمنين، أَيُعْقل أن تقول لإنسانٍ وعالِمٍ جليل: إيَّاك أن تُكْرِه فتاتَكَ على البِغاء ؟! هذا لا يدْخُل في حِساباتِهِ كَمُسْلِم ! ولكنّ العلماء حَمَلوا هذه الآية على المعنى التالي: حملوا هذه الآية أنَّ الإنسان إذا تقَدَّم لابْنَتِهِ خاطِب، ولم يُوافِق الأب تَعَنُّتًا أو كِبْرًا أو ينتظِرُ مَن هو أفْضَل، أو مَن هو أغْنى، فَمَن فعَلَ هذا فكأنَّهُ قوَّى عُنْصر الشَّهْوة في ابنِهِ، فإذا زلَّتْ قَدَمُها فَهُوَ السَّبب، فَهُوَ ما أراد ذلك ولكنَّه أرْغَمَها على الزِّنا بِطَريقة أخرى، فلو أنَّ لك ابنًا يعْمل في مَحَلِّك، ولا تُعْطيهِ ولا دِرْهَمًا، وتقول له: لا تأخذ شيئًا فأنت تأكل في المنزل ما تريد !! فأنت حينما تحْرِمُهُ أن يسْحَب مِن الصُّندوق دخْلاً مَشْروعًا سوف يُفَكِّر مِن وراءِ ظَهْرِك، فَكُلّ مَن يُحْرم بعد الحِرمان فالذي حرمهُ له إسْهام كبير في ذلك، والآية عميقة جدًّا ولها مَدْلول بعيد، فلا يوجَد أبٌ على وَجْه الأرض يُكْرِهُ فتاتَهُ على الزِّنا ! ونحن نقول: مسْلم والحالات الشاذَّة هذه تخرج عن النِّطاق فالأب المُسْلِم مُسْتحيل أن يُكْرِهَ فتاتَهُ على الزِّنا، أما حينما يتعنَّت الأب ويرْفض عَشَرات الخُطَّاب الصالحين المؤمنين لِغايَةٍ في نفْسِ يعْقوب فإذا زلَّت قدمُ إحْدى فتياتِهِ فهو السَّبَب، فالابن الذي يقول لأهْلِهِ زوِّجوني، ثمَّ يرى إعراض أهلهِ عنه، ويقولون له: لا تزال صغيرًا أو دَعْكَ مِن هذا الأمر الآن !! فهؤلاء إن ارْتَكَب ابنهم شيئًا فهُم السَّبب ! كَمَن يشْتغل عندك وتُعطيه ألف وخمسمائة شهْريًا في هذا العَصر وأنت ترْبح عشرة آلاف باليوم، فإذا سرقَكَ فأنت السَّبب لأنَّك قوَّيْتَ فيه عُنْصر أكل المال الحرام، ففي الآية تَوْجيه للأباء لطيف جدًّا فيَجِبُ أن تشْعُر بِحاجَة ابْنِكَ وابْنَتِكَ.
أعرفُ رجلاً تَقَدَّم لِخِطْبة ابنِهِ عشرة خُطاب مِن أعلى مُسْتوى فكان الجواب الرَّفض، وفجْأةً هرَبَتْ ابنَتُهُ مِن البيت مع شاب أقلّ مِن هؤلاء الخُطَّاب بمائة مرَّة !! واخْتَفَت، ثمَّ جاءَتْهُ مُخابرة من والدِه ووضَعَهُ تحت الأمر الواقِع ! لماذا هرَبَتْ ؟! لذلك الآية الكريمة:

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾

[سورة النور]
حينما يتعنَّتُ الأب فإنَّهُ يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في البنت أو الابن، فهذه الآية مِن أدقِّ الآيات المُتَعَلِّقة بالزَّواج، والإنسان ليس له الحق أن يُقَوِّي عُنْصر الشَّهوة في ابنِهِ ولا في ابْنَتِهِ حينما يقِفُ مُتَعَنِّتًا، ويَضَعُ شرْطًا تَعْجيزيًّا في تزْويج ذُرِيَّتِهِ وطبْعًا هذا المعنى المُوَسَّع.
قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)﴾

[سورة النور]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 02:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السادسة والثلاثون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

(سورة النور)
أوَّلاً ؛ في بيوتٍ، هذه الكلمة جاءَتْ جمْعًا ونَكِرةً، فالتَّنكير للتَّعظيم والجمْعُ للتَّعَدُّد، ينبغي أن يكون في كلّ مكانٍ بيتٌ لله عز وجل، وحاجة الناس إلى الدِّين كَحَاجتِهم إلى الهواء، فلو أنَّنا أنشأنا مُجمَّعًا سَكَنِيًّا فأوَّل شيءٍ ؛ يحتاجُ هؤلاء الذين قَطَنوا هذا المُجَمَّع إلى بائِعٍ يبيعُهم الحاجات الأساسيَّة، وإلى قصَّاب، وإلى بقَّال، وإلى طبيب، وإلى مُسْتَوصَف وإلى مَدرسة..إلخ ؛ هذه حاجات دُنْيَوِيَّة، وإنَّ أشَدَّ حاجةٍ للإنسان وهو في الدنيا مكانٌ يتعرَّفُ فيه إلى الله عز وجل، لذا أوَّلُ شيءٍ فعلهُ النبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجَر إلى المدينة أنشأ مسْجِدًا، وقبل بيْتِهِ الشَّخْصي، وكان ضَيْفًا في بيت سيِّدنا أبي أيوبٍ الأنصاري، أقامَ ضيْفًا وأنْشأ مسْجِدًا، لذلك قال تعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

(سورة النور)
يجب أن يكون في كلّ مكانٍ بيتٌ من بيوت الله، والمسْجِدُ أيُّها الأخوة له أخْطرُ دَوْرٍ في المُجْتمَعِ الإسلامي، وفي مجْتمع الانْحِطاط والتَّبعْثر والتَّخلُّف والتَّشرْذُم، وضَعف الإيمان بَقِيَ المسْجِد لإقامة الشَّعائِر التَّعَبُّدِيَّة، مع أنَّ مُهِمَّة المسْجِد أخْطر بِكَثير مِن أن يُصَلَّى فيه، وأقلّ مُهِمَّة للمسْجِد أن يُصَلَّى فيه والدليل قوله عليه الصلاة والسلام:
((ما جلسَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله...))
فهذه إشارة إلى أنَّ أخْطر مُهِمَّةٍ هي تعليم كتاب الله، وأن يعْرف الإنسان مُهِمَّتَهُ في الحياة، وسِرَّ وُجودِهِ، وغايَةَ وُجودِهِ، وأن يتعرَّف إلى الله وإلى رسولهِ، وإلى منْهَج ربِّه، وإلى القرآن الكريم، وإلى سيرة أصْحابِهِ، وهذه مُهِمَّةُ المسْجِد، والكلمة جاءَتْ جمْعًا ؛ لتأكيد تعَدُّد بيوت الله تعالى، وثانِيًا تَنكير والتَّنكير للتَّعظيم قال تعالى:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾

[سورة الحج]
وقد كانت بِعَهْد النبي صلى الله عليه وسلَّم امرأة بأدْنى الدَّرجات الاجْتِماعِيَّة، كانت تَقُمُّ المسْجِد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه:

(( أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ قَالُوا مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا آذَنْتُمُونِي فَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ قَالَ فَحَقَرُوا شَأْنَهُ قَالَ فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))

[رواه البخاري]
فالصَّحابة رأَوْا مِن ضآلةِ شأنِها، وقلَّة قيمَتِها لا تستأهِل أن يُخْبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، حينها توجَّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى قبْرِها ودعا لها، فأيُّ إنسانٍ يُقَدِّم خدْمةً لِبَيت الله يعتبر مِمَّن ساهم في بيوت الله تعالى، كأن يُكَبِّر الصوت والإضاءة، والتَّكييف، فالله تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(18)﴾

[سورة التوبة]
مَن يَعْمُرها بِناءً، ومَن يعْمُرها بأداء الصلاة فيها، إقامة الدُّروس فيها، والمُجتمع الإسلامي أُسْرة، فهذا قدَّم مالهُ، وذاك قدَّم عِلْمَهُ، وهذا قدَّم قوَّته، والآخر سَعْيَهُ، قال تعالى:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

(سورة النور)
لم يقُل تُبنى ! يجب أن يكون بناء المسْجِدِ عاليًا لِيتناسَب مع عظمة الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾

[سورة الجن]
لا يصْلُحُ المسْجِد لِذِكر أيِّ موضوع غير ذِكْر الله، لا لأشْخاص ولا لأفكارٍ مُعاصِرة، لا للدِّفاع ولا للهُجوم، فهذا مِنْبر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا المنبر له قُدْسيَّة كبيرة، وأيُّ إنسانٍ صَعِدَ المنْبر هو نائبٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في إبلاغ العِلم، فلا ينبغي أن يدْعُوَ مع الله إلهًا آخر، دَعُوا الدنيا لأهْل الدنيا، والمصالِحَ للطُّرُقات أما بيتُ الله ففيه دَعْوَةٌ خالصَةٌ إلى الله عز وجل.
قال تعالى:

﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36)﴾

(سورة النور)
فهل المعنى أن تقول سبحان الله سبحان الله ؟ نعم هذا مُمْكِن، ولكنَّ الأعمق مِن هذا أن تذْكُر فضْل الله تعالى، وأن تتحدَّث عن أسْمائِهِ الحُسْنى، وعن صِفاتِهِ الفُضْلى، وعن رحْمَتِهِ، وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وكلامِهِ وعن كمال رسوله صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته عليه الصلاة والسلام، وعن منْهَجِهِ الدقيق، ومواقف أصحابِهِ البُطوليَّة.
قال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾

(سورة النور)
هل تعني كلمة رِجال في القرآن أنَّهُ ذَكَر ؟! لا فَكَلِمَة رجل أكبر مِن أن تعني ذَكَرًا، بل البَطَل، ما نوعُ رُجولَتِهِم ؟ أنَّهم لا تُلْهيهِم تِجارَةٌ ولا بيْعٌ عن ذِكْر الله تعالى، وإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة، فهذا عرف مُهِمَّتَهُ في الحياة، ولا شيءَ مهما كان عَظيمًا يَشْغَلُهُ عن ذِكْر الله.
وكلمة تُلْهيهِم هِيَ مِن اللَّهْو، واللَّهو أن تنْصَرِفَ إلى الخسيس عن النَّفيس وأن تشْتَغِلَ بالقُشور، وتَدَع اللُّبّ، وأن تشْتَغِلَ بالأصداف وتدع اللآلئ وأن تشْتغل بالدنيا وتَدَعَ الآخرة، فالإنسان يعْمَلُ في الدنيا، ويُؤَسِّسُ عملاً ومحلاًّ تِجارِيًّا، ويُؤَسِّس معملاً ومزْرَعَةً، ويتوظَّف وينال شَهادة عليا، فهذا كُلُّهُ مُباحٌ مِن دون أن تشْغَلَك هذه النَّشاطات عن ذِكْر الله تعالى، وهذه هِيَ البُطولة، فما لله تعالى لله، وما لِعَبْدِ الله لِعَبْد الله فالصَّلواتُ تُؤدَّى في المسْجِد، ودُروس العِلْم يحْضُرها المؤمن ويُبَرْمِجُ حياتَهُ عليها، فكثير مِن الناس يُبَرْمِجُ حياتَهُ على الدنيا، وإن كان له فائِضٌ من الوقت يحضر مجلسَ عِلمٍ ! الأصْل أن تطْلبَ العِلْم، وأن تتعرَّف إلى الله، وتُؤَدِّي العِبادات، وهذا هو معنى قوله تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)﴾

(سورة النور)
فالله تعالى ما قال: ولا شراء، وإنَّما قال: ولا بيْعٌ، فالبيْعُ مُحَبَّب وفيه رِبْحٌ، أما الشِّراء ففيه الدّفْعُ ! عَطَفَ الخاصّ على العام، عن ذِكْر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزَّكاة يخافون يوْمًا تتقلَّبُ فيه القلوب والأبصار وهذا اليوم الذي وعَدَ الله فيه عبادَهُ، قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
فالإنسان يكون في الأوْج ويصبحُ بالحضيض وبالعكس.
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(9)﴾

[سورة المنافقون]
لا يُمكِنُ أن تلتهي بالخسيس عن النَّفيس، النَّفيسُ هو معرفةُ الله تعالى ومعرفةُ منهَجِهِ، والتَّقرُّب إليه بالطاعة، والخسيس هي الدنيا، والدنيا جيفةٌ طُلاَّبُها كلابها، والدنيا دارُ مَن لا دارَ له، ولها يسْعى مَن لا عقْلَ له، إنَّ الدنيا عرَضٌ حاضِر، يأكل منه البرّ والفاجِر، والآخرة وعْدٌ صادِق، يحْكُمُ فيهِ ملِكٌ عادِل، وإنَّ الله يُعطي الصِّحة والمال والذّكاء والجمال للكثيرين مِن خلْقِهِ، ولكِنَّهُ يُعطي السَّكينة بِقَدَرٍ لأصْفِيائِهِ المؤمنين.
قال تعالى:

﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾

(سورة النور)
هذا الوقْتُ الذي تقْتَطِعُهُ مِن وقْتِكَ الثَّمين لأداء الصَّلوات في المسْجِد، ولِحُضور مجْلسِ العِلم، هذا وقْتٌ سمَّاهُ العلماء ؛ زكاة الوقْت، فكما أنَّ المال تُؤدَّى زكاتُهُ فيَحْفَظُ الله لك بقِيَّة المال من التّلَف، وقْتُكَ إذا أدَّيْتَ زكاتَهُ بِحُضور مجالسِ العِلم يحْفظ الله لك بقيَّة الوقت من التَّلَف، فقد ترتَفِعُ حرارة ابْنِكَ مِن طبيب لآخر إلى مُحَلِّل ومُصَوِّر، وتضعُ أثنى عشر ألفًا، وفي النِّهاية يُقال لك: الأمر على ما يُرام، فَكُلّ إنسان أدَّى زكاة وقْتِهِ بأداء العِبادات بإتْقان، وطلب العِلْم الشَّرعي، فإنَّ الله تعالى يحْفظ له بقيَّة وقْتِهِ، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

[سورة الليل]
هذا قانون التَّيْسير والتَّعْسير، لذا كلام العوام مِن أنَّ فلانًا محظوظٌ ذاك يَدُهُ خضْراء، هذا كلام لا أصل له، فالتَّيْسير والتَّعْسير لهما قانون فالذي يُؤَدِّي زكاة وقْتِهِ يطرحُ الله له البرَكَة في وقْتِهِ، ويقوم بأعمال تُكَلِّفُ الساعات الطِّوال بِساعة واحِدَة ! فمن صلَّى الصلاة بِوَقْتِها باركَ الله له بِوَقْتِهِ.
فقوله تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾

(سورة النور)
هذه الآية مُتَعَلِّقَة بالوقت فهذا الإمام أبو حنيفة أحَدُ أسباب طلبِهِ العِلم هو اطِّلاعُهُ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم مفادُهُ أنَّهُ من طلبَ العِلْم تكفَّل الله له بِرِزْقِهِ ! فأنت لن تَجِدَ تحت الوِسادة ألف ليْرة، ولكنَّ الله تعالى يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ جُهْدُهُ قليل ومرْدودُهُ كبير، فهذا هو معنى تكفَّل الله له بِرِزْقِهِ، فطالبُ العِلْم مرْزوق، ومن سلك طريقًا يلْتَمسُ فيه عِلْمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكة لتضَعُ أجْنِحَتها لِطالبِ العِلْم رضًى بِما يصْنَعُ، فالذي يُؤَكِّدُ إنسانِيَّتَكَ طلبُ العِلْم، ولا يوجد إنسانٌ يؤْثر جانب الله إلا ويُعطيه الله الدنيا والآخرة، من آثَرَ دُنياه على آخرتِه خسرهما معًا، ومن آثر آخرتَهُ على دُنياه ربِحَهُما معًا.
فالقصْد أن يغْتَنِمَ الإنسان وقْتَهُ في معرفة ربِّه ومنهجه تعالى، ومعرفة نبيِّهِ صلى الله عليه وسلَّم، وما سرُّ وُجودِهِ ؟ وغايَةُ وُجودِهِ، وكيف يبيع ويشْتري ؟ وكيف يُربِّي أولاده ؟ وكيف يُزَوِّج ؟ فالناس يقعون في الحرام والظُّلم، والمصائب تأتيهم من كلّ جانب مِن جهْلهم بالله تعالى وبالتالي بِخروجِهم عن منهَج الله، وبالتالي تَحَمُّلهم العِقاب الإلهي، لذا لا بدّ مِن طلب العلم على كل مسْلم، وهذا مهما كان اخْتِصاصُك، ووظيفتُك قال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾

(سورة النور)
أوحى ربُّك إلى الدنيا أنَّهُ مَن خَدَمَني فاخْدُميه ومن خَدَمَكِ فاسْتَخدميه وما أحبَّ عبدٌ الدنيا إلا انفرط منها بِثَلاث ؛ شُغْلٍ عناه، وأملٍ لا يُدْرِكُ مُنتَهاهُ وفقْرٍ لا يبْلُغُ غِناه ! وإنَّ أسْعَدَ الناس في الدنيا أرْغَبُهم عنها، وأشْقاهُم فيها أرغَبُهم فيها ! خُذْ مِن الدنيا ما شئْت وخُذ مِن قَدَرِها همًّا، فَحَجْمُ الهُموم يتناسَب مع حجْم الدنيا، وقد يموت الإنسان بالسَّكْتة القلبيَّة من جرَّاء الدنيا.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 02:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية التاسعة والثلاثون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
شُعور خَيْبَة الأمَل مِن أشَدِّ المشاعرِ إيلامًا بالنَّفْس ! فالتاجِر يبْذُل الجُهد سَنَواتٍ مُضْنِيَة في البيْعِ والشِّراء، وتَحْصيل الثَّمَن، وتسْليم البِضاعة ثمَّ تكْتَشِفُ أنَّكَ خاسِرٌ فيها ! فهذه الجُهود انْتَهَتْ إلى خسارة.
تشْتري محلاً تِجارِيًّا بِأعلى مبْلَغٍ، لِتُقيمَ فيه مَشْروعًا حَيَوِيًّا، ثمَّ هذا المَشْروع لا ينْجَح، بنَيْتَهًُ على مُعْطَياتٍ أُلْغِيَتْ ! في بعض شركات السِّياحة لها مواقف في حِمص، المحلّ أصْبح ثمنُهُ ثلاثون مليونًا فجْأةً تحوَّل وأصْبَحَ ثَمَنُهُ خمسة ملايين !! خَيْبَةُ الأمل مُؤْلِمَة جِدًّا، تضَعُ ثقَتَكَ بإنسانٍ ثمَّ تَجِدُهُ نصَّابًا ! تُؤَسِّسُ مشْروعا ليس له جَدْوى اقتصادية إطلاقًا تشْتري بيتًا فإذا بِهَنْدَسَتِهِ خاطِئة !! وتشتري أرضًا بأعلى سِعْر فإذا هي مُسْتَمْلَكَة ! أنا الآن أضْرِبُ لكم أمثلةً من خيْبات الأمَل، قد تُعَلِّق أمَلَكَ بابِنِكَ فإذا به يُسافِر ولا يُهاتِفْكَ ! ويتزوَّج أجْنَبِيَّة ويسْتَقِرّ هناك، ولا هاتف ولا رسالة !! وتُعَلِّق آمالا على زوجة فإذا بِكَ تراها مُنْحازَةٌ إلى غيْرِكَ ! مشاعِرُ خَيْبَةِ الأمَل لا توصَف، فالله عز وجل وصَفَ عَمَل الكافِر، وما سَيُصيبُهُ مِن خَيْبة أمَل كسَرابٍ ؛ كإنسانٍ يمْشي في الصَّحراء وهو في حالةِ عطشٍ قاتِلَة، لمَحَ بِرْكة ماء، فأشْرق في نفْسِهِن نورٌ مِن الأمَل، فلمَّا وصل إلى البرْكة لم يَجِدْها ماءً ولكنَّها سرابٌ ! لذلك الإنسان في الدنيا وهو في مُقْتَبَلِ حياتِهِ يرى أنَّ المال هو كلَّ شيء، وبعدَ حينٍ يرى أنَّ المال شيئًا، وليس كلّ شيءٍ، فَقُبَيْلَ الموت لن يراهُ شيئًا، وفي مُقْتَبَلِ حياتِهِ يرى أنَّ المرأة كلَّ شيءٍ، وبعد حينٍ يراها شيئًا وليس كلَّ شيءٍ فَقُبَيْلَ الموت لن يراها شيئًا ! فالله عز وجل يُبَيِّن لنا ؛ أنَّهُ قبل أن نصِلَ إلى هذه التَّجربة المُرَّة، فَمِن العَقل أن تصِلَ إلى الشيء قبل أن تصل إليه ! فالطبيب يقول لك: الدُّخان يُسَبِّبُ جَلْطةً ؛ هذا كلام، فإذا كان هناك عَقْلٌ راجِحٌ أقْبلُ هذا الكلام، وأسْتجيبُ له، وإن لم يكن هناك عقْل راجِح حينما يأتي المرض العُضال أتأكَّدُ مِن كلام الطبيب ولكن قبل فوات الأوان ! من هو العاقِل ؟ هو الذي لا ينْدم، ومن هو الجاهل؟ الذي لا يسْتَخْدمُ عقْلَهُ، هاك مثلٌ بسيطٌ، بعتَ بيتَك بعملة أجنبيةٍ و معك في جيبك جهاز لكشف زيف هذه العملة أو صحتها، قبضتَ الثمنَ كاملًا و عددْتَه بالتمام و ما خطرَ ببالك أن تستخدم الجهازَ فإذا العملة كلُّها مزوَّرة فذهب البيت سدًى و أنت محاسب قانونيًا، ومعك جهاز تستخدمه في ثانية أليس هذا يستدعي أشدَّ الندم، الآية دقيقةٌ جدًّا، قاتل تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

[سورة النور]
يا ربي أنا أنجزْتُ مشروعًا حضاريًا مثل مُجمَّع سياحيٍّ ـ مسابح و ملاعب و نادي ليلي ـ و يوم القيامة ماذا عملتَ ؟ماذا فعلتَ في الدنيا ؟ كنتَ سببَ الفساد و سبب فساد الأسر و انحراف الشباب و انغماس الفتيات في الملذاتِ المحرمة و ضياع الشرف و الكرامة، مشروع حضاري ‍قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
أيها الأخوة الكرام ؛ ألصقُ شيءٍ فيك هو عملك، كل شيءٍ يزول بعد الموت و يبقى العمل، و القبر صندوق العمل، واسألْ دائمًا ما عملي ؟ يا بشر لا صدقة و لا جهاد فبِمَ تلقى اللهَ إذًا، فإذا كان عملُ الإنسانِ محرَّمًا أو بضاعته محرمةٌ أو طريق التعامل محرم فلْيَصْحَ قبل فوات الأوان، لأن الله قال:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ربي تركتُ لأولادي الملايين و لكنِّي لم أُربِّيهم، ليس هذا هو العملُ، أنفقوا هذا المالَ في المعاصي فكل ذلك في صحيفة الأب، يا ربي لا أدخل النارَ حتى أُدخِل أبي، هو سببُ شقائنا و ما علَّمنا و لا وجّ‍هنا، سؤالٌ كبيرٌ ؛ ما عملُك؟ هل لك عمل ؟ هل ربَّيْت أولادك ؟ و هل دخلُك حلالٌ ؟ و تجارتك مشروعة؟

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ربي أنشأنا مستشفى من أعلى مستوى، ولكنَّ الفاتورة مدهشة، فليس عملا خيريًا،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ر بي أنشأنا معهدًا مختلطًا حضاريًا، فكم من علاقة شائكةٍ بين الذكر و الأنثى في هذا المعهد؟! الذي أسَّسه هو السبب،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
يا ربي أقمتُ تجارةً واسعةً من أجل الترفيه على الناس، استوردَ الأفلامَ و وزَّعها و لاقتْ رواجًا كبيرا،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
هنا ك الآلاف من الأمثلة عمل يبدو للناس عظيما،

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
الكافر أنبأنا اللهُ أنه سوف يلقى هذا الجزاءَ، سوف يجد عمله الذي عمله في الدنيا و الذي يبتغي به الرفعةَ عند الناسِ و الثروةَ و الانغماس في الملذَّاتِ المحرمة، هذا العمل قال تعالى:

﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

[سورة النور]
ما فائدةُ الدينِ ؟ الله الخبيرُ بيَّن لك في أولِ حياتك، هذا الشيءُ هكذا حجمُه، و الدنيا جيفةٌ و طلَّابها كلابٌ، و لو أن الدنيا تعدل عند الله.."
يا دنيا طلَّقتُكِ بالثلاث،غُرِّي غيرِي، شأنُكِ حقيرٌ و أمدُكِ قصيرٌ، هكذا قال سيدُنا عليٌّ، فلذلك الإنسانُ يسأل هذا السؤالَ وهو أخطرُ سؤالٍ ؛ ما العملُ الذي أُقدِّمه للهِ عند الموتِ ؟ الذي ربَّى أولادَه تربيةً دينيةً هذا العملُ يلقى اللهَ به و يستحِقُّ به دخولَ الجنةِ، فالأُبُوَّةُ الصالحةُ تكفي لدخول الجنةِ و البُنُوَّة الصالحةُ تكفي، و أن تختار حرفةً مشروعةً و أن تسلكَ بها الطرقَ المشروعةَ و أن تكفيَ نفسَك بها و أن تعينَ المسلمينَ على دنياهم، هذا العمل تدخل به الجنةَ، وإن طلَبْتَ العِلْم وعَلَّمْتَهُ تدْخل به الجنَّة، ونحن سؤالنا اليوم: ما العَمَل الذي يُؤَهِّلُني لِدُخول الجنَّة ؟ الإنسان لا يكون مُسْتَهْلك، فَيُمكن للإنسان أن يُمْضِيَ الوقت رتيبًا ؛ أكلنا وشَرِبنا، ولبِسنا، وتاجَرنا، وتنزَّهْنا إلى أن يأتي الموت ! لا تَكُن مُسْتَهْلكًا، واجْلِس مع نفْسِكَ جلْسة تتأمَّل كيف ألقى الله، وبأيِّ عملٍ ألقى الله، عبْدي بَعَثْتُكَ إلى الدنيا، وأقَمْت فيها ثلاثًا وثمانين عامًا، الآن جِئْتنا ماذا فَعَلتَ ؟ خمسون سنة وهو يَدْعو إلى الإلْحاد، فجاء ملك الموت ! ماذا فَعَلْتَ في الدنيا ؟ أكَّدْتَ للناس أنَّ الكون دون خالِق، والدِّينُ أفْيون الشُّعوب، فالواحِد عليه أنْ يرى ما العَمَل الذي ينْبغي أن يفْعلَهُ ؟ هناك عمل فِكري هَّدام، وآخر بنَّاء، وعمل مادِّي خيري، وآخر شرِّي وعمل فيه إفساد ذات البيْن، دخل عليَّ رجل فقال لي مُتَفلْسِفًا: أنا عملي اسْمُهُ دَرْسِ ورْك ‍! العمل القَذِر !!
لذلك هذه الآية درسٌ بليغ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾

[سورة النور]
السَّراب ظاهرة فيزيائية معْروفة، فانْعِكاسات الشَّمس على الأرض تُشَكِّل مُسَطَّح مُضيء قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾

[سورة النور]
إذا الواحِد وجد قنبلة أليس من الحِكمة أن يدْعو خبيرًا ؟ أم يتعرَّف لِحالهِ ؟ فالإنسان إذا أخذ كلام الخبير أفضل من أن يُجَرِّب بنفْسِهِ، فالعالم يأخذ كلام الخبير، ويسْتفيدُ منه، وأما الجاهِل فيَخْتبِرُ الأمر بِنَفْسِهِ فيكون هو الضَّحِيَّة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 02:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السابعة والأربعون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
يتولَّى عن طاعة الله ويتولَّى عن قَبول الحق، ويتولَّى عن نُصْرة النبي عليه الصلاة والسلام فهذا الإنسان كلامُهُ مُخالِفٌ لِفِعْلِهِ، لذلك الله جلَّ جلاله يقول:

﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
الآن قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

[سورة النور]
هذه الآية مِن أدَقِّ الآيات، وسوف نُوَضِّحُها بِمَثَل ؛ فلانٌ مِن الناس له قَضِيَّة مع شَخْص، وينحلّ عند العلماء حَصْرًا، بيتٌ مُؤَجَّر، فالقانون ليس مِن جانِبهِ، ويقول لك: أريدُ حُكمَ الشَّرْع ! إنسانٌ مُسْلِمٌ وورِعٌ وتقيّ لا يريد إلا حُكم الشَّرْع، لأنَّ له حاسَّة سادِسَة أنَّ هذه القضِيَّة لا تُحَلُّ إلا بالقضاء، ولا بالقانون، فقانون الإيجار ليس بِجانِبِه، والمُستأجِر مُوَظَّف ومَحْمي هو وأولادُهُ، ولا يوجد إلا طريق العلماء، فهذا المُؤَجِّر لمَّا يرى أنَّ القَضِيَّة لا تُحَلّ عند القانون ولا عند القاضي ؛ حينها يأتي عند العلماء لِيَسألهم في حكم الله في هذا الموضوع، وإذا يخصُم على إنسانٍ مائة ألف على إنسانٍ في الجمرك، يقول لك: سوفَ أُبَلِّغ !! لماذا لم تسْأل العلماء بالموضوع الثاني ؟!! فالإنسان له حاسَّة سادِسَة ؛ وهي أين يُحَلُّ موضوعي ؟ إذا القانون بِجانِبِهِ، يلجأ إلى القانون، وإذا الشَّرْع بِجانِبِهِ يلجأ إلى الشَّرْع ! فهذه المواقف المُزْدَوِجَة، وهذه الثنائِيَّة، تارةً حكم قضائي وتارةً حُكمًا شرْعِيًّا، ومرَّةً مُحامي، فهذا الموقف هو موقف المنافقين، وهذا الموقف ليس مِن أخلاق المؤمن، قال تعالى:

﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
فهؤلاء كاذِبون، فمادام تولَّوا عن طاعة الله، وعن نُصْرة الحق، وعن الانْضِواء تحت لِواء الإسلام، قال تعالى:

﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾

[سورة النور]
فقوله إلى الله أيْ إلى قرآنِه وإذا رسوله أي سُنَّتِهِ، تجِدُ حُكم الشَّرْع واضِح ؛ للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، يقول لك: لا نُعطي البنات، فهذا المال يصِلُ إلى الأجانب، وإلى الأصْهار، قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

[سورة النور]

يعرضون عن الله ورسوله، قال تعالى:

﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)﴾

[سورة النور]
إن يكن لهم الحق بالدِّين يأتي إلى الله ورسوله مُذْعِنًا إن علِمَ أنَّ قضِيَّتَهُ تُحَلُّ عندهما، أما إن لم تُحلَّ مشْكِلتُهُ بالدِّين يُعرِضُ عن الله ورسوله ! هذه هي الازْدِواجِيَّة بالمقاييس، والله لو مشى الإنسان من دون ثِياب في الطريق - والإنسان بشِع بِهذه الحالة- أفضل من هذه الازْدِواجِيَّة ! وأهْونُ مِن أن يحْتَكِمُ تارَةً إلى الشَّرع وتارةً إلى القانون.
إن كنتَ تُوقِن أنَّك مُسلمًا فما عليك إلا أن تحْتَكِمَ إلى الشَّرْع، وإن كنت عِلْمانِيًّا أو مُلْحِدًا، فهذا هو القانون، وتجِدُهُ يتفلْسَف، فالتَّحَسُّس لِلمواضِع التي تُحلُّ فيه قضِيَّتُهُ هذا موقف المنافقين، فأنت كَمُسْلِم تلجأ إلى الشَّرْع في كلّ القضايا، أما أن تكون مرَّةً للقانون وأخرى للشَّرْع فهذا التَّنقُّل هو سبيل المنافقين، فالمنافقون مُذَبْذَبين بين ذلك.
وتكادُ تكون هذه الآية وحيدة في القرآن، ولا يوجَدُ غيرها، فهي تُبيِّنُ ازْدِواجِيَّة المقاييس، قال تعالى:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50)﴾

[سورة النور]
من هم المؤمنون ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

[سورة النور]
وقال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(36)﴾

[سورة الأحزاب]
فالله عز وجل قضى في القرآن أنَّ للذَّكر مثل حظِّ الأنثييْن، فالذي له رأيٌ آخر بِحِرْمان البنات فهذا ليس مؤمنًا، لأنَّ الله قضى في هذا الموضوع قضاءً واضِحًا فكلّ مَن أبى الشَّرْع، والانْضِواء تحته، فليس مؤمنًا قال تعالى:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾

[سورة النور]
فأنت عبْد لله عز وجل، وأنت لك شرْع من عند خالق السماوات والأرض شرعٌ كما قال أحد العلماء: الشريعة عدلٌ كلُّها و رحمةٌ كلُّها و مصلحةٌ كلُّها، فأيَّةُ قضيَّةٍ خرجتْ من العدل إلى الجوْرِ و من المصلحة إلى المفسدةِ و من الرحمة إلى خلافها فليست من الشريعة ولو أُدخِلتْ عليها بألف تأويلٍ،
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْجِعْهُ ))

[رواه البخاري]
هذا كلام النبي، فالمؤمن كما قال تعالى:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)﴾

[سورة النور]
فعلامة المؤمن، هذا الشيء ليس لك، هذه الآية وهذا الحديث، وهذا الشيء لك هذه الآية و هذا الحديث، هذا المهر لابنتك و هذا الطلاق غير جائز، المؤمن الصادق ينضوِي تحت الشرع، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)﴾

[سورة النور]
فأنت الفوز عندك ما مقياسه ؟ مع مال طائلٌ و لك بيتٌ نزعته من صاحبه قهرًا، لستَ فائزًا، عند القانون فائز ولكنَّك عند الله خاسرٌ.
أحد الأخوة الكرام تاجر، أخذ مَحْضرًا بمركز استراتيجي في المدينة قال لي: أصلحني اللهُ، بأسلوب ذكيٍّ المحضر على الشُّيُوع، خمسةُ أشخاص لصالحِ واحدٍ، رفعنا السعرَ حتى استقرَّ على سعرٍ يساوي نصفَ قيمته، و فيه أيتامٌ و بعد ما فاز بالمحضرِ وصار ملكًا له و شعر بنشوةٍ جاء إليَّ فقال لي: أنا متضايِقٌ، قلتُ لماذا ؟ قال: أخذتُ المحضر بهذه الطريقةِ، فقلتُ له، لا تنس القبرَ و الموتَ و الحسابَ، و أصحاب هذا المحضر أيتامٌ و قُصًّرٌ و أنت أخذتَه بأسلوبٍ غير شرعيٍّ بنصف قيمته قال: ما العمل ؟ قلت: أمامك حلَّانِ، إما أن تنسحب من هذا المحضر أو تدفع لأصحابه القيمةَ الكاملةَ، فقال: انسحبتُ، هذا هو المؤمنُ، فانظُر حكم الله، هناك ألفُ قضيَّة القانون معك فيها، لكن لابد لك من حكم الله لأنك لن تنجوَ من الله، يا أُويسُ، إن لك قرينا يُدفَن معك وهو حيٌّ، و تُدفَن معه و أنت ميِّتٌ فإن كان كريما أكرمك و إن كان لئيما أسلمك، ألا وهو عملُك و القبر صندوق العمل:

الدنيا ساعة فاجعلها طاعةً و النفس طمَّاعةٌ عوِّدْها القناعة
***
أيها الأخوة الكرام، أرجو الله جل جلاله أمام كلّ موقف هيئ جوابًا لله تعالى، وأمام كلّ عطاء، وأمام كلّ ابْتِسامة، وقبل أن تُعطي، وقبل أن تأخذ، وقبل أن ترْضى، وقبل أن تتزوَّج أو تُطَلِّق، وقبل أن تصِلَ أو تقْطع، فالآيات دقيقة جدًّا، ولا تسْتَعمِل مقياسَين، بل مِقياس الشَّرع أقْسَمَ لي واحِد أنَّهُ قدَّم لِوَرَثَةٍ عشرين مليون ليرة ولا يمْلِكون أيَّ وصْلٍ ولا علم أنَّ هذا المال معي ؛ هذا هو الشَّرْع وهذه هي الأمانة.
هذه الآية تُبيِّنُ مرضًا خطيرًا، وهو مرض الازْدِواجِيَّة، ومرض اسْتِخدام مقاييس مُزْدَوِجَة، ومرض البحث عن المصْلحَة، ثمَّ هؤلاء الأقوياء لمَّا اسْتَخدموا مِقياسَين حقرهم الناس.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-13-2018, 02:47 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة النور ( 24 )


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية الثانية والسِّتون من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)﴾

[سورة النور]
ماذا نفْهم من هذه الآية ؟ إنَّما المؤمنون ؛ فالمؤمن الحق هو الذي يفْعَلُ كذا وكذا، وإن لم يفعل كذا وكذا فليس مؤمنًا كامِلَ الإيمان، ونسْتنبط من هذه الآية أنَّ المجتمع الإسلامي مُجتَمَع مُترابِط، فاسْتِماع دون تَقديم أيّ خِدْمة لِجَماعة المؤمنين، ليس هذا هو الإيمان، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة النور]
مِن لوَازِم الإيمان بالله ورسوله أنَّهم إذا كانوا معه على أمْرٍ ذو شأنٍ كَغَزْوةٍ أو معركة، سوف يقْتَحِم، ويُعَدُّ لها، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

[سورة النور]
خُروج الإنسان يحْتاج إلى تنسيق مع رسول الله، ولعلَّ هذا الإنسان لهُ مُهِمَّة خطيرة جدًّا، والنبي عليه الصلاة والسلام سَيُكَلِّفُهُ بِها، فإذا خرَجَ مِن دون أن يستأذِن فقد أفْسَد خِطَطَ النَّبي، هناك معنى، وهناك ما خلْفَ المعنى، أو ما بين السُّطور، أو الروح العامَّة للآية تُشير إلى أنَّ المُجْتمَعَ الإسلامي مُجْتَمَعٌ مُتَعاوِن، وكلّ واحِد يُقَدِّم للمَجْموع مِن اخْتِصاصهِ وقُدُراتِهِ ما يتناسَب مع حاجة المجموع، فليس المقْصود الاسْتِئذان، ولكنَّ المقصود أنَّ المجتَمَع مُتعاوِن، فكلٌّ منهم يُعين أخاه والمجتَمَع الإسلامي إذا كان مُتَرابِطًا، ومُتَعاوِنًا، ومُتبادِل، فالله جلَّ جلاله يقول في الحديث القُدسي:
عن معاذ بن جبل قال:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))

[رواه أحمد]
فلو أنَّ إنسانًا مثلاً يُتْقِنُ الكهرباء ووجَدَ أنَّ الجامِع يحْتاج إلى إصْلاح، فعرَضَ خدماتِهِ، أما الذي لا علاقة له بالمسلمين، ولا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، فهذا اسْمُهُ تعليم، أما التربيَة ففيها التَّعاوُن، وتعارُف.
هذه الآية خاصَّة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأصْحابِهِ، ولكن ماذا نسْتفيد منها نحن كَمُجْتَمَعٍ مسْلِمٍ ؟ نسْتفيد في التَّعاوُن، فأنت إذا كنت في مجْتَمع المسلمين لا بدَّ أن تهْتَمَّ بِأحوال الناس وبِمُشْكِلاتِهم وحاجاتِهم، فهذا التَّعاوُن، فالواحِد من المجموع، والمجموع من الواحِد، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

[سورة المؤمنون]
هذه الأداة أداة قصْر، فما بعدها مَقصورٌ عليها قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

[سورة النور]
عدمُ الانْتِماء، والتَّحَرُّر مِن كلّ قَيد، وعدم بَذْل أيِّ شيء، ليس هذا هو الإيمان، فالإيمان عطَاء، وبِمُجَرَّد أن يسْتقرَّ الإيمان في النَّفْس يُعَبِّرُ عن ذاتِهِ بِحَرَكَةٍ نحو خِدْمة الآخرين، فالذي يسْتَمِع بإصْغاء، وليس فيه فائِدَة، ومن دون أن يُقَدِّم أو يُؤخِّر فالإنسان إذا كان طبيبًا أو صاحِب مخْبر، لا بدّ أن يُقَدِّم المُساعدة لِهؤلاء الفقراء، تشْعُر بِسَعادة كبيرة وهذا دهَّن المسْجِد، وذاك راعى إخوانَهُ وذاك جرَّاح يُقيم عملِيَّات جِراحِيَّة، أنا الآن أضرب الأمثلة، فالله تعالى قال:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾

[سورة النور]
وأكثر ما نحْتاج إليه نحن اليوم تَزْويج الشَّباب، فتاجِر العمار إذا كان عندهُ بيوت لم تُفْتَح بعدُ ؛ لك أن تُخَصِّص بيتًا للفقراء للأجرة، فالعِبرة أن تعْمل شيئًا لله بِحَياتِك، طبّ أو هنْدسة أو مُحاماة أو مُدَرِّس أو تاجِر أو صانع، أنا ضربتُ هذه الأمثلة كي تعلمَ أنَّك مع المؤمنين وأنَّك واحِدٌ منهم، وكلُّنا لك، وأنت لنا، فالأصل إعانة المؤمنين، والعوام لهم لطيفة فيقولون المركب إذا لم يكن فيه شيء لله يغْرق ‍! فالله تعالى قال:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة النور]
فالنبي عليه الصلاة والسلام انْتقل إلى الرفيق الأعلى وأصحابه الآن في البرزخ وفي روضات الجنَّات إن شاء الله تعالى.
أعرف امرأة أُصيبَتْ بِمَرضٍ عُضال ثمَّ شفاها الله سبحانه وتعالى وهي في مرضِها نذَرت أن تخْدم المسلمين، ماذا فعلتْ ؟ لم تكن تملكُ شيئًا فأصْبَحَتْ تطْبُخ للفقراء، والمبْلغ الذي تأخذُهُ تُقَدِّمه لإجْراء عمليَّات جِراحِيَّة، فهذه المرأة لا تمْلُك إلا أن تطْبخ، فالإنسان إذا نوى أن يُقيمَ العمَل الصالِح هناك ألف عمل صالِح، وأجْدادُنا تفنَّنوا في العمل الصالِح. أيها الأخوة، الإنسان الخالي من العمل الصالِح لا يمْلكُ شيئًا، فإن قلتَ الشمس ساطِعة ! فأنت إن قلتَ ساطِعَةً أم لا، فأنت لم تُقَدِّم ولم تُؤخِّر ! أما بالعمل الصالة ترقى وتَجِدُهُ في القبر، والقبر صُندوق العمل.
مِحْور الآية اليوم، إذا كلّ أخ منَحَ من اخْتِصاصِهِ لله تعالى، ومنحه للمؤمنين الفقراء، يكون قد ساهَمَ في تحقيق هذه الآية، و حينها يفْرح المسلمون، وحينها يحْفظنا الله.
آيتنا اليوم لها منْطوق ومَفهوم، فَمَنطوقها مَفهوم، وهو أنَّ الله تعالى وجَّه الصحابة أن لا يُغادِروا مُجْتَمَعهم إلا بإذْن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أما مَفهوم الآية هو التَّعاوُن والتعارف والتبادل، ووجَبَتْ محبَّة الله للمُتحابِّين فيه، وقد حضرتُ عِدَّة عُقود قِران، فما قُدِّمَت الهدايا، وإنَّما جُعِلَت للفقراء، وإنشاء المعاهِد الشَّرْعِيَّة، ونحن نتمنَّى أن تُلْغى الهدايا وتُقَدَّم لِفُقراء المسلمين، وبالمقابِل تجد أعراس ثَمَن الزُّهور فقط يُكَلِّف ما يتزوَّج به عشرون شابًّا ! وكلَّما بخل الأغنياء، وقل التَّدَيُّن كثر النَّهب والاغْتِصاب، لذلك الأغنياء أوْصِيائي، والفقراء عِيالي، فَمَن منَعَ مالي لِعِيالي أذَقْتُهُ عذابي ولا أُبالي، وقِوامُ الدِّين والدنيا أربعة رِجال: عالِمٌ مُستعملٌ علْمهُ، وجاهِل لا يستنكِف أن يتعلَّم، وغَنِيّ لا يبْخل بِمالِهِ وفقير لا يبيعُ آخرته بِدُنياه، فإذا ضيَّع العالم عِلْمَهُ اسْتَنْكَف الجاهِلُ أن يتعلَّم، وإذا بَخِل الغنيُّ بِمالهِ باع الفقير آخرتَهُ بِدُنيا غيْره، فآيتنا فيها مفهوم ومنْطوق، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة النور]
والله أيها الأخوة، زارني أخٌ دكتور معه ثلاثة بورْدات، فقال لي: أيُّ عَمَلِيَّة اسْتِئصال لا بدَّ من طبيبَيْن أو ثلاثة، فزارني أخ مهندِس وقال لي: بنتي معها اسْتِئصال كِلْية والطبيب يقول اليوم تُجْرى العَمَلِيَّة ! فقلتُ له: سأُرْشِدُكَ عند طبيب مُختصّ ولا تأخذها عند الطبيب المُقَرَّر، فلما ذَهَب عند الطبيب المختصّ الذي أرْشَدْتُهُ إليه قال له: ابْنَتُكَ لا تحتاج إلى عَمَلِيَّة بل كِليَتُها سَتعْمَل بعد شَهْر ! وبعد بِثمانِيَة عشر يومًا قال لي هذا المهندس: اشْتَغَلَتْ كِليَةُ ابْنتي! فلذلك هذا الطبيب ما فعَلَ إلا أنَّهُ قدَّم نصيحةً، والْتَغَتْ العَمَلِيَّة الجِراحِيَّة، وربِحَت البنت كِلْيَتَها، وفي أحد المرَّات قال لي أخ: إذا اشْتَرَيْتَ برَّادًا فلا تُنَيِّمْهُ إذا أخَذْتَهُ إلى البيت بل اجْعَلْهُ واقفًا، لأنَّ إذا أوْصلتَهُ بالكهرباء في البيت يحْترق المُحَرِّك ! فوجَدتُ أحد الأخوة وقد اشترى برَّادًا فقلتُ له لا تجْعلهُ مائلاً لأنَّ المُحرِّك يحْترق، وإذا أخذْتَهُ للبيت دَعْهُ يرتاح ثماني ساعات، فالحياة للتَّعاوُن، وتقديم نصائِح لِوَجه الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، فالآية السابعة من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: وقالوا:
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (8)﴾

[سورة الفرقان]
ماذا أراد الله تعالى مِن أنَّ النبي من خصائصِه أنَّهُ يأكل الطَّعام، وأنَّهُ يمْشي في الأسواق ؟ قال العلماء: يأكل الطَّعام أيْ أنَّ وُجود الإنسانِ كائِنًا من كان مُفْتَقِرٌ إلى غيرِه، ولكنَّ وُجود الله عز وجل وُجود صَمدانيّ وذاتي، فالله سبحانه وتعالى لا يفْتَقِرُ في وُجودِهِ إلى غيْرِهِ، أما نحن نفْتَقِرُ في وُجودِنا إلى كأس ماء، و إلى الهواء و إلى الطعام و الشراب لذلك النبيُّ بشرٌ وهناك فرق كبير بين مقام الألوهية و مقام النبوَّة، و إذا قال النبيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسِيرٍ فَلَهَوْتُ عَنْهُ فَذَهَبَ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( فَقَالَ مَا فَعَلَ الْأَسِيرُ قَالَتْ لَهَوْتُ عَنْهُ مَعَ النِّسْوَةِ فَخَرَجَ فَقَالَ مَا لَكِ قَطَعَ اللَّهُ يَدَكِ أَوْ يَدَيْكِ فَخَرَجَ فَآذَنَ بِهِ النَّاسَ فَطَلَبُوهُ فَجَاءُوا بِهِ فَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ فَقَالَ مَا لَكِ أَجُنِنْتِ قُلْتُ دَعَوْتَ عَلَيَّ فَأَنَا أُقَلِّبُ يَدَيَّ أَنْظُرُ أَيُّهُمَا يُقْطَعَانِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَوْ مُؤْمِنَةٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةً وَطُهُورًا ))

[رواه أحمد]
معنى ذلك أن كل خصائص البشرِيَّة مُطَبَّقة عليه، وتجْري عليه كلّ خصائص البشر كان سيِّد البشر فنحن جميعًا مِن بني البشر نَجوع ونعْطَش، ونغْضب ونرضى ونكْره ونخاف ونرْجو نشْتهي، ومع هذه الصِّفات بِإمكاننا أن نصِل إلى الله تعالى، وبإمكاننا أن نسْمو بِنُفوسِنا، فلا يتناقض أن تكون ولِيًّا لله تعالى وتأكل وتشْرب وتنام، وتشْتهي ما أودَعَهُ الله فيك، فالآية دقيقة جدًّا فالله أراد أن يقول لنا أنَّ هذا النبي بشَر، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾

[سورة الكهف]
ومع ذلك انتَصر على بشَرِيَّتِهِ وصار سيِّد البشر، وأنت على رغم الشَهوات التي أوْدَعها الله فيك ؛ شَهوة الطَّعام والشراب وشَهْوة العلُوّ في الأرض، وشهوة النِّساء، يُمكن أن تكون وليًّا لله تعالى.
المعنى الأوَّل ما لِهذا الرسول يأكل الطَّعام ؛ أي هو مُفْتقِرٌ في وُجودِهِ إلى تناوُل الطَّعام.
أما يَمْشي في الأسواق فما معناها ؟! معناها، وأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى تامين ثَمَنِ الطَّعام للكَسْب في الأسواق، فأنت مُفْتَقِرٌ مرَّتَين ؛ مُفْتَقِرٌ إلى الطَّعام ومُفْتَقِر إلى ثَمَن الطَّعام، فَثَمَنُ الطَّعام يدْفَعُكَ إلى أن تعْمَل، والطَّعام يَحْميك مِن الموت، والله عز وجل كتَبَ عليْكُم السَّعْي، والآخرة أساسها العَطاء، ففي الدنيا قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6)﴾

[سورة الإنشقاق]
أما في الآخرة قال تعالى:
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ(35)﴾

[سورة ق]
لذلك أراد الله مِن كلمتين ؛ مِن كلمة أنَّ هذا النبي يأكل الطَّعام، أي أنَّهُ بشر يأكل ويشْرب ويتزوَّج ويغْضَب ويرْضى ويُحبّ ويُغْضب، ويؤْلِمُهُ الهِجاء، ويفْرَحُ بالثَّناء فلأنَّهُ بشَر تجْري عليه جميع خصائص البشر وحينها كان سيِّد البشَر، ونحن على الرَّغْم مِن بشَرِيَّتنا، ومِن حاجتنا إلى الطَّعام والشَّراب، وحاجتنا إلى زوْجة، وحاجتنا إلى أولاد، وأن نسْمُوَ بأنفسنا، يُمكن أن نكون أولياء لله عز وجل، ودَعْكَ مِن تعريفات الوِلاية التي لا طائِلَ منها، ولكن اِقرؤوا تعريف الوِلاية في كتاب الله تعالى، قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)﴾

[سورة يونس]
لِمُجَرَّد أن تؤمن بالله تعالى، وتتَّقي أن تعْصِيَهُ فأنت ولِيًّا لله تعالى، ولا يمْنَعُ أن تكون وليًّا أن تأكل وتَجوع وتُؤسِّس عملاً تِجاريًّا، وأن تتمنَّى أن تكون مُتَفَوِّقًا، فالإسلام دينُ الفِطرة ولا تناقض فيه، وهناك أدْيان إن لم تعْتَزِل المُجْتَمَع، وتُلْغي الزَّواج لا تُعَدُّ ولِيًّا !!
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ:
((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[رواه البخاري]
أرَدْتُ من هذه الآية، وأنت بشر تأكل وتشْرب وتتزوَّج وتُنْجِب يُمْكِن أن تكون وليًّا لله تعالى على كلِّ هذه الصِّفات التي أنت فيها، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً (8)﴾

[سورة الفرقان]
ثمَّ يقول الله عز وجل في الآية العشرين:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20)﴾

[سورة الفرقان]
هناك أشْخاص يبتعِدُ عن المُجْتَمَع ويعيش في بُرْج عاجي، حتَّى يكتَسِبُ مهابَةً ! فهذا لا يُعْطيكَ مهابَة، فالأنبياء كانوا يتسوَّقون، فهم من أجل أنَّ خصائص البشر كانت تجري عليهم كانوا سادة البشر، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20)﴾

[سورة الفرقان]
إذًا أيها الأخوة، يجب أن نعْلَمَ عِلم يقين أنَّ ديننا الحنيف هو دينُ الفِطرة، ودينُ الواقِع، والإنسان لا يجد نفْسه إلا في الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام:
((يولد المولود على الفطرة فإمَّا أبواه..."))
ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام يُسْلِمانِهِ ! لأنَّ الإسلام دينُ الفِطرة، والله جل جلاله يقول:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

[سورة الروم]
فأَنْ تُقيم وَجْهك للدِّين حنيفًا ؛ هذه الوِجْهة هي حقيقة الدِّين، لذلك الدِّين يتوافَقُ مع الفِطرة، ويتآلف معها، والإنسان له حاجة لا يملؤُها الغِنى ولا منْصِب الرَّفيع، ولا الزَّوجة التي تروق لك، ولا الأولاد الكِبار، لا يملؤُها إلا القُرْبُ مِن الله تعالى وقد قلتُ لكم قد يُعطي الأب لابنه ما يشْتهي ولكنَّ هذا الأب لا ينظر إلى ابْنِهِ ولا يبْتَسِمُ له، ولا يضَعُ يَدَهُ على كَتِفِهِ، ولا يسألُهُ عن حالهِ أبدًا فمهما كان عطاء الأب غزيرًا وحرم ابنَهُ هذه الصِّفة والصِّلة وتلك المودَّة فالابن في جوعٍ أبَوِي، فالشُّعور الأبوي أغنى عطاء للابن، ونحن جميعًا في قلق، والحياة صَعْبة وفيها مخاطِر وكل يوم قد يلِدُ لك مُشْكِلةً أما الإنسان إذا اتَّصل بالله تعالى وأوى إلى رحْمَتِهِ يُنْزِلُ الله على قلْبِهِ السَّكينة، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾

[سورة الفتح]
فلِذلك لا يتناقضُ عملكَ وسعْيُكَ وتِجارَتِكَ وبشَريَّتُك مع أن تكون ولِيًّا لله تعالى هناك منْهَجٌ، ولك أن تأكل وتشْرب مِن دون إسْرافٍ ولا مَخْيَلَة ولك أن تتزوَّج مِن دون معْصِيَة، ولك أن تعْلو في نظر الناس مِن خِلال طاعتِكَ لله عز وجل، فَكُلّ أوامِر الله عز وجل تتوافق مع طبيعة النَّفْس وقد قال الله عز وجل:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[سورة البقرة]
فأيُّ إنسانٍ يقول هذا الأمر فوق طاقتي فهو إنسانٌ جاهِل ! فلذلك كلَّما تقرءون أنَّ هذا النبي يأكل الطَّعام ويَمْشي في الأسواق فهو دليل البشَرِيَّة، وأنت بشر، ومع أنَّه بشر وتجْري عليه كلُّ خصائص البشر كان سيِّد البشَر، ولا ينبغي أن نَجْعَل تناقُضًا بين الدِّين والحياة، والحياة الحقيقيَّة هي الدِّين قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[سورة الأنفال]
والإنسان إذا لم يهْتَدي إلى الله تعالى ميِّت، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)﴾

[سورة فاطر]
يا بُنَيّ العِلم خير مِن المال لأنَّ العِلم يحْرُسك، وأنت تحْرُس المال، والمال تُنْقِصُهُ النَّفَقَة، والعِلم يزْكو على الإنفاق، والعلماء ما بقيَ الدَّهْر وأمثالهم في القلوب موجودة.
أيها الأخوة الكرام، الذي أريد أن أقوله لكم أنَّ الدِّين هو الحياة، والحياة الحقيقيَّة هي الدِّين، والدِّين ليس فيه الحِرْمان، وما حرَّم الله علينا الطَّيِّبات، وأمرنا بالطاعات، و وعَدَنا بِسَعادَةٍ في الدنيا والآخرة، ومن أراد أن يتأكَّد فهذا طريق الله أمامكم، فلَحْظة تَفَكُّر حقيقيَّة تُسْعِدُهُ إلى الأبَد، ولمَّا خلق الله العقل قال له: أَقْبِلْ فأقْبَل، ثمَّ قال لله: أدْبِر فأَدْبر فقال تعالى: وعِزَّتي وجلالي ما خلقْتُ خلقًا أحبُّ إليَّ منك، بِكَ أُعْطي وبِكَ آخُذ.
تصوَّر إنسانًا باع بيتَهُ بِعُمْلة أجْنبيَّة، ومعه جِهاز إلكتروني وما اسْتَخْدَمَهُ والعُملَةُ كلّها مُزَوَّرة، هل يستطيع أن يلوم أحدًا على ذلك ؟!
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ:

(( قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]










والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السادسة و الأربعون من سورة الفرقان و هي قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
أيها الأخوة، لماذا نجح النبيُّ أعظمَ نجاح في تربية أصحابه وبثِّ الإيمان في قلوبهم و حملهم على أن يكونوا أبطالا بينما الدعوات المعاصرة لم تنجح في ذلك المضمارِ ذلك النجاح الذي حقَّقه النبيُّ.
الذي يبدو أن النبيَّ بدأ بتعريف الناس بربِّهم فلما عرفوه عرِّفهم شريعتَه، و النقطةُ الدقيقةُ أنه ينبغي أن تعرف الآمرَ قبل الأمر، لأنك إذا عرفتَ الآمر قبل الأمر تفانيتَ في طاعته و إذا عرفتَ الأمر و لم تعرف الآمرَ تفنَّنْتَ في التفلُّتِ من طاعته، لذلك ما معنى هذه الآيات الكثيرة التي أشار القرآنُ إليها ؟ قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾

(سورة الفرقان)
أي هل رأيتَ، و يعني أُنظُرْ، فأنت الآن أمام أمر إلهيٍّ الذي يفيد الحضَّ، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾

(سورة الفرقان)
قال تعالى:

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

(سورة يونس)
و قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾

(سورة آل عمران)
قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)﴾

(سورة عبس)
و قال تعالى:

﴿فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)﴾

(سورة الطارق)
و قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)﴾

(سورة الغاشية)
هذه الآياتُ الكثيرة التي وردتْ في كتاب الله أوامرُ يقتضي أن تُنَفَّذ

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
متى يسكنُ الظلَّ ؟ إذا توقفت الأرضُ في دورتها حول الشمس، الأرض تدور حول الشمس و حول نفسها ً في كلَّ يوم، و حول الشمس ً في كلِّ عام، و من دورتها حول نفسها ينشأ الليل و النهارُ، ولو أنها توقَّفتْ عن الدورانِ لأصبح الوجه المقابلُ للشمس تزيد حرارته عن ثلاثمائة وخمسين درجة، و عندها تتوقفُ الحياةُ، أما الوجه الآخر فتصل حرارتُه إلى مائتين و سبعين تحت الصفر، فمن الأرض حول الشمس ينشأ الليل والنهار، و لكنْ هذه ال على محور ليس موازيًا لدورانها حول الشمس، وإلا كانت الأرضُ واقفةً، وجه ثلاثمائة وخمسون فوق الصفر و وجه أخر مائتان و سبعون تحت الصفر، الحياة منتفيةٌ، إذاً هي في محورٍ ليس موازيا لمحور دورانها حول الشمس، و لو كان المحورُ عموديا لانعدمَت الفصولُ، أما هذا الميلُ فيجعل الشمس عموديةً في القسم الشمالي و في ال التالية يجعل الشمسَ عموديةً في القسم الجنوبي فتنشأ الفصولُ الأربعةُ، الليل والنهار ينشأ من دورانها في محور ليس موازيا لمستوى دورانها حول الشمس، و الفصول الأربعة تنشأ من ميلِ محورها، و الأرضُ في دورتها حول الشمس تقطع ثلاثين كيلومتر في الثانية الواحدة، هذه الحقائق بديهية نسير في درس الطاووسية الذي لا تزيد مدَّتُه عن ربع ساعة نسير سبعًا وعشرين ألف كيلومتر، هذه حركة الأرض حول الشمس، أما الشمس فملتهبةٌ ذوقها لمليون و ثلاثمائة ألف أرض، و طول بعض ألسنة اللهب مليون كيلومتر، و عند الخسوف تبدو الشمسُ قرصًا أسودَ و حولها ألسنةٌ من اللهب، درجة حرارتها في مركزها عشرون مليون درجة، بمعنى أن الأرضَ لو أقِيتْ فيها لتبخَّرتْ في ثانية واحدة،

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
أنت مكلَّفٌ أن ترى، هذه الدماغُ أثمنُ جهاز أودعه الله فيك، ليس من أجل أن توقِع بين الناس العداوةَ و البغضاء و لا من أجل أن تأكلَ أموالَ الناس بالباطل، و لا من أجل أن يُوَظَّفَ الذكاءُ في اغتصاب أموال الناس و الاعتداء عليهم، هذا الدماغ الذي أودعه الله فيك من أجل أن تعرف اللهَ،

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
فحينما يمتدُّ الظِّلُّ، معناه أن الأرض تدور حول نفسِها والشَّمس ثابتة، فَدَليل دوَران الأرض حول نفْسِها، أما لو أنَّها تَدور ونحسُّ أنَّها تدور فهذا شيءٌ غير مَعْقول، لكِنَّها ثابِتَة، تَجِدُ بناءً عُمرهُ ثلاثون سنة، لا يَحوي شَقًّا، فهل للإنسان أن يَخْتَرِعَ مرْكَبَةً تسير في الثانية الواحِدَة ثلاثين كيلو متر، ولا تَهْتزُّ إطلاقًا، فالطائرة تضْطرب والقِطار يضْطرب، وكذا السيارة، فهذا الثبات المطلق، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
امْتِداد الظِّل يعني دَورة الأرض حول نفْسِها.
والقمر يدور حول الأرض دَوْرةً مرةّ في الشَّهْر، ولكن هذه الدَّورة تتميَّز بأنَّهُ ينْزل منازِل؛ مِن هلال إلى بدْر إلى محاق، فالقمر جعلَهُ الله تعالى تَقْويمًا لنا في السَّماء، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5)﴾

(سورة يونس)
فنحن عندنا الأرض حول الشَّمس، ودَورة القَمَر قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾

(سورة الفرقان)
لو سَكَنَ الظِلّ لتَوَقَّفَتْ الأرض عن الحركة، والشيء العَجيب أنَّهُ يوجد بالكَون أشياء ثابتة، وأخرى مُتَحَرِّكة، فالثابتة دَوَرانُ الكواكب والنُّجوم، وهذه تُعْطي طمأنينة، وثبات، فلا يوجد يوم خالي من الشَّمس، فالجبَلُ جبل، والسَّهل سهلاً والبحر بحرًا، والقمر قمر، فالمواد لها خصائص ثابتة، فثَبَاتُ حركة الأفلاك، وثباتُ خصائص الأشياء ؛ هذا مِن أجل أن يسْتقرَّ النِّظام في الأرض، ولكن تبدُّل الرِّزق، وتبدُّل هُطول الأمطار، وتبدُّل الطَّقس والرِّياح ؛ هذا مِن أجل التَّرْبِيَة، فربُّنا عز وجل ثبَّتَ أشياء لِيُريحَنا وحرَّك أشياء لِيُرَبِّينا، فالمُتَحَرِّكات أدواتُ ترْبيَةٍ، والثَّوابت أدواتُ طمأنينة.
ثمَّ يقول تعالى:

﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45)﴾

(سورة الفرقان)
لولا أنَّ هناك شمسٌ تُلقي ضَوْءها على الأرض لما اخْتَلَفَ الظِّلّ، ففي الظلام الدامس لا يوجد ظلّ، مِن أين يأتي الظِّل ؟ مِن مَنْبَعٍ ضَوئي، يقف أمامه جِـسم كتيلٌ ينشأ عنه ظِلّ، و لو كان الجسمُ شفَّافًا فلن يكون له ظلٌّ، فأشار الله عز وجل إلى نعمة الشمس وإلى نعمة حركة الأرض و إلى أن تبدُّل، فلو وُجود الشَّمس لما رأيتَ الظِّل في الأرض إطلاقًا قال تعالى:

﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46)﴾

(سورة الفرقان)
أحيانًا تكون بِغُرْفَة ذي إضاءةٍ جيِّدة، أطفأنا الضَّوء فجْأةً فإذا بِنَا نشْعُر بالضِّيق، أو إذا كُنَّا نائِمين وأشعَلنا الضَّوء فجأةً، ويحدُث ما يُسَمَّى بالانْبِهار أما الله عز وجل مِن لُطْفِهِ الشَّمس تغيب، وتبقى الأرض مُنيرةً إلى ثلث ساعة، وبعد ثلث الساعة يدخل الليل شيئًا فشيئًا، وبعد ساعة وربع ظلامٌ دامِس، هذا اللُّطف من الله عز وجل، وهكذا الفجر، فَغِياب الشَّمس ثمَّ غِياب الشَّفق ثانيًا، ثمَّ مجيء الليل ثالثًا، ثمَّ مجيء الضَّوء أوَّلاً ثمَّ ظُهور قرص الشَّمس ثانيًا ثمَّ انْتِشار الضَّوء ثالثًا، قال تعالى:

﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً (46)﴾

(سورة الفرقان)
تداخل الليل و النهار تداخلٌ لطيفٌ متدرِّجٌ،قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
فالله عز وجل جعل للإنسانِ أعصابًا و له مستقبِلات، فالعين تستقبل و الأذن تستقبل و اللسان يستقبل و الأنف يستقبل و الجلد يستقبل، هذه الحواس الخمسُ تستقبل المؤثِّراتِ وتنتقل هذه الإشارات الكهربائية عبر الأعصاب، و العصبُ عبارة عن نواةٍ وهيولى و استطالة عصبية، و الخلية العصبية مثل الأخطبوط لها ذنبٌ طويلٌ جدًّا، هذا الذنَب الطويل يتصِّل بطرف خلية عصبية ثانية، فما هو النوم ؟ هو تباعدُ هذه الأعصاب عن بعضها، فإذا جاء المؤثِّرُ يرى المسافةَ واسعةً لا يقفز، هذا هو النوم، فالنائم لا يسمع الأصوات، أما إذا كان الصوتُ مخيفا تتجاوز الفراغ فيفيق النائم ؛ هذه آلِيَّة النوم، وجميع الأدْوِيَة المُهدِّئة تُباعِدُ بين الأعْصاب وجميع الأدْوِيَّة المنشِّطة تُقرِّبُ بين الأعصاب، فالإنسان إذا أخذ دواءً مُنَشِّطًا لا ينام لأن الأعصاب تكون مُتقارِبَة، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
فالإنسان ولو نام في النَّهار فلا يسْتريح وكذا الضَّجيج، وأنا أعرف أحدهم لا يستطيع النوم في الليل، لذا نِعمة النَّوم لا تَعدِلُها نِعْمة، ينام الإنسان فترتاح أعصابُه، و تنزل ضرباتُ القلب إلى خمسٍ و خمسين، فإذا أ جهد الإنسان نفسَه فهو معرَّضٌ لجلطةٍ في القلب، و إذا لبا تنام النوم الكافي يتعب قلبُك، و النبيُّ علَّمنا إذا نعس الواحدُ أن ينامَ، و إلا لا يستفيد من العبادة، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)
ومهما جعلتَ من الإضاءة في الليل فليست كضوء الشمس، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً (47)﴾

(سورة الفرقان)








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة و الخمسون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
أيها الإخوة الكرام، نتابع الحديث الذي بدأناه في اليوم السابق عن آيات الله التي بثَّها في الآفاق و في الأرض و في الأنفس، وهذه آيةٌ بثَّها الله في الأرض، و قبل أن نمضيَ في الحديث عن هذه الآية أحبُّ أن أضع بين أيديكم أن الأنبياءَ السابقين جاءوا بمعجزات حسِّيةٍ هذه المعجزات وقعت وانتهت و بقيتْ خبرًا، يصدِّقها من يصدِّق و يكذِبها من يكذِب، إلا أن معجزة النبيِّ عليه الصلاة و السلام معجزة مستمرة، بمعنى أن في القرآن الكريم إشارات كثيرةً بينات واضِحات إلى ظواهرَ لم تكن معروفةً في عهد النبيّ، وكلما تقدم العلمُ كشفَ بعضًا منها، فالقرآن الكريم في معجزاته مُتجدِّدٌ و قد أشار إلى هذا المعنى الإمامُ عليٌّ رضيَ الله عنه فقال: في القرآن آيات لما تُفسَّر بعد " و كلما تقدم العلم اكتشف جانبا من هذا الإعجاز العلمي في هذا القرآن، بل إن هذا الإعجاز العلمي هو أحد الأدلة الكبرى أن هذا الكتابَ كلامُ الله، فمثلاً ؛ قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(45)مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46)﴾

(سورة النجم)
وأحدثُ البحوث تقول: إن تشكُّل الجنين ذكرا كان أو أنثى متعلِّق بالحُوَين المنوي لا بالبُويضة، و البويضة لا علاقة لها إطلاقا بنوع الجنين، إن الحوين المنوي فيه موَرِّثات، بعض هذه المورِّثات على شكل (x) و بعضها على شكل (y) و من الحوين وحده يتحدَّد نوع الجنين، وقد أشار القرآن الكريم إلى أن كل شيء في الكون يدور في فلكٍ، قال تعالى:
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

(سورة يس)
و قد أشار القرآن الكريم إلى نظام الزوجية في الكون، فما من شيء ـ طبعا الإنسانُ و الحيوانُ ذكر و أنثى ـ أما النبات فذَكَرٌ و أنثى و أما الجماد فكلُّ ذرَّةٍ يتشكل منها الجمادُ فيها شحناتٌ إيجابيةٌ و شحنات سلبيةٌ، لذلك قال تعالى:

﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49)﴾

(سورة الذاريات)
حينما قال تعالى:

﴿غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾

(سورة الروم)
المصادر التاريخية تؤكِّد أن هذه المعركة التي هُزم فيها الرومُ كانت في غور فلسطين، و الآن عن طريق أشعة الليزر اكتشف أن أخفض نقطة في القارات الخمس هي غور فلسطين، و حينما أراد الله تعالى أن يصف السماوات كلَّها بصفة واحدة جامعة مانعة قال:

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾

(سورة الطارق)
و كل كوكب في السماء يدور حول كوكب آخر في مسار مغلَقٍ، أي انه يرجع إلى مكان انطلاقه، و لو توقف الكونُ عن الحركة لأصبح كتلةً واحدةً لأن هذه الحركة تنشِأُ قوَّةً نابذةً تكافئُ القوةَ الجاذبةَ، قال تعالى:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(40)﴾

(سورة يس)
وحينما ذكر الله تعالى الإنسانَ لما يصْعد في السماء يضيق صدره، ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم طائرات لكنَّ الآن رُكاب الطائرة يرْكَبونها ويشْعرون أنَّهم في بَحْبوحة ؛ ذلك لأنَّها تُضَخُّ ثمانِيَة أمثال حجْمِها هواءً مَضْغوطًا لِيَكون الضَّغط وأنت على ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم مُساوِيًا للضَّغْط وأنت على الأرض، فلو تعطَّلت أجْهزة ضَغْط الهواء لوَجَبَ أن ينْزِل الطَّيَّار في أيِّ مكانٍ ولو عرَّض الطائرة للخَلَل، لأنَّ حياة الرُّكاب تكون في خطَر، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾

(سورة الأنعام)
فهذه آية.

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

(سورة المرسلات)
هذه الجاذِبيَّة، وقال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾

(سورة الرعد)
هذه قِوَى التَّجاذُب فالسَّماء مَبْنِيَّةً بناءً مُحْكمًا، ولكن بِغَير عَمَدٍ تَروْنَها، وإذا ذَهَبنا نتحدَّث عن آيات الله في القرآن الكريم، لوَجَدْنا أنَّ أحدَ أكبر الأدِلَّة على أنَّ هذا الكلام كلامُ الله هو الإشارات العِلْمِيَّة التي لم تكن مَعْروفةً مِن قبلُ.
قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

(سورة الحج)
لم يقل من كل فج بعيد، مع أن الأقرب إلى المنطق "بعيد" لكنَّ الكرة كلما ابتعدتَ عن إحدى نقاطها تشكَّلَ عمقٌ، و العمق أبلغ في التعبير من البعد، قال تعالى:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)﴾

(سورة الحج)
فإذا جئتَ من أمريكا إلى مكةَ فالخطُّ منحني يدور مع الأرض فصار هناك عمقٌ، هذه مقدمة.
آية اليوم ؛ آيتان في كتاب الله ؛ الأولى في سورة الرحمان و الثانية في سورة الفرقان، الأولى قال تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

(سورة الرحمن)
البحران إذا التقيا عند باب المندب أو عند قناة السُّويس أو عند خليج البسفور أو عند مضيق جبل طارق أو عند قناة بنما، البحار إذا اتقت لا يبغي بعضُها على بعض و لا تمتزج مياهُ بعضها بمياه بعض، و اكتُشِف هذا من مركبة فضائيةٍ صوَّرت الأرضَ فإذا خطٌّ بين البحرين وبقي علماءُ التفسير ألفَ عام في حيرةٍ من تفسير هذه الآية،

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

(سورة الرحمن)
أين هو البرزخ؟ مياهٌ متَّصلةٌ، فلما ركبوا المراكبَ الفضائية و صوَّروا الأرضَ بالأقمار الصناعية رأوا خطًّا بين البحرين، و الحقيقة ليس خطًّا، بل هو خطٌّ وهميٌّ، خطُّ تباين الألوان، اكتشفوا أن مياه كل بحرٍ لها ملوحةٌ خاصَّة وكثافة خاصة و لها مكوِّنات خاصة و لا يمكن لمياه بحر أن تختلطَ بمياه بحر آخر، كثافة و مكوِّنات و ملوحة خاصة، و الذي بيَّن لهم ذلك خطُّ التباين بين الماءين، فأنت أحيانا لو وقفتَ على ساحل البحر لرأيتَ منطقةً زرقاءَ داكنةً و منطقة ذات زرقة فاتحةٍ، و بينهما خطُّ التباين، و طبيعة هذا البرزخ لا يعلمها أحدٌ، لكن هناك حاجزا يمنع اختلاطَ مياه كل بحر بالبحر الآخر،

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21)﴾

(سورة الرحمن)
ثم إن هناك ينابيع كثيرة في بعض البحار يقصدها سكانُ السواحل ليشربوا الماء العذبَ الزُّلالَ وسْطَ الملح الأجاج، وهذه آية من آيات الله الدالَّةُ على عظمته تعالى.
أمَّا آية اليوم فهي قوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
و صدِّقوني أيها الإخوة، كلُّ النظريات التي افترضَتْ تفسيرا لملوحة البحر نظريات مُضحكةٌ، لا أحد يعلم لماذا كانت مياهُ البحر مالحةً، ومن وضع الملحَ في المياهِ ؟ ومن جعل هذه البحارَ ذاتَ ملحٍ أجاج ؟ و الذي يلفت النظرَ أن السفينةَ لو غرقتْ و نجا منها بعضُ الركَّابِ و ركبوا القاربَ النجاة، ما الذي يهدِّد حياتهم ؟ قلّةُ الماء، وهم على سطح الماء، ولكن مياه البحر لا تُشرَب، و قد قرأتُ قصَّةً واقعيةً غرقتْ في عرض المحيط الأطلسي، و نجا منها مائة و خمسون راكبا ركبوا في إحدى مراكب النجاة فيها، ومعهم من الماء العذب كمِّية قليلة، فكان أميرُهم يعطي كلَّ واحدٍ منهم ملعقة َشايٍ في اليوم الواحد، وصل منهم ستَّةُ ركَّابٍ، لأن الواحد منهم إذا نام قتل صاحبَه ليشرب ملعقتين، وهم على سطح البحر، وأنت على سطح البحر و العمق اثنا عشر ألف متر، و هوة أربعةُ أخماس اليابسة تموت عطشًا،قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
و لما يشرب الإنسان ماءً عذبًا هذه نعمةٌ لا يعرفها إلا من فقدها، لذلك لترُ الماء في بعض بلاد النفط يكلِّف ضعفَ ثمن البنزين، كلفةُ التحلية أحيانا سبعة ريالات، من أجل أن تشرب ماءً عذبا فراتا، أما الله عز وجل أكرمنا في هذه البلاد الطيِّبة بالماء العذب في البيوت، و قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
تمُجُّه النفسُ.

﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
هنا آية ثانية البرزخ الذي بين البحرين المالحين و بين البحرين العذبين و بين بحر مالح و بحر عذبٍ، هناك حاجز يمنع اختلاطَ البحارِ، الحِجدْر هو أسماك المياه المالحة لا يُمكن أن تصل إلى المياه العذبة، و أسماك المياه العذبة لا يُمكِن أن تكون في المياه المالحة، لذلك أكبرُ منطقة في العالم لصيد الأسماك، هي مصَبَّاتُ الأنهار، نهر كنهر الأمازون كثافتُه في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف متر مكعَّب، هذا يمشي في البحر ثمانين كيلو، و باعتبار أن الأسماك ممنوع أن تنتقل من المياه العذبة إلى المياه المالحة فيتجمَّع في أواخر هذا النهر قبل أن يصبح ملحا أجاجا، لذلك شركات صيد الأسماك تأتي إلى هذه الأمكنة تصطاد أكبر كمِّيات الأسماك من هذه الأمكنة، وهذه آية دالَّة على عظمة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53)﴾

(سورة الفرقان)
النبيُّ في أوَّل دعوته لربه بدأ بتعريف الناس بربهم فلمَّا عرفوه عرَّفهم منهجَ ربِّهم، أما نحن إذا بدأنا بتعريف الناس بمنهج الله قبل أن نُعرِّفهم بربهم تفلَّتوا من هذا المنهج، إن عرفت الآمرَ قبل الأمر تفانيتَ في تطبيق الأمر و إذا عرفت الأمر قبل الآمر تفنَّنت في التفلُّتِ منه.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مع الآية السابعة والخمسون من سورة الفرقان و هي قوله تعالى:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

(سورة الفرقان)

والآية دقيقة جدًّا، وتتعلق بالدعوة إلى الله، قلْ يا محمد لا أسألكم عليه من أجر، على هذه الدعوة وعلى هذا التعليم و على هذا الجهد، لا أسألكم عليه من أجر، هذا المعنى تؤكده آية أخرى و هي قوله تعالى:

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
فعلامة الذي يدعو إلى الله مخلصا أنه لا يبتغي من الدنيا شيئًا، لأن الله تعالى هو الذي يجزيه على عمله الطيِّب، فمن أراد أجرا فما عرف الله تعالى، مثلٌ بسيطٌ ؛ لو قال الملِكٌ للمعلِّم: علِّمْ ابني ولك على كلِّ درس مليون ليرة، فلما انتهى الدرسُ قال له: أعطني خمسين ليرةً، طلب المعلِّم من الابن خمسين ليرة، و الأب وعدك مليونا، معنى ذلك ما صدَّقتَ الوعدَ و لا تعرف من هو الأب و ما عنده من العطاء، فالإنسانُ لمجرَّد أن يطلب أجرا مادي و يرتزِق بالدين و يجعل الدينَ مطِيَّة إلى الدنيا فهو لا يعرف اللهَ أبدا، و تكاد هذه العلامةُ تكون صادقةً في التغبير على صدق الدعوةِ، قال تعالى:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ﴾

[ سورة يس ]
أجرًا نكرة و تفيد الشمولَ، أيْ لا أجرا ماديا لا قليلا و لا كثيرا، و لا معنويا و لا عاجلا و لا آجلا، و لا خدمةً و لا منحةً و لا خدمةً و لا مبلغا و لا ترقيةً.

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا ﴾

[ سورة يس ]
فعلامة الإنسان الصادق أنه لا يبتغي من الدنيا شيئا على دعوته، هذه الآية دقيقة جدًّا، أما هنا فتُوجد مشكلةٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
معناه أريد الأجرَ، وما دامت "إلا "أداة استثناء فمعناه أن هناك أجرا يطلبه النبيُّ عليه الصلاة و السلام.

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
فإذا دعوتَ الإنسانَ إلى الله و استجاب و طبَّق المنهج و ضبط نفسه وإنفاقه و دخله تأخذ منه أكبر أجر، هذا هو الأجر الحقيقي، لأن كلَّ أعماله في صحيفتك.
لو فرضْنا أن رجلا دلَّ إنسانًا على جهةٍ لاستثمار المال، لأنك دللْتَه فلك نفس الربح، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول:
((أنا أحري منكم أن تتَّجهوا إلى الله، و أن تخلصوا له وتُقبِلوا عليه و تستقيموا على أمره إن فعلتُم هذا فهو أعظم أجر))
لشدَّة رحمة النبيِّ بالناس عامَّة و بأصحابه لمجرَّد أن يستقيموا على طاعة الله فهو أعظم أجر يقدِّمونه له لما سعدوا بالله سعد هو بهم، أحيانا نجاح الأولاد أكبر مكافأة للآباء، و الأب غنيٌّ عن أولاده، و لكن نجاح الابن في الحياة وعقل الابن و فهمه هو أعظم أجر للأب، لذلك الآية دقيقة جدًّا، قال تعالى :

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
فإذا الواحد اتَّخذ إلى الله سبيلا هذا أعظم أجر تقدِّمه للنبيِّ، و أعظم أجر تقشِّمه لمن دعاك إلى الله، أن يكون طالب العلم في مستوى الدعوة أعظم أجر، لو فرضْنا أنَّ شيخًا له تلميذان ؛ واحدهم بهلول ما إن يراه حتَّى ينكبُّ على يده يقبِّلها و يعظِّمها ؛ يا سيدنا يا أشرفنا، هذا المريد لا يطبِّق منهج الله عز وجل، و الثاني كلامه اعتيادي و ترحيبه اعتيادي و علاقاته اعتيادية، ولكنه مستقيم، ف الصادق يحبُّ من ؟ يحبُّ الذي لا يمدح و لا يبهلل، و لكن يستقيم على أمر الله، لأن هذا المستقيم لك منه أجر، أما هذا المُزَعْبِر ما لك منه شيءٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
فإذا طبَّقت الأمرَ تكون أعظم هدية لرسول الله.
قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
ومعنى ذلك أن الإنسانَ لا يتوكلَ على من يموت.

اِجعل لربك كلَّ عزِّك يستقر و يثبتُ
فإذا اعتززْتَ بمن يموت فإن عزَّك ميِّتُ
***
إن توكَّلت على من يموت فالموت يأتيك كالصاعقة، و كلُّ الآمال تحطَّمتْ بموت من توكَّلتَ عليه، كلُّ المنى تلاشتْ بموت من توكَّلتَ عليه، و كلُّ الأحلام تبدَّدتْ بموت من توكَّلتَ عليه، أما إذا توكَّلتَ على الله الذي لا يموت الحي القيوم، لذلك الإنسان إذا ربط أحلامه بإنسان أو جهة، لو تحطَّمتْ تحطَّم هو معها، و لو أنها سقطت لسقطَ معها ولو أنها ضعُفتْ لضعفَ معها، أما إذا ربط الإنسان مصيره بالله عز وجل و توكل على الحيِّ الذي لا يموت فإنه لا يخيب أبدا، وأما الإنسان إذا كان محسوبا على الإسلام فلا إسلام كالجبل الشامخ، و قد كاد له الكائدون ما لو كادوا للأرض لدكُّوها و مع ذلك بقيَ شامخا، قال تعالى:
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾

[ سورة إبراهيم ]
ولولا أنه دين الله لتلاشى من ألف عام، المبادئ الأرضية بالملايين و كلُّها تلاشتْ، لأنها من صنعت البشر، أما دين الله لا تستطيع الأرضُ كلُّها أن تُقَوِّضه، واللهُ هو الحقُّ، ودين الله هو الذي يحفظه و هو الذي يرسِّخ دعائمَه، قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
هل هذه الفقرةُ الأخيرة من الآية لها تطبيقٌ عمليٌّ ؟ لها تطبيق خطير جدًّ ما رأيك في فلان ؟ في جهنَّم، هو كافر، إذًا أنت لم تقرأ الآية، لو قرأتَها لقلتَ الله أعلم، هذا من شأن الله و ليس من شأنك، إياَّك أن تقَيِّم الأشخاصَ، ليس هذا من البشر، تقييمُ الأشخاص من شأن خالق البشر، أما إذا رأيت الإنسان يشرب الخمرَ فقلْ له هذه معصية، لعلَّه يتوب منها و يسبقك، الآن هو عاصٍ، أما أن تحدِّد مصيرَه فليس من شأن الإنسانِ هذا تألِّي على الله، لذلك النبيُّ عليه الصلاة و السلام كان مرَّةً عند بعض أصحابه الذين توفَّاهم الله عز وجل، و جاء ليُقبِّله قبل أن يُدفَن سمع من وراء الستر امرأةً تقول: هنيئًا لكم أبا السائب، لقد أكرمكَ اللهُ، و لو أن النبيَّ الكريم سكتَ لكان كلامُها صحيحًا، فقال لها:
((و من أدرأكِ أن الله أكرمه؟ هذا تألِّي على الله، قولي أرجو اللهَ أن يكرمَه ))
قال تعالى على لسان نبيِّه:
﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ(9)﴾

[ سورة الأحقاف ]
هذا هو الأدب، فإذا كنتَ أعرفَ الناس بنفسك:
﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ(9)﴾

[ سورة الأحقاف ]
فكيف بغيره ؟! إذًا لما الله تعالى يقول:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
لا يجوز أن تحدِّد مصير الناس و لا أوزِّع التُهمَ و لستُ قاضيا أنا داعٍ إلى الله، و لستُ وصِيًّا عليهم، قال تعالى:
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ(45)﴾

[ سورة الأحقاف ]
وقال تعالى:
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ(108)﴾

[ سورة يونس ]
وقال تعالى:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)﴾

[ سورة البقرة ]
قال تعالى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾

[ سورة القصص ]
فتقييمُ الأشخاص من شأن خالق البشر، فكنْ متأدِّبًا مع الله، و من أطلعك على الغيب ؟ وهناك شيء آخر هو التعميم، و هو من العمى و كل هؤلاء سيِّئون، و في كل المجتمع هناك أطهار ومستقيمون و منحرفون و منافقين، قال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا(12)﴾

[ سورة الطلاق ]
الله جلَّ جلالُه يأمرك أن تسأل خبيرا، فإذا قرأت القرآن مثلا، قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾

[ سورة الشمس ]
معنى ذلك إذا فجر الواحدُ، الله كتب عليه الفجورَ، اسأل به خبيرا ألهمها فجورها، أي دلَّها على طريق الفجور و على طريق السعادة قال تعالى:
﴿بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾

[ سورة القيامة ]
فشتَّان بين المعنيين، المعنى الأول هو الجبر، و الثاني هو بيان طريق السعادة، فأنت تعرف ذلك كلَّه، و الفرق كبيرٌ، لذلك قال تعالى:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

[ سورة الفرقان ]
في هذا الدرس ثلاثُ نقاطٍ، النقطة الأولى إن دعوتَ إلى الله علامة إخلاصك أنك لا تسأل أحدا أجرا مطلقا، لا قليلا و لا كثيرا و لا قريبا و لا بعيدا و لا ماديًّا و لا معنويًّا، هذه علامة الداعية المخلص الصادق،قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(49)﴾

[ سورة يونس ]
فرحمة النبيِّ عليه الصلاة والسلام تقتضي أن يسعد إذا سعد من حول فهذا أجرُه، كالأب الغنيِّ القويِّ يسعده أن يرى ابنَه ناجحا في الدنيا، و المعنى الثاني أن كلَّ أعمال المدعُوّ في صحيفة الداعي فهو حينما يترفَّع عن الأجر المادي يطمع في أجر لا حدود له، هذه أول نقطة قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (57)﴾

[ سورة الفرقان ]
وقال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً (58)﴾

[ سورة الفرقان ]
إذًا هناك آيتان، الأولى:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43)﴾

[ سورة النحل ]
في شؤون الدنيا، و في شؤون الآخرة قال تعالى:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

[ سورة الفرقان ]
فهناك خبيران ؛ خبير بالدنيا و خبير بالآخرة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الخامس






لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان )

أولا، هناك عبيدٌ و هناك عبادٌ، و فرق كبير بينهما، فكلُّ مخلوق بحكم اضطراره إلى إمداد الله مفتقِرٌ إلى الله في وجوده، مفتقر إلى الله في استمرار وجوده، و مفتقر إلى الله في سلامة وجوده، و مفتقر إلى الله في كمال وجوده، قال تعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾

[ سورة البقرة ]
مصدر حياة الكون، فأيُّ مخلوقٍ قيامُه بالله ووجوده بالله و استمراره بالله، فكلُّ المخلوقات مقهورةٌ بالعبودية لله عز وجل، حتى الملحِد فهو عبدٌ لله، فلو منَعَ الله عنه الهواء لمات، وحتَّى المُلْحِد عبْد لله تعالى فلو أغْلقَ الله له بعض صَمَّاماتِهِ لمات من وقْتِهِ، فما مِن مخلوقٍ إلا وهو في قبْضَة الله تعالى، ودوامُ وُجودِه مِن إمْداد الله عز وجل، هؤلاء هم العبيد ولكنَّ العِباد هم الذين عرفوا الله وأسماءه وقوَّتَهُ ورحْمته وعدْلَهُ وكمالَهُ، وأنَّهُ موجود وواحِد وكامِل فأطاعوه وأَحبُّوه وأخْلَصوا له، فَهُناك عُبودِيَّة القهْر، وهناك عُبودِيَّة المعرفة فَعُبودِيَّة القهْر عبْدٌ يُجْمَعُ على عبيد، أما عُبودِيَّة المعرفة فعَبْدٌ يُجْمَعُ على عِباد، والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وكرَّمَهُ حينما أضافَهُ إلى ذاتِه، قال تعالى

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
فأنت إذا قلتَ هذا شُرطي الملِك لكان المعنى أقوى من أن تقول هذا شرْطي، فهذا أُضيف إلى الملِك، فهذه إضافة تَشْريف، وعباد الرحمن، فرَبُّنا عز وجل شرَّفنا بالنّسْبة إليه، وقد قالت السيّدة عائشة عن عمر ابن الخطَّاب رضي الله عنهما: رحِم الله عمر ما رأيتُ أزْهَد منه، كان إذا سار أسْرع، وإذا قال أسْمَع، وإذا ضرَبَ أوْجَع وإذا أطْعَمَ أشْبَعَ، فكيف نُوَفِّق بين هذه الآية وقول عائشة رضي الله عنه ؟ ليس المعنى أنَّه يمْشي بطيئًا أما يمْشون على الأرض هوْنًا أيْ لا يسْمَحون للحياة أن تسْتَهْلِكَهم ‍! فَمُعْظَم الناس الآن مُسْتَهْلكون ؛ تَجِدُهم عِبادًا لأعمالهم وعبْد لِزَوْجَتِهِ والمشْكلة أنّ الإنسان الذي يُسْتَهْلَك يَصْحى مرَّةً عند الموت ؛ يَصْحى فَيُصْعَق، قال تعالى
﴿:فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾

[ سورة الزخرف ]
يُصْعَقُ حينما يَجِدُ أنَّه خَسِر كلّ شيء، ولم يرْبَح شيئًا، وأنَّهُ مُقبِلٌ على حياةٍ لا يمْلِكُ منها شيئًا، قال تعالى:

﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾

[ سورة الفجر ]
وقال تعالى:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾

[ سورة الفرقان ]
حينما يُصعق يقول اِرْجِعون، قال تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[ سورة المؤمنون ]
فمعنى يمْشون على الأرض هَوْنًا أي لا يسْمَح لِعَمَلِهِ أن يسْتَهْلِكهُ، ولا يسْمَحُ لِصِحَّتِهِ أن تشْغله عن كلّ شيء فبعضهم تَجِدُهُ رياضة وركض وأثقال وتدْريبات، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾

[ سورة الشعراء ]
العاقل يمْشي هوْنًا، وله وقفات يتأمَّلها، لماذا أنا مَوْجود ؟ وسرَّ وجودي، وحقيقة وُجودي ولماذا أنا في الدنيا ؟ وماذا أراد الله مِنِّي ؟ ولماذا هناك موت ؟ فهو لا يسْمح لِمشاريعه وتِجارتِهِ أن تسْتهلكه، فَمِنهم من تَجِدُه يعدّ لِكُلّ شيءٍ عُدَّتَهُ إلا الموت، قال له: تحيَّرنا أنجعل الشوفاج في الداخل أم الخارج ‍‍!! سبحان الله قد تُنسَج أكفان الإنسان وهو لا يدْري، كنت مرَّةً في حفْل عقْد قِران عريس الحَفل مُتألِّق تألُّقًا لا مثيل له، وفصاحة ما بعدها فصاحة، وترحيب، وكان لولب الحفْل، وبعد يومين تُوفِّي في حادِث !! فأنا قلتُ: لو أنَّه كان يعلم أجله أنَّه بعد يومين لصُعق لذلك عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي وَأَوْجِزْ قَالَ:

(( إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ))

[رواه ابن ماجه]
القصْد من الآية عميق جدًّا، لا تسْمَح لِعَمَلك أو بيْتَكَ أو زوْجَتَكَ أن يسْتَهْلِكوك، فالمؤمن له وقت للعمل، ووقْت للصلاة، ووقت يجلس مع أولاده وأهلهِ، فلا يسمَحُ لِعَمَلِهِ أن يسْتَهْلكه، فالذي على هذه الشاكلة ينتهي قبل الممات، مثله كمثل الميِّت ! ومَقبور بِعَمَلِهِ وأهله قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
فكلمة هونًا لها معنى دقيق ؛ أي لا تسْمح لِشَيء أن يسْتَهْلكك، قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
هناك وقت لله تعالى، ولا يسْمح أن يتجاوز هذا الوقت، فهذه الآية هناك من يفْهمها على فهْمٍ آخر، وهو أن يمشي على مهْلِهِ، لا ليس هذا هو المعنى، لا تسْمح لشَيءٍ يُنْهي لك حياتَك، ويُلغي لك دينَكَ أخْطر شيء عندك هو عملك، فأحيانًا الإنسان وهو في قِمَّة النَّجاح في العِناية المُشَدَّدة، لذلك خُذْ مِن الدنيا ما شئت وخُذ بِقَدَرها همًّا، ومن أخذ مِن الدنيا فوق ما يَكفيه أخَذ من حتْفِهِ وهو لا يشْعُر هناك أوقات لله عز وجل ؛ خُطبة الجمعة، والصلوات الخمس، وجلسة مع أهلك وأولادك وحُضور مَجْلس ؛ فهذا هو الأصل، وهذا هو معنى قول الله تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
وكان سيِّدنا عمر وقَّافًا عند كتاب الله تعالى ؛ ما الأمر ؟ وما النَّهي ؟ وما الشَّرع ؟ هل هو واجب أو مُستَحب أو مندوب، أما مَن يقول: من هنا إلى ذلك اليوم يفرجُها الله تعالى ! فهذا كلام الشَّيطان، قال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾

[ سورة الحجْر ]
اعْتَنِ بِقلْبِكَ ودينك، وابن عمر دِينَكَ دينَكَ إنَّه لحْمُكَ ودَمُكَ، وخُذ عن الذين اسْتقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، وإنَّ هذا العِلم دين فانْظُروا عمَّن تأخذوا دينَكم، هل يوجد إنسان يريد أن يبيع بيته يبيعُه لأَوَّل بائِع أم يسأل عن أسعار البيوت ! لماذا من أجل بيتٍ تبذل الجُهد في السُّؤال فهل البيت أغلى من دينك ؟! فَمِن أجل الدنيا تسْأل الخبراء وهذا الإله العظيم الذي قال لك فاسأل به خبيرًا، ألا تهتمّ لِفَهم دينِك ؟ تجدهُ يُرْسِلُ ابْنه من أجل تعلُّم الإنجليزيَّة في بريطانيا ! عندهم الزِّنا مثل شُرب الماء ! قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
فهذه الآية دقيقة جدًّا:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان )
فالموت يأتي فجأةً والقبر صُندوق العمل، لذا لا تجعل الأعمال تسْتهلكَّ لكي لا تقول عند الموت ربِّ ارجعون، وقال تعالى:

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾

[ سورة الزخرف ]
فهذه الآية يجب أن تبقى في ذِهن كلّ واحِدٍ مِنَّا، وشرف المؤمن قيامُه بالليل وعِزُّه اسْتِغْناؤه عن الناس.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

(سورة الفرقان)

بيَّنتُ في الدرس الماضي أنَّ العباد جمْعٌ لِعَبد لكنَّ هذا العبْد عرف الله تعالى، وعرف أسماءه الحسنى وقام بِواجب العُبودِيَّة اتِّجاهه، أما كلّ مَخلوقٍ مقْهور ٍفي وجوده إلى إمداد الله و باستمرار وجوده إلى إمداد اللهِ، وهو عبدٌ أيضا و لكنها عبودية القهر، هناك عبودية المعرفة و هناك عبودية القهر، فالعبد الذي عرف اللهَ و عبده يُجمع على عباد و العبد الذي يفتقر إلى خالقه في وجوده و إمداده يُجمع على عبيد قال تعالى:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46)﴾

[ سورة فصلت ]
أما هنا فقال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾

(سورة الفرقان)

وقد نُسِب العباد إلى الله نسبةَ تشريف، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾

[ سورة الفرقان ]
أي لا يسمح لعمله أن يستهلكه، و لا يسمح لشيء في الدنيا أن يلغيَ غايةَ وجوده، و هذا فصَّلتُه في الدرس الماضي، قاتل تعالى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الحقيقة أن الله تعالى يريد من المؤمن أن يكون متعلِّقًا بكرائم الأمور لا بسفاسفها، و إن الله يحبُّ معاليَ الأمور و يكره سفاسفها، و هذا الإنسانُ الذي هو عبدٌ لله كما أنه لا يسمح لشيء من الدنيا أن يستهلكه و أن يلغيَ سرَّ وجوده و أن يحجبه عن هدفه الذي خُلِق له، أيضًا لا يسمح لإنسانٍ ساقطٍ جاهل غارق في شهوته أن يجُرَّه إلى معركةٍ جانبية،

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
والعظماءُ دائما لا يعتمدون على ردود الفعل و الناس الذين هم في المستوى الأدنى يعتمدون على الفعل و ردِّ الفعل، فأيُّ إنسان يجرُّه إلى معركة جانبية و يشغله بها، و لكنْ الإنسانُ الذي يخطِّط و الذي يعرف هدفَه و يسعى نحوه لا يسمح لكائن من كان أن يجرَّه إلى معركة جانبية، أنت راكب في مركبةٍ متَّجهةٍ نحو حمص، و لك عمل كبير في حمص، هناك طرق كثيرةٌ فرعية لحمص، فالذي له هدف كبير في حمص لا ينحرف يمنةً و لا يسرةً، هذا معنى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الجاهل قد يخاطبك و يريد أن يستفزَّك و يصرفك عن هدفك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:

((َ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ ))

[رواه الترمذي]
و قال: إن الله يحب معالي الأمر و يكره سفسافها " قال بعض الأدباء: لي صديق كان من أعظم الناس في عيني و كان رأسُ ما عظَّمه في عيني صغرُ الدنيا فلي عينيه، فكان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، و لا يكثر إذا وجد، و كان خارجا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم، و لا يمارِي فيما علم، و كان أكثر دهره صامتا،فإذا تكلم هزَّ القائلين، و كان يُرَى ضعيفا مستضعفًا، فإذا جدَّ الجِدُّ فهو الليثُ عاديا فعليك بهذه الأخلاق، فإن لم تستطع فعليك ببعضها فإن اخذ القليل خير من ترك الكثير" فلا يدلي بشهادة إلا إذا رأى قاضيا عدلا، خارجا عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم و لا يمارِي فيما علم، و كلام المؤمن دقيق، فإذا وُجِد من هو أقوى منه علماً في حضرته لا يجيب يقول اِسألوا فلانا، و لا يدلي بحجَّة إلا إذا كان متمكِّنا منها، أما أن يخوض مع الخائضين و يجهل مع الجاهلين و أن يُستفَزَّ مع من يستفَز، و أن يُجرَّ إلى معركة جانبية، هذا المؤمن الذي هو عبد لله عز وجل، كما أنه لا يسمح لا لعمله و لا لبيته و لا لزوجته أن تستهلكه و أن تلغيَ وجودَه وأن تلغيَ غاية وجوده، كذلك لا يسمح لإنسان آخر أن يجرَّه إلى معركة تصُدُّه عن هدفه الكبير.
الآن في العالم الإسلامي ؛ كم موضوعا مضى و انقضى و نحن نشتغل به و نتخاصم من أجله و نتحزَّب من أجله و يعن بعضنا في بعض من أجله و قد مضى، فالموضوعاتُ التي مضت خلافاتٌ بين الصحابة الكرام، تغطِّيها آية واحدة، قال تعالى:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
يا تُرى ُ محي الدين رحمه الله تعالى كان سلطانَ العارفين أم كان َ الأكبرَ كما يسمِّيه بعضُهم، ُ محي الدين انتقل إلى رحمة الله، و اللهُ وحده يعلم صِدْقه وعِلْمهُ وإخلاصه، قال تعالى:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17)﴾

[ سورة الإسراء ]
ما الفائِدة من أن ندْخل في هذه الخُصومة ؟ والخِلاف بين سيِّدنا عليٍّ ومُعاوِيَة، قال تعالى
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
هذه معارف مضَتْ وانْتَهَت، والله هو الحَكَم بينهم، وهو الذي يعْلم أسْرار النُّفوس، وخبايا القلوب، ويعْلم النَّوايا، والمقاصِد، فنحن لا ينبغي أن نُسْتَهلك بِمَعركة الجاهلين، نحن لنا هَدَف أمامنا، ومنْهجُنا واضِح، فالمؤمن الصادِق لا يسْمَح لِشَيءٍ أن يسْتَهْلِكَهُ، ولا لإنسانٍ أن يصْرفَهُ عن هَدَفه، وهذا هو معنى قوله تعالى:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) ﴾

[ سورة الفرقان ]
أحيانًا تجد مَن يسْعى لِنَشْر الحق، وإذا به تَجِدُهُ يتْرك الدَّعوة إلى الله ويرُدّ على المُخالفين، وهم يرُدُّون عليه، وإلى أن تَقَع خُصومات لا يعلمها إلا الله، وهذا لِمَصْلحة أعداء المسلمين، فالإنسان المؤمن ليس له خُصوم، ولا يسْمح بالخُصومات، يتكلَّم في المُتَّفَق عليه، ويبْتَعِدُ عن المُخْتلف فيه، ويُمكن أن تدْعو إلى الله خمْسين سنة، دون أن تحتاج إلى طَرْح قَضِيَّة خِلافِيَّة، فالشَّجرة لها جِذْع وفُروع وأغصان ولها أوراق، فإذا كنتَ بطلاً فابْق في الجِذْع الواحِد المُوَحِّد، فالدَّعوة الناجحة التي تكون في الأصول والمُتَّفق عليه وأنت في الموضوعات التي لا يخْتلف فيها اثْنان، نحن الآن بِحَاجة إلى أن نذْهب إلى الينابيع وينابيع الإسلام كتاب الله وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ولْنُنْهي كلَّ مُشْكلةٍ وكلَّ خصومةٍ، فإن كانت سابقة فالأحْرى بِنا أن نُلْغِيَها، ونكْتفي بِهذه الآية الكريمة، قال تعالى:

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
عَوِّد نفْسَك أن تُلغي القضايا التي لا طائل من البحث فيها، فنحن أبعَدُ ما يكون عن الخِلافات والطَّعْن، وعن التَّجْريح، وعن إهْدار القيمة، وعن التَّكْفير، ليس عليك إلا أن تذْهب إلى هَدَفِكَ في الطريق الواضِح السَّوِيّ، والمنْهَج واضِح أمامك.
قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
هناك من تجِدُه من عمل لآخر، ومن لقاء إلى لقاء، ومِن سَهْرة إلى سَهْرة إلى أن يفاجئ أنَّهُ في العنايَة المُشَدَّدة، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتْفِهِ وهو لا يشْعُر، خُذ من الدُّنيا ما شئْت، وخُذ بِقَدَرِها همًّا، ولا تسْمَح لِعَمَلِكَ أن يُنْهيك، ويُلغي وُجودَك، ويُلغي سِرَّ وُجودِكَ، ويُلغي هَدَفك الكبير، ولا تسْمَح لِعَمَلِكَ أن يصْرِفَك عن طلب العِلم، ولا عن طاعة الله ولا تسْمح لإنسانٍ آخر أن يجُرَّك إلى معركةٍ رخيصة، وإلى معركَةٍ جانِبيَّة يسْتهْلِكُ فيها وقْتَكَ وجُهْدكَ فطاقة الإنسان إما أن تُبْذَل لِتَقَدُّمِهِ وإمَّا أن تُبْذَل لِدَفْع تدنِّيه، وأنت بين حالين ؛ حالة مُتابعة التَّرقي وحالة مُتابعة التَّدَنِّي، فالإنسان إذا صَرَفَ نفْسه إلى معارِكَ داخِليَّة، فإنَّ طاقاتهُ تُدْفع في معركة دَفْع التَّدنِّي وعليك أن تكون في مُتابعة التَّرقِّي فَمِن أجل أن تكون في هذا المُسْتوى الرَّفيع، ومن أجل أن شْغَلَ نفْسَكَ بِمَعالي الأمور وأن تَدَع سَفْسافها ودَنِيَّها، ومن أجل أن تقول للجاهِل سلامًا، ذَكَروا أنَّ أحدهم رأى الإمام عليَّ كرَّمَ الله وجْهه، فَكُلَّما خاطَبَهُ قال له الإمام عليّ رضي الله عنه سلامًا سلامًا، ففَرِحَ فرحًا شديدًا، فلمَّا اسْتيْقظ قصَّ هذه القِصَّة على إخوانِهِ فقالوا: مِسْكين ! إنَّك جاهِل لأنَّه يقول لك: سلامًا سلامًا، قال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

[ سورة الفرقان ]
فأنت اتَّخذ من هذه الآية منْهَجًا، لك هَدَف ينبغي أن تمْضي إليه ولا تسْمح لأحدٍ أن يصْرف عنه، ومن أجل أن تكون في هذا المستوى، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً (64)﴾

[ سورة الفرقان ]
ما الذي يرْقى بِكَ ؟ اتِّصالُكَ بالله تعالى، وأشَدُّ حالات الاتِّصال أن تُصَلِّيَ في الليل، وهذه الصلاة ليس فيها رِياء، وليس فيها نِفاق وليس فيها شُعور أنَّكَ صالِح، لذلك قال تعالى:

﴿أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

[ سورة الإسراء ]
درسنا اليوم فيه ثلاث نِقاط ؛ النُّقطة الأولى أنَّ عِباد الرحمن يمْشون على الأرض هَوْنًا، ويقْتَطِعوا مِن وقْتِهِم الثَّمين وقت لله تعالى و وقت لِطَلب العِلم ونشْرِهِ، ووقت للعمل الصالح وترْبيَة الأولاد، ولا يسْمح لأعماله مهما نجَح بها أن تُنْهي وُجوده، لا يسْمَح لِمَخلوق أن يَجُرَّهُ لِمَعركةٍ جانِبيَّة، وأن يَجُرَّهُ عن هَدَفِهِ الكبير، ومن أجل أن يكون كذلك عليه بِقِيام الليل، قال تعالى:

﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا(78)﴾

[ سورة الإسراء ]
نحن نظنُّ أنَّ الصلاة حركات وأقوال وأفعال تبتدئ بالتَّكبير وتنتهي بالتَّسليم فإذا قام بها الإنسان سَقط الوُجوب وإن لم يحْصل المَطلوب ! الصلاة من أجل أن تتَّصل بالله، وحينما تتَّصِل بالله تعالى تمْلِكُ هذه القُدرة على أن تكون مُتوازِنًا، وعلى أن تكون جادًّا، وعلى أن تكون بعيدًا عن السخافات، وفي درسٍ قادِمٍ نُتابِعُ الآيات.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس السابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السابعة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

(سورة الفرقان )

الحقيقة أنَّ المال الذي بِيَدِ الإنسان هو قِوام حياتِهِ وآخِرَتِهِ، فقد يتوهَّم الإنسان أنَّ هذا المال هو قِوام حياتِهِ الدنيا ! لا والله بل هو قِوام حياته الدنيا والآخرة بل إنَّ علاقة المال بالآخرة أشَدُّ مِن علاقته بالدنيا لأنّك إن اشْتَرَيْتَ بِمالِكَ طعامًا تأكُلُه لِثَواني معدودات وبعدَها يستوي أطْيبُ الطَّعام مع أسوأ الطَّعام، لكنَّك إذا أنْفقْتَ هذا المال سَعِدْتَ به إلى أبَدِ الآبِدين، فعلاقة المال مع آخِرَتِكَ أقْوى بِكَثير مِن علاقتِهِ مع دُنياه وليس لك إلا ما أكَلْتَ فأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تصَدَّقْتَ فأبْقَيْتَ إذًا علاقة المال بالآخرة أشَدُّ، ونصِلُ بِهذا إلى أنَّ المال قِوام حياة الإنسان، وقِوام حياة آخرَتِهِ، لذلك أربعة أسئلة يُسألها الإنسان، وقال عليه الصلاة والسلام:

((لا تزول قدمَا..."))
المال فيه سؤالان: أين اكْتسبهُ وفيما أنْفقَهُ.
فالآية اليوم تتحدَّث عن إنفاق المال، قال تعالى

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

[ سورة الفرقان ]
العلماء قالوا: الإسراف في المباحات والتَّبْذير في المعاصي، فالذي يشْتري طعامًا أكثر مِن حاجتِهِ، أو يشْتري ثِيابًا أكثر مِن حاجَتِهِ هو مُسْرف، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31)﴾

[ سورة الأعراف ]
فالله تعالى ما قال: لا تُسرفوا في الأكل والشرب، ولكن قال: ولا تُسرفوا مُطلقةً، مُطلق الإسراف، الإسراف مُتَعلِّق بِكُلّ شيء فالإسراف أن تُنْفقَ مالاً من دون حاجةٍ أساسيَّة، ومن دون أن يكون لك هَدَف من إنفاقِهِ، أما التَّبْذير والعِياذ بالله فهو في المعاصي فالمؤمن مِن خصائِصِه أنَّهُ لا يُسْرف، ولا يُبَذِّر، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27)﴾

[ سورة الإسراء ]
بالقياس المنطِقي كافر، لأنَّه أخٌ للشَّيطان، والشَّيْطان كافر، فهو بالقِياس مع الكُفار في إنفاق المال، وفي القرآن الكريم ثمانِي آياتٍ مُتَعَلِّقة بالتَّرَف، والتَّرَفُ في القرآن الكريم اقْتَرَن بالكُفْر، قال تعالى:

﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ(33)﴾

[ سورة المؤمنون ]
فالتَّرَف والتَّبذير من خصائص الكُفر، والإسْراف يَقَعُ فيه المؤمن ولكنَّهُ مَنْهِيٌّ عنه، ولكنَّ السُّؤال: لو كان مَعَكَ مائة ألف ليْرة، فقد تَحتاج إلى شيءٍ أساسيٍّ ثمنهُ خمسون ألف، فالخمسون ألف الباقِيَة هذه يُمكنُ أن تسْعَدَ بها إلى أبَدِ الآبِدين لو أنْفَقتها في سبيل الله، والنبي عليه الصلاة والسلام في إشارةٍ لطيفة رائعة كان يوزِّع شاةً في أحد أيام العيد، قالت له السيِّدةُ عائشةُ: يا رسول الله لم يبقَ إلا كتفُها فتبسِّم عليه الصلاة و السلام و قال:
((بل بقيت كلُّها إلا الكتف))
وسيِّدنا عمرُ أمسك تفاحةً و قال: أكلتُها ذهبتْ، أطعمتُها بقيتْ، فالإنسانُ إذا علم أن قوام آخرته بهذا المال الذي بين يديه يأخذ حاجته من دون إسراف و لا تبذير و ينفق الباقي لآخرته، و من قدَّم مالَه أمامه سرَّه اللِّحاقُ به، و لو أن إنسانًا مثلاً أراد أن يترك بلدَه، باع بيتَه وحوَّل كلَّ أمواله إلى بلدٍ آخرَ، و حينما يشتري بطاقةَ الطائرة و يأخذ التأشيرةَ و يأخذ بطاقة الصعود و يدخل إلى الطائرة و تحلِّق الطائرةُ يشعر أنه أسعدُ الناس لأنه ذاهبٌ إلى آماله، لذلك قالوا: من قدَّم مالَه أمامه سرَّه اللِّحاقُ به، و لكن إذا ترك الواحدُ ثمانمائة مليون، جاء بها من الحرامِ، و هو على فراش الموت في ساعة قلق شديد و خوف مُريعٍ طلبَ أحدَ العلماء ليُطمْئِنه، فقال له العالمُ وهو صادق فيما قال: و اللهِ لو أنفقتَه كلَّه لا تنجو من عذاب الله، من قدَّم مالَه أمامه سرَّه اللِّحاقُ به، و درهمٌ تنفقه في حياتك خير من مائة ألف درهمٍ يُنفَق بعد مماتك، أكثر من عشرة أخوة أودعوا عندي وصيةً لإنفاق المال بعد موتهم، و اللهَّ و لا واحدٌ من أولادهم وافق على تنفيذ وصيةِ آباءهم و مزَّقتُها كلَّها، و درهمٌ تنفقه في حياتك خير من مائة ألف درهمٍ يُنفَق بعد مماتك، و لا يُنفَق و اللهِ، فلا تكن تحت رحمة أولادك، درهمٌ يُنفَق في إخلاصٍ خير من مائة ألف درهم يُنفَق في رياءٍ، دقِّقْ في الحديثين، أنفِقْه في حياتك و أنفقه مخلِصًا، يا معاذ أخلص دينك يكفِك القليل من العمل، المالُ قوام الحياة، وقد وصف اللهُ عز وجل المتقين فقال:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)﴾

[ سورة آل عمران ]
والإنفاقُ باب واسعهٌ، و الآيات الأخرى أن تنفق مما رزقك اللهُ و إنفاق المال مهِمٌّ و إنفاق العلم مهِمٌّ، و إنفاق الوقت و الخبرة و العضلاتِ كلُّه إنفاق، و قال عليه الصلاة و السلام:
((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم " ))
سيِّدُنا أبو ذرٍ الغفاري رضي الله عنه له كلمةٌ رائعة يقول: حبَّذا المالُ أصون به عرضي و أتقرِّب به إلى ربي " بكلامٍ بليغٍ موجزٍ بيَّن هذا الصحابي الجليلُ أن المالَ مرغوبٌ فيه، حبَّذا المالُ أصون به عرضي و أتقرِّب به إلى ربي، فالمؤمن يتحرَّك وفق هذين الخطَّين يطعم أولادَه و يكسوهم، و يُلَبِّي حاجاتهم الأساسية من دون إسراف و لا تبذيرٍ و لا مَخيلَةٍ و لا لهوٍ و لا كِبْرٍ و ما تبقَّى يجعله قوامَ آخرته قال تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)﴾

[ سورة البقرة ]
وهناك آية أخرى قال تعالى:

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(265)﴾

[ سورة البقرة ]
فالإنسانُ إذا أنفق مالَه فقد ثبَّت مركزه عند الله عز وجل، لأن من العبادات ما لا تكلِّف شيئًا، يتوضَّأ ويصلي أما حينما تنفق المئاتِ و أنت في أمسِّ الحاجة إليها و تنفقها ليرضى اللهُ تعالى.
أيها الأخوة الأكارمُ، ثلاثةُ أحاديثَ، قال عليه الصلاة و السلام:
((باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها "))
و قال عليه السلام عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ ))

[رواه الترمذي]
والحديث الثالث:
((الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع بيد الفقير ))
و شيء آخر أن الله جل جلالُه يُسترْضَى بالصدقة، فإذا لاحَ للإنسان شبحُ مصيبةٍ أو خاف من مرض أو خاف من عدُوٍّ و أراد أن يلوذ بحمى اللهِ تعالى بإِمكانه أن يسترضيه بصدقة خاصَّةٍ مخلِصة لا تعلم شمالُه ما أنفقتْ يمينُه،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ عَنْ مِيتَةِ السُّوءِ ))

[رواه الترمذي]
باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاه.
((الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع بيد الفقير ))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ))
أحد أكبر القُرُبات إلى الله عز وجل إنفاق المال، لماذا ؟! لأنَّه يتناقض مع طبيعة الإنسان، طَبْعُ الإنسان أساسهُ قبْض المال والأخذ، فإذا أعطى أعطى خالف طَبْعَهُ، ولن يرْقى الإنسان عند الله إلا بِمُخالفة الطَّبْع، فَطَبْعُ الإنسان النَّظر إلى النِّساء، أما الأمر التَّكليفي أن تغضَّ البصر، وطَبع الإنسان أن تبقى نائِمًا في الفراش حتَّى الساعة العاشرة، أما التَّكليف فأنْ تُصَلِّي الفَجْر في جماعة والطَّبْع أن تتحدَّث عن النَّاس وعن قِصَصِهم وفضائِحِهم، وعن مُشْكِلاتهم، وتُمْتِعَ الحاضرين، أما التَّكليف فأن تكُفَّ لِسانَكَ عن غيبة المسلمين فالتَّكليف عَكس الطَّبْع، والطَّبْعُ أخذُ المال، أما التَّكليف إنفاقُهُ.
أيها الأخوة، أحد أكبر القُرُبات إلى الله عز وجل إنفاق المال، وقال يُحْشر الأغنياء يوم القيامة أربعة فِرَقٍ، فريق جمَعَ المال من حرامٍ وأنْفقَهُ في حرام، هذا حِسابُهُ سريعٌ جدًّا ويؤخَذُ إلى النار، وفريق جَمَع المال مِن حلال، وأنْفَقَهُ في حرام ؛ السَّهرات والاخْتِلاط وفريق جمَعَ المال من حرامٍ، وأنفقَهُ في حلال، هذا كذلك حِسابُهُ سريع وبقي فريق جمَعَ المال من حلال وأنفقَهُ في حلال، فهذا يُقال قِفُوهُ فاسْألوه ؛ هل اسْتعلى على عِباد الله ؟ هل قصَّر في حقّ أقربائِهِ وجيرانِهِ ؟ هل فاتَتْهُ الصَّلوات من أجل المال ؟ تِسْعة أعشار المعاصي مِن كَسْب المال وإنفاقِهِ، فلِذَلك حجْمُ المال في الدِّين كبير، فإن كسبْتَهُ في الحرام فأنت مَحْجوب عن الله تعالى، يا سَعْدُ أطِب مطْعَمَك تكن " زُرْتُ أحدهم في السادِسَة والتِّسْعين مِن عُمُره، وهو صديق والِد، قال لي: قُمْتُ بِتَحليلٍ كامِل فما وَجَدوا عندي شيئًا، وقال لي ولكن الحمد لله ما أكَلْتُ ولو قرشَ حرامٍ في حياتي ! القَضِيَّة ليْسَت سَهْلة، لذلك حَفِظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله لنا في الكِبَر، فَقِوام الحياة وسعادَتِها من كَسْبِكَ المال.
أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

[ سورة الفرقان ]
يأكل ويشْرب ويلْبَس ويتزوَّج من دون إسْراف، وأطْعِم مَن يشْتهي هذا الطَّعام، كان أحد المُفتين بالشام بالعَهد العُثماني مِن عادَتِهِ إذا دعى الكُبَراء والوالي يضَعُ لهم أطباقًا عادِيَّة وخالية من اللَّحم، أما إذا دعى الفقراء يُقيم لهم لحْمًا ! لذا شَرُّ الطعام طعام الولائِم يُدعى إليها الأغنياء ويُحْرمُ منها الأولياء.
لذا قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

[ سورة الفرقان ]
باعْتِدال ومن دون إسراف ومَخْيَلَة، حضَرْتُ مرةً عَقْد قِران، وكان الأكل أربع أمثال عن حاجة الناس، ولكنَّ الذي بلغني أنَّ الباقي من الطَّعام لم يُرمى ولكن تُصُدِّق به للفقراء.
مُلَخَّص الدَّرس، حبَّذَا المال أصون به عِرضي وأتقرَّبُ به إلى ربِّي وهو قِوام حياتِكَ وآخرتِكَ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السابعة والستون من سورة الفرقان وهي قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)﴾

[ سورة الفرقان ]
لا شِرْكًا جَلِيًّا، ولا شِرْكًا خَفِيًّا، فقد يكون الهَوَى إلهًا، وقد يكون الصَّديق إلهًا، وقد يكون القَوِيُّ إلهًا، وقد يكون الغَنِيُّ إلهًا، لذلك كما قلتُ في دَرْسٍ سابِق، الشِّرْك الجَلِيّ انتهى من العالم الإسلامي أخْوَفُ ما أخاف على أُمَّتي الشِّرك الخَفِيّ ! فليس في العالم الإسلامي صَنَمٌُ يُعْبَدُ من دون الله تعالى، وفلا يوجد اللات ولا العُزَّى، ولكنَّ هوى الإنسان أحيانًا إلهًا، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)﴾

[ سورة الفرقان ]
لكنَّ شَخْصًا قَوِيًّ تعْتَمِدُ عليه وتعْصي الله لِتُرْضِيَهُ جَعَلْتَهُ كالإله ولكنَّ إنسانًا غَنِيًّا تعْتَمِدُ عليه وتعصي الله مِن أجل أن تُرْضِيَهُ فهذا اِتَّخَذْتَهُ كالإله، قريبًا أم مُحِبّا.
فالشِّرْكُ الجَلِيّ انتهى من العالم الإسلامي، ولكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يخْشى على أُمَّتِهِ من الشَّرْك الخَفِيّ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68)﴾

[ سورة الفرقان ]
المؤمن وقَّافٌ عند كِتاب الله، قَتْلُ نَفْسٍ بِغَير ذَنْبٍ مَعْصِيَةٌ كبيرة جدًّا وهذه تبدأُ مِن قَتْلِ حَشَرَةٍ لا تؤْذيكَ، وقد حرَّم الله قَتْلَها بِغَير حقّ وتنتهي بِقَتل الإنسان، وقد وردَ في الحديث الشَّريف أنَّ الإنسان يظلُّ بِخَيرٍ ما لم يسْفِك دمًا، فالطريق إلى الله سهل المَسْلَك إن لم تكن هناك كبائِر، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31)﴾

[ سورة النساء ]
الكبائِر مُهْلِكَة، والصَّغائِر يُسْتَصْغر منها، وبالمناسبة، ذَنْبٌ لا يُغْفر وذَنْبٌ لا يُتْرَك وذَنْبٌ يُغْفر، فالذي يُغْفر ما كان بينك وبين الله، والذي لا يُتْرَك ما كان بينك وبين العِباد لأنَّ حُقوق العِباد مَبْنِيَّة على المُشاحَحة، أما حُقوق الله مَبْنِيَّة على المُسامَحَة، أما الذَّنْبُ الذي لا يُغْفر أن تُشْرِكَ بالله تعالى.
قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾

[ سورة الفرقان ]
هذه اللام ناهِيَة أم نافِيَة ؟ فرْقٌ كبير بين أن تكون نافِيَةً، وبين أن تكون ناهِيَةً، فالناهِيَة كأن تقول: لا تزْنوا، فالفِعْل المُضارِع مَجْزوم بِلا الناهِيَة، وعلامة جَزْمِهِ حَذْف النون من آخِرِه لأنَّه من الأفعال الخَمْسة، أما مادام الفِعل ؛ لا يَزْنونَ هذه اللام نافِيَة، فأيُّهما أبْلغ ؛ أن يُنهى المؤمن عن الزِّنا أم أن يُنْفى عنه الزِّنا ؟ لا يَجْتَمِعُ الإيمان مع الزِّنا، الإيمان عِفَّة عن المحارِم، وعِفَّة عن المطاهِر، فلا يَجْتَمِعان وقد قلتُ لكم مثلاً كثيرًا ؛ طريق سالِكَ مكتوب على الإشارة ممنوع المُرور، فهذا نَهي، أما إذا رأيت الطريق مَقطوع بالبلوك ؟ فهذا مَنْعٌ فالله عز وجل له أمرٌ تَكويني، وله أمر تَكليفي، فالأمر التَّكويني إذا قال: لا أيْ لا، أما الأمر التَّكويني إذا قال: لا ؛ أي لا تَفْعَل، لذلك أحد الأشخاص قال لِعَلِيّ رضي الله عنه: أَكان مَسيرُنا إلى الشام بِقَضاءٍِ وقَدَر ؟! فقال: وَيْحَكَ! لو كان قدرًا لازِمًا، وقدرًا حاكِمًا إذاً لبطَلَ الوَعْدُ الوعيد، قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
وهذا لا يعني أنَّ الأعمال السيِّئة التي ارْتَكَبوها تَغْدو حَسنات، هذا معنًى فاسِد، ولكنَّ المعنى الحقيقيّ أنَّ الصِّفات السيِّئة بعد أن تتَّصِل بالله، فالصَّلاة لها هدفان: تُطَهِّر من الأدْران، وتُحَلِّي بالكَمَال ؛ تَطهير وتَحْليَة وتَعْطير، فلِذَلك، قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
أيُّها الإخوة، إن لم تَجِد نفْسَكَ أنَّك تبدَّلْتَ تبدُّلاً جِذْرِيًّا، وقد تَرَكْتَ سفاسِفَ الأمور وتعلَّقْتَ بِمَعالي الأمور، وإن لم تَكُن على حالةٍ يرْضى الناس عنها، وإن لم يُحِبَّكَ الناس، فَمَعنى ذلك أنَّ في الإيمان خلل، يقول عليه الصلاة والسلام:
((بُنِيَ الإسلام على خمس..."))
هل هذه الخمْس هي الإسلام ؟ بُنِيَ الإسلام عليها، فالإسلام بِناءٌ أخلاقي فقد روى اليخاري:

(( أنَّ عَبْد َاللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ))

[ رواه البخاري ]
فالإسلام بِناء أخلاقي، وإن لم تَكُن ذا خُلُقٍ عظيم فلسْتَ مؤمنًا.
أيُّها الإخوة، مركز الثِّقَل في هذا اللِّقاء قوله تعالى:

﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
إن لم يتحدَّث الناس عن أخلاقِكَ العالِيَة فمعنى ذلك أنَّ إيمانَكَ مُزَوَّر فالمؤمن الجبان لا يوجَد، والمؤمن البخيل لا يوجَد، والمؤمن مُزْدَوِج أو سفيه أو حقيد أو مُنْحَرِف ؛ هذه لا يمكن أن تكون في المؤمن وربَّ تال للقرآن والقرآن يلْعَنُه، ومَن لم تنْهَهُ صلاتُهُ عن الفحْشاء والمنكر لم يزْدد من الله إلا بُعدًا، وربَّ صائِم ليس له من صِيامِهِ إلا الجوع والعَطَش، وقال تعالى:

﴿ قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)﴾

[ سورة التوبة ]
يقول ": لبَّيْك اللَّهمَّ لبَّيْك، فَيُقال له: لا لبَّيْكَ ولا سَعْدَيْك وحجُّكَ مرْدودٌ عليك ! فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فمَن لم تنْهَهُ صلاته عن الفحْشاء والمنكر لم يزْدد من الله إلا بُعدًا، والزُّور يتنافى مع الصِّيام والزَّكاة قال تعالى:

﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ(53)﴾

[ سورة التوبة ]
وكذا الحجّ، فهذه العبادات لا تنْفع إن لم تَكُن ذا خُلُقٍ عالٍ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان خطيبًا وذا خُلقٍ عظيم وعالمٍ ومُجْتَهِد، وكان قاضِيًا، وكلّ الصِّفات الراقِيَة كانت فيه، ولمَّا مدَحَهُ لم يمْدَحْهُ كَخَطيبٍ ولا كَمُجْتَهِد، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾

[ سورة القلم ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس التاسع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، تَعْليقًا على درْس البارحَة، مِئات الآيات والأحاديث تُؤَكِّد أنَّ الإنسان إذا تاب مِن ذَنْبِهِ غَفَرَ الله هذه الذُّنوب، فقد ورَدَ في الحديث الشَّريف أنّ العبد إذا تابَ توْبَةً نصوحًا أنْسى الله حافِظَيْه والملائِكَة وبِقاع الأرض كلَّها خطاياهُ وذُنوبَهُ، عَبدي لو جِئْتني بِمِلىء السماوات والأرض خطايا غَفَرْتُها لك ولا أُبالي، قال تعالى:
﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

(سورة الزمر)

بضْعُ الآيات، أو بضْعُ عشرات الحديث الشريف الصحيح تُؤَكِّد أنَّ الإنسان إذا تاب مِن ذَنْبِهِ رَجَع كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ:
(( لَمَّا أَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَايِعَنِي فَبَسَطَ يَدَهُ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَا أُبَايِعُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي قَالَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ))

[ رواه أحمد ]
الإسلام يجُبّ ما قبلهُ، هذه أشياء مِن البديهِيَّات التي لا تَحْتاج إلى ذِكْر، ولَكِنَّني البارِحَة وجَّهْتُ الآية التي يَفْهَمُها بعض الناس خطأً، أنَّ الأعمال السيِّئة تنْقلبُ إلى أعمال صالِحَة، فكُلَّما كَبُرَت السيِّئات انْقَلَبَتْ إلى حَسَناتٍ كبيرة، وهذا المعنى فيه دَعْوى إلى ارْتِكاب السيِّئات، كي تغدوَ في المستقبل حسناتٍ، هذا المعنى وحده الذي ما قبله العلماءُ و لكن ورد في بعض الكتب، إلا أن الأصحَّ أن الإنسانَ حينما يتوب إلى الله توبةً نصوحاً و حينما يصطلحُ مع الله و حينما يسلك الطريق إلى الله و يتصِل به يحصل له أن النور الإلهي يطهِّر قلبه من الأدرانِ ثم هذه النفس تُحلَّى بالكمال، تطهير من الأدران و تحليةٌ بالكمال، يصبح شحُّه كرما و جحوده إنصافا و ضجرُه حِلما، و طيشُه وقارا، و حقدُه تسامحا، و قسوته رحمةً، ذكرتُ هذا المعنى، فالإنسانُ إذا اصطلح مع الله و اتصل به ينبغي أن يغيِّر تغييرا جذرياً، و لا بدَّ أن تقول زوجتُك: ما كنتَ هكذا ؟ أنت الآن حليم رحيم أنت الآن تنكر ذاتَك تحبُّ الآخرين، هذا هوة معنى قوله تعالى:

﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70)﴾

[ سورة الفرقان ]
أي صفاتهم السيِّئةَ بالإقبال على الله تُمحَى السيّئاتُ و يحِلُّ محلَّها السيِّئاتُ، أحيانًا كأسٌ مملوءٌ قذرا، و أنت غسلتَه، والغسيل هو التطهيرُ، ثم ملأتَه شرابا طيِّب المذاق حلوَ الطعمِ، فأنت فعلتَ شيئين طهَّرتَ وزكَّيتَ، لذلك العلماءُ يقولون: هناك تخليةٌ وهناك تحليةٌ هناك تطهير و هناك تطهير، هناك شفاءٌ من الأمراض و هناك تحليةٌ بالكمال هذه أولُ ثمرة و أقوى ثمرة من اتصالك بالله عز وجل، الإنسان المتصِّل بالله هل عنده ظلمٌ؟ هل عنده حقد؟ هل عنده شُحٌّ ؟ هل عنده جحود؟ أعوذ بالله من ذلك، المؤمن كلُّه وفاءٌ و تواضعٌ و إحسان و إنصاف و استقامة، فإذا كان الإيمانُ بجانبه الاعتقادي و جانبه العبادي ما طهَّر نفسَك فالإيمان غير صحيح، لذلك لن تجد في صفوف المؤمنين الصادقين حقدا و لا حسدا و لا غيرةً و لا قسوةً و لا جحودا و لا جبنا و لا بخلاً و لا تعنُّت و لا احتيالا و لبا بذاءةً، نحن لا نغترُّ برجل صلى في المسجد ثم يخرج لا يصلي السنةَ، أربع دقائق لا تصبر لها و تتابع مسلسلاً لخمس ساعات و لا تتضايق، أنا أعرف رجلاً إذا قرأ الإمام في المغرب أو العشاء يقيم عليه الدنيا، فإذا خرج من المسجد يقف الساعات الطوالَ في حديث فارغ، و مرَّةً رأى الحجَّاجُ رجلا يصلي قاعدا في دكَّانه فبعد أن انتهى من صلاته قال له: أريد هذا القِدْرَ ـ أعلى واحد ـ صعد البائعُ فأنزله له، ثم قال له: ليس هذا بل ذاك، و راح البائع يصعد و ينزل المرات الكثيرة، عندئذٍ ضربه الحجَّاجُ، تصلِّي قاعدا و أنت بهذا النشاط ؟! إنما أستغرب أنه ممكنٌ ركعتا السُّنة أربع دقائق فقط لا تتحمَّلها، و تقفلا في وجه المصلين غضبان لم يفتحوا لك الطريق، ما هذا الفقه الضعيف ؟ أنت في بيت من بيوت الله و في ضيافة الله، و السُّنة البعديةُ راتبة، و المشكلة أننا قلنا هذا لمن ذهب بعد الصلاة، نحاول في يوم من الأيام أن نعطي هذه الملاحظةَ بعد الصلاة حتى يسمعوا، كان عليه الصلاة و السلام كما تقول السيِّدة عائشةُ: كان يحدِّثنا و نحدثه فإذا حضرت الصلاةُ فكأنما لا نعرفُه و لا يعرفُنا فلاحِظْ أيَّ موظًّفٍ طلبَه الوزيرُ، ينظِّف حذاءه و يلبس أحسنَ اللباس، و انت في الصلاة بين يدي ملك الملوك قال تعالى:

﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾

[ سورة الحج ]
وهذا بيته، لذلك الإنسانُ إذا نزع من أرض المسجد وسخًا قال هذه مهرُ حورِ العينِ، قال تعالى:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(36)رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ(37)﴾

[سورة النور]
و هناك آية أخرى، قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ(18)﴾

[ سورة التوبة ]
القرآن الكريم فيه إعجاز كبير ؛ " يعمر" الذي يعمرها بالصلاة و بحضور مجالس العلم و الذي يعمرها بالخطابة و بالإمامة و الذي يشيدها و الذي يهيئ مرافقها، مطلق الأعمار، وأيُّ مساهمة في بناء مسجد و كسوته و تزيينه و تأمين المرافق العامة للمسجد، و يقول النبيُّ الكريم: أَحَبُّ بلاد الله مساجدُه و أبغضُها أسواقُها، و الأسواقُ تنشأ فيها الخصوماتُ أ أما في المساجد فتنشأ فيها المودَّاتُ.
أرجو اللهَ تعالى أن يوفِّقنا أن نكون من عباده الصالحين في بيوته، و لابدَّ للإنسان أن يتفقَّهَ، ومرةً مرَّ شخصٌ بين يدي مصلَّي فمدَ المصلي يدَه فقال له الآخرُ: أهلا و سهلا، لم يفهم لماذا مدَّ يده فصافحه.
أيها الإخوة الأكارم الآيةُ الكريمةُ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

[ سورة الفرقان ]
وألصقُ شيء في حياة الإنسان عملُه و زوجتُه و أهلُه، فإذا وجد الإنسانُ توافقًا بينه و بين أهله و بينه و بين أولاده في اتجاهِ الدين فهذا أكبرُ سعادة الإنسانِ، و الحياة إن لم تبذلْ لها كلَّ شيء لا تأخذُ منها شيئا، و بقدرةِ قادرٍ أو بفعل سحريٍّ تجد الزوجةَ تعرف اللهَ و تنسب إليه و هي تمحضُك الوُدَّ ؛ هذا مستحيل إلا أن تعلِّمها و تأخذ بيدها و تسهم في توجيهها، فالإنسانُ حتى يقطِف ثمارَ الزوجة الصالحةِ و الأولادِ الأبرارِ يحتاج إلى بذل الجهد، و الله سبحانه و تعالى نظرًا لأن هذا العمل عظيمٌ جدًّا جعل مكافأتَه في الدنيا قبل الآخرة، فقط تربية الأهل و الأولاد هناك جزاءٌ له مُعجَّلٌ و جزيل وهو قرةُ العين، و لمَّا خطبَ القاضي شُرَيْحٌ امرأةً قال: وجدْتُ صلاحً و كمالاً- يعني كمالا في هيئتها و خلْقها و صلاحًا في دينها - قال: فصلَّيْتُ ركعتين شكرًا لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلَّمْتُ من صلاتي وجدْتُ زوجتي تصلِّي بصلاتي و تسلِّم بسلامي و تشكر شكري، فإذا صلى الإنسانُ مع زوجته أو جلس في سهرةٍ حدَّثها عن كتاب اللهِ أو عن حديث، هذا من متاع الحياة، فلذلك التعالى يكافئُ الزوج الذي أخذ بيد زوجته إلى الله يكافئه بجزاءٍ عاجل في الدنيا قبل الآخرة، وهو أن يجعلها له قرَّةَ عين و أن يجعل أولادَه الذين ربَّاهم تربيةً صالحةً قرةَ عين، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

[ سورة الفرقان ]
قال تعالى:

﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً (75)﴾

[ سورة الفرقان ]
أنا أكاد أقول لكم: إن خيرَ كسب الرجُل ولدُه، البذي عنده ابنٌ فله بابٌ للجنة، والذي له بنت له باب للجنة، والذي له زوْجَة له باب إلى الجنَّة ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أَيَّةُ آيَةٍ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ قَالَ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))

[ رواه الترمذي ]
فَزَوْجَتُكَ وأولادك وحْدَهم يُدْخِلانِكَ الجنَّة وعليك بِخاصَّة نفْسِكَ ودَع عنك أمْر العامَّة، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)﴾

[ سورة الكهف ]
فأنت لك كَهْفين ؛ بيْتُكَ ومسْجِدُكَ ففي هذين المكانين لا يوجد الكذب والنِّفاق.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-14-2018, 01:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الفرقان ( 25 )


الدرس العاشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السابعة والسَّبعون مِن سورة الفرقان، وهي الآية الأخيرة، قال تعالى:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الإنسان إذا دعا الله حقيقةً، ماذا يعْني دُعاؤُهُ ؟ يعني أنَّهُ يعرفُهُ ويعرف أنَّه سميعًا بصيرًا وقريبٌ، وعَدْلٌ ورحيم، إنَّكَ لن تَدْعُوَ إنسانًا لا تُؤمِنُ بِوُجودِهِ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يستطيع أن يُجيبُكَ، فَبِمُجَرَّد أن تَدْعُوَ الله تعالى فأنت مؤمنٌ بِوُجودِهِ، وبأنَّهُ يسْمَع وأنَّهُ يُحِبُّك، وبأنَّهُ قادِرٌ على أن يُجيبَكَ إلى طلبِكَ، وُجود وسماع ومحبَّة وقُدْرة، فإذا دَعَوْتُم الله عز وجل يَعْبأُ بكم، ويُحِبُّكم ويرْعاكم، ويتولاَّكم، ويأخذ بِكُم إليه، ويَدُلُّكم إليه فالدُّعاء مُؤَشِّر خطير، أنت لا يُمْكِن أن تَدْعُوَ إنسانًا لا تؤمِنُ بِوُجودِهِ ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولو آمنْتَ بِوُجودِهِ، ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يُحِبُّك، ولا يمكن أن تدْعُوَ إنسانًا يسْمَعُكَ ويُحِبُّك ولكنَّه ضعيف، فأنت لاحِظ نفْسك حينما تدْعو فهذا يعني أنَّك مؤمن بِوُجودِه، وبأنَّه سميع قريب، وبأنَّه رحيم ودود، وأنَّه على كل شيء قدير، فالدُّعاء يعني أنَّك تعرف الله عز وجل.
الشيء الآخر أنَّ الدعاء سِلاح المؤمن، فإذا أردْت أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، وقد ورد في الحديث القدسي:
((أنا ملِكُ الملوك ومالك الملوك، قلوب العباد بِيَدي فإن هم أطاعوني حوَّلت عليهم قلوب ملوك بالرَّحمة والرأفة، وإن هم عَصَوني حوَّلتُ عليهم قلوب مُلوكهم عليهم بالسُّخطة والنِّقْمة، فلا تشْغلوا أنفسكم بِسَبِّ الملوك وادْعو لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحكم بِصَلاحهم !))
أنت حينما تدْعو الله تغْدو أقوى إنسانٍ على وَجْه الأرض، لأنَّ مَن بِيَدِهِ كلّ شيءٍ يسْتَجيبُ لك، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

[ سورة آل عمران ]
سيِّدنا موسى مع شِرذِمَة يتْبَعُهُ قليل ووراءه جيش عرمرَم، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذا النبي عليه الصلاة والسلام في غار ثور قال له الصِّديق رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(198)﴾

[ سورة الأعراف ]
وفي معركة الخندق قال أحد أتباع النبي: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتَحَ علينا بلاد قيْصر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمَن أن يقْضِيَ حاجتهُ ! مُعَين ابن مَسْعود فرَّق شَمل اليهود مع قُريش، وجاءَت رِياحٌ عاتِيَة قلَّبت قم، وأطْفأتْ نيرانهم، وخرَّبَت خِيامهم وولُّوا مُدْبِرين، فإذا أردْتَ أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه فإنَّكم تعرِفونه، وما عليك إلا أن تُجَرِّب وسلْهُ بِصِدْق تجِدُ أنَّ الشيء الذي كان سَيَقَعُ لن يَقَع، ولا يمكن أن يكون له أن يقَع السُّؤال الثالث ؛ كيف يسْتجيب لك ؟ قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
ثلاثة شُروط للدُّعاء ؛ أوَّلاً أن تؤْمِنَ به مَوجودًا وقريبًا وسميعًا ومُجيبًا ورحيمًا وفعَّالاًّ، وسميعًا مُجيبًا ورحيمًا وقادِرًا، ثمَّ أن تُطيعَهُ لأنَّك إن آمنْتَ به ولك تُطِعْهُ تستحي أن تسأله، قال تعالى:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)﴾

[ سورة الأعراف ]
أي يا عبادي إن اعْتَدَيْتُم على بعضِكم فلن أُحِبَّكم، وبالتالي لا أسْتجيب لكم، إن اعْتَدَيْتَ على أخيك المسلم ؛ على مالهِ أو عِرْضِهِ أو سُمْعَتِهِ أو أخَذْتَ ما ليس لك، ولو كنت أفْصَحَ الناس في الدُّعاء لن يسْتجيب لك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
عليك أن تؤْمِنَ به إيمانًا وُجودِيًّا، وسميعًا بصيرًا، وعليمًا حكيمًا وقديرًا فعَّالاً.
وقوله تعالى دَعاني، أي دعاني حقيقَةً ومُخْلصًا، فالإنسان قد يدْعو تَقْليدًا، لذا يجب أن تؤمن به وأن تطيعَهُ وتخْلِصَ له، وعندئِذٍ لله رِجال إذا أرادوا أراد، قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ قالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[ رواه البخاري ]
النقطة الرابعة إذا كان الدُّعاء بين العَبْد وربِّه هناك حال المَدْعو وهناك حال الدَّاعي، فقي الأحوال الطبيعيَّة لا يُسْتَجاب الدُّعاء إلا إذا كان الداعِي مؤْمِنًا مُسْتجيبًا ومُخْلِصًا، إلا في حالتين لا يُنْظَر إلى حال الدَّاعي، ولكن يُنْظَر إلى المَدْعوّ وهو الله تعالى، قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾

[ سورة النمل ]
المُضْطرّ والمَظْلوم يُسْتَجابُ دُعاؤُهما ولولا كان كافِرَين، اتَّقوا دَعْوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب، واتَّقوا دَعوة المَظلوم ولو كان كافرًا، والظُّلْم ظُلمات يوم القيامة، فلا تقل هذا ليس مُسْلمًا وهذا لا يعرف الله تعالى، اسْمعوا هذه الآية:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(8)﴾

[ سورة المائدة ]
يجْرِمَنَّكم أي يَحْمِلَنَّكم، والشَّنآنُ هو البُغْض، مَن هم القوم الذي يُبْغِضُهم المؤمن ؟‍ الكفار، فالعدُوّ الأساسي هو الكافر، فهذا الكافر ولو كان كافرًا فلا يحْمِلكَ بُغضَكَ إيَّاه أن تظْلِمَهُ، فإنَّك إن ظَلَمْتَهُ لن يرْضى عنك، فالله تعالى كأنَّه يقول: يا عبادي إن توهَّمْتُم أنَّكم إن ظَلَمْتُم الكفَّار أرْضى عنكم فأنتم واهِمون إلا إن أنْصَفْتُموهم، لأنَّكم إن أنْصَفْتُموهم قرَّبْتُموهم إليكم، وتقرَّبتُم إليَّ فلو أنَّ مَجوسِيًّا جاء لِيَشْتري مِن عنْدِكَ، وغلِطَ بالحِساب ؛ يجب أن تُنْصِفَهُ، فأنت لو أسأتَ إلى مسلِمٍ لقال: فلان فعل معي كذا، ولكنَّكَ لو أسأت إلى كافرٍ فإنّه يتَّهِمَ جنس المسلمين ‍! لذلك أنت على ثُغرةٍ مِن ثُغَرِ الإسلام فلا يُؤتينَّ مِن قِبَلِكَ، وكلّ واحِد يُمَثِّل حارسًا مِن حُرَّاس الإسلام، فإذا الإنسان أساء لِغَير المُسْلِم فهذا قد أساء لِدِينِهِ، وأصْبَحَ مُمَثِّلاً أحْمَقًا لِهذا الدِّين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ رواه مسلم ]
وفي حديث آخر:
((من غشَّنا فليس مِنَّا ))
وهو في الترمذي، وهذا أبْلَغ لأنَّه مُطلق، فالذي يغشّ لا ينتمي لِهذه الأمَّة، ويُمكن أن تكون أكبر داعِيَة باسْتِقامَتِكَ وأمانتِكَ ووفائِكَ وحِفاظَكَ على الوَعد والعَهد.
الفِكرة الرابِعَة يسْتجيب دُعاء المُضْطَرّ كائِنًا مَن كان، فالمُضْطرّ لا يُنْظَر إلى حالِهِ، وإنَّما إلى اللخ عز وجل لأنَّ الله تعالى يُجيبُ دُعاء المُضْطَرّ، وقال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

[ رواه البخاري ]

(( اتَّقوا دَعوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب !))

درسُنا أربعة فقراتٍ، فأنت إن دَعَوتَ الله فإنَّك تعلمُ أنَّه مَوجود، وأنَّه سميع عليم ورحيم وَدود، وأنًّه على كل شيء قدير لأنَّك لن تَدْعُو إنسانًا لا يسْمَعُك ولا يُحبُّك، أو لا يَقْدِر على أن لا يُجيبَك، فَدُعاء الله عز وجل نَوْعٌ مِن معرفة الله تعالى، لذلك الدُّعاء مُخّ العبادة، ومن لا يدْعُني أغضب عليه، وإنَّ الله يُحبّ المُلِحِّين في الدُّعاء، وإنَّ الله يُحبّ من العبْد أن يسْأله مِلْحَ طعامِهِ وشِعْثَ نَعْلِهِ إذا انْقَطَع، وأن يسْأله حاجتَهُ كلَّها، وإنَّ الله حيِيّ كريم، ويسْتحي من عبْدِهِ إذا رفع يَدَيْه أن يَرُدَّهما خائِبَتَين، ولا تَرُدُّوا القضَاء إلى الدُّعاء، ولا ينْفَعُ حذَرٌ من قَدَر ولكن يرْفع الدُّعاء، ديننا كلُّه دُعاء، ولكن دُعاءٌ بِعَقْل وليس بِالجُنون ! مُقيمٌ على المعاصي ويقول: يا رب، يا رب !! يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُن مُسْتجاب الدَّعوة.
آخر آية من الفرقان قوله تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه يسْتَجيب لكم، ويُربِّيكم ويرْعاكُم، ويأخذ بكم إليه والدُّعاء معرفة، ويحتاج إلى شُروط ؛ أن تؤمِنَ به وتسْتجيب له وأن تُخْلِصَ في الدُّعاء.
والمَظلوم والمُضْطَرّ مُسْتثنى من شُروط الدُّعاء، ولو كانا كافرين.





والحمد لله رب العالمين






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية السابعة والسَّبعون مِن سورة الفرقان، وهي الآية الأخيرة، قال تعالى:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
الإنسان إذا دعا الله حقيقةً، ماذا يعْني دُعاؤُهُ ؟ يعني أنَّهُ يعرفُهُ ويعرف أنَّه سميعًا بصيرًا وقريبٌ، وعَدْلٌ ورحيم، إنَّكَ لن تَدْعُوَ إنسانًا لا تُؤمِنُ بِوُجودِهِ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولن تَدْعُوَ إنسانًا لا يستطيع أن يُجيبُكَ، فَبِمُجَرَّد أن تَدْعُوَ الله تعالى فأنت مؤمنٌ بِوُجودِهِ، وبأنَّهُ يسْمَع وأنَّهُ يُحِبُّك، وبأنَّهُ قادِرٌ على أن يُجيبَكَ إلى طلبِكَ، وُجود وسماع ومحبَّة وقُدْرة، فإذا دَعَوْتُم الله عز وجل يَعْبأُ بكم، ويُحِبُّكم ويرْعاكم، ويتولاَّكم، ويأخذ بِكُم إليه، ويَدُلُّكم إليه فالدُّعاء مُؤَشِّر خطير، أنت لا يُمْكِن أن تَدْعُوَ إنسانًا لا تؤمِنُ بِوُجودِهِ ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يسْمَعُكَ، ولو آمنْتَ بِوُجودِهِ، ولا يُمْكِنُ أن تَدْعُوَ إنسانًا لا يُحِبُّك، ولا يمكن أن تدْعُوَ إنسانًا يسْمَعُكَ ويُحِبُّك ولكنَّه ضعيف، فأنت لاحِظ نفْسك حينما تدْعو فهذا يعني أنَّك مؤمن بِوُجودِه، وبأنَّه سميع قريب، وبأنَّه رحيم ودود، وأنَّه على كل شيء قدير، فالدُّعاء يعني أنَّك تعرف الله عز وجل.
الشيء الآخر أنَّ الدعاء سِلاح المؤمن، فإذا أردْت أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، وقد ورد في الحديث القدسي:
((أنا ملِكُ الملوك ومالك الملوك، قلوب العباد بِيَدي فإن هم أطاعوني حوَّلت عليهم قلوب ملوك بالرَّحمة والرأفة، وإن هم عَصَوني حوَّلتُ عليهم قلوب مُلوكهم عليهم بالسُّخطة والنِّقْمة، فلا تشْغلوا أنفسكم بِسَبِّ الملوك وادْعو لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحكم بِصَلاحهم !))
أنت حينما تدْعو الله تغْدو أقوى إنسانٍ على وَجْه الأرض، لأنَّ مَن بِيَدِهِ كلّ شيءٍ يسْتَجيبُ لك، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

[ سورة آل عمران ]
سيِّدنا موسى مع شِرذِمَة يتْبَعُهُ قليل ووراءه جيش عرمرَم، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذا النبي عليه الصلاة والسلام في غار ثور قال له الصِّديق رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ(198)﴾

[ سورة الأعراف ]
وفي معركة الخندق قال أحد أتباع النبي: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتَحَ علينا بلاد قيْصر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمَن أن يقْضِيَ حاجتهُ ! مُعَين ابن مَسْعود فرَّق شَمل اليهود مع قُريش، وجاءَت رِياحٌ عاتِيَة قلَّبت قم، وأطْفأتْ نيرانهم، وخرَّبَت خِيامهم وولُّوا مُدْبِرين، فإذا أردْتَ أن تكون أقْوى الناس فادْعو الله تعالى، قال تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه فإنَّكم تعرِفونه، وما عليك إلا أن تُجَرِّب وسلْهُ بِصِدْق تجِدُ أنَّ الشيء الذي كان سَيَقَعُ لن يَقَع، ولا يمكن أن يكون له أن يقَع السُّؤال الثالث ؛ كيف يسْتجيب لك ؟ قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
ثلاثة شُروط للدُّعاء ؛ أوَّلاً أن تؤْمِنَ به مَوجودًا وقريبًا وسميعًا ومُجيبًا ورحيمًا وفعَّالاًّ، وسميعًا مُجيبًا ورحيمًا وقادِرًا، ثمَّ أن تُطيعَهُ لأنَّك إن آمنْتَ به ولك تُطِعْهُ تستحي أن تسأله، قال تعالى:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)﴾

[ سورة الأعراف ]
أي يا عبادي إن اعْتَدَيْتُم على بعضِكم فلن أُحِبَّكم، وبالتالي لا أسْتجيب لكم، إن اعْتَدَيْتَ على أخيك المسلم ؛ على مالهِ أو عِرْضِهِ أو سُمْعَتِهِ أو أخَذْتَ ما ليس لك، ولو كنت أفْصَحَ الناس في الدُّعاء لن يسْتجيب لك، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة ]
عليك أن تؤْمِنَ به إيمانًا وُجودِيًّا، وسميعًا بصيرًا، وعليمًا حكيمًا وقديرًا فعَّالاً.
وقوله تعالى دَعاني، أي دعاني حقيقَةً ومُخْلصًا، فالإنسان قد يدْعو تَقْليدًا، لذا يجب أن تؤمن به وأن تطيعَهُ وتخْلِصَ له، وعندئِذٍ لله رِجال إذا أرادوا أراد، قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ قالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[ رواه البخاري ]
النقطة الرابعة إذا كان الدُّعاء بين العَبْد وربِّه هناك حال المَدْعو وهناك حال الدَّاعي، فقي الأحوال الطبيعيَّة لا يُسْتَجاب الدُّعاء إلا إذا كان الداعِي مؤْمِنًا مُسْتجيبًا ومُخْلِصًا، إلا في حالتين لا يُنْظَر إلى حال الدَّاعي، ولكن يُنْظَر إلى المَدْعوّ وهو الله تعالى، قال تعالى:

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾

[ سورة النمل ]
المُضْطرّ والمَظْلوم يُسْتَجابُ دُعاؤُهما ولولا كان كافِرَين، اتَّقوا دَعْوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب، واتَّقوا دَعوة المَظلوم ولو كان كافرًا، والظُّلْم ظُلمات يوم القيامة، فلا تقل هذا ليس مُسْلمًا وهذا لا يعرف الله تعالى، اسْمعوا هذه الآية:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(8)﴾

[ سورة المائدة ]
يجْرِمَنَّكم أي يَحْمِلَنَّكم، والشَّنآنُ هو البُغْض، مَن هم القوم الذي يُبْغِضُهم المؤمن ؟‍ الكفار، فالعدُوّ الأساسي هو الكافر، فهذا الكافر ولو كان كافرًا فلا يحْمِلكَ بُغضَكَ إيَّاه أن تظْلِمَهُ، فإنَّك إن ظَلَمْتَهُ لن يرْضى عنك، فالله تعالى كأنَّه يقول: يا عبادي إن توهَّمْتُم أنَّكم إن ظَلَمْتُم الكفَّار أرْضى عنكم فأنتم واهِمون إلا إن أنْصَفْتُموهم، لأنَّكم إن أنْصَفْتُموهم قرَّبْتُموهم إليكم، وتقرَّبتُم إليَّ فلو أنَّ مَجوسِيًّا جاء لِيَشْتري مِن عنْدِكَ، وغلِطَ بالحِساب ؛ يجب أن تُنْصِفَهُ، فأنت لو أسأتَ إلى مسلِمٍ لقال: فلان فعل معي كذا، ولكنَّكَ لو أسأت إلى كافرٍ فإنّه يتَّهِمَ جنس المسلمين ‍! لذلك أنت على ثُغرةٍ مِن ثُغَرِ الإسلام فلا يُؤتينَّ مِن قِبَلِكَ، وكلّ واحِد يُمَثِّل حارسًا مِن حُرَّاس الإسلام، فإذا الإنسان أساء لِغَير المُسْلِم فهذا قد أساء لِدِينِهِ، وأصْبَحَ مُمَثِّلاً أحْمَقًا لِهذا الدِّين، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ رواه مسلم ]
وفي حديث آخر:
((من غشَّنا فليس مِنَّا ))
وهو في الترمذي، وهذا أبْلَغ لأنَّه مُطلق، فالذي يغشّ لا ينتمي لِهذه الأمَّة، ويُمكن أن تكون أكبر داعِيَة باسْتِقامَتِكَ وأمانتِكَ ووفائِكَ وحِفاظَكَ على الوَعد والعَهد.
الفِكرة الرابِعَة يسْتجيب دُعاء المُضْطَرّ كائِنًا مَن كان، فالمُضْطرّ لا يُنْظَر إلى حالِهِ، وإنَّما إلى اللخ عز وجل لأنَّ الله تعالى يُجيبُ دُعاء المُضْطَرّ، وقال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ:

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

[ رواه البخاري ]

(( اتَّقوا دَعوة المَظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حِجاب !))

درسُنا أربعة فقراتٍ، فأنت إن دَعَوتَ الله فإنَّك تعلمُ أنَّه مَوجود، وأنَّه سميع عليم ورحيم وَدود، وأنًّه على كل شيء قدير لأنَّك لن تَدْعُو إنسانًا لا يسْمَعُك ولا يُحبُّك، أو لا يَقْدِر على أن لا يُجيبَك، فَدُعاء الله عز وجل نَوْعٌ مِن معرفة الله تعالى، لذلك الدُّعاء مُخّ العبادة، ومن لا يدْعُني أغضب عليه، وإنَّ الله يُحبّ المُلِحِّين في الدُّعاء، وإنَّ الله يُحبّ من العبْد أن يسْأله مِلْحَ طعامِهِ وشِعْثَ نَعْلِهِ إذا انْقَطَع، وأن يسْأله حاجتَهُ كلَّها، وإنَّ الله حيِيّ كريم، ويسْتحي من عبْدِهِ إذا رفع يَدَيْه أن يَرُدَّهما خائِبَتَين، ولا تَرُدُّوا القضَاء إلى الدُّعاء، ولا ينْفَعُ حذَرٌ من قَدَر ولكن يرْفع الدُّعاء، ديننا كلُّه دُعاء، ولكن دُعاءٌ بِعَقْل وليس بِالجُنون ! مُقيمٌ على المعاصي ويقول: يا رب، يا رب !! يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُن مُسْتجاب الدَّعوة.
آخر آية من الفرقان قوله تعالى:

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

[ سورة الفرقان ]
إن دَعَوْتُموه يسْتَجيب لكم، ويُربِّيكم ويرْعاكُم، ويأخذ بكم إليه والدُّعاء معرفة، ويحتاج إلى شُروط ؛ أن تؤمِنَ به وتسْتجيب له وأن تُخْلِصَ في الدُّعاء.
والمَظلوم والمُضْطَرّ مُسْتثنى من شُروط الدُّعاء، ولو كانا كافرين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-15-2018, 09:00 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الشعراء آياتٌ تتَكرَّر، قال تعالى:
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8)﴾

(سورة الشعراء)

هذه الآية تتكرَّر عَقِبَ كلّ قِصَّة، قِصَّة سيِّدنا موسى مع فِرْعَون، ففي آخر القِصَّة قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
وقِصَّة إبراهيم بعد أن تنتهي قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
وكل قِصص هذه السورة تنتهي بِهذه الآية، فما مَغْزى هذه السورة ومن هذه القِصص ؟
أيها الإخوة، الإنسان إذا أراد أن يعرِفَ الحقيقة وأرادَها بِصِدْق ومِن أعْماقِهِ، كُلّ شيءٍ يدُلُّه عليه ؛ بَدْءً مِن خلق السماوات والأرض، ومِن أفعال الله عز وجل، ومِن طعامِهِ وشرابِهِ والقرآن الكريم، والمَوْعِظَة وأيّ شيء قريب أو بعيد، مَلْموسٍ أو مَحْسوسٍ يَدُلّ على الله، أما إذا رفضَ الإنسان الحقيقة، لو رأى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صعِدَ إلى السماء، ولو رأى ميِّتًا قام مِن قبْره وكلَّمَهُ، ولو رأى عصًا قد أصْبحَت ثُعبانًا، ولو رأى أنَّ الجَبَلَ خَرَجَت منه الناقَة ؛ هؤلاء الأقْوام الذين كذَّبوا أنْبِياءَهُم، ومع ذلك لم يُؤْمِنوا، فما المَغْزى من هذه القِصَّة؟ المَغزى أيُّها الإخوة أنَّ الإنسان مُخَيَّر، فإذا اخْتار الهُدَى كان معه ألف طريق وطريق يوصِلُهُ إلى الله، وكلّ شيءٍ هو آيةٌ على أنَّه الواحِد ؛ طعامُهُ وشرابُهُ و أولادهُ وزَوْجَتُهُ وكَسْبُهُ، وكذا الطيور والأسماك والنبات والجبال والبِحار والسُّهول والزلازل والبراكين والفيضانات، والحُروب ؛ هذه كُلُّها تَدُلُّه على الله إذا أراد الحقيقة، وإن لم يُرِدْها فَقَوْمُ فِرْعَون رأَوْا أنَّ البَحْر أصْبَحَ طريقًا يبَسًا، ورأَوًا عصاةً أصْبَحَتْ ثُعْبانًا مُبينًا، وقَوم إبراهيم أبْرَموا نارًا عظيمة وألقَوا فيها إبراهيم عليه السلام فلمَّا انْتَهَتْ وَجَدُوه قاعِدًا مُسْتَريحًا ! سيِّدنا صالح أخْرَجَ لهم ناقًةً من الجَبَل، فالإنسان إذًا أراد الحقيقة مِن أعْماقِ أعْماقِهِ فَكُلُّ شيء يَدُلُّهُ على الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
وقال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
فأنت إذا أرَدْتَ الحقيقة وصَلْتَ إليها، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69)﴾

[سورة العنكبوت]
أما إن لم يُرِد الإنسان إلا الحياة الدنيا وأعْرَضَ عن ذِكْر الله، قد يرى الآيات التي تَخِرُّ لها أعْناق الجبابِرَة، ومع ذلك لا يسْتفيد ولا يُؤْمِن والآيات واضِحَة، وأقْرَبُ آيَةٍ إلينا الموت، كَم شَيَّعْتَ مِن إنسان ؟ وكذا التَّعْزِيَة، أين هو الآن ؟! جلَسَ في قبرٍ صغير موحِشٍ، وقد كان يسْكن بيتا فيه مئات المتْرات، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
هؤلاء الذين يُشَيِّعون الجنازَة يقِفُون على باب المسْجِد وكأنَّهم لا يُصَلُّون وكأنَّهم لن يموتوا، سِنُّهُ خمسٌ وسبْعون ولم يسْجد لله تعالى ولو سَجْدَة! المَوت أقرب إلينا من شِرْك نَعْلِنا ؛ ثانِيَة وتكون في عالم آخر، تجِدُهُ بِصِحَّة جيِّدة فإذا به يموت فجْأةً، ترك النساء والمال والتِّجارة.
فيا أيها الإخوة الكرام، ربُّنا يُريدُنا أن نقول: إنَّ الكَوْن بِوَضْعِهِ الراهِن هو المُعْجِزَة، وأنّ خرْق نواميسِهِ لا يزيد المُعْرِض إلا إعْراضًا والكافر إلا كُفْرًا، والظالم إلا ظُلْمًا، والمُتَشَكِّك إلا تَشَكُّكًا، والخائِف إلا خَوْفًا، فَمَن لم يُؤمِن بالكَون دون خرْق نواميسِهِ فلن يؤْمِنَ به وقد خُرِقَت نواميسُه، فوَرَقَة الشَّجَر تحوي معْملاً لا يعدِلُهُ أيُّ معْمَل صَنَعَهُ الإنسان، هذه الورقَة يأتيها الماء من الجُذور سالِكًا طريقًا مُعاكِسًا للجاذِبِيَّة، وكل السوائل تسقط إلا ماء التربة يَصْعد إلى ثلاثين متر بِخَاصَّة شَعْرِيَّة بالغَة الدِّقَّة تحتاج إلى شَرْح طويل، ويصْعَد الماء وهو مُذاب به ثمانِيَة عشَرة مَعْدَنًا، في هذه الورَقَة فوتونات وطاقة شمسِيَّة مَخْزونة، وآزوت واليَخْضور ؛ كلُّ هذا بِآيَةٍ عجيبة ودِقَّة بالِغَةٍ وإعْجاز المُعْجِز يُصْنَع في الورَقَة سائِلٌ اسمُهُ النُّسُغ النازِل، وهذا السائِل هو الذي يُسْهِمُ في نُمُوّ النَّبات، وهو الذي يُسْهِم في نُمُوّ الجُذورة والجِذْع طولاً وعَرْضًا، ونُمُوّ الأغصان وظُهور الأوراق والأزهار والبراعِم والثِّمار، فهل نحن في بني البشَر معنا سائل تحْقِنُهُ ويَصْعَد إسْفَنج أو خشَب، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
آيةُ النَّبات آية كبيرة ؛ هذا الماء الذي في الدَّرَجة زائِد أربعة يزْداد حجْمُهُ إذا برَّدْتَهُ، ولولا هذه الظاهرة لما قامَتْ حياةٌ على وَجْه الأرض وهذا الهواء الذي يَحمِلُ بُخار الماء، لولا هذه الظاهرة لما قامَتْ حياةٌ على وَجْهِ الأرض، وخاصَّة التَّرسُّب هذه لولاها لما كُنَّا مَوْجودين فالعَظْم يحْمل خمسمائة كيلو، عظم عُنق الفخِذ يتَحَمَّل ضَغْطًا مائتان وخمسمائة كيلو، أنت تأكل لحم، وحليب، فَكَيف صار الحليب قاسِيًا ؟ بِفَضْل ظاهرَة التَّرسُّب، فأملاح الكالِسْيوم تكون مُذابَة في الحليب، فإذا وَصَلَت إلى المكان المناسب تترسَّب على شَكل عِظام، وكذا الانْصِهار فلو كانتْ العناصِر تنصَهِر بِدَرَجَة واحِدَة لكان الكون كلّه صلبًا أو مائِعًا أو غازِيًّا ؛ كُلُّ عُنْصر له درجة انْصِهار خاصَّة، هناك خَشَب وهناك ماء وهناك هواء، هناك شيء ليِّن وآخر قاسي وآخر لزِج وذاك صلب فالكَونُ إذاً على وَضْعِهِ الراهِن أكبر مُعْجِزَة على الإطلاق، فَمَن لم يؤْمِن بِهذه المُعجِزة من دون خَرْق فلن يؤْمِن ولو خرقت الأمور، والدليل قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
ولو رأى ميِّتًا اسْتَيْقظ مِن قَبْرِهِ وقال له هناك جنَّة أو نار، لقال: هذه تَخَيُّلات وتخرُّصات ولو رأى كِتابًا نزَلَ مِن السَّماء، إلا إذا آمَنَّا بالآيات الكَوْنِيَّة الدالة على عظَمَة الله عز وجل، فالقَضِيَّة في هذه السورة مِحْوَرِيَّة، وكل قِصَّة وراءَها تَعْقيب، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
سَحَرة فِرْعَون رأَوْا العصا وقد أصْبَحَت ثعبانًا وقد أكلت ما يأفِكون ومع هذا ما آمَنَ فِرْعَون ! متى آمَنَ ؟! حينما أدْرَكَهُ الغَرَق، وكُلّ واحِد لما يأتيهِ ملَكُ المَوت يُؤْمِن لأنَّ أكثر كُفَّار الأرض وهو فرعون قال حينما أدْرَكَهُ الغرَق:

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾

[سورة يونس]
فالإيمان خِيار وَقْت وليس خِيار قَبول أو رَفْض ؛ فالآن خمسة آلاف مليون نسمة في الأرض ؛ كُلُّهم سوف يؤمِن صاغِرًا عند الموت لَكِنَّ البُطولَة أن تؤمِن قبل الموت، وتنتفِعَ من إيمانِك وأن تؤمن وأنت غَنِيّ وصحيح، وأن تُؤمِن وأنت مُعافى وشاب ؛ مِن أجل أن تنتفِعَ بالإيمان، لذلك الله عز وجل أرانا في هذه السورة أشْياء كثيرة:

﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً ﴾

[سورة الشعراء]
وليدًا ؛ يصعبُ على الابن أن يُرَبِّي أباه إن كان عاصِيًا ! يقول له: متى أصْبَحْتَ تنْصحُنا، البارِحَة كنت صغيرًا، والآن تتكلَّم قال بعدها الله تعالى:

﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)﴾

[سورة الشعراء]
اسْتِفهام إنكاري، قال تعالى بعدها:

﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(22)﴾

[سورة الشعراء]
جعَلْتَهم عبيدًا لك ؛ وجَعَلْتنا عبيدًا لك وقتَلْتَ أبْناءَها واْسْتَحْيَيْتَ نِساءَنا ؛ أهذه نِعْمَة ؟ حينها قال فرعون:

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)﴾

[سورة الشعراء]
لما الإنسان يكشف الحقيقة، نسأل الله العافِيَة، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)﴾

[سورة الشعراء]

قال هذه الكلمة لِمَن حَوْلَهُ ؛ تعالوا تَسْمعون مِن باب الاسْتِهْزاء، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) ﴾

[سورة الشعراء]

فالناس اليوم إذا رأَوا المُلْتَزِم يقولون: فلان مَجنون لا يعرف إلا الله الله من البيت إلى المَسْجِد ! قال تعالى:
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39)﴾

[سورة الشعراء]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-15-2018, 09:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس االثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، القِصَّة الثانيَة من سورة الشعراء، وهي قِصَّة سيِّدنا إبراهيم عليه السلام، قال تعالى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74)﴾

[سورة الشعراء]
أوَّلا ينبغي أن يكون الذي تَعْبُدُهُ أن يسْمَعَك إذا سأَلْتَهُ، وينبغي أن يُحِبَّك، وأن يكون قَوِيًّا ينْفَعُكَ، فهذه الأصْنام لا تَسْمَعُ إذا دَعَوْتُموها، ولا تنفَعُ ولا تضرّ، والشيء الآخر هو التَّقليد الأعمى، قال تعالى:

﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)﴾

[سورة الشعراء]
فَمَن الذي ينبغي أن تعْبُدَهُ ؟ إذا كنتَ في الصَّحْراء وقلتَ له: يا رب يسْمَعُكَ، وإذا كنتَ على ظَهْر سفينة والمَوْج على أشَدِّهِ وقلتَ: يا رب يسْمَعُكَ، وكذا إن كنتَ في غوَّاصَة، وقلتَ: يا رب، يسْمَعُكَ، وكذا في الطائرة، فالذي ينبغي أن تعْبُدَهُ، وأن تُقَدِّم حياتَكَ مِن أجْلِهِ هو الله عز وجل، فلا يليق بالإنسان أن يكون لِغَيْر الله، وهذا الذي ينبغي أن تَعْبُدَهُ يجب أن يكون مَوْجودًا، وأن يكون كامِلاً، وأن يكون واحِدا وأن يسْمَع ويُبْصِر ويَعْلَم فإذا تكلَّمْت يسْمَع وإذا تَحَرَّكْتَ يُبْصِر، وإذا سَكَت يعْلَم خواطِرَك، سميع إذا دَعَوْتَهُ وبصير إذا تحرَّكْت وعليم إذا سكت والآية الكريمة:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) ﴾

[سورة الشعراء]
فهذه أوَّل صِفَة.
الصِّفَة الثانِيَة: ينبغي أن يكون رحيمًا وَدُودًا كي يعْطف عليك وينبغي أن يكون قديرًا، وتتعلَّق قُدْرَتُهُ بِكُلّ مُمْكِن، مِن أجل أن تَدْعُوَهُ وتلجأ إليه، قال تعالى:

﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78)﴾

[سورة الشعراء]
قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾

[ سورة طه ]
هدى إلى ماذا ؟ أربعُ هِدايَات ؛ هِدايَةٌ إلى مصَالِحِك ؛ أعْطاك سَمْعا وبصَرا، وقُوَّة توازُنا وحاسَّة شمّ، فإذا كان الطعام فاسِدًا عافَتْهُ وعَقلا وحواسا خَمْسا وجهاز المناعة والهَضم والإفراز، وأجْهِزَة دقيقة جدًا فهذه هِدايَة المصالِح، ثمّ هداك بالوَحي فإذا اخْتَرْتَهُ هداك بالتَّوفيق قال تعالى:

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى(13)﴾

[ سورة الكهف ]
ثمَّ هداك إلى الجنَّة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

[سورة الشعراء]
المطر أنزلَهُ، والنبات أخْرَجَهُ والثِّمار عَقَدَها، والمحاصيل أنْضَجَها وكل أنواع النبات بدْء من المحاصيل إلى الخضار والفواكه والثِّمار والوُرود ؛ كلّ هذه مِن خلْقِهِ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

[سورة الشعراء]
وهنا الدِّقة، فهو ما قال: وإذا أمْرَضَني لأنَّ أصْل المرض خُروج الإنسان عن منهج الله، هناك نقطة مهمَّة وهي مهما كان ثمن السيارة غاليا فلا يمكن أن يصْنع الإنسان سيارة تدوم إلى آخر عمرها دون تَغْيير قِطعٍ فيها، أرْقى أنواع السيارات بعد عشرين سنة تحتاج إلى كذا وكذا، أما الإنسان المُصَمَّم يعيش ثمانين سنة دون أيّ تَغْيير، يَحوي تَجْديدًا ذاتيا، أسْرَع خلايا في التَّجْديد خلايا الأمْعاء الدَّقيقة ؛ تتجدَّد ذاتِيًّا كلّ ثماني وأربعين ساعة، وهذه حقيقة علميَّة، و أطول عُمْر خلِيَّة خمْس سنوات، معنى ذلك أنت كلّ خمْس سنوات إنسان جديد ؛ إلا الدِّماغ فإذا تغيَّر فهذه مُصيبة المصائِب يدْرس خمْس سنوات طبّ فإذا تغيَّر دِماغه نسى كلّ شيء، يقول لك حينها: أنا دَرَسْتُ الطب والهندسة وكذا...أما الآن فلا أفْقَهُ شيئًا !! وكذا الخليَّة العَصَبِيَّة لا تتغيَّر، والقلب كذلك، فكُلّ شيء يتغيَّر في الإنسان إلا القلب والدِّماغ فلا يتغيَّران، فالله تعالى صمَّمَ الإنسان تَصْميمًا دقيقًا.تَلَوُّث الهواء والأطْعِمَة الكيماوِيَّة، تجد شرابات كلَّها كيماوِيَّة، ولا شيء فيها طبيعي ! فهذا خطأ، فالأشياء التي تُخزَّن في الفْرِيزَرْ تُسبِّب أمراضا وبنزوات الصوديوم مَسموح اثنان بالألف وأصحاب المعامل حتى لا ترجع لهم المُعلَّبات وكي لا تفسد يضَعون خمْسة بالألف، وهذه مواد مُسرْطِنَة، أحد الأطِبَّاء قال: مرض السرطان متضاعف عشرين ضِعف بالنِّسبة للسنوات السابقة، هناك خطأ بِحَياتِنا، وخطأ بِأكْلِنا وفي الهواء الذي نسْتنشِقه، والماء الذي نَشْرَبُهُ ؛ فالمِياه السوداء التي بالغوطة الشرقِيَّة جعلتْ كلّ الخُضْراوات والفواكِه فاسِدَة ! فالمِياه السَّوْداء تَدخل في تَرْكيب النِّبات، فهذا خطأ عَصْري وليس فرْديا أصْبِغَة كيماوِيَّة، وقلل على الدَّخْل والتِّجارة لذا أصل المرض خُروج عن منهج الله، يُغَيِّرون منهج الله في الحياة، اللَّحم مَصْعوق كهْربائي .
عُقِدَ مؤتَمر على السَّرطان بألمانيا قبل عشْر سنوات، والذي ناب عن بلدنا دكتور مَشْهور بالسَّرطان قال فيها: البلاستيك إذا اسْتَعْملْتَهُ بالسائل الحار أو الحامِضي يأخذ منه، فالمواد الحامِضِيَّة والحارَّة ممنوع اسْتِعمالها بالبلاستيك، فهذا أحد الأخطاء، لذلك الآن هناك مقاييس ومُواصفات، يأخُذون أيّ عَيِّنَة وخلاف المواصفات مُصادَرة لأنَّ تُجار الطعام لا يَعْنيهم شيْئًا، وفي بعض معامل اللُّحوم الجاهِزَة وَجَدوا لَحم قِطَط ! لذلك الإنسان كما عليه أن يعرِف ما يتكلَّم لا بدّ أن يعرِف ماذا يأكل، دَعْك من الكيماوِيَّات، وتناوَل المواد الطَّبيعِيَّة، والطازج أفضل، وهذا هو معنى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

[سورة الشعراء]
والصِّحة نصف مال الإنسان، فالعِنايَة بالصِّحة جزء من الدِّين، النبي عليه الصلاة والسلام قال عن حبة البركة أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ:

(( شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ ))

[ رواه البخاري ]
عُقِد مؤتَمر بِمِصْر لِيَدرس الحبَّة السوداء وكانت النتيجة أنَّ الحبة السوداء تُقَوِّي جِهاز المناعة في الإنسان، فيَشْفى من كُل مرض، والله عز وجل قال عن العَسَل فيه شِفاء للناس، وأحيانًا دواء كيماوي ثمنه ثمان مائة ليرة، والحبَّة ألف ليرة، فأنت اِرْجَع إلى الكتاب والسنَّة، وطَبِّق نصائِح النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو الذي يَحتاجُهُ الإنسان في حياتِهِ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)﴾

[سورة الشعراء]
أي اُرْزقني الحِكمة، قال تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)﴾

[ سورة البقرة ]
فأعظم شيء على الإطلاق يُؤتيكهُ الله أن تَكون حكيمًا، حكيما في طعامك وشرابك وزواجِك، وتَزويج أولادك وبناتِك، وحكيما في علاقاتِك مع الآخرين، وحكيما في نزهاتِك وسفرك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-15-2018, 09:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، النبي الكريم إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء يَدعو ربَّهُ ويقول:
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)﴾

[سورة الشعراء ]
ولو درسنا الأدْعِيَة التي جاء بها الأنبياء لَوَجَدْنا فيها عَقْلاً راجِحًا وعِلْمًا نافِعًا.
الله جل جلاله أعْطى القوَّة إلى مَن لم يُحِبّ، ولِمَن يُحِبّ، فَهُوَ أعْطاها لِفِرْعَون وهو لا يُحِبُّهُ، وأعطاها لِسُليمان وهو يُحِبُّه، إذًا ما دامَ الشيء الواحد قد أُعْطِيَ لِمَن يُحَب ولِمَن لم يُحَب فهو حِيادي لا علاقة له بِحُبِّ الله إطْلاقًا، فقد أعطى المال لِقارون وهو لا يُحِبُّه، وأعْطى المال لعبد الرحمن ابن عَوف وهو يُحِبُّه، فما دام الشيء الواحد يُعطى لِمن يحب ولمن لا يحب فهذا لا علاقة له بالحُبّ، لكنَّ الشيء الذي لم يُعْطِهِ تعالى إلا لِمَن يُحِبُّه هو العِلْم والحِكْمة، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾

[ سورة يوسف ]
لأنَّك بالعِلم تعرف الله وتُطيعُهُ وتَسْعَدُ بِقُرْبِهِ، وبالعِلم تَسْعُد بِحَياتِه، وبه تدخل الجنَّة، فإذا أرَدت الدنيا فعليك بالعِلم لذلك طلب العلم فريضة ولا شأن في الدنيا يَعْلو على العِلْم، وأيُّ عِلْمٍ هذا ؟ العلم بالمنهج القرآني، لو أنَّ الإنسان عنده مكتبة من الأرض إلى السقف على أربعة جدران، وعنده بعد أسبوع امْتِحان التَّخَرُّج، وعلى هذا الامْتِحان يتوقَّف نجاحه وتَعْيينُهُ في أرْقى وظيفة، وزواجُهُ، وكلّ مُسْتَقْبَلِهِ مُتَعَلِّق بهذا الامْتِحان، فهل مِن المَعْقول أن يقرأ كل هذه المكتبة ؟ أم يلجأ إلى المُقَرَّر عليه في الامْتِحان فقط ؟! هناك عِلْمٌ يُنْفِعُ ولا يَنْفَع ؛ فَيُمْكِنُكَ أن تقرأ قصَّة من ألف صفحة، وتستمتِع بها أشَدُّ المُتْعة، ولكنَّك لا تستفيد منها لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهناك عِلمٌ مُمْتِعٌ غير نافِع، وآخر مُمْتِع ونافِع، فقد تدرس عِلْمًا دُنْيَوِيًّا تستفيد منه أرباحًا كبيرة لكنَّ العِلْم الدّيني هو العِلم النافع والمُسْعِد في الدنيا والآخرة لأنَّ أيَّ شيء تقرؤُه في كتاب الله، تجده موجودًا في بيْتِك وعملِك وصِحَّتِك وفي زواجِك وتِجارتِك ومالِك، وفي تربيَةِ أولادك، وفي إقْبالِكَ على الله، فالقرآن الكريم هو مَنْهَجُ الإنسان، لذلك سيِّدنا إبراهيم بعد أن قال:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)﴾

[سورة الشعراء ]
بالمناسبة أخْطَر شيءٍ في حياة الناس حياتهم ورِزْقُهُم، والمُسْلِم أعْتقِدُ اعْتِقادًا جازِمًا أنَّ حياتَهُ ليْسَت بِيَدِ أحد إلا الله، فالذي منَحَ الحياة هو الذي يسْلُبها، وأنّ رِزْقهُ ليس بِيَدِ أحدٍ إلا الله، والذي رزَقَ هو الذي يَمْنَع، والذي رفع هو الذي يخْفض، والذي أعزَّ هو الذي يُذِلّ، والذي بسَط هو الذي يقْبض، فلذلك العُمْر والرِّزْق بِيَد الله عز وجل، وهناك قَوْلٌ رائِع ؛ كلمة الحق لا تُقَرِّبُ أَجلاً، ولا تقْطعُ رِزْقًا، والذي تَعْبُدُهُ ضامِنٌ لك، فلو سأل أدهم قبل عَشْر سَنَوات ماذا أفعل بِهذا المال ؟ ثمَّ أشرْتَ عليه أن يشْتري حاجَةً ظَنَنْتَ أنَّها سَيَرْتَفِعُ ثمنها في القادِم، فإذا بالنَّتيجة مُعاكِسَة ! فأنت لا تستطيع أن تضْمَن له نتيجَة، فأيُّ آمِرٍ من بني البشَر ليس آمِنًا إلا الله، فالله وحْدهُ الضامِن، إذا أَمَرَكَ بِشَيءٍ يضْمنُ لك الفَوْز والسَّعادة، فالله عز وجل حينما أمَرَنا بِطاعَتِهِ ضَمِنَ لنا السَّعادة، وضَمِنَ لنا السلامَة، والعَقَبَة هي عَبَقَة عِلْم، والإنسان يُحِبُّ ذاتَهُ ووُجودَه، وسلامة وُجوده وكمال وُجودِه واسْتِمْرار وُجودِه وانْطِلاقًا مِن حُبِّهِ لِوُجودِهِ ؛ إن رأى الخير في هذا الباب دَخَلَهُ، وإن رأى الخير في هذا الطريق سَلَكَهُ، وإن رأى الخير في هذا العمَل فعَلَهُ، وإن رأى الخير في تَرْك هذا الشيء تَرَكَهُ،، ولو أنَّ أشْقى الأشْقِياء رأى ما رآهُ النبي لكان مثل النبي ! فلذلك أعدى أعْداء الإنسان هو الجهْل، مَعرِفة كلام ربِّ العالمين، وسُنَّة رسول ربِّ العالمين، ولا يَعْلو عليها شيء في الأرض، فأنت حينما تجد عِيادة الطبيب مُكْتظة بالزِّبائِن، وكلّ واحِد ألف ليرة ؛ كُلّ هذا الدَّخْل الكبير سبب دِراسَتِهِ بالجامِعَة، فَدِراسَتُهُ هي سببُ هذا الرِّزْق الوفير، فلا شيء يَعْلو على طلب العِلْم، وبِطَلَبِ العِلْم يُصبِح ذا دَخْلٍ عظيم، وهذا بِحَسَبِ قِيَم الأرض، ماذا دعا سيِّدنا إبراهيم ؟ قال تعالى:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[سورة الشعراء ]
الحُكم ؛ العِلْم والحِكْمة والمَعْرفة مِن معرفة الله وكتابِهِ ومنهجِهِ تعالى أنَّى يأتيك وأنت في البيت ؟ وأنَّى يأتيك وأنت مُضْطجعٌ على سريرك ؟ وأنَّى يأتيك وأنت مُسْتَلْقٍ على أريكَةٍ وفيرة في بيتِك ؟ أنى يأتيك وأنت في سَهْرةٍ مُخْتَلَطَة ؟ وأنَّى يأتيك وأنت في مَتْجَر ونُزْهة ؟! لا يأتيك إلا في مكانِهِ ؛ بيتٌ من بيوت الله إنَّ بُيوتي في الأرض المساجِد، وإنَّ زُوَّارَها هُم عُمَّارُها، فَطوبى لِعَبْدٍ تطهَّر في بيتِهِ ثمّ زارَني، وحُقَّ على المَزور أن يُكْرِمَ الزائِر، لو تمنَّى طالب مليون سنة أن يكون طبيبًا ؛ لن يكون طبيبًا إلا إذا انْتَسَبَ إلى كُلِيَّة الطِبّ، وذهَبَ إلى الجامِعَة وجلسَ على مَقْعَدِ الدِّراسَة، واسْتَمَع إلى مُحاضرة الأساتِذَة مكان العِلْم الدِّيني هو المساجِد، والمَسْجَد له أخْطَر دَوْرٍ في حياة المُسْلِمين، لما هاجَرَ النبي عليه الصلاة والسلام مِن مكَّة إلى المدينة ألَيْس من المَعقول والمنطِق أن يبْنِيَ بيْتًا ؟ نزَلَ ظَيْفًا وبنى المَسْجِد فأوَّل عملٍ قام به النبي عليه الصلاة والسلام بعد الِهجْرة أنَّه بنى المَسْجِد مكان العِبادة والعِلْم ومكان حلّ قضليا المُسلمين، فالإنسان الذي لا مسجِد له ينْهَلُ منه هو إنسان ضائِعٌ وشارِد وجاهِل ويَدْفَعُ ثمَنَ جَهْلِهِ باهظا ؛ تَعْليقي على هذه الآية:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[سورة الشعراء ]
فالإنسان إذا آتاهُ الله الحِكْمة يُصْلِحُ الزَّوْجَة الفاسِدَة والسيِّئة، أما إن لم يَكُن حكيمًا يُفْسِد الجيِّدَة، فبالحِكْمة تجْلب المال، وبالحُمْق تُبَدِّدُهُ وبالحِكمة تكْسِب الأصْدِقاء، وبالحُمق تُنَفِّرُهم، وبالحِكمة تسْعَدُ فيما آتاك الله، وبالحُمْق تَشْقى فيما أوتيتَ، لذلك لمَّا قال تعالى:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269) ﴾

[سورة البقرة ]
إلهٌ عظيم يقول: فقد أوتِيَ خيْرًا كثيرًا، والحِكْمة مَعرِفة كلام الله ومنهج رسول الله، والأحكام الشَّرْعِيَّة، ومعْرفَة ما يكون وما لا يكون هذه المعارف كلُّها مجْموعةٌ في كتاب الله، ومُفَصَّلة في سُنَّة رسول الله، ومُطَبَّقة في سيرتِهِ صلى الله عليه وسلَّم، فإذا قرَأْتَ كتاب الله وتفهَّمْتَ معانيه، وقرأتَ سُنَّة رسول الله، وتفقَّهْتَ أحكامَها وقرأْتَ سيرة رسول الله، واقْتَدَيْتَ به فقد جَمَعْتَ العِلْم من كُلِّ أطْرافِهِ وهذا هو العِلْم النافِع الذي ينْفع ويرفَع، وقد رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجُلاً في المسْجِد تحلَّق الناس حوْله، فقال: مَن هذا؟ -وهو يعرف من هو ؛ سؤال العارِف - فقالوا: نسَّابَة يا رسول الله قال: وما نسَّابَة فقالوا: يعْرف أنْساب العرب ! فقال صلى الله عليه وسلم:
((ذاك علْمٌ لا ينفَعُ مَن تعلَّمَهُ ولا يضرُّ مَن جَهِلَ به !))
فلو كان معك بيتٌ فيه أثاث مِقداره خمْسة ملايين ! ولا سمَحَ الله أُمِرْت أن تُغادِر هذا البيت وأن تحْمل معك سِعَة شاحِنَة صغيرة فقط، ما الذي سَتأخذُهُ من أثاثِك ؟ أثْمَن شيءٍ وأقلَّهُ حجْمًا، الذَّهَب، والأجهزة الإلكترونية هاتِف والأشياء الثَّمينة، فالحياة مُعَقَّدة جدًا، وعُمْرنا قصير، وما يُطْبَعُ في اليوم الواحِد مِن الكُتب لا تسْتطيعُ أن تقرأه عبْر مائة عام، وفي شتَّى بِقاع الأرض، وبِكُلّ اللُّغات، عليك أن تصْطفي ماذا تصْطفي ؟ كلام الله، وفضْل كلام الله على كلام خلقِه، كَفَضْل الله على خلْقِهِ والإنسان زائِل ومُنته وحادِث وضعيف، ومضى وقتٌ لم يكن شيئًا مذْكورًا، والله تعالى أزلي وأبدي، والله قويّ وعالم والله تعالى مالِك لذا أعظم كتاب وهو كلام الله، وتختار أعْظم رسول وهو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فالذي يتبَّع كلام الله وسيرة رسوله فقد حاز العِلْم كُلَّه، وهذا هو العِلم النافِع، وهذا القرآن الذي لا فقْر بعده ولا غِنًى بعدهُ، وهو روحُ الرُّوح، وهو ربيع القلوب، وغِذاء الروح، وقد قال تعالى أنَّه شِفاء للمؤمنين، قال تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[ سورة الإسراء ]
الشيء الثاني و ألْحقني بالصالحين، فَمِن نِعَم الله الكُبْرى أن تكون مع المؤمنين، وأن تكون مع الصالحين، وفي مُجْتمع المؤمنين والإنسان مهما كان صفاؤُهُ تنْحرف نفْسُهُ إذا خالط المُنْحَرِفين ؛ من نظراتهم وبذاءة لِسانِهم ومُزاحِهم المُنْحَطّ وتعليقاتِهم الساخرة، فالصديق المُنْحرِف يُعَكِّر صَفْوك، ويُشَوِّهُ أخلاقك، قال تعالى:

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[سورة الشعراء ]
و باقي الآيات نشْرحها في الدرس القادِم إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-15-2018, 09:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثالثة والثمانون التي تمَّ شرحها في الدَّرس الماضي، وقد وَقَفْنا وقْفةً طويلة عند الحُكْم، وكيف أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أحَبَّ عبْدًا منَحَهُ حُكْمًا، والحُكم العِلْم مع الحِكْمة، والحِكْمة الاسْتِفادة من العِلْم، والعِلم من دون تَطبيق لا جَدْوى منه:
وعالمٌ بِعِلْمِهِ لم يعْمَلَــن مُعَذَّبٌ من قبل عُبَّاد الوَثَن
***
والعِلْم بلا عَمَل كالشَّجَر بِلا ثَمَر، وتَعلَّموا ما شِئْتم فو الله لن تُؤجروا حتَّى تعملوا بِما علِمْتُم.
قوله تعالى:

﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) ﴾

[ سورة الشعراء ]
هذا مِن تَواضُعِ الأنبياء، فَهُوَ يَدْعو ربَّهُ أن يكون مُلْحَقًا بالصالحين كما الإمام الشافعي:

أُحِبُّ الصالحين ولسْتُ منهم لعلِّي أن أنال بِهم شفاعـــة
وأكْرهُ مَن بِضاعَتُهُ المعاصي ولو كنا سواءً في البِضاعَــة
***
لا يَدخل الجنَّة مَن كان في قلبِهِ مِثْقال ذرَّة مِن كِبْر ؛ لأنَّ الكِبْرَ يتناقَض مع العُبودِيَّة لله عز وجل، فالعُبودِيَّة لله تعالى قد تَشوبُها أخْطاء كثيرة إلا أنَّ ذَرَّةَ كِبْرٍ تتناقَضُ مع العُبودِيَّة، كما أنَّ اللَّبَن يُمكنُ أن يُضاف إليه خمْسة أمثال حجْمِهِ ماءً، أما نقْطة نفْط واحِدَة تُفْسِدُ هذا اللَّبَن،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ))

[رواه البخاري]
فالمُتَكَبِّر مَحْجوبٌ عن الله عز وجل، لو لم تُذْنِبوا لَخِفْتُ عليكم ما هو أكبر، قال عليه الصلاة والسلام: العُجْب العُجْب. لكن هناك نقطة وهي ؛ كيف يُوَفِّقُ الإنسان بين خِدْمَتِهِ للخَلْق وبين قِيادَتِهِ لهم ؟! للخَليفة عمر بن الخطَّاب قَوْلٌ رائِعٌ في هذا الموضوع، وفي التَّوْفيق بين الوَظيفَتَيْن فقد قال: أُحِبُّ أميرًا إن كان أميرًا بدى وكأنَّهُ واحِدٌ منهم، وإن لم يَكُن أميرًا بدى وكأنَّهُ أمير، إذًا غيرَتُهُ على المَصْلَحَة العامَّة تَجْعَلُهُ يُؤَمِّرُ نفْسَهُ، فهُوَ إن لم يكن أميرًا أخَذَ دَوْر الأمير ! وهذا الخليفة العظيم قال: لسْتُ خيْرًا من أحَدِكم، ولكِنَّني أثْقَلُكُم حِمْلاً، فالإمارة لها وَجاهَة ومَسْؤولِيَّة، وسيِّدُنا عمر يُريد أميراً إن كان حقيقةً بين أصْحابِهِ بدى وكأنَّهُ واحِدٌ منهم، ولم يعبأ بِالمَظْهر ولا الوَجاهَة، وإن لم يَكُن أميرًا بدى وكأنَّهُ أمير، وأخذَ مُهِمَّاتِها ووظائِفَها، وما صُنِعَت له.
قال تعالى:

﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84)﴾

[ سورة الشعراء ]

النبي عليه الصلاة والسلام وصَف المؤمن أنَّه يخطئ ويرْتكِبُ بعض الذُّنوب ولكن لا يَكْذِب، لأنّ الإنسان إذا كذَب فليس هو بِمُؤْمِن، وورَدَ حديث وهو مِن أدَقِّ الأحاديث، والآن عِلْم الطِّباع مِن علم النَّفس يُؤَكِّدُ هذه الحقائِق تَجِدُ أَخَويْن تَوْأمَيْن ومِن بُوَيْضَة واحِدَة ؛ هذا له طَبع وهذا له طَبْع، يقول عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))

[ رواه أحمد ]
فقد تَجِد مؤمنا مُنْفَتِحا، وآخر مُنْغَلِقا، وقد تجد مؤمنا مرِحا، وآخر عَبوسا، وقد تَجِد مؤمنا اجْتِماعيا، وآخر انْعِزاليا، وذاك أنيق والآخر أقلّ أناقَة، قد تجِدُ مؤمنًا يعتني بِطَعامِهِ عِنايَةً فائِقَة، والآخر لا يعتني هذه كُلُّها طِباع، هذا سريع الغضب وذاك بطيء الغضب وهادىء المزاج وآخر عصبي المزاج، وآخر بينهما، آلاف الطِّباع.
أصل الخِيانة والكَذِب تتناقض مع الإيمان، لذلك حينما يكْذب الإنسان يسْقط مِن عَين الله، ويسقط مِن عَين الناس، فالإنسان يَحْتَمِل من صديقِهِ آلاف الأخْطاء إلا أن يكْذِب عليه ! يقول عليه الصلاة والسلام:
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ ))

[ رواه أبو داود ]
أصحاب الحِرَف، ومنهم المُحامون والأطِبَّاء، والمهندسِّون، وكذا المدرسون، يقول لك الطبيب: تحْتاج إلى عَمَلِيَّة فَوْرِيَّة وهو ليس كذلك والمريض مُسْتَسْلِم وواثِق ويُصَدِّقُه، فإذا فَعَل الطبيب هذه الفِعْلة كي يأخذ الثَّمَن فهذه خِيانَة، والمُحامي يعْلم عِلْم اليقين أنَّ هذه الدَّعْوَة خاسِرَة يقول للمُوَكِّل: سوف ترْبَحُها، وهو يعلم أنَّها خاسِرَة، وهذه النتيجة قد يعلمها بعد ثماني سنَوَات، ويكون قد أخَذَ منه الكثير ؛ هذه خِيانَة، وكذا كُل المِهَن، وهذه أساسُها الثِّقة، فالنبي يقول:

(( كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ ))

[ رواه أبو داود ]
والله أيها الإخوة، الإنسان إذا كذَب على الناس، ولو يُسَمِّيه الناس مِلْح الرجال، هذا البيْع المَبني على الكذب، يقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي سُودٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ الَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا الرَّجُلُ مَالَ الْمُسْلِمِ تَعْقِمُ الرَّحِمَ ))

(رواه أحمد )

يحْلف بالله أنَّ رأس مالها أكثَر ! ونحن عندنا قاعِدَة: اليَمين على نِيَّة المُسْتَحْلف لا على نِيَّة الحالِف ؛ لذلك كما قال تعالى:

﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84)﴾

[ سورة الشعراء ]
أشْرَف ثَوْب تَرْتديه أن تكون صادِقًا، كُنْ فقيرًا وضعيفًا ولكن لا تَكْذِب لأنَّك إن كذَبْت تسقُط من عَين الله، ووالله أيها الإخوة، لأَنْ يسْقُطَ الإنسان مِن طائرة على ارْتِفاع أربعين ألف قدم أهْوَنُ مِن أن يسْقُطَ مِن عَيْن الله، لأنَّهُ إذا بَقِيَ عند الله مُكَرَّم فالله تعالى يُعَدِّل كُلّ شيء، لذا صِفَةُ المؤمن أنَّهُ صادِق، لما سأل النَّجاشي سيِّدَنا جَعْفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال له أربع صِفات مرْكَزِيَّة قال له: حتَّى بعث الله فينا رجلا نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسَبَه.
قال تعالى:

﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]
والله أيها الإخوَة، لو لم يَكُن في كتاب الله إلا هذه الآية لَكَفَتْنا، أربعة آلاف مليون يموت ويترك كلّ شيء، بيْتُهُ يُوَزَّع، وثِيابُهُ كذلك، أشياؤُهُ الثَّمينة يأخًُذها أولادهُ، ولكن ما الذي ينْفَعُكَ ؟ إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ! قلبٌ ليس فيه غِشّ ولا حسَد ولا كِبْر ولا شِرْك ولا كُفْر، رأسُ مالِكَ الذي يُسْعِدُكَ إلى أبد الآبدين هو قلبُكَ السليم، وهذا كلام ربِّ العالمين لذلك قال سيِّدنا عمر: تعاهَد قلْبَكَ، قال تعالى :

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]
القلبُ السليم ثَمَن الجنَّة، وهو يحْتاج الاتِّصالٍ بالخالق، والاتِّصال يَحتاج إلى طاعة، والطاعة تحْتاج إلى معْرِفَة، تعْرِفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَتَّصِلُ به، فيَسْلَمُ قلبُه، ويكون هذا الأخير ثَمَن الجنَّة، فأنت تعرفُهُ من كَوْنِهِ وآياِتِه الكَوْنِيَّة، ومن آياتِهِ التَّكْوينِيَّة ؛ أفعالهُ، ومن آياتِهِ القرآنِيَّة فالمؤمن قلبهُ سليم، والذي في قلبهِ على لِسانِهِ، وسريرتهُ كَعَلانِيَّتِه وخَلْوتهُ كَجَلْوَتِهِ، وسفرُهُ كَحضرِه، وفي بيتِهِ كما في عملِهِ، لا يوجد عنده مُعْلن وغير مُعْلَن، ومظْهر ومخْبَر ؛ قلبهُ سليم، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]
لذلك الله ربُّ النوايا كما يقول العوام، هنيئًا لِمَن كان قلبُهُ سليم، هو المَحْفوظ وهو الذي يُدافِعُ عنه الله، وهو الذي يُعْليه، أما صاحِب القلب الخبيث في أسفل السافلين، ومُلَخَّص الدرس أنَّ الخمسة آلاف مليون إنسان الآن على وجه المعمورة هم رجلان ؛ مَوْصول، وقلبهُ سليم ومُنْضبِط ومُحْسِن وسعيد، وآخر مَقْطوع وذو قلب غير سليم، ومُتَفَلِّت وشَقيّ، ولن تجِدَ إنسانًا آخر، وهذا في الدنيا والآخرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ:

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا فَالنَّاسُ رَجُلَانِ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ قَالَ اللَّهُ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ))

[ رواه الترمذي]
لماذا الصُّعوبات في الحياة ؟ هانَ أمْرُ الله علينا، فَهُنَّا على الله ! المؤمن غالي على الله تعالى، أما لما يسْتهين يخرج من ظل الله، فَيُعامَل مثل مُعامَلة الباقين أما إن أردْت أن تُعامَل مُعامَلة خاصَّة، يجب أن تكون تحت طاعة الله، قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَدْلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

[ رواه البخاري ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-15-2018, 09:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة إبراهيم عليه السلام في سورة الشُّعَراء، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)﴾

[سورة الشعراء]
هذا اليوم لا بدّ آتٍ، وكلُّ مُتَوَقَّعٍ آت، وكلّ آتٍ قريب، فالواحِد مِنَّا لِيَسْأل نفْسَهُ: كيف مَضَت الأربعون عامًا ؟ والخمسون عامًا ؟ كَلَمْحِ البصَر، فالأيام تَمْضي سِراعًا، وكذا الزَّمَن والإنسان بين يومٍ مَفْقود، وهو الذي مضى، ويوْمٍ مَشْهود وهو الذي يَحْضُرُه، ويَوْمٍ موْرود وهو ساعةُ الموْت، ويومٍ مَوْعود وهو يوْم القِيامة، ويوم مَمْدودٍ إلى ما شاء الله، فأنت بين خمْسة أيام ؛ وفي قَوْلٍ آخر ثلاثة أيام: ما مَضى فات والمُؤَمَّلُ غَيْب، ولك الساعة التي أنت فيها، أيْ أنَّك لا تَمْلِكُ إلا الساعة التي أنت فيها، فالتي مضَتْ مضَت ولا جَدوى للحديث عنها والتي لم تأت أنت لا تمْلكُها فقد لا نَصِل إليها، ولا يوجَد إنسان تُوُفِّي إلا ومِئات الأفكار وتَخطيط لِعَشْر سنوات أو أكثر، وأقلّ شيء التخطيط خمْس سنوات، فإذا بالموت يأتي ويُلغي كُلّ هذه الآمال فالمُسْتقبل لا تمْلكُهُ، والماضي مضى، وأنت لا تمْلِكُ إلا المُستقبل وهذا اليوم لا بدّ مِن أنَ نصِل إليه،قال تعالى:

﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) ﴾

[سورة الشعراء]
أحيانًا قانون يصْدر مَرْسوما لِتَفْسيرهِ، ويختلف الناس في تَفسيرهِ فتَصْدُر تَعليمات تنْفيذِيَّة، ويختلف الناس في فَهْم هذه التَّعليمات وتَصْدر اجْتِهادات في المَحْكمَةَ الدُّسْتورِيَّة حتى نفْهم كلامًا قالهُ البشَر !! فكيف إذا كُنَّا مع كلام رب البشَر، خالِقُ البشَر الذي يقول في هذا اليوم الذي لا يستطيع أحدٌ أن يتفلَّت منه، ومهما علا شأنُهُ وكَبُرَت قُوَّتُهُ، ومهما ازْداد عِلْمُهُ، قال تعالى:

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(27)﴾

[سورة الرحمن]
ففي هذا اليوم، قال تعالى:

﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) ﴾

[سورة الشعراء]
مهما تركتَ مِن المال، ثمان مائة مليون، دعا أحد العلماء، وهو على فِراش المَوت وقال له ماذا أفْعَل فإنَّ هذا المال حصَّلْتُهُ مِن حرام، ومن دور القِمار فقال له هذا العالِم وقد قسى عليه بعض الشيء، وهو الحقّ: والله لو أنْفقْتَهُ كُلَّهُ لا تنْجو مِن عذاب الله، مهما كان حجْمُكَ المالي كبيرا، هناك مُلوك للمال في العالم، أحدُ مُلوك الحديد وُجِدَ ميِّتًا في عرض البحر مع امرأة عارِيَة ! أين مالهُ ؟ الذين يمْلِكون الملايين المُمَلْيَنَة يموتون ولا يأخُذون معهم شيئًا، فرَبُّنا عز وجل يقول لك: إيَّاك أن تأكُلَ مالاً حرامًا، وهذا المال ربَّما دخل به وَرَثَتُكَ الجنَّة ودخلتَ أنت به النار، وهذا هو أنْدَمُ الناس ! فقد حصَّلهُ هو بالحرام وأنْفقَهُ وَرَثَتُه بالحلال، لذلك لا تعْصي الله مِن أجل إنسان ؛ عَبْدي خَلَقْتُ لك السماوات والأرض ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ أَفَيُعْييني رغيفٌ أسوقُهُ لَكَ كُلَّ حينٍ، لي عليك فريضَة ولكَ عليَّ رِزْق، فإذا خالَفْتني في فريضَتي لم أُخالفْك في رِزْقِك، وعِزَّتي وجلالي إن لم ترْضَ بِما قَسَمْتُهُ لك فَلأُسلِّطَنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوَحْش في البَرِيَّة ثمَّ لا ينالُكَ منها إلا ما قَسَمْتُهُ لك ولا أُبالي، وكنتَ عندي مَذْمومًا أنت تُريد وأنا أريد، فإذا سَلَّمْتَ لي في ما أريد سلَّمْتُ لك فيما أريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تُريد ثمّ لا يكون إلا ما أُريد !
قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

[سورة الشعراء]
اِغْتَصَب بيْتًا، ودخَلَ بالقَضاء ثماني سنوات، ووكَّل أكبر قاضي، واتَّفَق معه وبالنَّتيجة لم يصْدُر حُكم بِإخْلاء البيت ! اضْطَرَّ أصْحابُهُ أن يبيعُوا البيت بِثُلث قيمتِهِ وقَّع العَقْد وشَعَرَ بِنَشْوَة ما بعْدها نَشْوَة، وبعد تِسْعَةٍ وعشرين يومًا جاء أجَلُهُ، وَوُضِعَ في قبْرٍ في الباب الصغير، فأيْنَ البيت ؟ اغْتِصَبَهُ حرامًا وورَثَتُهُ نَعِموا به حلالاً، وهو سَيُعَذَّبُ به، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

[سورة الشعراء]
نازَعْتَ أيْتاما، وأدْخَلت مَن يُمَثِّل ! ورَشَوْت ! وكذا لو كان لك شريك والمحلّ باسْمِك وهو ضعيف، تعلَّمْتَ منه الخِبْرة، وبعدما أتْقَنْتَها أخْرَجْتَهُ مِن المحَلّ بِأُسْلوب ذَكِيّ، ورميت هذا الأخير بالطريق ! الآية دقيقة جدًا، فالمال الذي تُحَصِّلُهُ من طريق غير مَشْروعٍ لا ينْفَعُكَ وسوف تكْوى به في نار جهنَّم، ولذا الميِّت إذا مات رفْرَفَتْ روحُهُ فوق العرْش، وتقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلْعَبَنَّ بكم الدنيا كما لَعِبَتْ بي، جَمَعْتُ المال مِمَّا حلّ وحَرُم، فأنْفَقْتُهُ في حِلِّهِ وفي غير حِلِّه فالهَناء لكم، والتَّبِعَةُ عليّ، فالطبيب أحْيانًا يُكَلِّف المريض بتحليل لا فائِدَة منه، وتَخطيط، وقد يتَّفق المريض مع المُحَلِّل، يُعَمِّر بيْته بمال الناس، وبعدها يأتيه ملَكُ المَوت، وهذا مُحامي لامِع جدًا، وكلَّما أخَذَ قضِيَّة نجَحَ فيها، لا لأنَّه ذكِي وإنَّما بِأساليب لا شرْعِيَّة يسْتخْدِمُها وجمَّع ثرْوَة، وبعدها مات ! أيُّ مالٍ تَجْمعُهُ حرامًا لن ينفعَكَ إضافة أنه يكون سبب شقَاءَك الأبَدِيّ، تواضِع لا ترْتفع، اتَّبِع ولا تبْتَدِع الورِع لا يتَّسِع، لُقْمة مِن حلال أفضَل من بيت من حرام، كُلّ شيء في الدنيا يُحَل بالسُّهولة ؛ دُيون وذِمم والغيبة يُسْتسْمح منها، مادام القلب ينبض فهُناكَ أمَل، وباب التوبة مَفتوح على مِصْراعَيْه، والله أيها الإخوة لا أرى أغْبى إنسان بنى مالاً على معْصِيَة الله، وهو يظنّ أنَّهُ ذَكِيّ، فهذا المال سيُدَمَّر، وسَيَكون سبب الشَّقاء الأبديّ، أربع أولاد دكاتِرة معهم شهادة البورد، ولكن الاسْتِقامة معدومة فيهم، وأتَوا بِزَوْجات أجْنبِيَّات، يسْبحون على البحْر بِأفْضَح ثِياب، لا بدّ لك مِن ولَدٍ صالِحٍ يدْعو لك، ومِن ولدٍ تُعَلِّمُهُ الشرع، وأن يدْعو إلى الله عز وجل، وهناك آية أُخرى بالإسراء، وهي قوله تعالى:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا(46)﴾

[سورة الكهف]
مال دون أولاد، وقلْبُهُ مَحْروق، وما ترَك بلدًا إلا وزارَهُ من أجل الإنْجاب ! وهذا معه جيش من الأولاد ولكن ليس معه المصاريف ! فالله جمَعَ بين المال والبنون، ولكن يوم القيامة لا يفْتخر الإنسان بهما فالأب قد يفْتخر بِمَرْكزه في المجتمع، ولكن الدِّين يقول لك: أصْلَحُهُ الله !
قال تعالى بعد ذلك:

﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[سورة الشعراء]
هل طهَّرْتَ قلبَك من الحسد والأدْران والكِبر والغشّ والعُجْب وأمراض القلب، فأمْراض الجسَد مهما تفاقَمَتْ تنتهي عند الموت، ولكن أمراض القلب قد لا نشْعر بها في الحياة، كِبْر واعْتِداد بالذات واسْتِعلاء على الناس، وتيه، سمَّاها الغزالي المُهْلِكات، هذه الأمراض مُشْكِلَتُها تبْدأ عند الموت، ولا تنتهي إلى أبَدِ الآبدين، سرطان ! هناك سرَطان بالأمعاء لا يُحْتَمَل، ولكن بعد سَنَتيْن يموت، تشَمُّع كبِد ولكن بعدها يموت، وهذه الآية دقيقة جدًا، أرَدْتُ أن تكون مِحْوَر هذا الدَّرْس ؛ اِتَّق أن تأكل المال الحرام، يا سَعْدُ أطِب مطْعَمَكَ تكُن مُسْتجاب الدَّعْوَة، يقول العبد يا رب يا رب ومَطعمه حرام ومَشْربُهُ حرام، وغُذِّيَ بالحرام فأنَّى يُسْتَجاب له، والبنون عليك أن لا تهْتم بالولد النَّجيب واللاَّمِع ودَخْلُهُ كبير، وتأتى بِزَوْجة أجْنَبِيَّة، وتلْبس أفْضَح ثِياب، هذا لا ينْفعُكَ يوم القيامة، لا ينْفعُكَ إلا ابن عرف الله، ودعا إلى الله، تكون أعمالهُ كُلُّها في صحيفَتِك، قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

[سورة الشعراء]
سَلِمَ من الشِّرْك والكِبر والحسد والعُجب والاستِعلاء وحُبّ الذات والذي عنده إحياء عُلوم الدِّين أو منهج القاصِدين، فهذان الكتابان على أمراض القلب، والله لا ينْجَح إلا القلب السليم، فتعاهَد قلْبَكَ، لذا قال عمر بن الخطاب: تَعَاهَد قلْبَكَ، ولا تَجْعل الناس أهْوَنَ الناظِرين إليك عبدي طهَّرْتَ مَنظَر الخلق سِنين، لماذا يعْتني الإنسان بالمنْظر الخارِجي ؟ اِعْتنِ بالمَنظر الداخلي ؛ القلب ! غرفة الضُّيوف يجب أن نُعيدَها، أفلا طهَّرْتَ قلبَكَ ساعَة، قلبٌ مُوَحِّد، ومُسْتسْلِم ومُفْتقِر.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-17-2018, 03:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس السادس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في قِصَّة نوح عليه السلام مع قَوْمِهِ التي ورَدَت في سورة الشُّعراء بدْءً مِن الآية الخامِسَة بعد المائة، قال تعالى:
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) ﴾

[سورة الشعراء]
بيتُ القصيد: أَنُؤمِنُ لك وقد اتَّبعك الأرْذَلون ! طبْعًا كلمة الأرْذلون ليس مقصودها المعنى الذي نَفْهَمُهُ، فالأرْذَلون معناها أنَّهم فُقَراء، عَدِي بن حاتِم كان مَلِكًا في الجزيرة العَرَبِيَّة، ووقَعت أمُّهُ سفَّانَة أسيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وقد رأَتْ أُخْتُهُ، ومِن كمالهِ، وكيف كان يُطْعِم الجائِع ؟ ويَكسو العريان ؟ ويفكُّ الأسير ؟ ويرحم الصغير ؟ فنَصَحَتْ أخاها أن يذْهَب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالتْ له: إنْ يكن ملِكًا ينالُكَ مِن خَيْرِهِ، وإن يكن نبِيًّا فللسابق فضْله، فجاء عدِيّ بن حاتِم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، سألهُ النبي عليه الصلاة والسلام: مَن الرَّجل ؟ فقال: عدِيّ بن حاتِم ! فأخَذَهُ إلى البيْت تَكْريمًا له، وفي بيْت النبي أعطاهُ وِسادَةً مِن أدَمٍ مَحْشُوَّةً به، وقال: اِجْلِس عليها، فقلتُ: أنت فقال: بل أنتَ، قال: فَجَلَسْتُ عليها، وجلسَ رسول الله على الأرض فقال: عليه الصلاة والسلام: إيهِ يا عدِيّ بن حاتِم، ألم تكُ رُكوسِيًّا ؟! دينٌ بين النَّصرانِيَّة والصابِئِيَّة، فقال: بلى، فقال: أوَلم تسِر في قَوْمِكِ بالمِرْباع ؟! قال: قلتُ بلى، قال: فإنَّ ذلك لم يكن يحلّ لك في دينِك ! - دقِّقوا في المناقشَة - أنت تُخالِف مبادىء دينِك، والإنسان ينْسَجِم ما الذي يَعْتَقِد قال: فَعَلِمْتُ أنَّه نبِيٌّ مُرْسَل يعْلم ما يجْهَل، فقال عديّ بن حاتِم: في الطريق اسْتَوْقفَتْهُ امْرأةٌ فقيرةٌ تُكَلِّمُ النبي في حاجَتِها، فَوَقَفَ النبي عليه الصلاة والسلام طويلاً فقُلْتُ في نَفْسي: ما هذا بِأَمْر ملِك، قال: إيهِ يا عديّ بن حاتم، لعلَّه إنَّما يَمنَعُكَ مِن دُخول في هذا الدِّين ما ترى من حاجتهم ! فقد كان أصْحاب النبي فقراء إلى درجة غير مَحْدودة، وكان أهل الفجور والعصْيان، يأكلون أطْيَبَ الطَّعام، وهم أقْوِياء مُتَمَكِّنون فالنبي قال له: لعلَّه إنَّما يَمنَعُكَ مِن دُخول في هذا الدِّين ما ترى من حاجتهم، وَيْمُ الله، لَيوشِكَنَّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجَدُ مَن يأخُذه ! فلمَّا جاءَت غنائِم كِسْرى سيِّدنا عمر قلَّبها بِقَضيب، وثمّ قال له: ولعلَّه إنَّما ما يمْنعُك مِن خول في هذا الدِّين أنَّك تر المُلْك والسُّلْطان في غيْرِهِم، فو الذي نفس مُحمَّد بِيَدِه لَيوشِكَنّ أن ترى القصور البابِلِيَّة مُفتَّحة للمسلمين، ولعلَّهُ إنَّما يمْنعُكَ مِن دُخول في هذا الدِّين ما ترى مِن كَثْرة عَدُوِّهم، فو الذي نفس محمَّد بيَدِه ليوشِكَنَّ أن تسْمع بالمرأة البابِلِيَّة تحجّ هذا البيْت على بعيرِها لا تخاف، لذا قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
قال تعالى:

﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) ﴾

[سورة الشعراء]
أن يكون المؤمنون فقراء ؛ هذا مانِع، وأن يكون المؤمنون ضُعفا ء هذا مانِع ثاني، وأن يكون أعداء المؤمنين ؛ هذا مانِع ثالث، لكن أيُّها الإخْوة، الحُظوظ، فالمال والقوة حظّ، فالدَّولة النَّوَوِيَّة مرْهوبة الجانب وقد لا تسْتخدم هذا السِّلاح إطْلاقًا، والذكاء حظ والغِنى حظ والحُظوظ مُوَزَّعة في الدنيا تَوْزيع ابْتِلاء والدنيا مُؤَقَّتة إما أن تنْجح، وإما أن لا تنْجَح، وكلّ إنسان فيما عطاه له، وفيما منَعَه الله منه، هما مادَّة امْتِحان، فأنت مُمْتَحَنٌ مرَّتَين، فيما أوتيتَ وفيما حُرِمْت، فالواحد قد يُوَفَّق إلى زوْجة صالِحَة، فهذا مُمْتَحَن هل يأخذ بها إلى الله أم يسْتمْتِع بها وفقط ! وآخر لم يقدِر على الزَّواج، هذه مادَّة امْتِحانِهِ مع الله ؛ هل يَعُفّ ؟ فالحُظوظ ما أوتِيتَ منها، وما حُرِمْتَ منها هي مادَّة امْتِحانِكَ مع الله، ولأنّ الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

[سورة المؤمنون]
لا بدّ مِن أن تُمْتَحَن، والإمام الشافعي سُئل: أنَدْعوا الله بالابْتِلاء أم بالتَّمْكين ؟ فقال هذا الإمام: لن تُمَكَّن قبل أن تُبْتَلى، فالسيارة لا يُتَصَوَّر أن تُمْتَحَن بالهبوط، وكذا المؤمن لا بدّ أن يُمْتَحَن، قال تعالى:

﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ(42)﴾

[سورة الأنفال]
وقال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179)﴾

[سورة آل عمران]
فالله أعْطاك صِحَّة، إذًا مادَّة امْتِحانِك مع الله هذه الأخيرة، ماذا فَعَلْت بِهذا النَّشاط ؟ غيْرك عاجِز، وأعْطاك مالا، فماذا فَعَلْتَ به ؟ يقول الله عز وجل يوم القيامة: عبْدي أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا فَعَلْتَ به ؟ فيقول: ما أنْفقْت منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنَّ الذي خَشيتَهُ على أولادِك مِن بعْدِك قد أنْزَلْتُهُ بهم ! ويقول لآخر: عبدي أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا فَعَلْتَ به ؟ فيقول: يا رب، أنفقته على كُلّ مُحْتاجٍ ومِسْكين، لأنَّك خير حافِظًا وأنت أرْحَمُ الراحِمين فيقول الله له: عبدي أنا الحافظ لأولادِك من بعدِك، فالله يتولى أولاد مَن فعَل الخَيْر، وتجدهم بِمَناصِب رفيعة ولو كانوا في حياة أبيهم لما أمَّنَ لهم ما هم فيه ! دِرْهَمٌ تُنْفِقُهُ في حياتِك خير من ألف دِرْهمٍ بعد مماتِكم، ولقد شَهِدْت أرْبعًا أو خمْسا من الوصايا كُلُّها لم تُنَفَّذ، ومزَّقْتُها، ولم يُوافِقوا على إنفاق مائة ألف على روح والِدهم، وترك لهم عشرين مليون، فلا تَكُن تحت رحْمة إنسان قد لا يرْحمُك.
النقطة الثانِيَة، أنّ الحُظوظ سوف تُوَزَّع في الآخرة تَوْزيع جزاء لا تَوْزيع ابْتِلاء، فلو أنَّ فلانًا غَنِيًّا، ولو معه ألف مليون، فالقُدْرَة على الاسْتِمْتاع مَحْدودة، والسَّنوات مَعْدودة، فإذا نجَحَ في امْتِحان الغِنى وذلك بِإنْفاقِهِ تمتَّع بِنَعيم مُقيم إلى أبد الآبدين، أما إذا أخْفقَ صار في جهنَّم إلى أبد الآبِدين، فالامْتِحان في الدنيا مؤَقَّتَة، وهذا الحظ لا يعْني شيئًا، فقد أعطى الله المال لِمَن لا يُحِبّ ؛ وكذا القوَّة، ولكن العِلم والحِكمة لا يُعطيها إلا لِمن يُحِبّ، فالحُظوظ مُوَزَّعة في الدنيا تَوزيع ابْتِلاء، وفي الآخرة توْزيع جزاء، قال تعالى:
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾

[سورة الإسراء]
فالجندي مثل رئيس الأركان ! والمُعلِّم الابتِدائي مثل رئيس جامِعَة ! مُمَرِّض مثل جراح القلب ! مرتبَةُ الدنيا لا تعني شيئًا، وقد تعْني العَكس، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ))

[ رواه مسلم ]
فالمال وسيلة وليس غايَة، ولكن عند أهل الدنيا غايَة، وإذا مات الإنسان ترك كل شيء، فعن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))

[ رواه ابن ماجه ]
فالحُظوظ مُوَزَّعة في الدنيا تَوزيع ابْتِلاء، وفي الآخرة توْزيع جزاء، قال تعالى:

﴿ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا(21)﴾

[ سورة الإسراء ]
الآخرة أبَدِيَّة وتعني كُلَّ شيء، أما المرتبة في الدنيا مُؤَقَّتة ولا تعني أنَّ الله يُحِبُّك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-17-2018, 03:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس السابع




لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في سورة الشعراء، وفي هذه السورة عددٌ مِن قصص الأنبياء، واليوم الحديث عن قَوم عاد التي كذَّبَت المرسلين قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127)﴾

[ سورة الشعراء ]
نَقِفُ عند هذه الآية:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)﴾

[ سورة الشعراء ]
يا تُرى هل في القرآن الكريم آيات تدلُّنا على من ينبغي أن نتَّبِعَهُ ؟! هل في القرآن الكريم آيات تُعطينا علامات للدُّعاة الصادِقين ؟ هناك عِدَّة آيات، ينبغي أن نهتدي بها، لأنَّ هذا العلْم دين فانْظُروا عَمَّن تأخُذوا دينكم، ويا ابن عُمَر، دينَكَ دينَكَ، إنَّهُ لحْمُكَ ودمُك، خُذ عن الذين اسْتقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
الآية الأولى:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)﴾

[ سورة الشعراء ]
كلمة أجْر نَكِرة، والنَّكرَة تُفيد الشُّمول، أيْ أيُّ أجْرٍ ؛ قليل أو كبير جليل أو حقيرٍ، قريب أو بعيد، مادِّي أو غير مادِي، وما أسْألكم عليه مِن أجر، مِنْ هذه في اللُّغة العربِيَّة تُفيد اسْتِغْراق النَّوع، أي لو عرَضَ عليك أحدهم أن تكون شريكَهُ في مَشْروع، قلتَ له: ما معي مالٌ ‍‍! فأنت نَفَيْتَ المال الكافي لِهذا المَشْروع، مَطلوب منك مليون ومعك خمسمائة ألف، أما إذا قلتَ له: ما معي مِن مالٍ، فهذا يعني ليس عندك ولو ليرة واحِدَة ! مِن تُفيد اسْتِغراق أفراد النَّوع، فالله عز وجل قال:

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾

[ سورة الشعراء ]
لا صغيرٍ ولا كبير، ولا سمْعة ومَدْح، ولا مال، إطْلاقًا قال تعالى:

﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)﴾

[ سورة الشعراء ]
الآية الثانِيَة: قال تعالى:

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)﴾

[ سورة يس ]
أيْنما وُجِدَ المال والجاه، وإحْداث في الدِّين ما ليس فيه، وأينما وُجِدَت المَطامِع ؛ اِبْتَعِد عن هذا ! وكُلَّما وَجَدْتَ نزاهَة خالِيَة مِن كل أجر فاقْتَرِب من هؤلاء،

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21) ﴾

[ سورة يس ]
فهذه علامَة.
العلامة الثانِيَة: قال تعالى:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[ سورة آل عمران ]
علامة أولى العِلْم أنَّهم يشْهَدون لك عدالَةَ الله تعالى، أما لو قال لك أحدهم: الله عز وجل خلَقَهُ كافِرًا قبل أن يخلق، وأجْبَرَهُ على الكُفْر ثمَّ وضَعَهُ في النار إلى أبد الآبِدين، هذا كلامٌ غير مُقْنِع،:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

[ سورة آل عمران ]
أين قوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

[ سورة الزلزلة ]
وأين قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾

[ سورة النِّساء ]
وقوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(17)﴾

[ سورة غافر ]
وقوله تعالى:

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(9)﴾

[ سورة الروم ]
وقال تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ(101)﴾

[ سورة هود ]
أين قوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

[ سورة هود ]
فلو أنَّ نجارًا صنَعَ من الخشي بابًا للمرحاض، وآخر لغرفة النوم فهل تقول له لماذا ؟! هذا غير مُقْنِع ! لأنّه هو صاحب الملكيَّة، فالعلامة الثانِيَة ؛ ينبغي أنْ يشْهَدَ لك عدالةَ الله عز وجل.
العلامة الثالثة: قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فهذا الذي يُبَلِّغ رِسالاتِ الله فرَضًا لو أنَّهُ خَشِيَ غير الله، مِن لَوَازِم أنَّه يخْشى غير الله أنْ يسْكُتَ عن الحق إرْضاءً له، وأن أن ينطق بالباطل تَقَرُّبًا منه، فإذا سَكَتَ عن الحق، ونطَقَ بالباطِل، ماذا بَقِيَ من رِسالَة الله ؟‍‍! لِذا هذه الصِّفَة سمَّاها علماء اللُّغَة والبلاغة: صِفَة مُترابِطَة مع المَوْصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، فأنت قد تقول هذه الطائرة كبيرة، والأرض كبيرة، وكذا الباخِرة كبيرة، وقد تقول هذه الطائرة فَخْمَة، والبيت كذلك فَخْمٌ، فهذه الكلمات صِفات مُشْتَرَكَة أما هناك في الطائرة صِفَة لو أُلْغِيَت لأُلْغِيَت الطائِرَة، نقول: هذه الطائرة تطير فالطَّيَران للطائرة ؛ صِفَة مُترابِطَة مع المَوْصوف ترابُطًا وُجودِيًّا، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

[ سورة الأحزاب ]
لهم مليون صِفَة لكِنَّ الله سبحانه وتعالى مِن بينِ كُلِّ هذه الصِّفات اخْتار صِفَة واحِدَة، يَخْشَونه ولا يخشَوْن أحدًا سِواه، فَمَن خَشِى غير الله، وسكَتَ عن الحق إرْضاءً لِمَن خَشِيَهُ، وتَكَلَّم بالباطل إرْضاءً لِمَن خَشِيَهُ، ماذا بَقِيَ من التبليغ ؟! فهذه هي الصِّفة الثالثة.
الصِّفة الرابِعَة: قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

[ سورة يوسف ]
معه دليل وبُرهان وحُجَّة وتَعْليم، فَدينُ الله أجلُّ وأعْظَم مِن أن تفْرِضَهُ فرْضًا، والحق لا يَخشى البحْث، وليس معي حُجَّة، بيِّن الدليل واسْمَع له وأعْطيهِ الجوَاب، فالذي يتَّبِعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم معه دليل ؛ دليل عَقلي ودليل نَقْلي وفطري وواقِعِي، وإن لم تَجْتَمِعِ الأدِلَّة كلُّها في موضوع واحِد، فهذا دليل على بطولة الموضوع، لا يُمْكِن للحقيقة الصِّرْفة أن يتخلَّى عنها دليل، عَقلي ودليل نَقْلي وفطري وواقِعِي، أربعة أدِلَّة يجب أن تتوافق، قال تعالى:

﴿أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف ]
الدليل الخامِس: قال تعالى:

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾

[ سورة هود ]
فالإنسان غير المُستقيم ليس مع رسول الله، وهذا مهما كان فصيح اللِّسان، رَكْعَتان مِن وَرِع خير مِن ألف ركعة مِن مُخَلِّط، ومَن لم يكن له ورَعُ يَصُدُّه عن مَعْصِيَة الله إذا خلا لم يعْبأ الله بِشَيْءٍ من عمَلِه، وتَركُ دانِقٍ من حرام، خير من ثمانين بعد حجَّة الإسلام، والله لأنْ أمْشِيَ مع أخي في حاجَته، خير من صِيامِ شَهْر واعتِكافي في مسْجدي هذا ! فالعلامة الخامِسَة هي الاسْتِقامة، وقبلها الدليل والتَّعْليل والحُجَّة والبرهان، ولا بدّ مِن دليل عَقلي ودليل نَقْلي وفطري وواقِعِي، والذي قبل هذا أن لا يَخْشى إلا الله، فإذا خشيَ غير الله سَقَطَتْ دَعْوَتُهُ والذي قبلها أن يسْألك أجْرًا بِكُلّ أنواعِهِ.
قال تعالى:

﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

[ سورة البقرة ]
حينما تُنَفِّذ أمْر الله بالتَّمام والكمال يسْمَحُ الله لك أن تكون إمامًا للناس والآية السابعة:

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73)﴾

[ سورة الأنبياء ]
هناك ابْتِلاء كذلك، الابْتِلاء بالصَّبْر والشُّكْر، والابْتِلاء بالشُّكْر وبِتَطْبيق الحق مائة بالمائة، والاسْتِقامة على أمْر الله، والدليل والتَّعْليل والتَّنَزُّه عن الأغراض الدُّنْيَوِيَّة، هذه العلامات التي أشار القرآن إليها لِتَكون علامة مَن يجب أن تُصْغِيَ له، قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
بالمُقابل:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

[ سورة لقمان ]
العلماء قالوا: لك آباءٌ ثلاثة ؛ أبٌ أنْجَبَك، وأبٌ زوَّجَك، وأبٌ دلَّك على الله، فالأب الذي أنجَبَك ينتهي فضْلُهُ عند الموت، والأب الذي زوَّجَك ينتهي فضْله عند الطلاق أو الموت، لكنَّ الذي دلَّكَ على الله يسْتَمِرُّ فضْلُهُ إلى الجنَّة إن أكرَمَنا الله بها.
قال تعالى :

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179)﴾

[ سورة الشعراء ]
الإنسان قد يطْلب أجْرا مادِّيا، مثلاً: لو معك شيك بِقيمة ؟ألف مليون دولار، وظَنَنْت أنَّ هذه ورَقَة عادِيَّة، وأجْرَيت على هذه الورَقة عمَلِيَّات حِسابيَّة، ثمّ تبيَّن لك أنَّ هذا شيكًا بقيمة كذا وكذا ! ما الذي تشعر به ؟! تصْطَدِم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-17-2018, 03:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثامن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، قصةٌ أخرى من سورة الشعراء، قال تعالى:
﴿(140) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150)﴾

﴿ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158)﴾

[سورة الشعراء]
هذه قصَّةٌ من قصَص الأنبياء التي ورَدَتْ في سورة الشعراء نقف عند كلمةٍ واحدة.
قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)﴾

[سورة الشعراء]
فما هو الفسادُ ؟ هذا الماءُ أيها الإخْوَةُ لا لونَ له و لا طعمَ له و لا رائحةَ له،هكذا خلقَه اللهُ، هذا وضعُه الكاملُ و الصحيحُ، فإذا تلوَّثَ الماءُ بالجراثيم أو اختلطَ بالشوائِبِ أفسدَ طبيعةَ الجسدِ بالأمراض لأن الماء مُلَوَّثٌ أو نقول: ماءٌ فاسدٌ، الهواءُ نقيٌّ ـأوكسجين و آزوت ـ إذا صار مع ذلك ثاني أوكسيد الكربون بنسَبٍ عاليةٍ جدًّا، أعلى نسبِ التلوُّث في المدن 400/100، نقول الهواء فاسد، و إذا العلاقةُ بينَ الزوجيْن غيرُ سليمةٍ نقول العلاقة فاسدة، و إذا الفتاةُ تذهبُ يمينًا و يسارًا نقول عنها أنها فاسدةٌ، و إذا التاجرُ يأكلُ الربا نقول عنه أنه فاسدٌ، فالفسادُ هو خروجُ الشيءِ عن طبيعته التي خلَقَه اللهُ عليها، الله عز وجل أتقنَ كلَّ شيء خلقه، قال تعالى:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[سورة النمل]
والله عز وجل أحكمَ كلَّ شيء خلَقَه قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3)ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ(4)﴾

[سورة الملك]
والله عز وجل خلق كلّ شيءٍ بِكَمالٍ مُطْلق، قال تعالى:
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

[سورة الملك]
لا تجِدُ في خلق الله تعالى درجة أولى بالصَّنْعة، ودرجة ثانيَة، فلأنَّ الله تعالى كامِلٌ كمالاً مُطْلقًا، ولأنّ الله تعالى عليم علْمًا مُطْلقًا، ولأنَّهُ حكيمٌ حِكمةً مُطْلقةً، ولأنَّه قدير قُدْرةً كاملةً فَخَلْقُهُ كامِل، مِن أين جاء الفساد ؟ قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

[سورة الروم]
جاء الفساد مِن صُنْع البشَر.
أيها الإخوة، قَضِيَّة في العقيدة أساسيَّة ؛ أنَّ أصْل الفساد يسْتَحيل أن يكون في أصْل الخلْق، فلو رأيْنا سيارة نزلَتْ بِوادٍ، وتلقَّتْ ألف ضَرْبة بالصُّخور حتَّى أصْبَحَتْ كالعجينة، فهل لك أن تقول: أيُّ مَصْنَعٍ صنَعَها بِهذه الشاكِلَة ؟‍‍! المصْنع صَنَعها بِشَكل مُمْتِع، وسُطوحها مُسْتَوِيَّة، وفيها أناقة، لكنَّ رُكوب السائق فيها وهو في حال الخَمْر جعَلَهُ يسقِطُها في الوادي، مِمَّا جعَلَ شَكْلها غير مألوف ولا معقول، فنحن لا نقول: هذه في أصْل صَنْعَتِها !! لا، وإنَّما هذا وضْعُ طارئ طرأ عليها، لذا هذه قَضِيَّة خطيرة في العقيدة، وهي أنَّه من اعْتَقَدَ أنَّ الفساد في أصْل الخَلْق فهو كافِر، فالخَلْق كامِلٌ كمال مُطْلق، قال تعالى:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

(سورة النمل)

اُنْظر إلى النَّحْل ؛ نِظامٌ اجْتِماعي كامِل، وكذا النَّحل، وأيُّ مَخلوقٍ من الإنس والجنّ، فهذه المَخلوقات ليْسَت مُخيَّرة، وكمالها مُطلق مِن أصْغر مخلوق إلى أكْبر مَخلوق، لذلك الفساد لا يُمْكِن أن يكون من أصل الخَلْق، ولكنَّه طارئ على الخلْق لِسَبَبَ ؛ وهو أنَّ هناك مَخلوق أُعْطِيَ حُرِيَّة الاخْتِيار، وأودِعَتْ فيه الشَّهوات لِيَرْقى بِها مرَّتَين ؛ مرَّة صابِرًا، ومرَّةً شاكِرًا إلى رب الأرض والسماوات، ووُضِعَ له منهَج يسير عليه الشَّهوات التي هي في الأصل وسائِل للرُّقَي جَعَلها أهْدافًا والحُرِيَّة التي مُنِحَها الإنسان لِيُثَمَّن بها عملُهُ جَعَلَها تَفَلُّتًا، والمنهَج الذي أنْزلَهُ الله على أنبيائِه لِيَكون مُرْشِدًا له جَعَلَهُ وراء ظَهْرِهِ، والواقِع أمامكم قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)﴾

[سورة الفرقان]
كان الهوى وسيلةً مِن أجْل أن تتزوَّج، وأن تُنجِبَ أولادًا وتُرَبِّيَهم، وتأخذَ بِيَدِهِم، وأن تسْعَدَ بِهِم إلى أبَدِ الآبدين، فهذه الشَّهْوة الجِنْسِيَّة جَعَلها هدفًا فَزَنى، والشيء الآخر أنَّ هذه الحُرِيَّة التي أعطاه الله إيَّاه لِيُثَمَّنَ عملُهُ جَعَلها تَفَلُّتًا، وهذا المنْهَج القويم الذي أنزلَهُ الله على أنبيائِهِ جَعَلهُ وراء ظَهره، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)﴾

[سورة الفرقان]
لذلك لمَّا أساء الإنسان اسْتِخدام حُرِيَّتِهِ، وَجَعَلَ الشَّهْوة هدَفًا وهي وسيلة ولم يعْبأ بِمَنْهج الله، ظَهَر الفساد في البرّ والبَحْر، فهذا الفساد ليس في أصْل الخلْق بل هو طارئ قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

[سورة الروم]
فالفساد مِن اخْتِيارهم، ولكن لماذا شاءَتْ حِكمة الله جلَّ جلاله أن يكون مع الفساد المرض ؟‍ فقد وردَ في الصحيح، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))

[رواه ابن ماجه]
وهذا الحديث الصحيح مِن دلائل نُبُوَّة النبي عليه الصلاة والسلام والله عز وجل كما تعلمون أوْدَعَ فينا أعْظم جِهاز يُسَمَّى جِهاز المناعة المُكْتَسَب هذا الجِهاز بِكُلّ مليمتر مكُعَّب تحْوي سبْعة آلاف كُرِيَّة بيْضاء فَكَم كُرَيَّة في الجِسْم ؟‍‍! هذا جِسم نِظامي، فَقِسْمٌ مِنه مُسْتَطْلِع يدْخل جرثوم يتَّجِهُ إليه فيأخُذ شِفْرتَهُ كيماوِيَّة، ويعود بها إلى مركز القيادة، ويُسَلِّمُها لِرُؤسائِه و رؤساء هذه المراكز تُعْطي هذه الشِّفْرة إلى خلايا كُرَيات بيْضاء مُصَنِّعة مُحَصِّنة، فَتَدْرُس الرَّمْز وتفُكُّ رُموزهُ، وتصْنعُ مَصْلاً مُضادًّا لِهذا الجرثوم، ومراكز القيادة تُرْسِل مُقاتِلين يَحْمِلون هذا السِّلاح لِيُقاتِلون هذا الجرثوم، ومراكز القيادة تُرْسِل مُنَظِّفين، خلايا لاقِمَة تُنَظِّف أرض المعركة مِمَّا جرى منها ومن الجُثث، قال تعالى:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4)﴾

[سورة التين]
فلمَّا زنى، وشَرِبَ الخمْر وتناوَل المُخَدِّرات وشذَّ جِنْسِيًّا، قال تعالى:

﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ(5)﴾

[سورة التين]
الآن بالعالم هناك خمس وثلاثون مليون مُصاب بالإيدْز، وهذا الرقَّم فيه زِيادة لا هَنْدَسِيَّة ولكن تِجارِيَّة، بِمُعَدَّل كلّ نِصْف ساعة يموت إنسانٌ في العالم بالإيدْز والله تعالى حمى بلدنا بِسَبب الدِّين والإيمان بالله تعالى فَنَحن عندنا إصابات ولكن لا تُذكر مائة أو مائة وعشرة بِكُلّ القُطْر وأكثر هذه الإصابات جاءَت مِن خارِج القطْر وبلاد الغرْب، لذا أيُّ إنسانٍ يقْدُم إلى بلادِنا لِيُقيمَ بها يجب أن يفْحَصَ دَمَهُ.
أيها الإخوة الكرام، الفساد لا يُمْكن أن يكون في أصْل الخلق بل هو مِن صُنْع الإنسان، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)﴾

[سورة الشعراء]
لم يُعْزَ المرضُ إلى الله، فالخَلْق والهِداية عُزِيَت إلى الله، ولكن المرض لم يُعْزَ إلى الله تعالى وإنَّما عُزِيَ إلى الإنسان لِمُخالفَتِهِ منْهج الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام، ما مِن مُصيبة على الإطلاق تُصيبُ الإنسان أفرادًا ومُجْتَمَعات، ومِن آدم إلى يوم القيامة إلا بِسَبب خُروجهم عن منهَج الله فالفساد أن يجْعل الإنسان شَهْوته الهدَف، فالله تعالى رسَمَهَ له وسيلةً فكيف أنَّ بنزين مادَّة انْفِجارِيَّة تمْشي بها السيارة، فلا يُعْقل أن نضَعَ الماء أو اللَّبَن مكان البنزين في السيارة ! فهذا السائل الانْفِجاري لمَّا يوضَع في أنابيب مُحْكمة، ويسْري بِنِظامٍ دقيق، يُوَلِّد حركة نافِعَة فهكذا الشَّهْوة ؛ طاقةٌ وانْدِفاع، فإذا سار بها الواحِد على منهَج الله، لذلك قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
كلّ إنسان يتحرَّك بِشَهواتِهِ دون منْهَج يزْني ويسْرق ويقْتُل مِن أجل دُرَيْهِمات.
أيها الإخوة، على الإنسان أن يسير منْهج الله، وأصْل الفساد مِن مخلوق أعطاه الله شَهْوَةً لِتَكون وسيلة يرْقى بها صابِرًا وشاكِرًا، فالنَّظر في الحرام يذلّك، أما غضّ البصر يرْفعُك، فهذه الشَّهوات ترقى بها أم تهْوي بها، فَحُرِيَّة الاخْتِيار هذه مِن أجل أن يُثَمَّن عملهُ، فهل يُعْقل أن يأخذ الإنسان حاسبَهُ إذا تعطَّل إلى اللَّحام أو الخضَّار ؟!! لذا لا تقل لي: قال فلان وفلان، فالذي يسْترشِد في حياتِهِ بأناس لا يفْهمون يكون أحْمَقًا وجاهِلاً، أما في قضايا حياتِك المصيريَّة لا تسأل إلا الشَّرْع، ولا تعتدي إلا برسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لذا قال تعالى:

﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)﴾

[سورة الشعراء]
أمراض سرطان الجلد بأوروبا وأمريكا يبعن بالمائة، والسَّبب أنَّ ثقْبًا بِطَبقة الأوزون، وهذا الثُّقب سببه ارْتِفاع غاز الفَحْم، وبعض الغازات المُعَيَّنة في الجوّ، فالبحار والأجواء والهواء كلّ هذا مُلَوَّث، فهذا التلوُّث فساد في البرّ والبحْر، ومرض الإيدْز من نتائِج الزنَا واللِّواط والمُخدِّرات قال تعالى:

﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

[سورة الروم]
فالإيدز بعض العقاب، أما العقاب الأليم فهو في جهنَّم، فالذي أفلَسَ من أجل الرَّبا فهل هذا هو العقاب الكامل له ؟ لا، هذا بعض العقاب، قال تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[ٌسورة آل عمران]
فهذه الأمراض هي بعض العقاب، وليس كلّ العِقاب، والله عز وجل يُعاقِب بعض المُسيئين عتبًا ردْعِيًّا لِبَقِيَّة المُسيئين، ويُجازي بعض المُحْسنين جزاءً تشْجيعيًّا لبعض المُحْسنين، أما الرَّصيد فَيَوْم القيامة فالفساد كلُّه نتيجة الخروج عن منْهَج الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-17-2018, 03:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لا زِلنا مع قصَّة قوم ثمودَ ومع نبيِّهم سيِّدِنا صالحٍ وقفْنا البارحةَ عند قوله تعالى:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ(152)﴾

[سورة الشعراء]
اليومَ نقف عند قوله تعالى في هذه القصة، "

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ(151)﴾

[سورة الشعراء]
و التركيزُ في هذا الدرس على قوله:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
أيها الإخوةُ، الإنسانُ إذا خطَّطَ لمستقبلِه على حساب الآخرين خرج عن منهج الله، وبنَى مجدَه على أنقاض الآخرِين و بنى غِناه على إفقارهم و بنى عِزَّه على ذُلِّهم و بنى ثروتَه على اغتصابِ أموال الناس و خطَّطَ لحياةٍ هنيئَةٍ وَديعَةٍ ناعمة فيها تَرَفٌ و نعيمٌ و بهجةٌ، إذا سارَ الأمرُ على ما خطَّط يكون هذا الدين باطلاً، فأين الله ؟ "

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
الإنسانُ إذا أكل مال إخوتِه بعد موت أبيه و لم يعطِهم شيئا و أفقرَهم و تمتَّع وحدَه بالمال وبنى وعمَّر و اشترى وزخرفَ و زيَّن و حاول أن ينغمسَ في نعيم مستمِر، وهو يظنُّ أن الأمرَ يستمِرُّ إلى ما لا نهايةَ الجوابُ ؛ أين الله ؟ هذا الأعرابيَّ البدويُّ الذي سأله عمرُ: بِعنِي هذه الشاةَ و خذْ ثمنَها قال: ليسَتْ لي، قال: قل لصاحبك: ماتت أو أكلها الذئب، قال: واللهِ إني لأشدُّ حاجةً إلى ثمنها، و لو قلتُ لصاحبها ماتتْ أو أكلها الذئبُ لصَدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمينٌ و لكنْ أين الله ؟
و مرَّةٌ قال لي طالبٌ: لي خالٌ صاحبُ دارِ سينما ودخلَ عليه وهو يبكي، أُصيبَ بمرض السرطان في دمِهِ في مُقتبَل العُمُر ـ خمسةٌ و أربعون سنة ـفقال لابن أخيه: جمعتُ هذه الثروةَ منْ أجل أن أعيشَ مُتَمَتِّعًا بها، و إن المرضَ أفسدَ عليَّ خطَّتي، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
فمن استقامَ على أمر اللهِ خطُّه البيانيُّ صاعدٌ، لكنْ هذا الذي اعتدى و أخذ ما ليس له و لم يَعْبَأ بالحرام و لا الحلالِ، أكل أموالَ الناس بالباطلِ وحقَّقَ بالغِّشِ أرباحا طائلةً، وفي كلِّ مصلحةٍ له فيها غشٌّ، و ممكنٌ من الغشِّ أن تحقِّق ثروةً كبيرةً جدًّا، فإذا بنى الإنسانُ ثروتَه على الغش و الخداع و الكذبِ و الاغتصابِ و الاحتيالِ ـ بيتٌ و مزرعةٌ و معملٌ و مكتبٌ و مَركباتٌ ـ إذا نجحَتْ خُطَّتُه إلى ما لا نهايةَ معناه أن الدينَ باطلٌ و أن الله ليس موجودًا، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
و قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

[سورة العنكبوت]
فهل في كلِّ يومٍ نستيقظُ فيه هو كسابقِه، لا، هناك مُفاجآتٌ خطيرةٌ جدًّا، فيُؤتَى الحَذِرُ من مأْمنِه، و لا ينفعُ حذرٌ من قدرٍ ولكن ينفع الدعاءُ ممَّا نزلَ و ممَّا لم ينزلْ.
أريدُ أن أقولَ في هذا الدرسِ إذا الإنسان جمَّع أموالَه بطريقٍ غيرِ مشروعةٍ و خطَّط لنفسه حياةً رغيبةً في الدنيا فيها ترفلٌ و نعيمٌ و لم يعبأ بالمال الحرام الذي اكتسَبَه و لم يعبأ بمنهج الله الذي تركه ولم يعبأ بالأمر والنهي الذي عصاه، فإذا نجحَتْ خطَّتُه معنى ذلك أنَّ القرآنَ باطلٌ، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
هناك مُفاجآت كثيرة جدًّا، لذا لا يقيك مِن عذاب الله تعالى إلا أن تكون في طاعته تعالى، ودائِمًا الإنسان مهما كان ذَكِيًّا، ومهما أخذ الاحْتِياطات ومهما أغْلَقَ الاحْتِمالات، ومهما دعَّمَ مَوْقفَهُ، ومهما قوَّى مرْكزهُ وأسكَتَ خُصومَهُ، ومهما جلبَ المنافِع وأنشأ الأعوان، وأكْثر مَن حوله فالله عندهُ مُفاجآت، ويُؤتَى الحَذِر مِن مَأمَنِهِ، أذْكُرُ أنَّني كنتُ مرَّةً عند طبيب، وجاءَهُ هاتِف، والجِهاز قديم وسَمِعْتُ صَوْتَ المُتَكَلِّم، قال له: أيّ مكان بالعالم، وأيُّ مَبْلَغٍ ندْفَعُهُ فهل هناك مِن أمَل ؟! فقال له هذا الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! فَمَن هو الذي يقيك مِن عذاب الله تعالى ؟ أن تكون على مَنْهَجِهِ، ومهما خَطَّطْتَ لا يوجد مع الله تعالى ذَكِيّ وأبْرز هذه المفاجآت تعطُّل جِهاز الصِّحة ! فهذا أحدهم جاء بِشَهادة عُليا وزوْجة فِرنْسِيَّة، ووصَلَ إلى مرتبة عالِيَة ودَخْل كبير، فَفَقَدَ بصَرَهُ ! زارَهُ صديق لي، فقال له هذا الضرير والله يا فلان: أتمنَّى أن أجْلسَ على الطريق أمُدُّ يدي للناس، ولا أمْلِكُ شيئًا مِن الدُّنيا، ويُرَدَّ إليّ بصري !! فالآية دقيقة:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
وتَجِدُ الذي يُطيعُ الله عز وجل عليها قوَّة ونضارة، فهذا شيخٌ بلغ سِتَّة وتِسعين سنة سَمْعُهُ مُرهَق، وبصَرُهُ حادّ، وأسنانُهُ في فَمِهِ، وقامَتُهُ مُنْتَصِبَة، وذاكِرَتُهُ قَوِيَّة، وعلَّم ثلاثة أجْيال، فلمَّا سأل إخوانُهُ: يا سيِّدي ما هذه الصِّحة التي أكْرَمَكَ الله بها ؟! فكان يقول: يا بنَيّ حَفِظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله تعالى لنا في الكِبَر، ومَن عاشَ تَقِيًّا عاشَ قَوِيًّا، وأنا لا أُخَوِّف، ولكن أُبَشِّر، وهو أنَّ الإنسان إذا اسْتَقام على أمْر الله فإنّ خطَّه البياني صاعِد وإذا انتهى بالموت، فالموت تُحْفة المؤمن وعرسُهُ شرْط أن يمْشي على منهَج الله تعالى، أما إذا ألْقى بِهذا المنْهَج وراء ظَهْرِهِ، ولم يعبأ بالحلال والحرام، وبالطاعة والمعْصِيَة، ويقول لك: غدًا أتوب في أداء الحجّ !! وكأنَّ أداء الحجّ عبارة عن مجموعة ذُنوب يُلقيها الإنسان في الحجّ! فالتَّخَلِّي عن الذُّنوب قَضِيَّة ليْسَت بِسَهْلة، فالحجّ الشَّكْلي هذا حجّ ليس فيه تصفية للذُّنوب، فالذُّنوب التي يظنُّ الناس أنَّها تُغْفر في الحج هي التي بينك وبين الله فقط، أما الذنوب التي بينك وبين الناس لا تسْقط إلا بِحالتين ؛ الأداء أو المُسامحة، فالإنسان يخَطِّط لِمُسْتقبلِهِ فهذا لا مانِعَ فيه، أما إذا بَنَيْتَ خُطَّةً على أساس معْصِيَة وعُدْوان واغْتِصاب وحِرْمان، فهذه الخِطَّة لن تنْجَح، لأنّ الله تعالى موجود ولأنّ الله تعالى رب، ذَكَر لي أحدهم بعد صلاة الجمعة، وطلب مِنَّي أن ألْتَقِيَ معه،، فقلت له تفضَّل: قال لي عندي محلّ بيْع أفلام مُنْحطَّة جدًّا وقد حقَّقْتُ ثرْوة طائلة، وأنا الآن في بَحْبوحة، وفجْأةً المحلّ أُغْلِقَ والأفلام صُدِّرتْ، وأصْبح الوَضْع خطير جدًّا، وأصبتُ بِأمراض أنا وزوْجتي علمًا أنَّني نشأتُ أُنْكِرُ وُجود الله، وله رئيس المحلّ قال له: اِفْعَل ما تشاء، وأنا قد قمتُ بِكُلّ ما يخْطر على بالِكَ !! وها أنا ذا أدخل المسْجد أوَّل مرَّة بِحَياتي، وقد تُبْتُ !! والله أيُّها الأخوة لمَّا خرج مِن عندي بَكَيْتُ وقلتُ: سبحان الله، لو بقيَ على حاله ومات لكان مصيره النار ! فَمِن رحمة الله أنَّه صحَّاهُ، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
فالله رحيم وكريم، ولا يتْرُكُهُ، ويفاجئه بِمُفاجأة تنْزعُ له كلَّ ترْتيبِهِ فعلى الإنسان أن لا يُعَلِّق آماله بالدنيا، والإنسان إذا اسْتقام أعزَّه الله ونصرهُ وحفظهُ، ويُلهِمُهُ الصَّواب، والله تعالى مع المؤمنين بالنَّصر والتأييد والحِفْظ، والرِّعايَة، أما إذا لم تكن هناك اسْتِقامة وأقْبلَت الدنيا عليه وهو على غير منْهَج الله فهو أحمق، وهذا يُسَمَّى اسْتِدراجًا.
بالمناسبة، لا تظنّ أنَّ ما ذُكر في كتاب الله من باب القصَّة أو الرِّوايَة فالقرآن أعظم مِن ذلك ! هذه القِصَص هي قوانين نمشي بها في حياتنا وأوْضَحُ مثلٍ لمَّا دَّثنا ربُّنا عن سيِّدنا يونس، قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[سورة الأنبياء]
فأيَّةُ قِصَّة في كتاب الله هي قانون، وقِصَّة سيِّدنا ثمود مع سيِّدنا صالِح قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147)﴾

[سورة الشعراء]
فالإنسان إذا خطَّطَ وكان عاصِيًا لله، وكان قَوِيًّا وغَنِيًّا، وذَكِيًّا، سيفاجئ أنَّ الله تعالى أفْسَدَ عليه خِطَّتَهُ.
وإذا قال الواحد ؛ أنا عندي شَواهِد لأُناسٍ عُصاة ماتوا من دون أن يحْدث لهم شيء ! نقول له: الموت ذاتهُ إنهاءٌ للحياة، لذا الموت نِهاية كلّ حيّ فالذي لم يكن له نصيب ردْعي في الحياة الدُّنيا، فهذا يكون له عقاب دائِم في الآخرة، والله عز وجل يُعاقب إنسانًا في الدنيا، لا بدّ أن يعْلَم أنَّهُ على خَيْر، وفيه أمَل، أما الذين لا يُعاقبون في الدنيا إطلاقًا ؛ هؤلاء هم شرّ الناس، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[سورة الأنعام]
فهذه الآية عظيمة جدًّا، قال تعالى:

﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)﴾

[سورة الشعراء]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-17-2018, 03:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، هناك حقيقة قد تبْدو لِبَعض الناس غريبةً ؛ وهي أنَّ الإنسان قد يَفْهَمُ القرآن فهْمًا مَعْكوسًا، وقد يزيدُهُ القرآن ظلْمًا، إن لم يَكُن مُسْتقيمًا.
العلم ثلاثة أنواع: عِلْمٌ بِخَلْق الله، وعلْم بِأمْرهِ، وعِلْمٌ به، فالعِلْم بِخَلْقِهِ يَحْتاج إلى مُدارَسَة، وإلى كتبٍ وقِراءة، وذاكِرة وبَحْث وإلى أدِلَّة وتَعليل وإلى وقْت ومراجَعَة، وإلى مُعَلِّم ؛ كُل هذا اسْمُهُ مُدارسَة فالعِلْم بِخَلْق الله يَحتاج إلى مُدارَسَة.
والعِلْم بِأَمْر الله، يحتاج كذلك إلى مُدارَسَة، فلو دَخَلْتَ إلى كُلِيَّة الشريعة ؛ علم الفقه وأصوله، أحكام البيوع وأحكام الفرائض والأحوال الشَّخْصِيَة، هذه تَحتاج إلى دِراسَة وإلى مُعَلِّم وإلى دوام وإلى كتب وامْتِحان ؛ هذا كُلُّه اسْمُهُ مُدارَسَة ولكن أنْ تَعْرِفَ الله، وأن تَعْرِفَ عظَمَتَهُ وأن تسْتقيم على أمْرِهِ فهذا يَحْتاج إلى مُجاهَدَة وإلى طاعة لله تعالى وضَبْط الدَّخل والإنفاق، وضَبط السُّلوك والجوارِح، والبيت، والدليل هذه الآية:

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
كلام و بِلِسانٍ عربيٍّ مُبين ؛ أنَّ أحَدَ أسباب فَهْم كتاب الله إتْقان اللُّغَة العرَبِيَّة لأنَّه نزل بلِسانٍ عربيّ، فلن تستطيع أن تَفْهَمَ كتاب الله إلا إذا أتْقَنْتَ خصائص هذه اللُّغَة وقواعِدَها وفِقْهها ونَحْوَها وصرْفها وبلاغَتَها قال تعالى :

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
فالشاهِد أنَّه لو نزل هذا القرآن على إنسان أعْجَمي وهندي أو فارِسي بِلُغَتِهِ فقَرَأَهُ عليهم ما كانوا به مؤمنين ! سافَرْتُ مرَّةً لِبَلَدٍ وسَمِعْتُ خِطابًا ساعَتَين ونصف فما فَهِمْتُ منه ولا كلمة ؛ باللُّغَة الفارِسِيَّة، فلو أنَّ القرآن نزل باللُّغَة الأعْجَمِيَّة فقرأ النبي هذا القرآن باللُّغة الأعْجَمِيَّة على قومِهِ العرب ؛ هل يفْهمون منه شيئًا ؟! قال تعالى:

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
فالواحد المُنْحَرف في الدَّخل والمعاصي واللاأخلاقِيَّات، فهذا إذا حضَر التَّعْزِيَة ألا يسْمع القرآن ؟! يسْمَعُهُ، ولكن لا يَعْنيهِ إطلاقًا ! قال تعالى :

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[سورة الشعراء]
قال تعالى:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[سورة الإسراء]
يقرؤونَهُ فَيَزْدادون بِقِراءَتِهِ خسارة، لذا فهْم القرآن يحْتاج إلى طهارة باطِنِيَّة، ولذا قال العلماء: لا يمَسُّهُ إلا المُطَهَّرون، ومِن معاني المُطَهَّرين ؛ طاهِر النَّفْس، وقد يقول أحدهم: هذه نَهْي ! ولكن لو كانت اللام ناهِيَة لكان الفِعْل: لا يَمْسَسْهُ، يُفَكُّ التَّضْعيف كأن تقول: مدَّ لم يمْدُد، وشدَّ، لم يَشْدُدْ، فالفِعل المُضَعَّف الآخر إذا سبقه جازِم يُفَكُّ التَّضْعيف، أما إذا سبَقَهُ حرف نفي، فإنَّهُ يبْقى على حالهِ، شدَّ وما شدَّ، فاللام هنا للنَّفي وليْسَت للنَّهْي، فهذا حُكْم تَكْويني وليس حكما تَكْليفيا، أيْ مِن طبيعَة غير المُطَهَّر أنَّه لا يفْهمُ كلام الله، وهذه حقيقة فأنت بِمُجَرَّد أن تسْتقيم على أمْر الله تجد نفْسَك تفْهم كلام الله، وتراه يسيرًا وواضِحًا، لذا فَهْمُ كلام الله وحْدهُ، أما فهم أي نصٍّ آخر يمكن أن يفهمه أيّ واحد، فالمُلْحِد قد يفْهم جلّ الكلام إلا كلام الله تعالى والدليل الثاني:

﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44)﴾

[سورة فصلت]
والدليل الرابع:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

[سورة الإسراء]
والدليل الرابع:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

[سورة الشعراء]
لذا الواحِد إذا لم يسْتَوْعِب عليه أن يتَّهِم اسْتِقامَتَهُ أحيانًا لأنَّ الإنسان حتْمًا يتحرَّك بأَحَد باعِثَيْن ؛ باعِث العَقْل أو باعِث الشَّهْوَة باعِث الذات أو إرْضاء الله تعالى، باعِث الآخرة أو الدنيا، وباعث المعْصِية أو الطاعة، باعث الخير أو الشر، باعِث الهَوَى أو القِيَم ولا يوجد باعث ثالث، والدليل قوله تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
إن لم تَكُن على الحق فأنت حتْمًا على الباطِل، وإن لم تتَّبِعِ العَقْل فأنت حتْمًا تتَّبِعُ الهَوى، وإن لم تسْتجب لأمْر الله فأنت حَتْمًا تسْتجيب للشَّيْطان، لا يوجد باعث ثالث بينهما.
والنُّقْطة الثانِيَة ؛ أنَّك بين نُقْطَتَيْن ؛ نقطة الحق ونقطة الباطل، فإن اقْتَرَبْتَ من الحق ابْتَعَدْت حُكْمًا عن الباطِل، وإن اقْتَرَبْت من الباطِل ابْتَعَدْتَ حُكْمًا عن الحق، والدليل قوله تعالى:

﴿ يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة ص]
اِتِّباع الهَوَى ابْتِعادٌ عن الحق، يجب أن تؤمِن بالاثْنَيْنِيَّة ؛ الحق أو الباطِل، المَبْدَأ أو الشَّهْوة، العَقْل أو الغريزة، الدنيا أو الآخرة إرْضاء الذات أو إرْضاء الله عز وجل، لذا على الإنسان أن يعْرِفَ مكانَه فأهمّ شيء مثلاً في البَحْر البوْصلة، لأنَّه بِها يتحرَّك التَّحَرُّك الصحيح، فَكُلّ واحِد مِنَّا يجب أن يعْرِفَ مَوْقِعَهُ، وحجْم إيمانِه، يجب أن تعرف هل أنت معَ القِيَم أو مع الشَّهوات، مع الدنيا أو مع الآخرة مع مَصْلحتِك أم مبْدئِك ؟
قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

[سورة الشعراء]
لن تفهَمَ ولا أيّ كلمة، ولا أيّ حرف لو تكَلَّم معك إنسان، قال تعالى:

﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)﴾

[سورة الشعراء]
كما لو أنَّك تقرأ عليه قرآنًا بالفارِسِيَّة، أما لمَّا يسْتقيم الإنسان تتفتَّحُ مدارِكُهُ، ويُلْقى في قلْبِهِ النور، والحِكْمَة، وقُدْرة على الفَهْم عجيبة، وهذا ما قالهُ بعض العلماء.
النُّقْطة الأخيرة ؛ أنَّ الذي يتَّبِعُ الهوَى يُضِلُّهُ عن سبيل الله، ويوقِعُهُ في الظلم، لأنَّ مِن شأن اتِّباع الهَوى العُدْوان، فأنت إن اتَّبَعْتَ الهَوَى وِفْقَ منهَجِ الله فلا غبار عليك، أما إن اتَّبَعْتَ الهوَى مِن غير هُدًى من الله فلابدّ مِن أن تَقَعَ في العُدْوان والظُّلْم، وحينها تسْتَوْجِبُ العِقاب، والآية دقيقة جدًا، والدليل الثاني:

﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ(44)﴾

[سورة فصلت]
والدليل الرابع:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82)﴾

(سورة الإسراء)

والدليل الرابع:

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79)﴾

[سورة الواقعة]
هذه اللام نافِيَة، فأنا لمَّا أضَع إشارة ممنوع المُرور فالطريق هنا سالِك أما إذا وَضَعْت الإسمنت وقَطَعْتُ الطريق للمارَّة فأنا منَعْتُ المُرور وهذا فرْق كبير، إنَّ الله أمرَ عباده تخْييرًا، ونهاهُم تَحْذيرًا وكلَّفَ يسيرًا، ولم يُكَلِّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، فأحَدُ أسباب فَهم الكتاب والعلم الدِّيني الاسْتِقامَة على أمْر الله، فأنت مُمْكِن أن تأخذ أعلى شَهادَة بالأرض، ونفْسُكَ أنْجَسُ نفْس ‍‍!! العُلوم الأرْضِيَّة لا تَحْتاج إلى طهارة نفْس، لذا مِن أجل قُدْسِيَّة هذا العِلْم الطَّهارة النَّفْسِيَّة، فقد يكون له أعلى مرتَبَة علْمِيَّة وشهادة دنيوِيَّة، وهو في أحطّ مرتبة أخلاقِيَّة، فقد يقْتُل ! لماذا قتَل ؟! فالله لا يسْمَحُ لك أن تفْهم القرآن إلا إذا كنتَ طاهِرًا، قال تعالى:

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

[سورة الشعراء]
فإذا لم يفْهم الواحِد كتاب الله معنى ذلك أنَّ به خللاً، والعقْل له وظيفَتيْن ؛ إما أن يكون قائِدًا له، وهي الوظيفة الطَّبيعِيَّة، أما الوظيفة الخطيرة المُدَمِّرَة أن يكون عقْلُهُ جِهاز تَبْرير ؛ كُلَّما غلَط وتحامَقَ وهبَطَ في مُسْتوى شهواتِهِ يسْتَنْجِ بِعَقْلِهِ كي يُفَلْسِفَ له انْحِطاطَهُ فَكُلُّ المذاهِب الوَضْعِيَّة الهدَّامَة هي فلْسَفَة عَقْلِيَّة لانْحِراف خُلُقي، فلمَّا الإنسان يسْتخدِم عقْلَهُ للتَّبْرير يكون على عَكْس ما خلقه الله عز وجل فالذي يقول مثلاً الاخْتِلاط يُهَذِّب النُّفوس ! هذه فِكْرَة خبيثة مِن عَقْل مُبَرِّر والذي يقول لك أنا إن لم أسْرِق لا يُمْكِنُني أن أعيش، أين توحيد الرازِقِيَّة ؟ الله هو الرزاق ذو القوة المتين، فأخْطَر شيء ونعوذ بالله أن نسْتَخْدِم عُقولنا لِتَبْرير أخْطائِنَا، فَكُلّ الأعمال المُنْحطَّة تُبَرَّر والحَسَنُ ما حسَّنَهُ الشرع، والقبيح ما قبَّحُ الشَّرْع.





والحمد لله رب العالمين

آفراح
03-18-2018, 12:17 PM
جوزيت كل خير على روعة الطرح والفائدة الكبيرة
تحية

السعيد
03-18-2018, 01:12 PM
تسلمين اختى افراح

السعيد
03-18-2018, 01:15 PM
ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الحادى عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية السادسة بعد المائتين في سورة الشعراء، كان الخليفة الراشِد الذي يُعَدُّ حقيقةَ خامِس الخلفاء الراشِدين سيِّدُنا عمر بن عبد العزيز كان كُلَّما دخَلَ إلى مكان تَسْيير الأمور يتْلو هذه الآية التي هي مِن أبْلَغِ الآيات ؛ قال تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
وهذه الآية تَصْلُحُ أن يقْرأها الإنسان على نفْسِهِ كُلَّ يوم إذا كان مُتَمَتِّعًا في الحياة الدنيا، فهذه المُتْعَة هل لها مَرْدود ؟ الجواب: لا فالإنسان إذا أراد أن يجْلس في حوض سِباحَة وماء فاتِر، لو جلَسَ في هذا الحَوْض عشَراتِ الأيام ؛ هل يُصْبِحُ طبيبًا ؟! هل يُصبِحُ تاجِرًا ؟! هل يُؤلِّفُ كتابًا ؟! الجَلْسَةُ مُمْتِعَة فالماء الفاتِر يُريحُ الأعصاب، والإنسان إذا اسْتَلْقى على فِراشِهِ وأخَذَ حظَّهُ من الدنيا، وإذا نالَ كُلّ حُظوظهِ كامِلَةً ثمَّ جاءَهُ ملك الموت، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
أربعين أو خمْسين سنة، وأحْيانًا تجد الواحِد عمرهُ تِسعين سنة، وذو صِحَّةٍ جيِّدَة ومَسْرور، وله أذْواق في الطعام والنُّزُهات نادِرة، فهذا لو تمتَّع ألْف سنَة ! قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
فسيِّدُنا عمر بن عبد العزيز الذي يُعَدُّ حقًّا خامِس الخلفاء الراشِدين كان يتلو هذه الآية كُلَّ يوم، وكُلَّما دخَلَ إلى مكان عمَلِهِ، وأنا لا أُسَمِّيهِ قَصْرًا، كُلَّما دخَلَ إلى المكان الذي يُسَيِّر فيه أمور راعِيَتِهِ يتْلو هذه الآية:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
أيُّها الإخوة، يجب أن نَعْلَمَ عِلْم اليقين أنَّ الفقْر الحقيقيّ هو الفقْر مِن العَمَل الصالِح، وأنَّ الغِنى الحقيقيّ هو غِنَى العَمَل الصالِح ؛ يُؤَكِّد هذا قَول الله عز وجل على لِسان سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام حينما سقى لهما وتولى إلى الظلّ، قال تعالى:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

[ سورة القصص ]
الخَيْر أن تأخذ بِيَدِ إنسانٍ إلى الله تعالى لأنَّ حجْمَكَ عند الله بِقَدْر عملِكَ الصالِح، قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾

[ سورة الأحقاف ]
فلو أمْضى الإنسان كُلّ حياتِهِ يسْتَمِع ويتأثَّر، ويقول: والله كلام طيِّب وهذا كلامٌ عميق، وكلامٌ فيه صِدْق، ولو اسْتَمَع ما شاء الله، ولم يخْرُج منه عمَلٌ يُؤَكِّد فهْمَهُ لِهذا الكتاب، ليس عند الله بِشيء.
مرَّةً ثانِيَة أيُّها الإخوة، حجْمُكَ عند الله بِحَجْمِ عمَلِكَ الصالِح، وكُلَّما نمى صِدْقُكَ وحُبُّكَ ينْمو معه عمَلُكَ ؛ لأنَّ الإيمان ما إن يسْتَقِرّ في قلب الإنسان حتَّى يُعَبِّر عن ذاتهِ بِذَاتِهِ مِن خِلال عملٍ صالِحٍ، فدائِمًا هناك سُؤال ينبغي أن يكون في ذِهْنِ كُلٍّ مِنَّا ؛ ماذا قدَّمْتُ للإسلام ؟ أحْيانًا الإنسان يتعلَّم ويُعَلِّم، وأحْيانًا يُساعِد بِمَالِهِ، وبِقُوَّتِه، ينشئ مُستشفى ويُقَدِّم مَعونَة، يُسْهِم في بناء مَسْجِد، وطَبْعِ كِتاب، يرْعى أيْتام، ويُعينُ الضُّعَفاء، وينْتَصِرُ لِمَظْلوم، دائِمًا اسْأل نفْسَكَ هذا السُّؤال: ماذا قدَّمْتُ للإسلام ؟ كيف ألْقى الله
عز َّوجل ؟ وما العَمَل الذي سيَكون بين يديّ لمَّا ألْقى الله ؟ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((يا بشر لا صدقَةَ ولا جِهاد فبِمَ تلْقى الله عز وجل ؟))
لأنَّ الله تعالى قال:

﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ(54)﴾

[ سورة سبأ ]
كُلّ واحِد له ترْتيب في بيْتِهِ وجَلْسَةٌ مُريحَة، وسرير مُريح، وله كان في غرفة الجلوس، وحوْله زوْجتُهُ وأصْهارُهُ، وله أذْواق، ولكن حينما يأتي ملَكُ الموت حيلَ بينهم وبين ما يشْتَهون، ولو أنَّها مُباحَة ولو أنّها مَشْروعَة ؛ يُحال بينك وبين الشَّهوات فجْأةً، وفي ثانِيَة واحِدة ألا تنظر بين هذه المُفارَقَة العجيبة ؟ مِن بيتٍ مُريحٍ جدًا إلى أحد مقابر دِمَشْق ! أربعة وعشرون سنة، وإكْرام المَيِّت تَرْحيلُهُ، يعودون إلى البيت وقد خلَّفوه تحت التُّراب، هذا مصيرُنا جميعًا، ولا ينْجو منه أحد، فَكُلّ العقْل والحِكْمة في الإعْداد لِهذا القبْر الذي هو صنْدوق العَمَل قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
تمتَّع كما تُريد، سيِّدُنا إبراهيم عليه وعلى نبيِّنا أفْضل الصلاة والسلام قال:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾

[ سورة إبراهيم ]
فربُّنا عز وجل قال ومَن كفَر، تَمَتُّعُ الإنسان بالحياة هل هو دليل رِضى الله تعالى عليه ؟! لا أبَدًا، فلا علاقة بهذا إطْلاقًا، رِضاء الله تعالى مَنوطٌ بِطَاعَتِهِ، ومِقْياس رِضى الله عنك طاعتُكَ له، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
فالإنسان إذا مال إلى الاسْتِرْخاء، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:

(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ ))

[ رواه أحمد ]
والمقْصود بالتَّنَعُّم هنا أن تَقْصِدَهُ وأن تَجْعَلَهُ دَيْدَنَكَ، والهدف لك، لكن يُمكن لله تعالى أن يجْعَلَ الدنيا كالجنَّة ؛ راحَةَ نَفْسِيَّة وطُمأنينَة وشُعور بالفَوْز والرِّضا، وأنَّ الله تعالى يُحِبُّك، لكنَّ المؤمن في الدنيا يَعْمَل كما قال سيِّدنا عمر: الليل والنَّهار يَعْمَلان فيك، فاعْمَل فيهما، فَكُلّ واحِد فيه بالحاسَّة السادِسَة قُدْرة ؛ فلان عمرهُ ثلاثون، وذاك أربعون مِن أين يأتي بِهذه الأرقام ؟ مِن ملامِحِ الوَجْه والجسَد، هذا فِعْل الليل والنهار.
أيها الإخوة الكرام، ورَدَ في بعض الأدْعِيَة ؛ لا بورِكَ لي في طُلوعِ شَمْس يوم لم أزْدَدْ فيه مِن الله تعالى عِلْمًا، ولا بورِكَ لي في طُلوعِ شَمْسِ يَوْمٍ لم أزْدَدْ فيه من الله قُرْبًا، فَكُلّ يوْمٍ لم تزْدَدْ فيه عِلْمًا وعملاً هو يومٌ خاسِر ولو كان ربِحْت بذاك اليوم خمسمائة ألف، لأنَّ الإمام الحسَن البصْري يقول: ما مِن يوْمٍ ينشقّ فجْرُهُ إلا ومُنادٍ يُنادي: يا ابن آدَم أنا خلْق جديد وعلى عملِكَ شَهيد، فَتَزَوَّد مِنِّي فإنِّي لا أعود إلى يوْمِ القِيامَة ! وكان عليه الصلاة والسلام كُلَّما اسْتَيْقظ صباحًا يدْعو بِهذا الدُّعاء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ بَعْدُ فَإِذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ))

[ رواه الترمذي ]
هناك إنسان ينام، ومن النَّوْم إلى الموْت، أحد النِّساء لَمَسَت زوْجَها بالليل فإذا يَدُهُ بارِدَة فلما رأتْهُ فإذا به ميِّت ! أعْطاك يوْمًا جديدًا وعافاك فيه، وسمَحَ لك أن تذْكُرَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ رواه الترمذي ]

مُضي الأيام والشُّهور والسَّنوات والعُقود، فهل الأيام نفْسُها ؟! سألْتُ أحدهم فقال لي: هناك خمسين نعي يوميًا بالشام، لذا اعْلَموا أنَّ مَلَكَ الموت قد تخطَّانا لِغَيْرِنا، وسيَتَخَطَّى غيرنا إلينا، فلْنَتَخِّذ حِذْرَنا.
الدعاء الشريف: بادِروا بالأعمال الصالِحَة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا..."المؤمن له آية خاصَّة، قال تعالى:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
شيءٌ يُمَلَّك، وشيء ثَمين، لها ما كسَبَتْ وعليها ما اكْتَسَبَتْ، معنى ذلك أنَّ الزَّمَن لِصالِحِ المؤمن، ومُضِيُّ الأيام والليالي لا يزيدُهُ إلا تأَلُّقًا ولا يزيدُهُ إلا قرْبًا وعِلْمًا، ولا يزيدُهُ إلا عملاً صالِحًا، فإذا جاء الموتُ كان تُحْفَتَهُ وعُرْسَهُ، وانْتَقَلَ إلى نعيم مُقيم، قال تعالى:

﴿قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)﴾

[ سورة يس ]
أنا أتحدَّثُ عن إنسانٍ شَرَدَ عن الله، فهذا الشارِد الأيام إلى ما شاء الله لي فيها مُفاجآتْ ‍! هناك فقْر مُنْسي، وكاد أن يكون الفقْر كُفْرًا، أو غِنًى مُطْغِيًا، وهناك غِنى عدَّهُ النبي عليه الصلاة والسلام مُصيبَة الغِنى الذي يَحْمِلُكَ على مَعْصِيَة الله، وعلى الفُجور، أنا أعْرِف أشْخاص كثيرين على الدَّخْل الكبير شَردوا وفجَروا، وتركوا الصلاة وباتوا في النوادي الليليَّة ! أصْبَحَ دَخْلُهُ كبيرا !!! هذه مُصيبَة، سَبْعَةُ أشياء تَقْسِمُ الظَّهْر، وينتظِرُها كلّ إنسانٍ شرَدَ عن الله تعالى، أما المؤمن فالزَّمَن لِصالِحِه، أما غير المؤمن فلهُ المُفاجآت، فقْرٌ مُنْسي وغِنىً مُطْغي، مرض مُفْسِد، هرم مُفَنِّد، وموت مُجْهِز، ودجال والساعة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، فالإنسان كُلَّما كان عاقِلاً ذَكِيًّا يعيشُ مُسْتَقْبَلَهُ، وكلَّما كان أقل عقْلاً يعيشُ حاضِرَهُ، وكُلَّما كان غَبِيًّا يعيشُ ماضيهِ، والبُطولة أن نهيئ أنْفُسَنا لهذه الساعة، وهي شِعار سيِّدنا عبد الله بن عبد العزيز، قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207)﴾

[ سورة الشعراء ]
لذلك قال سيِّدُنا علي رضي الله عنه قال: والله لو عَلِمْتُ أنَّ غدًا أجَلي ما قَدَرْتُ أن أزيد في عملي ! المؤمن بهذه السرعة يمْشي إلى الله صلاة وتِلاوَة وإنْفاق وعمل صالِح، وأمْر بالمَعروف، ونَهي عن المُنْكَر، طلب العلم، وتعليم العِلْم، باب الأعمال الصالِحَة مَفْتوح حتَّى أن تضَعَ اللُّقْمَةَ في فيِّ زَوْجَتِكِ لك بها صَدَقَة، وأن تُميط الأذى عن الطريق هو لك صَدَقَة.




والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-18-2018, 01:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثانى عشر


12



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في حياة الإنسان مسرَّاتٌ وآلام، فالآلام مادِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّة، والآلام المَعْنَوِيَّة ترْجِعُ في معظمِها ودون مُبالَغَةٍ إلى الشِّرْك والدليل قوله تعالى في الآية الثالثة عشر بعد المائتين من سورة الشعراء:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
قد يقول أحدكم: أنا لا أعْبُدُ إلا الله، وكلامُهُ صحيح، ولكِنَّهُ يدْعو مع الله جِهَةً ؛ إنسانًا أو أخًا أو صديقًا أو ابنًا أو زوْجَةً أو قَوِيًّا، أو مَن هو فوْقَه ! فأنت لا تجْعَلُهُ إلهًا ولكن تُعامِلُهُ كما يُعامَلُ الإله ؛ تَخْشاهُ وتَعْصي الله، وتُرْضيهِ وتَعصي الله، تُعَلِّقُ الأمَل عليه، ولا تعبأُ بِوَعْد الله، وتخافُهُ ولا تخاف الله، وترْجوهُ ولا ترجو الله، وتُرْضيهِ ولا تُرْضي الله، فإذا أرْضَيْتَ جِهَةً غير الله فهذا هو الشِّرْك، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
حينما تعْتَقِدُ أنَّ إنسانًا بِيَدِهِ أمْرُك، ومصيرُكَ، ورِزْقُكَ، وبِيَدِهِ أن يُعْطِيَكَ، وأن يمْنَعَك، وبِيَدِهِ أن يرْفَعَك وبِيَدِهِ أن يخْفِضَك ؛ هذا الإنسان أنت عامَلْتَهُ كما يُعامَلُ الإله، لذلك سوف تأتي للنَّفْس البشَرِيَّة آلامٌ لا توصَف، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
المُعَذَّبون في الأرض ؛ هذه القِصَّة الشَّهيرة، من هم المُعَذَّبون في الأرض ؟ الذي جعلوا مع الله إلهًا آخر لكنَّ هذا الإله الآخر، قد لا يرْضَى عنك، وقد لا يُسْتَرْضى، وقد لا يعْلَم، وقد لا يسْتطيع، وإن اسْتَطاع لا يعْلَم، وإن علِمَ لا يقْدِر، وإن لم تَسْتَرْضِهِ غَضِب، وإن أرْضَيْتَهُ غَضِبَ الآخر، وإن أرْضَيْتَ الآخر غضِب هو! تَمَزُّق، لذا دَعْكَ مِن هؤلاء جميعًا واتَّصِل بالله، وأرْضِهِ وحْدَهُ، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
تصَوَّر شركة مات صاحِبُها، وتركَ أولادًا عِدَّة، وكُلّ واحِدٍ مِن أولادِهِ له طَبْع، ورأْي وأمر ونهْي، وله ما يُغْضِبُهُ وله ما يُرضيهِ ؛ هؤلاء العُمَّال يتمزَّقون ؛ إن أرضَيْتَ زَيْدًا أغضِبَت عُبيْدًا ! وإن خرجَ مِن المَعْمَل لِيُلبِّيَ رغْبة ذاك غضِبَ الأخ الآخر ! لذا أيها الإخوة ؛ التَّوحيد أحد أسباب السعادة، وأيُّها الإخوة ووالله لا أُبالِغ ؛ كُلَّما تقَدَّم العِلم اكْتشَفَ أنَّ الصِحَّة النَّفْسِيَّة أحدُ أكبر أسباب الصِحَّة الجَسَدِيَّة، وأنَّ مُعْظَمَ الأمراض الوبيلة بِسَبَبِ الشِّدَّة النَّفْسِيَّة ؛ وهذه حقيقة يعْرِفُها الأطِبَّاء، أمراض القلب، وجهاز الهضْم، وضَغط الدَّم، والسُّكَر وآلام عضَلِيَّة، يكاد كُلَّما تقدَّم العلم يكْتشف أنَّ لكلّ مرض عُضْوي سببًا نَفْسيًّا، وأنَّ الشِدَّة النَّفْسِيَّة مرْجِعُها إلى الشِّرْك، تخاف الإنسان فهذا الإنسان لايرْحَمُك ولا يُحِبُّك، ويتمنَّى أن يُوقِع بك، وتخافُهُ وتنسى الله، ترْجو إنسانًا فَيُخَيِّبُ ظنَّك، وتضَعُ الثِّقَةَ بِزَوْجَتِك فلا تكون في المُسْتوى المَطلوب، وتُربِّي الطِّفل وتتعب عليه، وبعدها يهْجُر ويذْهب ويتزوَّج امرأة أجْنَبِيَّة ولا يعود، ولا يُراسِلُك تمامًا، لذا أحد أمراض العذاب النَّفسي أن تدْعُوَ مع الله تعالى إلًها آخَر، وأن تُشْرِك، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التَّوْحيد، والقرآن الكريم كُلُّه حول التَّوحيد والدليل قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف]
فالله عز وجل لخَّص لنا القرآن الكريم كُلَّه، وأنا أُؤَكِّد لك أنَّ دعوة الأنبياء جميعًا هي التَّوْحيد، والدليل قوله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(4)﴾

[ سورة إبراهيم ]
لمَّا تُوَحِّد تُزاحُ عنك كُلّ المُشْكِلات ؛ مُشْكِلات الصِّحة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾

[ سورة الشعراء ]
ومُشْكِلات الأُسْرة، قال تعالى:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

[ سورة الأنبياء ]
ومُشْكِلات العَمَل، فإذا الواحِد اصْطَلَح مع الله تعالى وتلى قوله تعالى:

﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)﴾

[ سورة الشعراء ]
أغْلَقَ أوَّل باب من أبواب القلق، وكذا الرِّزق، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2) ﴾

[سورة الطلاق ]
وقد أبى الله عز وجل إلا أن يجْعَلَ رِزْقَ عبْدِهِ مِن حيْثُ لا يحْتَسِب والحوادِث قال عنها تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[ سورة التوبة ]
فأنت إذا رَجَعْت إلى الله، واصْطَلَحْتَ معه، وطبَّقْتَ أمْرَهُ ولم تعْبأ بِأحد:

فليْتَكَ تَحْلو والحياةُ مريـــرةٌ وليْتَكَ ترْضى والأنام غِضابُ
وليْتَ الذي بيني وبينكَ عــامِرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صحَّ منك الوَصْلُ فالكُلّ منك هيِّنٌ وكل الذي فوق التُّراب تُراب
***
فالواحد إذا علِمَ أنَّ كلّ شيء بيَدِ الله، وهو الرَّزاق والمُحيي والمُميت والشافي، والمُمْرِض والمُضْحِك والمُبْكي، تُصْبِحُ علاقتك مع الواحِد الأحد وبالمناسبة هناك أشْخاص لا تسْتطيع أن تسْترْضِهِم، لكنَّ الله تعالى قال:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف ]
فالله تعالى يرْضى بالتَّوْبَة، ويرْضى بالعمل الصالح، وتِلاوَة القرآن ويرْضى بالنَّدَم، وبِمُجَرَّد أن تنْدَمَ على عملٍ فقد رَضِيَ عنك، وهو في مُتَنَاوَلِ كُلِّ مَخْلوق، بل إنّ سُبُل إرْضاء الله عز وجل لا تُعَدُّ ولا تُحْصى، والطرائِق إلى الخالق بِعَدَدِ أنْفاس الخلائِق، والله عز وجل رحْمَةً بهذا الإنسان ما جَعَلَ الماضي عِبئًا عليه، قال لي أحدهم: لا توجَد معْصِيَة تتصَوُّرها أنت إلا وفَعَلْتُها، فقلْتُ له: نسأل الله أن يتوب عليك، فقال لي: والدليل ؟ فقلتُ له: قال تعالى:

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزمر ]
فالماضي يُهْدَمُ في ثانِيَة، وهو ليس عبء عليك، والإسلام يجبّ ما قبلَهُ، ولو جئْتني بِملء الَّسماوات والأرض خطايا غفَرْتُها لك، ولا أُبالي، فلو أنَّ امرأة عرَضَت نفْسَها طوال الحياة بالمسارِح والأفلام وهي أحد أكبر فِتَن المُجْتَمَع، فلمَّا اصْطَلَحَت مع الله تعالى و تحجَّبَت وستَرَتْ وجْهها، ورُبَّما لازالتْ أغانيها وأفلامها تُذاع، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

[ سورة الزمر ]
يرْزقك من حيث لا تحْتسب، وصِحَّتُك هو المُعافي لها، وزَوْجَتُكَ هو المُصْلِحُ لها، قال تعالى:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

[ سورة الأنبياء ]
وأولادك هو الذي يجعلهم يَخْضعون لك، لذا إذا كان الله معك فَمَن عليك، وإذا كان عليك فَمَن معَك، يا ابن آدَم اُطْلبني تَجِدْني فإذا وجَدْتني وَجَدْتَ كُلّ شيء، وإن فِتُّك فاتَكَ كُلّ شيء، أنت تُريد وأنا أريد فإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد سلَّمْتُ لك فيما تُريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أُريد أتْعَبْتُكَ فيما تُريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد، فهذه الآية مِن الآيات الدقيقة جدًا، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[ سورة الشعراء ]
لا تخش إلا الله، ولا تُعَلِّق آمالَك إلا عليه تعالى، ولا ترج إلا الله ولا تتقرَّب من أحدٍ سِواه.
هل تعْتَقِدون في الأرض كُلِّها من آدم إلى يوْمِنَا هذا رجلين أشَدُّ حُبًّا لِبَعْضِهِما من رسول الله تعالى وسيِّدنا الصِّديق ؟ قال:
((ما ساءني قطّ ! وما طَلَعَت شمس على رجل بعد نبِيٍّ أفضل من أبي بكْر ))
وقال:
((تسابَقْتُ أنا وأبو بكر فَكُنَّا كهاتَيْن ‍))
ومع ذلك فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَقَالَ:

(( إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ قَالَ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ))

[رواه البخاري]
ولو كُنتُ مُتَّخِذًا خليلاً لاتَّخَذْتًُ أبا بكر ! ولكن أخ وصاحب في الله وأنت يُمْكِنُ أن تُحِبَّ في الله، ويُمْكِنُ أن تُحِبَّ مع الله، الحُبُّ في الله كمال الإيمان والحبّ مع الله كمال الشِّرْك، فإذا أحْبَبْتَ الله عز وجل فَمِن لوازِم محبَّتِك له أن تُحِبَّ المؤمنين، ومِن لوازِمِ محبَّتِكَ له أن تُحِبَّ مَن حَوْلَكَ مِن المُسْتقيمين، أما إذا أحْببْتَ إنسانًا وحَمَلَكَ على مَعْصِيَة الله ولم تعبأ بهذا فأنت أحْبَبْتَهُ مع الله، وهذا هو الشِّرْك، وهؤلاء الذين حَوْلَك إن لم تكن أنت لهم فَمَن لهم، فالأقربون أنت الوحيد الذي لهم فإن لم تكن لهم فَمَن لهم، تُهْمِل ابنَك وتَلْحَق الناس، لذلك قال تعالى:

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

[ سورة الشعراء ]
والإنسان إذا أكْرَمَ أهْلَهُ فإكْرامُهُ مُضاعَف لأنَّهُ إكْرامٌ وصِلَةٌ، ابنك أخوك وشريكُكَ، والدَّعْوَة إلى الله تعالى لا كما يتوهَّم بعض الناس فرْض كِفايَة، الدَّعْوَة إلى الله فرض عَين، والدليل قوله تعالى:

﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

[ سورة العصر ]
والتواصي بالحق ليس كما تظن أنَّهُ يجب أن تكون أحد الأعلام الأفْذاذ ! طالب علم، يَجب أن تُبَلِّغ ما سَمِعْتَ ولِمَن تعْرف، والإسلام إذا توسَّعَت دوائِرُهُ ضاقَتْ دوائِرُ الكفر، والعكس بالعكس فَمِن أجل الحِفاظ على الإسلام وعلى وُجود الحق ينبغي أن نتواصى بالحق، قال تعالى:

﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

[ سورة العصر ]
وقال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ سَهْلٍ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( وَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ رواه أبو داود ]
قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

[ سورة الشعراء ]
التواضع، فيجب أن تتواضَع لِمَن تُعَلِّم، ولِمَن تتعلَّم منه، والتواضع أحد أبْرز أخلاق المؤمن، قال:

وانْظُر إلى الأكْحال وهي حِجارَةٌ لانَتْ فصارَ مقَرُّها في الأعْيُنِ
***
فالكُحل حَجَر لكنَّهُ ليِّن فَطُحِن فَوُضِعَ في العين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-18-2018, 01:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الثالث عشر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في الدرس الماضي بيَّنْتُ لكم أنَّ أحَدَ أكبر أسباب الآلام النَّفْسِيَّة هو الشِّرْك بالله لِقَول الله تعالى:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)﴾

[ سورة الشعراء ]
وأعظم الأعمال الصالِحَة أنْ تعْكِفَ على ترْبِيَة أولادِكَ ومَن حوْلَكَ لأنَّك هم أوْلى الناس بِتَرْبِيَتِك وعِنايَتِك، وهم ذُخْركَ يوم القيامة، وأفْضل كَسْب الرَّجُل ولَدُهُ على الإطلاق
قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
أوَّلاً: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ))

[رواه البخاري]
والعُبودِيَّة لله تعالى تتناقض مع الكِبْر، إنَّ ذَرَّةً من كِبر تسْتَوْجِبُ النار، والحديث الشريف: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

[ رواه مسلم ]
والمُتَكَبِّر جاهِل، والإنسان يتكبَّر بِغَير الحق، لأنَّه إن قال: أنا، فهل يضْمَنُ أن يبْقى بعد ساعَةٍ حيًّا ؟ هل يضْمَنُ أن يبْقى عقْلُهُ في رأسِهِ خصرة صغيرة في الدِّماغ تُلْغي عَقْل الإنسان وذاكِرَتَهُ، وبعض حواسِّه وحركتَهُ، وكلّ مُنْجَزاتِك في الحياة مَبْنِيَّة على سُيولَة الدَّم، فلو تجمَّد الدَّم في الإنسان انتهى، لذا إن قال هذا الإنسانُ: أنا ! فَهُوَ جاهِل ووُجود الإنسان مُتَوَقِّف على إمْداد الله له، فالتَّواضُع عِلْم، والتَّكبّر جَهْل، والتَّواضع منْطِقي ومَوْضوعي وواقِعي ويعرف حجْمهُ الحقيقي والله تعالى معه، لذلك قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
قد يسأل سائِل: هل يُعْقَل أن يتكبَّر النبي عليه الصلاة والسلام ؟ لا فما معنى أن يأْمُرَهُ أن يخْفض جناحَهُ ؟ هذا الأمْر في الظاهِر للنبي ولكنَّهُ في الحقيقة للمؤمنين، وربُّنا عز وجل يُعَلِّمُ المؤمنين من خلال أوامِره للنبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿باأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1)﴾

[سورة الأحزاب]
فهل يُعْقَل أن لا يتِّقي النبي صلى الله عليه وسلَّم الله تعالى ؟ هذا الأمْر مُوَجَّهٌ للمؤمنين، وفي رأي آخر، أنَّك إذا أمَرْتَ إنسانًا أن يسْتقيم، ولم يكن كذلك فالأمْر بِالاسْتِقامة واضِح، أما إن أمَرْتَ إنسانًا بالاسْتِقامة وهو مُسْتقيم فالمعنى أن تبقى على الاسْتِقامة، وهناك معنى آخر، وهو اِرْفَع جُهودَك في الاسْتِقامَة قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(136)﴾

[ سورة النساء ]
يا رب تُخاطِبُنا بأنَّا مؤمنون فَكَيْف نُؤْمِنُ بك ؟ المعنى يا أيها الذين آمنوا ارْفعوا مُسْتوى إيمانكم، فإذا كان الإنسان غير مؤمن عليه أن يؤْمِن، وإذا كان مؤمِنًا فلْيَسْتَمِرّ على إيمانِهِ ويبْحث على مُستوى أرْقى إما أن تفْعَلَهُ ابْتِداءً، وإما أن تسْتَمِرَّ عليه، وإما أن ترفع مُستواه وهناك معنى رابِع في قوله: يا أيها النبي اتَّق الله، أي يا أتْباع النبي اتَّقوا الله قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا(1)﴾

[ سورة الطلاق ]
النبي عليه الصلاة والسلام ما طلَّق إلا امرأةً واحِدَة يوم الزَّفاف، قيل لها إذا دَخَل النبي عليك قولي له: أعوذ بالله منك ! فلمَّا دخل عليها قالتْ له: أعوذ بالله منك، فقال: الْحَقي بأهْلِك، لماذا ؟ لأنَّ زوْجَةَ النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن تنقل عنه الأحاديث، وحينما قبِلَتْ أن تنقله كلامًا دون أن تُفَكِّر فيه، فهذا يعني تَفْكيرُها مَحدود جدًا، إذًا هذه الزَّوْجة خطرٌ على الدَّعْوَة، رسول مَعصوم، ونبيٌّ عظيم قالت له هذا، فالآية هذه مُوَجَّه لعامَّة المُسلمين.
وهنا قوله تعالى:

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
هناك آيةٌ أُخْرى تُكَمِّل هذه الآية:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
لا يوجد لمَن اتَّبعك ! ولو جَمَعْنا الآيتين لوَجَدْنا أنَّ كُلّ إنسان يُعَمِّق انْتِماءَهُ لِجَماعَة ويُعادي بَقِيَّة الجماعات، فهذا إنسان بعيد عن روح القرآن الكريم، لأنّ الله تعالى أمَرَ النبي مرَّة أن يخْفض جناحهُ لِمَن اتَّبَعَهُ، وأمَرَهُ مرَّةً أن يخْفض جناحَهُ للمؤمنين، فلو أنَّك مثلاً أنت من مسْجد كذا ووجَدْتَ إنسانًا آخر من مسْجِدِ كذا، فهل هذا الذي الْتَقَيْتَ به ليس مؤمنًا ! هذه النَّظْرَة الضَّيِّقَة، تعميق الانْتِماء لِجَماعة مُعَيَّنَة ومُعادات بقِيَّة الجماعات، وأن تعْتَقِد أنَّ الله وحْده، هذا تفْكير يهودي قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111)﴾

[ سورة البقرة ]
فالإنسان كُلَّما كان أُفُقُهُ ضيِّقا يُضَيِّق رحْمة الله عز وجل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال:َ
((: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))

[رواه البخاري]
رحْمة الله واسِعَة، لذلك الانْتِماء إلى جماعة ومُعادات بَقِيَّة الجماعات هذا مُعاداة للدِّين.
أيُّ مؤمن هو أخٌ لك مهما كانت جماعَتُهُ، والمبادئ واحِدَة والكتاب واحِد، إنَّما الاخْتِلاف في الأسلوب، إلا إذا كان في العقيدة زَيْغ فهذا موضوع ثاني، والأمر كما قال الشافعي، نتعاوَنُ فيما اتَّفَقْنا ويعْذُر بعضُنا بعْضًا فيما اخْتَلَفْنا، وقال الإمام الشافعي: أنا على حق ويُحْتَمَلُ أن أكون على باطِل، والطَّرف الآخر على باطِل، ويُحْتَمَلُ أن يكون على حق ! اِجْعل عقْلك مفْتوحًا، والله تعالى علَّمنا كيف نُناقِش الآخرين، قال تعالى:

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)﴾

[ سورة سبأ ]
فإذا ناقَشْتَ أحدًا لا تجْعَل نفْسَك أعلى منه، وأنَّك أعلمَ منه، فالنبي لم يقل أنا على الحق إنما قال:

﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(24)﴾

[ سورة سبأ ]
وهذا أُسلوب تَرْبَوي في المناقشَة، فإذا حاوَرْتَ إنسانًا اجْعَل نفْسَكَ معه سواءً بِسَواء، ولا تسْتعلي، وأنَّك المُصيب وهو المخطئ، وهناك آية أبْلَغ وهي قوله تعالى:

﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ(25)﴾

[ سورة سبأ ]
فهل النبي مُجْرِم ؟ أي إذا اعْتَقَدْتُم أنَّنا مُجْرمون، فَنَحن لسْنَا مُجْرِمين ولن تُحاسَبوا عنَّا ؛ أرأيْتَ أدَب المناقشَة وأدب الحِوار، لذا هذه الآية دقيقة جدًا ؛ قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
والثانِيَة:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

[ سورة الحجر ]
والمؤمنون اليوم في أمَسِّ الحاجة إلى الوِحدة، والتَّعاوُن، والتَّكاثف والتَّناصح، وإلْغاء الخلافات، والداعِيَة بإمْكانِهِ أن يدْعُوَ إلى الله تعالى خمسين عامًا في المُتَّفَقِ عليه، وإذا دعا إلى الله في المُتَّفَق عليه وحَّدَ الأُمَّة، وجعلها قَوِيَّة مُتماسِكَة، أما إظْهار الخلافات وإبْرازها وجعلها شِعارًا، وقاتَلَ مِن أجْلِها تتمزَّق وحْدة الأُمَّة.
مِحْوَر الدَّرس اليوم ؛ قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215)﴾

[ سورة الشعراء ]
والثانِيَة:
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ(88)﴾
معنى ذلك الانْتِماء لكلّ المؤمنين، وأقْوى آية بِهذا المعنى قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10)﴾

[ سورة الحجرات ]
فلا بد أن تشْعر بانْتِمائِكَ إلى مَجْموع المؤمنين، ونحن بِأمَسِّ الحاجة إلى التَّعاوُن، وإسْقاط الخِلافِيَّات، التي تُمَزِّق شَمْلنا، وتُضْعِفُ قُوَّتَنا قال تعالى:

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾

[ سورة الأنفال ]
والحلّ هو كتاب الله الكريم، وسُنَّة نبيِّه الصحيحة، وأفعال الصحابة المُتَّفق عليها؛ الذين شهِدَ الله لهم بالصلاح، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(18)﴾

[ سورة الفتح ]
إذًا بإمْكاننا أن ندعوا إلى الله سنوات كثيرة دون إثارة مواضِع الخِلاف وكلّ مَن كبَّر الخِلافات وجعلها مِحْوَر درْسِهِ فهذا إنسانٌ وداعِيَةٌ بعيد عن الإخلاص، لِقَول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
يَجُرُّ خِلافًا وقع منذ ألف سنة يجعلُهُ موْضِع الجدَل، فالماضي مضى قال تعالى:

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(141)﴾

[ سورة البقرة ]
ليس لنا علاقة بِخِلاف الصحابة إطْلاقًا، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((إذا ذكر أصحابي فأمْسِكوا.))
وأنا لسْتُ بِمُسْتواهم، ولسْنا بِمُسْتوى تَقييم الصَّحابة، وإذا امْتَنَعْنا عن إبْراز نقاط الخلاف واْسْتِحضارَه وأعْلَنَّا انتماءنا لِمَجْموع المؤمنين اتَّحَدْنا واجْتَمَعنا ونحن بأمَسِّ الحاجة لهذا الاجْتِماع، فإذا الإنسان عليه أنْ يُكْبِرَ أخاه، لا أن تُفْسِدَ عليه شَيْخَهُ، ولكن عليك بهِدايَة مَن لا شيْخَ له ولا مسْجِدَ ودَعْكَ مِمَّن كان له مسْجِدٌ أن تُبْعِدَهُ منه ! فهذه الأمور تجْمعُ شمْلنا، قال تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46)﴾

[ سورة الأنفال ]
وقال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
والأمر كما قلنا في أوَّل الدَّرس إما أن تفْعَلَهُ ابْتِداءً أو أن تسْتَمِرَّ عليه أو أن ترفع مستواه.
قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ﴾

[ سورة الشعراء ]
ما أنت عليهم بِوَكيل، وما أنت عليهم بِجَبَّار، وليس عليك هُداهُم وما أنت عليهم بِحَفيظ، قال تعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾

[ سورة القصص ]
فلسْتُ قاضيا، إنَّما أنت داعِيَة قال تعالى:

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)﴾

[ سورة المدثر ]
نحن لسْنَا مُكَلَّفين بإكْراه الناس إنَّما عليك الدَّعْوة والتَّبْليغ، وعلى الله تعالى الباقي، قال تعالى:

﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216)﴾

[ سورة الشعراء ]
إذا لم يسْتَجِب فقُل: اللَّهمّ هذا مُنْكر أعوذ منه، والله تعالى هو الذي يُعالِجُهُ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-18-2018, 01:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الرابع عشر

14



لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة في سورة الشعراء، وهي قوله تعالى:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)﴾



(سورة الشعراء)

قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾

[ سورة المائدة ]
مِن لوازِمِ الإيمان التَّوَكُّل، ومن توكَّل فَهُوَ مؤمن،فالَتَوَكَّل علاقة ترابُطِيَّة، فإذا آمَنْتَ ولم تتوَكَّل ففي إيمانِكَ شكّ، أما أن تتوَكَّل وأنت لسْتَ مؤمنا فهذا مُسْتحيل.
أيها الإخوة، التَّوَكُّل مَحَلُّهُ القلب، والعمل محلُّه الجوارح، والمسلمون حينما عَكَسوا الآيَةَ تَخَلَّفوا عن رَكْب الحضارة، وأصْبَحوا في مُؤَخِّرَةِ الأمم، حينما ترَكوا الأسباب وتوكَّلوا على الله ؛ هذا هو التَّواكُل فالتَّوَكُّل في القلب، أما في الجوارِح فيجب أن تأخذ بِكُلِّ الأسباب، ولا تُسامَح في تَرْك الأسباب اتِّكالاً على الله، وأوْضَح مثَل تُفاحَّة لم تُغْسَل فيقول له: كُلْهَا وتوكَّل ! هذا هو الجَهْل بِعَيْنِهِ، فأنت عليك أن تغْسِلَها ثمَّ تتوكَّل على الله، وكذا الابن مرِض يقول لك: سَلِّمْهُ إلى الله ؛ هذا هو التَّخَلُّف، وهذا هو الجَهْل، ولكن خُذْهُ إلى الطبيب، واخْتَر أحْسَنَهم وخُذ الدَّواء بِشَكْل دقيق ثمّ قُلْ: يا رب، اِشْفِهِ وأنت الشافي، وكذا الأمر إن كنتَ تاجِرًا، ورأيْتَ صَفْقَةَ فاشْتَرَيْتَها بِتَسَرُّع ؛ يجب أن تدْرس السوق والأسْعار والنَّوْعِيَّة، وحاجة السوق لهذه البِضاعة والكَمِيَّة التي تُسْتَهْلَك، بعدها قل: يا جبَّار ! وكذا الأمر مع طالبٍ مُنْغَمِسٍ بالسَّهرات، تقول له: اُدْرُس فيقول لك: لن ينْسانَا الله ! نحن مؤمنون ! هذه الأمثِلَة مِن واقِعِ الحياة، فنحن لمَّا ترَكْنا الأخذ بالأسباب أصْبَحْنا في مُؤخِّرَةِ الرَّكْب، وليس هذا هو الإسلام، أوْضَح مثَل سيِّدُنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لمَّا هاجَر، لماذا لم يتْرُك الأخذ بالأسباب ؟ ولماذا أخَذَ طريقًا مُعاكِسًا للمدينة ؟ لماذا اتَّجَهَ نحو الساحِل؟ ولماذا عيَّن رجُلاً يَمْحو الآثار بعده ؟ لماذا عيَّنَ آخَرَ يتقصَّى الأخبار ؟ واسْتأجر خبيرًا بالطريق وكان مُشْرِكًا ؟ لماذا دَخَل إلى غار ثَوْر ؟ هذا هو النبي، فإذا كان التَّوَكُّل بِتَرْكِ الأسْباب، فالأوْلى أن يتوكَّل النبي على هذا النَّمَط، أين قوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا(71)﴾

[ سورة النِّساء ]
لا يوجَد مؤمن يترُك الأخْذ بالأسباب إلا ويُؤاخِذُهُ الله عز وجل، يجب أن تأخذ حِذرَك، والمؤمن كيِّس فَطِن، فهذه النُّقْطة دقيقة جدًا، فالتَّوَكُّل مَحَلُّهُ القلب، والأخذْ بالأسباب مَحَلُّها الجوارِح، فإذا عُكِسَتْ وأصْبَحَ التَّوَكُّل في الجوارِح لا الأخذ بالأسباب كُنَّا في مُؤَخِّرة الرَّكْب، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح يقول:

((عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ فَقَالَ مَا قُلْتَ قَالَ قُلْتُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[ رواه أحمد ]
تسْتَسْلِم، وتتْرُك الأخذ بالأسباب، ونحن عبيد إحْسان وليس عبيد امْتِحان ونحن ضِعاف، وأمورُنا ليْسَت بِيَدِنا، ولا حَوْل ولا قوَّة إلا بالله ؛ هذا كلام مُسْلِم ؟‍‍! فسَدَ ولَدُهُ، يقول لك: ليس بالأمر حيلة، والزَّمَن قدْ فسَدَ هذه أمْراض المُسْلمين ؛ عَكَسوا التَّوَكُّل ونقلوه من القلب إلى الجوارِح:

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ رواه أحمد ]
ذَكَرْتُ في خُطْبَتَيْن سابِقَتَيْن أنَّ هناك فَقْر الكسَل ! وفقْر التَّسَيُّب، وفقْر التَّسْويف والاسْتِرخاء، وفقْر نقْض المواعيد، وفقْر عَدَم الإتْقان ؛ هذه كُلُّها تُسَبِّب الفقْر، هذا ليس فقْر القَدَر وإنَّما فقْر الكسَل.
أحْيانًا يكون هناك تيَّار مائتان وعشرون، وهناك مأخَذ كهْربائي مَكْشوف، وعندك أحد الأولاد صُعِق ومات، لا تَقُل: انْتهى أجَلُهُ ! أنت تُحاسَب على هذا التَّقْصير، فما دام التَّيار مائتان وعشرون وكانت أسلاك مَكْشوفَة، وعندك أطفال صِغار ويَمشون دون حذاء، فلا تقل يتوَلاَّنا الله، هذا كلام مَرْفوض، فأنت يجب أن تأخذ بالأسباب كُلِّها الدَّواء والمُعالَجة والدِّراسة والتِّجارة، وبعد كُلِّ هذا تقول: يا رب، تَوَكَّلْتُ عليك، هذا بعد الأخْذ بالأسباب.
أيها الإخوة الكرام، طريق عن يمينِهِ وعن يسارِهِ وادٍ سحيق فالوادي الأوَّل هو وادي تَرْك الأسباب، والوادي الثاني هو وادي الاعْتِماد عليها إن ترَكْتَها عصَيْتَ، وإن اعْتَمَدْتَ عليها أشْرَكْت ! فيَجِب أن تأخذ بها وأن تعتمد على الله تعالى، وهذا هو الإيمان.
ومَن لم يتوَكَّل فليس مؤمنًا، وعلى الإنسان أن يوقِن أنَّ الله تعالى معه قال تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾

[ سورة الحديد ]
معِيَّة عامَّة، أما فوله تعالى:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19)﴾

[ سورة الأنفال ]
فهذه مَعِيَّة الحِفْظ والتَّاييد والنَّصْر والتَّوْفيق، فالعُلَماء قالوا: هناك مَعِيَّتان ؛ عامَّة وخاصَّة، فالمَعِيَّة العامَّة ؛ الله تعالى مع الكافر والمُلْحِد والمُجْرم، لقوله تعالى:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾

[ سورة الحديد ]
بِعِلْمِهِ، أما المَعِيَّة الخاصَّة قال تعالى:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(19)﴾

[ سورة الأنفال ]
وقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153)﴾

[ سورة البقرة ]
وقوله تعالى:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(123)﴾

[ سورة التوبة ]
أي معهم بالتأييد والنَّصْر، لكنّ هذه المَعِيَّة لها ثَمَن، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

[ سورة المائدة ]
إذًا التَّوَكُّل من لوازِمِ المؤمن، ومن لم يتوكَّل فليس مؤمنًا، وربُّنا عز وجل لِحِكْمةٍ بالِغَة بالغَةِ خلق الإنسان ضعيفًا، وهلوعًا، وذلك مِن أجل إن جاءَتْهُ الشِّدَّة يخاف فيَتَوَكَّل فإذا توَكَّل شَعَرَ بِوُجود الله، وأنَّ الله تعالى بصير وسميع وعليم ورحيم وقدير، فسَمْعُهُ تعالى ورحْمته وقُدرته وعلمهُ كُلُّها تتحقَّق منها إذا تَوَكَّلْتَ عليه سبحانه وتعالى، تشْعُر وكأنَّ الأمور سارَتْ بِشَكل آخر غير مألوف مِن أجل أن تنْصُرَكَ ومن أجل أن تحْفظك.
أيها الإخوة الكرام، هناك أكبر عِبادة بالإسلام يغْفل عنها الكثير الدُّعاء مليون خطر وشبح مُصيبة تُصْرف بالدُّعاء، وهذا مِن أجل أن تتَّصِل به وتتقرَّب منه، لذلك جعلك شديد الخَوف والجزع، وترْتعد فرائسك لأيّ خطر، أما إذا اتَّصَلْت بالله وتَوَكَّلْت عليه ألقى في قلبك الطمأنينة والثبات، وألقى في قلبك التوازن، فالإنسان ضعيف وجذوع من أجل أن يعرف الله، ومن أجل أن يُحِبَّه، فهو أرادكَ أن تعرِفَهُ، وأن تُحِبَّه لأنّ كُلَّ السعادة معه، وفي القرب منه، فالمُشكِلات خلقها الله من أجل أن تقرب إليه، وأت تلوذ به وتتوكَّل عليه، فيأتي الفِعْل الإلهي لِمَصْلَحَتِك، عند ذلك تزْداد معْرِفَةً وتقرُّبًا، قال تعالى:

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)﴾

[ سورة الشعراء ]
مَن هو العزيز ؟ الله عز وجل، ومِن معاني العزيز أنَّهُ يُنال جانبُهُ وأنَّه يحْتاجُهُ كُلُّ شيء في كُلِّ شيء، ومن معانيه كذلك أنَّهُ ينْدر وُجودُهُ، وتَشْتَدُّ الحاجة إليه، ويصْعب الوُصول إليه، فالله تعالى تصْعب الإحاطة به، وهو القويّ الغنيّ الذي لا يُنال جانِبُه والذي لا تتوقَّف حياته على شيء آخر، وهو فرْدٌ صَمَد، العزيز صِفَة قُوَّة، أما الرحيم فهي صفة كمال، فهو تعالى بِقَدر ما هو عظيم هو رحيم وبقدْر ما هو قوي هو كريم، وأنت في حياتِك قد ترى إنسانا تُحِبُّه ولا يُعْجِبُكَ، فأحيانًا الإنسان والِدَتُه قد تكون أُمِيَّة ويُحِبُّها حُبًّا لا حُدود له لكن تصَرُّفاتها فيها تَجاوُز، وقد تجد إنسانًا تُعْجَب بِعِلْمِهِ ولكنَّهُ لئيم ولا تُحِبُّه، لكنَّ الله تعالى عظيم، وبقدْر ما هو كذلك فهو رحيم، وبِقَدْر ما تخافهُ فأنت تُحِبُّه.
قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)﴾

[ سورة الشعراء ]
من مقام إلى مقام، ومن منزلة إلى أخرى، ومن حال إلى حال قال تعالى:

﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾

[ سورة الشعراء ]
فالله تعالى سميع عليم بصير، إن تكلَّمْتَ سمِعَكَ، وإن تَحَرَّكْتَ رآك، وإن سكَتَّ يعْلم ما في نفْسِك، فأنت توكَّل على هذا الإله العظيم، قال تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) ﴾

[ سورة الشعراء ]










والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-18-2018, 01:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ســــورة الشعراء ( 26 )


الدرس الخامس عشر

15




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة الشعراء، وهي قوله تعالى:
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾

(سورة الشعراء)

الأفاك هو الكذاب، والأثيم الذي يرْتكب الآثام، ودَقِّقوا في العلاقة بين الكذاب والأثيم، فالكذَّاب كَذِبُهُ يَحْمِلُهُ على الإثْم، والأثيم كذَّاب، قال تعالى:
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)﴾

(سورة الشعراء)

الشِّعْر كما عرَّفَهُ النُّقاد: كلام مَوْزون مُقَطَّع، والشِّعْر تَعْبير فَنِّي وصِياغَة بديعة فلو أنَّ أحدًا قال باللُّغَة العامِيَّة: تضرب هذه الدنيا ! بالفصيح: ضاقَت عليَّ الدنيا، أما الشاعر فقال:
بلاني الدَّهْر بالأرْزاءِ حَتَّـى فُؤادي في غِشاء من نِبـــــالي
فَكُنتُ إذا أصابَتْني سِهـــامٌ تَكَسَّرَتِ النِّصال على النِّصال
***
هذا تعبير فَنِّي وبديع، والله عز وجل قال:

﴿الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)عَلَّمَهُ الْبَيَانَ(4)﴾

[ سورة الرحمن ]
مِن تَكْريم الله للإنسان أنَّهُ علَّمَهُ البيان، وعلَّمَهُ أن يُعَبِّرَ عن مشاعِرِهِ وعن أفكارِهِ، أن يُعَبِّر عن أفكارِهِ وبالنَّثْر، عن مشاعرِهِ بالشِّعْر، ثمَّ إنَّ هذا البيَان له جانِب آخر خطير جدًا، والبيان يُكْتَب ويُقْرَأ، وبِفَضْل البيان المَكْتوب والمقروء يُمْكِن أن تنتقل الثَّقافات والعُلوم والمعارف مِن إنسا لآخر، ومن جيل لآخر، ومن عصْر إلى عصْر، فَعُلومُ البشَرِيَّة كُلُّها تتراكَمُ فوق بعضِها البعْض والإنسان يأخذُ النَّتيجة بِفَضْل البيان المَكْتوب والمقروء، لذلك قال الله تعالى:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)﴾

[ سورة العلق ]
الإمام الغزالي كما قلتُ لكم: كان يحْضر درْسه أربع مائة عمامة، فلمَّا انتهى الدرس، لكِنَّ كتابه الإحْياء أبْقاهُ ألف سنة وأكثر، والقرطبي من الأندلس ألَّف تفْسيرهُ المَشْهور ومات لكنَّ هذا التَّفسير يقرؤُهُ المسلمون في شتَّى بِقاع العالم، فاللُّغَة حينما تُكْتَب وتُقرأ معناها ثقافة أمَّة بأكْمَلِها يتوارثُها الأجْيال، وكم مِن كِتابٍ قيِّم في اللُّغة الأجْنبيَّة تُرْجِم إلى اللُّغة العربيَّة.
نحن نقطتنا بالدَّرس أنَّ هذا البيان الذي يحوي القدرة على التعبير عن أفكارك ومشاعرك، والقدرة على التَّعبير الفنِّي، قال أحمد شوقي:

آمَنْتُ بالله واسْتَثْنَيْتُ جنَّتَـــــهُ دمشق روح وجنات ورَيْحان
قال الرِّفاق وقد هبَّتْ خمائِلُها الأرض دار لها الفيْحاء بُسْتان
جرى وصفَّق يلْقان بها بردى كما تلقَّاك دون الخلد رِضْوان
***
هذا في القديم طبْعًا، فبين أن تقول: دمشق جميلة، وبين أن تصِفَها بِبَلاغَةٍ فرق كبير، والحقيقة التَّعبير الفنِّي له أثَر كبير جدًا، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ:

(( جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ))

[ رواه البخاري ]
فهُناك تعبير عِلْمي وتعبير أدَبي وتعبير ساذج عامِّي، والقرآن الكريم إعْجازُهُ في صِياغَتِهِ ولعلَّ من أكبر تأثيرات كتاب الله تعالى فينا هذا النَّظم الدقيق، ولكنَّ الشِّعْر كما قال الفقهاء: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، فنحن لا نتَّهِمُ الشِّعْر بالذات، ولكن موضوع الشِّعْر، فلو جاء شاعر ومَدَحَ النبي عليه الصلاة والسلام لعلَّ هذا المديح يفْعَلُ فينا فِعْل السِّحْر، إلا أنَّني أوَدُّ أن أضَعَ بين أيْديكم هذه الحقيقة ؛ وهي كما قال بعض الأُدباء الشِّعْر مِصْباح يكْشِفُ لك عن بعض كُنوزِك المَخْبوءَة في أعْماقِك ولكِنَّه ليس بالكيس المملوء الذي يُفْرَغُ في خزائِنِك فأحيانًا الورْد إذا هَزَزْتَهُ تفوحُ رائِحَتَهُ، فالذي عنده مع الله تجارب وأشْواق ومحبَّة لله إذا اسْتَمَع إلى الشِّعر في مُناجاة الله تعالى، أو مديحِ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فَكُلُّ هذه الكُنوز تظْهر أمامهُ، فالشِّعْر يجْعلك تفتح ما سرَرْتَهُ، ويكْشف لك عن كنوزِك، فالشِّعر لا يُضيف شيئًا ولكن يكْشف عن الخبايا المخبوءة فيك، فلو نشَّد واحد منَّا وناجى ربَّهُ بِصَوْتٍ عذْب، ونَغَمٍ طيِّب، أو يمْدح رسول الله صلى الله عليه وسلم تجِدُ بعض الحاضِرين يبْكي، وبعضهم الآخر كالصَّخْر لا يتأثَّر أبَدًا فَهُوَ يكْشِفُ لك عن كُنوزِك، إنَّهُ ليس بالكيس المَمْلوء الذي يُلقى في خزائِنِك، فالشِّعْر يُحَرِّك المواجد والمشاعر، ويُحَرِّك الحبّ والشَّوْق أما إن لم يكن هناك حبّ ولا شَوْق فإنَّه لا يَفْعَلُ شيئًا، لذا الفقهاء والعلماء قالوا: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح ! هناك شِعْر هِجائي فأحدهم وصَفَ مُغَنِّي قال:

عِواءُ كلبٍ على أوْتار مِندفةٍ في قُبْحِ قِرْدٍ وفي اسْتِكْبار هامان
وتَحْسبُ العَيْنُ فكَّيْهِ إذا اخْتَلَفا عند التَّنَغُم فكَّيْ بَغْل طَحَّـــانِ
***
فهناك أمور ممنوعة بالإسلام، المديح الكاذِب ممنوع، والنِّفاق والرِّثاء المُبالَغَ به، وهناك كذِب بالشِّعْر، فالحُكْم الشَّرْعي أنَّ الشِّعْر كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، فهو لا يحوي قيمة ذاتِيَة ولكن قيمة لغيْرِهِ فَمَن أوتِيَ مَقدرةً على نَظْم الشِّعْر، وعلى صِياغة كلامه، فإن وظَّف هذه القُدْرة على نشْر الحق نقول له: أنْعِم وأكْرم، فهذا سيِّدُنا حسَّان ابن ثابت كان مُدافِعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛

وأجْمَلَ مِنْكَ لم ترَ قطُّ عَيْن وأحْسَنَ منك لم تلِدِ النِّساء
خُلِقْتَ مُبَرَّءً من كُلّ عَيْبٍ كأنَّك قد خُلِقْتَ كما تشاءُ
***
إذًا هناك بالشِّعْر ما هو جميل، وما يَهُزّ المشاعِر، والإنسان يُغَذِّي قلبَهُ ومشاعِرَهُ، ولكن الشِّعْر مَوْقوف على موضوعِهِ فإن كان في مُناجات الله وفي تَوْضيح الحق فأنْعِمِ به، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ))

[ رواه البخاري ]
فَمَن أوتِيَ قُدْرةً على التَّعبير، ونَظْم الكلام هو مُحاسَبٌ عند الله تعالى حِسابًا خاصًّا إن لم يُوَظِّف هذه القُدْرَة في نَشْرِهِ فَهُوَ آثِم، وهناك شُعَراء يتغزَّلون، وآخرون يَهْجون، وهناك شُعراء منافقون وآخرون يَمْدحون مديحًا كاذِبًا، فلِذلك الحُكم الشَّرعي في الشِّعْر: كلامٌ حَسَنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، وإنَّ الله لَيَغْضَبُ إذا مُدِحَ الفاسِق، والآية الكريمة كما قال تعالى:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225)﴾

(سورة الشعراء)

أَحطّ شيء بالشُّعَراء أن يرْتَزِقوا بِشِعْرِهم، وقد ذكروا طُرفَةً عن أديب عاتَبَهُ زُمَلاؤُهُ على أنَّهُ باع فنَّهُ لِجِهَةٍ ما، فغَضِبَ أشَدَّ الغضَب وقال: أنا لم أبِعْهُ ولكِنَّني أجَّرْتُهُ ! عُذْرٌ أقْبَحُ مِن ذَنْب !! فالإنسان عليه أن لا يُوَظِّف طاقتِهِ التَّعْبيرِيَّة، وقُدراتِهِ الكلامِيَّة، وبلاغتِهِ وشِعْرهِ في الباطِل فهذا يُحاسَب عند الله تعالى حِسابًا عسيرًا لأنَّه لو وظَّفَهُ في الحق لأفاد ونفَعَ كثيرًا، فهذا الإمام البوصيري في قصيدَته البردَة ؛ هذه القصيدَةُ تُعَبَّر عن حُبٍّ صادِق لرَسول اله صلى الله عليه وسلَّم ؛ نُظِمَت في عُصور الدُّوَل المُتتابِعَة ؛ وعُصور الانْحِطاط ومع ذلك تُعَدُّ مِن أرْقى أنواع الشِّعْر، قال في بعض ما قال:
فلا ترم بالمعاصي كثْرة شَهوتها إنَّ الطعام يُقَوِّي شَهْوَة النَّــــهِم
***
ووصف أصحاب رسول الله فقال:

كأنَّهم فوق ظَهْر الخَيْر نَبْتُ ربًى مِن شِدَّة الحزن لا مِن شَدَّة الحُزُم
***
فما قلنا هناك أشياء لطيفة بالشِّعر، ولكن يجب أن تُوَظَّف في الحق قال تعالى:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225)﴾

(سورة الشعراء)

هناك شاعر بالعَصْر العباسي مدَحَ ثلاثًا وثلاثين أميرًا وهجاهم في الوقت نفْسِهِ، قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)﴾

(سورة الشعراء)

قال المُتَنَبِّي:
أنا الذي نظَر الأعْمى إلى أدبي وأسْمَعَتْ كلِمَاتي مَن به صَمَــــــمُ
أنام ملئ جُفوني عن شوارِدِها ويسْهَرُ الخَلق جرَّاها وَيَخْتَصِــــمُ
الخَيلُ والليل والبيْدَاءُ تعْرفُني والسَّيف والرمح والقِرطاس والقَلَمُ
***
فكان في طريقِهِ من البصْرة إلى حلب فهاجَمَهُ أعْداؤُهُ فَوَلَّى هارِبًا !! فقال له غُلامُهُ ألم تقل:

الخَيلُ والليل والبيْدَاءُ تعْرفُني والسَّيف والرمح والقِرطاس والقَلَمُ
***
فقال قَتَلْتني قَتَلك الله !!! وعاد فقاتَلَ حتَّى قُتِل، ومات في هذه المعْرَكَة، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) ﴾

(سورة الشعراء)

اُنْظر إلى هذا الاسْتِثناء ما أجْمَلَهُ، قال تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(227)﴾

(سورة الشعراء)

القرآن دائِمًا به اسْتِثْناءَات، قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

[ سورة العصر ]
قال تعالى:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) ﴾

(سورة الشعراء)

فالإنسان إذا أتْقَنَ عِبارَتهُ وقرَأ الأدَب الرَّفيع، إذا قرأتَ قصيدة وشَعَرْتَ أنَّها حرَّكَتْ مشاعِرَكَ السُّفْلى وتَفْكيرَكَ الهابِط، فأنت مع فنِّ رخيص، وهذا كالوباء، وعلى الإنسان أن يختار ما يقرأ لأنَّه يتأثَّر بِما يقرأ، وهو أن تختار الكتاب الجيِّد والشاعِر الجيِّد، فهذا يفْعَلُ فيك فِعْل السِّحْر، أما إن لم تخَتَر ما تقرأ فهذا قد يكون بِمَثابَة أصْدِقاء السُّوء، والصاحِب ساحِب، وهذا الشِّعْر حُكْمُهُ مَوْقوف على موضوعه.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-19-2018, 12:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الاول


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، الآية الثالثة والأربعون من سورة الفرقان، وهي قوله تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
من الإله ؟ هو الخالق والرازِق، وهو المُحْيي والمُمِيت، والرافِع الخافض، وهو المُعِزّ والمُذِلّ، والقابض الباسِط، فالإله الذي ينبغي أن تعْبُدَهُ ينبغي ان يكون حيًّا لا يموت، والإله الذي نبغي أن تعْبُدَهُ ينبغي أن يكون قَوِيًّا، وليس فوقه قويّ، وغنيًّا ليس بعد غنيّ، وبيَدِهِ مقاليد السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

(سورة الفرقان)
معنى ذلك أنَّ الإنسان أحدُ رَجُلين فإمَّا أن يتَّخِذ الله إلهًا له، يعْبُدُه ويأتَمِرُ بِأمْرِهِ وينْتَهي عمَّا عنه نهى، وإمَّا أن يَجْعل هواهُ إلهًا يُسَيِّرُهُ، ولو لم يقُل هذا بِلِسانِهِ، فالعِبْرة هذه الحركة، وهذا السُّلوك، وهذا العَطاء، وهذا المَنْعُ والأخْذ، وهذه الصِّلة، وهذه القَطيعة، وهذا الرِّضا، والغضَب كلَّ هذا بِدافِعِ الهوى، فإمَّا أن يكون بِدَافِعِ الهَوى وهذا مع الشَّيْطان وإمَّا أن يكون بِدافِعِ طاعة الله تعالى فهذا مع الرحمن، فالإنسانُ أحَدُ رَجُلَيْن، الذي يُحرِّكُهُ الهَوى أو الشَّرْع، وإرْضاءُ شَهْوَتِهِ أو إرْضاءُ ربِّه، والإنسان إمَّا يكون رَحْمانِيًّا، وإمَّا أن يكون شَهْوانِيًّا شَيْطانِيًّا فالناس رجلان برٌّ تقيّ كريم على الله" فإذا تمكَّن الإنسان من مُراقَبَة نفْسِهِ ويسْتبْطِنَ دوافِعَها، فإنْ كانتْ جامِحَةً نحو مُؤاثَرَة الهَوى فَهُوَ مع الشَّيْطان وهو مع الدُّنيا، وهو في طريقٍ مَسْدودة، أما إذا كان الذي يُحَرِّكُهُ هو طاعة الله عز وجل، لذا لا تكون الجنَّة جنَّةً لِمَن يدْخُلُها إلا إذا كان الهوى يُناقِض التَّكليف ؛ دَقِّق ! التَّكليف الذي جاء به الشَّرْعُ الحنيف يُناقِضُ الهوى، فالهَوى أن تنام إلى ساعةٍ مُتأخِّرة والتَّكليف أن تسْتَيْقِظَ لِصلاة الصُّبح، والهَوى أن تنْظُر، والتَّكليف أن تغُضَّ البصر، والهوى أن تُطلِقَ لِسانَكَ بالهوى والفحْشاء، أما التَّكليف أن تسْكُتَ وتصْمُتَ وتبتَعِدَ عن الغيبة، لذا لو لم يكنِ الهَوى مُناقِضًا للتَّكليف لما كانتْ هناكَ جنَّةٌ ولا نار، فالمؤمِنُ يسْتَحِقّ دُخول الجنَّة لأنَّهُ نهى النَّفْس عن الهَوَى، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)﴾

[سورة الليل]
وقال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40)فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)﴾

[سورة النازعات]
لذلك صار عندنا محرِّكين محرِّك طاعة الله، و محرِّك الهوى، فالإنسان العاقل هو الذي يُحلِّل نفسه و دوافعه و تصرُّفاته، هل هذا التصرُّفُ بدافع الهوى إذاً أنا مع الشيطانِ، أنا مع الشهوةِ، و أنا في غضب الله، و أنا في سخطِ الله، و المحرِّك الثاني ؛ طاعة الله و طلبُ رضوانه، فأنا مع الله، فالناسُ رجلانِ ؛ رحمانيٌّ وشيطانيٌّ ملائكيٌّ وشهوانيٌّ، أخْروِيٌّ و دُنيَويٌّ، ربَّانيٌّ و كهْنوتِيٌّ، إما مع الله و إما مع الكهنوتِ و إما مع العدل و إما مع الكهنوت، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

(سورة الفرقان)
ما قولك في معظمِ الناس الذين يعلنون بألسنتهم، أنهم عَبيدٌ لله عز وجل وهم في الحقيقة عبيدٌ لشهواتهم، إن معظم الذين يظنون أنهم في طاعة الله إن الهوى وحده يحركهم، فالحسدُ يحرِّكُه الهوى، و الغيبة يحركها الهوى، و النميمة يحركها الهوى، و قبض المالِ يحركه الهوى، و إمساكُ المال عن الإنفاق يحركه الهوى، و إطلاق البصر في محاسن النساء يحركه الهوى، وأخذُ المال الحرام يحركه الهوى، فالدينُ أكبرُ بكثير من أن تؤَدِّيَ هذه الصلوات الخمس، لم ينتهِ شيءٌ بعدُ، الدين أن تتحرك بدافع طاعة الله و دافع عبادته و طلب رضوانه وطلب جنَّتِه وما فيها، و الانحرافُ أن تتحرك بدافع الهوى، و أحيانًا يتكلم الإنسانُ بدافع الهوى و يبرزُ العيوبَ بدافع الهوى حتى يستعليَ على الآخرين، و يحتقر أخاه المسلم بدافع الهوى قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

(سورة الفرقان)
أحيانا يغتصب بيتا بدافع الهوى، و يطمس حقًّا بدافع الهوى فالعبرةُ لا لأداء الصلوات دونَ معنى، العبرةُ أن تتحرك لدافع طاعة الله عز وجل، و العبرةُ أن يكون شرعه و رسوله وسنة نبيه هي التي تحرِّكُكَ، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
لا يستطيع النبي أن يهديَ إنسانًا جعل من هواه إلهًا له، فهو يعبد هواه من دون الله، لذلك أنت أيها المؤمنُ إن رأيتَ إنسانًا يركب هواه أو يركبُه هواه و مُسَيَّرًا من قِبَلِ شهوته و مصلحتُه قبْل كلِّ شيء و لا عبرةَ للحلال و الحرام عنده، فهذا الإنسان لا جدوى من تذكيره، لأن النبيَّ صلى الله عليه و سلم الذي أُوتِيَ جوامعَ الكلِم و الذي أُوتِيَ الوحيَ من السماء لا يستطيع أن يهديَه، أفأنت يا محمد تكون عليه وكيلا، كلُّ كماله صلى الله عليه و سلم ومنطقه و حُجَّتهما استفاد منها عمُّه أبو لهب و لا أبو جهل و كفارُ قريش الذين اتبعوا أهواءهم، لذلك قال تعالى:

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)﴾

[سورة الأعلى]
فمن الذي ينتفع بالذكرى ؟ الذي لا يستخدم الهوى إلها له، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
هذا استفهامٌ إنكاريٌّ، أي أنت لن تستطيع أن تكون عليهم وكيلا فتهديَهم، لأنه يعبد همه من دون الله، فالمؤمن ربَّانيٌ رحمانيٌّ و ملائكِيٌّ، و المؤمن وفق الشرع، و المؤمن يعبد اللهَ و يرجو الله و اليوم الآخرَ، و المؤمن يسعى للجنة، و المؤمن يضع هواه تحت قدمه

وا خجلتي من عتاب ربــي إذا قال لــي: أسرفْتَ يا فلانُ
إلى متى أنت فــي المعاصي تسير مُرخى لك العِــــنـانُ
عندي لك الصلحُ وهو بِــرِّي وعندك السيفُ والــســنـانُ
ترضى بأن تنقضي اللـيالـي وما انقضتْ حربُك العَــــوان
فاستحِ من كتابٍ كريــــم يحصِي به العقلُ و اللـــسـانُ
واستحِ من شيبةٍ تـــراهـا في النار مسجونةً تُـــــهـانُ
***
إن اتباعَ الهوى هوانٌ، ومن اتبع الهوى فقد هوى، و القضيةُ محدودةٌ و السنواتُ معدودةٌ، و الإنسان حينما يطيع الله عز وجل و يضع شهوتَه تحت قدمه ينتهي الامتحانُ و تبقى السعادةُ الأبديةُ، و حينما يتَّبع هوى نفسه و يلقي الشرعَ وراء ظهره، سنواتٌ معدودةٌ و تنقضي و تبقى جهنَّمُ إلا أبد الآبدين.
هذه الآيةُ أيها الأخوة:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
أيْ لا أنت و لا أكبرُ عالِمٍ و لا أكبر داعية و لا أكبرُ مرشد و لا خطيب و لا أكبر متكلِّم متمكِّن يستطيع أن يقنعَ إنسانًا بالطاعة إذا كان هذا الإنسانُ قد أتَّخذ هواه إلها له، قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
ثم يقول الله عز وجل عن هؤلاء الذين اتخذوا هواهم لها لهم:

﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾

(سورة الفرقان)
كالأنعام، قال تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

[سورة الجمعة]
دابة ضعٍ عليها كتاب الفيزياء تأليف "أنشتاين" و كتاب في الفلك تأليف" موريسون" و كتاب في علم النفس و كتاب في علم الاجتماع و كتاب في أصول الفقه، و بعد حين اسألها عن قضية، فهل تجيبك هذه الدابةُ؟! تشبيه رائعٌ جدًّا،

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

[سورة الجمعة]
وأحيانا الإنسانُ يُحمَّل القرآنَ لكنْ لا يحمله، يُلقَى على مسمعه القرآن الكريم و تفسيره لكن هواه حجاب بينه و بين الحقيقة، لا يستفيد شيئًا، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾

[سورة محمد]
كلام سمعناه سابقًا و يُعاد في كل درس، لأنه مع هواه لا يدرك الفرقَ بين الدرسين، و الإنسانُ الذي يتبع هواه أعمى، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)﴾

[سورة طه]
فالذي نستفيده من هذه الآيةِ كتطبيق عمليٍّ ؛ قبل أن تتكلم ؛ ما الدافع ؟ و قبل أن تنتقد، ما الدافع ؟ و قبل أن ترحِّب بإنسانٍ لا يصلي ترحيبًا شديدا، ما الدافع ؟ و قبل أن تعاديَ ما الدافع ؟ الهوى، فإذا كشف الإنسانُ نفسَه وعلَّمها صار حكيما، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

(سورة البقرة)

و قبل أن تمدح ما الدافع ؟ و قبل أن تذُمَّ ما الدافع ؟ و قبل أن تعطيَ ما الدافع ؟ و قبل أن تمنع ما الدافع ؟ و قبل أن تغضب ما الدافع ؟ و قبل أن تبتسم ما الدافع ؟ و قبل أن تزور فلانا ما الدافع؟ و تلبية دعوة الأغنياء و الأقوياء من الدنيا، و تلبية دعوة الفقراء و المساكين من الآخرة
أيها الأخوة، هذه الآية أرجو الله عز وجل أن تُتَرجمَ إلى تحليل نفسي دقيق، فالإنسانُ المؤمن دائما يحلل دوافعه، فإّذا كان الدافع أن تنتزع إعجابَ الآخرين فهو من الهوى، وهي قضية ظهور و افتخار و انتزاع إعجاب الآخرين و إثبات الذات، قال تعالى :
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43)﴾

(سورة الفرقان)
قبل أن تغتصب هذا البيت ما الدافع ؟ فالدين أكبر بكثير من أن تصلِّيَ و أكبر بكثير من أن تصوم رمضان و من أن ترتديَ زيًّا إسلاميًّا، و سواكا، الدين أكبر من ذلك، الدين التزام، و أن تنطلق من طاعة الله و عبادته لا من هوى نفسك، و المؤمن كما أقول لكم دائما يضع هواه و شهوته تحت قدمه إرضاءً لربِّه، هذا هو المؤمن، و أنا لا أعتقد أن هناك بشر أعزَّه اللهُ كما اعزَّ سيدَنا محمدًا، وكلُّ إنسان اتبع سيدَنا محمدًا يُعِزُّه اللهُ و يرفع شأنَه و قدرَه كثيرا، و إيَّاك أن ترفع قدرَك أنت باختيارك، الله تعالى يرفعك إلى ما لا تطمح إليه، اخضَعْ لله و انظُرْ إلى الأكحال وهي حجارةٌ لانَـتْ فصار مقرُّها في الأعينِ
فالكُحلُ حجر مطحونٌ لكنَّه ليِّن و طُحِن فوُضِعتْ في العينِ
الملخَّصُ، إياكَ أن تتبِّع الهوى، وضع نفسَك كأنك محلِّلٌ نفسِيٌّ، و كلُّ حركة و سكنة حلَّلْها، هذه الكلمة ما هدفها ؟ و هذه الابتسامة الساخرة ماذا أردتَ منها ؟





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-19-2018, 12:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النَّمل قِصَّة لها دلالات كبيرة، وبادئ ذي بدْء ؛ القِصَّة في القرآن الكريم ليْسَت قِصَّةٌ وقَعَت، وليْسَت قِصَّة لن تقَعَ بعد اليوم، إنَّها تُمَثِّل نموذَجًا مُتَكَرِّرًا، فما لم تسْتنبِط مِن القِصَّة الحقيقة والمَوْعِظَة والقانون فكأنَّنا لم نقرأ قِصَّة في كتاب الله، فربنا سبحانه وتعالى قال:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

(سورة النمل)
هل تُصَدِّق أنَّ أعْظم نِعْمَةٍ على الإطلاق أن يُعَلِّمَكَ الله، ولأنّ رتْبة العِلْم أعلى الرُّتَب، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى فضَّل الإنسان على باقي المخلوقات بالعِلْم، وأنَّك إن أرَدْتَ الدنيا فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَ الآخرة فَعَلَيْك بالعِلْم، وإن أرَدْتَهُما معًا فعليم بالعلم ! وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل النبي على أدْنى الناس، وفضْل العالم على العابِد كَفَضْل القمر ليلة البَدْر على سائر الكواكب، ويَظلُّ المرء عالِمًا ما طلَبَ العِلْم فإذا ظنَّ أنَّهُ قد عَلِم فقد جَهِل، والإنسان دون عِلْم يشْقى في الدنيا والآخرة وأساس الدِّين تَعْرِفُهُ فَتُطيعُهُ فَتَسْعَدُ بِقُرْبِهِ، فالسَّعادة هي الهَدَف والطاعة هي الثَّمَن، والعِلْم هو السَّبب.
أبْسَط مثال ؛ إنسانٌ ضَغْطُهُ مُرْتَفِع، والضَّغْط المُرْتفِع أحيانًا ليس له أيّ أعْراض، فقد تَجِدُه في أعلى درجات الحَيَوِيَّة والصِّحَة وضَغْطُهُ ثمانِيَة عشَرة، هل يستطيعُ أن يُعالِجَ هذا الضَّغْط إلا إذا عرَفَ أنَّ معه ضَغْط ؟! فأوَّل خُطْوَة من خطوات مُعالَجَة الضَّغْط المُرْتَفِع أن تقيس ضَغْطَكَ، ولذلك المعرِفَة أساس التَّوْبة، والإمام الغزالي له كلمة رائِعَة قال التَّوبة لها ثلاثة أركان: عِلْمٌ وحالٌ وعَمَل، الحال هو النَّدَم، ولن تنْدَمَ إلا إذا عَلِمْتَ، ولن تتوب إلا إذا نَدِمْتَ، فالإنسان متى يُعالِج نفْسَهُ؟! إذا عَلِمَ أنَّ الشُّحوم مُرتفعَة، والكولسترول نسبتُهُ رفيعة، فمتى يُحَدِّد الإنسان الغِذاء الخاص به ؟ بعد أن يقْرأ التَّحليل، إذًا هل هناك حرَكَة نحو الإصْلاح قبل العِلْم ؟ لا، العِلْمُ مَبْدَئِيًّا، تعْرفُ حجْمَكَ وفي أيِّ طريقٍ أنت، وفي أيِّ اتِّجاه، والمُشْكِلَةُ التي تُعاني منها، فالإنسان كيف يعْلم أنَّهُ على باطِل ؟ إذا لم يَحْضُر مَجْلس عِلْم، وكيف يعْرِف أنَّهُ على انْحِراف ؟ كيف يعْلم أنَّ دَخْلَهُ فيه مُشْكِلَة ؟ إذا لم يحْضُر مجالس العِلم، فَبِهِ تعْرف حجْمَكَ وعمَلَك، ومُطابَقَة عملِكَ للشَّرْع، لذا أكبر نِعْمة على الإطلاق أنْ تتعلَّم، وأن يُؤْتِيَكَ الله عِلْمًا صحيحًا، لذا رُتْبَةُ العلم أعلى الرُّتَب، قال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)﴾

[ سورة الأحقاف ]
فالإنسان لمَّا يُسْمَحُ له أن يتلقَّى العِلْم مِن مَنْبَعٍ صافٍ وِفْق الكتاب والسنَّة ؛ العِلْمُ الذي أرادهُ الله فهذه أكبر نِعْمةٍ يُنْعَمُ بها الإنسان قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

(سورة النمل)
معنى ذلك أنَّ هناك مؤمن عابِد، وآخرَ عالِمٍ، العابِد مُقاوَمَتُهُ هذه الأشياء مِنَ السَّهْل جدا أن يعْصِيَ الله لأَتْفَه سبب، تنطلي عليه الأمور والخُزَعْبلات والخُرافات، يمْشي في طريق غلَط وهو لا يشْعر، ويأخذ فرْع من فُروع الدِّين، ويجْعَلُهُ هو الدِّين، ويأتي على أحد أصول الدِّين فَيَجْعَلُهُ فرْعًا، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)﴾

(سورة النمل)
الآن على ماذا يشْكُر الناس ؟ يقول لك: بيْتي أربعين متْرًا ! والآخر يقول لك: لي بِضاعَة أرْبَعُ مائة ضِعْف ! اِنْتَبِه لِما تقول ! فإذا فضَّل الله عليك بالمال، فالمال زائِل، والبيت زائِل، والمركبة والمزْرعة...كُلُّ هذا زائِل، أما العِلْم هو المُسْتَمِرّ، وهو الذي تَسْعَدُ به في الدنيا والآخرة، لذا الإنسان إذا لم يطْلب العِلْم جهل، وطلب العلم فرض عين على كلّ مُسْلِم، فلا تقل لي أنا مهندس لا علاقة لي بالدِّين !! هذا كلام فارِغ، قال تعالى:

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾

(سورة النمل)
الآن نحن أمام إعجاز عِلْمي، الله جل جلاله أثْبَتَ للنَّمْل النِّظام الاجْتِماعي والمعرفة، فالنَّمْلة تُخاطِب، وخِطابُها عن طريق المواد الكيماوِيَّة، فإذا الإنسان سَحَق نمْلة بِيَدِهِ، فإنَّه ينْتشر من هذه النَّمْلة رائِحَة هي اسْتِغاثة لِكُلِّ النَّمْل، وبعد وقتٍ قليل تأتي مئات النَّملات أمامها، فهناك خِطاب، وأحيانًا تكون حبَّة القمْح أو الخبر أكبر من طاقتِها فَتُرْسِل إشارة فتأتي

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾

(سورة النمل)
زميلاتُها، وأحْيانًا تُخَزِّن النَّملة حبَّة القمْح في وَكْرِها وتنْزَعُ رُشَيْمَها وتأكلهُ !! وهذا مِن أجل أن لا تنْمو هذه الحبَّة، لأنَّها إن ترَكَتْ الرُّشَيْم نَمَتْ هذه الحبَّة، وهناك بُذور لها رُشَيْمان، وحينها تأكل النَّملة الرُّشَيْمَين مِن اجل أن تكون هذه الحبَّة غِذاءً لا نباتًا، فالله سبحانه وتعالى أثْبَتَ للنَّمْلة النُّطْق والمعرفة.
مرَّةً راقَبْتُ وَكْر نمْل ؛ شيء لا يُصَدَّق ! قطعة خبز تَجُرُّها نمْلة فاسْتَغاثَتْ بِزَميلاتِها فجاءها أربعة نِمال، وكلّ نَمْلة مِن طرَف، والنَّمْلة يمكِنُها أن تَحْمِل عشْرة أمْثال وزْنَها، فإذا الواحِد مِنَّا وزْنُه سبْعين كيلو، فهو لا يُمكنُهُ أن يحْمِل سبعمائة كيلو غرام ! لكنَّ النملة عشْرة أمْثال وزْنَها، وإذا كانت قطْعة الخبز أو الطَّعام ؛ فَمُجْتَمَعُ النَّمْل ومُجْتَمَعُ النَّحْل هو مُجْتَمَعٌ مُتَعاوِن بِأعلى درجات التَّعاوُن، إذْ هناك نِمال يُمَثِّلْن الشُّرْطَة، ويَقِفْنَ على الطريق، ولا يسْمَحْن بأيَّة نمْلة بالخُروج من الطريق، وأُخَر حارِسات، مُجْتَمَعٌ مُنَظَّم ومُتَعاوِن وهناك تنْسيق، وله قِيادة وشرطَة وجِهاز ضَبْط، ومع ذلك هذا المُجْتَمَع يستطيع أن يتواصَل إعلامِيًّا بالنُّطْق، فالله عز وجل تَبْسيطًا لِمَدارِكِنا قال: قالَتْ نمْلة ! قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

(سورة النمل)
أحَدُ شُيوخ الأزْهر كان أُمِيًّا، وبدأ يدْرس العِلْم فَوَجَدَهُ صعبًا فَتَرَكَهُ وحاوَلَ ثانِيًا ثمَّ ترَك، وبعدها يئِسَ، قال: كنت جالسًا مرَّة في مكان فوَجَدْتُ نمْلة تريدُ الصُّعود على الحائط، سَقَطَت فأعادَت الكرَّة، وعدَّ هذا المرات التي حاوَلَت فيها الصُّعود فَوَجَدَها أربعين مرَّة !! فقال: عَلَمَتْني نمْلة أن لا أيْأس، ورَجَع وطلبَ العِلْم، وما مات إلا وهو شيْخَ الأزْهَر ! والذي علَّمَهُ نمْلَةٌ:

أخْلِقْ بذي الصَّبْر أن يحْظى بِحاجَتِهِ ومُدْمِنِ القرْع للأبواب أن يَلِجَ
***
فالله تعالى يَمْتَحِنُ صِدْق الإنسان، فلا يُمْكِنُكَ أن تتعلَّم من أوَّل درْس، ولكن درس مع درس، وصلاة مع صلاة، وإنْفاق مع إنفاق تكون النتيجة، فهذه النَّمْلة علَّمت هذا الإنسان، وأصْبَحَ شيْخ الأزْهر بِفِعْلِها والمؤمن أيها الإخوة لا ييْأس.
قال تعالى:

﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

(سورة النمل)
فهذه النَّمْلة عَرَفَتْ مقام النُّبُوَّة، فهي شَهِدَت أنَّ هؤلاء المارَّة إن قَتَلْنَكم فهم لا يشْعرون وليس عن قصْد، لأنَّها عظَّمَت مقام النُّبُوَّة، قال تعالى:

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾

(سورة النمل)
معنى ذلك أنَّ سيِّدَنا سُلَيْمان أوتِيَ أن يسْمَعَ حديث النَّمْل، والشيء الآخر أنَّ الآية الكريمة وهي قوله تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(44)﴾

[ سورة الإسراء ]
وقد كان صلى الله عليه وسلَّم يخْطُب على جذع نخلة فقد روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهممَا أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ:

(( إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَالَ بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ ))

[ رواه البخاري ]
دخل إلى بستان فرأى فيه جَمَلاً، ولمَّا نَظَر إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم ذَرَفَتْ عَيْناهُ، فجاء النَّبي ومسَحَ دُموعَهُ لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها لصافحتكم الملائكة! ))
فالإنسان كُلَّما ارْتَقى تَشِفُّ نفْسُهُ فيرى ما لا يراه الآخرون، ويسْمَعُ ما لا يسْمَعُهُ الآخرون، قال تعالى:

﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

(سورة النمل)
أوْزِعْني أيْ ألْهِمْني، نحن عندنا حُكْم، ما العَمَل الذي يرْضاهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي يَقْبَلُهُ الله عز وجل ؟ وما العمل الذي ترْقى به عند الله عز وجل ؟ والذي تدخل به إلى الجنَّة ؟ العَمَل كما قال الفُضَيْل: لا يقبل إلا إذا كان صوابًا وخالِصا، فالخالِص ما ابْتُغِيَ به وَجْهُ الله وصَوَابًا ما وافَقَ السنَّة، هذا معنى قول الله تعالى:

﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

(سورة النمل)
ترْضاهُ بالمناسبة فِعْلٌ مُضارِع، والجملة في مَحَلّ نَصْب صِفَة، والصِّفة قَيْد، أي أن أعْمَلَ صالِحًا مَرْضِيًّا عنه، فالصالِح لا يُقْبَل إلا إذا كان مَرْضِيًّا عنه، ومتى يُقْبَلُ عنه ؟ إذا كان خالِصًا ومُوافِقًا للسنَّة قال تعالى:

﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) ﴾

(سورة النمل)
الحقيقة بعد أن قال الهُدهد، وسوف نأخذ قوله في المرَّة القادِمة، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

(سورة النمل)
سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين ! هذه الآية لِكُل إنسان ولاَّه الله على عشْر أشْخاص فما فوق رئيس دائرة، ومُدير مُستشفى، ومعلِّم بِصَفٍّ، قبل أن تتَّخِذ قرارًا يجب أن تتقصّى الحقائِق، وقبل أن تُنْزِل العِقاب بِزَيْد يجب أن تعرف ماذا فعَل ؟ لذلك هذه الآية يَحتاجُها كُلّ أب، تأتيك ابْنَتُك إلى البيْت تبكي وتتكلَّم عن زَوْجِها، فالأب يغْضب ويزَمْجِر ويتوَعَّد وليْتَهُ اسْتَدْعى زَوْجَها وسألَهُ لماذا أنت غاضِب عليها ؟ فربما حينها تسْكت عن أشياء كثيرة، لذا قال: سننْظُر أصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبين !





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-19-2018, 12:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثالث






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في قصَّة سيِّدنا سليمان مع ملِكَة بلْقيس وأُحِبُّ أن أُنَوِّهَ إلى أنّ أيَّ قِصَّة في القرآن الكريم لا يُمْكِن أن يكون الهَدَف منها فرْض الوقائِع لا غير !! قرْآننا أعظمُ وأجَلُّ مِن أن يكون كِتاب قِصص، بل إنَّ كُلَّ قِصَّة في القرآن الكريم تُمَثِّل نموذجًا مُتَكَرِّرًا ويُمْكِن أن نسْتنبِطَ من كُلِّ كلمةٍ ومن كُلِّ قَوْل، ومن كُلِّ حِوارٍ، ومِن كُلِّ تَصْوير حقيقةً وقانونًا، ومبْدَأً، وتَوْجيهًا، فَيَجِبُ أن نَعْتَنِيَ بالقِصَّة عِنايَةً بالِغَة ؛ لأنَّ كل فقْرةٍ فيها قانون يُلقي ضَوْءً على حياتنا اليَوْمِيَّة.
نحن وصَلْنا في الدَّرْس الماضي أنَّ الهَدِيَّة يفْرَحُ بها أهْل الدنيا، لكنّ أصْحاب المبادئ لا يعبئون بها.
قال تعالى:
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)﴾

[ سورة النمل ]
النبي عليه الصلاة والسلام عرَضوا عليه أن يكون أغْنى فِتْيان مكَّة وأن يتزوَّج أجْمَلَ فتاةٍ فيهم، وأن لا يُقْطَعَ أمْرٌ دون أن يُرْجَعَ إليه، ومع ذلك قال:
((يا عمّ، والله لو وضَعوا الشَّمي عن يميني والقمر عن يساري على أن أترُكَ هذا الأمر ما ترَكْتُهُ حتى يُظْهِرهُ الله أو أهلِكَ دونَهُ.))
المبادئ عند أصْحاب المبادئ هي كُلُّ شيء، والمادَّة تحت أقْدامِهِم والمادَّة عند أصْحاب الدنيا هي كُلّ شيء، والمبادئ تحت أقْدامِهِم لذلك مَلِكَة بلْقيس كانت ذَكِيّة حينما علِمَتْ أنَّ الهَدِيَّة وَحْدها تَكْشِفُ نُبُوَّة هذا النبي، فإمَّا أنَّهُ ملِكَ، ومِن شأنِ المَلِك إن دَخَل قرْيَةً أفْسَدَها وجعل أعِزَّة أهْلها أذِلَّة، وإما أنَّهُ نبيٌّ، والنبي يمْتلأُ قلبُهُ بالرَّحْمة والعَدْل وله رسالةٍ يُؤَدِّيها، فالفرق الفاصِل بين النُّبوَّة المُلْك ما إذا فرِحَ بهذه الهَدِيَّة أو لم يفْرَح، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)﴾

[ سورة النمل ]
قال سيِّدنا سليمان كما قال تعالى:

﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)﴾

[ سورة النمل ]
أحيانًا نفْرح لمَّا نجد الاتِّصالات سريعَة جدًّا، وسيِّدُنا عمر رضي الله عنه قال: يا سارِيَة، الجَبَلَ الجَبَلَ ‍‍! دون تِلكْس وخط هاتفي، كما أنَّنا نفْرح نحن لمَّا ننقل شيئا ضَخما من مكان لآخر، فالقُدُرات التي أعْطاها الله للجِنّ تفوق حدَّ الخيال، والقُدْرات التي أعْطاها الله للملائكة تفوق قدْرات الجنّ، قال تعالى:

﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)﴾

[ سورة النمل ]
عرشٌ ضَخْم يأتي به مِن اليَمَن إلى القُدْس، هل في العالم اليوم شرِكَة نقْل تستطيع أن تنقل عرشًا ضَخْمًا من الإسمنت إلى فلسطين قبل أن تقوم مِن مقامِك ؟!! قال تعالى:

﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)﴾

[ سورة النمل ]
هنا الشاهِد، نحن كَمُؤمنين، كلَّما عايَنْتَ نِعْمَةً حلَّت بك ؛ هل تقول: هذا مِن فضْل ربِّي ؟! أجْهزتُكَ وأعْضاؤُك وحواسُّك، نِعْمَةُ المأوى والزَّوْجَة ونِعمة الأولاد، ونعمة الدَّخْل، ونِعمة الحريَّة ؛ هذه النِّعَم التي أكْرَمَنا الله بها ؛ هل نقول: هذا مِن فضل ربِّي، قال تعالى:

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)﴾

[ سورة إبراهيم ]
ويا ابن آدم إن ذَكَرْتني شَكَرْتني، وإذا ما نسيتني كَفَرْتني، وإذا أردْتُم رحْمتي فارْحَموا خلْقي، أتمنَّى عليكم أن تكون كلّ حركاتك أيها الأخ وكل نشاطاتك وسكناتِك لابد أن لا تنْسى فضْل الله عليك، وحينما لا تنْسى فضْل الله عليك فهذه النِّعَم هي في ازْدِياد، ولن تنْقص، وهذا الشيء أكيد لأنَّه الله تعالى قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرعد ]
فخَطُّك البياني يكون صاعِدًا إن كنت دائِمًا في شُكْر دائِم، والشُّكْر أيها الإخْوَة أنواع، فأدْنى مُسْتَوَياتِهِ أن تعْلمَ أنَّ هذه النِّعْمة من الله، وأوْسَطُ مُسْتَوَياتِهِ أن يمتلأَ قلبُكَ حمْدًا لله تعالى، وأعلى مُسْتَوياتِهِ أن يُتَرْجَمَ إلى عملٍ صالِحٍ يُتَرْجم إلى عمل صالِحٍ يرفع العبادة به وهذا لقَول الله تعالى:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾

(سورة سبأ )
ولذلك المؤمن يرى كُلَّ الخَلْق عِباد الله، وأيَّة خِدْمَةٍ يُقَدِّمُها لأيِّ إنسانٍ يراها قُرْبَةً إلى الله تعالى، ويراها قرْضًا حسَنًا لله تعالى، وسوف يُضاعِفُها الله له أضْعافًا كثيرة، والله تعالى خاطب النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾

[ سورة النساء ]
وخاطَبَ المؤمنين فقال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(21)﴾

[ سورة النور ]
هناك أشْخاص يعْبدون البقر، والحيوانات ويعبدون تماثيل، فأنت حينما أكْرَمَك الله تعالى بِنِعْمة الإيجاد ولم تكن شيئًا مذْكورًا، وأكرمَكَ الله بِنِعْمة الإمداد، وأكْرَمَك بِنِعْمة الهُدى والرَّشاد وهذه أكْبر نعمة عليك، لذلك نقف وقْفَةً قليلة ؛ كُلَّما عايَنْت نعمة من نعَمِ الله عليك قُل: هذا من فضْل الله عليّ، عوِّد لِسانَك أن لا تقول أنا، عوِّد لسانك أن تقول: هذا من فضل الله عليّ، والمؤمن دائِمًا يقول: هذا من فضْل الله عليّ، والله تعالى هو الذي أخَذ بِيَدي والله أكْرمني وأعانني، ولا تقل: هذه خِبْرة، وهذا من علمي.
قال تعالى:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ(81)﴾

[ سورة القصص ]
كُلَّما اسْتَقَمْتَ على أمْرِهِ أمَدَّك الله بِقُوَّةٍ منه، وكنت عند الله قوِيًّا ومُقَرَّبًا:

ما لي سِوى فقْري إليك وسيلة فبالافتِقار إليك فقْري أدْفَعُ
وما لي سوى قرْعي لبابِكَ حيلةٌ فإذا رَدَدْتَ فأيَّ باب أقْرَعُ
***
حالة الافْتِقار هي حالةُ العُبودِيَّة لله عز وجل، وهي صُعودٌ دائِمًا، وأنا أُقْسِمُ بالله العظيم، وغير حانِث أنَّ كُلَّ مؤمنٍ عايَنَ نِعَمَ الله عز وجل وامتلأَ قلبُهُ شُكْرًا لها، فهذه النِّعَم لن تزول عنه أبَدًا، وقد ذكرتُ لكم تفسير آيةٍ بالعامِيَّة مرَّةً ! وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرَّعد ]
لا تُغَيِّر حتى لا يُغَيِّر، وإذا كانت هناك مُشكلة فالأصل غَيّر كي يُغَيِّر فإذا كنت في بَحبوحة وفي إكرام وصِحَّة جيِّدة، ولك مكانة فإذا لم تُغَيِّر لم يُغَيِّر، والعكْس كذلك فلو كنت في مُصيبَةٍ لا سَمَح الله غيِّر كي يُغَيِّر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرَّعد ]
قال تعالى:

﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) ﴾

[ سورة النمل ]

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
ذلك لأنَّ عطائي كلام وأخْذي كلام، فَمَن وَجَدَ خيْرًا فلْيَحْمَدِ الله ومَن وجَدَ غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه، ومَن كفر فإنَّ ربِّي غنِيٌّ كريم.
قال تعالى:

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾

[ سورة النمل ]
الآن عندنا موضوعَان صغيرَان الإنسان لا يهْتَدي إلا بِحالَيْن ؛ عقْل راجِح، وتواضَع، فالمُسْتَكبر لا يتعلَّم، والمُسْتحي لا يتعلَّم، فهذه مَلِكَة وقَدِمَتْ على سُلَيمان المَلِك، فإنْ عامَلَتْهُ ملِكَة لِمَلِك لن تتعلَّم شيئًا فلا بدّ مِن تحْجيمِها قليلاً، فالإنسان قد يسْتَعْلي ويرى أنَّهُ نِدًّا للآخر فلا يتعلَّم أبَدًا، إذاً لا بدّ من خُضوع المُتَعلِّم للمُعَلِّم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا وَلَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ))

[رواه ابن ماجه]
فهذه مَلِكَة، أراد أن يمْتَحِن ذكاءَها، قال تعالى:

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾

[ سورة النمل ]
امْتِحان العَقْل أساس في الدَّعْوَة إلى الله، والنبي عليه الصلاة والسلام تزوَّج امْرأةً فقال لها اخْوتها قولي له إن دَخَلْتِ عليه: أعوذ بالله منك، فلمَّا قالتْ له ذلك قال لها: الْحَقي بِأهْلِكِ، فهذا الضَّعْف في التَّفْكير لا يسْمحُ لها أن تُحَدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال تعالى:

﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41)﴾

[ سورة النمل ]
فهي أجابَت بِرَجاحة عَقْل وقالتْ: كأنَّهُ هو ! وهذا جواب دِبْلوماسي ! فالامْتِحان انتهى، ولم يبْق إلا التَّحْجيم، قال تعالى:

﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)﴾

[ سورة النمل ]
جعل الأرض بِلَّوْر صافي، وتحته ماء يَجْري، قال تعالى: فالتَّحجيم زائِد امْتِحان الذَّكاء شَرطان أساسِيَّان لِطَلَب العِلْم.
قال تعالى:

﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) ﴾

[ سورة النمل ]
فإذا دَعَوْتَ إلى الله عز وجل فأنت تحْتاج إلى ناسٍ عُقَلاء، لهم فِكْر قويم ومُحاكَمَة سليمة، أما الأغْبِياء، وَمحْدود و التَّفكير فهؤلاء عِبْءٌ على الدَّعْوَة، فرق بين مَن يحْمِلُ معك الدَّعْوَة، وبين مَن هو معك وفي الوقت نفْسِه عبء عليها،أعظمُ نِعْمَة على الإطلاق أن يَهَبَك الله تعالى عَقْلاً راجِحًا، والنبي عليه الصلاة والسلام عَجِبَ مِن سيِّدنا خالد لماذا تأخَّر إسْلامُهُ، وقال له:
((عَجِبْتُ لك يا خالد فإنِّي أرى لك فِكْرًا، وإنَّما الدِّين هو العَقْل ومَن لا عَقْل له لا دين له.))
ولا تفْهموا من رفْعِها عن ساقَيْها أنَّها ظهرت عورَتُها كما يفْهَمُهُ بعض الجُهَلاء، فهذه من الإسرائيليات ما أنزل الله من سلطان، والقِصَّة انْتَهت، وإلى قِصَّة أخرى إن شاء الله.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-19-2018, 12:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لا لنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان عليه السلام التي ورَدَت في سورة النَّمل، قال تعالى:
﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)﴾

(سورة النمل)
ذَهَب الهُدْهُد إلى مملكة سبأ، وجاء سليمان الحكيم بنبأ يقين، قال تعالى:

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)﴾

(سورة النمل)
هنا نقْطة دقيقة جدًّا وهي أنَّ الكافر في النِّعْمة، أما المؤمن ففي المُنْعِم فالشَّمس أساس الحياة والبقر أفْضل حيوان في الإنسان، لأنَّ الحليب منه، والهنود عبَدُوا البقر، وممْلكَةُ سبأ عبَدَتْ الشَّمس، فَكُلّ إنسان يبْقى في النِّعْمة، وقد حُجِبَ عن المُنْعِم فَهُوَ الكافر، أما المؤمن انْتَقل مِن النِّعْمة إلى المُنْعِم ومِن الشَّمْس إلى رب الشَّمس، ومِن البقرة إلى الذي سخَّرها وذلَّلها فالمؤمن مُوَحِّد والكافر مُشْرِك، قال تعالى:

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

(سورة النمل)
النُّقْطة الدقيقة هيأنَّ المؤمن يؤمِن أنَّ السَّماء والأرض كلَّها مُسَخَّرة للإنسان تسْخير تَعريفٍ وتسْخير تَكريم، وأُلِحُّ على هاتَين الكلمتين تَسْخير تعريف وتَكْريم، فهذا الكَون له مُهِمَّتان خطيرتان: الأولى أن ننتَفِعَ به، وننتَفِعُ بالشَّمس والقمر، وبالنبات والماء والهواء فَكُلّ شيءٍ خُلِق لنا، فَنَحْنُ مُسَخَّر له، والكون مُسَخَّر أيُّهما أكْرم على الله عز وجل ؛ المُسَخَّرُ له أم المُسَخَّر ؟! قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70)﴾

[سورة الإسراء]
فالكون وظيفتهُ الأولى أن تعرف الله مِن خِلاله، فلو أنَّ واحِدًا دَخْلُهُ لا يكفي لِشِراء العَسَل ولكنَّه قرأ عن العسَل كِتابًا، وعن النَّحْل كِتابًا فانْهَمَرَتْ دُموعُهُ، وخشَعَ قلْبُهُ، وتعرَّف إلى الله مِن خِلال النَّحْل هذا الإنسان ذي الدَّخل المَحْدود حقَّقَ الغايَة القُصْوى مِن خلْق النَّحل والعسَل، والذي جَعَلَ طعامَهُ العسَل ودَخْلُهُ كبير جدًّا، ولم يصِل مِن العسَل إلى رب العسَل فهذا عطَّل أكْبرَ غايَةٍ مِن خلْق النَّحْل، فالمُشْكِلة أن تعرف الله تعالى فالواحد ممكن أن لا يسْمح له دَخْلُهُ أن يشْتري وردًا، لو وقَفَ أمام بائِع الوُرود، بألوانها ورائِحَتها، وتناسب ألوانها، وجمالها، وقال: سبحان الله العظيم، فأنت لو لم تشْتري هذا الورْد فأنت حقَّقْت الهدَف من مُرادِهِ، وهو تسْبيحك ! فالكون له مُهِمَّتان مُهِمَّة تعريف، ومُهِمَّة تكريم، فالتَّكريم حصَل، وبقِيَ التعريف، لذلك قال تعالى:

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)﴾

(سورة النمل)
ثمَّ قال تعالى:

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)﴾

(سورة النمل)
شتَّان بين الشَّمس وربِّ الشَّمس، فالشَّمس لا تسْمَعُكَ إذا دَعَوتها وبالتالي لا تسْتجيب لك، ولك لله سبحانه وتعالى يُخرج الخبْأ في السماء والأرض، فالسماء تنْشَقُّ عن المَطَر، والأرض تنْشقّ عن النَّبات، مَن الذي يُنْبِتُ ؟ الله ومن الذي يُنزِل الخبأ من السماء ؟ الله والله يعلم ما نُخفي وما نُعْلن فأنت قُلْ ما شئْتَ فالله يعلمُ ما تُخْفي وأبْلغُ من ذلك يعلمُ السِّر وأخفى فالسِّر ما تُخْفيه، وأخْفى هو ما يَخْفى عنك، يعْلمُ علانِيَّتَك، ويعْلمُ سِرَّك، ويعْلمُ ما يخْفى عنك، فهذا الذي يعْلم، وهذا الذي كرَّمَ، اُعْبُد هذا الإله العظيم، وهذا كلام الهُدْهُد فكيف بِإنسانٍ عاقِل تجدهُ يعبُدُ الشَّمس من دون الله، والقمر من دون الله، أو يعبدُ البقر، وحتَّى الجُرذان، وباليابان يعْبدون ذَكَر الرَّجل ‍‍!! قال تعالى:

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)﴾

(سورة النمل)
الأمْرُ كلُّهُ بيَدِهِ تعالى.
الآية الدقيقة الدقيقة، قوله تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

(سورة النمل)
يا أخي الكريم، إن كنتَ أبًا أو أخًا كبيرًا، أو مُعَلِّمًا، أو مُديرًا قبل أن تَحْكُم تَحَقَّق، قال تعالى:

﴿"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾

[سورة الحجرات]
كلُّ إنسانٍ ولاَّهُ الله تعالى على عشرة أشْخاص ؛ هذه الآية شِعارُهُ فَقَبْلَ أن تغْضَب وتَحْقِد وتُزَمْجِر وقبل أن تتَّخِذ قرارًا وتُعادي، وقبل أن تقْطَع وتحْسِن، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾

(سورة النمل)
هذه آيةُ التَّحَقُّق، قال تعالى بعدها:

﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

(سورة النمل)
فهو لا يتكلَّم باسْمِهِ الشَّخصي، ولكنْ يتكلَّم باسْم خالقِ الكَون، فكما أنَّ القاضي يقول: باسم الشَّعب، فهو لا يحكم بصِفَتِهِ الشَّخْصِيَّة، ولكنْ يحْكُم نِيابَةً عن الشَّعْب، وهذه البسْملة لها معنى كبير جدًا، فأنت إذا أرَدْتَ أن تشْرب قلتَ بسْم الله، أيْ هذه نِعْمة الله وهذا الماء سخَّرهُ الله لك، فهو الذي جَعَلَهُ عذْبًا فراتًا وسَمَحَ له أن يصِلَ إليك، وهو الذي جَعَلَهُ مَيْسورًا، والمعنى الثانيكما في الحديث:

(( كَانَ أَنَسٌ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا ))

[رواه البخاري]
أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أمرَكَ أن تشْربَ ثلاثًا، وأنت تشْرب قاعِدًا، وأن تُبْعِدَ الإناء عن فيكَ فيما بين الشَّرْبَتَيْن لأنَّهُ ثبتَ أنَّ زفير الهواء ينقل الأمراض، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يشْرب وينفُخُ في الإناء فقال له كما في حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:
((أَبِنِ القَدَحَ عَن فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّس.))

[رواه البيهقي]
وقالوا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
((: مُصُّوا المَاءَ مَصًّا وَلَا تَعَبُّوهُ عَبًّا ))

[رواه البيهقي]
وأمرنا أن نُغَطِّي الوِعاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوتِيَ جوامِعَ الكَلِم، والعلوم كلَّها، فالإنسان يدخل في الصَّيف إلى بيتِه وحرارته أكثر من خمس وثلاثين، يفْتح البرادّ ويأخذ زجاجة من الماء درجتها اثنان ! ويشْربها !! فالكبِد والمعِدَة من سبعٍ وثلاثين إلى الدرجة الثانية، قال:
((فإنّ الكُباد من العَبّ ! ))
وثبتَ أنَّ هناك عصَبًا حائِرًا ومُبْهَمًا بين القلب والرِّئتين والمَعِدَة، فهناك حالات موت مفاجئ نتيجة تنبُّأ زائِد عن الحدّ لِهذا العصَب الحائِر، وهذا العصَب بين القلب والرِّئتين والمعِدَة، لذا أكثر أعراض الذَّبْحة الصَّدْرِيَّة مِن الأكل الثَّقيل، ويحسّ بِضيقٍ في صَدْرِهِ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( مُصُّوا الماء مصًّا ولا تَعُضُّوه عضًّا فإنّ الكُباد من العَبّ))
وكان النبي يُسَمِّي ويُبْعِدُ الإناء عن فِيه ؛ هذه آداب الشُّرب الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام فإذا شرب الإنسان وقال: بسم الله، فأوَّل قِسْم هذه نِعْمة الله تعالى، وَمِنْ فضْل الله علينا أنَّ بلدنا فيه ماء فيجة وأنا ذَهَبْتُ إلى الحج، وكل قارورة ثمنها ثلاثة ريالات ! فأوَّل قِسْم بالتَّسْمِيَة أن ترى فضْل الله عليك، والقِسْم الثاني أن تُنَفِّذ الأمر وِفْقَ منْهَج الله، وأن ترى نِعمة الماء العَذْب الفُرات، وأن تشْربَهُ وِفْق السنَّة، وبالأكل معنى بِسْم الله فاللَّبَن ؛ مِن أين ؟ مِن البقَر والجبن والزَّيْتون، فأنت إذا اسْتَعْرضْت الأطباق طبقًا طبقًا، وعرفْتَ من مُصَمِّم ومُربِّي والخالق، وأنَّ هذه المائدة مائدة الله، وإذا أكلْتَ فَكُلْ باعْتِدال وامْضَغ جيِّدًا، وكُلْ أَكْلاً مُعْتَدِلاً، والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمَنا بِرَمَضان أن نشْرب ونأكل ثلاث ثمرات، ونُصَلِّي المغرب والسنَّة البعْدِيَّة، فهذا السُّكَر الطبيعي ينتقل من الفم إلى الدم في عشرين دقيقة، ويصل إلى مركز تنبيه الجوع فيَشْبَع، حينها تأكل أكلاً مُعْتَدِلاً والآية الكريمة:

﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ(20)﴾

[سورة الواقعة]
تقديم الفاكهة على اللَّحْم تقْديم إشاري، فالفاكهة مادَّة سُكَّرِيَّة لطيفة سريعة هَضْم وتنتقل مِن الفم إلى الدمّ بِعِشْرين دقيقة فالواحد مهما كان جائِعًا، حينما يأكل مادَّة سُكَّريَّة فإنَّها تصل إلى الدَّم وتشْبَع، أما الجُلوس على مائدة الطَّعام، والأكلات كلُّها دُسوم، لُحوم، فهذا كي يصل إلى الدَّم يحتاج إلى مُدَّة كثيرة، لذا نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام أكل شيء حُلوٍ قبل الإفطار، وقال عليه الصلاة والسلام:
((أذيبوا طعامكم بِذِكْر الله" ))
فإذا أكل الإنسان مع أهله، وجعله فرصةً للالْتِقاء، ونحن عندنا عادات سيِّئة.
إذًا معنى بسم الله الرحمن الرحيم شَقَّين ؛ أن تعرف نِعمة الله، وأن تُمارِسَها وِفْق منهَجِ الله.
قال تعالى:

﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾

(سورة النمل)








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-19-2018, 12:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في قِصَّة سيِّدنا سليمان مع الملكة بلْقيس ملكة سبأ، وقد وصَلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) ﴾

[سورة النمل]
بيَّنتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ كلَّ إنسان يتولى أمرَ عشرةٍ فما فوق عليه أن يجعلَ من هذه الآيةِ منهجًا له، لا ينبغِي أن يتخِذ قرارا إلاَّ بعدَ أن يتبَصَّر و يجمعَ المعلوماتِ ويسمعَ من الطرفِ الآخرِ، قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)﴾

[سورة النمل]
قلتُ لكم البارحةَ أيضًا أن البسملةَ التي أمرنا النبي عليه الصلاةُ و السلامُ أن نبدأ بها طعامنا وشرابنا وأعمالنا، وكلّ أمر لم يُذكر فيه اسم الله فهو أبْتَر، فالبسْمَلة تعني أنَّك إذا شَرِبْتَ الماء ينبغي أن تتذَكَّر أنَّ هذا الماء نِعمة الله عز وجل ساقَها إليك، وأنَّهُ ينبغي أن تشْرب الماء وِفْق منْهَج الله تعالى، فالبسملة فيها معنى تَكْريمي، ومعنى تَوْجيهي فالمعنى التكريمي أنَّ هذه نِعْمة أنْعَمَها الله عليك، والمعنى التَّوجيهي أنَّه ينبغي أن تتحرَّك مع هذه النِّعْمة وِفق منْهج الله ؛ هذا بيَّنتُهُ البارحة.
أما قوله تعالى:

﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)﴾

[سورة النمل]
المُسْتعلي لا يتعلَّم، وشَخْصان لا يتعلَّمان ؛ المُسْتحيي، والمُسْتعلي لذلك أمر النبي عليه الصلاة والسلام الداعِيَة أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّم تواضَعوا لِمَن تُعَلّمون، فالمُعَلِّم ينبغي أن يكون مُتواضِعًا حتى يُعين المُتَعَلِّم على التواضُع، إذا بدأ المتعلِّم فتواضَعَ فالمُتَعَلِّم من باب أولى يتواضَع، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
((تواضعوا لِمَن تُعَلِّمون "))
والتواضع هو تصَنُّعُ الوضاعة ؛ هنا التَّذلُّل وهنا الضَّعف، لذلك فِعْلُ تفاعَل فيه معنى التَّصَنُّع، ومن تمارَضَ مرِضَ، أما التواضُع فلا يعني أنَّكَ وضيع فأنت عند الله كبير، لذلك طالب العِلْم تضَعُ له الملائكة أجْنِحَتَها وهو عند الله كبير، ولكن إذا تواضَع يتواضَعُ لِمَن يتعلَّم منه لأنَّ المُعَلِّم قد أُمِر مُسْبَقًا أن يتواضَعَ لِمَن يُعَلِّمُهُ.
قال تعالى:

﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)﴾

[سورة النمل]
وقد ذَكَرْتُ لكم أنَّ أرب كلماتٍ مُهْلِكاتٍ ؛ إذا قالها وقصَدَ بها الاعْتِداد بِنَفْسِهِ أهْلكَهُ الله، قال إبليس أنا خير منه، وقال قوم بلقيس نحن أولوا قوَّة وبأسٍ شديد، وقال قارون: إنَّما أوتيتُهُ على علم عندي، وقال فرعون أليس لي مُلْكُ مِصْر، فأنا ونحن ولي وعندي أربعُ كلماتٍ مُهلِكاتٍ إذا رافقها الاعْتِداد بالنَّفْس، لو سألْتَ واحِدًا: من الذي حضَرَ قبل قليل ؟ يقول لك: أنا الذي حضَرْتُ، فهذه ليس فيها اعْتِداد بالنَّفس ولكن إخْبار فقط.
قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)﴾

[سورة النمل]
فيا تُرى سُليمان ملِكٌ أم نبيّ ؟! إن كان ملِكًا ودَخَلَ علينا أذَلَّنا وأكل أموالنا وانْتَهَكَ أعراضَنا، فهذه عادةُ المُلوك، قال تعالى:

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)﴾

[سورة النمل]
هذا ذكاء من ملكة بلقيس، فهي تريد أن تمْتَحِن ما إذا كان هذا الإنسان الذي أرْسَلَ إليها هذا الكتاب نبيًّا أم ملِكًا ؟ فإذا فرِحَ بالهَدِيَّة ورحَّب بها نَسِيَ مبدأهُ ! ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((والله يا عمّ لو وضَعوا الشَّمس في يميني والقمر في شِمالي على أن أدَعَ هذا الأمر ما ترَكْتُهُ حتَّى يُظْهِرَهُ الله أو أهْلِكَ دونَهُ ))
معنى ذلك أنَّ الإنسان المؤمن الدنيا كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل مبدئِهِ، ولكنَّ الإنسان الدُّنْيَوي المبادئ كلَّها تحت قَدَمِهِ مِن أجل الدِّرْهم والدِّينار، رجلٌ ذَهَب إلى بلدٍ غربي فجَلس إلى حديقة، فجلس لِجانِبِهِ إنسان يبْدو أنَّهُ مُثَقَّف، سألهُ عن دينهِ فقال هذا الأخ: أنا مسلِم، فقال ما الإسلام ؟ فهذا الإنسان وكان عالِمًا جليلاً أوتِيَ مَقْدِرَةً على التَّوْضيح، وبيَّن له في خمْسين دقيقة حقيقة الإسلام، فما كان مِن هذا المُسْتَمِع إلا أنْ أخْرَجَ مِن يَدِهِ عُمْلَةً وقال: هذا ربِّي أعْبُدُهُ مِن دون الله، و عن عمر رضي الله عنه قال:
((دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ فَجَلَسْتُ فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ قَالَ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ قَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا قُلْتُ بَلَى ))

[رواه البخاري]
إنَّما هي نُبوَّةٌ وليْسَت مُلْكًا، فالنبي يمْلِكُ القلوب أما الملِكُ فيَمْلِكُ الرِّقاب وشتَّان بين أن تمْلِكَ القلوب، وبين أن تمْلِكَ الرِّقاب، وأنت كَمُؤْمِنٍ ينبغي أن تمْلِكَ القلوب وليس الرِّقاب، فَمُلْكُ الرِّقاب زائل أما مُلْك القلوب لا ينتهي ولا في الجنَّة، قال تعالى:

﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(44)﴾

[سورة الصافات]
لذلك هذه المَلِكَة أرادَت أن تمْتَحِنَ مُرْسِلَ هذه الرِّسالة أَهُوَ نبيُّ رحيم مُنْصِفٌ وذو مبدأ ويخاف الله عز وجل، ويَحْكُمُ بالعَدْل ولا يُذِلُّنا ولا يأخُذُ أموالنا، أم هو ملِكٌ كَغَيْرِهِ مِن المُلوك، ولكن ورد في الحديث القدسي أنا ملِكُ المُلوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بِيَدي فإن العباد أطاعوني حوَّلتُ لهم عليهم قلوب الملوك بالرََّأفة والرحمة وإن العباد عَصَوني حوَّلتُ قلوب عبادهم عليهم بالسُّخْطة والنِّقْمة فلا تشْغُلوا أنْفسكم بِسَبِّ المُلوك وادْعوا لهم بالصَّلاح فإنَّ صلاحهم بِصَلاحكم.
سُئِلَ تيْمورلَنْد ؛ مَن أنت ؟ فقال: أنا غضَبُ الربّ ! الإنسان إذا غضِبَ يتكلَّم كلامًا قاسِيًا، قد يخْبط بابًا، ولكنَّ الله جلَّ جلاله إذا غضِبَ يُسَلِّط علينا مَن لا يخافه ولا يرْحَمُنا، قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)﴾

[سورة النمل]
هذه قاعِدَة قال تعالى:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
قال تعالى:

﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86)﴾

[سورة ص]
فأنت تسْلُك طريق الإيمان وتأتَمِر بأَمْر الله عز وجل ؛ هذا أجري فلا تقرُّ عَينُ النبي إلا إذا رأى أُمَّتَهُ مُطَبِّقةً لأمْر الله، وقبل أن يتوفَّاهُ الله عز وجل نَظَرَ إلى أصْحابِهِ نَظْرةً امتلأ قلبُهُ رضًا، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ:

(( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا وَهُوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ ))

[رواه البخاري]
قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)﴾

[سورة النمل]
اتَّضَح لدى بلْقيس أنَّ مُرْسِل هذه الرِّسالة هو نَبِيٌّ وليس ملِكٌ لأنَّه لم يفْرح بِهَدِيَّتِها ولم يفْرح بها، بل كان مبْدؤُهُ فوق كلّ شيءٍ.
أيها الإخوة، ذكرتُ لكم أنَّ كلّ عَمَلٍ يفْعلُهُ الإنسان وراءَهُ باعِثًا، إمَّا باعثًا دُنْيَوِيًّا أو باعِثًا أُخْرَوِيًّا، إمَّا باعث الهوى، أو باعث العَقل، وإما إرْضاء الله وإما إرْضاء الذات، وإما الخير أو الشرّ، أو الجَمْعُ أو التَّفريق، وإما العَطاءُ أو المنْعُ، فإن لم تكن على أحد هذين الباعِثَين فأنت على الباعث الآخر، والدليل قوله تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
هذه القِصَّة تُبيِّن أنَّ مرْتبة الأنبياء مرتبَةٌ عالِيَةٌ جدًّا، وأنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَل بعْضَهم فقراء، لأنَّ الله تعالى قال:

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

[سورة يس]
بل جَعَل بعضهم ضُعَفاء وبإمكانِ بعض الناس أن يقول عنهم تُهَمًا مُفْتَراتٍ، فهؤلاء قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام ساحر ومجنون وكاهِن !! وهذا الذي قال عنه هذه المقولات ما أصابَهُ مَكروه لِيَكون الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى المُسْتَوَياتٍ، لأنّ الشيء الذي يأتي بالإكْراه لا قيمة له، لذا أيُّها الإخوة، هذه القِصَّة فيها مراكِز ثِقَل، وهذا هو المركز الثاني ؛ أنَّ صاحِب المبدأ لا يفْرحُ بالهَدِيَّة بينما صاحِب الدنيا تُنْسيهِ الهَدِيَّةُ كلَّ مبادِئِهِ، وهذا هو الفرق بين المؤمن المُنْضَبِط وغيره من عباد الدِّرهم والدِّينار،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ ))

(رواه البخاري)
وفي الدرس القادِم إن شاء الله تعالى نتحدَّث عن قَضِيّة نقْل العرْش ونقْلِهِ.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-20-2018, 12:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس السادس




لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في سورة النمل وقد انتهينا من قِصَّة سيِّدنا سليمان عليه السلام مع بلْقيس ملِكَة سبأ، ها نحن ننتقل إلى قِصَّة أخرى وهي قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)﴾

[ سورة النمل ]
في الحقيقة هناك في العالم شيء اسْمُهُ الاثْنَيْنِيَّة، فهُنَاك حق وهناك باطل، وخير وشرّ، وإحْسان وإساءة، وصِدْق وكذب، إخلاص وخِيانَة، دنيا وآخرة، إرْضاء الذات وإرْضاء الله، فالكَون كُلُّهُ مُرَكَّب على الاثْنَيْنِيَّة، وفي كُلّ عصْر وزمان، هناك حق وهناك باطل، وهناك أتْباع للحق، وأتْباعٌ للباطِل، أتْباعٌ للشَّهوة وأتْباعٌ للعَقْل فالعِبْرَة أن تكون مع أهل الحق، وأهل الخير، وأن تكون مع أهل الإحْسان والاسْتِقامة، وأن تعْمل للآخرة، وتسْتقيم على أمْر الله، وأن تكون مُنْصِفًا، وأن تكون شاكِرًا وعادِلاً، فَنحن عندنا دائِمًا نقْطتان أنت بينهما ؛ كُلَّما اقْتَرَبْتَ مِن إحْدى النُّقْطَتَيْن ابْتَعَدْت عن الأُخْرى، وكُلَّما ابْتَعَدْت عن الأخرى اقْتَرَبْت من الأولى، فالحلّ الوسَط لا يوجد، والدليل قوله تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[ سورة القصص ]
وقال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾

[ سورة الماعون ]
ذَكَرتُ هذا عند قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45)﴾

[ سورة النمل ]
في كُلِّ عصْر فريقان ؛ حق وباطِل، إنسانٌ يقول لك: لا تُدَقِّق والناس كُلّها تغشّ، وأنت لك أولاد، وإنسان اعْمَل لِيَوم لا ينفعُ مال ولا بنون إلا من أتى الله بِقَلب سليم وآخر يقول لك: أرْسِل ابنَكَ إلى أيِّ مكان المُهِمّ أن ياتِيَ بالمال، وآخر يقول لك: لا، العِبْرة دينُهُ وأخلاقُهُ فأنت مسؤول عن ابنك، لذلك قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15)﴾

[ سورة لقمان ]
وقال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)﴾

[ سورة الكهف ]
يجب أن تعتقد أنّ في كل زمان أهل حق وأهل باطل، وأهل دنيا وأهل آخرة، وأهل إحسان وأهل إساءة، وأُناس يتَّبِعون العقل وأناس يتَّبِعون الشَّهوة، وإن لم تكن مع هؤلاء فأنت حَتْمًا مع هؤلاء، قال تعالى:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) ﴾

[ سورة النمل ]
الله عز وجل لخَّص القرآن كلَّه بِكَلمتين الكلمة الأولى قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف ]
هذه حقيقة، والآن التَّطبيق، فلو قال أحدهم إنَّ الملح يرْفع الضَّغط وكنت مِمَّن معه هذا المرض، ماذا سَتَفْعَل ؟ أوَّل وَجْبة طعام تُجَرِّدُها من المِلْح، فإن لم تفْعل هذا، فهذا يعني أنَّك لم تفْهَم ما قاله فأيُّ شيء إذا ألقي عليك ولم تأخذ مَوْقفا عمليا كأنَّك ما فَهِمْتَهُ، فأنت كإنْسانٍ عاقِل إذا أُلْقِيَت عليك حقيقة، لا بدّ أن تأخذ مَوْقفا من هذا الذي أُلْقِيَ عليك، فالإنسان إن لم يتَّخِذ مَوْقف يعني هذا أنَّهُ كذَّب أو لم يسمع.
قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾

[ سورة الكهف ]
والآية الثانِيَة قوله تعالى:

﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾

[ سورة فصلت ]
فلو أنَّك سَمِعْتَ الآن حقيقة، ماذا ينبغي أن تفْعَل ؟ أن تأخذ مَوْقِفًا طيِّبا والماضي ؟! قال: الماضي مُغَطَّى بالاسْتِغْفار، قال تعالى:

﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6)﴾

[ سورة فصلت ]
كلمة فيها نكتَة رائِعَة، فالإنسان قد يسْتقيم أحْيانًا خَوْفًا على سُمْعَتِهِ وخَوْفًا مِن قوانين قاسِيَة جدًّا، أو خوْفًا مِن متاعِب لا يَحْت‍مِلُها فهذه الاسْتِقامة ليْسَت إليه، لأنَّها لا تصِل إليه، هذه اسْتقامة للدنيا وأنت تأخذ ثِمارها كلَّها في الدنيا، فإذا جاء الأجل فلا تجده عنده شيئا لأنَّك اسْتَقَمْتَ لِيُقال عنك مُسْتقيم، وأنت اسْتقمت حِفاظًا عن سمعتك نحن نريد اسْتِقامة توصِل لله تعالى، اسْتِقامة خالصة لله تعالى.
قال تعالى:

﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) ﴾

[ سورة النمل ]
الاسْتِغفار أحد أسباب الرحمة، وأنت حينما تستغفر تعلم أنَّ الذي تسْتغفر له يَغْفِر وأنَّه موجود ورحيم، وأمرَكَ أن تسْتغفرَهُ، وأنَّه علَّق رحْمتهُ على اسْتِغفارك.
قال تعالى:

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾

[ سورة النمل ]
أي شيء يتعلَّق بالتّ‍شاؤم لا يؤثِّر، لا يوجد رقم يُخَوِّف، ولا يوم أربعاء يُخَوِّف، ولا اليوم الثالث عشر يُخَوِّف، هذا كُلُّه خلْط بِخَلْط، قال تعالى: قال تعالى:

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾

[ سورة النمل ]
تشاءَمْنا منك، لا تقل ليس لي حظّ، الله تعالى قال:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5)وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾

[ سورة الليل ]
وعندنا قانون التَّيْسير وقانون التَّعْسير، آمنْتَ واسْتَقَمْت على التَّيْسير ولم تؤمن ولم تسْتَقِم لا سَمَحَ الله على التَّعْسير، يقول لك: ضربتها بالشَّرق فجاءَت من الغرب ‍! هذا صحيح لأنّك لم تصْطَلح مع الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرعد ]
قلبَ لي الدَّهر ظهر المِجَنّ ؛ هذا خلْط، وسَخِرَ القَدَر مِنِّي ؛ خلْط فالتَّشاؤُم لا يوجد في ديننا، تَسْتقيم تُطَبَّق عليك مادَّة التَّيْسير، وإن لم تسْتقِم تُطَبَّق عليك مادَّة التَّعْسير، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

(( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
ذلك لأنَّ عطائي كلام وأخْذي كلام، فَمَن وَجَدَ خيْرًا فلْيَحْمَدِ الله، ومَن وجَدَ غير ذلك فلا يلومَنَّ إلا نفْسَه، لذا لا تقل: هذا مِن الشيطان، وحظِّي تعيس، وظروف صَعْبة، لا تعْزُ الخطأ لأيِّ جِهَة، إنَّما اُعزوها لِنَفْسِك.
قال تعالى:

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)﴾

[ سورة النمل ]
الله بِيَدِه كُلُّ شيء، وأنتم اعْتَنَقْتُم الباطل وهو غلَط.
قال تعالى:

﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50)﴾

[ سورة النمل ]
الإنسان الكافر إذا مَكَر يرُدُّ الله عليه بِمَكْرٍ يُدافِعُ به عن المؤمنين، فَهُوَ سُمِّيَ مَكْرًا مُشاكَلَةً في البلاغة، لأنّ الله عز وجل يُدَبِّر لِصالِحِ الفريقين وهناك آية أخرى:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ(79)﴾

[سورة الزخرف]
انْزَعَجَ أحدهم مِن هرَّة فرماها مِن سبْعة طوابِق، بعد يَوْمَين اِخْتَلَّ توازُنُه، وبقي كذلك عَشْر سنوات، فالإنسان قبل أن يُؤذي مَخلوق، وقد دَخَلت امرأة النار في هِرَّة حبسَتْها لا هي أطْعَمَتْها! الإله عظيم وكبير، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

[سورة البروج]
قال تعالى:

﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)﴾

[ سورة النمل ]
ألا تكفي هذه الآية ؟! كُلُّ إنسانٍ آمَنَ بالله، واتَّقى أنْ يَعْصِيَهُ فالله جلَّ جلاله يُنَجِّيهِ مِن أيِّ عذاب، وكُلّ إنسان مَكَر يرُدُّ الله عليه بِمَكْرٍ مُحْكَم.
هناك بلْدَة بالمغْرب اسْمُها آغادير ؛ هذه البلْدة ممنوع أن يدْخلها أهل المغرب لأنَّها مدينة للسُّواح، وفيها كل أنواع الموبِقات، أصابَها زلزال بِثَلاثة ثواني جعل عالِيَها سافِلَها، وفيها أضْخم فُندق ثلاثون طابقًا ولم يبْق منه إلا آخرهُ ؛ عليه اسم القبر، قال تعالى:
﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145)﴾

[ سورة الأعراف ]
كيف أنَّ الله تعالى قال:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[سورة الأنعام]

فالمغزى قوله تعالى:

﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)﴾

[ سورة النمل ]
فإذا آمَنْت واسْتَقَمْت لن تخاف شيئًا، قال تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[سورة التوبة ]
فهذا النبي دخل في بطْن الحوت ؛ قال تعالى:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾

[ سورة الأنبياء ]
فنحن الآن أُلْقِيَ علينا كلامًا، والماضي مُغَطَّى بالاسْتِغفار، والحاضِر يجب أن نتَّخِذ موقِفًا حتَّى لا يُصيبنا ما أصاب المُنْحَرِفين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-20-2018, 12:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس السابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في أواخِر السُّوَر عادَةً كلامٌ مُجْمَل فيه تَلْخيص لِفَحْوى السورة ومَضْمونها.
فالله سبحانه وتعالى في أواخر سورة النَّمل يقول:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[ سورة النمل ]
كلمة الحمد لله فيها دِقَّة بالِغَة ؛ الحمد للَّه، ليس هناك خِلاف في أنَّ هناك نعم في الكون عُظْمى، ولكِنَّ الخِلاف في عَزْو هذه النِّعَم، ليس هناك حَمْدا وعَدَم حمْدٍ، النِّعَمُ التي أنْعَمَ الله بها علينا تحْت سمْعِنَا وبَصَرِنا نِعْمة الصِّحة والحياة، ونِعْمة الإيجاد والهواء والماء، والطّعام والشَّراب، هذه النِّعَم ليس هناك خِلافٌ في وُجودِها، أو في عَدَمِ وُجودِها ! لكِنَّ الخلاف ؛ إلى مَن تُعْزَى ؟ فَغَيْرُ المؤمن يَعْزوها إلى قُدْرتِهِ، قال تعالى:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ(78)﴾

(سورة القصص )

ويَعْزوها إلى الحظّ وإلى ذَكائِهِ، يَعْزوها إلى مالِهِ، يَعْزوها إلى مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، ويَعْزوها إلى الطبيعة، ويَعْزوها إلى ما وراء الطبيعة، لكِنَّ المؤمن يعْزو هذه النِّعَم إلى الله تعالى، فالحَمْد على هذه النِّعَم لله لا لِغَيْرِهِ، لذلك بِمُجَرَّدِ أن تعْلم أنَّ هذه النِّعَم من الله عز وجل فأنت في أحَدِ مراتب الشُّكْر ولِمُجَرَّد أن يمْتلأَ قلبُكَ امْتِنانًا لله عز وجل على هذه النِّعْمة فهذه مرْتبةٌ أعلى من الشُّكْر، ولِمُجَرَّد أن تعملَ عملاً تبْتغي به وَجْهَ الله عز وجل فهذه مرْتَبَةٌ ثالثَة من الشُّكر، قال تعالى:

﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13)﴾

[ سورة سبأ ]
فالله تعالى:

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾

[ سورة النمل ]
كُلُّ النِّعَم الظاهرة والباطِنَة مِن الله عز وجل، ولكنْ أيُّها الإخوة أريد أن أقول لكم كلمة، قال تعالى:

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)﴾

[ سورة لقمان ]
فالنِّعَم الظاهِرَة ليس هناك شَكٌّ فيها ؛ نعْمة الزَّوجة والأولاد والمال والراحة، لكن هناك نِعَمٌ باطِنَة الإنسان ينْفِرُ منها، أحْيانًا الفقْر وأحْيانًا القَهْر، وأحْيانًا المرَض، والخوف والقلق والحُزْن، مُشْكِلات في بيتِهِ مع أولادِهِ و زوْجَتِه، وفي عملِهِ ومَعَ مَن هم أقْوى منه، فهذه المُشْكِلات التي تنْفِرُ النَّفْسُ منها هي في الحقيقة نِعَمٌ باطِنَة ! كيف ؟ لماذا صُنِعَتْ السيارة ؟ مِن أجل أن تسير، فهَدَفُها الأوَّل أن تسير ولماذا وُضِعَتْ فيها المكابِح ؟ مِن أجل أن توقِفَها، فهذه المكابِح هي عَكْس ما صُنِعَتْ له السيارة، وعكْس الهدف منها ولكنَّ هذه المكابِح ضرورِيَّة جدًّا لِسَلامتها، فكما أنَّ الأصْل أنْ تنْعُمَ بالنِّعَم، ولكن مِن أجل سلامَة هذه النِّعَم قد تأتي المصائِب، وهذا مِن أجل أن تلْتَفِتَ إلى الله، لذلك لا نُبالِغ إن قلنا أنّ تِسْعينًا بالمائة مِمَّن ساروا إلى الله تعالى على أَثَر نِعْمَةٍ باطِنَة وهي المُصيبة، فالمصائِب تلْفِتُ النَّظر إلى اللهو تَدْفَعُنا إلى بابِهِ تعالى، وتَحْمِلُنا على التَّوْبة وطلب الآخرة وتحْمِلُنا على العمل الصالح ؛ هذه هي النِّعَم الباطِنَة فأَنْ تشْكُرَ الله على النِّعَم الظاهرة هذا شيءٌ بديهي وسَهل، ولكنَّ البُطولَة أن تشْكُرَ الله تعالى على نِعَمٍ باطِنَة، والبُطولة كما قال الإمام الشافعي لِمَن كان يطوفُ حَوْل البيْت وهو يقول: يا رب هل أنت راضٍ عَنِّي، فقال له الإمام الشافِعي: وهل أنت راضٍ عن الله تعالى حتَّى يرْضى عنك ؟! قال: يا سبحان الله ! مَن أنت يرْحَمُكَ الله ؟ فقال: أنا مُحمّد بن إدْريس، فقال: كيف أرْضى عنه وأنا أتَمَنَّى رِضاه ؟ فقال الإمام الشافِعي: إذا كان سُرورُكَ بالنِّعْمة كَسُرورِكَ بالنِّقْمة فقد رضيتَ عن الله ! فَبُطولَتُكَ كَمُؤْمِن لا أن تقول: الحمد لله على نِعْمة الصِّحَّة، فأحْيانًا تأتي مُصيبَة، وإذا أحَبَّ الله عبْدَهُ ابْتَلاهُ معنى ابْتِلاه أيْ جَعَلَهُ في العِنايَة المُشَدَّد، فإنْ صَبَرَ اجْتَباهُ، وإن شَكَرَ اقْتناهُ، وإذا أحبَّ الله عبْدَهُ عجَّل له بالعُقوبَة، وأشَدُّ الناس بلاءً الأنبياء، وأنا أشَدُّهم بلاءً، ثمَّ الأمْثَل فالأمْثَل، فأنت كلَّما ارْتقى إيمانك تنتقل إلى حمْد الله لا على نِعَمِهِ الظاهرة، ولكن على نِعَمِهِ الباطِنَة، أحْيانًا تكون المُشْكِلَى العَويصة سبب تَوْبتِك، وإقْبالِكَ على الله، وورَعِكَ وسعادَتِك، فلا أُبالِغَ إذا قلتُ: إنَّ مُغْلَبَ الذين ساروا مع الله تعالى واصْطَلَحوا معه وأقْبلوا عليه وأنابوا إليه كان سببُ توْبتهم المشاكِل التي أقْلَقَتْ نُفوسَهُم، وشَغَلَتْ خواطِرَهُم، لذلك الإنسان يسْعَدُ حينما ينْجَحُ في الامْتِحان.
أيها الإخوة، لا تَنْسَوا أنَّ بُطولتكم في شُكْر نِعَم الله الباطنة أعْظَمُ بِكَثير مِن بُطولَتِك في شُكْر النِّعَم الظاهرة، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءَت الأمور على ما يريد يقول: الحمد لله الذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصالحات، فإذا جاءَت الأمور على خِلاف ما يريد قال: الحمد لله على كُلّ حال، والصَّبْر في الحقيقة عند الصَّدْمة الأولى، فالإنسان بين أن يكون صابِرًا وناجِيًا وشاكِرًا، وبين أن يكون جحودًا كفورًا ! الإنسان إذا جاءَتْهُ مُصيبَة سواءٌ صَبَر أو لم يصْبِر فَهِيَ تَحُلُّ به، ولكنّ المؤمن حينما تَقَع يقول: يا رب لك الحمْد، وأنت الحكيم والعادِل وأنا عبْدُك وابن عَبْدِك وابن أمَتِك عدل فيّ قضاؤك، ماض فيّ حكمك لذا الشُّعور بالعُبودِيَّة لله عز وجل يُعْطيك مرْتبة النَّجاح، والإنسان إذا أُصيب بِمُصيبَة، وحَمِدَ الله عليها أبْدَلَهُ الله خيْرًا منها، فهذه أُمُّ سَلَمَة كانت تُحِبُّ أبا سلَمَة حُبًّا لا حُدود له، وكانت أشَدَّ النِّساء إعْجابًا بِأزْواجِهِنّ، فلمَّا مات قال لها النبي عليه الصلاة والسلام:
((قولي اللَّهم أبْدِلني من مصيبتي خيرًا منها !))
فقالت: ليس هناك من هو أفضل من أبي سلمة !! وبعد ذلك تَزَوَّجَها النبي عليه الصلاة والسلام، فالبُطولة أن تحمد الله تعالى على النِّعَم الباطنة، ولذلك قال الإمام عليّ: الرِّضا بِمَكْروه القَضاء أرْفَعُ درَجَات اليَقين، هذا الإله العظيم لا يُعْقَل أن يُعَذِّبَنا دون سبب، هل يُمكن أن تُحَمِّل شخْصًا كيسًا من الرَّمْل ثقيلاً دون هدف ولا فائِدَة ؟! يقول لك: ماذا أفْعَلُ به ؟ والله عز وجل يقول:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النِّساء]
ماذا يسْتفيد الله تعالى إن أمْرَضَنا وعذَّبَنا وأفقَرنا، وخوَّفنا ؟ لو أنَّ الإنس والجن كانوا على أتْقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في مُلكي شيئًا، لكنَّ الله عز وجل يُرَبِّينا ويأخذ بِأيْدينا، ويُنَبِّهُنا، قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[ سورة البقرة ]
فالذي يقول الحمد لله حينما تأتيه المُصيبَة فهذا إنسانٌ راضٍ عن الله.
أعْمَقُ من ذلك، لمَّا يرى الطَّبيب في المعِدَة الْتِهابًا حادًّا، وأيُّ غلط بالطَّعام والشَّراب يتفاقَم هذا المرض إلى قرْحة، تجد الطَّبيب يُعطي التَّعْليمات مُشَدَّدة جدًا وبالغة، أما إن وَجَد ورَمًا خبيثاً فإنَّه يقول له: كُل ما شئْت، فالإنسان حينما يكون خارِج العِنايَة الإلهِيَّة يُعْطى ما يشاء، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾

[ سورة الأنعام ]
المال والصِّحة والجمال والنِّساء والبيوت والمرْكَبات والطائرات والبساتين ؛ أبواب كُلِّ شيء، فإذا فَرِحوا بِما أوتوا أُخِذُوا بَغْتَةً وصَدِّقوني في هذا الكلام أيُّها الإخوة، إذا كان الواحِد مِنَّا ضِمْن العِنايَة المُشَدَّدة عليه أن يشْكر الله عز وجل ويُقَبِّل الأرض من الفرح، فما دام المرض يُعالَج فهناك دِقَّة في العِنايَة وتدريبات ومُعالجات فيزْيائِيَّة، أما إن كان المرض لا يُعالَج فيُقال لك: كُلْ ما تشاء وأنت حُرّ، فعلى الإنسان أن لا ينْكسر شُعورهُ إن بعَثَ الله له مُصيبة، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي(16)كَلَّا﴾

[ سورة الفجر ]
ولو أنَّ الدنيا تعدل عند الله جناح بَعوضَة ما سَقى منها شرْبَة ماء وقال تعالى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾

[ سورة آل عمران ]
لذا يجب أن تشْعُر بِمَعْنَوِيَّاتٍ عالِيَة وأنت في المُصيبَة، وأنت في الحِرْمان والفقر والمرض، وهذا يعني أنَّ الله يحبُّ أن يشْفيك، وإيَّاك أن تَعُدَّ الدنيا مِقْياسًا، والدنيا كُلَّها مُؤقَّتة، ودقِّقوا في عدد الجنازات والإنسان عليه أن لا يُغامِر ويجعل جلَّ إنجازاتِهِ في الدنيا، دَع للآخرة العَمَل الصالِح ؛ اُطْلب العِلْم، وابْحَث عن الحق، واخْدُم الناس، وافْهَم كلام الله وادْعوا إلى الله تعالى، هذه كُلُّها أعمال الآخرة، لذا مُشْكِلَةُ الموت أنَّهُ يُعَدُّ أكبَر مُصيبَة، وهو نفْسُهُ يُعَدُّ أكْبَرُ عطاءٍ، للمؤمن تُحْفَتُهُ وعُرْسُهُ ولِغَيْر المؤمن أكبر مصيبَة ونِهايَة كُلِّ شيء.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-20-2018, 12:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثامن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الثامنة والخمْسون وهي قوله تعالى:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[ سورة النمل ]
ذَكَرنا أنَّ نِعْمة الله نِعْمتان ؛ نِعَمٌ ظاهِرَةٌ ونِعَمٌ باطِنَة، وإيمان الإنسان هو السَّبب في أن يشْكُرَهُ على النِّعم الباطِنَة، أما فطْرة الإنسان فهِيَ تَدْعوه على شُكْر النِّعَم الظاهرة، أما شُكْر الله عز وجل على النِّعم الباطِنَة هو إحْدى ثَمَراتِ إيمانِهِ، ومادام مؤمنًا فَهُوَ يرْضى عن الله تعالى في سرَّاء والضَّراء.
قال تعالى:

﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾

[ سورة النمل ]
الذي عرفَ الله وسارَ على منْهَجِهِ وأحَبَّهُ وتقرَّب إليه ؛ هذا سلامٌ عليه وقال علماء الأصول المُطْلق في القرآن على إطْلاقِهِ، فهو تعالى ما قيَّدَ السلام بالدنيا أو الآخرة ! سلامٌ على عباده الذين اصْطفى، فأنت في الدنيا في سلامٍ مع الله، وفي الآخرة في سلام، ونِعَمُ الآخرة تتَّصِل بِنِعَمِ الدنيا فأنت في سلامٍ مع نفْسِك، فالإنسان أحْيانًا تكون له مَكَانَة كبيرة بين الناس إمَّا لِقُوَّتِهِ، وإما لِذَكائِه وأعمالهِ، ولكنْ قد يرْتَكِب أعْمالا خسيسَة فيما بينهُ وبين نفْسِهِ، فهو في نَظَر نفْسِهِ صغير، وعند الناس كبير، فلو أساء الإنسان ولم يوجَد مَن اكْتَشَفَ إساءَتَهُ؛ عندَهُ انْهِيارٌ داخِلِّي، واحْتِرام الإنسان لِنَفْسِهِ داخِلِيًّا ؛ شيءٌ لا يُقَدَّر بِثَمَن فالإنسان لمَّا يكْذِب ؛ كفى بها خِيانَةً أن تُحَدِّث أخاكَ بِحَديثٍ هو لك بِهِ مُصَدِّق وأنت له مُكَذِّب ! ومُعْظَم الكذِب يأتي مِن أجل المصالِح، فقد تَظُنُّ أنَّ الكذِب يأتي بالمال الكثير طبيب يطلب من المريض أن يقوم بِعَمَلِيَّة قدْرها أربعمائة ألف ليرة وعلى الفَوْر، والمريض ليس بِحاجَة لِعَمَلِيَّة، فالإنسان لما يكْذب مِن أجْل كَسْب المال، فهناك يتَوَهَّم أصْحابُها أنّ الكذب يدرّ دخْلاً كبيرًا ؛ هذا هو عَيْنُ الجَهْل، وهذا هو عَيْنُ الحُمْق، وكُلّ إنسانٍ بِحاجَة إلى أن يعْرِفَ الله كحاجَتِهِ إلى الطَّعام والشَّراب، لأنّه إن لم يعْرِفِ الله سوف يَقعُ في أوْهام وهذه الأوْهام لها مُضاعفاتٍ خطيرة فالسَّلام يأتي من عدم الكذب، وعدم الخِيانة والغِشّ، تسير على مَنْهَج الله، وتَحْتَرِمُ نفْسَكَ، وأنت حينما تحْتَرِمُ نفْسَكَ، وحينما تسير على مَنْهَجِ الله فالله تعالى كريم، فلو أنَّ أحدًا دخل عندهُ ألف زبون وما غشَّ أحَدًا، وما كذِب، هل يُعْقَل أن يُسَلِّط الله عليه مَن لا يرْحَمُه ؟ أنتَ ما دُمْتَ مُخْلِصا في تعامُلِكَ مع عِباد الله لنْ تَغُشَّهم وتبْتزَّ أموالهم فالله عز وجل يُلقي عليه هَيْبَةً وتَوْفيقًا ونصْرًا وتأييدًا، فهذا الذي يَغُشّ الناس، ويظن نفْسه ذَكِيّا قد يقف أمام مُوَظَّف صغير ترْتَعِد فرائسُهُ خَوْفًا، وهذا الخَوْف بِسَبب أنَّهُ غشَّهم، وكذَب عليهم فالسَّلام يأتي من طاعة الله عز وجل، فأنت مع نفْسِكَ في سَلام والمُستقيم مع نفْسِهِ كبير، لو أنَّك لا تمْلِكُ مثقالاً من المال وكنت مُسْتقيمًا فإنَّك تَشْعُرُ بقيمةٍ بِذاتِك، وهذه هي قيمة الطاعة، اللَّهم أخْرِجْنا مِن وُحول الشَّهوات إلى جنَّات القُرُبات، مِن ذُلّ المعْصِيَة إلى عِزَّة الطاعة، وقد مشَى سيِّدُنا الحسَن مَشْيَة الخُيَلاء فقالوا: ما هذه المِشْيَة يا سِبْط رسول الله ؟ فقال: عِزَّةُ الطاعَة، فالمُطيع يشْعُر بالعِزَّة لأنّه يُرْضي خالق الكَون، وهو يُرْضي ربَّ العالمين، وشريف ومُسْتقيم، وأمين وصادِق والسَّلام مع الخَلْق، ليس لك مُشْكِلَة مع الناس، فإن تَدَيَّنْتَ وضَعْتَ إيصالاً، وكذا في عَقْد الشَّراكَة، أنت تُحَصِّن شريكَك، فقد يغتَرُّ شريكك بالمال، ويأخُذ مالك ! وتكون أنت الذي أعَنْتَهُ على المال، وأنت السَّبب في أنَّهُ أكَلَ مالَك، أما إن مشيتَ على مَبْدَأ كُلُّ شيءٍ مُوَثَّق ومُسَجَّل وكُلّ شيء واضِح، فهذا نبِيُّنا عليه الصلاة والسلام كان خارِجًا مع زوْجَتِهِ صَفِيَّة فعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا:

(( أَنَّ صَفِيَّةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ تَعَالَ هِيَ صَفِيَّةُ وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ هَذِهِ صَفِيَّةُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ أَتَتْهُ لَيْلًا قَالَ وَهَلْ هُوَ إِلَّا لَيْلٌ ))

[ رواه البخاري ]
فأوَّل بند من بنود السَّلام أنَّك إن طبَّقْتَ منهجَ الله تعالى تحْتَرِمُ نفْسَكَ وإن طبَّقْتَهُ في العلاقات العامَّة، فالكُلّ يَحْتَرِمُك، فبالطاعة يكون رِضى النفس والناس عنك، بِهذا يرْضى خالق الكون عليك، فَكَلِمَة سَلامٌ لها ثلاثة أنواع ؛ سلامٌ مع النَّفس، وسلامٌ مع المُجتمع، وسلامٌ مع خالق الكون، وأنا أعْتَقِد أنَّه من الصَّعْب أن يدْخل الإنسان إلى قصْر العَدْل ؛ فأُمورُهُ كُلُّها واضِحَة، ولمَّا يسْمَح للخطيب أن يجْلس مع ابْنَتِهِ أشْهُرًا دون عَقْد قِران ثُمَّ يختفي الخطيب، والبنت حامِل ! عندها ينقلب البيْت رأسًا عن عَقِب، أما إن طبَّقْنا شرْع الله تعالى، فله أن يراها مرَّة ومرَّتين وثلاثة وانتهى الأمْر، وإما أن يكون عَقْد قِران أو لا، فإذا عَقَد عليها أصْبَحَت زوْجَتُه وأنت بِسَلام، فالسَّلام يأتي بِطَاعَة الله.
والسَّلام ؛ هذه الكلمة معها طمأنينة وسلامَة، فأنت لك سلامَة مادِيَّة وسلامَة نفْسِيَّة، فقد يكون الإنسان سليمًا مادِيًّا ولكِنَّه مُنْهارٌ نَفْسِيًّا فأنت بِحاجَة إلى السلام المادِّي والمَعْنَوي، والصِّحة النَّفْسِيَّة والجسَدِّيَّة، ولو أنَّ الإنسان طبَّق منهجَ الله في طعامِه وشرابِهِ، وفي زواجِهِ،و في كُلّ شؤون حياته لكان سليمًا، لو طبَّقْت منهج الله تعالى في علاقاتِك الاجْتِماعِيَّة لما كانت هناك خِيانَة زَوْجِيَّة، نزهات وسهرات مُختلطَة ينشأ طلاق، ونشوز، وخِيانَة زَوْجِيَّة.
فأنت إن طبقت منهج الله تعالى مع نفْسِكَ فأنت في سلامة مع نفْسِك إنْ طبَّقْتَ منهَج الله مع الناس فأنت في سلامة، وإن طبَّقْتَ منهَجَ الله وعبَدْت الله وأطَعْتَهُ و امتلأ قلبُكَ بالله فأنت في سلام مع الله، فقوله تعالى:

﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾

[ سورة النمل ]
هذا سلامٌ ثَمَنُهُ طاعتُهُ تعالى، ولذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

[ سورة الأحزاب ]
فالله لمَّا قال فَوْزاٌ عظيما، الله هو الذي يقول هذا ! فما معنى هذا ؟! إذا الواحِد وجَدَ طِفْلاً وقال له: أنا معي مبلغ كبير، فما هو تقْديرُكَ لِهذا المبلغ ؟ خمس و عشرون ليرة فقط ؛ أما لو قال لك شخْص كبير: أنا معي مبلغ كبير، فقد يقصد مائة مليون، فكلمة عظيم وكبير تتناسَب مع القائِل، فهذا خالِقُ الكون، وإلهنا العظيم يقول:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

[ سورة الأحزاب ]
لذا الذَّكاء كلّ الذكاء، والعَقل كل العَقل، والنَّجاح كل النَّجاح، والفَوْزُ كُلُّ الفَوْز في طاعة الله تعالى.
الشيء الآخر، أن الله تعالى لمَّا يرى من بعضِ عبادِهِ اسْتِقامةً وإخْلاصًا وورَعًا وصِلَةً يصْطفيهم لأَرْقى المُهِمَّات، أحيانًا نجد شَخصًا يُتْقِن اللُّغَة الفِرَنْسيَّة والإنجليزِيَّة والألمانِيَّة، ومعه حُقوق، وآداب نستفيد نحن منه ونضعُهُ سفيرا، فالله عز وجل لمَّا يرى الاسْتِقامة والطاعة يصْطفيه لِمُهِمَّات كبيرة، وهذا مِن فضْل الله على الإنسان ولا يوجد إنسان يتفوَّق إلا ويصْطفيه، وهذا لِكُلّ الناس، وهذا ليس خاصا وهذا بِحَسب طلبِكَ، فالله ينتظر أن يرى منك أن تطلب منه عملاً صالحًا لأنَّهُ خلَقَكَ في الدنيا للعمل الصالح، والأب لمَّا يكون طُموحه تعلّم ابْنِهِ يبقى ينتظر من ابنه أن يقول له أريد أن أتعلَّم.
لذا أيها الإخوة، الله تعالى خَلَقَنا لِيَرْحَمَنا، ورحْمتهُ لنا بِسَبب العمل الصالِح، والإنسان لمَّا يُغادِر الدُّنيا لا ينْدَمُ إلا على عملٍ صالحٍ فاتَهُ والدليل قوله تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[ سورة المؤمنون ]
عند الموت لا شيء له قيمة، وكل شيء من حُطام الدنيا، الإسلام فيه أوامر عِدَّة في وُضوئِك وصلاتك ويقظتك ونومِك، وعلاقتِك مع زوْجتِك، في تربيَة أولادك، وإنفاق مالِك، وكسْب مالك، فأنت أمام منْهَج كامِل، ومن السَّذاجَة والحُمْق أنْ تظُنّ أنَّ الإسلام خمْس عبادات الإسلام منْهج كامِل لِكُل حركة وسَكَنَة، وهناك الحرام والواجب والمندوب والمكروه والمستحب، وكلّ شيء يدور مع هذه الأحكام، لذا طلب الفقه حَتْمٌ على كُلّ مُسلِم، ومعرفة أحكام الفقه جزء كبير من الدِّين، فأنت بالكون تعْرِفُهُ، وبالشَّرْع تعْبُدُه.
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[ سورة النمل ]
أحيانًا يُوازن الإنسان بين بيت مائة متر شمالي، ومائة وعشرة قبلي يبقى تُفَكِّر ولكن لو خيِّر الإنسان بين سيارة ودراجة هل يُفَكِّر ؟‍ لو سكت ثانِيَة فهو أحْمق ‍‍‍!!! وهذا إله عظيم يقول الذي أعَدَّ لك جنات عرضها السماوات والأرض وفيها ما لا عينٌ رأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خطر على قلْب بشر، فهل يُعْقَل أن تكون مَحْسوبًا على إنسان ؟ كُن مَحْسوبًا على الله،:

﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)﴾

[ سورة النمل ]
فلا يوجد تناسُب بين أن تكون عَبْدًا لله، وبين أن تكون عبْدًا لِعَبْدٍ من بني البشَر، فالفرق كبير جدًا، وهؤلاء الذين اصْطفاهم الله لم يعبدوا شريكًا من دونه، والآية دقيقة:

﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) ﴾

[ سورة النمل ]
فالحادِث غير الفاني، والمخلوق غير الخالق، والقوي غير الضعيف، والغني غير الجاهل، فلا تحقّ الموازنة هناك ! فأنت لا تستطيع أن تُوازٍن بين الكرة الأرْضِيَّة وبين ذَرَّة من التراب !! هذين الشيئَين غير خاضِعَين للموازَنة إطلاقًا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-20-2018, 12:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام: الآية الواحدة والسِّتون من سورة النَّمل وهي قوله تعالى:
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

[ سورة النمل ]
نحن بدأنا الصلاة الساعة الثانية عشرة إلا ربع وانتهينا الساعة الثانِيَة عشرة فالأرض في رحْلتها حول الشَّمس تدور حول الشَّمس كلّ عامٍ دوْرَةً، في رحلتِها حول الشمس تقْطع ثلاثين كيلومتر في الثانِيَة الواحِدَة، فكم تقطع بالدَّقيقة ؟ ألف وثمانمائة كيلومتر، وهي تقطع بِعَشْرة دقائق إحدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر ؛ رُبْع محيط الأرض فالأرض مُحيطُها أربعون ألفًا كيلومتر، فالسُّؤال: هذا المَسير أليْسَ له اهْتِزاز، فَمَن جعَلَ الأرض قرارًا ؟ الأرض لها حركَتان: حركة حول الشَّمس وحركة حول نفْسِها، فالتي حول الشَّمس سرعتها ثلاثون كيلومتر في الثانِيَة، أما حول نفسِها: ألف وستُّ مائة كيلومتر في الساعة، وهي مُسْتَقِرَّة، أمَّن جعل الأرض قرارًا، نِعْمة الاسْتِقرار مِن أجل أن تبْنِيَ البِناء، ومن أجل أن لا يتصَدَّع البناء، أما الزِّلزال فهو مِن أجل أن تعرِفَ نعْمة الاسْتِقْرار، وقبل يومين اهْتَزَّت دمشق أربعة على سلَّم ريشتر، وفي القاهرة ستَّة، فالإنسان على أيِّ شيءٍ يعْتَمِد ؟ بيْتٌ يُكَلِّف الملايين يقَعُ في عِدَّة ثواني ؛ أمَّن جعل الأرض قرارًا ؟ طبعًا إن كانت ساكِنَة فهي مُستَقِرَّة، وإن كانت مُتَحَرِّكَة فهي مُهْتَزَّة أمَّا أن تكون مُسْتَقِرَّة في حركَتِها فهذا مِن إتقان الله عز وجل، هل يمكن أن يخترع الإنسان سيَّارة لا تهْتَزّ أبَدًا ؟ مُسْتحيل، وكذا الطائرة، أما أن تسير الأرض بهذه السرعة ولا تهتزّ ؛ فهذا من آيات الله الدالة على عظَمَتهِ، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل ]
أي أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركاتِها، ولولا أنَّها مُسْتَقِرَّة لما بَقِيَ بناءٌ قائِم.
الشيء الآخر، أنّ الأرض مسارُها حول الشَّمس ليس مسارًا دائِرِيًّا بل هو مسار إهْليلجي ؛ بَيْضَوي، وهذا المسار لهُ خاصَّة، وهو أنَّ أقْطارَهُ ليْسَت مُتَساوِيَة، فالأرض إذا وصَلَتْ إلى القطْر الأصْغَر تزيدُ سُرْعَتُها زِيادَةً ينشأُ عنها قُوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة الجاذبة الناتِجَة عن اقْتِرابها من الشَّمس، فهي لمَّا اقْترَبَتْ أصْبَحَت الشَّمس أقوى على جَذْبِها، فلكي لا ترْطَمِها بها، فإنَّ الأرض تزيدُ سرعتها لِيَنشأ عن هذه الزِّيادة قوَّةً نابِذَة تُكافؤ القوَّة النابذة، فإذا ابْتَعَدَتْ لكي لا تتفلَّتَ مِن مَسارِها حول الشَّمْس تقِلُّ سرْعَتُها من أجل أن يتوازن ارْتِباطها بالشَّمس، والنُّقطة الدقيقة أنَّ هناك شيئًا اسْمُهُ التَّسارُع، وهو أن تكون مثلاً مرْكبة مُسْتَقِرَّة، أحيانًا يُكْتب في تعليمات السيارة أنَّ هذه السيارة تصل سرعتها إلى المائة بعد عشرة ثواني ؛ هذا هو التَّسارع، فلو أنَّ الأرض كانت سرعتها فجْأةً لانْهَدَم ما عليها، ولو أبطأت فجْأةً لانْهَدَمَ كُلّ ما عليها، فالأرض فضْلاً عن أنَّها تسير حول الشمس بسُرعة ثلاثون كيلومتر بالثانيَة وحول نفسها، حينما تصل إلى القطر الأصغر في مسارها حول الشمس تزيد سرْعتها كي لا تنجذِب إلى الشمس وينشأ عنها قوَّة نابِذة فإذا ابْتَعَدَتْ وبَقِيَتْ على سرعتها العالِيَة تَخَلَّفَتْ من مدارِها حول الشمس، تقِلُّ سرعتها لِتَنْعَدِم القوَّة النابِذَة وتبقى على اتِّصالِها بالشَّمس، قال تعالى:

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) ﴾

[ سورة النمل ]
ولو تسارعَت فجْأةً لا تبقى ولو مدينة على وَجْه الأرض، أوْضَح مثل أن تضَع عُلَب على السيارة وتنطلق بها فجْأةً أو تقف فجْأةً فإنّ العلب كلَّها تضطرب، ويضطرب قانون العطالة، وهذا القانون ؛ الأشياء المُتَحَرِّكة ترْفض السُّكون، والثابتة ترفض الحركة، فإذا كان سائِق السيارة اسْتَعْمَلَ المِكْبح فجْأةً فإنَّ الرُّكاب يتقدَّمون، فلا بدّ مِن حزام أمان، لذلك الأرض إذا رَفَعَتْ سرْعَتَها فجْأةً انْهَدَم كُلُّ ما عليها، ولم يبْقَ بيْتٌ على وَجْه الأرض، ولو أنَّها أبْطأت لانْهَدَم كلّ مَن عليها، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل ]
هذه مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ تعالى.
الآن هذا الكأس أضَعُهُ فيَسْتَقِرّ، ولو رَكِبْتُ مرْكَبَةً ووصَلْتُ إلى منطقة بين الأرض والقمر اسْمُها انْعِدام الجاذِبِيَّة ؛ تمْسِكُ الكأس فَيَهْرُبُ منك إلى الأعلى، وهذا شيء معروف في مركبات الفضاء، ورُوَّاد المركبة ينْزَعِجون، تجده في السَّقْف، لا وَزْنَ له ! مَن جَعَلَ الأشياء كُلَّها تنْجَذِبُ إلى مرْكَزِ الأرض ؟ الأشياء مُسْتَقِرَّة على الأرض بِفِعْل الجاذِبِيَّة، كلمة كيلو وخمسة كيلو تعني قُوَّة جَذْب الأرض لِهذا البرتقال مثلاً:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[ سورة النمل ]
فلو لم تكن الأرض مُسْتقرَّة لوَجَدْتَ الخزانة في السَّقف، فربُّنا عز وجل يلْفتُ نظَرَنا إلى هاتَين الآيتَين الدالَّتَين على عَظَمَتِهِ

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارا﴾

[ سورة النمل ]
فالمعنى الأوَّل أنَّها مُسْتَقِرَّة في حركَتِها، والمعنى الثاني أنَّ الأشياء تسْتقرُّ عليها بِفِعْل الجاذِبِيَّة.
قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا(25)﴾

[ سورة المرسلات ]
الأشياء تلتفتُ عليها، وتجذِبُها إلى مركزها.
قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾

[ سورة النمل ]
لا يُمْكِن أن نَشْرَب ماءً مُحَلَّى، الماء الذي نَشْرَبُهُ فيه معادِن ؛ أثنى عشَر معدَنًا مُذابًا في الماء، لذا حين يُحَلّ الماء بِآلات مُعَقَّدَة جدًا لا بدّ مِن أن يُضاف إليه مِياهُ الآبار، وهذه الينابيع التي فيها الكالسيوم والمغنزيوم واليود كُلُّها مُذابَة في ماء الشُّرب، فَمَن جَعَل هذه المُستَودعات في بُطون الجبال ؟ ومن جعَلَ الصُّخور في الجبال على شَكل إسفنج ينْحَلُّ منها بعضُ معادِنِها بِنِسَبٍ ضئيلةٍ جدًا ؟ من جعل هذه الأنهار ؟ ومن جَعَلَ طبقات الأرض؛ طبقة كتيمة وطبقة نافِذة، فربُّنا عز وجل نقَّى الماء وأذاب فيه بعض المعادِن وخزَّنَهُ، والله تعالى قال:

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾

[ سورة الحجر ]
وضعوا إحْصاءً دقيقًا مِن فَتْرة ؛ لو أنَّ الإنسان أراد أن يُخَزِّن الماء لِسَنَة ؛ يحْتاج إلى مساحَة تُعادِلُ مساحَةَ بيْتِهِ تمامًا، عندك بيت أربعمائة متر وارتِفاع ستَّة أمْتار ؛ فهذا الماء يَكفيك سنة، هذا إن لم يَكُن هناك خزانات بالجبال، وقد وضَعوا خزَّانا بِجَبل قاسيون كلَّف أُلوف الملايين، فالله عز وجل يقول:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ ﴾

[ سورة النمل ]
الأرض تدور بِسُرْعة عالِيَةٍ جدًّا، وبعض الطائِرات التي تزيدُ سرْعَتُها عن سرعة الصَّوت ؛ إذا انْطَلَقَت من الشرق إلى الغرْب تتوقَّف الشَّمس ويتوقَّف الزَّمَن، ينطلق على الساعة السابِعَة ويصل إلى الساعة السابعة نفسها !! لأنَّهُ يدور مع الأرض أما مع العكس فالمسافة تتضاعَف سافَرْتُ مرَّةً إلى المغْرب وضاق الوقت، وبالعَودة تضاعَفَ الوقت لأنَّنا بالذَّهاب إلى الغرب نكون نمشي مع الأرض، وبالعَوْدَة عاكَسْنا جِهَة الأرض.
فيا أيها الإخوة، يقول تعالى:

﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾

[ سورة النمل ]
هذه السرعة العالِيَة تضْطرب الأرض بِسُرْعتها، وتأتي الجبال، ولها هدَف ميكانيكي، فالجبال من أحد وظائِفِها تَحقيق اسْتِقْرار الأرض أثناء دورانِها السريع.
قال تعالى:

﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً ﴾

[ سورة النمل ]
ثبتَ عبْر المركبات الفضائِيَّة والرَّصْد الفَلَكي أنَّ بين البَحْرين حاجِزًا فالبحر الأحمر والبحر الهندي، والبحر الأسوَد والبحر الأبيَض، فبَيْن البَحْريْن حاجِزًا، وهذا الحاجِز حتَّى الآن لم تُعْرَف طبيعَتُهُ إلا أنَّهُ من الثابِت أنَّ مياهَ كُلِّ بَحْرٍ لها مُكَوِّناتُها الخاصَّة، ولها مُلوحَتُها الخاصَّة، ولها كثافتها الخاصَّة، وكذا خصائصها، فَمِياهُ بَحْرٍ لا تَطْغى على مياهٍ أخرى وظَهَرَ لهم هذا بالتَّصْوير الجَوِّي ؛ رأَوْا خطًّا بين البَحْرين وهو خطّ وَهْمي، وخط تفاضل ألوان، وَجَدوا أنَّ مياه البحر الأحْمَر لا يُمْكِن أن تخْتلِط بِمِياه البحر العربي، ولا بالبحر المتوسِّط، والشيء الآخر أنَّ هذا الحاجِز مُضْطرِب أيْ يَتَحَرَّك، قال تعالى:

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ(20)فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(21)﴾

[ سورة الرحمن ]
فالله عز وجل يقول:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

[ سورة النمل ]
هذه الآيات دالَّة على الله، ويا أيها الإخوة الآيات الدالة على الله تعالى أوْسَعُ باب لِمَعْرِفَة الله، وأقْصر طريق إليه، وإنَّك إنْ فكَّرْت فيها واجَهْتَ عظمة الله وجْهًا لِوَجه، وهذه بعض آيات الله في الأرض ؛ دَوْرَتُها حول نفْسِها، وحول الشمس، والمسار بيْضَوي، وتسارع بطيء، وأقطار مختلفة، والتباطؤ بطيء، وإذا لم نلْتَفِت إلى نعْمة الاسْتِقرار فإنَّنا نعرف هذه النِّعْمة بالزِّلْزال، وخلال سبعة درجات على ريشْتر تنهدِم البيوت، ومدينة في الساحل من أكبر المُدن في المغرب جُعِلَ عاليها سافلها خلال ثواني !! لذا اُشْكروا نِعْمة الاسْتقرار.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-20-2018, 12:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس العاشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام: الآيات الأخيرة من سورة النَّمل لها مِحْوَر ؛ كيف أنَّ المسْبَحة أو السُّبْحة فيها حبَّات وفيها خيْط وهذا الخيط لا يُرى ولكن دليل وُجودِهِ ترابُط هذه الحبَّات، فنحن الآن أمام مجموعة آيات، وهناك مِحْوَرٌ يَجْمَعُ بينها جميعِها، ما هذا المِحْوَر ؟ قال تعالى:
﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ﴾

(سورة النمل )
خلقَ السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً، وأنْبَتَ بِهذا الماء حدائِقَ ذاتَ بَهْجَة لا يسْتطيعُ البشر جميعًا ولو اجْتَمَعوا أن يُنْبِتوا قَمْحًا ولا زرْعًا.
قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً ﴾

(سورة النمل )
جعلها تدور بهذه السُّرْعَةَ حوْل نفْسِها، وحَوْل الشَّمْس، ومع دورانِها مُسْتَقِرَّة، ومدارُها إهليلجي ولها قطر طويل وآخر قصير، ومن جعلها تزيدُ من سُرْعَتِها ؟ لينشأ من سرعَتِها قُوَّة نابِذَة تُكافِؤُ القوَّة الجاذِبَية ومنْ جَعَلها تُخَفِّضُ من سُرعَتِها ؟ كي تَقِلَّ قُوَّتِها النابِذة لأنْ لا تتفلَّت مِن مسارِها حَوْل الشَّمْس؟ ومن جَعَل تسارُعها بطيئًا ؟ ومَن جَعَل التباطؤ بطيئًا ؟ ومن جَعَل الأشياء مُسْتَقِرَّة على الأرض ؟ قال تعالى:

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)﴾

(سورة النمل )
هذه الآيات كُلُّها فيها مِحْوَر، وهذا المِحْوَر أنَّ الإنسان خُلِقَ ضعيفًا، ولم يطْمَئِنّ إلا إذا ركَنَ إلى قُوَّة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)﴾

[ سورة المعارج ]
والإنسان خُلِقَ عَجُولاً، لا يُسَكِّن روْعَتَهُ، ولا يُطَمْئِنُ خَوْفَهُ، ولا يقضي حاجَتَهُ إلا أن يلْجأ إلى رُكْنٍ وثيق، لذا أنت شئْتَ أم أبَيْتَ فلا بدّ مِن أن تعْبُدَ قُوَّةً، والعبادة لا بدّ منها، وأنت إما أن تكون عَبْدًا لله تعالى، وإما أن تكون عَبْدًا لِعَبْدٍ لله تعالى ‍! بُنْيَتُكَ ضعيفَة، وخلقَ الإنسان هلوعًا، فهذا الضَّعْف الخَلْقي ليس عَيْبًا فيك بل هو لِصالِحِك تمامًا الأجْهِزَة الغالِيَة جدًّا فيها وصْل ضعيف يُسَمَّونهُ فيوز فإذا جاء التَّيار قَوِيًّا أتْلَفَ هذا الوَصْل وحُفِظَ الجِهاز، فهذه النُّقْطَةَ الضَّعيفة في الجِهاز هي لِصالِحِ الجِهاز، ضمانًا لِسَلامَتِهِ، فالإنسانُ خُلِقَ ضعيفًا لِيَفْتَقِرَ بِضَعْفِهِ فيَسْعَدَ بافْتِقارِهِ، وله خُلِقَ قَوِيًّا لاسْتَغني بِقُوَّتِهِ، ولَشَقِيَ بها ! فالبُنْيَة أنَّك ضعيف وتخاف من أدْنى خطَر، وينْخَلِعُ القلب لأدْنى مُصيبَة ويتوقَّعُ الإنسان كُلّ شيء، فهذا الضَّعْف الخَلقي، وهذا الخوف، وهذا الجَزَع، وهذه العَجَلَة لا بدّ مِن أن تَدْفَعَك لِتَعْبُدَ إلهًا قَوِيًّا فالإنسان متى يطْمَئِنّ ؟ إذا عرَفَ أنَّ هناك قُوَّةً تَحْميهِ، فهذا على مُسْتوى الدنيا تجد من يُصاحِب القَوِيّ يَطْمَئِنّ، ويشْعر أنّ ما مِن واحِدٍ يتعدَّى عليه، يُخَبِّر ذاك القويّ ‍‍!! لكِنَّك إذا شَعَرْتَ أنَّ الذي خَلَق السماوات والأرض مَعَك، ولا يتخلَّى عنك، ويُدافِعُ عنك ويرْزُقُك مِن حيث لا تَحْتَسِب، ويُوَفِّقُكَ وينْصُرُك، ويُؤَيِّدُكَ، فأكبر قُوَّة بالكون هو الله عز وجل، فَمحْوَر الآيات أنَّ الإنسان خُلِقَ ضعيفًا، لِيَفْتَقِرَ بِضَعْفِهِ فَيَسْعَدَ بافْتِقارِه، مادام ضعيفًا وهلوعًا فلا بدّ له مِن قُوَّةٍ يرْكَنُ إليها والغَلَط أن ترْكَنَ لِغَيْر الله تعالى فهذا هو مِحْوَر الآيات.
فأنت أيها الإنسان أَتَعْبُدُ إلهًا خلق السماوات والأرض وأنْزَلَ مِن السماء ماءً فأنْبَتَ به حدائِق ذات بَهْجَة، هل تَعْبُدُ من هو دونهُ ؟ ! قال تعالى:

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)﴾

(سورة النمل )
ثُمَّ هذه الأرض مَن يُسَيِّرُها حوْل الشَّمس، وحول نفْسِها؟ ومَن جعَلَ الأشياء تَسْتَقِرُّ عليها ؟ اُعْبُد هذا الإله العظيم، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

(سورة النمل )
لذا أَنْ تَعْبُدَ قُوَّةً منيعَةً فهذا شيءٌ في أصْل فِطْرَتِك، ولاحِظ أنَّ الإنسان إن لم يُؤْمِن بالله تعالى تَجِدُه يلْجأ إلى إنسانٍ قَوِيّ ! ينْطَوي تحت لِوائِهِ وأُناسٌ كثيرون يلجئون إلى القِوَى البَشَرِيَّة حتَّى يطمئِنُّوا، فأنت بِحاجَة إلى قَوِيٍّ يَدْعَمُكَ، وإلى من يَحْميك، إلى مَن يُغَطِّيك، وإلى قُوَّة إن اسْتَنْجَدْتَ بها نجَّتْك، فالغَلْطَة الكبيرة أنَّ جِهَةً غير الله تعالى يُمْكِنُ أنْ تَحْميكَ، وأن تُسْعِدَكَ، وأن تُجيبَكَ وأنت مُضطَر، وأنَّ جِهَةً غير الله يُمكِنُ أن ترْزقكَ، قبيلَةٌ صنَعَت صَنَمًا مِن تمْرٍ فلمَّا جاعَتْ أكَلَتْهُ !! أتأكُل إلهَكَ ؟!! فالآن بِشَرْق آسيا بوذَا إلهٌ، وله معابِد ضَخْمة ليأكُلَها في الليل، ويأكلها الكَهَنة.
فيا أيها الإخوة، هذه الآيات دقيقة، فأنت أيها الإنسان ضعيف ولا بدَّ لك مِن قُوَّة كي تَحْميكَ، وأن تُسْعِدَكَ، وأن تُذيبَكَ وأنت مُضطَر فالبُطولة الحقيقيَّة أن تعرِفَ القوَّة الحقيقيَّة، مَن تعبُد ؟ قال تعالى:

﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) ﴾

(سورة النمل )
الله تعالى الذي خلَقَ السماوات والأرض هو الذي تَعْبُدُه فإذا كانت المجرَّة التي اكْتُشِفَت قبل أسبوعَين بُعْدُها عن الأرض ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والأربَع سنوات ضَوْئِيَّة لو أردْتَ أن تصل إليها بِمَرْكَبَةٍ لاحْتَجْتَ إلى خمسين مليون عام ! وقبل أسبوعَيْن أرْسَلوا مرْكَبَةً إلى المُشْتري وبَقِيَتْ تنطلِق في الفضاء خمْس سنوات بِسُرْعة خمسين ألف ميل بالساعة، وعلى هذه المَرْكَبة مَرْصَد عِمْلاق قُطْرُ عَدسَتِهِ ثمانِيَة أمتار، والْتَقَط قبل أسبوعَين أو ثلاثة هذه المجرَّة، قال تعالى:

﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾

(سورة النمل )
الذي ينبغي أن تعبُده لا بدّ أن يكون خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماءً، فلو لم يُنْزِل الله تعالى الماء لانْتَهى كُلّ شيء، تأتي أحْيانًا سنوات عِجاف تتراجَعُ فيها المحاصيل، وتغور الآبار، فمرَّةً أنْتَجَ قُطْرنا ثلاثة ملايين طنّ قَمْح، ونحن حاجَتُنا مليون طنّ والمليونَيْن هو مِن الفائِض، ومرَّةً أنْتَجْنا مائة وستّة وسبعون ألف طنّ فاسْتَوْرَدْنا بِمَبْلَغٍ فلَكي قمْحًا لِنَأْكُلَهُ، لذا الذي ينبغي أن تعبُدهُ أن يكون هو الرَّزاق ذو القوَّة المتين، والذي ينبغي أن تعْبُدَه أنْبَتَ لك النبات المحاصيل والشَّجَر، والذي ينبغي أن تعْبُدَه جعل الأرض مُسْتَقِرَّة وكلّ ما عليها مُسْتَقِرًّا، وجعل الأنهار مِن أجل حياتِك، والذي ينبغي أن تعْبُدَه أرْسى هذه الجِبال الشَّوامِخ، والذي ينبغي أن تعْبُدَه جَعَل بين البحرين حاجِزًا، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يسْتجيبُ لِدُعائِكَ وأنت مُضْطَرّ والذي ينبغي أن تعْبُدَه يَجْعَلُكَ خليفَةً له في الأرض، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يَهْديك في ظُلمات البرّ والبحر، والذي ينبغي أن تعْبُدَه يُحَرِّك هذه الرِّياح فَتَسوقُ السَّحاب، والذي ينبغي أن تعْبُدَه بدأ الخلْق وسَيُعيدُ الخلق ؛ فهذه هي صِفات الخالق الذي يجب أن تعبُدَهُ من أجلها، أما أنْ تَعْبُدَ مَخْلوقًا ضعيفًا سَبَقهُ عَدَم وسيَنْتهي إلى عَدَم لا يمْلِكُ لِنَفْسِهِ نفْعًل ولا ضَرًّا، فالذي يُعَلِّق الآمال على مَخلوقٍ مِثْلهُ، ويَعْتَقِد أنَّ هذا المخلوق ينفَعُهُ ويضُرُّه، وأنّهُ يسْمَعُهُ إن دعاهُ، وقَعَ في وَهْمٍ كبير، فالآيات تُريد أن تنْهانا عن الشِّرْك، والمِحْوَر لهذه الآيات ؛ أنَّك إنسانٌ ضعيف وقد خُلِقْتَ ضعيفًا لِصالِحِ إيمانِك مِن أجل أن تلجأ إلى الله، فإذا الْتَجَأت إلى ما سِواه فقد وَقَعْتَ في وَهْمٍ كبير، وشرِّ كبير، فلو فرضْنا أنَّ أحدهم ذاهِبٌ إلى حلب ليأخذ مبلغًا، فهذا قد يرْتكب عِدَّة أخطاء، فقد يجلس في غير المكان الذي دفَعَ من أجله، ويجلس في اتِّجاهٍ مُعاكِس وغيرها من الأخطاء ولكنَّه لا يُمكن أن يرتكِبَ خطأً واحِدًا، وهو أن يتَّجِهَ إلى درْعا، فهذا معنى قول الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)﴾

[ سورة النساء ]
فإذا كنتَ مُتَوَجِّها إلى الله فَكُلُّ شيءٍ ينْحَلّ، أما إن كُنْتَ مُتَوَجِّها إلى غير الله، فهذا هو الشِّرْكَ الذي لا يُغْفَر، وهذا هو السَّراب، قال تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾

[ سورة النور ]
فَالذي يُشْرك، كَمَن هو في الصَّحراء،يظنّ أنَّه رأى الماء فإذا ذَهَب لم يَجِد شيئًا.
هذه الآيات من أجل التوحيد والشِّرْك، وأنت في أصل بُنْيَتِك تحتاج إلى قوَّة تلجأ إليها، فإن لم تعرف الخالق لجأتَ إلى المخلوق الذي لا ينفعُ ولا يضرّ.
فَمُلَخَّص الموضوع، يجب أن تعرِف على مَن تعتَمِد، إلى من تلجأ، ومَنْهجُ مَن تتَّبِع، والقرآن كلُّها على التَّوحيد، وما تعلَّمَت العبيد أفضل من التَّوحيد.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-20-2018, 12:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الحادى عشر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، وفي نِهاية سورة النَّمل آياتٌ كثيرة تُعَدُّ تعْقيبًا وتلْخيصًا لِفَحْوى السورة ومَضْمونِها.
فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)﴾

[ سورة النمل ]
ألَمْ يسْأل أحدكم هذا السُّؤال: لماذا أكْثَرَ الله في كتابِهِ الكريم الحديث عن بني إسرائيل ؟ وما علاقتنا بِهِم ؟ بعضهم أجاب الإجابة التالِيَة: قال إنّ الأمراض التي وَقَعوا فيها، وأصابَتْهُم هي أمْراضٌ يُمْكِن أن تُصيبنا نحن المسلمين، فالذين جاءهم الكتاب وطال عليهم الأمَدَ، وقَسَتْ قلوبهم، وقالوا سمعنا وعَصَيْنا، قال تعالى:

﴿ قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24)﴾

[ سورة المائدة ]
هذه أمراض وبيلة وقَع فيها بنو إسرائيل، سيِّدنا سعد بن أبي وقاص لما سأل النبي أصحابه قُبَيل معركة أحد: ماذا نفعل ؟ فقال: لعَّلك تظنُّنا يا رسول الله تُريدُنا ؟ فقال: نعم، والله يا رسول الله لقد آمنَّا بك وصدَّقْناك، وشَهِدنا أنَّ ما جئتَ به الحق، وأعْطَيناك على ذلك عُهودَنا ومواثِقَنا، يا رسول الله ؛ لو خُضتَ بنا هذا البَحْر لَخُضْناهُ مَعَك، وما تخلَّفَ مِنَّا رجلٌ واحِد، ولا نقول لك كما قال بنوا إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا ههنا قاعدون وإنَّما إنَّا معك مُقاتِلون، صِلْ حِبالَ مَن شِئْتَ واقْطَعْ حِبال مَن شِئْتَ وسالِمْ مَنْ شئْتَ، وعادي مَن شِئْتَ، وخُذْ مِن أموالنا ما شئتَ، ودَع ما شئْت، فوَ الذي بعَثَك بالحق للَّذي تأخذهُ مِنَّا أحَبُّ إلينا مِمَّا تَدَعُهُ لنا هذا موقف الصحابة الكرام، فالإنسان أحيانا يكون مِمَّن بلغَتْهُ رِسالة النبي عليه الصلاة والسلام، يَنْغَمِسُ في الدنيا، ويَقْسو قلْبُهُ، يُقَصِّر في عباداتِهِ، يَبْخَلُ بِمالهِ ووقْتِهِ وجُهْدِهِ، لا يُقَدِّمُ شيئًا للمسلمين، فهذا قد أصابَتْهُ أمراض بني إسرائيل، قال تعالى:

﴿ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(93)﴾

[ سورة البقرة ]
ولما طلب الله منهم الإنفاق قالوا:

﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(181)﴾

[ سورة آل عمران ]
قال تعالى:
﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾

[ سورة المائدة ]
فلذلك الإنسان إذا جاءَتْهُ رِسالة وانْكَبَّ على الدنيا مُرشَّحٌ كي يُصاب بِأمْراض وبيلة مُهْلِكَةٍ خطيرة ماحِقَة كالتي أصابَت بني إسرائيل ولعلّ في الأُسلوب الحكيم أنّ الله تعالى حدَّثَنا عن بني إسرائيل، وعنانا بهذا الحديث، فالله مثلاً قال:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ(66)﴾

[ سورة المائدة ]
قِسْ عليه كتاب الله، فلو أنَّنا أقَمنا كتاب الله لأكلْنا من فوقنا ومن تحت أرجلنا، وقال تعالى:
﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾

[ سورة الجن ]
وقال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾

[ سورة الأعراف ]
قال تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11)وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12)مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(13)﴾

[ سورة نوح ]
فالإنسان إذا قرأ القرآن ومرَّ في قِراءَتِهِ على بني إسرائيل، وكيف عامَلوا نبيَّهُم موسى، وكيف صَنَعوا عِجْلاً جسَدًا له خُوار، كما قال تعالى:

﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ(88)﴾

[ سورة طه ]
وكيف تَخَلَّوا عن نبِيِّهم الكريم وبَخِلوا بِمالِهِم، وحرصوا على الدنيا قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(94)﴾

[ سورة البقرة ]
وقال تعالى:

﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(6)﴾

[ سورة الجمعة ]
فالإنسان إذا قرأ ما أوْرَدَهُ الله عن بني إسرائيل يجب أن يَعُدَّ هذا الخِطاب له لكنَّ الله جاء بِأُسْلوب تَرْبَوي حكيم، فالأب أحْيانًا لِحِكْمَة بالِغَة يتحدَّث عن شاب ابنُ صديقِهِ، وكيف انْحَرَفَ عن منْهَجِ الله وكيف أصابَهُ ما أصابَهُ، ويُسْمِعُ ابْنَهُ هذا الكلام، فلو أنَّهُ خاطَب ابْنَهُ هذا بالكلام مُباشَرَةً لما قَبِلَهُ ابْنُهُ، ولعَّلهُ يُناقِش، ويُحاوِر، ويُكابِر أما إذا حدَّثْتَ عن إنسانٍ آخر ما أصابَهُ، وما أحَلَّ به، فهذا الكلام أقْرَبُ في نفْسِهِ، وأيْسَرُ في الدخول إلى قلبِهِ، فحينما نقرأ عن بني إسرائيل في كتاب الله فهذا أُسلوب حكيم أراد الله أن يُطْلِعَنا الله عن أمراضٍ وبيلةٍ مُهْلِكَةٍ أصابَتْ هؤلاء القوم، فيا أيها المُسْلِمون اِحْذَروا أن تُصيبَكُم أمراض بني إسرائيل، مُنِعوا من صَيْد السَّمك يوم السَّبْت فصَنَعوا بُحَيْراتٍ على شاطئ البِحار، واسْتَقْبَلوا الحيتان يوم الجُمُعَة وأغْلَقوها يوم السَّبت واصْطادوها يوم الأحد، أَلَيْسَتْ هذه حيلَةً شَرْعِيَّة أليْسَ هناك مُسْلِمون كُثُر يفْعَلون الحِيَل الشَّرْعِيَّة، وكأنَّ الله غافل عنهم لقد ضَعُفَ الدِّين في حياة الناس، فالحِيَل الشَّرْعِيَّة دليل ضَعْف الإيمان لذلك إذا قرأْتُم عن بني إسرائيل تَرَوْنَ العَجَب العُجاب ؛ الحِيَل الشَّرْعِيَّة والبُخْل، والانْغِماس في الدنيا، وعبدوا الذَّهَب من دون الله، وجعلوهُ إلهًا، فالذي يُعَدُّ دينُهُ ودَيْدَنُهُ الدِّرْهَم والدِّينار، ويبْخل بِمالِهِ ؛ هذا أصابَتْهُ أمراض بني إسرائيل، فإذا حدَّثنا ربُّنا عن بني إسرائيل فالحديث على طريقة: إيَّاك أعْني واسْمَعي يا جارة !
قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77)﴾

[ سورة النمل ]
ما الفرق بين الهُدَى والرَّحْمة ؟ الهُدى أن يَمْشي إنسانٌ في طريق مُظْلِم وطريق مملوء بالحُفَر والحشرات والأفاعي وصُخور وعَقَبات، فإذا كان الظلام دامِسًا أُصيبَ بِحاجِزٍ ووقَعَ في حُفْرة، أو صدَمَتْهُ صَخْرة لدَغَتْهُ حيَّة، فالهُدى أن تَحْمِلَ مِصْباحًا كشَّافًا، وبه ترى كُلّ شيء فالقرآن هُدَى ترى به كُلّ شيء ونورٌ مِن الله، قال تعالى:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15)﴾

[ سورة المائدة ]
أما الرَّحمة فهو إن طبَّقْتَهُ جاءَتْكَ الرَّحَمات من الله عز وجل، فَكِتابُ ربِّنا هُدًى ورحمةً، تسْتنير به، وإذا طبَّقْتَهُ تَسْعَدُ به، والرَّحْمة السعادة والطُّمأنينة والسلام، والهُدى البصيرة، فأنت ترى وتسْعد،:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)﴾

[ سورة النمل ]
فإذا كان المسلمون مختلفون، شِيَعًا وفِرَقًا وأحْزابًا، وطوائِفًا وتَصَوُّرًا وسَلَفِيَّة وتصَوُّف، والرِّفاعِيَّة، فنحن إذا اخْتَلَفْنا وتفرَّقْنا فالله يحْكم بيننا، فالسعيد مَن كان على منهج الله ومنهج رسولِهِ، لا أن يكون مع المتفرِّقين، الله تعالى يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(159)﴾

[ سورة الأنعام ]
فَكُلُّ إنسانٍ ينْطوي على إخلاصٍ شديد يَحْرَصُ على وَحْدة المسلمين وأن تذوب الفُروق بينهم، ويحْرص على أن يتعاوَنوا فيما اتَّفَقوا، وأن يتسامَحوا فيما اخْتلفوا، يقول الإمام الشافعي: أنا على حق، وخَصْمي على باطل، وقد أكون مُخْطئًا، وخصْمي على باطل وأنا على حق وقد يكون مُصيبًا، اِجْعَل عَقْلَكَ مَفْتوحا وتفهَّم رأْيَ الطَّرَف الآخر، لذا لا تعْتقد أنَّك الوحيد على الحق والناس كُلُّهم على ضلال، فالعَقْل المفتوح والقدرة على المُحَاوَرة، والفَهْم والتَّفَهُّم هذا مِمَّا يجْمَعُ شَمْل المُسْلِمين ولا يُفَرِّقهم، فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)﴾

[ سورة النمل ]
فالإله الذي تَعْبُدُه إذا كان لا يَحْميكَ مِن خُصومِكَ فلا معنى لِعِبادَتِهِ فالله عز وجل قال:
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[ سورة هود ]
أنت حينما تتوكَّل على الله فإنَّك تتوكَّل على القويّ والعليم والحكيم والكريم والعزيز، قال تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(13)﴾

[ سورة التغابن ]
فأنت إما أن تكون مُتَوَكِّلاً، وإما أن تكون غير مؤمن، قال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾

[ سورة المائدة ]
يعني علامة إيمانكم تَوَكُّلُكم على الله، والتَّوَكُّل مَتى يكون ؟ مع الخطر الداهِم، فالخَطر مَقْصود من الله عز وجل، فالإنسانُ تُساق له بعض الأخطار لِيُرَى تَوَكُّلُه، والإنسان يقول حينما تُحدق به الأخطار: يا رب ليْسَ لي سِواك، وحَسْبيَ الله ونِعْمَ الوكيل، وهذه مِن الأذْكار فالإنسان إذا كان على حق، ودَخْلُهُ حلال، وجَوَارِحُهُ مَضْبوطَة، وكذا بيتُهُ وعملُهُ، فإذا كان لهُ أعْداء وخُصوم فلا ينبغي أن يَخْضَعَ لهم ويذِلَّ أمامهم، قال تعالى:

﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾

[ سورة النمل ]
ولكنَّ الإنسان المقبور ِبشَهَواتِهِ ؛ هذا إنسانٌ ميِّت، قال تعالى:

﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(52)﴾

[ سورة الروم ]
الموتى هنا المُنْغَمِسون في الشَّهوات، وقال تعالى:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾

[ سورة النحل ]
وقال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

[ سورة الأنفال ]
يعني أنَّكم كُنتم أمواتا، والإنسان قبل التَّوبة هو من الأموات، وقبل أن يعرف الله، ويتَّصِل به، وقبل أن يصْطَلِحَ معه، ويتعرَّف إلى منْهَجِهِ يقول سيِّدنا عليّ رضي الله عنه: يا بُنيّ ماتَ خُزَّانُ المال وهم أحْياء، والعلماء باقون ما بَقِيَ الدَّهْر، أعْيانُهُم مَفْقودَة، وأمْثالهم في القلوب مَوْجودَة، والعِلْم خيرٌ مِن المال ؛ لأنّ العِلْمَ يَحْرسك، وأنت تحْرس المال، والمال تنْقصُه النَّفقَة، والعلم يزْكو على الإنفاق، لذلك قال تعالى:

﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(52)﴾

[ سورة الروم ]
وهذه الآية فيها إعْجاز عِلْمي، فالأصَمّ ينْمو له ذكاءٌ خارِق، وهو يفْهم بالإشارة، فالأصَمّ إذا نظَر إليك فهِمَ ما تريد، أما إذا ولَّوا وأداروا ظهورهم حينها لا يسْمعون.
آيات اليوم تُبيِّنُ أُسلوب العزيز الحكيم في خِطاب المسلمين عن طريق خِطاب بني إسرائيل، وتُبيِّن أنَّ القرآن هُدًى ورحمة، وتُسْعِدُ به ويُبَيِّن أنَّه مهما اخْتلفْنا فالله يحْكم بيننا يوم القِيامة، وأنَّك إن لم تتوكَّل على الله تعالى فلَسْتَ مؤمنًا، وتُبَيِّن أنَّ الإنسان إن لم يُؤْمِن فهو ميِّت، قال تعالى:

﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(52)﴾

[ سورة الروم ]
وحُبُّك الشيء يُعْمي ويُصمّ، والأعمى لا يرى ولا يسْمع، قال تعالى:

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)﴾

[ سورة البقرة ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-20-2018, 12:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النمل (27)


الدرس الثانى عشر





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .



تمهيد :



أيها الإخوة الكرام ؛ القرآن الكريم كلام الله ، وفيه بيانٌ لِكُلّ شيء ، وتفصيل لِكُلّ شيء ، إلا أنَّ في القرآن الكريم ظاهرة تلفت النَّظر وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى ذكرَ في كتابِهِ الكريم أُصول الحقائق .
فالأرض كُرَة تَدور حوْل الشَّمس وحول نفْسِها ، وهي في حركةٍ دائِمَة ، ولكنّ الوقت الذي نزل فيه القرآن كانت العُلوم في بدايتها ، فالأرض عند العرب مُنْبسِطَة وجامِدَة والجبال راسخة ، فربُّنا سبحانه وتعالى اخْتار هذا العصْر لأنَّهُ عصر مِثالي لِنُزول الوَحي ، واختار هذا المكان لأنَّه بعيد عن تلاحق الحضارات ، واختار البيئة العرَبِيَّة لِصفائِها ووُضوحِها ولكن هناك مُشْكِلة وهي لو أنّ الحقائق جاءَتْ مُفصَّلةً كما هي عليه لأوْقَعَ العرب في عهْد النبي في اضْطراب وشكّ ، ولو أنَّ الله عز وجل أغْفل الحقائق الكَوْنِيَّة لوَقَعْنا في اضْطِراب ،




معجزة القرآن الكريم في آياته الكونية .



لذلك بعض علماء التَّفسير لفَتَ نظَرَهُ هذه الآية ، قوله تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 87 ]
فقد يتوهَّم القارئ أنَّ هذه الآية الثانِيَة مُتَعَلِّقة بِيَوْم القيامة ، فقوله الله تعالى :
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
إنَّها آيةٌ كَوْنِيَّةٌ واقِعَة ! وراهِنَة ، فَمَرَّ السَّحاب في سرْعَتها ومرَّ السَّحاب في هُدوئِها ، ومرَّ السَّحاب في كتلتها ، قال تعالى :
﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما بيَّنَ وما فصَّل الآيات الكَوْنِيَّة ، وترَكَ كُلَّ آيةٍ لِوَقْتِها وزمانِها ، فلو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بيَّنها وفصَّلها لَشَكَّ أصْحابُهُ في هذا الكلام ، ولو أنَّهُ بيَّن فَحْوى هذه الآيات بِشَكْل حقيقيّ كما عرَفْناها نحن الآن ، لأرْبَكَ أصْحابه ، ولو أنَّهُ فسَّرَ تفْسيرًا بطيئًا يتناسب مع عُقول العصْر الذي نزل فيه القرآن لشَكَكْنا نحن ، فالآيات الكَوْنِيَّة أحجَمَ عنها النبي عليه الصلاة والسلام عن تفْسيرها ، وترَكَ كُلّ آيَةٍ لِوَقْتِها ، فهذا سيِّدُنا علي رضي الله عنه يقول : في القرآن آيات لمَّا تُفسَّر بعد ، فالعِلْم كُلَّما تقدَّم كشَف عن جانب في إعْجاز هذا القرآن ، والحقيقة أيها الإخوة ، أنتم أمامكم كتاب هو مُعْجِزَة عَقْلِيَّة إلى يوم القيامة ، فالذي قرأ هذه في عَهْد قد يتبادَر في ذِهْنِهِ أنَّهُ يوم القيامة ، قال تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآيات : 87-88 ]
لكنَّ هذه الآية الآن واقِعَة فَجِبال الهمالايا والألب ؛ هذه تَمُرّ مرَّ السَّحاب ، قال تعالى :
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
وقد ذَكَرْتُ لكم قبل أسْبوعَين أو أكثر أنَّه في الوقت الذي نُصَلّيِ فيه الظهر عشر دقائق مثلاً، تَقْطَعُ فيه الأرض إحْدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر ‍! لأنَّ الأرض تقْطع في الثانِيَة الواحِدَة ثلاثين كيلومتر ، ففي الوقت الذي نسْتغْرِقُهُ لأداء صلاة الظهر فقط تقطع الأرض إحْدى عشر ألف وثمان مائة كيلومتر .
قال تعالى :
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 88 ]
أما مرَّ السَّحاب ، فإذا كانت هناك مدينة كَبَيْروت مثلاً إلى جانب المطار ، الضَّجيج لا يُحْتَمَل فالطائرة لها صَوت يُساوي مائة وخمسٌ وعِشرون بِسِبِل ، وهذه هي وِحْدة قِياس الضَّجيج ، فالإنسان إذا سَكَن بيْتًا جانب المطار ربَّما يُصاب بِضَعْف السَّمع ، والأصوات العالِيَة دائِمًا تُخَرِّص الأذُن وتُضْعِفُها ، فطائرة من أحدث ما توصِّل إليه تحْمل خمسمائة راكب إذا طارَت تُحْدِث ضجيجًا فوق المدن ، فكيف بهذه الأرض وهذه الجبال التي تمرُّ مرَّ السَّحاب دون صَوت ؟! انْعِدام الصَّوت دليل إتْقان الصَّنْعة فالمُكَيِّف الذي دون صوت غالي على المُكَيِّف الذي فيه صوت والمركبة التي فيها صوت خفيف معناها أنَّ فيها تَقْنِيَّة عالِيَة جدًا فالجبال والأرض تمرّ مرَّ بِسُرْعَتها وهُدوئِها فالأرض تدور ثلثين كيلومتر في الثانِيَّة ومع ذلك لا صَوتَ لها .


الحسنة والسيئة .



ثمَّ يقول الله عز وجل ، ودَقِّقوا في هذه الآية :
﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 90 ]
مُلَخَّصُ المُلَخَّص أنَّك في الدنيا :
إما أن تأتي يوم القيامة بالحسنات ؛ في تَرْبِيَة أولادك ، وأعمالك الصالحة مِن إنفاق المال والجُهْد والعلم ، وفي الإخلاص والاسْتِقامة .
وإما أن تأتي بِسَيِّئَةٍ تكون سبب هلاك الإنسان يوم القيامة .
فالإنسان عليه أن يتفحَّص عمله وبِدِقَّة بالغة ، لأنّ الحسنة بِعَشْر أمثالها ويزيد ، والسيِّئَة بِمِثْلها وتُسَبِّب هلاك صاحبِها .


لماذا خلقنا الله ؟



ثمَّ يقول الله عز وجل :
﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
قد يقول قائلٌ : لماذا خَلَقَنا الله عز وجل ؟
هذا القرآن أجاب الله عنه فالإنسان أحيانًا يريدُ أن لا يفْهَم ، ويريد أن لا يعرف ، حتَّى لا يكون بِوَهْمِهِ مَسْؤولاً !! الإنسان جاء إلى الدنيا وكتاب الله الذي بين أيْدينا يُبَيِّن أنَّهُ جاءَهُ لِيَعْبُدَهُ ، قال تعالى :
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56 ]



العبودية لله تعالى .



فالله تعالى :
﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
هذه اللام ؛ له كُلَّ شيءٍ هي لامُ الملكيَّة ، الكَون كُلُّه ملك الله ، وهو ملْك خلْق وتصَرُّف وملكُ مصير اُنْظُر إلى الإنسان أحْيانًا يَمْتَلِكُ بيْتًا ولا ينْتفع به ؛ مُؤَجَّر ، وهناك مَن ينتفِع ولا يَمْلك ، وهناك مَن ينتفِع ويَمْلِك لكِنَّ مصير هذه البيت ليس له فالله له الملْكِيَّة التامَّة ، وربُّنا عز وجل يقول :
﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
ملك الخلق قال تعالى:
﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 62 ]

وله ملْكِيًّة المصير ، قال تعالى :
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة مريم الآية : 40 ]

فلماذا أُمِرْتَ أيُّها النبي ويا أيها المؤمن أن تعبُد الله ؟ لأنَّ الله له كلّ شيء ، خلقَ وسَيْطَر وهَيْمَن وتصرَّف والمصير إليه ، لذلك يجب أن تعبُدَهُ ، فالعبادة تقْتضي أن تعْبُدَ الله الخالق، والذي بيَدِهِ الأمْر ، وأن تعْبُدَ الذي بيَدِهِ المصير، خلق وعبد وتصرَّف ، فالعبادة الحقَّة لا تكون إلا لله تعالى ، لأنَّ الخالق والمتَصَرِّف .
العبادة غايَةُ الطاعة ، وغاية الخُضوع والحبّ والإخلاص ، ولكنَّ هذه المشاعر لا يمكن أن تكون إلا بِمَعْرِفَة الله ، فالمعْرفة سبب والانْصِياع لله ثَمَن ، والهدف رحْمة الله في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :
﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية : 32 ]

خلقنا تعالى لِيَرْحَمَنا ، ولو أنّ الله سبحانه وتعالى خلقنا لِيُعَذِّبنا ، وجاء بنا إلى الدنيا لما عالَجَنا كما عالَجَ بَقِيَّة الناس ، قال تعالى :
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية : 33 ]

لذا دليل مُعالَجَة الله لِكُلّ الناس ، الناس جميعًا خُلِقوا لِيُرْحَموا .
ثمَّ يقول الله عز وجل :
﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
الاسم الجامِع لِكُلّ الأدْيان السَّماوِيَّة هو الإسلام ، ولا يوجد نبيّ على الإطلاق إلا وهو مُسلم ، والإسلام بِمَفْهومِهِ الواسِع هو الاسْتِسلام لأمْر الله ، فَكُلّ دين سَماوي اتِّباعُهُ هو الإسلام ، وهو بِالمَفْهوم الضيِّق الرِّسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام ، أما المعنى الواسِع ؛ كُلّ طاعَةٍ لِمَنْهج الله هو من الإسلام ، فالآية جاءت هنا
﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 91 ]
مِمَّن اسْتَسْلم لله تعالى ، وأطاعَهُ .
ثمّ قال تعالى :
﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 92 ]
فالإنسان مِن دافِعِ حُبِّه نفْسَه ، ومِن دافِعِ حبِّ وُجودِه ، ولاسْتِمْرار وُجودِه يجب أن يكون مُطَبِّقًا لله عز وجل ، لأنَّ الخير كُلَّه يعود عليه ، قال تعالى :
﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 93 ]
ما مِن مؤمن على الإطلاق ، يخطبُ وُدَّ الله بِطاعةٍ وقِيام ليل وتِلاوَة قرآن واسْتِغفار وذِكْرٍ إلا وَيُريهِ الله من آياتِه ، ولا تظن أنّ من يمْشي مع الله بِقَناعاتٍ ليس إلا ، بل الأمر أبْلَغ من ذلك ، وكلّ من تقربَ إلى الله تقرَّب إليه الله ، وذلك بالتَّوفيق والتَّأييد والنّصْر وانْشِراح الصَّدْر والثِّقة بالله عز وجل ، فهذه هي التي تدْفع الإنسان إلى المزيد من طاعة الله عز وجل ، فلذلك قال تعالى :
﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 92 ]
سَيُريكُمْ آياتِهِ ، وأنا أقول لكم هذا الكلام وأنا أعرف ما أقول : لا يوجد واحِد من الحاضِرين ، وأنا معكم إذا أخْلصَ لله ، وآثَرَ مرضاة الله ، فلا بدّ مِن أن يُرِيَهُ الله مِن آياتِهِ، والآيات خَرْقٌ للعادات ، قد يكون الواحِد بِمُشْكِلَة كبيرة فَتَنْزاحُ عنه دون سبب وتنْصرف عنه وهو مُطْمَئِنّ ، ويكون له ضَعْف نفْسي فَيُقَوِّي الله له نفْسه ، وله أعداء يقْمعهم الله ، آياته شيء غير مألوف ، لذا أيُّ إنسان يستقيم على أمْر الله ، ويُطيعُهُ مُخْلِصًا فلا بدّ مِن أنْ يُرِيَهُ مِن آياتِهِ فمَن طلبَ العفاف يسَّر الله له الزواج ، ومَن طلب الرِّزق الحلال فالله يُيَسِّر حرامًا ، لذا ما مِن واحِدٍ إلا وأرى الله له آياتِهِ ؛ حِفْظًا وتَوْفيقًا وتأييدًا ونَصْرًا فالله إن تقرَّبْت إليه شبْرًا تقرَّب إليك ذِراعًا ، وإن تقرَّبْتَ إليه ذِراعًا تقرَّب إليك باعًا ، وإن أتَيْتَهُ مَشْيًا أتاك هَرْولةً ، لذا ما عليك إلا أنْ تتحرَّك وعلى أوَّل حركة تجد تغيُّر في المعاملة ، قال تعالى :
﴿ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾

[ سورة النمل الآية : 92 ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-21-2018, 12:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الاول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، قبل أن أشْرَحَ الآيات الأولى من سورة القصص فلا بدّ مِن مُقدِّمَةٍ تُلْقي ضَوْءًا على هذه الآية.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:
((َ لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ))

[ رواه أحمد ]
لأنَّه حينما يقضي وهو غضْبان اضْطربَتْ أحْكامُهُ، ولم تأت عادِلَة فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى القاضي أن يحْكُمَ بين الناس وهو غَضْبان، جاء الفقهاء وقالوا: ما عِلَّةُ هذا النَّهي ؟ عِلَّةُ هذا النَّهي أنَّ الغَضَب يجْعل أحْكام القاضي مُضْطربة، وأيُّ شيءٍ آخر يجْعل أحْكام القاضي مُضْطربةً مَنْهِيٌّ عنه بالقياس على هذا، فلو أنَّ ابن القاضي كان مريضًا مرضًا شديدًا، فهذا المرَض الشديد الذي ألمَّ بابنِهِ ربَّما جعل أحْكامَهُ مضْطربَةً، فالفقهاء حَمَلوا على الغضب ثلاثًا وثلاثين حالة، إذًا ليْسَت العِبْرة أن يغْضَبَ فقط، بل أيُّ شيءٍ يساوي الغضَب في العِلَّة فَهُوَ مَنْهِيٌّ عنه أيضًا، فهذه قاعِدَة.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((تجِبُ الزَّكاة في القمْح والشَّعير والزَّبيب والتَّمْر ))
طيِّب لو كان الآن رجلٌ عنده مزْرعة نصْف مليون تُفَّاح أليس عليه زَكاة ؟ وهناك آلاف المحاصيل فيها فواكه وثِمار فهل هذه خارجة عن الزَّكاة ؟ قال العلماء: تجبُ الزَّكاة في عِلَّة هذه الأصْناف لا في عَيْنِها، فأيُّ مَحْصول ذو قيمة عليه زَكاة، أما في عَهْد النبي فقد كان القَمح والزَّبيب والشَّعير، أما الآن التُّفاح والأجاص والفريز ثَمينة جدًّا، فالعلماء قالوا: تجبُ الزَّكاة في عِلَّة هذه الأصْناف لا في عَيْنِها، فأيُّ مَحْصول ذو قيمة يتَّحِدُ مع القمح والزَّبيب والشَّعير في العِلَّة فالزَّكاة تَجِبُ فيه.
مِن هذين التَّنْبيهَين ننتقل إلى هذه الآية، قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

[ سورة القصص ]
كأنَّ البشَر أصْنافٌ ثلاثة صِنْفٌ عرَفَ الله و أطاعه، فهذا نجا وصِنْفٌ عرَفَهُ وقصَّر في طاعَتِهِ، وصِنْفَ ما عرفه وما أطاعهُ، فالصِّنْفُ الثاني والثالث ماذا يفْعَلُ الله بِهِم ؟ الأوَّل عرفهُ وأطاعَهُ، قال تعالى:

﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)﴾

[ سورة الفجْر ]
هؤلاء نَجَوْا وسَعِدُوا في الدنيا والآخرة، ولكن هناك صِنْفان ؛ إنْسانٌ عرف الله وقصَّر في طاعتِهِ، وآخر لم يعرفه فلم يُطِعْهُ ! فكيف يُعالِجُ الله هذين الصِّنْفَيْن ؟ هذان الصِّنْفان يُعالَجان بالطَّريقة التالِيَة: إذا عصاني مَن يَعْرِفُني سلَّطْتُ عليه من لا يَعْرِفُني فالذي يعْرِفُ الله وقصَّر في طاعَتِهِ يُسَلَّطُ عليه مَن لا يعْرِفُهُ إطْلاقًا فضَغَط عليه َ واسْتَباحهُ ونكَّل به، لعلَّ هذا الذي يعرفُ الله والمُقصِّر في طاعَتِهِ لعلَّهُ يصْحو ! ولعلَّهُ يصْطلِحُ ويتوب إلى الله، فإن تابَ عكَسَ الآية مكَّنَ الضَّعيف من القَوِيّ، فلعلَّ القَوِيَّ يتوب مرَّةً ثانِيَة، إيَّاكُم أن تفْهَموا هذه الآية وصْفًا لِحَدَثٍ وقَعَ، بل هو مُتَكَرِّرٌ دائِمًا، إذا كان للكُفَّار علينا ألف سبيل وسبيل، فنحن في حياتنا نرْتَكِبُ ألف مَعْصِيَةٍ ومَعْصِيَة، إذا عصاني مَن يعْرِفُني سلَّطْتُ عليه مَن لا يعْرِفُني وأنا ملِكُ المُلوك ومالكُ المُلوك، قلوب المُلوك بِيَدي فإنْ أطاعني العباد حوَّلْتُ قلوب الملوك عليهم بالرَّأْفَة والرَّحْمة، وإن عصاني العباد حوَّلْتُ قلوب الملوك عليهم بالسُّخْطة والنَّقْمة، فلا تشْغلوا أنْفسَكم بِسَبِّ المُلوك وادْعوا لهم بالصَّلاح فإنّ صلاحَهم بِصَلاحِكُم، والذي لا يعْرِفُ الله يُسَلَّطُ على الذي يَعْرِفُهُ، فلعلَّ هذا المُقصِّر يتوب ويُنيب ويرْجع ولعلَّه يصْطلح ويسْتغفر، فإذا عادَ مكَّنَهُ، قال تعالى

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾

[ سورة القصص ]
والظالم سَوْطُ الله ينتَقِمُ به، ثمَّ ينْتَقِمُ منه.
فالبشَر أصنافُ ثلاثة، الأوَّل مَن عرف الله، وأطاعَهُ نجا، وهذا ليس للكافر عليه سبيل، قال تعالى:

﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾

[ سورة النِّساء ]
وقال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النساء ]
هذا الصِّنْف خارِج الحِساب، أما الذي عرَفَهُ وعصاه، كَحَال المسلمين مليار ومائتان مليون مسلم ! ليسَتْ كلِمَتُهم هي العليا، فإذا كان للكفار عليهم ألف سبيل وسبيل فلأنَّهم يقْترفون ألف معْصِيَة ومعْصِيَة والظالم سَوْطُ الله ينتَقِمُ به، ثمَّ ينْتَقِمُ منه، أما الآية الدقيقة التي تُؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[ سورة الأنعام ]
فهذه الآية تكاد تكون قانونًا، دَعْكَ من مُلابساتِها، والأسماء، والظروف واجْعَلْها قانونًا قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

[ سورة القصص ]
فالإنسان العاقل إذا أصابَهُ ما يكْرهُهُ راجَعَ نفْسَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ"))

[رواه مسلم]
ما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاج عرقٍ ولا خدْش عودٍ إلا بما قدَّمَتْ أيْديكم، وما يعْفوا الله أكثر، اِجْعَل هذه الآية نُصْب عيْنَيْك:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النساء ]
فالمؤمن يُحاسِبُ نفْسَهُ حِسابًا عسيرًا لِيَكون حِسابُهُ يوم القيامة يسيرًا فإذا أصابَهُ ما يُؤْلِمُهُ يتساءل ويبْحَث، ويُدَقِّق ويتأمَّل، مِن أجل أن يصِلَ إلى الذَّنب الذي اقْتَرَفهُ حتى لا يُعيدُهُ مرَّةً ثانِيَة، فأحيانًا تجد موظَّفًا يُعامَل بِقَسْوة وبِشِدَّة من طريف المدير لماذا جعل الله له عليك سبيلاً ؟ إذا كنتَ تَقِيًّا ونقِيًّا وورِعًا، لا يستطيع أن يكون لِهذا الإنسان عليه سبيل، فالإنسان يجب أن يُدَقِّق، هذه الآية تُفْهَمُ فهْمًا جماعِيًّا وفهْمًا فرْدِيًّا، لذلك المُسْتَضْعَف ضِمْن العِنايَة المُشَدَّدة قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾

[ سورة القصص ]
لأنَّ الله إذا أحبَّ عبْدًا ابْتلاه، فإن صبَرَ اجْتباهُ، وإن شَكَر اقْتناه، إذا أحبَّ الله عبْدَهُ عجَّل له بالعُقوبَة، إذا أحبّ الله عبْده عاتبَهُ في منامِه وجعل له واعِظًا من نفْسِهِ، فالإنسان يُدَقِّق، لعلَّهُ قصَّر في حقّ إنسان ولعلَّه تكلَّم كلمةً جارِحَةً، ونظرَ نظْرَةً خاطِئَةً، ولعلَّه استهزأ بِأحَد فإذا أصابَهُ ما يكْرهه فلْيُحاسِب نفْسَهُ حِسابًا عسيرًا لأنَّ الله تعالى ما يفْعل بِعذابِنا إن شَكرنا وآمنَّا ؟! قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

[ سورة القصص ]
هذا قانون الله مع الفئتين الثانية والثالثة، الفئة الثانية التي عرفتْهُ وقصَّرَت في طاعَتهِ، والفئة الثالثة التي ما عرفتْهُ وما أطاعَتْهُ، يُسَلِّط الثالثة على الثانِيَة فلعلَّ الثانِيَة تعود إلى رُشْدِها فإن عادَتْ مكَّنها وقوَّاها وسلَّطها على الثانِيَة من أجل أن تعود إلى رشْدِها، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129)﴾

[ سورة الأنعام ]
والإنسان بِهذه النَّظْرة التَّوْحيدِيَّة يزول في قلبِهِ الحِقْد والحسَد، فلو أصابَك أحدهم بِمَكْروهٍ، تقف منه المَوْقف الكامِل، إما أن تُأذِّبَهُ، وإما أن تُحاسِبَهُ ولكن لا تحْقِدُهُ ؛ لماذا؟ لأنَّ الله سلَّطَهُ عليك، وسمَحَ له أن يفْعَل كذا وكذا، فبيْنَ أن تحْقِد الناس، وبين أن ترى الفاعِل هو الله، وأنَّ يدَ الله فوق أيديهم، وقال تعالى:

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17)﴾

[ سورة الأنفال ]
بالنَّظْرة التَّوْحيدِيَّة يشْفى قلبُكَ من الغِلّ والحسَد، ومن الحِقْد، وكُلُّ مَكْروهٍ أصابَكَ من طرف إنسان فالله تعالى سمَحَ له بذلك ومكَّنهُ منك رِعايَةً لِحَقِّ العباد على الله في ترْبِيَتِهِم، ولولا تربيَةُ الله لنا ما زكى مِنَّا مِن أحَدٍ أبدًا، قال تعالى:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(21)﴾

[ سورة النور ]
ذكر لي أخ صاحب معمل ألْبِسَة زارَهُ شَخْص، طلب أربعة قِطَع فاعْتَبَر صاحب المعمل هذه إهانَة، أنا أبيعُ أربعة قِطَع ‍! وانْزَعَجَ وقال للمشتري: أنا لا أبيع المُفرَّق، فهذا الشَّخْص اسْتحى وخرَج ! فقال لي هذا الإنسان: ثلاثون يوْمًا ما دَخَل مَعْمَلي شَخْص !! أدَّبَهُ الله والمُسْرِفُ أحيانًا يُؤدِّبُهُ الله بالتَّقْتير، والمُتَكبِّر يُهينُهُ، والمُتطاوِل يُوقِفُهُ عند حدِّه، ولولا تربيَةُ الله لنا لما زكى مِنَّا من أحد، تسْعة أعْشار الفضائل التي يتمتَّعُ بها المسلمون هي من فضل تربية الله لهم، فالله ربُّ العالمين، صحيحٌ أنَّ الله منحنا الكتاب والسنَّة ولكنَّهُ يُتابِعُك، ولا بدّ أن يعْلم الإنسان أنَّ الله تعالى إنْ عالَجَهُ فهذه نِعْمة كُبْرى، أما إذا أهْمَلَهُ فهذا دليل على أنَّهُ خارج عناية الله، فالطبيب متى يقول للمريض: كُل ما شئْتَ ! إذا كان مرضُهُ عُضال ولا سبيل للتَّخلُّص منه، أما إذا كان معه الْتِهاب معْدَة فإنَّهُ يُقيم عليه النَّكير إذا أكل لقمة تُخالف التعليمات، فإذا كان الإنسان ضِمن العِناية وعالَجَهُ الله فهذه من نِعْمة الله عليه.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-21-2018, 12:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، فالآية السابعة من سورة القصص، وفي قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، قوله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
أوَّلاً ؛ الوَحي في القرآن الكريم على أرْبَعِ مُسْتَوَيات، قال تعالى:

﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)﴾

[ سورة الزلزلة ]
هذا وَحْيُ الأمْر، الله عزَّ وجل إذا أوْحى إلى الجماد كان بِمَعنى أمَرَهُ وقال تعالى:

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ(68)﴾

[ سورة النحل ]
هذا وَحْيُ الغريزة، قال تعالى:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)﴾

[ سورة طه ]
هداهُ إلى مصالحِه، وإلى سلامَتِهِ، وإلى صِيانتهِ، وإلى تأمين غايَتِهِ وتأمين طعامِهِ.
فالوَحيُ الأوّل وحْي الأمْر إلى الجَماد، والوَحْيُ الثاني وَحْيُ الغريزة الحَيوان.
قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
هذا وَحْيُ الإلهام، وكُلّ إنسان يُمْكِن أن يوحَى إليه وَحْي إلْهام ؛ يَخْطُر بِبَالِهِ أن يَذْهَب بِهذا الطريق، فالله تعالى يُنَجِّيه، إذْ في الطريق الآخر مُشْكِلة، ويَخْطر بِبَالهِ أن يُلْغي سَفَرَهُ، فإذا به يسْمع أنَّ الطائرة التي كان ينوي الذهاب فيها قد سَقَطَتْ فالإنسان بين وسْوَسَةِ الشيطان وإلهام الملائكة، فالمؤمن المُستقيم يتحرَّك بإلْهامٍ من الملائكة، والإنسان المُنْحَرِف يَتَحَرَّك بِوَسْوَسَة من الشيطان فإمَّا أن تتحرَّك بِوَسْوَسَةِ الشيطان أو إلْهام الملائكة؛ هذا الوحي الثالث، قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
الوحيُ الرابِع هو وَحْيُ الرِّسالة، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(15)﴾

[ سورة يوسف ]
هذا وحيُ جِبْريل عليه الصلاة والسلام، فقوله تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيه﴾

[ سورة القصص ]
هذه الآية فيها أمْران ونَهْيان وبِشارتَان ؛ الأمْرُ الأوَّل: أن أرْضِعيه فإذا خِفْتِ عليه فألْقيهِ في اليمّ، شيء لا يُصَدَّق ! فهي تكاد تموت خَوْفًا عليه، والله يقول: فإذا خفْتِ فألْقيهِ في اليمّ ! بالمناسبة ماذا نسْتفيد نحن في القرن العشرين مِن قِصَّةٍ وقَعَتْ قبل ثلاثة آلاف عام ؟ الحقيقة كما أُؤكِّد لكم دائِمًا: ليس القرآن كتاب تاريخ ولا كتاب قصص، إنَّما هو كتاب قوانين، فلمَّا تلقي الأمّ ابنها المولود في توِّه في صندوق، حركة الماء بِيَدِ مَن ؟ بِيَد الله، وكذا الرِّياح طيِّب امرأة فرعَون التي خطَرَ لها أن تأتي إلى شاطئ البحر ! هذا بِيَدِ مَنْ ؟ بِيَدِ الله، ولمَّا فتِحَ الصندوق مال قلبها إليه، القلب بِيَدِ مَن ؟ بِيَد الله فالله تعالى أراد من هذه القِصَّة أنْ يُعْلِمَنا ونحن نقرأ القرآن في أيِّ زَمانٍ ومكانٍ أنَّه كُلَّ شيء بِيَدِ الله الماء والرِّياح وقلب امرأة فرعوْن كُلّ هذا بِيَدِ الله، وحتَّى الإنسان يطْمئِنّ، لذلك قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
الآية التي تَخُصّ الأنبياء والمرسلين قال العلماء: إنَّ كلّ مؤمنٍ بِقَدْر إيمانهِ واسْتِقامتِهِ وإخلاصِهِ له من هذه الآيات نصيب، فإذا كان هذا الطِّفْل الرَّضيع في صُنْدوقٍ أصَمّ، وفي نهْر هو النِّيل، تتحرَّكُ به الأمواج وتقْذِفُهُ الرِّياح إلى أنْ ساقَتْهُ إلى قصْر فِرْعَون، ثمّ توقَّف أمام غصْن، ثمَّ ألْهَمَ امْرأة فرعون أن تأتي إلى الشاطئ، ثمّ رأَتْ صُنْدوقًا فقالتْ: افْتَحوه فلما فتحوه رأتْ طفلاً قالتْ كما قالت تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)﴾

[ سورة القصص ]
فرعَون كما ترْوي القِصص رأى في المنام أنَّ طفلاً من بني إسرائيل سيَقْضي على مُلْكِهِ، فقال: القضِيَّة سهْلةً ؛ سأقْتُلُ أولاد بني إسرائيل جميعًا، فَكُلُّ قابِلَة ولَّدَت امْرأةً أنْجَبَتْ طفلاً عليها أن تُبلِّغ المسؤولين في عهد فرعون لِيَذْبَحوه، فإن لم تُبلِّغ ذُبِحَتْ هي ! أما هذا الطِّفْل الذي سَيَقْضي على مُلْكِهِ ربَّاهُ في قَصْرِهِ !! قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾

[ سورة القصص ]
الحقيقة هاتان الكلمتان تتكرَّران في القرآن الكريم، وهما دقيقتان فأنت لك ثلاثة أزمان ؛ الزَّمَن الحاضِر والماضي والمُستقبل، فالحاضِر هي الَّحْظ التي تعيشُها الآن، أما الماضي والمستقبل، فالماضي قد تحزَنُ عليه وتنْدَمُ على مُضِيِّهِ، وتنْدم على أيَّام الشَّباب، وأيَّام الغِنى والسُّرور والمستقبل تخاف منه ؛ فيه مُفاجآت وأمراض، وذهاب المال فالإنسان دائِمًا عنده قلقان ؛ قلقٌ مُتَعَلِّق بالماضي وهو ندَمٌ، وقلق مُتَعَلِّق بالمستقبل وهو الخوف، فالله تعالى قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[ سورة فصلت ]
فهذه الآية غطَّتْ المستقبل والماضي، لا تخافوا مِمَّا سيَأتي، ولا تحْزنوا على ما مضى، ولأنَّ المؤمن في خَيْرٍ مُتَجَدِّد، وفي صُعودٍ دائِم، ولن يُصيبَهُ إلا ما كتب الله له من خير، فَكُلّ إنسان مؤمن آمَنَ بالله واسْتقام على أمْرِهِ الله عز وجل في عَلْياء سمائِهِ يُطَمْئِنُهُ، لا تَحْزَنْ على ما مضى، ويُغَطِّي له المستقبل فلا تخشى مِمَّا سيَأتي، لذلك ربنَّا عز وجل يقول:

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)﴾

[ سورة البقرة ]
فالمُستقبل دائِمًا أحلى مِن الماضي للمؤمن، أما غير المؤمن فدائِمًا المستقبل أسْوَء من الماضي، عدم القدرة على الاستمتاع بالملذَّات ودِقَّة بالأكل فلا يأكل كلّ شيء، لذا كُلَّما تقدَّم الإنسان بالسِنّ ضَعُفَتْ قُدْرتُهُ على الاسْتِمتاع بالحياة، ففي المستقبل قلق زوْجَتُهُ تكبر ويسْتقلّ أولادُهُ عنه، كان يأْنَسُ بِهِم، إضافَةً إلى أمراض مُخيفة، ففي المستقبل هناك قلق، والماضي في نَدَم، أما المؤمن فالله قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[ سورة فصلت ]
أوَّل ثمْرة من ثمرات الإيمان كما قال تعالى:

﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)﴾

[ سورة طه ]
قال تعالى:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ(7)﴾

[ سورة القصص ]
هذا تَوَكُّل قوِيّ وهذا سيِّدُنا إبراهيم وضَعَ زَوْجَتَهُ في وادٍ غير ذي زَرْع وتوكَّل على الله، هذا فوق طاقَة البشَر، فذَهَبَت جيئةً وذهابًا، فَنَبَعَ ماء زَمْزَم في مكَّة المكرَّمة، فالله تعالى يقول:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾

[ سورة المائدة ]
مِن لوازِم إيمانكم التَّوَكُّل على الله.
قال تعالى:

﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾

[ سورة القصص ]
هذان هما النَّهْيان، والأمْران قال تعالى:

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

[ سورة القصص ]
هذان هما الأمران، والبشارتين، قال تعالى:

﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾

[ سورة القصص ]
فهنا اتَّضَح أنّ فِرْعون الذي قال:

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى(24)﴾

[ سورة النازعات ]
وهو الذي قال:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

[ سورة القصص ]
وهذا الذي يُعَدُّ أكْفَرَ أهل الأرض، فقد ادَّعى الأُلوهِيَّة، وقتل أبناء بني إسرائيل على شبهة أنَّ أحدهم سيَقْضي على مُلْكِهِ ! ما الذي حصَل ؟ قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[ سورة يوسف ]
هذا الطِّفْل الذي سيَقْضي على مُلْكِهِ ربّاهُ في قصْرِهِ قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
هذه اللام أعْربها النُّحاة لام المآل، لأنَّه لا يُعْقَلُ أن تكون لامُ التَّعْليل ولا يُعْقَلُ لِعاقِلٍ أن يلتقط طفلاً يقْضي على مُلْكِهِ، لكنَّ الذي حصل وفي نِهايَة المطاف أنَّ هذا الطِّفْل قضى على مُلْكِهِ، قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
الغريب أنَّ مع فرعون دائِمًا هناك هامان وجنودَهُما، فَمَن أعان ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، ومَن أعان ظالمًا جاء يوم القيامة مَكْتوبٌ على جبينه آيِسٌ من رحْمة الله، ومَن أعان ظالمًا ولو بِشَطْر كلمة كان أوّل ضحاياه، لا تُعِنْ ظالمًا على ظلْمِهِ.
أيها الإخوة الأكارم، مرَّةً أخرى ؛ ما جعَلَ الله هذا القرآن قصَّةً يُتْلى إلى يوم القيامة لِتَكون قِصَّةً، أو لِيُنْبِئنا عن حدثٍ وقع قبل ألفي عام إنَّما العَبْرة أن تتَّخِذ من هذه القِصَّة عِبْرَةً، وهي أنَّ كُلَّ شيء بِيَدِ الله تعالى حتَّى حركة صنْدوق خَشَبي بيَدِهِ، وحركة الرِّياح والماء، وحركة المرأة، ومَيْلُ قلبِها بِيَدِهِ، قال تعالى:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾

[ سورة طه ]
فإذا أحبَّ الناس أحدًا فلا يظنَنَّ أنَّهُ هو الذَّكيّ ! لا، هذا من توفيق الله وفضْلِهِ، لذلك أجْمَل آية أن هذا الطِّفْل الصغير، تجِدُ الأب بِكامِل طاقاتِه، وذكائِه وخبْراتِهِ، كُلُّها مُوَظَّفة لِتَرْبِيَة هذا الطِّفْل، وكذا الأم فَمَن ألْقى حُبَّهُ في قَلْبَيْهِما ؟ الله عز وجل، ومِن أجل أن يعْمر الكَون فالأب يريدُ أن يُزَوِّج أبناءَهُ ويُعَلِّمَهُم، هذا مِن آيات الله الدالة على عظَمَتِهِ، فالله عز وجل بلا جهْد ولا عمل ألقى حُبَّ الطِّفل في قلب والِدَيْه، يجوعان لِيَأكل، ويسْهران لِيَنام، ويمْرضان لِيَشْفى، هذا دليل على محبَّة الله لنا، وعلى عظمة الله جل جلاله.
قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
فالبُطولة أن لا تكون من الخاطئين لأنَّ العاقبة للمُتَّقين، والعاقبة لِمَن خاف الله، واسْتَقام على أمْره، والأمور تَدور وتَدور، ولا تسْتَقِرّ إلا على نُصْرة المؤمن وقَهْر الكافر.
قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
لا يشْعرون مَن سَيَكون هذا الغُلام، لذا الله تعالى عَلِمَ ما كان وعَلِمَ ما يَكون، وعلِمَ ما سيَكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون عَلِمَ أنَّ هذا الطِّفْل سيَغْدو نبِيًّا مُرْسَلاً، وسيَأتي إلى فرْعون وسَيُحاوِرُهُ وسيُثْبِتُ له أنَّهُ رسول مِن خلال آيات كَوْنِيَّة، وفرعون يُلجِمُهُ الله عن قَتْلِهِ، ويَقْبَلُ أن تكون هناك مُناظَرة بينهما، وتَجْري هذه المناظرة ويجْتَمِعُ قَومٌ حول سيِّدِنا موسى، ويتَّجِهون نحو البَحْر فَيَتْبَعُهُم فرعَوْنُ بِجُنودِهِ، ويُصْبِحُ البحر طريقًا يبَسًا ينْزِلُ فيه موسى وأصْحابُهُ فإذا خرج من الضَّفة الثانِيَة نزَلَ فرعون، فعاد البحرُ بَحْرًا، فأغْرَقَهُ الله عندئِذٍ يقول فرعون كما قال تعالى:

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ(90)﴾

[ سورة يونس ]
لِمَن العاقبة ؟ للمؤمنين، فأنت كُلّ بُطولتِك أن تكون مع الحق، وأن تكون في خَنْدَق المؤمنين.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-21-2018, 12:54 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، وصَلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام مع فرْعون وملأه إلى قول الله تعالى:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)﴾

[ سورة القصص ]
أمرَها تعالى بِأمْرين ونهاها عن شيئين وبشَّرَها بِبِشارَتين، ثمَّ قال الله عز وجل:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
ولا يُعْقل في المنطق البشَري أن يلْتقط إنسانٌ غلامًا لِيَكون له عَدُوًّا وحزنًا، ولكنَّ الذي حصَل أنَّ هذا الغلام الذي الْتُقِط، والذي رُبِّيَ في قَصْر فرعون حينما كبر، وجاءَتْهُ الرِّسالة ودعا فرعون إلى أن يخْضَعَ إلى أمْر الله عز وجل، فلمَّا أبى والقِصَّة معروفة لدَيْكم ؛ أتْبَعَهُ فرعون بِجُنودهِ فَغَشِيَهُم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُم، وانتهى فرعون، لذلك قال علماء النَّحْو هذا اللام هي لامُ المآل، قال تعالى

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
يُسْتنبط من هذه الآية أنَّ الإنسان مهما كان ذَكِيًّا، ومهما كان قَوِيًّا فإنَّ الله تعالى كما قال:

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[ سورة الرعد ]
وإذا أراد ربُّك إنفاذ أمْر أخَذَ من كُلّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(182)﴾

[ سورة الأعراف ]
فالله عز وجل إذا أراد ربُّك إنفاذ أمْر أخَذَ من كُلّ ذي لُبٍّ لُبَّهُ، ثمّ نفَّذ الأمر، فالله تعالى لا ينْفع معه الذَّكاء والعقل والكِياسَة، ولا أن تسدَّ الغلطات وتُغطِّي الاحْتِمالات، لا ينفَعُكَ مع الله إلا أن تُطيعَهُ ولا تنْجُوَ من عقابِهِ إلا بالإقبال عليه.
فرعون وما أدراكم ما فرعون ؛ قُوَّةٌ وجبروت وسَيْطَرة وادِّعاء الألوهِيَّة، ومع ذلك طفْل صغير الْتُقِط وربَّاهُ في قَصْرِهِ لِتَكون ِنهايةُ ملكِهِ على يدي هذا الطِّفل الصغير، قال تعالى:

﴿فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
وهذا هو معنى قول الله تعالى:

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)﴾

[ سورة الطارق ]
فالله ليس كائِدًا ولكن يرُدُّ على تَدبير الكُفَّار بِتَدْبير مُحْكَمٍ ينْفَعُ المؤمنين ثمَّ قال تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
لماذا ذكر الله فرعون مع هامان ؟ ومع هامان الجنود ؟ لأنَّهُ مَن أعان ظالمًا كان شريكَهُ في الإثْم، ومَن أعانَ ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، ومن أعان ظالمًا ولو بِشَطْر كلمة جاء يوم القيامة مَكْتوب على جبينه: آيِسٌ مِن رحمة الله ! فلا تُعِنْ ظالمًا ولو بِهَزِّ رأسٍ، ولا بِتَقْديم قلمٍ للتَّوقيع ولا بابْتِسامَةٍ، ولا بإقرار ولا بموافقَة، وإلا كنتَ أحد ضحاياه، قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)﴾

[ سورة المائدة ]
يريدُ هذا الظالم أن يُنْفِذَ أمْرًا مُجْحِفًا بِحَقِّ بريء، فإذا قال لك: ما رأيُك ؟‍! فَهَزَزْتَ رأْسَك كُنْتَ مِمَّن أعان على الظُّلم، مَن أعانَ ظالمًا سلَّطَهُ الله عليه، ومن أعان ظالمًا ولو بِشَطْر كلمة جاء يوم القيامة مَكْتوب على جبينه: آيِسٌ مِن رحمة الله ! لذلك ورد في هذه القِصص كثيرًا قوله تعالى:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾

[ سورة القصص ]
لأنَّ هامان والجنود نالهم من فرعون الشيء الكثير، والغرْم بالغرم فحينما يُحاسَبُ فرعون فينْبغي أن يُحاسَبَ مَن أعانَهُ على الظُّلْم ومَن كان عَوْنًا له على السَّيْطَرة.
قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَفَّانُ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ قَالَ وَمَا يُؤْمِنُنِي وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ قَالَ عَفَّانُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[ رواه أحمد]
فقد يُلْقي في قلب هذا الإنسان الحبّ لِفُلان، وقد يُلْقي البغْض، والقَسْوَة فقُلُوب العباد بين أُصْبعين من أصابِع الرحمن يُقَلِّبُها كيف يشاء، أنت إذا وقَفْتَ أمام إنسانٍ قَوِيٍّ ورأيْتَ أنَّهُ قسى عليه فلأنّ الله جعل قلبَهُ هكذا، وإذا رأيْتَهُ أنَّهُ رَحِمَك ألْقى في قلبِهِ حبَّك والعَطْف عليك فعلاقتُكَ مع الله، وهذا هو التَّوحيد، قال تعالى:
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي(55)﴾

[سورة هود]
الأقْوِياء ينبغي أن لا تخاف منهم، والخوف من الذي بِيَدِهِ زِمامهم ؛ هو الله، قال تعالى:

﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56)﴾

[سورة هود]
لذا وردَ أنْ لا يخافنَّ العَبْدُ إلا ذَنْبَه ولا يرْجُوَنَّ إلا ربَّه، فلا تَخَفْ قَوِيًّا ولا تَخَف مرضًا، ولا تخَف مُصيبَةً، إنَّما خَف مِن ذَنْب يسْتدعي كُلَّ ذلك قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[ سورة النحل ]
فإذا وقَعْتَ في مُشْكِلَةٍ فلا ترْجُونَّ إلا الله، فلا ترْجو أن تُزاحَ عنك هذه المُصيبة بالمال، ولا بِفُلان ولا بِعِلاَّن، ولا بِمَكانَتِك وسَطْوَتِك، لا يخافنَّ العبْد إلا ذَنْبه ولا يرْجُوَنَّ إلا ربَّه، امرأةُ فرعون قد يسأل بعضكم ؛ ما الحِكمة في أن تكون صِدِّيقة ؟
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
﴿كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ﴾

[رواه البخاري]
ما الحكمة في أن تكون هذه الصِّديقة تحت ظالمٍ ؟ أراد الله عز وجل أن يُبَيِّن للناس فضْلاً عن تَقْريرهِ المُباشِر، أراد أن يُبَيِّن من خِلال الحوادِث أنَّ المرأة مُسْتَقِلَّةٌُ في إيمانها، وفي مَسْؤولِيَّتها، وفي دينها عن زَوْجِها، فأيَّةُ امرأةٍ تقول: هكذا يُريد زَوجي، ولو كان زوْجُها أحدُ جبابرة الأرض، ومع ذلك لا يستطيع أن يَحْمِلَها على الكُفْر، وهذا درْسٌ مِن أبْلَغ الدُّروس، الله عز وجل جعل تحت أكبر طاغِيَةٍ في الأرض صدِّيقَةً، بِكُلِّ جَبَروتِهِ وسَطْوتِهِ لم يسْتطع أن يَحْمِلَها على الكفر، قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾

[ سورة التحريم ]
لذلك هذه القِصَّة لِكُلّ امرأة، فلا تقل: هكذا يريد زَوْجي، وأنا لا دَخل لي، فمهما كان زَوْجُك طاغيَة فلن يبْلغ طغيان فِرْعَون، ومع ذلك المرأة مُسْتقِلَّة في إيمانها وطاعَتِها في مَسْؤولِيَّتِها عن زوْجِها، اتَّصَلَتْ بي امرأة وقالتْ لي: زوْجي يُريد أن يأخذني إلى البَحْر وأن أسْبَحَ أمام زُملائهِ، وهدَّدني إن لم أفْعَل فسَيُطَلِّقُني ! فقلتُ لها: لا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَة الخالق، ولْيُطَلِّقْك!! لكِنَّه لم يُطَلِّقْها، إنَّما اسْتَعْمَلَ معها أُسْلوب التَّخْويف، ماذا قال سَحَرة فرعون ؟ قال تعالى:

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(123)﴾

[ سورة الأعراف ]
أُمُّ سيِّدنا سعْد ابن أبي وقَّاص قالتْ له: يا بُنيّ، إما أن تكْفر بِمُحَمَّد، وإما أن أدَعَ الطَّعام والشَّراب حتَّى أموت ! قال: يا أُمِّي، لو أنَّ لكِ مائة نفْسٍ فَخَرَجَت واحِدَةً واحِدَة ما كَفَرْتُ بِمُحَمَّد فَكُلِي إن شئْتِ أو لا تأكُلي، فالإنسان ليِّن إلى أقْصى المواقف، ولكن هناك مواقف إن لم يَكُن صلْبًا ينتهي والمؤمن عندهُ كلمة ؛ لا يقولها بملء فَمِهِ، لا أفْعل هذا، هذا لا يرْضاهُ الله، فهناك منْ عندهُ حياء شَيْطاني، يسْتحي فإذا به يأكل الحرام، ويسْتحي فإذا به يَعْصي الله، ويسْتحي فيَقُرّ بالمَعْصِيَة، يجب أن تقول كلمة بِمِلء فَمِكَ أحْيانًا، ولْيَكُن ما يَكُن خاطَبوا أحد جبابرة الأرض، وخاطبوا إنسانًا يقتل العباد كما يقتل الذُّباب ! قال تعالى:

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)﴾

[ سورة طه ]
أيها الإخوة، يجب أن نعلم جميعًا أنَّ هذه القِصص، والله الذي لا إله إلا هو ما أرادها الله تعالى قِصَصًا أبدًا، ولكن حقائِق على شَكْل قِصص، لذلك قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
مَن ألقى حُبّ موسى في قلب امرأة فرعون ؟ الله جل جلاله، وفي المرة القادِمَة نُتابع هذه القصَّة.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-21-2018, 12:56 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، بعد أن الْتَقَطَهُ آل فرعون ليكون لهم عَدُوًّا وحزَنًا، قال تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

[ سورة القصص ]
وصلنا إلى هنا في الدرس الماضي.
قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
المَنْطِقُ يُشير إلى أنَّ هذا الطِّفْل ما ألقِيَ في اليمّ إلا لأنَّهُ من أطْفال بني إسرائيل، مع أنَّ فرعون جزَم بِقَتْل كل أطفال بني إسرائيل، فلذلك ألقى الله تعالى حبَّ هذا الطِّفْل في قلب امرأة فرعون، قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) ﴾

[ سورة القصص ]
لا يشعرون أنَّ هذا هو الطِّفل الذي سيَقْضي على ملك فرعون ؟ يُؤتَى الحَذِرُ مِن مأْمَنِه، ولا ينفعُ ذا الجدّ منك الجَدّ، ولا ينفعُ حذَرٌُ من قَدَر ولكن ينْفعُ الدُّعاء ممَّا نزل وما لم ينزل، وما أخذْت الاحْتِياطات وغطَّيْتَ الاحْتِمالات، ومهما سدَدْتَ الثَّغرات، الله غالب على أمره وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له، وإذا أراد إنفاذ أمْر أخذ من كلِّ ذي لُبٍّ لبَّهُ، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، لم يشْعروا أنّ هذا الطِّفل سيَغْدوا نبِيًّا ويُواجِهُ فرعَون وسيَتْبَعُهُ فرعون ويغرق هو ومن معه، ويورث بنو إسرائيل مُلك فرعون من بعده.
قال تعالى:

﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)﴾

[ سورة القصص ]
بعد أنْ ألْقَتْهُ، فالأمّ أمّ وامتلأ قلبها قلقًا عليه، قال تعالى:

﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)﴾

[ سورة القصص ]
أي مِن شدَّة قلقها وخوفها، كادَتْ أن تقول: ابني في قَصْر فرعون لولا أن ربطَ الله على قلبها، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
عن النَّوَّاس ابن سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ قَالَ وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

[ رواه ابن ماجه ]
وقال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾

[سورة الفتح]
فالله تعالى أحْيانًا يَمْنَحُكَ قُوَّة التَّحَمُّل، وأحْيانًا يَجعلُ مُقاوَمَتَكَ هشَّة، تجد رجلاً صامِدًا لأقصى الحوادث، وآخر ينْهار لأتْفَه الحوادِث، فَمَن الذي يُعْطي قُوَّة التَّحَمُّل ؟ الله جل جلاله، من الذي يُفْقِدُ هذه القوَّة ؟ الله جل جلاله، فالله تعالى يمكنهُ أن يربط على قلبك، وكما يمكنه أن يجعله كفُؤاد أمِّ موسى ! قال تعالى:

﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾

[ سورة القصص ]
تتبَّعي أخبارهُ، قال تعالى:

﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ ﴾

[ سورة القصص ]
قالوا: هذا التَّحريم ليس تَحريم تَشْريع بل هو تحريم مَنْع، هذا الطِّفل الصغير أعْطِيَ أوَّل مرضِعة فرفضَها، وكذا الثانية والثالثة، فأيَّةُ مرضِعَة غير أمِّه رفضَها، قال تعالى:

﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)﴾

[ سورة القصص ]
قال تعالى:

﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) ﴾

[ سورة القصص ]
لأنَّ الله تعالى قال:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) ﴾

[ سورة القصص ]
هذا كَيْدُ الله، ومكْرُهُ تعالى، لكنَّ كيد ومكْر الله فيه الخير، والله يعْلم السرَّ وأخفى.
خطَرَ بِبَالي مَثل وأنا في طريقي إليكم، شاحنة قُوَّتها ثمانون حِصان مُنْدَفِعَة، ما الذي يوقِفُها ؟‍! الذي يوقِفُها شيء أمتَن منها وأصْمَد شاحنة أو جدار، لكن أحيانًا شريط كهربائي في مُحَرِّك الشاحنة لو قطِعَ وقفَتْ ! فما هو الأحْسَن أن توقَفَ بصَدْمٍ أم بِقَطْع هذا الشريط ؟! فالله أقْوى الأقوياء، كل شيء بِيَد الله، ففِرْعون أمر بِذَبْح كل الأطفال ولكن هذا الطِّفل قالت له زوجه هو قرَّة عين لي ولك ! فما قتَله قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[ سورة يوسف ]
قال تعالى:

﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) ﴾

[ سورة القصص ]
فلو عُرِضَ عليك مال حرام تَحُلّ فيه كُلَّ مشاكِلِك، وقلتَ أنت: لا إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين، والله تعالى وَعَدَ المستقيم بالفَوْز والعاقبة والتَّوفيق، والنَّجاح والطّمأنينة، ولكنَّ الله يعطيك مهلةً يمْتَحِنُكَ فيها تستقيم وتعفّ عن الحرام، بعد حينٍ يأتي الفرَج، قال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[ سورة النور ]
وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)﴾

[ سورة الحج ]
وقال تعالى:

﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)﴾

[ سورة الحج ]
كل هذه الوُعود لا بدّ من أن تُحَقَّق، وزوال الكون على الله أهْوَنُ من أن لا تُحَقَّق هذه الوُعود.
فالله تعالى قال:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

[ سورة طه ]
مهما حصَّلت من الأموال الطائلة، ومن العلاقات، فإنَّ الله جعل لك وعيدًا فالله وعَد المستقيم بالفَوز، ووعد المُتَصِّدق بِنَماء المال، ووعَدَ الطَّيِّبين بالطَّيِّبات، ووعد المؤمن بالحِماية والتَّوفيق والتأييد والنَّصر قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

(سورة المائدة )
وأكثر الناس لا يعلمون أنَّ وعْد الله حق، قال تعالى:

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(28)﴾

[ سورة سبأ ]
ما عليك إلا أن تسْتقيم على أمْرِهِ، ولا يَحْميك إلا أن تكون على أمره ومُطيعًا له، وأَقْبل على الحلال، وارْكُل الحرام، ففي الحلال برَكَة فعلى الإنسان أن يُطبِّق الشَّرْع وينتظر وَعْد الله، وحبَّذا لو قرأ الإنسان القرآن الكريم والْتقَط وُعود الله، والَعْد ثَمَنُهُ الطاعة، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)﴾

[سورة الأحزاب]
وقال تعالى:

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(141)﴾

[سورة النساء]
امرأة ترمي ابنها في البحر، وتَغْدو بعد حينٍ مُرْضِعَةً له !! صندوقٌ وُضِعَ باليمّ، وسيَّرتْهُ الرِّياح، ووقف أمام غصْن، وأُلْهِمَت امرأة فرعون أن تنزل الشاطئ، وألقِيَ حبَّه في قلبها، ورَجَتْ زوْجها أن لا يقْتُله، وعرَضوا على الطِّفل المراضع فأبى ! ثمَّ جاءَت أُخْتُهُ تتقصَّى أخْبارهُ، ودلَّتْهم على مرْضِعَةٍ يقْبلها والتي هي أُمُّه، وهذا تدْبير الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾

[سورة إبراهيم]
مكْر الكفار مُخيف،إحدى الدول القويَّة تقول: عندي قنابل نويَّة أدَمِّر بها الأرض خمْس مرَّات !! فدمَّرها الله قبل أن تُدَمِّر شيئًا، فأنت أسْعَدُ الناس إن دافع عنك الله، أنت قُمْ بالأسباب وتوكَّل على رب الأرباب وانتَظِر من الله تحقيق وعْدِهِ لك، وُقوع وَعْد الله أقْوى من كلّ شيء قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[سورة يوسف]
هذه الآية وردَتْ في سورة يوسف عليه السلام، كانوا اثني عشرة إخوة إئتَمروا على أخيهم ووضَعوه بالجبّ لِيَموت ! فإذا به يصبح عزيز مِصْر، قال تعالى:

﴿ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ(58)﴾

[سورة يوسف]
فالذَّكي يقرأ القرآن ويتتبَّعُ وُعود الله عز وجل ويعْمل موجباتها وينالها حُبًّا وكرامة، فالله تعالى ما ذكر هذه القِصَّة لِتَكون قِصَّة ! لا، بل ذكرها لِتَكون قانونًا ننتفِعُ بها نحن الآن في القرن العشرين، المُرضِعة بِيَد الله، والطفل بيَدِ الله، وكذا القلوب بيَدِ الله، وحركة الرِّياح وكل شيء بِيَدِهِ، وبالنِّهايَة قال تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(55)﴾

[ سورة يونس ]
مُلخَّص القِصَّة ؛ يجب أن نعلم أنَّ وعْد الله حق، والإنسان إذا كان مُغطَّى بِوَعد الله فهذا أسْعَدُ الناس تَجِدُ شابًّا لا بيْتًا ولا عملاً ولا زوجةً ولكنَّهُ مستقيم، فالله تعالى يخْلق من الضَّعف قُوَّةً، ويُيَسِّر له، ويمُدُّه بالمال، ويُزَوِّجُهُ دون أيِّ شيء وآخر تجد معه ألف مليون يتدمَّرون بالنوادي الليليَّة، والأمراض، عبدي أعطيتكَ مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب لم أنْفق منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي فقال: ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين، إنَّ الذي خشيتَهُ على أولادك من بعدك قد أنْزلتُهُ بهم ! حدَّثني أخ فقال لي: أحد الناس تركَ لأوْلاده محلّا بالحمراء ومعملا وبيتا بالمالكي وسيارة، وأقلّ مِن عشْر سنوات لم يبْق معهم ولو قرشًا تدمَّروا، وتورَّطوا بصفقات خاسرة واضطرُّوا أن يبيعوا الأملاك واحدا واحدا، والثاني قال له: أعْطَيْتُكَ مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب أنْفَقْتُهُ على كُلّ مُحتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافِظًا وأنت أرْحمُ الراحمين، قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك، فأحيانًا يموت إنسان يترك خمْسة أولاد أيتام، يُصبِحون أعلاما بالمُجْتمَع ويأتي آخر لم يتَّق الله في كَسْب المال، ويترُك لهم ثرْوَة طائلة ويكونوا من بعده أشقياء.






والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-21-2018, 12:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا إلى قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[سورة القصص ]
فأيُّ مُحْسِنٍ على الإطلاق إذا أحْسنَ عملهُ واسْتقام على أمْر الله يؤْتيه الله الحُكْم والعِلم، والله عز وجل أعْطى القُوَّة لِمَن لا يُحِبّ، وأعطى المال لِمَن لا يُحبّ، أعطاه لِمَن يُحِبّ ولِمَن لا يُحِبّ، أعطى القوّة لِفِرْعون وهو لا يُحِبُّه، وأعطاها لِسُلَيْمان وهو يُحِبُّه، وأعطى المال لِقارون وهو لا يُحِبُّه، وأعطى المال لِعَبْد الرحمن بن عوف وهو يُحِبُّه فإذا الشيء أُعْطِيَ لِمَن يُحِبّ ولِمَن لا يُحِبّ، فهل يُعَدُّ مقياسًا على الحبّ ؟ لا، إطلاقًا، ولكن الحبّ مِقْياسُهُ الحكمة والعلم، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)﴾

(سورة يوسف )
وفي آية أخرى قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)﴾

[ سورة البقرة ]
لأنَّ بالحِكمة تعرف الله وتسْتقيم على أمْرِه، وبالحِكْمة تُحْسِن انتِقاء زَوْجتِك، وبالحِكمة تُعامِلُها المُعامَلَة الحسَنَة، وبالحِكْمة تُرَبِّي أولادك وتقْطف ثِمار أولادِك، وبالحِكْمة تَكْسِبُ المال الحلال، والمال الحلال مَحْفوظ لك، وبالحكمة تُحْسنُ إنفاق هذا المال، وبالحُمْق تختار الزِّوجة السيِّئة وتُعامِلُها المعامَلَة السيِّئة، فتقَعُ في البيت تفجُّرات أنت بِغِنًى عنها، ولا تُرَبِّي الأولاد ترْبِيَةً صالِحَة ؛ تُعاني مِن عُقوق إذا كبروا ولا تكسبُ المال كسْبًا صحيحًا، وتُعاني مِن الإفْلاس فالحِكْمة سبب السَّعادة والحُمْق والبعد عن الله سبب الشَّقاء، لذا قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)﴾

[ سورة البقرة ]
هذا بِنَصِّ كتاب الله وبالمناسبة الحِكْمة لا يُمْكِن أن تُؤْتى لِغَيْر المؤمن إنَّ الله يُعْطي الصِّحة والذَّكاء والمال والجمال لِكَثيرين من خلْقِهِ، أما الحِكْمة فهي للمؤمنين خاصَّةً، لأنَّهم باتِّصالهم بالله وإقْبالهم عليه وأخذهم من حِكْمته تعالى وعلمِه، ومن حِلْمِهِ يُصْبِحون حُكَماء لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما نظَر إلى أصْحابهِ قبل أن تأتِيَهُ المَنِيَّة ابْتَسَم حتَّى بدَتْ نواجذُه، قال:
((علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء !))
قد تَجِدُ إنسانًا دَخْلُهُ مَحدود، وبيْتُهُ صغير، وحياتُهُ خشنة ولكنَّهُ من أسْعَدِ الناس، لأنَّهُ أوتِيَ الحِكْمة، وقد تَجِدُ إنسانًا دَخْلُهُ كبير وبيتُهُ كبير وحجْمُهُ كبير، ولكنَّ بيْتَهُ جحيم، وزواجُهُ جحيم لأنَّهُ فقَدَ الحِكْمة، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1)﴾

[سورة محمد]
لا يُمكن أن يكون البعيد عن الله تعالى حكيمًا، يرْتَكِبُ حماقات ما بعْدَها حماقات وضيق أُفُق وتورُّط، واقْتِحام، ومُبالغَة، ورُدود فِعْل قاسِيَة ؛ هذا كُلُّه من لوازِم البُعْد عن الله تعالى، ومِن لوازِم القرب من الله تعالى الحِكْمة، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[سورة القصص ]
العِلْم هو العِلْم، أما الحِكْمة وَضْعُ الشيء في نِصابِه، أن تتكلَّم بالقَدْر الحكيم مع الشَّخص المناسب في الوقت المناسب، وأن تضَعَ الشيء المناسب في المكان المناسب بالقَدْر المناسب وفي الوقت المناسب فالحِكْمة مِن خصائِص المؤمن، لذلك الله عز وجل يُعْطي الحِكْمة للمؤمن فَيَعيشُ في سَلامٍ مع نفْسِهِ، ومع مُجْتَمَعِهِ ومع ربِّه، ومع صحَّتِهِ، فالإسلام كُلُّهُ حِكْمة، اخْتِيار الزَّوْجة بالحِكْمة، وترْبِيَة الأولاد بالحِكمة، وكذا إنفاقُهُ، وبهذا لا تجد المفاجآت والتَّفَجُّرات، فالتَّفَجُّر ناتِج عن الانْحِراف، والمبالغة، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

[سورة القصص ]
لكي لا تتوهَّم أنّ هذه خاصَّة لِسَيِّدنا موسى، أطْلَقَها الله عز وجل فقال تعالى:

﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ(44)﴾

[سورة المرسلات]
وأجْمَل ما في هذه الآية إطْلاقُها، إنسانٌ يقرأُ كتاب الله كُلَّ يوم ويُصَلِّي الفجْر في جماعة، ويسْتَمِعُ إلى تفْسير كلام الله، ويُطَبِّقُه، ويتقصَّى رِضاء الله عز وجل، فهذا الإنسان راض عنه الله، ومُسَدَّد من الله وله من الله تعالى حافِظ يحْفظه ويُوَفِّقُه، ويُلْهِمُه الصَّواب ويقيسُ الزَّلَل ويُبْعِدُه عن المُشْكِلات ويقيه من الوَرْطات، هذه هي الحكمة.
قال تعالى:

﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾

[سورة القصص ]
في وقْت قَيْلولة قال تعالى:

﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾

[سورة القصص ]
سيِّدُنا موسى دَخَل على حين غفْلَةٍ من أهْلِها فَوَجَدَ فيها رَجُلَيْن يقْتَتِلان هذا من شيعَتِهِ وهذا مِن عَدُوِّه، فَمِن شيعَتِهِ أي مِن بني إسرائيل، ومن عَدُوِّه أي مِن قَوْم فِرْعَون، تَصَوَّر إنسانًا ينْتمي إلى فرعَون ؛ كَم هو قَوِيّ ومُخيفٌ وجبَّار، وكم هو مَرْهوب الجانب ‍! وإنسانٌ ينْتمي إلى فئَةٍ مُذَبَّحُ أطْفالها ومُسْتضْعفة، إذًا هناك مُسْتَضْعَف ومُتَجَبِّر فالمُسْتَضْعَف بنو إسرائيل في عهْد فرعَون، والمُسْتكْبرون هم فرعون ومَن معه.
قال تعالى:

﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَان﴾

[سورة القصص ]
سيِّدُنا موسى أبْعَدَهُ فإذا بذاك الشَّخص يلقى ميِّتًا، وهذه الظاهرة معْروفة بالطِّب، يكون عنده مُشْكلة بقلْبِهِ، ومُشْكِلَة بِدَوْرَتِهِ الدَّمَوِية وتَجَلُّط بالدَّم، فأقلّ حركة يقْضي عليه، فسيِّدُنا موسى ليس قاتِلاً ولم يقْصِد أن يقْتُلَهُ، إنَّما قصَد أن يُبْعِدَهُ، ولكن هذا الذي أبْعَدَهُ من شيعَة فرْعون وهذا الذي انتصَر له من شيعَتِهِ ؛ مُشْكلة كبيرة جدًا.
قال تعالى:

﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) ﴾

[سورة القصص ]
إذا وَجَدْتَ إنسانًا يشْنُقونهُ، لك أن تقول: هذا مِن عَمَل الشَّيْطان، دفَعَهُ إلى الجريمة ثمّ ساقَهُ إلى المحاكَمَة ثمّ شُنِق، تجد إنسانًا يشْرب الخمر فإذا بِحادِث يقضي عليه هو وأسْرَتُه، هذا من عمَل الشيطان، فالكافر الميؤوس من إيمانِهِ يقْصِمُهُ قصْمًا، والكافر الذي فيه بَقِيَّةُ خيرٍ يُعْطى فرْصَة، فهناك مصائب قَصْم، وهناك مصائِب ردع، ومصائب دَفْع فالقصْم للذي شرَدَ عن الله شرودًا بعيدًا، وهناك مصائب ردْع وهناك مصائب دَفْع، وهي مصائب المؤمنين، وهناك مصيبة رفْع ؛ تَرْقى بالمؤمنين، ومصيبة كَشف، وهذه للأنبياء، فالمصائب بين قَصْم وردْع ودَفْع ورفْع، وكَشْف، والأخيرة للأنبياء، إذْ أنَّهم ينْطَوون على كمالٍ لا يُمْكِن أن يبْدُوَ إلا في حالاتٍ صَعْبَة، كان يذْهب النبي إلى الطائف، ويسُبَّهُ أهل الطائف، ويُكَذِّبونه ويرُدُّونه ويسْخرون من دَعْوَتِهِ ويضْربونه، وأن يأتيه جبريل عليه السلام ويقول له: يا محمَّد أمَرَني ربِّي أن أكون طَوْعَ إرادَتِك، لو شئْتَ لأطْبقْتُ عليهم الجَبَلَيْن فيقول:
((لا، يا أخي، اللهمَّ اهْدِ قَومي فإنَّهم لا يعلمون ))
لعلّ الله يُخْرِجُ من أصْلابِهِم من يُوَحِّدُه، والمؤمن بين مُصيبتين ؛ دَفْع ورَفْع والله عز وجل يَدْفَعُهُ إلى بابهِ، وإلى مزيد إلى السرعة إليه، وإلى طاعته، وإلى العمل الصالح، وأحيانًا يكون مُسْرعًا إلى الله فتأتيهِ مُصيبةً فَتَرْفَعُه إلى الله، يقول سيدُنا عليّ رضي الله عنه: والله لو عَلِمْتُ أنّ غذًا أجلي ما قدَرْتُ أن أزيد في عملي ! فالمؤمن بين دَفْع ورَفْع، قال تعالى:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[سورة البقرة]
وعِزَّتي وجلالي لا أقبِضُ عبْديَ المؤمن وأنا أحِبُّ أن أرْحَمَهُ إلا ابْتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سيئَةٍ كان عَمِلَها ؛ سُقْمًا في جَسَدِه، أو إقْتارًا في رِزْقِهِ، أو مصيبةً في مالهِ وولَدِه حتَّى أبْلُغَ منه مثل الذرّ فإذا بقِيَ عليه شيء شَدَّدْتُ عليه سَكَرات الموت حتَّى يلْقاني كيوم ولدَتْهُ أُمِّه، فأنت لك عند الله تعالى درجة إما أن تنالها بِعَمَلٍ صالحٍ، أو بِصَبْرٍ على مُصيبة وأنا أنْصَحُ أن يخْتار الإنسان العمل الصالِح، فهو الذي يَحُلّ محلّ المُصيبة ولأنّه أعْمَل.
لِكُل شيء حقيقة، وما بلغَ عبْدٌ حقيقة الإيمان حتَّى يعْلَم أنَّ ما أصابَهُ لم يَكُن لِيُخطأهُ، وما أخْطَأهُ لم يَكُن لِيُصيبَهُ، فسيِّدُنا موسى دخل المدينة على حين غفلتها فَوَجَد رجلان يقتَتِلان، قال تعالى:

﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ(15)﴾

[سورة القصص ]
ثمّ قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17)﴾

[سورة القصص ]
عَدْلُ ساعَةٍ تعْدِل عند الله عبادة ثمانين عامًا فلا تَكُن مع المُجْرِمين والأقْوِياء الظالمين، ولا تنْصُر الظالمين، ولكن اُنْصر المَظْلومين ولو بدى لك أنَّ هناك خطر عليك، فالله تعالى هو الذي يُنْقذُكَ، ويَحْفظك وهو تعالى الذي يقْلبُ الموازين، وهذه القِصَّة مفادُها ؛ إيَّاك أن تقفَ مع الظالم، وإيَّاك أن تُقِرَّهُ، وأن تُعْطِيَهُ إشارَةً بِعَيْنَيْك، ومن أعان ظالمًا سلَّطهُ عليه.
قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾

[سورة القصص ]
بدى له أنَّه انتهى، وكَزَ أحد شيعة فرعون، والقاعدة كما قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) ﴾

[سورة القصص ]
فعلى مُسْتوى تَقْسيم إرْث تجِد الأخ الأقوى يسْتَولي على كل التَّرِكَة فالناس ألِفوا أن يكونوا مع الأقوياء والأغنياء، وأن تكون مع هؤلاء هذا لا يرْفَعُكَ عند الله بل يضَعُكَ في الوَحْل، كُنْ مع الحقّ ولا تَخْشَ الغنيّ، وكُنْ مع صاحِب الحقّ ولو كان ضعيفًا ومنْبوذًا، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) ﴾

[سورة القصص ]
فلا تُعلِ شَأن مَن تراه يشْرب الخمر من أقاربك وتُعل شأنهُ وتُبجِّلُهُ فهذا نِفاق ليس بعدهُ نِفاق، ولكن زُرْ أخًا مؤمنًا ومُستقيمًا يعْرف الله عز وجل، قال تعالى:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) ﴾

[سورة القصص ]
لا تُعِنْهم ولا تُقَدِّم لهم دَعْمَكَ، ولا تُثْنِ عليهم وتعْتَزَّ بِهم.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-22-2018, 03:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾

[سورة القصص]
أوَّل اسْتِنباط من هذه الفقْرة أنّ الغِنى هو العمل الصالح وأنّ الفقْر الحقيقي هو فقْر العمل الصالح، لذا قد تَمْلِك مئات الملايين وأنت أفْقر الفقراء إن لم يكنْ لك عَمَلٌ صالِحٌ ينْفَعُكَ بعد الموت، وقد لا تمْلكُ ثرْوة لكنَّ لك أعمال كالجبال فأنت أغنى الأغنياء، هذا ما قاله الإمام علي كرَّم الله وجْهه ؛ قال: الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله، هذا النبي الكريم يُقَرِّر بإذْن الله عز وجل أنَّ الغِنى غِنَى الأعمال الصالحة وأنّ الفقْر الحقيقيّ فقْرُ الأعمال الصالحة،
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ))

[رواه الترمذي]
كلمة الحق صدَقة، والنُّصْح صدقة، وأبواب الخير مُفَتَّحة على مصارعها، ترْبِيَة الأولاد من أعْظم الأعمال، والرِّفْق بالزَّوْجة من أعْظم الأعمال ورِعايَة الأبَوَيْن من أعظم الأعمال، ورِعاية الأولاد من أعظم الأعمال والنُّصح للمسلمين من أعظم الأعمال، وإتقان العمل من أعظم الأعمال فَبِإمكانِكَ أن تكون أغنى الأغنياء، وبِمِقْياس الأرض الأغنياء هم الذين يَمْلِكون الملايين المُمَلْيَنَة، ولكنْ بِمِقْياس السَّماء الأغنياء هم الذين سخَّر الله لهم ما يُعينهم على الأعمال الصالحة، قدَّر على يدهم الخير ؛ الخير بِيَدي والشرّ بيَدي فَطوبى لِمَن قدَّرتُ على يده الخير، والوَيل لِمَن قدَّرْتُ على يده الشرّ، وإذا أردْت أن تعرف مقامَك فانْظُر فيما اسْتَعْمَلَك، كيف يسْتعملكَ الله ؟ لِخِدْمَة الخلق أم لإيذائهم، لإعْطائِهم أم للأخْذ منهم ؟ لتَطْمينهم أم لِتَخْويفِهم ؟ الويل ثمَّ الوَيل ثمَّ الوَيل لِمَن جعلَهُ الله أداة تأديب خلْقِهِ! يسوق الشرّ على يَدَيْه، ولذلك أحدهم قدَّم كتابًا للنبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا مَن جئْتَ الحياة فأعْطَيْتَ ولم تأخذ، أما الكفار أخذوا كُلَّ شيء، ولم يُعْطوا شيئا، والأنبياء أعْطَوا كُلَّ شيء ولم يأخُذوا شيئًا، والمؤمنون يأخذون ويُعطون.
ويا مَن قدَّسْتَ الوُجودَ كُلَّه، ورعَيْتَ قضِيَّة الإنسان، ويا مَن زكَّيْتَ سِيادة العَقْل، ونَهْنَهْتَ غريزة القطيع، ويا مَن هيَّاك تفوُّقك لِتَكون واحِدًا فوق الجميع فَعِشْتَ واحِدًا بين الجميع، يا مَن كانت الرحْمة مهجتك، والعَدل شريعَتَك، والحبّ فطْرَتَك، والسُّموّ حِرْفَتَك ومُشْكلات الناس عبادتَك، سيِّدنا ماذا فَعَل ؟ سقى لِفتاتَين مؤْمِنَتَين ترفَّقَ بهما، فأنت كَمُؤْمِن الآن ألَيْس لك بنات أخ وبنات أخت، أليْسَ لك جار مُتَوَفِّى أولادُهُ أيتام أليْسَ لك أن ترْعى هؤلاء، وتُقَدِّمَ لهم مَعونةً، وهَدِيَّة، وأن تُعالِج مريضًا، وأن تحضر تَعْزِيَة، أليْسَ بِإمكانِكَ أن تفعَلَ الخير ؟ أليْسَ لك أن تقوم في مركبتِك عامَّة لامرأة مُحَجَّبَة ؟ أليْسَ بإمكانك أن تُعطي مقْعَدَك لِرَجُل كبير بالسِّنّ ؟ أليْسَ بإمكانِكَ أن تبْتَسِم لِمَن هم دونَك ؟ أحيانًا تجِدُ مَن يبْخل بابْتِسامة لأخٍ صانِعٍ عندهُ، والابْتِسامة في وَجْه أخيكَ صدَقَة، ألا تستطيع أن تزور أقْرِباءَكَ يوم الجمعة ؟ صلة الرَّحِم ! تنصحهم وتُبلِّغُهم، وتأتي بهم على الجامع، وتأتي بأولاد أخوك على الجامع، ماذا فعل سيدنا موسى ؟ سقى لِفتاتَيْن ابنتي شعيب، قال تعالى:

﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]
أبواب الخير مُفَتَّحة على مصارعها.
قال تعالى:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾

[سورة القصص]
اسْتنبط العلماء أنّ المرأة المؤمنة لا تُزاحِمُ الرِّجال، ومن صفات المرأة المؤمنة أنَّها تبتعِدُ عن مُزاحَمَة الرِّجال، قال تعالى:

﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾

[سورة القصص]
كلمة واحدَة، وكلَّما زاد إيمانك خاطَبْتَ الأجْنبيَّات بِكَلِمَة واحدة جادَّة صارِمَة مُخْتصرة، ما خطبكُما ‍! وليس في اللُّغة كلمة أقلّ منها، لم يقل: ماذا تفعلان هنا ؟ أنا بِخِدْمتِكم، قال تعالى:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا(32)﴾

[سورة الأحزاب]
ما خطبكما، يُمْكن أن تبيع النِّساء، ولكن بالجدّ ! هذه سِعْرها كذا ! وأحْيانًا المرأة تقول: نحن جيرانك، وقلبك قاسٍ علينا، ألا تُراعينا ؟! اللِّين اجْعَلْهُ مع زَوْجتِك، ليس في البيت دبور وبالخارج شَحرور ! هذا الكلام الطيِّب دَعْهُ لِزَوْجتك، ولِمَن تحلّ لك، وابْتِسامتك لِزَوْجتِك وأذْكر مرَّة أنَّني كنتُ بِمَحَلّ تِجاري، وصاحب المحلّ أعْرفُهُ، دَخَلَتْ امرأة فرحَّب بِها تَرْحيبًا غير مَعْقول، فأنا مِن شِدَّة أنَّني أعْرِفُهُ مؤمنًا جَزَمْتُ أنَّها أُخْتُهُ وأحد العلماء كان بالصَّدر فعبسَ، فقلتُ له: هذه أخْتُهُ ! ولمَّا ذهَبَت قال لنا: هذه أخْتي.
الآن اسْمعوا الجواب، قال تعالى:

﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)﴾

[سورة القصص]
واسْتَنْبَطَ العلماء أنَّ المرأة لا تخْرجُ إلا لِضَرورة قال تعالى:

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(33)﴾

[سورة الأحزاب]
فإذا خَرَجْتِنَّ لِضَرورة فتسَتَّرن، وقد وردَ أنَّ البيان يطْرد الشَّيْطان يقول: هذه أختي كي لا يُساء الظنّ فيه ورحمَ الله عبْدًا جبَّ المغيبة عن نفْسِهِ، لا تجعل نفْسَك في مواضع الشُّبْهة والتُّهْمة، دائِمًا لا تضَع نفْسَكَ موْضِع التُّهْمة، ثمَّ تَلوم الناس إذا اتَّهَموك، فإذا كنت مُسافِرًا وكلَّفْتَ أخ زوْجتِكَ أن يتردَّد على أخته فلا بدّ أن تُبَيِّن للجيران أنَّك مسافر وسوف يتردَّد أخو زوْجتِكَ، حتى لا يشكَّ أحد في عرضِك البيان يطْرد الشَّيْطان، ولا تضَع نفْسَكَ مَوْضِعَ التُّهْمة ثمَّ تَلوم الناس إذا اتَّهَموك، قال تعالى:
ًُ
﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]
وكل واحِد مِنَّا أيها الإخوة، يستطيع أن يفْعل مائة عمل صالح باليوم وحتَّى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يكْنُس دارهُ، ويحْلبُ شاتهُ ويخسف نعلَهُ، وكان في مؤونة أهله، فلو أعَنْتَ زَوْجتَكَ هو لك صَدَقة ولو أفْرَغْت دلْوَك في دَلْوِ المُسْتسْقي هو لك صدَقة، طالب علم مِن إفريقيا يجب أن يُقابل أستاذًا له من بيْروت وركِبَ سيارة تاكسي، فهذا التاكسي أوْصَلَ هذا الطالب إلى بيروت وأرْجعَهُ واشْترى له هدايا وقال له لا أريد منك شيئًا ! وقال له: اُدْع لي، وكذا إذا كنت طبيبًا لك أن تُعين من ليس معه، فأبواب العمل الصالح مُفتَّحَة على مصارعها، قال تعالى:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[سورة القصص]
ولا تَنْسَوا قَول الإمام عليّ كرَّم الله وجْهه: الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله ! والإنسان إذا وضَع اللُّقْمة في فيِّ زوْجتِهِ يراها مثل أُحُد فأنت في أكلك يمْكن أن تعمل العمل الصالح، رأيتَ قليلاً من اللَّحْم أعطه لِزَوْجَتِكِ، ولابنك.





والحمد لله رب العالمين

السعيد
03-22-2018, 03:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


سورة القصص (28)


الدرس السابع



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، لازِلنا في قِصَّة سيِّدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، ووصلنا في سورة القصص من هذه القصَّة إلى سيِّدنا موسى مع مَدْيَن في قوله تعالى:
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[ سورة القصص ]
وأجْمَلُ ما في المرأة حياؤُها، وأكبر شيء يلْفتُ نظَر الرَّجل في المرأة حياؤُها، ومن علامات آخر الزَّمان أنَّ الحياء يُرفَعُ من وُجوه النِّساء وأنَّ النَّخْوَةَ تذْهب من رؤوس الرِّجال، وأنَّ الرَّحمة تُنْزَع من قلوب الأمراء، فلا رحمة في قلوب الأمراء، ولا نَخْوة في رؤوس الرِّجال ولا حياء في وُجوه النِّساء.
قال تعالى:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[ سورة القصص ]
علماء النَّفس فرَّقوا بين الأنوثَة وجنس المرأة، فَكُلّ امرأة لها رحمٌ وأعضاؤُها مُتوافقة مع جنْسِها، هي امرأة، لكنَّ الشيء الذي أكرَمَها الله به أنوثتَها، فإذا خالَطَت الرِّجال، وخرجَت عن منهج الله عز وجل فقَدَتْ أثْمَنَ شيءٍ تَمْلِكُهُ، وهو أُنوثَتُها، وأُنوثَتُها مُتَعَلِّقَةٌ بِحَياتِها ولا يلْفتُ نَظَر الرَّجل في المرأة إلا حياؤُها فالله تعالى قال:

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

[ سورة القصص ]
تَعقيبًا على دَرْس البارِحَة قالتْ له: كلامًا مُخْتصَرًا ومُفيدًا، وموجَزًا ولا يحْتَمِل الحِوار قال تعالى: قالتْ:

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾

[ سورة القصص ]
فلو قالتْ له إنَّ أبي يَدْعوك ‍! يقول لها: من أبوك ؟ وما المناسبة ؟ ولماذا يَدْعونني ؟ تقول له: إنّ أبي يدعوك لِيَجْزِيَكَ أجْر ما سَقَيْتَ لنا قالتْ كلمَةً جامِعَةً مانِعَةً فيْصلاً لا يحْتمل النِّقاش ؛ فهي قالتْ كما قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)﴾

[ سورة القصص ]
معنى هذا أنَّهُ حينما وكَزَ هذا الرَّجل فقَضى عليه، ما أراد قَتْلَهُ، وليس هذا النَّبي الكريم مُقاتِلاً، فَمَوت ذاك الرَّجل كان قضاءً وقدَرًا، ولِحِكْمةٍ أرادها الله عز وجل، كان مَوْتُهُ على يَدِ هذا النبي الكريم لِيَخْرُجَ من قصر فِرْعون، ولِيَذْهب إلى مَدْيَن، ثمَّ لِيَأتِيَهُ الوَحي ولِيُكَلِّمه الله تَكْليمًا كن لِما لا ترجو أرْجى منك لما ترجو.
قال تعالى

﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾

[ سورة القصص ]
يبْدو أنَّ حياء المرأة واضِحٌ جدًا، فهي اسْتَحْيَت أن تقول: يا أبت زوِّجْني إيَّاه، قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾

[ سورة القصص ]
الآن سؤال آخر ؛ إذا كان حياء المرأة وأُنوثتُها هو الذي يلْفتُ نَظَر الرَّجل إليها، فإنَّ قُوَّة الرَّجل وأمانتهُ يلْفِتُ نظَرَ المرأة في الرَّجل فالمرأة تُعْجَب بِقُوَّة الرَّجل وأمانتهِ، والرَّجل يُعْجَب بِحَياء المرأة وهذا في الرَّجل السَّوِيّ، وفي المرأة السَّوِيَّة، قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾

[ سورة القصص ]
سيِّدُنا عمر عِمْلاق الإسلام كان إذا أراد أن يُعَيِّنَ واليًا يقول له: خُذْ عَهْدَكَ، وانْصَرِف إلى عملك، واعلمْ أنَّكَ مَصْروف رأس سنتِكَ وأنَّك تصير إلى أربعِ خِلال فاخْتَر إلى نفْسِكَ، إنْ وَجَدْناكَ أمينًا ضعيفًا اسْتَبْدَلناك لِضَعْفِكَ، وسلَّمَتْكَ من مَعَرَّتِنا أمانتُك، وإن وجَدْناكَ خائِنًا قَوِيًّا حازِمًا، اسْتَهَلْنا بِقُوَّتِكَ، وأوْجَعْنا ظَهْرَكَ، وأحْسنَّا أدَبَك، وإن جَمَعْتَ الجُرْمَيْن جَمَعْنا عليك المضَرَّتَيْن ؛ العَزْل والتَّأديب، وإن وَجَدْناك أمينًا قَوِيًّا زِدْناكَ في عَمَلِكَ، ورَفَعْنا لك ذِكْرَك، وأوْطَأنا لك عَقِبَك، والقوَّة والأمانة بِلُغَةِ العصْر الآن، الكفاءةُ والإخلاص والكفاءةُ مَقْدِرَةٌ على تَصْريف الأمور، والإخلاص هو النَّزاهَة، فإذا كنتَ تُريدُ لِمَحَلِّكَ التِّجاري شابا ابْحَث عن القَوِيّ الأمين، وإن كنتَ تُريد لابْنَتِكَ زَوْجًا فابْحَث عن القويّ الأمين، وإن كنت تُريد مُديرًا لأيّ جهة فابْحَث عن القويّ الأمين ؛ القُوَّة والأمانة خصِيصَتان لِلمَنَاصِ للقِيَادِيَّة قال تعالى:

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)﴾

[ سورة القصص ]
فهو الْتَفَتَ إلى حيائِها، وهي الْتَفَتَتْ إلى قُوَّتِهِ وأمانتِهِ، فَقُوَّتُهُ حينما سقى لهما، وأمانتهُ حينما قال للفتاة: اِمْشِ ورائي ودُلِّيني على البيْت فهي تأثَّرَت لِهذه الأمانة.
قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾

[ سورة القصص ]
معنى هذا أنَّ للخاطِبِ أن يرى مَخْطوبَتَهُ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: اُنْظر إليها، والشيء الآخر الذي يُقَصِّر فيه الناس هو أنَّ الإنسان يسْتحي أن يعْرِضَ ابْنَتَهُ على شابٍّ وهذا مِن السُّنَّة، وهذا فَعَلَهُ نبِيٌّ كريم، فإذا كانت لك بنْتٌ مُناسِبَة جدًّا، ورأيْتَ شابًّا كُفْأً أمينًا صادِقًا، وعرَضْتَ عليه فتاتَكَ فإنْ وافَقَ فَبِها ونِعْمَت، وإن لم يُوافِق فلا شيء عليك، أما كُلّ أب هو مُكَلَّف أن يبْحَث لها عن شابٍّ صادِق وأحيانًا تتزوَّجُ الفتاة صدفَةً، أما الأصْل أن تختار لابنَتِكَ، وإذا كان هو يسْتحي، مَن مَشى بِتَزْويجِ رَجُلٍ بِامرأةٍ كان له بِكُلِّ كلمةٍ قالها وبِكُلِّ خُطْوَةٍ خطاها عِبادة سنة قام ليلها، وصام نهارَها ! وهذا مِن أجلِّ الأعمال ؛ أن تكون شفيعًا بين زَوْجَيْن، إما في عَقْد الزَّواج، وإما في إصْلاح الزَّواج، فالذي يُصلح بين الزَّوْجَين له شأن عند الله عظيم لِقَول الله عز وجل:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[سورة الأنفال]
فَمِن معاني هذه الآية أن تُصْلِح نفْسَك، ومن معاني هذه الآية أن تُصْلِحَ ما بينك وبين الآخرين، وأيّ علاقة بين اثْنَين، وأجلّ علاقة وأهمّ علاقة بين اثْنَين هي علاقة الزَّوْجَين، لأنَّ عَقْد الزَّواج هو أقْدَسُ عَقْدٍ على الإطلاق، قال تعالى:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا(21)﴾

[ سورة النساء ]
فالرَّجل يرى من زوْجتِهِ ما لا يسْتطيعُ أبوها أن يراه، ولا أخوها ولا ابنُها وعمُّها ولا خالها، ولا ابن أخيها ولا ابن أُخْتِها، لذلك قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾

[ سورة القصص ]
فالمَهْر من لوازِمِ عَقْد الزَّواج، وأيُّ عَقْدِ زواج من دون مَهْرٍ فَهُوَ فاسِد لا بدَّ مِن أن يُصَحَّح بِمَهْر المِثْل، وهذه القِصَّة فيها أركان عَقْد الزَّواج قال تعالى: قال إني أُريد أن أنْكِحَكَ " هذا الإيجاب وقوله تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾

[ سورة القصص ]
هذا المَهْر وقوله تعالى:

﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

[ سورة القصص ]
دليل رؤْية المَخْطوبة.
قال تعالى:

﴿حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)﴾

[ سورة القصص ]
هذه الكلمات في هذه الآية ينبغي أن تكون شِعارَ كُلِّ أب، أنتَ عمركَ خمسًا وخمسين سنة، بيْتُكَ مُرَكَّز، ولك عمل، وتَوَدُّ مِن شاب عمرهُ خمسًا وعِشرون له بيْت بالشَّام !! مُسْتحيل، وتودُّ سيارة، ومحلّ !! هذه طلَبَات تَعْجيزِيَّة، سَلْ نفْسَكَ فقط، ما الذي كنت تَمْلِكُهُ في هذا السِّنّ ؟ كنت مُعْدَم ولا شيءَ معك ! فكَيْفَ زوَّجَك بيْتُ حماك ؟! فَبَعْدَ أن أكْرَمَكَ الله وأعطاك تَجْعَل عَقَبات أمام شاب، وكُلّ إنسان يضَع عَقَبات تَعْجيزِيَّة أمام تَزْويج ابْنَتِهِ كأنَّهُ يُكْرِهُ فتاتهُ على الزِّنا، لأنّ الله تعالى خاطَب المؤمنين، وقال:

﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾

[سورة النور]
هذه الآية يَصْعُب فَهْمُها، إذْ لا يُعْقَل مَن يُكْرِهُ فتاتهُ على الزِّنا، لكنَّ علماء التفسير رحمهم الله قالوا: هذه الآية لها معنىً عميق ؛ كُلُّ أبٍ يضَعُ مطالب تَعْجيزِيَّة أمام خاطِب ابنِه كأنَّه في النِّهاية يُكْرِهُ فتاتَهُ على الزِّنا فلو كان لك مَحلّ تِجاري ولك دخل مائة ألف باليوم، ولك عامل تُعطيع ألفين بالشَّهْر، والصُّندوق بِيَدِهِ، فأنت ماذا تفعل له ؟ أنت تحْملهُ على السَّرِقَة، فَكُلّ إنسان يضَعُ شروط تَعْجيزِيَّة أمام ابنته، وهو لا يشْعر يَحْمِل ابنتَهُ على الانْحِراف.
خطيب من خُطباء دِمَشق جاء رجل من أهل اليسَار، وشكى له مصيبَةً لا يتحمَّلُها إنسان، فقد كان هو وزوْجَته يرون التلفاز، واشْترى ستلايت لِكَي يرى مكَّة المُكَرَّمة كما قال ! وأثناء تغييره المحطَّات مرَّتْ محطَّة مُنْحطَّة، فرأسًا غيَّرها الأب، الابن أخذَ الرَّقم، وبعدما تعشَتْ الأسرة ونامَت، وقد كان للأب بِنْتَين وولدَين، قام الابن بالليل وشغَّل التِّلفاز على هذه المحطَّة، وأفاق أخوه الثاني وأراه المناظر الخليعَة وفعلاَ بِأُخْتَيهما العَجَب، فالأب بالليل سَمِعَ أنينًا غير عادي فلمَّا ذهب لِغُرفة الأولاد، وجَدَ كُل ابن فوق ابنته !!!
قال تعالى:

﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾

[ سورة القصص ]
فإن وجَدَ بيتًا بعيدًا عن العاصِمَة، أو له غرفة مع أوليائه، قل له: أنا مُوافق.
قال تعالى:

﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾

[ سورة القصص ]
هذا القبول، فصار عَقْد الزَّواج إيجابا وقَبولا ومَهْرا، والآن بقِيَ الشاهِدان ؛ قال تعالى:

﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)﴾

[ سورة القصص ]
فالله خير شاهِدَا فأصْبَحَ بهذا إيجاب وقَبول ومَهْر ورؤية المَخطوب والشُّهود، ولعلَّ النبي عليه الصلاة والسلام اسْتنبط أركان الزَّواج من هذه القِصَّة.
واسْتَنْبَطَ العلماء أنَّه لا يجوز للزَّوْج أن يُسافر بِزَوْجتِهِ ما لم يَدْفَع لها مَهْرها، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)﴾

[ سورة القصص ]






والحمد لله رب العالمين