| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الاول ) الموضوع : مقدمة عن الربا ومضارها الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.كسب المال : أيها الأخوة، في أحد دروس الفجر في رمضان الأخير تحدثت عن موضوع الربا، و قد طلب إليَّ أخوة كرام أن أعالج هذا الموضوع بشكل مسهب بعد عيد الفطر، و هاأنذا أوفي بوعدي إن شاء الله، وقبل أن نبحث في موضوع الربا في الحقيقة أنّ البحث الأعم والأشمل موضوع كسب المال، لأن تسعة أعشار المعاصي من كسب المال، ولأن المال مادة الشهوات، والله عز وجل قال: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [ سورة آل عمران: 14 ] ![]() فالله جل جلاله أودع في الإنسان حبّ المال، هذا الحب أودعه فيه ليرقى الإنسان به إلى الله عز وجل من خلال ترك الحرام و إنفاق الحلال، فأنت ترقى مرة إذا تعففت عن مال حرام، و ترقى مرة ثانية إذا كسبت مالاً حلالاً فأنفقته في عمل طيب، إذاً تسعة أعشار المعاصي من كسب المال، و لأن الله سبحانه و تعالى أودع حب المال في نفوس الخلق ليرقوا بهذا الحب مرة صابرين و مرة شاكرين، و لأن أساليب كسب المال كثيرة جداً، و الكسب الحلال بين واضح، و الكسب الحرام بين واضح، لكن هناك ألوف بل عشرات الألوف من طرائق كسب المال، وهذه يقع فيها الناس في شبهات، أي يشتبه عندهم هذا الدخل مع الحلال، و يشتبه عند بعض آخر مع الحرام، لذلك وجدتُ موضوعَ كسب المال موضوعاً أساسياً؛ أساسياً و خطيراً في حياة المسلم، لذلك إن شاء الله تعالى في الدروس القادمة سنتحدث عن موضوع كسب المال، لأن كل الأخوة الحاضرين ما منهم واحد إلا و يكسب المال إما من خلال وظيفة، أو من عمل زراعي، أو صناعي، أو تجاري، أو من خدمة، أو من حرفة، فإذا شعر أن كسبه حلال أقبل على الله، ولأن العبد يدعو ويقول: يا رب يا رب و مأكله حرام و مشربه حرام و غذي بالحرام فأنى يستجاب له؟! (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] وكذلك فإنّ من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، ربنا جل جلاله قد يتلف الإنسان إذا أكل أموال الناس بالباطل، فلا أعتقد أن في موضوعات الفقه موضوعاً أشد خطورة و أشد مساساً بإيمان المؤمن و إسلام المسلم وسعادة الإنسان من موضوع كسب المال. المعنى اللغوي للربا في القرآن الكريم : ومن خلال دروس سابقة كنت أبين لكم أن الحق دائرة يمر بها أربعة خطوط؛ خط النقل؛ و خط العقل؛ و خط الفطرة؛ و خط الواقع، و إذا حرم الله الربا بالنقل فالعقل يرفضه و الواقع يرفضه و الفطرة ترفضه و إليكم هذه الأدلة: ما معنى كلمة ( الربا )؛ الربا في اللغة الزيادة، أربى فلان على فلان أي زاد عليه، رَبا الشيءُ أي زاد على ما كان عليه، الربوة المكان المرتفع، أربى فلانٌ ماله صيره زائداً كثيراً، هذا المعنى ورد في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [ سورة البقرة : 276 ] أي المال الذي تصدقت منه يربّيه الله عز وجل، أي يزيده ويضاعفه أضعافاً كثيرة، وقال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 265 ] الربوة هي الموضع المرتفع قال تعالى: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [ سورة الرعد: 17 ] زبداً رابياً أي عالياً، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [ سورة الحج: 5 ] أي: انتفخت، هذا في القرآن الكريم، الربا الزيادة. المعنى اللغوي للربا في السنة الشريفة و المعاجم اللغوية : وأما في السنة المطهرة فكما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلا الطَّيِّبَ إِلا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)) [متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ] معنى تربو أي تزيد، على كلٍّ في "لسان العرب" وهو معجم من أوسع المعاجم، وذات مرة طالب في الجامعة في قسم الآداب سئل عن لسان العرب ليتحدث عن نظام تأليفه، و عن خصائصه، و عن مؤلفه، و عن تاريخ تأليفه، لكنه لم يقرأ عنه شيئاً فما زاد على قوله: لسان العرب طويل، فرسبه الأستاذ بهذه الكلمة. في معجم "لسان العرب" رَبا الشيء يربو ربواً أي نما وزاد، و في معجم الزمخشري المسمى "أساس البلاغة" ربا الشيء يربو أي زاد، وأرباه الله تعالى أي ضاعفه أضعافاً كثيرة، المعاجم كلها تؤكد أن الربا هو الزيادة. تعريف الربا الشرعي : فما تعريف الربا الشرعي؟ بعد أن عرفناه بالمعنى اللغوي فما تعريفه الشرعي؟. أيها الأخوة الأكارم، مرة ثانية هذا الدرس مهم جداً لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "في آخر الزمان يفشو الربا حتى الذي لا يأكل الربا قد يصيبه غباره". ![]() فإذا عرفنا بالضبط حدود هذا الدرس وتحرّينا الحلال استجاب لنا الله دعاءنا، ونحن الآن في أشد الحاجة إلى الدعاء بل إلى أن يُستجاب دعاؤنا وقد تكالبت علينا أمم الأرض قاطبةً: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] الربا: الزيادة على أصل المال من غير عقدِ تبايعٍ، أي أقرضت إنساناً مبلغاً واشترطت عليه أن يرده عليك بزيادة على أصله هذا ربا القروض. تعريف آخر: الزيادة على أصل المال من غير بيع، هذا التعريف يشمل ربا القروض الذي كان سائداً في الجاهلية. وأما ربا البيوع، فربا القروض شيء وربا البيوع شيء آخر، ربا البيوع: الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي هذا القلم بخمسين ليرة، معنى العوض: الخمسون مقابل تملّك هذا القلم فلو أخذت منه ستين ليرة مقابل أن تؤخر له في دفع الثمن فهذا الربا اسمه ربا البيوع وليس ربا القروض، فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، شرط البيع أن هذا القلم بخمسين فإذا أخذت زيادة عن الخمسين من غير شرط البيع وهو العوض فهذا المبلغ الذي أخذته عند العلماء ربا، هذا التعريف تعريف السرخسي وهو من أكبر فقهاء الأحناف. والعلامة العيني يقول: فضل المال بلا عوض في معاوضة مال بمال، الخمسون مال والقلم مال، فإذا أقمت عقد معاوضة بين القلم والثمن فالذي تأخذه فوق الخمسين هذا فضل وهذا ربا البيوع. هناك تعريف يجمع بينهما، هذا التعريف لابن العربي: الربا في اللغة الزيادة والمراد به في الآية كل زيادة لم يقابلها عوض هي الربا. أنواع الربا : أمّا الإمام الفخر الرازي فيقول: الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، ربا النسيئة أي: الزيادة المشروطة الذي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل، اقترضت من إنسان قرضاً فاستحق أداء القرض فلما أخّر لك الأداء طالبته بزيادة على أصل المال، هذا ربا النسيئة، هذا الربا هو ربا الجاهلية الذي كان شائعاً عند العرب قبل الإسلام، فالربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به من نسب معينة، والآن أي قرض من المصرف بفائدة هو يشبه ربا القروض. يسمي العلماء ربا القروض الربا الجلي، وربا البيوع الربا الخفي، فكما أن هناك شركاً جلياً أن تعبد بوذا مثلاً، وشركاً خفياً كأن تخاف من إنسان أو تعلق الآمال عليه، والعلماء يرون أن هناك رباً جلياً ورباً خفياً، الربا الجلي ربا القروض، والربا الخفي ربا البيوع والظاهر بيع وشراء. الإمام ابن القيم الجوزي يقول: الربا نوعان جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة الذي كانوا يفعلونه بالجاهلية، أي التأخير، وسمّى بعض العلماء ربا القروض الربا الحقيقي. يقول الشيخ الدهلوي: وعُلم أن الربا على وجهين؛ حقيقي ومحمول عليه. أما الحقيقي فهو في الديون وأما المحمول عليه فهو في البيوع. يقول أحد علماء الأزهر: إن ذلك النوع أي ربا القروض هو أشد أنواع الربا تحريماً، وهو الجاري في التعامل بين الجماعات التي قام نظامها الاقتصادي على أساس ربوي، وقد سمى بعض العلماء القروض بربا القرآن حيث ثبت تحريمه بالقرآن الكريم، أما ربا البيوع على حسب تعريف السرخسي وهو إمام كبير من أئمة المذهب الحنفي فهو الفضل الخالي عن العوض المشروط في البيع، أي ثمن هذا القلم خمسون فإذا أخذت زيادة على الخمسين مقابل الأجل أي التأخير فهذا ربا البيوع، ربا القروض وربا البيوع، ربا القروض ربا القرآن، وربا البيوع ربا السنة التي نهى عنها النبي، ربا القروض الربا الحقيقي المحمول عليه، وربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي. ربا البيوع : و عن النبي عليه الصلاة والسلام: ((عَنْ أَبِي قِلابَةَ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ فَجَاءَ أَبُو الأشْعَثِ قَالَ: قَالُوا: أَبُو الأَشْعَثِ، أَبُو الأَشْعَثِ فَجَلَسَ، فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْ أَخَانَا حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا غَزَاةً وَعَلَى النَّاسِ مُعَاوِيَةُ فَغَنِمْنَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً فَكَانَ فِيمَا غَنِمْنَا آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ رَجُلا أَنْ يَبِيعَهَا فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَقَامَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إِلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: أَلا مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ قَدْ كُنَّا نَشْهَدُهُ وَنَصْحَبُهُ فَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْهُ فَقَامَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ فَأَعَادَ الْقِصَّةَ ثُمَّ قَالَ: لَنُحَدِّثَنَّ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَرِهَ مُعَاوِيَةُ أَوْ قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ مَا أُبَالِي أَنْ لا أَصْحَبَهُ فِي جُنْدِهِ لَيْلَةً سَوْدَاءَ )) [مسلم عَنْ أَبِي قِلابَةَ ] ![]() أي هذا القلم بخمسين، فلك عندي خمسون، فإن دفعتها لك الآن خذ أربعين مقابل الخمسين، و إذا أخرت لك الدفع صارت ستين، انتهى الموضوع القلم بخمسين، لو دفعت ثمنه نقداً كان بخمسين، الآن تفاوض على طريقة الدفع فإذا أخرت القبضة طالبته بالستين هذا الربا هو ربا البيوع، ولكن هناك من يزعم أن الربا يشبه البيع قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 275 ] لماذا يشبه البيع؟ يقول لك: أنت تشتري هذا القلم بأربعين وتبيعه بخمسين فقد زدت في الثمن والقرض كذلك لكن الفرق دقيق جداً، الإنسان الذي اشترى شيئاً وباعه قدم سلعةً، قدم خدمة، قدم جهداً، قدم محصولاً زراعياً فأفاد الناس، قدم صناعة لبّت حاجاتهم، أما الذي لم يقدم شيئاً إنما أقرض وطالب بزيادة على القرض فهذا يعني أنه جمع الأموال كلها بيده. علاقة الربا بتداول المال بين الأيدي القليلة : والحقيقة أننا الآن دخلنا في صلب الموضوع، وأخطر ما في الحياة الاجتماعية أنك أيها الإنسان عضو في الجماعة شئت أم أبيت، وبأيدي هذه الجماعة كتلة نقدية، هذه الكتلة كلما كانت موزعة بين أيدي أفراد الجماعة كان الوضع طيباً ونافعاً ومفيداً، وكان استقرارٌ، وصارت هناك طمأنينة، الجميع يأكلون، والجميع يشربون، والجميع يسكنون، والجميع يتزوجون، والجميع يفرحون، أما إذا جمعت هذه الكتلة النقدية في أيد قليلة وحرمت منها الأيدي الكثيرة بدأ اضطراب الحياة الاجتماعية، بدأت الثورات، بدأ العنف، والعالم اليوم ماذا يشكو؟ العنف، لا أعتقد أن في تاريخ البشرية عصراً يتصف بالعنف كهذا العصر، لماذا؟ لأن المال في كل مجتمع متداول بين أيدٍ قليلة، ربنا عز وجل يقول: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة الحشر: 7 ] فما علاقة الربا بتداول المال بين الأيدي القليلة؟ الحقيقة أن الإنسان حينما يضع أمواله في جهة ربوية ماذا فعل؟ ما قدم شيئاً، أما أيّ إنسان آخر قدم محصولاً فهذا المحصول ساهم في خفض الأسعار. ![]() كما تعلمون جميعاً حينما يكون المحصول جيداً جداً يصبح السعر رخيصاً جداً. تصوروا شكل مخروط، ولهذا المخروط محور داخلي، وهذا المحور الداخلي هو السعر، وهذه الدوائر التي تبدأ واسعة جداً في القاعدة ثم تضيق نحو الأعلى إلى أن تختفي، هذا المخروط ذو شكل دائري في قاعدته ثم تضيق هذه الدوائر إلى أن تصل إلى نقطة، فالمحور الداخلي هو السعر، والشريحة التي تشتري هذه السلعة دائرة، فكلما انخفض السعر اتسعت الشريحة، وكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة، وهذا مثل أطرحه بين أيديكم، الفاكهة التي إن شاء الله سوف تنمو بهذا الصيف، كرز مثلاً إذا كان الكيلو بمئة ليرة، الفليفلة بمئة ليرة كم إنسان يشتري الكيلو بمئة ليرة وشعبنا اثنا عشر مليوناً؟ افرض أنّ عدد من يشتريه خمسمئة ألف، لو صار الكيلو بخمسين ليرة فالذين يشترون مليوناً، فلو صار بخمسة وعشرين فعدد من يشترون أربعة ملايين، ولو كان باثني عشر ليرة ثمانية ملايين ولو كان الكيلو بست ليرات لقال أحدهم بعني كيلوين، أما إذا كان بمئة فضع لي أوقية، بالمئة أوقية إذا كان مضطراً ومترفاً أيضاً. فهذا المخروط كلما ارتفع السعر كلما الدائرة قلَّت وضاقت. فإذا أثبتنا الآن أن الربا يسهم في رفع الأسعار معنى ذلك هناك علاقة حتمية بين الربا وبين تجمع الأموال في أيدٍ قليلة، وإذا أثبتنا أن تجمع الأموال في أيد قليلة سبّب أعمالَ العنف في العالم وسبب الثورات، إذاً فمعنى ذلك أن أخطر معصية يفعلها الإنسان هي معصية الربا، لأن شارب الخمر يؤذي نفسه، والزاني يؤذي نفسه وهذه التي زنى بها، أما المرابي فيؤذي مجتمعاً بأكمله، فكل أنواع الحرمان التي يعانيها الشباب، وكل الطرق المسدودة التي يقاسيها المتطلعون للزواج، وكل الأعمال المغلقة في وجه طالبي العمل، هذه كلها بسبب تجمُّع الكتلة النقدية بأيدٍ قليلة وانعدامها من أيدٍ كثيرة. فإذا أثبتنا أن الربا يسهم في تجميع الأموال في أيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، إذاً فالربا سبب الاضطراب الاجتماعي في العالم أجمع، من هنا لم يرد في القرآن الكريم تهديد حول معصية كتهديد الربا قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 279 ] لا توجد معصية توعد الله بها مرتكبها بالحرب إلا الربا لأن خطر الربا يشمل المجتمع بأكمله. إصرار الحضارات القديمة على شناعة الربا و من هذه الحضارات : 1 ـ اليونان : لكن الشيء الذي ربما تفاجؤون به وأنا مضطر أن أذكره لكم هو أن كل الحضارات القديمة أصرت على شناعة الربا. اليونان: الإغريق أقدم حضارة في العالم ماذا يقولون؟ يقول أفلاطون في كتابه القانون: لا يحل لشخص أن يقرض بالربا. أرسطو يقول: الربا من ضروب الكسب التي تخالف الطبيعة، ويقول أيضا ً: كان حقاً استنكار الربا لأنه طريقة كسب تولدت من النقد نفسه، في النظرة القديمة، أي بالربا المال يلد المال. علاقة الربا بالبطالة و بارتفاع الأسعار : الآن تصور أن إنساناً أنشأ مشروعاً زراعياً أو مشروعَ صناعةٍ زراعيةٍ، مشروع ألبان، طرح هذه المواد في الأسواق بأسعار معتدلة، هذا الطرح الكثيف بسعر معتدل يساهم بخفض الأسعار، أليس كذلك؟ كما قلت قبل قليل: كلما زاد الإنتاج انخفضت الأسعار، و كلما قلّ الإنتاج ارتفعت الأسعار، فالربا يعني أن المال يلد المال، أما بالطرق المشروعة فالمال يأتي من عمل إنتاجي، من عمل زراعي، من عمل صناعي، من عمل تجاري، من خدمات، تؤدي خدمة تأخذ مقابلها، الأعمال تلد الأموال، الطريق المشروع الأعمال تلد الأموال، أما بالربا فالمال يلد المال، الأعمال تسهم في بناء الأمة، تسهم في الرخاء، تسهم في توفير الحاجات، تسهم في خفض الأسعار، أما المال وحده أي إذا تولَّد المال عن طريق الربا فماذا قدم صاحب هذا المال للمجتمع؟ لم يقدم شيئاً، لم يطرح إنتاجاً زراعياً و لا صناعياً و لا قدم خدمات، و هناك شيء آخر أنت حينما تقوم بمشروع، وتنشئ مشروعاً أيَّ مشروع كان، فمئات الأشخاص بل عشرات المئات بل الألوف تستخدمهم و أنت لا تدري، تحتاج إلى فاتورة فلا بد من مطبعة، المطبعة تريد حبراً، و المطبعة تريد موظفين، و تريد محاسباً، و تريد عمالاً، و تريد مندوبَ مبيعاتٍ، و تحتاج إلى وسيلة نقل، النقل له عشرات الفروع، و هذه الوسيلة تحتاج إلى كهرباء، و إلى صيانة، و إلى وقود، و إلى أجهزة، و تحتاج إلى مَن يقودها لنقل البضاعة، تصور، لا توجد مؤسسة إلا و ألوف بل عشرات الألوف يعملون في خدمتها. سمعت أن معمل سيارات بفرنسا، مئتا ألف شركة تقدم له سلعها لأنه معمل تجميع، فعدد كبير جداً يعملون من أجله وبسببه، أما الذي يضع أمواله في المصرف ليأخذ فائدتها، شَغَّلَ كم واحداً؟ و لا واحداً، إذاً الأعمال تسهم في خفض نسب البطالة، أما حينما يلد المال المال فهذا يسهم في رفع نسب البطالة. إذاً موضوع الربا أيضاً له علاقة بالبطالة و له علاقة بارتفاع الأسعار، واعلم أنّ خفض الأسعار له تعليل دقيق جداً، فعندما يضع الإنسان ماله في مؤسسة ربوية ليأخذ فائدةً عليه فليس هناك مخاطرة، وليس هناك ضرائب، وليس هناك مواجهة مع موظف تموين أحياناً، والجمرك أحياناً، والتأمينات أحياناً، فلن يتعرض لأية مخاطرة، فإذا رأى الإنسان أنه يمكن أن يحصل ربحاً قدره خمسة عشر بالمئة أو أكثر من دون أية مفاجأة فهل يعقل أن يضع أمواله في مشاريع بأرباح تساوي أرباح الفوائد؟ لا. فهو عندئذ في منطق العصر مجنون، لكن لا يضع صاحب المشروع أمواله في الاستثمار العملي إلا إذا ضمن أرباحاً تفوق أضعافاً أرباحَ الفوائد، إذاً بشكل أو بآخر نظام الفائدة ساهم برفع الأسعار، ولو تصورنا مجتمعاً يخلو من ربا فممكنٌ لأيِّ مشروعٍ ينشئه أن يقنع بربح قدره بالمئة عشرة أو خمسة عشر، لكن ما دام الخمسة عشر تأتيه بلا مخاطرة فكيف يخاطر بوضع رأسماله في مشروع إلا إذا كان يضمن الربح أربعين بالمئة أو خمسين؟ ويقول: إذا كان الربح خمسة عشر فأنا أضع المال في البنك وأرتاح من كل هذا التعب ومن هذه المخاطرة والمواجهة. إعادة لرأي اليونان في الربا : اليونان والإغريق يقولون: كان حقاً استنكار الربا لأنه طريقة كسب تولدت من النقد نفسه وهو كسب مضاد للطبع السليم، هذا كلام أرسطو. ويقول أرسطو وأفلاطون مجتمعين: يعرّضُ الربا فلاح الدولة للخطر، وذلك بمواجهة طبقةِ المقرضين الأغنياء ضد طبقة أخرى أي المقترضين الفقراء. صار المجتمع طبقتين: طبقة مسحوقة وطبقة ساحقة، طبقة تقرض وتزداد أموالها وطبقة تقترض وتتضاءل أموالها هذا كلام أرسطو وأفلاطون في الحضارة الإغريقية، الحق تقبله العقول السليمة وترضى به الفطر السليمة وتأتي به الشرائع الحكيمة. 2 ـ الرومان : الرومان يقولون: هو كسب غير طبيعي وهو سبب انقسام الشعب إلى طبقتين متعارضتين، وكان التعامل الربوي محظوراً رسمياً في الحكم الروماني. الرومان و اليونان كان الربا عندهم محرماً وفلاسفتهم ومنظِّرو عقائدهم رأوا أنه كسب غير طبيعي. 3 ـ قريش : أما قريش ففي الجاهلية كانت منحرفة انحرافاً خطيراً، وقد لا تصدقون أنها رغم انحرافها كانت تعتقد أن كسب الربا كسب خبيث، حينما قررت قريش بناء الكعبة ماذا شرطت؟ كما قال الإمام ابن إسحاق: لما أجمعوا أمرهم على هدمها وبنائها قام أبو وهب بن عامر بن عائد بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجراً وقال: "يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيه مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس." فالكعبة بنيت بمال طيب وقد ورد هذا النص في سيرة ابن إسحاق: (( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ، فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ، قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا، قَالَ: فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِاالأَرْضِ )) [متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا] إذا ذهب الأخوة في موسم الحج أو العمرة إلى الكعبة، فالكعبة معروفة، وأمامها قوس دائري اسمه الحجر، فمن دخل بين القوس والكعبة عند الطواف فطوافه باطل لأن ما بين القوس والكعبة من الكعبة، فلا يقبل الطواف إلا إذا كان حول الكعبة، فالحجر من الكعبة. (( ... قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ... )) [متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا] ما دام أصروا على بناء الكعبة وأن يكون المال مالاً حلالاً لا ربا فيه والنفقة قصرت فاكتفوا بهذا البناء ولم يتموه على الشكل المستطيل، وأساس الكعبة مستطيلة والأموال الطيبة لم تكفِ لبناء الكعبة بناءً كاملاً، فبني هذا المكعب وبقي الحجر بلا بناء. هذا ما أورده البخاري. إذاً قريش كانت تؤمن أن الربا كسب خبيث وهذا قبل الإسلام وورد هذا أيضاً: سيدنا عمر سأل شيخاً معمراً من بني زهرة قال: إن قريشاً تقربت لبناء الكعبة بالنفقة الطيبة فعجزت فتركوا بعض البيت في الحجر؟ فقال له: صدقت. 4 ـ الديانات السماوية : وبعد فالديانات السماوية حرمت الربا والدليل قال تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا* وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [ سورة النساء: 160-161 ] ![]() اليهود إذاً نهوا عن أكل الربا، وفي توراتهم أيضاً ورد هذا على الرغم من تحريفها. ورد في سفر الخروج: إذا أقرضت لفقير من شعبي ممن عندك فلا تكن له كالمرابي، ولا تقيم عليه الربا، إذا رقت حال أخيك وقصرت يده عندك فاعضدْه وليعش معك كغريب، أو نزيل، ولا تأخذ منه رباً، اتقِ إلهك فيعيش أخوك معك. هذا في التوراة، لا تقرض أخاك بربا في فضة أو طعام أو شيء آخر مما يُقرَض بالربا. إذاً عند الإغريق واليونان الربا محرم وهو كسب خبيث، وعند الرومان كسب خبيث، وفي الديانات السماوية اليهودية والنصرانية الربا محرم، بل إن المراباة تشبه عند اليهود سفك الدماء بالضبط، وهم الآن في العالم أصحاب البنوك كلها تقريباً ولم يبق من دينهم إلا التعصب. والنصرانية أيضاً تحرم الربا وهناك أقوال كثيرة جداً للسيد المسيح تنهى عن أكل الربا، على كلٍّ من أقوال بعض الآباء: إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا وليسوا أهلاً للتكفين بعد موتهم. نص آخر: إذا وجد واحد من الآن يأخذ الربا أو يجعل آخر يفعل هذا له أو يسلّف على حنطة بربا أو يحتال فيه بحيلة لأجل ربح نجس فيقطع ويجعل غريباً. هذا أيضاً من كتب النصرانية، فالإغريق واليونان واليهود والنصارى والحكماء كل هؤلاء يحرمون الربا. حكم الربا في الإسلام : أيها الأخوة الأكارم، وأمّا حكم الربا في الإسلام فقد قال تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 275 ] فهذه آية أهي قطعية الدلالة أم ظنية الدلالة؟ قطعية، هذه الآية من المتشابهات أم من المحكمات؟ آية محكمة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 278 ] الإمام الطبري يقول: اتركوا ما بقي لكم من فضل على رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تربو عليها إن كنتم مؤمنين، ماذا نستنبط من هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 278 ] من لوازم الإيمان ترك الربا، فمن أكل الربا أثبت أنه ليس بمؤمن، أحد العلماء يقول: الربا والإيمان لا يجتمعان أبداً. أبو حنيفة رضي الله عنه يقول: هي أخوف آية قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة آل عمران: 130-131] من أكل الربا فقد كفر بما أنزل على محمد ومصيره إلى النار. قال أبو حنيفة النعمان: أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوا أكل الربا.. وعن النبي عليه الصلاة والسلام: ((قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ، قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] الربا محرم و هو من أكبر الكبائر : الآن فضلاً عن أن الربا محرم هو من أكبر الكبائر قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 279 ] هذه الآية، يستنبط منها أن الربا من أكبر الكبائر. ![]() جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس وقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رجلاً سكران يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، يصعد إلى القمر من دون مركبة، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل في جوف ابن آدم أشر من الخمر فما حكمي يا إمام؟ قال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، إذا كان أشر شيء يدخل جوف ابن آدم هو الخمر أتطلق امرأته؟ لا تطلق. أما إذا كان هناك شيء أشر من الخمر فتصبح امرأته طالقاً. سمعت من يومين إنساناً شاهد صديقه يجري معاملة طلاق زوجته، فتحادث مع زوجته بود وجلسة صفاء وقال لها: فلانة سوف تطلق، قالت له: ليس معقولاً، فقال لها: علي الطلاق سوف يطلقها زوجها، فما طلقها زوجها، وأصبح لديهما إشكال وأنا لا أحب أنْ يجريَ الرجل على لسانه هذه الألفاظ، يكون نائماً فيصبح يتساءل يا ترى هل امرأتي بالحرام عندي؟ دخل بالوسواس فاحذروا. فهذا رأى شخصاً يعاقر الخمر ويحاول أن يأخذ القمر فقال: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، ولما سأل الإمام "مالك" إمام دار الهجرة قال: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه في الغد فقال له: ارجع حتى أنظر فأتاه في الغد فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله عز وجل وسنة نبيه فلم أَرَ شيئاً أشر من الربا وليس الخمر، لأن الله أذن به بالحرب، ليس من معصية في القرآن يقول الله عز وجل فيها: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله. دائماً تذكروا قول النبي: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] كل معصية خطورتها بحسب شمولها، هناك معصية تؤذي فاعلها فقط، وهناك معصية تؤذي شخصاً آخر، أما الربا فيؤذي مجتمعاً بأكمله، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الإمام أحمد بن حنبل في أبواب الربا: ((عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلائِكَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ زَنْيَةً )) [أحمد عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ] الإمام ابن حزم يقول: الربا من أكبر الكبائر. عقوبات الربا : العقوبات: هناك عقوبات جماعية وعقوبات فردية، وهناك طبعاً عقوبات دنيوية وعقوبات أخروية، دنيوية وجماعية وفردية، أما الجماعية: (( فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ، قَالَ: وَقَالَ: مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ] ألا ترون أيها الأخوة إلى ما يجري في العالم، حروب أهلية، زلازل، براكين، أعاصير، فيضانات، قتل، مذابح، ألا ترون؟ هكذا يقول عليه الصلاة والسلام: (( مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ ] هذا الحديث ورد في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد في كتاب البيوع، هذه عقوبات جماعية. العقوبات الفردية: قالوا: المتعامل بالربا يعرّض نفسه للقتال، في المجتمع المسلم يُستتاب فإن لم يتب يقاتل، والمرابي إن لم يتب فقد أمواله كلها، والدليل القرآني: - ربنا عز وجل يحرق هذا المعمل ويحرق المستودع بأفعاله التكوينية يمحق الله الربا. أما بأوامره التكليفية فهل عندنا حكم شرعي يجيز أن تؤخذ أموال المرابي كلها؟ - قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 279 ] وإن لم تتوبوا؟ أموالكم ليست لكم. هذا استنباط حكم مخالف، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لذلك المرابي يفقد حق التصرف في ماله، أما إذا تاب وأكل رأسماله فقط فعندئذ ينجو رأسماله فقط من المصادرة. الله عز وجل قادر أن يطبق أمره بشكل تكويني وبشكل تكليفي : بالمناسبة مثلاً: لو فرضنا أن إنساناً سرق، وهذا الإنسان يعيش في مجتمع لا يطبق فيه حكم قطع يد السارق، هذا حكم تكليفي قال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة المائدة: 38 ] ![]() ربما قطعت يد السارق لا بأمر تكليفي بل بأمر تكويني، وهذا ممكن بحادث، فربنا عز وجل في المجتمعات التي لا تطبق أحكام الله عز وجل الله يتولى بنفسه تطبيق أحكامه، كما قال تعالى: يمحق الله الربا، بحسب القوانين النافذة مسموح لشخصٍ أن يقيم مؤسسة ربوية حتى في البلاد التي ترفع شعارات إسلامية ما أكثر البنوك والفوائد والربا، لكنّ المجتمع إذا لم يطبق حكم الله عز وجل فالله سبحانه من طريق الأمر التكويني يطبق حكمه، أنا سمعت قصة نادرة ولكن لها معنى: شخص يركب سيارة شاحنة، مسافر مقطوع أشار له واستغاث فتوقف وهو في طريقه إلى حلب، ساومه على مبلغ كبير ووافق الراكب، أخذ منه المبلغ بيده اليسرى وقال له: اذهب واركب من الخلف، بعد أن أخذ المبلغ حرك المركبة وانطلق بها ولم يسمح له أن يركب، هذا السائق وصل إلى مكان فمد يده ليشير إلى جهته اليسرى وأثناء حركته جاءت مركبة وقطعت يده اليسرى. فهناك فعل تكويني وأمر تكليفي، فإذا عاش شخص في مجتمع وأمر الله غير مطبق فيه فسوف يطبق قهراً وله طريقة يُطبَّق بها، والله عز وجل قادر أن يطبق أمره بشكل تكويني وبشكل تكليفي، وإذا كان الإنسان يتعامل مع المسلمين وكان بينه وبينهم عهد فإن أكل الربا فقد نقض العهد. المعاهد إذا أكل الربا ينقض عهده في الحكم الشرعي : روى الحافظ بن أبي شيبة عن عامر أنه قال: قرأت كتاب أهل نجران فوجدت فيه إن أكلتم الربا فلا صلح بيننا وبينكم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يصالح من يأكل الربا، ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام أتوا أبا بكر رضي الله عنه فوفّى لهم بذلك، وكتب لهم كتاباً نحواً من كتاب رسول الله، فلما وُلي عمر أصاب هؤلاء الربا في زمانه فأجلاهم عمر رضي الله عنه ونقض عهده معهم. إذاً حتى المعاهد إذا أكل الربا ينقض عهده في الحكم الشرعي. عقوبة الربا في الآخرة : أما في الآخرة فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة: 275 ] لا يقومون من قبورهم إلى الحساب إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، والإنسان إذا كان يقع بالساعة يحس بإنهاك غير معقول، يقول لك: تحطمت، فإذا قام من هذه الوضعية المرضية يقوم متحطماً، وربنا عز وجل وصف آكلي الربا بأنهم لا يقومون من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس. الإمام الطبري يقول: يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنوناً يخفق، وأجمع المفسرون أنّ آكلي الربا لا يقومون من قبورهم يوم البعث إلا كالمجانين. ((عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا)) [متفق عليه عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] النبي رأى رؤيا وعبّر عنها أو وصفها لأصحابه بهذه الطريقة. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ:رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرَائِيلُ قَالَ هَؤُلاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا )) [ابن ماجه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] تحريم تقديم المساعدة للتعاون الربوي : وبعد: عندنا موضوع أخير وهو تحريم تقديم المساعدة للتعاون الربوي: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ)) [مسلم عَنْ جابر ] فإن أجَّر أحدهم داراً إلى مؤسسة ربوية، هل له علاقة؟ طبعاً أعانه قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] وإذا عمل إنسان إعلاناً إلى مؤسسة ربوية فهل له علاقة؟ له علاقة، خطاط له علاقة، فأي إنسان يقدم معاونة إلى مؤسسة ربوية له علاقة، هذا هو الحق. وللبحث بقية، وكثير من الناس يظنون أنه إذا ألف الناس شيئاً أصبح حلالاً؟ لا ثم ألف لا، والباطل مهما عمّ ومهما انتشر ومهما اتسع فالحرام حرام والحلال حلال، فإذا أردتم النجاة في الدنيا والآخرة فعليكم بطاعة الله عز وجل. العلاقة بين الحلال و العافية : شيء دقيق جداً أن يكون دخل الإنسان حلالاً، أنت تتعجب عندما ترى شخصاً بالخامسة والثمانين مثل الشباب يا رب ما هي القصة؟ أليس هناك قاعدة؟ نعم توجد قاعدة، زارني شخص قال: كم تقدر سني؟ قلت له: ستون عاماً، فقال لي: ست وسبعون، ثم قال لي: أنا مثل الحصان أستطيع أن أهد هذا الحائط ،وأقسم بالله أنه ما أكل في حياته درهماً حراماً ![]() إذاً هناك علاقة بين الحلال والعافية، إنسان بالسادسة والسبعين منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، ذاكرته قوية، وكذلك زوجته أكرمها الله، وطول لها عمرها، وقام بشهر عسل وهو بالتسعين من عمره، سألوه: يا سيدي ما هذه الصحة؟ قال: حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً. فمن يطمع أن يكون عمره مديداً وصحته قوية نقول له: اكسب المال الحلال، والحلال فيه بركة، ترى شخصاً دخله قليلٌ ولكن في دخله بركة، عافاه الله من الأطباء والصيدليات والعمليات والتصوير الطبقي والمرنان الذي تكلفته ثلاثة عشر ألف ليرة، فإذا الله عز وجل عافانا من هذه النفقات الباهظة وكان الدخل محدوداً، واللهُ طرح فيه البركة بالتعبير العامي فهذا أفضل وأحسن عاقبة، أليس كذلك؟ لا أحد يتورط واسألوا: هل هناك شبهات في كسب المال؟ ولتبحث عن المال الحلال ولو كان قليلاً، فالله جل جلاله يبارك لك فيه، وابتعد عن المال الحرام ولو كان كثيراً فالله يمحقه ويتلفه. وسنتابع هذا الموضوع في دروس قادمة إن شاء الله تعالى. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-17-2018 الساعة 07:49 AM
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء ووفقك للخير والتقوى
طرح قيم وهادف أخي السعيد في أمن الله وحفظه |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
تسلمين اختى منال
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثانى ) الموضوع : مضار الربا الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الأمر والنهي علة كافية لاتباع الأمر و لاجتناب النهي : أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع دقيق ألا و هو "الربا" لقد بينت لكم في الدرس الماضي- و هذا هو الدرس الثاني- بينت لكم في الدرس الماضي أن تسعة أعشار المعاصي تأتي من كسب الرزق، واذكروا أنّ العلم نور و العلم حارس، و الإنسان عليه أن يتفقه، لأنه إذا تفقه عرف الحق من الباطل، والخير من الشر، و الحلال من الحرام، لكن الدرس اليوم محوره: مضار الربا، و قبل أن نتحدث عن مضار الربا لا بد من مقدمة قصيرة و هي أن المؤمن الحق إذا علم أن كل أمر تلقاه عن الله عز وجل أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت لديه أن هذا أمر الله و أن هذا أمر النبي عليه الصلاة و السلام فهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تقنعه بالكف عن كل ما هو حرام، لكن إذا بحثنا عن حكمة التشريع و عن مضار المعاصي و عن فوائد الطاعات فهذا من أجل الدعوة إلى الله بشفافية ووضوح، المؤمن ما دام أن الله عز وجل قد أمره و نهاه، فالأمر والنهي علة كافية لاتباع الأمر و لاجتناب النهي، لأن الأمر تنبع قيمته من قيمة الآمر، و الآمر هو الله، و الآمر هو الخالق، على كلٍّ ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم ليزداد الإيمان قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة : 260 ] مضار الربا : ليس هناك من مانع أن نبحث في الحكم لنستطيع أن ندعوَ إلى الله لأن الدعوة المعللة التي تدعمها الأدلة و الشواهد الواقعية أجدى وأقوى، فيمكن أن تأمر الناس بأمر الله عز وجل، وأن تنهاهم عما نهى الله عنه ![]() أما حينما تقدم التحليل الدقيق و الفوائد العظيمة المترتبة على طاعة الله عز وجل و النتائج الخطيرة التي تنتج من معصية الله عز وجل فهذا من شأنه أن يقنع الناس بأحقية هذا الدين. وبعد، فمضار الربا أيها الأخوة أكثر من أن تحصى كما بينت لكم في درس سابق، فالمعصية يكبر حجمها إذا كبر خطرها، هناك صغائر و هناك كبائر، فكلما ازداد الخطر الذي ينتج عن المعصية يزداد حجم المعصية، وكلما قلّ الخطر الذي ينجم عن المعصية يقل حجم المعصية، فما من آية بالقرآن الكريم، وما من معصية ذكرت في القرآن الكريم توعد الله مرتكبيها بحرب من الله ورسوله كمعصية الربا، المعصية الوحيدة التي توعد الله مرتكبها بحرب من الله ورسوله هي معصية الربا، لماذا؟ لأن هذه المعصية لها آثار سيئة في المجتمع بأكمله، أي مجتمع بأكمله يمكن أن يضطرب، يمكن أن يدمر، يمكن أن ينسحق من خلال هذه المعصية الخطيرة التي تفشت بالعالم كله. نتائج معصية الربا : أول نتيجة خطيرة من نتائج معصية الربا، أن الربا يمنع من إنشاء المشروعات المفيدة للمجتمع، والإنسان بالأساس يريد أن يستثمر ماله ليأخذ منه عائداً يعود عليه، فهذا الاستثمار إما أن يكون في مشروعات نافعة وإما أن يكون عن طريق الربا. الأصل أن المال إذا ولّدته الأعمال فهذه مشروعات بناءة ومفيدة، وتعود بالخير على المجتمع كله، أما المال إذا ولده المال فقط فهذا هو الربا. الربا يعني أن المال يولد المال من دون أعمال، أما الأعمال إذا ولدت المال، فهذا يشير إلى أن صاحب العمل الذي ولد المال استفاد وكذلك المجتمع استفاد. أيّ مشروعٍ زراعي، أيّ مشروعٍ صناعي، أي مشروع تجاري، أي مشروع خدمات مع أن أصحابه يربحون لكن هم يطرحون خدماتهم أو بضائعهم أو منتجاتهم على تنوعها في المجتمع، وإذا طرحت هذه المواد، أو تلك المنتجات، أو هذه الخدمات، انخفضت الأسعار، وهذه قاعدة صحيحة، والشواهد كثيرة جداً، عندنا قاعدة وهذه القاعدة أشرت إليها في الدرس الماضي؛ تصور مخروطاً ومحوراً، هذا المخروط هو مؤشر الأسعار، والدوائر متعاقبة، وأوسع دائرة في القاعدة ثم تصغر هذه الدوائر إلى أن تتلاشى في القمة، الدوائر تمثل الشرائح المستفيدة من هذه السلعة، أو هذه المادة المُنتَجة، أو هذه الخدمة، والمحور يمثل ارتفاع السعر، وكلما ارتفع السعر ضاقت شريحة المستفيدين منه، وهذه قاعدة ذهبية. توافر المواد يخفض سعرها، وإذا انخفض السعر اتسعت شريحة المستفيدين، فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عمّ الرخاء، هناك بعض المواد حينما كانت ممنوعة كان سعرها مضاعفاً فلما سُمح باستيرادها وأصبحت مبذولة بين أيدي الناس انخفض سعرها إلى النصف. الإنسان حينما يوظف أمواله في مشروعات إنتاجية يسهم بشكل أو بآخر بخفض الأسعار، والأسعار إذا انخفضت اتسعت شريحة المستفيدين، فإذا اتسعت شريحة المستفيدين عمّ الرخاء. فلو أن إنساناً أسس مشروعاً بقرض ربوي هل يستطيع أن يبيع سلعته بسعر يساوي سعر مشروع أسس من دون قرض ربوي، سؤال دقيق، فهذان مشروعان بحجم واحد، في اختصاص واحد، بسلعة واحدة. مشروع أسس بقرض ربوي بحسب التكاليف وأحد هذه التكاليف الفائدة، وَضَعَ التكاليف ووضَع هامشَ ربحٍ وطرحَ السلعة في السوق. المشروع الثاني القرض الحسن غير ربوي، وضعَ التكاليف ووضَع هامش الربح وطرحَ السلعة في السوق، أيّ السلعتين أعلى سعراً؟ سلعة المشروع الربوي. هذا بشكل مبسط. أيّ مشروع بني على قرض ربوي يطرح سلعه بأسعار مرتفعة، الربا من هذه الزاوية يسهم برفع السعر، وإذا أسهم برفع السعر قلت نسبة المنتفعين، وإذا قلت نسبة المنتفعين اضطر المنتج أن يخفض إنتاجه، انظروا إلى هذه الحلقة المفرغة، انخفض الإنتاج. أخطر شيء في الربا : هناك قصة ترويها كتب الاقتصاد، الكساد الخطير الذي كان في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين والذي كان في أوربا، طفل صغير كادَ يموت من البرد سأل أباه: أين الفحم يا أبتِ؟ فوالده فُصِل من عمله لماذا؟ لأنه يوجد كساد بالفحم في المناجم ولا يوجد بيع فاستغنوا عن العمال، فلما سأل الابن أباه لماذا لا يوجد عندنا فحم؟ قال: يا بني لكثرة الفحم، ليس عندنا فحم نتدفَّأ به لوفرة الفحم في المعامل، فالفحم متوافر لأنَّ سعره مرتفع فصار كساد وصارت بطالة، والذي ترك عمله ليس في إمكانه أن يشتري فحماً يتدفَّأ به. ![]() القضية خطيرة جداً، قضية قوانين اقتصادية، هذا المحور المخروط؛ انتبهوا إليه، كل شيء يرفع السعر يضيق دائرة الاستفادة، والمشكلة أنّ الدائرة إذا ضاقت يقل الإنتاج، والبضائع تتكدس في المستودعات، ويخفضون الإنتاج، وإذا خفض الإنتاج استغنوا عن العمال ووقعت بطالة. أخطر شيء في الربا أنه يصرف الناس إلى استثمار أموالهم بطريقة الربا المريحة، ويبعدهم عن استثمارها بالمشروعات الناجحة، هذا أول شيء، كانوا قبل سنوات عديدة يقيسون قوة الدولة الاقتصادية بمدى التغطية الذهبية لعملتها الورقية، وهذا المقياس أصبح فاسداً، أما الآن فالقوة الاقتصادية في أمة هي القدرة على الإنتاج، إذا كان عندها منتجات وتصدر أكثر مما تستورد فهذا البلد أو هذه الأمة قوية، إذاً الربا يسهم في صرف الأموال لا إلى مشروعات إنتاجية نافعة، بل إلى الاستثمار عن طريق الفائدة، وهذا يسهم في رفع الأسعار، وفي قلة المستفيدين من منتجات زراعية، أو صناعية، أو خدمات، وهذا يؤدي إلى البطالة. أحد العلماء الاقتصاديين في العالم الغربي يقول: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى. تصور إنساناً لا يعمل، يستيقظ الساعة الثانية عشرة ظهراً، لأن أمواله مستثمرة في مشروع ربوي، وربحه ثابت، لا يهمه نزلت المطر أم لا، ويقول: بلا مطر أفضل، ولا يهمه كساد ولا يهمه رواج، لا يهمه تقدم الأمة، فربحه ثابت، لذلك أقسى قلب هو قلب المرابي، أو الذي يستثمر ماله عن طريق الربا لأنه لا يوجد عنده مشكلة. أما المزارع فقد أقسم لي بعضهم أن بعض المزارعين حينما هطلت الأمطار انهمرت مع الأمطار دموعهم فرحاً بهذه الأمطار، ترى المزارع متعلقاً برحمة الله، التاجر يشتري البضاعة ويقول: يا جبار تخرج من أعماق قلبه، مرة قلت لتاجر: هذا القماش جميل، فقال لي: ليس القماش جميلاً ولكن الذي يباع هو الجميل. المرابي بما أن ربحه ثابت ودخله لا يهزه شيء، لا قحط السماء ولا كساد البضاعة ولا قانون ولا شيء آخر، فقلبه قاسٍ. المال إذا ولد المال عمّ الشقاء : لو فرضنا أنك ممنوع بمجتمع مسلم أن تستثمر مالك إلا في الأمور الإنتاجية، وأنك ممنوع عليك استثمار المال بالربا، فعندئذ ليس لديك إلا منفذ واحد وهو المشاريع، وكل مشروع يعين على الرخاء، ويعين على توافر الحاجات، لأن أصحاب المال استثمروا أموالهم في مشاريع نافعة، دمشق تعاني أزمة مواصلات حادة جداً يقول المواطن: انتظرت ساعة ولم أجد سيارة، هذه الأموال الضخمة التي استثمرت بالنقل، هذه الحافلات الصغيرة أصحابها ربحوا أو لم يربحوا، لكنَّهم حلوا مشكلة، وأصبح تنقُل الناس ببساطة وسهولة، قال لي إنسان: على بعض الخطوط مئتان وسبعون حافلة، وإذا اصطفت وراء بعضها تملأ الخط بكامله، عندما المال يستثمر في مشروعات إنتاجية أو خدمات يعم الخير على الناس كلهم، تكاد تكون أزمة المواصلات حلت في دمشق نهائياً عن طريق هذه السيارات، تصوروا أصحاب هذه السيارات لو أخذوا أموالهم ووضعوها في بنوك أجنبية وجاءتهم الحوالات كل شهر بالعملة الصعبة، وأنفقوها على حاجاتهم الشخصية من دون أن يشعروا أن لهم علاقة، فالأزمة تزداد إحكاماً. المال إذا ولد المال عمّ الشقاء، والأعمال إذا ولدت المال عمّ الرخاء، عندنا خياران: إما أن تستثمر هذا المال بالطرق الربوية، وإما أن تستثمرها بالمشاريع الإنتاجية، تقول لي: أعمال العِمارة جيدة، وتاجر العمار يقدم بيوتاً للناس، وكلما كان متجاوباً مع حاجاتهم أفاد واستفاد، والشابُ يحتاج إلى غرفتين، ويريد أقل سعر ممكن، وأنا أرجو الله عز وجل أن يتجه تجار البناء إلى إنشاء وحدات سكنية صغيرة جداً، تلبي حاجة الشباب الفقراء بأقل تكلفة ممكنة، إنشاء مشاريع سكنية، وإنشاء مشاريع زراعية، وتجارية، ومشاريع صناعية، ومشاريع خدمية، كلّها تنهض بالأمة، ونحن عندنا قاعدة يجب الأخذ بها: لا يجوز أن يلد المال المال، والمال لا يولد إلا من خلال الأعمال، وإذا اتجه المال إلى أن ينمو من خلال الربا والفوائد تعطلت الأعمال، وقلّت الخدمات، وقلت السلع، وقلت المنتجات، وارتفعت الأسعار، وانقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة تملك ولا تعمل، وطبقة تعمل ولا تملك، طبقة عاطلة عن العمل وهي طبقة المرابين، وطبقة تعمل ولا تملك و كل جهدها لا يكفيها قوت يومها، لذلك الأجانب حكموا عقولهم وقالوا: إن ارتفاع سعر الربا يجعل الناس كسالى في مهنهم ويصيرون مرابين. أما انخفاض سعر الربا فإنه يتيح فرصة لتطوير الأعمال والصناعة والزراعة وينفخ الروح في صناعتنا الميتة. صفات المجتمع المتخلف : مفكر غربي لا علاقة له بالقرآن، ولا بالربا، ولا بالتحريم، لكن من زاوية موضوعية رأى أن الربا إذا عمّ المجتمع أوقعنا في شر أعمالنا. أحد الشيوخ العلماء يقول: إذا جرى نمو المال عن طريق الربا أفضى إلى ترك الصناعات و الزراعات التي هي أصول المكاسب، فلدينا بديلان إما أن تستثمر المال عن طريق الربا، ويتخلف فينا كل شيء، وإما أن تستثمره عن طريق مشاريع نافعة فنرقى جميعاً بها. الإمام الفخر الرازي يقول: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنّه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدراهم إذا تمكن عن طريق عقد الربا من تحصيل الدراهم الزائدة نقداً أو نسيئة خفّ عليه اكتساب المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة الشاقة. والإنسان إذا كان غير مؤمن فليس معقولاً أن يبذل جهداً شاقاً، ويتحمل مخاطر شديدة حتى يربح بالمئة خمسة عشر أو عشرين في حين أنّ أيّ بنك أو أيّ مصرف في بعض الدول الأجنبية يقدم له هذا الربح نظير إيداع أمواله عنده، ثم يقول لك: أأنا مجنون لكي أعمل؟ أجل؛ هكذا يقول. المجتمع الذي تستثمر أمواله عن طريق الربا مجتمع متخلف، بينما المجتمع التي تستثمر أمواله عن طريق المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية مجتمع متطور ومجتمع ينمو، والقاعدة كلما توافرت السلعة انخفض سعرها، وإذا انخفض سعرها كثر المنتفعون بها، وإذا كثر المنتفعون بها عمّ الرخاء في المجتمع، وفي القرآن الكريم آيات دقيقة قال تعالى: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ سورة الحشر : 7 ] طرق استثمار المال: المال أخطر ما فيه أن يتجمع في أيدٍ قليلةٍ، ويمكن أن نقول: إذا تجمعت الكتلة النقدية بين أيدي الناس ولا أعرف كم هي، قد تقول لي: خمسة آلاف مليون أو أكثر، والرقم كبير جداً فالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية تطغى، لكن هذه الكتلة إذا كانت موزعة في أوسع شريحة فنحن بخير، أما إذا تجمعت في أقل شريحة فالشقاء يعم، أمن العدل أن واحداً يملك مليوناً ومليون لا يملكون واحداً، وهذا سبب كل المشكلات والاضطرابات والثورات وأعمال العنف. حدثني أخ كريم يعمل في الأمن الجنائي أنه مع ضيق المكاسب وقلة الأعمال ارتفعت نسبة الإجرام إلى عشرة أمثال تقريباً، والعالم الغربي يعاني أخطر ما يعاني من البطالة، بأرقام دقيقة جداً، خمسة ملايين أو عشرة ملايين إلى درجة أن ثلاثة عشر بالمئة من القوى العاملة بلا عمل بسبب استثمار الأموال عن طريق الربا. أما إذا استثمرت عن طريق المشروعات عمّ الرخاء، وهذه أول نقطة، المال إما أن تستثمره عن طريق الربا، أو عن طريق المشاريع الإنتاجية ، في الحالة الأولى يؤدي الربا إلى تخلف الأمة، وبالحالة الثانية تتقدم الأمة عن طريق الرخاء الاقتصادي. بعض علماء الغرب يقول: إلغاء نظام الربا يوسع نطاق الاستثمار. الربا أحد أسباب البطالة : الشيء الثاني أن الربا أحد أسباب البطالة وهذه أشرت إليها في الدرس الماضي، فلا تتصور مشروعاً تجارياً أو صناعياً إلا وآلاف المصالح متعلقة به، عندك محل صغير فلابد من فواتير، إذاً فلا بد من مطبعة، و المطبعة تحتاج إلى خطاط، والمطبعة تحتاج إلى ورق، فلا بد من الاستيراد، والمستورد يريد محاسباً، والمحاسب يحتاج قرطاسية والقرطاسية... عمل متسلسل، عندما أنت تقيم مشروعاً يجب أن تُشغّل عشرات الألوف وأنت لا تدري فأنت مضطر أن تشتري حاجات، وخدماتٍ، تريد شاحنة والشاحنة لها من يصلحها من حين إلى آخر، وتحتاج زيتاً وقطع غيار، والذي يصلحها لك عنده موظفون يعطيهم معاشات، فالدولاب إذاً دائم الحركة. ![]() ذات مرة قلت لكم: إنه لفت نظري شخصان في مكان، أحدهما صاحب معمل تطريز قال للآخر: بعنا السنة الماضية بيعاً مذهلاً، فسأله: ما السبب؟ قال له: كانت الأمطار غزيرة في الحسكة و في الجزيرة، وهو يصنع قماش تطريز و هذا بيعه قليل جداً، و لكن لأن الإنتاج الزراعي وفير جداً فالفلاح عندما اغتنى اشترى لزوجته أقمشة من الدرجة العالية، إذاً الحركة عبارة عن عجلة إذا دارت كل شيء يدور معها، فأول أضرار الربا أنه يسهم في البطالة، المرابي لا يوجد عنده غير حركة واحدة أن يضع المال بالمصرف و يأخذ إيصالاً و يقبع في بيته، لا يريد محاسباً، و لا يريد شاحنة، و لا يريد مطبعة، و لا يريد فواتير، ولا يريد أي شيء آخر، حينما أودع ماله في المصرف و قبع في بيته تقاضى الفوائد وقد يقول لك: و الله الحمد لله عندي دخل أعلى من حاجتي بكثير، و هناك نقطة هامة، هي نقطة خطيرة جداً وهي: أن الإنسان عندما يعمل يحقق وجوده، والقابع في بيته تجده في خلاف مع زوجته، وكل يوم هناك عراك طوال النهار، تطلب منه مغادرة البيت، وأن يتغيب عن المنزل لتتفرغ للعمل من دون تدخلاته، فالعمل يحقق ذات الإنسان، وعندئذ كل إنسان يأخذ دوره الحقيقي بالمجتمع. إذاً الربا يسهم في انتشار البطالة، وهناك أرقام مخيفة في بريطانيا، فعدد العاطلين عن العمل ثلاثة ملايين شخص بنسبة أربعة عشر بالمئة من مجموع العمال، طبعاً هذه الإحصاءات كثيرة جداً والآن الغرب يعاني من مشكلات كثيرة، وأسبابها:أولاً الربا، وثانياً حلول الآلة محل الإنسان. فمثلاً كنا لكل نول نريد عاملاً يراقبه. وبالآلة تمّ الاستغناء عن آلاف العمال. حدثني أخ كان بفرنسا قال لي: مئة نول تراقبها كاميرا تلفزيونية واحدة، فإذا كان في معمل ألف نول، عوضاً عن ألف عامل يكفي خمسة عمال و مراقب على الشاشة فقط، وكذلك التقدم التكنولوجي الحديث جداً ساهم بالبطالة، يقولون: إن أحد الكتاب عمل عملاً فنياً أدبياً مفاده أن التقدم العالي جداً في الصناعة له منعكس اجتماعي خطير ساهم بالبطالة أيضاً، أيْ بما أن كل شيء يحل عن طريق أجهزة التحكم الآلية فلم يعد هناك دور للإنسان، إنسان خارج الفضاء مثلاً عاد بعد ألفي سنة يجد الأمر تبدل تبدلاً جذرياً، كل شيء عن طريق الآلة و الإنسان لم يعد له عمل، فنحتاج إلى موظف من بني البشر فيتقدم ملايين يأخذون شخصاً واحداً، والباقي ينتحرون مللاً. العمل يحقق وجود الإنسان : إذاً العمل يحقق وجود الإنسان، و من دون عمل تفسد حياة الإنسان، أي أنّ الفراغ أحد أسباب الفساد الفكري و الخلقي. ![]() إذاً الربا يسهم أيضاً في البطالة الاجتماعية، و البطالة خطيرة جداً، والفراغ خطير بالنسبة للشباب، وإذا كان الآباء قد أكرمهم الله بأبناء صالحين، فالابن الصالح أحد أسباب صلاحه انهماكه في عمل، أو دراسة، ويكون وقته مليئاً، أما إذا كان بلا عمل أو بلا دراسة فهذا الفراغ أحد أسباب الفساد، والربا بشكل أو بآخر يسهم بفساد الإنسان، والعاطل إنسان فاسد، بالمناسبة لكي لا أتجنى على بعض الأخوة كل إنسان يطلب علماً دينياً، أو غير ديني فهذا ليس عاطلاً، والذي يطلب العلم هذا إنسان عامل من أعلى درجة، فطلب العلم أعلى درجة، فإذا كان الإنسان لا يعمل لكنه يدرس أو يطلب العلم لا يجوز أن يسمى هذا عاطلاً أبداً، النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه شريك يشكو شريكه طالب العلم، قال له: "لعلك ترزق به". الربا معصية تسبب الشقاء : عندنا شيء آخر أن الربا يسبب شقوة المقترضين لحاجاتهم الشخصية، أنت عندك حالان وأنت بحاجة للمال، فلديك طريق رحماني وطريق شيطاني، الطريق الرحماني أساسه القرض الحسن، والطريق الشيطاني أساسه القرض الربوي، ومع انتشار القرض الربوي تضعف همة الناس للقرض الحسن، أول كلمة يقولها لك: معقول أن أجمد مالي؟ فكلما انتشر القرض الربوي تضاءل القرض الحسن، فالقرض الربوي عرّفوه أنه يساعد المدين كما يساعد حبل المشنقة على إنهاء حياة هذا الإنسان، كلما مضى يوم يدفع فقط الفوائد لا غير ويبقى الدين كما هو، وهذه المشكلة تعانيها الدول الصغيرة مع الدول الكبرى، فلو كانت قروضها كلها ربوية فإنك ترى خلال عشر سنوات أو عشرين سنة يسددون فقط الفوائد وأصل القروض ثابت، إذاً الناس يطلبون المساعدة عن طريق الربا، وهذا القرض لا يساعد بل يسحق، لأن المطلوب أن يوفي أصل الدين، وعليه أن يوفي الفوائد المركبة، والإنسان بالأساس فقير وحَمَّلْته فوق طاقته، فقد تقترض مئة ألف وتجد أربعين ألفاً فوائدها، وقَّع العقد على مئة وأخذ ستين، انتفع بستين وعليه أن يدفع المئة، فلو أراد أن يعمل بها عملاً صار رأسماله قليل والمطالب كثيرة جداً، فالقرض يسبب شقاوة للمقترض وليس مساعدةً له، لذلك تجد في بعض البلاد وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لمثل هذا هناك مؤسسات للإقراض الحسن، مؤسسة للزكاة والإقراض الحسن، والقرض له فائدة كبيرة جداً، وليس كل إنسان يأخذ مساعدة، بل قد تجد إنساناً له قيمته وكرامته وعزته لا يحتاج إلا إلى قرض حسن، أما القرض مع فائدة ففوق طاقته يجب أن يسدّد أصل الدين والفوائد المركبة. أما القرض الحسن فيحل مشكلة كبيرة جداً، لذلك نرى القرآن الكريم شَجّع على القرض الحسن وعدّه عملاً صالحاً وشدد على القرض الربوي وعدّه معصية كبيرة. في بعض بلاد شرق آسيا يولد الإنسان وهو مدين، ويعيش وهو مدين، ويموت وهو مدين، لأن القروض كلها تتنامى بفوائد مركبة، فولد مديناً وعاش مديناً ومات مديناً. المرابي كأنه مصاص دماء يأخذ دماء الناس وتعبهم وعرقهم وكل جهدهم ولا يكفي ذلك كله لسداد ما عليهم. قرأت في الجاهلية قبل الإسلام أحياناً كانت تصل نسبة الربا إلى ألف وثلاثمئة بالمئة، ثلاثة عشر مِثلاً، فالقرض الربوي أساسه الاستغلال والقرض الحسن أساسه الإحسان، بين أن تستغل حاجة الناس وبين أن تحسن إليهم فبينهما مسافة كبيرة جداً. سبب تحريم الربا: ابن القيم وهو من كبار العلماء المجددين يقول: الربا جلي وخفي، فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخر دينه ويزيد في المال، وكلما أخّر زاد في المال حتى تصير المئة آلافاً مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر بزيادة ما يبذله له تكلف لذلك ليفتدي من أثر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى آخر، فيشتد ضرره، وتعظم مصيبته، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوداته، لذلك قال الله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [ سورة البقرة : 276] ![]() إن الفوائد قد تستغرق كل الممتلكات وكل شيء تملكه فيربو المال على المحتاج من غير نفع يجنيه، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، المستقرض سُحق ومص دمه، والمرابي سَحق ماله ومُحق من دون أن يفعل خيراً، فيأكل مال أخيه بالباطل ثم يمحق، ويقع أخوه في غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أنه حرم الربا. لا تستغرب أحياناً أجر القرض الحسن عند الله سبحانه لا يقل عن أجر الصدقة، لأن القرض الحسن له أصحابه، والصدقة لها أصحابها، فالذي لا يقبل صدقةً تُحل مشكلته بالقرض الحسن. الإمام الفخر الرازي يقول: السبب في تحريم عقد الربا أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض. مادام يوجد قرض بفائدة فلا تجد معروفاً بين الناس، لأن الذي يأخذ فائدة على قرضه شعر أنه كسب، أما الذي يقرض قرضاً حسناً فإن كان ضعيف الإيمان شعر أن ماله تجمد بلا فائدة، فكلما شاع القرض الربوي قلّ القرض الحسن، شاع الاستغلال وقلّ الإحسان، وشاع التحكم وقلّ التواصل، شاعت القسوة وقلّ التراحم، وربنا عز وجل قال: إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، وإذا رآنا يقسو بعضنا على بعض إذاً نحرم رحمة الله عز وجل. الربا إذا حُرِّم - هذا قول الفخر الرازي- طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حلّ الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان. استثمار المال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تماماً : بالمناسبة هناك موضوع حساس فقد شاع بالبلد الاستثمار بنسب ثابتة، وهذه تشبه الربا تماماً، يعطيه مئة ألف ويقول له: أريد عليها ثلاثة آلاف بالشهر، تحت كلام لا نريد حسابات ومشاكل، وكل اثني عشر شهراً يتقاضى ستة وثلاثين ألفاً، يا ترى الذي أخذ هذا المبلغ ربح ستة وثلاثين بالمئة؟ إذا ربح سبعين بالمئة فممكن أن يكون مرتاحاً بالدفع وإذا ربح ستين بالمئة أعطى أصحاب الأموال أكثر مما ربح، وإذا ربح ستةً وثلاثين صار خادماً مجاناً. أيها الأخوة الكرام، القضية خطيرة ومنتشرة جداً حتى إن أناساً يصلون ورواد مساجد يقول: أريد على المئة ألف ثلاثة آلاف بالشهر، ويرفض ألفين وخمسمئة مثلاً. ![]() هذا هو الربا، النسبة الثابتة، فأي استثمار للمال بنسب ثابتة يلتقي مع الربا تماماً، أحياناً بشكل آخر يقول لك: أنا أريد أن أشتري بيتاً وأملك نصف ثمنه، فيأخذ قرضاً من شخص يساوي نصفه الآخر، ويعدّه مؤجراً، ويعطيه على القرض مبلغاً، الصورة عقد إيجار لكنه عملياً ربا، متى يصح أن تعطي إنساناً مئة ألف وتساهم معه في شراء بيت وتأخذ أجرة؟ هذا البيت لو صار ضمن مشروع تنظيمي، وأموالك ذهبت لأنك أنت مالك، وكذلك لو صارت مشكلة والأسعار هبطت ومبلغك قَلَّ، أما أنت فتريد مبلغك كما هو وتريد أن تأخذ عليه أجراً في هذه المدة، الصورة عقد إيجار أما الحقيقة فعقد ربوي، وكلكم يعلم أن المرابين في بلاد كثيرة يأخذون شكلاً آخر، المرابي في دولة تمنع الربا يضع سجادة على باب المحل أي إنسان مقترض للربا يقول له: أتبيعني هذه وهناك عبارة مشهورة أتبيعني هذه السجادة بألف؟ يقول له: بعتك إياها، أتبيعني إياها ديناً؟ يقول له: بعتك إياها، يكتب في دفتر الذمة من فلان ألف ليرة ثمن سجادة وانتهى العقد، ثم يقول له: أتشتريها مني بثمانمئة يقول له: اشتريتها ويعطيه ثمنها نقداً، ما الذي حصل؟ دفع الثمانمئة وسجلت ألفاً، فهذا عقد ربوي، أما في الصورة فسجادة تباع شكلاً وتشترى وهماً. خالق الكون ألا يعرف هذا؟ أتنطلي عليه هذه الحيلة، وأحياناً تكون الحيلة على شكل صندوق شاي ومرة على شكل سلعة ما، لا يوجد غيرها يبيعها باليوم مئة مرة، يبيعها ديناً ويسجلها ويشتريها نقداً ويدفع ثمنها، ففي دفتر الحسابات سجل ألفاً ودفع صاحبه ثمانمئة، وهذا عقد ربوي. الإنسان حينما يسلك سبيل الحيلة الشرعية فهذا إيمانه بالله صفر، لا يعرف الله أبداً، ولكني أقول لكم وأكرر: أكثر شيء شائع بين المسلمين وبين رواد المساجد الاستثمار بنسب ثابتة وهذا يلتقي مع الربا تماماً من دون شك. واستئجار البيوت؛ ساعدته في شراء بيت وأخذت أجرة إلى حين أن يوفيك القرض، فهذه الأجرة هي فائدة في الحقيقة، أما إذا ساعدته في شراء بيت وكتب باسمك وأخذت أجرة فهذا حلال، وبعد أن ينتهي وبعد حين يمكنك أن تبيع حصتك بسعر السوق، أو أن البيت إذا صدر بحقه قرار تنظيم وصار مستملكاً ونزل سعره أو ارتفع سعره وأنت مالك والمالك ضامن فلك ذلك. والإمام الفخر الرازي يقول أيضاً: إن الفقراء الذين يشاهدون أنه أُخذتْ أموالهم بسبب الربا يلعنون المرابي ويدعون عليه. شيء طبيعي جداً المال شقيق الروح، وكل إنسان أخذ من أموالك فوق طاقتك تلعنه وتتمنى دماره، أما الذي أعانك بقرض حسن فتدعو له، وشتان بين من يدعو لك وبين من يدعو عليك. الربا أحد أسباب الحروب بين الدول : وهناك من يقول: إن الربا أحد أسباب الحروب بين الدول، القروض الربوية التي أرهقت كاهل بعض الدول الفقيرة هي سبب حروب طاحنة، و سفك دماء كثيرة، إذاً: اجتماعياً، الربا يجعل تقاطع الصلات بين أفراد المجتمع، ويسبب البطالة، ويسهم في غلاء الأسعار، ويحرم البلاد قيمة المشاريع الإنتاجية، ولهذه العلل كلها البطالة والغلاء والعداوة وعدم إعمار الأرض، لهذه الأسباب كلها حرّم ربنا جل جلاله الربا، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 275 ] الملخص أن المال لا ينبغي أن يلد المال، والأعمال وحدها هي التي يمكن أن تلد المال، وبهذا تتوزع الكتلة النقدية بين أفراد المجتمع جميعاً، ويعم الرخاء، وتنهض الأمة، وما هذا الوعيد الخطير في القرآن الكريم للمرابين إلا بسبب أن الربا يعم ضرره الأمة كلها ويؤدي إلى هوانها وذلها. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الثالث ) الموضوع : التدابير للاحتراز من الربا الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الربا، ففي الدرس الماضي بفضل الله تعالى تبين لكم المضار التي تتحقق من أكل الربا، وهي كثيرة جداً من أبرزها: ارتفاع الأسعار، ومن أبرزها انتشار البطالة، ومن أبرزها وقوع العداوة والبغضاء والحقد بين طبقات المجتمع، ومن أبرزها أيضاً حرمان الأمة من أي مشروع إنمائي يعود بالخير عليها، هذه بعض مضار الربا التي تبينت لكم في الدرس الماضي. وفي الدرس قبل الماضي تحدثنا عن ربا القروض وهو ربا القرآن، وهو ربا حقيقي، وهو الربا الجاهلي، وعن ربا البيوع وهو الربا المحمول على الربا الحقيقي ربا السنة، لأن السنة حرمته، وهو الربا الخفي، وإن ربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي، وبينت لكم أن هذا التحريم متعلق بالفطرة، فالإغريق والرومان وفلاسفة الأرض في قديم الزمان وجدوا في الربا تحطيماً للمجتمع، والأصل في ذلك أن المال لا ينبغي أن يلد المال، إذا ولد المالُ المال تجمعت الأموال في أيدٍ قليلة لكن الأعمال النافعة الزراعية والتجارية والصناعية والخدمية هي التي يجب أن تولد المال. وذكرت لكم مرات كثيرة كيف أن هناك مخروطاً يمثل موضوع الربا. فمحوره إن صحّ التعبير هو السعر، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة المنتفعة من هذه السلعة، وإذا ضاقت الشريحة صار التضخم النقدي، وانقسم المجتمع إلى طبقتين: طبقة غنية مترفة وطبقة محرومة ونشأ الصراع. وكلُّ ما يجري في العالم اليوم من صراعات هو بسبب تجمع الأموال في دول قليلة أو في أفرادٍ قليلين، وحرمان الكثرة الكثيرة من هذا المال، والوضع الذي أراده الله جلّ جلاله هو أن يكون المال متداولاً بين جميع أفراد الأمة، الكتلة النقدية يجب أن تكون موزعة بين الجميع ليعيش الجميع في بحبوحة، وفي وئام، وفي محبة. هذا ملخص للموضوعات السابقة، ويجب أن تعلموا أن الله حينما يحرم شيئاً فلأنه خالق الكون، الصانع الرب العليم الخبير الحكيم، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 19 ] إذا حرم الله شيئاً ينبغي ألا ننتهي من بيان مضاره، وكلما زدنا الأمر بحثاً تكشفت لنا مضار لم نكن نعلمها. الربا يدمر الأمة بكاملها : مرة ثانية أقول لكم: ما من معصية توعد الله بها مرتكبها بحرب من الله ورسوله أشد من الربا، لأن الربا يدمر مجتمعاً بأكمله، وحينما تصبح السلع فوق طاقة الأفراد الشرائية، تصبح الطرق أمام الشباب مسدودة، فينزح الشباب، وكل شاب حينما يرى الطريق مسدوداً أمامه فحلمه الوحيد أن يهاجر من بلده، فإذا خلت الأمة من أبنائها، من اليد العاملة، من طاقتها الفكرية، من شبابها، أصبحت أمة منهارة، تعيش على فتات الأمم الأخرى، فالقضية متداخلة، والله جلّ جلاله حينما حرم الربا فمعنى ذلك أن الربا يدمر الأمة بكاملها. لكن الآن آمنّا أن الربا حرام وصدقنا، فكيف نتقي الوقوع في الربا؟ وهذا درسنا اليوم. التدابير العامة الواقية من الربا : ما هي التدابير العامة الواقية من الربا؟ ما البديل؟ ![]() أين النظام الاقتصادي في الإسلام؟ ما البديل الذي يحقق مطالب الناس؟ الحقيقة هناك ملاحظة أحبّ أن أضعها بين أيديكم الآن، النظام الإسلامي نظام متكامل، أي مستحيل أن تأتي إلى إنسان مادي النزعة مقطوع عن الله عز وجل وتقول له: إياك أن تقرض قرضاً بفائدة لأنه حرام، فيتهمك بالجنون ويقول لك: أأجمد أموالي؟ ويحدثك عن التضخم النقدي، وعن انهيار العملة، وأن كل قرض حسن إتلاف للمال. أيها الأخوة، هذا النظام الإسلامي نظام متكامل فحينما يكون الإنسان مؤمناً بالله، مؤمناً بما عند ربه من إكرام في الآخرة، مؤمناً بمهمته بالحياة، مؤمناً بدوره الإصلاحي، حينما ينقل كل اهتماماته إلى الآخرة يرى في القرض الحسن قربة إلى الله عز وجل، لا تخاطب إنساناً مادياً بأحكام الشريعة التفصيلية، العوام والناس لا يخاطبون إلا بأصول الشريعة، بينما المؤمنون هم الذين يخاطبون بفروع الشريعة، وهؤلاء تقول لأحدهم: أنت مؤمن وهذا كلام خالق الكون فاصدع، ومع ذلك فالله جل جلاله مع كثرة الشُبه والمبادئ الهدامة والنظم الفاسدة بالمجتمع الحديث فالله جل جلاله وَفّر للأمة من يحلل لها الأمر الإلهي ويبين عظمته، وفوائده، وأبعاده، ومراميه، وكما أن هناك ضلالات فهناك بينات. 1 ـ الإيمان بالله : درس اليوم ما هي التدابير الواقية من الربا؟ الحقيقة وبكل وضوح أقول لكم: إن التدبير الأول الواقي من الربا أن تكون مؤمناً بالله، إنك إن كنت جائعاً وأمامك طبق نفيس وسلاح مشهور أمام رأسك إن أكلت يطلق النار هل تأكل؟ مستحيل. مبدئياً إذا آمنت بالله عز وجل آمنت به خالقاً، وأنَّ أمرك كله بيده، وأن كيانك وأن أموالك بيده، وأن الله قادر على إتلاف المال كله لأسباب بسيطة، والله جل جلاله قادر على أن يمحق المال، قادر على أن يجعل المال كله لا يجدي أمام عضو متعطل في جسدك. إذا آمنت بالله، وبما عنده من إكرام فيما لو أطعته، وبما عنده من عذاب أليم في الدنيا و الآخرة فيما لو عصيته، إيمانك بالله أكبر وقاية من أن تقع في الربا، وكل إنسان يقع في الربا ولا يبالي فاحكموا عليه حكماً قطعياً أن إيمانه بالله ضعيف. ![]() كنت سابقاً أضرب لكم بعض الأمثلة، منها أنّ أيّ إنسان يركب مركبة و الإشارة حمراء، و يقف الشرطي عندها وإلى جانبه سيارة فيها نقيب، وإلى جانبها دراجتان ناريتان، و هو مواطن عادي لا يتمكن أن يتلافى المخالفة، فهل يتجاوز الإشارة الحمراء؟ مستحيل، ما دام واضع القانون يطولك علمه عن طريق هذا الشرطي و ذاك النقيب و هؤلاء راكبي الدراجات النارية، و بأنك إذا وقعت في مخالفته تطولك قدرته، ويصادر المركبة، أو يسحب الإجازة، فأنت لن تعصي، بل مستحيل أن تخالف، إذا تعاملت مع الله بهذه الطريقة، وأن الله يعلم، وهو قادر عليك سيعاقبك انتهى الأمر، إذا أيقنت أن الله يعلم و أنه سيحاسب انتهى الأمر، انتهت علاقتك بالمعاصي كلها، كيف تعصي الله و هو معك؟ كيف تعصيه و هو سيحاسبك؟ فلذلك الإيمان أول واق من الوقوع في الربا، فكل إنسان يأكل الربا أو يوكله فهذا مؤشر خطير على أن في إيمانه ضعفاً شديداً، الدليل قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة النور: 51] إذا قلت: سمعت و أطعت فأنت مؤمن، و إن قلت: سمعت و لم أطع فأنت لست مؤمناً، نص الآية واضح جداً، أنت مؤمن حينما تطيع الله عز وجل، أما حينما لا تطيعه فإيمانك بتعبير لطيف ليس بالمستوى الكافي ليحملك على طاعة الله، إذاً هذا الإيمان لا ينجيك، أي يمكن أن أقول لك: إيمانك تشوبُه قناعات ضبابية لكن لا ترقى إلى مستوى أن يمنعك من معصيته قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة النور: 51] من لوازم الإيمان السمع و الطاعة وعدم الإصغاء إلى الشيطان : شيء آخر: الإنسان حينما يتوهم أن للشيطان سلطاناً عليه فهو ضعيف الإيمان بآيات الله عز وجل، وهو سبحانه يقول: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [ سورة النحل: 99] أنت مخير، و علامة إيمانك المبادرة إلى الطاعة، و حينما تدّعي أن الشيطان وسوس لك فالجواب القطعي ليس له عليك من سلطان، و الحقيقة الدامغة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [ سورة الأحزاب: 36 ] هذه ثلاث آيات، فمن لوازم الإيمان السمع و الطاعة، ومن لوازم الإيمان عدم الإصغاء إلى الشيطان، ومن لوازم الإيمان ألا تتردد في طاعة الله عندما يظهر لك أمره، دققوا في آيات الربا قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا" يخاطب المؤمنين اتقوا الله أي اتقوا عقابه، اتقوا إتلاف المال، اتقوا محق البركة، اتقوا التدمير: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 278] وقف المفسرون عند قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وقفات متأنية، قال بعض المفسرين: إذا كان إيمانكم تاماً شاملاً لجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام فذروا ما بقي من الربا، إن كنت متصفاً بهذه الصفة فافعل كذا فإن لم تفعل فلست متصفاً بهذه الصفة، كأن الآية تقول: من لم يستجب لهذا الأمر يحكم على نفسه بأنه غير مؤمن. أدلة من السيرة النبوية حول تحريم الربا : والآن إليكم الأدلة من السيرة النبوية: "سيدنا العباس بن عبد المطلب و رجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرة، و هم من بني عمرو بن عمير، فجاء الإسلام و لهما أموال عظيمة من الربا فتركوها حينما نزلت هذه الآية " أيْ أنّ الصحابة استجابوا، وهم طبعاً كانوا يرابون، و كانوا يشربون الخمر، لكنهم عرفوا الله عز وجل فاستجابوا، وحينما حرمت الخمر كنت لا ترى في المدينة إلا الخمر تسيل في الشوارع، أهرقوا الخمر و كسروا الدنان و ارتاحوا. سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أرضاه- دققوا في كلامه- قال: "تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا". أي هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حلال، و هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حرام، و هناك أشياء مشتبهة، فعلامة الورع أن الذي اشتبه عليه يدعه ورعاً، يدعه و يستريح. (( دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك )) [الترمذي عن الحسن بن علي] ![]() إذا اشتبه عليك أمر فدعه و استرح. "تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا"، وروى الإمام البيهقي عن ابن سيرين أن أبي بن كعب رضي الله عنه أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه فردها عمر رضي الله عنه، وسيدنا عمر أمير المؤمنين عملاق الإسلام، سيدنا عمر الإمام العادل الرحيم، وأحد الصحابة الكرام يحب أُبَيّاً حباً جماً وله أرض فيها بستان و عنده فاكهة، ماذا فعل هذا الصحابي؟ قال: أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه طبقاً من فاكهة بستانه، وهذا شيء طبيعي جداً، ماذا فعل هذا الصحابي؟ سيدنا عمر ردها، الهدية ترد؟ لا ترد، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ)) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فهذا الصحابي الجليل ما زاد على أن قدم هدية لسيدنا عمر فردها عليه فقال أبي: يا أمير المؤمنين لِمَ رددت عليّ هديتي وقد علمت أني من أطيب أهل المدينة ثمراً؟ هذا بستاني أعمل به بعرقي وكدّ يميني، وهذه من ثمار بستاني وقدمتها لك هدية أسوةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر: قد علمت أني أسلفتك عشرة آلاف درهم، وخشيتي أن يكون لهذه الهدية صلة بالقرض لذلك رددتها عليك. فسيدنا عمر بن الخطاب لعلمه أن كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، فدار في خلده أنه لعل هذه الهدية قدمتَها إليّ مكافأة لي على أني أقرضتك عشرة آلاف درهم، وخفت أن يكون هناك من علاقة بين هذا القرض وبين هذه الهدية فرددتها عليك، مع أنك طيب ومالك حلال وأنت أخ كريم ولكن هذا الذي حملني أن أردها عليك. أحد أصحاب رسول الله أرسل غلاماً ليتجر له بالمال، بعث غلاماً له بأربعة آلاف إلى أصبهان ثم بلغه أنه قد مات، فركب إليه أو أرسل إليه فوجد المال قد بلغ أربعة وعشرين ألفاً، ربح ستة أمثال، فقيل له: إنه قد كان يقرض المال بالربا فأخذ هذا الصحابي الأربعة آلاف رأسماله وترك عشرين ألفاً، فقيل له خذه قال: ليس لي، قيل: هبه لنا، فتركه ولم يأخذ منه شيئاً، لأنه سمع أن هذا الكسب فيه شبهة الربا، أخذ رأسماله ولم يلو على شيء. وأنا أقدم لكم في هذا الدرس نماذج من ورع الصحابة هؤلاء الذين أحبهم الله عز وجل، هؤلاء الذين رضي الله عنهم، هؤلاء الذين فتحوا البلاد ونشروا الإسلام في الآفاق، ما خرجوا بالإسلام إلا عندما كانوا ورعين ووقفوا عند حدود الله عز وجل. القرض الحسن و القرض الربوي : الحقيقة ما الذي يحل محل الربا؟ قلت لكم من قبل: إنّ الإنسان له صفتان؛ إما أن يكون محسناً، وإما أن يكون مادياً، إن كان محسناً يقرض القرض الحسن، وإن كان مادياً يقرض قرضاً ربوياً، وهاكم مستوى أكبر من ذلك، سيدنا عمر رضي الله عنه كان يقول:" كنا نعد المقرض بخيلاً إنما كانت المواساة". إذا كنت في بحبوحة وأخوك احتاج إلى مبلغ من المال إذا أقرضته فهذا عمل جيد وأنت إنسان محسن، ولكن الأرقى من ذلك أن تقدمها له هبةً، إذا أنت في بحبوحة وأخوك في ضائقة فلا تحمله عبء الدين. في مجتمعنا المادي المقرض إنسان عظيم ومحسنٌ كريمٌ، لأنه يقول لك: أدنته المبلغ حين كانت قبل سنة العملة الأجنبية بسعر كذا، أما الآن فصار السعر مرتفعاً وخسرنا ولم نستفد شيئاً، وخسرنا سبعة عشر بالمئة ويحسبها، ربنا عز وجل قادر على أن يغرِّمك مئات الملايين عن طيب خاطر من أجل صحتك أليس كذلك؟ وأحياناً غلطة تجارية تُذهب المال كله، واعلم أنك تعامل الله عز وجل، فدع هذا القرض يسبب لك خسارة لكن أنت أرضيت الله عز وجل، إذا كان كل شيء بالحسابات فهذه مشكلة كبيرة. على عهد الصحابة المقرض كان يعد بخيلاً، لِمَ لم تواسه بمالك؟ لماذا تقرضه؟ واسِهِ بمالك، الآن المقرض يعد محسناً إحساناً كبيراً، وإذا الآن إنسان مقرض أحب أن يقرض فإنه يقرض مَن قَرَضَهُ، قال لي أحدهم: أقرضني بسعر عملة أجنبية وارتفعت عشرة أمثال سعرها، باع البيت ولم يكف لسداد قرضه علماً أنه أخذ منه قرضاً ليكمل ثمن البيت فباع البيت كله ولم يكف سداد قرضه. أسمعُ كل قصة عن ارتفاع العملات المفاجئ أو عن انخفاضها المفاجئ لا يحتمل، والإنسان قد يضطر أن يبيع كل شيء يملكه ولا يكفي لسداد ما عليه، واعلم أنك إن أردت أن تقرض فأقرض بالعملة المتداولة، هناك شخص أذكى قال له: سوف آخذ أسعار العملات كلها بالسوق المجاورة وأعمل وسطي لها وأُديّنك المبلغ على هذا السعر بعد أن تعيد المبلغ إليّ سوف آخذ جميع أسعار العملات وآخذ وسطيها وأطلب منك المبلغ وفقها وهذا هو القرض غير الحسن. إذا أقرض فليفعل خيراً، ويجب أن يكون محسناً، يعمل للآخرة، وليذهب بعض المال، ولترقَ عند الله رقياً يكرمك في الدنيا والآخرة، سيدنا عمر ردّ عليه هديته خوفاً من أن يكون لها علاقة بقرض قدمه له. التوبة السريعة سبيل من وقع في الربا : الحقيقة إذا وقع الإنسان في الربا أو كان يتعامل تعاملاً ربوياً وعرف الله عز وجل فلا يوجد أمامه سوى حل واحد أن يبادر إلى التوبة مبادرة سريعة، فإن المؤمن الصادق يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا وأشار به إلى الذباب. (( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا )) [ البخاري عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ] ![]() علامة إيمانك أن ترى الذنب كأنه جبل جاثم على صدرك، وعلامة ضعف إيمانك أن ترى الذنب كأنه ذبابة، يقول: ما الذي صار؟ يقول: لا تدقق، لا يسعنا إلا عفوه، ونحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان، الله لا يعاملنا بعملنا، يا الله لا تسألنا عن شيء، ويعتقد أنه ردّ شيئاً من توعّد الله له ولأمثاله بهذا الكلام، وكله كلام غير شرعي وليس له معنى، ربنا عز وجل قال: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة الحجر: 92-93] العجيب: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] كرامتك على الله أن تكون مستجاب الدعوة، وهذه الكرامة لا تتحقق إلا إذا كان دخلك حلالاً، وذلك لحكمة أرادها الله عز وجل، لكن شيء مغرٍ بالنظرة المادية، شيء لا حرج منه، والقرض الربوي فيه ربح هذا بالنظرة المادية، أما بالنظرة الإيمانية فالقرض الحسن فيه رضى من الله عز وجل قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ [ سورة البقرة: 245 ] سوء الظن عصمة والحزم سوء الظن : أيها الأخوة الكرام، أقول لكم هذا الكلام لأنّ شريحةً بالمجتمع كبيرة جداً لا ترضى أن تأخذ صدقةً، ولكن القرض يحل لها أكبر مشكلة، قد نرى إنساناً يسأل الناس إلحافاً وهذه شريحة وهذه لها جهـات أخرى، بإلحاح، بلا حياء، بقسوة، بتكرار، وعنده عدة كاملة، مرة قال لي أخ: امرأة جاءت تشكو الفقر المدقع رق لها أعضاء اللجنة وهم واعون جداً قالوا: نريد أن نرى البيت، قالت: البيت جاهز يا سيدي، قال: دخلنا في اليوم التالي وجدنا بيتاً لا يحتمل حاله فهو قميء جداً ليس فيه شيء سوى بساط وإناء وموقد غاز، شيء يُبَكّي، أحد أعضاء اللجنة ما ارتاح لهذا البيت فجاء في اليوم التالي وطرق الباب فلم يجد أحداً فلما زاد في الطرق فتح الجيران وقالوا: ما شأنك؟ قال: أين أصحاب البيت؟ قالوا: ليسوا هنا هناك بيتهم، فذهب إلى ذلك البيت فإذا بيت فيه كل شيء وهذا من العدة الخادعة لأهل الإحسان يخدعونهم بها. ![]() إنها شريحة اجتماعية تعودت التسول وتتقنه وهناك من يصنعون العاهات؛ ترى يده مجبصنة وهذا الجبصين خُلّبي، يده لا شيء بها، وعصابة على عينه وعينه سليمة، يضعون ولداً صغيراً أمامهم، بائس المنظر، يستدر العطف، فهذه شريحة اجتماعية مخادعة، وهذا تسول يجب أن يكافح، كما أنّ هناك شريحة ثانية تقبل المعونة وفقرها مدقع، وتطالعك شريحة ثالثة لا تقبل إلا قرضاً وهذا شيء جميل، فالقرض الحسن يلبي طلب الشريحة الثالثة، عندنا شريحة أولى وشريحة ثانية وثالثة، فالقرض الحسن يلبي طلب الشريحة الثالثة، لذلك إذا حسبنا القرض على حساب العملات والتضخم النقدي لا أحد يقرض أحداً، هذا حساب باطل يجب أن تنوي فعل الخير وليكن الثمن ما يكون، لكن ليس أيّ إنسانٍ قال لك دَيِّني فتديّنه، عليك أن تتحقق، والمؤمن كيّس فطن حذر فلا بد أن تتحقق. احترس من الناس بسوء الظن، سوء الظن عصمة، والحزم سوء الظن، إن بعض الظن إثم، وليس كل الظن سيّئاً. تعرفه جيداً، وتعرف أمانته وعفافه، وتعرف حاجته إلى هذا المبلغ، ومعك المبلغ وتمتنع، إذاً فإيمانك فيه ضعف، أنا لا أدعوك لتلقي بمالك جزافاً، المفرّط أولى بالخسارة وهناك كثير من الناس يحتالون ولهم منظر مقبول. رجل يريد أن يذهب إلى الحج ويريد أن يضع مالَهُ عند شخص، دخل إلى المسجد وتفرس وجوه المصلين، فوجد واحداً خشوعه جيد، فهو يغمض عيونه في الصلاة فقال في نفسه: هذا الرجل مناسب وأمين، فقال له: أنا أريد أن أضع عندك مبلغاً من المال لأني ذاهب إلى الحج، فقال له: أنا صائم أيضاً يا سيدي، فقال له: لكن صيامك لم يعجبني. بقي علينا أن امرأة سألت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت لها: بعت زيد بن أرقم حاجة إلى العطاء بثمانمئة درهم وابتعتها منه بستمئة، فقالت لها عائشة رضي الله عنها: "بئس ما اشتريت أو بئس ما اشترى، أبلغي زيد بن الأرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب قالت: أرأيت إن أخذت رأسمالي قالت: لا بأس". أي صلاة، صوم، حج، عمرة، أعمال صالحة، وله دخل حرام فهذه قاصمة الظهر. أول تدبير احترازي للوقاية من الربا أن تقوي إيمانك بالله، وإذا قوي إيمانك بالله قوي طمعك بما عنده من إكرام في الدنيا والآخرة، وإذا قوي إيمانك بالله قوي خوفك من الله. الإيمان بالله يعني الطمع برحمته، والخوف من عذابه، فأول وقاية من الربا أن تعمق إيمانك بالله إلى درجة أنك تخاف أن تعصيه، وهذا أمره واضح. 2 ـ الحث على اتقاء الشبهات : وهناك تدبير احترازي آخر: وهو الحث على اتقاء الشبهات، نحن ليس لدينا خلاف أبداً في الأشياء الواضحة، الحلال بيّن والحرام بيّن، فألف ومئتا مليون مسلم لا يختلفون على أن السرقة حرام، وعلى أن الزنا حرام، وأكل مال اليتيم حرام، وألف ومئتا مليون لا يختلفون على أن الصدقة قربة من الله عز وجل، الحلال واضح والحرام واضح، لكن الذي يهلك المسلمين هذه الشبهات، فالورع يراها تشبه الحرام، وغير الورع يراها تشبه الحلال، الشبهات هي التي ضيعت دين الناس، لذلك فالتدبير الاحترازي الثاني الذي يقيك من الربا أن تدع الشبهات. يا أخي هذه القضية فيها شبهة ولها فتوى، وهناك فتوى أخرى معاكسة، الأورع أن تدع الأمر، ونحن عندنا قاعدة ؛ قاعدة الحوط والأشياء الواضحة واضحة، والأشياء غير الواضحة عندك لكنها عند العلماء واضحة إليكم الأدلة: من الشبه أن قضية بالفقه تشبه الحلال من جهة وتشبه الحرام من جهة، وهي تشبه شيئين مختلفين أو تشبه شيئين متناقضين، لما قلت له: هذه السجادة ثمنها ألف ريال قال: اشتريــت وقيدها عليّ بيع إيجاب وقبول وثمن مؤجل، ثم قال الشاري للبائع: أتشتريها مني؟ فهذا بيع ثانٍ، قال: أشتريها بثمانمئة ريال، الذي حصل أنه قيّد عليه ألف ريال دين وأعطاه ثمانمئة، هذه الحادثة تشبه البيع والشراء من جهة وتشبه الربا من جهة ثانية، كذلك قرض بفائدة، هذه الشبهة وهي شيء يشبه شيئين مختلفين، متضادين ومتعاكسين أحدهما حرام والثاني حلال. الحقيقة موضوع الشبهات أنّ الأشياء إما أن يكون أصلها حلالاً، وإما أن يكون أصلها حراماً، وإما أن يشك في أصلها، الشيء الحلال لا تدخله الشبهات، والشك لا يلغي اليقين، والشيء الحرام لا يجعله الوهم حلالاً، الحرام يبقى حراماً، الوهم والشك لا ينقلان الحرام إلى حلال والحلال إلى حرام، لكن أصل الشبه أن أصل الشيء مشكوك بانتمائه إلى الحلال أم إلى الحرام. الفرق بين الوسوسة و الشبهة : لكن هناك أناس يتهمون الورعين أنهم مصابون بالوسواس!! الإمام الغزالي ضرب مثلاً على الوسوسة أنّ شخصاً صاد سمكة وقال: هذه حرام أن آكلها لعل واحداً صادها قبلي، ووقعت منه في البحر، وبعد أن تملكها وقعت منه فهي ملكه، وأنا إذا أكلتها أقع في الحرام. فهذه وسوسة وهي نطاقها واسع جداً. لكن اتقاء الشبهات غير الوساوس، واتقاء الوساوس غير اتقاء الشبهات، وهناك فرق بينهما، إذا شيء أصله حلال وأنت توسوست منه فهذه وسوسة، أما إذا شيء أصله غير معروف وأصله فيه شبهة فاتقاؤه ليس وسوسةً، وحينما تتقي ما كان أصله معروفاً حلالاً واتقيته وسوسةً فهذه هي الوسوسة، أما حينما يكون أصل الشيء مشكوكاً فيه وتركته فهذا ليس وسوسة هذه فضيلة، فالفرق بين الوسوسة وترك الشبهة أن الوسوسة تتعلق بما كان أصله واضحاً، واضح أنه حلال وأنت جعلته حراماً. قال لي إنسان: هذه الكنزة أنا لا ألبسها، قلت له: لماذا؟ قال: هذه أجنبية وهي من عند الكفار قادمة، ولأن كانت من عند الكفار فما يضيرك؟ ولك أن تتعامل مع أهل الكتاب فالنبي تعامل معهم. والتعامل معهم لا يجعل الشيء الذي اشتريته من إنسان كتابي حراماً إذا كنت قد دفعت له الثمن. الوسوسة و الشبهة و الورع : الوسوسة إذا توجهت إلى ما كان أصله واضحاً فأضفيت عليه من بعض الأوهام أنه حرام فهذه وسوسة، أما إذا شيء أصله غير معروف أو أصله فيه شبهة وتركته فهذا عين الورع، ومثال ذلك: النبي عليه الصلاة والسلام وجد تمرة فما أكلها لماذا؟ خاف أن تكون من تمر الصدقة، وحرام عليه أن يأكل الصدقة، وحلال له أن يأكل الهدية، ومن علامات نبوته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة فوجد مرة تمرة فقال: ((عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالتَّمْرَةِ فَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فَيَأْكُلَهَا إِلا مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ )) [ أحمد عَنْ أَنَسٍ] ![]() أهذه وسوسة أم ورع؟ هذا ورع إذ ليس معروفاً أصلها. أما إنسان توضأ يقيناً ثم شك أن وضوءه قد انتقض وهو متوضئ، هنا دخل الوسواس، الشك لا يلغي اليقين، فهذا الذي يعيد وضوءه مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً هذا مصاب بالوسوسة والنبي علمنا نضح الثوب إذا شعرنا أن هناك من بلل، فهذا بلل صنعناه بأيدينا حتى نقطع باب الوسوسة. الوسوسة حينما تتعلق بالحلال وتتوهم أنه حرام فهذه وسوسة، أما الشيء المشكوك في أصله فهذه ليست وسوسة. يقول لك: أليس الله قال؟ ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ سورة المائدة: 3 ] تقول له: نعم يقول لك: لماذا نجدُ أشياء غير واضحة بالدين وأين كمال الشريعة؟ بماذا تجيبه؟ الجواب حديث رسول الله: ((عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] ماذا يعني هذا الكلام؟ أن هناك من يعلمها. وإذا كان كثير من الناس لا يعلمونها فمعنى ذلك أن هناك من العلماء من يعلمها قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل : 43] الاستثمارات بمال ثابت كالربا تماماً : يقول لك: لا شيء في هذا، أنا ساعدته في ثمن هذا البيت، ودفعت معه مئتي ألف، ويعطيني أجرة الآن، ومبلغي مضمون، ووعدني بسنة واحدة وينقدني المئتي ألف، وأتوقف عن أخذ الأجرة؟ هذا ربا مثل الشمس. هذا البيت إذا استملك فمبلغك مضمون يقول: طبعاً مضمون، والمبلغ دين أدنته إياه، هذه الأجرة ربا، إذا كان فعلاً أنت لك نصف البيت والبيت استملك فمالك عنده شيء، أو إذا احترق فليس لك عنده شيء، انخفض سعره فليس لك عنده شيء، وإذا ارتفع سعره تأخذ ضعف مبلغك هذا، من أجل أن تكون الأجرة حلالاً فهذه هي الطريقة الصحيحة أنك تملكت تمليكاً صحيحاً، فإذا كان عوام الناس لا يعلمون أن هذه شبهة فهناك من يعلمها. كل الاستثمارات بمال ثابت تشبه الربا، أريد على المئة ألف أربعة آلاف بالشهر هذا ربا، ولا يعترف لا بربح ولا بخسارة. فالجواب الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، لكن العلماء يعلمونها وأهل الذكر يعلمونها، وأنت إذا كان شيء لا تعرفه فاسأل قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة النحل : 43] وقال تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ [ سورة الفرقان: 59] ((...فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] قال بعض العلماء تعليقاً على هذا الحديث: الواجب على من اشتبه عليه الأمر أن يتوقف ويستبرئ لدينه ولا يقدم إلا على بصيرة، فإنه إذا أقدم على الشيء قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع في المحرم، وذلك معنى الحمى الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام. دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ أصل في اتقاء الشبهات : الحديث الآخر: ((عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ )) [الترمذي عن الحسن بن علي] ![]() يقول أحد الناس: أنا أشتري الحاجات من السوق، يخفضون لي من السعر، والذي كلفني بشراء الحاجات لا يملك الخبرة ولي حق أن أضيف!! هذه فيها شبهة أنت أجير والأجير مؤتمن، اطلب منه أجرتك، أو بدل عطلتك، أو نسبة على المشتريات بشكل واضح لا تخفي عليه. ألي حق أن أعطي هذا الصانع مبلغاً؟ نعم لكن من ربحك فهذا ممكن، أما أن تضيفه على المُشترى فمستحيل، هناك أشياء دقيقة جداً اسأل عنها. ((... دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ )) [الترمذي عن الحسن بن علي] العلماء قالوا ومنهم ابن القيم في إيضاح هذا الحديث: ((... دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ )) [الترمذي عن الحسن بن علي] هو أصل في اتقاء الشبهات. سيدنا الصديق كلكم يعلم شرب اللبن ثم علم أن فيه شبهة، فغلامه تكهن لإنسان في الجاهلية قال له: أنا لا أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني هذا المال فاشتريت به هذا اللبن فأشربته إياك، عندئذ تقيأه رضي الله عنه. إعادة لما سبق : أول تدبير: قَوِّ إيمانك بالله حتى يكون إيمانك هو الرادع، ومعنى إيمانك بالله أن ترجو ما عنده، وترجو رحمته، وتخشى عذابه، فإذا رجوت رحمته وخشيت عذابه كان هذا الإيمان وحده رادعاً لك من الربا. والتدبير الثاني: إذا كان هناك مقالات واجتهادات متضاربة فأريح شيء وأسلمه دع ما يريبك إلى ما لا يريبك: ((...فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ )) [متفق عليه عن النعمان بن البشير] بعض الحيل الشرعية : وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى سنتناول الحيل الشرعية وهذه الحيل الشرعية كثيرة جداً. ترى الإنسان المخاتل يتصور أنّ الله سبحانه وتعالى الذي أمر ونهى كطفل صغير، هكذا يتعامل مع الله بأن هذه الحيلة تنطلي على الله عز وجل. فمن هذه الحيل: أنت تحب أن تجلس مع امرأة أخيك، ولكن كيف؟ هناك طريقة، كيف يا سيدي؟ خذ بنتاً صغيرة، عمرها سنتان، وأَعقد عليها قِراناً وادفعها لامرأة أخيك لترضعها، فبذلك أصبحت أمها من الرضاعة، وأصبحت حماتك. طلق البنت، وبعدها تستطيع أن تجلس مع امرأة أخيك طول العمر لابسة ملابسها أم لا، بحجاب وبلا حجاب. ألم تعلم بأن الله يرى؟ فماذا تفعل. أتحتال على الله وأخيك؟ تدفع زكاتك وتضعها في داخل رغيف خبز وتعطيه لفقير وبداخل الرغيف خمسة آلاف ليرة وتقول له: أتهبني هذا الرغيف؟ يقول: نعم، ثم تعطيه خمس ليرات، وتستعيد الخمسة الآلاف كاملة، وهناك حيل من نوع ثانٍ ومنتشرة وفي الدرس القادم إن شاء الله سنتابع حديثنا عن الحيل الشرعية. لِمَ لا يستجيب الله دعاءنا ؟ ويطالعنا الآن سؤال كبير: لِمَ لا يستجيب الله دعاءنا، وألف ومئتا مليون مسلم يموتون تحت عجلات طغيان الكفر؟ فالله عز وجل قال: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [ سورة غافر: 60 ] ![]() معنى هذا أنّ مشكلة في حياتنا قائمة، بل مشكلات. سمعت أنه بإحدى القرى يأتي بدوي عنده غنم لا يملك ثمن العلف - يقول لك: بيع سلم- يبيع كيلو الصوف بخمسين وثمنه بالسوق مئة وخمسون، فاشترى الصوف وثمن الصوف ستمئة ألف يقول لك: بيع سلم، هذا ليس معقولاً هذا أشد أنواع الربا، بيع السلم على العين والرأس، وهو تشريع إسلامي وهو معاونة الشاري للبائع. إذا بعت سلعة وقبلت أن تأخذ ثمنها تقسيطاً وبالسعر النقدي بمعاونة البائع للشاري، بيع السلم معاونة الشاري للبائع لكن أنْ تأخذ ثلاثة أمثال وتشتري الصوف بخمسين وثمنه مئة وخمسون، وتأخذ صوفاً بمئتي ألف ثم تبيع هذا الصوف بستمئة ألف، وربحت مئتين بالمئة، عندما يكون بيع السلم هكذا فالاحتيال واضح، وكذلك بالبيع العادي هناك احتيال، و كل الأشياء المحرمة مغطاة ببعض الفتاوى الضعيفة الهزيلة، فمن هذا الدجل لا يستجيب الله سبحانه لنا. (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] ((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط)) [الجامع الصغير عن أنس] و تسعة أعشار المعاصي في كسب المال. الزنا : عندنا أيضاً بعد هذه الموضوعات موضوع الزنا، أكثر شيء يوقع الناس بالمعاصي شهوة المال وشهوة الجنس، الحجب الكثيفة بين الناس وبين الله في هاتين الشهوتين، فإذا ضبطنا هذين الموضوعين عندئذ نطمع برحمة الله لنا. وإذا انتهينا من موضوع الربا ومن تدابيره الاحترازية ننتقل بمشيئة الله إلى موضوع الزنا وكل ما يتعلق به والتدابير الاحترازية. ليس الزنا فقط هو الزنا المعروف، بل العين تزني كذلك وزناها النظر، والأذن تزني وزناها السمع، أي هناك زنا مخفف إذا وقع به الإنسان حجب عن الله، لذلك أيها الأخوة شعارنا: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] تحرَّوا الحلال من أجل أن الله عز وجل يستجيب دعاءنا، وعندها إذا دعونا على أعدائنا فالله يستجيب، لأن الله عز وجل لا يريد مسلمين وهميين بل يريد مسلماً حقيقياً وبين أيديكم قرآن وسنة ولاشيء من عندنا مع أدلة واضحة وقطعية وهي حق، لدينا قرآن ولدينا سنة ومنطق وواقع وفطرة كلها تتكاتف لإظهار الحق. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الرابع ) الموضوع : الحيل الشرعية الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الربا، وقد سار الموضوع وفق الخطة التالية: تحريم الربا في القرآن والسنة، ثم كيف أن التدابير الوقائية لعدم الوقوع في هذه المعصية الكبيرة تقوم على الإيمان بالله عز وجل، والصلح معه، ومعرفة ما ينتظر العبد من ثواب إذا أطاعه، ومن عذاب أليم إذا عصاه، ولكن معظم الناس حينما يلجؤون إلى التعامل الربوي وهم يخشون الله عز وجل فيما يبدو يستخدمون الحيل الشرعية لأكل الربا تحت أسماء شرعية كالبيع والشراء. لذلك هذا الدرس مخصص للحيل الشرعية وكيف أن بعض المسلمين تزل أقدامهم فيحتالون على الشرع، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولكن الحقيقة أن الله الذي يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه الحيل، وربما كما ترون بعد قليل كان إثم المحتال أكبر من إثم الذي يرتكب المعصية من دون حيلة. على كلٍّ هناك من يتعامل بالربا ويسمي هذا التعامل بغير اسمه ويظهر غير ما يبطن ويحاول عبثاً الاحتيال على الله عز وجل. الله يعلم السّرّ و أخفى : قلت لكم من قبل: إن بعض الناس يحتالون على الله، وكأن الله عز وجل لا يعلم سرهم ونجواهم، ولا يعلم نواياهم ومقاصدهم، إن هذا الاحتيال ينطوي على جهل بالله، جهل خطير. ![]() أحد العلماء يقول: يخادعون الله كأنهم يخادعون آدمياً، لو أتوا الأمر عياناً كان أهون عند الله، أي حينما يعلن الإنسان ضعفه ويرتكب المعصية فهذا أخف في ميزان المعصية مما لو لجأ إلى حيلة وأظهر نفسه أنه لم يعص، ونسي أن الذي يحتال عليه هو خالق الكون، والموضوع أيها الأخوة له علاقة بالربا، ولكن أردت من موضوع الحيل الشرعية أن نعالج موضوع الحيلة مطلقاً، لأن أيّ إنسان يحتال ليتهرب من أداء ما عليه أو ليقترف ما نهى الله عنه إنسان يسلك طريق الحيلة، وهو إنما يفعل شيئاً يعبر عن جهله بالله، ولا أكتمكم أن إثم المحتال أشد من إثم العاصي من دون حيلة. النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي روي عنه ضيّق على المحتالين الخناق. فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) [ أحمد عن أبي هريرة] أنتم وطنوا أنفسكم أن أي إنسان أفتى لكم فتوى تنطوي على حيلة فهذه الحيلة مرفوضة لأنك تعامل الله، والله عز وجل لا تنطلي عليه الحيل، يعرف السر وأخفى، يعرف ما أظهرت وما أبطنت، ما أسررت وما أعلنت، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) [ أحمد عن أبي هريرة] الحيلة في العرف اللغوي : لو عدنا إلى معاجم اللغة ما معنى الحيلة في العرف اللغوي؟ في أوسع معجم من معاجم العربية معجم لسان العرب لابن منظور يقول: "الحيلة اسم من الاحتيال، الاحتيال مصدر والحيلة اسم، كأن تقول: غِشٌ وغَشٌ. غِش هو المادة المضافة إلى المادة المغشوشة، أما الغش فآلية الإضافة، السِّتر الرداء الذي تستر نفسك به أما السَّتر فعملية إرخاء الستار، السَترُ والسِتر والغَشُ والغِش والشَقُ والشِق، أي حينما تعمل هكذا بالخشب مثلاً فهذه العملية تسمى الشَّق أما هذا فاسمه شِق، الاحتيال، الحيلة اسم من الاحتيال والاحتيال مصدر. فالاحتيال والحَوَل والحيل والحَوْل والحيلة والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل كل ذلك بمعنى واحد. الحِذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف هذا معنى الحيلة أو الاحتيال في معاجم اللغة، هذا المعنى اللغوي كما تعلمون نحن نستعرض المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. المعنى الشرعي للحيلة : أما المعنى الشرعي للحيلة أو المعنى الذي غلب على استعمالها قبل الشرعي فهو: ما يتوصل به إلى حالة ما خفية، هي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي، أي إما أن تصل إلى هدفك بطريقة جلية واضحة مكشوفة معلنة وإما أن تصل إلى هدفك بطريقة خفية، أنت تريد أن تغادر هذا المجلس، هذا قصدك، يجوز لإنسان أن يقف ويقول للحاضرين: أنا عندي موعد السلام عليكم. هذه طريقة لمغادرة المجلس بشكل جلي، أما إذا تصنّع أنه قد رعف وقد خرج إلى الحمام وبعدها لم يعد، الآن خرج بطريقة احتيال، فإذا خرجت بطريقة جلية شيء وإذا حققت مقصودك بطريقة خفية فهذه هي الحيلة التي وردت في العرف الاجتماعي وهي: ما يتوصل به إلى حالةٍ ما خفية، ما يتوصل به إلى مقصود عن طريق خفي. أنواع الحيل : لكن أيها الأخوة الحيلة تختلف اختلافاً بيناً بحسب الباعث عليها، قد يكون الباعث على الحيلة إبطال حق أو إحقاق باطل، وهذا أخطر شيء في أنواع الحيل أي: أن تستهدف بهذه الحيلة إبطال حق أو إحقاق باطل. هذا نوع. وقد يكون الباعث على الحيلة إثبات حق أو دفع باطل، وهذا مقبول، بل الحيلة واجبة، وقد يكون الباعث على الحيلة السلامة من مكروه، أو من أذى، أو من عطب، وهذا جيد، وقد يكون الباعث على الحيلة الهروب من مندوب أو واجب. ![]() تُقيّم الحيلة بحسب الباعث عليها، تقيّم الحيلة بحسب الهدف منها، فما كل حيلة حيلة، الحيل من صفات الأذكياء، أما أنت فيجوز لك مثلاً أن تحتال على زوجين متخاصمين للتوفيق بينهما بأسلوب لطيف، هذه حيلة مندوبة. قد تحتال على إنسان بحمله على الصلاة وهذا ممكن، قد تحتال على إنسان لحمله على حضور مجالس العلم كذلك، فالحيلة أنواع كثيرة، لكن أخطر نوع فيها أن تستخدمها لإبطال حق أو لإحقاق باطل، الحيلة من أجل إحقاق حق أو إبطال باطل فهذه واجبة، بل ربما ترتقي أحياناً إلى مستوى الفرض بأن تحق الحق وأن تبطل الباطل. لذلك بعض العلماء قسم الحيل وأعطاها أحكامها الشرعية فقال: إذا توصلت بطريق مباح إلى إبطال حق وإثبات باطل فهذه الحيلة حرام باتفاق العلماء، كأن وقعت فلاناً على ورقة فارغة من أجل وكالة لاستلام بريد، فإذا بهذا التوكيل الذي كان لاستلام البريد استخدم لبيع بيت، بين وكالة لاستلام بريد وبين بيع بيت هذه حيلة، اغتصبت منه البيت بهذه الطريقة. وآخر كتب لك إيصالاً ووقع في أسفل الورقة وأنت انتبهت أنه يوجد مسافة كبيرة فأثبت بين آخر سطر وبين التوقيع عشرات الدفعات هذه حيلة، وممكن أن تستخدم الحيل لاغتصاب أموال الناس، يمكن أن تستخدم الحيل لإبطال الحق أو لإحقاق الباطل، الحيل التي يستخدمها الناس لإبطال الحق أو لإحقاق الباطل حرام أشد التحريم باتفاق علماء المسلمين. استخدام الحيلة لإحقاق حق ولإبطال باطل فقط : إن توصلت بالحيلة بطريق مباح إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، والواجب قريب من الفرض، وعند بعض المذاهب هو الفرض بعينه، إحقاق حق أو دفع باطل، وإن توصلت بها بطريق مباح إلى السلامة من مكروه فهي مستحبة أو مباحة، سَلمْتَ من مكروه أو من أذى بحيلة فهذا جائز لك. ![]() تذكرون قصة السمكات الثلاث، السمكة العاقلة قالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها؛ وخلاصة القصة: مرّ صيادان بغدير ماء فيه سمكات ثلاث، كيسة وأكيس منها وعاجزة، وتواعد الصيادان أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك فسمعت السمكات قولهما - وهي قصة رمزية لكن بليغة- فأما أكيسهن فإنها ارتابت وتخوفت ولم تعرج على شيء حتى خرجت من الغدير، وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، أما الأقل ذكاء وهي الكيسة فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد سدّ فقالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يعدم من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت منقلبة على ظهرها تارة وعلى بطنها تارة، فأخذها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت في النهر فنجت، فهذه احتالت وأنقذت نفسها من صيد محقق وأنقذت نفسها من الهلاك، وأما الثالثة فوقعت في شباك الصيد وأخذها الصيادان وذلك لعجزها عن الاحتيال لعدم فهمها فهلكت. فالمؤمن كيس فطن حذر، إذا كان هناك هلاك محقق عليه أن ينقذ نفسه بطريقة أو بأخرى، سيدنا حذيفة بن اليمان أمره النبي أن يذهب إلى معسكر العدو لكي يتقصى الأخبار فلما أصبح بين ظهرانيهم قال أبو سفيان: لعل فيكم غريباً ليتفقد كل منكم صاحبه بأسرع من لمح البصر وضع يده على يد من بجانبه وقال له: من أنت؟ بهذه الحيلة نجا من الموت المحقق، فالمؤمن كيس فطن حذر، فالحيلة التي تستخدمها لتنجو من عذاب محقق، أو من ظلم، أو من هلاك، أو من مكروه، فهذا شيء سليم وطبيعي، وهذا يعبر عن ذكائك وتوفيق الله لك، والحيلة التي تستخدمها لإحقاق حق ولإبطال باطل هي مستحبة وترقى إلى مستوى الواجب، وأحياناً تكون الحيلة في التغابي: ليس الغبي سيداً في قومه لكن سيد قومه المتغابي *** أما أن تستخدم الحيلة لإبطال حق فأعوذ بالله أو لإحقاق باطل فهذه محرمة أشد التحريم. تقييم الحيلة ببواعثها وأهدافها : الحيلة الشرعية، الحيلة تقيّم ببواعثها وأهدافها، الآن إذا توصلت بالحيلة إلى ترك مندوب فهي مكروهة، شيء ندبك الله أن تفعله وبالحيلة تملصت منه، فهذا صواب. وهاأنذا أعود وأكرر: إذا توصلت بالحيلة إلى النجاة من مكروه أو أذى فهي واجبة ومستحبة، وإذا أردت بالحيلة إحقاق الحق فهي واجبة. أما الشيء الخطير في الحيلة إذا استخدمت الحيلة لإحقاق الباطل أو لإبطال الحق فهي محرمة أشد التحريم. الحقيقة كلمة الحيلة إذا أطلقت انصرفت إلى النوع الأول؛ وهو أن تبطل بالحيلة الحق وأن تحق الباطل، كلمة حيلة تعني أبطلت الحق أو أثبت الباطل وهي أنواع كثيرة: لإحقاق الحق ومنع الباطل واجب، وللنجاة من ظلم وهلاك محقق مستحبة بل واجبة، ولترك مندوب مكروهة. لكن إذا أطلقت الحيلة انصرفت إلى النوع الأول وهي الحيلة التي تحق الباطل وتبطل الحق. العلماء قالوا: الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين، أية حيلة؟ نقصد بالحيلة الحيلة التي نستخدمها لإبطال الحق أو إحقاق الباطل، لذلك فالعلماء قالوا: الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً مخادعةً وتوصُّلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أي في دور البغاء في العصور القديمة كانت البغي تغطي نفسها فيدخل الرجل ويعمل عقداً وعندما يخرج يطلق، هذه كلها حيل وكل حيلة يقصد بها إحقاق باطل أو إبطال حق فهي محرمة بإجماع العلماء والمسلمين. فالحيل كلها محرمة وغير جائزة في أيّ شيء من الدين وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به عقداً محرماً مخادعةً وتوصُّلاً إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق أو نحو ذلك. فمثلاً: قبل أن يحول الحول على المال يهب الزوج بعضَه لزوجته فيقلّ عن نصاب الزكاة فيعفى من الزكاة، بعد أن يحول الحول تعود الزوجة وتهب زوجها ما وهبها قبل أيام فعاد المال لحوزته هذا منتهى الجهل والغباء، هذا كالمستهزئ بالله عز وجل وسوف ترون بعد قليل أن له عقاباً عند الله كبيراً. حقيقة الحيل : الإمام الشاطبي يقول: حقيقة الحيل أنها تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي و تحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خرم القواعد الشرعية في الواقع، أي تفريغ الشرع من مضمونه. ![]() لا تنسوا أيها الأخوة أن هناك قولاً رائعاً: "إن الشريعة عدل كلها، الشريعة رحمة كلها، الشريعة مصالح كلها، فكل قضية خرجت من العدل إلى الجور، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الرحمة إلى القسوة، فليست من الشريعة ولو أُدخلتْ عليها بألف قول وقول". الطلاق مباح. هناك أزواج قبيل وفاتهم يطلقون زوجاتهم لئلا يأخذن من ميراثهم، يكون متأخرها أقل بكثير من نصيبها من الميراث، أي بالكلمة الدارجة مثل هؤلاء سوف يفرمون فرماً من قبل الله عز وجل، هذه الحيل استهزاء بالله عز وجل، ولعب بالشرع، واستخفاف بقواعد الشريعة. الحقيقة وهناك حيل منها: إنسان سافر إلى بلد أجنبي أراد الزواج المؤقت وهو سيقيم أربع سنوات، فعند الإمام الأوزاعي التأبيد شرط لصحة عقد الزواج، أما هو لو جاء بفتاة ووقف أمام القاضي وحصل الإيجاب والقبول والشاهدان والمهر فالزواج فقهياً صحيح، لكنّه ماذا أضمر في صدره؟ أنه مؤقت، أضمر التوقيت، وأعلن التأبيد، فصار هذا الزواج صحيحاً قضاءً فاسداً ديانةً، هذه أيضاً حيلة ولابد من التأبيد في الزواج، هل تقبل لابنتك زواجاً مؤقتاً لأمد قصير لصيفية يقضيها سائح في بلدك؟ هل ترضى أن يأتي سائح من بلد عربي يتزوج ابنتك شهرين فقط أو شهراً واحداً؟ أنا متأكد أنك لن ترضاه، إذاً فكيف بك تحتال على الآخرين؟ فهذا مما لا يرضاه الله عز وجل، والمحتال مسؤول وسوف يسأل ويحاسب. العلماء بعضهم أبطل الحيل قضاء وديانة، وبعضهم أبطلها ديانة وأثبتها قضاءً، وبعضهم أثبتها ديانة وقضاءً، والموضوع خلافي، ولكل أدلته التي سوف نمر بها بعد قليل إن شاء الله. تغيير الاسم لا يغير المسمى : على كلٍّ من الحيل أن تسمي الشيء بغير اسمه، فقد ظهرت فتوى بمصر مفادها أن المواطن يقرض الدولة مبلغاً يضعه في المصرف، والدولة تكافئه عليه بمكافأة في نهاية العام، فسمينا العقد الربوي قرضاً وسمينا الفائدة مكافأة. يا ترى تَغَيُّر الاسم هل يُغير الحقيقة؟ إذا جئنا بخنزير وقلنا: هذا خروف، هل يصبح خروفاً؟ من السذاجة والبساطة أن تغير الاسم وتتوهم أن الحقيقة تغيرت، الخنزير يبقى خنزيراً، ضع عليه لوحة "خروف" اكتبها بالثلثي، بالرقعي، بالفارسي، بالكوفي، والإنكليزي يبقى خنزيراً، ومهما تفننت باللوحة والخطوط واللغات فهو خنزير لا تتغير حقيقته. تغير الاسم لا يغير المسمى، فأية حيلة يبتغي المرء بها التحايل على تحليل الحرام عن طريق الاسم فهي مرفوضة، فالحرام حرام والحلال حلال. الأمر بالمقاصد والمعاني بالنوايا : نعود إلى الربا؛ عندنا قاعدة أصولية: إن العبرة بما أضمر لا بما أظهر، أنت لو قلت لإنسان: بعتك هذا الكتاب ب، ع، ت، كاف الخطاب، بعتك هذا الكتاب بلا ثمن هذا عند الفقهاء عقد هبة لأنه بلا ثمن، وإذا قلت لإنسان وأنت ورع جداً وصاحب مكتبة: وهبتك هذا المصحف بألف ليرة هذا عقد بيع، تخاف من كلمة بيع لأن كتاب الله لا يباع، يقول له: بكم وِهبتُهُ؟ يقول له: بألف ليرة فقط، هذا عقد بيع لا عقد هبة، فالعبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني هذه قاعدة أساسية، تغير الاسم لا يغير حقيقة الشيء، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام أو القرآن الكريم شدد على المنافقين. من هم المنافقون؟ الذين أعلنوا بألسنتهم الإيمان بالله ورسوله والآية الدقيقة قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ سورة المنافقون: 1 ] إذاً العبرة بالألفاظ والمباني. فالمنافقون مؤمنون ظاهراً لأنهم قالوا: نشهد إنك لرسول الله، والله عز وجل أثبت كذبهم وتوعدهم بعذاب أليم قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [ سورة المنافقون: 1 ] فلو عددنا أن اللفظ وحده يكفي فالمنافق مؤمن أعلن الإيمان بلسانه، وشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وهو عند الله ليس مؤمناً، إن المنافقين هم الكافرون. إذاً لو أن الأمر كما يدعي أصحاب الحيل بالألفاظ والمباني لأصبح المنافقون مؤمنين، لكن الأمر بالمقاصد والمعاني بالنوايا. الحديث التالي أصل في منع الحيل : الحديث الشريف الذي يعد أصلاً كبيراً في منع الحيل هو الحديث المتواتر الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام وقد رواه الإمام البخاري: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] ![]() إنما يعني أنّ العمل يقيّم حصراً بنية فاعله، هذا الحديث يبطل كل الحيل الشرعية، ينسفها من أساسها، ونحن نسميها حيلاً شرعية تجاوزاً، أي الحيل التي يحتال بها على الشرع. يقول بعض العلماء: هذا الحديث أصل في إبطال الحيل، وبه احتج البخاري على ذلك، فإن من أراد أن يعامل رجلاً معاملة يعطيه بها ألفاً بألف وخمسمئة إلى أجل، هذا عقد ربوي كمن أقرضه تسعمئة قرضاً حسناً وباعه ثوباً يساوي مئة بستمئة، ثم استرد التسعمئة وأخـذ المئة من ثمن الثوب، والخمسمئة هي فائدة الألف، أما الصورة فبيع وشراء، أقرضه قرضاً حسناً بتسعمئة ليرة وباعه ثوباً قيمته مئة بستمئة فالذي حصل أنه أقرضه ألفاً واسترد ألفاً وخمسمئة. ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] يقول بعض الأئمة الكبار: النية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها، ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] والله يا أخوان، هذا الحديث أصل في الدين إذا عقلناه وفهمنا أبعاده ومراميه ومعانيه الدقيقة نتحرك عندئذ وفق الشرع تماماً لكن هناك آلاف التصرفات وهي كلها باطلة. هذا الحديث يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أنه من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، هذه الصورة الشكلية لا تعفيه من إثم الربا. العبرة بما أضمر الإنسان لا بما أظهر : القاعدة التي شرحناها قبل قليل: العبرة بما أضمر لا بما أظهر، إليكم الأدلة: فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النجش، فما هو النجش؟ قالوا: أنت أمام بائع تسوم سلعة فجاء شخص ودفع بها مبلغاً كبيراً، وأنت بحاجة إليها، فلما سمع المشتري أن هذا الشاري دفع ثمناً باهظاً رغب في هذه السلعة، واشتراها، وقال له: أنا جئت أولاً أعطني إياها، لكن الزبون الثاني قادم خلبي وممثل، قد كلفه البائع بهذا الدور التمثيلي، وهذا يجري أيضاً في بيع البيوت وغيرها. ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النجش. تعريفه الشرعي: الزيادة التي يقصد من خلالها الإضرار بالآخرين. ((حَدَّثَنا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّجْشِ )) [ متفق عليه عن ابن عُمَرُ ] النجش هو حيلة، دخل إنسان متجراً، طلب هذه البضاعة، ودفع بها ثمناً غالياً، والشاري الأول بحاجة إليها، وكان يظن أنها غالية، فلما دفع الآخر هذا الرقم ثمناً لها، فإن الأول تقدم واشتراها. في حياتنا اليومية آلاف بل عشرات الألوف من أساليب البيع والشراء المبنية على الحيلة التي يسمونها شرعية، فمن يضيع؟ الذي يضيع الجاهل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( غبن المسترسل ربا)) [ الجامع الصغير عن جابر وعلي] إذا انسان جاهل ونيته طيبة ومعه مال ليشتري به حاجة، وأنت احتلت عليه، فهذا احتيال، فقد يقول لك الطبيب: تحتاج الزوجة لعملية قيصرية، ويستعظم الأمر، ويهوِّله للزوج ويصرّ على أن هذه الصورة خطيرة، ولا بد من قيصرية، بينما الولادة العادية تكلف ألفين أما القيصرية فتكلفتها ستة عشر ألفاً وينخدع الزوج. الله عز وجل كبير، والذي يعرف الله لا يستطيع أن يتكلم خلاف الحق، ولا خلاف مصلحة المريض، ولا خلاف مصلحة الموكل، ولا خلاف مصلحة الطالب، ولا خلاف مصلحة الشاري، لأنك تعرف الله وهو مطلع على السر وأخفى، ومطلع على نواياك وعلى أساليبك. ولقد ذكرت مرةً قصةً: زارنا أخ كريم طبيب مشهور، فبعدما انتهت الخطبة أحب أن يجلس معي قليلاً، فمن حديث لحديث قال لي: زارتني مريضة معها ورم خبيث بالثدي، وقد وصل إلى كتفها، والمرأة فقيرة، ولها سبعة أولاد وزوجها موظف، وقال هذا الطبيب: وهو معروف بالصلاح والاستقامة والتفوق العلمي وقد تخرج خلال خمسين سنة أطباء كثيرون في الجامعة ممن درسهم، ورأى الأمر قد تفاقم إلى درجة كبيرة، والأمر يستعصي على الاستئصال الجراحي، والمعالجة بالأشعة، وعلى المعالجة بالدواء، وشعر أن هذه امرأة فقيرة، ولها أولاد كثر، وزوجها فقير، ثم قال: تألمت أشد الألم وكأنها ابنتي لكنني صببت نقمتي على زوجها، دخلت معه إلى غرفة أخرى وقلت له: أنت مجرم، قال: لماذا؟ قلت له: تأتيني في مثل هذا الوقت بعد أن تفاقم المرض إلى كتفها حتى صار لا يجدي لا استئصال جراحي، ولا معالجة دوائية، قال: أنا عند الطبيب الفلاني منذ سنة زميلك ولم يقل لي: إنه سرطان، جئنا وذهبنا مئات المرات، مرة يقول لي: التهاب ومرة كورتيزون ومرة... أدرك هذا الطبيب وزوج المريضة أن الأول قد ابتز أموالهما بهذا العام الطويل ولم يخبرهما بحقيقة المرض، فلو أخبرهما بالوقت المناسب لكان الأمل بالشفاء كبيراً جداً، ثم قال لي هذا الطبيب الكريم: فجأة وقع زوج المريضة على الأرض ساجداً وقال: يا رب أنت موجود، إن كان هذا الطبيب الأول قد فعل بنا هذا ابتزازاً فابتله بالمرض نفسه، ودعا دعاء اقشعر منه جلدي، وخففت عنه ما استطعت، لكن بعد أسبوعين توفيت المرأة، لأن الوضع كان خطيراً جداً، والقصة طوتها الأيام ونسيها هذا الطبيب، وبعد تسعة أشهر يأتيه مريض شاب مصاب بمرض السرطان بالصدر قد وصل إلى كتفه، وجلس على المقعد نفسه متهالكاً ضعيف المعنويات، فلما سألته عما يشكو قال: سرطان في الصدر، وقد وصل إلى كتفي فلما سألته عن اسمه قال: أنا زميلك يا طبيب، فلما عرف الاسم بالضبط فإذا هو الطبيب نفسه الذي ابتز الزوج ودعا عليه، وعمره خمس وثلاثون سنة. نهي النبي عن النجش : الله عز وجل كبير، الإنسان قبل أن يحتال، ويبتز أموال الناس، وقبل أن يكذب عليهم، وقبل أن يوهمهم، وقبل أن يتفق مع المحلل بأن يقوم بتحليل أول بند مسجل والباقي يهمله والمال مناصفةً، قبل أن يعمل أساليب ويظن أنه ذكي فليعلم أنّ الله عز وجل كبير، وهذه الحيل مبنية على جهل بالله، وابتزاز أموال الناس وإيهامهم، هذه كلها أساليب يعاقَب عليها الإنسان بالدنيا قبل الآخرة. فالنجش محرم، تُحضر زبوناً خلبياً يدفع سعراً عالياً حتى تثبت البيعة، فهذا حرام حرام. مرة كنت في الحج وهناك أخ كريم روى لي قصة أن شخصاً يسكن في شمال جدة، وعنده أرض، ولما توسعت جدة أصبحت أرضه ضمن المخطط التنظيمي، فذهب لبيع هذه الأرض في مكتب عقاري، فرأوه جاهلاً فاحتالوا عليه، واشتروها بثلث قيمتها، وعمروا بناء من ثلاثة وعشرين طابقاً وهم ثلاثة شركاء، أول شريك وقع من سطح البناء فدقت عنقه ومات، الشريك الثاني مات بحادث، أما الثالث فقد بحث عن صاحب الأرض طيلة ستة أشهر حتى عثر عليه وأعطاه الفرق، وقال له: هذه الأرض كانت تساوي مليوناً ونصف وأخذناها منك بخمسمئة وأنا عليَّ ثلث هذه القيمة، ونقده ثلاثمائة وخمسين فقال له البدوي: "ترى أنت لحَّقْتَ نفسك "، أي أدرك نفسه قبل أن يعاقبه الله سبحانه. الحيلة عاقبتها عقاب أليم فالنبي نهى عن النجش، أي تستعين بزبون خلبي حتى توهم الشاري أن هذه السلعة غالية الثمن ويشتريها، وهناك ألف نوع من الأساليب كله مبني على الغش وعلى الخداع. النجش كما يقول العلامة العيني رحمه الله تعالى: "هو أن يزيد في الثمن بلا رغبة فيه ليوقع الغير فيه وأنه ضرب من التحيل في تكثير الثمن". خيار المجلس : هناك حالة ثانية: أنت في مجلس البيع جاءك رجل ليشتري حاجة، وصار في إيجاب وقبول وصار بيع، ولكن ما دمت أنت وإياه في مجلس واحد يتمكن في المجلس نفسه أن يقول لك: اعذرني لا رغبة لي بالشراء وذلك من حقه. وهذا اسمه خيار المجلس، ما دام البائع والمشتري في مجلس واحد فمن حق المشتري أن يفسخ العقد، فماذا يفعل البائع؟ لما صار إيجاب وقبول يقول: عندي موعد اسمح لي ويخرج، إذا خرج البائع من المجلس فالبيع ثبت، لأنه لم يُعطِه مهلة أن يفكر، سألك عن السعر وقال لك: اشتريت، قلت له: اشتريت؟ قال: نعم. ثم قال: وأنا عندي موعد وخرج من مكتب البيع ليمنع المشتري من التفكير ويقتنع بصحة هذا الشراء، لكن إذا كان البائع ما زال موجوداً فحق فسخ البيع قائم بخيار المجلس فالنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً قال: ![]() (( الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ )) [النسائي عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] أجل ليس له حق أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله، أساس البيع فيه خيار، اشتريت بيتاً يجب أن تعرف أعليه رهن أو تنظيم، قال لك: اكشف عنه إذا ثبت لك أنه ليس عليه شيء البيع قائم، هذا الخيار بأصل العقد وقلت له: إني على عجلة من أمري ليس هناك مانع، لكن إذا البيع ليس فيه خيار، لم يبق سوى خيار واحد وهو خيار المجلس، بمجرد أن أجاب صار هناك إيجاب وقبول لكن إن قلت له: إني على عجل من أمري وغادرت، فأنت منعته من خيار المجلس والنبي الكريم نهى عن ذلك: (( ... وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ )) [النسائي عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] إذاً النبي نهى عن هذه الحيلة، الخروج السريع من المجلس من أجل أن يمنع الشاري من أن يستفيد من خيار المجلس، هذه حيلة نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام. نهي النبي عن الاحتيال: كلكم يعلم أنه لا يجوز للمحرم أن يصيد في أثناء إحرامه أما المتحلل فيجوز أن يصيد، فإذا متحلل صاد لمحرم فهذه حيلة شرعية، أنت لا يجوز أن تصيد أنا سوف أصيد لك وأطعمك لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلالٌ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ)) [أبو داود و الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] أنت كحاج أكلت لحماً من صيد قد صاده الصائد لك فهذا حرام، أنت لم تصطده لكن صيد لك. ما دام النبي نهى عن النجش ونهى عن المفارقة لإسقاط خيار المجلس ونهى عن الاحتيال في إطعام المحرم طعاماً صادَهُ له المتحلل، إذاً النبي في هذه الأحاديث الثلاث منع الحيلة الشرعية. الاحتيال الشرعي خداع لله واستهزاء بآياته: أحد العلماء يقول: الاحتيال الشرعي خداع لله، واستهزاء بآيات الله، وتلاعب بحدود الله. مثلاً: حلف بالطلاق ثلاث مرات، فإن حلل لك شيخ يحرمه لك عشرة، فماذا يفعلون عندئذ؟ يزوجونها لشخص آخر مدة يوم واحد وهذا سماه النبي التيس المستعار: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ )) [ابن ماجه عن عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ] التيس المستعار حيلة يسمونها شرعية، وهي غير صحيحة، فلذلك الإنسان قبل أن يتكلم، قبل أن يقف هذا الموقف، قبل أن يسلك هذا السبيل، فهناك عقوبات قاصمة وشديدة للمحتالين. المحتال أسوأ حالاً من مرتكب المعصية بغير حيلة : قد تستغربون أن المحتال أسوأ حالاً وعاقبةً من مرتكب المعصية بغير حيلة، أنت على مستوى بسيط إذا كنت تملك بضاعة تنتقل من بلد إلى بلد، فإذا صرحت عنها فلك شأن، لكن إذا قلت: ليس معي شيء. فلما فتشوا الأغراض وجدوا في ثنيات هذه المحفظة مبلغاً من النقود فالجرم عندئذ يتضاعف، وقانون الجمارك إذا أنت صرحت أخف بكثير مما لو ضبط هذا الشيء من دون أن تصرح، ومعنى هذا أنك تحتال عليهم، لذلك المحتالون أسوأ حالاً من مرتكبي المعاصي من غير حيلة، لأن المرتكب معصية من غير حيلة ترجى توبته، فهو أولاً شاعر بذنبه، ونادم على فعله، ويرجو التوبة من الله، حاله النفسي أفضل بكثير من حال شخص يقول: لم أفعل شيئاً، وأنا أسير ضمن الشرع، لكنه في الحقيقة مرتكب لمعصية كبيرة بحيلة يتوهم أنها شرعية، وليس مستعداً أن يتوب، فحال العاصي من دون حيلة أفضل بكثير من حال مرتكب المعصية بحيلة شرعية، أما الدليل ففي قصة أصحاب الجنة، هذه القصة التي وردت في سورة القلم، هؤلاء احتالوا على الفقراء وأرادوا أن يقطفوا ثمارهم ليلاً ليمنعوا الفقراء من حقهم، فربنا عز وجل ابتلاهم بتدمير كل محصولهم قال تعالى: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾ [ سورة القلم: 19] ![]() هذه القصة تفيد أن مرتكب المعصية بحيلة أشد إثماً وأسرع عقوبة من مرتكبيها من دون حيلة. اليهود قصتهم شهيرة فقد حرم عليهم الصيد يوم السبت، فاحتالوا بعمل أحواض على الشاطئ ففي يوم الجمعة تأتي الأسماك لهذه الأحواض ويوم السبت يغلقون هذه الأحواض ويوم الأحد أو الاثنين يصطادون السمك، فهم لم يصطادوا يوم السبت. إن السمك دخل الأحواض يوم الجمعة ثم قفلوا الأحواض ويوم الأحد أو الاثنين اصطادوا السمك فربنا عز وجل قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 65-66] قال بعض العلماء: اليهود أكلوا الربا، وأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وأكل المال الباطل أشد إثماً من أن يصطاد الإنسان ما أباحه الله أن يصطاده كل يوم ما عدا يوم السبت، ومع ذلك لأنهم ارتكبوا هذه المعصية عن طريق الاحتيال كان العقاب أسرع وأشد ومسخهم الله قردة خاسئين. ملخص الكلام أن حال مرتكب المعصية من دون حيلة أفضل من حال مرتكبها بحيلة، وحال مرتكب المعصية بحيلة أشد عقاباً وأسرع انتقاماً من الله عز وجل ممن يرتكبها من دون حيلة فهذا، الدرس أعتقد كأنه يكفي لاستئصال ما يتوهم بعض الناس أنه يمكن أن يفعل المعاصي بحيلة يسمونها شرعية. سوء حال المحتالين : النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عن سوء حال المحتالين فقال: ((لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ يَعْنِي الْفَقِيرَ لِحَاجَةٍ، فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) [ البخاري عن أبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيُّ] يقولون: هذه بيرة من دون كحول، بيرة هذه حيلة، خمر باسم آخر، نوعوا الأسماء وأضافوا إضافات، على كلٍّ حينما يضيع الإسلام في هذه الحيل صار السلوك سلوكاً فاسداً، المظهر إسلامي والمخبر فيه معاصٍ، لذلك هؤلاء يدعون الله فلا يستجيب لهم، يا رب يا رب. "يقول العبد: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له." هذا التلفاز خيال وليس حقيقة، والمرأة التي ترقص خيالٌ، والتحريم يتناول المرأة الحقيقية، وهذا الغناء صدى وليس صوتاً حقيقياً منقولاً عبر الأمواج الصوتية، والغناء صدى والصور خيال هكذا يدعون، وكل معصية لها تعليل ولها تبرير ولها تفسير، ترى المسلم نموذجه نموذج إنسان عادي، ومثله مثل أيّ إنسان يرتكب كل المخالفات ضمن حيل شرعية، أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون وفيت هذا الدرس حقه، وأن أكون وضحت أن الحيلة معناها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "خداع لله واستهزاء بآيات الله وتلاعب بحدود الله"، إلا الحيلة التي تبتغي منها إحقاق حق وإبطال باطل، أو نجاة من ظلم محقق فهذه ليست حيلة بل هي واجبة ومستحبة، أما أن تبطل حقاً وأن تحق باطلاً، أو أن تتهرب من واجب ديني، أو فريضة، أو أن تقع فيما نهى الله عنه بأساليب خادعة فأساسها مرفوض، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ...)) [ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ] أحياناً الإنسان يطلق زوجته بلا مؤخر عن طريق الخُلع يضايقها ويضايقها حتى تفتدي نفسها منه بلا شيء، هذا طلاق وقد أكل متأخرها لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا)) [ ابن ماجه عَنْ صُهَيْبُ الْخَيْرِ] فأنت إذاً راقب نفسك، المدار هو نفسك، والمدار هو ما تنطوي عليه نفسك، الأمور بمقاصدها والعبرة في العقود، ليس للألفاظ والمباني ولكن للمقاصد والمعاني. هذه كلها حقائق، العبرة فيما أضمرت لا بما أظهرت، فكل هذا الدرس يحوم حول أن الحيل الذي اعتادها الناس ليتهربوا من تكاليف الشرع، أو من واجبات الشرع، أو ليقعوا فيما حرم الله عز وجل هي في أساسها خداع لله، واستهزاء بآياته، وتلاعب بحدود الله تعالى. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( الخامس ) الموضوع :القرض الحسن - 1 - البديل الشرعى للربا الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القرض الحسن : أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في موضوع الربا، ولكن الحديث اليوم عن البديل الإسلامي للربا. إنه القرض الحسن، فماذا ورد عن القرض الحسن في القرآن والسنة وفي تاريخ الصحابة الكرام؟ وما هي الأحكام التفصيلية المتعلقة بالقرض الحسن؟ ![]() أيها الأخوة الأكارم، أسعى جهدي لأنتقل من موضوعات الفقه إلى ما نحن في أمس الحاجة إليه، موضوع القرض، ما من نشاط مالي بين المؤمنين أكثر أهمية من موضوع القرض، ما دام الإسلام قد حرم الربا لكن واقع الحياة الاجتماعية أن الإنسان أحياناً يحتاج إلى مال، فظروف الحياة صعبة، والدخول متفاوتة، والحاجات الطارئة كثيرة، وقد يكون الإنسان ذا عضلات مفتولة و لديه قدرة كبيرة على العمل لكنه يفتقر إلى المال، و هذا شيء طبيعي جداً، لذلك ما دام الربا محرماً، وما من معصية توعد الله مرتكبها حرباً من الله ورسوله كمعصية الربا، ما هو البديل الإسلامي لمثل هذه الحاجة الأساسية في المجتمع؟ ما البديل؟ البديل هو القرض الحسن، لذلك شرع الإسلام الاستقراض للإنفاق وللاستثمار، عملية جراحية طارئة، استقرض الإنسان ليشتري آلة يعمل عليها فيقتات من دخلها ثم يعيد القرض إلى صاحبه. شرع الإسلام الاستقراض لعلة الإنفاق ولعلة الاستثمار، لكن المقترض أحياناً يماطل ويتهرب ويتعب الدائن، لذلك فالمقترض الذي لا يدفع ويماطل ويُتعب يسد على غيره باب العمل الصالح، و لذلك شدد الإسلام على المقترض لدرجة أنه لو جاهد مع رسول الله ووضع روحه على كفه وقتل في المعركة فعليه الصلاة والسلام كان لا يصلي عليه إذا كان عليه دين، و كما أن الإسلام حثّ على أن تقرض الآخرين، حثّ المقترض على أداء الدين بالكمال والتمام والإحسان. تعريف القرض عند الفقهاء : هذا ملخص الدرس أما تفاصيله فهي على النحو التالي: تعريف القرض عند الفقهاء: تمليك الشيء على أن ترد بدله، المال شيء وسمي القرض قرضاً لأن كلمة قَرَض تعني: قطع، لأنك تقتطع من مالك مالاً تقدمه لأخيك. لكن القضية أن أساس القرض إيمان المؤمن بأنه لا يضيع له عند الله أجر العمل الصالح، وأساس القرض هو الإحسان، حينما تؤمن أنك جئت إلى الدنيا من أجل أن تكون محسناً فهذه العقيدة تنسجم مع القرض. أما إذا رأيت أن الدنيا هي كل شيء، وأن المال هو كل شيء، وأن المال هو مادة الشهوات، لذلك فالقرض لا يتناسب مع هذه العقيدة. انسجام القرض الحسن مع عقيدة الإيمان : الإسلام كلّ لا يتجزأ، لا يمكن أن تقنع إنساناً مادياً بالقرض، يقول لك: أنا لست بساذج، لكن المؤمن يبادر إليه عن طيب نفس منه، و حينما ترى أن بعض التكاليف يرفضها أهل الدنيا لا لأنها ليست منطقيةً، ولكن لأنها لا تنسجم مع عقيدة أهل الدنيا، لكن القرض الحسن ينسجم مع عقيدة الإيمان، فأنت جئت إلى الدنيا من أجل العمل الصالح و هذا عمل صالح. ![]() شخص مثلاً غادر إلى بلد أجنبي للسياحة فليس له شغل في المكتبات، و لا يذهب إليها، أما الذي ذهب إلى هذا البلد لطلب العلم فكل علاقته بالمكتبات يكاد يقيم فيها، إنسان سائح يحتاج إلى متنزه، وإلى فندق، إلى مطعم، إلى منظر جميل، إلى مركبة يستأجرها، إلى ملهى، إلى متحف، هذا منطق السياح، أما أن يدخل إلى مكتبة يقبع بها اثنتي عشرة ساعة، فهذا من شأن الطلاب لا من شأن السياح، فإذا كلفت سائحاً أن يدخل إلى هذه المكتبة ليمضي بها عشر ساعات يقول لك: أنا لست مجنوناً، طبعاً هذا التكليف يتناقض مع هذا العمل، لكن لو كلفت طالباً على مشارف الامتحان وسينال أعلى شهادة -الدكتوراه- وسيعود إلى بلده مزهواً بها متنعماً بهذه المرتبة العلمية، فهذا الإنسان الذي على مشارف الامتحان لا يقبل أن يذهب معك إلى نزهة مهما أغريته، هذا له منطق وذاك له منطق، فشيء طبيعي جداً أنّ الإنسان المادي الذي يرى الدنيا هي كل شيء، وهي محط الرحال، ونهاية الآمال، وأن المال عصب الحياة، طبيعي أن تكون هذه المنطلقات لا تنسجم مع القرض الحسن، إن الشخص الاقتصادي يقول لك: التضخم النقدي السنوي بالمئة سبعة عشر، و سأخسر إن أنا أقرضت هذه المئة، بمعنى أني سوف أستردها آخر السنة ثلاثَة و ثمانين ألفاً فأنا لست مجنوناً، هذا إذا ردها لي و كان المدين صادقاً بوعده. يروون نكتة: "دَيّنتَهُ فرفش، تركته طَنّشْ، طالبته خَرمش". أهل الدنيا يقولون كلمات وعبارات وتعليقات مفادها أن الذي يقرض الناس إنسان مجنون، ولا سيما في أيام التضخم النقدي، وإذا كان لابد أقرض بالعملة الصعبة. أعرف رجلاً استقرض ثمانية عشر ألفاً بالعملة الصعبة ليشتري بيتاً، فاضطر أن يبيع البيت كله ليرد هذا القرض، فهذا القرض قرضه قرضاً، فهذه المقدمة مفادها: لا يمكن أن تطالب إنساناً مادياً قيمه مادية يعيش حول ذاته و الدنيا عنده هي كل شيء أن تعرض عليه القرض الحسن. شيء طبيعي جداً أن الإنسان المؤمن يعلم علم اليقين أنه هنا في الأرض من أجل العمل الصالح، والقرض الحسن من أفضل الأعمال الصالحة كما سوف ترون، والقرض الحسن هو بديل الربا أي القرض الربوي، قد تجدون في كتب الفقه وكتب التاريخ والسيرة كلمة أسلف بمعنى أقرض، أسلفه: أقرضه، كلاهما بمعنى واحد. شرعية القرض الحسن في الدين الحنيف : الآن هل القرض مشروع في هذا الدين الحنيف؟ طبعاً القرض له سند شرعي. ((حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ)) [النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] قد يسأل أحدكم هذا السؤال: أيعقل أن يُحيج الله نبيه إلى أن يقترض؟ طبعاً لأنه مشرع، لابد من أن يقرض، وأن يقترض، وأن يهب، و أن يقبل الهبة، وأن يرهن أحياناً، ولابد من أن يكون مثلاً أعلى، ولا بد من أن يكون هذا الشرع العظيم في حياته اليومية، لأنه قدوة، وكل شيء نظري ليس له قيمة. (( اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ)) [النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] يجب أن تشكر من أقرضك، قل له: وفقك الله لأنك أكرمتني، كنت في ضائقة شديدة و أفرجتني، و الله سبحانه قال: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ شجعه على العمل الصالح، اجعل المحسن يزداد إحساناً، لكن أسمع كل قصة من مقترضين أساؤوا إلى من أقرضهم بالكلام القاسي، وبالإهمال، وأحياناً بالقسوة البالغة، هؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [ سورة الماعون: 7 ] (( ... إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ)) [النسائي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ] عليك أن تشكره بعبارات لطيفة جداً وأن تؤدي ما عليك له. من نوى نية صادقة بأداء الدين استحق العون من الله : الآن أصحاب النبي عليهم رضوان الله كانوا يقرضون و يستقرضون في حياته وبعد انتقاله إلى رحمة الله. ![]() في عهد النبي عليه الصلاة والسلام يبدو أن صاحبين من أصحابه أقرض أحدهما الآخر، ويبدو أنهما اختلفا على أداء هذا القرض، وسمع النبي صوتهما فكشف ستر حجرته ونادى كعب بن مالك: ((حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ الشَّطْرَ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ )) [متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ] ما هذه القوة التي يملكها النبي عليه الصلاة والسلام؟ إشارة لم يكلف نفسه أن يقول كلمة واحدة، أشار إليه أن ضع الشطر من دَينِك. في عهد النبي كان أصحابه الكرام يستقرضون ويقرضون. (( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَدَّانُ فَقِيلَ لَهَا مَا لَكِ وَلِلدَّيْنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي أَدَاءِ دَيْنِهِ إِلا كَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنٌ فَأَنَا أَلْتَمِسُ ذَلِكَ الْعَوْنَ )) [أحمد عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ] احفظوا هذا الحديث، يكفي أن تنطوي على نية صادقة في أداء هذا الدين عندئذ تستحق العون من الله عز وجل. النبي الكريم و صحابته استقرضوا و أقرضوا : سيدنا عمر بن الخطاب عملاق الإسلام، الإمام العادل، الورع، الشديد في أمر الله عز وجل، أرسل إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمئة درهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أتستسلفني وعندك بيت المال ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري، وتقول أنت وأصحابك: اتركوا هذا لأمير المؤمنين حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة ولكن أستلفها منك لأني أعلم أنك سوف تطالبني إذا مت فتستوفيها من ورثتي. هذا ورع ما بعده ورع، بيت المال بين يديه، ولا يقول: سآخذ هذا المبلغ و أعيده، بل قال: أخاف أن يصيبني قدري وتقول أنت وأصحابك اتركوا هذا لأمير المؤمنين. إذاً فالنبي عليه الصلاة والسلام استقرض وصحابته في حياته استقرضوا وبعد مماته استقرضوا. التوفيق بين مشروعية الدين واستعاذة النبي من غلبة الدين: لكن الحقيقة أن الإنسان أحياناً يقع في حيرة و أحاديث كثير يستعيذ النبي عليه الصلاة والسلام من خلالها من الدين: (( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ، قَال:َ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلا أُعَلِّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي)) [أبو داود عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] وفي حديث آخر في صحيح البخاري: (( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) [البخاري عن عائشة] فكيف يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الدين ويراه مع الإثم؟ وكيف يقول: من غلبة الدين وقهر الرجال؟ وكيف أن النبي استقرض وأصحابه استقرضوا وأقرضوا؟ كيف نوفق بين مشروعية الدين واستعاذة النبي عليه الصلاة والسلام من غلبة الدين وقهر الرجال؟ (( ... فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) [البخاري عن عائشة] غرم: أي أصبح تحت عبء الدين. ربما يدفع الدين صاحبه إلى أن يكذب، ويخلف وعده، هذه سلبيات الدين، و لذلك فالعلماء قالوا: النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الدين، لأن الدين أحياناً يجر إلى صفات المنافقين. (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هذه مشكلة الدين، ربما ساق صاحبه إلى أن يكذب، وإلى أن يخلف الوعد، لكن كأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد بهذا الدين الذي استعان به أن بعض الناس يستدين لسبب تافه، وأحياناً ترى العلة غير مقبولة لشيء ثانوي، ولشيء يعد من الكماليات غير ضروري، وهذا الذي يستلف أو يستدين لسبب وجيه أو غير وجيه هذا يقع تحت عبء الدين، ترى شخصاً ينفق إنفاقاً غير معقول، كله دين، ويصبح عليه هذا المبلغ عبئاً كبيراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من غوائل الدين أي السلبيات؛ الهمُّ بالليل والذلُّ بالنهار، أن يحملك الدين على أن تكذب، أن يحملك الديْن على أن تخلف وعدك، أكثر المدينين يقول لك: أعدك يوم الخميس، و ليس في نيته ولا بعد شهر أن يعطيك فصار يكذب، تقول ابنته: قال بابا: إنه ليس هنا، كذب وكان وقحاً في كذبه، فهذا الدين لأسباب غير وجيهة ربما حمل صاحبه على الكذب، و على الإفلاس. الدَّين يجلب الخوف: و: (( حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدَّيْنُ )) [أحمد عن شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ] ![]() إن كنت غير مدين فأنت ملك، احتجْ إلى الرجل تكن أسيره، أي تتحاشى أن تسلم عليه، وتتحاشى أن تمر بشارع فيه دكانه، كنتَ طليقاً ومطمئناً ورافع الرأس، لكن ليس عندك هذه الحاجة الكمالية، عندما اشتريتها حللت مشكلة داخلية، و وقعت في انهيار خارجي، كنتَ رافع الرأس أصبحتَ مطأطئ الرأس، كنتَ تسلم على هذا الدائن الآن تتهرب منه، كنت آمناً فأصبحت خائفاً، النبي عليه الصلاة و السلام يقول: (( حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لا تُخِيفُوا أَنْفُسَكُمْ بَعْدَ أَمْنِهَا قَالُوا: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الدَّيْنُ )) [أحمد عن شُعَيْبُ بْنُ زُرْعَةَ الْمَعَافِرِيُّ] بعض العلماء شرح هذا الحديث فقال: لا تخيفوا أنفسكم بالديْن بعد أمنها من الغرماء لأن الديْن يجلب الخوف لشغل القلب به، و قضائه، و التذلل للغريم عند لقائه، و تحمل منته لتأخير أدائه، و ربما يعد بالوفاء فيخلف، و يحدث الغريم بسببه فيكذب، أو يحلف فيحنث، أو يموت فيرتهن، هذه كلها من مغبة الدين. صفات حددها الشرع للاستدانة : 1 ـ أن يكون هذا القرض لسبب معقول : أيها الأخوة الأكارم، الديْن ضرورة، و ما منا واحد إلا و اضطر أن يستقرض لكن الشرع حدد صفاتٍ إذا توافرت لك أن تستدين: أول شيء: أن يكون هذا القرض لسبب معقول، دخلك محدود لا سمح الله و لا قدر، وطفلك الصغير يحتاج إلى عملية جراحية هل تقول: أنا لا أذلّ نفسي لأحد و لا أخيف نفسي بعد أمنها و لا أستقرض؟ والله هذا لا يجوز، و الله يجب عليك أن تستقرض لإنقاذ هذا الطفل، وهناك عاهات إن لم تُجرَ لها عملية في سن معينة أصبحت عاهات دائمة، فهذا الابن الذي يعلم أن أباه كان من الممكن أن يعالج هذه العاهة و حينما أخرها أصبحت عاهة دائمة ألا يحقد على أبيه؟ إذا كان هناك سبب معقول، سبب وجيه، قضية معالجة، قضية عملية جراحية، قضية شراء دواء لا بد منه، فهذا أحد أسباب الديْن المشروعة، و هو سبب معقول و مشروع للاستدانة. 2 ـ نية الأداء : الشرط الثاني: نية الأداء، أي لو حللنا دم المؤمن المستقرض سنجد فيه كرية حمراء وكرية بيضاء و كرية أداء، لم يخطر في باله أبداً ألا يعطي، استقرض ليعطي، هذا مؤمن ورب الكعبة، أساساً مثل هؤلاء المؤمنين يشجعون على أن تقرض الناس. 3 ـ إمكانية وفاء الدين في المستقبل : الشيء الثالث: و هذه ناحية خطيرة و هي إمكانية وفاء الدين في المستقبل. سألني أحد أخواننا الحجاج فقال: هل يمكنني أن أستدين؟ توجيه النبي لا، لكن عنده بضاعة بمئات الألوف و بأي لحظة يستطيع أن يبيعها، إذاً عندك شيء تغطي به، فأنت حينما تستقرض أعندك ما يغطي هذا القرض؟ أحياناً الإنسان تكون عنده بضاعة فحينما تباع البضاعة تغطي، عنده أرض، الأرض تغطي، عنده حلي، الحلي تغطي، عنده ديون على الآخرين، الديون حينما يقبضها تغطي، لكنّ إنساناً يستقرض مبلغاً ضخماً و ليس عنده شيء يغطيه فهذا أيضاً لا يجوز، إذاً صار أول شيء أن تستقرض، أو أن تستدين، أو أن تستلف، تستقرض، تستدين، تستلف، كلها بمعنى واحد، كل هذه الكلمات بمعنى واحد، لسبب معقول و مشروع وأساسي و خطير و مصيري يجب أن تستقرض. ![]() الشيء الثاني: نية الأداء الصادقة. الشيء الثالث: إمكانية وفاء الدين في المستقبل. أي وجود ما يغطّي الدين. الأدلة: (( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْتَ هَذَا الدَّيْنَ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ وَلَكِنْ أَتَى عَلَى يَدَيَّ إِمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ الْيَوْمَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ)) [أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ] أعرف رجلاً أصلحه الله و عافاه استقرض مبلغاً غير معقول، فجأة أنفق على أهله إنفاقاً مذهلاً، الطعام النفيس، الحلويات، الفواكه، النزهات، الثياب الجاهزة، ثم انتحر و مات وترك لورثته مئة ألف ليرة ديناً عليهم، لم يكونوا يريدون هذه النزهات، هناك كثير من الأشخاص يستقرضون للرفاه، و للنزهات، للولائم، للمظاهر، للحفلات، هذا لا يجوز ويحاسب الإنسان على هذا حساباً عسيراً. القرض لأسباب تافهة معصية : بالمناسبة: هل الإسراف محرم؟ نعم محرم، الإسراف في المباحات، التبذير محرم؟ طبعاً محرم في المعاصي، علماء الفقه قالوا: إذا أسرفت أو بذرت من مال دين كان الإثم مضاعفاً، استقرضت للإسراف، استقرضت للتبذير، إثم الإسراف و التبذير يضاعف لأن هناك معصية، الإسراف مع معصية، القرض لسبب تافه، معصيتان، معنى ذلك القرض لأسباب تافهة معصية، و قد ذكر البخاري في صحيحه: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] دقة الحديث أي حسب السياق المنطقي: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، و من أخذها يريد إتلافها أتلفها الله؟ لا، أتلفه و فرق كبير بين أتلفها و بين أتلفه، أحياناً الله عز وجل يدمر هذا الإنسان، كل إنسان يأكل أموال الناس - و المال كما تعلمون شقيق الروح- يأخذ المال و لا ينوي أداءه يتلفه الله عز وجل. توعد الله من أخذ أموال الناس يريد إتلافها بالعذاب الأليم : علماء الحديث قالوا: الإتلاف يقع في الدنيا غماً في معاشه أو في نفسه، حدثني أخ أن هناك شريكين، أحد الشريكين أخذ أموال الشركة اغتصاباً و عقد صفقة بمفرده ربح بها أربعة ملايين ليرة، و غادر البلد، و أوقع شريكه بدين لا يحتمل، و إفلاس، و في حرج شديد، قال لي: بعد أربع سنوات فوجئت به يمد يده للناس، إنه الأول الذي عقد تلك الصفقة ظلماً و عدواناً. إذاً إتلاف المال أو إتلاف النفس عذاب الدنيا وعذاب الآخرة: (( قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مَنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، قَالَ: سَمِعْتُ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ يُحَدِّثُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَصْدَقَ امْرَأَةً صَدَاقًا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهَا فَغَرَّهَا بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ فَرْجَهَا بِالْبَاطِلِ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ زَانٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ ادَّانَ مِنْ رَجُلٍ دَيْنًا وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَيْهِ فَغَرَّهُ بِاللَّهِ وَاسْتَحَلَّ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ سَارِقٌ )) [أحمد عَنْ صُهَيْبَ بْنَ سِنَانٍ ] (( سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) [متفق عليه عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] على الإنسان ألا يشتري شيئاً لا يملك ثمنه : بقي علينا إمكانية وفاء الدين، فأول شرط: لسبب معقول وخطير وأساسي ومصيري، الشرط الثاني تنوي وفاء الدين، إمكانية وفاء الدين، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ![]() (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَلِيقٍ النَّصْرَانِيِّ لِيَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَثْوَابٍ إِلَى الْمَيْسَرَةِ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَثْوَابٍ إِلَى الْمَيْسَرَةِ فَقَالَ: وَمَا الْمَيْسَرَةُ وَمَتَى الْمَيْسَرَةُ وَاللَّهِ مَا لِمُحَمَّدٍ سَائِقَةٌ وَلا رَاعِيَةٌ فَرَجَعْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَا خَيْرُ مَنْ يُبَايَعُ لأَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ ثَوْبًا مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمَانَتِهِ أَوْ فِي أَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] أي لا تشترِ شيئاً لا تملك ثمنه، أخذت أموال الناس من أجل حاجة ليست أساسية: (( ...لأَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ ثَوْبًا مِنْ رِقَاعٍ شَتَّى خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ بِأَمَانَتِهِ أَوْ فِي أَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] وفي بعض الأحاديث التي تروى عن رسول الله، لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه. القرض جائزٌ في كل ما يحل تملكه : بقي علينا موضوع القرض، يا ترى القرض مال فقط؟ العلماء قالوا: مجرى القرض أو نطاق القرض واسع جداً، فهو يجري في النقود و في المكيلات و الموزونات حتى والحيوانات، أحياناً فنجان قهوة يستقرض بين الجيران، كأس شاي طبعاً الشاي يعني أوراق الشاي، كأس من السكر هذه مكيلات، أي شيء ممكن أن تستقرضوه: مكيلات أو موزونات، القرض جائز كما قال الفقهاء في كل ما يحل تملكه أو تمليكه بهبة أو غيرها فهو ممكن، ربطة من الخبز ممكن، وعاء من اللبن تستقرضونه، يأتي الحلاب لعندك يوم الاثنين و لكن أردت اللبن يوم الأحد و عند جارك وعاء زائد، حدثني أخ من أخواننا أنه أوصى بائع اللبن على وعاء من اللبن و كان الحليب قليلاً قليلاً، و دفع ثمن الوعاء، و يوم يريد استلامه وجد وعاءين أحدهما ذا قشدة ثخينة صفراء، و الآخر قشدة رقيقة مستوية مع قليل من المصل، و قد كتب اسمه على الثاني، وكل واحد دافع ثمن وعاء اللبن، و اسمه مكتوب على الوعاء الذي له، قال له: هذا وعاؤك، فقال له: أعطني ذاك، قال: إنه ليس لك، قال: بدّل الورقة ما الذي يحصل؟ فخجل منه و بدل الورقة، فقال: أخذت هذا الوعاء ووضعته بسيارتي و سيارتي جديدة، و في طريقي إلى البيت يتقاطع طريقان، ظهر رجل طائش فضرب المكبح بسرعة فقلب الوعاء على الموكيت -فرش السيارة-، قال: لمدة شهرين و أنا أشعر برائحة اللبن في السيارة، فأحياناً الإنسان يطمع بشيء ليس له، فما هو لك هو لك، وما ليس لك فهو ليس لك. حدثني شخص تاجر أقمشة محله من أكبر المحلات في دمشق، جاءه أحد زبائنه من المحافظات الشمالية، و عقد معه صفقة بخمسين ألفاً، عندما كان البيت سعره عشرة آلاف، رأى صفة قماش على الحائط قال له: أريد هذه، فقال له: مباعة، فقال له: أريدها، فقال له: إذا لم تعطني إياها ألغي الصفقة بالكامل، طبعاً بتجبُّر، تشاور مع صانعه وقال له الصانع: إننا بعناها، فقال له: تفضل وخذها، يقسم ذاك الشخص أن البضاعة كسدت و بقيت عنده حوالي عشرين سنة و لم تبع، ثم قال: بعد ذلك قصصتها أمتاراً مربعة و صرت أصر بها الأقمشة. الإنسان يجب أن يعلم أن الله عز وجل هو الجبار، قال لك: بيعت، إذاّ قل له: لا أريدها. القرض جائزٌ في كل ما يحل تملكه. الأداء الحسن بالقرض الحسن: النبي عليه الصلاة والسلام استقرض المكيلات والموزونات والحيوان لأنه مشرع، فاستلف النبي من رجل من الأنصار أربعين صاعاً، فاحتاج الأنصاري هذه الأصوعة فأتى النبي عليه الصلاة والسلام فأعطاه فضلاً عما أخذ منه، وقد علمنا النبي بهذا الأداء الحسن أن نحسن نحن الأداء كذلك. أكرمك بالقرض فأنت أكرمته وزيادة، طبعاً هذه غير مشروطة، اسمها الأداء الحسن، ومرة اضطّر أن يشتري جملاً بتمر، و التمر غير موجود عنده، قال لأحد أصحابه: اذهب لخولة بنت الحكيم بن أمية فقل لها: إن كان عندك وسق من تمر فأسلفينا حتى نؤده إليك إن شاء الله، فذهب إليها الرجل ثم رجع بالخبر، قالت: نعم هو عندي يا رسول الله فابعث مـن يقبضه، فقال عليه الصلاة والسلام: اذهب به فأوفه الذي له، فذهب به فأوفاه الذي له، الأعرابي رجع و مرّ برسول الله عليه الصلاة والسلام وهو جالس بين أصحابه فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: جزاك الله خيراً فقد أوفيت و أطبت، فقال عليه الصلاة والسلام: أولئك خير عباد الله عند الله، الموفون المطيبون. ![]() ((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: ابْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الأَعْرَابِ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ الْعَجْوَةُ فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِهِ وَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّا قَدِ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا أَوْ جَزَائِرَ بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ، قَالَ: فَقَالَ: الأعْرَابِيُّ وَا غَدْرَاهُ، قَالَتْ: فَنَهَمَهُ النَّاسُ وَقَالُوا قَاتَلَكَ اللَّهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ عَادَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّه إِنَّا ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزَائِرَكَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِنْدَنَا مَا سَمَّيْنَا لَكَ فَالْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَجِدْهُ، فَقَال:َ الأَعْرَابِيُّ وَا غَدْرَاهُ فَنَهَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا فَلَمَّا رَآهُ لا يَفْقَهُ عَنْهُ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ فَقُلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكِ إِنْ كَانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ فَأَسْلِفِينَاهُ حَتَّى نُؤَدِّيَهُ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لِلرَّجُلِ اذْهَبْ بِهِ فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ، قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ قَالَتْ: فَمَرَّ الأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ )) [أحمد عَنْ عَائِشَةَ] النبي استلف تمراً و استلف أصوعة من القمح و الشعير و استلف بكر البكر ناقة فتية: (( عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلا خِيَارًا رَبَاعِيًا فَقَالَ: أَعْطِهِ إِيَّاهُ إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً )) [مسلم عَنْ أَبِي رَافِعٍ] رباعياً: ناقة كبيرة عمرها ست سنوات. أخذ بكرة عمرها سنة أعطاه ناقة عمرها ست سنوات، فالنبي علمنا بالقرض الحسن أن يكون هناك أداء حسن و كلام حسن و وعد صادق و مودة و شكر و حمد. الأدلة العامة و التفصيلية للترغيب في الإقراض : و بعد بقي علينا في درس اليوم موضوع أن النبي عليه الصلاة و السلام رغّب في الإقراض، القرآن الكريم و النبي الكريم رغّبا في الإقراض بأدلة عامة و بأدلة تفصيلية، فمن الأدلة العامة قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الحج: 77] والقرض الحسن من أهم أفعال الخير وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكـَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ )) [مسلم عن أبي هريرة] هذه أدلة عامة رغّب بها النبي عليه الصلاة والسلام في الإقراض بخاصة: (( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ السَّلَفَ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصَّدَقَةِ قَالَ نَعَمْ فَهُوَ كَذَاكَ قَالَ فَخُذِ الآنَ)) [أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ] قد تدفع ألف ليرة صدقة و إذا أقرضت ألف ليرة كأنك تصدقت بخمسمئة هذا أول حديث. لكن هناك حديثاً دقيقاً جداً: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ )) [ أحمد عن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] أقرضته ألف ليرة قال لك: لا أملك، بعد يومين، كل يوم لك أجر مثليْ هذا القرض، جزاء التأخير بالمناقصات له معنى ثانٍ، والتأخير عند الله عز وجل يضاعف لك الأجر عن كل يوم. ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ قَالَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيـْهِ صَدَقَةٌ قُلْتُ سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ قَالَ: لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ )) [أحمد عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] هناك حديث بالنصف وحديث بالمثل وحديث بالمثلين. أي ضمن المدة المكتوبة بالسند لك مقابل الدين بالمثل، بعد المدة المطلوبة صار لك مثلان، أرأيتم إلى هذا الشرع العظيم؟ أنت لست خاسراً، إذا أخوك المؤمن أقرضته ورأيته معسراً وما بيع معه البيت و كذلك البضاعة لم تبع، و هو موعود بدفعة لم يأخذها، يأتيك ولا يبقى ساكتاً ويقول لك: لا أملك مالاً ويعرض لك العذر ويرجوك أن تنتظره. أول حديث –شطر- نصف الدين صدقة، والحديث الثاني مثل الدين صدقة، والثالث مِثّلا الدين صدقة. المثل ضمن الأجل الموعود، والمثلان بعد الأجل الموعود، أما الشطر فكيف نوفق بين الشطر وبين المثل وكلها أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال العلماء هذا بحسب النية، انحرجت صار عليك ضغط ممن حولك، أنك يجب أن تقرضه، و أنت لست مرتاحاً و أقرضته، لك الشطر، أما إن أقرضته بمبادرة منك فلك المثل، انتظرت عليه بعدما كان معسراً فلك المثلان. هذا كلام النبي ولا تنسوا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: "ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى". معنى ذلك أقرضت بأسوأ احتمالات الإقراض فَلَكَ نصف القرض صدقة، بالحالات الطيبة مثل القرض صدقة، إذا أنظرت معسراً فلك ضعف القرض صدقة، فما قولكم؟ تقول لي: فرق عملة، إذا إنسان قال: فرق عملة يذهب هو فرق عملة. ((رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ: مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَال:َ لأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إِلا مِنْ حَاجَةٍ )) [ابن ماجه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] الحزم سوء الظن : بقي موضوعات: آداب التعامل مع المقترضين، وحسن التقاضي، ووضع الدين، وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع المعسرين؟ والحث والتشديد على أداء الدين، والأمر بأداء الدين، والحث على حسن القضاء، وتحريم المماطلة، هذه كلها موضوعات متعلقة بالدين، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في الدرس القادم والذي بعد القادم أن نعالج موضوع القرض الحسن معالجة وافية، و هو موضوع متعلق بالعمل الصالح. ![]() ما منا واحد عند زواجه، عند سفره، عند تأسيس بعض مشروعاته إلّا و يحتاج إلى قرض، والله عز وجل يحبنا جميعاً إذا تعاملنا، لكن الإنسان يجب ألا يكون ساذجاً، شخص لا يعرفه إطلاقاً فليحذرهُ: " الحزم سوء الظن، احترز من الناس بسوء الظن، سوء الظن عصمة " فممكن أن تجمع بين الطيب والانطلاق إلى عمل صالح، أما أخوك المؤمن الذي تعرفه ملياً معرفة جيدة، وتعرف أمانته، وتعرف عفافه واستقامته وورعه، وأنت معك، وهو في أمس الحاجة إلى هذا القرض فماذا تفعل؟ لا يجوز أن تمتنع. قالوا لملك: إنّ هناك نصّاباً كبيراً، و أنتم تعرفون ما معنى نصّاب، فقال: أَحضِروه لنراه. قال الملك: أنت كيف تنصب؟ قال: سيدي أريد عدة، أين العدة؟ لا أملك ثمنها، أعطوه، فلم يرجع قالوا له: يا سيدي نصب عليك و مضى. أحياناً شخص عنده أساليب، ويعرف كيف يكلمك في مكان يخوفك، وفي محل ما يبكيك، أنت لا تكنْ ساذجاً، شخص لا تعرفه أتلقي له بمالك؟" المؤمن كيس فطن حذر "، لكن شخص تعرفه، وتعرف أمانته، و تعرف ورعه، وتعرف عزته، وأنت معك لا تتردد، اسأل عنه، قال سيدنا عمر، إني لا أعرفك ولا يضرك أني لا أعرفك، و هذا قول لا أنساه: " جاءه رسول من القادسية قال له: يا أمير المؤمنين مات خلق كثير، قال له: من هم؟ قال له: إنك لا تعرفهم، فبكى عمر بكاء شديداً رضي الله عنه وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم " " قال له: إني لا أعرفك، ولا يضرك أني لا أعرفك، ائتني بمن يعرفك، جاءه بواحد قال له: أنا أعرفه، فقال له: هل سافرت معه؟ قال له: لا، قال له: هل جاورته؟ قال له: لا، قال له: هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا، قال: فأنت لا تعرفه " معنى ذلك أن الإنسان لا تعرفه حتى تسافر معه، أو تتعامل معه بقرض، أو بتجارة، أو بشراكة، عندئذ تعرفه، فالإنسان إذا طلب منه أحدٌ مبلغاً و هو لا يعرفه فليفعل كما فعل سيدنا عمر يقول: ائتني بمن يعرفك، نريد كفيلاً، قال لك: فلان عندي والثاني رجل عظيم، إذا قصر فخذ مني. الإنسان لا يتورط ولا يكون ساذجاً، لكن إذا كانت حاجة وضرورة وإيمان وصدق ويسر لا تتردد. أفضل قرض هو الذي يجعل المستقرض يقرض في المستقبل : القرض قد يحل آلاف المشكلات، وينتشل إنساناً معسراً، وأفضل قرض هو القرض الذي يجعل المستقرض يقرض في المستقبل، أفضل زكاة تدفعها لمن ينقلب من قابض إلى دافع زكاة. وأفضل قرض تدفعه لمن ينقلب من مقترض إلى مقرض، أقرضته وأخذت له آلة صوف اشتغل فيها، وفتح بيتاً، وأطعم أولاده، وردّ القرض، وقال لك: إذا كان عندك من يحتاج قرضاً فأنا جاهز، هذا أعظم قرض فقد حولته إلى منتج، هذا القرض الحسن، و هو باب كبير من أبواب العمل الصالح، وله إن شاء الله تفصيلات كبيرة جداً، وأنا أتوقع أن ينتهي خلال درسين قادمين، وهذا القرض الحسن بديل الربا، ولا تعبؤوا بكلام الناس إذ يقولون: موضوع العملة، و فرق أسعار العملة، والتضخم النقدي، هذا عند الله ليس له حساب إطلاقاً، الله عز وجل إذا أعطى أدهش، خسرت بالمئة ثلاثين نتيجة التضخم النقدي، بسنتين يعطيك الله بالمئة مئة من طرف ثانٍ وأنت تعامل الله عز وجل، و أنا لا أريد للمؤمن أن يصبح عقله مادياً، و له عقلية مدراء المصارف. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السادس ) الموضوع :القرض الحسن - 2 - اداب التعامل مع القرض الحسن الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تلخيص لما سبق : أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في موضوع الربا وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن البديل الشرعي للربا ألا وهو القرض الحسن، وقد بينت لكم أن الربا عمل استغلالي بينما القرض الحسن عمل إنساني، وشتان بين العمل الاستغلالي والعمل الإنساني. الربا اتباع لنزوة النفس وحرصها على المال، لكن القرض الحسن اتباع لأمر الله عز وجل، ودعوته للتعاون بين المؤمنين، والآية التي هي أصل في هذا قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] وبينت لكم في الدرس الماضي نقطة دقيقة جداً، وهي أن الأوامر الإلهية لها علاقة بالتصورات، والقيم، والقناعات، فإذا الإنسان يتصور أن الدنيا هي كل شيء، فمثل هذا الإنسان لا ينسجم مع القرض الحسن، و إذا تصورت أن الدنيا هي كل شيء، وأن المال قيمة ثمينة جداً، فشيء طبيعي أن ترفض القرض الحسن، أما إذا تصورت أن الدنيا دار عمل، وأن الآخرة دار جزاء، وأن المال يعد نعمة إذا أنفقته في سبيل الله، أو إذا وظفته في خدمة الخلق، ويعد نقمة إذا استأثرت به. أحكام الفقه متعلقة بالعقيدة. أيها الأخوة الأكارم: من الخطورة بمكان أن نفصل العقيدة عن أحكام الفقه، أحكام الفقه أو الأوامر والنواهي التي وردت في التشريع الإسلامي كلها نابعة من العقيدة، لذلك فهي تؤمن بدور الحياة الدنيا في الإعداد للآخرة، وبقيمة العمل الصالح، وأن الإنسان جاء للدنيا من أجل العمل الصالح، فما لم يكن هناك انسجام بين العقيدة وبين الأحكام الشرعية فإن هذه الأحكام الشرعية تبدو غريبة، وتبدو غير واقعية. النقص بمعرفة الله من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق : أيها الأخوة الأكارم، هناك حديث شريف مرّ بنا في دروس الفجر التي تلقى كل يوم في أيام الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله". ![]() يبدو لنا من هذا الحديث أن الإنسان لمّا يبخل بإنفاق المال، أو لا يهتم بأداء العبادات كما أراد الله عز وجل يغنيه عنها أن يقول: سبحان الله، لا، ليس هذا هو المعنى، لكن المعنى أنك إذا ضننت بالمال، أو ضننت بالوقت، إذا ضننت بالمال أن تنفقه، وبالوقت أن تبذله في طاعة الله وفي عبادة الله، فمعنى ذلك أنك لا تعرف الله، لذلك عد إلى معرفة الله، هناك نقص في المعرفة، والنقص بالمعرفة من لوازمه النقص في العمل والبخل في الإنفاق، هذه قضية دقيقة جداً، كلما نمت عقيدتك كلما قوي إيمانك، وكلما صحت رؤيتك كلما تعمقت تصوراتك، وكلما فهمت فهماً أعمق ارتقى مستوى عملك. فمن ضنّ بالمال أن ينفقه وجد نفسه تنازعه، وجد نفسه لا تستجيب له، لا تحب أن تنفق المال تحب أن تأخذه، تحب أن تكنزه، تحب أن تنفقه على شهواتها، فمن كان كذلك فليعلم علم اليقين أنه لا يعرف الله، لا تعرف ما عنده من إكرام إلا إذا أنفقت، ولا ما عنده من عقاب إلا إذا بخلت به. ضربت مثلاً أن الإنسان أحياناً يقدم هدية لملك كأن يصور الملك صورة زيتية ويقدمها للملك، هل يبخل ببرواز جميل جداً؟ اختر لي أرخص برواز أريد أن أقتصد هل هذا معقول؟ أنت تقدم هدية لملك والملك قد يعطيك مبلغاً كبيراً قد يغنيك إلى آخر حياتك وأنت حينما تضن أن تُغلي البرواز فمعنى ذلك أنك لا تعرف من الملك، لا تعرف ماذا يعني عطاء الملك، ولما الإنسان يضن بالمال فهذا مؤشر قطعي على أنه لا يعرف الله، لا يعرف لمن هو يعطي، لا يعرف أن الله سيكافئه على هذا الإنفاق. ضرورة ربط أحكام الفقه بالعقيدة : عندما نبحث بالفقه بحثاً مستقلاً عن العقيدة، ونبحث بالأحكام الفقهية وحدها دون ربطها بالعقيدة، فقد يكون إنسان إيمانه ضعيفٌ، أو عقيدته غير صحيحة، قناعاته غير متينة، ورؤيته مهزوزة ومضطربة، مثل هذا الإنسان لا يرى أن هذه الأحكام معقولة، معقول أنا أقرض إنساناً مئة ألف لمدة سنة وبدون فائدة هل أنا مجنون؟ طبعاً إذا كان الإنسان لا يعرف الله عز وجل يرى إنفاق المال غباء، أما المؤمن فيرى إنفاق المال مغنماً، وغير المؤمن يراه -على وزن مغنماً- مغرماً، إذا رأيت إنفاق المال مغنماً فأنت مؤمن ورب الكعبة، أما إذا رأيت إنفاق المال مغرماً ففي الإيمان ضعف، وفي العقيدة ضلال. أيها الأخوة الأكارم، أحكام الفقه يجب أن تُربط دائماً بالعقيدة، العقيدة إذا صحت صحّ العمل، فالإنسان لا يضن بوقته لمعرفة الله معرفة صحيحة، كم من انحراف في السلوك، كم من تكالب على الدنيا، كم من وقوع في الإثم و الحرام بسبب الجهل بما عند الله من إكرام إذا أطعته، وما عند الله من عقاب إذا عصيته، لا بدُّ من معرفة الآمر قبل الأمر، عندئذ من السهل جداً أن تقرض قرضاً حسناً، أنا أعرف أحد الأخوة الأكارم المحسنين رصد مبلغاً كبيراً قال: هذا لتفريج كرب المسلمين، قد يحتاج مؤمن إلى مبلغ، فأنا أفرج عن كربه بهذا المبلغ، لذلك أنا أردد هذا كثيراً: حظوظ النفس، المال حظ، والعلم حظ، والذكاء حظ، وطلاقة اللسان حظ، والأولاد والمركبة والزوجة كلها حظوظ، هذه لا تسمى نعماً ولا تسمى نقماً، موقوفة على نوع استخدامها، فإما أن ترقى بها إلى أعلى عليين، وإما أن تهوي بها إلى أسفل سافلين، إما أنها درجات إلى الجنة، وإمّا أنها دركات إلى النار، المال نفسه تنفقه في آلاف الأبواب، آلاف الأبواب مفتحة لإنفاق المال. أخي أتعرفُ العصرونية، ما العصرونية؟ هذا الاسم نسبة لوالي اسمه عصرون باشا، قد أوقف وقفاً، فكل طفل صغير، جارية، خادم، كسرت آنيته و له أب قاسٍ، له رب عمل قاسٍ جداً، يأتي هذا الطفل بقطعة من هذا الإناء فيعطيه صاحب هذا الوقف إناءً جديداً، أي ألغى مشكلة قد تقع في البيوت، ألغى مشكلة قد تقع في هذا المحل، أبواب العمل الصالح لا تعد ولا تحصى. فمن الممكن أن تنشِئَ ميتماً، مجمعاً، ففي دمشق عدة مياتم، طفل لا أب له ولا أم فيجدُ رعايةً وتعليماً وتوجيهاً ومطعماً ومنامة وموجهين، هذا عمل عظيم، دائماً وأبداً أيها الأخوة كل عملٍ صالحٍ سوف تلقى الله به، و الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، إذا نقر في الناقور، و عندما يأتيه ملك الموت و له خمسة أولاد أو ستة يتوزعون، واحد هنا، و آخر يخبر الأقرباء، و ثالث ينعيه للأصدقاء، و رابع إلى حفار القبور، الخ......، وجميع آل الفقيد يساهمون كل في مهمة. لكن الأهم كيف سيلقى الله؟ يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً؟ العمل الصالح ثمنه الجنة : أيها الأخوة الأكارم، أرجو الله عز وجل أن أتمكن من وضع هذه الحقيقة بين أيديكم فيجب أن يكون عندك سؤال أبدي، كيف و بماذا ألقى الله؟ ![]() ربيت أولادك؟ عمل طيب، كنت باراً بوالديك؟ عمل طيب، كنت زوجاً ناجحاً؟ عمل طيب، كنتِ أيتها الأخت زوجة ناجحةً؟ إذا رآك زوجك سر، وإذا أمرك أطعته، وإذا غاب عنك حفظته، الزوجة الصالحة تلقى الله بصلاحها، والزوج الصالح يلقى الله بصلاحه، والأبوة الكاملة عمل صالح يدخل الجنة، والبنوة الكاملة عمل يُدخل الجنة، والحرفة، والمهنة، و ليس من أحد منكم إلاّ له حرفة، واللهِ وأنا أعني ما أقول ولا أحنث بهذا اليمين يمكن أن تصل بحرفتك إلى أعلى عليين وأنت ساكت. المسلمون؛ قدمْ لهم بضاعة جيدة، انصحْهم، ليكن السعر معتدلاً، قدمْ لهم خدمات جيدة، اختر حرفة ليس فيها شائبة، وليس لها مشكلة أبداً، كثير من الألبسة صناعتها و العمل بها الآن حرام، كثير من اللباس يسهم بإيقاظ الفتن في الطرقات، وإبراز مفاتن المرأة، فيقول: أنا ليس لي علاقة و نحن نقل: لك علاقة قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] هذه الآية يجب ألاّ تذهب من أذهاننا، أن أية حرفة وأي عمل يسهم بشكل أو بآخر في خدمة المسلمين و التأثير بحياتهم، والله هناك أخ من إخواننا أنا أكبرته كثيراً، دعي إلى عمـل أرباحه مجزية وكبيرة جداً لكن في ملهى قال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، لا تضع خبرتك وذكاءك في تمديد كهرباء لهذا الملهى، أو في صنع المنجور لهذا الملهى، حيث تقام به المعاصي بمختلف أنواعها. الدِّين نظام كامل : نحن نريد مؤمناً لا يرى الدين صوماً وصلاةً فقط، بل يرى الدين نظاماً كاملاً، يدخل الدين في حرفتك، ويدخل بثيابك، وبمركبتك، وببيعك وشرائك، نظام كامل، أي مفردات الدين مئات الألوف، كل شيء منها متعلق بعلاقتك مع الله، سواء ما كان منها متعلقاً بجسدك، أو متعلقاً بأهلك، وأولادك، و بحرفتك، وتجارتك، وزراعتك، مثلاً أذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ)) [ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ] الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، أكثر الناس يفصل بين الصوم والصلاة وبين احتكار البضاعة، فيجمع البضاعة ويخزنها ويمنع بيعها حتى يرتفع سعر بيعها إلى أضعاف مضاعفة فيسرِّبُها بالتقنين، يقول لك: ضربة معلم، لا، بل هذه ضربة أحمق. ((الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ)) [ابن ماجه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ] أنت ليكن همك رفاه المسلمين، فهل تفرح إذا المسلمون أكلوا بأسعار رخيصة أم يؤلمك هذا؟ إذا الناس أكلوا فاكهة بأسعار رخيصة وأنت كنت ضامناً بستاناً وأرباحك انخفضت للنصف فلا تحزن، افرح للمسلمين فقد أكلوا مشمشاً، كرزاً، أفضل من أن يقف الطفل أمام البائع ويقول لوالده: أريد كرزاً وثمن الكيلو خمسون ليرة، يقول له: امشِ و ينهره، وإذا اشترى الوالد لابنه الفاكهة المحببة وكان سعرها رخيصاً فهل تحزن؟ أنا أقول لكم: الدين ليس صوماً وصلاةً فقط فهو أعمق بكثير، الدين يدخل في صميم الحياة. لي أخ كان في فرنسا قال: سألوا شخصاً في ندوة تلفزيونية، و هو زعيم حزب يساري شيوعي و قد أسلم، سأله المذيع وقال له: ما الذي أعجبك في الإسلام؟ وهل أنت مسلم حقاً؟ فقال هذا المفكر الفرنسي: كم معي من الوقت لأجيبك على هذا السؤال؟ قال له: خمس وأربعون دقيقة، قال له: والله لو بقيت خمسةً وأربعين يوماً أتحدث عن الإسلام لما كفت هذه الأيام في بيان إيجابيات الإسلام، ولكن أقول لك كلمة مختصرة: الدين هو الحياة، و الإسلام دين الحياة. كنت أقول مرة لإخواننا: كم شخصاً يتسع الجامع الأموي؟ هناك تقدير أنه يتسع لخمسين ألفاً و لخمسين ألفاً في الصحن، فالجامع الأموي يسع مئة ألف مصلٍّ، تصوروا أن المئة ألف أغلقت الأبواب عليهم، فصلاتهم باطلة، هذا هو الحكم الفقهي، والإمام صلى صلاة متقنة، و قرأ فيها آيات الله عز وجل، وركع، وسجد، فلأن الباب مغلق فصلاتهم باطلة لماذا؟ هذا دين الله ليس فيه شيء مخبأ، بيوت الله مفتوحة، في الإسلام لا شيء يتكلم بين أربعة جدران، لا شيء في الإسلام تستحي أن تقوله للناس، ليس في الإسلام أسرار، العمل تحت ضوء الشمس، لا يوجد عمل سري في الإسلام أبداً، الإسلام يعمل تحت ضوء النهار لأنَّهُ دين الله عز وجل، لذلك من أحكام الفقه أنّ الجامع إذا أغلق بابـه فالصلاة باطلة، ليس في الإسلام اختيار أشخاص على ما يحبون. الإنسان مسير إما بإلهام ملك و إما بوسوسة شيطان : أيها الأخوة الأكارم، أنا حريص على دروس الفقه كثيراً لكني أشعر أننا إذا ما ربطنا الفقه بالعقيدة فأحكام الفقه لا تبدو محببة للناس، إلا أن ربطها بالعقيدة ضروري، أنا ألح على موضوع القرض لأنه بديل الربا، أنا أسبوعياً أُسأل هل من أخذ من البنك قرضاً بفائدة وهو مضطر لذلك حرام؟ هؤلاء المسلمون كلهم تخلوا عنك؟ أليس فيهم أغنياء؟ يقول لك: فرق العملة، معنى هذا أننا عبدنا المال من دون الله، و رغم فرق العملة لتعملْ عملاً طيباً. هل تعرف أن الله سبحانه وتعالى قادر وأنت في أعلى درجات ذكائك، وأنت الذكاء عينه، والكياسة، والخبرة، وأنت الشاطر، وأنت تنتهز الفرص، وأنت في هذا المستوى أن يخسرك ثلاثة أرباع مالك؟ لأن الله عز وجل عظيم، يُؤتى الحذر من مأمنه. ![]() مرة قال لي أخ أنه أمسك يده وما أنفق المال بل بخل به، و أحب أن يسافر خارج القطر فكر وفكر وفكر...خرج بفكرة أن يشتري عملة ورقية لبنانية، ثم اشترى عملة لبنانية، فماذا جرى للعملة اللبنانية؟ شخص آخر يده ماسكة، جاءته رحلة لمدة خمس سنوات إلى خارج القطر، وعنده بيت ملك فقال: هذا البيت حرام أن يبقى مجمداً طيلة هذه السنوات فهل أنا مجنون؟ فباع البيت ووضع أمواله في شركة استثمارية، فلما رجع أعطوه بالمئة عشرة بالسنة، لكن البيت ارتفع ثمنه عشرة أمثال، صار بلا بيت والمبلغ الذي بحوزته لا يساوي عشر ثمن بيت جديد. لا يوجد مع الله ذكي، الله قادر أن يذهب المال كله باختيارك، ألا تسمع بهذا الدعاء: "اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم"، فالإنسان قد يفكر ويحسبها ثم يخسر نصف ماله، والذي يقرض قرضاً حسناً فالله عز وجل يلهمه عملاً لا يخطر في باله، الحقيقة أنا قناعتي أن الإنسان مسير إما بإلهام ملك، و إما بوسوسة شيطان، فالمؤمن يسدده المَلَكْ يا عبد الله افعل كذا فتراه يسير بهدى من الله من خير إلى خير، هذا الكلام أسوقه من أجل أن على الإنسان ألّا يبخل. إنسان تعرفه مؤمناً وصادقاً أقرضه. وأنا أتكلم عن المؤمنين وليس عن الشحاذين، المتسولون لهم مجال آخر أنا أتكلم عن مؤمن يحسبه الجاهل غنياً من التعفف. الله يحبنا أن نتعاون و نتآلف: خطر في بالي اليوم خاطر وهو حق: إذا قال الله عز وجل لك: يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك فكيف تعرفه؟ هذا سؤال ثانٍ يجب أن تعطي إنساناً لا يسألك، فأنت ما واجبك ما دام الله يأمرك؟ إذا الله أمرك أن تعطي من لا يسألك فواجبك أن تسأل وأن تتقصى. لتعرف من هو المحتاج و تستطيع أن تعينه. عودوا أنفسكم يا أخوان: إذا التقيت بأخ، اسأله عن صحته، واسأله عن حالته المادية، واسأله عن بيته وأولاده، وعن دراسة أولاده ودخله، واسأله هل عليك ديون؟ لأن المؤمن لا يشكو، والمؤمن كريم النفس، وعزيز، المؤمن عنده شرف أما المتسول فأمره بحث آخر. المؤمن لا يسأل، و مادام لا يسأل فلتتقصَّ أنت حالته، اسأله أنت وتحبب له، الله عز وجل يحبنا أن نتعاون، يحبنا أن نتآلف، يحبنا أن يعين بعضنا بعضاً، و الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه، أحياناً أرى شخصاً متألقاً كثيراً وأسأل هل هناك سبب لهذا التألق؟ فأفهم أن السبب عمله الطيب، و هموم الناس كلها على كتفه، فإذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، أنت تعيش في مجتمع مسلم و كلهم أخوانك وأنت في بحبوحة فإذا صاروا في بحبوحة ألا يسرك هذا؟ أما أن تكون وحدك ببحبوحة فهذا ليس من إيجابيات الإسلام العظيم. مرت بالناس فترة منذ خمس سنوات قبل أن يكرمنا الله بحمضيات من إنتاج بلدنا فقلّت في تلك الفترة: الحمضيات سعرها مرتفع لصعوبة استيرادها، و صار كيلو البرتقال بخمس وثلاثين أو أربعين ليرة، وكان الدخل قليلاً جداً قبل التضخم النقدي، فصار هذا الشيء فوق طاقة الفقير، أقسم بالله شخص و هو غني قال: و الله ما اشتريته خجلاً من الله عز وجل، أي أن آكل وحدي والناس كلها محرومة، فالإنسان إذا لم يشعر بشعور الآخرين تخلى عن بعض دينه. سيدنا عمر وضعوا له مرة طعاماً نفيساً و كان وجه هذا السنام أطيب شيء فوضعوه أمامه فبكى قال: "بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها و أكل الناس كراديسها"، مرة خاطب قلبه قال له: "قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين". الدين الحقيقي هو الدين الذي يرسم السعادة على شفاه الآخرين : نريد أن نعيش الإسلام أيها الأخوة فنحن عندنا خطب، و أشرطة، و أحاديث، و كتب، و مجلات، وألسنة طليقة بالدعوة إلى الله، فصار عندنا تخمة، الآن نريد إسلاماً مطبقاً، نريد مجتمعاً مسلماً، أريد إنساناً ينطق بإسلامه و هو صامت، حركته إسلامية، بيته إسلامي، متجره إسلامي، تعامله إسلامي، عبادته صحيحة، و الحقيقة تطور وسائل الإعلام، الكتب، الطباعة، المجلات، الصحف، الأشرطة، أحدث إشباعاً لدى الناس، أي يوجد كل شيء، كلّنا نريد الدين الحقيقي، و هذا هو الذي نبحث عنه، عندها ينظر الله عز وجل للعباد بعين الرحمة، و لدينا حديث قدسي يهز أعمق مشاعري: "يا عبادي إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي"، و سأقول بصراحة: كل منا يبحث عن السعادة بدون شك، هل تصدق أن سعادة الإعطاء تفوق سعادة الأخذ؟ واللهِ إن المؤمن حينما يوفق إلى عمل صالح، إلى مسح دمعة من وجه مسلم، إلى رسم ابتسامة على وجه طفل صغير تكون سعادته بالغة. ![]() ذات مرة زرت صديقاً و صاحب البيت والده يومها مصاب بمرض عضال، جاء لهذا الصديق هاتف، أن قابل الطبيب الفلاني، فقال له الطبيب: العملية جاهزة وتكلفتها مغطاة، فأجريـت للمريض عملية، ونجحت العملية، وزرته بعد أن شفاه الله رأيت البيت فيه فرحاً، الأطفـال يرقصون من الفرح، والدهم كان مريضاً وشفي، هذا الذي أدخل على هذه الأسرة السرور كم له من الأجر عند الله عز وجل؟؟ العملية فوق طاقة الإنسان، إنسان اتصل به بالهاتف وقال له: اتصل بالطبيب الفلاني الذي قال له: إن الاستعدادات للعملية تمت وأجرة العملية مغطاة. شخص ما أقام حفلة ودفع مئة وخمسين ألف ليرة، وأربعة أخماس الطعام بقي على الطاولة، و قال بعضهم: شيء يكسر العين، شيء مرتب، لكن من أنفق على العملية أدخل على قلوب أسرة بكاملها السرور، هذا المال أنت محاسب عنه، ويجب أن تنفقه في مكانه الصحيح. ذات مرة ذكرت لكم أن أحد أخواننا الكرام زار أخته يوماً و وجد مشكلة بالبيت، منازعة بين أخته وزوجها تريد منه ثلاثمئة ليرة بالشهر مصروف ألبسة، والزوج موظف ودخله محدود فلم يرض، فرأى أخوها أنه لو دفع المبلغ يحل هذه المشكلة، فقال لها: خذي مني شهرياً هذا المبلغ، قال لي: كل شهر أسلمها هذا المبلغ، بعد ستةِ أشهر طلبتْ منه أخته مجلس علم، أحضرت بناتها كلهن، درس لأخواته وبنات أخواته، قال لي: آية وحديث وحكم فقهي وتحفيظ قرآن، و على إثر ذلك تحجبت البنات كلهن و أنعم الله عليهن بأزواج أطهار. فممكن بهذه الثلاثمئة بالشهر حلّ مشكلة عند أسرة وبعد ذلك نمت العلاقة، وطُلِب منه درس علم، وبعد ذلك البنات تحجبن، ثم جاءهن أزواج مؤمنون، أنت وفرت السعادة لخمسةِ بيوت بثلاثمئة ليرة، هذا المال كما تعرفون قيمته بِحَلِّ المشاكل، إنه حلال المشاكل، أنت حينما تنفق المال في طاعة الله، تجبر خاطر إنسان، و ترعى يتيماً، تقدم هدية لإنسان فإن كانت هناك خصومة تنقلب إلى مودة. ((تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ )) [مالك عن عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ] ولم يقل الهدية من طرف واحد بل قال: تهادوا، أي الهدية دَيْن، نحن نريد فقهاً مربوطاً بالعقيدة حتى ترى الأحكام سهلة جداً. الموت أكبر موعظة للإنسان : إذا أنت شاهدت كتاباً هو أساس دراستك في الكلية، وثمنه ثمانمئة ليرة، هل تراه غالي الثمن؟ وعندما تأخذ دكتوراه كل صورة – إيكو- بألف ليرة، وكل تخطيط بألفي ليرة، إذا كان هذا القاموس سعره ثمانمئة هل تستغليه؟ تدفع فوراً، إذا أنت موقناً أن القاموس يفيدك في اختصاصك، و إذا كنت تعرف الله معرفة يقينية، فالمال صار إنفاقه سهلاً، لماذا المال فإني سوف أتركه. مرة كنا بمدينة من مدن الشمال فيها حيّ و كأنه ليس في سوريا. هذا الحي فيه كل فيلا هندستها متميزة، أنا أذكر زرت هذا الحي سنة خمس و سبعين و تسعمئة و ألف، الفيلا تكلفتها ثمانية وثلاثون مليوناً، كان البيت في المالكي بمئتي ألف، قالوا: هذه الفيلا فيها رخام أونكس بخمسة ملايين ليرة، صاحبها توفي وعمره اثنتان وأربعون سنة، شاءت الأقدار أن يكون القبر أقصر من طوله وهو طويل جداً، وعندما وضع في القبر جاء الحفار ودفعه في صدره حتى وسعه القبر. أين كان يسكن وأين صار؟ الإنسان كلما قرأ هذه النعوة - وسيشيع إلى مثواه الأخير - يشعر أن بيته الذي كان يسكنه هو مثوى مؤقت. مهما اعتنيت بهذا المثوى فهو مؤقت ألم تر بعينيك؟ ما حضرت مسوية في بيت في المالكي أو غيره إلا ويقولون لك: ثمنه ثلاثة وثمانون مليوناً، خمسون مليوناً، ألم يمت صاحبه؟ أين صاحبه؟ في مقبرة الباب الصغير، حيث لا رخام و لا دهان. الموت أكبر موعظة، كل يوم نراه. من استقام على أمر الله سعد و غني : أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أنه لا تستطيع أن تطبق أحكام الفقه كما أراد الله إلا إذا آمنت بالله كما أراد الله: " من ضنّ بالمال أن ينفقه وبالليل أن يكابده فعليه بسبحان الله والحمد لله"، أي ارجع وجدد معرفتك بالله، مثلاً من باب التمثيل والتوضيح: عندما تعرف شخصاً كريماً لدرجة وغنياً ويزورك فماذا تقدم له؟ أتكتفي بفنجان قهوة فقط؟ إذا أحبّ أن يعطيك يعطيك مئة ألف، وزارك في البيت، أنت تعرف أن أي شيء تبذله من أجله سوف يعود عليك أضعافاً مضاعفة، إذا كنت تعرف حجمه المالي، وتعرف كرمه، وتعرف عظمته ترى أن كل شيء تبذله قليل. ![]() هذا مع إنسان كيف مع الله عز وجل؟ أنت تعامل خالق الكون، هناك أحاديث لا أشبع منها. (( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله )) [ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ] أحياناً يكون الإنسان شخصاً مرموقاً، و لا يستطيع أحد أن يتقرب منه إلا عن طريق أولاده، فيعطي الابن سكرة، فهذه ليست للابن بل هي للأب، إذا أنت أكرمت أخاك المؤمن فهذه التكرمة لله عز وجل، الله غني عنك، يا رب كيف أتقرب إليك؟ كلهم عبادك وأنت تحبهم و أنا سوف أخدمهم حتى تحبني، ترى الإنسان إذا كان تاجراً، صاحب مزرعة، صاحب متجر، جاءه زبون يحب أن يخدمه، يكرمه، فيراعيه ويلين معه القول. ترى قسوة الإنسان من قسوة قلبه، وقسوة قلبه من بعده عن الله، وبعده عن الله من المعاصي، والمعاصي من الجهل، هذه سلسلة، لكن إن تستقم وتتصل بالله عز وجل تسعدْ ويلن قلبك ويصبح عملك طيباً، أما إن كان العمل سيئاً فمعنى هذا أن القلب قاسٍ، و أن الإنسان مقطوع، متلبس بالمعاصي، و مهما بحثنا فالعلم أول مرحلة للإصلاح، أول شيء أن تتعلم، لذلك حضور مجالس العلم شيء أساسي وضروري، و الإنسان من دون علم يصبح كالبهيمة يأكل ويرفس، تكرمه ويؤذيك، فهو جاهل تائه. اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لو أنهم يعلمون لآمنوا به ونصروه، كذبوه واستهزؤوا به وردوا دعوته وضربوه. معنى هذا أن العلم هو الأساس، والعلم له مكان و هو المسجد يُدّرس فيه، لا علم يأتي من دون سعي و من دون سبب، ومكانه في الجامع، والعلم موضوعه القرآن الكريم كلام الله عز وجل، موضوعه سنة النبي عليه الصلاة والسلام. آداب التعامل مع المقترضين : 1 ـ إنظار المعسر : و بعد فقد قال العلماء آداب التعامل مع المقترضين هي: إنظار المعسر: ليس هذه قضية مزاجية فالله أمرك، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] إنظاره إذا كان معسراً، أنا أنصح المدينين أن المدين إذا كنت معسراً فبلغ صاحب الدين بعسرك، هناك شخص تدينه مبلغاً لشهرين، يمضي الشهران والأربعة أشهر والستة أشهر والسنة وهو مرتاح ومكيف، يا أخي قل لي، قدم اعتذارك، أنا معسر، خطأ فاحش بالمقترض أن يأتي الأجل ويبقى ساكتاً، عليك أن تبين ظروفك. البيان يطرد الشيطان، قال لي أخ: إنه أقرض شخصاً يوماً ما، و عند استحقاق السند جاءه وقال له: أنا عندي مشكلة كذا وكذا سامحني، فقال له: معك شهر آخر، ثم قال لي: سررت كثيراً لقدومه. لم يبق قلقاً، هل ينوي أن يعطيني أم لا؟ جاء وبلغني أنَّهُ الآن معسر. حكم الله للمعسر : أول أدب من آداب المقرض أن يصبر، و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، و حكم الله للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، قال لي أحد الأخوة إنه ديّن شخصاً خمسين ألفاً و يوم استحقاق السند حلّ الحجز على البيت بأن أقام دعوى ودفع عشرين ألفاً وتملك بيتين بأطراف المدينة، بسعر بخس عن طريق مناقصة، من أجل خمسين خسر بيتين و القصة قديمة، هناك أشخاص لا يرحمون. حكم الله للمعسر الإنظار إلى أن يوسر، ما قولكم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ![]() ((مَنْ أَرَادَ أَنْ تُسْتَجَابَ دَعْوَتُهُ وَأَنْ تُكْشَفَ كُرْبَتُهُ فَلْيُفَرِّجْ عَنْ مُعْسِرٍ)) [أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ] الله جعل إنظار المعسر سبباً لاستجابة الدعوة، وجعلها سبباً لتفريج الكرب، ما قولكم أن الله سبحانه وتعالى من خلال حديث رسوله صلى الله عليه وسلم بين أنه: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] كل هذه الأحاديث من أجل أن نتعاون، ونتحابب، ويرحم بعضنا بعضاً. (( أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ فَقَالَ آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ )) [مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ] صار معنى إنظار المعسر عمل طيب جداً. الله أمرنا بالإقراض و أمر المقترض بأداء الدين : وفي حديث ثالث يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته)) [الطبراني عن أبي اليسر] مرة زرت شخصاً يبيع أقمشة ببلدة من بلدان القطر في الشمال قال لي: صار معي أزمة في المحل وكدت أن أفلس، لا يوجد بيع وعليّ ديون وطالبوني بإلحاح فأصابني ألم شديد، ثم قال: جاءني أحد التجار المؤمنين، و له معي مبلغ ضخم، ومعه سندات، و أردت أن أضيّفهُ لأنه جاء من الشام، فقلت له: أريد أن نتناول الطعام في البيت عندي، لأن البيت بالنسبة لي أوفر، و أنا في ضائقة شديدة، فقال له: نعم، فلما رأى بيته ستين متراً، ولا يملك سوى غرفة واحدة، قال له: اعفني كأني أكلت عندك، هذا التاجر قال: الذي يسكن في بيت مساحته ستون متراً لن يكون محتالاً، ليس عملية إفلاس احتيالي بل هو في ضائقة، أخرج هذا التاجر السندات ومزقها و قال له: انزل إلى الشام لأعطيك بضاعة وأي محل لم يعطك بضاعة قل لي، وعد واعمل. والله يا أخوان تكلم وبكى، والتاجر توفي رحمه الله، قال لي: أنهضني ونشلني، عاد لعمله: تديّن واشتغل وربح و ردّ الديون، وقال لي: الآن بيتي مساحته مئتان وخمسون متراً، كان يتكلم ويبكي لأن هذا الإنسان الذي أنظره قال له: لا عليك من هذا الدين، انزل للشام وخذ بضاعة. هكذا يحبنا الله أن نكون، أكثر الناس يتدين، ويبيع البضاعة، ويحل بها مشاكله، و يأتي أصحاب الدين فيقول لهم: السوق باردة و لا يوجد بيع، بينما يكون قد باع البضاعة، و عمل بثمن البضاعة عملاً آخر، وتجارة ثانية، وزوج أولاده، ومن ثم يعلن إفلاساً احتيالياً، هكذا يفعل كثير من الناس. لذلك الدَّيْن توقف، و الديانة أحجموا عن الإدانة و الإقراض، وعندما توقف الدين توقفت عجلة الحياة، لا أحد فيه ذمة إلا القليل، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يصلي على المدين و لو مات شهيداً، لكن الله عز وجل أمرنا أن نقرض وندين، وبالمقابل كان عليه الصلاة والسلام يسأل عن صحابي جاهد معه: أعليه دين؟ فإذا قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم. كما أمرنا بالإقراض أمر المقترض بأداء الدين وأنه معلق بين السماء والأرض حتى يؤدي دينه. لذلك الآن يقال عند كل ميت على المغتسل: وهبتم؟ وهبنا، و يأتي أحد أقربائه و يتحمل ديونه وإلا مشكلته كبيرة. (( إن أول الناس يستظل في ظل الله يوم القيامة لَرجلٌ أنظر معسراً حتى يجد شيئاً أو تصدق عليه بما يطلبه يقول: مالي عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويخرق صحيفته)) بصراحة أقول لكم: إذا كان الإنسان ميسوراً جداً، وهذا الدائن فقير جداً، وهو مؤمن وصادق، وعفيف، وأموره صعبة جداً، أي إذا قلت له: سوف أسامحك بنصف الدين أو بالدين كله، فهل أنت مخطئ؟ لا، والله لست مخطئاً، قل له: مسامح، و نحن نقول لك: جزاك الله خيراً وعوض عليك. 2 ـ حُسُن التقاضي : أما الأدب الثاني فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى المسجد: ((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ )) [أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] أول أدب إذا كان معسراً فأنظره، الأدب الثاني اسمه حُسُن التقاضي: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ )) [ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ] ![]() و في الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران: 75 ] هذا توجيه إلهي تريد أن تسترد دينك فيجب أن تطالب، لكن بعفاف وليس بقسوة، يوجد أشخاص يسبون، ويكسرون، ويلعنون، و هذا ليس سلوك المؤمن: ((مَنْ طَالَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ وَافٍ أَوْ غَيْرِ وَافٍ )) [ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ] والنبي عليه الصلاة والسلام حثّ على السماحة في المعاملة، وترك التضييق على الناس في المطالبة، وذلك بدعائه للمتسامحين في البيع والشراء و الاقتضاء. ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى)) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ] إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى، أحياناً يبقى لك معه خمس ليرات، والبيعة بثلاثمئة وخمس ليرات لا يوجد معه تقول له: أريد خمس ليرات أحضرها إلي، لكن الأولى بك: سامحه بها، سمحاً إذا باع وإذا اشترى، و ليس معه أن يكمل لك، و بقي لك معه ليرة فالمسامحة خلق حميد. (( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى)) [البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا ] والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((...أَلا وَخَيْرُهُمُ الْحَسَنُ الْقَضَاءِ الْحَسَنُ الطَّلَبِ أَلا وَشَرُّهُمْ سَيِّئُ الْقَضَاءِ سَيِّئُ الطَّلَبِ أَلا )) [مسلم عَنْ أبي سعيد الخدري] أنت كمؤمن يجب أن تطالب بأدب وبرحمة وبلطف وعفاف، شرّ الناس من كان سيئ القضاء أو سيئ الطلب، الدُّرج مليء والبضاعة باعها في الأسبوع الماضي فلماذا المطل؟ هذا سيئ القضاء، لذلك مطل الغني ظلم، ليُّ الواجد يبيح عرضه، يصفونه: فلان سلعة، إذا قلت: لا يدفع فلا عليك لأن ليَّ الواجد يبيح عرضه. 3 ـ وضع الدين : الأدب الثالث وضع الدين: وضع الْدين أي أن تسامح بشيءٍ من الديْن إذا رأيت المدين معسراً، وضعُ جزءٍ من الدين هل فيه دليل قرآني؟ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] أي إذا أنت في بحبوحة وأخوك المقترض بضائقة مالية شديدة وقلت له: وضعت عنك بالمئة ثلاثين مسامحة، أو لك بالمئة خمسون هدية مني لك، أو بالمئة مئة أنا وأنت واحد. (( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ يَا: كَعْبُ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُمْ فَاقْضِهِ )) [متفق عليه عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ] هذا الحديث له معنى جديد، أي يجوز أن تشفع بين دائن ومدين، قد يكون المدين خائفـاً والديان قوياً وأنت لك مكانة عند الاثنين فاذهب إلى الدائن وقل: على مهلك هوّن عليك، أنا أكفله، استنبط العلماء يجوز أن تشفع بين الدائن وبين المدين. ((عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ اللَّهِ وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا)) [البخاري عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] هؤلاء ديانة عاديون وليسوا من المؤمنين، أما المؤمن فهو يقدم روحه. إن شاء الله في درس قادم نتابع القرض، و سأتوسع بالموضوع ليقيني أن القرض الحسن الآن هو الذي يحل مشاكل المسلمين، يقول لي شخص: أريد أن آخذ من البنك فائدة، قلت: ألا يوجد حولك أحد يقرضك؟ قال: لا، فهذا رجل وقع في ضائقة مالية وأخوه حجمه المالي يزيد عن مئتي مليون ليرة التجأ له، بلا جدوى، فقال لي: ذهبت إلى بلد عربي مجاور ولي مورّد ليس مسلماً، و قلت له: أنا بوضعٍ ماليٍ صعب جداً، و ما ملكت نفسي فبكيت أمامه، فقال له: انزل في الفندق الفلاني ثلاثة أيام لترتاح أعصابك ثم تعال إليَّ، قال: فأعطاني مبلغاً ضخماً وأعطاني بضاعة ثم أردف قائلاً لي: أحبه أكثر من أخي، وتكلمها بسذاجة، ذاك ليس مسلماً وقالها: أحبه أكثر من أخي. "الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي فإذا منع مالي عيالي أذقته عذابي و لا أبالي" إذا إنسان وقع فمن له غير إخوانه ليساعدوه؟ هذا الإيمان، نحن نريد إسلاماً مطبقاً وتعاوناً، وليس معنى كلامي أن تقذف مالك جزافاً، لا تعرف الشخص فتدينه، لا، فأنا لا أقصد هذا، أنا أقول: شخص تعرفه جيداً، وتعرف صدقه، وعفافه، وتعرف إمكاناته، وتعرف أنه بحاجة إلى شيء أساسي، يحتاج إلى وقود في الشتاء، يحتاج إلى عملية جراحية لابنه، وأنت في بحبوحة وتقول: لا يكفي العباد إلا رب العباد، الله عز وجل جعلك خليفته في الأرض. و إلى درس قادم إن شاء الله تعالى لنتابع الموضوع ذاته . |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - العبادات التعاملية الدرس : ( السابع ) الموضوع :القرض الحسن - 3 -الحث و التشديد على اداء الدين الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التوازن التشريعي : أيها الأخوة الأكارم، نحن في الإطار العام في موضوع الربا، ولكن في الموضوعات التي عولجت في الأسابيع السابقة دخلنا في موضوع القرض لأن القرض الحسن هو بديل الربا. في مجتمع الاستغلال: الربا، وفي مجتمع الإحسان: القرض الحسن، من يريد الدنيا يرابي، و من يريد الآخرة يقرض القرض الحسن، لكن قبل أن نتابع موضوع القرض أحب أن أضع بين أيديكم حقيقة أساسية من حقائق الإسلام ألا وهي التوازن التشريعي مثلاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول لمن سأله عن علاقة أبيه بماله قال له: "أنت ومالك لأبيك"، وتوجه إلى الآباء فقال: "رحم الله والداً أعان ولده على بره". ![]() الله عز وجل يرحم أباً رحم ابنه، أحياناً يجعله عنده في المحل ويقول له أبوه: ألا تأكل؟ و يقول هو: أريد أن أتزوج وأفتح بيتاً، لا يصح أن يتوازى ابن يعمل مع أبيه ليلاً نهاراً مع ابن لا يعمل معه. "رحم الله والداً أعان ولده على بره"، توجه للرجال فقال: "أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً". لما توجه إلى النساء قال: "اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله"، في الإسلام توازن، مثلاً إذا عقد إنسان عقداً على امرأة ولم يدخل بها ثم بدا له أن يطلقها قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 237 ] فلها نصف المهر، فإن كان المهر مئتي ألف فلها مئة ألف، العقد تمّ البارحة واليوم بدا لك أن تنسحب من هذا العقد، و أن تطلق ادفع مئة ألف، أمرَ الزوجَ أن يدفع نصف المهر، فللبنت المخطوبة و أهلها كرامة، لكن لفت نظر الأهل، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 237 ] ليلة واحدة مئة ألف ليس معقولاً، جلس دقيقتين معها بحضور أهلها، اسمح لنا بمئة ألف، لكنهم سامحوك هي و أهلها، توجه للشاب قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة : 237 ] قدم لها سواراً، عَفَوْكَ من مئة ألف فقط قدم سواراً، هناك توازن، الأطراف المتقابلة دائماً يأمر كل طرف أن يكون محسناً، وفق هذا الموضوع هناك أمثلة كثيرة، الآباء والأبناء، الأزواج والزوجات، كل إنسان أعطاه الله عز وجل الموقف الكامل وأنصفه. قصتان ملحقتان بالدرس السابق : الدرس الماضي والذي قبله والذي قبله كلها فيها حثٌّ على الإقراض الحسن، مرة مثل الصدقة، ومرة مثلا الصدقة، ومرة شطر الصدقة، إذا أردت أن تنفرج كربتك فأَنظرْ المعسر. آيات وأحاديث وتوجيهات ومواقف من النبي عليه الصلاة والسلام ومن أصحاب رسول الله تدعونا إلى أن نقرض، وأن ننظر المعسر، اليوم موضوع آخر هو: التوازن في الإسلام. دعوة الله عز وجل ودعوة نبيه إلى المقترض أن يفي بالقرض، وإلا لو أنه مات شهيداً في سبيل الله، فشهادته لا تعفيه من الدين، لكن قبل أن نمضي في موضوع الحث والتشديد على أداء الدين هناك قصتان ملحقتان بالدرس السابق وردتا في حديثين، فاسمعوهما؛ و كونوا ممن يستمع القول فيتبعون أحسنه. طبعاً تحدثنا عن إنظار المعسر، وكيف أن إنظار المعسر عمل طيب و كبير، وقد ذكرت لكم آيات وأحاديث كثيرة جداً تبين فضل إنظار المعسر، بل تبين فضل أن تضع شطراً من دَينه، بل تبين فضل أن تعفيه من هذا الدين أما الموقف العملي فما رواه عبد الله عن أبي قتادة عن أبيه أنه كان يطلب رجلاً بحق فاختبأ منه. عبد الله بن أبي قتادة روى عن أبيه، أي أن أباه كان يطلب رجلاً بحق فاختبأ منه فقال له: ما حملك على ذلك؟ قال: العسر، فاستحلفه على ذلك فحلف، فدعا بصكه فأعطاه إياه، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أنظر معسراً أو وضع له أنجاه الله من كرب يوم القيامة )) [مُسْلِمٌ عَنْ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ] هذا موقف من أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم. الموقف الثاني: (( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غُلامٌ لَهُ مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ وَعَلَى غُلامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ، قَالَ: أَجَلْ كَانَ لِي عَلَى فُلانِ ابْنِ فُلانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ قَالُوا لا، فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي، فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي، قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ ثُمَّ لا أَكْذِبُكَ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْتُ وَاللَّهِ مُعْسِرًا قَالَ: قُلْتُ آللَّهِ، قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ، قَالَ: اللَّهِ، قُلْت: آللَّهِ، قَالَ: آللَّهِ قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي وَإِلا أَنْتَ فِي حِلٍّ )) [مسلم عن عُبَادَة بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ] هذا موقف أصحاب رسول الله، إذا أيقنت واستحلفته أنه معسر، وأنت في بحبوحة تصدق بهذا الدين عليه، هاتان القصتان ملحقتان بالدرس الماضي، أدركنا الوقت قبل أن نتابع الحديث عنهما. الدرس الماضي كله حثٌّ من الله ورسوله على إنظار المعسر وعلى إعفائه من بعض الدين أو من كل الدين والآية الأساسية قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] أمر الشرع من استقرض بـ : 1 ـ أداء الدين : ![]() اليوم الدرس يتناول الطرفَ الثاني: هذا الذي استقرض بماذا أمره الشرع؟ أمره بأداء الدين بنص الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [ سورة النساء: 58 ] والدين أمانة كما قال علماء التفسير، في الآية وجوب ردّ كل وديعة من أمانة وقرض وغير ذلك، القرض والقراض والوديعة أمانة في عنق المدين. (( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَبْصَرَ يَعْنِي أُحُدًا قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] يتمنى أن يتحول هذا الجبل ذهباً خالصاً، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ينفقه في ثلاثة أيام إلا ديناراً يرصده لدين لأن الدين مقدس، أي يمكن أن يدع بعض هذا الجبل لأداء الدين، لعظم حق الدائن على المدين. الله جل جلاله ونبيه عليه الصلاة والسلام بينّا أن الدين من الأمانات التي تؤدى إلى أهلها، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. 2 ـ أن يؤدي الدين بإحسان : الأمر الثاني: ليس الأمر أن تؤدي الدين بل أن تحسن قضاء الدين، أن تحسن القضاء فالله سبحانه وتعالى يحب الذي يؤدي الدين بإحسان: ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] كيف؟ أنت عليك سند بعشرة آلاف ليرة تستحق بعد سنة، وأنت الآن في بحبوحة وبقي شهران، ادفعها رأساً، يا أخي: أنا أدفع عند حلول الوقت، لا. ادفع إذا كان معك، وهذا من حسن القضاء، من حسن القضاء تعال إلى عندي وخذ مالك، لا. قال تعالى: ﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 178] من أين أخذت الدَّين، كل التجار يجب أن تدور عليهم لتأخذ منهم ديْنك وكله خلاف السنة، المؤمن يذهب هو إلى مَدينِهِ ليعطيه المبلغ، جالس ومرتاح و الكل يأتون لعنده ويقفون بذل وأدب حتى يعطيهم الجمعية، لماذا؟ اذهب إليه، و أداء إليه بإحسان. فمن حسن القضاء أن تعطيه الدين قبل أوانه إذا تيسر لك. ومن حسن القضاء أن تأتي إليه، لا أن تقول له: تعال إلي لأعطيك الدين. ومن حسن القضاء أن تؤدي أداء حسناً، جاء إلى محلك ليأخذ الدين أنت تبيع سكاكر أعطه كيلو سكاكر، أكرمه، أنت تبيع حاجات وهو بحاجة إليها أكرمه نظير هذه الخدمة. ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ سَمْحَ الْبَيْعِ سَمْحَ الشِّرَاءِ سَمْحَ الْقَضَاءِ)) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] وفي حديث آخر: ((إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً )) [مسلم عَنْ أَبِي رَافِعٍ] الناس يقولون: الديْن هالك إلا ما رده الله، هذا مجتمع بعيد عن الله عز وجل، لكن المؤمن الصادق دَيْنكَ عنده كأنه في صندوقك، لتكن مطمئناً أبداً لأنه يخاف الله عز وجل، ولأنه يخاف أن يملك المال ولا يؤديه لك. فضلاً عن أن الله عز وجل ورسوله الكريم حثا المؤمنين الصادقين على أداء الدين حثا أيضاً على حسن أداء الدين. الله ورسوله حثا المؤمنين على أداء الدين: ![]() الموضوع يتوسع معنا أكثر و هذه أمثلة، استعرت كتاباً ذات يوم من بيت صديقك، والكتاب سميك، و التقيت به في الطريق، تفضل هذا الكتاب، هو لا يريد أن يحمله في الطريق وأنت أخذته من بيته، فعليك أن تؤديه إليه إلى البيت وهذا من حسن الأداء، أخذت الكتاب غير مجلد جلده، فهذا من حسن الأداء، الله يحب الإحسان وأنت دائماً مهمتك أن تشجع على الخير، إذا إنسان قدم لك خدمة، ديَّنك وكنت مضطراً، فعندما يستقرض أحدهم يكون أذل من الشاة، وعندما يملك المال ما الذي صار؟ اذهب عنا و يتهرب من الدائن صاحب المال. أيرضيك أن يقف الدائن أمامك ذليلاً ليأخذ حقه؟ مثل هذا الموقف يمنع الخير ويمنع المعروف بين الناس، هذا من سنته القولية أما من سنته العملية صلى الله عليه وسلم: ((فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي)) [متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا] هكذا فعل النبي فلن تجد مسافة بين ما يفعل و بين ما يقول، دعانا إلى أداء الدين ودعانا إلى حسن أداء الدين، وحينما استقرض النبي من هذا الصحابي قال: قضاني وزادني و هذا اسمه حسن الأداء. الأمر بالأداء والأمر بحسن الأداء. 3 ـ تحريم المماطلة : الآن: تحريم المماطلة، اسمعوا ماذا قيل في تحريم المماطلة: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] الظلم من الكبائر، يقترف الإنسان الكبيرة إذا استقرض قرضاً وملك المال وطولب بهذا القرض وبدأ يماطل، تأتيه صباحاً يقول لك: مساءً إن شاء الله، تأتيه مساءً لا تجده، تذهب إليه ثانية فيقول: أنا سوف آتي إليك ولا يأتي، هذا إذا كان في نفس المدينة سهلة جداً أما إذا سافرت و أبعدت وتجشمت المشاق ومصاريف السفر والفندق، تذهب إليه صباحاً فيقال لك: تعال بعد الظهر. فهذه كبيرة. ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] كان السلف الصالح لا يجرؤ أن يأكل لونين إذا عليه دين ولا فاكهتين، بل يأكل مثلاً برتقالاً فقط. الحد الأدنى لا يجوز لمن عليه دين أن يتوسع بالطعام والشراب ولا أن يتوسع بالأثاث ولا في الأدوات الكهربائية، عليه دين، قبل أن تتوسع أدّ للناس حقوقهم. المماطل يفسق، مرتكب كبيرة و فاسق، والأغربُ من ذلك أنه ترد شهادته، أي يفقد حقوقه المدنية، لو أن مديناً يملك مالَ مدينِهِ وماطله في الأداء ودعي لأداء الشهادة ترد شهادته، لأنه مرتكب كبيرة وهو فاسق وهو ظالم. أيها الأخوة، هذا هو الدِين، ليس الدين بالصلاة والصوم والحج والزكاة، هذا هو الدين، الدُرج مليء وله عندك مال والبضاعة بعتها فأدّه حقه. الآن يستدين ويشتري سيارة شاحنة، تطالبه يقول لك: أخذنا سيارة، كأنما أنا مكلف بأن أشتري له سيارة، وأنا لي عنده مال، معظم الأزمات الآن أسبابها السيارات، كل إنسان عليه دين اشترى بهذا المال سيارات ويماطل الناس، أهذا هو الدين؟ لا. إن الدين وفاء وحسن أداء. هنا عندنا خلاف بين العلماء فالإمام النووي يقول: "المماطل لا يسمى ظالماً ولا فاسقاً ولا مرتكب كبيرة إلا إذا كرر المماطلة"، لمرة واحدة لا يسمى مماطلاً وهذا رأي الإمام النووي، لكن الإمام السّبكي ردّ عليه و قال: "هذه كبيرة ومرتكب الكبيرة يكفي أن يرتكبها مرة واحدة". وأنا أرجح القول الثاني، ومادام المطل كبيراً يكفي أن تماطل مرة واحدة فأنت مرتكب كبيرة ترد شهادتك وتفسق. التوازن بالتشريع كم حثنا على الإقراض الحسن بالمقابل كم حذر المدين من المماطلة، المشكلة أنه عندما ذوو الأعمال الصالحة يقابلون بالإساءة ينكمشون، أقرب مثل: كان قبلاً إذا الإنسان رأى في الطريق حادثاً يسعف المصاب، يوصله إلى المشفى فيعتقلونه ويبقى ثلاثة أيام موقوفاً، كثير من الناس ماتوا من النزيف لأنه لم يعد أحد يسعف أحداً. هذا اسمه منع الماعون حتى صدر قرار أنه إذا إنسان أسعف مصاباً فلا يُسأل إطلاقاً فليس من المعقول أن يفعل الإنسان عملاً صالحاً ويحجز عدة أيام حتى يظهر أنه ليس له علاقة. أخطر شيء في المجتمع أن تواجه المحسن بالإساءة : منع الماعون هو الإساءة للمحسن، والقصة التي تعرفونها هي قصة لص الخيل في الصحراء الذي تظاهر بالفقر، وكان الحر شديداً والرمال محرقة، مرَّ به فارس على فرسه رق له ودعاه إلى ركوب فرسه، فما إن ركب خلفه حتى دفعه أرضاً وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، قال له صاحب الفرس: يا هذا لقد وهبتك الفرس ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن تشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا أشيع هذا الخبر ذهبت منها المروءة، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها. ![]() سبعمئة شقة في الشام فارغة لا أحد يؤجرك، لأنَّ المستأجر إن دخل إلى البيت صار مالك البيت، ثم يقول: بلط الزرقاء، هذا القضاء أمامك، لا أحد يعيدها، ليس في الشام أزمة سكن بل أزمة إسكان فقط. أخطر شيء في المجتمع أن تواجه المحسن بالإساءة، فينعدم الإحسان وينكمش المحسنون، مر بالسيارة فيشير لك إنسان، لماذا لا تركبه معك؟ احتمال أن يكون معه مخدرات فلا يرحمك القانون، شيء مخيف. أمّا إذا كان هناك معاونة وإحسان فيختلف الوضع. النبي عليه الصلاة والسلام بالإضافة إلى هذا التشديد فهو نفسه امتنع عن الصلاة على من ترك ديناً، والقصة معروفة وكان يؤتى بالرجل الميت وعليه الدين فيسأل النبي عليه الصلاة والسلام هل ترك لدينه قضاءً؟ فإن قيل: إنه ترك صلى عليه وإلا قال: صلوا على صاحبكم، صحابي! لا. صلوا عليه، مجاهد! لا. صلوا على صاحبكم، خاض أحد وبدر والخندق صلوا على صاحبكم لأن عليه ديناً، هل يوجد أشد من هذا؟ صحيح أَمَرَك أن تدين لكن أمر المدين أن يؤدي، هناك نقطة بالشرع دقيقة جداً، الله أمرك ألا تسرق، أو أمرك بالتزام أمر معين، فإذا كان هناك ألف مليون مسلم فهؤلاء الألف مليون مسلم مأمورون أيضاً ألا يسرقوا منك. أمرََك أن تؤدي الأمانة إلى أهلها كذلك أمر الألف مليون مسلم أن يؤدوا الأمانة لك، المؤمن إذا كان عنده أخٌ من الإخوان المستقيمين يعمل لديه، فلماذا يطمئن ويرتاح؟ لأنه لا يخاف أن يسرقه. حقوق العباد وحقوق الله: الله سبحانه عندما أمرك بالاستقامة أمر الناس أن يستقيموا معك، والأمر مُوَجّه و له مفعول آخر، الإمام النووي رضي الله عنه له توجيه قال: "إنما كان يترك النبي الصلاةَ على المدين ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي عليهم عند وفاتهم". كان يأخذ موقفاً حازماً وقاسياً لئلا يطمع الناس، النبي لا يصلي عليهم إذا كان عليهم دين. ((نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ )) [الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ] موقوف رهن التحقيق، في ذمة التحقيق، ما دام عليه دين فنفسه معلقة بدينه، معنى ذلك أن على الإنسان قبل أن يستدين أن يعد للألف بل للمليون، و قبل أن يستقرض من مال المسلمين فعليه ألا يستقرض إلا لسبب خطير وجوهري. (( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ: اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ قُلْتَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلا الدَّيْنَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ لِي ذَلِكَ )) [مسلم عن أَبِي قَتَادَةَ] و هنا يعرض سؤال لماذا في المرة الأولى عليه الصلاة والسلام قال له: نعم إذا قتلت في سبيل الله وأنت صابر والمرة الثانية قال له: أعد السؤال فلما أعاده قال له: إلا الدين؟ حتى يوضح النبي الكريم للسائل سبب التناقض، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام قَالَ لِي ذَلِك، جبريل صحح. لو قتلت في سبيل الله، أغلى شيء هي النفس والجود بالنفس أقصى غاية الجود، لو قتل الإنسان في سبيل الله لا تكفّر عنه خطايا من نوع الدين، لا يكفّر إلا بالأداء. و لقد قلت في خطبة الحج: إن الحاج يتوهم أنه إذا حج بيت الله الحرام رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، أجمع العلماء على أن الذنوب التي تكفّر بالحج هي الذنوب التي بينك وبين الله فقط أما الذنوب التي بينك وبين العباد فهذه لا تسقط ولا تغفر إلا بالأداء أو بالمسامحة، فانتبهوا. حقوق العباد مبنية على المشاححة وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، وترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيء من عمله. حرص الشرع على أداء الحقوق : الإمام النووي في شرح حديث مسلم رضي الله عنه يقول: " إلا الدين فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وإن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفّر حقوق الآدميين إنما يكفّر حقوق الله عز وجل". ![]() ((عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلاً قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِيَ ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ )) [النسائي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ ] حديث صحيح يا أخوان، والنبي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لهذا سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما عدا ذلك فأنا واحد من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله سبحانه وتعالى". أرأيتم أيها الأخوة حرص الشرع الحنيف على أداء الحقوق، أمرنا أن نقرض القرض الحسن لكن أمر المدين أن يؤدي أداء حسناً وحذره أشد التحذير. عندنا قاعدة: أحياناً يوجد أمر ويوجد نهي، لكن يا ترى لو أن قانون السير نصه: يُرجَى السير على اليمين فقط، يُرجى...من دون أن ينص على عقوبات، هل يطبق هذا القانون؟ لا. فهذا القانون عندئذ بالتعبير القانوني يفتقر إلى المؤيد القانوني، ألا و هو: العقوبات الرادعة. عقوبات رادعة لمن استدان و لم يوفِ دينه : 1 ـ الحجر على المدين : نحن الآن أمام التوجيهات المقنعة، النبي وجّه لكن يا ترى بالنظام الإسلامي، بالنظام التشريعي هل عندنا مؤيدات قانونية وعندنا عقوبات رادعة؟ نعم. أولاً: المدين يحجر عليه و الحجر في الشريعة هو منع الإنسان من التصرف بماله، أول عقاب للمدين يفقد حريته في التصرف بماله، أصبح سفيهاً، يتدين ولا يوجد عنده إمكان أن يوفي، و له بيت لا يستطيع أن يبيعه، لو عمل عقداً لا ينفذ العقد، يصدر قرار من القاضي الشرعي بالحجر عليه أي فقد حق التصرف، فقد حقه الطبيعي. الإمام النووي يقول: "من عليه ديون حالّة استحقت، زائدة على ماله يحجر عليه بسؤال الغرماء". عليه ديون أكثر من ماله، والغرماء طلبوا من القاضي، والقاضي يصدر أمراً بالحجر عليه، أصبح بيته ليس ملكه و كذلك محله ومركبته من حق الغرماء. الآن لو جاء هذا المحجور عليه وتصرف في ماله بعد الحجر لا ينفذ تصرفه، روى الإمام أحمد: ((عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلاً مَاتَ وَتَرَكَ مُدَبَّرًا وَدَيْنًا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي دَيْنِهِ فَبَاعُوهُ بِثَمَانِ مِائَةٍ )) [أحمد عَنْ جَابِرٍ] المدبر: عبد قال له سيده: أنت حر بعد موتي، وصية سيده لم تنفذ ولم يؤخذ بها النبي عليه الصلاة والسلام نظراً لما عليه من دين. لو أن إنساناً محجوراً عليه تصدق بالمال فصدقته مردودة عليه: (( بَاب لا صَدَقَةَ إِلا عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ)) [البخاري بَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى عن أبي هريرة] تتصدق وأنت عليك دين. لا، وفِّ الدين ثم تصدق. (( ....َمَنْ أَخَذَ أموال الناس يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] 2 ـ حبس المدين : ثانياً: حبس المدين، في قطر عربي إسلامي هذا التشريع قائم، المدين على السجن، لكن يوجد هاتف في السجن لا يخرج حتى يقضي الدين، خبّر أهلك، إذا كان عليه سند دين لم يدفع يساق صاحبه إلى السجن، فقد قال عليه الصلاة و السلام: (( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: عِرْضُهُ يَقُولُ مَطَلْتَنِي وَعُقُوبَتُهُ الْحَبْسُ)) [البخاري بَاب لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ عن أبي هريرة ] ![]() قال لي: تعال غداً، عرضه: أن يتكلم الناس بحقه، يقال: هذا يأكل مالاً حراماً، وهذه ليست غيبة، ما الذي يحصل بين التجار؟ يأتي زبون ناعم فيستدين ثم لا يدفع، و لقد أمرنا النبي أن نشهّر به؛ أنه لا يدفع، إذا سألك جارك: فلان يريد أن يستدين مني هل أدينه؟ قل له: إياك أن تدينه، وقل عنه: إنه لا يدفع، هذا يأخذ ولا يعطي. الإمام البخاري نقل عن سفيان أن عقوبته الحبس حتى يؤدي الدين، فالحبس مشروع حتى يؤدي الدين. العلامة العيني قال في شرح هذا الحديث: مشروعية حبس المديون إذا كان قادراً على الوفاء تاديباً له لأنه ظالم عندئذ، والظلم محرم وإن قل. والقاضي شريح أمر بحبس شخص لم يؤدِّ الدين. هناك خلاف بين العلماء إذا كان المديون معسراً قالوا: الأولى ألا يحبس، أما إذا كان ميسوراً فيحبس حتى يؤدي الدين، إن كان معسراً له حق بالآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة البقرة : 280 ] 3 ـ مَنعُ المدين من السفر : و بعد هذه مشكلة ثانية: تديَّنَ وعمل جواز سفر وهرب، أين ذاهب؟ مَنعُ المدين من السفر: هذه كلها إجراءات قانونية أساسها شرعي، من أراد سفراً وعليه حق يُستحق قبل مدة سفره فلصاحب الحق منعه، تزوج وطلق ولم يدفع المهر، يتمكن والد المطلقة من تقديم كتاب للقضاء، ويبلغون دائرة الهجرة والجوازات و يمنعون سفره، المدين ممنوع أن يسافر، المدين يحبس، المدين لك أن تفضحه، المدين يحجر على أمواله، المدين يفقد حق التصرف بماله. لا أشتري شيئاً لا أملك ثمنه، لا نستقرض إلا لسبب قاهر، لأمر خطير وأمر مصيري، لعملية جراحية فقط، أما لأشياء تافهة فهذا شيء مخيف. الغارمون : أمرنا الله عز وجل بالإقراض الحسن، وحثنا عليه وأمرنا بإنظار المعسر، وأمرنا أن نضع عنه شطر دينه أو كل دينه، وأمر المدين أن يؤدي واعتبره ظالماً مرتكب كبيرة وفاسقاً، وأمر بحبسه، وبالحجر على أمواله، وأمر بمنعه من السفر، وقال لنا نحن الطرف الثالث: ساعدوا المدين، يستحق المدين من أموال الزكاة والغارمين، انظر التوازن في التشريع، أنت كإنسان معك مال زكاة فيجوز لك أن تدفع من مال الزكاة لهذا المديون لكي يفي دينه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة التوبة : 60 ] ![]() الغارمون كما قال الإمام القرطبي: "هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به ولا خلاف فيه"، أي يا إخوان: إذا إنسان أحبّ أن يدفع زكاة ماله له أقرباء اسأله أعليك دين؟ عليك عشرة آلاف ليرة فهذا مصرف للزكاة رائع جداً، الدَّيْن هَمّ عليه، ودخله محدود، فإذا أردت أن تدفع زكاة مالك خصص جزءاً من زكاة مالك للغارمين والمديونين. "هم الذين ركبهم الدين، ولا وفاء عندهم به، ولا خلاف فيه"، الدين ثابت ، اللهم إلا من استدان في سفاهة فإنه لا يعطى منها، استدان ليشتري جهاز فيديو، و الله لا ندفع له من الزكاة، هذا مديون مسكين لا ندفع له. احذروا لا ندفع له، إذا شخص تدين ليشتري جهازَ فسادٍ فهذا لا يجوز أن تدفع له من زكاتك وفاءً لهذا الدّين، الدين لعملية جراحية، أشياء أساسية قاهرة، أي بحاجة إلى جهاز أساسي في حياته، "و من استدان في سفاهة فإنه لا يعطى منها و لا من غيرها إلا أن يتوب" فإذا تاب فلا مانع، و يعطى منها من له مال و عليه دين محيط به ما يقضي به دينه، فإن لم يكن له مال و عليه دين فهو فقير و غارم فيعطى بالوصفين، الذي عليه دين و ليس معه الوفاء هذا صار فقيراً و غارماً بآن واحد، اجتمعت صفتان، من عليه دين و ليس معه الوفاء، أحياناً معه مال و لكن لا يكفي دَينه، عليه مئة ألف و معه ثلاثون ألفاً يقال: معه ثلاثون ألفاً لكن لا يكفي. فدينه أكبر، فهذا اسمه غارم أما الذي لا يملك مالاً إطلاقاً فاسمه فقير و غارم يستحق الزكاة من جهتين، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصدقة على من لزمته الديون: (( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ )) [مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] أحياناً يغرم المرء بالضمان، يضمن المشمش بعشر ليرات، فيصبح ثمنه خمس ليرات، صار مديوناً وكل شيء قطفه لا يكفي ثمن الضمان، هذا غارم. لو فرضنا أن الناس لم يتقدموا لمساعدة المدين، فالغارم يستحق جزءاً من بيت مال المسلمين هذا التشريع المتوازن. من تفقه بالدين ارتقت معرفته : على كلٍّ هناك أبحاث متعلقة بالدين، و يجب أن تعلموا علم اليقين أن هذا الشرع الحنيف نظام خالق الكون، نظام متكامل، الدين ضرورة وأداؤه ضرورة، والزكاة ضرورة، والصدقة ضرورة، والإنسان كلما تفقه بالدين ارتقت معرفته، أصبح عمله حكيماً قال تعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ سورة الزمر: 123 ] أحياناً يشعر الإنسان أن هناك فتوراً في عبادته، يوازن نفسه مع إنسان جاهل من أصدقائه، يرى فضل الله عليه، والعلم نعمة من أفضل النعم، ما من نعمة تفضل نعمة العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، العلم يحتاج إلى وقت، وإلى مكان، بيوت الله عز وجل هي المكان الصحيح لتلقي العلم، أي أن الجامع له دور كبير، دور التعليم، ودور التوجيه، ودور التعاون، و يجب على الإنسان أن يكون له مشرب علمي دائماً، هذا مما حضّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم. من علامة التوفيق أن يكون معروف الإنسان عند أهل الحفاظ : الحقيقة أن الإنسان كما أقول لكم دائماً يتألق لمّا يطبق ما علم، ولما ينوي أن يقرض قرضاً حسناً، والله عز وجل متطلع على نيته، فأولاً يسوقه إلى إنسان يستحق هذا القرض، لأن من علامة التوفيق أن يكون معروفك عند أهل الحفاظ، و الإنسان أحياناً يصنع معروفاً مع أهل الجحود فيتألم ألماً شديداً، مع أن الإنسان مأمور كما ورد قال: اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله، لكن من نعم الله الكبرى أن يكون المعروف مع إنسان يستحق المعروف، مع إنسان من أهل الوفاء، إنسان كريم، إنسان محسن، لا ينسى لك هذا الفضل، والقاعدة الثابتة: إن فعلت معروفاً يجب أن تنساه، وإن فعل أحد معك معروفاً يجب ألّا تنساه أبداً، أكمل شيء في الإنسان أنه إذا قدم لك أحد معروفاً فكلما شاهدته قل له: أنا لن أنسى فضلك عليّ، هذا كمال، وإن فعلت معروفاً مع إنسان فلتكن كأنك لا تعرفه ولا يعرفك. انسه فوراً، انسَ معروفك وتذكر معروف الآخرين هذا مما ينمي العلاقة بين المؤمنين، وهذا مما ينمي الود بينهم. التعاون في أمور الدنيا والآخرة : الإنسان من سعادته العظمى أن أعماله الصالحة مع إخوانه المؤمنين، فيعرفون قيمة أعماله ولا ينسون فضله عليهم، و تتوثق بينهم عرى المودة، والآية الأساسية قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] الحياة أصبحت معقدة جداً أيها الأخوة كان الإنسان قديماً يعاون أباه، وله غرفة في البيت العربي، والبيت عبارة عن ثلاثين غرفة، و عندما يتزوج الشاب فإنه يختص بغرفة من البيت، وانتهى الأمر، الآن لابد من التعاون، لأن الحياة معقدة، و الأعمال تحتم على الناس المعاونة، معي مئة ألف ليرة لا تساوي شيئاً والمحل فروغه بمليوني ليرة، ولابد من التعاون في أمور الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ سورة المائدة: 2 ] قيل: البر صلاح الدنيا والتقوى صلاح الآخرة، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، والحقيقة عندما الأخ يأتي إلى الجامع، وله أخوان طيبون طاهرون، وله علاقات طيبة، يشعر بالأنس الاجتماعي ليس وحدك في الحياة. ((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) [متفق عليه عَنْ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ] ![]() هذه علامة المجتمع المؤمن الصادق، فالإنسان يقدم ويُعَاوِن حتى يعاوَن، الحياة أخذ وعطاء، قلت لكم سابقاً: الأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل ترفع زوجته رجليها لأن غرفته الصغيرة لا تتسع لصلاته ونومها، ما أخذ شيئاً، أعطى البشرية كل شيء ولم يأخذ شيئاً، والمنحرفون أشد الانحراف أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، أما عامة المؤمنين الحياة أخذ وعطاء، أنت عاون، تتعاون بعد ذلك، أبسط مثل إنسان تزوج، له ثلاثون أو عشرون أخاً، جمعوا ألفاً ألفاً وأخذوا له براد و ثريا، رأى حاله بضائقة شديدة والأمور كلها تيسرت، بعد أن تزوج واستقر، الذي قدم له السجادة، الآن سوف يوفي الدين، الهدايا كلها ديون، والتعاون في الزواج، والعمل، والمرض، والصحة، والسفر، والإقامة، وتأسيس شركة، ومشروع، الله عز وجل يحب التعاون، يد الله مع الجماعة، يد الله على الجماعة والجماعة رحمة والفرقة عذاب: ((... فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ)) [أحمد عَنْ ابْنِ عُمَرَ] من أراد أن يعمل عملاً صالحاً ألهمه الله أعمالاً رائعة : الإنسان لا يكفي أن تحضر الدرس، لابد من أن يكون لك أخوان طيبون، ولك معهم علاقة طيبة، هناك معرفة ومذاكرة بالدين والعلاقة الطيبة مع إخوانك المؤمنين تجعلك عضواً في جماعة مؤمنة، وأنت عنصر فعال إيجابي، وهذا الذي يرضي الله عز وجل، أن المؤمن يكون متعاوناً مع أخوانه المؤمنين. إنسان بالرياضيات متفوق، فليقم بعدد من الدروس لإخوانه الضعاف بالرياضيات، عندهم بكالوريا، لا يوجد مانع أن نتعاون، إنسان مختص باللغة الأجنبية إن كان أخوانه عندهم ضعف في هذه الدروس، باب التعاون كبير جداً، والإنسان عندما يريد أن يعمل عملاً صالحاً يلهمه الله أعمالاً غريبة ورائعة. في بعض البلاد الإسلامية إذا توفي إنسان كل المعزين يعزونه مع مبلغ من المال، فيجمع مبلغ ضخم، هناك العرف يستخدم المال وإذا كان من أخذ العزاء لا يحتاجه يتصدق به، والتعزية فيها مشاركة مادية أيضاً، الوالد مات توقف العمل والدخل قل، الحياة أساسها التعاون والتعاون البناء والصادق والمخلص لله عز وجل. وأنت كلما شعرت نفسك تعطي وتأخذ تمتنت علاقتك بالمؤمنين، وكلما رأيت نفسك مستمعاً فقط، وكلما كلفت بعمل قلت: لا يوجد معي نقدي، يوجد أناس أذكياء جداً بالاعتذار ينسحب انسحاباً لطيفاً، وأرجو الله عز وجل أن يترجم هذا الدرس إلى سلوك يومي وإلى واقع. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-17-2018 الساعة 01:12 PM
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| التعاملية, العبادات |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 19 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 19 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الغايات السامية من العبادات الراقية | منى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 07-20-2014 06:55 PM |