| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( الاول ) الموضوع :اهمية الايمان باليوم الاخر و اسبابة الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لاعلم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا , وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التعريف باليوم الآخر: أيها الأخوة , أرجو الله أن أوفق لعرض سلسلة من الدروس عن اليوم الآخر. قبل يومين استوقفتني آية في كتاب الله ,وجدت فيها مفتاحاً لحل معظم مشكلاتنا، ألا وهي قول تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 74 ) هكذا الآية. أركان الإيمان باليوم الآخر: لو استعرضنا أركان الإيمان: 1. الإيمان بالله 2. الإيمان باليوم الآخر 3. الإيمان بالملائكة 4. الإيمان بالكتب 5. الإيمان بالرسل 6. الإيمان بالقدر خيره وشره من الله. الترابط المتلازم بين الإيمان بالله واليوم الآخر وأثرهما على حياة المسلم: هذه الأركان الستة هي أركان الإيمان, فما من ركنين تلازما في القرآن الكريم تلازما يثير الدهشة, كركني الإيمان بالله واليوم الآخر, لأن الإيمان بالله وحده لايحملك على طاعة الله, أما إذا آمنت أن الله موجود, ويعلم, وسيحاسب, فلا يمكن أن تعصيه. حينما قال الله عز وجل: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾ ( سورة الطلاق الآية: 12 ) أن خلق السموات والأرض علته ؛ أي سببه، أن تعلموا. ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ ( سورة الطلاق الآية:12) العلاقة المتباينة بين اسم العليم واسم القدير: اختار الله من كل أسمائه اسمين , اسم العليم , واسم القدير,علمه يطولك، وقدرته تطولك، وأنت والله الذي لا إله إلا هو، لو أيقنت أن إنساناً تحتقره , وهو أقوى منك فلا يمكن أن تعصيه، إذا كان هذا الإنسان قادراً على أن يضبط مخالفتك، وهو قادرٌ أيضاً أن يضعك في مكان صعب فلا يمكن أن تعصيه، ولا أنسى قول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يخاطب نفسه فيقول: ((يا نفس ,لو أن طبيباً حاذقاً حذرك من أكلة تحبينها لا شك أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟)) الآن إنسان يقول له الطبيب: دع الملح، ومعلوم أنّ الطعام بلا ملح لا يؤكل ، فإنّه يدع الملح. (( لو أن طبيباً حاذقاً حذّركِ من أكلة تحبينها لا شك أنكِ تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرك ! أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلك!)) العقوبات الإلهية التي تنال المسلم من فقر وقهر بسبب ارتكابه المعاصي والآثام: إذاً ما من إنسانٍ يعصي الله عز وجل إلا وهو مدموغ بالكفر والجهل، والذي يحير أيها الأخوة, أن العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، يعلم من دروس العلم، أو من خلال خطب الجمعة، أو من خلال مادة التربية الإسلامية التي تلقاها في المدارس، أو من خلال فطرته, أن السرقة حرام, والكذب حرام, والاحتيال حرام, والعدوان على الأعراض حرام , وما هذا الذي نلقاه من الله عز وجل من تأديب, بعضه تأديب تقنين,وبعضه تأديب قهر وبعضه تأديب فقر ,إلا بسبب هذه المعاصي والآثام. أين الخلل؟ ![]() هناك مساجد أنشئت , والذي أنشئ في هذه السنوات الأخيرة من ا لمساجد , لم ينشأ مثله في خمسمئة عام سابقة. هناك مصاحف لها طبعات تأخذ بالألباب , هناك مكتبة إسلامية رائعة جدﴽ, هناك مكتبة صوتية , مكتبة مرئية , مؤتمرات , مساجد عملاقة , ومع ذلك الناس منحرفون أشد الانحراف , يأكلون أموا لهم بينهم بالباطل , يعتدون على أعراض بعضهم بعضا , والذي استوقفني في هذه الآية البارحة في صلاة الفجر معناها الدقيق: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُون﴾ (سورة المؤمنون الآية:74) الإيمان باليوم الآخر: لذلك أردت بتوفيق الله عز وجل أن أجعل سلسلة من الدروس حول الإيمان باليوم الآخر إذا آمنت باليوم الآخر، آمنت أنه لا بد أن تقف بين يدي الله عز وجل، لتُسأَل عن أي شيء فعلته، لمَ فعلته ؟ عن أي شيء لم تفعله لمَ لمْ تفعله ؟ عن أي طلاق تعسفي، عن أي زواج لا يرضي الله عز وجل، عن أيّ علاقة مشبوهة ,عن أي عطاء لغير الله، عن أي منع لغير الله، عن أي رضاً لغير الله، عن أي غضبٍ لغير الله. حينما تعلم أن الله سيسأل، وسيحا سب، وسيعاقب، حينئذٍ لا بد أن تستقيم على أمر الله، لعل محور هذه الدروس كلها هو الإيمان باليوم الآخر. عقيدة أهل الكفر: أيها الأخوة الكرام , أعرض لكم عقيدة أهل الكفر, مبيناﹰماذا يعتقد هؤلاء في كتاب الله؟. ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ* إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين*﴾ ( سورة المؤمنون الآية:35-37) ![]() هذه عقيدة أهل الكفر، سواءً صرحوا بها أو لم يصرحوا، أعلنوها أو لم يعلنوها، الكافر يعتقد أن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، فمن كان بها غنياً كان بها سعيداً، ومن كان فيها فقيراً كان فيها شقياً، من كان فيها قوياً أخذ ما له وما ليس له، ومن كان فيها ضعيفاً أُخذ مما في يديه، هكذا لا يجرؤ مسلم أن يقول هذا الكلام. لكن إذا دققت في أعمال المسلمين تجد أعمالهم تنطق بهذه العقيدة، فهو لا يرى إلا الدنيا، ولا يرى إلا المال، ولا يرى إلا المادة، ولا يرى إلا العز، لذلك إذا دعي من فقير ضعيف لا يلبي الدعوة، ويدَّعي أنّ وقته مزدحم، أما إنْ دعاه غني أو قوي يكن أول الحاضرين. يقول الله تعالى في كتابه العزيز مبيناﹰ عقيدة أهل الكفر: ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِين*﴾ ( سورة المؤمنون الآية:35-37) فإن جعلت الدنيا أكبر همك، ومبلغ علمك، ومنتهى أملك، همك الأول الدرهم والدينار، والعلو في الأرض، فأنت مما يعتقد هذا، ولو لم تنطق به. العبرة بالمعاني لابالألفاظ: العبرة أيها الأخوة , الفعل الذي ينطلق من قناعة ومن رؤية، فلا قيمة للفظ إلا بالمعنى في هذا العصراختلطت المفاهيم قد تعبر عن أسوأ النوايا بأحلى الألفاظ، قد يكون بينك وبين إنسان عداوة عميقة، فتبتسم له، وتبش في وجهه، وتثني عليه، هكذا طبيعة العصر , طبيعة أساسها النفاق، أساسها الازدواجية. موقف معلن، وموقف مبطن، شيء ظاهر، وشيء باطن، والعجيب أن سلوك بعض المسلمين ينطلق من هذه العقيدة، الدنيا هي كل شيء، رد الله على هذه العقيدة فقال: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ( سورة القيامة الآية: 36 ) الاستشهاد بأمثلة لتوضيح المعنى: ![]() مثلاً جامعة كلَّفتْ عند إنشائها الملايين من الليرات مخابر , وقاعات تدريس، وبيوت طلبة، وحدائق، وملاعب، وقاعات محاضرات، ومكتبة ضخمة، فهل مِن المعقول ألاّ يكون في آخر العام امتحان ؟ أو يكون كل واحد دخل إلى هذه الجامعة متنزهاً ينال الشهادة من دون دراسة,يقول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ( سورة القيامة الآية:36) تذكير البيان الإلهي الإنسان في أيامه الأولى بأنه كان نطفة لكي يعود إلى رشده: هكذا. ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ ( سورة القيامة الآية: 37 ) أنت مكوَّن من حوين، من خمسمئة مليون حوين، قذَفها الرجل، واختارت البويضة حويناً واحداً، دخل إليها، ولقحها، وانقسمت، ثم أصبحت إنساناً بعد تسعة أشهر وعشرة أيام، هذا الذي خلق الإنسان من حوين، من ماء مهين، تستحي به لو كان على ثيابك. خرجت من عورة , ودخلت إلى عورة، ثم خرجت من عورة، ثلاث مرات، مرة خرجت، ثم دخلت، ثم خرجت، ثلاث عورات يستحي أشد الناس وقاحة أن يظهر عورته, وهذا معنى الآية يقول الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى* أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى*﴾ ( سورة القيامة الآية: 36 ـ 40 ) بلى، أعلى كتاب نأخذ منه عقيدتنا هو كتاب الله، بل هو أروع كتاب عقيدة، أن تأتي الأفكار مقتبسة من كتاب الله الاستشهاد بأدلة من الكتاب على عناد أهل الكفر واستكبارهم على الحقيقة: و هذه عقيدة أهل الكفر: ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ﴾ رد الله عليهم: ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى، ألم يكن نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ﴾ وقالوا: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَد ِيداً* ﴾ ( سورة اﻹسراء الآية: 49-50) فالعظم مع الأيام يتلف، ويصبح كالرميم، أما قطعة حديد فمستحيل. ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ ( سورة الإسراء الآية: 50 ـ 51 ) الموت أمر حتمي لاطارﺉ والبيان الإلهي يؤكد لنا هذه الحقيقة والرد على منكريه: أخواننا الكرام , نحن جميعا، حكم علينا بالموت مع وقف التنفيذ. قبل أسابيع أحد أخواننا يجري كل يوم ساعة, ويسبح ساعة أينما وجد؟ ومع أي إنسان التقى, يحدثه عن الطعام القليل, وعن أكل الخضاروالفواكه، وعن أكل الخبز الأسمر، وعن الجري، والمشي والرياضة. فهو إنسان يتمتع بلياقة جسمية عالية جداً، ويعتني بصحته عناية تفوق حد الخيال , في دقائق غادر الدنيا. معنى ذلك أنّ الإنسان لا يدري متى يغادر الدنيا، بلا مقدمات، بلا أمراض، بلا قصة مرضية، بلا شكوى. هناك رجلان أعرفهما جيداً، غادرا الدنيا في وقت مبكر، ودون أي مرض. نحن جميعاً محكومون بالموت مع وقف التنفيذ، وكل واحد منا إذا استيقظ صباحاً يجب أن يعلم ,أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ صباحاً يقول: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي رَدََّ عَلَيّ رُوحِي، وَعافانِي في جَسَدِي، وأذِن لي بذِكْرِهِ )) [ رواه ابن السني عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ] يقول الله عز وجل و يرد على هذه العقيدة الساذجة الغبيَّة. ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ ( سورة مريم الآية: 67) ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ( سورة يس الآية:78- 79) العبرة والعظة ماتفهمه من الكتاب و ا لسنة وأن تعمل بهما وإن قل العمل: ![]() ما لم تعتقد أن الله سيبعثك ليوم لا ريب فيه، وسيسألك عن أي عمل مهما بدا لك صغيراً فأنت لست مؤمنا. أعرابي لا يحمل شهادةً عالية، وليس عنده مكتبة ضخمة، وما حضر مجالس علم، ولا حضر مؤتمرًا إسلامياﹰ، ولا عنده مكتبة صوتيه، أعرابي قال يا رسول الله - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عظني ولا تطل، قال: ُ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ( سورة الزلزلة الآية:6-8) قال: كفيت. اكتفى بآية, والقرآن بين أيدينا، يعني ستة آلاف آية نقرأه، ونستمع إليه، ونستمع إلى تفسيره، ومع ذلك تجد أنّ معظم المسلمين غيرَ منضبطين. أما هذا الأعرابي فقال: كفيت، قال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل. يقول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 57 ) هكذا، فكما أن الله يحيي الأرض الميتة بالمطر، كذلك يحيي هذه الأجساد الفانية بقدرته العظيمة.أيها الأخوة, ربنا يقسم ويقول: ﴿وَالطُّورِ* وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ* ﴾ ( سورة الطور الآية: 1-8) رأي ابن القيم عن دليل اليوم الآخر ورأي العلماء كذلك: ![]() هنا النقطة الفذّة، الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى انفرد من بين العلماء، وقال: إن دليل اليوم الآخر دليلٌ عقلي، بينما معظم العلماء يرون أن دليل اليوم الآخر دليل نقلي، فالله عز وجل أخبرنا أن هناك حياة بعد هذه الحياة، يُحاسَب فيها الإنسان عن أعماله. إلا أن هذا العالم يرى وأنا معه، يرى أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، فهل يقبل هذا العقل السليم أن هذا الإله العظيم خَلَق قوياً، وخَلَق ضعيفاً، وأن الموت ينهي كل شيء، فالقوي استعلى , وتغطرس، واستكبر، وظلم، وأخذ ما ليس له، والضعيف أُخذ منه كل شيء، وانتهت الحياة على هذا؟ كمال الخلق يدل على كمال التصرف. العقل لا يرضى أن تنتهي الحياة هكذا , خَلَق غنيًا يكاد يتمزق من شدة التخمة، وخلق فقيراً يكاد يموت من الجوع، وتنتهي الحياة. خلق إنسانًا وسيمًا ترنو إليه الأبصار، وخلق إنسانًا دميمًا تتفاداه الأبصار، وتنتهي الحياة هكذا، لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات. أساس تماسك المسلم من القلق والسقوط والانهيار بسبب إيمانه باليوم الآخر: أيها الأخوة، لولا الإيمان بهذا اليوم لانهار الإنسان، لكن العبرة بوجود اليوم الآخر، الغنى والفقر بعد العرض على الله، والعز والذل بعد العرض على الله، العلو والدنو بعد العرض على الله. هذه الدنيا دارُ امتحان، فلذلك ﴿ والطور، وكتاب مسطور، في رق منشور والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجورمِ﴾ الذي خلق هذه الأكوان لا يعقل أن يترك الإنسان سدى، بل لا بد أن يُحاسَب، ويقف بين يديه ليحقَّ الحق والعدلَ. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ( سورة المؤمنون الآية 115-116)تعالى أن يخلق الناس عبثاً ﴿إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع ﴾ السنة الإلهية التي جرت عادتها بين العباد بأن قننت في الحياة الدنيا والآخرة مؤيدات قانونية تخص كل منهما: ![]() أيها الأخوة , لن تستطيع أن تستقيم على أمر الله إلا بكتاب الله، وهدي رسوله، لا تقل ضمير، فهذا كلام فارغ، ولا تقل: مراقبة ذاتية، فهذا كلام فجٌّ، لا تقل: فلان تربَّى تربية منزلية راقية، فهذا غير صحيح. إن لم تؤمن أن هناك يوماً تُحاسَب فيه عن كل شيء فلن تستقيم أي قانون يصدر في أي بلد في العالم إلاّ وله مؤيد قانوني. تصور قانون السير بلا عقوبات عليك أن تمشي على اليمين، أن تقود مركبة مع إجازة، وليس هناك عقاب، فمَن يطبق ؟ لكن هناك مخالفة بخمسة آلاف ليرة، وبهذه المخالفة تُسحَب منك الإجازة، هذه المخالفة فيها حجز مركبة، وهذه المخالفة تؤدِّي إلى السجن، لا يمكن أن يطبق نظام على وجه الأرض إلا بمؤيد قانوني.كذلك الايمان بالله هو العقيدة والمؤيد القانوني لهذا الإيمان هو اليوم الآخر. ينبغي على المسلم أن يتحقق من الكلام الذي يسمعه وذلك بعرضه على العلم المطابق للواقع مع الدليل: لذلك عليكم بالكلام الواقعي، ودعونا من كلام غير واقعي، دعونا من كلام محالٍ. قولهم أنه يجب أنْ نربي الإنسان تربية يتحمل المسؤولية من غير دين، لكن ما وجدناها أبداً. إذا لم يكن مؤمنًا باليوم الآخر، وأن الله يراقبه، وسيحاسبه، وسيعاقبه، لن يستقيم على أمره، فهذا هو الكلام الواقعي، والعلم ما طابق الواقع، العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل. التربية الإيمانية في كيان المسلم تعينه على ضبط نفسه ونزوا ته وتحمله على مراقبة الله: لن تستقيم على أمر الله إلا إذا آمنت أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب " ولتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما "، وأنت منضبط أشد الانضباط مع إنسان دونك، لكن علمه يطولك، وقدرته تطولك، قد يكون أقل منك بكثير، لكن آتاه الله قدرة عليك و يستطيع أن يكشف مخالفتك له ,وأنت تقود مركبة، والإشارة حمراء، والشرطي واقف وأنت مواطن عادي. فهل مِن الممكن أنْ تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ مستحيل مع إنسان، فمع شخص ربما لا تحبه، وربما لا تعتبره، ومع ذلك تطيعه، فكيف بخالق الأكوان، وواهب الحياة للإنسان. الإيمان باليوم الآخر أساس عقيدتنا , بل إن الركنين المتلازمين من أركان الإيمان هما أن تؤمن بالله واليوم الآخر، تطرح على نفسك سؤالاً في أيِّ موقف: ماذا سأجيب الله يوم القيامة ؟ ذات مرة كان أحد الأشخاص يعمل في التموين، وكانت هناك موجة من المخالفات، وكان الضغط على التجار شديدًا. فجاء أحدُ موظفي التموين يستنصحني، قال: بماذا تنصحني ؟ فقلت له: وقد أردت أن أفاجئه بنصيحة غير متوقعة، قلت له: اكتب من الضبوط ما تشاء، وأدخل مِن الناس إلى السجن مَن تشاء، فاستغرب هذا الكلام. قال هكذا تنصحني، قلت له:نعم، لكن بطولتك أن تهيئ جواباً لخالقك يوم القيامة، عن كل ضبط كتبته، وعن كل مخالفة سجلتها، وعن كل أذى سقتَه لإنسان، والله يحب كل خلقه، فبطولتك أن تكون معك حجةٌ لله عز وجل. الاستشهاد بمواقف إيمانية من الصحابة والتابعين وارتباطهم بذلك اليوم وشدة الخوف منه: دخلت زوجة سيدنا عمر بن عبد العزيز عليه في غرفته فرأته في مصلاه يبكي، سيدنا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، قالت له ما يبكيك ؟ قال: دعيني وشأني، فألَّحتْ عليه ثانية وثالثة، فقال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه قال: فكرتُ في المريض، والفقير، والأرملة، والمسكين، والشيخ الفاني، وذي العيال الكثير، وذَكَر لها أكثر من ثلاثين نوعًا من حالات مأساوية اجتماعية، فعلمت أن الله سيحاسبني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي، ولهذا أبكي. قال سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: ((والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟)) لأنه مؤمن باليوم الآخر، ولما قال سيدنا عمر لعبد الرحمن بن عوف رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما: امضِ بنا نحرس هذه القافلة، مَن هما ؟لأنه عمل صالح، له ثوابه عند الله تعالى. وحين بكى طفل صغير، قام عمر إلى أمه، وقال لها: أرضعيه، فأرضعته، وبعد حين بكى، فقال أرضعيه، فأرضعته،ثم بكى، فذهب وقال لها: يا أَمَةَ السوء أرضعيه، قالت: ما شأنك بنا ! إنني أفطمه، قال: ولمَ , قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام ـ تعويض العائلي ـ يروى أن عمر بن الخطاب ضرب جبهته، وقال: ويحك يا ابن الخطاب، كم قتلت مِن أطفال المسلمين ؟ لأنه جعل التعويض العائلي عقب الفطام، لا عقب الولادة. فكل أم تتمنى أن تأخذ التعويض العائلي فتحمل ابنها على الفطام قبل أوانه، فقال: ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ وصلى الفجر بأصحابه، ولم يعرف أصحابه ماذا قرأ من شدة بكائه ؟ كان يقول عقِب صلاته: يا رب هل قَبلتَ توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها، لقد فعَل هذا كلَّه لأنه مؤمن باليوم الآخر . إذا آمنت باليوم الآخر تسخر جميع ماتملك في خدمة الخلق أما إذا لم تؤمن تسخر جهود الآخرين لخدمتك: فأنت عليك أنْ تؤمن باليوم الآخر إيمانًا حقيقيًّا، وحينئذٍ ستنعكس موازينك 180 درجة، إذا آمنت باليوم الآخر ترى كل سعادتك بالعطاء لا بالأخذ، كي يرضى الله عنك، وكي ترقى في جنة عرضها السموات والأرض، تعد للمليار قبل أن تؤذي قطة. إذا آمنت باليوم الآخر تبحث عن عمل صالح، تبحث عن حرفة تخدم فيها عباد الله، تبحث عن شيءٍ ترضي الله به، تبذل وقتك، مالك، جهدك، ساعات قيلولتك، ساعات راحتك، في سبيل الله، وتسخِّر فكرك، ولسانك، ويدك، ووقتك، وجهدك وعضلاتك في سبيل الله. أما إذا لم تؤمن فإنّك تستخدم جهود الآخرين، وتعيش على أنقاضهم، وتتمنى أن تعيش وحدك، وأن تأكل وحدك، وأن تستمتع وحدك. آثار الإيمان باليوم الآخر: إذا آمنت باليوم الآخر تتغير كل المفاهيم والمقاييس لديك: ![]() إن آمنت باليوم الآخر يجب أن تنعكس مقاييسك، فتصبح سعادتك بالعطاء لا بالأخذ، أما معظم الناس اليوم فسعادته بالأخذ لا بالعطاء، وسعادته أن يعيش على أنقاض الناس، أن يعيش وحده، أن يأكل وحده ما لذَّ وطاب، أن يسكن وحده في بيت فخم، أن يركب أجمل مركبة أن يستمتع بأية امرأة، دون أن يعبأ بالناس، ولا بمصير الشباب، ولا بمصير الفقراء. فلذلك إن آمنت باليوم الآخر تنقلب كلَّ المفاهيم، تستيقظ صباحاً تبحث عن عمل صالح يرضي الله، يا رب هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. لأن الإيمان باليوم الآخر جزء من عقيدة المسلم. الاستعداد لذلك اليوم:-2 الأمر الثاني في موضوع الإيمان باليوم الآخر.إذا آمنت باليوم الآخر هيأت نفسك لهذا اليوم، لأنّك آمنت بالامتحان فتدرس له، لأنه عندك يقين قطعي أن هناك امتحانًا، وعقب هذا الامتحان يعز المرء أو يهان، وإذا نجحت نلتَ شهادة عليا، وعيِّنتَ في منصب رفيع، بدخل كبير، فتزوجت، فإذا بنيت الدخل، والرزق، والزواج، والجاهَ، وعلو الشأن على هذا النجاح، وأنت موقن أن هذا الامتحان وا قع لا محالة تدرس بلا كلَلٍ وملَلٍ. لماذا يجب أن نؤمن باليوم الآخر ؟ مِن أجل أن نعمل لهذا اليوم. الأمثلة المطروحة لتوضيح الفهم: سألوا مرة طالبًا نال الدرجة الأولى في امتحان الشهادة الثانوية، سألوه في صحيفة يومية بمَ نلت هذا التفوق ؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي، ولا ساعة في أثناء العام الدراسي. انظر لأيِّ إنسان لماذا المؤمن متوازن؟ لأنه منذ أنْ آمن فهذه حرام يتجنبُها، هذه ترضي الله فيقبِل عليها، ينفق ماله عن طيبِ نفسه، يترك الحرام رغم إغرائه، يغضب لله عز وجل، فهو يهيئ نفسه للموت قبل ثلاثين سنة، إذا جاء ملك الموت فهو جاهز، مِن ثلاثين أو أربعين سنة. كل دقيقة يحاسِب نفسه فيها حسابًا دقيقًا، هذه لا ترضي الله، هذه ترضي الله، هذا العمل يحبه الله، وذاك لا يحبه، فهو منسجم مع اليوم الآخر من ثلاثين سنة. تصور إنسانًا ـ وهذا مثل افتراضي ـ فقيرًا جداً، قيل له: اذهب إلى بلد غربي، واحصل على الدكتوراه، وسوف تعود إلى بلدك، وتستلم أعلى منصب في وزارة الصحة، يُقدَّم لك أجمل بيت في أرقى أحياء دمشق، وتقترن بأجمل زوجة، وتركب أجمل مركبة، ولك أكبر دخل ـ افتراض ـ وهذا الإنسان فقير، فماذا يفعل ؟ يذهب إلى بلد غربي، ويعمل في جلي الصحون في مطعم، ويعمل حارسًا ليليًا، ويدرس ويثابر، وهو يعلق أهمية على هذه الشهادة لا حدود لها، نال هذه الشهادة، وأخذ وثيقة عنها، وصدقها من الجامعة , وصدقها من الخارجية والسفارة، واشترى بطاقة طائرة، وذهب إلى المطار، وأخذ بطاقة صعود للطائرة، ووضع رجله في أول سلم الطائرة. هل تعتقدون أن في الأرض من هو أسعد منه ؟انتهى عهد الحراسة، والعمل في المطعم، والدراسة حتى الساعة الثانية ليلاً، ودخول الامتحان كله انتهى. ولما وضع رجله على الطائرة كان أسعدَ إنسان، هذا مَثَلٌ تقريبي. المؤمن الصادق حينما يأتيه ملك الموت، ووصل إلى الدار الآخرة فهو أسعد إنسان على الإطلاق, لذلك قالوا: الموت تحفة المؤمن.ثلاثين سنة يغض بصره، ويضبط لسانه، وينفق ماله، ويخدم الناس، يرجو رحمة الله في هذا اليوم، ثم جاء هذا اليوم ونفسه مطمئنة. 3- إذا آمنت باليوم الآخر وعملت عملا صالحا حققت الهدف من وجودك: أيها الأخوة , الإيمان باليوم الآخر يحملك على الاستعداد له، و أن يكون لك هدف في الحياة. فما دمت قد آمنت باليوم الآخر منذ أن تستيقظ، وحتى تنام، كان همك أن تعمل أعمالاً صالحة ترضي الله عز وجل , حققت الهدف من وجودك. الإيمان باليوم الآخر مريح للقلب وللنفس، بينما حالات قهر تصيب من لم يؤمن بهذا اليوم. ليس بيده شيء، وهناك إنسانٌ أمْره بيده، وهو لا يحبه.إذا لم تؤمن باليوم الآخر تشعر بخلل كبير في الحياة، وتشعر بحقد شديد، وبضغط نفسي لا يُحتمَل. أنا مهمتي أن أرضي هذا الإله، وأن الأمر كله بيده. فالعمل الصالح يعود عليك بالسعادة الأبدية, ويريحك راحة كبرى فالمؤمن متوازن، والعبرة بعد الموت. الفرق بين المؤمن وغيره هو دخوله ضمن العناية الإلهية المتمثلة في الوعد الرباني الذي قدره في علم الغيب: وذات مرة أحبَّ شخصٌ أنْ يداعبني مداعبة فكرية، هو غير ملتزم كثيراً، قال لي: تقول إنّ المؤمن سعيد، وأنا أقول: لا، هو مثل الناس لا ميزة له عنهم. إذا كان ثمة غلاء أسعار يكتوي بغلاء الأسعار مثلهم، إذا اشتدّ الحر ناله منه نصيب ما ينال غيرَه، فهذا الشخص لا يرى للمؤمن ولا ميزة. غير أنّ الله ألهمني مثلاً فضربتُه له، قلت: لو افترضنا فقيرًا دخله أربعة آلاف، وعنده ثمانية أولاد، فهذا المبلغ مع هذه الأسرة لا يكفي، وبيته بالأجرة، وعليه دعوى إخلاء، وأولاده مرضى، ودخله لا يكاد يكفيه، وهموم بعضها فوق بعض، له عم يملك خمسمئة مليون، وليس له أولاد، وتوفي في حادث، هذه الخمسمئة مليون لمن ؟ لهذا الفقير . لكنه لن يقبض منها درهمًا واحدًا قبل سنتين بحسب الإجراءات المالية. لماذا هو أسعدُ الناس ؟ ما قبض شيئًا، وما أكل لقمة زائدة على عادته، وما سكن بيتًا جديدًا، وما ارتدى ثيابًا جديدة ، لكنه دَخَلَ في الوعد. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ ( سورة القصص الآية:61) وكون الله سبحانه وعدك بالجنة، فوعدُ الله حق، قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ ﴾ ( سورة النحل الآية:1) أتى هو لم يأتِ بعد، والدليل " فلا تستعجلوه " لكن " أتى " لأن الله وعدك بالجنة.إذا كنت مؤمنًا صادقاً مستقيماً مخلصاً، يغلب على ظنك أنك من أهل الجنة. فهذا الوعد بالجنة يمتص كل همومِك الدنيوية مِن دون أن يترك همًّا، فأنت موعود بالجنة. الإيمان باليوم الآخر يملأ قلبك طمأنينة، ويملأ قلبك سعادة، ويملأ قلبك توازناً، فلا تحقد، ولا تنافق، ولا تخاف، ولا تتألم، الأمر بيد الله، وإلى الله المصير، وإليه المنتهى. ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ( سورة النجم الآية:42) وإن شاء الله تعالى في دروس قادمة نصل إلى الموضوعات الدقيقة عن اليوم الآخر، وكل منطلقي في هذه السلسلة من قول الله عز وجل : ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ ( سورة المؤمنون الآية:74) ولن تستقيم على أمر الله إلا إذا آمنت باليوم الآخر إيمانًا يقينيًا. ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (سورة البقرة الآية 1-3) الحصاد الخيري الذي توصل إليه المسلمون: هذه الأعمال العظيمة التي جاء بها المسلمون كانت بسبب الإيمان باليوم الآخر, والعلماء الكبارالذين بذلوا الغالي والرخيص,والنفس والنفيس في سبيل الله ,لأنهم آمنوا باليوم الآخر. أما هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالله، ولا باليوم الآخر، فماذا قدموا من بطولات ؟ وماذا فعلوا ؟ كل أعمالهم لترفيه أنفسهم، كل ما فعلوه أنهم انغمسوا في الموبقات، واللذائذ الحسية، والمعاصي والآثام، كل أموالهم صرفوها على متعهم الخاصة. وازن بين أصحاب رسول الله الذين نشروا الحق في الخافقين، وبين الذين عارضوا الحق، وعاشوا لذواتهم، تجد الفرق كبيرًا بين أن يعيش الناس لك، وبين أن تعيش للناس، أن تعيش للناس فأنت في أعلى عليين، أما أن يعيش الناس لك فالمشكلة كبيرة. أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع الموضوعات في دروس قادمة كي يترسخ هذا الإيمان. التحصيل الحاصل من الإيمان باليوم الآخر هو اليقين وا لشعور بلذة الإيمان وحسن الصلة مع الله: فأنت إذا آمنت تنفق مالك، تنفق وقتك , تنفق خبرتك، تنفق علمك، تنفق كل ما تملك، لعل الله يرضى، الإيمان باليوم الآخر يقين، وله حلاوة يعكسها قولُ الشاعر: فليتك تحلو والحياة مريــــرة و ليتك ترضى والأنام غضـاب أنت حينما تؤمن بالله , فخالق الكون معك.وليت الذي بيني وبينك عامـــر و بيني وبين العالمين خــراب إذا صح منك الوصل فالكل هيِّـن وكل الذي فوق التراب تــراب إذا كنتَ في كل حال معي فعن حملِ زادي أنا في غنى *** إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله عليك فمن معكإذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء، وإذا فاتك الله عز وجل فاتك كل شيء. الإيمان باليوم الآخر مِن أجل أن تنقل اهتماماتك كلها إلى الدار الآخرة، تعيش، تدرس، تتاجر، تتزوج، تنجب، لأن هدفك الأول إرضاء الله عز وجل، كلها وسائل. أما غير المؤمن باليوم الآخر هدفه الدنيا، هدفه المتعة الرخيصة، هدفه الانغماس في ملاذ الحياة الدنيا، وشتان بين المؤمن، وبين غير المؤمن، المؤمن مقدس لأنه يحمل هموم الناس، لأنه يسعى لرضوان الله عز وجل، وإنّ أعلى مقام يطمح إليه المؤمن أن يرضى الله عنه إذا كنت مع إنسان عادي فابتسم لك، أو صافحك، وصوَّركما مصور معًا تزهو بهذه الصورة. فكيف إذا كنت قريباً من الله عز وجل ؟ يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾ ( سورة مريم الآية: 96 ) هل من السهل أن تكون لك مودة مع خالق الكون ؟ الوسيلة بيدك، مودة الله في متناول يديك خالق الكون يرضى عنك.الخلق كلهم عباده أخدمهم, أصدق معهم، كن عفيفًا، كن أمينًا، انصحهم. قدِّم لهم خدمات يرضى الله عنك، فاللهُ وفيٌّ، واللهُ عز وجل شكور حليم، فإذا أنفقت كل وقتك في خدمة عباده، منحك الله عز وجل ثوابًا وعطاءً لا ينتهي عند الموت، بل يستمر إلى ما بعد الموت. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( الثانى ) الموضوع : اثار الايمان باليوم الاخر لحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. آثارالإيمان بالله واليوم الآخر: أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني من سلسلة دروس اليوم الآخر. بينت لكم في الدرس الماضي أنه ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن كتلازم الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان بالله وحده لا يكفي، بل لا بد من مؤيدٍ لهذا الإيمان . ما الذي يمنع الناس أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً اغتصاباً وعدواناً ؟ الإيمان بالله واليوم الآخر، ما الذي يمنع الناس أن ينغمسوا في المحرمات ؟ إنه الإيمان بالله واليوم الآخر. لو تتبعت آثار الإيمان بالله واليوم الآخر , لوجدت أن الضابط الاجتماعي في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والأسرية يرجع في معظمه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر. الفرق بين المجتمع المؤمن وبين المجتمع الكافر هو انضباطه بالوازع الديني المهيمن على القلب: ![]() أكاد أقول لكم: إن مجتمع المسلمين منضبطٌ ذاتيا بما يسمى بالوازع الداخلي ، بينما مجتمع غير المسلمين منضبطٌ خارجياً بما يسمى بالرادع. فقد ارتكب في نيويورك في ليلة واحدة مئتا ألف سرقة، مجموع الخسائر مليونين من الدولارات, يعني ألفي مليون دولار في ليلة واحدة. فالإيمان بالآخرة ينمي الوازع الداخلي، وعدم الإيمان بالآخرة يجعل الإنسان وحشاً، ولولا روادع خارجية من المراقبة الإلكترونية وغيرها لما كان مجتمع الغربي مستقيمًا، لكنه استقام أمنُه بفضل تكنولوجيا عالية جداً من المراقبة الخارجية، أما لو تعطلت هذه المراقبة لرأيت العجب ا لعجاب . أما مجتمع المؤمنين الصادقين، لا مجتمع الذين هم محسوبون على المؤمنين فهو مجتمع منضبطٌ ذاتياً، ولدينا أمثلة كثيرة جداً. قال للراعي: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، قال: ليست لي، قال: خذ ثمنها، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟. أساس الإيمان باليوم الآخر هذه الآية الكريمة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ( سورة القيامة الآية: 36) العبث في الكون لايتناسب مع كمال الله: تقتل، وتعتدي، وتغتصب، وتزني، تدمر امرأة، تطلقها طلاقاً تعسفياً، تأخذ الاسم التجاري من شريكك عدواناً واغتصاباً، تسخر الناس لمصلحتك، تعصر الناس عصراً، وتنتهي الحياة ولا شيء بعد ذلك. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (سورة القيامة الآية:36) تعمل كل شيءٍ لصالحك، تسخِّر كل شيءٍ لصالحك، وتنتهي الحياة ولا شيء بعد الموت هذا هو العبث , تعالى الله عن العبث. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115 ) العبث لا يتناسب مع كمال الله ، الله عز وجل عدل، أنت بالإيمان بالله واليوم الآخر ترتدع، تقف عند حدودك، تأخذ ما لك، وتدع ما ليس لك. الاستشهاد بأمثلة على الوازع الديني والرادع الخارجي: الآن دعك من الدين , لولا أن هناك شرطة، لولا أن هناك سجونًا، لولا أن هناك مراكز تحقيق، كالأمن الجنائي، لولا أن هناك سجنًا مؤبدًا، وإعدامًا، لولا أن هناك أشغالاً شاقة مؤبدة، ولو لم يكن هناك إيمان رادع لأَكَلَ الناس بعضهم بعضاً . فالناس يعيشون إما بنظام، أو قانونٍ، أو رادعٍ خارجي، وهذا مطبق في العالم الغربي، أو أن يعيش الناس في مجتمعٍ نما فيه الوازع الداخلي . الثقة المتبادلة بين المؤمنين في علاقاتهم الشخصية والعامة نتيجة الإيمان باليوم الآخر: عندما يدخل شخصٌ مؤمن بيتَ أخٍ ليجري بعض الإصلاحات فيه، ألا يطمئن له ؟ هل تخشى أن يفتح خزانة ويأخذ ما فيها ؟ غير ممكن , أنت راقب نفسك مع إخوانك المؤمنين، تعطيه مركبتك وأنت مطمئن، لن يغدر بك، ولن يكذب عليك، ولن يضع قطعة قديمة ويقول لك اشتريتها لك جديدة، لن يكبر عليك المشكلة. لمّا نهاك ربنا عز وجل عن الكذبِ، فقد نهى ألف مليون مسلم أن يكذبوا عليك، نهاك أن تسرق، نهى ألف مليون مسلم عن أن يسرقوك، نهاك عن أن تحتال، نهى ألف مليون مسلم أن يحتالوا عليك، وما تنعم به في مجتمع المسلمين من الراحة النفسية والأمن إنما يعود إلى الإيمان باليوم الآخر. مجتمع المسلم منضبط أخلاقيا بينما مجتمع الكافر متفلت منه: قلت مرة: عظمة الزواج الإسلامي أن الله أنصف الزوجين، دائماً في المجتمعات غير المؤمنة العلاقات مباشرة، القوي يأكل الضعيف، الغني يستغل الفقير، العالم يحتقر الجاهل، علاقة مباشرة . أما في مجتمع المسلمين فإنّ الله أنصف الأشخاص، فكل شخص مسلم يخشى الله فلا يظلم الطرف الآخر , يخشى الله فلا يغشّه، يخشى الله فلا يحتال عليه، يخشى الله فلا يكذب عليه، بل يرجو رحمة الله بالعفو عنه، وبالتجاوز عن سلبياته، يرجو رحمة الله بخدمته . الاستشهاد بمواقف جليلة لأعمال المسلمين في واقعنا المعاصر: وكل خدمة يقوم بها أخ لأخوة مؤمنين لوجه الله، لا يريد جزاءً ولا شكورا، كمَثَلِ شخصٍ في أحد المساجد، اشترى عشرة مكيفات من أحدث أنواع المكيفات، ووضعها في مسجد، ورفض أشد الرفض أن يذكر ا سمه، فماذا يبتغي ؟ يبتغي وجه الله . هل هناك وزارة في العالم بأي بلد في العالم يعيَّن فيها الموظفون حسبة لوجه الله بلا معاش ؟ الآن كل مناصب الأوقاف حسبة، يعيَّن فلان مثلاً إمامًا لهذا المسجد حسبة، يعين فلان خادمًا في هذا الجامع حسبة، أيْ احتسب هذا عند الله عز وجل، هذا أين نجده ؟ وكل ذلك يعود إلى الإيمان باليوم الآخر. الرابط الإيماني يعوَّد المؤمن الصبر على الشدائد فإذا تخلى عنه عاد إلى أهوا ئه وشهواته: الإيمان باليوم الآخر يربط على قلب المؤمن بالتحلي بالصبر خوفا من الله , كم من زوج أحجم عن تطليق زوجه خوفاً من الله، كم من زوجة صبرت على زوجها خوفاً من الله , كم من شريك أصابه مرض عضال فقبع في بيته سنوات وسنوات، وتأتيه حصته من المعمل أو المتجر إلى البيت خوفاً من الله، كم من إنسان بذل من ماله خوفاً من الله، فإذا ألغيتَ اليوم الآخر من قلوب الناس وعقولهم اضطربت الحياة . عندئذٍ تحتاج إلى روادع إلكترونية خارجية، الصالة مراقبة، كل شيء تحمله من هذا المكان إن لم تدفع ثمنه , وخرجت من المخرج يصدر صوتًا يقول: هذا سارق فخذوه، فكل مَن في هذا السوق يدفعون الثمن، هل هذا طاعة لله ؟ لا، كمالاً، لا، بل خوفاً من هذا الجهاز، لئلا يصيح ويقول إنه سارق . شتان بين مجتمع منضبطٍ إلكترونياً، وبين مجتمع منضبطٍ ذاتياً، الضبط الخارجي لا قيمة له أبداً، قد يكون أشد الناس انحرافاً، وأشد الناس بعداً عن الله، وأشد الناس خبثاً ، لكن لوجود ضبط خارجي يستقيم، لا لأنه يحب الاستقامة، بل لأن هناك أجهزة دقيقة غالية الثمن تكشف حركاته . الموازنة بين المؤمن وغيره من حيث الغاية أو الهدف الذي يرتبط فيه: أنا مرة دخلت محلاً في بيروت، يبيع أجهزة كهربائية، وجدت على الطاولة شاشة، وعلى الشاشة صورة إنسان جالس على مكتب يكتب، وأمامه دفاتر، ما عرفتُ مَن هذا الذي على الشاشة , ثم الحاجة التي أردتها موجودة في الطابق الرابع في المستودع، فصعدت إلى الدور الرابع كي أنتقي الحاجة، رأيت هذا الشخص يعمل محاسبًا، وقد وضع مدير المحل (كاميرا) آلة تصوير فوقه، إذا شرب كأس ماء يراه صاحب المحل، وإذا تثاءب يراه، فهذا المحاسب الذي يراه صاحب المحل طوال ثماني ساعات تماماً هو رهن ضبط خارجي، إذًا هو مستقيم بالمراقبة الخارجية. أما المحاسب المؤمن فيبذل جهده ثماني ساعات بالتمام والكمال خوفاً من الله، أنت حينما تتقن عملك خوفاً من الله ترقى، أما حينما تتقن عملك خوفاً من التسريح، وخوفاً من مراقبة آلة بالغة التعقيد لا ترقى. أصل هذا الدين مبني على الحب: أصل هذا الدين مبني على الحب، لو أن الله يريد عبادًا طائعين لأجبرهم على الطاعة، لكنّه يريد عبادًا محبين، لذلك بإمكانك أن تطيعه، وبإمكانك أن تعصيه، وبإمكانك أن تفعل كل شيء، أنت مخير، والله يريد مَن يحبه، ويريد من يأتيه طائعاً، ومن يطيعه مبادراً، ويقبل عليه شوقاً، لأنّ أصل خلق الكون، وخلقِ الإنسان بُنِيَ على الحب، يحبهم ويحبونه . الاستشهاد بعمل جليل قام به الصحابي الجليل أبو الد حداح رضي الله عنه متعبدا به الله: ![]() رئِي أبو الدحداح رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ في آخر عمره وقد بلغ من العمر عتيا، وهو يزرع شجرة الجوز، وهذا الجوز لا يثمر إلا بعد سنوات وسنوات، فسئل لمَ تزرع هذه الشجرة وهي لن تثمر إلا بعد سنين، فقال أبو الدحداح: إن لم تنفعني تنفع مَن بعدي، ولي أجرها . فتأملوا، ما الذي يدفعك إلى أن تفعل شيئاً لن تقطف ثمره ؟ وهناك أعمال جليلة تبذل كل عمرك ولا تقطف ثمرتها، يأتي مِن بعدك مَن يقطف ثمرها، تحتسب ذلك عند الله، لأنه لا يضيع أجر مَن أحسَن عملاً، وتقول: لعل الله يرحمنا بهذا العمل، أنت مؤمن في استمرار، وإله موجود حي باقٍ على الدوام، يمكن أنْ تؤلف كتابًا لا تنتفع منه إطلاقاً، فتأتي أجيال وأجيال يقرؤون هذا الكتاب وينتفعون به، وأنت راضٍ عن هذا. المؤمن له رسالة في الأرض أما غيره فارغ منها: لماذا الأسرة الغربية لاتنجب أولادا ؟ لي قريب سافر إلى أمريكا زائراً لأخيه، إلى جانب بيت أخيه بيتٌ له شرفة فيها ألبسة ولادية، بعد قليل تمّت الزيارة بين هذا القريب وهذا الإنسان الذي بيته إلى جانب بيت أخيه، فسأله عن أحواله، عن بيته، عن أولاده، قال: ليس عندي أولاد , قال: عجيب، رأيت ألبسة لأطفالٍ صغار، قال: هذه ثياب الكلب، لا يحبون الأولاد، ولد واحد وكفى، لأنه لا رسالة له في الحياة، من دون ولد أكثر راحةً، فعنده كل يوم سهرة، وكل يوم نزهة، و حفلة بملهى، وحفلة بفندق ، والولد بهذا الاعتبار عبء على والديه، فإذا لم تكن للإنسان رسالة لم يرغب في الولد، يعيش للذاته. أما المسلم فيعيش لأولاده، يعمل ليلاً ونهاراً، كي يرى في خريف عمره أولاده، لهم بيوت، وهم متزوجون، ولهم مكانة اجتماعية، علَّمهم، هيَّأ لهم أعمالاً، انظرْ إلى المسلم تجد الأب عنده مقدسًا، همه أولاده، همه أن يرقى بأولاده، همه أن يكون أولاده في قمم المجتمع. الآثار المباركة الذي تركه السلف الصالح من أجل النفع العام تعبدا لله: لو ذهبت تتأمل الآثار الإيجابية لليوم الآخر، لا تعد ولا تحصى، قد لا تصدقون أن معظم بلاد الشام أرضها أوقاف، أصحاب هذه الأراضي أوقفوها للصالح العام، لمنفعة المسلمين، قضية الأوقاف قضية كبيرة جداً، كل الأجداد والسلف الصالح كانوا يوقفون أموالهم، ويسبِّلون ريعها من أجل النفع العام، لكن أهل الدنيا مقالتهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾ ( سورة الجاثية الآية:24) الاستشهاد بأمثلة من واقع المسلمين في رد الأمانة إلى أصحابها خوفا من الله: مرة ذكرت قصة إنسان اضطر إلى استقراض ثلاثمئة ألف، فما أقرضه أحدٌ، وعنده مزرعة فيها بيت ومسبح، فقال: مَن يقرضني هذا المبلغ أكتبها باسمه ضمانًا إلى حين أردِّ المبلغ ؟ فقام أحَدَ الأشخاص فأقرضه ثلاثمئة ألف وأخذ المزرعة، وهي في منطقة هادئة بعيدة عن الضجيج، حيث الهواء نقي، مسبح، بيت جميل، فأعجبته. بعد سنتين تيسر المبلغ للمقترض وطرق باب الطرف الآخر، قال له: هذا المبلغ جزاك الله خيراً، رُدَّ لي المزرعة، قال له: لا، كل واحد وصله حقه، المزرعة ثمنها ملايين، واغتصبها بثلاثمئة ألف، صاحب المزرعة اشتد به الهم والحزن، حتى انتهى به الأمر إلى أزمة قلبية كادت تودي بحياته، وهو على فراش الموت أوصى ابنه أن تمر الجنازة أمام دكان هذا المغتصب، وقال له: أوقف الجنازة هناك، وأمسك هذه الرسالة، وادخلْ أمام الناس إلى دكانه، وسلِّمه إياها، واخرجْ , فهذا سمع صوت جنازة وقفت أمامه، فخرج ابنه من أول الصف ومعه الرسالة، اتَّجهَ أمام الناس إلى دكان المغتصب، وسلّمه الرسالة، ماذا يقول هذا المتوفى قبل أن يموت لهذا المغتصب ؟ يقول له: لقد اغتصبت مني هذه المزرعة، وأنا ذاهب إلى ديار الحق، فإن كنت بطلاً فلا تلحق بي، وهناك الحساب، سمعت أنه رد المزرعة إلى الورثة خوفاً من الله عز وجل . أحد أخواننا قال لي: دخلت في مناقصة، مناقصة محضر يملكه ثلاثمئة إنسان، أكثرهم يتامى، مثل هذا المحضر من أجل إزالة شيوعه يعرض في المزاد العلني لنظام الاستملاك، قال لي: كلَّفتُ أربعة أشخاص أو خمسة فنزلوا بالمزاد بشكل وهمي، تمثيلي، فبدأ المزاد برقم، زاده عشرة آلاف، عشرة آلاف، عشرة آلاف، ثم استقر المبلغ على سعر يساوي ثلثي قيمته الحقيقية، التقى معي وقال لي: أستاذ وفرت 750 ألف ليرة بهذه الطريقة، فقلت له: هذا حرام، هذا المحضر لأيتام، وله ثمن في السوق، فأنت إن قمتَ بهذه التمثيلية في المناقصة أو في المزايدة وربحت هذا المحضر بثمن بخس، فلن تنجو من عذاب الله، اختلف وضعه، قال لي: والله هذا صحيح، وهو مِن أخواننا في المسجد، قال: ماذا أفعل ؟ قلت له: إما أن تشتريه من هؤلاء الأيتام الفقراء بثمنه الحقيقي، وإما أن تنسحب من هذه المزايدة . فالتقيت به بعد حين، وقال: والله انسحبت يا أستاذ , خفت من القبر، ما الذي يمنعك أن تأكل المال الحرام ؟ ما الذي يمنع الأخ الكبير أن يأكل أموال إخوته ؟ لأنه كبير ومعه وكالة عامة، إلا خوف الله عز وجل، لو ألغيت خوف الله والدار الآخرة، يغدو الناس وحوشاً، يأكلون بعضهم بعضا . ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ*﴾ ( سورة القيامة الآية : 3 ـ 4 ) سيعود الإنسان كما خلق في الدنيا، سينبت نباته، سوف يقف للحساب، وسيسأل عن كل شيء فعله. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (سورة الحج الآية: 6 ـ 7 ) الأخطار الذي يجب أن يتفادها المسلم قبل الموت: 1. أن تهيئ نفسك له بالعمل الصالح: أخواننا الكرام، بطولتك أن تهيئ نفسك لأكبر حدث في المستقبل وهو الموت، هذا الموت الذي يغيب أمْرُه عن الناس، أيليق برجل في الثمانين من عمره أنْ يعد مشروعاً لإنشاء كزينو ؟ وهو في هذا العمر المتقدم، وموضوع الآخرة لم يدخله في حساباته إطلاقاً وإنسان يلعب النرد في المقاهي إلى ساعة متأخرة من الليل وهو في السبعين، ولا يصلي فهو إنسان ضائع، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ ( سورة النجم الآية: 39 ). 2. ليس للإنسان إلا ماسعى: ليس لك إلا ما سعيت، فلو أنّ إنسانًا كان متفلتًا، عقيدته فاسدة، علماني المنهج، كما يقال اليوم، مؤمن بالمادة فقط، وله ابن وليٌّ من أولياء الله، عقيدته سليمة، واستقامة ، وصلاح، وتقوى، وعمل صالح، هل له أجر به ؟ أبداً، لا أجر له فيه. الاستشهاد بمثال لتوضيح المعنى: هناك جامع له قصة، رجل صالح جداً قبيل أن يموت أوصى بأرض أنْ ينشأ عليها مسجد، منفذ الوصية ابنه الأكبر، ضعيف الإيمان إلى درجة متناهية، لذلك رفض تنفيذ الوصية، وعزم أن يبيع الأرض، وأن يصرف ثمنها، هذا الابن المتفلت الفاسق أنجب ولداً صالحاً، فلما علِم ابنه بالقصة، قال لأبيه كلمة واحدة: إما أن تنشئ عليها مسجدًا كما أوصاك جدي، أو أنك لست أبي، ولست ابنك، ولن تراني بعد اليوم، فاضطر الأب المنحرف إلى إنشاء هذا المسجد، الجد أوصى، والابن رفض تنفيذ الوصية لبُعْده عن الدين، وابن الابن هو الذي أجبر والده على تنفيذ هذه الوصية، فهل عطَّل الوصية من ثواب بعد أن نُفِّذت ؟. ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى*﴾ ( سورة النجم الآية : 39 ـ 41 ) سعيك بالحياة، تربية أولادك، دعوتك إلى الله عز وجل، فعل الخير، إطعام الفقراء، رعاية الأيتام، نصرة الضعيف، هذا كله سوف يرى، مسجل لك " ثم يجزاه الجزاء الأوفى ". الهول العظيم والخطب الجليل الذي يعيشه الإنسان يوم القيامة وفراره من أقرب الناس إليه: أيها الأخوة الكرام، في هذا اليوم ا لعصيب يفر المرء من أقرب الناس إليه , يذكرالبيان الإلهي بذلك اليوم تحذيرا لنا. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ ( سورة عبس الآية: 34 ) قد تسألون لمَ بدأ بأخيه ، لأن الأب متقدم بالسن، والابن صغير، والإنسان عادةً يستعين بأخيه، مثلاً الأقرباء ورد ذكرهم في القرآن الكريم في آيات عديدة، مثلاً الزوجة وردت مقدمة على كل الأقارب في آية واحدة . ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 14 ) ما دام الأمرُ موضعَ شهوة، فالزوجة في المقدمة، وفي آية ثانية ورد الأب في المقدمة . ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ (سورة التوبة الآية:24) في موضع الاعتزاز، أنا ابن فلان، الأب في موضع الاستعانة . ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ *﴾ ( سورة عبس الآية: 34 ـ 37 ) في موضع الفداء أغلى شيء الولد. ﴿ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴾ (سورة المعارج الآية: 11 ) فانظر: في موطن الفداء الابن مقدم، في موطن الاستعانة الأخ مقدم، في موطن الاعتزاز الأب مقدم، وفي موطن الشهوة الزوجة مقدمة. قوانين الآخرة تختلف عن قوانين الدنيا: أيها الأخوة، نقطة دقيقة جداً، الإنسان قد يُسجَن في قضية، قضية مخالفة للقانون، تجد السجان تأتيه مئات الهواتف خلال ساعة، هذا المسجون مهم، في شبكة علاقات، فلان توسط، هذا في الدنيا، والإنسان له جماعة، وله أتباع، وله أقرباء، وله أشخاص أقوياء، فإذا أصابه مكروه تدخّلوا بالحق أو بالباطل يمارسون ضغطًا، هذا يقع في الدنيا، أما يوم القيامة فالأمر مختلف. ﴿ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ﴾ ( سورة مريم الآية: 95 ) العبرة من الحج: 1. تذكر يوم الميعاد: ![]() وهذا مثل بسيط ففي فترة الحج، قد يكون المرءُ تاجرًا كبيرًا، أو بمنصب رفيع، أو عالمًا جليلاً، أو صناعيًا كبيرًا، أو ضابطًا برتبة عالية، أو طبيبًا نادرًا، أو مديرًا، يذهب في موسم الحج، فهو واحد من الحجَّاج، لا يميزه عن الآخرين شيء، اسمه حاج، إذا أحب أنْ يقف أمام المقام تجده يتلقى دفعًا من الناس، لا يعرفه أحدٌ، سواء كان معاون وزير، أو صناعيًا كبيرًا، أو ضابطًا كبيرًا، أو عالمًا جليلاً ، لأنه يلبس المنشفتين (لباس الإحرام)، وكأن الله عز وجل أراد من كناية الحج أن يعطينا صورة مصغرة عن يوم القيامة، لا أحد يعرفك، ولا أحد له مكانة متميزة إطلاقاً، تجد الناس يتدافعون، وعليك أن تمشي معهم. ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 94 ) 2. تذكير الإنسان بهويته بأنه عبد لله: بالحج لن تجد لإنسان أي مكانة، وهو في زحمة الحجيج، لا أحد يعرفك، فهو بلباس الإحرام، ولا يميزه شيء من مظهر الدنيا، منشفة بيضاء، في بلدك قد تلبس بدلة باهظة الثمن يصل ثمنها إلى خمسين ألفًا، وهناك لا تلبس منشفة غالية الثمن بل منشفة ثمنها ليرات معدودة، فأكبر إنسان يلبس ثوبين، أو فوطتين، وأفقر إنسان كذلك، بلا رتب ولا إشارات، فربنا عز وجل جعل الحج نموذجًا، حيث تسقط المراتب هناك، وتركع الزعامات، وتتذلّل القيادات، كل الناس في الحج سواء، ثيابهم واحدة ، وهكذا المحشر، ﴿ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ﴾ ( سورة مريم الآية:95) إهمال الأب لتربية ابنه يكون سببا في تفلته عن ضوابط الدين ودخوله النار: شيء آخر، أحيانًا يتكلم الأخ كلامًا مزعِجًا، يتفطّر له القلب، ويقول: ابني ملحد، ابنتي لا تصلي، وتحب الرقص والتمثيل، فهذا شيء مؤلم جداً، والله سبحانه يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ ( سورة التحريم الآية: 6 ) ![]() إذا شبَّ الابن على التفلت، ثم انتبه أبوه متأخراً ، يكاد من شبه المستحيل أن يسيطر عليه، لكنْ إذا بدأت من سن الخامسة و هو في الحضانة، وكان معك بالمسجد، وعلمته الصلاة، وعلمته الصدق، وعلمته الأمانة، وحفظته كتاب الله، إذا لم تبدأ معه في هذه السنِّ لن تستطيع أن تربيه حينما يكبر، وهذه مشكلة الآباء. في أول حياته مهتم بزوجته، والابن مهمل، وفجأة يكتشف الأب هذه الحقيقة المدمرة، أنه خسر ابنه، لذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ ( سورة التحريم الآية:6) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا ببلابلها)) (متفق عليه، واللفظ لمسلم) الفهم الساذج عند عامة المسلمين عن موضوع الشفاعة: مِن الأوهام الساذجة عند الناس أنهم يردِّدون: غداً يشفع لنا النبي، لو درستم الشفاعة بشكل دقيق أصولي، فمفهوم الشفاعة عند العوام ساذج ، لا أصل له، يقال: افعلْ ما تشاء، والنبي يشفع لك، هذا مفهوم ساذج ينقضه القرآن الكريم. ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ( سورة الزمر الآية: 19 ) العمل الذي يقوم المسلم به لله من دون أجر أدهش الغير به: ![]() أيها الأخوة , مما يدهش في المؤمن أنه قد يقدم بجليل الأعمال الصالحة وكبيرها، ونظرًا لأيمانه بالآخر ويقينه، فهو يفعل كل ما يفعل دونما أجر ومقابل، حتى لو عُرِض عليه ذلك، وهذا لا تجد له مثيلاً في الدنيا كلها إلا عند أهل الإيمان الحقِّ. الاستشهاد بأمثلة لتوضيح المعنى: ذات مرة زارني أخ من ألمانيا يعمل للحصول على دكتوراه وموضوعها عن علماء دمشق، وكان اسمي بالقائمة، وزارني في البيت، وسألني عن عدد الدروس، فقلت ثمانية عشر درسًا في الجمعة، بين الفجر، والظهر، ومساءً، والخطبة، قال لي كم تتقاضى مقابل هذه الدروس ؟ قلت له: لا شيء، كأنه صعق، وكأنه شك في عقلي، ذلك لأن مِن لم يؤمن بالآخرة يرى عجبًاهذا عمل غير معقول. وذات مرة في عقد قران إسلامي، أخ من المدعوين له جار غير مسلم فدعاه، ويبدو أن بينهما مودة، هذا الجار جلس، فلقي ثمانية عشر عالمًا جالسين، قال لصديقه: هذا الداعي مليونير، قال له: ما السبب، قال له: لأنه لا بد أنه قد دفع لكل شيخٍ خمسين ألفًا حتى حضر، فقال له: لا، لم يدفع قرشًا، يظهر أن ترتيبهم في عقد القران إذا جاء رجل دين فلا بد أنْ يُعطى خمسين أو ستين ألفًا حتى يأتي إلى عقد القران، قال له: كل هؤلاء لن يتقاضوا شيئاً، وليس عندنا شيخ يحضر عقد قرآن ويأخذ عليه أجرًا. من دون إيمان بالآخرة شيء يُحيِّر، شخص يبذل روحه وحياته وماله كله بلا مقابل، ويطمع في رحمة الله في الآخرة، ألغِ الآخرة، لا يمكن أنْ تدفع ليرة، مِن دون آخرة لن يدفع أحدٌ ليرة واحدة، وبالإيمان بالله واليوم الآخر يكون البذل، والتضحية , والعطاء. أرجوالله عز وجل من هذه الدروس أن يدخل في حسابكم اليوم الآخر، وقبل أنْ تطلب مقابلاً لعملك الصالح أجرًا فانظر إلى ما أعد الله لك من أجر يوم القيامة، فالمؤمن متعفف . التعفف النفسي عند المسلم يأبى عليه أن يأخذ قرضا إلا من الله: أخ كريم من طلابي والده اختلف مع أعمامه، والخلاف شديد جداً، فتوصلوا إلى أنه لعلي أنْ أصلح بينهم، فالتقينا في سهرة طويلة إلى الساعة الواحدة، أول سهرة ، والثانية، والثالثة، تجارة، وخلافات، وأسعار اختلفت، وأخ مقصر، وخسارة كبيرة، وانتشر العداء والتقاطع، فالله عز وجل خلال سهرات عديدة وفقني أن أصلح بينهم وتعود الأمور إلى مجاريها، رغم بُعدِهم عن مجالس العلم، بعد ما انتهت الأمور، قال لي أحدُهم: كم تريد أستاذ ؟ يمكن في حياتي ما شعرت بإهانة كذاك اليوم، ما هذا ؟ لستُ محاميًا، ولا قاضيًا أساساً، أنا شيخ، أنا فعلت هذا ابتغاء وجه الله . فإذا تعلقتَ بالآخرة لم تطلب الأجر من الناس، تشعر أنك غني إذا لم تأخذ شيئًا، مئات الأخوة لا يرضون أن أتحدَّث عن عملهم، وحينما أتكلم عنه مادحاً يتألم أشد الألم، كأنني فضحته، ويرجو أنّ هذه بينه وبين الله، هذا هو الإخلاص. هناك أشخاص يبذلون الغالي والرخيص بلسان صامتٍ، من دون ضجيج، فكلما كان إيمانُ الإنسان بالآخرة عاليًا لم تهمه سمعته إطلاقاً، ولا يريد ثناء ولا شكورًا، ولا مديحًا، ولا أن تنوِّه بفضله، حسبه رضاء الله عنه، قال له: والله يا معاذ إني لأحبك. أخواننا الكرام إذا آمنا بالآخرة إيمانًا حقيقيًا، تجد نفسك تبذل بشكل عجيب دون أن ترجو ثناء ولا شكوراً، ولا إشادة ولا توقيراً ولا تعظيماً، وليس لك طمع في شيء . ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾ ( سورة الإنسان الآية: 9) المثل الأعلى للمسلم في تطهير بيت الله هو سيدنا إبراهيم عله الصلاة والسلام: مرة زارني أخ من مصر، يبدو أنه في أثناء الخطبة اضطر أن يدخل إلى دورات المياه، بعد ما انتهت الخطبة، قال لي: شيء لا يصدق، فما هذا الشيء ؟ قال لي: هل من المعقول أن تكون دورات مياه المسجد أنظف من بيت ؟ قلت: هما أخوان كريمان متفوقان في حياتهما يأتيان فيما بينهما وبين الله وينظفان دورات المياه تنظيفًا بيتيًا كاملاً متقنًا، قال لي: أيُعقل أنّ هذا شأن المسجد ؟ قلت له: هذا بيت الله عز وجل، يجب أن يكون مثلاً أعلى في كل شيء، فمَن يقوم بهذا العمل إنسان محترم جداً، له مكانته، له ثقافته، بينه وبين الله، يقول: لعلك يا ربي ترضى عني. وقد زرت مرة مسجدًا، فيه خادم مَن أندر الخدام في المساجد، يستحيل أنْ تصلي بثياب لونه أسود، ويبدو شيء عليه، السجاد يُكنس كل يوم، وينظف بالشامبو، البلور ملمع، وكأنه الآن مركب، وتوفى نسأل الله أنْ يرحمه، قال لي: أنا حسبي من عملي هذه الآية. ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 125 ) ما دام سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء شرفه الله بتطهير بيته، هذه الآية تغطي كل خَدَمِ المساجد، ونظافة مسجدنا قضية جهد شباب، يأتي يوم الخميس عشرون إلى ثلاثين شابًا، يمسحون البلور، وينظفون، ويرتِّبون السجاد بنفوس راضية، وهم في أعلى درجة من السعادة، هذا المسجد تنعمون به، وبنظافته بجهد شخصي، حسبةً عند الله عز وجل، بلا أجرٍ إطلاقاً لوجه الله. يا رب عملت هذا العمل وهذه إمكانيتي، فشخص إمكانيته أنْ ينظف، هذه تقبل منه وزيادة، إنسان بعلمه، إنسان بعمله، إنسان بخدمته، إنسان ببذله، إنسان بطبِّه، إنسان بهندسته، كل إنسان يقدم شيئًا. فحينما تؤمن باليوم الآخر إيماناً حقيقياً تجد نفسك مندفعًا إلى البذل والعطاء، بشكل يفوق حد الخيال . العبرة في سماع العلم و ترجمانه إلى عمل يخدم المسلم وليس حده الإنصات فقط: ولن تجد إنسانًا عندنا لا يقدم خدماته، نعرف أشخاصًا منذ خمس وعشرين سنة ما غابوا عن درس، لكن تشتهي أنْ يقدموا شيئًا ولو قشة, لكن أحدهم يقول: ما شاء الله على الدرس يا أستاذ، خير إن شاء الله، ما قيمة الثناء والمديح لهذا الدرس، إذا لم ينقلب إلى عمل , ما قيمة درس بليغ إذا لم يُتَرجَم إلى عمل بليغ بعده، هذا الدرس لا قيمة له بلا عمل، قيمته أن ينقلب إلى عمل. أتمنى من أعماقي أن يتنامى إيمانكم باليوم الآخر، لدرجة أن ترى كل الربح، وكل المغنم , وكل الذكاء، وكل التفوق في البذل، ونحن كمجتمع إسلامي لن يقوم إلا على البذل والعطاء، هذه البلدة مباركة، نحتاج أن تكون هذه الصحوة مرشَّدة بالكتاب والسنة. القلب السليم هو المقبول عند الله الذي لايشوبه رياء ولانفاق: فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون لكل واحد منكم عمل يلقى الله به، وأنْ يجعله لله خالصاً، وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ((أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)) (صحيح مسلم) القلب المشترك لا أقبِل عليه، والعمل المشترك لا أقبله، يقول أحدهم: أنا أخدم الناس كثيرًا، لِمَ ؟ لأنني أحبُّ أن أزرع بكل منطقة شخصًا يخدمني، لا أجر لك نهائياً بالآخرة، هذا سلوك ذكي، هذه قضية "حكَّ لي أحكّ لك"، هذا مبدأ نفعي لا قيمة له عند الله إطلاقاً، أنت حينما تخدم إنسانًا لا تبتغي إلا رضاء الله عز وجل، من دون أيّ ردِّ فعل حتى لو أساء لك، يا ربي أنا أخدمه في سبيلك، وأحتسب هذا الأجر عندك،هذا العمل المقبول عند الله. قيمة المؤمن بعمله الصالح: ![]() ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ( سورة فاطر الآية: 10 ) فالعمل الصالح يرفعك، فكل واحد يبتغي عملاً لوجه الله، يقدمه فيما بينه وبين الله، فمثلاً إذا صلى أحدنا قيام الليل، وما حدَّث الناس به إطلاقاً، فهل يستطيع الشيطان أن يقول له: أنت منافق ؟ أبداً، إذا دفع إنسان صدقة، وما حدَّث بها إطلاقاً هل يستطيع الشيطان أن يقول له: أنت منافق ؟ أبداً. إذا خفتَ على نفسك فاجعله سراً، أردت أن تكون قدوة للآخرين فلا مانع، فإذا أمضيت كل وقتك في خدمة عباد الله عز وجل يمنحك عطاءً لا ينتهي عند الموت، بل يبدأ بعد الموت. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( الثالث ) الموضوع : حقيقة الانسان وما يبقى منة و جوهرة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التعرف على حقيقة الإنسان: 1- النفس: أيها الأخوة، الإنسان نفس، وروح، وجسد، نفسك هي أنت، هي ذاتك، هي الجانب الذي يؤمن والذي يكفر، والذي يشكر والذي لا يشكر، والذي يسعد والذي يشقى، هي الجانب الباقي في الإنسان، والله عز وجل يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (سورة آل عمران الآية:185) سكرة الموت شيء، والموت شيء آخر، النفس تذوق الموت ولا تموت، إنها من روح الله عز وجل، وهي خالدة إلى أبد الآبدين. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 77) 2- الجسد: الإنسان له جسم، وهو وعاء تماماً، غلاف تماماً، ثياب تماماً، فإنْ خلعت ثيابك فهل أنت ثيابك أم أنت شيء غير ثيابك ؟ قد ترتدي ثياباً رائعة، مفصلة على قدك تماماً إذا خلعت هذا الثوب، الثوب هو أنت أم أنت شيء غير الثوب، هذا الجسم وعاء، قالب مرتكز، جانب مادي، عند الموت تخلعه ويعود إلى أصله الترابي، أما أنت فباقٍ . يا فلان، يا عتبة بن ربيعة، يا صفوان، ذكر النبي أسماءَهم وهؤلاء هم قتلى بدر من الكفار، واحداً واحداً، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: ((يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ)) (رواه مسلم) النفس خالدة لا تتأثر بالموت ولا بالقبر: فيك جانب خالد لا يتأثر لا بالموت ولا بالقبر، هذا الجانب له مصيران لا ثالث لهما، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، النفس خالدة، هي التي تشكر، هي التي تكفر، هي التي تؤمن، هي التي تنافق، هي التي تكون كريمة، هي البخيلة، هي النظيفة , هي القذرة، هي الصادقة، هي الكاذبة، هي التي تسعد بالله عز وجل، وهي التي تشقى بالبعد عنه، كل صفات الإنسان صفات نفسه. فمثلاً المركبة القذرة من هو القذر ؟ صاحبها، المركبة النظيفة من هو النظيف ؟ صاحبها، والبيت المرتَّب من هو المرتَّب ؟ صاحبه، والبيت الفوضوي من هو الفوضوي ؟ صاحبه، فنفسك ذاتك، هي أنت. الاستشهاد بأمثلة على عوارض النفس: قد تكون في بيت واسع جداً، مريح جداً، كل حاجاتك مؤمَّنة، أنواع الطعام، أنواع الشراب حتى الفواكه، والحلويات، والزهور، يأتيك اتصال هاتفي مزعج جداً، تشعر بضيق لا يحتمل، لماذا الضيق ؟ ما هي الجهة فيك التي تألمت ؟ نفسك . أخوان توأمان ينامان على سرير واحد، الظروف كلها واحدة: السرير، الجو، الحرارة، الرطوبة، وقد تناولا طعاماً واحداً قبل أن يناما، فأحدهما رأى نفسه في المنام داخل بستان جميل مع أصدقائه وأحبابه، وتبادلوا ألوان الحديث الممتع، والثاني رأى نفسه مع ثعبان أقرع، فصاح صيحةً ملأت الغرفة صخباً، فلماذا سعيد هذا، وشقي هذا ؟ الظرف المادي واحد، معنى ذلك أن لك نفساً تسعد وتشقى، ترضى وتغضب، تتصل وتنقطع، تسمو وتنحط، تؤمن وتكفر، تطيـع وتعصي، تحب وتكره، نفسك هي أنت ذاتك، كيف خاطب الله ذات الإنسان ؟ قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ( سورة لقمان الآية: 23) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ ( سورة الفجر الآية: 27 ـ 28) يا أيها الإنسان, فالمقصود بالخطاب نفسه. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ( سورة الانفطار الآية: 6) علاقة النفس بالجسد: لذلك أيها الأخوة، هذه النفس التي هي ذاتك تذوق الموت ولا تموت، وهي إما في جنة يدوم نعيمها، أو في نار لا ينفد عذابها، فجسمك هو الوعاء، والنفس ترى من خلال العينين، وتستمع إلى الأصوات من خلال الأذنين، وتعبر عن حاجاتها عن طريق الفم واللسان، وتتصل بالعالم الخارجي من خلال الحواس. فهذا الجسم وعاء له نوافذ: نوافذ تتلقى الأصوات، و نوافذ تتلقى الصور، و نوافذ تتلقى الأحاسيس، و نوافذ واسعة جداً تتلقى الحر والقر، فجسمك وعاء نفسك، وفيه نوافذ تنتقل عبرها إحساساتك بالعالم الخارجي، الجسد وعاء، أو ثوب يُخلَع. 3- الروح: للروح القدرة الإلهية هي التي تحرك الجسد، فالروح وللهِ المثل الأعلى، من باب التقريب أقول: لدينا مسجلة، الروح هي الكهرباء التي تسري فيها فيعلو صوتها، لو قطعت عنها الكهرباء لأصبحت كتلة لا معنى لها، البراد ما الشيء الذي يجعله يعمل ويبرد ؟ الكهرباء، لو وزنت براداً أو ثلاجة في ميزان دقيق وهو يعمل، ثم قطعت عنه الكهرباء هل يقل وزنه ؟ أبداً، كان ثلاجةً فأصبح كتلة لا معنى لها، فكل أعضاء الإنسان ؛ كالعين ترى بالروح، والأذن تسمع بالروح، واللسان ينطق بالروح، والدماغ ينشط بالروح، والمعدة تهضم بالروح، فالروح هي الطاقة المحركة عند الموت , تقطع عن الإنسان هذه الطاقة. فمثلاً الكبد عن طريق الروح يقوم بخمسة آلاف وظيفة، فلما انقطعت عنه الروح وانقطعت عنه الحياة، صار قطعة من اللحم، فإما أن تحفظها في براد، وإما أن تتفسخ، فالإنسان يقول لك: أريد شطيرة سودة فأساسها كبد، كبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة , فلما ذبح الخروف أصبح لحماً يؤكل. النفس هي التي تسعد بالقرب من الله وتشقى بالبعد عنه: أيها الأخوة الكرام، أن في الإنسان نفساً هي ذاته الخالدة، هي التي مصيرها الجنة أو النار، هي التي تسعد بالله أو تشقى بالبعد عنه، هي التي تسمو وتسفل، كل صفات الإنسان صفات بذاته. لو جئنا بجسم نبي، أو بجسم أبي جهل، عينان عينان، أذنان أذنان، لسان لسان، شفتان شفتان، يدان يدان , ما الذي يميز هذا النبي العظيم سيد الخلق، وحبيب الحق عن ذلك الآخر ؟ أن نفسه تعرف الله، ونفسه اتصلت بالله، واصطبغت بالكمال الإلهي، وذلك الآخر نفسه بعيدة عن الله، انقطاعها عنه جعلها تسفل وتشقى . قلب النفس مسكنها في الصدر وهي المقصودة في الآية: أيها الأخوة، يقول أحدكم: إنه اليوم متضايق، فهو أكل، وشرب، ونام، كل أمورك ميسرة، لماذا أنت متضايق ؟ لأن لديك مشكلة تعاني منها إنها النفس , وإذا قال الله عزوجل: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ ( سورة الأعراف الآية: 179 ) فهذا قلب النفس وهو المقصود بالآية، ليس قلب الجسد، ليس هذه المضخة الصنوبرية، لا، النفس لها قلب حقًّا، لها قلب، ومسكنها الصدر. ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ ( سورة لقمان الآية:23) ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ ( سورة الفجر الآية: 27-28 ) علم النفس لا يزال في أطواره الأولى: وقد درسنا في الجامعة في علم النفس أن أمًّا في ميلانو، وهي في المطبخ رأت ابنها قد دهسته سيارة في باريس، رأته بعينها، وبعد يومين جاءها النعش، ومعه تقرير بالحادث في الساعة التي رأته قد دهس فيها، تفسير هذه الحادثة صعب جداً، الحادثة واقعة، لكن سمَّوها التخاطر النفسي، معناها النفس لا تزال حتى الآن مجهولة، أعتقد ألكسيس كاريل ألف كتابًا عنوانه [الإنسان ذلك المجهول] وقصد نفسه لا جسده. ولقد درس الأطباء القلب والرئتين والعينين والأذنين والأجهزة، ودراسات علوم الطب متقدمة جداً، لكن علوم النفس لا تزال في البدايات، ومعلوم لديكم أنّ سيدنا عمر وهو يقف على المنبر في المدينة، قطع الخطبة ونادى: يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ، وهو في بلاد الفرس، ويقول سيدنا سارية سمعتُ صوت أمير المؤمنين يحذرني العدوّ، وأن ألتزم الجبل، فهذا هو التخاطر النفسي وهو ثابت علمياً، لكنه غير معروف تفصيلياً، كيف ؟ لا نعرف فهذه النفس كأنها إشعاع، أحياناً إنسان تذكره فإذا هو أمامك، يقال عندئذٍ: حضرت ملائكته، فهذا إشعاع صادر عنه، وهناك حوادث كثيرة جداً من الصعب أن تصدق، الحياة النفسية حياة لا تزال في البدايات. تجارب أولية درست حول موضوع الحياة النفسية للنبات: أنا قرأت مقالة علمية، أستاذ في جامعة ببلد عربي، والجامعة محترمة جداً , عقد في هذه الجامعة مؤتمرًا علميًّا، فهذا الأستاذ جاء بأربعة خيوط بلاستيكية، حفر في أرض في مكان في الجامعة، حفر فيها أربع حفر بعمق واحد، وجاء بتربة موحدة، وجاء بنوع قمح موحد، وعدد الحبات واحد، ألفيْ حبة بألفين، بألفين , والتربة واحدة، والحَب واحد، والسقيا واحدة، والتسميد واحد، والعناية واحدة ، والمبيدات واحدة، وجاء بطالبة كلفها أن تقرأ عن البيت الأول في الأسبوع مرتين سورة يس والفاتحة والمعوذتين والإخلاص , البيت الثاني كلف طالبة أخرى أن تمسك بالنبات، وتمزقه لإحداث ألم في النبات، والبيت الثالث كانت الطالبة تلقي كلاماً قاسياً على هذا النبات، وتعذب نباتاً أمامه، والبيت الرابع تُرِك على حاله وجعله مقياسًا، لا قرآن ولا تعذيب، والنتائج نُشِرتْ في مجلة علمية متخصصة، البيت الأول الذي تلي عليه القرآن نسبة النبات كانت 44 % زيادة على البيت الثاني والثالث، ونمو النبات كان أطول 64 % أو بالعكس , البيت الثاني والثالث أقل بمقدار 44 أو 64 في نمو الإنتاج، وكان المقياس البيت الرابع، إذا فالله عز وجل قال: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ( سورة الحشر الآية: 21 ) أن هذا القرآن يتوجه إلى نفس النبات. وأحد الأخوة المصلين قال كلاماً يكاد لا يصدق قال لي: نحن لنا بيت قريب من المسجد، بيت عربي قديم، وفيه شجرة تثمر ثمرًا معينًا، قال: لقد بقيت عشر سنوات تعطي ثمرتين أو ثلاثًا في السنة، فوالدي شكى همه إلى بستاني قال له: أريد أن أقطع هذه الشجرة لأنه لا فائدة منها، ثم قال له: دعها لي، وسآتيك يوم الجمعة، وفكر والدي أن المشكلة تكمن في التسميد، قال: أنا سأمسك بالمنشار لأقطعها، وأنت يجب أن ترجوني ألاّ أقطعها، عملية تمثيل أمام نبات، قال لي: أنا استصغرت عقلَ هذا البستاني ثم جاء بسُلّم، وصعد إلى منتصفها، وجاء بالمنشار ليقطعها، قال له: أرجوك ألا تقطعها سوف تحمل، تعدني أن تحمل، وهذا الرجل هو صادق عندي، أقسم بالله أنه في العام القادم حملت أكثر من خمسمئة ثمرة، وبقيت عشر سنوات تحمل، فالنبات له نفس، واسأل هؤلاء الذين يتعاملون مع النبات. يقول لك أحدُهم: هذه النبتة لما نقلت من بيت إلى بيت ماتت، كانت منسجمة مع صاحب البيت الأول، هذه أمور لا زالت في البدايات. كذلك تجربة بحثت على بعض الديدان حول الحياة النفسية لها: في علم الأحياء بعض أنواع الديدان نادرة جداً، إذا قطعتها نصفين ينمو في رأسها ذنب، ولذنبها رأس، جاءوا بهذه الدودة يريدون أن تُشكَّل عندها ذاكرة، فوضعوها في محلول، ما الذي يؤلم هذه الدودة ؟ أن نكهرب المحلول، فلما نكهرب المحلول ومع الكهرباء يتألق مصباح، ويحدث ترابط، كلما كهربنا المحلول تألَّق المصباح، أي يضيء وهذه التجربة استمرت ستة أشهر إلى أن صار إذا تألق المصباح اضطربت الدودة، هذه بدايات الذاكرة، نحن ربطنا بين تألق المصباح وبين كهربة المحلول بستة أشهر كل يوم، إلى أن تشكل في العقدة العصبية في هذه الدودة ذاكرة بسيطة، الكهرباء في المحلول بعد ستة أشهر تألَّق المصباح فاضطربت الدودة، يعني صار لديها ذاكرة، قطعوا هذه الدودة شطرين، تجربة خطيرة جداً، وألقوا رأسها في المهملات، فنما لذنبها رأس جديد، وفي هذا الرأس الذي نما عقدة عصبية، وضعوا هذه الدودة في محلول، وألقوا المصباح فاضطربت، أنّ القضية ليست مادية، فلو كانت مادية فذلك الرأس الذي فيه العقدة العصبية والذي برمجناه على إحداث ذاكرة عنده خلال ستة أشهر ألقيناه في المهملات، نما رأس جديد، فمن أين جاءت هذه الذاكرة ؟ فقالوا: هناك حياة نفسية لا علاقة لها بالجسد. ربما أعطاك فمنعك , وربما منعك فأعطاك: هناك شخص قال: قضيت ثماني سنوات في سجن، وكأنني في الجنة، أنا لا أكذبه، حفظ كتاب الله كله، وإنسان يقيم بأجمل مكان يقول لك: أكاد أموت من الضيق . الدليل: لقد حدثني أخ من أخواننا، وهو عندي صادق، قال لي: دخلت على إنسان من أثرياء البلد، وقال: لا أبالغ إنّ حجم ماله أكثر من أربعة آلاف مليون، وقال: كان كلُّ حديثه عن تعاسته، وعن شقائه، فلا يرضى عن بيته، ولا عن زوجته، ولا عن أولاده، ولا عن البلد، ويشكوا الأسواق، فلا بيع ولا حركة , قال لي: والله يزيد حجم ماله عن أربعة آلاف مليون، قال: واستمعت إلى شكواه، حتى ضاقت نفسي، أربعة آلاف مليون، لم أعُد قادرًا على الاستماع. مِن غرائب الصدف أنّ رجلاً من أخواننا الكرام محسن، قال: ما إنْ دخلت محلي التجاري في الحريقة حتى جاءت امرأة محجبة تطلب مساعدة ألف ليرة بالشهر، ما السبب يا أختي ؟ قالت له: زوجي موظف معاشه يكفي للطعام والشراب، وليس معنا ثمن أجرة البيت، أين بيتكم ؟ قالت له: في داريا، قال لها: أنا عندي بالمساء اجتماع بداريا، ونبحث القضية، وأخذ عنوانها، في أثناء الاجتماع مع الجمعية الخيرية قال لهم: عندنا أخت تطلب مساعدة يُرجَى التحقيق معها، قال: قم نذهب سويًّا إليها، قال: فدخلنا البيت، فما رأت عيني بيتاً مثل هذا البيت، تحت الدرج، والدرج تحته في فراغ، وهو غرفة ومطبخ، وحمام، مع فسحة صغيرة، بيت لا يمكن أن يسكنه إنسان، وفيه كما قال: أثاث متواضع جداً، لكن البيت نظيف جداً، وزوجها مريض، وعندهم أربعة أولاد، وقال: ما شاء الله ، وجدتهم في نباهة ونظافة، وأقسمَ بالله وهو عندي صادق وقال: ِ كأن هذا البيت قطعة من الجنة، فقال لهم: الوضع يحتاج منا مساعدة، قال له: اكتب ألفين، فقالت له: لا ألف أعطوا الألف لغيرنا والحمد لله المعاش يكفينا، قال: أنا دهشت، واحد حجمه المالي أربعة آلاف مليون من شدة الشكوى , والألم , والضيق والضجر كدت أنْ أسقط على الأرض، وهذا البيت كأنه قطعة من الجنة، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، القضية نفسية . إذا نزلت السكينة على النفس تسعد بها وتشقى بفقدها: قد يكون إيمان إنسان بالله قويًا جداً، واتصاله بالله قويًا، تشعر أنه غني، وهو متفائل، يشع سعادة، وقد يكون الطرف الآخر أغنى منه بكثير، وحركته بمئات الملايين ومع ذلك فهو متضايقٌ، معنى ذلك أنّ النفس غير الجسم، لك نفس تسعد بذكر الله، وتشقى بالبعد عنه، وهناك شيء اسمه سكينة، إذا أنزل الله على قلبك سكينته سعدت بها، ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، أيُعقَل أن يكون لقائد القوات الإسلامية في الشام سيدنا أبو عبيدة الجراح، غرفة فيها جلد غزال، وقدر ماء مغطى برغيف خبز، وعلى الحائط سيفه ؟ قال له: ما هذا يا أبا عبيدة ؟ قال له سيدنا: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير ألا تبلغنا القليل , إنسان في أسعد درجات حياته بهذا التقشف، إنسان عمره ثمانون عاماً سيدنا أبو أيوب الأنصاري يغادر المدينة لينضم إلى الجيوش الفاتحة ويموت في اسطنبول ما هذا ؟ هذه السكينة تتنزل على النفس تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء. إذا توصلت إلى معرفة نفسك حققت الهدف من سعادتها: أيها الأخوة الكرام، الآخرة هي رحلة النهاية، كلنا إلى هذا اليوم قادمون، فالبطولة والاستعداد لهذا اليوم، والإنسان لا يدري متى الأجل، ولله درُّ القائل: تزود من التقوى فإنك لا تــدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجـر فكم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حينًا من الدهر فإذا عرف الإنسان حقيقته، وعرف مهمته، وعرف مصيره , وعرف هدفه الكبير، ينسجم مع هذه المعطيات فيسعد. كيف تطمئن نفسك ؟ أيها الأخوة، لاحظ نفسك، فإنْ كنت في تقشف شديد، وشعرت أن الله راضٍ عنك فأنت تشعر بسعادة لا توصف، وحينما تكون بأعلى درجات النعيم المادي، و كنت غارقًا في معصية، فأنت محجوب عن الله عز وجل، وأنت معذب، هكذا شأن قلب النفس فلا يسعد إلا ذكر الله، واقرأ الآية الكريمة: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 28) لا تطمئن إلا بذكر الله سبحانه، لو أن الله عز وجل قال: تطمئن القلوب بذكر الله لبقي المعنى قاصرًا، يعني وقد تطمئن بغير ذكر الله، أما حينما جاءت الصيغة صيغة قصر " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " أي أن القلوب لا تطمئن إلا بذكر الله، وجرب أكْل طعام طيب، واجلس في مكان جميل، لكن مع البعد عن الله، فهذا المكان قطعة من النار، وجرب أن تجلس في مكان متواضع، لتأكلْ أكلاً خشنًا، وأنت ذاكر لله، فالحال مختلف. حينما أمرُّ في الطريق إلى الزبداني, وأرى مقاصف وملاهي، مئة سيارة أمامها، أقول: ماذا في الداخل ؟ راقصة، ومغنِّية، وطعام، هؤلاء الذين أرادوا هذا المكان يبحثون عن متعة، عن لذة، يأكلون ويشربون ويملؤون عيونهم من محاسن امرأة لا يحل لهم أن ينظروا إليها، أقول لو عرفوا ما عند الله من سعادة، لَأَوَوْا إلى الله، ولجؤوا إليه، وأقاموا في محرابه، ومرغوا جباههم عند أعتابه، هم لا يعلمون. إذا ارتقى المؤمن في إيمانه ازداد حبا لله وتقربا منه: أيها الأخوة , المؤمن إذا ارتقى في إيمانه فلا تطمئن نفسه إلا أن تكون العلاقة بينه وبين الله علاقةً عالية المستوى، المؤمن رأس ماله محبة الله له، رأس ماله أنه في رضوان الله، رأس ماله أن المستقبل لصالحه، الزمن في صالح المؤمن وليس في صالح الكافر، كلما تقدم بالمؤمن السن ازداد معرفة بربه، وازداد يقيناً بلقائه، وازداد عمله الصالح إخلاصاً، وازداد وقته انشغالاً بطاعة الله، وكلما اقترب العمر من نهايته رأيته مستبشراً لأن كل هذا العمر من أجل ساعة اللقاء. ولدينا حديث قدسي حينما أقرأه يقشعر بدني، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) ( أخرجه البخاري) يقول الله عن ذاته العلية: (( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ )) وإنّ الله لا يتردد، لكن هذا لتقريب المعنى إلينا (( يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )) هيّأ له جنة عرضها السموات والأرض، له حياة مريحة، لا تعب فيها ولا نصب، فالإنسان كل معلوماته دنيوية، لكن لو عرف ما عند الله , لقال كما قال مؤمن يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ( سورة يس الآية:26) اجتهاد بعض علماء الحديث في تعذيب الميت بأهله: هناك حديث مشكل عند علماء الحديث، فعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ وَا أَخَاهُ فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ)) (متفق عليه) ما علاقته إذا بكى أهله ؟ بعض علماء الحديث فَهِم هذا الحديث فهماً رائعاً، قال: إن الميت المؤمن إذا انقلب إلى الله عز وجل، ورأى ما فيه من النعيم يتألم لبكاء أهله عليه ، يعذب ببكاء أهله عليه، يقول أنا: في خير، أنا في جنة، إياكم أن تبكوا. الموت عرس المؤمن: ولقد قصّ علي أحدُ أخواننا قصة تكاد لا تصدق، امرأة صالحة لدرجة غير معقولة، حدثني عن قصتها ابنها وزوجها كان في مجلس التعزية، قال: كانت تقضي ليلها في قراءة القرآن والصلاة مطيعةً لله عز وجل، تؤدي واجباتها لزوجها أداءً غير معقول، ترعى أولادها وبناتها رعاية فائقةً، لكرامتها عند الله قالت لهم: لقد دَنَا أجلي، لكن لا تشكوا شيئًا، ودعت أولادها، وطلبت بناتها وأصهارها، ثم وافتها المنية، قالت قبل أن تموت: لا تقيموا مأتمَ عزاء، أقيموا حفلة عند موتي، والذي فعله أهلها أنهم جاءوا بمنشدين، وأقاموا حفلاً، ووزعوا حلويات، لأنّ يقينها بما عند الله من سعادة شيء لا يوصف ، المؤمن كذلك يجب أن يتيقن أن بعد الموت جنة فيها: ((مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) نحن في غفلة، نحن كل مقاييسنا مادية، فلان بيته كبير فهنيئًا له، فلان يملك شركة ضخمة فهنيئًا له، فلان سيارته موديل جديد ما أسعدَه ! فلان ورث أرضًا فصار ثمنها مئة ضعف فالهناء له، هذا ما فعله قومُ قارون: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ (سورة القصص الآية: 79-80) من هو العاقل ؟ أيها الأخوة الكرام، أريد أن أقول لكم : إنّ موضوعات يوم الآخر موضوعات خطيرة جداً، فيجب أن تعرف من أنت ؟ وما الذي يبقى منك ؟ وماذا بعد الموت ؟ وماذا في القبر ؟ وماذا بعد القبر ؟ لأن هذا كله حقٌّ، وسيكون. سألت مرة شيخًا يعمل في دفن الموتى فقال: لدينا كل يوم في الشام ثمانون حالة وفاة، وهم بشر مثلنا، أشخاص لهم بيوت، ولهم أعمال وتجارة، فهذا المرحوم فلان، وهذا الشاب فلان، وهذه الشابة فلانة، مرة عميد أسرتهم، ومرة الدكتور فلان، ومرة المحامي فلان، مرة رتبة عسكرية عالية جداً، هكذا والحبل جرَّار، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت . و الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القـبر من هو العاقل ؟ هو الذي يستعد لهذا الموت الذي لابد منه، يستعد له بالتوبة والعمل الصالح. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( الرابع ) الموضوع :واقعية حدث الموت الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا , وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . الحدث الخطير في المستقبل هو الموت: ![]() أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من دروس اليوم الآخر. هناك من يقول: أنا واقعي، أي أن الواقعَ هو مقياس حقائقه، فهل من حدث أكثر واقعيةً في حياة الإنسان من الموت ؟ هل من حدث يستطيع إنسان كائن أن ينجو من الموت ؟ كلا، ثم كلاّ، الحدث المستقبلِي الخطير هو الموت، لذلك قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ ( سورة الملك الآية: 2 ) لماذا بدأ بالموت ؟ لأن الإنسان حينما يولد أمامه مليون خيار، أما حينما يموت هناك مصيران فقط. فو الذي نفس محمد ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. خيار الحياة واسع جداً، أما خيار الموت جنة أو نار، جنة يدوم نعيمها، أو نار لا ينفذ عذابها. للموت حالتان: 1- النوم: هو الموت المؤقت. ![]() أيها الأخوة، في الدرس الماضي بينت لكم أن حقيقة الإنسان جسم هو غلاف مادي، هناك انفصالات عديدة: انفصال مصغر كل واحد منا حينما ينام يموت موتاً مؤقتاً، تنفصل نفسه عن جسده، وتبقى معلقةً به نوعاً من التعليق، أما هو غائب في عالم آخر , من هنا عليه الصلاة والسلام كان يدعو قبل أن ينام ويقول: ((اللهم إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها، وَإِنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصَّالِحينَ)) [ متفق عليه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]. أيها الأخوة، انتبهوا إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كلما أوى إلى فراشه يظن أنه قد لا يستيقظ. الموت إذا جاء لا يستأذن صاحبه: كم من إنسان أوى إلى فراشه ولم يستيقظ، وكم من إنسان ذهب إلى عمله ولم يرجع، وكم من إنسان سافر ولم يعُد، وكم من إنسان دخل إلى البيت ولم يخرج إلا أفقياً، فلا بد أن تدخل المسجد مرةً ليصلى عليك، قد تدخله طوا ل حياتك لتصلي، وفي إحدى هذه المرات تدخله لِيُصَلَّى عليك، طوال حياتك تخرج وتعود، إلا في مرة واحدة تخرج ولا تعود، فإذا جاءت الساعة الثانية عشرة لا يقلْ أحد من أفرا د الأسرة: مات، ولا رجعة له إلى الدنيا، هذه الساعة الحرجة التي لابد منها كلُّ بطولتك في الإعداد لها، دقق. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ ( سورة الإنسان الآية: 27) ![]() كم من إنسان أصيب بجلطة لتوهمه أنه سيمثل أمام المحاكمة، فكيف لو وقفت في محكمة خالق الأكوان ؟ وهو الذي يعلم السر وأخفى، لا تخفى عليه خافية. أيها الأخوة، الموت حقٌّ، ولا بد منه، يقول الله عز وجل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 57) سكرة الموت شيء، والموت شيءٌ آخر، نفس الإنسان تذوق الموت، لكنها لا تموت. ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 77) الموت الأكبر: هو قبض الروح من الجسد. الانفصال الثاني: انفصال النفس عن الجسد عند الموت، هذا الموت الأكبر، وقال بعضهم: هذه القيامة الصغرى، يقول لك يوم القيامة: هناك قيامة لكل إنسان خاصة به، يوم موته هو يوم قيامته، إذا قلت: فلان قامت قيامته يعني مات، وهناك قيامة كبرى يوم يجتمع الناس جميعاً عند رب العالمين، وهناك قيامة صغرى عندما يموت الإنسان. الأدعية الواردة في السنة ينبغي ذكرها عند النوم وفي زمن الاستيقاظ: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول إذا استيقظ من نومه: ((الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي أحْيانا بَعْدَما أماتَنا وإلَيْهِ النشُورُ)) [ رواه البخاري عن حذيفةَ بن اليمان رضي اللّه عنهما، وعن أبي ذر رضي اللّه عنه ] يحب أن تعتقد أن النوم موت مؤقت، ويجب أن تدعو قبل أن تنام: اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها، ويجب أن تقول حينما تستيقظ: الحمد لله الذي رد إلي روحي، وعافني في بدني، وأَذِن لي في ذكره، والإنسان العاقل يعيش حياته يومًا بيوم، استيقظنا: الحمد لله، جاهزية عالية، سمع، وبصر، وحركة، يا نفس لقد سمح الله لك أن تعيشي يوماً جديداً، فماذا تفعلين في هذا اليوم ؟ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 60 ) الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها. في الدنيا عقاب ومكافئة جزئية لبعض الناس لردع المسيئين و تشجيع للمحسنين: أيها الأخوة، الآية التي ترتعد لها الفرائص هي قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 185 ) ![]() فمعنى الآية أن بعض الناس في الدنيا يعاقَبون ردعاً لبقية المسيئين، وأن بعض الناس في الدنيا يكافََؤون تشجيعاً لبقية المحسنين، أما الحساب النهائي، وكشف الرصيد، والحكم القاطع الذي لا استئناف فيه هو يوم القيامة " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " فوطن نفسك. ارتكب إنسان كل المعاصي والموبقات، ومات ولم يصبْ بمصيبة، هناك امرأة في بريطانيا انحلت أخلاقها إلى درجة غير معقولة، وفي مؤتمر صحفي سمعه أكثر من خمسين مليون إنسان قالت: أنا زنيت سبع مرات، مرة في المكان الفلاني مع فلان الفلاني، بلا حياء ولا خجل، فلما ماتت مشى في جنازتها ستة ملايين إنسان . فالعبرة أن يكون الإنسان مطيعاً لله عز وجل، من الممكن أنْ يُعاقَب إنسان في الدنيا و ألاّ يُعاقَب، وأنْ يُكافَأ إنسان في الدنيا وألاّ يُكافَأ، يجب أن تعتقد أن الدنيا ليست دار جزاء، إنما هي دار ابتلاء، فإذا عاقب الله بعض المسيئين فإن ذلك ردعٌ لبقية المسيئين، وإذا كافأ الله بعض المحسنين فذلك تشجيعٌ لبقية المحسنين ﴿ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة﴾ ينبغي على المؤمن أن لا يشتغل عن سر وجوده ورحلته في الدنيا ومطالبها: ![]() فأنت في الحياة الدنيا , كيف تحكم على إنسان غاص في أعماق البحر، وتلهى عن قطف اللؤلؤ بقطف المحارات والأصداف ؟ أحياناً حبة لؤلؤ ثمنها مئات الألوف، بينما مائة قطعة صدف لا تساوي شيئاً، فاللهو كتعريف دقيق له: أن تشتغل عن النفيس بالخسيس، الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ( سورة المنافقون الآية: 9) جمع المال ممتع، وأن تكون مع أولادك تمتع نظرك بهم وتلاعبهم شيء آخر ممتع، لكن هناك إنسان يلهو وينسى ربه، وينسى سر وجوده، وغاية وجوده، فيؤثِر جلسةً مع أهله على درس علم، ويؤثر جمع المال على طلب مرضاة الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ*﴾ ( سورة المنافقون الآية: 9 ـ 10 ) الجواب: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ (سورة المنافقون الآية: 11) تفكَّرْ وتمعَّن في هذه الكلمة (لن) للتحدي لنفي التأبيد " ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها الغنى والفقر بعد العرض على الله: قد يملك شخصٌ شركة دخلها فلكي، فمرة قرأت في بعض الصحف عن شركة سيارات ألمانية، عندها فائض نقدي مئة مليار دولار، لا تدري أين توظف هذا المبلغ ؟ شركة كهذه الشركة لو أنك تملكها، ولم تعمل لآخرتك شيئًا فأنت خاسر ﴿لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ﴾ يُروَى أن أكبر غني في العالم يهودي اسمه روكشلد، دخل مرة إلى غرفة أمواله، أمواله ليست في صندوق، بل في غرفة، ولها باب محكم كالصندوق الحديدي، ونتيجة خطأ أراده الله عز وجل أُغلِق عليه باب الغرفة، وهذه الغرفة يبدو أنها عميقة في البيت، صاح وصاح، من غير فائدة، ويُعرَف عنه أنه كان كثير الأسفار، فتوهم أهله أنه مسافر، فمات من الجوع والعطش، ولم يعلم بخبره أَحَدٌ، فجرح إصبعه، وكتب على الجدار: أغنى إنسان في العالم يموت جوعا ً﴿ لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله﴾ الموت مقدر في علم الغيب على كل إنسان في الظرف الذي يكون فيه:إنّ كل قوتك، وكل هيمنتك، وكل استمتاعك في الدنيا منوط بميل وربع ميل قطر شريانك التاجي، فإذا ضاق هذا الشريان التاجي بدأت متاعب لا حصر لها. أيها الأخوة يجب أن نعلم علم اليقين أنه: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 34) الاستشهاد بأمثلة لتأكيد المعنى: حدثني طبيب "جراح قلب" أنه أجرى عمليتين، العملية الأولى سهلة جداً ً، وهو يُجري المئات من مثيلاتهـا بلا اهتمام أبداً، توسيع الدسام، فجاءت امرأة وأُجريت لها هذه العملية ببساطة وبنجاح تام، وإنسان آخر أكثر من ساعة ونصف ظلّ يمسّد قلبه، إلى أن عادت له الحياة، كل اهتمامه موجه لهذا المريض الذي أوشك على الموت ثم ردت له الحياة , قال لي: بعد ساعة ماتت المريضة الأولى، وعاش هذا حياةً رائعةً متمتعاً بأعلى درجات صحته زمنًا طويلاً، إذًا فالموتُ مرهون بإرادة الله. هناك أخ طبيب من أخواننا نسأل الله أنْ يشفيه ويعافيه , قال لي: كنت طالب طب في جامعة القاهرة، وفي مرحلة التدريبات صادف أنْ كان يوم عرفة، وأريد الذهاب إلى بيتي، فاستأذن من الدكتور المشرف أن يذهب فلم يسمح له، لأن عندهم مريضًا يعاني فشلاً كلويًا، وقد يموت بين اللحظة والأخرى، فانتظر ربع ساعة لعله يموت ثم أذهب، وعنده ممرضة قال لها: أحضِري لي كأسَ شاي بينما يموت هذا، فرفضتْ , فامتلأ غيظًا منها، فأراد أن يضايقها، فأمرها بإجراء تحليل لذاك المريض، قالت له: أمَا قال لك الأستاذ الآن يموت، قال لها: هذا ليس أمركِ، أجرِ تحليلاً، فهي ضجرت، وإذا بالمريضِ يتحسن شيئًا فشيئًا، وكانت المفاجأة، وقال لي: تابعت أخباره بعد أنْ تحسَّن، ومات هذا المريض بعد ما مات أستاذه بست سنوات، وهو الذي قال له سيموت بعد قليل. أحد أخواننا الكرام قال لي: ولدت في بيت، ويوم ولدت كنا مجموعة أخوة يسكنون في بيت واحد، بيت عربي قديم، أنا وأبي وأمي بغرفة , وعمي وامرأة عمي بغرفة، وعمي الثاني وامرأته بغرفة، كل إنسان وزوجته في غرفة، وقال: يوم ولدت كانت امرأة عمي مصابةٌ بمرض الموت، قال لها الطبيب بالحرف الواحد: اكتبوا النعي لقد انتهت، وهذه المريضة التي قال الطبيب عنها: زارتني بعد خمس وأربعين سنة في بيتي بحيّ العدوي، فالموتُ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ( سورة الأعراف الآية:34) ![]() كم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر. أعرف شخصًا أصيب بشلل عاش ثلاثين سنة لا يغادر الفراش، وقبل أسابيع معدودة شخص رياضي من الطراز الأول، له ساعة جري كل يومٍ ما غاب عنها يوماً منذ عشرين سنة، وله ساعة سباحة كل يوم، وكل حديثه عن الأكل القليل والخضار والفواكه والخبز المصنوع من النخالة، وعليك أنْ تمشي، وتمارس الرياضة، فخرَّ ميتًا، وهو لا يشكو من شيء في حياته لي صديق مِن أقربائي له سهرة أسبوعية، كان يقول في أثناء جلساته مع أصدقائه: سأعيش طويلاً، أكْلي قليل، وأمشي كثيرًا، ولا أدخّن، و أعتني بصحتي، وليس عندي شدة نفسية هذا الكلام قاله يوم السبت، ويوم السبت الثاني كان تحت التراب مدفونًا. أحد أخواننا الكرام دعاني إلى نزهة , قال لي: اخترْ عشرة من أخوانك، وكان بيننا إنسان محترم جداً وضعته في رأس القائمة، فالدعوة يوم السبت وقد توفي الجمعة، وكان اسمه في القائمة، المواعظ كثيرة جداً أيها الأخوة الكرام، يكون الشخص ملء السمع والبصر فيختفي فجأةً من عالَم الأحياء تخطفه يدً المنون. كم من صحيح مات من غير علـة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر وكم من عروس زينوها لزوجــها و قد قبضت أرواحهم ليلة القــدر إذاً: تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر ؟ وظيفة المسلم في دار الدنيا هي العمل الصالح: رأخواننا الكرام، يجب أن تعلم علم اليقين أنك في الحياة الدنيا من أجل مهمة واحدة بعد الإيمان بالله، أن تؤدِّي ثمن الآخرة، إنه العمل الصالح، والآية: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 99 ـ 100) قيل له: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 100) ![]() أيها الأخوة هذا اعتقادي، في الأرض ستة مليارات إنسان، مسلمون، وأهل كتاب، وبوذيون، وسيخ، وملحدون، وعباد النار، وعباد الأصنام، وعباد الشمس، وعباد الفرج، فيها أديان لا تعد ولا تحصى، كل هؤلاء حينما يأتيهم ملك الموت يعرفون الحقائق التي جاء بها النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتى أني قرأت ترجمة لكتاب من أغرب الكتب، عنوانه (الحياة بعد الموت)، مؤلِّف الكتاب شخص أصيب بحادث سير، فيبدو أنه توقف قلبه لفترة طويلة، ثم عاد إلى الحياة، فسألوه: ماذا شعرتَ ؟ فهذا المؤلف جعل همه البحث عن مثيل لهذه القصص فجمعها مِن أكثر من مكان في العالم، سافر إلى قارات عديدة، وجمع حالات الموت المؤقت، الشيء الغريب والعجيب أن أكثر هؤلاء الذين ماتوا موتاً مؤقتاً أدلوا بوصف موحد لكل أحوالهم، أحد هذه الأوصاف أنهم يبتعدون عن جسدهم مسافة أربعة أمتار، فإنسان مات بحادث موت مؤقت رأى نفسه على ارتفاع أربعة أمتار، جاءت سيارة الإسعاف، وجاءت الشرطة، فكان يراهم جميعاً. أول شيء مشترك أن النفس هي ذات الإنسان تبتعد عن الجسم، والجسم شيء ملقى أمامك، وأن الإنسانَ يتذكر كل أعماله السيئة التي فعَلَها هذا الشيء الثاني، الشيء الثالث يرى أن العملة الوحيدة الرائجة في هذا اليوم، "اليوم الآخر" هي العمل الصالح، هذا الذي يشعر به كل إنسان يدركه الموت ". فوات الفرصة للكافر عند لقاء ربه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 99- 100) فيكون الجواب: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 100) ويكون المصير: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ *قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 104 ـ 108) ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 88) حال الإنسان ومآله قبل الموت وبعده: المعروف أنّ الإنسان إذا سافر إلى بلاد أخرى يزور معالمها، فلقد زرت مرة مصر، وبالقلعة تاريخ المماليك، فأين المماليك ؟ وأين قطز ؟ وأين هؤلاء الذين حكموا مصر ؟ أين هم الآن ؟. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 44 ) ![]() كان شخصاً فصار قصة " وجعلناهم أحاديث " فدراسة الآثار مؤثرة جداً، ولما دخلت الأهرامات انتابني شيء لا يصدق، وتساءلتُ: أين الفراعنة الشداد ؟ أين الرومان الذين عاشوا في هذه البلاد، آثارهم واضحة، مدرج بصرى، وفي السويداء لهم أثار ضخمة جداً، أين الرومان ؟ أين الإغريق ؟ أين هؤلاء الأقوياء الذي حكموا العالم ؟ ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ فمن هو سيد الخلق، وحبيب الحق ؟ إنه النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ( سورة الزمر الآية: 30) ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 34) أنت ميت وغيرك ميت ينبغي أن تأخذ العبرة من ذلك: ![]() هناك مَن يقول: فلان مات وارتحنا منه، فهل أنت خالد ؟ تموت كما مات، قد يكون الأب بخيل مثلاً، فيأتي الطبيب ويقول لهم: أزمة عَرَضية، فينزعجُ الأولاد، لا نريدها عرضية، نريدها القاضية، فالبخيل أقرب الناس إليه يتمنى موته، وإذا كان كريمًا فالكلُّ يحبُّه، "علامة نجاحك كأب إذا دخلت إلى البيت يجب أن يكون دخولُك عيدًا، وكل مَن حولك يتمنى بقاءك، ويدعو لك بطول عمرك ". ذات مرة دخلت إلى مزرعة فأعجبني مِن صاحبها أنْ كتَبَ جملةً: إننا نسعد بالضيوف، لكن بعضهم نسعد بقدومهم، وبعضهم نسعد بمغادرتهم، فإذا كان الإنسان محسنًا وكريمًا يسعد أولاده به ويتمنون بقاءه ويدعون له بطول العمر، أما إذا كان فيه بخل شديد وإمساك، وقال لهم الطبيب: أزمة عرضية ينزعجون، نريدها القاضية. من أدعية النبي عليه الصلاة كما ثبت عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ)) [ أخرجه البخاري في الصحيح ]. الله حي باق على الدوام. عندما تصطبغ بكمال العبودية لله لا تفزع لمصالحك أما مع غيره تنتهي مصالحك عند الموت: بالمناسبة كل إنسان ربط علاقاته مع إنسان يموت فمشكلته كبيرة، إذا مات تلاشت كل آماله، أما إذا ربط الإنسان مصيره مع الحي الذي لا يموت فليست عنده مشكلة أبداً، اربط مصالحك، وآمالك، وأحلامك، وأهدافك مع الحي الذي لا يموت، فإذا ربطت آمالك ومصالحك مع الذي يموت، فإذا مات ماتت كل مصالحك بموته. الموت بيد الله لا بيد زيد من الناس: بالمناسبة أخطر حدث مستقبليّ في حياة الإنسان هو موته، وهذا الموت بيد الله وحده، ولو توهمتم أن شخصًا يقول لآخر: اقتله، فهل يقتله ؟ لا، هذا الشيء صورة، والموت بيد الله، لكن: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ (سورة آل عمران الآية: 145) الأمثلة لديكم: يروى مرة عن جمال السفاح، كان طاغية، فأودع عند مدير سجن القلعة سبعة عشر سجيناً كي يعدمهم فهرب أحدُهم، مدير السجن من شدة خوفه من جمال السفاح أرسل اثنين من الشرطة إلى باب الجابية، وأخذ شخصًا لا على التعين ووضعه معهم، فرجعوا سبعة عشر لكن هذا لم يفهم السببَ، أخذوه ووضعوه بين المعدومين، لما وصل إلى المشنقة سأل: ما القصة ؟ الستة عشر معروف وضعُهم، أما هذا الذي أُخِذ من الطريق، لما تبيَّن أنه سوف يعدم قال: والله أنا قتلت قتيلاً في زماني، ولم يعلم به أحد، فهذا الشرطي ساقه الله إلى هذا الشخص المجرم فأخذه، وأما السبعة عشر: ﴿ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ﴾ إياك أن تتوهم أن إنسانًا يميت إنساناً إلا أن يأذن الله عز وجل. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ ( سورة النساء الآية: 78 ) بعض الشعراء العباسيين اسمه أبو العتاهية قال هذه الأبيات: لا تأمنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسٍ ولو تـمتعتَ بـالحُـجَّابِ والـحرسِ واعلمْ بأن ســـهامَ الموتِ نافذةٌ في كل مدرَّعٍ منـــــا ومـترسِ أراك لست بوقاف ولا حذرٍ كــــ الحافظ الخالق الأعواد في الـــغلسِ ترجو النجاةَ و لم تَسْلُكْ مسـالكَها إِن السفينةَ لا تجري على اليَـــبَسِ ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ الدعاء نصف العبادة فعليك أن تلتزم به من الكتاب والسنة: الإنسان قد يسافر إلى أجله، فأم حبيبة، من هي أم حبيبة ؟ زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي بنت أبي سفيان، بماذا كانت تدعو ؟ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)) (أخرجه مسلم في صحيحه) يا ربّ، أتمنى عليك أن تطيل أعمارهم حتى أتمتع بهم , فهذا الدعاء لا أثر له. ((قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)) ( أخرجه مسلم في صحيحه) ![]() هناك أدعية ليست ذات معنى، مثلاً أسمعه أحياناً: يا رب لا تسألنا عن شيء، إذا كان الله يقول في القرآن: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( سورة الحجر الآية: 92 ـ 93) فإياك أن تدعو بدعاء لا معنى له، الآن نصف كلام العامة ليس له معنى، يا رب تأخذ من عمري وتضع في عمر ولدي، لا يرد عليك، كلام لا معنى له، الله يطيل عمرك، كلام فارغ، العمر لا يطول ولا يقصر، ((قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ)) (أخرجه مسلم في صحيحه) عوِّدوا أنفسكم أن يكون الدعاء شرعي. أطوار الموت: 1- لايعرف صاحبه بأي أرض يموت: يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ)) (أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ) إنسان خطب فتاة وهو غني جداً، وكان له عمل متعلق بالخارجية، أرسل في مهمة إلى واشنطن، فهذا عَقَد قرانه عليها خارج المحكمة، وذهب إلى واشنطن، نزل من الطائرة، وبينما هو واقف في غرفة المسافرين فجأةً مات في المطار، لقد ركب سبع عشرة ساعة ليموت في واشنطن " وما تدري نفس بأي أرض تموت ". 2- الموت يأتي على هيئة صاحبه: ![]() إنّ طريقة الموت مدروسة، وأحيانًا تلخص كل عمرك، شخص ركّب صحنًا لتلفازه، والصورة غير واضحة، وشجرة كينا أغصانها أمام الصحن تحجب الصورة، فوضعَ سلَّمًا وصعد على الشجرة، وفي أثناء قص الغصن لم ينتبه فأمسك الغصن وقصه فوقع مع الغصن ونزل ميتًا، هذا شهيد الصحن، فكيف، ولِمَ مات ؟ من أجل الصحن، أعرف رجلاً صالحًا جداً مات في المسجد وهو ساجد ليلة القدر بعد أن أتم ختم القرآن الكريم، فتأكَّدوا أن طريقة موت الإنسان تلخص كل حياته، فليست قضية صدفة، إنسان يموت في المرحاض أحياناً، وإنسان يموت في معصية، وإنسان يموت سارقًا، وإنسان يموت زانيًّا، وهناك رجلٌ قال لزوجته: أنا مسافر من أجل العمرة من منطقة الظهران، فجاء نعشه من شرق آسيا، وكان في وضع مشبوه، والآن يسافرون، ويسمونها سياحة جنسية، إنه مصطلح جديد، السياحة الجنسية يسافر ليزني، فهو أعلن أنه مسافر إلى العمرة، فذهب في سياحة جنسية، وكذب على الله كما كذب على أهله، فموت الإنسان يلخص حياته كلها، والموت مقدَّر بحادث مبرمج تماماً. روى الإمام أحمد والترمذي في صحيحهما عَنْ أَبِي عَزَّةَ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَرَادَ قَبْضَ رُوحِ عَبْدٍ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ فِيهَا أَوْ قَالَ بِهَا حَاجَةً)) (أخرحه أحمد والترمذي عن أبي عزة ) 3- مصير كل المؤمن والكافر أثناء قبض أرواحهما: أيها الأخوة، في حديث صحيح دقيق جداً يروي كيف يقبض المؤمن ؟ وكيف يقبض الكافر؟. فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: ((اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ ـ يعني إذا انتهى أجله ـ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ ـ مواد عطرة ـ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ فَتَخْرُجُ - هذه النفس - تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا ـ هي تنزل قطرة ببساطة بلا صوت، بلا منازعة ـ فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي قَالَ وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ ـ متعلق في الدنيا منقطع عن الآخرة، أما المؤمن متعلق بالآخرة منقطع عن الدنيا ـ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ ـ يعني روحه تتوزع في جسده ـ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ ـ نسيج يشتعل ـ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ فَيَقُولُ رَبِّ لَا تُقِمْ السَّاعَةَ)) (أخرجه أحمد في المسندعن البراء بن عازب ) فمثلاً أدخلْ قطعة خشب عليها مسامير بقدْر ألف مسمار، أدْخلها في صوف، وحرِّكها، فقد جمعت كل هذا الصوف، ثم اسحبها فمستحيل أن تسحبها وحدها، فتقطع معها العروق والعصب، هذه حال أهل الكفر عند الموت، لذلك المؤمن حينما يموت يقول لم أر شراً قط، حينما يرى مقامه في الجنة، والكافر حينما يموت يقول: لم أر خيراً قط، قد يكون دُعِيَ إلى ثلاثمئة وثمانين وليمة، وكل وليمة أطيب من الثانية، يقول لم أر خيراً قط، قد يكون ساكنًا في أجمل بيت، ويركب أجملَ مركبة، وعنده أجمل زوجة، ويتمتع بأكبر مكانة ووجاهة، لم أر خيراً قط، والمؤمن قد يكون فقيرًا، قد يكون مريضًا، وقد يعاني مشكلات كثيرة، فإذا رأى مقامه في الجنة يقول: لم أر شراً قط، وإليكم الآية الكريمة: ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ ( سورة الواقعة الآية: 83 ـ 85 ) 4- الموت مصيبة على الكافر وليس على أهله: يعني أهله حوله، منهم مَن يضع يده على جبينه، والثاني يا أبي هل أنت متضايق، سلامتك، أولاده حوله، وأيديهم فوق جسمه , " إذا بلغت الحلقوم، وأنتم حينئذ تنظرون، ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ". ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ( سورة القيامة الآية: 26 ـ 30) وقد ترى جنازة محمولة، هذه ليست جنازة، بل هو عبد ذاهب إلى ربه ليحاسب عن كل أعماله، عن كل أقواله، عن كل دخله، عن كل إنفاقه , عن زوجته، عن بناته، عن أولاده، عن كل كذبة كذبها، عن كل نظرة اختلسها، عن كل درهم أخذه حراماً، عن كل ابتسامة ساخرة " فوربك لنسألنهم أجمعين، عما كانوا يعملون " ثم لا يُؤذَن لهم فيعتذرون، وليست أمامه دورة ثانية، وليس له رب ارجعون . ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ ( سورة القيامة الآية: 28 ـ 38) 5-لموت عرس المؤمنأما المؤمن في هذه الساعة الحرجة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ( سورة فصلت الآية: 30 ـ 32) 6- العذاب الذي يتقطع به الكافر أثناء قبض روحه: والآية الأخيرة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 50 ) في الدنيا إذا اعتُقِل المجرم يمكن من باب بيته للسيارة قد يُصفَع خمسين صفعة " "يضربون وجوههم وأدبارهم " أما إذا كان الإنسان مدعوًّا لاحتفال، وهو ضيف الشرف، يستقبلونه، ويفتحون له الأبواب، وقد فرشوا له سجادًا، ويجلسونه أولاً في قاعة الشرف، وقد تُقدَّم له كأس عصير، والورود أمامه، والفرق كبير شاسع بين واحد سيق ليحاكم، وإنسان دُعِي ليكرم. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ( سورة الزمر الآية: 71 ) من قبل أن يقرع الباب فتحوه، ضيف عظيم مفتوحة له الأبواب كلها، يعني كل شيء مهيأ لاستقباله، فشتان بين مَن يساق إلى الله وفداً ؟ وأن يساق المجرم إلى ربه زمرا ؟ قد يكون أشخاص محكومون بأشغال شاقة، فيُؤخذون عشرة عشرة، فرق بين أن يساق الإنسان إلى الجنة وفداً، وبين أن يساق زمرا. الأدلة عن اليوم الآخر قطعية فلا مجال للأحاديث الضعيفة في هذا المقام: ![]() أيها الأخوة الكرام، أنا ملتزم بالآيات والأحاديث الصحيحة عن اليوم الآخر، هناك أحاديث ضعيفة، أو أحاديث موضوعة كثيرة، وقد تكون مؤثرة جداً، لكنْ هذا دين، إن هذا العلم دين، فلا يحتمل إلا الآية، أو الحديث الصحيح، والتعليقات التي قالها العلماء حول هذه الرحلة التي لابد منها. نحن كلنا محكوم علينا بالموت مع وقف التنفيذ، تمشي بالطريق فلان مات رحمة الله عليه، اليوم مات عميد كلية كذا، اليوم الطبيب الفلاني، اليوم فلان عميد أسرتهم، اليوم الشابة الفلانية، اليوم الشاب فلان، أنت تقرأ صفحات النعي كل يوم، لكن لابد من يوم يقرأ الناس فيه نعيَك، دخلتُ مرة في المغرب محلاً تجاريًا فقرأتُ عبارة فيه: [صلِ قبل أن يُصلَّى عليك]، لابد أن يقرأ الناس نعيَك في أحد الأيام، وهذا مصيرنا جميعاً من دون استثناء. فرحة المؤمن وعرسه يوم لقاء ربه: حكاية طالب من أول يوم بالعام الدراسي، وواقع الامتحان أمامه، قرأ الدرس ولخصه، وكتب التلخيص على دفتر، وناقش أسئلته، تُرى لو جاء هذا الموضوع فكيف أجيب ؟ احتلّت ساحة نفسه قضية الامتحان، فهو يستعد له ليلاً ونهاراً، صباحاً ومساءً، في المدرسة وفي البيت , وهو نائم، وقائم، وبالليل، وحينما يقرع جرس المادة الأولى يوم الخامس حزيران مثلاً، فقد هيَّأ نفسه، وكل وقته السابق مشغول بهذا اليوم، ومستعد للمواد كلها، وحلَّ مسائل ودرس اللغة العربية، ودرس الرياضيات، الامتحان ليس مخيفاً عنده، بل ممتع، لأن كل هذا الجهد خلال تسعة أشهر من أجل هذه الساعة. دقِّقْ في حال المؤمن، يصلي، ويصوم، ويحج، ويزكي، ويغض بصره، ويضبط لسانه، ويضبط جوارحه، أب محسن، زوج محسن، ابن محسن، لصنعته متقن ، صادق لا يكذب له أوراده، له تلاوته، له أعماله الطيبة، كل أعماله فيها خير، فهذا إذا جاءه ملك الموت هل هو في محنة ؟ لا، الموت تحفته، والموت عرسه، وسأذكركم بحديث شريف: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)) (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح) فرح مضاعف، يفرح يوم يلقى الله، لأن كل حياته استعداد لهذا اليوم، كل سعيه استعداد لهذا اليوم يوم الفرح، وعَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام: ((وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التُّرَابَ)) ( أخرجه البخاري في صحيحه) بعد فترة الموت لم يبق شيء، لا كرب على أبيك بعد اليوم. الدليل من قصص الواقع: مرة وقع تحت يدي كتاب لعالم جليل في تركيا، ألف كتيبًا صغيرًا عن التقيد بالسنة، ونبذ تقاليد الغربيين، وجرتْ تطورات في تركيا، فصار ممنوعًا ارتداء اللفة، وأرغموا الناسَ باللباس الغربي، فهذا الذي ألف هذا الكتاب سيق إلى المحكمة ليحاكم، فقد أخذ رخصة لطباعة الكتاب، والكتاب وفق الأنظمة، لكن هناك تعسف، فيروي زميله في السجن أنه كتَب مرافعة من حوالي ثمانين صفحة، جاء فيها: لم أخالف، فأولاً أخذت موافقة مسبقة، ونشر الكتاب بموافقة وزارة المعارف التركية، ولست مذنبًا، يقول صديقه في السجن: إنه مرة استيقظ بحالة فرح عجيبة لم يعهدها منه، الوضع غير طبيعي، ومزق كل أوراق المرافعة، ثمانين صفحة التي كتبها خلال شهر، فما القصة يا فلان ؟ قال له: رأيت رسول الله فقال لي: أنت ضيفنا اليوم، فمزق الورق واستبشر، وما رآه في حالة أسعد من هذه الحالة، في اليوم الثاني أُعدِم من أجل الكتاب، قصة قرأتها تأثرت لها. فالإنسان عندما يشعر أنه دخل الجنة، فلا أحد في مثل فرحته يقول صديقه: أنا رأيته بحالة من حالات السعادة، والانطلاق، والسرور كهذه الحالة، لأنه قال له: أنت ضيفنا اليوم. استبشار الصحابة عند لحظات الموت وبين غيرهم عند استقباله: هناك حالات حين يتجلى ربنا عليك , وتذوق طعم القرب , تستحضر الموت عندئذ |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-06-2018 الساعة 01:09 PM
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
تسلمين اختى الفاضلة افراح
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( الخامس ) الموضوع : اهمية حدث الموت وساعتة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين , اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الموت الفجائي: أيها الأخوة، أخ كريم أبلغني أن صديقاً له في رَيْعان شبابه لا يشكو من شيءٍ إطلاقاً، وهو يحفظ كتاب الله قد توفي، والشيء الغريب خلال هذا الشهر أنّ عددًا لا يستهان به ممن أعرفهم، وهم في أوج صحتهم، ونشاطهم، وحيويتهم ، وفي سنٍ صغيرة توفوا، فهذا الموت الفجائي يكثر إلى درجة مذهلة، والله الذي لا إله إلا هو من هذه الملاحظة المقلقة كانت هذه الدروس. ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ (سورة آل عمران الآية: 158) الإنسان هو المخير في تحديد مصيره: ![]() هذا الموت بين أن يكون تحفةً لك، وأن يكون عُرْساً لك، وأن يكون أسعد لحظةٍ في حياتك، وبين أن يكون أكبر مصيبةٍ على الإطلاق، لأنه خروجٌ من كل شيء إلى لا شيء بل إلى عذابٍ لا يحتمل، بينما المؤمن يخرج من الدنيا إلى الآخرة، يخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا , الرحم حجمه سبعمئة وخمسون سنتيمترًا مكعبًا، فالرحم يكون بحجم البيضة قبل الحمل، ثم يصبح حجمه سبعمئة وخمسون سنتيمترًا مكعبًا، فجنين كان في سبعمئة وخمسين سنتيمترًا مكعبًا يخرج إلى الدنيا ؛ إلى خمس قارات، وينتقل من أمريكا، إلى اليابان، وقد يكون رائد فضاء فيصل إلى القمر، وازن بين سبعمئة سنتيمتر مكعب، وبين رائد فضاء وصل إلى القمر، هل يوازن حجم الرحم مع حجم الدنيا ؟ وفي الأثر: ((ينتقل المؤمن من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا)) أيها الأخوة , و أعيد وأقول: لا يستطيع أحدٌ على وجه الأرض أن ينكر حدث الموت، لأنه ما من حدثٍ مستقبليٍ أشد واقعية كالموت. ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (سورة الزمر الآية: 30) الموت واقع لامحالة فاستعد له: عش ما شئت فإنك ميِّت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌ به، الموت يأتي فجأة والقبر صندوق العمل، أنا هدفي الوحيد من سلسلة هذه الدروس ألاّ نكتفي أن نؤمن بالموت، بل أن نستعد له، نستعد له بالتوبة النصوح، نستعد له بالعمل الصالح، نستعد له بالبذل والتضحية، لذلك إن شاء الله أرجو الله عز وجل أن ينفعنا بهذه الدروس . مشاهد الموت: 1- خروج الروح من الجسد: ![]() قال تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ (سورة الواقعة الآية: 83- 84 ) المريض على فراش الموت، أولاده حوله ، أحد أولاده يجسّ نبضه، يضع يده على جبينه ، يتلمَّس حرارته، وآخر من أولاده يفكر، هل يموت اليوم أو لا يموت ؟ ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ( سورة الواقعة الآية: 83- 87) أي: هل يستطيع أحدٌ في هذه اللحظة أن يرجع الروح إلى البَدَن ؟. الإكثار من ذكر الموت: أيها الأخوة الكرام , يقول الله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾ ( سورة القيامة الآية: 26- 30 ) كلما وقعت أعينكم على جنازة اسألوا أنفسكم: مَن في هذا النعش وإلى أين يسير ؟. ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى * أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ ( سورة القيامة الآية: 30- 37 ) أتمنى على بعض الأخوة الكرام، أو عليكم جميعاً، أن تأخذوا من القرآن الكريم مشاهد الموت، وتجعلوها نصب أعينكم، لا لكي تقف الحياة، بل لكي تتألق الحياة ؛ كي تتألق الحياة باستقامة المؤمن على أمر ربه، كي تتألق الحياة وينقل المؤمن اهتماماته من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية . 2 - رؤية كلا من المؤمن والكافر مقامهما: ورد في الحديث الشريف أن المؤمن يرى مقامه في الجنة عند الموت , فيقول: لم أر شراً قط، وأن الكافر يرى مكانه في النار فيقول لم أر خيراً قط ، وأن الكافر فيما قرأت حينما يرى مكانه في النار يصيح صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا. ولتستمع لقوله تعالى في الآيات التالية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ( سورة فصلت الآية: 30- 32 ) هذا حال أهل الإيمان، فالملائكة يبشِّرونهم بالجنة، وأما حال أهل الكفران , فالملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ( سورة الأنفال الآية 50- 51) استشكال ورد: جاءني أخ كريم , وعرض علي سؤالين , ظن أن هناك تناقضا كبيرا بين الآيتين , الآية الأولى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ( سورة البقرة الآية: 286) ثم قال لي هذه الآية الأولى وهي واضحة، ثم قال: فماذا نفعل بالآية الثانية: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 286) التكاليف الشرعية جاءت ميسرة للإنسان من دون مشقة في أدائها: طالما هناك دعاء ألاّ يحملك الله ما لا طاقة لك به، فمعنى ذلك أن الله يمكن أن يحمل الإنسان ما لا طاقة له به، فكيف نجمع بين الآيتين ؟ قلت: كل آية لها معنىً مستقلٌ عن الآخر، الآية الأولى: ِ ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ( سورة البقرة الآية: 286 ) أي أن كل التكاليف الشرعية في وسع الإنسان، فالله ما منعك من أن تتزوج ولكن منعك من الزنا، ما منعك من أن تأكل ولكن منعك من أكل المال الحرام، ما منعك أن تكسب المال ولكن سمح لك بالكسب المشروع، فما مِن شهوةٍ أودعها فيك إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها، فما كلفنا فوق طاقَتِنا، حتى العبادات ، ما كلفك أن تصلي ألف ركعة في اليوم، خمس أوقات فقط، ما كلفك أن تصوم مئة يوم، كلَّفك أن تصوم ثلاثين يوماً في العام، وإن كنت مريضاً فلك أن تُفطر، وإن كنت مسافراً فلك أن تفطر، فما من تكليف شرعي إلا وضمن وُسْع الإنسان. لكن بالمناسبة إياك ثم إياك ثم إياك، أن تقول: هذا التكليف فوق طاقتي، لأن وسع الإنسان لا تحدده أنت، بل يحدده الله عز وجل، فلو قلت: أنا لا أستطيع أن أصوم في الصيف، يُمنَع أن تدلي بالرأي في الوسع، وسع الإنسان يحدده رب الإنسان الذي خلَقه، ويعرف مدى طاقته. ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ( سورة البقرة الآية: 286 ) الآية واضحة، فأي إنسان يقول لك: لا أستطيع، كأنْ يقول لك مثلاً: أين أذهب بعيوني، ويقول: كيف أعيش ولابد من أكل المال الحرام ؟ يقول: لابد من أن أغش لأن عندي أولادًا من أين أطعمهم ؟ هذا كلام مردودٌ، وكأنه رد للقرآن الكريم. ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ( سورة البقرة الآية: 286) ما أمرك أن تدفع مالك كله زكاةً، لا، بل اثنان ونصف في المئة في العام، فالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة كله في وسع الإنسان، هذا معنى الآية. لا تعاقبنا بذنوبنا بما لاطاقة لنا به: أما: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 286 ) الإنسان حينما يختار المعصية، و يختار أن يظلم الناس، و يختار أن يبتزَّ أموال الناس، و يزني , ويعتدي على أعراض الناس، و يتغطٍرس، و يكون سبباً لهلاك الكثير من الناس في الحروب، كالحرب العالمية الثانية انتهت بخمسين مليون قتيل، هؤلاء الذين سببوا هذه الحروب من أجل مصالح شخصية، ومن أجل غطرسةٍ واستيلاءٍ وسيطرة ونفوذ، تركوا خمسين مليون قتيل، فالإنسان يعتدي ويظلم، قد يأتيه عذابٌ لا يحتمله، هذه الآية الثانية، لا تحملنا بسبب أخطائنا، وبسبب ذنوبنا، وبسبب معاصينا، وبسبب ظلمنا ما لا طاقة لنا به. التقيت مرة بإنسان قال لي: أكاد أموت معي مرضٌ خطير في القلب، ومرض خطير في الجهاز الهضمي، وقال: أدوية القلب تؤذي جهاز الهضم، وأدوية جهاز الهضم تؤذي القلب، فأنا لا أستطيع أن أتناول أي دواء، والآلام لا تحتمل. ![]() فالإنسان حينما يرتكب الفواحش، ويرتكب الذنوب، فمرض الإيدز وحده، تحمُّله فوق طاقة الإنسان، و هناك أمراض أيها الأخوة يكاد الإنسان من شدة الألم يعوي كالكلاب، هذا معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 286) بل إن الله عز وجل يعجب ويقول: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 175) هل تحملتم أيها الأخوة: الستة والأربعين درجة حرارة قبل أسابيع ؟ كنت في عقد قران، فقام أحد العلماء يلقي كلمة، قال له: يا رب لا نحتمل حر الشام فكيف بحر النار ؟ كلام لطيف، لا نحتمل حر الشام فكيف بحر النار ؟ قال: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 175 ) إذاً: المؤمنون يُبَشَّرون، والكفار يرون مكانهم في النار فيصيحون صيحةً لو سمعها أهل الأرض لصعقوا . 3- سكرة الموت: الآن، قال تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ ( سورة ق الآية: 19 ) الإنسان قد يشرب الخمر فيسكر، وقد يطرب فيسكر، هؤلاء الذين يحبون بعض المغنين، لو التقوا بهم شخصياً وطربوا، قد يضربون أنفسهم و يرمون ببعض أمتعتهم من شدة الطَرَب، ورد في الحديث الشريف عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما) المؤمن يطرب لسماع كلام الله، ويتأثر به، كما لا يطرب أعظم مدمني الغناء إدماناً على أغانيهم، المعنى الأول سكرة الخمر، سكرة النشوة , أما هنا فنحن أمام معنى آخر: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ ( سورة الحج الآية:1-2 ) هذه سكرة الخوف، سكرة الفَزَع، سكرة الدَهْش، حدَّثني أخٌ شهد زلزال القاهرة، قال لي: زوجته من شدة الفزع أمسكت حذاء زوجها وظنَّته ابنها، حملت الحذاء وولت هاربة إلى الطريق من شدة الفزع، وهي تتوهَّم أنها تحمل ابنها، كم هي مضطربة وخائفة ؟. في تركيا وقع زلزال بسيط، مئة شخص وزيادة ألقوا بأنفسهم من الشرفات، ومن طوابق عُليا من شدة الخوف، فنزلوا وقد تكسرت عظامهم من شدة الخوف. ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ سورة الحج الآية: 2) هنا معنى قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 286 ) أي إذا كنت لا تقوى على تحمل هذا العذاب، فكيف تعصي الواحد الديَّان ؟. ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (سورة ق الآية: 19) 4- الموت هو ملخص سيرة وعمل الإنسان في الدنيا: أيها الأخوة، طريقة الموت لا يمكن أن تكون عشوائية، طريقة الموت يحددها رب الإنسان، ويلخص بها عمله كله. أنا أعرف رجلاً له أعمال صالحة تفوق حدَّ الخيال، له إنفاق لا يصدَّق، له تواضع، له مؤاثرة وتضحية لدرجة عالية جداً، عاش ثمانين عاماً، وفي رمضان ختم القرآن، وفي ليلة القدر وهو في المسجد وهو ساجد قبضه الله عز وجل إليه. هناك أناس آخرون، ادَّعى رجل في الهند أنه نبيٌ بعد رسول الله، وقد اجتاحت الهند موجة كوليرا عارمة، قال: لأنني نبي لا أصاب بهذا المرض، فما الذي حدث ؟ أنه أصيب بهذا المرض، ووجدوه ميتاً في المرحاض، في دورة المياه، في الحمام. فموت الإنسان يلخص عمله في الدنيا كلها. كرامة المؤمن عند الله: ذات مرة كنت في تعزية، وجلس إلى جانبي عالم جليل من خطباء دمشق اللامعين، أنا لا أزكِّي على الله أحداً، ولكنني أحسبه صالحاً، وجريئاً ونزيهاً ومستقيماً، وكان بيني وبينه ودٌ شديد، فجلس إلى جانبي وسألته عن صحته، لا يشكو شيئاً، خرج من بيت التعزية، فما إن مشى عدة أمتار حتى رآه أخٌ لا يعرفه إطلاقاً، ولا يعرف اسمه، ويسكن إلى جوار بيت التعزية، قال له: يا أستاذي أتحب أن أوصلك إلى بيتك , قال له: بارك الله بك يا بني إذا شئت. وهذا الأخ يسكن إلى جوار بيت التعزية، أوصله إلى مدخل البناية، هذا الشيخ الجليل صعد الدرج، بيته في الطابق الرابع، وفتح الباب، وذهب إلى غرفة النوم، وخلع عمامته، وخلع جبته، واستلقى على السرير، وسلَّم روحه إلى بارئها، فلو أراد أن يستأجر سيارة عامة، لا يمكن إلا أن يموت في السيارة، لكرامته عند الله عز وجل جعله يموت على سريره وبين أهله، فالموت حقٌّ، ولكن قد ورد: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء)) طرائق الموت: أعرض عليكم أنواعاً كثيرة من طرائق الموت، صنائع المعروف تقي مصارع السوء، إنسان يجلس أمام التلفاز، وجد أن الصورة قد اختفت، فصعد إلى السطح حيث الصحن موجود، فرأى أن هناك سارقًا يسرق الإبرة، فتعارك معه، وتلقى لكماتٍ منه، فوقع مغشياً عليه، وأصيب بأزمة قلبية فمات، لأن الصورة اختفتْ، وهذه ميتة كذلك. إنسان آخر، اضطربت الصورة، فتبيّن أنّ هناك غصنًا شجرة يأتي أمام الصحن ويحجب الصورة، فجاء بسلم وصعد على السلم، وأمسك بالمنشار وقطع هذا الغصن، لم ينتبه أنه متمسك بالغصن نفسه الذي يقطعه، فلما انتهى من قطعه سقط فنزل مع الغصن ميتاً، وهذه ميتة أيضاً , طريقة الموت تلخيصٌ لحياتك كلها، هل تصدق أن الميت أحياناً، أو الذي على مشارف الموت مهما لُقن (لا إله إلا الله) لا يلفظها أبداً ؟ فأن ينطق الإنسان بالشهادتين بيسرٍ وراحة، وأن يستسلم لرب العالمين، وأن ينتقل إلى الدار الآخرة انتقالاً رائعاً، فهذه علامة الإيمان. 5- النزعة الأخيرة التي يعاني بها المؤمن من متاعب الدنيا هي سكرة الموت: أيها الأخوة , والله الذي لا اله إلا هو لا أجد إنسانا أعقل ولا أذكى ولا أشد توفيقا من هذا الذي يعد لهذه الساعة التي لابد منها , إذا سكرة الموت مخيفة جدا , وحسبما يقول الأنبياء مانجوا من سكرة الموت: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) ( متفق عليه , أخرجهما بخاري ومسلم عن عائشة ) فسكرة الموت للمؤمن آخر شيء مزعج في حياته، وبعدها جنة عرضها السموات والأرض، أما سكرة الموت للكافر فأقل شيء مزعج لما سيأتي، فبين أن يكون الموتُ أكبر شيء مزعج في كل حياته، وبين أن يكون أقل شيء مزعجٍ لما بعد الموت، ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) ( متفق عليه , أخرجهما بخاري ومسلم عن عائشة ) ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ( سورة ق الآية: 19- 22 ) إيمانك في الدنيا تنتفع به عند الموت أما إيمانك ساعة الموت لا تنتفع به: ![]() أخواننا الكرام , الحقائق التي جاء بها الأنبياء تُكْشَف لك كلها عند الموت، ولكن إن كُشِفَت لك وأنت حي تنتفع بها، أما إن كشفت لك بعد الموت فلا قيمة لها، حتى فرعون يؤمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل، ويقول: أنا من المسلمين، ولكن بعد فوات الأوان. فبربكم لو أن طالباً لم يكتب شيئاً في الامتحان، فلما خرج من الامتحان، راجع الأسئلة في الكتاب فعرف الإجابة، فأرسل كتابًا إلى وزير التربية: يرجى إدراج اسمي مع الناجحين، لأنني عرفت أجوبة الأسئلة بعد الامتحان، هذا يحتاج إلى مستشفى الأمراض العقلية، فكل إنسان عند الموت تُكشَف له الحقائق، ولكن لا ينجح الإنسان إلا إذا كشفت له في الوقت المناسب. 6- الأدلة الواردة في الكتاب على وصف حالة الكافر عند الموت: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ*﴾ ( سورة الأنعام الآية: 93) هذه آيةٌ أيضاً تصف حالة الكافر عند الموت، لكن كما قلت قبل قليل: ما يصيب المؤمن في أثناء سكرة الموت، هو آخر شيء يصيبه من متاعب الحياة، عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: ((وَا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ يَا أَبَتَاهْ مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ...)) (أخرجه البخاري في صحيحه ) ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ( سورة النحل الآية: 32 ) مثال بسيط لتوضيح المعنى حينما يتكرم المؤمن عند ربه: ذات مرة وقعت قصة منذ أربعين سنة تقريباً، إذْ ارتأت وزارة التربية أن تكرم الناجحين، وهي تكرمهم كل عام تقريباً، فأكرمت الأوائل في الشهادة الثانوية، ودعتهم إلى حفل راقٍ جداً، وحضره رئيس الجمهورية، ولقد أكرموهم ، وأطعموهم أطيب الطعام، وأثنوا على ذكائهم وتفوقهم ، وهذا الحفل ترك في نفسي أثراً أن الطالب درس وتعب، وأجبر نفسه على الدراسة، وترك النزهات، وترك الجلسة مع أهله، فلما وصل إلى هدفه اختلف الموقف، كان موقف بذلِ جهد فصار موقف تكريم، تقريباً الدنيا دار تكليف والآخر دار تشريف، الدنيا دار عمل والآخر دار جزاء، الإنسان بعد التعب الشديد، يأخذ نتائج عمله. في بعض البلاد إلى الآن الأوائل في الشهادات تقام لهم حفلة تكريمٍ عاليةٍ جداً، ويتسلمون شهاداتهم من يدِ أعلى شخصية في بلدهم، هذا من باب التكريم، والمؤمن كذلك. ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ ( سورة الزمر الآية: 73) لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة الزهراء:"يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، أبتاه إلى جبريل ننعاه"، فلما دفن عليه الصلاة والسلام قالت لأنسٍ الذي شارك في دفنه: يا أنس، كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟. 7- البصر يتبع الروح: أيها الأخوة , يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( ألم تروا إلى الإنسان إذا مات شخص بصره ـ أي فتح عينيه ونظر إلى الأعلى ـ قالوا: بلى. فقال صلى الله عليه وسلم: فذلك حينما يتبع بصره روحه )) ( أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة، وقد شق بصره ـ أي شخص بصره إلى أعلى ـ فأغمضه صلى الله عليه وسلم ثم قال: إن الروح إذا قبضت تبعها البصر. لذلك من السنة إذا مات لأحَد المسلمين قريب، وكانت عيناه مفتوحتان ، أن يغمضهما، فإذا وضع الإنسان يده على عيني الميت أسبل الجفنان، وكأنه أغمض عيناه، وهذا من السنة، أما لماذا فسَّر النبي شخوص البصر ؟ بأن الروح إذا صعدت إلى بارئها تبعها البصر، وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأبي سلمة. ينبغي على المسلمة أن لا تفزع على الرزق إذا مات زوجها فالرزاق هو الله: أتمنى على كل إنسان أن يعلِّم أهله، فبعض النساء الفاجرات إذا مات أزواجهن يقلن: الجسر انهد، قالت امرأة بعد أن مات زوجها: ما عرفته رزَّاقاً، بل عرفته أكالاً فقط، فالرازق هو الله عز وجل. الدليل: يروى أن عالماً جليلاً صالحاً من أهل البصرة، تمنى أن يحج بيت الله الحرام، فاستشار أولاده، وهو معه مال يكفيه كي يحجَّ بيت الله الحرام، وليس معه مال يكفي لنفقة أهله في غيابه، فتاقت نفسه للحج فاستشار أهله، فرفضت زوجته وأولاده، عنده بنتٌ صالحة جداً، قالت: يا أبي اذهب، واللهُ لن ينسانا من فضله. أنا لا أقول هذه القصة تشريع , إياكم أن تقلدوها، فالإنسان إذا أراد أن يحج بيت الله الحرام ينبغي أن يمتلك نفقةً له في الحج، ونفقة لأهله في غيبته، هذه هي السنة، يجب أن تفرقوا دائماً بين الحكم الشرعي والموقف الشخصي، أحياناً هناك موقف شخصي، سيدنا الصديق حينما شرب اللبن تقيَّأه، ولا يكلف أي مسلم إذا علم بعد أن أكل طعاماً أنه حراماً أن يتقيأه، سيدنا عمر لما هاجر تحدى المشركين وقال: مَن أراد أن تثكله أمه فليتبعني بهذا الوادي، هذا موقف شخصي، أما النبي الكريم فقد خرج في الليل تحت جنح الظلام، واختبأ في غار ثور، ولو أن النبي هاجر كما هاجر عمر لعدَّ أخذ الحيطة حراماً، ولعدَّ اقتحام الأخطار واجباً، ولهلكت أمته من بعده، دائماً تتبع الحكم الشرعي، ولكن الموقف الشخصي هذا موقف إنْ نجح فاعلُه فبها ونعمت، وإلاّ فصاحبه مسؤول، فالحكم الشرعي أن تؤمِّن نفقة أولادك في غيبتك. فالزوجة رفضت والأولاد، إلا أن هذه البنت التقية الورعة قالت: يا أبي اذهب فإن الله لن ينسانا، بعد أيامٍ عدة نفد ما عندهم من طعام، ونفد ما عندهم من مال، فصُبَّت النقمة كلها على هذه الفتاة التقية التي شجعت أباها على الذهاب إلى الحج، ولم تعبأ بمصروف البيت، نقموا عليها نقمة شديدة، دخلت إلى غرفتها وصلت وقالت: يا رب لا تخزني، أنا اعتمدت على أنك أنت الرزاق، وأردت لوالدي أن يحج بيت الله الحرام، وتوسلت إلى ربها ألاّ يخزيها , من غرائب الصدف أن أمير البلدة كان في تلك البلدة وأمام بيت هذا الرجل الصالح، ويبدو أنه حاتم الأصم، فعطش عطشاً شديداً قال: ائتوني بماء، فطرق جنوده باب حاتم الأصم، فقالوا: الأمير يطلب الماء، فهيؤوا له ماءً بارداً عذباً، فيبدوا أن الأمير استمتع بالماء إلى حدود كبيرة جداً، فكأنه تمتَّع به متعةً استثنائية , قال: بيت مَن هذا ؟ قالوا: بيت حاتم الأصم. قال: العالم الجليل ؟ قالوا: نعم. قال: لو نسلم عليه ؟ قالوا: هو في الحج. قال: ينبغي إذًا أن نُكرم أهله في غيبته، فأخرج من جيبه دنانير ذهبية وألقاها ، فجاءهم رزقٌ وفيرٍ يغنيهم إلى آخر عمرهم، يبدو أن هؤلاء الأهل فرحوا، ودخلوا على ابنتهم ليعلموها، فإذا هي تبكي شكراً لله عز وجل. ذات مرة حدثني رجل عن امرأة , زوجها مسافر سفرا بعيدا , وكلمة مسافر قد تفهم بمعنى آخر لا معيل لها , وابنها في مرض شديد ولا تملك ثمن الطعام فضلا عن ثمن الدواء , فطُرق بابها الساعة الثانية ليلاً، مَن ؟ قال: الطبيب فلان، عجيب ! فتحت له الباب وعرضت عليه ابنها وعالجه. قال: يا أختي أعطِني الأجرة. قالت: أي أجرة هذه ؟ قال لها: ألا تستحين ! تتصلين بي بالهاتف من أجل أن آتي في هذا الوقت المزعج، وتقولين أي أجرة ؟ قالت: والله ما اتصلت بك، وليس عندي هاتف أساساً. قال: بيت من هذا ؟ قالت: بيت فلان. إذا اتصل بجيرانهم به، فطرق الباب خطأً، فلما فهِم القصة، أعطاهم ثمنَ الدواء، وأكرمهم إكراماً شديداً، و خصَّص لهم معاشاً شهرياً، فلما عاد زوجها قَصَّت عليه القصة، وقالت له يومًا مداعبةً: إذا ضاق بنا الأمر فاذهب وسافر. أيها الأخوة , أريد أن أقول لكم: إنّ الله عز وجل لا ينسى أحداً من فضله، إذًا لا تقولي: جسر هُدَّ، أعرفه أكالاً، ولا أعرفه رزاقاً، هذا كلام النساء المنحرفات، كلام النساء الجاهلات، هذا الموت قدر الله عز وجل على الإنسان، فالمؤمن كلما كان إيمانه أكبر يستقبله بصدرٍ رحب، وبرضا من الله عز وجل. رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته: من دعاء النبي للميت: (( اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، لقِّه الأمن والبشرى والكرامة و الزلفى، اللهم إن كان محسناً فزد في حسناته، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن إساءته، اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، نقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، أبدله أهلاً خيراً من أهله، وداراً خيراً من داره، وجيراناً خيراً من جيرانه، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله)) 8- الشهيد لا يجد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة: هناك استثناء وحيد هو: أن الشهيد إذا استشهد في ساحة المعركة لتكون كلمة الله هي العليا، فالشهيد بحسب ما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ)) ( رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة ) ولو كان القتل بآلة حادة، فلا يجد الشهيد أَلَمَ القتل إلا كما يجد أحدُكم أَلَمَ القرصة. 9- التوبة عند الموت لا تقبل: أيها الأخوة , هو أن التوبة عند الغرغرة لا تُقبَل. ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ( سورة النساء الآية: 18) من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه: ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)) ( أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي موسى ) أخواننا الكرام , لعل أحدكم يعلم أن المؤمن الصادق المستقيم الورع , الذي بذل وضحى في حياته , فساعة الموت أجمل ساعات عمره تراه مستبشرا , راضيا عن الله , معرضا عن الدنيا، متعلقاً بالآخرة. عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَاكِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَه)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ) هذا مَن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه. نصائح بعض التابعين للخليفة سليمان بن عبد الملك: ![]() سليمان بن عبد الملك رحمه الله تعالى، لما دخل المدينة حاجاً قال: هل بها رجل حازم مِن التابعين ؟ قالوا: نعم، هناك أبو حازم، فأرسل إليه فلما أتاه قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟ قال أبو حازم: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب. كمثل واقعي أقول: شخص يسكن بيتًا في أرقى أحياء دمشق، بيت ثمنه خمسون مليونًا، أربعمئة متر، الأرض رخام، فيه كل أنواع المفروشات الراقية، فيه ما لذ وطاب من الطعام، لو نقلناه إلى بيت صغير، مساحته خمسون مترًا، سياقه مكشوف على العظم فهل يكون مرتاحاً ؟ فالمؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، قال: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة. أعرِف رجلاً اشترى بيتين متلاصقين، بلاطة واحدة، فكسر البلاط، وقلع النوافذ، وأعاد البيتين على الهيكل، وكساهما كسوة تفوق حد الخيال، بقي سنتين والبيتـان في الطابق الثاني عشر، وليس هناك مصعد، كل يوم مرتين أو ثلاثًا يصعد وينزل، حدثوني عن هذين البيتين بقصص لا تصدق، بعد أن انتهى البيتان من كسوتهما بأسبوع وافته المنية ولم يسكن فيهما، هكذا الدنيا فاعتبروا يا أولي الأبصار. قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟ قال: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب. قال: صدقت، ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله تعالى ؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله. أيْ قس أعمالك بمقياس كتاب الله. قال: أين أجده ؟ قال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ ( سورة الانفطار الآية: 13- 14 ) قال: فأين رحمة الله ؟ فقال أبو حازم: رحمة الله قريبٌ من المحسنين. قال: يا ليت شعري كيف العَرض على الله تعالى غداً ؟ قال: أما المحسن فكالغائب الذي يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه , فبكى سليمان حتى علا صوته، واشتد بكاؤه. قال: أوصني. فقال أبو حازم: إياك أن يراك الله تعالى حيث نهاك، وإياك أن يفقدك حيث أمرك. بادر بالتوبة قبل فوات الأوان: أيها الأخوة الكرام , هذه بعض آياتٍ وأحاديث , ومواقف وأقوال , متعلقة بساعة الموت، وهذا الموت قدر كل حَيّ، وكل الذكاء والعقل , والفلاح والنجاح , في الإعداد لهذه الساعة التي لابد منها، لكن قد يقول أحدكم: أنا مازلت صغيرًا، فمَن منا يعلم ما سيكون بعد ساعة ؟ الموت يأخذ الصغير والكبير، والصحيح والمريض، والمقيم والمسافر، والقوي والضعيف، الموت لا يفرِّق بين الناس، قد يقول أحدكم: لماذا أخفى الله ساعة وفاتنا عنا ؟ إذا واحد عمره ثمانية عشر عامًا، واللهُ أعلمه بطريقة أو بأخرى أنه لن يموت إلا وهو في الثامنة والتسعين، فلن يتوب، بل يقول: العمر طويل، ولا يتوب إلاّ قبل سنة مِن وفاته، أما إن كان الإنسان لا يعرف متى يموت فإنه يبادر بالتوبة، فإخفاء ساعة الموت عن الإنسان لحكمة بالغة جداً , أما المؤمن فلا يعلم متى الأجل، لذلك يستعد لهذا الأجل منذ ساعة معرفة الله عز وجل. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( السادس ) الموضوع : مرحلة ما بعد الموت - عذاب القبر لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين , اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الموت وما بعده أمر غيبي سنده الخبر الصادق الوارد من الكتاب والسنة: ![]() أيها الأخوة , كلكم يعلم أن الموت حق، وأنه مصير كل إنسان، ولكن ماذا بعد الموت ؟ لا أحد يعلم , إلا الذي أعلمنا به الله عزَّ وجل في كتابه الكريم، وأعلمنا به النبي عليه الصلاة والسلام في سنته المطهَّرة، والغيبيات لا تَقبل أن تحتكم بها إلى العقل ـ فهي نظامٌ آخر ـ الحكمُ في الغيبيَّات عن طريق الخبر الصادق فقط. أما المحسوسات فهي خاضعة للعقل، فالعقل يتلقَّف عن طريق الحواس معلوماتٍ، ثم يحللها ويستنتج منها حقائق، هذه مهمة العقل، أما عالم الغيب فلا يستطيع العقل أن يخوض فيه إطلاقاً، لأن عالم الغيب ليس محسوساً حتى نُحَكِّم فيه العقل، عالم الغيب اسمه (عالم الغيب) لأنّه مغيَّبٌ عنا، إذاً أداة معرفته الوحيدة الخبر الصادق، ولا يجوز النقاش في أمور الغيب إلا في حدود ما أعلمنا الله عزَّ وجل، وأعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام. الحال الذي يعيشه الكافر عند ساعة الموت: يروي الإمام مسلم، رحمه الله تعالى، في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا قَالَ حَمَّادٌ فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالَ وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَقُولُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ قَالَ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ قَالَ فَيُقَالُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا)) ( أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ) لذلك يقول الله عزَّ وجل حينما يموت الكافر: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ( سورة الدخان الآية:29) الحال الذي يعيشه المؤمن عند ساعة الموت: ((إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا قَالَ حَمَّادٌ فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ قَالَ وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يَقُولُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ قَالَ وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ قَالَ حَمَّادٌ وَذَكَرَ مِنْ نَتْنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَرْضِ قَالَ فَيُقَالُ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الْأَجَلِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا)) ( أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ) أيها الأخوة , في روايةٍ ثانية في مسند أحمد عن البراء: (( فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ)) ( أخرجه أحمد في مسنده عن البراء ) ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ( سورة المطففين الآية: 19-21 ) هذه الحقائق بعيدةٌ عن الناس، يعيشون هموم الدنيا، لكن إذا مات الإنسان دخل في عالمٍ آخر، فندِم على كل ساعةٍ مرَّت لم يذكر الله فيها، وندم على كل فرصةٍ سنحت لم يعمل بها صالحاً. من علامة شقاء الكافر بأن السماء والأرض لا تبكي عليه إذا غادر الدنيا وتغلق له أبوابها: أما الكافر يلعنه كل ملكٍ بين السماء والأرض، وتغلق دونه أبواب السماء , هذا شأنُ الكافر: ((فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) ( أخرجه أحمد في مسنده عن البراء ) ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾ ( سورة الأعراف الأية: 40) ويقول الله عزَّ وجل: اكتبوا كتابه في سجين. ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾ ( سورة المطففين الآية: 8-9) من علامة سعادة المؤمن بأن السماء والأرض تبكي عليه أثناء مغادرته الدنيا وتفتح له أبوابها: أيها الأخوة , هاتان حالتان لابدَّ أن يكون الإنسان في إحداهما، أي حالة أهل الإيمان، وحالة أهل الكفر والعدوان، فإن كنت مؤمناً رحَّب بك مَن في السماء والأرض، وقالوا: ريحٌ طيبةٌ من قِبَل الأرض صلى الله عليك وعلى جسدٍ كنتِ تعمرينه , فكل مَن في السماء يباركه، ويرحِّب به، إلى أن تفتح له أبواب السماء، ويسجل في عليين. بينما أهل الكفر والعدوان ؛ ريحٌ خبيثةٌ نتنة، يلعنهم كل ملكٍ في السموات والأرض، ولا تفتح لهم أبواب السماء الدنيا بل إنهم ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ( سورة المطففين الآية: 15) ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ (سورة الفجر الآية: 27- 30) لكل درجات مما عملوا: يروي الإمام البخاري في صحيحه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرَضَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلَ يَقُولُ: ((فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى)) ( أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ) يقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: " تاقت نفسي إلى الإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الخلافة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة "، ومَن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، وهناك مكانٌ في السموات خاصٌ بالنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين . ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 169) مكانة الشهيد عند الله: شيخٌ جليـل اسمه محمود الصوَّاف، دعي مع كبار العلماء في المدينة لإعادة دفن بعض الصحابة من قتلى وشهداء أحد، يبدو أنه جاء في أحد الأعوام سيلٌ شديد، فكشف السيلُ بعض القبور، فدعي كبار العلماء هناك ليعيدوا دفن كبار الصحابة، هذا الشيخ حضر بنفسه وقال: " دفنتُ حمزةَ رضي الله عنه، هو ضخم الجثة، مقطوع الأنف والأذنين، بطنه مشقوق، وقد وضع يده على بطنه، يقول: فلما حرَّكناه ورفعنا يده سال الدم ". ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ( سورة آل عمران الآية:169) سمعت أيضاً أنه في القطر الأردني، في موقع اليرموك، أنشؤوا جامعة هناك، فلما حفروا أساسها، وجدوا بعض الجثث كما هي، من عهد صحابة رسول الله في موقعة اليرموك. في بعض المعارك في الدول التي تحارب أعداء الإسلام في شرق آسيا، امرأةٌ فاضلةٌ زوجة شهيد، تروي هذه المرأة أن زوجها كان يسأل الله الشهادة ؛ كلما جلس وقام، وكلما خرج ودخل، تقول امرأته: ما تمنيت في حياتي أن يقتل زوجي شهيداً، كما تمنيت في هذه الحِقْبَة، امرأةٌ تتمنى أن يموت زوجها ! لكن لشدة تعلقه بالشهادة وشدة رغبته أن يكون في عداد الشهداء والصالحين، كانت تقول: تمنَّيت أن يُكْتَب لزوجي حظ الشهادة في سبيل الله وهذا الذي وقع بعد حين. ذكرت لكم أن عالماً من علماء الأتراك في أيام كمال أتاتورك، هذا العالم ألَّف كتاباً يتضمَّن إنكارَ الإسلام على مَن يقلد بزي الأجانب الكفار ؟ وأخذ في هذا الكتاب رخصةً، وطُبِع، ونُشِر، حينما أجبر كمال أتاتورك المسلمين على وضع القبعة، ومنعهم من وضع العمامة، كان هذا الكتاب ينتقد القُبَّعة وهو مؤلَّف قبل أربع سنوات، و طُبِع بترخيص بإذن وزارة المعارف، أُدخل مؤلِّفه السجن، وهذه الرواية يكتبها صديق المؤلف، قال: عكف على كتابة مرافعةٍ ليدافع بها عن نفسه ولشدة عنايته بها كتب ما يزيد عن ثمانين صفحة لأنه سوف يحاكم، يقول صديق هذا المؤلف أنه رجلٌ صالح، وعالمٌ جليل، وغيورٌ على المسلمين , يقول: صبيحة أحد الأيام استيقظ بحالةٍ من البِشر لا تصدَّق، فهو في حالة من السعادة يصعب وصفها، وأمسك الورق ومزَّقه كله، فلما سُئل: لمَ فعلت هذا ؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنت اليوم ضيفنا، وفي اليوم الثاني شُنِق فإنسان يكون بأحلى حالاته قبل أن يموت، هذه بطولة. يا أخواننا , كل بطولتنا أن نسعى لنصل إلى الموت ونحن أسعد الناس، فهذا الموت لابدَّ منه، بين أن يكون من أكبر المصائب، وبين أن يكون من أعظم المكاسب . رأس الحكمة مخافة الله: جاء إلى الحسن البصري رجل يسأله، ويقول له: إن قوماً يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنخلع، فقال: مَن خوَّفك حتى تبلغ الأمن خيرٌ من الذي يؤمنك حتى تبلغ الخوف، أيهما أفضل ؟ وفي الأثر: (( لا أجمع على عبدي أَمْنَين وخوفين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمَّنته يوم القيامة)) لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ((" رأس الحكمة مخافة الله تعالى )) ( من الجامع الصغير عن ابن مسعود ) أرسل النبي خادماً في حاجة فغاب طويلاً، حتى أخذ النبي الكريم شيءٌ من الغضب الشديد، فلما رجع قال: ((لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك)) ( من زيادة الجامع الصغير عن أم سلمة ) الإنسان بين الحياة ومفارقتها لحظة فاغتنمها بالفرار إلى الله: الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يقول: ((لا يسلم من أهوال يوم القيامة إلا من طال فيها فكره في الدنيا)) الذي يفكر في الدنيا ملياً، الدنيا وشيكة الزوال، إنسان ملء السمع والبصر، بدقيقة يصبح خبراً على الجدران، له بيت، و مكانة ، وهَيْمَنَة فخلال ثوان يتوقف هذا القلب، وينهي كل شيء. الدليل: بعض أخواننا جرَّاح قلب، يخدر القلب، ويفتحه، يغير الدسَّام، أحياناً يطعِّم بشريان، بعد ساعة أو ساعتين أو ثلاثٍ ينتهي العمل الجراحي، يسخن القلب عن طريق شيء حار، ثم يصعق كهربائياً، إما أن ينبض، وإما ألا ينبض، فإن نبض نجحت العملية، وإن لم ينبض، عظَّم الله أجركم، هذه هي كل القصة، فكل آمالنا منوطة بنبض قلبنا، كل آمالنا منوطةٌ بدفعِ الشريان التاجي، كل آمالنا منوطةٌ بسيولة دمنا، كل آمالنا منوطةٌ بنمو خلايانا. المقصود أيها الأخوة من هذه الدروس، أن نفرَّ إلى الله، لأن الله عزَّ وجل يقول: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ( سورة الذاريات الآية: 50 ) كن في الدنيا كأنك غريب: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ *قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 112- 116) ![]() عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي - وهذا يدلُّ على لطف النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ)) ( أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر ) فالمرْءُ وهو صحيح بإمكانه أنْ يصلي، و يقرأ قرآن، و يعمل عملاً صالحًا، أما حينما يأتي المرض يتوقَّف كل شيء، فما دمت في صحةٍ ، وشبابٍ ، وفراغٍ ، وقوةٍ ، وغنىً ، فخذ من غناك لفقرك، خذ من صحتك لمرضك، خذ من فراغك لشغلك، خذ من حياتك لموتك , يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغتنم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) (ابن أبي الدنيا فيه بإسناد حسن ورواه ابن المبارك في " الزهد " من رواية عمرو بن ميمون الأزدي مرسلا) عذاب القبر يناله كل عبد مهما اختلفت الظروف في موته: أيها الأخوة , تواترت الأقوال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوت عذاب القبر ونعيمه، فالناس رجلان ؛ رجل مات على الإيمان فقبره نعيم، ورجل مات على الكفر فقبره عذاب. فكل مَن مات وهو مستحقٌ العذاب نالَ نصيبه منه ، قُبِرَ أو لم يقبر، ولو مات في البحر، في الجو ، وكذلك في الغواصة، لقد سمعت أنهم يحتاجون إلى إمدادهم بالأكسجين عندما ضُرِبت غواصتهم، هذه النعمة العظيمة لا أحد ينتبه إليها، ماتوا من نقص الأكسجين، مئةٌ وثمانية عشر بعضهم ضباط كبار جداً، هذه غواصة نووية تتحرك بالذرة، وتستطيع إغراق حاملة طائرات، وهي من الداخل مدينة، سبحان الله ! . ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ ( سورة الرعد الآية: 11) فالأخبار تتواتر أنه قبل ثلاثة أيام كان هناك ضربات متواصلة على جدار هذه الغواصة، ومن شدة الفزع ، الأصوات سكنت، وأغلب الظن أن كل من فيها قد مات، نزل غواص إلى فتحة هذه الغواصة ـ فتحة النجاة ـ رأى في مدخلها إنسان ميت , من شدة الرغبة بالحياة سعى إلى بابها ومات . أضخم طائرة في العالم (كونكورد) هذه سرعتها أعلى من الصوت، وهي تقطع المحيط الأطلسي في ثلاث ساعات , لكن طائرة مِن هذه الطائرات العملاقة تقطعه في ثلاث ساعات، وبعد إقلاعها من باريس احترقت، فوقعت فوق فندق , تنوعت تنوعت الأسباب، وتنوعت الأحوال، والموت واحد . ![]() ولقد ذكرت لكم أن في " إزميت "، خليج طويل جداً في بحر مرمرة ، وهو من أجمل خلجان تركيا، وعلى شاطئ البحر أبنية جميلة وأنيقة جداً، هذه الأبنية في أثناء الزلزال اختفت، بعد أشهر نزل الغواصون إلى أعماق البحر، فإذا بهذا الشارع الضخم بأبنيته كما هو في قاع البحر، حتى الذي شاهد الفيلم من خلال محطة في تركيا بثَّته , قال لي: البيــت، والسيارة ، واسم صاحب البيـت على مدخل البناء في قاع البحر، فتصوَّر أيها الأخ الكريم شخصًا يسكن في بيت مطل على البحر، وفجأةً يرى نفسه في قاع البحر , فقضية الغواصة ذكَّرتني بسيدنا يونس عليه الصلاة والسلام ، وجد نفسه فجأةً في بطن الحوت. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة الأنبياء الآية: 87- 88 ) قال: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ ( سورة الرعد الآية: 11) نسأل الله أنْ يتوفانا على الإيمان، وبأحسن أحوالنا مع الله عزَّ وجل . الأدلة الواردة على عذاب القبر من الكتاب: ![]() أيها الأخوة , لو أن الإنسان مات في الطائرة، أو في الباخرة ، أو حرقاً فمصيره إلى الله سبحانه، ولن ينج من عذاب القبر، في الهند يحرق الإنسان، لي صديق له عمل تجاري، فذهب إلى " هونج كونج "، فمدير الشركة قبل يوم من وصوله ماتت أمه، فهذا الصديق وقع في حرج شديد، كيف يتابع عمله التجاري مع هذا المدير، وقد ماتت أمه ؟ قال له: ليست مشكلة، نحن نحرقها، ونضعها في قارورة صغيرة ثم نضعها في معبد وكل عيد نأتي بها إلى البيت، فعذاب القبر حق، كيف ؟ لا نعلم، أمور الغيب لا تخضع للمنطق ولا للعقل، بل تخضع للخبر الصادق , بعض الآيات التي تثبت عذاب القبر: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 93) وهذه آية ثانية: ﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ ( سورة التوبة الآية: 101 ) والآية الثالثة: ﴿وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ( سورة غافر الآية: 45- 46 ) بحساب بسيط آل فرعون دمروا قبل ستة آلاف عام، فستة آلاف عام ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين يومًا، ضرب اثنين , ﴿غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ ( سورة غافر الآية: 46) والخير بل الشرُّ للأمام ، ولا يزالون يعرضون على النار غدواً وعشياً إلى يوم القيامة ، وهذه الآية أصلٌ في عذاب القبر. الأدلة الواردة على عذاب القبر من السنة: في صحيح مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَتَا إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ قَالَتْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا ـ ما طابت نفسي أن أصدقهما ـ فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَقَالَ صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ قَالَتْ فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا صَلَّى صَلَاةً بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) ( أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ) خرج النبي عليه الصلاة والسلام بعدما غابت الشمس فسمع صوتاً , قالوا: ماذا سمعت يا رسول الله ؟ قال: (( رجلٌ يعذَّب في قبره )) ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))(متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَلَمْ أَشْهَدْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ)) ( أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري وعن زيد بن ثابت ) من بعض أدعيته صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة) عَنْ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ فَقِيلَ لَهُ تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي وَتَبْكِي مِنْ هَذَا فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا الْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ)) ( أخرجه الترمذي عن مولى عثمان ) أول منزلة من منازل الآخرة القبر، إن نجا منه ما بعده أهون منه، إن لم ينج منه ما بعده أعسر منه. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ: ((قَالَ أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي قَالَ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ)) (متفق عليه أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة ) عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ((أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَهَا بَيْنَهُمْ وَيَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا وَلِينِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَعْجَبُونَ مِنْهَا قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهاَ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ) عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ )) ( أخرجه أحمد في المسند عن عائشة ) هذه كلها أيها الأخوة أحاديث صحيحة وردت في صحيح البخاري ومسلم، تبيِّن أن هناك عذاباً اسمه عذاب القبر، أو عذاب البرزخ، وأن المؤمن أول موته يصعد به إلى السماء، يرحب به كل ملكٍ في السماء، ثم يعود إلى القبر ليمضي هذه الفترة إلى يوم القيامة. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( السابع ) الموضوع : الشرائط الصغرى ليوم القيامة -1 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التعريف بالساعة : أيها الأخوة الكرام , مع الدرس السابع من دروس الدار الآخرة، وموضوع درس اليوم "أشراط الساعة "، ما الساعة ؟ وما دليلها من الكتاب والسنة ؟ فقد قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ ( سورة الحجر الآية: 85) " لآتيةٌ " هذه اللام أصلها لام التوكيد، وهي الآن تُعرَبُ اللام المُزَحْلَقَة، أما أصلها: لَلسَّاعة آتية، فلما دخلـت (إنّ) على هذه الجملة زُحْلِقَتْ لام التوكيد إلى خبرها، فسميت اللامَ المزحلقة. الدليل من الكتاب: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ﴾ ( سورة الحجر الآية:85) أي لابد أن تأتي، وفي آية أخرى يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 5) في آيةٍ ثالثة , يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ( سورة النساء الآية: 87) وفي آيات أخرى يُقْسِم , فيقول: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ﴾ ( سورة الذاريات الآية: 1-6 ) ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ *وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ ( سورة الطور الآية: 1-8) ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ( سورة سبأ الآية: 3) أيها الأخوة , هذه آياتٌ واضحة وضوح الشمس يؤكِّد الله عز وجل فيها أنه لابد من يوم نُرجَع فيه إلى الله، ونحاسب عن كل أعمالنا ؛ صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ![]() ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ( سورة القمر الآية: 1) أي أن انشقاق القمر من علامات اقتراب الساعة، بعضهم قال: وقع هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. أما الآية الدقيقة في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ( سورة النحل الآية: 1) " أتى" فعل ماضٍ، أي قامت القيامة. ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ( سورة النحل الآية: 1) من أسلوب ربنا الحكيم أنه يعبِّر عن الحدث المستقبلي بالفعل الماضي، تأكيداً لوقوعه. ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ( سورة النحل الآية: 1 ) ما وجدتُ مثلاً يقرِّب الحقيقة إلا هذا المثل، فلو أن إنساناً يركب مركبة فارهةً في طريقٍ شديد الانحدار ينتهي بمنعطفٍ حاد، وفجأةً اكتشف قائد هذه المركبة أن المكبح معطّل، فماذا يقول ؟ يقول: هَلَكْنا دون أن يشعر، لأن الشيء محقق، فما دام الحدث محققَ الوقوع إذاً يعبّر عما سيكون بالفعل الماضي، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ( سورة النحل الآية: 1) فلابد أن يأتي، إذْ كلُّ متوقع آتٍ، وكل آتٍ قريبٌ. الدليل من السنة: يأتي الصيف، فالإنسان يمل الحر، بعد حين يأتي الشتاء , فينسى الصيف، ويمتد الشتاء، فيسأم الإنسان مِن البرد الشديد، ثم يأتي الصيف، والناسُ كلٌّ له عُمُر، كل سنة فيها صيف، وشتاء، وخريف، وربيع، يأتي هذا، ويذهب ذاك، وهكذا دواليْك، فكلُّ متوقعٍ آت، وكل آت قريبٌ. هناك حقيقة دقيقة أشار النبي عليه الصلاة والسلام إليها، ففي صحيحي البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ فَقَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ثُمَّ أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَذَاكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ)) ( أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر ) أي إذا كان مجموع عمر الأمم أربعًا وعشرين ساعة، فماذا بقي مِن هذا المجموع الذي هو تاريخ البشرية ؟ ما بقي منه يساوي من صلاة العصر إلى غروب الشمس، إذًا فنحن الآن قُبَيل الغروب، فإذا بدأت الحياة البشرية من مغرب اليوم السابق وانقضى الليل بطوله حتى الظهر والعصر، فنحن في مدة ما بين العصر والمغرب، هذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ، يَعْنِي إِصْبَعَيْنِ)) ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة) يشير بإصبعيه السبابة والوسطى، بعثت أنا والساعة كهاتين , فماذا بقي إذًا ؟ بقي مسافة ضيقةٌ جداً. قيام الساعة لا يعلمه إلا الله: ![]() أيها الأخوة , ظهر علينا مؤَخَّرًا بعض مدَّعي العلم، وبحساباتٍ رياضية مضحكة ادَّعوا زورًا أنّهم اكتشفوا متى يوم القيامة ؟ وهذا شيء فيه خلط ودجل، وكلام لا أصل له. ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ( سورة النازعات الآية: 42-44) الساعة لا يعلمها إلا الله، ويروى أن الإمام مالك إمام دار الهجرة رأى في المنام مَلَك الموت، قال: يا ملَك الموت , كم بقي من عمري ؟ فأشار ملك الموت إليه هكذا بأصابعه الخمس، فاستيقظ الإمام قلقاً فزَعًا، ويقول في نفسِه: يا ترى خمس سنوات، أم خمسة أشهر، أم خمسة أسابيع، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات، أم خمس دقائق، أم خمس ثوانٍ ؟ يروى أنه توجه إلى الإمام ابن سيرين وكان بارعاً في تأويل الأحلام، قال مالك: يا إمام رأيت ملك الموت، وسألته فأجابني. فقال: يقول لك: إن سؤالك واحدٌ من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله. هذا هو الجواب الصحيح، إن سؤالك واحدٌ من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله، قال تعالى في سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ( سورة لقمان الآية: 34) ويقول في آية أخرى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ( سورة النازعات الآية: 42-44) أي أن منتهى علمها إلى الله وحده. وفي آية ثانية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ ( سورة الأعراف الآية: 187) لقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يخاف من البغتة، فكان يدعو بدعاء عظيم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ)) (أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر في صحيحه) رُكَّاب الطائرات أحياناً لا تأتيهم آجالُهم إلا بغتة، طائرة فخمة جداً، وهو جالس بالدرجة الأولى، خبر صغير خلاصته: سقطت الطائرة، وقد مات جميع ركابها. في آية أخرى يقول سبحانه: ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية:187) من أشراط الساعة الصغرى: 1- الموت: فما هي الساعة الصغرى ؟ إنها ساعة الموت، موت الإنسان ساعته الصغرى، ويوم القيامة ساعته الكبرى. لماذا أخفى الله عن الإنسان ساعة موته ؟ فالله عز وجل أخفى عن الإنسان ساعة موته ليجتهد في الطاعة، والاستقامة، والعبادة، والتوبة، وما إلى ذلك. 2- تمني الموت: يروي الإمام مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ أَخْطَبَ قَالَ: ((صلى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا)) ( أخرجه مسلم عن عمرو بن أخطب ) ![]() هذا من أصدق الأحاديث عن أشراط الساعة، وكان أعلم الصحابة في هذا الموضوع سيدنا حذيفة بن اليمان، وهذا الحديث الصحيح مروي عنه، قال: " من هذه الأشراط فتنٌ كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار، هذه الفتن يتمنىَّ الإنسان معها الموت "، فكم مِن إنسان باليوم يتمنى الموت ؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ)) (أخرجه مسلم عن أبي هريرة ) أحياناً تأتي المصائب من كل جانب، تضيق الأمور، تكثر المطالب، تقل المكاسب ينحرف الأولاد، تنحرف الفتيات، تنشز الزوجة، لا دخْل، زوجة سيئة جداً، أولاد عاقون، مكاسب قليلة، ضغوط نفسية شديدة ، أُناس كثيرون جداً يقولون: ليتنا نموت، فهذا من أحد أشراط الساعة أن تضيق الدنيا بالإنسان فيتمنى الموت، هذا كلام عامة الناس، لكنّ المؤمن يصبر ويتماسك، و لا يتمنى الموت لعل الله عز وجل يهبه في الحياة عملاً صالحاً يلقى الله به، لكن المؤمن يدعو بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ: (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)) ( متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة ) وأنا أقسم بالله، إن أناساً كثيرين جداً لا يعدون ولا يحصون في كل دقيقةٍ يتمنون الموت، لشدة ما أحيطوا به من مصائب، وهموم، وأحزان، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 46 ) تجد شعوبًا تنفق أموالاً بغير حساب، وشعوبًا يأكل كلابُها من اللحوم ما لا يأكله شعب الهند الذي يزيد عن تسعمئة مليون ؟ فضيق مادي، جفاف، غلاء أسعار، هناك أناس كثيرون جداً يتمنون الموت، فتمني الموت أحد أشراط الساعة، نعوذ بالله من تمني الموت. عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي موسى ) 3- كثرة الهرج وهو القتل: أخبارنا كلها مصائب، ساعة يقال لك: طائرة مصرية عليها مائتان وستة وثلاثون راكباً سقطتْ، حتى الآن ليس هناك خبر يشفي الغليل في سبب سقوطها، أهو صاروخ أصيبت به ؟ أم هناك مَن أفسد بعض أجهزتها، لأن عليها ما يزيد عن ستة وثلاثين ضابطاً مصرياً كبيراً تدربوا في أمريكا ؟ ثم حديث الغواصة، هل ارتطمت بصخرةٍ أم بغواصة ؟ المذابح في البشرية كثيرة جداً، وأنا اذكر مذبحةً في جنوب إفريقيا، الذين قتلوا في أيام معدودة ما بين خمسمئة ألف إلى مليون، خلال يومين أو ثلاثة، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: ![]() ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ... ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ)) ( أخرجه البخاري عن عوف بن مالك في صحيحه ) يقال لك: تطهير عرقي، من أشراط الساعة الصغرى. ((إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح) نحن نشأنا بالخمسينات، فكانت تمضي سنتان، أو ثلاث، أو أربع، أو عشر سنوات، يُشْنَق خلالها إنسان في ساحة المرجة على أساس أنه مجرم، الآن تستمع لنشرة الأخبار كل يوم تطالعك في مذابح، ودمار، وقتل، ثلاثمئة ألف نازح بالشيشان، أربعمئة ألف نازح بالجهة الفلانية، مشرَّدون في أيام البرد والشتاء، فهذا القتل الكثير أيضاً من أشراط الساعة. 4- كثرة المعاصي والفجور: إن من أشراط الساعة كما يقول عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ وَيَكْثُرَ الزِّنَا وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح) الآن تجارة الرقيق الأبيض مخيفة، دول بأكملها، تكاد تكون منطقة جنوب شرق آسيا التجارة الأولى الرابحة فيها تجارة الزنا، والرقيق الأبيض، ودور الدعارة، هناك مَن يشتري الفتيات ليعملن في الدعارة شراء قطعيًا، هذا خبر مؤلم جداً، يكثر الزنا أي يحل الزنا محل الزواج ؟ ((وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ)) ( متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح) بسبب الحروب، حتى وقعت مذابح جماعية من جرَّاء الحروب الأهلية في العالم، فقلَّ الرجال وكثُر النساء، وهذا من أشراط الساعة. 5- لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل: في بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة الصغرى، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ)) ( أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة) نحن ألِفنا بالفطرة في تاريخ البشرية أنّ القاتل يُقتل، الذي يعتدى على أعراض الناس يُقْتَل، وكذلك مَن يعتدي على أموالهم، لكنّ إنسانًا يُقتَل لا لشيء إلا لأنه مسلم ! أو لانتمائه لدين معين فقط يقتل ! فهذا من أشراط الساعة، وقد أخبر النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذا. 6- نشب القتال بين فئتين دعواهما واحدة: ![]() عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ )) ( متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة) أنتم عشتم قبـل سنوات الحرب الباردة بين الغرب والشرق، كتلتان كبيرتان، وكل كتلة تستقطب دولاً لا تعد ولا تحصى إلى أن أصبح العالم شرقاً وغرباً، دولاً شرقية تؤمن بالمجتمع، ودولاً غربية تؤمن بالفرد، وبينهما حروبٌ طاحنةٌ، ثم انتهت هذه الحروب إلى حروب باردةٍ، حتى هاتان الفئتان الكبيرتان اللتان تقتتلان ودعواهما واحدة، اقتتالهما رحمةٌ للناس، فلما انتصرت إحدى هاتين القوتين، وأصبحت هي القُطب الأوحد في الأرض، بعدها عرف الناس ما قيمة أن يتصارع قطبان في الأرض ؟ قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ ( سورة البقرة الآية:251 ) 7- ادعاء دجالون يزعمون بالنبوة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ)) ( متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة ) 8- تبدل المفاهيم والقيم عند الناس: في العصور السابقة كانت الكلمة لها قدسية كبيرة، الذي يقوله الإنسان يفعله، والذي يعتقده يقوله، هذا الأصل في سلوك الإنسان، لذلك جاء الأنبياء بالكلمة الصادقة، الكلمة الصادقة وحدها قلبت حياة البشرية، الكلمة الصادقة التي جاء بها الأنبياء هي وحدها أشاعت العدل والفضيلة في الأرض، أمّا الآن فالكلمة لا قيمة لها إطلاقاً. الاستشهاد بأمثلة للتوضيح: قد يغتصب إنسان مالَ إنسان آخر، حتى يتركه فقيراً يتسول، ويعتدي عليه حتى يكسِّر عظامه، وينتهك عرضه حتى يجعله في الوحل، فإذا قال له في النهاية: إني أحبك، هل يقبل منه هذه الكلمة ؟ إنه يكفر بكلمة الحُب، لأن مقابل هذه الكلمة ضاع ماله، وكسرت عظامه، وانتهك عرضه، فإذا قال له مَن بغى عليه: إني أحبك، كان هذا كذبًا ودجلاً وابتزازًا لا حدود له , فلذلك من علامات قيام الساعة أن كثيرًا من الناس يدّعي أنه إنسان وهو وحش. قتل امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر وقتل شعب آمنٍ مسألةٌ فيها نظر 9- كثرة الدجالين والكذابين: ![]() في أي جهة معينة في العالَم يقع تدخل واجتياح وقتل مئات الألوف، وما مِن أحد يتدخل، بل يقال: شأن داخلي، وفي جهة ثانية يهبّ مَن يهبّ بحجة أنّ حقوق الإنسان انتُهِكتْ فالموازين مزدوجة ، بمكان آخر لا يسمح لبلد إسلامي كبير انشقت عنه مقاطعة كانت تابعةً له منذ ثلاثمئة عام فإذا تحرك أصحابُها لاستعادتها ثانيةً، يقال: انتُهِكتْ حقوق الإنسان، فإذاً هناك دجالون كذابون كثيرون جداً، يكاد يكون أكثر ما نسمعه في الأخبار الدولية كذبًا في كذب فمثلاً: اغتصاب أرض، تشريد شعب، الأجانب يسمونها أزمة الشرق الأوسط، ليست أزمة، بل عدوان واغتصاب، إنسان يدافع عن أرضه يقول لك: هذا أصولي، كلمة (أصولية) فيها مكر، إنسان هز كيان اليهود وقدَّم حياته رخيصة، يقول لك: (عمل انتحاري) دققوا في المصطلحات , فالمصطلحات خبيثة جداً وماكرة، فهناك دجالون كذابون لا يعدون ولا يحصون هذه من أشراط الساعة، حتى إنهم قالوا: الدبلوماسية هي التعبير عن أسوأ النوايا بأحلى الألفاظ، فمن علامات قيام الساعة الصغرى: كثرة الدجالين، وكثرة الكذابين، فهناك بلاد غربية تحاسب الإنسان على الكذب، وهي ترتكب أبشع كذب وأكبَره !. 10- انتزاع العلم بموت العلماء: ومن علامات قيام الساعة ما صحَّ مِن حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)) ( متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ) وهذا الشيء ملاحظ، عالم جليل، عالم عامل، عالم ورع، عالم له شأن كبير إذا قبض، لا تجد إنسانًا آخر يحل محله، كلما قبض عالم انتزع العلم انتزاعاً، وهذا من أشراط الساعة. 11- كثرة الزلازل: ![]() كأنني بهذه الأشراط وقعت واحدةً واحدة , فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ)) ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح) أول زلزال بتركيا، الثاني، الثالث، الرابع، آخر زلزال كان قبل أشهر ضعيفًا، لكن من شدة خوف الناس ألقوا بأنفسهم من الشُرفات، فأصيب أكثر من مئة إنسان، ألقى بنفسه من الطابق الثالث من شدة الخوف، فالزلازل، والفيضانات، والأعاصير، والاجتياحات مِن أشراط الساعة. 12- تقارب الزمان: ![]() من أشراط الساعة: تقارب الزمان، يقول لك: قطعنا الأطلسي في ثلاث ساعات بالطائرة " الكونكورد " فقط , الطائرة العادية سرعتها ألف كيلو متر وزيادة، تقطعه في سبع ساعات، سبعة آلاف كيلو متر، شيء طبيعي جداً تركب من أقاصي الدنيا من "سان فرانسيسكو " برحلة واحدة إلى أمستردام دون توقُّف، في اثنتي عشر ساعة محلقاً في الجو، تنتقل من طرف الكرة إلى طرفها الآخر بعشر ساعات، هذا من تقارب الزمان. قديماً كان إرسال رسالة مع سُعاة للبريد، وفي مراكب، تحتاج الرسالة من المدينة إلى العراق لمدة شهر تقريباً، الآن بالفاكس تنتقل رسالة إلى أي مكان في العالم في الثانية نفسها، تتحول نسخة عن هذا الكتاب عن طريق الفاكس إلى هناك، صار العالمُ بمثابة قرية بل صار غرفة واحدة، وهذه من علامات قيام الساعة، تقارب الزمن. فساد الأمم وانحلالها نتيجة امتزاج المبادئ والقيم بين الشعوب: هذا التقارب لم أجد مثلاً رائعًا ينطبق عليه كهذا المثل: الشعوب المسلمة عندهم عقيدة سليمة، عندهم قيَم، عندهم مبادئ، عندهم ورع، عندهم أدب، عندهم خجل، فلما تقارب الزمان صار عصر الاتصالات، كل واحد يتابع أخبار العالم كلها باليوم بالمحل الفلاني، بالمكان الفلاني، فكأنه خلاط كبير، كل ما عند البشر تجمَّع في هذا الخلاَّط، فلما دار اختلطت الأمور، فنحن طعامنا الطيِّب وماؤنا الطاهر العذب ضاع مع الماء الملوَّث , وحلّ في العالَم نموذج الفساد، هذا التواصل لم يكن من قبل , كان لكل شعب مكانته، وقيمه ، ومبادئه ، وتربيته، الآن الفساد الشديد الذي في طرف الدنيا ينتقل إلى طرف الدنيا الآخر عن طريق الفضائيات، وعن طريق شبكات الاتصال والإنترنت وما إلى ذلك، فكأن هذا الاتصال الشديد بمثابة خلاَّط، الغث والثمين، الصالح والفاسد، فهذه سلبيَّات الاتصالات. ![]() سمعتُ من قبل عشرين سنة أن في أمريكا زنا محارم، إنه خبر كالصاعقة، هل مِن المعقول إنسان يزني بأخته ؟ أيها الأخوة في هذه البلدة الطيِّبة أكثر من مئة حادثة سمعتها بهذه السنوات، زنا محارم , أب مع ابنته، أخ مع أخته، كل أنواع الشر موجودة بهذه الفضائيات و العالم كله، يقول لك: عندي ثلاثمئة وخمسين محطة، وكلها " نت "، صورة واضحة تمامًا، هنيئاً لك على هذا القيام في الليل، ليلك البهيم الأسود، وهنيئًا لك بقنوات المجاري هذه ,فهذا تقارب الزمان، وهذه من سلبياته ، صار لكل أمة فسادها وانحلالها وانحرافها فكل إنسان بأي مكان بالعالم يرى كل فساد الأرض وهو بشر، لذلك استشرى الانحراف الآن، إنه انحراف أخلاقي خطير، سببه هذا التواصل، أو ثورة المعلومات، وهذا من نتائج تقارب الزمان. ((وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ)) ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح) ![]() فهل من المعقول أن يقيم إنسان حفلة عرس بخمسة وثمانين مليونًا، في حين أنه لا يمكن لشاب أنْ يتزوج بمائتي ألف ؟ هذه الخمسة والثمانون مليونًا كم مائتي ألف تعدل ؟ كنت مرة بعقد قران قبل أيام قام أحد الخطباء تكلم كلمة أعجبتني، قال: دخلت إلى بيت مدخل الاستقبال وحده تعدل مساحته مائتي متر، قال: وحسبتْ تحف المدخل ظننت أن ثمنها قليل، ثم علِمت أنّ أقل تحفة ثمنها نصف مليون فما فوق. جاءتني رسالة من شاب يتألم من شدة الحاجة إلى الزواج، لا يجد مالاً ليشتري بيتا ولا شيء، فقال هذا العالِم لهذا الغني: لو بعت أحد هذه التحف زوجت بها شاباً، ما جدوى الاحتفاظ بها ؟. 13- تطاول الناس في البنيان: ![]() أيها الأخوة , من أشراط الساعة أيضا: أن يتطاول الناس في البنيان، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة) كنت في بلد أبو ظبي، أبنية كثيرة جداً، عشر طوابق، وقد كلفت مئات الملايين، تُهدَم ويُبنى مكانها بناء من ثلاثين طابقًا أو أربعين إلى خمسين طابقًا , هذا من أشراط الساعة الصغرى، حَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، في العالم الغربي تجد مئة وعشرين طابقًا , أما في دول المنطقة فهناك تطاول عجيب في البنيان. 14- أن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان: من أشراط الساعة أن ترى الحفاة العراة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان ((قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ ؟ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا ؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَان ؟ )) ( أخرجه مسلم عن عمر في صحيحه) أناس فقراء ظهرت عندهم ثروات فاحشة فأصبحوا أغنياء فجأة، أشادوا هذه العمارات العالية، هذا أيضاً من أشراط الساعة. 15- طلوع الشمس من مغربها: من أشراط الساعة أن تطلع الشمس من مغربها , فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة) وهذا الحديث حوله جدل كثير، بعضهم قال في تفسيره: إنه الشيء الثمين القادم من الغرب، فإذا لم يحمل الطبيب شهادة طب من أمريكا، أو من إنكلترا، أو من فرنسا، فلا أحد يأتي إلى عيادته، فكأن شمس المعرفة أصبحت تشرق مِن هناك , هذا تفسيرٌ يرفضه بعض المسلمين يقولون: من أشراط الساعة أن تشرق الشمس من مغربها والله أعلم، على كلٍ ورد هذا الحديث على أنه من أشراط الساعة. 16- عدم القناعة بالمال: ![]() أيها الأخوة , ومن أشراط الساعة أيضاً: يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطاً , فَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا)) ( أخرجه البخاري عن عوف بن مالك في صحيحه) نزعة مادية شديدة، مهما أعطيته يبقى ساخطاً، كأن الذي يقول: هناك نزعة مادية شديدة جداً تعم الناس، فكل شيء له ثمن، فليس مِن عمل لوجه الله، أو عمل تطوعي، أو عمل في سبيل خدمة الحق، كل شيء له ثمن، كم تدفع ؟ 17- فتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها: اسمعوا هذا الحديث: فَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ: ((اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ... ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ)). ( أخرجه البخاري عن عوف بن مالك في الصحيح) لكي تتأكد من صحة هذا الحديث اصعد إلى جبل قاسيون وانظر إلى أسطحة أبنية الشام من فوق، فما من بيتٍ من البيوت إلا ودخلته هذه الفتنة. أيها الأخوة , لعل هذه الأشراط التي ذكرتها لكم واضحةٌ جداً، ولا أشك أنها وقعت جميعها، لذلك أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا أن نضاعف جهودنا في معرفة الله وطاعته، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 88) فتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها , فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي شَرٍّ فَذَهَبَ اللَّهُ بِذَلِكَ الشَّرِّ وَجَاءَ بِالْخَيْرِ عَلَى يَدَيْكَ فَهَلْ بَعْدَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ: ((نَعَمْ قَالَ مَا هُوَ قَالَ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَأْتِيكُمْ مُشْتَبِهَةً كَوُجُوهِ الْبَقَرِ لَا تَدْرُونَ أَيًّا مِنْ أَيٍّ)) (أخرجه أحمد عن حذيفة بن اليمان في المسند) وأكثر هذه الفتن في حقلين كبيرين ؛ في حقل المال والكسب الحرام، وفي حقل العلاقة المحرمة بالنساء، زنا، ودعارة، وانحراف، وتفلُّت، ونساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مُميلات، فتنة المرأة، وفتنة المال، وهما من أشد أنواع الفتن، وهذه الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولَها آخرُها، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)) |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية - الايمان باليوم الاخر الدرس ( الثامن ) الموضوع : الشرائط الصغرى ليوم القيامة -2 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً , وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من أشراط الساعة: 1- تغير الزمان: أيها الأخوة المؤمنون , نتابع فيما يلي موضوع علامات الساعة الصغرى إن شاء الله عزَّ وجل. عدي بن حاتم كان ملكاً من ملوك الجزيرة ، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقال له: (( من الرجل ؟)) فقال: عدي بن حاتم , والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا الأدب فقال: (( أنزلوا الناس منازلهم)) ( من الجامع الصغير: عن " السيدة عائشة " ) فأخذه إلى البيت تكريماً له، قال عديّ: وفي الطريق استوقفته امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرةٌ فوقف معها طويلاً تكلِّمه في حاجتها، فقال عدي في نفسه: واللهِ ما هذا بأمر ملك، ثم وصل إلى البيت، وقبل أنْ يجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع إليه وسادةً من أدمٍ محشوةٍ ليفاً و قال: " اجلس عليها ". فقال عدي: بل أنت. قال النبي: " بل أنت " اللهمَّ صلِ عليه. قال عدي: فجلست عليها وجلس هو على الأرض , وقال النبي: " إيه يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسيًّا ؟ ـ وهو دين بين النصرانية واليهودية ـ قال عدي: بلى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألم تأخذ قومك بالمرباع " ؟ أي أنك تأخذ ربع دخولهم . قال عدي: بلى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((فإن هذا لا يحل لك في دينك "، ثم قال: " يا عدي بن حاتم، لعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ـ المسلمون فقراء ـ وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد مَن يأخذه، ولعله يا عدي إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين أنك ترى المُلْك والسلطان في غيرهم ـ القوة الكبرى بأيدي الكفارـ وايم الله ليوشكن بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف ـ يستتب الأمر للمسلمين ـ ولعله إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم ـ أعداءٌ لا يعدّون ولا يحصون ـ وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتَّحةً للمسلمين )) عاش عدي بن حاتم حتى رأى هذا بعينه. ( أخرجه البخاري عن عدي بن حاتم في الصحيح ) الآن في رواية أخرى للبخاري عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قالَ بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ فَقَالَ يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ قُلْتُ لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا قَالَ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى قُلْتُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ قَالَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ فَلَيَقُولَنَّ لَهُ أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَقُولُ أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ فَيَقُولُ بَلَى فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ قَالَ عَدِيٌّ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقَّةِ تَمْرَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شِقَّةَ تَمْرَةٍ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ قَالَ عَدِيٌّ فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ - أي المرأة - تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ - أيْ أن الأمنَ سيستتِبُّ، ولن يكون هناك قطَّاع طرق - وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ)) ( أخرجه البخاري عن عدي بن حاتم في الصحيح) أي أعظم دولة في زماننا، وللتقريب فلو قلنا دولة مثل دولة اليمن الآن: إن هذه الدولة الضعيفة الصغيرة سوف تهزم أمريكا وتحتل البيت الأبيض , كم المسافة بين دولةٍ ضعيفة ودولةٍ عملاقةٍ قوية ؟! فالفرس وقتها كانوا يشكلون هذا العملاق الكبير , ((وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ)) هذه الثالثة لم يدركها عدي بن حاتم، إلا أن المسلمين في عهد عمر بن عبد العزيز أدركوها، كان الرجل يخرج ومعه زكاة ماله، فيطوف البلاد طولاً وعرضاً فلا يجد مَن يأخذ منه شيئاً , الناس اغتنوا بالنظام الإسلامي. 2- موت كسرى وقيصر: في صحيح البخاري أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَدْ مَاتَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح ) هذا مما تنبّأ به النبي عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة الصغرى. 3- فتح القسطنطينية: من أشراط الساعة الصغرى، عِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَسُئِلَ: ((أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ قَالَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكْتُبُ إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا قُسْطَنْطِينِيَّةُ - اسطنبول - أَوْ رُومِيَّةُ - هي روما - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ ـ)) (أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص) فتح القسطنطينية حدث تاريخيٌّ هزَّ دول أوروبا، وهي من أجمل مدن العالم، ومن أمنعِ مدن العالم وأكثرها تحصينًا، وهي مدينةٌ منيعةٌ فتحها محمد الفاتح، وقد أثنى النبي عليه الصلاة والسلام على مَن سيفتحها في حديثٍ صحيح، وهذا الحديث تراه مكتوبًا في تركيا في المئات , بل ألوف الأماكن، علة لوحات ظاهرة يقرؤها كل الناس . 4- قتال الترك: موجات المغول التي غزت الشرق الأوسط (هولاكو) (تيمورلانك) هذه الموجات التي اكتسحت الشرق الأوسط ودمَّرت، وقتَّلت، وفظَّعت، تنبأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ ـ أي الدروع المطرقة ـ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ)) (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة) 5- ضياع الشباب: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا , فَوَاللَّهِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ , وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خِدْعَةٌ , وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ ـ أي شباب ـ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ)) (متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن علي) الشاب هو أروع ما في الحياة، لكنه في أمس الحاجة إلى حكمة الشيخ، لو اجتمع اندفاع الشاب مع حكمة الشيخ لكان شيئاً لا يصدَّق، والمقصود بالشيخ الكبير في السن، القائم في طاعة الله، وفي معرفة الله عزَّ وجل، الشيخ عنده حكمةٌ لا تقدَّر بثمن، استخلص من الحياة عِبَرًا وحقائق هي خلاصة عمره المَديد، فضلاً عمّا تلقَّى من وحي السماء، ومن حقائق في القرآن والسنة، فالشاب مندفع، يمكن أن أمثل الشاب بمحرِّك قوي والشيخ الحكيم بالمِقْوَد، فمحركٌ من دون مقود مصيره إلى الهلاك، ومقود من دون محرك لا حركة ولا انتقال، فلابدَّ من تكامل حكمة الشيوخ مع اندفاع الشباب. النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه البخاري ومسلم يصف قوماً سيخرجون في أواخر الزمان " أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ "، أي شبابٌ استغنوا عن حكمة الشيوخ، يقومون باندفاع أهوج واندفاع خاطئ. ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ " عقولهم محدودة، ضيِّقوا الأُفق ، لا حكمة عندهم، لا تجربة عندهم "يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ " أي يعتمدون على ظاهر حديث رسول الله " يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ)) 6- تضييع الأمانة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ , فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: ((أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ ؟ قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ)) ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ بَدَا جَفَا وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ افْتُتِنَ وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ قُرْبًا إِلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا)) (أخرجه أحمد في المسند عن أبي هريرة) يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك، أول صفة من صفات طالب العلم الأدب , أديبٌ في جلسته، في سؤاله، في نظرته، في حركته، بعد أن تابع النبي خطبته قال: " أين السائل عن الساعة ؟ ". قال: ها أنذا يا رسول الله. قال: " إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة ". من علامات الساعة الصغرى تضييع الأمانة، تفقد الأمانة عند الناس، والقصص التي توضِّح هذه الظاهرة لا تعد ولا تحصى، لا يمضي أسبوع إلا وأستمع إلى قصتين أو ثلاث قصص عن إنسان عمِل عملاً وقد خان أمانته، فلا أمانة عنده ولا حسابات لديه بل فوضى في مصروفه , ومع ذلك تراه يرتاد بيوت الله عزَّ وجل، وهذا مثَلٌ على ضياع الأمانة، " إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة " , كل وظيفة أمانة، كل حرفة أمانة، فالمُعَلِّم طلاَّبه أمانة عنده، والطبيب المريض أمانة عنده، والمحامِي الموكل أمانة عنده، وكل صاحب صنعة، حتى أصحاب الصناعات الغذائية، هؤلاء المسلمون سيأكلون هذا الطعام يجب أن يكون هناك أمانة هل تطعمهم شيئاً سيِّئاً ؟. قال: وكيف إضاعتها ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: " إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ " , قد تجد عملاً مَن يقوم به ليس أهلاً له، فهناك حرف كثيرةٌ وأصحاب هذه بالحرف لا يتقنونها، ويأخذون مبالغ طائلة، فـ.. إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ. 7- نزع مهابة أهل الإسلام في قلوب الأعداء ويتضمن مايلي: ورد في الأحاديث الصحيحة عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)) ( أخرجهما أبو داود وأحمد عن ثوبان) ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا" , و قد قال عليه الصلاة والسلام: " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ " , فقال قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ أي هذا التداعي، هذا التكالب مِن أمم الأرض، كلهم ينتظرون أن ينهبوا ثروات المسلمين , الآن نحن نبلغ مليار ومائتي مليون إنسان ـ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ـ على سطح السيل قش، فهل يستطيع أن يؤثِّر في مجرى السيل ؟ سيلٌ عارم ينطلق في وادٍ شديد الانحدار وعلى وجه السيل بعض الأعشاب، هل هذه الأعشاب اليابسة الخفيفة القليلة تستطيع أن تغيِّر من مجرى السيل ؟ قال عليه الصلاة والسلام: وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ)) 1- قذف الوهن في قلوب المسلمين: أمته حينما تخلَّت عن سنَّته ومنهجه، هُزمت بالرعب مسيرة عام ,((وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)) (أخرجهما أبو داود وأحمد عن ثوبان ) قد يعجب الإنسان من ضعف المسلمين في آخر الزمان، ومن تمزُّقهم، والعداوات والبغضاء فيما بينهم، وفي الحديث عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ الْعَالِيَةِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا , فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)) (أخرجه مسلم عن سعد ين أبي وقاص في الصحيح) فهناك أمم تهلك بزلزال، وأمم تهلك بصواعق و أعاصير وأوبئة، لكنّ النبي عليه الصلاة والسلام سأل ربه ألا تهلك أمته بسَنةٍ عامة، أي لا تهلك بهلاكٍ عام، لكن ضعفهم وتخاذلهم من أشراط الساعة , وقد نُزِعَت هيبتهم من صدور عدوهم، و أصابهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت. 2- حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً: في بعض الروايات عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)) (أخرجه مسلم عن ثوبان) من أشد المصائب أن يكون بأس الأمة فيما بينها حتى يهلك بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا، في بعض البلاد الإسلامية نشبت حروب أهليَّة أكلت الأخضر واليابس، فهذه الحروب الأهلية في الصومال تسمعون بها، وبلاد كثيرة أحرق بعضهم على بعضٍ الأخضر واليابس، أي أنهم تأخروا مئة عام، أنفقوا ألوف المليارات خسائر نتيجة هذه الحرب الأهلية، هذا من علامات قيام الساعة حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا. تسليم الخاصة ويتضمن ما يلي: 8- فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تَسْلِيمُ الْخَاصَّةِ وَتَفْشُو التِّجَارَةُ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ وَتُقْطَعُ الْأَرْحَامُ)) (أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في مسنده) أي أنك لا تسلِّم إلا على مَن تعرف، تجد جارين في بناء واحد لا يتزاورون، وإذا مشى أحدُهما مع الآخر أو التقى به فلا سلام بينهما، مرة أردت أن أزور صديقًا لي أعطاني عنوانه , وفي البناء نفسه طرقت أحد الأبواب وسألت: أهذا بيت فلان ؟ فقالوا: لا نعرفه، وهو في الطابق الأعلى منهم ، المرءُ لا يعرف مَن يسكن فوقه ولا مَن يسكن تحته، فلا سلام على مسلم في الطريق، ولا إذا دخلت إلى مصعد، أو عند مدخل البناء، أو في لقاء عامٍّ، وهذا من أشراط الساعة أيضاً. 1- فشو التجارة : من أشراط الساعة فشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة , عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ , فُشُوَّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ)) (أخرجه أحمد عن ابن مسعود في المسند) سألت: مَن هذه ؟ فقال: واللهِ هذه ابنتنا، قلت: أقرب الناس إلى أبيها تجلس على الصندوق، ألا يستطيع أن يوظِّف شابًا لديه ؟! وفي بعض المحلات زوجته، ((حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ)) وأظن الأمر ناتجًا عن بخلٍ وشحٍّ، حتى لا يستفيد أحدٌ إنْ عمل عنده . 2- قطع الأرحام: من أشراط الساعة ((َقَطْعَ الْأَرْحَامِ)) هناك أسر فيها قطيعة بين الأولاد و الأعمام والأخوال، لا زيارات في الأعياد ولا اتصال بينهما ولا كلام , هذا منتشر بكثرة فقطيعة الرحم من أشراط الساعة. 3- شهادة الزور: شَهَادَةُ الزُّورِ , حدَّثنــي أخ فقال لي: عندي مشكلة تموينيــة، فذهبت إلى المحكمة، ولزمني شاهد، فوجد شهودًا في الخارج يعرضون أنفسهم، اتفق معه على خمسة آلاف، دخل الشاهد فوجد مصحفًا وحلف يمينًا فقال له: أريد عشرة آلاف لأنه حلَف يمينًا، كل شيء بسعره، حلف يمينًا كاذبةً فقال له: أريد عشرة آلاف. ((فُشُوَّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ، وشَهَادَةُ الزُّورِ، وَكِتْمَانُ شَهَادَةِ الْحَقِّ)) (أخرجه أحمد عن عبد الله بن مسعود في المسند ) هكذا ينبغي أن يكون المسلم: أخ من أخواننا من تربية هذا المسجد، أسس له والده عملاً في بلد عربي، قال لي: بينما كنتُ راكبًا سيارتي وأسير في الطريق، يبدو أنني غفلت فصدمت سيارة أمامي، في هذه السيارة التي أمامي رجل يناهز التسعينات من شدة الصدمة مات على الفور، معه هاتف خلوي فاتصل بالمعمل وأخبرهم بالذي جرى معه، فقالوا له: تعال إلى المخفر , فقال له الضابط: وقِّع وكل شيء قد انتهى، قرأ التقرير فوجد أن ما جاء فيه على عكس ما حدث، فقال له: هذا لا يجوز أنا المتسبب، قال له: خلَّصناك، وكُتِبَ تقرير يبرِّئ هذا الإنسان، قال له: هذا لا يصح يجب أن أدفع الديَّة، فاستغرب الضابط وقال له: أول مرة أرى إنسانًا أخلِّصه فيرفض هذا قال له: لأن هذا خلاف الحق , دفع الدية وعيَّن أولاد المتوفى في المعمل، وعلى هذا يجب أن يكون المسلم. 4- كتمان الحق وظهور القلم: ((كِتْمَانُ شَهَاَدِة الْحَقِّ)) فكم مِن ضبوط تُكتب خلاف الواقع ؟ هذه مشكلة كبيرة جداً، وهذه من أشراط الساعة "كِتْمَانُ شَهَاَدِة الْحَق". ((بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ وَفُشُوَّ التِّجَارَةِ حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ وَشَهَادَةَ الزُّورِ وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ وَظُهُورَ الْقَلَمِ)) فظهور القلم يعني انتشار الكتابة حتى تقل الأمية في الناس. ( أخرجه أحمد عن ابن مسعود في المسند) 9- الفن الساقط الذي أفسد أخلاق الأمة وقيمها: تجد امرأةً ساقطة تستيقظ في الساعة السابعة وتشرب القهوة , وبعد قليل تستمع إليها في برنامج إذاعي ( فمالنا وقصة حياتها ؟! ) فكثير مِن الفنانين والفنانات الذين سقطوا من منهج الله عزَّ وجل صاروا قدوة لكل الشباب، أخبارهم في المجلات، وفي اللقاءات، والمقابلات , هذا الفن الذي يفسد أخلاق الأمة و يحطم قيمها , هذا الفن الساقط الرخيص هو انحراف خطير، لكنّه مغطًّى بكلمة (فن)، وقد قالوا: الجنون فنون وهذا من أشراط الساعة. 10- ظهور نساء كاسيات عاريات في الأمة: من أشراطها أيضاً كما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)) ( أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح ) لو جمعنا أدباء الأمة على أن يصفوا أزياء النساء المعاصرة بكلمتين خفيفتين بليغتين جامعتين مانعتين لما أمكنهم أن يفعلوا ذلك، " كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ "، أي ترتدي المرأة ثياباً ضيقةً تصف حجم العضو كما هو، وكأن هذه المرأة تمشي في الطريق عاريةً لا ترتدي ثياباً , " نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ ", الثوب الضيِّق يظهر حجم كلِّ عضو في المرأة، خطوط جسمها، والثوب الرقيق يظهر ما تحته، وهذا الذي تفعله نساء اليوم , " نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ " مائلاتٌ إلى الزنا، مائلاتٌ إلى عرض مفاتنهن، مائلاتٌ إلى لفت نظر الشباب، مائلاتٌ إلى التحرُّش بالشباب " رؤوسهن كأسنمة البُخت المائلة " البُخت هي الجمال المائلة، هذا الذي يفعلن في شعورهن، كل زينتها للطريق و كل جمالها للعابرين في السبيل. إذاً يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)) (أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح ) وفي روايةٍ: " فالعنوهن لأنهن ملعونات " , اللعن هنا هو البُعد عنهن، ابتعد عن أي مكانٍ و عمل فيه نساءٌ كاسياتٌ عاريات، وعن علاقةٍ اجتماعيةٍ فيها نساءٌ كاسياتٌ عاريات لأن النبي يقول:" فالعنوهن " أي ابتعدوا عنهن وليس الله يلعنها ، المعنى أدق من ذلك، (( فالعنوهن لأنهن ملعونات )) سائل يسأل: جاءني سؤال على نحوٍ سريع يقول: هل واجبنا أن نلعنهنّ، أم ندعو لهن ؟ العنهم وادعُ لهن لا يتناقضان، إذا ابتعدت عن هذه الأماكن , وعن هذه الطُرُقات، وعن هذه المجالس فقد لعنتهن، أما إذا دعوت لهن بالهداية هذا أطيب، اللهمَّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون , امرأة متفلتة فإذا اهتدت كان خيرًا لها ولغيرها، هناك آلاف النساء كنَّ متفلِّتاتٍ يكشفن عن كل مفاتنهن، فلما عرفن الله عزَّ وجل أصبحن نساء مؤمنات، طاهرات، عفيفات , لأن الله عزَّ وجل قال: ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ( سورة النساء الآية: 76) وقال: ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ( سورة يوسف الآية: 28 ) فالشيطان بما أوتي من قوةٍ، وجَلَبَةٍ، وأساليب ماكرة ضعيف، وهذه المرأة مع الرجل عندها كيدها عظيم ((لا يدخلن الجنة )) هؤلاء النساء الكاسيات العاريات، المائلات المميلات ((لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا )) مسيرة مئة عام، أي من هنا أرض الحجاز تمشي شهرين، فانظرْ إلى ريحٍ تستغرق مسيرة مائة عام إلى الجنة. أسباب فساد الإنسان المال والنساء: أقول لكم بصراحةٍ بالغة: هناك مأخذان خطيران يوقعان بالإنسان في الانحلال والهلاك، مأخذ المرأة ومأخذ المال، فينتهي دين الإنسان من غواية امرأة، أو ينتهي دين الإنسان من كسب مالٍ حرام، فحصِّنْ نفسك إذًا من امرأةٍ فاسقةٍ فاجرةٍ ومن مالٍ حرام، فمن غرائب الصدف أنّني سمعت مرةً في الأخبار عنْ فضيحتين: فضيحةٍ ماليةٍ ألصقت برئيس الكيان الصهيوني واستقال على أثرها، وفضيحةً أخلاقيةً ألصقت بوزير الدفاع في خبر واحد، معنى ذلك أنّ الإنسان مأخذه المرأة والمال، المؤمن القوي يحصِّن نفسه من هذين المأخذين، فما مِن إنسان يفضَح في العالم إلا بسرقةٍ أو بعلاقةٍ شائنة إلا ويقع في وادٍ سحيق. ينبغي على المؤمن أن يكون بعيداً عن موضع الشبهات والتهم حتى لا يكون حديث الناس: هناك ملاحظة أحب أن أضعها بين أيديكم نستخلصها من حديث صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا)) ( متفق عليه , أخرجهما البخاري ومسلم عن صفية بنت حيي ) أنت قد تكون طاهرًا ومَلَكًا، لا ينبغي أن تضع نفسك في موضع التُهْمَة ثم تلوم الناس إذا اتهموك، يعني لا ينبغي أن تخلو بامرأةٍ ولو كنتَ تعلِّمها القرآن، لأن الخلوة بامرأةٍ مظنَّة الفساد والفاحشة، لا ينبغي أن تمدَّ يدك إلى صندوق ليس لك ولو تريد أن تصرف مبلغًا من المال، فأنت في محل صديقك و فتحت الدرج وألقيت فيه خمسمئة ليرة وأخذت خمس قطع من ذوات المئة، قد يكون انتبه للذي أخذته وليس للذي وضعته، أنت وضعت نفسك موضع التُهْمة، فقد تكون أميناً وعفيفاً وتُلْصَق بك تهمة الخيانة المالية وتهمة الفساد الأخلاقي، لذلك لا تخلُوَنَّ بامرأةٍ ولو قلت: أعلّمها القرآن، ولا أنْ تأتي باب السلطان ولو قلت: آمره وأنهاه. الاستشهاد بأمثلة للتوضيح: فمثلاً سكن إنسان في بيت جديد، واضطر لسفرٍ طويلٍ ولا تقيم زوجتُه إلا في بيته، فأوصى أخاها أن يتفقدها من حينٍ إلى آخر، والجيران لا يعرفون إلا أن جارهم سافر، ورأوا شابًا يدخل إلى بيت الجارة من حين لآخر، قد يتوهَّمون أنه منحرف أخلاقياً والزوجة منحرفة فإذا هو أخوها، يجب أن تبيِّن، فالبيان يطرد الشيطان في كل حالاتك، بيِّن حساباتك، اكتب وثائق، اعمل عقودًا و أشهد شهودًا، لا تجعل القضية غائبة عن الوضوح، هذا فيما لو كنت بريئاً مالياً وأخلاقياً، فلابدَّ أن تبيِّن إذا كنت أميناً وعفيفاً، والأولى ألا يضع الإنسانُ نفسه موضع التهمة، ثم يلوم الناس إذا اتهموه. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الايمان, الاخر, باليوم |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| حقائق الايمان والاعجاز | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 33 | 07-25-2018 12:51 PM |
| [ذائقة نورانية] رسائل الايمان | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 33 | 11-10-2017 02:20 PM |
| ثمرات الايمان | الدنيا فناء | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 10-12-2016 08:24 PM |
| العالم يحتفل لأول مرة يوم 19 نوفمبر باليوم العالمى لدورات المياه | محمد العتابي | رِيَاض صَدَى المُجْتمَع و الْأخبَار الرِيَاضَيَة | 6 | 11-16-2013 02:53 PM |