| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#71 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الغيرةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من خصائص النفس البشرية : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع والستين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الغيرة، وقبل أن نمضيَ في الحديث عن هذه المنزلة, وعن خصائصها, وعن شروطها, لا بدَّ من مقدِّمة. الإنسان كجسم فيه أعضاء, وفيه أجهزة, وفيه حواس, وفيه نُسُج, وفيه هيكل عظمي، أما كنفس فيه خصائص، واللهُ عز وجل سوَّى هذه النفس وفق خصائص، وهذه الخصائص أولُ صفة فيها: أنها حيادي, يمكن أن تكون سُلَّمًا نرقى بها, أو دركات نهوي بها، هذه الخصائص حيادية, لأن الإنسان مخيَّر. نضرب لذلك مثلاً: من أدقِّ خصائص الإنسان: يتمنى أن يكون كالآخرين الناجحين في الحياة، سمِّها إن شئت غيرةً، سمِّها إن شئت حبَّ التنافس، سمِّها إن شئت حسداً، هذه الخصيصة تتمنى أن تكون كفلان، وتتألَّم إن لم تكن مثلَه، هذه حيادية، فلو وظَفتها في الخير رأيتَ إنساناً طالب علم شرعي، إنساناً يتقن كتاب الله، إنساناً ضبط نفسَه وحزَم أمورَه وله اطِّلاعٌ واسع، أجرى اللهُ على يديه أعمالا طيِبةً، فيه خصيصة تتمنى أن تكون مثلَه، فهذه الخصيصة وظَّفتها في الخير, فبعثتك إلى أن تنافسه، فتفوز بالجنة، هذا توظيفها في الخير, أما توظيفها في الشرِّ: ترى إنساناً معه مالٌ كثير أو له جاهٌ عريض فتنافسه على المال، تريد أن تكون مثله في الغِنى والفجور، الخصيصة نفسها وظَّفتها في الشرِّ، فبينما أن تكون هذه الخصيصةُ سُلَّما نرقى به أو دركاتٍ نهوي بها، فالخصيصة حيادية. ما المراد بمعنى هذا الحديث؟ : عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: ((سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ, وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)) فمعناه: أن الإنسان تمنى أن يكون عالماً, أو تمنى أن يكون غنيًّا منفِقاً, تمنى أن يكون عالماً عاملاً معلِّماً أو غنيًّا منفقاً، هذا شيء طيب، إذًا: باعثُ من البواعث التي تدفعك إلى نيل الخيرات في أعلى الدرجات في الدنيا والآخرة هذه الخصيصة، هي نفسها لو وجَّهتها إلى الدنيا فتمنَّيتَ أن تكون غنيًّا -لا سمح الله-, تمنى هذا الحاسد أن يكون غنياً فاجراً غارقاً في مُتع حسية أودت به إلى النار، فالخصيصة نفسها والسِّمة نفسها تقوده إلى الجنة أو تقوده إلى النار، إذاً: هي حيادية، وكلُّ سمات النفس، وكل خصائصها, وكلُّ فطرها, وكل جبلِّتها حيادية, تُوظَّف في الخير أو تُوظَّف في الشر. ما الغرض من هذا الكلام؟ : الإنسان يحبُّ أن يكون مهمًّا، مبرِّزا متفوِّقا، سمِّ هذا الميلَ تأكيدَ الشخصية، تأكيد الذات، الشعور بالأهمِّية، هذا الميل يمكن أن يُروى بالخير؛ تطلب العلم وتعلِّم العلم، تعمل الأعمالَ الصالحة فترقى، أو تؤكِّد الذات بإيذاء الآخرين وإرهابهم وإيقاع الأذى بهم كي يهابونك, أكَّدت ذاتك. أحياناً: لك قضية عند إنسان، إما أن يخلق لك العراقيلَ كي يشعرك أنك لا شيء أمامه ، أو أن يعاونك فتشعر أن هذا إنسان عظيم، إنسان طيِّب، في كلا الحالين يريد أن يلفتك إلى خطورته، وإلى أهمِّيته، إما عن طريق خدمتك، وإما عن طريق إيقاع الأذى بك، والميلُ واحد؛ ولكن هذا الميل يُوظَّف في الخير كما يوظَّف في الشرِّ، لأن الإنسان مخيَّر, كلُّ خصائصه ومفردات جبلِّته وتسوية نفسه -إن صحَّ التعبيرُ قال تعالى-: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 7] حيادي. هذه المقدِّمة من أجل أن أصل إلى منزلة الغيرة، هذه المنزلة كما قال مؤلَّف الكتاب: من منازل إياك نعبد وإياك نستعين، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 33] تحت أي باب يندرج هذين الحديثين؟ : وفي الصحيح: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ, فَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ فَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ)) طبعاً: أغير خبر –ما- التي تعمل عمل ليس، وما أحد أحب إليه المدح من الله, ومن أجل ذلك أثنى على نفسه. عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سـَعْدٍ!؟ وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي, وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ, وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ, وَلا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ, وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ)) فاللهُ يغار. من صفات كمال الإنسان : أضرب مثلاً: أبٌ يمشي في الطريق، رأى ثلاثة شباب، أحدهم ابنُه, والثاني ابنُ أخيه، والثالث لا يعرفه، والثلاثة يدخِّنون، بماذا يشعر هذا الأب؟ يشعر بمِرجلٍ اتجاه من؟ اتِّجاه ابنه؛ قد يضربه، وقد يعنِّفه، من شدَّة محبَّته له, ومن شدَّة حرصه على سلامته، ومن شدَّة غيرته عليه يعنِّفه، التعنيف لابن أخيه ينزل إلى الربع، لماذا يا عمِّي تدخِّن؟ ابنه أدَّبه وضربه، ابن أخيه كلمة، الثالث ولا كلمة، فهذا الانفعال وهذا الألم وهذا الصوت المرتفع وهذا الضرب أحياناً وهذا التعنيف بسبب المحبَّة والحرص، فلذلك الغيرة من صفات كمال الإنسان، فهذا الذي لا يغار ليس من بني البشر. من هو الديوث؟ : ومن هو الدَّيُّوث؟ قال: الذي لا يغار على عرضه ويرضى الفاحشة في أهله. لو برزتْ زوجتُه بأجمل زينة، ولو بدا معظمُ ما في جسمها من فتن، لا غيرة أبداً، لا يغار على أهله ويرضى الفاحشة فيهم، هذا ديوث، والديوث كما ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: لا يروح رائحة الجنة. وفي الصحيح أيضاً: من حديث أبي سلمة, عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)) لماذا يضرب الأب مثلاً في كثير من القضايا المتعلقة بالله عز وجل؟ : وبالمناسبة: قد يسأل أحدُكم: لماذا يضرب الأب مثلا في كثير من القضايا المتعلِّقة بالله عز وجل؟ لأن نظام الأبوَّة وحده يدلُّك على الله, أي هناك إنسان واحد يتمنَّى أن تكون خيراً منه هو الأب, هناك إنسان واحد قد يعمل ليلاً نهاراً من أجل ابنه. حدَّثني أخٌ عن إنسان يعمل عملاً شاقًّا جدًّا، نقل أكياس، ينوءُ بحملها، جاء الساعة الثامنة تماماً, وبدأ يعمل حتى الساعة الثامنة مساءً، المبلغ زهيد، فقال له صاحبُ العمل: أتعمل حتى الساعة الحادية عشرة وتأخذ خمساً وعشرين ليرة إضافية؟ قال: نعم، لماذا؟ عنده زوجة وأولاد، عمل يهُدُّ الجبالَ، بأجر زهيد جداً, لأن له زوجة وأولاد، وهذا المبلغ اليسير قد يأتي بخبز، وقد يأتي بفاكهة لأولاده وزوجته، هذا بطل عند الله عز وجل، وهو لماذا يعمل هذا العمل الشاقُّ؟ من شدَّة حبِّه لأهله وأولاده، من أجل أن يفرحهم بفاكهة وبطعام، يجهد هذا الجهدَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ)) فإذا وجد ابنَه مثلاً يعمل عملاً يسيء إلى سمعته، أو إلى صحَّته, أو إلى مستقبله، يتألَّم الأب، وهذا الألمُ هو الغيرة، هو الذي يدفعك إلى أن تؤدِّب ابنَك، نظام الأبوَّة يدلُّ على الله رحمة وعلماً. هذه غيرة الله عز وجل : فالعبدُ حينما يعصي اللهَ يغار اللهُ. وبصراحة: وإذا كنت جالساً في غرفة الجلوس مرتاحاً أيام الشِّتاء على مقعد وثير, وقد أتيت البيتَ وأنت في غاية التعب، وما إن استرخيتَ على هذا المقعد الوثير والمدفأةُ مشتعلةٌ حتى استرختْ أعضاؤك, فرأيت ابنك الصغيرَ يقترب نحو المدفأة وهو يجهل ما سيكون، هل هناك أبٌ في الأرض يبقى جالساً؟ لو كان منهكاً من التعب إلا ويقفز من مجلسه ليمنع ابنَه من أن تحترق يدُه بالمدفأة، ما هو التفسير؟ غيرة, وأساس الغيرة الحبُّ والرحمة, إذًا: الغيرة مظهر سلوكي ينطلق من حبٍّ ورحمة، فإن الله يغار، عبدٌ يشرب الخمرَ، اتركه لجهنم، أعوذ بالله، عبد يزني، اترُكه لجهنم، أو شعوب ضالَّة مضلَّة فسق وفجور, وبلد سياحي جميل, وجبال خضراء، وطعام طيِّب, ومناظر جميلة، وتجارة رائجة، وكلُّ شيء ميسور, وكل الموبقات موجودة, وكل الأشياء القذرة موجودة، لا يحدث مع الشعب شيء إلى يوم القيامة إلى جهنم كله، لا؛ هناك زلزال، وهناك شحُّ المياه، هناك قحط, وهناك ضيق في الأرزاق، حتى يعودوا إلى الله عز وجل، وهذه غيرة الله عز وجل. لماذا حرم الله الفواحش؟ : أضرب مثلاً: حفرة عميقة جداً, وترى طفلاً أعمى يمشي باتِّجاه الحفرة، تبقى ساكتاً وهو ليس ابنَك؟ مستحيل، هذه الغيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 33] ولماذا حرَّم الفواحش؟ لأنه يغار، والفواحش طريقٌ إلى النار، ولو أنه أباحها وانتهت بصاحبها إلى النار, أين غيرةُ الله عز وجل؟ ولأنه يغار حرَّم الفواحش، ولأنه يغار يسوق لعباده بعض المصائب، ولأنه يغار يغضب من عبد أتى ما حُرِّم عليه, لأنه حرم نفسَه هذه السعادة. من صفات المؤمنين : وفي الصحيح أيضاً: عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ َعلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ!؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) إنسان لا مبالٍ, كلُّ شيء يراه من أهله لا يأبه له, تخرج زوجتُه إلى الشُّرفة بالثياب الفاضحة لتنشر الغسيل, والشرفة على الطريق العام, تراه مرتاحاً ولا يغار، لا يخجل من الله أن تظهر امرأتُه بهذا الشكل أمام الرجال، فالغيرةُ من صفات المؤمنين. عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ: ((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ َعلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ!؟ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ, وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) ما الذي يغضبك؟ : أخواننا الكرام, هناك غضب شريف، وهناك غضب يُعدّ نقيصة في الإنسان، المؤمن يغار إذا انتُهكت حرماتُ الله، ولا يثور لأكل, أما قضية الأكل تأخَّر، لآنية كُسِرت، لزوجة غابت عند أهلها فترة أطول، هذا هيِّن ليِّن، يألف ويؤلف، أمور الدنيا لا شأن لها عنده، أما أمور الآخرة، هي الزوجة تشعر ما الذي يغضب زوجها؟ إن أغضبته الدنيا سقط من عينها، وإن أغضبته الآخرة عظُم في عينيها، ولا يوجد إنسان لا يغضب، والغضب ضروري، لكن ما الذي يغضبك؟ يغضبك أن الأولاد ناموا ولم يأكلوا؟ أم يغضبك أنهم ناموا ولم يصلُّوا؟ أول تسأله: كتبوا وظائفهم, قلَّما تجد أبًا يقول: هل صلوا العشاء؟ كتبوا وظائفهم وتعشَّوا, الحمد لله والصلاة!! أين قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه الآية: 132] قد يكون صاحب محلٍّ تجاري وعنده موظَّف، إذا تأخَّر ربعَ ساعة يقيم عليه النكير، الظهر والعصر والمغرب ما صلاها أين الدين؟ مرتاح, ولا يشعر بغيرة الموظف، وأمانة في عنقك، أفلا توجِّهه؟ ولأن الله يغار حرَّم الفواحش، ولأنه يغار ساق المصائب، ولأنه يغار أدَّب عبادَه، ولأنه يغار ساق لهم ما يرجعهم إلى الله عز وجل . مما يدخل في الغيرة : قال: ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 45] قال بعضُ العلماء: أتدرون ما هذا الحجاب؟ قال: هذا حجاب الغيرة فلا أحدَ أغيرُ من الله، إن الله تعالى لم يجعل الكفارَ أهلاً لفهم كلامه, ولا أهلاً لمعرفته وتوحيده ومحبَّته، جعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجاباً مستوراً عن العيون، غيرةً عليه أن ينالَه من ليس أهلا له. لا ترض إذا كان عندك سبيكة ذهب -كيلو - قيمتها خمسمائة ألف، أن تجدها في القمامة، تقيم النكيرَ, وقد تجد قطعةً ثمينة في المطبخ مهملة, أو غير منظَّفة, أو غير ملمَّعة، أو ليست في مكانها الصحيح تغار، وإذا الشيء مُهان وهو ثمين تغار، وكلُّ إنسان في بيته أشياء ثمينة، إن رآها مهملةً أو غير معتنى بها يتألَّم، هذه قطعة ثمينة, مكانها في غرفة الضيوف، الأولى أن تكون نظيفةً وملمَّعة وموضوعة بشكل يلفت النظر، لذلك الله عز وجل جعل هذا الحجابَ المستور بين الفجار والكفار وبين أنبيائه ورسله وكتابه وأسمائه. أنواع الغيرة : 1- غيرة من الشيء : قال: والغيرة نوعان: غيرة من الشيء وغيرة على الشيء, فالغيرة من الشيء كراهةُ مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، طفل آخذٌ أعلى مكانة من والديه، فإذا أنجبت أمُّه طفلاً آخر تبدأ الغيرةُ والطفل يريد أن يستأثر بأمِّه، وهناك أزواج يشكون من غيرة زوجاتهم, لو لم تكن زوجاتُهم بهذه الغيرة لتألَّموا ألماً شديداً، من شدَّة محبَّتها لك تسألك: أين كنت؟ طبعاً الغيرة لها حدٌّ طبيعي سوي، ولها حدُّ مَرَضي, الحدُّ المرضي لا يُحتمل. مثلاً: رجل صالح مؤمن مستقيم معروف مكشوف، له أصدقاء صالحون، تسأله: أين كنت؟ عند أصدقائنا، تعيد الكرَّة: معك واحدة؟ هناك مثل هذه الحالات، وهذه الحالات غيرُ معقولة, هذه اسمُها غيرةٌ مرضية، تتوهَّم أن زوجها ينحرف وهو أنقى من ماء السماء، لأنه تأخَّر عن البيت فقط، غيرة بحدِّها المعتدل ممتازة وجيِّدة وضرورية وحيادية، وسُلَّمٌ نرقى به، أو دركات نهوي بها، لأنه يغار جعل هذا الحجاب بينه وبين عباده العصاة، لأن هذا الشيء الثمين ليس لهم، لذلك قالوا: من حدَّث بالحكمة لغير أهلها فقد ظلمها، ومن منعها أهلَها فقد ظلمهم. من البلاء : مرة قال لي طالبٌ في التعليم، وهو ضعيف في اللغة: الناس وصلوا إلى القمر، ونحن لا زلنا في الفاعل والمفعول, بعيد جداً أن أجيبه إجابة جادة، قلت له: هذه المادة بلاء من الله، وهو يسخر من هذه المادة، ويسخر من لغة أمته، ويسخر من لغة وطنه، وليس هناك أمة إلا وتفتخر بلغتها، فهو يرى أن هذه المادة لا حاجة لنا بها، يجب أن تُلغى، لأنها صعبة، فقلتُ له : هذه بلاء من الله، تحمَّلْ، لأنه يسخر، فهو ليس أهلاً أن تجيبه إجابة جادَّة. متى يكون القرآن الكريم محجوب عن العبد؟ : يقال: مرة أحد كبار فلاسفة البريطانيين -برنارد شو- في حفل جلست إلى جانبه امرأةٌ حسناء، وهو كان دميماً جدًّا، فقالت: لو تزوَّجتَني فأنجبنا ولداً, يجمع بين ذكائك وجمالي, وكان ذكيًّا جدًّا، قال: وإذا كان العكس، فجمع بين غباءك ودمامتي، فالنقطة دقيقة جداً، فاللهُ عز وجل إذا الإنسان لم يكن مستقيماً, ولم يكن طاهراً, القرآن محجوب عنه, هناك دليل أقوى، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 82] ودليل أقوى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [سورة فصلت الآية: 44] القرآن، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سورة فصلت الآية: 44] تجد إنسان مستواه هابط جداً، هذا ليس أهلاً أن تعطيَه الحق، الحق لأهله، وله أهل. شرح الحديث : وبالمناسبة: إذا وجدتَ إنساناً معدنه طيِّب، كما قال عليه الصلاة والسلام .... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقِهُوا, وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً, وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] معدن هذا الإنسان طيِّب, وفيه حياء, وفيه أدب, وفي قلبه رحمة، ولو كان غير ملتزم، احرص على هدايته، أما إنسان وقِح متجهِّم, لا يستحي من الله, تعليقاته لاذعة جداً، هذا انصرِف عنه أشرف لك، لا تضع الحمكةَ في غير أهلها، ومن وضعها في غير أهلها كمن يقلِّد الخنازيرَ عقودَ الماس، عقد الماس قيمته ثمانون أو تسعون ألف ووضعه على خنزير، هذا العقد ليس لهذا الحيوان. واحد قدَّم لحمار زهرة فلَّةً, فأكلها الحمارُ, فكان تعليقُ أحدهم: أن الحمار هو الذي أعطاه إياها ليشُمَّها فأكلها، والفلة ليست له، الفلَّة تُشمُّ من إنسان. تتمة الكلام على الغيرة من الشيء : الغيرةُ نوعان: غيرةٌ من الشيء وغيرة على الشيء، فالغيرة من الشيء: كراهةُ مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، هذه صفة مذمومة, طبعاً الدنيا محدودة، ففيها غيرة، وفيها تنافس، وفيها حسد, وفيها بغضاء، أما الآخرة مفتوحة للكلِّ، ولا يوجد إنسان ينافس إنساناً, والله ذو الفضل العظيم، ورحمة الله تسع كلَّ الناس. عندنا وظيفة واحدة مدير عام، وهناك مئتا موظَّف، هذا المدير العام نُقِل، تنافس على هذه الوظيفة الواحدة مئتا موظَّف, في الدنيا الفانية عند الله عز وجل, لو فرضًا مائة ألف مليار إنسان ارتقى إلى مرتبة الصدِّيقين تسعهم رحمةُ الله عز وجل، لا توجد غيرةٌ، ولا تنافس أخاك، رحمة الله واسعة، وفضله عميم، ورزقه وفير، فالغيرة من الشيء كراهةُ أن يزاحمك أحدٌ في محبوبك، والله للجميع، بل إن من صفات النبيِّ -عليه الصلاة والسلام-: أنه ما من أحد من أصحابه إلا وكان متأكِّداً أنه أقربُ الناس إليه. 2-الغيرة على الشيء : والغيرة على الشيء: هي شدَّة الحرص على المحبوب أن يفوز به غيرُك دونك، أن تغار عليه محبَّة بالغة له، أن تغار منه في أمور الآخرة محبوبة، وفي أمور الدنيا مذمومة، أن تغار من إنسان لأمر من أمور الآخرة غيرة محمودة، وأن تغار من إنسان لأمر دنيوي هذه غيرة مذمومة، أما أن تغار على إنسان فهذه صفةٌ محمودة دائما، حرص شديد. 3- غيرة العبد من نفسه على نفسه : الآن: والغيرة أيضاً نوعان: غيرة العبد من نفسه على نفسه، داخلية من إعراضه على إقباله، من صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة, من النفس الدنيَّة على النفس الشريفة، فهناك صفات مذمومة، فيغار من هذه الصفات أن تحتلَّ مكان الصفات العالية، دائماً المؤمن في قلق, يغار من نفسه على نفسه، فصار هناك شخصيتان: نفسٌ مقصِّرة ونفس متفوِّقة، يغار على نفسه المتفوِّقة من نفسه المتخلِّفة. 4- غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربِّه : والغيرة أيضاً نوعان: غيرة الحق تعالى على عبده وغيرة العبد لربِّه، أما أن يغار ربُّه جلَّ جلاله على عبده، فهي أن لا يكون للخلق عبداً، أنت لله، فإذا كنتَ لغيره يغار عليك، قال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه الآية: 41] أنت لله، فإذا كنت لغيره الله عز وجل يغار عليك، لذلك غيرة الله على عبده أن لا تكون للخلق عبداً، أما غيرة العبد لربِّه، هذه نوعان: غيرة من نفسه وغيرة من غيره، فالتي من نفسه أن لا يجعل شيئاً من أعماله وأقواله وأوقاته وأنفاسه لغير الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 162] والتي من غيره يغضب إذا انتُهِكت محارمُ الله عز وجل, والمؤمن يرتجف إذا انتهكت محارم الله عز وجل، امرأة مستورة تُهان أو شيخ وقور يُهان. هذه غيرة الأنبياء على البشرية : أيها الأخوة, الأنبياء والرسل من شدَّة غيرتهم على البشرية, كانوا يتألّمون أشدَّ الألم حينما لا يستجيب الناسُ لهم، قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [سورة طه الآية: 1-2] من شدة غيرته على الخلق كان يتألَّم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 1] كان منقبض الصدر، لأن أهل مكة منحرفون، وغارقون في الربا, والخمور, والزنا، ولا يعرفون اللهَ عز وجل، فكان في ضيق, فلما جاءه الوحيُ انشرح صدرُه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 1] فالأنبياء يغارون ويتألَمون أشدَّ الألم من أقوامهم حينما لا يستجيبون لهم. مثلاً: أمٌّ هيأتْ طعاماً نفيساً جداً، جاء ابنُها من المدرسة, فأكل أخشن طعام، جائع، تقول له: انتظر ربع ساعة تأكل أطيبَ الطعام لا يستجيب، أحياناً تذمُّه، وهذا حب ورحمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 38] من شدة غيرة الله علينا: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ [سورة التوبة الآية: 39] وما ذلك على الله بعزيز. متى يموت الإنسان على شعبة من النفاق؟ : أخواننا الكرام, ورد عن رسول الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ, مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما] والجهاد -كما هو مقرَّر عندنا- جهاد النفس والهوى، وهناك الجهاد الدعوي، والجهاد الدعوي مُتاح لكل مسلم، أن تجاهد الناس؛ أي أن تعلِّمهم القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 52] يخطر ببال أحدهم أن لا يقرب إنساناً ليهديه أو ينصحه، يقول: ادعهم وشأنهم فالناس لا خير فيهم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِذَا قَـالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ)) قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: لا أَدْرِي أَهْلَكَهُمْ. ما خطر بباله أن يتكلَّم كلمة حق في مجلس, وما خطر بباله أن يسمع شريطاً لإنسان، وما خطر بباله أن يدلَّ إنساناً على مسجد فيه درس علم، هذا الذي لا يحدِّث نفسه في كل حياته أن يدلَّ إنسانا على الله يموت منافقاً. ماذا تعني الغيرة؟ : حقيقة الإيمان -أيها الأخوة-: ما إن تستقر في القلب حتى تعبِّر عن ذاتها بذاتها، بحركة نحو الخلف، لا يوجد إنسانٌ مؤمن منسحِب من الحياة, إنسان مؤمن متقوقِع، إنسان مؤمن سلبي، إنساني مؤمن بعيد عن هدي الآخرين, يقول: الناس ليس فيهم خير، الانسحاب وعدم الاهتمام بالآخرين, هذا يدلُّ على النفاق. من مات ولم يحدث نفسه بالغزو -ولحد الأدنى- ولم يحدث نفسه بالغزو. والجهاد كما ذُكِر: جهاد النفس والهوى أولاً، وثانياً: الجهاد الدعوي، ثالثاً: جهاد قتالي . وإذا الجهاد القتالي اليوم غير متاح الآن, فالجهاد الدعوي ميسر لكل الناس، سمعت خطبةً انقلها للآخرين، سمعت درس علم، سمعت تفسير آية، سمعت قصَّة عن صحابي، سمعت حكماً شرعياً، سمعت طُرفةً عن عالم جليل تهزُّ المشاعر انقلها للآخرين, فهذا الذي لا يغار على عباد الله يموت منافقاً، فالغيرة من صفات الله عز وجل، ومن صفات الأنبياء والرسل، ومن صفات المؤمنين، والغيرة يعني الرحمة, والغيرة يعني الحبَّ، والغيرة يعني الحرص، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 128] هذه غيرة المؤمن على وقته : بقي موضوعٌ في الغيرة: أن المؤمن عنده حرصٌ بالغ على وقته, يغار أن يضيع وقتُه سدى، يغار أن تفوته طاعةٌ، يغار أن يمضي اليومُ دون أن يُرزق عملاً صالحاً يرقى به عند الله، هذه غيرة المؤمن, فلذلك الوقتُ أثمن عنده من كل شيء، لأنه هو وقت، وما الإنسان إلا بضعة أيام, كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#72 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الفراسةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من أين أخذت منزلة الفراسة؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الفراسة. لا تنسوا -أيها الأخوة- أن كل هذه المنازل إنما هي مستنبطة من كتاب الله، ومما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالفراسة مأخوذةٌ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 75] فقال مجاهدٌ -رحمه الله-: أي للمتفرسين. وقال ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مقاتل: للمتفكرين. المتوسمين، المتفرسين، الناظرين، المعتبرين، المتفكرين، فالتفكر، والاعتبار، والنظر، والفراسة من صفات المؤمن. هذا ما يكافىء الله به المؤمن : وقبل أن نمضي في الحديث عن تفاصيل هذه المنزلة، لا بد من أن أشير إلى أن المؤمن حينما آمن بالله، وحينما اصطلح معه، وحينما استقام على أمره، وحينما عمل الصالحات تقرُّباً إليه، مـاذا يكافئه الله على هذا في الدنيا؟. يكافئه بأن يملأ قلبه أمناً ورضى، يكافئه بأن يملأ قلبه سعادةً وسروراً، يكافئه بأن يُيَسر أموره ويدافع عنه، يكافئه بأن يحفظه ويتولى أمره. آية لعلها في سورة محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 11] فهل شيء قليل أن يكون الله مولاك؟ كل شيء بيده، علمه مطلق، غناه مطلق، قدرته مطلقة، هو وليُّك: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 11] وازن بين طفلين؛ طفل له أب، عالم، مربٍ، مقتدر، يرعى خلقه، ويرعى جسمه، ويرعى دينه، ويرعى علمه، ويرعى نفسه، ويرعى حياته الاجتماعية، فالطفل مهذب، متفوق، أنيق، نظيف، مضبوط، وبين طفلٍ آخر لا أب له يرشده، فالطفل شريد، كلامه بذيء، ينام في الطرقات، منحرف الأخلاق, هذا الطفل له أب، وله مرجع، وله تربية، وهذا الطفل بلا أب، بلا مرجع، بلا تربية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 11] فأنت حينما تصطلح مع الله، وحينما تقبل عليه، بماذا يكافئك؟ يكافئك بوعودٍ قطعها على نفسه، يكافئك أن ينصرك، أن يقرِّبك، أن يحفظك، أن يوفِّقك، أن ييسر لك أمورك، يكافئك بأن يملأ قلبك غنىً، يملأ قلبك أمناً، سعادةً، رضىً، هذه النِعَم التي هي في الدنيا يجعلها الله عز وجل متصلةً بنعم الآخرة، هذه مكافأة الله لك، يلهمك رشدك، يسدد خطاك، يعطيك رؤيةً، الآن وصلت إلى محور الدرس، يعطيك فراسةً. إنسان يتدمر برؤية خاطئة بإنسان خدعه، إنسان يتدمر بزوجة تشقيه، بشريك مزعج، يتدمر بورطة كبيرة، يهلك بسوء نظر، فالمؤمن محصَّن من أن يهلك برؤيةٍ ضبابية، أو بموقفٍ مرتجل، أو بورطةٍ لا طاقة له بها، الله عز وجل يكرمه فيعطيه هذه الفراسة, هذا الإدراك العميق الذي يتميز به عن بقية الناس، المؤمن إنسان متميز يرى ما لا يراه الآخرون ، ويسمع ما لا يسمع الآخرون، ويشعر بما لا يشعر الآخرون. هذه هي الفراسة : من فترة قريبة وجد رجل جامع أموال، أرقامه فلكية، وأرباحه خيالية, وثق به الناس, ووضعوا بين يديه أموالهم, إلا أن بعض المؤمنين انقبضت نفوسهم، فسحبوا أموالهم، بعد حين كان هذا الجامع لأموال الناس محتالاً، فضاعت الأموال كلها، إلا لفئةٍ قليلةٍ بالفراسة استرجعت أموالها في الوقت المناسب, هذه مكافأة من الله عز وجل. قصص كثيرة، صفقة تبدو لك وكأنك ستصبح بسببها غنياً، الفراسة قد ترشدك إلى انقباض، هذا الانقباض سبب حفظ مالك أحياناً، في مكافأة من الله للمؤمن هي هذه الفراسة، الفراسة ثابتة بالكتاب والسنة، تعرفها العوام وتقول: الحر قلبه دليله, عندك قدرة على كشف الحقيقة بشكل متميز، هذه القدرة هي الفراسة، إنسان مخادع تحس بانقباض، إنسان طيب تثق به، إنسان بريء تحس ببراءته، إنسان مخادع تقول: ما اطمأننت له, بالرغم من أن كلامه مقنع، كلامه رائع، مؤيد بكل الأدلة ومع هذا لم ترتح له، هذه هي الفراسة. الفراسة كشفت حقيقة هذا المخادع، الفراسة كشفت براءة هذا البريء، فهذه الفراسة جزء من إكرام الله للمؤمن، جزء من ثمرات الإيمان، جزء من الثواب الذي يعود عليك من عملك الصالح: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 75] للمتفرسين، للناظرين، للمعتبرين، للمتفكرين. من الشيء الثابت : في شيء آخر: أيها الأخوة, الله عز وجل يقول: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] هذه آية أوضح: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية:30] فكم إنسان خدع إنساناً؟ وكم إنسان احتال على إنسان؟ وكم إنسان دمر إنساناً؟. يعطيك من طرف اللسان حلاوةً ويروغ منـك كما يروغ الثعلب فالمؤمن محصن من أن يكون ضحية خديعةٍ، أو ضحية مراوغةٍ، أو ضحية احتيال، الله عز وجل يعطيه فراسة، وهذا الشيء ثابت. قف هنا : علماء الحديث أحياناً: يقعون على حديث سنده صحيح، ومتنه متماسك، يقول: هذا الحديث ليس فيه رائحة النبوة، صنَّفه العلماء حديث معلل، أي فيه علة باطنة، المتن صحيح، والسند صحيح، إلا أن عالم الحديث لفراسته, شعر أن هذا الحديث لا تفوح منه رائحة النبوة، قال لك: هذا الحديث ما قبلته, هذه فراسة. الفراسة للمؤمن وحده، وغير المؤمن لا فراسة له؛ له حماقة، وله تورط، وله إيهام، المؤمن له فراسة، والقول الذي يتردد على كل الألسنة: اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله. هذا القول رواه الإمام الترمذي من حديث أبي سعيدٍ الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) [أخرجه الترمذي في سننه] وله زيادة: وينطق بتوفيق الله. إذن: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] كيف يكشف الله المنافق؟ : إنسان دخل المسجد, ليبحث عن رجلٍ صالح, يعطيه أمانةً كبيرةً قبل أن يذهب إلى الحج، لفت نظره إنسان يصلي بخشوع، ويغمض عينيه، ويطيل الركوع والسجود، أعجبته صلاته، قال له بعد أن انتهى من الصلاة: والله أنا أريد أن أضع عندك أمانة، أنا ذاهب إلى الحج وقد أعجبتني صلاتك، وتوسمت فيك الخير, قال له: وأنا أيضاً صائم يا سيدي, قال له: والله ما أعجبني صيامك: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] دائماً: الإنسان له فلتات لسان، هذه الفلتات تكشف عن حقيقته، تكشف عن خبثه أحياناً، تكشف عن دناءته دون أن يشعر، المنافق الله عز وجل يكشفه بهذا الكاشف من فلتات اللسان: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 30] لكن الله سترهم، لو نشاء لرأيت النفاق عليهم ظاهراً، ولكن سترناهم لعلهم يعودون إلى الله، لكنك يا محمد لتعرفنَّهم بسيماهم: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] تجد وجهه لا ترتاح له، فيه مشكلة، ما في براءة، المؤمن نوره في وجهه، ضوء وجهه بريء، فيه طهر، فيه بساطة، والحقيقة: الوجه مرآة النفس، فنفسك تنعكس على وجهك، لذلك الوجه هي وجه ذات، الخبث يظهر في الوجه، والطيب يظهر في الوجه، والمخادعة تظهر في الوجه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد الآية: 30] أنواع اللحن : فالأول: فراسة النظر والعين، والثاني: فراسة الأذن والسمع، واللحن ضربان؛ صوابٌ وخطأ، فلحن الصواب نوعان: أحدهما الفطنة ومنه الحديث: ((وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ . -أيضاً: الفصاحة الزائدة، والتشدُّق بالألفاظ والتقعر، وأن تأتي بشواهد، وأن تحفظ الشعر، هذا يبطن شيئاً، قد لا يرضي، فيه تصنُّع وتكلُّف، والنفس تكره التصنع والتكلف، والكلام البسيط أشد تأثيراً ووقعاً في النفس. فقال: اللحن ضربان؛ صوابٌ وخطأ، الصواب نوعان: أحدهما الفطنة, ومنه الحديث-: لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. -ذكي ويستخدم ذكاءه شبكةً يوقع بها خصومه، فطنته خبيثة، والثاني التعريض والإشارة وهو قريبٌ من الكناية. بالمناسبة: أناسٌ كثيرون يتكئون على فتوى لعالم، أنا أقول لهم: هل من عالمٍ أعظم من رسول، من سيد الخلق, وحبيب الحق، ومن أوحى الله إليه، ومن أيَّده بالمعجزات، ومن جعله في قمة البشر؟ ومع ذلك: لو استطعت أن تستنبط أو أن تنتزع من فمه الشريف حكماً لصالحك ، ولم تكن محقاً في دعواك، لا تنجو من عذاب الله، وهذا الحديث شاهد-: وَلَعـَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا)) فأنا أطمئن كل واحد معه فتوى من عالم بأن لا يرتاح لأنها لا تنفعه، لا تجديه فتوى عالم ولا تنفعه يوم القيامة، لا ينفعه إلا أن يكون مخلصاً لله عز وجل. ((وَلَعـَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلا يَأْخُذْهَا)) فالكياسة والذكاء والفطنة، طلاقة اللسان هذا من لحن القول، وفساد المنطق في الإعراب أيضاً من لحن القول. من فلتات اللسان : وبالمناسبة: اللحن في اللغة هو الخطأ في الإعراب، ولحن أمام النبي -عليه الصلاة والسلام- أحدهم, فقال عيله الصلاة والسلام: ((ارشدوا أخاكم فإنه قد ضل)) ممكن أن يضاف إلى هذا فلتات اللسان، كتعبير أحدهم عن نفسيته بكلمة قد تأتي عرضاً، مدح رجل أحدهم وهو لا يحبه، فقال له بيتاً قاله الإمام الشافعي: أحب الصالحين ولسـتَ منهم لعلي أن أنـال بهم شـفاعة وأكره من بضاعته المعاصي ولـو كنا سواء في البضاعة أحب الصالحين ولستَ منهم، هو يقصد أحب الصالحين ولستُ منهم، قال له: ولستَ منهم, فهذه من فلتات اللسان، بغضه ظهر، عبر عن نفسيته. أثناء الحديث بين الناس تسمع كلمات تظن أنها خطأ، هي ليست خطأً، خرجت لتعبِّر عن حالةٍ نفسية. ما قيل عن الفراسة : قال عليه الصلاة والسلام: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله)) العلماء قالوا: لعل حقيقة الفراسة أن الله عز وجل يقذف نوراً في قلب عبده المؤمن، فيرى بهذا النور الحق حقاً والباطل باطلاً، يكشف الخبايا، نور يخترق، فالمنافق مخترَق من قبل المؤمن، مكشوف، وهذه كرامةٌ للمؤمن أن يخترِق الإنسان ظواهر الناس. وكان عليه الصلاة والسلام يحترس من الناس, ويحذرهم من غير أن يطوي بشره عن أحد. وقال بعضهم: الفراسة فوق أنها نور يقذف في القلب، خاطرٌ يهجم على القلب ينفي ما يتراءى للإنسان في ظاهر الأمر. بالظاهر إنسان بريء, لكن يأتي خاطر يهجم على القلب, يثب على القلب كوثب الأسد على فريسته. وقال بعض العلماء وكان حادَّ الفراسة، لا يخطئ من يقول: من غض بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعَمَرَ باطنه بالمراقبة، وظـاهره باتباع السنة، وتعوَّد أكل الحلال، لم تخطئ فراسته. وقال بعض العلماء: الفراسة أول خاطرٍ بلا معارض، فإن عارضه معارض آخر من جنسه, فهو حديث نفس وليس فراسةً, بلا معارض. أحد العلماء يقول: الفراسة لا تكون إلا من غرس الإيمان -ليس هناك فراسة دون إيمان أبداً, شبه الإيمان بالغرس, لأنه يزداد وينمو ويزكو على السُقيا، ويأتي أُكُلَه كل حينٍ بإذن ربه، أصله ثابتٌ في الأرض وفرعه في السماء-, فمن غرس الإيمان في أرض قلبه الطيبة الزاكية، وسقى تلك الغراس بماء الإخلاص والصدق والمتابعة، كان من بعض ثمره الفراسة. فالفراسة رؤية عميقة، قلما تقع بورطة، قلما تقع ضحية خديعة، عندك فراسة. من أفرس الناس عند ابن مسعود؟ : ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: أفرس الناس ثلاثة؛ العزيز في يوسف، إذ قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [سورة يوسف الآية: 21] وهم لا يشعرون، وابنة شعيب حين قالت لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص الآية: 26] وسيدنا أبو بكر في عمر -رضي الله عنهما- حينما استخلفه -فراسته- قيل له: يا أبا بكر، يا خليفة رسول الله, أتولي علينا أشدنا، ألا تخاف الله؟ فبكى وقال: لو أن ربي سألني لقلت له: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به, فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب. فراسة. أفضل إنسان بعده سيدنا عمر، وامرأة فرعون وهي صديقة كما قال عليه الصلاة والسلام: ((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ)) ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 9] هذه أربع فراسات وردت في كتاب الله. وكان الصديق -رضي الله عنه- أعظم الأمة فراسةً، وبعده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ووقائع فراسته مشهورة، فإنه ما قال لشيءٍ أظنه كذا إلا كان كما قال، ويكفي في فراسته موافقته ربه في المواضع معروفة, أي أنه له عدة رؤى واجتهادات جاء الوحي بها، حتى هناك كتاب اسمه: موافقات سيدنا عمر، له رؤى واجتهادات الوحي نزل باجتهادات عمر رضي الله عنه، فكان من أعظم أصحاب رسول الله فراسةً. ينبغي أن تعلم : فمن عصى الله من أجل إنسان وأرضاه، هذا الذي أرضيته وأسخطت الله عز وجل، لا بدّ من أن يسخط الله عليك ويُسخط عليك هذا الإنسان، وإذا أغضبت إنساناً في طاعة الله, لا بدَّ من أن يرضى الله عنك وأن يُرضي عنك هذا الإنسان، فهذه الكلمة: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً. ماذا عن موضوع الحفظ؟ : فموضوع الحفظ: الله عز وجل يقول في محكم كتابه: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] الإنسان أحياناً يسافر، فأثناء سفره هل يضمن أن ابنه خرج من البيت، وسيارة طائشة أصابته بحادث, أيضمن حدوث خلل بالبيت؟ ارتعب الأهل, دخل غريب الدار, مرض الأهل والولد, أما المؤمن إذا أزمع السفر يدعو بهذا الدعاء: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما] بهذا الدعاء تحس أعصابك تخدرت، الله خليفتك بالبيت، يحفظ أهلك وأولادك ومالك وكل شيء، وترى أدلة، ترى كيف أن الله عز وجل حفظ لك ولدك من حادث خطير, نجا بأعجوبة، هذا حفظ الله عز وجل. قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] لكن ما عند الله لن تناله إلا إذا اتبعت منهجه، حفظ المال بتأدية الزكاة، حفظ الجوارح بطاعة الله، عينٌ تغض عن محارم الله، عين تبكي من خشية الله، ترثها لا ترثك، في فرق بين أن ترثها وأن ترثك . وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا, وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا . فالإنسان المؤمن ما دام لسانه ينطق بالحق، وبصره ينظر إلى آيات الله لا إلى عورات المسلمين، وسمعه يستمع به الحق، ما دام المسلم هكذا, أغلب الظن: أن الله سبحانه وتعالى يحفظ له هذه الجوارح، أي أن في حالة اسمها: حالة الأمن، المؤمن يشعر بأن الله سبحانه وتعالى لن يضيّعه, هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 81-82] إذن: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] أحياناً الأب عنده حرصٌ على ابنه لا حدود له، لكن لو حصل خلل بالخلايا الداخلية، ونمت هذه الخلايا نمواً عشوائياً، الأب ماذا بيده أن يفعل؟ بيده أن يتألم فقط، أما الإله كل شيء بيده: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] فالذي يحفظ هو الله عز وجل. ما الذي يشد العبد إلى الدين؟ : أقسم لي بالله رجل يقود سيارته في طريق طويل، وسرعته عالية، ونام وهو يقود السيارة، ورأى مناماً، واستيقظ في الوقت المناسب قبل أن يقوم بحادث مروع مدمِّر، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟. تلاحظ: أن من حكمة ربنا عز وجل أنه أحياناً من اعتمد على ذاته، من اتكل على نفسه، من اعتمد على ذكائه، على ماله، على معارفه، على أصدقائه، على اتصالاته، مثل هذا الإنسان على أتفه الأسباب يدمر، وربُنا عز وجل حينما يدمره على أتفه الأسـباب يجعله عبرة للناس. ((ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها, إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته, إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأرسخت الهوى من تحت قدميه, وما من عبد يطيعني, إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني)) لذلك: أقوى شيء يشدك إلى الدين معاملة الله لك، بعد أن تصطلح معه، تشعر بعنايته، وتوفيقه، وإلهامه، وتسديده، وحفظه, وتأييده, ونصره، في إلهام، فالله عز وجل يلهمك أن لا تسافر، لأن بالسفر هلاك، أحياناً تنشأ حوادث ضخمة، قبل يوم من الاجتياح سحب كل ماله وجاء به إلى بلده، من اليوم الثاني فقد كل ماله، يوم واحد من ألهمك؟ الله عز وجل: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً﴾ [سورة يوسف الآية: 64] كلمة خير حافظاً: أي إن اعتمدت على ذكائك، أو على عقلك، أو على مالك، أو على أتباعك، أو على جماعتك، أو على صلاتك، أو على أشخاص أقوياء، أو على تخطيطك، أو على تدبيرك لا ينفعك: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 64] هذه عاقبة المؤمن : كفار قريش أليست معارضتهم لرسول الله هدفها الحفاظ على ما هم فيه؟. -فبشكل واقعي ودعك من القيل والقال- زعماء قريش حينما عارضوا النبي، وكفروا به، وكادوا له، وأخرجوه، وحاربوه، واضطهدوا أصحابه، أليس من أجل أن يحافظوا على مكانتهم في مكة، وعلى زعامتهم، وعلى أموالهم، وعلى شأنهم في الجزيرة؟ فما الذي حصل؟. دمروا، وقتلوا، ومزقوا، وشردوا، من الذي انتصر عليهم؟ رسول الله وأصحابه، الذين اتبعوه، هذا شيء متكرر دائماً يؤكده قوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 128] الأمور تدور وتدور وتدور، لا تستقر إلا على تكريم المؤمن وحفظه: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 128] الحقيقة: كلمة حفيظ لها معنيان؛ المعنى الأول: حفيظ بمعنى عليم، الله لا ينسى، حفيظ لا ينسى, كل أعمالك، كل أقوالك، كل مواقفك، كل عطاءاتك، كل منعك، كل الصراعات التي في ذهنك، كل ما أنت فيه محفوظٌ عند الله عز وجل. من أمثلة الفراسة : أيها الأخوة الكرام, من أمثلة الفراسة التي كان سيدنا عمر متفوقاً بها: أنه مر به سواد بن قارب ولم يكن يعرفه، فقال سيدنا عمر: لقد أخطأ ظني، أو أن هذا كاهن، أو كان يعرف الكهانة في الجاهلية -رجل لا يعرفه-, فلما جلس بين يديه, قال له عمر ذلك: هل أنت كاهن أو تعرف الكهانة؟. قال: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما استقبلت أحداً من جلسائك بمثل ما استقبلتني به - لماذا اخترتني بالذات؟ لماذا قلت لي: هل أنت كاهن؟-. فقال له عمر -رضي الله عنه-: ما كنا عليه في الجاهلية أعظم من ذلك، ولكن أخبرني عما سألتك عنه. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، كنت كاهناً في الجاهلية. ثم ذكر القصة. انظر هذا القول للعلماء : العلماء قالوا: أصل هذا النوع من الفراسة من الحياة والنور الذين يهبها الله عز وجل لمن يشاء من عباده، فيحيا القلب بذلك، قلبٌ حيّ وفيه نور فلا تكاد فراسته تخطئ، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] آية واضحة، قلبه كان ميتاً فأصبح حياً، وفي هذا القلب نور يمشي به في الناس: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية:122] كان ميتاً بالكفر والجهل، فأحياه الله بالإيمان والعلم، وفي بعض الأدعية التي أفتتح بها بعض الخطب: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. فالآية مصداق ذلك: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] والقرآن هو النور، يستضئ به في الناس على قصد السبيل، ويمشي به في الظُلَم. ما هي الأشياء الثلاثة التي تتعلق بفراسة المتفرس؟ : العلماء قالوا: فراسة المتفرِّس تتعلق بثلاثة أشياء؛ تتعلق بعينه، وبأذنه، وقلبه، فعينه للسيماء والعلامات، وأذنه للكلام والتصاريح، والتعريض، والمنطوق، والمفهوم، وفحوى الكلام، وإشارات الكلام، ولحن الكلام، وإيماء الكلام، وقلبه للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه، فيعبر إلى ما وراء ظاهره، كعبور النقَّاد من ظاهر النقش والسِكَّة إلى باطن النقد والاطلاع عليه هل هو صحيحٌ؟. في فراسة بالعين، في فراسة بالأذن، بالعين سيماء، علامة، حركة، حركة غير معقولة ، بالأذن لحن القول، كلام منمَّق، مديح غير معقول، في وراءه قصد. واقعة : مرة إنسان وسطني أن أقنع جهة أن تقبل تبرُّع أرض لمسجد، ما كان يخطر في بالي على الإطلاق: أن يتبرع إنسان بأرض لمسجد لمصلحة مادية محضة، في أراضي غير منظمة, فإذا تبرع بمسجد تنظم هذه الأراضي، وترتفع أسعارها إلى أرقامٍ عاليةٍ جداً، هو يجني أرباحاً طائلة من تقديم أرضٍ لبناء مسجد، من يعرف ذلك؟ لو ذكرت هذا لآلاف الأشخاص يكبرون هذا العمل, ولكن الله عز وجل يعلم الحقيقة، فالإنسان حينما يكون مع الله عز وجل, أحد ثمرات هذا القرب من الله: أنه يجعل له نوراً يمشي به في الناس. قصة : الإنسان ولا سيما القاضي يميِّز بين الصادق والكاذب، الخبراء أحياناً بكل قضية فيها مشكلة في تحكيم، من عنده فراسة يكشف الحقيقة بشكل سريع. إنسان رافق قافلة في الصحراء, معه مبلغ كبير من الذهب، افتقد المبلغ، فجاء شيخ القافلة وحدثه بالقصة، فجاء شيخ القافلة بخيمة ووضع بها حمار، وأمر أتباعه أن يدخلوا لهذه الخيمة, وأن يمسكوا ذيل الحمار، وأوهمهم أن السارق إذا أمسك ذيل الحمار ينهق الحمار، وأجبرهم، في الحقيقة الحمار ما نهق. ولكن بعد أن دخلوا وخرجوا، قال: مدوا أيديكم, وضع بذيل الحمار نعنع له رائحة عبقة، فشم أيديهم، أحدهم لم يظهر على يده أثر النعنع، قال: أنت الذي أخذت المبلغ، هو خاف، صدق هذا الكلام، فلم يمسك بذيله في الخيمة، فكُشِف. في أيام أشياء معضلة، الله عز وجل يلهم القاضي أو المحقق فيكشفها، هذه من الفطنة. للفراسة سببان هما؟ : فقالوا: للفراسة سببان؛ أحدهما جودة ذهن المتفرِّس، وحدة قلبه, وحسن فطنته. أي أنه قضية ملكات عالية جداً، وفي قصص كثيرة كيف إنسان عرف الحقيقة بسبب تافه؟. امرأتان جاءتا إلى قاضٍ، تدعي كل منهما أن هذا الولد ابنها، فقال: أقسموه نصفين وأعطوا كل امرأة نصف, فالأم الحقيقية قالت: لا هو لها, لأنها شعرت بعطفٍ عليه، فعرف أمه الحقيقية من أمه الكاذبة. فالفراسة تحتاج إلى حدة ذهن، وإلى جودة، وإلى حدة قلب، وحسن فطنة. والشيء الثاني: ظهور علامات خفية، وأدلة على المتفرس فيه. فإذا اجتمع السببان؛ حدة ذهنٍ، وعلامات خفية، ظهرت على وجه المتفرَّس به، تكاد الفراسة لا تخطئ، أما إذا كانت واحدة, تخطئ وتصيب، أما إن لم يكن هذا ولا ذاك قلما تصيب الفراسه، أي ذهن محدود وعلامات غير موجودة، فالفراسة ليس لها معنى. قال: إياس بن معاوية من أعظم الناس فراسةً، وله وقائع مشهورة. والإمام الشافعي أيضاً كان له فراسة رائعة جداً، وإنه له فيها تآليف. نهاية المطاف : أيها الأخوة, عودٌ على بدء: الفراسة أحد ثمار الإيمان، والحياة فيها مطبَّات كثيرة جداً، فيها أشخاص مخادعون، فيها أشخاص خبثاء، في أشخاص لهم مظهر حسن، ومخبر سيِّء، فمن أجل أن تنجو من ورطات، من إشكالات، من احتيالات، الله عز وجل كرَّم المؤمن بفراسةٍ تكاد لا تخطئ: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله)) وهذه الفراسة جزء من النور الذي يقذفه الله في القلب، والآية الكريمة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 122] هذا النور هو الفراسة، فأنت تختار أحسن الناس، وأحسن الأصدقاء، وأفضل الزوجات بهذه الفراسة الصادقة، فتعرف الطرف الآخر إما بعينك من علامات خفية، أو من لحن القول ، أو بحدة ذهنك, تستنبط من هذه العلامات حُكم، أو بنورٍ يقذف في قلبك كما قلت قبل قليل يكشف لك الحقيقة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#73 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السر -1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الواحد و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. منزلة اليوم : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الواحد والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم منزلة السر, الله عز وجل يقول: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [سورة الإسراء الآية: 25] هنــاك أناس أتقياء، أخفياء، أولياء، يعلم الله طيب سرائرهم، ويعلم الله إخلاصهم، ويعلم الله عن همتهم العالية كل شيء، لذلك خصهم بشيء، هؤلاء ليس لهم وجود قوي، ولا سمعة متألقة، إن حضروا لم يُعرفوا، وإن غابوا لم يُفتقدوا, هذه منزلة، ولعل هذه المنزلة تغطي كل إنسان في التعتيم، لا أحد ينتبه له، لا أحد يأبه له، لعله في الدرجة الدنيا الاجتماعية ، لعله في وظيفة بسيطة جداً، لعله يعيش على كفاف هؤلاء أصحاب منزلة رفيعة عند الله عز وجل، هذا الدين لكل الخلق قويهم وضعيفهم، من كان تحت الأضواء متألقاً، ومن كان في التعتيم, هذه المنزلة يختص بها ربنا عز وجل من يشاء، الانطلاق من هذه الآية: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [سورة الإسراء الآية: 25] ولقد قال عنهم بعض العلماء: أصحاب السر هم الأخفياء. بماذا خص أويس القرني؟ : هناك مصطلح نقول: نجـوم المجتمع، يعني بالعلم هناك أشخاص يُشار إليهم بالبنان، في التجارة، في الصناعة، في الزراعة, في القيادة، في العلم الجـامعي، في التأليف، هؤلاء يسمونهم أعلام المجتمع، ميول المجتمع، وهناك أشخاص لا أحد يعـرفهم، يعملون عملاً طيباً فيمـا بينهم وبين ربهم، لهم إخلاصهم، ولهم محبتهم، ولعل أصدق شاهد على ذلك: أويس القرني. النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إذا لقيتم أويس فاطلبوا منه الدعاء)) سيدنا عمر عشر سنوات يدعو أهل اليمن, لعل فيهم أويساً، في السنة العاشرة: سأل رئيس وفد اليمن: أبقي أحد من جماعتك؟ قال: لا لم يبق أحد، قال: أبداً؟ قال: راعي إبل وأجير قوم تركناه مع الإبل, فانطلق إليــه سيدنا عمر. رجل فقير, هذا أويس القرني، من يعرفه؟ لضآلة شأنه ترك مع الإبل، وكان تابعياً، وكان من أصحاب المقام الرفيع عند الله عز وجل . قصة ذكرتها مرات عديدة في دروس، وفي خطبة. هذا السر الذي خفي على أعداء الرسل : قال: هؤلاء الذين اتبعوا الرسل في ساعة الشدة، الذين صدقوا الرسل, وآثروا الله والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم، أودع الله في قلوبهم سراً من أسرار معرفته ومحتبـه والإيمان به، هذا السر خفي على أعداء الرسل، فنظروا إلى ظواهرهم. والآن: هناك شخص غني قوي؛ بيت، مكانة، مركبة، يلتقي صدفةً مع شخص, قد يكون حاجباً، قد يكون آذناً، قد يكون يبيع بضاعة على الطريق, يحتقره، يزدريه، لو علم ما في قلبه من أسرار، ومن إقبال, ومن إخلاص، ومن أشواق, لصغر هذا القوي الغني أمام هذا الفقير الضعيف. ليس كل إنسان فقير عنده سر، ما كل إنسان يبدو أنه أقل من طبيعي عنده سر، يجب أن يكون متصلاً بالله، مقيماً على أمره، مطيعاً له، مقبلاً عليه . ما هي المقاييس التي لم يعترف بها القرآن الكريم؟ : وأكبر شاهد: قال: أعداء الرسل, انظروا إلى أتباع الرسل فازدروهم, فقالوا: اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك، قالوا: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 53] فقال نوح -عليه الصلاة والسلام- لقومه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود الآية: 31] المقياس عند الله مقياس الطاعة لا مقياس الغنى، مقياس الإقبال لا مقياس القوة، مقياس الإخلاص لا مقياس الجمال، مقياس التوحيد لا مقياس الأتباع، هذه مقاييس دنيوية لم يعترف القرآن بها إطلاقاً. اجعل مقياسك مقياس القرآن : قال بعض العلماء: كلام سيدنا نوح: إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في بادئ الرأي وظاهره, فليس علي أن أطلع على ما في أنفسهم, فإذا رأيت من يوحد الله, علمت من ظاهره، ورددت علم باطنه إلى الله عز وجل, أنا لي أن أحكم بالظاهر. هذا الكلام -أيها الأخوة- من أجل أن لا تحتقر أحداً، قد تكون رفيع الشأن في الدنيا وعندك خادم، ومن يدري أن الخادم له عند الله مكانة تعلو على مكانتك؟ وقد تكون غنياً في الدنيا وعندك موظف بسيط يتقاضى أجراً محدوداً, ومن يدري أن يكون هذا الموظف البسيط له عند الله مكانة تسمو على مكانتك؟ لا تزدري أحداً، لا تنظر إلى الناس بمقياس المال، هذا مقياس شيطاني، ولا تنظر إلى الناس بمقياس الجمال, هذا مقياس شيطاني . كان قصير القامة، أسمر اللون، مائل الذقن، غائر العينين, ناتئ الوجنتين، ضيق المنكبيـن، أحنف الرجل، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه, إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف, لا يسألونـه لمَ غضـب؟ اجعل مقياسك مقياس القرآن, قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 132] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة المجادلة الآية: 11] هذا هو المقياس: العلم والعمل، ولا تعبأ بمقياس آخر. إليك هذا الاستنباط في هذه الآية : هناك استنباط رائع، حينما قال: ﴿الله يعلم ما في أنفسهم﴾ إذ أهلهم لمرتبة عليا في الدين. يعني لماذا أسمع الله زيداً الحق، ولماذا أبقى عبيداً خارج الحق؟ لأن الله يعلم بما في نفوس العباد, في نفس هذا الإنسان طلب للحق، في نفس هذا الإنسان حب لله، في نفس هذا الإنسان شوق إلى الحقيقة، في نفس هذا الإنسان رغبة أن يكون كاملاً، لذلك ييسر الله عز وجل طريق معرفته. نقطة مهمة : يعني نقطة دقيقة جداً: لك موقف، هذا الموقف سبب عطاء الله لك, الله عز وجل يعلم بما في نفس الإنسان, فيعطيه ما يتناسب مع ما في نفسه. إنسان طالب للحقيقة, لا بد من أن يجمعه الله مع أهل الحق، إنسان طالب للإيمان العالي، لا بد من أن يجمعه الله مع أهل الإيمان العالي، لذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 53] ترى أخوين من أب وأم، من بيئة واحدة، من معطيات واحدة, من ظروف واحدة، أخ همه المال، أخ همه معرفة الله، الأخ الذي همه معرفة الله ييسر له الله أن يطلب العلم، وأن يرقى في مدارج السالكين, وأن يجري على يديه أعظم الأعمال، والثاني ييسر له المال الوفير, قال تعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 20] اطلب أنت، أي طلب تطلبه بصدق يحققه لك, يمد هؤلاء إن صدقوا فيما طلبوا من عطائه، ويمد هؤلاء إن صدقوا في طلبهم من عطائه: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ الإنسان إذا أراد الله تراه يبحث عن علم، عن عمل صالح، عن فهم لكتاب الله، عن فهم لسنة رسول الله، يبحث عن طريق للدعوة إلى الله, يبحث عن شيء يقربه إلى الله، يحب المؤمنين، يكره الفسقة والكافرين, ولاؤه للمؤمنين، براءته من أهل الفجور والمعصية, هذا الإنسان تيسر له سبل الإيمان، وسبل التقوى، وسبل الرقي، وسبل العمل الصالح, هؤلاء من أصحاب السر، الذين علم الله ما في قلوبهم, فأهلهم لمرتبة تتناسب مع طلبهم . أنت كأب عندك أولاد عدة، ابن همه مظهره، ابن همه دراسته, الذي يهمه دراسته لا يبالي كثيراً بمظهره، أحياناً يعتذر من سهرة ممتعة عنده مذاكرة في اليوم التالي، يعتذر عن نزهة رائعة عنده فحص، أحياناً يعتذر من صديق عنده مذاكرة، يقرأ الكتاب، يقرأ كتاباً آخر، يسأل, يناقش, يكتب، يلخص, الابن الثاني همه مظهره؛ عطورات، وألبسة، وتنزه في الطرقات، وسهرات, هذا بواد وهذا بواد, فإذا علم الله عز وجل سر الذي يطلب الحقيقة، ويطلب مرضاة الله عز وجل أهله، ورفع مقامه، ودله على طريق الخير، وأجرى على يديه كل خير، هذا هو السر. مشكلة : أيها الأخوة, هناك مشكلة: أهل الدنيا يستنبطون من دنياهم العريضة: أن الله يحبهم لذلك يزدرون كل مـن حرم الدنيا، الآية واضحة: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 53] هؤلاء هم الأتقياء الأخفياء، أنت لك سر، هذا السر يطلع الله عليه بحسب ما في هذا السر من محبة لله، وإخلاص, ونقاء، وصفاء، وطيب, يؤهلك الله عز وجل إلى مقام يتناسب مع هذا السر، أما من كان له دنيا عريضة، وسره لا يرضي الله عز وجل، هذا محجوب عن الله بدنياه. يُروى أن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال له ابنه: يا أبت أنت هاهنا والناس يتنازعون في الإمارة، فقال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي . هناك إنسان يحب أن يكون تحت الأضواء، يحب الشهـرة، يحب أن يكـون عالياً في الأرض، وهذه مشكلة، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 83] إنسان يُدعى إلى عقد قران، إن لم يكن في الصف الأول ينقم أشد النقمة. فمرةً قلت: ليتنا نبني صالة فيها صف واحد، طولها خمسة كيلو مترات، هذه مشكلة كبيرة، إذا لم يكن في أول صف, معناه مكانته ليست معروفة في هذا المجلس. كلمة دقيقة : كلمة دقيقة أقولها لكم: هل تصدقون: أن سيد الخلق قاطبة دخل أعرابي إلى مجلسه, فقال: أيكم محمد؟. من منكم محمد؟ ماذا نستنبط؟ ليس له مكان معين أبداً، كان واحداً من أخوانه، واحداً من أصحابه, هكذا علمنا النبي. قال: تيامنوا، بكل شيء باليمين. اجلس حيث ينتهي بك المجلس. عالم من علماء الشام الكبار، بل هو سيد علماء الشام، أين كان يجلس؟ في طرف غرفته، أخوانه يجلسون في الصدر، وهو جالس في طرف الغرفة, تواضعاً لله عز وجل. قيم جديدة، هالة كبيرة جداً، وتعظيم، ومراتب, كراسٍ، وهيئة، وأبهة، وعظمة، هذه ليست من الدين في شيء. وقد ورد في صحيح مسلم: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له, لو أقسم على الله لأبره)) كم طبقة لفئة الأتقياء؟ : الحقيقة: هؤلاء الأتقياء الأنقياء على طبقتين، قال: الطبقة الأولى: طائفة علت هممهم، وصفت مقاصدهم، وصح سلوكهم، حتى سبقوا السائرين, فلم يوقف لهم على رسم، ولم ينسب إلى اسم، ولم يُشر إليهم بالأصابع, يريد الظل، يريد أن لا يعرفه أحد . الآن: في أشخاص كثيرون يفعلون أجل الأعمال ولا ينطقون بكلمة, يعملون بصمت، ولكن والله قلوبهم مفعمة بمحبة الله، قلوبهم عامرة بذكر الله، هؤلاء أخلصوا. قال: هؤلاء لهم ثلاث صفات إيجاب، وثلاث صفات سلب، ثلاث صفات ثبوتية، وثلاث صفات سلبية، هؤلاء الأتقياء الأنقياء أصحاب السر الذين علم الله ما في قلوبهم . من خصائص الأتقياء الأخفياء : 1-علو هممهم : الصفة الأولى: علو هممهم، أهل الدنيا يميلون إلى الدعة، يخمدون إلى الأرض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 38] هؤلاء الأتقياء الأخفياء, أصحاب همم عالية، لا يفترون عن العمل الصالح، ليلهم ذكر، ونهارهم ذكر، وعملهم خدمة، ومتواضعون, يبذلون من وقتهم، وجهدهم، وأموالهم الشيء الكثير. قال: هؤلاء هممهم عالية، علو همتهم لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه, ولا ترضى بغيره بدلاً، ولا تبيع حظها من الله، وقربه، والأنس به, والفرح, والسرور, والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الدنيوية الفانية، هؤلاء أولى صفاتهم علو هممهم، الله عز وجل يبارك لهم في وقتهم، في وقت قليل يفعلون الشيء الكثير، يبارك لهم في أموالهم ، بمال قليل ينتفعون منه الشيء الكثير، يبارك لهم في زوجاتهم، تأتيهم زوجات على شاكلتهم ، معهم على طريق الإيمان، يبارك لهم في أولادهم، أولادهم عون لهم في الإيمان. أول علامة: علو الهمة، هذا الكسول يميل للاسترخاء، والراحة, والتأجيل، يقول: ما عندي متسع من الوقت، جسمي له حق، أريد إراحته، لا توقظني من النوم، هذا وقت متأخر اعذرني، قولوا: ليس في الدار, الانسحاب من العمل الصالح سهل، ولكن مع الانسحاب من العمل الصالح هناك انسحاب من رحمة الله. 2-صفاء القصد : العلامة الثانية: صفاء القصد، يعني قصدهم خال من الشوائب, قصدهم مجرد من حظوظ الدنيا، والقصد له آفتان؛ الآفة الأولى: أن يشترك في هذا القصد عمل للدنيا وعمل للآخرة، والآفة الثانية: أن يكون لغير الله, أن يكون مع قصده لله قصد آخر، أو أن يكـون لغير الله. يعني خلوص القصد من كل إرادة, تزاحم مراد الله عز وجل، بل يصير القصد مجرداً لمراده الديني الأمري فقط، وعلامته انبذاج حظ العبد في حق الرب تعالى, صار ميلك وفق ما جاء به القرآن، حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به . 3-صحة السلوك : العلامة الثالثة: صحة السلوك، في انضباط، يقف عند الحلال والحرام، تجده حيث أمر الله، تفتقده حيث نهى الله عز وجل، فسلوكه سليم من الآفات والعوائق والقواطع والحجب، وإنما يصح هذا السلوك بثلاثة أشياء: أحدها: أن يكون على الدرب الأعظم درب محمد صلى الله عليه وسلم، عمله وفق السنة, لا بدع، لا خرافات، لا إضافات، لا حذف من السنة، عمله وفق السنة، هذه أول صفة صحة السلوك . الصفـة الثانية: أن لا يجـب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة، وهو في الطريـق إلى الله هناك مغريات، وسماها العلماء صوارف، يعني جلسة، نزهة، دعة، استرخاء، إهمال, العمل الصالح هو على السنة ولا يستجيب لأي صارخ، ودائماً ينظر إلى مقصودة. إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، هذه الأشياء الثلاثة يصح بها السلوك. الأتقياء الأخفياء أول خصائصهم الهمة العالية، وثاني خصائصهم صفاء قصدهم، وثالث خصائصهم صحة سلوكهم، هؤلاء أتقياء أخفياء، ودعك من الأضواء والشهرة وما إلى ذلك, من هو أشهر مخلوق؟ إبليس, ليست الشهرة مقياساً أبداً، المقياس أن تكون على منهج الله. قف هنا : أيها الأخوة, من تمام إحسان الرب إلى عبده وتعريفه قدر نعمته: أن أراه النفس التي كانت حاكمة عليه، قاهراً لها، مقهور مغلوبة. الآن: كل واحد من عامة الناس عبد لنفسه، يفعل ما تشتهيه نفسه، يتحرك بأمر هواه، مقهور لها، يعني أعلى مرتبة لهؤلاء الأتقياء الأخفياء أصحاب السر أنهم قهروا أنفسهم, إن اتبـاع الهوى هـوان: يا خجلتي من عـتاب ربــي إذا قال لي أسرفت يا فلان إلى متى أنت في المعاصــي تسير مرخى لك العنـان؟ عندي لك الصــلح وهو بري وعندك الســيف والسنان ترضى بأن تنقضي الليالــي وما انقـضت حربك العوان فاسـتحي من كتـاب كريـم يُحصى به الـعقل واللسان واسـتحي من شــيبة تراها في النار مـسـجورة تهان أيها الأخوة, من تمام إحسان الرب إلى عبده لهؤلاء الأتقياء الأصفياء الأخفياء: أن يزيل من قلبه آفة الركون إلى نفسه، أو عمله، أو حاله، لو كان حاله متألقاً، ولو كان عمله عظيماً، ولو كانت نفسه طاهرة، لا يركن إلا إلى الله، دائماً يتهم نفسه, في الطـريق مزالق، أحد هذه المزالق: أن تعجبه نفسه بعمل صالح قام به، فتألق فاكتفى به، صار يمدح نفسه، يكيل المديح لنفسه بغير حساب. من إكرام الرب إلى عبده: أن يزيل عن قلبه آفة الركون إلى نفسه أو عمله أو حاله، كما قيل: إن ركنت إلى العلم أنساكه الله، -يغيب عنك العلم-، أو ركنت إلى الحال سلبه منك، أو ركنت إلى المعرفة حُجبت عنك، إن ركنت إلى قلبك أُفسد قلبك، فلا يركن العبد إلى شيء سوى الله البتة، ومتى وجد في قلبه ركون إلى غير الله عز وجل, فليعلم أنه قد أحيل على مفلس. لا تركن لا إلى قلبك، ولا إلى مالك، ولا إلى معرفتك، ولا إلى حالك، اركن إلى الله وحده . من أعظم الضر الحجاب عن الله عز وجل : أيها الأخوة, من أعظم الضر الحجاب عن الله عز وجل، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] يعني أكبر مصاب أن يصاب به الإنسان في الدنيا: أن يكون عن الله محجوباً, بيت فخم، مكانة عالية, دخل كبير، أولاد، زوجة، ولكن عن الله محجوب . الصلة بالله واحد، والمال صفر، الزوجة صفر، الأولاد صفر، التجارة صفر، الصحة صفر، الوسامة صفر، الذكاء صفر, اسحب الاتصال بالله، هذا الواحد، أنت أمام أصفار. قال: من أعظم الضر حجاب القلب عن الرب، وهو أعظم عذاباً من الحجيم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] فالعـارف قلبه غير محجوب، بل يعيش في نور ظفره بإقبال قلبه على الله عز وجل، وجمع همه عليه وفنائه بمراده، فصار واجداً لما أكثر الخلق فاقداً له، لقد لبس قلبه نور ذلك الوجود، حتى فاض على لسانه وجوارحه وحركاته وسكناته. غداً إن شاء الله : أيها الأخوة, الدرس القادم إن شاء الله، أتصور أنه درس مهم جداً، هو ما الذي يحجبك عن الله عز وجل؟ . هناك عشرة أشياء تحجب الإنسان عن الله عز وجل، ولأن الحجاب عن الله أكبر عقاب يُعاقب به الإنسان في الدنيا والآخرة، يكون محجوباً عن الله عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#74 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السر -2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. قضية الحجاب من أخطر قضايا الإيمان : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها والتي بدأتها في الدرس الماضي هي منزلة السر؛ أي أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما تنطوي عليه نفوس عباده, فيحلهم بالمكان الذي يليق بهم، وقد انتهى الدرس الماضي إلى موضوع الحجب التي تحجب الإنسان عن الله عز وجل، ولا تنسوا أن أشد عقاب يعاقب به الإنسان يوم القيامة أن يحجب عن الله، والذي يحجب عن الله يوم القيامة محجوب عنه في الدنيا, فالمحجوب في الدنيا هو محجوب في الآخرة، ما الذي يحجبك عن الله عز وجل؟: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] ما من مصيبة تصيب الإنسان في الدنيا كأن يكون محجوباً عن الله, لو فقد ماله كله وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، لو فقد أعز شيء يملكه وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، لو فقد شيئاً من صحته أو بعض صحته وكان موصولاً هو الرابح الأكبر، أما إذا ملك الدنيا بحذافيرها وكان محجوباً عن الله هو الخاسر الأكبر، وبشكل موجز إجمالي: المعصية تحجبك عن الله، ومتى حجب الإنسان عن الله, أصبحت التكاليف عبئاً عليه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [سورة النساء الآية: 142] حضور الدرس عبء عليه، العمل الصالح عبء عليه، غض بصره عبء عليه، ضبط لسانه عبء عليه، التكاليف التي كلفنا بها تصبح على المحجوب أثقل من الجبال، أما حينما تكون موصولاً, تصبح الأعمال التي لا يقوى عليها معظم الناس هينة سهلة للمؤمن، الشيء العجيب: تقوى همته، فتخضع له الجبال، يكبر ولا ترى كبره, فيصغر أمامه كل عظيم، وحينما يحجب عن الله يصغر الإنسان ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، الموصول يكبر ولا ترى كبره، فيضؤل أمامه كل عظيم، حتى في التضحيات، حتى في بذل الأموال، حتى في ركوب المخاطر، يصغر أمامه كل عظيم، والإنسان حينما يحجب عن الله يصغر: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام الآية: 124] ولا ترى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير، لذلك قالوا: واحد كألف وألف كأف، واحد يفعل المستحيل، وواحد لا يقوى على بذل القليل, قضية الحجاب من أخطر قضايا الإيمان. ما ينبغي أن تحرص عليه : يا أيها الأخوة الكرام, معاناة المؤمن كل يوم من الحجاب، الحج بالعمر مرة، الصيام من عام إلى عام، الجمعة من أسبوع إلى أسبوع، أما الحجاب كل يوم، كل ساعة، كل لحظـة ، في مخالفة محجوب، في طاعة موصول، إذا في طاعة وأنت موصول يصغر أمامك كل عظيم, وإذا في معصية وأنت محجوب يعظم عليك كل حقير، حياة المؤمن عجيبة، فبينما هو يطاول السماء رفعة، هو يداني الحضيض ضعةً، إن كان موصول أو محجوب، يجب أن يكون حرصنا لا حدود له على أن نكون مع الله, ويجب أن نبتعد عن كل مخالفة تحجبنا عن الله, أن نبتعد عنها بعد الأرض عن السماء، ومن ذاق عرف، الإنسان إذا ذاق طعم القرب, يصعب عليه أن يضيع هذا القرب بمخالفة بسيطة. نقطة دقيقة : النقطة الدقيقة التي أحب أن تكون واضحة أمامكم هي: أن الإنسان إذا كان محجوباً لكبيرة ارتكبها، طبعاً الكبيرة تستدعي الحجاب، أما أن يحجب عن الله عز وجل، ويخسر كل ثمار الإيمـان لمخالفة بسيطة مقيم عليها، هذه خسارة كبيرة. لو فرضنا أن إنساناً يشنق لجريمة ارتكبها, هذا منطقي معقول، أما أن يشنق لكلمة قالها، وكان بإمكانه أن لا يقولها، هو خاسر خسارة كبيرة. ما هي الحجب التي تجب العبد عن الله؟ : 1-حجاب التعطيل : هذه مقدمة أيها الأخوة، أما التفصيل: الحجب التي تحجب عن الله عشرة، أخطر حجاب: حجاب التعطيل, ويقصد به المؤلف: حجاب الجهل، الجاهل عدو نفسه, الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، الجهل: إذا حجبت عنك حقائق الذات الإلهية، حقائق الأسماء والصفات، لا تعرف عن الله شيئاً، شيء طبيعي جداً أن ترتكب كل الموبقات وأنت مرتاح، لا تعلم من هو الله؟ ولماذا خلق الله الإنسان؟ وماذا بعد الموت؟ وماذا قبل الموت؟ وماذا في الحياة؟ وما الرسالة؟ وما السر؟ وما الهدف؟ الإنسان يحجبه عن الله جهله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزمر الآية: 9] إنسان يحمـل دكتوراه بالرياضيات، وإنسان لا يستطيع أن يجمع اثنين واثنين، هل يستويان؟ نأخذ الذي يحمل الدكتوراه بالرياضيات قيمته من قيمة علمه، فإن كان علمه متعلقاً بشيء دنيوي وإنسان يعرف الله، ما بين الذي يعرف الله ويعرف الرياضيات كما بين الله وخلقه، ألم يقل الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية:59] معناه في إنسان خبير بالله عز وجل: ﴿فاسأل به خبيراً﴾ يعلم عن الله شيئاً جيداً جداً، يعلم عن الله صفاته وأسماءه وكمالاته ووحدانيته, ويعلم عن الله عدله ورحمته ولطفه وقدرته وغناه وحكمته، فإذا كان الذي يعلم علماً أرضياً له أعلى مكانة في المجتمع, فكيف الذي يعرف الله عز وجل؟ لذلك هذا أول حجاب، من كان جاهلاً بالله، من كان غافلاً عن الله, لا يمكن أن يصل إليه بتة، أكبر حجاب هو الجهل، وأكبر كرامة هي العلم. من نعم الله العظمى : قرأت آية قرآنية كتبت على لوح ووضعت بصدر بيت فاقشعر جلدي منها: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 113] يعني إذا الله عــز وجل تفضل علينا: أن عرفنا بذاته، وعرفنا بمنهجه، وعرفنا برسوله، وعرفنا بدينه, فهذه نعمة عظيمة لا تعدلها نعمة على الإطلاق، لقول الله عز وجل: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة الآية: 11] الذي لا يعرف الله عز وجل يكون حجابه حرمان الخير الذي يأتيه من الاتصال بالله، إنسان لا يعرف الله يأكل مالاً حراماً، أو يغتصب مالاً ليس له لأيتام، أو يأخذ مال شريكه، أو يغش الناس غشاً يحصل منه أرباحاً طائلة، فحينما يأتي دور العقاب والتأديب، يكون سبب البطش به جهله. الجهل أعدى أعداء الإنسان : يروى أن غلاماً غمز أمير المؤمنين -سيدنا معاوية- وهو يصعد المنبر، كان حليماً، وكان ذكياً، قال: اذهب وخذ الرهن يا غلام، فغمز أميراً آخر فقطع رأسه, فقالوا: حلم معاوية قتل الغلام. يعني الإنسان جهله أحياناً هو الذي يهلكه: احفظ لســانك أيها الإنســان لا يلدغـنـك إنــــه ثـعبـان كم في المقابر من قتيل لسانــه كانت تهاب لقاءه الشجعـــــان فالجهل أعدا أعداء الإنسان. يعني إنسان أراد أن يظهر براعته بالقيادة, فداس على يدي كلب فقطعهما, -القصة ذكرتها لكم كثيراً- في الأسبوع الثاني قطعت يداه الاثنتان معاً من الرسغ، هذا لو كان يعلم أن الله سينتقم منه، لأنه قطع يدي كلب، ما كان يفعل هذا، ما الذي جعل يداه تقطعان، جهله بالله عز وجل. إنسان قد يأكل المال الحرام، فالحرام يذهب ويذهب معه أهله, ما الذي جعله يهلك؟ أكله المال الحرام، لماذا أكل المال الحرام؟ لأنه يجهل الواحد الديان. القضية دقيقة جداً؛ حينما لا تعرف الله، في الأعم الأغلب تعتدي على حقوق الآخرين، البلاد الإسلامية فيما أعلم طافحة باعتداءات لا حدود لها، اذهب إلى أي وزارة عدل، إلى أي محكمة، تجد آلاف الدعاوى، كلها احتيال، وكلها اغتصاب أموال، واغتصاب محلات, واغتصاب شركات، شيء لا ينتهي، هؤلاء جميعاً يجهلون أن الله سينتقم وسيحاسب، ثم يأتي التأديب فيسحقهم، إذاً: ما الذي جعلهم يدفعون هذا الثمن الباهظ؟ هو جهلهم بالله عز وجل. قصص كثيرة جداً، الجهل حجاب، الجهل يحملك على أن تعتدي, والعدوان له من الواحد الديان عقاب شديد، فالعقاب الشديد الذي ينزل بساحة إنسان اعتدى على أخيه هو عقاب عدوانه، والعدوان سببه الجهل بالله عز وجل، هذا أكبر حجاب.2-حجاب الشرك : قال: الحجاب الثاني: هو حجاب الشرك، يعني أن تعبد الله، وأن تعبد جهة أخرى غير الله، هذا حجاب الشرك، فأنت بين أنك تخاف من الله وتخاف من هذا الإنسان، بين أن ترجو رحمة الله وترجو رحمة الإنسان، فإذا تعارض أمر الله مع أمر هذا الإنسان، الإنسان محسوس الله لطيف، إذا أمرك جبار قوي بمعصية، بيده السلاح، وأشهره عليك, وقال لك: افعل، أنت ماذا ترى؟ ترى إنساناً بيده سلاح يهددك, أما قوة الإيمان تريك الله. سحرة فرعون حينما جاء بهم فرعون ليكيدوا لسيدنا موسى هم سحرة، ما إن رأوا عصى تصبح ثعباناً كبيراً يلتهم كل عصيهم: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 70 – 71] تصـور فرعون، فرعون الآن قصة، الآن فرعون خبر، أما فرعون في عصر فرعون، في حياة فرعون، يهدد بقطع الأيدي والأرجل: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه الآية: 72 – 73] هي تهديد من طاغية مخيف، يفعل ما يهدد به، ومن الإيمان بالله قوي إيمانهم. سيدنا موسى مع أصحابه، فرعون وراءهم، والبحر أمامهم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [سورة الشعراء الآية:61 – 62] فالحجاب الثاني حجاب الشرك، سحرة فرعون لم يروا إلا الله, سيدنا موسى لم ير إلا الله، سيدنا إبراهيم لم ير إلا الله، سيدنا يوسف: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [سورة يوسف الآية: 23] لم ير إلا الله، سيدنا محمد: ((والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر, ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)) إذاً: الإيمان يعطي قوة كبيرة جداً، الشرك هو حجاب يصرف الإنسان عن وعد الله ووعيده, فيقع ضحية وعد العبيد ووعيدهم، يطمع بوعد عبد، ويخاف من وعيد عبد، وينسى وعد الله ووعيده، هذا الشرك، فالجهل حجاب، والشرك حجاب. 3-حجاب البدع القولية : قال: هناك حجاب البدع القولية. في كلمات يقولها العوام دائماً عند الناس يعني بديهية، مثلاً: نحن عبيد إحسان لا عبيد امتحان، اللهم لا تمتحنا، كلمات، يا رب لا تسألنا عن شيء، هو يقول لك: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 92 - 93] تقول: أنت يا رب لا تسألنا عن شيء، هذه كلها بدع قولية. أحياناً الإنسان دون أن يشعر, يلاقي شخصاً منعماً، وشخصاً محروماً، وقد يكون المنعم فاجراً، وقد يكون المحروم مستقيماً، يقول بدعة قولية، الله عز وجل يطعم الحلاوة لمن ليس له أسنان، يعني الله غير حكيم، وهكذا كلمات لا تنتهي، إذا واحد رأى منكراً أمامه, يقول: دعهم اللهم سلامتي, إذا واحد اضطر أن ينافق مثلاً, يقول لك: من تزوج أمي هو عمي، هذه كلها بدع قولية، لا تعترض بتنطرد، كن حر التفكير، فكر واسأل، تراكمات عصور الانحطاط سببت بدعاً قولية لا أصل لها، أو أن إنساناً غارق بالمعصية ويقولون: قد يكون ولياً، إنسان متلبس بمعصية ولي لله عز وجل؟ أو إنسان يهمل نفسه إهمالاً شديداً، هذا ولي, هذا من أهل الخطوة، هذه كلها بدع قولية، هدفها أن تحدث اختلاف توازن، أو أن تقرأ بكتاب أن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- هذا كان أعلم علماء عصره، وترك كتاب الإحياء و و و ......، حينما توفاه الله عز وجل لم يدخل الجنة إلا بسبب: أن دودية وقفت على كلمة كتبها بالحبر, فجعلت تشرب من هذا الحبر, فانتظرها الغزالي حتى ارتوت، فدخل الجنة بهذه، كل أعمال الغزالي مهدورة لا قيمة لها، معقول هذا الكلام، هذه كلها بدع قولية، حجاب. إنسان يشرب الخمر، يقول لك: الله يعلم، كاسات معدودة بأماكن محدودة، مقدر عليه ذلك، أو يقول لك: الله خلقه كافر، قدر عليه الكفر, وسوف يدخله إلى النار إلى أبد الآبدين, أنت بهذا الكلام تحجب عن الله, ليس له ذنب، الله خلقه كافر، قدر عليه الكفر قبل أن يخلق، ثم جعل مصيره إلى النار، هذه بدعة قولية، تحجب الإنسان عن الله عز وجل, أو يقول لك مثلاً: ممكن أن تعبده طوال حياتك، ثم يجعلك في النار, ولا تستطيع أن تعترض، يمكن أن تعصيه طوال حياتك, ويكون مصيرك إلى الجنة؟ . في أشياء؛ إنسان أمضى طول حياته بالمعاصي والآثام، وهو على فراش الموت, قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ اقعد وصل واقرأ خمس مرات قل هو الله أحد، يغفر لك كل ذنب؟ أعمال بسيطة، وكلمات تقولها تلغي معاصي عمر، أو إنسان قد يعصي الله، وقد قدر الله له الجنة هكذا, أو يقول لك: الله عز وجل لا يجب عليه الأصلح، يفعل ما يشاء, وقد يتفنون في شرح هذه المعاني، لكن الله قال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود الآية: 56] الله عز وجل ألزم نفسه بالاستقامة، قال لك: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [سورة الزلزلة الآية: 7 - 8 ] قال لك: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ الآية: 17] يعني في آيات كثيرة جداً واضحة وضوح الشمس، فهذه البدع القولية تشكل حجاباً بين العبد وربه، هي كلمات شيطانية، حتى إن هناك أحاديث موضوعة تيئس الإنسان. كل الناس هلكة إلا العالمون والعالمون هلكة -أعوذ بالله-, قال: إلا العاملون -عالم عامل نفذ، لا-, قال: والعاملون هلكة, -معقول!- إلا المخلصون, -عالم عامل مخلص نفذ, قال: لا-, والمخلصون على خطر عظيم. هذا حديث وضعته الزنادقة من أجل التيئيس، ما في أمل، هذه كلها بدع قولية، إن في القضاء والقدر, وإن في بعض الأحاديث الموضوعة، أو كلمات عامية، أو كلمات أساسها القهر والخنوع الذي عاناه المسلمون في عصور الانحطاط، هذه كلها بدع؛ إما أن تنفي عن الله الحكمة أو: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال الآية: 25] يقول: البلاء يعم والرحمة خاصة، أعوذ بالله! هل الكل سواء؟ هذا كلام غير معقول, لأن الله يقول: ﴿وهل نجازي إلا الكفور﴾ الآية معروفة: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذاريات الآية:36] الله نجاهم وحدهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 88] فالبدع القولية كثيرة جداً، بعضها تفسير للقرآن غير صحيح: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 7 - 8] الله ألهمه الفجور، تفسير ما أنزل الله به من سلطان، الآية الكريمة عن النفس البشرية: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 16] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة السجدة الآية: 13] الله لا يريد أن يهدي الناس جميعاً، لكن يريد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين, تأويل خطأ لآيات، أو أحاديث موضوعة، أو كلمات عوام، أو أمثال شعبية، هذه البدع القولية هي حجاب بين العبد وربه. 4-حجاب البدع العملية : أو بدع عملية كالاختلاط، يقول: هذه مثل أختي، لا هي ليست أختك أبداً، هي مثل والدتي إن شاء الله، لا هي ليست والدتك, تقول: أنا لا أنظر بشهوة, يسهر سهرة للساعة الواحدة، ومزح، وغمز, ولمز، وقال: هو بريء, هذه بدع عملية، اختلاط، أو لا يدفع زكاة ماله, يقول: أنا لا أملك أموالاً طائلة، أو أنا قدرت، يضع ربع التقدير الحقيقي. يوجد عندنا بدع قولية، وبدع عملية، إما للتهرب من الزكاة، أو أن إنساناً يموت وهو تارك صلاة، يدفعون سقوط صلاة, مسألة سهلة. إذا كان واحد لا يصلي كل حياته، وغني ومعه مائة مليون, دفع مليوناً وارتاح من الصلاة. العريس يظهر أمام النساء الكاسيات العاريات في العرس، تُصور المدعوات بفيلم, والفيلم يتناقله الرجال من بيت لبيت، وكل رجل يرى مجموع النساء في هذا الحفل، وهن بأبهى زينة، هذه بدعة عملية. 5-حجاب أهل الكبائر الباطنة والظاهرة : ثم هناك حجاب أهل الكبائر الباطنة: الكبر، هذه كبيرة باطنة, الاعتداد بالنفس كبيرة باطنة، حب الذات كبيرة باطنة، التألي على الله كبيرة باطنة، توهم أنك على الحق وحدك كبيرة باطنة، توهم أن الجنة لك وحدك هذه كبيرة باطنة، كبائر باطنة خطيرة جداً، لأن الكبائر الظاهرة يتوب الإنسان منها، أما الباطنة تصبح جزءاً من كيانه، فالكبائر الباطنة كحجاب أهل الكبر والعجب والرياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها، ذلة قدم كبيرة عندما يقول: هذا عندي جائز، من أنت؟ أنت مشرع؟ نبي أنت؟ من أنت؟ ما معنى عندي؟: يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟ يقول: رأيي كذا، لك رأي مع الشرع أنت؟ أنت مشرع، أين الدليل؟ ما في إنسان بعد رسول الله يقول كلمة إلا يجب أن يأتي بالدليل, واحد بحياتنا هو سيدنا رسول الله, كلامه دليل فقط، ما سواه يفتقر كلامه إلى الدليل، فحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة. يعني عامل مسبح مختلط، مسبح يسبح به النساء والرجال, مقيم على الصغائر، اختلاط، وإطلاق بصر، ومصافحة، وغيبة, ونميمة، فهذه حجاب أهل الصغائر. 6-حجاب أهل المباحات : في عندنا حجاب أهل المباحات، التوسع في الدنيا، يمضي من حياته سنوات طويلة لإعداد شيء مريح له، لا يستمتع به سنة أحياناً ولا شهر. لنا أخ بنى بيتاً لرجل، وبقي سنتين يزينه بهدوء، يوم الخميس سيستقر بهذا البيت، الجمعة توفي, هذه المباحات، ما ارتكب صغيرة ولا كبيرة، ولكن المباحات وحدها هي تنهي عن ذكر الله عز وجل. خاتمة القول : هذه حجب كثيفة جداً تحول بين الإنسان وبين أن يقطف ثمار هذا الدين العظيم، إذا دعيت إلى طعام، صحون فخمة جداً، مع ملاعق، أدوات الطعام جيدة جداً، لكن لا طعام بالصحون، أتلبي الدعوة مرة ثانية؟ لا تلبيها، يعني مظاهر فارغة لا شيء فيها، أما إذا في طعام نفيس تلبي الدعوة ثانية، فإذا العبادات لا ثمرة يانعة منها يملها الإنسان, إذا لم يطبق الإنسان يمل من أي شيء. أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على هتك هذه الحجب، حجاب الجهل، حجاب الشرك، حجاب البدع القولية، حجاب البدع العملية, حجاب أهل الكبائر الباطنة، حجاب الكبائر الظاهرة، حجاب أهل الصغائر، حجاب الغارقين في التوسع في المباحات. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#75 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السر -3التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : (الثالث و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما سبق ذكره : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة التي نحن فيها منزلة السر، وقد مضى فيها درسان، ونصل إلى الموضوع الثالث في هذه المنزلة. في الدرس الأول بيَّنت: أن الله سبحانه لا تخفى عليه خافية، يعلم سر العبد، فإذا كان سرُّه ينطوي على حبٍّ لله عز وجل, وعلى إخلاص له, وعلى شوق إليه، وضعه في منزلة تليق بسره، فهو من أصحاب السر, وقد يكون من عامة الناس، لا يُشار إليه بالبنان، إذا حضر لم يُعرف وإذا غاب لم يُفتقد، ولعل هذه المنزلة تغطِّي كل هؤلاء الذين أخلصوا لله عز وجل، لكن شاءت حكمة الله أن يكونوا في مرتبة دنيا في السُّلم الاجتماعي. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ, مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ)) [أخرجه الترمذي في سننه] هذه هي العبرة : أيها الأخوة, هنا مكان الإشارة إلى موضوع دقيق، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] فالطائع لله عز وجل هو الكريم عند الله وقد يكون فقيراً، وقد جُعل بعض الأنبياء فقراء، فنبيُّنا -عليه الصلاة والسلام- أجير راعٍ, كان يرعى شياها على قراريط، وهل في الحياة الاجتماعية مرتبة أدنى من هذه المرتبة؛ وهو سيد الخلق, وحبيب الحق؟ أحد الأنبياء الكرام سجن، فإذا دخل مؤمن السجن مظلوماً, فله في هذا النبي أسوة حسنة. أحد الأنبياء الكرام كان عقيماً -سيدنا زكريا-, فإذا لم ينجب الإنسان, فله في هذا النبي أسوة حسنة. أحد الأنبياء كانت زوجته سيئة -سيدنا نوح وسيدنا لوط-, فمن كانت له زوجة سيئة وصبر عليها, فله بهذين النبيين أسوة حسنة. أحد الأنبياء كان أبوه كافراً، من كان شاباً وله أبٌ منحرف انحرافاً شديداً, ويقسو عليه ويضطهده, لأنه مسلم أو لأنه متديِّن, فله في هذا النبي الكريم أسوة حسنة. نبي كريم كان يعمل بيده. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلام- كَانَ لا يَأْكُلُ إِلا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] أصحاب الحرف المتعبة الذين يحفرون الطرقات، ويصنعون الحديد, ويشيدون الأبنية، يقول: عَنْ الْمِقْدَامِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ, وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَام- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] فإن كنت فقيراً فعلى العين والرأس, وإن كنت ذميماً فعلى العين والرأس، وإن كنت وسيماً، وإن كنت غنياً، وإن كنت ضعيفاً، وإن كان لك أولاد أبرار، وإن كان لك أولاد ليسوا أبراراً، ولم تقصِّر أنت في تربيتهم, فهذا من شأن الله عز وجل، لك زوجة صالحة جيدة، لك زوجة سيئة, العبرة أن تكون مطيعاً لله، العبرة أن تكون محباً لله، ولا تعبأ بأيِّ شيء آخر، و قد تكون فقيراً فقراً مدقعاً. وقد مرَّ على النبي أيامٌ يدخل بيته فيسأل: ((هل عندكم شيء؟ يقولون: لا)) هذا ما امتحن به نبينا : عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَائِشَةُ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ, قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ, قَالَتْ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ, وَقَدْ خَبَأْتُ لَكَ شَيْئًا, قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: حَيْسٌ, قَالَ: هَاتِيهِ, فَجِئْتُ بِهِ, فَأَكَلَ, ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا, قَالَ طَلْحَةُ: فَحَدَّثْتُ مُجَاهِدًا بِهَذَا الْحَدِيثِ, فَقَالَ: ذَاكَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ, يُخْرِجُ الصَّدَقَةَ مِنْ مَالِهِ, فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا)) [أخرجه مسلم في الصحيح] وقد آتاه الله المال, فسأله أحدهم: ((لمن هذا الوادي؟ فقال: لك, قال: أتهزأ بي يا رسول الله؟ قال: والله هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر)) وقد انتصر على قريش التي ناصبته العداء عشرين عاماً: ((ما تظنون أني فاعل بكم، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء)) امتُحن بالنصر، وامتحن بالقهر في الطائف: قال عليه الصلاة والسلام: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس, يا أرحم الراحمين, إلى من تكلني؛ إلى عدو يتجهمني, أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم تكن ساخطاً علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم, الذي أضاءت له السموات والأرض, وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل علي غضبك، أو تنزل علي سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير] امتحن بالفقر وبالغنى, وبالنصر وبالقهر, وبالصحة وبالمرض, وموت الولد، وزوجة متعبة. جاءت هدية طعام إلى النبي الكريم من زوجته صفية، فلما رأتها عائشة -رضي الله عنها- أصابتها الغيرةُ, فكسرت الطبق، فما كان من النبي -عليه الصلاة والسلام- الحديث. عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ, فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ, فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ, فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ, فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِلَقَ الصَّحْفَةِ, ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ, وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ, ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ, حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا, فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا, وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] كان من الممكن أن يكون له زوجات كالدمى، لكن له زوجات متعبات أحياناً ليكون أسوة لنا، هذا الحديث يطول، ولكن أردت منه شيئاً واحداً: كن بأي وضع شئت، بأي مستوى؛ اجتماعي, اقتصادي, علمي, جمالي، كن بأي شكل، العبرة أن تطيع الله عز وجل، وانتهى الأمر, قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] ولا تنسوا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] قف هنا : لا أبالغ -أيها الأخوة-, قد يكون الإنسان له شأن كبير، ولا تستطيع أن تصل إليه إلا بصعوبة بالغة، وعنده حاجب، وقد تكون قلامة ظفر هذا الحاجب أكرم على الله من هذا السيد، فالدنيا لها مقاييس، والله عز وجل عنده مراتب، قال تعالى: ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة يس الآية: 55-60] فالعبرة بمراتب الآخرة، لأنك في الدنيا لا تجد إلا إنساناً يملك ملايين مملينة، هذا بيل قيت يملك تسعين مليار دولار، أو قد تجد إنساناً لا يملك أجرة طريق، يذهب إلى بيته ماشياً في أيام البرد والمطر, وقد تجد إنساناً قوياً ليس فيمن حوله من يحاسبه، وقد تجد إنساناً لو تكلم كلمة واحدة لحوسب عليها، في الدنيا قوي وضعيف، وغني وفقير, وصحيح ومريض، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 21] العبرة بمراتب الآخرة، لأن مراتب الآخرة أبدية، قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 48] في مراتب الدنيا هناك قلق عميق، القلق العميق: أن يذهب الذي بين يديك أو أن تذهب أنت عنه، يكون الإنسان في أوج تألقه المالي والاجتماعي والصحي، يأتيه ملك الموت, فيجعله خبراً في طرفة عين, هو ذهب عن هذه النعمة، وقد تذهب عنه، أكبر قلق يصيب الإنسان في الدنيا أنه في نعمة، فإما أن تذهب عنه، وإما أن يذهب عنها، أما إذا كان في الجنة لا يذهب عنها ولا تذهب عنه، في عيشة راضية، راضية عنهم فلا تغادرهم، قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [سورة الحجر الآية: 48] لماذا ضرب لنا النبي المثل بأويس القرني؟ : أيها الأخوة, هذه المنزلة: منزلة السر, يتولى اللهُ عز وجل حفظ هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين هم في الدرجات الدنيا الاجتماعية، فالمجتمع فيه إنسان له حجم وله مكانة وله هيمنة وله أتباع، وهناك إنسان لا أحد يعرفه, وقد ضرب النبي -عليه الصلاة والسلام- لنا المثل بأويس القرني. عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ, سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ, فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ, مِنْ مُرَادٍ, ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ, قَالَ: أَلا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ, قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ, حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ, فَوَافَقَ عُمَرَ, فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ, كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ. فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ لِي, قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ, فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ, فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ, قَالَ: أُسَيْرٌ وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً, فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ, قَالَ: مِنْ أَيْنَ لأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟)) [أخرجه مسلم في الصحيح] مرتبته الاجتماعية أجير قوم وراعي إبل، سأل سيدنا عمر أهل اليمن: هل بقي منكم أحد؟ قال: لا كلنا جئنا، أبداً، لا, هناك رجل أجير قوم وراعي إبل لا شأن له، هو من ضعف المكانة: أنه لك يُذكر، وكان من كبار التابعين ولا أحد يدري. قضية أن يكون لك مقام عند الله, هذا تحصله باجتهادك : أيها الأخوة, قضية أن يكون لك مقام عند الله, هذا تحصِّله باجتهادك: كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك محموده عن النسب إن كنت فقيراً ومستقيماً على أمر الله, فأنت رفيع المقام عند الله, وإن كنت ضعيفاً و كنت على أمر الله مستقيماً, لك عند الله منزلة رفيعة, العبرة بالطاعة، والآية الكريمة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] وكفاك عن عدوك نصراً: أنه في معصية الله، هذا ملخص الدرس الأول. من أين تنشأ هذه الحجب؟ : الدرس الثاني قلت: هناك عشرة حجُب تحجبنا عن الله عز وجل, ذكرت منها: حجاب الجهل، وحجاب الشرك، وحجاب البدع القولية, وحجاب البدع العملية، وحجاب أهل الكبائر الباطنة، وحجاب أهل الكبائر الظاهرة، وحجاب أهل الصغائر، وحجاب أهل المباحات, وحجاب أهل الغفلة، وحجاب المجتهدين السالكين في السير عن المقصود. وأما اليوم وهو الدرس الأخير: فالحديث عن عناصر هذه الحجب من أين تنشأ؟ أحد العلماء يقول: إنها تنشأ من عنصر النفس وعنصر الشيطان وعنصر الدنيا وعنصر الهوى، النفس والشيطان والدنيا والهوى ورد, هكذا سمعت ولم أقرأ. سمعت هذا من عالم -توفي رحمه الله- قال: لا بد لك من كافر يقاتلك، ومن منافق يحسدك، ومن الشيطان يغويك, ومن نفس ترديك. أربعة أعداء؛ شيطان والنفس والمنافق والكافر. قال: هذه العناصر الأربعة؛ النفس -العوام يقولون: ستة نفوس, الإنسان أحياناً ينتصر لنفسه، ولو جانب الحق، ولو أدلى بشهادة كاذبة, ولو فعل شيئاً لا يرضي الله عز وجل, قال البوصيري: وخالف النفس والشيطان واعصِهما وإن هما محَّضاك النصحَ فاتَّهمِ والشيطان مهمَّته إغواء الإنسان، وإبعاده عن الرحمن، والتفريق بينه وبين أهله، و تخويفه من أداء الله عز وجل، وتخويفه من الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 268] ويخوفهم من أعداء الله، ويفرق بينهم وبين أزواجهم، من الناس من يحب أي امرأة ويبادلها المودة والهوى وزوجته لا يحبها، شيطان يوسوس له, ويزين له الدنيا بشهواتها, و بلذائذها, وبمالها, وبنسائها, وبمكانتها, وبما فيها-. قال: النفس والشيطان والدنيا والهوى تفسد القول, وتفسد العمل, وتفسد القصد, و تفسد الطريق، هناك قول، والقول عمل، وهناك عمل حقيقي مادي، وهناك قصد, وهناك طريق، فإذا دخلت النفس أو الشيطان أو الدنيا أو الهوى, صار القول فاسداً. هذا ما وصف الله به النبي وهذا ما يصنعه أتباعه : اللهم صلِّ عليه بماذا وُصف قوله؟ بأنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النجم الآية: 3] كثير من الناس لا يتكلمون إلا بالهوى، حتى في بيعهم وشرائهم، هذا كلام غير موضوعي, صادر عن الهوى، إذا كان وكيل شركة, كل البضاعة التي تأتي من هذه الشركة, يمدحها مديحاً غير معقول، فإن سُحبت منه هذه الوكالة تكلم العكس، هذا ميثاق، مديحك لا قيمة له، وذمك لا قيمة له، أحياناً تلاحظ معصية من صديق لا تتكلم, فإذا نشأ خلاف بينك وبينه تتكلم عن معاصيه، لماذا لم تتكلم بها حينما لم يكن بينك وبينه شيء؟ لماذا لم تنصحه؟ هذا موقف شيطاني، لماذا حينما لاحظته لا يصلي لم تعاتبه, فلما اختلفت معه أصبحت الصلاة عنصراً في الخصومة؟ هذا ينطق عن الهوى. أحياناً: تجد إنساناً ينطق ولكنه ينطق بلسان الشيطان، يصغِّر الإنسان ويفرِّّق بين الإنسان وأهله، يطعن في عمله، يضعِّف له همَّته, ويثبَّط عزيمته، شيطان ينطق. حدَّثني أخٌ، قال لي: كنت في مؤتمر، رجل محسوب على المسلمين, سمع الكفر البواح, فلم ينبس ببنت شفة، فلما تكلم مسلم, ودافع عن الدين, واعترض، بدأ يعترض، ماذا تفسِّر هذا؟! شيطان ينطق باسمه، أنا أعتقد أن نسبة كلام الناس في الهوى كثير، والكلام الصحيح قليل، والله عز وجل قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النجم الآية: 3] فإذا دخل الهوى صار الكلام غير صحيح. قصة : أروي قصة يمكن أني ذكرتها مرة أو مرتين: أريد أن أشتري ستائر، فأقنعني البائع قائلاً: يا أستاذ, إذا أردت ستائر جميلة جداً, يجب أن تقيس عرض الحائط, وتأخذ قماشاً بما يعادل ضعف العرض زائد متر -كلام دقيق-, اخترت القماش الذي أعجبني، قاسه فوجده ضعف العرض ناقص متر، قال لي: يا أستاذ, هذا المطرَّز على الفرد يكون أحلى -عكس الآية-, الآن أقنعني بقاعدة قبل دقيقة وجاء بأدلة، فلما تضرَّرت مصلحته بهذه القاعدة, لا بد أن يبيع القماش، وأنا أعجبني, قال لي: هذا المطرز يا أستاذ على الفرد يأتي أحلى، هو ينطق عن الهوى، لا ينطق عن الحقيقة. لو لاحظت نفسك تجد نصف كلام الناس عن هوى, يأتي الخاطب يصبح ولياً من أولياء الله، وإذا لم تتم الخطبة يصبح شيطاناً، قبل شهر قلتم: لا يوجد مثله، ما الذي حدث؟ لا المديح له قيمة, ولا الذم له قيمة، يكون شريكاً, يقول لك: ملك من السماء بعثه الله لي، اختلف الشريكان أصبح شيطاناً. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ, قَالَ: أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَـكَ يَوْمًا مَا [أخرجه الترمذي في سننه] دائماً اترك شعرة معاوية. هذا ما يفسد القول : النفس والشيطان والدنيا والهوى تفسد القول، صار القول غير موضوعي, والمديح غير صحيح، الذم غير صحيح هوى، الأم مع ابنتها، وهي ضد زوجة ابنها, لأنها غريبة، أتى ابنها بغسَّالة أوتوماتيك لزوجته أقامت عليه النكير، فلما جاء صهرها في اليوم نفسه بغسالة أوتوماتيك لزوجته التي هي ابنتها، كانت راضية عنه، في دقيقة واحدة توبِّخين إنساناً وترضين على إنسان بعمل واحد، هي تنطق عن الهوى. معقول: أن يكون للإنسان صانع في المحل, وعنده ابن في سن واحدة, يحمِّل الصانع أول ثوب والثاني والثالث والرابع، لا يستطيع أن يحمل، قال له: أنت شاب، فإذا حمل ابنه ثوباً واحداً, قال له: احذر ظهرك، معقول!! هو ينطق عن الهوى، والإنسان الذي ينطق عن الهوى يسقط عن عين الله، ولئن تسقط من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعُك, أهون من أن تسقط من عين الله. تجد نمدح ونذم وننتقد، أحياناً: ننتقد فقط حسداً, إنسان تفوَّق لا بد أن ننزله، لماذا تفوَّق؟ هو كان يعمل ليلاً ونهاراً وأنت كنت نائماً، هناك شخص تجده نائماً, ليس عنده أي رغبة أن يخدم الناس, هناك إنسان شمَّر وقال: يا رب، الله وفَّقه وتألق، يقال: هذا ادعاء للمعرفة زعبرة، هذا شيطان يتكلم، لِم لم تعمل مثله؟ لِم لمْ تجتهد كما اجتهد؟ لِم لم تشمِّر كما شمَّر؟ لِم لم تفرَّ إلى الله كما فرَّ إلى الله؟ لِم لم تجاهد نفسك وهواك كما جاهد هو؟ لكن أنا أنتقده فقط، وأطعن فيه, وأحطِّمه، حتى انتصر لنفسي، والله الذي لا إله إلا هو, لو برئت نفوسنا من الحسد, لكنا في حال غير هذا الحال، أي ستة أعشار تقييم الناس بعضها بعضاً حسد، حتى في حقل الدعوة إلى الله، حتى في حقل الجماعات الإسلامية حسد، إذا تألَّق إنسان، من أين صعد هذا؟ لا يتحمَّل هؤلاء أصحاب الوجاهة, وأصحاب الاحتكار لا يتحملون. هذه علة الاختلاف بين العلماء : قال: هناك عالم تألق جداً في العصر العباسي, أحد كبار العلماء المحسوبين على أنه من أساطين العلم, ووحيد عصره, وفريد زمانه, وقُدِّس سرُّه, أراد أن يحضر درس هذا الشاب ليصغِّره حسداً فقط، والآية تؤكِّد ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 19] علة الاختلاف هو البغي فقط، قال له أمام الناس: يا هذا، هذا الكلام الذي قلته ما سمعناه، من أين جئت به؟ فقال له الشاب: يا سيدي, هل حصَّلت كل العلم؟ قال: لا، قال: هذا من الذي لم تحصِّله. أيضاً: عالم آخر شاب, تألق نجمه, وذاع صيتُه, وانتشر ذكره في الآفاق, قال: و الله إني أشفق عليك مما يقوله الناس عنك، قال له: وهل سمعت مني عنهم شيئاً؟ قال: لا، قال : عليهم فأشفق. هذا ما يفسد العمل : أنت راقب نفسك: تسعة أعشار كلام الناس عن هوى، ليس هناك موضوعية, يمدح بلا سبب, يمدح لمصلحة، ويذم لمصلحة، يظهر العيوب عند الضرورة لمصلحة, ويخفي العيوب لمصلحة، فالنفس والشيطان والدنيا والهوى، هذه تفسد القول كما أنها تفسد العمل، يغش الناس هذا داخل في العمل، يقول لك: أنا عندي أولاد، واللهُ لا يؤاخذني إن شاء الله، فمال الحرام عند الناس ليس مشكلة، فيخترع أدلة ويخترع تعليلات مضحكة شيطانية. حوار جرى : قال له: والله يا أستاذ أنا لي مطعم يقدم الخمر، إن شاء الله في رقبة شريكي, وأنا لا دخل لي، كيف لا دخل لك؟ يصلي في أول صف في المسجد, والمطعم يبيع الخمر، قال: إن شاء الله في رقبته, هو هكذا, ماذا أفعل له؟ أنا عليَّ ان آخذ ربحي فقط، هذا الذي أخذته إثم, لماذا مددت يدك لأخذ الربح؟ فغير الكلام عمل، والعمل فسد، صار هناك كذب, وصار هناك غش، وصار هناك إساءة, وصار هناك حسد, والقصد: كان قصدُه الله عز وجل، فصار قصده الدنيا. متى يكون الطريق إلى الله غير سالك؟ : قال واحد: لزم صلاة الفجر أربعين عاماً, يكبِّر مع الإمام، ففي يوم تغيَّب, تألم ألما غير معقول، قال: ماذا يقول الناس عني اليوم؟ أي أن الأربعين سنة ليست لله, انتبه القصد، صحِّحوا قصدكم، وصحِّحوا نواياكم، ماذا يقول الناس عني اليوم؟ أنت فاتتك هذه الصلاة, ولم تخش من الله شيئاً، لكنك خشيت الناس، والطريق إلى الله عز وجل صار غير سالك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] صار الطريق مغلقاً، هذه الأربعة؛ النفس والشيطان والهوى والدنيا, تفسد القول, و العمل, وتفسد القصد, وتفسد الطريق بحسب غلبتها وقلَّتها، تقطع طريق القول والعمل و القصد أن يصل إلى القلب، وما وصل منه إلى القلب قطعت عليه الطريق إلى أن يصل إلى الرب، تُقطع الطريق إلى القلب، فإن وصلت إلى القلب قطعت الطريق إلى الرب, قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [سورة النجم الآية: 42] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 162] قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [سورة فصلت الآية: 6] يجب أن تكون الاستقامة خالصة له، ويجب أن توصلك استقامتك إليه, لا إلى سمعة, ولا إلى مكانة, ولا إلى مديح, ولا إلى ثناء. كيف تحارب الدنيا؟ : يا أخوان، الآن: كيف تُحارب الدنيا؟ قال: بالزهد فيها، ما دام أنه عندنا أربعة عناصر مخيفة؛ الدنيا والنفس والهوى، كيف نحارب هذه العناصر الهدَّامة؟ هذه القواطع التي تقطعنا عن الله, تقطع علينا صوابَ القول والعمل والقصد والطريق. قال: الدنيا تُحارب بالزهد فيها. قال سيدنا عمر لأويس القرني: أآمر لك بصلة؟ قال: معي أربعة دراهم متى تُراني أنفقتها, وعلي إزار وثوب متى تُراني خرقتهما؟. الزهد، فالإنسان حينما يغتني بالله يزهد في الدنيا، ومن عرف الله زهد فيما سواه، إذًا: يجب أن يزهد فيها، والحد الأدنى أن يخرجها من قلبه، ولا يضرُّه أن تكون في يديه. هل تصدق؟ : إنسان غني في يده أموال طائلة، وإنسان فقير هل تصدِّقون: -طبعاً هذه من المفارقات الحادة- أن هذا الفقير الذي لا يملك ثمن طعام, قد يكون متعلقاً بالدنيا أضعافاً مضاعفة عن هذا الغني الذي بيده كل شيء؟ والمؤمنون يبيعون ويشترون, ولكن تجارتهم لا تلهيهم عن ذكر الله؛ صلواته وعباداته ودروسه, إقباله وحرصه وأعماله الصالحة فوق كل شيء، لذلك أنا أتمنى على كل أخ أن ينظِّم وقته. الدنيا ينبغي أن تكون في يديك لا في قلبك : والذي أراه: أن المؤمن القوي كما قال النبي الكريم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] والقوة تحتاج إلى أسباب، من أجل أن تكون حاملاً للدكتوراه لا بد لك من دراسة، أن تكون تاجراً كبيراً لا بد أن تهتمَّ اهتماماً شديداً، فإذا اهتممت أنت وحصَّلت مرتبة عالية ووظَّفتها في الحق، فهذا عمل عظيم, لكن ينبغي أن تكون الدنيا في يديك لا في قلبك، فتُحارب الدنيا بالزهد فيها وإخراجها من القلب، ولا يضر أن تكون في يديه وبيته ولا يقلِّل ذلك بقوة يقينه بالآخرة. قصة المال عند هذا الصحابي الجليل : سيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- كان يقول: ماذا أفعل إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء؟ ماذا أفعل؟ -هناك إنسان رزقه الله، ويوظِف هذا المال في خدمة هذا الحق-، قال سيدنا عبد الرحمن: واللهِ -من باب التفاؤل والاعتماد على رحمة الله-, لأدخلن الجنة خبباً. وهو غني كبير، ويحارب الشيطان بترك استجابته لداعي الهوى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال الآية: 24] الذي يستجيب للهوى, قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة القصص الآية: 50] تُحارب الدنيا بالزهد, ونقلها من القلب إلى اليدين, ويُحارب الشيطان بعدم الاستجابة له. فائدة : حدَّثنا أخٌ بكلام طيِّب، قال: والدي -المتكلم أحد علماء دمشق-, قال لي مرة: يا بني, إذا وسوس لك الشيطان فعاقبه، قال له: كيف؟ قال: إذا أردت أن تدفع ألف ليرة, وجاءك الشيطان, وقال لك: لا تدفعها، أولادك أولى، عاقِبه وادفع ألفي ليرة, ضاعفْ المبلغ، قال لك: لا تصل، صلِّ ضعف، أيُّ وسوسة وسوس لك بها, افعل عكسها وزيادة, هذه معاقبة الشيطان ، لا تستجب له، يقول لك: حارب فلاناً, اذهب إليه, واستسمحه، وصله، الإنسان عليه أن يعاقب الشيطان، والشيطان يستعين بالدوافع الأساسية، أهانك فلان, اذهب إليه, وتجاوز عن إهانته. هذه هي الموانع والقواطع : أتى رجل إلى الرسول قال: ((يا رسول إنني نؤوم، فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم أذهِب عليه النوم، فقال سيدنا عمر: ويحك يا رجل, لقد فضحت نفسك! فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: دعهُ يا عمر, فإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة)) ويُحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق، كل واحد منا له أهواء وشهوات، والله سمح بشهوة في قناة نظيفة، أنا أسمح لنفسي ما سمح الله لي فقط من النساء زوجة، ومن المال ما كان حلالاً، من النزهات ما خلا من معصية، أنا أمارس الذي سمح الله لي به، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة هود الآية: 86] لذلك ورد: ((لا يؤمن أحدكم, حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) [أخرجه الطبراني في المعجم] ويحارب النفس بقوة الإخلاص، إذا استيقظ الإنسان في الليل وصلى ولم يتحدث بكلمة للآخرين، هل تستطيع نفسه أن تقول له: لقد نافقت في هذه الصلاة؟ ما تكلم، الإنفاق دون الذكر دليل إخلاص، وغض البصر دليل إخلاص، النوافل دليل إخلاص، صلاة الليل دليل إخلاص, فأنت تحارب نفسك بقوة إخلاص، وتحارب الهوى بتحكيم الشرع, وتحارب الشيطان بعدم الاستجابة له، وتحارب الدنيا بالزهد فيها, ونقلها من القلب إلى اليدين، هذه الموانع والقواطع. منزلق قد يقع فيه خاصة المؤمنين : الآن: عندنا منزلق يقال لخاصة المؤمنين، زهِد فلان في الدنيا, وأخلص لله, وحكَّم الشرع, ولم يحكِّم الهوى, ولم يستجب للشيطان، نال مكانة عند الله، فظنَّ أن هذه المكانة حصَّلها بقوة إرادته فاستكبر بها, حتى في الاستقامة، حتى في الإخلاص، هناك منزلق الكِبر والعُجب. أنا قرأت عن عالم في الهند, صار أتباعه قريباً من مائة ألف، يعني ذاع صيتُه و اشتهر وتقلَّب في مراتب الدين العليا ثم ادَّعى الألوهية. أخواننا الكرام, حتى النجاح فيه مخاطر، فيه مخاطر انزلاق بالعُجب والغرور و الكِبر، لذلك ابن عطاء الله السكندري يقول: رُبَّ معصية أورثتْ ذلاًّ وانكساراً, خيرٌ من طاعة أورثت عزًّا واستكباراً, قال: وانظر إلى الشرِّيد السكِّير، هذا بالمقابل الذي كان كثيراً ما يُلقى به إلى النبي مخموراً، فيحدُّه على الشراب، كيف قامت به قوةُ إيمانه ويقينه ومحبَّته لله و رسوله وتواضعه وانكساره, حتى نهى النبيُّ -عليه الصلاة والسلام- عن لعنِه، وهو عياض بن حمار -رضي الله عنه- وتاب. عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, أَنَّ رَجُلا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ, وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا, وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ, فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ, فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ, فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا تَلْعَنُوهُ, فَوَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] فهذا السكِّير والخمِّير انتهت حياتُه بتوبة نصوح، وهذا الذي أخذه الغرورُ والعجبُ حتى لو نجوتَ من هذه المعوقات: لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر –العجب-. أنا ذكرت مرة مثلاً لطيفاً: أنه جاءك عشرون ضيفاً، ليس عندك شيء، عندك في البيت كيلو لبن، أضفت له خمس أمثاله ماءً, ووضعت ثلجاً وملحاً, وقدَّمته شراباً عيران، تحمل الكيلو خمسة أمثال ماء هذا اللبن، لو وضعت فيه نقطة كاز واحدة لفسد، خمسة أضعافه ماءً يُشرَب, الكبر كنقطة الكاز تفسد العمل، فانتبهوا يا أخوان. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] طبعاً: هذه الفكرة الأخيرة لخاصة الخاصة، هذا الكلام موجَّه لواحد ناجح نجاحاً كبيراً. خذ ابن المبارك قدوة لك : دخل ابن المبارك على طلابه, لقي عشرة آلاف أمامه, قال: يا ربي لا تحجبني عنك بهم، ولا تحجبهم عنك بي, والله قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة الآية: 31] الإخلاص، أنت مع الله، أديب, محبٌّ, متواضع، تخدم، لكن مقصودك هو الله، أحياناً ينسى الإنسانُ اللهَ فيعبد سوى الله وهو لا يشعر، وقع في شرك. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ, وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي)) [أخرجه البخاري في الصحيح] هكذا ..... من صفات أصحاب السر : 1- أنهم سبقوا ولم يوقف لهم على رسم : هؤلاء أصحاب السر, قال: لهم صفات، صفاته الإجابية أنهم سبقوا ولم يوقف لهم على رسم، سبقوا بلا ضجيج، هناك إنسان في دهره صلى قيام ليل، يحكي القصة مائة مرة، هذا الإنسان سبق من دون ضجيج، لأنه مخلص, يصوم فلان يوماً، يقول: أنتم لستم صائمين اليوم, يباهي بصيامه. وجد أحد لوزةً أثناء الطواف صاح: من صاحب هذه اللوزة؟ من صاحب هذه اللوزة؟ قال له سيدنا عمر: كلها يا صاحب الورع الكاذب. كلها وخلِّصنا, هناك عمل مع ضجيج، قال: هذا الإنسان صاحب السر, يعمل بلا ضجيج، ومن دون تبجُّح، ومن دون تعليقات, ومن دون لفت نظر. 2-أنهم لم ينسبوا إلى اسم : العلامة الثانية: أنهم لم يُنسبوا إلى اسم, لم يشتهروا به، هناك إنسان يحبُّ الألقاب، عضو مثلاً المجمع الفلاني, دكتوراه في كذا. قديماً كانوا: الفقير إليه تعالى، ويكون عالماً من كبار علماء الأرض، الفقير إلى الله تعالى، لا يهتمُّون بالأسماء والألقاب والمراتب، احذر أن تقول لدكتور: أستاذ، أخطأت معه، خطأ تكفِّره، دكتور لها رنين خاص, أصحاب السر لا يهتمون بالألقاب ولا بالمراتب. 3-عبادتهم مطلقة وليست مقيدة : أما ألطف شيء في مقام هؤلاء: أن عبادتهم مطلقة وليست مقيَّدة، هناك شخص ليس له عمل غير الفقه فقط، أم هذا صاحب السر يخدم في جامع, وينظِّف, ويمشي مع إنسان، و يتفقَّد أخوانه، ويفعل كلَّ شيء، ليس له عمل واحد، عالم فقط, أو مؤلِّف، أو مفكِّر، يمكن أن يدخل وساطة بين اثنين، ويمكن أن يساعد إنساناً، ويمكن أن ينظِّف مسجداً، تجد نفسه هيِّنةً، هذه العبادة المطلقة أمر كبيرٌ، أن تعبد اللهَ فيما أقامك، أقامك غنيًّا أول عبادة إنفاق المال، أقامك عالماً أول عبادة تعليم العلم، أقامك قويًّا أول عبادة تساعد الضعيف، أقامها امرأة أول عبادة رعاية زوجها وأولادها، هذه فيما أقامك، هناك ظرف وضعك فيه، الأب مريض أول عبادة تمريض الأب، الابن عنده امتحان أول عبادة معاونة الابن، الزوجة مريضة أول عبادة مراعاة الزوجة، عندك ضيف أول عبادة إكرام الضيف، في الوقت الذي أذَّن له وقت فجر و قت صلاة، وليس لغسيل سيارات, كل وقت له ترتيبه. فهذا صاحب السر كل الأعمال يفعلها، تريدون دليلاً من السنة؟ هل هناك مقام أعلى من مقام رسول الله؟ مقامه مقام الدعوة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 45-46] في بدر, هناك ثلاثمائة راحلة وألف صحابي، قال النبي: كل ثلاثة على راحلة، و أنا وعليٌّ وأبو لبابة على راحلة –النتيجة-: ركب النبي الكريم وانتهت نوبته، جاء دوره في المشي، فصاحباه توسَّلا إليه، قالوا: يا رسول الله! ابقَ راكبا -أي أكرمنا-, ماذا قال؟: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما على الأجر. أنا أريد أجر المشي, هو داع إلى الله كبير، وإن كنت أنت داعية كبيراً ودُعيتَ لفض نزاع، لا تقل: أخي أنا ليس لدي وقت، دعيت إلى وساطة، اذهب معي إلى فلان, أذهب معه. ابن عباس يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم : مرة قرأت: أن سيدنا ابن عباس, كان معتكفاً، فجاء رجل ورآه كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال له: ديون لزمتني لا أطيق سدادها، قال: لمن؟ قال: لفلان, قال سيدنا ابن عباس: أتحبُّ أن أكلِّمه لك؟ قال له: إذا شئت، فقام ليكلِّمه, قالوا: يا بن عباس, أنسيتَ أنك معتكف؟ -أنت لك اعتكافك ومقامك وإقبالك وبكاؤك، أين ذاهب؟-, قال له: سمعت صاحب هذا القبر -والعهد به قريب-, لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. انظر كيف فهم العبادة؟ خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. أحياناً: يقتضي أن تمشي مع أخيك, ويقتضي أن تعينه، وتأخذه إلى مستشفى، و تمرِّضه, وتقرضه, وتشتري له حاجاته من السوق، أنت لك خبرة، وهو ليس له خبرة، لا بد أن تأخذ له غرفة نوم, كيف تشتريها وتساعده؟. زيارة خاصة : عندنا أخٌ من أخواننا، أنا أثق ببراءته ثقةً مطلقة، حصل خطأ إداري, دخل السجن, ذهبت إلى زيارته في السجن، استغرب مدير السجن كثيراً، احتفى احتفاء غير طبيعي لما دخل الأخ، قلت له: نبيٌّ كريم دخل السجن، جبراً لخاطره, أي مؤمن دخل السجن بسبب أو لآخر، هذه الزيارة لن ينساها إلى الموت, كلَّفتني وقتاً وجهداً وإجراءات صعبة للدخول إلى هناك, فالأعمال الصالحة أنواع كثيرة، بالمساعدة وبالنصح، وأن تعود مريضاً، أو تسعف هرة. وجدت هرة مدعوسة, أخذتها إلى مستشفى بيطري, قال: تعال غداً، هذا عمل صالح، هؤلاء أصحاب السر أعمالهم منوَّعة؛ من دعوة, إلى خدمة, إلى تنظيف مسجد, إلى اجتماع, إلى وساطة, إلى مساعدة, إلى كتابة استدعاء أحياناً وشكل. 4- ليس عندهم كهنوت وزي خاص : شيء آخر: في هؤلاء أصحاب السر ليس عندهم كهنوت وزيٌّ خاص, لباس خاص فخم جدًّا, يكلِّف مئات الألوف، لا، ليس لهم رسم خاص, وأختام خاصة, وهيئة خاصة, و جلسة خاصة، لا يوجد شيء من هذه. دخل أعرابيٌّ: ((أيكم محمد؟)) لم يعرفه، أين كان جالساً النبي؟ مع أصحابه على الأرض. قال: هؤلاء لا يتقيَّدون لا بإشارة, و بلا رسم, و بلا اسم, ولا بزيٍّ, ولا بطريق وضعي اصطلاحي. من شيخك؟ قل: رسول الله طريقك، الاتِّباع: اتباع النبي، مَن؟ أنا متَّبع لرسول الله فقط، مذهبك؟ السنة. هناك صفات كثيرة جداً لهؤلاء، اللهم اجعلنا من هؤلاء، واجعلنا من أصحاب السر الذين أخلصوا لله عز وجل، ولو كنا في الدرحة العادية في المجتمع. قال: ((أهلاً بمن خبَّرني جبريلُ بقدومه، قال: أومثلي؟ قال: نعم يا أخي، خامل في الأرض علَم في السماء)) والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#76 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة المعاينةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أنواع المعاينة : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع والسبعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين, والمنزلة اليوم منزلة المُعاينة. المُعاينة نوعان: معاينةُ بصرٍ، ومعاينة بصيرة, قد تمسكُ شيئاً بيدك, تقول: هذا الشيء أخضر اللون, عاينته ببصرك، أو عاينته بحسِّك, أو عاينته بجلدك، أو عرفت وزنه، أو عرفت شكله، أو عرفت رائحته, أو عرفت أبعاده، هذه معاينة بصر، الناس جميعا مشتركون بهذه المعاينة إلا من ابتلاه الله بفقد أحد حواسه, وهذه المعاينة هي أقل معاينةٍ تُفيد الإنسان. الدنيا كما قال عليه الصلاة والسلام: ((خضرةٌ حلوة)) [أخرجه الترمذي في سننه] الدنيا تغر وتضر وتمر. قد تجد بيتاً جميلاً، اشتراه صاحبه بمالٍ حرام، الإنسان العادي يقول: هنيئاً له على هذا البيت, أما المؤمن يرى أن هذا البيت سيكون ناراً تحرِقه يوم القيامة, الأشياء الظاهرة جميلة جداً, لو ذهبت إلى بلاد الغرب لوجدت من الجمال الطبيعي، وجمال الأبنية، وجمال الطرق، وجمال الحدائق الشيء الكثير، كل شيء يُمْتِعُ العين، ولكن المصير!!. أضرب لكم مثلاً: هناك قاعة قمار في لبنان, قرأت عنها, ثمنها ثلاثون مليون دولار ، قاعة واحدة، وقد تجد مدرسة مبنية من مائة سنة مُتداعية، هذه تُخَرِّج علماء، وهذه تخرج مقامرين؛ إما إلى السجن، أو إلى الانتحار, مدرسو المدرسة أكْفاء، مخلصون، يقدمون العلم العميق والصحيح، ويؤدبون الطلاب، البناء مُتداع، أما في النهاية هذه المؤسسة تخرِّج أبطالاً أو علماء، بينما هذه القاعة الفخمة جداً التي ثمنها بضْع عشرات ملايين، هذه تخرِّج مقامرين؛ إما إلى سجنٍ، أو إلى كآبةٍ، أو إلى انتحارٍ، أو إلى جريمةٍ، أو إلى انحرافٍ. فالعبرة لا بالظاهر, العبرة بالباطن، فالشيء الذي ينفرد به المؤمن هو البصيرة. فمثلاً: قد تُعرَض عليه وظيفتان؛ وظيفةٌ دخلها كبير ومعها بيت ومركبة، ووظيفة دخلها لا يكفيه نصف شهر، الوظيفة الثانية فيها مرضاة الله عزَّ وجل، فيها نفعٌ للناس، فيها صدقٌ وأمانة، والوظيفة الأولى تُبنى على أنقاض الناس، وعلى عذاباتهم، وعلى فقرهم، وعلى ابتزاز أموالهم، فالمؤمن إذا ملك البصيرة, اختار الوظيفة ذات الدخل القليل. مثل بسيط: إنسانة فقيرة جداً, قد تعمل ثماني ساعات بمبلغٍ بسيط في خدمة المنازل ، وقد تعمل امرأةٌ ثانية لساعةٍ أو أقل, فتأخذ أضعاف ما تأخذه الأولى، ولكن تأكل بثديها، تبيعُ جسدها، هنا تعب، هنا في الظاهر مُتعة، ولكن هنا تنتظرها جنةٌ عرضها السموات والأرض، وهذه تنتظرها نار جهنَّم, فالأمر بحقيقته، والأمر بخاتمته، والأمر بمصيره, فأكثر الناس عندهم معاينة بصر. ما المعنى المراد من هاتين الآيتين؟ : فلما خرج قارون بزينته على قومه, قال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة القصص الآية: 79] لكن الذين أوتوا العلم ماذا قالوا؟ قال تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سورة القصص الآية: 80 ] إلى آخر الآية ....., معنى هذا: أنك إذا نظرت إلى بناء، إلى بيت فخم, وعلمت أن صاحبه جمَّعه من مالٍ حرام, إذا نظرت إلى مركبةٍ فخمة, وعلمت أن صاحبها جمَّعها من مالٍ حرام, هل تقول: هنيئاً له على هذا البيت أو على هذه المركبة؟ لا، المؤمن لا يضحي بطاعته لله عزَّ وجل ولو قطَّعوه إرباً إرباً، ولو أعطوه أموال الدنيا، المؤمن صامد أمام سياط الجلاَّدين اللاذعة، وأمام سبائك الذهب اللامعة، لا يخضع لتهديد ولا ينهار لإغراء، هو يطبِّق منهج الله عزَّ وجل ويرجو رحمة الله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] هذا الفرق بين معاينة البصر وبين معاينة البصيرة : معاينة البصر: وقوع الشيء على نفس الرائي؛ إما بألوانه، أو بحجمه، أو بشكله، أو بأبعاده، أو برائحته، رؤية الشيء أو رؤية مثاله, لو وقف إنسان في شرفة، وفي هذه الشرفة توجد مغسلة، وأمامها مرآة, ونظر إلى جارته، هو لم يرَ شخصها لكن رأى صورتها، فهؤلاء الذين يقولون: هذه صورة، هذا خيال, هذا كلام مضحك جداً، وقد تكون الصورة أبلغ من الحقيقة، وقد تفعل فعلاً أشد من فعل أصل الشيء، لذلك هناك من يُصِر على أن رؤية المرأة الأجنبيَّة حرام حقيقةً، أو صورةً، أو خيالاً، أو ما إلى ذلك، العبرة بالتأثير, فإذا إنسان خرج إلى الشرفة لبعض شأنه، فرأى امرأةً في المرآة في الطرف الآخر بثياب متبذِّلة، فلو أنه التفت هكذا ونظر إليها، أو لو أنه دقَّق في المرآة الأثر واحد، والشيء واحد لا يتغيَّر، فالبصر وقوع المرئي على ساحة البصر، أو على الحواس الخمس. قال: أما البصيرة: فهي وقوع القوة العاقلة على المِثال العلوي المُطابق للخارجي. هذا الفرق بين الدنيا والآخرة : الآن: لو شخص في أمس الحاجة إلى المال، رآى ملايين أمامه وهو أمين صندوق ، لو نظر إلى هذا المال بشكل ظاهري, وأخذه خلال أيام أو أشهر, يتمتع بسهرات، وبأكل، وبسفر، لكن بعد أن ينكشف أمره قد ينتحر -رُبَّ أكلةٍ منعت أكلات-, فأكثر المنحرفين يعيشون لحظتهم. في علم النفس يُصَنَّفُ المجرم غبياً، أكثر المجرمين بعد حين يُشنقون، ويعدمون, وتنتهي حياتهم، تنتهي نهايةً وضيعةً دنيئةً قاطعةً. أما حينما يكون عقلُ الإنسان راجحاً يقول: هذا الشيء محرَّم لا أفعله, ودائماً الدُنيا محسوسة والآخرة معقولة، وهذا أحد أنواع الامتحانات؛ أمامك امرأة، أمامك مركبة، أمامك بيت محسوس، أما بالمصحف تفتح مثلاً على سورة معينة، على آية معينة: ﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [سورة الضحى الآية: 4] الدنيا محسوسة أمامك، تملأ العين والسمع والأُذن، أما الآخرة معقولة تستنبطها من نص، فما الإيمان بالغيب؟ هذا هو الإيمان بالغيب، تعرض عن شيء محسوس صارخ أمامك ، وتنتظر ما وعد به خالق السموات والأرض: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] ثمن الجنة الإيمان بالغيب، فلو كانت الآخرة محسوسة فلا جنة. مثلاً قل للناس: أي إنسان يدفع مئة ليرة مساعدة لمشروع خيري, نعطه ألف بعد ساعة، ستجد الناس واقفين بالطرقات زُرافات ووحدانا، بالمئات بالألوف، بما يقارب الملايين، منهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم الملحد, ولو قلت للناس: لو نظرت لأُطلق عليك الرصاص, لا أحد ينظر خوفاً من الرصاص، لم يعد هناك اختيار، الله عزَّ وجل قادر أن يحمل عباده جميعاً على الطاعة، ولكن هذه الطاعة القسريَّة لا تسعد صاحبها، و .....: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [سورة الرعد الآية: 31 ] هل الاستقامة الناتجة عن الضبط الخارجي تسعد صاحبها؟ : في بعض البلاد الغربية الناس جميعاً مستقيمون استقامةً لا تسعدهم، استقامة إلكترون, ضبط إلكتروني مخيف، فأكبر سوق فيه ما يقارب ألف مليون من البضائع، فيه خمسة موظَّفين على الصندوق، أي سلعة في هذا السوق فيها مادة, إن لم تدفع ثمنها يصدر صوت مخيف, وأنت خارج من السوق، إن دفعت ثمنها تمرَّر على جهاز، يُلغى أثر هذه المادة، يا ترى الكل دفعوا؟ فمن هو الأمين؟ من هو الخائن؟ من هو السارق؟ من هو الصادق؟ من هو الكاذب؟ أُلغيت كل هذه القيم, لأن هناك ضبط شديد جداً. فهذه الاستقامة الناتجة عن الضبط الخارجي، القهري، القسري, ليست مسعدةً لصاحبها، الله يريدك أنت، يريد قلبك، يريد اختيارك, يريد محبوبيَّتك، يريد مبادرتك، لا يريد خضوعك. لذلك أنا أقول دائماً: الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب, فيمر على النبي -عليه الصلاة والسلام- ألف عام, كلما ذكرت قصته تبكي, ملك القلب، والقوي ملك الرقبة، وشتَّانَ بين من يملك القلوب بكماله وبين من يملك الرقاب بقوته. ما يحتاج إليه المؤمن : لا بد للمؤمن من بصيرة، هذه البصيرة تخترق ظواهر الأشياء، إنسان قال لي: عنده محل صعب أن يوصف لأنه فخم، لكنه يبدو أنه يوجد فيه معاص كثيرة، فيه موبقات كثيرة، فيه بضاعة محرمة، إلخ .., فقال لي: أنا عملي قذر. تذهب إلى مكان تصليح السيارات, تجد الشحوم، والزيوت, والأطيان، والمَحل لا يحتمل، لكن صاحبه أصلح السيارة بإتقان, وأخذ أجراً معتدلاً، ومساءً اغتسل، ولبس أجمل ثيابه، نقول: هذا العمل الثاني عمل نظيف، أما الأول قذر، بالعين: الأول نظيف والثاني قذر، بالبصيرة: الأول قذر والثاني نظيف. نقطة دقيقة : لكن النقطة الدقيقة: أن البصيرة لا ترى ذات الشيء، ترى مثالها, قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [سورة الأعراف الآية: 143] معنى ذلك: أن الإنسان يدرك مثال الأنوار الإلهية ببصيرته، أما إن أدركها بذاتها احترق, يقول عليه الصلاة والسلام: ((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا, قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: حِلَقُ الذِّكْرِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] درس علم بمسجد، لا تجد مقعداً وثيراً, ولا وسادة مريحة، جلسة على الأرض، بينما بمطاعم فخمة جداً، مقاعد وثيرة، وطعام طيِّب ونفيس، واختلاط وموسيقا وغناء، بحسب الحس ذاك المطعم ممتع أكثر, بحسب البصيرة في مجلس العلم هنا السعادة، وهنا التوفيق، وهنا السكينة, وهناك الشقاء. ماذا تعني البصيرة؟ : البصيرة تعني: أنه يجب أن تعتقد جازماً أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف وألف مستحيل أن تعصيه وتربح. فدائماً أهل الدنيا يصعدون صعوداً حاداً, ثم يسقطون سقوطاً مُريعاً، كل شيء جَمَّعه في الحياة يخسره في ثانية واحدة، أما المؤمن تراكمي, كلما امتد عمره اقترب من الله عز وجل، ازداد قُربه، فإذا جاءه ملك الموت كانت هذه اللحظة كعرسه تماماً. ((تحفة المؤمن الموت)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] الموت عُرس المؤمن . وظل خَطُّه البياني صاعداً، لذلك من الأدعية التي أُثرت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: اللهم اجعل نعم الدنيا متصلةً بنعم الآخرة . مستمرة، المؤمن يموت إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض، بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه] فهذا الذي قدَّم حياته لله عز وجل، قدم أثمن شيءٍ يملكُه. وقد ورد في بعض الأحاديث: أن الذي يقتل في سبيل الله, يرى مقامه في الجنة, ولا يتألَّم، ولدمه رائحة المِسْك، وأن هناك من يموت بمعصية. لذلك باللغة: في إنسان مُضرَّج بدم الشهادة، وإنسان مُلَطَّخ بدم الجريمة, وشتان بين أن يضرَّج الإنسان بدم الشهادة وبين أن يلطَّخ بدم الجريمة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم ترجع؟)) لو غمس إنسان إصبعه في البحر المتوسط ورفعها، بم ترجع؟ هذا الذي علِق على يده من الماء هي الدنيا والبحرُ هو الآخرة. متى يكون الإنسان خاسر؟ : فالكلام الدقيق والصحيح وقد يكون مُراً: إن لم ترَ الدنيا, وحقارتها, وقلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها، وسرعة انقضائها، وإن لم ترَ أهلها وعُشَّاقها صرْعى حولها، قد عذَّبتهم بأنواع العذاب، وأذاقتهم أَمَرَّ الشراب، أضحكتهم قليلاً وأبكتهم طويلاً، سقتهُم كؤوس سَمِّها بعد كؤوس خمرها، فسكروا بحبها وماتوا بهجرها, إن لم تر هذه الرؤية فأنت خاسر, إنسان يرى الدنيا فيذوب حباً لها، وإنسان يرى عاقبتها. وإن لم تر بالبصيرة، إن لم ترَ الدنيا بالبصيرة، وإن لم ترَ الآخرة ودوامها، وأنها هي الحياة الحقيقية، أهلها لا يرتحلون منها، ولا يظعنون عنها، بل هي دار القرار، ومحطُّ الرحال، ومنتهى السير، وأن الدنيا بالنسبة إليها كما قال عليه الصلاة والسلام: ((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس بمياه البحر)) فأنت أعمى. ماذا يبين لنا هذا المثال؟ : أيها الأخوة, سأوضِّح لكم بمثل أوضح: إنسان يركب مركبة, والطريق شديد الانحدار، والهواء عليل, والمناظر خلاَّبة, والمركبة مريحة، هو يضحك، ويتنعَّم بالمناظر وبالنسيم العليل، لو أنه شعر فجأةً أن مكبحه معطَّل، وأن هذا المنحدر الشديد ينتهي بمنعطفٍ حاد, وبينه وبين هذا المُنعطف تقريباً أربع دقائق، بحسب سرعته العالية, لماذا يصيح؟ ويقول: انتهينا, ومتنا، ورحنا, بقوة بصيرته أدرك المكبح معطل, والسرعة متسارعة، والمنعطف حاد، والوادي سحيق, معناها متنا. المؤمن وهو في الدنيا، يدرك كما أدرك هذا السائق الذي فقد مكبحه في طريق شديد الانحدار، مع منعطفٍ حاد، ووادٍ سحيق، أما الغافل والجاهل هو يضحك ويلعب، متى يبكي؟ حينما يقع في الوادي، أما إذا الإنسان أدرك قبل أن يقع الشيء أنه يوجد خطر، هذا معنى قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [سورة التكاثر الآية: 5-6] لما الإنسان يقبض مبلغاً ضخماً بالحرام، تجده يضحك لشعوره بالتفوق والنجاح, ما دام المال بالحرام ..: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [سورة التكاثر الآية: 5-6] لما يعتدي على عِرض إنسانة، يغرر بها، ويقضي شهوته منها, ثم يشعر بلعنة الله له, وإبعاده عنه، يدخل في متاهة وفي آلام نفسية لا تُحتمل، لذلك: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً﴾ [سورة الكهف الآية: 53] هذه النار التي كنتم بها تكذبون: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [سورة الأعراف الآية: 41] سؤال : سؤال: لو إنسان لا يوجد عنده هذه الرؤية، ماذا يفعل؟ متعلِّق بالدنيا، متعلق بمالها، بنسائها، بشهواتها، بطعامها، بشرابها، ببيوتها, بمركباتها, نقول له: اقرأ كلام الله, صدِّق ما قاله الله لك، إما أن تكون مع النص أو مع الرؤية، الرؤية أقوى بكثير، فمثلاً: طبيب قلب عنده كل يوم عملية جراحية، عملية قلب مفتوح، وأكثر عمليات القلب انسداد بالشريان التاجي، وانسداد الشريان التاجي أساسه المواد الدسمة والدهنية, هذا الطبيب نفسه لو جلس إلى مائدة فيها حلويات نفيسة جداً, لكن كلها مواد دهنية؛ قشطة ودسم، تجده لا يأكل مع أنها لذيذة الطعم، هو يرى بعينه كل يوم انسداد الشريان، وكيف أزال قطعة من شريان رجله, ووضعها في قلبه، وأوقف القلب، وعمل للقلب صعقة مع المبالغ الكبيرة التي تدفع، هو رأى مخاطر الدسم، مخاطر الشحوم الثلاثية، مخاطر الأكلات، لذلك لم يأكل لرؤيةٍ رآها، أنا أريد هذه الرؤية. دائماً: الإنسان الشَقي يعيش لحظته. شاهد عيان : رأيت إنساناً في أيام الشتاء الباردة والماطرة، يجري في شارع في دمشق، فكل أبناء دمشق في البيوت, وحول المدافئ, ويأكلون, ويتنعَّمون، ماذا في ذهن هذا الإنسان؛ من قناعات بالرياضة والجري، وصحة القلب, وقوة القلب، والنبض البطيء, وتمرين عضلة القلب على جهد عالٍ، حتى لا يلهث من أدنى جهد, فهؤلاء الذين يجرون عندهم قناعات عالية جداً بجدوى الرياضة وخطر الراحة, وهؤلاء الذين يمتنعون عن التدخين، الذين عندهم معلومات دقيقة عن أخطار التدخين، وقد يكون المدخن متمتعاً بدخينته ومعطلاً عقله. متى يلقي الله في قلب الإنسان من النعيم والسعادة ما لا يوصف؟ : مرة ذكرت قصة مشابهة لهذه القصص، فأحياناً تجد مركبة عامة واقفة باتجاه، عليها أن تدور دورة كاملة كي تتابع سيرها، أنت قد تجلِس في الشمس, لأنك تحسُب أنها بعد أن تدور هذه الدورة تنعكس الآية، فأنت تجلس في مكان غير معقول، الناس جالسون بالظل وأنت جالس بالشمس، أنت فكَّرت فوجدت أن دقيقة شمس أحسن من نصف ساعة شمس، آثرت التعب القليل أوالمشقة القليلة، وطلبت الراحة المديدة. لذلك قال بعض العلماء: في الدنيا جنةٌ من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. إذا الإنسان اصطلح مع الله تماماً, وصدق في توبته, وفي إقباله, يُلقي الله في قلبه من النَعيم والسعادة ما لا يوصف، سعادته في بيت الله عز وجل، سعادته في أداء فريضة، سعادته في أداء واجب، سعادته في خدمة الخَلق، سعادته في تقديم شيء للناس، هذه سعادته، بينما هؤلاء الذين يتمتَّعون بحسِّهم بمباهج الدنيا يشقون بقلوبهم. هذه الرؤية من أين؟ : هذه الرؤية من أين؟ قال: من نورٍ يقذف في قلب المؤمن، يريه الحق حقاً والباطل باطلاً، الشاهد، الدليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [سورة الحديد الآية:28] آية قُرآنية صريحة: ﴿يجعل لكم نوراً تمشون به﴾ كل واحد إذا عرض له شيء يغضب الله, يقول: لا أفعله معاذ الله, عنده رؤية هذا العمل يشقيه، وإذا في طاعة وعمل صالح يفعله، معناها أن كل إنسان يتحرك برؤية، لكن هذا الذي أقدم على قتل إنسان طمعاً بماله، ماذا رأى؟ رأى رؤية معكوسةً، من هنا كان الدُعاء النبوي الشريف: اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. عامَّةُ الناس والجهلة يرون الباطل حقاً والحق باطلاً، الذي يغُشُّ المسلمين ماذا يرى ؟ يرى الربح فقط، ولا يرى عقاب الله عز وجل, الذي يعتدي على أعراض الناس، ماذا يرى ؟ المُتعة الآنية, ولا يرى أن الله سيلعنه، وستغدو حياته شقاءً بشقاء، لا يرى، فأنت مبدئيَّا؛ إما أن تكون مع النص، وإما أن تكون مع الرؤية، في نص، وفي رؤية، الحد الأدنى الذي يحميك من أن تقع بمعصيةٍ النص، الله عز وجل حرم هذا الشيء، فانتهى الأمر، أما في مستوى أرقى ، معك النص ولكن معك رؤية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [سورة الأنفال الآية:29] فرقان، تُفَرِّقُ به الحق من الباطل، لذلك قلما تجد مؤمناً في مخفر أو في قصر عدلي، لأنه يسير على المنهج، الانضباط والاستقامة تنتهي إلى حرية، وعدم الاستقامة تنتهي إلى قَيْد ، إما قيد نفسي كآبة، أو قيد حسي سجن. والله عز وجل أكرمنا بالعقل، والعقل أداة معرفة الله عز وجل, وأداة فعَّالة، فالإنسان إذا استخدم عقله، وفكَّر بأعماله، وفكر بماله, كيف اكتسبه؟ كيف أنفقه؟ فكر بعلمه ماذا عمل به؟ فكر بنهايته. لا أنسى طالباً مرة سألوه, وقد نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية: لمَ نلت هذه الدرجة؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تُغادر مخيِّلتي ولا ساعةً في العام الدراسي, يعيش مع الامتحان. فكل واحد منا يعيش يوم القيامة, كيف سيسأله الله عز وجل؟ لمَ فعلت؟ لمَ تركت؟ لِمَ وصلت؟ لمَ قطعت؟ لمَ غضبت؟ لمَ رضيت؟ لمَ طلَّقت؟ لِمَ وافقت؟ لِمَ خُنت؟ لِمَ أكلت مالاً حراماً؟ ألف سؤال وسؤال. نهاية المطاف : هذه الرؤية التي أكرمنا الله بها، أن ترى الحق حقاً والباطل باطلاً, وأنا أعتقد أن كل مؤمن مهما دنت مرتبته على شيءٍ من هذه الرؤية, والدليل يقبل على طاعة الله، يقبل على خدمة الخَلق، يقبل على طلب العلم، يسعى أن يكون بيته إسلامياً، أن يكون عمله إسلامياً، هذه الرؤية تدفعه إلى طاعة الله عز وجل. في مرتبة: بعد أن تحمل نصاً فيه أمر ونهي. في مرتبة ثانية: أن تشعر ذوقاً أن هذا العمل لا يرضي الله. في مرتبة ثالثة: أن ترى حقيقته وما ينطوي عليه. فالإدراك البياني أول مرتبة، والذوق النفسي ثانيها، والرؤية العميقة ثالثها، من وصل إلى هذه الرؤية العميقة، قطع مرحلة عالية جداً في الإيمان. والانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، كما أنك تستمتع بمكيِّف, وأنت لا تدري كيف يعمل، وتستمتع بآلات كثيرة جداً وأنت لا تفقَه كيف تعمل، تستمتع بها وتنتفع بها دون أن تعلم حقيقة بُنْيَتِهَا ووظيفة عملها, كذلك منهح الله عز وجل في دقة بالغة, بحيث لو طبَّقه إنساناً وكفى، ولم يعلم حكمته ولا حقيقته, هذا الإنسان يقطف كل ثماره، لكن هذا يكون عابداً ولا يستطيع أن يكون عالماً، والعابد مرتبة أقل من مرتبة العالم. أمر الله بغض البصر، فغض إنسان بصره، أمر بالصدق، صدق لا يوجد عنده درة على تحليل الأمور، ولكن عنده قدرة على طاعة الله عز وجل، وهذا أيضاً يقطف كل ثمار الطاعة ويوفقه الله عز وجل, ولكن هذا الإنسان مقاومته هشَّة، فقد لا يحتمل إغراء شديداً ولا ضغطاً شديداً. أما العالم الذي عنده رؤية لو قطعته إرباً إرباً لا يلين, لا تؤثِّر فيه لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلاَّدين اللاذعة. يقول سيدنا بلال: أحدٌ أحدٌ. وفي إنسان على قدر ما ضغطت يخرق منهج الله عز وجل, فبقدر هذه الرؤية وبقدر هذه الاستقامة يكون التوفيق والأجر. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#77 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة الفتوةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما حقيقة هذه المنزلة؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ومنزلة اليوم الفتوَّة. هذه المنزلة كما قال عنها العلماء: حقيقتُها الإحسان، الإحسان نهاية النهاية, لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن الآية: 60] أنت حسنةٌ من حسنات الله، خَلَقَك ليسعدك، ليحسن إليك، خلقك لجنةٍ عرضها السموات والأرض، فإذا كان ردُّ فعلك الإحسان, فقد حقَّقت غايتك من وجودك، لذلك: هذه المنزلة في حقيقتها هي الإحسان إلى الخلق، محبةً بالحق. لو أردنا أن نُبَسِّـط هذا المعنى: قد تحسن إلى طفلٍ من أجل أبيه إكراماً لأبيه، أو وفاءً مع أبيه، أو تكريماً لأبيه. قال بعض العلماء: هي الإحسان إلى الخلق وكفّ الأذى عنهم, بل احتمال الأذى منهم. أول مرتبة الإحسان، أو كف الأذى، أو احتمال الأذى؛ أيْ استعمال حُسن الخُلق معهم، ومن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان, الإيمان حُسن الخُلق، وذهب حُسن الخُلق بالخَير كلِّه, وسوءُ الخُلق يُفسد العَمل كما يُفسد الخَل العسل. ما الفرق بين مرتبة الفتوة وبين المروءة؟ : قال بعض العلماء: والفرق بين هذه المرتبة الفتوَّة وبين المروءَة: أنَّ المروءة أعمُّ منها. فالفتوَّة نوعٌ من أنواع المروءة، فإن المروءة بمعناها الدقيق: استعمال ما يجمل ويزِين مما هو مختصٌ بالعبد, وتركُ ما يدنِّس ويشينُ مما هو مختصٌ به أيضاً, فالموقف الكامل وترك الموقف الناقص هو مروءة، كأن مكارم الأخلاق كلِّها جُمِعَتْ في المروءة, والفتوَّة فرعٌ من المروءة، المروءة أعَم، أن تقف الموقف الكامل من كل شيء، إن تكلَّمت تتكلَّم بكلامٍ فَصل، إن سكتْ تسكُت عن حلم، إن أعطيت تعطي عن كرم، إن منعت تمنعُ عن حكمة، إن غضِبت تغضب لله، إن رضيت ترضي لله، أن تقف الموقف الكامل في كل شؤون حياتك هذا مروءة. وكأن علماء الأخلاق جمعوا كل خِصال الخَير بكلمة مروءة, وجُمِعَت كل خصال الشر بكلمة لؤْم. هناك إنسان ذو مروءة، وإنسان لئيم. وقيل: ما الذُل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه. من معاني إتمام مكارم الأخلاق : قالوا: هي ثلاثة منازل؛ منزلة التَخلُّق، ومنزلة الفتوَّة، ومنزلة المروءة؛ فالتخلُّق: يتحلَّم الإنسان فيكون في النهاية حليماً، يتكرَّم فيكون في النهاية كريماً، وبعد هذه المَرتبة تأتي مرتبة الفتوَّة، وقد عُبِّر عنها باسم مكارم الأخلاق. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ)) وفي روايةٍ أخرى: ((إنما بُعثت معَلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) يا أيها الأخوة, إتمام المَكارم له معنىً دقيق: هو أن النفس جُبلت جبلَّةً عالية, جبلت على حب الكمال، فإذا اتصلت بخالقها اصطبغت بالكمال، فكأن الاصطباغ إتمامٌ للفطرة، الفطرة حب الكمال، والصبغة اصطباغٌ بالكمال، فالإنسان يحب الخير، يحب العدل، يحب الرحمة فطرة, صار خيراً عادلاً رحيماً فطرة, فالحاجة إلى الشيء وإملاء هذه الحاجة، إذاً الإتمام، معنى ذلك: أن النفوس فُطرت فطرةً عالية في الأصل, في أصل الخَلق الإنسان فُطِرَ فطرةً عالية، فإن تديَّن واتصل بخالقه حقَّق هذه الفطرة، الفطرة تَمَن، الفطرة مَيل، الفطرة محبة، أما إذا تخلَّق بهذا الخُلُق أصبح ذا صبغة. قف هنا : الشركات الضخمة التي تُعلِّق أهميةً كبرى على تفوُّقها تعتمد على الشباب، الشباب طاقة كبيرة جداً، طاقة هائلة، فإذا رُشِّـدت ووجِّهت, آتت أُكلها ضعفين، لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [سورة الكهف الآية: 13] ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 60] ريح الجنَّة في الشباب, ولعلَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد بعداً عميقاً جداً, حينما عيَّن قائدَ جيشٍ شاباً لا تزيد سِنُّه عن ثمانيةَ عشر عاماً، وكان تحت إمرة هذا الشاب سيدنا عمر بن الخطاب، وسيدنا عثمان بن عفَّان، وسيدنا عليّ بن أبي طالب، كبار الصحابة تحت إمرة هذا الشاب، بل إن الصديق -رضي الله عنه- مشى في رِكابه، فلمَّا رأى خليفة المسلمين يمشي وهو راكب, قال: والله يا خليفة رسـول الله لتركبن أو لأنزلن, قـال: والله لا ركبت ولا نزلت وما عليَّ أن تغبرَّ قَدَمايا سـاعةً في سبيلِ الله, -أراد الصدِّيق -رضي الله عنه- أن يُبقي عمر, دقِّق في نظام التسلسل: أليس بإمكانه أن يقول له: يا عمر ابقَ معي؟ عمر جندي تحت إمرة قائد اسمه أسامة، فلا بدَّ من أن يستاذن أسامة في أن يسمح له في عمر-. قال: يا أسامة أتأذن لي بعمر أن يبقى معي؟. لماذا عيَّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أسامة بن زيد, وتابع هذا التعيين سيدنا الصديق؟ ليُشْعرنا أن الشابَ إذا عرف الله كان شيئاً كبيراً: ما من شيءٍ أكرم على الله من شابٍ تائب. ((إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي)) ورد في الأثر: ((أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد)) هذا الذي بقي لك من هذه الشهوة : فإذا الإنسان كان يغلي بالميول والرغبات وضَبَطها في سبيل الله, فالدين كله ضبط, وتقريباً -للتوضيح-: أي شهوة مفتوحة مئة وثمانون درجة، في زاوية محدودة مسموح بها، شهوة الجِنس مفتوحة مئة وثمانون درجة، في زاوية أربعون درجة هي الزواج، من هو المؤمن؟ هو الذي ضبط شهوته في هذه الزاوية المشروعة, شهوة المال مفتوحة مئة وثمانون درجة، مسموح منها أربعون درجة بالكسب المشروع, فالدين كله ضبط هذه الشـهوات من مئة وثمانين درجة إلى أربعين درجة، ثلاثون درجة هذه مسموح بها، هذا الشيء المشروع، هذه القناة النظيفة، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [سورة هود الآية: 86 ] الذي بقيَ لك من هذه الشهوة ما سمح الله لك به، هذا هو الخير, الخير في الزوجة، والخير في المال الحَلال، والخيرُ في العمل الطيِّب, والخير في التفوُّق في الدين, الإنسان يحب التفوُّق فإن تفوَّق في الدين, كان هذا التفوق مستمراً. قف عند هذه النقطة : أجمل نقطة في الدرس: أن الخط البياني للمؤمن صاعد صعوداً مستمراً، حتى لو مات، وما الموت إلا نُقطة على هذا الخَط الصاعد، بينما غير المؤمن خطُّه البياني صاعداً صعوداً حاداً، وبعد هذا الصعود الحاد هناك هبوطٌ وسقوطٌ مريع: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [سورة الكهف الآية: 13] ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 60] تعريف الفتوة في رأي الفضيل بن عياض : قال الفُضَيْل بن عياض: الفتوَّة الصفح عن عثرات الأخوان. هذه فتوة، بطولة، مروءة: إذا خَـلـيـلَـيَّ لــم تـكـثـُر جـنـايـتـه فأيـن موضع إحسـاني وغُفراني؟ ما كنت مُـــذ كنْـــت إلا طـــوْعَ إخواني ليـست مؤاخذة الأخوان مـن شانِ أول صفة من صفات الفتوة: الصَفْحُ عن الزلاَّت، هو يعامل الله عزَّ وجل. سألني أخ: ما موقف مؤمن أحسـن إلى إنسان ثم أساء إليه؟ -أحسن لهذا الإنسان, وهذا الذي تلقَّى الإحسان بالغ بالإساءة إلى المحسن-, قلت: إن كان يحسن إليه فهي خَيْبَةُ أملٍ مُرَّة، وإن كان يعمل لله فإنه لا يتأثَّر أبداً. إن كنت ترجو رحمة الله، رحمة الله واصلة ومحقَّقة، هو شَكَر أو لم يشكر، قدَّر أو لم يقدِّر. ورد في الأثر: أن اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، إن أصبت أهلـه أصبت أهله، وإن لم تُصِب أهله فأنت أهله. إذا كان إخلاصك عالياً لا تتأثَّر بردود الفعل إطلاقاً، إذا إنسان شكرك قل: جزاك الله خيراً, لم يشكرك قل: أنا عاملت الله, حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الفُضَيل: الفتوة الصفح عن عثرات الأخوان. تعريف الفتوة عند أهل العلم : وقال الإمام أحمد: ترك ما تهوى لِما تخشى. الإنسان أحياناً يكون عمله في الطِب, فيترك أكلة لذيذة جداً, خشية أن تسهم في إضعاف قوته, أو إضعاف شرايينه، أو ضيق لَمعة الشريان، يخاف من المواد الدسمة مع أنها لذيذة جداً، يخاف أن تَسْلُك في شرايينه سلوكاً فتضيق لمعتها, فيدخل في متاعب لا حصر لها، إذاً: ترك ما تهوى لما تخشى. وقال بعض العلماء: الفتوَّة حُسْنُ الخُلُق. وقال بعضهم الآخر: الفتوة كفُّ الأذة وبذل النَدَى. وقال بعض الأئمَّة: الفتوة هي اتباع السُنَّة. منهج كامل، اتباع السُنَّة هي الفتوَّة. وقال بعضهم: الفتوة فضيلةٌ تأْتيها ولا ترى نفسك فيها, إن فعلت خيراً يجب أن تنساه وكأنَّك لم تفعله، وإن صُنِعَ معك معروف يجب ألا تنساه مدى الحياة. هذا خُلُق راقٍ جداً، هناك أُناس إذا فَعل معروفاً لا يزال يذكره، ويبالغ فيه, ويمنِّن، إلى درجة أن الطَرف الآخر يكاد يخرج من جلده، وإذا فُعِل إليه معروف, يقول لك: الفضل لله, أنا لا يوجد إنسان له فضل عليّ, ولكن اسمع كلام النبي -عليه الصلاة والسلام-: من لم يشكر الناس لم يشكر الله . قال: الفتوة فضيلةٌ تأْتيها ولا ترى نفسك فيها. ما قيل عن الفتوة أيضاً : وقيل: الفتوة ألا تَحْتَجِب ممن قَصَدَك. فلا توصد الباب في وجه من أتاك طالباً معونة. لا تسحب مأخذ الهاتف، لست فتىً, لست في هذه المرتبة, إذا حجبت نفسك عمَّن قصدك، هذا الذي قصدك ساقه الله إليك: إذا أحبَّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه. إذا قصدك الناس فهذا فضلٌ من الله عزَّ وجل: ألا تحتَجب ممـن قصدك أو ألا تهرُب إذا أقبل طالبٌ مَعْروف. وقيل: الفتوة إظهار النعمة وإسرار المِحنة. وقيل: الفتوة ألا تدَّخر وألا تعتذِر؛ أي لا تفعل عملاً تحتاج أن تعتذر منه، وألا تدَّخر وسعاً، بإمكانك أن تقدم خدمة لإنسان، فأنت ادَّخرت وسعاً، لم تبذله في سبيل الله, أو فعلت عملاً تحتاج أن تعتذر منه, مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((إِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْه)) الفتى كما عَرَّفه بعضهم: أرضٌ خيِّرة مِعْطاءة، لذلك قالوا: الفتوة استرسال الناس في فضلك. -الكُل يطمع فيك، يطمعون بحلمك, يطمعون بكرمك، يطمعون بقلبك الواسع، يطمعون بحبَّك للخير، يطمعون برحمتك- فإذا استرسل الناس بفضلك فأنت فتىً، -وهذه مرتبة عالية عند الله, طبعاً هم لا يسترسلون بفضلك إلا إذا استرسلت أنت معهم، أعطيتهم وجهاً باشَّاً، أعطيتهم عبارةً لطيفة، يقول له: أنا بخدمتك، أنا سعيد جداً لأنني خدمتك، إذا احتجت شيئاً فارجع إلي، هذا الكلام الطيب استرسلت معهم فاسترسلوا في فضلك-. ولم تجذب عنهُم عنانك: الإنسان أحياناً يُقَطِّب، يكفهر, يتَجهَّم، الضيف لا يعود، لا يبالي، يسوِّف، يُماطل، يتأفَّف، يغضب, فصرف الناس, صرف الناس سهل جداً. ألف تصرُّف ذكي، ومخلص، ورحيم, يشد الناس لك, وتصرُّف واحد لئيم يسْلَخهم عنك. الفتوَّة أن تسع الناس بخلقك، قال عليه الصلاة والسلام: ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم)) الله عزَّ وجل أمر النبي الكريم, فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 199] إذاً: أن تَسَعَ الناس، أن يكون لك قلبٌ كبير، أن تَحْلُم عليهم: كاد الحليم أن يكون نبياً. الحلم سيد الأخلاق. الحلم أعلى درجات الضبط، أعلى درجات الضبط هو الحِلم, والإنسان أحياناً يخرب بكلمة واحدة ما بناه في عامٍ بأكمله. بل قال بعضهم: الفتوة أن تَدَع الناس يطَؤوا عليك, من شدة لينك وتواضعك وخَفْض جناحك. أحد العلماء كان يمشي مع أخوانه، يبدو أن بعض جواربه نزل, فأحد الأخوة ابتسم ، فقال له: ما الذي يدعوك إلى التَبَسُّم؟ فاستحى, فنظر الشيخ فرأى جرابه قد نزل, فقال: اللهمَّ أضحكه وأدخل على قلبه السرور, هذا تواضع. مرة سيدنا عمر -هكذا قرأت-, كان يمشي في المسجد في الليل, وكان غير مُضاء، يبدو أنه داس على رجل أحد المُصلين، غضب المصلي، أو هو في حالة غفلة، قال له: أأعمى أنت؟ قال له: لا لست أعمى, فقال رجل لسيدنا عمر: معقول؟! فقال له سيدنا عمر: سألني فأجبته. صدر واسع، رحمة، وحُب, غلط الرجل، تجاوز حده، يرحمه ولا ينتقم منه. قال: الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم. أنت من مستواهم، فإذا أنت رفعت نفسك فوق الناس، وفرضت عليهم مقاماً معيَّناً, وهيمنة معيَّنة، وكهنوتاً معيَّناً، وإذا لم يؤدوا طقوس الاحترام تغضب عليهم، وتوبِّخهم، وتعنِّفهم، هذه مرتبة تتناقض مع الفتوة, الفتوة أن تكون واحداً منهم. إليكم هذا التطبيق العملي لهذا التعريف: الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم : دخل أعرابي إلى النبي، وقال: ((أيكم محمد؟)) كم تفهمون من هذا النَص: أيكم محمد؟ . أحياناً ترى رجل دين, يلبس ثياباً بمئتي ألف, هكذا في بعض الدَيانات، أما الرسول فلباسه بسيط، وجلسته عادية, ليس له ولا ميزة, فسأل الرجل: أيكم محمد؟ هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ((عليَّ ذبحها. فقال له الثاني: وعلي سلخها. فقال الثالث: وعليّ طَبخها. فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب. قالوا: نكفيك ذلك. قال: أعلم أنكم تكفونني, ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه)) هذا هو الدين : هناك تحفُّظ لا بدَّ منه، أنت ليِّن، وكريم، ورحيم، وصدرك واسـع، وترحم الناس، وتتحمَّلهم، وتسعهم بحلمك، ولا تحرجهم، ولا تضيِّق عليهم، لكن هذا الاسترسال في لينك، وذاك الاسترسال في فضلك, أنت استرسلت بلينك، وهم استرسلوا بفضلك، هذا اللين وذاك الفضل, يجب ألا يخرج عن حدود الشَرع وآدابه، بحيث لا تحمِلُهم على تعدي حدود الله. قال رجل: والله لزمت دروس العلم عشرين سنةً، أمضيت ثمانية عشر عاماً في تعلُّم الأدب، وأمضيت عامين في تعلُّم العِلم، أما الآن كنتُ أتمنى أن أُمضي عشرين سنةً في تعلُّم الأدب. الدين كلَّه أدب، الدين كله حياء، الدين كله احترام، تسال بأدب, تَصل إلى كل أهدافك بأدب، بسؤال لطيف، بتعليق لطيف، تستفهم، وقد تعترض، وقد تنتقد، وتناقش لكن بأدب، دون أن تجرِّح، دون أن تطعن, دون أن تؤذي، دون أن تُحْرِج. شيء هام : أيها الأخوة, الفتوَّة: الحِفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال عليه، فإن كنتَ كذلك أنت مع الناس, مسترسلٌ برسمك وصورتك، أنت معهم في صورتك وفي جسمك، ولكنك لست مع سقطاتهم ولست مع وحولهم، هذا ينقُلنا إلى تعبيرين لطيفين، يجب أن تكون في برجٍ عاجيٍ أخلاقي، لا أن تكون في برجٍ عاجيٍ فكري، يجب أن تعيش مع الناس, وأن تخالطهم، وأن تصلحهم، وأن ترشدهم، وأن توجِّههم، لكن يجب ألا تكون معهم في سقوطهم، أنت في منأى عن سقطاتهم، منأى عن وحولهم، لكنك معهم لتأخذ بيدهم إلى الله عزَّ وجل، ومنتبه, لا تسمح لأحدٍ أن يجرَّك إليه. ما معنى هوناً؟ : قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63] ما معنى هوناً؟ أي في بطء، السنة خلاف ذلك: كان إذا سار أسرع، كان إذا مشى كأنَّه يَنْحَطُّ من صبب. والآية هوناً. قال علماء التفسير: هواناً؛ أي لا يسمحون لمشكلةٍ أن تأخذهم، ولا لشغلٍ أن يأخذهم، ولا لهَمٍ أن يسحَقهم، هدفهم كبير، وطريقهم واضحة, فيمشون هوناً؛ أي يفكرون لماذا خلقوا؟ من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ يفكِّرون في رسالتهم في الحياة. دائماً السائق يراقب الطريق، مرة يراقب الطريق من أمام، مرة على اليمين، مرة على اليسار، ومرة ينظر في المرآة ليرى مَن خلفه, هذه المراقبة الدائمة تجعله على الطريق، وعلى اليمين، وفي سلام, والمؤمن يراقب, هل هناك موقف غَلط؟ أو موقف فيه تقصير؟ أو موقف فيه خيانة؟ أو موقف فيه شُبُهَة؟ إذا لم يراقب نفسه, يتورَّط ويقع في شرِّ عمله. ما معنى هذا القول: الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً؟ : قال: الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً. -هناك شخص نَصَّب نفسـه فوق الناس, يقول بملء فيه: يجب أن تعرفوا فضلي لي حق عليكم-. الفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً, أن تفنى بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك، وتغيبَ بشهادة حقوق الخَلق عليك عن شهادة حقوقِك عليهم. حق الآخرين عليك كبير جداً، وحقُّك عليهم صغير جداً، أن تشهد بفعلهم معك لا بفعلك معهم، أيْ إنكار الذات، الفتى إن أنكر ذاته فالله يعرفه. ماذا تستنتج من هذا المشهد؟ : ذات مرَّة جاء أحد الرُسُل من معركة نهاوند وخاطب سيدنا عمر, قال له: ماذا جرى؟. قال: مات خلقٌ كثير. قال: من هم؟. قال: أنت لا تعرفهم. قال: ما ضَرَّهم أَني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟!. فيجب أن تغيب عن ذاتك، عن شهود عَملك، وأن يكون متفانياً في شهود عملِ الآخرين، أن تكون غائباً عن شهود فضلك عليهم وحقِّك عليهم، وأن تكون مُتَفانياً بشهود حقِّهم عليك وفضْلِهم عليك. هل تصدق؟ : فهل تصدِّقون: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أُمِر أن يحاوِرَ الطرف الآخر وكأنه مثلهم؟: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 24] إذا النبي سيِّد الخلق، قمة المجتمع البشري, يخاطب كافراً، مُشركاً, شارب خمر، عابد صنم، قال له: الحق معي أو معك؟ تعالَ كي نتحاور، الحق معك أو معي, فالنبي جعل الطرف الآخر في مستواه تماماً, هكذا الأدب: إن أردت أن تنقل الحق للآخرين, يجب ألا تسـتعلي عليهم. انظر إلى هذه الكلمة للشافعي : الإمام الشـافعي له كلمة: الحق معي وقد أكون مُخْطِئاً، وخَصمي مُبطل وقد يكون مصيباً. اترك احتمال، أنت على حق, هذا جيد، أحياناً تُخطئ وقد أكون مخطئاً: وخصمي مبطل وقد يكون مصيباً. الناس في هذا مراتب، أشرفُها أهل هذه المرتبة؛ أن تتفانى في رؤية حق الناس علي، وأن تتفانى في رؤية فضل الناس عليك، وأن تَغيب في رؤية حقِّك عليهم وفضلك عليهم, هذه أعلى مرتبة, أخسُّ هذه المراتب: أن ترى فَضْلك عليهم وألا ترى فضلهم عليك. ما وراء هذا المثل : هناك مثل وإن كان قاسياً: هذا الذي أعطيته مالاً فأنت ارتقيت إلى الله، ألك فضلٌ عليه؟ هناك من يرى العَكس، لولا أنه قَبِلَ مِنك هذا المال لحرمك هذا العمل الصالح, إنسان عَلَّمته، فالذي قبل أن يتعلَّم منك له فضل عليك، الذي قَبلَ أن يأخذ منك له فضل عليك، كن بهذا المستوى, هكذا يجب أن تكون نفسية الداعية، أنت في خدمة الخلق. كان عليه الصلاة والسلام يشرب آخر أصحابه، وكان في خدمتهم, وكان يصغي الإناء للهرَّة، وكان يرفو ثوبه، وكان يكنس داره، وكان في خدمة أهله -في مهنة أهله-, وتأخذ بيده الجارية, طفلة صغيرة تأْخُذه. هذا ما كان يصنع به نبيكم حينما يدخل بيته : مرة كنت ببلد في الخليج، مدير أضخم شركة في الخليج، فهي شركة بمستوى دولة ، جاءه هاتف، أنا لم أعرف من كان يكلِّم، قال لي: هذا الأفندي أعطاني توجيهات أن أوصله لعند رفيقه وأرجع, كان ذاك ابنه طفل صغير بالحضانة، رجل كبير هو في بيته واحد من أهل البيت, يعاون بكل شيء، يجلِس مع أولاده، وقد يركبون على ظهره، هكـذا فعلوا مع النبي، كانوا يرتحلونه، كان إذا دخل بيته بَسَّاماَ ضَحَّاكاً، كان يقول: ((أكرموا النساء, ما أكرمهنَّ إلا كريم, ولا أهانهنَّ إلا لئيم)) كان يقول: ((فَإِنَّهُنَّ الْمُؤْنِسَاتُ الْغَالِيَاتُ)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده] إذا دخل أحدنا بيته فهو واحد من أهل البيت، قد يأكل آخرهم أو يأكل وحيداً، إذا جاء لأهله ضيوف لا مانع أن تأكل منفرداً، ما الذي حصل؟ هناك أشخاص يعمل في البيت هَيْمنة، وعظمة، وسلطنة, وكَهَنوت، لا، الزوجة مريضة اخدمها، ابنك بحاجة إليك قدم له المعونة. ما يتعلق بمرتبة الفتوة : قال: هذه المرتبة أرقاها: أن تتفانى في رؤية فضل الناس عليك, تتفانى في رؤية حقهم عليك، وأن تغيب عن رؤية حقك عليهم، وفضلك عليهم. أخسُّ هذه المراتب: أن ترى فضلك عليهم ولا فضل لهم عليك، وأن ترى حقَّك عليهم وألا ترى حقَّهم عليك. هناك مرتبة وسط، أنا أقول: الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، وهناك أقوياء أخذوا ولم يعطوا، وهناك وسط أخذ وأعطى. هناك إنسان أعطى ولم يأخذ، فاللهمَّ صل عليه سيد الخلق، الذي عاش للخَلق، الذي ترك حينما توفَّاه الله عزَّ وجل الفضل، نشر الخير, نشر الإيمان، نشر الهدى, أين سكن؟ ماذا رَكِب؟ إلى أين سافر؟ كان بيته إذا أراد أن يصلي, لا تسمح مساحة غرفته أن يصلي, وأن تبقى زوجته نائمة، بيت صغير جداً. قال: أوسطهم من شهد هذا وذاك, أي عرف حقه على الناس وحق الناس عليه، وفضله على الناس وفضل الناس عليه. رجل قادم من أمريكا : ذات مرَّة قدِم أخ من أمريكا, ليس عنده إلا أن يمدح، يمدح، يمدح, فقلت له: أطلب منك شيئاً, كلَّما ذكرت ميِّزة تكلَّم عن سيئة، وكلمَّا تكلَّمت عن سيئة في الشرق تكلَّم عن ميِّزة، ساعة إذٍ أسمع منك، أما كل السلبيات تحكيها عن بلادك والإيجابيات كلها عن الغرب، ألا توجد هناك سلبيات؟ ألا توجد جرائم؟ ألا يوجد تفكُّك أسرة؟ ألا يوجد انهيار مجتمعات؟ ألا يوجد شـيوع جريمة؟ ألا يوجد شذوذ؟ ألا يوجد زنا محارم؟ كل شيء عندهم، إن تكلَّمت عن ميِّزة تكلَّم عن سيئة، وإن تكلَّمت عن سيئة في الشرق تكلَّم عن ميِّزة, ألا يوجد تماسك أُسَر؟ ألا توجد بقية أخلاق؟ ألا يوجد بعض الحياء؟. من مظاهر هذه المرتبة : من مظاهر هذه المرتبة: تركُ الخصومة، والتغافُل عن الزَلَّة, ونسيان الأذيَّة, فلا يُخاصم بلسانه، ولا ينوي الخصومة بقلبه، ولا يخطرها على باله, هذا في حق نفسه, وأما في حق ربه: أن يخاصم بالله, وفي الله، ويحتكم إلى الله. كما كان النبي -عليه الصلاة والسـلام- يقول: ((وبك خاصمت وإليك احتكمت)) أيها الأخوة, هناك عمل لعلَّه فَوق طاقة عامَّة المؤمنين، وهي المُعاكسة البنَّاءة؛ أي إذا إنسان أساء لك تحسن له: ((أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونُطقي ذكراً، ونظري عبرةً، وأن أعفوا عمَّن ظلمني، وأُعطي من حرمني، وأن أصل من قطعني)) هذه مرتبة عالية جداً؛ أيْ أن تقرِّب من يُقْصيك، وأن تقرِّب من يؤْذيك، وأن تعتذر إلى من يجني عليك سماحةً لا كَظْماً. هذا ما مدح الله به النبي : أيها الأخوة, آخر فكرة في الدرس: عندما مدح الله عزَّ وجل النبي بماذا مدحه؟ بالخُلُق، ولكن ألم يكن النبي قائداً فذاً؟ فعلاً، ألم يكن قاضياً حكيماً؟ ألم يكن متكلِّماً بارعاً؟ ألم يكن رجلاً سياسياً من الطراز الأول؟ ألم يكن زعيماً سياسياً؟ ألم يكن قائداً عسكرياً؟ ألم يكن ذكياً ذا فطانةٍ عَجيبة؟ ألم يكن ذا ذاكرةٍ مُذْهلة؟ لكن كل هذه الصفات ما مُدِحَ بها, لكنه مُدِحَ بخُلُقه العظيم، قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] لأن كل هذه القُدرات من الله عزَّ وجل أما الخلق مِنْه، الخُلُق عملية معاكسة للميول، فالحلم عملية ضَبْط، والكَرَم معاكسة لحُب المال, والشجاعة مُعاكسة لحب السلامة، والحلم معاكسة للانتقام، فالأخلاقي إنسان ضابط أموره، ضابط مشاعره، ضابط حواسه، ضابط لسانه ....: احـفـظ لســـانك أيـها الإنســانُ لا يـلـدغـنَّـك إنـه ثـُـعـبـانُ كم في المقابر من قتيل لســانــــه كانـت تهاب لقاءه الشجعــــان إذاً: لمَّا مُدِحَ النبي -عليه الصلاة والسلام- بِحُسْن الخُلُق, معنى ذلك: أن الخُلُق من كَسْبِهِ، أما القُدرات العالية جداً التي وهبَه الله إيَّاها من أجل الدعوة هذه مِن الله، ما الذي مِنه؟ حسن الخلق. أب يشتري لابنه سيارة, ويقيم حفل تكريم لابنه, بمناسبة أنه اشترى له سيارة, هذا حفل تكريم مضحك، اشترى بيتاً لابنه, فأقام حفل تكريم لابنه, لأنه تملَّك بيتاً، البيت منك, أما إذا ابنه أخذ الدرجة الأولى في الدراسة, وأقام له حفل تكريم, فهذا صح, لأنه من الابن، الدراسة والتفوق من الابن، أما المركبة والبيت من الأب، فلا معنى لتكريم الابن باقتناء بيت، أو باقتناء مركبة, ومعنى كبير إذا كرَّمت ابنك لأنه تفوَّق في الدراسة: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] الخلق العظيم كَسْبي، أما القُدرات الفكريَّة، والذاكرة، وطلاقة اللسان، والفصاحة، والحِكمة، وحُسن السياسة, هذه إمكانات أعطاها الله للأنبياء لينقلوا هذه الدعوة للناس، هذه وسائل نشر الدعوة. خاتمة القول : يروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج امرأة محدودة جداً, فوجِّهت أنه إذا دَخَل عليكِ, قولي: ((أعوذ بالله منك -يبدو أنها محدودة جداً-, فلما قالت له ذلك, قال: الحقي بأهلكِ)) . هذه دعوة، فإذا كانت إنسانة محدودة إلى هذه الدرجة, قد تسيء في نقل الدعوة، فالنبي لم يُبْقِها عنده، فإذاً: الدعوة تحتاج إلى فطانة، تحتاج إلى اهتمام، تحتاج إلى إدراك عميق، تحتاج إلى إحاطة، تحتاج إلى فهم مُرَشَّد، هذه من وسائل الدعوة، لذلك الله عزَّ وجل يهبها للأنبياء. ما الذي يرقى بالأنبياء؟ الخُلُق العظيم, ونحن ما الذي يرقى بنا إلى الله عزَّ وجل؟ الخُلُق الحَسَن: ومَنْ زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان. أرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه الحقائق إلى سلوك، وإلى واقعٍ نعيشه، نرقى بهذه الخُلُق. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#78 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة التعظيمالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مسألة فيها قياس : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السادس والسبعين من دروس مدارج السالكين، في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين، والدرسُ اليوم أو المنزلةُ اليوم: منزلةُ التعظيم. بادئَ ذي بَدء: كيف أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41] الأمر يتعلَّق بالذكر الكثير لا بمطلق الذكر, لأن المنافقين يذكرون الله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] فالمؤمن الصادق يذكر الله ذكراً كثيراً، الأمر هنا متعلِّق بالذكر الكثير، قياساً على هذه الآية: ﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحاقة الآية: 33] آمن بالله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر الآية: 3] إبليس قال: ربي ...: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ [سورة ص الآية: 81 ] آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن به خالقاً، وآمن بالآخرة: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 14] ولكن ما آمن بالله العظيم، يبدو أنَّ إيمانك بالله العظيم يحملك على طاعته، فكل إيمانٍ لا يحملك على طاعة الله, معنى هذا: أنه إيمانٌ لا ينفعك ولا يجدي، إن لم تعمل وَفْقَ ما تعلَم فلا قيمة لعلمك، العلم ما عُمِلَ به, فإن لم يُعمل به كان الجهل أولى. استنباط معاكس في هذه الآية : فإذا قال الله عز وجل: ﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحاقة الآية: 33] ضعف إيمانه بالعَظمة الإلهيَّة حملته على المعصية، فهناك آلاف الحالات: موظَّف يخالف تعليمات المدير, وهو يعلم أنه موجود، ويعلم أن هذه التعليمات تعليماتُه، ويعلم أنه يخالفها، يبدو لسببٍ أو لآخر أن هذا المدير غير محترم في نظره، وإذا سأله هو يسأله أيضاً، إذا حاسبه يحاسبه أيضاً, لأنه لم يَرَه عظيماً، فأجاز لنفسه أن يخالفَ تعليماته مثلاً, فيبدو أن الإيمان بالله العظيم لا بدَّ من أن يحملك على طاعة الله. الآن: يوجد لدينا استنباط معاكس: لو أن الإنسان ضعفت همَّته في طاعة الله، أو انتهك حُرُمات الله، أو قصَّر فيما أمره الله به، معنى ذلك: أن إيمانه باللـه العظيم أقل مما ينبغي، ضعف إيمانه حمله على المعصية. من علامة المؤمن : هذه المنزلة -منزلة التَعظيم- التي هي إحدى مدارج السالكين، في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, هذه المَنزلة تابعةٌ للمعرفة، تعظِّمُه بقدر معرفتك به، ولو جدلاً عرفته كما عرفه صدِّيقٌ, لعظَّمته كما عظَّمه صِدِّيق, التعظيم مُتعلِّق بالمعرفة، أذكر لكم بعض الأمثلة: لو أننا دعونا أكبر جرَّاح قلب في العالَم إلى زيارة بَلدنا، وخرج لفيفٌ من كبار أطبَّاء بلدنا لاستقباله، في المطار يوجد ألوف الأشخاص, هذا الذي وصل إلى بلدنا إنسان قد يرتدي ثياباً بسيطة، قد يراه بضعُ مئاتٍ من الناس في أرض المطار ولا يعرفون من هو، أما هذا الذي جاء لاستقباله، ويعرف حجمه العلمي، ويعرف سُمعته العالية، ويعرف براعته في إجراء العمليات الجراحيَّة, يستقبله, ويسلِّم عليه سلاماً حاراً مُفْعَماً بالتعظيم. كنت مرَّة في مسجد أُصلي المغرب، وكان يصلي في المسجد, رجل قصير القامة, مُنحني الظهر، يرتدي ثوباً أبيض، بسيط المظهر، أقبلت عليه, وسلَّمت عليه سلاماً, فيه مُنتهى التكريم، صديقٌ لي كان معي, قال لي: من هذا الذي أقبلت عليه هكذا؟ قلت: هذا كان عميد كُلِّيتنا، وهو من أعلم علماء بلدنا في النحو والصرف, كنت تلميذه، وكان عميد كُليتنا، وأعرف مؤلَّفاته، أعرف باعه الطويل في اللغة العربيَّة وفي علومها، أقبلت عليه -دون أن أشعر- بسلامٍ مُفْعَمٍ بالتعظيم، فأنت تعظِّم بني البشر بقدر ما تعرفهم. أهل الدنيا لو التقوا بإنسان حجمه المالي خمسة آلاف مليون مثلاً, يكادون ينحنون أمامه، الذين يحبون المال يعظِّمون أهل المال، هذا بل جتس معه مئة مليار دولار، هذا أكبر غَني في العالم، هو صاحب شركة ميكروسوفت للكمبيوتر, إنسان يحب المال، يلتقي ببل جتس, يكاد يركع أمامه تعظيماً له، المؤمن يعظِّم الله عزَّ وجل. من علامة المؤمن: أنه يعظم الله، وأنه يعظِّم رسله وأنبياءه, ويعظِّم المؤمنين، ويوالي كلَّ ما يتَّصل بأهل الإيمان، ولا يملأ عينه إلا أهل الحق، ولا يتأثَّرُ إلا بأهل الحق، ولا يعبأُ بإنسان يعصي الله. هذا الفرق بين المؤمن وبين أهل الكفر والعصيان : التقيت مرَّة إنساناً يحمل شهادتي دكتوراه، وشهادتين في حقلين متباعدين؛ واحدة في الفيزياء، والثانية في التربية, قال لي دون أن يشعُر: أنا لا أصلي, سقط من عيني, فهذا الذي خلقك من ترابٍ، ثم من نطفةٍ، ثم سوَّاك رجلاً, ألا ينبغي أن تعبده؟ ألا ينبغي أن تخضع له؟ ألا ينبغي أن تُقِرَّ بنعمه عليك؟ فالمؤمن يعظِّم أهل الإيمان, أما أهل الكفر والعصيان لا يعبأُ بهم، ولا يُلقي لهم بالاً. من سير العلماء الصالحين : يروى أن أحد العلماء الكبار كان في الحَرَم المَكِّي، فجاء أحد الخلفاء. قال له: سلني حاجتك؟ -هذا رأس مجتمع-. قال له: والله إني أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله, -أنا في هذا المكان لا أسأل إلا الله-, فلما التقاه خارج البيت الحرام. قال له: سلني حاجتك؟. قال: والله ما سألتها من يملكها، أفأسألها من لا يملكها؟! فلما أصرَّ عليه. قال: حاجتي أن تُدخلني الجنة. قال له: هذه ليست بملكي. فقال له: إذاً ليس لي عندك حاجة. يروى أن أبا جعفر المنصور التقى أبا حنيفة بن النعمان. قال له: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا؟ -أيْ تعالَ زرنا-. قال له: ولِمَ أتغشَّاكُم وليس لي عندكم شيئاً أخافكم عليه؟ وهل يتغشَّاكم إلا من خافكم على شيء؟ إنك إن أكرمتني فتنتني، وإن أبعدتني أزريتني,-ليس لي مصلحة-. ذكرت أن أهل الدنيا يعظِّمون الأغنياء، أما المؤمن الصادق قد يُعَظِّم إنساناً فقيراً جداً، في أدنى درجة اجتماعية, ولكن لأنه مؤمن ومستقيم يحتفل به. سيدنا الصديق من أرقى أرومات قُريش، فلما اشترى بلالاً من سيِّده، قال له سيده: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه. قال له: والله إن طلبت مني مئة ألفٍ لأعطيتكها, وضع يده تحت إبط بلال, وقال: هذا أخي حقاً. وأنتم يجب أن تعظَّموا أهل الدين؛ المؤمنون، المستقيمون, الأطْهار، الأَعفَّة، أما إنسان تارك صلاة، إنسان تارك السُنة، إنسان يتحرَّك وفق شهوته، هذا إنسان مسموحٌ لك أن تعامله معاملةً محدودة, مسموحٌ لك أن تقيم معه علاقات عَمل فقط، أما العلاقات الحميمة لا تكون إلا مع المؤمنين الصادقين. ما تفسير هذه الآية؟ : فعلى قَدْرِ المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القَلب: أعرف الناس بالله عزَّ وجل أشدّهم له تعظيماً وإجلالاً. وقد ذمَّ الله تعالى من لمْ يعظِّمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صِفته، وأقوالهم تدور على هذا فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [سورة نوح الآية: 13] ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [سورة نوح الآية: 14] قال ابن عبَّاس ومجاهد: ما لكم لا ترجون لله عظمةً؟. وقال سـعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمةٍ؟. وقال بعضهم: ما لكم لا تخافون الله حقَّ الخوفِ منهُ؟. وقال بعض العلمـاء: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يُثيبكم على توقيركم إيَّاه خيراً؟. قال بعض العلماء: روحُ العبادة الإجلال والمحبَّة، فإذا تخلَّى أحدُهما عن الآخر فسدت. تعريف العبادة : فكما أقول لكم دائماً: العبادة غاية الخضوع مع غاية الحُب، إجلال ومحبَّة، إجلال بلا محبة العبادة فاسدة، محبة بلا إجلال كذب والعبادة فاسدة. روح العبادة الإجلال والمحبة, فإذا تخلَّى أحدهما عن الآخر فسدت، فإذا اقترن بهذين الثناء على المحبوب المُعَظَّم, فذلك حقيقة الحمد, والله سبحانه وتعالى أعلم, إجلال ومحبة وثناء. أنواع التعظيم : لو دخلنا في تفاصيل هذا الموضوع، أول التعظيم: تعظيم الأمر والنهي. ليس الوليٌ الذي يمشي على وجه الماء، وليس الوليُّ الذي يطيرُ في الهواء، ولكن الوليَّ كل الولي: الذي تجده عند الحلال والحرام, أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك. إذاً: أول أنواع التعظيم: تعظيم الأمر والنهي، ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: ألا يشوبَهُما تَرَخُّصٌ جافٍ، أو تشددٌ غالٍ، فهناك وضع وسطي، وضع معتدل، وضع سليم، وضع قياسي، فإذا تساهلت هذا التساهل, يعني أنك لا تعظِّم الله عزَّ وجل، وإذا غالَيْت معنى ذلك: أنك لا تعظِّم الله عزَّ وجل، فالغلوُّ يُقابل التفريط، أو العبادة الحقة بين الإفراط والتفريط. قال: هناك أمران يُنافيان تعظيم الأمر والنَهي، أحدُهما التَرَخُّص الذي يَجْفو بصاحبه عن كمال الامتثال، أيْ يُصلي كنَقر الديك، يصوم ويغتاب، يصوم ويطلق بصره في الحرام، يحجُّ بيت الله الحرام وهو ساهٍ ولاهٍ، ولا يعنيه إقباله على الله بقدر ما يعنيه أداء المَناسك فقط. تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب : حدثني أخ، قال لي: أصلي العصر يوم عرفة بجدَّة, ما هذا الكلام؟ أركب سيارتي من جدة إلى مكة, الطريق خالٍ, لا يوجد فيه إنسان, أدخل الكعبة, أطوف سبعةَ أشواط في أقلَّ من ربع ساعة، لا يوجد أحد فالناس كلهم في عرفات، ثم أتَّجه نحو عرفات وأوقف سيارَتي في أوَّل عرفات، فإذا غابت الشمس عدت أدراجي إلى منى والطريق فارغ، لأنني أول سيارة ، قال لي: أصلي المغرب والعشاء في مزدلفة -جمع- ثم أتجه إلى منى، وأرجم الجمرات أول إنسان، وأنزل وأطوف البيت طواف الإفاضة في الليل، وأوكِّل برجم الجمار في الأيام التالية، وأعود إلى بلدي . قلت له: هذا حج، ثماني ساعات فقط, قلت له: هذا الحج يُشبه من دُعي إلى طعام نفيس، والمضيف واضع سجل زيارات، فجاء ووضع -م - أيْ موجود، ووقع، ورجع, ولكن لم يأكل شيئاً، سجَّل حضور, ولكنه لم ينتفع بالدعوة . فالعبادة إذا تساهلنا بها, فهذا من عدم تعظيم الله عزَّ وجل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج الآية: 32] تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب. رأي الفقهاء في هذه المسألة : إذا شدَّدنا على الناس ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. امرأة جاءتها الدورة قبل طواف الإفاضة, والمسؤول صاحب مَذهب متعصِّب، قال لها: عليكِ بدنة، بركت كالبدنة, امرأة لم تستطع أن تطوف طواف الإفاضة بسبب الدورة، فعند بعض المذاهب عليها بدنة, أيْ مئة ألف ليرة، وهي لا تملك شيئاً منها، شدَّد، لا يوجد عندي غير هذا الحل, ألا يوجد مذهب ثانٍ؟ أبداً. كذلك التشدُّد: تكليف الناس ما لا يستطيعون، وحملهم على ما لا يستطيعون، والتضييق -تضيق المسار- إلى درجة ممر إجباري ضيِّق, هذا ليس من شأن الدين العظيم، طبعاً عند السادة الشافعية: تغدو أميرة الحج، ينتظرُها فوجها، وعند المالكية: تطوف البيت ولا شيء عليها، فإذا كانت موسرة نقول لها: عليكِ بدنة، انفعي الفقراء، وإن كانت مقيمةً، إن كان لها قريب مقيم في جدَّة أو في مكة, نقول لها: اجلسي عند ابنكِ وانتظري سبعة أيام، وطوفي وعودي إلى بلدكِ، هذا عند السادة الشافعيَّة، وإن كانت مُلْحَقَةً بفوجٍ وفقيرةً، وليس لها أحدٌ في هذه البلاد, نقول لها: طوفي البيت ولا شيء عليكِ على مذهب الإمام مالك، ولولا مالك لكان الدين هالك. هذه توسعة، لا تضيِّق، هناك من يضيق إلى درجة الاختناق, فالمتشدِّد يقابل المتساهل، وكلاهما لا يعظِّمان أمر الله عزَّ وجل. ما وراء هذا المثال : آتي بمثل قريب: كنا بالخدمة الإلزاميَّة، ففي نظام بالطعام، إذا كان هناك أمر معين, صدر أثناء الطعام: يجب أن تقف عن الطعام، طالب ضابط يصب شاي، فإذا سمع أمر التوقُّف, لا يغيِّر يده ولا شعرة، هذا الإبريق يفرغه في الكأس, وينساب الشاي، ينفِّذ الأمر، قال الآمر: اسكت, فانتهى، مرة فرَّغ إبريق بأكمله على الطاولة، إنه ينفذ الأمر، أليس هذا مستهزئاً بالآمر؟ تثبيت, يدَّك بصب الـشاي في كأس، حتى يفرغ الإبريق كله، وأنت تنفِّذ التعليمات بدقَّة، قال لك: اسكت، انتهى الأمر، هذا استهزاء، فالمغالي كالمفرِّط، فالذي يبالغ كأن يقول لك: بسورة الفاتحة أربع عشرة شدَّة، إذا نقصوا واحد فكل صلواتك باطلة, هذه مغالاة -غلوّ-, فإذا شخص من غير العرب, وعنده لكنة في كلامه، وعنده حال مع الله رائع جداً, ولكن ضبطه غير صحيح، فهل هذا ذهب لجهنم؟!. من علامة تعظيم أمر الله : ذات مرَّة كنَّا في درس من دروس جامع النابلسي، دخل رجل -توفي رحمه الله- بأعلى صوت, والجامع مُمْتَلئ عن آخره, وقال: كل واحد ليس على رأسه طاقيَّة فصلاته باطلة, قلت: بهذه البساطة؟ فالذي يُغالي كالذي يفرِّط. من علامة تعظيم أمر الله: ألا تغالي وألا تفرِّط. كان عليه الصلاة والسلام أخفَّ الناسِ صلاةً في تمام. حدَّثني أخ ذات مرة كان في تعزية، قال لي: بعد ما انتهى القرآن, دعا الشيخ خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة، ثلث ساعة، خمس وعشرون دقيقة، قال لي: غفلت، متعب, فنمت، استيقظت, قال له: أين وصل؟ أيعقل أن يكون الدعاء ساعة مثلاً؟! هذا غلو، عندما تحمِّل الناس فوق طاقتهم يملون الدين. قف هنا : أخ قال لي: لماذا لا يكون درسنا ما بين المغرب والعشاء بالضبط؟ قلت له: في الصيف بين المغرب والعشاء ساعة ونصف بالضبط, فهل أنت تتحمَّل درس مدَّته ساعة ونصف؟! أول ربع ساعة نشيط، ثاني ربع ساعة متحمِّس، ثالث ربع ساعة تضجر، الرابعة يجوز أن تسب المتكلم -مثلاً-, المفروض أن تجلس إلى الدرس, وأنت تشتهي سماع الدرس, وأن ينتهي الدرس وأنت تشتهي متابعة الدرس، أنا درسي خمسون دقيقة, وأحياناً أربعون دقيقة، أنا هكذا قناعتي، فخلال تعليم ثلاثين سنة, وجدت أن الإنسان طاقة استماعه خمسين دقيقة, أعلى شيء وأربعين أفضل, فأجعله يأتي بشوق، وينتهي الدرس, وهو بشوق أفضل. بالمناسبة: مرة في العمرة وفي المسجد النبوي، أنا أحب أن أحضر دروس علم, وأنا في العمرةِ أو الحج، وهناك في المدينة المنورة, رجل أحترمه جداً, له درس فقه، ودرسه عميق، فأنا حريص على حضور درسه، فذات مرة حضرت الدرس, فإذ بي أتعب تعباً شديد جداً، وطال الوقت بشكل غير معقول، قلت: سبحان الله! يجب على كل الدعاة حضور درس علم لغيرهم، كي يعرفوا قيمة الوقت, فالمتكلِّم لا يشعر بالوقت, ولا يتعب، ولا يعطش، ولا يشعر بالحر ولا بالبرد لأنه في نشاط. أقل لك مثلاً أوضح: حينما كنت طالباً في الجامعة، كيف تمضي الساعات الثلاث في الامتحان؟ كانت تمضي كلمح البصر، ثلاث ساعات، من شدة الاهتمام والتفاعل مع الأسئلة والورقة تمضي بسرعة, وبعد هذا علَّمت في الجامعة حوالي خمس وعشرين سنة، قل لي: ما هو أصعب شيء في الجامعة؟ المراقبة، نجلس، يمضى وقت طويل، ثلاث دقائق مضت، أعوذ بالله، فأقلب الساعة بالعكس، اصبر اصبر ثلاث ساعات تمضي وكأنها دهر، الوقت نسبي يثقل ويَخِف، هكذا قال الشاعر: إن يَطُل بعـدك ليلي فلـكم بِتُّ أشكو قصر الليل معك الشاعر مع المحبوب لا يشعر بطول الليل, ويعاني من طوله بعد الفراق. فالمتكلِّم لا يتعب، ولا يشعر بالحر، ولا بالقَر، ولا بالجوع، ولا بالشبع، ولا بالعطش، ولا بالرّي، ولا بالوقت، من الذي يشعر بثقل؟ المستمع. فكان عليه الصلاة والسلام يتخوَّل أصحابه في الموعظة، وأنا أفضِّل أن أُنتقد بقصر الدرس عن أن أنتقد لطول الدرس، وأرجو الله أن أكون على صواب. نقطة هامة : إذاً: التعظيم بين الإفراط والتفريط، فالترخُّص كما هذا الذي حج في ثماني ساعات، فالترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، والغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي. -هناك إنسـان يبقى في الحمَّام أربع ساعات، هذا عنده داء الوسوسة، في إنسان يقضي حاجة بساعة أحياناً-. وما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغلو . -أبداً، كل أمر إلهي الشيطان له نَزْغَتان: إما إلى إفراطٍ وغلو, أو إلى تفريطٍ وإضاعة-. ودين الله وسطٌ بين الجافي والغالي؛ كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسطُ بين الطرفين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيعٌ له، فالغالي فيه مضيعٌ له، هذا بتقصيره عن الحد, وهذا بتجاوزه الحد. هناك كثير من الفتاوى فيها تشدُّد غير معقول، فكلمة خطأً قالها الزوج طلَّقوا له زوجته. أعرف أُناساً إذا لبس نعل زوجته تطلق امرأته، لماذا؟. قال: لعن الله المتشبهين بالرجال مِن النساء. والمتشـبه ملعون، والملعون كافر، والكافر تطلق زوجته، ما هذا الكلام؟ هذا غلو غلوٌ أو تفريط، هذا من عدم تعظيم الآمر. أنواع الغلو : 1-نوع يخرجه عن كونه مطيعاً : أما الغلو، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [سورة المائدة الآية: 77] الغلو نوعان: نوعٌ يخرِجه عن كونه مطيعاً، كمن زاد في الصلاة ركعةً، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالصخرات الكِبار، أو سعى بين الصفا والمروة عشراً، أو نحو ذلك عمداً، ففي زيادة تقلب الطاعة معصيةً, وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, ولَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه] وكل إنسان يزيدُ على منهج رسول الله، فإنه يفعل مزاودةً رخيصة، أنا أسميها مزاودة لا أسميها ورع، لست أورع من النبي، وليس منهجك أقوم من النبي، ومنهج النبي -عليه الصلاة والسلام- كافٍ كي ترقى به إلى أعلى عليين. أحد الناس أراد أن يُحرم قَبل الميقات، نهي عن ذلك, فقال: كيف تنهاني وأنا في عبادة؟ فقال له المنتقد: وهل من فتنةٍ أشد من أن ترى نفسك سبقت رسول الله؟!. الآن يوجد أشخاص -هكذا بلغني-, يمنعون الزوجَ من رؤْية أم زوجته، هكذا أورع، هذا غلو، الله سمح لك أن ترى أم زَوْجتك، هناك أُناس يمنعون زوجاتهم من المُعالجة عند الأطبَّاء, أحياناً يكون مرض ما فيه اختصاص إلا عند طبيب، لا توجد امرأة . 2-غلو يخاف منه الانقطاع والاستحسار : قال: وهناك غلوٌ يخاف منه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كله, -هذا فوق طاقة الإنسان. الصحابة ما صلوا من الليل إلا ثماني ركعات فقط، طوال الليل ألا ينام أبداً؟ غير معقول هذا الكلام، لو حمل نفسه على قيام الليل كله, هذا الشيء لا بدَّ من أن ينقطع ولا يستمر، إذاً-: هناك غلوٌ يخاف معه الانقطاع والاستحسار كقيام الليل كلِّه، وصيام الدهر جميعاً, بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد, -خمسة آلاف مرة أذكر الله عزَّ وجل، مئتا مرة تحتاج إلى ربع ساعة, الخمس مئة تحتاج ربع ساعة، قد يكون خمس أو ست ساعات- أو أنفق مالك كله. هذا غلو أيضاً، المال قِوام الحياة، عندك زوجة وأولاد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ, وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَأَبْشِرُوا, وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه] أيْ ارتاح، فإذا الإنسان أقال في رمضان، أقال ظهراً, فالقيلولة كانت له عوناً على قيام الليل، الإنسان ينام، وينام بعد الظهر، ويرتاح ويصلي، لكي يكون نشيطاً. رسالة إلى المعتمرين والحجاج : أنا أنصح أخواننا المعتمرين والحجَّاج: إذا وصلت إلى بيت الله الحرام, إياك أن تدخل بيت الله الحرام مباشـرةً, لماذا؟ أنت منهك من السفر، الطائرة عدة ساعات، وعلى الحدود، وفي المطار ساعتين أو ثلاثة، والتفويج ساعتان، أنت منهك، فالجسم له حق, فإذا دخلت مباشرةً, قد لا تجد نفسك هذا الإقبال، وهذا التألُّق، فتصاب بنكسة، فاذهب إلى البيت وارتح ساعاتٍ طويلة، واغتسل وادخل بيت الله الحرام نشيطاً، كي يكون النشاط عوناً لك على الاتصال بالله عزَّ وجل. وقد قال صلى الله عليه وسلَّم: ((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ, فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُد)) [أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننه] ((لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ -أي مادام نشيطاً-, فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)) يرتاح. وفي صحيح مسلم: عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- أنه قال: ((هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون . قالها ثلاثاً)) وهم المتشددون؛ أيْ أنَّ النبي قال: من كانت ناقته حرون فلا يذهب معنا . هناك إنسان من الصحابة خالف، وذهب مع النبي في الجهاد بناقة حرون، فوقع من على ظهرها ودُقَّت عنقه, فلم يصل الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح البخاري: عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم-: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون, فو الله لا يمل الله حتى تملوا)) فترة ربع ساعة, كل يوم اقرأ خمس صفحات قرآن، لو ألزمت نفسـك بجزء قد لا تستطيع، لديك وقت وطاقة اقرأ جزءاً، أما الحد الأدنى خَمس صفحات، اعمل لنفسك برنامجاً معقولاً تستطيع أن تفعله كل يوم، إذا لزمت درس علمٍ حافظ عليه. ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم, ومالك في الموطأ] وفي حديثٍ آخر: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إن هذا الدين متين, فأوغل فيه برفق، ولا تبغِضَّن إلى نفسـك عبادة الله)) أشد أنواع التعظيم : وقال بعض العلماء: أشد أنواع التعظيم: تعظيم الحَق سبحانه وتعالى, وهو ألا يجعل دونه سبباً، ولا يرى عليه حقاً. من تعظيم الله عز وجل : 1- أن تعتقد أنه ليس بينك وبينه حجاب, وليس بينك وبينه واسطة : من تعظيم الله عزَّ وجل: أن تعتقد أنه ليس بينك وبينه حجاب, وليس بينك وبينه واسطة، إذا قلت: يا رب, قال لك الله: لبيك يا عبدي, يا رب تبت إليك, يقول لك: يا عبدي وأنا قد قبلت. من البِدَع مثلاً: أن نُكّلِّف إنساناً يعمل لنا استخارة، استخر أنت، ليس بينك وبين الله حجاب, أنت استخر الله في هذا الأمر، الاستخارة بالنيابة لم ترد عن رسول الله أبداً, النبي علَّمنا أن نستخير الله نحن مباشرةً. فلا يوصل إلى الله إلا الله، ولا يقرِّب إليه سواه، ولا يُدني إليه غيره، ولا يتوصَّل إلى رضاه إلا به، فما دل على الله إلا الله, ولا هدى إليه سواه، ولا أدنى إليه غيره، فإنه سبحانه هو الذي جعل السبب سبباً, فالسبب وسببيَّته وإيصاله كله خلقه وفعله . لا يوجد إلا الله عزَّ وجل، أما إنسان له شيخ، عالم جليل، مرشد حكيم, هذا مُسَرِّع، وأقوى دليل، قال: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان الآية: 27] هذا رفيق من أعلى مستوى: ﴿اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [سورة الفرقان الآية: 27] الشيخ والمرشد هذا يعينك بعلمه أو بحاله، أما أن يكون هو الوسيط الوحيد، لا، ليس بينك وبين الله حجابٌ أبداً. 2- ألا ترى لأحدٍ من الخلق لا لك ولا لغيرك حقاً على الله, بل الحق لله على خلقه : والشيء الثاني في تعظيم الله عزَّ وجل: ألا ترى لأحدٍ من الخلق لا لك ولا لغيرك حقاً على الله، بل الحق لله على خلقه. إذا أحد من الناس وجد بيتاً، هو إنسان غني, وجد بيتاً بثلاثمئة مليون، أربعمئة متر, له إطلالة جميلة، فيه كل وسائل الراحة، فدفع المبلغ عداً ونقداً، وسجله بالدوائر الرسمية، لو أنه التقى مع صاحب البيت الأول, هل يرى لصاحب البيت عليه فضلاً؟ لا، أخذ حقَّه الكامل، وقد يكون دفع أغلى من ثمنه, يقول له: ليس لك فضل، أخذت حقَّك كاملاً. بيت ثمنه ثلاثون مليوناً، قدَّمه لك صاحبه, وقال لك: ادفع فقط ثمن المفتاح، أنا معي مفتاح واحد, خذه وانسخ منه نسخة, واسكن في البيت، لو التقيت مع صاحب البيت بعد يومين ، كيف تسلِّم عليه؟. حينما تعتقد أنك دخلت الجنة بعملك فأنت لا تعرف الله، أنت دخلت الجنة بسبب لا بثمن، أنت لم تدفع ثمنها بل دفعت سببها، كل عملك الصالح في الدنيا هو سبب لدخول الدنيا، كل العمل الصالح؛ من صلاةٍ, وصيامٍ، وحَجٍ، وزكاةٍ، وغض بصرٍ، وتحري حلالٍ، وخدمة الخلق, كل هذا العمل يساوي ثمن مفتاح الجنة، فأنت دخلتها بسبب لا دخلتها بثمن، فالجنة مَحْضُ فضلٍ، والنار محض عَدلٍ، فأنت حينما ترى أن لك حقاً عند الله، أنت بهذا لا تعرف الله ولا تعظِّمه، ليس لك عنده شيء: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 1] خلقك ولم تكُ شيئاً، هو من كرمه وفضله, أنشأ لك حقاً عليه, إذا عبدته حقَّ العبادة . ما هي حقوق العبيد على الله عز وجل؟ : قال: وأما حقوق العبيد على الله عزَّ وجل: من إثابته لمُطيعهم, وتوبته على تائبهم، وإجابته لسائلهم، فتلك حقوقٌ أحقَّها الله سبحانه على نفسه بحكم وَعْدِهِ وإحسانه، لا أنها حقوقٌ أحقّوها هم عليه. أنت وجدت إنساناً ليس لك عنده شيء أبداً, قال لك: أنا سأعطيك بيتاً, إذا أنت قلت له: أين البيت؟ -بنبرة قاسية-, سيقول لك: أي بيت هذا؟ هل لك عندي شيء؟ يجب أن تطلب منه البيت بلطف, لأنك ليس لك عنده شيء أبداً، فإذا توهم الإنسان أن له حقاً على الله، هذا فيه جهل كبير، وهذا من عدم تعظيم الله عزَّ وجل، أنت عبدُ إحسان، أنت خُلقت للجنة برحمة الله عزَّ وجل، والجنة مَحْضُ فضلٍ. تعظيمُ الله عزَّ وجل من مدارج السالكين، في منازل إياك نعْبد وإياك نستعين، والتعظيم مقترن بالمعرفة. متى تعظم الناس ومتى لا تعظمهم؟ : أنا التقيت مرة مع إنسـان لا أعـرفه أبداً, -وبيننا عمل علمي-, فقلت له: إذا احتجت لشيء باللغة العربيَّة فأنا مختص, قال لي: أنا معي اختصاص عربي كذلك، وبعد هذا ظهر لي أنه خطَّاط كذلك، ورسَّام, وشاعر, ومخرج للمَقالات، فأنا كلَّما ذكر صفة لي وأراني الأدلَّة والخطوط، والقصائد الشعرية، والاختصاص، كلَّما قدَّم لي ميزة من ميزاته كبر بنظري. أحياناً: إنسان لا تعرفه فإذا جلست معه عرفته، فأنت تعظِّم الناس بقدر معرفتك بهم ، وقد لا تعظِّمهم بقدر جهلك بحقِّهم. من ثمرات التعظيم : على كلٍ؛ تعظيم الله عزَّ وجل مقترنٌ بالمعرفة، فمن عرف الله عظَّمه، والتعظيم من أكبر ثمراته طاعة الله عزَّ وجل، وأيُّ عبدٍ لا يطيع الله, التشخيص المرضي لهذه الحالة: أن تعظيمه لله ضعيف، لأن تعظيمه لله ضعيف حمله على معصيته, ويستوي المُفْرِط والمُفَرِّط، والمُبالغ والمُقصِّر. هذا ما أقره مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عقد في جدة : أنت بالمبالغة تكرِّه الناس بدين الله, مثلاً: ورد أن الكحول نجسة، فالكحول خمر، فإذا أحد عطَّرك عطراً كحولياً -استعمال خارجي-, هناك من يَخْرُج من جلده نجس، فهل هو كالغائط؟ لا، مجمع الفِقه أقرَّ أن هذه نجاسة مخفَّفة حُكْمِيَّة، وتذهب بطيرانها، طبعاً الأولى ألا تتعطَّر قبل الصلاة بعطر كحولي، أما لو أحد عطَّرك وهذا اسـتعمال خارجي وليس داخلي ونجاسةٌ حكميةٌ معفوٌ عنها، ومؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جدة أقرَّها. إنسان يكرِّه الناس، يكون إيمانه ضعيفاً، أو حديث عهد بالإسلام إذا معه زجاجة عطر، فيقول له أحدهم: هذه نجسة, هذه مبالغة، أنت ورع لا تستعملها، أما إذا عطَّرك لا توجد مشكلة الآن، فهناك أمامه مراحل طويلة جداً قبل أن يصل إلى هذا الحُكم الشرعي، هناك من يُشَدد, يبالغ. يدخل إلى بيت يجد فيه صورة، صاحب البيت في الأصل لا يصلي، فيقول له منكراً: حرام, كلِّم إنساناً عرف الله عزَّ وجل وبقي عليه الفروع، أما هو أصول الدين مهزولة عنده، فإذا خاطبته بفروع الدين أنكر عليك أشد الإنكار, قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل الآية: 125] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#79 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة البرقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما الدليل من الكتاب على منزلة البرق؟ : أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس السابع والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة البرق، كتقديم لهذه المنزلة: العبد أحياناً يطيع ربه فيكرمه، وفي أحيان أخرى يكرمه فيطيعه، فالله عز وجل خبير بالنفوس، أحياناً يكون سير المؤمن طبيعياً، تبرق له ومضات من أنوار الله عز وجل، فيمتلئ قلبه سعادة، ويشعر أنه يحب الله حباً شديداً، فهذه البوارق التي تلوح أمامه قد تدفعه إلى السير الحثيث في طريق الإيمان، وقد يسأل أحدكم: ما دليل هذه المنزلة في كتاب الله؟ أقول: وهل يغيب عن الوجدان قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [سورة طه الآية: 9 – 10] هذا ما يجذب الله به العبد إليه : كم سمعت من أخ كريم, دخل مسجداً, شعر براحة لا توصف, استمع إلى شريط, وجد أنه اهتدى إلى نفسه فعرفها، هذه معونة من الله, الأمور قد تكون أقل من ذلك، ولكن ربنا عز وجل حينما يعلم صدقك وإخلاصك، وحينما يرى أن لك مطلباً عالياً، يجذبك إليه بطريقة أو بأخرى، الله عز وجل يملأ قلب المؤمن سعادة، يملأ قلبه طمأنينة، يملأ قلبه راحة، يملأ قلبه غنى, يشعره أنه في رعاية الله وحفظه، طريق الإيمان يحتاج إلى جهد كبير، والذي ينسيك هذا الجهد ثمرات هذا الطريق. هذه حقيقة الإيمان : الحقيقة: الإيمان كله قيود، المؤمن مقيد، والإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن، في كل حركة، وفي كل سكنة، في بيتك، في فراشك، مع أهلك, مع أولادك، في أثناء استحمامك، في أثناء سيرك, في بيعك، في شرائك, في سفرك، في إقامتك، في علاقاتك، في أفراحك، في أتراحك، في منازل دقيقة، افعل ولا تفعل، يجوز ولا يجوز, حرام وحلال، ينبغي ولا ينبغي، فحياة المؤمن كلها قيود، والقيود سميتة مجازية، هي في الحقيقة حدود، حدود لسلامتك لا قيود لحريتك. من البروق التي تجلب العبد إلى الله عز وجل : انظر إلى إنسان يطبق منهج الله عز وجل, تراه رافع الرأس دائماً، تراه يعيش في نفسية ملك، لأنه حر, لا مأخذ عليه، لا إنسان يهدده بتهمة مالية، لا إنسان يهدده بتهمة أخلاقية, لا إنسان يهدده بتهمة سياسية، لأنه طبق منهج الله فأصبح حراً: كن للحق عبــــداً فعبد الحق حــــر قد تجد إنساناً درجته متوسطة في الحياة، أو ربما كان في الدرجات الدنيا، ولكنه رافع الرأس، غني بالله، راض عن الله، فهذه البارقة، لولا أن الله يجعل لك من أنواره بروقاً تبرق أمامك، لما أقبلت على هذا الدين، الله جل جلاله: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 7] فالإيمان محبب، أنت لما تخطب ود الله، الله يقابلك بأضعاف مضاعفة من الود، قد لا تراه بعينك، ولكن تشعر به في قلبك، تشعر أنك في عين الله، تشعر أنك في حفظ الله، تشعر أن الخلق كلهم ممنوعون أن يصلوا إليك، تشعر أن لك معاملة استثنائية، هذه من البروق التي تجلبك إلى الله عز وجل، كما أنك تخطب ود الله, الله عز وجل يكافئك على هذا الإخلاص, بعطاء من نوع خاص، بعطاء عز على أهل الأرض جميعاً على أهل الأرض الشاردين، قد يعطي الله المال لمن يحب ولمن لا يحب, وقد يعطي الصحة لمن يحب ولمن لا يحب, وقد يعطي الذكاء لمن يحب ولمن لا يحب، وقد يعطي الجمال لمن يحب ولمن لا يحب، ولكن هذه السكينة التي هي تملأ قلب المؤمن، والتي تبرق أنوارها أمام عينيه، لا يعطيها إلا لمن يحب: إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين. من آيات القرآن الكريم التي تهز مشاعر المؤمن : من آيات القرآن الكريم التي تهز مشاعر المؤمن، حينما خاطب الله سيدنا موسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-, قال له: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه الآية: 41] الله عز وجل اشترى من هؤلاء السابقين أنفسهم, وباعوها بيعاً صحيحاً، اشترى أنفسهم وأموالهم، الله اشترى وقتهم, اشترى طاقاتهم، اشترى قدراتهم، اشترى اهتماماتهم، اشترى فراغ وقتهم: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [سورة التوبة الآية: 111] هؤلاء السابقون السابقون، لهم عند الله شأن كبير، لا تشفق لحالهم، أشفق أنت على حالك. قال: مرة عالم شاب أقبل الناس عليه إقبالاً شديداً، فأثار حسد الخبراء، الحسد موجود، يبدو أنهم كادوا له, وطعنوا به، واستسهلوا أن يصغروه أمام الناس, فجاءه أحد الناصحين، قال له: والله يا فلان إنني أشفق عليك مما يقوله عنك الناس، قال: هل سمعت مني عنهم شيئاً؟ قال: لا، قال: عليهم فأشفق، عليهم فأشفق. لا تشفق على المؤمن المطمئن أشفق على نفسك : المؤمن حينما خطب ود الله عز وجل، وملأ الله قلبه سعادة وطمأنينة، لا تشفق عليه أشفق على نفسك، أهل الدنيا بموازين الدنيا السخيفة يقيموا بها أهل الإيمان. فقد تجد إنساناً من أهل الدنيا، من أهل اليسار، يسأل مؤمناً: كم دخلك؟ فإذا ذكر الحقيقة قال له: كيف ترضى به؟ كيف تعيش به؟ أنت الآن تقيسه بمقياس مادي سخيف, لو أنك قست نفسك بميزانه لكنت دون الصفر، هذا يعرف الله، هذا يعرف منهج الله, هذا يسعى لمرضاة الله: اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم, فأقرر أعيننا من رضوانك. إذا تباهى الناس بدنياهم، بقصورهم، بمزارعهم, بمركباتهم، بأرصدتهم المكدسة، بأولادهم النجباء، بزوجاتهم الحسناوات, تباهى أنت برضوان الله، لأن هذا الرضوان هو الذي يبقى بعد الموت، أما هذه الدنيا العريضة تنتهي في ثانية واحدة، الذي جمعه الإنسان في عمر مديد, يخسره في ثانية واحدة. البرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة : إذاً: ﴿وهل أتاك حديث موسى، إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا﴾ فهذه النار التي رآها موسى -عليه السلام- كانت مبدأ في طريق نبوته، والبرق كما قال العلماء: مبدأ طريق الولاية التي هي وراثة الأنبياء. وليست الولاية بالمعنى القرآني: أن يكون الإنسان نصف مجنون شكله رث، هذه معانٍ لا علاقة لها بالولاية القرآنية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 62-63] وعلى كلٍ منا أن يكون ولياً لله، والبرق مبدأ في طريق الولاية التي هي وراثة النبوة. تعريف البرق : يعني قال بعض العلماء الراشدين: البرق نور يقذفه الله في قلب العبد ويهديه له، فيدعوه بهذا البرق إلى دخول طريق الإيمان طريق الصادقين. ما الذي يدفع الإنسان إلى بيت الله؟ إلى إنفاق ماله؟ إلى إنفاق وقته؟ إلى خدمة المؤمنين؟ أحياناً فتاة فيها مسحة جمال تبرق لشاب, فينسى دراسته, وينسى مستقبله، وينسى عمله، وقد ينفق عليها كل ثروته، وهي فتاة من خلق الله، فكيف إذا لاح لك من أنوار الله لائح؟: فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــــا ولو سمعت أذناك حسن خطابنــا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــا ولو ذقت من طعم المحـبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــا ولو نسمت من قربنا لك نسـمة لمــت غريـباً واشــتـياقاً لقربنا ولو لاح من أنوارنا لك لائــح تــركت جميـع الكائـنات لأجلــنا قف هنا : قد يقول أحدكم: ليس في هذه الأرض كلها أسعد مني, وذلك عندما يكون في ساعة من ساعات الوصال مع الله، بساعة من ساعات القرب, بساعة من ساعات المناجاة، في ساعة من ساعات السكينة، قد تشعر أنك ملكت الدنيا، أنك في أعلى مرتبة في الدنيا, إذا سمح الله لك أن تتصل به, عندما يحفظ الإنسان حدود الله جيداً، يقف ليصلي، فتأخذه الخشية في الصلاة، تصبح الصلاة متعته الوحيدة، وصدق رسول الله: ((أرحنا بها يا بلال)) من صفات العبد الذي برقت له أنوار الحق : 1- تعظم عنده النعمة مهما دقت : هذا الذي اندفع مع بوارق أنوار الله عز وجل، ما صفاته؟ العبد الذي برقت له أنوار الله عز وجل يستكثر القليل من عطاء الله، إذا سلمه يقول: ربي لك الحمد, يشكر الله على أي عطاء إلهي. كان عليه الصلاة والسلام إذا خرج لقضاء حاجته يقول: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني, وأبقى لي ما ينفعني. كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت. إذا ارتدى ثوباً, إذا نظر إلى المرآة, يقول: يا رب كما حسنت خلقي فحسن خلقي. نعمة السلامة، ونعمة الصحة، ونعمة أمن, لك مأوى, وبيت, وأولاد، هذه نعم كثيرة، فعلامة هذا الذي برقت له أنوار الله عز وجل: أدق النعم سيعظمها، والشارد عن الله عز وجل أجل النعم يستصغرها, أنت من خوف الفقر في فقر، من خوف المرض في مرض، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها. أول علامة من علامات منزلة البرق: من برقت أمامه أنوار الله عز وجل فهام بها: هذا تعظم عنده النعمة مهما دقت، إذا نظر بعينيه، إذا سمع بأذنيه، إذا ضحك، يتلو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [سورة النجم الآية: 43] أحياناً: وأنت قاعد مع أهلك, طفل صغير يملأ البيت فرحاً وضحكاً, وخبر مؤلم يقلب الحبور والفرح ترحاً، إذا ضحكت اشكر الله، واذكر قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ عشرات وعشرات، بل مئات من الرجال على مكانتهم يبكون، الله يبكي، يبكي الرجال، والرجال قلما يبكون، لكن إذا أصابهم قهراً وضيم, تسألهم عن حالهم فيكون الجواب الدموع، إذا الله عز وجل سمح لك أن تضحك فاشكر الله عز وجل, فهذه من نعم الله الكبرى، وجدت أمامك زوجتك، زوجة تحصنك عن الحرام فهذه من نعم الله. أتألم كثيراً من رجل لا يقدر نعمة الزواج، ومن امرأة لا تقدر نعمة الزوج، وأية امرأة لا تشكر زوجها, وهي لا تستغني عنه, لا تروح رائحة الجنة، نعمة الولد، دائماً يتشكى من أولاده, وقد أنعم الله عليه بهم، وإنسان يدفع كل ما يملك ليأتيه ولد، لذلك: اللهم أرنا نعمك بكثرتها لا بزوالها. إذاً: هذا الذي برقت له أنوار الحق من صفاته: أنها تعظم عنده النعمة مهما دقت. رجل قدم بيتاً ثميناً لعمل خيري، فأقيم لهذا المحسن حفل تكريم، وكل هؤلاء الخطباء أثنوا على إحسانه وكرمه, إلا واحد لفت نظره لشيء، قال له: أيها المحسن الكريم, كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين من جمعيتنا، وكان من الممكن أن تقف في صف طويل ومعك هويتك، من أجل أن تأخذ بضع مئات من الليرات كل شهر، ولكن الله عز وجل جعلك تعطي ولا تأخذ, فمن يعطي يجب أن يذوب لله شكراً. فهذا الذي برقت له أنوار الحق من صفاته: أنه تعظم عنده النعمة مهما دقت. كأس الماء ثمين جداً. مرة إنسان توفي -رحمه الله- أصيب بفشل كلوي، قال لي مرة: الممرضة صرخت صوتاً قالت: لا تشرب ماء كثيراً هذا الأسبوع الآلة معطلة، إذا كانت أجهزتك سليمة، الكليتان تعملان بنظام فاحمد الله، لو كان في فشل كلوي لا تستطيع أن تشرب, لأن الآلة معطلة، ومعك ثماني ساعات مضجع على السرير، مرة باليد اليمين, ومرة باليسار، مرة بالأرجل ثماني ساعات وانتظار، والكلية الصناعية لا تصفي إلا ثمانين بالمئة فقط من عمل الكلية الطبيعية، ويبقى بعض حمض البول, وهذا يسبب ضيق وسرعة تأثر، وردود فعل قاسية جداً هذه واحدة. 2- احتقاره لنفسه : الصفة الثانية ممن برقت أمامه أنوار الحق، فدخل في منزلة البرق: احتقاره لنفسه، فإن المحبة إذا تمكنت من العبد, يعني يزدري نفسه: يا ربي من أنا. مرة نور الدين الشهيد، كان في معركة حاسمة مع الكفار سجد لله, -هكذا سمعت أو قرأت, ما أدري ما صحة هذا الكلام!؟-, قال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك يا رب. يعني إنسان بهذه المكانة العلية، يواجه قوى البغي والعدوان, بنفسه في تواضع شديد، يا رب لا تنصرني، انصر دينك، أنا لا شيء, فكلما تضخمت الأنا, معناها في بعد عن الله، كلما صغرت النفس, معنى أنت أمام حضرة الله, لا شيء أمام ملكوت الله, لا شيء. علامة التفوق: أن تستصغر نفسك أمام الله عز وجل فهذه الصفة الثانية، لا كبر أبداً، في تواضع, ولنا في رسول الله أسوة حسنة, يوم قام يجمع الحطب, وهو مع صحبه، قال له أحدهم: علي ذبح الشاة, والثاني قال له: علي سلخها، وقال أحدهم: علي طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: علي جمع الحطب -معقول سيد الخلق!-, قالوا: يا رسول الله يكفيك ذلك، قال: لا، أعلم أنكم تكفونني, ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه. سيد الخلق أنت يا رسول الله, سيد العالمين، لا، أبداً، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع, فعشت واحداً بين الجميع، المقام العالي في الإيمان إذا لاحت لك أنوار الحق، برقت أمامك أنوار الحق, فأنت متواضع إلى درجة مذهلة. 3- محبته لله عز وجل : الشيء الثالث: محبته لله عز وجل، في حب حقيقي، والحب إذا تمكن من القلب فعل المستحيل، فالمحبة إذا تمكنت من العبد استكثر قليل ما يناله من محبوبه، والحب العارم لله من نعم الله عز وجل. مرة جاءت موجة حر شديدة, فشكا رجل لوالده الحر الذي لا يحتمل, وفي الوقت ذاته كان في زلزال بتركيا، قال له: يا بني! اشكر الله, أنت تسكن في بيتك خمسين ألف بالعراء، بلا مأوى. 4- يستقل الكثير من الأعباء : في صفة لهذا الذي برقت أمامه أنوار الحق: يستقل الكثير من الأعباء. مهما كان العمل شاقاً يستقله في جنب الله، قد يمضي ساعات طويلة في خدمة المؤمنين، قد يمضي ساعات طويلة في الدعوة إلى الله، قد يمضي ساعات طويلة في إطعام المساكين, قد يمضي ساعات طويلة لا يستكثر، يستقل كل الأعمال الصالحة يستقلها لا يستكثرها. الرسول الكريم طوال النهار في الدعوة إلى الله, فإذا جاء الليل وقف في صلاته طويلاً، حتى تورمت قدماه, قالت له السيدة عائشة: ((يا رسول الله, لقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟)) أحدنا إذا كان عمل عملاً طيباً بالنهار يرتاح شهراً, ويحدث الناس عما فعل وقدم بكل غرور, بينما اللهم صل عليه كل وقته في خدمة الخلق، وفي الليل في محبة الحق. مرة قال بعض الذين يناجون الله عز وجل: يا رب لا يطيب الليل إلا بحلاوة مناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك. المؤمن يصل إلى درجة: أسعد لحظات حياته وهو في خدمة الخلق، يرأب الصدع، يلم الشمل, يصلح ما فسد، يصلح ذات البين, يطعم فقيراً, يجبر كثيراً، يرعى أرملة, يرعى يتيماً، يتوسط لإنسان, يصلح بين زوجين, الله عز وجل وظفه في خدمة الخلق. إذا لاحت أمامك أنوار الحق فجذبتك إلى الله, فهذه منزلة البرق. من لوازم هذه المرتبة: أنك تستعظم نعم الله عليك، تراها نعماً عظيمةً, ومن لوازمها أنك تستقل عملك أمام هذه النعم، ومن لوازمها أنك تستصغر نفسك، ومن لوازمها أنك تستقل كل الأعباء التي ألقيت عليك. 5-شديد الحذر : أيها الأخوة, هذه الأنوار التي برقت أمام المؤمن, لها نتيجة أخرى تجعله حذراً جداً، إذا مسك الإنسان حبلاً, يكون تمسكه بهذا الحبل شديداً, عندما يدرك أنه لو تركه سقط في وادٍ سحيق ربما دقت عنقه، وكذلك لو أن الله عز وجل منحك نعمة القرب، سمح لك أن تتصل به ، صار عندك حفاظ على هذه الصلة تفوق حد الخيال، أنت بالصلاة خاشع، أنت في رضوان الله ما لا تضحي بهذا الرضوان, من أجل نظرة إلى امرأة حسناء، لا تضحي من أجل كلمة باطلة، أبداً، تتكلم كلمة الحق ولو كانت مرة, تضبط حواسك جميعها، تضبط أعضاءك جميعها ، هذا الحرص على الاستقامة سببه: أنك وصلت إلى جوهرة ثمينة. أضرب مثلاً: إذا أنت موظف، والمدير العام أحبك, وأعطاك سيارة مع الوقود، وعمل لك تعويضات مائة بالمائة، وأعطاك إجازة مفتوحة مثلاً, والمدير العام يكره شخصاً حذرك من محادثته، فلو لمحك تلقي عليه سلاماً لسحب منك كل هذه الميزات، إذا رأيته بالطريق هل تسلم عليه؟ من أجل حفاظك على هذه المكتسبات وثباتها معك، تتحرى كل ما يرضي هذا الذي أعطاك ذلك، وتحذر من كل ما يثير غضبه, أليس كذلك؟. فإذا خالق الكون منحك أن تتصل به، منحك نعمة الإيمان، منحك نعمة الأمن، لاحت لك بوارق أنواره، هل أنت مستعد أن تضحي بكل ما وصلت إليه من أجل نظرة لامرأة حسناء؟ ما ذاق طعم القرب حتى يغض بصره، لو ذاق طعم القرب لبالغ في غض البصر، المؤمن لا يكذب أبداً، ولا يبني رزقه على معصية، أبداً، الله الغني، يركل المال الحرام بقدمه، ذاق طعم القرب، حينما تستطيع أن تتصل بالله, يهون عليك كل شيء، تهون عليك التكاليف مهما بدت لك صعبةً. الآمر ضامن : يقول لك: لا أترك فلاناً حتى ولو كان فلان فاسقاً، لأننا ربينا معاً، ونشأنا معاً، دعه، من أجل الله, دعه: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [سورة القصص الآية: 57] أكثر المقصرين يقولون: إذا استقمت لا ربح, وربما أخسر مكانتي, موازناته غير صحيحة، الجواب: الآمر ضامن، الذي أمرك أن تفعل كذا, يضمن لك سلامتك وسعادتك ويحميك، فإذا كنت تتوهم أن الذي خلقك لا يحميك إذا أطعته، لماذا تعبده؟ لا معنى لهذه العبادة ، تعبد القوي، تعبد الغني، تعبد القدير. ((واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء, لن ينفعوك بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء, لم يضروك بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)) أمرك متعلق بالله وحده, علاقتك مع الله وحده. 6-متمسك تمسكاً عجيباً : فهذه من صفات هذا الذي لاحت له أنوار الحق: شديد الحذر، هذا الورع يحرص على هذه الصلة يتمسك بها. المؤمن روحه هذا الدين. ((ابن عمر دينك دينك, إنه لحمك ودمك, خذ عن الذين استقاموا, ولا تأخذ عن الذين مالوا)) دينه روحه, من أجل دينه يضحي بكل شيء، وبعض الناس لا يضحي بأي شيء من أجل الدين، يقول: هي مصلحتي، لا أتركها، مع أنها كلها معصية، لا يرى الله، يرى المادة فقط. ومن صفات هذا الذي لاحت له أنوار الحق: أنه متمسك تمسكاً عجيباً. العوام يقولون: متعصب، كلام غير صحيح، متمسك. هذه جنة الدنيا : في صفة أخيرة: لعلها هي التي ذكرها بعض العلماء، قال: في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. جنة الدنيا هي جنة القرب من الله عز وجل. إنسان كبير في السن, لكن باعه في الإيمان طويل، تشعر يعيش بجنة، في كل الظروف، في كل الأحوال، مهما تكن قاسية، الذي اتصل بالله عز وجل, يعيش في حياة في نوع من الشعور بالتفوق لا يوصف، فهذا ثمرة هذا الطريق، وثمرة هذا الجهد: أن الله يمنح هذا الإنسان سعادة يستصغر أمامها كل الدنيا. هذا الفرق بين من يعرف الله وبين الجاهل : لما النبي الكريم يقول: ((والله يا عم, لو وضعوا الشمس في يميني, والقمر في شمالي, على أن أترك هذا الأمر, ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)) ربما إنسان لو أعطيته مبلغاً لفسد، والتغت كل مبادئه، التغى كل تشدده، التغى كل كلامه، معناها: هذا الإنسان ثمنه هذا المبلغ، وانتهى عند الله، أما في إنسان: لو وضعوا الشمس في يمينه، والقمر في شماله, على أن يترك هذا الأمر, ما تركه حتى يظهره الله أو يهلك دونه، أما إذا إنسان جاهل يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، مثلاً: فرن وضع بالخبز الذي يباع بأعلى سعر مادة مسرطنة، رخيصة جداً, ثمن الكيلو 35 ليرة, حتى الخبز يضخم حجمه, بينما المادة السليمة ثمن الكيلو 3500 ليرة، مادة مؤذية من أجل الربح فقط, طبعاً عوقب أشد العقاب، وإن الله يدع في السلطان ما لا يدعه في القرآن، من أجل الربح يضحي بصحة الناس, فإذا الإنسان عرف الله عز وجل, الناس يعيشون بخير, فهو مستعد أن يقدم ما عنده في سبيل الله، أما الجاهل يأخذ من الناس كل ما عندهم, ولا يعطيهم شيئاً أبداً: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 18] ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم الآية: 35 – 36] خاتمة القول : أرجو من الله سبحانه وتعالى أن نكون من هؤلاء الذين برقت أمام أعينهم أنوار الحق ، فاستقلينا كل جهد في سبيله، وعظمت عندنا تكاليفه, وكنا شديدي الحذر من أن نخرج عن منهجه، ثم قطفنا ثمار هذا القرب سعادة في الدنيا وفي الآخرة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#80 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحياة - 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن و السبعون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هذا ما قاله أحد كبار العلماء : أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد سبق وأن تحدَّثنا عن منزلة الحياة، وهذا الدرس جزءٌ ثان لِمَنزلة الحياة التي عدَّها مؤلّف الكتاب أحد مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين. أيها الأخوة الكرام, بادئ ذي بدء: أحدُ كبار العلماء يقول: الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق, زاد عليك في الإيمان. ولعلّه قال: هذا القول استنادًا إلى أنّ الله جلّ جلاله حينما أثْنى على نبيِّه المصطفى -صلى الله عليه وسلّم-, أثْنى عليه بِخُلقِه العظيم، مع أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان قائدًا, وكان زعيمًا، وكان محاربًا، وكان زوْجًا، وكان مجتهدًا, وكان قاضيًا, وكان وكان، كلّ هذه الخصائص الفائقة والمتميّزة أغفلها القرآن الكريم, حينما أثنى على نبيِّه -صلى الله عليه وسلّم-, أثنى عليه بِخُلقه العظيم. لماذا أثنى الله على النبي بخلقه العظيم؟ : ولعلّكم تتساءلون ما السبب؟ السبب: أنّ كلّ هذه القدرات الفائقة التي تحلّى بها النبي, إنّما منَحَهَ الله إياها, لِتَكون أداةً فعّالةً في دعوته، هي ليسَتْ منه, ولكن من الله تعالى، قد يُعطيك الله ذاكرةً دقيقة جدًّا، قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [سورة الأعلى الآية: 6] كان عليه الصلاة والسلام إذا نزلَت عليه السورة حفظها من أوّل مرّة، هذه قدرة عاليَة جدًّا، وهذه القدرة من الله تعالى، آتاه الحكمة, وهي هِبَة من الله، وقوّة في القلب، وآتاه حُسْن القيادة، وآتاه الرحمة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] ولكن بماذا أثنى عليه؟ أثنى عليه بما هو منه، وبما هو من كسْبِهِ, وبما هو نتيجة انتصاره على نفسه، إذًا: لا يُعْقَل أن يمْنَحَ أبٌ ابنه سيارةً, ثمّ يُقيمُ حفلاً تَكريميّا لهذا الابن, لأنّهُ مُنِحَ هذه السيارة, لأنّ الابن لا دوْر له إلا أنَّه أخذ هذه السيارة واستمْتَع بها، أما إذا نجَحَ الابن بِدَرجة عاليَةٍ جدًّا في الامتحان, يُقام له حفل تكريم، لأنّ هذا التفوّق في نجاحه من جهده ، إذًا: اِجْعَل في ذِهْنك أنّ الذي يرفعُكَ عند الله تعالى لا ذكاءٌ فِطري منحهُ الله إياك، ولا شكلٌ وسيم جبلكَ الله عليه، ولا قدّ رشيق، ولا نسبٌ عريق, ولا إمكانات عاليَة، ولا ذكاءٌ عالٍ، ولا عقلٌ راجح، هذه كلّها خصائص خصّ بها بعض عباده، فهذا العبد إذا أراد أن يفتخر, لا ينبغي أن يفتخر بشيءٍ ليس من عنده، ولكن بماذا يفتخر الإنسان؟ بأخلاقه، لذلك الخُلُق هو الإيمان، والإيمان كَسبي، والخُلُق كَسْبي، وهذا الذي أراده الله عز وجل حينما أثْنى على نبيِّه, فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] قاعدة لهذا الخلق العظيم : هناك نماذج مؤلمةٌ حقًّا: يصلّي, ويصوم, ويحجّ, ويؤدّي الزكاة, وطبْعُهُ شرس، وكلماته قاسيَة، وقلبهُ قاسٍ كالصَّخْر؛ لا يلينُ, ولا يرحم, ولا يتساهل، لا يبتسم، ما قيمة هذا الإيمان؟ وما قيمة هذه العبادات إذا كنت أداة تنفير من المجتمع؟ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] هناك قاعدة لهذا الخُلق العظيم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] يا محمّد, بِسَبب رحمةٍ اسْتقرَّتْ في قلبك من الله, من خلال اتِّصالك به كنتَ ليِّنًا لهم . فالرحمة غير مرئِيَّة، أما اللِّينُ فهو شيءٌ مَرئيّ, منعكسُ الرحمة اللِّين، منعكسُ الرحمة التساهل، منعكسُ الرحمة إشفاق, منعكسُ الرحمة الخِدْمة، منعكسُ الرحمة العفو، منعكسُ الرحمة الحلم, منعكسُ الرحمة العطاء، فالرحمة شيءٌ داخلي. إنسانة تنام وقد عملَت عملاً شاقًّا، وإنسانةٌ أخرى تنام جنبها، إذا بكى طفل الواحدة استيقظت أمّه, لماذا؟ لأنَّ الله أوْدَع في قلبها الرحمة، لا يهدأ لها نوم إذا كان ابنها يبكي, فالرحمة شيء لا تظهر إلا منعكساته، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] أعود وأُكرّر: من لا يرْحَمُ لا يُرْحَمُ، صاحب القلب القاسي بعيدٌ عن الله عز وجل، علامة إيمانك: رحمةٌ في قلبك ترحم بها عباد الله وخلق الله. بماذا تقيم هذا الشخص؟ : مرّة مررْتُ أمام بائع دجاج, يذبحُ الدجاجة, ويضعها فورًا في ماءٍ يغلي, من أجل أن يسهل عليه نتْفُ ريشها، في ماءٍ يغلي! مخلوق لها إحساس, ذبحتها وحرقتها بالماء الذي يغلي: من لا يرْحَم لا يُرْحم. علامة اتِّصالك بالله رحمتك، الله رحيم، كلّ من اتَّصل به اشتقَّ من رحمته, فإن اتَّصلْت به أصبحت رحيمًا، والعكس: إن لم تكن رحيمًا, فهذا دليل أنَّك لسْتَ متصلاً به، وهذا دليل قطعي. ماذا أضاف النبي إلى الدين في هذا الحديث؟ : وعليه الصلاة والسلام لحكمة بالغة قال, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ, إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) [أخرجه الترمذي في سننه] أضاف إلى الدِّين الخلق، قد يصلِّي صلاةً شَكليّة وقلبهُ قاسٍ كالجلمود، وهذا عند الله مَطرود، وقد يصوم صيامًا شَكليًّا، وهو متكبّر عتُلٌّ جبّار، وقد وقد .. إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه. قف هنا : قلتُ مرَّةٍ لأخٍ: لماذا يفحصون من يرغب نَيل إجازة سياقة الشكل التالي: يُكَلِّفونه أن يرجع بالمركبة إلى الوراء، وفي طريقٍ ضيِّق لا يزيد عن عرض عجلات السيارة، والطريق منعطفات، وهناك علامات على طرفيّ الطريق، فلو أخطأ عدّة سنتيمترات، وأبعد هذه الإشارة عن مكانها يرسب -سؤال دقيق-, هذا أصعب شيء في القيادة؛ أن ترجع إلى الوراء في طريق ضيِّقٍ جدًّا، وهناك علامات تظهر واضحةً إذا أخطأت, والطريق متعرِّج, فإن أحسنْتَ الرّجوع، فقد تُحْسنُ أيَّ نوعٍ من القيادة, والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] الإنسان خارج بيته له قواعد عامّة، إذا تجاوَزَ الإشارة هناك شرطي, وإذا تهجَّم على إنسان هناك محكمة، وإذا استعلى على مدير عملهِ يطردهُ، وإذا تكلّم كلاما بذيئًا يحتقرهُ الناس، وإذا ضرب من دونه يحقد عليه الناس, هناك روادع وضوابط ، أما في البيت لا يوجد من يُحاسبُه فهو ربّ الأسرة، فإذا انضبط الإنسان في بيته, وكان رحيمًا ومتواضعًا، معنى ذلك أنّه في الأعمّ الأغلب: منضبط خارج المنزل، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] من علامة الإيمان : أعجبُ أحيانًا! أستمع إلى قصص لِهَوْلها لا تُصدّق: إنسان يضرب زوجته ضربًا مبرِّحًا وهو يُصَلِّي، يضرب زوجته أمام أولاده وبناته، أو يحقِدُ على أولاده فيطردهم خارج المنزل, ولا يعبأ أين ناموا؟ ومع من أقاموا؟ ويُصلّي!! هذا القلب القاسي ما ذاق طعْم الصلاة ، هذا القلب القاسي ما ذاق طعم القرب من الله عز وجل، الله رحيم، وكلّ من اتَّصل به اشْتقّ من رحمته، فأنت علامة إيمانك رحمتك، وعلامة إيمانك عدلك, وعلامة إيمانك تواضعك، وعلامة إيمانك بذْلَكَ، وعلامة إيمانك كرمك, وعلامة إيمانك شجاعتك، الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. والذي ذكرتُه قبل قليل: من أنّ الله عز وجل ما أثنى على نبيّه إلا بِخُلقه العظيم، وما سوى ذلك مِنَحٌ من الله عز وجل. الخلق عملية ضبط : مرّةً كنتُ في عقْد قِران، وقد أُثْنِيَ على أحد الحاضرين ثناءً عاطرًا، وكان أحدُ الحاضرين من علماء دمشق، وقف وخطب وقال: نقل كلمة لابن عطاء الله السَّكَندري، ما مدحك من مدحك إلا ومدح من منحك، فإذا آتى الله حكمة لإنسان، فالمانح هو الله تعالى، آتاه رحمة, المانح هو الله, آتاه إدراكاً دقيقاً, المانح هو الله، ما الذي نِلْت؟ الخُلق، الخُلُق عمليّة ضبْط فقط، أن تقول أيّة كلمة, وقلتَ كلمة الحقّ، يمكن أن تنظر إلى أيّ جهةٍ, ونظرت إلى الحقّ، ولم تنظر إلى الباطل، ويمكن أن تستمع إلى كلّ شيءٍ, فاسْتمعت إلى ذِكر الله وحده، عمليّة ضبط اللّسان والسمع والبصر والرّجل، ضبط العلاقات، ضبْط الدّخل، ضبْط الإنفاق, الدِّينُ كلّهُ ضَبْط. هذا الفرق بين الأخلاقي واللا أخلاقي : يحْلُو لي أحيانًا أن أقول عن إنسان: لا دين له، وقاسٍ، ووقِح، مُتَهجِّم, فأقول: هو دابّة بهيمة، المؤمن كائنٌ راقٍ منضبط، يضبطُ لسانه وعينهُ وسمعه وبصرهُ وحركتهُ وإنفاقه ودخله، والإيمان هو ضبط، والضبط خُلُق, كلّ إنسان إذا أخطأ ابنه خطأً شديدًا, بإمكانه أن يضربهُ ضرْبًا مبرِّحًا, ولكن أن ينصحُه أولى، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((علِّموا ولا تُعَنِّفوا، فإنّ المعلّم خير من المعنّف)) فالأخلاقيّ حيّ، وغير الأخلاقيّ ميّت. من هو الإنسان الحي؟ : الشيء الثابت: أنّ حياة الجسد لا قيمة لها إطلاقًا، العبرة حياة القلب, والدليل: الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال الآية: 24] فأنت حيّ إذا اسْتجبْت لله ولرسوله، حياتك بهذه الاستجابة، فإن لم تسْتجب فأنت مع الموتى: ليس من مات فاستراح بميِّتٍ إنما الميّت ميِّتُ الأحياء أحيانًا تجلس مع إنسان ماديّ وشهواني، أيّة قيمةٍ دينيّة أو قيمة أخلاقيَّة تحت قدمِه، مُسْتَعِدّ أن يفعلَ كلّ شيءٍ من أجل مصلحته, مُستعدّ أن يفعل أيّ شيءٍ ولو كان محرَّمًا من أجل الدّرهم والدينار، هذا ميّتٌ ولا نبْضَ له، لأنّه عديم الأخلاق، لا يستحي، ولا يخجل، ولا يشعر بِذَنب، ولا يندم إطلاقًا، ويأخذ ما حلى له، ويضرب ويشتم. من هو المفلس؟ : بالصحاح أحاديث: لو عقَلَهَا الناس لارْتَعَدَت فرائصهم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((أَتَدْرُون مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا -يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) إنسانٌ عاتب إنساناً، فقال له: لقد اغْتبتني وبلغني ذلك، فقال له: ومن أنت حتى أغْتابك؟ لو كنتُ مغتابًا أحدًا لاغْتَبْتُ والديّ, لأنهما أحقّ بحسناتي منك, هذا الإنسان مؤمن, وموقِن أنّ المُغتاب سوف يخسر من حسناته، وسوف يأخذها من يغتابه، وهذا بِنَصّ حديث للنبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يستمع الإنسان للغيبة يصبحُ إنسانًا راقيًا. هذا المؤمن : وقد سمعتُ عن الشيخ بدر الدّين -رحمه الله تعالى-, ما تجرأُ أحدٌ أن يغتابَ أحدًا أمامه, كان يقول: يا أخي اُسكتْ أظلم قلبنا, تجد المجلس فيه راحة، وفي مجالس أخرى يغتاب فيها الناس، يُعَرَّوْن، كلّ مسالبهم تُفْتضح في مجلس، أما المؤمن لا يسمحُ أن يُغتاب في حضرته أحد. النبي الكريم قال: ((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته، ووجبت أخوّته، وحرمت غيبته)) كلّ إنسان صحَّتْ عقيدته، وصحَّ عمله، وأدَّى عباداته ممنوع أن تغتابهُ. ما المراد بمعنى هذا الحديث؟ : الأخلاقي حياته أخلاقه، لو عملَ عملاً فيه خطأً, يتألَّم ألمًا لا حدود له، إنسان وثقَ بك فأسأتَ به الظنّ، إنسان تقرَّب إليك فنَهَرْتهُ، إنسانٌ علَّق عليك الأمل فيأَّسْتهُ، إنسان ما ارتكبَ ذنْبًا وبَّخْتهُ، إنسان يجْهدُ لإرضائك فَغَضَّبْتَهُ، فالإنسان حينما يُسيء ولا يتأثّر, فمعنى ذلك أنَّه ميّت, المؤمن إذا ارتكبَ خطأً لا ينام الليل، هناك حديث يحار الناس في تفسيره. عَنْ أَبِي أَيُّوبَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: ((قَدْ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ, لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ وَيَغْفِرُ لَهُمْ)) الحديث على ظاهره غير مقبول، مع أنّه في الصِّحاح, ولكنّ المعنى هناك: أنَّه لو لم تُحسُّوا بِذُنوبكم, لكنتم هلكى عند الله, لذهَبَ الله بكم. علامة حياة أخوتنا الكرام: إذا أذْنَب يعتذر، يقول لك: سامحني, أخطأتُ, نسيتُ, ما قصدتُ، أتمنَّى أن لا تغضب عليّ، يُقدِّم هديَّة تكفيرًا لِذَنبهِ، أما إن لم يحسّ بما فعل, فمعناه أنّه ميّت، إذا الإنسان ارتكب الذّنب, ولم يعبأ باعتِذارٍ ولا بإصلاح ذات بينٍ, هذا إنسان ميّت. متى يكون الإنسان في حكم الموتى؟ : فلذلك: الفقرة الثانية من منزلة الحياة: هناك حياة الأخلاق؛ فأنت حيّ لأنّك أخلاقي، فإن لم تكن أخلاقيًّا فأنت في حُكْم الموتى، هناك أزواج يتزوّجها, يحملُها على تسجيل بيتها له، وتُسجِّلُهُ ثمّ يُطلّقُها أو يطردها، أسمعُ قِصَصًا أحيانًا لا أصدّقها، طرَدَ زوْجته وتركها بالطريق , الساعة الثانية ليلاً, هذا ميّت، أنت حيّ إذا كنتَ أخلاقيًّا، قد تكون فقيرًا، وقد يكون الفقْر وِسام شرفٍ لك، ولكنَّك تحرصُ على أهلك، هناك إنسانٌ دَخْلُه محدود, وقد يكون في أعلى عِلِيِّين, أساسًا النبي -عليه الصلاة والسلام- كان فقيرًا. لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إنساناً فقيراً وضعيفاً؟ : وقد يسألك أحدكم: لماذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إنسانًا فقيرًا وضعيفًا؟ سؤال وجيه، لو كان غنِيًّا مُتْرفًا لما صدَّقه الناس، ثمّ هناك أمر مهمّ جدًّا: أنت حينما تقول للفقراء: اصْبِروا وأنت غنيّ, هذا الكلام يجرحهم، ماذا يقولون لك؟ لو ذُقْت طعْم الفقْر لما قلتَ هذا الكلام, أما النبي فقد كان فقيرًا، كان إذا دخلَ بيته ولم يجِدْ طعامًا, يقول: اللهمّ إنِّي صائم. الآن: لا يوجد مِنَّا من يدخلُ بيته, ولا يجد شيئًا إطلاقًا يأكلهُ، فالقضيّة الحياة هنا هي حياة الأخلاق، فقد تكون فقيرًا، وصاحب دخْل محدود، وقد يكون الإنسان مريضاً ومعذباً في بيته, وفي عمله، كلّ هذا ممكن، أما إذا كان غير أخلاقيّ, هذا الذي هو وصْمةُ عارٍ في الإنسان. علام تطبع حياة الأخلاق؟ : حياة الأخلاق تطبعُ على الحياء والعِفَّة والجود والسَّخاء والمروءة والصِّدْق والوفاء ونحوها، وهذه الحياة حياة الأخلاق حياةٌ مُسْعِدَة, تجد الإنسان بِحَسب فطرته بالدرجة الدنيا أخلاقيًّا، وتجدُهُ يعيش بسعادة لا توصَف، هو موصول بالله، وقد يكون إنسانًا لا أخلاقياً، وجمع المال بالحرام، ويعيش بِمَظهر فخْم جدًّا، وداخله فارغ منهار، أما الأخلاق فهي الحياة، أضربُ لكم مثلاً دقيقًا: لو أنّ أحدكم دخل بيته الساعة الواحدة ليلاً, قالَتْ له أُمُّه: يا بنيّ, أنا أُعاني من وجَعٍ في الرأس, وأريد حبّة دواء مُسكِّنَة, فيقول لها: كلّ المحلاّت مغلقة الآن، وهو يعلم أنّ في البلد عِدَّة صيدليات مناوبة، لو عنده حسّ أخلاقي سليم لا يرتاح بالنوم، والدتهُ سبب وُجوده وحياته تتألم، لو أنّ هذا الإنسان استيقظ, عنده الحسّ الأخلاقي, لارتدى ثيابه, وخرج يبحث لها عن هذا الدواء، وفعلاً بحث في كلّ الصيدليّات المناوبة ولم يجد هذا الدواء، ورجع وقال لها: لا يوجد، هذه المرّة ينام مرتاحًا، وبالحالتين؛ الأمّ لم تستعمل الدواء، لكنّ أوّل مرّة هناك محاسبة داخليّة، أما المرّة الثانية أصبح معذورًا، خرج من بيته وبحث ولم يجد فاعْتذَر، فالإنسان لا يستطيع تحمّل وِزْر الذّنب، قد لا يستطيع تحمّل وزر العمل السيّء. إذا كان هناك أربعة أو خمسة أولاد لهم أمّ توفيت، الذي يبكي عليها أشدّ البكاء: هو الذي قصَّر في حقّها، يبكي عليها أشدّ البكاء, لأنّه يوجد إحساس داخلي بأنه مذنب، بِقَدْر ما تُحاسب نفسك فأنت عند الله غال. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا. حاسِبْ نفسكَ على كلمة، على نظرة، على تعليق في غير محلّه، على إنسانٍ ما رحَّبْتَ به، حاسِبْ نفسكَ على إنسانٍ أهْملتَهُ وقد أقْبَلَ عليك، هذا هو الحِساب. من حاسبَ نفسهُ حِسابًا عسيرًا, كان حسابهُ يوم القيامة يسيرًا. متى يضعف الإنسان؟ : قال: وكلّما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكْمَل, كانتْ حياتُه أقوى وأتمّ. الإنسان المستقيم عنده قوَّة، عندهُ جرأة وشجاعة، يعتمد على الله ويتوكَّل عليه، الإنسان لمَّا ينحرف يضعف، ويصبح خرقة بالِيَة، لأنه لمّا ترك الأخلاق أصبح خائفاً من الله وضعيف النفس، حينما الإنسان يرتكب عملاً لا أخلاقياً، أو حينما يُشْرك يقذف الله في قلبه الخوف، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 151] وقد يكون الذي يخاف أقوى الأقوياء، وقد تكون أمَّةً, ومع ذلك يقذف الله في قلبها الخوف. من أين اشتق خلق الحياء؟ : قال: لذلك كان خُلُق الحياء مشتقًّا من الحياة اسمًا وحقيقةً. الذي عنده حياة عنده حياء، والذي عنده حياء عنده حياة، والحياء من الإيمان. قال له: خُذْ أجارَتَكَ لا حاجةَ لنا بك, فإنِّي أراك لا تستحي من الله. الإنسان يستحي أن يتكلَّم كلمةً بذيئة، يستحي أن يكذب, وأن يخون العهد, ويستحي أن يتجاوَز، يستحي أن يقصّر. قال: أكْمَلُ الناس حياءً أكْملُهم حياةً، ونُقصان حياء المرء من نقصان حياته، ونقصان حياته من نقصان إيمانه، والإنسان إذا مات, لا يحسّ ما يؤلمُه من الجروح. من أدق معاني هذا الحديث : هناك حديث صحيح ورد في الصّحاح: عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)) [أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه] من أدقّ معاني هذا الحديث: أنّك إذا لم تستحِ من الله في عمل, فافْعَلْهُ ولا تعبأ بالناس. أحيانًا الإنسان يتحرّج، أو يتهيَّب الناس وهو على حقّ، فإذا كنت على حقّ, وكان الله راضيًا عنك, فافعل ما تشاء, ولا تعبأ بأحد. بِتَعبير دقيق: من هو أقرب إلى الحياة؛ الشّجاع أم الجبان؟ حياة الشجاع أكْمَلُ من حياة الجبان، حياة السخيّ أكْملُ من حياة البخيل، حياة الفطن الذكيّ أفضل من حياة البليد، فالأنبياء -عليهم صلوات الله- كانوا أكْمل الناس حياةً. بمن تتعلق هذه الأوصاف التي ذكرت في الآية؟ : تجد إنساناً عادياً ولكنه محترم، بيته مضبوط, وأخلاقهُ عظيمة, صادق ولا يكذب، ربى أولاده وضبطهم، قانعٌ بِزَوجته، وزوجته راضِيَة عنه، والبيت صغير جدًّا، والدخْل قليل، ولكن النفسيّة نفسيّة ملِك، وتجد شخصًا آخر دنيء النفْس, خسيس الصفات، قد يكون معه الملايين، وقد يكون بِمَركز جيّد، وقد يكون بيته قصْر، ولكنّه منهارٌ داخليًّا، فأنت تشعر أنّك أحسن منه، وكثير من الأشخاص من الطّبقة الدنيا لهم نفسيّة الطّبقة العليا، وهناك من عندهم نفسيّة الطبقة الدنيا وهم من الطّبقة العليا، لِبُعْدِهِم عن الله تعالى. وصفُ الله تعالى من أدقّ الأوصاف، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [سورة القلم الآية: 10-16] حلاّف مهين، مهين أمام نفسه، وكثير الحلف، همَّاز مشّاء بِنَميم, ودائماً يطعن ويمنّ بين الناس، ويفسد العلاقات بينهم, منّاع للخير، لا يكتفي أنَّه لا يفعل الخير، بل يمنع فِعْل الخير، معْتَدٍ أثيم, يعتدي ويأثَم, يأثَم بِمَعاصي الشهوات، ويعتدي بِمعاصي العدوان، يأخذ أموال الناس بالباطل، وهذه هي المعصِية، وهي العدوان، وحينما ينتهك الحرمات والأوامر الإلهيَّة عندئذٍ يكون مهينًا. هكذا كان خلق نبينا : قال: والبسْط من أجلّ هذه الأخلاق، وأقواها في صفة الحياة, وهو ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلّم- مع أهله وأصحابه، النبي كان لطيفًا, باشّ الوجه, ومتواضعاً، إذا الإنسان عاشرهُ أحبَّه، ومن رآه بديهةً هابهُ, ومن عاملهُ أحبَّه، وكان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه, ومع أهله، ومع القريب والبعيد في سَعَة صدْر، ودوام بِشْر، وحُسْن خلقٍ, يُسلِّم على من لقِيَهُ، ويقفُ مع من اسْتَوْقفَهُ، يمْزحُ بالحقّ، مع الصغير والكبير، يُجيبُ دعْوَة الداعي، وليِّنُ الجانب، حتى يظنّ كلّ واحدٍ من أصحابه أنّه أحبّهم إليه، وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا يعينُ عليهما، وهذه هي حياة الإنسان، لذلك قال تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض الله﴾ يصف الكفار أنَّهم ما بكتْ عليهم السماء والأرض، معنى ذلك: أنّها تبكي على المؤمن. قال علماء التفسير: مَوْضِعُ سجود المؤمن يبكي عليه عند الموت، وموضعُ رفع عمله إلى السماء يبكي عليه عند الموت، المؤمن خيِّر ومؤنس، ووجُوده مُحبَّب، قد يكون أب بخيل, أقرب الناس إليه يتمنَّونَ موتهُ. حدَّثني مريض اسْتَدْعوه إلى عند مريض على وشك الموت، وكان أولاده قلقين جدًّا أن يكون المرض غير شديد، فلمّا قال لهم: عَرَضِيَّة, انْزَعَجوا كثيرًا, هم أرادوا أن تكون القاضية عليه كي يتخلَّصوا منه, فالمؤمن وُجودهُ مُحَبَّب، وكلّ من حوْلهُ يتمنَّى وُجوده. كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((أعرف حجرًا بِمَكّة كان يُسَلِّم عليّ وأُسلِّم عليه)) دخل مرَّةً بستاناً, فرأى ناقة, فلمّا رآها ذرفَت عيْناها حَنَّتْ إليه, وقال: ((من صاحِبُ هذه الناقة؟ قالوا: فتًى من الأنصار, فقال: آتوني به، فلمّا جاؤوا به, قال: يا صاحب الناقة, ألا تتَّق الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها, فإنّها شكَت إليّ أنك تجيعها ووتتعبُها؟!!)) كان عليه الصلاة والسلام يُصغي الإناء للهِرَّة، وكان أن يرى أن مَن ذَبَحَ شاةً أمام أختها فقد أخطأ، فقال: ((أتُريدُ أن تُميتها مرَّتَين؟ هلاَّ حَجَبْتها على أختها؟)) كان عليه الصلاة والسلام يقول: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ, فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ, وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ, وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم] هذا هو نبيُّنا، وهو قُدْوتُنا، ونحن كلّما اقتربنا من سنّته كنّا أقرب إليه. ما الذي يرفعنا عند الله؟ : خطر ببالي مثال: أستاذ جامعي كبير جدًّا، له مئات المؤلّفات, ويحمل أعلى الشهادات، وله مكتب فخْم، وله مستخدم لا يقرأ ولا يكتب, فَبِغِياب هذا الدكتور أو البروفسور, يجلس هذا الحاجب على مكتبه, ويأخذ وَضْعِيَّة معيّنة, وهو لا يقرأ ولا يكتب، جلوسُهُ بهذا المكان, هل يرفعُ قدره؟ فنحن لا يرفعنا عند الله مديح النبي فقط، يرفعنا عند الله اتِّباعُ سنَّته. فمن شدَّة أخلاقه العليَّة: كلّ من أصحابه صلى الله عليه وسلّم كان يظنّ أنّه أقربُ الناس إليه. انظر إلى المعادلة الرياضية في هذه الآية : فقال: ومن العبادة من وفَّقه الله, فنال حظًّا من هذا البسْط النَّبَوي الكريم، وجعل انبساطه مع الخلق رحمةً لهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] هذه الآية معادلة رياضيَّة، ولكن فيها بلاغة رائعة، فالباء للسَّببِيَّة, حينما تتّصل بالله تستقرّ في قلبك رحمة تجاه الخلق، وهذه الرحمة تنعكس ليناً في المعاملة, هم يلْتفّون حولك، فاللِّين الذي هو انعكاس الرحمة التي هي بسَبب الاتّصال بالله، هذه الرحمة انعَكَسَت لينًا، وهذا اللّين جذب الخلق إليه فالْتَفُّوا حوله. الآن: الطرف الثاني، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] يعني: لو لم تتَّصل بنا, لامتلأ قلبُكَ قَسْوَةً مكان الرحمة، والقَسْوَة انعَكَسَت غِلْظةً وفظاظة ووقاحة، واتِّهام مفاجئ من دون برهان, ومواجهة الناس بما يكرهون، والتَّحطيم والتوبيخ والتعنيف، والموقف القذر، والوقاحة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] فالقسْوة منعكسها الفظاظة، والفظاظة من لوازمها: نفور الناس منك, إذًا: اتّصال رحمة لينٌ التفات، انقطاعٌ قسْوةٌ فظاظة انفضاض، وهذه معادلة رياضيّة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] ما هما المهمتان الكبيرتان اللتان بعث بهما النبي؟ : النبي -عليه الصلاة والسلام- له مهمّتان كبيرتان: الأولى هي التبليغ, والثانية هي القدوَة، أما لو سألتموني أن أُوازِنَ بين هاتين المهمَّتين، مهمَّة التبليغ بالنسبة إلى مهمّة القدْوَة صغيرة جدًّا، التبليغ سهل، أما أن تكون أخلاقيًّا فهذه بطولة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان مبلِّغًا وقُدْوةً لنا, لذلك جاع فصَبَرَ، واغْتنى فأعطى، قُهِرَ فاعتذر، سيْطَرَ فعَفَا، في الطائف قُهِر, قال: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي, ولك العتبى حتى ترضى. ففي فتح مكّة انتصر, فقال: ((اذْهبوا فأنتم الطلقاء)) دخل بيته فلم يجدْ طعامًا, فقال: ((إني صائم)) جاءهُ مالٌ كثير، فقال: ((لِمَن هذا الوادي؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ فقال: هو لك)) ذاق موت الابن: ((إنّ العين لتَدْمع، وإنّ القلب ليَحْزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي الربّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمَحزونون)) ذاق الهِجرة استِئْصال من الجذور، وذاق زوجةً مشاكسة لِيَكون قدْوةً لنا، ذاق أن يُقال عن زوجته الأقاويل, هذه لا تُحْتَمَل, وصبر، وانتظر تبرئة الله لها، هناك أناسٌ هجَوْهُ، واستطالوا عليه بالهجاء من كفار مكّة فصَبَرَ عليهم، وأنت يمكن أن تكون قُدْوة, وتأثيرك بعد أن تكون قدوة أضعاف تأثيرك, إن لك تكن قدوةً لغيرك, هؤلاء الذين أكرمهم الله, وجعلهم دعاةً إليه, هؤلاء يقتدي بهم السالك, ويهتدي بهم الحَيْران، ويُشْفى بهم العليل، ويُسْتضاء بِنُور هدايتهم ونُصْحهم ومعرفتهم في ظلمات دياج الطّبْع والهوى، هؤلاء الدعاة إلى الله الصادقين هم خلفاء الرّسل حقًّا، وهم أولو البصر واليقين, فجمعوا بين البصر والبصيرة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 24 ] استنباطًا من هذه الحقيقة: العلماء ثلاثة: عالمٌ اسْتنار بِنُوره واسْتنار الناس به، وهذا من خلفاء الرسل، وعالمٌ اسْتنار بِنُوره ولم يسْتنِر به أحدٌ, فهذا من العبّاد، وغيره لا استنار بِنُور ولم يسْتنِر به أحد, فهذا من ضعفاء الناس. فإما أن تسْتنير وتُنير، وإما أن تسْتنير لِنَفسك, أما أن لا تستنير ولا تُنير، فهذا عبءٌ على الناس. نهاية المطاف : أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مُتَرْجمًا لواقع، فأنت بِقَدْر ما أنت أخلاقي أنت مؤمن، أما إذا تخلَّيْت عن أخلاقك بعُدْت عن الإيمان، فحياة النفس حياة الأخلاق. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 74 | 08-08-2018 07:11 AM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |
| التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 55 | 07-10-2018 03:58 PM |