تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 59 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-18-2018, 09:46 AM   #581


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الضحى (93 )


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، مِن سورة الضُّحى قوله تعالى: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
هذه الآية مُوَجَّهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك قاعِدَةٌ في التَّفْسير أنَّ كُلَّ آيَةٍ مُوَجَّهَةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام هي مُوَجَّهَةٌ حُكْمًا إلى المؤمنين، ما لم تَقُمْ قرينَةٌ تَدُلّ على عَكْس ذلك.
النبي عليه الصَّلاة والسلام لهُ خُصوصِيَّات، فإذا قامَتْ قَرينَة في الآية تَدُلّ على عَكْس ذلك انْصَرَفَت الآية إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم، أما إن لم تَقُم هذه القرينة فَكُلّ خِطابٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو حُكْمًا خِطابٌ إلى المؤمنين.
فالله عز وجل وهو الخبير، وهو العليم، وهو الرحمن الرحيم قال:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
فالذي يرى أنَّ الأولى خير من الآخرة يُكَذِّب هذه الآية، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
هذه السيارة رُبْع ساعة، وبين أن تتملَّك هذه الدَّراجة الناريَّة فأَيُّهُما تَخْتار ؟ الدَّراجَّى لأنَّها سَتُصْبح مُلْكًا لك ! الآن تَخْيير ثانٍ خيَّرْناك بين سيَّارتَيْن ؛ أن تركَب الأولى رُبع ساعة، وأن تتمَلَّك الثانِيَة فماذا تَخْتار ؟! طبْعًا الثانِيَة مِن دون تَرَدُّد، طيِّب فلو خَيَّرْناك بين أن تركبَ هذه الدَّراجة رُبع ساعة وبين أن تتمَلَّكَ هذه السيَّارة ! هنا لو تَرَدَّد الإنسان ثانية في عدم أخْذ السيارة فهُوَ مَجْنون.
الدنيا مَحْدودة ؛ وهي سَنَوات مَعْدودة، يقول الإمام علي رضي الله عنه: يا بُنَيّ، العِلْم خَيْرٌ من المال، لأنَّ العِلْم يَحْرُسك، وأنت تَحْرس المال، والمال تُنْقِصُهُ النَّفَقَة، والعلم يَزْكو على الإنْفاق، مات خُزَّان المال وهم أحْياء، وهم أحْياء مانوا ميِّتين:
ليس مَن مات فاسْتَراح بِمَيِّتٍ إنَّما الميِّتُ ميِّتُ الأحْياء
وقال تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ(21)﴾
[سورة النحل]
إنسانٌ بلا هَدَف، وبلا قِيَم، وبلا آخرة ولا منْهج، كائِنٌ شارِد وكائِنٌ يبْحَث عن شَهَواتِه، ويريدُ كلّ بلا ثَمَن، ويبيعُ دينه وآخِرَتَهُ بِعَرَضٍ من الدنيا قليل ! ويَسُبُّ الإله لأَدْنى انْزِعاج؛ وهذا حال الناس، لذلك قال تعالى
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)﴾
[سورة الإسراء]
ذَكَرْتُ لكم مثلاً كثيرًا إلا أنَّ ما كانه مُلائِم جدًا في هذا الدرس ؛ أَحَدُ سيَّارات ا لنَّقْل العام كانت واقفَة في المَرْجة باتِّجاه الشَّرْق مُتَّجِهَةً من جِهةَ المُهاجِرين، في أيَّام الصَّيْف الحارَّة تَصْعد إليها، تَجِدُ على اليمين شمْس، وعلى اليَسار ظلّ، الراكب العاقل يَجْلس في الشَّمْس لأنَّ هذه السيارة مُتَّجِهَة نحو المُهاجرين فإذا دارَت فَخِلال أقلّ من دقيقة يُصبح المكان المُظلَّل مُشْمِسًا، لذا الراكب يُمْتَحَن عَقلُهُ في مكان جُلوسِهِ، فالذي عطَّل عَقْلَهُ يجْلس في الظلّ، وبعد دقيقة تلْدغه الشَّمْس إلى نِهاية الطريق، والذي اسْتَخْدَمَ عَقْلَهُ يجْلس في الشَّمْس ويتحمَّلُها دقيقة، وينْعُمُ بالظل عشرين دقيقة، فهذا المَثَل يُعَبِّرُ عن الدنيا والآخرة، فالذي اسْتَعْجل الطَّيِّبات في الدنيا خَسِر الآخرة.
الآية دقيقة جدًا، قال تعالى:
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
أحْيانًا يأتي الابن المدْرسة جائِعًا، وهي تَطْبخ ألَذَّ الطَّعام فإذا به يأكل زيتون وخبر وزَعْتر، تقول الأم: اِصْبِر ! فإذا به يأكل أخْشَن طعام، ويُضَيِّع أطْيَب طعام، فَرَبُّنا عز وجل خَلَقَنا لِجَنَّةٍ عرْضُها السَّماوات والأرض، والإنسان لِجَهْلِهِ ولِطَيْشِهِ اسْتَعْجل الحياة الدنيا:
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
وللآخرة خير لك من الأولى، وربنا عز وجل يقول:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾
[سورة التوبة]
الدنيا متاعُها قليل، وهي تَضُرّ وتَهُرَ وتَمُر، وهي دارُ مَن لا دارَ له ولها يَسْعى مَن لا عَقْل له، والدنيا جيفَة طُلابُها كِلابُها.
مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ بِشَاةٍ ميِّتَة أُلْقِيَت في الطريق جيفة، ولها رائحة لا تُحْتَمَل، ((فقال عليه الصلاة والسلام: اُنْظروا كم هي هَيِّنة على أهلها حتى ألْقَوها في الطريق: والذي بعث محمَّدا بالحق لا الدنيا أهْوَن على الله من هذه الشاة على أهلها..))
والحديث المَعْروف: ((لو أنَّ الدنيا تَعْدل عند الله جناح بَعوضَة....))
هل تَقْبَلوا هذه النَّصيحة من العلي الكبير ؟ والعليم الخبير ؟ ومن رب العالمين ؟ ومِمَّن بِيَدِهِ ملكوت السماوات والأرض:
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
قد يوعَدُ الطالب حين ذهابِهِ إلى أحَدِ الدُّول ؛ أمريكا أو فرنسا أنَّهُ إن تَحَصَّل على دكْتوراه سيَحْصَل على أكبر منْصب، ودَخْل كبير ومنزِل و... إلا أنَّ هذا الطالب قد يَغْتَرّ فَيَنْغَمِسُ في الشَّهوات واللَّذائِذ والموبِقات، ويُضَيِّع مُسْتَقْبَلَهُ كُلَّهُ، ويُصْبِحُ في مَزْبَلَة المُجْتَمَع، لذا :
﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
[سورة الضحى]
الدِّينُ قِيَمٌ وحُدود، ومَنْهَج، هذا حلال وذاك حرام، هذه تَجوز وتِلك لا تَجوز، فالله تعالى قال لك:
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
ليْسَت هذه الدنيا دار عطاء، بل هي دار ابْتِلاء، وليْسَت دار جزاء بل دار عَمل، وليْسَت دار تَشْريف، بل دار تَكْليف، فَهَل يُعْقل أن نَضَع للطالب مَقْعَد اسْفَنْجي من النَّوع الرفيع ؟‍ مُسْتحيل هذا، بل نَضَعُ له مَقْعَد خَشَب حتَّى لا ينام، وهل يُعْقَل أثناء الدَّرس نأتي له بالمُكَسَّرات والموالِح وشراب و... هذه مَدْرسَة الجوُّ المُريح غير مَوْجود فيها فَطَبيعة المَدْرَسة تَقْتضي أن يكون هناك سبُّورة ومُحاضِر، وانتهى الأمر.
هذه الدار تتناقَض مع النَّعيم، يقول عليه الصلاة والسلام: إيَّاك عبْد الله والتَّنَعُّم فإنَّ عباد الله ليْسوا بالمُتَنَعِّمين...." وإيَّاك أن تَقْصِد التَّنَعُّم لِذاته فإنَّ عباد الله ليْسوا بالمُتَنَعِّمين.
دَرْسُنا اليوم:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
بين المؤمن والكافر سَوْفَ، فالكافر اسْتَعْجل، وأراد النتائج مُباشَرة، أما المؤمن صبَرَ، وانْتَظَر وَعْد الله عز وجل.
أحدهم يطوف حول الكعبة ويقول: يا رب، هل أنت راضٍ عَنِّي ؟ وكان ورائِه الإمام الشافعي فقال له: يا هذا، وهل أنت راضٍ عنه حَتَّى يرْضى عنك ؟ فقال له: يا سبحان الله ‍! مَن أنت ؟ فقال له: أنا محمَّد ابن إدْريس، قال: كيْفَ أرْضى عن الله، وأنا أتَمَنَّى رِضاه ؟ فقال الإمام الشافِعي: إذا كان سُرورُكَ بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمَة، فقد رضيتَ عن الله.
لذا أيها الإخوة، مَن أحَبَّ دُنْياه أضَرَّ بآخِرَتِه، فَحُبُّ الدنيا والآخرة لا يَجْتَمِعان، فلا بدّمن أن تُؤثر الآخرة على الدنيا، وربُّنا عز وجل قال:
﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ(30)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
هناك أخٌ يَصْنع غُرَف نوم، وله صالة فخْرة جِدًّا، قال لي: أتى أحد الأصدقاء عندي، وقد جاء معه شَخْص فطلب منِّي أن أصْنع له غرفة نوم، فما ارْتاح إلا أن أحْضَرْنا خشَبًا وبقي هذا الخشب يجف أكثر فأكثر من الرطوبة لِمُدَّة سنَة، ثمّ لمَّا جفَّ بدأ طلب هذا الزَّبون بالكتالوك وأنواع الغُرَف فقد بقِيَ ستَّة أشْهر حتَّى اسْتَقَرَّ على نَوْع من هذه الأنواع، ثمّ بدأ باخْتِيار اللَّون فبَقِيَ مُدَّة طويلة وهو يبْحث عن أفضلها، لمَّا انْتَهَيْنا، وذلك بعد سنَتَيْن، طَلَبْناه فقال: أنا أدْهن الغرفة فأَمْهَلْناهُ مُدَّةً، ثمَّ أصْبح هناك طلب على هذه الغرفة، فهَدَّدْتُهُ مرَّةً أن إذا لم تأت بِعْتُها، فقال لي: ساءتِ يوم الخميس، في ذلك اليوم انْتَظَرْتُهُ فلم يأتِ، فَذَهَبْتُ إلى دارِهِ فإذا بي أسْمَعُ ضَجيجًا في البيت، فطَرَقْتُ الباب وقلتُ: قولوا له أن يأتي يأخذ غرفتَهُ، فقالوا لي: لقد مات صاحِبُها !!!
هذه هي الدنيا، وهناك آلاف القِصص من هذا النوع ؛ اشْترى بيْتًا وما سكنَهُ، وأخَذَ شهادة وما تعيَّن فيها، قال تعالى:
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
وهنيئًا لِمَن نَقَل اهْتِمامتهُ إلى الدار الآخرة، وعاش في الدنيا مؤمِنًا وطائِعًا لله تعالى، قال تعالى:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]










والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 10:00 AM   #582


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الضحى (93 )


الدرس الثانى





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، العلماء يقولون: إنَّ كلّ آية يُخاطب بها النبي عليه الصلاة والسلام فيها خِطاب حُكمي لأُمَّتهِ، فسُورة الضحى كما بدأناها يوم الأحد، قال تعالى:
﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾
[سورة الضحى]
وأيُّ مؤمن إذا اسْتسْلم لله عز وجل واصْطَلَحَ معه ونفَّذ أمْرَهُ وتوَكَّل عليه قد تكون حياتُهُ مَشْحونة بِبَعْض المتاعب لِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى ولكنَّه في المستقبل سوف يرْضى رِضاءً لا حُدود له، ويذوب خجَلاً من الله عز وجل، ويؤَكِّد هذا قوله تعالى:
﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)﴾
[سورة يونس]
يقول الله عز وجل يُخاطب النبي:
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6)﴾
[سورة الضحى]
أحْيانًا الظروف الصعبة التي ينشأ فيها الطفل سبب نُبوغِهِ، وعَبْقَرِيَّتِهِ وتألُّقه وحُظوظه العريضة في الدنيا، وأحْيانًا ينشأ الطفل في بيت غِنًى وكلّ شيء مُتَوَفِّر، فهذا الطِّفل فقَدَ الدافع، ولذا أغلب النُّجباء لا يُنجِبون فالنَّجيب يصِلُ إلى مُستوى راقٍ جدًا، فأوْلادُهُ في بَحْبوحة وأمورهم مُيَسَّرَة، لا يحْتاجون إلى شيء، فالظَّرْف الصَّعْب الذي ينشأ فيه الإنسان ربَّما كان سببَ تَفَوُّقِهِ في الدنيا.
الشيء الآخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام علَّمه شديد القوى، لا يُسْمح لأبٍ أو لأُم أن يقولا: نحن اللَّذان قمنا بِتَرْبِيَتِك، فالنبي عليه الصلاة والسلام نشأ يتيم الأب والأم لِحِكْمةٍ بالغةٍ أرادها الله عز وجل، ولا أحد له فضْل عليه إلا الله، ولا يستطيع أحد أن يعْزو هذا التَّفَوُّق وهذه التَّرْبِيَة إليه، فأكْثر الآباء الآن إذا تألَّق ابنه يقول لك: أنا الذي ربَّيْتُهُ، وتَعِبْتُ عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام أراده تعالى يتيمًا وكذلك لِيُواسي كل يتيم، وسيِّدُ الأيتام، ومع ذلك فالإنسان إذا افْتَقَر إلى الله تعالى تألَّق، فإذا حُقِّقَتْ له كُلُّ حاجاتِهِ في الدنيا يَخْبو.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7)﴾
[سورة الضحى]
هنا الضلال الذي في حق النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه لا يعرف الطريف لِهِداية قومِهِ ! فلم يكن يعرف كيف يدْعو إلى الله ؟ فَرَبًُّنا عز وجل حينما أنْزل عليه الوحي وتوضَّح أنَّه رسولهُ علمت معالم الدَّعوة إلى الله تعالى.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾
[سورة الضحى]
كان إذا دخل بيته يقول: هل عندكم شيء ؟ يقولون: لا، فيَقُول عليه الصلاة والسلام: إنِّي صائِم ! لي صديق دخل السِّجن خمسون يومًا ثمَّ خرج، فقالتْ له زوْجته: ليس هناك طعام ! فَبَكى وقال: هناك مَن يأكل من الحواضر ستَّة أشهر ! فإذا الإنسان وجد طعامًا فلْيَشْكر الله تعالى، الذين يُنَقِّبون في الحلوِيات بشَر، أليس كذلك ؟ ما الذي حَمَلهم على التَّنْقيب بِالحاويات ؟ الجوع والجوع كما يقول العامّة: كافر ! قال تعالى:
﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾
[سورة قريش]
كان عليه الصلاة والسلام تَعْظُمُ عنده النِّعْمة مهما قلَّتْ، فكأسٌ صافي بارد نعمة كبيرة، ففي بعض المناطق هذا الماء يُشْتَرى، وليس بدرجة الموجود في الحنفِيَّة ! فكان عليه الصلاة والسلام يُحافظ على النعمة، فمرَّةً توضَّأ من قعب فضَلَت فيه فضْلة فقال رُدُّوه في النَّهر ينفعُ الله به قوْمًا آخرين، فلم يهْدر هذا الكمِيَّة الصغيرة.
بالمُقابل كما قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9)﴾
[سورة الضحى]
لا تقل: فلان لا أحد له، ونستفيد منه، ونضْغط عليه، هناك ناس لِئام ؛ إذا الزَّوجة لا أهل لها يسْحَقوها بالخِدْمة الشاقَّة، وإذا صانِع يتيم ولا أب له يضغط عليه معلِّمهُ ضغْطًا شديدًا، القلب القاسي بعيد عن الله تعالى، ولو صام وصلى وزعم أنَّه مسلم، وأبْعَدُ قلب عن الله تعالى القلب القاسي، فأنت إن لم تُعامِل هذا الصبيّ وكأنَّه ابنك فأنت لسْتَ مؤمنًا.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10)﴾
[سورة الضحى]
قَوْلٌ مَعروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى.
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾
[سورة الضحى]
هناك من فهِمَ الآيو فهْمًا غير صحيح ؛ يجْلس بِمِجْلس ويقول: أخذنا كذا بألف ليرة وكذا وكذا.. هذا كلام مُضْحِك وفيه تبجُّح، هذا كلام فيه كَسْر للفقير، سافَرْنا ودَفَعنا كذا، ونزَلْنا بالفندق الفلاني، وكلَّف الغذاء كذا، والعرس كذا، ليس هذا هو المعنى، نِعْمة الله المُشتَركة الهواء والماء والشمس والقمر ؛ هذه النِّعم التي يشْترك فيها الناس جميعًا، اُذْكر نِعَم الله عز وجل حتى يُحِبَّ الناسُ الله، والحديث الشريف أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه..." لا تَحكي نِعَمَك الخاصَّة وميِّزاتِك فهذه تُحْدِث حرق وإبعاد، وأفهم البشر في هذا النِّساء ؛ زوْجي كذا، واشْترى السيارة الفلانيَّة وذهَبْنا للمحلّ الفلاني، كلّ هذا الحديث شيْطاني وتفرقة، أما لو تحدَّثْت عن الله تعالى فإنَّك تجْمع القلوب.
قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾
[سورة الضحى]
هي النِّعَم التي يعيشُها كلّ إنسان نِعْمة البصر والسَّمع والنطق والحركة والمأوى، الأشياء التي إن ذَكَرْتَها شَكَر الناس ربَّهم، أما أن تتكلَّم عن نِعَمِك الخاصَّة التي تنفرد بها، والتي إن ذَكَرْتها أقَمتَ حاجِزًا بينك وبين الناس.
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾
[سورة الضحى]
الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي فَمَن نازعني شيئًا منهما قصَمْتُه ولا أُبالي، فالإنسان يتكلَّم كلمة ولا يُلقي لها بالاً تَهْوي به في جهنَّم في سبعين خريفًا، والرَّجل يتكلَّم الكلمة من رِضْوان الله تعالى لا يلقي لها بالاً يرفعه في جنَّة إلى أعلى عِلِيِّين.
ذكر لي أحد الأغنياء أنَّ أباه كان فقيرًا، وكان طفْلاً صغيرًا، فلما نأكل أغْمس الخبز في الزيت وأضع الخبر على الزَّعتر، فلما أكبسُها أي أضغطها كثيرًا آخذ كفًّا من يدي أبي، كل هذا مِن شِدَّة الفقر، والآن أصبح غنِيًّا وله معامل، فالإنسان إذا تذَكَّر ماضيه يذوب حُبًّا لله تعالى.
فالآن هناك أشخاص ليس لديهم بيتًا ولا زوجَةً، ولا مال ولا أولاد، ويشْتهي كلّ شيء، فإذا يسَّر الله لك عليك أن تشْكره، وكل إنسان يتذَكَّر ماضيه يعلم فضل الله عليه، وهذا نوع من أنواع الشكر، فلا ينسى أحدنا النِّعم التي غُمِرْنا بها.
تشَمُّع كَبِد يُكَلِّف زَرْعه ستَّة ملايين ليرة الآن، معنى هذا أنّ الذي معه كبد فثَمَنُه ستَّة ملايين ليرة، وزرْع كلوة يُكَلِّف مليونين الآن، قرنيَّة العين ثمنها خمسمائة ألف، اِجْمع ثمنك قِطَعًا للتَّبديل تجد نفسك ثمنها مائة مليون، فالذي عنده صِحَّة عليه أن يشكر الله عز وجل وهي من نِعَم الله تعالى الكُبرى، أحد إخواننا أمُّه كل جمعة تغسل الكلية بالأربعاء فإذا حضر الاثنين تتوتَّر أعْصابها، فهذه الكلية ثمانية ساعات على الآلة، ونفقَة وتعقيم وانتظار وآلام، فالذي عنده كلية سليمة عليه أن يشكر الله، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني..." بِبَعض الأمراض قد تصبح حياة الإنسان جحيمًا لا يُطاق، فإياك أن تؤذي الناس، وأن تضع مواد خطيرة بالمصنع فالله يبتلي بأمراض خطيرة ؛ فشل كلوي، وتشمُّع كبد وشلل، والله تعالى كريم، وقال تعالى:
﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾
[سورة البروج]
إذًا هذه الآيات مع أنَّها للنبي عليه الصلاة والسلام فهي لكُلّ مؤمن، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾
[سورة الضحى]
ذكر لي أحدهم أنَّ له أسطول من البرادات من جدَّة إلى استنبول لِنَقل الفواكه، أكبر تاجر خضراوات بالمملكة، فقال لي: أنا لي مرتبة دونه، ولكن ما فاتني فرض صلاة، ولا أعرف المال الحرام، ولا المرأة الحرام.
فالإنسان إذا لم يكن معه بيت ثم أصبح معه، أو لم تكن له زوجة ثم رزق، أو لم تكن له شهادة ثم أصبح من ذوي الشهادات، أو لم يكن له أولاد ثم رزق، عليه أن يشكر الله تعالى على هذه النِّعَم.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 10:02 AM   #583


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الشرح (94 )


الدرس الاول






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة الشرح، يقول الله تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
(سورة الشرح)
أوَّل نقطة في هذه السورة أنَّ الله سبحانه وتعالى شاء للإنسان أن يمرّ في طريقه إلى الله بِمَضائِق، وهذه الأخيرة مرَّ بها النبي عليه الصلاة والسلام بِشَكل حادّ، وكل مؤمن لا بدّ أن يمرّ بِمَضائق على حسب إيمانه وبما يستطيع، أما أن يصل إلى الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، وبلا ثمَن، فهذا من سابع المستحيلات، هذا العَطاء الكبير لا بد له من مضائق، أحْيانًا مضائق مالِيَّة، ماذا تفعل ؟ قد نمْتحن سيارة بِطَريق هابطة ؛ ممتازة ولك أن تطفئ المُحَرِّك، ولكن كيف تُمْتَحن المركبة ؟ بالطريق الصاعدة، فإذا مرّ الإنسان بامتِحان الرَّخاء، يقول لك: فضل من الله فهو نجَحَ بامْتِحان الرَّخاء، ولا بدّ من امْتِحان الشدَّة ! قد تكون المضائق مالِيَة فهل يأكل المال الحرام ؟ هل يضْجَر ؟ هل يتفلَّت ؟ وقد يمرّ بِمَضايِق اجْتِماعِيَّة ؛ هناك أُناس يُحارِبونه ظُلمًا وعُدْوانًا، هل يرى يد الله فوق أيديهم ؟ أم ينسى أنَّ هؤلاء مُسَيَّرون ؟ هل يُوَحِّد أم يَحْقِد أو يستسلِم ؟ وهناك مضائق صِحِيَّة، وهناك مضائق في الدَّعوة فهؤلاء الدعاة لهم حِساب خاص، يَمُرُّون بِمَضائق، فإن لم يصبروا يقول الله عز وجل: اُخْرج من هذا الطريق فلَسْت أهلاً له، لذا لا تتصَوَّر أن تدخل الجنَّة دون امْتِحان، وأقول امْتِحان صعب، ولسْتُ بهذا مُتشائِمًا لكنَّ ربنَّا سبحانه وتعالى قال:
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ(214)﴾
[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)﴾
[سورة آل عمران]
أعرف رجل، أخوه حطَّم له سيارتهُ مِن شِدَّة غِناه لم يسْتطع أن يراها، وقال لهم: بيعوها ! دخل عند مُوَظَّف فأهانهُ، حينها دخل مُباشَرَةً عند طبيب قلب مباشرةً، فهذا امتِحان المال سهْل عنده أما امْتِحان العزّ والكرامة لم يستطع له.
فأنا لسْتُ مُتَشائِمًا ولكن أؤكِّد لكم حسب القرآن الكريم أنَّهُ لا يُمْكن أن نصل إلى هذه الجنَّة التي وعدنا الله بها، من دون أن تدْفع الثَّمَن، وثَمَنُها أن تنْجحَ في الامْتِحان، هل يوجد في الأرض مَن يقول لك: أنا دُكتور ولم يَمْتَحِن ؟! يُؤَلِّف أطْروحة بِخَمْس سنوات يُحاسِبونه على الفاصلة والحركة، ويُعيدوه الكتابة والفصْل، والدكتور لم يُعْجِبْهُ، والمُشْرِف ما راق له هذا الفصل، ومراجعك قليلة، وأَعِد البَحْث فهذه مرتبة في الدنيا وقد لا تعني شيئًا الآن، فكَيف مرتبة الجنَّة ؟! فلقد كان النبي عليه الصلاة والسلام مُتضَايِق جدًا، ولكن ما بعد الضِّيق إلا الفَرَج، وما بعد الشِدَّة إلا الرَّخاء، وما بعد الامْتِحان الصَّعْب إلا العطاء، دقِّق ! أصْعَب امْتِحان مرَّ به النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ؛ كُذِّب وسُخِر منه، ونالوهُ بالأذى، وبعد الطائف الإسراء والمعْراج، وأنَّهُ سيِّدُ الأنبياء والمرسلين، ولا يوجد مِحْنة إلا ووراءَها مِنْحة، ولا يوجد شِدَّة إلا ووراءها شَدَّة إلى الله، فهذا مِن بشائر الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)﴾
[سورة الشرح]
هذا الحِمْل الثَّقيل قال تعالى:
﴿ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[سورة الشرح]
ولا يوجد إنسان يعْمل في الحق إلا ويرْفع الله له ذِكْرَهُ، والإنسان إذا كان مع الله له مكانة خاصَّة، وله قُدْسِيَّة خاصَّة، ومُعامَلَة خاصَّة والله عز وجل يُلْبِسُهُ ثَوْب الهَيْبَة، مُهاب لأنَّه هاب الله فهابَهُ كُلّ شيء ومَن لم يَهَب الله أهابَهُ الله مِن كلّ شيء، تجدهُ يخاف من الآذِن الذي عندهُ وتجِدُهُ مُدير عام، ومن لم يتَّقِ الله أهابَهُ الله تعالى مِن كلّ شيء لذلك هذه السورة تشْرح الصَّدْر، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)﴾
[سورة الشرح]
قد تقول هي للنَّبي، وبالمُقابل لِكُل إنسان مؤمن صادِق مع الله عز وجل، وقد تسألني عن الدليل، قال تعالى:
﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)﴾
[سورة الأنبياء]
قيسوا على هذه الآية ؛ عندك هُموم البنات والأولاد والمَعاش والصحَّة فالله يُمرِّرُك من مضائق، لذا وطِّن نفْسَك فلا بدّ من أن تمرّ بِمَضائق وبُطولتُكَ أن تقول: يا رب، لك الحمد ! وأنا راضي
هم الأحِبَّة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم مَعْدِل وإن عَدَلوا
والله وإن فتَّتوا في حُبِّهم كبدي باق على حبِّهم راضٍ لما فعلوا
إنسان معه مرض خبيث بالأمعاء، والآلام لا تُحْتَمَل، أَقْسَمَ لي طبيبُهُ الخاص، ما زارَهُ إنسان إلى المُستشفى إلا ويقول له: اِشْهَد أنَّني راضٍ عن الله، ويا رب لك الحمد، ومات بِأحْلى حالة، فاله عز وجل يسوق لك امْتِحان مرض والفقْر والشدَّة والهمّ والحزَن، ولكن اِجْعَل شِعارك: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العتبة حتى ترضى ولكن عافيتُكَ أوْسَعُ لي، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
[سورة الشرح]
أحيانًا يكون إنسان مسْحوقٌ بالهَمّ، ابْتِلاء، والحديث: مَن قصَّر بالعَمَل ابْتَلاهُ الله بالهَمّ، فهناك هُموم تَسْحق، وقد يأتي الهمّ فيَسْحَق ثمّ يُزاح عنه، حينها يتنفَّس الصُّعَداء، سيَهْديهم ويُصْلِحُ بالهم، فالمؤمن الذي يطْلب الجنّة، أما الذي لا يطْلبها انتَهَت المشكلة، قال تعالى:
﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾
[سورة التوبة]
فإذا الإنسان بلا هَدَف فلا مُشْكِلة لأنَّهُ هو أصْلاً مُشْكِلة، أما إذا كنتَ تطلب الجنَّة ومَقْعَد صِدْق عند مليك مقتَدِر، وأن تكون في أعلى عِلِيِّين عليك أن تَتَحَمَّل.
أحد الإخوة تَوَكَّل بِعَمار مَسْجِد، فلا بدّ مِن أن يُقابل بعض المَسْؤولين وقد تكون منهم شِدَّة فهو قال لي: الجنَّة لها ثَمَن ومرْحَبًا بِثَمَن الجنَّة.
النُّقطة الدقيقة قوله تعالى:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[سورة الشرح]
هذه لِكُلّ مؤمن له منها نَصيب، والله تعالى يرْفع لك ذِكْرَك وشأنَك وثَوْب مهابة ومحبَّة ويتدافَعون لِخِدْمَتِك، وأحيانًا الإنسان يُهان، والله عز وجل له عذاب مُهين، رأيْتُ مرَّة ضابطًا يضرب إنسانًا مُحْتَرَمًا بِكَفّ ! عذاب وأحيانًا عَدُوُّك يَخْدُمك، وكل واحِدٍ منَّا له من هذه الآية نصيب، خَف منه يُخَوِّف منك الناس، وأحِبَّه يُلقي محبَّتَك في قُلوب الناس، وهَبْهُ يَجْعَلُكَ مُهابًا عند الناس، وكما تَدين تُدان، وكما تُعامِل الله تُعامَل، كُن لي كما أريد أكن لك كما تريد، إن ذَكَرْتَني في نفْسِك ذَكَرْتُكَ في ملإٍ من ملائكتي وخير منه، ويُطْرَحُ اسمُكَ بأعلى مُجْتَمَع ويُثْنى عليك لأنَّ تذكُر الله بين خلْقِهِ، وهذا هو معنى قوله تعالى:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
[سورة الشرح]
كان هناك قصَّابًا، فقال لي: أنا والشيخ أبو الحَسَن سواء، فقلْتُ له: ما بال الثرى من الثريا ! مهما كانت الصِّنْعَة، المُهِمّ ما حالهُ الآن ؟ مؤمن تقي، وعالم ورع، فالمؤمن حتى في أفراد الأُسْرَة مُحْتَرَم وفي الأقارب.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5)﴾
[سورة الشرح]
هي إنَّ بعد العُسر يُسْرًا، يأتي عُسْر ويجيء بعده يُسْر، لكنَّ الله تعالى من رحْمته ولكي يُطمْئِنَكَ قال لك مع العسر يوجد عُسْر ! فهذا الذي يُزْعِجُكَ يُرافِقُهُ اليُسْر، وهناك قاعدة لُغَوِيَّة تعْرِفونها، وهي أنَّ الكلمة إن كانت نكِرة وتكرَّرَتْ فالمعنى يتكَرَّر، أما إذا المعرفة فالمعنى نفسُهُ، ولن يغلب عُسر يُسْرَين، فالعُسر هنا معرفة، وكلمة يُسر نكرة، قال العلماء: يُسْر في الدنيا وآخر في الآخرة، فمهما تنوَّع العُسر فدائِمًا اليُسر مُضاعَف.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
[سورة الشرح]
أنا عندي جرد الآن ! طيِّب ألم ينتهي هذا الجَرْد الآن ؟! وأنا عندي فحْص، لَمْ نرَك بالدَّرْس والصلوات، وأنا عندي مُشْكلة ؛ ابني سيَعْمَل عَمَلِيَّة، وقد ورد: هلك المُسَوِّفون، فإذا شَغَلَك شيء وانتهى لم يعد هناك عُذْر فكأنَّ الله عز وجل يقْبلُ عذْرك، قال الإمام علي كرَّم الله وجْههُ: إنّ للنَّفْس إقْدامًا وإدْبارًا، فإذا أدْبَرَتْ فاحْمِلوها على الفرائض وإذا أقْبَلَت فاحْمِلوها على النَّوافل، فالواحد إذا انتَهت مُشْكلتُه فلا عُذْر له، لذا كما قال تعالى:
﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)﴾
[سورة الشرح]










والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 10:05 AM   #584


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة التين (95 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، في سورة التِّين يقول الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
[سورة التين]
الكَمَال البَشَري كمالٌ مٌطْلق، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)﴾
[سورة البلد]
بالعَيْنَين ترى البُعْد الثالث، وقال تعالى:
﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾
[سورة البلد]
الله تعالى علَّم الإنسان البيان، فَهُوَ يتكلَّم ويسْمع ويكتب ويقرأ، قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَانُ(1)عَلَّمَ الْقُرْآنَ(2)خَلَقَ الْإِنسَانَ(3)﴾
[سورة الرحمان]
وجعلهُ يُدْرِك، والأشياء التي غابَتْ عنه، فالماء يَدُلّ على الغدير والبَعْر يدلّ على البعير، والأقدام تدلّ على المسير، أَفَسَماءٌ ذات أبْراج ! وأض ذات فِجاج ! أفلا يدُلاَّن على الحكيم الخبير ؟ كرَّمهُ بالعَقل والعَيْنين والأذُنَين فَبِهِما يعرف جِهَة الصَّوت، وجعل الله الأنْف فوق الفم، فلو أنّ الطَّعام فاسِد عافَهُ الإنسان، ولو أدْخل قَسْرًا لتقَيَّأَهُ، وجعلهُ منتَصِبَ القامة على قدَمَين صَغيرتَيْن بِفضْل جِهازٍ بالِغِ التَّعْقيد في الأُذُن ؛ جِهاز التَّوازُن، فلولا هذا الجِهاز لاحْتاج الإنسان إلى آلات بالغَة التَّعْقيد، فالإنسان لو سار في الطِّين وحمل حذاءَهُ وزْنًا من الطِّين يُصْبِحُ المَشي أشْغالاً شاقَّة، فالله أكْرَمَهُ بِجِهَاز التَّوازن وإدراك جِهَة الصَّوت، وكرَّمَهُ بالألوان ؛ فالقِطَط ترى الأبيَض والأَسْوَد، وجعل لهُ شَعْرًا كَتَاجٍ يُتَوِّج رأسَهُ، وثلاثمائة ألف شَعْرة، لِكُلِّ شَعْرة ويد وشِريان وعضلة وغُدَّة دِهْنِيَّة وصِبْغِيَّة، لقد خَلَقْنا الإنسان في أحْسَن تَقْويم، والإنسان كُلْيَتاهُ تُفْرِزان كلّ عِشْرين ثانِيَة نُقْطة، لولا المَثَانَة لكانت حالة الإنسان لا تُطاق، وهذه المَثَانَة تُجَمِّع لِتْر ونِصْف تَقْريبًا ؛ خمس ساعات أو أكثر تجد نفْسَكَ نظيفًا دون أن تظهر منك ولا قطرة بَول، وتُسافِر وأنت مُرتاح، وللمَثانَة عضَلات مِن أجل تَوْفير الوَقت، ولولا هذه العَضَلات لكَانَ إفْراغُها مُسْتَحيلاً ؛ وجعَلَ الله قلْبًا يعمل حتى وأنت نائِم لو كلَّفَك بالنَّبْض لما أمْكَنَكَ أن تنام، تنامُ فَتَموت، ولو كلَّفَك بالتَّنَفُّس لما أمْكَنَك أن تنام ؛هناك مَرْكز التَّنْبيه الدَّوري للبَصَلَة السِّيسائِيَّة، إذا تعطَّل هذا المركز لما أمْكَنَ لأحدٍ أن ينام ؛ يُجْري تنَفُّس اصْطِناعي فإذا غفل ماتَ فَوْرًا، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
[سورة التين]
قلب ورِئتين ومَعِدَة وأمْعاء، وأمعاء طَويلة طولها ثمانِيَة أمْتار مِن أجْل أن تأخذ خُلاصَة الطَّعام مِن خِلالها.
قال تعالى:
﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)﴾
[سورة البلد]
لبَنٌ في الثَّدْيَيْن بارِدٌ في الصَّيف، وساخِنٌ في الشِّتاء، ومُعَقَّم وفيه مناعَةُ الأمّ، ومواد تَمْنَع الْتِصاق الطَّعام والجراثيم بالأمعاء، فَحَليب الأم فيه مَيِّزات مُذْهِلَة، والله قال:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
[سورة التين]
فإن لم يَعْرِفْنا، ولم يسِرْ على منهج الله حينها كما قال تعالى:
﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾
[سورة التين]
ذكر لي أخ له والِدَة مُلْقاة على ديوان، وأيْديها وأرجُلها مُربَّطَة، فقلتُ له: لماذا ؟‍! قال: لأنّنا إن فَكَكْنَا عنها الرِّباط خلَعَتْ كلّ ثِيابِها، وأكلَتْ مِن غائِطِها !! قال تعالى
﴿ : مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾
[سورة النحل]
فالإنسان إذا ما عرفَ الله يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، والأصل في خريف العمر لا في ربيع العُمر، ففي الربيع كلّ الناس تتساو، أما التَّفاوُت ففي الخريف ؛ كيف أمْضى حياته ؟ في طاعة الله إذًا له خريف مُتَألِّق وكيف أمضى حياته ؟ بِدَخْل حلال، وإن أمْضاهُ بالمَعْصِيَة فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر، قال تعالى:
﴿ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾
[سورة النحل]
رَدَدْناهُ أسْفَل سافلين بعد أن خلقناهُ في أحْسَن تَقْويم، فإذا شَكَر بَقِيَ في أحْسَن تَقْويم وفي شبابٍ دائِم، أما إن لم يَشْكُر فإنَّه يُرَدُّ إلى أرْذَل العُمر.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾
[سورة التين]
المؤمنون خطُّهم البياني صاعِد، والموت نقطة على هذا الخط، ويبقى بعد الموت صاعِدًا إلى الجنَّة.
كُلُّ أجر مَمْنون لا يُعَدّ عطاءً إلَهِيًّا، فالدنيا مَقْطوعة، فالرِّزق ما انتفَعْتَ به، والكَسب ما لم تنتَفِع به ولكنَّك مُحاسَبٌ عليه، فَكُلّ عَطاء ينتهي بالموت فليس عطاءً، ولا يليق بالله تعالى أن يكون هذا هو عَطاؤُهُ، ولا يليق بِكَرَمِ الله أن يُعطي الإنسان الدنيا، فلو أنَّ الدنيا تَعْدل عند الله جناح بَعوضَة ما سقى الكافر منها شَربَة ماء، فقلد مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ ومُتَفَسِّخَةٍ فقال عليه الصلاة والسلام: كم هذه الشاة هيِّنة على أهْلها ! للدُّنيا أهْوَنُ على الله من هذه الشاة على أهْلِها..." قال تعالى:
﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126)﴾
[سورة البقرة]
وقال تعالى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
وقال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ(38)﴾
[سورة التوبة]
وقال تعالى:
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾
[سورة المطففين]
البُطولة أن تعمل للآخرة، لا أن تعمل للدُّنيا ؛ لأنَّ الدنيا مُنقَطِعة شبَّهْتُ للإخوة في الأسبوع السابق أنَّ لو سباق سيارات فيه ألف سيارة وكلُّها متنوِّعة من حجم وشكل وموديل، وينتهي هذا السِّباق بِقاطِع وحُفْرة بالنِّهاية، فَكُلُّهم تنتظرهم هذه الحُفرة بالأولى والثانية والأخيرة والكبيرة والصغيرة والأحدث موديل !! فهل هذا سِباق ؟! هذا سِباق أحْمَق، وهكذا الدنيا ؛ الفقير يموت والغني يموت، وكذا الضعيف والقويّ والموت واحِد، فالموت يجمعُ بيننا؛ لذا قال تعالى:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6)﴾
[سورة التين]
ثمَّ قال تعالى:
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾
[سورة التين]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 01:50 PM   #585


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العلق (96 )


الدرس الاول






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
سورة العلق :
أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله عز وجل في سورة العلق :
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ  الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 1-5 ]
اقْرَأْ أول آية نزلت :
أوَّل آية أُنْزِلَت في كتاب الله تعالى : اِقرأ ، فهذا الدِّين العَظيم دِينُ عِلْم ودينُ حقيقة ، ودين مَنْهج ودليل وتَعليم وعَقْل ، إلا أنَّ القِراءة مُطْلقة وواسِعَة جدًا ، ويجب أن تقرأ باسم ربِّك ، وما لم تَخْتَر مَوْضوعًا يَنْفَعُكَ في الدنيا والآخرة فهذه القِراءة لا تنْفَع ، وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام ربَّهُ فقال :
(( اللهمّ إنِّي أعوذ بك مِن عِلْمٍ لا ينفَع ، ومِن قلبٍ لا يَخْشَع ، ومِن عَيْنٍ لا تَدْمَع ، ومِن أُذُنٍ لا تَسْمَع ))
وليس كُلّ عِلْمٍ نافِع ، فَهُناك عِلمٌ نافِع وغير نافِع ، وليس كلّ عِلمٍ مُسْعِد ، والعِلم الدِّيني هو وحْدهُ المُسْعِد في الدنيا والآخرة ، فقوله تعالى : ﴿ اقْرَأْ ﴾
فهِيَ قِراءة ليْسَت مُطلقَة ؛ بل قِراءَةً تنتهي بِها إلى ربِّك ، وتتعرَّفُ بها إلى ربِّك ، وتُعَظِّم فيها ربَّك ، وقِراءَةً هادِفَة .
قال تعالى : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ  اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 1-3 ]
الإكرام الإلهي :
أكْرَمَك بِنِعْمة الوُجود ، وأكْرَمَك بِنِعْمة الإيجاد والإمْداد ، والهُدى والرَّشاد ، ثمَّ قال تعالى :
﴿ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾
[ سورة العلق الآية : 4 ]
قال تعالى : ﴿ الرَّحْمَنُ  عَلَّمَ الْقُرْآَنَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ  عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
[ سورة الرحمن الآيات : 1-4 ]
فالبيان إحْدى نعَم الله الكُبرى على الإنسان ؛ بالنُّطْق والسَّماع تنتقل المعارِف بين المُتعاصِرين ، ولكن بالقلم والكتابة والقراءة تنتقل المعارف بين الأجْيال ، وبين الأُمَم ، فلولا نِعْمة القَلَم لما انْتَفَعتْ أُمَّة بِأُمَّة ، ولا جيلٌ مِن جيل ، والدليل نأخذ أحد العلماء ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ، كان يَحْضُر درسه عدد كبير جدًا فلما انتهى التواصل الشَّفَهي ومات انتهى عِلْمُهُ ، أما حينما ألَّف كتاب عِلْم الأحياء فَعِلْمُهُ مُسْتَمِر إلى يوم القيامة ، فبِالكتابة تنتقل المعارف من جيلٍ إلى جِيلٍ ، ومِن أُمَّة إلى أخرى .
أيها الإخوة ؛ قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى  أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 6-7 ]
فالإنسان في ساعة الافْتِقار يقول : يا ربّ ، فإذا أغْناهُ الله وأتَمَّ عليه نِعْمة الصِّحة والمال ينسى الله عز وجل ، فالإنسان المؤمن يشْكر الله وهو في الرَّخاء ، ولكنَّ الشارِد يَذْكره وهو في الافْتِقار والشدَّة ، لذا : يستغني ، يتجاوَزُ حُدوده ، ويتجاوَز في تَصَوُّراتِهِ ، وفي سُلوكِهِ ؛ متى ؟‍ ﴿ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
أنْ رأى نفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عن الله ، لذلك إما أن ترى نَفْسَك مُفْتَقِرًا إلى الله ، وإما أن يُريكَ الله افْتقارَك إليه ، إن رأَيْتَهُ وَحْدكَ فهذه نِعْمةٌ عُظْمى ، فالصَّحابة الكِرام رأَوْا افْتِقارهم إلى الله في بَدْر فَنَصَرَهُم الله ، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 123 ]
لكنهم في حُنَيْن رَأَوْا كَثْرَتَهُم فَخَذَلَهُم الله ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 25 ]
فأنت إن رأَيْتَ افْتِقارَك تَوَلاَّك الله ، وإن اعْتَدَدْتَ بِقُوَّتِك وعِلْمِك ومالِك ، واسَتَغْنَيْتَ عن الله ضِمْنًا خذَلَك الله ، لذا مع الاسْتِغْناء الخِذْلان ، ومع الافتِقار الإمْداد والرِّعايَة ، إذًا يُمكن أن نقول : أنت كلّ يوم في امْتِحانَيْن ؛ امْتِحان الافْتِقار ، وامْتِحان الاسْتِغْناء ، فبِافْتِقارِكَ يتولاَّك الله ، وباسْتِغْنائِكَ يَكِلُكَ الله إلى نفْسِكَ ، ومَن توكَّل على نفْسِهِ أَوْكَلَهُ الله إيَّاها ويُؤتَى الحَذِرُ مِن مَأْمَنِهِ ، ويُؤْتى صاحِب الاخْتِصاص من اخْتِصاصِهِ وصاحِب التَّفَوُّق من تَفَوُّقِهِ ، وصاحِبُ المال مِن مالِهِ ، لذا كُلَّما اسْتَغْنَيْتَ عن الله عز وجل أُخِذْتَ من اخْتِصاصِك ، ومِن مَأمَنِك وتَفَوُّقِك ، قال تعالى : ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى  أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى  إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 6-8 ]
الموازنة الإلهية :
الآن وازِنْ بين شَخْصَيْن ؛ قال تعالى :
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى  عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 9-10 ]
رَجُلٌ يَنْهى الناس عن الصلاة ؛ حديثُهُ كاذِب ومُنْحَرِف ولئيم وأناني وكاذِب ومُنافق ودجَّال ، ما دام يقطع الناس عن الصلاة فَهُوَ مع شَهوَتِهِ ومُنْقَطِع عن الله ، قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ  فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَوَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَالَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَوَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
[ سورة الماعون ]
قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص الآية : 5 ]
أين الجواب ؟ اُنْظر إلى أفعالِهِ وشَخْصِيَّتِهِ ووُعودِهِ وكلامِهِ ودناءَتِهِ وخِيانَتِهِ ، واحْتِيالِهِ واعْوِجاجِهِ فأخْلاقُهُ المُنْحَرِفَة أقْوى دليل على انْحِرافِهِ ، وهو أصْغَر مِن أن يُناقَش ألا يَكفي أنَّهُ كذَّاب ؟ ومُحْتال ؟ وأناني ؟ وقَذِر ؟ ويَخُون ؟ أرأيْتَ إن كان على الهُدى ؛ اُنْظر إلى صِدْقِهِ وأمانتِهِ وعِفَّتِهِ واستِقامَتِهِ ومُروءَتِهِ وتواضُعِهِ ورَحْمَتِهِ ، سُلوك المؤمن أكبَر دليل على إيمانِهِ ، وسُلوك المُنْحَرِف أكبر دليل على إيمانِهِ ، وسُلوك المُنْحَرِف أكبر دليل على انْحِرافِهِ ، فهذه الآية قَوِيَّة جدًا ! قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى  عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 9-10 ]
انْتَهَتْ الآية ! أرأيْتَ إلى أخْلاقِهِ وطِباعِهِ وعلاقاتِهِ وقَسْوِتِهِ وعلاقتِهِ بِزَوْجَتِهِ وأولادهِ ، قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى  أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾
[ سورة العلق الآيات : 11-12 ]
قال تعالى : ﴿ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ  نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 15-16 ]
مِن أشدّ أنواع التَّنكيل أن تَمْسِكَ الإنسان بِمُقَدِّمة رأسِهِ وتضرب الأرض بِرَأسِهِ ! تضْرب به فناصِيَةُ الإنسان مقدِّمة رأسِه ، قال تعالى : ﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴾
ماذا يوجَد في ذِهْنِهِ ؟ خُبْث واخْتِيال ، وشَطط وتَفْكير بالمعاصي ، قال تعالى :
﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾
[ سورة العلق الآية : 17 ]
يأتي الإنسان يوم القِيامة وَحْده فَرْدًا ، فَهُوَ في الدنيا له جماعَة ، وأتْباع وأعْوان ، فالإنسان أحْيانًا قد يَحْتاج إلى العِقاب فيأتي مائة تلفون يتوسَّطون لِهذا الشَّخص ! معنى ذلك أنَّ له أتْباع ، وشبَكَة مُواصلات ، وهذه الشَّبَكة تنتهي يوم القيامة ، قال تعالى : ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴾
[ سورة العلق الآية : 17 ]
ليس معه أحد ، تقول له : يا بني جَعَلْتُ لك صَدْري سِقاءً وبَطْني وِعاءً وحجري وِطاءً فهل مِن حسَنَةٍ يعود عليَّ خبرها اليوم ؟ فيقول : يا أُمِّي ليتني أسْتطيعُ ذلك إنَّما أشْكو مِمَّا أنت تَشْكين ، قال تعالى : ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون الآية : 101 ]
وقال تعالى : ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴾
[ سورة الكهف الآية : 48 ]
ثمَّ قال تعالى : ﴿ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ  كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
[ سورة العلق الآيات : 18-19 ]
فإذا قال لك إنسانٌ : لا تُصَلِّي ! فلا تُطِعْهُ واسْجُد واقْتَرِب .
سألني البارِحَة إنسان يعْمل في مُؤَسَّسة وصاحِبُها مؤمن ، يَمْنَعُهُ مِن صلاة الجُمُعة ، وهو تحت طائِلَة الطَّرْد من العمل !! فقُلْتُ له : لِيَطْرُدْكَ من العَمَل والله هو الغَنِيّ ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق .
قالتْ له : إما أن تكْفر وإما أن أدَعَ الطَّعام حتى أموت ؛ سـيِّدُنا سَعْد ، فقال لها : يا أُمِّي لو كانت لك مائة نفْس فَخَرَجَت واحِدة تلْوَ الأخرى لما كفَرْتُ مُحَمَّد ، فَكُلي إن شئتِ أو لا تأكُلي !!
ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق .
والي البصرة قال : إنَّ يزيد يأمرني أن أُنَفِّذ كذا وإن نفَّذْت الأمر عصَيْتُ الله .
فقال الحسن : إنَّ الله يَمْنَعُكَ من يزيد ولكنَّ يزيد لا يَمْنَعُكَ من الله !
يأتي مرض خبيث لا يُمْكِن أن يُخَلِّصَهُ أحَد ، أقْرَبُ الناس يبتعِدُ منك ! يأتي عِقاب أليم ، أما إن كنتَ مع الله يُخَلِّصُك من كلّ أحَد ، ويمنع كلّ أحدٍ منك ، أما إذا كنت مع الجبابرة فلا أحد يمنعُكَ منهم ، ولا أحد يمنَعُكَ من الجبار الأعلى .
إنَّ الله يَمْنَعُكَ من يزيد ولكنَّ يزيد لا يَمْنَعُكَ من الله !
ولا طاعة لِمَخلوق في مَعْصِيَةِ الخالق ، قال تعالى : ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 01:53 PM   #586


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة التكاثر (102 )


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، ربُّنا سبحانه و تعالى في سورة قصيرة يقول:
﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ(1)حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ(2)كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(3)ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(4)كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾
[سورة التكاثر]
سأشرح كلمةَ " النعيم "، قال تعالى:
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ(8)﴾
[سورة التكاثر]
النعيمُ هو الصحة و الفراغ و الأمن و الكفايةُ، فمن متَّعه اللهُ بصحته و أمَّنه و كفاه و جعله متفرِّغا لعمل ما، و لم يستخدم هذه النعمَ الأربع في معرفة الله و في طاعته و التقرُّب إليه كان مغبونا أشدُّ الغبن و خاسرا أشدَّ الخسارة، لقول النبيِّ عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ ))
[ رواه البخاري ]
لو أن أبا غنيًّا أعطى ابنَه مبلغا ضخما ليتاجر به و يؤسِّس مشروعا و ليشتري بيتا و ليتزوج، لو أن الابنَ جمع هذا المبلغ ووضعه في صندوق و أغلق عليه هل هو رابح أم خاسر ؟ خاسر، و لو أنه أحرقه، لكان مجنونا، و لوأنه أنفق على مصروفه منه فهو خاسر، فالصحة و الفراغ و الأمنُ و الكفاية، أحيانا الإنسانُ يشكو لي بعضَ المشكلات فأقول له: هل أنت مضطر أن تغسل كليتيك كلَّ أسبوعٍ مرةً، يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيَّر دسام قلبك ؟ يقول: لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تغيِّر شريانَ القلب ؟ لا و الحمد لله، هل أنت مضطر أن تجري عملية جراحيةً في الدماغ ؟ لا، فإذا كان الإنسانُ معافى في جسده هذا رأس مال، و رأس المال الثاني عندك دوام إلى الساعة الثانية ثم تتغدى و تنام بعد الظهر، و الباقي وقت فراغ، كيف تمضيه ؟ في مجلس العلم أم على النرد ؟ أو في غيبة ونميمة ؟ أو متابعة مسلسلٍ ساقطٍ ؟ نتائج معروفة و قصص مكرَّرةٌ، حثالةُ المجتمع كيف تمضي هذا الوقت ؟ فالفراغ رأس مالٍ ثانٍ، وأنت لستَ مُلاحقا ؟ تتحرك كيف تشاء و تسافر و تنتقل كيف شئت، فهذا رأس مال ثالث، الأمن،رأس مال رابع عندك قوت يومك، و حاجاتك الأساسية مغطاة، فهذه الرأسامالينُ الأربعةُ إما أن تنفقها استهلاكا في المباحات و إما أن تستثمرها عند الله عز وجل، بمعرفته و معرفة منهجه و تطبيقه و الأعمال الصالحة التي تقرِّبك إليه، فكلُّ إنسان أنفق من رأس ماله خاسر أشدَّ الخسارة، و كلُّ إنسان أتلف رأس ماله أحمق أشدَّ الحمق، أما الإنسان الذي يتاجر برأس ماله ليكسب ربحًا ينفق منه فهو الإنسانُ الإنسانُ العاقل،لذلك قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)﴾
[سورة الصف]
التجارة لها رأس مال و لها ربحٌ، فرأسُ مالك صحتُك و فراغك و أمنُك و كفايتُك،أوَّلُ شيء النجاةُ من العذاب الأليم، و ثاني شيء قال تعالى:
﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(12)﴾
[سورة الصف]
ومع هديَّة تشجيعية سلفا،قال تعالى:
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾
[سورة الصف]
لذلك التجارةُ مع الله رابحةٌ أشدَّ الربح، و نحن في الأرض أرباحُ التجارة من العشرة إلى العشرين، و الصناعة من العشرين إلى الثلاثين و الأرباحُ الوهمية للنصَّابين سبعون بالمائة، و في النهاية يذهب رأسُ المال كلِّه، أما من الممكن أن تتعامل مع خالق الكون و يعطيك عن الليرة مليون، و عن الليرة مليار، إلى أن ينتهي نفَسُك.
فلذلك أيها الإخوةُ أردتُ من هذا الدرس الاستثنائي أن أذكِّر أنَّ نعيمَ الصحة و الفراغ و الكفاية و نعيم الأمن هذه رأسُ مال الإنسان، الصحة هي الشبابُ و القوَّة و الحركةُ، فماذا تعمل بها ؟ في طاعةٍ أم في معصية ؟ أم في هموم ؟ و الوقتُ الفراغ ماذا تعمل به ؟ في لقاءات فارغة و حديث فارغ و غيبة و نميمة ؟ أم في طلب العلم ؟ أم في مذاكرة العلم ؟ أم في الجلوس مع الذي تثق انه ينقلك من حال إلى حالٍ ؟
أيها الإخوة الأكارم، العمرُ قصيرٌ، و هذا الذي يموت لو أن الدنيا كلَّها في يده، وجاءه ملك الموت ؛ يقول له: أُعطيك كلَّ مال يدي على أن تتْركني أبقى ساعة ‌‍! كي أسْتغفر الله !! وأُصلي ركْعتين ! لذلك مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بقَبر، فقال صاحب هذا القبر إلى ركعتين مِمَّا تحْقرون
(( فالنبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح يقول: ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ ))
[ رواه البخاري ]
فإذا كانت معك قِطعة ألماس ثمنها خمسة ملايين ورثتها من والدك، ولم تدْر أنها من ألماس، فَبِعْتها خمسة ليرات ! ثمَّ عرفت الحقيقة، ماذا تفعل ؟! ألا يشعر هذا الإنسان بالألم ؟! ألا يندم أشدَّ النَّدم ؟! باع الصِّحة والفراغ والأمن والكِفاية بِالكلام الفارغ، والمباحات والاسْترخاء، وما عمِلَ عملاً صالحًا، لذا ورد أنَّ المؤمن لا يندم يوم القيامة إلا على شيءٍ واحِدٍ ؛ على ساعة مرَّت لم يذْكر الله فيها، وكلَّما كبُرَ عقلُ الإنسان يحْرسُ على العقل، وهو أثْمَنُ شيءٍ، أحدُ علمائنا وهو الشيخ بدر الدِّين الحسني مرِّ على مقْهى يلعبون النَّرْد، فقال: يا ليت الوقت يُشْترى من هؤلاء فنَشْتريه منهم ! تجِدُ المؤمن ليس لديه الفراغ، مشاريع وأعمال صالحة، وأعمال جليلة وخيِّرة، وكلَّها تحتاج إلى الوقت الكثير، لذا تَجِدُه يقْتصد في الوقت، والإنسان الشارد التائه يُنفق الوقت جُزافًا، وفي أشياء تافهة ولِقاءات تافهة، وبِمَوضوعات تافهة، وساعات طويلة في الكلام الفارغ والبيوت والنِّساء، وقد قال عليه الصلاة والسلام
(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ * ))
[ رواه أبو داود ]
فأنا أنصحُ إخوتنا الكرام ؛ هذا الوقت هو أثمن شيءٍ تمْلكُهُ، وأنت كلَّكَ وقتٌ، وأثْمن شيءٍ تملكه، والله ذهبنا في الأسبوع القادم لِتَعْزِيَة شابٍّ يحْضر عندنا في المسْجد مات بعد عرْسِهِ بخَمسة وعشرين يومًا !! فالموت لا يعرف لا صغير ولا كبير، لذا إن جلسْتَ مع أهلك ذَكِّرهم بالله واقرءوا قِصَصًا عن الصَّحابة، وإن كان لك وقْتًا فارغًا فاقْرأ فيه القرآن، وابْحَث في المفيد، لأنَّ كل شيء ينتهي عند الموت هو خسارة، وكلّ شيء يسْتمرّ بعد الموت رِبْح، لذا رأسُ مالنا أربعة أشياء ؛ الصِّحة والفراغ والأمْن والكِفاية، وأربحانا النَّجاة مِن عذابٍ أليم، والمغفرة ودُخول الجنَّة، فإذا وصلْتَ لهذا فقد ربِحت لأشدّ الرِّبح، فالرِّبح ليس كثرة المال، والموت يُنهي كلّ شيء، فالأصل هو ما يدخل معك القبر، فذَكاؤُكَ، وفلاحُك وتفوقُّك، وعقْلك في أن تذهب لدار الآخرة ومعك أعمال صالحة تُغنيك عن الدنيا، وهنا قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)﴾
[سورة فصلت]






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 01:56 PM   #587


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة التكاثر (102 )


الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة التكاثر حقيقة خطيرة، وأنَّ في حياة الإنسان شيئًا ثمينًا، وفي حياتِهِ شيئًا خسيسًا، ما هو اللَّهو ؟ أنْ تشْتغل بالخسيس عن النَّفيسِ، فَرَبُّنا عز وجل خلق الإنسان لِجَنَّةٍ عرْضُها السماوات والأرض، فهو في الدنيا يلْهو لِجَمْع المال، أكثر الناس إذا تجاوَزُوا كسْب الرِّزْق انْتَقَلوا إلى الجَمْع ؛ حاجاتُهُ مَحْدودة، والإنسان يُعَدُّ رِزْقُهُ ما انتفَعَ به حصْرًا، فالطَّعام الذي يأكله والثِّياب التي يَرْتديها والبيْتُ الذي يسْكُنُه، وزوْجته وأولادُه هؤلاء رِزْقهُ، أما حجْمُهُ المالي على الورَق فهذا كَسْبُهُ، ومُشْكِلَةُ الكَسْب أنَّ الإنسان لم ينْتَفِع به ولكنَّهُ مُحاسَبٌ عليه، أغْلَبُ الناس بعد تجاوَزَ مرحلة الكسب ينتقل إلى مرْحلة الجَمْع والتَّنافس والتَّكاثر إلى أن يُصْبِحَ عبْدًا للمال، وإلى أن يخْسَرَ هذا في ثانِيَةٍ واحِدَة، فإذا هو في نَدَمٍ شديد ولاتَ ساعَةَ مَنْدَم، فالله عز وجل يُخبرنا ويُقَرِّعنا، فقال تعالى: ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
ألهاكم عن معرفة ربِّكم، وعن طاعتهِ، وعن العمل بالآخرة، وأيّ إنسانٍ إذا سألْتَهُ لمَ لا تأتي إلى درْس العِلْم يقول لك: مَشْغول ! ما هو الشُّغْل الذي يَصْرِفُكَ عن سرِّ وجودك، وعن غاية وُجودِك ؟ وعن معرفة ربِّك ؟ وما معنى قول المؤذِّن: الله أكبر ؟! فالله أكبر مِنْ أيِّ شيءٍ بين يَدَيْكَ، ومِن أيِّ صَفْقَةٍ رابِحَة، ومِن أيِّ مَغْنَمٍ كبير ؛ الله أكبر، لذلك كان النبي وأصحابه إذا سَمِعوا الأذان انْصرَفوا إلى تَلْبِيَة النِّداء فَرَبُّنا عز وجل يقول:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
التنافس على الدنيا، وجمْع المال، فالتَّنافس مَحمود إذا كان في الآخرة، قال تعالى
﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)﴾
[سورة المطففين]
وفي ذلك لكنَّه مَذْموم إذا كان على الدنيا، فالطَّعامُ مَحْدود، والمعِدَة لها حجْم، وترْتدي في وقت واحِدٍ ثوْبًا واحِدًا، وتنامُ في وقتٍ واحِدٍ على سرير واحِد، وتجلس في بيتٍ واحِدٍ في وقتٍ واحِد وتركب مركبةً واحِدة، فمهما كان حجْمُكَ المالي فاسْتِهْلاكُكَ مَحْدود، بل إنَّك إن أسْرَفْتَ في الشَّهوات دَفَعْتَ الثَّمَن باهِظًا، فهناك أمراض كبيرة جدًا تتأتَّى من الإسْراف، قال تعالى:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
أي اشْتَغَلْتُم بالخَسيس عن النَّفيس، إنسانٌ غاص البحْر وتجشَّم صُعوبة الغَوْص، وبين أيْديهِ اللآلئ فجَمَع الأصْداف وترك اللآلئ، فاللؤلؤة الواحِدَة بِخَمْس مائة ألف، نقول له شَغَلَتْكَ الأصداف عن اللآلئ ! إنَّك خاسِرٌ لا محالة، فَكُلّ إنسان يؤثِر الدنيا على الآخرة، والمال على حب الله، ويؤثِر جلْسَةً لا تُرضي الله على مجلس فيه طاعة الله، وحديثًا فارِغًا عن ذِكْر لله عز وجل، ويؤْثِرُ أن يُتابِعَ مُسَلْسَلاً لا معنى له، تافِه، وكُلّهُ خيانات على طلب العِلم ومُجالسَة الصالحين.
ماذا بعد هذا الجَمع ؟ وبعد هذا الحجم المالي الكبير ؟ والرَّقَم الفلكي لِثَرْوَتِك ؟ قال تعالى:
﴿ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
فلا بدّ مِنْ نَعْوَةٍ تُلْصَقُ على الجُدْران، قد يُكتب في نعْيِه درجته العِلْمِيَّة ولكن ما مصير هذا الإنسان بين يدي الواحد الدَّيان وهو في القبر ؟ ماذا ينفعُهُ في القبر إلا عمله ؟ لو أنَّ إنسانًا مَدَحَتْهُ الخلائقُ كُلُّها ولم يكن الله راضِيًا عنه لا ينْفَعُهُ مديحُهم شيئًا ! لا ينفَعُكَ إلا أن يكون الله راضِيًا عنك، فالله تعالى قال:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾
[سورة التكاثر]
يقول الله بعد هذا: "كلاَّ " أداة رَدْع ونهي، لا تفْعلوا ذلك ! قال تعالى:
﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾
[سورة التكاثر]
كلا، ردع و زجر، سَتَعْلمون أنَّكم خاسِرون، كلاَّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، تُرَفْرف روح الميِّت فوق النَّعْش وتقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلْعَبَنَّ بِكُم الدنيا كما لَعِبَتْ بي جَمَعْتُ المال مِمَّا حلَّ أو حرُم، فأنْفَقْتُهُ في حِلِّه وفي غيْر حِلِّه، فالهناء لكم والتَّبِعَةُ عليّ، فكلاّ سوف تعلمون في الدنيا، وكلا سوف تعلمون في الآخرة، وكلاّ سوف تعلمون عند نُزول القبر، وكلاَّ سوف تعلمون يوم القيامة، فالميِّت يرى مكانه من النار في القبر فيَصيحُ صَيْحَةً لو سَمِعَها أهل الأرض لَصُعِقُوا، والمؤمن يرى مكانَهُ في الجنَّة، فيقول: لم أرَ شَرًّا قطّ !
قال تعالى:
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾
[سورة التكاثر]
واحدٌ راكب مرْكبةً فخْمَةً في طريق جميل، عن يمينِهِ وشمالِه حدائق غنَّاء، والسيارة منطلقة، والنَّسيم يُداعِبُ وَجْههُ، وهو مُبْتَسِمٌ ويَضْحك ويَمْزَح، فإذا علِمَ عِلْمَ يقين أنَّ مِكْبَحَهُ مُعَطَّل، وأنَّ هذا الطريق الهابِط ينتهي بِطريق حادّ يُوَلْوِل !: قال تعالى:
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾
[سورة التكاثر]
لَتَرَوُنَّ هذا البيت الفَخْم الذي اغْتُصِبَ مِن أصْحابِهِ جحيمًا، ولَتَرَوُنَّ هذه التِّجارة الرابِحَة التي بِضاعَتُها مُحَرَّمة، لَتَرَوُنَّ هذا المَبْلغ الكبير الذي أُخِذ بطريقةٍ غير مَشْروعة جحيمًا، فالذين يفْرَحون بالحرام هم حَمْقى لو عرفوا أنَّهم سَيُحاسَبون لرأوا هذه المكاسِب جحيمًا.
علم اليقين في الدنيا، أما حينما تُعايِنُ عذاب القبر في القبر، قال تعالى:
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7)﴾
[سورة التكاثر]
عِلْمُ اليقين، وعَيْنُ اليقين، فالأوَّل اسْتِنتاجي، أما الثاني فَشُهودي.
قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾
[سورة التكاثر]
نِعْمة الصِّحة كيف اسْتُعْمِلَتْ ؟ أفي الاسْتِرخاء والتَّوَطِّي أم في طاعة الله ؟! ليس عندك غَسْل كلاوي، ولا زرْع دسَّام، ولا مرض خبيث في الدمّ، ولا مشكلة أبدًا، فالصِّحة كيف اسْتغلْتها ؟
نِعْمة الفراغ ؛ من الرابعة مساءً إلى العاشرة ! أين أمْضَيْت وقتَكَ هذا ؟ باللَّعِب والنَّرْدشير، ومُتابَعَة المُسَلْسلات، هذا الوقت الفراغ سوف نبْكي عليه دَمًا، نُسْأل عن وقْتِنا، وصِحَّتِنا، وكذا نِعْمة الأَمْن فلَسْنا مُلاحَقين، ما فَعَلْتَ بهذه النِّعْمة، ونِعْمة الكِفايَة، كيف أنْفقْتها ؟ لك مال يُغَطِّي نفقاتِك، فالله عز وجل أعْطانا نِعْمة الصِّحَة، ونِعْمة الفراغ ونِعْمة الأمْن، بل إنَّ بعض المُفَسِّرين قالوا: لتُسأَلُنَّ عن كأس الماء البارِد ! هل حَمِدْتُم الله عليه ؟ لك بيتُ وزوْجة وأولاد وصِحَّة طيِّبة ووقْتُ فراغٍ، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾
[سورة التكاثر]
يقول الله عز وجل لِبَعْض عِباده يوم القيامة: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صَنَعْتَ فيه ؟ قال: يا رب لم أُنْفق منه شيئًا مخافَةَ الفقْر على أولادي من بعدي، قال ألم تعلم أنِّي أنا الرَّزاق ذو القوَّة المتين ؟ إنِّ الذي خشيتَهُ على أولادك مِن بعدِك قد أنْزَلْتُهُ بِهم، ويسأل عبْدًا آخر: أعْطَيْتُكَ مالاً فما صَنَعْتَ فيه ؟ يقول له: يا رب، أنْفَقْتُهُ على كُل محتاجٍ ومِسْكين لِثِقَتي أنَّك خيرٌ حافِظًا وأنت أرْحَمُ الراحِمين، فقال: يا عبْدي، أنا الحافظ لأوْلادِك مِن بعدِك.
سورةٌ دقيقة جدًا، قال تعالى:
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4)﴾
[سورة التكاثر]
رجل أنْشأ قصْر بِحَلَب، وكان تاجِرًا كبيرًا، وأنا رأيْتُ هذا القَصْر، وهذا في سنة الأربع والسَّبْعين، وحينها كان يُكَلِّف خمسةً وثلاثين مليون !! أما الآن فهذا القصْر يُكَلِّف ثلاثمائة وخمسين مليون !!! وكان طويل القامة، مات في الثانِيَة والأربعين، وُضِعَ في قبْرٍ قصير فاضْطُرَّ الحفَّار أن يدْفعَهُ مِن رأسِه حتَّى أصْبَحَ رأسُه مُعْوجًّا !! ورأيْت أعْرَق مطْعم في الولايات المُتَّحِدَة، فقيل لي أنَّ صاحِب هذا المطْعم ذهَب مع زوْجتِه في نزْهة بَحْرِيَّة وغابَتْ أخْبارُهُ، أطْعَمَ الناس أربعين عامًا أفْخَرَ أنواع السَّمَك وأكلَهُ السَّمَك !! لذا مهما عَلَوت إلا والموت ينتظِر، ماذا بعد جَمْع المال ؟ القبر، وماذا بعد بُلوغ أعلى المراتب ؟ القبر، وماذا بعد الاسْتِمتاع بِكُلّ أنواع اللَّذات والشَّهوات ؟ القبر سبحان مَن قَهَر عِبادَهُ بالموت ! وكُلُّ مَخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجْر
والعمر مهما طال فلا بدّ من نزول القبر
وكل ابن أنثى وإن طالتْ سلامة يومًا على آلة حدْباء مَحْمولُ
فإذا حَمَلْتَ إلى القبور جنـــازَةً فاعْلَم بأنَّك بعدها مَحمــول.









والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 01:59 PM   #588


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة العصر (103 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين ، والصـلاة والسـلام على سـيّدنا محمد الصـادق الوعـد الأمين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم .
اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
تفسير سورة العصر .
أيها الإخوة الكرام ؛ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول :
سورة العصر لو تدبَّرَها الناس لَكَفَتْهُم .
أي لو لم يَكُن في القرآن الكريم كُلِّه إلا هذه السورة لَكَفَتْ ، يقول الله عز وجل :
﴿ وَالْعَصْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 1 ]
الزمن :
العصْر : هو الزَّمَن ومُطلق الزَّمن ، يُقْسِمُ الله عز وجل بِمُطْلق الزَّمن لماذا ؟!
لأنَّ الإنسان في الأصل زَمَن ، إنَّه بِضْعة أيَّام كُلَّما انْقضى يوم انْقضى بضعٌ منه .
الزَّمَن البُعْد الرابِع للأشياء .
فالشيء طول وعرض وارْتِفاع ، فإذا تَحَرَّك شكَّل زمنًا ، والزَّمَن بالأساس مسافة .
سرعة الضوء :
وأدَقُّ ما اطَّلَعْتُ عليه مُؤَخَّرًا أنَّ هذه النَّظَرِيَّة النِّسْبِيَّة " نَظَرِيَّة انْشْتاين " التي أقامَت العالم وأقْعَدَتْهُ مُلَخَّصُها أنَّ كُلَّ جِسْمٍ سار بِسُرْعة الضَّوء صار ضوْءاً ، والضوء يقْطع بالثانِيَة ثلاثمائة ألف كيلومتر ، وحينما قال الله عز وجل :
﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾
[ سورة السجدة الآية : 5 ]
نحن نَعُدُّ التَّقْويم القمَري ، والقمر يدور حول الأرض دوْرَةً كُلَّ شَهْر ، فإذا أخَذْنا المسافة بين مركز الأرض ومركز القمر ، فهذا نِصْف قطر دائرة سَيْرِهِ ، فَمِن نصف محيط الدائرة نعرف مُحيط الدائرة ، فَكَم يقْطع القمر في مسيره حول الأرض في ألف عام ؟ قسِّم المسافة التي يقْطعها القمر في دَورانِه حول الأرض في ألف عام ، قسِّم هذا الرَّقم على عدد ثواني اليوم ، ينْتُج سرْعة الضَّوء بالدِّقة ، والآية الثانية قوله تعالى : ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾
[ سورة المعارج الآية : 4 ]
ففي هاتين الآيتين أصل سرْعة الضَّوء .
أنَّ كُلَّ جِسْمٍ سار بِسُرْعة الضَّوء صار ضوْءً .
كتْلَتُهُ صفْر ، وحجْمه لانِهائي .
إذا سار الجسم مع الضَّوء توقَّف الزَّمن .
فإذا سبق الضَّوء تراجَعَ الزَّمَن .
فإذا تأخَّرنا عن الضوء تراخى الزَّمَن . من الخاسر ؟
قال تعالى :
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]
مُضِيُّ الزَّمَن يسْتهلِكُهُ ، اُنْظر إلى صورتك قبل عشرين عامًا ، وقبل ثلاثين ، وَجه مشْدود وشعر كثيف ، هذا فِعْل مَن ؟ هذا فِعْل الزَّمن ، ماذا قال سيِّدنا عمر بن عبد العزيز ؟ الليل والنهار يَعْملان فيك فاعْمَل فيهما العمل الصالِح ، فَمُضِيُّ الزَّمَن وحْدهُ يسْتهلِكُنا ، ونحن في خسارة مُحَقَّقة ، قال تعالى ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]
مُضيُّ الزَّمَن وحدهُ يسْتهلكنا ، واحِد عاش ثلاثًا وسِتِّين سنة ، ينْعَدُّ كَم مرَّةً سافَرَ ؟ وكم مرَّة انْعَزَم ؟ وكم مرَّة تنزَّه ؟ لأنّ الإنسان بِضْعة أيَّام إذا انْقضى يوم منه انْقضى بضعٌ منه ، وهناك حالةٌ واحِدَة تتلافى فيها الخَسارة فهذا الزَّمَن إما أن تُنْفِقَهُ إنْفاقًا اسْتِهلاكِيًّا ، وإما أن تُنْفِقَهُ إنفاقًا اسْتِثْمارِيًّا فالإنفاق الاسْتِهلاكي أنْ تأكل وتَشْرب وتتنعَّم وتنام وتكسب المال ، وتنْغَمِس في المَلذَّات ، أما الإنفاق الاسْتِثْماري أن تؤمِن وأن تدْعو وأن تصْبِر ، قال تعالى : ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 3 ]
هذه أركان النَّجاة ، مَن أراد أن لا يَخْسَر فلا بدّ أن يؤْمِن كُلّ ، ولا بورِكَ لي طُلوعِ شَمْس يومٍ لم أزْدَد فيه من الله علْمًا ، ولا بورِكَ لي طُلوعِ شَمْس يومٍ لم أزْدَد فيه من الله قرْبًا ، فأنت ينبغي أن تزْداد قُرْبًا وأن تزْداد عِلْمًا لكي لا تَخْسَر ، ومَن لم يَكُن في زِيادة فَهو في خُسْران ، والمَغْبون مَن تساوى يوْماه ، فإذا مضَى اليوم ، وقد تكون الغلَّة مليون من المبيعات ولم تزْدَد عِلْمًا بالله فهذه هي الخسارة ، فالله يُقْسِم في قوله تعالى : ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]
يُقْسِم الله لهذا المَخلوق الذي هو من الزَّمَن أنَّهُ في خسارة ، قال تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 3 ]
أن تُؤْمِن هذه أحدُ أركان النَّجاة ، وان تَدْعُوَ إلى الله فرْضُ عَيْن ، وأن تصْبر على الطاعة وعن الشَّهوة وعن قضاء الله وقدَرِه ، وهذه كُلُّها من أركان النَّجاة .
فهذه السورة تَكفي الإنسان ، والعاقل الذي يقول : كم بقي مِنِّي ؟ وليس كم مضى ؟ يَعُدُّ بالتَّنازُل ، فالذي بقي في الأعمّ الأغْلَب أقلّ مِمَّا ، ومَن بلَغَ الأربعين دَخَل في أسواق الآخرة ، كَمَن يذهب لِنُزْهة وفي يومه الأخير يَجْمع أغراضَهُ ويعْكس كلّ حركاتِهِ ، ويشْتري هداياه ، وهذا شأن الناس جميعًا ، وكذا مَن دخَل الأربعين دخل في أسواق الآخرة ، فإذا قال الإنسان : كَم بقِيَ لي ؟ هذا العُمْر بعد الأربعين هو عُمْر الطاعة والعِبادة والإقبال والتِّلاوة وطلب العلم ، أت تُعِدَّ للآخرة ، لكي لا يقول : يا ليتني قدَّمتُ لحياتي ، ولكي لا يعضّ على يديه .
أيها الإخوة ؛ معنى خُسْر ؛ أنَّ الذي جمَّعْتَهُ في الدنيا كُلِّها تَخْسَرُهُ في ثانِيَة واحدَة ، وأهْل الكُفْر يَبْلُغون قِمَم المَجْد ، أما إذا ماتوا ترَكوا كُلَّ شيء ، أما أهْل الإيمان إذا ماتوا أخَذُوا معهم كُلَّ شيء ، ومَن آثَر دُنياهُ على آخرتِهِ خَسِرَهما معًا ، ومَن آثَر آخرتهُ على دُنياه ربِحَهُمَا معًا ، وهذه السورة تقْرؤونها جميعًا في الصلاة ، ولو تدبَّرها الناس لَكَفَتْهُم ، فإن لم تَدْعُ إلى الله فأنت خاسِر ، فالتَّواصي بالحق كي تتَّسِعَ دوائِره وتضيق دوائر الباطل ، أما إذا سكَتْنا كان الأمر على العَكْس .
قال تعالى : ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر الآية : 3 ]
أنت حينما تسْتقيم على أمر الله وتدعوا إلى الله وتصْبر على طاعته وعن شَهَواتِك ، وعلى القضاء والقدر تُحَقِّقُ الهَدَفَ مِن وُجودِكَ ، ولن تخْسَرَ أبدًا .
أيها الإخوة ؛ أنتم تقرؤون هذه السورة ، وعليكم بِتَدَبُّرِها ، ومَن تدبَّرَها سَعِدَ في الدنيا ، وسَعِدَ في الآخرة .



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 02:17 PM   #589


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الفيل (105 )


الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، سورة الفيل تبْدأ بِقَوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
أصْحاب الفيل ؛ أبْرَهَةُ الأشْرم أراد أن يأتي إلى الكعبة لِيُهَدِّمَها، وهو مع جُنودِهِ قُوَّة كبيرة، فهذا درْسٌ بليغ للبشَرِيَّة إلى يوم القيامة، والله وحده هو القويّ، ولا قوِيَّ مع الله تعالى أبَدًا، فأكبر قُوَّة على وَجْه الأرض تتهاوى كَبَيْتِ العَنْكبوت، وتَرَوْن بِأَعْيُنِكم مِمَّا يجري بيننا من أحداث أنَّ قِوَى كبيرة جدًا تُؤْمِنَ بأَنَّهُ لا إله، وتُصبح كعصْف مأكول فهذه سنَّة الله في خلْقِهِ، والإنسان حينما يَعْتَدُّ بِنَفْسِهِ، وينسى أنَّ الله مَوجود، وأنَّه تعالى بِيَدِه كُلّ شيء، وقادِر على كُلّ شيء، وأنَّه بِلَحْظةٍ واحِدَة يجعل هذا المخلوق خبرًا بعد أن كان حقيقةً، وأنّ الله سبحانه وتعالى بِإمكانهِ وبِقُدْرتِهِ في أيِّ لحْظة أن يجْعل الأقوياء المبطلين أحاديث، قال تعالى:
﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(19)﴾
[سورة سبأ]
فربنَّا عز وجل لإظْهار حِكْمتِهِ سلَّط عليهم طيْرًا أبابيل، وقد قال بعض المُفَسِّرين: الطَّيْر الأبابيل أضْعف أنواع الطَّيْر، ألْقَتْ عليهم حِجارَةً مِن سِجِّيل، وكُلّ حجَرٍ مُسَجَّل عليه اسم الذي سَيَقْتُلُه، وحجَرٌ مِن طينٍ يابِس، فجعلهم كعَصْف مَأكول، وهذه حقيقة بدَأتْ بِقَوْله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
مع أنَّ الذين خُوطِبوا لم يَرَوا هذه الحقيقة، إنَّما سَمِعوا بها، فقَوْل الله عز وجل: ألَمْ تر ؟ أيْ أنَّ المؤمن يتلقَّى الخَبَر عن الله عز وجل وكأنَّهُ رآهُ، لِمِصْداقِيَّتِهِ، والعِلْم حَرْف والتَّكرار ألف كما يقولون وقِس على أصْحاب الفيل كُلَّ قوَّة غاشِمَة في الأرض تريد أن تَسْتَعلي على الخَلْق، فالحَرْب العالميَّة الثانِيَة ؛ هذا الذي جَعَلَ من الشَّعْب الألماني أعْظَم شَعْب في العالم، وجَعَلَنا نحن في مُؤَخِّرة الشُّعوب ؛ مع البرابرة أين انتهى به جَبَروتُهُ ؟ انْهَزَمَ ومُزِّقَت بلادُهُ، فَقِصَّةُ أصْحاب الفيل تتكَرَّر، وأيُّ قوَّة ظالمَةٍ غاشِمَة تَسْتعلي على الخلق، وتبني مَجْدها على أنقاضهم، الله عز وجل يُظْهِرُ آياتهِ، سأقول لكم هذه الحقيقة القِوى الغاشِمَة هذه التي تَسْتَعْبِدُ الشُّعوب، وتُسَخِّرُها لِمَصالِحِها وتَنْهَبُ ثَرواتها، هذه قوى هاوِيَة، وهذه الخِطَط إذا ما نَجَحَتْ إلى ما شاء الله فَنَجاحُ هذه الخِطَط يتناقض مع وُجود الله، فلا بدَّ مِن أن يُظْهِرَ الله آياتِهِ، عرفْتُ الله مِن نقْض العزائِم، تجد دَوْلَةً عُظْمى عاتِيَة تقول: سياسَتُنا الخارِجِيَّة كَسِياسَتِنا الداخلية ! أيُّ جِهَةٍ في الأرض يجب أن تأتَمِرُ ؛ هذا يجب أن يُعاقب بالحِصار، وهذا يُعاقَب بِمَنْع الطَّيران، أما التي تَخْرِقُ كُلَّ القوانين الدَّوْلِيَّة ولا تعْبأ بأيِّ قرار فهذه لا تُحاسَب فهذه القِوَى المُتَجَبِّرة في العالم، وهذه القِوى الطاغِيَة حِسابُها كأصْحاب الفيل قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
والذي لا يرى أنَّ هذه القِوى الطاغِيَة مُسَيْطِرَة ومُهَيْمِنَة تارَةً بالأقمار الصِّناعِيَّة، وتارةً بالرَّصْد الجَوِّي، وتارةً بالتَّحليل الكيماوي، وهم مُسْتَعِدُّون أن يُفْنوا الشُّعوب ؛ سِتُّ مائة طفْلٍ يموتون كُلَّ عام في العراق ولا يزالون يدَّعون أنَّ هناك شيئًا أخْفاهم عنهم، وفي السُّودان كُلَّ يوم مائة ألف صباحًا يموتون جوعًا من الحِصار، فهذه القِوَى الجبارة أيُّها الإخوة، وهذه الفِتَن في العالم يصْطَنِعُها الأقوياء لِيُضْعِفوا الشُّعوب ويبْدو أنَّ أصْحاب الفيل كانوا أكبر قوَّة في الجزيرة العربيَّة طغيانًا قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
فأراد أبْرَهَة أن يَهْدِمَ الكعْبة ونَسِيَ أنَّ الله بِيَدِهِ كُلّ شيء، كما أنَّهُ أراد بعض الطُّغاة في تركيا أن يُلْغوا الإسلام ؛ كمال أتَاتوُرْك ! مات وبقيَ الإسلام.
كُلّ إنسان إذا اعْتَزَّ بِقُوَّتِه وجَبَروتِهِ، ونَسِيَ المُبْتَدى والمُنْتهى، ونسِيَ الجبار الأعلى، وطغى وبغى، فالله عز وجل سيَقْصِمُهُ، فهذا على مُسْتوى جماعي، وعلى مستوى فرْدي إذا اغتنى واحتلَّ مرْكزًا حساسًا وقال: أنا ربُّكم الأعلى !! فالله عز وجل قد يسوق له مرضًا يجْعلُهُ يبْكي كالأطفال ! لذا كُلّ مَن تَجَبَّر وطغى واسْتَعْلى ويتجاوَز الحُدود فهذا ينْتظِرُهُ القَصْم، والمؤمن يُعالَج، قال تعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾
[سورة البقرة]
فالمؤمن مُبْتَلى، والمؤمن يُعالَج، أما الذي يطْغى ويَبْغى، وينسى المبتدى والمنتهى، فهذا ينتظرهُ القصْم، يصْعد إلى أعلى مكان ويسْقط من ذاك المكان !
قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)﴾
[ سورة الفيل]
كَيْدُ الله غير كيْدِهم، فَكَيْدُ الله تعالى رَدٌّ على كَيْدِهِم، وكَيْدُ فيه حِكمة وعَدْلٌ ورحمة، قال تعالى:
﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46) ﴾
[ سورة إبراهيم]
وقال تعالى
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36)﴾
[سورة الأنفال]
وقال تعالى:
﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)﴾
[سورة آل عمران]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)﴾
[سورة غافر]
وقال تعالى
﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146)﴾
[سورة آل عمران]
المؤمن لا يَضْعُف ولا يسْتكين، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾
[سورة الفيل]
فالإنسان أحْيانًا يرى قُوَّة غاشِمَة التي تتحكَّم في العالم الآن، فهذه تأتيه أعاصير ثلاثون مليار خسائِر، أعاصير مُدَمِّرة، وحريق مُدَمِّر و فيضانات مُدَمِّرة، انْتِشار أمراض خبيثة ؛ كُلّ عَشْرة ثواني يموت إنسان بالإيدز ولا يوجَد زواج يسْتَمِر أكثر من سَنَتَيْن، وأطْوَل زواج سنتَيْن ! يقول رئيسهم كلينتون قبل سنة: أربعة أخْطار تُواجِه ُ بلادنا ! أنتم قد تتوهَّمون مثلاً أن يقول: اليابان أو الاتِّحاد الأوروبي !! قال: انْحِلال الأخلاق، وتَفَكُّك الأُسْرة، وشُيوع الجريمة، وانْتِشار المُخَدِّرات، لذا فهؤلاء الثلَّة لهم انْهِيارٌ داخلي، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا(15)وَأَكِيدُ كَيْدًا(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا(17)﴾
[سورة الطارق]
وَمَنْ هَوِيَ الكَفَرَة حُشِرَ معهم، لا ينْفَعُهُ عملُهُ شيئًا، حدَّثني أخٌ زارنا قبل أسبوعَين مُقيمٌ بأمريكا يعْمل بِشَرِكَة ضَخْمة بالكمبيوتر، قال لي: قبل خمْس سنَوات لو اكْتَشَفَتْ الشَّرِكَة أنَّ أحَدَ المُوَظَّفين يُساكِن امرأة ليْسَت زوْجَتَهُ يُطْرَد من وظيفَتِه ! وقبل أشْهُر زُفَّتْ إلينا بُشرى لِكُلَّ المُوَظَّفين أنَّ أيَّة علاقةٍ شاذَّة بين مُوَظَّف وشريك له يسْتحِقّ ميِّزات المُتَزَوِّج !! أيُّ شُذوذ جنْسي يسْتحق التَّعويض، ذَكَر بين ذَكَر أو أنثى بين أنثى أو ما شاكل ذلك !! هذا هو الانْحِلال أيها الإخوة، فالشُّذوذ عندهم يُصيبُ عِلْيَة القَوم، شَخْص ذو مَنصب رفيع، ومكانة كُبرى، ففي مؤْتَمر صحفي رئيس وزير الصِّحة البريطاني، وهو مُكَلَّف بِحِماية الصِّحة بِبْريطانيا، وأخطَر شيء يُواجِهُهُ الإيدز ! يقول: أنا شاذٌّ جِنْسِيًّا!! وزير الصِّحة والذي يَحمِل الدكتورة يقول هذا الكلام فالإنسان يسْتحي أن ينْتمي إلى هذا المُجْتَمَع، وهذه امرأة تُقيم مؤتَمر صُحفي بُثَّ على أثنى عشرة قناة فضائِيَّة، وهذا البرنامَج رآهُ سِتُّ مائة مليون بالعالم، تقول: أنا زَنَيْت اليوم الفلاني مع فُلان، واليوم الفلاني مع فلان، ولمَّا ماتَتْ بِحادِث مشى بِجنازَتِها ستَّة ملايين إنسان !!! رؤساء الدُّوَل بَكَوْا وأرْسَلوا مَن يُمَثِّلُهم في جنازتها، لذا نحن نعيش في أيِّ عَصْر ؟! كيف إذا كان المعروف فيكم مُنْكَرًا، والمُنْكر معْروفًا ؟ وكيف بِكُم إن أمرْتُم بالمُنكر، ونَهَيْتُم عن المعروف ؟ وكيف بِم إذا ائتُمِن الخائن وخُوِّن الأمين ؟! وكيف بكم إذا صُدِّق الكاذب وكُذِّب الصادِق ؟! نحن في آخر الزَّمان، القابض على دينِهِ كالقابِض على الجَمْر، وأجْرُهُ كَأَجْر سَبْعين فقالوا: أمِنَّا أم منهم ؟ فقال: بل منكم لأنَّكم تَجِدون على الخير مِعْوانًا ولا يَجِدون.
فهذه السورة تنتظر كُلّ الفسَقَة والفُجَّار والأقْوِياء، والطُّغاة في العالم الذين يعيشون على أنقاض الشُّعوب البريئة.
والله أيها الإخوة، إنَّ الأخبار مُؤلِمَة، تأتي باخِرة مُساعدات غِذائِيَّة للصومال، نصفُها نفايات ذَرِيَّة تُلقى على سواحِلِها، وبالاسْم مُساعَدَة كلمة جهَنَّم يستأهلها هؤلاء، تجدُ جِهَةً واحِدَة تبيع السِّلاح للطَّرفَيْن فهذا الذي يَحْتَرِمُ الغربيِّين، ويُبَجِّلُهم ويرى أنَّهم مُتَحَضِّرون هو إنسانٌ أْحمَق وأعْمى، والمسلِم هو الشريف والصادِق والرَّحيم، ولازِلنا بِخَيْر أيها الإخوة، ولازالَت جوامِعُنا ممتلئة، فنحن في نِعْمة كُبرى نرْجو الله أن يُديمَها علينا.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-18-2018, 02:20 PM   #590


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النصر (110 )


الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون:يقول الله عز وجل : ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
( سورة النصر )
قال ابن عباس:إن هذه السورة نعوة النبي عليه الصلاة والسلام، العظماء ليس لهم مطامح شخصية، ولا مصالح فردية، فإذا أدوا رسالتهم انتهت مهمتهم، دخل الناس في دين الله أفواجاً، أشهد أنك أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق جهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، شعور الإنسان حينما يأتي إلى الدنيا ويتعرف إلى الله ويجعل طاعته كل همه، وخدمة خلقه كل همه، ونشر الحق كل همه، هذا الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يعيش في سعادة لا توصف، لأنه أدى الأمانة وبلغ الرسالة، استفاد من عمره الثمين، أيعقل أن يقسم الله خالق الكون، يقسم قال تعالى :
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)﴾
( سورة الشمس )
وقوله أيضاً :
﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1)﴾
( سورة البروج )
وقال :
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)﴾
( سورة الليل )
أما أن يقسم خالق الكون بعمر النبي، قال تعالى:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾
( سورة الحجر )
يقسم بهذا العمر الذي ما ضيع منه ثانية واحدة، ولا شغلته الدنيا عن الآخرة، حتى حينما كان صغيراً دعي إلى اللعب فقال عليه الصلاة والسلام وهو طفل صغير:أنا لم أخلق لهذا، جاءته الرسالة، رسالة التوحيد، قالت له السيدة خديجة:خذ قسطاً من الراحة، فقال كلمة تقشعر لها الأبدان، قال:يا خديجة انتهى عهد النوم، قام وشمر، قال تعالى :
﴿ طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)﴾
( سورة طه )
لو أحدنا سأل نفسه أنا ماذا قدمت، حينما يأتيني أجلي ما العمل الذي أعرضه على الله، يا رب صنعت جبصين ولكنه رائع جداً وهو أفخر شيء، أو كان عندي مزرعة يا رب، مسبح مفلتر، والآن احكي لنا عملك عند الموت لا يحكى في المسبح ولا في الفيلا ولا في التجارة ولا في المركبة، لا يقال إلا في العمل الصالح، ماذا فعلت لا صدقة ولا جهاد بماذا إذاً ستلقى الله ؟ ما العمل الذي تقدمه بين يدي الله عز وجل ؟ هل ربيت أولاداً تربية عالية فكانوا أناساً صالحين، هل ساهمت في ميتم في معهد شرعي، هل تبنيت داعية، ماذا قدمت من جهدك في خدمة الخلق ؟ لذلك متى يدخل الناس في دين الله افواجاً، إذا كان المؤمن خير، المؤمن معطاء، المؤمن فهم دينه فهماً حقيقياً، هناك حالة والعياذ بالله يخرج الناس من دين الله أفواجاً، كلما خيب إنسان ظناً بالدين يخرجون، أي كل من يعمل في الحقل الديني إذا لم يكن هناك أعلى درجة من الكمال والطهر والنزاهة والاستقامة والصدق إذا لم يكن كذلك، يخرج الناس من دين الله أفواجاً، أغلب الظن إذا وجدت إنسان شارد اسأله، يقول لك:أنا كرهت الدين من أجل فلان، سبب نفوره من الدين هو فلان، فبين أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً وبين أن يخرج الناس من دين الله أفواجاً، إن هذا الدين كما ورد في الأثر القدسي قد ارتضيته لنفسي، ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأقيموه بهما ما صحبتموه، يعني أخ من إخواننا وضع ابنه عند شخص لأن الشخص بدأ يستقيم ويمشي بالدين لم يسمح لابنه أن يأخذ ساعة إجازة منه حتى لا يقول استغل الدين، أحد إخواننا يحضر هذا الدرس موظف في دائرة حول الجامع، قدّم لمدير الدائرة إجازة ستة أيام، قال له:ليس لدينا وقت، قال له:أنا مستهلكها، قال له:وكيف ذلك، قال له:أنا أصلي كل يوم ربع ساعة جمّعتهم أصبحوا ستة أيام، قال له المدير:أنت في أي جامع ومن شيخك، قال لي:والله يا أستاذ في الجمعة الثانية جاء إلى الدرس في النابلسي هذا المدير العام، لماذا جاء؟ لأنه وجد إنسان نزيه، واحد حاسب نفسه على كل يوم نصف ساعة وجمّعهم وأخذ إجازة بهم، إجازته السنوية، وهو يصلي، صلى وقت الوظيفة، أنا لا أقول لكم أن تفعلوا ذلك لا، ما الذي جاء بالمدير العام إلى الجامع ؟ إنه تصرف هذا الموظف الورع، بالورع ترقى، بالأمانة بالاستقامة بالنزاهة بالصدق، فأنت بيدك، الصلاة لا تدخل الناس في دين الله أفواجاً، أما الصدق فهو يدخل الناس والأمانة، الصلاة عماد الدين لكن وحدها لا تكفي لابد من استقامة معها، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾
( سورة فصلت )
وقال أيضاً :
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾
( سورة فصلت )
أنت مخير إذا أحببت أن تدخل الناس في دين الله أفواجاً كن كاملاً، وهل تحب أن تخرجهم أفواجاً استغل الدين للمصالح الشخصية، ضع الدين بالوحل، ارتزق بالدين، حينما تفعل ذلك عندها يخرج الناس من دين الله أفواجاً، قال الإمام أبو حنيفة رأى طفل أمامه حفرة، قال له:إياك يا غلام أن تسقط، كان هذا الطفل نبيهاً جداً، قال له:بل إياك يا إمام أن تسقط، إني إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم، وزلة العالِم سقوط العالَم معه، لأنه قدوة ومثل أعلى، وأنت كأب قدوة، بابا قل لهم لست هنا، ماذا فعلت مع ابنك، علمته الكذب صار أكبر كذاب سيقول لك لم أجدهم، أين النقود ؟ سيقول لك وقعوا مني، مع أنه صرفهم، أنت علمته الكذب، قلت له:قل أنا لست هنا، قال لك:وقعت مني النقود، شيء مخيف الدين قال:
(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلاَلِ كُلِّهَا إِلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
فمجرد أن تكذب أو أن تخون انتهى الدين، قال الرسول الكريم :
(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ قَالَ:لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ))
فالتعليق على قوله تعالى :
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2)﴾
( سورة النصر )
ذات مرة صحابي أثناء الهجرة قبض عليه الكفار فقال لهم:والله إن أطلقتموني عهداً لكم لا أحاربكم ما حييت، وصل إلى المدينة وبلّغ النبي والنبي فرح به، هذا الصحابي نسي، بعد ثلاث سنوات صار في غزوة ففرح لأنه سيجاهد، قال له:ألم تعاهدهم ارجع، هذا الدين، مادمت عاهدتهم انتهى، فإذا نحن صدقنا، استقمنا، كنا ورعين، كنا أعفة، لم نحتال على أحد، صلينا، أصبحت الصلاة عظيمة، أصبحت الصلاة تاج، أمّا صلينا، مثلاً واحد يريد الذهاب إلى الحج ويضع ماله عند شخص دخل إلى المسجد وجد شخص يغمض عينيه ويتعصور قال:هذا والله أفضل شخص خشوعه ممتاز، قال له:والله أنا أريد أن أذهب إلى الحج وأضع معك أمانة، قال له:والله أنا أيضاً صائم، قال له: ولكن والله أنا صيامك لم يعجبني، فالتظاهر بالدين شيء خطير جداً، النبي وصف الأتقياء الأخفياء :
(( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي فَقَالَ:مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ:يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَْبْرَارَ الأَْتْقِيَاءَ الأَْخْفِيَاءَ، الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا، وَلَمْ يُعْرَفُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ))
تقي خفي يرجو رحمة الله، فإذا أردت أن تدخل الناس في دين الله أفواجا كن صادقاً، قال له:عندك بيض، سمان في زملكا، قال له:عندي، قال له:طازجة ؟ قال له:لا غير طازجة، عند جاري طازجة، هذا هو الصدق، هل عندك الجرأة بأن لا تكذب إطلاقاً ولا بكلمة، عندها تصبح مؤمن وتدخل الناس في دين الله أفواجاً، واحد تزوج امرأة من دون علم الأولى، الأولى شعرت أن وضعه قد تغير، تتبعته علمت أنه متزوج لم تتكلم شيئاً، توفي وهي الزوجة الأولى ومن ورعها جمعت التركة، وأرسلت لضرتها حقها من التركة من الميراث وهي لم يعلن زواجها، قالت لها:والله البارحة وقبل أن يموت بيومين قد طلقني، وأرجعتهم، هذا هو الدين، قال له:بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال له:ليست لي، قال:قل له ماتت أو أكلها الذئب، وخذ ثمنها قال له:والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، لأنني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ هذا هو الدين كله، هذا البدوي الراعي، يمكن ليس عنده ثقافة إطلاقاً، ليس لديه مكتبة في خيمته، ولا مسجلة، ولا الشارقة، ولا صحن، عنده هذا الورع، والذي عنده معلومات الثقلين وغير ورع ليس له قيمة، وضع يده على جوهر الدين، جوهر الدين الورع، هذا هو الورع، فأنت عندما تكون ورع يكون الدين إلى الله سالك، صار هناك رضى من الله، صار هناك إقبال على الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾
( سورة النصر )









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 12 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 11:18 PM