| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#561 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البروج (85 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . قال تعالى : قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ......... أيها الإخوة الكرام ، الآيات في سورة البروج ، وهي قوله تعالى : ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 4-7 ] هؤلاء الذي حفروا أخْدوداً ووضَعوا فيه المؤمنين وأحْرقوهم ، ما ذَنْب هؤلاء الذين أُلقوا في هذا الأخدود وحُرِقوا قال تعالى : ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 8] ليْسُوا قَتَلَة وليْسُوا مُجْرمين ، وليسوا قُطاع طُرُق ، ولكنَّ ذَنْبهم الوحيد هو أنّهم آمنوا بالله، لأنَّ المعركة بين الحقّ والباطل معركة قديمة ، وهي معركة مُسْتَمِرَّة ولن تنتهي إلا بِقِيام الساعة ، فَلِذلك لِمن كان مع أهل الحقّ ، وفي خَنْدق أهل الحق ، وخَنْدق المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن ساهَمَ بِشَكْلٍ أو بآخر لِنَصْر دين الله ، ونصْر المؤمنين ، وهنيئاً لِمَن دافَع عن مؤمن ، والوَيْل ثمّ الوَيْل ثم الوَيْل لِمَن كان في خنْدق المُعادي ، ولِمَن ساهَمَ بِشَكْل أو آخر في إزْعاج المؤمنين ، وفي إطفاء نور الحق أو الطَّعْن بالدِّين ، أو ضَعْضَعة ثقَةِ الناس بالحقّ . الحقيقة ، لا بدّ أن تكون مع الحق أو الباطل ، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة القصص الآية : 50] هناك طريقان لا ثالث لهما ، إن لم تَكُن على أحدهما فأنت على الآخر حَتْماً ، والدليل الآية السابقة ، وقال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة القصص الآية : 50] فلِذلك القَضِيَّة اِثْنَيْنِيَّة لا تحْتَمِل حالاً ثالثة ، هناك ولاء ، وهناك براء ، فالمؤمن الصادق ولاؤه للدِّين والحق والمؤمنين ، والخير والصادقين ويتبرَّأُ من الكُفار والفُجَّار والعُصاة ويَدْعَمُ المؤمنين بِحَرَكَتِه اليَوْمِيَّة ويُدافِعُ عنهم ويُعينهم ، ويُقَدِّم لهم ما يسْتطيع ، ولا يتعاطف مع الساخرين ، ولا يُدافع عنهم ، ولا يَدْعَمُهم لايُثْني عليهم ، لا يوجد حلّ وَسَط ، فالمنافق مُذَبْذَب لا مع هؤلاء ، ولا مع هؤلاء ، أما المؤمن فأمْرُهُ واضِح ، والله تعالى قال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة البقرة الآية : 6] إلا أنَّ صِنْفاً آخر يقول كما قال تعالى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [ سورة البقرة الآيات : 8-15] لذلك القَضِيَّة حاسِمَة ، إن لم تكن مع أهل الإيمان فأنت حَتْماً مع أهل الكفر ، أما الذي يتوَهَّم أنَّه مع هؤلاء ومع هؤلاء ، ويظنّ أنَّهُ ذَكِيًّا فهذا في الدَّرْك الأسْفل من النار ، وهؤلاء هم المنافقون ، والسَّبَب أنَّهم أعْلنوا شيئاً وأبْطَنوا شيئاً آخر ، تركوا شيئاً وفعلوا شيئاً آخر ، لأنَّهم غَشُّوا المؤمنين ، فالإنسان الكافر والمُلْحِد ، والفاجر لا أحد يقتدي به أما الذي يوهِمُ الناس أنَّه مؤمن ، وأنَّه يفْعل فِعْل الكُفار فهذا إنسان غشَّاش لذلك هو في الدَّرْك الأسفل من النار ، ولا يوجد إنسان يجمع بين الحالين ، والمؤمن له لَوْنٌ واحد ، ومن اسْتطاع ان يُرْضِيَ الناس كُلَّهم فَهُوَ منافق . قال تعالى : ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 4-9 ] قال تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا ..... الآن المُؤَيِّد القانوني قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 10 ] فهذا المؤمن إن أرَدْتَ أن تُلْبِسَهُ تُهْمَةً هو بريءٌ منها ، وإن أرَدْتَ أن تفْضَحَهُ ظلماً ، وإن أرَدْتَ أن تُخيفه ، هل تعرف من هو خَصْمُكَ ؟ الله جلَّ جلاله ، والدليل خِطاب الله عز وجل لِزَوْجَتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [ سورة التحريم الآية : 4 ] هل يُعْقل أن نسْتَنْفِر القُوَّات البحرِيَّة والجَوِيَّة لامْرأتَيْن ؟ ما معنى هذه الآية ؟ الله تعالى يُخاطب زَوْجتَين ، قال تعالى : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [ سورة التحريم الآية : 4 ] قُلْتُ لأحَدِهم : كُلّ هؤلاء العباد عِباد الله وعِياله ، فإنْ أرَدْتَ أن تُؤْذِيَهم أو أن تبْتزَّ أموالهم ، او أن تُخيفهم ، فالله قد يبتليك بالسَّرطان أو خثرة بالدِّماغ ، وتشَمُّع بالكَبِد أو فَشَل كبدي ، وأمراض تُعويك مثل الكلب ، أمراض الأورام الخبيثة بالأحْشاء لا تُحْتَمَل ، وكُلُّ هؤلاء عباد الله وكُلُّهم خَلْقُه ، فإذا أرَدتَ أن تُخيفَهم أو تبْتَزَّ أموالهم ، أو أن تُؤْذِيَهم فإنَّ خَصْمَكَ هو الله . أحدهم يطوف حول الكعبة ، وهو يقول : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ؟! وراءه رجل قال له : يا هذا ما أشد كلامك ويأسك من رحمة الله ؟ قال له : ذنبي عظيم ، قال له : ما ذنبك ؟ قال له : كنت جندياً في قمع فتنة ، فلما قُمعت أُبيحت لنا المدينة ، فدخلت أحد البيوت فرأيت فيه رجلاً ، وامرأة ، وطفلين ، قتلت الرجل ، وقلت لامرأته : أعطيني كل ما عندك ، أعطتني كل ما عندها ، فقتلت ولدها الأول ، ولما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة - من الذهب - ، أعجبتني أيما إعجاب ، تأملتها ، تفحصتها فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما فوقعت مغشياً عليّ ، البيتان: إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء قبل أن تُفَكِّر في إذْيَةِ مؤمن ، أو أن تُلْبِسَه تُهْمة ، أو تُشَوِّه سُمْعَتَهُ أو تبْتَزَّ ماله فَهَل تعْلم من هو خَصْمُه ؟ من أمْرُكَ كُلُّهُ بِيَدِه ؟ الشريان بِيَدِه ، وكذا الكلية ـ والخثرة بالدِّماغ ، وزَوْجتك بِيَده ، فقَبْل أن تُؤْذي عليك أن تعُدَّ للمليون ؛ من هو الطرف الآخر ، فمعنى هذه الآية أنّ أيَّ إنسان فكَّر أن يُؤْذي ، عليه أن يعلم من هو الطرف الآخر ! هل تستطيع أن تؤذي شرْطِيًّا ؟ قد تكون أقوى منه الآن ، إلا أنَّ هذا الأخير وراءه الدَّولة كلَّها ، أليس كذلك ؟ تَعُدُّ للمليون كي تتكَلَّم معه ، قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [ سورة البروج الآية : 10 ] عليك أن تُدافع على المؤمنين ، لذلك كُل إنسان يقتل مؤمناً مُتَعَمِّداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها ، وأن تكون أداة وَصْل ، تُدافع عن المؤمنين وتُعينهم وتُطَمْئِنُهم ، وأَدْخِل عليهم السرور ، هذه هي مُهِمَّة المؤمن ، عُدَّ للمليون قبل أن تُفَكِّر في إذْيَة المؤمن . قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 11-12 ] إذا الله تعالى بَطَش شيء يُحَيِّر العُقول ، قال لي أحدهم مرض وبيت بالأُجرة ، ودَعْوة إخلاء ، وليس معه مال للدواء ، ناهيك أن يأكل ، وأولاده عاقُّون ، مِن كُلّ الجِهات ، وذكر لي أحدهم : عندي مرضين ؛ مرض القلب ، ومرض المعدة ، فدَوَاء المعِدَة يُؤذي القلب ودواء القلب يُؤذي المعِدَة ! إنَّ بطْش ربِّك لشَديد ، وأحدهم دخل الحديد في رأسه بِحادِث ؛ لأنَّه قبل ثلاثين يوما ظَلَم إنسان ظُلماً غير مَحْدود . ثمَّ قال تعالى : ﴿ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾ [ سورة البروج الآيات : 13-14 ] هذه الآيات نشْرحها غداً إن شاء الله . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#562 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البروج (85 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة من سورة البروج، وهي قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] الغفور صِيغة مُبالغة، فهناك رجل غافِر، على وزْن فاعِل، وصيغة اسم الفاعل هذه من الفِعْل الثُّلاثي، غَفَرَ يغْفِرُ غافِر، أما إذا كان الإنسان شديد المغفرة وكثير المغفِرَة فإنَّنا نسْتخْدِم اسم فاعل مُبالغ به على وزْن فعول، ووزْن فعيل وكذا فاعول، وفَعِل، هناك ما يقرب من عَشْر صِيَغٍ لِمُبالغة اسم الفاعل ؛ مِن هذه الصِّيَغ وَزن فَعُول، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾ [سورة البروج] ما معنى أن يكون اسم الله تعالى مُبالَغاً في صيغته ؟ قال العلماء: إذا بولِغَ باسم الفاعل كاسمٍ من أسماء الله الحُسنى كان معنى ذلك أنّ الله تعالى شديد المَغْفِرَة ؛ لِمَعْنَيَيْن: نوْعاً وعدداً، عدداً فلو كان لك مليون ذَنْب، واسْتَغْفَرْتَ الله فإنَّك تجده غفَّاراً، أما نوعًا كما قَتَل تِسعاً وتِسْعون إنسانا، وسأل أحد الكَهَنَة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ألِيَ تَوْبَة ؟ فقال: لا، فأتَمَّ به المائة ! ثُمَّ أخْبَرَنا النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ لِهذا الإنسان مَغْفِرَة، فأوَّلاً تتَّسِعُ مغفرة الله تعالى لِكُلِّ ذَنْب ولِملايين الذُّنوب وتتَّسِعُ لأكبر ذَنْبٍ يَخْطُر بِبَالك شَرْط أن تتوب إليه إذا رجَعَ العبد العاصي إلى الله نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلاناً فقد اصْطَلَح مع الله، والنُّقْطة الدقيقة أنَّ الله تعالى يقول: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾ [سورة الزمر] ليس الخِطاب مُوَجَّهٌ إلى العُصاة وإنَّما لِمَن أسْرف في المَعْصِيَة، لا تقْنَطوا من رحْمة الله، قال تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾ [سورة الحجر] وإذا قال العَبْد: يا ربّ، وهو راكِع، قال الله: لبَّيْك يا عَبْدي، وإذا قال: يا ربّ، وهو ساجِد قال الله له لبَّيْك يا عبدي، فإذا قال العَبْد يا ربّ وهو عاصٍ، قال الله له، لبَّيْك ثمَّ لبَّيْك ثمَّ لَبَّيْك ! هل تتصَوَّر أنَّ خالق الأكوان يفْرَحُ بِتَوْبَتِك ؟ للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد، تصَوَّر أنَّه معك سَنَد بِخَمْسة مائة ألْف، وضاعَ منك، واْنتَبَه صاحِب السَّنَد، فقال لك: اِعْطنيه، وخُذ المَبْلَغ ! ثمّ بعد عناءٍ وَجَدَتْه، فكيف يكون فَرَحُك ؟! إنسان عقيم وغَنِيّ، ويتمنَّى ولَد فإذا امْرأتُه حامِل، كم فَرَحُهُ ؟ وإنسان على وَشَك الموت عطَشاً ورأى الماء ! للَّهُ أفْرح بِتَوْبة عبْده من الضال الواجِد، والعقيم الوالد، والظَّمْآن الوارِد وهذا الذي رَكِبَ ناقَتَهُ لِيَجْتاز الصَّحْراء، وعليها طعامه وشرابه، جلس لِيَسْتريح تحت ظِلّ النَّخْلة فلما أفاق لم يَجِد الناقَّة فأيْقَن بالهلاك، فَبَكى حتى أدْرَكَهُ النُّعاس فأفاق فإذا به رأى الناقة، ومن شِدَّة فرحِه قال: يا ربّ، أنا ربُّك وأنت عبْدي ! يقول عليه الصلاة والسلام: للَّه أفرحُ بِتَوْبة عبْده من ذلك البَدَوي من ناقته ! وإذا تاب العبْد توْبَةً نصوحا أنْسى الله حافِظَيْه، والملائكة كُلَّهم وبِقاع الأرض خطاياه وذُنوبَه، والصُّلح بِلَمْحَة وإذا تاب الإنسان - صَدِّقوني أيها الإخوة - يشْعُر كأنَّ ثِقْلاً كالجبل أُزيح عنه، واله عز وجل يُشْعِرُه أنَّهُ قَبِلَهُ، وعفى عنه، أما عَلِمْتَ يا مُعاذ أنَّ الإسلام يهْدِمُ ما كان قبله والهِجْرة تَهْدِمُ ما كان قبلها، وأنَّ الحجّ يهْدِمُ ما كان قبله، ومن وقَفَ في عرفات، ولم يغْلِب على ظَنِّه أنَّ الله تعالى قد غفَرَ له فلا حجَّ له، لا بدّ أنيغلبَ على ظَنِّك أنَّ الله تعالى قَبِلَك واجْتباك والتَّوبة بِيَدِكم أيها الإخوة وما عليك إلا أن تقول: يا ربّ، تُبْتُ إليك ومِن خِلال خِبْرَتي المًتواضِعَة في الدعوة إلى الله رُبْع قرْن أكثر من عشْرة أشْخاص قالوا بالحَرْف الواحِد: أُسْتاذ لا يوجد ذَنْب يُمْكن أن تتصَوَّره لم نفْعَلْهُ ! والله عز وجل قَبِلَهم، فهذه قَضَتْ عُمْرَها بالرَّقْص فتابتْ وتَحَجَّبَت وتنقَّبَت بِمِصْر، ومُديرة التلفزيون هناك تعرضلها كُلّ أسبوع فِيلْم نِكايَةً لِحِجابِها أنا أُعْطيكم أمثلة ناطِقة، مهما كان الذَّنْب كبير فإنَّ الله غفور، صيغة مُبالغة ؛ إنسانة تُتاجِر بِجِسْمِها تابَتْ فتاب الله عليها، وكذا قاتِل وزاني فالله تعالى ينتظرك، لو يعلَمُ المُعْرِضون انْتِظاري لهم، وشَوْقي إلى تَرْك معاصيهِم تقطَّقتعَت أوْصالهم من حُبّي ولماتوا شَوْقاً إليّ، هذه إرادَتي للمُعْرِضين فَكَيف بالمُقْبِلين ؟ أحدهم ناجى ربَّه فقال: يا ربّ، إذا كانت رَحْمتُك ولُطْفُك بِمَن قال: أنا ربُّكم الأعلى ماذا قال فرعون لموسى قال تعالى: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(17)﴾ [سورة النازعات] فَكَيْفَ رَحْمتك بِمَن قال: سبحان ربِّيَ الأعلى ؟! إذا كانتْ رحْمتك بِمَن قال: ما أرى لكم من إلهٍ غيري فَكَيْفَ رحْمتك بِمَن قال: لا إله إلا الله فمادام القلب ينبض فالنَّجاة حاصِلَة، ومادام نُمُوّ الخلايا طبيعي فباب التوبة مَفْتوح، ما دام الدم فيه سُيولة فباب التوبة مَفْتوح، فإذا أصبح بالدَّم جَلطة أو ضاق الشريان أو نَمَتْ الخلايا عَشْوائِيًا، كانت المُشْكلة، لذلك أيها الإخوة، عليكم باغْتِنام الصِّحَة، واغْتَنِم خَمْسًا قبل خَمْس، شبابك قبل هَرَمِك، وصِحَّتك قبل سَقَمِك، وفراغك قبل شُغْلِك، وحياتك قبل موتِك، والتوبة تنْعَقِدُ بِكَلِمة واحِدة، يا ربِّ تُبْتُ إليك، ويقول سبحانه وتعالى: وأنا يا عبْدي قَبِلْتُ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾ [سورة الزمر] والله عز وجل يُغَطِّي لك الماضي كُلَّهُ بالمَغْفِرَة والمُسْتَقْبل بالطُمأنينة فالماضي مَغْفورةٌ ذُنوبه والمُسْتَقْبل مضْمونَةٌ حوادِثَهُ، قال تعالى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)﴾ [سورة البقرة] والله تعالى ما أمرنا أن نسْتَغْفِرَهُ إلا لِيَسْتغْفِرَ لنا، وما أمَرَنا أنْ نَدْعُوَهُ إلا لِيَسْتجيب لنا، وما أمَرَنا أن نسْتعين به ؛ إياك نعبد وإياك نسْتعين إلا لِيُعيننا ووَسِعَت رحْمة الله كُلَّ شيء. قالوا: مَرَّةً دعا سيّدنا موسى الله تعالى بِالسُّقْيا، حين قحَطَت الأرض وجفَّتْ، فناجى ربَُّ بالسُّقْيا، فقال الله: يا موسى إنَّ فيكم عاصِيًا ! فَغَضِبَ سيِّدُنا موسى وقال لِقَوْمه: من كان فيكم عاصِيًا فلْيُغادِرْنا، ثُمَّ هَطَلَت الأمْطار ولم يُغادِر أحد المَجْلس ! فسأل موسى ربَّه: من هذا العاصي يا ربّ ؟ فقال له: عَجَبًا لك يا موسى ، أسْتُرُه وهو عاصٍ وأفْضَحُهُ وهو تائِب ! والله تعالى يسْتُر وشُعور التائب لا يوصف ولو جاء الموت، قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(157)﴾ [سورة آل عمران] إلا أنَّ العِبْرة أن نموت على الإيمان وعلى الطاعة، لا أن نموت ونحن على الهوائي المُقَعَّر ! وقد حدث هذا، فالعِبْرة أن يراك تائِبًا ومُنيباً وطائِعاً وأن يراك مُحِبًا، والتوبة لها ثلاثة شُروط: عِلْمٌ وحال وعمَل فإذا أنت لم تَحْضُر مَجْلِس العِلْم، كيف تعرف أنَّك مُذْنِبٌ ؟! إذا كان الواحد ضغْطه ثمانية عشر فاصل اثنى عشر ! مُهَدَّد بِفَقْد البصر، وبِجَلْطة في الدِّماغ وبأمراض وبيلة، فكيف يُعالِج هذه الأمراض إن لم يعْلم أنَّ ضَغْطه مُرْتَفِع ؟! والضَّغْط ليس له أعراض وقلَّما يكون له أعْراض فأنت تُعالِجُ ضَغْطك إذا عَلِمْتَ أنّه مُرتفِع، وكذا دروس العِلْم ؛ هذه البِضاعة حرام، وهذا الكَسْب غير مَشْروع، ووَضْعُ زوْجتِك غير صحيح، وهذا البيْت مُغْتَصب، فأنت كيف تعرف الحلال والحرام إن لم تتعَلَّم أحكام الفِقْه وكتاب الله وسُنَّة رسول الله، فالتوبة عِلْم، فإذا كان هناك عِلْم ينْشأ النَّدَم والحال، وإذا كان هناك حال كانتهناك ثلاثة أعْمال: الماضي بالإصْلاح والحاضِر بالإقْلاع، والمُسْتَقْبل بالعَزيمة، وحاجة الناس إلى العِلْم كحاجَتِهم إلى الهواء، والإمام مالك يقول: حاجة الناس إلى العِلْم أشَدُّ من حاجتِهم إلى الأكل والشراب، لأنّك أنت تأكل في اليوم مرَّتَين أو ثلاثة، أما في الطريق فهناك مائة امرأة ! فإن لم تغضّ بصَرَك وَقَعْت في مُشْكلة، وإن لم تَضْبِط لِسانَكَ وَقَعْتَ في الغيبة والنَّميمة، وسُخْرِيَة والعين والفم واليد، فإذا لم يعرف الإنسان الشَّرْع، كيف يتوب إلى ذَنْبِهِ وكآخِر فِكْرة أعْتَقِد أنّ أربعاً أو خمْسة آيات، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(119)﴾ [سورة النحل] افْتح المُعْجم في كلمة بعدِها، تجِد أنَّ الله غفور رحيم ولكن بِشَرْط، وهو بعد التوبة والإيمان والعَمَل الصالِح، تابوا فتاب عليهم، وهناك تاب الله عليهم لِيَتوبوا ؛ شيءٌ يُحَيِّر ! فَتَوْبَةُ الله مِن قبل أم مِن بعد ؟ قال: تابوا فتاب الله عليهم، أي تابوا فَقَبِلَ الله توْبَتَهم أما تب الله عليهم أي ساق لهم من الشدائِد ما يَحْمِلُهم بها على التوبة، وشُعور التوبة شُعور لا يُقَدَّر والآية هذه واضِحَة والصُّلْح بِلَمْحَة والله غفور رحيم، قال تعالى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾ [سورة الحجر] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#563 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة البروج (85 ) الدرس الرابع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، ربُّنا سبحانه وتعالى يقول في آخر سورة البروج: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] الوَدود، أي أنَّ أفعاله سبحانه وتعالى فيها مَوَدَّةٌ لِخَلْقِه، خَلَقَكَ في أحْسَن تَقْويم، ومنَحَكَ عَيْنَيْن لِتَرى بهما البُعْد الثالث فلو أنَّها كانت عينًا واحِدَة لرأيْتَ بُعْدَيْن فقط، ومنَحَك أُذُنَيْن لِتعْرِفَ بهما جِهَة الصَّوْت ولو كانت أُذُنًا واحِدَة لما عَرِفْت جِهَة الصَّوْت، ومنَحَك جِهاز التوازن فلو نظَرْت إلى بعض المَحَلَّات التِّجارِيَّة وفيها أشْخاص مِن الشَّمْع تُسْتَخْدم لِتُوضَع عليها الأجْهزة لها قاعِدَة عريضة جداً تزيد عن سبعين سنتمتر، لأنَّ هذا الإنسان من أجل أن يبقى واقفاً لا بدّ من قاعِدَة اسْتِناد لذلك لابدّ له من قَدَمَيْن كَخُفَّي الجَمَل، والإنسان إذا سار في الطِّين وَعَلِقَ به يُصْبِحُ المَشْيُ شاقًا فهذه القَدَم اللَّطيفة، ما سِرُّ انْتِصاب قامَتِك مع قاعِدَة اسْتِناد صغيرة جداً بِدليل أنّ المَيِّت لا يُمْكِن أن يقوم، هل تستطيع أن تُوقِفَ ميِّتًا ؟ مُستحيل، فهذا بِفَضْل جِهاز توازن أودِع في الأذن الوُسْطى، وهذا الجِهاز ثلاث قَنَوات، فيها سائل وأشْعار والإنسان إذا مال قليلاً بِحُكْم بقاء السائل مُسْتوي رغم الملَيان، فهذا السائل يصِل إلى الأشْعار فلولا هذا الجهاز ما أمْكن أن يمْشي على قَدَمَيْه إطْلاقاً، ولا أمْكَنَهُ أن يرْكَب درَّاجة، راكِب الدراجة، هل تستطيع أن تُبقيها واقفة إلا بِفَضْل جِهاز التوازن، فالإنسان كرَّمَه الله تعالى أعظمَ تَكْريم، ولو لم يكن فيها عضلات، لما أمْكَنَك تفريغُها ولاحْتَجْتَ إلى أُنبوب تَهْوِيَة، بهذه العَضلات تُفَرَّغ بِثَواني معدودات ثمَّ لولا هذه المثانة للَزِمَك كُلّ عشرين ثانِيَة أن تنزِل نقطة بول، ولاحتاج الإنسان إلى فُوَط ، وهذا شيء مُزْعِج ؛ رائِحَة، فالله تعالى كرَّمَك وعَزَّزَك من خِلال المثاني ومن خِلال هذه العضلة العجيبة، والعَضلَة القابِضَة، وهي في أشَدِّ حالات القَبْض أنت مُرْتاح، فلو كنت تحتاج إلى شَدِّ دائِم لأصْبَحَت الحياة شاقَّة، فهاتان العضلتان التي تُحْدِثان الغائِط والبَوْل، وهي في أشَدِّ حالات التَقَلُّص تكون مُرْتاحاً، فهذا تَكْريم، والله تعالى جعل هذا الرأْس يدور هكذا، وهذه عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جعل هذا الرُّسغ وهذا الإبهام وهذا المِفْصَل، فلو فَكَّر الإنسان في جِسْمِهِ لَعَلِمَ قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾ [سورة البروج] مَنَحَك الطعام والشراب وأنواع مُنَوَّعة من الطعام والشراب، ومُبَرْمَجَة كرز ثمَّ التُّفاح ثمَّ الدراق ؛ كُلُّ هذا بِبَرْنامج لطيف وخُضراوات تنْضج اتِّباعاً خِلال شَهْرين، وجعل لك الهواء، وهو ينثر الضَّوء، فبِالقَمَر إما أن يكون هناك أشِعَّة شَمْس أو ظلام دامِس، أما الهواء فهو يجعل المنطقة لا شَمْسِيَّة ولا ظلامِيَّة، وجعل لك الهواء وسيط بينك وبين الآخرين، فلو لا الهواء لما كان هناك كلام ولا صوْت، وذَكَرْتُ البارحة أنَّ هذه المَوْجَة الصَّوْتِيَة تتخامَد، ولو أنَّها لا تتخامَد لكانتْ أصوات البِحار وأمواجها في كُلِّ مكان ! وأصْوات الانْفِجارات في كُلِّ مكان، وأصْوات المعامِل في كُلِّ مكان، لأنّ المَوْجة الكَهْرطيسِيَّة لا تتخامد، فقد أرْسَلوا للمُشْتري مَرْكبة بِأعلى سُرْعة صَنَعها الإنسان أربعين ألف ميل في الساعة أي ستِّين كيلو متر في الساعة ! هذه بَقِيَتْ تَمْشي في الفضاء الخارِجي سِتّ سنوات حتى وَصَلَت إلى كَوْكب ضِمْن المجموعة الشَّمْسِيَّة ؛ مِن هذه الكوكب المُشْتري أُرْسِلَن إشارات وصُوَر كيف أُرْسِلَت هذه الإشارات والصُّوَر ؟ عن طريق مَوْجَة كَهْرطيسِيَّة أما الصَّوْتِيَّة فَتَتَخامَد، فلو أنَّها لا تتخامَد فالحياة على وَجْه الأرض لا تُطاق، أحْياناً تكون في بُستان وفي نُزْهة ويكون مُحَرِّك الماء مُشْعَلاً يُفْسِدُ عليك الاسْتِمْتاع بالطبيعة، فهذه السُّحب التي تَزِن ملايين الأطْنان بل آلاف ملايين الأطْنان ؛ يقول لك: مُنْخَفَض جَوِّي يُغَطِّي القُطْر كُلَّه ! وإذا رَكِب الإنسان الطائرة يعرِفُ قيمة هذه الآية، يجد فوق السَّحاب جِبال وأكَمَات سُحُبِيَّة ووِدْيان، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ(88)﴾ [سورة النمل] بلا ضجيج، والذي عنده مركبة إذا صَوْت المُحَرِّك يتشَوَّش وهذه الأرض التي تَمْشي ثلاثين كيلو متر في الثانِيَة ألا تُبْدي صَوْتاً ؟ سُكون واسْتِقْرار تام ! قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)﴾ [سورة النمل] فالأرض وحَجْم الأرض، والشَّمْس والقمر والفُصول والليل والنَّهار والنباتات والأطْيار، والخُضار والفواكِه، وهذا الماء العَذْب، قال تعالى: ﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ(70)﴾ [سورة الواقعة] وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾ [سورة الحجر] قال لي أحد إخواننا بِعِين الفيجة: كُلّ ثانِيَة أربع وعشرون متر مُكَعَّب هذه سُقْيا دِمَشق، من سَخَّرَها ؟ وأين حُدود هذا النَّبْع ؟ نصف لبنان فوق حوْض الفيجة، فَتْحَتُه في عين الفيجة أما امْتِداده إلى حِمْص، ما قيمة هذه البَلْدة من دون هذا الماء العَذْب الفُرات، فهذه مَوَدَّة من الله عز وجل، ثمَّ أنت لك زوْجة بالبَيْت، وهي مثلك تفرح وتتألَّم وتشْعر وتُشاركك متاعِبك وأفراحك، ومُؤْنِسَة ومُمْتِعة، وجاءك منها ولَد يمْلأ البيت فرَحًا وأنْساً أليس هذه مَوَدَّة من الله تعالى، وبعدها صَوَّرَك في أحْسن صورة وجعل لك قِوام ورأس وشَعْر، قال ﴿ تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾ [سورة البلد] فإذا وُلِدَ الطِّفل، من الذي عَلَّمَهُ مصُّ الثَّدْي ؟ عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جدًا لو أنَّ الطِّفْل لا يعلم كيفِيَّة مَصِّه لِثَدْي أُمِّه، كيف يفْعل أبوه ؟ يُحْكِمُ الإغلاق ويَسْحب الحليب، ومن جعل أوَّل الأربع والعشرين ساعة صَمْغَة فهذا الطِّفل يولد وفيه أنابيب مملوءة شَحمًا، فلا بدّ في الأربع والعشرين ساعة لا يكون هناك حليب، وإنَّما مادَّة مُزيلة للشَّحْم يأخذ صَمْغة ويُخْرج لون أسْوَد، مَن صَمَّم هذا التَّصْميم ؟ قال تعالى: ﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)﴾ [سورة عبس] ومن الذي أعطى أمْر لِحَوْض المرأة أن يتوسَّع ؟ ومن أعطى أمْر للطِّفْل أن ينقلِب ؟ ومن أعطى أمْر للغِشاء يتمزَّق ؟ وأمْر للرَّحِم أن يتقلَّص تقلُّصًا مُتَزَامِنًا وبِلُطْف، كم بين الطَّلْقتين ؟ ثلث ساعة ثمَّ خمسة عشرة دقيقة ثم أربعة عشر ثمّ خمْسة عشر، ثمَّ تتسارَع الطَّلَقات ضَغْط عضلات لطيف، فإذا خَرَجَ الجنين ينقبِض الرَّحِم انْقِباض شديد جدًا، ويُصْبح الرَّحِم مثل الصَّخْر، ولو لم يكن كذلك لماتَتْ المرأة من النَّزيف ! ولمّا ينزل الولد يقطع مائة ألف شريان كُلُّها مَفْتوحة ويأتي الرَّحِم فَيَنْقَبِض انْقِباضاً شديداً، ويمْنَع نزيف الدَّم، ولو كان تقَلُّص الطَّلْق شديداً، وتقَلُّص الرَّحِم لَيِّنًا، لماتت الأم وولدها، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ(22)كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)﴾ [سورة عبس] هذا هو معنى ودود هل الصَّنوبر أساسي في حياتنا ؟ وهل الفلفل أساسي ؟ وَكُلّ أنواع الخضر والفواكه ؛ كُلّ هذه ليْسَت ؟ أساسِيَّة، إنَّما الحليب والقمْح هما الأساسيَّان، فلماذا توجد كل هذه الأنواع من الخُضر والفواكه، ولماذا يوجد ثلاثون نوعًا من العِنب ؟ وحَدَّثني جماعة من الدكاترة أنَّ خمساً وأربعون ألف نوع من القَمْح ! وكذا الشعير، والحُمَص والعدس وكذا الأطيار والأسماك، فأنت ضِمْن نِعَم الله، لذلك قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾ [سورة البروج] توَدَّد إليك، فلذلك الإنسان غافل عن الله، وكان عليه أن يشْكره أذكر مَرَّةً كُنَّا في صلاة جنازة، وكان لي صديق كنت أنا وهو على مقعد الدِّراسة وتسلَّم منْصب رفيع جدا، وكان عمره ستِّين سنة، دخَلْنا لِنُشَيِّع جنازة أحد إخواننا فلم يدخل معنا ! تَعَجَّبْنا، هل أنت أكبر من أن تُصَلِّي ؟ من منحك نِعْمة الوُجود والإمداد ؟ ألا يسْتَحِقّ هذا أن تُصَلِّي له ؟ لذلك علينا أن نلحق بالتوبة النصوح قال تعالى: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15)﴾ الكون له، دقِّق الآن في قوله تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] الأحداث قال تعالى: ﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة آل عمران] قدر ما كان الإنسان قويّ فلا يمكنه أن يكون فعَّال لما يريد، لو أصابه مرض عُضال فهل هو فعَّال لما يريد ؟ لو اجْتَمَعنا وقرَّرنا أن تنزل الأمطار، فهل نستطيع أن نقول: قرَّر المجلس إنزال الأمطار ! فهل يتحقَّق هذا ؟! مرَّةً كنت عند طبيب قلب فجاءهُ هاتف، ويبدو أنَّه غنِيّ جدًا، فقال له: أيّ مكان بالعالم نبعثه، وأيّ رقم يُكَلِّف ندْفَعُهُ ! فقال له الطبيب: والله لا يوجد أمَل ! السَّرَطان بِدَرَجَتِهِ الخامِسَة ! فَشَعَرْتُ حينها أنَّ الإنسان ضعيف ومَقْهور، من الفعَّال لِما يريد ؟ الله وحْدَهُ فإذا كنت مع الفعَّال لِما يريد أحْسن من أن تكون مع إنسان لا يفْعل ما يريد، يريد مليون قَضِيَّة فلا يَتَحَقَّق منها شيء، كلمة فعَّال لما يريد معناه: الله تعالى قادِر؛ كُنْ فيَكون ! فإذا كنت مع من يقول: كن فيكون ! فأنت من أسْعد الناس، وإذا كنت مع عَبْدٍ ضعيف، إذا بعَثَ لك أحد الأقرباء برْقِيَّة عن وفاة شَخْص ؟ فهل تستطيع أن تمْنَعَ عنه الموت ؟ أو أن تمْنَعَ عنه المرض، إذاً كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾ [سورة البروج] هو القاهر وهو الكبير والعظيم، وإذا أعْطى أدْهَش، وإذا حاسب أدْهَش، زُرْتُ أحد التُّجار في معمله، وهو نائِم على طاولة الخياطة ويأكل من علبة سردين ! فقال: لي كان عندي ثلاثة مصانِع، وثمانين عامِل، وثلاثة سيَّارات، للنُّزْهة وللبلد وللعَمَل خَفْ من الذي إذا أخذَ أدْهَش، قال له: يا معاذ ما حقُّ الله على عِباده ؟ قال: أي يعْبُدوه قال: فما حقُّ العباد على الله إذا عبَدوه ؟ قال: أن لا يُعَذِّبَهم ! فالله منَحَكَ حقٌّ عليه، وقال لك: طالِبْني فيه وهذا أعظم حقّ ؛ قال تعالى: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) ﴾ [سورة البروج] أنت تُريد وأنا أُريد فإذا سَلَّمْت لي فيما أريد كَفَيْتًُك ما تريد وإذا لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُك فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد، ماذا فعلوا إخْوة يوسف ؟ أرادوا به كَيْدًا وأرادوا أن يقْتلوه الله تعالى قال: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾ [سورة يوسف] جعلهُ عزيز مصر، وجعل إخوته تحت إمْرتِهِ، قالت: امْرأة رأتْهُ حينما كان عَبْداً في القصْر، ثمَّ كيف صار عزيز مِصر، قالت: سبحان مَن جَعَل العبيد مُلوكًا لِطاعَتِه، وسبحان مَن جَعَل المُلوك عبيدًا لِمَعْصِيَتِه، قال أحدهم: ألْقَتْني أمريكا خارِج إيران كما تُلقى الفأرة المَيِّتَة خارج المنزل ! فالله يقْهَر عِباده، وأنت كُنْ مع القويّ والعادِل والرحيم، وكن في خِدْمة عبيده، والسَّعْي لهم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#564 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطارق (86 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في لُغَتِنا اليَوْمِيَّة نسْتخدم القسَم، تقول لإنسانٍ: والله، هذا كلامٌ ناقِص ! أين جواب القَسَم ؟ فإذا قُلْتَ: والله إنِّي لأُحِبُّك ! كان قولك: أُحِبُّك جواباً للقَسَم، تالله لأفْعَلَنَّ كذا وكذا، فما من قَسَمٍ إلا ويحْتاج إلى جواب، والدليل: لو كُنْتَ في مَجْلسٍ وقام أحدهم وقال: والله ثمّ والله ثمَّ والله، ثُمَّ سَكَت، لما فَهِمْتَ المَقصود من كلامه، فَكُلّ كلامٍ يحْتاج إلى قَسَم، والآن لو طَبَّقْنا هذه القاعِدَة في القسَم على كتاب الله عز وجل، يقول الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾ [ سورة الطارق] إلى هنا لم يأت جواب القَسَم ثمّ قال تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] هذا جواب القَسَم، لا يوجد إنسان فَلْتان ولا يوجد إنسان لا يُحاسَب، ولا يوجد إنسان يتحرَّك على مِزاجِه دون أن يُسأل لماذا فَعَلْت ؟ الذي خلق الكون، وخلق هذه النُّجوم، المَجَرَّات تقريباً مليون مليون مَجَرَّة، وبالمَجَرَّة وَسَطِيًّا مليون مليون نجْم، ولا تزال حدود الكون غير معْروفة، أحدث معلومة على أبْعَد مَجَرَّة اكْتُشِفَتْ حتَّى الآن ؛ ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والبليون ألف مليون، والضوء يقْطع في السَّنة ثلاثمائة ألف ضرْب ستِّين ضرْب ستِّين ضرْب أربع وعشرون ضرْب ثلاث مائة وخمْسٌ وسِتُّون ولأنَّ الضوء يقطع في الثانِيَة الواحِدَة ثلاثمائة ألف كيلومتر، والله عز وجل قال: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)﴾ [ سورة الواقعة ] المسافات بينها ثمّ قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾ [ سورة الواقعة ] إذا كنتم تعلمون ما معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾ (سورة الطارق ) تَجِدُ نجْمَةً بعيدة مُتألِّقة وبيْضاء، حجمها سنتمتر بالعين، وهذه النَّجْمة قد تتَّسِع للأرض والشَّمْس والمسافة بينهما، وبين الأرض والشَّمْس مائة وسِتٌّ وخمسون كيلومتر، والشَّمْس يتَّسِعُ جوْفُها إلى مليون وثلاثمائة أرْض، وبينهما مائة وستّ وخمسون سنة ضَوْئِيَّة وهناك نَجْم يبْدو حجْمُه واحِد سنتمتر مُرَبَّع بالعَيْن المُجَرَّد اسْمُهُ قلب العقْرب واسمه برْج العقرب يتَّسِعُ للأرض والشَّمْس مع المسافة بينهما فقوله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1)﴾ [ سورة الطارق ] هذا النَّجْم: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3)﴾ [ سورة الطارق ] يعني يَصِلُ ضوْؤُهُ إلينا، فإذا أشْعَلَ الواحِدُ مِنَّا الضوء الشَّديد يُرى إلى خمْسين متر وحتى مائتان متر، لكن لا يُمْكننا أن نصِلَ بِنَظَرِنا إلى حلب، وكذا بِحِمْص، طيِّب وَضَوْءٌ يأتي إلينا من مِلْيارات ملْيارات السنوات الضَّوْئِيَّة ويَصِلُ إلينا، لذلك شَمْسُنا شَمْسٌ حمراء في منتصف عُمرها، وكذا النُّجوم لها أعْمار، أما إذا تَقَدَّم بها العُمْر يزْداد حجْمُها كثيراً، ثُمَّ تنْكمِشُ إلى واحد بالمائة وينقلبُ ضوءها إلى لوْنٍ أبْيَض، والضَّوْء الأبْيَض حرارته عالِيَةٌ جدًا، وبعد حين ينقلبُ ضوءها إلى ضوْءٍ أسْوَد وينْعَدِمُ ضوءها، وهي حالةُ التكَدُّس، وهذه الذَرَّات تتراكَم على بعْضِها بعْضًا، ومن شِدَّة الضَّغْط لا يسْمَحُ الضَّغْط بِخُروج الضوْء منها، فَيَغْدو ثُقْبًا أسْوَدًا هي مَقْبَرَةُ النُّجوم، ولو أنَّ الأرْض مرَّتْ بِجَانِبِها لأصْبَحَت بِحَجْم بيْضَة، فالشَّمْس تنتقِل من طَوْر أحْمر إلى طَوْر أبْيَض إلى طَوْر أسْوَد، فهذا النَّجْم الثاقِب الذي تراه مِن بُعْد ملاين وملايين السنوات الضَّوْئِيَّة، الذي خلق هذا النَّجْم لن يتْرُكَكَ سُدًى، ولن يدَعَكَ تفْعَلُ ما تشاء دون أن يُحاسِبَك، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] هذا هو جواب القَسَم، هناك ملائكة وسِجِلاَّت وشريط مُلَوَّن ناطِق، وكُلّ الأعمال والحركات مُسَجَلَّة فيه ويوم القِيامة يُقال لِهذا الإنسان كما قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14)﴾ [سورة الكهف ] فالقَضِيَّة أن تُؤمِن أنَّ هناك حِساب، وأن تَكْفُر بما يُسَمِّيه الناس العَبَثِيَّة، إذْ لا عَبَثِيَّة في ديننا، ولا يوجد إنسان يأكل مال الناس وينْفذ، ولا يوجد من يعْتَدي على أعْراض الناس ولا يحْدُث له شيء، ولا شيءَ بعد الموت هذا الشيء مُسْتَحيل، ولِهذا هذه السورة تُؤَكِّد اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] هناك حَفَظَة ورُقَباء وملائكة وهَيْبَة إلا أنَّ الله عز وجل لطيف، ولا يُشْعِرُكَ أنَّ هناك رقابة، أما لو راقَبَك فلن تسْتطيع أن تتحَمَّل، أما الله عز وجل لطيف والحبْل مرخي حتى تتوَهَّم أنَّك لسْتَ مُقَيَّد، وفي أيَّةِ لحْظة يُشَدُّ الحَبْل فإذا أنت في قَبْضَة الله، قال تعالى ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] كُلُّ شيءٍ مُسَجَّل فلو أنَّ شَخْصاً أبْلَغوه أن هاتِفَك مُراقَب، يَعُدّ للملْيون قبل أن يقول كلمة يُحاسَبُ عليها، وإنَّما يمْشي بالطرق السَّليمَة الواضِحَة، ولا يتْرُك قَضِيَّة عليها شُبْهَة، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] والدليل: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾ [ سورة الطارق ] كُلّ واحِد له أولاد وكُلٌّ مِنَّا يعرف سبب خلْق الولد، ومن أين أتى ؟ الماء المَهين، والذي خمس مائة مليون حُوَيْن منوي تحْتاج البيْضَة إلى حُوَيْن واحِد، وفي اللِّقاء الزَّوْجي هناك خمس مائة مليون يفْرزها الرَّجل، وتحتاج البُوَيْضة إلى حُوَيْن واحِد لا يُرى بالعَيْن، ويدْخُل البُوَيْضة ويَتِمُّ التَّلْقيح ويتِمُّ الانْقِسام إلى عشْرة آلاف قِسْم، وهي في طريقها إلى الرَّحِم دون أن يزْداد حجْمُها، فإذا وَصَلَتْ إلى الرَّحِم انْغَرَسَت فيه، وبدأت التَّغْذِيَة، وبعد تِسْعَة أشْهر تجِدُه طِفْلاً ؛ رأس وجمجمة ودِماغ، ومائة وأربعين مليار خَلِيَّة اسْتِنادِيَّة بالدِّماغ، عَيْن تحوي مائة ومليون عُصَيَّة ومخروط وشَمّ من عشرين مليون نِهاية عَصَبِيَّة، وكُل نِهاية تحْوي سبْعة أهْداب، وكُلّ هُدب له مادَّة مُخاطِيَّة، وأذن متكوِّنة من أذُنٍ داخِلِيَّة ووُسْطى وخارِجِيَّة وصيوان، وأمور مُعَقَّدَة جدًا، وأعْصاب سَمْع وذَوْق، وبلعوم ورئتان، وقلب، ودَسَّمات، وشريان أبْهر، وشريان تاجي ودم يُضَخ للرِّئة ومنها إلى القلب، ومن القلب إلى الجِسم، ومن الجِسم إلى القلب مرَّةً ثانِيَة، وكلية تحوي طريق فيه مائة كيلومتر يمُرُّ فيها الدمّ خمْسة مرَّات ؛ كُلُّ هذا من ماءٍ مهين، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾ [ سورة الطارق ] هَيْكل عظْمي متين، أسْناخ رِؤَوِيَّة لو نُشِرَت لكانت مساحتها مائتان متر مربَّع ! وبالشَّعْر ثلاثمائة ألف شَعْرة وبالشَّعْرة شريان ووريد وغُدَّة دَهْنِيَّة وصِبْغِيَّة عصَب وعضَلة، وهذه العِظام والعضلات والشُّحوم وغضاريف، وغُدَّة النُّخامِيَّة وزنها نصْف غرام تُفْرِز اثنى عشر هرمون، وكُلّ هُرمون لو تعطَّل إفْرازه لأصْبَحت حياة الإنسان جحيماً والله عز وجل يقول: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)﴾ [ سورة الطارق ] فالذي خلقك أوَّل الخَلْق قادِر أن يُعيدَك خلْقًا آخر. قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9)﴾ [سورة الطارق ] تُمْتَحَنُ هذه النُّفوس من حِقْد وحَسَد وغِشّ وكِبْر ونِيَّة الاغْتِصاب والاسْتيلاء على أموال الناس، ونِيَّة بناء المَجْد على أنْقاض الآخرين ؛ كُلُّ هذا مَكْشوف، والإنسان حينما تُكْشَفُ حقيقته وَقْتَها ضعيف، قال تعالى: ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10)﴾ [سورة الطارق ] سورةٌ خطيرة جدًا، قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ [ سورة الطارق ] أي كُلُّ نفْس عليها حافظ يُسَجِّل كُلَّ أفعالها، وطريق الإيمان بالله: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾ [ سورة الطارق ] العلماء فَهِموا هذه الآية أنَّ البِحار تتبَخَّر، والبُخار يصْعَدُ في السماء، ويعود أمْطارًا وحينما تقَدَّم العِلْم وجَدوا هذه الأمْواج الكهرطيسِيَّة التي تُبَثُّ إلى الفضاء الخارِجي لولا أنَّه هناك طبقة اسمها الأثير لما عادَت إلى الأرض إذْ أنَّ هذه الطبقة هي التي تردّ الأمواج الكهرطيسِيَّة إلى الأرض، ولولاها لما كانت هناك إذاعة، ثُمَّ اكْتَشَفوا أنَّ السماء ذات الرَّجع ؛ هذه الكلمة تنتظم الكون كُلَّه، أيُّ كوكبٍ في الفضاء يدور في مسار مُغْلَق، ومعنى مسار مُغْلق أنَّ الكوكب يعود إلى نقطة انْطِلاقِه، ولو كان المسار غير هذا لما عاد، ولكن لما كان مُغْلقًا فَكُلّ ستة وسبعون سنة يعود إلى مكانه، وهذا في كُلُّ نَجْم في السَّماء، فالأرض تدور حول الشَّمْس وتعود إلى مكان انْطلاقها، فقالوا: هذه كلمة جَمَعَت خصائِص الكون كُلِّه ! لو أنَّ الكون لا يتحرَّك بِفِعْل الجاذِبِيَّة لأصْبَحَ كُتْلَةً واحِدة وهذه الحرَكَة ينشأ عنها قُوَّة جاذِبَة تكافئ القُوَّة النابِذة، لو ألْغَيْنا الحركة لجَذَبَتْ كُلّ الكواكب بعضها بعْضًا حتى تَجْتَمِع في كُتْلَةٍ واحِدَة ولانتهى الكون، فهذه الحركة فيها بَرَكَة، وهذه الحَرَكة ينشأ عنها قِوى، قال تعالى: والسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصَّدع.." يخرجُ منها النبات: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15)﴾ [ سورة الطارق ] قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54)﴾ [ سورة آل عمران ] وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46)﴾ [ سورة إبراهيم ] أعداء الدِّين يمْكُرون لكنّ الله يُدَبِّرُ تَدْبيراً يردُّ عليهم، قال تعالى: ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾ [ سورة الطارق ] هذا تهْديد، أي سوف يلقى هؤلاء حِساباً عسيرًا، وعذابًا أليمًا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#565 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاعلى (87 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، سورة الأعلى تبدأ بِقَوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾ [سورة الأعلى] التَسبيح التَّنْزيه، والتَّسبيح التَّعْظيم والتَّسبيح الخُضوع، فمَنَ نَزَّه الله تعالى عمَّا لا يليق به، ومَجَّدَ الله عز وجل، وخضَعَ له فقد سبَّحَهُ والإنسان مأمور، وكل أمْرٍ في القرآن الكريم يقْتضي الوُجوب، فَسَبِّحْ فِعْلُ أمْرٍ، فالإنسان مُكَلَّفٌ أن يُمَجِّدَ الله وأن يُنَزِّهَهُ وأن يخْضَعَ له لِيَكون مُسَبِّحًا له. تُنَزِّهُهُ مِن خِلال التَّعَرُّف عليه من الكون الذي هو مَظْهر لأسْمائِهِ ومِن خِلال التَّعَرُّف عليه من كلامه ؛ فالقرآن كَوْنٌ ناطِق، والكَوْنُ قرآنٌ صامِت، وأنت مُكَلَّفٌ أن تُسَبِّحَهُ وأن تعرِفَهُ مِن خِلال أفْعالِهِ فأفْعالُهُ تَدُلُّ عليه وخَلْقُهُ يدُلُّ عليه وكلامُهُ يدُلُّ عليه فإذا تفَكَّرْتَ في خلْق السماوات والأرض، وإذا تأمّلْتَ في أفعال الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾ [سورة الروم] وإذا قرأتَ القرآن بِتَدَبُّر عَمَّا لا يليق به ومَجَّدْتَهُ وعَظَّمْتَهُ وخَضَعْتَ له في النِّهاية فقد سبَّحْتَهُ تعالى وهذه طُرق سالكَة إلى الله، قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)﴾ [سورة الأعلى] لكن ما جاء اسم الذات الله هنا اسمٌ من أسماء الصِّفات وأقرب اسم من أسماء الصِّفات هو الربّ سبِّحْ اسم الذي يُرَبِّيك، والذي منَحَكَ نِعْمَة الوُجود والإمْداد، والذي دلَّكَ عليه ويسَّر لك أُمورَك. قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2)﴾ [سورة الأعلى] أيها الإخوة الكرام، التَّسْوِيَة غير الخَلْق، والفرق دقيق جدًا، فقد تكون مُهَنْدِسًا، وتنشئ غرفَةً مَبْنِيَّة على عِلْم، ولها أساس، ونِسْبَة الإسْمَنْت جيِّدة، والسَّقْف مَدْروس لكن قد تكون هذه لغرفة مُعَدَّة لِمَبيت سيَّارة لكنَّ مساحتها لا تكفي، فقد تدخل السيارة ولكنَّك لا تستطيع فتْح الباب نقول هذه الغرفة مَبْنِيَّة على عِلْم ولكِنَّها غير مُسَوَّاة مع السيَّارة ! فيجب أن تفتح هذه السيارة بِرَاحة وغطاء السيارة كذلك ؛ كلّ هذا والمركبة داخل الغرفة، إذًا التَّسْوِيَة غير العِلْم ؛ فالشيء قد يكون مَبْنِيًّا على عِلْم إلا أنَّه غير مناسب للاستِعمال فلاني، فمثلاً القمْح فيه علم إلا أنّه مناسب كغِذاء كامل للإنسان، وهو مُسَوَّى معه، وكذا الحليب الذي هو من إنتاج البقرة إلا أنَّ تركيبه يتناسب مع الإنسان، فالتَّسْوِيَة هي التَّنْسيق والتناسب فأنت أحْيانًا ترى في هَيْكَل السيَّارة فتْحَة ثمَّ تكتَشف أنَّ هذه الفتْحة لِمُرور كَبل كبير كهربائي، وألم ترَ في الجمجمة فتحات في قعْر المَحْجر هذه لِمُرور العصب البصري، وأنت تشعر أنَّه هذه الجمجمة مُسَوَّات تَسْوِيَةً كاملَة، وهذا موضوع طويل جدًا يبْدأ بالإنسان والحيوان والنبات فالصُّوص الصغير الذي في البيضة ينشأ له نُتوء صغيرة في مِنْقارهِ لِيَكْسِرَ به البيْضة فإذا كُسِرَت وخرج منها تلاشى هذا النُّتوء. الطِّفل الصَّغير تجد أنفهُ قاسي وغُضروفُه كذلك ؛ فإذا تقَدَّمَتْ به السِنّ أصْبَحَ طَرِيًّا ؛ لأنَّهُ هو صغير ويرْضَعُ من ثدْيأُمِّه، فلو كان أنفُهُ ليِّن لأُغْلقَ عليه مَجْرى التَّنَفُّس، فلا بدَّ من غُضْروف قاسٍ لِأنْف الطِّفْل وقناة الدَّمْع مُسَوَّاة مع الدَّمْع، وهي أدَقُّ قناةٍ في جِسْم الإنسان، ولو سُدَّتْ لأصْبَحَ الأمر صعب جدًا، والدّمْع قلوي، والمادَّة القَلَوِيَّة تُخَرِّش الجلد، والبروسْتات غُدَّة في ملتقى مجرى ماء الحياة مع البَوْل ؛ ففي ملتقى المَجْرَيَيْن هنا الغُدَّة، تعْمل ثمانين عامًا، وهي تُفْرِز مادَّة قُلَوِيَّة تتناسب مع المادَّة الحمْضِيَّة في البول لِتُعَدِّلها، وفي وقت خروج ماء الحياة ؛ ففي هذا المجرى هناك بول، تُفْرِز هذه الغدَّة مادَّة مُطَهِّرة ثمَّ مادَّة مُعَطِّرَة ثمَّ مادَّة مُغَدِّيَة ؛ هذه هي البروستات التي تعمل ثمانين عامًا دون توَقُّف، وكذلك وأنت نائِم يزْداد اللُّعاب، ويأتي أمر للدِّماغ إلى لسان المزمار يغلق طريق الهواء، ويفتح طريق المري، فَتَبْلع اللُّعاب. خلقُ الإنسان كامِل يحوي تَسْوِيَة كاملة، وأنت نائم هناك عضلات لحْمِيَّة تلف العظْم من فوق ومن تحت، وهي تحوي أوْعِيَة، ومع الضَّغْط تضيق لمْعَتُها، فَيَخْضَرّ الإنسان، ما معنى اخْضرار جسم الإنسان ؟ معنى ذلك أنَّ التَّرْوِية منعدِمة وضاقَتْ ! إذْ هناك مراكز ضَعْط في الإنسان تعطي إشارة للدِّماغ وأنت نائِم، فَيُعْطي الدِّماغ أمْر فينْقَلِبُ الإنسان ؛ شيء لا يُصَدَّق ! تمشي بالطريق تسْمع بوق سيَّارة، هناك جِهاز بالدِّماغ يحسب تفاضل وُصول الصَّوْتَين إلى الأذن، والتَّفاضل واحد على ألف وستُّ مائة جزء بالثانِيَة تكْشِفُ الصوت باليمين فتَتَّجِه إلى اليسار ! الذي خلق فَسَوَّى. أيضًا خلق النَّبات، فالبطيخ على الأرض، ولو كان على الشَّجر للزِمَ من ذلك وفيات سنوِيَّة نتيجتها البَطِّيخ !! والمحاصيل الاسْتراتيجِيَّة تنْضج بِيَوم واحِد ؛ القمح والعدس والحمص، أما المحاصيل كالخضراوات والفاواكه فهي تنْضج خِلال تسعون يومًا، وذكر لي أخ كيفِيَّة معرِفَة نضج البطيخ أم لا ؛ له حلزون فإذا انْكسر كان ذلك دليل النُّضج وإن لم ينكسر كان دليل عدم النُّضج ! والله تعالى قال: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ(16)﴾ [سورة النحل] وكذا البقرة تُعْطي الحليب ؛ غُدَّة ثَدْيِيَّة على شَكْل قُبَّة تعطي الحليب وهي تخْتار من الدَّم الذي فوقها فيتامينات ؛ شُحوم وبروتينات ومعادن وسُكَّرِيات، وترشح من تحت نقطة حليب وكلّ أربعة مائة لتر دم تجْري فوق الغُدَّة الثَّدْيِيَة تصنع منهم لتر واحد من الحليب، وزْن الحليب يُمَزِّق جدار الضَّرع لو كانت كمِيَّة الحليب أربعمائة لتر ! وجدار الضرع يحوي جداران متعامِدان. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾ [سورة الأعلى] كل حيوان له أجْهزة تتناسب مع وَضْعِهِ فالخَفَّاش أعْمى، ولكن له جِهاز رادار، إذْ وَضَعوا جِهاز خفَّاش في غرفة وقسموها بحاجز وفَتَحوا ثغْرةً قدْر جِسْمِهِ، فهو لمَّا فرَّ عبَرَ من تلك الفتْحة أربعة مائة مرَّة دون أن يصْطدم بِجِدار الغرفة ! كل هذا عن طريق الرادار والسَّمَك بالبحر كيف يعرف على أيِّ ارتِفاعٍ هو ؟ بالضَّغْط، فعلى حراشِفِها العُلْيا، وفي هذا الخطّ أنبوب مُفَرَّغ من الهواء، والسَّمَكة تعْلم بِأيِّ ارتِفاعٍ هي من البحر، ثمَّ بالسَّمَكة مِحْفظة وبأسْفلها أعْصاب حسَّاسة، وهناك حبَّات رمْل، ومادام الحبَّات بِأرْض المحفظة وضْعُها مستقيم، ظهرها نحو السَّطح وبطْنها نحو القاع، فلو أنَّ السَّمَكة انْقلبَتْ لَعَلِمَتْ جِهَة جسْمها أهي نحو الأعلى أم نحو الأسفل وهناك سمَك يعْبر المُحيطات من أعالي النِّيل إلى مَصَبِّهِ، غلى غرب جبل طارق إلى شمال إسبانيا وإلى بحْر الشَّمال، إلى أن يسْتقِرّ، كل هذا كما قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾ [سورة الأعلى] وقال تعالى ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى(49)﴾ [سورة طه] فالله تعالى أعْطاه الأجْهزة الكاملة ثمَّ هداه، أحد بُستانِيِّين رأى أفعى يأكلها قنْفذ، يأكل قطْعة ويذْهب لِمَكان يأكل حشيشة، فهذا البُسْتاني قلَعَ الحشيشة، فأكل القنفذ حشيشَةً ثانِيَة فمات ! من الذي هدى هذا القنفذ إلى أن يأكل حشيشًا يتناسب مع سُمِّ الأفعى ؟! الله عز وجل، والله عز وجل، وُعول في رؤوس الجبال بهِمَلايا، هناك ينابيع في رؤوس الجبال، فَحَسَب قوانين الفيزياء لا يمْكِن أن تكون ينابيع بِقِمَم الجِبال إلا أن تكون مُسْتوْدعاتِها في جبالٍ أعلى منها. أربعة آلاف جزيرة ماء بأندونِيسيا، وبكل جزرة ماء عَذْب، يتناسب مع مساحتِها، وكلٌّ منها لها تَمْديدات تحت الأرض، كيف تعرف الله؟ مِن خلال خلْقِهِ وكلامِه وأفعالِهِ. صَنَعوا مَرْكبة سَمَّوْها المُتَحَدِّي بأمريكا، وبعد سبعين ثانِيَة أصْبَحَت كتْلة من اللَّهَب ! تَحَدَّوا مَن ؟ الذي تَحَدَّوْهُ تَحَدَّاهم !! الله تعالى هداك إلى مصالِحِك، فالطَّعام المُتَفَسِّخ يرُدُّه الإنسان ولا يتقَبَّلُه، والتَّقَيُّق عَمَلِيَّة مُعَقَّدَة جدًا، وهو لِمَصْلحة الإنسان، والرائِحَة الكريهة يفِرُّ منها، أعْطاهُ حوَسيًّا، فالآية مفهومها عميق وكل شيء ينطوي تحتها، قال تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾ (سورة الأعلى) فاليَد تتلاءم مع الإنسان ولولا المِفْصَل لما أكَلْتَ، فلولاه لأكلْتَ مثل الهِرَّة ! فالله تعالى كرَّمَك وجعل لك مَفْصل، وآخر دائِري بِكُلّ الحركات وجعل لك إبْهامًا ؛ فهل لك أن تكتب دونه ؟! وهل لك أن تخيط دونه ؟ الذي خلق فَسَوَّى، ولولا مفصَل الرأس الدائري للَزِمَك أن تتَحَرَّك كُلِيَّةً ! فالسيارة مثلاً قد تتوقَّف فجْأةً لانعدام البنزين، أما مع الإنسان فهذا غير ممكن، هناك حِكْمة إلهِيَّة ؛ إذْ لمَّا تجوع لدَيْك نقْص بالمُسْتودَعات وليس بالدَّم، فلو فَحَصْنا دمَ جائِعٍ لَوَجَدْنا مواد غِذائِيَّة كامِلَة، فإحْساسك بالجوع يعني أنَّ مستودعات الغِذاء بالكبد نقُصَت، والدليل أنَّ الإنسان لمَّا يكون جَوْعان ويأتيه خبر سار أو مُؤْلِم ينْسى جوعَهُ ! أمَّا أن يبْرك كالسيارة مرَّةً واحِدَة فهذا غير ممكن ؛ الذي خلق فَسَوَّى. هذا الطِّفل الصغير ليس معه أطْفال إذْ لو كانت معه أسنان لأذْهَبَ حلَمَةَ ثدْي أمِّهِ ! ثمَّ إنَّ هناك أسنان لطيفة لَبَنِيَّ، وسُقوط هذا السِنّ اللَّبني آيَةٌ ن آيات الله الدالَّة على عظمَتِه تعالى، فلا يوجد أن طبيب بالعالم يستطيع أن ينزَع سِنّ إنسان إلا أن يؤلِمَهُ، أما الله تعالى تكون تأكل فَيَسْقُط السنّ لِوَحْدِه !. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4)﴾ [سورة الأعلى] فهو تعالى خلقنا وخلق لنا طعامًا، وخلق لأنْعامِنا طعامًا. ثمَّ قال تعالى: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)﴾ [سورة الأعلى] ففي الربيع الأرض كالجنَّة، والبُروج خضْراء والأشجار ثمَّ بيضاء ثمَّ صفراء ؛ دَوْرَة مِن بِدايَة إلى قِمَّة تألُّق ثمّ نِهايَة، والإنسان كذلك ؛ يصعد خمسة درجات سواء، وينزل خمْسة خمْسَة، أما لما يَصِل إلى التِّسْعين فإنَّك تراه يمْشي خَطْوَةً خَطْوَة ودرجَةً درَجَة. كان أحدهم بالشام له أب رياضي يحْمل بغْل على كتفِهِ، بعدها لمَّا كبر أصْبَحَ يمْشي خطوة خطْوة، فعلى الإنسان إذا كان شابًّا قَوِيًّا عليه أن لا ينسى خريف العمر ! ويا بُنَي حفظْناها في الصِّغَر فَحَفِظَها الله تعالى في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا، والإنسان إذا أمْضى شبابه في طاعة الله، فإنَّ له خريف عمْرٍ متألِّق، وبِكُلّ قِواه العَقْلِيَّة، ومن حفظ القرآن متَّعَهُ الله بعَقْلِهِ حتّى يموت. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#566 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الاعلى (87 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، يقول الله تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾ [سورة الأعلى] النبي عليه الصَّلاة والسلام لا ينسى بِمَعونَةِ الله، فإذا نَسَيَ فقد شاء الله له أن ينسى ولِحِكْمَةٍ بالِغَة، فقد صلى عليه الصلاة والسلام الظهر ركْعتَين فقال له أحدُ أصْحابِهِ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ! أَقَصُرَتِ الصَّلاة أم نسيت ؟! فقال: إنَّ كلّ ذلك لم يكن ! فقال هذا الصَّحابي الجليل ذو اليَدَين: بعضُهُ قد كان، فسأل أصْحابَهُ الكرام: فإذا به عليه الصَّلاة والسلام صلَّى ركْعتَين: فقامَ وصلَّى ركْعَتَيْن أُخْرَيَيْن، وقال عليه الصَّلاة والسلام: إنَّما نُسِّيتُ كي أَسُنّ ! فلو أنَّه لم ينْسَ هذه الصَّلاة طوال حياته فكيف يُشََّعُ لنا سُجود السَّهْو، فالله تعالى أنْساهُ ذلك كي يُسَنّ. إذًا ذاكِرَتُك بِيَدِ الله، فإمَّا أن تتذَكَّر وإمَّا أن تنْسى، والنِّسْيان مِن نِعَم الله الكبرى، فأحْيانًا يتكلَّم الإنسان كلمة لا أدَبَ فيها، وغير لائِقَة بِسَاعَة غَضَب، ولو أنَّهُ يذْكرُها لاحْترق بها طوال عمره، ولكِنَّ فضْل الله على الإنسان عظيم فَهُناك مواقف مُحْرِجَة، ومواقف ضَغْط وقَمْع وكلمات مُحْرِجَة، لو أنَّ الإنسان يتذَكَّر كلّ هذه المواقف المُؤْلِمَة لكان في جحيم، إلا أنَّهُ مِن نِعْمة الله علينا أنَّنا ننْسى، والنبي عليه الصَّلاة والسلام ينسى، ولكنَّ الله تعالى لا ينْسى ؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى(52)﴾ [سورة طه] فالله تعالى قال: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾ [سورة الأعلى] يُفْهَمُ معنى جديد وهو أنَّ الإنسان يتَذَكَّر بِقَدْر اهْتِمامِه، فَكُلَّما زاد اهْتِمامُك بِمَوضوع تَذَكَّرْتَهُ لذا لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك، فأنت قد تدخل إلى محَل فيه آلاف القطع تسأل عن واحِدَة فَتَجِد الأب يرْسل ابنه إلى المكان الفلاني في الرفّ الفلاني وفي الطابق الفلاني ! ما هذه الذاكرة؟ كل هذا لأنَّه مهْتَمّ وهناك ميزانِيَّة وكَسْب مال ؛ لذا لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك. النبي عليه الصلاة والسلام بشَرٌ مثلنا، ولولا أنَّه بشَر وتَجْري عليه جميع خصائِص البشر لما كان سيِّد البَشَر، لماذا إذا قرأ القرآن أو أقرئ عليه مرَّةً واحِدَة حَفِظَهُ ؟ لِشِدَّة اهْتِمامِه، وكُلَّما زاد اهْتِمامُك في موضوع قَوِيَت ذاكرتك فيه، فالذاكرة القَوِيَّة ليس لها علاقة بالبُنْيَة الدِّماغِيَّة، ولكن بالبُنْيَة النَّفْسِيَّة، فالشيء الذي تهْتَمُّ له لا تنْساه والشيء الذي لا تهْتَمُّ له تنْساه، ودَقِّق في الناس تَجِدُهم يُعْطونَك معْلومات دقيقة في شؤون دُنياهم، أما أن يحْفظ حديثًا فَذاكِرتُه خالِيَة وذاك يحْضر الخُطَب قائِلاً: إنَّها في القِمَّة ولكنَّه لا يفْقه ولا يذْكُر منها شيئًا ! والآخر تشَهَّد وهو واقفٌ ! وذلك صلَّى ثلاث ركعات ؛ حَلَّ في كلّ ركْعة صندوق من صناديقهِ! فإذا كانت صلاتك كذا فَابْك على نفْسِك، والصَّلاة عماد الدِّين من أقامَها فقد أقام الدِّين، ومن هَدَمَها فقد هَدَمَ الدِّين، وأوَّل ما يُحاسب عليه المرء هو الصَّلاة فإن صحَّت فاز ورَبِح، وإن لم تَصِحّ خاب وخَسِر. قال تعالى: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾ [سورة الأعلى] لا تشْكو ضَعْف ذاكِرَتِك ولكن أشكو ضَعْف اهْتِمامِك، والدليل تجد إنسانًا في موضوع ذاكرته رائِعَة، وفي موضوعات أخرى قليلة فأخوكم المتَحَدِّث سألتُ أخًا عن عَمِّه، فاسْتَغْرَب وقال لي: قبل سَنَتيْن ألْقَيْت تعْزِيَةً وموعِظةً على وفاتِهِ !! أما الأمور المتَعَلِّقَة بالدِّين من قرآن وسنَّة يلزَمُ عليك أن لا تنْساها. ثمَّ قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾ [سورة الأعلى] إلا إذا شاء الله لك أن تنسى، ولِحِكْمَةٍ بالِغَة، والإنسان أحْيانًا تنْحَلًُّ مُشْكِلَةً له بالنِّسْيان ! فالنِّسْيان من نِعَمِ الله الكبرى، فالله تعالى يُذَكِّرُكَ لِحِكْمَة ويُنْسيك لِحِكْمَة، ويُقَسِّي القلب ويُلَيِّنُهُ لِحِكْمَة، فإذا كنت أمام إنسان، علاقتك بالله، يُلَيِّن قلْبَهُ فَيَخْدُمُكَ، ويُقَسِّي قلبَهُ فَيُتْعِبُكَ، وإذا ذَكَّرَهُ قِصَّةً قديمة يُهْلِكُكَ، وإذا أنساه إيَّاه تمشي قَضِيَّتُك ؛ فَعَلاقَتُكَ ليس مع الإنسان ولكن مع الواحِدِ الدَّيان، فَمُلَخَّص المُلَخَّص أنَّ هناك وُحوش كاسرَة مرْبوطون بإحْكام وبِيَد إنسان عظيم وحكيم ونزيه وكريم فعلاقتك أنت ليس مع الوُحوش ولكن بِمَن هي في يَدِهِ، فإذا أرْخى الزِّمام نَهَشوك، وإذا أحْكَمَهم سَلِمْتَ منهم، والدليل قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِي(39)﴾ [سورة المرسلات] فلو كنت تمشي بالطريق ورأيتَ كلْبًا عاقًّا بِيَدِ صاحِبِه، فهل علاقتك مع الطلب أم مع صاحب الكلب ؟ مع صاحب الكلب، لأنَّه إن أرْخى الزِّمام نَهشَكَ، وهذا توحيد رائِع وما تعَلَّمت العبيد أفضل من التوحيد. جاء توْجيهٌ لِوَالي البصْرة في عهْد الحسن البصري، وكان سيِّد التابعين، وهذا التَّوجيه مُزْعِج من الخليفة ؛ ماذا يفْعل ؟ إن لم يُنَفِّذ التَّوْجيه أبعَدَهُ الخليفة ؛ هذا إن لم يُعَذِّبْهُ، وإن نفَّذْتُهُ غضب الله عليَّ جلّ جلاله، فاسْتحْقَقْتُ النار، فقال له الحسن رحمه الله: غنَّ الله يمْنعُك من يزيد ولكِنَّ يزيد لا يمْنعك من الله، فأنت إن أرْضَيْتَ الله عز وجل يمْنَعُ عنك يزيد، أما إن أغْضَبْتَ الله عز وجل ؛ فَمَن يمْنَعُهُ عنك، والله عز وجل مُهَيْمِن. قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)﴾ [سورة الأعلى] فهو تعالى يعْلم الجَهْر وبالمُقابل السرّ، ويعْلَمُ ما تُمِنُّه وما خَفِيَ عنك، أربعة أشياء، لذلك علم ما كان وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. فواحِدٌ مثلاً على دَخْل مُعْتَدِل من البيْت إلى المسْجد ؛ لو كان مع هذا ألف مليون ماذا سَيَفْعَل ؟ لا يعْلم إلا الله ماذا سيَفْعَل ؟ قد لا يسْتقيم على أمْر الله، لذلك ليس بالإمكان أبْدَعُ مِمَّا أعْطاك، لذلك الإنسان يوم القيامة يُلَخِّص علاقته بكلمة واحدة، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وحتَّى أهل النار ؛ تُكْشَفُ الحقائق ورحْمة الله تعالى وحِكْمَتُهُ وعَدْلُهُ وما ساق للإنسان مِن مصائِب، مِن أجل أن يرْتَدِع بها، ولا يوجد إلا أن يقول كلمة واحِدَةً كل الخَلْق ؛، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. قال تعالى: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8)﴾ [ سورة الأعلى ] أيها الإخوة، لا شيءَ أمْتَعَ من التيْسير، احْيانًا في عَمَلك ؛ عقَبَة صغيرة المَشْروع فشل، ورقة صغيرة ذهب من جرَّائِها كل الملف ! لا يوجد أصْعب من التَّعْسير، وهو يصنع في الإنسان خِبْرة حزينة صادِمَة، أما التَّيْسير فَهُوَ مُريح، ولِكُلٍّ من التَّعْسير والتَّيْسير مُريح. قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] بنى حياته على العطاء، واتَّقى أن يعْصي الله، فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرى ؛ في عمله وعلاقاته وصِحَّتِه،و ترْبِيَة أولاده، وفي كلّ شؤون حياتِه. ثمَّ قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] بنى حياته على البخل والأخذ، واسْتغْنى عن طاعة الله وكذَّب بهذا الدِّين العظيم فَسَنُيَسِّره للعُسْرى. فهذا رجل من الأغنياء ؛ مصانع ومعامل وشركات، وحجْمُه المالي كبير جدًا، كان هناك قاطع كهربائي مُعَطَّل، فذهب ليُصْلِحَه وصعد الكرسي، فإذا به يسْقط في الأرض فوق هذا القطعة التي طولها ثمانية عشرة سنتمتر في مِقعَدَتِه وقضيبِهِ، ذهب إلى المستشفى، فمات بهذا المرض وهو تَسَمُّم بالنُّسُج ؛ ترك عشرين مليون دولار ! ولو جلَسْتَ معه فأكثر كلمة يرْويها...خُوزقنار !!! فالإنسان قد تنتهي حياته على أتْفه سبب، وآخر مؤمن يحْفظه الله، لذلك كما قال تعالى ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8)وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10)﴾ [ سورة الليل ] فالتَّيْسير له قانون، وكذا التَّعْسير، ولا تقل لي: يدهُ خضْراء ؛ هذا كلام لا قيمة له ! والدَّهْر معه ! هذا كلام فارغ، هذا كذب، ولا تقل لي القدَر قلب له ظهر المجنّ ! أيُّ قدَرٍ، قُل لي مُوَفَّق أم لا ! وأُمورُه مُيَسَّرة أم لا ! فهي مُيَسَّرة لأنَّه أعطى واتَّقى وصَدَّق بالحسنة، ومُعسَّرة لأنَّه بخل واسْتغنى وكذَّب بالحسنى ؛ هذا قانون إلهي، فإذا منت مِمَّن يرْجو أن تتيَسَّر له تِجارته وتربيَةُ أولاده ؛ أعْطِ واتَّق وصَدِّق بالحُسنى، والحياة جنَّة أو نار، فهي جنَّة بِطاعة الله، ونارٌ بِمَعْصِيَتِه، وهي تيْسير أو تعْسير، ولا يُحَقَّقُ شيء إلا بِتَوفيق الله، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [ سورة هود ] وأحْيانًا ربُّنا عز وجل لأتْفَه سبب يُعَسِّر لك أمْرك، والله تعالى يمْكنه أن يُضَيِّع لك عشرين ساعة من دون فائدة، وقَّفتْ آلة وتحتاج إلى قطْعة، قمتَ بِفاكس وبريد واتِّصالات، ولمَّا وصلَت، بعد هذه الأيام إذا بها أكبر حجْمًا من التي طلَبْتَها !! فإذا الواحد بَخِل أن يُصلي أو اسْتثْقل أن يحضر مجْلس علم جوزِيَ. ذكر لي أحد الإخوة - وهو الآن قد تُوُفِّي رحمه الله - أنَّه ذهب يوم جمعة إلى التنزُّه ولم يُصلِّ ! ونحن في النُّزْهة قال لي أحد الأطفال هناك: وقد أحْببتُه لِحُسن مُعامَلَتِه: هل أمْلأُ لك من ماء بقين ؟! فقلتُ: نعم، لمَّا ركِبْنا السيَّارة، ومشَيْنا نصف الطريق إذا بي أفْقِدُ جزداني!! فيه ميكانيك السيارة وشهادة سواقة، وبقيت ستَّة أشْهر مِن فرْع لآخر حتنَّى اسْتَكْمَلْتُ الأوراق !! زكاة الوقت الصلوات وحضور مجالس العلم، حينما يُزَكِّي الله لك وقْتَك والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#567 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الاعلى (87 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الأعلى ؛ الآيات الأخيرة وهي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ [ سورة الأعلى ] أقِفُ عند قوله أفْلَحَ، فَكُلّ إنسانٍ عنده مِقْياس للفَلاح، فأحدُهم يتَوَهَّم أنّ حِيازة المال هو الفلاح، وآخر أن يَتَزَوَّج امْرأةً تروق له ؛ هي الفَلاح وإنسان آخر يَتَوَهَّم أنَّه إن كان في منصبٍ رفيعٍ هو الفلاح، وذاك يَتَوَهَّم أنَّه إن امْتَلَك البيوت والحوانيت هو الفلاح، وذلك يتَوَهَّم أنَّهُ إن انْغَمَسَ في الشَّهوات إلى قِمَّة رأسِه هو الفلاَح ؛ لذا قُلْ لي ما مِقْياس الفَلاح عندك أقول لك: مَن أنت ؟! ما مِقْياس الفَلاح في القرآن ؟ قد أفْلَحَ من تَزَكَّى، وكلمة: قد أفلَحَ وَرَدَت في القرآن الكريم في بضْع آيات، وهي في قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ [ سورة الأعلى ] وفي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)﴾ [ سورة الشمس ] وفي قوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(7)وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8)﴾ فقط، فالفَلاَح كُلُّ الفلاح، والنَّجاح كُلّ النَّجاح، والفوز كلّ الفَوْز، والتَّفَوّق كلّ التَّفَوّق في أن تُزَكِّيَ نَفْسَك لأنَّها أمانَةٌ بين يدَيْك، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾ [ سورة الأحزاب ] فما معنى الأمانة ؟ بالمَفْهوم الضَّيِّق ؛ مَبْلغٌ أودِعَ عندك، وعليك أن تُؤَدِّيَه بالتَّمام والكمال في الوقت المناسب أما الأمانة بِمَفْهومها الواسِع أيّ شيء وُضِعَ تحت تَصَرّفك وأطلقت يَدُكَ فيه فإمَّا أن تَحْفَظَها وإما أن تُضَيِّعَها، وإما أن تُتْقِن وإما أن تُهْمِل، وإما أن تُنْصِف وإما أن تَعْدِل، وإما أن تُؤَدِّي الحُقوق وإما أن تُقَصِّر فلذلك أخطر أنواع الأمانات أمانة التّكليف، فهناك أمانة التَّبليغ وهي للأنبياء، وهناك أمانة التَّبيِين للعلماء،و هناك أمانة الوِلاية للأُمراء وهناك أمانة التَّوْلِيَة، فإذا كان المُعَلِّم في صفٍّ فيه أربعون طالبًا، وعَيَّن من التلاميذ من هو ليس كُفْؤًا، وكان من هو أتقى منه وأعلم وأذكى فقد خان الله ورسوله والمؤمنون، قال له: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بِسَارِقٍ أو ناهِب ؟ قال: أقْطَعُ يَدَهُ، قال: إذاً إذا جاءَني من رَعِيَّتِك وهو جائِعٌ أو عاطل فسَأقْطَعُ يدَك، إنّ اله قد اسْتَخْلَفَنا عن خلقِهِ لِنَسُدَّ جَوْعَتَهم ونسْتُرَ عوْرَتهم، ونُوَفِّرَ لهم حِرْفَتَهم، فإنْ وَفَّيْناهم ذلك تقَاضْينا شكرها فإنّ هذه الأيْدي خُلِقَت لِتَعْمَل، فإذا لم تَجِد في الطاعة عَمَلاً الْتَمَسَت في المَعْصِيَة أعْمالاً، أمانة الوِلاية ؛ فهذا سيِّدُنا عمر كان يطوف في المدينة فرأى قافِلَةً فقال: لِعَبد الرحمن ابن عَوْف تعال لِنَحْرسها ! بكى طِفْل فقام عمر إلى أُمِّه فقال لها عمر: أرْضِعيه، وبكى ثانِيَةً فقال: أرْضِعيه، فَبَكى ثالثَةً فقال: يا أمَةَ السوء أرْضِعيه، فقالتْ: وما شأنك بنا ؟! إنَّني أفْطِمُه، فقال: ولِمَ ؟ فقالتْ: لأنّ عمر ابن الخطاب لا يُعْطينا العَطاء إلا بعد الفِطام ! فَضَرَب جَبْهَتَهُ وقال: وَيْلَك يا ابن الخَطَّاب كم قَتَلْتَ من أطفال المسلمين ؟ وصلى صلاة الفَجْر في أصْحابه فَلَم يسمع أصحابه صَوْته مِن شِدَّة بُكائه، وهو يقول: ربِّي هل قَبِلْتَ تَوْبَتي فأهَنِّأها، أم رَدَدْتها فأُعَزِّيَها ؟! وهذا سيّدنا عمر ابن عبد العزيز رأَتْهُ زوْجَته فاطمة بنت عبد المَلِك يبكي في مُصَلاَّه فقالت: ما يُبكيك ؟ فقال: دعيني وشأني، فلمَّا ألحَّتْ عليه، قال: نظرْتُ في الفقير والبائس والأرملة الضائعة وابن السبيل وفي ذا حب القوت القليل والعيال الكثير، وفي المريض والأسير، وذكَرَ أربعين أو خمسين صنف، فَعَلِمْتُ أنّ الله سَيَسْألني عنهم جميعًا وأنَّ حجيجي دونهم رسول الله، فلِهذا أبْكي ! فهناك أمانة التَّبليغ وهي للأنبياء، وهناك أمانة التَّبيِين للعلماء،و هناك أمانة الوِلاية للأُمراء وهناك أمانة التَّوْلِيَة التَّعْيين، وكذا أمانة الزَّوْجِيَّة، وأمانة الواجب فهذا المواطن الذي أمامك أمانَةٌ في عُنقك، فإمَّا أن تنصحه وإما أن تغشَّه وإمَّا أن تُيَسِّر أموره وإما تُعَقِّدَها عليه لِتَبْتَزَّ ماله، فأنت إذا كنت طبيبًا فالمريض أمانة في عُنقك، وإذا كنت مُحامِيًا فالمُوَكِّل أمانة في عنقِك إما أن تُلْهِمَه أنَّ الدَّعْوة رابِحَة فتَأخُذَ أمواله وإما أن تنْصَح له فيتصالح مع الخَصْم، وكذا إن كنت مُهَنْدِسًا كان هذا البناء أمانة في عُنقك فإذا انْهار وقتل بعض الأشْخاص فأنت المُتَسَبِّب ؛ لذا عليك أن تضَعَ الإسْمَنْت الكافي والحديد الكافي، أشرف على الأمور بِنَفْسِك، وإن كنت مُعَلِّمًا فَهَذا الطالب أمانةٌ في عُنقك، أو كنت ربَّ بيْت فالزَّوْجة أمانة في عُنقك، وكذا أمانة الأولاد، فأصْبَح لدينا أمانة التَّبليغ وأمانة التَّعْيين وأمانة التَّبْيين، وأمانة الوِلاية والتَّوْلِيَة، وأمانة الواجب، وأمانة المجالس، أما أعظم أمانةٍ فَهِيَ أمانة التَّكْليف، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾ [ سورة الأحزاب ] إن صَحَّتْ أمانة التَّبليغ صَحَّت كلّ الأمانات، وإن لم تَصِحّ أمانة التَّبْليغ والتَّكْليف لم تَصِحّ كلّ الأمانات، فالذي لم يُؤَدِّي أمانة نفسه التي هي بين جَنْبَيْه لم يُؤَدِّيَ أمانة الآخرين، يا موسى خَفْ ثلاثًا: خَفْني وخَفْ نَفْسَك وخَفْ مَن لا يخافُني، فالذي لم يُؤَدِّي أمانة التَّكْليف لم يُؤَدِّ أيَّة أمانة أخرى، لذلك قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾ [ سورة الأعلى ] ومن هو الذي تزَكَّى ؟ هو الذي أدَّى أمانة التَّكْليف ؛ نَفْسُك بين جَنْبَيْك ووُضِعَت أمانةً في عُنقك، وأطلقَت يدك في نفسك فإمَّا أن تُزَكِّيَها وإما أن تُدُيِّسَها، ولن تفلح إلا إذا زَكَّيْتَها، كيف تُزَكِّيها ؟ ينبغي أن تُعَرِّفَها بالله، وأن تُعَرِّفَها بِمَنْهَجِه، فصار بِذلك طلب العِلْم فرْض أن تحْمِلَها على طاعة الله ؛ وهي الإرادة كي تتقَرَّب إلى الله تعالى بِخِدْمة عِباده ؛ وذلك بالأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾ [ سورة الكهف ] إذاً قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)/ [ سورة الأعلى ] كيف يتَزَكَّى ؟ يذكر اسم الله، ويُفَكِّر في خلقه، وفي آياته وأفْعاله، ففي خلقه كما قال تعالى ﴿: إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ(6)/ [ سورة يونس ] في قرآنِهِ قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾ [ سورة محمد ] في أفعاله، قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42)﴾ [ سورة الروم ] فأنت إذا فَكَّرْتَ في أفعاله وفي قرآنه وفي آياته عَرَفْتَهُ وإذا عرَفْتَهُ اتَّصَلْتَ به فإذا اتَّصَلْتَ به زَكَتْ نفسُك، وإذا زَكَتْ تكون قد أدَّيْتَ أمانة التَّكْليف، وتكون بهذا قد حَقَّقْتَ الهَدَف الذي من أجله خُلِقْتَ، لذا يا ربِّي كما أقْرَرْتَ أعْيُنَ أهل الدنيا بِدُنْياهم أقْرِرْ أعْيُنَنَا بِرِضْوانِك، والناس إذا سأل بعضهم بعْضًا فاسْأل الله أنت ! وإن لَجَأوا إلى الأقْوِياء اِلْجَأ إلى الله أنت، وإن اغْتَنَوا واكْتَفَوا فاغْتَنِ بالله أنت، لكن أكبر عَقَبَة كما قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16)﴾ [ سورة الأعلى ] حُبُّكَ الشيء يُعْمي ويُصِمَ وحُبُّكَ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة والدنيا دار من لا دار له، ولها يسْعى من لا عَقْل له، ودار الدنيا الذي تُجَمِّعُه في خمسين عاماً تُفْقده في ثانِيَة واحِدة، فَكُلّ شيء تمْلِكُه وكلّ مكانةٍ حَصَّلْتَها، وكلّ حجْمِك الاجْتِماعي والاقْتِصادي والمالي، والبورد والدكتوراه، والمنْصِب الرفيع والقوَّة كلّ هذا الحجم مُتَعَلِّق بميلمتر قطر شريانك التاجي فإذا ضاق كانت الطامَّة الكبرى، وتدْخل بِمَتاهة ثانِيَة، تحتاج إلى قسطرة وتوسيعه بالبالون، ووَضْع نابض، وتجريفات ؛ كنت بِوَادٍ وأصْبَحْتَ بلِوَادٍ آخر، فَقُطْر الشريان التاجي، والأمر الثاني نُمُوّ الخلايا، والأمر الثالث مادام الدم سائِلاً فأنت مرْتاح، أما إذا تَجَمَّد انتَهَت الحياة ؛ ثلاثة عوامل بسيطة ؛ سُيولة الدَّم، وعلى تَوَسُّع الشريان التاجي، وعلى نموّ الخلايا وكلّ هذه ليْسَت لك، قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16)﴾ [ سورة الأعلى ] بِرَبِّكم إذا خُيِّر الواحد بين أن يرْكب سيَّارة ربْع ساعة فقط، وبين أن يرْكب درَّاجة ويمتلِكَها، طبِّيب إذا خَيَّروه بين أن يركب سيَّارة وبين أن يتملَّكها ! هل يترَدَّد ثانية ؟ طيِّب إذا خيَّروه بين أن يركب سيَّارة فَخْمة ثمنها غالٍ جدًا ويمتلكها، وبين أن يركب درَّاجة ! هل يترَدَّد ؟! لذا قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾ [ سورة الأعلى ] فيها ما لا عينٌ رأَت ولا أذن سَمِعت ولا خطر على قلب بشر، وإلى أبد الآبدين أما الدنيا ففيها هرم، والْتِهاب مفاصِل، وفيها ارْتِفاع كوليسترول، وهذه الأكلة لا آكلها لأنَّها ممنوعة عليَّ، وهذا اللَّحم ممنوع، ولا بدّ أن أمْشي والمَشْيُ ممنوع لأنَّ المفاصل هشَّة، فقد كان بالبؤرة وأصبح بالهامش، دنيا فيها قلق ؛ قد تموت زوجتك، وقد يفقِد أحبابه وأصدِقاءه، وقد تخسر مالك، هموم ؛ الحياة كلّها مشاكل، خُذ من الدنيا ما شئت، وخذ بِقَدَرِها هَمًّا، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حَتْفه دون أن يشعر، قال تعالى ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17)﴾ [ سورة الأعلى ] أخذ بيتان مَكْسِيَّان بالميسات اثنا عشر طابقًا ولم يكن هناك مصعد، فَنَزَع البلاط والسيراميك، رَجَّع البيت وكأنَّه الآن بُنِي، واشْتَغَل بالكِسوة أكثر من سَنَتَيْن ونصف، وعَمَّر البيت بأفضل أنواع الكسوة، وبعدما انتهى من التَّعمير وافَتْهُ المَنِيَّة ! هذه هي الدنيا، وهذا عاش طوال حياته بِبَيْتٍ قَبْو، ورطوبة، وجَمَّع من الدراهم قِرْشًا فوق أخيه إلى أن اشْترى وأمَّن بيْتًا بالمُهاجرين، وله إطْلالة على الشام، حينها قال لِزَوْجته الآن أمَنَّا مُستقْبَلَنا ! وبعد جمعة توَفَّى ؛ هذه هي الدنيا وهذا ترك ألف مليون، وأحد الورَثَة نصيبهُ كان تسعين مليون وخِلال سِتَّة أشهر وهو في مالِيَة طالِع ونازل، وقبل أن يأخذ نصيبه من المال، دخل إلى الحمام وأثناء قضاء حاجته وافَتْهُ المَنِيَّة ! قال تعالى ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾ [سورة الأعلى ] كل شيء مُتَوَقِّف على نبْض القلب فإذا تَوَقَّف عَظَّمَ الله أجركم، كُلُّنا على هذا الطريق شِئْنا أم أبَيْنا، ومن هو العاقِل ؟ الذي يعمل للآخرة، قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾ [سورة الأعلى ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#568 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 ) الدرس الاول الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في سورة الغاشِيَة وَصْفٌ لِحال أهل النار، وحال أهل الجَنَّة، ويتَّضِح من حال هذين الوَصْفَيْن أنَّ البَشَر جميعًا سوف ينتهون إما إلى جنَّةٍ وإما إلى نار، فَو َالذي نفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِه ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار، قال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾ [ سورة الغاشية ] أحْيانًا يكون الإنسان يعيش ولَدَيْهِ نشاطات وتِجارة، ولِقاءات وزِيارات وسَفَر وطُموحات وتأسيس مشاريع، لا سَمَحَ الله يأتيه مَرَضٌ عُضال يُنْسيه كُلَّ شيء، كُلُّ هذا يُلْغى، فإذا بهذه الأُسْرة يتغَشَّاها هَمٌّ كبير، فَيَوْم القِيامة السيِّدَة عائِشَة سألتْ النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن قال: يُحْشَر الناس حُفاة عُراة..." الآن لو ساقوه إلى الإعدام، ومن نافذة السيَّارة رأى امرأة سافرة وبِأبْشع صورة ؛ فَهَل يشْتَهيها ؟ هل يراها ؟ لا ينظر إليها إطْلاقًا وكأنَّها لم تَكُن ! لذلك قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1)﴾ [ سورة الغاشية ] يوم القِيامة يومٌ آتٍ لا مَحَالةَ، قال تعالى: يَغْشى الناس هذا عذاب أليم..." قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)﴾ [ سورة الغاشية ] ساكنة، أوْضَح تفسير لهذه الآية اُنْظر إلى صُوَر المُجْرِمين حينما يُلقى القَبْض عليهم وهم وراء القُضْبان. قال تعالى: ﴿ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)﴾ [ سورة الغاشية ] مُجْرِم، ثمَّ قال تعالى: ﴿ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5)﴾ [ سورة الغاشية ] فإذا الإنسان سَكَب في صَحْنه والطعام حارّ، فأوَّل لُقْمة يحْترق لِسانه. ثمَّ قال تعالى: ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6)﴾ [ سورة الغاشية ] شَوْك، الماء يغلي والطعام كالشوك لا يُسْمِن ولا يغني من جوع، هؤلاء أهل النار. قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)﴾ [ سورة الغاشية ] أحْيانًا ترى إنسانًا مُرْتاح وأكْله جيِّد، عصير وبيت مُكَيَّف، وليس له مُشْكِلة ؛ ترى وَجْهه مُتألِّق، فهذا مثال من حياتنا الدنيا، فَكَيف بالإنسان يوم القيامة إذا كان بالجَنَّة ووصَل إليها. ثمَّ قال تعالى: ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9)﴾ [ سورة الغاشية ] الإنسان أحْيانًا يرْضى عن نفْسِه، وأحْيانًا يَحْتَقِرُ نفْسه ؛ اِتَّصَل بي رجل الآن قبل ساعات، وقال لي: اِرْتَكَبْتُ ذَنْبًا سَقَطْتُ من عَين الله، وأنا أقول لإخواننا: والله لأنْ يسْقُطَ الإنسان من السماء إلى الأرض فَتَنْحَطِمُ أضْلاعه أهْوَنُ مِن أن يسْقط من عَيْن الله ؛ لمَّا يكذب أو يسْرق أو يبْتَزَّ أموال الناس، ويُدَلِّس أو يُعَذِّب الناس، فالبُطولة أن ترْضى عن نفْسِك لأنَّها أقرب إليك، وأنت على نفْسِك بصيرة ولو ألْقَيْتَ المعاذير، قال تعالى: ﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾ [ سورة القيامة ] واحِد وجد سيَّارة بِبَلَد مُجاوِر وغالِيَة جدًا، وفَنَظَر إلى المِفْتاح فَوَجَدَهُ فيها، فشَغَّلَها ومَشَى، وما انْتَبَه بعد حين أنْ وَجَدَ رضيعًا فَخَنَقَهُ ورماه بالسَّاقِيَة ! صار معه حادِث جعله أولاده أشلاء، وجاء المُعَزُّون وقالوا: والله أمثالكم لا تسْتَحِقُّون مثل هذه المصائب، فقالتْ زوْجته: لا، بل نسْتحِقّ أكثر من هذا ! فالإنسان يعرف نفسَه، وإذا كان ماشي بالحرام يعرفها، وإذا كان يؤْذي الناس يعرف نفسه، وهذا أحدهم كان من طَبْعِهِ الأذى فقال: حُرٌّ ومَذْهَبُ كُلِّ حُرٍّ مذْهبي ما كنت بالغالي ولا بِالمُتَعَصِّبِ يَأبي فُؤادي أن يميل إلى الأذى حُبُّ الأذِيَّة من طِباع العَقْرب هناك أشْخاص كالعقرب، تجده يتلَذَّذُ بالأذى، يُؤذي ولا ينتفع من هذا الأذى، فالفائدة أقلّ الفائدة أت تُؤذي كي تنتفِع إلا هناك من يُؤذي ولا ينتفع من هذا الأذى، ثمّ أتَمَّ البيْتَ قائِلاً لي أن أردَّ مساءةً بِمَساءَةٍ لو أنَّني أرْضى بِبَرقٍ خُلَّدِ حَسْبُ المسيء شُعوره ومقالُه في سِرِّه يا ليتني لم أُذْنِبِ فالإنسان لمَّا يكون سَعْيُهُ جيِّد يرْضى عن نفْسِه، وهذا شُعور جَيِّد جدًّا وحينما يَحْتال يسْقط من عَيْنِ نفْسِه، فقد تكون في عَيْن الناس كبيرًا وأنت في عيْنِكَ صغيرًا، قال تعالى: ﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾ [ سورة القيامة ] ثمَّ قال تعالى: ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12)﴾ [ سورة الغاشية ] الإنسان أحْيانًا كي يبْرد يتَحَمَّل صوت مُزْعِج من المُكَيِّف، فإذا ألْغى الصوت شَعَر بالحرّ، ففي الجنَّة لا تسْمع فيها لاغِيَة ؛ هُدوء. ثمَّ قال تعالى: ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)﴾ [ سورة الغاشية ] النَّمارِق وسائِد، والزَّرابِيّ البُسط الفاخِرَة، مصيرنا جميعًا إما إلى هؤلاء، إما إلى هؤلاء، والدنيا فيها خِيارات كثيرة،قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾ [ سورة الملك ] أما عند الموت هناك خِيارَيْن ! إلا أنَّه بالدنيا هناك من دَخْله ألف، وألْفَيْن وثلاثة وأربعة إلى مائة ألف، وهناك من دَخْلُه مليون باليوم، وهناك مائة مليون ! الفارق في الدنيا كبير،أما عند الموت فَكُلُّ هؤلاء إما إلى النعيم وإما إلى الجحيم، لذلك قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾ [ سورة الملك ] فالطريق إلى الجنَّة أن تعبد الله، والطريق إلى طاعته، فهو كما قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ [ سورة الغاشية ] أي أنْ تعرف الله مِن خِلال خلْقه، وإن شاء اله تعالى غدًا نتَحَدَّث عن هذه الآيات الثلاث: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾ [ سورة الغاشية ] مِن أكبر الآيات الدالة على عظمة الله تعالى الإبل. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#569 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 ) الدرس الثانى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، في أواخر سورة الغاشِية وهي قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾ [ سورة الغاشية ] أوّل شيء الآيات التي في القرآن الكريم، والتي تتَحَدَّث عن الآيات الكَوْنِيَّة تَقْتَرِبُ من رُبع القرآن ؛ فهذه الآيات التي اخْتارها الله لنا موضوعات للتَّفَكُّر، كم هناك مِن الحيوانات ؟ هناك الملايين من أنواع الأسماك، وثلاثمائة ألف نوع من الطيور، والله عزَّ وجل اخْتار الإبِل، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾ [ سورة الغاشية ] لو أنَّ الإنسان بادئ ذي بدء اسْتَخْدم هذه الآيات القرآنِيَّة الكونِيَّة وفَكَّر فيها لَوَصَل إلى الله عز وجل، لذا هي مَنْهج، وعلى هذا الإنسان إذا فَكَّر، والتَّفَكُّر أعلى عِبادة على الإطلاق لأنَّه يزيدك معْرِفَةً بالله، وإذا عرَفْتَ الله تعالى عَرَفْتَ كُلَّ شيء، لذا طاعة مَن يعْرِف الله، ومَن لا يعرِف الله تعالى بينهما فرْقٌ كبير، فالذي لا يعرِفُ الله تعالى مُقاوَمَتُهُ هَشَّة، وتحت تأثير أيّ ضَغْط يخْرِقُ الاسْتِقامة، وتحت تأثير أيّ إغْراء يخرق الاسْتِقامة، بينما الذي يعرف الله تعالى لو قَطَّعْتَهُ إرْبًا إرْبًا لا يتَغَيَّر، قال تعالى: ﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾ [ سورة الأحزاب ] لو تساءَلْنا: رجلان مؤمنان، مِن أبوان مُسْلِمان، عاشا في بيئةٍ واحدَة، وفي مُعْطَياتٍ واحِدَة، فَلِما هذا يُطيعُ الله، وذاك يَعْصي الله تعالى ؟! لو أرَدْتَ جوابًا عِلْمِيًّا، فالذي يُطيعُ الله تَجِدُه انْطَلَق مِن معْرِفَة الله، والذي يعْصي الله انْطَلَقَ من ضَعْف معرِفَتِه بالله تعالى، فالإنسان ضِمْنَ الجَيْش، مهما كان مُسْتواه يعرف معنى لِواء، ويعرف معنى عصْيان أوامِر القادَة، كما أنَّه يعرِف معنى أنْ تُطيعَ أمْرًا فقَدْ ترْتَقي، وتترَفَّع إلى رُتْبة أعلى، فأنت ضِمْن هذا النِّطاق المَحْدود تعرفُ معنى الطاعة ومعنى المَعْصِيَة، أما الإنسان المَدَني والذي يبْعُد عن النِّطاق العَسْكري لا يُقَدِّر هذه الرُّتَب والصلاحِيَّات والإمْكانات، والعُقوبات، والمُكافئات، لذا أنت تُطيعُ الله تعالى بِقَدْر ما تعْرِفُه، والإنسان يَعْصي الله بِقَدْر ضَعْفِ إيمانه لذلك الإيمان المُنَجِّي هو الذي يحْمِلُك على طاعة الله تعالى، فإنْ لم يَحْمِلْك على طاعة الله، فلا قيمة لهذا الإيمان، إنَّهُ إيمان كما قال بعضهم إيمانٌ إبْليسي ! فإبْليسُ آمَنَ، وقال تعالى ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)﴾ [ سورة الحجر ] يُخاطب الله تعالى بالرُّبوبِيَّة، ويحلف به تعالى، فالمُلَخَّص أنَّ الإيمان الذي لا يحْمِلُك على طاعة الله تعالى لا قيمة له، أما حينما تَسْتقيم على طاعة الله، فهذا الإيمان حقيقيّ، مِن أجْل أن يَزْداد إيماني قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾ [ سورة الغاشية ] قال العلماء: الله جلَّ جلاله زوَّدَ الإبِل بِعَيْنَيْن تُشْبِهان الميكروسْكوب والتيليسْكوب بِآنٍ واحِد ! فالثاني يُقَرِّب البعيد، والأوَّل يُكَبِّر الصغير، فَعَيْنُ الجَمَل تُريهِ البعيد قريبًا، والصغير كبيرًا، وقد يأتي غُبار في الصَّحْراء يُعيق الرؤيا، فَلِلْجَمَل جَفْنٌ خاصّ يمْنعُ هذا الغُبار الدقيق جدًا الذي يُؤذي العَيْن، والجَمَل يستطيع أن يعيش بلا ماء ثلاثة أشْهر ! إذْ أجْهزة الجَمَل قادِرَة أن تأخذ ماء الخلايا، فالخَلِيَّة فيها ماء، وهذا السَّنام الذي تراه في الجَمَل هذه مُدَّخَرة غِذائِيَّة حتَّى هذا التاريخ، هناك دُوَل عُظْمى تسْتعين بالجَمَل على اجْتِياز الصَّحْراء، إذْ هناك عقَبات ورِمال وجبال من الرِّمال لا يستطيع اجْتِيازَها إلا الجَمَل ؛ مُصَمَّم للصَّحْراء، وهناك أكثر من خَمْسة عشرة مليون جمل بالأرض الآن، والجِمال لها طِباع عجيبة إلى درَجَة غير مَعْقولة، فالجَمَل لو أراد أن يسْتريح على جَنْبِهِ لبَطَلَتْ قيمته كُلِيًّا ! كيف تُحَمِّل عليه ؟ فلو أرَدْتَ أن تُحَمِّل عليه وهو واقِف لاحْتَجْتَ إلى سُلَّم، ولو تَحَرَّك أثناء التَّحْميل لسَقَط صاحبه مَغْشِيًّا عليه فهذه حِكْمَةٌ رائِعَة أنَّه يجْلس جلسةً نِظاميَّة، وهو مُنْخَفِض ؛ تَضَعُ عليه الأحْمال كُلَّها ثمّ ينْهَض وكأنَّ شيئًا لم يكن، إذاً اله تعالى هيَّأ له سفينة في بطنه، وسفينتان في يَدَيه، وسفينتان في رجليه فإذا جلس ارْتاح بطنه. ثمَّ لماذا هذه الرَّقَبة الطويلة ؟ لأنَّه لو وقفَ لَوَقَعَ الحِمْل مِن عَلى ظَهْره هذه الرَّقَبَة الطويلة تُمَثِّل زراع القَبَّان الطويلة، وبها يتوازن حينما يقف ولأنَّ الجَمَل يعيش في الصَّحْراء، والتي فيها الشَّوْك، فإنَّ أطْيَبُ طعامٍ يأكله هو الشَّوك، كيف أنَّ ألَذَّ الطعام لدَيْك اللُّحوم مع الرزّ مثَلاً فإنَّ الله تعالى رَكَّبَ طَبْعَ الجَمَل على حُبِّ الشَّوْك، يأكل الشَّوْك وكأنَّهُ يأكل الحَلَوِيَّات الفاخِرَة، وفيه لُعاب سميك جدًا، لأنَّ هذه صَحْراء قاسِيَة، ولابدّ أن يستهلك الجَمَل أقلّ قَدَر مِن الماء، ولذلك بَوْل الجَمَل لَزِج، لأنَّهُ مُرَكَّز ترْكيزًا شديداً، وأقَلّ كَمِيَّة من الماء تَجْمع حمض اللَّبَن بِدَمِه فإذا بال الجمَل كان بوْله سميكًا ولَزِجًا لاسْتِهْلاك أقلّ كَمِيَّة ماء في جسمه، وحَتى فَمُه لكي لا يستهلك كمِيَّة من الماء فإنَّ شَفَتاهُ مُبَطَّنَتَان تَلْتَقِمان اللُّقْمة وتُغْلِقُهما، الجمَل مُعَمِّر، ويعيش زمنًا وثَمَنُه الآن بِبَلَدِنا تقريبًا مائة وخمسون ألفاً، فَسَيِّدُنا عثمان رضي الله عنه جاءَهُ في تِجارتِه ستُّ مائة جَمَل مُحَمَّلة بالبَضائِع، وعَرَضَها للبَيْع مِثل شاحنة وزنها عشرين طنًا في عصرنا، ربُّنا عزَّ وجل كيف أنَّ هذا الحيوان مُصَمَّم للصَّحراء في حركته، اُنْظر خُفَّ الجَمَل مُصَمَّم للرِّمال فلو أنَّ خُفَّ الجَمَل كَأرْجُل الحِصان لانتهى ولانْغَرَسَت رجلاه، ولسَبَّب هذا عرقلة الحَرَكة، وبِإمكانِهِ أن يُغْلِقَ أُذُنَه كي لا تؤْذيها الرِّمال هذا كُلُّه مِن خلق الله عز وجل. صَنْعَةُ الله عز وجل مُتْقَنَة، وحينما قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ(3)﴾ [ سورة الملك ] يعني النَّمْلة والبعوضة، لا يوجد مَخلوق هَيِّن على الإنسان كالبَعُوضَة، فلو أنَّه قَتَل بعوضَةً أحْرَجَتْهُ بالصَّلاة لارْتاح منها، ولا يُفَكِّر نِهائِيًّا أنَّه قَتَل نفْسًا ! هذه البَعُوضة لها ثلاثة قُلوب ؛ قَلْب مركزي، وقلب لِكُلِّ جناح، وجناح البَعُوضَة يرِفّ أرْبعة آلاف مرَّة في الثانيَة ! والبَعوضة لها جِهاز رادار، فهي تَتَّجِه لِجَبين الإنسان في الظلام الدامس دون أن تتَّجِه إلى الوِسادة، لأنَّها تحمل جِهاز رادار فَهِيَ تَتَّجِهه إلى الهَدَف مِن دون رؤْيا أو بِأشِعَّةٍ تحت الحمراء، ولها جِهاز تَخْدير فإذا وَقَعَت على جبين إنسان فهِيَ تُخدِّر هذا الموقِع لكي لا يقتلَها ! والبَعوضة لها جِهاز تَمْييع، فالدَّم لا يدخل في خُرطومِها، فلا بدّ أن تُمَيِّعَهُ، ولها جهازٌ تَحْليلي، هناك دَمٌ يُناسبها وآخر لا يُناسِبُها، ولها مخالِب لِتَقِفَ على سَطْحٍ خَشِن، ولها محاجِم تعتَمِد تَفْريغ الهواء لِتَقِفَ على سَطْحٍ أمْلَس، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26)﴾ [ سورة البقرة ] إذاً أيُّها الإخوة، لو تَفَكَّرْنا في موضوعات التي وَرَدَت في القرآن عن الكَوْن لكان هذا مَنْهَجًا للتَّفَكُّر لنا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#570 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الغاشية (88 ) الدرس الثالث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أيها الإخوة الكرام، تَحَدَّثْتُ في الدرس الماضي عن قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] كلُّ ما علاك فَهُوَ سماء، وفي السَّماء مَجَرَّات يُقَدِّرُها بعض العلماء مليون مليون مجَرَّة، والمجَرَّة مجْموعة نُجوم، وكُلّ هذه الأرقام في حُدود ما عرفهُ العلماء الآن، والمسْتقبل يكشِف عن حقائق مُذْهلَة، والكَون ما سِوى الله، ونَظَرِيًّا الكون مَحْدود، لأنَّ ما سوى الله حادِث، والحادِث يسْبِقُهُ عَدَم وينتهي إلى عدم، إذًا مَحْدود، ويبْدو لنا أنَّ ما غير سِوى الله مَحْدود وكُلَّما تقَدَّم العِلْم كشَفَ عن حقائق في الفَلَك يصْعُبُ تَصَوُّرها، فَمَجَرَّةً تَبْعُدُ عنَّا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة ؛ هذه مِن سنَتَيْن أرْسَلوا مَرْكَبَة إلى المُشْتَري بِسُرْعَة أربعين ألف ميل بالساعة ، وهي أعلى سرعةٍ وصَلَها الإنسان، وأربعين ألف ميل تعني سِتِّين ألف كيلومتر بالساعة ؛ فالطائرة النَّفاثة تسعة مائة كيلومتر، والتي تسْبق جدار الصَّوْت ألف ومائتان أو أكثر؛ هنا سِتِّين ألف كيلومتر بالساعة، وبَقِيَتْ هذه المركبة تمْشي نحو المشْتري ستَّة سنوات، والمُشْتري كوكب في المجموعة الشَّمْسِيَّة، والمجموعة الشَّمْسِيَّة قطْرها الضَّوئي ثلاثة عشرة ساعة يعني الضوء يقْطعُها مِن أوَّلِها إلى آخرِها في ثلاثة عشر ساعة، والقمر ثانية ضَوْئِيَّة، وقطعهُ الإنسان بأربعة أيَّام، والشَّمْسُ تبْعُد عنَّا ثمانِيَة دقائق ضَوْئِيَّة، أمَّا المسافة فمائة مائة وستُّ وخمسون مليون كيلومتر ! فَسِتَّةُ سنوات إلى أن وَصَلوا إلى المُشْتري، في المركبة يوجد مرْصَد عِمْلاق، وهذا المرْصد، وقد رصَدَ أبْعَد جرَّة كُشِفَت حتى الآن ؛ ثلاثمائة ألف بليون سنة ضَوْئِيَّة، والبليون هو ألف مليون والسَّنة الضَّوْئِيَّة بالثانية ثلاثمائة ألف كيلومتر، وبالدقيقة ضرْب ستِّين، وباليوم ضرب أربعًا وعشرون ساعة وبالسنة ضرب ثلاثمائة وخمس وستون ؛ هذا ما يقطَعُهُ الضَّوْء في سنة واحِدَة، قال تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾ [ سورة الواقعة ] فقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] دخلنا الآن في صُلْب الآية كيف رُفِعَت ؟ هناك تجاذب بين الكواكب، والتَّجاذب يقتضي التجاذب، لمَ لا تنجذب الكواكب كلُّها إلى أكبر كتلة في الكون ؟! نَظَرِيًّا ينبغي أن يجْتمع الكون كلّه وِفْق نِظام الجاذِبِيَّة في كتلةٍ واحِدَة، فلماذا كما هو عليه ؟ حركة مع توازن، قال: الحركة عند العوام فيها بركَة ! والحركة في الكواكب ينشأ عنها قوَّة نابذة تكافئ القوة الجاذِبَة، فما دام الكوكب يدور فهو إذًا في وَضْعهِ المِثالي، فإذا تَوَقَّف انْجَذَب، فالله عز وجل قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)﴾ [ سورة الطارق ] أي أنَّ كل كوكب في السماء ينطلق ويرجع إلى مكان انْطِلاقِهِ، فَكُلُّ كواكب الكون إذًا تدور في مسارات مُغْلَقَة. الآن هناك سؤال أدَقّ ! إذا كان لدينا كتْلتان مغناطيسيتان بِحَجْمٍ واحِد ووضَعْناهما على سطْحٍ مُسْتوي، وجئْنا بِكُرة حديديَّة ثقيلة، فهل نستطيع أن نضَعها بين الكتلتين في الوسَك الهندسي تمامًا بِحَيث لا تنجذب لا إلى هنا ولا إلى هنا ؟ نَظَرِيًّا ممكن أما عَمَلِيًّا فهذا مُسْتحيل لأنَّه لو انْجَذَبَتْ واحد بالمليار ميلي، لا يوجد أجْهزة دقيقة تضعُها في الوسط تمامًا ! الآن لو أنَّ الكتلتين مُتفاوِتتان في الحجْم، هنا نحْتاج إلى حِسابات ! المسافات والقوى الجذْب والكتلة، ونحتاج إلى مختَصُّوا رياضيات وفيزياء، طيِّب لو كانت ثلاثة كُتَل ! مِن سابع المستحيلات أن يضع إنسان كتلة في الهواء بِحَيث تبقى مُستَقِرَّة، فإذا كانت عشرون كتلة متفاوتة في الحجم والمسافات بِقُوَّة الجذب والفراغ وهي مُتَحَرِّكَة والمُحَصِّلة اسْتِقرار المُتَحَرِّك؛ وهذا شيء يَصْعُب تَصَوُّره، فالكون كُلُّه مَجَرَّات وحُجوم مُتفاوِتَة وأماكن مُتفاوِتَة والكون كلُّه يدور ومُحَصِّلة هذا الدَّوران توازن حرَكي ؛ حَرَكَة مع توازن بحيث لو أيّ كتلة زاد انْجذابها إلى كتلة ثانِيَة ارْتَطَمَت بها ؛ ولا يعرف هذا الكلام إلا أستاذ رياضيات مُتَعَمِّق بالهَنْدسَة الفراغِيَّة، وهذا معنى قوله تعالى ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ(2)﴾ [ سورة الرعد ] من يستطيع أن يُعَمِّرَ جامِعًا دون دعائِم ! ومن دون جدران ! هذا فوق طاقة البشر، لكن هذا هو وَضْعُ الكون، قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] وما الذي جعلها متوازنة ؟ فالقِطار باليابان إذا وصل متأخِّرًا ثلاثة دقائق يَدْفَع للرُّكاب تَعْويض، فلا بدّ أن ينطلق من توكيو إلى أوساكا وهناك حوالي ستُّ مائة كيلومتر، فيَلْزَم أن يصل بِفارِق أقلّ من ثلاثة دقائق، طيِّب أدَقُّ ساعَةٍ بالعالم ساعة بيكبِن ؛ كيف تُضْبط ؟ على مُرور نجْم، فهي حينما ترْصُد نجْمًا بِسَمْتٍ دقيق، يأتي في وقْتٍ مناسب لا يزيد ولا يتأخَّر ثانِيَة، فَحَركات النُّجوم بِمِعشار الثواني تنضبط، وتمْشي مسافات مُذْهِلَة، ولا أدَلَّ على ذلك، فالإنسان أحيانًا لا ينتبِه إذْ هناك تَقْويم، ففي اليوم التاسع عشر آب المغرب على الساعة السابعة وثلاثة عشر فرَضًا، فهل يُعْقَل أن نعرِف بعد سِتِّين يومٍ وبعد سنة وبعد ألف سنة، نعرف تَوْقيت المغرب مثلاً، فهذا التَّقْويم ماذا يعْني ؟ يعني أنَّ حركة الكواكب بِمِعْشار الثانِيَة، ونحن نتنبَّأ بِنِظام دقيق أنَّ الأرض دَوْرَتُها ثابتة، وكذا سرْعتها، وحركتها حول الشَّمْس ثابتة، وهذا التَّقْويم مأخوذ من دَوْرة الأرض حول نفسِها، ومن دورتِها حول الشَّمس، وكلّ هذه الدَّورات بِسُرْعاتٍ ثابتة لا تزيد ولا تنقص ! الأمر الثاني أنت عندك نهار وليل، فالأرض تدور ولو أنَّها واقفة لما كان هناك ليل ونهار، ولكان هناك نهار وليل سَرْمدي، فالنَّهار السَّرْمدي ثلاثمائة وخمسين درجة فوق الصِّفر ؛ حينها يموت كلّ شيء، الليل السرْمدي ومائتان وسبعون درجة تحت الصِّفْر، ولانْتَهَت الحياة حينها أما بِدَورَتِها ينشأ الليل والنهار. لو أنّ الأرض محورُها عمودي ؛ لكان هناك ليل ونهار ولكن فُصول ثابِتَة ! الصَّيْف أبدي والشِّتاء أبدي والرَّبيع أبدي، ولكن بِمَيْل المِحْوَر صار هناك صيف مُتَبَدِّل، وشتاء مُتَبَدِّل، وربيع مُتَبَدِّل، وخريف مُتَبَدِّل، وبِحَرَكَتِها حول نفْسِها نشأ الليل والنَّهار، فلو كان محورها متوازي مع مِحْوَر دورانِها لالْتَغى الليل والنَّهار ! فالميل دقيق جدًا في الأرض، فالله تعالى ذكَرَ الليل والنهار، وذَكر الشَّمس والقمر بِآيات كثيرة جدًا، وقال تعالى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)﴾ [ سورة يس ] فالأرض شَكَّلَت حلزون في حركتها حول الشَّمس. فالله عز وجل يأمرنا قائِلاً: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18)﴾ [ سورة الغاشية ] أشِعَّةُ الشمْس في الصَّيْف لا تدْخل الغرف وفي الشِّتاء تَصِل إلى أقْصى مكان في الغرفة، ما معنى ذلك ؟ أنَّ الشَّمْس في الصَّيْف عمودِيَّة وفي الشِّتاء مائلة، فما هو الصَّيْف ؟ أن تكون أشِعَّةُ الشمْس عمودِيَّة على سطْح الأرض، فالأرض مِحْوَرُها مائِل. طيِّب مَن جعل هذه الدَّوْرَة أثنى عشرة ساعة ؟ ليلاً ونهارًا ! تَصَوَّر لو كان الأمر ساعة ليل وساعة نهار، أو سنة ليل وسنة نهار، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ(71)﴾ [ سورة القصص ] هذه آيَةٌ قُرْآنِيَّة، ونحن عندنا اخْتِلاف الليل والنهار، وعندنا اخْتِلاف طول اللَّيل والنَّهار ففي الصَّيْف تجد المغرب على الساعة الثامِنَة، وبالشِّتاء الرابعة وستُّ وثلاثون دقيقة، فاختِلاف الليل والنهار آية من آيات الله تعالى. الإنسان إذا فكَّر في هذا الكون المُحْكَم، وصُنْعَ الله الذي أتْقَنَ كلّ شيء عرف الله، والتَّفَكُّر أعلى عِبادة، وقَضِيَّة الكوْن قَضِيَّة كبيرة جدًا في حل أن تسْتوْعِب حركة الأرض حول نفْسِها، والله عز وجل قال: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [ سورة الشعراء ] ومرَّةً قال: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(17)﴾ [سورة الرحمن ] وذكر مرَّةً: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40)﴾ [ سورة المعارج ] فمرَّة بالإفراد والأخرى بالتَّثْنِيَة وتلك بالجمْع ! فما هذا ؟ فَرَبُّ المشرِق يعني ربُّ المشرِق إجْمالاً، أما ربُّ المَشرقين فهي النِّهاية العُظْمى في الشِّتاء، والعُظْمى في الصَّيْف، وفي الحقيقة كلّ يوم هناك مشرق ومغرب جديد ؛ ربُّ المشارق والمغارب فهذا كلام خالق الكون وليس كلام إنسان، وعِلْمُ الفلَك عِلْمٌ كبير جدًا، فالأرض تسير حول الشَّمْس بِمَسار إهْليلجي تسْتغرق حركتها حول الشَّمْس ثلاثمائة وخمس وسِتون يومًا وربْع ! وفي أثناء سَيْرِها تمُرُّ بالبُروج، وفي كل شهر تمرّ بِبُرْجٍ، ولذلك نُجوم السماء تختلف من شهر إلى شهر، فهناك نُجوم ثابتة مع الأرض وتدور معها، ومُتَحَرِّكَة تبْدو ثابتة، فالله تعالى قال: والسماء ذات البروج واليوم...مشهود " أبراج السماء بحْث قائِم بِذاتِه ؛ ضَرْب التَّبابِنَة، ففي أيام غِياب القمر الشديدة نام على السَّطْح يجد مثل الغبار في السماء ؛ وهذا هو ضَرْب التَّبابِنَة وهي مجَرَّتُنا، وهي تبْدو على شَكل عضَلة، والمجموعة الشَّمسيَّة بِأكْملها نقطة في هذه العضلة ! هذه نراها بالصَّيف أيام غياب القمر، كأنَّ سحابة مُمْتَدَّة، وهي مجَرَّة مُتَوَسِّطة جدًا، وأقرب نجْم فيها مُلْتَهِب بُعْدُهُ عنَّا أربعة سنوات ضَوْئِيَّة، ولو كانت هناك سيَّارة وطريق مُعَبَّد لاحْتَجْنا أنْ نصِلَ إليه خمسين مليون سنة، وهو أقرب نجْم مُلْتَهِب على الإطلاق، قال تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم..عظيم " والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 12 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| امثال من القران الكريم | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 36 | 08-21-2018 07:54 AM |
| الفواكه المذكورة في القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 3 | 11-16-2017 07:22 PM |
| اشهر قراء القران الكريم | السعيد | رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي | 2 | 11-13-2017 11:19 AM |
| مد التاءات وقبضها في القران الكريم | عاشقة الأنس | رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس | 6 | 10-31-2015 01:34 PM |
| قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم | سجى | ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين | 1 | 09-17-2014 11:17 AM |