تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 55 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-16-2018, 01:26 PM   #541


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الثالث



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية الخامسة والعشرون من سورة الإنسان وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
الله جلّ جلاله يأمرنا أن نذكره بُكْرَةً وأصيلاً، وصباحاً ومساءً، أي ذِكْراً كثيراً، وفي آيةٍ أخْرى يقول الله عز وجل:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)﴾
[سورة الأحزاب]
وقد ورد في الأثر القُدْسي: ابن آدم إنّك إن ذَكَرْتني شَكَرْتني، وإذا ما نسيتَني كَفَرْتني، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[سورة آل عمران]
قالوا: حقَّ تُقاتِه أن تَذْكره فلا تنْساه، وأن تُطيعهُ فلا تعْصِيَه، وأن تشْكُرَهُ فلا تكْفره، وقد قال عليه الصلاة والسلام: برءَ من النِّفاق من أكثر من ذِكْر الله.." وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم:
(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ * ))
[ رواه الترمذي ]
وما والاه ؛ أيُّ شيء يُقَرِّبُك من الله، فإذا جَلَسْتَ في مَجْلس عِلْم وتَعَلَّمْتَ تفْسير آية فهذا المَجْلس من ذِكْر الله، وإذا قرأْتَ كِتاب فِقْهٍ لِتَعْرِفَ أحْكام الشَّرْع والحلال والحرام فهذا من ذِكْر الله، وإذا تَلَوْتَ القرآن تِلاوَة تَعَبُّد فهو من ذِكْر الله، وإذا فَكَّرْت في السماوات والأرض التي بثَّها في الكون فهذا من ذِكْر الله، وإذا دَخَلْتَ إلى المسْجد لِتُصَلي، قال تعالى
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾
[سورة طه]
فهذا من ذِكْر الله، والقلب لا يطْمئِنُّ إلا لِذِكْر الله تعالى، ولا يسْعَدُ إلا لِذِكْر الله، وما من شيء في الدنيا يمْلأ هذه الثَّغْرة، فقد تكون غَنِيًّا إلا أنَّك تجد شيئاً فارِغاً تبْحَثُ عن سَدِّه، وقد تكون قَوِيًّا وصحيحاً وقد تمْلك الدنيا بِما فيها، وما لم تذْكر الله فالقلب يصْدأ، وقد قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ القلوب لتصْدأ كما يصْدأ الحديد..." وحينما قال الله عز وجل ألا بِذِكْر الله تَطمَئِنُّ القلوب، فلو قال تطْمئِنُّ القلوب بِذِكْر الله لَكان معنى الآية أنَّها تطْمَئِنُّ بِذِكْر الله وبِغَيْر ذِكْر الله، أما حينما جاءَت بهذه الصِّيغة المُقَدَّمة، فالمَعْمول إذا قُدِّم على العامل في اللُّغة أفاد الحصْر فلو أنَّ الله تعالى قال: مفاتيح الغيْب عنده، فهذا يمكن أن يكون عند غيره أما حينما قال:
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(59)﴾
[سورة الأنعام]
صار هناك حصْر فالتَّقْديم والتأخير يُفيد الحصْر، فلما قال الله عز وجل:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد]
فالقلوب إذاً لا تطْمَئِنّ ولا تسْكن النُّفوس الأفئِدَة لا ترْتاح إلا بِذِكْر الله قال عليه الصلاة والسلام: وما جلس قوم مجْلساً..." لذلك احْرِص على أن تُكْثِرَ من ذِكْر الله، ولأمْر لا ينْصَبُّ على ذِكْر الله وحْدهُ، لأنَّ المنافق يذْكر الله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا(142)﴾
[سورة النساء]
المؤمن يذْكر الله تعالى ذِكْراً كثيراً، قال تعالى:
﴿ وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)﴾
[سورة المزمل]
ففي بعض الآثار أنَّه يجب أن تذكر الله تعالى حتى يُقال عنك مَجْنون وأنت أعْقَلُ العُقَلاء، والإنسان إذا ذَكَر الله تعالى ألْقى في قلبه طمأنينةً لو وُزِّعَت على أهْل بلدٍ لَكَفَتْهُم، إذا ذَكَرَ الله عز وجل ألْقى في قلبه سكينةً، وراحَةً، وسعادَةً، لأنَّ إن ذَكَرْتَهُ ذَكَرَك، وما ذَكَرني عبدي في نفْسه إلا ذَكَرْته في نفْسي، وما ذَكَرني في ملأ إلا ذَكَرْته في ملأ خير منه، وكلُّ إنسان يتَحَدَّث عن نفسه، ويقول: أنا يمْقُتُه الناس فإذا تَحَدَّثْت عن الله عز وجل أحَبَّك الناس، فَمَعْقِدُ الآمال، ومَحَطُّ الرِّحال، ومُنْتهى الغايات، هو الله تعالى، هناك أشْخاص عندهم عُقَد نفْسِيَّة في التَّحَدُّث عن أنْفسِهم وعن أعْمالهم، فهؤلاء يعبدون ذواتهم من دون الله، وهؤلاء يمْقتهم الخَلْق، أما إن أَرَدْتَ أن يُعَظِّمَك الخلْق بَيِّن عَظَمَة الله، سيِّدنا نور الدِّين الشَّهيد لما ردَّ التتار هولاكو ترْمونلاند أمر أن توضَع خمسين ألف رأس على شَكْل هرَم، وهو المعْروف بِبُرْج الروس ؛ خمْسين ألف رأس وُضِعَت على شَكْل هَرَم، ثمَّ نظر وقال: سامِحونا فإنَّا سَبب دُخولكم الجنَّة ‍! مَن الذي وَقَف في وَجهه ؟ الظاهِر بيبَرْس وقُطز ونور الدِّين الشَّهيد، وفي بعض المعارك سَجَد نور الدِّين الشَّهيد وقال: يا ربّ من هو الكلب نور الدِّين حتى تنْصره ! فالمؤمن يُعَتِّب على نفْسِه، وقد جاء رسولٌ من بعض الغزوات إلى سيِّدنا عمر فقال له عمر: طمْئِنِّي ؟ فقال: مات خلْقٌ كثير فذَكَر له منهم فلما قال له عمر: تابِع، قال له الرسول: إنَّك لا تعْرفهم، فبَكَى عمر بكاءً شديداً وقال: وما ضَرَّهم أنِّي لا أعْرفهم إذا كان الله يعْرِفُهم.
فيا أيها الإخوة، الذِّكْر جزْء كبير من الدِّين، وغِذاء القلب، والعِلْم غذاء العَقْل، والطَّعام والشَّراب غِذاء الجِسْم، فكما أنَّك بِحاجَة يوْمِيَّة إلى كأس ماء يوْمِيًّا عليك أن تذكر الله يَوْمِيًّا، ولما يُغَذِّي الإنسان جانِباً على آخر يُصبح له شَكْل كاريكاتوري ! لذلك كما قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِماً أَوْ كَفُوراً (24)﴾
[سورة الإنسان]
من أجل أن تصْبر اُذْكر اسم ربِّك، ومن أجل أن تطْمئِنّ وتسْعد وترْتاح اُذْكر اسم ربِّك، من صلى الفجْر في جماعة فهو في ذِمَّة الله حتى يُمسي ومن صلى العِشاء في جماعة فهو في ذِمَّة الله حتى يُصبِح قال تعالى:
﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
يُشير لهم احْتِقاراً، أموات غير أحْياء ينامون ويسْتيقِظون، ويحْلمون بالأموال والتِّجارات والأرْباح ؛ ساحته النَّفْسِيَّة كُلّها دنيا.
قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾
[سورة الإنسان]
أحْياناً يُهَرِّب الواحد حشيش ويُعْطونه مائة ألف ! إلا أنَّه لما يحكمونه في السِّجْن ثلاثين سنة ينْسى حليب أمِّه، وإذا كان في التِّجارة إعْدام، فالذي يعيش على أنْقاض الآخرين وعلى أموال الآخرين، وعلى اغتصاب الأموال، المحاكم الآن كُلُّها دعاوى كَيْدِيَّة، دون مُبَرِّر، فلا تفْرح بالمال الحرام، ولا تفرح أنَّك طلَّقْتها ولا أحد معها، ولا تفْرح أنَّك أخْرجت شريكك من المَحَلّ فالذَّكاء لا يكون إلا بِطاعة الله.
ذكر لي أحد الإخوة، أنَّهُ كان ماشِياً بِسُرْعة في الطريق، وكانوا قد وضَعوا رادار جديد، فقالوا له: كنت مُسْرِعاً، فقال: لا، أنا لم أكن مُسرِعاً، فأعْطَوْهُ الصورة، فما عليه إلا أن يدْفع، فالعبرة أن تعمل عملاً لا تندم عليه، والله تعالى يُحاسب حِسلباً دقيقاً، قال تعالى:
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)﴾
[سورة الحجر]
غفور رحيم إذا رَجَعْتُ وتُبْت ونَدِمْت، أما الإصْرار على الخطأ فقد قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)﴾
[سورة الحجر]
قال تعالى:
﴿ قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[سورة الزمر]
فلا تأخذ شطْر الآية دون أن تكمِلَها، لأنَّ إن فَعَلْتَ هذا كأنَّ تقول: ويْلٌ للمُصَلِّين !
إذاً قال تعالى
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]
فالإنسان يمْشي ويقف، فكيف يكون هذا ؟ لأنَّه يوجد هَيْكل عظْمي، عُنق الفخِذ يحْمل وزْن مائتان وخمْسون كيلو، وأمْتن نقطة بالعظْم عنق الفخِذ مِن أين جاءَت هذه المتانة ؟! فالإنسان أصْله ماء ونطْفة وبويْضة، ولو ظاهرةً بالفيزياء اسمها التَّرسُّب لما كان هناك عظْم، فأنت تأكل الجبن وهو فيه الكِلْس، وتأكل الحليب، فهذا الكِلْس يترسَّب على شَكْل عِظام مَتينة جداً، بل إنَّ الأسنان أقْسى عنصر بالكَوْن بعد الأَلْماس، قال تعالى:
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]
ذكر لي طبيب جراح عِظام لما نَفُكّ مُشاشة عظْم عُنق الفخِذ من مَحَلِّها يساعدني أربعة أشْخاص ولا أقْدِر، وقرأْتُ في بحْثٍ أنّ هذا العظْم داخل إلى شِبْه كُرَة، وهناك تفْريغ من الهواء، لا يسْتطيع أن يفكوها عن بعْضِها، نحن خلقناهم وشَدَدْنا أسْرهم، فالإنسان مَشْدود وهذا يُلاحظ من حَمْل الابن، فلو كانت الأرْبِطَة ضعيفة لكان وزْن الابن يُمَزِّق الأرْبِطَة وتتقَطَّع أيديه، قال تعالى:
﴿ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28)﴾
[سورة الإنسان]






والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:29 PM   #542


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة الانسان (76 )



الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والعشرون والتي بعدها إلى نِهاية السورة من سورة الإنسان، وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
أوَّلاً كلمة تذْكرة تعْني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، والقرآن يُذَكِّرك بشيءٍ مُنْطَبِعٍ فيك، كما لو زُرْت بلْدَة ثمَّ أريك صورة هذه البلدة، نقول لك: أتعرف هذه البلدة ؟ لولا أنَّك زُرْت هذه البلدة وانْطَبَعَت معالِمُها في ذِهْنِك ثمَّ أرَيْناك الصورة لما من معنى أن نقول لك: إنَّ هذه تَذْكِرة، فالتَّذْكرة لِشَيْءٍ رَأيْتهُ سابِقاً، فالنَّفْس البَشَرِيَّة مَفْطورة على ذِكْر الله، وفي أصْل فِطْرتها مؤمنة بالله، والخَلْق جميعاً في ساعات الشِدَّة يعودون إلى فِطْرَتِهم وحتى المُلْحِد إذا رَكِبَ سفينةً أو طائِرَةً واضْطَرَبَت وكادَتْ أن تقع أو تغْرق يقول: يا ألله ! إلا أنَّ الشَّهوات تطْمِسُ هذه الفِطْرة وتُبْعِدُها عن صفائِها، فَكُلُّ إنسانٍ مؤمن بالفِطْرة، لذلك جاء هذا القرآن الكريم لِيُذَكِّرنا بأصْل فِطْرتنا، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾
[سورة الإنسان]
كلمة تذْكرة تعني أنَّك مؤمن بالفِطْرة، فالهُموم والشَّهوات والنوازِع والرَّغبات طَمَسَتْ هذه الفِطْرة.
المعنى الثاني: إنَّ هذه تَذْكرة، وأنت مُخَيَّر، والدليل قوله تعالى بعدها:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
الله جلَّ وعلا أعْظم وأجلّ من أن يقول كلاماً لا معنى له، لو أنَّنا مُجْبرون، ومُسَيَّرون ولَسْنا مُخَيَّرين لما كان هناك معنى لقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
فلو كنت راكباً سيارة والمِقْوَد بِيَدِك، لا يَصِحُّ عقْلا أن تقول لِواحِدٍ وراءك، لُفَّ على اليمين ‍! فلو أنّ الإنسان مُكْره ومُسَيَّر وليس مُخَيَّراً فالآية لا معنى لها، يقول لك الله عز وجل:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
المعنى الثالث: أنَّ الله جلَّ جلاله جعل إليه ألف سبيل وسبيل لِرَحْمته بِنا فأنت قد تكون حاجتك عند قَوِيّ أو عند مَلِك ولكن لا سبيل ولا طريق إليه، ولا تسْتطيع أن تُقابله، ولا تسْتطيع أن تُرْسِل إليه رسالة، فهذا الإنسان القوِيّ والمَلِك لا سبيل إليه، لَكِنَّ مَلِكَ المُلوك لك إليه ألف سبيل وسبيل، فالعَمل الصالح سبيل، وتِلاوة القرآن سبيل، والإخلاص والوَرَع سبيل، إنْفاق المال سبيل، وترْبِيَة الأوْلاد سبيل، أن تكون زوْجاً كامِلاً سبيل، وأن تُطْعِمَ الفقراء سبيل، فالطرائِق إلى الخالق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فلو أنَّ واحِداً عَمَّرَ مسْجِداً، والثاني خطَبَ، والثالث دَرَّس، والرابع أطْعم الفقراء، والخامس أوْقَفَ أرْضاً لأبْناء السبيل والسادس رعى الأيْتام، والسابِع ألَّف كِتاب، فأيُّ عَمَلٍ يُقَرِّب إلى الله عز وجل فهو سبيل إليه، قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35)﴾
[سورة المائدة]
فأنت لك إلى الله ألف سبيل وسبيل، غَضُّ البصر سبيل، وأن تصوم يوماً تقرُّباً إلى الله سبيل، وأن تقرأ الله وأن تدْعُوَهُ وتسْتغفره وتتوب إليه، أن تُطْعِم حيوان، قال تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾
[سورة الإنسان]
إلا أنَّه كما قال تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
والمعنى هنا دقيق جداً، لو قلْتُ للطلاب مثَلاً من شاء منكم أن ينْتَسِب لِكُلِيَّة الطِب فلْيُقَدِّم طلباً، وأنا أعلم أنَّ هذه الكليَّة لها علامات خاصَّة فَكُلُّ طلبٍ علامته دون المائتان مرْفوض ! مشيئَةُ الله تعالى مشيئةُ فحْصٍ واخْتِبار، ومشيئة اخْتِيار، إلا أنّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار فلو قال أحدهم: اللهمّ ارْزقني الجنَّة وما اسْتقام فهو كذَّاب، تطْلب الجنَّة ولا تعْمل عمل أهْل الجنَّة، تخْشى النار وأنت لا تتَّقيها، وتتحدَّث عن مَحَبَّة الله وأنت تعْصيه، فمشيئة الإنسان هنا مشيئة اخْتِيار لكِنَّ مشيئة الله هنا مشيئة فحْصٍ واخْتِبار، قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
مشيئة الله تفْحص مشيئتكم فإن كنتم صادقين ومُخلصين ودَفَعْتُم الثَّمَن يشاء الله لكم ما تشاءون، ودليل هذا قوله تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾
[سورة الإنسان]
أي عليماً بِنَواياكم وصِدْقكم وإخْلاصِكم واسْتِقامتكم وورَعِكم وتوحيدكم.
قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
رحْمة الله مبْذولة لِكُلِّ الخلْق إلا الظالمين، قال تعالى:
﴿ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
فأشَدُّ أنواع الظُّلْم أن تظْلِم نفْسَك، قال تعالى:
﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31)﴾
[سورة الإنسان]
أي أنَّ كُلّ إنسانٍ لم يتلبَّس بِظُلْمٍ هو في رحْمة الله، والدليل قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾
[سورة الأنعام]
لذلك قال بعض العلماء الأجِلاء: الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالِصاً أو صواباً، فخالِصاً ما ابْتُغِيَ به وجْه الله، وصواباً ما وافق السنَّة، فأيّ عملٍ لم يُوافق السنَّة لا يقبله الله، وأيّ عملٍ لم يكن مُخْلِصاً لا يقبله الله، ويجب أن تعبد الله وِفْقَ ما شَرَّع، فالبارحة جاءني سؤال على الهاتِف وهو أنّ امْرأة حجَّتْ حجَّة الفرْض إلا أنَّها مُتَشَوِّقة للدِّيار المُقَدَّسة جداً، سَتَعْقِدُ عقْداً صورياً لِيَكون مَحْرماً لها ! سبحان الله ! الله عز وجل لا يُعْبد إلا وِفْق ما شَرَّع ولا يُعْبد إلا هو، فهذا تحايل وتجاوز للحدود الإلهيَّة، فَكُلُّ من لم يظلم نفْسَهُ أو لم يظلم غيره مُؤَهَّلٌ لِرَحْمة الله قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:39 PM   #543


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المرسلات (77 )



الدرس الاول



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة المرسلات:﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
[ سورة المرسلات ]
كلّ نشاطات الإنسان في الدنيا لا معنى لها إن لم تكن مُحْسِنَة لأنَّ علاقة الدنيا بالآخرة علاقة العمل الصالح، قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾
[سورة المؤمنون]
وقال تعالى:
﴿ يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾
[سورة الفجر]
فأنت في هذه الدنيا أُرْسِلْت إليها من أجل أن تعمل عملاً صالحاً يكون سَبَباً لِدُخول جَنَّةٍ عرْضُها السماوات والأرْض، مَخْلوقٌ للجَنَّة وثَمَنها في الدنيا وثمنها العمل الصالح، لذلك هذه الجنَّة كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سوة المرسلات)
الإحْسان كلمة مطلقة، يمكن أن تُحْسن إلى كُلِّ من حولك، والإحسان إتْقان العمل والنصح له، والرحْمة بالخلْق، وأن تكون زوْجاً مِثالِياً وأن تكون أباً كامِلاً، وتاجِراً أميناً، وأن زارِعاً مُسْتقيماً، ولا يوجد إنسان وأنتم سْامعون كلكم إلا وهو بِمَصْلحته ومِهْنته، وممكن أن يُحْسن وممكن أن يُسيء ويمكن أن يغُشّ، ويمكن للصَّيْدلي أن يمْسح نِهاية الصلاحِيَّة ويبيع الدواء، ويأخذ ثمنه، أما الدواء فقد انتهى مَفْعوله، وممكن مُحامي أن يوهِم المُوَكِّل أنَّ الدَّعْوى رابِحَة، وهو يعْلم عِلْم يقين أنَّها ليْسَت كذلك ويمكن لطبيب أن يقْنع المريض بِعَمَلِيَّة جِراحِيَّة لا جدْوى منها، وكذا المُدَرِّس يرْفع مستوى لأسْئِلة من أجْل دُروس خاصَّة، فالإحْسان والإساءة أبواب مفْتوحة، قال تعالى:
﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)﴾
[سورة القيامة]
ممكن للكهربائي أن يصنع وصْلاتٍ غير جيِّدة ممكن أن تحرِقَ البيت وهذا من أجل أن يُوَفِّر ألف ليرة ! وممكن لأيِّ ميكانيكي أن يُسيء وكذا الفلاح يضع هُرمونات فيأتي الإنتاج كبير، ومنظره جميل وثمنه غالي، وهذه الهرمونات تهْريب ممنوع أن يأتي بها للبلاد، وكلُّ هذا من أجل أن يكون إنتاجه غالي، فالإحْسان الاسْتِقامة والصِّدق والأمانة وعدم الغِشّ، وأن تكون زوْجاً مُحْسِناً وأباً مُحْسِناً، وكُلُّ واحِدٍ منَّا يعرف أن يُحْسِن بالفِطْرة والدليل قوله تعالى وَنَفْسٍ ﴿ وَمَا سَوَّاهَا(7)﴾
[سورة الشمس]
أنت معك مُفْتي صغير وفِطْرة عالِيَة، وكلّ واحِد يغْلط أو يوهِم الناس أو يكْذب يحُسُّ بالانْقِباض وما من واحِدٍ إلا ويعْلم نفْسهُ عِلْمَ اليقين، وماذا يفْعَل لذلك الجنَّة كما قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
بالمناسبة قال تعالى:
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾
[سورة القصص]
أنت أَحْسِن واصدُق ولا تغُشّ ولا تكْذِب وكُن صادِقاً فالله تعالى هو الرزاق ذكر لي أخٌ عندي قطعة لسَيارة ثمنها عشرين ألف، ولي ثمان سنوات وأنا أُرَحِّها من جَرْدٍ آخر، فجاء زبون، ولما طلبها كاد أن يخْتَلّ توازني طلب منِّي أن أُنزِلها وقال لي: هل هي أصْلِيَّة ؟ فقال له: لا ليْسَت أصْلِيَّة ! كُلُّ إنسان يظنّ أنّه يكْسب بالمَعْصِيَة فهو أحْمَق، بالمعْصِيَة لا كَسْب فيها تُجَمِّع النقود بالمئات حراماً، وتدفعهم بالملايين ! ذَكَر لي أخٌ أنَّ مَحَلَّه احْتَرق وقال لي لو خَبَّرني واحدٌ من الناس لأعْطَيْتُه سبعة ملايين ! وهذا في سنة الأربعة والسَّبعين، كُلُّ صَندوق فيه ثمان مئة ألف كُلّها صارَت فَحْماً ! ماذا قال لي بعدها ؟ ثلاثون سنة وأنا تاجر فَلَعَلَّ الله تعالى جَمَّعهم لي في هذه اللَّحْظَة، وذكر صديق لي فقال لي: بِعْتُ فلاناً من الناس سيارة وفيها عَيْب ضَخْم في المُحَرِّك ! ظَنَّ أنَّهُ ذكِيّ، بعدها ذهب لِطرْطوس واشْترى سيارة حديثة، بعد خمْسة أيام أُصيب بِحادِث سيارة ولم يبْق من سيارته شيء ‍‍! فجاءَني يرْجف فقلتُ له: ألم تقل لي: بِعْتها أحداً بِعَيْبِها !! الله تعالى كبير، مع الله لا يوجد ذكاء، فلا تغُشّ ولا تحْتال ولا تقل هذه لا أحد لها ولن أُعْطيها المتأخَّر.
سَمِعْتُ قِصَّةً ؛ إمام جامِع الورْد قبل خمسين أو ستِّين سنة رأى بالمنام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وقال له: يا فلان بَشِّر رفيقك فلان أنَّه رفيقي في الجَنَّة، وكان جارُهُ سَمَّان، وهو إمام، فتألَّم من البِشارة ! دَقَّ على جارِه وقال له: لي معي بِشارة لك، ومُهِمَّة جداً، إلا أنَّني لن أقولها لك حتَّى تقول لي ما فَعَلْتَ مع ربِّك حتى جاءَتْكَ هذه البِشارة التي هي من رسول الله، حينها حكى ؛ فقال له: والله تَزَوَّجْتُ واحِدَةً صالِحة ومن عائِلَة مَسْتورة، وبعد خمْسة أشْهر وَلَدَتْ ! فلم أحبّ أن أفْضَحها، وسَتَرْتُها وكان بإمكاني أن أُطَلِّقها، فقلتُ: لَعَلَّها غلْطة لن تُعاد، فجاء بقابِلَة وولَّدها وحَمَل هذا الصغير إلى الجامع بعد صلاة الفجْر بعدما نوى الإمام الصلاة وبعد الصلاة سَمِعوا بكاء الطِّفْل فالْتَفَّ المُصَلون، فتساءل عن الخبر وكأنَّه لا يعرف شيئاً، فلما قالوا: طِفْلٌ يبكي، قام هو وقال: أنا ليس لي ولد لعلِّي أكْفُلُه فأخَذَهُ على أساس أنَّهُ لقيط ورَدَّهُ لأمِّه !! وقال لها: ربِّيه فهو هذا الشَّخْص كان قادِراً على أن يفْضح إلا أنَّه اتَّقى الله، فالإنسان دون عمل فقير، الغِنى والفقْر بعد العرْض على الله، وسيِّدنا موسى لما تولى إلى الظلّ قال تعالى عنه:
﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)﴾
[سورة القصص]
فأنت فقير ولو كان معك ألف مليون إن لم يكن لك عمل، قال له يا بِشر: لا صَدَقَة ولا جِهاد فبِمَ تلقى الله عز وجل ؟
وأقول لكم الصراحة غير المخلوق هو الآن يأكل وينجب ويشْتغل، فإذا أنت حالك الأكل والشرب والإنجاب ونزْهات فأنت لا مَيِّزَة لك، أما إن كنت للخير ساعِياً وطلبْت العِلم أو أعَنْت عليه، وساهَمْت بِنَشْر الدِّين اُنظروا إلى الآية:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
هذه الباء هي باء السَّبب، ذكر أحد أصْدقائنا الأطِباء أنَّه جاءتْه امرأة فقيرة وأحسَّ هو بذلك وشعر منها بالخوف في الدَّفْع فلم يأخذ منها، فقال لي: ولله تعالى ما شَعَرْت بِسَعادة في العمل إلا في هذه الخِدْمة‍ ! فأنت بِإمكانك أن تكون تاجِراً مُحْسِناً، أو طبيباً مُحْسِناً أو مُدرِّساً مُحْسِناً.
وهناك إخوة في قلوبهم الرَّحْمة، فهو لا يسْتطيع أن يرى أخاه يتألَّم، وأحد الإخوة كان عمره تسعة وسِتون سنة، منتصِب القامة وحادّ البصر وسمعه جيِّد وفي كلا خَدَّيْه ورْدة سُئِل ما هذه الصِحَّة ؟ فقال: حَفِظْناها في الصِّغر فَحَفِظَها الله تعالى في الكِبَر، ومن عاشَ تَقِيًّا عاش قَوِيًّا، فأنت لا تدْري بِحَسَنة من يغنيك أو يرْحمك، فالأصل كما قال تعالى:
﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44)﴾
(سورة المرسلات)
كثير من إخواننا ذوي الشركات الضَّخْمة يتحمَّلون الذي يشْتغلون عندهم من أجل عائلته وأولاده ! ولا يوجد من لا يسْتطيع أن يخْدم الناس، أحد الإخوة ذهب لِمُدير الشركة وقال له والدتي لها تعويض ومُقْعدة والمبْلغ قدْر الوكالة فهل تتكَرَّم علينا على البيت، فقال: له في خِدْمتك فهذا الأخ لم يُصَدِّق من شِدَّة الفرح، فلما ذهَب معه، وقال له الأخ: هل أوصِلك ؟ قال له: لا أنا جئت لِوَجْه الله.
فيا أيها الإخوة، نودّ من كم الإحسان، والاسْتقامة الطريق سالك، أما المَشْي على طريق الاسْتِقامة لا بدّ له من عملٍ صالح، والعمل الصالح يرْفعك.



والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:41 PM   #544


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة المرسلات (77 )



الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الأخيرة في سورة المرسلات وهي قوله تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)﴾
[سورة المرسلات]
أوَّلاً كلمة وَيْل معناها الهلاك وبعضهم قال: هي واد في جَهَنَّم، والمعنى الأوْسَع هو الأقرب ؛ الهلاك للمُكَذِّبين، وهذا الوَيْل أي الهلاك لو أدْركه الإنسان وهو حَيّ لاخْتَلَّ توازنه، وما من بيْتٍ إلا ومَلَكُ الموت يقف فيه خمْس مرات فإذا وَجَد أنَّ العبْد قد انْقضى أجلُه وانقطع رزقه ألقى عليه غَمَّ الموت فَغَشِيَتْهُ سكراته فَمِن أهل البيت الضاربة وَجْهها، ومنها الصارخة بِوَيْلها، والمُمَزِّقَة ثوبها فيقول ملك الموت: فيم الجَزَع، ومِمَّ الفزَع، ما أذْهَبْتُ لِوَاحِدٍ منكم رِزْقاً ولا قَرَّبْتُ لكم أجَلاً، وإنَّ لي فيكم عَوْدَة ثمَّ عوْدة ثمَّ عَوْدة حتى لا أبْقي منكم أحداً، فو الذي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِه لو يسْمعون كلامه ويروْن مكانه لّذَهِلوا عن مَيِّتِهم، ولَبَكَوا على أنْفسِهم
أوْضَحُ مثَلٍ في توضيح هذه الآية ؛ إنسان يرْكب مَرْكبة جَيِّدة في طريق هابِط، والهواء عليل، وأطراف الطريق كُلُّها ورود و زُهور، وهو مُسْتمْتِع بهذه الرِّحْلة وهذه الانْطِلاقة إلا أنَّ هذا الطريق شديد الانْحِدار وينتهي بِمُنعَطَف حادّ، وهو في هذه السرْعة العالية والمناظر الجميلة اكْتَشَف فجْأةً أنَّ مِكْبَحَهُ مُعَطَّل ! ماذا سَيَفْعَل ؟! هذا هو الوَيْل، قال عليه الصلاة والسلام (( عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا * ))
[ رواه البخاري ]
لو يعلم الإنسان ما ينتظره من حِساب دقيق، كُلُّ شيء بِمِثْقال قال تعالى
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾
[سورة الزلزلة]
هناك حِرَفٌ كثيرة مَبْنِيَّة على الظُّلْم وإيذاء الناس، وأخْذ أموالهم بالباطل فهذا الذي يفْعل هذا لو يعْلم الحقيقة لَصُعِقَ، ففي مِثالنا صاحب السيارة لو عَلِم في البداية أنَّ المِكْبح مُعَطَّل لما أسْرع، ولذلك البطولة أن تعرف الحقيقة المُرَّة في الوقْت المناسب، إذْ هناك حقيقة مُرَّة وهناك وَهْمٌ مُريح والوَهْم المُريح يقوله العوام، غفر الله لنا ! نحن عبيد إحسان وليس عبيد امتحان ! وأُمَّة محمَّد مَرْحومة ! أما لو تعلم الحقيقة فقد لا تنام، لذلك قالوا قد تقرأ قِصَّة وتنتهي منها وتتثاءب وتنام، وقد تقرأ مقالةً، وتنتهي منها وحينها تبدأ متاعِبُك، والشيء الدقيق أنَّ الحقيقة المُرَّة أفْضل ألْفَ مَرَّة من الوَهْم المُريح، فلذلك كما قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49)﴾
[سورة المرسلات]
التَّكْذيب نوعان: تكذيب قولي اعْتِقادي وتكذيب عَمَلي فالتَّكذيب القولي لا أعتقِد أنَّ في العالم الإسلامي إلا قِلَّة قليلة جداً مِمَّن رَكِبَتْ رؤوسَها تُكَذِّبُ هذا القرآن تكْذيباً قوْلِيًّا، وقد نجد نسبَةً أكثر مِمَّن تُكَذِّب تكْذيباً اعْتِقادِياً أما جَمْهرَةُ المسلمين يُكَذِّبون تكْذيباً عَمَلِيًّا والتَّكْذيب العمَلي أخْطر أنواع التَّكْذيب ! لماذا ؟ لأنَّ الذي يُكَذِّب بِلسانِه تُناقِشُه وتُقْنِعُهُ، أما الذي يُقرُّ بِلِسانه ويعْتَقِدُ أنَّ هذا الدِّين حقّ ولا ترى في سُلوكِه ما ينبئ بِذلك فهذا إنْسان خطير جداً، فلو أنّك زرْتَ طبيباً راقٍ ووصَفَ لك وَصْفة وشَكَرْتهُ شُكْراً عميقاً، وصافَحْتَهُ بِحَرارة، لكِنَّك حينما لا تشْتري الوَصْفة فأنت لا تعبأ بِعِلْمِه، فأنت كَذَّبْتَ علمه بِسَبب عدم اشْتِراء الوَصْفة، فهذا هو أخْطر التكذيب أن تعتقد شيئاً وأن تقول شيئاً وأن تقول خِلاف الشيئيين وهو حال المسلمين، تقول لأحدهم هناك آخرة، فيُجيبُك أنَّ الآخرة حق ! فلِمَ تأكل المال الحرام، ولم نساؤك غير مُنضَبِطات، وكذا بناتك ولك مليون شبْهة ومعصِيَة بِحَياتِك تجد أنَّ آخر كلامه يقول لك: نسأل الله أن يتوب علينا ! فهذا يُكَذِّب تكذيباً عَمَلِيًّا، قال تعالى:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)﴾
[سورة المرسلات]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾
[سورة محمد]
قال تعالى:
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)﴾
[سورة آل عمران]
قال تعالى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾
[سورة النساء]
وقال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35)﴾
[سورة إبراهيم]
وقال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا(27)﴾
[سورة الإنسان]
وقال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20)وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ(21)﴾
[سورة القيامة]
وقال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[سورة إبراهيم]
لو أنَّ واحِداً حُكِمَ عليه بالإعْدام وطلب قطعة لحْم يُطْعِموه، كلّ شيء يريده، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165)﴾
[سورة الأعراف]
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[سورة المرسلات]
لا تفْهم هذه الآية بِشَكْل ضَيِّق، فالرُّكوع هو الخُضوع، إذا دَعَوْته أن يسْتجيب لله لا يسْتجيب، وإلى أن يُطيعه لا يُطيعه، وإلى أن ينتهي عما تعالى عنه نهى لا ينتهي قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[ سورة المرسلات ]
العبرة ليس بما تقول ولكن بما تفْعل، فالركوع هو الخضوع لله عز وجل.
دخلتُ مَرَّة في قَضِيَّة إصْلاح ذات البيْن ؛ فتاة يعْضِلُها أبوها عن الزواج، فأنا دُيعت إلى إقْناع الأب، وجَلَسْتُ عنده من التاسِعَة ليلاً إلى الثانِيَة عشر ليلاً، فقد جاءَها ثلاثون خطيباً، ورَفَضَهم جميعاً، وآخر خطيب ممتاز جداً، وسألوا عنه وتَحَقَّقوا منه، ولا إشْكال، ويقول لها أبوها: إذا تتَزَوَّجي أُطَلِّق أُمّك ! شيء عجيب، آخر كلام قاله لي أبوها: لو يأتي رسول الله ويقول لي: زَوِّجْها لن أُزَوِّجها ! قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48)﴾
[ سورة المرسلات ]
لا يسْتجيب.
قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)﴾
[ سورة المرسلات ]
الكون ينطق بِوُجود الله ووَحْدَانِيَّتِه وكماله، والقرآن كذلك والحوادث وكذا أفعاله تعالى، وخلقه وكلامه ؛ كُلُّ هذا ينطق بالحق، روى من قبلنا أنَّ أحدهم جاء بِطُنّ مِلْح وقال: من أكله أعْطيه جائزة فَخْمَة وأُزَوِّجُه بِنْتي، فَتَراوَد عليه الناس جميعاً وما استطاعوا، فجاءه واحد من الناس وقال له: إذا كانت أمامك كُلّ هذه البيِّنات من الناس وإلى الآن لم تسْتَفِد منها فَبِأيِّ حديث بعده يؤمنون.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:44 PM   #545


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النبأ (78 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النبأ سورة عمَّ يقول الله عز وجل: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)﴾
[ سورة النبأ ]
أي عن ماذا ؟ الميم أساسها اسْتِفهامِيَّة، فإذا اتَّصل حرْف الجرّ بِما الاسْتِفهامِيَّة حُذِفَت ألفها، تقول: عمَّ وفيمَ ولِمَ، وإلامَ، وهذا للتَّفْريق بينها وبين ما المَصْدَرِيّة، أسْأل طالباً تَفَوَّق في النَّجاح قائِلاً: بِمَ نِلْتَ هذا المجموع ؟ يقول لك بِما بَذَلْتُ من جُهْدٍ، فالأولى اسْتِفهامِيَّة والثانِيَة مَصْدَرِيَّة، وهنا عَمَّ، ويمكن لِكُلِّ واحِدٍ منَّل بِحياته له آلاف الأنباء، فهو يأكل يسْمع الأخبار أنَّ طائرة سَقَطَت فيها أربع مائة وخمسين راكِباً ولم ينجو منهم أحد! وأنت تأكل سلَطَة وشاي ومُرْتاح فهذا نبأ لا علاقة لك فيه، أما لو كان أحد رُكاب الطائرة وبَلَّغوه أنَّها على وَشَك السُّقوط، ذكر لي أحد إخواننا وكان مُظيفاً بالطائرة أنَّهم أحد المرات دخلوا في سحابة مُكَهْرَبَة، مما أدى إلى انقطاع رأس الطائرة فقال لي: والله لو رأيْت حال الركاب لما صَدَّقْت ؛ أحدهم يبكي والآخر يندب شعْره، وذاك مُنْبطِح، شيء عجيب ! فما استطَعنا أن نُهَدِّأهم إلا واحِداً وجَدْناه ساكِتاً فقلنا لعلَّه يمكن أن يُسْكِتَهم بحُكم أنَّه مُسافر مثلهم فلما ذهبنا إليه وجَدْناه مُغْمىً عليه !! فيخْتلف الحال بين أن تسْمع نبأ طائرة وأنت تأكل مع أهْلك، وبين أن تكون أحد رُكاب الطائرة، هناك أنباء خطيرة، وأذْكر مَرَّةً أنَّنا كُنَّا مَدْعُوِّين لِطعام غذاء في بسْتان بالغوطة والداعي أخ من إخواننا، والبستان لِعَمِّه، ونحن جالسين جاء عَمُّه وكنَّا ثلاثين واحد، فما سَلَّم علينا ‍‍! فَسَألْتُه عن هذا، فقال ك دَعْهُ يا أستاذ فلقد جاء من غسيل الكِلْيَة ! وهو الآن مُهْتَمّ بحاله ولا يرى أحداً، إذاً هناك نبأ عظيم أيها الإخوة، هذا النبأ أوَّلُه عند الموت حينما يوقِن الإنسان بالمُغادرة، ويُصبح بِحالة أخْرى، فَكَيْف يوم الحِساب بِكُلِّ نظْرة، وبِكُلِّ حِساب وقِرْش وموْقف، هذا هو النبأ العظيم قال تعالى:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
كلا سَيَعلمون الأولى على فِراش الموت، وكلا سَيَعْلمون الثانِيَة هي يوم القِيامة أنَّهم كانوا عُصاةً أغْبِياء، والعاصي أيها الإخوة غَبِيّ والتقيّ هو العاقِل لأنَّ الحِساب دقيق، قال تعالى
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾
[ سورة الحجر ]
﴿ إنَّ لِكُلِّ سيِّئة عِقاباً، ولِكُلِّ حَسَنَة ثواباً، قال تعالى:فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾
[ سورة الزلزلة ]
قال تعالى:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
نحن مختلفون فيما بيننا، في الكلام والحِساب ودِقَّتِه، وبين موقِن أنَّ القَضِيّة سَهْلة جداً، وإنسان مؤمن بالشفاعة الآخر غير مؤمن بها، وذاك يقول لا تُدَقِّقوا علينا، ذاك يُسَهِّل.
فقوله تعالى
﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)﴾
[ سورة النبأ ]
هذا تهْديد، وبالتعبير العامي: غداً ترى ! وغداً سَتَعْلم !
الآن عندنا علاقة، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19)﴾
[ سورة النبأ ]
ما يعني هذا الكلام ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
أي الذي خلق الأرض مِهاداً سَيُحاسِبُكم، والذي خلق الجبال أوتاداً سَيُحاسِبُكم والذي خلقكم أزواجاً من ذكر وأنثى سَيُحاسِبُكم، والذي جعل نومكم سباتاً سَيُحاسِبُكم، والذي جعل النهار معاشاً سَيُحاسِبُكم والذي بنى فوقكم سبْعاً شِداداً سَيُحاسِبُكم، والذي جعل الشمْس والقمر سِراجاً وهاجاً سَيُحاسِبُكم والذي أنزل الأمطار وأحيى الأرض بعد موتِها سَيُحاسِبُكم، والذي أخْرج الحبّ والنبات سَيُحاسِبُكم، والذي جعل من هذه الأنهار جناتٍ وألفافاً سَيُحاسِبُكم، كُلُّ هذا في يوم الفصْل، والذي خلق الكون لا يُعْقل أن يخلق الإنسان سُدىً ! بِرَبِّكم، أنتم الآن تعيشون حياة مَدَنِيَّة، هل هناك دوْلة في العالم تنشأ جامعة تُكَلِّفها ألف مليون، ومساحات وأبْنِيَة ومُدَرَّجات وقاعات ومُحاضَرات وأبْنِيَة للطلاب، وحدائِق وملاعب ومطاعِم، ومخابر وأجْهزة تقْنِيَّة، ثمَّ بعد هذا لا توجد امْتِحانات ! هل يُعقل هذا على الإنسان العادي ؟ لا، فكيف بالذي خلق هذا الكون ؟!! فالذي خلق الكون سَيُحاسِبُكم، وهو الذي يعلم السِرَّ وأخْفى ولا تخْفى عليه خافِيَة، قال تعالى:
﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)﴾
[ سورة الحاقة ]
ومهما كنت ذَكِيًّا فالله تعالى ليس معه ذكاء، ولو أقْنَعْتني أنّ هذا المعدن ذهب وكنت طليق اللِّسان وأوْهَمْتني، فَمَن الخسْران ؟ ومن الرابِح ؟ فأنت علاقتك مع الله، وكُلُّ إنسان يُحاوِل أن يوهِم الناس فهو أحْمَق ولو قَنِعوا ما ينفعوك، ولو اتَّهموك لن يُخْسِروك، تجد أحدهم يقول لك: أنا معي فتْوة بِرَبِّكم أي المفتين أعْظم ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكُلُّ علماء الأرض لا يُساوي شيئاً منه عليه الصلاة والسلام، فلو أنَّك اسْتَطَعْت أن تأخذ فتْوى من فَمِ النبي عليه الصلاة والسلام لِصَالِحِك ولم تكن مُحِقَّا لا تنجو من عذاب الله، ولم تسْتَفِد شيئاً، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19)﴾
[ سورة الزمر ]
فما عليك إلا أن تُدَقِّق باثين هذه العلاقة، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19)﴾
[ سورة النبأ ]
الذي خلق هذا الكون سَيُحاسِبُكم قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَاباً (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21)﴾
[ سورة النبأ ]
لا توجد دُول قَوِيَّة تُسَخِّر العالم لِمَصْلَحَتها، يعيش شعْبها في رفاه مُنقَطِع النَّظير والشُّعوب الأخرى تموت من الجوع، فهل يُعْقل أن لا تكون آخرة العالم كُلُّه يئِنُّ من الجوع، وهو وَحْده يعيش حياة تفوق حدَّ الخيال، ثمَّ نموت ولا شيء بعد هذا !! قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ(42)﴾
[ سورة إبراهيم ]
خمس مائة طفل يموتون بالعِراق أليس لهم ربّ ؟ الألف قتيل بين العراق والإيران ماتوا بِلُعْبة أجْنَبِيَّة، أليس لهم ربّ، وهذه الشُّعوب الجائِعَة بإفريقيا والصومال من أجل كيْد أجنبي، أليس هناك إله يُحاسِب ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً (17)﴾
[ سورة النبأ ]
الذَكّي هو المُسْتقيم، والعاصي هو الغَبِيّ لأنَّه سَيَدْفع الثَّمن بعد حين.
قال تعالى:
﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (21) لِلطَّاغِينَ مَآَباً (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) جَزَاءً وِفَاقاً (26)﴾
[ سورة النبأ ]
هناك عَدْل إلهي، وعدله رائِع، وأسْماؤُه كُلُّها مُحَقَّقة في الدنيا إلا اسم العَدْل قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(27)﴾
[ سورة الروم ]
اِعْمَل ما شئْت فَكُلُّ شيء مُسَجَّل سوف ترى أعْمالك كُلَّها في أزْمانها وصُوَرِها، قال تعالى:
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49)﴾
[ سورة الكهف ]
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ * ))
[رواه مسلم ]
فمن وجد خيراً فلْيَحْمد اله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفْسَه.
قال تعالى:
﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلَا شَرَاباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) جَزَاءً وِفَاقاً (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً (27)﴾
[ سورة النبأ ]
السبب أنَّهم كانوا لا يرْجون حِساباً، يقول لك: من مات ورجع وقال لك أنَّه توجد آخرة ؟
قال تعالى:
﴿وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّاباً (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً (33) وَكَأْساً دِهَاقاً (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَاباً (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38)﴾
[ سورة النبأ ]
اِلْحقوا بالركْب، مادام هناك قلب ينْبض، وتمْشي عليك أن تُسارِع.
قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَباً (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً (40)﴾
[ سورة النبأ ]
أيها الإخوة، هذا الكلام كلام ربِّ العالمين، وهو جوابٌ على كُلِّ من شَكَّ بالآخرة، فالذي خلق الكون هو الذي سَيُحاسِب، وأنت إذا آمنْتَ أنَّ الله يعلم وسَيُحاسِب، لا بدّ من أن تسْتقيم على أمْره.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-16-2018, 01:47 PM   #546


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة النازعات (79 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، في سورة النازعات يقول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)﴾
[ سورة النازعات ]
الطامَّة تُلْغي كُلَّ ما سِواها، كيف أنَّ الإنسان بالدنيا له مائة قَضِيَّة ومَشْروع، ومائة مُشْكلة تَحُلُّها، تنشأ مُشْكلة تُنْسيك كُلَّ شيء ! إذاً هناك أشياء تُنْسيك أشياءً أخْرى، وشيءٌ يُنْسي شيئان وآخر يُنْسي مائة شيء، وشيء يُنسي كُلّ شيء، فهذه الطامَّة ينسى فيها الإنسان كُلَّ شيء، لذلك يقول الإنسان لم أرَ خيراً قطّ، عاش مائة سنة أكثر، وكان من الأغْنياء، وأصْحاب الاسْتِضافات، والنزْهات، ومُتَمَتِّع بالنِّساء والشراب والأكل، فإذا وقَفَ هذا الموقف يقول: لم أرَ خيراً قطّ وينسى كُلَّ شيء، فهذا معنى الطامَّة.
بالدنيا الإنسان أحياناً لا يرى شيئاً، فإذا شَعَر بتَقْرير أثناء عِلاجه يتدَهْور، فهذا طبيب قال للمريض بقِيَ لك أربعة أشْهر، وفي اليوم الثاني مات، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)﴾
[ سورة النازعات ]
لذلك أيها الإخوة هناك دُعاء: اللهم إنَّا نعوذ بك من فجْأة نقْمتك، وتحَوُّل عافِيَتِك زجميع سَخَطِك، ولك العُتبى حتى ترْضى، والإنسان بِلَحْظة تُصبح حياته جحيماً، ويفقد كُلَّ شيء، وأحد الشباب ذَهَب للخليج كي يشْتغل ورَغِبَ أن يقْتني سيارة، فاقْتناها، أوَّل رِحْلة من أبو ضبي إلى دُبَيّ انْشَلَّ نصفه السفلي بِحادِث، طبْعاً كُلَّ شيء بِقَضاء وقَدَرٍ من الله، هناك مصائِب تسْحق الإنسان، فنحن لما نطيع الله عز وجل - ديِقول معي - يُنشِأ الله لك عليه حق، قال له يا معاذ ما حقّ العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: أن لا يُعَذِّبَهم، ألا تُحِبُّ أن يكون لك ضَمان من الله وقد اسْتنبط الإمام الشافعي اسْتنباطاً مذْهِلاً في قوله تعالى ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾
[ سورة المائدة ]
فالله تعالى ما قَبِلَ اِدِّعاءهم لأنَّه كاذِب، ولو قَبِلَهُ ما عَذَّبهم، فاسْتنبط الإمام الشافعي أنَّ الله تعالى لا يُعَذِّب أحْبابه، فإذا كنت مُحِبًّا لله ولِخَلْقِه ومُلْتَزِماً بِأمْره وترْجو رحْمته أنْشأ لك حقًّا عليه، وهو أن لا تُعَذَّب، وإنَّني أقول هذه الآية ألف مرَّة وهي قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾
[ سورة الجاثِيَة ]
أن يسْتوي هؤلاء وهؤلاء ؛ هذا يتناقض مع وُجود الله، يسْتحيل على من يخاف الله ويرْجو رحْمته وعذابه ويرْجو رِضاه، ويُخْلِصُ لِخَلْقِه ولا يؤْذيهم ولا يأخذ أموالهم ويطمْئنهم ويهْديهم إلى سبيل الله، فهذا الإنسان له حياة خاصَّة ؛ حياته غير حياتهم وزواجُه غير زواجهم وراحتُه غير راحتهم، وعمله غير عملهم.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35)﴾
[ سورة النازعات ]
أحد الصحفيِّين والقصَّة لها ثلاثون سنة الآن هرب من بلده وذهب إلى بلدٍ آخر، وبدأ يُهاجم نظام بلده، واسْتطاعوا أن يأتوا، ماذا سيفعلون به ؟ هذا هو معنى قوْل الله عز وجل:
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾
[ سورة الغاشية ]
كلُّ المخلوقات بيده الله عز وجل، وعُدَّ للمليار قبل أن تُفَكِّر بإيذاء إنسان وأخذ ماله وبيته أو محَلِّه التِّجاري فالله تعالى أكبر، وحَدَّثني مرَّة أخ وكان طيَّاراً، فقال لي: أثناء التَّدْريب كان في الطائرة خطا فسَقَطَت - طبْعاً قفز من المقْعد دون مِظَلَّة - واحْترقَت، فأقْسَم بالله أنَّه من لحْظة مُغادَرَتي الطائرة إلى لحْظة هُبوطي على الأرض، عُرِضَتْ عليَّ كُلُّ أعمالي ! واسألوا الناس أثناء الخطر لذلك قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
كيف أكل الأموال ؟ وكيف طَلَّق ؟ وكيف خالف الشَّرْع ؟.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
هاتين الآيتين تكفِيان، فالذي جاوز الحدّ كانت له جهنَّم جاهِزة، ومن قال إنِّي أخاف الله فإنَّ الجنَّة هي مأواه، واتِّباع الهوى هوان، واخَجْلتي من عِتاب ربِّي إذا قال لي أسْرَفْتَ يا فلان، إلى متى أنت في المعاصي تسير مُرْخى العِنان عندي لك الصُّلْح وهو بِرِّي وعندك السَّيْف والسِّنان، ترْضى أن تنقضي الليالي وما انقَضَت حرْبك العوان، فاسْتحي من كتابٍ كريم يُحصى به العقل واللِّسان، واستحي من شيبةٍ تراها في النار مَسْجونَةً تُهان، فالطاغي مأواه الجحيم، والتقي مأواه الجنَّة.
ثمَّ قال تعالى
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)﴾
[ سورة النازعات ]
كُلُّ واحِدٍ منَّا له عُمْر، كيف مضى هذا العُمْر ؟ السِّتين كيْف مَضَت ؟ وكذا الخمسين والأربعين ؟ يقول لك: البارحة كنَّا غلمان وفي المدْرسة، فإذا الأربعين مَضَت كَلَمْحِ البصر، فَمِن باب أولى العشرين، دائِماً هناك سؤال قاسي ومُحْرِج ؛ كم بَقِيَ لي ؟
إلى متى أنت باللَّذات مَشْغول وأنت عن كُلِّ ما قَدَّمْتَ مسْؤول
لا يلفت نظري إلا رجل بالأربعين ولا يُصلي، أو يُصلي وهو مُنشَغِل بالشهوات، أو لا يذكر الله ولا يقرأ القرآن، ولا يفعل الخير، كان لنا صديق من إخواننا يعْمل مُهَنْدِس، وكانت هناك أخوه صاحب شركة ضَخْمة، مُقيمٌ بالسّعودِيَّة، ثلاثين سنة ما صلى وما حجَّ، ويوماً ذَهَب لاستنبول، فمات هناك، ترك ثلاثة آلاف مليون ! خاسِر، الإنسان أحْياناً يقع في خطأ كبير حينما ينسى الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(67)﴾
[ سورة التوبة ]
لذلك كما قال تعالى:
﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ(83)﴾
[ سورة الزخرف ]
يوم القيامة يوم مُخيف، وقبلها، مُغادرة الدنيا، وقبل المغادرة المرض الذي يسْبق الموت، لو زُرْتَ شخْصاً في مرَضِه تجد رقيقاً وخاضِعاً وهذا شيء جميل، لكن ليتنا أحْببنا الله قبل المرض ! ليتنا أحْببناه ونحن أقْوياء وأغْنياء.
أيها الإخوة، هاتان تكْفِيان كُلَّ إنسان ؛ قال تعالى:
﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
[ سورة النازعات ]
بالمناسبة، خُذوا منِّي هذه القاعِدة، يسْتحيل أن تخاف من الله، ثمَّ يُخيفك مِمَّن سِواه ! أما إن لم تَخَف منه يُخيفك من أحْقَر إنسان، يأتي شَخْص تافه يجعلك ترْجف، من اتَّقى الله هابهُ كُلُّ شيء، ومن لم يتَّق الله أهابه من كُلِّ شيء، إن أردْت أن تكون أقْوى فتَوَكَّل على الله، وإن أردْت أن تكون أغْنى الناس فَكُن بما في يدي الله أوْثق منك ممل في يَدَيْك، وإن أردْت أن تكون أكْرم الناس فاتَّق الله، وأرْجو الله سبحانه وتعالى أي ينفعنا بهذا القرآن الكريم، وأن يكون ربيع قلوبنا ومنْهج حياتنا.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-17-2018, 07:35 AM   #547


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الاول





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، خروجا عن التسلسل الذي نسير فيه في تفسير سورة الحج،أخ كريم رجاني بإلحاح أن أوضح معاني أوائل سورة عبس وتولى وها أنا ألبي رغبته.
قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
أيها الأخوة الكرام لابد من حقيقة بين أيديكم، هي أن الوصف شيء و التقييم شيء آخر، أقول لكم: فلان قعد أو وقف أنا لا أقيِّم عمله إنما أصف عمله، أما لو قلت: قعد مخطئا أو قعد تائها أو أخطأ حينما قعد أنا قيَّمت عمله، و فرق بين التقييم و الوصف، فربنا سبحانه و تعالى يصف، قال تعالى:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
و لا يقيِّم، والشيء الثاني لو أن لهذا المسجد بابين وليس هناك ما يمنع أن تخرج من أحدهما و من أي باب خرج لست عاصيا، أما حينما أصدر أمرا: ممنوع الخروج من هذا الباب،وخرجت
منه فعندئذ تكون عاصيا، متى تكون المعصية ؟ بعد التكليف، أما قبل التكليف ليست هناك معصية، هذه حقيقة ثانية، الحقيقة الأولى الوصف شيء و التقييم شيء آخر والله سبحانه وتعالى في هذه السورة وصف ولم يقيِّم و الحقيقة الثانية لا يمكن أن تكون عاصيا إلا بعد التمثيل أما قبل التكليف لست عاصيا، من أنت إذا ؟ أنت مجتهد، و المجتهد بين الأجر و الأجرين، إن أصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر، هذه الحقيقة الثانية، و الحقيقة الثالثة هناك عتب لك و عتب عليك، وفرق كبير بينهما، قد يجد الأب ابنه يسهر حتى ساعة متأخرة من الليل يدرس فيعتب له لا عليه، ارفق بنفسك يا بني، وإذا كان هناك تعنيتا ليس معناه أن الابن أخطأ بل هو يبالغ في الدراسة، فهناك عتب لك وهناك عتب عليك، أما لو رآه يلعب بالنرد و الفحص على الأبواب يعنفه، لكن هذا التعنيت غير هذا التعنيت، الأول يعتب له والثاني يعتب عليه،هذه الحقيقة الثالثة، و الحقيقة الرابعة هي أن النبي صلى الله عليه وسلم عنده رؤوس قريش، جاءه أحد أصحابه ـ وبربكم و نحن في هذا الزمان لو أن رجلا داعية إلى الله عز وجل أيهما أهون عليه وأمتع له أن يجلس مع إخوانه المحبين الصادقين المتفانين في خدمته أم مع عدو لدود وخصم عنيد كافر ملحد أيهما أهون ؟ الأهون أن تجلس مع إخوانك المحبين المخلصين المعظمين، النبي كان بين خيارين، بين أن يجلس مع أحد أصحابه وهو ابن أم مكتوم الأعمى و بين أن يجلس مع خصم عنيد شرس منكر، النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد أنه إذا جلس مع هذا الخصم الشرس المنكر و أخذ الله بيده و اهتدى اهتدت معه قريش، لأن الأمة برؤوسها وبوجهائها و زعمائها و بأغنيائها، فالأقوياء إذا سلكوا سبيلا تبعه الآخرون، هذا اجتهاد النبي، هل هناك أمر و نهي و تكليف ؟ النبي اختار الطريق الأصعب اختار أن يجلس مع الأشرس مع العنيد فلعل هؤلاء التائهون الشاردون يهتدون، الشيء الرابع أن الله تعالى كان من الممكن أن لا تقع هذه الحادثة، فلماذا وقعت ؟ وجاء الوحي يلفت نظر النبي إلى أن هذا الرجل الذي ترجو منه الخير أنا أعرفه و أنت لا تعرفه، لا رجوى منه، و لا خير فيه و لا أمل معه، لا تعلق على لقاءك معه أيَّة فائدة، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، فربنا عز وجل لفت نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى أنه لا جدوى من هذا الرجل فاجلس مع ابن أم مكتوم، فماذا فعل النبي ؟ النبي كان في أعلى درجات الكمال وفي أعلى، درجات الاجتهاد و كان محبا مخلصا واختار الطريق الأصعب واختار أن يجلس مع الإنسان العنيد، ما فعل شيئا، و الله تعالى ما قيَّم له عمله إلا أنه وصف له عمله، سأضرب لكم مثلا ؛ لو فرضنا أن واحدا منكم له قريب ملحد و يجلس معه، وفي جلسة حامية و نقاش حامي الوطيس دخل ابنه الصغير في الصف الرابع و قال له: حلَّلي هذه المسألة يا أبي فقال له: اذهب لا وقت لي، إنه في نقاش حاد يتوقف عليه إسلام القريب وهدايته، و من هو ابن أم مكتوم ؟ أحد أصحاب رسول الله، في أي وقت يمكن أن يلتقي به، فالنبي ما فعل شيئا، هذا الذي يتهمه الناس به أن الله عاتبه، عتب له ولم يعتب عليه ووصف عمله و لم يقيِّمه، ولا معصية قبل التكليف، والنبي اجتهد واختار الطريق الأصعب الذي يضمن هداية كل قريش، ولكن الله بيَّن أن مقام النبوة شيء و مقام الألوهية شيء آخر، النبي لا يعلم و الله يعلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام على علو مقامه وعلى أنه سيد الخلق و حبيب الحق جاءه وفد طلب منه سبعين قارئا للقرآن ليعلمهم القرآن، فأعطاهم سبعين و في الطريق ذبحوهم، لِمَ لمْ يعلم ؟ هذا شأن البشر لا يعلمون، لا يعلم إلا أن يُعلَم، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(216)﴾
[سورة البقرة]
النقطة الخامسة أن الله أراد أن يبين أن العبد عبد و أن الرب رب و أن مقام النبوة مقام و أن مقام الألوهية مقام آخر، قال تعالى: عبس و تولى..تلهى وصف الله عز وجل اجتهاد النبي الذي لم يكن في معصية وليس هناك عتب عليه بل عتب له وهو وصف وليس هناك تقييم والله عز وجل يعلم والنبي لا يعلم وهذا مقام النبوة وذاك مقام الألوهية، هذا كل إشكال هذه السورة.
الشيء الآخر أراد الله سبحانه وتعالى أن يبيِّن أن هذا الوحي هو أصل الدين، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ:
(( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ قُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِي اللَّهم عَنْهَا فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ خَدِيجَةُ كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِالْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْي))
[رواه البخاري]
لِماذا ضمه هذه الضمات الثلاث ؟ لئلا يتوهم متوهم أن الوحي منام هو في أعلى درجات اليقظة، ضمه وأرسله وخاف عليه الصلاة و السلام و حينما تحدث الناس ما تحدثوا عن السيدة عائشة في حديث الإفك لو أن الوحي بيد النبي يملك مجيئه وإرساله بعد ساعة تنزل آية تبرئ السيدة عائشة، ولكن تأخر الوحي في حديث الإفك ثلاثين يوما، لا يملك جلبا له ولا دفعا، فديننا بكلياته وحي السماء إلى الأرض، فلذلك موضوع الوحي واضح، لو أن الوحي من عند النبي لما تكلم بهذه الآيات، وهنا أبلغ من ذلك، ماذا قال عنه الكفار قالوا عنه ساحر و مجنون شاعر وكاهن، السؤال الدقيق الآن ؛ لماذا أثبت الله هذه التهم في الوحي ؟ أصبحت قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ولو كان الوحي من عند النبي لما ذكر عن نفسه هذه التهم، وما قال عن نفسه إنه مجنون ولا ساحر ولا كاهن ولا شاعر، لكن هناك آلاف الأدلة تبين أن هذا الوحي مستقل عن النبي، النبي على علو مقامه لا يملك له جلبا و لا دفعا، لا يعلم، و سأله مرة إنسانٌ فقال له: غدا أجيبك، معتمدا على أن الوحي سيأتيه غدا، فلم يأته، فهذا مقام النبوة، فهناك فرق بين مقام النبوة ومقام الألوهية، والشيء الثاني أن الله أراد أن يصف لا أن يحكم عليه، و إن كان هناك من عتب فهو عتب له لا عليه، و النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يكون مخالفا لأنه لا معصية قبل التكليف.
هذه بعض النقاط التي يمكن أن تقال في هذه السورة الكريمة، قال تعالى
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4)﴾
[سورة عبس]
ونحن بالمقابل المؤمن الصادق المخلص من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر، والله عز وجل يعلم أن هذا الذي تعلِّق عليه الآمال لا خير فيه ولا جدوى منه ولا تتعب نفسك معه، ووقتك أثمن من أن تجلس معه، فاجلس مع هذا المنيب الصادق لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-17-2018, 07:38 AM   #548


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ، سورة عبس التي مَطْلعها بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)﴾
[ سورة عبس ]
بعضهم يقولون إنَّ هذه الآيات هي عِتاب للنبي عليه الصلاة والسلام وفرْقٌ كبير بين أن يعْتِبَ الله عليه ، وبين أن يعْتِبَ له ، لو أنَّ لك ابناً لا يدْرس تَعْتَبُ عليه وتُعَنِّفُهُ أما إن كانت دِراسته فوق طاقته حيث يدْرس في الساعة الثانية والثالثة الرابعة ولا ينام الليل إطْلاقاً تُعَنِّفُهُ إلا أنَّكَ تعْتَبُ له لا عليه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يُخالف في هذا المَوْقف حُكْماً شَرْعِياً إنِّما جاءهُ زُعماءُ قُرَيْش ، وقد عقد عليه الصلاة والسلام الأمَلَ أنْ يهْتَدوا فإذا اهْتَدَوا اهْتَدى معهم خَلْقٌ كثير ، أيُّهما أهْوَنُ على النبي عليه الصلاة والسلام أنْ يجْلس مع ابن أمّ مكْتوم الصحابيّ الجليل الذي يذُوبُ مَحَبَّةً للنبي أم أن يجْلِسَ مع مُعْرِضين وكُفار ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، واخْتار الذي يُرْضي الله تعالى أكْثر باجْتِهادِهِ فلو كان بابان لهذا المَسْجد ، ولا يوجد أيَّة علامة تُشير إلى أنَّ هذا الباب ممنوع الخُروج منه أو مسْموح ، وخرج أحدهم باباً من هذين ؛ فَهَل يُعَدُّ عاصِياً ؟! لا معْصِيَةَ إلا بالتَّكْليف ، فلو كان هناك تَكْليف وفعل النبي خِلافه فهذا يسْتحيل على النبي عليه الصلاة والسلام أن يفْعل خِلاف التَّكْليف ! إنَّما كان اجْتِهاداً منه صلى الله عليه وسلّم واخْتار الأصْعب فنحن قلنا لو أنَّ الأب رأى ابنه قد بالغ في الدِّراسة بحيث خاف عليه أبوه وعَنَّفه وعاتبه فهذا له وليس عليه ، والابن اخْتار الأصْعب وليس الأسْهل، لذلك العلماء قالوا: إنَّ الله جلَّ جلاله في هذه السورة يعْتَبُ لِصالِح النبي عليه الصلاة والسلام ولا يعْتَبُ عليه ، فقد لفت نظره إلى أنَّ هؤلاء الذين تريد أن تعْتني بهم لا خيْر فيهم ، ولا جَدْوى منهم ، ولا تُتْعِب نفْسَكَ معهم إذْ قُلوبهم مُغَلَّفَة ، قال تعالى:
﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)﴾
[ سورة البقرة ]
فلأنَّ على قلوبهم غِشاوة خَتَمَ الله على قلوبهم ، وهذا الخَتْم هو تَحْصيلُ حاصِل ، فمنافذ العقْل والقلب السَّمْع والبصر فالله تعالى ختم على قلوبهم لأنَّ على سمْعهم وعلى أبْصارهم غِشاوة ، وحُبُّكَ الشيء يُعْمي ويُصِمّ فَحُبُّ الدنيا غِشاوةٌ على الحقّ فلا يسْمعه ، وغِشاوة على البصر فلا يرى الحق ! فَخَتْمُ القلب تحْصيل حاصِلٍ ، فَرَبُّنا عز وجل قَدَّر في النبي عليه الصلاة والسلام حِرْصَهُ على هِداية الخَلْق واهْتِمامه على هؤلاء الكِبار من زُعَماء قريش إلا أنَّهُ لفت نظره إلى أنَّ هؤلاء لا خير فيهم ، فلا داعي أن تُتْعِبَ نفْسَكَ معهم قال تعالى:
﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(6)ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم(7)﴾
[ سورة البقرة ]
فَهَؤُلاء الذين يَرَوْن في هذه السورة مَطْعَناً للنبي عليه الصلاة والسلام واهِمون ، وقف النبي في أعلى دَرَجة من الكمال ، واخْتار الأصعب والذي لا يحْتَمِلُهُ بشَر ، فأعظم داعية بهذا البلد يختار أن يبقى مع أخٍ له في الله من أن يبقى مع مُلْحد يطْعن بالدِّين والقرآن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، ولأنَّهُ ليس هناك تكْليف فلا مَعْصِيَة بلا تكْليف فاجْتَهَدَ ، فالأمر كَمَن كان أسْتاذ لغة عربِيَّة ، وجاءَكَ ضَيْف مهمّ تبْني عليه طريقاً كبيراً في الدَّعوة ، ثمّ يأتي ابنك والحديث جارٍ ويقول لك: اُعْرض لي هذا البيْت !
ذكرتُ لأخٍ أنا يهمني ابنك أكثر منك ، فاسْتغرب ! لأنَّك أنت مَضْمون أما ابنك فأمامه مزالق كثيرة ، وألف إنسان يسْحبه للباطل ، وألف شيء مُغْري ، فأنت زبون مَضْمون.
فالله تعالى قال:
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5)﴾
[ سورة عبس ]
أي هذا المنحرف الشارد ، الواقع عليه غضب الله ، كلَّما قلت كذا وكذا يقول لك ممكن أن تكون هذه المَقولة صحيحة ! ليس له تَلَهّف للحقّ ، أما المؤمن فله لَهْفة للحق ، وشَغَف ، وحبّ لِسَماع الحق ، ويبْدو هذا على وجْهه وعلى اهْتِمامه ، لذلك من تَكَلَّم بالحِكْمة لِغَيْر أهْلِها فقد ظَلَمها ومن منعها أهلها فقد ظَلَمهم ، والله عز وجل قال:
﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى(9)﴾
[ سورة الأعلى ]
فأنت تُذَكِّر الإنسان في حياء وخجلٍ من الله تعالى ، ورحمة في قلبه أما هناك أناس شارِدون على منهج الله عز وجل فهؤلاء لا تُجْدي معهم النَّصيحة ، ولا تنْفعُ معهم حقيقة !
ثمَّ قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)﴾
[ سورة عبس ]
هل هذا تقْريعٌ أم وَصْفٌ ؟ هذا وَصْفٌ ! فالله تعالى وَصَفَ مَوْقف النبي عليه الصلاة والسلام فقال:
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)﴾
(سورة عبس )
ولم يقل له لمَ عَبَسْتَ ؟ ولِمَ لم تعْبس ؟ فهذا وَصْف ، فالله تعالى قال
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10)
[ سورة عبس ]
فالله عز وجل قال:
﴿ طه(1)مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2)إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى(3)﴾
[ سورة طه ]
فَلِكَثْرة اهْتِمامه وصلاته وقِيامه وتِلاوته فكأنَّما يبْدو أنَّهُ شَقِيَ بهذا القرآن مِن شِدَّة ما تَحَمَّل من متاعب ، فالله عز وجل يُسَلي نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام ويُخَفِّفُ عنه ، مَهْلاً يا محمَد ، فقد روى البخاري ،
(( قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُولُ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا *))
[ رواه البخاري ]
فهل يُعْقل من خالق الكون أن يخلق المَجَرات يَتَوَدَّد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قال تعالى:
﴿ وَالضُّحَى(1)وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2)مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى(3)وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الْأُولَى(4)وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى(6)وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى(7)وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى(8)فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ(9)وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ(10)وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(11) ﴾
[ سورة الضحى ]
كُلّ واحد مِنَّا يُفَكِّر ؛ ألم تكن إنساناً صغيراً ؟! ألم تكن بلا بيْتٍ ولا زَوْجة فالله تعالى أكْرَمَك ورزَقَك ومَنَحَك شهادة عُلْيا ومَكَّنَكَ من حِرْفة وجعل لك شيئاً تَرْتَزِقُ به وسَتَرَك ورزقك ، ومنَحَكَ قوَّة وأراح لك بالك ، فَكُلّ إنسان يجب أن يُفَكِّر بِنِعَمِ الله عز وجل ، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ(4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)﴾
[ سورة الشرح ]
أيها الإخوة الكرام ، هذه هي مُقَدِّمة هذه السورة ، إنَّهُ لا مَعْصِيَةَ إلا بعد التَّكْليف ، وإنَّ الله في هذه السورة عَتِبَ له لا عليه ، والنبي عليه الصلاة والسلام اخْتار الأصْعب ، واخْتار الذي يُكَلِّفُهُ ثَمَناً باهِظاً لكِنَّ الله جل جلاله لفَتَ نظره إلى أنَّ هذا الذي تَعْتني به لا خيْر فيه ، ودَعْكَ منه ولا تُلْقي له بالاً فإنَّ قلبه بعيدٌ عن أن يُصْغي إلى الحق.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-17-2018, 07:40 AM   #549


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الثالث


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام ، يقول الله عز وجل في الآية السابعة عشرة وما بعْدها ﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31)﴾
[ سورة عبس ]
الإنسان حينما يكْفر يُهْلِكُ نفْسه لأنَّ الله تعالى خلق الإنسان لِيُسْعِدَهُ في الدنيا والآخرة فإذا أعْرَضَ عن ربِّه ، وكأنَّهُ قُتِلَ ، قُتِلَ لإعراضِهِ عن ربِّه ، وشَقِيَ وأهلك نفْسه.
ما أكْفَره ! ما الذي جعله يكْفر ؟ إما أن نفْهَمَها اسْتِفْهامِيَّة ، والأصَّح أن تكون تَعَجُّبِيَّة ، ما أشَدَّ كُفره مع أنَّهُ خُلِقَ من نُطْفة ، ففي اللِّقاء الزَّوْجي هناك خمسمائة مليون حُوَيْن ، الإنسان مُخَلَّق من حُوَيْنٍ واحد ، يدْخل إلى البيْضة لِيُلَقِّحها ، وهذه البيْضة والحُوَيْن هي أوَّل لْقِ الإنسان، تنْقسِمُ البُوَيْضَةُ المُلَقَّحة إلى عشرة آلاف قِسْمٍ وهي في طريقها إلى الرَّحم دون أن يزيد حجْمها ، فلو زاد حجمها لتَعَثَّر سَيْرُها ، وتنْغَرِسُ في جِدار الرَّحِم ، ويأتي الغِذاء ، وفي أشْهر عديدة تُصبح هذه البُوَيْضة المُلَقَّحة والحُوَيْن المَنَوي عليه مُوَرِّثات ثلاثةٌ وعِشرون مُوَرِّث وكذا على البُوَيْضة فَيَكون مَجْموعهم ستٌّ وأربعون ، والله عز وجل قال
﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)﴾
[ سورة الإنسان ]
فَمَعْنى أمْشاج أنَّ الإنسان مُخَلَّق من أُمِّه وأبيه ، وأغْرَب ما في الأمْر أنَّ المُوَرِّثات تنْقسِمُ إلى قِسْمَيْن:
قِسْمٍ يُشَكِّلُ الجنين ، وقِسْمٍ يودَع في جِهاز الجنين التناسلي لِيَكون ابن الجنين كالجنين ، وهذه هي السُّلالة ، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12) ﴾
[ سورة المؤمنون ]
فتجد الصِّينيِّين لهم شَكْل ، والأفارِقَة ، والعرب لهم شَكْل ، فَمِن أين جاء الشَّكْل المُسْتَمِرّ؟ لأنَّ المُوَرِّثات تنقسِمُ إلى قسمين ، فالاستنساخ ليس من نطْفة أمْشاجٍ نبْتليه ، إنْ نَجَح فهو إن كان من الأنثى فالمولود هو أخوها وليس ابنها ، وإن كان مأخوذاً من الرَّجل فكذلك ؛ لماذا ؟ لأنَّهُ ليس هناك أمشاج ، بل هو مُخَلَّق من مِحْفَظَة واحدة ، ومن النُّطْفة فقط ، تُأخذ خَلِيَّة من ثَدْيِها تُنْزَعُ منها المُوَرِّثات وتُزْرع في الرَِّحم وتنْبت ، على كُلٍّ صِفات الرَّجل إن كان أقْوى فالجنين يَتَخَلّق وِفق صفات أبيه ، وإن كانت صِفات الأمّ أقْوى يَتَخَلَّق وِفْق صِفات أمِّه ، فالضَّعْف إن كان بالحُوَيْن أو البُوَيْضة يتخَلَّق الجنين بالصِفات الأقوى من الأب أو الأم ، ورد قَوْل لِسَيِّدنا عمر: اقْتَرِبوا لا تَضْوُوا ، فإذا الإنسان تَزَوَّج من أقاربه الضَّعْف يتَكَرَّر ويُصبح واضِحاً ، وقد عُقِدَ مؤْتَمَر لتَحْسين النَّسْل بِسُوريا قبل عشْر أعوام تَقْريباً ، وكان رئيس المجْمع العِلمي العربي حيّ ، فَبَعْدما انْتَهت المُحاضَرات بِأمْريكا ومن أوروبا أُلْقِيَتْ مُحاضَرات لِعُلَماء كبار في طُرُق تَحْسين النَّسْل ، فقام رئيس المَجْمع العِلْمي وقال: ناقِلاً هذه المَقولة اغْتَرِبوا لا تَضْوُوا ، أي سَبَب الضَّعْف هو الزواج من الأقارب.
إذاً مِن أيِّ شيءٍ خلقه ؟! من نطفةٍ خلقه ، وبعدها أصبح الدِّماغ مائة وأربعون خَلِيَّة ، وثلاثمائة ألف شَعْرة لِكُلِّ شَعْرة وريد وَشِرْيان ، وغُدَّة عَرَقِيَّة وغُدَّة دَهْنِيَّة ، وعَصَب مُحَرِّك ، وعَضَلَة ، وأصبح مائة وثلاثين مليون عُصَيَّة بالشَّبَكِيَّة ، وعِشْرين مليون نِهاية عَصَبِيَّة بالأنف، ولِكُلّ نِهاية سَبْعة أهْداب ، ولِكُلِّ هُدْبٍ مادَّة مُخاطِيَّة تتفاعل مع الرائِحَة ويتَشَكَّل شَكْل هَنْدسي وتُشْحن إلى الدِّماغ ، وبالدِّماغ تأتي على مِلَف الروائِح عَشْرة آلاف بنْد ، وتُسْتَعْرَضُ هذه واحِدَةً واحِدة إلى أن تعْرِف أنَّ هذه الرائِحَة ياسَمين بِخِلال ثواني ؛ قُتِلَ الإنسان ما أكْفَرَه ! المَعِدَة تَحْوي خمسُ وثلاثون مليون عُصارة هاضِمَة ، وهناك بالكِلْيَة طريق طوله مائة كيلو متْر يقْطعه الدَّم في اليوْم خمْسة مرَّات ؛ شيء بالجِسْم مُذْهل وبِكُلِّ ثانِيَة يولد اثنان ونِصف مليون كريَّة حَمْراء ، وبِكُلِّ ثانِيَة يموت اثنان ونصف مليون كريَّة حمْراء ؛ قُتِلَ الإنسان ما أكْفَره ، وما الذي حَمَلَهُ على أن يكْفر ؟ وما أشَدّ كفره ! ومع أنَّهُ خُلِقَ من نُطْفةٍ مُخَلَّقة وغير مُخَلَّقة ، ومن نطفة أمْشاجٍ ، ونطْفة ضَعيفة ، عَظْمُ عُنُق الفخذ يحْمل مائتان وخمسين كيلوغرام، كُلّ هذا وأصْل الإنسان من ماءٍ مهين ، معنى مَهين أنَّهُ يسْتَحْيي به لو كان على ثَوْبِه ، فهذا الماء المَهين كيف أصْبح عَظْماً قاسٍ ؟
فيا أيها الإخوة الكرام ، ربنا عز وجل يقول: أيها الإنسان أنت حينما كَفَرْت أهْلَكْتَ نفْسك وأشْقَيْتها وقتلْتَها ، قال تعالى:
﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)﴾
[سورة عبس]
تجد الطِّفْل رئتاهُ وهو جنين مُعَطَّلتان ! بِقَلْبِه يوجد ثُقْب اسْمه ثُقْب بوتال وهو ضِمْن الأُذَيْنين ينتقل الدَّم من أُذَيْن لآخر ، فَحينما يَلِد تأتي جَلْطة فتُغْلِق هذا الثُّقْب ، من فعل هذا ؟! فَتْحُ القلب يحْتاج إلى ثلاث مئة ألف ليرة ، فلو بَقِيَ الثُّقْب مَفْتوحاً أُصيب الجنين بِمَرض الزَّرَق ، يعيش عَشْر سَنوات وبعدها يموت الطِّفْل ، كان لي صديق بنته معها هذا المرض وبيته عَشْر درجات ، ربْع ساعة من أجْل تصعد طابِقاً واحِداً ، وكذا الأمعاء والرئتان والبِنْكِرْياس ، فالإنسان أحْياناً يرى حَيَوانا يخاف منه فهذا بِواسِطَة العَيْن إذْ تُرْسِل إشارة إلى الدِّماغ ، فَيُدْرك الدِّماغ الخطر ويُكَلِّف وسيط بينه وبين ملِكَة الجِهاز الهُرْموني ، والوسيط هذا جِسْم تحت السرير البصري ، والغُدَّة النُّخامِيَّة وزْنها نِصف غرام ، تُعْطي اثْنى عَشَرَ هرمون وأحد الهرمونات اسمه الكزر ، وهو الذي يُنَبِّهك على وُجود الخطر ، ويبْعث هرمون يُضَعِّف ضَرَبات القلْب ، وهرمون يرْفع وجيب الرئتان ، وهرمون يطْرح سُكَّر زائِد بالدم ، وهرمون يطْرح هرمون التَجَلَّط ، وهرمون يُضَيِّق الأوْعِيَة فَتَجِد الإنسان قد اصْفَرَّ لونه ما هذا الإنسان؟! وكذا غُدَده الصَّماء والدرقِيَّة والعِظام ؛ من أيِّ شيء خلقه ؟! قال تعالى:
﴿ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)﴾
[سورة عبس]
فهذا الرَّحِم فيه الغُلام ، وحجم الرحم سبعة مائة وخمسون سم3 فإذا أراد طلْقاً ، يفعل تَقَلُّصات لطيفة ، إلى أن يخْرج الطِّفل قُوَّة التَّقلّص لو كان الطريق مَفْتوحاً لَقُذِفَ الولد إلى اثْنى عَشَر متْر ! ثمَّ هناك عَمَلِيَّة ميكانيكيَّة إذْ عَظْمُ الحوْض يتَوَسَّع وذلك بِهُرْمونٍ خاصٍ يقْلب الجنين ويجْعل رأسه لِتَحْت ، وهرمون يفتح الغشاء الذي حول الجنين ، ثمَّ الرَّحِم يضْغط فَيَخْرج الغُلام ، بعدما يخْرخ يخْرُجُ معه الخَلاص ، وبع الخَلاص يَتَقَلَّص الرَّحِم تَقَلُّص ويُصْبح مثل الصَّخْر ، فلولا هذا التَّقَلّص لماتَتْ الأمّ لأنَّ جميع الشرايين مَفْتوجة ، فَكُلّ هذه الشرايين تُغْلق والعلماء قالوا: لو عُكِسَ التَّقَلُّصان لماتَت الأمّ وجنينها ، فلو كان التقلّص عنيف مات الجنين ولو كان ليِّناً ماتت الأم ، قال تعالى:
﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)﴾
[سورة عبس]
فالوِلادة عَمَلِيَّة مُعَقَّدة جداً ، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22)﴾
[سورة عبس]
فَمِن نطْفة إلى علقة إلى مضْغة إلى جنين فولد يَسَّره ثمَّ يكْبر ويصبح شخْصاً كبيراً ، غَنِياًّ، ثمَّ أزْمة قلْبِيَّة ؛ عَظَّم الله أجْركم ، ثمَّ يوم القيامة الحِساب.
ثمَّ قال تعالى:
﴿ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23)﴾
[سورة عبس]
إلى الآن ما تاب وما اسْتقام ! وما اْطلح مع الله ، فهذه الآيات تكْفي فالله أمرك أن تصوم فهل صُمْت ؟ وأمرك أن تزكي فهل زَكَّيْت ؟وأمرك أن تضْبط لسان فهل فعلْتَ ؟ وغضّ البصر ، هذا هو دَرْس اليوم الإنسان كأنَّه قتل نفْسه حينما يكْفر مع أنَّه لا مُبَرِّرَ للكُفْر ، فقد كان من لا شيء ، فكُلّ من قال: أنا فَهُوَ أحْمَق ، خلق من نطفة خرجت من عورة ودخلت إلى عوْرة ، ولو كانت على الثِّياب لاسْتَحْيَيْتَ بها ؛ من ماءٍ مهين ! فعلى الإنسان أن لا ينْسى أصْله.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-17-2018, 07:42 AM   #550


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا




بسم الله الرحمن الرحيم


سورة عبس (80 )



الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الكرام، الآيات الرابعة والعشرون والتي بعدها، وهي قوله تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾
[سورة عبس]
أيها الإخوة الكرام، علماء الأصول قالوا: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، المسلمون في أواخر عهدهم ؛ في عصور تخلفهم فهموا الدِّين عبادات شعائرية صلاةً وزكاةً وصياماً وحجاً بينما كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، هذه اللام لام الأمر، قال تعالى فلْينظر الإنسان إلى طعامه، فأنت مأمور أيها الإنسان أن تُفَكِّر في طعامك، كأس الماء هذا من أين جاء، كيف أصبح عذْباً فُراتاً بعدما كان مِلْحاً أُجاجاً ؟ من أعطى خصائص التَّبَخُّر للماء ؟ من جاعل الماء يتبَخَّر بِدَرجات دُنيا ؟ ومن جعل الهواء يحْمِل بُخار الماء بتفاوت الدرجات؟ من ساق الرياح لتسوق السحاب؟ كيف واجهَ السحابُ المتحمل لبخار الماء جبهةً باردةً فتَخَلّ عن الماء الزائد فأصبح مطراً ؟ كيف سلكه ينابيع ؟ كيف تفجرت الينابيع ؟ كيف كان هذا الماء العذب ؟ فَمثلا في أندنيسيا أربعين ألف جزيرة لكل جزيرة نبع ماءٍ خاص بها يتناسب مع مساحتها، في بعض الجبال بهِمَلايا ينابيع ماء في قمة الجبل ولا يمكن أن تُفسَّر هذه الظاهرة إلا بِمُسْتوْدعٍ في جبل أعلى، من أجل الوُعول، إذْ تعيش هناك في القِمَم حيوانات اسمها الوُعول، وهذه الحيوانات ينبغي أن تشْرب، لها ينلبيع في قِمَم الجِبال، ولابد أن يكون مُسْتودع هذا الماء في جَبَلٍ أعلى، كما أنَّهُ لا بدّ من تَمْديدات، حتى أنَّ بعض الأنهار في الجُزر كَنَهْر التايْمْزفي بريطانيا، كُلُّ أمطار بريطانيا لا تكْفي لِغَزارة هذا النَّهْر، يقولون : إنَّ مُسْتَوْدعاته في أوروبا، وهوناك تَمْديدات تحت الأرْض، فقَضِيَّة الماء العَذْب هس قَضِيَّة تحتاج إلى تأمُّل شديد، فالله عز وجل قال :
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾
[سورة الحجر]
الإنسان لا يسْتطيع أن يُخَزِّن الماء أبداً فإذا خَزَّنه فسَدَ، أما ربُّنا جلَّ جلاله يُخَزِّن الماء العَذْب الفُرات في جُيوبٍ في أعماق الجِبال، وهناك فَتْحات مُقَنَّنة، فَمَثَلاً نبْع الفيجة من ستَّة عشر متْر بالثانِيَة إلى نصْف متْر بالثانِيَة إلا أنَّ مُسْتوْدعه من نبْع الفيجة إلى قُرْب حمْص، ومن سيف البادِيَة إلى جنوب لبنان ؛ هذا هو حَوْض ماء الفيجة، كُلُّ هذه المدينة لا قيمة لها إطْلاقاً بِبُيوتِها وشوارِعها ومُسْتَشْفياتها من دون هذا النَّبْع، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى أوْكَلَ لنا تَخْزين المِياه لاحْتاج كُلُّ بَيْتٍ إلى مساحة بيْتٍ آخر بالضَّبْط، فطيلة العام يحْتاج الإنسان إلى الماء العَذْب ما يُساوي مساحة بيْتِهِ، فالله تعالى تولى لنا تَخْزين الماء، وقال تعالى :
﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ(22)﴾
[سورة الحجر]
ذَكَرْتُ قبل يومين في خُطْبة الجُمعة أنَّ مِرْصَجاً عِمْلاقاً أوربِّياً يعْمل بالأشِعَّة الحمْراء اكْتَشَفَ وُجود سَحابة في الكون، وهذه السَّحابة يُمْكن أن تمْلأ مُحيطات العالم بسِتِّين مرَّة في أربعٍ وعِشرين ساعة ! والأرض كما تعْلمون أربعة أخْماسِها مُحيطات، اليابِسَة خُمْس، فقارَّة آسيا وأوروبا وإفْريقيا وأمريكا الشماليَّة والجنوبِيَّة، وقارَّة المُتَجَمِّد الجنوب كُلُّ هذه القارات تُساوي خُمْس مساحة الأرض ! والمُحيط أعْماقه في بعض المُحيطات اثْنى عشر ألف متْر !!! في وادي مِرْيانة بالمُحيط الهادي وهو أعْمق نقْطة في المُحيط، هذه المُحيطات تمْلؤُها هذه السحابة سِتِّين مرَّة في يومٍ واحد قال تعالى :
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[سورة الحجر]
يوهِمُنا أعْداؤُنا أنَّ هناك حرْب مياه، فهذا التَّقْنين تَقْنين تأديب لا تقْنين عَجْز ! ذَكَرَ لي أخ البارحة كان بِحوران فقال لي : القمْح هناك أعلى من قامة الإنسان وخيْراتٍ لا يعْلمها إلا الله، حوران وحْدها كانت تُطْعم الدَّوْلة الرومانِيَّة!
ورومانْيا كان فيها تسعةُ وخمسون مليون نسمة، ويذْكر التاريخ أنَّ عدد الساكنين بِسُوريا في العهْد الروماني تسعةُ وخمسون مليون، وحوران وحْدها تُمِدُّ هذه الملايين المُمَلْيَنَة بالقمْح الذي يحْتلّ أعلى درجة في المواصفات، فربُّنا أيّ شيء عنده خزائِنُه، وفي إحدى السنوات وهذه ذَكَرْتها لكم كان اسْتِهلاك القطْر كُلُّه مليون طنّ القمْح، وكان إنتاجنا للقمْح ثلاثة ونصف مليون، فالله تعالى إذا أعطى أدْهَش ! وفي سنة من السَّنوات كان هناك شحّ للمياه في دِمَشْق، والمياه الجَوْفِيَة انْخَفَض مُسْتواها إلى درجة كبيرة جداً حتى أصْبح هناك عطش مُهَدَّدون به جاءتْ سنة مجموع أمطار دمشق ثلاث مائة وخمسون ملم، هناك ينابيع من ثلاثين عاماً تَفَجَّرَتْ، مياه عين منين وصلَتْ إلى برْزة وعين الصاحب تَفَجَّرَتْ، عشرات الينابيع في غوطة تَفَجَّرَتْ، وكانت قد جَفَّتْ من ثلاثين عاماً، فلا أحد يقلق على نقْص المياه والغِذاء فهذا من وَهْم الكُفار لنا، أنَّ هناك أزْمَة سُكانِيَّة وانْفِجار سُكاني، ونقْص للمياه يُنَوِّعون، فَمَرَّةً يقولون حرْبُ نفْط، ومرَّةً حرْبُ قمْح، والآن حرْب مياه وإذا الله عز وجل قَنَّن فهو تقْنين تأديب لا تقْنين عجْز، قال تعالى :
﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ(21)﴾
[سورة الحجر]
وقال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
[سورة عبس]
فأنت تأكل ثلاث وَجَبات باليوم، فكأس الحليب مَثَلاً لو خطر بِبَالك من أين يأتي ؟ هذه البقرة، وهذا المَعْمل الصامت، ومعمل الغذاء الكامل فيه الكالسيوم والمغْنزيوم والحديد والفوسْفات وفيتامينات ومواد سُكَرِيَّة ومواد دَسِمَة ومواد مُرَمِّمة، وهناك بقر يُعْطي ستين كيلو في اليوم فلو كان هذا الحليب لولدها فهو لا يحْتاج إلا كيليين حليب، والآن أصبح هناك تهْجين بقر على بقر من نوعٍ آخر، أصْبح يُنْتِج باليوم ستين كيلو حليب باليوم ! فالدم يمُرّ في الخَلِيَّة الثَّدْيِيَة البقريَّة على شَكْل قُبَّة وحول هذه القبَّة مجموعة شَعْرِيات كثيفة جداً، أربع مائة حجم من الدَّم تمرّ في هذه الشَّعْريات كي يصَنَّع حجْم حليب واحد، فكُلّ لتر من الحليب يُسْهم في صُنْعه أربعمائة لتْر دم تمْشي في قُبَّة هذه الخليَّة الثَّدْيِيَة، والخليَّة الثَّدْيِيَة المُصَنِّعة للحليب حتى الآن لا أحد يعْرف كيف تَعْمل وكأنَّها عَقْل فالدَّم يمرّ في أعْلاها، فَتَخْتار الدَّم من بين فرْثٍ ودمٍ، فالفرث هذه الفضلات السائِلَة، نحن لدينا فرْث جامد وهو الغائط، وفرْث سائل وهو حمض اللَّبن وفرثْ غازي وهو غاز الفحْم، نواتِج الاحتراق الصُّلْبة غائِط، والسائلة حمْض البول بالدم، والغازِيَّة غاز الفحْم، فَرَبُّنا عزَّ وجل قال : هذه الخلِيَّة الثَّدْيِيَة تخْتار مواد السُكَّرِيَّة من الدم، مواد بروتينِيَّة والدِّهنيات، والفيتامينات، والمعادن، تختار غِذاء كامل قال تعالى :
﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)﴾
[سورة النحل]
فكأس الحليب هو من فضْل الله عز وجل، قال تعالى :
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ(5)﴾
(سورة النحل)
خُلِقَتْ خِصِّيصاً لكم، وذَلَّلْناها لكم، أحد إخواننا بِجوبر حكى لي أنَّ بقرةً جَنَّتْ فَقَتَلَتْ أوَّ رجل والثاني والثالث، واسْتطاع صاحبها أن يُلْقي عليها الرَّصاص فقَتَلها، وثَمَنها سبعين ألف، فَهُوَ أساساً جَنَّ بِأوروبا إذْ خالفوا منهج الله عز وجل وأطْعَموا البقر طحين اللَّحْم، والجِيَف، والبقر مُصَمّم لِيَأكل النبات، فهو حيوان نباتي فهم تشاطروا وأطْعموه الجيَف فأصْبح هناك جُنون البقر فاضْطَرُّوا لِيَعْدموا ثلاثة عشر مليون بقرة ‍! ثمنها ثلاثون مليار جُنَيْه اسْتَرْليني ! ثمَّ بعد هذا عرفوا خَطَأهم، والآن مُنِيَتْ بريطانيا بأكبر كارِثَة بِحَياتها في موضوع جُنون البقر لأنَّه بِأُسْتُراليا أطْلقوا النار على عشرين مليون غنَمَة للحِفاظ على أسْعار الغَنَم مُرْتَفِعَة ! ودُفِنَتْ تحت الأرض فالكافر وَحْش، فَكم من شَعْبٍ يموت من الجوع ؟ عشرين مليون غنَمَة للحِفاظ على أسْعار الغَنَم مُرْتَفِعَة ! قال تعالى :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
[سورة عبس]
اُنظر إلى هذه الغنمة والبقرة من خلقها ؟ ومن جَعَلها مُذَلَّلة ؟ لو أنَّ الله تعالى رَكَّب أخلاق الضَّبع بالغنمة ! وهذا الزَّيْتون من أرْقى أنواع الدهْن وهو يُعَدُّ الآن دواء وليس غِذاءً فهو دواء للضَّغْط المُرْتفع والكولِستِرول المرْتفع، ولِتَصَلُّب الشرايين والنبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ *))
[ رواه الترمذي ]
فأنت تأكل اللَّبن والجُبْن والقشْطة وكُلّ مُشْتقات الحليب، فَمَن الذي سخَّر هذا المعمل المُذْهِل ؟‍‍! ورَوْثُ البقر سمادٌ غالٍ، فالسَّماد العُضْوي أغلى سماد روْثُ البقر ثمَنُ الكيلو عشْرُ ليْرات وجلدها للأحذِيَة والمصْنوعات الجِلْدِيَّة، ولحْمها يُؤْكل، هناك جداران وسط الثَّدْي مُتعامدان، وهناك أربع حلْمات للبقرة، كلّ حلمة تُعْطي ربع الضرع تماماً، وهو مُقَسَّم إلى أربع أجْواف، وهل فَكَّرْتَ بالقمْح فهو ينْضج بِيَوْم واحد، والبندورة تنْضج على ثلاثة أشْهر، لو كان الحقْل ينْضج بِيَوم واحد ماذا نفْعل بالطماطم، وكذا البطيخ ! من الذي صَمَّم أنَّ البطيخ له حلزون يمْسكها الفلاح فإذا انْكسر معنى ذلك أن قد نضجَت وإذا لم ينْكسر أي لم تنْضج بعد ! أما القمْح والعدس والحمص بِيَوم واحد فالمحاصيل الأساسيَّة تنْضج بيوم واحد، أما أشْجار الفواكه وغيرها فَبِالتَّسَلْسُل، من برْمج هذه الأمور، فالله تعالى قال :
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29)﴾
[سورة عبس]
شجرة التَّمْر تعيش ستَّة آلاف سنة، أطْول شَجَرة مُعَمِّرة، وفيها ستة وأربعون مادَّة غِذائِيَّة، وأسْرع مادَّة سُكَّرِيَّة على الإطلاق تنتقل من الفم إلى الدم، فإذا جلس الإنسان لِيَأكل لو أكل عشْر أضْعاف لن يشْبع حتى يصِل السكَّر إلى مرْكز الشِّبَع، فالنبي عليه الصلاة والسلام عَلَّمنا أن نأكل التمْر أوَّلاً، كيف أنَّ القمْح مادَّة أساسِيَّة جداً لنا ؛ يُسَموه مَحْصول اسْتراتيجي، التِّبْن المادَّة العَلَفِيَّة الأولى، والحيوان يسْتطيع أن يعيش على التِّبْن فقط، قال تعالى :
﴿ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾
[سورة عبس]
يجب أن تُفَكِّر في خلق السماوات والأرض، وفي طعامك، فلا بدّ أن تُعْمِلَ العقْل في الآيات الكَوْنِيَّة لأنَّها طريق الإيمان بالله عز وجل.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 06:52 PM