تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 40 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-05-2018, 02:07 PM   #391


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الاحقاف ( 46 )

الدرس الرابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والثلاثون والتي بعدها من سورة الأحقاف وهي قوله تعالى:
﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)﴾
[سورة الأحقاف]
أيها الإخوة، النَّفسُ البشَرِيَّة مُصَمَّمة، ومَفْطورة، ومَجبولةٌ مِن أجل أن تؤْمِنَ بالله، وأن ترْكَنَ إليه، وتنْطَوِيَ تحت ظِلِّه، لذلك معرفة الحق معْرفةٌ تَتِمُّ بالفِطرة، وأطْرحُ عليكم هذه الحقيقة، أسْهَلُ معرفة في الأرض لا تحتاج إلى دليل، ولا إلى وثيقة، ولا تريُّث ؛ هي أن تعْرف ابْنَكَ أيس كذلك ؟ فالأب لا يتردَّد في معرفة ابنِهِ، ماذا قال الله عز وجل:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146)﴾
[سورة البقرة]
يعرفون رسول الله كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك كفروا به، لماذا كفروا به ؟ بغْيًا، وحسَدًا واسْتِكبارًا، وحِفاظًا على مكاسِبِهم، وعلى مكانتهم، وعلى ثرواتِهِم، وعلى شأنِهِم ، وعلى وجاهَتِهِم، فالأصْل أن تؤمن، والإيمان يتِمُّ بالفِطرة، فكما لا تتردَّدُ في معرفة ابْنِك، فالمُشكلة يوم القيامة قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى﴾
[سورة الأحقاف]
كلّ أنواع الإنكار والجُحود في الدُّنيا غير مَعقولة، وغير طبيعِيَّة، وغير فِطْرِيَّة، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ(23)انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾
[سورة الأنعام]
فالحق قديم، وبالمناسبة الإنسان لا ترْكَنُ نفْسُهُ ولا يسْتَقِرّ ولا يتوازَن إلا إذا أطاعَ الله تعالى، وإلا فالزَّمَنُ يُسَبِّبُ له قلقًا، ماذا يخبئ المستقبل ؟ هناك أمراض، ومُشكلات، ودَمار ثرْوَة أحيانًا، ومتاعِب، أما المؤمن فيقْرأُ قوله تعالى:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾
[ سورة التوبة ]
فالله تعالى قال:
﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)﴾
[ سورة الأحقاف ]
هذه الدنيا أساسُها الصَّبْر، وقد فسَّر بعضهم قَوْل النبي صلى الله عليه وسلَّم أنَّ الإيمان الصَّبْر والسَّماحة فالشَّجاعة صَبْر والإنفاق صَبْر، والصَّلَوات صَبر، والزَّكاة صَبر، وغضّ البصَر صبر، وأن تكتفي بِزَوْجَتِكَ صَبْر، وأن تتحرَّى الحلال صَبْر ، وأن تُربِّيَ أولادك صَبْر، فلو ذَهَبْتَ إلى التَّكاليف الإسلاميَّة لَوَجَدْتها مَبْنِيَّةً على الصَّبْر، لأنَّ كلمة تَكليف تعني أنَّها ذاتُ كُلْفَة، وهو فِعْلُ الشيء خِلاف الطَّبْع، فهذا الجسَد يميلُ إلى النَّظَر، والتَّكليف أن لا تنْظُر، واللِّسان يميل إلى التَّكَلُّم في أعراض الناس، والتَّكليف أن تسْكُت، وهذه اليد تميل أن تلْمسَ الشيء المُحَرَّم، والتَّكليف أن تبْتَعِد، فَكُلّ شيءٍ مُصَمَّم أن تفْعَل خِلافَهُ، فالتَّكليف يتناقض مع الطَّبْع، والطَّبع مُرتبِط بالجسَد فالإنسان بعد أن يصْبِر ترْتاحُ نفْسُهُ، وسيِّدنا يوسف حينما قال: معاذ الله وصبَرَ، وبعض العلماء عدَّ اثْنَي عشرة بنتًا تَدعوهُ، فلمَّا صبر توافَقَ مع فِطْرَتِهِ فارْتاحَتْ نفْسُهُ، فالقضِيَّة دقيقة جدًّا، فالتَّكاليف كلُّها تتناقض مع الطَّبع، فالواحد قد ينام الساعة الثانية صباحًا، والفجْر الساعة الرابِعَة وفي أيام الشِّتاء، والبرْد، فكيف يسْتَيقِظ ؟ فالاسْتِيقاظ يتنافى مع الطَّبْع، ولكن بعد أن يُصَلِّي، ويتجلَّى الله على قلْبِهِ، ويشْعُر أنَّهُ أدَّى واجِبَهُ الدِّيني يرْتاح وينام ويسْتَيقِظ الساعة التاسِعَة بِراحة كبيرة جدًّا، فهذه الراحة هي راحة الفطرة، وراحة تأدِيَة عبادة الله تعالى، فالحياة كلّها صَبر، وخِلاف الصَّبْر أن تسْتَرْسِل مع الغرائِز والمُيول والشَّهوات، وجهنَّم كلُّها سَهْوة واحِدَة، قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ عمل الجنَّة حزن بِرَبْوَة، وإنّ عمل النار سَهل بِسَهوة فالاسْتِرخاء وإطلاق البصر واللِّسان، وأكْل المال الحرام، وتتفلَّت كالدابة، أما المؤمن مُنْضَبِط بِمَنهَج، وعنده اِفْعَل أو لا تفْعَل، وهناك حلال، وحرام، ويجوز، ولا يجوز، وحق وباطل، فالمنْهَج الدِّيني أُعيدُ وأقول يتناقض مع الطب من أجل أن ترقى إلى الله و يتوافق مع الفطرة من أجل أن تسعد به، لذلك قال تعالى:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)﴾
[ سورة الروم ]
السيارة المُصمَّمة للطريق المُعبَّد لا تجد فيها صوتاً، و لو انك ركبتَها في طريق وعِرٍ تنزعج جدًّا، لأن هذه المركبة مصمَّمة لغير هذا الطريق، و لما يسلك الإنسان طريق الحق، فيصلِّي الصلواتِ الخمس و يحرِّر دخله من الحرام و يغضُّ بصره عن محارم الله و يجعل بيتَه إسلاميًّا و عملَه إسلاميًّا يشعر أن اللهَ يحبُّه، و اللهُ قويٌّ و بيده كلُّ شيء و غنيٌّ وقويٌّ تطمئِن نفسُه، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)﴾
[ سورة الرعد ]
لذلك الإيمان هو الصبرُ، و الشجاعة صبرٌ و كظمُ الغيظ صبرٌ و أداء العبادات صبرٌ، قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾
[سورة الأحقاف]
واحد يركب مركبةً و نازل في طريق حاد الانخفاض ينتهي بمُنعطفٍ تسعين درجة و السرعةُ كبيرةٌ جدًّا و ليس معه مِكبحٌ و لا يعرف، فهو مبسوط، و لكن حينما يعلم سوف يُولوِل، قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾
[سورة الأحقاف]
نحن الآن كلُّنا لنا أعمارٌ، فكيف مضتْ الأربعون و الخمسون و الستُّون، كلمح البصر، إذا الستُّون مضت كلمح البصر، فكيف تمضي هذه الأخرى ؟ الإنسان دائما يسأل سؤالا حرِجا، كم بقيَ لي من عمُر؟ و أعقلُ إنسان من يضع الموتَ بين يديه و يستعد له بالتوبة والعمل الصالح و خدمة الناس والدعوة إلى اللله و نشر الحق و تربية الأولاد، قال تعالى:
﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾
[سورة الأحقاف]
البارحة جاء رمضان و اليوم هو العاشر، و بعد حين عشرين و بعدها ثلاثين و بعدها العيد، ثم بعد ساعة يأتي الأضحى، و يمرُّ العقدُ الأول و الإنسان يمشي بقطار و في آخر المحطَّة لا بدَّ من أن ينزل فيها، قال تعالى:
﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾
[سورة الأحقاف]
الدنيا ساعة اجعلْها طاعةً، و الحقيقة أن الإنسان لما يواجه الموتَ تُعرَض عليه حياتُه في ثوانٍ كشريط، فهنيئًا لمن لمضى حياته في طاعة الله و في عمل الخير، و الويلُ لمَن أمضاها في المعاصي و الآثام و الدليل لو أن الإنسان آلمه سِنُّه ألما لا يُحتمَل، كم حضر من الولائم في حياته و كم أكلٍ طيِّبٍ ذاقها في هذا السنِّ ؟ لِيذكرْ هذه الطعوم الطيّبة هل يذهب ألمُه الآن، الآن الألم هو الواقع، و الماضي مضى، لذلك الكافر حينما يرى مكانه في النار يقول: لم أرَ خيرا قط، كان يسكن في أجمل بيت و ركب أجملَ سيارة، و كلُّ يوم له عزيمة مكانة ووجاهة، كلّ هذه الطيِّبات نسيَها أمام مصيره الحتمي، و المؤمن يرى مقامه في الجنة فيقول: لم أرَ شرًّا قط.



والحمد لله رب العالمين





 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-05-2018, 02:09 PM   #392


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الاحقاف ( 46 )

الدرس الخامس



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين . أيُّها الإخوة الكرام ، الآية العشرون من سورة الأحقاف ، وهي قوله تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
جزء من عقيدة المؤمن أن يعرف حقيقة الحياة الدنيا ، وأنَّها دار عمل وليسَت دار أمَل ، ودار تكليف وليْسَت دار تشريف ، فالذي يفْهم أن الحياة الدُّنيا دار اسْتِمتاع وتقلّب في النّعيم ، وطعام وشراب ، وسهرات ، ومُتَاع فحاله يكون كما وصف الله في هذه الآية .
ورَدَ في بعض الأحاديث : إيَّاك عبد اله والتَّنَعُّم فإنَّ عباد الله ليْسُوا بالمتنعِّمين ! الإنسان قد يتنعَّم ‍، أما أن يجْعل التَّنَعُّم هدفه ، يعمل من أجله ؛ طعام وشراب واستمتاع ، فالأُناس الطَّيِبُّون غارقون في المباحات والمباحات شَغَلتهم عن الطاعات ، فالعُصاة موضوعهم آخر ، وهم خارج الحِساب ، فهذا الذي جَعَل همُّه مُتَعَ الحياة الدُّنيا والانْغِماس فيها ؛ موقفُهُ يوم القيامة ، كما قال تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
طبعًا كلمة الكُفْر واسِعَة جدًّا ، تضيق لِتَعني الخروج مِن مِلَّة الإسلام ، وتتَّسِع كما قال الله عز وجل :
﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 54 ]
فهؤلاء يُصَلُّون ويُنْفِقون ، وقد وُصِفُوا عند الله تعالى بالكُفْر .
هناك كفء يُخْرج مِن مِلَّة ؛ كأن تُكَذِّب بالوحي ، وبالقرآن ، وتُنْكِر فرْضِيَّة الصلاة والصِّيم والحج ، وذا هو الكُفر الأكبر ، أما حينما لا تعبأ بِقَوله تعالى : ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 221 ]
تُزوِّج ابنتَك لإنسانٍ غَنِيٍّ دون أن تعبأ بِدِينِهِ ، فأنت بِهذا كأنَّك كذَّبْت هذه الآية ، وهذا نوعٌ مِن الكُفْر ، وحينما يقول الله عز وجل : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 276 ]
فليمْتَنِعُ عن التَّصَدُّق ويُنَمِّي مالهُ بِطَريقٍ ربَوِي هو كافِرٌ بِهذه الآية بالذَّات فهناك كُفْر يشْمَل الدِّين كلَّه ، ويشْمَل الوَحي كلَّه والكتب السماوِيَّة ، والأنبياء وهناك كُفر جُزئي ، فحينما يقول الله عز وجل ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النور الآية : 30 ]
فإذا قال الواحِد أين أضَعُ عَيناي ‍؟‍!! فهل الآية غلَط ؟ ألم يقل الله عز وجل : ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 286 ]
فالكُفْر يضيق لِيشْمل تَكذيب الدِّين والوحي ، والقرآن ، وإنكار الفروض ، ويتَّسِعُ الكُفْر لِيَشْمَل كُلّ مَن يتحرَّك حركةً خِلاف منهج الله ؛ لأنَّه ليس قانِعًا بها ، أما إن كان مُقصِّرًا فهذا اسمُهُ فُسْق ، فالإنسان حينما يُغلبُ أمرُهُ يُسَمَّى فاسِقًا ، أما حينما يُنكِر يُسمَّى كافر ، رجلان لا يُصَلِّيان ، فالذي يقول : والله أنا مُقصِّر ؛ هذا فاسق أما الذي يقول : ما فائدة الصلاة ؟! فهذا كافر ، فالذي يُنْكِرُ فرْضِيَتها كافر أما الذي يدَّعي أنَّهُ مُقصِّر فهذا فاسِق ، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
يُرْوَى أنَّ سيِّدنا عمر أمْسَكَ تُفاحةً شَهِيَّة فقال : أكلتها ذَهَبت ، أطْعَمْتُها بَقِيَتْ !
سيِّدُنا النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يُوزِّعُ شاةً ، قالت له عائشة رضي الله عنها : لم يبْقَ إلى كَتِفُها ! فقال عليه الصلاة والسلام : بل بقِيَتْ كلُّها إلا كتفها !!
ليس لكَ مِن مالِكَ إلا ما أكَلتَ فأفْنَيْتَ ، أو لبِسْتَ فأبْليْت ، أو تصدَّقْتَ فأبْقَيت ، فالمال جزءان ؛ قسم لك ، وقِسم ليس لك ، فالذي لك يُسَمَّى رِزْق والذي ليس لك يُسمَّى كَسْب ، فالرِّزْق ما انْتَفعْتَ به ، والكسب ما لم تنتفع به ، فالرِّزق ما انْتفعْتَ به وسَتُحاسَبُ عليه ، والكَسْب ما لم تنتفِع به وسَتُحاسَبُ عليه ! تصوَّر إنسانًا اقْتَرض مليون ليرة ، سُرِقتْ منه في الطريق ، فهذا الشَّخص سيُؤدِّي هذا المَبلَغ مع أنَّه لم ينْتفِع به ، فالرِّزْق ما انْتَفَعتَ به ، والكَسْب ما لم تنتفِع به .
الآن الذي تنتفِعُ به ثلاثة أقْسام ؛ قِسمٌ هلَكَ كالطَّعام والشَّراب ، وقِسم بقِيَ وبلِيَ كالثِّياب ، فهؤلاء الذين كفروا يُقال لهم القيامة : ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
لذلك أيُّها الإخوة ، الإنسان الذي بلا رسالة ، ولا هَدَف ، ولا قيمة يسعى لها ، ولا درجة ولا مرْضاة يسْعى لِحُصولها هو إنسان شارِد وتائِه ! ما الذي يُعرِّفُكَ بِمَوْقِعِك من الدِّين ؟ دُروس العِلم ، وكنتُ أقول لكم دائِمًا ؛ متى تُعالِجُ نَفْسَكَ مِن الضَّغط المرْتَفِع ؟ إذا عرِفْتَ أنَّهُ معَكَ ضَغطٌ مرْتَفِع ، فلا بُدَّ مِن أن تقيسَ ضَغْطك مِن حينٍ لآخر عند الطَّبيب ، والمؤمن الصادِق لا بُدَّ من أن يحْضُر مَجلسَ العِلْم كي يعْرِف موقِعَهُ من الدِّين ؛ هل هو مع المُقْتَصِدين أم السابقين أم المُقصِّرين؟‍ وهل هو واقِعٌ في الشِّرْك الخَفِيّ أو الشِّرْك الجليّ ؟ وهل هو واقِع في الكُفْر ؟ فلا بدَّ مِن معرفة ذلك ، يقول تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
قال تعالى :
﴿ فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
الحقيقة أنَّ الإنسان أحيانًا يسْتكبر بِغَير الحق ، قال تعالى :
﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 26 ]
سَمْعُكَ تمْلِكُهُ ، وبصرك تمْلِكُهُ ، وعَقلَكَ تمْلِكُهُ ، وحركتكَ تمْلِكُهُ فالذي يسْتكبر بِغَير الحق ، ويقول : أنا ‍! فهذا لا شيء ، نقطة دم في دِماغِهِ تَجْعلُهُ مَشْلولاً ، وأقْربُ الناس إليه يتمنَّى موْتَهُ ، فإمَّا أن يُسْمِعَهُ الدُّعاء ويقول له : خفَّف اله عنك ! وإمَّا أن يدعوَهُ سِرّا ، فأقرب الناس إليك ؛ زوْجتُكَ وأهْلُكَ والإنسان وهو في الفراش خِدْمتُهُ صَعْبة جدًّا ، لذا أنت لا تمْلك شيئًا ، لا حركتك ولا قوَّتَك ولا سمْعَكَ ، وهل تمْلِكُ أولادك وأهلَكَ ؟ أنت لا تمْلِكُ شيئًا ، فالذي يسْتَكبر فهذا اسْتِكبار بِغير الحق ، وكلّ إنسان يقول : أنا يدَّعِي ما ليس له ، وكلّ ذَنْب له عِقاب يُناسِبُهُ ، فالكِبر عذابُهُ الهون ونحن عندنا عذاب أليم ، وعذاب عظيم ، وعذاب مُهين ، فالمستكبر عذابه الهون قال تعالى : ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
تجد كلمات يقولها الناس هي كبيرة جدًّا ، وتقتضي لَيُقصَموا ، قال تعالى ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة البروج الآية : 12 ]
لذا على الإنسان أن يَعُدَّ للمليون قبل أن يقول كلمة أكبر مِن حجْمِهِ ، فالله عز وجل يهْدِمُ أشياء كبيرة جدًّا ، ولذا قال : عرفْتُ اله مِن نقْض العزائِم .
وهناك اسْتِكبار ، وهناك فِسق ، إلا أنَّني أُبلِّغُكم أنَّ معْصِيَةً سببُها الغلبَة شيء ، ومعْصِيَة سببها العِناد والاسْتِكبار شيء آخر ، فإبليس ما هو الذي أسْخَطَ عليه ؟ قال : أنا خير منه ! ولك أكن لأسْجُدَ لِبشَر خلقتَهُ مِن طين فَمَعْصِيَتُهُ معْصِيَةُ اسْتِكبار ، أما سيِّدنا آدم قال تعالى عنه : ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾
[ سورة طه الآية : 115 ]
ففرْقٌ بين معْصِيَة آدَم ، ومعْصِيَة إبليس ، فإبليس عصى اسْتِكبارًا ، وآدَمَ عصى غلبَةً ؛ نسِيَ ، والذي يقَع في ذَنب بِدافِعِ الغلبة توْبتُهُ سَهلة جدًّا ، فالعبد لمَّا يقول : يا رب : أنا أخطأتُ ، يقول الله : وأنا يا عبْدي قبِلْتُ ، ويا رب قد تُبْتُ إليك ، والله يقول ، وأنا ق تُبْتُ على عبْدي ، أما الذُّنوب التي أساسها الاسْتِكبار فَتَوْبَتُها صَعبة جدًّا ، وعليه فَكُلّ إنسان يقْلبُ الموازين ، ويَجْعل الحياة الدُّنيا دار اسْتِمتاع ، ودار لَهو ، ونعيم ، ودار سُرور ، وحفلات ، وأماكن جميلة ، هذا الإنسان جَهِلَ حقيقة الحياة الدُّنيا ، فالطالب الذي بِقاعة التَّدريس معه راديو يسمع الأخبار ، ومجلاَّت ، ومكسَّرات يأكلها ، فهل يليق هذا بِطالب ؟! هذا المكان مكان دِراسة ، وليس مكان اسْتِمتاع ، أما إذا ذهَب الإنسان إلى نزهة ، وأخذ معه ما أخذ ، فهذا له ذلك ، فالنُّزْهة شيء ، والدِّراسة شيءٌ آخر ، فلمَّا يجعل الإنسان الدُّنيا دار نعيم ، فقد أدْخَل سيّدنا عمر أحد الشّعراء السِّجن ؛ لأنَّه قال بيتًا بِحَق أحد رؤساء القبائل اسمه الزَّبرَقان ، وعدَّتْهُ العرَب أهْجى بيتٍ قالهُ شاعر ، ماذا قال هذا الشاعر ؛ حُطَيأة ؟ قال :
دع المكارم لا ترْحل لِبُغيَتِها واقْعُد فإنَّك أنت الطاعِمُ الكاسي
هذا البيت الذي قاله هذا الشاعر هو شِعار الناس اليوم ، فما دام دخْله كبير وبيتُه واسِع ، ومُتمتِّع ، فهذا تجدهُ لا يعْبأ بِشيءٍ ، وهذا هو الذي عكَسَ الحياة الدُّنيا ، فهي دار عمل ، وجعلها هو دار أمَل ، وهي دار تكليف وهو جعلها دار تشريف ، فهذا هو الخطأ ، قال تعالى :
﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 20 ]
آخر مثل لِتَوضيح الحقيقة ، أنَّه لو كان معك مليون ليرة ، ممكن أن تسْتثمرها بِشَركة تعطي بالمائة سبعين ، وبالمائة ثمانين ، فأنت يمكنك بالمليون أن تقوم بِرِحلة إلى اليابان ، وأوربا ، وينتهي المليون فإنفاق المليون هذا هو إنفاق اسْتِهلاكي ، وفيه حُمْق ، أما إنفاق المليون إنفاق اسْتِثماري ، فهذا فيه ذكاء ، وكلّ شيءٍ تمْلكُه في الدنيا ، مِن صِحَّة وفراغ وأمْن ، والزَّوجة والأولاد ، وطلاقة اللِّسان ، والذَّكاء ، هذه كُلُّها مواد أوَّلِيَّة ، وهي رأسُ مالِكَ ؛ فإمَّا أن تسْتَهْلِكَها ، وإمَّا أن تسْتَثْمِرها ، فإذا الإنسان سرَّ ، أدْخل على قلبهِ السُّرور فقد اسْتَهلكها ، أما إذا فكَّر بالكون فأنت يمكن أن تقرأ قِصَّة ، والقصَّة ممْتِعة ، أما لو قرأت الحديث والقرآن والسيرة ارْتقيْتَ عند الله، فالقراءة إمَّا أن تكون اسْتِهلاكِيَّة ، أو اسْتِثْمارِيَّة وكذلك الأمر في الأكل ؛ إمَّا أن تأكل حُبًّا في الأكل ، وإمَّا أن تأكل لِتَتَقوَّى على طاعة الله ، وإما أن تتزوَّج مِن اجل المُتْعة فقط ، وإما من أجل أن تنْجِبَ أولادًا يدعون إلى الله ، فَكُلّ شيءٍ يمكن أن توصِلَهُ بالحق أو بالباطل ، وأخْطَر شيء أن تُنْفِقَ ملَكاتِك ، وقُدْراتِك إنفاقًا استِهلاكيًّا ، فهذا هو الخاسِر ، وأعْقل الناس الذي لا يُضَيِّعُ مِن عُمُرِهِ ثانِيَة واحِدَة يُنفِقها في طاعة الله ، قال عليه الصلاة والسلام :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللّه عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَوْ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الْأَنْصَارِ وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى ))
[ رواه البخاري ]
فالمؤمن حركاته وسَكَناته أعمال صالحة له .




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 08:51 AM   #393


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
قال تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ..............
أيُّها الأخوة الكرام ؛ الآية الأولى من سورة محمد صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
[ سورة محمد الآية : 1 ]
أما الذين كفروا فهؤلاء الذين كذبوا الحقَّ وأعرضوا عن الحقِّ، لكنَّ الكفرَ كما قلتُ دائما يتسّع ليشمل انكار آية ، أو انكار حكم من التشريع ، أو انكار موعظة، ويضيق ليشمل انكار أصل الدين وأصل العبادات، فليس كلّ كافر يُشْبهُ كافِرًا آخر، فالإنسان الذي يُصلِّي ويصوم، ويُؤدِّي العبادات ولكنَّهُ يتعامَل بالرّبا، فآية: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
[ سورة البقرة الآية : 276 ]
لم يعْبأ بها، ولم يُصَدِّق، فهذا واقِع في نوعٍ من الكُفْر، فحينما يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[ سورة البقرة الآية : 221 ]
فحينما يختار الأب الشاب الغَنِيّ الفاسِق على شابِّ مؤمنٍ فقير، هذا نوعٌ مِن الكُفْر، ولكنَّه بِالمعنى المُوَسَّع، وبالمعنى ضَّيِّق أن تُنْكِر أصْل الدِّين ، وأن تُنْكِر أنَّ هذا القرآن كلام الله وأن تُنْكِرَ نُبُوَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن تُنْكِر العبادات، ولا تعْبأ بها، فهذا الذي قال: لو أنَّ محمَّدًا صادِق فيما يقول لَكُنَّا شرًّا مِن الحُمُر ! قال عنه الله في القرآن الكريم: ﴿ وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
[ سورة التوبة الآية : 74 ]
حتَّى إنّ بعض العلماء يقول: مَن أمْسَكَ المُصْحَف، وألْقاهُ إهانةً فقد كفَر فنحن عندنا كُفر اعْتِقادي، وهم أن تَعْتَقِدَ أنَّ مع الله إلهًا آخر، أو أن تَعْتَقِد أنَّ الله ليس إلهًا، وأنَّ آلِهَة الأرض فلان وفلان ! وأنَّ القرار بِيَدِهِم، ولهم أن يرفعوا ويخفضوا، فهذا هو الكُفر، فالإنسان حينما يُنْكِر أصْل الدِّين وأصْل الوَحي والقرآن، والأمر والنَّهي، فهذا كافر بالمعنى الضَّيِّق، وهذا خالدٌ مُخلّدٌ في النار، أما حينما لا تفْعَلُ أمرًا لا غلبَةً بل إنكاراً، فلو أنّ شَخصان من الناس عصيا الله، أحدهم يعْصيهِ غلبَةً، والآخر يعْصيهِ اسْتِكبارًا، ويقول لك: هذا الأمر غير منطِقي، وغير معقول، وأين أذْهَبُ بِعُيوني، أنكر آية غضِّ البصَر، فَفَرْقٌ كبير بين مَعْصِيَة الغَلَبَة، ومعْصِيَة الكِبْر، فإبليس عصى ربَّهُ فلم يسْجُد اسْتِكبارًا، أما آدم، فالله تعالى قال عنه: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾
[ سورة طه الآية : 115 ]
ففَرْقٌ كبير بين أن تعْصي الله مَغْلوبًا، وبين أن تَعْصِيَهُ اسْتِكبارًاوعِنَادًا ، وعلى كلٍكُلِّ أنواع الكُفْر الواسِعُ منها والضَّيِّق، والكُفْر بالأصول والفروع ، وكُفْر الاعْتِقاد والسُّلوك، وسواء كفر الاعْتِقاد، أو كُفْر السُّلوك، أو كُفْر الأقوال، فالإنسان الساكت لا يتكلَّم أيَّ كلمة، إلا أنَّهُ يعْلمُ عِلْمَ اليقين أنَّ الذي يُعْطي ويَمْنَعُ هو زَيْد، فهذا كافر وأنَّ هذا الإنسان القَوِيّ إذا رضِيَ عن إنسانٍ أعْطاهُ كلّ شيء، ومن غضِبَ عليه حرَمَهُ كلّ شيء، فهذا كافر، وعبَدَ إلهًا آخر من دون الله وربُّنا عز وجل يقول: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
[ سورة الزخرف الآية : 84 ]
أنْكرَ أنَّ الله عز وجل بِيَدِهِ كُل شيء، فحينما تُنْكِرُ أنَّ الأمر بيَدِ الله، بِكُلّ أحداث الكَون، بالزَّلازِل والبراكين، وبالاجْتِياحات، وكلّ شيءٍ تَسْمَعُهُ أُذُنُك إذا أنْكرْتَهُ أنَّهُ مِن فِعْل الله فهذا نوعٌ من الكُفْر، وسواءٌ كان بِمَعناه الواسِع أو الضَّيِّق وسواءٌ أكان الكُفْر بالأُصول أو الفروع، وسواء أَكان الكُفْر كُفْر اعتِقاد أم أقوال أو كُفْر أفعال، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
[ سورة محمد الآية : 1 ]
هنا محطُّ شاهِد، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾
[ سورة الفرقان الآية : 23 ]
لا بدّ مِن أن يرْتَكِب الحماقة، ولا بدّ مِن أن يرْتَكِبَ عملاً يحْتَرق عليه، ومع الله لا يوجد ذَكِي أبدًا، وإذا أراد الله إنْفاذ أمْرٍ أخَذَ من كلّ ذي لُبٍّ لبَّه، وهذا يَجري كلّ يوم، إنسان في أعلى درجات الذَّكاء، ولكنَّه بعيد عن الله ؛ يرْتَكِب حماقات لأتْفَهِ الأسباب، يُطَلِّق زوْجته لأتْفَهِ الأسباب ومعها خمسة أسباب، ويتكلَّم كلمة غير مَعقولة فيَخْسِرُ منْصِبَه، أما إذا كنتَ مع الله فأنت مُسَدَّد رشيد، ومعك مِن الله تعالى حافِظ، ومُلْهَم، ومُوَفَّق، ومَنْصور، ويَهديك إلى سواء السَّبيل، ويُلْهِمُكَ الخَير، ويُلْهمُك الحِكمة في الأقوال والأفعال، وأن تكون أبًا ناجحًا، وزوْجًا ناجحًا، وتاجرًا ناجحًا، ومُوظَّفًا ناجحًا، وطبيبًا ناجحًا، ومُحامِيًا ناجحًا .
بالمناسبة الإنسان مُخَيَّر، ومع أنَّه مُخيَّر مُسيَّر، حينما يَختار الكُفْر الآن يُسَيَّر لِدَفْع ثَمَن الكُفْر والحماقات، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
[ سورة محمد الآية : 1 ]
معنى أضَلَّ أعمالهم ؛ إمَّا أنَّ عملهم يسْقُط أو أنَّ عملهم يوم القيامة لا يجِدونه شيئًا يقول يا رب، تعلَّمتُ العِلم، فيُقال له: تعلَّمْتَ العِلْم لِيُقال عنك عالم ؛ خُذوه إلى النار ! وقد قيل !! فإمَّا أنَّ عملهُ يسْقُط لأنَّه عمله للدُّنيا، ولِمَكاسِب أرْضِيَّة، أو أنَّ عملَهُ أصْلاً يُصْبِحُ تافِهًا حقيرًا، والله عز وجل قال: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾
[ سورة الفرقان الآية : 23 ]
فهذا الذي اختَرَع هذا الجِهاز الذي ترى به كلَّ الدنيا وأنت في بلَدِك تنطَبق عليه هذه الآية، وكذا الذي اخْترَع الدِّيناميك، فلِذلك العمَل إن كان من كافر قد يكون له بُهْرُج، هناك أناسٌ أشادوا أبنِيَة كبيرة جدًّا، وجعلوا فيها برامج مُهْلِكة للشَّباب، قال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
[ سورة محمد الآية : 1 ]
فالإنسان لا بدَّ أن يعلَم نوعَ عَمَلِهِ في الدُّنيا ؛ بنائي أم تَخْريبي ؟ هناك مَن عَمَلُهُ تَخريبي، يخَرِّب الأخلاق والدِّين، أحيانًا كاتب قِصَّة يكتُب قِصَّة مِن أجل أن يُثير شَهوة الشباب فهذا الكاتب دمَّر أخلاق الشَّباب بِكِتابِهِ، وبدَلَ أن يُعطيهم القِيَم والبطولات أعطاهم الخراب، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾
[ سورة الفرقان الآية : 23 ]
فأنت عليك أن تُراقِبَ عَمَلَكَ ؛ هل هو بنائي أو تَخريبي ؟ إصلاحٌ أم إفساد ؟ وأنت كَتَاجِر ؛ ماذا تبيع ؟اخْتار مِهنة شريفة، ومِهْنة عطاء، فَهُناك أعمال أساسها تحطيم البيوت، فلِذلك إن أرَدْتَ أن تعرف مقامَك فانْظر فيما اسْتَعملَك أذكُر أنَّني كنتُ مرَّةً في حَفل افْتِتاح مسْجِد فجلسَ لِجانبي مدير أوقاف الرِّيف فقلتُ له: اُشْكر الله، على تيسيره لك افتِتَاح هذا المسْجِد، فالبارحة افْتَتَح أحدهم مَلْهى !قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾
[ سورة محمد الآية : 1 ]
المعنى المُخالف أنَّ الذين آمنوا ودَعَوا إلى الله سدَّدَ الله خُطاهم، ووفَّقَهم، والإنسان يضَعُ اللُّقْمة في يَدِ الفقير يراها يوم القيامة كَجَبل أُحُد ؛ هذا أنشأ معْهَد، وذاك مسْجِد، وهذا دعا إلى الله، وأعمال البرّ لا تنتهي، فهناك آلاف الأعمال الصالحة التي رْقى بها إلى الله، وقُلْ لي ما تعلم أقُل لك مَن أنت ؟



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 08:53 AM   #394


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس الثانى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾
[ سورة محمد ]
أيها الإخوة الكرام، لعلَّلي لا أُبالِغ إن قلتُ: أنَّهُ مِن أعْظم النِّعَم صلاح البال، وفي آية أخرى يقول تعالى:
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾
[ سورة محمد ]
رفَعَ صلاحَ البال إلى مُستوى الهُدَى، وصدِّقوني أنَّ صَلاح البال نِعمةٌ يَخْتصُّ بها المؤمن، لأنَّ الله يُعطي الصِّحة والذَّكاء والجمال للكثيرين مِن خِلْقِهِ ولكنَّهُ يُعطي السَّكينة والطُّمأنينة لأصْفِيائِهِ المؤمنين، قال تعالى:
﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾
[ سورة قريش ]
وقال تعالى:
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾
[ سورة الأنعام ]
لو أنَّ الله قال: أولئك الأمْنُ لهم، لكان الأمن لهم ولغيرهم أما حينما نقول: لهم الأمْن، فالأمْن لهم وَحْدهم، وهذه نِعمةٌ يَختصُّ بها المؤمن، وأسباب هذه النِّعْمة أنَّهُ مُوَحّد ؛ لأنَّهُ يرى أنَّ الأمْر كلَّهُ بيَدِ الله والله سبحانه وتعالى أسماؤُهُ حُسنى، وصِفاتُهُ فُضْلى، والله غنِيّ قَوِيّ رحيم وعادِل رؤوف، والأفعال كلُّها أفْعاله، والأمْرُ كُلُّه له عائِد، فلو أنَّ شَخْصا ما كان بِدَائِرَة حُكومِيَّة، وكان هناك نِظام صارِم، وكان المدير العام هو أبوهُ، فهل يقْلق ؟ أو يتحرَّج ؟ فالله عز وجل يُحاسِب أدَقَّ الحِساب، قال تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)﴾
[ سورة الحجر ]
يُحاسِبُ على الكلمة، وعلى الخُطْوَة، وعلى النَّظْرة، ولكن بالعَدْل، فالله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾
[ سورة محمد ]
إن أرَدْتَ صلاحَ البال، وهو مِن أعظم النِّعَم، عليك أن تُؤْمِن، وعليك أن تعْمَل صالحًا، فالكُلّ يدَّعي أنَّه مؤمن، هل بإمكان الناس ادِّعاء الدُّكتوراه ؟؟‍! دون أن يقرأ أو يكتُب أو يلْتَحِ بِمَدْرسة ! فالإيمان درجة عِلْمِيَّة، ودرجة أخلاقِيَّة، وجمالِيَّة، يُقال له: متى آمنْتَ ؟ هل حضَرْتَ مجالِسَ العِلْم ؟ وهل قرأْتَ القرآن ؟ هل قرأْتَ السنَّة والفقْه ؟ وهل قرأتَ السيرة ؟ هل الْتَزَمْتَ جماعة ؟ وهل بذَلْتَ مِن مالِكَ ؟ مِن الصَّباح وحتَّى المساء، وهو في العَمَل، وبالجمعة يذْهب للسيران ! ثمَّ يقول لك: أنا مؤمن، وأحْسَنُ مِنك !! هل يوجَد إنسان يسْتيقِظ فإذا هو دُكتور ؟ وهل يوجد مَن هو غارق بِشَهواتِهِ ويصْبِح أكْبر تاجِر ؟ قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾
[ سورة محمد ]
سيِّدُنا سَعد بن أبي وقَّاص يقول: ثلاثةٌ أن فيهِنَّ رجل، وفيما سِوى ذلك فأنا واحِدٌ مِن الناس ما صَلَّيْتُ صلاةً وشُغِلَتْ نفسي حتَّى أقْضِيَها، ولا سِرْتُ في جنازة فحدَّثْتُ نفسي بِغَير ما أقول حتَّى أنْصَرِف منها، ولا سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينْطِق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحَى، فأيُّ حديثٍ قالهُ النبي صلى الله عليه وسلّم يجب أن تعْلَمَ أنَّه من الله، فالله تعالى أوحاهُ له مَتْلُوًّا، وأوْحى له السنَّة وحيًا غير مَتْلُوًّ، فكَلامُهُ حقّ، سألَهُ أحدُ أصْحابِهِ: أنَكْتُبُ عنك، وأنت غضْبان ؟! فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيَده، لا ينطِق هذا اللِّسان إلا بالحق !
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾
[ سورة محمد ]
الهُدَى واحِد، ولا يتعدَّد، والدليل قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾
[ سورة الأنعام ]
فَكَما أنَّهُ لا يُمْكِنُ أن نرْسُمَ بين نُقْطَتين إلا مُستقيمًا واحِدًا، يمْكنُ أن نرْسُمَ ألف خطّ مُنْحَني بين هاتين النُقْطَتين، وألف خطّ مُتَعَرِّج، وألف خطّ منْكَسِر، فالحق واحِد قال تعالى:
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾
[ سورة البقرة ]
الظلمات جَمْع، والنور مُفْرد، لذا مَعْركةٌ بين حقَّين لا تكون في الأرض، ومعركةٌ بين حقٍّ وباطِل لا تَدوم، فلا بدَّ من أن تنتهي، ومعركة بين باطِلين لا تنتهي !
الشيء العجيب ؛ أنَّه مهما يكون الماضي ثَقيلاً كفَّر عنهم سيِّئاتهم، قال تعالى:
﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾
[ سورة الزمر ]
لو بلغَتْ ذنوبُكَ عنان السَّماء ثمَّ جِئتني تائِبًا غفَرْتُها لك، ولا أُبالي، باب التَّوبة مَفتوحٌ على مصارِعِه، إلا أنَّ التوبة مفتوحة قبل أن يأتِيَ مَلَكُ الموت:
وليْسَت التوبة حتَّى إذا جاء أحدهم الموت قال إنِّي تبْتُ الآن
وبالمناسبة ؛ خِيارُكَ مع الإيمان خِيار وَقت، فرعون وأسْلم قبل أن يموت فإمَّا أن تُؤْمِن في الوقت المناسب، وإلا فما قيمة هذا الإيمان لمَّا يأتي بعد فوات الأوان ؟! بِرَبِّكم، لو أنَّ طالبًا رسَبَ في الشَّهادة الثانَوِيَّة، ثمَّ عاد إلى البيت فقرأ الأسئلة، ثمَّ قدَّم طلبًا إلى الوزارة أنِّي قد عُدْتُ إلى البيت، وقرأتُ الأجْوِبَة، وعرفتُها، لذا يُرْجَى إدْراج اسْمي مع الناجحين ! وكذلك الإيمان بعد فوات الأوان لا قيمة له إطلاقًا، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾
[ سورة محمد ]
معنى حقّ أنَّهُ ثابت، ألف نَظَرِيَّة نُقِضَتْ، وألف فِكرة ثبَتَ فشَلُها، وألف تَرتيب أصْبَحَ مَدعاةً للسُّخْرِيَة، ولكنَّ الحق ثابِت، وهذا الدِّين يستحيل أن تظْهر نَظَرِيَّة تنقض أسسهُ.
قال تعالى:
﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)﴾
[ سورة محمد ]
صلاح البال لا يُقدّر بِثَمَن، وهو يخْتصُّ به المؤمن دون غيره، قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾
[ سورة طه ]
قد يسأل السائل: ما بالُ الأغنياء ؟ وما بال المُلوك ؟ يقول الله عز وجل:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾
[ سورة طه ]
فقال العالم الذي سئِلَ هذا السؤال: المعيشة الضَّنك للأغنياء والأقوياء ضيقُ القلب، ولو وُزِّع هذا الضِّيق على أهل بلدٍ لقَتَلَهم !
أيُّها الإخوة الكرام، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3)﴾
[ سورة محمد ]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 08:56 AM   #395


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس الثالث




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم وهي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾
[سورة محمد]
نقف قليلاً عند قوله تعالى:
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾
[سورة محمد]
يقول بعض العارفين بالله: في الدُّنيا جنَّة من لم يدْخُلها لم يدخل جنَّة الآخرة ! فمساكين أهل الدُّنيا ؛ جاءوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أجْملَ ما فيها، وهو القُرْبُ من الله عز وجل.
الدُّنيا فيها أموال، وفيها نِساء، وفيها بيوت ومزارِع، وسفرٌ وسِياحة وفيها حفلات ولكنَّ أجْمَلَ ما في الدُّنيا كلِّها أن تتَّصِلَ بالله عز وجل، فالله تعالى يُدْخِلُهم الجنَّة عرَّفها لهم يوم القيامة، وأذاقهم نموذَجًا منها، وأذاقَهم طَعْم القُرْب فعرَفوا حقيقة الجنَّة، وأذاقهم لذَّة اللِّقاء فعرفوا حقيقة الجنَّة، وأذاقهم سِرَّ التَّوفيق الإلهي فكشَفَ لهم عن بصيرتهم، وطَمْأن قلوبهم، فالإنسان في الدُّنيا إذا قال: والله أنا أسْعَدُ الناس، إلا أن يكون أحدهم أتْقى مِنِّي، فالبشَر يتفاوَتون في طاعة الله، وتقواهم له، قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾
[سورة الحجرات]
أما إنسان بعيد عن الله، ومن الإقبال، والسَّعادة، وقلبهُ جافّ ؛ هذا ما ذاقَ حلاوَة الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: من غضَّ بصره عن محارِم الله أوْرثَهُ الله حلاوةً..." و ذاق حلاوة الإيمان من آمن بالله ربًّا و بالإسلام دينا و بمحمد صلى الله عليه و سلم نبِّيًّا و رسولا.
هناك أحاديث كثيرة تتحدَّث عن حلاوة الإيمان، و أنا وقفتي هنا في قوله تعالى:
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾
[سورة محمد]
في الدنيا، المؤمن القريب من الله سعيد ولو كان بيتُه صغيرا و دخلُه قليلا و صحَّتُه معلولةً، الله عز وجل حينما يفتح رحمتَه ينقلب كلُّ شيء إلى عطاءٍ، قال تعالى:
﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾
[سورة فاطر]
إن أمسك الله رحمتَه و آتاك المالَ كان المالُ نقمةً عليك و إن أمسك رحمته و آتاك الأولادَ، الأولاد أعداءُ أولياء الله، و غن أمسك رحمته و آتاك منصبًا رفيعا، هذا المنصب سببُ شقاء، أمَّا إن أعطاك رحمته و حجب عنك المالَ تقلَّبتَ في ألوان النعيم، و لو أعطاك رحمته و حجب عنك الأولادَ كنتَ من أسعد الناس، فمع الحرمان من رحمة الله كلُّ شيء لا معنى له، و مع رحمة الله لو فقدتَ كلَّ شيءٍ لا تتأثَّر إطلاقا، هذا معنى قوله تعالى:
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾
[سورة محمد]
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)﴾
[سورة محمد]
عملهم كبير و سوف يلقون جزاءه وافيا، قال تعالى:
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾
[سورة محمد]
وقد ذكرتُ مرةً أن حرف العطف من خصائصه الانسجام بين المعطوفين، لا تستطيع ان تقول: اشتريتُ سيارةً و ملعقةً، لا يجتمعان، تقول بيتا و أرضا، بيتا و سيارةً، ملعقة و شوكة، فالعطفُ يقتضي التناسبَ، فربُّنا عز وجل نعمة صلاح البال رفعها إلى مستوى الهدى، قال تعالى:
﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾
[سورة محمد]
صلاح البال من نعم الله على المؤمن لأنه مستسلمٌ و متوكِّل و يعلم أن أمره بيد الله، وأن الله عادل و رحيم و قوي و غني، و كلُّ شيء بيده، استسلامه لله و توكُّله على الله يورثه طمأنينة.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾
[سورة محمد]
هل تظنون أن الله سبحانه و تعالى بحاجة إلى أن تنصروه ؟ هو القوي العزيز، و قد قال عليه الصلاة و السلام: لو أن أولكم و آخركم و إنسكم.. أفجر...أتقى..نفسه "
فما معنى قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾
[سورة محمد]
هو غني عنا و عن نصرنا، المقصود هنا كما قال المفسِّرون: إن تنصروا دين الله ينصركم، إن عظَّمت شعائر الله ينصرك الله، و أنا سمعتُ بعضَ الدول العربية طيَّر قدَّم استقالتَه لأنه لا يطير على طائرة يُوزَّع فيها الخمرُ، فمدراءُ الشركة وازنوا بين خسارة هذا الطيَّار و أن نمنع في رحلاته توزيع الخمر فرجَّحوا أن يمنعوا في رحلاته توزيع الخمر و أن يبقوه طيَّارًا عندهم، و بعد عام صدر قرارٌ بمنع توزيع الخمر على كلِّ الرحلات و على كلِّ الطائرات، هو نصر دين الله فنصره اللهُ، قصص كثيرة، فأنت حينما تنصر دين الله ينصرك الله عز وجل، القصدُ إن تنصروا الله تنصروا دينه، جالس في اجتماع لابدَّ أن نصلي، قمتَ للصلاة و قام معك جمعٌ غفيرٌ، أنت نصرت دين الله، جلست على مائدة فيها خمرٌ، وقفتَ وخرجتَ، أنت حينما تخرج نصرتَ دين الله عز وجل.
حدَّثني رجلٌ فقال: أنا سببُ توبتي سائق تكسي، قلت كيف ؟ قال: كنتُ أشرب الخمرَ فاشتريتُ الخمر من مكان ووضعتُه في محفظة ظاهر للناس فلما أشرتُ إلى سيارة التكسي وقفت، فلما لمح ما معي من الخمر وقف و طردني، و لحكمة بالغة بقيتُ ساعات طويلة لم أستطع أن أصل إلى بيتي، تألَّمتُ ألما شديدا، كان هذا السائقُ الذي نصر دين الله سببَ هدايتي، و هناك إنسان يعمل على خطِّ دمشق - بيروت، جاء من بيروت ومعه شابٌ و زوجته ليسافرا معه إلى الشام، قالوا له انتظر لتأتينا محفظةٌ قبل قليل، طال الانتظار حتى جاء رجلٌ عمره سبعين سنة يحمل محفظة على ظهره و قدَّمها إلى الشاب، ما كان من هذا الشاب إلا أن ضربه على رأسه لتأخُّره، ولم ينتبه السائق، ركبوا في السيارة و مشوا عشر كيلومتر فقالت له زوجته: لماذا ضربتَ أباك، فقال السائق: هذا أبوك فوقف و قال له انزِلْ، ببساطة سائق غير متعلِّم شعر أن هذا الراكب الشاب لما ضرب أباه خشي أن يصيبه حادث فأنزله، و هذا نصر دين الله عز وجل، و لو كان كلًُّ واحد منا يكون يقظا حريصا على الدين كان الباطل زهق، أما إذا كان الأمر لا يعنيني، بنت أختك لابسة لباس العُريِ ثم لا تنهاها، و ابن أخيك منحرف الأخلاق و أنت عمُّه و تنفق عليه، فإذا لم ينصر الإنسانُ دين الله لا ينصره الله عز وجل، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(32)﴾
[سورة الحج]
فبقدرِ ما تستطيع انصُرْ دين الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)﴾
[سورة محمد]
هم أشقياء و أعمالهم تذهب أدراج الرياح، هذا أكبر عقاب، لا نجاح في أعمالهم و لا سعادة في أنفسهم، المؤمن سعيد في نفسه مُسدَّدٌ في عمله، سعادة مع التوفيق، هذا الكافر إخفاق في عمله و شقاء في نفسه.
أيها الإخوة الكرام لو أننا عقلنا هذه الآيةَ عقلا صحيحا، قال تعال:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾
[ سورة طه ]
كتعليق على ما يجري الآن، إذا دخل الإنسانُ إلى مسجد فيه درس علم حرام عليه أن يلقي السلام، لأنه تشويشٌ، فأرجو الله تعالى أن نُلهَم أن لا نصلي جماعة بهذا الصوت المرتفع.
هؤلاء الذين تعسوا في الدنيا وذاقوا ألوان الشقاء، و هؤلاء الذين حبطتْ أعمالُهم لم يُوفَّقوا إلى أهدافهم، ما سببُ ذلك ؟ قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾
[سورة محمد]
المنافق يرى أن الدين عِبئًا عليه، قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾
[سورة محمد]
كلُّ إنسان يكره أحكام الشرع هو منافق، بينما الصحابة الكرام يفرحون بما أُنزل إليهم، كلما جاء أمرٌ تشريعي يفرحون به، و علامة فرحهم هي علامة إيمانهم، فالمؤمن نفسُه متوافقة مع شرع الله، و المنافق يرى حدود الشرع قيودُا و ليست حدودًا، و الصحيح أنَّك إذا كنت في حقل تمشي و رأيت لوحةً كُتِب عليها: اِنتبِهْ لا تتجاوز حقل الألغام، هل تحقد على من وضع هذه اللوحةَ ؟ أم تشكره ؟ هل هذه اللوحةُ قيدٌ لحرِّيتك أم ضمان لسلامتك ؟ هي ضمانٌ، جاءني رجلٌ أوَّلَ ما خطبتُ في سنة 1974 بعد الخطبة قال لي: علي عندك سؤالٌ، زوجتي تخونني منذ خمس سنوات و أنا لا أدري، البارحة ضبطْتُها بالجرم المشهود و في بيتي، قلت له: مع منْ ؟ قال مع جارنا، قلتُ كيف عرفها ؟ قال: مرة كان في زيارتي قلت لزوجتي: تعالي اجلسي معنا فإنه مثل أخوك، قلت له: لو حضرت مجلس علم و عرفت أمر الله عز وجل و شرعه و حدوده لما وقعتَ فيما وقعت فيه الآن، هذا جزاء جهلك، فالشرع ليس قيودا و لكنه حدود، فلما تفلّت من قيود الشرع خانته زوجتُه، و عنده منها خمسة أولاد
أيها الإخوة الكرام، من علامة الفقه أن تشعر أن كلَّ أمر إلهيٍّ وكلَّنيٍ إلهيٍّ و كلَّ أمر نبوي و نهي نبوي من أجل سعادتك و من أجل راحة بالك و من أجل تقدُّمك و من أجل أن تكون من أهل الجنة، فلذلك قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)﴾
[سورة محمد]
يكره تطبيق الشرع و يكره أن يكون ملتزما و يرى الحرِّية أريحَ له، فلذلك أيها الإخوة، علامة إيمانك أن تفرح بما أُنزِل على نبيِّك، و أن تفرح بالقيود التي هي حدود.
الآية الأخيرة قال تعال:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)﴾
[سورة محمد]
الدنيا ساعة اجعلها طاعة، في النهاية المنحرف و الكافر سوف يُدمَّر مالُه وسوف يُحبط عمله و سوف يشقى في الدنيا و الآخرة.




والحمد لله رب العالمين





 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 08:58 AM   #396


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس الرابع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الحادية عشرة من سورة محمد صلى الله عليه و سلم هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
[ سورة محمد ]
هذه الآية أيها الإخوة إذا قرأها الإنسان و تعمَّق في فهمها يجد شعورا عجيبا، تصوَّرْ أبًا عالما كريما غنيا حريصا على أولاده يعتني بهم عناية فائقة و يتابع صحَّتهم و يتابع أخلاقهم و علمهم و تحصيلهم و يغذِّيهم أفضل الغذاء و يكسوهم أفضل الكساء، هذا الابن الذي له هذا الأبُ يعيش في شكل صحيح و سلوك قويم و تحصيل عالٍ و رُقِيٍّ كبير، تصوَّر طفلا في الطرقات ليس له أبٌ يتعلم الكلام البذيء و يسقط في حمأة الرذيلة و يتعوَّد على السرقة و يُسجَن و يَوضع في الأحداث، أخلاقه سيِّئة و عباراته بذيئة، هل يُوازن بين طفل هكذا و طفل هكذا ؟ هل توازن بين جوهرة - و قد رأيتها في متحف استنبول ثمنها مائة و أربعون مليون دولار هي مثل البيضة -هل تساوي قطعة الفحم التي ثمنها قرش واحد ؟‍‍! هذا الذي له أب يعتني به يطعمه و يكسوه و يؤدِّبه و يعلِّمه و يرقى به إلى أن يكون شخصيةً فذَّة لامعة في المجتمع و بين طفل لا والد له، نشأ يتيما ضائعا شريدا طريدا جائعا مريضا أخلاقُه سافلة و عباراته بذيئة تعوَّد السرقة و أودع السجن.
بعد هذه المقدِّمة للآية الكريمة، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
[ سورة محمد ]
المؤمن وليُّه الله يسدِّد خطاه و يؤدِّبه أحيانا و يضيِّق عليه و يجمعه مع أهل الحقِّ و يعتني به و يعاتبه و يثبّته و ينصره و يؤيّده و يرعاه و يحفظه، و هذا الكافر ليس له مولى، من حماقة إلى حماقة و من خطأ إلى خطأ و من حمق إلى حمق و من مأساة إلا مأساة و من مصيبة إلى مصيبة، هذا هو الفرق بين المؤمن و الكافر وهو فرق كبير جدًّا، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
[ سورة محمد ]
فإذا تولَّاك اللهُ بالتربية، ضيّق عليك تارة و أعطاك تارة و حرمك تارة و تجلَّى على قلبك تارة و حجب عنك التجلِّي تارة و ذكَّرك و علَّمك و جمعك مع مَن ينصحك و يسَّر لك الخيرَ و حجبك عن الشرِّ، هذه نعمة كبيرةٌ جدًّا و هي نعمة لا تعدلها نعمةٌ، أن يكون اللهُ مولاك، و أن تكون ضمن التربية الإلهية و ضمن العناية المشدَّدة، المؤمن في العناية المشدّدة و غير المؤمن شارد عن الله يحلو له أن ينحرف فينحرف و يحلو له أن يأخذ ما ليس له فيُعاقَب أشدَّ العقاب، و يحلو له أن يعتديَ على أعراض الناس و تخونه و جنتُه، و بيتُه جحيمٌ و عملُه جحيم و دخله فيه مفاجآت ساحقة، لأنه لو اتَّبع رضوان الله عز وجل لهداه الله إلى سبل السلام.
أحيانا هناك آيات معناها بسيط و لكنْ صداها العاطفي كبير، قال تعالى
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
[ سورة محمد ]
الله يتولَّى المؤمنَ بكلِّ خير، قال تعالى:
﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
[ سورة محمد ]
لا أحد يعطيهم و لا أحد يرحمهم و لا أحد يهديهم، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبدَه عجَّل له العقوبةَ، فإذا أخطأتَ و رأيت بعد الخطأ عقابا فيجب أن تفرح، لأنك ضمن العناية الإلهية و ضمن العناية المشدَّدة.
أحد الإخوة من إخواننا له معمل ألبسة، جاءه أخٌ مؤمن يودُّ أن يشتري قطعًا عدَّةً، اعتذر له لأنه يبيع بالجملة و رأى في البيع المُفرقّ إهانة له، قال لي هذا الأخ: لمدَّة ثلاثين يوما لم يدخل إنسان إلى معملي ليشتري شيئا، أدَّبه الله، أحيانا الإنسان يقول كلمةً يأتيه تأديبٌ سريعٌ، فإذا جاء التأديب السريع فهذه رحمة الله، و معنى ذلك أنه مطموع فيك، اسأل الطبيبَ إذا جاءه مريضٌ و هذا المريض معه ورمٌ خبيث منتشر في كل أحشائه و بلغ الدرجة الخامسة و سأله: يا حكيم ماذا آكُل ؟ قال له: كُل ما شئت و اشرب ما شئت، و امشِ ما شئت و اقعدْ و نَمْ، فلماذا الطبيب لا يبالي به ل أنه ميؤوسٌ من شفائه، أمَّا لو كان التهاب المعدة يعطيه قائمة محظورات، البهارات و المواد القاسية، يجب شرب الحليب ة تأكل التفاح فقط، فحيثما تأتي الموانع و القيود و الحدود و السدود معناه يوجد أملٌ للشفاء، أما إذا أُطلِق الإنسان إلى شهواته من دون قيد و شرط فهذه علامة موت قلبه، قال تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44)﴾
[ سورة الأنعام ]
إذًا إذا أحبَّ الله عبدَه عجَّل له بالعقوبة و عاتبه في بنانه و جعل حوائج الناس إليه، يجهد في خدمة الخلق، قال تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾
[ سورة محمد ]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)﴾
[ سورة محمد ]
كلام دقيق، يتمتعون و يأكلون، سيدنا عمر رضي الله عنه بلغه أن بعض ولاة البصرة ابتنى دار حسنة واشترى مركبة وطيئة و رفضه نفسه كثيرا فقال له في رسالة: بلغني أنه قد صارت لك هيئةٌ حسنة في مسكنك و مركبك و مطعمك و مشربك ليست لعامة المسلمين، اِحذرْ يا عبد الله أن تكون كالدابة مرَّتْ بوادٍ خصبٍ فجعلت همَّها في السِّمن و في السّمن حتفُها"
هؤلاء الذين كفروا المتعة الرخيصة و غير الرخيصة هي ديدنُهم و غلهم هواهم و مصلحتهم مبدأهم و علاقاتهم مبنية على المصالح لا على المبادئ، قال تعالى:
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)﴾
[ سورة الفرقان ]
وقال تعالى:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)﴾
[ سورة محمد ]
قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)﴾
[ سورة محمد ]
إذا كان مع الإنسان ضغطٌ مرتفع وقد علِم أن الملح يرفع الضغطَ فابتعد عنه و إنسان آخر توهَّم أن تناول الملح يخفِّض الضغطَ، مَن هو الناجح ؟ الأول، قال تعالى:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)﴾
[ سورة الكهف ]
قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)﴾
[ سورة محمد ]
المؤمن على بينة، قال تعالى:
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(63)﴾
[ سورة هود ]
مَن هو المؤمن ؟ إنسان على بيِّنة من الله أُتيح له أن يعرف الحقيقة التي أرادها الله و آتاه الله رحمة و طمأنينة و توفيق و سعادة و رضا، فعُمِّيتْ على الكافرين، ما رأوا رحمته التي ينعم بها قلبُه و ما سمعوا أفكاره التي يؤمن بها و ما اطَّلعوا على أفكاره و لا عاينوا رحمة الله في قلبه، بل نظروا إليه كإنسان له دخل محدود فازْدرَوه، قال تعالى:
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ(63)﴾
[ سورة هود ]
فملخَّص هذا الدرس، إن رأيت الله يشدِّد عليك و يتابعك و يحصي عليك أنفاسك و كلماتك و حركاتك و سكناتك، فهذه بشارة طيِّبة جدًّا، و معنى هذه البشارة أنك ضمن العناية الإلهية و أنك ضمن التربية الإلهية و أنك في العناية المشدَّدة.




والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 09:01 AM   #397


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس الخامس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة عشرة من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي وله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾
[ سورة محمد ]
في هذه الآية مراكِز ثِقَل ؛ المركز الأوَّل أنَّ الله تعالى قال: فاعْلَم، ولم يَقُل: فَقُلْ، فالشيء الثابتُ في العقيدة الإسلاميَّة أنَّ أيَة عقيدة يَعْـَقِدُها المسلِمُ تقْليدا لا تُقْبَلُ منه، وأنَّ الله عز وجل لو قَبِلَ التَّقليد في العقيدة لكانَت أيَّة فِرْقةٍ ضالَّة على حقّ، فما ذَنبُ أتباعها، سَمِعوا فتَّابوا ‍‍!! لو أمْكَنَ أن يكون التَّقليدُ في العقيدة لكانَتْ أيَّةُ فرقة ضالَّةٍ على حق، فالعقيدة لا تُقْبَلُ إلا تَحقيقًا، قال تعالى
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117﴾
[ سورة المؤمنون ]
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36)﴾
[ سورة الإسراء ]
اِعْتَقِدوا وتيقَّنوا أنّ كلّ اعْتِقاداتنا إن لم تَكُن عن تَحقيق وتَدقيق وَحْثٍ ودَرْسٍ ودليل، واسْتِنباط، ونصٍّ فهذه العقيدة لا تُقْبل، وعَوِّدْ نفْسَكَ أن لا تقْبَلَ شيئا إلا بالدَّليل، وأن لا ترْفُضَ شيئًا إلا بالدَّليل ؛ لأنَّ هذه الدِّين حياةَ الإنسان، ابْنَ عُمَر ؛ دينَكَ دينَكَ إنَّهُ لَحْمُكَ ودَمُكَ، خُذْ عن الذين اسْتقاموا، ولا تأخُذ عن الذين مالوا، أما أنْ نقول: سَمِعنا آباءَنا يقولون هذا فَقُلْناه ! فهذا لا يَنفعُنا شيئًا، وقال تعالى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ(70)قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ(71)قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72)أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73)قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(74)قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)﴾
[ سورة الشعراء ]
مِحْوَرُ هذه الآية ؛ لن تُقْبَلَ منك العقيدة تَقليدًا، فلا بدَّ مِن إعمال العَقل فالإيمان فوق العَقل، فلا تُحَكِّم عَقْلَكَ في الإيمان، فالفئة التي هي في قِمَّة المجتمع الصِّناعي في اليابان يَعبدون ذَكَر الرَّجل، وفي الهند يعبدون الجرذان، وفيهم الذَّكاء !! مُدَرِّسون وعلماء ومُفكِّرون وخُطباء، فنحن إن عطَّلنا العَقل وقَعنا في متاهة لا تنتهي ؛ فيُمْكِن أن ترى إنسانًا في أعظم درجات الذَّكاء والعِلم، ويعبُدُ صنمًا وحجرًا أو يعبُدُ نارًا لأنَّه انْطَلَق أنَّ حقائِق الدّين لا علاقة لها بالعَقل.
النبي عليه الصلاة والسلام أمَّر...لو اقْتَحَمتموها لبقيتم فيها..." الشريعة عَدلٌ ورحمةٌ ومصْلحةٌ كلّها، فأيُّ قَضِيَّة خرجَت من المَصْلحة إلى المَفْسَدة ومن العَدل إلى الجَوْر، ومِن الرَّحمة إلى القَسْوة فليس من الشريعة ولو أُدْخِلَت عليها بالتَّأويل، فلِذلك حينما تنطَلق أيُّها الأخ مِن أنَّ حقائِق الدِّين لا علاقة لها بالعَقل تقَعُ في خطأ كبير مِن دون برهان ودليل، العَقل لا يُعطَّل أبدًا أمام خُرافة.
أيُّها الإخوة، قال تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾
[ سورة يوسف ]
دَقِّقوا في هذه الآية، فأنت إن دَعَوْتَ إلى الله بلا بصيرة، أو دُعيتَ إلى الله بلا بصيرة، لمَّا يقول الإنسان: هكذا ! اِقْبَل مِنِّن من دون مُناقشَة، نقول له: لسْتَ عالمًا، إذْ لو كنتَ كذلك لدَعَوْتنا على بصيرة، وجِئْتنا بالدَّليل والتَّعليل، وفي الآية نقطتان سياسيَّتان ؛ الأولى أنَّك إن لم تَدْعو إلى الله لسْتَ مُتَّبِعا لِرَسول الله وإن لم تَكُن مُتَّبِعًا له فأنت لا تحِبُّ الله، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(31)﴾
[ سورة آل عمران ]
فاتِّباع الله يعني اتِّباع النبي عليه الصلاة والسلام، واتِّباع النبي عليه الصلاة والسلام يعني اتِّباع الله، فالعلاقة مُتعاكِسَة، فَكُلّ إنسان لا يُفَكِّر في الدَّعوة إلى الله يموت على شعبةٍ من النِّفاق، لأنّ الله تعالى يقول:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾
[ سورة يوسف ]
فالدَّعوة شرْط لازمٌ لِكُلّ مؤمن، ولذلك من لم يُحَدِّث نفْسهُ بالجِهاد مات على شعبة من شُعَب النِّفاق، ما هو الجِهاد المُتاحُ الآن ؟ قال تعالى:
﴿فَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا(52)﴾
[ سورة الفرقان ]
الهاء تعود على القرن، تعلَّمْ القرآن، وبيِّنهُ، وحبِّبْ الناس بالله، وبِرَسول الله، وأحكام الفقه، وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك الآية الكريمة:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾
[ سورة محمد ]
فالتَّقليد غير جائِز في العقيدة ! فلو قبِلنا من الناس أن يعْتقِدوا تَقليدًا لكانت هذه الفئات على حق ! فهذه الحقيقة خطيرة جدًّا، فلا تقْبل ولا ترفض إلا بالدَّليل، ولولا الدَّليل لقال مَن شاء ما شاء، وهذا منْهج البحث في الإسلام
بعضهم يقول: النبي عليه الصلاة والسلام قال: من قالها دَخَل الجنَّة ! مَن قالها بِحقِّها ؟ قيل وما حَقُّها ؟ قال: أن تَحْجزهُ عن محارِم الله، فهذا يعني أنَّك قلتها عن تحقيق، وعن دليل.
مركز الثِّقَل الثاني في الآية:
﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾
[ سورة محمد ]
فما العلاقة بين الأمْرين ؟ الأمْر بيَدِ الله، والله هو الفعَّال، فإذا جاءَكَ شيءٌ لا يُعْجِبُكَ ويُقْلِقُك اِبْحَث عن ذَنْبِكَ، وما مِن عثَرَةٍ ولا اخْتِلاجٍ عِرقٍ، ولا خَدْش عودٍ إلا بما قدَّمَت أيديكم، يقول الله عز وجل:
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ(17)﴾
[ سورة سبأ ]
وقال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾
(سورة السجدة )
وقال تعالى:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾
[ سورة القصص ]
فهذه علاقة بين التَّسْيير، وبين التَّأديب، لذلك هناك حديث جامِعٌ مانِعٌ قَطْعي ؛ لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه ولا يرْجونَّ إلا ربَّه، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾
[ سورة محمد ]
الحالات الطارئة والحالات المُسْتقِرَّة فالله يعلم ما لكَ مِن ثوابِت ومن مُتَغَيّرات.




والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:16 PM   #398


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس السادس



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والعشرون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾
[سورة محمد]
وفي آيةٍ ثانِيَة قوله تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)﴾
[سورة النساء]
ما مِن كتابٍ مِن تأليف البشَر إلا وفيه بعض التناقُضات، إلاّ أنَّ كلام الله عز وجل كلامٌ مُحْكَم، قال تعالى:
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)﴾
[سورة هود]
ربُّنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)﴾
(سورة البقرة)
لذلك معنى التَّدَبُّر أن تنظُر إلى نِهايَة العَمَل، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: إذا أراد أحدكم إنفاذَ أمرٍ فلْيتدبَّر عاقِبَتَه " أنا حينما أذْهَبُ إلى بِلاد الغَرب حيثُ العمل وفير، والدَّخْل كبير، والبلاد جميلة، والحاجات مَيْسورة، هلاَّ فكَّرْتَ في بناتِكَ لمَّا يَكْبُرْن، وفي أولادِكَ الذين هم قِطْعةٌ منك، حينما ينشئون على الكُفْر، والزِّنا، وشُرْب الخمر، إذا أراد أحدكم إنفاذ أمْرٍ فلْيتدبَّر عاقبتَهُ، آيات القرآن الكريم، ما معنى التَّدَبُّر ؟ أن تقول وأنت تقرأ: أين أنا من هذه الآية ؟ لو أنَّني طبّقتها ما النتيجة ؟ ولو أنَّني خالفتها ما النَّتيجة، لا يهود حينما لعنهم الله عز وجل جعلوا كتابهم المُقدَّس قراطيس ونَخْشى أن يُصاب المسلمون بِمَرض اليهود ؛ حيث يغْدو هذا القرآن للتِّلاوَة وللتّبرُّك والتَّباهي دون العمل به، وهذا هو هَجْر القرآن قال تعالى:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)﴾
[سورة الفرقان]
هل يُعْقل لِبائِع الفلافل أن يكتُب: إنَّا فتحنا لك فتحًا مبينًا ‍! اتُّخِّذ القرآن قراطيس، فلم يبْقَ من الإسلام إلا اسْمُه، ومن القرآن إلا رسْمُه، لذلك أيُّها الإخوة، القراءة التَّعَبُّدِيَّة على العين والرَّأس ولكن لا بدَّ من القراءة التَّدَبُّرِيَّة، اِقْرأ وانْظُر أين أنت من هذه الآية ؟ حينما قال الله عز وجل:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[سورة النور]
أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما يقول الله عز وجل:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30)﴾
[سورة المؤمنون]
أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال الله عز وجل:
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83)﴾
[سورة البقرة]
أين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال لله عز وجل:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(19)﴾
[سورة النساء]
فأين أنت من هذه الآية ؟ وحينما قال تعالى:
﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(11)﴾
[سورة النساء]
أين أنت من هذه الآية ؟ حينما تقرأ آيات الأحكام ؛ اِفْعَلْ ولا تَفْعَل ؛ أين أنت منها ؟! آيات كثيرة وكثيرة، كلَّما وقفْتَ على أمْرٍ أو نَهْيٍ، أو وَصْفٍ للمؤمنين، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)﴾
[سورة الأنفال]
أيها الإخوة، إنّك حينما تُصَلِّي، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال تعالى:
﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(43)﴾
[سورة النساء]
حتَّى تعلم ما تقول، فإذا لم تكن سكْران، وكنتَ ساهِيًا في الصلاة كان لك حُكْم السَّكران، قال عليه الصلاة والسلام ليس للمرء من صلاته إلا ما عقَلَ منها، لذلك اقرأ القرآن قراءةً تدبُّرِيَّة أحدهم سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: عِظني ولا تُطِل..." لو واحد جاء إلى مهندس لينشئ له بناية، وقال له: يُرْجى تقليل كَمِيَّة الحديد، وكمِيَّة الإسمنت، فهل يكون البناء ماكنًا ؟! مستحيل، وكذا حينما تفهم الدِّين على أنَّه حقائق وقوانين عندها تقف عند حُدود الله، أما حينما تظنّ أنَّ الدِّين تكاليف، والله عز وجل لا يُدقِّق ! والنبي يشْفعُ لك، فهذه المفاهيم الخاطئة، والتَّصوُّرات السَّخيفة، أبطلَت عمل المسلمين، وتواكلوا، وخنعوا، ونافقوا، لذلك قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾
[سورة محمد]
أيها الإخوة، هناك حقيقة تقول: الحقيقة المُرّة من الوَهْم المُريح، فكلّ إنسان يتوهَّم أنَّه مؤمن، وهو في الجنّة، فهذا وهْمٌ مُريح، أما حينما تُكشف الحقيقة يُصعق الإنسان، لذا تعامَل مع الحقائق ولا تتعامَل مع الأوهام، قال تعالى:
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(123)﴾
(سورة النساء)
ونحن في رمضان نقرأ القرآن، ونستمع له، ونقفُ في التراويح، فإذا قال الله عز وجل آيةً تعامَل مع الله عز وجل بإخلاص، ومع الله بِوُضوح وبِجِدِيَّة، أحِلَّ ما أحلَّ الله، وحرِّم ما حرَّمَهُ، وأعْطِ كلّ ذي حقٍّ حقَّه أتْقِن عملَكَ، واضْبِط دَخْلَكَ وجوارحك،و أمر بالمعروف وانْهَ عن المنكر ولقد كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يقرؤون عشْر آيات فلا ينتقلون منها إلى غيرها إلا بعد تطبيقها، وكلُّكم يعلَم قِصَّة الذي كان له عَبْد وكان هذا العبد يتمنَّى أن يُفكَّ أَسْرُهُ، وكان سيِّدُه له شيخٌ كبير، فجاء الشيخ لِيَزور تلميذه في البيت، فسألَهُ سؤالاً أن تأمُرَ سيِّدي أن يطلِقَ سراحي ! قال الشيخ: أفْعلُ إن شاء الله، ومضى الأشْهُر ولم يُعْتَق، علمًا أنَّ العَبْدَ يوقِنُ أنَّ مكانة الشيخ كبيرة عند تلميذِهِ، وبعد أشْهرٍ عِدَّة عاد الشيخ لِيَزور تلميذهُ ثانِيَةً، فقال: رجَوتُكَ فلم تُلَبِّ طلبي، فقال الشيخ: سأفعل إن شاء الله، ومضَت الأشهر: ولم يحصل شيء، ورجع الشيخ مرَّة ثالثة: فلما سأل العبد الشيخ، قال له: الشيخ: إنِّي أجْمَعُ المال لأُعْتِقَ عبْدًا، فلا أستطيع أن آمرَ تلميذي قبل إعتاقي عبدًا ! هو أراد أن يكون قُدْوةً لِتِلْميذِهِ، فالسَّلف الصالح كانوا يُطَبِّقون، ولذلك أعزَّهم الله عز وجل، ونحن مع كلّ ما يشْكوه الناس من كساد في الأسواق لو أنَّ الإنسان عامَلَ الله معاملةً مُباشرة لوَجَد الشيء الذي لا يُصدَّق، على الرَّغم من كلّ الظروف القاسيَة، لأنَّك عامَلْتَ الله، فهو بيَدِه كلّ شيء، لا يُعْجزُهُ شيء، وعلمهُ شامِل، ورحمتُهُ كبيرة، وغِناهُ لا حُدود له، اقْرأ القرآن وتدبّرهُ، فهذا جاءه رجل يخْطب ابنتَهُ، فسأل الأب عن عمله فقال الرجل أعمل مع أبي، فقال: وهل لك بيتٌ ؟ قال: نعم، قال الأب: إئتني بالعَقد فجاء له بالعقْد، ثمَّ سألهُ عن السيارة، فقال: أمْلِكُ سيارةً، فقال الأب: إئتني بالرُّخصة، حينها وافقَ الأب عن الخِطْبة، ومرَّة كان وهو وخطيب ابنَتِهِ، فقال الأب: هذا خطيب ابنَتي، فتعجَّب الحاضرون: سبحان الله، هذا ليس مسلمًا !! فقال الأب: هل هذا صحيح ؟ فقال خطيب ابنتِه: نعم فقال الأب: ولِمَ لمْ تَقُل لي ؟! فقال خطيب ابْنَتِهِ سألتني عن كلّ شيء إلا عن دينِك !!! أين قوله تعالى:
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾
[سورة البقرة]
لذا أيُّها الإخوة، اقرؤوا القرآن وتدبَّرهُ، واعْمَل به، من أجل أن يكون هذا الكتاب غِنًى لنا لا فقْر بعده





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:19 PM   #399


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس السابع




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الثانية والثلاثون، والتي بعدها من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾
[سورة محمد]
حيثما وردَتْ هذه الآية في كتاب الله تعالى ؛ فهي تعني أنَّ الله تعالى يُخاطِبُ عِبادَهُ وكأنَّهُ يقول لهم: يا من آمنتم بي، ويا مَن آمنتُم بِقُدرتي، ويا من آمنتُم بِوَحدانِيَّتي، ويا من آمنتُم بِغِناي، ويا من آمنتُم بِحِكمتي، اِفْعَلوا ما أقول لكم، فأتن إذا آمنتَ بالله ينبغي أن تفْعَلَ شيئًا مُتَمَيِّزًا، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
[سورة محمد ]
العلماء قالوا: حينما تأتي مثل هذه الآية فالمَقصود أن تُطيعَ الأوامِرَ في كتاب الله، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[سورة الحشر]
هناك دَعْوَة مَشْبوهة، ومُنْحرِفَة أشدَّ الانحراف، تقول: يَكفينا كِاتب الله !! ومع أنَّ السنّة سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام وَحيٌ غير متْلُوّ، لقوله تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)﴾
[سورة النجم]
مِن أين تَعْرفُ نِصاب الزَّكاة من دون السنَّة ؟ ومِن أين تعرف عدد الصَّلوات الخمس وسُنَنَها مِن غير السنَّة وأحكامٌ كثيرة جدًّا جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام بِوَحْيٍ مِن الله، فالقرآن فيه الكُلِيَّات، والسنَّة فيها التَّفاصيل، فَكُلّ مَن يَدعو إلى الاكْتِفاء بالقرآن الكريم هو يُخالفُ القرآن الكريم، وهذه الآية دليل، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
[سورة محمد ]
أيْ أطيعوا الله في قرآنِهِ، وأطيعوا الرسول في سنَّتِهِ.
مِن لوازِمِ طاعة رسول الله، حسْب القاعدة الأُصوليَّة: ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجِب، فالصَّلاة فرْض، وكذا الوُضوء، لأنَّ الصلاة لا تتِمُّ إلا بالوُضوء، يقول الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
[سورة محمد ]
كيفَ تسْتطيع أن تُطيعَ رسول الله إن لم تعْرِف سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا أمْرٌ يقْتضي الوجوب وعندنا مُباح ومندوب ومكروه ومحرَّم، فالأمْر يقتضي الفرْضِيَّة، والنَّهي يقْتضي التَّرْك والمندوب أقلّ مِن الفرض، ومكروه أقلّ مِن الحرام، والوسَط هو المُباح فما مِن شيءٍ في الحياة إلا ويتعاوَرُ عليه هذه الأحكام الخمْسة ؛ أمْر نَدْب ومباح ومكروه ومُحَرَّم، كيف نعرِف الأمْر ؟ مِن فِعل الأمْر، كلّ أمْرٍ يقتضي الوُجوب، وإن أرَدْتَ أن تُنَفِّذ هذا الأمْر عليك أن تفْهم فَحْوى هذا الأمْر، مِن هنا كان طلبُ العِلم فريضةٌ على كلّ مسلِم ؛ لأنَّك لن تستطيعَ أن تعْبُدَ الله إلا إذا عرفْتَ أمْرَهُ، كما أنَّهٌ لن تسْتطيع اتِّقاء ارْتِفاع الضَّغْط إلا إذا عرفْتَ أنَّ ضَغْطَكَ مُرْتَفِع، فالعِلْم هو أوَّلُ شيءٍ، كيف يُعالِجُ الطبيب المريض ؟ يقول له: حلِّل ‍، كيف يأمُره وينْهاه؟ ينبغي أن يعرف حالهُ، وأنتَ لن تستطيعَ أن تُطيعَ الله عز وجل إلا إذا عرفْت أمْر الله فأنْ تحْضر مَجلس العِلم كي تعرف الأمْر والنَّهي هو فرض عَيْن وإنِّي أعْجَبُ مِمَّن يقول: ليس لي وَقت ‍!! فإذا كان الإنسان ليس له وقت لأخْطر شيء في حياته، فلو أنَّ مريضًا أُصيب بِمَرضٍ عُضال، وقال له الطبيب لا بدّ من أن تُجري تَحليلاً على النَّسيج، فقال المريض: أما الآن فليس لي وقت ! فكلمة مَشْغول تُقال للثانَوِيَّات، والفرْعِيَّات، أما في الحياة يوجد أساسيَّات، فكيانُكَ أساسهُ معرفة الله عز وجل، فكلّ إنسان يقول: ليس لي وقت لِحُضور مجلس عِلْم، كَمَن يقول سأسوقُ سيَّارتي دون أن يتعلَّم أُصول السِّياقة، والحصول على الشهادة ؛ أنا أُعلِّق على كلمة: ليس لي وقت، الله عز وجل قال:
﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(7)﴾
[سورة التحريم]
أي إن لم تَكونوا مُتَفَرّغين، ومعرفة حقيقة الحياة الدنيا، ومعرفة مصيركم فماذا تعملون إذًا، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
[سورة محمد ]
أطيعوا الله في كتابه وأطيعوا رسول الله في سنَّتِهِ، فلا بدَّ مِن أن تعرف سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام، فآلاف وآلاف الأوامر التّفصيليّة التي تَجعل حياتَكَ سعيدة جدًّا وما مِن مشكلةٍ على وَجه الأرض إلا بِسَببِ مُخالفةٍ لأمْر الله، وما مِن مُخالفةٍ لأمْر الله إلا بِسَبب الجَهْل، والجَهل أعْدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل بِنَفْسِهِ ما لا يستطع عدُوٌّ أن يفْعَلَهُ به ! فأحد المزارعين كانت له نسبة رِبح في مزرعَتِهِ ثمان مائة ألف ليرة، مِن شِدَّة حِرصِهِ على الزِّيادة والنَّماء بدل أن يضَع كيلوا سميد، يضَع اثنان كيلو غرام، فإذا به يسْتيقظ صباحًا فيَجِد مَحصوله كلّه أسْوَد !! فالجَهل أعدى أعداء الإنسان، فهذا فعَلَ بِنَفْسِهِ ما لا يفْعَلُهُ أعداؤُه به ! فأنت إذا أردْت الآخرة فعَلَيك بالعِلم، وإذا أرَدْت الدنيا فعَلَيك بالعِلم، والمؤمن الصادِق يُبَرْمِج حياته وفْق مجالس العلم، وهناك من يَجعل هذه المجالس على الفراغ، والمفروض أنَّ حُضور هذه المجالس قبل كلّ شيء، كي تتعرَّف على دينك، وعلى سنَّة رسول الله، وإن شاء الله تعالى إن وفَّقنا الله لإنهاء التفسير ننتقل إلى دراسة سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾
[سورة محمد ]
هناك إنجازات جبَّارة في الأرض، وهذه إن لم تسْبِقْها معرفة الله عز وجل لا قيمة لها، قال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾
[سورة الفرقان]
لأنَّه ما آمن بالله، ولا آمَنَ بِرَسول الله، وما أطاع الله ورسوله، فالله تعالى أبْطَلَ عملهُ هناك تِجارات ليل نهار، ورواج مبيعات، ومخازِن، والمال حرام، والبِضاعة مُحرّمَة.
أيها الإخوة الكرام، سَلُوا تاجِرا أتى بِتِجارة، وسَهِر عليها خمْس سنوات ثمَّ ما ربِحَ، يقول: يا للخسارة، ويا لِهذه التِّجارة، يتألَّم كثيرًا، فإنسان يعيش ستِّين سنة أو أكثر ؛ بنى وتاجرَ، وكلّ عمله هباءً منثورًا، فإذا كان عملُكَ وِفْق المنْهج كان عِبادة، وإذا كان زواجُكَ وِفْق المنهَج كان عبادة أما العمل الذي هو خلاف منْهج الله لا ترْقى به، فهناك محلاَّت متسلسلة في منطقة باب الجابيَة أصْبحت كلّها بالدُّش ! لو عرفوا أنَّ هناك منهج لما فعلوا، حدَّثني أحدهم أنَّ أرباح أحد أصدقائه كانت ثمانيَة ملايين خِلال خمسة وأربعين يومًا ! خمور، ودعارة، والناس لا يعبئون إذا الأمر حلالاً أمْ حرامًا.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾
[سورة محمد ]
فالأُبوَّة عمل، والبنوَّة عمَل، وإتقان العمل عمل، والأمومة عمل، والمهنة عمل، ونفْع المسلمين عمل، وطلب العلم عمل.
أحدُ المُغَنِّيين فيما سَمِعتُ عنه ما ركِب طائرةً في حياتِهِ خَوف الموت وما تناوَل طعام العشاء إلا فواكِه، ثمَّ بعدها مات، وهو عنده عدَّة أغاني !! ماذا سيقول يوم القيامة ؟! قال تعالى:
﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)﴾
[سورة محمد ]
ابْحَث عن عملٍ صالحٍ، وعن عملٍ ترقى به، يا رب أنا علَّمتُ علمًا، ووزَّعْتُ المال على الفقراء، وراعيتُ الأيتام ؛ هذا الذي ترقى به، فالأصل أن يتحرَّى الإنسان في دَخلهِ، وكلمة تُبطوا أعمالكم مركز ثقل الآية، قال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾
[سورة الفرقان]






والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-07-2018, 01:21 PM   #400


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة محمد ( 47 )

الدرس الثامن




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية الرابعة والثلاثون من سورة محمَّد صلى الله عليه وسلَّم، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)﴾
[سورة محمد]
يُقابلُ هؤلاء آمنوا ودَعوا إلى الله تعالى، يُسْتنبطُ من هذا حقيقة، وهو أنَّ شيءٍ يسْتَقِرُّ في القلب فلا بدَّ أن يُعَبِّر عن ذاته، فالضال يُضِلُّ، والفاسِد يُفْسِد والمنحرِف يدعو إلى الانْحِراف، والبخيل يدعو للبُخل، وكلّ إنسان إذا اتَّصَفَ بِصِفَةٍ مِن دون أن يدْري يَدعو الناس إليها، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾
[سورة محمد]
معنى ذلك أنَّك إذا رأيْتَ إنسانًا كافرًا أو عاصِيًّا أو فاسِقًا، أو فاجِرًا هل تستطيع أن تَحْكُم على نِهايَتِهِ ؟ باب التوبة مفتوح، ولعلَّهُ يسْبقُك ؛ هذا يدْعوك إلى أن تحْتوي الناس جميعًا، وإلى أن يتَّسِعَ قلبُكَ إلى كلّ الناس، وهذا يَدعوك إلى أن تتبرَّم بالناس، قال تعالى:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159)﴾
[سورة آل عمران]
أحيانًا يُنْعِمُ الله على الإنسان بِنِعمة الإيمان، ونِعمة الهُدَى والطاعة، فإذا رأى عاصِيًا يشْمئزُّ منه، ويبتعِدُ عنه ويحْتقِرُهُ، فالأكْمَل أن تراهُ أخاك في الإنسانِيَّة، وأن تَحْتَوِيَهُ، وأن تَدُلَّهُ على الله، والدليل قوله تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ(6)﴾
[سورة التوبة]
شارِبُ خمْرٍ أسْمِعْهُ كلام الله، أحدُ الجُهَّال قال لِوَاحدٍ من الناس: سأَعِظُكَ بِغِلْظة، فقال الموعوظ: ولِم الغِلظة يا أخي، لقد أرسَلَ الله مَن هو خير منك، إلى مَن هو شرٌ مِنِّي ! أرْسَلَ موسى إلى فرعون، ومع ذلك قال تعالى:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44)﴾
[سورة طه]
الإنسان إذا دعا إلى اله عز وجل يَحتاج إلى حِكمة بالغة، لِيَشُدَّ الناس إليه، لأنَّه مائة تصرُّف ذَكِيّ ودقيق ومخْلصٍ وحكيم يشُدُّ إنسانًا طريق، وتصرُّف أحمق واحِد يبْعِدُهُ عن طريق الإيمان، فَمَن أمَر بِمَعروف فلْيَكن أمْرُهُ بِمَعروف.
قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(161)﴾
[سورة البقرة]
فالإنسان ما دام لم يمُت فلعلَّهُ يتوب، والإنسان مُهيَّأ أن يتوب، ووالله أيُّها الإخوة، في تَجربتي المتواضِعة للدَّعوة إلى الله، نحو عشرة أشخاص في السَّنوات الماضِيِّة وقالوا جميعًا بِصيغة أو بأُخرى: لا يوجد معْصِيَة في الأرض إلا واقْتَرَفناها، ثمَّ اصْطَلحوا مع الله وتابوا إليه.
إذا رجَعَ العبد إلى الله، نادى مُنادٍ في السماوات والأرض أنْ هنئوا فلانًا فقد اصْطَلَحَ مع الله، عبدي لو بلغَت ذنوبك عنان السَّماء غفرتها ولا أبالي وللَّه أفرحُ بِتَوبة عبدِهِ من الضال الواجِد والعقيم الوالد، والظمآن الوارد فالعِبرة أن تسْتَدْرِك وأنت حيّ، وتُقْلِع وفي الحياة بقيَّة، وأن تنْدم وفي العُمُر مُتَّسَع من الوقت، أما عند النِّزاع والغرغرة فلا قيمة للتَّوبة، قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)﴾
[سورة المؤمنون]
لأنَّه عند الموت، يكْشف الله عن كلّ إنسانٍ غِطاءهُ، قال تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ(22)﴾
[سورة ق]
الرؤية التي رآها أعلى المؤمنين يراها أكْفرُ الكافرين عند الموت، أما الرؤية الثانية فهي رؤية الكافر، وهي تزيدُهُ ندمًا ؛ لأنَّه ينْدم أشدُّ النَّدَم، قال تعالى:
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ(2)﴾

[سورة الحجر]
ربما لا تُفيد التَّقليل، ولكن تُفيد التَّكثير قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)﴾
[سورة محمد]
هؤلاء مُخلَّدون في النار إلى أبد الآبدين، لذا نحن في بَحبوحَتَين ؛ نحن في بَحبوحة طاعة رسول الله، وفي بَحبوحة الاسْتِغفار، فلو أنَّ الإنسان وِفق منْهج رسول الله، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33)﴾
[سورة الأنفال]
بيوتٌ إسلامِيَّة، واحْتِفالات إسلامِيَّة، وأعيادٌ إسلامِيَّة، وزواجٌ إسلامي وبيعٌ وشراء إسلامي، فالحركات والسَّكنات كلُّها إسلامِيَّة، فما دامتْ سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام مُطبَّقة في بيوتنا فلن يُعذِّبنا الله تعالى، أما حينما تُقامُ عُقود القران في الفنادق الكبرى، وتأتي الراقصات، فهؤلاء يُعذِّبهم الله عز وجل.
قال تعالى:
﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)﴾
[سورة الحجرات]
قد يُصاب الإنسان بِمَصائب كثيرة، ولكنَّ أكْبر مصيبة أن يقَعَ في الهَون وأن تَضْعُفَ نفسُهُ، والرَّجُل المؤمن يتلقَّى كلَّ المصائب بِصَبْر شديد، لأنَّه يعْلم هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء، ومنزل ترَحٍ لا منزل فرحٍ، فمَن عرفها لم يفرح لِرخاء، ولم يحْزن لِشَقاء، قد جَعَلها الله دار بلْوى، وجعل الآخرة دار عُقبى.
أحدُ التابعين الأجِلاَّء كان لا بدّ مِن قَطع رِجْله، فقال: إن أخذَ الله واحِدَة أبْقى لي ثلاثًا، ففي اليوم نفسِهِ مات ابنُهُ وأنجبهم، فقال: إن أخذ لي واحِدًا أبْقى لي خمسًا ‍‍!! لذا الدُّعاء النبوي الشريف: اللَّهمّ هب لنا من خشيتنا ما تحول بيننا وبين معْصِيَتِك، ومن طاعتك ما تُبلِّغُنا بها جنَّتَك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، فالمصائب عندنا المؤمن تقَع وكأنَّها لم تقَع.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾
[سورة آل عمران]
فهل تقبل دولة عُظمى الإهانة من دولة لا قيمة لها ؟ فأنت إذا كنتَ مع الله عز وجل فاسْمَع قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ(173)﴾
[سورة الصافات]
الخيل والليل والبيْداء تعرفني والسَّيف والرُّمْح والقرْطاس والقلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدَبي وأسْمَعَتْ كلماتي مَن به صَمَمُ
أنامُ ملء جُفوني عن شواربها ويسْهر الخلق جرَّاها ويخْتَصِمُ
في طريقِهِ إلى حلب فاجأهُ لُصوص، فولّى هاربًا، فقال له غلامُهُ: ألم تقل الخيل والليل والبيداء تعرفني ؟ فنظر إليه وقال: قَتَلْتني قتلَك الله ! فعاد فقَتَل حتَّى قُتِل !! فالكلام سَهل، فأشَدُّ الناس بُخلاً يتبجَّحون بإنفاقهم، وأشَدُّ الناس جهلاً يتبجّحون باطِّلاعاتهم، فقَضِيَّة الكلام سَهلة، أما مع القرآن فالكلام لا ينفَع، فالكتب المؤلَّف في كلّ العالم في جانب، وكلام الله في جانب آخر ! دخل مغنِّي شَهير جدًّا إلى مكْتبة فلفَتَ نظرهُ إلى كتاب، قال: أعْطِني هذا الكتاب، ثمَّ سأل من مؤلِّفُهُ ؟ فقال صاحب المكتبة مُشيرًا إلى السماء أنَّه الله تعالى ! فأخذَهُ وأراد أن يدْحضَ هذه الفِرْيَة، فعكَفَ على دراسَتِهِ لِيُظْهر كذب هذا القول ؛ فإذا بِهِ يُسْلِم، وكلّ أمواله أنفقها لِشِراء أُسْطُواناته لإتْلافِها ! اسمُهُ يوسف إسلام، فالله يقول لك:
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(51)﴾
[سورة غافر]
كلام خالق الكون، وهذا في الدنيا، فأنت إن كنتَ مؤمنًا حَقًّا فالله وعَدَك بالنَّصْر في الدنيا، وهذا في كلّ المعارك، وفي أيِّ صِدام، فالله معك.
قال تعالى:
﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ(35)﴾
(سورة الحجرات)








والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 06:33 PM