تفسير سور القران الكريم كاملا - الصفحة 35 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي ( الاعجاز العلمي و البياني وتفسير الآيات والعلوم القرآنية)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 04-01-2018, 01:16 PM   #341


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الثامن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، ما من آيةٍ في كتاب الله تعالى أرجى من قوله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
أسرفوا على أنفسهم، فعلوا كلَِّ المعاصي ليلا و نهارًا كبيرَها و صغيرَها، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
القانطُ عند الله كافرٌ، و الذي ييأس من رحمة الله كافرٌ، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
و في الحديث القدسي، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَة* ))

[رواه الترمذي]

عندي لك الصلحُ وهو بِرِّي و عندك السيفُ و السِّنانُ
ترضى بأن تنقضي الليالي وما انقضتْ حربُك العوانُ
فاستحِ من كتابٍ كريــم يُحصِي به العقلُ و اللسانُ
واستحِ من شيبةٍ تراهــا في النار مسجونة تُهــان

قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
و قال عليه الصلاة و السلام

(( عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ * ))

[رواه البخاري]
أعرابيٌّ يركب ناقته و يقطع بها الصحراءَ، عليها زادُه و شرابه، جلس ليستريح، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
((قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

[رواه مسلم]
اللَّه أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته.
قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا(28)﴾

[سورة النساء]
و ما فتح اللهُ باب التوبة لعباده إلا ليتوب عليهم، و ما أمر عبادَه أن يدعوه إلا ليستجيب لهم، و حسنُ الظنِّ بالله ثمنُ الجنة، قال لي أحدُهم: ليس هناك معصيةٌ ما عملتُها، و تاب إلى الله توبةً نصوحًا، و الآن يعيش حياةً فوق التصوُّرِ من السعادة، إذا قال العبدُ يا ربي وهو راكع، قال الله له: لبَّيك يا عبدي، فإذا قال يا ربي وهو ساجد، قال الله لبَّيك يا عبدي، فإذا قال يا ربي وهو عاصٍ قال الله لبَّيك ثم لبَّيك ثم لبَّيك، و لم يعلم المعرضون انتظاري لهم و شوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالُهم من حبي، و لماتوا شوقا إليَّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين ؟
هذا موقف الله تعالى، أهلُ ذكري أهلُ مودَّتي، و أهلُ شكري أهل زيادتي، و أهل معصيتي لا أُقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم و إن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لا أطهِّرهم من الذنوب و المعايِب، الحسنةُ عندي بعشرة أمثالها و أزيد و السيِّئة بمثلها و أعفو، وأنا أرأفُ بعبدي من الأمِّ بولدها "
قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(64)﴾

[سورة غافر]
و قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
إعراب " جميعا " توكيدٌ، كلُّ الذنوب مهما كثرت و مهما عظُمتْ، بشرط أن تأتيَه تائبا، و المشكلةُ في الذين يقولون:

﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)﴾

[سورة الماعون]
لكن تمام الآية "

﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)﴾

[سورة الماعون]
و لو أن الله قال: في صلاتهم ساهون، الإنسانُ يسهى أحيانا، أما عن صلاتهم اختلف الوضعُ قال تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
متى أغفر الذنوب جميعا و متى رحمتي سبقت غضبي، متى، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
متى، قال تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
إذا أنبتم و رجعتم و ندمتم و استغفرتم و تبتم و أصلحتم و أقلعتم و عزمتم، متى ؟ قال تعالى

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
أي استسلمتم لأمره و انصعتم لأمره و طبَّقتم أمرَه و تحرَّيتم الحلالَ و في الحديث: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
((قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَة* ))

[رواه الترمذي]
أيها الإخوة الكرام لا يجوز أن نقرأ آيةً و ندعَ الثانيةَ، قال تعالى:

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49)وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ(50)﴾

[ سورة الحِجر]
قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

[سورة الزمر]
وفي دعاء النبيِّ صلى الله عليه و سلم، يقول:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعِ سَخَطِكَ * ))

[رواه مسلم]
أحيانا التحليلُ يعطيك خبرَ البورم فيصبح الإنسانُ في كآبة و ألم، اللهم إنا نعوذ بك من فجاءة نقمتك.
أيها الإخوة الكرام، دقِّقوا في هذا الحديث، هذا كلام النبيِّ،عَنْ مُعَاذٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ
((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ قَالَ لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا * ))

[رواه البخاري]
هل تصدِّق أنك حينما تعبد اللهَ ينشأ لك حقٌّ على الله ؛ أن لا يعذِبك، و الله تعالى عنده ألوانٌ من العذاب لا يحتملها الإنسانُ، و هناك آلامٌ لبعض الأمراض لا يحتملها الإنسانُ، و بعضُ الذُّلِّ و الإهانة لا يحتملها الإنسانُ، و الفقرُ المدقع لا يحتمله الإنسانُ و يجعل حياة الإنسانِ جحيما أنت حينما تعبد اللهَ ينشأ لك حقٌّ على الله، أن لا يعذِّبك، وهناك دليلٌ آخرُ، قال تعالى:وَقَالَتْ

﴿ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾

[ سورة المائدة ]
قال العلماءُ: لو أن اللهَ أقرَّهم على دعواهم لما عذَّبهم، و هم ادَّعَوا أنهم أحبابُه، إذًا اللهُ سبحانه و تعالى لا يعذِّب أحبابَه، و أدَقُّ من ذلك قوله تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

[ سورة الجاثية ]
الدنيا قبل الآخرةِ، سواءٌ محياهم دنياك كمؤمن غيرُ دنيا الكافرِ، فيها طمأنينة و أمنٌ، قال تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾

[ سورة الأنعام ]
أين قوله تعالى:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48)﴾

[ سورة الطور ]
وقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ(38)﴾

[سورة الحج]
و أين قوله تعالى:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ٍسورة البقرة]
و أين قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ(11)﴾

(سورة محمد)
و أين قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96)﴾

[سورة مريم]
أنت تعامِل خالقَ الأكوانِ، أنت تعامل من بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ، أنت تعامل من إذا قال: كن فيكون، و في الحديث:عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ

((ْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[رواه مسلم]
موطِن الشاهدِ، الآيةُ الثانيةُ، قال تعالى

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
فارجِعْ إلى الله و اصطلِحْ معه و راجعْ حساباتك و سدِّدْ ديونَك، و استسمِح من اغتبْتَهُ و أدِّ ما عليك، و غُضَّ بصرَك، و ربِّ أولادَك و زوجتَك و أقِم الإسلامَ في بيتك و في عملك و انظُرْ كيف يعاملُك اللهُ، عبدي كنْ لي كما أريد أكنْ لك كما تريد، أنت تريد و أنا أريد فإذا سلَّمتَ لي فيما أريد كفيْتُك ما تريد، و إن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبْتُك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد "
فأوَّلُ آيةٍ قوله تعالى:

﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

[سورة الرعد]
و قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)﴾

[سورة الرعد]
ليس عنده استئناف، و قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

[سورة الزمر]
هو وزوجتُه و خمسةُ أولادٍ يمشون فإذا سائقٌ نائم قد اصطدم بهم، الزوجةُ ثلاثون كسرا، وولدان قد ماتوا، و هو مشلولٌ، هذه بغتة، فإذا كان الإنسانُ مستقيما فهو في حفظ اللهِ، قال تعالى:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾

[سورة الرعد]
الملائكة تحفظك، و قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ * ))

[رواه مسلم]
الملائكةُ موَكَّلةٌ بحفظك من كلِّ مكروهٍ و حادثٍ ومن كلِّ مشكلةٍ، ومن كلِّ بلاءٍ، الواحدُ استيقظ الصبحَ فلم يجدْ سيارَته، سُرِقتْ، و السيارةُ فيها تهريب الحشيش و انضبطتْ أودِع السِّجنَ لخمسِ سنواتٍ، لذلك لا تعجزْ عن ركعتين قبل الفجرِ أكفِك النهارَ كلَّه، و قال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ *))

[رواه مسلم]

(( فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقَعَدَ وَحْدَهُ فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ* ))

[رواه مسلم]
فأنت في ذمَّة اللهِ وحفظِه، و أنت مع خالقِ الكونِ، و المسجد بيتُه، و إن بيوتي المساجد.
قال تعالى:

﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)﴾

[سورة الزمر]
و قال تعالى:

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(42)خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(43)﴾

[سورة القلم]
و النبيُّ الكريمُ مرَّ على قبرٍ و قال: إن صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تنفلون في صلاتكم أحوجُ إليها من دنياكم كلِّها.." قال تعالى

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45)﴾

[سورة الطور]
فأيها الإخوةُ الكرامُ، ليس لنا حجَّةٌ، و قال العلماءُ هذه أرجَى آيةٍ في كتاب اللهِ، وفي الحديث السابق: لو بلغت ذنوبك عنان السماء، بشرط أن تكملها بأولها قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾

[سورة الزمر]
وإلا يأتيك العذابُ فجأةً و أنت لا تشعر






والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-01-2018, 01:18 PM   #342


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس التاسع





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآيةُ الكريمةُ السابعةُ و الستُّون من سورة الزمر وهي قوله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
النقطةُ الدقيقةُ هو أن النبيَّ عليه الصلاة و السلامُ حينما بُعِث إلى قريشٍ و إلى الأمةِ العربيةِ و إلى جميع الأممِ بدأ بتعريف الناسِ باللهِ، و بقيَ ثلاث عشرةَ سنةً يعرِّف الناسَ باللهِ، و الآياتُ المكيةُ كلُّها تقريبا تتحدَّث عن الكونِ، و في المدينة نزلتْ آياتُ التشريعِ، فالدعوةُ سلكتْ في مرحلتين، مرحلةُ التعريف بالآمرِ و مرحلة التعريف بالأمر، ونحن إذا أغفلنا المرحلةَ الأولى لا نفلح في دعوتنا أبدا، وهذه الآيةُ تغطّي هذا المعنى، قال تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
فكيف نقدِّر اللهَ حقَّ قدرِه ؟
تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ستِّين عاما، قال تعالى:

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾

[سورة القدر]
ألف ثمانين عاما تعبد فيها اللهَ عز وجل، خيرٌ منها أن تتعرَّف على الله عز وجل و أن تعظِّمه، ألم يقل سيِّدُنا موسى: ربِّ أيُّ عبادك أحبُّ إليك حتى أحبه بحبِّك، قال يا موسى أحبُّ العباد إليَّ تقِيُّ القلبِ نقيُّ اليدين لا يمشي إلى أحد بسوءٍ، أحبَّني و أحبَّ من أحبَّني و حبَّبني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبُّك و أحب من يحبُّك، فكيف أحبِّبُك إلى خلقِك ؟ قال ذكِّرْهم بآلائي و نعمائي و بلائي "
أنا أريد أن أبحث عن الخطوات العملية كي يقدِّر اللهَ حقَّ قدره، الله تعالى نفى عن هؤلاء التائهين الشاردين الغافلين العصاة المذنبين أنهم ما قدروا اللهَ حقَّ قدره، إذا الإنسانُ مجنَّدٌ في العسكرية و لمحَ لواءً في الطريق يحيِّيه أقوى تحيَّةٍ، أما إذا لمحه مدنيًّا لا يعرف ما هي الرُّتبُ لا يقدِّره، من يقدِّر؟ من ينظَمُّ لهذا السلك، من يقدِّر أكبرَ جرَّاحِ قلبٍ في العالَمِ ؟ أطبَّاءُ القلب، من يقدِّر أكبرَ مهندسٍ ؟ المهندسُ، أنت لن تستطيع أن تقدِّر إلا إذا تأمَّلتَ و تعرَّفتَ، و ماذا تعني الآياتُ ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)﴾

[سورة البقرة]
إن أردتم صيغةً عمليةً لأن تقدِّر الله حقَّ قدره، الجوابُ: تفكَّرْ في خلق السماوات و الأرض، فكلما تفكرتَ في خلق السماوات و الأرض قدَّرت الله حقَّ قدره، بل إن الكونَ بمجرَّاته و مذنَّباته و كواكبه ونجومه، و المجموعة الشمسية و التي نحن فيها و الأرض بما فيها و ما عليها و ما في باطنها و بجماداتها بأنهارها و جبالها ببحورها و نباتاتها و حيواناتها، هذا الكونُ أوسعُ بابٍ تدخل منه إلى معرفة الله و أقصرُ طريقٍ تعبُره كي تصل إلى الله، و لا حاجةَ لإعادة بعض الآيات الكونية، أنا ذكرتُ لكم قبل عامٍ أن إحدى محطَّاتِ الأخبار العالمية أذاعتْ الخبرَ التالي: أُرسِلتْ مركبةٌ إلى الفضاء الخارجي بأعلى سرعةٍ صنعها الإنسانُ أربعين ألفَ ميلٍ في الساعة، بقيتْ تسير في الفضاء الخارجي ستَّ سنواتٍ، وصلتْ إلى قريب المشتري، و على هذه المركبة مرصدٌ عملاق، رصد قبل عام أبعدَ مجرَّةٍ كُشِفتْ للإنسانِ، الرقم بسيطٌ جدا ثلاثمائة ألف بليون سنة ضوئية، و الضوءُ يقطع في الثانية ثلاثمائة ألف كيلومتر، قال تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)﴾

[سورة الواقعة]
انتقِلْ إلى الشيء الصغيرِ ؛ الحُوَيْن المنوي، الإنسانُ في اللقاءِ الزوجي يفرز خمسمائة مليون حُوَيْن، تحتاج البُوَيْضةُ إلى حوَيْن واحدٍ، و في الحوين الواحد موادٌ خمسة آلاف مليون معلومة مُبرمجة، على نُوَيَّة الحوين المنوي، قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3)﴾

[سورة يونس]
قال تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
إن أردتم الصيغةَ العمليةَ لأن تقدِّر اللهَ حقَّ قدره، فإذا عرفت اللهَ عز وجل، تعُدُّ للمليون قبل أن تعصيَه، و إذا لم تعرفه تبحثُ عن فتوى من أجل أن تعصيَه، لذلك من عرف الأمرَ قبل الآمرِ تفنَّن في التفلُّت من أمر الآمرِ، و من عرف الآمرَ قبل الأمرِ تفانى في طاعته، أنت الآنَ جندي في الثكنةِ جاءك أمرٌ من سبعةٍ، من ثمانية ونجمتين أو أكثر من ذلك، فكلما صعدتْ الرتبةُ تندفع كلمح البصر إلى تنفيذ الأمرِ، هذا في السلك العسكري، و قد قيل: لا تنظر إلى صِغر الأمر و لكن انظُر إلى على من اجْترأْتَ، اجترأْت على الله خالق الكون.
آيةُ اليوم قوله تعالى:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[سورة الزمر]
كيف أقدِّره حقَّ قدره ؟ لو أمضيتَ العمُرَ كلَّه في التدقيق في آيات الله في جسمك لا تنتهي، و الذي هو أقربُ شيء إليك، ثلاثمائة ألف شعرة و كلّ!ُ شعرةٍ فيها وريد و شريان و عصب و عضلة، غدَّة دهنية و غدة صبغية، و العين مائة و ثلاثون مليون عُصيَّة و مخروط في الشبكية من أجل نقل أدقِّ تفاصيل الصورة الملوَّنة، ثم انظُر إلى الدماغِ، أربعة عشر مليار خلية قشرية، ترتكز على مائة و أربعين خلية سمراء لم تُعرَف وضيفتُها بعدُ و الذاكرةُ تحتوي في عمرٍ متوسِّط أربعين مليار صورة مصنفة في أرشيف، منها البعيد و المتوسط و القريب و شيء يُمحَى
أتحسب أنك جِرم صغير و فيك انطوى العالم الأكبرُ
فجسمك وحده يمكن أن تعرف اللهَ من خلاله، طعامك، قال تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(32)﴾

[سورة عبس]
هذا البطِّيخ الذي نأكله في الصيف، كيف يعرف الفلاحُ أنها استوتْ ؟ الله تعالى جعل فيها حلزونا أخضرَ تمسكه و تضغطُه إذا انكسر معناها أنها استوتْ، ما انكسر اترُكْها، علامة راقية جدًّا، و العنب مهما هبَّتْ عليه الرياحُ لا يسقط، وهو محمولٌ بأربطةٍ متينةٍ جدًّا، فكِّرْ في البيض و الدجاج و الحليب و الخضر و الفواكه و القمح الذي فيه أربعة آلاف و خمسمائة نوع من القمح، أحدُ إخواننا الدكاترة في الجامعة قال لي: خمسة و أربعون ألف نوع من القمح تنبت في رؤوس الجبال و الأغوار و في كلِّ المناطق، لأنه أساسي، فإذا أردتَ أن تقدِّر اللهَ حقَّ قدره عليك أن تتفكَّر، قال تعالى:

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ(5)خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)﴾
و قال تعالى
﴿فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(32)﴾

[سورة عبس]
و قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ(20)﴾

[سورة الغاشية]
وقال تعالى:

﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

[سورة يونس]
و قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)﴾

[سورة البقرة]








والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-01-2018, 01:21 PM   #343


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس العاشر



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيُّها الإخوة الكرام ؛ الآياتُ الأخيرة من سورة الزمر وهي قوله تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
معنى :
﴿ زُمَراً ﴾
الزناةُ زمرةٌ ، والشَّاذون زمرةٌ ، وأكِلوا الربا زمرةٌ ، والكذَّابون زمرةٌ ، والمحتالون زمرة ، والقتلةُ زمرة ، والمجرمون زمرة ، والمستغلُّون زمرة .
كلُّ عمل فيه إيذاءٌ للبشر يُعدُّ عملا شرِّيرا يُجمع أصحابُه زمرةً واحدةً .
(( الخلقُ كلُّهم عيالُ الله تعالى ، فأحبُّهم إلى الله عز وجل أنفعُهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى والحارث في مسنده ]
قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الذين كفروا هم الذين كذَّبوا و أعرضوا ، فإعراضُهم كفرٌ و تكذيبُهم كفرٌ هناك من يكذِّب و يعرض و هناك من لا يكذَّب ولكنَّه يعرض فإعراضُه سببُ كفرِه .
أيها الإخوةُ في آية أخرى يقول الله تعالى :
﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة التغابن الآية : 1 ]
قال بعض العلماء : سبَّح أي نزَّهَ ومجّد وخضعَ ، وأضاف بعضُهم أن الخضوعَ علامةُ التسبيح والتمجيد ، فمن لم يخضع لم يسبِّح ولم يمجِّد ، فالإيمانُ علامتُه الخضوعُ ، قال تعالى :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت الآية : 30 ]
علامةُ صحَّة إيمانهم استقامتُهم ، قال تعالى :
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾

[سورة فصلت الآية : 33 ]
علامةُ إخلاص الدعوةِ العملُ الصالحُ ، قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الضيفُ الكبيرُ تُفتَح له الأبوابُ قبل أن يأتي ، أما المسجونُ يصل إلى باب السجن بعد أن يصل يُفتَح له البابُ و يُدفَع إلى داخله دفعًا ، قال تعالى
﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
لا أعتقد شعورا يرُدُّ النفسَ كشعور الندم ، قال تعالى :
﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
من " للتبعيض " أي من بني جلدتكم ، من البشر ، و لولا أن الرسلَ تجري عليهم كلُّ خصائص البشر لما كانوا سادةَ البشرِ ، والرسولُ بشرٌ يجوع و يعطش ويغضب ويرضى ويشتهي ، لكنَّه انتصر على بشريته وحلَّق إلى مقامٍ رفيعٍ ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
و رسلُ الله عز وجل حجَجٌ على بني البشر ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
يقول الواحدُ ، أنا لا أعمل هذا العملَ ، لستُ نبِيًّا ، ولم يعلم أن اللهَ أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، قال تعالى :
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة هود الآية : 112 ]
أيها الإخوةُ الكرامُ ؛ هناك في اللغة بحثٌ اسمه " التفضيل" لا يُفضَّل من فعلٍ غيرِ قابلٍ للتفاوتِ ، أنت لا تقلْ : فلانٌ أموتُ من فلان ، لأن الموتَ حالةٌ واحدةٌ ، أما تقول : فلان أغنى من فلان ، وفلان أكبر وأطول وأعلم ، تستخدم اسمَ التفضيلِ للأفعال القابلة للتفاوتِ ، أما اسمُ التفضيل من فعلٍ غيرِ قابلٍ للتفاوتِ لا يُصاغُ منه اسمُ التفضيل ، الاستقامةُ غيرُ قابلةٍ للتفاوت ، وهي حدِّيةٌ ، أما عدم الاستقامة فنسبيَّةٌ ، واحد يزني بعينيه ، واحد بلسانه وواحد بيده واحد بفرجه ، والكلُّ زنا ، ولكنه متفاوِتٌ ، الانحراف حدِّي ، أما المستقيم فحالةٌ واحدةٌ ، يستوي في استقامته القرشُ مع المليون ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( إنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))

[أخرجه مسلم والترمذي]
قال تعالى :
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة هود الآية : 112 ]
و الحقنةُ التي يأخذها أعلى طبيب في العالم يجب أن يعقِّمها كما يعقِّمها أصغرُ ممَرِّضٍ في العالم ، فالنبيُّ له عند الله مقامٌ كبيرٌ جدًّا ، أما الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الله عز وجل أرسل الرسلَ وبعث الأنبياء ووزَّع دعاةً في الأرضِ ، كلُّ هؤلاء لنشر الحقِّ ، ولإقامة الحجَّة على الإنسانِ ، أرسل الرسلَ و بعث أنبياءَ ووزَّع دعاةً في شتَّى بقاع الأرض ، هؤلاء ينوبون عن الأنبياء في تبليغ الناس الحقَّ ، هؤلاء حججٌ لله على خلقه ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
الآياتُ أنواعٌ :
- الآياتُ الكونية .
- الآيات التكوينية .
- الآيات القرآنية .
الكونية خلقُ السماوات والأرض .
التكوينية أفعالُ الله عز وجل .
القرآنية كلامه .
على كلُّ هذه الآياتُ تشير إلى الله ، و إلى وجوده وإله وحدانيته وإلى كماله ، قال تعالى :
﴿ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
هذا اليومُ الذي لا مندوحةَ منه ، سمَّاه الله الواقعةَ والطَّامَّةَ والحاقَّةَ ويومَ الفصل ، يوم الدين ، يوم الجزاء ، يوم القيامة ، قال تعالى :
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[ سورة الحاقة الآيات : 19-24 ]
وقال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي * يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴾

[ سورة الحاقة الآيات : 25-32 ]
قال تعالى
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
قوانينُ الله تعالى انطبقتْ على هؤلاء الذين ضلوا و أضلوا فاستحقوا العذاب .
هذا الموقف العظيمُ الذي يُعدُّ الذكيُّ والعاقلُ والفائزُ من ينجو في هذه الساعةِ ، الغنيُّ في ثانية واحدة يصيرُ خبرًا ، قُطِعتْ سيارتُه لتُخرَج جُثَّتُه البطولة عندما تلقى اللهَ عز وجل ، و أن تنجوَ في ذلك اليومِ ، قال تعالى
﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 72 ]

أيُّ تكبُّرٍ هذا ، تكبَّروا عن معرفة الله ليس عندك وقتٌ لتعرف الله عز وجل و تحضر مجلسَ العلم ، و لا أن تعرف آخرتَك و لا إلى أين أنت سائرٌ ، أما أن يتابع مسلسلا إلى الساعة الواحدة ليلا ، قال تعالى
﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 72 ]
تكبروا عن معرفة اللهِ و عن طاعته و عن قبول منهجه ، يفعل كلَّ شيءٍ وهو يحسب أنه يحسن صنعا ، قال تعالى :
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
أيها الإخوة الكرام ؛ يقال : دقيقةُ الألم ساعةٌ ، وساعةُ اللذَة دقيقةٌ ، والإنسانُ أحيانا يُمضي عشرَ ساعات وهو لا يشعر ، إذا كان مع أحبابه في مكان جميل ويأكل أطيبَ الطعام في مرحٍ و سرور ، أما حينما يؤلمه سِنُّه يقول : مضتْ عليَّ ليلةٌ مثل السنةِ ، هذا في الدنيا ، وهذا القرآن كلام من ؟ فإذا كان الإنسانُ شاكًا في كلام الله فليُعِدْ بناءَ إيمانه إذا كان ممكنًا أن يكون هذا الكلامُ غيرَ صحيحٍ فليؤمِنْ بالله و أسمائه الحسنى و بكلامه و قرآنه .
أيها الإخوةُ الكرام ؛ خبرٌ في الجريدة أربع أسطرٍ يُنزِّل سعرَ السيارةِ مائتي ألف ، الناسُ يصدِّقون تصريحاتِ أولي الأمرِ ، وخالقُ الكونِ لا تصدِّقه ، فكيف لو أن الإنسانَ يقرأ كلام الله ، هذا مصير الكافر ، إلى النار و إلى أبد الآبدين ، لذلك قال أحدُ العلماء عندما قرأ حديثا استغنى به عن كلِّ حديثٍ ، قال فيه علمُ الأولِّين و الآخرين ، و قال : اِتَّقِ النارَ بقدر صبرك عليها ، و اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها ، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها ، و اتقِ اللهَ بقدر حاجتك إليه " لأنه كلُّ مخلوقٍ ، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 71 ]
غدًا إن شاء الله نتحدّث عن آيات المتقين ، قال تعالى
﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾

[ سورة الزمر الآية : 73 ]








والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-01-2018, 01:23 PM   #344


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالزمر ( 39 )

الدرس الحادى عشر



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، البارحة الآياتُ كانت حول أهلِ النار الذين يُساقون إلى النار زمرا بحسب معاصيهم، و اليومَ، قال تعالى:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)﴾

(سورة الزمر)
أيضا الذين دعوا إلى الله و الذين رعوا الأيتامَ و الذين تصدَّقوا بأموالهم و الذين أصلحوا بين الناس و الذين أدَّوا العباداتِ أداءً متقَنا، و الذين جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله، أنواعُ الخيرِ لا تُعدُّ و لا تُحصَى بعضُهم قال: الطرائِقُ إلى الخالق بعددِ أنفاس الخلائقِ، وكلُّ إنسانٍ بإمكانه أن يصل إلى الجنَّة من بابٍ، فالأمومة الصحيحةُ، و هي الأم التي ربَّت أولادها و بناتها و اعتنتْ بهم و أحسنتْ رعايةَ زوجها تدخل الجنةَ، و أبٌ اعتنى بأولاده و ربَّاهم تربيةً صحيحةً و زوَّجهم و اعتنى بهم يدخل الجنةَ، و البنُ البارُ لوالديه يدخل الجنَّةَ، و الإنسان الذي عمل عملا متقنا أخلص فيه إتقانه و نصح المسلمين، و لم يقسُ عليهم يدخل الجنةَ، و أصحابُ الحرفِ و التجارات مع الصدِّقين يوم القيامة، فلا يتوهَّم الواحدُ أنه حتى يطلع المنبرَ، أو يصير عالما، هذا أحد فروع الدين، فكلُّ إنسان باختصاصه و مهنته و تجارته و صناعته و الزوجة المثالية، و في الحديث
:(( أيما امرأة ماتت و زوجُها عنها راضٍ دخلت الجنةَ.))"
اِعلمي أيتها المرأةَ و أعلِمي من وراءك أن حسنَ تبعُّل المرأة زوجَها يعدل الجهاد في سبيل الله، و قد ورد في الحديث الشريف: قابل اللهَ في برِّهما..." فيمكن أن تلقى اللهَ عز وجل و ليس لك عمل إلا برُّ الوالدين، و الزوجة و الأب و الأم،ضمنَ البيتِ كلُّها مداخلُ للجنة دخلتَ إلى عملك، و عملك مشروعٌ و سلكتَ به الطرقَ المشروعةَ، و ما كذبتَ و لا دلَّستَ و لا غششْت و لا احتكرتَ و لا أوهمتَ، و أردتَ به كفايةَ نفسك و أهلك و خدمة المسلمين، و لم يشغلْك عن الصلاة و لا عن الصيام و لا عن طلب العلم، هذا العملُ ينقلِب إلى عبادةٍ، فكيفما تحرَكتَ يمكن أن تجعل من عملك في بيتك و أن تضع اللُّقمةَ في فم زوجتك هي لك صدقةٌ، و أن تدخل على أولادك الفرحَ، و أن تعودَ مريضا و أعنتَ ضعيفا، و أفرغت من دلوك في دلو المستسقِي و أعطيت دورَك لإنسانٍ كبيرٍ في السنِّ، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

(سورة الزمر)
هناك من يتقي اللهَ و يجتنب المعاصي، وهناك من يتقي سخطَ الله و هناك من يتقي سخطَ الله، و هناك من يتقي معصيته، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

(سورة الزمر)
الذين عملوا بفكرهم بمؤلفات نشر بها الحقَّ، إنسان بنى مسجدا، و إنسان حافظ على سلامة قلبه و لم يكن في قلبه غلٌّ، كلُّ هذه الأعمال مقبولةٌ عند الله، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾

(سورة الزمر)
فُتِحت لهم من قبل تكريما لهم.
ذكرتُ لكم البارحةَ أن الضيوف الكبارَ هناك تهيئةٌ لهم، يأتي الضيفُ إلى المطار و يدخل قاعة الشرف وهي مهيَّأةٌ و المركبة جاهزة و القصرُ جاهزٌ و كلُّ شيءٍ جاهزٌ قبل أن يأتي، أما المجرمون فيُساقون إلى السجنِ و في الطريق يُضرَبون و يقفون و يُفتَح لهم بابُ السجن بعد أن يصلوا، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾

(سورة الزمر)
فالله تعالى سمَّاها دارَ السلامِ ليس فيها مشاكلُ كالدنيا، حتى على المستقيمين في الدنيا تلحقهم المشاكلُ، مشكل الهرم والمرض و الشيخوخة..، إن هذه الدنيا دارُ ابتلاءٍ لا دارُ استواءٍ منزلُ ترحٍ لا منزلُ فرحٍ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء و لم يحزن لشقاء، أما الجنّةُ دارُ سلامٍ، لا كبَر و لا شيب شعرٍ، شبابٌ دائمٌ و لا مرض و لا حزن و لا فقر و لا قلق ولا خوف و لا قهر و لا زلزال، أكبر ثلاث شركات في اليابان دمَّرتها الزلازلُ، و فيها حوادث السير، و الإيدز، خمس و ثلاثون مليون مصابًا، الله تعالى سمَّى الجنَّة دار السلام، قال تعالى:

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾

(سورة الزمر)

انتهت المشاكلُ،قال تعالى:
﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)﴾

(سورة الزمر)
إلى أبد الآبدين، فهل تُضَيَّعُ الجنَّةٌ من أجل عشر سنوات في الدنيا ؟‍! حتى لا يتزوج الإنسانُ و يشتري سيارة و بيتًا كم يلزمه من السنين ؟ معقول أن يضيِّع الجنَّةَ كلَّها من أجل هذه السنوات المعدودة ؟
قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾

(سورة الزمر)
وعدُ الله كبيرٌ، و الله تعالى قال:

﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ(1)﴾

[سورة الفيل]
أنت لم تر، و لكنَّ اللهَ ينتظر منك أن تنزِّلَ خبرَه منزلةَ الرؤيةِ لمصداقيته، فالله عز وجل وعَدَ، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

[سورة القصص]
قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾

(سورة الزمر)
و قال تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(8﴾

[سورة التحريم]
قال تعالى:

﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾

(سورة الزمر)
أيَّةُ أرض ؟ قال بعضهم: لو لم نكنْ في الأرضِ و عرفنا ربَّنا و أطعناه لما دخلنا الجنَّةَ، و كيف الطبيب يأخذ يوميا خمسين آلاف ليرة لولا السنوات التي أمضاها في الجامعة، و السهر في الليالي، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾

(سورة الزمر)
و لولا أن جئنا إلى الدنيا، كانت فيها الشهوات و المنهج و الكون يدلُّ على الله، و الإنسانُ أُعطِيَ حرِّيةَ الاختيار، و لولا نظام الدنيا ؛ كونٌ مسخَّرٌ للإنسانِ تسخير تعريف و تسخير تكريم، عقلٌ يدلُك على الله و فطرةٌ تدلُّك على خطأك، وحرِّية اختيار تثمِّن عملك، منهجٌ يُعدٌّ ميزانا على الميزان، لولا هذه الأشياء في الدنيا لما كنا في الجنة، كما لو أن الإنسانَ تمتَّع بأعلى دخلٍ بدراسته الجامعية، و لولا الجامعة التي درس فيها ما كان في هذا الدخلِ قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
الآن نحن في المدرسةِ، وضعُنا مع ربِّنا يقرِّرُ مصيرَنا في الجنةِ، نحن في زمنٍ المؤمنُ يوم القيامة لا يندم إلا على شيءٍ وهو ساعةٌ مرَّتْ لم يذكر اللهَ فيها، هذا الوقتُ محسوبٌ علينا، كيف الواحد إذا كان في النُّزهة ـ السيران ـ ثلاث أو أربع ساعات مرتاح يفعل ما يشاءُ، أما لو كان في الامتحان فالوقتُ محسوبٌ عليه، وهو وقتٌ مصيري، ينبني عليه نجاحُه، وهل معقول أن ينظِّف الواحد في الامتحان ساعته و يشتغل بها على حساب امتحانه، الوقتُ ثمين جدا، و كلُّ دقيقة لها معنى، فوقت الامتحان وقتٌ خطيرٌ و مصيري، و أنت في الدنيا في امتحان، و الإنسانُ بضعةُ أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
الآيةُ الكريمةُ، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
قال تعالى:

﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ﴾

(سورة الزمر)
الآن الخلائقُ كلُّها علاقتُها مع الله ملخَّصةٌ في كلمةٍ واحدةٍ قال تعالى:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
كلُّ ما في الكونِ من زلازل ومن فيضانات و حروب و أمراض و فقر و من نزاعات و قهر و اجتياح، كلُّ المآسي، الخلائق تقول:

﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)﴾

(سورة الزمر)
من هنا قال الإمام الغزالي: ليس في الإمكان أبدعُ مما كان " و لو كُشف الغطاءُ لأصبتم الواقعَ، يقول سيدُنا عليٌّ: و اللهِ لو كُشِف الغطاءُ ما ازددتٌ يقينا، و لو علمتُ أن غدا أجلي ما قدرتُ أن أزيد في عملي "
أيها الإخوة الكرام، فإذا أدخل الإنسانُ الآخرةَ في حساباته اليومية يختلف وضعُه كلِّيا، يركل الدنيا بقدمه إذا كان فيها شبهةٌ، و يقبل مائة ليرة حلالا، يضيِّع الساعات في خدمة الخلق، لأنه محسوب عند الله تعالى، و إذا الإنسان ما آمن بالآخرة فله وضعٌ، و إذا آمن بالآخر و فله وضعٌ ثانٍ.
آخرُ مثلٍ ؛ أحدُ إخواننا يصلِّح المحركات، يفتح المحرك يجد فيه عطلا بسيطا يصلِّحه و لا يكلِّف شيئا، و لكنه يأخذ عليه خمسة آلاف، و بعد أن تاب إلى الله يأتيه المحرِّك مثل الأول عطلُه بسيطٌ يصلِّحه، ثم يأخذ عليه خمسة و عشرون ليرة، واللهِ أيها الإخوة قال لي أحدهم: أرجعتُ عشرين مليون ليرة لورثةٍ لا علم لهم بهذا المبلغ، تُوُفِي الأبُ في حادث و ترك هذا المبلغ عند هذا الشخص، تعرف اللهَ تصير أمينا صادقا كلُّ الأخلاق العالية تأتي من معرفة الله و من طاعة الله تعالى و من الخوف من حسابه.
أحدُ الفلاسفة الأجانب يقول: لا يمكن أن تكون الأخلاقُ دون أن تؤمن أنَّ لهذا الكون إلها يعلم و سيحاسب، حينما تؤمن أنَّ اللهَ يعلم و سيحاسب تستقيم






والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-02-2018, 08:22 AM   #345


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا







بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الاول

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الاول




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، مع الآية الواحدة و العشرين من سورة غافر، وهي قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)﴾

[سورة غافر]
الأدلة في معرفة الله ثلاثة، كونية و تكوينية و قرآنية، فالآيات الكونية خلقُه و التكوينية أفعالُه و القرآنية كلامُه، لذلك ممكن أن تعرف اللهَ من أفعاله، كيف يوفِّق المؤمنَ و يدمِّر الكافرَ، و كيف يُعلي قدرَ المؤمن و يذِلّ الكافرَ، سبحانه إنه لا يذل من واليتَ و لا يعَزّ من عاديتَ، قال تعالى:

﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾

[سورة غافر]
إذا الإنسانُ ذهب إلى مصرَ و نظر إلى الأهرامات شيْق صعبٌ تصديقُه، أحجار الأهرام نقلوها من صعيد مصرَ، و صعيدُ مصرَ يبتعد ألف كيلومتر، و ما كانت حاملات و لا ناقلات، فكيف نُقِلتْ هذه الأحجارُ ؟ ثم كيف نُقِلت من شطِّ النيلِ إلى محلَّةِ الهرمِ، ثم كيف رُفِعت ؟ شيءٌ لا يَصدَّق، و الفراعنةُ إذا دخل الإنسان إلى متاحفهم يرى فيها العجبَ العُجابَ، كان الملِك حينما يموت، كلُّ أصابعه تلبَّسُ ب أقنعة من الذهب الخالص، أنا رأيتها بأمِّ عيني، و مُحنَّطٌ، و قد مضى على موته ستَّةُ آلاف عام وهوهو، بل لعلَّ هذا من آيات الله، وإن فرعون موسى هو الذي حُنِّط وهو الذي أُخِذ إلى فرنسا قبل سنوات ليُعالَج من بعض التعفُّناتِ، قال تعالى:

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ(92)﴾

[سورة يونس]
فرعون موسى الذي أغرقه اللهُ في البحر الأحمر موجودٌ بكلِّ دقائقه في متحف مصرَ، فالله عز وجل الأقوامُ السابقةُ عمَّروا و شادوا و كانوا على مستوى رفيع من العلم، نافذةُ الأهرام مبنيَّةٌ بشكلٍ دقيق جدا بحيث أن الشمس لا تعبرها إلى نهايتها إلا في أحد أيام السنة وهو يوم وفاة فرعون، هل ممكن أن تقول لمهندسٍ: أنشِأْ بناءً و ضعْ نافذةً لا يمكن للشمس أن تخترق هذه النافذةَ إلا في يوم واحدٍ من أيام العام، هذا الذي حصل، برعوا في الرياضيات و الفلك، و مع ذلك عقيدتُهم سخيفةٌ جدًّا لو ذهبت إلى متاحفهم ترى الخبزَ من ستَّة آلاف عام و القمحَ و قطعَ اللحم المُقدَّد، كانوا يعتقدون متوهِّمين أن الإنسان إذا مات يعيش في القبر حياةً ثانيةً، و مركباتهم الملكية كلُّ حاجاتهم و حُلِيِّ نساءهم و كل طعامهم و شرابهم كلُّه مُحنَّطٌ، حتى أحذيتهم و ألبستهم، كلُّها في المتاحف، تحت الأرض مدفونة معهم، عقيدتهم سيئة جدا، و لكنه قد برعوا في الدنيا، و هذا ينطبق على إنسان اليوم، اليابان تفوَّقت في الصناعة تفوُّقا مذهلا و تحدَّوا العالَم كلّه بصناعتهم، و راجت صناعتهم حتى في أكثر الدول تقدُّمًا، و الآن يهدِّدون العالم بتجارتهم، لكن ماذا يعبدون ؟ هل تصدِّقون أنهم يعبدون ذكَرَ الرجُل.
أخٌ كريم مهندس ذهب إلى معبدهم و عنده صورٌ، أسطوانة كبيرةٌ من الشمع كبيرة يسجدون لها، الذين اخترعوا المخترعاتِ الحديثة ؛ أجهزة الصوت و الرادارات يعبدون ذكرَ الرجل، و هذه الآية تنطبق على كِلّ الأقوام، الذين برعوا في الدنيا و شردوا عن الله عز وجل، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)﴾

[سورة غافر]
في سفح جبل " فِيزُوفْ " بإيطاليا بلدةٌ أثناءَ الحفريات اكتشفوا آثارًا ضخمةً، هذا الجبلُ بُرْكَانِي، و قبل ثمانين عاما ألقى هذا البركانُ من الرماد البركاني ما سماكتُه ثمانيةُ أمتار، فاضطروا لحفر هذه الأرض فوجدوا مدينةً من أعرق مدن الرومان سار عليهم هذا البركانُ أثناء الظهر، مع طعام الغذاء، هذا البركان غطَّاهم برماد بركاني ثمانية أمتار، الأشخاص و كلُّ حاجاتهم تفسَّختْ و ذابتْ في فراغ، حقنوا هذا الفراغَ في جبصين سائلٍ، ثم كسروا ما حوله فإذا هم أمام مُجسَّماتٍ لكلّ ما جرى وقتَ ثورة البركان، النساءُ بحلِيِّهن و الطعام على الموائد، و أنا عندي صورٌ لهذه المجسمات من الجبصين السائل، ترى كيف أمة و مدينة عريقة و في أوجِ حضارتها جُمِّدتْ عن طريق البركان الرمادي، فاللهُ عز وجل ينبِّهنا، و الرُّبْعُ الخالي كان دولاً عظيمةً، و تدمر دولة الأنباط، و لو ذهبتم إلى الأردن و نظرتم إلى الأنباطِ كيف نقبوا الأحجارَ، شيءٌ غيرُ معقولٍ، هناك قاعة ملَكية بحجم هذا المسجد محفورة من الصخر على مستوى الميليمتر المكعَّب مائة بالمائة، و من الخارج أعمدة و تيجان ومداخل و أبواب، كلٌّ من الجبل، و مع ذلك أهلكهم عز وجل، التدمريون، وتدمر من الشام إلى بغداد كلُّها بساتين غنَّاء و أنهار و أمطار و مروج، أين هم ؟ قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)﴾

[سورة غافر]
ثم قال تعالى:

﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)﴾

[سورة غافر]









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-02-2018, 08:26 AM   #346


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الثانى



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، في القرآن الكريم آيات تشيرُ إلى حقائقْ، و أيات تشيرْ إلى حوادث حقائق مجردة، أو حقائق مفصلة، وهي في الحقيقة حقاق ممدَّدة، حقيقة يمكن أن تُلقَى في كلمتين، قال تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19)﴾

[سورة محمد]
تأتي قصةُ سيدنا يوسف في عشر صفحات تقريبا، بتفاصيل و شخصيات و بداية و نهاية و حوار و تحليل ووصف و سردٌ، كلُّ هذا الآيات الطويلة من أجل أن تؤكد الحقيقة، يمكن أن تأكل ملعقةَ عسل و يمكن أن تشرب شربة عسل، هذه الملعقةُ إذا أذبتها في كأس من الماء و شربته صار شربةَ عسل ممدَّدة و لطيفة، أو لك أن تلعق هذه الملعقة لعقةً واحدةً، فالأفكار المكثَّفةُ هي لعقة العسل، أما الأفكار الممددةُ على شكل قصة هي شربة العسل.
النقطة الدقيقة في هذا الموضوع أن اللهَ جل جلالُه ما أراد من أيّة قصةٍ يتلوها علينا أن نفهمها قصَّة وقعت و لن تقع مرَّةً ثانيةً، و لو أن القرآن فعل هذا لكان كتابَ تاريخ، إنه كتابُ هدايةٍ، لا يتلو علينا قصَّةً على أنها وقعت و لن تقع، بل على أنها وقعت و ستقع كلَّ يومٍ، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾

[سورة يوسف]
قصَّةُ اليوم، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)﴾

[سورة غافر]
دائما أهلُ الحقِّ إذا وضَّحوا آراءهم ووضَّحوا الحقَّ فأهل البطل الغارقون في شهواتهم يردُّون الحقَّ و يكذِّبون الأنبياءَ و الرسلَ، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25)﴾

[سورة غافر]
تروي الكتبُ أن فرعون رأى في المنام طفلا من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، فببساطةٍ شديدةٍ أمرَ بقتل أبناء بني إسرائيلَ جميعا، و لن يسمح لمولودٍ ذكرٍ أن يعيش، قال تعالى:

﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25)﴾

[سورة غافر]
فكيدُ الكافر و تدبيرُه لا يمكن أن ينجح، لأن اللهَ لا يسمح له أن ينجح قال تعالى:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾

[سورة غافر]
أن يقول: أنا ربكم الأعلى ليس فسادا، أما أن يدعوَ موسى إلى اللهِ عز وجل عدَّه هو الفسادُ، معنى ذلك أن الإنسان أحيانا يتفلسف، و الإنسانُ كائنٌ فيه عقلٌ و فيه شهواتٌ، و لو أنه اتبع شهوتَه سوف يجد أن له عقلا جهاز خطير جدا، هذا الجهازُ يمكن أن يُفلسف شهوته فصار للعقل دَوْرَان، إما دورٌ قيادي و إما دورٌ تبريري، عند أهل الدنيا و العصاة و المنافقين و المنحرفين الشاذِّين و الجهَّالِ العقلُ له وظيفةٌ و لكنْ ليست وظيفتُه وظيفة قيادةٍ بل وظيفةُ تبريرٍ، هناك طُرْفةٌ، مرةً أردتُ أن أشتري سِتارةً فدخلتُ إلى محلٍّ و فيه توصيةٌ، فقال لي: يا أستاذ الستارةُ لا يمكن أن تكون لا بالطول الفلاني، قلتُ له: كيف ؟ قال لي: الحائطُ مضروبُ في اثنين يُضافُ له مترٌ، من أجل أن تكون جميلةً، اخترتُ ثوبا وقلت له من هذا أريد، فوجد أقلَّ من الحائط، قبل دقيقة قال أنها لا تكون جميلةً إلا إذا كانت ضعفًا زائد مترٍ، فقال: يا أستاذ هذا المُطرَّزُ على الفرد أجملُ، من خلال دقيقة تغيَّر، لأن من مصلحته أن يبيع هذا الثوبَ، ماذا فعل ؟ استخدم عقلَه لإقناعي أن هذا أفضل، و قبل دقيقة حكى العكسَ، فالعقل البشري إما أن يقودك إلى الحق و إما يقودك و إما أن تستخدمه مبرِّرا، كلما أخطأتَ تفلسِف خطأَك و كلما انغمس الإنسانُ في الشهوة يفلسِف شهوتَه، فالعقل مشكلتُه إما أن تستخدمه قائدا للحق و لسعادة الدارين وإما أن تستخدمه لتغطية كلِّ الأخطاءِ، ماذا قال فرعون ؟ قال تعالى:

﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾

[سورة غافر]
هذا عقل تبْريري ! إنسان يقول: أنا ربكم الأعلى، ويُقَتِّل أبناءهم ويسْتحيي نِساءهم ! وكل هذا ليس فسادًا، أما أن يدْعوهم موسى للواحِدِ القهَّار ؛ هذا فساد ؟! لذلك قال عليه الصلاة والسلام: كيف بِكم إذا أصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا...." مِن علامات آخر الزَّمان يؤْتَمَن الخائِن، ويُخَوَّن الأمين، ويُصَدَّق الكاذب، ويُكَذَّب الصادِق والرَّجل يبرُّ صديقهُ، ويَعقّ أباه، تجده لطيف مع أصْدِقائِهِ والغريب وعدوّ شرِسٌ مع والِدَيه، فالله تعالى قال:

﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾

[سورة غافر]
فَفِرْعون اسْتَخْدم عقْلَهُ لا لِيَقودَهُ إلى الحق، ولكن لِيُغَطِّي انْحِرافَهُ ؛ لذلك اعْتَقِدوا أنَّ هناك عَقليْن، عقْل قائِد مُسْعِد، وعقْل مُبرِّر للغلَط، فهذا الذي يقول: أنّ الاخْتِلاط يُهَذِّب المشاعِر ويْصقل الشباب ؛ هدَفهُ تِجاري أما تَبْريرهُ تهذيب المشاعر !
قال تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

[سورة غافر]
هناك ملاحظة مسْتنبطة مِن حقل الزِّراعة ؛ إذا كانت لك بُذور مِن الدَّرجة الأولى وبِعْتَ أنت هذه البذور لِخَمسين فلاح، فخمسٌ وأربعون فلاحًّا شكا لك أنَّها لم تُنْبِت، وخمسةٌ منهم أثْنَوا على هذه البِذْرة ثناءً كبيرًا، فما دام هناك خمْسة بالمائة مِن ظرْف واحِد، نقول: الخطأ مِن الفلاحين، وإن لم تُنبِت ولا واحِدة كان الخطأ من البِذرة، فهذا المثَل له معنى ؛ فالله عز وجل بِكُلّ حقل، وبِكُلّ مكان، وبِكُلّ نشاط يتْرك شَواهِد تقوم بِهم الحجَّة وبأسْوَأ مكان تَجِد إنسانًا مُسْتقيمًا، فمهما تكون البيئة فاسِدَة، هناك أشْخاص مستقيمون، فهؤلاء حجَّة على مَن سِواهم، فقَوْل فِرعون أنَّه منْحَرِف، وقَومُهُ منْحَرِفون إلا مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون كذلك حجَّة لِكُلّ النِّساء اللَّواتي يدَّعين وجودهنّ بأماكن السوء، قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾

[سورة التحريم]
قال تعالى:

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

[سورة غافر]
هذا الرجل قالوا: ابن عمِّ فِرعون، ووَلِيُّ عهْدِهِ، وصاحِبِه شريطَتِهِ ؛ أي وزير داخِلِيَّة ! فهذا لمَّا سَمِعَ أنَّ فرعون سيَقْتُل موسى لم يحْتَمِل ؛ قال تعالى عنه

﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)﴾

[سورة غافر]
فهو ألقى يده فكانت بيضاء للنَّاظِرين ! هذا ليس مِن عمل البشر ! ثمَّ قال تعالى

﴿ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾

[سورة غافر]
هذا تفْكير منطِقي، فلو قال لك أحدهم قدِّم طلبًا، واليوم آخر يوم ؛ قد يكون الطَّلَب شِراء بيت، أو طلب لِشِراء بيت بِسِعر مُخَفَّض، أو طلب لِشِراء مرْكبة، فأنت قد تُفَكِّر بِهذا الإنسان على أنَّه كاذِب، فإن كان الخبر كذبًا لم صِبك منه شيئًا، وإن يكن الخبَر صادِقًا تكون قد ضيَّعتَ منه فرْصة.
ثمَّ قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)﴾

[سورة غافر]
مناقشة أخرى يقول تعالى:

﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾

[سورة غافر]
فهذه القوَّة والغِنى والصِّحة هل سَتَسْتَمِرّ إلى ما لا نِهايَة ؟! حينها قال فرعون كما في قوله تعالى

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)﴾

[سورة غافر]
أيضًا هن يسْتخْدِم عقْلَهُ لِيُغَطِّي على انْحِرافاتِهِ.
قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30)﴾

[سورة غافر]
هؤلاء الذين تحزَّبوا على أنبيائِهم فأهْلَكَهم الله تعالى، فهو خاف عليهم أن يحدث لهم ما حدث لِهؤلاء، قال تعالى:

﴿ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32)﴾

[سورة غافر]
لمَّا يأتي بلاء كبير تجدُ الناس يصْرُخون، قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)﴾

[سورة الحج]
وقال تعالى:

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)﴾

[سورة غافر]
هذا الرَّجل من مؤمني آل فرعون رأى الحقائق وكان ابن عمِّ فرعون، وولِيُّ عهْدِهِ، إلا أنَّه فكَّر، فالله تعالى لمَّا خلق العَقل قال أدْبِر فأدْبَر، قال: وعِزَّتي وجلالي ما خلقْتُ خلْقًا أحبَّ إليَّ منك ؛ بِكَ أعطي وبِكَ آخُذ ! لذا لحْظة تفكير صحيحة تسْعد بها في الدنيا في الدنيا والآخرة، والعكس بالعكْس.
قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34)﴾

[سورة غافر]
أحد العلماء كان في درْسِهِ ثلاثين رجلاً، فلمَّا مات ردف جنازته المِئات !
فهذه الآية دقيقة، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً﴾

[سورة غافر]
فالإنسان لا يكن كالنَّعامة.
قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)﴾

[سورة غافر]
المتكبِّر يطْبع الله على قلْبِهِ، والجبَّار الذي يأبى الخضوع للحق.




والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-02-2018, 08:30 AM   #347


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الثالث





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيُّها الإخوة الكرام، الآية العاشرة من سورة غافر، وهي قوله تعالى

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
الكافر يوم القيامة ينْدمُ أشَدَّ النَّدَم، ويتألَّم أشَدَّ الألَم، ويمْقُتُ نفسه أشَدَّ المقت، ويكْرهُها، ويُبْغِضُها، فالإنسان أحيانًا في الدنيا يتَّخِذ قرارًا خاطئًا يلْعن نفْسهُ مليون مرَّة، لماذا طلَّقتُها ؟! هي أمُّ أولادي ومُمْتازة، ففي ساعة الغضب طلَّقَها فالإنسان قد يلعنُ نفْسَهُ مليون مرَّة على قرارٍ اتَّخَذَهُ، والمُحَصِّلة خسارة في الدُّنيا فقط، فالذي جاءتْهُ فرْصة شِراء بيتٍ وما اشْترى، وأصبَحَ ثمن ذلك البيت الآن بالملايين، فهذا ينْدم أشَدَّ النَّدَم، وأحيانًا قد يكون لإنسان بيتًا يُسافر ويتْركُهُ للاسْتِثمار فإذا رجَعَ بيعَ البيت بِثَمَ،ٍ بخْسٍ من جرَّاء مُعامَلة ! فهذه الآلام في الدنيا، أما حينما تفوتُهُ الآخرة بأكْمَلِها وحينما تفوتُهُ جنَّة عرْضُها السماوات والأرض، وجنَّة فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا خطَر على قلبِ بشَر، مِن أجل شَهوةٍ خسيسة، لذا قال تعالى: إنَّ الذين كفروا يُنادَون يوم القيامة.." المعنى دقيق جدًّا قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
فلو أنّ أبًا واعِيًا حكيمًا وعاقِلاً ؛ كلَّما دَعى ابنَهُ للدِّراسة رفَض، فهذا الابن يرْفض مللاً، أما الأب فيتألَّم من أعماق قلبِهِ لأنَّه يعْلمُ أنَّ مصير ابنِهِ سيَكون في المرتبة الأخيرة في المجتمَع، أما لمَّا يكْبر الابن تجدُ الابن يعْمل ليل نهار بِأجْرٍ لا يكْفيهِ طعامَهُ ! حينها يمْقُت نفسَهُ أشَدَّ المقت فالله تعالى قال عن الذين هم في النار أنَّهم سيتألَّمون أشَدَّ الألم، ويُعَذَّبون أشدّ العذاب، وينْدمون أشدَّ النَّدم، ووقْتَها يُنادَوْن لَمَقْتُ الله لكم ؛ حينما كان يدْعوكم إلى الإيمان وإلى التوبة وإلى الصُّلح لكم، وإلى مغفرة الذُّنوب، وإلى ستْر العيوب، وإلى صلاح الدنيا والآخرة ؛ تُدْعَون بِلُطْف، وليل نهار، وكتاب الله يُتلى عليكم صباح نهار، وأنتم تُديرون ظهْركم للدِّين، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
وهم في النار يمْقتون أنفسهم أشدَّ المقت، ويحْتقِرونها وينْدمون أشَدَّ النَّدَم إلا أنَّ مقْتَ الله لكم يوم كان يدعوكم إلى الإيمان فتَكفرون أكبر من مقْتكم أنفسكم ؛ لأنّ الله تعالى علِمَ ما كان وعلِمَ ما يكون وعلِمَ ما يكوم لو كان كيف كان يكون، فحينما كنتم ترْفضون كان الله يمْقتكم أ شدَّ المقت فنحن الآن في الدنيا وباب الله مفتوح، وباب الإنابة مفتوح و باب إصلاح الأمور مفتوح، و باب المغرفة مفتوح، و الإسلام يهدم ما كان قبله، و لو أنك أتيتني ملء الأرض ذنوبا لأتيتك بمثلها مغفرة.
نحن الآن في الدنيا، و هذه الآية يوم القيامة، و الذي سيكون يوم القيامة أخبرنا الله به الآن ـ هذا تسريبُ المعلومات ـ قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
قال تعالى:

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]
إخوانا الكرام، الإنسانُ أحيانا يصل إلى طريق مسدود، الواحد ارتكب جريمة القتل، عن سابق قصد و تصميم، أُجرِيت له محكمةٌ عادلة و حُكم عليه بالإعدام، اُستُأنِف الحكمُ و صُدِّق الحكمُ من محكمة النقض و رُفع الحكمُ إلى رئاسة الجمهوريةِ ووقَّع الرئيسُ عليه و سيق المجرمُ إلى ساحة المرجةِ ليُشنَقَ، و قبل أن يصعد درجة المشنقة اِستعطفهم و ندم و بكى، فنقول له: لك أن تبكي و لك أن تضحك و لك أن تنهار و لك أن تستعطف، كلُّ ما تفعله لا يُجدي، و لا بدَّ من تنفيذ حكم الإعدام، لأنك أوصلتَ نفسَك إلى طريق مسدودٍ، فالإنسانُ اللهُ عز وجل شديد المِحال يسوق له من المواعظ و يدعوه دعوةً بيانيةً،الإنسانُ مُعافى و صحيح سليم و كلُّ أموره ميسَّرةٌ يُدعَى دعوةً بيانية في خطبة أو يقرأ كتاباً أو يسمع شريطا، أو له صديق صالح يقول له يا فلان تُبْ إلى الله، ثم ما استجاب، يُساق له تأديبٌ تربويٌّ، أو مشكلة في جسمه أو أولاده و لا يتوب، يُساق له إكرامٌ استدراحيٌّ فلا يشكر ثم يُقصَم، و بعدها يقول تعالى:

﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾

[سورة الفجرٍ]
أو يقول:
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ
﴿الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ(111)﴾

[سورة المؤمنون]
الآن وصل هؤلاء مع الله إلى طريق مسدود، قال تعالى:

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]
الموتُ الأولُ موتُ العدم و الموت الثاني موتُ الدنيا، و الحياة الأولى حياة ولادةٍ و الحياة الثانية حياة البعث يوم القيامة، قال تعالى:

﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾

[سورة غافر]
موت العدم وموت الدنيا "

﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾

[سورة غافر]
حياة الولادة و إحياء البعث يوم القيامة " قال تعالى:

﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]
طبعا الجوابُ لا، قال تعالى

﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾

[سورة غافر]
فإذا ساق اللهُ عز وجل الزلزالَ لبلد فسق و انحرف ترفضون هذا التفسيرَ و إذا قلنا أن القشرة الأرضية اهتزَّتْ هذا تقبلونه، فإذا قلنا مثلا قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[سورة النحل]
هذا ترفضونه ! حروب أهْلِيَّة وجوع فتفسير هذه أنَّ الله تعالى ساق لِهَؤلاء مَن يُؤَدِّبُهم، وأنتم تريدون أنَّ زيْدًا فعل كذا، ولكن لا تقْلبون تفسيرًا سماوِيًّا، فأنتم لا تقبلون إلا تفسيرًا أرْضِيًّا أساسهُ الشِّرك ! فالله تعالى قد يُسَلِّط القويّ على الضَّعيف فإذا كنتَ مُوَحِّدًا ترى يد الله تعمل في الخفاء، وأنَّ هذا بِقَضاء الله وقدره أما الكافر فلا يقبل إلا التَّفسير الأرضي، ويكفر بالتَّفسير التَّوحيدي، قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)﴾

[سورة غافر]
فأحداث لبنان لها تفسير طائِفي، ولها تفسير عربي، ولها تفسير إلهي قال تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

[سورة النحل]
بما كانوا يصْنعون مِن فِسقٍ وفُجور، فهؤلاء يرفضون التَّفسير الإلهي فالقويّ بالعالم، والذي يمْلك كلّ مصادِر القِوَى، ويرْسُم خِططه على حِساب الشُّعوب، فنجاح هذه الخِطَط يتناقض مع وُجود الله، فالله موجود، قال تعالى:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾

[سورة طه]
لا تلْغي وُجود الله عز وجل، فأحيانًا تجد من يعْزو كلّ القِوَى لإنسانٍ ما ؛ كلّ ما يريد يفعلُهُ ! هذه مُبالغة، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

ٍ[سورة البروج]
وأحيانًا تعرف الله تعالى بالعزائِم، فالإنسان بالتَّوحيد يرْتاح، أما مِن دونه فهذا ينْسَحِق ! فالله تعالى لمَّا أمرنا أن نعْبُدَهُ قال:

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[سورة هود]
فهو ما أمركَ أن تعْبُدَهُ إلا بعد أن طمأنَكَ أنَّ أمْرَكَ بِيَدِهِ ؛ صِحَّتَكَ ورِزْقَكَ وأمانكَ وزوْجَتَك وأولادك، فأنت إذا اسْتَقَمتَ كانت لك مُعامَلَة خاصَّة، قال تعالى:

﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾

[سورة الجن]
وقال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾

[سورة الأعراف]
قد يُحْرَم المرء بعض الرِّزق بالمعْصِيَة، بيتٌ فيه صحون هوائِيَّة، فهذه بيوتٌ مُنهارة، فكلَّما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السَّماء، فهذه الآيات وهي قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)﴾

[سورة غافر]
نحن في الدنيا الآن، ووالصَّلاح سَهل، والتَّوبة سهْلة، ولو أنَّ أحدَنا اصْطَلَحَ مع الله لشَعَرَ أنَّ جِبالاً كانت جاسِمَة على صدْرِهِ انْزاحَت عنه ! قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96)﴾

[سورة مريم]
فما دام القلب ينبض فَكلّ شيءٍ ينحلّ، فإذا جاء أجل الإنسان فلا يقدَّم ولا يؤَخَّر، قال تعالى
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)﴾

[سورة المؤمنون]
فهذا الذي وكيل شركة، وهذا الذي يمْلِكُ كذا وكذا، وهذا الذي يرْبَح مليون ليرة في اليوم لا قيمة له عند مجيء ملَكِ الموت، قال تعالى:

﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)﴾

[سورة غافر]









والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-02-2018, 08:32 AM   #348


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الرابع






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السبعون من سورة غافر، وهي قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)﴾

[سورة غافر]
هؤلاء الشركاء في الدنيا، والذين اعْتقدتم أنَّهم ينفعون أو يضرُّون يرْفعون أو يخفضون، ويُعطون أو يمْنعون، هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله في الدنيا، وهؤلاء الذين استغنيتُم بهم عن معرفة الله وطاعته وقدَّسْتموهم وعظَّمتموهم وعملْتُم لهم ونسيتم ربَّكم، قال تعالى:

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)﴾

[سورة غافر]
قال لي أحدهم: قضِيَّة ربَوِيَّة كانت فيها فتْوى، ويوم القيامة تقول: يا رب: أنا لي قضِيَّة مع فلان ! فيُقال لك: ابْحَث عنه فإذا لم تجِدْهُ فماذا تفعل ؟! فأنت إن كان لك مسْتند وحيد، وهو الوحيد الذي أفتى لك ولكن هناك فتوى وهناك تقْوى، ونفس المشكلة ؛ قال تعالى:

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

[سورة غافر]
بحثوا عنهم فلم يَجِدوهم، قال تعالى:

﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾

[سورة غافر]
ما وجدنا لهم ذِكْرًا ولا أثرًا، ولا قيمةً، ولا حركةً، ولا فِعلاً، وتأثيرًا قال تعالى:

﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
ثمَّ إنَّهم تذَكَّروا أنّهم كانوا يكذبون على أنفسهم في الدنيا، وهذه الآية ذَكَرتها لهذه الكلمة، قال تعالى:

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
كيف يُضِلُّهم ؟ يُضِلُّهم لا عن ذاته، ولكن عن شُركَائِهِ، وهذا معنى آخر للإضلال، فالإضلال إذا عُزِيَ إلى الله، فليس معناه أنَّه تعالى يُضِلُّهم عن ذاته، ولكن عن شُركائِهِ، ويُضِلُّهم عن آلهة مزْعومة اتَّخذوها افْتِراءً وانْحِرافًا، ويُضِلُّهم عن جِهَةٍ لا تمْلِكُ شيئًا، ولا تنفعهم ولا تضرُّهم، فالله تعالى إذا أضلَّ إنسانًا فليس إضلاله أن يُبْعِدَهُ عن ذاته بل العكس، يُبْعِدُه عن شُركائِهِ لِيَصِلَ إليه، وهذا الإضلال بِمَعنى الهدى، فلأنَّ الله تعالى موجود، ولأنَّه هو القويّ والمانع والمعطي، والمعزّ المذلّ والقابض الباسط ؛ جاءَ إنسان واتَّخذ إلهًا غيره تعالى، فهذا المخلوق هو الذي افترى على الله تعالى كذبًا، وهو الذي قال: هذا قويّ، وهذا يرفعني، ويعْطيني ويمنعُني، فالله عز وجل إذا أراد أن يهْدي هذا الإنسان ماذا يفْعل ؟ يُضِلُّه عن هذا الشريك الزائِه الذي لا يمْلِكُ شيئًا، فهذا معنى آخر مِن معاني الإضلال وهو أنَّه إذا عُزِيَ الإضلال إلى الله عز وجل، فهو الإضلال عن ذات الله تعالى بل عن شُركائِهِ المزعومين والمُزَوَّرين، والذين لا ينفعون ولا يضرُّون.
أُعيد الآية عليكم، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)﴾

[سورة غافر]
هو لماذا كذَّب بالكتاب ؟ وادَّعى أنَّ جهةً أخرى تنفعُه ‍! اسْتغنى عن الله تعالى وأخْلص لإنسان، وأعطى حياته وذكاءه لإنسانٍ، وولاءه ومحبَّتَهُ قال تعالى:

﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)﴾

[سورة غافر]
سوف هذه تهديد من الله تعالى ؛ أيْ غدًا تعلمون الحقيقة، فأنت الآن واهِم وفي ضلال، وفي زَيْغ وانْحِراف ولكن متى ستَعلم ؟! أحيانًا يسْرق الإنسان سرقة كبيرة، ويهِم أنَّه أذكى من كُلِّ الناس، فهو يظنّ أنّ الناس يعملون بِجُهدٍ ومشقَّة، وهو بِنِصف ساعة يأخذ الملايين المُجَمّعة سنواتٍ طِوال ! فحينما يُحاسب الإنسان يعرف الحقيقة، فالعِصابات يأكلون ما يشتهون يزنون، قال تعالى:

﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)﴾

[سورة غافر]
أين شُركاؤُكم ؟ وآلهتكم المزعومة ؟ وأين الذين عبدْتموهم مِن دون الله ؟ وأغضبتم الله من أجلهم ؟ أين هم ؟! بحثوا عنهم فلم يجدوا لهم أثرًا ولا ذِكْرًا ولا قوَّةً ولا تأثيرًا، وقالوا: ضلُّوا عنَّا، ثمَّ تذكَّروا أنَّهم كانوا يكذبون على أنفسهم قال تعالى:

﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
كبار الكهنة يعلمون أنَّهم على الضلال، ففي بعض المعابد بالهند يُقدِّمون لإلههم بوذَا أغلى أنواع الفاكهة، لِيأكلها في الليل، ثمَّ يأكلونها عنه في الليل !! أحد أكر الشَّخصيات للدِّعاية للدُّخان ماتَ بِسَرطان الرِّئة ! بسبب الدُّخان، وهو على فراش الموت قال: كنتُ أكذب عليكم ؛ إنَّ الدُّخان هو الذي قتلني ! قال تعالى:

﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)﴾

[سورة غافر]
وهذه الكلمات الأخيرة هي موْطِنُ الشاهِد ؛ فالله تعالى يُضِلُّهم عن شُركائِهِم المزْعومين فنحن الآن في الدنيا أيُّ واحد مِنَّا يعتمد على أي! جهة في الدنيا، ويعتقد أنَّها تنفعه أو تضرُّه ؛ لو أنَّها نفعتهُ فِعلاً أو لو أنَّها ضرَّتْهُ فعلاً ؛ الذي يحصَلُ أنَّ عقيدته تزْداد بها، كيف يهْديه الله إلى ذاته ؟ حينما تُخَيِّبُ ظنَّهُ ؛ يعْتَمِدُ عليها فَتُخَيِّبُ ظنَّهُ، فقد يعتمِدُ الإنسان على زوْجته، ويراها كلّ شيءٍ في حياته، ويمْحضُها كلّ حُبِّه وكلّ اهْتِمامه، وكثيرًا ما يعْصي الله مِن أجلها، وحينما تُسيء هيَ إليه وتتخلَّى عنه، وتقسو عليه، وتُؤثِرُ مصْلحتها على مسرَّتِهِ ؛ عندها يعلمُ أنَّه كان واهِمًا وأنّ الله أذَّبَهُ، فالإنسان كلَّما اتَّجَهَ إلى جهة أرْضِيَّة واعتَمَد عليها، ومحضَها وُدَّهُ واعتَقَدَ أنَّها تنفعُه وتضرُّه، فهِدايَةُ الله له أن يُضِلُّهُ عليك، فالاعتماد على المخلوق يُخَيِّبُ الظَّن، والإنسان قد يعتمد على ابنه، ويُعطيهِ كلَّ ما يمْلِك، فإذا بالولَد يذهب إلى بلاد الغرب ويأخذ جِنسِيَّة، ويبخل عليه بِرِسالة ! فالإنسان إذا اعتمد على جهة غير الله عز وجل فَهِدايَةُ الله له أن يُخَيِّب ظنَّه في الذي اعْتَمَد عليه، وكأنَّه أضلَّه عنه لِيَلفِتَهُ إلى ذاته تعالى، وهذا أحَدُ أنواع الإضلال الإلهي يُضِلَّك عن شُركائِهِ لِيَلفِتَك إلى ذاته، وهذا معنى جديد مِن معاني الإضلال، فإذا قلتَ أضلَّه الله ؛ أي أضلَّه عن شُركائِهِ.
ثمَّ يقول الله عز وجل:

﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)﴾

[سورة غافر]
الإنسان قد يفرح، أما هناك فرح بالحق، وفرحٌ في غير الحق فالإنسان لو تزوَّج يفْرح لأنَّهُ سنَّة، وكذا لو اشْترى مأوى، ولو نال منْصِبًا رفيعًا يفرحُ، أما حينما يفرَحُ بِكَسبٍ حرامٍ، وبِلَذَّةٍ مُحَرَّمة، وبِعُلُوٍّ بُنِيَ على أنقاض الآخرين، وإفقار الآخرين ؛ فهذا فرح ممنوع ؛ لذلك قال تعالى:

﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)﴾

[سورة غافر]
فهذا فرْقٌ، قال تعالى:

﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا(13)﴾

[سورة الإنشقاق]
ينطوي نصفين من الضَّحِك، فهذا فرح بغير الحق، ولكنَّ الله تعالى وجَّهها توجيهًا آخر، قال تعالى:

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58)﴾

[سورة يونس]
فأنت اِفْرَح بِفَضل الله تعالى أنَّه هداكَ إليه، وافْرَح بِهِداية ابْنِكَ وبالزَّوجة الصالحة، وإيَّاك والفرح بالمعاصي والآثام، والمكاسب بغير حقّ.
قال تعالى:

﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)﴾

[سورة غافر]







والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-02-2018, 08:34 AM   #349


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس الخامس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة والسبعون من سورة غافر وهي قوله تعالى:

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)﴾

[سورة غافر]
بعض المؤمنين يَظنّ أنَّ الدنيا دار جزاء، فهو ينتظِر مِن أيِّ مُسيءٍ أن يُعاقَبَ في الدنيا، وينتظِر مِن كلّ مُحسِنٍ أن يُكافىء في الدُّنيا، وقد يأتي بِشَواهِد كثيرة، وهي أنَّ فلانًا أحْسَنَ فأكْرَمَهُ الله وفلانًا أساء فعاقَبَهُ الله تعالى، لو تحدَّث هذا أمام الناس لفاجأهُ بعضهم أنَّ فلانًا يرتكب كلّ المعاصي والآثام وهو في أتمِّ الصِّحة والقوَّة، وأغْنى إنسان ! كيف تُفسِّر هذا ؟! والحقيقة كلُّنا، وأنا منهم ؛ نتحدَّث كثيرًا عن إنسان أكل مالاً حرامًا فأتلفَ الله ماله وأتلفهُ، وإنسان اسْتقام على أمر الله فأكْرمه الله هذا الكلام نقوله في المساجِد فيلقى قَبُولاً، فلو جلستَ إلى مجلسٍ عام وليس هؤلاء المستَمِعون على شاكلَتِك، فإنَّهم يفاجئونك، فلو أنَّ هذا المِقياس كانَ صحيحًا، ففلانٌ من الناس يقتَرِفُ كلّ المعاصي، ولا يعترف بالدِّين، ومع ذلك مِن أقوى الناس، ومن أغْنى الناس، وفيما يبْدو لهذه العَينِ مِن أسْعَدِ الناس، فكيف نُوَفِّق بين القِصص التي نُلقيها على مسامِعِكم وبين حالاتٍ كثيرة لا يتبيَّن أنَّ المؤمن يسعَدُ في الدُّنيا ولا أنَّ الكافر يشقى في الدنيا؟! الجواب هو هذه الآية.
أيها الإخوة، حينما نوقِنُ أنّ هذه الدنيا دار ابْتِلاء، وبينما الآخرة دار جزاء، والدنيا دار تَكليف، والآخرة دار تَشْريف، وحينما نوقِنُ أيضًا أنَّ الله تعالى يكافئ بعض المُحسنين تشْجيعًا لِبَقِيَّة المحسنين، ويُعاقبُ المسيئين ردْعًا لِبَقِيَّة المسيئين نتوازَنُ، فإذا رأيتَ إنسانًا غارقًا في المعاصي والآثام، ويزداد قوَّةً ومنَعَةً وغِنًى ؛ ماذا نقول ؟ هذا أرجأهُ الله إلى الدار الآخرة، وإذا رأينا إنسانًا مُستقيمًا يُعاني من مُشكلات كثيرة فإنَّا نُفسِّرُ ذلك أنَّ الله تعالى أرجأ إكرامَهُ إلى الدار الآخرة، فالفِكرة أنَّ الدنيا دار ابْتِلاء، وأنّ الآخرة دار جزاء، والدنيا دار تكليف، والآخرة دار تَشريف، والدنيا دار عمل، والآخرة دار نعيم، وفي الدنيا عملٌ ولا جزاء، وفي الآخرة جزاءٌ ولا عمَل، ثمّ إنَّ الله تعالى تَرْبِيَةً لنا ومَعونَةً لنا ؛ يكافئ بعض المحسنين تشْجيعًا لِبَقِيَّة المحسنين، ويُعاقِبُ بعض المُسيئين ردْعًا لِبَقِيَّة المسيئين، أما الحِساب الخِتامي، قال تعالى:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[سورة آل عمران]
ويقول الله عز وجل:

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)﴾

[سورة غافر]
وَعَد أهْل النار بالنار ووعَدَ أهل الجنَّة بالجنَّة ووعْدُهُ حق، قال تعالى

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
وقال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
وُعود الله تعالى حقّ، وقال تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(55)﴾

[سورة النور]
ولكن حينما ترى حالات يصْعب تفسيرها، فكيف تُحَلّ ؟ تُحَلّ بأنَّ الدنيا ليْسَت دار جزاء ولكنَّها دار ابْتِلاء، ففي البلاد الأجنبية أحيانًا يطغى فيهم الإنسان ويموت ويخرج في الجنازة، ولم يشْهد لها التاريخ مثيلاً ! فالنبي عليه الصلاة والسلام الذي هو نبيُّ الحق وحبيب الحق، قد لا يرى بِعَينِهِ مصير الآخرين، فقد تموت ولا ترى مصير الكفار، قال تعالى:

﴿ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)﴾

[سورة غافر]
فهذا أحد الإخوة اتَّفق مع شخص على أن يُقرضه ثلاثمائة ألف ليرة فقال الآخر: وما الضَّمان ؟ فقال: مزرعي ! أُسَجِّلُها باسمك، وحينما أسَدِّد لك المبلغ تُرجِعُها إليّ، فوافق الدائن، وأعطاه ثلاثمائة ألف، وحينما أراد المديون أن يعطيه مبلغه، ويُرجع له هو مزرعته رفض ! وقال له كلّ واحِدٌ له حقَّه، والمزرعة ثمنها مليون ليرة ! فصاحب المزرعة ماتَ مِن شِدَّة القهْر ! وقبل أن يموت أوْصى ابنه أن يمشي بِجَنازَتِهِ إلى أمام دُكَّان المُغْتَصِب، وأن يوقف الجنازة ويدخل أمام الناس لِيُسَلِّمَهُ هذه الرِّسالة ؛ التي يقول فيها: أنا ذاهب إلى دار الحق، وسأتقاضى عند أحكم الحاكمين، فإن كنتَ بطلاً لا تأتي إلينا، قال تعالى:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

[سورة الغاشية]
وأنا معي آلاف الشَّواهد أنَّ المُسيء يُعاقب في الدنيا، والمحسِن يكافئ في الدنيا، ولكن أقول لكم أيضًا أنَّ الدّنيا ليست دار جزاء فأنت قد تجد إنسانًا مُسيئًا ولم يُعاقب في الدُّنيا، والعكس بالعكس، وهذه لِحِكمةٍ أرادها الله، فأحيانًا يكون الإنسان ضِمن العِناية المُشَدَّدة، وأذكر أنَّه جاءَتني رِسالة يقول صاحبها: نرجو قِراءة الفاتحة لِأخٍ شابٍّ هو في العناية المُشَدَّدة، أنا أقول لكم: لمَّا يسوق الله لإنسان بعض الشَّدائد لِيَعلَم عِلم يقين أنَّه في العناية المُشَدَّدة، فإن لم يكن في العناية المُشَدَّدة أطْلقه قال تعالى:

﴿لَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165)﴾

[سورة الأعراف]
فلمَّا نسوا ما ذُكِّروا به، لذا الإنسان إذا ساق الله له بعض الشَّدائد فلْيَفرح لأنَّه في العناية الإلهيَّة المُشَدَّدة، وهذا معناه أنَّه مطلوب لِرَحمة الله وعِزَّتي وجلالي لا أقبضُ عبدي المؤمن وأنا أُحِبُّ أن أرحمهُ إلا ابتَلَيْتُهُ بِكُلِّ سيِّئة كان عملها سُقْمًا في جسَدَهِ، أو إقْتارًا في رزقِهِ، أو مُصيبَةً في مالهِ وولدَهِ، حتَّى أبلغَ منه مثل الذَّر، حتَّى إذا بقيَ عليه شيء شَدَّدْتُ عليه سَكرات الموت حتَّى يلْقاني كَيَوم ولَدَتهُ أُمّه ! فالله سبحانه وتعالى إذا تفضَّل علينا وأكرمنَا ساق لنا بعض الشَّدَائد حتَّى يُطَهِّرَنا مِن كلّ درن، فإذا وصَلنا إلى سفير القبر ونحن أطهار كيَوم ولَدَتنا أُمُّنا فَتِلك أفضل حال المؤمن، ونحن الفائزون، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: حمَّة لا بارك الله فيها..." اعْتَقِدوا
أيُّها الإخوة إن كنتم مؤمنين أنَّ كلّ المصائب التي يسوقها الله للمؤمن حصْرًا مصائب تكفير وتَطهير ومغفرة، ومصائب الكفار مصائب قصْمٍ وردعٍ، قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155)﴾

[سورة البقرة]
فالدنيا ليْسَت دار جزاء بل هي دار عمل إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى رحمةً بنا، وتشْجيعًا وردْعًا يُعاقِب بعض المسيئين ردْعًا لِبَقِيَّة المسيئين ويكافئ بعض المُحسنين تشْجيعًا لبعض المُحسنين، ولكنَّ الحساب الخِتامي، والرَّصيد قوله تعالى:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185)﴾

[سورة آل عمران]
وما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غُمِسَ البحر ؛ وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الذي علِقَ بالمخيَط هو الدنيا، والبحر هو الآخرة، فالله أكرمَكَ بالصِّحة والبيت والزوجة، ولكنَّ الإكرام الحقيقي في الآخرة، وهو العطاء الدائم، ولو أنَّ الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ما سَقى منها شرْبة ماء فالنبي عليه الصلاة والسلام ما ركب طائرة ولا يخت، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم ير إلا الصَّحراء، ولكنَّه رأى كلّ شيء، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى(18)﴾

[سورة النجم]
فهذا عبد الله ابن المبارك كان يمشي وحوله إخوانه يحفونه بالمعونة والإجلال، وكان بهيَّ الطَّلعة، وجميل المنظر، وكان أمامه ذِمِيّ يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:


(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ))

[ رواه مسلم ]
فقال له يا سيِّدي: أيَّة جنَّةٍ أنا فيها وأيُّ سِجن أنت فيه ؟! فأجابه ابن المبارك: أيُّ جنَّة أنا فيها لو قِستَها بالجنَّة ؟ ولو قِسْتَ حالتَكَ بالنار فأنت في جنَّة ! فالله تعالى أعدَّ لنا ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَت ولا خطر على قلب بشر، والنُّقطة الدقيقة في هذا الدرس أنَّك إن رأيتَ إنسانًا عاصِيًا قَوِيًّا فلا يغرنَّك هذا، قال تعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)﴾

[سورة آل عمران]
حديث: أهلا بِمَن خبَّرني جبريل بِقدومه..." فالأصل الاستقامة، قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة الواقعة]
فالذين كانوا في القاع في الدنيا تجدهم في الأعلى، والعكس بالعكس فالعبرة أن تكون مُطيعًا لله عز وجل، قال تعالى:

﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

[سورة النور]







والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 04-02-2018, 08:37 AM   #350


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: تفسير سور القران الكريم كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم

سورة غافر ( 40 )

الدرس السادس




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية التاسعة والسِّتون من سورة غافر، وهي قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
هناك آيات عديدة في كتاب الله ترْبط بين الإعراض عن الدِّين والانْحِراف السُّلوكي قال تعالى
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)﴾

[سورة الماعون]
وقال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[سورة القصص]
وقال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾

[سورة العلق]
أريتَ إلى سُلوكِهِ ؟ أرأيتَ إن كان على الهُدى أو أمر بالتَّقوى، يستحيل على من يُكذِّب بالدِّين أن يكون مُستقيمًا، التَّفسير أنَّ الإنسان عندهُ عقل وعندهُ فِطرة، لمَّا ينحرِف يخْتَلّ توازنَهُ، وهو يستعيدُ توازُنَهُ الموهوم بالتَّكذيب بالدِّين، فإذا كذَّب بالدِّين أصْبَحَ حُرَّ الحركة، أما إن لم يُكَذِّب بالدِّين أصْبَحَ مُقَيَّد، فهو يُحاوِل أن يستعيد توازُنَهُ بالتَّكذيب بالدِّين وباتِّهام المؤمنين بالانْحِراف، فإذا بلغوا عن مؤمن مستقيم، وعفيف وعِصامي، ونقيّ طاهر، هو يريد أن يكون الناس كلُّهم منحرفين، فإذا كان الناس كلُّهم منحرفون يستعيد توازنَهُ النّفسي، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
يُعارضونها، ولا يقبلونها ويُكَذِّبونها ويقيمون الأدِلّة والواهِيَة على نقيضِها، فهؤلاء الذين يُكَذِّبون بالدِّين يرُدُّون آيات الله عز وجل ويفترون على الله الكذب، ويُكابرون بالمحسوس، هؤلاء اُنظُر أين يُصرفون ؟ أين يسهر ؟ وكيف يكْسِب مالهُ ؟ وحال علاقاته الاجْتِماعِيَّة وتَجِدُهُ أنانِيَّ النَّزْعة، ودنيء النَّفس، ومُتَعَجْرف، ومُتَكَبِّر، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
وقال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾

[سورة العلق]
فالآية الأخيرة تحوي معنى ضِمني ؛ أي أرأيتَ إلى أمانتهُ ؟ لا أمانة له وإلى اسْتِقامته، لا اسْتِقامة له، وإلى عهْدِهِ، لا عهْد له، فلا صِدقَ ولا أمانة، ولا إنصاف، ولا ورع، فالآيات هذه التي اُسْمِعتموها مُؤَدَّها أنَّ هناك تلازُمًا ضروريًّا بين التَّدَيُّن، والخُلُق القويم، وأنَّ هناك تلازُمًا آخر بين عدَم التَّدَيُّن والانْحِراف، فَكُلّ إنسان يُكَذِّب بالدِّين تَجِدُهُ منحرفًا فلو أنَّ إنسانًا أراد ان ينحرف انْحِرافًا كبيرًا جدًّا كأن يُكذِّبَ بِوُجود الله ‍! يفعل ما يريد فنحن أردنا من هذه الآيات الرَّبط بين التَّدَيُّن الصحيح والخُلُق القويم وبين التَّفَلُّت من الدِّين، والتَّفَلُّت مِن السُّلوك الصحيح يستحيل على مَن دَخلُهُ حرام، ثمَّ يُصَلِّي، فالذي يبْحث عن دَخلٍ حرامٍ ينبغي أن يُكَذِّب بالدِّين، قد يُكَذِّب تَكذيبًا نَظَرِيًّا، وقَوْلِيًّا، وقد يُكَذِّب تَكذيبًا عمَلِيًّا، فالتَّكذيب العملي ؛ لا ينصاع لأوامِر الدِّين، أما التَّكذيب النَّظري كأن يقول لك: هذا الدِّين ليس لِهذا الزَّمَن ‍‍!!! يُحاوِل أن يتفلَّت مِن أوامر الدِّين، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
والآيات التي تبدأ بِألَمْ ترَ في الأعمِّ الأغلب نماذِج مُتَكَرِّرة تَجِدُها في كلّ مكان وزمان، فلو كان نموذَجًا انْقرض لما قيل: ألَمْ ترَ ؟ فهذا الكاتب يُخاطِب كلّ المؤمنين.
ما هي المُجادَلَة ؟ المُجادلة ؛ هي أنَّ الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في الإنسان عقْلاً، هذا العَقْل ينبغي أن يُعْمِلَهُ وِفْق خطَّةٍ إلَهِيَّة، وينبغي أن يُفَكِّر في خلق السماوات والأرض، وينبغي أن يتأكَّد مِن صِحَّة النَّقل ويفْهَمَهُ، وأن يتعرَّف إلى الله مِن خِلال خَلقِهِ، فالعَقل أداة معرفة الله فلمَّا يرفض الإنسان الدِّين وينغَمِسُ في الدُّنيا يفاجئ أنَّ معه عَقل ؛ كيف يستفيد مِن هذا العقل وهو غارق في شَهَواتِهِ، يستخدم العقل اسْتِخدامًا عَكْسِيًّا، فالعَقل أداة معرفة الله تعالى، ينقلب هذا العَقل عند الفاجر والفاسق إلى أداة تَبْرير أعمالِهِ، فإذا قرأتَ كتابًا باطِلاً تَجِدُهُ يُفَلْسِفُ لك المعْصِيَة، يُفَلْسِفُ الاخْتِلاط، وأكل أموال الناس بالباطل، فكُلَّما اتَّجَهَ العقل إلى فلسفة مَعصِيَة، وتسْويغِها للناس، وتَبريرها، معنى ذلك أنَّ هذا العقل أخذ دَوْر مُعاكِس للدَّوْر الذي أراده الله له، مثل آلات التَّصوير الملوَّنة هي صُنِعَت مِن أجل أخذ صورة طبق الأصل، فصانِعها ما أراد بها أن تكون آلة تَزوير، أما الذي يشتريها ويستعملها للتَّزوير ! نقول: هذا الإنسان اسْتَخدم هذه الآلة على خِلاف ما صُنِعَت له، فذلك يدْفع الثَّمَن الباهِظ، وكذا العَقل البشري ؛ إمَّا أن تسْتخدِمَهُ وِفْق ما أراد الله تعالى، وتتعرَّفُ به إلى الله، وإلى منْهَجِ الله وإلى تحقيق مصالِحِك في الدُّنيا، ودَفع المفاسِدِ عنك، هذا هو الاسْتِخدام الطَّبيعي للعقل، أما إذا اسْتَخدَمْتَهُ للتَّبرير، والفلسفة، وتسويغ المعاصي والجرائِم، فهذا الاسْتِخدام مُعاكِس للهَدَف الذي خُلِقَ العَقل مِن أجلِهِ، ومن هنا تأتي المُجادَلَة، فالمُجادلة اسْتِخدام العَقل لِغَير ما أراد الله تعالى ولِغَير ما خُلِقَ.
فهؤلاء الذين يُجادِلون في آيات الله أنَّى يُصْرفون ؟! يُمكن لِهذا المُنْغَمِس في شَهَواتِهِ أن يبني مَجْدَهُ على أنقاض الآخرين، وحياتهُ على موتِهِم وأن يبني أمْنَهُ على إخافَتِهِم، فأصبَحَ بالأخير نموذَجَين ؛ نموذَج ربَّاني ونموذَج شيْطاني، فالرَّباني هو الإنسان الذي أحبَّ الله، وعبَدَهُ وتخلَّق بالخُلُق الكريم اِقْتِباسًا من الله عز وجل، والإنسان الشَّيطاني هو الذي اسْتَخدم عقْلَهُ لِغَير ما خُلِقَ له، أجْرى شَهَواتِهِ في قنواتٍ قَذِرة غير صحيحة، واسْتَخدمَ لِسانه في الإيقاع بين الناس، وللدَّعوة للباطل ؛ هذه كُلُّها مَلَكات، فاللِّسان مَلَكَة، وكذا الدِّماغ، واليد، والعضلات، والِكر اسْتَخدم هذه كلّها لِغَير ما أراد الله عز وجل، فالمُكَذِّب بالدِّين انسانٌ مُنحرِف، والمُصَدِّق بالدِّين تصديقًا حقيقيًّا هذا مُستقيم، وأوْضَح الآيات هذه الآية:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ(2)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(3)فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6)وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(7)﴾

[سورة الماعون]
قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
وقال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾

[سورة غافر]
ففي حياتنا طريقان لا ثالث لهما ؛ طريق الحق، وطريق الباطل، والصِّدق والكذب، والاسْتِقامة والانْحِراف، والأمانة والخيانة، والنُّصْح والغشّ، والورَع والتَّفَلّت، والإحسان والإساءة، فالإنسان إن كان على أحد الخَطَّين هو قَطْعًا ليس على الخطِّ الآخر، وإن كان على الخطّ الآخر فهو ليس على الخطِّ الأوَّل، والدَّليل قوله تعالى: قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50)﴾

[سورة القصص]
هذا هو الدِّين، فإن رفضْتَهُ فأنت على الباطل.
فهذه الآية وأخواتها في كتاب الله تربِطُ بين التَّكذيب بالدِّين، وبين انْحِراف السُّلوك، والحقيقة أنَّ الإنسان يُكَذِّب لِيَنحرف، وإذا انْحرف كذَّب، لذلك الله عز وجل قال:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112)﴾

[سورة الأنعام]
الغرور والباطل، قال تعالى:

﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ(113)﴾

[سورة الأنعام]
فإذا كذَّب الإنسان فمَصيرهُ الانحراف، وإذا انْحرف كذَّب، فهذه علاقة قطْعِيَّة ووطيدة بين التَّكذيب والانحراف، وبين التَّديُّن والاسْتِقامة، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)﴾

[سورة فصلت]
فعلامة الإيمان الاستِقامة وتجد نفْسَكَ مع إخوتك المؤمنين، أما المنحرِف فحالُهُ التَّكذيب.
إذًا درسنا اليوم ذلك الرَّبط بين التَّديُّن الصحيح والخُلُق القويم، وبين التَّكذيب والانْحراف، فكلّ إنسان يُجادِل في آيات الله تعالى يُصْرف إلى المعْصِيَة، وإلى كسْب المال الحرام.




والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
القران, الكريم, تفسير, صور, كاملا


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امثال من القران الكريم السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 36 08-21-2018 07:54 AM
الفواكه المذكورة في القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 3 11-16-2017 07:22 PM
اشهر قراء القران الكريم السعيد رِيَاضُ الإعْجَازُ القُرْآنــي 2 11-13-2017 11:19 AM
مد التاءات وقبضها في القران الكريم عاشقة الأنس رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 6 10-31-2015 01:34 PM
قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم ، بحث عن قصة نبي ورد ذكره في القران الكريم سجى ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين 1 09-17-2014 11:17 AM


الساعة الآن 11:16 PM