| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#21 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : عصمة الانبياء , وحفظ الاولياءمواضيع اسلامية مختصرة الدرس : (الثامن العاشر ) عصمة الأنبياء و حفظ الأولياء : أخ كريم سألني قبل البارحة عن عِصمة الأنبياء، وعن حِفظ الأولياء. أوَّلاً: النبي عليه الصلاة والسلام مَعصوم بِمُفرَدِهِ، ولا أحدَ من أُمَّتِهِ معصوم مِثلهُ ؛ معصومٌ في أقواله، ومعصوم في أفعاله، ومعصوم في أحواله، ومعصوم في إقراره، لأنَّ الله عصمهُ، وأمرنا أنْ نتَّبِعَهُ، وعدَّ طاعته من طاعتِهِ، قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ [سورة النساء: 80] وقال تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [سورة النور: 63] الله سبحانه وتعالى جعلَهُ مُشَرِّعًا، فأقواله تَشريع، وأفعاله وإقراره تشريع، قال تعالى: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [سورة الحشر: 7] والله سبحانه وتعالى حفِظ كتابه، ومن لوازِم حِفظ كتابه أنَّه حفِظَ سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم، وليس معنى الحفظ ألا تكون مُحاولة للتغيير، فمعنى الحِفظ ألا تنْجحَ المُحاولة، فقد نقول: هذه السيارة مُحصَّنة ضِدَّ الرصاص، ليس معنى ذلك أنَّه لا يُطلق عليها الرَّصاص ! ولكن المعنى قد يُطلق عليها الرصاص ولكن لا تتأثّر به، فإذا جرتْ مُحاولات لِوَضْع الأحاديث وتبديل السنَّة، فهذه المحاولات لا تنْجح لأنَّ الله سبحانه وتعالى هيَّأ لهذه السنَّة رِجالاً لهم هِمَّة وضبْط وعدالة تفوق حدَّ التَّصَوُّر، وقـد بذلوا جُهدًا جهيدًا، وعملاً مَشْكورًا حتَّى حَفِظوا لنا السنَّة، فأنت تأخذ جُهْدهم سائِغًا سَهلاً، فأصَحُّ كتابٍ بعد كتاب الله تعالى كتاب الإمام البخاري، ثمَّ كتاب الإمام مسلم، وأصحُّ منهما ما اتفقا عليه، ثمّ الكتب الصِّحاح الأخرى، فهذا عن رسول الله؛ معصوم بِمُفردِهِ لأنَّ الله تعالى عصَمَهُ في أقواله وأفعاله وإقراره وأحواله، وأمرنا أن نأخذ عنه، وعدَّ طاعته طاعة الله عز وجل قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ [سورة النساء: 80] وأمرنا أن نُطيع الله ورسوله معًا ونفى عنَّا الإيمان كُلِيًّا إن لم نقْبَل سنّة النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [سورة النساء: 65] الرجوع إلى الله و رسوله في أيّ نزاع : بقِيَ أنَّ الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نرْجِعَ في أيِّ نِزاعٍ إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلّم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [سورة النساء:59] فالعلماء يعرفون الأمْر، والأمراء يُنفِّذون الأمر، حينما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة النساء: 136] نؤمن برسوله لأنَّه المعصوم، ولأنَّه المبلِّغ، ولأنَّه المُبيِّن، والمُقيِّد لما أطلقه القرآن، وخصَّ ما عمَّمَه، ووضَّحه، فهذا عن رسول الله وليس في عقيدة أهل السنة والجماعة إنسانٌ معصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. قد يكون مستواه في قِمَّة الصحابة، ومع ذلك ليس معصومًا، إلا أنَّ أُمَّتَهُ معصومةٌ بِمُجْمَعِها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلَافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ )) [ ابن ماجه عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ] فإذا أقرَّ مجموع المسلمين فإقرارهم صحيح لأنَّ الله سبحانه وتعالى عصَمَ أُمَّته وشخصه عن الخطأ في أقواله وأفعاله وإقراره، وعصَمَ أمَّتَهُ عن الخطأ مُجْتَمِعَةً، فكُلُّ مسلِمٍ تفوَّق في جانِبٍ، وغاب عنه جانِب، إذا الْتقى مع أخيه وتعاوَنَ معه كمَّلَ نقْصَهُ. المؤمن ليس معصوماً ولكنَّه محفوظ : المؤمن ليس معصومًا، ولكنَّه محفوظ، معنى الحِفظ أنَّه لا يليق لِمُؤمن أنْ يفعَلَ معْصِيَةً وهو يعلم أنَّها معْصِيَة، ننْفي عنه أن يفْعل معْصِيَةً قصْدًا وننْفي أن يفْعَلَ معْصِيَةً كبيرة، وننْفي عنه أن يُصِرَّ على معْصِيَة، لذلك قال علماء العقيدة: لا تضرّ المؤمن معْصِيَة ! كيف ؟! أوَّلاً: لم يقْصِدها، وثـانيًا: لم يُصِرَّ عليها، لا يُمْكن أن تكون معاصي المؤمن في الكبائر لقول الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ [سورة الفرقان: 68] نفى عنهم الزِّنا نفْيًا كُلِيًّا: (( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) [ أحمد عن أبي أمامة ] هذا ما في عقيدة المسلمين، أما إذا ظنَنَّا أنَّ أحدًا غير النبي عليه الصلاة والسلام معصومًا وقَعنا في إشكالٍ كبير، إذْ عندها ينبغي أن نُسَلِّم له دون أن نُفَكِّر. عدم تعطيل عقولنا أو هدر علم من أخطأ : بيَّنْتُ لكم كثيرًا أنّ النبي عليه الصلاة والسلام لم يرْض منَّا أن نُعطّل عقولنا مع أحد، فما جاءنا عن صاحب هذه القبَّة الخضراء فعلى العَين والرَّأس، وما جاءنا عن غيره فهم رِجال ونحن رِجال، وكلّ يُؤخَذُ منه، ويُرَدُّ عليه. شيءٌ آخر: إنسانٌ قد يتفوَّق تفوُّقًا كبيرًا ؛ ليس معنى ذلك أنَّه إن أخطأ يُهْدرُ عِلمُهُ، وتُهْدرُ مكانتُهُ، فَمِن نعمة الله على المسلمين أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أنَّ المخلص المجتهد إذا أخطأ له أجر، وإن أصاب فله أجران. علاقة المؤمن مع الله وحده : الشيء الآخر أنَّ علاقة المؤمن مع الله وحدهُ، بِمَعنى أنَّه لو اسْتَطَعتَ أن تنْتَزِعَ من فَمِ النبي عليه الصلاة والسلام - وهو سيِّد الخلق، وحبيب الحق - حُكْمًا لِصالِحِك، ولم تكن على حقٍ لا تنْجو من عذاب الله، والدليل قوله عليه الصلاة والسلام: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا )) [ البخاري عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا] عَجَبي أنَّ أحد المسلمين إذا أخـذ فتوى من عالمٍ يطمئِنّ ! فأنت إن أعطَيت العالم أوصافًا خاطِئَة، فالعالم يُجيب نتيجة ما يسمع، فالعالم على حق، ولكن أنت على باطل !! ثمَّ تقول: هكذا أفتى لي فلان، فهناك عشرات الفتاوى لا أشكّ أنَّ أصحابها توخَّوا مرضاة الله عز وجل، ولكن جاءهم وصْف مُخالف للواقِع فأفْتَوا على قَدْر الوَصف، والأتباع تمسَّكوا بهذه الفتوى واستعملوها في غير محلِّها، وهم يتوهَّمون أنَّ الله تعالى لن يُؤاخِذهم لأنَّ فلانًا أفتى لهم !! كُن على يقين أنَّك لن تنْجو من عذاب الله ولو أفتى لك الرسول عليه الصلاة والسلام !! عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا )) [ البخاري عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا] علاقتك مع الله وحده، والله يعلم كلّ شيء، وحقيقة أيّ شيء، و يعلم الباعث لِكُلّ شيء، ويعلم حجْم التَّضْحِيَة، وهو يعلم وحده، ونحن لا نعلم، والدليل لمَّا سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعضهم تألَّم لهذا الاستخلاف لأنّ عمر كان شديدًا، فقال له بعضهم: كيف تُواجِهُ ربَّك وقد اسْتخلفتَ علينا عمر ؟! فقال الصِّديق رضي الله عنه: أقول يا ربّ، لقد اسْتخلفتُ عليهم أرْحَمَهم، وهذا علمي به، فإن غيَّر وبدَّل فلا عِلم لي بالغَيب !!. أرأيتم إلى هذا الأدب الرفيع، هذا علمي به، فإن بدَّل و غيَّر فلا علم لي، فلذلك أنت بروحٍ رياضية تعاملْ مع الناس كلِّهم على أنهم يصيبون و يخطئون، فإن أصابوا فلمتابعتهم للنبيِّ عليه الصلاة و السلام لأنه معصوم، و إن أخطؤوا فلعدم متابعتهم له، فخُذْ منهم ما أصابوا و الذي لم يصيبوا فيه إما أن تدَعَهُ و إما أن تنصحهم به، وللإمام الشافعي مقولة تُعْجبني قال: " نتعاونُ فيما اتَّفقنا ويعْذُر بعضنا بعضاً فيما اخْتلفنا" أو نتعاوَنُ فيما اتَّفقنا، وينْصَحُ بعضنا بعضًا فيما اخْتلفنا، فالشيء المُطابق للسنَّة خُذْهُ وأنت مُطمئِنّ، والاجتهاد غير الصحيح إما أن تدَعَهُ، وإما أن تنْصح، ولكن لا تُسَـبِّب فِتنةً بين المسلمين، خُذْ ما صفا ودَع ما كدَر، قال عليه الصلاة والسلام: " صلّ وراء كل بر وفاجر". لا شيء عليك. تلخيص لما سبق : مـرّةً ثانية: يعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم معصومٌ بِمُفردَهِ، بينما أُمَّتُهُ معصومةٌ بِمَجموعها، ونحن إذا التقينا، وتعاونَّا، وتناصَحنا عُصِمْنا جميعًا، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، وعليكم بالجماعة وإياكم والفُرْقة، فإنَّ الشيطان مع الواحِد ومن الاثنين أبْعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والمؤمن يتعاون مع إخوانه من خلال الاستشارة، ويسْتلهم الله من خلال الاسْتِخارة، فهو يستشير أولي الخبرة من المؤمنين، ويستلهم الله بقدرته بالاستخارة، فمن استخار واستشار ما خاب وما ندم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#22 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : امية النبى علية الصلاة والسلام مواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( التاسع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. أُمِّيَة النبي عليه الصلاة والسلام كمال له : بسم الله الرحمن الرحيم: أخ كريم سألني عن موضوع أُمِّيَة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد قرأ مقالاً في مجلة تصدر في القاهرة، مضمون هذه المقالة أنَّ النبي على خِلاف ما نعْتَقِدُ سابِقًا يقرأ ويكتب، ومع أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت : 48] هذه الآية أصْلٌ في نفْي القراءة والكتابة عن النبي صلى الله عليه وسلّم، الأُمِيَّة في حق النبي عليه الصلاة والسلام كمال، وفي حقِّنا نقْص، فلو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ ويكتب، من لوازِم القراءة والكتابة أنَه اطَّلَعَ على ثقافات العصر، واطَّلَع على الثقافة الإغريقيَّة واليونانيَّة والهنديَّة والفارسيَّة، ثمّ جاءهُ الوحي، فتكلَّم ! هناك سُؤال يُطْرَحُ في كلّ دقيقة، يا رسول الله صلى الله عليك وسلم أهذا الذي تقوله لنا أمِنْ ثقافتِكَ الأرضيَّة أم مِن وَحي السماء؟! أراد الله عز وجل أن تكون دَعوة النبي عليه الصلاة والسلام نقِيَّة من كلّ اخْتِلاط أرضي، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى*عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى*ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى*وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى*ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [ سورة الشورى : 3-9] تلا علينا القرآن، وهو وحي يوحى، وقال أحاديث كثيرة جدًّا في شرح القرآن، وأحاديثه وَحيٌ يوحى، وعلماء الأصول يقولون: هناك وَحْيٌ مَتْلوّ هو القرآن الكريم، و وَحْيٌ غير مَتْلو هو السنَّة النبوِيَّة. إنسان يقرأ ويكتب، وله أعلى شَهادة ؛ فَمَن علَّمَهُ ؟ علَّمهُ إنسان، علَّمه مجموعة أساتذة، عشرات الأساتذة، وكلّ هذا العلم مأخوذ من بشر، فكيف إذا علَّم النبي صلى الله عليه وسلَّم خالق البشر، قال تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى*ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى*وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى*ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [ سورة الشورى : 5-9] فضل كلام الله على فضل كلام خلقه كَفَضْل الله على خلقه : كما كنتُ أقول سابقًا: بين كلام الله وبين كلام خلقه كما بين الله وخلقه، لذلك ورد أنَّ فضل كلام الله على فضل كلام خلقه كَفَضْل الله على خلقه، و فضْلُ الذي يُعَلِّمهُ خالق البشر على فضْل الذي يُعلِّمُهُ بشر كَفَضْل الله على البشر، قال الشاعر: يا أيها الأميّ حسْبك رتبةً في العِلم أن دانت لك العلماء *** والدليل ؛ إنسان يأخذ بضْعة أحاديث يُفسِّرها، ويُحلِّلها، ويُبيِّن أحكامها الفقْهِيَّة فَيُمْنَح درجة الدكتوراه ! فالذي قال هذه الاحاديث ما مرتبتُه؟ إذا قرأتَ كلامه وفَهِمتهُ يُقال لك دكتور ! صاحب النصوص من هو؟ رسول الله عليه الصلاة والسلام، يجب أن تعلم أنَّه كلَّما تقدَّم العِلم يكشف جانبًا من نبوَّته صلى الله عليه وسلم، إلا أنَّ أعداء الدِّين يئِسوا أن يُجابهوا هذا الدِّين لأنّه دين الله فسَلَكوا طريقًا مُلْتَوِيةً، ودخلوا إليه لِيُفَجِّروه من داخله، ومن أحد مكائِد أعداء الدِّين أن يوصف النبي بأنَّه عبْقريّ، وبأنَّه ذكيّ، ويقرأ ويكتب، ودرس ثقافة عصْره، وألَّف هذا القرآن من عنده !! وأنَّ هذا القرآن مرتبط بِمَرحلتِهِ، فإذا تطوَّرت الحياة لم يَعُد صالحًا لهذا الزمان، فهذه الفِرْيَة الخطيرة التي تتبنَّى هذه الدعوى مردودة، حينما يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت : 48] القراءة نوعان : دليل الذين يعتقدون أن النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ ويكتب قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [ سورة العلق : 1] فأنت تقرأ من ذاكرتك أو تقرأ من كتاب ! لأنَّ الإنسان يتعلَّم بِطَريقين؛ إما أن يسْمع فيَحفظ، وإما أن يقرأ فيَحفظ، فقَنَوات التَّعلّم هي المُشافهة أو المدارسة، النبي عليه الصلاة والسلام علَّمَهُ ربُّه جلَّ جلاله عن طريق الوحي، وعن طريق جبريل، فقناة التَّعلّم قناة موصولة بالله عز وجل، فإذا قيل له اقْرأ فليس المعنى أن يقرأ من كتاب، ولكن أن يقرأ مِمَّا تعلَّم، فالقراءة نوعان ؛ تقرأ على الناس عِلْمًا مِمَّا تعلَّمْتَهُ بِقَناةٍ مُعيَّنَة، أو تقرأ عليهم علمًا تعلَّمْتَهُ من كتاب، والنبي عليه الصلاة والسلام قناة التَّعلّم عنده عن طريق الكتاب والقراءة لا يمْلِكُها، أما القناة عن طريق خالق الكون فهُوَ بطلها، إذًا هو أعلم علماء الأرض لأنّ خالق الكون هو الذي علَّمَه، قال تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى*ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى*وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى*ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [ سورة الشورى : 5-9] فإيَّاكم أن تتوهَّموا أنّ هناك علاقة بين الأُمِيَّة والجهل، لأنّ كاتب المقالة يقول: أَيُعْقَلُ أن يكون النبي غير مُتَعَلِّم ؟! نحن نقول له: هو سيِّد علماء الأرض، ولكنّ القناة التي تعلّم منها هي قناة الوَحي لا قناة المُدارسَة ونحن لا نمْلِكُ الوحي، وسبيلنا الوحيد فتْح كتاب وقراءته وفهمه فننال به الشهادة، فَكُلُّنا لأنَّنا لا يوحى إلينا قناة التعليم الوحيدة لدينا هي المدارسة، فالأُمِيَّة في حقِّنا نقْص، ووصْمة عار، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقناة التعلّم عنده قناة الوحي. فضْل عِلم رسول الله على عِلْم بقيَّة الخلق كفضل الله على خلقِهِ : أحيانًا يقول لك طالب: أنا أستاذي الدكتور الفلاني، والبروفسور الفلاني يتكلَّم بها ويتيه على مَن حوله ! وأحيانًا يكون عالم كبير أعطى إجازة لِطَالب عِلْمٍ، يضعها في لوحة ثمينة، ويضعها في غرفة الضُّيوف، فالإنسان يفْتَخر بِمُعلِّمِه، إذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يفْتَخر فَمَن الذي علَّمَه؟ الله جلَّ جلاله، وفضْل عِلم رسول الله على عِلْم بقيَّة الخلق كفضل الله على خلقِهِ، ومن هنا قال سيِّدنا سَعد: "ثلاثة أنا فيهنّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس: - من هذه الثلاثة - ما سَمِعتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّه حقٌّ من الله تعالى" فالأطباء مثلاً من خمسين سنة وهم يعتقدون أنّه ليس من المناسب شُرب الماء مع الطعام لسبب أنّ الماء يُمَدّد العصارة الهاضمة!!! ومن سنتين فقط دلّ البحث خِلاف ذلك، أنّه يحث خلايا العصارة على الإفراز، وكان أحد الأطباء الملتزمين قد قرأ حديث رسول الله: عَنْ مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ )) [الترمذي عن مِقْدَامِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ] فهذا الحديث يتناقض مع ما اكتشفه الأطباء، فالقضِيَّة ليسَت قضِيَّة ذكاء، ولا قضيَّة تجارب، وإنما قضِيَّة وحي، والموحي هو الله تعالى. النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نذبح الدابة من أوداجها فقط دون أن نقطع رأسها، فلا عصره ولا بعد عصره بألف سنة فسَّر هذا الفِعل ! ولكنّ هذا من وحي الله للنبي عليه الصلاة والسلام، والآن ثبت أنّ الدابة حينما تُذْبح، مُهِمَّة القلب بعد الذَّبح إخراج دم الدابة منها لأنَّ الدم هو البؤرة الرائعة لِنُموّ الجراثيم، وكلّ أخطار اللُّحوم تكمنُ في الدَّم، إذًا لا بدّ من خروج كلّ الدم من الدابة، القلب يتلقَّى أمرًا ذاتيًا من مراكز كهربائيَّة ذاتيَة لإخراج الدم رويدًا رويْدًا حين قطع الرأس، فيخرج ربعه، أما حينما تُبقي الرأس مربوطًا يأتي أمر استثنائي من الرأس يرفع ضربات القلب لِمِئة وثمانين فيخرج كل الدمّ ! وهذه المسألة كُشِفَت الآن فقط، فكلام النبي عليه الصلاة والسلام وحي يوحى، وما ينطق عن الهوى. أعود وأقول: إنّ فضل عِلم رسول الله على عِلْم بقيَّة الخلق كفضل الله على خلقِهِ، فالعلم دائِمًا في قبول وردّ، فَهذا القمر كانوا يقولون عنه إنّه من الأرض، فلما صعدوا إلى القمر وجدوا تربة القمر غير تربة الأرض، فالعلم التجريبي كل يوم تظهر أخطاؤُه، أما علم السماء فهو من الله تعالى، فضل عِلم رسول الله على عِلْم بقيَّة الخلق كفضل الله على خلقِهِ، فالأُميَّة في حق النبي صلى الله عليه وسلم كمال، لأن وعاءه مملوء من السماء، وكل شيء قاله هو حق من الله تعالى، وقد سئل مرَّة: أنَّك بشر وتغضب كما يغضب البشر أفنكتب عنك في الغضب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "والذي بعثني بالحق لا ينطق هذا اللِّسان إلا بالحق". قول النبي وحي يوحى : الفِرية الآن أن نقول: إنَّه يقرأ ويكتب، أيُعْقل أن يكون نبيّ هذا الدِّين جاهلاً؟ من قال لك إنَّ الأميَّة هي الجهل وهناك آلاف الأدلَّة على نبوَّة النبي عليه الصلاة والسلام؟ اِذْهب للرُّبع الخالي؛ رملٌ يغطِّي حضارة، يقول عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] علماء الأرض تكلَّموا بهذا، أما النبي عليه الصلاة والسلام فمن الذي أنبأهُ بهذا ؟ لذا يجب أن نعلم أنّ الذي قاله عليه الصلاة والسلام ليس من ثقافته ولا من علمه ولا من معلوماته ولا من خبرته، إن هو إلا وحي يوحى. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#23 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : طفل الانابيب - حكمة الاسراء و المعراجمواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. طفل الأنابيب : يستطيع الإنسان أن يسْتخدم ما يُسَمَّى بِأُسلوب الإنجاب عن طريق طفل الأنابيب، لأن المؤتمر الإسلامي الذي عُقِدَ فيما أذكر في عمَّان أجاز حالةً مِن سِتِّ حالات، والخمسُ حالات مُحرَّمة تحريمًا قطْعيًّا، والحالة التي أجازها الفقهاء أن يُزْرَعَ ماء الرجل في الأنبوب، ثمَّ يزرع في رحِمِ زوْجَتِهِ، أيْ ماء الزَّوْج في رحِمِ زوْجتهِ؛ هذه هي الحالة الوحيدة التي أقرَّها مجمع الفقه الإسلامي المنعَقِد في عمَّان، أما أن يُزْرَعَ ماء الرَّجل في رَحِمٍ مُستأجرة، فهذا هو الزّنا القَطعي. حقائق متعلقة بالإسراء و المعراج : بِمُناسبة الإسراء والمعراج؛ أُريد أن أضَع بين أيديكم الحقائق التالية، كلّ مِحْنةٍ وراءَها مِنْحة، وكلّ شِدَّة وراءَها شَدَّةٌ إلى الله عز وجل، فإذا كان للدَّعوة الإسلاميَّة خطٌّ بياني، وصَلَ هذا الخطّ إلى القاع في الطائف، فأهل مكَّة كذَّبوا النبي، وائتمروا على قتلِهِ، وقاطعوه، وضَعَ خِطَّةً عليه الصلاة والسلام ؛ وهي أن يذهَب عليه الصلاة والسلام إلى الطائف مَشيًا على قَدَمَيْه فمشى ثمانين كيلو مترًا من أشَدِّ الطُّرق وعورةً، وكان الطريق إلى الطائف مِن أعْقَد الطرُق. وصَل النبي عليه الصلاة والسلام مشيًا على قَدَميه إلى الطائف يَدعو أهْلها إلى الإسلام، فهم لم يكونوا أقلّ إساءةً من أهل مكَّة بل زادوا وسَخِروا وكذَّبوا وأغْرَوا صِبيانهم بِضَربِ النبي عليه الصلاة والسلام، فسيِّدُ الخلق وحبيب الحق ضُرِبَ في الطائف، وألْجؤوهُ إلى بستانٍ، وفي هذا البستان قال: " يا رب إن لم يكن بِكَ غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العتبى حتَّى ترضى، ولكنّ عافيَتك أوْسَعُ لي." الحِكمة التي أرادها الله من أن يلقى النبي عليه الصلاة والسلام هذه المِحْنة هو أنَّهُ يدْعو إلى الله تعالى، وقد جَعَلَهُ الله أُسْوةً لِكُلّ مَن دعا إلى الله من بعدِه، فإذا كانت هناك متاعب، وهموم، ومُعارضات، وضُغوط فالدُّعاة لهم في رسول الله تعالى أُسْوةٌ حسنة، ولكن ما الردّ الإلهي على رِحلة الطائِف المُتْعِبَة؟ الردّ الإلهي هو الإسراء والمِعراج، فربُّنا سبحانه وتعالى يمْتَحِنُ ويُضَيِّق، ويُسَجِّل على الإنسان ثباته وصِدقه ثمَّ يُكافئهُ بعد حين. في الإسراء والمِعراج كُشفَت للنبي عليه الصلاة والسلام هذه الحقيقة ؛ إنَّه ليس نبيّاً فَحَسْب بل هو سيِّد الأنبياء، وليس رسولاً فَحَسْب بل هو سيِّد الرُّسل، وليس مِن أشْرف خلق الله بل هو أوَّل خلق الله قاطبةً، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾ [ سورة النجم الآية : 8-14] و ما من مقامٍ بلغَهُ بشرٌ على الإطلاق كالمقام الذي بلغهُ النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "سلوا لي الوسيلة فإنَّها مقام لا ينبغي إلا لواحدٍ من خلقه وأرجو أن أكون أنا..." ونحن نقول: اللهمّ رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمّدًا الوسيلة و الفضيلة وابْعَثهُ مقامًا محموداً الذي وَعَدْته إنَّك لا تُخْلفُ الميعاد. مهمة النبي : النبي عليه الصلاة والسلام له مهمَّتان عظيمتان ؛ مُهِمَّة التبليغ، ومهمَّة القدوَة، ففي الطائف وفي الإسراء والمعراج كان قدوةً لنا، يا أيها المؤمن ما من مِحْنةٍ تمرّ بها إلا ووراءَها مِنْحةٌ من الله عز وجل، وما من شِدَّةً تُعانيها إلا وبعدها شَدَّةٌ إلى الله تعالى، لقد أحاط الله النبي بِجَفْوَة الأرض، لِيُتاحَ له أن يعرِفَ وُدَّ السماء، ولقد كذَّبَه أهل الأرض، فقَرَّبَهُ ربُّ الأرض والسموات، و إذا كان حظ الإنسان من الله تعالى كبيراً فلا يأسَفُ على شيءٍ فاتَهُ من الدُّنيا، قال الشاعر: فليْتَكَ تَحلو والحياة مريـــــــــــــــــرةٌ وليْتَكَ ترضى والأنام غِضاب وليْتَ الذي بيني وبينك عامِــــــــرٌ وبينـــي وبين العالمين خراب إذا صحَّ منك الوصل فالكلّ هيّنٌ وكل الذي فوق التراب تـرابُ *** الصعوبات التي مرَّ بها النبي يمرّ بها كلّ مؤمن صادِق : ما أشَدَّ حاجة المسلمين اليوم إلى تجْربة الإسراء والمِعراج وإلى تجربة الطائف، فمهما ضيَّقَ أعداء الدِّين على المؤمنين الشَّدائِد فإنَّ لهم عند الله تعالى ردًّا جميلاً، ومُكافأةً جميلة، وهذه سنَّة الله تعالى في خلْقه، فالصعوبات التي مرَّ بها النبي عليه الصلاة والسلام لا بدّ من أن يمرَّ بها كلّ مؤمن صادِق، قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [سورة البقرة: 214] وقال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [سورة العنكبوت: 2-3] فلا بدّ من الابتِلاء، والإنسان إذا عرفَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بلغَ المقام المحمود بِصَبرِهِ، وثباتِهِ على مبدئِهِ كان لنا النبي عليه الصلاة والسلام أُسْوة حسنة. كل محنة تتبعها منحة : أقول مرَّةً ثانِيَة: إذا كان هناك خطٌّ بياني للدَّعوة الإسلاميَّة إلى الله فهذا الخطّ بلغَ الحضيض والقاع، ثمَّ صَعِد إلى الأوْج في الإسراء والمِعراج، وهذه سنَّة الله تعالى في خلقِهِ؛ لا يُعْطي قبل ن يبْتلي، ولا يُعطي قبل أن يمْتَحِن، قال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [سورة الملك: 2] أحداث الإسراء والمعراج تعرفونها جميعًا، ولا جَدوى من إعادتها، بل إنَّنا بِحاجة إلى أن نستبط منها الدروس البليغة، فإذا ضاقَت عليك الدنيا، تذكر قول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [سورة التوبة: 118] فالمؤمن إذا عانى من متاعب الحياة، أو من متاعب بسبب التِزامِه الحق فهذه مِحنة لا تزول بل تتْبعُها منْحة. رجلٌ ذمي رأى عالمًا اسْمُهُ عبد الله بن المبارك يمشي في مَوْكِبٍ، وكأنّه ملِكٌ بين إخوانهِ، وكان هذا الذمي يعيشُ حياةً خَشِنَة جدًّا والمتاعب والأحزان تحيط به، فقال هذا الذِمِيّ للإمام الكبير: ألم يقل نبيِّكم الدنيا سِجن المؤمن وجنَّة الكافر فأيُّ سِجْن أنت فيه وأيّة جنَّة أنا فيها ؟!! فهو رأى نفسَهُ في مشقَّة لا تُحْتمل، ورأى هذا العالم الجليل في عِزٍّ وبهاءٍ لا يُتَصَوَّر، فقال هذا الإمام: يا هذا، لو قِسْت حياتَكَ التعيسة بما ينتظِرُك من العذاب لَكُنتَ في جنَّة، ولو قِست حياتي هذه بما وعدني الله به من جنَّة لَكنتُ في سِجْن، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [سورة السجدة: 17] ربنا سبحانه وتعالى يُعطينا دَفَعات تَنْشيط من أجل مُتابعة السَّيْر، أما لو أطْلَعَنا على ما أعدَّهُ لنا في الجنَّة لقَعَدنا، فكلَّما ضاقت بنا السُّبل أعطانا شحنة، وحِقنة كي نُتابِع السَّير، أما الذي وعدنا به ففيه ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذن سَمِعت، ولا خطر على قلب بشر. موضوع الإسراء والمعراج مرتبط بالطائف، فالطائف مِحْنة، والإسراء والمِعراج مِنْحة، والطائِف شِدَّة، والإسراء والمعراج شَدَّة إلى الله عز وجل، وكلّ مؤمن صادِق عَقِب امْتِحانٍ صَعبٍ سيأتيه فرَجٌ قريب: كُن عن همومك مُعرضًا وكِل الهموم إلى القضـــا وابْشِـــــــــــرْ بِخَيرٍ عاجِـــلٍ تنسى به ما قد مضـــى فلرُبَّ أمرٍ مُسْخِــــــــــــــــطٍ لك في عواقبِه رِضـــــــــا ولرُبَّما ضاق المضيـــــق ولربُّما اتَّسَــــع الفضــــــا الله يفعل ما يشــــــــــــــــاء فلا تكـــــــــــن معترضــــــا الله عوَّدَك الجميـــــــــــــــــل فقِس على ما قد مضى *** الحزن خلاَّق، أما النعيم مع الجهل فيجعل صاحِبَهُ مقيتًا ممقوتًا. اللجوء إلى الله لننعم بطعم القرب منه : إذاً المتاعب والأحزان والفقر والشِدَّة والمرض يتألَّق بها الإنسان، عُدْتُ مريضًا منذ يومين وهو على فراشه، و رأيته ينعم بلذة القرب من الله لا توصف بكلمات، مرَّ بِعمليًّة جراحيَّة في قلبه، وأكرمه الله بالنجاح في هذه العمليَّة، وكلَّما سألتهُ سؤالاً انهمرَت دُموعه شُكرًا لله عز وجل، فالمرض أحيانًا يُقرِّبك من الله عز وجل، وكذا الفقر والمتاعب النَّفسيَّة، فالعِبرة أن تلجأ إليه لِتَذوق طعم القُرب منه، فإذا كان الإنسان ساهِيًا ولاهِيًا؛ كيف يفعل الله عز وجل لِيَكون هذا العبد على أبوابه؟ إذا جاء طائعًا حُلَّت المشكلة، أما إذا كان غافلاً وساهِيًا فتأتيهِ شِدَّة تسوقه إلى باب الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: "عجب ربُّكم إلى قوم يُساقون إلى الجنَّة بالسلاسل...." سألني مرَّة أخٌ مُداعِبًا: هذه الدَّعوة التي تدعو الناس إليها ما فحواها؟ فألْهمني الله كلمة فيها دُعابة أيضًا فقلتُ له: إما أن تأتِيَهُ ركضًا، أو أن يجْعلك تأتيه ركْضًا !! فالاختيار منك وكلُّنا مطلوبون، ولو يعلم المعرضون انتظاري لهم وشَوقي لتَرك معاصيهم لتقطَّعَت أوصالهم من حُبِّي، ولماتوا شَوقًا إليّ، هذه إرادتي في المعرضين فكيف إرادتي في المقبلين؟ أهل ذِكري أهل مودَّتي، وأهل شُكري أهل زِيادتي، وأهل معصيتي لا أُقنِّطُهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبْتليهم بالمصائب لأُطَهِّرهم من الذُّنوب والمعايِب، الحسنة عندي بِعَشرة أمثالها وأزيد، والسيّئة بِمِثلها وأعفو، وأنا أرحم بالعبد من المرأة بِوَلَدِها، وأنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمتَ لي فيما أريد كفَيْتُكَ ما تريد، وإن لم تُسلِّم لي فيما أُريد أتْعَبْتُكَ فيما تُريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#24 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : كتب على ابن ادم حظة من الزنامواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( الواحد و العشرون ) من اختار الزنى كُتِب عليه أن ينال نصيبه من عقوبتها : (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ (( [ مسلم عن أبي هريرة] ربما أشْكَلَ هذا الحديث على بعض الناس إذ كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يكتب على الإنسان الزنى ثمّ يُحاسِبُهُ عليه؟ لا بدّ من توضيح المعاني الدقيقة لهذا الحديث الشريف. أوَّلاً: كلمة كَتَبَ، وكُتِبَ، ومشتقاتها تعني بالنسبة إلى الله عز جل أنَّهُ يُؤكِّدُ لنا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى ليس عنده كتابة، ولكن نحن إن كان معنا شيئًا مكتوبًا نشْعر بِطُمأنينة، قال تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الأنعام : 54] وقال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [سورة المجادلة : 21] فالكتابة لا تعني الكتابة التي نـألفُها، فكلّ ما خطر بِبالك هو خلاف ذلك، أما الكتابة فتعني التأكيد، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ )) [ مسلم عن أبي هريرة] فالكتابة على الزنى أم على نصيبه من الزِّنى؟ هنا السؤال ! إن كانت الكتابة أن يزني فالحديث له إشكال، أما إذا كانت الكتابة على نصيبه فلا بدّ من أن ينال نصيبه من عقاب الزنى، فالموضوع له ترتيب آخر أنت حينما تركب مركبتَك، والإشارة حمراء، أنت مُخيَّر أن تقف أو تُخالف، أما إن خالفْت فلسْتَ مُخيَّرًا، فقَدْتَ حُرِيَّة اختيارك، ولا بدّ مِن أن تُخالف، وأن تُحْجز المركبة، فالإنسان مُخيَّر ؛ يزني أو لا يزني، لأنَّه لما قال أحد الأشخاص لسيِّدنا عمر: إنَّ الله قدَّر عليّ ذلك، قال عمر: أقيموا عليه الحدّ مرَّتَين ؛ مرَّة لأنَّه شرب الخمر، ومرَّة لأنَّه افترى على الله، قال له: وَيْحَكَ يا هذا، إنَّ الله لن يُخرِجْك من الاختيار إلى الاضطرار، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف : 28] أما الإنسان حينما يختار الزنى فإنَّه كُتِب عليه أن ينال نصيبه من عقوبة الزِّنى، إما زنى العين، أو زنى اللِّسان، أو زنى الأذن، أو زنى الفرج، عندها يكتب نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة. التسيير و التخيير : الإنسان مخيّر، فإذا اختار المعْصِيَة فقَدَ اختياره، فالإنسان مُسيَّر في أبيه وأمِّه وبيئته وعصره وزمانه وقدراته، إلا أنّ هذا التسيير لِصالح الإنسان، ثمّ إنّ الإنسان مخيَّر، فالله كلَّفه يعبدُهُ أو لا يعبدُهُ، يُصلِّي أو لا يُصَلِّي، يُزَكِّي أو لا يُزَكِّي، يغضّ بصره أو يطلقه، أما أن تكون ابن فلان وابن فلانة في المكان الفلاني، والزمان الفلاني، وبالشكل الفلاني، وبالإمكانات الفلانيّة، فهذا أنت مُسيَّر فيه وهو لِصَالِحك، وليس بالإمكان أبدع مما كان، أو ليس في إمكاني أبدعُ ممَّا أعطاني، فأنت مُسيَّر في بيئتك ووالدَتك وعصرك وقدراتك، ثمّ أنت مُخيَّر فيما كُلِّفْت به، أمرَكَ الله أن تصْدق، وأن تكون أمينًا، وأمركَ أن تُصَلِّي وتصوم، وأن تحجّ بيتَ الله الحرام، وأمركَ ان تُزكِّي، وتضبط جوارحك فأنت مُخيَّر، فإذا اختار الإنسان المعصِيَة، حينها يصبح مسيَّرًا لِدَفْع ثمنها، أوْضَح مثل: مواطن شريف لا يخالف القانون تجدهُ طليقًا يذهب حيثما كان وهو حرّ، ويُغادر القطر، يؤسِّس عملاً تِجاريًّا أو لا يؤسِّس، يشتري مكتبًا أو لا يشتري، أما حينما يرتكب جريمةً فهل يبقى حُرًّا ؟ يفقِدُ اختيارهُ، أنت مُخيَّر أن تزني أو لا تزني أما حينما تزني كُتِبَ عليك نصيبك من عقوبة الزنى مُدركٌ ذلك لا محالة، ولا يفهمن أحد أنَّ الله عز وجل كتبَ على هذا الإنسان أن يزْني شاء أم أبى: ألقاهُ في اليمّ مَكتوفًا وقال له إيَّاك إيَّاك أن تبْتلّ بالماء *** قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النحل : 35] تخرصون هذا من أشدّ أنواع الكذب، فالذي يقول هذا الكلام هذا إنسان يكذب على الله، والذي يقول: لا تعترض فتنْطرِد !! هذا كلام لا معنى له لأنّ الله تعالى بيَّن، قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان : 3] وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ سورة التغابن : 2] وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [سورة الكهف: 13] وقال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة : 148] إيَّاك أن تفهم من هذا الحديث أنَّ الله تعالى يأمر بالفحشاء، أو أنَّ الله كتبَ عليك الزِّنى، الكتابة لا على فِعل الزِّنى ولكن على إدراك النَّصيب من عُقوبة الزِّنى، فلا بدّ من أن ينال الإنسان نصيبَهُ من عقوبة الزِّنى، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: منْ يزني يُزْنى بِه ولو بِجِدارِهِ إن كنتَ يا هذا لبيبًا فافْهَم ! قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة الأنعام : 129] درجات الزنى : بشِّر الزاني بالفقر ولو بعد حين وللزنى درجات، فإطلاق البصر أحد درجات الزنى، فالعين تزني وزناها البصر، وأن تُدير حديثًا ناعمًا ولطيفًا مع امرأة لا تَحِلُّ لك هذا أحد أنواع الزنى، وأن تستمِعَ إلى ما يُثير شَهوة الجِنس؛ غناءً أو تكسُّرًا أو ما شـاكل ذلك هو نوع من أنواع الزنى، وأن تُصافِحَ امرأةً بِحَرارة هو نوع من الزنى، فالكلّ زنى ولكن بِدَرجات، وقد يزني الإنسان الزنى الفاحش المعروف، فالإنسان إن أطْلق بصرهُ سيَدْفعُ الثَّمَن في بيتِه؛ خُصومة وعِناد ومشكلة لأنَّ الذي بنى بيته على طاعة الله يتولَّى الله التوفيق بين الزَّوجين، فإذا زاغَتْ عَيْن الرجُل دَفَعَ الثَّمن في بيتِه، ألم يقل الإمام الشعراني: أعرف مقامي عند ربِّي من أخلاق زوجتي ! فإن غضَضْت البصر عما لا يحلّ لك أوْرثك الله حلاوةً في قلبك وفي بيتك إلى يوم تلقاه، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )) [ أحمد عن جابر بن عبد الله ] أن تُعْبَدَ الأصنام في العالم الإسلاميّ شيءٌ مستحيل، والدليل هذا الحديث فالكل يقول: لم نعمل شيئاً !! فعلى مستوى النَّظر يكون هناك شِقاق زَوجي، وعلى مستوى اللَّمس يكون هناك لمْس، فكما لمَسْت تُلْمَس، وكما نظرتَ ينظَر إليها، وكما أدَرْتَ حديثًا مُمْتِعًا مع امرأة لا تحلّ لك، هناك مَن يُدير حديثًا مُمْتعًا مع زوْجتك ! شيءٌ دقيق جدًّا، فقول النبي عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] كتب عليه أن ينال نصيبه من عقوبة الزنى في كلّ درجاته. التركيب الخبري في القرآن الكريم أبلغ من التركيب الإنشائي : الله عز وجل لم يقل: لا تزنوا، ولكن قال: ولا يزنون، فالتركيب الخبري أبلغ من التركيب الإنشائي، فالله تعالى قال: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [ سورة البقرة: 233] لـو أنَّ الله عز وجل قال: يـا أيتها الوالـدات أرضِعن أولادكنّ حولين كاملين، ترضِع أو لا ترضِع، أما الأولى فتعني أنَّه من شأن الأم أن ترضع ابنها وهذه أبْلغ، و الله تعالى قال: ولا يزنون، فَمِن صفات المؤمنين أنَّهم لا يزنون، فالتركيب الخبري يأتي في القرآن أحيانًا في مجال التركيب الإنشائي كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [ سورة آل عمران:97 ] هذا تركيب خبري يُفيد أنَّه ينبغي أن يكون الحرمُ آمنًا، أي اجعلوه آمنًا، والله تعالى قال: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [سورة النور : 26] ألا يوجد زوج سيئ لِزوجة جيِّدة والعكس، فأين الآية ؟! فهذه الآية لْيسَت حكمًا بل تكليفاً؛ أي احْرصوا على تزويج الطِّيبين من الطَّيِّبات. الابتعاد عن الكبائر : لذا قال الله عز وجل: ولا يزنون، هذه أبلغ ألف مرَّة من أن ينهانا الله عز وجل عن الزنى، لأنّه ليس من شأن المؤمن أن يزني لا بِعَينيه ولا بأُذنه ولا بلسانه ولا بِفَرجِهِ، والإنسان قبل أن يرتكب الكبائر هو بِخَيرٍ شديد، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء : 31] والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما لم تُرْتَكب الكبائر، فالحديث في درسنا ليس فيه إلْزامٌ بالزنى ولكن إلْزام بِتَحَمُّل عُقوبة الزِّنى. أحدهم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: "عِظني ولا تُطِل..." إذا اختَرت أن تفعل المعاصي حينها اسْتَعِدّ للبلاء، وأنا أقول لكم هذه الحقيقة: إما أن تنطلق إلى الله تعالى طائِعًا، وإما أنَّ الله سبحانه وتعالى بِحِكمةٍ بالغة يحْملك على أن تنطلق، فانطَلِق طواعِيَةً أكمل وأشْرف من أن تُساق بالسِّياط، وعجب ربكم إلى قوم يُساقون بالسلاسل، والعقوبات أحيانًا وسائل من وسائل التَّربيَة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#25 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : موعظة فى رمضان مواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( الثانى و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. شهر رمضان شهر عبادة و إخلاص : أيُّها الأخوة الكرام، هذا هو الدرس الأخير قبل رمضان، لذا لا بدَّ من كلمة حول شَهر الصِّيام. النُّقطة الأولى؛ أنَّ هذا الشَّهر هو شَهر عِبادة، وقد ارْتقى النبي عليه الصلاة والسلام المِنبر فصعد الدرجة الأولى فقال: آمين: (( رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ )) [ الترمذي عن أبي هريرة] أيها الأخوة الكرام، معروضٌ عليكم عرْض خاصٌّ مِن الله عز وجل أنَّه من صامَ رمضان إيمانًا واحْتِسابًا غفر الله ما تقدَّم من ذَنْبِهِ وما تأخَّر، و وجَدْتُ حديثًا آخر في الصِّحاح يقول عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) [ البخاري عن أبي هريرة] معنى ذلك نحن أمام فُرْصةٍ سَنَوِيَّة مُغْرِيَّة جدًّا ؛ أنْ نفْتَحَ مع الله تعالى صفْحةً جديدة. مرتكزات مهمة في رمضان : 1 ـ رمضان شهر الاستقامة : رمضان فيه أربع نِقاط ارْتِكاز، رمضان شَهر الاسْتِقامة، وإيَّاك أن تظنّ أنّ الاستِقامة فقط في رمضان لِتَعود بعده إلى العِصْيان، هذا كالذي نقضَت غزْلها من بعد قوَّة أنكاثاً، وكالناقة التي عقلها أهلها فلا تدري لا لِم عُقِلَت ولِمَ أُطْلقَت؟ أما إذا اسْتَقَمْتَ على أمر الله في رمضان فلِكَي تنْسَحِب هذه الاسْتِقامة على كلّ شُهور العام. التَّفاصيل ؛ غضُّ البصَر، ومَن مَلأ عيْنَيه مِن الحرام ملأهما الله مِن جَمْر جهنَّم، ومن غضَّ بصرهُ عن محارِم الله أوْرثهُ الله حلاوةً في قلبِهِ إلى يوم يلقاه، والنَّظْرة سَهم مَسْموم مِن سِهام إبليس، ولو أنَّ النبي قال: سَهمٌ فقط ولم يقُل مسموم لاخْتَلَفَ المعنى، فالسَّهم قد يُصيبُ مكانًا في الجسَد، أما إذا كان مَسْمومًا فقد يُسَمِّمُ الجِسْم كُلَّه، فالذي يُطْلقُ بصرَهُ ويتساهَلَ في غضِّ البصَر يَجِدُ أنّ هناك حِجابًا بينه وبين الله ولو قامَ لِيُصَلِّي يجِدُ أنَّ الصلاة شَكْلِيَّة. وكذلك ضَبْطُ الأُذُن، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [سورة لقمان: 6] لهوُ الحديث قال عنه: الغِناء، وكلّ أنواع المُلْهِيات في رمضان؛ إن أرَدْتَ أن تُتَابِعَ ما في هذا الجِهاز الصَّغير لن تسْتطيعَ أن تُحَقِّق الهَدَف مِن هذا الشَّهر العظيم، فهذا الشَّهر يحتاج إلى ضَبط الأُذُن واللِّسان، فالغيبة والنَّميمة والكذب وقول الزُّور والمُحاكاة والاسْتِهزاء هذا كلُّه يحتاج إلى ضَبط، وكذا ضَبْطُ اليَدِ، فلا تأكل إلا الحلال، ولا تُنفِقَ إلا الحلال، قال عليه الصلاة والسلام: (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ )) [ ابن ماجه عن أبي يعلى شداد بن أوسٍ] فلا معنى أن تَدَع كأس الماس والطَّعام إن كان بالإمكان أن تقْتَرِفَ المعاصي والآثام، تشْعُر بِشيء مضْحك، وتناقض مُريع، وتناقض غير مُحْتمل؛ تتْرُك الطَّعام والشَّراب اللَّذين أباحهما الله لك في غير شَهر رمضان وتفعل ما حرَّم الله، لذلك كأنَّ الله أراد أن يجْعل مِن ترْك المُباحات طريقًا لِتَرْك المَنْهِيَّات، فرمضان يعني الاستقامة، ولا يقبل حلاًّ آخر. 2 ـ رمضان يعني الصلاة : رمضان يعني الصلاة، هذه الاستقامة، وهذا الضّبط، وهذا الذِّكْر، وغضُّ البصر، وضَبط اللِّسان، والإعراض عن سَماع كُلِّ شيءٍ لا يُرضي الله، هذا مِن أجل أن يَحْمِلَكَ على الاتِّصال بالله عز وجل، متى الاتِّصال بالله تعالى؟ في التراويح، فالإنسان كما قلتُ في درْسٍ سابقٍ يتوجَّه من المنطقة أ إلى المنطقة ب ليشتري كيلو غرام من الفول من أجل أنَّ الفول طيِّب، فدينُكَ أعظم من أن تختار لنَفسِكَ مسجدًا تُصلِّي فيه التَّراويح، وعن إمام تسرُّ بِقِراءَتِهِ، وعن إمام يقرأ في الليلة الواحدة جزءاً؛ لأنّ الإمام الغزالي يقول: " أعلى درجة من الثَّواب في تِلاوة القرآن أن تقرأهُ في المسجد، وفي صلاة وأنت واقف، أو أن تسْتَمِعَ إليه فهذه أعلى درجة من الخُشوع" فهذا مُتاحٌ في التراويح، لذلك لا بدَّ أن تُبَرمِجَ حياتَكَ لا على أساس اللِّقاءات، والولائِم، والسَّهرات، والنَّدوات، فرمضان شَهر العِبادة، يجب أن تُوَطِّن نفْسَكَ على حُضور مجالس العِلم، وصلاة التَّراويح، وصلاة الفجر في المسجد، وكأنّ الله تعالى حينما يريدُ منك أن تُصلِّي صلاة الفجر في المسجد فَلِكَي تنسَحِبَ هذه الصلاة على شهور السَّنة، قال عليه الصلاة والسلام: (( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ )) [ مسلم عن أنس ابن سيرين] رمضان يعني الاستقامة، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام (( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِمَا تَحْقِرُونَ )) [ أحمد عن أبي هريرة] قد يقول أحد من المسلمين: أنا لم أقْتُل، ولم أزْنِ، ولم أسْرق، ولم أشرب الخمر، فنقول له: هذا شيء كبير، ولكن هذه كبائر، ومُدَمِّرة، أما ما يقطَعُكَ عن الله فهو ما تَحْقِرُهُ مِن الأعمال، لذلك ضَبط اللِّسان، وغضُّ البصر، والإعراض عن الملْهِيات والأفلام، هذه كُلُّها حِجاب بينك وبين الواحِدِ الدَّيان، فرمضان إذًا يعني الاسْتِقامة، ويعني الصلاة، والاتِّصال الحقيقي بالله، قال تعالى: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [سورة طه: 14] وقال تعالى: ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [سورة العلق: 19] والصلاة نور وطهور وحبور، وهي مِعراج المؤمن، وهي الميزان، ومن وفَّى اسْتَوفى. 3 ـ رمضان يعني تلاوة القرآن : الشيء الثالث ؛ رمضان يعني تِلاوَة القرآن، فهذا القرآن الكريم الذي هو غِنًى لا فقْر بعده، ولا غِنًى دونه، وهو ربيع القلوب، ولك أن تقرأهُ قراءَتين ؛ قِراءة تَعَبُّد كما تقرؤونهُ جميعًا، وقراءة تدبُّر وهو أن تقف عند الأمر والنَّهي، والحلال والحرام، وأن تقف عند القصص التي تؤثِّر في النَّفس، وأخبار التاريخ. مَن صلَّى الفجْر في جماعة واسْتَطاع أن يجْلسَ حتَّى تطْلُعَ الشَّمس فينتَظِر عشرين دقيقة وبعدها يُصَلِّي صلاة الضُّحى، فهذه تعدل حجَّة وعمرةً تامَّة، فأنت مُتاحٌ لك في رمضان أن تكسِبَ ثلاثين حجَّة وثلاثين عمرة، ولك أن تذكر الله صباحاً و مساء، وأن تسْتغفِر. 4 ـ رمضان شهر الإحسان : المُهِمّ أن تجعل من رمضان شَهر اسْتِقامة، وشَهر اتِّصال، وشَهر قرآن، وشَهر إحسان، فهذه أربع كلماتٍ يجبُ ان تبقى في أذْهاننا؛ رمضان الاسْتِقامة، ورمضان الاتِّصال، ورمضان القرآن، ورمضان الإحسان، وقد كان عليه الصلاة والسلام جوادًا وكان أجْوَدُ ما يكون في رمضان، اُكتُب قائِمَة لإخوانِكَ المُحتاجين وعن قضاياهم، وشؤونهم، ودُلَّهم على الله وتفقَّد أحوالهم، ووقِّر كبارهم، كلُّ هذا مِن أجل أن نُعْتَقَ مِن الله، لذا أيُّها الأخوة نحن في فرْصَة والماضي كلُّه يُغْفر، فإذا تاب العبد توبةً نصوحة أنْسى الله حافِظيْه والملائكة وبِقاع الأرض كلَّها خطاياه. نرجو الله تعالى أن نُشَمِّر، لا بدَّ مِن أن تبدأ أوَّل رمضان إلى آخره بالطاعة، والشَّهر شَهْر قُرْب، فالعِبرة أن تذوق طَعْم القرب من الله تعالى، فإذا صام الإنسان رمضان إيمانًا واحْتِسابًا غفر الله ما تقدَّم من ذنبه، ونحن دروسنا معروفة لديكم في هذا الشَّهر. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#26 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : درس عن الزكاة - 1 -مواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( الثالث و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. الزكاة : أيُّها الأخوة الكرام، أخٌ كريم طلبَ مِنَّي أنْ أتحدَّث عن موضوع الزَّكاة ومعه الحقُّ في ذلك، فوَقْتُ الزَّكاة في رمضان. الله جلَّ جلاله يقول في القرآن الكريم: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [سورة التوبة: 103] هذه الآية أصْلٌ في فرْضِيَّة الزَّكاة، خُذ، فالله سبحانه وتعالى لم يقل: يا أيها الذين آمنوا ادْفَعوا الزَّكاة، لماذا؟ لأنَّ الزكاة تُؤْخذُ ولا تُعْطى، وتُفْترَضُ، ولأنّ الزَّكاة يتعلَّقُ بها مصيرُ الأُمَّة، وسلامةُ المُجْتمع، ولأنَّ خُطورتها تصِلُ إلى مجموع الأمّة، لذا تُفْترضُ ولا تُسْتَجدى، وتؤْخَذُ ولا تُعْطى، فالنبي عليه الصلاة والسلام خوطِبَ لا على أنَّهُ نبِيُّ هذه الأُمَّة بل على أنَّهُ وَلِيُّ أمْر المسلمين، أما مِن أموالهم، فَمِنْ تُفيدُ التَّبعيض؛ أيْ خُذْ بعض أموالهم، نسبةٌ ضئيلة جدًّا؛ اثنان و نصف في المئة، أما أموالهم فجاءت جمعاً لأن الزكاة تجب في جميع الأموال، ما أنتجته الأرضُ، و عُروض التجارة و الصناعة، و الركاز - الثروات الباطنية- وفي الأنعام، الإبل و البقر و الغنم، وفي العسل، و في الفواكه و الثمار، كلّ أنواع الأموال تجب فيها الزكاة، البيوت المعدَّة للمتاجرة تجب فيها الزكاة، و الدكاكين المعدّة للتجارة، و الأراضي التي تُشترَى لبيعها و ربح ثمنها تجب فيها الزكاة، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة التوبة: 103] أما كلمة " هم " ففي أموالهم، الزكاة مفروضة على جميع المسلمين من دون استثناء، فلا تُطوَى الزكاةُ عن أحد، أما صدقةً فتؤكِّد صدقَ الإنسان مع ربّه، فالعباداتُ التي تتوافق مع النفس قد لا يرقى بها الإنسانُ كثيراً، لكنَّ العبادات التي تتناقض مع الطبع، طبعُك أن تأخذ الأموال، و أن تجمع الأموالَ، لكنَّ فرضية الزكاة تعني أن تدفع الأموال، هذه معنى " صدقة " أي تؤكِّد صدقَ إيمانهم، من هنا قال عليه الصلاة و السلام: (( الصدقة برهان...)) [ شعب الإيمان عن أبي مالك الأشعري] الزكاة تطهر الغني و الفقير : ثم قال تعالى: ﴿ تُطَهِّرُهُمْ﴾ [سورة التوبة: 103] أي تطهِر الغنيَّ من مرض خطير جدًّا وهو الشُّحُ، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [سورة التوبة: 9] و تطهِّر الفقير من مرض الحقد، حينما يرى الفقيرُ نفسَه محروماً و إلى جانبه ثريٌّ مُترَف، و الفقير يعمل و الثري لا يعمل، هذا يخلق اضطراباً في النفس و ينشئ حقداً و ضغينة قد تنتهي إلى اضطرابات في المجتمع، فإذا دفعت زكاةَ مالك حقيقة، تسلّمها الفقراءُ حقيقة عندئذٍ تطهر نفسُ الغنيِّ من الشُّح، و الفقير من الحقد، و المال نفسُه يطهر من تعلُّق حقِّ الغير به، " و تزكيهم " أي تنميهم، فالإنسان ينمو، إما أن ينمو طولُه أو وزنُه أو أن تنمو نفسُه، بدفع الزكاة تنمو نفسُ الغنيِّ، و يشعر أنه إنسان له أياد بيضاءَ على مجتمعه، و يشعر أنه بماله قد مسح دموعَ البائسين، و بماله آوى الشاردين، و أطعم الجائعين، وزوَّج الشباب المؤمنين، وبِماله فتح ميتمًا، يشعر بنُمُوٍّ، وتنمو نفس الفقير حينما يشْعر أنَّ مُجْتَمَعَهُ لم ينْسَهُ، ومُجْتَمَعَهُ يَحْرصُ على سلامَتِهِ، وعلى إطْعامِه، وعلى إسْكانِهِ، فالفقير تنْمُو نفْسُهُ، والغَنِي تنْمو نفْسُهُ، والمال ينْمو لأنَّكَ إن وزّعْتَ زكاة مالِكَ رفَعْتَ القوَّة الشِّرائِيَّة عند الفقراء، فإن كان لهم مال؛ ماذا يفْعلون به؟ سيَشْترون به عند الأغنياء، فكلُّ غَنِيّ ينفقُ ماله تَروجُ تِجارَتُهُ، وقد ينْمو المال بِطَريقةٍ خاصَّة من العِناية الإلهِيَّة. حساب الزكاة : أيها الأخوة، هذه مُقَدِّمة، وهناك طُرُق كثيرة لِحِساب الأموال، أكْثَرُها مُتْعِب، وغير واقِعِي، أما الطريقة الوحيدة الواقِعِيَّة فأن تَجْرُدَ أموالَكَ بِرَمَضان، وأن تدْفَعَ عليها الزَّكاة، فأسْهَل طريقة وأبْسَطَها أن تجْرُدَ أموالك بأوَّل رمضان، والدُّيون الثابِتَة تَجِبُ فيها الزَّكاة، والدُّيون المَشْكوك فيها تُدْفعُ زكاتُها حينما تُرَدُّ إليك، عن سَنَتِها، وعن التي قبلها، أما الدُّيون المَيِّتَة فهِيَ مَعْفِيَّة، والدُّكان مُعْفى من الزَّكاة، وكذا أدَوات الحِرْفة والبيت مُعْفى والمركبة والأثاث والأرض المزروعة ؛ كلّ هذه مُعْفاة من الزَّكاة، لأنّ هذه الأموال لا تنْمو، أما البِضاعة والمواد الأولِيَّة فهذه ينبغي أن تُجْرَدَ جرْدًا دقيقًا، وهناك مَن يقول: أنا قدّرْتُ البِضاعة بمئة ألف! هذا غير مقبول، قال تعالى: " وفي أموالهم حقٌّ معلوم.." فلا بدّ مِن الجَرْد، فقد تقول: أنا أُضاعِفُ التَّقدير! نقول لك: هناك آلاف الناس يُسيئون التَّقدير، فالزَّكاة حقّ الله، وحق الفقير، ويجب أن تُجْرَدَ جرْدًا دقيقًا، والله تعالى يقول: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [سورة الذاريات: 19] هذه في الصَّدقات إذاً تُجْري جَرْدًا دقيقًا، وتعُدّ الأموال التي في حَوْزَتِك، الدُّيون التي لك تَطْرحُ منها الدُّيون التي عليك، والحاصِل ضَرْب اثنين ونِصف بالمئة وهناك طريقة وأخوةٌ كُثُر يَفعلونها وهي مُريحة جدًّا، يدْفَع زكاة مالِهِ بِرَمضان، وبِواحِد شوَّال يفْتح حِساب الزَّكاة للعام القادم، وكلَّما عُرِض عليه مَشْروع خَيري ؛ يتيم، أرْملة، فقير، عَمَلِيّة جِراحِيَّة، أو طالب عِلْم، ابن السَّبيل يَدْفع بِبَساطة، فهذا يَدْفع على مدار العام، بِتُؤدَة وبِتَأنّ، وفي شوَّال القادم إن دَفَع عشرة وكانت زكاة ماله عشرين دفَعَ فقط عشرة ! فهذا يدْفع الزَّكاة بِراحة، ومع دِراسة مُطوَّلة، ومن دون ضيق، وهذا مَشْروع. إنسان اشترى شيئًا على المَشاع، ودافِع مَبْلغاً، وهذا المَبْلغ سُلْفة، والسُّلْفة عليها زكاة، أما حينما يتحدَّدُ البيت، وسِعْرُهُ، وأمتارُهُ، وجِهَتُهُ، وطابِقُهُ، فيُصْبِحُ ثمَنَ البيْت دَيْنًا عليه، ويعْفى من السُّلَف التي دَفَعْها في هذا المَشروع؛ هذا الذي ذَكَرْتُهُ لكم مُتَعَلِّق بالزَّكاة، والزَّكاة تُؤدَّى في رمضان وفي غيره، وهناك من يُقَدِّمها قبل العيد بِيَوم واحِد، الفقير عليه أن يشْتري حاجاته، وطعامِهِ، والإنسان ليس حكيمًا في إنفاق المال يُمْكِن أن تُقدَّم له الزَّكاة عَيْنًا. بطولة الإنسان وضع الزكاة في مكانها المناسب : لا تنتهي بُطولة الإنسان في إنفاق الزَّكاة، بل في وَضْعِها في المكان المناسب لأنَّ هناك مُتَسوِّلين يُتْقِنون فنَّ التَّسَوُّل، فالذي يأخذ دائِمًا هو الذي يسْأل ولا يسْتحي، وهو الذي يُحْرِجُك، والمَحروم هو الذي لا يسأل ويسْتحي، لأنَّ الذي يسْتَحِقُّ الزكاة يحْسَبُهُ الجاهل غنِيًّا مِن التَّعَفُّف، فالذي ينبغي أن تُعْطِيَهُ المال هو الذي لا يسألُكَ، وتحْسَبُهُ غَنِيًّا، فَوَاجِبُكَ أن تتحرَّى مَن حَوْلك من الأقرباء والجيران والأصدقاء؛ أنيق ولطيف ونظيف ولكن دَخْلُهُ لا يكْفيه، فهذا ينبغي أن تُغْنِيَهُ عن السُّؤال، أن تُبْقيهِ غَنِيَّ النَّفْس، وليس شَرْطًا أن تُعْلِمَ الذي تُعْطيه المال أنَّ هذه زكاة مالي، لك أن تُعْطِيَهُ المال بألْف طريقٍ وطريق، جاءه مولود فَتُعْطيه هَدِيَّةً نفيسة، فهذه نُقطة؛ تُؤَدَّى عَينًا، وتُؤدَّى نَقْدًا. الأقْربون أولى بالمعروف، أما هؤلاء الذين تُؤدِّي لهم الزَّكاة فيجب أن يكونوا أقْرَب نسبًا أو إيمانًا أو فقْرًا، وكلَّما تساويا في شرْط تُحرِّك الشَّرْط الثاني، تساوَيا في الفقْر حرِّك شرْط النَّسَب، وإن تساوَيَا في الفقْر والنَّسَب حرِّك شرْط الإيمان. هذا أيُّهاالإخوة عن الزَّكاة، ومَن أدَّى زكاة مالهِ أذْهَبَ الله عنه شرَّ ماله وما تلِفَ مال في برٍّ أو بحْر إلا مِن حَبْس الزَّكاة، وسيِّدُنا أبو الدِّرداء قيل له: لقد احْترَقَ دُكَّانُك! فقال: لا، فلمَّا ذَهبوا وجدوا الحال كما قال فرجعوا وبشَّروه، أنت حينما تُزَكِّي مالك تَجعلُ الله ضامِناً لِمَالِك. شروط زكاة الفطر : زكاة الفِطر تَجِبُ على كلّ مسلم؛ حُرِّ أم عبْد، غَنِيٍّ أو فقير، صغيرٍ أم كبير، ذَكَر أم أنثى، لماذا الفقير؟ قالوا: لِيَذوق مرَّةً في العام طَعْم الإنفاق، والذي يدْفَعُ زكاة الفِطر مَسْموحٌ له أخْذ زكاة الفِطْر، شَرط ألا يتَّفِق اثنان. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#27 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : درس عن الزكاة - 2-مواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( الرابع و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. الزكاة : أيُّها الأخوة الكرام، الزكاة كما ورد في الفقه بِشَكل عام اثنان ونصف بالمئة، فكلّ إنسان له تِجارة، هذه التِّجارة يجب أن تُجْرَد، تُجْرد البِضاعة، وتُحصى الأموال التي في الصُّندوق، وأن تُحصى الدُّيون الثابتة، وأن تُطْرحَ منها الدُّيون المتوَجِّبَة، هذا الرَّقَم تجِبُ فيه الزَّكاة؛ اثنان ونصف بالمئة. أيها الأخوة، الموضوع الدَّقيق أنَّ البِضاعة التي ينبغي أن تَجْرُدَها ينبغي أن تُجْرَدَ وِفْق سِعْر الكُلفَة بالضَّبط، أما التي تُوَزِّعُها زكاةً فيجب أن تُجْرَدَ وِفْق سِعْر كُلفتها، ووِفْق سِعر السوق أو أيُّهما أقلّ، فإن أرَدْتَ أن تُخْرِجَ زكاةَ مالِكَ مِن بِضاعَتِك يجب أن تُسَجِّلها على الله تعالى بِسِعْر الكُلفة إن كان سِعر السوق أغلى، وبِسِعْر السوق إن كان سِعر الكلفة أغلى، فقِطْعة القماش لو كان ثمنها في السوق خمسمئة ليرة، وكلَّفتك ألف ليرة إن أرَدْت أن تُخْرِجَ زكاة مالِكَ مِن بِضاعَتِك يجب أن تُسَجِّلَ سِعْرها بِسِعْر السُّوق، وإن كان سِعْر السوق أغلى مِن كُلفتها تُسجِّلها بِسِعْر الكُلفة، فالرَّقَم الذي تُسَجَّل فيه البِضاعة على الزَّكاة سِعْرُ كُلفتها أو سِعرُ السوق أيُّهما أقلّ. البِضاعة مع المال مع الدُّيون الثابتة التي لك، الدَّيْنُ ثلاثة أنواع؛ دَيْنٌ ميِّت أو مَعدوم، هذا لا تَجِبُ فيه الزَّكاة، ودَينٌ مَشكوك في تَحصيلِهِ تُدْفعُ زكاتُهُ عند تَحصيلِهِ، ودَينٌ ثابت تُدْفعُ زكاتُهُ وهو عند المدين، فالبِضاعة والأموال والدُّيون مَطروحٌ منها الدُّيون التي عليك، هذا الرَّقم تُؤدَّى فيه الزَّكاة . أكثَرُ سؤال أُسْأَلُهُ هذه الأيام هو موضوع الزَّكاة، فلو دخَلَ عليّ مبْلَغ قبل رمضان بِشَهر فهل ينبغي أن أنتظِر عامًا حتَّى يحول عليه الحول؟ ومبلغٌ كان معي أنْفقْتُهُ قبل رمضان بِأُسبوع فهل تسقط عنه الزَّكاة ؟ أقول لكم بِشَكل بسيط ؛ هذه الحِسابات مستحيلة، ومُعقَّدَة جدًّا، يُغنيكَ عن كلّ هذا جرد لِما تمْلِك في رمضان، أما ماذا دخل وماذا خرَج فهذا حِسابٌ طويل قد لا ينتهي، لأنَّهُ يحتاج كلّ مَبلغ حِساب، فالأرْيَحُ مِن ذلك أنَّ كلّ مبْلغٍ تَمْلِكُهُ في رمضان تَجِبُ فيه الزَّكاة. مال الزَّكاة لا يُدْفعُ على الرَّفاه فالزَّكاة للضَّروريَّات : الشيء الآخر ؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [سورة التوبة: 60] أكثر سؤال يُوجَّه أنَّ كلّ مسلِم يريد أن يُبقي الزكاة في أولاده وإخوته وأخواته! فإذا كان الإنسان مُكَلَّفًا بالإنفاق على إنسان ودَفَعَ له الزَّكاة، فإذا كنتَ مُكُلَّفًا بالإنفاق على أخْتِكَ، وهي في البيت، وهي بِحاجة إلى معْطَف، فدَفَعتَ لها ثمنه فأنت بهذا لم تدفَع الزَّكاة أبدًا، فالأصول مهما عَلَوا، والفروع مهما دَنَوا ؛ هؤلاء لا يجوز أن يُعْطَوْا مِن زكاة المال، فالزَّوجة لا تأخذ من زكاة المال شيئًا لأنَّ الإنسان مُكلَّف بالإنفاق عليها شاء أم أبى، وكذا الأصول من الأب والجد مهما علا. أنْ تُعْطِيَ المرأة الزَّكاة لِزَوجها ؛ يجوز في بعض المذاهب، جاءتني البارِحة أخت تسأل أنَّها تريد أن تدْهن البيت، ومعها زكاة المال، فهي ستُعطي زكاة مالها لِزَوْجها، وهو سوف يُدَهِّنُ لها البيت !! والثاني صِهرهُ تلزَمُهُ سيارة، فهو سيَدْفع لِابِنته ثمن السيارة، ويُوَكِّلُها بِدَفْع الزَّكاة لِزَوجها !! فهذا الذي يُريد إبقاء كلّ الزَّكاة في الأُسرة ما دَفَع الزَّكاة، والعلماء قالوا: لا بدَّ أن تُدْفعَ الزَّكاة على كُلّ أوْجه الزَّكاة من فقراء ومساكين وابن السبيل والمؤلَّفة قلوبهم وفي الرّقاب، وينبغي أن تدْفع في كلّ فرْع لثلاثة أشْخاص، ولكن لا يُعقل للَّذي زكاة ماله ألف ليرة أن يدْفعها لِعَشرة من الناس !! أما إذا كانت الزَّكاة كبيرة فلا ينبغي دَفْع أكْثر مِن نِصاب الذَّهَب إلا في حالات خاصَّة كتأمين شِراء بيت، ودائِمًا مال الزَّكاة لا يُدْفعُ على الرَّفاه، فالزَّكاة للضَّروريَّات. دفع زكاة المال مقدماً : أيها الأخوة، يُمْكِن أن تَدفَعَ زكاةَ مالكَ مُقدَّمًا، فلك أن تدْفع من زكاة مالِك حينما تفتح صفحة جديدة، وفي رمضان القادم بإمكانِكَ أن تحْسِب ما دفَعْتَ من زكاة الأموال مُسبقًا ثمَّ تَدفع الباقي في رمضان، وهذه الطريقة فائِدَتُها أنَّك تدْفعُ الزَّكاة إلى مَن يسْتحِقّ تمامًا، والأكثر من ذلك أنَّ الله تعالى أمرنَا أن نُعطي هؤلاء الذين لا يسألون الناس إلْحافًا، والذين يحْسبهم الجاهلون أغْنِياء من التَّعَفُّف، هؤلاء لا يسألونك، ومظْهرهم لا ينبئ أنَّهم فقراء، فَمَع هذا الأمْر أمْرٌ ضِمني، وهو أنْ تتحرَّى من هم حَوْلَكَ، وذَكَرْتُ لك في درْسٍ سابق أنَّ صِلَة الرَّحِم وسيلة وليْسَتْ غايَة، فإن تفقَّدْت أحواله المعيشِيَّة، والاجْتِماعِيَّة، والدِّينيَّة، ثمّ أعَنْتَهُ، وأخَذْتَ بيَدِهِ إلى الله عز وجل، فكما أنَّه لا تُقْبلُ زكاة الإنسان وفي أهْلِهِ محاويج، هناك حالات مؤلِمَة جدًّا، أخٌ يدْفعُ زكاتَهُ، وأخوهُ يتلوَّى جوعًا، هؤلاء الذين يُريدون أن يدْفعوا زكاةَ مالهم ضِمْن نطاق الأسرة لِشِراء الثلاجة، وللأمور الثانَوِيَّة، حالهم كحال الذين يذْهب للبعيد وأخوه يتلوَّى جوعًا ! فهذه الحالات غلط في غلط، فالأخ تجوز له الزَّكاة، وكذا الأُخت، والعمَّة، والخالة، عدا الأصول والفروع والزَّوجة. قلتُ لكم سابقًا: الأَقْربون أولى بالمعروف، وعندك ثلاثة عوامِل؛ عامِل القرابة النَّسبِيَّة، وعامِل الإيمان، وعامِل الفقْر، فإن تساوى اثنان في عُنصر رَجِّحْ العنصر الثاني، وهكذا. على من تجب زكاة الفطر : أيها الأخوة، ليس مِن الضَّروري أن تقول لِمَن تُعطيه الزَّكاة ؛ هذه زكاةُ مالي، وليس مِن الضَّروري أن تجْرَحَ شُعور أخيك المؤمن، تدفع ومن دون إحْراج. أما زكاة الفِطر فلها بحْثٌ خاصّ، تَجِبُ على كلّ مُسْلم فقير كان أو غَنِيّ والفقير الذي يمْلكُ وَجْبة طعام واحِدَة، والله سبحانه وتعالى أراد أنْ يُذيقَ الفقير طَعْم الإنفاق، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((إن شهر رمضان معلق بين السماء والأرض لا يرفع إلا بزكاة الفطر)) [ الديلمي عن جرير] وهؤلاء الذين يُؤَدُّونها قبل صلاة العيد ماذا ينْتَفِعُ بها الفقير؟ ينبغي أن تُؤدَّى قبل أواخِر رمضان، والإمام الشافعي سمَح بها أن تُؤدَّى في أوَّل رمضان، فزكاة الفطر طُعمةٌ للسائل، وإغناءٌ له عن السؤال في أيام العيد، وتَطهير للصائِم، فالكلام والنَّظر كفَّارتها صدقة الفِطْر، وهذه يَجِب أن تُؤدَّى قبل صلاة العيد، وبعض أخواننا يقوم بشِراء لوازم البيت بدَل النقود، كأن يشتري كيليَيْن من الرزّ، وكيلييْن من اللَحم والسَمنة. أما أن يتَّفِق اثنان، تُعطيني وأُعطيك !! فَكِلاهما لم يدْفع الزَّكاة، وزكاة الفطر خمسون ليرة، ولا حدَّ لأكثرها، وتجب على كلّ مسلِمٍ فقير أم غَنِيّ، صغير أم كبير، حُرّ كان أو عَبدًا، بل بعضهم أوْجبَها على الجنين الذي في بَطن أُمِّه، وزكاة الفِطر تُساوي الآن خمسين ليرة كما قلنا، وهي اسْمُها في الفقه زكاة الرّأس، وهي لا تجِبُ في المال، بل في الرؤوس. أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُلْهِمَكم الصَّواب في دَفع الزّكاة، فَطُلاَّب العِلم الذين يأتون مِن بِلادٍ بعيدة هؤلاء مُفضَّلون في الزَّكاة لأنَّهم سيعودون إلى بلادهم وينشُرون العلم، وكذا العمليَّات الجِراحِيَّة، وهي تَخُصّ المسلمين فقط، فَدَفْع المال على أنَّه زكاة لغير المسلم تُعتبر صَدَقة، وكذا المال هو أفضل شيء لِدَفْع الزَّكاة لأنَّهُ مرِن، والذين يُوَزِّعون بِضاعتهم للزَّكاة لابدّ أن تكون هذه البِضاعة أساسيّة في حياة الإنسان، فالبِضاعة غير الأساسيَّة لا تُعْتبَرُ زكاةً. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#28 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : مغزى الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريفمواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( الخامس و العشرون ) من طبق سنة النبي ارتقى و سعد في الدنيا و الآخرة : إنّ في الإرشاد إنشادًا، و إنَّ في الإنشاد إرشادًا، بِمَعنى أنَّ الإنسان يطرَبُ أشَدّ الطَّرَب للحقيقة، وبِمَعنى أنَّ النَّشيد الحَسَن يُحَرِّك أعْماق النَّفْس، بعضهم قال: "مديح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يكْشف لك عن كنوزك المَخْبوءة في أعماق نفْسِك، ولكنَّه ليس بالكِيسِ المملوء الذي يُفْرَغُ في خزائِنِك الخاوِيَة، فلا بدَّ مِن أن تمتلئ خزائِنُكَ عن طريق العِلْم، فإذا جاء الإنشاد كشَفْتَ هذه الخزائِن، ومَضْمونها". النبي عليه الصلاة والسلام سيِّدُ الخَلْق، وحبيب الحقّ، وسيِّدُ ولَدِ آدَم، والإنسان الأوَّل، والمَخْلوق الأوَّل الذي بلَغَ سِدْرة المنتهى، فَهُوَ في مقامٍ لا يرْفَعُهُ مديحُنا، ولا يضَعُهُ مديحُنا، ونحن في حالٍ لا يُجْدينا أنْ نَمْدَحَهُ دون أن نتَّبِعِ سُنَّتَهُ. إنسان يَحْمل أعلى شهادة، وآخر لا يقرأ ولا يكتب، فهذا الذي لا يقرأ ولا يكتب مهما مدَحَ هذا العالم، فهذا العالِم في مكانِهِ، والجاهل في مكانِهِ، ولكن متى يسْتفيد هذا الذي لا يقرأ ولا يكتب؟ حينما يسْلك سبيل هذا العالِم، إذًا مديحُهُ رائِع، ومديحُهُ يَكْشف لنا كنوزَنا المَخبوءة في أعماق أنفسنا، ويُحَرِّك مشاعِرَنا، ويُبْكينا، ولكنَّنا لا نرقى عند الله إلا إذا سَلَكْنا طريقَهُ، واتَّبَعْنا سُنَّتَهُ، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب: 21] كيف كان في بيته ؟ كيف كان في أسرته ؟ ومع زوجاتِهِ ؟ كيف كان مع جيرانه؟ ومع أصحابِهِ ؟ وكيف كان وهو في فَقْر ؟ وكيف كان وهو في غِنًى ؟ وكيف كان وهو في نَصر ؟ وكيف كان وهو في قَهْر ؟ هو قُدْوَة لنا وأُسْوَة حسنة لنا، الله جل جلاله يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب: 21] الذي أراه أنَّ الاحْتِفال بِعيد يوم المولِد يجب أن يسْتَمِرّ طوال العام، بالمعنى الدقيق هو أن تقْرأ سنَّته وتأخذ ما أعْطاك وتَنْتَهي عمَّا نهاك، لأنَّ الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [سورة الحشر: 7] هذا هو المَوْقف العَمَلي وهذا الذي يرْفَعُنا ويرْضى به الله عنا، أما نحن وما نحن عليه والنبي في أعلى عِلِيِّين إذا مَدَحْناهُ نَسْعَد، ولكنَّنا لا نرْقى إلا باتِّباعِهِ وتطبيق شريعته، لا نرْقى إلا إذا كانت سُنَّتُهُ في بيُوتِنا، وفي أعْمالِنا، وفي أفْراحِنا وحزْننا، وفي حِلِّنا وترْحالِنا، وفي أثناء الأزمات التي نُعانيها، إذا طبَّقْنا سُنَّتَهُ ارْتَقَيْنا وسَعِدنا. ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب: 21] لِمَن ؟ لِكُلّ الناس ؟ لا والله، إنَّما لِمَن كان يرْجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا، فإذا رَجَوْتَ الله تعالى ورَجَوْتَ طاعَتَهُ نَجَوْتَ أن يُعافيك وأن يَغْفِرَ لك، ورَجَوْت جنَّتَهُ وحِفْظه ونَصْرهُ وتأييدَهُ، كلّ هذا لِمَن كان يرْجو الله واليوم الآخر، إذا نَقَلْتَ اهْتِماماتك إلى الدار الآخرة وعمِلْتَ للجنَّة واتَّقَيْت النار، عِنْدَئِذٍ يكون النبي عليه الصلاة والسلام أُسْوةٌ حسَنَةً لك، أما الذي أراد الدنيا، فأُسْوَتُهُ الدنيا، والذي أراد العلوّ في الأرض أسْوتُهُ العالون في الأرض، أما الذي أراد ما عند الله، وأراد الآخرة، وذكر ما عند الله ؛ فهذا الذي يبْحث عن سيرة النبي لِيُطَبِّقَها، ويقتَفِيَ أثَرَهُ، ويتَّبِع سُنَّتَهُ. علو مقام النبي الكريم : لقد جاء النبي إلى الحياة، وأعطى كلّ شيء ولم يأخذ شيئًا، فكان عند الله تعالى في أعلى مرتبةٍ على الإطلاق، يَكْفيه أنَّ الله سبحانه وتعالى أقْسَمَ بِعُمُرِه الثَّمين قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [سورة الحجر: 72] وما خاطب الله النبي عليه الصلاة والسلام باسمهِ أبَدًا، قال: يا عيسى، وقال: يا يحيى، وقال: يا زكريا، وليس في القرآن كلِّه كلمة محمد، وإنما يا أيها الرسول، ويا أيها النبي، وهذا لِعُلُوِّ مقام النبي عليه الصلاة والسلام. لقد جاء النبي الحياة، ليقدَّس الوُجود كلَّه، ويرعى قَضِيَّة الإنسان، وهيَّـأهُ ليتفوق فوق الجميع، فكان هو بين الجميع، دخل عليه أحدهم فأصابتهُ رعدة فقال: ((هون عليك فإني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة)) [ ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ] وحينما كان طِفْلاً صغيرًا دعاهُ أترابُهُ للَّهْو فقال كلمة رائِعَة:" لم أُخْلَق لِهذا" حينما جاءَتْهُ رِسالة الهُدى وحُمِّل أمانة التَّبْليغ دَعَتْهُ السيِّدة خديجة لأخْذ قِسْط من الراحة فقال لها: " لقد انْقضى عهد النَّوم يا خديجة " وحينما دانَت له الجزيرة العَرَبِيَّة مِن أقْصاها إلى أقْصاها صَعِدَ المِنْبَر فقال: " مَن كنت جَلَدْتُ له ظَهْرًا فهذا ظهري..." وربنا عز وجل أثنى عليه فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة القلم: 4] يا رسول الله ما هذا الخُلق؟ فقال: " أدَّبني ربي فأحسن تاديبي". معرفة الرسول حقّ المعرفة : مرَّةً كنتُ في الحَرَم المَدَني عند رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وصَلَّيْتُ في المِحْراب الذي صلى فيه عليه الصلاة والسلام، وبكيتُ والله كثيرًا، ولكنَّهُ جاءني خاطِرٌ أضَعُهُ بين أيديكم: قلتُ لو أنَّ إنسانًا يحْمل أعلى شهادة في العالم، وله مكتَب فَخْم، وعنده آذِن لو جلَسَ هذا الآذن على كُرْسِيِّ العالم في غَيْبَته؛ فهل يعْلو مقام الآذِن ؟! أما إذا درس هذا الآذن الشهادة الإعداديَّة والثانوية والليسانس والماجستير والدكتوراه فإنه يرْقى. مُلَخَّص هذه الكلمة وهذا هو مِحْوَرُها ؛ جميلٌ جدًا أن نَمْدَحَ النبي عليه الصلاة والسلام، وجميل جدًا أن نَطْرَبَ بِسَجاياه، وأن نُثني عليه، ولكنَّ الأجْمَل من ذلك أن نتَّبِعَ سُنَّتَهُ ونُطَبِّقَها في بُيوتِنا، وأن يكون عملنا إسلامِيًّا، وتَرْبِيَةُ أولادنا إسلاميَّة، وأن تكون فتياتنا وأزواجنا مُحَجَّبات وصالحات، وأن نتعامل وِفْق منهَج الله، عندها لا يُعَذِّبُنا الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ [ سورة الأنفال الآية: 33 ] فلما انتَقَل إلى الرفيق الأعلى، أصبح معنى الآية: ما دامتْ يا محمَّد سُنَّتُك فيهم هُم في بَحْبوحة من العذاب، وفي مَأمَنٍ منه. المَفْروض أن نُراجِع أنفسَنا، إذا دخل النبي إلى بيْتِهِ ماذا يَفْعَل ؟ وكيف يُعامِل زَوْجته ؟ وكيف يُرَبِّي أولاده ؟ وكيف يبيعُ ويَشْتري ؟ وكيف يَمْزَح ؟ وكيف يَحْزَن ؟ وكيف يُسافر ويُقيم ؟ مرَّة ثانِيَة أقول: جميل جدًا أن نَحْتَفِلَ بِمَوْلد النبي عليه الصلاة والسلام لأنَّ الله عز وجل يقول: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ ﴾ [ سورة المؤمنون الآية :69] يَحُضُّنا على معرفة رسول الله ، المهمّ أن نعْرِف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. معرفة سنَّة النبي فرض عيْن على كُل مسلِم : النقطة الثانية، قال تعالى: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ [ سورة هود الآية : 120 ] إذا كان النبي على عُلُوِّ مقامِهِ وهو سيِّدُ الخَلق يزْدادُ قلبُهُ ثُبوتًا ويقينًا إذا سَمِعَ قِصَّة نبِيٍّ آخر فكيف بنا ونحن في آخر الزمان ؟ كيف بنا إذا استمعنا إلى قِصَّة النبي عليه الصلاة والسلام؟ والتحدَّث عن النبي جزءٌ من الدِّين، وأن نعرفهُ صلى الله عليه وسلَّم جزء من الدِّين، وأن نقرأ أحاديثه وسيرتَهُ عليه الصلاة والسلام جزء من الدِّين، بل إنِّي أقول وأنا متأكِّد مِمَّا أقول: إنّ معرفة سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام فرض عيْن على كُل مسلِم، فكُل واحِدٍ منكم مهما كانت هوِيَّتُه، أو دراسَتُه، أو عملُه، مَفْروض عليه أن يعرف سنَّة النبي، ولأنّ الآية الكريمة: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [سورة الحشر: 7] كيف تُطَبَّق وكيف نأخذ بها إن لم نعرِف سُنَّة النبي وسيرتَهُ؟ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب: 21] كيف يكون النبي أُسْوَة حسَنة إن لم نعْرِف سيرتَهُ؟ يجب أن نعْكِف طوال العام على دراسة سنَّتِه وسيرتِه صلى الله عليه وسلم، بيْتٌ منعَدِمة فيه كتب السيرة والأحاديث بيتٌ أشقِياءٌ أهْلُهُ، رياض الصالحين كتاب فيه أحاديث صحيحة، وهو مُبسَّط، والاحْتِفال بِعيد المَوْلِد ليس في ربيع الأول وليس في ربيع الثاني؛ إنَّما في كلّ أشهر العام لأنَّ النبي سيِّد الأنام وقدوَتُنا. الاستِجابة إلى النبي اسْتِجابة حُكْمِيَّة إلى الله عز وجل : الشيء الدقيق أنَّك إن قرأْتَ سيرتَهُ وطبَّقْتها كنتَ مِمَّن قبلهم الله عز وجل، والدليل: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة القصص: 50] عدَّ الله تعالى الاستِجابة إلى النبي اسْتِجابة حُكْمِيَّة إلى الله عز وجل، وقال تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [ سورة التوبة : 62] إرْضاء النبي عَيْنُ إرْضاء الله، وإرْضاء الله عَينُ إرْضاء النبي. أنْ نَجْتَمِع وأن نطرب بِمَديح رسول الله هذا جزءٌ من الدِّين وليس بِدْعَة، البِدْعَة أن نقول كلامًا عن النبي لا يليق، وأن تقوم المنكرات في هذه الاحتِفالات، وأن نحرف بما لا نعرف، أما أن نتحدَّث عن رسول الله وسيرتِهِ وفضائِلِه وأن يكون قدْوَةً لنا فهذا مِن صُلب الدِّين. جدِّد السَّفينة فإنَّ البَحْر عميق، أخْلِص النِيَّة فإنّ الناقِد بصير، وخفِّف الأثقال فإنَّ في الطريق عقبةً كؤوداً لا يجْتازُها إلا المُخِفُّون، وأكثر الزاد فإنَّ السَّفر بعيد، قال تعالى: ﴿ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [سورة النجم : 59] وقال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة الملك : 2] القضِيَّة ليس مِزاجِيَّة، أو أنا أُلقي السَّمْع أو لا، القضِيَّة أكبر من ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: (( يُحْشَر الناسُ حفاة عراة غُرْلا '، قالت عائشةُ، فقلت : الرجالُ والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : الأمرُ أشد من أن يُهِمَّهم ذلك )) [أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ] هل يوجد مِنَّا أحد لا يُغادِرُ الدنيا؟ لذلك ذُخْرنا وزادنا أن نعرف سنَّة نبيِّنا. من أحبّ الله اتبع سنة نبيه : آخر شيء في هذه الكلمة: ربُّنا جل جلاله لم يقبل دَعوى محبَّتِهِ إلا باتِّباع سنَّة نبيِّه، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران : 31] فإذا قال الإنسان: أنا أُحب الله ولم يتَّبع سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام فهو مجنون ويكذب: تعصي الإله وأنت تُظهر حُبَّهُ ذاك لَعمري في المقال شنيع لو كان حبُّك صادقًا لأطَعــــته إنّ المحب لِمَن يحِبُّ مُطيـــعُ *** وقال: إلى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤول *** فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـــــــا ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــا ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــا * * * ولو نسمت من قربنا لك نسمة لمــــت غريباً واشتياقاً لقربنــــــــــــــــا ولـو لاحَ مِن أنوارنا لك لائــــــــــِحٌ تـركْتَ جميع الكائنات لأجلـنــــــــــــــــا فـما حُبُّنا سـَهْـــــل وكل مـن ادَّعى سـُهولته قـلنا لـه قـد جهلتنـــــــــــــــــا فأيْسَرُ ما في الحبّ للصبِّ قَتْلُهُ وأصعب من قَتْل الفتى يومَ هجرنا *** و قال: عندي لك الصُّلْحُ وهو بِري وعنـــــدك السَّيف والسِّنان ترضى بأنْ تنقضي الليالي وما انقَضـَتْ حرْبُك العَوان فاستح من كاتــــــــــــب كريم يُحصى به الفعل واللِّسان فاستح من شيبــــــــــةٍ تراها في النـار مَسجونة تُهــانُ *** أرجو الله تعالى أن نُشَمِّر، وأن ننطلق بِقِراءة السيرة والسنة والاقْتِداء به، فإذا فَعَلْنا ذلك نكون حقًّا احْتَفَلْنا بالنبي علي الصلاة والسلام، أما إذا كان الأمر خلاف ذلك فلن نرقى. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#29 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : كلمة عن شهر رمضان مواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( السادس و العشرون ) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. رمضان شهر التوبة و المغفرة : أيها الأخوة الكرام، نحن في شهر التوبة، يقول الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [ سورة النساء:27] وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد)) [ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس] وقد صور النبي عليه الصلاة والسلام صورة معبرة أصدق تعبير، وصف - ذكر- بدوياً أعرابياً يقطع الصحراء على ناقته وعليها زاده وشرابه، فأراد أن يستريح، استيقظ فلم يجد الناقة؛ أيقن بالهلاك، فجلس يبكي إلى أن أدركه النعاس، فنام، فأفاق، فرأى الناقة؛ فاختل توازنه من شدة فرحه؛ فقال: يارب أنا ربك و أنت عبدي. يقول عليه الصلاة والسلام: " لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته"، وفي الحديث الصحيح : ((الله عز وجل أفرح بتوبة عبده المسرف من ذلك الرجل براحلته حين وجدها)) [ أبو يعلى عن أبي موسى الأشعري ] فنحن في شهر التوبة، في شهر المغفرة: (( من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ )) [البخاري عن أبي هريرة ] و: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ )) [متفق عليه عن أبي هريرة ] فصيام رمضان وقيام رمضان سببان كافيان لمغفرة الذنوب التي بينك وبين الله فقط؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة؛ ما بينك وبين الله يغفر في رمضان، وما بينك وبين العباد يجب أن يعفو صاحب الحق، أو أن تؤدي له الحق بالتمام والكمال. رمضان شهر قرب و إخلاص لا ولائم و مناسبات : أيها الأخوة الكرام، مع مضي السنوات والعقود انقلب رمضان عند عوام الناس إلى تقاليد وعادات، بل إلى فولكلور؛ فرمضان شهر الولائم، شهر اللقاءات، شهر السهرات الرمضانية، شهر السهر حتى السحور، أراد الله شيئاً، و أراد العباد شيئاً؛ أراد الله شهراً تحكم علاقتك بالله، تصطلح مع الله؛ تضبط جوارحك، تضبط أعضاءك، تضبط دخلك، تضبط إنفاقك، تضبط لسانك، تضبط عينيك، تضبط أذنك، أراد الله من هذا الشهر أن تكون في أعلى درجة من القرب، أراد الله في هذا الشهر أن ينقلك من الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، من وحول الشهوات إلى جنات القربات، فإذا عكست الأمر؛ جعلت رمضان مناسبات اجتماعية، متابعة مسلسلات، سهرات حتى الفجر؛ هذا الذي ما أراده الله عز وجل، أراده شهر قرب، أراده شهر مغفرة، أراده شهر إقبال، أراده شهر إخلاص، فأنت أمام فرصة ذهبية سماوية: (( من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ )) [البخاري عن أبي هريرة ] ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِهِ )) [متفق عليه عن أبي هريرة ] وفي الحديث الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقي المنبر، فقال: ((آمين، آمين، آمين '. فقيل له: يا رسول الله ! ما كنت تصنع هذا؟! فقال: ' قال لي جبريل: أرغم الله أنف عبد - أو بعد - دخل رمضان فلم يغفر له، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد - أو بعد - أدرك والديه أو أحدهما لم يدخله الجنة، فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف عبد - أو بعد - ذكرت عنده فلم يصلّ عليك. فقلت: آمين، ثم قال لي: ثم جاءني جبريل؛ فقال لي: رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟! )) [ الترمذي عن أبي هريرة] ضبط النفس في رمضان و غيره : أيها الإخوة، الأمر بيدكم، أنتم مخيرون؛ من ضبط نفسه في هذا الشهر كان هذا أعون له على أن يتابع ضبط نفسه طوال العام، كأن الله عز وجل اصطفى رمضان ليكون فيه الصفاء، ليكون فيه القرب، وليكون فيه الإقبال، ولينسحب هذا الصفاء والقرب و والإقبال على أشهر العام؛ أي شهر نموذجي يجب أن ينسحب، ثم اصطفى الله بيت الله الحرام؛ اصطفى زماناً هو رمضان؛ لتكون كل أشهر العام على شاكلة رمضان، نحن في العيد نفطر، نفطر بالطعام والشراب، أما غض البصر، ضبط اللسان، ضبط السمع، صلاة الفجر في جماعة، صلاة الليل في جماعة، تلاوة القرآن، إنفاق الأموال، فهذا الذي كان في رمضان ينبغي أن ينسحب على بقية أشهر العام هكذا. فاصطفى الله رمضان ليكون هذا الصفاء منسحباً على كل الأشهر، واصطفى بيت الله الحرام لينسحب الصفاء هناك على كل الأمكنة؛ إنسان حج، اصطلح مع الله، وأقبل عليه، وأحبه، عاد إلى بيته، يجب أن يكون مكانه في إقامته كما كان في الحج. واصطفى سيد الأنام عليه الصلاة والسلام ليكون البشر كلهم على شاكلته، هو قدوة: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب: 21] من صحّ منهجه التعاملي صحّ منهجه الشعائري : أيها الأخوة الكرام، الدهماء ـ عوام الناس ـ يدعون الطعام والشراب فقط، وليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش ـ هذا صيام البهائم ـ والمؤمنون يدعون كل المعاصي والآثام، عندئذ يقبضون الثمن في صلاة التراويح؛ لأنه عندنا عبادة تعاملية، وعبادة شعائرية، العبادة التعاملية، أن تكون صادقاً وأميناً، ومنصفاً وعادلاً، ورحيماً...إلخ، من الكمالات التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن هذه عبادة تعاملية؛ صدق الحديث، أداء الأمانة، صلة الرحم، حسن الجوار، الكف عن المحارم والدماء، الصدق في الأقوال والأفعال، إلخ. العبادة الشعائرية أن تقف، وتقرأ، وتركع، وتسجد، هذه الصلاة عبادة شعائرية، أن تدع الطعام والشراب؛ عبادة شعائرية، أن تذهب إلى بيت الله الحرام؛ تطوف، وتسعى، تقف في عرفات؛ عبادة شعائرية؛ العبادة الشعائرية ليس لها مردود نفعي دنيوي إطلاقاً، أما العبادة التعاملية لو جاء إنسان كافر ملحد؛ أخذ منهاج الله التعاملي؛ وطبقه؛ قطف ثماره، وهذا ما يفعله الغرب، هم أدركوا بذكائهم أن الصدق أربح ـ أربح من دولار ـ الصدق والأمانة والإتقان، فطبقوا الإسلام دون أن يشعروا، طبقوه لا على أنه منهج تعبدي، طبقوه على أنه منهج نفعي، فالمنهج التعاملي أي إنسان طبقه قطف ثماره، أما المنهج الشعائري لا يمكن أن تسعد به إلا إن كنت في التعامليات مستقيماً، أوضح دليل على ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأل أصحابه: ((قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً: أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار)) [ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] أيها الأخوة الكرام، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن: ((أن رجلاً قال: يا رسول الله إن فلانة ذكر من كثرة صلاتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال: هي في النار)) [ أحمد عن أبي هريرة ] وذكر في الحديث الصحيح: (( عُذِّبَت امرأَةٌ في هِرَّةٍ ربطتْها، لم تُطعِمها، ولم تَسقها، ولم تتركها تأكل من خَشاش الأرض )) [ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه] فالملاحظ أن المنهج التعاملي هو الأصل، فإذا صح المنهج التعاملي صح المنهج الشعائري. أي أنت إن لم تدرس ما معنى أن تدخل إلى قاعة، وتجلس على طاولة، وتعطى قلماً وورقة، ماذا تفعل بالقلم والورقة إن لم تدرس إطلاقاً؟! ما فتحت كتاباً، فالعبادة الشعائرية لا معنى لها من دون عبادة تعاملية، لا معنى أن تقول: الله أكبر، وأنت ترى أن أي جهة أرضية تطيعها وتعصي الله؛ تناقضت مع نفسك. الانهيار الداخلي أن يكون الإنسان في الظاهر شيء وفي الباطن شيء : أنا أرى أن أكبر انهيار داخلي هو أن تكون في الظاهر شيء وفي الباطن شيء، أنت تقول الله أكبر، معنى الله أكبر أي أكبر من كل شيء، إنك إن أطعت زوجتك وعصيت الله عز وجل، أطعت شريكك وعصيت الله، أطعت من هو فوقك في العمل وعصيت الله، إذاً إنك لم تقل الله أكبر ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة، أي مع مضي الزمن هذه العبارات الإسلامية الرائعة قد تفرغ من مضمونها؛ صار الإسلام شكلاً، كان مضموناً صار شكلاً، كان منهجاً صار شعائر، صار مظاهر، صار عادات، صار تقاليد؛ هذا الذي لا يريده الله عز وجل، فأرجو الله تعالى أن يعيننا في هذا الشهر؛ أن نصوم الصيام الذي يريده الله تعالى، لأن الله عز وجل يقول: >﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾ [ سورة النور: 55] فإذا ما مكنا في الأرض، ولم ينزل علينا من خيرات السماء، معنى ذلك أنه لم يرض لنا ديننا الذي اتخذناه، ديننا لم يقبله الله عز وجل، فإذا قبله يقول الله عز وجل: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾ [ سورة النساء:147] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#30 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاخلاصمواضيع اسلامية مختصرة الدرس : ( السابع و العشرون ) الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. الإخلاص : أيها الأخوة الكرام ، أردت في هذا الدرس أن أحدثكم عن موضوع ترك في نفسي أثراً بليغاً ؛ ألا وهو الإخلاص ؛ فالإنسان إذا أخلص لله عز وجل رأى من الله ما لا يصدق ؛ أعطاه الله قوة ، وأعطاه بياناً ، وأعطاه حجة ، و يسر له أموره ، هذا الذي اتصل بالله مباشرة ، وأخلص له ، واستقام على أمره ؛ يرى من الله العجب العجاب . قبل ست أو سبع سنوات ؛ إنسان دخل إلى هذا المسجد ، وصلى الظهر ، وحضر الدرس ، ثم زارني في البيت ، شاب غير متعلم ، من أطراف سورية الشمالية- الحسكة- يعمل فاعلاً بلبنان ، يعمل شهرين ؛ ويعود إلى بلده ليطعم أهله ، هناك الناس يعرفون الله في رمضان فقط ، فقط في رمضان ، وما سوى رمضان فسق وفجور وربا وقروض ربوية وانحراف ، قال لي: جهل ، جهل مطبق . قال لي : أكبر فضل لله عليّ أن جعلني فقيراً . والله أنا عجبت قلت له : كيف؟ قال : لولا أني فقير لما عرفت هذا المسجد ، لو كنت مكتفياً في بلدي بقيت جاهلاً ، فالفقر الذي عانيته حملني أن أذهب إلى الشام لأعمل فاعلاً ، أعطيته أنا عدداً من الأشرطة ، ووجهته ، قال لي : أنا هناك الآن من الدعاة ووالله يا أستاذ طلاب علم من الأزهر لا يستطيعون إحداث تأثير كالذي أحدثه أنا . قلت : سبحان الله ! حدثني ساعة والله و أنا أصغي إليه ، والله سمعت منه العجب العجاب على انعدام ثقافته ، ولكن على ارتفاع إخلاصه . أحياناً الإنسان يكون يحمل دكتوراه ، وله مؤلفات ، وله مكانة اجتماعية ، و لا يؤثر بأحد ، ذكرني قوله : أن قول ألف في واحد قد لا ينجح ، وحال واحد في ألف قد يفعل بهم ما لا يوصف ، عنده تعفف عن المال لا حدود له ، لا يريد إلا العلم ؛ قال له : يارب دلني على من يدلني عليك ، هكذا مباشرة يدعو بلغته العامية ، هذا نموذج يفتقر إلى كل وسائل الدعوة ، لكن يملك أعلى شرط لها وهو الإخلاص ، يفتقر إلى الثقافة ، لا علم ، ولا ثقافة ، ولا شهادة ، و لا إمكانيات إطلاقاً ، يذهب إلى لبنان ليعمل فاعلاً ، يحمل الإسمنت على كتفه ؛ ليطعم أهله بالحلال ، ومع ذلك ترك أثراً لا يوصف ، أي يعطي شريطاً ، يتكلم معه حجة ، أنا والله استمعت إليه ساعة ، والله دهشت ، والله ما تكلم كلمة فيها خطأ ، وكلها قواعد في الدعوة عالية جداً ، سبحان الله ! الله عز وجل يضع سره في أضعف خلقه ـ العبرة لا بالحجم و المال إنما بالإخلاص : أحياناً العبرة يا أخوان لا بالحجم ، ولا بالمال ، ولا بالثقافة العالية ، ولا بالدكتوراه ، و لا بالكتب ، العبرة أن تكون مخلصاً لله عز وجل ، طبعاً هو يزورني من حين لآخر ؛ كلما انتقل من لبنان إلى الحسكة يمر عليّ ، أديب بشكل غير معقول ؛ قال لي : أستحلفك بالله إذا كنت لا تملك الوقت اطردني ، أنا هذه المرة سمعت له و كأنك أعطيتني مليار ليرة ؛ دليل إخلاصه ، كل وسائل الدعوة يفتقر إليها ، لكن يملك أقوى أسبابها وهو الإخلاص لله عز وجل ، وكل واحد منا يا أخوان يقطع علاقاته مع الخلق ، ويبقى مع الحق ، هو مستقيم ، يغلب على ظني و لا أزكي على الله أحداً أنه مستقيم ، يضبط لسانه ، ويضبط بصره ، ربى عدة أخوات ؛ له أخت علمها علماً شرعياً ، محروق قلبه على نفسه هو لا يتعلم ، علم أخته علماً شرعياً ، علم أولاد أخيه علماً شرعياً ؛ وهو فقير ، قال لي: أكبر فضل لله عليّ أنني فقير ، فقري دلني على الله ، فيا أيها الأخوة ، القضية لا بطول الوقت ؛ الله عنده شيء اسمه حرق مراحل ؛ أي إنسان سالك طريقاً عشرين سنة ، يأتي آخر فيسبقه ، هناك دليل معي : سحرة فرعون جاؤوا ليدحضوا معجزة سيدنا موسى : ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى *قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [ سورة طه: 70 -73 ] قال لي: مرض والدي فتركت عملي ، ولزمت خدمته ، كان يقول له وهو مستلق على فراشه : لا تكلف نفسك جهد أن تناديني باسمي ، ارفع إصبعك ؛ آتيك فوراً ، يقف أمامه طوال الليل ، ثم قال لي : لي والدة ووالد على تفاهم عجيب ، إخلاصهم لبعضهم لا يوصف ، فكل دعاء والدتي من زمن طويل أنه يارب إذا مات زوجي أمتني بعده ، وهو على فراش الموت، قال لهم: يا أولادي ، أمكم تموت بعدي بيومين ، قال لي: والدتي ليس فيها شيء أبداً ، بعد يومين ماتت . أحياناً تجد بيتاً متواضعاً ، والدخل قليل لكن فيه سعادة ، أحياناً تجد بيتاً ثمنه يقدر بمئة وخمسين مليوناً ، قطعة من الجحيم هو وأثاثه وإمكاناته . السعادة لا تكون إلا بالإقبال على الله عز وجل : أخواننا الكرام ، السعادة بملكك ، السعادة تنبع من ذاتك ، السعادة أن تصل إلى الله، السعادة أن تقبل عليه ، أن تخلص له ، أن تناجيه ، تخاطبه ، اطلب منه ، اسأله ، اذكره ، اعتذر ، استغفر ، ناجه ، بدون وسائط مباشرة ، هذه سعادة ، أنا قلت : هذا النموذج والله نموذج نادر ، أن إنساناً ما درس ، فقير جداً ، بسيط جداً ، ليس له خصم ، قال لي : إذا كان بيني و بين أحد مشكلة ما أشعر أنني سامحته ؛ أدله على الله ؛ أي ينطلق بقلب سليم ، والله أصغيت له ساعة تقريباً ، والله ما تكلم كلمة خطأ ، وهو غير متعلم بالمعنى العالي ، والله هداه إلى قواعد عالية في الدعوة ، وإيجابي ؛ قال لي: ضاعت مرة هويتي ، وطلبوه لفرع ، أي وجهت له تهمة أنه : أنت قد بعتها . قال لهم : أنا مسلم لا أخون وطني ، فاقشعر جلد من قلت له ذلك . و قال له : والله لو كان المسلمين أمثالك لكنا في حال غير هذا الحال ، واعتذر منه! قوة ، قوة . أيها الأخوة ، أنا لأنني تأثرت بهذا اللقاء أردت أن يكون الدرس بهذا المعنى؛ الإخلاص ، أي العوام يقولون كلمة رائعة : الله يضع سره في أضعف خلقه . هو قال له : يارب عندنا فقط في رمضان يعرفونك ، أريد أن أعرفك أنا طوال السنة ؛ دلني عليك ، دلني على من يدلني عليك ، قال لي: حسناً ؛ دخلت فوجدت درساً ، وكان هذا اللقاء العابر ؛ والله عز وجل أخذ بيده ، قال لي : وأنا بلبنان أدعو لله ، هنا أدعو لله ، معي هذه الشرطة أوزعها ، وأعلق عليها ، وأشرح لهم إياها . أعطيته كتاباً ، كتابين يقرأ منهما ؛ فقلت : أحياناً الإنسان يضيع وقتاً طويلاً بلا إخلاص ، من دون جدوى ، أحياناً وقت قصير مع الإخلاص: يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل . أولاً ، عفته عن المال عجيبة ؛ لا يطلب قرشاً ، ولا يقبل قرشاً ، انظر إلى العفة ؛ عفته عجيبة ؛ لا يطلب ، ولا يقبل أساساً ، قال له : فقط يارب علمني ؛ أنا أطلب العلم ، وعلمني لأكون سبباً في هداية خلقك . فأنا قلت : و الله هذا الإنسان يعيش بسعادة و أناس كثيرون يفتقرون إليها . تصور إنساناً يشتغل فاعلاً ليطعم زوجته وأولاده ؛ ما هذه الحياة التي يعيشها ؟! يمكن هو أسعد الخلق ، أي سعادته واضحة ، صارخة ، إنسان يقول لك : أنا أكبر فضل لله علي أن جعلني فقيراً حتى أعرفه . و آخر عنده بيت ، سيارة . . . . يقول لك : السوق مسموم، لا يوجد بيع ، لا يعاش بهذا البلد . . . . . ها أنت مغمور بالنعم ، قال لي : أنا ما عندي ، لكن عندي رحمة الله عز وجل ، ثقته برحمة الله عز وجل . الطريق إلى الله قصير و الثمرة يانعة : فيا أيها الأخوة ، الطريق إلى الله قصير جداً ، قصير ، والثمرة يانعة جداً ، الطريق قصير ، والثمرة يانعة ، فقط أخلص ، اجعل العلاقة مباشرة مع الله ، عود نفسك أن تناجيه ، عود نفسك أن تعتذر ، عود نفسك أن تستغفر ، عود نفسك أن تسبح ، عود نفسك أن تناجي ، عود نفسك أن تضبط جوارحك ، أن تضبط لسانك ؛ لا شك أنه مستقيم ، و أين مستقيم ؟ بلبنان، وما أدراكم ما لبنان بالصيف ؟ النساء شبه عرايا ، وتارك زوجته لمدة شهرين ؛ وهو يغض بصره ، وهو يعمل أشق الأعمال ، وتجلس معه ـ والله ـ من أسعد الناس ، شهد الله على انعدام وسائل السعادة ، انعدامها كلها ، قلت : والله قصته تروى وأنا والله انتفعت منها ، استفدت و قدمت لي قصته دليلاً على أن الإنسان إذا أخلص لله ملك كل شيء ، هذه السكينة يا أخوان تسعد بها و لو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، أحياناً القصة المعاصرة مؤثرة جداً ، أحياناً تروي قصة من قبل خمسمئة سنة ، قبل ألف ، يا أخي ، الزمن تغير ، الآن الوضع صعب ، حياتنا معقدة ، يأتيك شخص يعيش معك ، يعيش حياتك ، يعيش صعوبات الحياة ، يعيش مشقة الحياة ، يعيش كل ظروفك الصعبة ؛ وقد انتصر على نفسه ، واتصل بربه، وسعد بقربه ، تجد شخصاً يقول لك بالفضائية الفلانية ، وبالجزيرة ، وهنا أتابع العالم الفلاني ، وهو منقطع عن الله ، و بعيد ، وفيه شقاء ، وسائل المعلومات عنده غزيرة جداً ، ومكتبة أشرطة ، ومكتبة أشرطة فيديو ، مكتبة ضخمة ، مكانة ، إمكانيات ، تجارة ، أموال ، و لا يؤثر في شخص ، وشخص لا يملك أية وسيلة إلا إخلاصه لله عز وجل ، أي الله إذا رحم إنساناً استغنى بإخلاصه عن كل شيء ، و إذا حجب عنه رحمته افتقر إلى كل شيء ، الطريق إلى الله قصير جداً ، والله سميع مجيب ، وإذا أعطى أدهش ، أحياناً لا يعطيك مالاً ، أحياناً قد تكون في الدرجة الدنيا: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ' .)) [ مسلم عن أبي هريرة] قد تكون في درجة اجتماعية لا يوجد أدنى منها ؛ إنسان يجبل إسمنت في الطريق، و يحمله على أكتافه ويوصله ؛ أقل من هذا لا يوجد ، ومع ذلك يتجلى على قلبه بالأمن ، والطمأنينة ، والرضا ؛ فهو أسعد الناس ، أحياناً يعيش ببيت يحير العقول ، والله مرة أخ شهد الله الآن تذكرت قصة ؛ قال لي : دخلت عند شخص ، حجمه المالي حوالي أربعة آلاف مليون من كثرة ما شكا لي همه ؛ و شكا لي ضيق العيش ، لم أقو أن أقف ؛ لا بيته يعجبه ، و لا زوجته تعجبه ، و لا أولاده يعجبونه ، و لا هذا البلد يعجبه ، متضايق ، لا يعاش بهذا البلد . . قال لي : والله حوالي أربعة آلاف مليون حجمه المالي . ذهبت إلى محلي التجاري جاءت امرأة محجبة قالت لي : يا أخي ، نريد منكم مساعدة . قال لها: أين تسكنين ؟ قالت : في داريا . قال لها : يوجد جمعية بداريا أنا أكلمها اليوم . كان عنده اجتماع في داريا قال لهم : هناك أخت هذا عنوانها ؛ نريد أن نساعدها ، فانتبهوا لها ، قمنا رأساً لنراها ، طرقنا الباب ، بيتها تحت درج . أي هناك فراغ تحت درج معمر غرفة ومنافعها فقط ، لها زوج مريض مستلق على السرير ، لكن البيت نظيف جداً ، والأولاد مهفهفين ، فقر لكن فقراً مع تجمل ، فرأوا الوضع ، والزوجة محجبة حجاباً كاملاً ، صادقة . فقالوا : نخصص لها ألفين . قالت : لا ، نريد ألفاً فقط ، نحن معاشنا يكفينا طعاماً و شراباً ، ولكن ينقصنا أجرة هذا البيت ؛ ألف بالشهر ، لا أريد ألفين ، أعط غيري ، أنا أريد فقط ألفاً . قال لي : بيوم واحد إنسان معه أربعة آلاف مليون أشقى الناس، وإنسانة ساكنة تحت درج تحتاج ألف ليرة فقط ، وما قبلت ألفين ، ما هذا السر ؟ إذا أعطى أدهش ؛ يعطيك سعادة ، يعطيك رحمة ، يعطيك تجلياً ؛ وأنت أفقر الناس ، ويحرمك من السعادة وأنت أغنى الناس ، يعطيك سعادة وأنت أضعف الناس ، ويحرمك السعادة وأنت أقوى الناس ، يعطيك سعادة وأنت بظروف الدنيا بالدرجة الدنيا ، و يحرمك السعادة وأنت بالدرجة العليا ، هذا السر . الإخلاص عبادة القلب : أيها الأخوة ، ضعوا أيديكم على سر هذا الدين العظيم ؛ هذا الدين لا يحتاج لمظاهر ، لا يحتاج لإعلانات ، لا يحتاج لشعارات ، لا يحتاج لإلقاء خطب رنانة ، لا يحتاج لمؤلفات ، لا يحتاج لألقاب علمية ، يريد إخلاصاً فقط ، قال له : يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل . ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة:5] مخلصين؛ الجوارح تعبد الله بالعبادات وامتثال الأمر ، والقلب يعبده بالإخلاص ، الإخلاص عبادة القلب . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| مختصرة, مواضيع, اسلامية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| فوائد مختصرة..متجدد | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 664 | 10-31-2025 10:32 AM |
| معلومات اسلامية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 11 | 10-28-2017 06:29 PM |
| [ذائقة نورانية] معلومات اسلامية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 11 | 10-22-2017 08:52 AM |
| مقدمة مختصرة عن المعاجم | قتيبه العاشق | رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس | 1 | 07-28-2014 06:54 AM |
| وسائط اسلامية اسلامية .. | منال نور الهدى | رياض الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية | 6 | 07-15-2014 07:06 PM |