الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية - الصفحة 3 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 05-07-2018, 04:16 PM   #21


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية




بسم الله الرحمن الرحيم

الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية

الدرس ( التاسع عشر)


عدم الكفاءة في الزواج





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مقدمات مهمة:
المقدمة الأولى: ما مشكلة في الأرض إلا بسبب الخروج عن منهج الله:
أيها الإخوة المؤمنون، في دروس كثيرة ومناسبات كثيرة كنت أشير إلى موضوع الكفاءة في الزواج، وهذا الموضوع دفعني إلى معالجته في درس من دروس الأحد، لأن حالات كثيرة من الشقاق الزوجي أساسها عدم الكفاءة بالزواج.
وقبل أن نمضي في الحديث عن هذا الموضوع لابد من مقدمةٍ دقيقةٍ تلقي ضوءًا على محوره، وعلى جوهره.
يجب أن نعلم علم اليقين أيها الإخوة أنه ما من مشكلةٍ صغيرةٍ أو كبيرة، مادية أو معنوية، جليلةٍ أو حقيرةٍ في الأرض إلا ووراءها خروج عن منهج الله، خالق الكون هو الخبير، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
( سورة فاطر )
وخبرة الله عز وجل ليست خبرةً حادثة مكتسبة، إنما خبرته قديمة، خبرته قديمة قدم ذاته، إذاً كل تعليماته هي الصواب، فإذا خرجت عنها وقعت في مشكلة، فهذا القانون أردده كثيراً: ما من مشكلةٍ تقع على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل.
المقدمة الثانية: منهج الله كامل وتمام:
أنتقل إلى مقولة أخرى، وهي أن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يفعله أعداءه به، لذلك ما من طريق إلى سلامة الدنيا وسعادتها، وسلامة الآخرة وجنتها إلا اتباع منهج الله عز وجل، إلا طاعة الله عز وجل، ويجب أن تعتقد اعتقاداً يقينياً أن تشريع الله سبحانه وتعالى كامل، قال الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )
مجموع القضايا التي عالجها الدين مجموع تام، فالذي عالجه أمراً أو نهياً العدد تام، والذي تركه وأغفله أغفله لحكمةٍ لا تقلّ عن حكمة معالجة غيره.
هناك شيء تتوقف عليه سلامتك وسعادتك هي الفرائض، فأمرك به، وهناك شيء يحسن هذه الفرائض، هذا الواجب والسنة، وهناك شيء أحد سبب هلاك الإنسان في الدنيا والآخرة، هذا هو الحرام، وهناك شيء يقربك من الحرام، هذه المكروهات، كراهة تحريمية، وكراهة تنزيهية، وهناك شيء ليس له علاقة بسلامتك ولا بسعادتك، لا في الدنيا ولا في الآخرة، هذا سكت عنه الشرع، وتركه للظروف والبيئات والمعطيات، وما إلى ذلك، هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة المائدة )

الإتمام عددي والإكمال نوعي، مجموع القضايا التي عالجها القرآن والسنة تام لا يوجد نقص، لذلك أي إضافة على الدين اتهام له مبطن بالنقص، وأي إضافة على الدين بدعة مردودة، الآن طريقة المعالجة التي عالجها الله طريقة كاملة ليست ناقصة، مجموع القضايا تام، وطريقة المعالجة كاملة.
ما من مشكلة تقع على وجه الأرض مادية ومعنوية، جليلةٍ أو حقيرةٍ، عامةٍ أو خاصةٍ، آنيةٍ أو مستمرةٍ إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل، ودواء الجهل العلم، فكل إنسان ليس له مشرب علمي، منهل علمي، كل إنسان لا يطلب العلم الشرعي، لا يطلب معرفة الله ومعرفة منهجه فلابد من أن يتخبط، فإذا أردتم التمثيل لذلك فكمثل راكب مركبة في الظلام، يسير على أرض قاحلة فيها حفر، فيها أكمات، فيها منزلقات، فيها مضائق، جسور، شرع الله عز وجل هو النور الذي تهتدي به، فإذا أعرضت عن شرع الله عز وجل فالحادث حتمي، فإن لم يطلب الإنسان العلم فالخطأ حتمي، والضرر حتمي، والهلاك حتمي، والشقاء حتمي، هذا معنى: طلب الفقه حتم لازم عن كل مسلم.
الكفاءة في الزواج:
حينما يتوجه الإنسان إلى أن يخطب امرأةً، وهذا الكلام موجّه أكثر ما يوجَّه إلى الشباب، أما الذين تزوجوا فموجّهٌ إليهم كي يدفعوا أولادهم، أو يقيّموا من طلب بناتهم تقييماً وفق الكتاب والسنة.
موضوع الكفاءة في الزواج موضوع أشرت إليه كثيراً في أثناء حديثي عن موضوع الزواج، أو في بعض الموضوعات الأخرى، وقد رأيت أن حالاتٍ كثيرةٍ جداً من الشقاق الزوجي الذي انتهى بالطلاق وتشريد الأسر أساسها عدم اختيار الزوجة المكافئة، أو عدم كون الزوج مكافئاً للزوجة، هذا موضوع يحتاج إن شاء الله تعالى إلى درسين، كما أن موضوع الخطبة عرض في درسين، فموضوع الكفاءة الزوجية يحتاج إلى درسين.
الكفاءة: تعريفها وآراء الفقهاء فيها ومقوماتها:
ففي هذا الدرس حديث عن معنى الكفاءة، وآراء الفقهاء فيها.
1 – تعريف الكفاءة:
الكفاءة لغةً المماثلة، قال تعالى:
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
أي لم يكن له مثيل، ولا شريك ولا ند، ولا مساوٍ، فلان كفء لفلان، أي مساوٍ له، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟
(( المسلمون تتكافأ دماءهم ))
[رواه الإمام أحمد والنسائي وأبو داود عن علي ]
لو فرضنا إنسانًا يحمل أعلى شهادة، في ساعة غضب قتل إنساناً جاهلاً، هذا الذي يحمل أعلى شهادة، وقد يكون معه شهادة نادرة في العالم يُقتَل بهذا الجاهل، لأن المسلمين تتكافأ دماءهم، إنسان ذو مرتبة رفيعة، إنسان غني يقيم نفسه تقييماً آخر، أيّ إنسان اعتدى على حياة أي إنسان يُقتل به.
2 – مقومات الكفاءة:
لكن تعريف الكفاءة الزوجية باصطلاح الفقراء لها تعريف آخر، الكفاءة الزوجية: المماثلة بين الزوجين دفعاً للعار في أمور مخصوصة، هذه الأمور المخصوصة موضوع الدرس القادم:
هي عند المالكية الدين والحال.
وعند الجمهور الدين، والنسب والحرية، والحرفة.
وعند الحنابلة والأحناف اليسار.
فالدين، والحال، واليسار، والحرية، والحرفة، واليسار أو المال هذه موضوعات الكفاءة، وهناك موضوعات لا علاقة لها بالكفاءة، هناك موضوعات تلغي الكفاءة كلياً، هذا موضوع الدرس القادم إن شاء الله نفصل به تفصيلاً جيداً إن شاء الله.
3 – القصد من الكفاءة:

القصد من الكفاءة تحقيق المساواة في أمور اجتماعية من أجل توفير استقرار الحياة الزوجية.
كلمة استقرار كلمة رائعة، أحيانا يستقر الإنسان في عمل، فإذا استقر في عمل ينمو، والثبات نبات، وأحيانا يستقر الإنسان في علاقته الزوجية، وهذا الاستقرار يثمر سعادةً يقطف ثمارها الأولاد، أحيانا ترى أسرة متوازنة، وأنا لا أعني الأسرة الغنية، قد تكون الأسرة الغنية ليست متوازنة، الأسرة المتوازنة الزواج الشرعي الذي بني على توخي الدين والصلاح في الزوجين، وبني على الكفاءة بين الزوجين، فإذا أردت لهذا الزواج أن يستقر، وأن يستمر فابحث بالكفاءة بين الزوجين.
موقف الفقهاء من الكفاءة وأدلتهم فيها:
قد ترون معي أن الفقهاء وقفوا في موضوع الكفاءة مواقف متباينة، وجدير بنا ولو من باب الفقه المقارن أن نقف على مواقفهم وعلى آرائهم وعلى أدلتهم، وعلى أدلة الطرف الآخر، هذا ينمي الفكر الفقهي عند الإنسان، إذا رأيت الدليل، وكيف ردوا على هذا الدليل، ودليل الطرف الآخر، وكيف رد على الطرف الأول، هذا ينمي عند الإنسان ما يسمى الفكر الفقهي.
الرأي الأول:
الرأي الأول يتزعمه الإمام الثوري والحسن البصري، والكرخي من الأحناف، يرون أن الكفاءة ليست شرطاً، ما هي أدلتهم ؟ أدلتهم كثيرة:
أول دليل عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ:
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى.... ))
هذا الحديث يعد أصلاً في تأكيد المساواة المطبقة بين الناس، يستنبط أن الكفاءة ليست ضروريةً في الزواج، يؤكد هذا الحديث قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
( سورة الحجرات )
بالمناسبة هذه الآية لو وقفنا عندها وقفةً متأنية، فما من مقياس يجب أن يعتمد في تفضيل زيد على عبيد إلا مقياس التقوى الذي اعتمده القرآن، وأي مقياس آخر اعتمدته أنت فقد خرجت عن منطوق القرآن، وإذا اعتمدت مقياس المال، إذا اعتمدت مقياس الوسامة والجمال، إذا اعتمدت مقياس الجمال، الذكاء فقد خرجت عن مقياس اعتمده القرآن الكريم في تقييم الأشخاص، يقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
( سورة الحجرات )
والحديث الذي رواه أحمد ورجاله ثقاة:
((... فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى... ))
الذين قالوا: الكفاءة شرط في الزواج كيف فهموا هذه الأحاديث ؟
رأوا أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات، وأنهم لا يتفاضلون إلا بالتقوى، أما فيما عدا ذلك من الاعتبارات الشخصية التي تقوم على أعراف الناس وعاداتهم، فلا شك أن الناس متفاوتون، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾
( سورة النحل )
هل من المعقول من امرأة تعيش في بحبوحة كبيرة جداً، والدها من أصحاب الدخل غير المحدود، لباسها له أثمان باهظة جداً، طعامهم، نزهاتهم، بيوتهم، حركاتهم، سكناتهم، احتفالاتهم، معينة من الطبقة الغنية، خاتم الخطبة ثمنه مئتان وثلاثون ألفًا، ثم يخطبها رجل صاحب دخل محدود، فإذا خطبها ووافق أهلها عليه فهذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، ولا يتحمل الزوج امتنان زوجته عليه بفضل أبيها، لأن هذا الزواج ما روعيت فيه الكفاءة، فأي زواج لا تراعى فيه الكفاءة لا ينجح.
موضوعات الكفاءة في الدرس القادم، لكن اليوم مبدأ الكفاءة، إن لم تراعَ الكفاءة في الزواج فأغلب الظن أن هذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، وكثيراً ما ينتهي بالفراق والطلاق.
رد الفقهاء على أصحاب الرأي القائل " لا كفاءة بالزواج "، نحن متساوون بالحقوق الواجبات، متساوون في التكليف والتشريف، يفضل بعضنا بعضا بالتقوى، لكن يوجد غني وفقير، وهناك حرف بالسلم الاجتماعي عالية، وحرف أقلّ منها، طبعاً هذا عند الناس، لكن والله الذي لا إله إلا هو ربما كان الذي يكسح القمامة في الطريق أفضل عند الله من عشرات ألوف ذوي المراتب العلية، هذا معنى حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
(( أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، أَشْعَثَ، ذِي طِمْرَيْنِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ، وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ، جَوَّاظٍ، جَمَّاعٍ، مَنَّاعٍ، ذِي تَبَعٍ ))
نحن إذا بحثنا في موضوع الزواج فليس البحث علاقة الإنسان بالله، طبعاً كل إنسان له عند الله مكانة أساسها طاعته، وإخلاصه، وحبه، وتضحيته، وبذله، وعمله الصالح، الآن نحن نريد أن نقيم زواجاً مستمراً ومستقراً، إن لم نلحظ موضوع الكفاءة في الزواج فأغلب الظن أن هذا الزواج ينتهي إلى الفراق، والفراق مقبول إن لم يكن هناك أولاد، فإذا كان هناك أولاد صار الفراق جريمة في حق الأولاد، أساسه أننا لم نلاحظ موضوع الكفاءة في الزواج.
التفاوت في الدنيا لحكمة بالغة:
هناك تفاضل في الرزق، أحياناً يكون الأب معتنٍ بابنته كثيراً، وحفّظها القرآن الكريم، ودرست الحديث الشريف فرضاً، أحكام الفقه، ورعة تقية نقية، يأتيها زوج شاب والده من أغنياء البلد، لكنه جاهل، فهذا الزوج لا يقيم قيمة لعلم هذه الفتاة، ولا لدينها، ولا لقرآنها، ولا لفقهها، هذا الزواج لا يستقر، ولا يستمر، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
( سورة المجادلة )
العلم ورد في القرآن، والمال ورد في القرآن، فالتفاوت قائم، وهناك آية أخرى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء)

الله عز وجل لحكمةٍ أرادها وأفعاله كلها حكيمة، جعل الناس مراتب، هناك معلّم بقرية، ومدرّس، وأستاذ جامعة، والثلاثة معلمون، هناك ممرّض، وطبيب مبتدئ متمرن، وطبيب يحتل كرسي في الجامعة، وطبيب يحمل خبرات عالية جداً، وهناك أحياناً طبيب يشار إليه بالبنان، يقول لك: هذا له سمعة دولية، أجرى عملية سميت باسمه في كل أنحاء العالم، هناك مراتب، هناك مجنّد، جندي، رئيس أركان، كله في الجيش، لكن المسافات كبيرة جداً بينهما، قال تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
( سورة الإسراء )
لحكمةٍ أرادها الله عز وجل جعل الحظوظ متفاوتة في الدنيا، وأهم جواب في هذا الموضوع أن هذه الحظوظ وزعها الله في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف يوزعها في الآخرة توزيع جزاء.
هناك أحاديث تؤكد موضوع الكفاءة، أن بلالًا رضي الله عنه خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه لعدم الكفاءة، لكن بعد قليل ترون أن طالب العلم كفء لأية فتاة، مرتبة العلم مرتبة عالية جداً، وسيدنا بلال صحابي، طبعاً طالب علم يطلب رضاء الله عز وجل، فلما أبى الأنصار أن يزوجوه قال عليه الصلاة والسلام: قل لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تزوجوني، فزوجوه فوراً، لماذا أمرهم ؟ لأنه ما كان هناك كفاءة، وعندما لا يكون هناك كفاءة أرجح الأقوال أن الأهل يرفضون.
الرأي الثاني:
أما الرأي الثاني الذي يرى أن الكفاءة شرط في لزوم الزواج فهم جمهور الفقهاء، أربعة مذاهب ترى أن الكفاءة شرط أساسي في عقد الزواج، لكن الشروط أنواع، هناك شروط صحة، وشروط لزوم.
أولاً: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ:
(( يَا عَلِيُّ، ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا، الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
[ الترمذي]
الأيم المرأة التي لا زوج لها، أرملةً كانت أو عزباء، يوجد حديث آخر رواه الدار قطني والبيهقي عن جابر: (( لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ))
بالمناسبة، الأكفاء جمع كفء، والأكفاء جمع كفيف، هناك بعض المثقفين يقول لك: هؤلاء رجال أكفاء، يتحذلق، معنى أكفاء عميان، الأكفاء جمع كفيف، والأَكفاء جمع كفء.
أحيانا يقال لك: طبيب أَخصائي، معه بورد، يعني يخصي، الأَخصائي هو الذي يخصي، أَخصى يخصي إخصاءً، فهو أَخصائي، أما صوابها الاِختصاصي.
أحيانا يقال لك: فلان عنده تَجَارُب، يضم الراء، ويفلسف بها، يعني عنده عدوى بالجرب، صوابها تجارِب، جرب، يجرب تجربةً، أما التجارُب فهي العدوى بالجرب.
يقال لك: فلان مولع بكذا، المُوَلع هو الثور الأحمر، صوابها مولع.
أسيادنا، إياك أن تقول: أسيادنا، وهي جمع سيد، والسيد هو الذئب، والصواب سادتنا، السيد جمعها سادة، والسّيد جمعه أسياد، أسياد غلط.
يقال لك: التواجد في الساعة كذا، وهذا تعبير شائع جداً، ولا سيما في الجيش، التواجد في اللغة معناها أن يبث كل منا وجده للآخر، يعني يبكون، هذا هو التواجد، اللغة دقيقة جداً، وأحياناً كلمة واحدة وحرف واحد يغير.
صدقوني، كنت في تعزية من فترة، هناك رجل اشتبه علي مظهره من أهل العلم، ولكن أنا أعرف أحد علماء الحديث الكبار في البلد، دخل علي أنه هو عالم الحديث، بعد أن ألقيت كلمة قدمته للدعاء، وكلي إكبار لعلمه، صدقوني غلط غلطة واحدة نصب الفاعل، جزمت أنني مخطئ، ليس هذا فلانًا، لأنه لا يمكن، فلما انتهت التعزية سألت: من فلان ؟ قالوا: فلان الفلاني، غير الذي توهمته، وصدق ظني، أحيانا يكشف الإنسان من كلمة واحدة.
ذهب رجل إلى الأزهر، ولم يتعلم، قضى الوقت خارج الأزهر، وعاد إلى القرية، ظنوا أنه معه شهادة الأزهر، احتفلوا به، وكرموه، وأجلسوه في صدر المجلس، وهو جاهل، فقال له: رجل لا ترتبك، أي سؤال قل: للمسألة قولان، وهناك رجل خبيث، قال له: أفي الله شك ؟ قال له: في المسألة قولان، فانكشف فوراً.
على كلٍ طالب العلم كفء لأية فتاة،
((....ثَلاثٌ لا تُؤَخِّرْهَا، الصَّلاةُ إِذَا آنَتْ، وَالْجَنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفْئًا ))
[ الترمذي]
ولا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، والأكفاء جمع كفء، وهو الند.
بالمناسبة قالوا: احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره.
يمكن أن تساوي أعظم إنسان إذا لم تحتج إليه، لذلك الدعاء: اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناءه عن الناس، فإذا احتجت إلى إنسان أصبحت أسيره، سيدنا علي قال، تعرفون قوله المشهور: << والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، شيء مستحيل، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، أشد استحالة، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون علي من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين >>.
لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجوهن إلا الأولياء.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الأكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ ))
وفي الحديث الشريف عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ ))
[ الترمذي]
والعلماء كما قال عليه الصلاة والسلام ورثة الأنبياء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ، وَالنَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسْلامِ إِذَا فَقِهُوا، تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّ النَّاسِ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الشَّأْنِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ ))
[ متفق عليه]
تنبيه إلى فهم وتفسير خاطئ:
أحياناً بعض الإخوان الكرام يفهمون آية ما أرادها الله عز وجل، يقول لك:
﴿ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات ﴾
( سورة النور )

الطيبون للطيبات، ماذا تفهم من هذه الآية ؟ يفهمون أن كل زوجين متماثلين مع أن الواقع لا يؤكد هذا المعنى، قد تجد زوجةً صالحةً عندها زوج شرير، وقد تجد زوجاً صالحاً له زوجة شريرة، وأحياناً الزوجة بلاء من الله، الله عنده بلايا كثيرة، وأحياناً الزوج، فالذي يريده الله عز وجل من هذه الآية:
﴿ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَات ﴾
يعني أنتم خلفائي في الأرض إذا زوجتم أو تزوجتم، أو أذنتم في الزواج، أو قبلتم الزواج، فليكن الطيبون للطيبات، حملت هذه الآية على معنى ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات.
كلكم يعلم أنّ التركيب في اللغة إنشائي وتركيب خبري، التركيب الخبري يحتمل الصدق والكذب، فلان سافر، قد يكون ما سافر، أما التركيب الإنشائي فلا يحتمل الصدق ولا كذب، الأمر، تقول لرجل: كم الساعة ؟ هل يستطيع أن يقول لك: أنت كاذب، الكذب لا ينسحب على الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والترجي، والحض، والنداء، هذه كلها أساليب إنشائية، وعندنا أساليب خبرية، العادة، الأمر والنهي يأتي في القرآن بصيغة الإنشاء،
﴿ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ ﴾
أمرٌ
﴿ لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَاَنُتُمْ سُكَارَى ﴾
نهيٌ، فغالباً الأمر والنهي في القرآن يأتي بصيغة الأمر والنهي، لكن أحياناً يأتي الأمر والنهي بصيغة الخبر.
قال تعالى:
﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 233 )
هنا سؤال دقيق في البلاغة: لماذا عدل الله عز وجل عن صيغة الأمر ؟ يعني أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، لما جاء بهذا الأمر بصيغة الخبر ؟ يخبرنا عن أن الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، قال العلماء: هذا أبلغ بالأمر من صيغة الأمر، لأنك إذا أمرت إنساناً تصور العكس، فلو أنّ أبًا قال لابنه: اذهب واشترِ هذه الحاجة، وإياك أن تتأخر، لم يكن الطفل في باله التأخر، وعندما قال له: إياك أن تتأخر وجد احتمال أن يتأخر، وخطر في باله التأخر، فكل أمر يقتضي عكسه، يتصور عكسه، وكل نهي يتصور عكسه، فإذا أردت أن تنفي تصور العكس فأتي بالتركيب الخبري، قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾
( سورة البقرة )
يعني من شأن الوالدات، وهذه طبيعة فيهن، أن يرضعن أولادهن حولين كاملين.
إذاً: أحياناً تأتي صيغة الخبر مكان صيغة الأمر والنهي، وهذا أبلغ، وأحياناً يقول أب لابنه: إياك أن تتأخر ليلاً، أعطاه نهيًا، وهناك أب أشد حزماً يقول لابنه: أنا لا ليسد عندي ابن يتأخر: هذه الحالة غير موجودة عندي إطلاقاً، هذا خبر جاء بصيغة النهي، الذي نقلنا إلى هذا أن قول الله عز وجل: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
يعني يا عبادي اجعلوا الطيبون للطيبات، في أمر الزواج تخيروا، اختر هذه الزوجة المؤمنة الصالحة الطيبة: ابحث لها عن زوج مؤمن يعرف قيمتها، وهذه الزوجة الشريفة ابحث لها عن زوج عفيف يعرف قيمتها، أما إنْ زوجت امرأة عفيفةً لزوج منحرف مطلاقٍ، فهذا الزواج لا يستمر ولا يستقر.
الأدلة العقلية على اعتبار الكفاءة:
الآن هذه الأدلة كلها نقلية، كلكم يعلم أن الشرع هو نقل أمر إلهي، ولكن هذا الأمر يتوافق مع العقل، ويتوافق مع الواقع، ويتوافق مع الفطرة، ففي أكثر الموضوعات التشريعية استقر العلم على أدلة من نوعين، أدلة نقليةٍ وأدلةٍ عقلية، إنسان يقول لك: أعطني الأدلة النقلية على أن الوجه عورة، تأتيه بالآية الأولى، وجاء تفسيرها عند القرطبي، وابن كثير، والخازن، وعند البيضاوي، وجاء الحديث الشريف، ومعنى الوجه كذا، ومعنى الجلباب كذا، ومعنى الجيب كذا، أنت الآن دخلت في الأدلة النقلية، أما أحياناً فتخاطب الإنسان لا بالدليل النقلي، بل بالدليل العقلي، تقول له: يا إنسان، بربك أي شيء في المرأة أكثر فتنةً ؟ يقول لك: وجهها، بالمنطق، أحياناً الدليل العقلي قوي جداً، لكن يجب أن تعلموا علم اليقين أن الأدلة النقلية يجب حتماً أن تتوافر مع الأدلة العقلية، لأن المصدر واحد، العقل مقياس أودعه الله بنا، والنقل شرع أنزله الله علينا، والمصدر هو الله، ليس من المعقول الله أن يعطيك عقلًا يخالف الشرع، ليس هناك تناقض، في الكون وحدة، أنت بائع أقمشة، سوف نسلمك ثلاثين قطعة، على كل قطعة قياسها، وهذا مصطلح عند بائعي الأقمشة، هناك لصاقة على القماش، يقول لك: هذه ثلاثة وثلاثون مترا وربع، هذا يسمونه قياس الثوب، قال لك: أنا لست قانعاً بهذه القياسات، ماذا يقول لك البائع: هذا متر تفضل، وقسه، هل من الممكن أن يعطيك البائع مترًا تكشف بهذا المتر خطأ قياسه ؟ ربنا عز وجل أعطاك أحكامًا، وقال لك: هذه حرام، وهذه حلال، هذه مؤذية وهذه نافعة.
البارحة في درس الدعاة أحد إخوانا الأكارم طلاب الطب ألقى محاضرة قصيرة حول الخمر، الخمر أول عمل تفعله أن الأهداب التي في القصبة الهوائية تشل، فإذا شلت كل المواد الغريبة تدخل إلى الرئة، فأمراض الرئة الإنتانية أساسها أن هذه الأهداب مشلولة، ويدخل في الرئة مواد من الخمر عن طريق الدم، هذه تعطل جهاز المناعة في الإنسان، وذكر أشياء كثيرة، وكيف أن الكحول يتلف خلايا الكبد، الخمر تشارك بعض الأمراض، وتسهم في بعضها الآخر منفردةً، فسبعون بالمئة من أمراض تشمع الكبد هي بسبب الخمر والكحول.
أنا استنبطت من هذا الكلام أن هناك علاقة علمية بين الأمر ونتائجه، معنى علاقة علمية يعني علاقة سبب بنتيجة، إذا قال رجل لابنه: أغلق الباب، أو: لا تغلق الباب، فأغلقه، فالأب ضرب ابنه، فهل هناك علاقة علمية بين الضرب والإغلاق ؟ لا يوجد علاقة علمية هذه علاقة أمر بنهي، أما إذا مسّ الإنسان المدفأة تحترق يده، يوجد علاقة علمية بين المس والاحتراق، فالسبب والنتيجة أحيانًا يتلازمان تلازماً علمياً، و أحيانًا تلازماً رمزياً، العقل يوافق النقل قولاً واحداً.
الآن: الأدلة العقلية على الكفاءة الزوجية، وننتقل من أدلة نقلية إلى أدلة عقلية:
اعتبار الكفاءة من جانب الرجل:
إنّ انتظام الحياة بين الزوجين لا يكون في العادة إلا إذا كان هناك تكافؤ بينهما، فالشريفة تأبى العيش مع الخسيس، فلابد من اعتبار الكفاءة من جانب الرجل لا من جانب المرأة.
بالمناسبة الموضوع دقيق جداً، وقد ورد في بعض الأثر: الزواج رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته.

أنت زوجت ابنتك لفلان فصار سيداً لها، قد يقسو عليها، قد يهينها، قد يفعل بها ما لا يرضي، فإذا زوجتها جعلتها رقيقةً لهذا الزوج، في حكم أن الزوج هو القيم على البيت، إذاً فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، الكفاءة ليس من جانب الزوج، بل من جانب الزوجة، الزوج آمر، الزوج متصرف، الزوج صاحب قرار، الزوج له القيادة، له القوامة، فمن المتضرر بعدم الكفاءة ؟ الزوجة.
يقولون: إن إنسانًا شاهد زوجًا وزوجته غير متكافئين إطلاقاً، فعجب من هذا الزواج، فقالت له الزوجة: إن الله يدخلني الجنة بصبري عليه، ويدخله الجنة بشكره على أن تزوجني، أحدهم يدخلها شاكراً، والثاني صابراً.
فالدليل العقلي أن الشريفة تأبى أن تعيش مع الخسيس، والتي تحمل القرآن تأبى العيش مع الجاهل، والتي من أصل رفيع تأبى العيش مع من كان دنيئاً في معاملاته، فإن لم يكن الزوج كفئاً للزوجة فالحياة لا تستمر بينهما.
عندنا شيء آخر، ليس الموضوع موضوع الزوجة فقط، موضوع أهل الزوجة، مثلاً: شاب يلتقي بفتاة قبل أن يعرف الله عز وجل، ويتزوجها بقرار ارتجالي طارئ، فتكون هذه الفتاة ليست شريفةً، العار يلحق من ؟ بالعكس لو كان الزوج سيئًا جداً العار يلحق أهل الفتاة، لذلك الكفاءة يجب أن تكون واقعة لئلا يلحق العار للزوجة، أو لأهل الزوجة، طبعاً في أغلب البلاد الإسلامية يعمل بالكفاءة سبباً للتفريق، لو فرضنا القاضي لم يجد كفاءة يفرق بين الزوجين، لأن هذا الزواج لا ينجح، ولا يستمر.
كيف أن القانون أحياناً يأخذ من الشرع، ففي القانون مجموعة بنود متعلقة بالكفاءة، أول مادة: يشترط في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئاً للمرأة، أما إذا زوجت الكبيرة نفسها من غير موافقة الولي فإن كان الزوج كفئاً لزم العقد، وإلا فللولي طلب فسخ النكاح.
مثلاً: يخطب إنسان فتاة، فقد يكون غير كفء لها، وفقد الكفاءة في هذا الزواج يلحق العار بأهل الفتاة، في الشرع الإسلامي من حق ولي الفتاة أن يطالب القاضي بفسخ هذا الزواج.
اعتبار الكفاءة بحس العرف:
الآن العبرة بالكفاءة بعرف البلد، والأعراف معتبرةٌ شرعاً، أحياناً يقول لك: أنا لا أعطي العامل تعويضًا، تقول: لماذا ؟ يقول لك: ليست واردة في الشرع، ليس لك حق، كل العمال إذا عملوا عند أرباب العمل في الأعراف الاجتماعية التي تنظمها القوانين العامل يستحق تعويض تسريح عن كل سنة راتب شهر، فهذا عرف ثبته القانون، فأنت لا تستطيع أن تنكره، لأن العرف معتبر شرعاً، كل شيء جرى عليه العرف.
مثلاً: إنسان يبيع حاجة، يبيع قفلًا، ولمفتاحه سعر آخر، لا أحد قال: يباع القفل بسعر، والمفتاح بسعر آخر، والمفتاح تابع للقفل، فبأي خصومة الأعراف حتى في الأيمان الأعراف معتبرة، كرجل حلف أن لا يأكل لحمًا، في عرف بلدنا اللحم يعني الغنم، فذهب، وأكل السمك، لا شيء عليه، أما في بعض البلاد يقول لك: أكلنا اللحم، يعني السمك، أنت عندما تحلف يميناً فعُرف البلد هو الذي يحدد مضمون اليمين، فالأعراف معتبرةٌ شرعاً، وكل بلد له أعرافه، فإذا لا يوجد تناسب بين البلدين هذا لا يعد كفاءةً.
لعظم حق الفرد على الله عز وجل، لعظم حق الصغير على الله يسقط حق الكفاءة لعدم الكفاءة إذا حملت المرأة، كل هذا الكلام قبل الحمل، وإذا حملت فموضوع الكفاءة انتهى، لماذا ؟ لأنه صار هناك مخلوق، والطلاق في حقه جريمة، لو طلقت المرأة لفسد، ألم تقل هذه المرأة، وقد بكت، واشتكت للنبي عليه الصلاة والسلام: إن فلانا تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال، فلما كبرت سني ونثر بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فالعرف معروف، أو إنسان يقول لك: لا أقبل المرأة أن تعمل شيئاً في البيت، ليست مكلفة، اقرأ الكتب، الأعراف تقول: إن الزوج يعمل خارج المنزل، والزوجة تعمل داخل المنزل، هذا عرف معتبر شرعاً وقانوناً، لكن إذا حملت ينتهي موضوع الكفاءة إطلاقاً، لعظم حق هذا الصغير على الله.
مراعاة الكفاءة عند العقد
الآن تراعى الكفاءة عند العقد فقط، أحياناً يتزوج إنسان امرأة، وبعد أن يتزوج يصاب بمرض عضال، لم يعد كفئاً لها، ولكن هذه قلة مروءة، وقت العقد كان كفئاً، وبعد هذا قضاء وقدر، هناك أشخاص بعد الزواج صار معهم مرض، الزوجة أو في الزوج يندب حظه، أخي هذه لا تناسبني، إذا كانت لا تصلح للزواج بعد المرض هناك حل شرعي، أن يتزوج امرأة ثانية، هذه أبقِ عليها كزوجة وفاءً، أو أردت ولدًا يأتيك من الثانية.
الكفاءة تراعى عند العقد فقط، فلا يؤثر زوالها بالعقد.
الآن عندنا قاعدة: إذا اشترطت الكفاءة حين العقد، أو أخبر الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير كفء كان لكلٍ من الولي والزوجة طلب فسخ العقد، إذا وجد تصريح، وظهر أنه كاذب يفسخ العقد، والكفاءة تراعى عند العقد فقط، وإذا حملت المرأة يسقط حق الكفاءة، لعلة عدم الكفاءة، والكفاءة الجهة الوحيدة المتضررة منها المرأة وأهلها، لأن العار يلحقهم بذلك، والعبرة بالكفاءة عرف البلد.
هناك كاتب مصري اسمه إبراهيم مويلحي له كتابات أدبية قبل خمسين عامًا، كتب نصًّا على الموظفين، يقول: يا ليت آباءنا كانوا التفتوا إلى تعليمنا في المدارس، دققوا كيف يتغير العرف، فكنا استغنينا عن ممارسة التجارة، وذل البيع والشراء، وترويج السلعة بالأقسام والأيمان، فما العيش إلا عيش الموظفين، قبل خمسين سنة كان أعلى مرتبة اجتماعية الموظف.
الآن امرأة خطبت لابنها، فقالت لها: ماذا يعمل ابنك، قالت لها: مهندس، فقالت لها: من أين تعيشون أنتم، مرتبة الوظيفة الآن هبطت، وحل محلها مرتبة التجارة، قبل خمسين سنة ما العيش إلا عيش الموظفين، الآن اختلف الأمر، هناك حرف في زمن معين تروج، وحرف تصبح متدنية.
مختصر درس الكفاءة:
إذاً بشكل مختصر تراعى الكفاءة بالزوج لصالح الزوجة ولأهلها، لئلا يلحقهم العار، والكبيرة إذا زوجت نفسها من دون ولي، وظهر أن الزوج غير كفء يطلب وليها فسخ العقد لعدم الكفاءة، والعبرة بالكفاءة لعرف البلد، والكفاءة حق خاص للمرأة وأهلها، وتراعى الكفاءة عند العقد، فإذا حملت المرأة سقط حق الكفاءة لعلة عدم الكفاءة، وإذا اشترطت الكفاءة، وصرح الزوج أنه كفء، ثم تبين أنه غير ذلك أيضاً فسخ هذا الزواج.

هذا بعض ما ورد في أحكام الكفاءة، وفي الدرس القادم إن شاء الله الحديث عن موضوعات الكفاءة.
فهذه الموضوعات على الشكل التالي، الكفاءة أولاً في الديانة، والعفة، والتقوى، والكفاءة في الحرية، والكفاءة في الإسلام، والكفاءة في النسب، والكفاءة في الحسب، والكفاءة في المهنة والحرفة والصناعة، والكفاءة في السلامة من العيوب، هذا موضوع دقيق جداً، إن شاء الله كل أخ يريد أن يخطب يختار حسب توجيهات الشرع، فإذا خطب الإنسان، أو إذا خطبت الفتاة، وكان هذا الخاطب تتوافر فيه الكفاءة الشرعية هذا معنى قول النبي:
((... إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ... ))
[ الترمذي ]
لكن أخس الناس كفاءةً هو الكافر أو الفاسق، وأعلى الناس كفاءةً طالب العلم الشرعي، هذه نقطتان أفصل فيهما بالدرس القادم إن شاء الله، أعلى درجة في الكفاءة مؤمن طالب علم شرعي، يعرف ما له، وما عليه، يعرف حق الزوجة، وحقه على زوجته، يعرف كيف يربي أولاده، هذه أعلى درجة في الكفاءة، وأقل درجة في الكفاءة أن يكون ليس فيه دين، لأنه يتحرك بحسب شهواته ونزواته، لابد من أن يقع في مغبة عمله.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 05-07-2018, 04:20 PM   #22


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية




بسم الله الرحمن الرحيم

الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية

الدرس ( العشرون)

الزواج العرفي





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الحكمة من تغيير الموضوعات طرْدُ المَللِ:
أيها الإخوة المؤمنون، أنهينا في الدرس الماضي موضوعات الربا، وكان من الممكن أن نتابع في هذا الموضوع دروسًا كثيرة، ولكن أرى أنا دائماً أن الموضوع إذا عالجناه وقتًا محدودًا، وانتقلنا إلى غيره، فإذا وجدنا حاجةً عدنا إليه بعد حين، هذا أقرب إلى إقبال الإخوة الكرام بشغف على دروس الفقه، فالموضوع إذا استمر طويلاً أشعر أنا أن الإخوة الكرام يشعرون بالإشباع، موضوع الربا موضوع كبير جداً، أخذنا منه الموضوعات الأساسية، ولاسيما موضوع القرض الحسن، وموضوع المضاربة.
مقدمة للزواج العرفي:
وننتقل الآن إلى موضوع أثاره في نفسي تحقيق قرأته في جريدة يومية حول الزواج العرفي، وكثيراً ما أدعى إلى عقد زواج عرفي فأرفض أشد الرفض، وكثيراً ما أسأل عن هذا الموضوع
والذي أدهشني أن إخوةً كراماً كثيرين يريدون إذا زوجوا بناتهم أن يعقدوا زواجاً عرفياً، والزواج العرفي هو الزواج الذي يقع خارج المحكمة الشرعية، والحقيقة أنّ الذي أدهشني أن هناك مآسي لا حصر لها ذكرها القاضي الشرعي، مآسي لا حصر لها تنتج عن الزواج العرفي الذي يقع خارج المحكمة الشرعية.
قبل أن نخوض في هذا الموضوع لابد من التمهيد، قبل مئة عام إذا أردت أن تشتري بيتاً يكفي أن يقع بينك وبين صاحب البيت إيجاب وقبول شفهيان، وأن تسلمه الثمن، وأن يعطيك المفتاح، وقبل مئة عام لم يكن من إجراء لشراء البيت إلا هذا الإجراء، إيجاب وقبول، والأولى الشهود، ودفع الثمن، وأخذ مفتاح البيت، وانتهى عقد شراء البيت، أنت الآن أيها الأخ الكريم هل يعقل أن ترضى أن تشتري بيتاً، وأن تدفع ثمنه خمسة ملايين ليرة، وهو بيت صغير، وأن تأخذ من صاحبه المفتاح، والسلام عليكم، إن قبلت أن تشتري هذا البيت بهذه الطريقة فزوج ابنتك بالطريقة الأولى، أن يأتي شيخ، وأن يقرأ لك الفاتحة، وأن يجري إيجاباً وقبولاً، وعلى مهر، وبعض الشهود، وانتهى الأمر.
لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق:
الذي أريد أن أقوله لكم هو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
( سورة الأنفال )
قال: ( مِنْ قُوَّةٍ ) ليشير إلى أن لكل عصر قوته، فقد تكون القوة في عهد النبي بتضمير الخيول، وشحذ السيف، وقد يأتي عصر تصبح فيه القوة قوة معلومات، وقوة أقمار صناعية، وقوة أشعة ليزر، وقوة القنابل العنقودية، وقوة القنابل الذكية، وقوة الأسلحة الشاملة، وقوة الإعداد النفسي، وقوة الإعلام، هذه كلها من القوة، ( مِنْ قُوَّةٍ ) أراد القوة التي تصلح لكل عصر.
سقت هذا الكلام لأؤكد لكم أن لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق، لكل عصر بحسب التعقيدات، وحسب تطور المجتمعات، لكل عصر طريقة في تثبيت الحقوق، كما أنه اليوم لا يمكن أن ترضى أن تشتري بيتاً، وأن تدفع ثمنه، وأن تأخذ المفتاح، بل لابد من تسجيل هذه الملكية في السجلات الرسمية، وإلا فبيعك وشراؤك لا قيمة له.
الذي أثار هذا الموضوع أنه في قصر العدل قبل أيام نشبت مشاجرة كادت تودي بحياة اثنين، بين رجلين يختصمان على امرأة واحدة، كلٌّ يقول: هذه زوجتي، وهي متزوجة من الأول بعقد عرفي، ومن الثاني بعقد عرفي، العقد العرفي ليس له أصل عند الدولة، وهناك قصص كثيرة سأروي بعضها إن قدرني الله عز وجل للمآسي التي تجري الآن في مجتمعنا من جراء العقد العرفي. ما هو العقد الشرعي ؟
ما هو العقد الشرعي في الأساس ؟ لا يتم عقد، ولا ينعقد عقد، ولا يصح عقد إلا بشروط:
من هذه الشروط المحلية الكلية، المحلية الكلية أن تكون هذه المرأة التي تعقد عليها عقد النكاح ليست أحد المحارم على التأبيد، أم، أخت، ابنة، زوجة، هناك مشكلات تقع الآن، أخت من الرضاع لابد من التفريق بين الزوجين، يجب أن تكون المرأة التي يتم عليها عقد الزواج محلاً أصلياً للزواج، فإذا كانت أحد المحارم عن علم أو عن غير علم، طبعاً أكثر إشكال يقع في الأخت من الرضاع، فإن كانت إحدى المحارم على التأبيد، ولاسيما الأخت من الرضاع هذا العقد باطل، ويجب أن ينفسخ فوراً.

وينبغي أن تكون هذه المرأة التي تعقد عليها العقد الشرعي محلاً فرعياً لزواجك، فما المحل الفرعي ؟ أن لا تكون هناك حرمة مؤقتة تمنعك من الزواج بها، كأن تكون أختاً لزوجتك، مادامت الأولى على عصمتك فالثانية محرمة تحريماً مؤقتاً، أن لا تكون مطلقةً تطليقاً رجعياً بعدة، فما دامت المرأة معتدة لا فيجوز عقد الزواج عليها، هذا شرط إجرائي، إن صح التعبير، أن تكون محلاً أصلياً للزواج ومحلاً فرعياً له، المحل الأصلي أن لا تكون محرمةً على التأبيد، والمحل الفرعي أن لا تكون محرمةً على التوقيت، لكن أجمع العلماء على أن الزواج لا يكون شرعياً إلا إذا كان على التأبيد لا على التوقيت، فيجب أن تنعقد نية الزوج على تأبيد هذا العقد، فإذا أراد التوقيت فقد أخل بأحد أركان العقد.
إذا سافر الإنسان يقول: أنا أفضل من أن أبقى بلا زوجة، وأنا سوف أستقر خمس سنوات في هذا البلد الأجنبي حتى أتزوج امرأة، وعندما يكرمني الله عز وجل بالدكتوراه أطلقها، وأتزوج امرأة من بلدي، هذا العقد على التوقيت عقد باطل.
هناك قضية خلافية نبحث فيها في وقت آخر، إذا استدعى إنسان مأذون المحكمة، وصار أمام المأذون إيجاب وقبول، ومهر وشاهدي عدل، وولي، وتمت أركان الزواج، الفتاة، ووليها، وشاهدا عدل، ومهر وإيجاب، وقبول، فهذا العقد في ظاهره شرعي، أما إذا نوى الزوج التوقيت فهذا لا يعلمه العاقد، ولا يعلمه القاضي، نقول: في ظاهر هذا العقد عقد شرعي، أما في موضوع التوقيت والتأبيد فهذا موكول إلى نية الزوج، فإن نوى التوقيت فقد وقع في إثمٍ كبير، وربما كان عقد زواجه باطلاً، وربما أمضى هذه الفترة كلها في رأي بعض العلماء مستنبطين هذا من بعض الأحاديث زانياً، لأنه على التوقيت.
من شروط العقد وأركانه التأبيد، فإن نويت التوقيت فقد أخللت بأحد أركان عقد الزواج، لأن هذه الفتاة لو أنها أختك، أو لو أنها ابنتك فلا ترضى لا أنت ولا هي أن يتزوجها رجل لأمد محدود، طبعاً هذا شيء معروف عندكم جميعاً، أن المرأة في سن الزواج مقبولة جداً، في سن آخر تنتقل إلى طور آخر، تصبح أم لأولاد، في طور آخر تصبح جدة، كل طور من أطوار حياتها لها ميزة، ومكانة، ولها إشعاع، ولها وظيفة، فإذا استمتعت بها شابةً، ورميتها كهلةً من يأخذها في هذا السن ؟ قد قضيت على مستقبلها، إذاً التأبيد لا التوقيت أحد أركان العقد.
ملخص شروط عقد النكاح الشرعي:
1 – أن تكون المرأة محلا أصليا للزواج:
أضع بين أيديكم أركان العقد الشرعي: أن تكون الزوجة محلاً أصلياً للزواج، أي أن لا تكون محرمةً على التأبيد من المحارم.
2 – أن تكون المرأة محلا فرعيا للزواج:
وأن تكون محلاً فرعياً للزواج، أي أن لا تكون محرمةً على التوقيت، كأن تكون أخت الزوجة، أو أن تكون مطلقة بعدة، الشرط الثاني أن تكون نية التأبيد واضحةً في ذهن الزوج وإلا أخل بشرط أساسي وركن أساسي من أركان الزواج.
3 – الشهادة:
الشيء الثاني: الشهادة، لأن الزواج أساسه طريق مشروع، ينبغي أن يعلن، لا يوجد زواج سري كما ذكرت لكم في دروس سابقة، ديننا دين الحق، ودين الله عز وجل، ولا يوجد شيء مخفي، ولا شيء يستحيا به، ولا يوجد شيء لا يمكن أن يقال للناس جميعاً على رؤوس الخلائق، لذلك لو دخلت إلى الجامع الأموي، وأيقنت أن فيه أكثر من مئة ألف مصلٍّ يؤدون صلاة الجمعة، ثم شعرت أن أبواب هذا المسجد مغلقة، فصلاة هؤلاء الناس جميعاً باطلة، لأن صلاة الجمعة صلاة عامة، فإذا غلقت الأبواب أصبحت الصلاة خاصة، هناك شيء تخاف أن تقوله للناس، وهناك شيء تستحي أن تقوله للناس، إذاً هذا ليس دين الله عز وجل، دين الله لا يستحيا منه، ولا يخشى أن يقال على رؤوس الأشهاد، كذلك مئة ألف يصلون في جامع يؤمهم إمام، يخطب فيهم خطيب، إذا غلقت الأبواب فالصلاة باطلة.
4 – الإعلان:
الآن إذا لم يشهد هذا الزواج شهود عدول، ولم يعلن هذا الزواج، ولم يشع في المدينة أن فلانًا زوج فلانة، فقد أخل الزوجان بأحد أركان عقد الزواج، لذلك قالوا: لو أن إنسانً أراد أن يتزوج امرأة ثانية، وعقد عقداً عرفياً كما قلت قبل قليل، ورجا الشهود أن يكتموا عليه هذا الزواج، هذا الزواج باطل، إذا تواطأ الزوج مع الشهود على كتمان الزواج فالزواج باطل، لأنك أخللت بأحد أركانه الأساسية، وهو إعلان الزواج
وهذا الذي يفعله الناس مع أنه صار شيئًا مؤذيًا مزعجًا من إطلاق أبواق السيارات، لكنه شرعي، هم لا يستحيون بهذا الزواج، فلانة زوجة فلان، لأن الله سبحانه وتعالى شرع الزواج، فالشيء الذي شرعه الله لا تستحي به، يجب أن تستحي من المعصية.
أحيانا إذا تزوج إنسان زوجة ثانية، ولسبب جوهري أو غير جوهري، لكن أنا أقول: هذا أفضل مليون مرة من علاقة مشبوهة خارج الزواج، تلك معصية، أما هذه طاعة، فلا ينبغي أن نحل العرف محل الشرع، هناك أسباب، وظروف، وبلا أسباب، وبلا ظروف، مادام هناك عدالة، وكفاءة، وقوة، فهناك زواج آخر، وهذا أهون من الزنا، وأهون من إطلاق البصر في الحرام، وأهون من الانحراف، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله.
دين الله عز وجل لا يستحيا منه، ولا يخشى أن يقال على رؤوس الأشهاد، كذلك مئة ألف يصلون في جامع يؤمهم إمام، يخطب فيهم خطيب، إذا غلقت الأبواب فالصلاة باطلة.
إنّ الزواج السري مشكلة، ولو فرضنا أن الزوج لا يحب أن يخبر أحداً أنه تزوج، وهذه التي هي زوجته إذا حملت منه ماذا يقول للناس ؟ لماذا نخفي الزواج ؟ لذلك في كتب الفقه بحث طويل عن الزواج السري، وفي أرجح الأقوال أنه زواج أخل فيه الزوج بأحد أركان الزواج، إذاً تواطؤ الزوج مع الشهود على كتمان هذا الزواج عن أهله، أو عن زوجته السابقة لا يجوز، وكثير من الزوجات تتفاجأ بعد عشر سنوات أن لها ضرة، الزوج ذكي جداً، يختلف إلى الزوجة الثانية في أثناء النهار وقت الغداء، يقول: أنا عندي موسم، وأتغدى في المحل، ويكون الأمر خلاف ذلك، عنده زوجة ثانية، تكتشف هذه الزوجة بعد أمد طويل أن لها ضرة، فإخفاء هذا الزواج إخلال بأحد شروط عقد الزواج.
5 – الرضا:
شيء آخر الرضا، رضاء الزوج أو الزوجة، أو عدم الإكراه هو أحد شروط الزواج الأساسية، وأحد أركانه، لذلك ترون المأذون موظف عقد القران لا يعد العقد ماضياً إلا إذا توجه إلى الفتاة، وسألها: هل أنت راضية بفلان ؟ وهل أنتِ راضية بالمهر الفلاني ؟ فإذا قالت: نعم، أو صمتت، وصمتها كما قال عليه الصلاة والسلام إذنها، لأن رضاء الزوجة أساسي، وأحياناً تتحقق مصلحة الأب بزوج لا تحبه ابنته، هو أراده غنياً ليحل مشكلاته، وهو كبير في السن، وليس هناك تناسب بين الزوج والابنة، وإذا رفضت فلا ينعقد الزواج.
هناك بعض الصناديق في المصارف له مفتاحان، مفتاح مع صاحب الوديعة، ومفتاح مع مدير المصرف، لا يفتح هذا الصندوق إلا إذا اجتمع المفتاحان دفعة واحدة، هذا المثل ينطبق على الزواج، لا ينعقد العقد إلا إذا وافقت الفتاة على هذا الزوج، ووافق وليها على هذا الزوج، فموافقتها تنحصر في أنها قبلت به زوجاً من حيث الشكل، وهناك عوامل تعتلج في نفس الفتاة، لكن موافقة الولي، وهو أخبر بالرجال، يعرف الرجال، ويعرف ألاعيبهم، ويعرف البريء من الكاذب، والصادق من الكاذب، والمنحرف من المستقيم، هذا يعرفه الأب أضعاف ما تعرف الفتاة، فموافقة الولي تتجه إلى حقيقة هذا الرجل، وموافقة الفتاة تتجه إلى أنه يرضيها أن يكون هذا الشخص الذي أمامها زوجاً لها، فالرضا شرط أساسي من شروط عقد النكاح.
6 – تعيين الزوجين:
هل تصدقون أن من شروط عقد النكاح تعيين الزوجين، سوف أزوجك ابنتي، والدته رأت فتاةً جميلةً جداً، تم عقد الزواج، وتم تزويج فلان من كريمة فلان، وعنده ابنة كاسدة فأعطاه إياها، لابد من تعيين اسم الفتاة، وإلا كان الزواج باطلا، وهناك أشخاص كثيرون فعلوا هذا، فالذي ظهرت أمامه ادعت لها اسماً غير اسمها الحقيقي، فلما جاء القاضي، أو مأذون الزواج صرح بالاسم الذي اقترن معه مع الفتاة، فلما جاء يوم الدخول رأى فتاة أخرى، والمهر متأخر كبير جداً، فلابد من تعيين اسم الزوج واسم الزوجة في عقد النكاح، وعندما ترى الدفتر طويلا، والاسم والشاهد والمهر والدقة هذا كله أساسه شرعي.
7 – العقد في غير الإحرام بالحج أو العمرة:
إنّ أي عقد زواج تم في أثناء الحج أو العمرة فهو باطل، لأنه قال تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾
( سورة البقرة )
إذاً المحلية الكلية، والمحلية الفرعية، والتأبيد، والشهادة، والرضا وتعيين الزوجين، وعدم الإحرام بحج أو عمرة.
8 – تعيين المهر:
و الصداق هو المهر، وأي زواج من دون صداق فهو فاسد، والفاسد غير الباطل، الباطل لا ينعقد أصلاً، أما الفاسد فيصحح.
9 – عدم المرض:
سمعتم مني قصتين أو ثلاثًا، القصة التي ذكرتُها مرة أن فتاة من أسرة جيدة من أسر هذه البلدة خطبها شاب ملء السمع والبصر، وتم عقد الزواج، ولا أدري كيف جاء الزوج بشهادة طبية صورية، وبقي الزوج مع الزوجة سنةٍ بأكملها يمضيان كما قال محرر هذه القصة أجمل أيام حياتهما، وكان حديثهما حول لون غرفة النوم، زهر أم سماوي، حول نوع الأثاث، وحول ترتيب البيت، اضطر إلى أن يتحصل على شهادة سيارة، ذهب ليتبرع بالدم، فإذا هو مصاب بالإيدز، إذاً أنا أرى بعد فشو هذا المرض في بلدتنا، وبعد فشو هذا المرض من قِبل من سافروا إلى بلاد الغرب، أنا أرى أن لا يقبل والد فتاة مهما بدا لك الشاب حيياً لطيفاً بريئاً براءة الأطفال في عينيه، مهما بدا لك كذلك فأنا أنصح أولياء الأمور أن يطالبوا الأزواج بشهادة صحية حقيقية، مع الأسف الشديد معظم الشهادات الآن صورية شكلية، أحياناً ليس موضوع الإيدز، تضاد دم، يكون هناك زمرتان دمويتان متضادتان، فينتج من الزواج مخاطر على حياة الفتاة، وأدوية غالية جداً، وغير متوافرة أحياناً، وإلا كما يقول بعض الأطباء: الدم ينحل، فلذلك الشهادة الطبية الحقيقية لابد منها قبل عقد الزواج.

أما الآن فهناك خطر آخر، هناك قصة اليوم قرأتها في الجريدة تضاف إلى القصتين السابقتين، امرأة عمرها سبعون عاماً متقدمة في السن، أصيبت بمرض عضال، وأهلها ميسور الحال، فسافرت إلى بلاد الغرب لتجري عملية زرع، أخذت معها أحب أبنائها إليها، أصغرهم، وفي هذه البلاد كان مع أمه في أغلب الأحيان، زمرة دم هذه الأم نادرة، ففي أثناء العملية حدث نزيف شديد، وليس في المستشفى دم من هذه الزمرة، فعرض هذا الأمر على ابنها، فلما فحص دمه كان دمه مناسباً لأمه، فأعطاها من دمه، والعملية تمت بنجاح، وانتهت العملية، وعادت الأم مع ابنها إلى البلدة، بعد سنة بدأت الآلام في الأم، والأوجاع، والأسقام بعد الأورام، الأطباء شكّوا في أمرها، دون أن يعلموها، طبعاً امرأة عمرها سبعون سنة، ومظهرها بالتعبير المألوف محافظة من أسرة دينة، فما ذكر الطبيب نوع الفحص، بل قال لها: لابد من فحص الدم، فلما فحص دمها إذ هي مصابة بالإيدز، فوراً حجر عليها، وأجري معها تحقيق، قالت لهم: أنا لا أعرف سوى زوجي، ما هذا الكلام ؟ أنا امرأة مسلمة عفيفة، وزوجي توفي من عشر سنوات، ولا أعرف رجلاً آخر في حياتي إلا زوجي، ما هذا الكلام ؟ فلما تابعوا التحقيق معها متابعةً دقيقة، وضيقوا عليها قالت: أنا كنت في أوربا، وكان معي ابني، وأعطاني الدم، أحضروا ابنها، فإذا هو مصاب بالإيدز، ضيقوا عليه فاعترف بعلاقةٍ مع فتاةٍ حينما كان مع أمه في السفر، حينما كان معها غاب عنها قليلاً، وأجرى علاقةً مشبوهة مع فتاة.
حدثني أخ طبيب قال لي: فحصت مئة فتاة تمتهن البغاء في فرنسا، وهذه القصة من خمس سنوات، فإذا ثلاثة وثلاثون بالمئة مصابات بالإيدز، أنا ألقيت خطبة إذاعية قبل سنتين تحدثت عن الإيدز، وقلت: ثلاثة أرباع المليون يحملون هذا المرض في أمريكا، وقعت تحت يدي نشرة قبل أيام صاروا عشرين مليونًا، الآن ـ والفضل لله عز وجل ـ لا يمكن أن يدخل أحد إلى القطر بعد إقامةٍ مديدة في أوربا أو في أمريكا أو في إفريقيا إلا ويلزم بفحص دمه.
من أركان عقد الزواج عدم المرض، مستقبل ابنتك، مستقبل ابنك، أنا أتمنى على الآباء أن لا يقبلوا بشهادةٍ صورية، مع الأسف الشديد معظم الشهادات صورية، وأيّ طبيب لدى فحص المدعو فلان ابن فلانة تبين أنه سليم من كل الأمراض، هذه خيانة للأمانة، طبعاً زمرة الدم مهمة جداً، لأن هناك أزواجًا يعانون الأمَرّين من تضاد زمرتي الدم مع زوجاتهم، كل ولادة تحتاج إلى إبرة ثمنها اثنا عشر ألف ليرة، أو خمسة آلاف ليرة، لا أعرف ثمنها تقريباً، وإلا ينحلّ دم الأم، لوجود تضاد بين زمرتي الدم، إذاً: من لوازم عقد الزواج خلو الزوجين من المرض هذا عن طريق شهادة صحية.
قصص من واقع الناس عبرة للناس:
القصة الأولى لرجل ذهب إلى أمريكا وعاد ليكون زوجاً، له زوجة في الشام وفية، وبعد سنة أنجب منها ولدًا، واكتشف أنه مصاب بالمرض، عندما كان هناك وزوجته مصابة وطفله مصاب، حصد هذا المرض أسرةً بأكملها عدا فتاة كانت قد ولدت قبل مرض أبيها.
والقصة الثانية ذكرتها قبل قليل.
والثالثة ذكرتها آنفاً، إذاً: خلو الإنسان من المرض شرط أساسي في عقد الزواج.
10 – وجود وليّ المرأة:
الولي في أرجح الأقوال، وفي أقوى المذاهب لابد من ولي يتولى أمر تزويج الفتاة، ولاسيما إذا كانت بكراً، لأن الفتاة يغرر بها، فهي في طبيعتها براءة، طبيعتها ضمن البيت، ساكنة تصدق ما يقال لها، أكثر المشكلات العويصة في الزواج أساسها فتاة غرر بها، طبعاً الرجل أقدر على الاحتيال من الفتاة، هي تصدق، ولاسيما إذا كانت متلهفةً لزوج قد يكذب عليها، ولاسيما في ماضيه، لذلك البيت المسلم له شروط، الفتاة حينما تنشأ في كنف أب مسلم فيه انضباط، وشروط قاسية جداً، حينما تتفلت الفتاة من رعاية أبيها، أو تنشأ في بيت غير منضبط فهناك مشكلات لا حصر لها.
عودة إلى الحديث عن الزواج العرفي:
الآن عودة إلى الزواج العرفي، زواج الشيخ، يقول لك: إمام في أي جامع: يا سيدي عندنا زواج، بهذه البساطة، وهو يصدق، ويأتي العروس، ويكون الإيجاب والقبول والشاهدان، وانتهى الأمر، قد تكون هذه الزوجة لازالت في عصمة زوج آخر، فالزوج الثاني آثم إثماً كبيراً جداً، لا يعقل أن تكون امرأة لرجلين، هذا مستحيل.
مرة ثانية كما أنه لا يمكن أن تقبل أنت بشراء بيت على أساس أن تدفع ثمنه وتتسلم البيت، كذلك لا تقبل أن تزوج ابنتك زواجاً عرفياً.
الآثار المترتبة عن العقد الشرعي:
العقد الشرعي ماذا يترتب عليه ؟
أولاً: المهر.
ثانياً: النفقة.
ثالثاً: المتابعة.
رابعاً: التوارث.
خامساً: نسب الأولاد.
سادساً: حرمة المصاهرة.
هذا الزواج يعني أن فيه مهرًا، أين حق هذه الفتاة ؟
مرة كنت عند صديق لي في قصر العدل، هو قاضي التحقيق الأول، بيننا صداقة، زرته في مكتبه، فوجئت أنه يحقق في جريمة قتل وقعت في دمشق، والقصة من عشر سنوات، فجلست أتابع باهتمام مجريات التحقيق، فجأةً فتح الباب، وأطل منه شاب، لفت نظري أن قاضي التحقيق الأول نظر إلى هذا الشاب بابتسامةٍ، وقال له: تعال، ترك من يده التحقيق في جريمة القتل، وسأله عن اسمه، وقال له: متى تزوجتها يا بني ؟ قال له: منذ سنتين، وأشار إلى الكاتب أن يكتب كتابة سريعة، أنه حضر فلان الفلاني، وأنه صرح بأنه تزوجها قبل عامين، وعلى مهر كذا، وقال له: تعال وقع، ومع السلامة.
حدث في نفسي سؤال: هل من المعقول لقاضي تحقيق يحقق في جريمة قتل، وكان في أدق تفاصيل الجريمة، وأنا أتابعها باهتمام، فيفتح الباب شاب، ويدخل فيقطع العمل من يديه، ويلغي التحقيق، ويجمده إلى حين، ويسأل الشاب: متى تزوجتها ؟ وهو شعر أني تساءلت في نفسي، ماذا فعل هذا ؟ فقال لي: أستاذ، هذا زواج عرفي، إن التقى بأحد المحامين يقول له: أنكر الزواج، فضاعت حقوق الفتاة، لمجرد أن ينكر الزوج زواجاً عرفياً فهذه ليست زوجته، ولا يوجد طريقة طبعاً إثبات أخرى، ولا شهود، لا يوجد إلاّ اليمين، الكاذب قالوا له: تحلف ؟ فقال: جاء الفرج، انتهت القضية، فهذه زوجة، وحامل، وعند الناس زوجة، فتصبح زانية.
أخطر شيء أن ينكر الزوج زواجه من هذه الفتاة، أما عندما يأتي موظف المحكمة، ويأخذ توقيع الزوج، وولي الفتاة، ويسجل المهر، انتهى الأمر، ما الفرق بين عقد شركة في محكمة البداية، وبين عقد شركة مكتوب، لكن من دون محكمة ؟ أول شيء يقول لك: هذا ليس توقيعي، ذهبت الدعوى القضائية ثماني سنوات، خبراء توقيع، توقيعه، لا ليس توقيعه، لذلك فإن الإنسان العاقل هو الذي لا يضطر إلى دخول المحاكم، الإنسان حينما يفرط يدفع الثمن باهظاً، إذاً هذا قاضي التحقيق قطع التحقيق في جريمة قتل، ودعا هذا الشاب، وقال لي: هذا زواج عرفي، لو أنه التقى بإنسان غير منضبط شرعاً أو ديناً يقول له: أنكر الزواج، وانتهى الأمر، فإذا لم يكن هناك شهود، لا يوجد غير اليمين، فإذا حلف اليمين فهو في حل من هذا الزواج، تقول لي: المهر المتأخر ثلاثون ألفًا، أو مئة ألف، لكن انتهى.

سبحان الله ! أساس الشرع حتى يفرغك الله عز وجل لعبادته، انظروا دعوى في قصر العدل تبقى سبع سنوات، تتحطم أسرتان، وفي آخر المطاف لا غالب ولا مغلوب، وهذا من التقصير، أنا لم أجد مشكلة في قصر العدل إلا سببها مخالفة الشرع، ودخلنا في متاهة الدعاوي والقضاة، وأنواع القضاة، وهؤلاء القضاة بعضهم نزيه، وبعضهم غير نزيه، وبعضهم يتهمه بعض بالنزاهة، وهو نزيه، والمحامون المؤمنون قلة، والكثر بعيدون عن إحقاق الحق، فحينما تضطر إلى أن تدخل إلى قصر العدل، وتوكل محامين، وتعلق مع القضاة، أين بقيت الصلاة ؟ تعكرت صلاتك، على قدر المستطاع وضح أمورك، اكتب سندًا للقرض، وعقداً للشراكة، وسجله في محكمة البداية، فمهما بذلت من جهد ومن وقت لو تكلفت عند المحامين مبالغ كبيرة أهون بكثير من إنكار الشركة.
شاهد اثنان بناء يصلح لمشروع، فدخلوا فيه شراكة، هذه القصة وقعت تحت سمعي وبصري، هذا المشروع كلف ثلاثين ألفًا، وهم اثنان، فقال أحدهما للآخر: هذه خمسة عشر ألفًا، هذا المشروع راج، ولكن باتفاق شفهي، كل سنة يعطيه خمسة آلاف، وما ظنها الأول أنها من الأرباح، بعد ثلاث سنوات قال له، المبلغ أخذته، والله يجزيك الخير، وقال له: المبلغ أخذته منك دَينًا، قال لي الطرف المظلوم: المشروع الآن قيمته حوالي عشرة ملايين، وأساسه ثلاثون ألفاً.
سؤال: إذا تساهل الإنسان في العقود، وسمح للشيطان أن يغويه، ويطمعه بالمال الحرام، ألا تعتقدون معي أن الطرف الأول المتساهل آثم، أنت إذا قيدت أخاك بعقد أصولي مسجل في محكمة البداية فقد منعته عن المال الحرام، وحصنته من المعصية، ولما تساهلت معه فقد أغويته بالمعصية، فأنت آثم مثله.
إذا ترك رجل مبلغًا من المال على طرف طاولة في محل تجاري، وهناك زبائن، ودخل شاب ضعيف الإيمان، ووجد خمسمئة، وشعر أن في المحل مشكلة، التفت صاحب المحل، فأخذها، وسار في طريقه، هذا يعد سارق طبعاً، هل تظن أن صاحب المحل الذي وضع المبلغ على الطاولة بلا مبالاة ليس آثمًا.
أنا مر معي بعض النصوص أن إثم صاحب المحل أشد، لو وضع المبلغ في الدرج لما أغرى الشيطان هذا الشباب بماله، فكل إنسان يسيّب أمواله، يهمل ضبط أموره، يهمل حساباته، يهمل مستودعاته أيضاً هو آثم، لأنه سمح للطرف الآخر أن يأكل مالاً حراماً.
فالزواج العرفي هو الزواج الذي يتم خارج المحكمة الشرعية، طبعاً هناك إيجاب وقبول، إلى آخره، وهو زواج شرعي، ولكن مشكلته أنه غير مسجل، فأول مشكلة بين الزوجين وأول شقاق ما عجبته، فغاب، يقول القاضي الشرعي في موضوع نشر في الجريدة: يوجد امرأة زوجت من شخص خارج القطر السوري، ودفع مبلغاً جيداً، وأقام معها أربعة أيام، ثم غاب، بعد أشهر هي حامل منه، والعقد عرفي، أين هو، وأمام الناس هي حامل، وأمام الناس هي زوجة، وبمصالح النفوس عزباء، هذا الابن لمن ؟ هذه المشكلة هل لها حل عندكم ؟ لا يوجد لها حل، الزواج عرفي، هذا الموضوع أنا طرحته اليوم لأن مئات الحالات، وأنا أعجب أشد العجب، لا يوجد زواج إلا ويقولون: إنهم يريدون كتاب شيخ حتى يدخل عليها، والكتاب الرسمي كله في يومين وينتهي، لا داعي أن تعقد عقدًا خارج المحكمة، عقد محكمة فلان زوج فلانة، وانتهى الأمر، ولا يستطيع أن يفكر بشيء آخر، هذا يظهر أنه قضى وطره منها، وغاب، ووجد أجمل منها، والمهر سمح فيه، لكن بقي الولد.
آداب عقد النكاح:
عندنا موضوع آخر ملحق بهذا الموضوع، وهو آداب عقد النكاح.
الادب الأول: الخطبة قبل العقد:
من آداب عقد النكاح أن يخطب الزوج قبل العقد، ينبغي أن يقول: الحمد لله نحمده، ونستيعنه، ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويقرأ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾
( سورة آل عمران )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
هكذا السنة، أن تخطب أيها الزوج، فإذا خطب أحدكم فليتعلم هذه الخطبة، وهي شيء جميل جداً، الزوج يخطب، ويقول بعدها: فإن الله أمر بالنكاح، ونهى عن السفاح، كلما كان أولياء الأمور عقلاء، وسهلوا الأمور على الشباب، وزوجوا بناتهم من أزواج طيبين مؤمنين، وما فتشوا كثيراً عن المادة افلحوا، قال تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾
( سورة القصص )
تساهلوا ببيت فيه غرفة واحدة، أجرة، دخله محدود، وإلا يحل السفاح مكان النكاح.
أحد إخوانا الأطباء الكرام ممن هو مختص بالأمراض الجنسية دعا بعض الإخوة الكرام إلى مولد، وصرح وقال: أنا منذ عشر سنوات وإلى الآن الأمراض الجنسية التي تعرض علي تضاعفت عشرة أضعاف، لأن باب الزواج صار صعباً ضيقاً، وباب السفاح صار واسعاً، فكلما ارتفع ثمن البيوت، وتشبث أولياء الفتيات، ووضعوا شروطًا تعجيزية تكثر بيوت الدعارة.

بالمناسبة نحن عندنا بيت نكاح، وبيت سفاح، إذا نقصت بيوت النكاح تكثر بيوت السفاح، هذه الآن قضية مصيرية، قضية الأولياء جميعاً، الآن نريد أن نلغي الشروط التعجيزية، نريد أن نتساهل، وإلا كما ترون تصبح البلدة من أفسد بلاد العالم، وإذا فسدت البلاد فالبلاء على الأبواب، وإذا عمَّ السفاح وانتشر وقلَّ النكاح حلَّت الكارثة، ترى في أيّ مجتمع كل شهرين أو ثلاثة حتى يتزوج فرد واحد، وكله واقف، وكله يصفّ على الدور، فإذا ما تساهل أولياء الأمور فما هو المانع إذا كنت تستطيع أن تساعد زوج ابنتك ؟ ما هو المانع أن تقدم له بيتًا ؟ لا تقُل: أخي أنا عصامي، هذه قديماً، الآن لا يوجد عصامي، العصامي الآن يعني أن الطريق مسدود، الآن لابد من مساعدة الأزواج، وهذا موضوع الساعة، الآن لا يوجد بيت ما فيه فتيات، ولا يوجد بيت ما فيه شباب في سن الزواج، والزواج أغض للبصر، كما قال النبي، وأحصن للفرج، ومن تزوج ملك نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر.
فإن الله أمر بالنكاح ونهى عن السفاح، فقال مخبراً وآمراً: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هذه خطبة النكاح.
الأدب الثاني: الدعاء للزوجين:
الأدب الثاني الدعاء للزوجين، والنبي عليه الصلاة والسلام دعا للزوجين فقال:
(( بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير ))
[أبو داود عن أبي هريرة]
فكل إنسان حضر حفل نكاح، ودعي لإلقاء كلمة يجب أن يدعو للزوجين.
الأدب الثالث: استحباب العقد مساء الجمعة:
مستحب أن يكون عقد النكاح يوم الجمعة ومساءً من السنة، وهناك حديث مرفوع عن أبي هريرة: (( أمسوا بالملاك، فإنه أعظم للبركة ))
من سنن النكاح:
1 – إعلان الزواج:
شيء آخر، من السنة إعلان الزواج، أعلنوا النكاح، طبع الكروت مثلاً الحفلة التي تقام إعلان هذا، رجل دعا ثلاثمئة شخص، وطبع بطاقات، وقال: دعوتكم لحضور حفل قراءة عيد المولد النبوي الشريف بمناسبة عقد قران ولديهما فلان على كريمة فلان، هذا شيء جميل، وهذا إعلام، والإعلام من السنة.
2 – الوليمة:
الوليمة، وحلّ محلها الآن كأس من البوظة، وهي كانت وليمة، ودعوة رسمية، عَن أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(( سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الأنْصَارِ: كَمْ أَصْدَقْتَهَا ؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ))
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ نَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الأنْصَارِ، فَنَزَلَ عَبْد ُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ: أُقَاسِمُكَ مَالِي، وَأَنْزِلُ لَكَ عَنْ إِحْدَى امْرَأَتَيَّ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ، فَبَاعَ، وَاشْتَرَى، فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَتَزَوَّجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ))
[ متفق عليه ]
فالوليمة من آداب النكاح، أن تجمع إخوانك على نية الزواج، فإذا تزوج أخ، ودعا إخوانه بالتتابع على سهرة وحفل، هذا إضافة إلى العقد الرسمي، هذا من السنة.
من شروط عقد النكاح:
1 – الصداق:
من شروط النكاح أيضاً الصداق، وتسميته عند العقد، أما عقد من دون صداق فهذا عقد فاسد، لابد من أن يصحح.
الآن لو فرضنا إنسانًا دعي إلى عقد نكاح، قال: من دعي إلى عقد نكاح فلم يجب فقد عصى أبا القاسم، يوجد حديث خاص في عقود النكاح:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ ))
[ أبو داود]
وإن كان صائماً يحضر الحفل:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ ))
[ مسلم، أبو داود]
هي مناسبة في العمر مرة واحدة، فإذا دعا أخ إخوانه لعقد زواجه فالمفروض أن يلبي جميعاً هذه الدعوة.
الأعذار الموجبة لعدم تلبية الدعوة:
أمّا الأعذار الموجبة لعدم تلبية الدعوة:
إذا دعي الشخص إلى موضع فيه منكر، من زمرٍ أو طبلٍ، أو خمرٍ، أو عرس في فندق مختلط، فاعتذر، ولا ترد عليهم، ولا تلبِّ هذه الدعوة، لأنك إذا لبيتها فقد عصيت أبا القاسم، الأعراس في الفنادق التي فيها اختلاط يجب أن تعتذر عنها.

وإذا قدرت على إزالة هذا المنكر فيجب أن تحضر، لو فرضنا أنه عرس أحد أقربائك، وأنت كبير العائلة، وأنت مهاب، وكلمتك مسموعة، فاحضر هذا العرس، وأزل هذا المنكر، فإن لم تقدر على إزالة هذا المنكر فلا تحضر.
بالمناسبة النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يجلس على مائدة تدار فيها الخمر، ولا تقل: أخي أنا ما شربت، خير إنشاء الله.
تكره إجابة من في ماله حرام، فإذا كان للإنسان تجارة مشبوهة بمواد محرمة، ودعاك إلى عرس فلا تلبِّ، فإذا لبيت فقد عصيت أبا القاسم، وتكره إجابة من في ماله حرام، وكلما كثر ماله الحرام تصبح الكراهة أشد.
بالمناسبة إذا كان للإنسان دخل مشروع، ودخل غير مشروع، فيه حلال وحرام، فإذا لبى الإنسان لم يكن آثمًا، وكلما كبر الحرام في دخله أصبح مكروهاً أكثر، وإذا أصبح حرامًا خالصًا كانت التلبية حرامًا.
لو فرضنا إنسانًا إذا دعوته إلى العرس له صفات ذميمة، ينهش في أعرض الناس، يغتاب الناس، عقيدته فاسدة، يشكك الناس بدينهم، فمثل هؤلاء الأشخاص لا يدعون، أنت لك إخوانك، مجتمعك المؤمن، لو دعوت إنساناً منكراً على أهل الدين، أو إنسانًا بذيء اللسان، مزحه فاحش، لو دعوت إنساناً كثير الغيبة والنميمة، لو دعوت إنساناً يغلب على ظنك أنه سوف يفعل المعاصي في حضور هؤلاء فينبغي أن لا تدعوه، وهذا توجيه من السادة المالكية.
إذا كان في المجلس أواني الذهب والفضة، أو غناء أو آلات رقص، أو ما شاكل ذلك، هذا كله مما يستوجب عدم تلبية الدعوة.
نحن موضوعنا كما قلت قبل قليل موضوع أساسي، يجب على الإنسان أن يمرّ في أطوار، أول طور تعريفه بالله عز وجل، عرفته بالله، الآن نحن بحاجة إلى دقائق الشرع، إلى دقائق الأحكام الفقهية، لأن الإنسان يتحرك، فموضوع الزواج موضوع أساسي في حياة الإنسان.
مرة ثانية وثالثة سبب طرح هذا الموضوع أنني ما رأيت أخاً أجمع على الزواج إلا طلب عقد عن طريق شيخ، هناك اتجاه آخر الآن، يخاف أن يطلقها حتى لا تسمّى عليها زوجة، فعقدنا بكتاب شيخ، فإذا طلقها تبقى صحيفتها نظيفة في النفوس ليست متزوجة، وصار الأهل يفكرون بالطلاق قبل الزواج، الزواج أمر مصيري يحتاج إلى تؤدة، إلى دراسة، إلى معلومات، فكلما تسرع الإنسان في تزويج ابنته من شاب يكون ندمه أشد، وأحيانا يأتي الزوج على حين غرة، ويضعك في موقف حرج، أن معي يومين أو ثلاثة وسأسافر، وأنت تخجل، وتسأل سؤالاً شكلياً، فيقولون لك: إنه آدمي، يعني من بني آدم، هذا معنى آدمي، يكون شارب خمر، حتى إن ثمة الآن شيئًا خطيرًا جداً، يأتي إنسان من الخليج يطلب الزواج، لا يعرف ماذا يفعل هناك، يأخذ زوجته إلى هناك، ويحترفها في الزنا، هذه حوادث كثيرة جداً تقع، نحن لا نعرف أصل الرجل، فرحنا به، لأنه من الخليج، ومعه معه مال.
بالمناسبة، ما رأيت مشكلة في الزواج كبيرة جداً إلا أسبابها التسرع، فعدّ إلى المليون قبل أن تقول: موافق على هذا الزواج، هذه ابنتك، الزواج رق، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، جاء من الخليج ليس عندنا أيّ معلومات، اسأل عنه، قد يكون الزواج غير بريء، قد يكون خطة مرسومة لابنتك، وموضوع الزواج يحتاج إلى صبر، وبحث ودرس، اسأل قضاة الشرع، اذهب إلى المحكمة الشرعية، وانظر كم دعوى الطلاق ؟ بالألوف، دعوة تفريق لعلل كثيرةٍ جداً.
ورد في بعض الأحاديث: تزوجوا ولا تطلقوا، فالنبي نهى عن الطلاق، كيف نهى عن الطلاق ؟ أي تزوجوا امرأة لا تحتاجون معها إلى الطلاق، معنى هذا ادرس الموضوع دراسة جيدة، ودراسة مديدة ومتأنية، وعميقة.
دائماً هناك كلمة أقولها لكم أيها الشباب: إذا عف الإنسان قبل الزواج يهيئ الله له زواجاً ناجحاً، لأن الله عادل، وقال:
﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾
فإذا جهد الإنسان أن يعف قبل الزواج أول مكافأة له في الدنيا على عفته قبل الزواج زوجة صالحة، إن نظرت إليها سرتك الإنسان وإن غبت عنها حفظتك، وإن أمرتها أطاعتك الإنسان هذه الزوجة المؤمنة الستيرة، العفيفة التي إن نظرت إليها سرتك الإنسان وإن غبت عنها حفظتك الإنسان وإن أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرّتك.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ:
(( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الأنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ أبو داود]
في الزواج ليس هناك حل وسط، إما أنه جنة، وإما أنه نار جحيم، وهناك زوجة بلاء من الله، وهو من أشد أنواع البلاء، لعن الله الذواقين والذواقات.
الشباب الآن يشاهدون امرأة تخرج في الطريق بأبهى زينة، فإذا غضضت الطرف عنها أورثك الله حلاوة تجدها إلى يوم تلقاه، وكلما غضضت بصرك عن محارم الله كأنك تقول: يا رب، لي عندك حق أن تزوجني امرأةً صالحة أرتاح معها، أستقر معها، تكون لي سكناً.
إخواننا المتزوجين، كلما أقمتم شرع الله في بيوتكم سعدتم في زواجكم، والذين لم يتزوجوا بعد كلما تعففتم في قبل الزواج الله سبحانه وتعالى يكافئكم بزواج ناجح.
هناك زواج له مظهر فخم جداً، وهناك زواج ليس فيه مظاهر فخمة، ولكن فيه سعادة حقيقية، فترى بيتًا ثمنه ثلاثون مليونًا، ولكنه جحيم، وقد ترى بيتًا بمئة متر أو خمسين مترًا، ولكن هذا العش جنة، فلما يتجلى ربنا على هذا البيت الإسلامي بالسكينة صار هذا البيت جنة.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 05-07-2018, 04:24 PM   #23


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية




الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية

الدرس ( الواحد و العشرون)

الزواج سنة كونية





الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مقدمة:
أيها الإخوة المؤمنون، في دروس سابقة تحدثنا عن موضوع الربا، وعن الكسب الحرام، وعن بديل الربا، وهو القرض الحسن، وعن شركة المضاربة، وبيّنا أن تسعة أعشار المعاصي تكون من كسب الرزق، وكان في نيتي أن أنتقل إلى موضوع كبير لا يقلّ أهمية عن الموضوع الأول، وهو موضوع علاقة الإنسان بالمرأة، فالحديث عن الزواج حديث ضروري جداً، لأنه سنة من سنن الله الكونية، هذا الحديث يحتاجه المتزوج وغير المتزوج.
قبل أن نتحدث عن الأمراض والعلل والانحرافات سوف نتحدث عن المنهج الذي رسمه القرآن الكريم في موضوع الزواج.
الزواج سنة كونية عامة في المخلوقات:
بادئ ذي بدء، قد تستغربون أن الزوجية سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، وهي سنة عامة ومطردة، لا يشذ عنها لا عالَم الإنسان، ولا عالَم الحيوان، ولا عالم النبات، الزوجية في النبات، والزوجية في الحيوان، والزوجية في الإنسان، إذاً: هي سنة كونية مطرَدةٌ أو مطَرِدةٌ، بمعنى واحد في الخلق والتكوين، لقول الله عز وجل:
﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة الذاريات )

النبات كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، الحيوان كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، والإنسان كيف يتكاثر ؟ عن طريق التزاوج، فالزوجية سنة مطردةٌ في عالَم الإنسان، والحيوان، والنبات، وهي أصل في الخلق والتكوين، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة يس )
حتى إن المادة، حتى إن الجماد لو حللناه لوجدناه مؤلفًا من ذرات، وكل ذرة فيها نواة وكهارب، وهذه الكهارب بعض شحناتها إيجابي، وبعضها سلبي، إذاً هناك تكامل، وربنا سبحانه وتعالى اختص الإنسان بنظام رفيع في الزوجية، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
(سورة الحجرات )
انظر إلى الطفلة الصغيرة التي لا يزيد عمرها على عام واحد، إذا أرادت أن تلهو تأخذ الوسادة، وتجعلها بنتًا صغيرةً، تربط على ظهرها، وكأنها تبكي من علمها ذلك ؟ ابنة عمرها سنة واحدة أو سنة وزيادة تأخذ دور الأم، والطفل الصغير أيضاً له ألعاب تشبه ألعاب الرجال، يأخذ قضيباً ويركبه، وكأنه حصان، معنى ذلك أن ربنا عز وجل حينما خلق الذكر والأنثى جعل فيهما صفات نفسية، واجتماعية، وعقلية، وجسمية أودعها الله في الذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات )
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء )
هذه الآية من أدق الآيات، لأن المرأة والرجل خلقا من نفس واحدة، من طبيعة واحدة، من جبلة واحدة، من خصائص واحدة، وكل إنسان يرى أن المرأة أقلّ من الرجل هو إنسان لا يفهم هذه الآية الكريمة، المرأة كالرجل مشرفةٌ، ومكلفةٌ، ومحاسبةٌ، ومكرمةٌ.
علاقة الذكر بالأنثى علاقة منظَّمة:
لكن من كرامة الإنسان على الله أن علاقة الذكر بالأنثى علاقة منظمة، كان من الممكن أن تكون علاقةً عشوائية، كلما الإنسان ارتقى طبق منهج الله عز وجل في علاقته بالمرأة، وكلما تخلف نشأت الإباحية والتفلت، وعدم الانضباط في علاقة الذكور بالإناث في عالم البشر، وهذه جاهلية، وتخلف شديد، قال تعالى:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
( سورة الأعراف )
فالتعري عودة إلى الهمجية، والتستر رقي وحضارة، فاللباس يواري سوءات الإنسان، وخلع الثياب دليل التوحش، ودليل البعد عن منهج الله عز وجل.
إذاً علاقة الذكر بالأنثى ليست علاقةً إباحية، ليست المرأة كلأً مشاعاً يأكل منه من يأكل، لكرامة الله على الله هناك نظام دقيق للتعامل معها، ولكرامة الرجل على الله هناك قيود دقيقة في تعامله مع المرأة، أنت أيها الإنسان مخلوق مكرم، أنت مخلوق مكلَّف، الحركة منظمة، هناك ممنوعات، ومباحات، وواجبات، وفرائض، ومحرمات، هناك شيء يجوز، وشيء لا يجوز، أما هذا الذي ينطلق وراء غرائزه كالحيوان تماماً، كالدابة المتفلتة من عقالها فلا إيمان له، أما المؤمن فهو منضبط.
ما الذي رفع سيدنا يوسف عليه السلام إلى هذه المكانة العلية ؟ انضباطه، وما الذي جعل الإنسان الزاني يسقط من عين الله ؟ تفلته، أنت بهذه الغريزة التي أودعها الله فيك إذا ضبطتَها وفق منهج الله تنقلب هذه الغريزة إلى درجات ترقى بها، أما إذا لم تضبطها وفق منهج الله تنقلب الغريزة إلى دركات تهوي بها، إذا صعدت درجة يقال لها: درجة، فإذا نزلت يقال لها: دركة، والآية الكريمة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾
( سورة النساء )
عقد الزواج ميثاق غليظ:
لذلك لا يتم اتصال بين الذكر والأنثى إلا وفق نظام، وفق عقدٍ فيه إيجاب، وفيه قبول، وفيه شهود، وفيه مهر، وهذا العقد له مقدمات، فلابد من خطوبة، لابد من البحث والتحري لابد من التدقيق
لابد من التأني، لابد من الكفاءة الزوجية، لابد من أن تختار امرأةً صالحة إذاً عقد الزواج أقدس على الإطلاق في عالم البشر سماه الله الميثاق الغليظ، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾
( سورة النساء )
مخالفة نظام الزواج واتباع الهوى مآله الدمار الدنيوي:
وهو عقد الزواج، إذاً هذه الغريزة غريزة الجنس الذي وضعها الله في الإنسان ليرقى بها مرةً شاكراً، ومرةً صابراً نظمها أدق تنظيم، فالمؤمن يتبع هذا النظام، المؤمن ينضبط بهذا التشريع، المؤمن يقف عند حدود الله، غير المؤمن يطلق بصره بالحرام، كلما سمحت له فرصة يروي هذه الغريزة بطريق مشروع، أو غير مشروع، لكن الله بالمرصاد، هناك أمراض كثيرةٌ، وعضالة ومدمرة فتاكةٌ تنتظر الذي يشذ عن منهج الله، فإذا أردت السلامة، إذا أردت لهذه الغريزة، أن تنتفع بها، وأن يبارك الله لك بها، وأن تسعد بها فاتبع فيها منهج الله عز وجل.
أنواع الأنكحة في الجاهلية:
1 – نكاح الخدن:
نحن نشأنا في ديار الإسلام ـ والحمد لله ـ ونشأنا من أم وأب، ولكن لو تعلمون كيف كان الجاهليون قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام يتعاملون مع المرأة لرأيتم الشيء الذي لا يصدق.
فأول أنواع الأنكحة التي كانت للجاهلية نكاح الخدن، أي نكاحٌ سري، العرب كانت تقول: ما استتر فلا باس به، وما ظهر فهو لؤم، يعني افعل في السر كل شيء، أما في الظاهر فإياك أن تفتضح، أما إذا استطعت أن تصل إلى أية امرأة سراً فهي مباحةٌ لك، هكذا انطلق الجاهليون في علاقتهم بالمرأة، هذا النكاح نكاح العشيقات، نكاح السر نكاح غير مشروع، لكن أخطر من هذا النكاح وربنا عز وجل أشار إلى هذا النكاح في القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النساء )
الخدن العشيق، للمرأة صاحب، وللرجل صاحبة، هذه الآن موجودة في العالم الغربي، له زوجة، وله عدة عشيقات، لها زوج، ولها عدة أصدقاء، طبعاً هذه جاهلية، وربنا عز وجل أشار إلى هذا فقال تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
( سورة الأحزاب )
وكأن في هذه الآية إشارةً إلى أن هناك جاهلية أخرى هي أشد وأنكى من الجاهلية الأولى.
2 – نكاح البدل:
وهو أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لي عن امرأتي وأزيدك، هي سلعة يتبادل بها، وهذا هو الفرق، هذا النكاح كان في الجاهلية، هذه الجاهلية جهل وانحراف، وفسق، وفجور.
3 – نكاح الاستبضاع:
وقد ذكرت السيدة عائشة رضي الله عنها أنواعًا كثيرة من أنكحة الجاهلية، من هذه الأنكحة أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من طمسها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، يعني: اذهبي إلى فلان لتحملي منه، هكذا كانت العرب في الجاهلية، هذا النكاح نكاح الاستبضاع، فلان على مستوى عالي من الذكاء نجيب، شجاع، فيه صفات جيدة لتحسين النسل.
3 – نكاح الرهط:
ونكاح آخر هو نكاح الرهط ما دون العشرة، يدخلون على المرأة جميعاً فيصيبون منها، فإذا حملت، ووضعت، ومرت عليها ليالٍ أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل أن يمتنع عن أن يأتيها حتى يجتمع عندها، فتقول: قد عرفتم ما كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، وتختار واحدًا لا على التعيين، هو حظه، هذا نكاح آخر كان سارياً في الجاهلية، انظروا كيف كنا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام.
4 – نكاح البغايا:
أما النكاح الرابع هو نكاح البغايا: يدخلون على المرأة فلا تمتنع ممن جاءها، هؤلاء البغايا ينصبن على أبوابهن راياتٍ تكون عَلَماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت جمعوا لها الرجال الذين دخلوا عليها، ونظروا أقرب الوجوه شبهاً لهذا الرجل، فينسب إلى هذا الرجل.
نكاح البغايا، نكاح الرهط، نكاح الاستبضاع، نكاح البدل، نكاح الخدن، هكذا كانت أنكحة الجاهلية، وقد أكرمنا الله بالإسلام فنظم هذه العلاقة.
حضُّ الإسلام على الزواج وأدلة ذلك:
أولاً: موضوع الزواج يجب أن يكون هدف كل شاب، وفي أقرب وقت، وعلى الآباء والأولياء تقديم كل تسهيل، وكل معونة، وكل تبسيط، وعليهم إن لم يفعلوا ما أمرهم به الشرع أن يتحملوا تبعة امتناعهم فسقاً وفجوراً وفضائح ومآسي لا حصر لها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
[ الترمذي]
الآن أضع بين أيديكم نماذج كثيرة جداً من نصوص الكتاب والسنة كي تعرفوا كيف حض الشرع على الزواج، لأن الحقيقة أن نظام المجتمع البشري أساسه الزواج، هذا المجتمع الكبير بناء ضخم، اللبنة الأولى فيه هي الأسرة، وأي نظام اجتماعي يكرم الأسرة، ويشجع على بنائها، ويسهل لها إنشائها، هذا نظام جيد، وأي نظام يحل السفاح مكان النكاح، ويمتنع عن إنجاب الأولاد.
لي قريب ذهب إلى أمريكا ليزور أخاه هناك، البيت الملاصق رأى بأم عينه على الشرفة ألبسة أطفال صغار قد نشرت بعد أن غسلت، فتيقن أن في هذا البيت أطفالاً، بعد حين سكن هذا البيت صديق أخيه، فتمت زيارة بينهما، فلما سأله: كم ولدًا عندك ؟ لأنه رأى ألبسة في الشرفة، فقال: ليس عندي أولاد، فقال له: كيف ذلك ؟ قال له: عندي كلاب، وهذه ألبسة الكلاب، إذاً: رغب القرآن الكريم في الزواج به.
مثلاً: قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
( سورة الرعد )
هل يوجد أعلى من الأنبياء والمرسلين ؟ أعلى طبقة في المجتمع، نخبة البشر، صفوة البشر، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
( سورة آل عمران )
الأنبياء والمرسلون وهم قمم البشر، ربنا جل جلاله قال: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
( سورة الرعد )

الزواج إذاً شيء مشرف.
وفي حديث الترمذي عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ ))
هذا الكلام ينبغي أن يترجمه الآباء، أولياء الفتيات، إذا كنت ميسور الحال، وأمّنت بيتًا لصهرك فهذا عمل عظيم، هذا عمل ضروري.
يا أولياء الشباب، إذا أعنت ابنك على الزواج، أوجدت له بيتًا، أمّنت له حاجاته، فهذا عمل عظيم.
يا معشر الشباب، إذا وفّرت، واشتغلت بنية الزواج فهذا عمل عظيم.
إن الفتاة إذا أعدت نفسها لتكون زوجة فاستقامت على أمر الله، وحفظت كتاب الله، وتفقهت في دين الله، وهيئت نفسها لكي تكون أماً فإنّ الله سبحانه وتعالى لابد من أن يكرمها بمؤمن يجعل منها ومنه بيتاً إسلامياً.
الآن حض آخر على الزواج، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾
( سورة النحل )
من فضل الله عليكم أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً، تارةً وصف الأنبياء والمرسلين، وهم قمم البشر، وصفوة البشر بأن لهم أزواجًا وذرية، وتارة منّ الله على بني الإنسان بأن خلق له بنين وحفدة، وكيف لا نصدق ذلك، وقد جعل الله نظام الزوجية آية من آيات الله الدالة على عظمته ؟ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم )
من آياته الليل والنهار، من آياته الشمس والقمر، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها.
أنا أذكر قصة، هي توضح هذه الآية، أعرف رجلاً كان مقيمًا في بلد نفطي، يعمل هناك، يأتي كل عام كإجازة شهر يبحث عن زوجة فلا يهتدي، ويعود إلى عمله في البلد النفطي، العام الأول لم يتمكن من أن يتزوج، والعام الثاني لم يتمكن، والثالث لم يتمكن، والرابع بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، كما يقال في المثل العربي، وبلغ السكين العظم، إلى متى ؟ فأول يوم وصل، ثاني يوم أرسل والدته للخطبة، ثالث يوم لا يوجد شيء مناسب، مضى أول أسبوع، والثاني، ومضى الثالث، ومضى الرابع، وسفره الخميس، ويوم الأربعاء والدته عثرت له على فتاة مناسبة، شيء جميل، أجرى عقدًا الخميس بالمحكمة، وسفره الساعة الرابعة، فذهب إلى المطار، وخرجت زوجته التي عقد عقدها في اليوم نفسه إلى المطار لتودعه، فلما خرج من قاعة المسافرين إلى بهو المطار الداخلي بكت بكاءً مُرًّا، فقلت: سبحان الله ! البارحة لا تعرفه، ولا يعرفها، ما الذي حصل ؟ هذه من آيات الله، الذي عنده بنات لما تتزوج البنت صار زوجها أغلى عليها من أي إنسان، تريد أن تأخذ أغراض البيت كلها إلى بيت زوجها، ومن آياته الدالة على عظمته، والأب يسّر، والأب عندما يرى زوج ابنته في تفاهم مع ابنته فهذه سعادة كبرى له، ينام قرير العين، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾
( سورة الفرقان )
إذا قال الإنسان: أنا لا أملك من أين أحضر المال ؟ البيت ثمنه كبير، ولا إمكانية للإيجار، الزوجة تريد مصروفًا، والذهب ثمنه باهظ، وغرفة النوم أيضًا، وكذا غرفة الضيوف، من أين أحضر الأموال ؟ أنأ إنسان دخلي وسط، هكذا يقول، ثم يقرأ قوله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
هذه الآية يجب أن نتمسك بها، وهي كلام ربنا، وعندما تتزوج يرزقك الله، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( من ترك التزويج مخافة العيلة فليس منا ))
[ ورد في الأثر ]
إذا أحجم الرجل عن الزواج أو عن التزويج، وقال: ماذا يملك هذا الذي خطبك بنتي ؟ لا نقبل، تقول لي: ماذا يملك ؟ هذا كلام ليس له معنى، يجب أن تعينه، وتقبل معه باليسير، وإلا يحل السفاح مكان النكاح، وإلا ترى نصف بيوت الشام أصبحت بيوت دعارة، لا خيار غلا في الزواج، فالمسلمون إما أن يستيقظوا، ويحلوا هذه المشكلة، وإما ـ والله ـ هناك أيام سوداء لا يأمن الرجل على ابنته أن تخرج من البيت، ((... إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))
إذا قال لك ابنك: يا أبي، تعطيني غرفة مِن عندك فقل له: أعطيك، تقسم لي البيت، نعم، أقسم لك البيت، والله هناك آباء الآن ـ أقسم بالله ـ إني أكبرهم أشد الإكبار، يبيع بيته في الشام بعشرة ملاين، ويأخذ لأول ابن بيتًا، وللثاني بيتًا، ويسكن هو خارج دمشق، أو بحي من أحد أحياء دمشق القديمة البعيدة، وهذه بطولة.
هناك آباء يقول أحدهم: لا أخرج من البيت إلا وقت الموت، وهو في بيت مساحته أربعمئة متر، ثمنه ثلاثون مليونًا، وأنت وزوجتك، وعندك شباب يتحرقون على زواج، بع هذا البيت، وصغّره، ماذا يحدث ؟ هذه بطولة الآن.
أنا أقول كلامًا واقعيًا: الأب البطل الذي يهيئ تزويج أولاده بأي شكل، يصغّر بيته، يقطع عن فمه بالتعبير العامي حتى يؤمّن أولاده، لأن الابن إذا انحرف فهو في رقبة الأب، إذا لم يكن ابنك في الإيمان الكافي زلّت قدمه، آية كريمة أنا كنت في حيرة شديدة معها، قال تعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة النور )

هل يمكن لإنسان على وجه الأرض ـ واللهُ يخاطب المؤمنين ـ أن يجبر ابنته على البغاء ؟ ما أدري لهذه الآية من معنى ؟ لكن معنى هذه الآية: أنّ الأب الذي يضع العراقيل أمام تزويج ابنته، فتارةً لا يوجد بيت، وتارةً لا يوجد له دخل ثابت، وثالثاً مدخل بيتهم مُزرٍ، هذه أصبحت علة، كل إنسان يضع عراقيل أمام تزويج ابنته كأنه يدفعها إلى البغاء من حيث لا يدري، فلذلك قال تعالى، وهذا الأمر إلهي: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
( سورة النور )
الأيامى مفردها أيّم، والأيّم هو الرجل أو المرأة الشاب، أو الشابة الذي لا زوجة له، أو لا زوج لها، اسمها أيّم، قال تعالى: ( أَنْكِحُوا )، افتحوا الجامع الصغير على حرف الحاء، حق المسلم على المسلم، حق الأب على ابنه، حق الابن على أبيه، حق الأخ على أخيه، حق الجار على جاره، حوالي ثلاثة عشر حديثًا، هناك حديث واحد إن قرأته اقشعر جلدك، ولا يوجد غيره: (( ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتِب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف ))
[ الترمذي، والنسائي ‘ن أبي هريرة ]
أيها الشباب لكم عند الله حق، إذا أردت الزواج أن يعنيك الله، كيف لا أعلم ولكن يوجد معونة ادخرها لك، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾
( سورة الطلاق )
أنا سمعت قصة تركت في نفسي أثراً بليغاً لشاب ناشئ عنده مكتبة صغيرة، وأمام المكتبة سبعة أبنية، وكل بناء فيه اثنا عشر طابقًا، وكل طابق ثمنه ثلاثون مليونًا، وفي هذه المنطقة تسكن طبقة غنية، السيارات والفتيات، فقال لوالدته: اخطبي لي من هذه الأبنية، أنا إنسان آدمي، فأمه تعرف ما ابنها، وما يملك، فقالت له: أنت ماذا تملك ؟ من يعطيك من هذه الجماعة ؟ فقال لها: والله أنا إنسان آدمي، ومستقيم، ولا أعرف الحرام، وهذا الكلام غير مقبول، فألحّ عليها مرة ثانية، ومرة ثالثة، وبعد ذلك كذبت عليه، وقالت: ذهبت، ولم يقبلوا بك إطلاقاً، وقالوا: هل يوجد لديك بيت ؟ فتألم ألمًا شديدًا، ويبدو أنه صادق مع ربه، يقف على مكتبته رجل من أصحاب هذه البيوت، فقال له: يا بني ما اسمك ؟ هل أنت متزوج، فقال له: لا والله يا سيدي، فقال له: أنا عندي ابنة للزواج، فألهم الله أحد الآباء، وهذه القصة واقعية، وهناك قرابة، وأنا أعرفها جيداً، هذا الشاب المستقيم الذي أراد العفاف، ألقى الله في قلب أحد الآباء محبته، شاهده مستقيمًا، يغض بصره، صادق في بيته، ونظيف ومرتب، فقال له: أرسل والدتك، والبنت مناسبة جداً، وفي هذه الأبنية نفسها، فأرسل والدته، وصار الاتفاق والعقد، والله وفقه.
هناك كلمة يقولها العوام أنا تهز مشاعري ـ هل أنت أكرم من الله عز وجل ؟ ضع ثقتك بالله عز وجل، من تزوج ملَك نصف دينه فليتقِ الله في النصف الآخر، يجب أن نسهّل، بيت خارج الشام، هل من المعقول أن أسكن خارج الشام ؟ نعم معقول، وأنت أنتَ، ومكانتك كما هي، يجب أن تتساهل أيها الأب، البيت ثمنه ثمانية ملايين، وخارج الشام ثمنه مليون، والمواصلات جيدة جداً الآن، يجب أن تتساهل بمكان البيت، وبحجم البيت، يجب أن تحقق شرع الله عز وجل، شرع الله بتيسير الزواج.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
أيها الشاب لك عند الله حق أن يعينك إذا طلبت العفاف، أنا أنصح كل شاب، كلما بالغ في غض بصره، وحفظ فرجه، والبعد عن المزالق كلما قرب الفرَج عليه، الله عز وجل ناظر إليه، إن الله ليباهي الملائكة في الشاب المؤمن، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، لأن الطرقات فيها نساء كاسيات عاريات.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ))
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ:
(( لَمَّا نَزَلَتْ: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أُنْزِلَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا أُنْزِلَ لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِذَهُ... ))
الذهب والفضة كنزه مشكلة، هل يوجد مال آخر إذا جمعناه لنا فيه الخير ؟ فقال، ودققوا:
((... فَقَالَ: أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ ))
كيفما تحرك يثني على الله، يا رب، لك الحمد، والزوجة كنز من كنوز الدنيا، وقد روى الطبري بسند جيد عن ابن عباس رضي اله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( أربع من أصابهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة، قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً، وبدنًا على البلاء صابراً، وزوجةً لا تبغيه حوباً في نفسها ولا ماله ))
لسان شاكر، وقلب ذاكر، وبدن على البلاء صابر، وزوجة مؤمنة لا تظلمه لا في نفسها ولا في ماله، لا تتلف ماله، ولا تتساهل مع غيره، عفيفة، أحيانا الإنسان في ساعات إشراقه الروحية يقول: لا أريد أن أتزوج، وإذا فكر الإنسان هذا التفكير يكون قد خالف السنة، لأن هناك حديثًا صحيحًا رواه البخاري ومسلم عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
(( جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ ولا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَال:َ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
[ البخاري ومسلم]
هذه سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يسعنا إلا اتباع سنة النبي.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
(( مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ))
[ سنن ابن ماجه]
أعظم شيء تناله بعد تقوى الله عز وجل زوجة صالحة، بعد طاعة الله عز وجل وبعد التقوى الزوجة المؤمنة.
عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ ثَلاثَةٌ، مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ، وَمِنْ شِقْوَةِ ابْنِ آدَمَ الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ ))
[ رواه أحمد بإسناد صحيح ]

تزوج رجل صالح امرأة سيئة جداً، فلما قيل له: طلقها قال: والله لا أطلقها فأغشّ بها المسلمين.
وروى الطبراني والبزار و الحاكم وصححه، وقد جاء تفسير هذا الحديث في حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( ثلاثة من السعادة المرأة الصالحة، تراها تعجبك، وتغيب فتأمنها على نفسها ومالك ))
أنتم تعيشون في نعمة لا تعرفونها أبداً، والمفروض أن الإنسان يعرفها وهي في حوزته، إذا كان لرجل منكم بيت وزوجة، وذهب إلى عمله مطمئنًّا أشد الطمأنينة، وهذه نعمة لا تقدّر بثمن، ولا يعرفها إلا من فقدها، إلا من شك في زوجته، إلا من خشي أن يدخل عليها أحد في غيبته، أما الذي يطمئن لها ولعفتها، ولإخلاصها، ولحرصها على نفسها، ولتسترها وتحجبها فهذه نعمة لا تقدر بثمن.
((... وثلاث من الشقاوة، المرأة تراها فتسوءك، وتحمل لسانها، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك ))
دائماً هي مهملة لنفسها، كل زينتها وأناقتها لغير زوجها، هذه حال نساء اليوم، كل نعومتها ولطافتها لغير زوجها، أما لزوجها فالكلام القاسي، والهيئة المهملة، والنظرة القاسية.
هناك امرأة كثيرة الشر، فمن شدة قسوة لسانها على زوجها، من شدة تأنيبها له، من شدة انتقادها المستمر ضاق بها ذرعاً، فرجاها أن تسلك هذا السلوك يوماً، وتدعه يوماً، ففي اليوم الذي عاهدته أن لا تقول شيئاً تقول له: غداً.
الزواج عبادة:
آخر شيء في فضل الزواج، الزواج عبادة يستكمل بها الإنسان نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والنقاء، أحياناً تشاهد امرأة ورجلا في الطريق، فإذا كان معهما ولد ترتاح، معنى هذا أنها زوجته، دائماً الطفل يوثق العلاقة، الطفل يعطي البراءة، وحسن السلوك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( من رزقه الله زوجةً صالحةً فقد أعانه على شطر دينه، وليتّقِ الله في بالشطر الباقي ))
[رواه الطبراني والحاكم وقال صحيح إسناده ]
لما يتزوج الإنسان، وينظر يمنةً ويسرةً، وشرقاً وغرباً مشكلته كبيرة جداً، وهذا عقابه أليم، لأنه أصبح محصناً.
ذهب رجل إلى أوربا، ويظهر أنه أطلق لنفسه العنان، شاهد أشكالا وأنواعًا، فلما عاد ساءت علاقته مع زوجته جداً، فلما سئل قال: ما أحسنَّا اختيار زوجته، طبعاً كل إنسان متزوج، ويبحث عن متعة خارج بيت الزوجية معنى هذا أنه إنسان لا يعرف الله إطلاقاً، ولا يعرف أحكام الشرع أبداً، وهذا أكبر عقاب له، شقاء زوجي ما بعده شقاء.
عنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ ))
[ ابن ماجه]
أحيانا يموت الإنسان أعزب، هناك تساؤلات، ظنون، شكوك، يدع هناك سؤالا كبيرًا، أما الإنسان المتزوج فسمعته نقية، معه شهادة حسن سلوك.
قال ابن مسعود، وهذا ليس حديثاً شريفاً: << لو لم يبقَ من أَجَلِي إلا عشرة أيام، وأعلم أني سأموت في آخرها، ولي طول نكاح فيهن لتزوجت مخافة السنة >>.
يبقى الزواج شرعيًا، وأي سلوك خارج الزواج سلوك فيه معصية كبيرة جداً.
الحكمة من الزواج:
الحكمة الأولى: الزواج هو القناة النظيفة للغريزة الجنسية:
بقي علينا موضوع قصير في موضوع الزواج، وهو حكمة الزواج، الحقيقة أن أكبر غريزة في الإنسان، وأعنفها هي الغريزة الجنسية، هذه الغريزة حينما تفرغها في القناة النظيفة التي شرعها الله عز وجل فكأنها قنبلة نزعت عنها الفتيل، كان هناك شيء متفجر، فوضعت عليه صمام الأمان، يمكن أن يكون هناك تفجر، وانحراف، وزلة قدم، وزنا، فلما تزوج الإنسان فهذه الطاقة الكبيرة، وهذا الاندفاع الشديد، وهذه الغريزة المتأججة انتهت، وهذا المسلك الطبيعي لها، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم )

لتسكنوا، معنى هذا أن هناك اضطرابًا، وقلقًا، ورغبة، وشعورًا بالحرمان، كله انتهى، إنه أغض للبصر، وأحصن للفرج.
إذاً أول حكمة أن هذه الغريزة الطبيعية التي أودعها الله في الإنسان من خلال الزواج هذه الغريزة تسلك سلوكاً طبيعياً، وتغدو حياة الإنسان طبيعيةً، ويصبح له توازنًا، وطمأنينة، وسكونًا، كلمة سكن تشير إلى هذا المعنى، السكن معنى أنه يوجد اضطراب.
عَنْ جَابِرٍ
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى امْرَأَةً فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ... ))
[ أبو داود والترمذي]
المرأة رمز الدنيا، فإذا نظر الإنسان إلى امرأة مقبلة فهي شيطان، طبعاً إذا كانت سافرة، فإذا نظرت إليها فكأنما شيطان يدعوك إلى معصية.
((... فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّهُ يُضْمِرُ مَا فِي نَفْسِهِ ))
[ مسلم، وأبو داود والترمذي]
المرأة الأجنبية الكافرة شيطانة تدعو إلى الفتنة، تدعو إلى الانحراف.
ثمة موضوع ذكرته سابقاً، حينما تسفر المرأة، وحينما تبرز مفاتنها فلسان حالها يدعو إلى التحرش بها، أما حينما تتحجب فلسان حالها يدعو إلى البعد عنها، واحترامها وتقديسها، وزيّ المرأة ينطق عنها، زيها المحتشم ينطق بعفتها وحشمتها، واستقامتها وطهارتها، وزيها غير المحتشم ينطق عنها برغبتها بالانحراف، ودعوتها للذئاب لينهشوا منها.
عندما ربنا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
( سورة الأحزاب )
المرأة المؤمنة الحد الأدنى الذي يؤكد أنها مؤمنة حجابها، أما الأعلى فأن تعرف الله، أن تعرف منهج الله، أن تعرف حق الزوج، أن تعرف حق أولادها عليها، أن تكون محسنةً، أن تكون عفيفةً، لكن حدها الأدنى أن تكون محجبةً، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، معنى ذلك أن المرأة إذا لم تتحجب، وآذاها من آذاها فكأنما أعطتهم المبرر.
عندنا في اللغة لسان المقال، ولسان الحال، وقد يكون لسان الحال أبلغ من لسان المقال، فلباس المرأة لسان ينطق عنها، فإن كانت محتشمة كأنها تقول: أنا امرأة مسلمة، فابتعدوا عني، أنا لي زوج، أما إذا ارتدت لباساً فاضحةً فلسان حالها يدعو إلى التحرش بها، من زيها لا تؤذيها، ومن زيها تؤذيها.
الحكمة الثانية: الزواج أفضل وسيلة للإنجاب:
الحكمة الثانية أن الزواج أفضل وسيلة لإنجاب الأولاد، وتكثير النسل، واستمرار الحياة مع المحافظة على الأنساب.
إنّ رجلا خبيرًا من دولة أجنبية أقام حفلا كبيرًا جداً لأصدقائه بمناسبة أنه أنجب مولوداً، وهو له في هذه البلدة سنتين، لا يهمه هذا، وزوجته أرسلت له رسالة أنها أنجبت مولوداً فأقام احتفالاً كبيراً، لأنه أنجب مولوداً، لكن هذا الغلام من غيرك، هذا لا يهمّه.

هناك قصة مشهورة تُروى عن إنسان خطب فتاة، فلما استشار والده قال له: لا يا بني، هذه أختك، وأمك لا تدري، فلما اختار فتاة أخرى قال له: هذه أيضاً أختك، وأمك لا تدري، فلما أشار إلى فتاة ثالثة قال: يا بني، هذه أختك أيضاً، وأمك لا تدري، فلما ضاق ذرعاً بأبيه شكا إلى أمه، فقالت له: خذ أياً من هؤلاء، فأنت لست ابنه، وهو لا يدري.
هذا مجتمع الغرب، لكن مجتمع المسلمين مجتمع الطهر والعفاف، مجتمع النظافة مجتمع العفة، نحن نحمد الله على أننا في مجتمع نظيف، وما زال فينا بقية من طهر وعفاف، هذه بلدة مباركة، الشيء الذي يوصف به أهل الغرب شيء لا يوصف، انحلال خلقي، تبادل زوجات، زنا محارم، أمراض وبيلة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
هذا مقياس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يبدو أن أعظم ما في المرأة مودتها لزوجها، وإنها تنجب له أولاداً أطهاراً.
دخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجاباً به، فقال: << يا أبا بحر، هذه كنية الأحنف بن قيس، ما تقول في الولد ؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، و ثمرة قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نطول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا، فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك >>.
الأب البخيل ـ والعياذ بالله ـ إذا مرض، وجيء له بالطبيب، وقال الطبيب: اطمئنوا، لا يوجد شيء، ينزعج الأولاد جداً، أما الأب الكريم فحياته أغلى عليهم من حياتهم أنفسهم.
أيها الآباء هذا الكلام لطيف، << فكن لهم أرضاً ذليلة، وسماءً ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك، فقال: لله درك يا أبا بحر >>.
هل تصدقون أن إنسانًا في غرفة العمليات، وعملية خطيرة جداً يأتي أشد الناس قرباً منه ليفاوض الطبيب على قتله في أثناء العملية على مبلغ كبير.
أنا معجب بكل أب أعطى أولاده وهو في حياته ما يريدون، حتى شعروا أن أباهم شديد العطف عليهم، طبعاً بالعدل فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ: لا، قَالَ: فلا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[ متفق عليه ]
أن تعطيهم في حياتك، وأن تعدل بينهم في حياتك، هذه من واجبات الآباء.
الحقيقة أن في الإنسان غريزة الأبوة والأمومة، هذه الغريزة الراقية جداً لا تظهر إلا في الزواج، وإنجاب الأولاد، ترى الشاب طائشًا، فعندما يأتيه ولد يصبح إنسانًا آخر، نشأ في قلبه العطف والحب، فغريزة الأبوة، وغريزة الأمومة لا تظهر إلا من خلال الولد، هذه الغريزة فضيلة في الإنسان، الزواج يشعر الزوج بالتبعة، بالمسؤولية، عنده زوجة، وعنده أولاد يحتاجون إلى مصروف، تراه ينصرف إلى عمله دؤوباً، يبذل ويضحي، صار إنسانًا مقدسًا، أما الذي ليس له زوجة، ولا أولاد أكثر أيامه يقضيها في النوم، كسول، أما الذي له زوجة وأولاد، وعليه تبعات هذا ينطلق إلى عمله، والنبي صلى الله عليه وسلم أثنى على كل شاب فقال: إذا خرج هذا الشاب يرعى أهله فهو في سبيل الله.
خروج الشاب من بيته إلى عمله يرعى أبويه، أو أهله، أو أولاده فهو في سبيل الله.
كلكم يعلم أن المرأة التي شكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام زوجها، قالت:
(( يا رسول الله، إن فلان تزوجني وأنا شابة ذات جمال وأهل ومال، فلما كبرت سني، ونثرت له بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي قال: أنت علي كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ))
[ ابن ماجه عن عائشة]
موطن الشاهد أن الأم مهمتها تربية الأولاد، وأن الأب مهمته كسب الرزق، وهذا اختصاص، هناك تكامل بين الزوجين، المرأة في الداخل، ولها كل الخصائص والمشاعر، وهو في الخارج، وله كل الخصائص والمشاعر المتعلقة بعمله خارج المنزل.
حقيقة علمية: الأزواج أطول عمرا من غير المتزوجين:
آخر شيء في الدرس أن تقريرًا لهيئة الأمم المتحدة نشر في الشهر السادس من عام تسعة وخمسين وتسعمئة وألف، هذا التقرير مبني على دراسة إحصائية مطولة جداً، يثبت أن المتزوجين أطول أعماراً من غير المتزوجين، لأن طبيعة الإنسان تتوافق مع الزواج، التقرير طويل، ومعه أدلة كثيرة، وإحصاءات، ولكن ملخصه أن المتزوجين أطول أعماراً من غير المتزوجين، لأن الزواج عمل وفق عضوية الإنسان.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامي, الاسرية, العلاقات, الفقه


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفقة الاسلامى 2 السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 93 09-12-2018 08:57 AM
الفقة الاسلامى 1 السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 28 08-16-2018 01:12 PM
هذا هو المجتمع الاسلامي ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 8 09-24-2017 08:44 AM
لطائف الإسناد - العلاقات بين الرواة منال نور الهدى ريآض الآحاديث النبوية 3 02-25-2013 06:49 PM


الساعة الآن 10:05 AM