ذائقة نورانية مواضيع اسلامية مختصرة - الصفحة 2 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-30-2018, 08:49 AM   #11


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : موعظة - 3- اختلاف الفقهاء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
اختلاف الفقهاء :
أيها الأخوة الكرام، قد يسأل أحدكم هذا السُّؤال: لماذا الاخْتِلاف بين المجتهدين المسلمين في الأحكام الفِقْهِيَّة؟ وهل أراد الله تعالى هذا الاخْتِلاف؟! هذا موضوع دقيق جدًا، يُبْنى عليه تَصَرُّف سَوِيّ أو غير سَوِيّ، فالله تعالى أنْزلَ قرآنهُ الكريم على نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم والقرآن الكريم كُلُّهُ قَطْعِيُّ الثُّبوت، وكُلُّه من عند الله، ولكنَّ مَدْلولات الآيات القرآنِيَّة بعضُها قَطْعِيُّ الدلالة وبعضها ظَنِيُّ الدَّلالة، ماذا تعني كلمة قَطْعِيُّ الدَّلالة وظَنِيُّ الدَّلالة؟ هناك مثل يُوَضِّحُ ذلك ؛ فلو قُلْتُ لكَ: أعْطِ زَيْدًا مِن الناس ألفًا وخمسمئة ليرة سورِيَّة، والمَبْلَغ مُحَدَّد وواضِح، وهذه العِبارة مُحْكَمَة، ودلالتُها قَطْعِيَّة ولا تحْتَمِلُ التَّفْسير ولا التَّرْجيح والاخْتِلاف، أما إذا قلتَ: أعْطِ زَيْدًا مِن الناس ألفَ دِرْهَمٍ ونِصْفَهُ، فالهاءُ هنا على مَن تعود؟! إذا أعَدْناها على الألف فعنى هذا ألف وخمسمئة، أما إذا أعَدْناها على الدِّرْهم فمعناه ألف ونصف دِرْهم، فنقول: العبارة هذه ظَنِيَّة الدلالة واحْتِمالِيَّة الدلالة، فهي تَحْتَمِل ألف وخمسمئة، وتَحْتَمِل ألف ونِصف دِرْهم، ولذلك القرآن الكريم بعض آياتِهِ قطعِيُّ الدَّلالة، وبعض آياتِهِ ظَنِيُّ الدلالة، والآن سؤال: لو أنَّ الله سبحانه وتعالى جَعَلَ كُلَّ آيات القرآن الكريم قَطْعِيُّة الدلالة فإنَّ الاجْتِهاد يُلْغى، ويلتغي دَور العلماء، ولا يوجَد أيّ خِلاف، لماذا شاَءَتْ حِكْمة الله أن تكون بعض آيات القرآن الكريم ظَنِيَّة الدلالة ؟ عندَئذٍ اخْتلفَ العلماء في اسْتِنباطاتهِم.
اخْتِلاف العلماء ليس اخْتِلاف تضادٍّ وتناقض إنَّما هو اخْتِلاف غِنًى واتِّساع :
النُّقْطة الدقيقة التي أتمنَّى أن أُوَضِّحَها لكم أنَّ الإنسان حينما يتكلَّم كلامًا ظَنِيَّ الدلالة فهذا لِضَعْفٍ في لُغَتِهِ، هو يَقْصِد معنًى واحِدًا ولكن عبَّر عنه بألفاظ تَحْتَمِل معاني عديدة، ولذلك كُلّ القوانين حينما تَصْدُر يَقَعُ الناس في لبْس في فَهْمِها، فلا بدّ من أن يصْدر مرسوم تشريعي يُوَضِّح المقصود من بعض العبارات، فالإنسان إذا تكلَّم كلامًا ظَنِيَّ الدلالة، أو احْتِماليّ الدلالة كان هذا لِضَعْف في لُغَتِهِ، والسؤال الآن دقيق: الإله العظيم وربُّ العالمين، والمُطْلق في عِلْمِهِ، إذا جاءَتْ في كِتابِهِ الكريم آيةٌ ظَنِيَّةُ الدلالة، فكيْفَ نُفَسِّرُ ذلك ؟! نحن قلنا: إنَّ الإنسان إذا تَكَلَّمَ كلامًا ظَنِيَّ الدلالة فهذا لِضَعْفٍ في صِياغَتِهِ، أما الإله إذا تكلَّمَ كلامًا ظَنِيَّ الدلالة فلأنّ الله سبحانه وتعالى لَحَظَ في عِبادِهِ جانِبَ الثبات وجانبَ التَّطَوُّر، فجانب الثبات؛ كُلُّ الآيات المُتَعَلِّقَة بالجانب الثابت في الإنسان قَطْعِيَّةُ الدلالة، فمثلاً قوله تعالى:
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
[سورة المائدة : 38]
وقوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة النور: 2]
هذا كلامٌ واضِح لا يحْتاج إلى اختِلاف إطْلاقًا، ولكن هناك أحكام مثل الزكاة، قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[سورة التوبة: 103]
يا ترى ؛ هل عليَّ أن أدْفَعَ نقْدًا أم عَيْنًا ؟! فالقرآن ما حدَّدَ هذا ! القرآن جَعَلَ هذا مُبْهَمًا، فالعلماء اجْتَهَدوا، فذَهَب أبو حنيفة رحمه الله الذي عاش في البصْرة قال: يجوز أن تُدْفَعَ الزَّكاة نَقْدًا، والإمام الشافعي قال: يجب أن تُدْفَعَ عَيْنًا، وهذا الإمام عاشَ في ريف مِصْر، فالآن مثلاً لو أعْطَيْتَ إنسانًا فقيراً قمْحًا، لا يملك سيارة ولا شيء ويسْكن ببيت تحت الأرض ؛ هذا الكيس بلاء، ماذا يفْعَلُ به ؟ وأين يغْسِلُهُ ؟ وأين ينْشرهُ ؟ وأين يطْحَنُهُ ؟ أما لو أعْطَيْتَ هذا لإنسانٍ يعيش بالرِّيف، فالأمور مَيْسورة عليه ؛ الأرض واسِعَة ومعه الطاحونة ويُمْكن أن يعيش بِهذا القَمح سنة ! فالله تعالى لمَّا سكَتَ عن طريقَة دَفْعِ الزّكاة، واجْتَهَدَ العلماء فَبَعْضُهم قال: نقْدًا، والآخر قال: عَيْنًا، فهذا الحُكْم ظَنِيُّ الدلالة، والعلماء اجْتَهَدوا، فالله تعالى إذا قال كلامًا ظَنِيَّ الدلالة، أو احْتِمَاليَّ الدَّلالة فلأنَّهُ أراد كُلَّ الحالات التي يحْتَمِلُها، فالإنسان الذي يعيش في الرِّيف غير الذي يعيش في المدينة، والغنيّ غير الفقير، ومُجْتَمَع قديم وآخر حديث ؛ كُلّ شيء خاضِع للزَّمان والتَّطَوُّرات ؛ هذا تُغَطِّيهِ أحكامٌ ظَنِيَّةُ الدلالة، فالإمام مالك يرى أنَّ العَوْرة هي السَّوأة المُغَلَّظَة، فلو أنَّ الإنسان سيقَ للخِدْمة الإلْزامِيَّة وأُلْزِمَ أن يلبِسَ ثِيابًا قصيرة، فهذا يُعْتَبَرُ مُغطًّى عند الإمام مالك ! أما عند الأئمَّة الثلاثة فغير مُغَطَّى، ولو أنَّ الأربعة ملايين حاج انْطَلَقوا مِن مُزْدَلِفَة في وَقْتٍ واحدٍ، لأهْلَكوا أنفسَهم، فهناك من قال: تنطلق بعد العشاء، وآخر بعد منتصف الليل، وآخر بعد الفَجْر، فهذه الاجتهادات وَسِعَتْ كُلَّ الحالات، فالضَّعَفَة والنِّساء والأطفال ينطلقون بعد العِشاء، وبعضهم بعد منتصف الليل، والآخر بعد شروق الشَّمس، لذلك قالوا: اخْتِلاف العلماء اخْتِلاف رحْمة واتِّفاقهم حُجَّةٌ قاطِعَة، كما أنّ اخْتِلافهم ليس اخْتِلاف تضادٍّ وتناقض إنَّما هو اخْتِلاف غِنًى واتِّساع، فلا أعْتَقِدُ أنَّ في العالم فِقْهٌ يتَّسِعُ لِكُلِّ الحالات ؛ امرأةٌ جاءَتْها الدَّورَة قبل طواف الإفاضة، فهي عند الإمام أبي حنيفة عليها أن تذْبَحَ بدَنَة، وعند الشافِعي تَغْدو أميرة الحجّ ؛ ينتظِرُها مَن معها، وعند بعض الأئِمَّة ومنهم الإمام مالك يقولون: تَطوف البيْت في أثْناء انْقِطاع الدَّم ولا شيءَ عليها، لذا نحن إن كانتْ امرأةً مُوسِرَة نقول لها: اِذْبَحي بدنَةً وأطْعِمي الفقراء، ولو أنَّها امرأة لها ابْنُ في جدَّة أو في أحد مناطق الحجاز نقول لها: انْتَظِري إلى أن تنقَطِعَ الدَّورة، أما امرأةٌ مُلْحَقَة بِزَوْجٍ ولا تملِكُ شيئًا، فهذه نُفْتي لها على مذْهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، فلِذلك إذا جاء الحُكْم ظَنِيًّا معنى هذا أنّ هُناكَ مجالاً للاجتهاد والاجتهاد كُلّه مَقبول لأنَّه يسَعُ الحالات كُلَّها. عدم الإنكار على أيّ إنسان في قضية خلافية :
الآن دَخَلْنا في موضوع ؛ وهو أنَّه لا يجوز أن تُنْكِرَ على أحَدٍ في قَضِيَّة خِلافِيَّة، فالله عز وجل أجاز للمريض الإفْطار، قال تعالى:
﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[سورة البقرة: 185]
فقد كان أصْحاب النبي صلى الله عليه وسلَّم في سَفَر- وأن تَصوموا خيرٌ لكم ‍! فإذا كان بالإمكان أن تَجْمَعَ بين السَّفَرِ والصِّيام فالأولى أن تصوم، أو أن تجْمَعَ بين المرضِ والصَّوم فالأولى أن تصوم- بعض أصْحابه أفْطَرَ أخْذًا بِمُطْلق الرُّخْصَة وبعْضُهُم بَقِيَ صائِمًا، ويبْدُو أنَّ الحرَّ كان شديدًا جدًّا، فبعد الظُّهْر ضَعُفَت قِوى الصائِمين وقَعَدوا، أما المُفْطِرون فنَصَبوا الخِيام، وذَبَحوا الأنعام، وطبَخوا الطَّعام، وقدَّموه للصائِمين، فقال عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ ))
[ البخاري عن أنس ]
فأحيانًا تكون لك أعْمال كثيرة جدًا، وهي كُلُّها لله تعالى، فلو أنَّكَ صُمْتَ يومًا نفْلاً ولم يكُن مِن عادَتِكَ صِيامُ النَّفْل لأقْعَدَكَ في البيْتِ هذا الصِّيام فالأولى أن تُفْطِر وأن تخْدُمَ الناس، أما المُتَقاعِد فلا عليه، لذا الأمور التي فيها رُخَص وخلافِيَّات ونَدْب لا يجوز لأحَدٍ أن يُنْكِرَ على أحَدٍ، فمثلاً موضوع تَحِيَّة المسْجِد في أوْقات الكراهة، وهذا مِن أوْسَع الموضوعات بالفِقْه فَمُلَخَّص المُلَخَّص ولا نُريد أن نَدْخل في تَفْصيلات تَحْتاج إلى دروس طَويلة، أنَّه روى الإمام مسلم عن عُقْبة بن عامِر الجُهَنِّي قال عليه الصلاة والسلام: (( عن عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ قَالَ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا، حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ
((
[ النسائي عن علي بن رباح]
ففي أثناء الشروق إلى أن ترتَفِع مِقْدار رُمْحٍ، وقدَّرهُ العلماء بِعِشْرين دقيقة بالضَّبْط، وحين يقوم قائِم الظَّهيرة حتى تزول، وحين تميل الشَّمس إلى الغروب حتَّى تغيب، فهذه الأوقات مَكروهة، وهناك وقْتان آخران وردا في البخاري ومسلم: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ))
[ البخاري عن أبي هريرة]
والحِكْمة من نهْي النبي عن هذه الأوقات أنَّ عُبَّاد الشَّمس يعْبُدونها وقْت الشروق، ووقْتَ الغُروب، ووقْتَ الانْتِصاف، أما الوقْتان الآخران فهذان وقتا الفريضَة، ولأنّ صلاة الفجْر مِن أهَمِّ الصلوات قال: لا صلاة بعدها، وذلك من أجل تُتْقِنَ صلاتها وخُشوعَها، فالنبي صلى الله عليه وسلَّم نهى عن صلاة بعد صلاة الفَجْر، وصلاة بعد صلاة العَصْر، فأصْبَح بالحاصِل عندنا خمْس صلوات مَكْروهة ؛ مِن بعد صلاة الفجْر وحتى تُشْرق، وأثناء طلوع الشمس وحتى ترتفع، وعند انتِصاف الشمس في كبِدِ السماء وحتى تزول، وبعد صلاة العصْر وحتى تغيب، وعند اصْفِرار الشمس وحتَّى تغيب.
أما رأي العلماء الأجِلاء والسادة المُجْتَهِدون الأحناف والشافعيَّة، فعند الحنابلة مُحَرَّمُ أن تُصَلِّي أيَّ وقْتٍ في هذه الأوقات الخَمْسَة، وعند المالِكِيَّة مُحَرَّمة في الأوقات الثلاثة، ومكروه كراهة تنْزيهِيَّة في الوقتين الآخرين، أما عند السادة الأحناف فهُناك كراهة تَحْريمِيَّة؛ أن تُصَلِّيَ أيَّ صلاة في هذه الأوقات، أما عند الشافِعِيَّة فكراهةٌ تَحْريمِيَّة في الأوقات الثلاثة وتنْزيهِيَّة بالوَقْتَين ؛ إلا أنّ عند الشافِعِيَّة رُخْصَة لطيفة جدًا هِيَ أنَّ الصلاة إن كانت لِسَبَبٍ، كأن تفوتُكَ صلاة لم تُؤَدِّها، أو صلاة الكسوف، أو تَحِيَّة المَسْجِد، أو سُنَّة الوُضوء، أو سُجود الشُّكر، أو صلاة الجنازة، أو صلاة الاسْتِسْقاء ؛ فهذه صلوات لها أسْباب، فإذا كان السَّبب مُتَقَدِّماً فيجوز لك الصلاة، أما إن كان مُتَأخِّراً فلا يجوز، فلو أنَّك دَخَلْتَ المسْجِد، ودُخولك سبقَ الصلاة فحينها تُصَلِّي، وهذا عند الشافِعِيَّة، فهل بعد هذا التَّفصيل يمكن أن يُنْكِرَ أحدٌ على أحَدٍ، ونحن عندنا قاعِدَة عدم الإنكار إلا فيما اتَّفَق عليه العلماء، فكل المذاهب لها أدِلَّتُها، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "صلوا وراء كُلِّ برٍّ وفاجِر" ولم يقل عاص، فَمَن هو الفاجِر؟ الذي يرْتَكِب المعاصي جِهارًا في الطريق، فهذا إن أمَّ الناس لك أن تُصَلِّي وراءَهُ، مِن أجْل ماذا ؟! مِن أجل ألا تقَعَ الفِتْنة، كما أنَّهُ لا يجوز أن نخْتَلِفَ على صيام أوَّل يوم ؛ فالفِتنة أخْطر من الخِلاف، أنت بِبَلَدٍ مسلم وهناك وزير أوقاف ومُفْت وقاض شَرْعي، وصَوْمُكم يوم تصومون، واقْرؤوا القرآن ما ائْتَلَفَتْ عليه قُلوبكم فإذا اخْتَلَفْتُم فقوموا عنه.
لذلك سبحان الله ! بعض المسلمين يفْتَعِلون خِلافات، وكأنَّه واجِبٌ علينا أن نخْتَلِفَ بالمساجِد ونصيحُ، مرَّةً كُنَّا في دَعْوَة رَسْمِيَّة وأذَّن مؤَذِّنٌ لِصَلاة المغرب، والأمر كُلُّه مُسَجَّل ومَنْقول نقلاً مباشَرًا، فأحدهم صاحَ صَيْحَةً أنَّه لم يدْخُل الوقت بعد، فالإنسان قد يدخل بِمَوضوعات يُسَبِّب فيها فتْنة كبيرة، فلما قال لك النبي: "صلِّ وراء كل برٍّ وفاجِر" هذا مِن أجل ألا تقَعَ في الخُصومة، فلو أنَّ مُوَظَّفًا له دَخْل حلال وآخر حرام، وقدَّم لك طعامًا، فلا تقل له: أنا لا أشْرب فإنَّ دخْلك حرام !! أما إن اغْتَصَب أمامك شيئًا وقال لك: كُلْ، فحينها لا تأكل، فإذا الحرام مَفصول فلا تأكل، أما إذا المال مَشْبوه فلك أن تأكل أو تدَع، فقد يكون أبوك وقد يكون أخوك، فإذا لم تأكل سبَّ وشَتَم وأثار فِتْنةً.
لذا أيُّها الأخوة، إذا القَضِيَّة خِلافِيَّة لا يجوز أن تُنْكِر على أحدٍ له مذْهب، فما دام هناك جواز ومَنع الأصل وِحْدة المسلمين، والمسلمين ما ضَعُفوا إلا حينما تنازعوا، قال تعالى:
﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الأنفال: 46]
تعقيد الأمور ليس لصالح المسلمين :
نتعاوَنُ فيما اتَّفَقْنا، ويعْذُر بعضُنا بعْضًا فيما اخْتَلَفْنا، ونحن بِأمَسِّ الحاجة إلى الاجْتِماع في هذه الأيام، وقد تسْتَغْرِبون لِبَعْض المسلمين أن يَصِل بهم الأمر إلى الضَّرْب، ولم يكن الرِّفق في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ من شيء إلا شانَهُ، فأحد المسْتشرقين تاب وأراد أن يدرس فأقام عند شيْخٍ فلم يزل ذلك الشيْخ في الطهارة والمياه والنَّجاسة إلى أن ضاقَتْ نفس ذاك المُتَعَلِّم فَهَرَب من هذا الشيخ إلى أن الْتقى بالشيخ محمَّد عبْدو وقصَّ عليه، فقال هذا الشيخ: الماء الذي تَشْربُهُ توضَّأ به، نحن مُهِمَّتُنا التَّوضيح والتَّلْخيص لا أن نُشَعِّبَها، لذا تَعْقيدُ الأمور ليس لِصالِح المسلمين.
فهذا أحد المشايِخ بالمملكة أسْلَمَ على يَدِهِ عشرة من تايْلاند فأوَّل ما فعَل بِهِم ذهَبَ بِهِم لِيُطَهِّرَهم ويُخَتِّنَهم، عمليَّة جِراحِيَّة وألم !! لذا هناك مَن يسْتخدِم الأساليب الذي تُنَفِّر الناس من الدِّين.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 08:51 AM   #12


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : زكاة الفطر





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
زكاة الفطر :
أيها الأخوة الكرام، انْتَهتْ بعض الآيات المُخْتارة مِن سورة العَنكبوت وقبل أن في سورة الروم نسْتريح في بَعض الموضوعات الفِقْهِيَّة التي نحن الآن في أمَسِّ الحاجة إليها.
أيها الأخوة الكرام النبي عليه الصلاة والسلام حينمَا شرَّعَ زكاة الفِطْر أو زكاة الرأس، ذَكَر أنَّه صلى الله عليه وسلَّم إنَّما تُدْفَعُ هذه الزكاة مِن قِبَل أيِّ مُسْلِم عنده قوتُ يَوْمِهِ، فالذي عندهُ وَجْبة طعامٍ واحِدَة؛ بيْضَتان ! تجبُ عليه زكاة الفِطْر، لماذا؟! لِيَذُوق الفقير في العام مرَّةً واحِدَة طَعْمَ الإنفاق لا طَعْمَ الأخْذ، لأنَّ للإنفاق طَعْمًا لا يعْرِفُهُ إلا مَن ذاقَهُ، فالفقير يُمْكِنُ أن يدْفعَ زكاة فِطْرِهِ ويتلقَّى أضْعاف هذه الزَّكاة مِن قِبَل الآخرين، لكن لا بدّ أن يَدْفَعَ زكاة فِطْرِهِ ؛ لأنّ الصِّيام كما تعلمون مُعَلَّقٌ بين السَّماء والأرض ولا يُرْفَعُ إلا بأداء زكاة الفِطْر. فالزَّكاة إذًا تجب على كُلِّ مُسْلِمٍ ذكَرٍ أو أُنْثى، حر أو عَبْد، صغير أو كبير، غَنِيٍّ أو فقير، وهي تَجِبُ على كُلّ مُسْلمٍ عندهُ قوتُ يَوْمِهِ، وهذا طُهْرةً للصائِمِ مِن اللَّغْوِ والرَّفث، وطُعْمةٍ للمِسْكين، والعِبْرَة أن يذوق الإنسان طَعْم الإنفاق، فلا مانِعَ أن يُعْطِيَ الفقير زَكاة فِطْرِهِ، وأن يتلقَّى زكاة فِطْرِ الآخرين؛ فهذا شيءٌ مَقْبول، والعِبْرة أن تُنْفِقَ مِمَّا أعْطاك الله عز وجل، والحدّ الأدْنى لِزَكاة الفِطْر خمسون لَيْرة سورِيَّة ولا حدَّ لأكْثَرِهِ ؛ اِدْفع مئة أو خمسمئة أو ألْفًا، بل إنّ بعض المؤمنين يَدْفعون عن الجنين في بَطْنِ أُمِّهِ .
فَهِيَ تَجِبُ على كل مؤمن؛ على نفْسِهِ، وعلى مَن يمولهُ، وعلى مَن يلي عليه، ومصارِفُ زكاة الفِطْر تُشْبِهُ مصارِف الزَّكاة ؛ للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمُؤلَّفَة قلوبَهم وفي الرِّقاب.
أيها الأخوة، الإنسان أحْيانًا يتوَهَّم أنَّهُ لِمُجَرَّد أن يَدْفَعَ زكاةَ مالِهِ انتهَى الأمْر، ولكن هناك عِبئاً كبيراً بعد أن تفْرِزَ الزَّكاة كي تَدْفَعَها ؛ عِبءُ البَحْث عن المُسْتَحِقِّين، ونحن عندنا ثلاثة مُرَجِّحات، فأوَّل مُرَجِّح الفقْر، والمُرَجِّح الثاني القَرابَة، والمُرَجِّح الثالث التَّدَيُّن، فلو أنَّ فقيريْن في مُسْتوًى واحِدٍ ؛ عليك أن تُرَجِّح الأكثَر إيمانًا واسْتِقامةً، فهناك من يُدَخِّن وتَجِدُ إنفاقَهُ على الدُّخان كبير، فغير المُدَخِّن أوْلى بالزَّكاة، وإنسانٌ لا يُصَلِّي، فالذي يُصَلِّي أوْلى، لذا إذا تساوَى اثْنان في الفقْر فأنت تُرَجِّح الأَقْرَبَ بالإيمان، وإذا تساوى اثنان في الفقْر والإيمان تُرَجِّح الأَقْربَ نسَبًا، فأنت لك عامِلُ الفقْر، والقَرابة، والإيمان، فالأَقْربون إلى الفقْر، أو إلى الإيمان، أو إلى النَّسَب أوْلى بالمَعْروف.

وقت زكاة الفطر :
أيها الأخوة، يُمْكِنُ أن تُدْفَعَ زكاة الفِطْر مِن أوَّل رمضان، والأوْلى أن تُدْفَعَ في هذه الأيام لأنَّك لو أدَّيْتَها قبل صلاة العيد ماذا يَفْعَلُ بها الفقير ؟‍‍! أحدُ الأخوة قاموا بِعَمَلٍ يلْفت النَّظر، فَهُم جعلوا علبة فيها مواد أساسيَّة تكفي أكبر أُسْرة لِطَعامٍ نفيس في أيَّام العيد، فهذه العُلبة جاهزة للطَّبْخ وأيُّ أُسْرة تأخُذها، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: " طُعْمةً للفقير"، ومُشْكِلة الفقير أحْيانًا أنَّهُ يكون عليه دَيْن فَتُعْطيهِ زكاة فِطْرك فيَسُدُّ بهذه الأموال دَيْنَهُ، ويبْقى أولادهُ جِيَاعًا! لذلك رجَّح العلماء تَوْزيع اللَّحم على دَفْع المال، لأنَّ هذا اللَّحْم مصيرُهُ إلى الأفْواه، ومصيرُهُ إلى الأولاد، فالأكْمَل والأولى أن تُدْفَعَ زكاة الفِطْر طعامًا، والقَصْدُ أن يُقَدِّم الإنسان شيئًا نفيسًا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يَقْبَلُ من العَبْد إلا أطْيَبَ كَسْبِهِ، وهذا يَنْقُلنا إلى زكاة المال.
وضع الزكاة في مكانها الصحيح :
نحن قلنا في زكاة الفطْر: خمسون ليْرة ولا حدَّ لأكْثرِهِ، إلا أنَّ زكاة المال الأولى أن تُؤدَّى في رمضان، والحِساب بسيط جدًّا، فَهُناك عِدَّة مذاهب وحِسابات مُعَقَّدَة فأنت ما عليك إلا أن تَجْرُدَ في رمضان ما عندكَ، اِدْفَع الزَّكاة على ما تَمْلِكُهُ بِواحِد رمضان وانتهى الأَمْر، وحينها تَنْجو من الحِسابات والتَّعْقيدات وحولان الحَول، وكَم بقيَ عندكَ كُلّ مَبْلَغ !! فأنت يَكْفيك أن تدْفَع عن كُلِّ ما تَمْلِكُهُ عن تاريخٍ مُعَيَّن من السَّنة، وتُؤدِّي زكاتَكَ، وإخواننا التُّجار إن كانت لهم بِضاعة فهذه تُقَيَّم، لأنَّ الله تعالى قال:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾
[ سورة المعارج : 24]
وفي آية أخرى لم يقل معلوم: ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾
[ سورة الذاريات : 19]
فقوله تعالى حقٌّ هذه للصَّدقة، وقوله: حق مَعلوم هذه للزَّكاة، فالزَّكاة فرض، والصَّدقَة تطوّع، فما دامَ مَعْلومًا فلا بدّ مِن الجَرْد، ذكر لي أحدهم فقال لي: ليس عندي وقت ! وقد قيَّمْتُ المحلّ بِخَمسمئة ألف بِضاعَة ! لذا لو سَمَحْنا بإلغاء التَّقْييم يأتي حينها تسعون بالمئة من المسلمين يُقَيِّمون نصف المَوْجودات، لذا موضوع الزَّكاة لا بدّ مِن الجَرْد، تَجْرِدُ البِضاعة وتُضيفُ إليها ما في الصُّندوق، تُضيف إليها ما لكَ مِن دُيونٍ ثابتة، وتَطْرح ما عليك منها مِن دُيون، البِضاعة زائِد المَبْلغ السائل، زائِد المُستندات المُسْتحِقَّة، ناقِص السَّندات التي ينْبغي أن تَدْفعَها، وعندك رقم بالمئة اثنان ونصف، فَمُمْكِنٌ أن تُفْتحَ صفْحة بِوَاحِد شوَّال؛ هذه نُقْطة دقيقة، لأنَّ الإنسان حينما يفْرز مالهُ فهذا المال لم ينْتهِ، ولا بدَّ أن يوضَعَ المال عند المُسْتَحِقِّين مِن أهْل الإيمان، والذين يَحْسبُهم الجاهل أغْنياء من التَّعفف وخِلال السَّنة ؛ هناك حالات صَعْبة وعمَلِيَّات جِراحِيَّة، وأقرباء كنت في غَفْلةٍ عنهم، وإنسان سَيُسافِر، وآخر سيتزوَّج، وآخر سَتضَعُ زوْجتُهُ مَوْلودًا قد يَحْتاج إلى نفقات إضافِيَّة، وجاء البرْد الشَّديد، وجاءَت نفقات الوَقود السائِل فأنت حينما تفتح صفحة للزَّكاة وجاءَتْ مناسبة مُهِمَّة والضَّرورة واضِحة فيها تَدْفعها وأنت مُطمئِنّ، فلو دَفَعتَ خِلال السَّنة ثمانية عشر ألفاً وزكاة مالك عشرون، يبْقى عليك ألفين ؛ هذه تَدْفَعُها في رمضان، فأنت حينما تَدْفعُ الزَّكاة على مدار العام سلفًا فأنت مُطمئِن وفي حرْز، والدَّفْع مناسب، ولأصْحاب الحُقوق وللمؤمنين ولأشياء قاهِرة، أما الذي يُريد أن يَدْفعَ زكاة مالِهِ في يَومٍ واحِدٍ، فلا بدَّ مِن خطئه في وَضْع الزَّكاة في مكانها؛ هذه نقطة. حكم دفع الزكاة للأهل :
النُّقطة الثانيَة، أنَّ في هذا الشَّهْر السؤال الشائِع دَفْعُ الزَّكاة للأهْل، أوَّلاً: الزَّكاة لا تُقبَلُ على الفروع والأُصول والزَّوْجة، ولك أن تَدْفعها لأخواتِكَ، فالأُصول الأب وأب الأب مهما عَلَوا، والفروع الابن وابن الابن مهما نزل، وكذا البنت وبنت البنت، أما الزَّوْجة الموسِرَة مع زوْجِها الفقير فلها أن تَدْفَعَ له زكاةَ مالها لِزَوْجِها، أما الزَّوْج فلا يجوز أن يَدْفعَ زكاة مالِهِ لِزَوْجَتِهِ! لأنَّ نفَقَتها عليه، فإن دَفَعَ زكاة مالهِ إليها فكأنَّهُ لم يَدْفع الزَّكاة، فهؤلاء الأقارب لا تجوز عليهم الزَّكاة لأنَّ الدافِع مُجْبرٌ أن يُنْفِقَ عليهم.
توزيع الزَّكاة على أكْبر رقْعة مُمْكِنَة :
لما ربنا عز وجل قال:
﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[ سورة التوبة : 60]
فالفقراء جَمْعٌ أم مُفْرد؟ الإمام الشافعي اسْتنْبطَ أنَّهُ في الأصْل ينبغي أن تَدْفعَ لِكُلِّ مصْرفٍ من مصارف الزَّكاة ثلاثة أشْخاص ؛ ثمانية مصارف بثَلاثة أشْخاص الناتج يكون أربعة وعشرين، فأكْمَلُ زكاة أن تُدْفَعَ لأرْبعَةٍ وعشرين جِهَة، أما أن تُجَمِّعَها كُلَّها وتُعْطيها شَخْصًا واحِدًا، فالأولى أن تُوَزَّع الزَّكاة إلى أكْبر رقْعة مُمْكِنَة، وقد ذَكَرْتُ لكم مِن قبل كيف أنَّ الله تعالى حينما تَدْفَعُ الزَّكاة يُطَهِّرُكَ مِن الشحّ، ويُطَهِّر الفقير من الحِقْد، ويُطَهِّر المال مِن تَعَلُّق حقّ الغير به، ويُنَمِّي نفْس الغني بِشُعوره بالعَمَل الصالح، ويُنَمِّي نفسَ الفقير بأنَّهُ أكلَ وشرب وشَعرَ بأهَمِيَّتِهِ، والمال الذي تُدْفعُ زكاتُهُ يَنْمو بِشَكْل قانوني وأُصولي، وبِشَكْلٍ مِن العِناية الإلهِيَّة المباشرة. الزكاة و الصدقة :
الذي أردت أن أقوله من هذا اللِّقاء، قال تعالى:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[ سورة التوبة :103]
ما تَلِفَ مال في برٍّ أو بحْر إلا في حَبْس الزَّكاة، وحَصِّنوا أموالكم بالزّكاة، وهي فرْض، ومعنى فرْض أنَّك إن لم تُؤَدِّ الضرائب للماليَّة فهناك غرامات، فأداء الزَّكاة فرض، ولكنَّ الصَّدقة تطوّع، قال تعالى: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة: 177]
فإعْطاء الزَّكاة كَفَرْض شيء، وإعْطاء الصَّدقة كَتَطَوُّع شيء آخر، حينما تَدْفعُ فوق زكاة مالِكَ مالاً هذه صَدَقة، والصَّدَقة يُمْكن أن ترْقى بك كثيرًا إلى الله، فأداء الفريضة ينجي من العِقاب، أما أداء النافلة فترتقي عند الله كثيرًا. ُوَزَّع الزَّكاة إلى أكْبر رقْعة مُمْكِنَة :
تُوَزَّع الة إلى أكْبر رقْعة مُمْكِنَة
جواز دفع الزكاة من البضاعة :
الشيء الآخر المُتَعَلِّق بالزَّكاة، يجوز أن تُدْفَعَ الزَّكاة مِن بضاعَتِكَ بِشَرْط أن تكون أساسيَّة في حياة الفقير، فَهُناك ألْبِسَة مُتْرفة والفقير لا يَحْتاجُها، لكن الطَّعام والشراب يَحْتاجُهُ الفقير، والثِّياب الأساسيَّة يحتاجُها الفقير، ولكن هل يُعْقل أن تؤدِّي زكاة مالك من اللُّعَب؟! لذا ليس كُلّ بِضاعة يؤدَّى منها زكاة المال.
الآن إذا أدَّيْتَ زكاة مالِكَ مِن بِضاعَتِك هل تَحْسِبُها على الله ؟!، أخذتَ مثلاً ألبسة نسائية، كل قطعة اشتريتها بثلاثة آلاف و قد مضى عليها زمن حتَّى أصبحت القطعة بألف فتحسبها على الله بألف، قالوا: سعر الكلفة أو سعر السوق أيُّهما أقلُّ، فإذا أدَّيتَ زكاة مالك من البضاعة وكان سعر السوق أقلَّ فالزكاة بسعر السوق، و إذا كان سعر الكلفة أقلَّ فبسعر الكلفة، بهذه الطريقة تُحسَب البضاعة التي تؤدّيها زكاة مالك، قماش، معاطف، سراويل، أمَّا حاجات مثل القُبَّعات فليس لنا فيها حاجة، ألبسة تزن خمسين غراماً ؛ ماذا تفعل بها الفقيرة ؟! فما كل بضاعة تُؤَدَّى كزكاة مال، هذا إذا أدَّيت زكاة مالك، أمَّا إذا جرَّدتَ البضاعة جرداً لحساب الزكاة فإنَّها تُجرَد لكلفتها فقط، لأنَّها حين البيع إمَّا أن تصعد و إمَّا أن تهبط، والعام القادم يظهر معك الفرق، فحينما تُجرد البضاعة لحساب الزكاة فبكلفتها فقط، أمَّا حينما تُجرد البضاعة لدفعها زكاة فإمَّا بكلفتها أو بسعر السوق أيُّهما أقلُّ، ثمَّ إنَّه ما كل إنسان يمُدُّ يده يُعطَى، إنَّما يُعطى الذي يحسبه الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً.
أعظم أنواع الزكاة :
آخر كلمة، أعظم أنواع الزكاة هي التي تُحَوِّل آخذَ زكاة إلى دافع زكاة
أي أن تكفيه عند الأحناف عاماً و عند الشافعية عُمُرًا، أحياناً الإنسان تكون عنده آلة خياطة، اشتغل بها ربح ثمَّ دفع زكاة ماله، فأعظم أنواع الزكاة هي التي تحوِّل القابض إلى مُعطي، فهناك مشاريع كثيرة مثل تأهيل فتيات فقيرات، إعطاؤهنَّ آلات خياطة، فتح محلاَّت لبيع منتجاتهن، يدٌ فقيرة تسُدُّها اللقمة و اللقمتان أصبحت الآن تدفع، أنا أشكر أخًا من إخواننا الكرام مضطراً إلى درَّاجة ليبيع عليها، فأحد الأخوة أقرضه عشرين ألفاً، السنة الثانية دفع زكاة ماله بهذه الدراجة، بعشرين ألف صار مُزكِّيًا، اشتغل طول السنة ببيع أكياس بالغوطة ربح ودفع زكاة ماله، فهذه أعظم أنواع الزكاة، لا أن تقف المرأة في طابور وتسلِّم هويَّتها ثمَّ تُعطَى مئة ليرة و قد اختلفت الأسعار، وكان سيِّدنا عمر إذا أطعم أشبع، و إذا قال أسمع، و إذا سار أسرع، وإذا ضرب أوجع، فنحتاج إلى حكمة.
إذاً إذا كانت ميزانيتنا ستَّة وثمانين ملياراً فالزَّكاة يكون لها نصيب كبير، وأنا لا أعْتَقِد أنَّهُ يمكنُ لأحَدٍ أن يبْقى فقيرًا، نِظام الاقْتِصاد الإسلامي أساسهُ الزَّكاة.
الشيء الآخر، لا داعي أن تقول للفقير: هذه زكاة مالي ! فأنت يُمْكِنُ أن تُقَدِّم زكاة مالِكَ بِأُسلوبٍ لطيف، فَيُمْكِنُكَ أن تُعْطي أخاك وتحفظ له ماء وجْهه بأعلى عِزَّةٍ وكرامة، لذلك إنفاق المال جزء من الدِّين.

زكاة المال المستدان من أجل التجارة :
سؤال أخير ؛ المال المُسْتَدان مِن أجل التِّجارة، هل تَجِبُ عليه الزَّكاة ؟
إذا كان الدَّين ميِّتا لا تُدْفَعُ الزَّكاة إلا إذا قبَضْتَهُ، وإذا قَبَضْتَهُ إما عن آخر عام أو عن كلّ الأعوام، أما الدَّين الثابت والذي معك سُيولة فيه فهذا تَدْفعُ فيه الزَّكاة، أما إن لم تكُن هناك سُيولة، فحينما تسْتردّه تدفَعُ زكاة العام والأعوام السابقة.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 11:49 AM   #13



آفراح غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 20
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 07-29-2026 (09:08 AM)
 المشاركات : 15,303 [ + ]
 التقييم :  1836
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



مواضيع اسلامية رائعة وقيمة
بورك فيك وجوزيت كل خير
تحية


 
 توقيع : آفراح

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 05:03 PM   #14


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع :اضحية العيد






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين. الأضحية :
أيُّها الأخوة الكرام، أخٌ كريم طَلَب مِنِّ أن أجْعَل هذا الدَّرْس حَول موضوع الأضْحِيَة، ونحن على مشارف عيد الأضحى المُبارَك.
الأضْحِيَةُ أَيُّها الأخوة شعيرة مِن شعائِر المسلمين في عيد الأضْحى المبارَك، والإمام أحمد رحمه الله تعالى وابن ماجة رويا عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله قال:
((مَن وجَدَ سعَةً ولم يُضَحِّ فلا يقربنَّ مُصَلاَّنا))
[ أحمد و ابن ماجه عن أبي هريرة]
فالإمام أبو حنيفة اسْتَنبَط مِن هذا الحديث أنَّها واجِبَة، فالأُضْحِيَةٌ واجِبَة على مَن وَجَدَ سَعَةً لأنَّ مِثل هذا الوعيد؛ لا يقربنّ مُصلاَّنا لا يلْحَقُ إلا بِتَرْكِ واجِبٍ ؛ هذا اسْتِنباط أبي حنيفة النُّعمان رحمه الله تعالى.
وقال غير الأحناف - السادة الشافِعِيَّة والمالِكِيَّة والحنابلة - سُنَّةٌ مُؤَكَّدة، فالأُضْحِيَة بين الواجِب، وبين السَّنة المُؤَكَّدة، ولِكُلّ فريق أدِلَّتُهُ تتراوَح بين الإيجاب والسُّنَّة المُؤكَّدة. هي واجِبَةٌ مرَّةً في كُلِّ عام، على المُسلِم الحرّ البالِغِ العاقل المُقيم الموسِر، فالعَبْدُ لا تَجِبُ عليه.
من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: (( عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا ))
[ مسلم عن أنس]
الحكمة من الأضحية :
حِكْمَتُها أنَّ الموسِرَ يُعَبِّر بها عن شُكْرِهِ لله تعالى، وعلى نِعَمِهِ المُتَعَدِّدَة، ومنها نِعْمة الهُدى، فأحَدُ إخواننا الأطِبَّاء قدَّم لي مجلَّة، في هذه المجلَّة في الهِنْد يعْبُدون الجرْذان ! يضَعون له أطْباق الحليب والحبوب، ويُشارِكونه في الأكل، وامرأةٌ في المَعْبَد يصْعَد الجرذ على رأسِها ! وفي بِلاد أخرى يعْبُدون ذَكَر الرَّجُل، وفي بلد آخر يعبدون البقر، وفي بلاد أخرى يعبدون الأمواج، وأنت تعبد الله عز وجل خالق الكون، أليست هذه نعمة الهدى؟! فالموسر يضحي بالكبش شكرًا لله على نعمة الهدى، ومنها نعمة البقاء من عام إلى عام، أدركنا رمضان و أدركنا عيد الأضحى المبارك، ونرجو الله أن نعيش إلى أمثاله، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ:
(( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]
ونعمة السلامة والصحة، القلب سليم، و الشرايين سليمة، و الكبد سليم، والمعدة سليمة، والأولاد في صحة طيِّبة، وزوجتك معافاة، وعندك مأوى، ونعمة الاستقرار في البيت، وعلى نعمة التوسعة في الرزق، فالأُضحية شكر على نعمة الهدى، ونعمة السلامة، و نعمة البقاء من عام إلى عام، وهي تكفير لِما وقع من الذنوب، و توسعة على أسرة المُضحي وأقربائه و جيرانه فقراء المسلمين، أحياناً تعطي مبلغاً من المال لقريب لك فقير قبل العيد، عليه ديْن، فدفع المال و ارتاح، أمَّا إذا قدَّمت له اللحم فقد سددْتَ رمق أولاده، فإذا أردتَ أن يصل هذا الطعام الأساسي إلى أفواه الجياع فقدِّم الأضحية، قال العلماء : تقديم الأضحية أفضل من تقديم ثمنها صدقة، لأن الفقير أحياناً عليه ديون أما حينما تقدِّم له اللحم فتشبع بطن أولاده الجائعين. شروطها :
أيها الأخوة، من شروط وجوبها اليسار ؛ أي الغِنَى ؛ من هو الموسر؟ الموسر هو مالك نصاب الزكاة زائداً عن حاجاته الأساسية، ونصاب الزكاة سبعة آلاف ليرة بالفضة، أو التي لا يحتاج إلى ثمنها أيام العيد، أو التي لا يحتاج إلى ثمنها خلال العام كلِّه، على اختلاف المذاهب في تعريف الموسر.
ينبغي أن يكون الحيوان المُضَحَّى به سليماً من العيوب الفاحشة التي تؤدِّي إلى نقص في لحم الذبيحة، كأن تكون هزيلة، أو تضر بآكلها، بأن يكون معها مرض، فلا يجوز أن يُضحَّى بالدابة البيٍّن مرضها، والعوراء البين عورها، ولا العرجاء البيِّن عرجها، ولا العجفاء، ولا الجرباء، ويُستحبُّ في العيد من الأضحية أسمنُها لقوله صلى الله عليه وسلم:
(( عظموا ضحاياكم فهي على الصراط مطاياكم))
[ الديلمي عن أبي هريرة]
وكان صلى الله عليه وسلم يضحِّي بالكبش الأبيض الأقرن. وقت وجوبها :
وقتُ الأضحية يكون بعد صلاة العيد المبارك و حتَّى قُبيْل غروب شمس اليوم الثالث من أيام العيد، فعندنا أيام نحر وأيام تشريق، فأيام النحر هي أول يوم وثانيه و ثالثه، و أيام التشريق هي ثاني يوم وثالثه و رابعه، و يُكرَه تنزيها الذبحُ ليلاً، ولا تصِحُّ الأضحية إلا من النَعَم ؛ من إبل وبقر و غنم، والغنم من ضأن ومعز بشرط أن يُتمَّ الضأن ستة أشهر و المعز سنة، يُجزِئ المسلمَ أن يُضحِّيَ بشاة عنه وعن أهل بيته المقيمين معه والذين ينفق عليهم، وتُسجَّل في صحائفهم جميعاً.
مندوبات الأضحية :
من مندوبات الأضحية أن يتوجَّه المُضحي نحو القبلة، وأن يباشر الذبح بنفسه إنْ قَدَر على ذلك، و أن يقول قبل الذبح: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ ثُمَّ :
(( قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ ))
[ أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ]
وله أن يُوَكِّل غيره، و يُستحَبُّ أن يحضر أضحيته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة: (( قومي إلى أضحيتك فاشهديها فإنه يُغفر لكِ عند أوَّل قطرة من دمها))
[المستدرك عن عمران بن حصين]
ويُستحب أن يوزِّعها أثلاثاً، فيأكل هو و أهل بيته الثلث، و يهدي لأقربائه الثلث، و لأصدقائه وجيرانه الفقراء الثلث الآخر، فثلث هدية، وثلث صدقة، وثلث طعام لك، و ليس كلُّ إنسان تعطَى له قطعةُ لحم في العيد هو فقير، إنما هي هدية صديق، لقوله تعالى: ﴿ "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾
[سورة الحج: 28]
وقال تعالى: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
[سورة الحج: 26]
هذا عن موضوع الأضحية. إطعام الطعام يؤلف القلوب :
الإنسان أيها الأخوة إذا أطعم الطعام يرقى عند الله عز وجل، و الطعام يؤلِّف القلوب، و قد حضَّ النبي عليه الصلاة والسلام على إطعام الطعام، والعيد وقْت جبر، ووقت إطعام، ووقت طيب نفس، وحسن معاملة، ووقت صُلح مع الناس، والذي له خصومة أو قطيعة لا بدَّ أن يصحِّح علاقاته مع الناس، قال تعالى:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنفال: 1]
قال العلماء: ذات بينكم ؛ أي أصلحوا نفوسكم بتعريفها بالله و الإقبال عليه، وقال بعضهم: أصلحوا العلاقة بينكم وبين الآخرين، و هناك معنًى ثالث وهو : أصلحوا كلَّ علاقة بين اثنين، فالمؤمن مصلح. العيد عودة إلى الله :
العيد أيها المسلمون فيه عودة إلى الله، ولاحظوا أن العيد يأتي عَقِب عبادة، عيد الفطر عقب رمضان، وعيد الأضحى عقب الحج، والإنسان في العيد عنده لقاء مع الله، فعيدنا عيد طاعة، وعيد إقبال، فلذلك مِن الناس مَن يجعل العيد مناسبة للتفلُّت وهذا غلط كبير، في العيد تزور أقرباءك فما هي المواضيع التي تتحدثون فيها، الدنيا وزخارفها، وكما قال عليه الصلاة والسلام:
(( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
أما إذا ذكّرت وحدّثت الناس عن الله وآياته الكونية، و عن بعض آياته القرآنية، و عن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، يغدو العيد دعوة إلى الله عز وجل، فإذا زرتَ أقرباءك فاحرص على أن تذكِّرهم بالله عز وجل.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 05:06 PM   #15


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : مناقشة اتفاقية بكين







المرأة مساوية للرجل في التكليف و التشريف و المسؤولية :

كنت في لجنة تدرس بنود اتفاقية مؤتمر بكين، وقد مثَّلتُ وزارة الأوقاف في هذا الموضوع، ماذا قلتُ لهم؟ المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف والتشريف والمسؤولية، قال تعالى:
﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾
[ سورة آل عمران : 195]
وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة غافر : 40]
هي مساوية له في التشريف وفي التكليف وفي المسؤولية، إلا أنَّ خصائصها العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية تختلف عن خصائصه العقلية والجسمية والاجتماعية والنفسية، وهذا الاختلاف اختلاف تكامل لا اختلاف تضاد، وكلُّ طرف يكمِّل الآخر، لذلك جعل الله المرأة سكنًا لزوجها، وجعل الزوج سكنًا لزوجته، وكلُّ طرف يكمِّل نقصه بالطرف الآخر، هذا يؤكده قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
[ سورة آل عمران : 36]
وهذا أصل التشريع الإسلامي. الحق الصريح لا يكون إلا من الجهة الصانعة :
قلتُ: لو أنَّنا أمام آلة بالغة التعقيد، غالية الثمن، عظيمة النفع، لها مستهلك يستهلكها ويشغِّلها ويتعامل معها، لها صانع، أيُّ جهة يُرجَع إليها في شؤون تشغيلها وصيانتها وتحسين مردودها؟ إنْ أخذنا برأي المستهلكين؛ ففيهم الأغبياء وفيهم الجهلة وفيهم الجشعون، فإذا أخذنا رأي الجهة الصانعة فقد أخذنا الحقَّ الصريح، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً ﴾
[سورة الأحزاب : 36]
في مجتمع كمجتمع الصين صدر تشريع من عشرين سنة أو أقل بإلزام الأسرة أن تنجب مولوداً واحداً فقط، الذي حصل أن الأسرة الصينية إذا أجنبت أنثى خنقتها لأنها ملزمة أن تنجب مولوداً واحداً، وهي تؤثره ذكراً، فإن جاءت الأنثى خُنِقت أو قُتلتْ، فإن جاء الذكر سُجِّل، فوجِئ المجتمع الصيني أنَّ نسب الإناث تقلُّ، وآخر إحصاء يقول إن هناك عجزاً يقدر بخمسين مليون، ونشأ من هذا عصابات تخطف الفتيات في سنِّ الزواج، ونشأ من هذا أنَّ قُرًى بأكملها ليس فيها إناث إطلاقاً، و الإنسان أعقد آلة على وجه الأرض، و لا ينبغي أن نأخذ رأي تشغيلها، و صيانتها، وتحسين مردودها من المستهلك الجاهل الجشع الغبي الأحمق، ينبغي أن نأخذ تعليمات التشغيل و الصيانة من الصانع. الزواج مؤسَّسة متكاملة :

هناك شيء آخر، في بلد من بلاد المسلمين التي لا تأخذ بشرع الله ومنهجه أصدرت تشريعاً بأن الرجل إذا طلَّق امرأته لها الحق في نصف ممتلكاته حصراً، ما الذي نتج بعد هذا التشريع ؟ بارتْ سوق الزواج وحلَّ السفاح محلَّ النكاح، والقضية سهلة والزنا منتشر و بيوت الدعارة كثيرة والعشيقات كثيرات، فلماذا يتزوج امرأة إذا نشب خلاف بينه وبينها تطالبه بنصف ما يملك؟ فشرّعوا منهجاً جديداً أن كل إنسان يخطب فتاة يأخذ سند أمانة يوجب الدفع الفوري إذا طلَّق المرأة، ورُبَّما يكون المبلغ خيالياً، وهذا غير معقول، والآن ظاهرة بأمريكا أنَّ تسعين بالمئة من الأسر مِن دون تسجيل ومن دون عقد تفادياً لمطالبة المرأة بنصف ما يملك الرجل، بينما تشريعنا فللمرأة المهر و إن طلَّقتها دفعتَ لها المهر و انتهى الأمر، لذلك قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾
[سورة الأحزاب : 36]
وقال تعالى : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
[سورة الأحزاب : 33]

لأن الزواج مؤسَّسة متكاملة، ومما ورد في الأثر: قالت يا رسول الله: " إن زوجي تزوَّجني وأنا شابة ذات أهل ومال، فلمَّا كبر سني، وضعف بطني، وتفرق أهلي، وذهب مالي، قال: أنتِ عليَّ كظهر أُمِّي، ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، و إن ضممتُهم إليَّ جاعوا " فانظر تقسيم الأدوار، المرأة في بيتها مع أولادها، والرجل خارج بيته لينفق على أولاده وأهله، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: "أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة".
قالت امرأة:... وإنـكم معاشر الرجال فضلتم علـينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والـحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله.... فقال عليه الصلاة والسلام:" انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله. فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً" حقّ المرأة في الموافقة على الزواج أو رفضه :
والجِهاد أيُّها الأخوة ذرْوَة سنام الإسلام، وأيّة امرأة كانت تتبعَّل زَوجَها تَبَعُّلاً حسنًا فهذا يعْدل الجهاد في سبيل الله، ولا يَتِمّ عَقْد زواج إلا إذا وَافَقت المرأة على ذلك، وكلّكم يعْلم أنَّه في عُقود القِران يَحْمل كاتب المحكمة الدَّفْتَر، و يذهب لِسَماع إقْرار الفتاة، فإن لم تُقِرّ بِقَبولها بِهذا الزَّوْج لا ينْعَقِدُ الزَّواج، فهذا التَّشْريع مِن عند الله عز وجل، مرَّةً سألوا امرأةً عَبْر الهاتِف وهي دكتورة في عِلم النَّفس عن رأيِها في تَعَدُّد الزَّوْجات، فكانَتْ إجابتُها رائِعَة، قالتْ: ما كان ليَ أن أُبْدِيَ رأيًا في التَّعدُّد وقد سَمَح الله بهِ، أما إذا أردْنا أن نضَعَ نحن تَشْريعاتٍ مِن عندنا فهناك أخطار وتَفَلّت لا حُدود له، قال تعالى:
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
فالطَّيار يَحْمل في طائرتِهِ ستُّمئة راكِبٍ؛ هو جالس في غرفة صغيرة، إن هي حبس له فهو لا يعلم شيئاً، هي مكان القيادة، وكلُّ هذه الأرواح منوطة به، و هو في مكان القيادة، فلذلك المرأة حينما تتعلّم أمر دينها، و تعرف خطورة دورها، و تعرف حقَّ زوجها و حقَّ أولادها، فإنها كمجاهدة في سبيل الله، كأنها في ذروة سنام الإسلام:
(( أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ ولا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ))
[البخاري عن ابن عباس ]
هذه تسمّى المُخالعة، فللمرأة حقُّ الاِنسحاب من زواجها إذا افتدت نفسها مما لها من مهر، ومن حق المرأة أن توافق على زوجها وإلا لا ينعَقِد الزَّواج، فَهِي مُكَلَّفة كالرَّجل في أمور الشريعة، متى ضَلَّتْ البشَرِيَّة؟ ومتى فسَدَت؟ ومتى انْحَرَفَتْ؟ حينما تركَت منهج الله عز وجل، واتَّبَعَت قوانين وَضْعيَّة، فهذا المؤتمر يتمنَّى- مع أنَّ بلدَنا الطيِّب رفضَ هذه التَّوْصِيات-يتمنَّى هذا المؤتَمر أن تكون هَياكِل الأُسَر ثلاثة؛ زواج وسِحاق ولواط! هكذا يتَمَنَّوْن !!! والفاحِشَة حينما تَشِيعُ في مُجْتَمَع ينتهي الأمر، طبْعًا البلاد الإسلامِيَّة جميعُها رفَضَتْ هذه التّوْصِيات، والتَّحفّظ الوحيد أنّ أيَّ بنْدٍ من هذا المؤتَمر يتعارَض مع الشَّريعة الإسلامِيَّة لا نقْبلُهُ، ونتحفَّظ عليه، ولا نسْمَحُ به، ولكنَّ الذي أريد أن أقوله لكم: الإنسان له صانع خالق و مشرِّع و الله هو المُشرِّع ونحن نتَّبع، وقد قال سيدُنا الصديق: "إنَّما أنا متَّبع ولستُ بمبتدع" . الفرق الكبير بين أصل التشريع الحكيم وبين الممارسات الخاطئة :
هناك قصص كثيرة جدًّا تبيِّن أن المرأة بلغت أعلى درجات الرُقِيِّ عند الله في صدر الإسلام، ولكن أريد أن أبيِّن أنَّ فرقًا كبيراً بين أصل التشريع الحكيم وبين الممارسات الخاطئة، فربُّنا عز وجل قال:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[سورة النساء : 34]
هذا نظام القيادة، وليس هناك مؤسسة ولا مركبة ولا غير ذلك إلا ولا بد من قائد، فالأسرة مؤسسة لا بد لها من قائد، لذلك: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[سورة النساء : 34]
وقال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة البقرة : 228]
فلهن حقوق و عليهن واجبات قال تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة البقرة : 228]
وهي درجة القيادة. الرأي في النهاية للزوج، لأن مؤسسة بقائدين تفسد، قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[سورة الأنبياء : 22]
هذا هو تشريع الإسلام، والرأي الأخير للرجل لأنه دفع المهر و اختار الزوجة. العودة إلى مبادئ الدِّين العظيم في كلّ شؤون حياتنا :

إذا أردنا لحياتنا أن تستقيم، ولأُسَرِنا أن تتماسَك، ولأبنائِنا أن ينشؤوا طاهِرين، وأعِفَّة في المجتمع، فعَلَينا أن نرجِعَ إلى تعليمات الصانِع، إلى شرْعِنا، وحينما نَضِلّ أو ننْحَرِف ندْفع الثَّمن باهِظاً، وأنا أقول لكم بإنْصاف: ما مِن مُشْكلةٍ على وَجه الأرض إلا بِسَبب عدم تَطبيق تعليمات الصانِع، وما مِن انْحِراف عن تَطبيق تعليمات الصانِع إلا بِسَبب الجَهل، والجَهل أعدى أعداء الإنسان.
قرأتُ كتاباً لمُؤلِّف أمريكي أليكسيس كاريل، واسم الكتاب:" الإنسان ذلك المجهول" يقول: " إنَّ أفضل نِظامٍ للبَشَرِيَّة - هذا إنسانٌ مُفَكِّر اكْتشَف أفضل نظام للبشَرِيَّة - أن يقْصر الرَّجل طَرْفهُ على امرأةٍ واحِدَة، والإنسان حينما يغضّ بصره عن النِّساء تنْمو علاقتهُ مع زَوْجته، وتتنامَى هذه العلاقة، فإذا أرَدْتَ أن يُصْلِحَ الله لك شأنَ بيْتِكَ، وأن تنشأ المودَّة العميقة العميقة بينك وبين أهْلِكَ، فَعَلَيْك بِغضِّ البصَر وائمُرْها هي كذلك بِغَضِّ البَصَر، فإن غضَّت هي بصَرَها، وغضَّ هو بصره انْعَدَمَتْ المشاكِل، وهذا الأمر مَضْمون فيه السعادة الزَّوْجِيَّة، وثانيًا مِن خلْق الله عز وجل الله تعالى يُقَدِّر لهذين الزَّوجَين أن يسْعَدا، فإن غضَّ هو بصَرَهُ، وغضَّت هي بصَرَها تولَّى الله التوفيق بينهما، وخلق بينهما المودَّة والرَّحْمة، أما إذا أطْلق هو بصرَه إلى الحرام، انْعَكَس عليه هذا شَقاءً في أُسْرَتِهِ، وانْحِرافًا في بيتِهِ، وكان البيتُ قِطْعةً مِن الجحيم.
إذاً لا بدّ مِن أن نعود إلى مبادئ هذا الدِّين العظيم في كلّ شؤون حياتنا.


والحمد لله رب العالمين






 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 05:08 PM   #16


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : الهجرة النبوية








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
تعريف الهجرة :

أيُّها الأخوة الكرام، بمناسبة عيد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو رأس السنة الهجرية سأشرح لكم هاتين الآيتين من سورة الأنفال، الآية الأولى قال تعالى:
﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الأنفال: 71-72]
والآية الثانية هي قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة الأنفال: 73]
الهجرة من لوازم الإيمان، لها معنى ضيِّق، ولها معنى واسع.
معناها الضيق هو انتقال النبي وصحابته من مكة إلى المدينة، و معناها الواسع أن يهجر الإنسان ما نهى الله عنه، و قد ورد في الحديث القدسي: (( عبادة في الهرج كهجرة إليَّ))
[ مسلم و الترمذي عن معقل بن يسار]
أي في زمن يُكذَّب فيه الصادق و يُصدَّق فيه الكاذب، و يُخوَّن الأمين ويُؤتمَن الخائن، و يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، بل يُؤمر بالمنكر ويُنهَى عن المعروف، في مثل هذا الزمن عبادة الله في الهرج كهجرة إليَّ كما ورد في الحديث القدسي.
الحقيقة الهجرة موقف عملي، والإيمان اعتقاد نظري، فالاعتقاد النظري ما لم يُدعَّم بموقف عملي فلا قيمة له :
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال: 71-72]

فأنت مُكلَّف أن تهاجر من المنكر إلى المعروف، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن معاشرة أهل الفسق إلى معاشرة أهل الإيمان، ومن المقاصف إلى المساجد، ومن أهل الدنيا إلى أهل العلم، والانتقال من شيء يبعدك عن الله إلى شيء يقرِّبك إلى الله، هذا المعنى الواسع، بل إنَّ الهجرة فرض على كل مسلم عاش في بلد يشبه مكة يوم الهجرة، وهناك بلد يشبه المدينة يوم الهجرة، فالهجرة ماضية إلى يوم القيامة أما بعد فتح مكة فانتهت الهجرة من مكة إلى المدينة لأن مكة أصبحت بلداً إسلاميّاً، وأخطر ما في الهجرة الهجرة من أجل الشيطان، فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ :
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ قَالَ لَا تَرَايَا نَارَاهُمَا ))
[ الترمذي عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (( الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ))
[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]
تعاون الغرب لإطفاء نور الله و نهب ثروات المسلمين :

أما هاتان الآيتان "
أما هاتان الآيتان:

﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[سورة الأنفال: 71-72]
والذين آووا المؤمنين ونصروا دين الله عز وجل : ﴿ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
[سورة الأنفال: 72]
والآن دقِّقوا : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة الأنفال: 73]
يتعاونون، و يتكاتفون، و يتآزرون، ويخططون لردِّ الحق، و لإطفاء نور الله، ولنهب ثروات المسلمين : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة الأنفال: 73]
الآية التالية تضع المسلم أمام خيارين نكون أو لا نكون :

ويقول الله عز وجل :

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة الأنفال: 73]
فهذا الضمير المفرد الغائب "الهاء" على من يعود؟ أي إن لم تؤمنوا، و إن لم تهاجروا، وإن لم تجاهدوا بأموالكم و أنفسكم، و إن لم تتعاونوا، و إن لم تنصروا دين الله، عندئذ تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
قال علماء التفسير: هذه الهاء تعود على مضمون الآية السابقة، فنحن أمام خيار صعب ؛ إما أن نتعاون، و نؤمن، ونهاجر، وننصر، و نؤيد، و إما أن تكون فتنة في الأرض وفساد كبير، لا يبقي و لا يذر، ونحن في زمن الفتنة قال عليه الصلاة والسلام :

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْهم أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ ))
[ البخاري عن أبي سعيد الخدري ]
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ))
[ النسائي عن أبي هريرة]
هذه الآية نحن أمام خيارين نكون أو لا نكون، نكون إذا آمنا وهاجرنا بالمعنى الواسع، وجاهدنا بأموالنا و أنفسنا، و آوينا، ونصرنا، ودعَّمنا، وأيدنا، و إن لم نتعاون ولم يكن بعضنا أولياء بعض تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، دقِّقوا في هذا الضمير، يخطِّطون، ويسهرون، ويتآمرون، ويتعاونون، و يتناصرون على إطفاء نور الله، وعلى إزهاق الحق، و إحقاق الباطل، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة الأنفال: 73]
الفرقة و الخلاف بين المؤمنين كفر :
يخفِّف عن المؤمنين أنَّ الله سبحانه و تعالى يقول:
﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
[سورة النساء: 104]
فالقضية قضية وجود أو عدم وجود، نكون أو لا نكون، فنكون إذا تعاونا، وإذا تناسينا فيما بيننا من خلافات، و إذا رجحنا مصالح المسلمين على مصالحنا الشخصية، ونكون إذا تفقَّد بعضنا بعضاً، وعاون بعضنا بعضاً، ونكون إذا نصح بعضنا بعضاً، و إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، نكون إذا وضعنا أنفسنا تحت أقدامنا لصالح الإسلام، أما إذا رجحنا مصالحنا الشخصية على مصالح المسلمين و أردنا أن نظهر ولو على حساب أهداف المسملين العامة فعندئذ لا نستحق أن نكون، و الله سبحانه وتعالى يسمح للكفر أن يستمر إذا تعاون أهله، ويسمح للإيمان أن ينمحي إذا تنافس أهله، والتنافس أيها الأخوة كفر، ففي عهد النبي عليه الصلاة والسلام رجل من أهل الكتاب ذكَّر فتى بقصيدة قيلت في الجاهلية فيها طعن للخزرج، فدفع هذا الفتى ليلقي القصيدة على الخزرج كي يستفزَّهم، وبالفعل استفزَّهم وكادت تقع فتنة بين الأوس والخزرج لا تُبقي و لا تذر، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام في أشدِّ حالات الغضب وقال: " تفعلون هذا وأنا بين أظهركم" ثم نزل قوله تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[ سورة آل عمران: 101 ]
فسمى هذه الفرقة وذاك الخلاف بين المؤمنين كفراً، قال تعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[ سورة آل عمران: 101 ]
تحقيق الهجرة بالمعنى الواسع :

نحن في يوم الهجرة علينا أن نؤمن، وعلينا أن نأخذ الموقف العملي، ونهاجر بالمعنى الواسع؛ من المعصية إلى الطاعة، و من مجتمع أهل الدنيا إلى مجتمع أهل الإيمان، ومن مجتمع أهل الباطل إلى مجتمع أهل الحق، ومن المقاصف إلى المساجد، من أجل أن نطلب العلم، و من أجل أن نتعاون، لئلا تقع في الأرض فتنة وفساد كبير، وملامح هذه الفتنة والفساد الكبير واضح بين الناس، قال لي أحد الأخوة: إن بناء فيه اثنان وثلاثون بيتاً، و فيه اثنان وعشرون صحناً، و كلها من أجل رؤية الكعبة، فتنة، وهذه الفتنة كادت تودي بديننا.
فيا أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة الأنفال: 73]
أي أن هناك تخطيطاً ذكياً جداً لسحق المسلمين من خلال تسليط ثقافة هجينة علينا وعلى شبابنا وفتياتنا .

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 05:11 PM   #17


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : الموعظة فى المولد النبوى الشريف







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
معرفةُ سيرةِ النبيِّ فرضُ عينٍ على كل مسلم :
أيُّها الأخوة الكرام، كلُّ عامٍ و أنتم بخيرٍ، أطلَّتْ علينا ذكرى ميلادِ رسول اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم، و ذكرتُ البارحةَ في الخطبةِ أن الاحتفالَ بعيد المولد النبوِيِّ الشريف له وجهان؛ الوجهُ الأولُ أنك إذا أردتَ أن تعرفَ رسولَ اللهِ فهذا من صُلْبِ الدين، و أردت أن تعرف سنّتَه القوليةِ، وهي فرضُ عينٍ، لماذا تصلِّي الظهرَ؟ لأن الصلاة فرضٌ، و هل يخطر في بالك أن معرفةَ سنّةَ رسول الله القوليةِ فرضُ عينٍ كالصلاة و الصيام و الحج و الزكاةِ؟ و إليكم الدليلُ : ما لا يتمُّ الفرضُ إلا به فهو فرضٌ، و ما لا تتِمُّ السنَّةُ إلا به فهو سنَّةٌ، و ما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، الوضوءُ فرضٌ لأن الصلاةَ لا تتم إلا به، حينما قال الله تعالى:
﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[سورة الحشر: 7]
كيف تأخذون ما آتاكم و تنتهون عما نهاكم إن لم تعرفوا ما آتاكم وما نهاكم؟ الاحتفالُ بعيد مولدِ رسول الله يبدأ من الآنَ و إلى نهاية الحياة، يجبُ أن تطلبَ العلمَ كلَّ يومٍ، من أجل أن تتراكم الحقائقُ، و معرفةُ سيرةِ النبيِّ فرضُ عينٍ كالصلاة، و الدليلُ:" ما لا يتم الواجبُ إلا به فهو واجبٌ" ؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[سورة الأحزاب: 21]
كيف يكون النبيُّ أسوةً حسنةً إن لم نعرف سيرتَه ؟ كيف كان في بيته و مع أهله و أولاده و مع جيرانه و مع إخوانه؟ و كيف كان مع أعدائه؟ و في حضره و سفره؟ في سِلمه و حربه؟ في حزنه و فرحه؟ يجب ان نعلم علمَ اليقين أن معرفةَ سنةِ النبيِّ القوليةِ و العمليةِ فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ. تعليم الأولاد محبة رسول الله :
شيءُ آخر، قال تعالى:
﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة هود: 120]
النبيُّ عليه الصلاة و السلام وهو سيِّدُ الخلق و حبيبُ الحقِّ يزدادُ قلبُه ثبوتاً إذا تُلِيَتْ عليه سيرةُ نبيٍّ دونَه، فكيف بمؤمنٍ مُقصِّرٍ يستمع إلى سيرةِ سيِّد الخلق وسيِّدِ الأنبياء و المرسلين؟ النبيُّ الكريمُ قال:" أدبوا أولادكم على ثلاثة ؛ على حب نبيكم و حب آل بيته و تلاوة القرآن..." بِرَبِّك هل تأديبُ الولدِ يكون بقولك له: يا بُنيَّ أحِب رسول الله؟ كلامٌ لا معنى له، يجب أن تحدِّثه عن رسول الله، و أن تتلُوَ عليه أخلاقَ رسول الله و شمائلَه و مواقفَه و أحوالَه، من أجل أن يحبَّه، و الإنسانُ يحبُّ ثلاثةَ أشياءَ، يحبُّ الجمالَ و الكمالَ و النَّوالَ؛ وهو العطاءُ، فالذي يعطيك تحبُّه، و الكاملُ كمالاً رائعاً لو لم ينلك من كماله شيءٌ تحبُّه، الذي ينالُك من كماله شيءٌ تحبه، و تحبٌّ النوالَ، و الجميلٌ تحبُّه . و أجملَ منك لم ترَ قطُّ عيني و أكملَ منك لم تلد النساءُ
خُلِقــــــــــتَ مُبرَّءًا من كلِّ عيــب كأنك قد خُلِقتَ كما تشـــــاءُ
***
أخلاق الرسول الكريم و أصحابه :
أيها الأخوة الكرامُ، لمَّا نتحدَّث عن سيَرِ المنحرفين و الظالمين يتعكَّر القلبُ، أما جرِّبْ الحديثَ عن رسول الله، الكمالُ المطلَقُ، و عن أصحابه الكرام، سيِّدُنا الصدِّيق له جيرانٌ عجائزٌ كان يحلب لهم الشِّياهَ، فلما صار خليفةَ المسلمين أُخبِر أنهم في حزنٍ شديدٍ، لأن هذه الخدمةَ لن تستمرَّ، و في صبيحة اليوم الأول من تسلُّمه الخلافةَ طُرِق بابُ إحدى العجائزِ، قالت لابنتها: افتحي البابَ، فلما فتحت قالت من الطارِق يا بنيَّتي؟ قالت: جاء حالِبُ الشاةِ يا أمَّاه، سيدنا الصديق حالبُ الشاةِ، استمعْ إلى التواضعِ، و إلى الرحمةِ، و إلى الكمالِ، و إلى الصِّدق، و إلى العطاء، و قال النبيُّ عليه الصلاة و السلام: "كل ثلاثة على راحلةٍ..." قائد الجيش و رئيس الدولة و نبيُّ هذه الأمةِ سيّد الخلق و حبيبُ الحقِّ رسولٌ الله، ركب النبي و سار صاحباه، فلما جاء دورُه في المشيِ توسَّلا إليه أن يبقى راكبا فقال عليه الصلاة والسلام: "ما أنتما بأقوى مني على السير، و لا أنا بأغنى منكما عن الأجر" هذا رسول الله، و كانوا مرةً في سفر و أرادوا أن يعالجوا شاةً، قال أحدُهم: عليَّ ذبحُها، و قال آخرُ: عليَّ سلخُها، و قال آخرُ: عليَّ طبخُها، فقال عليه الصلاة و السلام: و عليَّ جمعُ الحطبِ- اختار أشقَّ الأعمالِ- قالوا: نكفيك يا رسولَ اللهِ، قال: أعلم أنكم تكفونني و لكن اللهَ يكرهُ أن يرى عبدَه متمَيِّزا عن أقرانه، إذا كانت لك زوجةٌ و أخطأتْ معك تخلع رقبتها؛ جاء لعائشةَ طبقُ طعامٍ من عند ضرَّتها صفيَّةَ، فأصابتْها غِيرةُ النساءِ فأمسكتْ الطبقَ و رمتْه أرضًا و كسرتْه أمام النبيِّ، ماذا فعل النبيُّ؟ جمع أشتاتَ الطبقِ فقال: "غضبتْ أمُّكم غضبتْ أمُّكم.." هكذا كان في بيته، و أرسل خادماً في حاجةٍ فأطالَ كثيرًا، حتى غضب النبيُّ، فلما عاد قال: و اللهِ لولا خشيةُ القصاص لأوْجعتُك بهذا السِّواكِ، رحمة و إنصافٌ، و الأنصار أعلنوا له صراحةً أنهم غاضبون ومتألِّمون، جاء زعيمُهم سعدُ بنُ عبادةَ قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ قومي وجدوا عليك في أنفسهم؟ قال: لِمَ؟ قال: لهذا الذي وزَّعْتَه في الناس و لم يُصِبْ منه الأنصارُ شيئًا، قال: يا سعدُ أين أنت من قومك؟ قال: ما أنا إلا من قومي، فقال: اجمعْ لي قومَك ـ
الآنَ النبيُّ في أعلى درجات القوةِ بعد حُنيْنٍ و فتح مكةَ دانتْ له الجزيرةُ العربيةُ من أقصاها إلى أقصاها، وآخرُ معركة هي حنين وانتصر فيها ووزَّع الغنائمَ، و صار أقوى رجلٍ في الجزيرةِ، في مكة عشرةُ آلاف سيفٍ متوَهِّج ينظرون إليه، فقال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخٌ كريمٌ و ابنُ أخٍ كريمٍ، قال: اذهبوا فأنتم الطُّلقَاءُ- و الفاتحون من بني البشرِ الطُّغاة الذين يأمرون جنودهم بالقتل و التعذيب والسرقة و النهب انظر ماذا يفعلون؟ - قال: اذهبوا فأنتم الطلقاءُ، قال له أبو سفيانَ: يا بنَ أخي ما أعقلَك و ما أحكمَك و ما أوصلَك و ما أرحمك ـ فجمع الأنصارَ و قال لهم: يا معشرَ الأنصارِ مقالةٌ بلغتْني عنكم، وجَدةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم من أجل لُعاعةٍ من الدنيا تألَّفتُ بها قوما ليسلموا، و وكَّلتُكم إلى إسلامكم يا معشر الأنصارِ ـ الآنَ تصوَّروا ماذا يقول النبيُّ؟ بإمكانه أن يُلغِيَ وجودَهم و يقتلهم وهذا لن يكون، و بإمكانه أن يهدرَ كرامتهم يقول: إنهم منافقون و انتهى الأمر، و بإمكانه أن يعاتبهم لصالحه و بإمكانه أن يهملهم، ماذا فعل؟ ذكَّرهم بفضلهم عليه، قال: "يا معشرَ الأنصار أما إنكم لو قلتم فلَصدَقْتُم و لصُدِّقتُم، أتيتَنا مُكذّوَباً فصدَّقناك، وطريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك- ذكَّرهم بفضلهم عليه- يا معشرَ الأنصار ألم تكونوا ضُلَّالاً فهداكم اللهُ بي؟ ألم تكونوا عالةً فأغناكم اللهُ؟ ألم تكونوا أعداءَ فألَّف بين قلوبكم؟ أما ترضوْن أن يذهب الناس بالشاةِ و البعيرِ وترجعوا أنتم إلى رِحالكم برسول اللهِ؟ - لأنَّه لما فتح مكةَ ؛ بلدَه قالوا: أَيُعقَلُ أن تبْقى يا رسول الله؟ فقال: معاذ الله ! بل المحْيا مَحياكم والممات مماتُكم، وُلِدَ بِمَكَّة ثمّ أخْرجوه منها ثمَّ فَتَحها ثمَّ لا يرْضى أن يبْقى فيها - أما ترْضَون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترْجِعوا أنتم بِرَسول الله إلى رِحالكم، اللهمّ ارْحَمِ الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، وما سلَك الأنصار شِعبًا، والناس شِعْبًا إلا وسَلكْتُ شِعْبَ الأنصار، فبَكوا حتَّى أخْضلوا لِحاهم " هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام ؛ البيت الذي لا يحوي كُتب السيرة لا خيْرَ فيه، وبيت لا تمْر فيه جِياعٌ أهْله، سيّدُ الخَلْق الذي أكْرمهُ الله، وعصَمَهُ، وجعلهُ مُشَرِّعاً وقُدْوَة، ابْحَث كيف كان ينام؟ وكيف كان يُعامِل الناس؟ فَعِكْرِمَة أسْلَم وكان أبوه أعْدى أعداء رسول الله - أبو جَهْل- جَمَعَ النبي أصْحابَهُ وقال:" جاءَكم عِكْرِمَة مسْلِمًا فلا تسُبُّوا أباه، لأنَّ سبِّ الميِّت يؤْذي الحي ولا يبْلُغ الميِّت" ما هذه الأخلاق ؟؟! وهذا ابن أبي سلول طلبَ قبل مَوْتِهِ قَميص النبي عليه الصلاة والسلام فألْبسَهُ القميص بِنَفْسِهِ وهو على فِراش الموت !! وكان سيِّد المنافقين، فهو صلى الله عليه وسلَّم ترفَّقَ به مِن أجل ابنِهِ، ووفاءً معه.
اسْتِجابة الناس لِرَسول الله هي عَين الاسْتِجابة لله :
أيها الأخوة، نحن شِعارنا في الاحْتِفال بِهذا اليوم المجيد أنْ نقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ؛ كي نعرفَ مَن هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
[سورة القصص: 50]
فاسْتِجابة الناس لِرَسول الله هي عَين الاسْتِجابة لله تعالى.

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 05:12 PM   #18


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : موعظة عن العمر







حقيقة العمر الذي يعيشه الإنسان :
سألني أخ كريم عن موضوع العُمر، العُمر الذي يعيشه الإنسان، ما حقيقته؟ وكيف ينتهي؟ وهل هو محدَّد في انتِهائِهِ؟ وإذا قُتِلَ الإنسان هل يموت بأجله؟
كلّكم يعلم أنَّ النقطة إذا تحرَّكَت رسَمَتْ خطًّا، والخطّ إذا تحرَّك رسم سَطحًا، والسَّطح إذا تحرَّك رسمَ حجمًا، والحجم إذا تحرَّك شكَّل زمنًا، لذلك قالوا: الزَّمن هو البُعْد الرابع للأشياء، والزَّمن مُتعلِّق بالحركة، والإنسان في حقيقته زمنٌ! لأنَّه يتحرَّك إلى نقطة ثابتة، والأيام تمضي ؛ والأسابيع والأشهر والسنوات، ثم يجيء الأجل وينتهي العمر، فالإنسان في حقيقته زمن، والله عز وجل يقول:
﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
ما هي خسارته؟ إنَّ مضيُّ الزَّمن يستهلك الإنسان، فالإنسان أحياناً يتوهَّم أنَّه صَغرت سِنُّه إذا عدَّ عمرهُ عدًّا تصاعدِيًّا، يقول لك: كبرتْ سِنِّي، أما إذا عدَّ عمرهُ عدًّا تنازليًّا، يقول: كم بَقِيَ لي؟ الإنسان إذا سأل هذا السؤال وقَع في حرجٍ، هل بقيَ بِقدْر ما مضى؟! إذا كان الذي مضى مضى كلَمْح البصَر فالذي بقي إذا كان أقلّ مِمَّا مضى سيَمضي بأقلّ مِن لمْح البصر، ثمّ يفاجأ الإنسان انَّه أمام عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ، فالعُمر هو ظرف العمل، فعملك الصالح أو السيئ له ظرفٌ هو العمر، وربنا عز وجل قال: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 37 ]
فالله عز وجل عمَّر لنا العمر المناسب، لأنَّ موت الإنسان أخطر حَدَثٍ في حياته، لأنّه انتقال كُلِّي مِن دارٍ إلى دار، وخَتْمُ العمل، وإغلاق باب العمل، لا يوم وِلادته، ولا يوم زواجه، ولا يوم وفاته، والدليل قوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
[ سورة الملك: 2 ]
بدأ بالموت، وهو تقديم أهمِيَّة، ففي البدايات هناك خِيارات عديدة جدًّا أما هو الذي خلق الموت والحياة، فالموت مُحدَّد والأجل محدَّد، قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 34]
ومـع أنـَّهُ محدَّد هو أنسـب عمرٍ للإنـسان، إذا كُشِفَ الغطاء يـوم القيامـة عن حكمة العمر الذي عاشه الإنسـان لا يملك إلا أن يقول: الحمد لله رب العالمين، لأنَّ كلّ شيءٍ وقع أراده الله، وكلّ ما أراده الله وقَع، فهل يقعُ الموت من دون إرادة الله؟! حتى القاتل إذا قتل إنسانًا، هذا الإنسان منوطٌ بأجله، وقد ذكرتُ مثالاً عن بستان في الزَّبداني، زُرِعَ فيه أشجار تُفاح، الشَّجرة الخامسة، في الفرع الثالث، في الغصن كذا، التفاحة الخامسة هي لِفلان !! أما فلان من الناس باخْتِياره أن يُحدِّد طريقة وُصول هذه التُّفاحة إليه، فـقد يشتريها بِماله، وقد يسرقها وهي له، وقد يأكلها ضِيافةً وهي له، وقد يتسوَّلها وهي له، فهذه كلّها طرق، وهي له، وكذا الموت مُحَدَّد، فقد يموت على فراشه، وقد يموت قتلاً، وقد يموت بمَرضٍ، وقد يموت بحادِث، والنُّقطة الدقيقة أنَّ الأسباب تنوَّعَت، ولكنَّ الموت واحدٌ! العبرة بمضمون عمر الإنسان لا بطوله أو قصره :
قد يقول قائل: كيف يُحاسب القاتل على فعلته؟ يحاسب لأنَّه أقْدم على قتْل إنسانٍ بِغَير حقّ، فالقاضي إن حكم على المجرِم بالإعدام وفق أحكام الشريعة، هل يُحاسب القاضي عند الله؟! لا، لأن التوحيد لا يُلغي المـسؤوليَّة، لو أنَّ طبيبًا أخـطأ مع مريض، ومات المريض، فالذي قال: من طبَّب ولم يُعلم منه طبّ فهو ضامن، يجب أن يدْفع الدِّيَّة، فالمريض مات بأجله، ولكن نقول لهذا الطبيب: لا علاقة لك بالتوحيد، فأنت محاسب ومُقصّر ! ونقول للقاتل: قتلْتَ نفسًا بِغَير نفسٍ، فالعمر هو ظرف عمل الإنسان، إلا أنَّ العمر أنواع: فالعمر الزَّمني لا قيمة له إطلاقًا، ففي التاريخ الإسلامي نجد علماء كباراً تركوا آثاراً مذهلة، وعاشوا أقلّ من خمسين عامًا كالإمام النَّووي رحمه الله تعالى، وهناك قادة فتحوا آسيا وعاشوا أقلّ من ثلاثين عامًا، وهناك أعمار تافهة كأن يعيش ثمانين سنة من دون عمل صالح، وأوضح مثل يُوضِّح العمر، دُكان فتحَ بِساعة باع بمليون، ودُكان آخر بعشر ساعات باع مئة ليرة ! فالعِبرة بِمَضمون هذا العمر، ولذلك الله عز وجل في آية وحيدة أقْسم بِعُمر النبي عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة الحجر : 72]
لأنَّ عمر النبي علـيه الصلاة والسلام ثمين، فهو في مدَّة يسيرة قلب وجه الأرض، ورسَّخ التوحيد في الأرض، والفضيلة والسعادة والقِيَم، فإيـّاك أن تقيس العمر زمنِيًّا فهو لا قيمة له إطلاقًا، ورد في بعض الأدعِيَة: " لا بورِكَ لي في طلوع شمس يوم لم أزْدَد فيه قربًا إلى الله تعالى، ولا علمًا" حتى لو أمْضَيتَ عمرك في المباحات فأنت في خسارة، لأنّ مُضيّ الزَّمَن يستهلك الإنسان، قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر: 1-3]
قال الحسن البصري: " ما من يوم ينشقّ فجره إلا ويُنادي يا بن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مِنِّي فإني لا أعود إلى يوم القيامة" وعقارب الزَّمن لا يمكن أن ترجع ! فأنت بين يوم مضى، والحديث عنه لا جدوى، وبين يوم سيأتي لا تملكُهُ، وأذكر أنَّني جلسْتُ مع رجل في المدرسة فحدَّثني عن خِطَّته لِعِشرين سنة قادمة، أنَّه سيذهب إلى الجزائر ويُدَرِّس هناك خمس سنوات، ويطَّلع على معالم البلد، ويزور فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، ويعود بعدها إلى الشام ليفتحُ محلاًّ ويكبر أولاده ويتقاعد، انتهى اللِّقاء وعُدْتُ إلى البيت، ثم عُدْتُ مساءً إلى عملي في مركز المدينة، وأنا في طريق العودة إلى البيت رأيْتُ نَعوتَهُ على الجدران في اليوم نفسه !! لذا قالوا: من عدَّ غداً من أجله فقد أساء صُحبة الموت ! من حوالي شهر صلَّى أحد أخواننا العشاء، وآوى إلى فراشه والعادة أن يُصلِّي الفجر في المسجد، ويبدو أنَّ أهله لم ينتبهوا أصلى أم لا ؟! في الساعة الثامنة والنِّصف هيؤوا الطَّعام، وقالت الأم لابنها: أيْقظ أباك فذَهَب فوجدهُ ميِّتاً !! فالأجل مُحَدَّد، وإخفاؤُهُ عنَّا لِحِكمة بالغة ! قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 102 ]
الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل :
الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل، وهذه الآية تُحيِّر، فهل الموت بأيدينا حتَّى تنهانا عن أن نموت؟! العلماء قالوا: لا يأتيكم الموت إلا وأنتم مسلمون، بالضَّبط كما لو كانت عندك سفرة إلى أمريكا، والبطاقة بمئة ألف ليرة، فإذا لم تُسافر على هذه الطائرة تخسر ثمن هذه البطاقة افتراضًا، فإذا قلت: متى موعد السَّفر؟ يقولون لك: نحن نأتيك صباحًا الساعة كذا ولا ننتظر إلا دقيقة واحدة، فيجب أن يأتيك الموت وأنت مسلم وتائب ومُطَبِّق، أحد الأشخاص كان له مطعم يبيع الخمر فيه، تاب إلى الله فقلَّتْ غلَّته فرجع إلى ما كان، وبعد اثني عشر يومًا وافَتْهُ المنيَّة وهو يبيع الخمر!! ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون ! أحد الأخوة أصيب بِجلطة وهو في فراش الموت قال: آتوني بِمُسجِّلة فسجَّل كلامه قائلاً: الممتلكات التي لي اغتصَبتها من أخوتي ! وبعد أسبوع عاد إلى حالته وكأن شيئاً لم يكن، فطلب الشريط وكسَّرهُ !! وبعد ثمانية أشهر وافتْهُ المنِيَّة، لذا راقب نفسك وأهلك، هل الزوجة محجَّبة؟ هل بناتك تقيَّات؟ هل أولادك يُصلُّون؟ هل الدَّخل حلال ؟ قال تعالى:
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 99-100]
الإنسان بين خمسة أيام :
نحن الآن في بحبوحة، والقلب ينبض، وتؤدِّي زكاة مالك، وتؤدِّي الحقوق التي عليك، اغتصَبت مال الورثة، هذا كلّه محاسب عليه فانْتَبِه وأدِّ ما عليك لأنَّ العمر محدود، ولا يوجد تأخير، فالمقتول يموت بِأجله والقاتل يُحاسب كَقاتِل، هكذا عقيدة أهل السنة، لذا أنت بين خمسة أيام ؛ ويوم مفقود، ويوم مشهود، ويوم مورود، ويوم موعود، ويوم ممدود، فالمفقود هو الماضي، والمشهود الحاضر، والمورود الموت، والموعود يوم القيامة، والممدود إما في جنَّة إلى أبد الآبدين، وإما في نار إلى أبد الآبدين، وأخطر هذه الأيام هو اليوم المشهود الذي تشهدهُ، لا تقل: سوف ! أدِّ الذي عليك في الحاضر، ولا تُسوِّف، فلا تمت وأنت متلبّس بِمَعصية، والإنسان كيف أمضى عمره يجعل طريقة موته تلخيصًا لِعُمره كلِّه، لذلك قالوا: صنائع المعروف تقي مصارع السوء.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 05:15 PM   #19


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : حديث بمناسبة مولد النبى علية الصلاة و السلام








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه/ وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
النبيّ هو وحده الذي ينبغي أن نقتدي به لأنه ذاق كل شيء :
أيُّها الأخوة الكرام، الحقيقةُ أن الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريفِ عليه الصلاة و السلام لا ينبغي أن يكون في شهر ربيعٍ الأولِ و الثاني فحسبُ بل في كلِّ شهورِ العامِ، لا في عامٍ واحدٍ، بل في كلَّ أعوامِ الحياةِ، لأن النبيَّ عبيه الصلاة و السلام أخطرُ إنسانٍ في حياتنا، وهو وحدَه الذي عصمَه اللهُ عن أن يخطِئَ في أقوالِه و في أفعالِه و في إقرارِه و في أحوالِه، هو وحدَه الذي ينبغي أن نأخذ عنه، وهو وحده الذي ينبغي أن نقتدي به، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب: 21]
ذاقَ الفقرَ، و لو أن النبيَّ عليه الصلاة و السلام كان غنِيًّا و نصحَ الفقراءَ لما صدَّقوه، و لكنه ذاق الفقرَ، كان إذا دخل بيتَه يسأل هل عندكم شيءٌ ؟ فتقول زوجاتُه: لا، فيقول: إني صائمٌ ! وذاق الغِنَى، فسأله رجل لِمَن هذا الوادي مِن الغَنَم؟ فقال: هو لك، فقال: أتَهْزأُ بي؟! فقال عليه الصلاة والسلام: لا، بل هو لك ! فقال: أشْهَد أنَّك رسول الله تُعْطي عَطَاء مَن لا يخْشى الفقْر.
فهو عليه الصلاة والسلام ذاق الفقْر فانْتصر على نفْسِهِ، وذاق الغِنَى فانْتصَر على نفْسِهِ، ذهب إلى الطائِف فكذَّبوه وسَخِروا منه، وأغْرَوا سُفهاءهم أن يضْربوه، فجاءَهُ جبريل وقال: " يا محمَّد لو شئْت لأطْبقتُ عليهم الجَبَلين ! فقال: لا، يا أخي، اللَّهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون، لعلّ الله يخْرج من أصلابِهم مَن يُوَحِّدُه "
ذاق القهْر، ثمَّ جاءَتْهُ القوَّة لِيَبْطِش بِمَن قهَرَهُ، لو ذاق القهْر فقط، ولم يأتِهِ جبريل لما كان امْتِحانًا، كذَّبوه وسَخِروا منه، وأغرَوا سُفهاءَهم أن يضْرِبوه، وبعد هذا جاءهُ جبريل، فقال له النبي: " اللَّهم اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون لعلّ الله يخْرج من أصلابِهم مَن يُوَحِّدُه" فهو عليه الصلاة والسلام ما أراد أن ينْتَصِر.
وذاق النَّصْر عليه الصلاة والسلام، فقد دخَلَ مكَّة فاتِحًا، وما مِن قائِدٍ يفْتَحُ بلْدَةً إلا ويأخذُهُ الزُّهوّ، والكِبْر، والغطْرسَة، حنى رأسَهُ تواضُعًا لله عز وجل، حتَّى كادَت عِمامَتُهُ تُلامِسُ عُنق بعيرِهِ، وكان معه عشرة آلاف سيْفٍ ينتَظِرون كلمةً منه، وكان بإمكانِه أن يُلْغِيَ وُجودَ هؤلاء الذين نكَّلوا به، و ائتمروا على قتْلِهِ قرابة عشرين عامًا، وأخرجوه مِن بلْدَتِهِ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:"ما تَظُنُّون أنِّي فاعِل بكم ؟ فقال: أخ كريم وابن أخٍ كريم، فقال: اذْهَبوا فأنتم الطُّلَقاء".
ذاق موت الولَد، فبَكى، وقال: " إنَّ العَين لتَدْمَع وإنَّ القلب ليَحْزن ولا نقول إلا ما يُرْضي الربّ، وإنَّ على فِراقِكَ يا إبراهيم لَمَحزونون."
أصحابُهُ الكِرام لِحِكْمة أرادها الله، كُسِفَت الشَّمس لِوَقتٍ مُقارب لِمَوت ابنِهِ إبراهيم، فقال الصحابة الكرام: إنَّما كُسَفَت الشَّمس من أجل إبراهيم - هذه مَقولة لِصالحِ النبي، ولأنَّه أمين على وحْي السَّماء - فجَمَع عليه الصلاة والسلام أصْحابه وقال: " إنَّ الشَّمس والقمر آيتان فلا ينبغي أن تنْكَسِفا لِواحِدٍ مِن خلْقِهِ" هذه هي الأمانة العِلْمِيَّة على التَّعبير العصْري- والنبي رفضَ أيَّ تعْظيم لا أصل له، وأيّ تعْظيمٍ خُرافيّ ليس عِلْمِيّاً، ومَن مِنَّا يحْتَمِل أن يُقال عن زوْجَتِهِ زانِيَة وبقيَ الوَحي قرابة أربعين يومًا! المدينة كلّها تتحدَّث عن هذا الخَبَر الذي لا يُحْتَمَل، فليس بِإمْكانِهِ أن ينْكر ولا أن يُثْبِت، وهناك شيء آخر أنَّ الله تعالى علَّمَنا الله تعالى مِن خِلال تأخير الوَحي أنَّ الوَحي كيانٌ مسْتقلّ عنه صلى الله عليه وسلَّم ليس بإمْكانِهِ تقْديمه ولا أن يدْفعَهُ، فالوَحْيُ مسْتقِل اسْتِقلالاً تاماً عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وإلى أن جاَءت البراءة فقال الصِّديق لابْنَتِهِ بعد أن برَّأها الله عز وجل " قومي إلى رسول الله واشْكُريه ! فقال: لا أقوم إلا لله تعالى ! فتبسَّم النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: " عرفت الحقّ لأهلهِ" إنكار للنَّفْس منْقَطِعة النَّظير.
والنبي عليه الصلاة والسلام ذاقَ مكانَةً علِيَّة بين أصْحابِهِ، فهل اسْتَثمرها أو اسْتَغَلَّها؟! لا، كان مع أصْحابِهِ في سفرٍ فأرادوا أن يذْبحوا شاةً فقال الأوَّل: عليَّ ذبحها، و قال الثانيُ: عليَّ سلخُها، و قال الثالث: عليَّ طبخُها، فقال عليه الصلاة و السلام: و عليَّ جمعُ الحطبِ.
دخل عليه أعرابيّ فقال: أيُّكم محمَّد؟ ماذا نفْهَم مِن هذا؟ كان عليه الصلاة والسلام متواضِعًا، ولمَّا كان عليه الصلاة والسلام صغيرًا دعوْهُ للَّعِب، فقال عليه الصلاة والسلام: "ما خُلقْتُ لِهذا " جاءَتهُ رِسالة الهُدَى وحُمِّل رِسالة التَّكليف، قال: زمِّلوني زمِّلوني، فأرادت خديجة أن تُريحهُ فقال عليه الصلاة والسلام: : انْقضى عهْد النَّوم" ودخل الناس في دين الله أفواجًا وجاء نصْر الله والفتْح، صَعِدَ المنْبر فقال: " مَن كنتُ جَلَدْتُ له ظهْرًا فهذا ظَهري، ومن كنتُ أخَذْتُ له مالاً فهذا مالي فلْيأخذ منه، ومن كنتُ شَتَمْتُ له عِرْضًا فهذا عِرضي فلْيَقْتَد منه، وليَخْشَ الشَّحْناء فإنَّها ليْسَت مِن شأني ولا طبيعتي". اتخاذ الناس النبي قدوة في كل أعمالهم :
أيها الأخوة، صدِّقوني حجْم التَّبليغ أقلّ بِكثير مِن حجْم القُدْوَة، فالمُهِمَّة الأولى للنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يُبلِّغ عليه أن يكون قُدْوَةً، لأنّ الناس لا يُصَدِّقون بآذانهم ولكن بِعُيونِهم، وقد قرأتُ كلمةً لأحَدِ الكُتَّاب يقول: إنَّ نبيًّا واحِدًا أهْدى للبشَرِيَّة مِن آلاف الكُتَّاب والمُصْلِحين الذين ملؤوا بالفضائِل والحِكم بُطون المُجَلَّدات، لماذا؟ لأنَّ الكتَّاب والمُصْلِحين تحدَّثوا عن الفضيلة ولم يعيشوها، ولكنّ الأنبياء عاشوها لذلك فِعْل النبي الواحد في العالم أبْلَغُ مِن ألف ألف داعِيَةٍ، وألف ألف كاتِبٍ، وألف ألف مُفَكِّر، والحديث عن الفضيلة شيء، ومُمَارسَتُها شيءٌ آخر، فأنت مثلاً لك أن تقول: ألف مليون دولار، هذه سَهْلة ولكن دَقِّق في الفرق بين أن تلْفِظَها وبين أن تمْلِكَها ! فالمسافة نفسهَا بين أن تتحدَّث عن الفضيلة، والحديث عنها مُمْتِعٌ وسَهْل ولا يُكَلِّف شيئًا وبين أن تُمارِسَها، وأن تعيشها، لذلك حجْم تبليغ النبي إلى حجْم دَعْوَتِهِ قليل جدًّا ؛ لأنَّ أيُّ إنسانٍ يُبَلِّغ، وأيُّ إنسانٍ يدْعو، ما عليه إلا أن يقول قال عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، أما أن أضْبِطَ نفْسي فهذه هي البُطولة، لذلك المسلمون الآن ليْسُوا بِحاجَة إلى معلومات، ولا إلى خُطَب، ولا إلى كتب ولكنَّهم في أمَسِّ الحاجة إلى قُدْوةٍ بالنبي عليه الصلاة والسلام.
اللَّهمّ ارْحمنا وعافِنا واعْفُ عنَّا، ولقِّنا البُشْرى والأمْن، وأصْلِح لنا ديننا الذي هو عِصْمة أمْرِنا، وأصْلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصْلِح لنا آخِرتَنا التي هي مردُّنا، واجْعل الحياةَ زادًا لنا مِن كلّ خير، واجْعَل لنا الموت راحةً لنا مِن كلّ شرّ، اللَّهمّ اكْفِنا بِحلالك عن حرامِك، وبِفَضْلِكَ عمَّن سِواك، اللَّهمّ لا تُؤْمِنَّا مكْرَك، ولا تهْتِكْ عنَّا سِتْرَك، ولا تُنْسِنا ذِكْرَكَ يا ربّ، اللهمّ بِفضْلِكَ ورحمتِكَ أعْل كلمة الحق والدِّين، وانْصُر الإسلام والمسلمين، واجْعَل جَمْعنا هذا جمْعًا مُبارَكًا مَرْحومًا، واجْعَل تفرُّقَنا مِن بعدِهِ مَعْصومًا، اللَّهمّ ارْزُقْنا حُبَّكَ، وحُبَّ مَن يُحِبُّك وحبّ عملٍ صالِحٍ يُقَرِّبُنا إلى حبِّك.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-30-2018, 05:17 PM   #20


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: مواضيع اسلامية مختصرة



بسم الله الرحمن الرحيم

مواضيع اسلامية مختصرة

الدرس : ( السابع العاشر )

الموضوع : لمحة عامة عن سورة الشورى ومعنى الشورى








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الرجوع إلى الحقّ :
أيُّها الأخوة الكرام، ننتقل إلى سورة الشورى، واسمها يدلّ على مضمونها.
ربُّنا جلّ جلاله وصف المؤمنين بأنّ أمرهم شورى بينهم، بل إنّ الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام المعصوم في أقواله وأفعاله وإقراره، والذي أوحى إليه، وجعله نبيًّا رسولاً، هذا الإنسان الذي هو قِمَّة الخلق، وسيّد الخلق، وحبيب الحق، أمره أن يُشاوِرَ أصحابه، فمن نحن إذا كان النبي المعصوم صلى الله عليه وسلّم قد أُمِر أن يُشاوِرَ أصحابه؟؟ هناك حادثة وردَت في السيرة تُجَسِّد معنى هذه السورة، وهي أنّ النبي عليه الصلاة والسلام في موقعة بدر ارْتأى موقعًا لِجَيش المسلمين، وأمر أصحابه أن يجلسوا فيه، أحدُ كبار أصحابه و هو الحُباب بن المنذر جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يكادُ يقطر أدبًا، قال: يا رسول الله هذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة؟ فتجرَّأ هذا الصحابي الجليل وقال: هذا ليس بِمَوقع ! النبي من خلال هذه الحادثة التي أرادها الله كان قدوةً في قَبول النَّصيحة، هناك فضيلة قلَّما نلتفت إليها ونذكرها، فضيلة الرُّجوع إلى الحق ! فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن أمر أصحابه أن يجلسوا في الموقع الذي أشار إليه سيّدنا الحباب، وكان موقع فيه ماء، فالنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا من خِلال هذه القصَّة أن نرجِعَ إلى الحق !
أذْكُر لكم قِصَّة مشابهة من أجل أن نتبيَّن حِكمتها، النبي عليه الصلاة والسلام صلَّى مرَّةً الظهر ركعتين، أحد أقلّ أصحابه شأنًا وهو ذو اليدين قال: يا رسول الله أقصُرت الصلاة أم نسيت ؟! فقال عليه الصلاة والسلام: كلّ هذا لم يكن ! فقال بعضهم: بل قد كان ! فسأل عليه الصلاة والسلام أصحابه فقالوا: صليت ركعتين ! فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّما نُسِّيتُ كي أَسُنّ ! لو أنَّ الله عز وجل لم يُنسِ نبيَّهُ عدد ركعات الظُّهر، كيف يسُنّ لنا النبي صلى الله عليه وسلم سُجود السَّهْو ؟! لهذا قال الله عز وجل:
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾
[ سورة الأعلى : 6]
أي إلا حينما يقتضي التَّشريع أن تنسى ! ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: " إنما أنا بشر أنسى كما ينسى البشر" فالذي لا ينسى هو الله عز وجل، قال تعالى: ﴿ ’قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ﴾
[ سورة طه : 52]
كيف أنَّ الله عز وجل أنسى نبيَّه الكريم صلاة الظهر لِيَسُنّ لنا سجود السَّهو كذلك لِحِكمة بالغة حجبَ الله عن النبي الموقع الجيِّد في موقعة بدْر، فكان من الممكن أن يأتِيَهُ جبريل ويصف له الموقع، وكان من الممكن ألا يلهمه الموقع الجيّد لِيَأتي صحابي جليل تظهر فيه شدّة غَيرتِهِ على الدِّين، ويسلهُ بأدَبٍ جمّ، والصحابة أيها الأخوة تعلَّموا أدبًا فوق الخَيال، فهذه القصّة تشير إلى أنّ النبي عليه الصلاة والسلام سنّ لنا فضيلة قد لا ننتبِهُ إليها وهي الرُّجوع إلى الحق. الإصغاء إلى المعارضة من علامة بطولة الإنسان :
إن قال لك ابنك: هذه لا تجوز، لا تنكر عليه وتخجِّلهُ ! من علامة البطولة أن تُصغي إلى المعارضة، والذي يريد الله ورسوله دائمًا يرجع إلى الحق، وقد حدَّثني أخٌ كريم قال لي: حضرتُ مجلس علمٍ في الشام، فقال الشيخ: اسْتوقفتني امرأة وأفتيتها خطأً، وها أنا أُنبِّه على خطئي فإن كانت من الحاضرات في المسجد هنا فلْتَسمع الجواب الصحيح، وإلا فلْتُبلَّغ ! ليس العار أن تخطئ، ولكنّ العار أن تبقى مُخطئًا، وليس العار أن تجهل، ولكنَّ العار أن تبقى جاهلاً، ففضيلة الرُّجوع إلى الحق فضيلة كبيرة، فالجندي قد ينبِّه القائد وهو المستفاد من هذه القصَّة، وأنا أحبّ أن نُحِلّ الشورى محلّ التفرّد بالرأي، ومن استشار الرِّجال استعار عُقولهم، تسأل إنسانًا له خبرة عشرون سنة بِموضوع تجني منه خلال جوابه الشيء الكثير، لذا عوِّد نفسك أن تسأل وتستشير، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أُمر أن يستشير، وهو الذي يُوحَى إليه وهو سيّد الخلق وحبيب الحق، فمن نحن ؟! فكلّ واحد عليه أن يسأل قال تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء : 7]
أمر إلهي، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾
[ سورة الفرقان : 59]
الاستخارة و الاستشارة :
لكل إنسان موضوعان ؛ موضوع الآخرة فاسْأل بها خبيرًا، وموضوع الدنيا فاسأل أهل الرأي والخِبرة، واسْتَشِر أهل الخِبرة من المؤمنين، لأنَّ غير المؤمن ولو كان ذا خِبرة فإنَّه يغشُّك ! والمؤمن غير الخبير لا فائدة من استشارته، ولا بدّ قبل كلّ هذا استِخارة الله، وما ندم من استشار، وما خاب من استخار، وطِّن نفسك ان تسأل أولادك أحيانًا ! والنبي عليه الصلاة والسلام كان يُشاور أزواجه، وهذه: شاوِرُهنّ ثمّ خالفهنّ ليس لها أصل ! فقد استشار أم سلمة في صلح الحديبيّة، والله عز وجل قال:
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[سورة النساء : 19]
والفعل هنا للأمر، ويقتضي المشاركة، لذا وطِّن نفسك ألا تكون فردياً واسْتِبدادياً، كُن مؤمنًا مُطبِّقًا للشورى في بيتك وعملك. الشورى :
لذا الشورى أحد أكبر صفات المؤمنين، والنبي عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يُشاوِر، فالإنسان بِزَواج أولاده وبناته وعمله عليه أن يُشاور، ويستخير، فنحن خطؤنا النَّفسي العام أنَّنا لا نتعاون ومن اسْتُشير فلْيُشِر ما هو صانِعٌ لِنَفسِهِ وإلا وقع في الخيانة وهو لا يدري ‍‍! ومن علامة المؤمن الصادق أنَّه يحبّ لأخيه ما يحبّ لِنَفسِهِ.
أردْتُ من هذا الدرس، أن أُشير أنَّ أحد أكبر صفات المؤمنين المُشاورة، والتفرّد ليس من الإيمان، وقد تكبر نفسك أن تستشير، ولكن تذكّر أنَّ النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم أُمِر أن يستشير ! وهناك مواقف كثيرة استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه حقيقة، وليس كما يقول بعضهم: كي يرفع معنويَّاتهم، إذاً عندما ندخل في تفاصيل هذه الآيات يجب أن نجعل من الشورى سلوكًا ثابتًا في حياتنا، وألا تكبر نفسنا فيها، ودائمًا المتكبّر والمستحي لا يتعلَّمان !
على المستشار أن يكون متواضعاً و لا يفضح من استشاره :
النقطة الأخرى، عليك ألا تفضح من استشارك ! فهذه غلظة، فهذه أمراض نفسيّة، والمؤمن دائمًا حاله التواضع، وأحيانًا تُسأل سؤالاً سخيفًا فتعرض عنه ! ألا تعلم أنَّك أغلقْت باب السؤال بالكليّة؟؟ فالمؤمن الصادق يُصغي إلى أي سؤال مهما بدا سخيفًا، ويهتمّ بالسائل، ويُشَجِّعُهُ حتى يُشجِّع الآخرين، والعلم مفتاح السؤال، فأخلاق المُستشار يجب أن تكون متواضعاً، والمستشير يجب أن يتأدب، فالأسئلة التَّعجيزيَّة ليس من خلق المؤمن.




والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
مختصرة, مواضيع, اسلامية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فوائد مختصرة..متجدد منال نور الهدى رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 664 10-31-2025 10:32 AM
معلومات اسلامية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 11 10-28-2017 06:29 PM
[ذائقة نورانية] معلومات اسلامية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 11 10-22-2017 08:52 AM
مقدمة مختصرة عن المعاجم قتيبه العاشق رِيَاضُ أَرْوِقَةُ الأُنْس 1 07-28-2014 06:54 AM
وسائط اسلامية اسلامية .. منال نور الهدى رياض الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية 6 07-15-2014 07:06 PM


الساعة الآن 04:08 PM