التربية الاسلامية - مدارج السالكين - الصفحة 10 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-21-2018, 08:44 AM   #91


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التاسع و الثمانون )

الموضوع : الرياضة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما الفرق بين الرياضة والترويض؟ :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع والثمانين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والمنزلة اليوم منزلة الرياضة.
الفرق بين الرياضة والترويض فرق كبير جداً، الوحوش تُروّض بينما الإنسان يتريّض, فالرياضة من الترييض؛ أي التدريب، الوحوش تروَّض، أي تدرَّب بحسب طريقتها، قد تقول: فلان يده ملطّخة بدماء الجريمة، وفلان مضرّج بدماء الشهادة، فالتضريج غير التلطيخ، الدم الذي يُسفك في حرام أو في جريمة، نقول: ملطّخ بدم الجريمة، أما الدم الذي يُبذل في سبيل عقيدة أو هدف نبيل نقول: مضرّج.
فهذه المنزلة أساسها ما ورد عن النبي -عليه الصلاة و السلام-: إنما العلم بالتعلم، و إنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم.
إنسان في البدايات ليس حليما لكن يتصنع الحلم، بعد التصنع المستمر يصبح الحلم عنده طبعاً، كان تكلفاً فصار طبعاً، إنسان في الأصل ليس كريماً, يتصنع الكرم إلى أن ينقلب التصنع إلى طبع، الإنسان ليس عليماً، يتعلم إلى أن يصبح العلم عنده ثابتاً, فهذا معنى الحديث:

((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم))
تعليق :
كتعليق سريع على قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم))
" ليس هناك علم من دون تعلم، كما يدّعي بعض الناس: أن هناك علماً يأتي من قِبل الله مباشرة، هناك وحي يأتي الأنبياء، وهناك علم يتأتى من التعلم، وهناك فهم دقيق لكتاب الله عز وجل، هذه خصيصة يمنحها الله لبعض عباده الصالحين، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 79]
أن يُؤتى فهماً في القرآن، فهناك وحي هذا متعلق بالأنبياء والمرسلين، وهناك فهم لكتاب الله فضلٌ من الله عز وجل، وهناك تعلم، وقد ورد في الأثر:
((من عمل بما علم, أورثه الله علم ما لم يعلم))
قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 79]
إذا هناك شيء اسمه: وميض وكشف وإشراق، هذا ثمنه تطبيق ما تعلم، إن طبّقت ما تعلم, كشف الله لك عن شيء لا تعلمه، لكن هذا الإشراق وذاك الكشف -إن صح التعبير- مربوطان بالكتاب والسنة، فأيُّ ادِّعاء لإدراك الحقيقة إدراكاً مباشراً من دون وساطة، هذه الحقيقة تُعرض على كتاب الله وسنة رسوله، فإن توافقت مع الكتاب والسنة على العين و الرأس, أما إن خالفت لا نقبلها.
ما الفرق بين الفطرة والصبغة؟ :
ثم إن هناك في ما ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم.
هناك حقيقة هي الفطرة والصبغة، الفطرة أن تحب الكرم ولست كريماً, الفطرة أن تحب العدل ولست عادلاً، أن تحب الرحمة ولست رحيماً، ولكن الصبغة أن تصطبغ بالرحمة, وأن تصطبغ بالعدل، وأن تصطبغ بالكرم، فالتكرم فطرة أما الكرم صبغة، التحلُّم فطرة أما الحلم صبغة.
يعني كل مولود من دون استثناء يولد على الفطرة، يحب مكارم الأخلاق ولا يصطبغ بها، فإذا اتصل الإنسان بالله عز وجل اصطبغ بهذه المكارم، فغدا متواضعاً منصفاً, عدلاً رحيماً, وقوراً حليماً.
هذه المنزلة منزلة الرياضة: هي تمرين النفس على الصدق والإخلاص.

هذه العبرة من هاتين القصتين :
تحضرني قصة أحد علماء الأزهر الكبار, الذي صار شيخ الأزهر في أول حياته, طلب العلم فلم يفلح, ثم عزف عن العلم, وهو جالس يوماً في مكان، فإذا بنملة تصعد إلى جدار، فلما وصلت إلى مكان ما وقعت، أعادت الكرة فوقعت، أعادت الكرة فوقعت، فعدّ محاولاتها, فكانت ثلاثاً وثمانين محاولة، فهذه النملة علّمته درساً لا يُنسى، فالإنسان ينبغي أن يصمِّم.
لي قريب أمه حريصة على أن ينال أعلى درجة، ففي الشهادة الثانوية لم ينجح، أصرّت على أن يعيد الامتحان مرة تلو المرة, حتى نجح في المرة الخامسة, ولا زالت أمه تشد عضده إلى أن أصبح طبيباً ناجحاً:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن قرع الأبواب أن يلجا
العبرة: أن الإنسان يحتاج إلى تصميم, وإلى صدق في الطلب، فالرياضة تعويد النفس على الصدق والإخلاص.

من معاني الصدق :
1-أن يأتي كلامك وعملك مطابقاً للواقع :
الصدق له معان عديدة، من معاني الصدق: أن يأتي كلامك مطابقاً للواقع، هذا الصدق الإخباري، والمعنى الأخطر: أن يكون واقعك مطابقاً لقولك، أن يأتي القول مطابقاً للواقع هذا صدق الإخبار، أما أن يأتي العمل مطابقا للواقع هذا صدق التطبيق، لذلك قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
هنا ليس معنى الصادقين, هم الذين يصدقون إذا حدّثوا، الذين تأتي أعمالهم مطابقة لأقوالهم, كلٌّ يدّعي أنه مؤمن بالآخرة، لكن لو تفحصت أعمال الناس, لا تجد أثراً لهذا الادّعاء إطلاقاً، فهؤلاء يكذبون بأعمالهم لا بأقوالهم، هم يتكلمون كلاماً طيباً، وإذا أخبروك أخبروك صادقين، ولكن أعمالهم لا تؤكد صدق كلامهم، فمنزلة الرياضة التمرين على الصدق والإخلاص، عملك مطابق لادعائك وقولك، و يأتي الإخلاص ليبيِّن نزاهتك عن مطلب سوى الله عز وجل.
ما علامة الإخلاص؟ :
1-أن يستوي ظاهرك مع باطنك:
سألني أخ: ما علامة الإخلاص؟ قلت له: علامة الإخلاص أن يستوي ظاهرك مع باطنك, وأن تستوي علانيتك مع سرك، وأن تستوي خلوتك مع جلوتك.
أنت إنسان واحد في خلوتك وفي جلوتك، في بيتك وأمام الناس، في سرك وعلانيتك، أروع ما في الإنسان هذا التوحُّد، لا يوجد ازدواجية، للمنافق موقفان: موقف معلَن وموقف حقيقي، قال تعالى:

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 14-15]
إذًا: التدريب على أن تأتي أعمالك مطابقة لأقوالك، كأن تقول: أنا مؤمن بالآخرة، هنا ينبغي ألاَ تقبل درهماً واحداً من حرام.
النبي -عليه الصلاة و السلام- رأى على سريره تمرة، فقال:

((يا عائشة, لولا أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها))
تمرة في بيته وعلى السرير، ولكن داخله الشك, لعلها من تمر الصدقة، لذلك قالوا:
ركعتان من ورع, خير من ألف ركعة من مخلط.
من لم يصده ورع عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله.
أعمالك تأتي مطابقة لأقوالك فأنت صادق، يستوي سرك مع علانيتك, وظاهرك مع باطنك, وخلوتك مع جلوتك, فأنت مخلص.
2- لا تستجدي المديح من الناس على أعمالك:
وعلامة أخرى للإخلاص: أنك إذا فعلت عملاً طيباً, تبتغي به وجه الله وحده, لا تعبأ كثيراً بمدح الناس لك، بل لا تستجدي منهم المديح، يستوي عندك أنهم ذكروا أو لم يذكروا، شكروا أو لم يشكروا، قدّروا أو لم يقدِّروا، لا تعلِّق أهمية على ردود الفعل، لكن ليس معنى هذا ألاّ تبالي بسمعتك، النبي -عليه الصلاة والسلام- كان حريصاً على سمعته.
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُعْتَكِفًا, فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ, ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ, فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي, وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ, فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ, فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَسْرَعَا, فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ, فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ, وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا, أَوْ قَالَ شَيْئًا))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]
وهذا درس بليغ لنا، عوِّد نفسك أن توضِّح وتبيِّن.
نقطة مهمة :
أذكر إنساناً جاء إلى محله التجاري امرأة رحّب بها كثيراً، عنده ضيف في المكتب، قال لي: غريب، ليس هذا من أخلاق فلان، قلت له: هذه أخته يقيناً، أنا لا أعرفها، ولكني أعرفه ورعاً، كان الأولى أن يدخل إلينا, ويقول: جاءت أختي حتى لا يستغرب الضيف هذا الترحيب، لأن المؤمن يتكلم مع المرأة التي تحل له كلاماً عادياً جداً, دون زيادة.
إذن: هناك صدق الأقوال وصدق الأعمال، وحيثما وردت كلمة الصادقين في الأعمّ الأغلب تعني: صدق الأعمال، وقلما تجد إنساناً تأتي أفعاله مطابقة لأقواله.

2-مستوى آخر للصدق: ألا ترد الحق :
ومستوى آخر من الصدق: ألاّ ترد الحق، قد يأتي إنسان يقول لك: هذا الذي قلته غير صحيح، والصواب: هو كذا، والدليل: هو الآية والحديث، فإن لم تقل له جزاك الله خيراً، فقد أكرمتني بهذه النصيحة، فأنت لست صادقاً، إذا كان في الإمكان أن تردّ الحقّ, وأن تستنكف عن قبوله, وأن تستعلي عن أن تأخذه من إنسان تظنه دونك، لكن المؤمن الصادق يتعلم ولو من غلام.
أبو حنيفة النعمان كان يمشي في الطريق, فرأى غلاماً أمامه حفرة، قال له: يا غلام إياك أن تسقط, فقال له الغلام: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط، إني إن سقطت سقطتُ وحدي، وإنّك إن سقطتَ سقط معك العالَم.
إذا كان الإنسان قدوة وأخطأ يكون ارتكب عملاً خطيراً جداً، لأن هذا المثل الأعلى اهتز، أن تتعامل مع ألف إنسان يصيبون ويخطئون، ولكن إذا كان في ذهنك مثل أعلى، تعلق عليه أملاً كبيراً, تراه إنساناً مستقيماً، إذا أخطأ فتلك قاصمة الظهر، أنت ترضى أن يخطئ الناس جميعاً إلا مثلك الأعلى الذي تقتدي به, وتراه في موطن منزّه عن كل خطأ، فإن رأيته يخطئ عمداً فتلك الطامة الكبرى، لا أحد معصوم إلا النبي، المؤمن غير معصوم، ولكنه لا يرتكب الكبائر, وليس معنى هذا أنه يصر على الصغائر، المؤمن غير معصوم، لا يمكن أن يصر على صغيرة, مهما بدت صغيرة، وقّافا عند كتاب الله، سريعاً ما يتراجع ويستغفر و يشكر الذي نصحه، لذلك قالوا:
النبي معصوم والولي محفوظ.
النبي لا يفعل خطأ، بينما الولي لا يضره خطؤه، لأنه سريعاً ما يتوب منه ويستغفر، والقاعدة:
ما من أحد أكبر من أن يُنقَد، وما من أحد أصغر من أن ينقُد.
ما معنى: جاء بالصدق؟ :
قال تعالى:
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
جاء بالصدق؛ أي أفعاله تؤكد أقواله، كان صادقاً، وعظمة الأنبياء في صدقهم، الأنبياء فعلوا المعجزات، لا لأنهم فوق البشر، هم بشر، ولولا أنه تجري عليهم خصائص البشر, لما كانوا سادة البشر، ولكن الأنبياء فعلوا ما قالوا، وأيُّ إنسان يفعل ما يقول, له تأثير يشبه السحر، يفعل ما يقول.
كان مع أصحابه في سفر, أرادوا أن يعالجوا شاة، قال أحدهم:

((عليّ ذبحها، وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمعُ الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه))
شيء لا يصدق، نبي هذه الأمة يعمل كأحد أصحابه، موقف عظيم في معركة بدر, كانت الرواحل قليلة, والعدد قريب من ألف، والرواحل ثلاثمائة، فالنبي أعطى توجيها: كل ثلاثة على راحلة، قال: وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة.
-القائد العام للجيش يعامل نفسه كما يعامل الجندي-, فركب الناقة وانتهت نوبته في الركوب، وجاء دور عليّ وأبي لبابة، فتوسلا إليه أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام -قولة تكتب بماء الذهب-:
((ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر))
أنا مفتقر إلى أجر المشي، وأنا قوي البنية، قادر على المسير، لو تخلق الناس بهذه الأخلاق, لكنا في حياة غير هذه الحياة. أنواع الرياضة :
العلماء قالوا: الرياضة على ثلاث درجات: رياضة عامة وهي تهذيب الأخلاق بالعلم, وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملات.
أخلاقك يوجهها العلم، وأعمالك يتوجها الإخلاص، ومعاملاتك يضبطها أداء الحقوق، إن تكلم فهو صادق، وإن تعامل مع الناس تعامل بخلق كريم.
فورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-:

((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, و ظهرت عدالته, ووجبت أخوته, و حرمت غيبته))
تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملات. ما هي الأخلاق؟ :
الأخلاق حركة الإنسان، تحرك، تاجر، باع، اشترى، عزى، هنأ، تنزه، سافر، نام, تزوج، طلق، الحركة ما الذي ينظمها عند المؤمن؟ الأخلاق التي جاء بها النبي.
كنت أقول دائماً: القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، والنبي -عليه الصلاة و السلام- قرآن يمشي.
عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ:
((أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ, أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ, قَالَتْ: لَا تَفْعَلْ, أَمَا تَقْرَأُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَقَدْ وُلِدَ لَهُ)) إن تكلم فهو صادق، وإن تعامل مع الناس تعامل بخلق كريم.
ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوته, و حـــرمت غيبته))
تهذيب الأخلاق بالعلم، وتصفية الأعمال بالإخلاص، وتوفير الحقوق في المعاملات.
المؤمن الصادق يضبط أموره، ويعتقد اعتقاداً جازماً بأنه مكلف:
((العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، والكرم بالتكرم))
إذا غضبت في هذه المرة، في المرة الثانية كن حليماً، هذه المرة تسرعت، في المرة الثانية كن متأنياً. مسألة :
هناك قصص كثيرة جداً: لو الإنسان تسرع, ندم ندماً لا حدود له، قبل أن تتهم، قبل أن تأخذ أقوالاً مضادة, وقبل أن تلتقي مع صاحب الحق حقِّق. سيدنا سليمان قال:
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 27]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 6]
حركة الحياة يضبطها العلم بالسنة :
حركة الحياة يضبطها العلم بالسنة.
الإنسان أحياناً يكون في دعوة أكل، وهناك عشرون آخرون يأكلون, شبع، انسحب من المائدة, انسحابه يحرج الباقين، شبعت ابق في مكانك ولا تأكل, هناك إنسان جاء متأخراً، وهناك إنسان جائع، وهناك إنسان يأكل ببطء، أنت أحرجته، فالسنة ألاّ تقوم عن الطعام إلا بعد أن ينتهي آخر إنسان، لست مكلفاً أن تتابع الطعام، ولكن ينبغي ألاّ تقوم عن الطعام حتى ينتهي آخر إنسان، هذا من السنة، فما الذي يضبط لك سلوكك؟ السُّنة.
أحياناً: تجد شخصاً جالساً مع عمه، والد زوجته، يدخل في موضوع العلاقات الحميمة بينه وبين زوجته، هذه ابنته، لما صهره يتكلم كلاماً متعلقاً بالعلاقات الزوجية، الأب يخجل، قد يذهب به التخيل، فمن السُّنة: ألاّ تتحدث أمام والد الفتاة أو أخوتها عن موضوعات في العلاقة الزوجية، هكذا من السنة, فكلما تعلمت عن سنة النبي العملية شيئاً وطبقته, جاء علمك ضابطا لسلوكك.

الأخلاق تهذب بالعلم :
لمّا النبي -عليه الصلاة والسلام- ورد عنه:
((أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعان بك أعنته، وإذا استنصـرك نصرته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا أصابه خير هنّأته، وإذا أصابته مصيبة عزّيته, ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدُك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك، إلا أن تغرف له منها))
عطاؤك ابنك عندما يذهب إلى المدرسة مبلغاً كبيراً أو طعاماً باهظ الثمن، هذا مخالف للسنة, أطعمه هذا الطعام في البيت، وأعطه إلى المدرسة الطعام العادي الذي يأكله جميع الطلاب، هناك آباء بعيدون عن السنة، قطعة ثمنها ثمانون ليرة أو خمسمائة، وفي الحضانة، هذا لا يجوز, شيء يثير التقزز، اجعل ابنك كالباقين، من أجل أخلاقه، الطفل الصغير قد يفتخر، وقد يغيظ أصدقاءه.
ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها.
فالأخلاق تُهذب بالعلم.
هذا ما يعلمنا به الإسلام :
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان أديبا إلى درجة غير معقولة، قيل: ما رُئي مادًّا رجليه قط، ولا بين أصحابه, مع أنه سيد الخلق، أما إذا كان الإنسان معذوراً, فالمعذور لا علاقة له بالحديث، في المركبة العامة مقعدان، يجلس إنسان ولا يترك لجاره إلا قدراً يسيراً ليجلس هذا القدر، لا ينتبه، يجب أن نجلس بأدب، كلما ارتقى الإنسان مقاما تجده أديباً جداً، في حركاته, وسكناته, وتناول طعامه، في كل حاجاته.
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ, أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ, فَسَأَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْهُ, فَقَالُوا:

((مَاتَ, قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ؟ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ, أَوْ قَالَ قَبْرِهَا, فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا))
وهو نبي هذه الأمة يعلمك التواضع، أنت قد تكون مدير شركة وعندك مستخدَم، هذا المستخدم في الدنيا مستخدم، أما في الآخرة فقد يكون أعلى منك درجة عند الله عز وجل، فالإسلام يعلمك التواضع ويعلمك الإنصاف. توفير الحقوق أيضاً من الرياضة :
توفير الحقوق أيضاً من الرياضة، الأخلاق تهذب بالعلم، والأعمال تتوج بالإخلاص, والحقوق تتوافر بالمعاملة، أو تعطي ما أُمرت به من حقوق الله والعباد كاملة غير موفورة.
الآن: قليل من الناس يموت والده, فيوزِّع التركة بالعدل التام، له أختان متزوجتان لا ترثان, البيت الذي يسكنه الأخ ثمنه اثنا عشر مليوناً, يقول لأخته: تعالي اجلسي, من منعكِ؟ هذا بيت العائلة, لما الأب مات لم يعد بيت العائلة، صار بيت الورثة، فهذه الأخت لها حق في هذا البيت، عملياً لا تُعطى شيئاً، حتى أثاث البيت يكون من نصيب الأخ, ولا يوزع على الإناث منه شيئاً، فالبطولة أن تؤدِّي الحقوق.
أعرف أخاً من أخواننا، كلما يسلم عليّ أكبره، له أخت فقط، أخته متزوجة, وزوجها له بيت، ودخله جيد، وليست بحاجة أبداً، بيت الأب يسكنه الابن مع والدته، قال لي: واللهِ قيّمت البيت على أنه فارغ، لا على أنه مستأجر, وأعطيت أختي حصتها بالكمال والتمام.

مثال على أداء الحقوق :
لي قريبة تزوجت في سن متأخرة، من رجل له أولاد صالحون، فقالت لأولاد زوجها : واللهِ والدكم قبل أن يموت وهب لي شفهياً مبلغ خمسمائة ألف يستثمرها عند فلان، قال لي: هذه لكِ, فقالوا: سمعاً وطاعة، وقالوا للمستثمر: أعطها إيصالاً باسمها بدل إيصال والدي، شيء جيد ببساطة، لكن من دون دليل مادي، مهرها خمسة عشر ألف، أعطوها إياه بالتمام و الكمال قبل توزيع الإرث، بعد أيام جاؤوا, فقالوا: سألنا عالمــاً، فقال: لا بد أن يُعطى المهر على السعر المعاصر، فأعطوها مقابله مائة وثمانين ألف ليرة، وكل حاجاتها مؤمّنة بعد وفاة والدهم، ثم اشتروا لها بيتا بما تملك، وأسّسوه لتسكنه، هم لم يفعلوا إلا الحق، ولكن لأن العمل نادر, صار يلفت النظر, هذا شيء طبيعي، حقوق، فالإنسان إذا لم يؤد الحقوق فلا مقطوع عن الله عز وجل.
ما معنى توفير الحقوق في المعاملة؟ :
توفير الحقوق في المعاملة: أن تعطي به من حق الله وحقوق العباد كاملاً موفوراً.
قال رجل لسيدنا عمر: أتحبُّني؟ قال له: واللهِ لا أحب، قال له: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال له: لا واللهِ، قال له: إذًا إنما يأسف على الحب النساء.
ليس هناك مشكلة، فأن تصحح العمل بالعلم، وأن تصحح النية بالإخلاص، وأن تؤدي الحقوق لأصحابها بالتمام والكمال، هذه هي الرياضة، هذه المنزلة التي أدخلها صاحب المدارج، مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

ما معنى رياضة الخاصة؟ :
عندنا رياضة بمستوى أعلى: رياضة المؤمنين، قال: هناك رياضة خاصة، هناك إنسان متفوق، من خصائص هذه الرياضة: قطع ما يفرق قلبك عن الله، كل شيء يصرفك عن الله تقطعه, هذه رياضة، حتى المباحات، شيء مباح، لكن قلبك تعلق به، دعه، لأن الله عز وجل هو المقصود.
قال: قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمع عليه، والإقبال بكليتك عليه، حاضراً معه، بقلبك كله، لا تلتفت إلى غيره، هذه مرتبة أعلى.
هناك شيء آخر: الإنسان أحياناً يتعلق برأي ويبحث له عن أدلة، هذا موقف خطأ، الأصل: أن تتعلق بالحق وأن تسعى لتطبيقه أينما كان الحق.
أيها الأخوة، رياضة الخاصة أن تقطع كل ما يبعدك عن الله، قطع ما يفرق قلبك عن الله بالجمع عليه، والإقبال بكليتك عليه.

قف هنا :
هناك نقطة ثانية: أن تحكِّم العلم لا أن تحكِّم الحال:
الإنسان أحيانا يكون له إقبال على الله شديد، يعيش من الغمرة من الحال المسعد، هذه الغمرة من الحال المسعد, قد تحمله على أن يقول شيئا غير صحيح، فهو دائماً يحكِّم العلم بالحال، ولا يحكّم الحال بالعلم الحال خطير، سمِّي حالاً لأنه يحول.
مثلاً: هذا الذي فَقَدَ ناقته وهو في الصحراء, فأيقن بالهلاك وبكى، هذه قصته:
عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ, حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ, قَالَ:

((إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ, وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ, فَقَالَ بِهِ هَكَذَا, قَالَ أَبُو شِهَابٍ بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ, ثُمَّ قَالَ: لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ, وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ, فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ, حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ, أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ, قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي, فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ, فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ))
حاله الشديد بالعثور على ناقته أخلّ توازنه فقال كلاماً كفراً, هناك من يلتفت إلى قلبه ويتصل بربه، فيشعر بنشوة كبيرة جداً، هذه تبعده عن العلم، فيحكِّم حاله لعلمه، والأولى أن يحكِّم علمه بحاله. من أنواع الحال :
والحال أنواع: هناك حال شيطاني، إذا دخل أحدهم بيتاً –مثلاً-, واستطاع أن يأخذ منه مليون ليرة -الطريقة سهلة-, ولم ينتبه أحد، قعدت مع هذا السارق، تجد إشراقة في وجهه، لأنه حقق هدفه، فهل يُسمى هذا الحال راقياً؟ كل إنسان يحقق هدفاً ولو كان خسيساً يشعر بنشوة، أما نحن فعندنا العلم يتحكم في الحال، العلم حكَم على الحال، وليس الحال حكماً على العلم.
هناك أناس كثيرون أحوالهم تتحكم بعلمهم، تأخذه نشوة فيتكلم كلاماً غير صحيح، قد يستعلي وقد يطعن في الآخرين، أساسه نشوة، فمن لوازم رياضة الخاصة: أن علمه متحكم بحاله، وليس العكس.

هذه رياضة خاصة الخاصة :
أما هناك رياضة خاصة الخاصة، هؤلاء المتفوقون: مرتبتهم مرتبة الامتياز، قال: هذه المرتبة لا يرى إلا الله، لا يرى عمله، حتى لو أن الله عز وجل أجرى على يده خيراً كبيراً لا يرى عمله.
قال:

((ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟))
ما قال: فهديتكم، هداكم الله بي، حتى الإنسان في المرتبة العالية لا يرى عمله، يرى فضل الله عليه، حتى لو كنت مستقيماً، لو أنك في زمن الفتنة, تجاهد نفسك وهواك، لولا أن الله عز وجل أعانك على الاستقامة لما كنت مستقيماً، والدليل: سيدنا يوسف حينما قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
أي عفّتي بمعونتك يا رب، عفتي واستقامتي وورعي بدعم منك، من أنا لولا دعمك لي؟ هذا مستوى عال جداً، حتى بالتفوق، حتى بالإيجابيات، حتى بالإنجازات, لا ترى إلا فضل الله عليك.
نهاية المطاف :
مرة كنت في جلسة، وهناك إنسان فيه روح من الدعابة اللطيفة, أضحك من في المجلس مرتين أو ثلاثاً، قلت لهم: اشكروا الله على هذا الضحك، قالوا: ولِم؟ قلت لهم: لأن الذي أضحككم قادر على أن يبكيكم، أضحككم، لأنه يوجد ما يسيئكم من مرض وهم وغم، فإذا ضحك الإنسان, معنى ذلك: أن الله سمح له أن يضحك، فكلما تفوقت عند الله عز وجل ترى فضل الله عليك:
إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى
فأنتم هو الحق لا غيركم يا ليت شعري أنا من أنــا
تتلاشى ذاتك أمام عظمة الله، عبّر عنها علماء القلوب بالفناء، أنت ليس لك وجود.
النبي الكريم حدّثنا عن أعماله العظيمة، قال:

((هذه جهد مقل))
فكلما كبرت عند الله، رأيت فضله ولم تر عملك، وكلما صغرت عند الله, رأيت فضلك وعملك, ولم تر فضل الله عليك.

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 08:49 AM   #92


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( التسعون )

الموضوع : عبادات اللسان





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما علة وجود الإنسان على سطح الأرض؟ :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس التسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين.
أيها الأخوة، ينبغي من حينٍ إلى آخر أن نرجع إلى محور هذا الموضوع, فالإنسان يمشي في طريق عريض، ثمّ ينتقل إلى طريقٍ فرعيّة، من حينٍ إلى آخر ينبغي أن يعود إلى أصل الطريق, فنحن في مدارج السالكين, في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، نتبين أن علة وُجود الإنسان على سطح الأرض أن يعبد الله تعالى، أنت موجود هنا في هذه الحياة الدنيا من أجل أن تعبد الله تعالى، والمؤمن كلّ تصوّراته تنطلق من آيةٍ كريمة أو من حديث صحيح.

أعلى مقام تصل إليه أن تكون عبداً لله تعالى :
فالله عز وجل يقول:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
وأعلى مرتبةٍ وصلها بشر على الإطلاق: هي سدرة المنتهى التي وصلها النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
[سورة النجم الآية: 10]
أعلى مقامٍ تصلُ إليه أن تكون عبدًا لله تعالى، وكلّما ضعف إيمان المؤمن ضاقَتْ عنده مفاهيم العبوديّة، وكلّما ارتقى إيمان المؤمن اتّسعت عنده مفاهيم العبوديّة، العبوديّة ليسَت كما نتوهّم؛ حركات وسكناتٍ يؤديها الإنسان وهو غافل، العبودية منهج كامل، للقلب عبادة، وللسان عبادة، وللعين عبادة، وللأذن عبادة، وللفِكر عبادة، وللجسم عبادة، فكلّ عُضو في جسمك له عبادة، في كل وقت له عبادة، وفي كل ظرف له عبادة، وفي كلّ مقام له عبادة، فالعبادة تدور مع الإنسان حيثما دار، حتى في أفراحه وأحزانه، حتى في لهوه مع أهله، حتى في أشد العلاقات خصوصيّة هناك عبادة.
ما سبب تأخر المسلمين في هذا العصر؟ :
أما المسلمون حينما ضعفوا، مسخوا الإسلام إلى عبادات شعائريّة، مع أنّ كلّ آية في القرآن الكريم تقتضي الوجوب.
ما يمنع أن نقرأ كتاب الله عز وجل, وأن نشير إلى أيّة آية فيها أمر، وإلى أيّ آية فيها نهي بإشارتين؟ لأنّ كلّ أمر في كتاب الله تعالى يقتضي الوجوب، وإنّ كلّ نهيٍ في كتاب الله يقتضي الاجتناب، فأنت كمؤمن عندك بنود كثيرة جدًّا ومتنوّعة جدًّا، وتغطّي كلّ نشاطات حياتك، وكلّ أوقاتك، وكلّ الأماكن التي أنت فيها، وفي الأزمان التي أنت فيها، وفي النشاطات التي أنت فيها، فالعبادة منهج كامل، أما حينما أخذنا منها ما يعجبنا، وتركنا ما لا يعجبنا, صرنا في مؤخّرة الأُمم.

من عبادات بعض الجوارح وأوسعها نشاطاً في كل الأوقات :
ومن عبادات بعض الجوارح وأوْسَعها نشاطاً في كلّ الأوقات هو الكلام: من عدّ كلامه من عمله نجا.
قال:
((وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟))
((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))
فقال: ((ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجُوهِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ ألْسِنَتِهِمْ؟))
وقد عدّ بعض العلماء آفات اللّسان ما يزيد عن أربع عشرة آفةً مهلكةً، فالنمام لا يدخل الجنّة، والمسلم بسذاجةٍ مضحكة، يظنّ أنّه إن ترك الكبائر نجا بها، يقول: ما قتلتُ، وما شربت خمرًا، وما زنيتُ, والأفعال والأقوال التي يقوم بها أكثرها مهلك. ((لا يدخل الجنّة قتّات))
أي نمام، لا قتل، ولا زنا، ولا شرب خمرًا، ولكن تكلّم. ((وإنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يلقي لها بالاً, يهوي بها في جهنّم سبعين خريفًا))
من عبادات اللسان :
1-النطق بالشهادتين :
العبادة هي علّة وُجودنا، وسرّ وُجودنا، وغاية وُجودنا، وأنّ الله عز وجل خلقنا لنعبدهُ ، فإذا عبدناه سعِدنا بقربه، فهو تعالى خلقنا ليُسعدنا:
إلا من رحم ربّك، ولذلك خلقهم.
خلقنا ليُسعدنا عن طريق عبادته، والعبادة معرفة وطاعة وسعادة.
فعبادات اللّسان كثيرة, أوّل عبادة للّسان: النّطق بالشهادتين، لو رجعت إلى القرآن الكريم, لوجدتَ أنّ النطق وحدهُ لا يكفي، قال تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
هذه الكلمة كلمة التوحيد، وهي كلمة الإسلام الأولى، معناها: لا معبود بحقّ إلا الله تعالى، ليس في الأرض جهةٌ تستحقّ العبادة غير الله تعالى, وليس في الأرض جهةٌ تستحق أن تهبها عمرك إلا الله تعالى، وليس في الأرض جهة تستحقّ أن تلتفت إليها إلا الله تعالى، وأن تخلص لها إلا الله, وأن تقبل عليها إلا الله، وهذا معنى لا إله إلا الله، ولا معطي ولا مانع, ولا معزّ ولا مذلّ, ولا رازق، ولا قابض ولا باسط، ولا رافع ولا خافض إلا الله، فهذه الكلمة هي أوّل كلمة في الإسلام: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
2-تلاوة القرآن :
والعبادة الثانية لهذا اللّسان: هي تلاوة القرآن، والقرآن كتاب الله المنزّل على نبيّه -عليه الصلاة والسلام-، المتعبّد بتلاوته، أنت إذا قرأته وتلوتهُ آناء الليل وأطراف النهار، فأنت في عبادة لأنّه كلام الله عز وجل، تلاوته على نحوٍ صحيح من أجل أن تصِحّ صلاتك.
3-التلفظ بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها رسوله :
ثمّ إنّ من عبادات اللّسان: التلفّظ بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها رسوله ، فقولنا: الله أكبر، سمع الله لمن حمد، ربنا لك الحمد والشكر والنعمة والرضا، ربّي لك السجود وأنت الرب المعبود، هذه الأذكار التي ذكرها النبي في الصلاة، والتي هي من لوازم الصلاة, هي أيضًا من عبادات اللّسان, كالتسبيح في الركوع والسجود، والاعتدال والتشهّد والتكبير، أذكار الصلاة مع تلاوة القرآن في الصلاة، مع النّطق بالشهادتين، هذه من عبوديات اللّسان والواجبة.
هذه الأحكام الخمس مراجعة كتاب أصول سنة ثانية :
والأحكام بين واجب، ومستحب، ومباح، ومكروه، ومحرّم، على اختلاف بين المذاهب ، عند بعض المذاهب الفرض ثمّ الواجب وبينهما درجة واحدة، فالواجب أقل من الفرض بدرجة، والفرض أعلى بدرجة من الواجب، أما في بقيّة المذاهب فالواجب هو الفرض، فهنا اختصارًا؛ واجب, مستحب, مباح, مكروه, حرام, فالخمر حرام، وكذا الخنزير، أما الصلاة ففرض، والإقامة سنّة، وأن تأكل فاصولياء فهذا مباح، وإنسان لبس ثيابًا بيضاء أو خضراء أو زرقاء, جلس على كرسي، أو على الأرض، هذا مباح، فالمباح لا أمر فيه ولا نهي، ويستوي فيه الفعل والترك، والمستحبّ يفضّل أن تفعله, والواجب يجب أن تفعله، والمكروه يفضّل ألاّ تفعله، والحرام يجب ألا تفعله، وحياتنا كلّها هكذا؛ واجب مستحب مباح مكروه حرام، ما من شأن أو شيء في الحياة, وما من حركة أو تصرّف أو نطق، إلا وينطبق عليه أحد هذه الأحكام الخمس، المؤمن بعد أن يعرف الله عز وجل, شغلهُ الشاغل، وهمّه الأوّل: أن يتعرّف إلى أمره ونهيِهِ، هذا مباح، وهذا حلال، وهذا حرام، وهذا مكروه، وهذا مستحبّ، فالواجب الذي هو الفرض، للسان أن ينطق بالشهادتين، والفرض أن يتلو القرآن في الصلاة تلاوةً صحيحة تصحّ بها صلاته، والواجب، هذه الأذكار التي ذكرها النبي في الصلاة، كالتكبير والتشهّد، وأذكار الركوع والسجود وما إلى ذلك ....
من واجبات اللسان :
1-رد السلام :
ومن الواجبات على اللّسان: ردّ السلام، ابتداء السلام سنّة مؤكّدة، أما ردّ السلام فهو فرض واجب، قال تعالى:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
[سورة النساء الآية: 86]
فردُّ السلام من واجبات اللّسان. 2-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
ومن واجبات اللّسان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي الفريضة السادسة، بل إنّ هذه الأمّة التي كرّمها الله عز وجل, والتي وصفها بأنّها خير أمّة أُخرجت للناس، هذه الأمّة عِلّة خيريّتها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 110]
لذلك تكاد تكون هذه الفريضة معطّلة في العالم الإسلامي، يسكت، ويجامل, ولا يستنكر ، ولا يعلن ولاءه وبراءته، ولو تُرِكَ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كان هذا الترْك سبب هلاك هذه الأمّة، والدليل: الله عز وجل أهلك بني إسرائيل, لأنهم كانوا لا يتناهوْنَ عن منكر فعلوه.
انْظر إلى بيوت المسلمين، قد تأتي بنت الأخ بأبهى زينة كانت في الطريق، العمّ يرحّب بها، ويكرّمها، ويستقبلها، ويثني عليها, وعلى أناقتها، ولا يلفتُ نظرها إلى خروجها غير الشرعي, لذلك:
لمّا أراد الله إهلاك قريةٍ, أرسلَ ملائكته لإهلاكها، فإذا فيها رجل صالح، فقال الملك: إنّ رجلاً صالحاً فيها، قال: به فابدؤوا!! لأنه كان لا يتمعّر وجهه إذا رأى منكرًا.
فهذا الذي لا يأمر, ولا ينهى، ولا يستنكر، لا بيده, ولا بلسانه, ولا بقلبه، وكأنّه راضٍ عمّا يفعله الناس, هو شريك هؤلاء الناس في الإثم.

3-تعليم الجاهل :
وتعليم الجاهل: فلو سألك إنسان يجب أن تُجيب، أما إن سئلت عن شيء لا تعلمه يجب ألاّ تجيب.
رجل كان في سفر مع أصحاب رسول الله، وقد أصابته الجنابة, فسأل أحدهم, فأفتى له أن يغتسل, فاغتسل فمات -فلمّا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك غضب من فتواهم, لأنّه كان يكفيه أن يتيمّم، فلمّا أشار عليه أن يغتسل اغتسل والتهب جرحه ومات- فقال عليه الصلاة والسلام غاضبًا أشدّ الغضب: قتلوه قاتلهم.
فإن كنت تعلم فتكلّم, وإلا فاسكت, وعبادتك أن تصمت.

من هم أهل الذكر؟ :
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 43]
من هم أهل الذِّكْر؟ هم أهل الوحي؛ أي القرآن، فالدّين هو الوحي والقرآن، والبشر على سطح الأرض، ورحمة الله تقتضي أن ينبّههم، وأن يرشدهم، وأن يعرّفهم، ويهديهم سواء السّبيل، فأنزل على نبيّه القرآن الكريم، وأمره أن يبيّن هذا القرآن الكريم، وهذا هو الدِّين كلّه ؛ قرآنٌ منزّل، وسنّة مبيِّنة، من هم أهل الذّكر؟ هم الذين يعرفون كلام الله وكلام نبيّه، قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 43]
4-وألا تقول على الله ما لا تعلم :
فمن واجبات اللّسان: ألا تقول على الله ما لا تعلم، لأنّ هذا من أعظم المعاصي.
وربّنا عز وجل ذكر المعاصي ورتّبها ترتيبًا تصاعديًا، فذكر الإثم والعدوان, والفحشاء والمنكر، وذكر الشّرك والكفر، وجعل على رأس هذه المعاصي: أن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
الإمام الغزالي يقول: العوام لأن يرتكبوا الكبائر أهْون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
ففي العقيدة لا يوجد تقليد، لو أنّ الله قبِلَ من عباده عقيدةً تقليدًا، لكانتْ كلّ الفرق الضالة على حقّ، ما ذنبُ أتباعها؟ ما فعلوا شيئًا، لقّنوا عقيدة فقبلوها، في العقيدة لا تقبل إلا تحقيقًا، ولا تقبل تلقينًا، ولعلّ المستند في ذلك قوله تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
والعلم يقتضي البحث, والدرس, والأدلة, والتحقيق, والموازنة, إلخ ......
قصة تائب :
حدّثني أخٌ فقال لي: يعود الفضل في توبتي إلى سائق تاكسي، كنتُ أشربُ الخمر، اشتريتُ زجاجات، ركبتُ سيارةً في أيّام الصيف، وكان هناك ازدحام شديد، فلمّا لمحَ السائق الخمرة في يدي، أوقفَ السيارة، وطردني من سيارته، وبقيتُ ساعةً عندها تبتُ إلى الله عز وجل.
إليك هذا المثال على الأمر بالمعروف :
سمعتُ قصّة لطيفة: سائق تاكسي على خط بيروت، جاءه شابّ وشابّة يركبان معه إلى دمشق، ثمّ سألاه أن ينتظر قليلاً لأنّ شخصًا سيأتي بحقيبة، فانتظر السائق فترةً طالتْ، بدأ يتبرّم، فجاء رجل في الثمانين أو السبعين، يحملُ على رأسه حقيبة، فأخذها الشاب منه، ووكزه على صدره، وقال له: لماذا تأخّرت؟ السائق لم ينتبه، وبعد عدة كيلو مترات من المسير, تقول الزوجة لزوجها: لماذا ضربْت أباك؟ فوقف السائق! وقال له: هل هذا أبوك؟ فقال: نعم، فقال السائق: انْزل من هنا, هذا هو الأمر بالمعروف، فإذا تكلّمت بكلمة غلط وردّ عليك كلّ الناس ، حينها لا تتكلم أو تعمل عمل غلط.
قف هنا :
قال لي شخص: سائق باص متفلّت جدًّا, كان يسمع أُغنية ساقطة، وقفَت امرأة محجّبة ، وقالت لهذا السائق, وكان هناك في الباص خمسون رجلاً: هذا الشريط اسمعه في بيتك، أما هذه السيارة فليسَتْ ملكك، ولكن هي ملك هؤلاء الركاب جميعًا، فاستح! وآخر يسبّ الدّين وكلّهم ساكتون، ويفعل المنكر والكلّ ساكتون، لذلك هؤلاء الذين لا يتناهوْن عن منكر فعلوه يستحقّون غضب الله عز وجل، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب, وعدم الأخذ به سبب هلاكهم، ويتجملون بكلام لا أصل له، يقول لك: امش بجنازة ولا تمش بزواج, أعظمُ شفاعةٍ بين اثنين هي شفاعة النكاح، لذلك صار عندنا عادات وتقاليد لا علاقة لها بالدّين إطلاقًا.
5-إرشاد الضال وأداء الشهادة المتعينة وصدق الحديث :
وإرشاد الضالّ من واجبات اللّسان، وأداء الشهادة، فلو كنت راكبًا سيارة، والسائق يمشي من اليمين بسرعة نظاميّة, وطفل قفز أمامه ومات، وأنت الشاهد الوحيد, والله إن لم تذهب مع هذا السائق إلى المحكمة، وتعطّل عملك يومًا أو يومين, وتنقذ هذا السائق من عقاب شديد جدًّا، أو من تكليف لا يحتمله, فأنت لسْتَ مؤمنًا، لا تقل: سوف أعطّل عملي يومين:
عدلُ ساعة أفضل من عبادة ثمانين عامًا.
لذلك قالوا: أنّ حجرًا ضجّ بالشكوى إلى الله عز وجل، قال: يا ربّ, عبدتك خمسين عامًا وتضعني في أسّ كنيف؟ فقال الله له: تأدَّب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم.
والقصّة هنا رمزيّة، فأن يكون الحجر في أس كنيف خير من ذاك المجلس, فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضالّ, وأداء الشهادة المتعيّنة، وصدق الحديث، هذه كلّها واجبات.

من المستحبات :
أما المستحبات: فتِلاوة القرآن، فالواجب فيــه تلاوته في الصلاة المفروضة تلاوةً صحيحة، أما المستحبّ أن تتلو القرآن الكريم، وتداوم على ذكر الله تعالى, لقول الله عز وجل :
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 41]
والمذاكرة في العلم النافع, وتوابع ذلك: ذِكر الله عز وجل بأوسع معاني هذه الكلمة، بدءاً من الدّعاء, والاستغفار, وأذكار النبي -عليه الصلاة والسلام-, والدعوة إليه، وسماع العلم, وتلاوة القرآن، وكلّ هذا متّصل بالذّكر.
عن أبي الدرداء قال:

((قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم؟ قالوا: بلى, قال: ذكر الله))
من المحرمات على اللسان :
1-النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله :
أما ما هو محرّم على اللّسان، قال: النّطق بكلّ ما يبغضه الله ورسوله.
فالغيبة تغضب الله، وكذا النميمة, والمحاكاة، والتحريش بين المؤمنين، والسّخرية، والإفك، وكلّ كلامٍ يغضب الله تعالى كالفحش، وتتبّع العورات، ثمّ النطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسوله، كأن يكون لا أصل له في الكتاب أو السنّة، نروِّجُهُ ونذكرهُ ونبتدعهُ، والدّعاء إلى هذا الشيء المبتدع، والدّعوة إليه هذا محرّم، وكذا تحسينه وتقويته، فلانٌ يدّعي أنّه يعلم الغيب، يقرأ الكف والفنجان، ويمسك بأبراج السماء، هذا كلّه محرّم، فالحديث عنه والدعوة إليه، وترويجه, وتحسينه حرام.
عن عبد الله بن مسعود قال:

((من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول, فقد كفر بما أنزل على محمد))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
2-النطق بالبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان :
فمن المحرمات: النطق بالبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، كأن يقول: فلان يفكّ السّحر, وفلان يوفّق بين الزوجين، وهذا الشيخ مثلاً يجلب الرّزق، هذا كلّه باطل، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًا، فمن نكون نحن؟ وماذا نملك من قدرات حتى ندعي ما ليس نملكه؟.
والقذف أن تتّهم امرأة بالزنا وهي ليسَت كذلك.
هناك شكل من أشكال القذف كأن يُذكر اسم امرأة ولا يتكلّم كلمة، هو من باب القذف، وأحياناً حركات بالوجه أو الحواجب تمطّي، يقول: فلان صاحب دين! وهو يمثّل بفكّه شيئًا! هذا قذف.
وقد ورد في الأثر: أنّ قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.
وهذا من معاصي اللّسان الكبيرة، وكذا سبّ المسلم، يقول لك: هذا لص, هل أنت متأكّد؟
كلّكم يعلم: أنّه من قذف امرأة يجلد ثمانين جلدة، وكذلك الحكم نفسه إذا قذف رجلاً، إذا قال عن إنسان زانٍ يجلد ثمانين جلدة.
امرأة كانت تغسّل ميّتةً، فإذا بيدها تلتصق بجلد هذه الميّتة، وبعد محاولات يائسة لم تستطع نزْع يدها من جلدها، فقالوا: ما الحل؟ أنقطع جزءاً من جلد الميّتة أم نقطع يد هذه المغسّلة؟
يروى أنّ هذه القصّة وقعت في عهد الإمام مالك إمام دار الهجرة، فقال الإمام مالك: لعلّ هذه المغسّلة اتَّهَمتها بالزنا، اجلدوها ثمانين جلدة، وبعد هذا الجلد فُكَّت يدها, والمقذوفة ميّتة.
فقذْف محصنة من الكبائر، وسبّ المسلم من الكبائر، وإيذاء المسلم بالقول، كالسباب الفاحش، وكذا الكذب، والمؤمن لا يكذب.
أخرج ابن عدي والبيهقي, عن سعد بن أبي وقاص, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب))
وشهادة الزور التي تجعل الحق باطلاً والباطل حقًّا. إليكم هذا المثال على شهادة الزور :
حدّثني أحدهم أنه ارتكب مخالفة, واحتاج لشاهد يشهد أنّ هذه المخالفة لم تقع، فيعفى من الحكم، والحكم سجن شهرين، بحث عن شاهد, فطلب منه خمسة آلاف، قال له: لأنّني لم أرَ ما فعلت، وأريد ثمن شهادة الزور، فلمّا دخل إلى المحكمة، فوجد المصحف، فقال له: أريد عشرة آلاف الآن، لأنّ هناك يمين!.
من المحرمات أيضاً :
فشهادة الزور من المحرّمات, وكذا الكذب، وإيذاء المسلم بالقول، وسبّه، وقذف المرأة المحصنة، والحديث عن البدع, والدعوة إليها, وترويجها، وتحبيبها للناس، والقول على الله بما لا تعلم، تقول: الله خلق الإنسان كافرًا، وسوف يضعه في النار إلى أبد الآبدين, كيف يفسّر قوله تعالى:
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾
[ سورة الحج الآية: 15]
هذه دعوة أساسها الجهل، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 28]
هناك دعوة إلى الجبريّة، وهي أنّ الإنسان مجبور على كلّ أعماله، الله عز وجل لا يجبر أحداً على معصية، ولا يكتب شيئًا على إنسان، فالجاهل يصوّر الله عز وجل على أنّه خلق الكافر كافرًا، وقدّر عليه الكفر، وقدّر عليه المعاصي والآثام، ثمّ يضعه في النار إلى أبد الآبدين، ويفعل ما يريد، وهذا من أشد المحرّمات في اللّسان، وهي أن يقول على الله ما لا يعلم، وهو أشدّها تحريماً.
من المكروهات :
ومكروه التكلّم ما تركه خير.
مثلاً يقول: كم يعطونك بالشهر؟ دعهُ فإنّه راضٍ، يقول له: قليل:
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
لماذا طلّقها؟ وما السبب؟ سؤال ثمّ سؤال ثمّ سؤال، أين تسكن؟ وهل هو أجرة أو ملك؟ وهل العقد سياحي؟.
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس.

نهاية المطاف :
هناك كلام على خلاف بين العلماء يستوي فيه الكلام وعدمه، وهو الكلام الذي لم يتعلّق به طاعة أو معصية، كأن تقول: هذا اللّون مناسب لهذا البيت، إن قلت مناسب لا تؤجر ، وإن قلت غير مناسب لا تؤثم، كلامٌ لا يتعلّق به طاعة ولا معصية, فهذه عبادات اللسان.
ويجب أن نعلم أن كلّ عضو وجارحة في الإنسان له عبادة، والمؤمن الصادق يسأل نفسه دائمًا: ما حكم الشرع في هذا؟ والمؤمن بعد معرفته بالله، لا همّ له إلا أن يطيعه، والطاعة تحتاج إلى معرفة الأمر والنهي، فلذلك معرفة منهج الله عز وجل وأمره ونهيه جزءٌ أساسيّ من الدّين.



والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:34 PM   #93


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الواحد و التسعون )

الموضوع : حقيقة العبادة والعبادة المطلقة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما حقيقة التعبد؟ :
1-الصنف الأول: أنفع العبادات وأفضلها أشقها على الأنفس وأصعبها :
منزلة عامة حول إياك نعبد وإياك نستعين، فقد قال بعض العلماء: مقام إياك نعبد و إياك نستعين أربعة أصناف، -يعني ما حقيقة التعبد؟-, الصنف الأول عند هؤلاء القوم: أنفع العبادات وأفضلها أشقُّها على الأنفس وأصعبها.
يعني عند هؤلاء المشقة مطلوبة لذاتها، وقد قيل:
الأجر على قدر المشقة.
وورد حديث لا أصل له: أفضل الأعمال أحمرها؛ أي أصعبها وأشقها.
هؤلاء الفريق من الناس هم أهل المجاهدات والجور على النفوس، أساس العبادة المشقة، أساس العبادة أن تُحمل النفس ما لا تطيق، أساس العبادة تجشُم الصعاب، حرمان النفس، تحميلها فوق طاقتها، هؤلاء فريق من المؤمنين تصوروا أن المشقة أصل العبادة، و علَّلوا بأن النفوس تستقيم بالمشقة، إذ طبعها الكسل والمهانة والإخلاد إلى الأرض، فلا تستقيم إلا بركوب الأهوال وتحمل المشاق، هذا صنف واللهُ أعلم ليسوا على صواب، لأن المشقة لا يمكن أن تكون مطلوبة لذاتها، ولأن دين الله عز وجل دين يسر لا دين عسر.
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ, فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ مُرْهُ فَلْيَرْكَبْ))
فالمشقة لا يمكن أن تكون مطلوبة لذاتها، أما حينما تُفرض علينا نرحب بها، أن تذهب إلى بيت الله الحرام مشياً على الأقدام هذه مشقة لا تُحتمل, وليست مطلوبة لذاتها, ولا ترقى بها، ما دام أن الله عز وجل قد سخَّر للإنسان وسائل المواصلات السريعة، أما حينما يُطلب من المؤمن أن يطوف البيت طواف الإفاضة هناك ازدحام ومشقة، فهذه المشقة فرضتها العبادة، وحينما يذهب المؤمن إلى الجهاد, قد يحتمل ما لا يطيق من الجوع و العطش والحر والقر ومكابدة الأعداء، هذه مشقة فرضها الجهاد أهلاً بها ومرحباً، أما أن أبحث عنها أنا، أما أن أريدها لذاتها، أما أن أجعل المشقة طريقاً إلى عبادة الله، فهذه واللهُ أعلم مشقة لا ترضي الله، لأنه شيء مفتعل. 2-الصنف الثاني: العبادة أفضلها التجرد والزهد في الدنيا ...:
قسم آخر قالوا: العبــادة أفضلها التجرد والزهد في الدنيا، والتقلل منها غايـة الإمكان, وطرح الاهتمام, وعدم الاكتراث بكل ما هو منها، المشقة تحمل الصعاب، أما الزهد العزوف عن الدنيا.
يعني أخشن طعام، أخشن لباس، أصغر بيت، حياة فيها حرمان، لا يوجد اهتمام بشيء.
قالوا: هؤلاء الفريق قسمان: عوامه ظنوا أن الزهد غاية، والتجرد غاية, فشمَّروا إليه, وعملوا عليه, ودعوا الناس إليه. وقالوا:
هو أفضل من درجة العلم والعبادة، فرأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها، هؤلاء عوامهم، أما خواصهم رأوا هذا مقصوداً لغيره، وأن المقصود به العكوف على الله عز وجل، وجمع الهمة عليه، وتفريغ القلب لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه, والاشتغال بمرضاته، فرأوا أن أفضل العبادات اجتماع القلب على الله، ودوام ذكر الله بالقلب واللسان، والاشتغال بمراقبته، والبعد عن كل ما يفرق القلب ويشتته عن الله، فأهل الزهد والحرمان والانسحاب من الدنيا, أهل البعد عن نعيم الحياة وعن رفاه العيش، وعن الطيبات التي رزقنا الله منها، هؤلاء عوام وخواص.
العوام لجهلهم توهموا أن الحرمان مقصود لذاته، وأن الحرمان هو العبادة، احرم نفسك كل شيء؛ الطعام الطيب, والشراب البارد، والفراش الوثير، اجهد أن تكون محروماً، احرم من حولك، فهذه هي العبادة، اللهُ أعلم أنهم ليسوا على صواب، لأن الله عز وجل قال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
من حرّمها؟ لماذا خلق الله الورد؟ للكفار فقــط؟ لماذا خلق الله الشيء الذي يريح النفس؟ للكفار فقط؟
ثم إن هؤلاء أيضاً قسمان: عارفون متّبعون، إذا جاء الأمر والنهي بادروا إليه، ولو فرَّقهم وأذهب جمعهم، أي واحد منهم في حالة طيبة مع الله، مستغرق بكمال الله، دُعي إلى عمل صالح، رفض، هؤلاء أيضاً ليسوا على حق، لأن العمل الصالح يرقى بك، أما هذا الركون إلى هذه السعادة لا ترقى بك.
سيدنا ابن عباس, كان معتكفاً في مسجد رسول الله -صلى الله عليه و سلم-، رأى رجلاً كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال: يا بن عباس, ديــون لزمتني ما أطيق سدادها, قال: لمن؟ قال: لفلان، قال: أتحب أن أكلمه لك؟ قال: إذا شئت، فخرج ابن عباس من معتكفه, قال له رجل: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟.
الاعتكاف فيه راحة نفسية، أنت تصلي، وتقرأ القــرآن، مستغرق، منسجم، مسرور، جاءك إنسان يستغيثك، يريد أن تخدمه، يريد أن تعينه, بعض هؤلاء لا يستجيب لأنــه يفضل سروره باعتكافه على خدمـة الخلق، وبعضهم يستجيب هؤلاء الذين توهموا أن حقيقة العبادة هي الزهد والتجرّد، لكنهم إذا دُعوا إلى عمل صالح بادروا؛ أن أنعِم وأكرم, أما إذا تنصلوا من عمل صالح، هؤلاء أيضاً ليسوا على الحق الله أعلم, هؤلاء الذين لا يلتفتون لعمل صالح وهم معتكفون, لهم بيت من الشعر يستشهدون به:
يطالَب بالأوراد من كان غافلا فكيف بقلب كلُّ أوقاته وِردُ؟
هو سعادته بأوراده فقط، والعمل الصالح لا يعبـأ به، وهؤلاء موجودون في بعض بلاد المسلمين، بل إن هؤلاء أيضاً قسمان: قسم منحرف أشد الانحراف، يترك الفرائض و الواجبات, ويقول: أنا مع الله دائمـاً فأين الصلاة؟
الإنسان إذا ترك الجماعة ينحرف ويتوهم ويبتعد وهؤلاء كُثر، أنا مع الله، الشيء المألوف عند المتفلتين يقولـون: أنا إيماني في قلبي، لا تصلي, وإيمانك في قلبك؟ يقــول: الشيء ليس بالصلاة ولا بالصوم ولا بالحج ولا بالزكاة، لكن الإيمان في القلب.
منهم من يترك السنن والنوافل، وسأل بعض هؤلاء شيخًا عارفاً, فقال: إذا أذَّن المؤذن فأنا في جمعيتي على الله، فإن قمت وخرجت تفرقت، وإن بقيت على حالي بقيت، فما الأفضل في حقي؟ فقال الشيخ: إذا أذّن المؤذن وأنت تحت العرش فقم وأجب داعي الله، ثم عد إلى موضعك, وهذا لأن الجمعية على الله حظ الروح والقلب، وإجابة الداعي حق الرب، ومن آثر حق حظ روحه على حق ربه, فليس من أهل إياك نعبد وإياك نستعين، هؤلاء الذين يقصرون في عباداتهم بدعوى أنهم مجموعون على الله، هؤلاء أيضاً ابتعدوا عن الصلاة. 3-الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كان فيه نفع متعد ... :
الصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما كـان فيه نفع متعدٍّ, فرأوا أفضل من ذي النفع القاصر, النفعَ المتعدي: أن تخدم الخلق، فرأوا خدمة الفقراء, والاشتغال بمصالح الناس, وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والنفع أفضل، فتصدوا له وعملوا عليه، و احتجوا بما ورد عن النبي -صلى الله عليه و سلم-:
((الخلــق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله))
واحتجوا بأن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النفّاع متعدٍّ إلى غيره، و أين أحدهما من الآخر؟.
أنا أعتقد أن هناك رأياً وسطاً: هو أن تجمع بين خدمة الخلق, وعبادة الحق، وبين بذل الجهد, واحتجوا أيضاً بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ, وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ, وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ, إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ, إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا, إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ, فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))
وقالوا: وقد ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنه قال لعلي بن أبي طالب: ((لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً, خير لك حمر النعم))
وهذا التفضيل إنما هو للنفع المتعدي، واحتجوا بقول النبي عليه الصلاة و السلام: نقترب نحن شيئاً فشيئاً من حقيقة العبادة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا, وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا))
أحاديث كلها صحيحة، واحتجوا بأن صاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعه الذي نُسب إليه مستمراً، واحتجوا بأن الأنبياء إنما بُعثوا بالإحسان إلى الخلــق، وهدايتهم, ونفعهم في معاشهم ومعادهم، ولم يُبعثوا بالخلوات و الانقطـاع عن الناس والترهُّب، ولذلك أنكر النبي -عليه الصلاة والسلام- على أولئك النفر الذين هموا بالانقطاع للتعبد, وترك مخالطة الناس، ورأى هؤلاء التفرق في أمر الله, ونفع عباده, والإحسان إليهم أفضل من الجمعية عليه من دون ذلك، وقالوا: إن العبادة هي نفع يصل إلى الآخرين، كنا في المشقة فانتقلنا إلى التجرد؛ أي الزهد، ثم انتقلنا إلى النفع المتعدي. 4-الصنف الرابع: إن أفضل عبادة العمل على مرضاة الرب :
وأما الصنف الرابع، ولعل هؤلاء على صواب, قال: هؤلاء قالوا: إن أفضل عبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك، بما يقتضيه الوقت ووظيفته، و هذا أرقى اتجاه.
قالوا: العبادات في وقت الجهاد هو الجهاد.
عدوٌّ اقتحم علينا بلادنا، أول عبادة أن نقاوم العدو، الجهاد، ولو آل هذا إلى ترك الأوراد, من صلاة الليل, وصيام النهار، بل ومن ترك النوافل.
والعبادة في وقت حضور الضيف القيام بحقه, والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء الزوجة حقَّ زوجها وأهلها وأولادها.
وقت السحر للصلاة والقرآن والدعاء والذكر والاستغفار، إنسان استرشدك إلى مكان أول عبادة أن ترشده إلى المكان، جاهل أرادك عليك تعليم هذا الجاهل، أنت لك هوية، أنت رجل قد تكون ابناً أول عبادة برُّ والديك، أنت رجل قد تكون غنياً أول عبادة إنفاق مالك، أقامك الله عالماً أول عبادة تعليم العلم، أقامك الله قوياً أول عبادة نصرة الضعيف، أقامكِ زوجة أول عبادة رعاية الزوج والأولاد، هذه هويتك، في ظرف وُضعت فيه، ظرف استثنائي، الأب مريض أول عبادة العناية بالأب، الابن عنده امتحان، أول عبادة معاونة الابن، الزوجة مريضة أول عبادة تمريض الزوجة، عندك ضيف أول عبادة إكرام الضيف، أن تعبد الله فيما أقامك, وفي الظرف الذي وضعك فيه، وفي الزمان الذي أظلَّك، أفضل عبادة وقت قراءة القرآن، أن تجمع قلبك على الله، وأن تتدبر آيات القرآن وأن تفهمها حتى تشعر كأن الله يخاطبك فتجمع قلبك عليه .
أفضل عبادة في وقت عرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعِف للجسم، أفضل عبادة في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد ولاسيما التكبير و التهليل والتحميد فهو أفضل من الجهاد غير المتعيّن .
أول عبادة في العشر الأخيـر من رمضان: لزوم المسجد والخلوة والاعتكاف دون التصدي لمخالطة الناس والاشتغال بهم, حتى إنها أفضل من الإقبال على تعليم العلم، وإقراء القرآن عند كثير من العلماء.
وأول عبادة في وقت مرض أخيك المسلم أو موته عيادته أو حضور جنازته وتشييعه ، وتقديم ذلك على خلواتك وجمعيتك .
وأول عبادة وقت نزول النوازل, وإيذاء الناس لك, أداء واجب الصبر مع خلطتك بهم دون الهرب منهم، فإن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم .
الملخص: أن تؤثر مرضاة الله فيما أقامك، وفي الظرف الذي وضعك فيه، وفي الزمن الذي أظلك، وفي الوضع الاستثنائي الذي حلّ بك، هذا أرقى أنواع العبادة.
ما هي العبادة المطلقة؟ :
هؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف قبلهم أهل العبد المقيَّد، هناك تعبد مطلق، و تعبُّد مقيَّد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به من العبادة وفارقه, يرى نفسه كأنه قد نقض وترك العبادة، لأنه يعبد الله على وجه واحد.
لو واحد غذَّيناه: أن العبادة فقط أن تذكر الله، فإذا قام بعمل جليل وخطير وذي نفع عظيم, لكنه ترك ذكره, يشعر بالخطأ الشديد، هذا غُذِّي خطأ، هناك وقت للذكر، وقت للعمل الصالح، وقت لأن تكون مع الأهل والأولاد، وقت لتربية الأولاد، وقت لكسب الرزق، وقت لتؤنس أخوانك، وقت للدعوة إلى الله، وقت للعمل الصالح، وقت لراحة الجسد، هذه العبادة المطلقة.
وأهل العبادة المطلقة ينتقلون من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن منزلة إلى منزلة, وكلما اشتغل بنوعٍ من العبادة, لاح له نوعٌ آخر فأقبل عليها، قلَّما يُصاب بالملل، أصحاب العبادة المقيدة يصابون بالملل والسأم والضجر، أما أصحاب العبادة المطلقة فهم في تجدد دائم، من صلاة, إلى ذكر, إلى عيادة مريض, إلى تشييع جنازة, إلى إنفاق مال, إلى جلوس مع الأهل، إلى زيارة للأقارب, إلى كسب للرزق, إلى برٍّ بالوالدين، أمامه مجال واسع جداً، ويفعل كل عبادة وهو مقبل عليها راغب فيها، إن رأيت العلماء رأيت هذا الإنسان معهم ، وإن رأيت العبَّاد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين المحسنين رأيته معهم، وإن رأيت أرباب القلوب رأيته معهم، هو العبد المطلق، الذي لم تملكه الرسوم المقيدة، ولا النماذج الرتيبة، ولم يكن عمله على مراد نفسه، وما فيه لذتها وراحتها في العبادات، بل هو على مراد ربّه, العبادة المطلقة هي على مراد الله، لا على مراد حظ النفس.
هذا الإنسان المتحقق في منزلة إياك نعبد وإياك نستعين :
قال: هذا الإنسان هو المتحقِّق في منزلة إياك نعبد وإياك نستعين، يا رب نعبدك فيما أقمتنا, نعبدك في الظرف الذي وضعتنا فيه، نعبدك في الزمان الذي أظلّنا، نعبدك في وقت راحتنا، ووقت تعبنا ونصبنا، نعبدك في كل ظرف استثنائي، نؤثر مرضاتك في عبادتك، ولا نؤثر حظوظ نفسنا في عبادتك.
هذا هو المتعبِّد حقًا، القائم بالعبادة صدقاً، ملبسه ما تهيَّأ له، مأكله ما تيسر له، اشتغاله بما أمره الله به في كل وقت من وقته, ومجلسه حيث انتهى به المكان، ووجده خالياً، لا تملكه إشارة, ولا يتعبده قيدٌ، ولا يستولي عليه رسم، حرٌّ مجرد، دائر مع الأمر حيث دار، يدين بدين الآمر, أنَّى توجّهت ركائبه، ويدور معه حيث استقلت مضاربه، يأنس به كلُّ مُحق، و يستوحش به كلُّ مبطل، كالغيث إذا وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعة حتى شوكها، وهو موضع الغلظة منه، على المخالفين لأمر الله, والغضب إذا انتهكت محارم الله, فهو لله، وبالله, ومع الله, صحب اللهَ بلا خَلق، وصحب الناس بلا نفس، بل إذا كان مع الله, عزل الخلائق عن البين وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه, عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فواهًا له ما أغربه بين الناس، وما أشد وحشته منهم، بل ما أعظم أنسه بالله وفرحه به، وطمأنينته وسكونه إليه!!.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:36 PM   #94


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثانى و التسعون )

الموضوع : عبادة القلب







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
متى يستقيم إيمان العبد؟ :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والحديث اليوم عن عبادة القلب.
لا شك أن عبادة الظاهر يعرفها معظم الناس، وهي موضوع دروس كثيرة في أكثر المساجد, ولكن عبادة القلب مهمة جداً، لأنه إذا استقام القلب استقامت الجـوارح:
لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه.
ولأن الله عز وجل يقول:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ, وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ, فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ, وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَات,ِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ, أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى, أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ, أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً, إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))
عبادة القلب، وننطلق من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 11]
اعبد الله في أعضائك وجوارحك, وكسب مالك وإنفاق مالك, وتربية أولادك وعلاقاتك, وفي أفراحك وأتراحك, وفي حلك وترحالك, اعبد الله مخلصاً، والإخلاص عبادة القلب.
من واجبات عبادة القلب :
قال: هناك عبادة واجبة.
فالمتفق على وجوبه الإخلاص، والتوكل, والمحبة, والصبر, والإنابة, والخوف, والرجاء, والتصديق الجازم, والنية في العبادة، هذه واجبات عبادة القلب، لا بد من أن تكون مخلصاً، ولا بد من أن تتوكل على الله، ولا بد من أن تحب الله, وأن تصبر على قضائه وقدره, وأن تنيب إليه, وأن تخاف منه, وأن ترجو رحمته, وأن تصدق بكلامه وكلام أنبيائه، أن تنوي في العبادة التقرب إليه، لئلا تكون العبادة عادة.
كيف نميز العبادة عن العادة؟ :

الحقيقة: الإخلاص شيء والنية في العبادة شيء آخر، نية العبادة تفرِّقها عن العادة، الإنسان حينما يألف العبادات يفعلها وكأنها عادات، يفعلها ويتأثر بها، يفعلها ولا يرقى بها، فإذا نوى في عباداته التقرب إلى الله عز وجل تكون هذه العبادة كاملة، بل إن بعض الناس يقول لك: الصلاة رياضة والصيام صحة، هذا كلام خطير، لو أنك انبعثت إلى الصلاة من أجل صحة جسدك، إذاً ليست هي عبادة، حينما تصلي هناك نتائج إيجابية كبيرة جداً من الصلاة، أما حينما تنوي بالصلاة لتروِّض جسمك فجعلتها عادة ولم تجعلها عبادة, النية مطلوبة ، لذلك علماء العقيدة والفقهاء رجّحوا أن تتلفظ بالنية مع أنها من عمل القلب، ولكن التلفظ بها يذكِّرك بهذه النية, بل إن السلف الصالح -هل تصدقون- كان أحدهم إذا فتح دكانه, يقول:
نويت خدمة المسلمين.
انقلبت تجارته إلى عبادة.
طبيب دخل إلى عيادته, إذا قال: يا ربِّ وفِّقني لمعالجة هؤلاء المسلمين وشفائهم من أمراضهم وتقريبهم منك، كأنه يصلي في عيادته.
لو محامٍ دخل إلى مكتبه فقال: يا ربي هيِّئ لي إنساناً مظلوماً يكون صادقاً معي، وأبعدْ عني الإنسان الظالم الذي يريد أن يستخدم علمي ليأخذ ما ليس له, هذا المحامي مكتبه أصبح مسجداً، أصبحت حرفته عبادة.

لو مدرس لم يربط بين دخله القليل وبين تعليم الطلاب، أي لم يعلِّمهم على قدر معاشه، نوى بحرفته خدمة المسلمين، وتعليم أبنائهم، وأن يكون قدوة لهم، أصبح تدريسه عبادة.
تاجر جاء ببضاعة جيدة وسعّرها بسعر معتدل ونوى بها خدمة المسلمين، أصبحت تجارته عبادة، المنافق عبادته عادات لا قيمة لها والمؤمن عاداته عبادات, فلذلك كي نميز العبادة عن العادة لا بد من النية، أنوي أن أصوم رمضان تقرباً إلى الله عز وجل، أنا أصلي لأن الله أمرني بالصلاة، لا أفكر أبداً أن هذه الصلاة تريِّض جسمي وتخفف وزني وتنشطني, هذا بحث آخر.
ما الفرق بين الإخلاص والصدق؟ :
هناك إخلاص وهناك صدق؛ الإخلاص ألاّ يكون المطلوب منقسماً، أي مطلوبك ليس مع جهات، أنت ترضي زيداً وعبيداً وفلاناً وعلاناً وترضي الله، لست مخلصاً، ينبغي أن يكون المطلوب واحداً هو الله:
إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي.
أما فلان له عليّ يد يجب أن أرضيه، وفلان قوي أحتاجه في المستقبل سأزوره، فالمقصود متعدِّد، فلست مخلصاً، أما المؤمن فمقصوده هو الله وحده، لا إله غيره، هذا الإخلاص عدم انقسام المطلوب، أما الصدق عدم انقسام الطلب، طالب الآخرة, وطالب الدنيا، وطالب الراحة, وطالب السمعة, وطالب المجد، فالطلب انقسم، فالصدق عدم انقسام الطلب، أما الإخلاص عدم انقسام المطلوب.
الأخطار التي تحدق بالإنسان لا تعد ولا تحصى :
الواجبات القلبية هي: الإخلاص, والتوكل, والمحبـة, والصبر, والإنابـة, الرجاء, و التصديق الجازم, والنية في العبادة.
نحن ألِفنا أن نفعل واجبات الجسد، وقد يضيق قلبنا، قد لا نسعد ببعض عباداتنا لأننا أهملنا عبادة القلب، طبيعة الحياة المعاصرة فيها أخطار صحية، وهناك تلوث عام, هناك أخطار السير، هناك أخطار أن تُتهم بتهمة أنت بريء منها، هناك سيوف مسلّطة على الإنسان, هكذا شاءت حكمة الواحد الديّان، فالتوكل يريحك من هذا الضغط.
إذا أردت أن تعدِّد الأخطار التي تحدق بالإنسان لا تُعد و لا تُحصى, أبسطها:
عامل بمطعم من أرقى المطاعم، من أنظف المطاعم, عنده موظف يحمل فيروس التهاب الكبد الوبائي، هذا مرض قاتل، ويكفي ألا يبالغ في تغسيل يديه عقب دخوله للحمام حتى يصيب ثلاثمائة إنسان من رواد هذا المطعم بمرض التهاب الكبد الوبائي, دخلت مطعماً, وأكلت طعاماً حلالاً, ودفعت ثمنه من كسبك الحلال، فهذا خطر، الأخطار التي تهدد الإنسان لا سيما في هذا العصر لا تعد ولا تحصى، دخل إلى الحمام, وفي أرض الحمام ماء, ولم يلبس حذاء، ومسك التيار الكهربائي يموت فوراً، فهناك أخطار كبيرة جداً، كيف نسعد مع هذه الأخطار؟ بالتوكل، الأمر بيد الله، أنا آخذ بالأسباب, وانتهى الأمر، وعلى الله الباقي.
من عبادات القلب :
1-الصبر :

الصبر مثلاً من عبادات القلب.
أخ كريم سألني: إذا أصيب إنسان بمصيبة وتألم منها، هل هذا الألم يلغي صبره؟ قلت له: لا، نحن بشر، وتجري علينا كل خصائص البشر، فالإنسان إذا فقد ابنه يتألم ألماً شديداً، وهذا الألم لا يلغي صبره، ذلك لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما مات ابنه بكى.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
((دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ, وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام, فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِبْرَاهِيمَ, فَقَبَّلَهُ, وَشَمَّهُ, ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ, وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ, فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَذْرِفَانِ, فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا بْنَ عَوْفٍ, إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى, فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضي رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
فالإنسان قد يتألم لضيق مادي، وقد يتألم لمرض مؤلم، وقد يتألم لولد فقده، هذا الألم لا يلغي الصبر، أما الصبر أن تقول: الحمد لله رب العالمين.
إليكم هذه الآية التي تبين منزلة الصبر عند الله :
الإمام أحمد يقول: ذُكر الصبر في تسعين موضعاً في القرآن, وأعظم آية تبين منزلة الصبر عند الله قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 10]
وهناك آية كريمة يقرؤها الإنسان يقشعر جلده، لما ربنا قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية: 43]
إنسان يصاب بمصيبة؛ يشكو ويبكي ويصيح ويتشكى ويتبرم، وإنسان آخر مصيبته أشد وأقوى تراه ساكتاً.
قصة مستشفى :
أخ طبيب حدثني عن قصة مستشفى, دخله مريض معه ورم خبيث في أمعائه، يبدو مؤمناً، قال لي: عجيب! كلما دخل عليه زائر, يقول له: اشهد أني راض عن الله، يا ربي لك الحمد, قال لي: وجهه منير، لا يتبرم ولا يسخط, يتهافت الأطباء إلى خدمته، ما من واحد دخل إلى غرفته إلا وشعر بالراحة، رائحة الغرفة عطرة، كلامه طيب، مستبشر، وبعد يومين توفاه الله عز وجل على أحلى حال، لحكمة بالغة بالغة أرادها الله عز وجل, جاء بعده مريض لهذه الغرفة, مصاب بالمرض نفسه، سباب شتام، وجه أسود مكفهر، نفسية غريبة جداً، كلام قاس، كلام كفر، لا أحد يدخل عليه، من شدة رائحة غرفته التي لا تقابل، وبعد يومين توفي المريض، فالأطباء في المستشفى والممرضون رأوا نموذجين لمرض واحد، وهذا معنى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ, وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ, إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ, وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وليس ذلك لغير المؤمن، فللصبر في القرآن الكريم تسعون موضعاً. هذا الصبر الجميل :

لكن هناك صبر جميل.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ:
((اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ –قَالَ- فَمَاتَ, وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ, فَلَمَّا رَأَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ, هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ, فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ, قَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ, وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ, وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ, قَالَ: فَبَاتَ, فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ, فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ, أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ, فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا كَانَ مِنْهُمَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا, قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ))
هذا صبر. كيف يتخلص العبد من السخط على قضاء الله وقدره؟ :
والصورة القابلة: أعرف رجلاً مات ابنه في الخامسة عشرة، ترك الصلاة وكأنه ارتد عن الدين، لأن الله عز وجل قبضه, فالصبر دليل الرضا, السخط حرام، ولا خلاص منه إلا بالرضا.

الإمام الشافعي كان يمشي وراء إنسان يطوف حول الحرم، قال الرجل: يا ربي هل أنت راض عني؟ فقال له الإمام الشافعي: وهل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال: يا سبحان الله من أنت؟ أنا أرجو رضاه، وتقول: أرضى عنه؟ كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه!؟ قال: يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
والبطولة: أن ترضى عن الله في الامتحان، أن ترضى عن الله في المصيبة، أما أن ترضى عن الله وأنت في بحبوحة, هذا شيء بديهي لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
وفي الأثر: من لم يصبر على بلائي, ولم يرض بقضائي, فليتخذ رباً سواي.
والإنسان عندما يقول: الحمد لله رب العالمين, فقد نجح في الامتحان، والصبر عند الصدمة، الصبر مع تلقي الخبر، لكن بعد حين سوف تصبر مقهوراً.
هناك عوام لهم كلمات -والعياذ بالله- شيطانية، يقولون: ما بعد الصبر إلا المجرفة و القبر, هذا شيطان يتكلم.
هذا الصبر عند الله :
أما الصبر عند الله:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 10]
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾
[سورة النحل الآية: 127]
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾
[سورة المدثر الآية: 7]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾
[سورة آل عمران الآية: 200]
إلهٌ يأمرنا أن نصبر، يأمرنا أن نرضى بقضائه وقدره، هذا النبي الكريم الذي قال الله عنه:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[سورة ص الآية: 44]
2-التوكل :
ومن عبادة القلب التوكل، والتوكل فيه أمر، قال تعالى:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 84]
أحياناً يقول لك أخ: خائف، تعبد من؟ تعبد من بيده كل شيء، وهذا الإله العظيم الذي تعبده, ألا تعتقد أنه يحميك؟ ألا تعتقد أنه يدافع عنك؟ .

أضرب مثلاً: شاب دعي إلى الخدمة الإلزامية, تعامل مع رتبة أعلى منه بقليل, وهددَّته هذه الرتبة، وكان أبوه قائد الجيش، أمعقول أن يبكي؟ أمعقول أن ينخلع قلبه من الخوف؟ معنى ذلك أن في عقله خللاً، أنت تعبد الله، والله بيده كل شي، بيده الأقوياء, وبيده كل أسباب الأمراض، وبيده السلامة, وبيده السعادة, وبيده الغنى، مع الإيمان بالله ليس هناك شقاء، أكبر سلاح هو سلاح الدعاء، بالدعاء أنت مع الله، أنت تستفيد من قدرة الله, ومن علم الله, ومن رحمة الله, ومن فضل الله، ليس مع الإيمان شقاء أبداً، هذا الإيمان فيه سعادة، سمِّها إن شئت سكينة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، والله عز وجل قادر أن يهبك السعادة, وأنت في أصعب الأحوال, وأنت على الشوك، أين وجد السعادة أهل الكهف؟
في الكهف، كانوا في القصور فأووا إلى الكهف، فنشر الله لهم من رحمته، ورحمة الله مع الكهف أعظم بكثير من حجب رحمته وأنت في بيت فخم، رحمة الله وأنت في سرير المرض أفضل بكثير من حجب رحمة الله عنك وأنت في صحة تامة، رحمة الله وأنت في الفقر أفضل بكثير من أن تُحجب عنك رحمته وأنت في الغنى، قال تعالى:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 84]
إذًا: التوكل أيضاً من عبادات القلب. 3-الإنابة :
وكذلك الإنابة، قال تعالى:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
أمر إلهي، ارجع إليه، المؤمن له مرجعية، أعظم مرجع هو الله عز وجل، يحاسب نفسه: يا ربي هل أنت راض عني؟ هل لي عمل لا يرضيك؟ هل هناك خطأ لا أعرفه؟ هل تحبني؟ هل أنت راض عن سلوكي؟ هل أنت راض عن معاملتي للخلق؟ أقم معه علاقة, ناجِه.
جاءني أخ كريم, وقال لي: كنت عند طبيب غير مسلم، طبيب نفسي، حدّثته عن قصتي, وعن مشكلتي النفسية, وأعالج عنده، قال: قال لي: أنت مشكلتك أنك تشعر أن الله لا يحبك، لا بد من أن تناجي ربك, ولا بد من أن تستغفره، ولا بد من أن ترضيه، وإذا سلكت هذا المسلك شفيت من مرضك، فعجب! وهذا كلام حق، أنا ليس عندي حالة صحة نفسية إلا بالقرب من الله عز وجل، إذًا أُمرنا أن نتوكل عليه:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 84]
وأمرنا بالإنابة إليه, فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
وأمرنا بالإخلاص، فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
4-الخوف من الله :
الخوف من الله من عبادات القلب.
يا موسى خف ثلاثاً؛ خفني, وخف نفسك, وخف من لا يخافني.
أبعد إنسان عن الله هو الذي لا يخاف الله، طبعاً الذي لا يخاف الله أحمق ومحدود و مطبوع على قلبه، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 175]

حقيقته: أنتم في أمس الحاجة إليها؛ في علاقاتكم اليومية، وفي بيعكم, وشرائكم, وتعاملكم مع كل الجهات القوية، أنا أعتقد أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخاف منه فيما بينك ثم يخيفك من أحد خلقه، دقِّق في هذه الكلمة: مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخاف منه فيما بينك ثم يخيفك من أحد خلقه، أما إذا لم تخفه فيما بينك وبينه وتجاوزت حدك لا بد من أحد من خلقه تأديباً لك، أنت إذا خفت من الله خافك كل شيء، وإن لم تخف من الله أخافك من كل شيء، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 175]
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾
[سورة التوبة الآية: 13]
﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
[سورة البقرة الآية: 40]
انظر إلى هذه العلاقة الطردية والعكسية في القلب :
هناك علاقات بالقلب رائعة: هناك علاقة طردية وعكسية؛ العلاقة الطردية: إذا زاد –أ- زاد الباء، هذه علاقة طردية، والعلاقة العكسية إذا الألِف زادت نقصت –ب-، نأتي بمثل نقطتان نقطة بينهما، فإذا اتجهت بهذه النقطة إلى اليمين إذا قلّت هذه المسافة، بالمقابل زادت هذه المسافة عن اليسار، إن اتجهت بها إلى اليسار فقلَّت مسافة اليسار زادت مسافة اليمين، هذه اسمها علاقة عكسية، أما العلاقة الطردية: كلما ارتفعت نسبة الملح في الطعام ارتفعت نسبة الضغط، علاقة الضغط مع الملح علاقة طردية، كلما زدت من الملح ارتفع ضغطك، و كلما قلَّلت من الملح انخفض ضغطك، هذه علاقة طردية، يبدو أن بين بعض الصفات وبين نتائجها علاقة عكسية، إذا افتقرت إلى الله أصبحت غنياً, إذا خفت من الله أصبحت آمناً، إذا أعلنت جهلك أمام الله أصبحت عالماً، إذا تبرّأت ممن حولك أصبحت محفوظاً من الله عز وجل، الله عز وجل أكثر الصفات معه علاقة عكسية, كلما ازددت تواضعا لله زادك عزاً، كلما ازددَّ افتقاراً له زادك قوة، لذلك قال بعض العارفين:
وما لي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
5-الصدق والمحبة :
الصدق أيضاً من عبادات القلب، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 119]
والمحبة أيضاً من عبادات القلب، لذلك قال سيدنا عمر:
تعاهد قلبك.
6-الرضا :
الرضا جاء في القرآن مدح أهله والثناء عليهم، وفي الحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم:

((إن استطعت أن تعمل الرضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن مع الصبر على ما تكرهه النفس خيراً كثيراً))
ورد أيضاً في الأثر: إذا أحببت عبدي ابتليته، فإذا صبر اجتبيته، وإذا شكر اقتنيته.
أب يؤدب ابنه, وبعد هذا التأديب, يأتي ابنه ويقبِّل يد أبيه، يقول له: جزاك الله خيراً عن هذا التأديب، هذا هو الولد البار وهو نادر من أندر الأولاد، كيف المؤمن يسوق الله له المصيبة وقد تؤلمه، لكنه في سجوده يقول: يا ربي لك الحمد على ما ألم بي من مصيبة، فهو ضمن العناية المشددة.
انظر إلى طبيب وجد مع إنسان التهاب معدة حاداً، يعطيه تعليمات شديدة، وإذا وجد معه ورماً خبيثاً منتشراً يتساهل معه، يقول له: كل ما شئت، لما ربنا يؤدِّبك معنى ذلك أنت داخل بالعناية المشددة، لما ربنا يهملك معناه المرض خطير جداً، وبعبارة أخرى إذا الله عز وجل ساق لك مصيبة فهذه محض رحمة منه، محض اهتمام، لذلك الصحابة الكرام يشكرون الله على المصيبة يا ربي لك الحمد، قال الشاعر:
لئن ساءني إن نلتني بمساءة فقد سرَّني أني خطرتُ ببالك
معنى أني ضمن اهتمامك يا ربي، هذه حالة نفسية عالية جداً.
الرضا أعلى مرتبة من عبادات الله، وأسوأ مرتبـــة من حالات القلب أن تسخط على الله عز وجل، الصبر من دون رضا بينهما، أعلى شيء الرضا، وأسفل شيء السخط، و بينهما الصبر من دون رضا. هذه العلاقة بين الرضا وبين الألم :

هناك أناس أشكل عليهم العلاقة بين الرضا وبين الألم، قد تتألم وأنت راض عن الله، تماماً كما أن المريض الذي يشرب الدواء المر وهو راض عنه، لأنه سبب صحته، كما أن المسلم يصوم رمضان في أيام الصيف, وهو يعطش عطشاً لا حدود له، ويجوع جوعاً شديداً، ومع ذلك راض عن الله في هذا الصيام، لذلك الألم لا يتناقض مع الرضا، هذه ناحية مهمة جداً.
ينبغي أن ترضى عن قضاء الله وقدره, وينبغي أن ترضى عن أمره التشريعي، الصلاة ينبغي أن ترضى بهذه الفريضة، الصوم والحج والزكاة، لو فيها ازدحام ولو فيها حر ولو فيها إنفاق، فينبغي أن ترضى عن أمره التكليفي, وينبغي أن ترضى عن أمره التكويني، الرضا هنا نوعان: عن قضاء الله وقدره، وأن ترضى عن أمره التكليفي.
7-الخشوع في الصلاة :
ثم إن الخشوع في الصلاة من عبادات القلب، الخضوع في الصلاة.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ قَالَ:
((رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فَأَخَفَّ الصَّلَاةَ, قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ قُمْتُ إِلَيْهِ, فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ لَقَدْ خَفَّفْتَ, قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَنِي انْتَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا, قَالَ: فَإِنِّي بَادَرْتُ بِهَا سَهْوَةَ الشَّيْطَانِ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا))
وقم فصل فإنك لم تصلَّ. هذه معاصي القلب :

الآن: وقفة سريعة عند معاصي القلب، تحدثنا عن عبادات القلب، والآن الحديث عن معاصي القلب: الرياء، الكبر, والعجب, والحسد, والغفلة, والنفاق، الفخر, والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله, والأمن من مكر الله, والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا, وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، و تمني زوال ذلك عنهم, وتوابع هذه الأمور شيء خطير، هي من كبائر القلب وهي كبائر مهلكة.
وعندنا كبائر ظاهرة، الباطنة مهلكة، الكبائر الظاهرة يمكن أن يتوب الإنسان منها، أما الكبائر الباطنة مستحكِمة.
الآن صغائر المحرمات، شهوة المحرمات وتمنيها، ما فعلَها لكن يتمناهـا، هذه معصية القلب، شهوة البدعة فسق، شهوة الكبائر معصية، إن تركها مع القــدرة عليها أثيب ، وإن تركها عجزاً بعد بذله مقدوره لتحصيلها استحق عقوبة فاعلها.
هذه بعض عبادات القلب, وبعض المعاصي الكبيرة منها والصغيرة المتعلقة بالقلب.
سيدنا عمر كان يقول: تعاهد قلبك:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]


والحمد لله رب العالمين






 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:38 PM   #95


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثالث و التسعون )

الموضوع : عبادة السمع - الاذن





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
هذه العبادة عند المؤمنين :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثالث والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والموضوع متعلق بالعبادة، والعبادة علّة وجودنا على وجه الأرض، لقوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
والعبادة عند العــوام ضيِّقة جداً؛ أن تصلي, وأن تصوم, وأن تحج، وأن تؤدي الزكاة، أما العبادة عند المؤمنين الصادقين تشمل كل شيء، تشمل كل الأوقات، وتشمل كل الأماكن، وتشمل كل النشاطات، وكل الأعضاء، فكيانك بكل جزئياته متعلق بالعبادة، فالقلب له عبادة، والعين لها عبادة, والأذن لها عبادة، واللسان له عبادة، واليد لها عبادة، والرجل لها عبادة، بل إن الإنسان حينما يفعل شيئاً أباحه الله له، يفعله في موضعه, ومع الشيء الذي سمح الله به, هو في عبادة، حينما نفهم العبادة فهماً واسعاً, نكون في المستوى الذي أراده الله لنا.
أرأيتم إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-, وهو في أقرب حالة مع الله, قال تعالى:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
[سورة النجم الآية: 10]
أيها الإنسان, تبلغ أعلى درجة الرقي حينما تكــون عبداً لله، لأن الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، العبد يغتني بافتقاره إلى الله, ويقوى بإعلان ضعفه، ويعلم بالشعور أنه لا يعلم، لأنك مفتقر إلى الله، تأتيك الإمدادات من الله عز وجل. من عبادات الأذن :
لو أننا وقفنا وقفة قصيرة عند عبادة الأذن. قال: من أولى عبادات الأذن الإنصاتُ للحق.
أن تصغي، والإصغاء عند الله عز وجل السماع الذي يعقبه التطبيق، والدليل قول الله عز وجل:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
[سورة التحريم الآية: 4]
علامة الإصغاء: أن يُترجم الذي سمعتَه إلى سلوك، وإلا فليس هذا عند الله إصغاءً، لقوله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 21]
تسمع أنت حينما تستجيب، وتُسمى عند الله سامعاً؛ حينما تفعل، حينما تتحرك، والإيمان حركة, ليس في الإيمان سكون، الإيمان إيجاب، ليس في الإيمان سلب، الحالة السلبية الانسحاب والانزواء والتقوقع، هذه كلها صفات لا يقرها الإيمان, الإيمان حركة، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن, حتى تُعبِّر عن ذاتها بذاتها، بحركة، الإيمان وقوف، والإيمان خروج من البيت، الإيمان مساعدة، الإيمان نصح، الإيمان دعوة، الإيمان أمر بالمعروف، الإيمان نهي عن المنكر، أما الوضع السلبي والانهزامي، وانسحب، وتقوقع، ولم يفعل شيئاً، هذا ليس من صفاء المؤمن، لذلك من عبادات الأذن: الإنصات إلى الحق، وأنت في درس العلم في عبادة، لأنك تتلقَّى العلم، والتلقِّي عبادة من أجلِّ العبادات، لأنك:
إن أردتَ الدنيا فعليك بالعلمِ، وإن أردتَ الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتَهما معا فعليك بالعلم، إن أردت النجاة فعليك بالعلم، وإن أردت السلامة فعليك بالعلم، وإن أردت السعادة فعليك بالعلم.

أنت كائن ميزتك الوحيدة العلم :
أنت مخلوق ميَّزه اللهُ بالعلم، ما من مخلوق في عالَم الأرض إلا ويفوق الإنسان.
الحوت الأزرق وزنه مائة وخمسون طناً، أنت ما وزنك؟
أعلم علماء الأرض الذي معه أعلى شهادة في الزلازل, لا يمكن أن يتنبَّأ الزلزال قبل وقوعه ولا بثانية، أما الحمار فيتنبَّأ بالزلزال قبل وقوعه بخمس عشرة دقيقة.
للكلب حاسة شم تفوق شم الإنسان بمليون ضعف.
الصقر يرى ثمانية أضعاف ما يراه الإنسان، الصقر وهو في علياء السماء, يرى السمكة تحت الماء، وينقضّ عليها، هناك حيوانات تبلغ سرعتها مائة وخمسة وعشرين كيلو متراً في الساعة، في أعماق المياه تعيش أسماك في خليج مريانة، هذا أعمق مكان في الأرض، اثنا عشر ألف متر تحت سطح الماء، خليج مريانة في المحيط الهادي، غوَّاصة مبنية من الفولاذ المصفَّح بعد مئتي متر تُحطَّم من ضغط الماء، وهذه السمكة تمشي وتسبح في خليج مريانة، ما من صفة مركبة في الإنسان إلا وفي الحيوان ما يزيد عليها، طب أسنان متفوق، هناك حيوانات إذا فسد أحد أسنانها نما مكانه سنٌّ جديد، أين هو طب الأسنان؟ .
هناك حيوان لو قطعت يده لنمَت له يدٌ جديدة، هذا فوق طاقة البشر، هناك نوع من الديدان, لو قسمتها قسمين ينمو برأسها ذنَب ولذنَبها رأس.
إذًا: أنت كائن ميزتك الوحيدة العلم، العلم هي الحاجة العليا في الإنسان، أنت تؤكد أنك إنسان إذا طلبت العلم، فإذا عزفت عن العلم, تؤكِّد أنك لست من بني البشر.

ما هو الإصغاء عند الله؟ :
ومشكلة الناس اليوم: أنهم يعيشون لحظتهم, ويعيشون وقتهم من دون أن يدركوا ما سيكون بعدها، الإنصات، الإصغاء عند الله هو التطبيق، السماع والتطبيق، أما سماع بلا تطبيق فلا يكون، واليهود ماذا قالوا؟
قالوا: سمعنا وعصينا، أما المؤمنون قالوا: سمعنا وأطعنا، فالطاعة تؤكد سلامة السماع.
أيضاً: الاستماع لما أوجبه الله ورسوله, عليك أن تستمع إلى الشهادتين، أن تستمع إلى أركان الإيمان وأركان الإسلام، أن تستمع إلى تفسير القرآن، أن تستمع إلى بيان الحكم الفقهي، أن تستمع إلى سيرة سيد الأنام، فهذه الأذن ينبغي أن تستمع إلى الحق، لا إلى الغناء، والغناء ينبت النفاق.
ورد في الأثر: عن أنس بن مالك, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

((من استمع إلى قينة, صب في أذنيه الآنك يوم القيامة))
والآنك: الرصاص المذاب.
استماع القراءة في الصلاة، إذا جهـر بها الإمام، هذه من عبادات الأذن، واستماع خطبة الجمعة.
ماذا قال علماء التفسير حول المراد من معنى هذه الآية:
هناك إنسان أحياناً يجلس في خطبة جمعة ولا يفهم شيئاً، خاطــره يجول في تجارته، في بيته، في نزهته، في جمع ماله، يقول لك: واللهِ ما فهمت شيئاً، لكن الله عز وجل كتبها لي جمعة، لما ربنا عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[سورة الجمعة الآية: 9]
قال علماء التفسير: ذكر الله سماع الخطبة: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾
[سورة الجمعة الآية: 9]
قال: الاستماع إلى خطبة الجمعة، استماع القراءة إذا جهر بها الإمام، الاستماع إلى أركان الإيمان وأركان الإسلام، الاستماع لما أوجبه الله عز وجل، الإنصات للحق، هذا أدب عظيم. من سوء الأدب :
أحياناً: تكون في جلسة والمتكلم يتلو قصة تعرفها، الأدب أن تصغي، ولو أنك تعرفها ، لأنه كان عليه الصلاة والسلام يصغي لمحدثِّه، وهذا من أدبه العالي، فتراه يصغي للحديث, بسمعه وقلبه ولعله أدرى به.
هذه القصة ينتفع بها طالب علم جديد، تعلمها أنت وغيرك لا يعلمها، إذا تكلمت يتكلم معك، يقول: هذه أعرفها، تحكي كلمة فيكملها، هذا من سوء الأدب.

ما يحرم سماعه :
يحرم استماع الكفر والبدع، مجلس يقال فيه كفر، يحرم عليك أن تجلس في هذا المجلس، قال: إلا هناك استثناءات، لأن الإنسان يجب ألا يمكِّن نفسه من سماع الكفر، لعله في ضعف فيتمكن، قال الشاعر:
عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا فارغا فتمكنَّا
لذلك حينمـا يجرون حواراً في بعض المحطات الفضائية, يأتون بملحِد ورجل مسلم, ويتحاوران ويكادان يتجاذبان ويختصمان، قال: هذا خطأ كبير ما فعله النبي، ذلك لأن كلام الملحد وحججه, قد تصادف قلباً فارغاً فتتمكن منه.
أنت مستحيل كأب أن تسمح لأولادك يشاهدون مناظر إباحية، من أجل أن يحتاطوا، قد يقعون في شراك هذه المناظر، فكما أنك لا ترضى لأولادك أن يشاهدوا شيئاً يفسد أخلاقهم، كذلك لا يمكن أن نسمح لطالب علم شرعي أن يشاهد شيئاً يفسد عقيدته.

ما يستثنى سماعه :
قال: هناك استثناء إلا أن يكون في استماعه مصلحة راجحة، إذا إنسان إيمانه قوي جداً, إذا استمع إلى الباطل بحث عن ردٍّ له، بحث عن حجة تدحضه، فحينما يستمع إنسان متفوق إلى بدعة، إلى مذهب وضعي، إلى فرية, إلى تزوير على الله عز وجل، إلى افتراء على الله وعلى رسوله، عنده ألف دليل ودليل على بطلان هذا, فقد يستمع العلماء الكبار ليردوا عليهم, أو ليشهدوا على قائلهم، أو ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، لأنه بضدها تتميز الأشياء. معنى ذلك: أن الإنسان قبل أن يقوى ينبغي أن يكون في حمية، أما بعد أن يقوى نقول له: أنت وربك.
يعني -واللهُ أعلم- الإنسان في البدايات ينبغي أن يكون له مرجعية واحدة، أو تغذية واحدة, أو منبع واحد، أو اتجاه واحد، أو جامع واحد، السبب: لا يوجد عنده في البدايات قدرة على التمييز، فلو نوّع المصادر سيفاجأ بما هو متناقض بين مكان ومكان, وفئة وفئة، قد يحتار.
الآن: ائت بمريض ذهب إلى طبيب, فقال له: أنت دواؤك الراحة، اذهب إلى الفراش واستلق، معه بوادر أزمة قلبية، لو ذهب هذا المريض إلى طبيب آخر, درس في جامعة أخرى, يقول له: المشي ضروري جداً لك، المشي يقوِّي القلب، تمزَّق المريض، فماذا يفعل؟ يحتار، أما لو اكتفى بطبيب موثوق بعلمه وبخبرته, وحافظ على توحيد التوجيه يرتاح.

نصيحة :
أنا أنصح الأخوة الكرام, طلاب العلم في البدايات أن يحافظوا على وحدة منهجهم، وعلى وحدة التلقي، وعلى وحدة المصدر حتى لا يكون هناك تناقضات توقعهم في حيرة, ولا يملكون الدليل على أيها أرجح، فلذلك يمكن أن تستمع إلى بدعة أو إلى كلام مناقض للشرع والدين دون أن تتأثر، بالعكس تحتقره، بالعكس تجد تناقضه، وتجد صفاقته، وتجد أنه هزيل غير متماسك، معك على نقيضه ألف دليل ودليل، أما طالب علم عوده رقيق، إدراكه ضعيف, وحجته ليست قوية، قد يستمع إلى كلام يلقيه كافر أو ملحد أو منحرف فيقنع به.
لو عرفت هذه الحقيقة لأنقذت مسلماً أو نصحت مسلماً، فالأصل ينبغي أن تستمع إلى القرآن, وإلى السنة, وإلى السيرة, وإلى الفقه, وإلى موجبات الإيمان, وإلى موجبات الإسلام، لكن محظَّر عليك أن تستمع إلى الكفر والبدعة والشرك وما إلى ذلك .....، إلا أن تكون هناك مصلحة راجحة.

هل يجوز الاستماع إلى صوت النساء الأجنبيات؟ :
يحرم الاستماع إلى صوت النساء الأجنبيات، ولا سيما إذا خضعن بالقول، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
فالمرأة إذا تكلمت كلاماً معروفاً جاداً, يمكن أن تستمع إليها من وراء حجاب، و الهاتف حجاب, أما حينما تليِّن كلامها، وتخضع بالقول، سماع صوت هذه المرأة أصبح محرماً ، ولا سيما إن لم تكن هناك حاجة إلى سماع صوتها، لذلك علَّمنا الله، فقال تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾
[سورة القصص الآية: 23]
سيدنا موسى تكلم كلمة مختصرة جامعة مانعة لا تحتاج إلى تفاصيل: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 23]
لو أنهما قالتا: لا نسقي حتى يصـدر الرعاء، لماذا تقول له: وأبونا شيخ كبير؟ صار هناك حواراً، فالأولى أن تلقي كلاماً لا يحتاج إلى مناقشة، فالاستماع إلى صوت المرأة إذا خشي السامع الفتنة, ينبغي أن لا يسمع هذا الصوت إلا لحاجة ماسة، والصوت ليس فيه تكسُّر ولا خضوع بالقول كشهادة أو ما إلى ذلك.
الطبيب مثلاً لا بد أن يسأل المرأة: ما الألم الذي تشكين منه؟ والمحامي يسأل: ما الموضوع؟ والقاضي يسأل، والطبيب, والمحامي، والبائع: ماذا تريدين؟ لكن في الأعم الأغلب: حينما يكون الكلام واضحاً بنبرة جادة ليس معه خضوع ولا تكسُّر، هذا كلام لا يفتن.
قال: وكذلك استماع المعازف وآلات الطرب واللهو كالعود والطنبور ونحوهما، أي سماع الموسيقا، وهذا محرَّم.

ما الفرق بين السماع والاستماع؟ :
لكن كأن النبي -عليه الصلاة والسلام- فرَّق بين السماع والاستماع، أنت ماش في الطريق, وهناك مقهى, أو محل يبيع الأشرطة, وتصدح مكبِّرات الصوت ببعض الأغنيات، أنت سمعت هذه الأغنية, ولكن لم يكن لك مشيئة في سماعها، هذا هو السماع، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن المؤمن في سماع ما لا يرضي الله، أما حينما تجلس في البيت, و تأتي بشريط غناء، وتضعه في المسجلة, فهذا هو الاستماع المحرم.
عن أنس بن مالك, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

((من استمع إلى قينة, صب في أذنيه الآنك يوم القيامة))
والآنك: الرصاص المذاب.
أحياناً: يذهب الإنسان في مركبة عامة إلى بلد آخر، وهو مضطر أن يسمع الأغاني, لأنه لا يملك تغييراً لهذا الواقع، هذا سماع، أما الاستماع فهو المحرم، أن تجلس وتستمع.
رأي لطيف :
هناك رأي لطيف: لو خشي الإنسان الفتنة من سماع هذا النغم, أو تلك الأغنية الأولى, أن يسد أذنيه, هذا رأي، إذا كانت أغنية يحبها في الجاهلية كثيراً، ثم تاب إلى الله توبة نصوحاً, فلما سمعها بعد أن تاب إلى الله, تحركت نفسه الأولى أن يتشاغل عنها، أو كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-:
أن يسد أذنيه؛ أي يحتاط بقليل من القطن.
وفي الحقيقة قالوا: يجب سدُّ الذريعة.
لم يقل: سد الأذن، سد الذريعة، أي يتحول من المكان إلى مكان آخر، والاستماع مستحب, أن تستمع إلى العلم, وإلى قراءة القرآن، وإلى ذكر الله عز وجل، وإلى الاستماع إلى كل ما يحبه الله ورسوله.

نقطة دقيقة :
هناك نقطة دقيقة: أحياناً هناك منشد يبتهل إلى الله عز وجل بكلام طيب وصوت شجي ، لا مانع، لكن كنت أقول مرة: إنَّ في الإرشاد إنشاداً، وإن في الإنشاد إرشاداً، الإنسان حينما يستمع إلى الحقيقة, وتأتي في مكانها الصحيح, وفي وقتها المناسب، وتكون هذه الحقيقة شفاء له ودواء يطرب له، أحياناً يكون هناك تساهل، هناك مشكلة، تأتي الآية ويأتي الحديث يوضِّح ، فيطرب الإنسان لحقيقة هو مفتقر إليها، أما حينما يستمع ابتهالاً ومديحاً لله جل جلاله أو لأنبيائه يطرب، لأن المؤمن يطرب للمعنى.
مرة ضربت مثلاً: قد تشرب شراباً نفيساً جداً في كأس غالٍ جداً، فإذا جمعت بين نفاسة الشراب وجمال الإناء فقد جمعت الحسنيين، الإنسان الذي يتكلم الحق بلغة فصيحة، بعبارة أدبية، بتعبير متين، بإشراق في التعبير، جمع الحسنيين، عمق المضمون, وجمال الأسلوب، مثلاً:
واحد أصيب بمصائب كثيرة، قد يقول: تكاثرت عليّ المصائب، هذا تعبير علمي، لكن من غير جمال، أما لو كان بعيداً عن الثقافة, يقول لك: تُضرب هذه المعيشة, هذا التعبير العامي ساقط، التعبير السليم: تكاثرت عليّ المصائب.أما هناك تعبير أدبي: يقول المتنبي:

بلاني الدهرُ بالأرزاء حتـى فؤادي من غشاءٍ من نبـالِ
فصرتُ إذا أصابتني سـهامٌ تكسّرت النصالُ على النصالِ

شبَّه المصائب بسهام مجتمعة على قلبه، اجتمعت لدرجة أنه لم يبق هناك مكان لسهم جديد. بم وصف الشاعر تلك الحمى التي كانت تطوف إليه في الظلام؟ :
مرة الشاعر نفسه قال يصف الحمى، قال:
وزائرةٍ كأنّ بها حيـــاءً فليس تزور إلا في الظــلام
بذلت لها المطارفَ والحشايا فعافتها وباتت في عظامــي
أبنتَ الدهر عندي كل بنـتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام؟
المصيبة هي بنت الدهر، الدهر يلد المصائب.
أبنتَ الدهر عندي كل بنـتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحام؟

فهنا تعبير أدبي. انظر إلى هذه الجمالية في التعبير الأدبي لهذا الشاعر :
سمعت صوتاً سيئاً، تقول: هذا المغني سيء الصوت، هذا تعبير عادي، أما شاعر ساخر كالحطيئة, قال:
عواء كلبٍ على أوتار منتفةٍ وقبح قرد وفي استكبار هامان
وتحسب العين فكَّيه إذا اختلفا عند التنغُّم فكَّيْ بغلِ طــحَّانِ

أي أعطى صورة معبِّرة تماماً. تعريف الأدب :
فالأدب هو التعبير المثير عن حقائق الحياة، تعبير عالٍ جداً، فأنت حينما تلقي الحقّ بأسلوب أدبي هذا أكمل شيء، المضمون حقّ، والشكل أدب، أما حينما تلقي الحق بلغة عامية, كأن تقدِّم شراباً نفيساً بإناء غير مقبول أبداً، وأحيانا تجد أديباً بعيداً عن الدين بُعد الأرض من السماء، عنده قدرة تعبيرية عالية، ولكن أفكاره منحطة جداً، يقول المتنبي:
أيَّ محل أرتقي وأي عظـيم أتقي
وكل ما قد خلق الله وما لـم يخلقِ
محتقر في هبتي كشعرة في مطرفي

موزونة؛ لكن المعنى كفر، البطولة: أن تأتي بمعانٍ صحيحة ودقيقة وعميقة بأسلوب أدبي راقٍ، الأقل من ذلك: أن تأتي بمعانٍ صحيحة ودقيقة وعميقة بأسلوب بسيط علمي، أما أن تأتي بمعانٍ ساقطة مهما ارتفع الأسلوب لا قيمة له، والدليل: قول الله عز وجل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 224-226]
قصة شهيرة :
والقصة الشهيرة: أن المتنبي حينما قال:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعتْ كلماتي من به صمــمُ
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلقُ جداها ويختصــمُ
فالخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسيف والرمحُ والقرطاس والقلم

كان في طريقه من شيراز إلى الكوفة أو بالعكس، هجم عليه بعض أعدائه فولَّى هارباً ، فقال له غلامه: ألست القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسيف والرمحُ والقرطاس والقلم؟
قال له: قتلتني قتلك الله، فعاد وقاتل حتى قُتل، قتل في الطريق، لأن الكلام سهل جداً, البطولة: أن تكون في مستوى الكلام.
بم يستحب من السماع وما هو المكروه منه؟ :
فلذلك -أيها الأخوة-: السماع المستحب: أن تستمع إلى العلم، وقراءة القرآن، وذكر الله، وأن تستمع إلى كل ما يحبه الله، والسماع المكــروه: أن تستمع إلى ما يُكره ولا يُعاقب عليه، أما أن تستمع إلى البدع وإلى الغناء وإلى ما يغضب الله، فهذا السماع المحرم، هذه الأذن سوف تُسأل عنها، قال تعالى:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
ومعنى الفؤاد هنا الفكر، العقل.
أحياناً الإنسان يفكر تفكيراً شيطانياً، أحياناً يفكر تفكيراً لإيقاع الأذى بالناس، قال تعالى:
﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
إذا جاء الفؤاد مع السمع والبصر فهو العقل والفكر: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
الأنبياء -صلوات الله عليهم- بماذا جاؤوا؟ جاؤوا بكلمــة الحق، فمعنى ذلك: أن إلقاء الكلمـة والاستماع إلى الكلمة أحد وسائل الهدى. من فعل اللسان :
هناك تكامل بين اللسان والأذن، اللسان ينطق والأذن تستمع.
سيدنا معاذ قَالَ:

((كُنْتُ مَعَ رسول الله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ, فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ, وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ, قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ, وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمُ الصَّلاةَ, وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ, وَتَصُومُ رَمَضَانَ, وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ, وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ, وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ, قَالَ: ثُمَّ تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ﴾حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ ثُمَّ قَـــالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ, وَعَمــُودُهُ الصَّلاةُ, وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ, قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ, وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ, وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟))
[أخرجه الترمذي في سننه]
لا أبالغ إذا قلت: نصف المعاصي سببها اللسان، الغيبــة, والنميمـة، والبهتان، و السخرية, والاستهزاء, والكفر, والنفاق، والشرك، كلها من فعل اللسان.
أنواع الكفر :
حتى العلماء قالوا: هناك كفر اعتقادي, وهناك كفر قولي، وهناك كفر عملي.
لو أن واحداً -والعياذ بالله- أمسك المصحف, وألقاه في الأرض, هذا كفر، لم يقل ولا كلمة، لكن هذا السلوك كفر، لو أن إنسانا اعتقد أن الله ليس على كل شيء قدير, هذا كفر اعتقادي، لو قال كلمة الكفر, فهذا كفر قولي.
أحد المنافقين قال مرة بينه وبين زوجته على مسمع من طفل صغير: لو أن محمداً صادقاً فيما يقول لكنا شرًّا من الحُمر، ولكنه كما يتوهم ليس صادقاً, هذا الطفل قال له: هذه كلمة الكفر, وذكر الطفل الحادثة للنبي عليه الصلاة والسلام.
فهناك كفر قولي, وكفر اعتقادي، وكفر سلوكي، فهذا اللسان قد ينطق بالكفر، وقد ينطق بالشرك، وقد ينطق بالبدعة, وقد يحضُّ على كبيرة، وقد يسهِّل معصية، وقد يرغِّب في الدنيا، وقد يثير فتنة، وقد يلقي شبهة, قد يدحض حقًّا، وقد يزيِّن باطلاً، شيء مخيف.
إذًا: اللسان والأذن متكاملتان.

هذه وظيفة اللسان :
وقد ورد أيضاً: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((قـَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ من لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))
لا بد من أن يستقيم اللسان، لا بد من أن يصدق اللسان، لا بد من أن ينضبط اللسان، الدين كله ضبط.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا, يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))
كلمة واحدة، ولعلها إشارة تحبط عملك.
ضبط اللسان: قبل أن تتكلم بالكلمة تريث، قبل أن تفسد علاقة بين اثنين تمهل، لا تخبب امرأة على زوجها، وهو يحبها وتحبه، وراضية عنه، لا تكن شيطاناً يتكلم، والنساء أكثرهن شيطانة, تفسد علاقة المرأة بزوجها.
أحياناً الإنسان يخبِّب عبداً على مولاه، يخبب امرأة على زوجها، يفسد العلاقة بين اثنين، يلقي شبهة، يثير قضية، يدحض حقاً، ويزين باطلاً.
قارن بين رسالة الأنبياء وبين رسالة الكافرين :
فاللسان أداة خطيرة جداً، والإنسان بكلمة يسقط، وبكلمة يرقى، الأنبياء جاؤوا بكلمة الحق، والملحدون والكفار جاؤوا بكلمة الباطل، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 24-26]
فكلمة الحق تطير في الآفاق وتؤتي أكلها كل حين، وكلمة الباطل ما لها من أصل، و ما لها من قرار، لكن صاحبها يهوي بها إلى سبعين خريفاً في النار.
يجب أن تعلم علم اليقين :
يجب أن نعلم علم اليقين: أن كل عضو من أعضائنا, وأن كل حاسة من حواسنا, وأن كل جهاز من أجهزتنا, يمكن أن نعبد اللهَ به، والعبادة شاملة واسعة لكل أعضائنا وأجهزتنا، و كل أوقاتنا وأمكنتنا, وكل نشاطاتنا وأفعالنا.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:40 PM   #96


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الرابع و التسعون )

الموضوع : عبادتى النظر والذوق





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
هذا ملخص الدين :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين, العبادات تشمل كل الحياة، وكل الأوقات، وكل الأماكن، وكل النشاطات، وكل النواحي, فكيان الإنسان مرتبطٌ بالعبادة، لأن علة وجود الإنسان على وجه الأرض عبادة الله عز وجل، والعبادة معرفة وطاعة، أنت إن فكرت في خلــق السموات والأرض عرفته، وإن عرفت منهجه أطعته, فيمكن أن يلخَّص الدين كله في كلمتين: معرفته وطاعته، توحيده وعبادته، أن تؤمن به, وأن تتقرَّب منه.
هذا النظر الواجب :
الحديث الآن عن النظر، قلت: النظر الواجب: النظر في المصحف, وفي كُتُب العلم، فهذه العين سُمِّيَت كريمة, لعلها أكرم عضوٍ في الإنسان، وأية عينٍ تغضُّ عن محارم الله، أو تنظر إلى آيات الله، ففي الأعم الأغلب: أن الله يحفظها لك، وترثك ولا ترثها.
ومن أدعية النبي -عليه الصلاة والسلام-: ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا .
ترثنا ولا نرثها، عين غضت عن محارم الله، وعين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، هذه العين في الأعم الأغلب الله جل جلاله يحفظها للمؤمن.

أحد أنواع الشكر :
هذه العبادة أو هذه الجارحة الثمينة أحد أنواع شكرها: أن تستخدمها في طاعة الله, لو وسَّعنا هذه الحقيقة: اليد ينبغي أن تستخدمها في طاعة الله, فلا تصافح بها امرأةً لا تحل لك، ولا تمسك بها شيئاً محرماً، ولا تعتدي بها على الآخرين، فالمؤمن يستخدم رجله في طاعة الله ؛ يمشي بها إلى المساجد، وإلى الطاعات، وإلى إصلاح ذات البيـن، وإلى صلة الرحــم، وإلى كل عملٍ طيب, المؤمن يستخدم كل أعضائه، بل إن المؤمن يستخدم تفكيره في الخير، لا يفكِّر في معصية، لا يفكر في عدوان، فالمؤمن يستخدم فكره، وعينه، وسمعه، وبصره، ولسانه، ويده، ورجله في الحق.
إذاً: أحد أنواع الشكر: أن تستخدم هذه الجارحة في طاعة الله تعالى، بل إنه حينما تستخدم الجارحة في معصية الله تعالى، فهذا نوعٌ من كفر النعمة، تستعين بنعمه على معصيته.

قصة :
قصة رويتها لكم من قبل: أن إنساناً سأل شيخه أن يأذن لي أن يعصي الله, -سؤال غريب جداً, يبدو أن شهوته عارمة وأنه أضعف من أن يقف في وجه شهوته-, فسأل هذا الشيخ, فقال له: خمسة أشياء إن فعلتها لا تضرك معصية.
قال: وما هي؟.
قال: إن أردته أن تعصيه فلا تسكن أرضه.
قال له: وأين أسكن إذاً؟!.
قال له: تسكن أرضه وتعصيه؟!!.
-فهل من المعقول: أن تزور إنساناً يقدم لك كل ما يملك من حق الضيافة, فتقابل عمله بضرب ابنه، في بيت المضيف، في البيت الذي استقبلك, وأكرمك، وقدم لك الطعام والشراب، وتضرب ابنه؟!-.
قال: هاتِ الثانية.
قال له: إن أردت أن تعصيه فلا تأكل من رزقه.
قال: وماذا آكل إذاً؟.
قال: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه؟!.
-فأحياناً: إنسان أعطاه الله المال يشرب الخمر، يشتري الخمر، يعصي الله بالمال الذي أكرمه الله به-.
قال له: هاتِ الثالثة.
قال: إن أردت أن تعصيه فابحث عن مكانٍ لا يراك فيه.
قال له: وكيف وهو مع الخلق كلهم؟.
قال له: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه, وهو يراك؟.
قال له: هاتِ الرابعة.
قال له: إن جاءك مَلَك الموت فلا تذهب معه.
قال له: لا أستطيع.
أعاد له الأربعة: تسكن أرضه، وتأكل رزقه، وتعصيه، ولا تستطيع أن تتفلت من مَلَك الموت؟!!.
قال له: هات الخامسة.
قال له: إن جاءك الزبانية إلى النار فلا تذهب معهم.
فالإنسان في قبضة الله عز وجل فكيف يعصيه؟.

بم تتعلق هذه الآية؟ :
قال: يمكن أن تنظر إلى الشيء كي تميِّزه حلالٌ أو حرام, والعلماء يبينون تفاصيل عبادة هذه الجارحة الثمينة، الآية الكريمة المتعلقة بالأمانات:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[سورة النساء الآية: 58]
والآية واسعة جداً، فالأمانة شيءٌ أودع عندك، شيءٌ جُعِلَ تحت سيطرتك، شيءٌ جعل في تصرُّفك، ينبغي أن تؤديه إلى صاحبه كاملاً مُكَملاً، لو وسعنا هذه الآية:
فجسمك أمانةٌ بين يديك، عليك أن تعتني به، كي يعينك على طاعة الله، وكي تصل به إلى دار السلام بسلام، أما الذي لا يعتني بجسمه، أو يحمِّله ما لا يطيــق، ويصاب بالعطب والعطل, عندئذٍ يكون قد خان الأمانة.
زوجتك أمانةٌ ينبغي أن تأخذ بيدها إلى الله عز وجل، أولادك أمانة ينبغي أن تدلّهم على الله.
أنت مُعَلِّم، طلابك الذين هم في الصف أمانةٌ في عنقك، ينبغي أن تعلمهم علماً صحيحاً ، وأن تربِّيهم تربية صالحة، أنت طبيب، فالمريض أمانة، سلَّمك نفسه، ووثق بك، ويأتمر بأمرك: كل هذا الطعام تأكل، اشرب هذا الدواء تشرب، ابتعد عن هذا تبتعد، إن لم تقدم له التعليمات الدقيقة, ولم تتأكد من حالته الدقيقة، وكان وصفك للدواء غير دقيق، فإذا أصاب جسمه العطب فأنت مسؤول, أنت حينما تشعر أن الله سيسألك عن كل شيء، تنجح في علاقتك مع الله، فالمريض أمانة.
أنت محامٍ، الموكِّل أمانة لأنه لا يعرف القوانين، أنت قلت له: الدعوى رابحة، وهو قد صَدَّقَك، قلت له: القضية سهلة، الحق معك، والاجتهاد القانوني معك، ومحكمة النقض معك فصدقك الموكِّل، وتعلم أنت أنك لن تستطيع أن تأخذ له حقَّه، أو هذه الدعوى ليست رابحة، وجعلته يعيش سنوات وسنوات في طمأنينة، ثم فوجئ بأن القاضي حكم عليه، وخسر الدعوى، فأنت خنت الأمانة، إذا فهمنا الأمانة بهذا المعنى، كنا في حال غير هذا الحال.
صانع المواد الغذائية محاسب عن كل مادة ضارة تؤذي المسلمين، فكثير من الأشياء مربحة ولكنها مؤذية، تحقق لك ربحاً كبيراً، ولكنها تؤذي صحة المسلمين، فهؤلاء المسلمون الذين يشترون من عندك الخبز، هم أمانةٌ في أعناقك.
سمعت عن خبز معيَّن, يحتاج إلى مادة ثمن الكيلو منها خمسة آلاف ليرة، وهناك مادة مسرطنة وسامة، وهي رخيصة جداً, تستخرج من النشاء، وثمن الكيلوغرام منها أقل من خمس ليرات، فبعض الأفران في دمشق تستعملها لأنها مادة رخيصة، لكن من أجل أن يحقق ربح كبير، وأن يوفر هذا المبلغ الكبير، لم يعبأ بصحــة الناس، إذاً: هؤلاء الذين يشترون عندك أمانة, فالمرضى أمانة بعنق الطبيب، والموكِّلون أمانة بعنق المحامي، والطلاَّب أمانة بعنق المدرس, وهذا المشتري أمانة بعنق هذا البائع، قد يكون الدواء قد انتهى مفعوله، وثمنه غالٍ، ولم تنبِّه هذا المشتري الجاهل البسيط الساذج، فبعت له الدواء، وتناوله، وقد انتهى مفعوله، فالحقيقة: الدين هنا يظهر:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[سورة النساء الآية: 58]
والعلماء قالوا: الأمانات جاءت جمعاً، ليفيد الجمع: أن الإنسان في عنقه مئات الأمانات وآلاف الأمانات. ما تعريف الدين؟ :
سئل عليه الصلاة والسلام:
((ما الدين؟ قال: الدين النصيحة, فقالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))
فمن التعريفات الجامعة المانعة: الدين هو النصيحة، أن تنصح إنساناً، أن تنصح عامَّة المسلمين, أن تنصح أئمَّتهم، أن تنصح لكتاب الله، أن تنصح لسُنَّة رسول الله، أن تنصح لله عز وجل. هذا النظر المباح :
النظر المباح هو أن تنظر في آيات الله الدالة على عظمته، قد تنظر إلى وردةٍ فتسبِّح الله, وقد تنظر إلى جبلٍ شامخ فتعظِّم الله، وقد تنظر إلى بحرٍ هادئ فتسبح الله، فالنظر إلى الآيات الكونية أحد أسباب تعظيم الله عز وجل، والنظر إلى نباتٍ يسبح الله، تسبح الله معه أنت ، النظر إلى من يحل لك أيضاً مباح، وبالعكس هذا شيء أباحه الله لك، النظر إلى المصحف هذه عبادة، النظر في كتب العلم.
ما هو النظر المكروه؟ :
قال: هناك نظـر مكروه: وهو فضول النظر, كأن يرى إنسان مركبة فخمة جداً حديثة، واقفـة بمكان ما، فيتأمل فيها، وتنظر إلى مكان السائق، وإلى أجهزتها، تنظر ملياً، هذا اسمه فضول النظر، وقد ورد في بعض الأثر: أنه يبذر الهوى.
فالتأمُّل والمبالغة في التأمل، استيعاب الشيء والتدقيق به، هذا يبذر في قلبك محبَّته، والإنسان يعيش في حياته أياماً معدودات.
الإنسان بعضة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.
لذلك فضول النظر الذي لا مصلحة لك فيه.
انظر إلى شيءٍ تنتفع بـه، هذا سمَّاه العلماء: فضول النظر، كما أن هناك فضول للكلام, وهناك فضول للسماع، فهناك فضول للنظر، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:

((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه. مراجعة هذه الكلمة في كتابتها يعنيه))
و: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس))
وفضول النظر طبع سيء. من فضول النظر :
ذات مرة زار شخص مكاناً، فوجد كتاباً ففتحـه، وجد أوراقاً داخل الكتاب فقلَّبَها، شعرت أن هذا الإنسان بعيد عن أدب النبي عليه الصلاة والسلام, الإنسان لا ينظر لشيء ليس له بهذا الفضول.
تمسك ورقة، فتجد رجلاً بجوارك يقرأ معك، تفتح أحياناً دفتراً وأنت راكب في سيارة، جارك يمعن النظر في دفترك، الكمبيوترات الحديثة فيها مستوى أعلى، إذا كنت في طائرة، وتستخدم هذا الكمبيوتر، لا يقدر جارك في المقعد أن ينظر، لأن الشاشة لا تظهر إلا بالنظرة القائمة على سطحها، فإذا كانت الشاشة أمامك مباشرةً تقرؤها، أما إن نظرت إليها جانبياً لا تقرؤها، هذا من أجل فضول النظر.
وهناك فضول نظـر من نوع آخر: أنت ببيت قاعد, وسمعت مشية، والنافذة مفتوحة قليلاً, نظرت ماداً رأسك لترى, فإذا بامرأة تمر كان عليك أن تغض بصرك، ما دام في الخارج حركة.
حتى النبي علمنا إن وقفنا أمام الباب أن نعطي ظهرنا للباب، تجد إنساناً لم يتأدب بأدب رسول الله، يطـرق الباب، ويقف أمام الباب مواجهةً، فإذا امرأة فتحت، رآها كما هي، أما المؤمن يقف ويعطي ظهره للباب، هذا من أدب رسول الله، وقد علَّمنا هذا صلى الله عليه وسلم, قال:
كان بعض السلف يكره فضول النظر، كما يكره فضول الكلام.

من أحكام الدين :
في الدين الفرض والواجب والمستحب والمكروه والمحرم، وما من حركة ولا سكنة إلا ويجب أن تندرج تحت أحد هذه الأحكام، عوِّد نفسك أن كل شيءٍ تفعله لا بد من أن يندرج تحت أحد هذه الأبواب.
فالعين لها أن تنظر إلى سجادة وهذا مباح، فلا هناك أذى ولا نفع، إن نظرت إلى شيءٍ خلقه الله عز وجل، وكانت هذه النظرة سبباً لمعرفة الله، فصار هذا نظر واجب:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة يونس الآية: 101]
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾
[سورة عبس الآية: 24]
﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾
[سورة الطارق الآية: 5-6]
ففي أمر.
النظر إلى آيات الله فيها أمرها، النظر إلى شيءٍ أباحه الله لك وفيه سرور، قد يكون سُنَّة, النظر إلى شيء عادي لا تنتفع من النظر إليه، ولا تتأذَّى من عدم النظر إليه هذا مباح, أما النظر إلى شيء جميل، وهذا الشيء لا تملك ثمنه، واستغرقت فيه، وتمنيت أن تملكه، هذا شيء مكروه، فضول النظر مكروه.
ما يحرم النظر إليه :
أما الشيء المحرَّم: النظر إلى العورات.
العلماء قالوا: العورات نوعان؛ عورةٌ وراء الثياب وعورةٌ وراء الأبواب.
الآية الكريمة:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
من هنا للتبعيض، فأنت مكلف أن تغض البصــر، ولكن أحياناً تنظر فجأة إلى امرأة النظرة الأولى ولا حد لأقلها فهي كلمح البصر، هذه لك، والثانية عليك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
وهناك نوع ثانٍ: فالإنسان لو نظر إلى ابنته، أو إلى أخته، أو إلى عمته، أو خالته، أو إلى أمه، يجب أن يغض بصره، كيف؟
يجب أن ينظر دون تدقيق ولا يتتبع التفاصيل، مع تتبع خطوط الجسم، هذا منهي عنه للمحارم، لك أن تنظر إلى ابنتك نظرةً عامة، أما خطوط جسمها بالضبط, هي مضجعة، هي جالسة، هي تصعد إلى درج، هذا لا يجـوز، فمن أدب النظر إلى المحارم أن تنظر نظرةً إجمالية، ولا شيء عليك بها إطلاقاً بالعكس مباحة، أما التدقيق في النظر، وفي تتبُّع خطوط الجسم، وفي تتبع حالات الجسم في كل حركاته وسكناته، هذا منهي عنه، وينطوي تحت قوله تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 30]
لو إحدى محارمك تصعد درجاً، لا ينبغي أن تنظر إليها من ورائها، لو نظرت وهي منحنية, قد تنظر إلى صدرها، فالمؤمن لا ينظر إلى محارمه إلا نظرةً إجمالية، لا يتتبع ما ينبغي ألا تكشفه, لا يدخل على إحدى محارمه فجأة من غير استئذان، ولو أنها أمه، قال: إنها أمي يا رسول الله!! قال له: أتحب أن تراها عريانة؟ .
فهذا معنى آخر للغض من البصر، ينبغي ألا تنظر إلى محارمك إلا بثياب الخدمة، أما الآن ما يجري في البيوت -والعياذ بالله-, الأخت تبدو أمام أخيها بثياب شفافة، قد تبدو الأم أمام ابنها بثياب غير منضبطة، والأخت أمام أخيها، والبنت أمام أبيها.
فهنا المعنى الثاني للآية: الغض، هو غض البصر عن المحارم, بحيث لا يتبع خطوط الجسم ولا بعض ما ينبغي أن يكون مستوراً.
غض بصر عن بعض النساء اللواتي لا يحللن لك، لا يحل لك أن تنظر إليهن وهنّ الأجنبيات, بالمقابل: لك أن تنظر إلى محارمك، وعندنا غض بصر نوعي: لو نظرت إلى محارمك ينبغي ألا تدقق في التفصيل، وغض بصر زمني: فجأةً وجدت نفسك أمام امرأة، النظرة الأولى لك والثانية عليك، فهذه مراتب غض البصر، غض بصر زمني، وغض نوعي ، وغض جنسي.
قال: النظر المحرم: النظر إلى العورات, وهي قسمان؛ عورةٌ وراء الثياب، وعورةٌ وراء الأبواب, كالنظر إلى باب مفتوح، أو إلى نافذة مفتوحة، هذا أيضاً فيه تحريم.
من شروح هذا الحديث :
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن, فحذفته بحصاة ففقأت عينه, ما كان عليك من جناح.
هكذا ورد بالحديث، والعلماء لهم في هذا الحديث شروحات لطيفة: فهو لو فقأ عينه يحاسب, ولكن لبيان عِظَمِ حق الجار، فلا يحق له أن ينظر إلى جاره من ثقب الباب، وهذا يقابله المنظار.
أحياناً يكون في البيت منظار، الابن يستخدمه ليرى الجار البعيد من نافذة مفتوحة، لعل بها امرأةً تخلع ثيابها مثلاً، هذا محرم تحريماً شديداً، لأن آداب الإسلام تمنع اختلاس النظر إلى الجار.
فقال: العورات نوعان؛ عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب، يقاس على عورة وراء الأبواب استخدام المناظير، لذلك في بعض الحِرَف تكاد تكــون محرَّمة، فالذي يربي الحمام أين يجلس؟ على السطوح، ومن كان على السطوح كشف عورات المسلمين.

ما هي عبادة الذوق؟ :
قال: عبادة الذوق: تناول الطعام والشراب عند الاضطرار إليه وخوف الموت، فمن ترك الطعام والشراب حتى مات، مات عاصياً، قاتلاً لنفسه.
وقد قال بعض العلماء: مَن اضطر إلى أكل ميتةٍ، فلم يأكل حتى مات دخل النار.
الميتة محرمة، ولكن أنت حياتك مقدمة على هذا التحريم، فمن اضطر إلى أكل ميتة ولم يأكل، دخل النار كأنه قتل نفسه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض أحاديثه يقول:

((من ركب ناقةً حرون ومات مات عاصياً))
من نام على سطحٍ غير مسوَّر، ووقع فمات، مات عاصياً، الإنسان لو نزل من سيارةٍ عامة, وهي تمشي ومات، مات عاصياً، فإن ركبت مركبةً ولم تراجع مكابحها قبل أن تسافر، ومت مت عاصياً. انظر إلى دقة الإسلام :
الإسلام دقيق، حياتك ليست ملكك، حياتك ملك أهلك، وملك زوجتك، وملك أولادك، وملك المسلمين، وجسمك أمانةٌ في عنقك.
تجد مأخذاً كهربائياً بالحمام, شدة تياره مئتين وعشرين، وابنتك تدخل الحمام حافية القدمين، وفي الأرض ماء، هذا التيار قاتل، نَبِّه ابنتك أن هذا التيار مميت، نبه أهلك, فأخذ الاحتياطات، أخذ وسائل الأمان, هذا من الدين.
سمعت عن امرأة قبل أشهر, ذهبت إلى سهرةٍ، وتركت ابنتها تدرس على ضوء شمعة, نامت البنت، فلما ذابت الشمعة, أحرقت ما على الطاولة من قماش، القماش احترق وأحرق البيت كله، جاءت من سهرتها رأت ابنتها ميتة، والبيت كله محروق، الإنسان حينما يهمل يحاسب حساباً شديداً.
هذا الدين منهج كامل، منهج تفصيلي طوال حياتنا، إذا الإنسان تيقَّن أن هذا الدواء فيه شفاء ولم يأخذه، مات عاصياً، تناول الدواء الذي يغلب على ظَنِّك أن فيه الشفاء، أخذه واجب ، إذا ظن الشفاء به فهو مستحب.
أما الشيء المحرَّم: أن يشرب الإنسان ما نهى الله عنه كالخمرة والسموم القاتلة, هذا فيما يتعلق بالذوق أو الطعام والشراب.
أما المكروه قال: ذوق المشتبهات، كطعام ليس حلالاً، إنسان دخله كله حرام، الأكل فوق الحاجة، ذوق الطعام دون أن تريد أن تشتري من عنده شيئاً، كأن تقول للبائع: أذقني إياه وليس في نيتك أن تشتري.

من الأشياء التي تجرح العدالة :
فالعلماء قالوا: هناك أشياء تجرح العدالة، منها أكل لقمةٍ من حرام، منها تطفيفٌ بتمرة ، -وهي أشياء لطيفة جداً-، منها أن تمشي حافياً، منها أن تبول في الطريق، منها أن تأكل في الطريق، منها أن تتنزَّه في الطريق، -طريق فيه نساء كاسيات عاريات ممنوع التنزُّه في هذه الطُرُقات-، منها صحبة الأراذل، منها مَن أطلق لفرسه العنان، -الذي يقود مركبته بسرعة عالية هذا يجرح عدالته-، منها مَن قاد برذوناً، منها مَن كان حديثه عن النساء تجرح العدالة، منها مَن علا صياحه في البيت فسمعه الجيران, منها أن تأكل طعاماً فيه شبهة .
يقول لك: كنا بالحج وجدنا بيرة بلا كحول، هذه العملية تحتاج إلى تحقيق، بيـرة بلا كحول، كلمة بيرة تكفي، فالمؤمـن يتقي الشبهات.
نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن تلبية دعوة المتبارِيَين، كعزيمة لغير وجه الله، عملية استعراض، استعلاء، أحب أن يطلع الناس على بيته وعلى إمكانياته وعلى غناه، وجاء من الطعام ما لذ وطاب, فهذا الذي يتبارى مع أنداده ينبغي ألا تلبّى دعوته.
أحياناً: تدخل على جماعة يتناولون الطعام، والأكل قليل, ويكفيهم فقط, فإذا دعوك حياء فيجب ألا تأكل ولو كنت جائعاً، أما إنسان دعاك إلى طعام قبل يوم أو يومين، هذا شيء طيب.
الأكل مع الضيف أكل مستحب، أن تأكل مع الضيف، وأن تأكل أكلاً يعينك على طاعة الله, لذا يُمنع صوم يوم عرفة، من أجل أن تستعين بالطعام على كثرة العبادة والذِكر.



والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:42 PM   #97


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الخامس و التسعون )

الموضوع : عبادة اليد والرجل





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أين استنبطت عبادة اليد؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الخامس والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إيَّاك نعبد وإياك نستعين.
لا يَخْفى أن أهمية العبادة تأتي مِن أن العبادة علَّة وجودنا في حياتنا الدنيا، نحن هنا في الدنيا من أجل أن نعبد الله، والعبادة من أجل أن نسعد بقربه في الدنيا والآخرة، فمفهوم العبادة واسعٌ جداً.
تحدثنا عن عبادة السمع، وعن عبادة البصر، وعن عبادة الذوق، ونتحدَّث الآن عن عبادة اليد، هذه العبادة مستنبطة من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي حدَّثنا عن ربه، يقول الله عز وجل:
((ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويــده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن استعاذني لأعيذنه، ولئن سألني لأعطينه))
قد تؤدّي الواجبات، فتنجو من عذاب الله تماماً, ولله المثل الأعلى:
لو أن إنساناً أدى ما عليه من ضريبة، نجا من الغرامات والمصادرات والعقوبات، أما إذا قدَّم مستوصفاً قدَّمه لوطنه، يستحق حفل تكريم، دفع الضريبة شيء، وبناء مستوصف, وتقديمه هدية للوطن شيءٌ آخر، في الحالة الثانية تستحق التكريم، أن يقام لك حفلٌ تكريمي, لما قدَّمت لوطنك وأمتك من هذا البناء الذي يعود على الناس منفعةً كبيرة.
إذاً: الفرائض توجب السلامة، أما النوافل توجب المحبَّة، الفرائض توجب السلامة لأنها فرض، أما النوافل توجب المحبة، لذلك: ((ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل
-وكأن أداء الفرائض شيءٌ مفروغٌ منه، هو الحدُّ الأدنى:
إن الله لا يقبل نافلة ما لم تؤدِّ الفرائض-. ما معنى هذا الحديث؟ :
ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها))
هنا في وقفة متأنية، كيف يكون الله سمع هذا الإنسان؟.
كنت سمعه، وكنت بصره، وكنت يده، وكنت رجله.
والحديث صحيح في أعلى درجات الصحة، ما معنى هذا الحديث؟:
فهذه العين قد تنظر إلى حرامٍ, أو إلى حلال, إلى مباحٍ, أو إلى واجب، ولكن عين المؤمن لا تعمل إلا وفْق منهج الله، المؤمن منضبط، أما غير المؤمن متفلِّت، هذه العين تملكها أنت، وتحركها أنت كما تشاء، ولكن عين المؤمن لا تعمل إلا وفق منهج الله، لا ينظر إلا إلى ما يحل له، فإذا وقعت عينه على ما لا يحل له، غضَّ بصره، لا ينظر إلا متأمِّلاً عظمة الله عز وجل، لا ينظر إلى ما حوله نظرة شهوةٍ، بل نظرة عبرةٍ، وقد قال رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: ((أمرني ربي بتسع؛ الإخلاص في السر والعلانية, والعدل في الرضا والغضب, والقصد في الغنى والفقر, وأن أعفو عمن ظلمني, وأصل من قطعني, وأعطي من حرمني, وأن يكون نطقي ذكراً, وصمتي فكراً, ونظري عبرة))
فمعنى أن الله عز وجل يكون سمع هذا المؤمن؛ أي لا يسمع هذا المؤمن إلا وفق ما سمح الله له به، يستمع إلى صوت المؤذِّن، فيُرَدد معه الشهادة وبعض فقرات الآذان، يستمع إلى القرآن، يستمع إلى أصواتٍ سمح الله له بها أن يستمع إليها, فهو لا يسمع إلا وفق منهج الله.
معنى آخر أعمق: أي شيءٍ يسمعه, لا يقبله إلا إذا كان وفق منهج الله.
لو أنك سمعت قصةً عن عالمٍ اخترع دواء يطيل العمر، وأنت معك قرآن يقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 34]
إذا جاء الأجل لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، فما سمعته مفروض, لأن كل شيءٍ تسمعه تعرضه على كتاب الله، فإن وافقه قبلته، وإن عارضه رفضته، صار الإنسان غير المؤمن يسمع مئات أو ألوف القصص والمقولات كلها يقبلها، وكلها متناقضة، بعضها خرافة، وبعضها كذب، وبعضها دَجَل، وبعضها تزوير، لكن المؤمن إذا استمع لا يُخَزِّن من الذي استمع إليه, إلا ما كان وَفْقَ الكتاب والسُّنة، إلا ما كان وفق كلام خالق الكون، إلا ما كان وفق وحي السماء:
فكنت سمعه.
أي كل شيءٍ يسمعه يعرضه على الكتاب والسُّنة، فإن وافقه قبله، وإن عاكسه رفضه.
إذاً: كنت سمعه؛ لا يستمع إلى صوت امرأةٍ لا تحل له، لا يتجسس، لا يتحسس:
((ولا تجسسوا، ولا تحسسوا, ولا تنافسوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا، وكونوا عباد اللّه أخواناً))
لا يستخدم أذنه إلا وفق منهج الله, يهتدي بهدي الله، يستنير بنور الله، يتلقى وحي الله عز وجل من كتاب الله ومن سُنَّة رسول الله، فما من شيءٍ يسمعه إلا ويقيِّمه. قف هنا :
اجلس في مجلس فيه أناس ليس من اهتمامهم العلم الشرعي ولا معرفة لهم في شأن آخرتهم، يروون لك قصصاً منها ما يعقل ومنها ما لا يعقل، منها ما هو واقع ومنها ما هو غير واقع، منها ما هو مقبول ومنها ما هو غير مقبول، لا يوجد عندهم مقياس يقيسون به الأمور.
مثلاً: لو أنك متفوقٌ باللغة العربية، وقرأ أحدٌ أمامك نصاً، قد تكشف له مئات الأغلاط، أما إن لم تكن مُلماً بهذه اللغة، يقرأ لك النص، وقد وقع في مئات الأغلاط، فتثني عليه، لماذا أثنيت عليه؟ لأنك لا تعرف دقائق العربية، لجهلك بدقائق هذه اللغة لم تكشف هذه الأخطاء، أما لو كنت ملماً بدقائق العربية، مباشرةً تكشف الخطأ.
هذا معنى:
((كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به))
كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به؛ أي لا يستخدم عينه إلا وفق منهج الله، فإن رأى امرأةً لا تحل له غضَّ بصره عنها، وإن رأى شيئاً جميلاً سبَّح الله، يستخدم عينه لتحرس في سبيل الله، ويستخدم عينه للتأمُّل في ملكوت الله، فإن رأى عورةً غضَّ بصره، حركة العين وفق منهج، هذا معنى: وبصره الذي يبصر به.
هذا ما يلفت نظر الإنسان التائه الشارد :
الإنسان الشارد التائه، يلفت نظره بيتٌ فخمٌ جداً، يتمنى مثيله, ويرى مركبةً فارهةً جداً، فتحدثه نفسه بأنه لو يملك نظيرها, ما نظر إلى هذا الشيء من زاويةٍ إسلامية، ولكن من زاويةٍ دنيوية، وقد قال الله عز وجل متحدِّثاً عن أهل الدنيا:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
مقاييسه دنيوية، والإمام الحسن البصري قال:
لعل أحدهم إذا وضع الدرهم على ظفره، عرف وزنه وهو لا يعرف أن يصلي.
ومعظم الناس الآن في شؤون الدنيا، في شؤون الدرهم والدينار، في شؤون التَزْيينات ، في شؤون الأذواق، في أعلى درجة، يحدِّثك ساعاتٍ طويلة وهو لا يكل ولا يمل، فإذا جاء موضوع الدين تثاءب، فإذا حدَّثته عن الآخرة تململ، فإذا ذكَّرته بما سينتهي إليه، اعتذر بموعدٍ تذكره فجأةً: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
هذه حقيقة النظافة :
أعرف إنساناً, له عمل لا يرضي الله أبداً، لكن مركز العمل فخم جداً وأنيق جداً، فقال لي: أنا عملي قذر, على الرغم من جمال المكتب الذي يفوق حد الخيال، في اليوم التالي أردت أن أصلح مركبتي، وكان الطقس شتاء، ومطر شديد، وذهبت إلى مَن أثق به، نزل تحت المركبة بثيابٍ أصلها زرقاء, أصبحت سوداء، مبللة بالماء، مُلَطَّخة بالزيت، فهذا الذي يلبسه لا لون له، والأرض فيها وحل وفيها مطر، فقام بفك هذه القطعة، وأصلحها إصلاحاً جيداً، وأتقنها إتقاناً جيداً، وأخذ أجرةً معتدلة، فقلت: هذا عمله نظيف.
وازنت بين كلمة الأول الذي قال: أنا عملي قذر, وبين الثاني الذي قلت عنه: عمله نظيف, وجدت أن النظافة في الحقيقة: هو عمل شريف وكسب مشروع.
هذا موقف المؤمن الذي يرى بنور ربه :
إحدى قاعات القمار في دولة مجاورة، ثمنها مئات ملايين الدولارات، فيها من أرقى أنواع الرخام، من أرقى أنواع الأثاث، من أرقى أنواع الثريات، بذخ ما بعده بذخ، ومدرسة ثانوية، بناؤها قديم، المقعد غير مريح، ولا يوجد تدفئة والإضاءة ضعيفة، يخرج من هذه المدرسة علماء وأطباء ومهندسون، ويخرج من قاعة القمار مجرمون ينتحرون، فهم إلى جهنَّم وبئس المصير، فما يقع على شبكية العين قاعة القمار فخمة جداً، وبالعين وبالشبكية قاعة الدرس متواضعة جداً, فالمؤمن الذي يرى بنور الله, يعظِّم المدرسة ويحتقر قاعة القمار.
ماذا لو نظرت بنور الله؟ :
قد تجد إنساناً مستقيماً, دخله مشروع، يتحرَّى الحلال، بيته صغير، وأثاثه متواضع، وطعامه خَشِن، وثيابه رخيصة، ولكنه أسعد الناس برضوان الله، وقد تدخل بيتاً، لا تملك إلا أن تقول: ما هذا البيت؟!! ما هذه المساحة؟! ما هذه التزيينات؟ ما هذا الأثاث الفخم؟ ما هذا الذوق الرفيع؟ وصاحبه جمع ثمنه من مالٍ حرام.
فبالعين على الشبكية البيت جميل جداً، وبيت الإنسان المستقيم متواضع جداً غير مقبول ، ولكن لو نظرت بنور الله، لرأيت صاحب البيت المتواضع ينتهي به أجله إلى الجنة، وصاحب البيت الفخم قد ينتهي إلى النار.
هذه بطولتك أيها المؤمن :
إنسان أدار عدة دور قمار، وجَمَّع أموالاً طائلة, بلغت ثمانمئة مليون، وهو على فراش الموت طلب بعضاً ممن يعمل في الحقل الديني، من شدة خوفه من الآخرة، قال له: ماذا أفعل حتى أنجو من عذاب الله؟ قال له: لو أنفقت كل هذا المبلغ دفعةً واحدة ما نجوت من عذاب الله، هكذا كان اجتهاد الرجل.
فبطولتك أيها المؤمن: أن تنظر بنور الله لا أن تنظر بمقاييس الأرض، المنافق ينبغي ألا يعجبك ماله، ولا أولاده، ولا أهله، ولا أدواته، ولا مكانته، ينبغي أن تقيِّم المؤمن.
الأمور بخواتيمها :
ذات مرة كنت في مؤتمر في المغرب، وكنا في فندق فخم جداً، مع وقت الفجر سمعت قراءة قرآن، فأطللت من الشرفة، يبدو أنه عامل الحديقة يصلي الفجر في وقته، ويقرأ القرآن بصوت شَجِيّ، امتلأ قلبي خشوعاً من قراءته، قلت: لعل هذا المستخدم بحديقة الفندق قلامة ظفره تعدل كل نزلاء ذلك الفندق.
العبرة بالنِهايات، العبرة بالخاتمة، وهذا الشيء ترونه كل يوم، الأمور بخواتيمها، الإنسان قد يصعد ثم يسقط فجأة، فالعبرة بالخواتيم.
إذاً: هو معنى: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به.
هناك معنيان: لا يعمل عينه إلا وفق منهج الله، وإذا نظر نظر بنور الله.
حدد إجابتك على هذا السؤال :
لو ترك إنسان مبلغاً ضخماً من المال، وعنده عدَّة أولاده، أكبر أولاده اغتصب المال كله، وأنشأ بيتاً فخماً، وأثثه بأفخر الأثاث، وبأرقى أحياء دمشق، وله مركبة فارهة، وأخوته لأنهم حرموا من ثروة أبيهم عاشوا فقراء ولكنهم أتقياء، فإذا دخلت إلى بيت المغتصب، هل تعجب ببيته؟ إن أعجبت ببيته فأنت لا تعرف الحق، يجب أن تحتقر بيته، لأنه من مالٍ حرام، ويجب أن تقدِّر إنساناً فقيراً دخله حلال، وينبغي أن تشجعه.
هذا ما يجب أن تعتمد عليه :
ذات مرة زرت أخاً، غرفة الضيوف لا تتسع إلا لبضعة أشخاص، غرفة صغيرة جداً، فلما دخلت هذه الغرفة استحيا, وقال: أستاذ نحن بيتنا صغير، قلت له: ما قولك أن سيِّد الخلق وحبيب الحق كان إذا أراد أن يصلِّي الليل، لا تتسع غرفته لنوم زوجته وصلاته، وهو سيد الخلق وحبيب الحق؟.
أخواننا الكرام, يجب أن تعتمـــد مقاييس القرآن وإلا لست مؤمنـاً، ينبغي ألا تقيِّم الأشخاص من زاويةٍ مادية، ينبغي أن تقيِّمهم من زاويةٍ أخلاقية، ينبغي أن تعظِّم أهل العلم، وأهل الخُلُق، وأهل الإيمان، وألا تعبأ بما عند هؤلاء الشاردين عن الله من دنيا عريضة، والآية التي تعرفونها جميعاً:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
هذا الفرق بين بلاد الغرب وبين البلاد الإسلامية :
قد تذهب إلى بلاد الغرب, فترى البلاد كلها خضراء، والبيوت في أعلى درجة من الفخامة والمواصلات راقية جداً، ولكن ترى الخمور, والملاهي، ودور القمار، ودور البِغاء، أما إذا ذهبت إلى بلدٍ إسلامي، قد تجده متواضعاً في مظهره، ولكن فيه صلاح، في راحة نفسية، في روحانية.
زارنا أخ من بلد بعيد، عاش هنا في الشام شهراً، أرسل لي رسالة, قال لي: عندنا كل شيء مريح، ولكن عندكم حُب، وعندكم روحانية، وعندكم إيمان، وعندكم سعادة، وعندكم تماسك وترابط، فقد عاش شهراً، فعرف ما عنده وعرف ما عندنا، وميَّز بين النوعين فوجد أن أهل الإيمان في سعادةٍ كبيرة.
أجدادنا، سلفنا الصالح حياتهم خشنة، ولكنهم كانوا سُعَداء، لأن دينهم كان مَتيناً، ومحبَّتهم كانت قويةً، فلذلك عاشوا حياةً سعيدة دون أجهزة حديثة.
من واجبات البطش :
إذاً: ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته, كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها.
قال: ومن البطش الواجب, كلمة البطش: العمل, اليد تتحرك وتعمل.
في الحديث الصحيح: اليد تبطش؛ أي تعمل.
قال: ومن البطش الواجب: إعانة المضطر.
إنسان وقع، أعنته، فتجد المؤمن يهرع لخدمة المضطرين، فإعانة المضطر من واجبات اليد.
أحياناً رجل كبير بالسن يحمل حاجةً ينوء بها، فأنت حملتها عنه.
أحياناً في مركبة عامة، تصعد امرأة مسنة، محجبة، لا تجد مكاناً تجلس به، قمت أنت ودعوتها إلى مكانك، فلا بد من أن تغيث المضطر، هذا من واجبات البطش، إعانة المضطر، ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم.
هذا البطش الحرام :
والبطش الحرام: قتل النفس التي حرَّم الله قتلها.
المؤمن عنده منهج، لا يقتل كل شيء، المؤمن لا يقتل النفس التي حرَّم الله قتلها إلا بالحق، حتى إذا قتل، في قتله إحسان.
إن الله كتب الإحسان على كل شيء, فإذا قتلتم فأحسنوا القتل، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح.
والحرام كقتل النفس التي حرم الله قتلها، ونهب المال المعصوم، وضرب مَن لا يحل ضربه. رسالة إلى عمر بن الخطاب :
ذات مرة جاءت لسيدنا عمر رسالة، قال كاتبها: يا أمير المؤمنين، إن رجالاً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استرداده منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت.
قال: يا سبحان الله!! أوتستأذنني في تعذيب بشر!؟ وهل أنا لك حصن من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البيِّنة، فإن قامت فخُذْهم للبينة، وإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.
قاعدة فقهية :
فإذا شخص أتيح له أن يكون ضابطاً في الأمن الجنائي، هذا عمل مشروع وجيد، وجاءه مُتَّهم، ما الذي يفعله؟ بعض مَن يعمل في هذا السلك يعذبه إلى أن يعترف، فإذا كان بريئاً لا يعترف، لم يعترف ولكنه أذاقه ألوان العذاب, من أجل أن ترتاح، استخدم أسلوباً ذكياً علمياً متعباً في التحقيق، وتحفظ له كرامته، وتحفظ له كبرياءه، وتحفظ له إنسانيَّته، ولا تسلك أقصر الطرق فتعذبه, لأنك ستحاسب لأنه بريء, فعلى الإنسان قبل أن يفعل شيئاً:
الإنسان بُنْيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله.
فمن بطش اليد المحرم أن تضرب مَن لا يحل ضربه, والأصل -كما تعلمون-: الإنسان بريء ما لم تثبت إدانته.
من بطش اليد المحرم :
من بطش اليد المحرم: اللعب بالنرد:
من لعب النرد فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه.
لعب النرد محرمٌ قطعاً، وكل شيءٍ على شاكلة النرد يُحْمَل على النرد، كالبرسيس، أليس هناك حظ في الوَدَع؟ فاللعب المبني على حظ محرم, وأكثر العلماء حرَّم الشطرنج.
كتابة قصة باليد، قصة إباحية، كتابة كلام باطل، كتابة اتِّهام كاذب، كتابة معروض فيه افتراء على إنسان، كله باليد.
و:
((مَن أعان ظالماً سَلَّطَهُ الله عليه))
و: ((مَن أعان ظالماً ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوباً على جبينه آيسٌ من رحمة الله))
كتابة كلام زور، يقول لك: في مئة ألف دعوى كيدية ليس لها أصل, لكن المؤمن منضبط، هذه اليد لا تكتُب إلا الحق، ولا تفعل إلا الحق، ولا تعتدي على مخلوق. اعلم هذا :
حدثني أخ, فقال لي: عندي أرض ثمنها مليونان, موظف بسيط جاء للتحديد والتحرير، فطلب مبلغاً من المال رشوة, فرفض صاحب الأرض، فسجلها الموظف أملاك عامة، حرم منها، وهي مال أولاده، حرم أولاده منها.
أحياناً دعوى فيها افتراء، تقرير كاذب، قد يسبب متاعب لا حصر لها، هذه اليد التي تكتُب الباطل، أو تكتب الافتراء، أو تكتب الكذب، هذه اليد سوف تُلقى في النار.
من عمل اليد المحرم أيضاً :
والقذف: قذف محصنةٍ يهدم عمل مئة سنة.
والتشبيب بالنساء، الشعر الغَزَلي، في شعراء دواوينهم كلها غزل بالمرأة وببعض أعضائها, هذا إن قرأت شعره تُثار كل الشهوات مِن شعره، فاليد التي كتبت هذا الشعر لتثير الشهوة عند الشباب، وقد تنتهي هذه الشهوة إلى معصية كبيرة، في صحيفة مَن كتب هذا الشعر، وكتابة ما فيه مَضَرَّةٌ للمسلمين في دينهم أو دنياهم، أو كتابة الباطل:
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 79]
هذه اليد: قد يكتب بها تقرير باطل، قد يكتب بها كلام فيه ضلال، أليس هناك كُتُب باسم قراءة معاصرة؟ كل السلوك الإباحي في هذا العصر غطي بالقرآن الكريم زوراً وافتراءً؟!!.
إنسان يعمل مفتياً، كتب فتوى وهو لا يعلم، فهو آثم عند الله، أو كتب فتوى بخلاف ما يعلم، فهذا أشد إثماً، تفتي بخلاف ما تعلم إرضاءً لزيد أو عُبيد.
فتوى بمصر من عالم، في اليوم التالي وضع ثلاثة وثمانون مليار جنيه في البنوك، لأنه أباح التعامل مع البنك بفتوى كتبها بيده ووقع عليها، هذا كله بعمل اليد، إلا أن يكون مجتهداً مخطئاً فله أجر.
إذاً: تحدثنا عن البطش الواجب، وعن البطش المحرَّم، عن عمل اليد الواجب، وعن عمل اليد المحرَّم, وأما المكروه فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام، وكتابة ما لا فائدة منه:
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
عندنا بطشٌ واجب، وبطشٌ حرام، وبطشٌ مكــروه، وبطشٌ مستحب، كتابة كل ما فيه منفعةٌ في الدين.
هذا من عمل اليد التي ترضي الله عز وجل :
كأن تلخِّص كتاباً في القواعد أو تؤلفه، القواعد تنفع الدين:
تعلموا العربية فإنها من الدين كما قال سيدنا عمر.
أو فيه مصلحة لمسلم، أو إحسانٌ إلى مسلمين.
سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((ما ينجي العبد -يا رسول الله- يوم القيامة؟.
قال: إيمانٌ بالله.
قال: مع الإيمان عمل؟.
قال: أن ينفق مما رزقه الله.
قال: فإن كان لا يجد؟.
قال: فليأمر بمعروفٍ أو ينهى عن منكر.
قال: فإن كان لا يحسن؟.
قال: فليُعن الأخرق بيده.
قال: فإن كان لا يستطيع؟.
قال: أو ما تريد أن تدع لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس.
قال: أو إن فعل هذا دخل الجنة؟.
قال: ما من عبدٍ مسلمٍ يصيب خصلةٍ من هذه الخصال، إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة))
أن تعين صانعاً، أن تصنع لأخرقٍ، أن تُفْرِغ دلوك في دلو المستسقي، أن تحمل إنساناً على دابَّته، أو أن تمسكها له حتى يصعد عليها.
فأحياناً إنسان في الطريق، يحمل أشياء ثمينة ووقعت على الأرض، والطريق فيه ازدحام، فالمؤمن عنده مروءة يعينه على جمع هذه البضاعة المبعثرة، هذا من عمل اليد الذي يرضي الله عز وجل.
لمس الركن باليد، هذا من البطش المستحب.
المباح ما لا مضرة فيه ولا ثواب.
واجب، محرم، مكروه، مستحب، مباح، خمسة أحكام هذا فعل اليد. ما هو فعل الرجل؟ :
فما هو فعل الرِجْل؟:
قال: أما الرِجْل، أول عبادة لهذه الرجل: أن تنتقل بها إلى المسجد.
إنسان جاء مشياً، فهذه عبادة الرِجْلِ أن تنقلك إلى طاعة، إلى الجُمَعِ والجماعات في أصح الأقوال، وهناك بضعةٌ وعشرون دليلاً على أن عبادة الرِجْلِ الأولى: أن تنقلك إلى الجُمَع والجماعات, إلى مجلس علم، والمشي حول البيت طائفاً، والمشي بين الصفا والمروة ساعياً، والمشي إلى حكم الله وحكم رسوله إذا دُعِيَ إليه، دعيت إلى شيء شرعي، يجب أن تذهب إليه.
ورد في الأحاديث:
((من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم))
قد تدعى إلى حفل فخم جداً، هذا من الدنيا، تلبية هذه الدعوة من الدنيا، ولكن إذا دعيت إلى عقد متواضعٍ في أطراف المدينة، ولا بد من تحمُّل مشاق الوصول إلى هناك، ولا بد من تضييع وقتٍ كثير، تلبية دعوة الفقراء من الآخرة, والمشي إلى صلة الرحم، والمشي إلى بر الوالدين، وإلى مجالس العِلم، وإلى الحج إذا قَرُبَت المسافة، هذه الرِجْل ينبغي أن تنقلك إلى طاعة، أما إذا سار بها إلى ملهى، أو إلى معصية، أو إلى فجور والعياذ بالله! استخدم هذه النعمة في معصية الله عز وجل. المشي الحرام :
أما المشي الحرام قال: المشي إلى معصية الله، وهو من رِجْل الشيطان، قال تعالى:
﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾
[سورة الإسراء الآية: 64]
قال مقاتل: استعن عليهم برُكْبان جندك ومُشاتهم، فكل راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جُند إبليس.
يمشي إلى المسبح، مسبح مختلط، مكشوفةٌ العَوْرات، هذا مشي إبليس، مشى إلى معصيةٍ هو من رِجْل الشيطان، فكل راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جُنْد إبليس.
المشي الواجب :
المشي الواجب: الركوب إلى الغزو والجهاد والحج الواجب.
سياحة أمتي الجهاد. و:
((مَن مات ولم يحدِّث نفسه بالجهاد, فقد مات على ثُلْمةٍ من النفاق))
الحد الأدنى الجهاد الدعوي، أخ لم يحضر، فذهبت إلى بيته تتفقده، تراه قد انتعش، وجد نفسه له قيمة، فلما غاب عن الدرس، له أخ زاره وتفقَّد أحواله، فأنت حينما تتحرَّك لتَشُد إنساناً إلى مسجد, أو إلى دعوة, أو إلى الحق، فهذا عمل دَعَوِي.
فحرام المشي: الركوب إلى معصية.
والمكروه: الركوب للهو واللعب، وكل ما تركه خيرٌ من فعله.
ومباحه: الركوب إلى شيءٍ ليس فيه وزرٌ ولا عليه أجر، هذا المباح. خاتمة القول :
لا زلت أؤكد لكم: أن العبادة علة وجودنا على وجه الأرض، وأن العبادة تشمل كل الأوقات، وكل الأماكن، وكل الأعضاء، فإذا وفِّقْنا إلى أن نعبد الله كما أراد، فنحن قد حققنا الهدف من وجودنا، والله سبحانه وتعالى أسأل أن يُلْهِمنا رشدنا.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:44 PM   #98


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السادس و التسعون )

الموضوع : استنباطات لموضوع العبادة - العلاقة بين الكليات والجزئيات







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما علة وجود الإنسان على الأرض؟ :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، والدرس اليوم استنباطات عديدة من موضوع العبادة.
نعلم أن علة وجودنا في هذه الدنيا عبادة الله، والمؤمن لا يقبل شيئا إلا بالدليل، ولا يرفض شيئاً إلا بالدليل، ولعل هذا مستنبطك من قوله تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
فمعنى قول الله:
﴿على بصيرة﴾
أي بالدليل والتعليل، ذلك أن الله رب السموات والأرض, حينما أمرنا أن نصلي, قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
الله قدَّم التعليل، وحينما قال لنا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 103]
جاء التعليل: تطهرهم وتزكيهم، وحينما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 183]
فأنت لا تقبل شيئاً إلا بالدليل ولا ترفض شيئاً إلا بالدليل.
وقد قال بعضهم: لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
لك أن تقول: كلُّ أبنية دمشق ملكي، ولكن من دون دليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، وإذًا: ربُّنا عز وجل أمرنا أن ندعو إلى الله على بصيرة، قال تعالى:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
إذًا: علة وجودنا على هذه الأرض أن نعبد الله، والعبادة كما أذكر دائماً: هي طاعـة طوعية, ممزوجة بمحبة قلبية, أساسها معرفة يقينية, تفضي إلى سعادة أبدية.
هذه الكليات في الدين :
لا بد من وقفة متأنية عند التفوُّق والتطرف: التطرف أن تأخذ ناحيــة من نواحي الدين وتكبِّرها وتجعلها الدين كله، هذا تطرف، أما أن تتحرك مع كل كليات الدين حركة متوازنة هذا هو التفوق، فمن خلال هذا التعريف البسيط: طاعة طوعية, ممـزوجة بمحبة قلبية, أساسها معرفة يقينية, تفضي إلى سعادة أبدية.
اسأل نفسك هذا السؤال: هل عندك نشاط تعلمي ونشاط سلوكي ونشاط جمالي؟ أنت في هذه الأرض من أجل أن تعبد الله، وفي عبادة الله كلِّيات ثلاث؛ كلية معرفية وكلية سلوكية وكلية جمالية، فالكلية المعرفية أن تطلب العلم.
ورد في بعض الأدعية أن:

((لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قربًا))
فالمغبون من تساوى يوماه، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، أنت لو توقفت فالركبُ يمشي، إذًا أنت متأخر، ليس التأخر أن ترجع إلى الوراء، التأخر أن تبقى واقفاً، والركب يمشي.
والكلية الجمالية: الله جل جلاله أصل الجمال، كلُّ شيء تراه جميلاً في الكون له مسحة من الله، المنظر الجميل، الورد الجميل، الشاطئ الجميل، الجبال الرائعة، هذه أخذت مسحة من جمال الله، فدُهشت بها، فكيف لو اتصلت بأصل الجمال؟.
الصلاة قسم جمالي في الدين, لذا جعلها الله عز وجل قرة عيـن، جعل الصلاة قربى، الآية الكريمة، قال تعالى:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الآية: 19]
وورد في الحديث: ((ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها))
إذًا: الصلاة والاتجاه إلى الله, مع الدعـاء، ومع الاستغفار, ومع التهليـل والتكبيــر, مع الأذكار النبوية، قسم جمالي في الدين، والحركة اليومية السلوك هذا قسم سلوكي، وطلب العلم قسم معرفي: فأنت حينما تطلب العلم, وتتحرك وفق منهج الله, وتسعى أن تتصل بالله فقد تفوقت, لأنك تحركت على الخطوط الثلاثة معًا, طلبت العلم, وتحركت وفق منهج الله, وأردت أن تسعد بقربك من الله، هذه هي العبادة، العبادة هي سرُّ وجودنا على وجه الأرض، علة وجودنا، الذي يصحِّح مسارنا في الكون عقيدتنا، تصوراتنا الصحيحة عن الكون والدنيا والإنسان. الفرق بين المؤمن وغير المؤمن :
لو أردنا أن نعالج ربط الكليات بالجزئيات, مثلاً:
أنت ذهبت إلى الفراش كي تستلقي قُرع الباب، جاء إنسان يطلبك، أنت بإمكانك أن تعتذر عن مقابلته أو أن تلبي رغبته، إذا كان إيمانك بالآخرة كبيراً, وعقيدتك أنك مخلوق للعمل الصالح, وأن العمل الصالح هو أكبر ثمرة في الدنيا، وأن العمل الصالح ثمن الجنة, وأن الله يرضى عنك إذا خدمت عباده، وأنك إذا أردت أن تتصل بالله, فالعلم الصالح أكبر وسيلة، قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
تنهض وتلبي حاجة هذا الطارق، وتضحِّي براحتك واستجمامك، أما إذا كانت هذه المعاني ليست واضحة, تغضب أشد الغضب, من هذا الذي جاء ليقلق راحتك؟ فأيّ تصرف يفعله الإنسان فهو انعكاس لفهمه للحياة، لو أنه لم يؤمن بالآخرة يرى الفلاح في الأخذ لا في العطاء، ولا فلاح في الراحة لا في بذل الجهد، والذكاء في استهلاك جهد الآخرين لا في خدمتهم، والذكاء في الانغماس في الملذات، لا في التعفف عن الموبقات، لو أنه آمن بالآخرة ينعكس الميزان انعكاسا كلياً، يرى الذكاء في إنفاق المال لا في أخذه، يرى الذكاء في بذل الجهد للآخرين لا في استهلاك جهدهم, يرى الذكاء في التواضع لهم لا في الاستعلاء عليهم، يرى الذكاء في خدمتهم لا في استخدامهم، لذلك ترى بونًا شاسعاً بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن في خدمة الخلق وغير المؤمن الخلقُ في خدمته، المؤمن يعطي وغير المؤمن يأخذ، المؤمن يتواضع وغيره يستعلي، المؤمن يصبر وغيره يفجر، إن كانت عقيدتك صحيحة, وكان تصوُّرك لله, ولحقيقة الكون والحياة والإنسان صحيحاً, هذا الفهم الدقيق ينعكس سلوكاً قويماً.
لو أن الإنسان يمشي في الطريق, ومرّت أمامه امرأة بارعة الجمال, فالمؤمن يرى فلاحه في غضِّ البصر عنها، وغير المؤمن يرى أن يملأ عينيه من محاسنها هو الفلاح.

الفرق بين حضارة الغربيين وبين حضارة المسلمين :
مثلنا الأعلى سيدنا يوسف الذي ملَك مصر وصار عظيمها, ملك نفسه فملك، قال تعالى:
﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾
[سورة يوسف الآية: 101]
من أروع ما قرأت عن هذه الآية: أن الملك الذي ذكر في هذه الآية, ليس أنه حكم مصر؛ أيُّ إنسان تولى شؤون بلد, يقول لك: وأنا آتاني الله الملك، لكن الملك أنه ملَك نفسه عند الشهوة، هذه هي البطولة، ذلك أن حضارة الغربيين سيطرة على الطبيعة، بينما حضارة المسلمين سيطرة على الذات.
قال بعض زعمائهم عقب الحرب العالمية الثانية: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا.

ما أساس صحة العمل؟ :
أردت أن أربط بين كليات الديـن وجزئياته، أنت حينما تدخل إلى البيت, وحينما تجد شيئاً مزعجاً, إذا كان فهمك للحياة عميقا تقلِّد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حلمه وفي صبره، أما إن لم يكن فهمك عن الحياة ولا عن الزواج ولا عن مهمتك في الحياة صحيحاً تنفجر، لماذا انفجر هذا و صبر هذا؟ لماذا أعطى هذا ومنع هذا؟ لماذا رنا هذا وغضّ هذا؟ لماذا تكلم هذا وسكت هذا؟ التكلم والسكوت أساسه التصور، الغضب والحلم أساسه التصور، صحيح أو غير صحيح، المنح أو الأخذ أساسه التصور، فيجب أن تعلم أنه كلما تعمق فهمك لحقائق الكون ولحقائق الدين, انعكس هذا الفهم سلوكاً صحيحاً هو ثمن الجنة، وكلما ابتعد الإنسان عن حقائق الدين, سلك سلوكاً بهيمياً, لذلك أساس صحة العمل معرفة الله عز وجل.
متى يسير العبد على غير هدى من الله؟ :
لو إنسان ذهب إلى بلد غربي، ونزل في أحد الفنادق, ونام الليلة الأولى, واستيقظ صباحاً, وتناول طعام الفطور, وارتدى ثيابه, وقال: إلى أين أذهب؟ إن كان طالب علم ذهب إلى الجامعة، وإن كان تاجراً ذهب إلى الأسواق، وإن كان سائحاً ذهب إلى المتنزهات، هذا الذي جاء لهذا البلد لا يصحُّ عمله إلا إذا عرف سرَّ وجوده، الناس يمشون في طرق مسدودة، يتوهم أحدهم أن المال كل شيء، فينكب على جمعه وكسبه من طريق مشروع وغير مشروع ، من طريق حلال أو حرام، إلى أن يجمِّع ثروة طائلة، حينما يبدأ يستمتع بهذا المال تكون صحته قد تراجعت، فيحتقر المال ويحتقر هذه الحياة الدنيا، معنى ذلك: أنه يمشي على غير هدى من الله.
هذه أوهام السعادة التي يعيشها العبد الشارد عن الله :
الغربيون يرون أن اللذة لا بد لها من ثلاثة شروط: من شرط المال والصحة والوقت، ومع الإنسان التائه الشارد في أيّة لحظة من حياته يفقد أحدها، ففي شبابه يتوافر له الصحة و الوقت، يفتقد المال، إذًا: لا يُتاح له أن يستمتع بالحياة، في المرحلة الثانية يتوافر له المال والصحة، لكنه ليس عنده وقت، إذًا: لا يتاح له أن يستمتع بالحياة، الحالة الثالثة يتوافر المال والوقت ولكن لا توجد صحة، إذًا: الذي شرد عن الله يعيش في أوهام السعادة، أو يعيش في سراب السعادة، أو يعيش كما يسعى الحمار إلى الفجلة التي أمامه والمسافة بينه وبينها ثابتة، قصة مشهورة جداً:
إنسان ركب حماراً ومسك عصا ووضع في نهايتها فجلة، والحمار يركض ليأكلها، والمسافة ثابتة بينهما.

هذه السعادة الحقيقية :
أما لو أنه عرف الله, لقال لك: السعادة الحقيقية تحتاج إلى معرفة بالله، وطاعة له, و خدمة لخلقه، وهذه الثلاثة متوافرة دائماً, أنت شاب، وأنت كهل، وأنت شيخ، بإمكانك دائماً أن تعرف الله وأن تستقيم على أمره وأن تسعد خلقه، فأنت في سعادة دائمة.
وذكرت أيضاً: أن هذه السعادة التي هي روح حياة المؤمن تنبع من داخله ولا تنبع من خارجه، ولا تأتي من خارجه، هو يملكها، كل واحد منا يملك أسباب سعادته، بصرف النظر عن عمره, وعن دخله, وعن ثقافته, وعن صحته, وعن مكانته, وعن دوره الاجتماعي، السعادة أن تصل إلى الله، بينما اللذة إلى أن تصل إلى جزء منها, يكون قد مضى الخمسون عاماً.
نحن الآن في حياتنا المعاصرة المعقدة حتى الإنسان يرتاح، له بيت وزوجة ومركبة وهو في بحبوحة من العيش، لا بد من أن يكون قد بلغ الأربعين أو الخمسين من عمره, ما الذي بقي من الحياة؟.

هذه الحركة التي تنتج عن المؤمن نتيجة رؤيته الصحيحة للدين :
العلاقة بين الكليات والجزئيات، العلاقــة بين صحة العقيدة, وبين حسن التصور، و بين حسن الفهم، وبين الحركة اليومية، وقد لا تصدِّق: أنك إذا رأيت حجراً في الطريق أن تزيحه أو أن تدعه، متعلِّق بعقيدتك.
تجد إنساناً يركب مركبته في طريق سفري، يرى حجراً كبيراً، يعترضه ربما سائقو الشاحنات, أحياناً يضعون هذا الحجر وراء إحدى عجلات المركبة، حجر كبير قد يؤدي إلى حادث كبير إن لم ينتبه إليه السائق، تجد رجلاً مؤمناً يقف ليزيح هذا الحجر، هذا التصرف الجزئي متعلق بعقيدته، لو تتبعت حركتك اليومية, لوجدت وأنت في البيت أن أعمالك تنطلق من موقفك من زوجتك, وموقفك من أولادك, وموقفك من أي إنسان، حتى لو سرت في الطريق, لوجدت نظراتك وسمعك وبصرك ومطالعاتك تنطلق من عقيدتك، تطالع مقالة توازنها مع كلام الله ومع سنة رسول الله ترفضها أو تقبلها، عندك ميزان ثابت تقبل به و ترفض به، ذهبت إلى عملك, قد يأتيك إنسان يشتري وهو جاهل، تنوِّره وتبين له، ولا تفرح وتقول: زبون جاهل، إذا كان مع أحدهم مال يتيم، إذا عقيدته صحيحة خاف على المال خوفه على ماله، وإذا كانت عقيدته غير سليمة يجعل مال اليتيم حقل تجارب لتجارته، يجعل مال اليتيم دريئة لماله.
وقد ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-:

((ولا تجعل مالك دون ماله))
فتجد المؤمن في أدق حركاته التجارية, حتى في أفراحه, حتى في أتراحه، حتى في سفره، حتى في إقامته، في نشاطاته، كلِّياته تتحكّم في جزئياته، منذ استيقاظه يفعل كما فعل النبي وكما نبه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ, فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إِزَارِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ, فَإِنَّهُ لا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ بَعْدُ, فَإِذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي, وَبِكَ أَرْفَعُهُ, فَإِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا, وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ, فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي, وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي, وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِه))
معنى ذلك: أن الله سمح لك بيوم جديد، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي, -الأجهزة في أعلى درجة- وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِه. قصة تائبة :
إنسانة تعمل في الفن, قالت: دخلت أول ليلة تبت فيها, قمت عند صلاة الفجر, بعد أن كنت عمري كله أدخل بيتي بعد أذان الفجر، شتان بين من يستيقظ ليصلي الفجر وبين من يأتي بيته وهو في معصية بعد الفجر، قالت: ما من ليلة نمت إلا بمنوِّم، وبعد أن تبت إلى الله نمت كالطفل الصغير، في نوم عميق.
الإنسان لما يكون مستقيماً ولم يتعلق به حق أحد، ينام نوماً عميقاً، نوماً مريحاً، أما هذا الذي لا ينام لعل فطرته تؤنِّبه.
حدّثني أخ كان في ألمانيا, نزل في أحد فنادقها, وجد كلمة كُتبت على طرف السرير: إذا لم تنم وتقلبت في فراشك، ففرشك وثيرة، لكن العلة في ذنوبك.
الإنسان حينما يأوي إلى الفراش, وقد بنى ماله على إفقار الآخرين، أو بنى سعادته على شقاء الآخرين تؤنبه فطرته.

يجب أن تعلم هذه الحقيقة :
حقيقة يجب أن تكون واضحة جداً: السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان كائناً من كان, أبداً, السلامة والسعادة، السلامة في طاعة الله، والسعادة في القرب منه، قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
قال الله عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
ولو قرأت السنة لفوجئت:
عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ, ضَخْمُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَـةِ, شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ, مُشْرَبٌ وَجْهُهُ حُمْرَةً, طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ, ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ, إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا, كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ, لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
والسيدة عائشة تقول: رحم الله عمر, ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، إذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع.
كيف نوفّق بين الآية وبين هذين النصين من السنة؟.
لعل علماء التفسير حينما فسَّروا هذه الآية قالوا: يمشي هونــاً؛ أي لا يسمح لهموم الدنيا أن تستهلكه.
الإنسان من همٍّ لهمّ، ومن مشكلة لمشكلة، ومن قضية إلى قضية، ومن أزمة إلى أزمة، إلى أن يأتيه ملَك الموت، ما استعدّ للموت، ولا استعد للآخرة، الحياة قد استهلكته, ومعظم الناس تستهلكهم هموم الحياة، ليس عنده وقت يفكّر في سر وجوده، ولا أن يسأل من أنا؟ ليجد أنه المخلوق الأول، المخلوق المكرّم، المخلوق المكلف، قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾
[سورة الجاثية الآية: 13]
الكون كله مسخّر لك، وأنت الإنسان الذي قبل حمل الأمانة، والإنسان الذي خُلق ليعبد الله عز وجل، اسأل: من أنا؟ اسأل: لماذا أنا في الدنيا؟ اسأل: ما الشيء الذي ينبغي أن نفعله؟ ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾
[سورة الكهف الآية: 103-104]
تجده يعمل ليلاً نهاراً، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾
[سورة المدثر الآية: 50-51]
ثم يُفاجأ بالموت، من بيت ثمنه مائة مليون إلى قبر وضيع، نقلة كبيرة جداً، من بيت في أرقى أحياء دمشق إلى قبر، ما هذه الحياة؟.
متى يكون عمل الإنسان خاسر؟ :
رجل مقيم في بلد عربي، جاء إلى تركيــا ليمضي إجازة, فوافته المنية بالفندق، ترك هذا الرجل أربعة آلاف مليون, وكان يقيم في السعودية, وما صلّى فرض صلاة، ولا أدّى حجاً ولا عمرة, كان شارداً عن الله، وافته المنية وهو يملك هذه الثروة الطائلة، خسر كل شيء، كل شيء جمعه في عمر مديد خسره في ثانية واحدة، كان عليه أن يقف ويسأل: من أنا ؟ أنا من؟ لماذا أنا في الدنيا؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ إذا جاءه ملك الموت ماذا يقول؟ القرآن يقول:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 99-100]
سر وجودك العمل الصالح، إذا هناك نشاط لا يتصل بالعمل الصالح خسارة.
بم قسم الله في هذه الآية؟ :
الله عز وجل قال:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
[سورة العصر الآية: 1-2]
الإله يقسم ويقول لك: أنت أيها الإنسان خاسر، خاسر لا محالة: يا ربي لماذا أنا خاسر ؟ لأن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان، وسوف ترى بعد حين أن أثمن شيء تملكه على الإطلاق هو الوقت، الوقت وعاء عملك.
لو إنسان أصيب بمرض عضال، ويحتاج لعملية بأمريكا, تكلِّف أربعة ملايين، وثمن بيته أربعة ملايين، لا يتردّد ثانية واحدة في بيع بيته واستئجار بيت سياحي لإجراء العملية، يرى أن يعيش سنوات معدودات زيادة أفضل من هذا البيت الذي يمكله، إذًا: الإنسان يؤمن بأعماقه أن الوقت أثمن من المال.
انظر إلى إنسان أمام الحاوية, مسك بيده مبلغاً من المال وأحرقه، تقول: هذا مجنون، هذا ليس من عمل العقلاء.

هذا الفرق بين من يختار الدنيا ويدع الآخرة :
هناك ألماسة شاهدتها في استانبول في متحف ثمنها مائة وخمسون مليون دولار، هي بحجم البيضة، موضوعة على قماش أخضر، وعليها إضاءة شديدة، كأنهــا شمس، لو فرضنا وضِعت على طاولة، ووضع إلى جانبها كأس كريستال ثمنه ألف ليرة، وبجانبها وعاء أزرق ثمنه عشرون ليرة، وطلب منك أن تختار فاخترت الرخيص وتركت الثمين، فمثل هذا كمثل الذي يختار الدنيا ويدع الآخرة, قال تعالى:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾
[سورة الكهف الآية: 103-104]
فالذي يتلف ماله يُحكم عليه بالسفه، ويُحجـر على تصرفاته، والذي ينفق وقته سدًى في متابعة المسلسل, أو في لعب النرد, أو في الغيبة والنميمة, أليس ينفق وقته جزافاً؟ الذي أحرق مائة ألف اتهمته أنت بالجنون، والذي أتلف وقته أشد منه جنوناً.
مرَّ أحد العلماء أمام مقهى يلعب فيه من يلعب النرد, فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.

العبرة من هذا الكلام :
عود على بدء, أقول: كلما صحّت عقيدتك كلما أدركت من أنت، كلما ازداد تعلقك بالدار الآخرة, انعكس هذا على حركتك اليومية, انعكس على نظرتك، على استماعك، على لسانك، المؤمن يلغي ألف قصة، ويهم أن يحكي قصة، هذه لا تفيد، هذه تعمل تفرقة، هذه القصة تعمل حزناً، مثلاً:
رجل غني سافر ورجع، جاء أقرباؤه لزيارته, وفيهم موظف دخله محدود، وله أخ صغير لا يملك قطمير، جلس يحدثهم, نزلنا في فندق كلفني ثمانون ألف، ذهبنا إلى المحل الفلاني، هذا الكلام ما فائدته؟ تتباهى بدخلك الكبير، بإنفاقك العالي، أنت كسرت قلبه، فلما يعرف الإنسان سر وجوده في الحياة، هناك رقابة ذاتية عالية جداً، فيضبط كلامه، المؤمن يتمنى هداية الخلق، لأنه هو بالتعبير الحديث: استراتجيته العلم الصالح، حتى لو حاور, إذا نصح ينصح على انفراد.
الفرق بَيِّنٌ بين النصيحة والفضيحة: الفضيحة أمام ملأ، أما النصيحة على انفراد، هدفه أن يأخذ بيد الأخ، وليس هدفه أن يحرجه، الكافر هدفه يحرج، عنيف، المؤمن رفيق.
وقد قال عليه الصلاة والسلام, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ, وَلا عُزِلَ عَنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ))
وأنت في عملك التجاري تأتيك صفقة رابحة جًدا، لكن لا ترضي الله، ارفضها، أما غير المؤمن لا يرفضها، بالعكس يتهم من رفضها بالجنون، فالعبرة: أن تكوِّن قناعات صحيحة, وعقيدة صحيحة, وتصورات صحيحة عن الكون والحياة والإنسان, تجد أن هذا الفهم العميق والعقيدة المتينة انعكست سلوكاً قويماً في حياته، وهذا السلوك القويم هو ثمن الجنة. ما هو المخرج للإنسان من هذه الحياة المعقدة في هذا العصر؟ :
وبالمناسبة: قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 219]
نهاية الآية، قال تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 217]
الإنسان في هذا العصر آلاف السيوف مسلّطة عليه، أحدها سيف الأمراض، من يضمن لليوم القادم أن تعمل أجهزتــه عملاً سليماً؟ لا أحد يضمن، هناك أمراض مخيفة، هناك أمراض عضالة, وهناك أمراض مميتة، من يضمن سلامته من حادث سير؟ من يضمن أن يقع في ورطة وهو بريء منها؟ طبيعة العصر الحياة معقدة جداً، معنى ذلك: أن الإنسان محطم نفسياً، الإنسان قلق، هذا ما عبّر عنه الأطباء بالشدّة النفسية، ضغط شديد، اسمع ما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:

((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَل, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا, ثُمَّ سَارَ سَاعَةً قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
يطيعوه، اسمع أنت الحديث واطمئن؛ أن يا ربي عليّ أن أطيعك وعليّ أن أعبدك، عليَّ ألاّ أخالف أمرك والباقي عليك، أن تحفظني، أن ترحمني، أن تسدد خطاي، أن تلهمني رشدي, أن ترزقني رزقاً حلالاً، أن ترزقني زوجة صالحة، أن ترزقني أولاداً أبراراً، أن تسعدني بقربك, أنت عليك شيء، قال تعالى:
﴿اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 66]
لماذا قسم الله بعمر النبي؟ :
الإنسان أحياناً يعتدّ بقوته فيؤدِّبه الله، فالإنسان حينما يكون مع الله عمله سديد، فأنت جئت إلى الدنيا فماذا فعلت في الدنيا؟ المؤمن يستغل حياته الدنيا، الله عز وجل يبين قيمة عملك في الحياة الدنيا فيقسم بعمر إنسان، لقد أقسم بعمر النبي، قال تعالى:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
لأنه جاء إلى الدنيا وما فرّط بثانية ولا بدقيقة، ترك الهدى في الأرض، وكل من اهتدى في صحيفته.
لا تسمح لهموم الحياة أن تنسيك هدفك الكبير :
لا تسمح لهموم الحياة أن تنسيك هدفك الكبير، يمكن أن يكون لك عمل له دخل كبير، لكنه استغرق كل وقتك، فالعمل الذي يمتص كل وقتك خسارة كبيرة، لأنه ألغى وجودك، ألغى سر وجودك في الأرض، ولا بد من وقفة من حيــن لآخر مع نفسك، لا بد من وقفة متأنية بينك وبين ذاتك، يا تُرى: أنا عملي صحيح أم غلط؟ يا ترى: هل يرضي الله أم لا يرضي الله ؟ أهل الدنيا ما حجّتهم؟ وجدنا الناس يفعلون هذا ففعلناه، قال عليه الصلاة والسلام:
ِعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لا تَكُونُوا إِمَّعَةً, تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا, وَإِنْ أَسَاؤوا فَلا تَظْلِمُوا))
أسباب سعادته بيده، سعادته تنبع من طاعته لله عز وجل، فلا بد من طلب العلم، الإنسان إن لم يطلب العلم تحرك كالبهائم تماماً، ولا بد مع طلب العلم من تحقق هذا العلم في الحركة اليومية, ولا بد من أن تجعل سعادتك بالقرب من الله عز وجل، عن طريق الصلاة و الصيام والحج والزكاة.

والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:47 PM   #99


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( السابع و التسعون )

الموضوع : اعلى مرتبة ان تكون عبد الله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
إليكم هذه الطائفة من الآيات التي تبين أن العبادة هي كل شيء في حياة الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، مع السابع السادس والتسعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ونحن على وشك الانتهاء من هذه الدروس، فإذا وصلت إلى المائة بتوفيق الله عزوجل ننتهي من هذه المجموعة من الدروس، أردت أن تكون الدروس الأخيرة تلخيصاً لهذه المجموعة من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، أعظم كتاب بين أيدينا كلام الله عز وجل، إليكم طائفة من الآيات الكريمة التي تبيِّن أن العبادة هي كل شيء في حياة الإنسان, خُلق ليعبد الله، والعبادة تشمل كل أوقاته, وكل أحواله, وكل حركاته وسكناته، بل إن أعلى مرتبة يصل إليها الإنسان على الإطلاق أن يكون عبداً لله، يقول الله عز وجل:
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾
[سورة النساء الآية: 172]
هذا مقام الأنبياء، قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾
[سورة النساء الآية: 172]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 206]
مما يتناقض مع العبودية لله :
في هذا العصر مفهوم التألّق، هذا المفهوم جاءنا من الغرب، الإيمان بالإنسان المتجبر القوي المتغطرس، الذي يعيش على أنقاض الآخرين، الذي يبني مجده على تدمير الآخرين، هذا الإنسان المتألق الذي جاء نموذجه من الغرب يتناقض مع العبودية، المسلم عبد لله، له منهج, وله كتاب، وله سنة، مقيَّد بالشرع، يعتقد ما في القرآن و يرفض ما يناقضه، يطبق ما جاء به النبي العدنان ويرفض ما يخالفه.
أنا أؤكد على مفهوم العبودية: أنت لأنك مسلم فأنت عبد لله، ليس معنى أنك عبد لله أنك ضعيف، قد تكون قوياً بقوة الله، وقد تكون عليماً بعلم الله، وقد تكون شجاعاً بمدد من الله عز وجل، هؤلاء الذين عبدوا الله هم في أعلى درجات القوة، وفي أعلى درجات الحكمة، وفي أعلى درجات الشجاعة، أما حينما يعبد المرء شهوته، أو يعبد جهة دون الله عز وجل, يُذلّ أيّما إذلال, ويضعف أيما ضعف، لأنه ترك الله عز وجل فأوكله الله إلى نفسه، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 206]
يقول تعالى: -ومن عنده لا يستكبرون ....-, عنده: ماذا تعني؟ :
وقال تعالى:
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 19-20]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 19]
عنده ماذا تعني؟ أي في ملكه، هل هناك مخلوق خارج عن ملكه؟ كل المخلوقات في ملك الله عز وجل:
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 19]
بماذا وصف الله أنبياءه؟ :
وقال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
عباد الرحمن: أضيف العباد إلى الرحمن إضافة شرف، نحن أُضفنا في هذه الآية إلى الرحمن، كأن تقول: هذا من عندي، وهذا يخصّني، هذا منتمٍ إليّ، هذا محسوب عليّ، وقال تعالى:
﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 6]
عباد الله، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾
[سورة ص الآية: 17]
عبدنا، وُصف بأنه عبد لله، إذًا: الأنبياء العظام والمرسلون الكرام وصفوا بأنهم عبيد لله عز وجل، فمن نحن حتى نستنكف؟.
وقال تعالى:

﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾
[سورة ص الآية: 40]
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾
[سورة ص الآية: 44]
وقال تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[سورة ص الآية: 29]
وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾
[سورة الزخرف الآية: 59]
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾
[سورة البقرة الآية: 23]
على محمد عليه الصلاة والسلام، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾
[سورة الفرقان الآية: 1]
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
[سورة الكهف الآية: 1]
نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وسيدنا إبراهيم، وأيوب، وموسى، كلّهم عباد لله عز وجل.
لماذا يحب الناس المؤمن؟ :
كيف تقول الآن: أعلى مرتبة علمية الدكتوراه مثلاً، فلان حاز لقب الدكتوراه، أنت وصفته بأعلى مرتبة علمية، في الدنيا إن أردت أن تصف إنساناً بأعلى مرتبة دينية, تقول: هو عبد لله، ولماذا يُحبُّ المؤمن؟ لأنه عبد لله, متواضع، يتواضع لكل الخلق، منصف لا يجحد، شكور لا يكفر, عفيف لا يفجر، صادق لا يكذب، وأمين لا يخون، لماذا يحب الناسُ المؤمنَ؟ لأنه اشتق من أسماء الله الحسنى كمالات عاش بها.
لن تستطيع أن تدعو الله وأن تتصل به إلا بكمال مشتق من كماله :
بل إن الآية الكريمة:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
[سورة الأعراف الآية: 180]
أنت لن تستطيع أن تدعو الله عز وجل, ولن تستطيع أن تتصل به, ولن تستطيع أن تقبل عليه إلا بكمال مشتق من كمال الله:
إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي.
إن أردت أن تقبل على الرحيم وأن يقبلك الرحيم ينبغي أن تكون رحيماً، إن أردت أن تقبل على العادل ويقبلك العادلُ ينبغي أن تكون عدلاً، فتجد المؤمن منصفاً، يقول الحق ولو على نفسه، يكثر من كلمة أخطأت, واعذروني، لم أكن منتبهاً لهذا الموضوع فسامحوني، لا يركب رأسه، ولا يكابر، ولا يتعنت, ولا يبالغ، النفس البشرية تكره الصفات الخسيسة, وتحب الكمالات البشرية. قال تعالى:

﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾
[سورة الجن الآية: 19]
هذه علاقة الترابط بين العبودية لله وبين العزة :
وقال تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
أرايتم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما وُصف وهو في سدرة المنتهى, وهو في أعلى مقام وصله مخلوق على الإطلاق؟ قال تعالى:
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[سورة النجم الآية: 9-11]
هناك علاقة طردية، وأن هناك علاقة عكسية، العلاقة الطردية أن شيئاً إذا تحرك نحو الأمام تبعه الثاني نحو الأمام، تتابع، أما لا علاقة العكسية الشيء إذا تقدَّم نحو الأمام تقدّم الثاني نحو الخلف، فالعلاقة بين العبودية لله وبين العزة علاقة ترابطية، كلما ارتفع مستوى تعبُّدك لله عزوجل أعزّك الله.
الأنبياء العظام رأوا من العزّ ما لا يوصف، المؤمنون الكرام رأوا من العز ما لا يوصف, قال تعالى:

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الآية: 48]
إذا كانت عينُ الله ترعاك من يستطيع أن يطالك؟.
إذا كنت مع الله فمن عليك, وإذا كان الله عليك فمن معك؟.
مشكلة زوج :
كان يزورني شخص -توفي رحمه الله-, ظلم زوجتين اثنتين، تزوج الثالثة فكالت له الصاع عشرة أصوع، يأتي ويبكي من شدة ما تقسو عليه زوجته الثالثة، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾
[سورة الحج الآية: 18]
قد يتطاول عليك أقرب الناس إليك، قد يتطاول عليك من أنجبته أنت, ومن ربّيته أنت ، أما إذا كنت مع الله يأتي عدوُّك اللّدود فيخدمك، إن كنت مع الله خدمك عدوُّّك، وإن لم تكن معه تطاول عليك أقرب الناس إليك.
هذا المؤمن الصادق :
يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث:
عن ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السلام, فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))
مرة خطيب قال له كما جاء في حديث:
عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ قُتَيْلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ, أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ:
((إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ, وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ, تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ, وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ, فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا, أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ, وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
ما هذا القول: ما شاء الله وشئت!؟ والمؤمن الصادق لا يقبل أن يخضع الناس له خضوع العبيد، لا يرضى لأخ من أخوانه أن يرفعه فوق مقامه، هذا مقام الله عز وجل.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلام, فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ))
ماذا تستنتج من موقف أبي بكر في هذا الموطن؟ :
هل تصدق: أنه ما من علاقة بين اثنين على وجه الإطلاق كعلاقة سيدنا رسول الله و سيدنا الصديق، أعطاه ماله كله، قال:
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، إلا أخي أبا بكر))
قال عليه الصلاة والسلام: ((ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر))
وقع تحت يدي كتاب في فضائل الصحابة، مؤلف الكتاب أحصى ثلاثمائة حديث صحيح لرسول الله في الثناء على سيدنا الصديق، ومع ذلك حينما مات النبي -عليه الصلاة و السلام- ماذا قال الصديق؟ أتصور أن قلبه تفطّر، قال:
من كان يعبد محمداً فمحمد قد مات-هكذا محمد، لا كلمة نبي الله ولا رسول الله-, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت, أراد ترسيخ التوحيد.
هذا ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
سيدنا عمر عزل سيدنا خالدًا، فقال له: لِم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ -أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين, حينما يعزل قائداً عسكرياً, معنى ذلك: أن هناك وِزراً قد ارتكبه سيدنا خالد، أراد أن يطمئن على نفسه-: يا أمير المؤمنين لِم عزلتني؟ فقال له: واللهِ إني لأحبُّك، لِم عزلتني؟ فقال له: واللهِ إني لأحبُّك، وللمرة الثالثة, قال له: لم عزلتني؟ قال: واللهِ ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يُفتتن الناس بك, لكثرة ما أبليت في سبيل الله.
توهَّم الناس أن معركة فيها خالد لا تُهزم، خاف على الناس من الشرك، أراد أن يرسِّخ التوحيد فعزل خالداً والنصر مستمر، من هو الذي ينصر إذًا؟ هو الله.
أرأيتم إلى أصحاب رسول الله, كيف كانوا على أعلى درجة من التوحيد؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يرسخ هذا المعنى، يقول:

((أنا عبد؛ آكل كما يأكل العبد, وأجلس كما يجلس العبد))
وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان عنده ضيف، والسراج انتهى زيته فانطفأ، فقام عمر وأملا المصباح زيتاً، فالضيف استحيا، قال له: أنا أتمنى أن أفعل هذا عنك، قال له: عندي خادم رأيته نائماً كرهت أن أوقظه، أما أنت فضيف، واستخدامك من اللؤم، قمت وأصلحت السراج وأنا عمر, وعدت وأنا عمر.
كان عليه الصلاة والسلام يخصف نعله, ويحلب شاته, ويرفو ثوبه، وكان يصغي الإناء للهرة, وكانت الجارية الصغيرة تأخذ بيده فتمشي فيلحقها إكراما لها، هكذا كان عليه الصلاة والسلام.
انظر إلى هذا الخطاب الرباني لعباد الله الطائعين :
بل إن الله عز وجل بشّر عباده، فقال تعالى:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾
[سورة الزمر الآية: 17-18]
ثم يخاطب الله عباده الطائعين, قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 68-69]
أما هذا الشيطان الذي أراد أن يغوي بني آدم, قال الله له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾
[سورة الحجر الآية: 42]
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة النحل الآية: 100]
مصطلحات إسلامية :
بل إن النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل الإحسان أعلى مراتب الإيمان، هناك الإسلام وهناك الإيمان وهناك الإحسان، وهذه مصطلحات, قال تعالى:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 14]
الإسلام أولاً, والإيمان ثانياً، وثم الإحسان، فما الإحسان؟
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
أعلى درجات القرب: أن تكون حسناً، والإحسان أن تعبد الله, علة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله، قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
نقطة دقيقة :
هنا نقطة دقيقة نحتاجها اليوم: الإنسان له فورة، في البدايات يتألّق، ثم تخبو فورته, و تبرد همته, وتنقلب عباداته إلى عادات، الله عز وجل يقول:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
يجب أن تعبد الله من المهد إلى اللحد، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾
[سورة المدثر الآية: 46]
أهل النار: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[سورة المدثر الآية: 47]
ما هو اليقين؟ الموت: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
[سورة المدثر الآية: 46-47]
اليقين: هو الموت بإجماع المفسرين، فإذا قال الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
معنى ذلك: أنه الموت.
سيدنا عثمان بن مظعون, بلغ النبيَّ أنه توفي، فقال عليه الصلاة والسلام:
((أما عثمان فقد جاءه اليقين))
تعليق لطيف :
هناك تعليق لطيف لسبب تسمية الموت باليقين، لأنك تتيقن عند الموت من كل حقيقة جاء بها الأنبياء.
فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، والذي قال:

﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص الآية: 38]
فرعون نفسه حينما أدركه الغرق أيقن بما جاء به موسى، قال تعالى:
﴿آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 90]
أي إنسان يموت تُكشف له الحقائق التي جاء بها الأنبياء، ولكن تُكشف له بعد فوات الأوان، أما المؤمن تُكشف له في الوقت المناسب.
مسألة تكفيرية :
لذلك حينما قال الله عز وجل:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
أي من المهد إلى اللحد، يعني ما أدري أن الشيء انقرض.
هناك في بعض العصور من يتوهم شطحاً: أنه من بلغ اليقين سقطت عنه التكاليف، قال:
من يقول بهذا فهو زنديق كافر.
لأنه أنا بلغت درجة من الرقي, لا أحتاج إلى صلاة، ولا إلى غض بصر، ولا إلى فعل المعروف، يجب أن تعبد الله حتى يأتيك اليقين, حتى يأتي الموت .
رؤيا عن الإمام أحمد بن حنبل :
يُروى أن الإمام أحمد بن حنبل قبل موته كان يقول: كلا بعد، كلا بعد، من حوله تعجب، ما معنى هذا الكلام؟ فلما توفي -رحمه الله تعالى- رآه بعضهم في المنام، قال: يا سيدي لِم قلت: كلا بعد؟ قال: جاءني الشيطان, فقال لي: لقد نجوت يا أحمد، قلت: كلا بعد، لا أنجو إلا حينما أموت على الإيمان، قال تعالى:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[سورة الحجر الآية: 99]
حتى النهاية، حتى الموت. أنواع العبودية :
1-عبودية عامة :
العبودية عامة وخاصة، العامة: ما من مخلوق شاء أم أبى، آمن أم كفر، أقبل أم أدبر, صدّق أم كذّب إلا وهو عبد لله، واحد منا هل يدري متى سيموت؟.
قبل أيام لي صديق عمره أقل من خمسين سنة, لا يشكو شيئاً إطلاقاً، في أقل من عشر دقائق كان من الموتى، فهو عبد لله إذًا، هل يملك حياته؟ من منا يملك حياته؟ من منا يملك بقاء حركته؟
خثرة من الدم أقل من عشر الميليمتر المكعب، إذا تجمدت في بعض أوعية الدماغ شلّ الإنسان؛ لا نملك بقاء حركتنا, ولا نملك سمعنا, ولا نملك بصرنا، لا نملك نطقنا، ولا نملك ذاكرتنا.
رجل أحسبه صالحاً، ضعفت ذاكرته, دخل عليه ابنه, فقال له: من أنت؟
لا تملك قوتك، ولا سمعك, ولا بصرك, ولا ذاكرتك, ولا نطقك, ولا دسامات قلبك، ولا الشريان الأبهر ولا الشريان التاجي، ولا عمل الكليتين، من منا يملك جهازاً من أجهزته إذا تعطَّل؟ وأي جهاز إذا تعطل, دخل الإنسان في حياة هي كالجحيم لا يُطاق، إذًا نحن عبيد، نحن عبيد قهر، أي إنسان يتحرك لأن الله سمح له أن يتحرك، يتكلم لأن الله سمح له أن يتكلم, يأكل لأن الله سمح له أن يأكل، ينام لأن الله سمح له أن ينام، وفي أية لحظة يريد الله شيئاً آخر تتعطل أجهزته، إذًا هذه عبودية، ولكن هذه عبودية القهر، والإنسان الملحد لو تجمدت خثرة دم في دماغه فأصيب بالشلل، هذا الملحد هو عبد لله، هو في قبضة الله، هذه عبودية القهر، كيف عبّر عنه القرآن؟ عبّر عنها بكلمة عبيد، قال تعالى:

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[سورة فصلت الآية: 46]
2-عبودية خاصة :
أما هذا الذي فكّر في خلق السموات والأرض, فعلم أن لهذا الكون إلهاً عظيماً, فاستقام على أمره, وأحبه, وأقبل عليه, وعمل الصالحات, وبذل الغالي والرخيص, والنفس والنفيس، هذا عبد آخر، هذا عبد الشكر، كل مخلوق عبد قهرٍ, والمؤمن عبد شكر، وكلمة عبد الشكر يُجمع على عباد، قال تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾
[سورة الفرقان الآية: 63]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾
[سورة الحجر الآية: 42]
لو تتبعت كلمة عباد في القرآن, لوجدت في الأعم الأغلب أن كلمة عباد تعني جمع عبد الشكر, ولو تتبعت كلمة عبيد في أكثر آيات القرآن, لوجدت أن كلمة عبيد تعني جمع عبد القهر، فأنت عبد لله شئت أم أبيت، أحببت أم كرهت، آمنت أم لم تؤمن، رضيت أم لم ترض، أما عبد الشكر فشيء آخر.
ماذا تستنتج من هذين المثالين؟ :
مثل بسيط: جندي في قطعة عسكرية، طبعاً تحت أمر قائد القطعة، يأمره أن يجلس فيجلس, أن ينام فينام، أن يأكل فيأكل، أن يزحف فيزحف، تحت أمره، أما لو أن جنديا أحب قائده حباً جماً, ورأى في بعض الأيام ابنه على وشك الغرق, ألقى بنفسه وأنقذه، هذا المجنَّد له مكانة كبيرة جداً عند قائد الثكنة، لأنه قدّم شيئاً، أنقذ ابنه من الغرق وضحّى بحياته، فهذا هو في الحقيقة أمر قائد السرية نافذ فيه، لكن هذا العبد له مكانة كبيرة عند قائد السرية.
مجند غر التحق بلواء، بآمرية لواء، على رأس هذا اللواء لواء، قائد كبير، بحسب التسلسل العسكري لا يستطيع مجنّد غر أن يدخل على اللواء، هناك تسلسل، قدَّم طلباً وأعطاه لأعلى منه، بعد شهرين يسمح له بالدخول، أما لو أن هذا المجند رأى ابن قائد هذا اللواء يكاد يغرق فأنقذه، ألا يستطيع في اليوم التالي أن يدخل عليه من دون استئذان؟ قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
أبواب الله مفتحة:
الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
أتحب أن تلتقي مع الله؟ أن تتصل به؟ اعمل صالحاً.
يا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا ربي؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني؟.
هذا الفرق بين عبد القهر وبين عبد الشكر :
هناك عبد القهر وهناك عبد الشكر، عبد القهر تجمع على عبيد، وعبد الشكر تجمع على عباد، عبد القهر في قبضة الله، أما عبد الشكر تفكر في كونه, وآمن به, وأحبه, واستقام على أمره, واصطلح معه، أقبل عليه وسعد بقربه، لذلك قال الله تعالى:
﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[سورة الطور الآية: 48]
أنت بعنايتنا ولطفنا. مراتب العبودية :
1-المراتب العلمية :
للعبودية مراتب بحسب العلم والعمل، فأما مراتب العلم فمرتبتان: العلم بالله والعلم بأمره.
هناك آيتان، قال تعالى:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 59]
من أجل أن تعرف الله فاسأل به خبيراً، من أجل أن تعرف أمره ونهيه:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 7]
إن أردت أن تعرفه فاسأل به خبيراً، لذلك قال العكبري في كتاب إعراب القرآن الكريم:
تؤخذ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذ معانيه ممن يعانيه.
لو أن امرأة عاقراً لا تنجب, وضعها مع زوجها خطر، على وشك أن يطلقها، كلما رأت أما تحتضن ابنها تذوب ألماً، ولأنها حُرمت هذه النعمة، هناك قصة لبعض الأدباء اسمها العاقر, فيها وصف دقيق جداً لمشاعر المرأة العاقر، لو أن هذه المرأة العاقر قرأت قصة العاقر, أنا متأكد أنها ستبكي, لأن ما يقوله مؤلف هذه القصة تعانيه هي، لأنه يعزف على أوتار قلبها، لأنه يضع يده على جرحها، ولأنه يصف تجربتها، ولأنه يحلل مشكلتها، فتأثُّر هذه المرأة العاقر بقصة العاقر كبير جداً, لأنها تعاني كل شيء يذكره الكاتب في هذه القصة، لو أن امرأة عندها أولاد كثُر, وقرأت هذه القصة لا تتأثر أبداً, هذا مثل تمهيدي.
الآن اجلس في المجلس, واستمع إلى كتاب الله، تجد رجلاً يبكي، ورجلاً آخر لا يبكي أبداً، وكأنه حائط، الذي بكى له مع الله تجربة، له مع الله معاناة.

حديث قدسي :
مرة ذكرت حديثاً قدسياً لإنسان له عمل طيب جداً، له أعمال كالجبال في خدمة الناس ، إطعام جائعيهم، والعناية بمرضاهم، قلت:
((ليس كل مصل مصليًّا، إنما تقبل الصلاة لمن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع, وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي و جلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس))
بكى بكاء خفت عليه، أن هذا الحديث أشعره بعمله الصالح، إذًا: كل هذا بترجيح أن معانيه تؤخذ ممن يعانيه، إذا كنت تعاني القرب من الله تذوب شوقا إليه، تبكي إذا سمعت كلامه، تتأثر إذا سمعت كلام نبيه، أما إذا كنت بعيداً، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾
[سورة فصلت الآية: 44]
هذه مراتب العبودية بحسب العلم بشكل تفصيلي :
فالعبودية لها مراتب بحسب العلم والعمل، مرتبة العلم مرتبتان: إحداهما: العلم بالله, تغطيها آية كريمة:
﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 59]
الشيء الثاني: والعلم بأمره: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 7]
أما العلم بذاته سبحانه وتعالى, فالعلم بذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه وتنزيهه عما لا يليق به, أما العلم بأمره ونهيه، العلم بأمره الشرعي وهو الصراط المستقيم:
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5-7]
والشيء الثاني: العلم بالأحكام الجزائية المتضمنة الثواب والعقاب، كل معصية مع عقابها.
فصار هناك العلم بالله وبأمره ونهيه، العلم بالله بذاته وبأسمائه وصفاته وأفعاله و تنزيهه, والعلم بأمره ونهيه الصراط المستقيم والجزاء الذي يتوعد كل من يخالف هذا الصراط.

2-المراتب العملية :
أما المراتب العملية فهناك مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين؛ أما مرتبة أصحاب اليمين: أداء الواجبات وترك المحرمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات، هذه مرتبة أصحاب اليمين، أي ناجح مقبول حول المعدل، أصحاب اليمين يؤدُّون ويدعون المحرمات، لكن يتوسّعون في المباحات، وقد يقعون في بعض المكروهات، وقد يتركون بعض المستحبات، أما السابقون السابقون أؤلئك المقربون, يقومون بالواجبات والمندوبات, ويدعون المحرمات والمكروهات, زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم, متورعين عما يخافون ضرره، قال تعالى:
﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، هناك مرتبة شرف أولى، جيد جداً، وهناك مقبول ، فأهل اليمين مقبولون عند الله، والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم.
خاصة هؤلاء المقربون انقلبت في حقهم طاعات وقربات بالنية، إذا أكل ينوي بطعامه التقوية على طاعة الله، المباحات عندهم عبادات، بينما المنافقون عباداتهم آثام.





والحمد لله رب العالمين






 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-21-2018, 03:49 PM   #100


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية - مدارج السالكين



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الاسلامية - مدارج السالكين

الدرس : ( الثامن و التسعون )

الموضوع : تلخيص الأسس الكبرى لدروس المدارج - كلمة التوحيد الأولى : لا إله إلا الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما سبب ابتعاد المسلمين عن حقيقة لا إله إلا الله؟ :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في مدارج السالكين وفي منازل إياك نعبد وإياك نستعين، و لكن نحن في الدروس الأخيرة بقي درسان، ومن أصول عرض الموضوعات الطويلة: أنه في النهاية يلخِّص الأسس الكبرى لهذه الدروس؛ كلمة التوحيد الأولى.
ولا بد من أن أنوِّه إلى أنَّ هذه الكلمات الكبرى في الإسلام, مع مضي الزمن, ومع ضعف الإيمان, ومع الانغماس في الدنيا, أصبح المسلمون بعيدين عن حقيقتها، وكأنه فُرِّغت من معناها، ككلمة لا إله إلا الله يقولها المسلم في اليوم مئات المرات، ولو فقِه حقيقتها لارتعدت مفاصلُه.
قالوا: شدّة القرب حجاب.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما سأله أعرابي:
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ, قَالَ:

((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, قُلْ لِي فِي الإِسلامِ قوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بعدك، قَالَ، قل: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
قل، لأن القول يعبّر عن حقيقة، ولأن الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، فلذلك في البدايات يكفي أن تقول: لا إله إلا الله فأنت مؤمن، أما مع مضي الزمن هناك من يقول: لا إله إلا الله, ولكنه لا يفقه معناها, هناك من يردِّدها ولا يدرك أبعادها.
إليكم بعض هذه الأدلة على عدم فقه المسلمين في هذا العصر حقيقة التوحيد :
وسأقدّم لكم بعد الأدلة: كلمة الله أكبر: أكبر من كل شيء, فالإنسان حينما يطيع زوجته ويعصي ربَّه بجرأة بالغة, لماذا فعل هذا؟ لأنه رأى أن إرضاء زوجته أكبر عنده من الله، فهل قال هذا الإنسان: الله أكبر حقيقة؟ مستحيل وألف ألف مستحيل.
إنسانٌ يغش المسلمين في بضاعتهم, هو ماذا رأى؟ رأى أن هذا الربح الحرام الذي يأتيه من غشِّ المسلمين أغلى عنده من طاعة الله، ومن رضوان الله، فهل يصحُّ أن يقول هذا الإنسان: الله أكبر؟ كم إنسان يغش المسلمين, ويقول: الله أكبر في الصلاة؟ كلام لا معنى له إطلاقاً، لا يعني شيئاً، تأكل المال الحرام وتؤذي المسلمين وتقول: الله أكبر، أكبر من ماذا؟ لذلك كنت أقول:
مَن قال: الله أكبر بلسانه, ورأى أن إرضاء أهله أكبر عنده من إرضاء خالقه، أو رأى أن ربحه من بضاعة مغشوشة يؤذي بها المسلمين أكبر عنده من رضوان الله، فهو ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو ردَّدها بلسانه ألف مرة، صار هناك كلمات كبيرة مفرَّغة من مضمونها:
شدة القرب حجاب.
ما ينبغي أن نعود إليه :
لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوَّلُها.
ينبغي أن نعود إلى الينابيع الصافية، ينبغي أن نعود إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله ، كلمات الإسلام الكبرى: الله أكبر، لا إله إلا الله، الحمد لله, سبحان الله، كم إنسان يقول: سبحان الله، ولا يعي ما يقول؟ إن أراد أن يستهزئ بإنسان: سبحان الله, يستخدمها ليستهزئ بأخيه، قد يستخدمها ليُعجب بامرأة شبه عارية، سبحان الله، هكذا، هذه الكلمات الكبرى فُرِّغت من مضمونها، ولا معنى لها، وشدة القرب حجاب، نريد أن نعيد إلى هذه الكلمات مضامينها، لهذه الكلمات الأولى أبعادها.
درس اليوم :
اليوم أردت أن يكون هذا اللقاء حول: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد الأولى، الكلمـة التي هي فحوى دعوة الأنبياء جميعــاً، كم كتاب في الإسلام؟ في العالم الإسلامي ملايين الملايين، المكتبة الإسلامية اليوم فيها من المجلّدات والكتب والعنوانات والموضوعات ما لا سبيل إلى إحصائه، أيمكن أن تُضغط كلُّ هذه الكتب بكلمة واحدة هي لا إله إلا الله؟ أيمكن أن تُضغط كل أفكار الديانات السابقة السماوية بكلمة واحدة هي لا إله إلا الله؟ قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
لا إله إلا الله حصن، لا إله إلا الله نور، ولكن المسلمين بعيدون جداً عن فهم أبعادها، لأنها كلمة التوحيد الأولى، ولأنها كلمة العبادة الأولى، لا معبود بحق إلا الله، ألِهَ؛ أي ولِهَ، أحبَّ.
لماذا أراد الله أن نكون مخيرين؟ :
أساس هذا الدين المحبوبية، كان من الممكن أن يجبرنا الله على طاعته جميعاً، بالخمس قارات لا يوجد ولا معصية، كل المخلوقات عدا الإنس والجن مسيَّرون، قال تعالى:
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[سورة يس الآية: 40]
أيُعقل أن تقول الشمس يوماً: أنا اليــوم لا يعجبني أن أشرق؟ مزاجي لا يتفق مع الإشراق؟ نستيقظ ليس هنــاك شمس؟ لا، الشمس مسيَّرة ومسخَّرة، والقمر كذلك، وكل أنواع المعادن وأشباه المعادن، كل أنواع النبات والحيوان، كل أنواع المخلوقات مسيَّرة، ليس لك خيار، كان من الممكن أن يكون هذا الإنسانُ مسيِّراً أيضـاً، لا تجد في الأرض معصية واحدة.
لماذا أراد الله أن نكون مخيَّرين؟ لأن الكون بُني على المحبوبية، واللهُ عز وجل لا يرضيه أن تأتيه خائفاً، ولا أن تأتيه مقهوراً, ولا أن تأتيه مجبوراً، يريد أن تأتيه محبًّاً، ويكون الإنسانُ محبًّا لما يكون مختاراً.

لماذا شاءت حكمة الله أن يجعل الأنبياء ضعفاء في بداية الدعوة؟ :
يعني مثلاً: لماذا شاءت حكمة الله أن يجعل الأنبياءَ ضعفاء في بداية الدعوة؟.
سيد الخلق وحبيب الحق يمرُّ على عمَّار بن ياسر يُعذَّب, لا يستطيع أن يخلِّصه، ولا يستطيع أن يخفف من عذابه من شيء، كان النبيُّ مستضعفاً، ماذا قال؟: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
استطاع أن يخلِّصهم, سيد الخلق وحبيب الحق لم يتمكن أن يخلِّص عمار بن ياسر من التعذيب ولا بلالاً، معنى ذلك: أن النبي ضعيف، لماذا أراده ضعيفاً؟ لو أنه كان قوياً دعا إلى الله وكلُّ من دونه خضعوا له، هذا الخضوع لا قيمة له, هذا حضوع الرقاب لا خضوع القلوب، أنت بالقوة تملك الرقاب ولا تملك القلوب، ولكنك بالحق والكمال تملك القلوب, فشاءت حكمة الله أن يكون النبيُّ ضعيفاً، ليكون الذي آمن به عن قناعة تامة، وعن صدق شديد, و عن حرية مطلقة, وعن حب شديد، لأن الله يريدنا أن نأتيه محبِّين طائعين مختارين.
كان الأنبياءُ ضعفاء، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرًّا:

﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 15]
ضعف شديد، لماذا؟ ليكون الذي آمن به آمن مختاراً عن حبٍّ وشوق وتقدير، إذًا اللهُ عز وجل أراد المحبوبية، وجعل الإنسان مخيَّراً، لو كان مسيراً لانتهى.
تصوَّر جامعةً أراد رئيسها أن ينحج كلُّ الطلاب من دون استثناء، وزَّع أوراق الإجابة وعليها الإجابة كاملة مطبوعة، وما على الطالب إلاّ أن يكتب اسمه ورقمه خلال دقيقة، و العلامة مائة على مائة كاملة، طلاب الجامعة نالوا شهادات بدرجة امتياز، ما قيمة هذا النجاح ؟ لا قيمة له إطلاقاً، لا يُبنى له إطلاقاً؛ لا عند الناس ولا عند الطلاب ولا عند الجامعة.

هل يوجد في العالم الإسلامي شرك جلي أم شرك خفي؟ :
كلمة التوحيد أن تقول: لا إله إلا الله تنفي وتثبــت، تنفي الشرك.
أطمئنكم: ليس في العالم الإسلامي شرك جليٌّ، لو ذهبت إلى آسيا لوجدت شركاً جلياً، لوجدت من يعبد النار، لوجدت من يعبد البقر، لوجدت من يعبد الحجر، لوجدت من يعبد الجرذان، هناك معبد كبير جداً, فيه مائة ألف جرذ, والإنسان إذا دخل هذا المعبد يعبد هذه الجرذان، لوجدت من يعبد موج البحر هكذا، فالمسلم يعبد الله عز وجل، إذًا: لا إله نفيُ الشركاء، ليس في العالم الإسلامي شرك جلي، ولكن في العالم الإسلامي شرك خفي.
الإمام علي -كرّم الله وجهه- يقول: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء, على الصخرة الصماء, في الليلة الظلماء -نملة سمراء تمشي على صخرة صمّاء في ليلة ظلماء، لها صوت-.

من علامة التوحيد :
وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل.
يعني إنسان قدّم لك شيئاً نفيساً وهو منحرف, أحببته, علامة توحيدك وعلامة حبك في الله: أنه إذا وصلك من مؤمن ضررٌ تبقى تحبه، وأنه إذا وصلك من منافق خيرٌ تبقى تبغضه، أبداً, هذا الإيمان، وهذا هو الحب في الله والبغض في الله، يأتيك خير من كافر أو منافق تبغضه، يأتيك أحياناً إيذاء من مؤمن، اجتهد فأخطأ في الاجتهاد، أراد الخير فلم يصبه، نالك منه أذى، على أنه نالك منه أذى تبقى تحبه، قضية أن تحب في الله وأن تحب مع الله, قضية خطيرة جداً, الحبُّ في الله عينُ التوحيد، والحب مع الله عين الشرك، أن تحب في الله، يعني إنك تحب الله.

من لوازم حب الله :
ومن لوازم حبك لله: أن تحب رسول الله، ومن لوازم حب الله: أن تحب أصحاب رسول الله، ومن لوازم حب الله: أن تحب المؤمنين، ومن لوازم حب الله: أن تحب القرآن الكريم, وأن تحب المساجد, وأن تحب كل ما يمتُّ بصلة إلى الله، هذا كله حبٌ في الله، ومن لوازم الحب مع الله: أن تحب شيئاً لا يحبه الله، أن تحب شيئاً يبغضه الله، أن تحب صديقاً ليس مطيعا لله، شيء خطير جداً، أن تحب في الله أو أن تحب مع الله, أراد الله أن تأتيه محباً ، لا إله، لا شريك, لا فعَّال, لا معطٍ, لا مانع، لا قابض, لا باسط، لا معز, لا مذلّ، لا رافع, لا خافض إلا الله، نفي الشرك، هذه العين ترى القوم، أما الإيمان فلا يرى إلا الله القوي.
هذا التوحيد :
قال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُم﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
في اللغة يمكن أن يُنسب الفعلُ إلى الذي باشره أو إلى الذي أمر به، بنى الأمير قلعة، هذا الآمر بنى البناء قلعة، مِن القرآن قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾
[سورة الزمر الآية: 42]
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾
[سورة السجدة الآية: 11]
هذا الفعل عُزِي مرة إلى الله ومرة إلى ملك الموت، فيمكن أن يعزى الفعل إلى المباشر أو إلى الآمر، قال تعالى:
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُم﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
هذا هو التوحيد، لا إله، هؤلاء الأشخاص الأقوياء الذين تراهم عينك مَن هم؟ هؤلاء عصِيٌّ بيد الله، أدوات تأديب للخلائق، هذه رؤية المؤمن.
ما معنى هذه الآية؟ :
هناك آية في كتاب الله دقيقة جداً، قال تعالى:
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾
[سورة الشورى الآية: 53]
قد نمرُّ على هذا المعنى بشكل سريع، لو دقَّقت المشكلة كبيرة جداً، قال تعالى:
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾
[سورة الشورى الآية: 53]
الأمور صارت إلى الله، بيد من كانت؟ كأنها لم تكن بيد الله فصارت بيد الله، وهو معنى فاسد.
قال علماء التفسير: الأمر كله بيد الله، أزلاً أبداً، ولكن أهل الدنيا يرون الأمور بيد عبد الله لا بيد الله, فإذا انتقلوا إلى دار الحق رأوها بيد الله، أما المؤمن وهو في الدنيا وهو في الآخرة لا يراها إلا بيد الله, يرى يد الله تعمل في الخفاء، الأحداث الكبرى التي تجري في العالم يراها بيد الله، يرى أقوياء الله كأحجار الشطرنج، يحركهم الله عز وجل، القوى العاتية يراها مسلَّطة من قِبل الله، لحكمة أرادها الله, قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 90]
ما ينبغي أن تؤمن به :
أوَّلاً: ينبغي أن تؤمن أنه لا يُعقل ولا يُقبل ولا يُستساغ أن يجري في ملك الله ما لا يريده الله، إذا مدير حازم لمؤسسة أو مدرسة أو مستشفى, لا يمكن أن يدخل طبيب لا علاقة له بهذا المستشفى, ويعالج مرضى, ويتقاضى أجراً, والمدير لا علم له، مستحيل، هذا ليس مديراً، إذا كان مديراً حقيقياً حازماً, لا يمكن أن يدخل طبيب إلى هذا المستشفى, ويعالج الناس بأجر دون أن يعلم المدير العام.
إلهٌ عظيم لا يجري في ملكه إلا ما يريد، إذًا: لا إله إلا الله، الله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الله هو الخالق, وهو المربِّي, وهو المسيِّر، هو الموجود, وهو الكامل، الله عز وجل علم على الذات، علم على واجب الوجود، صاحب الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى، لا إله إلا الله.
ممرض في المستشفى والمدير العام انتقل، يقول لك: مَن عيَّنوا؟ أول كلمة: مَن عيَّنوا؟ تقول له: فلان، يقول لك: كيف أخلاقه؟ الإنسان يريد أن يعرف مَن وكيف؟ لا إله إلا الله وحده لا شريك له, -منذ الصباح عقِب صلاة الفجر-, له الملك وله الحمد، والإنسان قد يملك ولا يُحمد، وقد يُحمد ولا يملك، قد تجد إنساناً لطيف الأخلاق، ولكن ليس بيده شيء، و قد تجد إنساناً قويًا جداً ولكن لا يُحمد، أما الله عز وجل فله الملك وله الحمد، تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام.
في حياتنا اليومية، قد تكون تحمل أعلى شهادة, ولك أمٌّ أمِّية تحبها محبة لا يعلمها إلا الله، لكن من حيث العلم لا شيء، ابنها يحمل أعلى شهادة في الأرض، عنده أفق واسع جداً، و إدراك عميق, اطِّلاع واسع، وثقافة عالية ومؤلَّفات، أمُّه أمِّية، يحبها ويكرمها، ولكن لا يمكن أن يقدِّر جهلها، إذًا هو أكرمها وأحبها، ولكنه لا يجلُّها علمياً.
طالب في الجامعة, عنده أستاذ عظيم، ولكنه لئيم أيَّما لؤم, يقدِّره ويجل علمه ولكن لا يحبُّه، ولكن انظر إلى هذه الآية:

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 78]
بقدر ما تعظِّمه تحبُّه، وبقدر ما تحبه تعظِّمه، شيء دقيق، ذو الجلال الإكرام:
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
[سورة الرحمن الآية: 78]
هكذا إذًا لا إله, لا معبود بحقٍّ إلا الله، ينبغي أن نعبد الذي خلقنا، ينبغي أن نعبد ربنا ، الذي يمدَّنا بما نحتاج، ينبغي أن نعبد المسيِّر، الذي يسيِّر كلّ الخلائق، ينبغي أن نعبد الرحيم ، أن نعبد الحكيم، إذًا لا معبود بحق إلا الله، هذا الذي تعبده ينبغي أن تحبه.
زيارة مريض :
كنتُ في عيادة مريض هذا اليوم، قلت له: ألا تحب الله؟ الذي تحبه هو الذي ساق لك هذا المرض, قلت له: حديث قدسي صحيح، لكن كلمة فيه لم أكن منتبهاً إليها.
يا داوود, مرضت فلم تعدني, قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعُده، أما علمتَ لو أنك عدته لوجدتني عنده.
فبكى المريض، قلت له: حينما يأخذ ربُّنا من عبد بعض صحَّته، ليعوِّضه أضعافاً مضاعفة في التجلي على قلبه.
أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟.
يا موسى, أتحب أن أكون جليسك؟ قال: وكيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمتَ أنني جليس مَن ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني؟.
هذه كلمة التوحيد، يعني الإنسان أحيانا يقيس.

ما سبب معاناة المسلمين اليوم؟ :
قلت لكم من قبل: إن ضبّاط الأمن الجنائي أينما رأوا جريمة, يطرحون هذا السؤال: فتِّش عن المرأة، وأنا أقول لكم: أينما وجدت ضعفا فتِّش عن ضعف التوحيد، أينما وجدت تقصيراً فتِّش عن ضعف التوحيد، أينما وجدت خوفاً مُريعاً فتِّش عن ضعف التوحيد، إلى أن أقول لكم: هناك أعراض كثيرة جداً لمرض واحد، لمرض الإعراض عن الله، كل ما تعانيـه المجتمعات هي أعراض لمـرض الإعراض عن الله.
أحياناً يكون الطبيب متمكِّناً, يقــول له المريض: أشعر بصداع، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، أشعر بقيء، هذا من أعراض مرض التهاب الأمعاء، أشعر بقشعريرة، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، أشعر ببُعد عن الطعام، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، ثم يقول : كل هذا الذي ذكرته لي أعراض لمرض واحد هو التهاب الأمعاء.
وأنا أقول لكم: كل ما يعانيه المسلمون أعراضٌ لمرض واحد هو ضعف التوحيد، لو أردت أن تأخذ تأشيرة خروج لبلد معيّن، أو لبلد له معاملة خاصة، إذا تيقَّنت أن هذه التأشيرة لا يمنحها إلا المدير العام, هل تبذل ماء وجهك أمام أحد الموظفين؟ أنت حين تعلم أن هذه التاشيرة لا تُمنَح إلا من قِبل المدير العام، لا ترجو إلا هذا المدير العام، ولا تعقد الأمل إلا عليه، ولا تبذل ماء وجهك إلا إليه، ولا تتضعضع إلا أمامه، هذه النقطة الدقيقة: حينما تعلم أن الرازق هو الله، لا تكذب من أجل أنْ تُرزق، حينما تعلم أن العمر بيد الله, كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً.

هذه كلمة التوحيد :
كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا إله إلا الله كلمـة التوحيد الأولى، فيها نفي وإثبات, ثم إن هذا الإله هو الله، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، محمد رسول الله، الله عز وجل كامل، ولكن الكمال البشري مجسّد برسول الله، رسول الله -عليه الصلاة والسلام- سيد الخلق وحبيب الحق بلغ سدرة المنتهى:
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾
[سورة النجم الآية: 8-18]
هذا النبي الكريم بلغ أعلى مقام وصله بشر، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام متواضعا أشد التواضع، قال:
مَن كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليقتد مني، ومن كنت أخذت له فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه.
هو لا يخشى الشحناء, فإنها ليست من شأنه ولا من طبيعته.

هذه المواقف من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام :
في السيرة مواقف لا تُصدق: النبي -عليه الصلاة والسلام- طبعاً وصل إلى قمة قوته، عقب معركة حنين، دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، كان قوياً، بدأ ضعيفاً ثم صار قوياً, حينما قال لقريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
جاءه صحابي جليل, فقال له:

((يا رسول الله, إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، من أجل هذا الفيء الذي وزَّعته في العرب، ولم تعط الأنصار منه شيئاً -يا ترى أنت ناقل أم متبنٍّ؟-, قال له: يا سعد, -سعد بن عبادة سيد الأنصار- أين أنت من قومك؟ قال: ما أنا إلا من قومي, -أي أنا كذلك-, قال: اجمع لي قومك, فجمع قومه، وقف النبي فيهم خطيباً، قال:
أما بعد, مقالة بلغتني عنكم، وجِدة وجدتموها عليَّ في أنفسكم، من أجل لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار, -وهو في أعلى درجة من القوة-, أما إنكم لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدقتم به, -ذكَّرهم بفضلهم عليه, بمقدوره كما يفعل الأقوياء أن يلغي وجودهم، وأن يهدر كرامتهم، وأن يهملهم، وأن يعاتبهم لصالحه, ماذا فعل؟ ذكَّرهم بفضلهم عليه-, قال: يا معشر الأنصار، أما إنكم لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدقتم به, أتيتنا مكذَّبا فصدّقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك))

لو قلتم هذا فأنتم صادقون، أنتم تفضَّلتم عليّ, جئتكم طريداً فآويتموني، جئتكم مكذَّباً فصدّقتموني، جئتكم عائلاً فأغنيتموني.
مرة السيدة عائشة -وهي شابة في ريعان الشباب، وضيئة، وهي من أحبِّ زوجاته إليه-, ولكنه لا يفتــأ يذكر خديجة بالخير فضجرت، فقالت:
((هذه العجوز الشمطاء، ألا زلت تذكرها؟ ألم يبدلك الله خيراً منها؟ قال: لا والله لا واللهِ لا والله، صدّقتني حين كذّبني الناس، وآمنت بي إذ كفـر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد، فوالله لا أنساها))
اليوم إذا رجل عنده زوجة في مثل سنه يندب حظَّه، ويقول: غلطت غلطة كبيرة جداً ، أي إنسان يتزوج امرأة شابة، وله زوجة توفيت, يقول لك: الله خلَّصنا منها، والله لا يوجد مثلك أنت، قمة وفاء.
عثرت في بعض كتب السيرة على ومضة, أنا لا أصدِّق ما أرى.
النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما فتح مكة، طبعاً دُعي أن يبيت في أيّ بيت يريد، كل أهل مكة يتمنون أن يبيت عندهم، ماذا قال؟ قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة, ونصب عند قبر خديجة راية الإسلام.
ليشعر الناس أن لهذه المرأة فضلاً كبيراً في هذا النصر، هي الدعم الداخلي، الآن يأتي الواحد أحياناً من البيت، ضغط من زوجته، الدخل محدود والطلبات كثيرة, السيدة خديجة إن صح التعبير امرأة لا كالنساء، كانت الدعم الداخلي للنبي عليه الصلاة والسلام، كان يقيم في غار حراء الليالي ذوات العدد، ما قالت كلمة: تركتنا لوحدنا، إذا كان يرضيه أن يعبد ربَّه فأنا معه، كانت تأتيه بالطعام إلى غار حراء، قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، ليشعر الناس أن لهذه المرأة البطلة مساهمة في هذا النصر، هناك امرأة عبء على زوجها، وهناك امرأة في خدمة زوجها, هناك امرأة تدعمه، تعينه، وهناك امرأة عبء عليه.
لا إله إلا الله محمد رسول الله يمثل الكمال البشري.
خاتمة القول :
مرة قال لي واحد: سمعت من يقول: أن هذا الكون كلَّه خُلق من أجل محمد، قلت له : هذا ليس بصحيح، هذه شطحة، ولكن البشر جميعاً خُلقوا ليكونوا على شاكلة محمد، هو القدوة، هو الأسوة، خُلقنا لنكون على شاكلته، هو المثل الأعلى، هو القدوة، وهو النموذج، لم نُخلق من أجله، خُلقنا لنكون على شاكلته، لهذا الآية الكريمة:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
لا معبود بحـق إلا الله، اعبُد من اتصف بالكمال المطلق، اعبد الرحيم ولا تعبد اللئيم ، اعبد القوي ولا تعبد الضعيف، اعبد الحكيم ولا تعبد غير الحكيــم، فلذلك بقولك: لا إله إلا الله؛ أي لا معبود بحق إلا الله, هو أهل التقوى وأهل المغفرة، أهلٌ أن تعبده.


والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 74 08-08-2018 07:11 AM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM
التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 55 07-10-2018 03:58 PM


الساعة الآن 08:28 PM