العقيدة الطحاوية - الصفحة 3 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : "اجعلني يا الله شخص يُقال في غيابه، رعاه الله، ورحمَ من ربّاه، مرَّ ولا ضرَّ أحداً يوماً." منال نور الهدى : "اللَّهُم صُب آيات القُرآنِ فِي صُدورِنا صبًّا.. حتّى يُشفى بآثارِها كُل شعورٍ مُر." منال نور الهدى : لا تيأس من حياةٍ أبكت قلبك و قُل يا الله عوّضني خيرًا في الدنيا و الآخرة فالحُزن يرحل بسجدة و الفرحةُ تأتي بدعوة بإذنه سبحانه. منال نور الهدى : ثلاث ضيوف يأتون بلا موعد .. -الرزق -القدر -الموت اللهم اجعل رزقنا حلالا، واجعل قدرنا جميلا، ولا تأخذنا إليك إلا وأنت راض عنا .! منال نور الهدى : لن تعيش حياة سعيدة أبداً ، إذا كُنت تهتم دوماً بما يُفكر فيه الآخرون عنك. منال نور الهدى : اللهُمَّ إني أبرأ مِن الثقة إلا بك، ومِن الأمل إلا فيك، ومِن التسليم إلا لك، ومِن التفويض إلا إليك، ومِن التوكل إلا عليك.

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 09-16-2018, 02:08 PM   #21


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الحادى و العشرون )

الموضوع : النبوات







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
العَبْدُ الذي يُحْسِن لا يُخْزيه الله أبَداً :
أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في الدرس الماضي إلى باب النُّبُوَّات، وهو قَوْل الإمام الطَّحاوي رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: "وأنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى".
ونحن الآن مع أدَقِّ دليل من أدِلَّةِ الفطرة؛ لما كانت خديجة رضي الله عنها تَعْلَمُ من النبي أنَّهُ الصادِق البار، قال لها لما جاءه الوَحْي: إنَّي قد خشيت على نفْسي، فقالتْ: كلاَّ، فهل نزل القرآن حينما طَمْأنَتْ هذه السيِّدة الجليلة النبي عليه الصلاة والسلام؟فمِن أيِّ شيءٍ انْطَلَقَتْ؟ مِنْ عِلْمٍِ تعلَّمَتْهُ؟‍! لا، مِن وَحْيٍ قرأتْهُ؟ لا، قالتْ: كلاَّ، والله لا يخزيك الله أبَداً، إنَّك تصل الرَّحِم، وتصْدُق الحديث، وتحْمل الكلّ، وتَقْري الضَّيْف، وتكسب المعدوم، وتُعينُ على نوائب الحق، ما معنى هذا الرَّبْط؟ لم يأتِ الوَحْيُ بعْدُ، ولم تأتِ السنَّة بعْدُ، ولم تأتِ التَّفْصيلات بَعْدُ؛ قالتْ: كلاَّ، والله لا يخزيك الله أبَداً.
للكَوْن إلهٌ عظيم، فالعَبْدُ الذي يُحْسِن لا يُخْزيه الله أبَداً؛ هذه هي الفطْرة، فأنا أقول لكم يا شباب: إذا كان الواحد منكم مستقيماً ووقَّافًا عند حُدود الله، ويعرف الحلال والحرام، ولا يَعْصي الله أبَداً؛ وهذا وَعْدُ الله عز وجل فلن يخزيه الله أبداً، لفتَ نظري هذه الكلمة؛ فَهِيَ رضي الله عنها لم تتلقَّ العِلْم بعْدُ، ولم تستمِع إلى أيَّةِ آيَةٍ من كتاب الله، ولا من سنَّة رسول الله، إلا أنّ فِطْرَتَها ألْقَت في رُوعِها أنّ هذا الإنسان الذي يَصِل الرَّحِم، ويصْدُق الحديث، ويحْمل الكلّ، ويَقْري الضَّيْف، ويكسب المعدوم، ويُعينُ على نوائب الحق؛ لا يُخْزيهِ الإله الذي في السماء أبَداً، وهذا الكلام سارٍ مفعولُه إلى الأبَد، وفي كُلِّ عصْر، وفي كلّ زمان، وإقليم، وفي كل قرية، ومدينة، وحيٍّ، وفي ِأيّ مجتمع، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن عهْد آدم إلى يوم القيامة إذا كنتَ مُحْسِنًا ومُتواضِعاً فلا يُخْزيك الله أبَداً، وانْظُر إلى التاريخ فقد بيَّن ما فعَلَ الله بالأنبياء والمؤمنين، وبيَّن ما فعَلَ بأعدائه المُلْحِدين، ألمْ يُخْزِهِم الله عز وجل؟ ويجعلهم في الحَضيض؟ ما وَضْعُ البِلاد التي رفَعَت شِعار: لا إله !!هي في الوَحْل؛ الجريمة والقَتْل والمافْيا والمُخَدِّرات التي انتشرت وتفشَّتْ في الشَّعْب الذي أنْكر الله عز وجل.
من كان مع الله كان بعين الله التي ترعاه :
أنا أتمنَّى عليكم أيها الأخوة، ألاّ تقرؤوا الدِّين على أساس أنَّهُ تاريخ، اقْرؤوا الدِّين على أنَّهُ حقائق نعيشُها جميعاً، وأنت بِأصْعَب ظرف ومجْتمع؛ فإذا كُنْتَ تُعينُ على نوائب الحق، وتُكْسِبُ المَعدوم، وتَقْري الضَّيْف، وتَصْدُق الحديث، وتَصِلُ الرَّحِم؛ والله لا يُخْزيك الله أبَداً، وكلّ آيَةٍ نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام لك نصيبٌ منها، إذا قال الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور :48 ]
وأنت إذا كنت مع الله فإنَّك بِعَين الله تعالى التي تَرْعاك، اِفْهَم الدِّين فهْماً صحيحاً، على أنَّهُ قوانين، وأوامر إلهية، لا على أنَّهُ تاريخ، الفَهْم التاريخي سَقيم، وموضوعه أخذ عِلْم، والتزود بمعلومات.
إذًا السيِّدة خديجة انْطَلَقَتْ من الفِطْرة، والفِطْرة لا تحْتاج إلى تَوْجيه، ولا إلى تَعْليم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
والفِطْرة تقول: إنَّ لهَذا الكَوْن إلهاً، والمُحسِن لا يُظْلَم، ولن يُخْزيه الله عز وجل؛ هذا الكلام لابدّ أن يَدْفَعَكم إلى مزيد من طاعة الله، إلى مزيد من الإنْصاف، وإلى الإحْسان، والتَّمَسُّك بِقَواعِد الشَّرْع؛ مِن أجل أن يكون لك نصيبٌ من هذا الكلام.
ماذا قال النَّجاشي؟! لمَّا اسْتَخْبرَهُم عن النبي صلى الله عليه وسلَّم، واسْتَقْرَأهم القرآن، فقَرَؤوا عليه، قَالَ النَّجَاشِيُّ: ((إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ ))
[أخرجه أحمد عن أم سلمة من حديث طويل]
فالنَّجاشي شَعَر بالحق، وأنَّهُ لا يتَعَدَّدُ. الحق لا يتَعَدَّد أما الباطل فَيَتَعَدَّد :
ذَكَرْتُ البارِحَة في دَرْس الجمعة أنَّ الله عز وجل وصَفَ طريق الحق بِأنَّهُ مُفْرَد، قال تعالى:
﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة الأنعام:153 ]
الحق لا يتَعَدَّد أما الباطل فَيَتَعَدَّد، ومعنى ذلك إذا كنتَ على حق يجب أن تلْتقي مع المُخْلِصين؛ يجبُ! وإن لم تلْتَق مع المُخْلِصين فأنت لسْتَ منهم، يجب أن تتعاوَنَ معهم، وأن تُنْصِفَهم لا أن تُنْكِرَ عليهم، وأن تعْرِفَ قَدْرَهُم لا أن تُنافِسَهم، إن لم تَكُن هناك مصالِحُ تلْفِتُ اهْتِمامك وإذا أرَدْتَ الله ورسوله والدار الآخرة يجب أن تكون مع المُخْلِصين، وأن تَدْعَمَهم، وأن تعْتَرِفَ بِفَضْلِهم، وأن تكون واحِداً منهم، لا أن تسْتَعْلي عليهم، وتعُدَّ نَفْسَك وحيداً فريداً.
ثم إنّ ورَقَة بن نَوْفل لمَّا أُخْبِرَ بما رآهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان ورَقَةُ قد تنَصَّر، وكان يكْتُب الإنْجيل بالعَرَبِيَّة، قالَتْ له خديجة: أيْ ابن عَمِّي، اِسْمَع من ابن أخيك ما يقول: فأخْبرَهُ النبي صلى الله عليه وسلَّم بِما رأى فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى. من أعظم علامات الصِّدق أن الإيمان إذا خالط القلوب لا يفارقه أحد :
كذلك هَرَقْل، ولِهِرَقْلَ قِصَّةٌ مُمْتِعَةٌ جدًّاً؛ مَلِكُ الرُّوم، فالنبي صلى الله عليه وسلَّم كتب إليه كتَاباً يدْعوه إلى الإسلام فطَلَبَ مَن هناك من العرب يومئذٍ، وكان أبو سُفْيان قد قَدِمَ بِطائِفَةٍ من قريش في تِجارَةٍ إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي، فسأل أبا سُفْيان، وأمرَ الباقين إن كَذَب أن يُكَذِّبوه، فصاروا بِسُكوتِهم مُوافقين له بالإخْبار، ونصُّ الحديث كما في البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ:
(( أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ في رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ لَا قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمِ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ))
[البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ]
فالإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لا يفارقه أحد، وهذا من أعظم علامات الصِّدق والحق، فإنَّ الباطل لا بدّ أن ينْكشف في آخر الأمر؛ مهما كُنْتَ ذَكِيًّاً ودَجَّالاً؛ أنت تستطيع أن توهِمَ الناس إلى حين، أما أن توهِمَهم إلى أمدٍ طويل فهذا مُسْتحيل، وهذا مثل فرنسي؛ تستطيع أن توهِمَ الناس لِبَعْض الوقت، وتستطيع أن تخْدع بعض الناس لِكُلّ الوقت! أما أن تستطيع أن تخْدع كلّ الناس لكل الوقت فهذا مستحيل. َسُنَّةُ الله في خلقِه أن يبْتليهم بالسراء والضراء :
َسُنَّةُ الله في خلقِه أن يبْتليهم بالسراء والضراء، وينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
((عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[أحمد عَنْ ثَعْلَبَةَ ]
بِرَبِّكم هل في السنَّة حديث يُثْلِجُ الصَّدْر كهذا الحديث؟ سواء أطْعمه أم أجاعه، رفعه أم خفضه، رزقه أولاداً أم لم يرْزقه، حَجَر عنه المال أم لم يحْجُرْهُ، أكان في صِحَّة أم في مرضٍ؛ كلّ هذا كما قال عليه الصلاة والسلام؛ والذي نفسي بيده لا يقضي الله قضاء إلا كان خيراً له.
كنتُ والله لما أرى أخاً ألَمَّت به مُصيبة أقول له: والله لو كُشَفَ لك الغِطاء لَذُبْتَ كالشَّمْعَةِ حُبًّاً لله، والله تعالى غَنِيٌّ عن تَعْذيب عِبادِهِ، والدليل: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾
[ سورة النساء: 147 ]
فَهُوَ تعالى إن ساق العذاب أو الشِدَّة فَهُوَ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَة، بِمَعنى أنَّ ما وقَع لو لم يَقَع لكان الله مَلوماً، ولكان هذا نَقْصاً في حِكْمة الله، ولِهذا من قواعِد الإيمان: لِكُلّ شيءٍ حقيقة، وما بلغ العبد حقيقة الإيمان حتَّى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخطئه، وما أخْطأهُ لم يكن لِيُصيبَهُ، ولا تقُل: لو أنَّني فَعَلْتُ كذا وكذا، ولكن قُلْ: قدَّرَ الله وما شاء فَعَل، فإنَّ كلمة لو تفْتح عمل الشيطان، وعِزَّتي وجلالي لا أقْبض عبْدِي المؤمن، وأنا أُحِبُّ أن أرْحَمه إلا ابْتَلَيْتُه بِكُلِّ سيِّئَةٍ كان عملها سُقْماً في جسَدِه، أو إقْتاراً في رِزْقِه، أو مُصيبَةً في مالِهِ أو ولَدِه، حتَّى أبْلُغَ منه مثل الذَّرّ، فإذا بقي عليه شيء شَدَّدْتُ عليهِ سَكَرات الموت حتَّى يلْقاني كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّه، فَكُلُّ شيء وقع أراده الله، وكل ما أراده الله وقع، وإرادة الله متعَلِّقة بالحكمة المطلقة، وحِكْمَتُهُ المطلقة متعَلِّقة بالخير المطلق؛ هذه هي عَقيدتنا، والمؤمن مستسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْضِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[أحمد عن ثعلبة]
هذا كلام الذي لا ينطق عن الهوى، والذي أمركَ الله أن تأخذ منه، وهو كلام رسول الله المَعْصوم. أكبر مَعْصِيَة عند الله أن يسْتنْكِف الإنسان عن طاعة الله كِبْراً :
يوم أُحُد، يومها لم يُفْلِحِ المسلمون بِفَوْزٍ حاسِم، قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 139]
وقال تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت: 2 ]
قال هرقل: (( وَسَأَلْتُكَ بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ))
؛ هذا كلام العُقلاء، فقد ملَكَ النَّبي صلى الله عليه وسلَّم موضِع قَدَميه! ونحن في دمشق الشام، وقد كانت هذه المدينة له.
وكان المُخاطب أبا سفيان، وهو حينئِذٍ كافر، مِن أشَدِّ الناس بُغْضاً للنبي عليه الصلاة والسلام.
مِن الذين أهْدَرَ النبي دَمَهم؛ لمَّا فتَحَ النبي مكَّةَ فرَّ بعضهم إلى جدَّة لِيَرْكَبَ البحر إلى الحبشة، فهو قد ذَهَب إلى الروم، فرأى هرقْلُ يمْدح النبي عليه الصلاة والسلام حينها: ((قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ))
فأبو سفيان أيْقَنَ أنَّ هذا نبِيُّ الله تعالى وسَيَنْتَصِر، لذلك أيها الأخوة أكبر مَعْصِيَة عند الله أن تسْتنْكِف عن طاعة الله كِبْراً! المغلوب لِشَهْوة تَوْبَتُهُ سريعة، والله يُعينه على الطاعة، قال ابن عطاء الله السكندري: "ربّ معْصِيَةٍ أوْرَثَت ذُلاًّ وانْكِساراً خيرٌ مِن طاعَةٍ أوْرَثتْ عِزًّاً واسْتِكْباراً!" فداءُ الكِبر والتَكَبِّر هذا خطير جداً، ودواؤُهُ عسير، فألْفُ مَعْصِيَة عن شهْوة أهْوَن من معْصِيَةٍ عن كِبَر!!
وهذه بعض الأدِلَّة الفرعِيَّة على نُبُوَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم؛ قال: وبِالجُمْلة فالعِلْم بأنَّهُ كان هناك في الأرض من يقول: إنَّهُ رسول الله، وأنَّ أقْواماً اتَّبَعوه وأقْواماً خالفُوه، وأنَّ الله نصَرَ الرُّسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقَبَ أعْداءهم؛ هو مَن أظْهَر العلوم المتواترة وأجْلاها. المؤمن الصادِق لا تَضْعُفُ هِمَّتُهُ أبَداً :
أنت الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقاومه أبو لهب وصفوان وأبو جهل، وكل كفار مكة، فمَن الذي نصَرهُ الله وأعَزَّهُ ورفعَهُ الله؟ ولِمَن كانت العاقبة؟ وبالمناسبة الدَّعْوَة الإسلامِيَّة مرَّتْ باخْتِناقات رهيبة جدًّاً، وأحَدُ هذه الاخْتناقات بالخَنْدق ‍! الإسلام في الخندق قَضِيَّةُ ساعات ويُستَأصل الإسلام عن آخره، حتَّى إنَّ بعضهم قال: أيَعِدُنا صاحبكم أن تُفتَحَ علينا بلاد قيْصَر وكِسْرى، وأحَدُنا لا يأمْنُ أن يَقْضِيَ حاجَتَهُ!! إلا أنَّ الشيء العجيب، وقد ذَكَرْتُ هذا في خُطْبَةٌ سابقَة، وكان دمُه مَهْدوراً، ومُلاحقاً، ومئة ناقَةٍ لِمَن يأتي به حيًّاً أو ميِّتاً؛ ويقول لِسُراقَة: "كيف بك يا سُراقَة إذا لَبِسْتَ سِوارَي كِسْرى ؟!" كلام خطير جداً؛ معنى ذلك أنَّه عليه الصلاة والسلام كان واثِقاً من النَّصْر، وأنَّهُ سيَصِلُ إلى المدينة سالِماً، وسَيُنشئ فيها مُجْتَمَعاً إسلامِيًّاً، وكان له فيها جَيْش وكيان، وسَيُحارِبُ أصْحابُهُ مِن بعْدِه أكبر دَوْلَتَيْن في العالَم؛ وسَيَنْتَصِرون عليهما، ويأتون بِتاجِ كسرى وسِواريْه إلى المدينة مع الغنائم، كذلك الأنبياء واثِقون مِن نَصْر الله، والمؤمن الصادِق لا تَضْعُفُ هِمَّتُهُ أبَداً، وأنَّ هذا الدِّين دينُ الله، وأنَّ الله تعالى ناصِرُه ولو اجْتَمَعَت قِوى الأرض كلها على إطْفائِهِ، فالهَجْمات المتواصلة على الإسلام جعلت الحِيادي ينظر إلى الدِّين ومستقبله، والآن عشرات الناس يدخلون إلى الإسلام.
ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء، وأوليائِهم، وأعدائِهم، علِمْنَا يقينًا أنَّهم كانوا صادِقين على الحق من وُجوهٍ مُتَعَدِّدَة؛ منها أنَّهم أخْبروا الأُمَم بِما سيكون من انْتِصارِهم، وخِذْلان أعدائهم، وبقاء العاقبة للمتقين.
فإذا أمكنَنَا أنْ نضَعَ خطًّاً بيانِياً للدَّعْوَة، لوَجَدْنا أنَّهُ في الطائف وصل هذا الخط إلى الحضيض؛ تَكْذيب، واسْتِهزاء، وإيذاء، فَمَكَّةُ خذَلَتْهُ، وأخْرَجَتْهُ، وبَقِيَ الأمل في الطائف، فبالَغ أولئك بالإساءة إليه، فحينما عاد إلى مكَّة سألهُ سيِّدُنا زَيْد بن حارِثَة: كيف تعود إلى مكَّة وقد أخْرَجوك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله ناصِرُ نَبِيِّه ! يعلمُ أنَّه رسول الله ونبِيُّه، وأنَّ الله تعالى لا يتخلَّى عنه، ولذا المؤمن ثقتهُ بالله تعالى كبيرة، وكُلَّما ضَعُفَت هذه الثِّقَة كانت مُؤَشِّراً على ضَعْف إيمانه بالله.
النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى :
والاعتقاد أنَّ ما جاؤوا به مِن المصلحة، والرَّحمة، والهُدى، والخير، ودلالة الخلق على ما ينفعهم، ومَنْعِ ما يَضُرُّهم، ما يُبَيِّنُ أنَّهُ لا يصْدر إلا عن راحمٍ، برٍّ، يقْصِدُ غاية الخير، والمنْفَعَةِ للخلق.
فالجاهل لا يمكن أن يقول كلاماً يمْضي عليه ألف وخمسمئة عام دون أن يُظْهِرَ العِلْم فسادهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام قبل ألف وخمسمئة عام نهى مَن كان في بلدٍ موْبوء أن يخرج منها، نهى عن الدخول إليها؛ هذا واضِح ! أما عن الدخول فليس لها تَفْسير إطلاقًا، فهي واضحة النتائج، فهناك مَن يحْمل المرض، وهو ليس مريضاً، فإذا انتَقَل إلى إنسان آخر أَمْرَضَهُ، وهو سليم ! لذلك نهى النبي أن ندْخُل بلْدَةً فيها طاعون وأن نخرج منها، وهذا من دلالة نُبوَّتِه.
والآن بعدما حفروا أرضَ حَضْرَموت وجدوا رِمَالاً تُغَطِّي حضارَةً بِأكْملِهَا؛ فهناك مُدن، وبساتين، وقنوات ريّ، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا))
[مسلم عن أبي هريرة]
فمن الذي أنْبأهُ أنَّها كانت مُروجاً، وأنهاراً، وأنَّها سَتَعُود، معنى ذلك أنَّ الذي يُنَقِّلُ خُطوط المطر في السماء وهو الله تعالى هو الذي أخْبرَهُ، مدينة الشام كانت كلُّها بساتين، وتدْمُر كانت عاصِمَةً خضْراء، وخُطوط المطر تنتقل، كما أنَّ نَجْم القطب كان قبل آلاف السِّنين نَجْماً آخر؛ هو النَّسْر الواقع ! لأنَّ مِحْوَر الأرض المائل يدور حول نفْسِهِ، ويرْسُم مَخْروطًا، أما الآن فهو نَجْمُ القطب، وبعد حين سَيَعُود النَّسر الواقع نَجْم الشمال، ومع هذا التَّبدل تتبدَّل خطوط المطر، ولذلك بلادٌ كانت مُخْصِبَةً خضْراء أصْبَحَت قاحِلَة، وبلادٌ كانت قاحِلَة أصْبَحَت مُخْصِبَة ! وهذا ما يُفَسِّر بِمِئات السِّنين ومواقع المطر والخُصوبة في الأرض؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا))
[مسلم عن أبي هريرة]
فمَن الذي أعلم النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ الخروف إذا ذَبَحْتَهُ، وقَطَعْتَ رأسَهُ ينقطِعُ التَّنْبيه الاسْتثنائي للقلب في النَّبْض، لأنّ القلب يتلقَّى أمر النَّبْض من ذاته من مركز كهربائي، لكنَّه يتلقى أمراً اسْتِثنائِيًّاً عن طريق الدِّماغ بالنَّبْض مئة وثمانين نَبْضة، وتكون مُهِمَّة القلب بعد الذَّبْح إخراج الدم كلَّه؛ هذا شيء مُستحيل.
وقال عن الحبَّة السوداء: ((عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ))
[ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]
أمَعْقولٌ هذا ؟! عُقِدَ مؤتمر بِمِصْر لِدِراسة فوائِد الحبَّة السوداء، فَوَجدوا أَنَّها تُقَوِّي جِهاز المناعة، وإذا قَوِيَ جهاز المناعة كان الشِّفاء من كلّ الأمراض.
يجب أن تعْتَقِدَ كما قال سيِّدُنا سَعْد بن أبي وقَّاص: "ثلاثة أنا فيهِنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحِدٌ من الناس ! ما صَلَّيْتُ صلاةً فَشُغِلَت نفسي بغيرها حتى أقْضِيَها، ولا سِرْتُ في جنازَةٍ فَحَدَّثْتُ نفسي بِغَير ما تقول حتَّى أنْصَرِفَ منها، ولا سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله إلا عَلِمْتُ أنَّهُ من الله تعالى حقًّاً". لا يكون العِلْمُ عِلْماً إلا إذا وافق الدِّين :
المؤمن الصادِق ولو رأى الحديث يُخالِفُ قواعِدَ العِلْم، فلا بدّ أن يأتي يومٌ يَكْتَشِفُ العِلْمُ أنَّ هذا الحديث هو الصحيح؛ حدَّثني دُكتور في الشَّريعة، له صديق طبيب؛ هذا الطبيب مِن أربعين عاماً في كُليَّة الطبّ يَدْعو طُلابَّهُ إلى أن يشربوا الماء مع الطعام، بينما الغرب يُحَذِّرون من شرْب الماء مع الطَّعام، مُنْطَلِقًا مِن أنَّ هذا الماء يُمَدِّدُ العُصارة الهاضِمَة، فإذا تَمَدَّدَت ضَعُفَتْ فاعِلِيَّة الهضْم؛ قبل عامَيْن فقط اِكْتُشِفَ أنَّ الماء مع الطَّعام يُعينُ على الهَضْم، ويَحُثُّ الغُدد على الإفراز، وفي الحديث عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول:
((مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ))
[الترمذي عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]
فَكُلَّما تَقَدَّم العلم اقْترَبَ من حقائق الدِّين؛ لذلك أكبر خطأ يقع فيه الإنسان أنه لا ينتظر من الدِّين أن يُوافق العلم، فهذا ضعيف، بل من العِلْم أن يُوافق الدِّين، فلا يكون العِلْمُ عِلْماً إلا إذا وافق الدِّين. الديمومة للدين الإسلامي العظيم لأن الكذب و الافتراء لابد من أن يكشفه الله عز وجل :
عندنا دليل لطيف جدًّاً؛ وهو أنَّهُ إذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم عند هؤلاء ليس بِنَبِيٍّ صادِق، بل هو ملِكٌ ظالِم، فقد تهيَّأ له أن يفْتَرِيَ على الله، ويتقَوَّلَ عليه، ويسْتَمِرَّ حتَّى يُحَلِّل، ويُحَرِّم، ويَفْرِضَ الفرائض، ويشْرع الشرائِع، وينْسَخَ المِلَل، ويضْرب الرِّقاب، ويقتل أتْباع الرُّسل، وهم أهْل الحق عندهم، ويسْبي نِساءهم، ويَغْنَمُ أموالهم، وذراريهم، ودِيارهم، ويتِمُّ له ذلك حتَّى يفْتَحَ الأرض، وينْسِبُ ذلك إلى أمر الله له، ويدَّعي مَحَبَّتُهُ له، والرب تعالى يُشاهِدُه، وهو يفْعل بأهل الحق، وهو مُسْتَمِرٌّ في الافْتِراء عليه ثلاثةً وعشرين عاماً، وهو مع ذلك كُلِّهِ يُؤَيِّدُهُ، وينْصرُهُ، ويُعْلي أمْرَهُ، ويُمَكِّنُ له مِن أسباب النَّصْر الخارِجَة عن عادة البشر، وأبْلغُ من ذلك أنَّهُ يُجيبُ دَعَواتِهِ ويُهْلِكُ أعْداءَهُ، ويرفَعُ له ذِكْره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب، والافْتِراء، والظلم، فإنَّهُ لا أظْلَمَ مِمَّن كذب على الله، وأبطل شرائِعَ أنْبِيائِهِ وبدَّلها، وقتل أولِياءَهُ، واْسَتَمَرَّتْ نُصرتهم دائِماً عليهم، والله تعالى يُقِرُّهُ على ذلك.
أي إن لم يَكُن نِبِيًّاً جاء بهذه الرِّسالة على دَعْواهم ملِكٌ ظالم وعَبْقري، وافْتراها من عنده، وحَرَّم وحلَّل، وفرض ودعا، واسْتجاب الله له، وأهْلَك أعداءهُ، معنى ذلك أنَّ الله تعالى هو الذي أضَلَّ عبادهُ، أيُعْقَلُ هذا ؟ قال تعالى:
﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ*فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾
[سورة الحاقة: 44-47]
ولا ريب أنَّ الله تعالى رفَعَ له ذِكْرهُ، وأجاب له دَعْوَتَهُ، والشَّهادة بالنُّبُوَّة على رؤوس الأشْهاد في سائر البلاد، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ كثيراً من الكذَّابين قام في الوُجود، وظَهَرَت له شَوْكَةٌ، ولكن لم يتِمَّ أمرهُ، ولم تَطُلْ مُدَّتُه، بل سلَّطَ الله عليه رسله وأتباعهم، فقَطَعوا دابِرَهُ، واسْتأصَلوه، فمثلاً أين هو هولاكو؟ وأين تيمور لنك ؟ هؤلاء الطُّغاة الذين ادَّعوا النُبُوَّة أين هم؟ وأين هي دَعْوَتُهم؟ الباطل له جَوْلَة، لكِنَّهُ يضْمَحِلّ، أين القرامطة؟ بل أين كلّ هؤلاء الذين كادوا للدِّين؟ فَعَلوا ما فعلوا، وارْتَفَع ذِكْرُهم، وتسلَّطوا، إلا أنَّ الدَّيْمومة أخيراً لِهذا الدِّين. الحق لا يُحْتَكَر لأنَّه حاجة أساسيَّة لكُلِّ البشر :
الآية الكريمة وهي قوله تعالى:
﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ﴾
[سورة الطور: 30]
والآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾
[سورة الشورى: 24]
أخْبَرَ سبحانه أنَّهُ من نفى عنه الإرسال والكلام لم يُقَدِّرْهُ حق قدْرِهِ؛ وهذه نقطة مُهِمَّة جداً، فأنت إذا نَفَيْتَ عن الله عز وجل إنْزال الكتب، وإرْسال الأنبياء، فأنت نَفَيْتَ عنه الكمال ‍! ونَفَيْتَ عنه رحْمَتُهُ بِخَلْقِهِ ! وأنّه ترك الخَلْق مُعَطَّلين عن الأمر والنَّهْي، لذلك هناك حقيقة اسْمعوها أيها الأخوة؛ هذا الحق كالهواء للإنسان، ولا يُمْكِنُ لِبَلَدٍ أن يحْتكِرَهُ، ولا لِعَصْر أو أُمَّة أو مِصْرٍ، ولا لِجَماعة أو شَخْص فالحق لا يُحْتَكَر لأنَّه حاجة أساسيَّة لكُلِّ البشر.
أيْنَما ذَهَبْتَ هناك أهل الحقّ، وهناك دُعاة، والله عز وجل وزَّعَهم في العالم تَوْزيعاً حكيماً، فَكُلّ بلدٍ لها دُعاتُها الصادِقون، أمَّا أن تعْتَقِد أنّ الحق في بَلَدٍ واحِد، فهذه سذاجة ما بعْدَها سذاجَة! إرْسال الرسل من أعظمِ نِعَم الله تعالى على خلْقِهِ :
آخر شيء، ذَكَروا فُروقًا بين النبي والرسول؛ أحْسَنُها أنَّ من نبَّأهُ الله تعالى بِخَبَر السَّماء، فإنْ أمرَهُ أن يُبَلِّغَ غيْرَهُ فَهُوَ نبِيٌّ رسول، وإن لم يأمره أن يبَلِّغ غيره فَهُوَ نبِيٌّ وليس بِرَسول، فالرسول أخَصُّ من النبي؛ فَكُلّ رسول نبِيّ، وليس كل نبي رسولاً، ولكنَّ الرِّسالة أعَمُّ من جِهَة نفسِها، فالنُّبُوَّةُ جزءٌ من الرِّسالة، إذِ الرِّسالة تتناول النبوَّة وغيرها، فالرِّسالة أعَمُّ من جِهَة نفسِها، وأخَصُّ من جهة أهلها، فالرِّسالة تشْمل الشُّعوب كلَّها؛ فالرسول بُعِث للناس كافَّة، أما سيِّدُنا يوسف فقد كان نبِيًّاً أنْبأهُ الله تعالى بِخَبر السماء.
وإرْسال الرسل من أعظمِ نِعَم الله تعالى على خلْقِهِ، وخُصوصاً محمَّداً صلى الله عليه وسلّم، كما قال تعالى:
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
[سورة آل عمران: 164]
وفي الدرس القادم إن شاء الله ننتقل إلى قول صاحب العقيدة الطَّحاوِيَّة: "وأنَّهُ خاتَمُ الأنبياء".


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 02:15 PM   #22


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع :وانة خاتم الانبياء






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
القرآن هو الأصل :
أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في العقيدة إلى قَول المؤلِّف: "وأنَّهُ خاتم الأنبياء"، قال تعالى:

﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾
[سورة الأحزاب: 40]
في العنوان: وأنَّهُ خاتِمُ، وفي الآية: وخاتَم، فالقرآن هو الأصل، ومن يحْفظ القرآن الكريم فكأنَّ مُعْجَماً معه، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَرَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَكْمَلَهَا وَأَحْسَنَهَا إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ))
[متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
كأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم جعل دَعْوة الأنبياء جميعاً كالبُنْيان، ودَعْوَتَهُ صلى الله عليه وسلَّم تمَّمَتْ هذا البُنيان، فأصْبَحَ تامًّاً مُكَمَّلاً، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾
[سورة المائدة: 3]
الفرق بين الحبّ و الشرك :
ولا يَخْفى عليكم أنَّ الإكْمال عددِيّ ونَوْعي، وأنَّ أحداً مهما علا مقامُهُ فلا يسْتطيع أن يبْتَدِع، وما عليه إلا أن يتَّبِع، وحَسْبُنا قَول سيِّدنا الصِدِّيق رضي الله عنه في أوَّل خطبة: "إنَّما أنا مُتَّبِع ولسْتُ مُبتدعاً"، بالمناسبة فيما أعْتقِد أنه ليس مِن رجل أحبَّ رجُلاً كَحُبِّ سيِّدنا الصِّديق لِرَسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهذا الكمّ من الحبّ لم يُضْعِف سيِّدنا الصِّديق:
((أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إِلَى الشَّاكِرِينَ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا))
[متفق عليه عن عائشة]
فقد يتعَلَّق الإنسان أحْيانًا بِمُرْشِدٍ، أو شَيْخٍ يَعْبُدُه من دون الله، وهو لا يدري، حُبٌّ قليل قد يؤدِّي إلى الشِّرْك، وحبّ عظيم مِن أبي بكر ما نقلَهُ إلى الشرْك؛ قال: ((فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ ))
[متفق عليه عن عائشة]
أرأيْتُم هذا الفرق الرائع بين الحب وبين الشِّرْك، فقد كان مُوَحِّداً، وكان مُحِبًّاً، فهناك من تجدُ فيه غِلْظة؛ يقول لك: لا فَضْل لأحَدٍ عليّ؛ فهذا الكلام فيه قَسْوة لِقَول النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ))
[الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة]
وقال تعالى: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
[سورة لقمان: 14]
وهناك حُبّ يؤدِّي إلى الشِّرْك، لكنَّ الصِّديق رضي الله عنه جَمَعَ بين التَّوْحيد في أعلى درجاتِه، وبين الحبّ في أعلى درجاتِهِ، فقد قال صلى الله عليه وسلمَّ: ((إِنَّ لِي أَسْمَاءً أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الْكُفْرَ وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي وَأَنَا الْعَاقِبُ))
[البخاري عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْهما ]
فقد ذكر النبي بَعْضاً من أسمائِه. كلام رسول الله أفصَحُ كلامٍ على الإطلاق بعد كلام الله تعالى :
وفي صحيح مسلم أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم قال:
((... وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ قَالَ ابْنُ عِيسَى ظَاهِرِينَ ثُمَّ اتَّفَقَا لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ))
[أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لذا أفصَحُ كلامٍ على الإطلاق بعد كلام الله تعالى كلام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ونحن لم نطَّلِع على دِقَّة نظْم النبي في كلامه، وهناك كُتب قليلة جداً تتحدَّث عن بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، ودِقَّة نظْمِهِ، وَرَوْعة كلامه، فهذا الموضوع دُرِسَ قليلاً، وكُتَّابٌ قِلَّة وقَفوا عند البيان لا عند فَحْواه، بل عند سرّ نظْمه وصياغته.
هل من أحَدٍ يُعْطيني شاهداً نبوياً فيه بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام مِمَّا تَحْفظون؟ التوازن اللَّفظي يُعْطي طابِعاً موسيقيًّاً ؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾
[سورة الغاشية: 17]
فهذه الظاهرة موجود في بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام.
كُنَّا في الجامعة، فسأل عميد الكليَّة إحْدى الطالبات، فلم تُجِب فقسَا عليها؛ فقالتْ له: ألم يقل النبي الكريم: (( يَا أَنْجَشَةُ وَيْحَكَ ارْفُقْ بِالْقَوَارِيرِ))
[رواه الشيخان عن أنس وأحمد واللفظ له]
لكنَّهُ أجابها إجابَةً أقْسى فقال هذا العميد: قال: "ارْفُقْ بِالْقَوَارِير"ِ، ولم يقل ارفق بالبراميل! فسَحَقَها، إلا أنَّه لابد أن يكون الرِّفْق في التعليم، وأن يكون رفيقًا بالطلبة، وبالمناسبة فالقوارير تُسْتَعْمل للعِطْر فقط. بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام :
ظاهرة أخرى في بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الطباق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وكالخير والشر والصالح والطالح.
وكذا السجع في قوله صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))
[متفق عليه من حديث طويل عن البراء ]
كقوله تعالى: ﴿ والعصر *إن الإنسان لفي خسر ﴾
[سورة العصر: 1-2]
عصْر وخسر.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا أفصح العرب بيْد أنِّي من قريش))
[الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
فهذا أُسلوب تأكيد المدْح بِما يُشْبِهُ الذمّ.
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا امرأة تُنازعني تريد أن تدخل الجنَّة قبلي))
[من تخريج أحاديث الإحياء عن السيدة عائشة ]
[ الأدب المفرد للبخاري ]
هذه صورة وَصْفِيَّة، أتمَنَّى عليكم أن تقرؤوا بعْضاً من أبْحاث البلاغة، عندئذٍ كلّ شيءٍ تقرؤُونه في كتاب الله وسنَّة رسول الله سترون له بُعْداً بلاغِيًّاً كبيراً، وهو يُعَلِّمُكم الأسلوب البلاغي. الحِوار والمثَل والقصَّة والتَّقْرير والتَّعَجّب مِن أساليب النبي الكريم :
مِن أساليب النبي عليه الصلاة والسلام: الحِوارُ، والمثَل، والقصَّة، والتَّقْرير، والتَّعَجّب، فالواحد إذا قرأ الحديث الشريف؛ مِن رَوْعَة القِراءَة أن تضَع يدك عند الموطِن الجماليّ فيه، ثمَّ هذا يُعَلِّمُك أنواع الأساليب وتعددها، لأنَّكَ بِحاجة إلى أُسلوب في الكلام، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام موجَز وواضِح، وكلامُهُ يَعُدُّه العادّ، فالذي يُلْقي الكلام سريعاً فقد خالَفَ بلاغَةَ النبي، وهو يقول عليه الصلاة والسلام:
((نضَّر الله وَجْه مَن أوْجَزَ في كلامه واقْتَصر في حاجتِه))
[من تخريج أحاديث الإحياء عن ابن عباس ]
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بعثْتُ بِمُداراة الناس))
[البيهقي عن جابر،والمشهور على الألسنة أمرت بالمداراة‏]
رَوْعة الحديث بالباء! باء الاسْتعانة، أي أنَّني أسْتَعين على هِدايتِهم بِمُداراتِهم، أما لو قال: بعثْتُ لِمُدارات الناس أصْبَحت المُداراة هدفًا، وشتَّان بين أن تكون المُداراة هدَفًا، وبين أن تكون وسيلةً؛ وهذا فرق كبير كبير، فعند أهل الدنيا المُداراة هدف ووسيلة ومُجاملة، لكنَّ النبي يقول: ((بعثْتُ بِمُداراة الناس))
[البيهقي عن جابر،والمشهور على الألسنة أمرت بالمداراة‏]
وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام نُصِرَ بالرُّعْب، لكنَّه حينما ترَكَت أُمَّتَهُ سُنَّتَهُ هُزِمَت بالرُّعْب. أصلُ المساجد لِتَعْليم العلْم ونَشْر الهُدى أما الصلاة فأيُّ مكان لك أن تُصَلِيَ فيه :
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً))
[ متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏]
ذَكَرْت في الخطبة نقطة دقيقة جداً ؛ وهي: إذا ظَنَنْنَا أنَّ المساجد من أجل الصلاة! فأيُّ مكانٍ في الأرض يصْلح أن يكون مسْجِداً، لكنَّ المساجد من أن أجل أن يجتمع الناس فيها يتْلون كتاب الله، ويتدارَسونه، عندئذٍ تتنزَّل عليهم السكينة، وتتغشَّاهم الرَحْمة، وتَحُفُّهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمَن عنده، فأصلُ المساجد لِتَعْليم العلْم، ونَشْر الهُدى، أما الصلاة فأيُّ مكان لك أن تُصَلِيَ فيه.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً))
[ متفق عليه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ‏]
ولو قال: بُعِثْتُ إلى كافَّة الخلق، أيُّهما أقرب إلى الصِحَّة؟ كافَّةً لا تأتي إلاّ حالاً، فلا نستطيع أن نقول: بلاغٌ إلى كافَّة المواطنين !! بل نقول: بلاغ إلى المواطنين كافَّةً، وهذا خطأٌ شائعٌ جدًّاً. حَجْمُ مهمَّة النبي كَقُدْوَة أكبر بكَثير مِن حَجْمهِ كَمبلِّغ :
وقال عليه الصلاة والسلام:
((وخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّون))
[مسلم عَنْ أبي هريرة ‏]
وقوله: وإمام الأتْقِياء؛ الإمام الذي يُؤْتَمُّ به؛ أي يَقْتَدون به، وهناك فرق بين إمام وأمام؛ وهل هناك علاقة بين الإمام والأمام؟ فالإمام يجب أن يكون أمام المُؤْتَمِّين وليس في الصلاة فقط، الإمامة مقامٌ كبير، قال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة البقرة: 124]
أي لن تكون إماماً لهم إلا إذا كنت أمامَهُم في كل شيء؛ مُتَفَوِّقٌ عليهم، وتَسْبِقُهم إلى كلّ فضيلة، وتُطَبِّقُ كلّ ما تقوله، فأنت ينبغي أن تكون أمامهم حتَّى تكون إمامهم، فما بين الكلمَتَين مِن علاقة؟ بين الكلمتين جِناسٌ ناقِص، هل يوجد بِكِتاب الله تعالى جِناس؟ قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾
[سورة الروم: 55]
المرء تحت طيِّ لِسانِه لا تحت طَيْلَسانِه!
إذا مَلِكٌ لم يكن ذا هِبَة فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَة
***
وكم من ملِكٍ رُفِعَت له علامات، فلما علاَ ماتَ.
كل هذا مِن الجناس.
الإمام الذي يُؤْتَمُّ به أي يَقْتَدون به، والنبي صلى الله عليه وسلَّم إنَّما بُعِثَ للاقْتِداء به، لِقَول الله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[سورة آل عمران]
لذلك كما تعلمون، وكما ذَكَرْتُ هذا مِراراً: حَجْمُ مُهِمَّةِ النبي كَقُدْوَةٍ أكبر بِكَثير مِن حَجْمِهِ كَمُبَلِّغ، إذْ التَّبْليغ سَهْل، لكنَّهم يتمايَزون فيما إذا كانوا قُدْوَةً أم لا!
النبي الكريم صَفْوَةُ الله مِن خلْقِهِ :
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ))
[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ]
فالنبي في هذا الحديث الصحيح يُبَيِّن لنا أنَّهُ سيِّدُ الخلق وحبيب الحقّ، فهو عليه الصلاة والسلام لا يفْتَخِرُ ولكن يُبَيِّنُ.
وفي أوَّل حديث الشَّفاعة: ((أَنَاْ سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ اْلقِيَامَةِ))
[البخاري عَنْ أبي هريرة ]
وروى مسلم والترمذي عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ))
[مسلم عَنْ أَبِي عَمَّارٍ شَدَّادٍ ]
فهو صَفْوَةُ الله مِن خلْقِهِ.
فإن قيل: يُشْكِلُ على هذا قوله صلى الله عليه وسلَّم: لا تُفضِّلوني على موسى، فالسؤال: كيف نَجْمع بين نهْي النبي على أن نُفَضّل وبين أنَّهُ فضَّل نفْسَهُ؟ والجواب أنَّ هذا كان له سبب، فإنَّ هذا كان مِن جرَّاء شكوى يهوديّ على مسْلِمٍ إذْ لطَمَه، فقال النبي هذا الحديث؛ لأنَّ التَّفْضيل هنا إذا كان على وَجْه الحَمِيَّة، والعَصَبِيَّة، وهوى النَّفْس، كان مَذْموماً، أما إن كان على وَجْه التَّوْضيح والتَّبْيين ولا فَخْر كان مَحْموداً فالافْتِخار شيء، والبيان شيء آخر.
وكذلك الجهاد، فإذا قاتل الإنسان حَمِيَّةً وعَصَبِيَّةً كان مذْموماً، فإنَّ الله تعالى حرَّم الفَخْر وقال: ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 55]
وقال تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ ﴾
[سورة البقرة: 253]
فَعُلِمَ أنّ المذموم إنَّما هو التَّفْضيل على وجْه الفَخْر. الإنسان حينما يمْدح نفْسه يصْغُر وينكمِش فالأولى أن يدع الناس يتحدثون عنه :
بالمناسبة؛ النبي عليه الصلاة والسلام مَعْصوم، ويوحَى إليه، ومعه مُعْجِزات، ولعلَّ الله أمَرَهُ أن يُبَيِّن أنَّهُ أفْضَلُ الناس، أما غير النبي فالأولى ألاّ يُبَيِّن، والأولى أن يدَعَ الناس يتكلَّمون عنه، ولا أن يقول هو عن نفْسِه، فهذا مِمَّا يُضَعِّفُ مكانته، والناس لهم أعْيُن ويعْرِفون، ومن ظنَّ الغباء في الناس فَهُوَ أغْباهم، لذلك لي كلمة مَشْهورة وهي: امْسِك كأساً من ماء، وصُبَّهُ في منْحَدَر، ثمّ قل له: اصْعَد! أو قل له: انْزِل، فهذا كلام لا معنى له، فليس هناك فائِدَة في أن تقول له: اِصْعد أو اِنْزل !! فمعنى كلامي: أنت عليك أن تتجه نحو الأكمل، ثمَّ اسْكُت، فكمالك سَيُنْبِئُ عن مكانتِكَ، لأنَّك لو أرَدْتَ أن تلفت نظر الناس إلى مكانتك ضعُفَت!
قالوا: رقصت الفضيلة تيهاً بِفَضْلِها فانْكَشَفَت عَوْرَتُها! فالإنسان حينما يمْدح نفْسه يصْغُر وينكمِش، فالأوْلى أن تُغْفِلَ نَفْسَك، وأن تَدَعهم يتحدَّثون عنك؛ وهذا اسْمُه في عِلْم النَّفْس اسْتِجْلاء المديح؛ وهو مَوْقف ضعيف، وقلتُ اليوم في درْس: إنَّ النَّفْس بها أمراض كثيرة، وهي في الحقيقة أعراض لِمَرضٍ واحِد؛ فهذه الأمراض مِن نِفاق، وخَوف، وقلق، وضَعْف، ووَجَل، هي أعراض لِمَرض واحِد، هو ضَعْفُ التَّوْحيد، لذلك أنت شُجاع بِقَدَر تَوْحيدك، ومخلص بِقَدَر تَوْحيدك، ومطمئِنّ بِقَدَر تَوْحيدك، ومِقْدام بِقَدَر تَوْحيدك، وجريء بِقَدَر تَوْحيدك، وقد أجاب بعضهم بِجَوابٍ آخر، وهو أنّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلَّم: لا تُفضِّلوني على موسى، وقوله لا تُفَضِّلوا بين الأنبياء؛ نَهْيٌ عن التَّفْضيل الخاص، أي لا تُفَضَّلُ بعض الرُّسل على بعْض بِعَيْنِهِ بِخِلاف قوله: أنا سيّد ولد آدم، فأنت لك أن تقول: هذا الطالب أفضل الطلاب عندي؛ هذا تَفْضيل عامّ، أما أن تقول: هذا الطالب أفضل من هذا أصبَحَ هناك حزازات بينهم، فالتَّفضيل العام مَقْبول، أما الخاص فهو غير ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: أنا سيِّدُ ولَدِ آدَم، ولا فخْر فهذا تفْضيلٌ عام، ولا يمْتَنِعُ منه، كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد بِخلاف لو قيل: فلان أفضل منك!
عدم التَّفْضيل بين الأنبياء :
وأما ما يُرْوى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: لا تُفَضِّلوني على يونس، وأنَّ بعض الشيوخ قال: لا يُفسِّر هذا الحديث حتى يُعْطَى مالاً جزيلاً، فلمَّا أعْطَوْهُ فسِّرَهُ أنّ قُرْبَ يونس من الله، وهو في بطْن الحوت كَقُرْبي من الله ليلة المِعْراج، ويُعَدُّ هذا تفْسيراً عظيماً! وهذا يدلّ على جهْلِهم بِكَلام الله، ورسوله لفْظًا ومعْنى، فإنَّ هذا الحديث بِهذا اللَّفْظ لم يَرْوِهِ أحدٌ من أهل الكتب، وإنَّما اللَّفظ في الصحيح عَن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))
[متفق عليه عَن ابْنِ عَبَّاسٍ]
فسيِّدُنا يونس أَبَقَ إلى الفلك المشحون، وخرج مُغاضِباً فظنَّ أن لن نقْدر عليه، ودخل في بطن الحوت، ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك، فنجَّاه الله، فإذا بِمُؤمِنٍ ساذج يأتي، ويقول: أنا لسْتُ كَيُونس!! هذا الحال كَحال أستاذ جامِعيّ نَسِيَ الهمزة، والطالب لم ينْسَها، فإذا بالطالب يقول: أنا أفضل من الأستاذ!! بينك وبينه كما بين الأرض والسماء، وإذا كان الله تعالى ذكر بعض الأنبياء بخلاف الأولى فلا ينبغي لأحَدِ المؤمنين أن يتوهَّم أنَّهُ أفضل من هذا النبي في هذا الموضوع، كما أنَّهُ لا ينبغي لِمَن هو في الحضانة أن يقول: أنا أفضل مِن هذا الدكتور! لذلك: ((لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))
[متفق عليه عَن ابْنِ عَبَّاسٍ]
أي لا ينبغي لأحَدٍ أن يُفَضِّل نفْسه على يونس بن متَّى، ليس فيه نهي المسلمين أن يُفَضِّلوا مُحَمَّداً على يونس، وذلك لأنَّ الله تعالى قد أخْبر عنه أنَّهُ الْتَقَمَهُ الحوت، وهو مُليم، أي فاعِلٌ ما يُلام عليه، وقال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 87]
فقد وقع في نفس بعض الناس أنه أكْمل من يونس، ومن ظنَّ هذا فقد كذَبَ، بل كلّ عَبْدٍ من عباد الله يقول ما قال يونس: أن لا إله إلا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين، كما قال أوَّل الأنبياء وآخرهم، فقد قال آدم: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 23]
وأفضلهم وآخرهم قال في حديث الاسْتِفْتاح: اللهم أنت الملِك لا إله إلا أنت، أنت ربِّي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعْتَرَفْتُ بذنبي، فاغفر لي فإنَّه لا يغفر لي إلا أنت، وكذا قال موسى عليه السلام. من يتوهم أن النبي يفعل خِلاف الأوْلى فَلِحِكْمةٍ بالغَةٍ أرادها الله :
أتمنَّى عليكم مرَّةً ثانية أنَّ الله تعالى إذا ذكر على الأنبياء وقائِع، أو صِفات، فاعلموا أنَّها خِلاف الأولى، يجب أن تَعُدَّ هذا الكلام بعيداً عن أن يكون مذَمَّةٌ للنبي أو نَقْصٌ فيه، لأنّ الله عصَمَهم، فهذه قال عنها العلماء: خِلاف الأولى، وقالوا كلاماً طويلاً مُلَخَّصُه: أنَّ ما يفْعَلُهُ الأنبياء لِحِكْمةٍ بالغة بالغة، فمثلاً: لما صلَّى النبي عليه الصلاة والسلام ركْعَتَين فرْضَ الظهر قالوا له: أنَسيتَ أم قَصُرَت الصَّلاة؟ فقال: كل هذا لم يكن، فقال ذو اليدَين: بعضه قد كان، فلمَّا سأل النبي أصْحابه عرف أنَّهُ صلَّى ركْعَتَين، فقال: إنَّما نُسِّيتُ كي أسُنَّ! فهو صلى الله عليه وسلَّم نَسِيَ لِحِكْمَةٍ أرادها الله، ولما اخْتار مكانًا غير مناسب في بدْر، أليْس من الممكن أن يأتِيَهُ الوحي أو يجْتهِدَ اجْتِهاداً غير صحيح؟ فهو صلى الله عليه وسلَّم وقفَ المَوْقِفَ الكامل في إصْغائِهِ للنَّصيحة، ولأمَّتِهِ مِن بعدِه، ولا سيَّما العلماء والأُمراء، فإذا توَهَّمْنا أنّ النبي فعل خِلاف الأوْلى فَلِحِكْمةٍ بالغَةٍ بالِغَة أرادها الله، ثمَّ يجب أن نعلم أنَّ مقام الألوهِيَّة شيء ومقام النُبوَّة شيء آخر، فالنبي بشر والإله إله، فهذه التي ذَكَرها الله عز وجل بِخِلاف الأولى هي عَيْنُ الكمال.
موضوع عدم التَّفْضيل بين الأنبياء أصْبَحَ واضِحاً وينْسَحِبُ عليه عدمُ الخَوْض فيما كان بين الصَّحابة، فإيَّاكم كَدُعاة أن تخوضوا فيما كان بين الصَّحابة لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول:
((إذا ذُكِرَ أصْحابي فأمْسِكوا))
[الطبراني في الكبير عن ابن مسعود]
فَكُلّ نقاط الضَّعْف بين الصّحابة ينبغي أن نجْتنِبَها، وأن نشْتغل بما ينفعُنا، ونترك الخِلاف بينهم إلى الله عز وجل، لأنَّنا جميعاً أقلّ مِن أن نَحْكُم عليهم، فهم عُلماء حُكماء كادوا من فِقْهِهِم أن يكونوا أنبياء، كما وصَفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 02:18 PM   #23


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : حبيب رب العالمين







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أعلى مراتب المحَبَّة أن يحب الإنسان الله و يحبه الله :
أيها الأخوة المؤمنون، في هذا الدرس بالذات يُرْجى أن تُغلَق الكتب، وتُطوى، لِحِكْمَةٍ سَتَرَوْنها بعد قليل.
يقول مؤلِّف الكتاب عن النبي صلى الله عليه وسلَّم: "وحبيب رب العالمين"، ثبت له صلى الله عليه وسلَّم أعلى درجات المحَبَّة وهي الخُلَّة، كما صحَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ:

((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا...))
[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ ]
فالإنسان مُرَكَّب في فِطْرتِهِ أن يُحِب، وأن يُحَبّ، فإذا أحَبَّك الله أو أحْبَبْتَ الله والأصحّ أن تُحِبَّهُ ويُحِبَّك؛ هذه أعلى مراتب المحَبَّة.
وقال عليه الصلاة والسلام:
((وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا))
[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ ]
فالنبي عليه الصلاة والسلام خليله الرحمن، ولو اتَّخَذ أحداً من أهل الأرض لاتَّخذ عليه الصلاة والسلام أبا بكر. الحبّ في الله و الحبّ مع الله :
هذا ينقلنا إلى مقولة دقيقة لأحد العلماء؛ هناك حبّ في الله وهو من كمال الإيمان، وهناك حبّ مع الله وهو عَيْنُ الشِّرْك، فاحْذروا من المحبَّة مع الله، وعليكم بالمحبَّة في الله لأنَّه من كمال الإيمان؛ فَهَل هناك ضوابط؟ نعم فلو أنَّ هذا الذي أحْببْتَهُ في الله أساء إليك فَمَحَبَّتَك له لا تحيد عن هَدَفِها، فقد تَعْتَبُ عليه، أما أن تنقلب المحبَّة عداوَةً وبغْضاء فهذا لا يقع، فهذا الذي أحْبَبْتَهُ مع الله، إذا أَحْسَنَ إليك صار مَحْبوباً، فهو قد يكون مُنْحِرِفًا، ويسيء إليك، فتنقلب المحبة عداوةً، فالحب في الله من كمال الإيمان، والحب مع الله عَيْنُ الشرْك، وأدَقُّ آيةٍ في هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة: 24]
فالآية مِحْوَرُها؛ أنَّهُ إن حَمَلَكَ حُبُّك لِزَوْجَتِكَ أن تعْصِيَ الله، وأن تُرْضِيَها، فهذا هو الحب مع الله! وإن أحبَبْتَ تِجارَتَك حيث أكلْتَ مالاً حراماً من أجلها، فهذا هو الحب مع الله، وإن أحْببْتَ مسْكَنًا مُغْتَصَباً، وآثَرْتَهُ على إعْطائه لأصْحابه، فهذا هو الحب مع الله، فالحب في الله من كمال الإيمان، والحب مع الله عَيْنُ الشرْك.
والحديثان في الصحيح يُبْطِلان قَوْل من قال: الخُلَّةُ لإبراهيم، والمحبَّة لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإبراهيم خليل الله، ومحمد حبيبه؛ وهذا القول مجرد مقولة، فهذان الحديثان يُبْطِلان هذه المَقولة.
الآية التالية من الآيات الدالة على محبَّة الله لِخَلْقه :
وفي الصحيح أيضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ:
((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا...))
[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ ]
والمحبَّة قد ثبتَتْ لغيره صلى الله عليه وسلم، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حبيب الله؛ فهل معنى ذلك أنَّ الله تعالى لا يُحِبُّ غيره؟ لا، قال تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 76 ]
وغيرها من الآيات الدالة على محبَّة الله لِخَلْقه، فَمَن خصَّ الخُلَّة بإبراهيم والمحبَّة لمحمَّد صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ، والعلماء قالوا: الخُلَّة خاصَّة والمحبَّة عامَّة ! لكنّ حديث عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ أَدْرَكَ بِيَ الْأَجَلَ الْمَرْحُومَ وَاخْتَصَرَ لِيَ اخْتِصَارًا فَنَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنِّي قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخْرٍ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ وَمُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ...))
[الدارمي عن عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ ]
هذا الحديث ينقض كلّ الذي ذَكَرْناه !! لكنَّ هذا الحديث لا يثبت. مراتب المحبة :
المحبَّة مراتب؛ أوَّلُها: العلاقة، وهي تَعَلُّق القلوب بالمَحبوب، وثانيها الإرادة؛ وهي مَيْلُ القلب إلى مَحْبوبه، وطلبُهُ له، فالإرادة حركة الإنسان نحو المَحْبوب.
والصَّبابة؛ اِنْصِباب القلب إليه، حيث لا يمْلِكُهُ صاحبهُ، كانْصِباب الماء في المُنْحَدَر، يقول لك: الأمر خرج من يدي، ولا أستطيع إلا أن أُحِبَّهُ؛ هذه هي الصَّبابة.
الغرام؛ هو الحبّ اللازِمُ للقلب، ومنه الغريم لِمُلازَمِتِه غَريمَهُ، ومنه قوله تعالى:

﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾
[سورة الفرقان: 65]
الخامس: المودَّة؛ الوُدّ هو صَفْوَةُ المحبَّة، وخالِصُها، وقالوا: السُّلوك المادي الذي يُجَسِّدُ المحبَّة، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾
[ سورة مريم : 96]
والسادسة: الشَّغَف؛ وهي وُصول المحبَّةِ إلى شغاف القلب.
والسابعة: العِشْق؛ وهو الحبّ المُفْرِط الذي يُخاف على صاحِبِه منه، و واللهِ كلَّما سَمِعْتُ بعض الدُّعاة يقول: عِشْقُ الله عز وجل، فَنَفْسي لا ترْتاح إلى هذا المصْطلح، ولا يوصَفُ به الربّ تعالى، ولا العبْدُ في محبَّةِ ربِّه؛ فلا ينبغي أن تقول: أنا أعْشِقُ ربِّي، ولا أن تقول: إنَّ الله تعالى يَعْشِقُ عِباده، والعِلَّة أنَّ العِشْق محبَّةٌ مع شَهْوَة مادِيَّة.
الثامنة: التَّيْمُ؛ تقول: فلانٌ مُتَيَّم مِنَ الوَلَهِ، وهو التَّعَبُّد.
التاسعة: العبادة، فهي من مراتب المحبَّة، أي خالص الحب، والإخلاص، والطاعة؛ كلّ هذه المعاني مَجموعة في التَّعَبُّد، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات: 56 ]
العاشرة: الخُلَّة، وهي المحبَّةُ التي تَخَلَّلَتْ روح المُحِبّ وقلبِهِ.
وقيل في ترْتيبها غير ذلك، أي أنَّ هذا الترتيب مُفْتَعَل، وهو تَقْريبٌ حَسَن، ولا يُعْرَفُ حُسْنُهُ إلا في معانيه.
المحبَّة لا تُحَدُّ بحَدٍّ أوْضَحَ منها :
واعْلَم أنَّ وَصْف الله بالمحبَّة والخُلَّة هو ما يليق بالله عز وجل كسائر صِفاتِه تعالى، وإنَّما يوصَفُ الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة الوُدِّ والمحبَّة والخُلَّة حَسْبما ورد في النُّصوص؛ نتقيَّد بالنُّصوص.
قال: وقد اخْتُلِفَ في تَحْديد المحبَّة على أقوال نحو ثلاثين قوْلاً، ولا تُحَدُّ المحبَّة بحَدٍّ أوْضَحَ منها؛ فلو قيل لك: صِفْ لنا التُّفاح! ستَجِدُ في النِّهاية أنَّ لا وَصْف أحسَن مِن وَصْف التُّفاح بأنَّهُ تُفاح!! أمور المشاعر؛ الحُدود تزيدُها غُموضاً، فأوْضَحُ ما فيها صِفَتُها الأساسيَّة.
قال: وخفاء هذه الأشياء الواضِحَة لا تَحْتاج إلى تَحْديد كالماء، والهواء، والتراب، والجوع، والشّبَع؛ ونحو ذلك، فلو قلتَ: ما هو الشِّبَع؟! كُلْ، وحينها تعرِفُ الشّبَع؛ فالتفاصيل لا تزيد هذا إلا غُموضاً.

من ادّعى النبوة بعد النبي الكريم فهو كاذب لا محالة :
أنا قلتُ لكم: أغْلقوا الكتُب كي أجْعل هذه الجَلْسَة جلْسَة أسْئلة، وهذا مِن أجل أن تعرفوا حقيقة العقيدة الصَّحيحة.
ولْنطْرحْ سؤالاً؛ قال: لما علِمْنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلَّم خاتَم النَّبِيِّين، عُلِمَ أنَّ الذي ادَّعى النُبُوَّة بعدَهُ كاذِب، فلو جاء مُدَّعي النُبُوَّة بِالمُعْجِزات الخارقَة والبراهين الصارِخَة، فما نقول فيه؟! مادام الله تعالى قرَّر في القرآن الكريم أنَّ محمَّداً خاتَم النَّبيِّين، فأيّ إنسان يدَّعيها ليس معه بُرْهان، بل معه ضلالات وأشياء مُخْزِيَة لأنَّنا نقول: هذه لا يُتَصَوَّر وجودها، وهو من فرْطِ المُحال، لأنّ الله تعالى لما أخْبَر عن محمَّدٍ أنَّهُ خاتمُ النبيِّين، فَمِن باب المُحال أن يأتي مُدَّعٍ يدَّعي النُبُوَّة، ولا يظْهر أمارة كذبِهِ في دَعْواه، فيَجِبُ إذًا أن يكون كذب مُدَّعي النبُوَّة صارِخًا؛ لأنّ الله عز وجل ختمها بالنبي محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، فَكُلّ دَعْوى بعده فهِيَ غيّ وهوى، فالغَيّ ضِدّ الرَّشاد، والهَوى عبارة عن شَهْوة في النَّفْس، إذًا تِلْك الدَّعْوة عبارة عن هَوى النَّفْس لا عن دليل فهي باطلة.
والنبي عليه الصلاة والسلام وهو المَبْعوث لِعَامَّةِ الجنّ، وكافَّة الوَرَى بالحقّ والهُدى، وبالنور والضِّيَاء.
فهل عندكم دليل أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مَبْعوث إلى الجنّ والإنس كافَّة ؟! قال تعالى:

﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[ سورة الأحقاف : 31]
وداعِي الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فالعقيدة لا تَحْتَمِل الآراء الشَّخْصِيَة، ولا تسْتطيع ولا في أدَقِّ تفاصيلِها ولا في جُزْئِيَّاتِها أن تعْتَمِدَها إلا بِدَليل قَطْعِيّ الدلالة والثبوت. النبي عليه الصلاة والسلام مَبْعوث للوَرى كافَّةً :
يا ترى ! هل أرسل الله إلى الجنّ رسولاً قبل النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال تعالى:
﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾
[ سورة الأنعام: 130]
معنى ذلك أنَّه لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام النبيَّ الوحيد الذي أرسِلَ إلى الجنّ، بل أرسَل الأنبياء من قبله.
وهل الرسُل من الإنس فقط أم من الإنس والجنّ؟! لولا الدليل لقال من شاء ما شاء! الدليل ليس من القرآن الكريم، ولكنه من قَول ابن عبَّاس رضي الله عنه: الرُّسل من بني آدم، ومن الجنّ نُذر، وظاهر قوله تعالى حِكايَة عن الجنّ:
﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الأحقاف: 30 ]
يدلّ أيْضاً على أنَّ كتاب موسى مُنْزَلٌ إليهم.
إنّ النبي عليه الصلاة والسلام هل هو مَبْعوث للوَرى كافَّةً؟ الدليل قوله تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة سبأ : 28]
وقال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 158 ]
الحكمة من أن النبي الكريم أرسل لكافة الناس :
وهنا سؤال: ما حِكْمَة أنَّ كلّ نبِيّ أتى إلى قَوْمٍ بِعَيْنِهم أما النبي محمدٌ عليه الصلاة والسلام فقد أرْسَلَهُ إلى الناس كافَّةً؟! الأُمَمُ التي تأتي بعد النبي عليه الصلاة والسلام مُنْتَشِرَة في كلّ القارات؛ أمريكا، وكندا، والبرازيل، والمِكْسيك، والقطْبَين، لما خُصَّت الأقْوام السابقة بِكُلّ نبيّ، بينما النبي عليه الصلاة والسلام عربِيّ، وهناك لُغات، وشُعوب، مُوَزَّعَة في بِقاع الأرض، فلِمَ لمْ يَكُن لِكُلّ قَوْمٍ من هؤلاء نِبيّ خاص؟! هذا مِن عِلْم الله، وقد صار العالَم كلُّه قَرْيَة، بِمَعْنى أنّ الإنسان أحْيانًا وهو مُضْطجِع على فِراشِه يتابِع أخبار العالم خبراً بِخَبر، وسائل الاتِّصال لم تكن متوفرة من قبل! بينما الآن يُمْكِن لشريط كاسيت أنْ يتوزَّع في العالم كلِّهِ، ومُمْكن مُحاضرة تُنْقَل عَبْر الأقْمار الصِّناعِيَّة، ومُمْكِن كُتب تُتَرْجم للُّغات كُلّها، الأدوات المسْموعة والمَقْروءة تفوق حدَّ الخيال! فيَكْفي أن يأتي النبي بِشَريعة خاتِمة للشرائع كلِّها، وأن تنْتشر هذه الشريعة بِكُلّ الآفاق؛ وهذا شيء مَلْموس، فالجامعات الموجودة بالعالم كلِّه؛ أمريكا، وكندا، معها أشرطة مُتَرْجمة وكأنَّها في الشرق الأوْسَط، لذا واضح في عِلْمِ الله تعالى أنَّ هناك اتِّصالات سَتَغْدو منتشرة، تَجْعل العالم قَرْيَة صغيرة، فهذه الاتِّصالات هي التي سَهَلَّتْ الدَّعْوَة المُحَمَّدِيَّة أما لو فرضنا عدم توفُّر الاتِّصالات، وجاء النبي إلى جزيرة، وبَقيَت هذه الدَّعْوة فيها، فرَحْمَةُ الله تَقْتضي أنَّ لِكُلّ أمَّة وقَوْمٍ نَبِيًّاً خاصًّاً بهم، قال تعالى:
﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 158 ]
أي وأنْذِر من بلَغَهُ، وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾
[ سورة النساء: 79 ]
قال تعالى: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴾
[ سورة يونس : 2]
فهذه الآيات تُؤَكِّد أنَّ دَعْوة النبي عليه الصلاة والسلام عامَّة، وللناس كافة، وقال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾
[ سورة الفرقان : 1]
وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾
[ سورة آل عمران : 20]
أصلُ المساجد لِتَعْليم العلْم ونَشْر الهُدى أما الصلاة فأيُّ مكان لك أن تُصَلِيَ فيه :
الحديث الشريف الصحيح الذي رواه الإمام البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً))
[متفق عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ]
فالمَسْجد له دَوْر أخْطر من أن يُصَلَّى فيه فقط! وهو دورُ الدَّعْوَة، وتعليم العِلْم، أما الصلاة فأيُّ مكانٍ في الأرض هو مَسْجِد.
فهذا الحديث بِشَكل واضِح، وقَطْعي، وجَلِيّ، يبَيِّن فيه النبي أنَّ الأنبياء من قبله بُعِثوا إلى أُمَمِهِم خاصَّةً، وبُعِثَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى أُمَمِ الأرض عامَّةً.
الإسلام لا يُجَزَّأ إنَّما يؤْخَذُ بالكُليَّة :
حديث آخر:
((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[ سورة آل عمران: 85 ]
وكان صلى الله عليه وسلَّم مَبْعوثًا للناس كافَّةً، وهذا مَعْلوم من الدِّين بالضَّرورة، فَمِنَ البديهِيَّات التي لا بدَّ ألاّ يكون أحدٌ جاهِلاً بها أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مَبْعوث إلى الناس كافَّةً، أما قولُ بعض النَّصارى مِن أنَّهُ مَبْعوث إلى العرب خاصَّة فهُوَ ظاهِرُ البُطْلان، لمَّا صدَّقوا بالرِّسالة لَزِمَهم تَصْديقُهُ في كُلّ ما يُخْبِرُ عنه، فالإسلام لا يُجَزَّأ إنَّما يؤْخَذُ بالكُلِيَّة. عدم استعمال كافَّة في كلام العرب إلا حالاً :
وقوله: وهو مَبْعوث إلى عامَّة الجنّ وكافَّةِ الورَى، جرّ كلمة كافَّة فيها نَظَر‍! إذا قلنا في مسألة فيها نظر أيْ أنَّها قَضِيَّة خِلافِيَّة! لذلك قَوْل المؤلِّف: وهو مَبْعوث إلى عامَّة الجنّ وكافَّةِ الورَى؛ هذه عِبارة فيها نَظَر، فإنّهم قالوا: لا تُسْتَعْمَل كافَّة في كلام العرب إلا حالاً، فكان ينبغي أن يقول: وهو المَبْعوث إلى عامَّة الجنّ والوَرَى كافَّةً.
قال: واخْتَلَفوا في إعْرابِها في قوله تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة سبأ : 28]
إعْراب كافَّةً! بالمناسبة إذا شكّ الإنسان في إعْراب بعض الآيات عليه أن يكون له مرْجِع، ولطيفٌ جداً من أخواننا الدُّعاة المُتَفَوِّقين أن يكون في مَكْتَبَتِهِم إعراب القرآن!.
قال: هناك ثلاثة إعرابات لِكَافَّة؛ أحَدُ هذه الإعْرابات أنَّها حال، والحال يَحْتاج إلى صاحب، تقول: دخل الطالب ضاحِكًا؛ مَن صاحب الحال؟ الطالب، ورأيْتُ الطالب ضاحِكًا! مَن صاحب الحال؟ المفعول به، فنحن إذا قلنا: إنّ كافَّة حالاً، فَمَن هو صاحِبُها؟ الكاف في قوله تعالى: أرْسلْناكَ، إذًا هي حال من الكاف في أرْسَلناك، وهي اسم فاعِل والتاء فيها للمُبالغة؛ أيْ كافًّاً للناس عن الباطل، وقيل: هي مَصْدَر كفَّ؛ بِمَعنى أن تَكُفَّ الناس كفًّاً.
الثاني: أنَّها حالٌ من الناس، واعْتُرِضَ أنَّ حال المَجْرور لا يُتَقَدَّمُ عليه، فإذا كانت (الناس) حالاً، فَصَاحب الحال الذي هو شبْه جملة لا يتأخَّر عن الحال، إذًا هذا وَجْهٌ ضعيف.
الثالث: أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَر مَحْذوف، أيْ رِسالةً كافَّةً! وإرْسالاً كافًّاً، وأصْبَحَت بهذا نائب مَفْعول مطْلق.
الحق والضياء والنور والهدى أوْصاف الدين الذي جاء به الرسول الكريم :
وقيل: بالحق والضياء والنور والهدى؛ هذه أوْصاف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من الدِّين، والشَّرْع المُؤَيَّد بالبراهين الباهرة مِن القرآن وسائر الأدِلَّة، والضِّياء أكْمَل من النور؛ قال تعالى:
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾
[ سورة يونس: 5 ]
فالضِّياء أكْمل من النور.
وفي الدرس القادم إن شاء الله نبْدأ بالقرآن الكريم، وهو قوله: "وإنَّ القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كَيْفِيَّةٍ قَوْلاً، وأنْزلَهُ على رسولِهِ وَحْياً، وصدَّقَهُ المؤمنون على ذلك حقًّاً، وأيْقَنوا أنَّهُ كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بِمَخلوقٍ ككلام البرِيَّة، فَمَن سمِعَهُ، وزعم أنَّهُ كلام البشر فقد كفَر، وقد ذَمَّهُ الله تعالى، وعابَهُ، وأوْعَدهُ بِسَقَر"، حيث قال تعالى:
﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾
[ سورة المدثِّر : 26]
فعلمنا مِن هذا أنَّ هذا لا يُشبه قَول البشر! فهذا نشْرَحُهُ في درس قادِمٍ إن شاء الله تعالى.








الختام


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
العقيدة, الطحاوية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
و الناظر في هذه العقيدة ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 6 01-21-2019 07:21 AM
العقيدة و الاعجاز السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 39 08-07-2018 06:39 PM
[ذائقة نورانية] العقيدة الاسلامية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 68 06-21-2018 03:20 PM
و ما هكذا تكون العقيدة ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 8 04-03-2018 07:59 AM
كلمة الحق في العقيدة ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 6 03-27-2017 08:31 AM


الساعة الآن 01:48 PM