العقيدة الطحاوية - الصفحة 2 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : "اجعلني يا الله شخص يُقال في غيابه، رعاه الله، ورحمَ من ربّاه، مرَّ ولا ضرَّ أحداً يوماً." منال نور الهدى : "اللَّهُم صُب آيات القُرآنِ فِي صُدورِنا صبًّا.. حتّى يُشفى بآثارِها كُل شعورٍ مُر." منال نور الهدى : لا تيأس من حياةٍ أبكت قلبك و قُل يا الله عوّضني خيرًا في الدنيا و الآخرة فالحُزن يرحل بسجدة و الفرحةُ تأتي بدعوة بإذنه سبحانه. منال نور الهدى : ثلاث ضيوف يأتون بلا موعد .. -الرزق -القدر -الموت اللهم اجعل رزقنا حلالا، واجعل قدرنا جميلا، ولا تأخذنا إليك إلا وأنت راض عنا .! منال نور الهدى : لن تعيش حياة سعيدة أبداً ، إذا كُنت تهتم دوماً بما يُفكر فيه الآخرون عنك. منال نور الهدى : اللهُمَّ إني أبرأ مِن الثقة إلا بك، ومِن الأمل إلا فيك، ومِن التسليم إلا لك، ومِن التفويض إلا إليك، ومِن التوكل إلا عليك.

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 09-16-2018, 08:33 AM   #11


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع : توحيد الله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا، وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
موضوع التوحيد أهمّ موضوعٍ على الإطلاق في العقيدة :
أيها الأخوة المؤمنون، لا شكَّ أنَّ أهمّ موضوعٍ على الإطلاق في العقيدة هو موضوع التوحيد، إلا أنَّهُ مما يَلْفتُ النَّظر أنَّ كلّ دَعْوةٍ إلى الله عز وجل ربما رَكَّزَتْ على بعض القضايا أكثر من ترْكيزها على بعض القضايا الأخرى، وكلكم يعْلم أنَّ قضِيَّة التوحيد في مسْجدنا والحمد لله تُسَلَّط عليها الأضواء بِشَكْلٍ مُسْتَمِرّ، ففي دروس التفْسير، وفي دروس الحديث الشَّريف، وفي دروس السيرة، كما رأيْتم، وتعلمون أنّ التَّركيز على التوحيد دائمٌ، فمع أنَّ هذا الموضوع من أخطر موضوعات الكتاب، فمهما فَصّ‍لْتُ فيه، فلن أضيفَ على ثقافتكم في هذا الموضوع شيئاً جديداً، لكنَّهُ من الثابت أنَّ العقيدة الطحاوِيَّة تُفَرِّق بين مُصْطَلَحَيْن؛ مُصْطلح توحيد الربوبِيَّة، ومصْطلح توحيد الألوهِيَّة، فتَوْحيد الربوبِيَّة بِشَكْلٍ مُختصر يُفيد أنَّ لهذا الكون خالقاً واحِداً، وهذا التوحيد يتوافق مع الفطْرة، وليس موْضِع نِزاعٍ عند عامَّة الناس، وذلك لأنَّه لا أحد ادَّعى أنَّهُ هو الذي خلق الكَوْن، والإنسان بِنَظْرةٍ بسيطة في هذا الكون يشْعر بأنَّ له خالقًا، لكنْ أين الخلاف وأين المُشْكلة ؟‍‍! الخِلاف ليس في توحيد الربوبِيَّة، ولكن في توْحيد الألوهيَّة، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾
[ سورة الزخرف : 87 ]
حتى عُباد الأوْثان يدَّعون أنَّهم يعْبدون الأوْثان لِيَتَقَرَّبوا بها إلى الله زُلْفى، فهذا الكلام تَحَدَّثنا عنه في الدرْس الماضي، وعن طريق دليل التمانع أُثْبِتَ لكم أنَّ لهذا الكون خالقاً واحِداً، ووعَدْتكم في هذا الدَّرْس إلى أن أنتقل إلى توحيد الألوهِيَّة . الإنسان بِدَافِع فِطْرته يُقبل على ما ينْفعه ويبتعد عما يُؤْذيه :
أوَّلاً نقرأ، ونشْرح، فلا ريْبَ أنَّ الإنسان قد يُحَصِّل اعْتِقادات؛ منها ما هو صحيح، ومنها ما هو خطأ وباطل، فَبِذِهْن كُلّ إنسان تَصَوّرات، فمنها ما هو مُطابق للواقع، إذاً فهي حقّ، ومنها غير مُطابقة للواقع، فهي باطلة، فالحقّ هو الشيء الثابت، والباطل هو الشيء الزائل، فَكُلّ شيء ليس له أساس واقِعي فهو باطل، وكلّ شيء مُسْتَنِد للواقع فهو حقّ، لكِنَّه لا بدّ في تَرْجيح تلك المقولات والتَّصوّرات من مِقْياس، ونحن دائِماً نقول : أنت أمام آلاف المقولات في الإسلام، فأنت كَطالب عِلْم وكَدَاعِيَة إلى الله أهم شيء في عِلْمك أن تملك المِقْياس! وقد بَيَّنْتُ لكم سابِقاً أنَّك لو وُضِعْتَ أمام عشرات القطع من الأقْمِشَة، ولِكُل قطعة قماش قياس أُلْصِق عليها، مَكْتوب قياس كذا وكذا، فأنت كيف تَتَحَقَّق من هذه المِقياسات؟ لا بدّ لك من أداة قياس، كذلك لو وقفتَ أمام عشرات المقولات بل مئاتها كيف تتأكّد من صِحَّتها؟ لابدّ من مُرَجِّح.
التَّفْهيم لا التَّلْقين والإقناع لا القَمْع من مبادئ الدعوة إلى الله :

أذْكر أنَّني ذَكَرْتُ لكم قبل أيام فِكْرة مُهِمّة جداً، وهي أنَّ الإنسان بِحُكم فطْرته يُحِبّ ذاته، ووُجوده، واسْتِمرار وُجوده، وكمال وُجوده، وسلامة وُجوده، فإذا تَيَقَّن المرءُ أنَّ الإيمان بالله تعالى ينْفعه، وأنَّ الكُفْر بالله يضرّه، آمن بِدَافِعٍ من فطْرته، فهي التي تَدْعوه إلى الإيمان بالله، إلا أنّه بَقِيَ على الداعِيَة أن يُقْنِعَ الإنسان أنَّ الإيمان ينْفعه في الدنيا والآخرة، وأنَّ الإعراض عن الله تعالى يضرّه في الدنيا والآخرة، فلذلك لو أنَّ الإنسان خُيِّر بين أنْ يُصَدِّق وينْتفِع، وبين أن يُكَذِّب ويتَضَرَّر، مال بِفِطْرته إلى التَّصْديق كي ينتفع، فالمهم ليس حمْل النفْس على طاعة الله، إنما في إقْناعِها بِمَدى الفائِدَة من طاعة الله، فإذا اقْتَنَعت أصْبح التَّطْبيق سَهْلاً، وهذا الكلام يقود إلى فِكْرة، فقد سُئِلْتُ مَرَّة ما الذي يُقَوِّي الإرادة؟ وهو سُؤال وَجيهٌ جداً، فهناك من يعْصي الله تعالى، وهو لا يعْرِفُه، فالمُقدِّمات متناسبة مع النتائِج؛ لا يعْرفه ويعْصيه، وهناك من يعْرفُه، ويُطيعُه، فهاتان الحالتان طبيعِيَّتان، لأنَّهما متناسبتان بين المقدِّمات والنتائِج، أما الذي يُقْلق فهو من يعْرف أنَّ هذا حرام، وهذا حلال، وأنَّ خالق الكون أمر بِهذا ونهى عن هذا، ثم هو لا يُطيع، فهذه الحالة تُفَسَّر بِضَعْف الإرادة! لذلك بِبَساطة بالغة: بالعِلْم تُقَوِّي الإرادة، ومثَلاً الذي يُغْرم بِتَناول الطعام المالح، فهذا له عادة أصيلة في هذه الأُسرة، مما يؤدي إلى ارتفاع ضَغْطه، فهل المُشْكلة أن نقْمعه عن تناول المِلْح أم أن نُقْنِعَهُ ؟ القمْع لا يُجْدي، لأنَّهُ عادة مُتَأصِّلة في تناول الطعام المالح، لكن الطبيب الحاذق الماهر الذي يُوَضِّح بالأدِلّة الدقيقة كيف أنَّ المِلح يحْبِسُ السوائل، وكيف أن السوائل تمتلئ بها الأوْعِيَة، وكيف أنَّ القلب يجْهَد، فإذا أيْقن المريض بالضغْط أنَّ المِلْح يُؤْذيه، فَتَرْكُ المِلْح حينئذٍ سَهْل جداً، لذا فالإنسان بِدافِعِ فِطْرته يُقْبِلُ على ما ينْفعه، وبِدافِعِ فِطْرته يبْتعِدُ عمَّا يضرّه، بَقِيَت مُهِمَّةُ الداعِيَة في دَعْوَتِه أن يُقْنِع لا أن يقْمع، فهناك من يتمنى أن يدْعوَ إلى الله، يأتي بِصَديقه إلى الدرْس، فهذا الجرّ لا ينفع، فهو يَحْضُر معك مرَّةً واحدة مُجاملَةً لك، فالأَوْلى لا أن تجُرَّه، بل أن تُقْنِعَهُ! لذلك من مبادئ الدَّعوة إلى الله تعالى التَّفْهيم لا التَّلْقين، والإقناع لا القَمْع، فالفِكْرة الأولى اليوم أنّ الإنسان بِدَافِع فِطْرته يُقبل على ما ينْفعه، ويبتعد عما يُؤْذيه، فإذا علِم أنَّ الإيمان ينْفعه وأن الكفْر يضرّه أقبل على الإيمان وابْتَعَد عن الكفْر.
الإنسان ليس مفْطوراً على معرفة ما ينفعه ولكنه مَفْطور على حبِّ ما ينْفعه :
هناك فِكْرة ثانِيَة، وهي أنَّ الإنسان مَفْطور كما قلتُ قبل قليل على جلْب المنافع، ودَفْع المضار بِحِسِّه، إلا أنَّه لا بدّ من شيءٍ خارِجي يُبَيَّن له، فلو كان مَفْطوراً على حُبِّ ما ينْفعه فهل هو مَفْطور على معْرِفَة ما ينْفعه ؟! مِن هنا كان التَّعْليم لا بدّ منه، وإلا أصْبح التَّعْليم لا فائِدَة منه إطْلاقاً، والإنسان أوْدَعَ الله فيه قدْرة التَّعَلّم، فلو أنَّك قرأت الكتاب الفلاني على الطاولة، فهذه الطاولة بعد أن قرأت الكتاب كلَّه، وسألْتها؛ هل تفْهم ما فَعَلْتَ وما قرأت؟!! فحينما خلق الله الخشب لم يُوْدِع فيه القوَّة الإدراكيَّة، فالقَضِيَّة أنَّه ما دام الله تعالى أوْدَع في الإنسان هذه القوَّة سأله أن يتعلَّم، لذا الجمادات لا تُدْرك، والمادَّة ليْسَت عاقِلَة، فالله تعالى ما أوْدع في الإنسان هذه القدْرة إلا وأراد منه أن يتعلَّم، فالله تعالى كما يقول بعض العلماء: ما أمرنا بالدعاء إلا لِيَسْتجيب لنا، وما أمَرَنا بالاسْتغفار إلا لِيَغْفِرَ لنا، وما أمرنا بالتوبة إلا لِيَتوب علينا، وقِياساً على هذه الحقائق فما أوْدع فينا قوَّة التعَلّم إلا من أجل أن نتعلَّم، لذا فالإنسان ليس مفْطوراً على معرفة ما ينفعه، ولكنه مَفْطور على حبِّ ما ينْفعه، يا داود ذَكِّر عبادي بِإحساني إليهم، فإنَّ النفوس قد جُبِلَت على حُبّ من أحْسن إليها، وبُغض من أساء إليها .
توحيد الألوهية و توحيد الربوبية :
كما تعلمون في الدرْس السابق أنَّه ليس هناك شكّ في أنَّ الإنسان مُسَلِّمٌ بالطَّبْع بأنَّ له خالقاً واحِداً، إلا أنَّ التعامل اليوم أنَّ الله عز وجل أوْدع في الأشْياء قوَّة، ففي النار قوّة الإحراق فيما يبْدو، إلا أنَّ الحقيقة التي تعلمونها من دروس جَوْهرة التَّوحيد أنَّ الأشياء تفْعل الفِعْل بِإرادة الله لا بِذاتِها، فإيداع الله للنار قوَّةَ الإحراق منوط بِمَشيئة الله تعالى، لذلك قال علماء التوحيد اخْتِصاراً عندها لا بها؛ عند مشيئة الله، لا بِذات الأشياء التي تفعَلُ فِعْلها، لذا توحيد الألوهيَّة غير توحيد الربوبيَّة، فالله تعالى خلق الكون، وانتهى الخَلق إلا أنَّه بقِيَ التَسْيير والحركة على وَجْه الأرض، فالإنسان أمامه قِوى ومُغْرِيات، والله تعالى خلق القويّ والضعيف، والفقير والغنيّ، والغبيَّ والذَكيّ، فهذه الحُظوظ المُتفاوِتَة، وهذه القوى المتفاوتة، كيف يتعامل معها الإنسان؟ فإذا ظَنَّ أنَّها فاعِلَةٌ بِذاتها فقد وقع في الشِّرْك، وتوحيد الربوبيَّة يعْني أنّ لهذا الكون خالقاً واحِداً، لكنّ توحيد الألوهِيَّة يعْني أنَّ الله تعالى الذي خلق، وهو ربّ العالمين، وهو الذي يتصرَّف، ولو أنَّكم قرأتم آيات التوحيد، وأنا أذْكرها كثيراً، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
يقول علماء التوحيد: لا إله إلا الله، تعني لا مَعبود بِحَقٍّ إلا الله ؛ فمن هو الذي ينبغي أن تعبده؟ أوَّلاً: هو الخالق، وثانياً: هو الربّ، وثالثاً: هو المُمِدّ، ورابعاً: الذي يُحْيي ويُميتُ ويرْزق ويرفع ويخْفض ويعطي ويمنع، فهذا الذي بيَدِهِ كُلّ شيء هو الذي ينبغي أن تعْبده. الله عز وجل ما أمر الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه :
توحيد الألوهِيَّة يختلف عن توحيد الربوبيَّة، ولو ذَهَبْت إلى بلاد الغرْب لرأيْتَ أنَّ هناك عقيدَةً هي سبب هلاكِهم؛ هم يعْتَقِدون أنَّ الله جلّ جلاله خلاقٌ وليس فعالٌ، كأنَّ المعنى خلق الله الخلْق وقال: انْتهتْ مُهِمَّتي، وبَقِي أنّ لكم أنْ تفعلوا ما تشاؤون، وهو ما يُعَبَّر بِألوهِيَّة الإنسان، لكنَّنا كَمُؤمنين عقيدتنا الإسلامِيَّة النابعة من كتاب الله عز وجل وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم تُؤكِّد أنّ الله خلاّق، وفعال، وأقرب آيةٍ لهذه الفكرة قوله تعالى :
﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأعراف: 54 ]
وقوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة هود: 123 ]
ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمْأنك قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾
[ سورة الزخرف: 84 ]
وقال تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾
[ سورة الكهف: 26 ]
وقال تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الأنفال: 17 ]
هذه الآيات ومثيلاتها تؤكِّد أنَّ الله تعالى إلهٌ واحِد، وهو ربّ واحد، فهو المُسَيِّر. الشرك نوعان؛ شرك خفي و شرك جلي :
قال تعالى:
﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة النمل: 59]
دَقِّقوا، أمَّن خلق؟ فهو الذي خلَقَ لا غيرُه، ثمّ أإِلهٌ مع الله؟ لا إله معه، فالله هو الخالق، والذي يفْعل ما يريد، ويرزق، ويمنع، ويُحْيي، ويُميت، ويعزّ، ويذِلّ، وهو ربّ العالمين، ولا تنْسَوا أنَّ هذا الاسْتفهام هو اسْتفهام إنكاري، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 19 ]

وكما أقول دائماً في الدروس العامّة وفي دروس التَّفْسير : هناك شِرْك جليّ، وهناك شِرْك خفيّ، فالأوَّل كأن تقول : أعبد بوذاَ، واللات، والعزَّى، إلا أنَّ الشِّرْك الخفيّ أنْ تتَوَهَّم أنَّ جِهَةً ما أرْضِيَةً، أو غير أرْضِيَة، لها التَصَرّف في الكون، لذلك فعَنْ أَبِي عَلِيٍّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي كَاهِلٍ قَالَ خَطَبَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَزْنٍ وَقَيْسُ بْنُ المُضَارِبِ فَقَالَا: وَاللَّهِ لَتَخْرُجَنَّ مِمَّا قُلْتَ أَوْ لَنَأْتِيَنَّ عُمَرَ مَأْذُونٌ لَنَا أَوْ غَيْرُ مَأْذُونٍ، قَالَ: بَلْ أَخْرُجُ مِمَّا قُلْتُ، خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَال: ((أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فَقَالَ لَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ))
[أحمد عَنْ أَبِي عَلِيٍّ]
وهذا هو الذي قاله الله عز وجل: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 106 ]
ونعوذ بالله من الشِّرْك الخفيّ، ومن الشِّرْك الجَلِيّ. لِلكون خالقٌ واحد و مُسَيِّر واحِدٌ هو الله :
الآن، مَن الإله الذي ينْبغي أن يُعْبد؟ دَقِّقوا في هذه الآية:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 21 ]
لِهذا الكون خالقٌ واحد هو الله، ولِهذا الكون مُسَيِّر واحِدٌ هو الله، فالله هو الخالق، وهو المُسَيِّر، هو الخالق الربّ، وهو المُسَيِّر الحكيم.
من رحْمَةِ الله بالإنسان أنَّه جعل الحقائِق الأساسيّة في الدِّين عليها أكثر من دليل :
النقطة التي بعدها في هذا الموضوع، هو أنَّ الله سبحانه وتعالى رَحْمَةً بِخَلْقِه جَعَل للحقائِق التي يحْتاجُها عِباده أدِلَّة كثيرة؛ قد تحْتاج إلى حقيقة لكِنَّها نادرة، وعليها دليل نادِر، إلا أنّك لو احْتَجْتَ إلى حقيقة أساسيّة في سعادتك، فالحقائِق الأساسِيَّة أكْثر الله تعالى عليها الأدِلَّة، لذلك ما أرْوَعَ قَوْل الشاعر:
وفي كُلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلّ على أنَّه واحِدُ
***
سألني اليوم أخٌ كريم، كيف أتَعَرَّفُ إلى الله؟ فقلتُ: الكون أوْسَعُ باب تدْخل منه إلى الله، وهو أقْصر طريقٍ تسْلكه إلى الله، فالكون آياته الكَوْنِيَّة، والقرآن آياته القرآنيَّة، والأفعال آياته التَّكْوينِيَّة، فَمِن هذه الثلاث تَصِل إلى الله عز وجل، وهذا من رحْمَةِ الله تعالى أنَّ الحقائِق الأساسيّة في الدِّين عليها أكثر من دليل. الآية التالية آية أساسِيَّة في موضوع توحيد الألوهِيَّة :
نقفُ عند آيةٍ دقيقةٍ في هذا الموضوع، لماذا اخْتَرْتُ هذا الكتاب في الأساس؟ لِعَلَّة كبيرة جداً؛ وهي أنَّ عِلْم العقيدة ينبغي أن يُؤْخذ من الكتاب والسنَّة، وهذا هو الوَضْعُ الطبيعي والوَضْعُ الصِحِّي، عقيدتنا نأخذها من كتاب ربِّنا، لذلك لا تسْتغْربوا، ولا تعْجبوا أن يكون مِحْور الدَّرْس كُلِّه آيات التوحيد، يقول الله عز وجل:
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
هذه الآية أساسِيَّة في موضوع توحيد الألوهِيَّة، لذلك أقرأ لكم شَرْحها وأُعَلِّق عليه، قال المؤلف: هذا برهان باهِر على توحيد الألوهِيَّة، الإله الحق لا بدّ من أن يكون خالقاً فعالاً، يُوصِلَ عابِدَه للنَّفْع، فهو الذي خلق وهو الذي يتصرَّف، يُعْطيك الخير ويصْرف عنك الشرّ، وهو الذي ينبغي أن تعْبده، وعَمَلِياً فالناس يعْبدون الذي يتَوَهَّمون أنه ينفعهم، ويصْرف عنهم الشرّ، فإذا اعْتَقدوا أنَّ الله وحده هو الذي ينفع ويضرّ كانوا مِمَّن وحدُّوه، وإن اعْتقدوا أنَّ جِهَةً أخرى هي التي تنفعهم فقد أشْركوا .
الآن أقول افْتِراضاً: لو كان مع الله تعالى إلهٌ آخر يُشْرِكُهُ في مُلْكِه لكان له خلْقٌ وفعْل وأمْر، فمِن أين جئْتُ بِهذا الكلام؟ من قوله تعالى: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
وحينها لا يرضى تِلك الشَّرِكة، وإن قدَرَ على قهْر ذلك الشَّريك، وتفرَّد بالمُلْك لَفَعَل! حينما كانت إسبانيا تابِعَة للمُسْلمين كانت مملكة واحدة، فلما أصْبَحَت ممالك، فلو أنَّ واحداً من هؤلاء المُلوك قَدَر على أن يُسَيْطر على الجميع لَفَعَل، ولما لم يقْدر فإنه يسْتَقِلّ بِمُلْكِه، حتى صارت الأندلس ملوكاً و طوائف، يقول الإمام الطحاوي: ما الذي يحْصل لو أنَّ في الكون آلِهَةً أخرى؟ قال: إما أن يذْهب كُلّ إلهٍ بما خلق، وإما أن يعْلوَ بعضهم على بعْض كما قال الله عز وجل، وإما أنْ يُقْهَروا جميعاً، والله عز وجل هو الذي قَهَرَهم، فهم كُلهم مُزَيَّفون! فهذا دليل آخر من كتاب الله على أنَّ لهذا الكون إلهاً واحداً، ففي الدرْس الماضي عرفنا أنَّ لهذا الكون خالقاً واحداً، أما في هذا الدرْس فعرفنا أنّ للكون خالقاً واحِداً، وإلهاً واحِداً، هو الله تعالى، فهو الخالق الإله، قال : إما أن يذْهب كُلّ إلهٍ بما خلق، وإما أن يعْلوَ بعضهم على بعْض، وإما أن يكونوا تحت قَهْر إلهٍ واحِد، يتصرَّف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرَّفون فيه، بل يكونون مَرْبوبين، وعبيداً مَقْهورين من كلّ وجْه . انتظام العالم وإحكام أمْره من الأدلةِ القاطعة أنَّ إلهه واحد وله ربٌّ واحد :
ما الذي يُؤَكِّد أنّ لهذا الكون إلهاً واحِداً؟ أما قال الله عز وجل :
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]

لو كان للكون آلهة مُتَعَدِّدَة لكان لكلّ إله نِظامه، ودينه، وأنبياؤه، ولرأيْتَ التَعَدُّد، أو لرأيْت الصِّراع، فإن لم ترَ هذين، بقِيَ أن نقول: إنَّ لِهذا الكون إلهاً واحِداً، لذلك يقول صاحب العقيدة الطحاوِيَّة: وانتِظام أمر العالم كلِّه، وإحْكام أمْره، وتدْبير أمْره، من أدَلِّ الأدلة على أنَّ مُدَبِّرَهُ واحد، فأنت أحْياناً تدْخل إلى مُسْتشْفى، أو إلى مدْرسة، أو مُؤسَّسة، تشْعر بالفِطْرة أنّ مُسَيِّراً واحِدا هو المُخَطِّط،وأمْره نافذ في كل هذه المؤسَّسة؛ دوام منتظم، والأعمال والمحاسبات دقيقة، وكلٌّ يجرب بانتظامِ، فالمؤسَّسة تدلُّك على أنَّ مديراً واحِداً بِيَدِهِ كُلّ شيء، لكن لو تنازعوا السلْطة لكانت هناك حرب أهْلِيَّة، قَتْلٌ وضحايا، وعدم اسْتِقرار، لذلك انتظام العالم، وإحكام أمْره من الأدلةِ القاطعة أنَّ إلهه واحد، وله ربٌّ واحد، ولا إله للخلْق غيره، ولا إله لهم سِواه.
كما أنّ دليل التمانع اسْتخدمْناه في توحيد الربوبيَّة، فلنسْتخدم الآن كذلك دليل التمانع أيْضاً في توحيد الألوهِيَّة، وهذه الآية اِعْتَبِرْها أساسِيَّة: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
قال أحد العارفين بالله تعالى: والله لو تشابهت ورقتا زيْتون لما سُمِّيتَ الواسِع. الخَلْق مُتَنَوِّع، إلا أنَّ هناك وَحْدة، الذي يلْفت نظري أنّ معمل أدْوِية في بريطانيا مثلاً، ويتناول هذه الحبوب إنسان بأُسْتراليا، أو في أيِّ مكان من العالم فَيَسْكُنُ ألَمُه، على أيّ شيء اعْتَمَدنا؟ أليس هناك بُنْية واحدة للبشر؟ لولا أنَّ هؤلاء الناس جميعاً مُصَمَّمون تَصْميماً واحِداً في أعْصابهم لما نفع الدواء، فالطبيب مثلاً يقْرأ علمه على جثَّة واحدة للإنسان، وكل طبيب في العالم يدْرس الأبعاد نفْسها، التصاميم وبُنْية الأبعاد نفسها، هذا دليل على عدم التَّعدد في الخَلْق، بل هناك وَحْدة وانْتِظام، والعالم كلَّه تجْري به سنن واحدة، فانتظام العالم، وإحكامِهِ دليلٌ على أنَّ له إلهاً واحداً . العالم يفْسد بتَعدُّد الآلهة ولا يصْلح إلا أن يكون له إله واحد هو الذي خلق هذا الكون :
آيةٌ ثانِيَة لا تقلّ عن الأولى أهَمِيَّةً، وهي قوله تعالى:
﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
و(إلا) هنا خرجَتْ عن معناها الذي تعرفونه، فهي ليْسَت أداة اسْتِثناء، لو كانت للاسْتِثناء لفَسَدَ المعْنى؛ ولكان المراد : لو كان فيهما آلهة ليس الله معهم، أما المعنى هنا في هذه الآية: لو كان فيهما آلهة غير الله لفَسَدَتا، فالفساد شيء، وعدم الخلْق شيء آخر، فتوحيد الربوبيَّة يعني استحالةَ وجود خالِقَين لهذا الكون، لكن توحيد الألوهِيَّة: أن لو كان لهذا العالم خالق واحِدٌ، وله آلهة أخرى لفسدتا! فالفساد بعد الوُجود، وهذا الوُجود لا يُعْقل إلا أنْ يكون له إلهٌ واحِد، لكن بعد الوُجود لو أنَّ له آلهة مُتَعَدِّدة لَفَسَد الكوْن، لم يقل لن يوجَدا، إنَّما قال: لَفَسَدتا، لو كان المقصود توحيد الربوبيَّة لقال لم يوجَدا، لكنه قال: لفسدتا، ودرسْنا بالتمانع إرادَتَيْن مُتناقِضَتَيْن، إذاً لا يجوز أن يكون في الكون آلهةٌ مُتَعَدِّدة، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وينبغي أن نعتَقِد أنَّ الآية الثانيَة تُكَمِّل الأولى في هذا المعنى، فهناك فكرتان: يجب أن يكون هناك إلهٌ واحد، ويجب أن يكون هذا الإله الواحد هو الذي خلق، وهو معنى قول الله عز وجل: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون: 91 ]
ويُسْتفاد من هذه الآية معلومتان دقيقتان: العالم يفْسد بتَعَدُّد الآلهة، ولا يصْلح إلا أن يكون له إله واحد، هو الذي خلق هذا الكون. توحيد الألوهيَّة مُتَضَمِّن توحيد الربوبيَّة و ليس العكس :
أمّا الفكرة التالية، أنّ توحيد الألوهيَّة مُتَضَمِّن توحيد الربوبيَّة، وليس العكْس، بِمَعنى أنَّ الإنسان لو اعْتَقَد أنَّ لهذا الكون إلهاً واحداً، فَمِن لوازم الألوهِيَّة أنَّه هو الذي خلق، وله خالق واحدٌ هو الله عز وجل، فإذا اعْتَقَدْتَ بِتَوْحيد الألوهِيَّة اِعَتْقَدْتَ بِتَوحيد الربوبيَّة ضِمْناً، فلو أنَّك اعْتَقَدْتَ أنَّ لِهذا الكون خالِقاً واحداً ربَّما اعْتقدْت أنَّ زَيْداً أو عُبَيْداً بِيَدهما الأمْر، لذلك كما قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[ سورة يونس: 24 ]
ظنّ أهلها أنَّهم قادِرون عليها فأشْركوا، سَمِعْتُ أنَّ الاتِّحاد السوفيتي كان يمْلِك من القنابل الذريَّة ما يُدَمِّر العالم خمْس مرَّات، ومع ذلك تداعى كَخيوط العَنْكبوت! فهذا من آيات الله الدالة على عظَمَتِه. من اتجه لغير الله فقد أشرك و الشرك من أكبر أنواع الظُّلم للنَّفْس :
ننتقل إلى موضوع آخر ولا زِلنا في موضوع الألوهِيَّة، وهو أنَّ توحيد الألوهِيَّة هو توحيد الحقيقة، وتوحيد الحقيقة يوجب عليك أن تعتقِد أنَّ لِهذا الكون إلهاً واحِداً، وينبغي أن تتَّجِهَ إليه وحْده، ويعني أن تعْتقِد أنَّ لهذا الكون إلهاً واحِداً ومُسَيِّراً واحِداً، فَيَجِبُ أن تتَّجِهَ إليه وحْده، وتعتقد وحْدانِيَّته في الألوهِيَّة، وأن تتَّجِهَ إليه وحده في العبوديَّة، فَكَلِمَة (إله) تعني شيْئين: تعني المُسَيِّر الذي بِيَدِه الأمْر، والمعبود معاً، فالذي بِيَدِه الأمْر حقيقة، والمعبود، طلب منكَ أن تعرف هذه الحقيقة، وأن تتَّجِه إليه، والدليل قوله تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾
[سورة فصلت: 6]
فإذا اتَّجَهْت لغيره فقد أشْرَكْتَ، والشِّرْك من أكبر أنواع الظُّلم للنَّفْس، ذَكَرْتُ لكم من قبل مثل؛ أنَّه لو أراد شخصٌ أن يركب قِطاراً إلى حلب، وله في هذه المدينة مَبْلغٌ كبير جداً، ذهَبَ لِيَأخذه بالكمال والتَّمام لِمُجَرَّد الوُصول إلى هذه المدينة، لكنه قد يركب في قِطار حلب ويقع في أخْطاء كثيرة، كلَّ هذه الأخطاء تُغْفَر، قد يجْلس في مَرْكبة من الدرجة الثالثة مع أنّ بِطاقته من الدرجة الأولى، وقد يتلوى جوعاً، ولا يعْلم أنَّ في القِطار مَرْكبة تُعْطي الطعام، فيُمْضي الوقت كلَّه وهو جائِع، قد يخْتار مرْكبة فيها شباب يُقْلِقون راحته، وقد يختار مرْكبة مقعدها عكْس اتجاه القطار، فهذه كلَّها أخطاء، إلا أنَّهُ في النِّهاية يَصِل إلى مكانه المَقْصود، ويأخذ مبْلغه الكبير، لكن هناك خطأٌ لا يُغْتَفَر، وهو أن يركب قِطاراً متجهاً إلى مدينة درْعا، ظنًّاً منه أنَّه متوَجَّه إلى حلب، فهذا خطأ لا يُغْتفر، فالخطأ الكبير أن تتَّجِه إلى لا شيء، وهذا هو الشِّرْك، أن تتَّجِه لِغَيْر الله تعالى، وأن تعقِد الأمَل على غير الله تعالى، وأن ترْجُوَ غير الله، وأن تسْترزق غير الله، وأن تطلب الرحْمة من غيره، لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾
[سورة النساء: 116]
القرآن الكريم بِكُلّ سورِهِ وآياته لا يزيد على أن يكون خبراً وطلباً :
قد يقول أحدكم: لمَ لا يغْفر الله عز وجل؟ فهذا تحْصيل حاصِلٍ، فإذا توجَّه الإنسان لِغَيْر الله، ولم يؤمن بالله، ولم يعْتقد أنَّه هو الفعال، فكيف يُرْزق؟ فهذا قد ارْتَكب خطأً مصيريًّاً، وهذه آيةٌ قرآنيَّة تلْفتُ النَّظر، قال تعالى:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة الأنعام: 115]
حار العلماء في تفْسير هذه الآية ! فيها كلمتان؛ هما صدقًا وعدلاً، فالخبر صادق، والأمر عادلٌ، قال بعضهم: القرآن الكريم بِكُلّ سورِهِ وآياته لا يزيد على أن يكون كلمتين: خبر وطلب، فهو تعالى أخبرك أنَّهُ إلهٌ واحد، وأَمَرَك أن تعبدهُ، قال تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُون ﴾
[سورة المؤمنون: 32]
خمسةُ أنبياء قالوا هذا الكلام، خبره صادق وأمْره عادِل، قال تعالى : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة الأنعام: 115]
لذلك غالب سور القرآن الكريم مُتَضَمِّنَة لِنَوْعَي التَّوْحيد، فالقرآن إما خبرٌ عن الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وهو التوحيد العِلمي، وإما دعْوةٌ إلى عبادته وحْده لا شريك له، وخَلْعُ ما يُعْبد من دونه، وهو توحيدٌ عَمَلي، فأنت بين توحيدين : عِلْمي أو عَمَلي، وهذا هو الدِّين كلُّه، فلو أردْتَ أن تضْغط الدِّين لما وجَدْتَهُ يزيد عن هذين التوْحيدين، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
إن شاء الله ننتقل في درْس آخر إلى متابعة هذا الموضوع في توحيد الألوهيَّة، يتم لنا إنجاز فقرات هذا الكتاب، وأرْجو الله سبحانه وتعالى التوفيق لنا ولكم جميعاً.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 08:35 AM   #12


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : القران كلة توحيد





لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
التوحيد مرْحلتان؛ مرحلة في الإثبات والمعرفة والثانية توحيد في الطلب والقصْد :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في موضوع التوحيد؛ توحيد الألوهِيَّة، وبعد أن تحَدَّثنا في دروس سابقة عن توحيد الربوبيَّة، وقد اتَّضَح لكم أنَّ توحيد الربوبيَّة ليس مُشكلةً على مُسْتوى الناس جميعاً، لأنَّه ما من واحِدٍ حتى لو كان يعْبَدَ صَنَماً إلاّ ويقول: لا نعْبدهم إلا لِيُقَرِّبونا إلى الله زُلْفى، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾
[ سورة الزخرف: 123 ]
فَنَحن في توحيد الألوهِيَّة نُعاني من الشِّرْك الخفيّ، حينما تشْعر أنَّ جِهَةً بِإمْكانها أن تنْفعك أو تضرَّك فقد وَقَعْتَ في الشِّرْك الخفي، وفي شِرْك الألوهِيَّة.
ثم إن توحيد الألوهِيَّة يقْتضي شيئين: الشيء الأول أن تُوَحِدَّ الله سبحانه وتعالى مَعْرِفَةً وإثْباتاً، وأن تُوَحِّدَهُ طَلَباً وقصْداً، فأنت أمام مرْحَلَتَيْن هما: مرحلة المعرفة، ومرْحلة التَّوَجّه، فلو أنَّ الإنسان اكْتفى بالمعرفة لما اسْتفاد شيئاً من علمه، قال تعالى :
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة فصلت: 6 ]
أكبر مُنْزَلَق لِطالب العِلْم أن يتَوَهَّم أنّ العِلْم مَقْصودٌ بِذاته، لكنَّ الحقيقة أنّ العِلْم مقْصودٌ لغيره، فهو وسيلة، وليس غاية، لو وَحَّدْتَ الخالق، ولم تُوَحِّد الوِجْهة إليه، ونِيَّتَك له، فما وَحَّدْته، لذلك التوحيد مرْحلتان: مرحلة في الإثبات والمعرفة، والثانية توحيد في الطلب والقصْد. الآيات التي دَعَت إلى التوحيد في القرآن الكريم :
مؤلِّف الكتاب يقول: نوع التوحيد في المعْرفة ظهر في أوَّل سورة الحديد، وفي أوَّل سورة طه، وآخر سورة الحشْر، وأوَّل السَّجدة، وفي أوَّل آل عمران، وفي سورة الإخلاص، فَنَرْجو منكم أن تعودوا إلى هذه السُّوَر كما جاء في متْن هذا الكتاب، وأن تكْتَشِفوا هذه الآيات التي دَعَت إلى التوحيد في الإثبات والمعْرفة، قال تعالى:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه: 14 ]
والثاني التوحيد في الطلب والقصْد، وقد أتى على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى : ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾
[سورة الكافرون: 1-2]
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾
[سورة آل عمران: 64]
القرآن الكريم كلَّهُ توحيد :
النقطة الدقيقة جداً أن ينقلك التوحيد الأوَّل إلى التوحيد الثاني، وعلى هامِش هذا الموضوع التَّفَكّر في آيات الكون، في الحقيقة هي جِسْرٌ ينبغي أن تنْقلك إلى الله تعالى، فكلُّ آيةٍ في جسْمك، أو طعامك، أو في الآفاق قد تنقُلُك إلى الله، فالعِبْرة، والمُعَوَّل عليه أن تصِلَ إلى الله تعالى، فلذلك: الطرائق إلى الخلائق بِعَدد أنْفاس الخلائِق، فالعِبْرة إذًا الوُصول، تَصَوّر أنَّ الوسائِل جِسْر، فالعاقل لا يبقى على الجِسْر، بل ينتقل من الجِسْر إلى الشطْر الثاني.
مُؤَلِّف الكتاب يرى أنَّ القرآن الكريم كلَّهُ توحيد؛ كيف؟ قال: إذا أخبر الله عن ذاته، وعن أسمائه، وصِفاته، وأفعاله، فهذا هو التوحيد العِلْمي، أما إذا دعا إلى عِبادته، وطاعته، وإخْلاص الوِجْهة له، والقصْد له، فهذا هو التوحيد العمَلي، وهناك توحيدٌ ثالث: هو التوحيد الإرادي، والطلبي، وهو أمْرٌ، ونَهْيٌ، وإلْزامٌ بِطاعَتِهِ، فهذا من لوازم التوحيد العملي؛ أن تأتَمِر بما أمَرَ، وتنْتهي عما نهى عنه وزجَر، وأن تُقيمَ شَرْع الله في كُلّ شؤون حياتك، وهذا التوحيد من لوازم التوحيد العملي، فإذا حَدَّثَك عن أهل الجنَّة ونعيمها، فهذه نتائِجُ التوحيد، توحيد علمي، وتوحيد عملي، ونتائج التوحيد، ولوازمه، فلو قرأتَ القرآن كلَّه فإنَّك لا تقرأُ آية تخرج عن هذا، أما إذا حَدَّثَك عن مصير الكفار في النار، فهذا من نتائِج عدم التَّوحيد، إذاً لا يخلو كتاب الله على إجْماله من آيات تُخْبرنا عن التوحيد العلمي، وأخرى تأمرنا بالتوحيد العملي، ولوازم التوحيد من أمْر ونَهْي، والنواهي هي التي تُبْعِدُ الإنسان عن التوحيد، ونتائِج المُوَحِّدين في الجنَّة، ونتائج المُشْركين في النار، لذلك القرآن كلُّه توحيد، ولهذا يتَّضِح قَوْل الأنبياء عليهم صلوات الله تعالى أنَّهم جاؤوا بالمَقولة الثابِتَة التي جاء بها الأنبياء جميعاً قال تعالى:

﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾
[سورة المؤمنون: 32]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء: 25 ]
ثم يأتي على هذا بِمَثَل فقال: الحمد لله رب العالمين توْحيدٌ، الرحمن الرحيم توحيد، مالك يوم الدِّين إخبار، إياك نعبد، وإياك نسْتعين توحيد عملي، اهدنا الصِّراط المستقيم، توحيدٌ مُتَضَمِّنٌ سؤالَ الهدايةِ إلى طريق أهل التوحيد، الذين أنعمْت عليهم، هؤلاء الذين وَحَّدوا، وغير المغْضوب عليهم، ولا الضالين هؤلاء الذين فارقوا التوحيد، إذاً فنحن مع آياتٍ عن التوحيد العلمي، وأخرى تأمرنا بالتوحيد العملي، ولوازم التوحيد مِن أمْرٍ ونَهْيٍ. الحياة الطيِّبة التي يحْياها المؤمن هي شهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامه :
الله جلّ جلاله يشْهد لِنَفْسِه أنَّهُ إلهٌ واحِد، والدليل قول الله عز وجل:
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة آل عمران: 18]
ذكرْتُ لكم مرَّةً أنَّ الله سبحانه وتعالى كيْفَ يشْهد لِهؤلاء الناس أنَّ هذا القرآن كلامه، الإنسان إذا شَهِد تَكَلَّم، وقال: أشْهد لك أنَّك فعلْتَ كذا وكذا، لكِنَّ خالق السماوات والأرض كيف يشْهد للناس أنَّ هذا كلامه ؟! ذَكَرْتُ وقْتها أنَّ الله سبحانه وتعالى يحيي المؤمن والمُسْتقيم على أمْرِهِ حياةً طَيِّبَة، وهذه الحياة الطَّيِّبَة التي يذوقها المؤمن هي مِصْداقٌ لِقوله تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[سورة غافر: 40]
فالحياة الطيِّبة التي يحْياها المؤمن هي شهادة الله له أنَّ هذا القرآن كلامه، لأنَّهُ وَعَد المؤمن بِهذه الحياة الطَّيِّبَة، وها هو ذا قد ذاقها! والحياة الضَّنْك والمعيشة الضَّنْك التي يعيشها المُعْرِض هي شهادة الله لِهذا الإنسان أنّ هذا القرآن حق، فهذه المعيشة الضَّنْك التي يذوقها المُعْرِض تُؤَكِّد أنَّ هذا القرآن كلام الله عز وجل، وقد أذاقه ما وعده به، قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[سورة طه: 124]
الله عز وجل دائِماً يشْهد للإنسان أنَّهُ إلهٌ واحد :
يا أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تقِفوا قليلاً عندما يقول الله عز وجل : "شَهِدَ الله "، فالله تعالى لا تُدْركه الأبصار، فكيف يشْهد لنا أنَّهُ إلهٌ واحِد؟ هذا سؤال؛ قال بعض العارفين: عرفتُ الله من نقْض العزائِم، فالإنسان يُدَبِّر، ويُخَطِّط، ويُهَيِّئ الأسباب، ولأهون الأسباب تتحَطَّمُ كلّ خِططه وآماله، فالله عز وجل فضْلاً على أنّهُ ذَكَّرنا بالقرآن الكريم أنَّه كتابه، وفضْلاً على أنَّهُ قال: فاعلم أنَّه لا إله إلا الله، لو نَظَرْتَ إلى أفعال الله لوجدتَ أنَّها تشْهد كلَّها أنَّهُ إلهٌ واحد، فما من إنسان يعْتدّ بِنَفْسه، ويعْزو القوَّة لذاته إلا نَقَضَ الله عزيمته، والشواهد كثيرة جداً، فهذه المَرْكَبَة التي أطْلَقوها إلى الفضاء وسَمَّوْها المُتَحَدّي، بعد سبعين ثانِيَة فقط أصْبحَتْ كتْلة من اللَّهَب! وتلك الباخرة التي قالوا عنها: إنَّ القَدَر لا يسْتطيعُ أن يُغْرِقَها، في أوَّل رحْلَةٍ لها غَرِقَت، وهي من أعْظم البواخر التي صُنِعَتْ وقْتها، فالله عز وجل دائِماً يشْهد لنا أنَّهُ إلهٌ واحد، وأقرب مثلٍ نفْسك، كلَّما قلْتَ: الله تولاك بالرِّعاية، فإذا قلتَ: أنا تَخَلَّى عنك لأنّ الأمر بِيَدِه، أحياناً هذا الإنسان القويّ يتساهل بلا سَبب! وينتقِم بلا سبب، فالله هو الآمرُ، كما في حديثِ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:
((كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَفَّانُ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ قَالَ وَمَا يُؤْمِنُنِي وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ ))
[أحمد عن عائشة ]
شهادة الله عز وجل تعني العِلْمَ والمعْرفة والتَّكلّم والإعلام والإلْزام :
ثم دَعْكَ من التوحيد في القرآن الكريم، ولننتقل إلى أفعال الله سبحانه، فلو تأمَّلْتَ أفعال الله عز وجل لرأيْتَ أنَّها كلَّها تنْطق بالتوحيد، وهذا معنى قول الله تعالى :
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة آل عمران: 18]
فالأسباب أحْياناً تتخَلَّف، وتقع الأشياء بلا أسباب، أو دون أسباب تقع الأشياء، فقد تجد نتيجة من دون سبب، وقد تجد سبباً ولا نتيجة له، ماذا يعني هذا؟! أنَّ الأمْر بِيَدِ الله، إلا أنَّنا نحن بِنَظْرةٍ قاصِرَة نجد أنَّ هذا الشيء سبب لِهذا الشيء، فالسَّبب والمُسَبِّب ترافقا، وكان أحدهما قبل الآخر فَسَمَّيْنا نحن اصْطِلاحاً: الأوَّل سبب، والثاني نتيجة، لكنَّ الأسباب وحْدها لا تسْتطيع أن تخلق النتائج، ولذلك قال علماء التوحيد: عندها لا بها! أي عند مشيئة الله لا بالقدرة التي أودِعَتْ في الأشْياء، فالنقْطة واضِحَة؛ كيف أنَّ الله تعالى يشْهد بأفعاله أنَّه لا إله إلا هو، والمؤلِّف يرى أنَّ شهادة الله عز وجل تعني العِلْمَ، والمعْرفة، وتعني التَّكلّم، والإعلام، وتعني الإلْزام، فإذا قرأتَ القرآن الكريم، وقرأتَ الآيات المُتَعَلِّقة بالتوحيد لَوَجَدْتَ بعضها أنَّ الله تعالى يشْهد، وبعضها أنّ الله تعالى يقول، وبعضها أنَّ الله يُخْبرنا، ويأمرنا. الإعلام نوعان؛ إعلام بالقول و إعلام بالفعل :
والإعلام كما تعلمون هو إعْلامٌ بالقول، وإعلام بالفِعْل، أحياناً يتكلَّم بشيء يُقرّه دون أن يسأله أحد، فالإنسان يتكلَّم، ويٌقِرّ، ويعتقد، ويُعْلِم، ويأمر، فأنت قد تُعْلم دون إلزام، لكنَّك إن ألْزَمت فقد أمرْتَ، ما الفرق بين القاضي والمُفْتي؟ الفرق الدقيق أنّ القاضي يحْكم والمُفتي يحْكم إلا أنَّ القاضي أمْرُهُ مُلْزِم، وأما المُفتي فأَمْره غير مُلْزِم، وعليه فهناك عِلْمٌ، وهناك إقْرار، وهناك إعلام، وهناك أمْرٌ، قال تعالى:
﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾
[سورة الزخرف: 19]
هذه مرْتبة التَّكَلّم، فالإنسان بعدما يُعْلم يتكلَّم إلا أنَّهُ لا يلزم، والإعلام كما قلت قبل قليل: إعْلام بالقَوْل، وإعْلامٌ بالفِعْل، لو فرضْنا أنَّكم رأيْتُم على هذه السبورة أنَّهُ ستكون في الدَّرْس التالي مذاكرة، وكتبتُ ذلك على السبورة، ثمّ في الدرْس الثاني ما تَكَلَّمْتُ ولا كلمة، ووزَّعْتُ الأوْراق، ولم أقل مُذاكرة! فهذا أمرٌ بالفِعْل، وربُّنا عز وجل يُعْلِمُنا في كتابه الكريم، وحينما يُهْلِكُ الأقوام التي كفرَت، والذين أرادوا إطْفاء نور الله عز وجل، فهذا هو الإعلام بالفِعْل. العلم و الإقرار و الإلزام :
لدينا شيءٌ آخر، وهو أنَّ الأمْر ـ كما قلتُ قبل قليل ـ قد تأمر، ولا تُلْزِم، وقد تأمر وتُلْزِم، قال تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾
[سورة الإسراء: 23]
معنى قضى أيْ حَكَم، إلا أنَّه مع الحكم نَهْيُ عن عبادةِ غيره، وهذا أمْرٌ ضِمْني أن تعْبده وحْده، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾
[سورة البينة: 5]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[سورة التوبة: 31]
إذاً هناك عِلْمٌ، وهناك إقرار، وهناك إقرارٌ قوْلاً وفِعْلاً، وهناك إلزامٌ، وكُلُّ هذه المعاني ورَدَت فيها آيات كريمة تُؤَكِّدها . النقل و العقل :
الشيخ الطحاوي ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: لا ندْخل في ذلك مُتأوِّلين بِآرائِنا، ولا مُتَوَهِّمين بأهوائنا، فإنَّه ما سَلِمَ في دينه إلا من سلَّم لله عز وجل ولِرَسوله، فالإنسان أحْياناً يتأوَّل بِرَأيِه، وهو أخطر شيء في الدِّين، أنْ تجعل رأْيَكَ هو الدِّين، فإن كنت كذلك فلسْتَ من المؤمنين، ولكنك من أهْل الرأي، ومَن هم أهل الرأْي؟ هم الذين اعْتَقدوا رأياً، وبدؤوا يبْحثون عن المُؤيِّدات، فالنَّص الذي يُؤَيِّدُ قولهم يقْبَلونه، ولو كان ضعيفاً، والنَّص الذي ينقض رأيهم يرْفضونه ولو كان صحيحاً، فَدِينهم رأْيُهم، فالنَّص إمّا أن يكون هو الأصْل، وأنت تأخذ عقيدتك عندئذٍ من هذا النَّص الصحيح، وإمّا أن تسْتَخْدِم النَّص لتأييد رَأْيِك، عندَئذٍ تختار ما يوافق هواك، فأخْطر شيء كما يقول الفلاسفة الفلْسفةُ الانتِقائِيَّة! أنت لك رأي مُصِرّ عليه فتَبْحَثُ في الآراء عن رأي يُؤَيِّدُك وترْفض الذي لا يُؤَيِّدُك، فالنَّقْل هو الأصْل.
قلتُ لكم سابِقاً: إنَّ هناك علاقة كبيرة جداً بين النّقْل والعَقْل، فالحقيقة أنَّ النَّقْل ما جاءَنا عن الله عز وجل وَحْياً مَتْلُوًّاً، وما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم غير مَتْلوّ، فالنَّقْل هو القرآن، وما صحَّ من سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، أما العقْل فهو مِقْياس أوْدعه الله فينا، والواقع خلْق الله عز وجل، والفِطْرة بُنْيَة نفْسِيَّة تكْتشف الخطأ بها، ومن البَديهي أن يتوافق النَّقْل مع العقْل، وأن تتوافق الفطرة مع الواقع، وأن يتوافق الجميع، ولكن نبْدأ بِعَلاقة العقْل والنَّقْل فالعَقْل في الأصل لِفهْم النَّقْل، وله دَوْران: دَوْرٌ قبل النَّقل، ودَوْر بعد النَّقْل، أما الذي قبل النَّقل فالتَّحقُّقُ مِن صِحَّة النقل، أنت بِعَقلك تُمَحِّص الأحاديث، وتختار الصحيح، وتقف مَوْقفاً مترَدِّداً من الضعيف، وتقبل الحَسَن في الأحكام الشَّرْعِيَّة، وتجعل المتواتر في العقائِد الفِكْرِيَّة، فأنت اسْتَخْدَمْتَ عقْلك، فهو للتأكد من صِحَّة النَّقْل، ولفَهْم النَّقْل، أما أنْ يُسْمَحَ للعقل أنْ يتحَكَّم بالنَّقْل، فَيَقْبل بعضه ويرفض بعضه الآخر، فأنت هنا جعلْت العقل هو الأصل، والنَّقل هو الفرع! وهذا مُخالفٌ لما عليه جُمْهور العلماء، لذلك لا يُحْتَكَمُ إلى العَقْل، بل يُحْتَكَمُ إلى النَّقْل، لأنّ العقل قاصِر، وقد يفْشل، وقد ذَكَرْتُ لكم أنّ الأمر الإلهي كلَّما ازْداد وُضوحاً وطَبَّقْتَهُ ضَعُفَتِ العبادة في هذا التَّصْديق، وكلَّما كان غامِضاً، وبادَرْتَ إلى تصْديقهِ، ازْدادَتْ عُبوديَّتك لله تعالى، فأنت حينما تُنَفِّذ أمْراً، وأنت أمام آمِرٍ وأمْرٍ، فإذا كان الآمر عظيماً جداً، وذا كمالٍ مُطْلق، عندها تُبادِرُ إلى تَطْبيقه، ولو لم تجد في الأمْر الحِكْمة التي تبْحث عنها، وهذا يُمَثِّلُه مَوْقف سيّدنا إبراهيم عليه السلام في ذبح ابنه؛ وهناك مواقف عِدَّة لا تُعَدُّ، ولا تُحْصى، كُلّها وَفْق العقْل، والمنطِق، والواقع، والفِطْرة، فأنت إذا صدَقْتَ تكْتسِبُ محامِد كثيرة، أما إذا قيل لك: اِذْبَح ابْنك، وابنك نَبِيّ يسْعى معك، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة الصافات: 102 ]
فهذا الأمر لا يُمكن أن يُقبل بِالعقل، ولا بالواقع، ولا بالفِطْرة، إلا أنَّ سيِّدنا إبراهيم لما قَبِل الأمْر أعْلنَ بِفِعْله هذا أنّه على أعلى مُسْتوى في العُبودِيَّة. كُلّ شيء أراده الله تعالى وقع وكلّ شيء وقع أراده الله تعالى حُكْماً :
الله تعالى أحْياناً يمْتَحِنُ الإنسان؛ يمْتَحِنُ عَقْلانِيَّتَهُ، وعُبودِيَّتَهُ، لو كان مُسْتقيماً اسْتِقامة تامَّة، وأتَتْهُ مُشْكلة بِحَسَب الآيات، والأحاديث، وعقلُك يرى أنه لا ينبغي أنْ تأتي، فأنت هنا تمتحن للعبودِيَّة، فهل أنت موقِن أنَّ هذا الفِعْل فِعْلُ الله؟! وهل هناك مَخْلوقٌ يسْتطيع أن يفعل شيئاً ما أراده الله تعالى؟! طبْعاً، لا يُمْكن أن يفعل مَخْلوقٌ شيئاً ما أراده الله تعالى، ومعلومٌ عندكم أنَّ كُلَّ شيء أراده الله تعالى وقع، وكلّ شيء وقع أراده الله تعالى حُكْماً، فأنت إذا رأيْتَ شيئاً وقع فالله تعالى أراده، لأنَّهُ وقع فقد أراده، وإذا أراده وقع حَتْماً، ألا تعلمون أنَّ مشيئة الله وقدرته مُتَعَلِّقة بالحِكْمة المُطْلقة؟! ألا تعلمون أنَّ حكمته المُطْلقة مُتَعَلِّقة بالخير المُطْلق؟ لذلك فالإنسان حينما يُوَحِّد يسْتريح، فما دام هذا الشيء وقع فالله تعالى أراده، ولذلك فالتوْحيدُ يُعطيك طُمأنينة ما بعدها طُمأنينة، والإيمان بالقدَر نِظامُ التَّوحيد، وهو يُذْهِبُ الهمّ والحَزَن، فحينما تُبادِر إلى تطبيق أمْر الله عز وجل قبل أن تعْرف حِكْمته فهذا ارْتِفاعٌ في مُسْتوى عُبودِيَّتِك، وحينما تُعَلِّق التطبيق على فهْم حِكْمة الأمر، فهذا ضَعْفٌ في عُبوديَّتِك، والأمثلة كثيرة على ذلك، بل إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما وَقَّع صُلْح الحُدَيبِيَة، فيا ترى كيف وَقَّعَهُ؟ بأمْرٍ من الله تعالى، فالظاهِر من هذا الصلح شُروط مُهينة، وسيِّدنا عمر احْتار في أمْره، وغَلَتْ في نَفْسِهِ الحَمِيَّة والغيرة على الدِّين، وسيِّدنا الصِدِّيق كان أعلمَ منه، فقال له: اِلْزم غِرْزه، فإنَّهُ عبْد الله تعالى ورسوله، لذلك أيها الأخوة قد يأتي الشيء على غير المُراد، وهو معنى قوْل النبي الكريم لما دخل إلى بيْت أبي السائِب وقالتْ امْرأةٌ : هنيئا لك أبا السائب، فقد أكرمك الله ! فقال: وما أدراكِ أنّ الله تعالى أكْرَمَهُ؟ قولي: أرْجو الله تعالى أن يُكْرِمَهُ، وأنا نبيٌّ مرْسَل، لا أدْري ما يُفْعَل بي ولا بكم، هذا من عُبودِيَّة النبي عليه الصلاة والسلام، فلو قال الإنسان: أنا مُسْتقيم، ولا يُمْكن أن يُصيبني شيء يسوؤني فهذا فيه سوءُ أدَبٍ مع الله عز وجل، فما دُمْتَ عَبْداً لله فأنت في قبْضة الله، وعليك أن تُطيعَهُ، أما أن تُلْزِمَهُ فهذا ليس من شأن العَبْد المُطيع لله عز وجل .
معنى اسم المؤمن :
أردتُ بهذا الدرْس أن نكْتشف أنَّ الله سبحانه وتعالى من أسْمائِه المؤمن، هل الله تعالى مؤمن؟ الإنسان مؤمن، أما الله تعالى من أسْمائِه المؤمن، قال بعض العلماء: إنَّ معنى هذا الاسم يعني أنَّ الله تعالى إذا أرْسَلَ أنبياءه ورسله يسوق الحوادِث التي تَحْمِلُ الناس على الإيمان به، فهو يُؤَكِّد بأفعاله أقوالَه، فأفعاله حينما تؤكِّد فحْوى دَعْوة رسله فكأنَّهُ بهذا التوضيح حمل الناس على الإيمان بِدَعْوتِه، هذا من معاني مؤمن، لأنَّك أحياناً تجد من يُنفق من ماله، واللهُ تعالى يُضاعفه له أضْعافاً كثيرة، وتقرأ في القرآن الكريم:
﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
[سورة سبأ: 39]
لكنّك حينما ترى زَيْداً أو عُبيداً يُبارك لهم الله في الحلال تشْعر بالتطبيق العملي، قال تعالى في القرآن: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
[سورة البقرة: 276]
وترى ذلك المحق فيمن أرْبى، فالله تعالى من أسمائِه المؤمن وهو تعالى حَمَلَك بِما رأيته للإيمان به تعالى، هذا معنى اسم المؤمن. الإنسان لا يشعر بِحَلاوة الإيمان إلا بِتَوْحيد الألوِهيّة :
مِحْور الدرْس اليوم أنَّ الله سبحانه وتعالى فضْلاً عن شهادته بالقرآن أنَّهُ لا إله إلا الله، يشْهد لك بأفعاله أنَّهُ لا إله إلا الله، فأفْعالهُ تدلّ على وَحْدانِيَّتِه، فلو قال الطبيب للمريض: لا فرار مِن مرضك، فهو حَسَمَ المسألة، ثمَّ شفاه الله تعالى، فَلِسَبب أو لآخر نمَّى الله عنصر الشّفاء حتى نهض من مرضه .
من هم المُوَحِّدون، أو الذين يتبوؤن قِمَم التوحيد؟ هم الأنبياء، ومَن هم أشدّ منهم توْحيداً؟ الرسل، ومن أشدّ مِن هؤلاء توحيداً؟ أولو العزْم من الرسل، ومن أشدّ من هؤلاء توحيداً؟ النبي وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، والدليل قوله تعالى :

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾
[سورة الأنعام]
فالعلماء يقولون الخليلان: خليل الله سيّدنا إبراهيم، والخليل الثاني هو محمّد بن عبد الله، هما في قِمم التوحيد، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه ))
[ مسند الفردوس عن علي بن أبي طالب ]
إنّ توحيد الألوهِيَّة ضعيف عند بعض الناس، وإنّ توحيد الربوبِيَّة قاسِم مُشْترك، لذلك يؤمن الإنسان أنَّ لهذا الكون خالِقاً، لكنه معذّب في حياته، فهو يرْجو فلانًا، ويخاف عِلانًا، ويحْسب حساباً لِفلان، إلا أنَّك لا تشْعر أيها الأخ الكريم بِحَلاوة الإيمان إلا بِتَوْحيد الألوِهيّة، ولا تشْعر بالطمأنينة إلا حينما ترى أنَّ لِهذا الكون إلهاً واحِداً، وهو الذي يفْعل ما يشاء، فمشاعر المُوحِّد لا توصف، أوَّلاً: شُعور بالأمن، أمّا الخوف والقلق والحرمان فكلّ هذا أنت مُعافى منه، والاتِّجاه مَرَّة لِزَيْد، وأخرى لِعُبَيْد مُعافى منه، أمْرك كلّه بِيَدِ الله عز وجل .
شارَفْنا على الانتِهاء من توحيد الألوهِيَّة، وسننتقل في الدرْس القادم إن شاء الله إلى موضوع : "ولا شيء مثله"، وإن شاء الله تعالى سنورِد الأدِلَّة والتفاصيل على هذه المَقولة .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 08:38 AM   #13


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : الله سبحانة وتعالى ليس كمثلة شىء





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
العقيدة الصحيحة ينبغي أن تنطلق من كتاب الله وسنَّة رسوله :
أيها الأخوة المؤمنون، لا زلنا في درْس العقيدة، وننتقل إلى قول الإمام الطحاوي: "ولا شيء مثله".
في الحقيقة نُعيدُ ونُكَرِّر أنَّ العقيدة الصحيحة ينبغي أن تنطلق من كتاب الله وسنَّة رسول الله، وكلام الله سبحانه وتعالى في أعلى المُسْتويات من حيث المضْمونُ، ومن حيث الشَّكْلُ، فقد اتَّفق أهْل السنَّة على أنَّ الله تعالى "ليس كمثله شيء"، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنّ الله جلَّ جلاله، له ذات، وله صِفات، وله أفعال، والذين أنكروا صِفاته فقد عَطَّلوها، والذين جَسَّدوها انْحرفوا، والذين فَوَّضوا تفْسيرها إلى الله عز وجل اِتَّبعوا، والذين أوَّلوها أرادوا أن يُقْنِعوا مَن جاء بعدهم مِمَّن حَكَّم عقْله في الآيات التي تتحَدَّث عن ذات الله عز وجل في القرآن الكريم، فهناك من أنْكر الصِّفات، وعُرفوا بالمُعَطِّلة، وهناك من جَسَّدها وهم المُشَبِّهَة، وهناك من فَوَّضَ تفْسيرها إلى الله عز وجل، وهناك من أوَّلها تأويلاً يليق بِكَماله.
في الحقيقة نحن مع الفريقين الأخِيريْن، الذين فَوَّضوا، والذين أوَّلوا، وربَّما كُنَّا بِحاجَة إلى التأويل، فإذا قلنا: إنّ الله سميعٌ، أي يعْلم ما تقول، وبصير يعلم ما تفْعل، وإذا قلنا: يدُ الله، أي قُدْرَتُه، وإذا قلنا: وجاء ربّك، أي وجاء أمْر ربِّك، وهكذا نُؤوِّل بما يليق بِكمال الله تعالى، أو نُفَوِّض حيث نقول: هذه الآية نُفَوِّضُ تأويلها إلى الله تعالى، نحن آمنَّا بالله عز وجل، والله تعالى أخْبَرَنا أنَّ لهُ سمْعاً وبَصَراً، نُفَوِّض إلى الله آية السَّمْع والبصر، أو أنَّنا نُفَسِّرهما بما يليق بالله عز وجل.
العقل البشري حينما خلقه الله جعل له حُدوداً لا يتَعَدَّاها وهذا مِن كمال الصَّنْعة :
يا أيها الأخوة، أنا مُضْطَرّ أن أعيد حقيقةً أساسِيَّة مُهِمَّة جداً، وهي أنّ العقل البشري حينما خلقه الله عز وجل جعل له حُدوداً لا يتَعَدَّاها، وهذا مِن كمال الصَّنْعة، فقد تصْنع ميزاناً وتكتب عليه: هذا الميزان يعْمل في دِقَّة بالغة إلى خمْسين كيلواً، فإذا حَمَّلْتَهُ فوق طاقته، فهذا الميزان يصاب بِالعَطَب، هل تتَّهِمُ الميزان أو صانِعَهُ؟ لا، بل أتَّهِمُ نفسي، فلو أنَّني حَمَّلْتُ عقلي قَضِيَّةً فوق العقْل، فلا أتَّهِمُ العقل بالقُصور، ولا أتَّهِمُ الصانِعَ بِصَنْعَتِه، ولكن أتَّهِمُ نفسي أنَّني كلَّفْتُهُ لِغَيْر ما خُلِقَ له، هذه فِكْرة دقيقة جداً، فالعقْل البشري لما أوْدعه الله في الإنسان أوْدعه من أجل أن نصِلَ به إلى الله، وفرقٌ كبير بين أن نَصِل به إلى الله وبين أن نُحيطَ بالله، الإحاطة بالله عز وجل من سابِع المُسْتحيلات! لقوله تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
من أراد أن يصل إلى الله فالعقل يكفي أما من أراد أن يصل إلى ذات الله فالعقل يعجز :
وكما ورد في الجوهرة: الجهل بالله عين العلم به، والعلم به عين الجهل به، فإذا أردت أن تصل إلى الله فالعقل يكفي، أما إذا أردتَ أن تصل بِعَقلك إلى ذات الله تعالى؛ كيف خُلِق العالم مِن عدم؟ وكيف يعلم؟ فالعَقْل يعْجز، لذلك أكبر قضِيَّة نلْمَحُها في الجماعات الإسلاميَّة التي لم تتحَقَّق من عقيدةٍ صحيحة، هي الخلط بين مساحَةٍ مُخَصَّصة للأخبار الصادِقَة، ومساحةٍ مُخَصَّصة للمَعْقولات، أقول لكم دائِماً أيها الأخوة: يجب أن تُجيب عن سؤال أوَّلي؛ هل هذه القَضِيَّة مع المَعْقولات أو مع المَسْموعات؟ فإن كانت مع المَعْقولات فسَلِّطْ عليها عقْلك، ولا مانع، أمّا إن كانت مع المَسْموعات فالعَقْل لا دخْل له فيها إطْلاقاً! هي حَكَمٌ على العقْل، وليس العقل حَكَماً عليها، وليْسَت هذه الحقيقة التي أخْبرنا الله بها حَكَماً على العقْل، فأخْطر فِكْرة أن تكون قَضِيَّة مُتَعَلِّقة بذات الله، وهكذا أخْبرنا الله بها، أما إن أردْتَ أن تضَعَها على مِحَكِّ العقل؛ كيف يعلم الله عز وجل؟ وكيف أعْطاهُ اخْتِياراً والله تعالى يعْلم؟ فإذاً ينبغي ألاّ يعْلم، نكون بِهذا دَخَلْنا في متاهَةٍ لا تنتهي، نحن في الإخْباريات نتلقاها من الله عز وجل، ونُفَوِّض تفْسيرها، أو نُؤَوِّلها تأويلاً يليقُ بِكماله، أما في المعْقولات فلك أن تُحَكِّمَ عَقْلَك على هذه الحقائق، وسوف ترى لِهذا العَقل نتائِج باهِرَة جداً، ففي أيِّ نِقاش أو إلقاء مُحاضرة أو درس إياك أن تنقل قَضِيَّة من دائرة الإخباريات والمَسْموعات والتَّصْديق إلى دائِرَة التَّحْقيق.
قضايا الدين تصنف في ثلاث دوائر هي: المحسوسات والمعقولات والإخباريات :
قبل أن نمضي في هذا الدَّرْس أُحِبُّ أن أُحَدِّد بعض الاصْطِلاحات؛ الشيء الذي أخبرنا الله تعالى به فلك أن تُسَمِّيه الإخْبارِيَّات، أو المَسْموعات، أو المُسَلَّمات، أو دائرة الغَيْبِيَّات، أو التَصْديقات، فَكُلُّ هذه المُصْطَلحات مُؤَدَّاها واحد، أما الدائرة الأولى وهي دائرة المعقولات، أو المُشاهدات، أو الاسْتِدْلال، فالعقل مُرْتبط بهذه الأخيرة، أما الغيب فسبيل معْرِفَتِه الخَبَر، وذَكَرْتُ مَرَّةً دائِرَةً ودائِرَةً ودائرةً، دائِرَةُ الشُّهود أداتُها الوحيدة الحواس الخَمْس، ودائرة الغَيْب أداتها الوحيدة الخَبَر الصادِق، وهناك دائِرَة بين بين، وهي ما غابت عَيْنُهُ وبَقِيَتْ آثارُه، فالشُّهود عَيْنُ الشيء وآثاره، والغيب غابَتْ عَيْنُهُ وآثارُه، أما الدائرة التي بين بين غابَتِ العَيْن، وبَقِيَتْ الآثار؛ إذًا حواس، عَقْلٌ، وخبر، هذه النقْطة إذا اسْتَوْعَبْتُموها فلن يسْتطيع الإنسان بالنِّقاش أن يغْلِبَكم، فأيَّةُ قَضِيَّة إخْبارِيَّة الزِّيادة عليها ظَنِّيَّة، والله تعالى أعْطاك الحدّ المناسب، فلا تزدْ على النَصّ القرآني، ولا تزِد على النصّ النبوي، ذَكَرَ عن الجنّ بَضْعة آيات، فهي كافِيَة، أيُّ بَحْثٍ في موضوع الجنّ زِيادة على ما أخبرك الله به فهذا تطاول، وتنطّع، وليس موقِفاً علْمِياً، لأنّ الجن غابَتْ عنك عَيْنُ الجنّ وآثاره، ولم يبْقَ لك منه إلا الخبر الصادِق، فأيّ تسليطٍ للعقل على الخبر الصادِق اتِّهامٌ للمُخبِر، اِنْتَبِه فأنت حينما تُسَلِّط عقْلك على شيء أخْبَرَك الله به إنَّما تتَّهِمُ المُخْبِر وتتَّهِمُ الله عز وجل، لكن حينما تُعَطِّل عقْلك عن شيء دعاك الله تعالى إلى التَّفْكير به فأنت تعْصي ربَّك كذلك، قال تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 164 ]
فالتَّفكّر في الدائرة الوُسْطى، والإحْساس في الدائِرَة الأولى، والتَّصْديق في الدائِرَة الثالثة. عدم إحاطة المخلوق الحادث بالقديم :
الآن، إيَّاك أن تنقل قضِيَّة من مكان إلى مكانٍ، ففي هذا خطر! هذه قَضِيَّة مع الإخباريات فأجعلها مع العَقْلِيات! وأسَلِّط عليها عقلي، وأُمَحِّص والأسباب؛ كلّ هذا كلام فارغ! قال تعالى:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾
[ سورة الإسراء: 85 ]
فهل يُمْكن لِمَخْلوق حادِث أنْ يُحيط بالقديم؟! وهل يُمكن لِنَمْلة على سطح جبل هيمالايا، وقد أوتِيَتْ إدراكاً لِتَحْصيل طعامها فقط، فهذه النَّمْلة هل بِإمْكانها أن تُحيط بالجبل؟! ومُكَوِّنات تُربته، وصُخوره، ووزْنِه، وحجْمه! هذا شيءٌ مُسْتحيل، فهذه الحقيقة إذا تَمَثَّلْتموها أيها الأخوة والله الذي لا إله إلا هو لشَعَرْتُم بِرَاحة لا تُقَدَّر بِثَمن .
ففي المحسوسات ربَّما اشْترك بعض المخلوقات معنا، وفي الدائرة الثانِيَة ينفَرِدُ بها الإنسان، والدائرة الثالثة ينْفردُ بها المؤمن . الحديث عن ذات الله هو من الإخباريات ونكْتفي بما أخبرنا الله به :
الحقيقة الأولى أنَّ الحديث عن ذات الله من الدائرة الثالثة؛ من دائرة الغَيْب، ما الخطأ الفادِح الذي وقع به المُتَكَلِّمون؟ أنَّهم نَقَلوا قضايا من دائرة الإخبارِيات إلى دائرة المَعْقولات، فبهذا كُلَّما جهِدوا في حَلِّ مُشْكلة ظَهَرَت لهم عشْرُ مُشْكلات! لذلك ورد في بعض الأحاديث أنَّ: "سرَّ القضاء والقدر ادُّخِرَ إلى يوم القيامة"، فقوله تعالى:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[ سورة الإخلاص: 1-4 ]
أليس هذا الكون الذي أمامك يدلّ على عظمة ما بعدها عظمة؟ ألا يستأهل ربنا جل جلاله أن تُسلِّم له في قضِيَّة أخبرك عنها؟ وأذكر ذكر حادثة لِوَزير خارِجِيَّة دولةٍ مُتخَلِّفَة الْتقى مع وزير خارِجِيَّة دوْلة كبيرة بِمِقْياس العصْر، فسأله سؤالاً فأجاب عنه، فقال له: لي معلومات غيرها، فَطَرَدَهُ! فهذا إنسان وما تَحَمَّل، أعطاك معْلومات، وهو أكبر مِن أن يكذب، تقول له: عندي معلومات أخرى غير هذه! لذلك خالقُ الكون، وهو بِكُلِّ شيء عليم، ويقول لك في قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 148 ]
أخبرك بآيةٍ مُحْكمة وقَطْعِيَّة الدلالة أنَّ الإنسان مُخَيَّر، وأخبرك بِآيةٍ قطْعِيَّة الدلالة أنَّه يعْلم، ثمّ تقول: لا يعْلم! كيف هذا؟ أقول لك: هذا فوق طاقة البشر حتى الأنبياء عرفوا جانباً من عظَمَتِه! لكن لا يسْتطيع نَبِيّ ولا رسول أن يُحيط بالله تعالى، فالنُّقْطة الدقيقة في هذا الدرس أنّ الحديث عن ذات الله هو من الإخباريات ونكْتفي بما أخبرنا الله به، ودون أن تُسَلِّط عقلك في هذه الموضوعات، وإنَّ عدم تسْليط العقل على هذه الموضوعات هو قِمَّةُ العِلْم، فلا تظنّ أنَّهُ لا بدّ أن تعرف كُلَّ شيء، وإذا قلت: هذا الشيء ليس من اخْتِصاصي، فهذه علامة عِلْم وتواضع، وأنّكَ تعرف حجْمك الحقيقي، وأنَّك عبْد، أما حينما تجْلس وكأنّك تجْلس على مائِدَة مُفاوضات مع الله عز وجل، لماذا خَلَقْتَ؟ ولماذا لم تُعْلم؟ ولماذا ...؟ فالعبْد أحْياناً من دون أن يشْعر يضع نفسه نِداً لله ومُحاسِباً! والعياذ بالله، وهذا من ضَعْف الإيمان، ومن ضَعْف معْرِفَتِك بالله عز وجل، فشأنُ العبْد أن يسْتَسْلم. كمال الخلْق يدلّ على كمال التَصَرُّف :
هناك نقطة دقيقة جداً، وأرْجو الله تعالى أن أُوَفَّق في تذْليلها لكم، لأنَّها أساس الدرْس، لو كان هناك أبٌ له من العلم،، والحِكمة، والرَّحْمة، والقدرة، الشيء الكثير، وقد رأى ابنه منه ومن عطْفه ورحْمَتِه وحِكْمته الشيء الكثير، ثمّ جاء أمر من هذا الأب غير واضِحٍ للابن ولم يسْتَوْعِبْهُ، فهل يَحِقُّ لهذا الابن أن يرفض هذا الأمر؟ ألاَ يشْفع لهذا الأمْر عظمة الأب؟ هذه هي النقْطة الدقيقة فأنت: ألا ترى الكون؟! وهذا سؤال صغير، فكمال الخلْق يدلّ على كمال التَصَرُّف، هذا في الدنيا، شركة تصْنع كمبيوترات، كيف تظنّ نِظام مُحَاسبَتِها؟ وحينما تشتري البطيخ كيف تكون المُعاملة؟ هذه النقطة أشار إليها الإمام الشافِعي، وهي أنَّ الأشياء الخسيسة تُباع بالمُعاطاة ولا تحْتاج لا إلى إيجاب، ولا إلى قبول، ولا إلى شاهِدَيْن، فالأشياء الخسيسة تكون بالمناولة؛ أمسَكْتَ كأساً من العصير، وشَرِبْته، ووضَعْت النقود على الطاولة، وانتهى الأمر، أما الأشياء النَّفِيسة فتحتاج إلى عقْد، وإيجاب، وقَبول، وشُهود، فهذه الشَّرِكة التي تبيع الكمبيوترات ألا تَتَوَقَّعون أن يكون لها نِظام مُحاسبة راقٍ جداً؟ فكمال الخلْق ألا يدلّ على كمال التَّصرّف؟ هل ترى في هذا الكون خَلَلاً أو نقْصاً؟ رأيْتُ مَرَّةً أباً يحْمل ابنه من يدِه، لعل الأرض فيها وُحول، فَحِرْصاً على نظافة ابنه رفعه من يده، والله بقيت أُفَكِّر فَتْرة طويلة! فهذه اليد مدْروسة بعِلْم، فلو أنَّ العَضلات التي ترْبط الساعد بالجِسْم أضْعف من أن تحمل الوزْن لانخلَعَتْ يدُ الطِّفل، معنى هذا أنّ وزْن الابن مدْروس، ولو حَمَلْته من يده فلا حرج، ثم انظر إلى سيارة صُنِعَت سنة ألف وتسعمئة، مرَّة قرأت مقالة عنها؛ ليس فيها تَمْديد سرعة، تمْشي بِسُرْعة واحدة، والإضاءة بِقِنْديل، والتَّشْغيل من خارج السيارة، وانْظر إلى سيارة اليوم "أحدث موديل"؛ مرسيدس شبح، لو أقَمْتَ موازنة بينهما! كيف تُفَسِّر هذا التَطوّر؟! علم الإنسان قاصِر، وخبرته حديثة، أما الله عز وجل فخبرته قديمة، والدليل هذا الإنسان، فهل طرأ عليه تعْديل منذ أن خُلِق؟ وهذا الكون بِمَجرَّاتِه، وكازاراته، وسماواته، والجبال، والأنهار، والصحارى، والنبات، والطيور، هذا الكون ألا يدل على عظمة الله عز وجل وعلى علمه وقدرته ورحْمته؟ الطِّفل الصغير أودِع في طحاله كميَّة من الحديد تكَفيه عاميْن، لأنّ حليب الأم مُفْتَقِر إلى الحديد، فأنت لو فَكَّرْتَ في خلْق الإنسان، والحيوان، وفي بُنْيَةِ النبات، لرأيْتَ العَجَب العُجاب، هذا الكون هو الثابت، وهو الذي يدلّ على الله.
من عرف الله أحسن الظن به :
انظُرْ في تصرفات الله عز وجل، فقد تجد أنَّ حرْباً عالَمِيَّة ثالثة تُعلَن على الإسلام، في العالم كلِّه، وهناك من يشكّ بِرَحمة الله، وعظمته، وعدالته، إلا أنَّك لو عرفْت عدالته، وحكمته، من خلال الكون، فهذه المعرفة تُلقي ضَوْءاً على تمام تَصَرّفه، تقول: أنا لا أعلم وربّما هناك حكمة تنْكشف، فسَيِّدنا علي قال: والله لو كُشِفَ الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً.
الحديث عن تَصَرُّفاته، وأفعاله، وعن صفاته، وأسمائه؛ كلُّ هذا خاضِعٌ لِمَعْرِفَتِه، فإذا عرفْتَهُ أحسنْتَ الظنَّ به، لذلك إذا أخْبرك الله بِشَيء فبِمُجَرَّد أن تنقل هذا الشيء إلى دائرة العقل، والتَّمْحيص، والتحليل، والدِّراسة، فأنت تُشَكِّك في القائل! إذا سأل الزوج زوْجته عن شيء، ثمّ أرادت التحقق منه؛ ألا تنْشأ مشكلة؟ يقول لها: ألم تُصَدِّقيني؟! فهذه نقطة دقيقة جداً، أنّ الله إذا أراد أن يُخبرك عن شيء، وأنت أردْتَ أن تبحث في هذا الشيء، وأن تبحث عن دليل لهذا الأمر، فقد وقعْتَ في شِبْه إنكار، لذلك من جعل عقله حَكَماً على إخبار الله تعالى عز وجل نقُلْ له: جدِّدْ إيمانك بالله تعالى مَرَّةً ثانية، وجَدِّدْهُ دائماً، فالله تعالى قال، انتهى أمره، فهذه مُقَدِّمَة ذَكَرتها لأنَّ الذي سنتعرض له الآن: أنَّ الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء.
الله تعالى ليس كمثله شيء :
اِتَّفق أهل السنَّة على أنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صِفاته، ولا في أفعاله، إلا أنَّ هذا الكلام يعني أنّ خصائص الربّ تعالى لا يوصف بها شيء من مخلوقاته، فعِلْم الله وقدرته غير علمِ وقدرة المخلوقات، ولا يُماثله شيء من صفات مخلوقاته، لا المخلوقات تُماثل صفاتُها صفاتِ الله، ولا صِفات الله عز وجل يُمكن أن توصَفَ بها مخلوقاته.
ليس كمثله شيء، وهذا ردّ على من شَبَّه ومثَّل صِفات الله بِصفات مادِيّة، فهذا الذي يقول: له سَمْعُ كَسَمْعِنا، وإذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربنا إلى السماء الدنيا، فأحد الخطباء يشْرح هذا الحديث ويقول: ينزل كَنُزولي هذا ونزل عن المنبر درجة! فأنت إذا قلتَ: ليس كمثله شيء فلا يمكن أن يوصف مخلوق بِصِفَةٍ خاصَّةٍ بالله، وإذا قلت: ليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يرقى مخْلوق بِصِفاته إلى صِفات الله تعالى.
قال: وهو السميع البصير ردٌّ على من نفى الصِّفات، فالآية على صِغَرها قال تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير رَدَدْنا على فرْقَتَين؛ المُجَسِّدَة والمُعَطِّلة، فالمُعَطِّلة عطَّلوا الصِّفات، والمُجَسِّدَة جعلوها صِفاتٍ مادِّيّة كالإنسان.
حياة الله غير حياة الإنسان يتشابَهَا في الاسم فقط :
أقرأ لكم فقرة أساسِيَّة: الله سبحانه وتعالى سَمَّى نفْسه بِأسْماء، وسَمَّى بعض عباده بها، هنا المُشْكِلَة! ليس المُسَمَّى كالمُسَمِّي، إنسانٌ حيّ، تقول: فلان حيٌّ يُرْزق، والله تعالى حيٌّ لا تأخذه سِنَة ولا نوم، فيجب أن تعتَقِد اعتِقاداً قاطِعاً أنّ حياة الله غير حياة الإنسان، تشابَهَا في الاسم فحسب، فالله عز وجل رَحْمَةً بنا قَرَّب لنا معنى الجنَّة فقال: فيها أنهار من ماء، وجنات، وعسل مُصَفى، ولبن لم يتغيَّر طعْمه، فيا تُرى ما العلاقة بين خمْر الدنيا وخَمْر الآخرة؟ لا علاقة بينهما إلا الاسْم، وكذا اللَّبن، والعسَل، فليس ما في الدنيا وبين ما في الجنَّة علاقة إلا الاسْم، كذلك إذا قلنا: الله تعالى حيّ قَيُّوم، وإذا قلنا: هذا إنسانٌ لا يزال حيًّاً يُرزق، فهل حياة الإنسان كَحَياة الله؟ لا، هذا هو مِحْور الدّرْس، فالله تعالى سَمَّى نفسه حَيًّاً عليماً قديراً رؤوفاً رحيماً عزيزاً مؤمناً جباراً حكيماً سميعاً بصيراً مُتَكَبِّراً وسَمَّى بعض عِباده بهذه الأسْماء، قال تعالى:
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾
[ سورة الروم: 19 ]
وقال تعالى: ﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾
[ سورة الذاريات: 28 ]
وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[ سورة التوبة: 128 ]
فهذا للنبي عليه الصلاة والسلام. المُسَمَّى ليس كالمُسَمِّي :
وقال تعالى:
﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾
[ سورة الكهف: 79 ]
فالله تعالى كذلك ملِك، فهل ذاك الملِك مثلُ الله تعالى في هذه الصفة، وقال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[سورة السجدة: 18]
فالله كذلك سمّى نفسه المؤمن، قال عز وجل: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
[سورة الحشر: 23]
وقال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾
[ سورة غافر: 35 ]
فالله تعالى جبار مُتَكَبِّر. الله تعالى له أسْماء وله صِفات وسَمَّى بعض عِباده بأسماء إلا أنَّه لا تشابُه بين الاسْمين:
النُقْطة الدقيقة أنَّ الله تعالى سَمَّى نفْسه بِأسْماء وسَمَّى صِفاته بِصفات، وأطْلَقَها على بعض عباده في القرآن الكريم، والمعْلوم القَطْعي أنَّ الحَيَّ لا يُماثِلُ الحيَّ الآخر، فالله تعالى حَيّ والإنسان كذلك، إلا أنَّهُ شتَّان بين الحياتين! وكذلك يُقال في العزيز والعليم وسائر الأسْماء، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
معنى ذلك أنَّ عِلْم الله تعالى غير عِلْم البشر، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة فاطر: 11 ]
الواجبات والفرائِض لا اسْتِخارة فيها الاسْتِخارة فقط في المُباحات والمندوبات :
أيها الأخوة الكرام، هذا هو درْسنا اليوم، فالله تعالى له أسْماء وله صِفات، وسَمَّى بعض عِباده في القرآن بأسماء، إلا أنَّه لا تشابُه بين الاسْمين إلا من حيث اللَّفْظ فقط، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلِ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي قَالَ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))
[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ]
فالإنسان لو أراد الذَّهاب إلى العمرة فهل يسْتَخير؟ الواجبات والفرائِض لا اسْتِخارة فيها، الاسْتِخارة فقط في المُباحات والمندوبات، فإذا كان عليه دَيْن فهل عليه أن يسْتَخير ؟ لا، هذا واجب، فالشاهِد من هذا الحديث قوله: ((فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ))
ثمَّ السؤال المطروح هو: كيف يعرف المُسْتخير أنّ الله تعالى قَبِل ما أراد فعله أو لم يقبلْهُ؟ التَّيْسير أو التَّعْسير، وكُلّ شيء آخر زِيادة ليسَتْ من أصْل الاسْتِخارة، فلو تَيَسَّر الأمْر، ووجَدْتَ عدم الانْشِراح، فأقْبِل، ففي هذا خير لا تعْلمه ما دامت الأمور مُيَسَّرة، لأنَّهُ لو لم يكن الأمر في صالِحِك لخلَقَ الله العقبات أمامه، فلا يغتَرّ المُسْتخير بأن يرى مناماً أو يفْتح المُصْحف. الإنسان مخير :
هناك سؤال سأله أخٌ كريم ويقول: كيف يُقَلِّبُ الله تعالى قلوب العباد بين أصبعيه؟! وهل بهذا يُلْغى اخْتِيار الإنسان؟! أكثر دُعاء أُثِرَ عن النبي عليه الصلاة والسلام:
((كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ قَالَ وَمَا يُؤْمِنُنِي وَإِنَّمَا قُلُوبُ الْعِبَادِ بَيْنَ أُصْبُعَيِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُقَلِّبَ قَلْبَ عَبْدٍ قَلَّبَهُ قَالَ عَفَّانُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
[أحمد عن عائشة]
فكيف نُوَفِّق بين هذا الحديث وبين أنَّ الإنسان مُخَيَّر؟ والجواب سَهْلٌ جداً، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾
[ سورة محمد: 17 ]
فالحقيقة أنَّ الإنسان مُخَيَّر، فإذا اخْتار طريق الحق زاده الله من الهُدى بأن يشْرح قلبه للحق، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾
[ سورة الحجرات: 7 ]
والإنسان إذا أراد الباطل جعل في قلبه ضَيْقاً، فأن يكون قلبك بين أُصْبعين من أصابع الرحمن من أجل أن يُشَجِّعَك للخير، ومن أجل رَدْعك عن الشرّ، فأنت مُخَيَّر، ولا زِلْتَ مُخَيَّراً، وإرادة الله عز وجل لا تتناقض، وهي قاعِدَة أساسِيَّة في العقيدة، فالله تعالى أرادك مُخَيَّراً، وكذا شاءَتْ مشيئتُه، فأنت جئتَ للدنيا والشرْط هكذا، فالإنسان مُخَيَّر فإذا اخْتار طريق الحق زاده الله من الهُدى بأن يشْرح قلبه للحق، فالله تعالى يتجلى على قلبك من اخْتِيارك الحق، وهذا هو الحال، فمُكافأة الله تعالى لك من حُسْن اخْتِيارك، وإذا أراد الباطل جعل في قلبه ضَيْقاً، وهذا هو الانقِباض، قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾
[ سورة الحجرات: 7 ]
عَلَّمونا في عِلم النفْس أنَّهُ بعد كُلّ انْحِراف شُعور اسمُه الكآبة، ولو كان المنحرف ملْحِداً، وعَمِلَ عمَلاً مُنْحَطاً، شعر بهذه الكآبة، فهذا هو معنى قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، الإنسان إذا خرج عن الفطرة شعر بالكآبة. من رحْمة الله تعالى بالإنسان أن قلوب العباد بِيَدِه :
شيءٌ آخر، وهو أنَّ الله عز وجل خلَق القَوِيَّ والضَعيفَ، والغَنِيَّ والفقير، فلو أنَّ الغنيّ لا يُحِبّك، وأنت مُسْتقيم، وأراد أن ينال منك، فكيف يمنع الله تعالى بؤس هذا الغنِيّ؟ فَقَلْبُ هذا الغنِيّ بِيَد الله تعالى، يُلْقي في قلبه هيْبَتَك فيخاف منك، أو يُلْقي عليه العطف عليك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ]
تنتثلونها، أي تستخرجونها .
من رحْمة الله تعالى بنا أنَ قلوبنا بِيَدِه. مثال آخر: أحدهم أحَبَّ فتاةً قبل أن يعْرف الله تعالى، ولما عرف الله تعالى رأى أنَّها لا تُناسِبُه، فما دام قلبهُ بِيَد الله عز وجل كيف يُكافئهُ على هذا الاخْتِيار؟ يصْرِفُهُ عنها! قال: وإن كنت تعلم أنَّ هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقِبةُ أمْري فاصْرِفْهُ عَنِّي، ولم يكْتَفِ بهذا بل قال: واصْرِفْني عنه، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف: 33 ]
فالطريق الآن مليءٌ كما ترَوْن بكاسِيات عارِيات، فالله تعالى إذا عَلِمَ من عبْدٍ صِدْقاً في طاعته، فو الله الذي لا إله إلا هو، يمْشي في الطريق، وكأنَّهُ بين الرِّجال، ويصبح موضوع غضّ البصر سَهْلاً جداً، والله هو الذي صرفه عن هذه المعْصِيَة، فلو قال أحدهم: أنا مُلتَزِم، ولي إرادة قَوِيَّة، واعْتَدَّ بِنَفْسِه، أُوكِل لنفسِه، فوَجَد نفسه تنْصرف إليْهِنّ! فالإنسان لا يعْتَد باْستِقامته، وسلامة سلوكه، فيصاب بالغرور، وهذا الكلام كلّه يُلَخَّص بآية واحدة في الفاتِحَة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
[ سورة الفاتحة: 5 ]
فهذا هو موقف العُبودية الذي يليق بالعبد نحو ربِّه.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 08:53 AM   #14


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : اسماء الله قديمة و لا علاقة لها بافعالة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا، وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
تَسَلْسُل الحوادث في الماضي ممتَنِع وهو في المستقبل ممكن :
أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في دروس العقيدة الطحاوِيَّة إلى قَوْل الإمام رحمه الله تعالى: "ليس منذ خَلَق الخلْق اسْتَفاد اسمَ الخالِق، ولا بِإحْداثِهِ البَرِيَّة استَفاد اسم الباري"، فأسماؤه تعالى قديمة ولا علاقة لها بأفعاله، وقد تَحَدَّثْنا عن هذا مَلِيًّاً في الدرس الماضي.
ظاهِرُ كلام الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ أنَّه يمْنَعُ تَسَلْسُل الحوادث، والتَّسلسل كما تعلمون شيء يرْفضه العقل، فلا بدّ مِن بداية، والله سبحانه وتعالى قديم وأزَلِيّ أبَدِيّ، لكن الخَلْق الحادِث لا يَقبَلُ التَّسلسل إلى ما لا نِهايـَة، وقد وَضَّحْتُ هذا بِمَثَل تقريبـًا لأذْهانكم؛ الدَّجاجة من البَيْضة، والبَيْضَة من الدَّجاجة...إلى متَى ؟ فلا بدّ مِن دجاجَةَ خَلَقَها الله عز وجل، ثمَّ جاءَت البَيْضة، وهكذا.
ويأتي في كلامِهِ ما يَدُلّ على أنَّه لا يَمْنَعُهُ في المستقبل، والسبب لأنّ الجنَّة إلى أبَدِ الآبِدين، وهي مِن خَلْق الله عز وجل، والله تعالى قال:

﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
[ سورة الحجر: 48]
وهو قَوْلُه: "والجنَّة والنار مخلوقتان لا تَفْنَيَان أبَداً ولا تبيدان"، إذاً تَسَلْسُل الحوادث في الماضي ممتَنِع، وهو في المستقبل ممكن، وهو مذهَبُ الجمهور كما تَقَدَّم.
ولا شَكَّ في فساد مَن منعَ التَّسلسل في الماضي والمستقبل، وبها تفسُد عقيدته، كما ذَهَب إليه جَهْم وأتْباعه، وقال بِفَناءِ الجنَّة والنار، لِما يأتي من الأدِلَّة إن شاء الله، والجنَّة والنار لا تَفْنَيَان، لأنَّ الله تعالى قال:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾
[ سورة الجن: 23 ]
العقيدة الإسلامِيَّة لا تؤخَذُ من الفلاسفة بل من كتاب الله و سنة رسوله :
هناك نقطة دقيقة أيها الأخوة، وأنا أُلِحُّ عليها أشَدَّ الإلْحاح، وهي أنَّ العقيدة الإسلامِيَّة لا تؤخَذُ من الفلاسفة، وأكبر خطأ ارْتَكَبَهُ بعض العلماء أنَّهم الْتَجَؤوا إلى عِلْمِ الكلام، وعِلْم المنطق، وإلى الفلسفة الإغريقِيَّة، لِيأْخُذوا منها العقيدة الإسلامِيَّة! نحن عقيدتنا نأخذها من كتاب الله، وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وبِما أنَّ الجنَّة والنار مِن خلْقِه سبحانه وتعالى، والله تعالى يقول في كتابه الكريم:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾
[ سورة الجن: 23 ]
إذاً الجنَّة والنار لا تَفْنيان. َدَوام الجنَّة للإنسان دليل أنَّها راضِيَةٌ عنه :
وقال تعالى:
﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾
[ سورة الغاشية: 21 ]
لِمَ لمْ يقل الله تعالى: مَرْضِيَّة؟ الإنسان أحْيَاناً يَرْضى عن بيته؛ واسِع، ويَرْضى عن زوْجَتِه؛ كما تروق له، ويَرْضى عن دَخْلِه، ومَرْكَبَتِه، وأولاده، إذاً هذه الأشياء مرْضِيٌّ عنها، والله عز وجل يقول: ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾
[ سورة الغاشية: 21 ]
والمعنى أنَّ هذه العيشة إذا رضيتَ عنها أنت، وقَبِلْتَها، فهي قد تزول عنك، أو لا ترْضى أن تَبْقى لك، وهذا الأسلوب في اللغة العربية اسمه أُسلوب التَّجْسيد، ونحن عندنا في البلاغة أسلوب اسمه التَّجْسيد، أو التَّشْخيص، مَثَلاً قال تعالى: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾
[ سورة الكهف: 77]
أسْبَغَا على الجِدار صِفات الإنسان؛ وهي الإرادة، فهذا التَّشْخيص والتَّجْسيد في قول الشاعر: فما جازه جود ولا حلَّ دونَهُ ولكن يسير الجود حيث يسير
***

فالجود أمر مَعْنوي، وهو صِفَة، فنحن في هذا البيت خَلَعْنا صِفاتٍ مادِيَّة على أشياء مَعْنَوِيَّة، بينما التَّشْخيص خَلَعْنا صِفاتٍ مَعْنَوِيَّةً على أشياء مادِّيَّة.
فَرَبُّنا عز وجل قال:
﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾
[ سورة الغاشية: 21 ]
أي أنَّ هذه العيشة تَبْقى له، وعَبَّر الله تعالى عن بقائِها له إلى أبَدِ الآبِدين لأنَّها راضِيَةٌ عنه فإذا كنتَ راضِياً عن شيء فلا بدّ أن تبْحَثَ أنَّ هذا الشيء راضٍ عنك، كيفَ أنَّهُ راضٍ عنك؟ لأنه يبقى لك! فَدَوام الجنَّة لك دليل أنَّها راضِيَةٌ عن أهْلِها.
الله تعالى فَعَّال لِما يُريد :
وأما قَوْل من قال بِجَواز حوادث لا أوَّل لها مِن القائِلين بِحَوادث لا آخر لها، فأظْهرُ في الصِّحة مِن قَوْل مَن فرَّق بينهما، فإنَّه سبحانه وتعالى لم يَزَل حَيًّاً والفِعْل مِن لوازم الحياة، فَلَم يَزَل فاعِلاً لما يُريد كما وصَف بذلك نفسه تعالى، حيث يقول:
﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ* فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البروج: 15-16 ]
أحياناً الإنسان بِهذا الموضوع يَقَع في خَطأ، يقول لك: الله عز وجل قادِر أن يَضَعَ من أفْنى عمره في طاعته في جَهَنَّم! هذا كلامٌ مُنَفِّر، فالله تعالى حقيقةً قادِر لكن هل يفعل هذا؟! إذًا لِمَ لا يفعل ذلك سبحانه؟ لأنَّه ألْزَمَ نفسه بالاسْتِقامة، والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[سورة هود: 56]
أوْضَح معنى، إذا كان الإنسان لا ينجب أولاداً، وبعد عشر سنين أنْجَبَ ولداً! فهل يستطيع الأب أن يذبح ابنه هذا؟! نحن نتكلَّم مِن حيث القُدْرة، لذا، ولله المَثَل الأعلى، قُدْرَتُه شيء، وكماله شيء آخر، فالله تعالى قادِر أن يضَع الأنبياء في جَهَنَّم، ويضَع الفراعنة في الجنَّة، لكن الله تعالى كما قال: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[سورة هود: 56]
مرَّةً ناقَشني أحدهم في البيْت، فقال لي: لا يُسأل عمَّا يفعل ‍! فقُلْتُ له: صحيح، هذه الآية لِفَرْطِ عدالته، عَدْلُهُ يُسْكِتُ الألْسِنة، والأمر الآخر أنَّ الإنسان حينما يفعل شيئًا فهو مَقْهور بالعِلَّة الغائِيَّة، فأنا لا أَصِلُ إلى غايتي إلا بِسَبب، وأنا أتمنَّى أن أذْهب إلى حلب، فأنا مَقْهور إلى أن أرْكبَ الوسيلة، وأنا أُريد الماء، فأنا مَقْهور بِحَفْر البئر، وأُريد القمح، فأنا مَقْهور بِزِراعَتِه، فالإنسان مَقْهورٌ بالعِلَّة الغائِيَّة، لكنَّ الله سبحانه وتعالى لا يليق به ذلك، إنَّما أمْره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كُن فَيَكون، فَلِذلك ما دامَتْ الحياة، والتي هي صِفَة من صفات الله تعالى، هو الحيُّ الباقي، ومِن لوازِم الحياة الفِعْل والإرادة، فالله تعالى فَعَّال لِما يُريد، وهو الذي سبحانه وتعالى أَلْزَمَ نفْسه. الآية التالية تطمين من الله عز وجل لعباده :
وفي القرآن الكريم آيَة تُطَمْئِن العباد، وهي تليق بهم لا بالله تعالى، قال تعالى:
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[سورة الأنعام: 54]
نحن نَعُدّ الكتابة أقْوى، فأنت إذا أردْت شراء بيت لا بدّ من عقْد، فلِذلك من أجل نَزْعَتِنا المادِيَّة وهو الذي خَلَقَنا، فالله عز وجل أحياناً يُقَرِّب لنا الحقائق، إلا أنَّ الذي قاله لا ينطبقُ على الحقيقة. الآية التالية تَدُلّ على أمورٍ منها :
1 ـ أن الله تعالى يَفْعَلُ بِإرادَتِه ومشيئتهِ ما يشاء :
ثم قال سبحانه وتعالى:
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة يس : 82]
هناك زَمَن بين كلمة كُن وبين كلمة يكون ‍! هناك ساعات تضبط الوقت بنسبة واحِد بالمئة من الثانِيَة، لكن الحقيقة أنَّه لا زَمَنَ بين كُن ويكون، مثل الهَنْدسة، ما هو تعريفها الدََّقيق للنُّقطة؟ هي نَظَرِياً لا مَساحة لها، أما عَمَلِياً لو وضَعْتَ نقطةً بِأدَقِّ قلم، وأتَيْتَ بِمُكَبِّر، لَوَجَدْتَ لها مساحة، فإنْ تحرَّكت النّقطة رسَمَتْ مستقيماً أو مساحَةً، وإذا تَحَرَّكَت المساحة رسَمَتْ حجْماً، وإذا تَحَرَّك الحجْم شَكَّل زَمَنًا، وهو ما جاء به (أينشتاين) وسمّاه البُعْد الرابِع، فالزَّمَن مُتَعَلِّق بالحركة.
الآية تَدُلّ على أمورٍ ؛ أحَدِها: أنَّه تعالى يَفْعَلُ بِإرادَتِه ومشيئتهِ، والله أيها الأخوة، لقد وَرَد في الصَّفحة التاليَة حقيقة بِكَلِمَتَين أو ثلاث، لو أيْقَنْتُم بها لانْقَلَبَتْ الحياة جنَّة، ولانْعَدَمَت المشاكِل.
أوَّلُها: أنَّه تعالى يَفْعَلُ بِإرادَتِه ومشيئتهِ.
2 ـ أن الخالِق قديم و المخلوق حادث :

والثانِيَة: أنَّه لم يَزَل كذلك، لأنَّه ساق ذلك في معْرض المَدح والثَّناء على نفسِه، وأنَّ ذلك من كمالهِ سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادِماً لِهذا الكمال في وَقْتٍ من الأوْقات، وقد قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة يس: 17]
ولمَّا كان من أوْصاف كماله، ونُعوت جلاله، لم يَكُن حادِثاً بعد أنْ لم يَكُن، فالله تعالى قال: ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾
[ سورة يس: 17]
المخلوق حادِث، والخالِق قديم، أنت تتكَلَّم أحْيَانًا أمام أشْخاص مُثَقَّفين، فقد قُلتُ البارِحَة لِشَخْص: لا يُعْقَل أن يُحيط الحادِث بالقديم ‍! كلمة حادِث أي سبقهُ عدَم، وسَيَأتي بعده عَدَم، القديم ليس له بِداية، وليس له نِهايَة، أما الحادِث فله بِداية، وله نِهايَة، وأنا أحْيانًا أشعر بِحُدوث الإنسان بِحالاتٍ نادِرَة؛ أحْيَانًا يقع تحت يدِي كتاب مَطبوع في سنة ألف وتسعمئة وخمسة وعشرين، وأنا وِلادتي بعد هذا التاريخ ! فَقُلْتُ حينما أُلِّفَ هذا الكتاب، وحينما صُفَّتْ حروفه، لم أكُنْ وَقْتَها شيئًا مَذْكوراً. 3 ـ أن الله تعالى إذا أراد شيئاً فعله :
الثالث: أنَّه إذا أراد شيئًا فَعَلَهُ، فهل أنت كذلك أيها الإنسان؟ نحن بني البشر بنسبة تسعة وتسعين بالمئة لا يُحَقَّق لنا ما نُريد ! أليْسَ كذلك؟ هل هناك مَن لا يحبّ البيْت الواسِع والزَّوْجة المُريحة والتِجارة والدَخْل والأولاد الأبْرار؟ إلا أنّ الإنسان ليس فعَّالاً لِما يُريد، ما معنى فعَّال لِما يريد؟ أيُّ شيءٍ يَخْطر في بالِك قادِر على فعله ! إلا أنَّ الإنسان لا يستطيع تحقيق ما يريد، لذا يقول أحَدُ العلماء: الله عز وجل أعْطى الإنسان الاخْتِيار، ومع ذلك بِأيِّ لحظة يأخذه منه، والدليل قوله تعالى:
﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة البقرة: 142 ]
كلمة سُفهاء سُباب، فأنت أيُّها السَّفيه سوف تقول كذا وكذا، فإذا أراد هذا السَّفيهُ إبْطال نصٍّ في القرآن الكريم، فماذا يفعل؟ ما عليه إلا السُّكوت ! فَهُوَ إن سَكَتَ أبْطَل كلام الله عز وجل، وفِعْلاً السَّفيه قال: ما وَلاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهذه مِن طلاقَةِ الإرادة الإلهِيَّة، فَهُوَ تعالى خَيَّرَك، ولكن في أيِّ لحظة يأخذ اخْتِيارَك، فأبو لهب سَيَصلى ناراً ذات لَهَب، وامرأته حمَّالَة الحطَب، فلو فَكَّر أبو لهبٍ بهذا، وجاء أمام الناس، وقال: أشْهد أنّ محمَّداً رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، يكون بِهذا أَلْغى الآية، ألَيْس كذلك؟ فعلى الرَّغْم من أنَّك مُخَيَّر يُمكِنه تعالى أن يأخذ منك اخْتِيارَك، والله تعالى إذا أراد أن يُعالِج إنسَانًا، قال: إذا أراد ربّك إنفاذ أمْرٍ أخَذَ من كلّ ذي لُبٍّ لُبَّه، أحيانًا يجعل الله تعالى الذَكِيّ يَرْتَكِب حمَاقَةً ما بعدها حماقة، وأخطاء فاحشة، فلذلك فإنّ الله عزَّ وجل طليق الإرادة، فإذا أراد فَعَل، فَمشيئة العِباد لا تمنعه. الإنسان مُخَيَّر ومُسَيَّر :
لذلك قلتُ لكم مرَّةً: الإنسان مُخَيَّر ومُسَيَّر ! مُسَيَّر مَرَّتَين؛ مُسَيَّر قَبْل أن يُخلق، فهل منكم مَن بِيَدِه ولادَتُه مِن فُلان أو من فُلانة؟ أو أنْ تكون وِلادته بالعام الفُلاني؟ فنحن وُلِدْنا بالشَّام، فهل لنا خيار بهذا الشيء؟ لا خيار لنا، فالإنسان مُسَيَّر قبل أن يخلق، لكن يجب أن تعلموا عِلْمَ اليَقين أنَّ هذا التَّسْيير هو أكْمَلُ شيء لإيمانِك، ليس في إمْكانِك أبْدَعُ مِمَّا أعْطاك، ثمَّ جاء بعده الاخْتِيار، فأنت ضِمن دائرة التَّكْليف، قال تعالى:
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾
[ سورة الإنسان: 3 ]
فهو اختار، والآن هو مُسَيَّر مرَّةً ثانِيَة؛ مُسَيَّر لِتَحقيق اخْتِيارِه، والفِعل فِعْل الله، ومرَّة ثانِيَة مُسَيَّر لِدَفْعِ ثَمَن اخْتِياره، فلو أنّ رجلاً اختار غشّ الناس، واخْتار أن يأكل أموالهم بالباطل، ومَكَّنه اللهُ تعالى من ذلك، ثمَّ يسوق له مَن يُذيقه ألوان العذاب، فلو كان نِظام السَّيْر يقتضي حَجْز الإنسان سبعة أيام؛ الإشارة حمراء، وأنت مُخَيَّر، فأنت عندما اخْتَرتَ خَرْق النِّظام فقَدْتَ اخْتِيارَك، وسُيِّرْتَ إلى السِّجْن، فنحن عندنا ثلاثة أنواع من التَّسْيير: تَسْيير الخَلْق مِن فلان وفلانة، وفي المكان والزمان الفلاني، والتَّسْيير الثاني لِتَحقيق اخْتِيارِك، والتَّسْيير الثالث: لِدَفْع ثَمن اخْتِيارك. الله تعالى له إرادة مُتَعلِّقَة بِفِعْله وله إرادة متعَلِّقَة بِفِعْل العِباد :
قال: إنَّه إذا أراد شيئًا ما فَعَلَهُ، فإنَّ (ما) موصولة عامَّة، أي يفعل كلّ ما يريد أن يفعله، أما الإنسان فلا يفعل مِمَّا يُريد إلا المِعْشار، وهذا في إرادته المتَعَلِّقة بِفِعْلِه، وأما إرادته المُتَعَلِّقَة بِفِعْل العَبْد فَتِلْكَ لها شأنٌ آخر، فالله تعالى له إرادة مُتَعلِّقَة بِفِعْله، وله إرادة متعَلِّقَة بِفِعْل العِباد، ولله المَثل الأعلى، فأنت في البيت أب مِلء السَّمع والبصر، تقوم مِن مَجْلسِك لِتَأكل، أو لِتَنام، أو لِتَشْرَب، ولك ابن ما أراد أن ينام، فأنت تُلزِمه بالنَّوم، فأنت لك إرادة مُتَعَلّقَة بِفِعْلك؛ تقوم، وتقعد، وتنام، وتخرج، وتدخل، وتقف، وتقرأ، و تستمِع، وابنك إرادته متَعَلِّقة بِفِعْلِك أنت، فأحْيانًا تسْمَحُ له أن يتحَرَّك، وتَسمح له أن يلعب، وأحْيانًا تُلْزِمُه أن يلعب.
قال: فإن أراد فَعَل العَبْد، وإن لم يُرِد من نفسِه أن يُعينه عليه، ويجعله فاعِلاً لم يوجَد الفِعْل، لذلك النقطة المُهِمَّة جداً: يا ترى هل يعلم الله ما أفْعَل؟ هناك جواب مُسْكِت؛ وهو كيفَ لا يعلم وفِعْلُك من خلقِه؟ أنا أُراقِب، وجاء إنسان ووضَع هذا الكأس هنا ورائي، فأنا أعلم ما فعل، ولكن لو كنت أنا الذي أمسكها وأضَعها، كان هذا أبْلَغ، ‍فَكَيْف لا يعلم الله عز وجل، وأفعال العباد تحت سَمعه وبصره، إن صحَّ التعبير، ولكن مِن فعلِهِ، فهو تعالى الفَعَّال، له إرادة مُتَعَلِّقَة بِفِعْلِهِ، وله إرادة مُتَعَلِّقَة بِفِعْل العَبْد، فلو أيْقَنَ الإنسان بِهذا الكلام هل يمكن أن يُخيفك أحَد؟‍ أبَداً، وهناك ألف قِصَّة وقِصَّة تُؤَكّد هذا الكلام، وحتى العِباد الأقوياء الشَّرِسون، والجبَّارون، والطغاة، كان في بلادنا أخ من أخواننا من إفريقيا، فَمَرَّةً أخَذ إجازة، وسافر إلى بلده، وبلده في غرب إفريقيا، ووُجِد شخصٌ ملقًى على سِكَّة الحديد مقتولاً، والقريَة التي هو فيها مُتَّهَمة بِقَتْل هذا الإنسان، والحُكومة قَوِيَّة جدًا، وأرادَت أن تُرَبِّي هذا المجتمع كلَّه بهذه القريَة، فما كان من رِجال الشرطة إلا أن جمَعوا كلّ ذَكَرٍ في هذه القريَة، وساقوهم إلى ساحة عامَّة لِيُذيقوهم ألوان العذاب، ولِيَعْتَرِفَ القاتِلَ؟ وهذا الأخ الكريم في اليوم الذي وصَل فيه وقع حادثُ القتل هذا، وسيقَ مع مَن سيق، وهذا الأخ مِمَّن نحسبهم من أهل الإيمان، وأنا أُصَدِّقُه، فالضابِط المُوَكَّل بِتَعْذيب هؤلاء الناس أشار إليه وقال له: أنت اِذْهَب إلى البيت، فَفِعْلُ العَبْد بِيَد الله تعالى، فهذه الحقيقة إذا أيْقَنْتَ بها لم يكنْ ثمّة خوْف إطْلاقًا.

الله تعالى يفعل كل ما يريد أن يفعله وهذا شأنُ إرادته المتَعَلِّقَة بِفِعْلِه :
قال: يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا شأنُ إرادته المتَعَلِّقَة بِفِعْلِه، وأما إرادته المُتَعَلِّقَة بِفِعْل العَبْد فَتِلْكَ لها شأنٌ آخر، فإن أراد الله تعالى فعَلَ العَبْدُ، ولم يُرِد من نفسه أن يُعينه عليه، ويجعله فاعِلاً، لم يقع الفِعْل أصْلاً، وكلُّ شيء وقَع أراده الله، لذلك قالوا: لِكُلّ واقِعٍ حِكْمة، فقد يكون الذي أوْقَعَ هذا الفِعْل أحْمق وأرْعَن، وقد يكون جاهِلاً، ولكن لأنَّ هذا الفِعْل وَقَع، فإنَّه يكون فيه حِكْمة بالغة.
قال: وإن أراده حتى يُريد من نفسِه أن يجعله فاعِلاً، وهذه هي النُّكْتَةُ، وبالمناسبة نحن نقول: احكِ لنا نُكْتَة أي طُرْفَة، ولكن النُّكْتَة في اللُّغَة الشيء الدقيق الخَفِيّ؛ تقول: نُكْتَة بلاغِيَّة، أو نُكْتة لُغَوِيَّة، فالنُّكات الأشياء الدقيقة الخَفِيَّة، لا بِمَفْهومِها المُعاصِر !.
قال: وهذه هي النُّكْتَةُ التي خَفِيَت على القَدَرِيَّة والجَبْرِيَّة، وخَبُثوا في مسألة القَدَر لِغَفْلَتهم عنها، وفرْق بين إرادته أن يفعل العَبْد، وإرادته أن يجعله فاعِلاً، فالله تعالى ما أجْبَر الإنسان، إلا أنّه إذا اختار شيئًا فإمَّا أن يسْمَحَ الله له أن يفْعله، أو لا يسْمَح، فإذا فَعَلَه فقد سَمَح.
وهنا سؤال: هل يريد الله الكفر مِن الناس؟ أراده ولم يرْضَه، وأراده ولم يأمُرْ به، ومعنى أراده أيْ: سَمَح به، لماذا سَمَح به ؟ لأنّ الإنسان مُخَيَّر، وأوْضَح مثَل: أن تكون صَيْدَلِيًّاً، وتحتاج إلى موظَّف مُثَقَّف لكن تُحِبّ أن تَمْتَحِنَهُ، فَتضَعُ له على الطاوِلَة مجموعة أدْوِيَة مُنَوَّعَة، ثم طلَبْتَ أن يُصَنِّف هذه الأدْوِيَة، كيف يَصِحُّ الامتِحان؟ إذا سَمَحْتَ له أن يغْلَط؛ ألَيْس كذلك؟ فإن لم تَسْمح له أن يغْلَط، فما امْتَحَنْتَه، إذا أراد الله للعَبد الكفْر فإنَّه سَمَح له تَحْقيقًا لاخْتِياره.

تلازم إرادة الله عز وجل و فعله :
الأمْر الآخر أنَّ إرادته وفِعْلَهُ متلازمان، فما أراد أن يَفْعَل فَعَل، وما فَعَلَهُ فقد أراده، هذا أقوله كثيراً ؛ كُلُّ شيءٍ وَقَع أراده الله، وكلّ شيء أراده الله تعالى وَقَع، أفْعالُهُ مُتَلازِمة مع إرادته، وهذا بِخِلاف المَخلوق فإنَّه يريد ما لا يفْعل، ويفْعَلُ ما لا يريد، أحْياناً يقول لك أحدهم: لقد أجْبروني حتَّى تَكَلَّمْتُ، وهذا أمْرٌ ليس بِيَدي ‍! فالإنسان يفعل ما لا يريد، أما الله تعالى فهو فَعَّالٌ لِما يريد، وإذا أراد شيئًا وَقَع، وإذا وَقَعَ الشيء فقد أراده الله عز وجل.
قال: إثبات إرادات مُتَعَدِّدَة بِحَسَبِ الأفعال، وأنَّ كلّ فِعْلٍ له إرادةٌ تَخُصُّه، وهذا هو المَعقول في الفِطَر، وشأنه سبحانه وتعالى أنَّهُ يريد على الدَّوام ويفْعَل ما يريدُ، فالله عز وجل له إرادات كثيرة جداً، وإرادتُهُ مُسْتَمِرَّة، والدليل قوله تعالى:

﴿ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾
[ سورة الرحمن: 29 ]
وأَوْضَح مَثَل: أنّ الطبيب يمرّ على المريض، وينظر إلى ضَغْطه، فَيَقُول للمريض: تَجَنَّب المِلح، فَكُلّ شيء يجعل الطبيب يُعطي أوامِر، فهذه الإرادات مُتَبَدِّلَة بِتَبَدُّل حال الإنسان، فالله تعالى شأنُهُ مع المُستقيم الإكرام، ومع المُنْحِرَف التأديب، وشأنُه مع المُتَوَكِّل الدَّعْم، ومع المُتَكَبِّر القَصْم، ومع المُبَذِّر الإفْقار، ومع المُقْتَصِد الغِنى، ومع المُنيب الإكرام، ومع المُدْبِر الإعراض.
الأمر الآخر: أنَّ كلَّ ما صَحَّ أن تتعَلَّق به إرادتُه جاز فِعْلُه، فإذا أراد كلّ ليلةٍ أن ينزل إلى السماء الدنيا، وأن يجيء يوم القيامة لِفَصْل القضاء، وأن يُري لِعِباده نفسَه، وأن يتَجَلَّى لهم كيف يشاء، وأن يُخاطبهم، ويضْحك إليهم، فقد وردَت صِفة الضَحك لله عز وجل، وغير ذلك لما يريد سبحانه، لم يَمْتَنِع فِعْلُه، فإنَّه تعالى فعَّال لِما يُريد، وإنَّما يتَوقَّف صِحَّةُ ذلك على الخبر الصادِق به، فإذا كان الخَبَر صاِدقًا، وأخبر به فقد وَجَب التَّصْديق، وكذلك مَحْوُ ما يشاء، وإثبات ما يشاء، وكُلَّ يومٍ هو في شأن سبحانه وتعالى.
الله تعالى فعَّال بِقُدْرَتِه و قادِر على أن يفْعَل ما يشاء دائِماً :
قال: والقَوْل إنَّ الحوادِث لها أوَّل يَلْزَمُ منه التَّعْطيل قبل ذلك، وأنَّ الله سبحانه وتعالى لم يَزَل غير فاعِلٍ، ثمَّ صار فاعِلاً، وهذه أجَبْنا عنها في الدَّرْس الماضي، وقلنا: إنَّ الله تعالى فعَّال بِقُدْرَتِه، وهو تعالى قادِر على أن يفْعَل ما يشاء دائِماً، فَقُدْرَتُهُ لا علاقة لها بِفِعْلِه، فقد يَفْعَلُ الإنسان هذا الشيء في وَقْتٍ مُحَدَّد، أما الله تعالى فهو دائِماً وأبداً قادِرٌ أن يفْعل ما يشاء.
قال: ولا يلْزَمُ من ذلك قِدَمُ العالَم، لأنَّ كلّ ما سِوى الله تعالى حادِث ومُمْكِن الوُجود، ومَوْجود بِإيجاد الله تعالى له، وليس له مِن نفْسِه إلا العَدَم، والفَقْر، والاحْتِياج، والاحْتِياج وَصْفٌ ذاتي لازِمٌ لِكُلّ ما سِوى الله تعالى، وشَرْحُ اسم العزيز أنَّه يحْتاجُه كلُّ شيء في كُلِّ شيء.
قال: والله تعالى واجب الوُجود بِذاتِه، غَنِيّ بِذاتِه، والغِنى وَصْفٌ ذاتي واجِبٌ له سبحانه وتعالى.

أقوال الناس في العالم
وللناس قولان في هذا العالم؛ هل هو مَخْلوق مِن مادَّة أم لا؟ واخْتَلفوا في أوَّل هذا العالم ما هو؟ قال تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
[ سورة هود: 7]
وروى البخاري في صحيحه عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: ((إِنِّي عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ قَالُوا بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ قَالُوا قَبِلْنَا جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ قَالَ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا وَايْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ))
[البخاري عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ]
فَقَوْلُهُ كتَبَ في الذِّكْر أي اللَّوْحُ المحفوظ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون﴾
[ سورة الأنبياء: 105]
الذِّكْر اللَّوح المَحفوظ، ويُسَمَّى ما يُكْتَبُ في الذِّكْر ذِكْراً، كما يُسَمَّى ما يُكتَب في الكتاب كتاباً، والناس في هذا الحديث على قَوْلَين: منهم من قال: إنَّ المَقصود إخباره أنَّ الله تعالى كان مَوْجوداً وَحْدَهُ، ولم يَزَل كذلك دائِماً ثمَّ إنَّه ابْتَدأ إحْداث جميع الحوادِث فَجِنْسُها وأعْيانُها مَسْبوقَةٌ بالعَدَم، وأنَّ جِنْسَ الزَّمان حادِثٌ لا في الزَّمان.
أحْيانًا يقول لك أحدهم: الله تعالى لا يعلم ما سيَكون ! الأيام والشُّهور والسنون، كأنّ الله تعالى مَخلوق ضِمْن الزَّمن، وهو ينتظر سبحانه أن تأتي الأيَّام بِتَواريخ جديدة، أعوذ بالله من هذا الكلام ! هذا الزَّمَن مِن خلْق الله، وبعض خلقِه الزَّمنُ، ويسْتحيل على عقلنا أن نفهم حقيقة الذات الإلهِيَّة، فَيُمْكِنُنا أن نصِل إلى الله، وأن نسْعَد به، لكن لا يمكن أن نُحيط به، فالوُصول شيء، والإحاطَة شيء آخر.
قال: وأنّ جنس الزمان حادِثٌ لا في الزَّمَن، وأنَّ الله تعالى صار فاعِلاً بعد أن لم يكن يفْعل شيئًا مِن الأزَل إلى حين ابْتِداء الفِعْل، ولا كان الفِعْل مُمْكِنًا.
والقَوْل الثاني: المُراد إخبارُه عن مَبْدأ خلْق هذا العالم المَشْهود الذي خلَقَهُ الله في سِتَّة أيَّام ثُمَّ اسْتوى على العَرْش، كما أخْبَر القرآن بِذلك في غير مَوْضِع.
أُحِبُّ وأُفَضِّل دائِمًا لك أن توكِلَ فهْم آياتها إلى الله كما فَعَلَ السَّلَف الصالِح، ولك أن تُؤَوِّلَها تأويلاً يليق بالله تعالى كما فَعَل الخَلَف الصالِح، وليس لك أن تُلْغِيَها كما فَعَل المُعَطِّلَة، ولا أن تُجَسِّدَها كما فعَل المُجَسِّدَة، فهؤلاء انْحَرَفوا.
دليل صحة قول النبي عليه الصلاة و السلام التالي :
وقد أخْبَرَ النبي صلى الله عليه وسلَّم أنَّ تَقْدير هذا العالم المخلوق في سِتَّة أيَّام كان قبل خلقهِ بِخَمسين ألف سنة، وأنَّ عَرْش الربّ تعالى كان على الماء، ودليل صِحَّة هذا القول الثاني مِن وُجوه:
أحدها: أنَّ قول أهل اليَمَن جئْناك لِنِسْألك عن أوَّل هذا الأمْر، وهو إشارة إلى حاضِرٍ مَشْهود موجود، والأمر هنا بِمَعنى المأمور، أي الذي كَوَّنَهُ الله تعالى بِأَمْره، فقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلَّم عن بدْء هذا العالم المَشْهود، لا عن بدْء المخلوقات، لأنَّهم لم يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حالَ كَون عرْشِه على الماء، ولم يُخْبرهم عن خَلْق العرش الذي هو مخلوق قبل السماوات والأرض.
وأيْضاً قال: كان الله تعالى ولم يكن شيء قبله، وقد رُوي معه ورُوِيَ غيره والمجلس كان واحِداً، فَعُلِمَ أنَّه قال أحد اللَّفظين، والآخران رُوِيا بالمعنى ولَفْظ (قبْل) ثبت عنه في غير هذا الحديث.
فكلمة غيره، ومعه، وقبْله كانت بِمَجْلس واحد، ففي حديث مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَالظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَالْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ ]
واللَّفظان الآخران لم يثبت واحِدٌ منهما، ولهذا كان كثير من أهل الحديث يرْويه بِلَفظ غَيْر كالحُمَيدي، وإذا كان كذلك لم يكن في هذا الحديث تَعَرُّض لابْتِداء الحوادِث، ولا لأوَّل مخلوق.
وأيضاً فإنَّه قال: كان الله ولم يكن شيء قبله ومعه أو غيره، وكان عرشه على الماء، وكتَبَ في الذِّكْر كلّ شيء، فأخْبَرَ عن هذه الثلاثة بالواو، وخلق السماوات والأرض، ورُوِيَ بِثُمَّ، فظَهَر أنَّ مَقْصودَهُ إخبارهم إيَّاه بِبَدْء خلْق السماوات والأرض وما بينهما، و هي المخلوقات التي خلقَت في سِتَّة أيام لا ابْتِداء الخلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذَكَر السماوات والأرض بِما يدلّ على خلقهما، وذَكَر قبلهما بِما يدُل على كوْنِه ووُجودِه، ولم يتَعَرَّض لابتِداء خلقِه له.
وأيْضاً، فإنَّه إذا كان الحديث قد ورَدَ بِهذا وهذا، فلا يُجْزَم بِأَحَدِهما إلا بِدليل، فإذا ترجَّحَ أحدهما على الآخر فَمَن جَزَمَ بأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلَّم أراد المعنى الآخر فهو مُخطئٌ قطْعاً، ولم يأتِ في الكتاب ولا في السنَّة ما يدلّ على المعنى الآخر، فلا يجوز إثباته لِما يُظَنُّ أنَّه معنى الحديث، ولم يُرِد كان الله، ولم يكن شيءٌ معه مُجَرَّد، وإنَّما ورَدَ هذا على السِّياق المَذْكور، فلا يُظَنُّ أنّ معناه الإخبار بِتَعطيل الربِّ تعالى دائِماً عن الفِعْل إلى خلق السماوات والأرض، أيْ: قبل أن يخلق، فهُوَ تعالى خَلاَّق، وقبل أن يفْعل هو فعَّال، وقبل أن يُريد هو مريد، وهذا هو المعنى، فَدَائِماً الله تعالى قادِر على أن يفْعَل، ولو لم يفْعل.
الله تعالى موجود و لا شيء قبله أو معه أو غيره :
آخر فقْرة: وقوله صلى الله عليه وسلَّم: كان الله، ولا شيء قبله، أو معه،أو غيره، وكان عرْشُه على الماء لا يَصِح المعنى أن يكون الموجود وحْده، ولا مخلوق أصْلاً، لأنَّ قوله تعالى: وكان عرْشه على الماء يرُدُّ ذلك، فإنَّ هذه الجملة؛ وكان عرشه على الماء إمَّا حالِيَة، أو مَعْطوفَة، وعلى كِلا التَّقْديرَيْن، مَخْلوقٌ ومَوْجود في ذلك الوقت، فَعُلِمَ أنَّ المعنى أنَّه لم يكن شيء من هذا العالم المَشْهود يوْمَ خلَق، إلا أنَّه كان هناك عرْش، ولا يعلم حقيقة العرْش إلا هو، والإنسان كلَّما تأدَّب قال: لا أدري.
وإن شاء الله في الدرس القادم نُتابِعُ هذا الموضوع.





20/12



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 01:49 PM   #15


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : الله عز وجل لة معنى الربوبية ولا مربوب






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا، وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الله تعالى له معنى الربوبِيَّة ولا مَرْبوب ومعنى الخالق وما مخلوق :
أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا فيما أعْتَقِد إلى قوْل الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "له معنى الربوبِيَّة ولا مَرْبوب، ومعنى الخالق وما مخلوق".
إنّه سبحانه وتعالى قبل أن يخلق كان له معنى الخالِق، وقبل أن يكون ربًّاً كانت له الربوبِيَّة، فهو تعالى موصوف بالربّ قبل أن يوجَد مَرْبوب، وَمَوْصوف بكونه خالِقاً قبل أن يكون مَخْلوق، هذه الفِكْرة هي مِحْور دَرْسَين أو ثلاثة، فالله سبحانه وتعالى لا تُنفَى صِفاته قبل أفعاله، بل هي مُسْتَمِرَّة قبل فِعْلِهِ وبعد فِعْلِه.
قال أحد المشايِخ الشَّارحين: وإنَّما قال: له معنى الرُّبوبِيَّة، ومعنى الخالق دون الخالِقِيَّة، لأنَّ الخالِق هو المُخْرِج للشيء من العَدَم إلى الوُجود لا غير، والربّ يقتضي معانيَ كثيرةً، وهي المُلْك.
الربّ أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلى الإنسان :
بالمناسبة أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلى الإنسان هو الربّ، لذلك الحمد لله ربِّ العالمين، قال: هو المُلْك، والحِفظ، والتَّدْبير، والتَّرْبِيَة، وهي تبليغ الشيء كماله بالتَّدْريج، فأنت لك مُرَبٍّ هو الله تعالى، فإذا ربَّاك إنسان فهو يُرَبِّيك بِإلْهامٍ من الله عز وجل، ولِكُلِّ شيء حقيقة وما بلَغَ العَبْدُ حقيقة الإيمان حتَّى يَعْلَم أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئه، وما أخْطأهُ لم يكن لِيُصيبَهُ، فلا جَرَم أنّه أتى بِلَفْظٍ يشْمل هذه المعاني، وهي الرُّبوبِيَّة.
وفيه نَظَر، فكما أنَّ الربوبِيَّة لها معانٍ كثيرة، فالخَلْق أيْضاً له معانٍ كثيرة، فَمِن معانيها التَّقْدير، فالله عز وجل يَخْلِق، وقبل الخَلْق هناك إرادَة، وقبل الإرادة يوجد عِلْم، فَمِن لوازِم الخَلْق وُجود إرادَةٍ، ومن لوازِمِ الإرادة وُجود العِلْم، فالإنسان كما تعلمون جميعاً يعتريه نقصٌ، وكُلُّ إنسانٍ يؤخَذ منه، ويرَدُّ عليه.
أكبر خطأ ارتكبه المسلمون اليوم أنَّهم قاسوا الخالق على المخلوق :
قَوْلُهُ: وكما أنَّهُ مُحيي المَوْتى بعدما أحْيا، اسْتَحَقَّ هذا الاسم قبل إحْيائِه، كذلك اسْتَحَقَّ اسم الخالِق قبل إنشائِه، وأنت تشعر أنَّ هناك فِتْنة صارَت ومشكلة في عُصور تأليف هذه الكُتب، وهذه الفِتْنة جاءَت من تَحْكيم عِلْم الكلام المُسْتَوْرَد إلى الشَّريعَة الإسلامِيَّة، وأكبر خطأ وَقَع به علماء المسلمين أنَّهم اقْتَبَسوا عُلوماً من مُجْتَمَعاتٍ وَثَنِيَّة وَطَبَّقوها على دينهم، فَأوْقَعُوا الناس في حَرَجٍ شديد، لذلك هذه الكتب تريد أن تُعيد للإسلام صفاءَهُ، ولِهذا الدِّين نقاءَهُ، وكما أنَّهُ مُحيي المَوْتى بعدما أحْيا، اسْتَحَقَّ هذا الاسم قبل إحْيائِه، كذلك اسْتَحَقَّ اسم الخالِق قبل إنشائِه، أكبر خطأ قياس الخالق بالمَخلوق، مَثَلاً: لو فرَضْنا أنَّه بعدما انتهى الدَّرْس أغْلَقْنا الباب جميعاً، وعُدنا بعد حين فإذا هذه الطاوِلَة في مكان آخر، سَتَقولون جميعاً: مَن الذي نَقَلَها إلى هذا المكان؟ لأنَّه مُرَكَّبٌ في أعْماقِنا أنّ هذه جماد، ولا تنتقل إلا عن طريق إنسان، لكن لو وَجَدْتَ زميلاً لك واقِفاً هنا، تَكَلَّمْتَ مع آخر، ثم التفتَّ فإذا بك تجده هناك ! هل تقول: مَن نقَلَهُ؟ لا، لأنَّ فيه الحركة، ومِن السُّخف أو الخبث أن تقيس صِفات هذا الإنسان الحيّ، والمريد، والمتنَقِّل، على هذه الطاوِلَة الجامِدَة، لذلك يَبْدو لي أنَّ أكبر خطأ أنَّهم قاسوا الخالق على المخلوق، لذا لما قال تعالى:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾
[سورة الإسراء: 1]
كلمة (سبحان) تعني: أنْ يا عِبادي هذا الحَدَث الذي سوف أذْكُرُه لكم لا تقيسوه بِمِقْياسِكم، ولا بِأرضِكم، ولا بِمَكانكم، ولا بِزَمانكم، إنَّما هو مِن فِعْل الله تعالى المباشِر، وهو فوق المكان والزَّمان، وفوق القوانين، فما عليك إلا أنْ تطمئنّ، وترتاح، وما بعد الموت هناك قوانين لا علاقة لها بِما بعد الموت، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 169]
فهذا أكبر إشْكال في عِلْم التَّوحيد ؛ قِياس الخالق على المخلوق. الله تعالى قادِرٌ دائِماً على إحياء الموتى :
وكما أنَّهُ مُحْيي الموتى بعدما أحْيا اسْتَحَقَّ هذا الاسم ـ وهمزته أيْ همزة اسم ـ همزة وَصْل، فالإنسان قد ينسى كتابة همزة القطع، وهذا يُفَسَّر بالسَّهو، أما إن كتب همزة الوصل همزةَ قطعٍ فهذا يُفَسَّر بالضَّعْف، فإهْمال ما حقُّه الإثبات يُفَسَّر بالسَّهْو، أما إثبات ما حقُّه الإهْمال يُفَسَّر بالضَّعْف، فلو كتَبْتَ أخذ بهمزة الوصل؛ (اخذ) نقول: سها، أما لو وَضَعْتَ همزةً على (اسْتيقظ) هكذا (إسْتَيْقَظ) فلا نقول: سَها، أو كان مُسْتَعْجِلاً، هذا جَهْل ! - ولو أردنا أنْ نَتَعَمَّقَ أكثر؛ نسأل ونقول: ما فلْسَفَةُ همزة الوَصْل؟ الأصْل أنَّ هذه الهمزة حرف مزيد، لماذا؟ لأنَّ العرب لا تبدأ بِساكِن، فإذا كانت الكلمة تبدأ بِحَرْف ساكن نضيف زائِداً مَكْسوراً، والقاعِدَة المختصرة: أنَّ أيَّة كلمة تبدأ بِهَمْزة أَضِفْ لها واواً فإن بَقِيَتْ فأَبْقِها، وإن سَقَطَتْ فأسْقِطْها، هذا الكلام ذكرناه لأنَّ كلمة (اسم) كتبَت في الكتاب على شكل (إسم)، وهو خطأ.
قال رحمه الله: وكما أنَّهُ مُحْيي الموتى بعدما أحْيا اسْتَحَقَّ هذا الاسم قبل إحْيائِهم، كذلك اسْتَحَقَّ اسم الخالِق قبل إنشائِه، يعني أنَّه سبحانه وتعالى مَوْصوف بأنَّهُ يُحيي الموتى قبل إحْيائِهم، وقادِرٌ دائِماً على إحياء الموتى، فَكَذلك يوصَف أنَّه خالقٌ قبل خلقِه إلْزَاماً للمعتزِلَة ومَن قال بِقَوْلِهم، كما حَكَيْنا عنهم فيما تَقَدَّم، وتَقَدَّم تقرير أنَّه تعالى لا يزال يفعل ما يشاء، والمعتزِلَة فِرْقَةٌ حَكَّمَت عَقْلَها في كُلّ شيء، وجَعَلَتْ عقْلها هو الحكَم، مع أنَّ الدِّين في الأصْل نَقْلٌ، والعَقْلُ لِفَهْم النَقْل، لا لإلْغائه، فإذا ألْغَيْتَ النَّقْل بِعَقْلِك، فأنت مُعْتَزِلي، وهي فِرْقَة ضالَّة اعْتَمَدَت على عَقْلِها فأصابَتْ حينًا وأخْطأَتْ أحْيانًا.
الإنسان نِسْبي أمَّا الإله فمطلق فكلّ شيء وَقَعَ أراده الله وكل شيء أراده الله وقَع :
قوله: ذلك بأنَّه على كلّ شيءٍ قدير، وكل شيء إليه فقير، وكلّ أمْرٍ عليه يسير لا يحْتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء، وهو السَّميع البصير، وذلك إشارَةٌ إلى ثُبوت صِفاته في الأزَل قبل خلقِه للعالم، والكلام على كُلِّ؛ على كُلِّ شيءٍ قدير، وشُمول كلّ في كلّ مقامٍ على حَسَب ما يحْتَفُّ به مِن القرائِن.
نحن عندنا قاعِدَة وهي أنَّ الإنسان نِسْبي أمَّا الإله فمطلق، والإنسان ممكن أن يُصيب تسعاً وتسعين مرَّة، ويغلِط مرَّة، هذا عالِمٌ كبير أما الإله فالخطأ من جهته مَنْفِيّ، وهو تعالى مُنَزَّهٌ عن الخطأ صغيره وكبيرِهِ، لذلك كلّ شيء وَقَعَ أراده الله، وكل شيء أراده الله وقَع، وإرادة الله تعالى مُتَعَلِّقَةٌ بالحِكْمة المطلقة، وحِكْمَتُهُ المطلقَةُ مُتَعَلِّقَة بالخير المطلق، وهذه الحقيقة إذا اسْتَوْعَبْناها لم يبْقَ في الأرض هَمٌّ ولا حَزَن.
قُدْرَةُ الله مُتَعَلِّقَة بِكُلّ شيء ولا شيء يعْجِزُهُ :
وقد حَرَّفَتْ المعتزلة المعنى المَفْهوم مِن قوله تعالى:
﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة الحشر: 6 ]
أي قُدْرَةُ الله مُتَعَلِّقَة بِكُلّ شيء، ولا شيء يعْجِزُهُ، فقالوا: إنَّهُ قادِرٌ على كُلِّ ما هو مَقْدور له، وأما نفْسُ أفعال العِباد فلا يقْدِرُ عليها عندهم، فالله تعالى خلَقَ الإنسان، وأعْطاهُ قُوَّةَ فعْلٍ، فلا علاقة بالله مع الإنسان في شؤونه !! وهي نَظَرِيَّة غَرْبِيَّة، يقولون: الله خَلاَّق وليس فعَّالاً! وهناك ألف ردّ ورَدّ على هؤلاء، فلو أنَّ الله تعالى أعْطى القُدْرات بالتَّساوي، فهو تعالى خلق الفقير والغنيّ، والقويّ والضَّعيف، فإذا قلتَ: الله تعالى فعَّال، معنى ذلك أنَّ من أعْطى للظالِمِ قُوَّةً فهُوَ أظْلَمُ منه، الآن ماذا تفعَلُ دولةٌ أمام سِلاح نَوَوِي ؟! مَقْهورة إنْ لم يكن لله تعالى دَخْل؛ بل خَلَقَ وتَرَكَ كما يقولون ! والآيات التي تردَّ عليهم مقالتَهم واضحةٌ كالشَّمس، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾
[ سورة الزمر: 62 ]
وقال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأعراف : 54]
الله عز وجل خلاق و فعّال معاً :
الغَرْبُ كلُّهم يؤمنون أنَّ الله تعالى خلاَّق فقط، وليس فعَّالاً، بل الفعلُ فعلُ الإنسان! أما الدِّين الحنيف، وعقيدته الصَّحيحة تقول: إنَّ الله تعالى خلاَّق، وفَعَّال، والإنسان لا يمْلِكُ إلا الكَسْب فقط أو الانْبِعاث إلى العَمَل، وقد ضَرَبْتُ مرَّةً مثلاً للتَّوْضيح، فهذه المصابيح لو كان لها مِفتاح سرِّي، وأنا الذي أتَحَكُّم بها عنْ بُعْد، وقلت لأحد الأخوان أطفِئْ بعضاً منها، فقام، ولبَّى الطَّلب، ثمَّ أمرتُ آخر بالطَّلب نفسِه فرفض أن يُلَبِّي، فماذا فَعَلْتُ بهذا؟ كَشَفْتُ طاعَةَ الأوَّل، ومَعْصِيَةَ الثاني، والفِعْلُ ليس فعْل الأوَّل، ولا الثاني، هذه هي الحقيقة: عندها لا بِها، وهذا هو التَّوْحيد، فأنت أمام وَحْش قَوِيّ، ووَحْش، وعَدُوّ لئيم، قال تعالى:
﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴾
[ سورة هود: 55 ]
وتنازَعوا، هل يقدر على مِثْلِها أم لا؟ فلو كان المعنى على ما قالوا لَكَان هذا بِمَنْزِلَةِ أن يُقال: هو عالِمٌ بِكُلِّ ما يعْلَمُهُ، وخالِقٌ لِكُلِّ ما يخْلقه، ونحو ذلك مِن العِبارات التي لا فائِدَة منها، فسَلَبوا صِفَة كمال قدْرته على كلّ شيء، فإذا كان يَعْلَم يخْلُقُ الذي خَلَق، ويعْلَمُ الذي عَلِمَ، هذا كلام اسمه تَحْصيل حاصِل، ولا معنى له! أما كمال قُدْرَتِه أن يخلِقَ الذي خَلَق، وهو على كلّ شيء قدير، على الذي خَلَق وعلى ما لم يخْلق، وقُدرته مُتَعَلِّقَة بكلّ شيء.
وأمّا أهل السنَّة فَعِنْدهم أنَّ الله على كلّ شيء قدير، وأنَّ كلّ ممْكِن مُنْدَرِج في هذا وضمْنه، فهو قدير على خَلْق هذا العالَم، وهو خلقه فهل يقدِر أن يخْلِق عالَماً مُضاعَفًا ضِعْف الحَجْم ؟! نعم، فالفَرْق بين المعتزِلَة وأهْل السنَّة؛ أنَّ المعتَزِلَة قالوا: إنَّ الله على كلّ شيء قدير، على خَلْقِ ما خلَقَ، أما أهْل السنَّة فهُوَ قدير على خلْق كلّ شيء، فهو تعالى خَلَقَ هذا الخَلْق بِهذا الحجْم لِحِكْمَةٍ أرادها، أما لو أراد أن يخلق حجْماً أكبر لَخَلَقَ، فَهُوَ تعالى لا شيء يَحُدُّ قُدْرَتَهُ، ولا شيءَ يَحُدُّ عِلْمَهُ قال: وأما المُحالُ لِذاتِه مثْلُ كَوْن الشيء الواحِد مَوْجوداً مَعْدوماً في حالٍ واحِدَة ؛ فهذا الشيء مُسْتَحيل! الله تعالى يعلمُ ما يكون قبل أن يكون ويكْتُبه وقد يذْكره ويُخْبِرُ به :
كلُّكم يعْلَم أنَّ هناك واجِب الوُجود، ومُمْكِن الوُجود، ومُسْتَحيل الوُجود، وعندنا طائِفَة من المُسْتَحيلات لطيفَة؛ فالمُسْتَحيل كَوْنُ الشيء مَوْجوداً ومَعْدوماً في حالٍ واحِدَة! وهذا لا حقيقة له، ولا يُتَصَوَّر وُجوده، ولا يُسَمَّى شيئًا باتِّفاق العقلاء، ومثل هذا الباب خَلْقُ مِثْل نفْسِه، أو إعْدامُ نَفْسِه، وأمْثال هذا مِن المُحال، والأصل الإيمان بِرُبوبِيَّتِه العامَّة، فإنَّه لا يؤمن بأنَّهُ ربُّ كُلِّ شيء إلا مَن آمَنَ أنَّهُ قادِرٌ على تِلْك الأشياء، ولا يؤمن بربوبِيَّتِه وكمالِها إلا مَن آمَنَ أنَّه على كلّ شيءٍ قدير، وإنَّما تنازَعوا في المَعْدوم المُمْكِن؛ هل هو شيءٌ أم لا ؟ فالله تعالى خلق خمْسة ملايين من البشر، فهل يستطيع أن يخلِق خمسة ملايين أخرى؟ هو قادِر على ذلك تعالى، ولكن هذا المَعْدوم المُمْكِن فهل هذا شيء أم لا ؟! قال: وإنَّما تنازَعوا في المَعْدوم المُمْكِن؛ هل هو شيءٌ أم لا ؟ التَّحقيق أنَّ المعدوم ليس بِشيءٍ في الخارِج، ولكنَّ الله يعلمُ ما يكون قبل أن يكون، ويكْتُبه، وقد يذْكره ويُخْبِرُ به، كَقَوْلِهِ تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة الحج: 1 ]
فهو تعالى قال: شيء ! فَيَكون شيئًا في العِلْم، والذِّكْر، والكتاب، لا في الواقِع، ولا في الخارِج، مثَلاً: ساحَة عامَّة فارَغَة إذا أرَدْنا أن نُقيم فيها احْتِفالاً، نضع كراسي، وصناديق، وأغْطِيَة، وتَزْيينات، ولكن لمَّا نُخَطَّط على الوَرَق نكون تَصَوَّرنا هذا الشيء، ولم نعْمله، فالشيء المعدوم الممكن هو شيء، لِقَوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة الحج: 1 ]
وكما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
[ سورة يس: 82 ]
وقال تعالى: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾
[ سورة مريم: 9 ]
أي لم تكن شيئًا في الخارج، وإنَّما كان شيئًا في عِلْم الله تعالى، وقال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾
[ سورة الإنسان : 1]
فالمُمْكِن غير المعدوم، هذا شيء، وهو مَوْجود في عِلْم الله، وغير موجود في الواقِع، وفي الخارج. الله تعالى له نَفْس وله عين وصِفات الذَّات نُفَوِّض فَهْمَهَا إلى الله :
وقوله:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
[ سورة الشورى: 11]
رَدٌّ على المُشَبِّهَة، وقوله: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
[ سورة الشورى: 11]
ردٌّ على المعطِّلة، فالمُشَبِّهَة هم الذين شَبَّهوا الله تعالى بِخَلْقِه، والمُعَطِّلَة هم الذين اعْتَقَدُوا أنّ صِفاته هي عَيْنُ ذاتِه، وقد سَمِعْتُ في بلَدٍ عربي خطيباً يخطب على المنبر، وقال: إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربُّكم، ونَزَلَ الخطيب درجة، وقال: كما أنزل أنا! وهم موَحِّدون، ولقد رَفَضُوا المَجازَ في القرآن! فهذا أحد المشايِخ سأل طالباً يَمْتَحِنُه، فقال له: هل تؤمن بالتَّشبيه؟ فقال له: نعم، وما الدليل ؟ قال الطالب: قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾
[سورة الإسراء: 72]
فإذا لغى المجاز كان السائِل بِجَهَنَّم، أما إذا قلنا: هناك مجاز في اللُّغَة، فهو أعْمى القلب، وإذا لم يكن ثمة مَجاز فهو أعمى العَيْن، طبْعًا لم ينجَح الطالب! خَطَبْتُ مرَّةً خطبة، وهناك أخ كريم؛ والله أُحِبُّهُ كثيراً، وهو غَيور على هذا المَسْجِد، فقال لي: لقد قلت: نفس الله عز وجل! فقلتُ له: الله تعالى يقول: ﴿ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾
[ سورة المائدة: 116 ]
فالله له نَفْس وله عين، وصِفات الذَّات نُفَوِّض فَهْمَهَا إلى الله، وأقَلُّ من ذلك نُؤَوِّلُها تأويلاً يليق بالله تعالى، إلا أنَّنا لا نُعَطِّل ولا نُشَبِّه. نهي النبي الناس عن التفكر بذات الله حتى لا يدخلَوا بِمَتاهات تؤدِّي بهم إلى الكُفر :
هناك نقطة، وهي أنَّ الذي ينفي عِلْمَ الله عز وجل أو يُحَكِّم عَقْلَهُ بِذات الله، يَدْخُل بِمَتاهات وَعِرَة جداً، وكلَّما حلَّ مشكلةً تنشأ له مئة مشكلة، ويُكَلِّفُ نفسَهُ ما لا يُطيق، ويُحَمِّل عقله المحدود حمْلاً كالجبال، ويسحق عقله لأنَّك أنت تُخاطِب إنسانًا فما هو الذي يدفعك لكل هذه المتاهات؟ أنا أُجيب عنك؛ الذي يَدْفَعُك لهذه المتاهات تَبْرِئَةُ الله عز وجل مِن الذلّ، الله تعالى لا يظلمنا لا فتيلاً ولا قطميراً، ثُمّ تُدْخل عقلك بِذات الله، والنبي عليه الصلاة والسلام نهاك، حتى لا تدخلَ بِمَتاهات تؤدِّي إلى الكُفر بِعَيْنِه.
ما مِن حَدَث يقع إلا ووراءه سبب وحِكْمة :
ثمَّ إنّ هناك نقطة دقيقة جداً، وهي أنَّك لا تستطيع أن تثبت عدالة الله بِعَقْلِك إلا بِحالةٍ واحِدَة؛ وهي أن يكون لك عِلْم كَعِلْمِ الله، حكى لنا أخ من أخواننا، وهو يعمل عند أخيه، أُصيب أخوه بِمَرَض خبيث، وأمُّه جاهِلَة، قالت له: اكتب المَحَل، والسيارة، والمعمل، باسم أخيك، فقال لها: وَزَوْجَتي! فقالت له: غداً يأتي غيرك، ويتزَوَّج امرأتك، ويأخذ كلّ شيء! فأُمُّه جاهلة، وهو أجْهَل مِن أمِّه، فهذا الأخ الذي يعمل عند أخيه بعد شهرين تزَوَّج ـ طبعاً ماتت الأمّ و مات الأخ كذلك ـ فأخذ هذا الأخ السيارة والمعمل، ولم يعْط قِرْشًا للوَرَثَة، فتَقول له زوْجته: أين المعمل؟ فيقول لها: باعه لأخيه، أين ثمنه؟ لا نعرف! سنة بِكَامِلِها، وبعدها أصيبوا في حادِث سيرٍ، المغتصب وعائلته ماتوا كلّهم، فرجع الحق لأصحابه، واسْمَحوا لي أن أقول لكم: إنَّه ما مِن شيء يقع من آدم إلى الآن إلا ووراءه أسباب، كل شيء وَقَعَ أراده الله، وكما أراده الله وقع، وإرادته مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المطلقة، وحِكْمَتُهُ المطلقَة مُتَعَلِّقَة بالخير المطلق، هناك عَدل مطلق من الله تعالى، في كُلّ الخَلْق والبشَر لا يوجد إنسان مَظْلوم.
قال: ليس كمثله شيء رَدٌّ على المُشَبِّهَة، وقوله: وهو السميع البصير ردٌّ على المعطِّلة، فهو سبحانه وتعالى موْصوف بِصِفات الكمال وليس له فيها شبيه، فالمَخْلوق وإن كان يوصَفُ بِأنَّهُ سميعٌ بصير فليس سَمْعُهُ وبَصَره كَسَمْع الربّ وبصره.
اسْتَوْقفَني أحد الأخوة التجار، وقال لي: فلان مِن الناس جاء لِيَفْتَحَ مَحَلَّهُ فإذا بِرَصاصَة تأتي في عموده الفقري فَجعلَتْهُ مَشْلولاً ! ثم قال لي: ماذا فَعَلَ هذا؟ أليس هذا مكاِن عَمَله؟ بعد عشرين يوماً حدَّثني أخٌ، فقال: لنا جار اغْتَصَبَ أموال الأيتام؛ أولاد أخيه ! واشْتَكوا للشَّيْخ حسين خَطَّاب، فَجَمَعَهم الشَّيْخ كي يتَّفِقُوا، فَرَفَضَ هذا المُغْتَصِب أن يعطيهم شيئًا! فقال الشيخ حسين خطَّاب حينها: إيَّاكم أن تَشْكوه إلى القَضاء، ولكن اشْكُوه إلى الله تعالى! وكانت القِصَّة في الساعة الثامِنَة مساءً، وفي الساعة التاسِعَة صباحاً كان المغتصِبُ مَشْلولاً، فأنا أقول لكم مرَّةً ثانيَة: ما مِن حَدَث يقع إلا ووراءه سبب وحِكْمة، فأنت إذا أرَدْتَ أن تُنَزِّه الله تعالى فلا يجعلك هذا تنفي عنه العِلْم، فإنّ الله لم يكلِّفْك بِهذا، ونَزِّهْني كما أُريد، وليس كما تريد! لذلك لا تُحاوِلوا بِعُقولِكم أن تدخُلوا في مَتاهات الذات الإلهِيَّة، ولا تُفَكِّر أن تَحُل القضايا بِعَقْلِك، فأنت حادِث ومَحْدود، فالأَوْلى بالنسبة للآيات التي ذَكَرت صِفات ذاته تعالى؛ إما أنْ تُفَوِّض معناها إلى الله تعالى، وإمَّا أن تُؤَولَها تأويلاً يليق بالله عز وجل، إلا أنَّك لا تُعَطِّل، ولا تُجَسِّد، ولا تُحكِّمْ عقلِك، فهؤلاء هم المعتزلة الذين حَكَّموا عُقولهم في كلّ شيء.
العقل و النقل :
يقولون: من دون العَقْل لا نفهم النَّقْل! الجواب: نعم فالعَقْل له دور خطير في النَّقْل:
أوَّلاً: مُهِمَّةُ العَقْل قبل النَّقْل إثبات صِحَّة النَّقْل، ومُهِمَّة العقل بعد النَّقْل فَهْمُ النَّقْل، إلا أنَّه ليس للعَقْل إلغاء النَّقْل، فلو فَرَضْنا أنَّنا قلنا لك: لك مُهِمَّة تقديم رواتب هؤلاء المُوَظَّفين، فإذا بك تقول: دَعونا من الرواتِب ! أنت مُهِمَّتُك تقديم الرواتب لا إلغاؤُها، ومَثَلٌ أوْضَح مِن ذلك: أنت وكيل لإنسان عظيم، وأعْطاك مُهِمَّة وقال لك: أمامك اثنا عشَر بنداً عليك أن تُنَفِّذَها، والعَمَلِيَّة تُكَلِّف مليونًا، وأنت معك الملايين مِن مالِهِ، فبِما أنَّك وكيله فعليك أن تتأكَّد مِن صِحَّة النَّقْل، فلعَلَّ هذا ليس توقيعه، لأنَّه إذا لم يكن توْقيعُه يقول لك: لمَ تصرَّفتَ هكذا؟ فادفع المليون من جَيْبِك، فإنَّه ليس توقيعي! فأنت مُكَلَّف أن تَتَحَقَّق من صِحَّة التَّوْقيع، فلو قال لك: أعْطِ فلانًا ألف دينارٍ ونصفه! يا ترى هل هو ألف دينار ونصف دينار، أو ألف وخمسمئة؟! سَلْ علماء اللُّغَة: على مَن يعود هذا الضَّمير، وهذا عِلْم الأصول؛ استنباط الحُكْم الشرعي من النَّص الكُليّ فَعَقْلُكَ مَسْموح له أن يتأكَّد من صِحَّة التوقيع، أو مَدْلول النَّص.
فلما يُلغي عقلُك النَّقلَ، لم تعُد تعبد الله، أما عقلك من حَقِّه التأكُّد مِن صِحَّة النَّقْل، وفَحْواه، فالعَقْل عن طريقه نفهم أصْل النَّقْل، وعن طريقِهِ نُثْبِتُ صِحَّة النَّقْل، وعن طريقِه نفْهَمُ النَّقْل، إلا أنَّ العَقْل غير مسْموح له أن يُلْغي النَّقْل.
مثَلٌ آخر، مريض مصاب بالتهاب بالمعِدَة، بِعَقْلِه يبْحث عن أحْسَن طبيب، وعن أكثرِهم خِبْرَةً، لكن عندما يصِل إلى هذا الطبيب، ويدخل عنده فهل يستخدِم عقْله؟‍‍! هنا انْتَهَت مُهِمَّة عَقْلِكَ، فَهُوَ أوْصَلَك إلى الطبيب، أمّا الآن فَدَوْرُكَ التلَقِّي، وليس المُحاكمة والتَّدقيق! فأنت كذلك: عَقْلُكَ أوْصَلَك أنَّ هذا كون له خالِق، والله تعالى هو الخالِق، وهذا القرآن كلامه، وهذا الإنسان رسوله صلى الله عليه وسلَّم؛ فهذا هو دورُ العَقْل، ثمَّ جاء دَوْر النَّقْل، أمَرَك الله بالصلاة والصِّيام والزكاة والحج.
فالعَقْل والنَّقل متكامِلان، والعَقْل لا يُمكن أن يختلف مع النَّقْل، لماذا ؟ لأنَّ العَقْل مِقياس أوْدَعَهُ تعالى فينا، والنَّقْل كلامه، والمَصْدر واحِد، والكَوْن خلْقُه، لذلك قالوا: لا يُمْكِنُ لِصَريح المعقول أن يُخالِفَ صحيح المنْقول، وقد أُلِّفَت كُتُب في هذا، تَوافُق المَعْقول مع المنْقول حَتْمٌ واجِب، مثال: هناك عشرة أقْمِشَة قِسْتُها وكَتَبْتُ على كلّ منها عدد أمتارها، فهل يُعْقَل أن أعْطيكَ مِقياساً أكون مخطئًا فيه؟! كذلك هل يُعْقَل أن تكون الحقائق التي في القرآن مناقِضَة للعَقْل؟ وهل يمكن أن يصِل العَقْل إلى نتائِج خاطئة مع القرآن؟
وهذا الموضوع خطير، فأُناس أخذوا بالعَقْل كالمعتزلة، وآخرون وقفوا عند ظاهر النص، وجَمَّدوا عُقولهم، وكلاهما خطأ، فالعَقْل له دَوْر، والنَّقْل كذلك.
عِلْم الحديث وعِلْمُ الأصول علمان أساسيان في الدين :
هناك علوم كثيرة في ديننا، إلا أنَّ عِلْمَيْن منهما هما الأساس: عِلْم الحديث، وعِلْمُ الأصول، فالأوَّل تعرف به صِحَّة النَّقْل، والثاني يدُلُّك على الفَهْم الصحيح للنَّص، ومشكِلَتنا مصدرها إما الأحاديث الموضوعة، أو الغلط في الفَهْم، فنحن إذا أمْكننا أن نضبط النَّقل والتأويل اتَّفَقْنا، وأنا أقول: لو ألْغَيْنا الأحاديث الضَّعيفة، والفَهْم العَشْوائي للنُّصوص، نَجْتَمِع على مذهبٍ واحد، فعلى الإنسان أن يتأكَّد من الحديث، أو يرْويه بِصيغَة التَّمْريض.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 01:51 PM   #16


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : خلق الخلق بعلمة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الترضي يكون إما من باب الدعاء أو الإقرار :
أيها الأخوة المؤمنون، وصَلْنا في كتاب العقيدة الإسلاميَّة للإمام الطحاوي عند قَوْل الإمام الطَّحاوي رضي الله عنه، والتَّرَضي هنا من باب الدُّعاء لا الإقرار، فالصَّحابة نتَرَضَّى عنهم من باب الإقرار، والله تعالى قال:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
[سورة الفتح: 18]
أما إن ذَكَرْنا رَجُلاً صالِحاً وتَرَضَّيْنا عليه فهذا تَرَضٍّ دُعائيٍّ لا تَرَضٍّ تَقْريري، كأن تقول لإنسانٍ فقير: أغْناك الله! أي أرْجو الله أن يُغْنِيَكَ، أما إذا قلْتَ لإنسانٍ غَنِيٍّ: لقد أغناك الله؛ كان هذا من باب التَّقرير، وإن كان أخوكم المُتَحَدِّث يميل إلى قول: رحمه الله تعالى عند ذِكْر الأئِمَّة، حتَّى يكون هناك فرْقٌ واضِح بين الصَّحابة الكِرام، والعلماء الذين جاؤوا بعدهم. خَلَقَ أي أنْشَأ وأبْدَعَ وأوْجَدَ، ويأتي خَلَقَ بِمَعنى قَدَّر، والخَلْق مَصْدر خَلَقَ الخَلْق بِعِلْمِه.
أيها الأخوة، هذا موضوع دقيق دقيق، وحَسَّاسٌ حسَّاس، لأنَّ فِئاتٍ كثيرة ضَلَّت وأضَلَّتْ، وزَلَّتْ أقْدامُها في هذا الموضوع، فأرْجو الله سبحانه وتعالى أن تُعْطوني آذانكم وإصْغاءكم لِما سأقول قبل أنْ أقْرأ وأشْرَح. العقل أداة مَعْرِفَة الحقائق ولكن له طاقَة مَحْدودة :
كُلُّكم يَعْلم أنَّ العَقْل مَحْدود الإمْكانات وذلك لِحِكْمةٍ أرادها الله تعالى، فأَنْ تَعُدَّ عَقْلَكَ كُلَّ شيء، وأنَّهُ بِإمْكانه أن يفْعَلَ كلّ شيء؛ هذه فِكْرة ساذِجة، ويعتقِدُها الأطفال، فَعَقْلُكَ أداة مَعْرِفَة الحقائق، ولكن له طاقَة مَحْدودة فَحَيْثُما وَجَّهْتَهُ إلى المادَّة لِتَخْتَبِر مُنْشِأها، وإلى الخَلْق لِتَعْرِفَ خالِقَهُ، وإلى النِّظام لِتَعْرِفَ نِظامَهُ، وإلى الفِطْرة لِتَعْرِف من فْطَرَها فحَيْثُما تَوَجَّهْتَ إلى المادَّة بِعَقْلِكَ كَشَفَ لك ما وراء المادَّة، وهذه المُهِمَّة سَمَّاها العُلماء الاسْتِدْلال، وهذه هي صَلاَحِيَّة العَقْل؛ تنْظر في الكون فَتَرى المُكَوِّن، وتنظر في النِّظام فَتَرى المُنَظِّم، وتنظر في الإبداع فَتَرى المُبْدِع، وتنظر في الجمال فَتَرى الجميل، وتنظر في الحِكْمة فَتَرى الحكيم، وإيَّاكم ثمَّ إيَّاكم أن تُحَمِّلوه ما لا يُطيق، وأن تُقْحِموه في عالَم الغَيْب؛ عِنْدَئذٍ يأتيكم بِنَتائِج مُضْحِكَة، لذلك الذين ضَلُّوا وأضَلُّوا ماذا فَعَلوا؟ سَلَّطوا عُقولهم على موضوعات غايتها في الدِّين الإخْبار، فأنت في حلَقَة الإحْساس، أو حَلَقَة العَقْل، أو حَلَقَة الإخْبار: ذاتُ الله عز َّوجل وأسْماؤُه وصِفاتُه، الماضي السَّحيق والمستقبل البعيد، عالَمُ الغَيْب وعالَم الملائكة وعالَم الجنّ؛ هذه مَوْضوعات إخْبارِيَّة لا نَمْلِك فيها إلا الخَبَر الصادِق، وأيَّةُ زِيادَةٌ على الخَبَر الصادِق هي زِيادَة وَهْمِيَّة وظَنِيَّة، وليْسَت قَطْعِيَّة، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَلا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ ))
[ الكشاف عن عبد الله بن عباس]
لذا وَطِّن نَفْسَك على أن تَخوض في آيات الله التي تتحدث عن خَلْقِه، وأن تُمْضي حياتَكَ كُلَّها في التأمُّل في مَخْلوقات الله وعَظَمَتِها، وكُلَّما زِدْت في الكَون تَفَكُّراً كلَّما زِدْت بالله تعالى مَعْرِفَة بأسمائِه وصِفاته الفضلى، أما إذا زَلَّتْ قَدَمُك وسَلَّطْتَ عَقْلَك على معْرِفَة ذات الله، فَهُنا المشكلة، ومِن هنا أخطأ المعتَزِلة، وزلَّتْ أقْدامهم؛ حينما جَعَلوا عَقْلَهم حَكَماً على الغَيْبِيَّات، فَكَّروا في ذات الله بِهذا العَقْل المَحدود، وأرادوا به أنْ يسْتَوْعِبوا هذا الخالق القديم، فَلِذلك هنا المُنْزَلَق؛ موضوع عِلْمُ الله عز وجل، فالإنسان بِمُحاكَمَة ساذِجَة يقول لك: الله تعالى لا يعْلَم، ولو عَلِمَ لكانَ ظالِماً إذاً هو لا يعْلَم؛ أرَدْنا أنْ نُبَرِّئَهُ من الظُّلْم فأوْقَعْناهُ في الجَهْل، والله تعالى ما كَلَّفَكَ أن تُدافع عنه بِهذه الطريقة، فالله عز وجل قال: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[سورة التغابن: 11]
وسَنَرى بعد قليل تَفاصيل هذه الآية. الزَّمَن مِن خَلْق الله والله عزَّ وجل مُحيط بالخَلْق :
لكن؛ سبحان الله!‍ هناك باب واسع يُمْكِن أن يرْقى بِكَ إلى أعلى عِلِيِّين، فلو تأمَّلْتَ حِكْمَة الخالِق فيما خَلَق لرأَيتَ عِلْماً ما بعْدَهُ عِلْم، فأنا لا أُريد أن أُبْعِدَكم عن موضوع حسَّاسٍ جداً؛ ولكني أضرب مثلاً، لو رَكِبْتَ سيَّارةً حديثة سَتَكْشِف أنَّ وراء هذه السيَّارة عقولاً لمُهَنْدِسين، وخُبَراء، وأذْكِياء، وكُلّ شيء في المَرْكَبَة يدُلّ على أنّ الذي صَمَّمَها وقفَ أمام مُشْكلة، وحَلَّها، فالإنسان ينزِل بمُنْزَلق مُنْحَدِر جداً، فَيَضَعُ رِجْلَهُ على المِكْبَح سهواً، فَيُمْكِن لِهذا المِكْبَح أن يحْتَرِق، إلا أنَّ المِكْبح الحديث فيه بَخَّاخ يحوي هواء بارداً، معنى ذلك أنّ الإنسان حلَّ مشكلة، لأنّك تضْطرّ إلى اسْتِعْمال المِكبح بِصورة مسْتَمِرَّة، وأحْياناً يتَعَطَّل شريط مهمّ في السيَّارة، أما الآن فهناك شريط مزْدَوِج، إذا انْقطَعَ الأوَّل بقيَ الثاني ساري المَفْعول، كلَّما أمْعَنْتَ النَّظر في السيارة تجد أنَّ الذي صَمَّمَها على دِرايَة، وعلى عِلْمٍ شديد، ولو فَكَّرْنا في عِلْم الله تعالى بِهذه الطريقة، ودَقَّقْنا في خَلْق الله تعالى، وفي النبات، والحيوان، والإنسان، وفي عِلْم الأجِنَّة، وفي الكَوْن، لَوَجَدْنا في عِلْم الله تعالى الشيء الذي لا يُصَدَّق! ألَيْس هذا الموضوع أجْدى وأوْلى مِن أن نقول يَعْلَم أو لا يعْلَم، وهل الزَّمَن يُحيط بالله عز وجل؟ أم أنَّ الله عز وجل مُحيطٌ بالزَّمَن؟ الزَّمَن مِن خَلْق الله، فَنَحن كَبَشَر مَحْدودون، نقول: اليوم السَّبت، وغداً الأحد، ونقول: هناك شَهْر كذا وكذا، ونقول في عام ألْفَيْن! فنحن لأنَّنا ضِمْنَ الزَّمَن نقول هكذا، لكنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي خلَقَ الزَّمَن وهو من بعض خلقه، والعلماء قالوا: إنَّ الأجسام المادِيَّة لها طول، وعرْض، وارْتِفاع، وهي الأبعاد الثلاثة، أما إذا تَحَرَّكَت أصبَحَ هناك بُعْدٌ رابِع هو الزَّمَن، فالزَّمَن هو البُعْد الرابِع، وحَرَكَة الأفلاك هي سبب تَشَكُّل الزَّمَن، فالزَّمَن بُعْدٌ مِن أبعاد الخَلْق، والله عزَّ وجل مُحيط بالخَلْق، حتَّى إنَّ هناك أشياء كما تعلمون كشَفَها أينشتاين، نحن أجْسام عاكِسَة للضَّوء، فَكَيْف أنّ المُذيع أمام الكاميرا تَظْهر صورته على الشَّاشَة؟ يُسَلَّط عليه عشْرة آلاف شَمْعة من الكهرباء القَوِيَّة، ويُصْبِحُ جَسَدُه عاكِساً للضَّوء، وتخْرُج منه مَوْجات ضَوْئِيَّة، فَنَحن عندَنا مَنْبَع ضَوْئي وعاكِس ضَوْئي؛ فَهذا المِصْباح مَنْبَع ضَوْئي، وهذا الكتاب مثلاً عاكِس ضَوْئي، فالمَنْبَع الضَّوئي والعاكِس الضَّوْئي يُصْدِران أمْواجاً ضَوْئِيَّة، وهي تسير بِسُرْعَة ثلاثمئة وستُّين ألف كيلومتر في الثانِيَة! يقول أينشتاين: لو قُدِّرَ لإنْسانٍ أن يمْشي بِسُرْعَة الضَّوْء لما بَقِيَ هناك زَمَن!
عَيْنُ العِلْم بالله تعالى هي عَيْن الجَهْل به وعيْن الجهل به هي عين العِلْم به :
لو فرضْنا أنَّهُ لا يوجد سَقْف، وكانت هناك إضاءة، ونحن أجسام عاكِسَة تَصْدر عنها أمواج ضَوْئِيَّة نحو الفضاء الخارجي سرعتها ثلاثمئة وستُّون ألف كيلومتر بالثانِيَة، فلو ركِب إنسانٌ مَرْكَبَةً وسار مع هذه الأمواج، ماذا يحْدُث؟ يرى هذه الجَلْسَة إلى أبَدِ الآبدين، معنى ذلك أنَّ الزَّمَن تَوَقَّف، ويكون أخواننا كَبروا، وجاءهم الأولاد، وأصبحوا دعاة، وأصْبَحوا أجداداً، وأخونا الذي يمْشي مع الضَّوْء يرى هذا المنظَر هو هُو! أما لو سَبَق الضَّوء لتراجَعَ الزَّمَن، والآن هناك دِراسات تقول: إنَّهُ يُمْكِن أن نرى معْرَكَة اليَرْموك! فلو أنَّ معركة مضى عليها مثلاً ألف سنة، فلو سَبَقْنا أمواج الضوء، واسْتَطَعْنا أن نُسَجِّل هذه الأمواج، فلو كان لنا جهاز يعْكس هذه الأشياء لرأيْناه، لذا كلّ شيءٍ يعمله الإنسان مُسَجَّل عليه، فأصْبح لدينا أنَّنا إن سبَقْنا الزَّمَن فإنَّه يتراجَع، أو إن نَسْبِقَ الضَّوء يَتَوَقَّف الزَّمَن، وإن نُقَصِّرَ عنه تَراخَى الزَّمن! فَمِنَ السَّذاجَة وضيقِ الأُفُق أن نَجْعَلَ الزَّمَن مُحيطاً بالله عز وجل، وأن تقول: الله لا يعلم ما سيَكون! هذا الكلام بالنِّسْبة لنا، أما بالنِّسْبة لله تعالى فلا حقيقة له؛ لا يعلم ما سيَكون! إنَّما قوله لشيء إذا أراده: كُن فَيَكون، والزَّمَن بعض خَلْقِه، فالذي أُريد أن أَصِل إليه أنَّهُ لا ينبغي أبَداً أن نُسَلِّطَ عُقولنا على موضوعات إخْبارِيَّة أخْبَرَنا الله بها؛ هذه بدايَة موضوعنا، فإذا دَعَوْتَ إلى الله فإيَّاك ثمَّ إيَّاك أن تَخُوض في موضوعات ذات الله عز وجل مُسْتَعيناً بِعَقْلِك، إذْ العَقْل هنا لا يُجْدي، ويجب أن تعرف حُدودك، فالعاقِل هو مَن يعرِف أين يقِف؟ ومتى ينبغي أن يقِفَ؟ لذلك عَيْنُ العِلْم بالله تعالى هي عَيْن الجَهْل به، وعيْن الجهل به هي عين العِلْم به، وكلمة لا أعلم في ذات الله تعالى هي قِمَّةُ العِلْم، فلو قال لك أحد: كم متراً بين البحر الفلاني والبحر الفلاني؟ فلو أجَبْتَهُ لكان هذا عَيْنَ الجَهْل، والعَجْز عن الإدراك إدراك، وهو كلام سيِّدنا الصِّدِّيق، فلِذلك أيها الأخوة، أنت تبقى في أعلى درجات العِلْم، والوَقَار، والهَيْبَة، والمكانة إذا قلتَ عن موضوع مُتَعَلِّقٍ بِذات الله تعالى: لا أعلم! أما أن تَجْعَلَ مِن عَقْلِكَ أداةً تحكم به على كلّ شيء، ولو كان مُتَعَلِّقاً بِذات الله وأسْمائِهِ وصِفاتِه، فهذا تطاوُلٌ وتَألٍّ على الله تعالى، ما أنزل الله به من سلطان.
عِلْمُ الله تعالى لازِمٌ :
قوله: خلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِه، أي أوْجَدَ، وأبْدع، وأنْشأ، ويأتي خلَقَ بِمَعنى قدَّرَ، والخَلْقُ مَصْدر، وهو هنا بِمَعنى المَخْلوق، خلَقَ يخْلِق خلْقاً؛ وبالمناسبَة ما هو المَصْدر؟ المَصْدر ما دلّ على حُدوث عَمَل؛ عَمَلِيَّة التَّمْزيق اسمُها شَقَّ يشُقّ شَقّاً، فالشَّق هو المَصْدر، فَحُدوث العَمَل مُجَرَّداً عن الزَّمن هو المَصْدر، والاسم شيء: فهو ما دَلَّ على إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد، أو أيّ شيء آخر، والفِعْل: ما دلّ على حُدوث عَمَل في زَمَن مُعَيَّن، فالاسم خالٍ من الحرَكَة، أما المصدر ففيه حركَة، والأمثلة في ذلك كثيرة، وهناك صِنْف رابِع، ولكنَّه بسيط؛ صِنْف يدلّ على زَمَن بلا حدوث عَمَل؛ الفِعْل الناقِص، الآن خَلَق يخْلق خلْقاً، عَمَلِيَّة الخَلْق بلا زَمَن، لكن أحْيَاناً يتطابق المصْدر مع الاسم، فالخَلْق اسم، وهو نفسه مَصْدر، لذلك (خَلَق) بمعنى أنْشأ، وأبدع، وأوْجدَ، ويأتي (خَلَقَ) بِمَعنى قَدَّر، والخَلْق هنا مَصْدر، وهو بِمَعنى المَخْلوق، فتأتي كلمة الخَلْق تارَةً مصْدَراً، وأخرى اسْماً، أما قولك: شَقَّ يَشُقّ شَقّاً وشِقّاً، وفرق بينهما، فالشَّق غير الشِّق، وتوضَّأ وُضوءاً ووَضوءاً، وأفعال كثيرة، فالوَضوء اسم، أما الوُضوء فهو مَصْدر، وكذا الماء الذي يُضاف للحليب اسمها عَمَلِيَّة (غِشّ)، أما فعلُ إضافة الماء للحليب اسمها (غَشّ)، وأن تسْتَيْقِظ لتأكل الطعام في رمضان اسمُها سَحُور، أما الطَّعام الذي أمامك اسمهُ سُحور، ففَرْقٌ كبير بين الاسم والمَصْدر، فاللُّغة دقيقة جداً.
إذاً الخلْق هنا بمعنى المخلوق، وقوله: بِعِلْمِه: في مَحَل نَصْب على الحال، أي خَلَقَهم عالِماً بِهم، وقد ذَكَرْتُ لكم موضوعاً دقيقاً، وهو حينما يأتي أخٌ مِن أخواننا الكرام لِيُمْسِكَ هذا الكأس، ويَضَعه هنا، وأنا أعرف ماذا يفْعَل فهذا علمٌ، لكِنَّني إذا أمْسَكْتُهُ أنا، ونَقَلْتُه، فهذا فعلٌ لا علم، ومِن وراء الفعل علمٌ، هذا من باب أوْلى، وهو أبْلَغ، فالفِعْل فِعْلُ الله، فَكَيْف لا يعْلم مَن خلَق؟ ولا يمكن أن يكونَ شيء إلا بالله، وهو الحيّ القَيُّوم، فالحَرَكات، والسَّكنات، وكل شيء في الكون لا يقوم إلا بالله، فالإنسان إذا عَلِمَ فَهُوَ طرَفٌ مُتَفَرِّج، لكنَّ الله تعالى كيف يعْلَم؟ لأنَّه لا يقَعُ شيء إلا بِفِعْلِه، فَعِلْمُ الله تعالى إذاً لازِمٌ، فَمَعنى قول الإمام الطَّحاوي " خَلَق الخلْق بِعِلْمِه" أي خلَقَهُم عالِماً بهم، والدليل القرآني قوله تعالى:
﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
[سورة الملك: 14]
الغَيْب لا يعْلمُهُ أحد إلا الله :
لو أنَّ أحدكم فرشَ بيْتَهُ، واشْترى غرفة النَّوم، وغرفة الضُّيوف، وانتَقى، وبحث في المَحَلاَّت، فهل من المَعقول أن يقول أحَدٌ: هل يعلم ماذا اقْتنى؟! هو الذي اشْترى، وهو الذي نَقَلَ، ورَتَّب. قال تعالى:
﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
[سورة الأنعام: 59]
تعرفون جميعاً أنَّ كلمة: وعنده مفاتِحُ الغَيْب، تختَلِف عن قول: ومفاتِح الغَيْب عنده! فالثانِيَة تعني أنَّ مفاتِحَ الغيب عنده وعند غيرِه، أما الأولى فهِيَ حَصْراً له تعالى، لذا إيَّاك أن تتوَرَّط في حديث عن المستقبل، فإنّ الغَيْب لا يعْلمُهُ إلا الله، ولا النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلَّم يعلمه، فإن عَلِمَ غيْباً فَمِن إعلام الله له، فقد حَدَّثنا النبي عليه الصلاة والسلام عن قِيام السَّاعة، وعلامات آخر الزَّمان، أما أن يعلم الغَيْب لذاته فهذا مُستحيل قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴾
[سورة الجن: 26]
فالله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
[سورة الأنعام: 59]
يعلم دبيب النَّملة السَّمراء على الصَّخرة الصَّماء في الليلة الظَّلماء: يا من ترى مدَّ البعوض جناحهــا في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويا من ترى نياط عروقها في نحرها والمخّ في تلك العظام النُحَّل
***
فَبَاب العِلْم يُعطيك راحة نَفْسِيَّة، والله عز وجل يعلم السرّ وأخفى. على الخَلْق أن يُثْبتوا ما أثْبَتَهُ الله لِنَفْسِه وأن ينفوا ما نفاه وأن يُمْسِكوا عمَّا أمْسَك عنه:
قال تعالى:
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
[سورة الأنعام: 59]
في الآية ردّ على المعتزلة، لماذا؟ لأنَّهم يقولون: إنَّ الله لا يعْلم، ولا يعْلم الشيء إلا بعد أن يقَع! فَعِنْدَئِذٍ ما الفرق بينك وبين الله؟!! فأنتم تروْن أنَّني أتَكَلَّم الآن، فأنتم متى علِمْتُم ذلك؟ بعد أن تَكَلَّمْتُ، فإذا كان الله عز وجل لا يعْلم إلا بعد الوُقوع، فما الفرق بيننا وبينه تعالى؟! ليس كمثله شيء سبحانه، وكلّ شيء خطر بِبَالِك فهو تعالى خلاف ذلك.
قال الإمام عبد العزيز المكِيّ صاحب الإمام الشافِعيّ رحمهما الله تعالى في كتاب الحَيْدَة، الذي حكى فيه مناظرتَهُ بِشْراً المَريسِيّ عند المأمون، حينما سأله عن عِلْمِه تعالى، فقال: بِشْر، أقول: لا يَجْهل تعالى، فَجَعَلَ يُقَرِّر السؤال عن صِفَة العِلْم تقْريراً له، وبِشْرٌ يقول: لا يَجْهَل، وهو لا يعْترِف له تعالى بالعِلْم، فقال الإمام عبد العزيز: نَفْيُ الجَهْل لا يكون صِفَة مَدْحٍ فإنَّ قَوْلي: هذه الأسْطوانة لا تَجْهل، وليس صِفَة مَدْحٍ لها، ولقد مَدَح الله تعالى الأنبياء والملائِكَة والمؤمنين بالعِلْم، وليس بِنَفْيِ الجَهْل، ومن أثْبَتَ العِلْم فقد نفى الجَهْل، ومن نَفى الجَهْل لم يُثْبِت العِلْم، وعلى الخَلْق أن يُثْبِتوا ما أثْبَتَهُ الله تعالى، وأن يُنْفوا ما نفاه الله تعالى، وأن يُمْسِكوا عمَّا أمْسَك الله عنه تعالى؛ يا الله! ما أجْمل هذا الكلام! ذَكَر لي أخ اليوم بالجامِع: ما اسم أولاد سيِّدنا فلان من الأنبياء؟ فقلْتُ: الله أعلم، ولا ينبغي لي أن أعرفها، فالله تعالى سَكَت عنها، فينبغي لي أن أسْكُتَ عنها، فأنا أضْرب مثلاً دائِماً: الكلام نموذجي عن ذاك الذي يبْحث عن تفاصيل وجُزئِيَّات لم تَرِد في كتاب الله، لأنَّه يريد أن يُفْسِدَ على الله تعالى حكْمته. الحكمة من عدم ذكر الله تعالى للكثير من تفاصيل القصص :
فأنا أضْرب مثلاً دائِماً: الكلام نموذجي عن ذاك الذي يبْحث عن تفاصيل وجُزئِيَّات لم تَرِد في كتاب الله، لأنَّه يريد أن يُفْسِدَ على الله تعالى حكْمته! لماذا المولى عزَّ وجل في أَكثر القِصص ما ذَكَر تفاصيلَها؟ وما ذَكَر الأسْماء، والبلاد، كأنْ يقول: في دمياط، أو الإسْكَنْدَرِيَّة، أو في دمشق مثلاً! قال: لأنَّ الله عز وجل ما أراد من هذه القِصص أن تكون تاريخاً، أرادَها أن تكون قانوناً فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى أكْثَر من التَّفاصيل، والأسْماء والأمْكِنَة والأزْمِنَة توَهَّمْنا أنّ هذه قِصَّة وَقَعَت ولم تقَع مرَّة ثانِيَة! أرادها أن تكون نموذَجاً بَشَرِيّاً مُتَكَرِّراً، لذلك لا تسأل عن تفاصيل القِصص فإنَّك إنْ فَعَلْتَ هذا أفْسَدْتَ على الله تعالى حِكْمَتَهُ، فإنَّ الله تعالى أراد من تلك القِصص أن تكون نموذَجِيَّة لا تاريخِيَّة، ولذلك فالمولى عز وجل كثيراً ما يقول:
﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 88]
وقال تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
[سورة القصص: 14]
وقال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[سورة الأنبياء: 87]
الله تعالى قلب هذه المعاني إلى قانون، لذا على الخَلْق أن يُثْبتوا ما أثْبَتَهُ الله عز وجل لِنَفْسِه، وأن ينفوا ما نفاه، وأن يُمْسِكوا عمَّا أمْسَك عنه. الدليل العقلي على عِلْمِه تعالى :
هذا كله بالنسبة للدليل النَّقلي، أما العقْلي فسأضْرِبُ لكم مثلاً صارِخاً؛ مَرْكَبَة فضائِيَّة اسْتطاعَت أن تتخَلَّص من جاذِبِيَّة الأرض، هذا يعني أنَّ سرعتها فائقة وخيالية، أخواننا الرِّياضِيِّون يعلمون كيف تتفَلَّت المركبة من جاذِبِيَّة الأرض، فالطائرة العادِيَّة لا يمكن أن تخرق الغِلاف الجَوِّي فالأرض تجْذِبُها، أما مركبَة الفضاء التي تذهب للقَمَر فهذه انْدَفَعَت بِسُرْعَة، ولا أذْكر الآن بالضَّبْط التفاصيل إلا أنّ الأمْر على أساس الوَقُود السائل؛ أكسجين سائل يشْتَعِل فجْأةً فَتَنْدَفِع المركبة انْدِفاعاً مُذْهِلاً، ولا بدّ من سرعة حتَّى تتغَلَّب هذه المركبة على جاذِبِيَّتِها للأرض، فأنت لم تَلْتَقِ إطْلاقاً بِأُناسٍ صَمَّموا هذه المرْكَبَة إلا أنَّهُ ثبتَ لَدَيْك أنَّ هناك مرْكبة انْطَلَقَت من قاعِدَة إطْلاق الصَّواريخ بِأمْريكا، وسارَت باتِّجاه القَمَر، وتحتاج إلى ثلاثة أيَّام، هذا يعني أنَّ الذي وَجَّهها نحو القَمَر، أو إلى ما بعد القَمَر هذا يعني أنّه درَسَ سرعة الاتجاه نحو القَمر، ودرس السرعة التي تتفلَّت المركبة من الجاذِبِيَّة، وأثناء السَّير صار هناك تصحيح مسار، وهناك اتِّصال بين الأرض والمركبَة لا سِلْكي، ووصَلَت هذه المركبة إلى القَمَر، ومَشَت عليه، وتَجَوَّل الرُّواد عليه، فهل تَحْكم وأنت لم تَرَهم ولم تر خِبْراتِهم، هل تحكم بِعِلْمِهم أم بِجَهلهم؟ فأن تركب طائرة تَسَع لأربعمئة راكب، عقلك لا يستوعب أن تسع هؤلاء الركاب! تراها وكأنَّها مدينة، ويُقَدَّم لك الطعام والشراب، وتجلس بِمقاعِد مُريحة، وعلى ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم؛ شيء غريب، فهل تَحْكم على مَن صَمَّم هذه الطائِرَة بالعِلْم أم بالجَهْل؟ هذا دليل عَقْلي فالذي صَمَّمها لم ترهُ، لكن ألا تحْكم له بالعِلْم وأنت تصعد الطائرة، وهناك بخار ماء، والحرارة فوق كَم؟ وقائد الطائرة قال لنا: الحرارة خمسون تحت الصِّفر! لذا بخار ماء وجليد يعني تجمّد الجهاز، وعلى هذا فهناك أجْهزة تَسْخين في الطائرة، فإذا رأى انخفاض الحرارة خمس درجات يسخِّن الأجهزة كلَّها، الأمر الثاني؛ هل يُعْقَل على ارْتِفاع خمسين ألف قَدَم أنْ يتنفَّس الإنسان، المفروض أنْ يخرج الدَّم مِن رِجْلَيْه ويخْتَنِق! لكنَّ الطائرة مَضْغوطة ثمانِيَة الأمْثال هواءً، حتى يتوافق الضَّغط على ارْتِفاع أربعين ألف قَدَم مع الضَّغط الذي على الأرض، ولو تَعَطَّل جِهاز الضَّغط على الطائِرَة لَوَجَب أن تَهْبِط اضْطِرارِيّاً، وقد جَلَسْتُ مرَّةً مع طيَّار، فذَكَر لي أشياء لا تُصَدَّق؛ فالآن هناك بعض الطائرات تنزِل بفعلٍ أوتوماتيكيٍّ، فهي تَصعد، وتَنزل على الرادار! فالقَصْد من كلامي أنَّ الذي صَمَّم هذه الطائرة ما رأَيْتَهُ، وما رأيْتَ شهاداته، أفلا تَحْكم عليه بأنَّه عالِم يقيناً! أفلا تقول: إنّ وراء هذه المهارات أدْمِغَة؟ قرأْتُ كتاباً مُتَرْجَماً عن الطُّيور، إلا أنَّه لفَتَ نظري فيه أوّل عبارة وهي: إنَّ أعْظَمَ طائِرَةٍ صنَعَها الإنسان تبْدو تافِهَةً أمام الطائِر، فالطائر يطير سبْع عشرة ساعَة من دون تَوَقُّف! ويرى ثمانية أمْثال الإنسان، يا ربّ لماذا خَصَصْتَ هذا الطائر بالبَصَر الحادّ؟ لأنَّه يلْزَمُه كي يأكل حين ينزل من السَّماء إلى الأرض، وربما لا يجد، ثمّ يُعيد الكرَّة فلا يَجِد مثلاً لكن لمَّا أوْدع الله تعالى فيه قُوَّة الإبْصار، فهذه تَجْعَلُه يرى الأكل من بعيد؛ هذه هي الحِكْمة! وله غِشاء شَفّاف مُقاِوم للهواء حينما يطير بِسُرعة هائِلَة، وما دام الطائر في حركة دائِمَة فهل تُصَدِّقون أنّ الهواء الذي يسْتَنشِقُه الطائِر يسْري إلى جِسْمِه كُلِّه، فالهواء المُسْتَنْشَق يجري في قَصبات هوائِيَّة تَصل لِجَميع الجسَد، وذلك من أجْل تَبْريد العَضَلات، والله أيها الأخوة، لو قرأتُم عن الطُّيور لَوَجَدْتُم شيئاً لا يُصَدَّق، وإنًّ الطائرة لتبْدو تافِهَة أمام هذا الطائِر، لذا عندما ترى طائرةً على متنها أربعمئة راكِب مثل المدينة، فَخالِقُ الطُّيور أبْدعَ أموراً وأشياء لا تُقاسُ بأيّ اخْتِراع.
الاتجاه إلى معْرِفة عِلْم الله من خِلال التَّفَكُّر فيه لا مِن خِلال تَسْليط العَقْل على ذاته :
الدليل العَقْلي على عِلْمِه تعالى أنَّه يسْتحيل إيجادُه الأشياء مع الجَهْل! يسْتحيل أن يُصَنَّعُ دواء فعَّال جدّاً من قِبَلِ رجلٍ جاهِل! ولأنَّ إيجادهُ الأشياءَ بإرادَتِه، والإرادة تَسْتَّلْزِمُ تَصَوُّر المُراد، وتَصَوُّر المُراد هو العِلْم بالمُراد، فكأنَّ الإيجاد مُسْتَلْزِماً للإرادة، والإرادة مُسْتَلْزِمَةً للعِلْم، فأصْبَحَ الإيجاد مُسْتَلْزِمٌ للعِلْم، والعقل يقول هذا.
هناك عالِم ألماني قال: هل تؤمن أنّ انْفِجاراً حصل بِمَطبعة فَصَدَر منه قاموس: لاروس، (larousse )‍! واللهِ، فالذي يؤمن أنّ هذا الكَوْن جاء بالصُّدْفة كمَن يؤمن أنّ هذه الكتب الآن جاءَت عن طريق انْفِجار مَطْبَعَة، فالفِكْرَة أنّ الوُجود يَقْتَضي العِلْم، وأنا بِحُكم تجوالي زرْت بعض بلاد الخليج، فهناك جُسور فيها منَبِّهات أجراس، إن زادَت الحُمولَة على الوزن المُقَرَّر فإنَّ رنيناً يُنَبِّهُك! هذا فِكْرٌ صَمَّم هذه التَّرْتيبات، فالإنسان إذا فَكَّر وجَدَ وراء هذا التَّصْميم عَقْلاً وعلماً.
قلتُ لكم مرَّةً: أحْياناً الإنسان لا تكون له علاقة بالموضوع، ولكن تكون لك حاجَة عَقْلِيَّة، فأنا كنت أُلاحظ شاحنات فيها صهاريج؛ فيها وقود الطائرات، ووقودُ الطائرة يشْتعل بالحرارة، ففي أيَّام الصَّيْف الحارَّة هناك حوادِث اشْتِعال صهاريج الوقود، فأنت تَجِد سيَّارة تمْشي ووراءها قطعة حديد تضرب الأرض، فما هي؟ ولماذا؟ مِن أجل امْتِصاص الشحنات السَّاكنة، فالعَقْل البشري له مَبْدأ السَّبَبِيَّة، والغائِيَّة، وعدم التناقض، هذه مبادئ العَقْل وهي وَفْق مبادئ الكَوْن.
ولأنَّ الفِعْلَ المُحْكَم المُتْقَن يَمْتَنِعُ صُدوره عن غير العالِم، ولأنَّ مِن المَخْلوقات ما هو عالِمٌ، ولأنّ العِلْمَ صِفَةٌ كمالٍ، ويَمْتَنِعُ ألاّ يكون الخالِق عالِماً، وهذا له طريقان، فهذا دليل عَقْلي، فَكُلّ شيءٍ مُتْقَن يَحْتاج إلى عِلْم، الطريق الأول: ما يُقال: نحن نعلم بالضرورة أنَّ الخالِق أعلم من المخلوق، وأنَّ الواجبَ ـ وهو الله ـ أكْمَل من المَخْلوق، ونَعْلَم ضَرورَةً أنَّنا لو فَرَضْنا شيئَين؛ أحدهما عالِم، والآخر غير عالِم كان العالِم هو الأكْمَل، فلو لم يكن الخالق عالِماً لَلَزِمَ أن يكون المُمْكِن أكْمل منه وهذا مُمْتَنِع. والطريق الثاني أن يُقال: كلُّ عِلْمٍ في المُمْكِنات التي هي المَخلوقات فهو منه، ومِن المُمْتَنِع أن يكون فاعِلُ الكمال ومُبْدِعُهُ عارِياً منه، بل هو أحَقُّ به، والله تعالى له المَثَل الأعلى، فلا يَسْتوي هو والمَخلوقات، لا في قياس تمثيل، ولا في قياس شُمول، بل كل ما ثَبَتَ في مَخلوق من كمال فالخالِقُ به أحَقّ، وكل نَقْصٍ تنزَّه عنه مَخلوق ما فَتَنْزيهُ الخالِقِ عنه أوْلى.
درسنا اليوم هذه الفقْرة؛ خَلَقَ المخلوقات بِعِلْمِه، وأنا أرجو الله عز وجل أن تتَّجِهوا إلى معْرِفة عِلْم الله من خِلال التَّفَكُّر فيه لا مِن خِلال تَسْليط العَقْل على ذاته، ولتقولوا: الله يعْلم، فإنَّ هذا الموضوع لا يَعْنينا، والله تعالى أثْبَتَ العِلْم المُطلق لِذاته فقال:
﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[سورة التغابن: 11]
وطريق معرفة هذا العلم مخْلوقاته، وما سوى ذلك انْحِراف.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 01:53 PM   #17


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( السابع العاشر )

الموضوع : قدر لهم اقدارا وضرب لهم اجالا





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا، وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
الخَلْق شيء والتَّقْدير شيءٌ آخر :
أيها الأخوة المؤمنون، لازِلْنا في العقيدة الطحاوِيَّة، وقد وَصَلنا إلى قول الإمام الطَّحاوي رحمه الله تعالى: "خَلَقَ الخَلْقََ بِعلمه"، وهذا كان موضوعَ الدَّرْس الماضي، وقَدَّر لهم أقْداراً، قال تعالى:
﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾
[سورة الفرقان: 2]
فأنت ممكن أن تنشئ غرْفَةً، فلو أرَدْتَها أن تكون مرآباً لِسَيَّارَةٍ فلها مواصفات غير بناء الغرفة، وهي أن تكون متناسبة مع المركبة، فلو أنَّها أضْيَق من عرْض المركَبَة، فهذه غير مُقَدَّرة تقْديراً، وكذلك لو أنَّ سَقْفَها منخفض، ولو أنَّك إن دَخَلْتَ إليها لم تتمَكَّن مِن فَتْح الباب لِتَخْرُج فهي غُرْفَةٌ بُنِيَت بناءً صحيحاً إلا أنَّ تقْديرها سيِّئٌ، فالتَّقْدير شيءٌ يخْتَلِف عن الخَلْق.
فالإنسان خلقَهُ الله، فلو أراد أن يُنَظِّفَ نفْسَه فإنّ يَدُهُ تَصِل لِكُلِّ أنْحاء جسْمِه، فلو أنَّها كانت قصيرة لَما كان هناك حَلٌّ لِهذا، ولو أنَّ الله تعالى ما خلق هذا المَفْصَل لما أمْكَنَ إلا أنْ يأكل كما تأكل الهِرَّة؛ ينْبَطِحُ، ويلْتَقِط الطَّعام بِفَمِهِ! من الصَّحْن مُباشرةً، كيف تَصِلُ اللُّقْمة إلى الفَم، فالخَلْق شيء، والتَّقْدير شيءٌ آخر. كُلّ شيء مخلوق بِقَدَر :
"خَلَقَ الخَلْقَ بِعِلْمِهِ، وقَدَّرَ لهم أقْدَراً"، وهذا المعنى مُسْتفاد من قوله تعالى:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[سورة الأعلى: 1-2]
فَسَوَّى أي: ناسَب، فالأشْجار لو أنَّها شامِخَة، ومَلْساء، وارتفاعها ثلاثون متراً لاسْتَحال أن نقْطِفَ ثِمارَها، لكنّ ارْتِفاعُ الأشْجار مَعْقول، ولو أنَّها مع الأرض لكانت غير مَعْقولة فَكُلّ شيء مخلوق بِقَدَر، قال تعالى: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾
[سورة الفرقان: 2]
وقال تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
[سورة القمر: 49]
هل تُصَدِّق لو أنَّ القُدْرة على الرؤْيَة تضاعَفَت لما أمْكنك أن تشْربَ هذا الكأس من الماء! هذا الماء الصافي العَذْب الزُّلال فيه ملايين البكْتيرْيا، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى وسَّعَ القُدْرة على الرؤْية لرأيْتَ الكائِنات الحَيَّة، ولما أمْكنك شرب الماء، فالسَّمْع له عَتَبَة، والبصر له عَتَبَة، وأحْياناً الإنسان إذا أكَلَ شيئاً حامِضاً وشيئاً مالِحاً شعرَ بالحُرْقَة، ولو أنَّ الله عز وجل رفَعَ حساسِيَّة الأعصاب لغَدَتْ حياتنا جحيماً، قال تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾
[سورة القمر: 49]
أكبر دليل على وُجود الله دليل التَّرْجيح :
قال تعالى:
﴿ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ﴾
[سورة الأحزاب: 38]
في صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ))
[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]
لذلك يُعَدُّ أكبر دليل على وُجود الله دليل التَّرْجيح، وأوْضَحُ مثلٍ، أن تفتَح مفتاح الكهرباء، أليس بِإمكان الكهربائي أن يضع المفتاح على ارْتِفاعٍ كبير؟! بلى، ولكن هذا غير حكيم، أو في مكان مختفٍ! إلا أنَّ هذا المفتاح في كلّ البيوت تجدهُ معْتَدِل الارتفاع، وهذا سَمَّاهُ العلماء دليل التَّرْجيح، ولا ترْجيح بلا مُرَجِّح، وكل شيء فيه حِكْمة، أيْ أنَّ وراءهُ عقْلاً حكيماً جعله في هذا المكان، وهذا أحَدُ أكبر الأدِلَّة التي تُؤَيِّد أو تُؤَكِّد وُجود الله عز وجل، ولك أن تستنبط مِن خلْق الإنسان ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى؛ عَتَبة البصر، وعَتَبة السَّمْع، والشمّ، والرؤية، والإحساس، فَكُلّ شيء خلقَهُ الله بِقَدَر دقيق.
"وضربَ لهم آجالاً"؛ أي أنَّ الله تعالى قدَّر آجالَ الخلائق، حيث إذا جاء أجَلُهم لا يستأخرون ساعَةً ولا يسْتَقْدِمون. أصْل التَّرْتيب :
بيَّنْتُ لكم في دَرْسٍ سابق أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾
[سورة الشورى: 14]
هذه الآية أيها الأخوة، لو تأمَّلْنا فيها لذابَتْ نُفوسُنا حُبّاً لله عز وجل، ففي الآية تَقْديم وتأخير؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾
[سورة الشورى: 14]
هذا أصْل التَّرْتيب، (ولولا) كما تعلمون حرْف امْتِناعٍ لِوُجود؛ لولا المطر لَهَلَك الزَّرْع، فامْتَنَع هلاك الزَّرْع لِوُجود المطَر، وامْتَنَع قَصْم العباد العُصاة بِكَلِمَةٍ سبَقَتْ من ربِّك ولأجلٍ مُسَمَّى؛ لِسَبَبَيْن: امْتَنَع قَصْم العباد الفجار العُصاة بِكَلِمَةٍ سبَقَتْ من ربِّك ولأجلٍ مُسَمَّى، وهناك سؤال يطْرحه بعض الناس؛ فهذا الفاجر، والظالم، والعاق للوالِدَين، والذي يؤذي من حوله، وهذا الكافر، صِحَّتُهُ جيِّدة، ومالُهُ كثير، والناس يخافونَهُ، فأين الله؟ لماذا لا يقْصِمُهُ؟ هذا سؤال يَرِدُ كثيراً؟ والجواب هو الآية قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾
[سورة الشورى: 14]
الحكمة من تأخير عقاب ربنا لبعض العصاة :
ما دام هذا الإنسان قد مُدَّ له في الأجل؛ إذاً هناك أَمَلٌ في هِدايَتِهِ، والدليل قال تعالى:
﴿ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾
[سورة هود: 36]
عندما يعلم ربُّنا عز وجل أنَّ هذا الإنسان لن يؤمِن يَقْصِمُهُ، وما دام الإنسان يعيش ومُدَّ له في أجَلِهِ، معنى ذلك أَنَّهُ أُعْطي فُرْصَةً لِيَتوب، وعندي ألف قِصَّة حول هذا الموضوع، فهناك مَن يرْتَكِب أكبر الكبائر، يا ربّ لماذا لم تَقْصِمْهُ؟ ثمَّ تُفاجأ أنَّه تاب إلى الله! معنى ذلك أنّ عِلْمَ الله لِصالِحِك؛ عَلِمَ فيك الخَيْر فأَعْطاك فُرْصَةً لِتَتُوب، وهذا شيءٌ دقيق جداً، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾
[سورة الشورى: 14]
الله سبحانه وتعالى رحْمته سَبَقَت غَضَبَهُ :
ما هذه الكلمة؟ أنَّ رحْمة الله سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ليس القَصْد أن يُعَذِّبَهم، ولا أن يَقْصِمَهم، ولا أن يُقيمَ عليهم الحُدود؛ لا، ولكن القَصْد أنْ يَرْحَمَهم، فالأب الرَّحيم يَغُضُّ بصَرَهُ عن تِسْعَة أخْطاء، ويُحاسِب على العاشِرَة، ولأنّ الله سبحانه وتعالى رحْمته سَبَقَت غَضَبَهُ؛ قال تعالى:
﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾
[سورة طه: 129]
عِقابُهُم وَقَصْمُهم، ولكان لِزاماً إهْلاكهم، قال: ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾
[سورة الشورى: 14]
أَوْضَح مَثَلٍ: طالبٌ لا يُمكِنُ أن ينْجَح، فَهَل يمكن أن يرقن اسمُه في العام الدِّراسي؟ لا، إلى أن يأتي الامْتِحان، وهذا الامْتِحان هو أجَلٌ ضُرِبَ له، وبعد الامْتِحان يرْسُب، ولكن قبْله لا يَرْسُب، وهذا حتَّى لا يكون للإنسان حُجَّة على الله؛ يا ربّ لو مَدَّدْتَ لي عُمْري لَتُبْتُ، قال تعالى: ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾
[سورة فاطر: 37]
الله عز وجل بيَّن أنّه لا يهْلِك إلا هالِكاً :
الله عز وجل بيَّن أنّه لا يَهْلِك إلا هالِكاً، قال تعالى:
﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[سورة الأنفال: 42]
قال تعالى: ﴿ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾
[سورة هود: 38]
فالله تعالى قَصَمَهُم، والله تعالى يقول: ﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة يونس: 89]
وهذا بعد أربعين سنة حتَّى أجاب الله الدَّعوة، فالإنسان نفسُه قصير النظر، ويُريد بعد ساعات معْدودة أنْ تُحسَمُ المسألة! ولكنَّ الله عز وجل يُمْهِل ولا يُهْمِل، قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾
[سورة الإسراء، 99]
أي أنَّ الله سبحانه وتعالى قدَّر آجال الخلائق حَيْث إذا جاء أَجَلُهم لا يسْتأخِرون ساعَةً ولا يسْتَقْدِمون، إلا أنَّ هناك ملاحظة؛ ولأنّ الله عز وجل حِكْمَتُهُ مُطْلَقةٌ فالإنسان لو كُشفَ له يَوْمَ القِيامة عن حِكْمَة الأَجل الذي عاشَهُ سَيَقُول: الحمد لله ربِّ العالمين، فالأَجَل الذي عاشَهُ الإنسان يجْعله يَحْتار، فالشافعي عاش رحمه الله أقلّ مِن خمسين سنة، وابن القَيِّم عاش سِتِّين سنة، والنَّوَوي عاش أربعين سنة؛ فهذا الأخير ترك آثاراً لا يَعْلَمُها إلا الله: الأذكار، ورياض الصالحين، وابن القَيِّم ترك آثاراً لا يُصَدِّق الإنسان الجُهْد الذي بُذِل في هذه الكتب، فَمِن أجل ذلك لو كُشِفَ لك الغِطاء يوم القِيامة عن حِكْمَةَ الأَجل الذي عِشْتَهُ، فأنا لا أَشُكّ إلا أن تقول ويقول كلُّ إنسان: الحمد لله رب العالمين! فَكُلُّ ما يقوله الإنسان مِن كلام أنّ فلاناً مات في ريعان شبابه فهذا مِن جَهْلِنا، وحِكْمَةُ الله مُطْلَقَة ولا يعْرِفُها إلا الله، وأنا أسْتَسْلِمُ وأقول: الأجَلَ الذي كتَبَهُ الله لي هو أنْسَبُ أجَلٍ، ويُؤَكِّدُ هذا دُعاء النبي عليه الصَّلاة والسَّلام، فعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: صَلَّى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِالْقَوْمِ صَلَاةً أَخَفَّهَا فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهَا فَقَالَ: أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: أَمَا إِنِّي دَعَوْتُ فِيهَا بِدُعَاءٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهِ: ((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْراً لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْراً لِي))
[النسائي عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ]
واللَّهم اقبضنا إليك غير فاتنين ولا مَفتونين، لأنَّ الفتنة أشَدُّ من القَتْل فهذه البنْتُ التي وُئِدَت هي إلى الجنَّة، أما الأب الذي أفْسَد ابنَتَهُ، وأطْلَقَ لها العِنان، وجَعَلَها مع الرِّجال تخْتَلِط، وانْطَلَقَتْ سافِرَةً فاجِرَةً، تَعْرِضُ مفاتِنَها على الناس، فهذا ما قَتَلَها بيده، ولكنَّهُ قَتَلَها بضلاله إلى أبَدِ الآبدين. الحكمة من ذكر الزِّنا في سورة الإسراء بين النهي عن قَتْلَيْن :
أيُّها الأخوة، قد تَعْجَب لماذا جاء ذكرُ الزِّنا في سورة الإسراء بين النهي عن قَتْلَيْن! قال تعالى في الأولى:
﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾
[سورة الإسراء، 31]
الثانية: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً ﴾
[سورة الإسراء، 33]
فبين هاتين الآيتين جاءت آية الزنا، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾
[سورة الإسراء، 32]
فما الحكمة من مجيء آية الزنا بين النهي عن قَتْلَيْن؟! لأنَّ الزنا قَتْلٌ ثالث! فإذا فسَدَتْ أخلاق الإنسان وافتتنوا، والفتنَة أشَدُّ من القَتْل، لأنَّك إذا قَتَلْتَ الإنسان فقد بَعَثْتَهُ إلى الجنَّة، أما إذا فَتَنْتَهُ فأنت تبْعث به إلى النار! الذي يُنْهي حياة الإنسان هو انتهاءُ الأجَل :
قال تعالى:
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾
[سورة الأعراف: 34]
كلمة الحق لا تقْطَعُ رزْقاً ولا تُقَرِّبُ أجَلاً، سألني أَحَدُ الأخوة: مادام الأجَل مَحْدوداً، فَلِمَ العِنايَة بالصِحَّة؟ فقُلْتُ له: العِنايَة بالصِحَّة مِن أجل حالتَيْن: إما أن تعيش ثلاثين سنة وأنت مريضٌ على الفراش، وإمَّا أن تعيشَها وأنت صحيحٌ! أما الأجَل فهُوَ هُوَ! فالمَرَضُ لا يُنْهي حياة الإنسان، إنَّما الذي يُنْهي حياة الإنسان هو انتهاءُ الأجَل، فَكَم مِن سقيمٍ عاشَ حيناً من الدَّهْر، لذلك أحدهم دعا على آخر فقال: اللَّهمّ أَصِبْهُ بِسَرَطان في دَمِه، وشَلَلٍ في يَدِه، حتَّى يتمنَّى الموت فلا يَجِدُهُ، وقد حكى لي أخٌ عن والِدَتِه؛ فهي ملقاةٌ دائماً على سرير، ومُرَبوطة اليَدَيْن، فلولا هذا الرَّبْط لأكَلَت غائِطَها، ولمَزَّقَتْ ثِيابَها!! فعلى الإنسان إذا ذَهَب لأداء فريضة الحجِّ أو العُمْرة أن يطْلبَ أن يكون أجَلُهُ على سنَّة النبي عليه الصَّلاة والسلام، ثلاثة أيَّام فقط، وودَّعَ أهله صلى الله عليه وسلَّم، أما أن يبقى أمَداً طويلاً كي يموت، فَأَقْرَبُ الناس إليه يتمَنَّى مَوْتَهُ، فاطْلُبوا من الله السَّلامَة. قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾
[سورة آل عمران: 145]
وفي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَدْ سَأَلْتِ اللـَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئاً قَبْلَ حِلِّهِ،أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئاً عَنْ حِلِّهِ وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْراً وَأَفْضَلَ))
[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
وهذا مِن أدَقِّ الأحاديث. عقيدة أهل السنَّة والجماعة أن المَقْتول يموتُ بِأَجَلِه :
يعْتَقِدُ أهل السنَّة والجماعة أنّ الميِّت مَقتول بِأجَلِه، وثمة عقيدة خطيرة، وهي أنّ له أجَلاً، ولكنَّ القاتِل عدَّل له أجلهُ! هذه عقيدة فاسِدَة، فاحذَر الزللَ، فالمَقصود أنّه مَيِّتٌ بِأجَلِهِ، فَعَلِمَ الله تعالى، وقَدَّر، وقضى أنَّ هذا سيموتُ بِسَبب المَرض، وهذا بِسَبب القتْل، وهذا بِسَبب الهَدْم، وهذا بالحَرْق، وهذا بالغَرَق إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه وتعالى خلق الموت والحياة، وخلق سبَبَ الموت والحياة؛ هذه عقيدة أهل السنَّة والجماعة المَقْتول يموتُ بِأَجَلِه.
عند المعتزلة، المَقْتول مَقْطوعٌ عليه أجَلُه، ولو لم يُقْتَل لَعاشَ إلى أجَلِه، معنى ذلك أنَّ الكافر سبق الله عز وجل، فهو تعالى قدَّر له أجَلاً! كلامٌ مُضْحِك، فالله تعالى قدَّر أجَلاً، وجاء القاتِل فَحَسَمَ هذا الأجَل قبل أوانِه! والإنسان يقول لأهل المَيِّت: عَظَّم الله أجْرَكم، وأنا أُفَضِّل في كلّ المناسبات أن نلْتَزِمَ أقوال النبي عليه الصَّلاة والسَّلام.
وعند المعتزلة، المَقْتول مَقْطوعٌ عليه أجَلُه، ولو لم يُقْتَل لَعاشَ إلى أجَلِه، فَكان له أَجلان، وهذا باطِل؛ لأنَّهُ لا يليق أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى أن يكون جعَلَ له أجَلاً يعْلَمُ أنَّه لا يعيش له البتَّة، فإذا قلْتَ: لا يعْلم؛ معنى ذلك أنَّ الله تعالى جعل له أجَلاً غير حقيقيّ، يعْلم أنَّه سيُقْتَل، وجعل له أجَلاً بعيداً، أو يجْعل أجَلهُ أحَدَ الأمْرَين، كَفِعْل الجاهل بالعواقِب، وهذا عذْر أقبَح من ذنب، ووُجوب القصاص والضَّمان على القاتِل لارْتِكابِهِ المَنهيّ عنه، وكأنَّ الله تعالى رَسَم خُطَّة والقاتِل أفْسَدَها عليه!!! وعلى هذا يُخَرَّج قوله صلى الله عليه وسلَّم: صِلَةُ الرَّحِمُ تزيد في العُمْر، أي هي سبب طول العُمْر، فهناك توجيه لطيف جداً: العُمْر لا يزْداد زَمَناً، ولكن غِنًى بالعَمَل الصالِح؛ فأنت في مَحلّ تِجاري مثلاً، هل يَهُمُّكَ كم ساعَةً فَتَحْتَ، أم كم وَجَدْتَ في الدُّرْج من الربح؟! فقيمة الأَجَل بِمُحْتواه من عَمَلٍ صالِح؛ هذه هي قيمَتُه! لذلك الأحاديث التي تَدْعو بِطُول العُمُر تُوَجَّه هذا التَّوْجيه، أي أن يَغْتَنِمَ هذا العُمر بالأعمال الصالِحَة.
قيمة الأَجَل تقدَّر بِمُحْتواه من عَمَلٍ صالِح :
النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن من المُعَمِّرين في العمر كزَمَن: ثلاث وستُّون سنة عاشَها صلى الله عليه وسلَّم، ووصَل هُداه إلى الصِّين، وإلى فرنسا، والآن بِأمريكا، وقال لي أخٌ كان في وَاشِنْطُن: عِشْتُ هناك أمَداً، والآن فيها سبْعة مساجِد، وفي باريس احْتَفَلوا بإنشاء المسجِد رقم ألف! ويُعَدُّ الإسلام الدِّين الثاني في البلاد، ولذلك أقْسَم الله تعالى بِعُمْر النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:
﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[سورة الحجر: 72]
وأنت إذا كان عمرك ثميناً؛ من طلبِ عِلمٍ، إلى عملٍ صالِحٍ، إلى عملٍ، وإلى خِدْمةٍ، ولإصْلاح بين الناس، وإيناس الزَّوْجة والأولاد؛ فاجْعَل عمرك غَنِيّاً بالعمل الصالِح، لأنَّك لن تنْدم على الدنيا بِشَيءٍ إلا على ما فاتك منها من العمل الصالِح، وربُّنا عز وجل قال: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[سورة المؤمنون: 100]
وهنا تَوْجيهٌ آخَرَ لطيف؛ قال: يُخَرَّج قوله صلى الله عليه وسلَّم: صِلَةُ الرَّحِم تزيد في العمر؛ أي هي سبب طول العمر، وقد قدَّر الله تعالى أنَّ هذا يَصِلُ رَحِمَهُ فيَعيشُ بِهذا السَّبب إلى هذه الغايَة، ولولا ذلك السَّبب لم يَصِل إلى تلك الغايَة، ولكن قدَّر هذا السَّبب وقضاه، وكذلك قدَّر أنَّ هذا يقْطعُ رَحِمَهُ فيَعيشُ إلى كذا، كما قلْنا في القَتْل وعَدَمِه. أنا أميل إلى التَّفْسير الأوَّل؛ أنَّ الزِّيادة في العُمُر تعني أنَّه يغْتني بالأعمال الصالِحَة. الدُّعاء والاتِّصال بالله والتَّوْبَةُ والنَّدَم وتَطْهير النَّفْس ترُدُّ القَدَر :
إنْ قيل: يَلْزَم مِن صِلَة الرَّحِم تأخيرٌ في زِيادة العُمر ونقْصانِه، وتأثير الدعاء في ذلك أم لا؟ الجواب: إنَّ ذلك غير لازِم! لقوله صلى الله عليه وسلَّم لأمِّ حبيبة رضي الله عنها: قد سألْتِ الله بآجالٍ مَضْروبَة.. الحديث كما تقَدَّم فَعُلِمَ أنَّ الأعْمار مُقَدَّرة، ولم يُشرع الدعاء بِتَغْييرِها بِخِلاف النَّجاة من عذاب الآخرة، فإنَّ الدعاء مَشْروع له، نافِعٌ فيه، ألا ترى أنّ الدعاء في تَغْيير العُمر لمَّا تضَمَّنَ النَّفْع الأُخْروي شُرِعَ كما في الدعاء الذي رواه النَّسائي من حديث قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: صَلَّى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِالْقَوْمِ صَلَاةً أَخَفَّهَا فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهَا فَقَالَ: أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَمَا إِنِّي دَعَوْتُ فِيهَا بِدُعَاءٍ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِه:
((اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْراً لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْراً لِي))
[النسائي عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ]
ويؤيِّد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِخَطِيئَةٍ يَعْمَلُهَا))
[ رواه ابن ماجه عن ثَوْبَانَ ]
والله هذا الكلام خطير، فالذي يَعْصي تَجِدُ الرِّزْق مُضَيَّقٌ عليه! مَحَلّ تِجاري يسْتقبل النِّساء ويُدير معهُنَّ أحاديث لا تُرْضي الله، تجد الرِّبح فيه منعدم، والمَحَلّ التِّجاري الذي فيه تَقْوى وغضّ بصر، تجد هذا المحَلّ مرْزوق؛ عَنْ ثَوْبَانَ قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ))
[أحمد عَنْ ثَوْبَانَ ]
ما معنى ذلك؟ الإنسان غافل، والله قدَّر له مصيبَة تمْسك به، فهذا العبْد تَوَجَّهَ إلى الله بالدُّعاء، والْتَفَتَ إليه، فالدُّعاء، والاتِّصال بالله، والتَّوْبَةُ، والنَّدَم، وتَطْهير النَّفْس ترُدُّ القَدَر: (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ))
[أحمد عَنْ ثَوْبَانَ ]
الصَدَقَة اسْتِرْضاء لله عز وجل :
في الحديث ردٌّ على مَن يظنُّ أنَّ النَّذْر سبَبٌ في دَفْعِ البَلاء، وحُصول النَّعْماء، وقد ثَبَت في الصَّحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنَّه نهى عن النَّذْر، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
((نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ))
[الصَّحيحين عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]
وفي رواية النسائي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ))
[النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ]
وأنا والله أيها الأخوة أرْجو الله سبحانه وتعالى لكم ما نذَرْتُ شيئاً في حَياتي وإنَّما كلَّما أشْعُر بضيقٍ أدْفَعُ صدَقَة من دون أن أشْتَرِطَ على الله، فإذا كنت في خوف، أو في رهْبة واضْطراب اِدْفَعْ صَدَقَةً اسْتِرْضاءً لله عز وجل: (( بادروا بالصَّدقة فإنَّ البلاء لا يتخطَّاها.))
[رواه رزين عن علي رضي الله عنه وهو ضعيف]
وقد لفتَ نظري أحد الأخوة، وقال لي: أرى أنْ تكون الصَّدقة بعد الفجر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: بادروا بالصَّدقة أو باكروا، وعندنا يدْفع أحد الأخوة صَدَقَتَهُ بعد الصُّبْح، يخرج من المسجد فيشتري عدداً كبيراً من الخبز، ويُوَزِّعُه على الفقراء، وأحْياناً يبعث بصندوق مملوء بجميع الحاجيَّات لكل فقير! والصَّدَقة تقَعُ في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير! وهناك حديث ثالث: صَدَقة السرّ تُطفئُ غضبَ الربّ، وصَدِّقوني أَيُّها الأخوة، إنَّ أهْوَنَ شيءٍ عليكم اسْتِرْضاءُ الله عز وجل؛ صَدَقَة بِعَمَلٍ صالِحٍ وكلمة طيِّبَة، والإنسان كلَّما وقَع بِذَنْبٍ فلْيُحْدِث صدَقَةً، فقد كان الإمام أبو حنيفة يدْفَعُ ديناراً ذَهَبِيَّة لِكلّ يَمينٍ يقْسِمُ بها، وهو صادِقٌ بها، وذلك كي لا يُعَوِّد نفْسَه القَسَم، قال تعالى: ﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾
[سورة المائدة:89]
نحن ليس عندنا النَّذْر، إنما عندنا الاسْتِرْضاء، وعندنا صَدَقَة نسْترضي بها الله عز وجل. وقد ثبَتَ في الصَّحيحين عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ((نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئاً وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ))
وفي رواية النسائي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ))
شروط الدعاء :
اعلَم أنَّ الدعاء يكون نافعاً ومشروعاً في بعض الأشياء دون بعض وكذلك هو، ولِهذا لا يُحِبُّ الله المُعْتَدين في الدُّعاء، وبالمناسبة:
﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
[سورة الأعراف: 55]
فإن لم تَكُنْ مُتَضَرِّعاً فقد اعْتَدَيْتَ وتجاوزْتَ شروط الدُّعاء، الدّعاء مع كِبْر وفصاحة، وبيان، وسجْع، وصوت دون تواضُع!! لا، الدُّعاء يحْتاج إلى هَمْس، وتذَلُّل، وخُضوع؛ مَن دعا الله مُتَجَبَّراً ومُتَكَبِّراً فقد اعْتدى على شرْط الدُّعاء، وكذا إذا رفَعَ صَوْتَهُ؟ إنَّكم لا تُخاطبون أصَمَّ ولا غائباً، قال تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً*قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾
[سورة مريم:3-4]
فالله لا يحب من يعتدي على شروط الدعاء بالكِبْر، أو رَفْعِ الصَّوْت، وهناك معنى ثالث رائِع جداً، وهو: يا عبادي إن اعْتَدَيْتُم على بعضِكم بعْضاً فأنا لا أُحِبُّكم، وبالتالي لن أسْتجيب لكم، فأنت إذا قلتَ: يا ربّ، هل يعْني هذا أنَّك مُستقيم وأنت آكِلٌ للمال ومُعْتَدٍ ومُغْتاب، وتقول: يا رب، لا ربَّ لنا سواك. رفْعُ الصَّوْت عُدْوانٌ في الدُّعاء :
هناك حديث يَقْصِم الظَّهْر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:
((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))
[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
والله أيها الأخ الكريم، وأنت تُواجِه مشْكلة أو خطراً؛ الشَّفتان لا تتحَرَّكان، وإنَّما بالقلب فقط تناجي ربَّك، يا ربّ أَعِنِّي، ووفِّقْني، وأطْلِقْ لِساني، وآتِني حُجَّة، وألْهِمْني الصَّواب، كُلُّ هذا وأنت ساكت، وهكذا قال تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً* قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾
[سورة مريم:3-4]
أما رفْعُ الصَّوْت فهذا عُدْوانٌ في الدُّعاء. المَحْوَ والإثبات من الصّحف التي في أيْدي الملائكة :
أما قوله تعالى:
﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة فاطر: 11]
فقد قيل في الضَّمير المَذْكور في قوله تعالى: مِنْ عُمُرِهِ، إنَّه بِمَنْزِلَةِ قولِهم: عندي درْهَم ونِصْفُه، أي ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخر، فَيَكون المعنى: وما ينقص من عمُر مُعَمَّر آخر.
وقيل الزِّيادة والنُّقْصان في الصُّحف التي في أيْدي الملائكة، وحُمِلَ قوله تعالى: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ* يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾
[ سورة الرعد: 38-39 ]
على أنَّ المَحْوَ والإثبات من الصًّحف التي في أيْدي الملائكة، وأنّ قوله: وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ؛ اللَّوْحُ المَحْفوظ، ويدُلُّ على هذا الوَجْه سِياقُ الآيَة، وهو قوله: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾
ثمَّ قال: ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾
من ذلك الكتاب، ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ ﴾
أي أصلُه، وهو اللَّوْحُ المحْفوظ، أي يمْكن أن نفْهَم فيه مبادئ ثابتة، وسُنَناً وقوانين، أما التَّفاصيل فإنّ الله: يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، فلو طرَحْنا سؤالاً هل الرِّزق مَقْسوم؟ قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[سورة الجن:16]
إذا عالَجَ الله عز وجل إنساناً بِضيقِ الرِّزق، إذاً فقدْ قدَّر عليه ضيق الرِّزْق، ثم إنّ هذا الإنسان اسْتَقام، وتاب فالله تعالى هنا بدَّلَ، وهذا هو معنى قول الله تعالى: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ*يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾
[ سورة الرعد: 38-39 ]
القوانين والسُّنَن التي سنَّها الله عزّ وجل ثابتة :
أما الذي لا يتَبَدَّل فهي القوانين والسُّنَن التي سنَّها الله عزّ وجل، فهذه ثابتة قال تعالى:
﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُون﴾
[ سورة يونس: 33 ]
هذه في اللَّوْح المحْفوظ، لذلك فمن باب التَّشْبيه فالدُّستور لدى الدول فيه مبادئ تُفَسَّر بِقَوانين، والقوانين بِمَراسيم، ويُمكن وَضْع تَعْديلات بالمرْسوم، أما القوانين والمبادئ الكبرى فثابتة. لك عند الله تعالى رِزْق أما كَمِّيَّتُهُ تتبَدَّل، والآيات في ذلك كثيرة، قال تعالى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾
[ سورة نوح: 10-12 ]
وصِلَةُ الرَّحِم تزيد في الرِّزْق؛ هذا اثنان، وكذا الاستِغفار والاستِقامة، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾
[سورة الجن:16]
الله عز وجل في سبع آيات وأحاديث أشار إلى أنَّ الرِّزْق يزيد بالاستِقامة، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 96 ]
وكذا بصلة الرَّحم، والصَّدَقَة، والاستِغفار، وإقامة أحْكام الدِّين. موضوع الجَبْر :
موضوع الجَبْر موضوعٌ خطير، وهي أنَّه لا شيء ينتهي، ولا شيء جديد إطْلاقاً، فمادام الكَسْب مَفتوحاً، والاخْتِيار مَفتوحاً أيَنْتهي الكسب؟ فالله تعالى علْمُهُ علْم كَشْف وليس علْمَ جَبْر، فهل يجوز لك والحالة هذه أن تُعَطِّل أمْر الله؟ قال تعالى:
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 148 ]
هذه الآية أصْلٌ في نَفْيِ الجبْر؛ فلعَلَّك ظَنَنْتَ قضاءً لازِماً وقَدَراً حاكِماً، إذاً لانْتفى الوَعْدُ والوعيد، ولَسَقَط الثواب والعِقاب، إنَّ الله أمَرَ عِبادَهُ تَخْييراً ونهاهُم تَحْذيراً، وكلَّفَ يسيراً ولم يُكَلِّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعْص مَغْلوباً ولم يُطَعْ مُكْرَهاً؛ ماذا تقول في هذا الكلام؟ لو أنَّ الله تعالى أجْبَر العباد على الطاعة لَسَقَط الثَّواب، ولو أجْبَرَهُم على المَعْصِيَة لسَقَط العِقاب، ولو تَرَكَهُم همَلاً لكان عَجْزاً في القُدْرة، فأنت لو ألْغَيْتَ الاخْتِيار والكَسْب المَفْتوح لألْغَيْتَ الدِّين؛ الثَّواب والعِقاب والأمانة والتَّكليف والجنَّة والنار، ولم يبْقَ شيءٌ.
أنت مُتَمَتِّع بالاختيار، وهذا الاختيار لن تمْلكه إلى الأبد، والفعْل فِعْلُ الله، وتتعلَّق مشيئة الله بتَحقيق اخْتِيارِك، وأنت مُسَيَّر بِتَحقيق مشيئتِك واخْتِيارِك. الرِّزق يزيد وينقص بِحَسب عمل الإنسان :
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ))
[مسلم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]
أليْسَ هذا دليلاً على تقْدير الرِّزق؟ هذا صحيح، فالرِّزْق مُقَدَّر للإنسان، وقد يسْتحِقّ العِقاب التأديبي بِقِلَّةِ الرِّزْق، ولو أنَّهُ تاب إلى الله لقدَّر الله له رِزْقاً آخر، وهذا الأمْر أشار إليه سيِّدُنا عمر لما رعى غَنَمَهُ في أرْضٍ مُعْشِبَةٍ، ولمَّا دخل على بلاد الشام وكان فيها الطاعون، بعضهم أشار إليه ألاّ يدْخُل، فقال هذا الخليفة الراشِد: لو أنَّ هناك أرْضَيْن؛ إحداهما مُعْشِبَة، والأخرى مُجْدبة، أليس لو كانت لك غَنَمٌ ورعَيْتَها في أرْضٍ معشبة لرعَيْتَها بِقَدَر الله؟ وإن رَعَيْتَها في الأرض المجدبَة لَرعَيْتَها بِقَدَر الله؟ فَكَيف نفِرُّ من قضاء الله إلى قضاء الله، وأن ترْعى في أرْضٍ معْشِبَة وَفْق القوانين أفضل من أن ترْعى في أرض مجْدبة! فَكُلُّه بِقَضاء الله، ولكن أنت لك اخْتِيار، وما دام هذا الفم مَفْتوحاً فله رزْق من الله عز وجل، وهذا الرِّزق يزيد وينقص بِحَسب عمل الإنسان.
أُريد أن أُعَقِّب على المناقشة التي جَرَتْ بِهذه الخُلاصة؛ هناك قاعدة في عِلْم الأصول تقول: إنَّ الآيات المتشابهة مهما كَثُرَت تُحْمَلُ على الآيات المُحْكَمَة مهما قلَّتْ؛ دَقِّقوا فلو قلتَ: إنَّ القَمْح مادَّة خطيرة! ماذا تعني كلمة خطيرة؟ أنَّهُ أساسي في حياة الإنسان أو شيء يتفَجَّر، فَكَلِمَة خطيرة كلمة احْتِمالِيَّة، ومُتشابِهَة، ثمَّ بعد قليل قُلْتَ: القَمْح مادَّة أساسِيَّة في حياة الإنسان؛ فماذا نَفْهَم من كلمة خطيرة؟ نَحْمِلُها على كلمة (أساسِيَّة)، إذاً الآيات المتشابهة مهما كَثُرَت تُحْمَلُ على الآيات المُحْكَمَة مهما قلَّتْ. آيات من الذكر الحكيم في نَفْيِ الجَبْر :
آيَةٌ واحدة محكمة نُفَسِّرُ في ضوئِها مئة آية متشابهة، قال تعالى:
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 148 ]
هل هناك أوْضَح من هذه الآية في نَفْيِ الجَبْر؟! وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
[ سورة فصلت: 17 ]
وقال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
[ سورة الإنسان: 3 ]
وقال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 148 ]
الآيات التي توحي بالجَبْر ظاهرها يوحي بذلك أما فحْواها فهو لا يعني الجَبر :
أما الآيات التي توحي بالجَبْر، فظاهرها يوحي بذلك، أما فحْواها فهو لا يعني الجَبر، قال تعالى:
﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾
[ سورة الأنعام: 12 ]
وقال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة التوبة: 51 ]
وهذا كلام المؤمنين، ما دُمْنَا مع الله تعالى وقد آمَنَّا به فلن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا من خير، وهذه أوْضَح آية بالجبر، قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة السجدة: 13]
أي يا عبادي إذا ظَنَنْتُم أنَّكم مَجْبورون على المعْصِيَة فأنتم واهِمون لأنَّني لو أرَدْتُ أن أُجْبِرَكم على شيءٍ ما لما أجْبَرْتُكم إلا على الخير، ولو شئْنا أن نُجْبِرَكم لآتَيْنا كلّ نفْسٍ هداها ولكنَّ أفعالكم التي تَفْعَلونها هي مَحْضُ اخْتِياركم، لذلك سَتُعاقَبون عليها، بِرَبِّكم لو أنَّ إنساناً أجْبرناه على فِعْل شيءٍ هل يلوم نفْسَهُ على هذا الفِعْل إذا كُنَّا نحن الذين أجْبَرْناه؟‍ ماذا يعْني النَّدَم؟ مُجَرَّدُ النَّدَم في القرآن تعني نَفْي الجبْر، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان: 27 ]
وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر: 24 ]
وآيات كثيرة، فلو أنَّ الإنسان مُجْبَرٌ لما نَدِمَ! وكذا مُجَرَّد الأمْر والنَّهي في القرآن دليل على أنَّ الإنسان مُخَيَّرٌ، فالاخْتِيار شيء ثابت في عقيدة المسلِم، والفئَة الجَبْرِيَّة فِئَةٌ خَرَجَت عن مسارِ عقيدة أهل السنَّة والجماعة، ونحن نعلن أنّ علْم الله عِلْم كَشْفٍ، وليس عِلْمَ جَبْرٍ، وما دُمْتَ لا تَعلم ماذا يعْلَمُ الله، فهذا ليس حجَّةً إطْلاقاً.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 01:56 PM   #18


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( الثامن العاشر )

الموضوع : المشيئة والاختيار






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
من ظنّ بالله ظن السوء ما عرفه :

أيها الأخوة المؤمنون، قبل أن نُنْهِيَ موضوع الإلهِيَّات في كتاب العقيدة الطَّحاوِيَّة، أُريد أنْ أقْرأ لكم فقراتٍ للإمام الجليل ابن القَيِّم حول معرِفَة الله، وحُسْن الظنّ به.
يقول هذا العالم الجليل:
((مَن ظنَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى لا ينْصُرُ رُسَلَهُ ولا يُتِمُّ أمْرَهُ، ولا يُؤَيِّدُ جُنْدَهُ، ولا يُعْليهم، ولا يُظْفِرُهم على أعدائِهم، وأنَّهُ لا ينْصُرُ دينهُ، ولا كتابَهُ، وأنَّهُ يُديل الشِّرْك على التَّوحيد، والباطل على الحق إدالَةً مُسْتَحِقَّةً يَضْمَحِلُّ معها التَّوْحيد والحق اضْمِحْلالاً فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء، ونسَبَهُ إلى خِلاف ما يليقُ به وكمالِه وجلاله وصِفاته ونُعوتِه، فإنَّ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ تأبى ذلك، ويأبى أن يُذِلَّ حِزْبَهُ وجنْدَهُ، ويأبى أن تكون النُّصْرة المُسْتَقِرَّة، والظَّفْر الدائِمَ لأعْدائِهِ المشركين، فَمَن ظنَّ به ذلك فما عرَفَه، ولا عرف أسْماءَهُ، ولا عرفَ رُبوبِيَّتهُ وأسماءَهُ، وكذلك مَن أنْكَرَ أن يكون قد قدَّر ما قَدَّرَهُ من ذلك لِغَيْر حِكْمَةٍ بالِغَة، وغايَةٍ مَحْمودَة يسْتَحِقُّ الحَمْد عليها، وأنَّ ذلك إنَّما نشأ عن مشيئَةِ مُجَرَّدة عن حكْمةٍ وغايَةٍ مطْلوبة))
فالله تعالى ما يفعله هو عن حِكْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ، ورحْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ، وعَدْلٍ بالِغٍ بَالِغٍ.
وأكثر الناس يَظُنُّون بالله غير الحقّ، ظنَّ السَّوْء، فَمَن ظنَّ بالله ذلك فما عرَفَهُ، ولا عرف أسْماءَهُ، وصِفاته، ولا عرف موجِبَ حَمْدِهِ، وحِكْمَته، فَمَن قنَطَ من رحمة الله، ويأسَ من روحِهِ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن جوَّز عليه أن يُعَذِّب أوْلياءَهُ مع إحْسانِهم وإخْلاصِهم، ويُسَوِّي بينهم وبين أعْدائِهِ، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن ظنَّ أنَّ الله جل جلاله يخْلق خلْقَهُ سُدىً مُعَطَّلين من الأمْر والنَّهْي، ولا يُرْسِلُ، ولا يُنْزِلُ عليهم كتبهُ بل يتْرُكهم هَمَلاً كالأنعام فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء، ومن ظنَّ أنّ الله جلَّ جلاله لن يجْمَعَ عبيده بعد موتِهم للثَّواب، والعِقاب في دارٍ يُجازى فيها المُحْسِنُ بِإحْسانِه، والمسيء بِإساءَتِه، ويُبَيِّن لِخَلْقِهِ حقيقة ما اخْتَلَفوا فيه، ويُظْهِرُ للعالمين كلَّهم صِدْقَهُ وصِدْق رُسلِه، وأنّ أعْداءَهُ كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء. علينا أن نتفكر في مخلوقاته سبحانه لا أن نتفكر فيه فنهلك :

من ظنَّ أنَّ الله تعالى يُضَيِّعُ على عبْده عملهُ الصالِح الذي عَمِلَهُ خالِصاً لِوَجْههِ الكريم على امْتِثال أمْرِهِ، ويُبْطِلُهُ عليهم بلا سبب من العَبْد، وأنَّهُ يُعاقِبُه بما لا صنيع له؛ لأنَّهُ قدَّر عليه ذلك قبل أن يُخْلَق، ولا اخْتِيار له، ولا قُدرة، ولا إرادة في حُصوله، بل يُعاقِبُه على فعْلِهِ هو سبحانه، أو ظنَّ أنَّهُ يُجَوِّزُ عليه أن يُؤَيِّد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجِزات التي يُؤَيِّدُ بها أنبياءه ورسله، ويُجْريها على أيْديهم يُذِلُّون بها عباده، الآن دَقِّقوا، ومن ظنَّ أنَّهُ يَحْسُنُ منه كل شيء حتى تعذيب من أفْنى عمره في طاعته؛ فَيُخَلِّدُهُ في الجحيم أسْفَل سافِلين، ويُنَعِّمُ من اسْتَنْفَذَ عمره في عداوته وعداوة رسلهِ وأنبيائِه فيَرْفَعُهُ إلى أعلى عِلِيِّين، فهذا الإله العظيم يضع مَن أمْضى كلّ حياتِه، وكلّ عمره في طاعة الله، وخدْمة عباده، والإيمان برُسُلِه، والدَّعوة إليه، ومع ذلك يَضَعُهُ في جهَنَّم أسفل سافلين،، ويُنَعِّمُ من اسْتَنْفَذَ عمره في عداوته وعداوة رسلهِ وأنبيائِه فيَرْفَعُهُ إلى أعلى عِلِيِّين!! كل شيء يَصْدُر عنه يَحْسُن، وكِلا الأمْرَين؛ أن يَضَعَ أولْياءه في النار، وأعْداءَهُ في الجنَّة، في الحُسْنِ سواء عنده، ولا يُعْرفُ امْتِناع أحدهما ووُقوع الآخر إلا بالخَبَر الصادِق؛ أي لو ثبت بالخبر الصادِق وَضع المؤمنين في جهنَّم، والمذنِبين في الجنَّة كان هذا الكلام صحيحاً، وإلا فالعَقْل لا يقضي بِقُبْح أحدهما، وحُسْن الآخر، فالعقل ليس مقْياساً صحيحاً، ومَن ظنَّ به أنَّهُ أخبَر عن نفْسِهِ وصِفاتِه بِما ظاهرهُ باطل، وتشْبيهاً وتمْثيلاً،، وترك الحق لم يُخْبِر به، فأصبح المعنى أنَّ الله تعالى يُضَلِّلُ عباده!! لكنَّ الله تعالى كلامُهُ الصِّدْق، وإذا قال لك: أنت مُخَيَّر يعني أنَّكَ مُخَيَّر، فلا تُحاوِل أن تدْخُل في شؤون الله الذاتِيَّة، فالنبي عليه الصَّلاة والسَّلام نهاكَ عن ذلك؛ تَفَكَّروا في مخلوقات الله ولا تفَكَّروا فيه فَتَهْلَكوا.
ومن ظنَّ به أنَّهُ أخْبر عن نفسِه، وصِفاتِه، وأفعالِه بما ظاهرُهُ باطِل وتشْبيهاً وتمْثيلاً، وترك الحق، ولم يُخْبِر به، وإنَّما رمَزَ به رُموز البعيد، وأشار إليه إشارات مُلْغِزَة؛ ولم يُصَرِّح به، وصَرَّح دائِماً بالتَّشبيه والتَّمثيل الباطل، وأراد من خلْقِهِ أن يُتْعِبوا أذْهانهم، وقِواهُم، وأفْكارِهم في تَحْريف كلامِه عن مواضِعِه، وتأويلهِ على غير تأويلِه، ويتطَلَّبُ له وُجوه الاحْتِمالات المُسْتَكْرَهَة، والتأويلات التي هي بالألْغاز والأحاجي أشبَه، وأحاله في معرفة صفاتِه وأسْمائِه على عُقولِهم وآرائِهم لا على كتابه، بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم.
أكبر حُجَّة يقولها بعض الناس عَدْلُهُ غير عَدْلِنَا، لأنَّهُ لو وَضَع هذا الإنسان الطائع في النار فهذا ليس ظلماً لأنَّنا في مُلْكِهِ.
المؤمن يُحْسِنُ الظنَّ بالله تعالى :
دَقِّقوا؛ وأحاله في معرفة صفاتِه وأسْمائِه على عُقولِهم وآرائِهم لا على كتابه، بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم ولُغاتِهم، والله عز وجل قال بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبين، معنى ذلك أنَّ كلامَ الله عز وجل يُفْهَم وَِفْقَ كلام اللُّغَة العرَبِيَّة، وَوِفْقَ أساليب العَرَبِيَّة في التَّعْبير؛ وهل مِنَ المَعقول أن يُخاطِبَ الناسَ بِلُغَتِهِم، وبِلِسانٍ عرَبِيٍّ مُبين، ويريد منَّا غير الذي حكاه؟! هذا لا يليق بالله عز وجل، فالله تعالى خلقك لِيَرْحَمَك، فهو كذلك، وليس لِيُعَذِّبَك، وإن قال لك: أنت مُخَيَّر، فأنت كذلك، وإن قال لك: أنا أعلم، فهُوَ تعالى حقيقَةً يعْلَم، فأنا أريد أن نكْتَفي بِما قالهُ الإله الكريم في كتابه، وأنا لا أتمنَّى على الله إلا كتاباً في العقيدة لا ينطلق إلا من القرآن والحديث فقط، أما عِلْمُ الكلام إن دخَلَ في العقيدة يجْعَلُها ألْغازاً، وأحاجيّ.
نُكْمِلُ؛ قال: بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم، ولُغَتِهم، مع قُدْرَتِه على أن يُصَرِّح لهم بالحقّ الذي ينبغي التَّصْريح به، ويُريحُهم من الألفاظ التي توقِعُهم في اعْتِقاد باطل، بل سلك بهم خِلاف طريق الهُدى والبيان، ومن ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء؛ فَكُلُّ هذا الكلام على قوله تعالى:
﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾
[ سورة آل عمران: 154 ]
وتَوْضيحاً لهذه الحقيقة أقول: أنتم تسْكُنون في الشام، ولو أنّ أحدكم ذَهَبَ إلى أمْريكا، واشْتَرى كتاب جغرافيا مِن أرْقى مُسْتوى، وأكبر دار نَشْر نشَرَتْهُ، مِن ألف ومئتي صفْحة، تأليف مجموعة من الخبراء، فَتَح على الشَّرْق الأوْسَط، فإذا دمشق تحت بيروت على الساحِل؛ أَيُّهُما أصْدَقُ عنده، دِمَشْق في الداخِل، أم أن يرى دمشق على الساحِل؟ فالمؤمن شُعوراً بِكَمال الله عز وجل أقوى مِن أيِّة مناقَشَةٍ عِلْمِيَّة، فَلِذلك المؤمن يُحْسِنُ الظنَّ بالله تعالى.
فإن ظنَّ قائل أنَّهُ غير قادِرٍ على التَّعْبير عن الحق باللَّفْظ الصَّريح الذي عبَّرَ به هو وسَلَفُه فقد ظنَّ بِقُدْرَتِهِ العَجْز، فإذا لا يَقْدِرُ الله تعالى أن يُعَبِّر تعبيراً واضِحاً يُريحُنا من هذه الخِلافات، معنى ذلك أنَّ الله عاجز عن الكلام، وإن قال: إنَّهُ قادِر ولم يُبَيِّن، وإنَّه عدَلَ عن البيان، وعن تَصْريح الحق، وأنَّهُ يوهِم خِلاف ما قال فقد ظنَّ بِحِكْمَتِه ورحْمَتِه ظنَّ السَّوْء، فهو إمَّا أن يظنّ بقُدْرَتِه عن التعبير ظنَّ السَّوء، وإما أن يظنّ بِرَحْمَتِه وقُدْرَتِه ظنَّ السَّوْء. كمالُ الخَلْق يدُلّ على كمال التًّصرُّف :
بالجُمْلَة من ظنَّ به خِلاف ما وَصَفَ به نفْسَهُ فقد خاب وخسر؛ فالله عز وجل وصَفَ نفْسَهُ بالعَدْل بالآية، أو عطَل حقائق ما وصَفَ به نفْسَهُ، آية واضِحة بِلِسانٍ عربيٍّ مبين؛ لو قرَأتَها على مليون عربي لقال لك: هذا هو معناها!
ومن ظنَّ أنَّ أحَداً يشْفَعُ عنده من دون إِذْنِهِ، أو أنَّ بينه وبين خَلْقِهِ وسائِط يرْفَعون حوائِجَهم إليه، أو أنَّ أحَداً نصَر عباده وأوْلِيائَه من دونه، ويتقَرَّبون بهم إليه، ويتوَسَّلون بهم إليه، ويَجْعَلونهم وسائط بينه وبينهم فَيَدْعونهم ويخافونهم ويَرْجونهم فقد ظنَّ به أقْبَحَ الظنّ وأسوَأهُ. ومن ظنَّ أنَّهُ يُسَلِّطُ على رُسُلُه أعْداءَهُ تَسْليطاً مُسْتَقِرّاً دائِماً في حياتِه وفي مماتِه، ولا يُفارِقونَهُ، فلَمَّا مات اسْتَبَدُّوا بالأمن دون وَصِيَّتِه، و ظَلموا أهل بيْتِه، وسَلَبُوهم حُقوقهم، وأذَلُّوهم وكانت العِزَّة والغَلَبة والقهْر لأعْدائِه وأعْدائِهم دائِماً، مِن غير جُرْمٍ ولا ذَنْبٍ لأوْلِيائِه وأهل الحق، وهو يرى قَهْرَهم لهم، وغَصْبَهم إياهم حقَّهُم، وتَبْديلهم دين نبِيِّهم وهو يَقْدِرُ على نُصْرتهم، وحِزْبُهُ وجُنْدُه فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء.

والذي أريده بهذا الكلام أنَّ هذا الكَوْن ينْطلق بكمال الله ووَحْدانِيَّتِه وينطقُ بِوُجوده، وهو الشيء الثابت، وكمالُ الخَلْق يدُلّ على كمال التًّصرُّف، ولكنَّ البشر جميعاً لا يسْتطيعون أن يُحيطوا بِعِلْمِ الله، ولا أن يَفْهموا ذات الله، فهذا شيء فوق طاقتنا، إلا أنَّهُ يَكْفينا أنْ نفى الله تعالى عن نفْسِهِ الظُّلْم، فهل في هذا إشْكال؟ يَكفينا أنّ الله تعالى بآياتٍ صريحة وغير صريحة أكَّدَ أنَّنا مُخَيَّرون، وأنّ الله تعالى لا يظْلِمُنا ولا النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يُحيط بالله تعالى، وأنا أتَمَنَّى من أخواننا أنْ يمسكوا موضوع القضاء والقَدَر؛ والنبي عليه الصلاة والسلام وصَانا وقال:

((إذا ذكر القضاء فأمسِكوا ))
[ رواه المناوي في الفيض ]
أنت معك دليل، وكلُّ هذا الكون ينْطِقُ بِكَمال الله وبِوَحْدانِيَّتِه ووُجودِه، وهذا المنهج الذي بين أيْدينا مَنْهَجٌ كامٍل وموصِل إليه، أما أن ندْخل في ذات الله؛ فَكَيف نُوَفِّق بين أنَّه تعالى يعْلم، وبين أنَّ الإنسان مُخَيَّر؟ فهو تعالى يعْلَم، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحجرات: 16 ]
تَعَلَّق عِلْمُ الله بِكُلِّ شيء، وقال تعالى: ﴿ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 148 ]
العقل ميزانٌ مَحْدود وَلَهُ مُهِمَّات مَحْدودة :

قالوا: أنت مُخَيَّر بِمئة آية، ويعلم بِألف آية، فأنا حتَّى أجعل مُلَخَّصاً لما جرى في الأسبوع الماضي أقول: الله عز وجل كامِل، ثمَّ أصبحنا أيها الأخوة وكأنَّنا لا نفهم معنى العُبودِيَّة! ما العُبودِيَّة؟ أنت عَبْدٌ ومُهِمَّتُك أن تتحَرَّى أمْرَهُ تعالى وتُطَبِّقَهُ وعندها تنتهي مُهِمَّتُك، والدليل قوله تعالى:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
[ سورة الزُّمَر: 66 ]
فقد أصبح بعضنا يتطاوَل إلى أن يُناقِشَ الله عز وجل، لِمَ فَعَلْتَ؟ ولِمَ لمْ تَفْعَل؟ ولِمَ تَعْلَم؟ ولِمَ لا تعلَم؟ ليس هذا هو مقام الإنسان! فالعَبْدُ عَبْدٌ والربُّ ربٌّ.
أنا أحْياناً أميل إلى السَّلَف الصالِح من حيث أنَّنا عِباد، وما علينا إلا أن نُطيعَهُ، وانْتَهى الأمْر، وهذا عِلْمٌ عالٍ، فأنت في أعلى درَجات العلْم حينما تقول: لا أدْري! والعَجْزُ عن الإدْراك إدْراك، فالذي يدْخُل في متاهات، ويتَّهِمُ الله تعالى في عَدْلِه وعِلْمِهِ ويقول: الله تعالى لا يعْلَم! فهل هذا هو مقامُك؟ أن تنفي عن الله العِلْم مِن أجل أن تُثْبت بِبَساطة وسذاجَةٍ أنَّهُ عادِل!! ألا يكْفي أنَّه نفى عن نفْسِه الظُّلم في كثير من الآيات؟ عِلْماً أنَّك لن تستطيع أن تُثْبِتَ عدالتَهُ بِعَقْلِك إلا في حالةٍ واحِدَة، وهي أن يكون لك عِلْمٌ كَعِلْمِ الله؛ كُلُّ هذا الكون لا يَكْفيك! فأنت لو دَخَلْتَ إلى طبيب، ووجدْتَ على الحائط شَهادة بورد، وهي أكبر شهادة طبّ في العالم! فيُمْكِن لهذا الطبيب أن يُعْطيك دواءً لا ترْضَى به أنت! فلا أعْتَقِدُ أنْ يَشُكَّ المريض بالطبيب العالم والمُخْتَصّ ولو جاءَتْ التَّعْليمات خِلاف المرغوب، أفلا يسْتَحِقُّ الله جلّ جلاله، وهذا الكَوْن الذي خلقَهُ لنا أن نسْتَسْلِمَ له؟ لذا أنْصَحُكم؛ هناك موضوعات عليكم أن تُريحوا أنفسَكم منها، والوَقْت ثَمين والمُهِمَّة كبيرة، والجنَّة عرْضُها السَّماوات والأرض، وهي تَحْتاج إلى اسْتِسْلام، فأكبر خطأ نرْتَكِبُه جميعاً هو: هل عَقْلَنا قادِرٌ على فَهْمِ كلِّ شيء؟! لا، عَقْلُكَ ميزانٌ مَحْدود، وَلَهُ مُهِمَّات مَحْدودة، فما دُمْتَ تَصْرِفُهُ إلى هذه المُهِمَّات فَهُوَ يُعْطيك أرْوَع النَّتائِج، أما حينما تتجاوَزُ المُهِمَّات التي أُنيطَتْ به؛ فرُبَّما يعْطيك نتائِج غير مُتَوَقَّعة، وتكون بهذا قد حَطَّمْتَ عَقْلَك. العقيدة يجب أن تكون وفق منهج الله تعالى ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلَّم :
اليوم سَنُكْمِل الإلهِيَّات إن شاء الله عز وجل، وبعدها ننتَقِلُ إلى النبوَّات إن شاء الله تعالى.
بالمناسبة أقول حول سؤال ذُكِر: أنَّه لا بدّ علينا أنْ نُعْمِلَ عقولَنا، وأن نُفَوِّض في آنٍ واحِدٍ، أنْ نُعْمِلَ عقلنا فيما قاله الله عز وجل لا في رَدِّهِ، ثمَّ إنَّ كلام الشيخ ابن القَيِّم أَعُدُّهُ أنا حُجَّةً، وهو شيء مُهِمّ جداً، فالله تعالى قال:
﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[ سورة الأعراف: 180 ]
وقال تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأعراف: 156 ]
فالحاصل من كلامنا أنَّه لا يمكننا أن نُصَدِّق أن يُعَذَّب إنسانٌ إلى الأبد ولا ذَنْبَ له! وقال العلماء: الجَنَّـةُ مَحْضُّ فَضْلٍ، والنار مَحْضُ عَدْلٍ، فَهَل يُعْقل أنَّ إنساناً لا ذَنْب له ولا اختِيار ولا إثْم يَخْلُدُ في النار إلى أبَدِ الآبدين، فَعَدْلُهُ تعالى يُفْهَمُ وَفْق مقاييِسِنا، وكلامه يُفْهَمُ وَفْق لُغَتِنا.
فالعقيدة شيء خطير إذا كانت على غير منهج الله تعالى، ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلَّم، وقد ذَكَرْتُ لأحدهم فقُلْتُ: لو أنَّ الإنسان مصاب بضَغْط ثمانية عشر؛ وهذا يعني أنَّه يمكن أن تنتج عنه عواقب وخيمة؛ انفجار شريان بالدِّماغ! يُسَبِّب خَثرة دِماغِيَّة؛ إما شللاً أو فقْدَ ذاكرة، فلو أنّ أحدنا اعتَقِدُ أنّ المِلْح ينزِّل الضَّغْط؛ ما هذا الرأي؟ هذا رأيٌ قاتِل، أما لو نوى أن يأكل سُكَّراً فإذا به يأكل الملْح! فهذا خطأ لا يتكَرَّر، أما خطأ أنَّ الملح يُنَزِّل الضَّغْط فهو قاتِل، فأخْشى ما أخْشاه أن يكون في العقيدة خلل، وسوء ظنٍّ بالله، ولا تقلْ: الله يعلم كلّ شيء، وانتهى الأمر، لكنّ العلماء قالوا كلاماً نفيساً، وهو أنَّ عِلْمَ الله تعالى عِلْمُ كَشْفٍ وليس جَبْرٍ، وأنت مُخَيَّر بِنَصِّ القرآن الكريم. القضاء والقدَر كالناظِر في الشَّمْس كلَّما ازْداد تَحْديقاً بها ازْداد عمى :
قال تعالى:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة: 148 ]
وقال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾
[ سورة البقرة: 148 ]

فأنت مُخَيَّر بِعَشرات الآيات، والله تعالى يعْلم بِعَشَرات الآيات، وانتهى الأمر، وإلى هنا قِف! لأنَّ القضاء والقدَر كالناظِر في الشَّمْس؛ كلَّما ازْداد تَحْديقاً بها ازْداد عمًى، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
((إذا ذكر القضاء فأمسِكوا ))
[ رواه المناوي في الفيض ]
يُمْكِن أن تُفَكِّر في الكَون فَتَذوب كالشَّمْعَة تَعْظيماً لله تعالى ولِعِلْمِهِ مِن خِلال صَنْعَتِهِ، فهذا باب مُسْتَحْسَن، ومَطْلوب، ومَرْغوب فيه؛ فَكِّرفي مخلوقات الله، أما إنْ فَكَّرْتَ في الله فإنَّك تَهْلَك، وهذا كلام نقوله لكل البَشَر، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
[ سورة البقرة: 148 ]
وقال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء:85]
لا يعرف الله إلا الله ولا يعرف رسول الله إلا الله ورسول الله :
لا يعرف الله إلا الله، ولا يعرف رسول الله إلا الله ورسول الله، فَنحن نَقِفُ عند حَدِّنا، ورَحِمَ الله عبْداً عرف حَدَّهُ فَوَقَفَ عنده.
أضرب لكم مثَلاً، لو قيل لك: لك عندي قصْرٌ في آخر هذا الطريق! فالأوْلى أن أسير أم أنْ أبقى أُفَكِّر في القَصْر؟‌‍‍! عَمَلٌ غير حكيم، ادُّخِرَ سرّ القضاء والقدر إلى يوم القيامة، فالله تعالى ادَّخَر لنا مُفاجأة، والأمر إذا كان واضحاً واضِحاً يصبح لا قيمة له، فنحن ليس بالضرورة أن نعْرِفَ كلّ شيء، فَمَثَلاً مثلَّث بَرْمُودا! لا أعرف كنهه، والله تعالى جعَلَ هذا المثلَّث تَحَدِّيّاً للبشر، وليس شرْطاً أن أعرف ظروفه؛ تَمُرُّ طائرة فَتَنْزِل، أو باخرة فتَغوص! ماذا بهذا المثلثّ؟! هو لغزٌ في العالم، ولا أحَدَ يعرف!!! مثلَّث قبل أمريكا، ومرض الإيدز أليس سرّاً؟ وكذا مرض الرَّشَح أخْطر مرض يتحَدَّى العصْر؛ يقول لك: إن أخَذْتَ الدَّواء أو لم تأخذْهُ فَمُدَّة التخلُّص منه واحِدَة!! لذا لا تظنّ مِن السَّهْل الإحاطة بالله تعالى! وهل يمكن أنْ تعرف نِهايَة الكَوْن؟! دَعْكَ من خالق الكون، وتعال إلى الكون؛ هل هذه المجرات تعرف دقائقها بالتَّفْصيل؟! فالمجَرَّة تمشي بِسُرعة مئتين وأربعين ألف كيلومتر في الثانية، والآن أين هي؟ وإذا كانت المُوَرِّثات؛ خَمْسَة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة مَوْضوعة على نُوِيَّة خَلِيَّة، لم يعرفوا الآن إلا ثمانمئة فقط! كرموزومات؛ هذا طويل وذاك قصير، وذاك عُيونه سود، والآخر خضر، وذلك زرق، شَعْر كثيف ومُجَعَّد؛ وهذا عصبي وآخر هادئ، خمْسة آلاف مليون مَعْلومة تُسْهِم في تَشْكيل الإنسان.
الشرايين تضيق، وفَقْدُ الإنسان لِشَوارِد البوتاسيوم يجعله يسقط حينما يقفُ، فإذا تَقَدَّم الإنسان في السِنّ، وضَعُفَت عنده هذه الشَّوارِد تجده عندما يقف يسقط رأساً! ما هذه الآلِيَّة؟ لا يزال جسم الإنسان يحوي ملايين المجاهيل التي لم يكتشِفْها الإنسان، وكذا النبات والحيوان، مئة وأربعون مليار خَلِيَّة سمْراء لم تُعْرَف وظيفتها بعْدُ في الدِّماغ! فأنت إذا كنت لا تستطيع أن تعرف مخْلوقاتِه، فكيف تريد أن تعرفه هو تعالى؟!!
علم الله مطلق :
قال: ولم يَخْفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلِمَ ما هم عامِلوه قبل أن يخلقهم، الآن هذا سؤال: إذا قلنا: فألْهَمَها فُجورَها وتَقْواها، إذا قيل لك: ألْهَمَها فُجورَها،أي: أَجْبَرَها على أن تكون فاجِرَة! هكذا فَهِمَها، وقال لك آخر: ليس هذا هو المعنى، ولكن إذا فَجَرَتْ تَكْشِفُ فِطْرَتُها العالِيَة أنَّها فَجَرَت، فأيُّ المعنى الذي يليق بذات الله؟ الثاني طَبْعاً إذْ لو قلنا بالقَول الأوَّل لكان فُجورها من فِعْل الله تعالى، ولا ذَنْبَ لها به لكنَّهُ يُعَذِّبُه على فُجورها.
هناك معنىً آخر وهو أنَّهُ تعالى فطَرَها فِطْرَةً بِحَيْث إذا فَجَرتْ تَعْلمُ أنَّها فَجَرَت مِن دون مُعَلِّم، ومن دون مُوَجِّه، فلا تقل: ولكن، وإن سَرَق، وزنا! فهذا الأمر بالماضي؛ قال: سرقَ ولم يقل يسْرق، فالإنسان إذا أسْلَم فإسلامه يَجُبُّ ما قبله.
بالمناسبة؛ سيِّدُنا يوسف عليه السلام هل كان معه كتاب سماوي؟ ولكن كان معه شيء لا يقل عن مرتبة الكتاب، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة يوسف: 21]
فَتَأويل النَّص عِلْمٌ قائِمٌ بذاتِه! والقُدْرة على فَهْم النَّص اخْتِصاص.
قال: فإنَّه سبحانه يعْلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال تعالى: ﴿ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾
[سورة الأنعام: 28]
وإن كان يعلم أنَّهم لا يُرَدُّون، ولكن أخبر أنَّهُم لو رُدُّوا لعادوا كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة الأنفال: 23 ]
الله تعالى خلَقَ الخَلْق لِعِبادَتِه :

في ذلك رَدٌّ على الرافضة والقَدَرِيَّة الذين قالوا: إنَّهُ لا يعْلمُ الشيء قبل أنْ يَخْلُقَهُ! فلو كان الأمر كذلك فما الفرق بيننا وبين الله تعالى؟ فلو كنت بِبُسْتانٍ ورأيْتَ ورَقَةً تسقط، فأنت الآن علِمْتَ وهي تَسْقُط أنَّها تسْقُط! والله تعالى قال:

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
[ سورة الأنعام: 59 ]
فإذا أنت كنت تعلم حينما تسقط، والله تعالى يعلم حينما تسقط فهل هناك فرق بين عِلْمِكَ وعِلْمه؟! سِيَّان!!
قال: وأمَرَهُم بِطَاعتِهِ ونهاهُم عن مَعْصِيَّتِه، وذكرُ الشيخ رحمه الله تعالى الأمْرَ والنَّهْي بعد ذِكْرِه الخلْقَ والقَدَر إشارَةً إلى أنّ الله تعالى خلَقَ الخَلْق لِعِبادَتِه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات: 56 ]
وقال تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
[ سورة الملك: 2]
قوله: كلّ شيء يجْري بِتَقْديرِهِ ومشيئَتِه، ومشيئَتُهُ تنْفُذ، ولا مشيئَةَ للعِباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن. مشيئة الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة الإنسان :
اسْمَحوا لي الآن أن أقْرَأ الآيات، وأُفَسِّر معناها، فهذا الكونُ كَوْنُ الله تعالى، ولا يقَعُ شيء إلا بِمَشيئة الله تعالى، ولا يستطيعُ عَبْدٌ مهما كان كبيراً أن يفعَلَ شيئاً ما أراده الله، وإنّ كلّ شيء وقع أراده الله تعالى، وكل شيء أراده الله وقَع، وإرادة الله تعالى مُتَعَلِّقَةٌ بالحِكْمَة المطلقة، وحِكْمَتُهُ المطلَقَة مُتَعَلِّقَةٌ بالخير المطلق، فَكُلُّ شيء يجري بِتَقْديره ومشيئَتِه، ومشيئتُهُ تنْفذ لا مشيئة العبد، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا الكلام يحْتاج إلى تَوْضيح، فَمَشيئةُ الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة العِباد، فأنت مُخَيَّر، ثم أَراَدَ لا سَمَحَ الله إنسانٌ فاجر وفاسق أن يسْرِق، فأراد الله له أن يُحَقِّقَ له اخْتِيارَهُ، فمشيئةُ الإنسان تَعَلَّقَتْ بالسَّرِقَة، ولأنَّ الإنسان مُخَيَّر تَعَلَّقَتْ مشيئة الله تعالى بِتَمْكينِهِ من السَّرِقَة، ولكنَّ الله تعالى يُنَسِّق؛ اِسْرِق مِن هذا!! فهو يُحَقِّق لِهذا السارِق مشيئَتَهُ، ويُؤَدِّب هذا المَسْروق، والظالم سوْط الله ينْتَقِمُ به ثمّ ينْتَقِمُ منه، وهذا الكلام معناه أنَّ مشيئة الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة الإنسان، فلَمَّا يسرق هذا الكافر أو يقتل فهو ما فعَلَ إلا ما أراده الله تعالى، لِحِكْمَةٍ بالِغَة، حَقَّقَ لِهذا مشيئتَهُ لأنَّهُ مُخَيَّر، وأدَّب بِهذه المشيئة بَقِيَّة خلقِه، وهذا هو التَّنسيق، وكل شيء يجْري بتَقْديرِهِ ومشيئته، ومشيئتُهُ تنْفذ، ولا مشيئَةَ للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن، فالشيء إذا وَقَعَ يعني أنَّ الله تعالى قد شاءَهُ، وإذا اخْتَرْتَ شيئاً ونفَذتَ ما شئتَ فالمعنى أنّ خطَّة الله اسْتَوْعَبتْ مشيئتك، فما كان لك أن تشاء، وأن تُحَقِّق ما تشاء؛ لولا أنَّ الله تعالى شاء لك أن تُحَقِّقَ ما تشاء، فأنت تبقى مُخَيَّراً، ولكن فعْلَك يُنَسَّق من قِبَلِ الله تعالى. قال تعالى:
﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
[ سورة الإنسان: 30 ]
وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الإنسان: 29 ]
مشيئة الله سبحانه مُقَنَّنة بِكمالِهِ :
أنت مُخَيَّر، ومشيئتُكَ لا تَتَحَقَّق إلا أن يسْمَحَ لك الله تعالى، فالفِعْلُ فِعْلُهُ ولا يُحَقِّق لك مِن مشيئتِك إلا ما يشاء، ثمّ قال تعالى:
﴿ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً* يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
[ سورة الإنسان: 29-31]
فالقَضِيَّة ليْسَت مِزاجِيَّة، فهو تعالى أدْخَلَ المُقْسِطين، ولم يُدْخِل الظالمين، وأدخل المستقيمين، وهذا يعني أنّ مشيئته مُقَنَّنة بِكمالِهِ.
فأنت لك مشيئة لكنَّ هذه المشيئة تفْتَقِرُ إلى فِعْل، والله عز وجل فعَّال لِما يُريد أما أنت وأنا نشاء ولا نفْعَل، فمثَلاً أتمنَّى أنا أن يكون معي ألف مليون، ولكن لا أسْتطيع، إلا أنّ الله تعال فعَّال لما يريد، ومشيئة الإنسان يتحَقَّقُ منها ما يُريدُه الله تعالى فإذا انْقَلَبَتْ إلى فِعْل، فَمَشيئة الله تعالى شاءت أن تقَعَ هذه المشيئة، فَتَنْفيذ المشيئة تحتاج إلى مشيئة الله تعالى. فأنت ـ حسب أصحّ الكلام ـ سُمِحَ لك أن تخْتار، وشاءتْ مشيئة الله أن تكون أنت ذا مشيئة، فأنت مُكَرَّم، أما كل الخَلْق فمُسَيَّرون؛ الحيوان والملائكة والجماد؛ إلا الإنس والجنّ اللَّذَيْنِ شاءت لهما مشيئة الله أن يشاؤوا، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
[ سورة الإنسان: 30]
الله تعالى رسَمَ للإيمان طريقَهُ فلن يؤمن الإنسان إلا من خِلال هذه الطريق :
وقال تعالى:
﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 111]
ما معنى هذه الآية؟ إذا صعد شخصٌ إلى السماء ورجع بعد ساعتين وقال: رأيت الذات الإلهِيَّة فالآن أُومِن، أما الآخر فقال: لا، أنا لا أومن، وإذا خرج شخصٌ من قبره، وقال: هناك آخرة أُصَدِّقُه، وذاك قال: إذا مشى الجبل أُصَدِّق، فالله تعالى قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 111]

فالله رسم للإيمان طريقه، وبشَكْلٍ مُبَسَّط لو أنَّك تقرأ الطب خمْس سنوات فلن تحصل على شهادة طبّ، ولو بقيتَ في المستشْفيات خمْس سنوات كذلك لن تنالها إلا إذا تحَصَّلْتَ على شهادة البكالوريا بِتَفَوُّق؛ فلن تكون طبيباً حتَّى تسْلك الطريق التي رُسِمَتْ للأطِبَّاء؛ بكالوريا زائد سبع سنوات دراسة طب، وإلى آخره، فلو أنَّكَ طَلَبْتَ الإيمان بالله عن طريق المعْجزات فلن تؤمن إلا إذا شاء الله، فاليهود رَأوْا المُعْجِزات؛ عصاً أصْبَحَتْ ثعباناً ‍‍فمنهم مَن انحرف وضلّ! فالآية هذه دقيقة جداً، والله تعالى رسَمَ للإيمان طريقَهُ، فلن تؤمن إلا من خِلال هذه الطريق، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 112]
لأنَّ الفعْلَ فِعْلُهُ، هناك مَثَلٌ أُوَضِّحُهُ لكم كثيراً، وأذْكرهُ كثيراً، أنت صَيْدلي وتطلب مُوَظَّفاً على مستوى عالٍ من الثَّقافة، وأرَدْتَ أن تمْتَحِنَهُ، فأتَيْتَ بِكَمِيَّة من الدواء، وقلتَ له: ضعْ هنا الفيتامينات، وهنا الحبوب، وهنا السُّموم، ثمّ قلت له: وَزِّع هذه الأدْوِيَة! فلو أنَّه وضَع الفيتامينات مع السُّموم، ومنَعْتَهُ من الإتْمام فأنت لم تمْتَحِنْهُ! لكنَّك تشاء له أن يتَحرَّكَ خطأً، لأنَّهُ في مَوْطِن الامتِحان، فالله تعالى ما أمَرَ بالكُفْر، فإن كفَرَ شخصٌ فهو تعالى أراد ولم يرْضَ، ومعنى أراد أي سَمَحَ. الله تعالى أعْطانا الحُرِيَّة كي نرْقى بها ونكون مخلوقات مُتَمَيِّزَة جداً :
ومِن ثَمّ قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة يونس: 99]
لو أنَّ الله تعالى ألغى الاخْتِيار وجعلنا كالملائكة والحيوانات، لا تكليف، ولا أمانة، ولا شَهَوات، فالله تعالى أعْطانا الحُرِيَّة كي نرْقى بها، ونكون مخلوقات مُتَمَيِّزَة جداً.
هناك آية فيها إشكال، وهي قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[ سورة الأنعام: 125]
الله تعالى يُعينُ المؤمن إذا اخْتار الطريق الصحيح، ويشْرح صدْره؛ فهذه اسمُها مُعينات، فالإنسان إذا صلى واستقام يُسَرُّ ويرتاح، فهذا خلق الله فيه السرور والراحة تَشْجيعاً لك، وإذا انتَكَس الشخصُ، وترك الصَّلاة، وخرق الاستقامة فإنَّهُ يجدُ ضيقاً، فالقلوب بِيَد الرحمن، يشْرحها لك تشْجيعاً لك، ويُضَيّقُها رَدْعاً لك، ليس المعنى أنّ الإنسان مَجْبور، فأنا أُحاول أن أُبَيِّنَ معنى الآيات التي يُفهَم منها خطأً عقيدة الجبْر. الضلال الجزائي :
قال تعالى:
﴿ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة هود: 34]
كيف نُفَسِّرُ هذه الآية؟ معنى كلمة يُغْوِيَكم؛ أيْ يُخْرِج ما في نُفوسِكم من شرّ! الإغْواء هو الإضلال، فالله تعالى لو أراد أن يُغْوِيَكم لما أفادكم نصحي، وهناك معنى ثانٍ؛ وهو لو اعْتِقَدْتم أنَّ الله خلقكم لِيُغْوِيَكم لن تسْتفيدوا من دَعْوتي. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الأنعام: 39]
هذا ضَلال جَزائي، المَبْني على ضَلال اخْتِياري، فمَثلاً لو أنَّ الإنسان له زوْجة ممتازة، وعاملَها باللُّطْف، وأحْسَنَ إليها، فهذا لم يفْعَلَ شيئاً، أما لو أُصيبَتْ زَوْجَتُهُ بشَلل، ثمَّ تضايَقَ منها، وأهْمَلَها، فهذا كذَّاب، ومنافق، لأنَّه صاحب مصْلَحَة، فالخبث الكامن لا يظهر إلا بالامْتِحان، فالله عز وجل لمَّا علِمَ أنّ فيهم خبْثاً، وضَعَهُم بِظَرْفٍ أخْرج به خُبْثَهم. ذَمَّ الله تعالى المشركين حيث جَعَلوا الشِّرْك كائِناً منهم بِمَشيئَةِ الله فعَزَوا شِرْكَهم إليه:
إن قيل: يُشْكِلُ على هذا قوله تعالى:
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 148 ]
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾
[ سورة النَّحل: 35 ]
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الزخرف: 20 ]
فقد ذَمَّهم الله تعالى حيث جَعَلوا الشِّرْك كائِناً منهم بِمَشيئَةِ الله، فعَزَوا أخْطاءَهم وشِرْكَهم إلى الله عز وجل.
وكذلك ذمّ إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله، إذْ قال في قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة الحجر: 39]
فالله تعالى ما أقَرَّهُ على هذا الكلام، وهي دَعْوى إبليس! مشيئة الله تعالى ليسَتْ دليلاً على أمرِهِ ولا على رِضاه :
قال: قد أُجيب على هذه الآيات بِأجْوِبَة؛ أحْسَنُها أنَّهُ أنْكر عليهم ذلك، لأنَّهم احْتَجُّوا بِمَشيئَتِه على رِضاه وَمَحَبَّتِه، فالمشيئة شيء وأمْرُهُ ورِضاه شيء آخر، فأحْياناً يكون الأب مُثَقَّفاً ثقافَةً عالِيَة، فيَكون كلّ طُموح الأب أن يكون ابنه مُثَقَّفاً، فإن لم يكن كذلك يَضَعُهُ في صَنْعَة يتعلمها، فالأب شاء له العلم، ولم يرْضَ لابنه أن يكون صاحب صَنْعة، بل صاحب ثقافة دراسِيَّة، فأكْبَر خلط أن تظن أنَّ مشيئته هي عَيْنُ رِضاه، وأنَّ مشيئته عين أمْرِه! لا، ثم لا، ما معنى ليس في إمكاني أبْدعُ مِمَّا أعْطاني؟ هل يوجد أبٌ يَتَمَنَّى لابنِه عَمَلِيَّة جِراحِيَّة؟ ولكنه يرضاها له، فَمَشيئته غير رضاه وغير أمْرِه.
وقالوا: لو كرِهَ ذلك وسَخِطَه لما شاءَهُ، فجعلوا مشيئتَهُ دليل رِضاه، فرَدَّ الله عليهم ذلك، أو أنَّهُ أنْكر عليهم اعْتِقادهم أنَّ مشيئة الله تعالى دليل على أمرِه به فليسَتْ مشيئة الله تعالى دليلاً على أمرِهِ، ولا على رِضاه، وهذا واضِحٌ.
أو أنَّهُ أنكر عليهم معارضَتَهُ شرْعَهُ، وأمْرَهُ الذي أرْسَل به رسله، وأنْزل به كُتُبَهُ بِقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامَّة دافِعَةً للأمْر، فلم يذْكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنَّما ذكروها مُعارضين بها لأمْره، دافِعين بها لِشَرْعِهِ، كَفِعْل الزنادِقَةِ والجُهَّال إذا أُمِروا، أو نُهوا احْتَجُّوا بالقَدَر، وهناك رواية قال: وقد احْتَجَّ سارق على عمر رضي الله عنه بالقَدَر، فقال: إنَّ الله قدَّر عليَّ ذلك، قال: وأنا أقْطَعُ يدك بِقَضاء الله وقدَرِهِ! إذا كنتَ تظنّ أنَّ هذه الجريمة التي قد ارْتَكَبْتَها بِقَضاء الله وقدره، فنحن نقطع يدك بِقَضاء الله وقدرِه، فهذا أراد أنَّ الله تعالى هو الذي أجْبره على ذلك، ويشهد لِذلك قوله:

﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام: 148 ]
فَعَلِمَ أنَّ مُرادهم التَّكْذيب، فهو مِن قبل الفِعْل مِن أين له أنْ يعلمَ أنَّ الله تعالى قدَّره أو لم يُقَدِّرْهُ؟ أطَّلَعَ الغيْب؟! فما دُمْتَ لا تعلم الذي يعْلمُه الله فهذا العِلْم لا يمكن أن يكون حجَّةً لك.
وإن شاء الله تعالى في درْس قادِم نُتابع الموضوع، ونَصِل إلى النبوَّات، ونكون قد تجاوزنا أصعب جزء من الكتاب، والباقي سيَكون سهْلاً إن شاء الله تعالى.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 01:59 PM   #19


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( التاسع العاشر )

الموضوع : الهداية و العصمة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
حُسْنُ الظنِّ بالله تعالى ثَمَن الجنَّة :
أيها الأخوة المؤمنون، أجمل كلمةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بالقضاء والقدر، ومُتَعَلِّقَةٍ بِذات الله عز وجل، نُقِلَتْ عن وَهْبٍ بن مُنَبِّه فقد قال: نَظَرْتُ في القضاء والقدر فَتَحَيَّرْتُ، ثمَّ نظرتُ فيه فَتَحَيَّرْتُ، ووجَدْتُ أعلم الناس بالقَدَر أكَفَّهُم عنه، وأجْهَلَ الناس بالقَدَر أنْطَقَهُم فيه! معنى ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء: 85 ]
وقال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة: 255 ]
فنحن نتوَغَّلُ في المنطقة التي أُمِرْنَا أن نتَوَغَّلَ فيها، وهي التَّفَكُّر في خَلْق الله، وعلينا أنْ نحْجم عن المنْطقة التي نُهينا عن الخَوْض فيها، مع أنَّنا نُحْسِن الظنَّ بالله عز وجل، فَحُسْنُ الظنِّ بالله تعالى ثَمَن الجنَّة، والله سبحانه وتعالى فيما أخْبَرَنا عن ذاتِه لا نُحِكِّمُ عُقولنا في ذاتِه تعالى، فقد نفى عن نفْسِه الظُّلْم في آياتٍ كثيرة، ويَكْفينا الخَبَرُ الصادق عن خالِقِ الأكوان أنَّهُ لا يظْلِم، ولذا علينا أن نَلْتَفتَ إلى موضوعات أُمِرنا أن نخوض فيها، وأن نتَوَغَّل فيها، فَكُلَّما ازْدَدْنا فِكْراً في خَلْق السَّماوات والأرض ازْدَدْنا عِلْماً به تعالى وتَعْظيماً له، وخَشْيَةً وإقْبالاً عليه، وسَعِدْنا في الدنيا والآخرة. جنَّتُهُ جلَّ جلاله مَحْضُ فضْلٍ ونارُهُ مَحْضُ عَدْلٍ :
قال الإمام الطحاوي: "يهدي من يشاء، ويعْصِمُ، ويُعافي فَضْلاً، ويُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل، ويبْتَلي عَدْلاً"، كلامٌ دقيق جداً يتراوَحُ بين الفضْل والعَدْل؛ جنَّتُهُ جلَّ جلاله مَحْضُ فضْلٍ، ونارُهُ مَحْضُ عَدْلٍ، فإذا أعْطى فَمِن فضْلِهِ، ولا أجِدُ مثالاً في تَوْضيح هذه الفِكْرة مِن أنَّ أباً رحيماً عالِماً له ابنٌ شَجَّعَهُ على الدِّراسة ووعَدَهُ بِجائِزَةٍ كبيرة جداً إذا هو نَجَح، فهذا الطِّفْل ظنَّ أنَّ ورقَة النَّجاح وحْدَها يُمْكِنُهُ أن يشْترِيَ بها هذه الجائزة، فلما نَجَح وأخذَ جلاءَهُ تَوَجَّهَ إلى بائِعِ الدَّرَاجات، وانتَقى أغلى درَّاجة، فهل يأخذ هذه الدَّراجة لِتَفَوُّقِهِ؟ لا، لا بدّ مِن أن يدْفَعَ الأب ثَمَنَها، فهذه الدَّراجة ـ وإن كان مثلاً بسيطاً ـ يدْفَعُ ثَمَنَها الأب وهي مَحْضُ فضْل منه، إلا أنَّ دِراسَتَهُ لا تكْفي لاقْتِناء هذه الدَّراجَة، لكنَّ الأب قال: إذا نَجَحْتَ فلك هذه الدَّراجة؛ لذا فهي مَحْضُ فضْلٍ منه.
إذا تاب المرءُ في سن الأربعين، ومات في الخامسة والخمْسين، كم سنة عاش؟ خمْسَ عشرة سنة، غَضَّ بصَرَهُ، وحرَّرَ دَخْلَهًُ، وأدَّى الصَّلوات، وصام رمضان، وحضر مجالِسَ العِلْم، ثمَّ توفَّاهُ الله، فاسْتَحَقَّ الجنَّة إلى الأبد الآبدين، فَنَعيمٌ مُقيم في جنَّة عرضها السماوات والأرض لا يتناسَب مع عمَلٍ لا يتجاوَزُ بِضْعَ سنوات! لَكِنَّ الجنَّة مَحْضُ فضْلٍ بينما النار مَحْضُ عَدْلٍ، فهو تعالى إنْ عَذَّبَنا فبِعَدْلِهِ، وإنْ كرَّمَنا فَبِفَضْلِهِ؛ هذا كلامٌ دقيق، يهدي من يشاء، ويعْصِمُ ويُعافي فَضْلاً، ويُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً، هنا نقْطة دقيقة وهي: أنَّنا إن قلنا: يُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً معنى ذلك هناك سبب من المخْلوق وإلا انْقَلبَ إلى ظلْمٍ، فلا بدّ مِن سببٍ مُتَعَلِّقٍ بالمَخْلوق، فما دام يُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً، يَعْتَقِدُ المسلم أنَّ الله سبحانه وتعالى إنْ عَلِمَ في عبْدِهِ ذَرَّةً من خير، فهذه تُنَمَّى، وتُنَمَّى، ويُشَجَّع، ويُكافَأ، ويُثاب، ويتجَلَّى الله على قلبه، ويُسْعِدُه، ويشْرح له صدْره، إلى أن تغْدو هذه الذَرَّة حجْماً كبيراً.
كلّ بني آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التَّوابون :
ذكرْتُ لكم في الدَّرْس الماضي كلِمَةً تَهزّ مشاعر الإنسان؛ النبي عليه الصلاة والسلام حينما بايَعَهُ أصْحابه في صلح الحُدَيْبِيَّة، ولما انتهى أصحابه من بيعتهم أمْسَكَ يداً بِيَد وقال: هذه عن عثمان، تذكرون هذا في السيرة، فإنَّهُ في حاجة الله ورسوله، وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس فيه شطحات أبَداً؛ ما معنى أنّ عثمان في حاجة الله ورسوله؟ ما حاجة الله عز وجل؟ حاجة الله عز وجل إسْعاد خلْقه وإكرامهم وهِدايتهم، لذلك كلّ شيءٍ شاءهُ لهم قد يتناقض مع أمْره ورِضاه، فَشاءهُ لهم أي سمَحَ لهم أن يفْعَلوه؛ تَحْقيقاً للأمانة التي أوكِلَت إليهم، وللتَّكْليف الذي كُلِّفوا به، وتَحْقيقاً لِحُرِيَّة الاخْتِيار شاء، ولم يرْضَ، ولم يأْمُر، فحينما نقول: إنَّ إضْلال الله عز وجل، وخِذْلانه، وابْتِلاءَهُ مَحْضُ عدْلٍ فَلِسَبَبٍ مِن المَخْلوق، وهذا الكَسْبُ الذي يُحاسَبُ عليه الإنسان؛ قال تعالى:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾
[ سورة البقرة: 286 ]
إذا ألْغَيْنَا سبب المخلوق كما قال ابن القَيِّم رحمه الله كما مر معنا في الدرس الماضي؛ وإذا وضعَ الله عز وجل إنساناً في النار إلى أبَدِ الآبدين مِن دون ذَنْبٍ منه إطْلاقاً، فهذا شيء يتناقض مع كمال الله وأسمائِهِ الحُسْنى، لذلك هذه الكلمة على إيجازِها واخْتِصارِها لها دلالاتٌ كبيرة.
أيها الأخوة، أريدُ أن أضَعَ بين أيديكم هذه الحقيقة؛ قد تقرأ كتاباً وتمْتلئ نفسُكَ إعْجاباً به، وهذا لا يعْني أنَّ مُؤَلِّفَهُ مَعْصوم، فلا ينبغي أن نعْتَقِدَ العِصْمَة لِغَير النبي عليه الصلاة والسلام، فهو عليه الصَّلاة والسلام وحْدهُ مَعْصوم، بينما أُمَّتُهُ بِمَجْموعِها معْصومة، والمعنى أنَّ كلّ مسلمٍ ومؤمنًٍ وعالمٍ تَفَوَّقَ في جانِبٍ، ولا أقول جَهِلَ جانِباً؛ غابَ عنه بعضُها، فجاء أخوهُ فَتَفَوَّق في هذا الجانب، وغاب عنه كذلك جانب آخر، فمَجْموع العلماء والدُّعاة إلى الله مَعْصومون، لا بِمُفْرَدِهِم، وكيف تعْرِِف أنَّ هذا العالم ألَّف كتاباً من مئة صفْحة؟! فقد تجد أخطاءً وثغراتٍ في صَفْحَةٍ من الصَّفحات، وهذه النُّقْطة لا تقْدَحُ في مكانَتِهِ، ولا تُقَلِّلُ من قيمتِه، ولا تهدر كرامتَهُ؛ لأنّ كلّ بني آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التَّوابون، فنحن لا نعتقِدُ العِصْمة إلا لِرَسول الله، وما سِواه يؤْخَذُ منه ويُرَدّ عليه إلا صاحب القبَّة الخضراء. كمال البشر نِسْبِيّ لكِنَّ الله سبحانه وتعالى عدْله مطلق لا نسبي :
كيف تعرف كطالب عِلْمٍ أنَّ هذه الفِكْرة أو أنَّ هذا الكتاب لم يُدْرِك الصَّواب؟ هذا يُسَمِّهِ العلماء التَّقاطُع، فأنت قد تكون كطالب علم أقلّ شأناً من كلّ هؤلاء العلماء؛ وهذا ليس من باب التَّواضع، ولكن قرَأْتَ لِهذا العالم فلفَتَ نَظَرَكَ إلى حقيقةٍ غابَتْ عن هذا العالِم! نحن الآن ندْخُل في موضوع؛ هل يجب على الله تعالى الأصْلَح؟ هذا موضوع سَبَقَ أن عالَجْنَاهُ في جَوْهرة التَّوحيد؛ هل يجب على الله تعالى الأصْلَح؟ فالمُعْتَزِلَة قالوا: يجب على الله الأصْلَح، وأهل السنَّة والجماعة قالوا: لا يجب على الله الأصْلَح؛ لأنَّ الله تعالى لا يجب عليه شيء.
أرْجو الله سبحانه وتعالى أن أكون دقيقاً في تَوْضيحِ هذا الجانب! نعْتَقِدُ جميعاً أنَّ الله جلَّ جلاله كامِل، وكماله كمالُ مُطْلَقٌ، فما معنى كماله كمالُ مُطْلَقٌ؟! القاضي العادل قد يحْكُم ألْف حُكْمٍ، فَتِسْعُمئة حُكْمٍ وتسْعَةٌ وتسعون عادلة، وواحِدٌ جائِر؛ حينها يُسَمَّى القاضي عادِلاً، بل حتَّى لو حكم عشْرة أحكام جائرة لَسُمِّيَ عادِلاً! فهذا في حُكْم البشر، ولأنَّ كمال البشر نِسْبِيّ، لكِنَّ الله سبحانه وتعالى عدْله مطلق لا نسبي، ففي الأرض الآن هناك ستة آلاف مليون إنسان، وكم مِن حيوان؟ وكم مِن نباتٍ؟ فلو أنَّ شاةً نَطَحَتْهَا شاةٌ فلم يقتصّ للمَنْطوحة من التي اعْتَدَتْ عليها لما سُمِّيَ الله عادِلاً! فالإله وَضْعُهُ ثانٍ، وكمالُهُ مُطْلَق.
فأوَّلاً: إن اعْتَقَدْنا الكمال المطلق لله عز وجل؛ فكيف نقول: لا يجب عليه الأصْلَح؟! أنا لا أشُكّ أنَّ أهل السنَّة والجماعة تأدَّبوا مع الله ولكن لماذا قالوا: لا يجب على الله تعالى الأصلح؟ الله جل جلاله لا يجب عليه شيء، وهذا شأن الإله، لكنَّ الله سبحانه وتعالى أوْجَبَ على نفسه الأصْلَحَ، قال تعالى:
﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود: 56 ]
إنَّ ربي على صراط مستقيم، وقال تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الأنعام: 54 ]
الله سبحانه وتعالى يفْعل الأصْلح مِن دون أن يكون عَقْلُنا مِقْياساً لهذا الأصْلَح :
قبل عامَيْن تَوَصَّلْنا إلى حلٍّ رائع، وهو أنَّ الله عز وجل يفْعل دائِماً الأصْلَح، ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح! فالله جل جلاله يفْعل ما يتناسب مع كماله المطلق، إذاً يفْعل الأصْلح مِن دون أن يكون عَقْلُنا مِقْياساً لهذا الأصْلَح، ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح! لذلك قالوا في تعريف حِكْمَتِه: إنَّ كلَّ شيءٍ وقَعَ وقع لحكمةٍ، لو لم يَقَع بالنَّحْوِ الذي وقَع لكان الله تعالى مَلوماً، ولكان عدم وُقوع الذي وقع على النَّحو الذي وقع نقْصاً في حكْمته عز وجل، ومِن هنا انْطَلَقَ الإمام الغزالي وقال: ((ليس بالإمكان أبْدَعُ مِمَّا كان))، الله جل جلاله لا يفْعل إلا الأصْلح لأنَّه كامل ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح!
أحْياناً تجد أباً مات في رَيْعان الشَّباب، وترك أوْلاداً أيْتاماً، فالعَقْل القاصِر يقول: يا رب لو أبْقَيْتَ هذا الإنسان! وما يُدْريك أنّ يُتْمَ هؤلاء الأولاد دَفَعُهم إلى سُلَّم التَّفَوُّق، وأنَّهُ لولا وفاة الأب لكانوا في حالةٍ أخرى! فأنت لا تعلم، لذلك الآية التي لا أشْبَعُ مِن تِرْدادِها قوله تعالى:
﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة: 216]
فَمِن باب الطُّرْفَة نقول: إنَّ المُتَفَوِّقون في كلِّ المجالات عاشوا طُفولَةً بائِسَة، وأنت الآن تُقَدِّم لابنِك كلَّ شيء، ومع ذلك لا يتفَوَّق! فحينما أوْصَلْتَ له كلّ شيء رحْمَةً منك أفْقَدْتَهُ الدافِعَ إلى التَّفَوُّق.
أعرِفُ رجلاً أخْرَجَهُ والِدُهُ من التَّعْليم الابْتِدائي، ووالِدُهُ صاحب مكْتبة وليس مقتنِعاً بالعِلْم إطْلاقاً، فهذا الابن الذي أُخرِجَ عُنْوَةً من التَّعْليم درس الشَّهادة الابْتِدائِيَّة خُفْيَةً عن والِدِهِ!! ثمَّ درس الإعْدادِيَّة، والثانَوِيَّة، ونال الحُقوق، ثمَّ تقدَّم لِشَهادة الماجسْتير والدكتوراه، وألَّف تفْسيراً شهيراً، أهْدى منه نسخة إلى مسجدنا، والِدُهُ شاء له أن يَدَعَ سبيلَ العِلْم، وربَّمَا لو دَفَعَهُ والِدُه إلى العِلْم لاخْتَلَف الوَضْع! مَبْعَث طمأنينة المؤمن أنَّهُ موقِنٌ بِحِكْمَة الله تعالى وأنَّ الأمْر كُلَّه بِيَدِ الله :
وَرَدَ في بَعْض الأثر: أنَّ الناس لو مُنِعوا عن فتِّ البعْر لفَتُّوه!! فالله تعالى له حِكَمٌ لا نعْرفها، إلا أنَّهُ لو كُشِفَ الغِطاء، فليس لنا إلا أنْ نخْتار الواقِع، بل لذابَتْ أنْفُسنا محَبَّةً لله تعالى، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَّا له تاريخ، ووُلِدَ من فلان وفلانة وفي المكان الفلاني وفي الزَّمَن الفلاني، وبالقُدْرات الفُلانِيَّة والمُلابسات الفُلانِيَّة، وبالبيئة والتَّفوُّق الفلاني، هذا الذي رسَمَهُ الله لك، لو كُشِفَ الغِطاء لما وَجَدْتَ أحْكَمَ ولا أرْوِعَ منه، وهذا مَبْعَث طمأنينة المؤمن، وهو أنَّهُ موقِنٌ بِحِكْمَة الله تعالى، وأنَّ الأمْر كُلَّه بِيَدِ الله.
قال: "يهدي من يشاء، ويعْصِمُ ويُعافي فَضْلاً، ويُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً"، وهذا ردٌّ على المعتزلة في قولهم بِوُجوب فِعْل الأصْلح على الله تعالى؛ وهذه هي مسألة الهُدى والضَّلال. قالت المعتزلة: الهُدى من الله تعالى، الهُدى من الله مبتدأ، خبره بيان طريق الصَّواب، والإضْلال تَسْمِيَةُ العَبْد ضالاًّ، وحُكْمُهُ تعالى على العَبْد بالضَّلال عند خَلْق العبْد الضَّلال في نفْسِه، وهذا الذي نقوله أحْياناً حينما يُعْزى الإضْلال إلى الله عز وجل، فَهُوَ الإضْلال الجزائي المَبْني على إضْلال اخْتِياري.
بالمناسبة، نحن نذْكر المعتزلة كثيراً ونعْتَقِدُ أنَّ عقيدتهم في بعض جوانِبِها باطلة وفاسِدَة وغير صحيحة، وليس معنى هذا أنَّ كلّ شيءٍ قالَتْهُ المُعْتَزِلَة خطأ! مُشْكلتُنا أنَّنا تَعَلَّمْنا من الغُلاة أنَّ في الحياة لونَيْن فقط أبيَض وأسْوَد؛ إمّا أنَّهُ معنا أو ضِدَّنا، وإما أنَّهُ مع الحق أو الباطل، وإمَّا أنَّهُ مع الحقِّ أو الشَّيْطان، وما تعَلَّمْنا أنَّ مليون لوْنٍ رمادِيٍّ بين الأبْيَض والأسْوَد، لذلك فالإنْصاف بعيد عنَّا، وعندنا غُلُوّ، وأحْكامُنا جائرة، وهناك تَطَرُّف، وإذا أحْبَبْنا ألَّهْنا، وإذا كرِهْنَا فسَّقْنا؛ وهذه ترْبيَةٌ مغلوطة.
النبي عليه الصلاة والسلام كان يسْتَعْرِضُ الأسْرى، فإذا بِصِهْرِه بين الأسْرى؛ زَوْجُ زيْنب، فلماذا جاء؟ جاء لِيُحارِبَ النبي عليه الصلاة والسلام، ولو تمَكَّن لقَتَلَهُ، فإذا به يقَعُ أسيراً، فالنبي عليه الصَّلاة والسلام، وهذا كمالٌ منه قال: ((واللهِ ما ذَمَمْناهُ صِهْراً))، فما ذكَر شيئاً عن إيمانِهُ، ولا عن شِرْكِهُ، ولا أنَّهُ جاء لِيُحارِب، وقد يقْتل، ولكنه عليه الصلاة والسلام أبْرَزَ أنَّهُ كان زوْجاً كريماً لابْنَتِهِ!
وهذا ابن بلْتَعَة، الذي ارْتَكَب خِيانَةً عُظْمى في كُلِّ أعراف الأُمم، فأرسل رسالةً لقريش قبل فتح مكة يقول فيها: إنَّ مُحَمَّداً سيَغْزوكُم، فَخُذوا حِذْرَكُم، وجاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام الوَحْيُ مُخْبِراً إيَّاه بِما فَعَل حاطب بن أبي بلْتَعَة، فَسَيِّدُنا عمر رضي الله عنه قال: دَعْني أضْرِب عُنُقَ هذا المنافق! فقال: لا يا عمر، إنَّهُ شَهِدَ بدْراً، فالنبي عليه الصَّلاة والسلام سألهُ: لمَ فعَلْتَ كذا وكذا؟ فقال حاطب: واللهِ ما كَفَرْتُ، وما ارْتَدَدْتُ، ولكن أرَدْتُ أن تكون لي يدٌ بيضَاء عندهم، أحْمي بها أهْلي ومالي!! فالنبي عليه الصلاة والسلام صَدَّقَهُ وقال: إنَّي صَدَّقْتُهُ فَصَدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيْراً، لكِنَّ الغريب أنَّ في السيرة أحوالاً لا تُصَدَّق.
إذا عُزِيَ الإضْلال إلى الله عز وجل فهو الجزاء المَبني على ضلال اختِياري :
أنت لو كان عندك مُوَظَّفٌ، ضَبَطْته يأخذ من الصُّنْدوق مبْلَغاً، ويَضَعُهُ في جَيْبِهِ، وقلبُك ممتلئٌ رحْمَةً اتِّجاهَهُ، فإنَّك تُبْعِدُهُ عن الصُّنْدوق، أما أن تُكَلِّفَهُ بعد هذه الخِيانَة بِأمانة الصُّنْدوق؛ فهذا شيء غريب. بِماذا كلَّفَ النبي عليه الصلاة والسلام حاطب بعد خِيانتِهِ؟ أرْسَلَهُ مَنْدوباً شَخْصِيّاً لأحَدِ المُلوك لِمُهِمَّة سِياسِيَّة، وقد ارْتَكَب خِيانَةً عُظْمى! فنحن ليس اعْتِقادنا في المعتزلة أنَّهم خلاف عقيدة أهل السنَّة، أي أنْ نضْرب أقوالهم كلَّها عرض الحائط! لا، ليس كلّ قَوْل قالَهُ المعتزلة جانبُوا فيه الصَّواب، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة الصف: 5 ]
إذا عُزِيَ الإضْلال إلى الله عز وجل فهو الجزاء المَبني على ضلال اختِياري. قال: والإضْلال: تَسْمِيَةُ العَبْد ضالاًّ، وحُكْمُهُ تعالى على العَبْد بالضَّلال يكون عند خَلْق العبْد الضَّلال في نفْسِه، وهذا القول مَبْني على أصلهم الفاسد؛ أنَّ أفعال العباد مَخْلوقَةٌ لهم. وهذا غلط، فَمَن يخْلُقُ الفِعْل؟ العبدُ أم الربّ؟ الربّ هو الذي يخلق، أما المعْتَزِلة فقالوا: الإنسان يخْلق أفْعاله، وهذا خطأ كبير، قال تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[ سورة الأنفال: 17]
وقال تعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال: 17]
الله سبحانه وتعالى هو الذي يخْلقُ الأفْعال وليس للإنسان إلا الكَسْب :
لذلك حينما يُنْسَبُ الفِعْلُ إلى العبْد معنى ذلك أنَّ كلّ إنسان قادِر أن يفْعَلَ به من يشاء، فأنا من أعبد عندئذٍ؟ يجب أن أعبُدَ الخَلْق جميعاً!! وإذا كان كلّ إنسان يخلق فِعْلَهُ بِنَفْسِه، فأنا أكون ضَحِيّة إذاً، لأنَّ الله خلق القوِيّ والضَّعيف، فلو أنَّ الناس كلَّهم مُتساوون لكان شيئاً آخر، لكن هناك القوِيّ والضَّعيف، لذلك هذه العقيدة في نظر أهل السنَّة والجماعة وهم على حقٍّ فيها مَغْلوطَة لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يخْلقُ الأفْعال وليس للإنسان إلا الكَسْب، قال تعالى:
﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾
[ سورة البقرة: 286 ]
وقال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 56]
الحقيقة أنَّه يجب الوُقوفُ عند هاتَيْن الآيَتَيْن. قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الشورى: 52 ]
معنى ذلك أنَّ دعْوَة النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ صِرْف، لكِنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يمْلك إرغامَ الناس على الاخْتِيار، فَقَبُول الدَّعْوة أو رَدُّها مَنوطٌ بالإنسان نفسه، لذلك قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 56]
قال أيضاً: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 272]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾
[ سورة الزمر: 41]
الهُدَى مُحَصِّلَة البيان مِن قبَلِ الخالق والقَبُول أو الرَّفْض يقع مِن قِبَل المَخْلوق :
أما حينما دعا النبي عليه الصلاة والسلام فَدَعْوَتُهُ حقّ، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة الشورى: 52 ]
قال: ولو كان الهُدى بيانُ الطريق لما صَحَّ هذا النَّفْي عن نَبِيِّه، لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم بيَّن الطريق لِمَن أحَبّ وأبْغَض، ومع ذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾
[ سورة القصص: 56]
فالهُدَى بيان الطريق مِن جِهَة الخالق عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، وقَبُول هذا أو رَفْضُه يكون مِن جِهَة المَخلوق، فالهُدَى مُحَصِّلَة البيان مِن قبَلِ الخالق، والقَبُول أو الرَّفْض يقع مِن قِبَل المَخْلوق. َمَشيئَةُ الله مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشيئة العَبْد لأنَّهُ أعْطاهُ الاخْتِيار :
قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة السجدة: 13]
قلنا: إنّ معناها يا عبادي أنتم مُخَيَّرون، فإن شئْتُم أن أنْزِعَ اخْتِياركم وأن أُجْبِرَكم، فلو شئنا أن نُلغي اخْتِيارَكم ونلغي حَمْل الأمانة والتَّكْليف لأجْبرْناكم على الهُدى، لأنَّ الله تعالى لا يأمر بالفَحْشاء، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف: 28]
ولو كان الهُدى من الله تعالى ـ البَيَان فقط ـ وهو عامٌّ في كُلِّ نفْس لما صَحَّ التَّقْييد بالمشيئة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة الصافات: 57]
النُّقْطة الدقيقة؛ لأنّ الله عز وجل أوْدَعَ فينا هذه المشيئة الحُرَّة، فَمَشيئَةُ الله مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشيئة العَبْد لأنَّهُ أعْطاهُ الاخْتِيار، فإذا شئْتَ الهُدى شاء الله لك الهُدى، وإن شئْتَ لا سَمَحَ الله الضلال شاء الله لك الضَّلال حينما تُصِرُّ عليه. مشيئة العَبْد مشيئة اخْتِيار لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار :
قال: وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئَتِه بين فضْلِهِ وعَدْلِهِ، ذَكَرْتُ مرَّةً كلمةً في تفسير آخر آيات سورة الدَّهْر وهي قوله تعالى:
﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
[سورة الإنسان: 29-30]
مشيئة العَبْد مشيئة اخْتِيار، لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار، فأنت مثلاً اِخْتَرْتَ هذا لَكِنَّك لم تدْفَعِ الثَّمَن؛ اِخْتَرْتَ أن تكون صِدِّيقاً لكنَّك لم تسْعى لِهذه المَرْتَبَة، فمشيئةُ العبد مشيئة اخْتِيار، لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
[ سورة الإنسان: 30 ]
اُطْلب ما شئْت قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
[ سورة الإسراء: 19 ]
قال الشيخ: "وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئَتِه بين فضْلِهِ وعَدْلِهِ"، فإنَّهم كما قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
[ سورة التغابن: 2]
فَمَن هداه إلى الإيمان فَبِفَضْلِه وله الحَمْدُ، ومن أضَلَّهُ فَبِعَدْلِهِ وله الحمْد، وسيأتي لِهذا المعنى زِيادَةٌ وإيضاح إن شاء الله تعالى، فإنَّ الشيخ رحمه الله لم يجْمع الكلام في القدَر في مكانٍ واحِد بل فرَّقَهُ فأتَيْتُ به على ترْتيبِه؛ هذا الموضوع سوف يأتي مُفَصَّلاً في مكانٍ آخر. الله جلَّ جلاله لا ندّ له ولا ضِدّ :
"وهو مُتعالٍ عن الأضْداد والأنْداد"، الضِّدّ هو المُخالِف، والنِّدّ هو المِثْل، فهو سبحانه وتعالى لا مُعارِضَ له، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن، لا مُعارِض إلى مثل، ولا مُخالف إلى شبيه.
لا تجد إنساناً ليس لَدَيْه أضْداد وأشباه، فأحْياناً تكون في مَجْلس، وتَحْمِل ليسانس بالفيزياء، ولا يوجد غيرك يحمل هذه الشَّهادة، فأنت تتحَدَّث بِطَلاقة عن المعادن، وأشباه المعادِن، والكيمياء، أما إن وُجِدَ لك مثيلٌ حينها تتحَفَّظ، إذْ هناك مَن يُشْبِهُك، فإما أن يوجد مَن يُشْبِهُك أو مَن يُعارِضُك، أما الله جلَّ جلاله فلا ندَّ ولا ضِدَّ، قال تعالى:
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[سورة الإخلاص: 4]
ويُشير الشيخ رحمه الله بِنَفْي الضِدِّ والنِدِّ إلى الردّ على المعتزلة بِزَعْمِهم العَبْد يخْلُق فِعْلَهُ! فلو أنَّ العَبْدَ يخْلُقُ فِعْلَهُ لكان العبدُ نِدّاً لله تعالى! فالله يخلق الأفعال وكذا الإنسان يخلق أفعالهُ، وهذا غير صحيح.
قولهُ: "لا رادَّ لِقَضائِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، ولا غالِبَ لأمْرِه"، وقد ذكَرْتُ لكم مرَّةً أنَّ سيِّدنا عيسى عليه وعلى نبِيِّنا أفضل الصلاة والسلام قال: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة المائدة: 118 ]
السِّياق يقْتضي إن لم يكن المرءُ حافِظاً للنص أن يقول: فإنَّك أنت الغفور الرحيم! لكن الآية ليسَت كذلك، فَمَعنى الآية دقيق جداً؛ ما مِن مَخْلوق يغْفِر إلا وَيُحاسَب، فلو أنَّ مُوَظَّفاً طوى ضريبَةً عن مُكَلَّف فإنَّهُ يُتَّهَم ويُسْأل ويُحاسَب، لكنَّ الله عز وجل إذا غفَرَ كانَ تعالى عزيزاً، وليس في الكون كلِّه مَن يسْأله: لماذا غفَرْتَ؟! فالإله يغْفر لِحِكْمةٍ أرادها، أما أنت فتتمَنَّى أن تغْفر لكِنَّكَ مُراقب ومُحاسَب، ومَسْؤول عن طَيِّكَ الضريبة عن فلان دون فلان! ويُفْتَحُ التَّحقيق في القَضِيَّة.
آمَنَّا بِذلك كُلِّه، أيْ لا يرُدُّ قضاء الله تعالى رادّ، ولا يُعَقِّبُ أي يُؤَخِّرُ حكْمهُ، ولا يغْلِبُ أمْرَهُ غالِب، بل هو الله الواحِد القَهَّار.
والله أيها الأخوة، هذه الفِكْرة وَحْدَها تُلْقي في قلبِ المؤمن الأمْنَ والسَّلام؛ أمْرُكَ بِيَدِه لا كما يقوله الناس، إنها حركات صُهْيونِيَّة وماسونِيَّة، ولا دخل لله تعالى! لا، الله هو القادِر، وهو الفعَّال لِما يريد، وأمْرُكَ بِيَدِه وحْده.
قوله: "آمَنَّا بذلك كُلِّه، وأيْقَنَّا أنَّ كلّاً من عنده"، أما الإيمان فسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى، والإيقان الاسْتِقرار، تقول: يقَنَ الماء في الحوض إذا اسْتَقَرّ، والتَّنْوين في (كُلّاً) بدلٌ إضافي؛ أي كُلَّ كائِنٍ مُحْدَثٍ مِن عند الله ليس بِقَضائِهِ وقدَرِه وإرادَتِهِ، ومشيئتِهِ وتَكْوينِه، وسيَأتي الكلام على ذلك في مَوْضِعِه إن شاء الله تعالى.
وبِهذا أيها الأخوة نكون قد أنْهَيْنا القِسْم الأوَّل من كتاب العقيدة الطَّحاوِيَّة المُتَعَلِّق بالإلهِيَّات، وفي الدَّرْس القادِم إن شاء الله ننتَقِل إلى النُبُوَّات، ونبدأ بالنبي عليه الصَّلاة والسلام وهو قوله: وأنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-16-2018, 02:03 PM   #20


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: العقيدة الطحاوية





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية - العقيدة الطحاوية

الدرس : ( العشرون )

الموضوع : المحمديات






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
النُبُوَّة هِبَةٌ وليْسَت كسْباً :
أيها الأخوة المؤمنون، فقد وصَلْنا إلى النُّبُوَّات، والعبارة الأولى في قِسْم النُّبُوَّات في العقيدة الطَّحاوِيَّة قوله: وإنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى.
أيها الأخوة، قبل أن نَمْضِيَ في شرْح فقَرات هذا الموضوع أريدُ أن أُنَوِّهَ إلى حقيقةٍ دقيقةٍ جداً مُتَعَلِّقَةٍ بالنُّبُوَّات، وهي أنَّ النُبُوَّة هِبَةٌ كما يقول علماء العقيدة وليْسَت كسْباً، فلا أحَدَ يسْتطيع أن يصِلَ إلى النبُوَّة بِكَسْبِهِ، لكنَّ الناس يفْهمون مِن هذا الكلام أنّ أيَّ إنسانٍ إذا أرادَهُ الله أن يكون نَبِيًّاً كان نَبِيًّاً، وهذا كلامٌ غير مَقْبول، لكِنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 33 ]
معنى اصْطفى؛ أنَّ الأنْبِياء في الأصْل قِمَمٌ، وهم صَفْوَةُ الله مِن خلْقِهِ، وصَفْوَةُ البشَر في مَعْرِفَتِه، وطاعتِهِم، وإخْلاصِهم، وإقْبالهم. مَقام النُّبُوَّة :
وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى مَقام النُّبُوَّة حينما أجاب حنظلة رضي الله عنه، فعَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيْدِيِّ الْكَاتِبِ قَالَ:
((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَانَا رَأْيَ عَيْنٍ فَقُمْتُ إِلَى أَهْلِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ مَعَ أَهْلِي وَوَلَدِي فَذَكَرْتُ مَا كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَانَا رَأْيَ عَيْنٍ فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ مَعَ وَلَدِي وَأَهْلِي فَقَالَ إِنَّا لَنَفْعَلُ ذَاكَ قَالَ فَذَهَبْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ يَا حَنْظَلَةُ لَوْ كُنْتُمْ تَكُونُونَ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ وَأَنْتُمْ عَلَى فُرُشِكُمْ وَبِالطُّرُقِ، يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً))
[أحمد عَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيْدِيِّ ]
فالأمْر يحْتاج إلى تَوْضيح، ولعَلَّ المَثَل يُسْهِمُ في تَوْضيح هذه المُعْضِلَة، إذا اعْتَقَدْتَ أنَّ النُبُوَّةَ هِبَةٌ بلا كَسْبٍ إطْلاقًا، معنى ذلك أنَّ أيَّ إنسان ولو مِن عامَّة الناس، ومِن الدَّرَجة السُّفْلى، لو أرادهُ الله أن يكون نَبِيًّاً لكان! لكِنَّ الله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 33 ]
فهُناك اصْطِفاء، والاصْطِفاء انْتِقاء واجْتِباء، فلو تَصَوَّرْنا أنَّنا نُريدُ إنسانًا يُمَثِّلُ بلدَنا في مؤتمر دولي، فلابدّ أن يكون طليق اللِّسان باللُّغَة الأجنَبِيَّة؛ هذا أوَّلاً، ولا بدّ مِن أن يكون مُتْقِناً لِلُغَتِهِ العَرَبِيَّة، ولا بدّ مِن أن يكون مُلِمًّاً بالحُقوق، والعُلوم، والآداب، وأن يكون ذَكِيًّاً في الأصل، وذا شَخْصِيَّةٍ متألِّقة، وسريع البديهة، وقَوِيَّ المُحاكَمَة...الخ.
فَنَحن نخْتار من بين عشرين مليونًا شخْصاً تتواجد فيه هذه الصِّفات، ولكن بعد اخْتِيارِنا هذا الشَّخْص نُعْطيه أشْياء ليْسَت لأيِّ مُواطِن؛ نُعْطيهِ جوازاً خاصًّاً، ومُهِمَّات، وشيكًا مَفْتوحاً، ونُعْطيه حقيبة دِبْلوماسِيَّة؛ هذه الأشياء لا يُمْكِن أن ينالَها أيُّ مُواطِن، لكن هذا الذي نالَها لم يَنَلْها بلا سبب؛ نالَها بعد اصْطِفاء وانْتِقاء واجْتِباء، فَيُمْكن أن تقول: إنَّ هناك شَطْراً مِن النُّبُوَّة كَسْبيّ؛ بِمَعنى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام إنسان، أحَبَّ الله تعالى حُبًّاً جمًّاً، وأخْلصَ له، وأقْبَل عليه، وداوَم على الصِّلة به تعالى، وبعد أن اخْتارَهُ الله لِيَكون نبِيًّا أعْطاهُ ما لم يُعْطِ أحداً من البشَر! فهذا المعنى يجْمعُ بين أن تكون النُبُوَّة كَسْبِيَّة بِمَعنى، وأن تكون غير كَسْبِيَّة بِمَعنى آخر، فقَبْلَ الاصْطِفاء الأنبِياءُ هم قِمَمُ البشَر، وذَرْوتهم، وصَفْوة الله من خلقِه، وبعد ذلك أيَّدهُم الله عز وجل بالمُعْجِزات، وأنْزل عليهم الكتاب، وعصَمَهم مِن أن يُخطِئوا بِأفْعالِهم وأقْوالِهم؛ كُلُّ خصائص النُبُوَّة هِبَةٌ من الله، إلا أنَّها كانت عن اصْطِفاء وانتِقاء. من ازداد تعبداً لله و افتقاراً له رفعه الله عز وجل :
قال: "وأنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى"، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ الله اختارني واختار لي أصحابي".
الاصْطِفاء والاجْتِباء والارْتِضاء مُتقارِبُ المعنى، أما صاحب هذا الكتاب الإمام الطَّحاوي رحمه الله فيقول: "وأنَّ مُحَمَّداً عبده "؛ أوَّل كلمة قالها في وصفه هي: (عَبْدُهُ).
واعلم يا طالب العِلْم أنَّ كمال المخلوق في تحقيق عُبودِيَّتِهِ لله تعالى، فأنت لا تكون في أكْمَل حالٍ على الإطْلاق إلا إذا كنتَ عبْداً لله عز وجل، وكُلَّمَا تَحَقَّقْتَ من عُبودِيَّتِك ارْتَقَيْتَ عند الله، وكلمَّا قلّ التَّحقُّق من عُبودِيَّتِك سَقَطْتَ من عَيْن الله، ولذلك فالإنسان الغربي الكافر يقول لك: الإنسان إله، ونَسِيَ أنَّهُ عَبْد، ونَسِيَ أنَّهُ طينٌ حقير، فطار تيهاً وعرْبَد، وكسا جِسْمَهُ فتباهى، وحوى المال كيسَهُ فَتَمَرَّدَ، هذا الإنسان البعيد عن الله تعالى مُتَكَبِّر، ومُتَألٍّ، ومُتَمَرِّد، ومُسْتَعلٍ، وهو عند الله صغير، وما من شخصٍ على وجْه الإطلاق وعلى وَجْه الأرض رَفَعَهُ الله عز وجل، ورفعَ مقامَهُ وشأْنَهُ كَرَسُول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبالتالي ما مِن أحدٍ تكبّر إلا قصَمَه الله، وضَرَبْتُ لكم مرَّةً مثلاً، وهو أنَّ اللَّبَن يحْتَمِل خمْسة أضْعافِه ماءً، لا لِيُباع، وإنما هو لاستعمالك الشخصي في البيت، لكِنَّ هذا اللَّبَن لا يحتَمِل ولا قطْرة نفْط واحدة!.
وكذا الكِبْر يتناقض مع العبودِيَّة لله عز وجل، الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني شيئًا منهما قَصَمْتُهُ ولا أُبالي، وأنت كُلَّما زِدْتَ تَعَبُّداً لله عز وجل وافْتِقاراً له كلَّما ارْتَفَعْتَ عند الله، ولذا أعْظم إنسان تحَقَّق مِن عُبودِيَّتِه هو النبي الكريم، فهو عليه الصلاة والسلام أعْظمُ إنسانٍ على وَجْه الأرض، وأرْقى إنسان، واعْلَمْ أنَّ كمال المَخْلوق في تَحْقيق عُبودِيَّتِهِ لله تعالى، وكلَّما ازْداد العَبْدُ تحْقيقًا للعُبودِيَّة ازْداد كمالهُ.
المعاصي قِسْمان: مَعْصِيَةٌ أساسها غلبَةُ الشَّهْوة ومعْصِيَةٌ أساسُها الكِبْر :
الإنسانُ أحْيانًا وهو لا يشْعُر يتخَلَّى عن مقام العُبودِيَّة لِيَقْتَرِبَ مِن مقام الألوهِيَّة، فحينما يُناقِشُ ربَّهُ لماذا عَلِمْتَ ولماذا لم تعْلم؟ ولماذا فعلْت؟ فأحْيانًا الإنسان يتطاوَل بِعَقْلِهِ على مقام الألوهِيَّة!
ومن توهَّم أنَّ المَخْلوق يخْرج عن العُبودِيَّة بِوَجْهٍ من الوُجوه، وأنَّ الخُروج منها أكْمَل فَهُوَ أجْهَلُ الخَلْق وأضَلَّهُم.
وبالمناسبة؛ فالمعاصي قِسْمان: مَعْصِيَةٌ أساسها غلبَةُ الشَّهْوة، ومعْصِيَةٌ أساسُها الكِبْر، فالأولى سريعاً ما يغْفِرُها الله عز وجل إذا تاب منها العبد، أما المَعْصِيَة الناجمة عن الكِبْر فهِيَ لا تُغْفَر، لذلك لا يدْخل الجنَّة من كان في قلبِهِ مثقال ذرَّةٍ من كِبْر.
آيات تتحدث عن العبودية لله عز وجل :
والآن مع آياتٍ دقيقة تتحَدَّث عن العُبودِيَّة، قال تعالى:
﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء: 26 ]
وقال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
[ سورة الإسراء : 1]
وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾
[ سورة الجن: 19 ]
وقال تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
[ سورة النجم : 10]
وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
[ سورة البقرة: 23 ]
هذه الآيات تَصِفُ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّهُ عَبْدٌ لله تعالى. من ازداد قُرْباً من الله عز وجل ازْداد اسْتِسْلاماً له :
ذات مرَّةٍ، أخٌ كريم عرَضَ علَيَّ مُشْكِلَةً يُعاني منها؛ ما رأيْتُ جواباً أوْضَحَ لِمُؤمن صادِقٍ مِن قوْلي له: الذي تُحِبُّهُ وتَعْبُدُهُ وتَسْعى إلى مرْضاتِه هذه هي مشيئتُهُ وقرارهُ ! فإذا كنْتَ مُحِبًّاً لله تعالى حقًّاً ترْضى بِقَضائِهِ وقَدَرِه؛ هذا كلامٌ دقيق، والإنسان كُلَّما ازْداد قُرْباً من الله عز وجل ازْداد اسْتِسْلاماً له، والاسْتِسْلام مُريحٌ جداً، فالإنسان إذا أعْمَلَ عَقْلَهُ فيما لا شأن له فيه أَتْعَبَ نفْسَهُ وأتْعَبَ الآخرين، وآيَةٌ واحِدَةٌ تكْفي قال تعالى:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾
[ سورة الزمر : 66]
تنتهي مُهِمَّتُك عند عبادَتِهِ، والعَبْدُ عَبْدٌ، والربّ ربٌّ، فلا تُحاوِل أن تخْرُجَ من عُبودِيَّتِك فتَسْأل لِمَ؟ وتحاسِب وتُناقش وكأنَّك نِدٌّ لله تعالى.
النبي الكريم نَبيُّ الله عز وجل من دون مُعْجِزَة :
وقولهُ: "وإنَّ مُحَمَّداً " بِكَسْر الهمزة عَطْفًا على قوْلِهِ " إنَّ الله واحِدٌ لا شريك له"؛ لأنَّ الكُلّ معْمول القَوْل، أعْني قَوْله: نقول في توحيد الله والطَّريقة المَشْهورة عند أهل الكلام، طبْعاً هذه قاعِدَة نَحْوِيَّة، وهي أنَّ (إنَّ واسمها وخبرها) إنْ أُوِّلَتْ بكلمة جاءَت همْزتها مَفْتوحَة، أما إذا لم تُؤَوَّل بِكَلِمة جاءَتْ همْزَتُها مَكْسورة.
قال إنِّي عَبْدُ الله؛ هذه لا تُؤَوَّل، إذًا الهمزة مَكْسورة، وعندنا قواعِد أخْرى تَفْصيلِيَّة، ففي أوَّل الكلام تأتي إنَّ مَكْسورة كذلك، وبعد القول والصِّلَة كذلك، وهكذا.
والطَّريقة المَشْهورة عند أهل الكلام والنَّظر تَقْرير نُبُوَّة الأنبياء بالمُعْجِزات، وبالمناسبة العلامات المادِيَّة هي قواعِد جامِدَة للضِّعاف لا للأقْوِياء، فمثلاً في اللُّغَة الطالب النَّبيه المُتَمَكِّن من اللُّغَة إذا قلتَ له (يمْشي)؛ فما نوع الفعل قال لك: مضارع، لأنَّه يمكن أن يسبق بِنَفيٍ، أو جزْم، أو يقول لك: لأنَّنا يمكن أن نُسبِقَه بالسِّين أو سوف، فهذه علامة مادِّيَّة، أمّا الطالب القَوِيّ في اللُّغَة فهذه العلامات لا قيمة لها عنده إطلاقًا، فهو بِمُجَرَّد أن يقرأ الفعل يعرف بِسَليقَتِهِ أنَّهُ مُضارِع، وذاك ماضٍ، فهنا عندنا نقطة مُهِمَّة جداً وهي: يا تُرى ما الدليل على نُبُوَّةِ النبي عليه الصلاة والسلام أهي المُعْجِزَة فقط؟! لو أنّ إنساناً الْتقى مع النبي عليه الصلاة والسلام لِوَقْتٍ قصير، ولم ير على يَدِهِ خوارِق العادات، فهل هذا يعني أنَّهُ ليس نبيًّاً ؟! لا، هناك ألف دليل ودليل على أنَّهُ نَبيُّ الله من دون مُعْجِزَة، وهذه الفِكْرة سأقْرؤُها على مسامعِكم؛ قال الشيخ الطحاوي:
"لكنَّ كثيراً منهم لا يعرفُ نُبَوَّةَ الأنبياء إلا بالمُعْجِزات، وقرّروا ذلك بِطُرق مُضْطربة، والْتَزَم منهم إنكار خَلْقِ العادات لِغَير الأنبياء حتَّى أنْكروا كرامات الأولياء والسِّحْر!".
الكرامة و المعجزة :
أيها الأخوة الكرام، زارني أخٌ قبل قليل، وقال لي: إنَّ العالم الفلاني كان مع أخوانِهِ، ودُعِيَ إلى بيْتِ صديق له مُنْحِرِفٍ، فإذا فيه رَقْصٌ، وفسْق، وفُجور، وخمر، قال: جلس هذا العالم الجليل وأمْسك كأس الخمر وشربَها! وبَقِيَتْ منها بَقِيَّة فأعْطاها لِجارِه، فإذا في الكأس ماء الزهر!! والثاني ماء الزهر، فتابوا على يده جميعاً.
قلتُ له: خرْق العادات لسْتَ مُلْزَمًا أن تؤمن بها إلا في حالةٍ واحدة، وهي إن جاءَكَ نَصٌّ صحيح من كتاب الله، أو مِمَّا صحَّ من سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وما سوى ذلك لسْتَ مُلْزَماً ولسْتَ مُضْطَرًّاً أن تُصَدِّق أيَّةَ كرامة، فالكرامة حقّ، ولكنّ الأكمل ألاّ تروِيَها، وألاّ تُنْكِرَها، أليْسَت امرأة عمران لها كرامة؟ أو أليْسَت مريم صاحبة كرامة؟ أليس أهل الكهف لهم كرامة؟ فكرامات الأولياء لسْنَا مُلْزمين أن نُصَدِّقَها، إلا إذا ورَدَ نصّ صحيح من كتاب الله وسنَّة رسوله.
الكرامة غير المعْجزة؛ فالله جلّ جلاله سمح للنبي أنْ يتَحَدَّى بها الناس، أما الكرامة هي للوَلِيّ، ولا ينبغي أن يتحدَّى بها الناس، ولا يذْكرها، بل الأكمل أن يكْتُمَها؛ إنَّها إعلام شَخْصي، وتَكْريم خاص لا يجوز نقْلُهُ.
ولا ريْب أنَّ المعجِزات دليل صحيح، لكنَّ الدليل غير محْصور في المعجزات، فإنَّ النُبوَّة إنَّما يدَّعيها أصْدَق الصادِقين، أو أكذب الكاذِبين، ولا يلتَبِسُ هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين؛ فَقَرائِنُ أحوالها تُعْرب عنها، والتَّمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دَعْوى النبوَّة، ولو لم يكن فيه آياتٌ مُبَيِّنَة كانت بديهَتُهُ تأتيك بالخَبَر.
فالمؤمن له مِن إحْساسه، ومن كمالهِ، وبصيرتِه، وفراستِه، ومِن صِلَتِه بالله عز وجل مِمَّا يُشْعِرُه أنَّ هذا الإنسان الذي أمامه نَبِيٌّ مُرْسَل، وما مِن أحَدٍ ادَّعى النُّبُوَّة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل، والكذب، والفُجور، واسْتِحواذ الشياطين ما ظهر لِمَن له أدْنى تَمييز.
هذه طُرْفَة أذْكرها لكم، فقد كنتُ في تَعْزِيَة، وكان أمامي رجل ظنَنْتُه أحد علماء الحديث لأنَّهُ يُشْبِهُهُ تماماً، فبعد أن ألْقَيْتُ كلمَةً قدَّمْتُهُ للدُّعاء، وبينما هو يَدْعو نصَبَ الفاعل، فجَزَمْتُ يقيناً أنَّني واهِم، وهو ليس الذي أعْرِفُهُ؛ حركةٌ واحِدَة جعلتني أتيقَّن أنَّه ليس هو، إذْ لا يمكن لذلك العالم أن ينصب الفاعل، أما مِن حيث الشَّبه فكأنَّهما واحد‍! فبعد أن انْتَهَت التَّعْزِيَة سألْتُهُ، فإذا هو أحد أئمَّة المساجد.
الأنبياء كمالهم صارِخ وأعمالهم جليلة ونُفوسهم مُتَّصلة بالله عز وجل :
الأنبياء كمالهم صارِخ، وأعمالهم جليلة، ونُفوسهم مُتَّصلة، فَبِمُجَرَّد أن تقترب من نبِيٍّ تشْعُر أنَّ الحبَّ اتَّقد فيك، أما هناك من ادَّعى النُّبُوَّة، حتَّى إنّ امرأة ادَّعتْها، فلما قال لها الخليفة؛ قال عليه الصلاة والسلام:
((لاَ نَبِيّ بَعْدِي))
[متفق عليه عن سعد]
فقالت: وهل قال: لا نبِيَّةَ بعدي !! فَهُناك طُرَفٌ كثيرة جداً، وكيف أنَّ هذا الذي يدَّعي النُّبُوَّة شَخْصِيَّةٌ تافِهَة.
ما مِن أحَدٍ ادَّعى النُّبُوَّة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل، والكذب، والفُجور، واسْتِحواذ الشياطين ما ظهر لِمَن له أدْنى تَمييز، فإنَّ الرسول لابد أن يُخْبر الناس بِأُمور، ويأمرهم بِأمور، ولا بدّ أن يفْعَلَ أموراً، والكاذب يُظْهر في نفْس ما يأمر به، وما يُخْبر عنه، وما يفْعلُه، ما يظهر كذِبُهُ من وُجوهٍ كثيرة، والصادِق ضِدُّه، بل كلّ شَخْصَيْن ادَّعَيا أمْراً أحدُهما صادق والآخر كاذِب، لا بدّ من أن يظْهر صِدْق هذا وكذِبَ هذا ولو بعد مُدَّة.
أحدهم أرْسَلُهُ أهلُه إلى الأزْهر لِيَدْرُس فلم ينْجح، وبعد خمْس سنوات رجع إلى أهْلِهِ فاحْتَفَلَت به القرية، وذبحت الخرفان، فجلس يُحَدِّث الناس وهو جاهل، فأحدهم نصَحَهُ وقال له: إذا سئِلْتَ أيَّ سؤال فقُل: فيه قَولان! فأحدهم خبيث سأله فقال: أفي الله شكّ ؟ فقال ذاك الجاهل: في المسألة قولان!! فضَرَبوه ضرباً مبرِحاً!
وهذا أحدهم كان يزْعُم أنَّه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ويسْأله عن صِحَّة الأحاديث، فأحدهم أعطاه حديثاً ضعيفاً؛ لا هو موضوع، ولا هو صحيح! فقال له السائل: ماذا قال رسول الله حول الحديث؟ فقال له: قال ضعيف!! النبي عليه الصلاة والسلام إما أن يكون قال الحديث أو لا، وليس معه ضعيف!! فالجاهل يُكْشَف سريعاً .
دخل أحدهم على أبي حنيفة النعمان وهو يُحَدِّث أصْحابه، ويبْدو أنّ ألَماً ألمَّ بِرِجْلِهِ فَمَدَّها، فأصحابه يعرفون مرض رجْله، فدخل رجل طويل القامة، عريض المنكبين، ضخم الجثَّة، هَيْئتُه تبْعث على الاحْتِرام، فاسْتَحْيا أبو حنيفة، فطوى رِجْله، ولما انتهى الدَّرْس رفع الرَّجل أصبعه، وسأل قائلاً: كيف نُصَلِّي الفجْر إذا طلعت الشَّمس قبل الفجر؟! فقال أبو حنيفة: آن لأبي حنيفة أن يَمُدّ رجْله!! ثم مدّها، وأحدهم قال لأخيه: لا تتكلَّم فيعْرِفوا غباءَك ! فقال له: لقد عرفوني من دون أن أتكلَّم. من صدق في قول الحق و هداية الخلق هداه الله إلى الأسلوب المؤثر :
كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]
هذا الحديث يُعَدُّ أصلاً من أصول الدِّين، اُصْدُق في هِداية الخلق، وفي قولِ الحق يهْدِك الله تعالى إلى الأسلوب المؤثِّر، واصْدُق في إنفاق المال يَهَبْكَ الله المال الوفير؛ اُصْدُق في أيِّ شيء ترَ الله تعالى مع الصادقين، ولهذا قال تعالى: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴾
[ سورة الشعراء: 221 ]
دخل شاعِرٌ على ملِكٍ، فقال له: إنَّ! فقام الملِك: قال: و، وانتهى اللِّقاء، ولم يفْهَم أحدٌ ما جرى، فلمَّا خرج قال: ماذا قلتَ له؟ فقال: قلتُ له: إنَّ المُلوك إذا دَخَلوا قرْيَةً أفْسَدوها، فقال له: ماذا أجابَك؟ فقال له: والشُّعراء يتَّبِعُهُم الغاوون! الإنسان الصادق كلامه مبني على الدليل و التمسك بالسنة :
الكُهَّان ونَحْوُهم وإن كانوا أحْياناً ـ الآن دخلْنا بِمَوضوع دقيق ـ يُخْبِرون بِشيء من الغَيْبِيَّات، ويكون صِدْقًا؛ فكيف وهو كاهِنٌ يُخْبر عن المستقبل ويكون صادقًا؟ سببُه اسْتِراق السَّمْع من السماء قبل نزول القرآن، قال تعالى:
﴿ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾
[ سورة الحجر: 18 ]
لو فرضْنا مجلس وُزراء يعقد مجْلساً يدرس فيه إمكانية الاستيراد والتَّصْدير؛ ثمَّ دخل الآذِن بالقَهْوة فَسَمِعَ كلِمَةً وذكرها للناس، وفِعْلاً بعد أيَّام صَدَر مرْسوم يُؤَكِّدُ ما ذَكَره الحاجب، وهذا يمكن أن يحْصل؛ وهذا كان قبل بعْثة النبي عليه الصلاة والسلام، أما بعد البِعْثة فكما قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾
[ سورة الحجر: 18 ]
فالملائكة كُلِّفوا بِمُهِمَّات، والجنّ اسْترَقوا السَّمْع.
وإن كانوا أحْيانًا يُخْبِرون بِشَيء من الغَيْبِيَّات ويكون صِدْقًا، فَمَعَهم من الكذب والفُجور ما يُبَيِّن الذي يُخْبرونه به ليس عن ملَكٍ، وليْسوا بِأنْبياء، ولهذا لما قال النبي لابن صَيَّاد: قد خبأْتُ لك خبأً، قال: هو الدُّخّ، فقال له النبي: اِخْسأ فلن تعْدُوَ قَدْرَك، فهذا جنِيّ أراد أن ينقل خبراً للِنَبِيٍّ فقال له: اِخْسأ فلن تعْدُوَ قَدْرَك؛ أي إنَّما أنت كاهن، وقد قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يأتيني صادِقٌ وكاذِب، وقال: أرى عرْشًا على الماء، والعرش للشَّيْطان، وبيَّن أنَّ الشعراء يتَّبِعُهم الغاوون، والغاوي هو الذي يتْبَعُ هواه وشَهْوته، وإن كان ذلك مُضِرًّاً له. ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))
[الترمذي عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ]
عَوِّد نفْسك الدليل، والتَّمَسُّك بالسنَّة، وكل شيء تسْمعه عَوِّد نفسك أن تذكر الدليل، وهذا منهج التَّلَقي والإلقاء. تمييز الناس بين الصادق و الكاذب بأنواع من الأدلة :
والناس يُمَيِّزون بين الصادق والكاذب، فقد ذكروا مرَّةً أنّ أينشتاين وهو أكبر علماء الفيزياء والكيمياء، وهو الذي اكْتَشَفَ نظَرِيَّة النِّسْبِيَّة، وهي أنَّ الجسم إذا مشى بسُرْعة الضَّوء أصْبَحَ ضوْءاً، وأصْبَحَت كتلته لا نِهائيَّة، وقد طاف خمْساً وثلاثين جامِعَة أمْريكِيَّة يُلْقي في كُلِّ جامِعَة نَظَرِيَّتَهُ النِّسْبِيَّة، وكان معه سائقٌ ذكيّ جداً ومِن شِدَّة مُلازَمَتِهِ له حفِظَ هذه النَّظَرِيَّة وحفظ المُحاضرة غَيْباً، في آخر هذه الجامعات طلب هذا السائق ـ وكان ذا دُعابَة ـ مِن أينشتاين أن يُلْقِيَها مكانَهُ ‍! فقَدَّم أينشتاين سائقَهُ على أنَّهُ هو، وأصْبَحَ أينشتاين هو السائق، فألْقى السائق المُحاضَرة على الدكاتِرَة الحاضرين، ففي نِهاية المُحاضَرة سأل أحد الدكاتِرَة هذا السائق سؤالاً عويصاً ! فَمِن شِدَّة فِطْنَتِهِ قال هذا السائق: إنّ هذا السؤال سهْلٌ جداً، والدليل أنني سأُكَلِّفُ سائِقي كي يُجيب عنه !! فهذه سرعة البديهة قد تكون في الجاهل، ثمّ أجاب أينشتاين عن السؤال، فأصبح هذا الدكتور السائل صغيراً في نظرهم !!
قال: والناس يُمَيِّزون بين الصادق والكاذب بِأنواعٍ من الأدِلَّة حتَّى في المُدَّعي للصِّناعات والمقالات كَمَن يدَّعي الفلاحة والنِّساجة وعِلْم النَّحْو والطب والفقه ونحو ذلك، والنُّبُوَّة مُشْتَمِلَةٌ على علوم وأعمالٍ لا بدّ من أن يتَّصِف الرسول بها، وهي أشْرف العلوم والأعمال، فكيف يشْتبه الصادق بالكاذب ولا ريب في أنَّ المُحَقِّقين لخبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العِلم الضروري كما يَعْرِفُ الرجل يد الرَّجُل، وحُبَّه، وبُغضَه، وفرحه، وحزنه، وغير ذلك من أمور في نفسه قد تظْهر على وَجْهِهِ، وقد لا يمْكِنُ التَّعْبير عنها كما قال تعالى:
﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾
[ سورة محمد: 30 ]
لكن هناك قاعِدَة أسْتخْدمُها كثيراً وهي: ما أسِرَّ أَحَدٌ سريرَةً إلا ألْبَسَهُ الله رِداءَها، إذا كان بِنَفْسِهِ شيء وأظْهَرَ شيئًا فالله عز وجل يكْشِفُهُ للناس على حقيقتِهِ في مرَّةٍ من المرَّات.



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
العقيدة, الطحاوية


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
و الناظر في هذه العقيدة ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 6 01-21-2019 07:21 AM
العقيدة و الاعجاز السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 39 08-07-2018 06:39 PM
[ذائقة نورانية] العقيدة الاسلامية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 68 06-21-2018 03:20 PM
و ما هكذا تكون العقيدة ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 8 04-03-2018 07:59 AM
كلمة الحق في العقيدة ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 6 03-27-2017 08:31 AM


الساعة الآن 01:48 PM