التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول - الصفحة 4 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : "اجعلني يا الله شخص يُقال في غيابه، رعاه الله، ورحمَ من ربّاه، مرَّ ولا ضرَّ أحداً يوماً." منال نور الهدى : "اللَّهُم صُب آيات القُرآنِ فِي صُدورِنا صبًّا.. حتّى يُشفى بآثارِها كُل شعورٍ مُر."

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-12-2018, 05:29 PM   #31
سليلة الأبجدية



عاشقة الأنس غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 390
 تاريخ التسجيل :  Jun 2014
 أخر زيارة : 10-25-2025 (10:31 AM)
 المشاركات : 4,570 [ + ]
 التقييم :  2789
 الدولهـ
Algeria
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



في ميزان حسناتك وبارك الله فيك


 
 توقيع : عاشقة الأنس

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:38 PM   #32


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



تسلمين اختى عاشقة وجزاك الله كل خير


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:42 PM   #33


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الثلاثون )

الموضوع : التفكير فى خلق السماوات والارض





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
التفكر في خلق السماوات والأرض :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: " سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع هو: "التفكر في خلق السماوات والأرض"، الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة آل عمران ]

والسماوات والأرض مصطلحٌ قرآني، أي الكون، والكون ما سوى الله:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
نقف عند كلمة ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ ﴾
الفعل الماضي يدل على حدثٍ وقع، والفعل الأمر يدل على حدثٍ لم يقع، يقع بعد الأمر، لكن الفعل الماضي يدل على الاستمرار، ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
فالتفكر هو العبادة الأولى، لأن التفكر طريق معرفة الله، وأصل الدين معرفة الله، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، حينما يعرف المسلمون الأمر، ولم يعرفوا الآمر، يقصرون في طاعة الآمر، وهذه مشكلة العالم الإسلامي الأولى. العقل أكبر عطاء إلهي وأعظم شيءٍ في الكون :
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً أن الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان بهذا العقل، والعقل أعقد شيءٍ في الكون، أي هذا العقل عاجزٌ عن فهم ذاته.

من الأبحاث العلمية أن في الدماغ مئة وأربعين مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، وعلى القشرة أربعة عشر مليار خلية قشرية، فيها المحاكمة، وفيها التصور، وفيها القرار، وفيها الاستنباط، وفيها التخيل.
العقل البشري أعظم شيءٍ في الكون، بل هو عاجزٌ عن فهم ذاته، بل إن العباقرة الكبار لم يستخدموا من إمكانات العقل البشري إلا الجزء اليسير.
أيها الأخوة، هذا العقل جهاز استشاري جاهز، تصور إنساناً باع بيته بثمنٍ فلكي، ولكن بالعملة الصعبة، وفي جيبه جهاز إلكتروني يكشف له العملة المزورة، يضع الورقة النقدية عليه، هناك لون على الشاشة، إذا كانت العملة أصلية ـ العملة معها معدن ـ يظهر لون معين، و إن كانت العملة مزورة يظهر لون آخر، وفي جيبه الثاني أرقام العملات المزورة، فباع بيته بثمنٍ باهظ، بعملةٍ أجنبية، ولم يستخدم هذا الجهاز، ولم يقرأ أرقام العملات، ففوجئ بعد حين أن العملات كلها مزورة، إذاً الذنب ذنبه، أحياناً الإنسان يمشي مع التيار العريض، يتعامل كما يتعامل الناس، يفعل كما يفعلون، ينحرف كما ينحرفون، يغفل كما يغفلون، ومعه جهاز استشاري يعينه على معرفة الصواب، و معه قرآن، معه منهج، يبين له الخطأ من الصواب، لم يستخدم عقله لمعرفة الخطأ من الصواب، ولم يستخدم الورقة التي في جيبه الأخرى.
فلذلك العقل أكبر عطاء إلهي، لكن مع الأسف الشديد هذا العقل اُستخدم للدنيا فقط.
الحق ما جاء به النقل الصحيح وقبِله العقل الصريح وارتاحت إليه الفطرة السليمة :
لكن بادئ ذي بدء: هناك دائرةٌ تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي.

الحق ما جاء به الوحي من عند الله، أو ما جاء بالنقل الصحيح، إما قرآن، أو حديثٌ صحيح، هذا الحق، ما جاء به النقل الصحيح، وقبله العقل الصريح، معنى الصريح أي العقل المجرد عن الهوى، ليس العقل التبريري.
حينما تأتي دولة قوية إلى بلدٍ في الشرق الأوسط، وتقتل المليون، وتعيق المليون، وتشرد الخمسة ملايين، وتهدم كل شيء، وتقول: جئنا من أجل الحرية والديمقراطية، هذا عقل تبريري ساقط.
لذلك الحق ما جاء به النقل الصحيح، وقبِله العقل الصريح، غير التبريري، وارتاحت إليه الفطرة السليمة، وأيّده الواقع الموضوعي، لأن الواقع خلق الله، ولأن النقل الصحيح وحي الله، ولأن العقل الصريح مقياسٌ أودعه الله فينا، ولأن الفطرة مقياسٌ نفسي، يكشف لك عن خطأك، فالحق في الأصل هو الله، أما الفكرة الصحيحة، الفكرة التي هي حق، ما جاءت عن طريق الوحي، وقبلها العقل، وارتاحت إليها الفطرة، وأيدها الواقع الموضوعي.
العقل طريق الإنسان لمعرفة الله عز وجل :
أيها الأخوة، الفكرة الدقيقة جداً أن هذا العقل أعطاك الله إياه كي تعرفه، فإذا عرفته سعدت، وسلمت في الدنيا الآخرة، فاستخدم الإنسان هذا العقل من أجل دنياه فقط، فلذلك لابد من تقديم مثل: الآن هناك حواسيب معقدة جداً، وغالية جداً، قد يصل ثمنها إلى خمسين مليوناً، هذا الحاسوب تضع عليه قطرة من الدم، يعطيك سبعاً وعشرين تحليلاً فورياً، فلو أن إنساناً اشترى هذا الحاسوب بخمسين مليوناً، واستخدمه كطاولة، ألا تحتقره بهذه الطريقة؟ طاولة بهذا الحجم، وهو بهذا الحجم، حاسوب لتحليل الدم، كل قطرة دم تعطي سبعاً وعشرين تحليلاً فورياً، وإذا كان هناك مئة شخص ينتظرون، وكل إنسان يدفع خمسة آلاف، أو عشرة آلاف
هذا العقل أو هذا الحاسوب، يقدم أرباحاً مذهلة فلكية، ثمنه خمسون مليوناً، تستخدمه كطاولة!
شيء آخر: ورقة على الطاولة، طويلة، بيضاء، هي شك بألف مليون، لكنها مقلوبة على ظهرها، فظنها صاحبها ورقة عادية، فكتب عليها بعض الحسابات، ثم مزقها في المهملات، ثم اكتشف بعد حين أن هذه الورقة هي شك بألف مليون دولار، كم يتألم؟.
هذا العقل أودعه الله فينا كي نعرفه، فإذا عرفناه سلمنا وسعدنا في الدنيا والآخرة، أما الإنجازات التي قدمها العقل شيء لا يصدق، تركب طائرة، على ارتفاع أربعين أو خمسين ألف قدم، المقاعد وثيرة، تغدو بعد حين سريراً كاملاً، الجو مكيف، يُقدم لك الطعام، والشراب، أمامك قنوات، أمامك صحف ومجلات، وأنت على ارتفاع أربعين ألف قدم، والسرعة ألف كيلو متر في الساعة هذه الطائرة من إنجاز العقل البشري.
الإنجازات التي نعيشها الآن هي من إنتاج العقل :
أخواننا الكرام، هناك شيء دقيق: الحاسوب رفع الدقة من واحد لمليون، خفض الجهد من مليون لواحد، تطور من دراجة إلى (rose rise )، هبط سعره من (rose rise ) إلى دراجة، أي بالضغط على بعض الأزرار يقدم لك معلومات تفوق حدّ الخيال، أنا عندي شريحة، صدقوا حجمها أقل من أربعة ميلي، تتسع لأربعين ألف صفحة، الآن هناك انجازات، وهذا شيء لا يصدق.
الآن عندي مجلة ألمانية، فيها صورة للأرض من القمر، الأرض كما هي كرة، عليها مربع صغير جداً، المربع كُبر هناك صورة ثانية، فإذا هو أمريكا الشمالية، على هذه الخارطة مربع صغير جداً، كُبر في الصورة الثالثة، فإذا هو فلوريدا، على هذه الصورة مربع صغير جداً كُبر في الصورة الرابعة، فإذا هو ساحل في فلوريدا، عليه مربع صغير، كُبر في الصورة الخامسة، فإذا هو ميناء، وحقل، ومرج، وعليه نقطة، النقطة كُبرت في الصورة السادسة، فإذا إنسان مستلق على قماش، ومعه قصة، يمكن أن تقرأ عنوانها، وهناك صحن تفاح على جانبه، هذه الصورة من القمر، وأحياناً يكتبون: ممنوع التصوير.

هذا العقل البشري الذي صنع هذه الآلات، الآن هناك آلات تريك من سبعة كيلو متر نقطة تتحرك، قبل ثمانية كيلو متر ترى الشخص كما هو، لكن سعر هذه الآلة نصف مليون، هذا العقل البشري قدم أشياء مذهلة.
مثلاً المحمول، إنسان معه قطعة في جيبه، يتصل بأمريكا، بأستراليا، بأي إنسان في العالم، كأنه أمامك، ما هذا الانجاز؟.
أخواننا الكرام، أشعة الليزر، تقيس المسافة بين الأرض والقمر بالمليمترات، تذهب أشعة وتعود، يستخدم المهندسون هذا الجهاز، يقف بمكان يرسل أشعة، تذهب وتعود يقول لك: ثلاثة وأربعون متراً وخمسة وثلاثون مليمتر بالضبط، الإنجازات التي ترونها بأعينكم، ركبت قطار بفرنسا، سرعته تقدر بثلاثمئة وخمسين كيلو متر، قطار من مركز باريس إلى مركز ليون.
إذاً العقل البشري عندما وظّف في شؤون الدنيا قدّم إنجازات مذهلة، وهذه الإنجازات هي واحد بالمليار من طاقاته، وقد أودع الله فيك العقل، كي تسلم، وتسعد في الدنيا والآخرة، فاستخدمه الإنسان من أجل مصالحه فقط.
أيها الأخوة، الآن، أو قديماً، إرسال رسالة من المدينة إلى بغداد يحتاج إلى شهرين، الآن استخدم الفاكس، تكتب الفاكس إلى أقصى مكان في العالم، إلى ألاسكا، بثانية واحدة تكون الرسالة هناك.
أنا أسافر أحياناً معي لاب توب صغير، فيه موسوعة فيها عشرة آلاف كتاب، مئتا كتاب تفسير، كتب الحديث كلها، كتب الفقه كلها، المعاجم كلها، كل الكتب في هذا الكومبيوتر الصغير، أنت تسافر معك عشرة آلاف كتاب، والبحث يتم بدقائق، والنصوص مضبوطة بالشكل.
الإنجازات التي نعيشها الآن العقل لا يصدقها، هي من إنتاج العقل، أما أنا والله حينما أرى إنجازاً عظيماً أسبح الله على هذا الإنجاز، لماذا؟ القرود صنعوا طائرة؟ يقول لك: الإنسان أصله قرد، مع أنني أنا آمنت بهذه النظرية لكن معكوسة، إنه كان إنساناً صار قرداً الآن، القرود صنعوا طائرة؟ ركبوا البحر؟ ذهبوا إلى القمر؟ غاصوا أعماق البحار؟ الآن هناك سفن أو غواصات تصل إلى خليج مريانا في المحيط الهادي، عمق هذا الخليج ـ أعمق نقطة في البحر ـ اثنا عشر كيلو متر، فإنسان يركب مركبة، مصفحة، وفيها شاشات، وفيها نوافذ، وفيها إضاءة، شديدة، يرى قاع البحر.
الإنسان يستطيع أن يصل بالعقل إلى أعلى درجة في الدنيا والآخرة :
أيها الأخوة، طبعاً الحديث عن المنجزات لا ينتهي، أما أنا والله هذه الإنجازات تزيدني تعظيماً لله، لأن الإنسان أعطاه الله عقلاً، تركب طائرة، ركبت رحلة من باريس إلى سان باولو، ثلاث عشرة ساعة بالفضاء، أربعمئة راكب، يأكلون، ويشربون، وينامون، فوق في الجو، فهناك تطور شديد، أنت تفتح القرآن الكريم، تقرأ قوله تعالى: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
لأنه كلام الله.

لذلك أيها الأخوة، أنت بالإمكان أن تصل بهذا العقل إلى أعلى درجة في الدنيا والآخرة، لو فكرت في خلق السماوات والأرض، وعرفت الله، إنك إن عرفت الله عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفة الله فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء.
لكن قد يقول أحدهم: هؤلاء العلماء الكبار لِمَ لم يؤمنوا؟ والجواب الدقيق: بعضهم آمن، أنشتاين آمن، ماذا قال؟ هناك كتاب أحتفظ به، يقول هذا العالم الذي جاء بالنظرية النسبية: كل إنسان لا يرى من هذا الكون قوةً، هي أقوى ما تكون، عليمةً هي أعلم ما تكون، حكيمةً هي أحكم ما تكون، رحيمةً هي أرحم ما تكون، هو إنسانٌ حي، ولكنه ميت، هذا كلام أنشتاين.
دارون لم يؤمن قال: لا، هذه المخلوقات تطورت، من مخلوقات وحيدة الخلية إلى الإنسان، وجاء بهذه النظرية، والآن ثبت بالدليل القطعي من معظم العلماء الغربيين أنها باطلة، لأنه ادعى أن الفأرة تأتي من الخرق البالية، وأن الضفدع يأتي من الوحل، وأن الدود يأتي من اللحم المتفسخ، إن هذه مادة أصبحت كائناً حياً، والعلم طبعاً أثبت بطلانها، وسخر منها، لكن أقوى دليل على بطلان هذه النظرية، أنه حينما يتوهم أن هناك تطوراً بالمخلوقات إذاً لابد من مخلوق مرحلي، بالمستحاثات وجدوا أن هناك أحافير لحيوانات عاشت قبل خمسمئة وثلاثين مليون عام كما هي الآن تماماً، أحافير في المستحاثات، فيها صور حيوانات، عاشت قبل خمسمئة وثلاثين مليون عام، وهذه الحيوانات أو الطيور كما هي الآن تماماً، هذه النظرية باطلة سقطت، ومع الأسف الشديد هناك بعض الدول الإسلامية تدرس هذه النظرية، وهي مريحة بالنسبة للغرب لأنها تؤكد أنه لا يوجد خالق.
لذلك الطغاة حينما يبيدون الشعوب يرتاحون بهذه النظرية، أما حينما تعلم أن هناك إلهاً سيحاسبك، تعد للمليون قبل أن تؤذي مخلوقاً. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :
أيها الأخوة، وكالة الفضاء ناسا، عرضت صورة بموقعها الإلكتروني لوردة، لا تشك للحظة واحدة أنها وردة جورية، وردة جميلة جداً، بأوراقها الحمراء الداكنة، بوريقاتها الخضراء الزاهية، بكأسها الأزرق في الوسط، مكتوب تحت هذه الصورة، صورة انفجارٍ لنجمٍ اسمه عين القط، يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، نحن اتفقنا قبل حين أن أربع سنوات ضوئية لو أن هناك طريقاً إلى هذا النجم، لاحتجنا إلى خمسين مليون عام لنصل إليه، هذا النجم بعده عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، تفتح القرآن يقول الله عز وجل:
﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ* فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]

يقول رائد الفضاء بعد أن تجاوز طبقة الهواء البالغة خمسة وستين ألف كيلو متر قال: لقد أصبحنا عمياً، لأنه انعدم انتثار الضوء، انتثار الضوء ظاهرة فيزيائية في الضوء لابد من شرحها في وقت آخر إن شاء الله، فقال: لقد أصبحنا عمياً، تفتح القرآن الكريم:
﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
هذا القرآن من عند خالق الأكوان، والدليل الإعجاز العلمي، مثلاً بيننا وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، يقطعها الضوء في مسافة قليلة جداً، هي أربع سنوات ضوئية، لكن لو ترجمنا هذا المصطلح إلى كيلو مترات، يقطع الضوء في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في العام ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، بأربعة أعوام ضرب أربعة، هذا الرقم لو معك مركبة، وسرعتك مئة، قسّم على مئة، كم ساعة تريد؟ قسم على أربع وعشرين، كم يوم؟ قسّم على ثلاثمئة وخمسة وستين، كم سنة؟ من أجل أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب تحتاج إلى خمسين مليون عام، هذا النجم أربع سنوات، نجم القطب أربع آلاف سنة، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، نجم حديث أربع وعشرين مليار سنة ضوئية، هذا الكون يدل على الله، الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي يدخل إلى جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، بينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وفي برج العقرب نجم اسمه قلب العقرب، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟.
من لم يُعمل فكره في هذا الكون العظيم يبقى غافلاً عن الله عز وجل :
أيها الأخوة، العين، آلات التصوير هذه احترافية، ورقمية، أي ديجيتال، هذه الآلة فيها بالميليمتر المربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما بالعين البشرية بالميليمتر المربع من الشبكية مئة مليون مستقبل ضوئي، وماء العين فيه مادة مضادة للتجمد، حتى إذا كنت بمكان بارد لا تتجمد العين.
الله فتح بين الأذينين ثقباً، كشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، هذا الثقب يلغي الدورة الدموية الصغرى، لأن في البطن لا يوجد هواء ولا تنفس، هناك رئتان لكن معطلتين، عند الولادة تأتي جلطة، فتغلق هذا الثقب، يد من؟.
وأنت نائم غارق في النوم، يتجمع اللعاب في فمك، تذهب رسالة من الفم إلى الدماغ أن اللعاب ازداد، يأتي أمر من الدماغ، يأمر لسان المزمار بإغلاق مجرى الهواء، وفتح مجرى المعدة، فتبلع ريقك، وأنت نائم.
يُضغط قسم من جسمك تحت الهيكل العظمي، هناك مراكز ضغط تبلغ الدماغ أن ضغطنا، يأتي أمر من الدماغ فتقلب مرة على اليمين، ومرة على اليسار، حتى لا تقع من على السرير.
﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 18 ]
الطفل الآن يلد، لولا أنه مزود بآلية معقدة جداً تأتيه مع الولادة من دون تعلم هي منعكس المص ما كان هذا الدرس، ولا كان هناك دمشق، ولا سورية، ولا إنسان في الأرض، الآن الطفل يلد فوراً يمص ثدي أمه.
أيها الأخوة، المشكلة أن الإنسان إذا لم يُعمل فكره في هذا الكون العظيم يبقى غافلاً عن الله عز وجل، إنجازات العقل البشري تقدم لك أموالاً طائلة، أو منصباً رفيعاً، أو متعة ساقطة بالغة، والأنبياء استخدموا عقولهم، ثم جاءهم الوحي في معرفة الله، فسعدوا، وأسعدوا، وسلموا.

شيء ثان: الدنيا لها سقف، أي بقدر ما كنت غنياً، على كم سرير تنام؟ كم ثوباً ترتدي؟ تجد الدنيا لها سقف، بقدر ما اغتنيت هناك سقف، أما الآخرة ليس لها سقف، فلو أعملت عقلك في الدنيا، هذه الدنيا تعطيك مالاً، أو مكانة، أو شيئاً آخر، وهذه الأشياء محدودة.
لذلك المؤمن استخدم عقله لمعرفة الله، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة.
آخر حديث يقول عليه الصلاة والسلام: (( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:44 PM   #34


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )

الموضوع : التفكير فى خلق الله من خلال الافاق المعجزة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. بحث علمي لتقريب عظمة الكون من أذهاننا :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع التفكر في خلق السماوات والأرض، وهو من علامات القبول، فالله سبحانه وتعالى في أعظم سورةٍ، بل في أعظم آيةٍ في كتاب الله يقول:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة البقرة ]
لنحاول أن نحوم حول هذه الآية.
أيها الأخوة، الأرقام أحياناً لا تعني شيئاً، بل الموازنات قد تعني شيئاً يقرب من الحقيقة، هذا المسجد الذي نحن فيه، مساحته فرضاً مع الحرم، والمرافق، والوجائب، ألف وخمسمئة متر، بينما مساحة الجامع الأموي تقدر بثلاثين ألف متر، إذاً الجامع الأموي أكبر من مسجدنا بعشرين ضعفاً، ولكن هذا المسجد الأموي الكبير، سيصبح صغيراً حينما نوازنه بمساحة المسجد النبوي الشريف، ثلاثمئة ألف متر مربع، أي أن المسجد النبوي يكبر الجامع الأموي بعشرين ضعفاً مثلاً .
أيها الأخوة، فإذا بقينا في سياق الموازنات، على اعتبار أن مساحة المدينة المنورة ستمئة مليون متر مربع، فإنها تكبر المسجد النبوي بألفي ضعف، مساحة المدينة أكبر من مساحة المسجد النبوي بألفي ضعف، والجزيرة العربية مساحتها ثلاثة ملايين كيلو متر مربع، إذاً هي أكبر من مساحة المدينة المنورة بعشرة آلاف ضعف، نتابع هذه الموازنات، ومساحة قارة آسيا أكبر من مساحة الجزيرة العربية بأربعة عشر ضعفاً، أما مساحة كوكب الأرض فأكبر من مساحة آسيا بأحد عشر ضعفاً، انطلقنا من هذا المسجد، إلى المسجد الأموي، إلى المسجد النبوي الشريف، إلى الجزيرة العربية، إلى آسيا، إلى الأرض، ما موقع هذا المسجد من مساحة الأرض؟ ثلاثمئة ألف بليون مرة، فهذا المسجد لا شيء أمام مساحة الأرض. التفكر في خلق السماوات و الأرض :

أيها الأخوة، ولكن كوكب الأرض هل هو أكبر شيءٍ في الوجود؟ بالتأكيد الجواب لا، فالله سبحانه وتعالى خلق كوكب المشتري أكبر من الأرض بألف وثلاثمئة مرة.
﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾
[ سورة الروم ]

نتابع، وتبقى الشمس العظيمة نجماً متواضعاً عندما نوازنها بنجومٍ أخرى أودعها الخالق في سمائه، وقال: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾
[ سورة ق ]
فإذا نظر الإنسان وجد أن نجم الشِعرى اليمانية ألمع نجمٍ في السماء، يكبر شمسنا بثمانية أضعاف، بالمناسبة الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي إن مليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس، ونجم الشِعرى اليمانية يكبر الشمس بثمانية أضعاف، وصدق الله عز وجل حينما قال: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴾
[ سورة النجم ]
ولنسأل أنفسنا: ما هو حجم كوكب الأرض من الشِعرى اليمانية؟ الشِعرى اليمانية أكبر من الأرض بعشرة ملايين مرة، أي عشرة ملايين أرض تدخل في الشِعرى اليمانية. الدين عباداتٌ شعائرية وتعاملية وتفكرية :
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:
﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾
[ سورة مريم ]
﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
وقال الله عز وجل: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة يونس الآية: 101 ]
ولا تنسوا أيها الأخوة، أن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، توهمنا أن الدين عباداتٌ شعائرية، هو في الحقيقة عباداتٌ شعائرية، وتعاملية، وتفكرية، أكثر من ألف وثلاثمئة آية في كتاب الله تتحدث عن الكون، وتدبر هذه الآيات يعني التفكر في خلق السماوات والأرض، والآية الأصل في هذا الموضوع: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
ونحن في هذا البحث ننطلق من أن أصل الدين معرفة الله، فإذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر، تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، تفننت في التفلت من الأمر. التفكر في خلق السماوات والأرض هو الطريق إلى معرفة الله :

الآن إذا أمعنا النظر في كواكب السماء ونجوم السماء، هناك نجم أكبر من شمسنا بخمسمئة مرة، وأكبر من أرضنا بستمئة مليون مرة، نجم، فلا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله والله أكبر و أعظم، أما نجم السماك الرامح فأكبر من شمسنا بثلاثين ألف مرة، وأكبر من أرضنا بأربعين مليون مرة.
نتابع: أما نجم رجل الجوزاء، فهو أكبر من شمسنا بثلاثمئة وثلاث وأربعين ألف مرة، وأكبر من أرضنا بأربعمئة بليون مرة، نحن وازنا هذا المسجد بالأرض، والآن نوازن الأرض بهذه الكواكب، أما نجم بيت الجوزاء، فأكبر من شمسنا بمئتين وأربع وسبعين مليون مرة، لذلك هذا النجم أكبر من أرضنا بثلاثمئة وخمس وخمسين تريليون مرة:
﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ﴾
[ سورة غافر الآية: 57 ]
نندهش بصاروخ صنعه إنسان، نندهش بباخرة، بطائرة، انظر إلى خلق الله عز وجل، مرة ثانية: التفكر في خلق السماوات والأرض هو الطريق إلى معرفة الله، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 67 ]
الآيات العلمية في القرآن الكريم :

أخوتنا الكرام، النجوم أفرانٌ نوويةٌ مخيفة، يتفطر لها قلب الإنسان هولاً، وخوفاً، حينما يتأمل، ويتدبر، ويتفكر بحجمها، وموقعها، قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة الواقعة ]
صدقوا أيها الأخوة أن عالم فلكٍ إذا وقف عند كلمة ﴿ مَوَاقِعِ ﴾
لخر ساجداً لله عند كلمة ﴿ مَوَاقِعِ ﴾
فقط، لأن هذا النجم الذي يبعد عنا أربعاً وعشرين مليار سنة، كان في هذا المكان وانطلق الضوء منه، ومشى هذا الضوء نحو الأرض، وبعد أربع وعشرين مليار سنة وصل الضوء إلينا، أما هذا النجم سرعته تقترب من سرعة الضوء، سرعته تقدر بمئتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية، أين هو الآن؟ هذا المكان ليس نجماً، هذا المكان موقع النجم، معنى الموقع أن صاحب الموقع ليس في الموقع، لو أن الآية افتراضاً: فلا أقسم بالمسافات بين النجوم، هذا ليس قرآناً، أما ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
أيها الأخوة، هل أتانا نبأ النجم الأحمر العملاق، الذي اسمه قلب العقرب، والذي يكبر الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة، أي ثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون شمس تدخل في قلب العقرب، ومليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس. ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
[ سورة لقمان الآية: 11 ]
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ هذا الإله العظيم يعصى!. لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت
* * *
هذا النجم قلب العقرب العملاق الذي يكبر الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة، يبعد عنا ستمئة سنة ضوئية. السماء أشد خلقاً من الإنسان والذي خلقها أشد منها :
أنا مرة حدثتكم: أن أربع سنوات ضوئية أقرب نجم ملتهب للأرض، لو كان له طريق، ومعنا مركبة أرضية، والسرعة مئة، نصل إليه بعد خمسين مليون عام، نحتاج إلى أن نقود مركبةً أرضيةً خمسين مليون عام حتى نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، أما هذا النجم قلب العقرب، بعده عنا ستمئة سنة ضوئية، أي خمسة آلاف مليون مليون كيلو متر، متى نصل إليها؟ والمخيف والمدهش أننا لو افترضنا أن نجم قلب العقرب العملاق حلّ مكان الشمس، لابتلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، دخلوا مع المسافات بينها في جوفه.
أيها الأخوة، هذا النجم الذي يفوق الشمس بثلاثمئة وثلاث وأربعين مليون مرة وقلب العقرب أشد إشعاعاً من الشمس بعشرة آلاف مرة، ألم يقل لكم ربكم أيها الأخوة:
﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا* رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
[ سورة النازعات ]
طبعاً نجيب جميعاً بلا تردد: السماء يا ربنا بلا جدال أشد منا خلقاً، والذي خلقها أشد منها، فارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين. الكون لا نهاية لاتساعه وكلما تقدم العلم اكتُشفت آفاقٌ جديدةٌ لم تكن معروفة :
الآن عندنا نجم اسمه كانسيو، يبعد عنا خمسة آلاف سنة ضوئية، يفوق الشمس حجماً بتسعة بلايين ومئتين وواحد وستين مليون مرة.
﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة يس ]
هل نريد أن نعرف حجم أرضنا عند هذا العملاق؟ نسبة الأرض إلى هذا النجم العملاق، طبعاً قال تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾
[ سورة الذاريات ]
هذا النجم لو حلّ محل نجمنا لبلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، من أبعد النجوم عن الأرض المشتري، بعض الوكالات أرسلت مركبة فضائية للمشتري، هذه المركبة سارت بأسرع سرعة وضعها الإنسان، أربعون ألف ميل في الساعة بقيت هذه المركبة تتجه نحو المشتري ست سنوات، بسرعة أربعون ألف ميل في الساعة، بعد ست سنوات وصلت للمشتري، وأرسلت الصور من هناك.
أيها الأخوة، هذا النجم العملاق لو حلّ مكان نجمنا، لبلع عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، ووصل إلى حدود زحل، طبعاً حتى الضوء الذي سرعته ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، يستغرق ثماني ساعات ليكمل دورةً حول هذا النجم العملاق، يحتاج الضوء إلى ثماني ساعات ليلف حول هذا النجم العملاق، هناك نجم اكتشف حديثاً، بعده عنا يقدر بأربع وعشرين مليار سنة ضوئية، لأنك إذا قرأت قوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
لذلك: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 28 ]
إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً. النجوم هي وحدة بناء المجرات :

أيها الأخوة، النجوم هي وحدة بناء المجرات، مجرتنا المتواضعة، درب التبابنة تحتوي على ملايين، بل بلايين النجوم، والشموس، نحن بمجرة متواضعة، شكلها كشكل عضلة، هذه المجرة المتواضعة تحتوي على ملايين بل بلايين النجوم والشموس، وهذه المعطيات الرقمية ليست نظرية، إنما هي مشاهدة حقيقية من مراصد عملاقة، قابعة في السماء، مرصد هُبل في السماء يرصد هذه النجوم.
يقدر العلماء أن طول مجرتنا مئة ألف سنة ضوئية، الأربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام، طول مجرتنا المتواضعة درب التبابنة مئة ألف سنة ضوئية، أي ما يعادل تسعمئة وخمس وأربعين ألف مليون مليون، يقدر عدد نجوم هذه المجرة المتواضعة ما بين مئتين إلى أربعمئة بليون نجم، وفي السماء الدنيا بلايين المجرات، وكل مجرة تحتوي على بلايين النجوم، والعلماء كلما طوروا مناظيرهم العملاقة اكتشفوا المزيد والمزيد من هذه المجرات، حجم السماء أكبر وأعظم من أن يستوعبه العقل البشري، أو أن يدركه الذهن الإنساني، ولا حتى الحاسب الإلكتروني، يكفي أن نذكر أن متوسط قطر المجرات يساوي ثلاثين ألف سنة ضوئية، أي المجرات كثيرة جداً، لنأخذ متوسطها، قطر مجرة متوسطة يقدر بثلاثين ألف سنة ضوئية، والمسافة بين كل مجرتين ثلاثة ملايين سنة ضوئية، الكون متباعد
﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
وعلى مستوى الكون المكتشف والمنظور هناك أحدث تقدير علمي لعرض الكون أقول لكم كلمات: لا أدري كيف نفهمها؟ قال: الكون، التقدير العلمي الحالي ست أصفار، ست أصفار، ست أصفار، ست أصفار، أربعة وعشرون صفراً أمامها واحد. التفكر أعلى عبادةٍ على الإطلاق لأن أصل الدين معرفة الله :
أيها الأخوة، الحقيقة أن الكلمات وحتى الأرقام تعجز عن وصف سعة الكون وما يختزنه من خلقٍ عظيمٍ، ومدهش، قال تعالى:
﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
[ سورة الحشر ]
هذا الموجود المخلوق فكيف بالموجد الخالق؟ لا زلنا في المخلوق، والمخلوق فيما يبدو لا نهائي، فكيف بالخالق؟ هل أدركنا حجم السماء ومساحتها وسعتها؟.
أيها الأخوة، الآن أتريدون أن تقرؤوا عن مخلوقٍ يتيمٍ يكبر السماوات والأرض، مخلوق يتيم، واحد، يكبر السماوات والأرض، ولم يشاهده البشر إطلاقاً، ولم يخلق مثله في الوجود، إنه الكرسي، ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾
مخلوق يتيم واحد يلف الكون كله، سبحان الله، والله أكبر، سبحان الله، والله أكبر وأعظم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله عز وجل يقول: ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنَا ﴾
[ سورة الصافات الآية: 11 ]
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
أكاد أضع يدي على مشكلة العالم الإسلامي، عرفوا الأمر، درس في المدرسة الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والأمانة، والصدق، لكن ما عرف من هو الآمر، لذلك تفلت من الأمر، أي: (( لن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
الأمة الإسلامية الآن مليار وخمسمئة مليون، لا وزن لها، ليس أمرها بيدها، للطرف الآخر عليها ألف سبيلٍ وسبيل، كيف نفسر ذلك؟ لأننا ما عرفنا الله، أصل الدين معرفة الله، ومعرفة الله تتم بالتفكر في خلق السماوات والأرض، والتفكر أعلى عبادةٍ على الإطلاق، عن طريق التفكر تعرف الله، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[تفسير ابن كثير]
من عرف الله عز وجل تفانى في طاعته :

أيها الأخوة الكرام، أصل الدين معرفته، والآية الأصل:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
والله عز وجل قال: ﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 53 ]
أنت أمام كأس الماء، أمام صحن الطعام، أمام هذه الفواكه، أمام الأسماك، أمام الأطيار، وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحدُ، عود نفسك أن تفكر، تفكر في خلق السموات والأرض، تفكر في طعامك: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾
[ سورة عبس ]
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾
[ سورة الطارق ]
أيها الأخوة الكرام: الطفل أساسه حوين واحد، والحوين لا يرى بالعين، والبويضة يمكن لو وضعت لعاباً على طرف إصبعك، ووضعت إصبعك على الملح، بأخف ضغط تجد طبقة ذرات الملح، البويضة تساوي أحد هذه الذرات، والحوين لا يرى بالعين، وعند التقاء البويضة مع الحوين يجري اللقاح و بعد تسعة أشهر يلد طفل، بدماغه مئة وأربعون مليار خلية، سمع، بصر، فم، لسان، مريء، قلب، أمعاء، هضم، كليتان، عضلات، تسعة أشهر: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ* يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ* إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾
[ سورة الطارق ]
﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ ﴾
في مثل هذا الدرس، ﴿ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾
انظر إلى عينك: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾
[ سورة البلد ]
إلى لسانك، إلى سمعك، إلى بصرك، إن عرفنا الله تفانينا في طاعته، أما إذا لم نعرفه، الأمر أصبح كما ترون، ثقافة إسلامية، لكن هدى إسلامياً لا يوجد.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:47 PM   #35


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الثلاثون )

الموضوع :الادب والرفعة العالية التى يمتاز بها





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الأدب :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:" سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعل هذا الموضوع أقرب إلى علامات القبول منه إلى أسباب الوصول، هذا الموضوع هو "الأدب".
وقبل كل شيء، الدين الإسلامي أربعة أقسام: العقائد، والعبادات، والمعاملات، والآداب، أخطر شيءٍ في هذه الأقسام العقائد، إن صحت صحّ العمل، وقُبل العمل، ثم العبادات الشعائرية، والعبادات التعاملية، ثم الآداب.
عقائدُ، وعباداتٌ، ومعاملاتٌ، وآداب، هناك شيء متعلق بالحلال والحرام، معاملات، و شيء متعلق بالصلاة والصيام، عبادات، وشيء متعلق بالإيمان، عقائد، أما هذا الدرس فمتعلق بالقسم الرابع، وهو الآداب.
أنواع الأدب مع الله عز وجل :
الأدب أن تكون أديباً مع الله، وأن تكون أديباً مع رسوله، وأن تكون أديباً مع خلقه، أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع رسول الله، وأدبٌ مع الخلق، الأدب مع الله أنواعٌ ثلاث، صيانة معاملته من أن يشوبها نقيصة، فالصلاة تامة، تؤدى أداءً كاملاً، فالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، هذه عبادات، تعاملت مع الله من خلال العبادات، يجب أن تؤدى هذه العبادات أداءً كاملاً، وهذا من الأدب مع الله، أمرك بغض البصر، غض البصر من تمام الأدب مع الله، أمرك بتحري الحلال، تحري الحلال من الأدب مع الله، نهاك عن أن تأخذ ما ليس لك، فإن لم تأخذ ما ليس لك فهذا من الأدب مع الله، أي تتعامل مع الله بهذه العبادات، أو بهذه المعاملات، من كمال الأدب مع الله ألا يشوبها نقص، قد تؤديها لكن مع النقص، قد تؤديها مع الغفلة، أن تؤديها فرض، فرضٌ في العبادات، وفي المعاملات، أما أن تؤديها أداءً كاملاً فهذا أدب، إذاً الأداء الكامل لكل شيءٍ أمرك الله به، الأداء الكامل هو الأدب
ومن الأدب مع الله أن تصون قلبك أن يلتفت إلى غيره، هذا أدب القلب، أدب الجوارح، أن تؤدي العبادات أداءً كاملاً، أن تقوم بالمعاملات كما أمر الله قياماً كاملاً، أن تؤدي ما عليك أداءً كاملاً، هذا أدب الجوارح، أي اللسان، والعين، والأذن، واليد، والجسم، أما أدب القلب فألا يلتفت إلى غير الله، لأن الله ينظر إلى قلوبنا، وأعمالنا، فإذا طهرت قلبك من الالتفات لغير الله فهذا من كمال الأدب مع الله.
الآن والأدب الثالث، صيانة الإرادة من أن تتعلق بما يمقت الله عليك، أي لا تنوي إلا الخير، لا تنوي إلا الشيء الذي يرضي الله عز وجل، فأصبح هناك إرادة، وقلب، وسلوك، الأدب مع الله أن تتعامل معه بكمال، بتمام، بأداء حسن، وأن تصون قلبك على أن يلتفت إلى غير الله، والشيء الثالث أن تكون الإرادة إرادة خير للأمة، لا أن تريد شيئاً لا يرضي الله، أي طهر إرادتك، وطهر قلبك، وطهر أداءك للعبادات الشعائرية والتعاملية.
من تهاون بالأدب مع الله عُوقب بحرمانه من السنن :
أخواننا الكرام، الشيء الذي يعد من أهم نقاط هذا اللقاء، من تهاون بالأدب مع الله عُوقب بحرمانه من السنن، ومن تهاون في أداء السنن عُوقب بحرمانه من الفرائض، الإسلام حركي، تهمل الآداب، بعد حين سوف تهمل السنن، تهمل السنن، بعد حين تهمل الفرائض، تهمل الفرائض، يصبح القلب مغلقاً:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]

إذاً هناك مشكلة، إن تهاونت بالشيء قادك هذا التهاون إلى شيءٍ أكبر، فأعظم شيء الفرائض، ثم السنن، ثم الآداب، فإذا تهاونت بالآداب حرمت السنن، تهاونت في السنن حرمت الفرائض، تهاونت بالفرائض حرمت معرفة الله، وأصل الدين معرفة الله، من تأدب مع الله صار من أهل محبته، أي الأدب مع الله يكسبك محبة الله.
أحد العلماء رأى شاباً يتطاول، فقال: يا بني! نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم.
مرة قال بعض الأدباء: رقصت الفضيلة تيــهاً بفضلها فانكشفت عورتها
***
حتى لو اعتززت بطاعة، أنا اليوم صليت قيام الليل، قلتها مئة مرة، أردت بهذا الكلام أن تصغر من حولك، صمت من أيام النفل، تقول لصديقك: أأنت صائم اليوم؟ هذا الذي يؤدي العبادة بلا أدب فقد أجر العبادة، فلذلك نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ من العلم. خصائص الآداب :
أخواننا الكرام، الآداب من خصائصها أنها تعمق الصلة بالله عز وجل، الإمام الحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ سُئل عن أنفع الأدب، فقال: التفقه بالدين، التفقه بالدين أدب، أحياناً الإنسان يكون مدعواً على طعام، ينتهي من الطعام في وقت مبكر جداً، يبتعد عن المائدة، ويقوم إلى مكان آخر، يحرج الحاضرين، عند الإمام الغزالي بالإحياء فصول رائعة جداً في الآداب: إذا انتهيت من الطعام ينبغي أن تبقى جالساً، إلى أن يقوم آخر واحد، أما أن تنسحب بوقت مبكر فهذا يحرج الباقين.

فلذلك الأدب التفقه في الدين، فإذا طالعت كتاباً في الآداب، آداب الطعام، آداب الحديث، آداب العيادة، تعود مريضاً، ورد في بعض الآثار: "العيادة فواق ناقة"، مقدار حلب ناقة، يجلس ساعة، عنده أدوية، عنده مشكلة، عنده حاجة إلى شيء، فالآداب شيء أساسي جداً، وهناك كتب زاخرة بالآداب، آداب العلاقة مع الزوجة، آداب العلاقة مع الجيران، عندنا عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، الآداب علامة محبة الله لك، إذاً التفقه في الدين، والزهد في الدنيا.
الحقيقة الزهد في الدنيا يعني أن تكون طامعاً في الآخرة، الزاهد إنسان ذكي جداً، طموح جداً، طموحاته أكبر مما يتصور الإنسان، لكنه زهد في هذه الدنيا التي سوف تنتهي بالموت، وطمع بما عند الله، الزهد في الدنيا لا يعني أن تكون مهملاً لبيتك، مهملاً لعملك، فقيراً، ما تابعت الدراسة، لا ليس هذا هو الزهد، الزهد أن تنقل اهتمامك من الدنيا إلى الآخرة، تشتري بيتاً وتسكن، تنال دكتوراه، تؤسس معملاً، كله جيد، الدنيا عمل، إلا أنه يجب ألا تضع البيض كله في سلة واحدة، تقامر وتغامر، فإذا وضعت كل نشاطاتك في الدنيا، هذه النشاطات تنتهي بوقف القلب، كل كيانك، كل طموحاتك، كل مكانتك، كل هيمنتك، مبنية على ضربات القلب، فإن توقف، انتهى كل شيء، سكتة قلبية، طموحاتك كلها مبنية على نمو الخلايا، نمت نمواً عشوائياً انتهت الحياة، فالذي يغامر بالدنيا فقط مقامر، أي وضع كل إنجازاته في حيز محدود وضيق، لذلك الزهد في الدنيا أن تنقل اهتماماتك إلى الدار الآخرة، والمعرفة بما لله عليك هذا كلام الإمام الحسن البصري في الأدب، التفقه في الدين، والزهد في الدنيا، والمعرفة لما لله عليك.
تعريفات الأدب :
من تعريفات الأدب، قال: "أن تستعين بالله على مراد الله، وأن تصبر لله على الأدب مع الله"، يحتاج إلى صبر، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟ يعصيه بالحواس الخمسة، يعصيه بالمال الذي أنعم الله به عليه، فرقٌ كبير، مرة إنسان في أثناء مناجاته لله، قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات ]
فرعون، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
[ سورة طه ]
قال: يا رب إذا كانت رحمتك بمن قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى؟ إذا كانت رحمتك بمن قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 38 ]
فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله؟ فأن تستعين بالله على مراد الله، فكيف بالذي يستعين بالله على معصيته؟.

إنسان عاتب الإمام الجنيد، قال له: أدبت أصحابك أدب السلاطين، أي أدب الالتزام التام والخوف، فقال: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن.
الإنسان ـ صدقوا ولا أبالغ ـ عنوان محبته لله المبالغة في الأدب مع الله، وقال بعضهم: "الأدب مع الله حُسن الصحبة معه، بإيقاع الحركات الظاهرة والباطنة على مقتضى التعظيم، والإجلال، والحياء، كما لو أنك تجالس ملكاً"، الآن الإنسان إذا كان بحضرة إنسان له مكانة كبيرة، لا يعبث بالسبحة، ولا يقرأ جريدة أمامه، ولا يجلس جلسة ليس فيها أدب، بشكل لاشعوري إذا كان الإنسان مهماً، له مكانة، قد تكون دينية، أو اجتماعية، أو له منصب رفيع، تجلس أمامه جلسة فيها أدب، تتجه إليه هكذا، فكلما ازداد أدبك ازدادت محبة الله لك.
إنسان لا يقدر أن ينام، المصحف عند قدميه، لا يقدر، لا يقدر أن ينام بغرفة فيها أشياء مقدسة، بغرفة النوم أشياء مقدسة مثلاً، تجد المسلمون عندهم آداب راقية جداً.
والله حدثني أخ، ذهب إلى جامعة في الدول الشرقية، التي ترفع شعار لا إله، قال لي: دورات المياه جماعية، صالون كبير الناس أمام بعضهم بعضاً، والاغتسال جماعي، بالجامعات يغتسل الإنسان عرياناً أمام كل من حوله، ويقضي حاجته أمام كل من حوله، أين الأدب؟ النبي عليه الصلاة والسلام، استأجر أجيراً، فاغتسل أمام الناس عرياناً، فقال له: (( لَا أَرَاك تَسْتَحِي مِنْ رَبِّكَ خُذْ إجَارَتَك لَا حَاجَةَ لَنَا بِك ))
[عبد الرزاق عن ابن جريج]
النبي عليه الصلاة والسلام ما رئي ماداً رجليه قط، أحياناً إنسان يكون عنده آلام في المفاصل، هذا موضوع ثان، أما بلا سبب، الأدب مع الله أن تكون في وضع يليق بك كمؤمن، من أدب النبي مع الله، كان يقول: (( إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ))
[أحمد عن عطاء بن أبي رباح ]
الأدب في القرآن الكريم :
صدقوا ولا أبالغ، الأديب مع الله، حتى لو قاد مركبته بأدب، هناك جلسة فيها سوء أدب، هناك نظرة للناس فيها استعلاء، هناك جلسة جانبية، حتى بركوب المركبة يوجد سوء أدب، حتى في السير، هناك تجاوز أحياناً، إنسان يتجاوزك ترفع السرعة، هذا سوء أدب، لم يفعل شيئاً أحب أن يتجاوزك، عندما بدأ يتجاوزك تحاول أن تمنعه من ذلك، فهذا سوء أدب، في القيادة أخلاق، الدين كله أدب، والله أنا أعترض على كلمة: لا حياء في الدين، الدين كله حياء، هذه لا حياء في الدين، نقول ما نشاء، ونفعل ما نشاء، تحت شعار لا حياء في الدين، الدين كله حياء.

يا بنيتي! إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، قال: حجم عظامك، لأن أي كلمة أخرى تثير الشهوة، تصف حجم عظامك، انظر الأدب في القرآن الكريم:
﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج الآية: 29 -30 ]
دخل كل أنواع الانحراف الجنسي: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المعارج ]
الآية الكريمة: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 6 ]
طفل قرأ القرآن، ماذا يفهم من ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
لمس يد امرأته مثلاً. ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 189 ]
انظر إلى كلام الله عز وجل، الصحابية الجليلة قالت لسيدنا عمر: إن زوجي صوامٌ قوام، ما هذه الكلمة؟ قال لها: بارك الله لك في زوجك، فقال سيدنا علي له: إنها تشكو زوجها، ما هذه الشكوى؟ إن زوجي صوامٌ قوام، أي يقوم الليل، ويصوم النهار، ولم يعد له علاقة معي، قال لها: بارك الله لك في زوجك، قال له: إنها تشكو زوجها.
النبي الكريم أقنع أحد الصحابة، كان منصرفاً عن زوجته كلياً، أقنعه أن يكون متوازناً، ففي اليوم التالي جاءت زوجته إلى السيدة عائشة عطرةً نضرة، قالت لها: ما الذي أصابك؟ اسمعوا جوابها، قالت: أصابنا ما أصاب الناس، فقط. المؤمن كلما ارتقى مستواه ابتعد عن الفحش والبذاءة :
أنا أحتار بأدب الصحابة، يتكلمون كلاماً من أرفع ما يكون، وصدقوا ولا أبالغ المؤمن تعيش معه أربعين سنة لا تسمع منه كلمة فيها سوء أدب، كلمة فيها ذكر عورات، كلمة فيها طرفة جنسية، كلمة ملغومة، الكلام الملغوم، واستخدام الضمير الغائب بشيء لا يرضي الله، والمؤمن كلما ارتقى مستواه ابتعد عن الفحش والبذاءة، أي أحد أكبر أنواع الاستقامة ضبط اللسان:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ]

(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يهوي بها في جهنم))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
قال بعضهم: "الأدب أن تعرف رعونات النفس"، أحياناً النفس لها رعونات، لها تجاوزات، الأدب أن تعرف رعونات النفس، وأن تجتنب تلك الرعونات، من أدب النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل مكة، دخلها خافضاً رأسه، تواضعاً لله عز وجل، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله عز وجل.
مرة امرأةٌ سألت النبي: كيف تتطهر من الحيض؟ قال لها: خذي فرصةً ممسكةً تتبعي بها أثر الدم، خذي فرصةً ـ أي خرقةً ـ ممسكةً، تتبعي بها أثر الدم، فسألت: كيف أتّبع بها أثر الدم؟ فاحمر وجه النبي من شدة الخجل، قال لها: يا سبحان الله! تطهرين بها، فالسيدة عائشة جرتها إلى مكان آخر وشرحت لها. من صحت محبته لله كان أديباً مع الله :
المؤمن عنده حياء، عنده خجل، هذا الكلام الوقح، هذه التعليقات اللاذعة، تجد إنساناً ثقافته عالية، لكن عنده كلمات وقحة، وتعليقات لاذعة وقاسية، هذا من بعده عن الله، كلما ازداد قربك من الله ازداد أدبك، قال: إذا صحت محبتك لله كنت أديباً مع الله، فكأن الأدب مع الله من علامات محبة الله، سيدنا عيسى عليه وعلى نبيينا أفضل الصلاة والسلام استمعوا إلى الأدب مع الله:
﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 116 ]

لو أنه قال: لم أقل هذا الكلام. ﴿ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾
[ سورة المائدة ]
مرة سيدنا عمر من أدبه مع الله وقف على المنبر مكان الصديق، ونزل درجة، قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، مستحيل! يقولون:إن سيدنا عثمان نزل درجة، ثم عاد إلى الدرجة السابقة، وهناك خليفة أموي سأله وزيره، قال له: إن عثمان لمَ لم ينزل درجة؟ قال له: لو فعلها لكنت في قعر بئر، إذا كل خليفة نزل درجة تحتاج أن تحفر بئراً وتجلس في الأسفل، كذلك سيدنا عثمان عنده حكمة بالغة، نزل درجة أدباً، ورجع إلى مكانه، فهذا أدب.
سيدنا عمر تقرب منه إنسان بمديح، فقال له: ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله، يا لطيف! وكأنه نطق بالكفر، فأحدّ فيهم النظر، حتى انخلعت قلوبهم خوفاً منه، إلى أن قال أحدهم: لا والله، لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال له: من هو؟ قال له: الصديق، قال لهم: كذبتم جميعاً وصدق، كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، ما هذا الوفاء؟. الأدب ربع الدين :

أيها الأخوة، جاء في بعض الآثار: أن حملة العرش أربعة، اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، الواحد منا يلتقي بإنسان في الطريق لا يعرف ماذا يفعل؟ يحترمه، لو علم ماذا يفعل ما سلم عليه، الله عز وجل يقول:
﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
الله عز وجل يعلم كل أخطائهم، وكل انحرافاتهم، الحمد لله على حلمك بعد علمك والملكان الآخران يقولان: الحمد لله على عفوك بعد قدرتك، قادر، ويعفو، ويعلم، وحليم، ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾
أيها الأخوة، لا تنسوا أن موضوع الأدب ربع الدين، عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، الآداب تقرب إلى الله، الآداب علامة محبة الله، الآداب أسرع طريقٍ إلى الله، الآداب أن تؤدي العبادات بالتمام والكمال، أن تؤدي الأوامر والنواهي بالتمام والكمال، الآداب أن تحب الله فكأن هناك علاقة ترابطية بين الحب والآداب، أنت أديب إذاً الله يحبك، أنت محب إذاً تتأدب مع الله.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:49 PM   #36


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الثلاثون )

الموضوع :اداب الانبياء



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الأدب مع الله :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ اتصالاً شديداً بـ:"سبل الوصول وعلامات القبول"، ألا وهو "الأدب مع الله"، وقد بينت لكم من قبل أن في الدين عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، وبالأدب يكمل الإيمان، وفي الدين عقائد، وعبادات، ومعاملات، وآداب، وهذا الدرس يندرج مع الآداب، جاء في الأثر: أن من حملة العرش ملكان يقولان: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، الله عز وجل: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
[ سورة غافر ]

ومع ذلك هو حليمٌ على عباده، يرزقهم، ويعافيهم، وملكان آخران يقولان: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، دقق، حلمٌ مع العلم، وعفوٌ مع القدرة، فالمؤمن الصادق يتخلق بهذا الكمال الإلهي، حلمٌ بعد علم، وعفوٌ بعد قدرة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾
[ سورة الحج ]
﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
النبي عليه الصلاة والسلام سئل ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))
[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
أي الكمال البشري متمثل في رسول الله، وكنت أقول دائماً: الكون قرآنٌ صامت، والقرآن كونٌ ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي.
وحينما سئلت السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: "كان خلقه القرآن". بطولة المؤمن أن يكون في أعلى درجات الخلق في البيت :
مرةً ثانية: من السهل جداً أن تنضبط في علاقاتك مع الآخرين، وهذا ينبع من حرصك على مكانتك، ولكن الانضباط الحقيقي، ولكن الخلق الأصيل ما كان في بيتك، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ وأنا خيرُكُم لأهْلِي ))
[ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]

وكان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، وكان يقول عن النساء:
(( فإنهن المؤنسات الغاليات ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر ]
وبطولة المؤمن أن يكون في أعلى درجات الخلق في البيت، شكاوى لا تعد ولا تحصى مفادها أنه من ألطف الناس مع الآخرين، ومن أقساهم في بيته، ودائماً وأبداً أؤكد لكم أن بطولتك أيها المؤمن أن يكون العيد إذا دخلت إلى بيتك، وهناك أناسٌ يكون العيد بخروج الزوج من البيت، فالبطولة أن يكون العيد إذا دخلت لا إذا خرجت.
ومكة التي ناصبت النبي عليه الصلاة والسلام العداء عشرين عاماً، أخرجته ونكلت بأصحابه، فلما فتحها، ودانت له هذه المدينة التي أخرجته، وهي مدينته، وسأل أهل مكة: (( ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
[ السيرة النبوية]
بل إن عشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر كلمةً من فمه الشريف، ودائماً الأقوياء يبيدون المدن. أحمق إنسان من لا يدخل الله عز وجل في حساباته :
يروى أن إنساناً يطوف حول الكعبة، ويدعو ويقول: ربي اغفر لي ذنبي، ولا أظنك تفعل، مشى وراءه إنسان، سمع هذا الكلام، فقال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله؟ قال له: ذنبي عظيم، قال له: ما ذنبك؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنةٍ في مدينة، فلما قمعت أبيحت لنا المدينة، قال: دخلت أحد البيوت، وجدت فيها رجلاً وامرأةً وولدين، قتلت الرجل وقلت لامرأته: أعطني كل ما عندك، أعطتني كل ما عندها فقتلت ولدها الأول، فلما رأتني جاداً في قتل الثاني، أعطتني درعاً مذهباً، أعجبتني، فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأتهما، فوقعت مغشياً علي:
إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
* * *


أخوتنا الكرام، الذي لا يدخل الله في حساباته هو من أغبى الأغبياء، ومن أحمق الحمقى.
فــويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضي الأرض مـن قاضي السماء
* * *

طبعاً حينما بالغ أهل الطائف في الإساءة إلى النبي، حينما كذبوه، وحينما سخروا منه، بل حينما أغروا صبيانهم أن يضربوه وضربوه، وسال الدم من قدمه الشريف، جاءه ملك الجبال: (( قال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ـ أي الجبلين ـ قال: لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ـ هل فوق هذا الأدب من أدب مع الله؟ ـ اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))
[متفق عليه عن عائشة]
ما هذا الأدب يا رسول الله؟ قال: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))
[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
أدب الأنبياء :
في هذا اللقاء الطيب الحديث عن أدب الأنبياء، الأنبياء قممٌ في الكمال، كان سيدنا حنظلة يبكي في الطريق، مرّ به الصديق فقال له: ما بك يا حنظلة تبكي؟ قال: نافق حنظلة، قال: ولِمَ يا أخي؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، قال: أنا كذلك يا أخي ـ من تواضع الصديقـ انطلق بنا إلى النبي الكريم، فلما التقيا بالنبي عليه الصلاة والسلام حدثاه بهذا الحال، فقال: نحن معاشر الأنبياء، تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعةٌ وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم.

معنى ذلك أن أحوال الأنبياء اتصال دائم مع الله، أما نحن فساعة وساعة، وأنا أتمنى عليكم من أعماق قلبي ألا تفهموا ساعة وساعة، ساعة معصية، وساعة استقامة، لا أبداً، ساعة تألق وساعة فتور فقط ، المؤمن ساعة تألق، وساعة فتور، مؤمنو الجن ماذا قالوا؟ قالوا:
﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾
[ سورة الجن ]
ما قالوا: وأنا لا ندري أشرٌ أراد الله بهم، الله عز وجل كماله مطلق، كلام لطيف جداً: ﴿ وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾
سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ماذا قال؟: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 116 ]
لو أنه قال: لم أقل ذلك. ﴿ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾
[ سورة المائدة ]
أي أدب الأنبياء شيء مذهل، هم قدوةٌ لنا. ما جاء به الأنبياء من منهجٍ أخلاقي جميع البشر مكلفون أن يطبقوا هذا المنهج :
الذي يلفت النظر كأن الإنسان إذا قرأ عن كمالات الأنبياء يقول: هذا نبي، هو نبيٌ، وأنت لست بنبي، لكنك مكلفٌ أن تقلد النبي والدليل: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

أوضح لكم هذه الحقيقة: أعلى جراح قلب، وأدنى ممرض، حينما يعطون حقنة لابد من تعقيمها، يستوي أكبر جراح مع أدنى ممرض في تعقيم الحقنة.
فلذلك ما جاء به الأنبياء من منهجٍ أخلاقي، جميع البشر مكلفون أن يطبقوا هذا المنهج، قيادة المركبة، يستوي أعلى إنسان لو أنه ملك قاد مركبة، وخفير صغير قاد مركبة، لابد من اتباع تعليمات موحدة، أي إذا قلت: إن النبي نبي، نعم هو نبي، وأنت لست بنبي لكنك مكلفٌ أن تكون مطبقاً لمنهج النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا موسى، قال: ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[ سورة القصص ]
فقير إلى ماذا؟ يا الله! فقير إلى العمل الصالح، لما سقى للفتاتين، ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
الفقر الحقيقي فقر العمل الصالح، والغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، أما بمقياس الناس الغنى الحقيقي بحجمك المالي، والفقر الحقيقي عند الناس بقلة المال الذي بين يديك.
لذلك ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه: "الغنى والفقر بعد العرض على الله"، لا يسمى الغني غنياً في الدنيا إلا إذا أنفق هذا المال في طاعة الله، ولا يسمى الفقير فقيراً في الدنيا إذا كان محسناً، وله أعمالٌ صالحة كبيرة جداً، ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
أسعد لحظات المؤمن عند مناجاة الله عز وجل :
أيها الأخوة، سيدنا آدم، أنا أتيكم بمواقف الأنبياء في الأدب، سيدنا آدم قال: ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]

المؤمن له مناجاة مع الله عز وجل، وهو في أسعد لحظاته حين يناجي ربه، أي أنت حينما تتعامل مع الله هو معك، يسمعك، ويراك، بالمناسبة إن تكلمت فهو يسمعك، ألم تقل في الصلاة: سمع الله لمن حمده؟ هو الآن يسمعك، حتى إن بعضهم قالوا: إن أردت أن تناجي الله فادعه، الدعاء مناجاة، إن أردت أن يكلمك الله فاقرأ القرآن:
﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
[ سورة الإسراء ]
أنت حينما تقرأ القرآن كأن الله يخاطبك، وحينما تريد أن تناجي ربك ادعه، فأنت بالدعاء تناجي، وبتلاوة القرآن يناجيك الله عز وجل، ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
ورد في بعض الأثر: أن شاباً له شيخ، قال له: يا بني، إن لكل حسنةٍ ثواباً، وإن لكل سيئةٍ عقاباً، يبدو أن هذا الشاب زلت قدمه، فارتكب مخالفة، بحسب كلام شيخه لابد من عقابٍ سوف يقع به، فانتظر، فهذا الشاب انتظر المصيبة، مرّ أسبوع، أسبوعان، ثلاثة أسابيع، لم يحصل شيء، بصحته، ببيته، بمركبته، الآن كله تمام، فناجى ربه، قال: يا رب لقد عصيتك فلم تعاقبني، قال: فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي؟ ألا تكفِك هذه؟ أكبر عقاب يصيب المؤمن أن يحجب عن الله عز وجل :
أخواننا الكرام، الذين لهم أذواق عالية جداً، أكبر عقاب يعاقب به الإنسان أن الله يحجبه عنه فقط، لا تكفيك هذه؟ إذا ابن تربيته عالية جداً، ما من داع لأن يضربه الأب إطلاقاً، يكفي أن يعرض عنه، فيحترق، كلما ارتقى مقامك تتأثر لا بالضرب، تتأثر بالإعراض.

لذلك أكبر عقاب يصيب المؤمنين، لا مصائب، ولا شيء، مكانته، صحته، بيته كله تمام، لكن الله يعاقبه بحجبه، والدليل:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
هذا الحجاب أكبر عقاب، ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾
سيدنا أيوب قال الله عنه: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 83 ]
بربكم هؤلاء الأنبياء يخاطبون ربهم، هل خطر ببالك أن تناجي ربك؟ عندما تلعب رياضة، ناجِ ربك، تقود مركبتك، ناجِ ربك، اطلب منه العفو، استسمحه، استغفره، عبر عن محبتك له، شيء رائع جداًَ أن تناجي ربك: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 83 ]
قال: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾
هناك إنسان يقول: أنت ابتليتني يا رب: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
الله عز وجل إن حدثته فهو سميع، وإن تحركت فهو بصير، وإن ناجيته فهو سميع، وإن تحركت فهو بصير، وإن أضمرت شيئاً فهو عليم، أنت في قبضته. سيدنا يوسف عليه السلام قمة في الأدب :
من قمم الآداب سيدنا يوسف، هذا الطفل الصغير، الوديع، الذي وضعه أخوته في الجب، وضعوه في الجب ليموت، والقصة تعرفونها جميعاً، كيف أن سيارةً مرت بهذا البئر، أدلوا دلوهم، فخرج هذا الطفل الصغير:
﴿ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾
[ سورة يوسف الآية: 19 ]

الآن بعد أن التقى بإخوته، وهو عزيز مصر، في أعلى مقام، قال:
﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100 ]
بربكم، أيهما أخطر السجن أم الجب؟ لم يقل: إذ أخرجني من الجب، لئلا يُذكّر أخوته بجريمتهم، قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
ثم يقول: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
[ سورة يوسف ]
لم يقل: تآمروا علي، عزا الأمر إلى الشيطان، هو وأخوته سواء، والشيطان دخل بينهما، هذا كله نحتاجه في علاقاتنا، ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
على الإنسان أن يلزم الأدب ظاهراً و باطناً :
قال بعض العلماء: الزم الأدب ظاهراً وباطناً، فما أساء أحدٌ الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً، وما أساء أحدٌ الأدب باطناً إلا عُوقب باطناً، بالظاهر أساء الأدب، هناك من يسيء إليه بالباطن، يحجب عن الله، عقاب الظاهر بالظاهر، وعقاب الباطن بالباطن
بعضهم قال: إذا صليت فلم تشعر بشيء، وإذا قرأت القرآن فلم تشعر بشيء، وإذا ذكرت الله فلم تشعر بشيء، فهناك مشكلةٌ كبيرة في علاقاتك مع الله، معنى هذا أنت محجوب، و هذه مشكلة كبيرة، وبعضهم قال: اعلم أنه لا قلب لك، لا يوجد خشوع إطلاقاً، لا تبكي أبداً، لا تضطرب أبداً، هناك مشكلة، قال تعالى:
﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
قال بعضهم: الأدب في العمل من علامات قبول العمل، هناك عمل أديته بأدب، من علامات قبوله أنك توجته بالأدب، والأدب كما قلت قبل قليل: كمال العمل الصالح، وكمال العبادة، حتى إن بعض الكتاب المعاصرين له كلمة أعجبتني قال: رقصت الفضيلة تيــهاً بفضلها فانكشفت عورتها
***

أي هناك عمل صالح كبير، إن تكلمت عنه مرة، مرتين، ثلاثة، فقد قيمته، اجعله بينك وبين الله، فالعمل الطيب إذا اقترن بالمن والأذى والفخر هذا العمل الطيب تاه صاحبه به، فذهبت قيمته.
وقال بعضهم: حقيقة الأدب استعمال الخلق الحسن، وقال بعضهم: الأدب استخراج ما في الحياة من الكمال، من القوة إلى الفعل: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
أعظم عملٍ على الإطلاق أن يزكي الإنسان نفسه :
أخواننا الكرام، الإنسان عندما يجهد ليكون كاملاً هو قريب من الله عز وجل لأن: (( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً، وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

فهذه الآداب التي تأدب بها أنبياء الله عز وجل ينبغي أن نأخذ بها نحن في علاقاتنا، لذلك أيها الأخوة، أعظم عملٍ على الإطلاق أن تزكي نفسك:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
بل إن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 72 ]
ما الأمانة؟ نفسك التي بين جنبيك، أودعها الله عندك أمانة، فإما أن تُعرفها بربها، وإما أن تحملها على طاعته، وإما أنها تقبل عليه فتزكو، وزكاة النفس ثمن الحنة، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾
بالقرآن أعتقد آيتان أو ثلاثة فقط: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
إذاً تنجح، وتفلح، وترقى، وتنجو، وتتفوق، وتكون عاقلاً، وذكياً، وحكيماً حينما تزكي نفسك، لأنها رأسمالك، لأن هذه النفس إذا زكيتها استحقت جنة ربها. الأدب كمال العبادة :
صدقوا أيها الأخوة،
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

من أخطر آيات القرآن الكريم، الفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والتفوق كل التفوق، والذكاء كل الذكاء، والعقل كل العقل، أن تزكي نفسك، أي أن تطهرها من الأدران، وأن تصلها بالواحد الديان، هذا هو الذكاء والفلاح، وهذا لا نعرف قيمته إلا حينما نقابل الله عز وجل، فالمؤمن في روضات الجنات، المؤمن يرى مقامه عند الله حينما يأتيه ملك الموت:
(( يقول: لم أرَ شراً قط، وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن، وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله، أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء، شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
[ورد في الأثر]
أي إذا أتيح لنا إن شاء الله أن نصل إلى القبر ونحن طاهرون، والله فاز الإنسان بكل شيء، تحمل بعض العلاج الإلهي في الدنيا، تحمل بعض المشكلات. (( وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن، وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله، أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر فإذا بقي عليه شيء، شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))
من خلال هذه النصوص والآداب التي تخلق بها الأنبياء يتبين أن الأدب كمال العبادة.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:52 PM   #37


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الثلاثون )

الموضوع :التذوق من حلاوة الايمان







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
بطولة الإنسان لا أن يدرك حقائق الإيمان بل يذوق حلاوته :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات:"سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم: "الذوق"، والذوق أن تذوق حلاوة الإيمان، والذوق ينطلق من قوله تعالى:
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 14 ]

أخواننا الكرام، يوجد بالدين حقائق يدركها العقل، يقبلها، يؤمن بها، يقتنع بها، يدعو إليها، هذا نشاط عقلي، وفي الدين أحوال، الإنسان يحب الله، يتصل به، تأتيه سكينة من الله يسعد بها، هذه أحوال.
إذاً هناك أقوال، وأحوال، وحقائق، وأذواق، من أين جِئت بهذا الكلام؟ من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً و رَسُولاً ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]
ذاق طعم الإيمان، الإيمان له حقائق، وله طعم، فمن لم يذق طعم الإيمان لا يصل إلى مبتغاه، البطولة لا أن تدرك حقائق الإيمان، البطولة أن تذوق حلاوة الإيمان، والبون شاسعٌ جداً بين حلاوة الإيمان وبين حقائق الإيمان، أي إنسان يملك تفكيراً سليماً، يدرك أن لهذا الكون خالقاً، يدرك أن هذا الخالق عظيم، كبير، غني، قوي، بل إن إبليس اللعين: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
[ سورة ص ]
قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
[ سورة ص ]
فإدراك حقائق الإيمان من دون أن تذوق حلاوة الإيمان لا تقطف ثمار الدين إطلاقاً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً ـ أي خضع لأمره ـ وبالإسلام ديناً ـ كمنهج ـ وبمحمَّدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً و رَسُولاً ))
الحديث التالي هو الحديث الأصل في موضوع حلاوة الإيمان :
ولكن الحديث الأصل في هذا الموضوع، أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
(( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حَلاوَةَ الإيمان وطَعْمَهُ؛ أنْ يكون اللَّهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهُما ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]

أنا أعلق تعليقاً، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم، أليس الله ورسوله أحب إليك مما سواهما؟ لا يتردد واحد في أن يؤكد هذا المعنى، يقول: نعم، ليس هذا هو المعنى، قال علماء شرح الحديث: أن يكون الله في قرآنه، والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته، أحب إليك من مصالحك المتوهمة القريبة إذا تعارضت مع الكتاب والسنة.
وكيل شركة، دخله فلكي، لأنه الوكيل الحصري، جاءه مندوب، طلب مطعماً فيه خمر، فحينما لا يعبأ بالتحريم، ويقدم له هذا المشروب المحرم، من أجل مصلحته، فهو بهذا لم يدفع ثمن حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان شيء يصعب تصوره، الناس يعيشون بحقائق الإيمان، يقول لك: الحمد لله نحن مسلمون، لكن لو ذقت حلاوة الإيمان لكنت إنساناً آخر. (( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حَلاوَةَ الإيمان وطَعْمَهُ: أنْ يكون اللَّهُ ـ أي في قرآنه، والنبي عليه الصلاة والسلام في سنته ـ أحبَّ إليه مما سواهُما ))
من الدنيا وما فيها حينما تتعارض مصالحك المتوهمة، حينما تتعارض مصالحك القريبة، مع كلام الله، وسنة رسوله، وتؤثر طاعة الله، وتضع تحت قدمك هذه المصالح المتوهمة، عندئذٍ تكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، وعندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، وعندئذٍ تقول: أنا أسعد الناس، إن لم تقل: أنا أسعد الناس، إلا أن يكون أحدٌ أتقى مني لم تذق حلاوة الإيمان: (( أنْ يكون اللَّهُ ورسوله أحبَّ إليه مما سواهُما ))
البند الأول. الولاء و البراء :
البند الثاني:
((ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحِبُّهُ إلا لله ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]

هذا سماه العلماء الولاء والبراء، أنت توالي المؤمنين، ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وتتبرأ من الكفار والمشركين، ولو كانوا أغنياء وأقوياء، أنت مع المؤمنين، هذا هو الولاء والبراء، ويكاد يكون الولاء والبراء الفريضة السادسة، توالي من أنت؟ توالي الأقوياء ولو كانوا أعداءً للدين؟ توالي الأغنياء لأن مصالحك معهم؟ أم توالي أهل الإيمان وتحمل همهم وتتمنى انتصارهم ويؤلمك ما يعانون من مآس؟.
(( ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
(( كما يكرَه أن يُلقى في النار ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
أي هناك إنسان يعبد الله على حرف، مادامت مصالحه مؤمّنة، ما دام وضعه العام جيد، هو مؤمن، صالح، لكن حينما تهدد مصالحه، يتنكر لهذا الدين، هذا الحديث الصحيح أصلٌ في موضوع الذوق: (( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحِبُّهُ إلا لله، ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرَه أن يُلقى في النار ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
من لم يكن محباً لله مؤثراً طاعته على كل شيء فقد أهمل شطر الدين :
أخواننا الكرام، مرة ثانية: في الإنسان عقلٌ، وقلبٌ، وجسم، العقل غذاؤه العلم، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، والقلب غذاؤه الحب، فالذي يهمل قلبه أهمل شطر الدين، قال تعالى:
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 54 ]
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 165 ]

فالقلب غذاؤه الحب، وما لم تكن محباً لله، مؤثراً طاعته على أي شيء آخر، فقد أهملت شطر الدين، الإيمان حقائق، وأذواق، الإيمان أقوال، وأحوال، فالحال متعلق بالقلب، والأقوال متعلقة بالعقل، فأنت عقلٌ تدرك، غذاؤه العلم، وقلبٌ يحب، غذاؤه الحب.
أخواننا الكرام، بعض الذين نظموا الشعر يقول: فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
ولــو ذقت من طعم المحبة ذرة ً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولــو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقاً لقربنــــا
فمـــا حبنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
* * *

مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً :
أيها الأخوة، الذوق أن تذوق طعم القرب، قال بعض العلماء: في الدنيا جنة، من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب، وفي توجيه بعض المفسرين في قوله تعالى:
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]

جنةٌ في الدنيا، وجنةٌ في الآخرة، يؤكد هذا المعنى قول الله عز وجل:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا، أي ذاقوا طعمها، إنها جنة القرب، يقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟.
أي ما لم تتمتع، ما لم تشعر، ما لم تتصل، ما لم تقبل، ما لم يشعر قلبك بالسكينة، بمشاعر الإيمان، فأنت أهملت شطر الدين، الدين عقائد، وعبادات، العبادة اتصال بالله، الصلاة من أجل الصلاة، والصيام من أجل الصلاة، والحج من أصل الصلاة، والذكر من أجل الصلاة، والدعاء من أجل الصلاة، الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين، ومن تركها هدم الدين، الصلاة غرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، والصلاة هي الفرض الوحيد الذي لا يزول بحال، الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقط بحال، الصيام يسقط عن المريض والمسافر، والحج يسقط عن المريض والفقير، والزكاة تسقط عن الفقير، والشهادة ينطق بها مرةٌ واحدة، أما الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقط بحال إنه الصلاة.
لذلك أيها الأخوة الكرام، أنت بالصلاة الحقيقية، بالاتصال الحقيقي، تكتسب الكمال الذي وعدك الله به، إن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً، منحه خلقاً حسناً. أمثلة عن صحابة ذاقوا حلاوة الإيمان :
لو أن أتيت لكم بأمثلة عن هؤلاء الذين ذاقوا حلاوة الإيمان، سيدنا خبيب بن عدي، قبض عليه المشركون ليصلبوه، انتقاماً من قتلى بدر، فجاء أبو سفيان وسأله، دققوا أتحب أن يكون محمدٌ مكانك؟ هذا الصحابي الجليل ذاق حلاوة الإيمان، ماذا قال؟ قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي ـ أي أمامي زوجتي وأولادي، والإنسان الذي عنده زوجة وأولاد وهما أمامه شيء مريح ـ وعندي عافية الدنيا، ونعيمها ـ أي بالتصور المعاصر بيت فخم، إطلالة رائعة، مساحة واسعة، أجهزة كهربائية كاملة، الثلاجة ممتلئة بما لذّ وطاب، من الطعام، والشراب، والفواكه، والحلويات، والورود ـ والله ما أحب أن أكون في أهلي، وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة.
هذا الصحابي الجليل ذاق حلاوة الإيمان، والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة.
أيها الأخوة، صحابيٌ آخر، اسمه سعد بن الربيع، هذا سأل عنه النبي عقب معركة أُحد، فلم يعلم أحد عنه شيئاً، كلف أحد الصحابة أن يتفقده في أرض المعركة، ذهب إلى أرض المعركة، فرأى القتلى، وبعض الجرحى، وكان سعد بن الربيع بينهم، فقال له: يا سعد! أنت مع الأموات أم مع الأحياء؟ أي جرحك بسيط أم جرحك كبير؟ قال له: أنا مع الأموات، قال له: النبي الكريم أرسلني كي أتفقدك، اسمعوا ماذا قال، قال: أبلغ رسول الله أن جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وهو يموت! وهو سيلاقي الدار الآخرة! أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وأبلغ أصحابه أنه لا عذر لكم إذا خُلص إلى نبيكم وفيكم عينٌ تطرف، وهذا الصحابي أيضاً ذاق حلاوة الإيمان.
أخواننا الكرام، امرأةٌ ذاقت حلاوة الإيمان، بلغها في أُحد أن النبي قُتل، فانطلقت إلى ساحة المعركة، فرأت أباها مقتولاً، فقالت: ما فعل رسول الله؟ ثم رأت زوجها مقتولاً، فقالت: ما فعل رسول الله؟ ثم رأت ابنها مقتولاً، فقالت: ما فعل رسول الله؟ ثم رأت أخاها مقتولاً، رأت أباها، وزوجها، وابنها، وأخاها، وهي تقول: ما فعل رسول الله؟ إلى أن وقعت عينها عليه، فاطمأنت، وقالت: يا رسول الله كل مصيبةً بعدك جلل، هذه امرأةٌ ذاقت حلاوة الإيمان.
من ذاق حلاوة الإيمان كان أسعد الناس :
والله أيها الأخوة، لو ذاق أحدنا حلاوة الإيمان لكان إنساناً آخر، نحن نؤمن بالله ورسوله، وبالكتاب، وبالقضاء والقدر، ونصلي، ونصوم، ونحج، ونزكي، لكن لو ذقت حلاوة الإيمان لكنت إنساناً آخر، هؤلاء الصحابة القلة الذين وصلوا إلى أطراف الدنيا، الذين دانت لهم الدنيا شرقاً وغرباً، ذاقوا حلاوة الإيمان، كانوا أسعد الخلق، وإن لم تقل أنا أسعد الناس، إلا أن يكون أحدهم أتقى مني، فلم تذق حلاوة الإيمان، الإيمان أن تكون مع الله، الإيمان أن تكون مع القوي، مع الغني، مع الرحيم، الإيمان أن تتصل به، أن تسعد بقربه، لذلك هناك حقائق الإيمان، يدركها جميع المسلمين، وهناك حلاوة الإيمان، هذا الذي قال:
فليتك تحلو والحياة مــريرةٌ ولــيتك ترضى والأنام غضابُ
ولـيت الذي بينك وبيني عامرٌ وبينـــي وبين العالمين خرابُ
وليت شرابي من ودادك سائغٌ وشربي مـن ماء الفرات شرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هينٌ وكــل الذي فوق التراب ترابُ
* * *


أنت حينما تذوق حلاوة الإيمان تكون أسعد الناس، كما كان إبراهيم في النار:
﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
أنت حينما تذوق حلاوة الإيمان تكون أسعد الناس، وأنت في بطن الحوت، سيدنا يونس: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
أنت حينما تذوق حلاوة الإيمان تكون أسعد الناس، وأنت ملاحق، وقد هدر دمك، ووضع مئة ناقةٍ لمن يأتي بك حياً أو ميتاً، النبي الكريم، وهو في الغار، قال له الصديق: يا رسول الله لقد رأونا: (( فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]
أنا أقدم لكم نماذج ذاقوا حلاوة الإيمان، النبي الكريم في الغار، مهدورٌ دمه، ذاقوا حلاوة الإيمان في بطن الحوت، ذاقوا حلاوة الإيمان في النار، ذاق أهل الكهف حلاوة الإيمان وهم في الكهف. الفرق الكبير بين حقائق الإيمان و حلاوة الإيمان :
أيها الأخوة، فرقٌ كبير بين أن تدرك حقائق الإيمان وبين أن تذوق حلاوة الإيمان، مثلاً على الطاولة هناك خارطة قصر، ما شاء الله! الغرف ثمانية أمتار بستة أمتار، الشرفات واسعة، الإطلالة رائعة، الصالونات، الغرف، غرف النوم، غرف الجلوس، لكن هذا ورق، هذه خارطة، و هو لا يملك كوخاً، الذي يملك هذه الخارطة، التي هي حقائق الإيمان، لا يملك كوخاً يسكنه
كم هو الفرق بين أن تملك خارطة قصر وبين أن تسكن هذا القصر؟ مسافة كبيرة جداً، كم هي المسافة بين صورة لسيارة حديثة جداً وبين أن تملك هذه السيارة؟ كم هي المسافة بين أن تقول: ألف مليون دولار، بين أن تنطق بها وبين أن تملكها؟ صدقوا ولا أبالغ المسافة بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان كالمسافة بين أن تنطق بمئة مليون دولار، وبين أن تملكها في هذه الظروف الصعبة مثلاً، لذلك حلاوة الإيمان شيء، هذا الذي لو سعى إليه الإنسان، لقال: أنا إنسان آخر.
هؤلاء الصحابة الكرام، أبطال، مؤمنون، قال سيدنا الصديق لسيدنا عمر: ابسط يدك لأبايعك، القصة لها روايات عديدة، بعض هذه الروايات، قال له: أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا كنت أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر؟ معقول! قال له: يا عمر أنت أقوى مني، قال له: أنت أفضل مني، قال له: قوتي إلى فضلك، أي نتعاون، هكذا كان الصحابة الكرام، صدقوا ولا أبالغ أكثر ما يروى من خلافاتهم والله كذب بكذب، هناك روايات باطلة كتبت في عصور كان فيها صراعات، وكان فيها أشياء كثيرة، أنا أقول لكم كلمة حق: ما أتيح للتاريخ الإسلامي رجال كعلماء الحديث عكفوا عليه، ونقحوا رواياته، في التاريخ ما هب ودب.
الإمام الحسن البصري ذاق حلاوة الإيمان :

أيها الأخوة، الحسن البصري ذاق حلاوة الإيمان، وأدى رسالة العلماء في إنكار المنكر، في عهد الحجاج، والحجاج كان بطاشاً، بلغه أن هذا العالم الجليل أنكر المنكر، فقال لمن حوله: يا جبناء، والله لأروينكم من دمه، وأمر بقتله، وجاء بالسياف، ومُدّ النطع ـ النطع جلد يمد تحت قدمي المقتول، لئلا يصيب الدم الأثاث الفاخر ـ جاء بالسياف، ومُدّ النطع، وطلب أن يأتوا به، فلما دخل على الحجاج، حرك شفتيه، لم يفهم أحداً ماذا قال، فإذا بالحجاج يقف له، ويقول له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه من مجلسه، حتى أجلسه على سريره، وقال الرواة: سأله، واستفتاه، وقدم له ضيافةً، وعطره، وودعه إلى باب القصر، هذا السياف صعق، جيء به ليقطع رأس هذا العالم، جيء به ليقتله، مُدّ النطع ، تبعه الحاجب قال له: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فُعل بك فماذا قلت لربك؟ بعد إلحاح قال له: حينما دخلت، ورأيت السياف، والنطع قد مدّ، عرفت أنني مقتول، فناجيت ربي، قلت: يا رب، يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، فإذا بالحجاج ما الذي حدث؟ ماذا تصور؟ قال له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وأجلسه على سريره، واستفتاه، وقدم له ضيافةً، وعطره، وشيعه إلى باب القصر.
أي أنت إذا ذقت حلاوة الإيمان أصبحت إنساناً آخر، أنت مستجاب الدعوة.
(( ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون أنا سمعه الذي يسمعه، وبصره الذي يبصر به، ولسأنه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته وإذا سألني أعطيته ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]
حلاوة الإيمان لا يضحي بها الإنسان ولو فقد كل شيء :
حلاوة الإيمان شيء آخر، أن تذوق طعم القرب، حلاوة الإيمان لا تضحي بها ولو أن الدنيا بأكملها ذهبت من يدك، هذا الذي نرجوه من أخوتنا الكرام، أن يحاولوا أن يذوقوا طعم حلاوة الإيمان، إسلام كبير واضح، والعبادات واضحة، والصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والأفكار كثيرة، والنصوص واضحة
لكن جرب أن تذوق حلاوة الإيمان، جرب أن تعمل عملاً خالصاً لله، جرب أن تتقرب إلى الله بنافلة، بصلاة، بخدمة، بعمل صالح، هذا الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، انصحه، ارحمه، سامحه، اغفر له، أعنه، أنفق عليه، الإنسان كما قلت قبل قليل: بنيان الله، لا تغشه، لا توهمه، لا تخوفه، لا تبتز ماله، لا تضحك عليه، لا تحتال عليه، هذا الإنسان بنيان الله، الله خلقه، فأنت إذا أكرمت الإنسان أكرمت الواحد الديان، إذا أكرمت أخاك المؤمن أكرمت الله، إذا أكرمت إنساناً لا تعرفه ولو كان مجوسياً أكرمت الله، لأن هذا الذي تعرفه قد يكون شارداً عن الله، فإذا رأى منك إحساناً صعقته، وأعلمته أنك على حق.
أيها الأخوة الكرام، مرةً ثالثة:
(( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً وبمحمَّدٍ صلى الله عليه و سلم نبياً و رَسُولاً ))
(( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان: مَن كان اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحِبُّهُ إلا لله، ومن يكْرهُ أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكرَه أن يُلقى في النار ))






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:54 PM   #38


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الثلاثون )

الموضوع :الوصول الى حلاوة الايمان





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من ذاق حلاوة الإيمان بذل الغالي و الرخيص و النفس و النفيس :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع الذوق، وهذا الموضوع ينطلق من أن للإيمان حقائق، وللإيمان حلاوة، وحلاوة الإيمان شيء، وحقائقه شيءٌ آخر، معظم الناس بإمكانهم أن يدركوا حقائق الإيمان، لكن قلةً من المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه دفعوا حلاوة الإيمان، فذاقوا حلاوة الإيمان، والفرق بينهما شاسعٌ جداً، كأن تنطق بكلمة مئة مليار، بين أن تنطق بها وبين أن تملكها.
فلذلك الذي يشدك إلى الدين في الحقيقة ليس حقائق الإيمان، ولكن الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان، إذا ذقت حلاوة الإيمان بذلت الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وكنت أسعد الناس في الدنيا، في أي ظرف، وفي أي عصر، وفي أي مصر، ظروف صعبة، سهلة، غني، فقير، قوي، ضعيف، متزوج، أعزب، صحيح، مريض، الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان، حلاوة الإيمان ثمنها باهظ، لكن نتائجها باهرة، الثمن باهظ جداً، الثمن انضباط، الثمن بذل وتضحية، لكن النتائج باهرة جداً.
حلاوة الإيمان يذوقها الإنسان ولا ترى بالعين :
لذلك الحقيقة الأولى في هذا اللقاء الطيب: أن حلاوة الإيمان أو أن تذوق حلاوة الإيمان شيءٌ داخلي لا يرى بالعين، أي المؤمن صادق، و يوجد بقلبه من الأمن ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، بقلبه من التفاؤل، والثقة بالله، والشعور أن الله يحبه، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم
أقول لكم مرةً ثانية: الذي يشدك إلى الدين حلاوة الإيمان لا حقائق الإيمان، حقائق الإيمان إدراكها سهل جداً، الله خالق السماوات والأرض، هذا القرآن وحي السماء، هناك جنة وهناك نار، أي معظم المسلمين، المليار والخمسمئة مليون يؤمنون بهذه الحقائق، لكنهم بحسب الآيات الكريمة:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾
[ سورة النور الآية: 55 ]
المسلمون الآن ليسوا مستخلفين، على كثرتهم، وعلى غناهم، يملكون ثروات لا يعلمها إلا الله، يتمتعون بموقع في بلادهم نادر، مواقع أساسية خطيرة، مع ذلك ليست كلمتهم هي العليا، وليس الأمر بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، لأنهم عرفوا حقائق الإيمان، لكنهم ما ذاقوا حلاوة الإيمان، إذا ذقت حلاوة الإيمان بذلت الغالي والرخيص والنفس والنفيس.
الحقيقة الأولى: أن حلاوة الإيمان يذوقها الإنسان، ولا ترى بالعين، مثلاً: لو أنك تأكل طعاماً نفيساً جداً، وأنت جائع جداً، تستمتع بهذا الطعام متعة يصعب أن توصف، الذي يراقبك، مهما يكن ذكياً، مهما يكن عاقلاً، هل بإمكانه أن يذوق ما تذوق؟ لا، لكن حينما تطلب صحناً آخر، وصحناً ثالثاً، حينما تطلب المزيد، الدليل أنت تستمتع بهذا الطعام، لو كان الطعام من الدرجة الثانية، أو الثالثة تكتفي بلقيمات، لو دُعيت بإلحاح تقول: اكتفيت، حينما تكتفي بكمية قليلة يكون هذا الطعام ليس كما تتمنى. المؤمن رقم صعب لا يُباع ولا يُشترى لأنه ذاق حلاوة الإيمان :
فلذلك أحد أكبر الأدلة على أنك تذوق حلاوة الإيمان، أن تطالب بالمزيد، تصلي قيام الليل، تطالب بالمزيد، تصوم صيام النفل، تطالب بالمزيد، تبذل بعض المال لخدمة الخلق، تطالب بالمزيد، علامة أنك تذوق حلاوة الإيمان أنك تطالب المزيد، وعلامة أن هذه الحلاوة ضعيفة الأثر، تكتفي بالقليل، فالذي يكتفي بالقليل من العمل الصالح، بالقليل من العبادة، بالحد الأدنى، معنى ذلك أن حلاوة الإيمان لم يذقها، أدرك بعض الحقائق، يعمل وفقها، لكن ما ذاق حلاوة الإيمان.

أيها الأخوة، لو أنك ذقت حلاوة الإيمان لا تسمح لصارفٍ، أو لعقبةٍ، أن تحول بينك وبين حلاوة الإيمان، هناك تعبير شائع هو: لا يمكن لسبائك الذهب اللامعة، ولا لسياط الجلادين اللاذعة، أن تصرفك عن هدفك، المؤمن رقم صعب، أنا أقول لكم هذه الكلمة: أي إنسان على وجه الأرض، إذا غيّر قناعته بمبلغ من المال، ولو كان مليارات، انتهى عند الله، هذا الإنسان ثمنه هذا المبلغ، أي إنسان يغيّر قناعته، يخرج عن مبدئه، عن قيمه، عن أهدافه، مقابل مبلغ، لو كان مئات المليارات، لا يهم كبير أم قليل، هذا الإنسان له ثمن، انتهى، ثمنه هذا المبلغ، أما:

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))
[السيرة النبوية]
لذلك المؤمن رقم صعب، لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يُساوم، لأنه ذاق حلاوة الإيمان. الذي يبحث عن الإيمان و حلاوته لا يسمح لأي شيء أن يصرفه عن هدفه :

أيها الأخوة، أحياناً سبب تافه جداً يصرفك عن درس علم، لو أنك تذوق في هذا الدرس حلاوة الإيمان، لو أنك تزداد فهماً لهذا الدين في هذا الدرس، لا تسمح لإنسان زائر زيارة عابرة أن يلغي حضور الدرس، لسبب تافه بسيط، لحاجة في البيت تريد أن تتابعها، تترك طلب العلم، إذا ذقت حلاوة الإيمان لا تسمح لا لصارفٍ، ولا لعقبةٍ، والعقبات كثيرة، والصوارف كثيرة، لكن الذي يبحث عن الإيمان، وعن حلاوة الإيمان، وعن الذوق الذي يجعله في مصاف السابقين السابقين، لا يسمح لكل هذا أن يصرفه عن هدفه، لذلك الموحدون:

﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
بينما ضعاف التوحيد، ضعاف الذوق، أية عقبةٍ مهما تكن تافهة، تصرفهم عن حقائق الإيمان، أي لو أن إنساناً دعي إلى الله أقل مساءلة، يلغي الدرس كله، أقل مساءلة يقول لك: هذا أفضل، لأنه ما ذاق حلاوة الإيمان. الحب في الله و الحب مع الله :
أيها الأخوة الكرام، أي شيءٍ تتعلق به من الدنيا يصرفك عن حلاوة الإيمان، لذلك قالوا، وهذا كلام دقيق جداً: هناك حبٌ في الله، وهو عين التوحيد، وهناك حبٌ مع الله، وهو عين الشرك، إنسان يحب الله، من فروع محبة الله أنه يحب رسول الله، من فروع محبته لله أنه يحب أصحاب رسول الله جميعاً، من فروع محبته لله يحب التابعين، تابعي التابعين، يحب العلماء العاملين، يحب العلماء الربانيين، يحب المساجد، يحب القرآن، يحب العمل الصالح، يحب أهل الإيمان، ولو كانوا فقراء، ويتجافى عن الأغنياء والكبراء ولو كانوا أقوياء، فحلاوة الإيمان أساسها حبٌ في الله، صدقوا ولا أبالغ، محبة الزوجة المؤمنة، الطاهرة، العفيفة، فرعٌ من محبة الله، الحب مع الله عين الشرك، أن تحب إنساناً بعيداً عن الله لكنك تنتفع منه، لك معه مصلحة، هذا الإنسان يبعدك عن الله، قد تنسى فرض الصلاة معه، قد تنسى بعض المحرمات معه، فأي جهةٍ تحبها، وتبعدك عن الله، هذا حبٌ مع الله، والحب مع الله عين الشرك، بينما الحب في الله عين التوحيد، أنت إنسان تحب، والحب أنواع، لكن كل أنواع الحب تصب في خانةٍ واحدة، إنك تحب الله، إذاً تحب العمل الصالح، تحب البذل والتضحية، تحب أفعال الخير، تحب حليلتك.

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))
[ورد في الأثر]
تحب من حولك، من يلوذ بك، فالحب منوع، لكن أصله أنك تحب الله، فأي حبٌ لأية جهةٍ تزداد معها حباً لله هي حبٌ في الله، أي حبٌ لأية جهةٍ تزيدك قرباً من الله حبٌ في الله، لذلك في الدعاء الشريف:" اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب عملٍ صالحٍ يقربنا إلى حبك "
هذا الحب في الله، بينما الحب مع الله، أن تحب جهةً تبعدك عن الله.
دائماَ وأبداً أستخدم هذا المثل، لعبة شد الحبل، بأي لقاء مع الناس، بسهرة، بنزهة، بعلاقة، هذا اللقاء، أو هذه النزهة، أو تلك العلاقة، إذا شعرت أنهم شدوك إليهم، شدوك إلى تقصيرهم، شدوك إلى محبة الدنيا، شدوك إلى معصية، ابتعد عنهم، أم إذا جلست مع الآخرين، وتمكنت أن تشدهم إليك، كن معهم، الضابط في هذا الموضوع، هل تستطيع أن تشدهم إليك أم أنهم استطاعوا أن يشدوك إليهم؟ هنا المشكلة، إذاً دقق في كلمة الحب في الله، والحب مع الله، الحب في الله يزيد حبك لله، والحب مع الله يبعدك عن الحب لله عز وجل. الوقت أثمن من المال فبطولة الإنسان أن يصرفه في معرفة الله و طاعته :
أيها الأخوة، كلما أحببت غير الله هبط مستواك، الله عز وجل في بعض تفاسير هذه الآية، وصف النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النجم ]

شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغنائه عن الناس، وكلما ارتقيت إلى الله ابتعدت عن سفاسف الأمور، القيل والقال، والمشاحنات، والجدل العقيم، والغيبة، والنميمة، والكلام الفارغ، والله أيها الأخوة، أقول لكم: تسعة أعشار كلام الناس كلامٌ فارغ، لا جدوى منه، فالمؤمن شرف قلبه بمعرفة الله، أهدافه نبيلة، يتحرك لهدف نبيل، يبذل وقتاً ثميناً لهدفٍ نبيل، أما أن يجر إلى سفاسف الأمور، إلى أشياء فارغة، لا تقدم ولا تؤخر، تجد سهرة للساعة الواحدة، كلها غيبة ونميمة، ومتابعة أفلام، وحديث عن المال، والنساء، والأسعار، كلام فارغ.
وتعلمون علم اليقين أن الإنسان مؤمنٌ في أعماق أعماقه، أن الوقت أثمن من المال، الدليل: لا سمح الله ولا قدر، لو أصيب الإنسان بمرضٍ عضال، وكُلفة عملية هذا المرض ثمن بيته، والله لا يتردد ثانية واحدة في بيع بيته، وإجراء العملية، إذاً مركزٌ في أعماقك أن الوقت أثمن من المال.
الآن لو إنسان وقف أمامنا، وأمسك خمسمئة ألف، وأحرقها أمامنا، بماذا نحكم عليه جميعاً؟ أنه سفيه، بل مجنون، إذا كان إتلاف المال يعد سفهاً وجنوناً، فكيف بإتلاف الوقت؟ صدقوا ولا أبالغ ما من شيءٍ تملكونه أثمن من الوقت، والمؤمن يحسن إدارة الوقت، ينتفع من كل وقته، لا يضيع ثانية، لهذا أقسم الله جلّ جلاله في عليائه بعمر النبي، ماذا قال؟ ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
لك عند الله وقت، بطولتك أن تنفقه في معرفة الله، وفي طاعته، وفي العمل الصالح، إذا انتهى الوقت، فعلت في هذا الوقت الذي سينتهي عملاً ينفعك بعد مضي الوقت هذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
الدنيا لا علاقة لها بمرتبة المؤمن :
الآن دققوا في هذا الموقف، سيدنا عمر رضي الله عنه، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اضطجع على حصير، بلا وسادة، هذا الحصير أثر في خده الشريف، فبكى عمر، فقال النبي الكريم: يا عمر ما يبكيك؟ قال له: رسول الله، أي سيد الخلق، حبيب الحق ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟
للقصة ثلاث روايات، الرواية الأولى: "قال له: يا عمر، ألا ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟ "
هذه إجابة، الثانية:
" يا عمر، إنها نبوةٌ وليست ملكاً "
أنا لست ملكاً، أنا نبي، النبي قدوة.
"إنها نبوةٌ وليست ملكاً "

الرواية الثالثة:
" أفي شكٍ أنت يا عمر؟ "
تجد مؤمناً فقيراً، له عند الله مقام كبير، فالدنيا لا علاقة لها بمرتبة المؤمن، قد يكون حاجباً، وقد يكون المدير العام أفسق إنسان، هذه الدنيا هكذا، الدنيا لها مقاييس، والله عنده مقاييس أخرى.
هناك رواية رابعة: قال: دخل عليه عمر وهو على حصير، وقد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله! لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ سار في يومٍ صائف، فاستظل تحت شجرة، ساعة من نهار، ثم راح وتركها ))
[ المستدرك عن ابن عباس]
أنا أضرب مثلاً لعله طريف، دابة واقفة بأيام الحر الشديد، وإنسان جلس في ظلها واستراح، فذهب ليشرب جاء إنسان جلس مكانه، قال له: هذا مكاني، قال له: لا هذا مكانك، تلاسنا، تصايحا، تشاتما، تضاربا، الحمار مشى، كل هذه المعركة ليس لها معنى إطلاقاً، لأن هذا الظل زائل. الدنيا تغر وتضر وتمر :
أنا أعرف من بعض الأخوة المحامين آلاف الدعاوى شُطبت لموت أحد الطرفين، يقول لك: ثلاث وعشرون سنة في القضاء، بعدها مات أحدهما، الدعوى شُطبت، هذه الدنيا أحقر من أن نهتم بها.
سيدنا عمر بن عبد العزيز إذا دخل إلى مركز عمله ـ يسمونها آية الشعار ـ يتلو هذه الآية دققوا:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم ]

لسيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ كلمة قال: "لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها، أوتيها رجل، ثم جاءه الموت، لكان بمنزلتي"، من رأى في منامه ما يسره، ثم استيقظ، ليس بيده شيء، رجل فقير، في غرفةٍ قميئة، و ثيابٍ بالية، و طعامٍ خشن، رأى نفسه في قصر، حلم، استيقظ، هذا الواقع.
إنسان ـ رحمه الله ـ توفي كان شاباً، يعمل في سوق الحميدية في أحد المحلات، عنده هواية الدعابة، يجمع قمامة المحل، يضعها في علبة فاخرة جداً، يلفها بورق هدايا، لها شريط أحمر مع عقدة، يضعها على طرف المحل، يأتي إنسان، يظنه مُطيف ألماس، شيء غال، يحمل هذه العلبة، ويمضي، يلحقه، بعد مئتي متر يفك الشريط أولاً، وبعد مئتي متر ثانية يفك الغلاف، ثم يفتح العلبة، فإذا بها قمامة المحل، يصيح، وهو مستمتع بهذا الموقف، شاهدت المفاجأة؟ هذه المفاجأة الصاعقة؟ أقسم لكم بالله، من أمضى حياته في الدنيا، واستمتع بها، ونسي الله، عند الموت يفاجأ هذه المفاجأة، نعم الدنيا تغر، وتضر، وتمر. ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ* قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة. بطولة الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً يلقاه في القبر :
أخواننا الكرام، يقول سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ: "يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌ بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية".

نعيم الدنيا بحذافيره، في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرةٍ في جنب جبال الدنيا، نعيم الدنيا بنسائها، بأموالها، بمراكزها، بمناصبها، بمباهجها، بقصورها، ببيوتها، بمركباتها، طائرة خاصة، ويخت خاص، وعدد من السيارات، نعيم الدنيا بأكمله لا يساوي أمام نعيم الآخرة إلا كذرة أمام جبال الدنيا، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام له حديث دقيق قال:

((ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط غرس في البحر من مائه))
[ الطبراني عن المستورد بن شداد]
أنت سافر إلى طرطوس إلى البحر، واركب إلى أرواد، وأمسك إبرة واغمسها في البحر، واسحبها، كم علق بها من ماء البحر؟ نسبة هذا الذي علق بها أمام البحر المتوسط، والمحيط الهادي، والمتجمد الشمالي، والجنوبي، والبحر العربي، وكل المحيطات كم علق بها من مياه البحر؟ هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
وسيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: "ثلاثةٌ أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحدٌ من الناس ـ من هذه الثلاثة ـ ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى".
أعرف إنساناً كان يسكن في أحد أحياء دمشق، الشعبية، الفقيرة، البائسة، بيت تحت الأرض، ستون متراً، شمالي، لا شمس، ولا ضوء، بعد ست وعشرين سنة يجمع القرش فوق القرش، اشترى بيتاً في المهاجرين، له إطلالة جميلة، القصة دقيقة جداً جلس مع زوجته في الشرفة، مع فنجان قهوة، قال لها: الآن أمّنا مستقبلنا، عاش ثلاثة أيام و في اليوم الرابع كان بالقبر، هذه الدنيا تغر، وتضر، وتمر، فالبطولة أن تعمل عملاً تلقاه في القبر. السعادة و اللذة :
أيها الأخوة، في الدنيا لذائذ، تأتيك من الخارج، وتحتاج إلى مال، اللذة تشترى شراءً، البيت الفخم غال كثيراً، والمركبة الفاخرة غالية جداً، والزوجة الجميلة لها مطالب عالية جداً، فهناك أشياء تأتيك من الخارج، تسمى لذائذ، هذه حسية، وتتناقص، وتعقبها كآبة، وشيء اسمه سعادة، هذا ينبع من الداخل، هذا لا يشترى ولا يباع، يأتيك من الله، بعد طاعتك له، وإقبالك عليه، ودفع ثمن حلاوة الإيمان
هذه السعادة متنامية، متنامية وتنتهي بالجنة، وأنا والله أدعو لكم جميعاً أن يجعل الله لكم نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، ليس على الله عسير إطلاقاً، أي إنسان عاش ببحبوحة، والله أكرمه، سمعة طيبة، وصحة طيبة، وتوفاه الله إلى الجنة، أن يجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، بطاعة الله طبعاً.
فلذلك السعادة متنامية، واللذة متناقصة وتعقبها كآبة، اللذة حسية، تأتيك من الخارج، طابعها مادي، حسي، متناقصة، والسعادة متنامية، تنبع من طاعتك لله، تنبع من استقامتك على أمره، تنبع من عملك الصالح، لذلك بأي مجتمع لا يوجد كآبة عند المؤمن، مع الله لا يوجد كآبة إطلاقاً، فالله عز وجل بيده كل شيء، الأقوياء بيده:
﴿ جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]
أي ملخص هذا الكلام، ابحث عن حلاوة الإيمان، لأن حلاوة الإيمان هي المسعدة في الدنيا والآخرة، وحلاوة الإيمان تشدك إلى الله، حلاوة الإيمان تمنعك أن تنصرف عنها بأي صارف، وأي عائق، لكن إذا كان هناك تقصير، يصبح هناك إهمال، وملل، و سأم، و ضجر، و تأجيل.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:57 PM   #39


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الثلاثون )

الموضوع :الافتقار الى الله






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الافتقار إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ألا وهو موضوع "الافتقار إلى الله عز وجل"، فالعبد عبدٌ، والرب رب، شأن الرب الغنى، وشأن العبد الفقر، شأن الرب أنه قوي، وشأن العبد أنه ضعيف، شأن الرب أنه عليم، وشأن العبد أنه جاهل، هذا هو الأصل، الرب ربٌ، والعبد عبدٌ.

ولكن لابدّ من ملاحظة، كل المعاني التي قد تخطر على بالكم من كلمة افتقار المتعلقة بالفقر لا علاقة لها بهذا الدرس إطلاقاً، الافتقار مرتبةٌ عاليةٌ جداً، هذه المرتبة تقابل مرتبة العبودية لله، العبد عبدٌ، والرب رب، حقيقتك، جوهرك، هويتك، أنك عبدٌ مفتقرٌ إلى الله، القضية التي سوف أتابعها في هذا اللقاء الطيب ليست من باب الأدب، هي من باب الحقيقة، أنت ضعيف، أي الإنسان بكل هيمنته، بكل شخصيته، بكل سيطرته، بكل عظم شأنه، حياته متوقفةٌ على سيولة دمه، فإذا تجمد الدم في أدق أوعية الدماغ، في مكان أصيب بالشلل، في مكان أصيب بفقد البصر، أنت كل هيمنتك، وكل قوتك، وكل سيطرتك، وكل شأنك، متوقفٌ على ضربات القلب، فإذا توقف القلب فجأةً فأنت خبر، بعد أن كنت شيئاً مذكوراً، كل هيمنتك، وقوتك، وحجمك المالي، وسيطرتك، وقوة شخصيتك، متوقفة على نمو خلاياك، فإذا نمت نمواً عشوائياً أصبحت في خبر كان.
تناقض الكِبر مع العبودية :

لذلك أيها الأخوة، قد تكون من أغنى الأغنياء، وقد تكون من أقوى الأقوياء، وقد تكون من أعلم العلماء، وأنت في منزلة الافتقار إلى الله، هذا شأن المؤمن، وقد تكون من أفقر الفقراء، ومن أضعف الضعفاء، ومن أجهل الجهلاء، وأنت في منزلة الكِبر، للتقريب: أحياناً إنسان يأتيه ضيوف كُثر، لا يوجد عنده شيء يقدمه لهم ضيافة، عنده كمية من اللبن قليلة جداً، أضاف إليها خمسة أضعافها ماء، وشيء من الثلج، وقدمها شراباً سائغاً للضيوف، أي هذا اللبن المحدود الكمية قَبِل خمسة أضعافه ماء، وصار شراباً سائغاً للإنسان، أما إذا أُضيف لهذا اللبن قطرة نفطٍ واحدة لا يُشرب.
فالكبر يتناقض مع العبودية، ومن أكبر الذنوب الكبر، قد تكون من أفقر الفقراء، ومن أضعف الضعفاء، ومن أجهل الجهلاء، وأنت في منزلة الكبر، وقد تكون من أقوى الأقوياء، ومن أغنى الأغنياء، ومن أعلم العلماء، وأنت في منزلة الافتقار إلى الله عز وجل، شأن المؤمن أنه مفتقر، أما الشيء المدهش كلما تواضعت لله، كلما افتقرت إلى الله، كلما أعلنت عبوديتك لله، رفع الله شأنك، ورفع ذكرك، وأسبغ عليك هيبةً لا يعرفها إلا من ذاقها.
افتقار الناس إلى الله في كل شيء :
أيها الأخوة، نحن جميعاً من دون استثناء مفتقرون إلى الله في وجودنا، وفي استمرار وجودنا، وفي إمداداتنا، وفي حاجاتنا، وفي قيامنا، وفي قعودنا، وفي سمعنا، وفي بصرنا، وفي عقولنا، إنسان له شأن كبير يصاب بلوثة في عقله، أقرب الناس إليه، أحب الناس إليه، أولاده، يبحثون عن طريقةٍ لإدخاله مستشفى المجانين، بوساطة، وبجهد كبير، فالإنسان مفتقر إلى الله بعقله، بسمعه، ببصره، بقوته، أنت حينما تمشي على قدمين، حينما تقضي حاجاتك من دون الاستعانة بأحد، حينما تنام، حينما تستيقظ، حينما ترى، حينما تسمع، حينما تنطق، حينما تفكر، أنت مفتقرٌ إلى الله، وكلما عرفت عبوديتك لله كنت أقرب إلى الله، وكلما اعتددت بنفسك، وقلت: أنا.
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 12 ]

قالها إبليس فأهلكه الله. ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
[ سورة الزخرف الآية: 51 ]
قالها فرعون فأهلكه الله. ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾
[ سورة النمل الآية: 33 ]
قالها قوم بلقيس فأهلكهم الله. ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 78 ]
قالها قارون فأهلكه الله، فمعنى الافتقار إلى الله هذا المعنى يقابل العبودية لله. التولي و التخلي :
أخواننا الكرام، هذا الدرس نحتاجه كل يوم، بل في كل ساعة، في كل دقيقة، أنت تفتقر إلى الله يتولاك الله، تقول: أنا، يتخلى عنك، من نحن؟ النبي الكريم، ومعه أصحابه وهم صفوة البشر، في بدر افتقروا إلى الله فنصرهم، وفي حنين قال بعضهم: لن نغلب من قلة اعتدوا بعددهم، اعتدوا بقوتهم، فلم ينتصروا، أنت بحاجة إلى هذا الدرس كل دقيقة.

أنا سمعت عن طبيب أعصاب، جراح أعصاب، المريض على الطاولة، قبل إجراء العملية يصلي ركعتين أمام المريض، يا رب ألهمني الصواب.
أنت بكل عمل، عمل في الطب، في المحاماة، في الهندسة، في التدريس، إذا افتقرت إلى الله، جاءك المدد، إذا افتقرت إلى الله جاءك التوفيق، إذا افتقرت إلى الله جاءك النصر، إذا افتقرت إلى الله جاءك التأييد، إذا افتقرت إلى الله جاءك النجاح، جاءك الفوز، قل أنا.
في بلدة عربية كنت أزورها، حدثني أخٌ طبيب عن زوجته، عندها ولادة معقدة عسرة، فاستشار أحد أطباء البلد النسائيين، النتيجة ـ القصة طويلة لكن ملخصها ـ عندما طلب زوج المريضة من الطبيب أن يستشير طبيباً آخر، قال له: أنا أعلم الأطباء في هذا المرض بكبر ما بعده كبر، فيما سمعت أول حادثة في هذا البلد بعد الاستقلال تسحب شهادة الطب من هذا الطبيب، ارتكب خطأ لا يرتكبه ممرض وماتت الزوجة، أقام عليه دعوى، طلب منه استشارة من طبيب آخر.
إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، درس نحتاجه كل ساعة، كل دقيقة، بتجارتنا، بوظائفنا، بأعمالنا، بسفرنا، بإقامتنا، بتربية أولادنا، بمعاملتنا لزوجاتنا، تقول: أنا، يتخلى عنك، تقول: الله، يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، ببدر تولى الله أصحاب النبي الكرام، في حنين تخلى عنهم، والآن إذا تخلى الله عنا، لأننا وقعنا في الشرك الخفي، نظن النصر يأتي من علاقةٍ مع جهةٍ قوية، من أن ترضى عني هذه الدولة، أو هذه الدولة، أما حينما تعقد الأمل على الله عز وجل، فأنت أقوى الأقوياء. من افتقر إلى الله رفع الله قدره وأعلى مقامه وألقى في قلوب الناس محبته :
أخواننا الكرام، مراد القول من الافتقار العبودية لله عز وجل، أن تكون عبداً لله حقاً، أن تتحقق من عبوديتك لله، أن تعرف عبوديتك، أن تعرف نفسك، الافتقار إلى الله يجعلك في أعلى درجات القرب، والافتقار إلى الله يجعلك في أعلى درجات القوة، وفي أعلى درجات الغنى، وفي أعلى درجات العلم، أن تعرف حقيقة ذاتك، أن تعرف من أنت، أنت عبدٌ ضعيف، أنت قويٌ بالله، ضعيفٌ بنفسك، غنيٌ في الله، فقيرٌ في نفسك، عالمٌ بالله، جاهلٌ بنفسك
إذا تحققت من هذه المعاني اقتربت من مرتبة العبودية، أي من مرتبة الافتقار إلى الله، الآن النبي عليه الصلاة والسلام كان عبداً لله، في أعلى درجات القرب، بلغ:
﴿ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾
[ سورة النجم ]
هذه المرتبة ما بلغها إنسان، ورد في بعض الأحاديث:
(( سلوا لي الوسيلة، فإنها مقامٌ لا ينبغي إلا لواحدٍ من خلقه، وأرجو أن أكون أنا ))
[ أخرجه مسلم عن ابن عمر ]
قال تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾
[ سورة النجم ]
﴿ إِلَى عَبْدِهِ ﴾
في ﴿ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾
في أعلى درجات القرب: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾
[ سورة النجم ]
أيها الأخوة، كلما افتقرت إلى الله، رفع الله قدرك، ورفع ذكرك، وأعلى مقامك، وألبسك هيبةً، ووقاراً، وألقى في قلوب الناس محبتك، وألقى في قلوب الناس هيبتك، شيء لا يصدق. من خضع لله رفعه و من قال أنا تخلى عنه :

العلاقة عكسية، كلما خضعت له رفعك، ألم يقل الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
[ سورة الشرح ]
هل هناك على وجه الأرض إنسان كلما ذُكر الله ذُكر النبي الكريم العدنان؟ لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، هل يعقل أن يقسم خالق السماوات والأرض بعمر إنسان؟ ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
الحقيقة لبعض العلماء رأيٌ دقيق، أن هذا المعنى ـ معنى العبودية والافتقار ـ أجل من أن يسمى فقراً، لأن كلمة فقر تنصرف إلى أن إنساناً لا يجد كل حاجاته، و ربما تكفف الناس. المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه لأن من شهد عمله فقد أشرك :
مرة ثانية: قد تكون أقوى الأقوياء، وأغنى الأغنياء، وأعلم العلماء، وأنت مفتقر إلى الله، هذا شأن الأنبياء، بعض الأمثلة، سيدنا يوسف قال ربي:
﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]

حتى في عفته، وفي استقامته، مفتقرٌ إلى الله، سيدنا إبراهيم، ربي: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
أي الله عز وجل أقامك قياماً حسناً، وأنت من أسرة راقية، لكن هناك أشخاص من أسر راقية حرفتهم ملهى، فأنت أقامك الله مثلاً في التعليم، أو الطب، أو في أي عمل شريف، بالتجارة، بالصناعة، عملك ليس عليه مأخذ، فإذا إنسان شهد عمله فقد أشرك، المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه.
أيها الأخوة، الإنسان أحياناً لجهله،أو لحمقه، يتقمص صفات الربوبية، يقول لك: لحم أكتافك من خيري، أنا هديتك، من أنت؟
(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]
انظروا العبودية لله. المفتقر إلى الله لا يرى له علماً ولا عملاً بل يرى فضل الله عليه :
أخواننا الكرام، دون أن تشعر الموحد يقول لك: الله فضل عليّ، الله أكرمني بهذه الزوجة، أكرمني بهذه الشهادة العليا، أكرمني بهذا البيت، أكرمني، وفقني، أكرمني بالصحة، أكرمني بالأولاد، المؤمن الصادق يشهد فضل الله عليه، وغير المؤمن:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
يقول لك: كد يميني، وعرق جبيني، قد يكون إنساناً من أذكى الأذكياء، يلجئه الله إلى التسول، من أذكى الأذكياء، مع الله لا يوجد ذكي أبداً، هناك مستقيم، المستقيم موفق، حينما تقول: أنا أُعطي، أنا أمنع، أنا أُعاقب، كأنك تقمصت صفات الربوبية، هذا يتناقض مع العبودية لله، صدقوا ولا أبالغ المؤمن الصادق دون أن يشعر يقول لك: الله أكرمني، الله هيأ لي البيت، الله دلني على زوجة صالحة، أكرمني بأولاد أبرار، فأي نعمة هو فيها يرى من خلالها فضل الله عليه.

أيها الأخوة، سُئل بعضهم: متى يستحق الفقير اسم الفقير؟ فقال: إذا لم يبقَ عليه بقيةٌ منه، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له، أي هو وحده فقير، لكن بالله غنياً، وحده جاهل، بالله عالم، وحده أحمق، بالله حكيم، هذا كله من إمداد الله عز وجل، و الناجحون من المؤمنين افتقروا إلى الله.
أنا قرأت عن طبيب في أمريكا رفع لواء الجري، كان يجري في اليوم عشرين كيلو متراً، وألف كتب، وألقى محاضرات، وعمل ندوات تلفزيونية، هو يرى أن الجري هو الصيانة الوحيدة للقلب، و كلامه هذا صحيح، لا شائبة فيه، لكنه ألّه الجري، فمات وهو يجري في مقتبل حياته، لا لأن الجري خطأ، لا أبداً، الجري صواب، لكن إياك أن تؤله شيئاً، إياك، قل: الله عز وجل وفقني، إذا إنسان له تدريبات رياضية، فهذا شيء جيد جداً، لكن لا يجوز أن يقول: بالرياضة تعيش عمراً مديداً، أنا أقول دائماً: لك عند الله هذا العمر، بالرياضة تبقى واقفاً، من دون رياضة قد تمضي بعض أيام حياتك طريح الفراش، فالرياضة ليس لها علاقة بالعمر، لها علاقة بالنشاط، والصحة.
مرة قال لي إنسان: أنا لا أتأثر بالبنات أبداً، هذا شيء دون اهتمامي، مهما تكن جميلة، هو طبيب بالمستشفى، قلت له: والله سيدنا يوسف كان أكثر أدباً منك مع الله، قال: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
افتقار جميل، يرفع قدرك، يرفع شأنك، يقربك من الله عز وجل، المفتقر إلى الله لا يرى له علماً، ولا عملاً، يرى فضل الله عليه، وأثر فضل الله عليه توحيده، والعبودية له، فوجوده. نعم الله عز وجل على الإنسان :
الله عز وجل منحك نعمة الإيجاد، أحياناً إذا تصفحت كتاباً، طُبع قبل ولادتي، يأتيني خاطر، أنه أثناء طبع هذا الكتاب أنت من؟ لا شيء.

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
ليس لك وجود إطلاقاً، فصار لك وجود، أنت تتمتع بنعمة الإيجاد، وبنعمة الإمداد، وبنعمة الهدى والرشاد، مثلاً في الهند بشر، يعبدون الجرذان، عندي تحقيق بصحيفة ألمانية، بناء فخم، ومعابد ضخمة جداً، وهناك ألف أو مليون جرذ، يأكلون الحليب، والقمح، وعلى أكتاف العبيد، عبيد الجرذان، وهناك شعوب تعبد ذكر الرجل، في اليابان، و شعوب تعبد موج البحر، و شعوب تعبد الشمس والقمر، و شعوب تعبد الحجر، والله عز وجل كرمنا، وشرفنا بعبادة خالق السماوات والأرض، هذه نعمةٌ كبرى، هذا من فضل الله عليك، أعطاك شكلاً حسناً، كان عليه الصلاة والسلام إذا نظر في المرآة يقول:
(( اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي ))
[أحمد والبيهقي عن عائشة]
لا يوجد شيء منفر، خلق تام، تتحرك، تمشي، تتكلم، تأكل، تشرب، تسمع، ترى، الأجهزة صحيحة. من ازداد افتقاراً إلى الله زاده الله غنىً ومن ازداد تذللاً إلى الله زاده الله عزاً :

أيها الأخوة، قال بعض العلماء: هذه المنزلة لا تتناقض مع أن تكون غنياً، والله هناك كل غني محسن، تشتهي الغنى منه، من تواضعه، متواضع، سخي، وهناك إنسان قوي، لكنه متواضع، يرى فضل الله عليه.
(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
سيدنا عمر بن عبد العزيز، اختار إنساناً عالماً، قال له: كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت، فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً، وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت.
قد تكون في أعلى درجات الغنى، وأنت في أعلى درجات الفقر إلى الله، وكلما ازددت افتقاراً إلى الله زادك الله غنىً، كلما ازددت تذللاً إلى الله زادك الله عزاً، كلما ازددت خوفاً من الله زادك الله أمناً، كلما ازددت حرصاً على طاعته زادك الله رفعةً، كلما خضعت رفعك، وكلما تكبرت وضعك، أبداً علاقة عكسية، كلما خضعت لله رفعك، فإذا تكبرت وضعك. على الإنسان أن يرى النعم وهي موجودة لا حينما يفتقدها :
أيها الأخوة، قضية الغنى والفقر رؤية، أي هذا المقام لا يقبل تصنعاً، أحياناً إنسان يتلفظ بكلمات العبودية، لكن في الحقيقة متكبر، يتلفظ بكلمات التواضع، لكن في الحقيقة بطاش، أنا لا أريد كلمات تقولها، أريد أن تعيش معنى العبودية لله عز وجل، دخلت إلى بيتك: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له".

معك مفتاح بيت، أرضي، عال، كبير، صغير، ملك، أجرة، معك مفتاح بيت، تدخل، تنام، تستحم، تأكل، تستلقي، تستريح، معك مفتاح بيت.
مرة كنت بمدينة بأيام الصيف، بعمل تجاري، فما وجدنا فندقاً، من العصر إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً، وعندما استطعنا أن ندخل إلى مكان مسقوف وننام فيه، تذوقت معنى الحديث الشريف: " الحمد لله الذي آواني وكم ممن لا مأوى له".
هذه النعم يجب أن تراها وهي موجودة لا حينما تفتقدها، مثلاً عندما كان هناك توازن قوى، تتذكروا؟ كان هناك معسكر شرقي، ومعسكر غربي، فنعمة توازن القوى من نعم الله الكبرى، ونحن لم ننتبه لها.
الافتقار الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله على كل حال :
أيها الأخوة الكرام، كلمة رائعة جداً قيلت في حق الأنبياء، قال: كانوا أغنياء في فقرهم، وفقراء في غناهم، أغنياء في افتقارهم إلى الله، وفقراء وهم أغنياء، هذه الصفات المتناقضة تحتاج إلى دقة في الفهم، الافتقار الحقيقي هو دوام الافتقار إلى الله على كل حال
أي إذا كنت قوياً تتكبر وجاءت مصيبة تتواضع؟ لا، هذا شأن الناس، كل الناس، إذا كان قوياً، وغنياً، يستعلي، جاءه مرض، مرة قال لي إنسان غيّر معالم وجهه: لا يعاش في هذا البلد، قلت له: لماذا؟ قال: لا يوجد بيع، ولا شراء، صدقوا أعرف أشياء عنه، كل صفقة بالملايين، عندما كان الدولار بثلاث ليرات، كل صفقة بالملايين، أي دخله مئة ضعف عن حاجاته، فمرضَ مرضاً شديداً، زرته فقال لي: أستاذ الإنسان يكفيه بالشهر ألف ليرة ـ هذه القصة بالسبعينات، صار يكفيه ألف؟ ـ إذا الله عافاه، كان معه ملايين مملينة لا يعاش، فالله عز وجل يصف المؤمن أنه شاكر، وأن هؤلاء الذين شردوا عن الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
يقول لك: السنة خسرنا ثمانية ملايين، أي نقص ربحه ثمانية ملايين، كان مئة، أصبح مئة وتسعين، يقول لك: خسرنا، لا يقول لك: الله أكرمنا. ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾
[ سورة العلق ]
الافتقار إلى الله محصلة إيمان الإنسان و استقامته :

أيها الأخوة الكرام، موضوع الافتقار موضوع مهم جداً، صدق ولا أبالغ هو محصلة الدين، محصلة إيمانك، محصلة استقامتك، محصلة علاقتك بالله عز وجل، ليس معنى هذا أن تكون متطامناً، لا، مشى أحد الصحابة مشيةً فيها خيلاء، فقال النبي الكريم: " إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن".
أنت أمام الطرف الآخر قوي، تعتد بإسلامك، بقوتك، لا تساوم، أنت رقم صعب، إياكم أن تفهموا مني في هذا اللقاء الطيب أن المفتقر إلى الله درويش، أجدب، لا، في أعلى درجات الذكاء، في أعلى درجات القوة، أما بينه وبين الله عز وجل في أعلى درجات الافتقار إليه، افتقارك بينك وبين الله عز وجل، لكن أنت تبدو قوياً، تبدو متماسكاً.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة الشورى الآية: 39 -40 ]
أيها الأخوة الكرام، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله.








والحمد لله رب العالمين





 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 04:59 PM   #40


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الثلاثون )

الموضوع :الافتقار الى الله يكون مع القوة و الغنى و المنصب والعلم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الافتقار إلى الله تعالى :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ أشد الاتصال بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول"، ألا وهو "الافتقار إلى الله تعالى".

أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: قد يكون الإنسان على درجة عالية جداً من العلم، يلتقي بمن هو أدنى منه، يقول له: نحن تلاميذكم، هذا من باب الأدب، من باب التواضع، أما هو في الحقيقة أعلم منه، إلا أن الافتقار إلى الله شيءٌ آخر، هو واقع، أي العبد عبدٌ، والرب رب، أنت حينما تكون مفتقراً إلى الله، أنت في أعلى درجات الواقعية، لماذا؟ لأن العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل، إن لم يكن هناك الدليل فهو التقليد، وإن لم يكن هناك مطابقة للواقع فهو الجهل.
أخوتي الكرام، يتوهم بعضنا أن الجاهل وعاؤه فارغٌ من المعلومات، لا، الجاهل وعاؤه ممتلئٌ بمعلوماتٍ ليست صحيحة، قد يحمل الجاهل أعلى شهادة، يتصور الدنيا هي كل شيء وليس هناك شيءٌ بعد الدنيا، القوة قوة المال فقط، الجنة في الدنيا، قد يحمل إنسان أعلى شهادة، وكل معلوماته الكبرى، وتصوراته، غير صحيحة، فالعلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[ سورة الكهف ]
من الناس من يدري ويدري أنه يدري، فهذا عالمُ فاتبعوه، ومن الناس من لا يدري ويدري أنه لا يدري، فهذا جاهلٌ فعلموه، ومن الناس من لا يدري ويدري أنه يدري، فهذا شيطانٌ فاحذروه. المؤمن عبد شكرٍ لأنه أدرك العبودية لله عز وجل :
لذلك الجاهل له ميزة، أنه يتقبل أن يتعلم، والعالم له ميزة، أنه عرف الحقيقة، لكن الخطورة في نصف العالم، لا هو عالمٌ فينتفع بعلمه، ولا هو جاهلٌ فيقبل أن يتعلم، فلذلك الافتقار إلى الله واقع، أنت عبدٌ فقيرٌ إلى الله، أي المؤمن فقير، والكافر فقير، والمشرك فقير، والفاجر فقير، والعاصي فقير، وكل إنسان مفتقر إلى الله،
لذلك ورد في القرآن الكريم عبيد وعباد، العبيد: جمع عبد الفقر، عبد القهر، والعباد: جمع عبد الشكر، أي إنسان لو تجمدت نقطة دمٍ في أحد أوعية الدماغ شُل، فهو عبد القهر، بأي لحظة الإنسان يفقد حركته، يفقد سمعه وبصره، يفقد توازنه:

(( اللَّهمَّ أَمتِعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقُوَّتنا ما أَحيَيتنا ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ]
فنحن جميعاً على اختلاف مشاربنا، وعلى اختلاف مستوى إيماننا، عبيدٌ قهرٍ، قال تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾
[ سورة فصلت ]
لكن المؤمن عبد شكرٍ، أدرك هذه العبودية. الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديان ضعيف كثير الجزع وحريص على ما في يده :
لذلك دققوا في هذا الدليل:
﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾
[ سورة المعارج ]

هذا شأن الإنسان قبل أن يعرف الواحد الديان، شأن الإنسان أنه ضعيف، كثير الجزع، حريص على ما في يده.
﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ* وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ* وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُون* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾
[ سورة المعارج ]
فالإنسان شأنه أنه فقير، جاهل، ضعيف، هذا شأن أي إنسان، لذلك ورد أنه: ((ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وأوى الغريب، كل ذلك لي وعزتي وجلالي، إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عني كمثل الفردوس، لا يمس ثمرها، ولا يتغير حالها ))
[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]
المفتقر إلى الله مرتبةٌ في الإيمان عاليةٌ جداً :
إذاً أي إنسان كائناً من كان، مؤمن، كافر، ملحد، فاسق، فاجر، هو فقير إلى الله، لكن فقره فقر قهر، من هو المفتقر إلى الله؟ الذي رأى هذه الرؤية وهو قوي، رأى افتقاره إلى الله وهو غني، رأى افتقاره إلى الله وهو عالم، لذلك المفتقر إلى الله مرتبةٌ في الإيمان عاليةٌ جداً، من هو المفتقر؟ الذي شهد افتقاره، هو قوي يعلم علم اليقين أنه بثانية يصبح طريح الفراش، بثانية يصبح خبراً بعد أن كان رجلاً، بثانية يصبح في نعش كالبضاعة، الإنسان إذا سافر ومات في مكان السفر يرجع بضاعة، بأوراق معينة، بتخليص، بوثائق، كان شخصاً راكباً على مقعد، رجع بالنعش، فالإنسان الذي يشهد افتقاره إلى الله، هذه مرتبة في العبودية عالية جداً، يشهد افتقاره وهو قوي، يشهد افتقاره وهو غني، يشهد افتقاره وهو عالم.
لذلك قال بعض العلماء:
والفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لاَزِمٌ أبَداً كَمَا أَنَّ الغِنى أَبداً وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي
***


العبد عبدٌ، والرب رب، أما أنت كلما افتقرت إلى الله، أي كلما شهدت ضعفك أمام الله، كلما شهدت جهلك أمام علم الله، ماذا قال الشافعي؟ والله كلام رائع، قال: كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي.
﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
لذلك قال بعض العارفين: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به، أنت حينما تعجز عن إدراك ما ينبغي أن تدركه، فهذا نوعٌ من الإدراك، قال الصديق: العجز عن إدراك الإدراك إدراك.
لو سُئلت وأنت على شاطئ بحر، هذا المحيط الهادي كم لتر؟ أي رقم تعطيه فأنت جاهل، لو سُئلت أمام المحيط الهادي، كم لتر؟ أي رقم تدلي به فأنت جاهل، إذا قلت: لا أدري فأنت عالم.
مع الذات الإلهية عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به، ولا يعرف الله إلا الله، حتى إن سيد الأنبياء والمرسلين هو أعلمنا بالله، لكنه في الحقيقة لا يعرف الله إلا الله. أي شيءٍ يؤلهه الإنسان الله عز وجل يخيب ظنه به :
أيها الأخوة، الافتقار إلى الله وأنت في أعلى درجات القوة تشهد ضعفك أمامه، وأنت في أعلى درجات الغنى تشهد افتقارك أمامه، إنسان أظنه صالحاً، ولا أزكي على الله أحداً، أخطأ خطأ في التوحيد، قال: الدراهم مراهم، توهم أن في الدراهم تحل كل المشكلات، وقع في مشكلة، بقي في المنفردة ثلاثةً وستين يوماً، أدبه الله، الدراهم ليست مراهم، المراهم رحمة الله، المراهم حفظ الله، المراهم توفيق الله، المراهم نصر الله لك.

لذلك أيها الأخوة، أي شيءٍ تؤلهه لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، وغيرة عليك، ومحبة لك، الله عز وجل يخيب ظنك به، تعتمد على المال، هناك مشكلات لا تحل بالمال.
مرة كنت عند طبيب قلب، جاءه هاتف، قال له: أي مكان بالعالم، وأي مبلغ، قال له: والله لا يوجد أمل، الورم بالدرجة الخامسة.
لذلك رحمة الله خير، والشيء العجيب أنه يؤتى الحذر من مأمنه، أي مع الله لا يوجد ذكي أبداً، لكن هناك إنسان مستقيم، الاستقامة تنفعك، أما الذكاء مع الله لا ينفعك، لأن الحذر يؤتى من مأمنه، لهذا قال الله عز وجل:
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ* وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾
[ سورة المسد ]
لو أن أبا لهب جاء إلى النبي، وأعلن الشهادة شكلاً، من باب الذكاء، لألغى هذه السورة، ولكن الله إرادته مطلقة: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 142 ]
السين للاستقبال: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 142 ]
هؤلاء السفهاء لو سكتوا لألغوا هذه الآية، يؤتى الحذر من مأمنه، لا تقل: أنا، ولي، وعندي، ونحن، لا تقل: لا أنا، ولا نحن، ولا لي، ولا عندي. مرتبة الافتقار من أعلى درجات العبودية لله عز وجل :
أيها الأخوة، هذه المرتبة، مرتبة الافتقار، من أعلى درجات العبودية لله عز وجل، أنا أقول: افتقار وأنت قوي، أما أي إنسان حينما يكون ضعيفاً يكون مفتقراً، مفتقراً قهراً، وأي إنسان حينما يكون فقيراً حقيقةً هو مفتقر، ضعيف مفتقر، جاهل مفتقر، أما البطولة وأنت في أوج قوتك، وفي أوج علمك، وفي أوج غناك، أن ترى ضعفك أمام الله، هذه درجة في الإيمان عالية جداً، لذلك هذه المرتبة ليست سهلة، كفكرة سهلة، أما أن تعيش بها دائماً فليست سهلة.

لذلك الأقوياء يستكبرون، والأقوياء يقعون في شر أعمالهم، والأقوياء يغترون، وقلت لكم من قبل: طريق القمة صعبٌ جداً، تصور الطريق صاعدة، وهناك غبار، وحر، و أكمات، ووهاد، ومشقة، لا تبلغ القمة إلا بشق الأنفس، ولكن البطولة لا أن تصل إليها أن تبقى فيها، لأن الهبوط من القمة إلى الحضيض سهل جداً، بثانية، لذلك أخطر مرض يصيب الناجحين في الحياة هو الغرور، احفظوا هذه الكلمة: بطولتك لا أن تصل إلى قمة النجاح، أن تبقى في هذه القمة، ولن تبقى في القمة، إلا إذا كنت مفتقراً إلى الله.
دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً، كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل.
للتقريب: تجد أحياناً اسماً، قبله حرف الدال، ما معنى اسم قبله حرف الدال؟ أي هذا معه ابتدائية، وإعدادية، وثانوية، ولسانس، ودبلوم عامة، ودبلوم خاصة، وماجستير، ودكتوراه، ومؤلف كتاب، والكتاب له طابع إبداعي، كلمة دال تعني كل هذه المراحل، وكلمة مفتقر إلى الله تعني إنسان مؤمن إيماناً كبيراً عرف الله فتواضعت نفسه، أي كما قلت في لقاءٍ سابق: العبودية لله لا تحتمل الكبر أبداً:
(( لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
العلم أحد أسباب الافتقار إلى الله عز وجل :
لذلك مرتبة الافتقار مرتبةٌ في أعلى درجات العبودية لله عز وجل، هذه تحتاج إلى مقومات، قال: الافتقار يحتاج إلى علم يسوسه ، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه.

مثلاً: يعرف الطبيب أنه بأي ثانية الإنسان يفقد حركته، إذاً هناك أدب، لا يقول: أنا، يبدو كان هناك شيخ النجارين في العهود السابقة، نشبت مشكلة بينه وبين الملك، أراد الملك أن ينتقم منه، فكلفه بأن يأتيه بمئة كيس من النشارة، هذه تحتاج إلى عشر سنوات، أيقن هذا النجار الكبير أن الملك أراد قتله، فإن لم يأتِ بها في صبيحة اليوم يُقتل، طرق الباب صبيحة اليوم ودع زوجته، وأولاده، وعمل الوصية، قال له: تفضل، قال له: لا، الملك مات، اصنع له نعشاً، فالإنسان بأي لحظة يفقد حياته، يفقد صحته.

(( اللهم إنا أعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، ولك العتبى حتى ترضى))
[ الجامع الصغير عن أبي نعيم ]
لا يوجد إنسان أغبى من إنسان لم يدخل الله في حساباته، لا تفتقر بلا علم، العلم أساس الافتقار، يجب أن تعلم من أنت، يجب أن تعلم أنك بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، يجب أن تعلم أن الأمر كله بيد الله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾
[ سورة هود الآية: 123 ]
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
[ سورة الزخرف الآية: 84 ]
ينبغي أن تعلم أنك في قبضة الله في كل ثانية، العلم أحد أسباب الافتقار إلى الله، لا يوجد حركة، ولا سكنة، إلا بيد الله عز وجل.
أغنى أغنياء بريطانيا، روتشيلد، عنده خزانة، فيها أموال تحتاجها الدولة، وكثيراً ما أقرض الدولة في بريطانيا، وكان كثير الأسفار، أحياناً يغادر لندن إلى باريس، إلى روما، فمرةً دخل خزنته، غرفة كبيرة، أُغلق الباب خطأً، و لم يسمعه أحد، قبل أن يفارق الحياة، جرح يده، وكتب على الحائط: أغنى رجل في العالم يموت جوعاً وعطشاً. المفتقر إلى الله يحتاج إلى ورع يحجزه عن معاصي الله :
الله عز وجل قادر، الإنسان لا ينتفع بالمال كله، ولا بأولاده أحياناً، يعتني بالابن عناية فائقة، يرسله إلى بلاد الغرب، يتزوج أجنبية، ويتجنس، وينسى أباه، لأنه وضع أمله فيه لذلك:
(( لو كنت متخذاً من العباد خليلاً، لكان أبو بكرٍ خليلي، ولكن أخٌ وصاحبٌ في الله ))
[ابن إسحاق عن بعض آل أبي سعيد بن المعلى]

المفتقر إلى الله يحتاج إلى علم، ويحتاج إلى ورع، يحجزه عن معاصي الله، من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله.
(( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط ))
[الجامع الصغير عن أنس]
بعض العلماء قال: والله لترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام، الدانق كما قال العلماء سدس الدرهم، أي نصف ليرة سورية، ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام، العبادات الشعائرية، منها الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، لا تقبل، ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وهي الصدق، والأمانة، والعفة، والورع، والرحمة، والإنصاف، والتواضع، هذه الأخلاق هي أسباب قبول العبادات. المؤمن الصادق يتمتع برؤية لا يملكها أكثر الناس يرى الحق حقاً والباطل باطلاً :
ويحتاج هذا الافتقار إلى يقين:
﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾
[ سورة الحجر ]

المؤمن الصادق لو كفر ستة آلاف مليون لا يكفر، المؤمن الصادق لا تأخذه الكثرة، قد تكون الكثرة شاردة عن الله عز وجل:
﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾
[ سورة التكاثر ]
المؤمن الصادق يتمتع برؤية لا يملكها أكثر الناس، يرى الحق حقاً، والباطل باطلاً، يرى مصيره، مثلاً سيدنا يوسف شاب، في ريعان الشباب، وغريب، وجميل الصورة، العلماء عددوا عشرة أسباب تدعوه لقبول عرض امرأة العزيز: ﴿ قالَ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 23 ]
له رؤية، رؤيته منعته أن يعصي الله، بينما مليون مليون شاب لو كان مكانه لرأى مقاربة هذه المرأة مغنماً كبيراً، يحتاج إلى علم، وإلى ورع، وإلى يقين، وإلى ذكر ليأنس بالله، لذلك قال تعالى: ﴿ يا أيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 15 ]
سُئل بعض العلماء: متى يستريح الفقير؟ قال: إذا عاش كل يومٍ بيومه، لأنه ما مضى فات، والمؤمل غيب، الذي مضى مضى، لا جدوى من الحديث فيه، والأغبياء دائماً يتغنون بالماضي. ألهى بني تغلب عن كل مكرمةٍ
* * *

قصيدةٌ قالها عمر بن كلثوم، التغني بالماضي من دون حاضر قوي نوع من الغباء، والمستقبل لا أحد يملكه، إنسان مرة حدثني عن عشرين سنة قادمة، قرأت نعوته في اليوم نفسه، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، لا تملك إلا هذه الساعة. الافتقار إلى الله له بداية وبدايته التذلل إلى الله وله نهاية ونهايته العز :
الافتقار إلى الله له بداية، وله نهاية، له ظاهر، وله باطن، بدايته التذلل إلى الله ونهايته العز.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *


ظاهره تذلل، أما باطنه سموٌ إلى الله عز وجل.
أخواننا الكرام، شيء عجيب! هذا الدرس، والدرس السابق، فيه حقيقة خطيرة، كلما تواضعت لله، وافتقرت إليه، رفعك، وكلما تكبرت وضعك، أنت في أعلى درجات العز، والقوة، والهيبة، والوقار، حينما تكون في أعلى درجات الافتقار إلى الله، فكلما تواضعت لله رفعك، دقق في هذه الآية: ﴿ أولئك َعَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 5 ]
الهدى رفعهم، الافتقار رفعهم، الشعور بالضعف أمام الله رفعهم، لذلك أنا أتمنى كل عمل تقدم عليه أن تقول: يا رب إني تبرأت من حولي، وقوتي، وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك، وعلمك، يا ذا القوة المتين، إن كنت طبيباً قبل أن تعالج المريض، يا رب أنا فقير إلى هدايتك، إن كنت محامياً أن تستلهم ربك عز وجل قبل كتابة المذكرة، إن كنت تاجراً، قبل أن تشتري هذه الصفقة، قد تكون فيها خسارة كبيرة، فلذلك الافتقار إلى الله أحد أكبر أسباب النجاح.
أيها الأخوة، البطولة أن تداوم على الافتقار إلى الله، طبعاً كل إنسان بساعات الضعف، ساعات المرض، يفتقر، هذا افتقار طبيعي، افتقار عام، أما الذي أتمناه أن يكون الافتقار مستمراً في حياتك، وهذا من علامة إيمانك. الافتقار إلى الله يحتاجه كل إنسان في كل وقت :
أيها الأخوة الكرام، موضوع الافتقار إلى الله موضوع يحتاجه كل واحدٍ منا، لكن ألخص هذا الموضوع بكلمتين: إذا كنت مفتقراً إلى الله تولاك الله، بالرعاية، والحفظ، والتأييد، والتوفيق، والنصر، وإذا اعتمدت على مالك، أو على جاهك، أو على أسرتك، أو على أتباعك، أو اعتمدت على هذا الجهاز المحمول، تكون في أدق الحاجة إليه، لا يوجد تغطية، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت:
﴿ فنادى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]






والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامية-, التربية, الوصول, القبول, سبل, وعلامات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 10 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 10 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية - مدارج السالكين السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 101 07-21-2018 03:54 PM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM
اشياء تمنع الرجل من الوصول الى النجاح منال نور الهدى رِيَاض الأسرَة وَالطِفَل وَ أنَاقَة حَواء وآدَم 4 07-14-2014 11:00 AM


الساعة الآن 01:13 PM