| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#61 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (55) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (المتعال): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "المتعال". ورود اسم المتعال في القرآن الكريم و السنة الشريفة: هذا الاسم أيها الأخوة، ورد في القرآن الكريم في موضع واحد وهو قوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ ( سورة الرعد ) وقد ورد أيضاً في السنة المطهرة بسند صحيح عند الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾ قرأ هذه الآية وهو على المنبر، فقال: ﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ( سورة الزمر ) فقال عليه الصلاة والسلام: يقول الله جلا وعلا: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا المتعال ـ يمجد نفسه ـ قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يرددها حتى رجف به المنبر، حتى ظننا أنه سيخر به )) معنى المتعال في اللغة: أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام إذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، كان يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه. لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: أشدكم لله خشية أنا . "المتعال" اسم فاعل، من تعالى، تعالى يتعالى فهو متعالٍ، وهو أبلغ من الفعل علا، وفي اللغة العربية أن كل زيادة في المبنى يقابلها زيادة في المعنى، أنا حينما أقول سأعطيك هذا المبلغ في المستقبل فاستخدمت حرف السين، هناك معنى، أما سوف أعطيك مادام في سين وواو وفاء، سوف أطول أمداً، أية زيادة في المبنى يقابلها في اللغة زيادة في المعنى. التعالي ؛ الارتفاع، العرب تقول: تعالَ فعل أمر لكن له حالة خاصة، فعل الأمر مبني على السكون، أما الفعل مبني على الفتح، وفي فعل آخر هاتِ فعل أمر مبني على الكسر، هذا الفعل فعل أمر مبني على الفتح، تعالَ، لاثنين تعالا، للرجال تعالوا، إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، للمرأة تعالِ، للنساء تعالين. أيها الأخوة، قد يكون الذي تقول له تعالَ هو في الطابق الأعلى، وأنت في الطابق الأسفل، فهذا العلو علو مكانة، يعني ارتفع إلي. الله عز وجل متعال على كل شيء بقدرته: الآن "المتعال" سبحانه وتعالى هو القاهر لخلقه بقدرته، "المتعال" هو المستعلي ، المستعلي على كل شيء بقدرته، قال بعض العلماء: "المتعال" على كل شيء أي قد أحاط بكل شيء علماً، وقدرةً، وقهراً، وخضعت له الرقاب في كل شيء، ودان له العباد طوعاً وكرهاً. و "المتعال" الكبير، فكل شيء تحت قهره، وسلطانه وعظمته، ولا إله إلا هو ولا رب سواه، لأنه العظيم، وليس هناك من هو أعظم منه، أنت تعبد من ؟ تعبد خالق السماوات والأرض، تعبد من ؟ تعبد من بيده الأمر، من: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ( سورة هود الآية: 123 ) تعبد من ؟ من إذا قال لشيء: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ( سورة يس ) تعبد من ؟ من في قبضته السماوات والأرض، إذا عرفت الله زهدت فيما سواه إذا عرفت الله كنت عزيزاً، كنت قوياً، كنت شجاعاً، إذا عرفت الله عرفت كل شيء. عبد الشكر و عبد القهر: لكن لعلكم تذكرون أن في القرآن كلمتين، العباد والعبيد، العباد جمع عبد الشكر بينما العبيد جمع عبد القهر، فكل إنسان كائناً من كان، حتى الكافر، حتى الملحد، حتى الفاجر، حتى العاصي في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول، فالإنسان المقهور هو عبد يجمع على عبيد. ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ( سورة فصلت ) أما الإنسان الذي تعرف إلى الله، وأقبل عليه، وأحبه، وتقرب إليه، نقول هذا عبد الشكر، وجمعه عباد. ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾ ( سورة الفرقان الآية: 63 ) فرق كبير بين قوله تعالى ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾ فالعبيد جمع عبد القهر، أما العباد جمع عبد الشكر. الواحد منا لا يضمن أن يبقى حياً لساعة واحدة، فنحن جميعاً في قبضة الله ، المؤمن تفضل الله عليه بالإيمان، فهو يعلم أنه في قبضة الله، بينما غير المؤمن توهم أنه قوي، وفي أية لحظة يقبض الله روحه، فإذا هو خبر بعد أن كان شخصاً كبيراً. الله عز وجل لا غالب ولا منازع له بل كل شيء تحت قهره وسلطانه: "المتعال" سبحانه وتعالى هو الذي ليس فوقه شيء في قهره وقوته، فلا غالب له ولا منازع له، بل كل شيء تحت قهره وسلطانه، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ ( سورة الأنعام ) لكن الناس يتوهمون أن في الأرض قوة جبارة يخافونها، والحقيقة كل هذه القوى الجبارة التي نراها على شبكية العين هي بيد الله: (( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم )) [ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ] لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، لا يليق، ولا ينسجم مع ألوهية الإله العظيم أن يقع في ملكه مالا يريد. فلذلك كل شيء وقع أراده الله، بمعنى سمح به، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، هذه المقولة على قصرها لو عقلناها، وفهمنا أبعادها، تملأ النفس راحة ما بعدها راحة، ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ هو قاهر، مسيطر، لكن لحكمة ما بعدها حكمة، وبرحمة ما بعدها رحمة، وبخبرة ما بعدها خبرة. ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 61 ) في هاتين الآيتين اجتمع علو القهر مع علو الفوقية، يعني أن الملك جلّ جلاله من فوق عرشه الذي علا بذاته، فوق كل شيء، والذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله كل شيء، ويحتاجه كل شيء في كل شيء، هذا الإله العظم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ بطولة الإنسان أن يكون مع الجبار، مع الواحد القهار، مع "المتعال". معنى الربوبية: الآن أيها الأخوة، نحن بحاجة إلى بعض المعاني التفصيلية حول هذا الاسم أولاً: ماذا تعتني الربوبية ؟ الله رب العالمين، لا بد من توضيح هذا بمثل: أنت عندك مؤسسة، وبحاجة إلى موظف أعلنت في الصحف عن وظيفة عندك ، واشترطت على الموظف أن يمضي ستة أشهر تحت التدريب، والامتحان، المدير في هذه الحالة جهده أن يحصي على هذا الإنسان أخطاءه، فإذا تراكمت، وبلغت حداً لا يحتمل صرفه أليس كذلك ؟ هنا مهمة المدير إحصاء الأخطاء، ليرى ما إذا كان هذا الإنسان صالحاً أو غير صالح. هذا المعنى ليس فيه معنى الربوبية، فيه معنى المحاسبة، لكن حينما يكون ابنك في هذا المكان أنت أب، والأب مربٍ، أنت حريص أن ترشده إلى الصواب، في كل خطأ فالموقف اختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن في هذه الوظيفة، حريص على إرشاده في كل ساعة، على تنبيهه في كل دقيقة، على لفت نظره عند كل خطأ، فأنت الآن مربٍ حين أودع الله في قلب الأب رحمة فلا يحاسب هذا الموظف على أنه موظف، وعلى أن أخطاءه إذا تراكمت صرفه، لا، الوضع مختلف، أنت حريص على نجاح هذا الابن، لذلك تحاسبه على كل خطأ، وفي كل موقف، وعند كل زلل، هذا الموقف موقف التربية. الله سبحانه وتعالى يحبنا و قد خلقنا ليسعدنا: يجب أن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين، كان من الممكن أن يرسل الأنبياء وينزل الكتب ولا يحاسب أحداً في الدنيا، فإذا تراكمت الأخطاء بحيث أصبحت كافية لدخول الإنسان النار أدخلهم وانتهى الأمر، الله عز وجل رب العالمين، يحاسب على كل خطأ ويدل إلى الصواب، طبعاً لا بد من توضيح آخر: تمشي أنت في الطريق رأيت شباباً ثلاثة، يرتكبون معصية، أحدهم ابنك تغلي، تضطرب، تتألم، تتمزق، والثاني ابن أخيك، الألم أقل، أما الثالث صديقهما ، الأول تعنفه أشد التعنيف، والثاني تعنفه قليلاً، والثالث تقول له: انصرف، فمعنى ذلك أنك حينما رأيت ابنك الذي هو جزء منك، الذي هو امتدادك يقترف هذه المعصية تألمت أشد الألم لذلك موقف الأب موقف التربية، موقف العطف، موقف الرحمة، فإذا قرأت الحمد لله رب العالمين يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى يحبنا، وخلقنا ليسعدنا، فإذا تبنا إليه كما ورد في الحديث الصحيح يفرح. (( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد )) [ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ] رحمة الله عز وجل تقتضي معالجة الناس و تأديبهم لا تركهم هملاً: الآن: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) الآية فيها معنى دقيق، تقتضي رحمته الواسعة ألا ﴿ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ أناس شردوا عن الله، يمكن أن يعالجهم، يمكن أن يسوق لهم بعض الشدائد ، يمكن أن يؤدبهم، تقتضي رحمته أن يؤدبهم لا أن يدعهم. الذي عنده يتيم، بمحله التجاري وسرق، أيهما أفضل ؟ أن يطرده ليتابع السرقة عند غيره، أم أن يؤدبه ويبقيه عنده ؟ تقتضي الرحمة أن تؤدب لا أن تطرد، تقتضي الرحمة أن تعالج لا أن تحكم عليه بالسقوط. لذلك القصة التي رويتها في مرة سابقة أن خطيب مسجد في دمشق (والقصة واقعية و هذه القصة قبل أربعين أو خمسين عاماً) رأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: أبلغ جارك فلان إنه رفيقي في الجنة، فجاره بقال، إنسان عادي جداً، هو خطيب تأثر، ليت هذه البشرى له، فذهب إليه، وطرق بابه، وقال له: لك عندي بشرى من سيد الخلق، ولكن لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك؟ (دقق في معنى التربية) فاعتذر، وتمنع، وبعد إلحاح شديد قال له: تزوجت امرأة، وفي الشهر الخامس من زواجنا كانت في الشهر التاسع في حملها، معنى ذلك أن هذا الطفل ليس ابنه، وقد زلت قدمها، أنا بإمكاني أن أسحقها، بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أطلقها، والناس معي ، وأهلها معي، معي الحق، وأهلي معي، والمجتمع معي، والحكم الشرعي معي، هي خاطئة، قال له: أردت أن أحملها على التوبة، أتيت لها بقابلة، ولدتها في الليل، وحملت هذا الغلام الذي ولد لتوه تحت عباءتي، وتوجهت إلى المسجد، وانتظرت حتى قال الإمام الله أكبر بدأ في الصلاة، فدخلت إلى المسجد، ووضعت هذا الغلام وراء الباب، والتحقت بالمصلين، ولم يرنِ أحد، بعد انتهاء الصلاة تجمع الناس حول هذا الطفل الصغير لأنه بكى وتألموا، وتحلقوا حوله، وعجبوا من وجوده هنا، هو تأخر إلى أن استكمل الناس تحلقهم حول هذا الصغير، فأتى إليهم وقال: ما القصة ؟ قال: تعال انظر ! قال: أعطوني إياه أنا أكفله، أخذه أمام أهل الحي، على أنه لقيط، وتعهد أن يربيه، ودفعه إلى أمه. هذا موقف في التربية، وتابت على يديه، استحق هذه البشرى من رسول الله قال له: قل لجارك فلان هو رفيقي في الجنة. قبل أن تؤدب، قبل أن تعاقب، قبل أن تسحق، قبل أن تفضح، اهدأ، إذا اخترت أن تربي لك عند الله أجر لا يعلمه إلا الله، فالله عز وجل رب العالمين. الله عز وجل يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله على التوبة: لذلك ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ تقتضي رحمته الواسعة ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله شرود البعير والله عز وجل حكيم، والله عز وجل يسوق من الشدائد ما يحمل على التوبة، لذلك في القرآن آيتان، يعني العجيب أن كل آية لها معنى: ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 118 ) يعني ساق الله لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة. مرة شخص أراد أن يعلق تعليقاً لطيفاً على دعوتي، أن دعوتك من ثلاثين عاماً ما فحواها ؟ قلت له كلمتان، بالتعبير الدارج: إما أن تأتيه راكضاً، أو أن يأتي بك راكضاً، الله عنده أساليب، عنده وسائل، عنده مصائب، عنده بلايا، عنده أمراض، يجعل الإنسان الشارد يسرع إليه، يسرع إلى بابه، الآن آية ثانية: ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ ( سورة مريم الآية: 45 ) تقتضي رحمته أن يعذب ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾ ﴿ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ ( سورة مريم ) يعني أب يرى ابنه الطاهر، العفيف، المؤدب قد أخذ مبلغاً من صديقه دون أن يدري صديقه، ولا يتصرف ؟ ولا يحاسب ؟ ولا يؤدب ؟ ولا يعاقب ؟ لو تركه على هذا العمل لتفاقم هذا العمل، لا يوجد أب على وجه الأرض يرى ابنه أخذ مبلغاً ليس له ولا يحاسبه تقضي الرحمة أن يحاسب. تناقض الشر المطلق مع وجود الله تعالى: أيها الأخوة، اعلموا علم اليقين أن الشر المطلق لا وجود له في الكون، هناك شر نسبي، شر مطلق يعني الشر للشر، هذا النوع غير موجود، بل هو يتناقض مع وجود الله، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، أما الشر النسبي هو شيء مؤلم لكن موظف للخير المطلق. مثلاً الآية التي تليها: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ ( سورة إبراهيم ) بربكم يمكن أن تنهى إنساناً عن أن يطفئ الشمس ؟ مستحيل، ليس هذا نهياً النهي ما كان ممكن الوقوع، لا تتأخر، التأخر قد يقع، لا تكذب قد يقع، لا تظلم الظلم قد يقع، ليس هناك في اللغة نهي لفعل مستحيل، إياك أيها الإنسان أن تطفئ الشمس، مستحيل وألف ألف مستحيل، ولكن تقول له إياك أن تهمل، إياك أن تتأخر، إياك، إياك أن تخطئ إياك أن تظلم، ليس هناك نهي إلا بشيء يمكن أن يقع. الله عز وجل ليس غافلاً عما يفعل الظالمون و لكن يؤخر حسابهم ليوم القيامة: الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾ إذا هناك من يظن أن الله غافل هناك من يقول: أين الله ؟ الطرف الآخر قوي جداً، ويبطش، ويسفك الدماء، ويهدم البيوت، ويحتل الأراضي، ويتفنن بالقتل، والتدمير، ونهب الثروات، ضعاف الإيمان يقولون أين الله؟ ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ ما دام هناك نهي، هذه لا، لا النهي، ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾ إذاً هناك من يظنه غافلاً، هناك من يقول: أين الله ؟ هناك من ترك الصلاة، يقول: لمن أصلي ؟ لماذا المسلمون هذا حالهم ؟ لماذا قوى الشر تتكالب عليهم، أين الله ؟. لذلك في غفلة ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾ وفي تغافل، والتغافل شيء لابدّ منه بالامتحان. مرة ذكرت أن صاحب محل تجاري، يدخل إلى المحل أول إنسان، يخرج آخر إنسان، يجلس على الطاولة، مكان المال تحت قبضته، يا ترى الموظفون أمناء ؟ ما أتيح لهم أن يمتحنوا، أما إذا خرج صاحب المحل من المحل، وجلس في المحل المقابل، في مكان يَرى ولا يُرى، فصار الموظف وحده في المحل، ومكان المال تحت يده، يراقبه ، الآن هذا الموظف يتوهم أن صاحب المحل ليس هنا، هذا التغافل من صاحب المحل أعطاه فرصة ليمتحنه بها، مدّ يده وأخذ مبلغاً ووضعه في جيبه، سقط في الامتحان، أو بقي أميناً ما فعل شيئاً. المصائب التي تأتي هي رسائل من الله لعباده: إذاً الله عز وجل يتغافل، يظنه الناس غافلاً، ولا يخفى، ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ وضع الناس يشبه إنساناً مربوطاً بحبل لكن مرخى الحبل، فلأنه مرخى يتوهم الإنسان أنه طليق، لأنه هو في الحقيقة في قبضة الله، بأية لحظة، لذلك من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (( أعوذ بك يا رب من فجأة نقمتك، و تحول عافيتك، و جميع سخطك )) [أبو داود عن ابن عمر ] ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ ( سورة البروج ) حدثني قاضٍ، قال لي: مشروع ضخم جداً كلفته فلكية، يمكن أن ينتقل من إنسان إلى إنسان بشهادة زور، فالذي أقام الدعوى ليأخذ ما ليس له جاء بشاهد زور، والمبلغ فلكي، بمئات الملايين، قال لي: والله جاء إلى المحكمة وكلفه القاضي أن يضع يده على المصحف الشريف، وأن يقسم أن يشهد بالحق، وضع يده، وأقسم أنه يشهد بالحق، وانتهى القسم ورفع يده، فأبقاها مرفوعة، فالقاضي انزعج، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً يمسك طرف الطاولة، لا تزال يده ماسكة بشدة، فبقي واقفاً، بعد دقيقة وقع على الأرض قال لي: والله وافته المنية أقسم كذباً، ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾ الآن أدق آية: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة القصص ) إذاً هذه المصائب التي تأتي هي رسائل من الله، انتبهوا يا عبادي، أنا أعلم ما تفعلون، وسوف تحاسبون. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#62 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (56) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الواحد): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الواحد". ورود اسم الواحد في القرآن الكريم: أيها الأخوة، ورد هذا الاسم الواحد في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ ( سورة إبراهيم ) وقال تعالى: ﴿ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ ( سورة النحل ) وفي قوله تعالى: ﴿ قل اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ ( سورة الرعد ) اقتران اسم الواحد باسم القهار لأنه وحده قهر كلّ متكبر: أيها الأخوة، في الأعمّ الأغلب يقترن اسم الله "الواحد" باسمه القهار، لأن علوه علو قهر، هو وحده: ﴿ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾ ( سورة يوسف الآية: 21 ) هو وحده: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ ( سورة هود ) هو وحده قهر كل متكبر، لذلك ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم بأنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا قوم عاد حينما أهلكهم قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ ( سورة فصلت الآية: 15 ) يعني قوم عاد ما كان فوقها إلا الله، ﴿ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ فيا أيها المؤمن، أنت حينما تعبد الواحد القهار أنت أقوى الأقوياء، خالق السماوات والأرض، الواحد القهار هو معك، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، أنت بالدعاء أقوى إنسان، وأنت إذا كنت مع الواحد القهار أنت عزيز. اجعل لربك كلّ عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت * * * عاد نموذج للأمة الطاغية. ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ ( سورة الفجر ) ولكل أمة أجل، لئلا تيأس أيها المؤمن، لئلا تتطامن، لئلا تذل، اعتز بالله اعتز بالله "الواحد" القهار. الله عز وجل مع المؤمنين بالتأييد و النصر: هذا الاسم ورد في القرآن الكريم، في مواضع كثيرة، وقد ورد مقترناً مع اسم القهار، لأن علو الله جلّ جلاله علو قهر، قهر لمن ؟ قهر للطغاة، قهر للظالمين، أما المؤمنون هو معهم. ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنفال ) هذه المعية معية التأييد، هذه المعية معية الحفظ، هذه المعية معية التوفيق، هذه المعية معية النصر. لذلك العلماء قالوا: هناك معية عامة، وهناك معية خاصة. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) هو مع الكافر، مع الظالم، مع الملحد، مع المتكبر، مع المعتدي، معه بعلمه أما هو مع المؤمنين بتأييده، بنصره، بحفظه، بتوفيقه، ولا تنسوا أنه إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ورود اسم الواحد في السنة الصحيحة: هذا الاسم ورد أيضاً في السنة الصحيحة، فعند النسائي من حديث حنظلة بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فإذا رجل قد قضى صلاته، وهو يتشهد، فقال: (( اللهم إني أسألك بالله بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم ـ فقال عليه الصلاة والسلام ـ: قد غفر له صلاته )) والله عز وجل كما قال: ﴿ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾ ( سورة الزمر الآية: 53 ) (( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي )) [ حديث قدسي ] وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا: (( إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ؟ هل من تائب ؟ هل من سائل ؟ هل من داع ؟ حتى ينفجر الفجر)) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] من تذلل لله رفعه: المؤمن له صلة مع الله، له ابتهاله، له دعاؤه، له تذلله، يُمرغ جبهته في أعتاب الله، هو يتذلل أمام ربه لكن الله يرفع قدره، لكن الله يعزه، يُعلي شأنه، يجعله عزيزاً، يكسبه مهابة، إذا أعطاك الله مهابة هابك كل شيء، أما إذا نزع عنك المهابة تطاول عليك أقرب الناس إليك. فالنبي الكريم قال لأصحابه: (( أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: الله الواحد الصمد ثلثُ القرآن )) [البخاري عن أبي سعيد] ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ ( سورة الإخلاص ) هذه السورة القصيرة سورة الإخلاص بنص كلام النبي، في صحيح البخاري تعدل ثلث القرآن: (( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قلت أين الناس يومئذ قال عليه الصلاة والسلام: على الصراط )) [مسلم و أحمد عن عائشة] الذكي من تكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان ألا وهو مغادرة الدنيا: إخوتنا الكرام، بطولة الإنسان لا أن يعيش الماضي، ولا أن يعيش الحاضر ولكن بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل، أخطر حدث في المستقبل لنا جميعاً مغادرة الدنيا هذه المغادرة كما قال علماء النفس، في تعريف للذكاء جامع مانع: الذكاء هو التكيف، فأنت حينما تتكيف مع حدث قادم لابدّ منه فأنت أذكى الأذكياء، أنت الموفق، وأنت الفالح، وأنت الناجح، وأنت العاقل، وأنت الذكي، حينما تتكيف مع حدث مستقبلي لابدّ منه، هل يستطيع أحد أن يوقن أنه يستطيع أن يستيقظ كل صباح كاليوم السابق، إلى ما شاء الله ؟ مستحيل وألف ألف مستحيل، لابدّ من بوابة الخروج، بوابة الخروج مرض الموت، مرض الموت يتفاقم، جميع الأمراض لها دواء. (( ما أنْزَلَ الله من داء إلا أنزل له دواء )) [أخرجه البخاري عن أبي هريرة ] إلا مرض الموت، مع الأنبياء يتفاقم، فإذا تفاقم المرض، وعجز الأطباء قالوا: إن الــطبيب له علم يدل به إن كان للناس في الآجال تأخير حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الطبيب وخانته الــعقاقير * * * من هو الذكي ؟ هو الذي يتكيف مع أخطر حدث في حياة الإنسان، مغادرة الدنيا، من بيت فخم إلى قبر، من زوجة وأولاد، وبنات، وأصهار، ولقاءات، وولائم، وسهرات، ورحلات، ونزهات، إلى قبر، من مركبة فارهة إلى قبر، من مكتب تجاري فخم إلى قبر، لذلك الذكي: وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول فإذا حملت إلى الــقبور جنازة فــاعلم بأنك بعدها محمول * * * كما قرأت بعض الصالحين حفر في صحن داره قبراً صغيراً، وكان يضطجع فيه كل خميس، ويتلو قوله تعالى: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 99 ) فيخاطب نفسه ويقول: قومي لقد أرجعناكٍ. معاني اسم الواحد في اللغة العربية: "الواحد" في اللغة اسم فاعل، تحدثنا كثيراً عن أن هذه اللغة العربية من أرقى اللغات في الإنسانية، ولكنها إذا ضعفت فلضعف أهلها، ففي اللغة العربية مصدر، وفعل ماضٍ، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم زمان، واسم مكان، واسم آلة، واسم تفضيل، وصفة مشبهة باسم الفاعل. اسم الفاعل، هناك اسم فاعل ثلاثي، و رباعي، وهناك مبالغة اسم الفاعل، أي لغة رائعة جداً لكنها ضعفت بضعف أهلها. "الواحد" اسم فاعل، على وزن فاعل، للموصوف بالوحدانية أو الواحدية، وحّده توحيدياً جعله واحداً. "الواحد" أول أرقام الحساب، واحد، اثنين، ثلاثة، وهو يدل على الإثبات، في البيت رجل واحد، في الإثبات، لكن دخلت البيت فما رأيت فيه من أحد، أحد للنفي، واحد للإثبات. "الواحد" هو الله سبحانه وتعالى، القائم بنفسه، المنفرد بوصفه، الذي لا يفتقر إلى غيره، يحتاجه كل شيء في كل شيء ولا يحتاج إلى شيء، الذي لا يفتقر إلى غيره أزلاً وأبداً، وهو الكامل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو سبحانه وتعالى كان ولم يكن معه شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده، ومازال بأسمائه وصفاته واحداً أولاً قبل خلقه ، وجود المخلوقات لم يزده كمالاً كان مفقوداً، أو يزيل نقصاً كان موجوداً، فالوحدانية قائمة على معنى الغنى بالنفس، والانفراد بالكمال، وبكمال الوصف. قال ابن الأثير: "الواحد" في أسماء الله تعالى هو الفرد الذي لم يزل وحده، ولم يكن معه آخر. أيها الأخوة، من منسياتكم أن العدد يأخذ معنيين، معنىً كمياً، ومعنىً نوعياً، فإذا قلت جاء أربعة رجال كمياً أربعة، 1 ـ 2 ـ 3 ـ 4 ـ فإذا قلت هذا الطالب ترتيبه في الصف الرابع هو واحد، لكن تسلسل نجاحه كان الرابع، فالرابع المعنى النوعي للعدد، أما أربعة طلاب المعنى الكمي. الله عز وجل واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له: الآن إذا قلنا: الله "الواحد" أي لا شريك له، فإذا قلنا: الله أحد أي لا مثيل له فرق دقيق، واحد تعني المعنى الكمي، واحد لا شريك له، أما أحد تعني المعنى النوعي أي لا مثيل له، واحد لا شريك له، أحد لا مثيل له، هو جلّ جلاله واحد أحد، فرد صمد ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ (( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ، وكان عَرْشُهُ على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السماوات والأرضَ، وَكَتبَ فِي الذِّكرِ كُلَّ شيء )) [البخاري عن عمران] وقال تعالى: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة الكهف الآية: 51 ) الآن الإنسان يتطاول على الله، يقول كان هناك كائن وحيد الخلية، تطورت تطورت، تطورت، فأصبحت إنساناً، ويلغي أن أصل البشر، سيدنا آدم، وأمنا حواء. لكن مرة ذكرت كلمة صعق من حولي، قلت لهم أنا مؤخراً آمنت بنظرية دارون لكنها معكوسة، كان إنساناً فأصبح قرداً، ألم يقل الله عز وجل عن بعض الأقوام التي غضب الله عليها مسخهم: ﴿ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ ( سورة الأعراف ) المعنى الواسع في هذه الآية: أن القرد همه بطنه، وأن الخنزير همه فرجه فإذا كان الإنسان يهتم بطعامه وشرابه والجنس فهو قرد وخنزير، ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ما كانوا معي. ﴿ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾ ( سورة الكهف ) الله عز وجل وحده منفرد بالملك وليس لأحد في ملكه شرك: الله سبحانه وحده الذي خلق الخلق بلا معين، ولا ظهير، ولا وزير، ولا مشير، فإنه وحده منفرد بالملك، وليس لأحد في ملكه شرك كما قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾ ( سورة سبأ ) يحتاجه كل شيء في كل شيء، ولا يحتاج إلى شيء، لا شيء قبله، ولا شيء بعده. بالمناسبة: من بديهيات الأمور أنه لا يجوز أن يكون في السماوات والأرض آلهة متعددون، بل لا يكون الإله إلا واحداً، وهو الله جلّ جلاله، ولا صلاح للسماوات والأرض بغير الوحدانية، فلو كان للعالم إلهان، ربان، معبودان، لفسد النظام. والآن بأي شركة، بأي مؤسسة، بأي دائرة، بأي وزارة، بأي جامعة، بأي مستشفى، هناك مئات الموظفين، لكن في النهاية هناك قرار بيد واحد، هو المدير العام الطائرة في قبطان، وفي مساعد قبطان، ولكن في الأزمات القرار للقبطان. قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) التوحيد والتقوى فحوى دعوة الأنبياء جميعاً: إخوتنا الكرام، التوحيد مشتق من الواحد، يقول لك: التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد هو الدين، التوحيد مشتق من الواحد، وكل مؤمن يعلم علم اليقين أنه ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وأن نهاية العلم التوحيد، وأن نهاية العمل التقوى، فمن وحّد الله وأطاعه فقد حقق الهدف من وجوده. فلذلك هل تصدقون أن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً من دون استثناء كلمتان: التوحيد والتقوى. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 25 ) فحوى دعوة الأنبياء جميعاً. ﴿ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ ( سورة الأنبياء ) التوحيد عقيدة، وهو نهاية العلم، والعبادة نهاية العمل، وحينما توحده وتعبده حققت الهدف من وجودك. التوحيد توحيدان: توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية: أيها الأخوة، التوحيد هو الدين، أن تؤمن بأن الله خالق السماوات والأرض هذا الإيمان آمن به إبليس، قال ربي: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ ( سورة ص الآية: 82 ) أما الدين هو التوحيد، ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى إلا يد الله تعمل وحدها ، التوحيد أن ترى أن الله هو المعطي، وهو المانع، وهو الرافع، وهو الخافض، وهو المعز وهو المذل، وهو الموفق، لكن لابدّ من تفصيل: التوحيد عند بعض العلماء توحيدان، توحيد ربوبية، وتوحيد ألوهية، توحيد الربوبية أن تشهد أن الله سبحانه وتعالى واحد في ملكه، وهو الذي خلق، ورزق، وأعطى وهو الذي منع، وهو الذي رفع، وهو الذي خفض، وهو الذي قبض، وهو الذي بسط وهو الذي أعزّ، وهو الذي أذلّ، هذا توحيد الربوبية، لا رازق، ولا معطي، ولا محيي ، ولا مميت، ولا مدبر لأمر الكون كله ظاهراً وباطناً إلا الله. (( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن )) [ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ] ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يحدث حادث إلا بعلمه، ولا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا يعزم عنه مثقال ذرة لا في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها، أحاط بها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت فيها مشيئته، واقتضتها حكمته، فتوحيد الربوبية أن تؤمن أنه "الواحد" في تدبيره وفي ملكه، هذه الربوبية. أما توحيد الألوهية أن تعبده وحده، ولا تعبد أحداً سواه، وألا ترى له نداً، ولا مدبراً، ولا معطياً، ولا مانعاً إلا هو، توحيد الربوبية رؤية، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده، والدين رؤية وعمل، عقيدة وسلوك، علم وعمل، هذا هو الدين، توحيد الربوبية أن ترى أنه المدبر الأوحد، وتوحيد الألوهية أن تعبده وحده. الله سبحانه و تعال واحد في ذاته و صفاته و أفعاله: لذلك أيها الأخوة، نحن أمام حقيقتين، حقيقة أن نشهد أن الله واحد في ذاته ، واحد في صفاته، واحد في أفعاله، وأنه الخالق والرازق والممد، والمحيي والمميت ، وأنه المعطي والمانع، والرافع والخافض، والقابض والباسط، وهو على كل شيء قدير، والتوحيد ألا تشهد مع الله إلهاً آخر، هذه كلمة تلقى، وفكرة تسمع وتدرك لكن شتان بين أن تدرك هذه الكلمات بعقلك، وبين أن تفهمها وأن تعيشها بنفسك. فيا أيها الأخوة الكرام، خلاصنا في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد يلخص كل شيء. ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾ ( سورة الشعراء ) أحد أكبر عذاب الإنسان أن يدعو مع الله إلهاً آخر عن علم، أو عن غير علم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#63 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (57) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القهار): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القهار". ورود اسم القهار في القرآن الكريم و السنة الشريفة: سمى الله جلّ جلاله ذاته العلية بهذا الاسم في كثير من نصوص القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ ( سورة الرعد ) إرادته هي النافذة. ﴿ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) (( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن )) [ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ] أما ورود هذا الاسم في السنة المطهرة، ففي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله: (( يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسماوات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، قالت: فقلت أين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال: على الصراط )) [مسلم عن عائشة] وورد أيضاً هذا الاسم في صحيح الجامع الصغير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تضور (أي تقلب في الليل)، تقول تضور من الجوع (تلوى من الجوع)، تضور من الليل (تقلب على فراشه)، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا تضور في الليل قال: (( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار )) معاني اسم القهار: أيها الأخوة، "القهار" كما ألفنا على وزن فعال، وهي من صيغ المبالغة، مبالغة اسم الفاعل، قهر، يقهر، قاهر، اسم فاعل، قهار صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة دائماً تعني مبالغة الكم، يقهر ملايين الطغاة، أو يقهر أكبر طاغية، إما كماً أو نوعاً. "القهار" صيغة مبالغة من اسم الفاعل القاهر، أما الفرق بين القاهر و "القهار" القاهر هو الذي له علو القهر، بأي مكان، بأي مؤسسة، بأي دائرة في رجل قوي، أمره نافذ، قد يكون هو المدير العام، وقد يكون إنساناً آخر، لكن هناك شخص أمره نافذ، لا أحد يستطيع أن يعارضه، هذا الرجل القوي بالمصطلح الحديث بمعنى "القهار"، أي إرادته نافذة. فالله قاهر لأن له علو القهر الكلي المطلق على جميع المخلوقات، وعلى اختلاف تنوعهم، فهو القاهر فوق عباده، البطولة أن تكون مع القوي، إذا كنت مع القوي فأنت القوي، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، لكن التوكل على الله لا يكون إلا بأن تكون مستقيماً على أمره، إذا أردت أن تكون أقوى الناس قاطبة فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله. ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 13 ) الاستقامة على أمر الله عزّ وجل سبب سعادة الإنسان في الدنيا و الآخرة: الحقيقة هناك أسرار الإنسان قد يصل إلى سعادة الدارين باستقامته على أمر الله وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: اللهم ألهمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً . ذكرت كثيراً: أن الاستقامة يبنى عليها كل شيء، ومن دون استقامة لا يبنى شيء، كأن الدين كله مضغوط بكلمة استقامة. ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ ( سورة هود الآية: 112 ) (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين )) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] وإذا ألغيت الاستقامة من الدين كأنك ألغيت المحرك من السيارة، لم تعد سيارة أصبحت وقافة، إذا ألغيت المحرك، الاستقامة عين الكرامة، لا يوجد إنسان يخطب ودّ الله عز وجل بالاستقامة على أمره إلا والله جل جلاله يرفع ذكره، ألم يقل الله عز وجل: ﴿ أَلَم نَشْرَح لَكَ صَدْرَك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ( سورة الشرح ) أية آية موجهة إلى رسول الله لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه واستقامته: أيها الأخوة، من باب البشارة أية آية موجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمن منها نصيب، بقدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، فإذا قال الله عز وجل ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ أي مؤمن سلك طريق الحق، واستقام على أمر الله، وأقبل عليه يرفع الله له ذكره، ويعلي قدره، إذا قال الله عز وجل يخاطب النبي الكريم: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ( سورة الطور الآية: 48 ) أي بحفظنا، ورعايتنا، وتوفيقنا، وتأييدنا، ونصرنا، وأنت أيها المؤمن بقدر استقامتك، وإخلاصك فأنت في عين الله، وفي حفظ الله، وفي تأييد الله، وفي توفيق الله وفي نصر الله. الله عز وجل قاهر و علو القهر مقترن بعلو الشأن والفوقية: معنى القاهر ؛ أي قاهر قهراً مطلقاً فوق عباده، علو القهر مقترناً بعلو الشأن، الإنسان أحياناً قد يكون قوياً لكن لا أحد يحبه، أما أن يكون قوياً، وأمره هو النافذ، وكماله كمالاً مطلقاً، ذكرت هذا كثيراً: أنت لا تعجب بإنسان قوي، لكن ليس أخلاقياً، كما أنك لا تعجب بإنسان أخلاقي لكنه ضعيف، أما الذي يلفت نظرك، ويجعلك تتأمل إنسان بقدر ما تخافه، بقدر ما تحبه، وهذا درس للآباء والأمهات، ودرس للمعلمين وللقادة، ولأي إنسان مكنه الله في الأرض، بسلطته يعد قوياً، لكن البطولة أن تكون قوياً محبوباً، أن تكون قوياً كاملاً. قلت مرة: يوجد بالأرض أقوياء، ويوجد أنبياء، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، الفراعنة سخروا الشعوب لبناء الأهرامات، بالقهر والتعذيب، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، اذهب إلى المدينة المنورة بعد ألف و أربعمئة، وانظر إلى الملايين وهي تبكي أمام قبر النبي الكريم، ولم يلتقوا به، ولم يأخذوا منه شيئاً، الأنبياء قمم البشر، قمم البشر بالكمال، بالرحمة. ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 159 ) القلب القاسي ينعكس معاملة قاسية: النبي الكريم أوتي القرآن الكريم، وأوتي المعجزات، والفصاحة والبيان، وجمال الصورة، والحلم، والرحمة، أوتي كل شيء، ومع ذلك يقول الله له: أنت أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذه الكمالات ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 159 ) إذا الإنسان ما كان معه وحي، ولا معه معجزات، وليس نبياً، ولا رسولاً، ولا أوتي الفصاحة، ولا البيان، ولا جمال الصورة، ولا الحكمة، وكان فظاً في حياته، غليظاً في معاملته، نقول له لِمَ الغلظة يا أخي؟. شخص دخل على ملك، وقال له: سأنصحك وسأغلظ عليك، قال له: ولِمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، وقال له: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾ ( سورة طه الآية: 44 ) لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه في غير منكر. ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 18 ) له علو القهر مقترن بعلو الشأن والفوقية. (( أنا مالك الملوك وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة )) [ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ] العاقل من هيأ جواباً لله الواحد القهار عن كل عمل يقوم به قبل أن يلقاه: الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 88 ) بالأرض ملوك، وأحياناً إنسان يغضب ملك عليه في مملكته، فيفر إلى مملكة أخرى فينجو من سلطانه، الملك الآخر ند للأول، يعطيه حق اللجوء السياسي، فلا يستطيع الأول أن يصل إليه، هذا بين الملوك، بين ملوك الأرض، ولكن هذا لا ينطبق على ملك الملوك. قال له: ماذا أفعل ؟ جاءه توجيه من يزيد والي البصرة، إن نفذه أغضب الله وإن لم ينفذه أغضب الخليفة وعزله، عنده الحسن البصري، قال له: ماذا أفعل ؟ والله لا أرتوي من ترداد هذا الجواب، قال له: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله. مرة قلت لشخص، عمله حساس جداً، بإمكانه أن يوقع الأذى بالناس ولا أحد يسائله، قلت له: الله عز وجل يحب كل عباده، الله في عنده خثرة بالدماغ، شلل، عنده تشمع كبد، عنده فشل كلوي، عنده ورم خبيث، ذكرت له أمراضاً تهز الجبال، وكل هؤلاء العباد عباده، فبطولتك أن تهيئ لربك جواباً، لا لمن هو فوقك، بطولتك أن تهيئ لمن هو فوقك وهو الواحد "القهار" جواباً، لا للذي تعمل تحت إمرته. الله عز وجل قادر على أن يقهر كل الطغاة من دون استثناء : أيها الأخوة، عند الإمام البخاري من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اللَّهمَّ أسْلَمْتُ نَفْسي إليك، ووجَّهْتُ وجهي إليك، وفوَّضْتُ أمْري إليك وألجَأْتُ ظَهْري إليك، رَغْبة ورَهْبة إليك، لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك )) [ البخاري عن البراء بن عازب] الإله وحده لا ملجأ، ولا منجا منه إلا إليه، أما غير الإله تلجأ إلى غيره منه، تفر من مملكته إلى مملكة أخرى، أما الله عز وجل جميع الخلق في قبضته، فلا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. يعني بالضبط تماماً: لو أن ابناً عقّ أمه، فطردته من البيت لا يوجد عنده إلا حل واحد أن يعود إليها تائباً، برحمتها تقبله، أما أي إنسان آخر غير الأم ترفضه، لأنها أم ولأنها تحب أن ترحمه، فإذا لجأ إليها خوفاً من عقابها قبلته. (( لا مَلْجأ، ولا مَنْجَا منك إلا إليك )) إذاً هو القاهر الذي له علو القهر الكلي. من بنى مجده على أنقاض الآخرين محقه الله عز وجل : أما "القهار" صيغة المبالغة فهو الذي له علو القهر باعتبار الكثرة، يعني يقهر كل الطغاة من دون استثناء، ويقهر أقوى الطغاة. يعني عاد، ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هو أشد منها قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ ( سورة فصلت الآية: 15 ) وقتها كما يبدو ما كان فوق عاد إلا الله، وأنا أطمئن، الله عز وجل يقول: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 34 ) لا يوجد أمة تخطط لبناء مجدها على أنقاض الآخرين إلى ما شاء الله، لا ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾ في أجل ينتهي، الله مكنها في الأرض وامتحنها، وظهرت متوحشة وينتهي أجلها، ولا تقنطوا من روح الله. الله عز وجل أهلك قوم نوح وقهرهم، أهلك قوم هود وثمود وقهرهم، أهلك فرعون وقهره، أهلك هامان، والنمرود وقهرهم، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ﴾ ( سورة النجم ) وهذا الذي هدّم سبعين ألف بيت كان يتفنن في قتل الفلسطينيين، مضى عليه سنوات ثلاث ولم يمت بعد، وأمد الله في عمره. الله "القهار" بطولتك أن تخاف من "القهار"، ألا تتطاول على مخلوق، وليس له ناصر إلا الله، الله عز وجل قد يجعل هذا الظالم عبرة لمن يعتبر. الله عز وجل بالمرصاد لكل متكبر جبار: أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى، جبار، قهار، واحد، لا مثيل له، ولا شريك له، وهو بالمرصاد لكل متكبر جبار، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ أرم ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾ ( سورة الفجر ) تفوقت في شتى الميادين، تفوقت عمرانياً. ﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) تفوقت صناعياً مجازاً: ﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾ ( سورة الشعراء ) تفوقت عسكرياً: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾ ( سورة الشعراء ) تفوقت علمياً: ﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ ( سورة العنكبوت ) لكن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد. المؤمن ينبغي أن يتلقى إخبار الله وكأنه يراه لأنه أصدق القائلين: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ أما أن يقول أحدهم: والله أنا ما رأيت، نقول له: الملمح الدقيق في هذه الآية أنك كمؤمن ينبغي أن تتلقى إخبار الله وكأنك تراه، لأنه أصدق القائلين ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ أرم ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾ ﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَاد وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد ﴾ ( سورة الفجر ) ما قال طغوا في بلدهم ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَاد ﴾ ﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ ( سورة الفجر ) سبحان الله الطغاة يعنيهم الفساد، لأنهم بإفساد الناس يضعفونهم، فكل الطغاة يعنيهم التفلت، والإباحية، وخروج المرأة متبذلة، يعنيهم الزنا، لا يعنيهم الزواج ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ﴾ ليستطيعوا أن يتمكنوا من السيطرة عليهم، لأن المؤمن رقم صعب. أنا أقول لكم: أي إنسان إذا كان يغير قناعته، يغير موقفه، بمبلغ من المال سقط عند الله، قد يكون مبلغاً بسيطاً، قد يكون ملايين مملينة، مادام هناك رقم يغير قناعته فثمنه هذا الرقم، أما المؤمن رقم صعب. (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، هذا يظهره الله أو أهلك دونه )) [ السيرة النبوية] الله تعالى قهره عظيم أليم يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه: لذلك قالوا: "القهار" هو كثير القهر للظالمين، وقهره عظيم أليم، يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه. الله عز وجل بزلزال تسونامي هذا الزلزال قوته مليون قنبلة ذرية، والبلاد التي دمرها أجمل بلاد في العالم، ولاسيما في فصل الشتاء، نصف الكرة الشمالي برد لا يحتمل وثلوج، نصف الكرة الجنوبي سواحل الهند، وشرق آسيا سواحل دافئة، نباتات عملاقة جو لطيف، دفء رائع، وهناك منتجعات، إن أردنا أن نصنفها من فئة العشر نجوم، لنخبة أغنياء العالم، وقد رأى هؤلاء الأغنياء الكبار النجوم ظهراً بهذا الزلزال. فالله عز وجل قوي قد يستدرج بعض الناس، وقد يموت أناس مؤمنون لهم حكم آخر، طائرة وقعت (طائرة متجهة إلى شرق آسيا)، هناك ركاب عندهم محلات تجارية ذهبوا للتسوق، وعمل مشروع، يموتون على نيتهم، و ركاب يذهبون إلى هناك للزنا يموتون على نيتهم، إذا وقعت طائرة فكل راكب يموت على نيته، فإذا كان الشخص مؤمناً يموت شهيداً، أما إذا غير مؤمن اتجاه إلى جهنم، الآن هناك مصطلح جديد اسمه السياحة الجنسية، يذهب ليزني، يموت على نيته. الله تعالى يتحدث عن ذاته بضمير المفرد و عن أسمائه بضمير الجمع: أيها الأخوة، الله عز وجل يقول أحياناً: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ﴾ ( سورة طه الآية: 14 ) ﴿ إِنَّنِي أَنَا ﴾ بالمفرد، وأحياناً يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ﴾ ( سورة ق الآية: 43 ) ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً ﴾ ( سورة الإنسان ) العلماء قالوا: إذا ذكر الله ذاته العلية بضمير المفرد فالحديث عن ذاته، أما إذا ذكر ذاته العلية بضمير الجمع ﴿ إِنَّا ﴾ فالحديث عن أسمائه. ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ ( سورة يس الآية: 12 ) كل أسماء الله داخلة في أفعاله، الله فعل فعله، في رحمة، في حكمة، في عدل، في لطف، إذا قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ﴾ أي أن أسماءه الحسنى كلها داخلة في هذا الفعل، تصور فعل فيه رحمة، فيه عدل، فيه لطف، فيه حكمة، والله شيء جميل ! هكذا ينبغي أن نؤمن، أما إذا قال الله: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ ( سورة طه ) الحديث عن ذاته العلية، الحديث عن ذاته بضمير المفرد، والحديث عن أفعاله بضمير الجمع. أحياناً يجمع الله في بعض أسمائه معظم أسمائه، مثلاً: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ ( سورة الرحمن ) الجلال جمعت أسماء القوة، والقهر، والجبروت، كل أسماء القوة مجتمعة بالجلال، وكل أسماء الرحمة، والعطاء، والإحسان مجتمعة بالكمال، باسم الجلال والكمال ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ جمعت أسماؤه على زمرتين، أسماء جلال، و أسماء كمال. من أدرك أن علم الله يطوله و قدرته تطوله فلن يعصيه أبداً: أيها الأخوة: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾ ( سورة الطلاق الآية: 12 ) الآن الله عز وجل سيذكر اسمين فقط، اختار من أسمائه كلها اسمين: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ ( سورة الطلاق ) أنت متى تستقيم على أمره ؟ بل متى تستقيم على أمر وزير الداخلية ؟ الذي أصدر قانون السير، بحالتين: حينما توقن أن علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، أو شرطي على دراجة نارية، أو ضابط في قسم السير في سيارته، هناك شرطي واقف معه دفتر ضبط، و سائق دراجة نارية قد يتبعك، و ضابط يضمن عدم التواطؤ مثلاً، فأنت متى تستقيم على أمر وزير الداخلية الذي أصدر قانون السير ؟ حينما يكون علمه يطولك، وحينما تكون قدرتك تطولك، أني يسحب منك الإجازة، و يحجز المركبة. سؤال ثانٍ: متى لا تستقيم على أمره ؟ في حالتين، حينما لا يطولك علمه الساعة الثالثة بالليل، لا يوجد شرطي، أما الآن هناك كاميرات في بعض الدول، تضبط المخالفة حتى الفجر، أو إن كنت أقوى منه فقدرته لا تطولك، أما حينما توقن أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، الآية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﴾ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#64 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (58) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (الحق): أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحق". ورود اسم الحق في القرآن الكريم و السنة الشريفة : هذا الاسم العظيم كثير التداول، ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ ( سورة المؤمنون ) وفي قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ ( سورة الأنعام ) وفي قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ( سورة الحج ) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال: (( اللهم أنت الحقُّ، وَوَعْدُكَ الحقُّ، ولقاؤكَ حَقٌّ، وقَولك حَقٌّ، والجنَّةُ حَقٌّ ، والنَّارُ حَقٌّ، والنَّبيُّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ حَقٌّ، والساعةُ حَقٌّ )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ] تداول كلمة حق تداولاً كثيراً: أيها الأخوة، كلمة حق متداولة تداولاً كثيراً جداً، قال تعالى: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ ( سورة الأحقاف الآية: 3 ) قال علماء التفسير: أي أن خلق السماوات والأرض، أي أن "الحق" لابس خلق السماوات والأرض، خلقتا بالحق، وسوف يتضح المعنى بدقة من آيات أخرى، لأن الله عز وجل حينما وصف كتابه الكريم بأنه: ﴿ مَثَانِيَ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 23 ) من معاني هذه الكلمة أن كل آية تنثني على أختها، فتفصلها، الآية الأولى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾ ( سورة الحجر ) "الحق" نقيض الباطل: الآن ما هو "الحق" قال: هو نقيض الباطل، لماذا ؟ قال: لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ ( سورة ص الآية: 27 ) خلقها بالحق، وما خلقها باطلاً. ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ ( سورة ص ) لو فرضنا إنساناً بنى بناء على الشاقول، هذا البناء على الشاقول يعني أنه سوف يبقى، يعني بناء ثابتاً، بناء لا ينهار. هذا هو "الحق" الشيء الثابت، الشيء الموجود، والثابت. ولو أشاد إنسان بناء بلا شاقول، الجدار مائل، هذا البناء باطل لأنه سينهار. ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ ( سورة الإسراء ) "الحق" هو الشيء الموجود والثابت، أما الباطل قد يكون موجوداً إلى حين، الشرق الذي رفع شعار لا إله، بقي سبعين عاماً ثم انهار، لأن الله سبحانه وتعالى كان يقول: ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ زهوق صيغة مبالغة، يعني أكبر باطل، معه قنابل نووية بعدد مخيف، انهار، ومليون باطل ينهار، مليون فكر منحرف، مليون عقيدة منحرفة، ومليون فرقة ضالة تنهار، ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾ فإذا بني البناء على الشاقول فهو بناء حق، لأنه موجود وسيستمر، أما إذا بني من دون شاقول هذا البناء باطل، لأنه الآن موجود ولكن سوف ينهار. "الحق" نقيض الباطل. "الحق" الشيء الموجود والثابت: شيء آخر: معك جهاز كهربائي (مروحة)، توجهت بهذه المروحة من أجل أن تعمل إلى مأخذ كهربائي، وضعت فيها القابس فما دارت، هذا المأخذ باطل، هو مأخذ على الشبكية لكن ما فيه كهرباء، توجهت إلى مأخذ آخر وضعت المقبس فدارت المروحة، نقول هذا المأخذ حق، واضح تمام ؟. "الحق" الشيء الموجود والثابت، والباطل قد يكون موجوداً إلى حين لكن لابدّ من أن ينتهي، لابدّ من أن يعدم. "الحق" الشيء الهادف المرتبط بأهداف نبيلة: الآن الآية الثانية: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الدخان ) أنتم تعلمون حينما يقام معرض لأسبوعين، معظم الأجنحة إن كان الوقت صيفاً من القماش، أو من ورق مقوى، من مواد رخيصة جداً، قضية أسبوعين، لكن حينما نبني جامعة، قد يستغرق بناءها عشر سنوات، هذا البناء وجد ليبقى، وله هدف كبير، هدفه الكبير إنشاء قادة للأمة، نشر العلم، تخريج علماء، أطباء، علماء نفس، علماء اجتماع، علماء تربية، علماء فلك، علماء رياضيات، علماء فيزياء، علماء كيمياء، تخريج مدرسين، موجهين، اختصاصين، خبراء في المعامل، هذا البناء له هدف كبير، له هدف عظيم، له هدف نبيل، أما السيرك ما أهدافه البعيدة ؟ يعمل قوة يمتع الإنسان، هذا البناء أسبوعين. فصار "الحق" الشيء الهادف، مرتبط بأهداف نبيلة، والعابث شيء ليس له هدف. أحياناً إنسان (يوجد تحريم بالموضوع) يلعب النرد للساعة الثالثة بالليل، يا ترى تَعَلّم ؟ ازداد علماً ؟ ازداد قرباً ؟ ارتقى مستواه ؟ ارتقى دخله ؟ ارتقى علمه ؟ ارتقت وظيفته ؟ مضيعة للوقت، نقول لعب النرد شيء عابث. أما أن تعكف على كتاب فتقرأه، كتاب أساسي في الدين، نقول شيء هادف، حينما تأتي إلى مسجد لتحضر درس علم نقول شيء هادف، مقدس، أما حينما ينطلق الإنسان إلى ملهى، شيء عابث، يستمع إلى مغنية، ويرى راقصة، هناك فرق كبير. فصار "الحق" الشيء الثابت، نقيضه الباطل، و "الحق" الشيء الهادف نقيضه العابث، "الحق" ليس عابثاً، وليس باطلاً، ثلاث آيات أعيدها على مسامعكم، الآية الأولى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ يعني الحق لابس خلق السماوات والأرض. الآية الثانية التي تفسر "الحق" ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ﴾ الباطل الشيء الزائل ﴿ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ الآية الثالثة: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ معاني الحق في اللغة: 1 ـ الشيء المستقر و الموجود و الثابت: أيها الأخوة، "الحق" في اللغة اسم فاعل، فعله حق يحق حقاً، يقال: حققت الشيء، أحقه حقاً، إذا تيقنت أنه موجود، "الحق" الشيء المستقر، والموجود، والثابت. 2 ـ المطابقة: "الحق" بمعنى المطابقة، كلامه حق يعني طابق الواقع، إنسان ارتكب عملاً جئنا بشاهد شهد، نقول شهادته حق، لأنها مطابقة للواقع. 3 ـ الشيء الذي لا يزول و هو خلاف الظلم: "الحق" الشيء الثابت، و "الحق" الذي لا يزول، و "الحق" هو العدل، و "الحق" خلاف الظلم، والاعتقاد بالحق الشيء المطابق للواقع، مثلاً: شخص قال: أعتقد أن البعث، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار حق لأن البعث سيكون، والثواب سيكون، والعقاب سيكون، والجنة ستكون، والنار ستكون. 4 ـ الإسلام: "الحق" في القرآن الكريم له استعمالات كثيرة، "الحق" هو الإسلام لأنه دين الواحد الديان. 5 ـ العدل: و "الحق" هو العدل. ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 58 ) 6 ـ الحكمة و الصدق و الحساب و الجزاء: و "الحق" هو الحكمة، العمل الحكيم عمل حق، والصدق، والوحي، والقرآن، والحقيقة، وأيضاً الحساب والجزاء: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ ( سورة النور ) 7 ـ الله سبحانه وتعالى متصف بالوجود الدائم لا شيء قبله ولا شيء بعده: الآن الله عز وجل هو "الحق"، "الحق" هو الله سبحانه وتعالى، لأنه متصف بالوجود الدائم، لا شيء قبله، ولا شيء بعده. ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 3 ) هو الباقي على الدوام إلى أبد الآبدين. 8 ـ المتصف بالوجود الدائم وبالحياة والقيومية: "الحق" هو المتصف بالوجود الدائم، وبالحياة والقيومية. ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 255 ) والبقاء، فلا يلحقه زوال، ولا فناء، وكل أوصاف "الحق" كاملة جامعة للكمال والجمال والعظمة والجلال، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ ( سورة الحج الآية: 62 ) بربكم كم ملة وكم اتجاه وكم طائفة ظهرت في الأرض ؟ كلها تلاشت والإسلام باقٍ كالطود الشامخ، لأن الإسلام حق، وأي فرقة ضالة باطلة، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ﴾ ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ ( سورة الحج ) 9 ـ "الحق" هو الذي يحق الحق بكلماته: و "الحق" هو الذي يحق الحق بكلماته، كلام الله حاسم، لذلك قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ ( سورة الشعراء ) القلب السليم، هو القلب الذي لا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله. إذاً يحق "الحق" بكلماته، ويقول "الحق"، إذاً وعده وعد حق، ودينه حق، وكتابه حق، وما أخبر عنه حق، وما أمر به حق. ﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ ( سورة يونس ) وفي قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 73 ) وفي قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ يعني هنيئاً لمن كان مع "الحق"، والويل لمن كان مع الباطل، هنيئاً لمن كان مع الثابت، والدائم، والباقي، والكامل، و "الحق" نقيض اللعب، والكامل. من كان مع الحق كان في قمة النجاح و التألق و الفلاح: أيها الأخوة، الملخص أن الله سبحانه وتعالى هو "الحق"، وكلامه هو "الحق" ووعده هو "الحق"، ووعيده هو "الحق"، وأفعاله هو "الحق". الإنسان حينما يكون مع "الحق" في قمة النجاح، في قمة التألق، في قمة الفلاح، في قمة الفوز، في قمة العقل، في قمة الذكاء، صار "الحق" الشيء الموجود، والباطل الشيء المفقود، "الحق" الشيء الموجود، والباطل الشيء المعدوم. في هذا المأخذ ليس هناك كهرباء، وضعنا قابس المروحة لم تدر، معناها باطل، في مأخذ آخر هذا حق. أيها الأخوة، كتوضيح "الحق" الشيء الموجود، واعتقاد وجود، واعتراف بوجوده، هو ما يعنيه "الحق"، والشيء المعدوم حينما يتوهم الإنسان شيئاً غير موجود ولا يطابق الواقع، يعني للتوضيح: ما هو العلم ؟ بتعريف مختصر الوصف المطابق للواقع، كل شيء خلاف الواقع جهل. أنا راكب مركبتي، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، إذا فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، هو الحقيقة تألق تحذيري، أن الزيت نقص في المحرك، إن فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، أما إذا فهمت هذا التألق فهماً تحذيرياً هذا فهم حق أوقفت المركبة فوراً، أضفت الزيت، تابعت الرحلة، حققت الهدف، فإذا فهمته فهماً تزيينياً احترق المحرك، وتعطلت المركبة، وألغي الهدف، ودفعت مبلغاً كبيراً جداً لإصلاح المحرك. العاقل من كان فهمه للأحداث فهماً حقيقياً لا فهماً موهوماً: البطولة أن يكون فهمك للأحداث فهماً حقيقياً لا أن يكون فهماً موهوماً، وأنا في بداية كل درس أقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، أنتم لا تتصوروا الجاهل لا يملك أية معلومات، معه معلومات كثيرة جداً لكن كلها غلط، تصوراته عن الكون، والحياة وما بعد الموت، كلها أشياء غير صحيحة، تصوره عن المرأة غير صحيح، عن الزواج يقول الزواج قيد، خليك حر، الإنسان أحياناً يكون معه مئات بل ملايين التصورات الخاطئة وهذا الخطأ في تصوراته سوف يهلكه. مثلاً: لو شخص توهم أن هذا الأستاذ، قبل الامتحان بيومين تقدم له هدية ثمينة يعطيك الأسئلة، أمضى العام الدراسي كله مرتاحاً، هذا التوهم باطل، فلما طرق بابه قبل الامتحان بيومين، ومعه هدية ثمينة، وطلب منه الأسئلة، صفعه صفعتين، وركله بقدمه، ورسب طبعاً، لأنه توهمَ توهماً باطلاً، أما لو علم أن الأستاذ نزيه، ولم يحابِ أحداً، هذا العلم هو الحق. توهم أن القاضي ينحاز بهدية أخرى، هذا وهم باطل، أخطر شيء بالحياة أن تعيش الباطل. الجاهل من توهم أن الشيطان أجبره على عمل ما و هو لا علاقة له: أيها الأخوة، مثلاً كلما زلت قدم إنسان يقول: الله يلعن الشيطان، الشيطان ما دخله، اسمع الآية: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 22 ) أنا ليس لي سلطة عليكم: ﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 22 ) شخص ذهب إلى مركز شرطة ليشتكي على إنسان، يرتدي ثياباً بيضاء جميلة جداً، غالية جداً، ووسائل رائعة، وقع في حفرة مياه سوداء آسنة، قال له: تشتكي على من ؟ قال له: على فلان، قال له: هل دفعك ؟ قال له: لا والله حرام ما دفعني، هل شهر عليك مسدساً، وقال لك انزل بها ؟ لا والله، قال له: هل أمسكك وأنزلك بها ؟ قال له: لا والله، لمَ تشتكي عليه ؟ قال لي: انزل، هذا يحتاج إلى مستشفى مجانين. وكل إنسان يظن أن الشيطان أجبره على عمل يكون واهماً، وجاهلاً. ﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 22 ) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ: الآن عندنا ملمح لطيف جداً في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 116 ) عندنا آيتان: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ ( سورة النساء الآية: 116 ) الآية الثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ ( سورة النساء ) ما وجدت مثلاً يوضح هاتين الآيتين كهذا المثل: نحن في دمشق، أحد التجار له مبلغ كبير جداً في حلب، واستحقاقه يوم السبت، الساعة الواحدة، ركب قطار حلب سيرتكب أخطاء كثيرة، ركب بعربة من الدرجة الثالثة وبطاقته من الدرجة الأولى، هذا غلط مع هذا الغلط القطار في اتجاهه إلى حلب، ركب مع شباب غير منضبطين، أزعجوه كثيراً بمزاحهم، وصياحهم، ونزاعهم، انزعج كثيراً، هذا خطأ أيضاً، لكن القطار في طريقه إلى حلب، كان جائعاً تلوى من الجوع، ولم يعلم أنه في عربة مطعم، هذا أيضاً خطأ ثالث ، ركب بعكس اتجاه القطار، أصيب بالدوار هذه غلطة رابعة، لكن القطار باتجاه حلب وسيكون في الساعة الثانية عشرة، وسيأخذ المبلغ، أما هناك خطأ لا يحتمل، خطأ لا يغفر أنه ركب قطار درعا، المتجه نحو الجنوب، هنا لا يوجد مليونا ليرة. الأحمق من اتجه إلى إنسان ضعيف لا يملك شيئاً و لم يتجه إلى الخالق سبحانه: ما هو الشرك ؟ أن تتجه إلى معدوم، إلى ضعيف، إلى محكوم من قبل الله عزّ وجل، حينما تتجه إلى الله، الله عنده كل الخير، عنده التوفيق، عنده السعادة، عنده الأمن، عنده التيسير لأمورك، عنده الحفظ، عنده التأييد، عنده النصر، عنده كل شيء وإذا اتجهت إلى غيره لا يوجد عنده شيء. ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 14 ) أحمق إنسان، أغبى إنسان، من يتجه إلى إنسان آخر. (( لو كنتُ متخذا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي )) [ أخرجه البخاري عن عبد الله بن عباس ] العاقل من يفهم الأحداث فهماًً توحيدياً لا فهماً أرضياً: أحياناً نحن نمر بأحداث خطيرة، وتقلبات سريعة، واختناقات، وانعطافات وظروف دقيقة، البطولة لا أن تطلع على الأخبار، أن تفهمها، لا أن تفهمها فهماً أرضياً أن تفهمها فهماًً توحيدياً. أذكر أنه قبل عشرين سنة، نشبت حرباً أهلية في بلد عربي، واستمرت عشر سنوات، وأودت بحياة مئتي ألف، وانتهت ولم ينتصر أحد، هناك تفسير لهذه الحرب الأهلية تفسير دولي: أن هذا البلد نما نمواً مالياً كبيراً جداً، حتى نافس المراكز المالية العالمية فالعالم الغربي هو الذي حطمه، هذا تفسير دولي، هناك تفسير آخر، تفسير طائفي: أنه في نزاع طائفي قديم من عام ألف و تسعمئة و ستين، هذا النزاع الطائفي من حين لآخر يرتفع فينشأ الخلاف، هذا تفسير طائفي، وهناك تفسير عربي أنه ساحة صراع بين القوى العربية المتنازعة، هذا تفسير ثالث، وهناك تفسير رابع، تفسير نسواني: أنه هذا البلد حكمته عين، لكن هناك تفسير قرآني: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ ( سورة النحل ) بطولتك أن تفهم الحدث فهماً توحيدياً، الزلزال حتماً اضطراب القشرة الأرضية لكن الزلزال فضلاً عن هذا التفسير القريب العلمي هو علاج إلهي، وعقاب إلهي. ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ ( سورة هود ) فالبطولة أن نفهم الأمور فهماً صحيحاً. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#65 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (59) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( القوي): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القوي". ورود اسم القوي في القرآن الكريم و السنة الشريفة: سما الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم "القوي" في كثير من النصوص القرآنية، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم معرفاً بأل، مقترناً باسم الله العزيز في موضعين، الأول قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ ( سورة هود ) وفي موضع آخر في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ ( سورة الشورى ) وورد أيضاً منوناً في خمسة مواضع منها قوله تعالى: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ( سورة الحج ) أما في السنة فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت عن يوم الخندق: (( وبعث الله عز وجل الريح على المشركين فكفى الله عز وجل المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً )) [رواه أحمد عن عائشة] تعريف القوي في اللغة: أيها الأخوة، "القوي" في اللغة صفة مشبهة للموصوف بالقوة، وقد قوي، وتقوى قوة فهو قوي، يقال: قوى الله ضعفك أي أبدلك مكان الضعف قوة، فالقوة نقيض الضعف، والوهن، والعجز، وهي الاستعداد الذاتي، والقدرة على الفعل، وعدم العجز عن القيام به، قال تعالى لسيدنا موسى (عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام) عن الألواح: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 145 ) أي خذها بقوة في دينك وحجتك، وقال جلّ جلاله لسيدنا يحيى عليه السلام: ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ ( سورة مريم الآية: 12 ) أي بجد، وعون من الله تعالى. الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك: أيها الأخوة، الله جلّ جلاله هو "القوي" بل هو "القوي" وحده، ولا قوي سواه، وكل قوة في الأرض مستمدة من قوة الله، كل قوة في الأرض في الذوات والأشياء مستمدة من قوة الله تعالى، تأييداً للمؤمنين، أو استدراجاً لغير المؤمنين، أو تسخيراً للجمادات، لحكمة بالغةٍ بالغة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، الآية الدقيقة أيها الأخوة، يحتاجها كل واحد منا، قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) العلماء قالوا: هناك حب في الله، وهناك حب مع الله، الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك، والفرق كبير بينهم، إنك تحب الله، محبة الله هي الأصل، من لوازم هذه المحبة أن تحبّ رسوله، أن تحبّ أنبياءه، أن تحبّ رسله، أن تحبّ أصحاب النبي جميعاً، أن تحبّ المؤمنين، أن تحبّ أولياء الله الصالحين، أن تحبّ زوجتك، أن تحبّ أولادك، أن تحبّ المساجد، أن تحبّ كتاب الله، أن تحبّ قراءته، أن تحبّ تفسيره، أن تحبّ فهمه، هذا حبّ في الله، هناك حبّ أصلي، وهناك فروع لهذه المحبة، أما الحب مع الله أن تحب جهة لا يرضى الله عنها، لكن مصلحتك مرتبطة بها، هذا حب مع الله، الأول عين التوحيد، والثاني عين الشرك، الآن: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) من أطاع إنساناً و عصى خالقاً أطاعه في معصية: الإنسان لا يقول إنني أحب فلاناً كحب الله، ليس في العالم الإسلامي من يجرؤ على أن يقول هذا، لكن البطولة أن تكون في مستوى هذا الكلام، الإنسان حينما يطيع إنساناً ويعصي خالقه، إنه أحله محلّ العبادة، أطاعه في معصية. فالعبرة لا في الألفاظ ولكن في السلوك، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم ألا تؤمن باليوم الآخر ؟ أنا أؤكد لكم أن واحداً من بين الستة آلاف مليون، أو بين المليار والنصف بالدقة لا يقول لا، يقول نعم، لكن هل في عمل المسلمين، أو في عمل بعض المسلمين، أو في عمل معظم المسلمين ما يؤكد أنه مؤمن بالله واليوم الآخر ؟ الذي يأكل المال الحرام جهاراً نهاراً لا يؤمن باليوم الآخر إيماناً حقيقياً، يؤمن باليوم الآخر إيماناً شكلياً هذا التكذيب العملي خطير جداً، الذي يطيع زوجته ويعصي ربه، الذي يغش المسلمين من أجل مبالغ معينة، يراها أكبر من الله، فلذلك: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) الله عز وجل أصل الجمال و الكمال و النوال: الآن النقطة الدقيقة: أن هذا الإنسان حينما عصى الله عز وجل لماذا ؟ من أجل بيت فخم، من أجل امرأة جميلة، من أجل سيارة فارهة، من أجل منصب رفيع، لماذا يعصي الله ؟ أُخذ بجمال هذه المرأة، أُخذ بفخامة هذا البيت، أُخذ بنعومة هذه المركبة، إذاً هو الذي دفعه إلى أن يعصي الله الجمال، وقد غاب عنه أن الجمال الحقيقي عند الله، لأنه أصل الجمال، وغاب عنه أن الكمال الحقيقي عند الله، أن القوة الحقيقية عند الله، وأنه أصل كل قوة، والإنسان كما تعلمون مفطور على حبّ الكمال، والجمال، والنوال، بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن يعلم علم اليقين أن أصل الجمال، وأصل الكمال، وأصل النوال، هو الله، تعلق بالأصل وترك الفرع، بينما غير المؤمن تعلق بالفروع، تعلق بكائن قوي، ونسي قوة الله، تعلق بكائن جميل الصورة، ونسي جمال الله، وهكذا، الآية ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾ الله عزّ وجلّ منح الإنسان أشياء لا تعد و لا تحصى: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) كأن القوة هنا تعطي ملامح ثلاثة، قوة في الجمال، أو قوة في الكمال، أو قوة في النوال (العطاء)، الله المعطي، منحك الوجود، منحك نعمة الإيجاد. ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾ ( سورة الإنسان ) منحك قوة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، منحك عقلاً، منحك سمعاً وبصراً، منحك محاكمة، منحك زوجة، منحك أولاداً، منحك حرفة تتكسب بها، منحك أشياء لا تعد ولا تحصى، ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ ﴾ ﴿ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 165 ) أسعد لحظات المؤمن عند لقاء ربه تعالى: ![]() لذلك أيها الأخوة، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، أي شيء تحبه لابدّ من أن يفارقك، أو أن تفارقه، شخص يحب امرأته حباً لا حدود له، لابدّ من أن يموت قبلها، أو تموت قبله. إذاً إذا أحببت ما سوى الله الفراق حتمي، الله عز وجل حي باقٍ على الدوام لذلك الصحابة الكرام، قرأت عنهم كثيراً، وجدت ملمحاً خطيراً أنهم جميعاً بينهم قاسم مشترك واحد، وهو أنهم كانوا في أسعد لحظات حياتهم عند لقاء ربهم، والقياس هو الموت هل تستطيع أن ترى الموت تحفة ؟ أن ترى الموت عرساً ؟. والله الذي لا إله إلا هو وا كربتاه يا أبتِ، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه. هل يوجد حدث مستقبلي بحياتنا جميعاً أقوى من الموت ؟ هل يستطيع شخص من بني البشر بما فيهم الملوك والأنبياء أن ينجو من الموت ؟ أبداً، أخطر حدث مستقبلي مغادرة الدنيا، من هو العاقل ؟ من هو الذكي ؟ من هو الموفق ؟ من هو الفالح ؟ من هو الناجح ؟ الذي يتكيف مع هذه اللحظة. الله جلّ جلاله سما ذاته العلية باسم "القوي" لأنه : 1 ـ موصوف بالقوة لا يغلبه غالب: أيها الأخوة، "القوي" سبحانه وتعالى هو الموصوف بالقوة، والإنسان في أصل فطرته يعجب بالـ "القوي"، أنت اجلس بمجلس، هناك عشرة رجال، أحدهم قوي جداً يتمتع بمنصب رفيع، تجد الحاضرون كلهم تنعقد أبصارهم عليه، ينظرون إليه هكذا، يسألونه، خطف الأبصار كلها لأنه قوي، و هناك إنسان آخر خطف الأبصار كلها لأنه غني، وهناك إنسان أنيق جداً، وسيم الطلعة، وجهه لطيف، الناس كلهم ينظرون إليه، الجمال، والكمال، والنوال يجلب الأنظار،فكيف إذا علمت أن كل جمال في الكون مسحة من جمال الله، وكل كمال في البشر مسحة من كمال الله ؟ شخص أعطاك مركبة، لكن الله منحك زوجة، منحك أولاداً، منحك أجهزة دقيقة جداً. لذلك الله سبحانه وتعالى موصوف بالقوة، وصاحب القدرة المطلقة، لا يغلبه غالب، وإن كان كلمة مؤلمة أحياناً: الإنسان يتعلق بالقوي ولو كان عدوه، قوي، أمره نافذ ، يتكلم ينفذ، تجد حتى الدول التي تهزم من قبل الأقوياء القوي مع أنه عدو لكن ينتزع إعجاب الأفراد المهزومين، فكيف بك إذا تعلقت بأقوى الأقوياء، تعلقت بالـ"القوي" الحقيقي وقوته يمكن أن تنتفع بها، أنت قوي إذا كنت مع القوي، وأنت غني إذا كنت مع الغني وأنت عالم إذا كنت مع العالم، وأنت حكيم إذا كنت مع الحكيم. 2 ـ قوي في فعله قادر على إتمامه: قضية أسماء الله الحسنى أنا أرى أنها من أخطر الموضوعات في الدين، الإنسان ضعيف، يقوي ضعفه بالله، يصبح قوياً، والإنسان جاهل يلغي جهله بمعرفة الله، الإنسان أحياناً ما عنده حكمة يكون حكيماً إذا اتصل بالله. إذاً الله جلّ جلاله لا يغلبه غالب، ولا يرد قضاؤه راد، ولا يمنعه مانع، ولا يدفعه دافع، وهو "القوي" في فعله، القادر على إتمام فعله، أحياناً إنسان يبدأ لكن لا يتابع هناك عقبات كأداء حالت بينه وبين المتابعة. 3 ـ قوي في بطشه لا يعتريه ضعف أو قصور: ![]() "القوي" في بطشه، أحياناً إنسان طاغية يتفنن في إذلال العباد، تأتي قدرة الله عز وجلّ فيبطش به، ترتاح النفوس، وسبحان من قهر عباده بالموت، مطلق المشيئة والأمل في مملكته، والله هو "القوي" سبحانه، لا يعتريه ضعف أو قصور، قيوم لا يتأثر بوهم أو فتور، ينصر من نصره، ويخذل من خذله. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 7 ) هناك هدف للمسلمين الآن يفوق من أن ننتصر على أعدائنا وما أكثرهم ؟ أكبر هدف الراحة لنا أن ننتصر، أن نستمع أننا أقوياء، وانتصرنا، النصر بيد الله، وثمنه بيدنا الثمن أن ننصر الله، أن ننصر دين الله، ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 160 ) وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك ؟ 4 ـ كتب الغلبة لنفسه فقط: و "القوي" سبحانه، الذي كتب الغلبة لنفسه فقط، بالمناسبة: أحياناً تأتي كلمة كتب مقترنة بفعل الله، الله عنده كتابة ؟ نحن بني البشر نكتب، لماذا ؟ الشيء إذا موثق بالكتابة مريح، يقول لك: معي سند، معي موافقة خطية، معي إيصال، معي عقد ، الإنسان من ضعفه بحياته هناك اتفاقات شفهية، و اتفاقات كتابية، أي اتفاق شفهي يُنكر، أما الكتابة ثابتة، فالله عز وجل مراعاة لعقليتنا يقول: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 54 ) اطمئن. ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ ( سورة المجادلة الآية: 21 ) إذا جاءت كلمة كتب مقترنة بفعل الله عز وجل كي يطمئن عباده، الآية: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ هذه آيات زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق: ﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ( سورة المجادلة ) ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ( سورة غافر الآية: 51 ) ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 160 ) ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ ( سورة الصافات ) ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الروم ) والله أيها الأخوة، هذه آيات زوال الكون أهون على الله من ألا تتحقق، لكن الكرة في ملعبنا، علينا أن ننصر الله حتى نستحق نصره، أنا أعود وأقول دائماً: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، والحديث الشريف: (( هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ )) [ البخاري عن مصعب بن سعد ] إذا نصرنا الضعيف، الفقير، الجائع، المظلوم ينصرنا الله عز وجل. 5 ـ موصوف بالقوة المطلقة: ![]() "القوي" هو الكامل، القدرة على كل شيء، الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والموصوف بالقوة المطلقة، قال تعالى: ﴿ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ ( سورة الحج ) ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ ( سورة طه ) أنت حينما تقول في الصلاة: سمع الله لمن حمده، يعني أنا أسمعك يا عبدي. (( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ )) [ مسلم عن أبي هريرة] (( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً )) [أخرجه البخاري وابن خزيمة عن أبي هريرة ] وأنا أبشركم: (( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح )) [ أحمد] فإذا أدركت العشاء والفجر في المسجد في جماعة فقد أخذت ضمانة من الله في اليوم بأكمله. 6 ـ متناهٍ في القوة: ![]() "القوي" المتناهي في القوة، الذي تتصاغر كل قوة أمام قوته، يعني زلزال تسونامي يساوي مليون قنبلة ذرية، هناك جزر انزاحت، هناك حديث طويل عن هذا الزلزال هذا مثل لقوة الله عز وجل. يتضاءل كل عظيم عند ذكر عظمته، الله تعالى أعطى الملائكة قوة كبيرة يستطيع الملك بها أن يقتلع الجبال، وأن يقلب المدن، يقول لك: سبعة رختر، يعني دمر كل شيء مدينة بأكملها، أصبحت: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ ( سورة طه ) زلزال وقع في إزميت بتركيا هناك صورة عُرضت في البي بي سي، في الموقع بالانترنيت تلفت النظر كل شيء في المدينة أصبح ركاماً، تفتت المدينة فتاتاً عجيباً إلا مسجداً، ومعهداً شرعياً، هذه الصورة تركت أثراً بالعالم، إزميت بأكملها أصبحت ركاماً، أحياناً يكون في قطع كبيرة، كل هذه المدينة قطع صغيرة، الارتفاع متر تقريباً، إلا مسجداً معهداً شرعياً، هذه رسالة من الله. 7 ـ له كمال القدرة والعظمة ولا يعجزه شيء: "القوي" هو الذي له كمال القدرة والعظمة، ولا يعجزه شيء، قال العلماء: "القوي" غالب لا يُغلب، يُجير ولا يُجار عليه، فقوته فوق كل قوي، ما قولك أن تكون مع هذا "القوي" ؟ هل تخشى أحداً ؟ هل ترتعد فرائصك ؟ إذا كنت مع "القوي" فأنت "القوي". من عرف الله زهد فيما سواه: الإنسان أيها الأخوة، يعجب بالقوة، ويتأثر بالكمال، وأحياناً يتطلع إلى الأقوياء، والله سبحانه وتعالى من عظمته جلّ جلاله يجمع بين القوة وبين الكمال. ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ ( سورة الرحمن ) الرحيم، الرحمن، اللطيف، المعطي، الحنان، المنان، هذه أسماء الكمال ، القوي، الجبار، المنتقم من أسماء القوة، أنت مع قوي ومع رحيم، مع قوي ومع لطيف ، مع قوي ومع كريم. والإنسان لا يعجب بقوي لئيم، ولا بمحسن ضعيف، يعجبه أن تجتمع القوة والكمال في جهة واحدة، الله وحده في كمالاته، وفي قوته، ما يملأ طموح الإنسان، لذلك من عرف الله زهد فيما سواه. أيها الأخوة، التدين حاجة فطرية، حتى أتباع الديانات الأرضية، الوضعية يلبون حاجة في نفوسهم، الإنسان خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، حتى أتباع الديانات الباطلة، الوضعية، المختلقة، هم يلبون حاجة لأن الإنسان خلق ضعيفاً، لحكمة بالغةٍ بالغة أن المسلم عرف "القوي" الحقيقي ، طبعاً هناك آلهة كالشمس، والقمر، والحجر، والمدر، والبقر، آلهة في بعض البلاد، فالمسلم من عظمة هذا الدين أنه تعرف إلى الإله القوي الحقيقي، الذي هو معه. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#66 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (60) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: (المتين): أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المتين". ورود اسم المتين في القرآن الكريم و السنة الشريفة: الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية بالـ"المتين"، وقد ورد هذا الاسم في آية واحدة في القرآن الكريم، ورد معرفاً بأل في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ ( سورة الذاريات ) وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة من حديث عبد الله بن مسعود حينما قال: (( أقْرَأَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ )) [أخرجه أبو داود والترمذي ] تعريف المتين في اللغة: أيها الأخوة، "المتين" في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، للموصوف بالمتانة و "المتين" هو الشيء الثابت في قوته، أحياناً يوجد قوة طارئة تزول، أما القوة الثابتة الأبدية تعني المتانة، الشيء الثابت في قوته، الشديد في عزمه وتماسكه، والواسع في كماله وعظمته، ومتن، يمتن، متانة، أي قوي مع صلابة واشتداد. ويلحق بمعنى "المتين" معنى الثبات، والامتداد، ويكون "المتين" بمعنى الواسع. الآن المتن من كل شيء ما صلب ظهره، والجمع مُتون، تقول متن الحديث وأصل المادة في اللغة يدل على صلابة الشيء مع امتداد وطول، والمتن المنطقة الصلبة من الأرض، والمرتفعة، أرض متينة أي صلبة ومرتفعة. و "المتين" الشيء الممتد الطويل مع الإحكام، ومع القوة، و "المتين" على وزن فعيل. الله عز وجل لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماوات: أيها الأخوة، الآن إذا قلنا الله جلّ جلاله هو "المتين" هو كامل القوة، هناك إنسان قوي لكن قوته ليست كاملة، أما جلّ جلاله: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) الكامل القوة، الذي بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماوات، قوة ثابتة، قوة مستمرة، قوة ممتدة، في أي مكان، في أي زمان، في أي عصر. والله هو "المتين" البالغ الشدة، فالله شديد القوة والقدرة، والله متم قدرته، وبالغ أمره. أيها الأخوة، أنت حينما تكون مع "المتين" تشعر بالقوة، تشعر أن أحداً لن ينال منك، تشعر أنك في حفظ الله، تشعر أنك في رعاية الله، تشعر أنك في عين الله. من كان مع المتين رفع الله له ذكره و شعر أنه في رعاية الله عز وجل: بالمناسبة أيها الأخوة، في قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ( سورة الطور الآية: 48 ) يجب أن نعلم علم اليقين أن أية آية وجهت للنبي عليه الصلاة والسلام لكل مؤمن منها نصيب، بقدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، فإذا خاطب الله النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي برعايتنا، بحفظنا، بتأييدنا، بتوفيقنا، فيا أيها المؤمن لك من هذه الآية نصيب، حتى إذا قال الله عز وجل: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ ( سورة الشرح ) وأنت أيها المؤمن حينما تخطب ود الله عز وجل يرفع الله لك ذكرك، أية آية تقرؤها في القرآن الكريم وهي موجهة إلى النبي عليه أتم الصلاة والتسليم لك منها نصيب، بقدر إيمانك، وبقدر استقامتك، وبقدر إخلاصك. شروح اسم المتين: الله هو "المتين" الكامل القوة، الذي بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء لا في الأرض، ولا في السماوات. والله هو "المتين" البالغ الشدة، والله شديد القوة، والقدرة، والله متم قدرته وبالغ أمره. والله هو "المتين" المتناهي في المتانة، يؤثر في الأشياء، ولا تؤثر به. والله هو "المتين" هو القوي في ذاته، الشديد الواسع، الكبير المحيط، فلا تنقطع قوته ولا تتأثر قدرته. والله هو "المتين" هو القوي الشديد، المتناهي في القوة والقدرة، الذي لا تتناقص قدرته. أنت لاحظ إنسان بالستين غير الأربعين، بالأربعين غير بالثلاثين، كلما تقدمت به السن تناقصت قدرته. أيها الأخوة، والله هو "المتين" الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة، أنت قوي لكن هناك حدود لقوتك، بعد جري 30 كم تصاب بالإعياء، إذا قلنا الله "المتين"، يعني قدرته بالغة الشدة، لا نهاية لها. والله هو "المتين" الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة، ولا كلفة، ولا تعب. والله هو "المتين" أي بالغ القدرة وتامها، وهو شديد القوة "المتين". هذه الشروح لاسم "المتين"، إذاً شرحنا اسم الله الذي سمى ذاته العلية، ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ ردّ الله سبحانه وتعالى على كيد الظالم بتدبير حكيم يحمي به المؤمنين: أيها الأخوة، الآن في موضوع جديد متعلق بالـ"المتين" حينما قال الله عز وجل : ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ( سورة الأعراف ) الكيد هو التدبير، هناك آية ثانية: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾ ( سورة الطارق ) أولاً ما كل اسم فاعل يمكن أن يكون اسماً لله عز وجل إذا اشتق من فعله ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾ ﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ ( سورة الطارق ) لا يجوز أن تقول إن الله كائد، قال علماء البلاغة: هذا يسمى المشاكلة يعني أعداء الله عز وجل قد يكونون أقوياء، ويخططون، ويمكرون، ويكيدون، والله سبحانه وتعالى يرد على كيدهم الظالم بتدبير حكيم يحمي به المؤمنين، هذا التدبير الحكيم الذي يحمي به المؤمنين يسمى كيداً ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ سماه الله كيداً تسمية مشاكلة. بعض علماء البلاغة يأتي بشاهد على المشاكلة سألوه: أنطبخ لك طعاماً ؟ قال اطبخوا لي جبة وقميصاً، فجعل الجبة والقميص تُطبخان كما يطبخ الطعام من باب المشاكلة. الله عز وجل يدافع عن المؤمنين فمن كان مع الله كان الله معه: قضية المشاكلة ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ﴾ يتآمرون، يخططون، يوقعون الشر بالناس، لكن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين. ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 257 ) فإذا تابع أعداء الله كيداً ظالماً لئيماً، فالله عز وجل يدبر تدبيراً حكيماً عادلاً رحيماً، يحمي به المؤمنين، من باب المشاكلة سمى الله جل جلاله تدبيره الحكيم، الذي يحمي به المؤمنين سماه كيداً من باب المشاكلة، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ يستنبط من هذا الآية الكريمة التي تؤكد أن الله يدافع عن الذين آمنوا والآية واضحة، وقطعية الدلالة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ ( سورة الحج الآية: 38 ) فإذا كنت مع الله كان الله معك. كن مع الله ترى الله معك واتـرك الكل وحاذر طمعك و إذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطـي إذا ما منعك * * * الله عز وجل مع المؤمنين بالتأييد والتوفيق والنصر: أيها الأخوة الكرام، قال العلماء: الله مع كل مخلوق، سمى العلماء هذه المعية: معية عامة. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 4 ) معكم بعلمه، لكن هناك معية خاصة، إذا قال الله عز وجل : ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنفال ) ﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ ( سورة البقرة ) ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ( سورة البقرة ) قال: هذه معية خاصة، ما تعني المعية الخاصة ؟ المعية الخاصة تعني الحب ، والتأييد، والتوفيق، والنصر، لهذا أنا أقول دائماً: إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ (( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء )) [ مختصر تفسير ابن كثير ] الله جلّ جلاله سمى تدبيره الحكيم الذي يحمي به المؤمنين كيداً من باب المشاكلة: الحقيقة أحياناً الإنسان تأتيه بعض الشدائد، وقد قال بعض العلماء: كن عن همومك معرضا وكِل الأمور إلى القضــا وأبشــر بخير عاجـل تنسى به ما قـد مضــى فلــرب أمر مسـخط لك فــي عواقبه رضــى * * * ولـربما ضاق المضيق ولربما اتسع الفضـــا الله يفـــعل ما يشاء فلا تكن معترضـــــا الله عودك الـــجميل فقس على ما قد مضــى * * * أيها الأخوة، إذا ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ تدبيري الذي أرد به على كيد الكافرين أحمي به المؤمنين، الله سماه كيداً، إذاً لا يجوز أن تقول إن الله كائد، لأن هنا الكيد كيد مشاكلة. أنطبخ لك طعاماً ؟ قال: اطبخوا لي جبة وقميصاً، الجبة والقميص لا تطبخان لكن تخاطان فسمى هذا الإنسان خياطة الجب والقميص طبخاً، مشاكلة لكلمة نطبخ لك طعاماً ؟ قال: اطبخوا لي جبة وقميصاً. الإنسان مهما كان قوياً لن يستطيع أن يتفلت من قبضة الله تعالى: أيها الأخوة، لكن ما معنى "المتين" ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ المعنى أن الإنسان في قبضة الله، ولم يستطع أحد أن يتفلت من قبضة الله. ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ ( سورة الأنفال ) إنسان مهما كان قوياً، مهما توهم أنه قوي، لا يستطيع أن يتفلت من قبضة الله. أيها الأخوة الكرام، كما تعلمون بالفيزياء الشيء الذي يقاوم قوى الشد يوصف بالمتانة، والشيء الذي يقاوم قوى الضغط يوصف بالقساوة، أقسى عنصر في الأرض الألماس، يأتي بعده بناء الأسنان، فمقاومة قوى الضغط توصف بالقساوة لكن مقاومة قوى الشد توصف بالمتانة، أمتن عنصر في الأرض الفولاذ المضفور، التل فريك، والمصاعد، والجسور المعلقة تصنع من الفولاذ المضفور، لكن كلمة ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ يعني أنت مربوط بحبل من الفولاذ المضفور، مهما كنت قوياً لا تستطيع أن تتفلت من قبضة الله من هنا كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك وجميع سخطِك )) [ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ] الإنسان يكون بأوج نشاطه، وقوته، خثرة في الدماغ أصبح طريح الفراش ، قد يضيق شريانه التاجي، يدخل في متاهة كبيرة، قد تنمو خلاياه نمواً عشوائياً، ورم خبيث، قد يتعطل كبده، تشمع بالكبد، قد تتعطل كليتاه، فشل كلوي، فأنت في قبضة الله، لا تقل أنا في أية لحظة تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يطاق. التعامل مع الله عز وجل له قواعد من طبقها كسب رضاه: لكن أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة جداً وهي: أن التعامل مع الله تعامل مقنن بقوانين، أحياناً تتعامل مع إنسان رئيس بدائرتك، مدير عام، يقول لك مزاجي، سويعاتي، لا تعرف متى يرضى، ولا متى يغضب، يغضب بلا سبب أحياناً، ويرضى بلا سبب فالتعامل معه صعب جداً، أما في مدير عام آخر عنده قواعد، الدوام عنده شرط، والإنجاز شرط، حسن العلاقة مع الآخرين شرط، فأعطاك قواعد، إذا طبقتها تكسب رضاه هذا شيء مريح جداً. فالله عز وجل، هناك أشياء واضحة جداً، الله يحب الصادقين، يحب التوابين ، يحب المتطهرين، يحب المحسنين، هناك قواعد ثابتة بالتعامل مع الله عز وجل. إذاً ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ أي إن تدبيري حكيم، أحمي به المؤمنين، من دون أن تشعر أن الله لا يتخلى عنك ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ معية عامة، أما ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ مع الصادقين ﴿ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ هذه معية خاصة. الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة والابتلاء: الآن الكيد، دققوا فيما سأقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء بقصد الإساءة والابتلاء، أو المعاقبة والجزاء، إذا قلنا كيد تدبير ليس في العلن، ليس نهاراً جهاراً، ليس على ملأ من الناس، الكيد تدبير في غرفة في قبو، في مكان مظلم، بعيد عن الناس، الكيد على إطلاقه هو التدبير في الخفاء، بقصد الإساءة والابتلاء، أو المعاقبة والجزاء، وقد يكون عيباً مذموماً إذا كان بالسوء في الابتداء. إنسان قوي، يريد أن يأخذ ما ليس له، وعمل خطة، هذا كيد يوصف بالسوء أو يذم، لأنه بدأ بالسوء، وقد يكون محموداً، مرغوباً إذا كان مقابلاً لكيد الكافرين والسفهاء إذا عُزي الكيد إلى الله فهو تدبير حكيم، عادل، حماية للمؤمنين، أما إذا عُزي الكيد إلى البشر تكون جهة قوية، تخترع مشكلة، تخترع أزمة، تخترع ببلد معين تطمع في ثرواته مشكلة طائفية، تثيرها، ثم تحتل هذا البلد، هذا كيد الكافر كيد يوصف بالذم والانحراف. قال: فإذا كان الكيد عند إطلاقه كمالاً في موضع، إذا قلنا كيداً، كمال في موضع، ونقص في موضع آخر، فلا يصح إطلاقه بحق الله، من دون تخصيص، مادام في كيد مطلق، يكون مدحاً تارةً، وذماً تارةً أخرى، لا يصح أن ينسب إلى الله، إلا أن تخصصه. تعهد الله عز وجل بهداية عباده: أيها الأخوة: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ ( سورة الأعراف ) الله عز وجل من سننه أنه يهدي عباده، لأنه تعهد بهداية عباده، وحيث ما جاءت كلمة على، على إذا جاءت مع لفظ الجلالة تعني الإلزام الذاتي. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ ( سورة النحل الآية: 9 ) يعني على الله أن يبين سبيل القصد. ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ ( سورة الليل ) أي ألزم ذاته العلية بهدى خلقه، حتى لو أن إنساناً فيه واحد بالمليار من الخير يسمعه الحق والدليل: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 23 ) فحيث ما جاءت كلمة على مع الذات الإلهية تعني أن الله ألزم نفسه بهداية الخلق. الله عز وجل قوي وكامل: إذاً حينما يقول: ﴿ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ أي إن تدبيري حكيم، وإن هذا الإنسان المتفلت البعيد عن منهج الله، ولو بدا قوياً جداً، ولو بدت قوته لا تخفى، ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ ( سورة فصلت الآية: 15 ) أي ما كان فوق عاد إلا الله، الآن النبي عليه الصلاة والسلام حينما تنزل النوازل والنوازل من سنة الله في خلقه، كان يقول: (( لا إله إلا الله الرحمن الرحيم )) الله قوي وكامل، هناك إنسان قوي غير كامل، و إنسان كامل غير قوي، لكن ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ الله عز وجل قوي وكامل، فكان عليه الصلاة والسلام إذا نزلت نازلة يقول: (( لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين )) قال: هذا دعاء، الثناء دعاء، سيدنا يونس لما وجد نفسه فجأة في بطن الحوت قال: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) أيها الأخوة الكرام، في درس قادم إن شاء الله نتابع شرح اسم الله المتين. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#67 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (61) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الشكور): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الشكور". ورود اسم الشكور في القرآن الكريم مقترناً باسم الغفور و الحليم: الله جلّ جلاله سمى ذاته العلية باسم "الشكور" قال تعالى: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ( سورة فاطر ) يعني غفور للذنوب، شكور للأعمال الصالحة، وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الغفور في موضعين، تقدم الأول منهما، والثاني في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ( سورة فاطر ) وقد ورد هذا الاسم مقترناً باسم الحليم في قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ( سورة التغابن ) ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ إن وقعت في الذنب فهو غفور، وإن عملت عملاً طيباً فهو شكور، إن عملت عملاً صالحاً فهو شكور، وإن زلت القدم فهو حليم ﴿ لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ﴿ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ علامة إيمان المسلم أنه في كل الأحوال بين الصبر والشكر: هناك آية أخرى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ ( سورة إبراهيم ) يجب أن تكون أيها المؤمن صباراً شكوراً، أي ينبغي أن تشتق من كمال الله كمالاً تتقرب به إليه، يبغي أن تكون صباراً شديد الصبر عند المصيبة، شديد الشكر عند العطاء، فأنت بين حالين، حالٍ تتمنى ألا يكون كن صبوراً، وحالٍ تتمنى أن يدوم كن شكوراً، المؤمن ﴿ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ والإيمان نصف صبر، ونصف شكر، وقال عليه الصلاة والسلام: (( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن )) [أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ] أروع ما في هذا الإيمان العظيم أنك في كل الأحوال إن كانت الأمور على خلاف ما تشتهي فأنت صبور، وإن كانت وفق ما تشتهي فأنت شكور. (( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك لأن عطائي كلام، واخذي كلام ـ فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ـ شكور ـ ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ )) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ] صبور، علامة إيمانك أنك في كل الأحوال بين الصبر والشكر، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان أديباً مع الله، قال له: (( يا رب إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي )) [رواه الطبراني عن عبد الله بن جعفر] الإنسان مخير لا مسير: أيها الأخوة: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 18 ) الإنسان مخير، والعاجلة هي الدنيا. ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾ ( سورة الإسراء ) الآن دقق: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ ( سورة الإسراء ) أنت مخير، اطلب ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق. الله سبحانه وتعالى لا يتعامل بالتمنيات يتعامل بالصدق: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ ﴾ وكان صادقاً في طلبها، وعلامة صدقه: ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾ ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾ وأصر عليها، وألح عليها ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ بالقدر الذي نشاء، وللإنسان الذي نريد، الله عز وجل يعلم ما إذا كان صادقاً في طلبها، مصراً عليها، أم على مستوى التمنيات، والتمنيات بضائع الحمقى، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 123 ) أي خطوة نحو إرضاء الله تعالى يمنحه الله من خلالها التوفيق والتيسير والسعادة: هذا الاسم العظيم ورد في السنة بالمعنى، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول الله عز وجل : (( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ـ الله شكور ـ ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه، وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة )) [ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ] لمجرد أن تتحرك نحو الله، أن تتقرب إليه، وأن تخطب وده، أن تغض بصرك، أن يصدق لسانك، أن تُحسن إلى فقيره، أن ترعى يتيماً، أن تنقذ حيواناً صغيراً من الهلاك، لمجرد أن تتقرب إلى الله بعمل، والله عز وجل يرد عليك بالإحسان، بالقبول، كيف ما تحركت، أية حركة نحو الله، ترى الرد سريعاً وإيجابياً، وأضعافاً مضاعفة، وما من أخ كريم، إلا وله مع الله تجربة، إن أنفق من ماله يضاعف الله له أمواله، إن أعان ضعيفاً أعانه الله إلى من هو أقوى منه، إن أطعم مسكيناً غمره الله من فضله. الحديث أي حركة، أي خطوة نحو إرضاء الله ترى خطوات، ترى التوفيق ، ترى التيسير، ترى الأمن، ترى الرضا، ترى السعادة، ترى الحكمة، والله عز وجل ينتظرنا، وسمّ كل عمل صالح قرضاً له. ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 245 ) لو أطعمت هرة هذا قرض لله، وإن وضعت اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة، وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تلقى أخاك بوجه طلق هو لك صدقة. من شكر الله عز وجل ربح الدنيا و الآخرة: الله شكور، يعني أقل مؤمن إذا قُدم إليه عمله طيب لا يسعه إلا أنه يشكر، إذا شخص أزاح لك في مجلسه، تقول له: شكراً، أنت عبد، وأنت لا تحتمل أن يقدم إليك عمل صالح إلا وأن تعبر عن شكرك له، فالذي خلق الإنسان، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، يعني ترعى عباده، تهتم بعباده، تصدق مع عباده، تحسن إلى عباده ، تنصح عباده، تُكرم عباده، ولا ترى منهم الشكر ؟ هو شكور. لا يوجد إنسان أذكى، ولا أعقل، ولا أكثر فلاحاً، ونجاحاً، وذكاءً، ممن يتاجر مع الله، يتاجر مع الله، أنت بالتجارة المألوفة يقول لك ربحنا 38%، غير معقول، الأرباح 12 ـ 13 ـ 9 ـ 8 ـ 7 ـ 5 أحياناً، يعني إذا قلنا 28 ربح غير معقول ! إذا تاجرت مع الله الواحد بالمليار. معاني اسم الشكور في اللغة العربية: أيها الأخوة، "الشكور" في اللغة على وزن فعول، وفعول من صيغ المبالغة من اسم الفاعل شاكر، شاكر شكور، فعله شكر، يشكر، شكراً، وشكوراً، وشكراناً ، ثلاثة مصادر، أصل الشكر الزيادة، والنماء، والظهور، وحقيقة الشكر الثناء على المحسن بذكر إحسانه. أيها الأخوة الكرام، المؤمن شكور، أي شيء قُدم له، أي خدمة، أي هدية يشكر عليها إما بلسانه، أو بقلمه، أو برسالة، أو بابتسامة، أو بعمل طيب، أو بهدية مكافأة، من صفات المؤمن تعظم عنده النعمة مهما دقت، إنسان قدم لك شيئاً، لابدّ من أن تشكر، لابدّ من أن تعبر عن شكرك له، بأي طريقة، أما شكر العبد على الحقيقة: هو إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان. الإنسان الشاكر هو الإنسان الذي يقرّ بنعم الله عز وجل بقلبه: من هو الشاكر ؟ الذي يقر بنعم الله بقلبه، يعني الله عز وجل أكرمك بشهادة عليا والآن طبيب أنت، لك اسمك، لك دخل معقول جداً، وفوق المعقول، والناس يحترموك لك زوجة وأولاد، فالطبيب المؤمن كلما دخل إلى عيادته، أو إلى منزله يا رب لك الحمد هيأت لي أسباب الدراسة العليا، هيأت لي هذه المكانة، هيأت لي هذا الدخل، رزقتني هذه الزوجة الصالحة، رزقتني الأولاد. فالمؤمن من علامة إيمانه دائماً يذكر فضل الله عليه، وغير المؤمن يقول: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ ( سورة القصص الآية: 78 ) أما درست، نعم، خير إن شاء الله ! هناك من يدرس ولا ينجح، أنا تعبت حصلت هذا بكدي وعرق جبيني، ممكن هذا كلام بعد عن الله عز وجل ، كلما تقدمت في طريق الإيمان رأيت نعمة الله عليك، فتجاوزت النعمة إلى المنعم، من هو المؤمن ؟ المؤمن تجاوز النعمة إلى المنعم، من هو غير المؤمن ؟ الذي بقي عند النعمة، يستمتع بالبيت ، يستمتع بالطعام، بالشراب، يستمتع بالزوجة والأولاد، يستمتع بالمركبة الفارهة، يستمتع بمكانه العالية في المجتمع، وينسى فضل الله عليه. نعم الله عز وجل على الإنسان لا تعد و لا تحصى: لكن: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 7 ) بعد ذلك: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 34 ) الآية تحير، لو أعطيتك ليرة واحدة، قلت لك عدها، لو كم أعدها، أما ليرة واحدة، الآية الكريمة: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 34 ) لن تستطيع إحصاء الخير والبركة بنعمة واحدة، نعمة البصر، إذا شخص الله رزقه أولاد، وجاءته الهدايا، أراد أن يكون دقيقاً يكتب كل هدية من جاء بها، حتى يردها، يا ترى أيهما أهون أن تحصي هذه الهدايا، أم أن تردها ؟ الإحصاء سهل جداً، قلم وورقة هذه من مَنْ ؟ من فلان، أما كل واحد يحتاج أن تنزل إلى السوق، وأن تشتري هدية مناسبة تكافئ هديته، الله عز وجل يقول: أنتم يا عبادي عاجزون عن إحصاء بركات نعمة واحدة فلأن تكونوا عاجزين عن شكرها من باب أولى ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾ العد فقط ﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ تمام الصحة و العافية من نعم الله الكبرى على الإنسان: لو أن إنساناً فقد بصره، كل الجمال حُجب عنه، مرة حدثوني عن كاتب بمصر كبير وأديب، فقد بصره، يُصيف بسويسرا، قلت لهم: لو أخذ غرفة بالصعيد مكيفة مثل سويسرا، ما دام ما في بصر، أي مكان بارد، ولو غرفة قميئة مادام باردة كأنه في سويسرا قاعد، هذه لأنه حُجبت عنه المناظر. ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ فشكر العبد على الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، عندك إمكان إذا شربت كأس ماء أن تقول: يا رب لك الفضل ؟ لك الشكر لأن الكليتان تعملان بانتظام ؟ لي قريب أصيب بفشل كلوي، كان بالمستشفى يقول له الممرض بعنف: الآلة معطلة هذا الأسبوع لا تشرب الماء، أنت تشرب بغير حساب، كلما شعرت بالعطش شربت الماء البارد الزلال، هذه نعمة هل تنتبه إليها ؟ إنسان أخرج ما في جوفه. كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل إلى الخلاء يقول: (( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي )) [أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ] وكان يقول: (( الحمد لله الذي أذاقني لذته ـ بالطعام ـ وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه )) [الجامع الصغير عن ابن عمر] علم، هذا الطعام له لذة، ممكن إنسان يأخذه سيروم، لكن يشتهي أن يأكل، الطعام له لذة، وله قوة، وله فضلات. (( أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه )) [الجامع الصغير عن ابن عمر] الولد الصحيح المعافى نعمة من الله لا تقدر بثمن: رأى أولاده أمامه من نعم الله الكبرى، يعني الله عز وجل وهبه أولاداً ما فيهم عاهات، أحياناً عاهة بولد تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أولاد. مرة قال لي شخص: إذا ينجب الإنسان مولوداً سليماً معه هدية مليون ليرة، هكذا قال لي، قلت له: بالله اشرحها لي، قال لي: لي بنت، أنجبت مولوداً الشريان عكس الوريد بالقلب، لونه أزرق، سألوا أطباء يحتاج إلى عملية ليس في كل بلدنا متخصص بإجرائها إلا بلبنان، طلب الطبيب أربعمئة ألف، والمستشفى ثلاثمئة ألف، والسيارة خمسين ألف، قال لي: خلال ساعات من الولادة دفعت قريب المليون ليرة. يعني إذا جاءك مولود سليم هذه نعمة لا تقدر بثمن، لك زوجة صالحة، أعان الله الذي عنده شك بزوجته، المؤمن زوجته طاهرة، عفيفة، تجده يسافر، يغيب، عنده طمأنينة بلا حدود، أما الذي شكّ بزوجته يغلي كالمرجل، فالذي عنده زوجة صالحة من نعم الله الكبرى، الذي عنده أولاد أبرار، من نعم الله الكبرى، الذي عنده مأوى، لا يهم، بيت تؤوي إليه، كبير، صغير، بطوابق عليا، له إطلالة، طوابق دنيا، لابأس، عندك مأوى. الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له. إذا كنت أيها الأخ المؤمن الكريم بهذه النفسية، دخلت لبيتك شكرت الله، نظرت إلى زوجتك شكرت الله، نظرت إلى أولادك شكرت الله، أكلت طعاماً أحببته شكرت الله عز وجل، فهذه من أحوال المؤمن، دائماً شكور. إذاً شكر العبد عن الحقيقة إقرار القلب بإنعام الرب، ونطق اللسان عن اعتقاد الجنان، وعمل بالجوارح والأركان. مستويات الشكر: 1 ـ أن تعزو النعمة إلى الله: هناك تعريف آخر: هو الشكر معرفة، والشكر حب، والشكر عمل، ثلاث مستويات، لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أحد أنواع الشكر، أما قال قارون: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 81 ) ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 51 ) أهلكه الله. ﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ ( سورة النمل الآية: 33 ) قوم بلقيس، أهلكهم الله. ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 12 ) الشيطان، أهلكه الله، إذاً معرفة. 2 ـ أن يمتلئ القلب محبة لله: الآن مستوى آخر من مستويات الشكر، لمجرد أن يمتلئ القلب محبة لله على هذه النعمة هذا مستوى أرقى، أول مستوى أن تعزو النعمة إلى الله، والمستوى الثاني أن يمتلئ القلب محبة لله. 3 ـ أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده: المستوى الثالث وهو أرقى المستويات أن تقابل نعم الله عز وجل بخدمة عباده، أن تنصحهم، أن تحسن إليهم، أن تخلص لهم، أن ترعى فقيرهم، أن تعين ضعيفهم، أن تطعم جائعهم، والدليل على ذلك قال تعالى: ﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ ( سورة سبأ ) ﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾ الشكر بأعلى درجاته عمل صالح، يعني إنسان قدم لك خدمة كبيرة، تقول له: شكراً، لا يكفي هذا. (( من صنع إليكم معروفاً فكافئوه )) [ النسائي و أحمد عن عبد الله بن عمر] كافئ المعروف بمعروف، الهدية بهدية. (( تهادوا تحابوا )) [ مالك في الموطأ عن مالك بن عطاء الخراساني ] صيغة مشاركة، أي قدم لك هدية قدم له هدية، هذا العمل الشكر الثالث أن تكافئ كل شيء طيب بعمل. من عطاء الله على الإنسان نعمة الإيجاد و الإمداد و الهدى والرشاد: عندنا تعريفات أخرى، هناك نعمة الإيجاد: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾ ( سورة الإنسان ) أنا أحياناً إذا تصفحت كتاباً، وقرأت تاريخ تنضيده، طبع، وكان قبل سنة ولادتي أقول سبحان الله ! أثناء تنضيد هذا الكتاب أنا لم أكن شيئاً مذكوراً، ما له وجود الإنسان ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾ مَنْ فلان قبل مئة عام ؟ ما في فلان، فالله عز وجل تفضل علينا بنعمة الإيجاد. لكن في عندك جهاز تنفس يحتاج إلى هواء والهواء موجود، تحتاج إلى ماء والماء موجود، تحتاج إلى طعام والطعام موجود، تحتاج إلى إنسانة ترعى شؤونك، والإنسانة موجودة، تحتاج إلى أولاد يملؤون البيت فرحة، والأولاد موجودون، تحتاج إلى مأوى والمأوى موجود، تحتاج إلى عمل ترتزق منه والعمل موجود، هذه نعمة الإمداد، منّ الله عليك بعمة الإيجاد، ومنّ الله عليك بنعمة الإمداد. ثم منّ الله علينا جميعاً بنعمة الهدى والرشاد، أرسل أنبياءه، أرسل كتباً، أرسل رسلاً، نصب لك الآيات الدالة على عظمته، يعني هداك بأساليب لا تعد ولا تحصى، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد. معرفة الله عز وجل أكبر نعمة منّ الله بها على الإنسان: لكن أكبر نعمة على الإطلاق نعمة: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ ( سورة النساء ) لو قال لك طفل معي مبلغ عظيم، كم تقدره ؟ بمئتي ليرة، أبوه مدرس، وجاء العيد، تلقى هبات من أقربائه جمعهم بمئتي ليرة، مبلغ كبير، قال لك معي مبلغ عظيم، لأنه طفل كلمة عظيم من طفل تقدر بمئتي ليرة، وإذا قال لك مسؤول كبير بالبنتاغون أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً تقدره بمئتي مليار دولار، الكلمة نفسها، قالها طفل فقدرتها بمئتي ليرة، وقالها مسؤول كبير في دولة قوية قدرتها بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك ومالك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ يعني أكبر نعمة أن تعرف الله، إنك إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء )) [من مختصر تفسير ابن كثير] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#68 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (62) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الحليم): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الحليم". ورود اسم الحليم في القرآن الكريم مقترناً بأسماء أخرى و وروده في السنة الشريفة: هذا الاسم ورد في آيات كثيرة مقترناً باسم الغفور كما في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ( سورة المائدة ) وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الغني، في قوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ ( سورة البقرة ) واقترن أيضاً باسم الشكور في قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ( سورة التغابن ) واقترن أيضاً باسم العليم، كما في قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ﴾ ( سورة الأحزاب ) هذا في القرآن الكريم، فماذا في السنة الصحيحة ؟ ورد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال، كان يدعو عند الكرب، وما أكثر الأحوال التي يعاني منها المسلمون من الكرب قال: (( كان يقولُ عند الكربِ: لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله رَبُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رَبُّ السماوات وربُّ الأرضِ، لا إله إلا الله رَبُّ الْعَرشِ الكريم )) [ البخاري عن ابن عباس] هذا ما ورد في الكتاب والسنة. المعنى اللغوي لكلمة الحليم: أما المعنى اللغوي لكلمة "الحليم"، "الحليم" في اللغة صفة مشبهة باسم الفاعل، لمن اتصف بالحلم، الذي يتصف بالحلم يسمى حليماً، والفعل حلم، يحلم، حلماً، يحلمُ معنى آخر، حُلماً معنى آخر، حلم، يحلم، حلماً. صفة الحلم تعني الأناة، فيك يا فلان خصلتان يحبهما الله ورسوله، الأناةُ الهدوء، وحسن الخلق، الحلم يعني الأناة، ومعالجة الأمور بصبر، وعلم، وحكمة، أن تعالج مشكلة بصبر، بهدوء، بعلم، بحكمة فأنت حليم. ويقابل الحلم العجلة المفسدة لأمور الدين والدنيا، ولا يفوتني أن أقول لكم إن معالجة المسلمين في هذا العصر لبعض المشكلات التي تحيط بهم تعالج معالجة متعجلة، هذه المعالجة المتعجلة تسبب لنا متاعب لا تنتهي، الطرف الآخر أعداؤنا يفكرون بعقولهم ويخططون بهدوء، ونحن نثور، ونضطرب، وفي النهاية لا نحقق شيئاً، بل يزداد ما بيننا وبين الطرف الآخر من اتساع ومن تباعد، فالعجلة مفسدة في أمور الدين والدنيا. الحليم هو الذي يرغب بالعفو ولا يسارع بالعقوبة: "الحليم" هو الذي يرغب بالعفو، ولا يسارع بالعقوبة، قال تعالى في وصف سيدنا إبراهيم: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ ( سورة التوبة ) أثنى الله عليه، يدخل في معنى الحلم بلوغ الصبي الحُلم، أي يبلغ الصبي مبلغ الرجال، الحكماء، العقلاء، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ﴾ ( سورة النور الآية: 59 ) صار عاقلاً، راشداً، أما قوله تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ ( سورة الصافات ) أي لديه أناة، وبصيرة، وحكمة من صغره، هذا ما في اللغة من معانٍ دقيقة حول كلمة "الحليم". الله عز وجل حليم يمهل عباده ليزدادوا في الطاعة والثواب: أما الله جل جلاله إذا وصف بالحلم فهو حليم، يعني الصبور على عباده المتصف بالحلم، يتمهل، ولا يتعجل، وهو العاطي لا يسأل، وهو "الحليم" لا يعجل، بل يتجاوز عن الزلات، ويعفو عن السيئات، فهو سبحانه وتعالى يمهل عباده الطائعين ليزدادوا في الطاعة والثواب، ويمهل عباده العاصين لعلهم يرجعون إلى الطاعة والصواب، ولو أنه عجّل لعباده الجزاء ما نجا من العقاب أحد، ولكن الله جلّ جلاله هو "الحليم" ذو الصفح والأناة، استخلف الإنسان في أرضه، واسترعاه في ملكه، واستبقاه إلى يوم الموعود وأجل محدود، فأجّل بحلمه عقاب الكافرين، وعجّل بفضله ثواب المؤمنين. الخلاصة: أن "الحليم" الذي لا يعجل بالعقوبة، والانتقام، ولا يحبس عن عباده بذنوبهم الفضل والإنعام، بل يرزق العاصي كما يرزق المطيع، وإن كان بينهما تفاضل على مقتضى الحكمة. يعني ورد في بعض الآثار القدسية: (( أن يا عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك )) الكفار يأكلون أطيب الطعام، ويشربون، ويتمتعون، ويسكنون البيوت الفخمة يركبون المركبات الفارهة، يتزوجون أجمل النساء، ويتبجحون، ويتطاولون، ويتكبرون ، والله يرزقهم. الخاسر من أتته الدنيا من أوسع أبوابها و غفل عنها و عن الآخرة: أيها الأخوة: (( عبدي لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد )) [ورد في الأثر] أيها الأخوة، هذا الأثر القدسي يبين أن الله سبحانه وتعالى قد يعاقب إنساناً بأن تأتيه الدنيا من أوسع أبوابها، وهو غافل عنه، ويأتي الموت فجأة كصاعقة ينهد لها. ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ ( سورة الفجر ) ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ ( سورة الكهف ) من غضب غابت عنه الحقائق وارتكب الحماقات: أيها الأخوة، كلكم يعلم أن من أسماء الله الحسنى ما لا يجوز أن يسمى الإنسان بهذا الاسم، كاسم الخالق، هل من خالق غير الله ؟ لكن اسم العليم، اسم الحكيم اسم "الحليم" يجوز أن يوصف إنسان بأنه حليم. بالمناسبة: الحلم سيد الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبياً، ولأن "الحليم" حليم قراره صحيح، هادئ، والإنسان حينما يغضب لا يرى الحقائق، يرتكب حماقات لا يرتكبها الصغار، لذلك في بعض الأحاديث الشريفة: (( لا تَغْضَبْ )) [ أخرجه البخاري والترمذي ومالك عن أبي هريرة ] الإنسان إذا غضب غابت عنه الحقائق، وارتكب حماقات يندم عليها أشد الندم فكاد "الحليم" أن يكون نبياً. يروي التاريخ أن سيدنا معاوية جاءته رسالة من إنسان، أما الرسالة قاسية جداً فيها تجهم، أما بعد: فيا معاوية، باسمه، من دون لقب الخلافة، أما بعد: فيا معاوية، إن رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك، وإلا كان لي و لك شأن، والسلام. هذه الرسالة تُخرج الإنسان من جلده، إلى جانبه ابنه يزيد، أطلعه عليها، قال له: ماذا نفعل ؟ فقال له يزيد: أرى أن ترسل له جيشاً، أوله عنده، وآخره عندك يأتوك برأسه، فغلى، فقال له والده: لا يا بني غير هذا أفضل، جاء بالكاتب، قال له: اكتب، أما بعد: فقد وقفت على كتاب ولدي حواري رسول الله، سيدنا ابن الزبير، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلها هينة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض ومن فيها، بعد حين جاء الجواب أما بعد: فيا أمير المؤمنين، أطال الله بقاؤك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلك من قومك هذا المحل، استدعى ابنه يزيد، قال له: اقرأ، يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب. الحلم سيد الأخلاق: كاد "الحليم" أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، الأب يحتاج إلى أن يكون حليماً هدئ نفسك، الأمر عالجه بأناة، وصبر، وعلم، وحكمة، لا تتعجل، لا تأخذ الأمر بعصبية كبيرة، خذه بحلم وهدوء، ويحتاج الإنسان إلى هذه الصفة، ولاسيما في الأيام العصيبة، في أيام الكوارث، في أيام القهر، في أيام الظلم، في أيام الفقر أحياناً. ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً ﴾ ( سورة فاطر ) يعني الله عز وجل يرزق عباده، ويكفرون، ويتطاولون، ويتبجحون ، ويستكبرون، ويظلمون وهو حليم عليهم. الله سبحانه و تعالى حليم يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره: الآن من المعاني التفصيلية من اسم "الحليم" أن الله سبحانه وتعالى يؤخر العقوبة ، السؤال: لماذا يؤخرها ؟ لو أنه ألغى العقوبة هذا ما يعنيه اسم العفو، والغفور، إلغاء العقوبة عفو غفور، أما تأخير العقوبة حليم، هناك فرق، التأخير حلم، إلغاء العقوبة مغفرة وعفو. أيها الأخوة، لو أن الله سبحانه وتعالى عجل العقاب لكل مذنب هذا ليس حلماً عندئذٍ لا يكون حليماً، لأنه حليم يؤخر، ولو أن الله أجّل العقاب، ويريد بهذا التأجيل أن يوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، هذا ليس حلماً، هذا حقد، الحاقد يضبط أعصابه، ويخطط لإنزال أشد العقاب بهذا الإنسان، نقول هذا إنسان حاقد، أما الله عز وجل يؤخر العقاب لا ليوقع بهذا الإنسان أشد العقاب، ولكن ليعطي هذا الإنسان فرصة لعله يرجع، لعله يتوب، لعله يستغفر، لعله يندم، التأخير لا يعد حقداً، يعد إمهالاً، إعطاء فرصة لهذا الإنسان لعله يرجع إلى الله. أحياناً الإنسان يحقد لأنه ضعيف، يكتم الألم، وأحياناً يحقد لأنه قوي، الضعيف يحقد، والقوي يحقد، ولكن الحقد شيء، والحلم شيء آخر، يعني يؤخر العقاب لعله يرجع، لعله يندم، لعله يستغفر، لعله، لعله ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ أيها الأخوة، يتوضح الأمر من خلال هذا المثل: أسسنا مدرسة نموذجية فيها أقوى المدرسين، فيها أفضل المناهج، أحسن الكتب، فيها مرافق راقية جداً، مكتبات، قاعات تدريس، مخابر، فيها كل شيء، لو أن المدير هدفه تنفيذ القانون بشكل حرفي كل طالب غاب أسبوعين يفصل نهائياً، المدير الحكيم ، الرحيم، الحليم أحياناً يتغافل عن غياب طالب، أحياناً يؤخر العقاب، أحياناً يستدعي والده ائتِ بتقرير طبي لئلا يفصل ابنك من المدرسة، أحياناً لا يطلب الدوام، هذه كلها محاولات لإعطاء الطلاب المتغيبين فرصة أن يعودوا عن تقصيرهم، ليس الهدف إيقاع العقاب بالطلاب، الهدف نشر الخير، والعلم، والمبادئ، والقيم، وتخريج قادة لهذه الأمة، فالمدير الحكيم الحليم لا يتخذ الأخطاء التي يرتكبها الطلاب مبرراً لفصلهم، وإنهائهم. هذا معنى "الحليم" يؤخر العقاب كي يعطي المقصر فرصة ليصحح تقصيره. الله عز وجل خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض: الآن أيها الأخوة، هناك آية دقيقة جداً: ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾ ( سورة طه ) يعني ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، الآية دقيقة جداً يعني لولا أن الله خلق عباده ليرحمهم، لولا أن الله خلق عباده ليسعدهم، لولا أن الله خلق عباده لجنة عرضها السماوات والأرض، لولا أن الله خلق عباده ليتوبوا إليه، فيقبل توبتهم لولا أن الله خلق عباده ليستغفروه فيغفر لهم، لولا أن الله خلق عباده ليسألوه فيعطيهم، لولا أن الله خلق عباده ليرجعوا عن ذنوبهم فيقبلهم، لعجل عليهم العقاب ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ ﴾ يعني: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ( سورة هود الآية: 119 ) خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السماوات والأرض ، خلقهم ليوفقهم، الإنسان الجاهل، يقول لك: سبحان الله ! الله خلقنا للعذاب، أيضاً يسبح الله هذا كلام غير صحيح، خلقنا للنعيم، خلقنا للسعادة، خلقنا ليرحمنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض. كطالب أحمق ضربه الأستاذ مرة فقال: إنما أُنشئت هذه المدرسة كي نضرب لا، أُنشئت كي تكون عالماً، كي تكون مربى، مهذباً، لكن في أحوال قاهرة. أوضح مثل: المركبة، السيارة، ما علة صنعها ؟ علة صنعها أن تمشي، أن تسير، اسمها سيارة، ولماذا وضع فيها المكبح ؟ المكبح يتناقض مع علة صنعها، هي صنعت كي تسير، وفيها مكبح، كما أن علة صنع السيارة تسير، والمكبح يتناقض مع علة صنعها. السعادة و الرحمة علة خلق الإنسان: كذلك علة خلق الإنسان أن يسعده، وأن يرحمه، وأن يهبه جنة عرضها السماوات والأرض، ولكن تقتضي الحكمة أحياناً أن يوقفه عند حدّه، أن يعاقبه، أن يردعه ، أن يربيه، فالذي يقول: خلقنا للعذاب إنسان جاهل. أوضح مثل: لما الطفل يجلس على كرسي طبيب الأسنان، لا يحتمل، يبكي ، يصرخ، يمسك يد الطبيب، يتحرك حركة غير صحيحة، أما الكبير يتألم أشد الألم، لكن ساكت لأنه يعلم أن هذا الألم لصالحه. لذلك ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾ عقابهم ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً ﴾ إنزال العقاب بهم، لكن هذه الكلمة هي الرحمة، هي الإحسان، هذه الكلمة اقتضت أن يؤخر الله عقابهم لعلهم يرجعون، لعلهم يندمون، لعلهم يراجعون أنفسهم. الله سبحانه و تعالى حليم لا يوقع العقاب بالعاصي فوراً بل يؤخره لحكمة منه: أيها الأخوة، اسم "الحليم" إذاً أن الله سبحانه وتعالى لا يوقع العقاب فوراً، بل ما من مسلم إلا وهو يعلم لماذا كان صلح الحديبية، هذا كان بحسب الظاهر صلح مهين للصحابة، والصحابة الكرام تألموا أشد الألم، بل قال أحدهم وهو عمر: يا رسول الله، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ ألسنا أقوياء ؟ ألسنا على حق ؟ جاء الرد الإلهي: ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ( سورة الفتح ) ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ ﴾ في قريش أخفوا إيمانهم وهم معكم في قلوبهم لن يستطيعوا إعلان إسلامهم ﴿ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ألزم نبيه بقبول شروط مهينة، والنبي علم حكمة الله عز وجل، فنفذ أمره، لكن الصحابة، أو بعض الصحابة غابت عنهم هذه الحكمة فضجروا، وتألموا أشد الألم، علامَ نعطي الدنية في ديننا ؟ صلح الحديبية أكبر مثل من حلم الله عز وجل، هؤلاء الذين آمنوا في قريش، وهم في قلوبهم مع المؤمنين، ولم يستطيعوا إعلان إسلامهم، أخر عمرة النبي مع أصحابه من أجل سلامة هؤلاء الذين آمنوا، وأخفوا إيمانهم عن قريش. أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي: (( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري ـ حليم الله عز وجل ـ وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلى بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي ، أهل شكري، أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا ـ الله حليم ـ فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) [ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#69 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (63) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(التواب): أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "التواب". ورود اسم التواب في القرآن الكريم و السنة الشريفة: ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في ستة مواضع معرفاً بأل، كما في قوله تعالى: ﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ ( سورة البقرة ) وقد ورد أيضاً في ستة مواضع، منوناً، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ ( سورة النور ) أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾ ( سورة النساء ) وقد قال العلماء: ما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن نسأله إلا ليعطينا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا. أما في السنة النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: (( رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم )) [ الترمذي و ابن ماجه عن عبد الله بن عمر] التواب في اللغة: أيها الأخوة، "التواب" في اللغة من صيغ المبالغة، وصيغ المبالغة إذا اتصلت بأسماء الله الحسنى، فتعني الكم والنوع، يعني يغفر جميع الذنوب كماً، ويغفر أكبر الذنوب نوعاً، تواب، تائب، وتواب، صيغة مبالغة، على وزن فعال، يغفر كل الذنوب مهما كثرت، ويغفر كل الذنوب مهما عظمت، الفعل تاب، يتوب، توباً، وتوبةً، تاب فعل ماض، يتوب فعل مضارع، توباً مصدر، وتوبة. التعريف اللغوي للتوبة: 1 ـ الرجوع عن الشيء إلى غيره: أما تعريف التوبة اللغوي فهو: الرجوع عن الشيء إلى غيره، رجع عن هذا العمل إلى عمل آخر، هذا معنى التوبة اللغوي، بل هو ترك الذنب على أجمل وجه، وهو أبلغ وجه من وجوه الاعتذار، أعلى مستوى من الاعتذار أن تتوب، الاعتذار على أوجه ثلاثة، لا رابعة لها، عملت عملاً، إما أن تقول لم أفعل هذا، هذا اعتذار، الرواية التي بلغتك ليست صحيحة، لم أفعل هذا، من هنا قال الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ ( سورة الحجرات ) تحقق، الله عز وجل يصف لنا التحقيق، قال سيدنا سليمان: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ ( سورة النمل ) تحقق، فأول وجه من وجوه الاعتذار أن تقول: لم أفعل هذا، أو أن تقول: فعلته، ولكن كان قصدي شريفاً، لم أقصد المعنى الذي توهمته، هذا وجه آخر والوجه الثالث تقول فعلت، وأسأت، وقد أقلعت عن هذا الذنب، هذا هو الاعتذار الأسلم ، هذه هي التوبة، أن تقول: فعلت، وأسأت، ولن أعود إلى هذا العمل. 2 ـ المذنب الذي يسأل ربه التوبة: أيها الأخوة، في اللغة: التائب هو المذنب الذي يسأل ربه التوبة، والتائب هو الله الذي يقبل التوبة، نقول هذا الإنسان المذنب تائب، وهذا الإله العظيم تائب، قَبِل التوبة. 3 ـ مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته: والتوبة أيها الأخوة، مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته. ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 81 ) مخرج النجاة الوحيد هو التوبة، والتوبة هي صمام الأمان، حينما تضغط عليه سيئاته. بعض الأوعية البخارية لها صمام أمان، فإذا ارتفع الضغط كثيراً بدل أن تنفجر هذا الصمام يسيح، والبخار يخرج. 4 ـ صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته: فالتوبة: هي صمام الأمان حينما تضغط على الإنسان سيئاته. 5 ـ تصحيح المسار: والتوبة: هي تصحيح المسار، حينما تضله أهواؤه. 6 ـ حبل الله المتين: والتوبة: هي حبل الله المتين، حينما تغرقه زلاته، مخرج النجاة للإنسان، حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وحبل الله المتين حينما تغرقه زلاته. 7 ـ الصراط المستقيم حينما تنحرف بالإنسان شهواته: والتوبة: هي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته. أيها الأخوة، ورد في الأثر القدسي: (( وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً، تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إليّ هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني، أي طلب إقالتي، أقلته، وإن تاب إليّ قبلته، وإن أقبل عليّ تلقيته من بعيد، وإن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن استعان بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردته ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، أهل معصيتي لا أقنطهم ومن رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي، وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها )) ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ الله عز وجل يقبل التوبة عن عباده ما لم تغرغر النفس أو تطلع الشمس من مغربها: أيها الأخوة، الله عز وجل هو "التواب" يقبل التوبة عن عباده، حالاً بعد حال ، يوماً بعد يوم، وحيناً بعد حين، فما من عبد عصاه، وبلغ عصيانه مداه، ثم رغب في التوبة إلا فتح له أبواب رحمته، وفرح بعودته، ما لم تغرغر النفس، أو تطلع الشمس من مغربها ، باب التوبة يغلق والإنسان على فراش الموت، تغرغر روحه، أو تطلع الشمس من مغربها. (( إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها )) [ مسلم عن أبي موسى] و: (( إنَّ اللّهَ يقبلُ توبة العبدِ ما لم يُغَرغِرْ )) [ الترمذي عن ابن عمر] باب التوبة مفتوح على مصراعيه قبل أن يموت الإنسان إلا في إحدى حالتين: 1 ـ عند الموت: أيها الأخوة، لابدّ من شرح، باب التوبة مفتوح على مصراعيه، إلا في إحدى حالتين، إذا حضر أحدكم الموت، عندما يحضر الموت تلغى التوبة، الآية واضحة: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾ ( سورة النساء الآية: 18 ) في هذه الحالة يغلق باب التوبة. 2 ـ إذا طلعت الشمس من مغربها: أما يغلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة. أخطر ما يصيب المسلمين عدم فهم دينهم و عدم الاهتمام بقيمهم وإسلامهم: لكن هذا المعنى قد يفهم بشكل موسع وقد يفهم بشكل ضيق، يعني الله أعلم كيف تطلع الشمس من مغربها، لكن بالمعنى الموسع حينما نرى أن العلم كله في الغرب، وأن الحضارة كلها في الغرب، وأن الأخلاق كلها في الغرب، وكل شيء يفعله الغرب هو الكمال، ولو تفلتوا من منهج الله، ولو فعلوا الأفاعيل، ولو تحللوا من كل قيد أخلاقي، ما دام هذا العمل جاءنا من الغرب. (( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه )) [أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ] حينما لا نأبه لديننا، ولا نهتم بقيمنا، ولا نُعظم إسلامنا، ولا نقدس وحي ربنا، وحينما نزدري أنفسنا، ونرى الغرب القوي، الغني، الذكي، هو الحضارة، هو التقدم، هو الأخلاق، هو القيم، هذا مما يفهم من طلوع الشمس من مغربها، لماذا يتوب ؟ دينه كله ليس قانعاً به، أمته كلها ليس قانعاً بها، حضارته كلها ليس مؤمناً بها، انسلخ من انتمائه، انسلخ من إسلامه، انسلخ من أمته، انسلخ من حضارته، فهذا الإنسان لا يتوب لأنه تبدلت مبادئه وقيمه، وهذا من أخطر ما يصيب المسلمين، الاستغراب، الاستغراب أن تكون غربياً شكلاً، وقالباً، ومضموناً، ومحتوىً، أن تفكر بطريقة الغربيين، أن تُقيّم العمل بطريقة الغربيين. (( من هوي الكفرة حُشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً )) التشبه بالغرب يسلخ المسلم من قيمه و من تاريخه العظيم: لا يقبل للمرأة إلا أن تكون متفلتة، أن تبرز كل مفاتنها، تعرية المرأة حضارة، تناول الخمور تقدم ورقي، حينما نكون بهذه الحال يغلق باب التوبة، حينما لا نرى أمتنا العظيمة التي فتحت أطراف الدنيا، التي نشرت العدل، الرحمة، حينما لا نأبه لقرآننا، وحي السماء، حينما لا نعتد بسنة نبينا سيد الخلق، وحبيب الحق، هذا الوضع الاستغرابي هو مما يبدد المسلمين، أن ينسلخ المسلم من أمته، من مبادئه، من قيمه، من تاريخه العظيم، ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب المسلمين الذين امتلأ قلبهم رحمة. على كلٍ هذا اجتهاد شخصي، فإن أصاب المجتهد له أجران، وإن أخطأ له أجر، طلوع الشمس من مغربها من علامات الساعة، والله أعلم كيف ؟ ومتى ؟ ولكن يمكن أن نفهم هذا النص فهماً موسعاً، حينما نزدري أمتنا، ومبادئنا، وقيمنا، لماذا نتوب ؟ حينما نقلد الغرب بكل شيء، حتى لو تعروا، حتى لو أكلوا الحرام، حتى لو شربوا الخمور، حتى لو فعلوا المبيقات، هذا شيء من الغرب، شيء عظيم، هذه الحالة تقتضي كما ورد في الحديث الصحيح تغلق باب التوبة. من تاب توبة نصوحة بدل الله سيئاته حسنات: أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ ( سورة الفرقان الآية: 70 ) كيف ؟ أيضاً هذا فهم لهذه الآية اجتهادي، كان بخيلاً، بعد أن تاب إلى الله أصبح كريماً، كان غضوباً أصبح حليماً، كان شهوانياً أصبح رحمانياً، كان جاحداً، صار منصفاً، ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ يعني ما لم تتبدل قيم الإنسان 180 درجة فتوبته ليست صحيحة، أي إنسان أخذ اتجاهاً آخر، ما لم تقل زوجة التائب تغير لم يكن هكذا، كان غضوباً أصبح حليماً، كان بخيلاً أصبح كريماً، ﴿ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده: قال الله تعالى في حديث قدسي: (( إِنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني: غفرتُ لك على ما كانَ مِنكَ، ولا أُبالِي، يا ابنَ آدمَ، لو بلغتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم استَغْفَرتَني: غَفَرْتُ لك، ولا أُبالي، يا ابنَ آدم إِنَّكَ لو أتيتني بِقُرابِ الأرض خَطَايا، ثم لَقِيتَني لا تُشْرِكُ بي شيئاً: لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَة )) [ الترمذي عن أنس] بل إن في بعض الأحاديث: (( لَلّهُ أشَدُّ فْرَحا بِتَوْبَةِ أحَدِكم مِنْ أحَدِكم بِضَالَّتِهِ إذا وجَدَها )) [أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] وفي رواية ثانية: (( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ـ ضيع شيئاً ثمينا جداً ـ والعقيم الوالد ـ بعد عشر سنوات جاءه مولوه ـ ومن الظمآن الوارد ـ كاد يموت عطشاً في الصحراء ثم رأى الماء ـ )) (( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد )) [ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس] بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حدثنا عن قصة عبّر بها عن فرح الله بتوبة عبده، فذكر أن أعرابياً ركب ناقته، وعليها طعامه وشرابه ليقطع بها الصحراء، أدركه التعب، فجلس ليستريح، فلما أفاق من استراحته لم يجد الناقة، فأيقن بالهلاك، بكى بكاءً مراً من شدة البكاء أخذته سنة ثانية من النوم، فلما استيقظ رأى الناقة أمامه، من شدة الفرح اختل توازنه، وقال كلمة الكفر، قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي يقول عليه الصلاة والسلام: (( لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته )) صورة متحركة تؤكد فرحة الله بتوبة عبده. بطولة الإنسان أن يرجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي: الآن المعنى الدقيق في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 118 ) يعني تاب الله على نبيه: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ ( سورة التوبة ) هناك توبة تسبق توبة العبد، هناك توبة تلحق توبة العبد، بل إن توبة العبد بين توبتين ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾ ﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ يفهم من هذا الآية أن الله ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة. إنسان متلبس بمعصية، يسوق الله عز وجل له شدة، تلوح له مصيبة، يهدده إنسان، يشعر بآلام معينة في جسمه، هذا من توبة الله عليه، يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، والمقلقات التي تدفع الإنسان إلى باب الله، تدفعه إلى التوبة، تدفعه إلى الصلح مع الله، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد أي قبل التوبة، فالله يدفعك إلى التوبة فتتوب وبعدها يقبل توبتك، فتوبتك ينبغي أن تكون بين توبتين، لكن أحياناً الله عز وجل يسوق لك إنساناً يبلغك الحقيقة، من دون مصيبة، هنا البطولة أن ترجع إلى الله بالهدى البياني لا بالتأديب التربوي، أما حينما تأتي الشدة ونتوب أيضاً وضع جيد، أما الأجود أن تتوب بالملاحظة، أن تتوب بالبيان، أن تتوب بالهدى البياني. كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ: على كلٍ يجب أن تكون توبتك بين توبتين، بين توبة الله التي قبلها وهي البيان أو الشدة، أو أسلوب معين يحملك الله على التوبة، ثم أن تأتي توبتك صادقة، ويأتي بعدها توبة الله عليك بمعنى أنه قَبِل توبتك، فتوبة قبلها، وتوبة بعدها. أيها الأخوة الكرام، الموضوع دقيق جداً، الموضوع من أقرب الموضوعات إلى المؤمن "التواب" لأن المؤمن مذنب تواب. (( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ )) [ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ] والتوبة كما قلت: مخرج النجاة للإنسان حينما تحيط به خطيئاته، وصمام الأمان للإنسان حينما تضغط عليه سيئاته، وتصحيح المسار للإنسان حينما تضله أهواؤه، وهي حبل الله المتين حينما تخرقه زلاته، وهي الصراط المستقيم حينما تنحرف به شهواته. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#70 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم (64) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الصمد): أيها الأخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الصمد". ورود اسم الصمد في القرآن الكريم في سورة الإخلاص فقط و وروده في السنة الشريفة: اسم الله "الصمد" ورد مع اسمه الأحد في سورة الإخلاص فقط، قال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ ( سورة الإخلاص ) وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة النبوية الصحيحة في عدة مواضع، منها: (( أنا الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا )) [ البخاري عن أبي هريرة] و: (( قال النبي صلى الله عليه وسلم: أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة ؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله ؟ فقال: الله أحد، الله الصمد ثلثُ القرآن )) [ البخاري عن أبي سعيد الخدري] و: (( خرج إِلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقرأُ عليكم ثلث القرآن ؟ فقرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَد، الله الصمَدُ... حتى ختمها )) [مسلم عن أبي هريرة] و: (( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوتر ـ يعني يقرأ في صلاة الوتر ـ بـ : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، و: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )) [أبو داود عن أُبيّ بن كعب] فهذه الأحاديث الصحيحة، وفي تلك السورة الوحيدة ورد اسم "الصمد". الصمد في اللغة: أيها الأخوة، "الصمد" في اللغة صفة مشبهة لمن اتصف بالصمدية، الفعل صمد يصمد، صمداً، هذا الفعل يأتي على عدة معانٍ، منها السيد المطاع، "الصمد" السيد المطاع الذي لا يقضى دونه أمر، بالتعبير المعاصر: بكل تجمع يوجد رجل قوي لا يقضى دونه أمر ، هذا هو "الصمد" بالمعنى اللغوي. ومنها "الصمد" الذي يُطعِم، ولا يُطعَم. ومنها "الصمد" هو السيد الذي ينتهي إليه السؤدد في كل شيء، كل أنواع العظمة تنتهي إليه، فله الصمدية المطلقة. وقيل "الصمد" هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه. وقيل "الصمد" هو الذي يصمد إليه الأمر، يعني يرجع إليه الأمر، فلا يقضى دونه، وليس فوقه أحد. وقيل "الصمد" الذي صمد إليه كل شيء، أي الذي خلق الأشياء كلها، ولا يستغني عنه شيء، كل هذه المعاني لكلمة "الصمد" تتمحور حول وحدانية الله جلّ جلاله. الأقوال المتعددة في الصمد: الإمام البخاري في باب قول تعالى ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ يقول: العرب تسمي أشرافها "الصمد" هو السيد الذي انتهى إليه المجد. وقال أحد العلماء: الاسم "الصمد" فيه أقوال متعددة، قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، أما المشهور من هذه الأقوال المتعددة قولان، أحدهما أن "الصمد" هو الذي لا جوف له، يعني أصم. أحياناً تنقر على طبل، يصدر صوتاً، أما لو نقرت على صخر لا يوجد صوت أبداً، لأن الصخر لا جوف له، لا يوجد فراغ بالداخل، أصم، ممتلئ. "الصمد" هو الذي لا جوف له، والثاني "الصمد" هو الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد إليه في تلبية الحوائج. وابن الجوزي يقول: "الصمد" أربعة أقوال، أحدها أنه ؛ السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، والثاني ؛ أنه لا جوف له، والثالث ؛ أنه الدائم، والرابع ؛ الباقي بعد فناء خلقه وأصح الوجوه الأول، لأن الاشتقاق يشهد له بذلك. أيها الأخوة، أصل "الصمد" القصد، أنت من تقصد عندما تكون في ضائقة ؟ القوي، تقصد من ؟ الغني، تقصد من ؟ من بيده كل شيء، تقصد من ؟ القادر، معنى القوي، معنى الغني، معنى القادر، معنى الواحد لا ند له، لا شريك له، هذه المعاني كلها يمكن أن تعبر عن معنى "الصمد"، يعني المؤمن مع الواحد، الأحد، الفرد "الصمد"، المؤمن مع القوي، المؤمن مع الغني، المؤمن مع القدير، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟. سرّ عظمة المؤمن الإقبال على الله عز وجل: أخوانا الكرام، الفقهاء لهم عبارة نحتاجها الآن، لا تجوز الزكاة لطفل، أو لابن الغني، طفل صغير، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكن لأنه ابن غني، لا تجوز الزكاة عليه، لماذا ؟ قال: لأن الطفل طفل الغني غني بغنى أبيه، يعد غنياً لأن أباه غنياً. طبق هذا المثل على المؤمن، المؤمن قوي بقوة الله، المؤمن غني بغنى الله، المؤمن قادر بقدرة الله، أنت حينما تلتجئ إلى الله، وتتجه نحوه، وتتوكل عليه، وتقبل عليه، تكون قوياً، وغنياً، وعالماً، وحكيماً، هذا سرّ عظمة المؤمن. أيها الأخوة، كلمة مؤمن كلمة كبيرة جداً، أي بمصطلحات البشر أنت حينما تقول: دكتور يعني يقرأ ويكتب، يحمل شهادة ثانوية، يحمل لسانس، يحمل دبلوم، يحمل ماجستير، يحمل دكتوراه، له مؤلفات، ترك آثاراً علمية، التحق بالجامعات، له أساتذة ، لمجرد أن تقول كلمة دكتور، كل هذه المعاني يمكن أن تنسحب عليه. الآن لو قلت: كلمة مؤمن، المؤمن مرتبة أخلاقية، المؤمن مرتبة علمية ، المؤمن مرتبة جمالية، يتميز المؤمن أنه عرف الحقيقة العظمى، عرف الله، يتميز المؤمن أنه أخلاقي، يتميز المؤمن بأن له أذواقاً جمالية رائعة جداً فكلمة مؤمن مرتبة كبيرة جداً. خلاصة المعاني في الصمدية: أيها الأخوة، لازلنا في اسم "الصمد" خلاصة المعاني في الصمدية أن "الصمد" هو السيد الذي له الكمال المطلق. مرة ثانية أبين لكم: الإنسان كماله نسبي، قاضٍ من بني البشر نَصِفه بأنه عادل، إذاً معظم أحكامه صحيحة، فهذا الحكم نسبي، أصدر ألف حكم أربعة أحكام ليست صحيحة، لا لسوء ظن منه، ولا لسوء تصرف، لكن هناك معلومات لم يصل إليها، فلم يأتِ حكمه صحيحاً، نقول: هو قاضٍ عادل، أما إذا قلنا: الله عدل نصف الله بالعدل، والعدل إذا نسب إلى الله فهو صفة مطلقة، يعني مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الكون من آدم إلى يوم القيامة من يُظلم. ﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾ ( سورة غافر الآية: 17 ) ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ ( سورة النساء ) ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 40 ) ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) إذاً "الصمد" من له الكمال المطلق في كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء، وكل من سواه مفتقر إليه، في كل شيء، ويصمد إليه ؛ يلجأ إليه، ويعتمد عليه، وهو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، لا نقص فيه لوجه من الوجوه، وليس فوقه أحد في كماله ، وهو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم، وسائر أمورهم، فالأمور أُصمدت إليه، وقيامها وبقاؤها عليه، لا يقضي فيها غيره، وهو المقصود في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، وهو الذي يُطعِم، ولا يُطعَم، ولم يلد، ولم يولد. هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ هذا الإله العظيم يعصى ؟! لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت. أيها الأخوة، هذه المعاني التي يمكن أن نستنبطها من اسم "الصمد" . علامة محبة الله عز وجل للعبد جعل حوائج الناس إليه: الآن حقيقة دقيقة جداً تتعلق بنا نحن المؤمنين، الحقيقة أن الله عز وجل إذا أحبّ عبداً جعل حوائج الناس إليه، لا تضجر إذا أقبل الناس عليك، لا تضجر إذا طُرق بابك كثيراً، لا تضجر إذا تحلق الناس حولك، إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، علامة محبة من الله. (( عبدي أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر )) [أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ] إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، ما دورك في الحياة ؟ ما وظيفتك ؟ هل تلقي الحقائق على الناس أم تلقي عليهم الضلالات ؟ هل تلقي في قلوبهم الأمن أم تلقي في قلوبهم الخوف ؟ هل تأخذ منهم ما لك عندهم، أم تأخذ منهم ما ليس لك عندهم ؟. أيها الأخوة، ينبغي لكل واحد أن يحاسب نفسه حساباً في الدنيا، حتى يكون حسابه يسيراً يوم القيامة، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً، ومن كان يحاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة الحجر ) الإنسان الأحمق من توهم أنه لا يوجد حساب و عذاب بعد الموت: هناك سؤال: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ ( سورة القيامة ) يعني أن يتوهم الإنسان أن لا حساب، ولا عذاب، هذا غباء ما بعده غباء ، وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة، ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) أنواع الإيمان: 1 ـ الإيمان الحسي: أيها الأخوة، أجمع العلماء على أن الإيمان أنواع منوعة، هناك إيمان حسي أنا أرى أن الضوء متألق، هذا إيماني حسي، أرى تألق الضوء بعيني، أنا أستمع إلى الصوت بأذني، أنا ألمس هذه الطاولة بيدي، هذا إيمان حسي، هذه دائرة. 2 ـ الإيمان العقلي: لكن هناك إيمان عقلي، أنا أوقن أن في هذا المسجد كهرباء، مع أني لا أراها لكن أرى آثارها، أرى آثارها كتكبير الصوت، أرى آثارها كتألق المصابيح، أرى آثارها كعمل المكيف، هذه آثار الكهرباء، فالإيمان بوجود الكهرباء في المسجد إذاً عقلي، وليس إيماناً حسياً، هناك إيمان حسي أداته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أداته العقل، الإيمان الحسي شيء ظهرت عينه وآثاره، فالإيمان به بالحواس الخمس، أما الإيمان العقلي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، تألق المصباح، وعمل المكيف، وتكبير الصوت. لكن هذه الخزانة مهما تكن ذكياً، مهما تكن ألمعياً، مهما تكن عبقرياً هل تستطيع أن تخبرني ما بداخل هذه الخزانة ؟ أبداً، إلا أن يأتي إنسان صادق يقول لك: فيها أجهزة الصوت. 3 ـ الإيمان الإخباري: الإيمان الثالث إيمان إخباري، هناك إيمان حسي أدواته الحواس الخمس، و إيمان عقلي أدواته العقل، و إيمان إخباري، الإيمان الحسي لشيء ظهرت عينه وآثاره معاً، فالحواس الخمس، أو استطالات الحواس الخمس، كالميكروسكوب، والتليسكوب. أما الإيمان العقلي لشيء غابت عينه، وبقيت آثاره، الإيمان بالله عز وجل الكون ينطق بوجوده، ووحدانيته، وكماله، كل شيء في الكون آية تدل عليه، فالإيمان بالله إيمان عقلي. لكن الإيمان بالآخرة، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالجن، الملك غابت عينه وآثاره، والجن غابت عينه وآثاره، فالشيء الذي غابت عينه وآثاره هذا عالم الغيب الإيمان به بدليل إخباري، يعني الله عز وجل أخبرنا أنه بعد الموت جنة أو نار، الله عز وجل أخبرنا أن هناك ملائكة يسبحون الله، الله أخبرنا أن هناك جن، مخلوقات، هذا إيمان إخباري. الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي حسب رأي ابن قيم الجوزية: إلا أن أحد العلماء الكبار وهو ابن القيم رحمه تعالى يرى أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأن العقل لا يقبل أن هذا الكون العظيم، هذه القدرة الهائلة، هذه الحكمة الحكيمة، هذا الخلق الرائع، هذا التنوع بالمخلوقات، هذه الدقة في الصنع، يقابلها ظلم، هناك غني و هناك فقير، هناك قوي و هناك ضعيف، هناك صحيح و هناك مريض، هناك وسيم و هناك دميم، ابن القيم رحمه الله تعالى يرى، وينفرد أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي أيضاً، فضلاً عن أن الإيمان باليوم الآخر إيماناً إخباري، هو إيمان عقلي لأن العقل السليم لا يقبل أبداً أن تنتهي الحياة، وهناك مظلوم، وهناك غني، و هناك صحيح، وهناك فقير معدم، وهناك دول طاغية، وهناك دول تعاني ما تعاني من سيطرة هذه الدول لا تفهم الحياة على حقيقتها إلا باليوم الآخر. العاقل من لا يوازن بين شيئين إلا إذا أضاف مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا: أنا أنصح الأخوة الكرام: لا توازن بين شيئين، لا توازن بين شخصين، لا توازن بين عملين، لا توازن بين مجموعتين، لا توازن بين نشاطين، إلا إذا أضفت مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا، ثم وازن، لا توازن بين مجتمعين، ولا بين مؤسستين ولا بين تجارتين. الآن أربح أنواع التجارات تجارة المخدرات، المخدرات من مكان زراعتها، إلى مكان بيعها هناك ألف ضعف، كل التجارات بالأرض التجارات بالمئة عشرة، بالمئة خمسة عشر، بالمئة عشرون، أما المخدرات ألف ضعف أرباحها، بين مكان زراعتها، ومكان استهلاكها في ألف ضعف. فلذلك الإيمان باليوم الآخر عند ابن القيم إيمان عقلي، لأن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق، ويستحيل أن يدع عباده بلا حساب، ولا محاسبة، ولا مسؤولية، وليؤمن لمجرد أن يعتقد أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، يستقيم على أمر الله، الإيمان من أجل أن تستقيم، الإيمان من أجل أن تأتي الله يوم القيامة طاهراً، نقياً، مستقيماً. معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية تحدد حركة الإنسان في الحياة: هناك دروس مصيرية، صدق أيها الأخ الكريم، أن معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية، أي تحدد حركتك في الحياة، إله عظيم يحاسب على كل سلوك، على كل حركة، وعلى كل سكنة. جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله، عظني ولا تطل، فتلا عليه النبي قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ( سورة الزلزلة ) قال: كُفيت، المصحف ستمئة صفحة، وهناك ملايين الكتب، وملايين المحاضرات، والمؤتمرات، والندوات، والنشرات، تلا عليه آية واحدة، قال: كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل، أي صار فقيهاً، فَقُه غير فَقِه، فَقِه باللغة يعني عرف الحكم، أما فَقُه أصبح فقيهاً، من آية واحدة. ونحن أيها الأخوة، حينما نؤمن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لا يمكن أن تعصيه. أنت كإنسان مع وزارة المالية، وأنت مستورد، إذا أغفلت صفة استوردتها، ولم تخبر بها المالية، والمالية عندها وسائل لكل مستورداتك، فإذا فعلت هذا معها أهدرت كل حساباتك، وكلفت ضريبة أضعافاً مضاعفة، لماذا لا يمكن أن تغفل صفقة استوردتها أمام إنسان لكن يملك المعلومات الدقيقة عنك ؟ أنت مع إنسان عادي، يعلم، يطولك علمه ، وتطولك قدرته لا يمكن أن تعصيه، مع إنسان، أي إنسان أقوى منك يطولك علمه، وتطولك قدرته لا تعصيه، فإذا أيقنت أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب تستقيم على أمره. لذلك معرفة أسماء الله الحسنى من أجل أن تستقيم على أمره، ومن أجل أن تأتيه يوم القيامة طاهراً نقياً تستحق الجنة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| أسماء, الله, الحسنى |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| متجدد ..أسماء الله الحسنى ومعانيها..~ | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 45 | 06-29-2022 09:36 AM |
| اسماء الله الحسنى 2008 م | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 204 | 09-03-2018 01:22 PM |
| معرض أسماء الله الحسنى | منال نور الهدى | رِيَاضُ الصُوَر المَنْقُولَة | 3 | 11-05-2014 11:25 PM |
| أسماء الله الحسنى: "الجبار" | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 3 | 02-27-2013 03:13 AM |
| من أسماء الله الحسنى :"المبين .".الشيخ محمد راتب النابلسي | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 5 | 02-27-2013 03:03 AM |