أسماء الله الحسنى - الصفحة 5 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 02-10-2018, 08:50 AM   #41


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم





(35)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



مِن أسماء الله الحسنى: ( الخالق ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( الخالق ).



1 – ورودُ اسم ( الخالق ) في القرآن الكريم:


هذا الاسم ورد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ورد في قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾

( سورة الحشر الآية: 24 )
وورد أيضاً في قوله تعالى:
﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة فاطر الآية: 3 )

أيها الإخوة، اسم ( الخالق ) يعني أن الله أوجد كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، بينما إذا وصف الإنسان مجازاً بأنه خالق بمعنى أنه صنع شيئاً واحداً من كل شيء، وعلى مثال سابق، والفرق كبير بين أن تصف الذي خلق السماوات والأرض بأنه خالقُ كلِّ شيء مِن لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وبين إنسان صنع شيئاً مِن كل شيء، وعلى مثال سابق.




2 – ورودُ اسم ( الخالق ) في السنة النبوية:


أيها الإخوة، هذا الاسم ورد أيضاً في مسند الإمام أحمد من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ:
(( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ... ))

[ مسند أحمد ]
وفي حديث آخر صحيح:

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))

[أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري ]



كن مع الخالق ولا تخشَ أحدًا :




كنت ذكرت لكم من قبل أن الإمام الحسن البصري كان عند والي البصرة، فجاء توجيه من الخليفة، لو نفذه لأغضب الله عز وجل، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة، فوقع الوالي في حرج شديد، فقال مستنصحاً الإمام الحسن البصري: ماذا أفعل ؟ قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
لأن الخالق يمنعك من المخلوق، بينما المخلوق لا يمنعك من الخالق، والإنسان كما تعلمون في قبضة الله عز وجل، سمعك بيده، بصرك بيده، ضربات قلبك بيده، ذاكرتك بيده، حركتك بيده، مَن حولك بيده، مَن فوقك بيده، مَن دون بيده، إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.

(( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ))

[ الترمذي ]
إخوتنا الكرام، هناك حقيقة دقيقة: لو كنت في مكان، وبحسب معطيات البيئة والظرف والعصر، أو بحسب قوانين حركة الحياة هناك أشياء إن فعلتها قوي مركزك، وأشياء إن فعلتها ضعف مركزك، وهناك إنسان في منصب بحسب حركة الحياة والقوانين المستنبطة من حركة الحياة، هذه القوانين تعني أنك إذا فعلت كذا وكذا قوي مركزك، وإن فعلت كذا وكذا ضعف مركزك، الآن لو كنت في هذا المكان، وفي هذا المنصب، وجاءك توجيه ممّن هو فوقك، بما يسخط الله، ما الذي يحصل ؟ أنت بحسب قوانين حركة الحياة المستنبطة من معطيات هذا المكان، وهذه البيئة، وهذا المجتمع يضعف مركزك، فإذا وضعت مصلحتك تحت قدمك، وأرضيت الله عز وجل، وابتغيت رضوانه وجنته، ما الذي يحصل ؟ يحصل أن الله يخضعك لقانون العناية الإلهية، فيزداد منصبك قوة عند مَن هو فوقك، هذه عناية خاصة، هذا معنى قول النبي الكريم:

(( من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله، ومن أسخط الله برضا الناس وكّله الله إلى الناس ))

[ أخرجه ابن حبان عن عائشة أم المؤمنين ]
بالمعنى الدقيق: لا إله إلا الله، لا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع إلا الله، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها.

(( من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]
مرة ثانية: هذا كلام دقيق جداً يحتاجه كل إنسان، بل كل مَن رفعه الله، بل كل مَن مكَّنه الله في الأرض، إن عملت عملاً بحسب معطيات بيئة هذا المكان، أو بحسب قوانين الحياة المستنبطة من هذا الظرف، وهذه البيئة، لو عملت عملاً في الظاهر يضعف مركزك، لكنه يرضي الله، فالله عز وجل يكافئك بمكافأة خاصة، يخضعك إلى قانون العناية الإلهية، فإذا بهذا العمل الذي في الظاهر يسخط مَن هو فوقك، فإذا بهذا العمل يقوي مركزك عند مَن هو فوقك، كيف ؟ لا نعلم.
المؤمن عنده جهة واحدة يخاف منها، هي الله، يخاف من الله، ويرجو ما عند الله، ويبتغي رضوان الله، ويقبل على الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، هذه هي الحرية.


مِن معاني ( الخالق ) الشرعية :


1 – التقدير الصحيح:


أيها الإخوة، معاني هذا الاسم، هو في الصياغة اسم فاعل، من خلق، يخلق خلقاً، فهو خالق اسم فاعل، قال تعالى:

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾

( سورة السجدة )
والخلق بمعنى المخلوق، هذا معنى جددي، الخلق بمعنى المخلوق، قال تعالى:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )
هذه مخلوقات الله، فالخلق بمعنى المخلوق.
﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )
الله عز وجل أعطاك كِلية بحجم البيضة، تعمل بصمت، بينما صنعَ الإنسانُ كِلية صناعية بحجم هذه الطاولة، وتحتاج أن تستلقي على السرير ساعات قد تصل إلى ست ساعات، في الأسبوع ثلاث مرات، ومع ذلك الدم لا يصفَّى تصفية تامة، بل تبقى بعض المواد الضارة تسبب ضيقًا في التعامل، وألمًا، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل لك هذه الكِلية التي تعمل بانتظام، وبلا صوت، وبلا اقتطاع من قوتك:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾
إن أعلى آلة تصوير رقمية احترافية، في الميلميتر المربع منها عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما في شبكية العين الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي، لذلك العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون ك

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

أيها الإخوة، الخلق من معاني الخلق التقدير الصحيح.




2 – الإيجادُ مِن عدم على غير مثال سابق:


من معاني الخلق إبداع الشيء من غير أصل، ولا مثال سابق، وإيجاد شيء من لا شيء.



3 – من معاني الخلق لغةً الكذب:


من معاني الخلق الكذب.

﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 17 )
أي تكذبون على الله.
﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

يعني إن هذا إلا افتراءات الأوّلين.




4 – تقديرُ الأمور وتنفيذُها:


أيها الإخوة، الخلق بمعنى تقدير الأمور، وتنفيذها، التقدير أولاً والتنفيذ ثانياً.

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ ﴾

( سورة المؤمنين الآية: 14 )

تخطيط وتنفيذ.




مراحل الخَلق:


من مراحل الخلق، أنّ ( الخالق ) يقدِّر أولاً بعلم مسبق، ثم يقدر، بمعنى يوجِد، ويصنع، ويكوِّن، على كلٍ أيّ مخلوق مهما عظُم شأنه، أو دقَّ حجمه لا بد من أن يمر بأربع مراتب.



المرحلة الأولى:



المرحلة الأولى: علم الله السابق، هناك علم أزلي، وعلم الله السابق تقدير كل شيء قبل تصنيعه، وتنظيم الأمور قبل إيجادها بعلم الله السابق.



المرحلة الثانية:



والمرحلة الثانية: مرحلة الكتابة، كتب كل ما يخص كل مخلوق في لوح محفوظ، وفي هذا اللوح تفاصيل كل شيء، إيجاداً، ونشأة، وإعداداً.



المرحلة الثالثة:



والمرحلة الثالثة: مرحلة القدر، وهي مرتبة تقابل مرتبة المشيئة.
(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]



المرحلة الرابعة:



والمرحلة الرابعة: مرحلة خلق الأشياء على خصائصها، وصورها التي هي عليها علم أزلي.
﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 54 )

في اللوح المحفوظ، مرحلة التقدير، مرحلة التصنيع.




الخالق وحده الذي يجب اتباع أوامره:

أيها الإخوة، الحقيقية الأولى الدقيقة: أن الخالق هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة.
بشكل طبيعي، كل واحد منا يشتري آلة قد تكون غالية الثمن، وقد تكون معقدة التركيب، وقد تكون عظيمة النفع، فمن حرصه اللامحدود على سلامتها، وصيانتها وأدائها الأداء الأمثل لا يستخدمها قبل أن يقرأ تعليمات.
وأقول لكم أيها الإخوة: الإنسان أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فمن باب الحفاظ على سلامة الإنسان، ومن باب الحفاظ على سعادته، ومن باب أداء المهمة التي خُلق من أجلها، لا بد من أن يتبع هذا الإنسان تعليمات الصانع، لأن كل إنسان مفطور على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده.
على سطح الأرض ستة آلاف مليون إنسان، ما منهم واحد إلا وهو مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، وسلامة الوجود، وكمال الوجود، واستمرار الوجود منوطةٌ بتطبيق تعليمات الصانع.
من باب محبتك لذاتك لا تحب أحداً، أحب ذاتك، طبق تعليمات الصانع، لأن الصانع هو الجهة الخبيرة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، قال تعالى:


﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

( سورة فاطر )



علاقةُ الطاعة والمعصية بثمارهما علاقة سببٍ بنتيجةٍ:

بل إن العلاقة بين طاعة الله، وبين ثمار هذه الطاعة علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة، والعلاقة بين معصية الله ونتائج هذه المعصية علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة.
للتوضيح: لو أن طفلاً وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، نقول: العلاقة بين احتراق اليد ووضع اليد على المدفأة علاقة علمية، أيّ طفل في أيّ مكان بالعالم، في أيّ وقت، في أيّ زمان، في أيّ مكان، إذا وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، هذه علاقة علمية.
لو أن الأب منع ابنه من الخروج من هذا الباب، وفي للبيت بابان، ارتأى الأب أن يغلق الباب الثاني إغلاقا تامًّا، وأن يستخدم الباب الأول، لو أن طفلا فتح الباب الثاني، وخرج منه استحق العقاب، لكن ليس هناك علاقة علمية بين هذا الضرب الذي تلقاه من أبيه وخروجه من هذا الباب، لأن الباب صُنِع للخروج أيضاً، نقول: هذه علاقة وضعية، الأب وضعها.
لذلك رماة أُحد الذين عصوا رسول الله صلى عليهم، لأنهم عصوا أمراً تنظيماً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً، وثمة فرق بين أن تعصي أمراً تنظيمياً، وأن تعصي أمراً تشريعياً، الله عز وجل قال:


﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )
إن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة.
هناك مثَل من واقعنا: لو عندك حاسوب من أعلى مستوى، من أرقى شركة، ولهذه الشركة ورشة صيانة في بلدك، هذا الحاسوب أصابه خلل، ولك جار تحبه كثيراً يبيع خضراوات، هل تدفع هذا الحاسوب إليه لتصليحه ؟ مع أنك تحبه، تحبه، ولكنه لا علاقة له بدقائق صنعة هذا الحاسوب، تأخذه إلى الجهة الخبيرة، والآية واضحة جداً:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

أنت أيها الإنسان، حينما تطيع الله معنى ذلك أنك تحب نفسك، لأن الله هو الخبير، قال لك: اضبط لسانك ليعلوَ مقامك، قال لك: كن أميناً يثق الناس بك، قال لك: غض بصرك تسعد بزوجتك، حرر دخلك يبارك الله لك بمالك.
العلاقة بين الأمر ونتائجه وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، بمعنى أنه لو جاء ملحد وطبق منهج الله يقطف ثماره، لذلك إيجابيات العالم الغربي أكثرها إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله، لكنهم أذكياء، اكتشفوا أن هذه الأعمال تجعل هذا الإنسان يرتبط بهذه الجهة.
لذلك أنا أقول دائماً: أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، وخذ منه كل شيء، أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، أعطه حاجته، ومكانته، وخذ منه كل شيء.




منهج الله موضوعي، مَن طبَّقه قطف ثمارَه:

هذه الحقائق جاءت في القرآن الكريم، لكن الذكي يكشفها من دون هذا الكتاب، فلذلك أحياناً الإنسان الذي شرد عن الله، دون أن يشعر يطبق تعليمات الخالق، لا من باب عبادته، ولا من باب التقرب منه، ولكن ذكاءه هداه إلى أن هذا العمل لمصلحته، فإذا ذهب الإنسان إلى بلاد الغرب، ورأى دقة، وصنعة متقنة، والإنسان محترم، هذه كشفت بالفكر البشري.
إنّ إيجابيات العالم الغربي إسلامية من دون أن يكون هؤلاء مسلمين، ومنهج الله عز وجل منهج موضوعي، لو طبقه إنسان ليس موضوعياً بخالق هذا الكون، يقطف ثمار هذا المنهج، لكن:


﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾

( سورة البقرة الآية: 102 )
يعني بشكل أو بآخر، لو جئنا بإنسان يدير مؤسسة، يحمل أعلى اختصاص في إدارة الأعمال، وراقبناه، ثم جئنا بإنسان مؤمن، إيمانه من أعلى مستوى، وراقبناه، نكتشف اكتشافًا عجيبا، أن الأول الذي درس إدارة الأعمال يشبه في فعله الثاني الذي كان عابداً لله، الإدارتان تتشابهان من حيث النتائج، وتفترقان من حيث البواعث، المؤمن يطيع الله عز وجل، فيربح الدنيا والآخرة معاً، غير المؤمن يطبق هذه التعليمات، لأنها موضوعية، فيربح الدنيا، إذا ربح الغربيون الدنيا لأنهم طبقوا التعليمات الصحيحة، وإذا خسرنا الدنيا، ونحن معنا وحي السماء، لأننا خالفنا هذه التعليمات.
أيها الإخوة، الآية الدقيقة جداً:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
الآية الثانية:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
الآية الثالثة:
﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 4 )
الآية الرابعة:
﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه )
كلام خالق الأكوان، لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه.
﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة )
لو جمعنا الآيتين، لكان الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا ؟ لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.



خاتمة:


الملخص أنك إذا أحببت نفسك فقط، ينبغي أن تطبق تعليمات الصانع، لأنه:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب )
فاز في الدنيا والآخرة.
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )
وعطاء الله لا يحد بحدود، وفي الحديث الصحيح عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))

[ أخرجه ابن ماجه ]
المفعول به محذوف، وإذا حذف المفعول أطلق الفعل:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))
لن تحصوا الخيرات، يا ترى راحة نفسية، وسلامة جسدية، ووفاق أسري، وابن بار، وسمعة طيبة، وسرور:

(( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... ))






والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-10-2018, 08:52 AM   #42


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى






بسم الله الرحمن الرحيم




(36)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



مِن أسماء الله الحسنى: ( المصوِّر ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( المصوِّر ).



1 – ورود اسمِ ( المصوِّر ) في القرآن الكريم:


لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم إلا في آية واحدة، وهي قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾

( سورة الحشر الآية: 24 )




الخالق البارئ المصوِّر :




وقد ذكرت لكم أن الذين فسروا أسماء الله الحسنى جرت العادة عندهم هذه الأسماء الثلاثة معاً، ( الخالق )، ( البارئ )، ( المصوِّر )، وقد بينت سابقاً أن الخالق يخلق كل شيء من لا شيء، على غير مثال سابق، بينما المخلوق إذا عُزي إليه الخلق في نص الآية الكريمة حيث قال:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

( سورة المؤمنين )
إذا عُزي الخلق إلى الإنسان فهو يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق ، أما البارئ فهو خلق، لكن على نحو معين فيه الحكمة البالغة، وقد بينت لكم أيضاً أن الآية الكريمة:
﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

( سورة الأعلى )

هذا الخلق بطريقة، أو بخصيصة تكون كاملة ينتفع بها الآخر.




2 – اسم المصوِّر أثره في المرحلة الثالثة بعد الخالق والبارئ:


أما ( المصوِّر ) فمرحلة ثالثة، خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، والذي خلقه خلقهُ على نحو كامل، ينتفع به، كالماء الذي نشربه، أودع الله فيه خصيصة، وهي أنه إذا برّدناه، ووصلنا في التبريد إلى درجة زائد أربع، فإنه بدل أن ينكمش يتمدد، وبهذا التمدد يصلح الأمر، ولولا هذا التمدد لما كانت حياة على وجه الأرض.
فالبارئ غير الخالق، خلق الخلق على نحو معين، فيه الحكمة البالغة، وفيه التقدير التام، وفيه العلم المطلق.
أما ( المصوِّر ) فهذا الشيء الذي خلقه على نحو معين أعطاه صورة.
للتوضيح: البناء يكون في الأصل على الهيكل، إسمنت، بعد الإسمنت يُكسى، بعد الكسوة يزيَّن، بالطلاء الخارجي، والرخام، والبلّور، هذه صورة، البناء في الأصل إسمنت مسلح، هيكل إسمنتي، لكن الأبنية الحديثة لها صور رائعة جداً، أحياناً كل البناء بلّور من الخارج، ينظف باستمرار.
إذاً: ( المصوِّر ) بعد الخلق و البرء تكون الصورة، والآية الكريمة:

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾



مِنَ الآيات الداعمة لمعنى ( البارئ ):




من الآيات الداعمة لهذا المعنى:

الآية الأولى:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 11 )
أحياناً تطَّلعون في بعض الصور المدرسية على إنسان على شكل عضلات فقط، منظره مخيف، لو رأيت وجه إنسان بلا جلد، العضلات مخيفة، يأتي هذا الجلد الأملس المشدود، شيء رائع جداً، الجمال كله في هذه الصورة.
الآية الثانية:

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾

( سورة غافر الآية: 64 )
الإنسان متناظر، يكفي أن يأخذ الخيّاط طول اليد اليمنى، اليسرى مثلها تماماً، لوجود التناظر، والجمال، والجلد، وهناك عين لها لون خاص، وشعر له لون خاص:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾
لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا نظر إلى نفسه في المرآة كان يدعو ويقول:

(( الحمد لله الذي حسن خَلقي وخُلقي ))

[أخرجه أبو يعلى عبد الله بن عباس ]
انظر إلى ابنك الصغير، بهذا الجمال الأخاذ، مَن صوَّره بهذه الصورة ؟ عيون متناظرة، واسعة، خدٌّ أسيل، فيه تورّد أحياناً، شعر بلون رائع:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾

﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾

الآية الثالثة:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

( سورة الانفطار )
العادة أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان، إما يخاطب عقله أو يخاطب قلبه، لكن هذه الآية الوحيدة التي فيها خطاب للعقل والقلب معاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
هذا خطاب للقلب.

إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول
***


﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
لمَ لا تتوب ؟
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 13 )

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمـري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لمـن يحب يطيـع
***

إذاً: يخاطب الله في هذه الآية قلب الإنسان:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
والآن يخاطب عقله:
﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

( سورة الانفطار )

لا شك أن بعضكم ممن تقدمت به السن، يعلم أو يرى من قبلُ المركبة التي صنعت في 1910، التشغيل من الأمام، والإضاءة بفانوس يُشعل، والبوق بآلة بدائية على الضغط الهواء، والعجلات ليس فيها هواء، ليس هناك ماصات للصدمة إطلاقاً، والمحرك حركة واحدة، وازن بين مركبة صنعت في عام 1910 ومركبة صنعت في السنة الثامنة بعد الألفين، الفرق يكاد لا يصدق، يقول لك: ( فول أوبشن )، أي أنها كاملة، ماذا يعني ذلك ؟ أن الإنسان خبرته تتنامى، هل سمعتم أن إنسانا في الأربعينيات كان بوضع ووفي الخمسينيات تعدّل ؟ أضيفت له زيادات، أصابه تطوّر ؟ أبداً، ماذا يعني ذلك ؟ أن خبرة الله قديمة، قدم وجوده، وخلقه كامل مرة واحدة.




3 – من معاني ( المصوِّر ):


لذلك: ( المصور ) اشتقاقاً اسم فاعل مِن صوَّر، يصوِّر فهو مصوِّر، والمصدر تصوير.



المعنى الأول:



ومعنى صوّر الشيء لغةً: جعل له شكلاً خاصاً معروفاً.
الأب الذي عنده عدة أولاد، كل ولد صورة، من حيث اللون، من حيث الطول، من حيث شكل الوجه، هناك وجه دائري، ووجه مستطيل، وهناك شعر أسود، وشعر أشقر، فجعل الله للشيء شكلاً خاصاً معروفاً.




المعنى الثاني:



هناك معنى آخر: صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره.
لاحظ صنعة الإنسان القطعُ كلّها متشابهة، ما لها شخصية، علب الطعام متشابهة تماماً، عبوات الأغذية متشابهة تماماً، أما الإنسان فليس هناك في الستة آلاف مليون إنسانٌ يشبه الآخر، لا بشكله، ولا بطوله، ولا بلونه، ولا بملامح وجهه، ولا بطريقة مشيه، ولا بطريقة كلامه، ولا بنبرة صوته.
قال بعض العلماء: " والله يا رب، لو تشابهت ورقتا زيتون لما سمِّيتَ الواسع.
أيها الإخوة، صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره، هذه روعة في الخَلق، نحن نحتال على ذلك فنعطي رقما للقطعة، المركبة لها رقم، الرقم يميزه، أما الله عز وجل فيعطيك ملامح خاصة، أنت فرد.




المعنى الثالث:



أو صوّر الشيء جعله على شكل متصور، أما الذات الإلهية فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك.

﴿ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 143 )

مخلوقات الله عز وجل بإمكانك أن تتصورها.




المعنى الرابع:



أيها الإخوة، قال العلماء: الله ( المصور ) أيْ صوّر المخلوقات بشتى أنواع الصور، فهناك صور جلية، وصور خفية، فأنت تمسك كأس الماء لتشربه، ماء صافٍ عذب زلال، لو وضعت هذا الماء تحت مجهر لرأيت ملايين َملايين ملاَيين البكتريا، فالصورة الجلية أنه ماء صافٍ، والصورة الخفية أن هذا الماء فيه مليارات البكتريا النافعة والضرورية.
الصور الظاهرة جلد أبيض، ثقيل، جميل، رائع، لو وضعت هذا الجلد على مبكر، أو على مجهر إلكتروني، التلال، والوديان، والحفر، وأفواه البراكين، والشعر كأنه غابة، اختلف الوضع، في صورة ظاهرة، وفي صورة حقيقية، فالله عز وجل خلق المخلوقات بشتى أنواع الصور، في صورة جلية، وفي صورة خفية، في صورة حسية وفي صورة عقلية.
ِإنسان قد يرى من الخارج بيتًا يأخذ بالألباب، ويكون صاحبه تاجر مخدرات، بنى ثروته على إفساد أخلاق الشباب، الصورة الظاهرة بيت فخم جداً، يشتهي كل إنسان أن يكون فيه، أما الصورة الباطنة فهو بيت بني على إفساد الشباب، وتدمير الأسر، وابتزاز الأموال، وقد تدخل بيتًا صاحبُه إنسان مؤمن متواضع، بيت بسيط، مساحته صغيرة، ليس فيه أثاث فخم، فالصورة الظاهرة متواضعة جداً، لكن وراء هذه الصورة المتواضعة إنسان مستقيم، إنسان معطاء، إنسان بنى حياته على العطاء، بنى حياته على إكرام الناس، على إلقاء الأمن في قلوبهم، والهدى والرحمة في مشاعرهم.




التعلُّق بالحقائق لا بالصور والمظاهر:




هناك صورة جلية، وصورة خفية، لذلك بطولة المؤمن أنه لا يتعلق بالصورة الظاهرة، لا يؤخذ ببت فخم اشتري بمال حرام، لا يؤخذ بمركبة فارهة، ركبها صاحبها، وقد ابتز أموال الناس، هناك صورة ظاهرة، وصورة خفية، وصورة حسية، وصورة عقلية.
مرة حدثني أخ له أستاذ في الجامعة تقاعد، أستاذ من أساطير العلم، تقاعد وانحنى ظهره، وضعف بصره، وكان في وضع صعب في آخر حياته، دخل إلى مسجد فرآه يصلي، فهرع إليه، وسلم عليه بأدب جم، صديقه معه، قال له: مَن هذا ؟ قال له: هذا عميد كليتنا، هذا مِن أعلم علماء النحو، هذا كذا، وهذا كذا، فالصورة الظاهرة إنسان متقدم في السن، منحني الظهر، يرى بصعوبة، يمشي بصعوبة، لكن هذا في حقيقته أكبر عالم في اختصاص معين.




المعنى الخامس:



أيها الإخوة، من معاني اسم ( المصوِّر ) أن الله يبدع صور المخلوقات، ويزينها بحكمته، ويعطي كل مخلوق صورته، كل واحد له صورة.
أؤكد مرة ثانية أن هناك صورًا ظاهرة ينبغي ألا نؤخذ بها، كان عليه الصلاة والسلام كلما رأى شيئاً من الدنيا يقول:

(( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

الغنى والفقر بعد العرض على الله، وقد إنسان يرى بيتاً فخماً، أو سيارة فارهة ، يرى حديقة غناء، أو مزرعة جميلة، يرى طعاما، يرى أماكن جميلة، الدنيا ترقص الآن ، والفتن يقظة، والدنيا حلوة نظرة، لكن سمّها في دسمها، ونساءها تغوي وتردي، وتشقي أحياناً، والمرأة المتفلتة التي لا ترعى قيمة، ولا منهجاً، ولا شرعاً، بل تؤذي غيرَها.
أريد أن أقول لكم: بطولة المؤمن أنه يتعامل مع حقائق الأشياء لا مع صورها، لكن قال بعضهم: " ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا "، ولا مانع في ذلك.




الحظوظ الدنيوية موزَعة توزيع ابتلاء:




أيها الإخوة، هناك نقطة دقيقة جداً في هذا اللقاء الطيب: أن الحظوظ: الوسامة حظ، امرأة بارعة الجمال يتهافت عليها كل الرجال، تخطب في سن مبكرة جداً، وهناك امرأة جمالها أقلّ مما ينبغي، وقد تكون عالمة، ومؤمنة، وطاهرة، هناك شيء تراه عينك على الشبكية، وشيء يدركه عقلك، أنا أرى امرأة طاهرة، عفيفة، مستقيمة، تعرف ربها، قلامة ظفرها أغلى من ملكات جمال العالم المتفلتات، البطولة أن تتعامل مع الحقائق.
قال لي أحدُهم: ذهبت إلى بلاد الغرب ماذا رأيت ؟ قلت له: والله على الشبكية إذا كان في الأرض جنة فهي هناك، على الشبكية فقط، الطرقات، الأبنية، الحدائق، وسائل المواصلات، المطاعم، المقاصف، شيء يصعب تصوره، في الدماغ جهنم أحياناً.
فبطولتك لا أن تتعامل مع ما ترى، أن تتعامل مع الحقيقة المُرّة، وقد تكون الحقيقة المُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح.
لذلك أيها الإخوة، الحظوظ، الجمال حظ، قد يكون لونُ الإنسانِ يلفت النظر، أو طوله يلفت النظر، ولاسيما المرأة، فهذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وتوزيع امتحان، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
الغنى والفقر بعد العرض على الله، الجمال والقبح بعد العرض على الله، قد تأتي امرأة من مسيرة عشرة آلاف كيلومتر، من أجل أن تأخذ مبلغًا يسيرًا، وتعمل ليلاً ونهاراً، لكنها مسلمة، مصلية، طائعة، ترسل هذا المال لأهلها الفقراء، على الشبكية امرأة صغيرة الحجم، اللون غير مقبول، وضعها صعب، تعمل ليلاً ونهاراً من أجل أن تطعم أهلها في بلدها البعيد، و امرأة أخرى تسكن قصرا جميلا، وتركب مركبة فارهة، جميلة جداً، الجمال والقبح متى ؟ بعد العرض على الله، كما قال الله عز وجل:


﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

( سورة الواقعة )
كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يصلي في بيته، لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته، لا بد من أن تنزاح جانباً حتى يصلي، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، أمين هذه الأمة سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، دخل بعض الصحابة إلى بيته في الشام، غرفة فيها قِدرٌ مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، وعلى الأرض جلد غزال يجلس عليه، قال له: ما هذا ؟! قال له: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلِّغنا المقيل.
أيها الإخوة، مرة ثانية الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والآية الكريمة:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 21 )
قد يكون مع شخص 90 مليارًا، وغيرُه ما معه ثمن لقمة طعام، وقد يكون بإمكانه أن يقصف هيروشيما بأمر، ويموت 600 ألف إنسان في ثلاث ثوانٍ، وغيره لا يستطيع أن يتحرر من سجنه:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
إنسان بأعلى درجة من الغنى، وغيرُه فقير جداً، وإنسانٌ صحيح وغيره مريض، وإنسان قوي وغيره ضعيف، وإنسان وسيم وغيره دميم، وإنسان ذكي جداً وغيره محدود:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾



وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً




الآن دققوا في الفصل التالي:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )
درجات الدنيا مؤقتة، ودرجات الآخرة أبدية.
أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، وأؤكد على هذا كثيراً: الحظوظ: الغنى، الوسامة، القوة، الصحة، هذه حظوظ، هذه توزع في الدنيا توزيع ابتلاء، لا تغتر بالمال، الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا تتألم إن لم تكن الصورة كما تتمنى، الجمال والقبح بعد العرض على الله، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والبطولة من له:
﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران )









والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-10-2018, 01:22 PM   #43


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم



(37
)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( الجبَّار ):


أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم (الجبار).



1 – ورودُ اسم ( الجبَّار ) في القرآن والسنة:


قد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، وهو قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
أيها الإخوة، وقد ورد في السنة، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ:

(( يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ، وَقَبَضَ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ ؟... ))



2 – معنى اسم ( الجبَّار ):


أيها الإخوة، من معاني هذا الاسم:




المعنى الأول:


( الجبار ) هو صيغة مبالغة مِن جابر، جابر جبّار، كغافر غفّار، رازق رزّاق، صيغة مبالغة من جابر، وجابر الموصوف بالجبر، والجبر من جبر، يجبر، والجبر إصلاح الشيء بالقهر.
الله عز وجل جبَر الفقير أي أغناه، وجبر الخاسر أي عوّضه، وجبر المريض أي شفاه.



المعنى الثاني:


والجبار العالي على خلقه، والجبار الذي تنفذ مشيئته في خلقه، الله عز وجل لا غالب لأمره.

﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

( سورة الرعد الآية: 41 )
أحياناً يصدر حكم من محكمة الصلح الأولى، الذي حُكم عليه يستأنف، فيصدر حكم من محكمة الاستئناف، الذي حكم عليه يستأنف، في محكمة النقض، لا غالب لأمره.

﴿ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي عليه الصلاة والسلام ]
أنت مع من ؟ أنت مع ( الجبار )، أنت مع الذي إرادته نافذة، أنت مع الغالب على أمره.
﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ﴾

( سورة يوسف الآية: 21 )

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة هود )

أنت كإنسان هل تستطيع أن تفعل كل إرادتك ؟ الله عز وجل:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
قام خطيب أمام النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ما شاء الله وشئت، فقال عليه الصلاة والسلام: بئس الخطيب أنت جعلتني لله ندا:

(( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن ))
فإذا كنت مع ( الجبار )، فأنت القوي، إذا كنت مع ( الجبار ) فالمستقبل لك، إذا كنت مع ( الجبار ) فأنت المنتصر، إذا كنت مع ( الجبار ) تدور الأيام، ولا تستقر إلا على رفعة شأنك، لأن مشيئة الله نافذة في كل خلقه، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، يُجبر كل أحد، ولا يُجبره أحد.


المعنى الثالث:


و( الجبار ) هو الجبروت، كمالك الملك والملكوت، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء، والعظمة ))

[أخرجه أبو داود والنسائي عن وف بن مالك ]



3 – اسم ( الجبَّار ) من أسماء التعظيم والتنزيه:


اسم ( الجبار ) أيها الإخوة، من أسماء التعظيم، هناك اسم ذات، وهناك اسم صفة، وهناك اسم فعل، وهناك اسم تنزيه، وهناك اسم تعظيم، ( الجبار ) من أسماء التعظيم.
(( الكبْرِياءُ ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذَفْتُهُ في النار ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ]

لكن أحياناً لله عز وجل في خلقه امتحانات صعبة، من هذه الامتحانات أنه يقوي أعداءه، فيفعلون ما يقولون، فيتوهم ضعيف الإيمان أنهم آلهة، فينبطحون أمامهم، والحقيقة أن الله لا يسمح لأحد أن يأخذ اسم ( الجبار )، ولا اسم القهار، ولا اسم العزيز، لا بد من أن يقصمه الله، ولهذا قال الله عز وجل :
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 34 )
كيف أن للرجال أعماراً وللأمم أعماراً، فأية أمة طغت، وبغت، وتجبرت لا بد من أن يقصمها الله في وقت ما.
أيها الإخوة، اسم ( الجبار ) من أسماء التعظيم، وهو في حق الله من كماله، من دلائل عظمته، من قوته، لكن لو قلنا: فلان جبار، فهذا اسم نقص، وصفة نقص في الإنسان، يقول الله عز وجل:
﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾

( سورة غافر الآية: 35 )
لأن العبد عبد، والرب رب، العبد من شأنه الافتقار، حتى الأنبياء قمم البشر كانوا:

﴿ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 20 )
هم مفتقرون في وجودهم إلى إمداد الله لهم، بل مفتقرون في تأمين طعامهم إلى المشي في الأسواق، إذاً هم عبيد، وعباد، لكن الله سبحانه وتعالى هو رب العباد، والعبيد شيء، والرب شيء آخر.


معنى ( الجبَّار ) عند الجبرية من أفسدِ المعاني :




أيها الإخوة، إلا أن ( الجبار ) عند فئة الجبرية، وهي فئة عقيدتها فاسدة، تتصور أو تتوهم أن الله يجبر عباده على أفعالهم، وأن الإنسان كريشة في مهب الريح.
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إيّاك إياك أن تبتل بالماء
هذه العقيدة تتناقض مع كمال الله، فكيف يجبر الله عبداً من عباده على معصية ثم يحاسبه عليها ؟ هذه عقيدة أهل الشرك، قال تعالى:
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

( سورة الأنعام )




الإنسان مخيَّرٌ:


فلو ألغينا حرية الاختيار في الإنسان لألغينا الثواب والعقاب، ألغينا الجنة والنار، ألغينا حمل الأمانة، ألغينا التكليف، ألغينا كل شيء.


﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية، 29 )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 148 )
أيها الإخوة

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 256 )
أصل التكليف أنك مخير، ولو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجز في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
تروي الروايات أن شارب خمر جيء به إلى سيدنا عمر بن الخطاب، فقال: << أقيموا عليه الحد، فقال هذا العاصي: يا أمير المؤمنين، إن الله قدر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار >>، أنت مخير.
إذاً: عقيدة الجبرية، وهي فئة زاغت عقيدتها، وتوهمت أن الله يجبر عباده على أفعالهم، ثم يحاسبهم عليها، وهذا شيء لا يُقبَل في حق إنسان.


المعنى الرابع:


أيها الإخوة، لو دخلنا في التفاصيل ( الجبار ) العالي، الذي لا يُنَال جانبه، ولا تستطيع أن تغلبه، العالي الذي لا ينال، في المعاجم نقول: نخلة جبارة أي لا يستطيع الإنسان قطف ثمارها، ونقول: ناقة جبارة أي يصعب ركوبها، المعنى الدقيق التفصيلي العالي الذي لا ينال، في القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 22 )
أي أقوياء لا يهزمون، إنسان جبار هذه صفة ذم فيه، الله جبار هذه صفة مدح ، إنسان جبار أي متعاظم، يتصنع العظمة، متكبر، لا ينقاد إلى أحد، أما الله الجبار فلا تناله الأفكار، ولا تحيط به الأبصار، ولا يصل إلى كنهه عقل من العقول، إذاً: هو من أسماء التعظيم، ومن أسماء التنزيه معاً.


4 – المؤمن قوي عزيز لأنه مع ( الجبَّار ):



الإنسان بفطرته يحب أن يكون مع القوي، القوة تجذب، القوة تلفت النظر الإنسان يرمقون بأعينهم القوي، فالمؤمن أحد أسباب قوته أنه معتز بالقوي، أحد أسباب قوته أن كل مَن حوله، ومَن فوقه، ومَن تحته بيد الله، وأنه مع الله، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ وسبب قوة المؤمن أنه متوكل على الله، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وسبب قوة المؤمن أنه لا يخضع، ولا ينبطح، ولا يستكين ولا يذل، لأنه مع القوي.


﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )
ما أحوج المسلمين اليوم إلى هذه المعاني، أي يعتزوا بربهم، أن يصطلحوا معه أن يستقيموا على أمره، أن يقبلوا عليه، عندئذٍ يصغر عدوهم في نظرهم، وعندئذٍ لا يخيب الله أملهم.

(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ))

[أخرجه الطبراني عن واثلة بن الأسقع ]

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه )

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )
إخواننا الكرام، قصص ثلاثة، الأمل النجاة فيها صفر:


1 ـ قصة فرعون وموسى وأصحابه:



فرعون بقوته، ببأسه، وجبروته، بحقده، بأسلحته، بغدره، بقسوة قلبه، وراء شرذمة قليلة أمامها البحر، وفرعون من وراءها:
﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾
كان مع ( الجبار )، والجبار هو القهار.


2 ـ قصة سيدنا يونس في بطن الحوت:



سيدنا يونس في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة الليل:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )




3 ـ قصة سيدنا يوسف في الجبِّ:



سيدنا يوسف، وضع في الجب ليموت، فصار عزيز مصر.

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )




المعنى الخامس:


أيها الإخوة، ( الجبار ) بالمعنى الآخر المصلح للأمور، العظم إذا كُسر يُجبَر، أي أن يلتئم العظم، هذا من جبر العظم، الله عز وجل يصلح أمور عباده، يرأب الصدع، ويلم الشمل، ويغني الفقير، ويجبر الكسير، ويعطي المحروم، ويرفع الذليل، ماذا يقول التاجر بعد أن يشتري البضاعة ؟ يقول: يا جبار.
معنى ( الجبار ) محبَّب للنفس، الله جبار المظلوم، جبار الفقير، جبار المريض، جبار المحروم، جبار من يعاني من مشكلة، دققوا:
(( إذا كان الثلث الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا ـ قبل الفجر ـ فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ حتى ينفجر الفجر ))
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ))

[ مسلم ]
لأنه جبار، بالتعبير الشائع جبار الخواطر، وما عُبد الله في الأرض بأعظم من جبر الخواطر.


المعنى السادس:


أيها الإخوة، والمعنى الآخر ذكرناه من معاني ( الجبار ) الذي ذكرناه: أجبره أي أكرهه على ما أراد، أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد.
(( عبدي أنا أريد، وأنت تريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))
فرعون ماذا قال ؟ قال:
﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )
وقال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية: 38 )
وفرعون تروي بعض الروايات أنه رأى في المنام أن طفلاً من بني إسرائيل سيقضي على ملكه، القضية سهلة جداً، أمر بذبح أبناء بني إسرائيل، من دون استثناء ، وأية مولِّدة لا تخبر عن مولود ذكر تُقتل مكانه، لكن الله جبار، فهذا الطفل الذي سيقضي على ملكه رباه في قصره.
قوم إبراهيم وضعوه في النار.
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )
النبي في الغار، يا رسول الله لقد رأونا، قال: يا أبا بكر ما ظنك في اثنين الله ثالثهما !.
مرة في أحد الطغاة في أوربا الشرقية، ألقى خطاب، قال: هذا الصفصاف إذا حمل الأجاص فأنا سأتنحى عن منصبي، فتنحى عن منصبه، ووضع بعض أفراد شعبه الأجاص على شجر الصفصاف، الله جبار، لا يتجبر على خلق الله إلا أحمق وغبي.
﴿ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )
هناك قصة رمزية: أن إنسانا يجلس مع زوجته ويأكل الدجاج، طُرق الباب، فإذا بسائل، همت الزوجة أن تعطيه من هذا الطعام ليأكله، فنهرها زوجها، ووبخها، وقال: اطرديه، فطردته، ساءت العلاقة بينها وبينه إلى أن طلقها، ثم جاء من يخطبها، والقصة مؤثرة جداً، هي جالسة مع الزوج الثاني تأكل الدجاج، طُرق الباب، ذهبت لتفتح، فإذا بسائل، فلما رأته اضطربت، قال: من الطارق ؟ قالت: سائل، قال: من ؟ قالت: زوجي الأول، قال: أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول، الله جبار، إياك أن تقول كلمة كبيرة.


المعنى السابع:


أيها الإخوة، ( الجبار ) من لا يرقى إليه وهم، كيفما تصورت الله فهو بخلاف ذلك، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، هو جبار لا يرقى إليه وهم.
الكيان الشرقي الذي رفع شعار ( لا إله )، وبقي سبعين عاماً يبث هذه العقيدة في الأرض، ويملك من القنابل النووية ما تكفي لتدمير الأرض، كيف تداعى من الداخل ؟ بلا حرب، وبلا أي شيء، الله جبار، الله عز وجل يقصم الجبابرة.
(( أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك وملك الملوك ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
هو من لا يرقى إليه وهم، ولا يشرف عليه فهم، ولا يلحقه إدراك، ينفذ أمره في كل شيء، ولا ينفذ فيه أمره شيء.
( الجبار ) مَن أصلح الأشياء بلا اعوجاج، وأمر بالطاعة بلا احتياج.

(( لو أنَّ أوَّلَكم، وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أُوفّيكم إيَّاها، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]





خاتمة:


إن أردت أن تكون قوياً فكن عبداً للجبار، هناك عبد ( الجبار ) فكن مع ( الجبار )، وإن أردت أن تكون قريباً من الله فاجبر الكثير، وهذا موضوع الدرس القادم، حول اسم ( الجبار ).








والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-10-2018, 01:24 PM   #44


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى






بسم الله الرحمن الرحيم



(38
)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (السلام):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السلام".



ورود اسم السلام في القرآن مرة واحدة و الإكثار من هذا الاسم في السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، يقول الله عز وجل:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( فإن الله هو السلام ))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]
وفي صحيح مسلم كان عليه الصلاة والسلام إذا انصرف من صلاته قال:

(( اللَّهم أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبَاركتَ يا ذَا الجلالِ والإكرَام ))

[رواه مسلم عن ثوبان]
وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من ذكر اسم "السلام"، وفي صحيح الجامع الصغير:

(( إن اسم السلام من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
لذلك تحية المؤمنين فيما بينهم السلام عليكم.


الجنة دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب:

أيها الأخوة، "السلام" اسم للموصوف بالسلامة، يعني الله جل جلاله ذو السلامة والسلامة الأمن، والطمأنينة، والحصانة، والاطمئنان، والبراءة من كل آفة ظاهرة وباطنة، والخلاص من كل مكروه وعيب، الله عز وجل "السلام" أي ذو السلامة، الجنة هي دار السلام، لأنها دار السلامة من كل متاعب الدنيا، يوجد في الدنيا أمراض، تقدم بالسن، زواج غير ناجح، ولد عاق، فقر، مرض، كل آفات الدنيا، دار السلام سميت دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب.
أيها الأخوة، و "السلام" التحية، التحية الخالصة من سوء الطوية، ومن خبث النية، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء السلام، قال تعالى:


﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾

( سورة الفرقان )
والله عز وجل يدعو إلى سبل السلام، والله عز وجل يدلك على طريق تسلم فيه من كل متاعب الدنيا.
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

( سورة يونس الآية: 25 )
ويدعو إلى سبل السلام، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 16 )



منهج الله عز وجل يفضي بالإنسان إلى السلامة:

أنت إذا طبقت منهج الله أنت في سلام مع نفسك، لأن الإنسان إذا خالف فطرته يعذب عذاباً شديداً من قبل ذاته، يعيش حالة احتقار الذات، يعيش حالة عقدة الذنب، يعيش حالة الانهيار الداخلي، أنت إذا بنيت مجدك على أنقاض الناس، أنت إذا بنيت غناك على إفقارهم، أنت إذا بنيت أمنك على خوفهم، إنك إن بنيت وجودك على موتهم، إنك إن بنيت عزك على ذلهم، تشعر بانهيار داخلي، ولو كنت في أعلى مقام، تشعر بحالة اسمها احتقار الذات، اختلال التوازن، لكنك إذا طبقت منهج الله عز وجل هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع نفسك، وإلى سلام مع ربك، وإلى سلام مع من حولك، منهج الله عز وجل ينتهي بك إلى "السلام"، "السلام" السلامة، ما في قهر، ما في احتقار للذات، ما في عقدة الذنب، ما في شعور بالانحطاط.



الله عز وجل يهدي كل إنسان إلى سبل السلام ليرضى عنه و يحبه:

أيها الأخوة الكرام، لولا أن فطرة الإنسان سليمة لما شقي إنسان، لماذا يشقى ؟ لأن الله فطره فطرة سليمة، فإذا خرج عن مبادئ فطرته، إذا أساء إلى خلق الله عز وجل ذاته تعذبه، نفسه تعذبه.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

( سورة الروم )
الله عز وجل يهديك إلى سبل "السلام"، لو طبقت منهج الله في علاقتك بزوجتك تعيش في سلام معها، لو طبقت منهج الله في كسب مالك، أنت في حرز حريز من إتلاف المال، إذا طبقت منهج الله في تربية أولادك، هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع أولادك.
فمنهج الله عز وجل بتفاصيله يفضي بك إلى "السلام"، وإذا أردنا أن نوضح أركان "السلام" أنت في سلام مع الله.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة فصلت )
هل من مرتبة أعلى من أن تكون في سلام مع الله ؟ هل من مرتبة أعلى من أن تشعر أن خالق السماوات والأرض يحبك ؟ هو وليك، يدافع عنك، يفوقك، ينصرك يحفظك، إنك إن طبقت منهج الله عز وجل أنت في سلام مع نفسك، حالة المؤمن أنه طاهر، أنه ما بنى مجده على أنقاض أحد، أنه ما سبب آلاماً للناس، كان معطاءً، كان مصدر أمنٍ لهم، كان مصدر سعادة لهم، أنت إذا طبقت منهج الله في سلام مع نفسك، تنام قرير العين، تنام مرتاح البال، تنام وأنت تشعر أن الله يحبك، لأنك أحسنت إلى خلقه.

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]



من طبق منهج الله عز وجل فهو في سلام مع نفسه و ربه و مع من حوله:

الله عز وجل "السلام" لأنك إن طبقت منهجه أخذك إلى "السلام" في سلام مع نفسك، في سلام مع ربك، في سلام مع من حولك، هذا المنهج الإلهي التفصيلي في كسب مالك، في إنفاق مالك، في زواجك، في حلك، في ترحالك، في إقامتك، في سفرك، في أفراحك، في أتراحك، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل في سلام مع من حولك، علاقات المؤمن كلها ناجحة، علاقات طيبة، علاقات مودة مع الآخرين، لأنه محسن إليهم، لأنه يلتزم منهج الله، لأنه يعرف ما له وما ليس له، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل حققت وجودك.
أريد أن أؤكد لكم أيها الأخوة، أنك إذا طبقت منهج الله في سلام مع جهات ثلاث الأولى أنت في سلام مع الله، والثانية أنت في سلام مع نفسك، والثالثة أنت في سلام مع من حولك، لماذا وضع الله لنا دستوراً تفصيلياً نسير عليه ؟ من أجل "السلام"، والكلمة الآن المحببة في العالم "السلام"، لأن الأرض، تمتلئ ظلماً، وجوراً، وقهراً، وقتلاً، واستغلالاً وطمعاً، وقمعاً، لأن البشر الآن ابتعدوا عن منهج الله.




من اتقَ الله عز وجل أدخله جنات أُعدت له:

أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء "السلام"، والله عز وجل يدعو إلى سبل "السلام"، من اتق الله في اختيار زوجته، هو في سلام مع زوجته، من اتقَ الله في كسب ماله، هو في سلام مع هذا المال، لم يتلف، لم يدمر، لن يخسره فجأة، ثم في النهاية
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
إلى الجنة:

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وفي الحديث ملمح لطيف
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ))
هناك دائرة المرئيات، لكن دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المرئيات
(( ولا أذن سمعتْ ))
أنت شاهدت بضع مدن في العالم، مئة مدينة، لكنك تستمع في الأخبار إلى آلاف المدن
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ))
أما الدائرة الثالثة
(( ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
دائرة المرئيات، فالمسموعات، فالخواطر.
أيها الأخوة الكرام، هذه الجنة التي أعدت لنا إلى أبد الآبدين، أيعقل أن نخسرها في سنوات معدودات، انغمس فيها الإنسان في المعصية والإثم،
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة يونس )




السلام من سلمت أفعاله من شر:

أيها الأخوة، اسم "السلام" اسم يجعلك في سلام، اسم "السلام" يهديك إلى سبل "السلام"، اسم "السلام" اسم ينقلك إلى دار "السلام"، الذي يعانيه البشر اليوم مما لا يوصف من القهر، والاستغلال، والقتل، والتشريد، والإفقار، والإذلال، الأرض الآن تضج في الشكوى إلى الله عز وجل، والله هو "السلام".
أيها الأخوة، "السلام" هو الذي سلمت أفعاله من كل شر، ليس في الكون شر مطلق، هناك شر نسبي، يعني إنسان قد يمرض لكن نتائج هذا المرض قد تكون في صالح إيمانه، أحياناً تلتهب الزائدة، وأنا أسميها الذائدة، ولـ35 عاماً أنا أؤكد أنه من باب اليقين الإيماني لا يمكن أن يكون في خلق الله شيء زائد.
من أيام جاءتني رسالة من بلاد بعيدة تؤكد أنه بخلاف ما كان الأطباء يتوهمون هذه الزائدة الدودية بحسب تسميتهم لها وظيفة خطيرة، اكتشفت في وقت متأخر جداً، وليس صحيحاً أن استئصالها ليس له مضاعفات إطلاقاً، لذلك ينبغي أن نسميها الذائدة الدودية وليست الزائدة، وفرق كبير بين الذائدة، أي المدافعة، وبين كلمة الزائدة التي توهم أن لا وظيفة لها.




الشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله:

أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق، الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، ما معنى يتناقض مع وجود الله ؟ تقول أبيض وأسود، هذان لونان متعاكسان، وقد يجتمعان، لكن الضوء والظلام متناقضان، لأن وجود الآخر ينقض وجود الثاني، لك أن تزين بيتك بخطوط عرضية، سوداء وبيضاء، كما تحتفل به الشام من فلكلور، أبيض وأسود، الأبيض والأسود يجتمعان، لكن الضياء والظلام لا يجتمعان، وجود أحدهما ينقض الآخر، فالشر المطلق، يعني الشر للشر، لا وجود له في الكون.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل بيدك الخير والشر، قال:
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لأن إيتاء الملك خير أحياناً، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير، أن الإذلال خير، من هنا يرى علماء العقيدة أنه لا ينبغي أن تقول الله ضار، هو ضار والضار من أسماء الله، ينبغي أن تجمع الاسمين معاً، هو ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي أنه يضر لينفع، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز.
" إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ".


أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا خير بالنسبة إلى مستقبلهم:


أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

( سورة الروم الآية: 41 )
هذا الشر النسبي.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الروم )
الخير المطلق، إذاً أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا هي شر بالنسبة إليهم لكنها خير بالنسبة إلى مستقبلهم، يعني شدة الأب أحياناً تجعل ابنه إنساناً عظيماً، التشديد على شاب من قبل أبيه وأمه هذا التشديد قد يسوقه إلى أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع.
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن علي بن أبي طالب ]
أوضح مثل: لو أن إنساناً قاد أحدث مركبة صنعت حتى الآن، قادها وهو مخمور، فسقط في الوادي، وتحطم، هل هذا التحطم له صانع ؟ هل هناك معمل جعلها هكذا ؟ مستحيل ! هذا التحطم نتيجة أن إنساناً خالف المنهج القويم في قيادتها، كان مخموراً فقادها فنزل بها في الوادي فتحطمت، نقول هذا الشر ليس من المعمل الصانع، هذا الشر من سوء استخدامها، بل إن فلسفة الشر أنه سوء استخدام، أليس الملح حاجة ثمينة ؟ أليس السكر مادة ثمينة ؟ أليس مسحوق التنظيف مادة ثمينة ؟ تدفع ثمنها غالياً، ضع مسحوق التنظيف في الطبخ، لا تأكله، هل نقول هذه المواد التي خلقها الله لنا هي شر ؟ لا، هي خير، ولكن سوء الاستخدام جعلتها شراً، هل يوضع الملح في الحلويات ؟ لا تأكلها، فهو الشر أحياناً يأتي من سوء الاستخدام، والنبي عليه الصلاة والسلام حسم هذا الموضوع فقال:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))



الله عز وجل "السلام" أي:

أيها الأخوة، السيارة لماذا صنعت ؟ بتعبير فلسفي ما علة صنعها ؟ صنعت من أجل أن تسير، لماذا وضعت فيها مكابح ؟ مع أن فلسفة المكبح أنه يتناقض مع علة صنعها هي صنعت للسير، والمكبح يوقفها، المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنعها، لكنه أكمل ضمان لسلامتها، فإذا فهمت المصيبة على أنها مكبح لهذه المركبة أي من أجل السلامة، كم من إنسان انحرف فجاء التأديب الإلهي، وهو بالنسبة إليه شر نسبي، لكن هذا الشر النسبي وظف للخير المطلق.



1 ـ يهديك إلى سبل السلام:


لهذا علاقة البشر مع ربهم يوم القيامة، هذه العلاقة ملخصة في كلمة واحدة:

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )
والله أيها الأخوة، هذا يقيني وإيماني، أن الله سبحانه وتعالى حينما يكشف لعبده يوم القيامة عن حكمة ما ساقه له من شدائد، ينبغي أن يذوب كما تذوب الشمعة محبة لله.
أيها الأخوة، هذا هو المعنى الأول، الله "السلام" يهديك إلى سبل السلام يدعوك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يدعوك
﴿ إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾



2 ـ ذو سلامة لعباده:


المعنى الثاني: الله عز وجل "السلام" أي ذو سلامة لعباده، وخلق الإنسان، وما حول الإنسان يؤكد هذا الاسم، الجهاز العظمي، هذا الجهاز ينمو، لكن لحكمة بالغة عند حد ما يقف النمو، وهذا من رحمة الله بنا، عندنا مرض خطير اسمه العملقة، يستمر النمو لكن من أعطى لهذه الخلية العظمية أمراً بأن تقف ؟ القابض، بلغ هذا الشاب طولاً معيناً فتوقف النمو، هذا من رحمة الله بنا، لو تابع نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو العملقة ولو قلّ نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو القزم، إنسان قزم.
إذاً الله عز وجل يسمح لهذه الخلية بالنمو إلى حد ما، ويقف النمو، وتكسر رجل الإنسان أحياناً، هذه الخلية التي أمرت بالتوقف تستيقظ، وتعيد التئام طرفي العظم، قد تنام الخلية العظمية سبعين عاماً، وفي نهاية المطاف تكسر إحدى أعضاء هذا الإنسان تستيقظ هذه الخلية، وتسهم في التئام هذا العظم، يد من ؟ حكمة من ؟ هل يوجد بعالم المادة، بعالم الميكانيك، قطعة تنكسر نقول لصاحب هذه المركبة دعها بعد حين تلتحم ؟ انظر إلى تصميم الله عز وجل، أي عظم يكسر مهمة الطبيب العظمي فقط أن يضع القطعتين بشكل صحيح وبعدها العظم وحده يستيقظ، وتلتئم هذه العظمة.
لماذا جعل أعصاب حس في الأسنان ؟ من أجل ألا تخسر أسنانك، عصب الحس في الأسنان جهاز إنذار مبكر، إذا تلف السن، ووصل التلف إلى العصب الحسي لا تنام الليل تبادر إلى إصلاح هذا السن، لولا أعصاب الحس في الأسنان لخسرنا كل أسنانا.
لماذا جعل عصب حس في نقي العظام ؟ لأن هذا العظم إذا كسر، من شدة الألم من شدة عصب الحس في نقي العظام تبقي هذه القطعة على حالها، وإبقاؤها على حالها أربعة أخماس العلاج.




التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله:

إذاً الله ذو السلامة لعباده، أعطاك جهاز مناعة، جيش عرمرم، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، هذا الجيش في فرقة استطلاع، فرقة تصنيع السلاح، فرقة مقاتلين، فرقة خدمات، فرقة مغاوير، خمس فرق في هذا الجيش، من أجل سلامتك، من أجل مكافحة الأمراض.
من جعل كل كلية فيها عشرة أضعاف حاجة الإنسان ؟ أنت تملك كليتين، الطاقة التصفوية لهاتين الكليتين عشرون ضعفاً عن حاجتك، لأن الله ذو السلامة لعباده.
من جعل في القلب مركز تنبيه خاص ؟ القلب لأنه من أنبل أعضاء الإنسان وعلى نبضه تتوقف حياة الإنسان، جعل الله في القلب مركزاً كهربائياً خاصاً، تتلقى منه الأمر بالنبض، ماله علاقة بالشبكة العامة، القلب يتلقى أمراً بالنبض من مركز كهربائي ذاتي فإذا تعطل هذا المركز هناك مركز احتياطي، فإذا تعطل الثاني هناك مركز احتياطي ثالث لأن الله ذو السلامة لعباده.
أيها الأخوة، قضية اسم "السلام" يمكن أن نتلمسها، من خلق الإنسان، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.
لذلك هذا الاسم أيها الأخوة، يعطينا شعوراً أن الله يحبنا، وأنه صمم أجسامنا وصمم ما حولنا تصميماً رائعاً بحيث تكون المحصلة هي "السلام" فالله سبحانه وتعالى هو "السلام"، ويدعو إلى إلقاء السلام، ويدعو إلى سبل السلام، ثم يدعونا إلى دار السلام.





والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-11-2018, 07:53 AM   #45


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم




(39
)



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: (السلام):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "السلام".



ورود اسم السلام في القرآن مرة واحدة و الإكثار من هذا الاسم في السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضع واحد، يقول الله عز وجل:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي صحيح البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( فإن الله هو السلام ))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]
وفي صحيح مسلم كان عليه الصلاة والسلام إذا انصرف من صلاته قال:

(( اللَّهم أنْتَ السَّلامُ، ومِنكَ السَّلامُ، تَبَاركتَ يا ذَا الجلالِ والإكرَام ))

[رواه مسلم عن ثوبان]
وكان عليه الصلاة والسلام يكثر من ذكر اسم "السلام"، وفي صحيح الجامع الصغير:

(( إن اسم السلام من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]
لذلك تحية المؤمنين فيما بينهم السلام عليكم.


الجنة دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب:

أيها الأخوة، "السلام" اسم للموصوف بالسلامة، يعني الله جل جلاله ذو السلامة والسلامة الأمن، والطمأنينة، والحصانة، والاطمئنان، والبراءة من كل آفة ظاهرة وباطنة، والخلاص من كل مكروه وعيب، الله عز وجل "السلام" أي ذو السلامة، الجنة هي دار السلام، لأنها دار السلامة من كل متاعب الدنيا، يوجد في الدنيا أمراض، تقدم بالسن، زواج غير ناجح، ولد عاق، فقر، مرض، كل آفات الدنيا، دار السلام سميت دار السلام لأنها مبرأة من كل هذه العيوب.
أيها الأخوة، و "السلام" التحية، التحية الخالصة من سوء الطوية، ومن خبث النية، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء السلام، قال تعالى:


﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾

( سورة الفرقان )
والله عز وجل يدعو إلى سبل السلام، والله عز وجل يدلك على طريق تسلم فيه من كل متاعب الدنيا.
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

( سورة يونس الآية: 25 )
ويدعو إلى سبل السلام، قال تعالى:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 16 )



منهج الله عز وجل يفضي بالإنسان إلى السلامة:

أنت إذا طبقت منهج الله أنت في سلام مع نفسك، لأن الإنسان إذا خالف فطرته يعذب عذاباً شديداً من قبل ذاته، يعيش حالة احتقار الذات، يعيش حالة عقدة الذنب، يعيش حالة الانهيار الداخلي، أنت إذا بنيت مجدك على أنقاض الناس، أنت إذا بنيت غناك على إفقارهم، أنت إذا بنيت أمنك على خوفهم، إنك إن بنيت وجودك على موتهم، إنك إن بنيت عزك على ذلهم، تشعر بانهيار داخلي، ولو كنت في أعلى مقام، تشعر بحالة اسمها احتقار الذات، اختلال التوازن، لكنك إذا طبقت منهج الله عز وجل هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع نفسك، وإلى سلام مع ربك، وإلى سلام مع من حولك، منهج الله عز وجل ينتهي بك إلى "السلام"، "السلام" السلامة، ما في قهر، ما في احتقار للذات، ما في عقدة الذنب، ما في شعور بالانحطاط.



الله عز وجل يهدي كل إنسان إلى سبل السلام ليرضى عنه و يحبه:

أيها الأخوة الكرام، لولا أن فطرة الإنسان سليمة لما شقي إنسان، لماذا يشقى ؟ لأن الله فطره فطرة سليمة، فإذا خرج عن مبادئ فطرته، إذا أساء إلى خلق الله عز وجل ذاته تعذبه، نفسه تعذبه.

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾

( سورة الروم )
الله عز وجل يهديك إلى سبل "السلام"، لو طبقت منهج الله في علاقتك بزوجتك تعيش في سلام معها، لو طبقت منهج الله في كسب مالك، أنت في حرز حريز من إتلاف المال، إذا طبقت منهج الله في تربية أولادك، هذا المنهج يفضي بك إلى سلام مع أولادك.
فمنهج الله عز وجل بتفاصيله يفضي بك إلى "السلام"، وإذا أردنا أن نوضح أركان "السلام" أنت في سلام مع الله.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة فصلت )
هل من مرتبة أعلى من أن تكون في سلام مع الله ؟ هل من مرتبة أعلى من أن تشعر أن خالق السماوات والأرض يحبك ؟ هو وليك، يدافع عنك، يفوقك، ينصرك يحفظك، إنك إن طبقت منهج الله عز وجل أنت في سلام مع نفسك، حالة المؤمن أنه طاهر، أنه ما بنى مجده على أنقاض أحد، أنه ما سبب آلاماً للناس، كان معطاءً، كان مصدر أمنٍ لهم، كان مصدر سعادة لهم، أنت إذا طبقت منهج الله في سلام مع نفسك، تنام قرير العين، تنام مرتاح البال، تنام وأنت تشعر أن الله يحبك، لأنك أحسنت إلى خلقه.

(( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك ]



من طبق منهج الله عز وجل فهو في سلام مع نفسه و ربه و مع من حوله:

الله عز وجل "السلام" لأنك إن طبقت منهجه أخذك إلى "السلام" في سلام مع نفسك، في سلام مع ربك، في سلام مع من حولك، هذا المنهج الإلهي التفصيلي في كسب مالك، في إنفاق مالك، في زواجك، في حلك، في ترحالك، في إقامتك، في سفرك، في أفراحك، في أتراحك، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل في سلام مع من حولك، علاقات المؤمن كلها ناجحة، علاقات طيبة، علاقات مودة مع الآخرين، لأنه محسن إليهم، لأنه يلتزم منهج الله، لأنه يعرف ما له وما ليس له، أنت إذا طبقت منهج الله عز وجل حققت وجودك.
أريد أن أؤكد لكم أيها الأخوة، أنك إذا طبقت منهج الله في سلام مع جهات ثلاث الأولى أنت في سلام مع الله، والثانية أنت في سلام مع نفسك، والثالثة أنت في سلام مع من حولك، لماذا وضع الله لنا دستوراً تفصيلياً نسير عليه ؟ من أجل "السلام"، والكلمة الآن المحببة في العالم "السلام"، لأن الأرض، تمتلئ ظلماً، وجوراً، وقهراً، وقتلاً، واستغلالاً وطمعاً، وقمعاً، لأن البشر الآن ابتعدوا عن منهج الله.




من اتقَ الله عز وجل أدخله جنات أُعدت له:

أيها الأخوة، الله سبحانه وتعالى يدعو إلى إلقاء "السلام"، والله عز وجل يدعو إلى سبل "السلام"، من اتق الله في اختيار زوجته، هو في سلام مع زوجته، من اتقَ الله في كسب ماله، هو في سلام مع هذا المال، لم يتلف، لم يدمر، لن يخسره فجأة، ثم في النهاية
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾
إلى الجنة:

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
وفي الحديث ملمح لطيف
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ))
هناك دائرة المرئيات، لكن دائرة المسموعات أوسع بكثير من دائرة المرئيات
(( ولا أذن سمعتْ ))
أنت شاهدت بضع مدن في العالم، مئة مدينة، لكنك تستمع في الأخبار إلى آلاف المدن
(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ ))
أما الدائرة الثالثة
(( ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
دائرة المرئيات، فالمسموعات، فالخواطر.
أيها الأخوة الكرام، هذه الجنة التي أعدت لنا إلى أبد الآبدين، أيعقل أن نخسرها في سنوات معدودات، انغمس فيها الإنسان في المعصية والإثم،
﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة يونس )




السلام من سلمت أفعاله من شر:

أيها الأخوة، اسم "السلام" اسم يجعلك في سلام، اسم "السلام" يهديك إلى سبل "السلام"، اسم "السلام" اسم ينقلك إلى دار "السلام"، الذي يعانيه البشر اليوم مما لا يوصف من القهر، والاستغلال، والقتل، والتشريد، والإفقار، والإذلال، الأرض الآن تضج في الشكوى إلى الله عز وجل، والله هو "السلام".
أيها الأخوة، "السلام" هو الذي سلمت أفعاله من كل شر، ليس في الكون شر مطلق، هناك شر نسبي، يعني إنسان قد يمرض لكن نتائج هذا المرض قد تكون في صالح إيمانه، أحياناً تلتهب الزائدة، وأنا أسميها الذائدة، ولـ35 عاماً أنا أؤكد أنه من باب اليقين الإيماني لا يمكن أن يكون في خلق الله شيء زائد.
من أيام جاءتني رسالة من بلاد بعيدة تؤكد أنه بخلاف ما كان الأطباء يتوهمون هذه الزائدة الدودية بحسب تسميتهم لها وظيفة خطيرة، اكتشفت في وقت متأخر جداً، وليس صحيحاً أن استئصالها ليس له مضاعفات إطلاقاً، لذلك ينبغي أن نسميها الذائدة الدودية وليست الزائدة، وفرق كبير بين الذائدة، أي المدافعة، وبين كلمة الزائدة التي توهم أن لا وظيفة لها.




الشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله:

أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق، الشر المطلق لا وجود له في الكون، لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، ما معنى يتناقض مع وجود الله ؟ تقول أبيض وأسود، هذان لونان متعاكسان، وقد يجتمعان، لكن الضوء والظلام متناقضان، لأن وجود الآخر ينقض وجود الثاني، لك أن تزين بيتك بخطوط عرضية، سوداء وبيضاء، كما تحتفل به الشام من فلكلور، أبيض وأسود، الأبيض والأسود يجتمعان، لكن الضياء والظلام لا يجتمعان، وجود أحدهما ينقض الآخر، فالشر المطلق، يعني الشر للشر، لا وجود له في الكون.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لم يقل بيدك الخير والشر، قال:
﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )
لأن إيتاء الملك خير أحياناً، وأن نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير، أن الإذلال خير، من هنا يرى علماء العقيدة أنه لا ينبغي أن تقول الله ضار، هو ضار والضار من أسماء الله، ينبغي أن تجمع الاسمين معاً، هو ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، أي أنه يضر لينفع، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز.
" إن هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ".


أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا خير بالنسبة إلى مستقبلهم:


أيها الأخوة، الشر النسبي موظف للخير المطلق.

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾

( سورة الروم الآية: 41 )
هذا الشر النسبي.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الروم )
الخير المطلق، إذاً أي مصيبة يسوقها الله لعباده في الدنيا هي شر بالنسبة إليهم لكنها خير بالنسبة إلى مستقبلهم، يعني شدة الأب أحياناً تجعل ابنه إنساناً عظيماً، التشديد على شاب من قبل أبيه وأمه هذا التشديد قد يسوقه إلى أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع.
أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن علي بن أبي طالب ]
أوضح مثل: لو أن إنساناً قاد أحدث مركبة صنعت حتى الآن، قادها وهو مخمور، فسقط في الوادي، وتحطم، هل هذا التحطم له صانع ؟ هل هناك معمل جعلها هكذا ؟ مستحيل ! هذا التحطم نتيجة أن إنساناً خالف المنهج القويم في قيادتها، كان مخموراً فقادها فنزل بها في الوادي فتحطمت، نقول هذا الشر ليس من المعمل الصانع، هذا الشر من سوء استخدامها، بل إن فلسفة الشر أنه سوء استخدام، أليس الملح حاجة ثمينة ؟ أليس السكر مادة ثمينة ؟ أليس مسحوق التنظيف مادة ثمينة ؟ تدفع ثمنها غالياً، ضع مسحوق التنظيف في الطبخ، لا تأكله، هل نقول هذه المواد التي خلقها الله لنا هي شر ؟ لا، هي خير، ولكن سوء الاستخدام جعلتها شراً، هل يوضع الملح في الحلويات ؟ لا تأكلها، فهو الشر أحياناً يأتي من سوء الاستخدام، والنبي عليه الصلاة والسلام حسم هذا الموضوع فقال:

(( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ ))



الله عز وجل "السلام" أي:

أيها الأخوة، السيارة لماذا صنعت ؟ بتعبير فلسفي ما علة صنعها ؟ صنعت من أجل أن تسير، لماذا وضعت فيها مكابح ؟ مع أن فلسفة المكبح أنه يتناقض مع علة صنعها هي صنعت للسير، والمكبح يوقفها، المكبح في فلسفته يتناقض مع علة صنعها، لكنه أكمل ضمان لسلامتها، فإذا فهمت المصيبة على أنها مكبح لهذه المركبة أي من أجل السلامة، كم من إنسان انحرف فجاء التأديب الإلهي، وهو بالنسبة إليه شر نسبي، لكن هذا الشر النسبي وظف للخير المطلق.



1 ـ يهديك إلى سبل السلام:


لهذا علاقة البشر مع ربهم يوم القيامة، هذه العلاقة ملخصة في كلمة واحدة:

﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )
والله أيها الأخوة، هذا يقيني وإيماني، أن الله سبحانه وتعالى حينما يكشف لعبده يوم القيامة عن حكمة ما ساقه له من شدائد، ينبغي أن يذوب كما تذوب الشمعة محبة لله.
أيها الأخوة، هذا هو المعنى الأول، الله "السلام" يهديك إلى سبل السلام يدعوك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، يدعوك
﴿ إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾



2 ـ ذو سلامة لعباده:


المعنى الثاني: الله عز وجل "السلام" أي ذو سلامة لعباده، وخلق الإنسان، وما حول الإنسان يؤكد هذا الاسم، الجهاز العظمي، هذا الجهاز ينمو، لكن لحكمة بالغة عند حد ما يقف النمو، وهذا من رحمة الله بنا، عندنا مرض خطير اسمه العملقة، يستمر النمو لكن من أعطى لهذه الخلية العظمية أمراً بأن تقف ؟ القابض، بلغ هذا الشاب طولاً معيناً فتوقف النمو، هذا من رحمة الله بنا، لو تابع نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو العملقة ولو قلّ نموه لوقع في مرض خطير ونادر هو القزم، إنسان قزم.
إذاً الله عز وجل يسمح لهذه الخلية بالنمو إلى حد ما، ويقف النمو، وتكسر رجل الإنسان أحياناً، هذه الخلية التي أمرت بالتوقف تستيقظ، وتعيد التئام طرفي العظم، قد تنام الخلية العظمية سبعين عاماً، وفي نهاية المطاف تكسر إحدى أعضاء هذا الإنسان تستيقظ هذه الخلية، وتسهم في التئام هذا العظم، يد من ؟ حكمة من ؟ هل يوجد بعالم المادة، بعالم الميكانيك، قطعة تنكسر نقول لصاحب هذه المركبة دعها بعد حين تلتحم ؟ انظر إلى تصميم الله عز وجل، أي عظم يكسر مهمة الطبيب العظمي فقط أن يضع القطعتين بشكل صحيح وبعدها العظم وحده يستيقظ، وتلتئم هذه العظمة.
لماذا جعل أعصاب حس في الأسنان ؟ من أجل ألا تخسر أسنانك، عصب الحس في الأسنان جهاز إنذار مبكر، إذا تلف السن، ووصل التلف إلى العصب الحسي لا تنام الليل تبادر إلى إصلاح هذا السن، لولا أعصاب الحس في الأسنان لخسرنا كل أسنانا.
لماذا جعل عصب حس في نقي العظام ؟ لأن هذا العظم إذا كسر، من شدة الألم من شدة عصب الحس في نقي العظام تبقي هذه القطعة على حالها، وإبقاؤها على حالها أربعة أخماس العلاج.




التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله:

إذاً الله ذو السلامة لعباده، أعطاك جهاز مناعة، جيش عرمرم، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، هذا الجيش في فرقة استطلاع، فرقة تصنيع السلاح، فرقة مقاتلين، فرقة خدمات، فرقة مغاوير، خمس فرق في هذا الجيش، من أجل سلامتك، من أجل مكافحة الأمراض.
من جعل كل كلية فيها عشرة أضعاف حاجة الإنسان ؟ أنت تملك كليتين، الطاقة التصفوية لهاتين الكليتين عشرون ضعفاً عن حاجتك، لأن الله ذو السلامة لعباده.
من جعل في القلب مركز تنبيه خاص ؟ القلب لأنه من أنبل أعضاء الإنسان وعلى نبضه تتوقف حياة الإنسان، جعل الله في القلب مركزاً كهربائياً خاصاً، تتلقى منه الأمر بالنبض، ماله علاقة بالشبكة العامة، القلب يتلقى أمراً بالنبض من مركز كهربائي ذاتي فإذا تعطل هذا المركز هناك مركز احتياطي، فإذا تعطل الثاني هناك مركز احتياطي ثالث لأن الله ذو السلامة لعباده.
أيها الأخوة، قضية اسم "السلام" يمكن أن نتلمسها، من خلق الإنسان، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق لمعرفة الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.
لذلك هذا الاسم أيها الأخوة، يعطينا شعوراً أن الله يحبنا، وأنه صمم أجسامنا وصمم ما حولنا تصميماً رائعاً بحيث تكون المحصلة هي "السلام" فالله سبحانه وتعالى هو "السلام"، ويدعو إلى إلقاء السلام، ويدعو إلى سبل السلام، ثم يدعونا إلى دار السلام.





والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-11-2018, 07:56 AM   #46


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم



(40
)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.


من أسماء الله الحسنى: ( القدوس):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "القدوس".



ورود اسم القدوس في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين، في قوله تعالى:

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وقد ورد في موضع آخر في قوله تعالى:
﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾

( سورة الجمعة )
أما في السنة الصحيحة، ففي صحيح مسلم، من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان:

(( يقولُ في رُكوعِهِ وسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائِكَةِ والرُّوحِ ))

[أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي عن عائشة]
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم إذا هب من الليل يقول:

(( سبحان الملك القدوس ))

[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أُبي بن كعب ]
إذاً هذا الاسم دخل في أذكار النبي عليه الصلاة والسلام.


تسمية الجنة بحظيرة القدس لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا:

ما هو التقديس ؟ التقديس ؛ التطهير، سميت الجنة بحظيرة القدس، لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا، لا في كبر، ولا في ضعف بصر، ولا في شيب، ولا في إنحاء ظهر، ولا في ابن عاق، ولا في زوجة سيئة، ولا في دخل قليل، ولا في فقر، ولا في مرض، سميت الجنة بحظيرة القدس لأنها مطهرة من كل عيوب الدنيا، وجبريل سماه الله في القرآن الكريم، روح القدس، قال تعالى:

﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ﴾

( سورة النحل الآية: 102 )
لأنه مطهر من كل عيوب التبليغ، لا ينسى، ولا يغير، ولا يبدل، ولا يضيف، ولا يحذف، ولا يبالغ، لأنه مطهر من كل عيوب التبليغ.


اتصاف المؤمن بالعدالة و الضبط معاً:

لذلك المؤمن الموصول بالله، يتصف بالعدالة والضبط، العدالة صفة نفسية والضبط صفة عقلية، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))

[ سلسلة الأحاديث الضعيفة ]
المعنى المعاكس إذا عاملهم فظلمهم، وحدثهم فكذبهم، ووعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، لكن بعض العلماء أشار إلى أن هناك حالات كثيرة العدالة لا تسقط، لكنها تُجرح، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، أي الوزن لم يأتِ تماماً، قال عليه الصلاة والسلام: إذا وزنتم فأرجحوا .
الوزن أقل بتمرة واحدة، جُرحت العدالة، أكل لقمة من حرام، لا تنوي أن تشتري، ذقت هذه الفاكهة الشهية، أكلت حبة منها، وادعيت أن السعر مرتفع، ومشيت أكلت لقمة من حرام، هذه تجرح العدالة، من مشى حافياً تجرح عدالته، من بال في الطريق تجرح عدالته، من أكل في الطريق تجرح عدالته، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق، تجرح عدالته، من تنزه في الطرقات ليمتع عينيه بالغاديات والرائحات تجرح عدالته، من صحب الأراذل تجرح عدالته، من قاد جرذوناً (حيوان مخيف) أخاف به الأطفال تجرح عدالته، من أطلق لفرسه العنان، السرعة الزائدة تجرح العدالة، من كان حديثه عن النساء هذه طويلة، وهذه بيضاء، وهذه، الحديث عن النساء يجرح العدالة، أرأيت إلى دقة هذا الدين العظيم ؟ هناك أشياء، الظلم، والكذب، وإخلاف الوعد يسقط العدالة، بينما أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة، تجرح العدالة، فالمؤمن يتصف بالعدالة، ويتصف بالضبط.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

( سورة الحجرات )
يتمتع المؤمن بالضبط، وبالعدالة معاً.


على كل إنسان أن يُطهر نفسه عن كل عيب إذا أراد أن يُقبل على الله عز وجل:


أيها الأخوة الكرام، القداسة: هذه الطهارة والبركة، والبركة الخير الكثير، قدّس الرجل ربه قال إذا عظمه، وكبّره، وطهر نفسه بتوحيده وعبادته، قال تعالى يصف الملائكة في حالهم مع الله:
﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 30 )
الكلام دقيق، أي نطهر أنفسنا من كل العيوب، حتى نقبل عليك يا ربنا.
الآن دخلنا بموضوع دقيق: الأقوياء في الدنيا، أي إنسان أعلن لهم الولاء يقبلونه ولا ينتبهون إلى سلوكه، أي إنسان رفع صورتهم يقبلونه، أي إنسان أرسل لهم برقية تأييد يقبلونه، لكن الواحد الديان، إن لم تكن مستقيماً، إن لم طاهراً، إن لم تكن رحيماً، إن لم تكن منصفاً، إن لم تكن متواضعاً لا يقبلك، الولاء للأقوياء شيء، والولاء لله عز وجل شيء آخر.

(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
مع غير الله القضية سهلة جداً، أي سلوك يؤكد ولاءك له أنت مقبول عنده، لكن القضية مع الله شيء آخر، لا يقبلك، ولا يتجلى على قلبك، ولا يلقي في قلبك السكينة، ولا يشعرك أنه يحبك إلا إذا كنت طاهراً، من الكذب، من الغش، من الاحتيال، من الكبر .


الله عز وجل لا يقبل الإنسان إلا إذا كنت طاهراً من الذنوب والعيوب معاً:


أؤكد لكم أن صفة العنصرية الآن صفة شائعة بين الناس، يعني هناك توهم أن ترى لنفسك ما ليس لغيرك، هذا موقف عنصري يمنعك من أن تكون قريباً من الله.

(( إن الله طيِّب، لا يقبلُ إلا طيباً ))
وإذا توهمت أيضاً أن على غيرك ما ليس عليك، من هنا أحد من ألّف كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهداه في الصفحة الأولى فقال:
يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فعشت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.
أيها الأخوة، القداسة الطهر، والله عز وجل لا يقبلك إلا إذا كنت طاهراً، من الذنوب ومن العيوب معاً، نقدس لك نطهر أنفسنا من الذنوب كي تسمح لك أن نتصل بك.


التقديس هو التوحيد و التوحيد أن تفرد الله عز وجل في العبادة:

أيها الأخوة، لكن لو تعمقنا قليلاً التقديس هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد أن تفرده في العبادة، أردف النبي خلفه سيدنا معاذ.
(( قال: هل تدري ما حقُّ الله على العباد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن حقَّ الله على العباد: ـ بعد ذلك أجابه النبي ـ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ))
الموطن الدقيق في الحديث القسم الثاني:

(( قال: هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حقُّ العباد على الله أن لا يعذِّبهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
أنشأ الله لك حقاً عليه.


من لم يقبل الله دعوته يعذبه في الدنيا و الآخرة :

لذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى استنبط من الآية الكريمة كيف أن الله ردّ على هؤلاء الذين قالوا:

﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
ردّ الله عليهم فقال:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 18 )
استنبط الإمام الشافعي أن الله عز وجل لو قبل دعواهم أنهم أحبابه لما عذبهم لأنه يعذبهم لم يقبل دعواهم، إذا قال المسلمون: نحن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، إذا قالوا نحن:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 110 )
الرد الإلهي جاهز:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾
لم يقبل دعوانا.


ما دامت سنت النبي الكريم مطبقة في حياة المسلمين فهم في مأمن من عذاب الله:

من هنا أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )
الآية واضحة جداً في حياة النبي، هم في بحبوحة في حياته، لكن ما معنى الآية بعد وفاته ؟ قال علماء التفسير:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ﴾
إذا كانت سنتك مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، في سلمهم ، في حربهم، ما دامت سنتك مطبقة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله.
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

( سورة الأنفال )
وإذا استغفروا هم في بحبوحة أيضاً، فنحن في بحبوحتين، بل في أمنين من الله عز وجل، الأمن الأول أن نطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والأمن الثاني أن نستغفر فإذا ما طبقنا سنته، ولم نستغفر إذاً نحن معرضون لعذاب لا يعلمه إلا الله.


الوحدانية و الأحدية:


إذاً التقديس هو التوحيد، التوحيد هو أن تفرده بالعبادة، وأن تفرده بذاته وبصفاته، وبأفعاله، أي:

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾

( سورة الشورى الآية: 11 )
أي هو أحد، هذه أحديته، أن تفرده بالعبادة، وأن تفرده بذاته، وبصفاته ، وبأفعاله بمعنى قوله تعالى:
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾
هذا معنى الأحدية، فالتقديس هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
والتقديس أيضاً إفراده بالوحدانية، الوحدانية شيء، والأحدية شيء آخر ، الوحدانية أي لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا شريك له هو واحد، لا مثيل له هو أحد، فالله عز وجل واحد أحد:

(( الأحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكن له كُفُوا أَحَدٌ ))

[أخرجه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ]



من تقديس الله تعالى أن تفصل في إثبات الكمالات له و أن تنفي عنه كل ما لا يليق به:


أيها الأخوة، التقديس نفي واثبات، يجب أن تنفي عنه كل ما لا يليق به، لكن النفي يجب أن يكون مجملاً، يعني مستحيل أن تمدح ملكاً وأن تقول هو لا يكذب، ولا يرتكب فاحشة، وليس لئيماً، وليس بخيلاً، التفصيل في النفي لا يليق بذات الله عز وجل منزه عن العيوب، أما التفصيل في الإثبات وارد، هو رحمن رحيم، غفور رحيم، واحد أحد، فرد صمد، كبير متعال، عدل، يجب أن تفصل في إثبات الكمالات له، ويجب أن تجمل في نفي العيوب عنه، هذا من التقديس.

﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 30 )




القلب السليم لا يشتهي شهوة لا ترضي الله ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله:

أيها الأخوة، كل واحد منا ينظف مركبته، لأن هذه المركبة يراها الناس، ينظف بيته إذا جاء البيت بيته نظيف، وأحياناً يعطره، ينظف جسمه، ينظف ثيابه.
ثيابك، وبيتك، ومحلك التجاري، ومركبتك هي منظر الخلق، الناس ينظرون إليك، وإلى ثيابك، وإلى بيتك وإلى طلاء البيت، وإلى أثاث البيت، وإلى مركبتك، فالإنسان يطهر منظر الخلق.
ورد في بعض الآثار القدسية:

(( يا عبدي طهرت منظر الخلق سنين، أفلا طهرت منظري ساعة ))
ما هو منظر الله عز وجل ؟ هو قلبك.

(( إِنَّ الله لا ينظرُ إِلى صوركم وأَموالكم، ولكن ينظر إِلى قلوبكم وأعمالكم ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
لذلك:
﴿ يَومَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )
القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا لله.
أحياناً الإنسان بذكائه، هذه القضية لا تحل عند المشايخ، تحل في القضاء، يقول لك: نحن بلد في قانون، وفي قضاء، لأنه عند رجال الدين ما لها حل، بالحاسة السادسة يكتشف أن هذه القضية لا تحل بالقانون، معه عقد إيجار، المستأجر محمي، يأتي إلى عند المشايخ سيدي هذا أليس حقي ؟ جالس ببيت ! صلاته لا تجوز، لماذا في موضوع معين احتكمت إلى القضاء ؟ وفي موضوع آخر احتكمت إلى العلماء ؟ أنت مع مصلحتك ولست مع الحق.
أحياناً امرأة محجبة في بلد غربي إذا نشب خلاف بينها وبين زوجها ترفع الأمر لا إلى القاضي المسلم في المركز الإسلامي، لأنها إذا رفعت قضيتها له يحكم لها بالمهر فقط أما إذا رفعت قضيتها في بلد غربي إلى قاض غربي يحكم لها بنصف أملاك زوجها، فهذا الحجاب لا يتناسب مع الاحتكام لغير الله،
﴿ يَومَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
القلب السليم الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يعبد غير الله، ولا يحتكم إلا لشرع الله.


الله تعالى مطهر عن كل صفات الكمال البشري:

أيها الأخوة، الآن في معنى آخر: "القدوس" هو المطهر عن كل صفات الكمال البشري، أحياناً يتوهم الإنسان أن الله كالأب، هو منزه عن ذلك، كالقاضي العدل، لا، هو منزه عن ذلك، الإنسان بحسب ثقافته، بحسب علاقاته، يتصور العدل بقاضٍ، والرحمة بأب، فإذا أراد أن ينزه الله عز وجل، وأن يقدسه ينسب له صفات الكمال البشري، فقال العلماء: الله عز وجل قدوس، أي منزه عن صفات الكمال البشري.
لذلك قالوا: كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك، هو مطهر عن صفات الكمال البشري، يعني كلمة منتقم بالإنسان لا ترتاح لها، لكن المنتقم من أسماء الله الحسنى يوقف الجبارين عند حدهم، يريح الناس منهم إذا مات العبد الفاجر:

(( يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي قتادة ]
منتقم الله عز وجل، في طغاة ما في حل لإنهاء طغيانهم إلا بالموت، وسبحان من قهر عباده بالموت، فالمنتقم بحق الإنسان قد لا ترتاح لهذه الصفة، أما بحق الواحد الديان الرحمة كلها في انتقام الله عز وجل .


معرفة الإنسان بالله ليست مطلقة لأنه لا يعرف الله إلا الله:


لذلك قالوا: لا يعرف الله إلا الله، حتى الأنبياء، حتى سيد الأنبياء والمرسلين معرفتهم بالله ليست مطلقة، نسبية، أعرف الخلق بالله رسول الله، لكن الله لا يعرفه إلا الله من أروع ما قرأت عن تفسير قوله تعالى:

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾

( سورة محمد الآية: 19 )
أن النبي عليه الصلاة والسلام كلما أقبل على الله رأى رؤية جديدة، فاستحيا من رؤيته السابقة، إذا إنسان مليء مالياً، أنت توهمت هو معه مئة مليون، ثم اكتشفت معه ألف مليون، كانت قيمته على مئة مليون، فوجئت أنه يملك مبلغاً كبيراً جداً، فهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾
كلما أقبل النبي على الله اكتشف جانباً من كمالاته لم يكن يعرفها من قبل.


أصل الدين معرفة الله:

لذلك من أدق معاني الله أكبر، أكبر مما عرفت، طبعاً أكبر من كل شيء بديهي لكن بأرقى معاني هذه الكلمة الله أكبر مما عرفت، كلما تعمقت في معرفة الله يجب أن تقول الله أكبر.
لكن في تعليق لطيف: إذا كان الله عز وجل منزهاً عن صفات الكمال البشري فلأن يكون منزهاً عن عيوب البشر من باب أولى.


﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )
يعني شخص أراد أن يذاكر عالماً، هو عالم، قال له: ألا تشتاق إلا الله ؟ قال له: والله لا أشتاق له، قال له: كيف ؟! قال له: متى غاب عني حتى أشتاق إليه.
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن أصل الدين معرفة الله، إن عرفته تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت أمره ولم تعرفه تفننت في التفلت من الأمر.





والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-11-2018, 03:34 PM   #47


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى





بسم الله الرحمن الرحيم


(41)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( الأول ):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الأول".



ورود اسم الأول في القرآن الكريم و السنة الشريفة:


ورد هذا الاسم في قوله تعالى:

﴿ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
وهذا الاسم أيضاً ورد في السنة الصحيحة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( اللهم أَنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شيء، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوْقَك شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء، اقْضِ عنا الديْنَ وأغْنِنا من الفقرِ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]



حقوق العباد مبنية على المشاححة و حقوق الله مبنية على المسامحة:

بالمناسبة:
(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
أي وَفَقه لوفاء الدين، إذا ملكت رغبة صادقة أن تؤدي هذا الدين.

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه ))
أي وفقه برزق وفير مكنه أن يفي دينه.

(( ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ))

[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
أن هذا غني، لا أرد له الدين،
((أتلفه الله ))
تتوقع الحديث أتلفها، أتلفه.
أيها الأخوة:

(( يُغْفَرُ للشهيد ))

الذي قدم أثمن ما يملك، قدم حياته.

(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص ]
لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة.
أيها الأخوة، أحد أصحاب النبي توفاه الله عز وجل، فجاء النبي ليصلي عليه قال: أعليه دين ؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، ما صلى عليه، فلما قال أحد الصحابة: يا رسول الله عليّ دينه، فصلى عليه، لكن في اليوم التالي سأل هذا الضامن أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الثالث سأل هذا الضامن: أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الرابع سأل هذا الضامن أأديت الدين ؟ قال: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده.
يعني ابترد جلده وهو صحابي جليل، وخاض مع رسول الله كل المعارك، وقدّم كل ما يملك، ومات شهيداً، فلم يغفر له ما تعلق بذمته من الدين، فما بال الملايين من المسلمين يقترضون وفي نيتهم ألا يؤدون ؟.


الذنوب ثلاثة أنواع: ذنب يغفر و ذنب لا يغفر و ذنب لا يترك:

أيها الأخوة، ذنب يغفر، وذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، الذنب الذي يغفر ما كان بينك وبين الله، والذنب الذي لا يغفر هو الشرك بالله، والذنب الذي لا يترك هو ما كان بينك وبين العباد.
لا بد من توضيح دقيق للإخوة الكرام: النصوص التي يتوهمها المسلمون أنها تغطي كل الذنوب هم واهمون.
(( من حج لله عز وجل فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه ))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

أية ذنوب ؟ ما كانت بينه وبين الله وحدها، لكن ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة.

(( من صام رمضانَ إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
ما كان بينك وبين الله فقط، لكن ما بينك وبين العبادة لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، هذه حقيقة مرة، لكنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، حتى الإنسان لا يكون ساذجاً، يحج ويتوهم كل ما عليه من حقوق قبل الحج غفرها الله، حقوق العباد لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة:

(( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر بن العاص ]
مرة ثانية:

(( من أخذ أَموال الناس يُريدُ أَداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ أَموال الناس يُرِيدُ إِتْلافها ـ لم يكن الحديث أتلفها الله، الحديث عن هذه الأموال، إما أن الله أدى عنه هذه الأموال وأتلفها ـ قال: أتلفه الله ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]



الله عز وجل أول لأنه لم يسبقه بالوجود شيء:

أيها الأخوة، الله أول، لأنه لم يسبقه بالوجود شيء، وهو الذي علا بذاته وشأنه مبتدئاً فوق كل شيء، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء، يحتاجه كل شيء في كل شيء، وهو لا يحتاج إلى غيره في شيء، وهو المستغني بنفسه عن كل شيء.
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ أيغفل الإنسان عنه ؟ لم يسبقه في الوجود شيء، وهو الذي علا بذاته، وشأنه، رواية أخرى: فوق كل شيء، وهو الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء، وهو المستغني بنفسه عن كل شيء.
هو "الأول" كن مع "الأول" لا تكن مع المتأخر، لا تكن مع الفرع، لا تكن مع إنسان قوي، كن مع أقوى الأقوياء، لا تكن مع إنسان يبدو لك غنياً، كن مع أغنى الأغنياء، لا تكن مع إنسان يدعي العلم، كن مع العلم المطلق، هو الله عز وجل، لا تكن مع الجميل، وقد ضحيت من أجله بكل شيء، كن مع مانح الجمال.
(( إن الله جميل يحب الجمال ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]



من معاني "الأول" :

1 ـ الله سبحانه وتعالى سبب كل شيء:


إخوانا الكرام هذا الاسم يحتاج إلى شرح كثير، من معاني "الأول" الذي يترتب عليه غيره، يعني إنشاء بناء يحتاج إلى مال، المال أول، معك مال تفكر بإنشاء بناء، بالمعنى الفلسفي، الأول هو الشيء الذي يترتب عليه غيره، بل هو الشيء الذي يبنى عليه شيء، بل هو النتيجة التي تؤسس على مقدمة، هذا المعنى سببي، يعني الله عز وجل أول يعني سبب كل شيء.
الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، هذا التسلسل لا ينتهي، في النهاية من خلق الدجاجة الأولى ؟ الله عز وجل، "الأول"، أي حديث، أي شيء، تتبعه إلى بداياته في النهاية تصل إلى الله، هو "الأول".
إذاً هذا المعنى الأول للأول أن الله سبحانه وتعالى سبب كل شيء، بل هو مسبب الأسباب، المعنى الأول سببي، وبالتالي معنى زمني، سببي زمني.



2 ـ الله عز وجل الأول في كل شيء:


المعنى الثاني: "الأول" رتبي، أوضح شيء، مثلاً فلان الأول في التجارة، فلان الأول في العلم، فلان الأول في الحكمة، معنى رتبي، يعني من حيث النوع هو فوق كل شيء، أعلى شيء، الأول على كل شيء، هذا الطالب هو الأول، قد يكون أصغر طالب في الصف، الأول لا يعني هو الزمن إطلاقاً، المعنى الأول سببي زمني، لا شك أن الأب قبل الابن، لأن الأب سبب ابنه، الأب سبب الابن، وفي الوقت نفسه ولد قبل الابن، لأنه أصل، الآية التي تؤكد هذا المعنى، قوله تعالى:


﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

( سورة الرحمن )
هناك تساؤل: أن يا رب أيعقل أن تعلم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟
﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴾
نقول نحن: هذا الترتيب في الآية ليس ترتيباً زمنياً، لأنه لو كان ترتيباً زمنياً الفكرة غير معقولة، إنسان يعلم قبل أن يُخلق ؟ يُخلق ثم يعلم، هذا الترتيب رتبي، بمعنى أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، وللتوضيح:
الآن يوجد حواسيب صناعية غالية جداً بمئات الملايين، لو إنسان استورد حاسب لمعمله، وفي خطأ بالتصدير، الشركة نسيت أن ترسل تعليمات التشغيل والصيانة التعليمات كتاب، هذا الكتاب لم يرسل مع الآلة، والآلة غالية الثمن، معقدة التركيب عظيمة النفع، فإن خفنا على الآلة من العطب، ولم نستخدمها جمدنا ثمنها، وإن استخدمنها من دون هذه التعليمات أتلفناها، أليست في هذه الحالة التعليمات أهم من الآلة ؟ من دون تعليمات تعطبها، خوفاً عليها لا تستخدمها، فهذه التعليمات أخطر من الآلة نفسها، وهذا الكلام ينسحب على الإنسان.


وجود الإنسان من دون منهج يسير عليه لا معنى له إطلاقاً:




وجودك أيها الإنسان من دون منهج تسير عليه لا معنى له، الإنسان من دون منهج سوف يقع في إثم كبير، بسبب وجود الشهوات، هناك حب المرأة، وحب المال، وحب العلو في الأرض، هذه الشهوات تدفعه بعنف إلى حتفه أحياناً، الإنسان أحياناً يهلك بحبه للمال يُقتل في النهاية، يهلك بحبه للشهوة، يغرق في شهوات ثم ينتهي مصيره إلى الهلاك.
فالإنسان لا بد من منهج يسير عليه، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾
المعنى الأول: "الأول" له معنى سببي زمني، والأصح معنى سببي، هو مسبب الأسباب، المعنى الثاني: "الأول" له معنى رتبي، "الأول" الأول في كل شيء، "الأول" في علمه، "الأول" في حلمه، "الأول" في رحمته، "الأول" في عدله، "الأول" في قوته ، "الأول" في غناه، وفي كل مجتمع هناك جامعة، يقول لك هذا الأستاذ الأول، بمؤسسة هذا العقل الأول في هذه المؤسسة، هو الذي يديرها، بأي مكان، بأي مجال، بأي زمن، بأي عصر في إنسان ضمن مجتمع معين، هو الأول، أحياناً يقول لك: هذا الرجل القوي، قد يكون معاون المدير العام، لكنه أقوى منه، هو الأول.
معنى الأول، "الأول" معنى سببي، المعنى الآخر: "الأول" معنى رتبي.


3 ـ الله عز وجل الأول رتبة و زماناً ليس قبله شيء:



المعنى الثالث: "الأول"، "الأول" المتقدم زماناً، ربيع الأول، ربيع الثاني، هذا تقدم زمني شعبان أولاً، رمضان بعده.
وهناك المتقدم مكاناً، أنت في الطريق إلى حلب، حمص أولاً، ثم حماة، ثم حلب.
الآن الصناعة: الأول الذي تبدأ به، إنشاء بناء، أول شيء فيه حفر الأرض، في صناعة سيارة أول شيء الهيكل، وهكذا، هناك معنى ترتيبي، ومعنى مكاني، ومعنى زماني، ومعنى رتبي، ومعنى سببي، هذا معنى "الأول".
الله عز وجل ، جلّ جلاله واحد أحد، فرد صمد:

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

( سورة الإخلاص )
"الأول" سبباً، و "الأول" رتبة، و "الأول" رتبة و زماناً ليس قبله شيء، بل الزمان من خلفه، الزمان لا يحيط به، هو يحيط بالزمان، هو "الأول" مكاناً، الكون كله من خلقه، "الأول" في الترتيب، كان الله ولم يكن معه شيء، هو "الأول"، هنيئاً لمن كان مع "الأول"، هنيئاً لمن كان ولياً للأول.


من كان مع الله كان الله معه:

إخوانا الكرام، يوجد بالحياة أقوياء، و أغنياء، و أناس لامعون جداً، لكن الإنسان إذا ربط مصيره مع هؤلاء، ولسبب أو لآخر انتهى هؤلاء ينتهي معهم، المؤمن مع الله، لا يحسب على غير الله، ولا يجير إلى غير الله، مع الله.
كن مع الله ترَ الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنـعه ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *

الآن في مصائب كثيرة في الأرض، في مصائب صحية، في مصائب مالية ، في مصائب إدارية، كان بمنصب رفيع أزيح عنه، في مصائب أسرية زوجة خائنة، في مصائب لا تعد ولا تحصى، ولكن البطولة أن تكون موحداً في هذه المصائب.


(( لكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]
التوحيد بالمصائب تصل من خلالها إلى الله، يعني هل يعقل أن إنساناً ضرب إنسان بعصا، أن يحقد هذا المضروب على العصا ؟ مستحيل ! يكون أحمقاً، الحقد على الضارب، فإذا كان كل الطغاة والأقوياء عصي بيد الله، حينما تعلم علم اليقين أن الله سمح لهم، في مشكلة مع نفسك، التوحيد في المصيبة يلغي الحق، الأول، من سمح لهذا الإنسان أن يصل إليك ؟ هذا الكلام لا يعني أن تستسلم، معاذ الله أن يُفهم هذا المعنى، لكن هذا المعنى ينبغي ألا تشرك، ألا تحقد، هذا الإنسان سمح الله له أن ينال منك، لحكمة بالغة وهناك مشكلة، طبعاً ردّ عليه، وأزل هذا الظلم عنك، وراجع نفسك لماذا سلطه الله عليّ ؟
﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 129 )




على كل إنسان أن يراجع نفسه إذا أصابته مصيبة ما لا أن يحقد لأن الحقد دليل الشرك:



سألوا مرة تيمور لنك من أنت ؟ أجاب إجابة رائعة، قال: أنا غضب الرب، أنت حينما توحد في فهم المصيبة لا تحقد، لكن تقاوم، أنت حينما توحد في فهم المصيبة لا تجبن بل تكن شجاعاً في ردك.


﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

( سورة الشورى )
ينبغي ألا تحقد، لأن الحقد قاتل، الحقد دليل الشرك، أما التوحيد، هذا القوي وصل إليّ، ونال مني، وسمح الله له بذلك، لحكمة بالغةٍ بالغة، قد أعلمها، وقد لا أعلمها لكنني واثق أن الله حكيم.
لذلك أرد عليها، آخذ بحقي، والدليل الآية واضحة،
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
والله معك، لكن لا تحقد، لا تحقد لأنك موحد، ما كان لهذا القوي أن ينال منك، لولا أن الله سمح له.

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء الآية: 90 )




المسلمون ينقصهم التوحيد لأنهم بالتوحيد تحل مشكلاتهم و يزول إحباطهم:


إخوانا الكرام، المسلمون ينقصهم التوحيد، بالتوحيد تحل مشكلاتهم، بالتوحيد يزول هذا الحقد من نفوسهم، بالتوحيد يزول هذا الإحباط، هذا الشعور أنهم دون بقية الشعوب، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، دقق:


﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 17 )
اصبر، هذا القضاء الذي يأتي الإنسان من الله مباشرة، يعني للتقريب:
شخص له ابن يحبه حباً جماً، وقف على الشرفة، تطاول عليها فسقط فنزل ميتاً هل هناك جهة يصب عليها جام غضبه ؟ هذا قضاء وقدر من الله له، أما حينما يدهس سائق هذا الابن، في شخص أمامك، يمكن أن تحقد عليه، يمكن أن تتمنى أن تمزقه.


كل إنسان بحاجة إلى التوحيد لو جاء القضاء والقدر على يد إنسان:


هناك آية ثانية قال تعالى:

﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾

( سورة الشورى الآية: 43 )

﴿ صَبَرَ ﴾
على قضاء الله وقدره
﴿ وَغَفَرَ ﴾
لمن كان هذا القضاء على يده.
﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

( سورة الشورى )

في لام المزحلقة، لام التوكيد، يعني أنت بحاجة إلى التوحيد ألف مرة زيادة فيما لو جاء القضاء والقدر على يد إنسان، دققوا في هذه الآية:
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الصواعق والصواريخ الآن.
﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
هذه الزلازل، أو الألغام.
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 65 )
براوندا أحدث رقم خلال أيام تمّ إبادة ثمانمئة ألف، والعالم يتفرج، يبدو أنه ليس هناك في بترول، ثمانمئة ألف أبيدوا في أيام.


التوحيد في فهم المصيبة يُخفف وقعها:


أيها الأخوة، التوحيد نحن في أمس الحاجة إليه، لفهم ما يجري حولنا، لا نحقد لكن نكون شجعاناً،

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
فالتوحيد في فهم المصيبة يخفف وقعها، بل يجعلك شجاعاً في ردها، إذا شخص دخل إلى بيته سارق، يقول سبحان الله ! أمر الله عز وجل، هذه مشيئة الله، يكون أحمقاً يجب أن يقاومه، أن يأخذه ويسلمه إلى المسؤولين عن الأمن.
فإنسان مستسلم هذا إنسان غير مؤمن، المؤمن لا يستسلم، بل يقاوم، يأخذ بحقه والآية واضحة جداً:
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾
إلا أن المؤمن لا يحقد لأنه موحد.

(( ولكل شيء حقيقة، وما بلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[ أخرجه أحمد، والطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه ]



من كان مع الأول كان الأول دائماً:

هو "الأول"، هذا الذي نال منك مَنْ خَلَقه ؟ الله عز وجل، من أعطاه القوة ؟ الله عز وجل، من سمح أن يصل إليك ؟ الله عز وجل، الله عزّ وجل رحيم، وعليم، وقدير، وحكيم، وعدل، إذاً الكرة في ملعبي.
(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]

(( ولو أن أولكم وآخر، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ ـ ذلك أن عطائي كلام وأخذي كلام ـ الآن دققوا: فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]
أيها الأخوة الكرام، اسم "الأول" اسم دقيق جداً، كن مع "الأول" تكن أولاً ولا تكن مع الآخر تكن آخراً.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-12-2018, 09:27 AM   #48


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى






بسم الله الرحمن الرحيم



(42)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



من أسماء الله الحسنى: ( الآخر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الآخر".



ورود اسم الآخر في القرآن و السنة:


ورد هذا الاسم في قوله تعالى:

﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )
وقد ورد أيضاً في السنة الصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:

(( اللهم أَنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بَعدَك شيء، وأنت الظَّاهِرُ فليس فوْقَك شيء، وأنت الباطِنُ فليس دُونَك شيء، اقْضِ عنا الديْنَ وأغْنِنا من الفقرِ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة]
مرة الإمام علي رضي الله عنه قال: " واللهِ والله مرتين، لحفر بئرين بإبرتين مستحيل ! وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين، مستحيل أيضاً ! ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، مستحيل ! وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، مستحيل ! أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.


اللغة العربية تعدّ من أرقى اللغات الإنسانية من حيث التصريف:

"الآخر" اسم فاعل، لمن اتصف بالآخرية، اللغة العربية لغة التصريف، لغة الاشتقاق، وهي في رأي العلماء الكبار الأجانب من أرقى اللغات الإنسانية، يعني في فعل ماضي، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم مكان، اسم زمان، اسم آلة، اسم تفضيل، صفة مشبهة باسم الفاعل، كل هذه المشتقات من أصل واحد، باللغة العربية، كتب، يكتب، اكتب، كتابة، مكتب، كاتب، مكتوب، أما باللغة الأجنبية الطاولة تيبل، وكتب رايت، والكتاب بوك، من ثلاث مواد، أما اللغة العربية تعدّ من أرقى اللغات الإنسانية من حيث التصريف.
بل إن اللغة العربية تتمتع بسعة في التعبير، ففي اللغة نظر لها أحوال كثيرة تقول مثلاً: شخص، هذا نظر مع الخوف.

﴿ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 97 )
هناك رنا أي نظر مع المتعة، رنوت إلى المنظر الجميل، حدج: نظر مع المحبة، حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم، هناك لمح، لمح: نظر وأعرض، ماشٍ في الطريق يوجد باب مفتوح، نظرت فإذا امرأة، أنت مؤمن غضضت عنها البصر، لاح شيء: ظهر واختفى، لاح بين الغيوم طائرة، حدق: نظر بدهشة حتى اتسعت حدقة عينه، حملق: نظر بحدة حتى ظهر حملاق عينه، استشف: نظر، وفحص الثوب بيديه، استشف، استشرف: نظر وتمطى.
اللغة العربية من أوسع اللغات اشتقاقاً، لكن اللغة تضعف بضعف أهلها، وتقوى بقوة أهلها.


تعريف الآخر من حيث اللغة:

على كلٍ: "الآخر" اسم فاعل لمن اتصف بالآخرية، و "الآخر" يقابل الأول
﴿ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ ﴾
و "الآخر" لما بقي من المدة الزمنية، جاء في آخر الوقت، والرقم الذي يلي الأول "الآخر" في الأرقام العددية، أو ما يلي الأول في البعدية والنوعية، أو لما بقي في المواضع الأرضية، هذه كلها معاني عليها شواهد من كتاب الله، ولكن نكتفي بشاهدين "الآخر" الذي يقابل الأول قال تعالى:
﴿ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا ﴾

( سورة المائدة الآية: 114 )
و "الآخر" لما بقي من المدة الزمنية في قوله تعالى:
﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة المائدة )
وهناك شواهد كثيرة على المعاني الدقيقة لكلمة الآخر.
لكن الذي يعنينا، يعنينا اسم الله "الآخر"، الله "الآخر" المتصف بالبقاء، والآخرية هو "الآخر" الذي ليس بعده شيء، و "الآخر" الباقي بعد فناء خلقه.
﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

( سورة القصص الآية: 88 )




الفرق الكبير بين أن الله باقٍ ببقائه الذاتي وبين أن يكون المؤمنون في الجنة إلى الأبد:



لكن هناك سؤال دقيق يعد إشكالية في الموضوع آيات كثيرة تؤكد أن المؤمنين في الجنة:
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾

( سورة الطلاق الآية: 11 )

المؤمنون في الجنة خالدون في الجنة أبداً، فكيف نجمع ونوفق بين أن الله هو الآخر وليس بعده شيء، وبين أن المؤمنين في الجنة خالدين فيها أبداً ؟ الإجابة سهلة جداً الله عز وجل باقٍ وليس بعده شيء، ببقائه هو، من أسمائه أنه باقٍ، من أسمائه أنه "الآخر" لكن إذا أراد الله للمؤمنين أن ينعموا في جنة إلى أبد الآبدين هؤلاء باقون بإبقاء الله لهم، فرق كبير بين أن نفهم أن الله باقٍ ببقائه الذاتي، وبين أن يكون المؤمنون في الجنة إلى أبد الآبدين، نقول: المؤمنون باقون بإبقاء الله لهم، هذه الإشكالية إن صحّ التعبير تتوضح بشكل جلي إذا ضربنا المثال التالي:
الله عز وجل يصف النبي عليه الصلاة والسلام فيقول، يعني قل لهم:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

( سورة هود الآية: 31 )
النبي على عظم شأنه، وعلى علو مقامه، وعلى أنه سيد الخلق، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم، لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله، وأي إنسان، وأية جهة، تدعي أنها تعلم الغيب، قل لها بملء فمك أنتم كاذبون، لا يعلم الغيب إلا الله، وعلى الرغم من أن هذا العصر عصر علم، وعصر تنوير، هناك خرافات، وهناك مشعوذون، وهناك دجل لا يعلمه إلا الله، الغيب لا يعلمه إلا الله.


النبي الكريم لا يعلم الغيب لكن إذا تحدث عن المستقبل فبإعلام الله له:

شيء آخر: أحاديث كثيرة تتحدث عن أشراط الساعة، كيف نوفق بين أن النبي الكريم لا يعلم الغيب، وبين أنه نطق بأحاديث صحيحة عن أشراط الساعة، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه، ألم ندرك هذا الزمان ؟ مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه وإن سكت استباحوه، موت كعقاص الغنم.
قبل يومين بلغني أن مذبحة راوندا قتل فيها ثمانمئة ألف بأيام، موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيما قُتل.
عندنا مصطلح جديد اسمه التطهير العرقي، هذا الذي تقتله ماذا فعل ؟ أسلب مالاً ؟ انتهك عرضاً ؟ أسفك دماً ؟.
موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيما قُتل.
من علامات قيام الساعة:
(( يكون الولد غيظاً وأن يكون المطر فيظاً وأن تفيض الأشرار فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

(( إذا وُسِّدَ الأمْرُ إلى غير أهله فانتظر السَّاعة ))

[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
من علامات قيام الساعة:

(( أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتُها ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر ]
أم مؤمنة، طاهرة، عفيفة، مربية، تنجب بنتاً تدرس، تقول لك أمي دقة قديمة

(( أنْ تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتُها ))
أحاديث كثيرة هذا موضوع مستقل، فكيف نوفق أن الله عز وجل في القرآن الكريم يقول عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
والنبي تكلم أحاديث كثيرة عن أشراط قيام الساعة، أيضاً الإشكالية تحلّ بهذه الجملة، النبي عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب لكن إذا تحدث عن المستقبل فبإعلام الله له.


الحقائق التي علّمها الله تعالى لسيدنا محمد تجعل الإنسان يرفض مئات التأويلات:

لكن بالمناسبة: من أجل أن نعلم حقيقة هذا النبي العظيم، أول صفة:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
الصفة الثانية قل:

﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

( سورة الجن )
الصفة الثالثة:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

( سورة الأعراف الآية: 188 )
لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، و
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
أية جهة في الأرض من آدم إلى يوم القيامة تدعي أنها تعلم الغيب، أو تملك أن تضر إنساناً، أو أن تنفعه اركل أفكارها بقدمك، هذه حقيقة النبوة،
﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾

﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾

﴿ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 188 )
هذا حجم سيد الخلق، وحبيب الحق، هذا الحجم لا يستطيع إنسان في الأرض أن يتجاوزه.
لذلك بهذه الحقائق تركل بقدمك آلاف القصص الخرافية، والشطحات ، والتأويلات، والتخرصات، والدجل، والشعوذة.


التجديد في الدين أن ننزع عنه كل ما علق به مما ليس منه:

أيها الأخوة، شخص سألني عن إيمانك بضرورة التجديد في الدين، قلت له: الدين توقيفي، الدين ليس منتجاً أرضياً، خاضعاً للتجديد، والتطوير، والتعديل، والحذف ، والإضافة، هذا دين توقيفي من عند الله، ولكن إذا سمحت لنفسي أن أقول تجديد في الدين فالتجديد في الدين لا يعني إلا أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، يعني حجر صار أسود، ضربناه بالرمل فعاد أبيضاً، أرجعت حجر هذا البناء إلى نصاعته، أن أنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، التجديد في الدين لا يزيد عن هذا لأنه من عند الله، لأنه من عند المطلق.

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ﴾

( سورة المائدة الآية: 3 )



من توغل في الماضي أو الحاضر أو المستقبل وصل إلى الله أما الإنسان فله وضع آخر:

أيها الأخوة، لو تحركت نحو الماضي، نحن في القرن الواحد والعشرين ، القرن العشرين، التاسع عشر، العاشر، الثامن، السابع، السادس، الأول، ما قبل الميلاد ستة آلاف سنة قبل الميلاد الفراعنة، لو توغلنا في الماضي، في النهاية نصل إلى الله، هو الأول.
لو تحدثنا عن المستقبل، القرن الحادي والعشرون، الثاني والعشرون، القرن الثلاثون، في النهاية نصل إلى الله هو "الآخر"، لو توغلنا في الماضي نصل إلى الله، وإذا استشرفنا المستقبل نصل إلى الله،
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ ﴾
لذلك أما الإنسان وضع آخر، قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾

( سورة الانشقاق )
الإنسان يولد يفرح أهل البيت، ويزغردون، يفرحون أنه ولد سليماً، أكبر فرحة عند الولادة أنه جاء سليماً، كامل الأوصاف، الآن بعد حين تظهر أسنانه، يحتفلون، بعد حين يمشي يحتفلون، بعد حين يصبح نظيفاً يحتفلون، بعد حين يأخذونه إلى المدرسة، يتعلم الفاتحة، كل ما جاء ضيف، بابا تعال أسمعنا الفاتحة، أي الأب اختل توازنه لما ابنه قرأ له الفاتحة، كبر الابن، دخل المدرسة، يعني القصة طويلة، من ابتدائي، للإعدادي، للثانوي، دخل جامعة، في مشكلة العمل الآن، يا ترى وظيفة ؟ تجارة ؟ هذه مشكلة، هيأ عملاً، الزواج، طويلة ؟ قصيرة ؟ مناسبة غير مناسبة ؟ عندنا مشكلة الزواج، مشكلة العمل، بعد ذلك ما أنجب ولداً، يا ترى السبب هو أو هي ؟ كل مرحلة بالحياة لها هموم، تزوج، وأنجب أولاداً، ابنه في معه تشوه خلقي، يا ترى ماذا نعمل ؟ مراحل نمشي بها جميعاً، بعدها صار بالأربعين، بالخمسين يجب الآن أن يلعب رياضة، ويجب تخفيف وزنه، ويجب أن يأكل خضار وفواكه، وأن يأكل خبز نخالة، تجد حديث الذي بالخمسينات والستينات، كله بهذا الموضوع، تمشي كل يوم ؟ نعم الحمد لله، عندما كان شاباً كان يطحن الحجر، الآن يهمه الرياضة، يهمه المشي، بعد ذلك معه كيس أدوية، عشرة حبات كل يوم، بعد ذلك تأتي النعوة، أليس كذلك ؟
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾



بطولة الإنسان معرفة الله عز وجل:


الإنسان ليس باقياً، وكل مرحلة في اهتمام، يكون بالجامعة، الأساتذة والامتحانات، والمادة الصعبة، والأستاذ جاء بأسئلة غير متوقعة، وتدخل بمتاهة، تخطب يا ترى أنا الله وفقني بهذه الزوجة، ما وفقني ؟ مليحة غير مليحة ؟ تسرعت ما تسرعت تعمل شراكة مع شخص، كل مرحلة لها هموم.
(( من جَعَلَ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً هَمَّ الْمَعَادِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

[أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]

اعمل لوجه واحد، يكفيك الهموم كلها،
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾
الله عز وجل باقٍ، أما أنت متطور.
مرة قال لي أستاذ (رحمه الله)، قال لي مداعباً: سبحان الله أنا من خمسين سنة أنشط من الآن، قلت له: طبعاً، لا يبقى على هو إلا هو، فالبطولة أن أجعل همي أن أعرف الله.
هناك كلمة لسيدنا عمر بن عبد العزيز: الليل والنهار يعملان فيك، كل واحد منا عنده صورة قديمة، صورته هو وبالعشرين، والخامسة عشر، بالثلاثين، في وضع آخر، يعني بالستين في صورة ثانية، بالخامسة والستين، بالسبعين، كلما تقدم به السن يصبح وجهه تضاريس، فيه خطوط، وتجاعيد،...إلخ.
الليل والنهار يعملان فيك، ردك على الليل والنهار: فاعمل فيهما، اعمل عملاً صالحاً.


العاقل من عمل لآخرته:

(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

(( وكاد الفقر أن يكون كفراً ))

[أخرجه أحمد عن أنس بن مالك أو الحسن البصري ]


(( أو غِني مُطغيا ))

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
زوجته محجبة، سافر إلى بلد نفطي، جاءه دخل كبير، بعث لها برسالة، إن لم تأتِ بأحدث صرعات الأزياء أنت لست زوجتي، غنى مطغي، والغنى المطغي مصيبة لأن الله عز وجل علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، أما الرابعة، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، الغنى المطغي مصيبة.

(( أو مَرَضا مُفسِدا ))
هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، فشل كلوي، تشمع كبد، خثرة في الدماغ.


(( أو هَرَما مُفنِدا ))
نشأ لا على طاعة الله، فلما تقدمت به السن أصابه الخرف، وقد ورد في الأثر أنه:

(( من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]
في هذا البلد الطيب منذ سنوات أقيم حفل تكريم لعلماء القرآن الكريم، كانوا سبعة فيما أذكر، كلهم فوق التسعين:

(( من جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

[ الجامع الصغير عن أنس]



العاقل من أعدّ العدة قبل أن يلقى الله عز وجل:

أيها الأخوة:
(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
عمله بعكس أقواله، أتينا إليكم من أجل حريتكم، من أجلكم، الحقيقة من أجل نهب ثرواتكم، وقتل شبابكم، وقهركم.

(( والدجال ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرّ ))

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

( سورة الحج )
هناك مدينة عربية أصابها زلزال، لي قريب هناك يقسم لي بالله أن زوجته من شدة الرعب حملت وليدها الصغير الرضيع، وانطلقت إلى الشارع، وفي الشارع فوجئت أنها تحمل حذاء زوجها وليس وليدها، أقسم لي بالله،

﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
إخوانا الكرام، بشكل علمي واضح، ممكن أن نستيقظ نحن جميعاً وأنا معكم كل يوم كاليوم السابق ؟ في يوم من الأيام ينشأ تطور بالجسم، إذا كان هذا بوابة الخروج يتفاقم إلى أن تعلق النعوة، كل بطولتك، وكل ذكائك، وكل عقلك أن تعدّ لهذه الساعة التي لا بد منها، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

و الليل مهما طال فلا بد من طلوع من الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبــر
***


و كل ابن أنثى و إن طالت سلامته يومـاً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبـور جنــازة فاعلم بأنك بعدهــا محمول
***









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-12-2018, 09:29 AM   #49


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى






بسم الله الرحمن الرحيم



(43)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.





من أسماء الله الحسنى: ( المتكبر):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المتكبر".



الصفة نفسها يمكن أن تستخدم مدحاً و ذماً:

قبل أن نشرح، هل يمكن أن تكون صفة في جهة مدحاً، والصفة نفسها في جهة أخرى ذماً ؟ ممكن، أوضح مثل:
أن إنساناً يحتاج ابنه إلى عملية جراحية فورية، وبحاجة إلى مبلغ كبير من المال توجه إلى شخص قال له أنا غني، وأنا أملك أموالاً طائلة، فتعلقت آماله به، ثم تبين أنه لا يملك شيئاً، فهذا الذي ادعى أنه غني، وجعل هذا المحترق إلى مبلغ معين، يعلق الأمل به ثم خيب ظنه، فكلمة أنا غني هذه صفة ذم في هذا الكاذب.
أما لو توجه إلى جهة أخرى، وكان رجلاً ميسوراً ويحب الخير، قال له: أنا غني، أنا معي مال، وسأقرضك هذا المبلغ، هذه الجهة الثانية كلمة أنا غني صفة مدح له، لو قال له أنا فقير انصرف عنه، هو معه مال ويحب الخير، فكلمة واحدة يقولها إنسان تعد ذماً ويقولها إنسان آخر تعد مدحاً.
لو إنسان جبان قال أنا شجاع، وخذلك، لو إنسان بخيل قال: أنا كريم، وخيب ظنك، لو إنسان جاهل قال: أنا عالم فاكتشفت جهله ولم يجبك عن سؤالك، أما لو إنسان شجاع وقال أنا شجاع، وأدافع عنك، وضع ثانٍ، إنسان كريم قال: أنا كريم وسأعطيك وأعطاك، إنسان عالم، وقال: أنا عالم، وسأجيبك عن كل أسئلتك، صفة مديح.
فالرب رب، والعبد عبد، فالعبد من شأنه أنه فقير، وجاهل، وضعيف، فإذا ادعى ما ليس له فهي صفة ذم، أي إنسان متكبر، إنسان مخطئ، إنسان صغير عند الناس لأنه كاذب، وأي إنسان تكلم الحقيقة، ونفعك بها، فهذه صفة مدح بحقك.




معرفة الإنسان بالله معرفة مقيدة لأنه لا يعرف الله إلا الله:

الملاحظة الثانية: تصور البحر المتوسط، كم لتر ؟ المحيط الهادي، الأرض أربعة أخماسها بحار، ولا أبالغ بهذا المثل، لو ركبت قارباً في البحر وأمسكت بإبرة مخيط وغمسته في البحر، ثم رفعت يدك بما يرجع ؟ نسبة الماء الذي حملها المخيط إلى ماء البحار، إلى ماء المحيط الهادي، كم هي النسبة ؟ والله لا أبالغ لا نعرف عن الله عز وجل إلا كما يحمل المخيط من ماء بالنسبة لماء البحر.
لذلك لا يعرف الله إلا الله، حتى الأنبياء، حتى سيد الأنبياء، معرفتهم ليست مطلقة، هذا المعنى يؤكده قوله تعالى:


﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾

( سورة الكهف )
يمكن لتر حبر يكفيك عمر، هناك آية أخرى:
﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾

( سورة لقمان الآية: 27 )



كل إنسان مفتقر بوجوده إلى الله عز وجل: لذلك أيها الأخوة:



(( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[من مختصر تفسير ابن كثير]
وأدق معنى لكلمة الله أكبر حينما تصلي، طبعاً شيء بديهي أنه أكبر من كل شيء، هي أكبر مما عرفت، مهما عرفت عن الله فهو أكبر.
لذلك كلمة متكبر في الإنسان صفة ذم، يعني الإنسان خثرة دم يعني أقل من رأس دبوس إذا تجمدت في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، بمكان آخر أصيب بالعمى، بمكان آخر أصيب بفقد الذاكرة، خثرة دم ويقول أنا ؟! لو أن الدم تجمد في مكان أصيب بالشلل، لو نمت الخلايا نمواً عشوائياً أصيب بالورم الخبيث، لو توقف القلب فجأة تكتب نعوته فوراً، هذا الذي يقول أنا هو إنسان جاهل، نحن مفتقرون بوجودنا إلى الله، نحن جميعاً في قبضة الله، كن فيكون، زل فيزول.


كل إنسان في قبضة الله عز وجل فمن قال أنا هو إنسان جاهل:

الذي يقول أنا إنسان جاهل:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )
أهلكه الله.
﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 51 )
أهلكه الله.
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )
أهلكه الله.
﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 33 )
أهلكهم الله عز وجل .


ورود اسم المتكبر في آية واحدة في القرآن الكريم:

أيها الأخوة، هذا الاسم "المتكبر" لم يرد إلا في آية واحدة وهي قوله تعالى:
﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾

( سورة الحشر الآية: 23 )
وفي السنة الصحيحة، روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وهي على المنبر، قال:
﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

( سورة الزمر )
قال النبي الكريم: يقول الله عز وجل :

(( أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ))
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرددها:
(( أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا المتعال ))
فجعل النبي يرددها، حتى رجف به المنبر، حتى ظننا أنه سيخر به.
لذلك بقدر ما تُعظم ربك تكون قريباً منه، وبقدر ما يهون أمر الله عليك تهون على الله، ويمكن أن أضغط حال المسلمين اليوم في كلمتين، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله.


معاني اسم المتكبر:

أيها الأخوة، من معاني هذا الاسم "المتكبر" ذو الكبرياء، العظيم، المتعالي القاهر لعتاد خلقه، إذا نازعوه العظمة قهرهم، متكبر، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن ظلم العباد، يقول: أنت كبير أي لا تظلم، أنت كبير لا تأخذ ما ليس لك، كلمة كبير صفة مديح، أنت كبير، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن ظلم العباد، "المتكبر" عن قبول الشرك في العبادة، في صحيح مسلم:
(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]



الكبرياء صفة مدح في ذات الله عز وجل و ذم في صفات المخلوقي:

أصل الكبر والكبرياء الامتناع، والكبرياء صفة مدح في ذات الله عز وجل، وفي صفات المخلوقين صفة ذم، لا أحد منا يحب المتكبر، المتكبر لا يحتمل، لأنه يدعي ما ليس له.

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأســمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها ويســهر الخلق جراها ويختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *

كان بين بغداد وحلب، التقى بعدو له فولى هارباً، قائل هذه الأبيات معه غلام قال له: ألم تقل:

الخيل والليل والبيداء تعرفنـي والسـيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *

قال له: قتلتني قتلك الله، وعاد فقاتل عدوه وقتله، مات في الطريق.
كلام فارغ، والله أيها الأخوة، معظم كلام الناس كلام فارغ، من أنت ؟ كلما تواضعت لله رفعك، وكلما تكبرت وضعك.
لذلك من رأى العظمة والكبرياء في نفسه فقد كذب على الله، قال تعالى:
﴿ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾

( سورة غافر الآية: 27 )




تناقض العبودية مع الكِبر:

أخوانا الكرام، في صحيح مسلم:
((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))

[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أنا كنت أقول: إنسان جاءه ضيوف كثر، ما عنده شيء، عنده كمية لبن محدودة، أضاف إليها خمسة أضعاف ماء، جعلها شراباً رائع اً، وقدم الضيافة للضيوف هذا كيلو اللبن تحمل خمسة كيلو ماء، لكن هذا اللبن لا يحتمل قطرة بترول واحدة، يتحمل خمسة أضعافه ماء، يصبح شراباً لذيذاً، أما أن تضع فيه قطرة بترول واحدة انتهى.
العبودية تتناقض مع الكبر، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تجد إنساناً مؤمناً متكبراً، يعني إنسان يمشي في المسجد ليلاً ما في إضاءة، فوطأت قدمه رجل إنسان فصاح هذا الإنسان أأعمى أنت ؟ هو خليفة المسلمين سيدنا عمر، قال له: لا، قال له: سألني فأجبته.
دخل إنسان إلى رسول الله أصابته رعدة، قال له: هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة.
لا يمكن أن يكون المؤمن متكبراً، لأنها صفة ذم به، دون أن يشعر، يقول الله وفقني، كلام صحيح، الله مكني، الله أكرمني بهذا البيت، أكرمني بهذه الزوجة، أعطاني، رزقني ولداً، دون أن يشعر كل كلام المؤمن يعزو النعمة إلى المنعم، حتى النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ـ ما قال فهديتكم ـ ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ))

[ رواه الدارمي عن أبي سعيد الخدري]



إن الله جميل يحب الجمال:

أيها الأخوة، سأل رجل النبي عليه الصلاة والسلام: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسن أنيق، ونعله حسنة، هل هذا من الكبر ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ، وغمطُ الناس ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
بطر الحق أن ترد الحق، يعني تكون إنسانة مسلمة، محجبة، في بلد غربي تختلف مع زوجها، ترفض أن ترفع قضيتها لقاضٍ مسلم، لأن هذا القاضي المسلم يحكم لها بالمهر فقط، ترفع قضيتها لقاضٍ آخر، يحكم لها بنصف أملاك زوجها، ترفض آيات الميراث، أريد أن آخذ نصف ماله، كل إنسان يرفض الحكم الشرعي متكبر.


أخطر معصية على الإطلاق معصية الاستكبار:

إبليس ماذا فعل ؟

﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 34 )
أبى أن يسجد لله عز وجل.
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )
أخطر معصية معصية الاستكبار، وأهون معصية توبة معصية الغلبة.
﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾

( سورة المؤمنون الآية: 106 )
سيدنا آدم:

﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾

( سورة طه )
لم يعزم على المعصية لكن ظنّ أن هذه الشجرة تجعله في هذه الجنة خالداً أكل منها، قال:
﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾
أما إبليس:
﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾

﴿ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾

( سورة الأعراف )




عدم الاستكبار عن طاعة الله عز وجل:

أخطر معصية أن تستكبر عن طاعة الله عز وجل،
(( الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ ))
هو هذا هو الحكم الشرعي، لا، أريد المحاكم، أريد القانون.
هناك إنسان بذكائه يكتشف أن هذه القضية لا تحلّ عند العلماء، تحلّ عند القضاة القضاة يحكمون بالقانون، أما العلماء يحكمون بالشرع يتوجه إلى القضاة، يقول نحن بلد فيه قانون، فيه نظام، أنا أحتكم إلى المحاكم، أحياناً يكون المستأجر محمياً بالقانون، سيدي أنا يدي على شرع الله، لماذا في تلك القضية توجهت إلى القضاء، وفي هذه توجهت إلى العلماء ؟ هو يريد مصلحته فقط، أين هي ؟ أحياناً تجد شخصاً مهماً يحتكم لعالم، لأنه يعلم علم اليقين أن القانون مع خصمه، وأحياناً يحتكم إلى القضاء، يعلم علم اليقين أن العالم لا يعطيه حقه، لا يعطيه ما يتمنى، بالضبط، يحتكم للقانون.
(( الكبِرْ: بطَرُ الحقِّ، وغمطُ الناس ))



المتكبر هو:


1 ـ الملك:


الآن "المتكبر" من الكبرياء، والكبرياء هو الملك، قال تعالى:

﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا ﴾

( سورة يونس الآية: 78 )
في الملك، الكبرياء هو الملك.
﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة يونس )
"المتكبر" هو الملك الذي لا يزول سلطانه، والعظيم الذي لا يجري في ملكه إلا ما يريد.


2 ـ الكبير:


"المتكبر" العظيم والكبير.

﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾

( سورة يوسف الآية: 31 )
لذلك الآية الكريمة:

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )




طريق تعظيم الله التفكر في خلق السماوات والأرض:




دققوا: إذا قال الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )
الأمر ينصب لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله قال تعالى:
﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

( سورة النساء )
إذاً هنا الآية تتجه لا إلى الذكر فقط، بل إلى الذكر الكثير، يقاس على هذا المعنى:
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
هو آمن بالله، إبليس آمن بالله، قال:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

( سورة ص الآية: 82 )
قال له:
﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾

( سورة ص الآية: 76 )
إبليس آمن بالله، لكن ما آمن به إلهاً عظيماً،
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
تؤمن بالله أنه عظيم من خلال التفكر في خلق السماوات والأرض، والدليل:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 67 )
معنى ذلك أن طريق تعظيم الله التفكر في خلق السماوات والأرض.


3 ـ العظيم:


"المتكبر" ؛ العظيم
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾
بالمناسبة أيها الأخوة: كلما عظم مقام الإله عندك كنت أقرب إلى الله، وكلما صغر مقام الإله عندك، لا تجعل ربك أهون الناظرين إليك، هذا الذي له جلوة، وله خلوة ، يفعل شيئاً في خلوته ما لا يفعله في جلوته، يعني هو لا يخشى الله يخشى الناس، فلما خلا مع نفسه ارتكب معصية، من هنا قيل:

(( من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً ))

[ رواه الديلمي عن أنس ]

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

ما المخلط ؟ هو الذي خلط عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، "المتكبر" ؛ العظيم الكبير
﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾




4 ـ المترفع عن ظلم العباد:


"المتكبر" المعنى الآخر، المترفع عن ظلم العباد، "المتكبر" عن كل سوء، "المتكبر" عن قبول الشرك، "المتكبر" الذي انفرد بالكبرياء والملكوت، وتوحد بالعظمة والجبروت، "المتكبر" الذي بيده الإحسان ومنه الغفران.



الله عز وجل بيده الإحسان ومنه الغفران وليس لملكه زوال:

مرة ثانية أذكركم بقول بعض الناس لوجهاء القوم: أنت كبير، لا تفعل هذا ، أنت كبير لا تأخذ ما ليس لك، أنت كبير لا تنتقم.
قريش نكلت بأصحاب النبي، رضوان الله عليهم، وأخرجت النبي من مكة وحاربته حروباً ثلاثة، فلما سيطر عليهم قال:

(( ما تظنون أن فاعل بكم ؟ ـ وبإمكانه بمنطق الطغاة أن يلغي وجودهم ـ قالوا أخ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[السيرة النبوية]
أنت كبير يعني كامل، أنت كبير لا يمكن أن تنتقم، لا يمكن أن تفعل سوءاً، لا يمكن أن تنحاز، الذي بيده الإحسان ومنه الغفران، ليس لملكه زوال، ولا لعظمته انتقال "المتكبر" من الامتناع عن الانقياد.
يعني المؤمن أنا أقول: رقم صعب، رجل مبادئ، رجل قيم، لا يُباع، ولا يُشترى، ولا يُساوم، بينما الإنسان إذا غفل عن ربه له سعر، يعني إنسان يغير قناعته بألف ثمنه ألف، هو وعلمه، وشهاداته، ومكانته، وهيمنته، ثمنه ألف، في إنسان بمليون يغير، إنسان بخمسة ملايين، ما دام له سعر سقط من عين الله، ما دام له سعر يغير به قناعاته انتهى عند الله، مهما كان هذا السعر كبيراً، له سعر.


5 ـ الامتناع عن الانقياد:


"المتكبر" من الامتناع وعدم الانقياد، "المتكبر" طليق الإرادة، لا تحكمه إرادة أخرى.



6 ـ المتعالي عن صفات خلقه:


آخر معنى من معاني "المتكبر"، "المتكبر" المتعالي عن صفات خلقه، كلما خطر في بالك شيء فالله بخلاف ذلك، "المتكبر" عن صفات خلقه، كامل في ذاته، وفي صفاته وفي أفعاله.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 02-12-2018, 09:32 AM   #50


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: أسماء الله الحسنى







بسم الله الرحمن الرحيم


(44)




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.



من أسماء الله الحسنى: ( البصير):


أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البصير".



ورود اسم البصير في القرآن الكريم:


أيها الأخوة، ورد هذا الاسم "البصير" في أكثر من خمسين آية، ورد معرفاً بأل وورد منوناً، ورد مقترناً باسم السميع والخبير، وورد غير مقترن، فمن الآيات التي ورد فيها اسم "البصير" معرفاً قوله تعالى في مطلع سورة الإسراء:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

( سورة الإسراء )



الإسراء والمعراج جاء مكافأة لسيد الخلق عن جفوة أهل الأرض بترحيب السماء له:


لو أن بعض الأخوة المؤمنين كان حفظه للقرآن ضعيفاً فنسي أواخر هذه الآية فتصور أن

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ ﴾
على كل شيء قدير، لماذا جاءت
﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
نحن نذكر أن خط الدعوة الإسلامي البياني وصل إلى الحضيض في الطائف حينما سخر أهل الطائف من رسول الله، وحينما كذبوه، وحينما نالوه بالأذى، فماذا قال ؟ قال:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي (كحال المسلمين اليوم) وهواني على الناس، يا رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى عدو ملّكته أمري (الدعاء طويل) إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]
هذه محنة ما بعدها محنة، هذه شدة ما بعدها شدة، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون بعد كل محنة منحة، وبعد كل شِدة شَدة إليه.
فجاء الإسراء والمعراج مكافأة لسيد الخلق وحبيب الحق، وجاء تعويضاً عن جفوة أهل الأرض، بترحيب السماء له،
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
يعني يا محمد سمعنا قولك في الطائف، ورأينا معاناتك، وهذا ردنا، وأنت سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين.


ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله عز وجل بمحنة إلا وراء هذه المحنة منحة:


دققوا أيها الأخوة، ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله عز وجل بمحنة إلا وينبغي أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن وراء هذه المحنة منحة، أنا أقول ما من مؤمن مستقيم يبتليه الله بشدة إلا كان وراء هذه الشِدة شَدة إلى الله، هذا مبدأ وهذا قانون.

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

( سورة القصص )
فلذلك هذه الآية في نهايتها
﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾
إن دعوت الله يسمعك ، وإن عانيت ما تعاني يراك، سميع بصير، وإن أضمرت نية طيبة يعلمها، إن تكلمت يسمعك وإن تحركت يراك، وإن أضمرت شيئاً فهو يعلمه، فالتعامل مع الله سهل جداً، لا تحتاج لا إلى إيصال، ولا إلى يمين، ولا إلى دليل، حتى أن بعضهم قال: الحمد لله على وجود الله.


ورود اسم البصير في القرآن الكريم منوناً:


وورد هذا الاسم أيضاً منوناً في قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾

( سورة الحج )
يراك.
﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾

( سورة الإسراء )
آية أخرى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم ِ* الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

( سورة الشعراء )
أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله يراه، اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، لا تجعل ربك أقل الناظرين إليك، لماذا ؟ لأن الله ينظر إلى قلوبكم، هل في هذا القلب حقد ؟ هل في هذا القلب كبر ؟ هل في هذا القلب استهزاء بالآخر ؟ لا تجعل ربك أهون الناظرين إليك، يراك، سميع بصير.


ورود اسم البصير في السنة الشريفة:


هذا الاسم أيضاً ورد في السنة الصحيحة:
(( إنَّكْم لا تَدْعُونَ أصَمَّا، ولا غَائِبا، إنكم تَدْعُونَ سَمِيعا بَصِيرا ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]



أفضل دعاء المرء أن يكون خفية:

أفضل الذكر إخفاء الذكر، أفضل الدعاء أن يكون خفية.

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾

( سورة الأعراف الآية: 55 )
لأنه يسمعك، وإذا كنت في موقف عصيب بإمكانك أن تدعوه دون أن تحرك شفتيك.
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

( سورة مريم )



تعريف البصير من حيث اللغة:

أيها الأخوة، معنى كلمة "البصير" أولاً بنيتها صيغة مبالغة، والمبالغة في اللغة تعني مبالغة الكم، مبالغة النوع، فإذا قلنا الله عز وجل غفور يعني يغفر مليار ذنب، وإذا قلنا غفور يغفر أكبر ذنب، نوعاً، وكماً، فالله بصير، وصيغة بصير من صيغ المبالغة والمبالغة تعني مبالغة كم، أو مبالغة نوع، أنت أحياناً تنظر إلى جهة واحدة، وليس في الإمكان أن تنظر إلى جهتين معاً، لكن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى كل الخلائق من دون استثناء ويرى أدق شيء، ومهما خفي على الناس لا يخفى عليه.
إذاً هذا الاسم من أبنية المبالغة، على وزن فعيل، ككريم، سميع بصير، البصر العين، اسم ذات، والبصر الرؤية اسم معنى، اسم ذات أو اسم معنى، نقول مثلاً حائط اسم ذات، أما دراسة اسم معنى، لكن الذي يلفت النظر أن البصر هو النور الذي تبصر به الأشياء.
بربكم هذه العين مهما تكن دقيقة من دون نور يتوسط بينها وبين المنظور لا قيمة لها، يستوي في غرفة مظلمة البصير وغير البصير (الكفيف)، لا بد من نور يتوسط بين العين وبين المرئيات هو نور الكهرباء أو نور الشمس.



حاجة عقل الإنسان إلى وحر السماء كحاجة العين إلى ضياء الشمس:

الكلام الذي سأقوله خطير جداً، مهما يكن الإنسان ذكياً، لو كان عقله كعقل أنشتاين، مهما يكن الإنسان ذكياً، متألق الفكر، إن لم يستنر هذا العقل بنور الوحي فهو أعمى، يعني حاجة الإنسان إلى وحي السماء، بل حاجة عقل الإنسان إلى وحر السماء كحاجة العين إلى ضياء الشمس، لذلك من دون وحي:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾

( سورة المدثر )
يعني إنسان ذكي متألق، ذكاؤه من أرفع مستوى، من دون وحي يهتدي به فهو جاهل.


البشر من دون وحي السماء مصيرهم إلى المحق و الهلاك:


أزمة العالم أنهم اعتمدوا على العقل البشري وحده، وغفلوا عن وحي السماء، لذلك العالم يعاني ما يعاني، يعاني من الحروب، من القتل، من الظلم، من سوء توزيع الثروة 10% من أهل الأرض يملكون 90% من ثروات الأرض، و90% من أهل الأرض يعيشون دون الكفاف، العقل البشري من دون وحي السماء قاد إلى هذه المهالك.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13 )
لا ليقتل بعضكم بعضاً، لا ليستغل بعضكم بعضاً، لا ليقهر بعضكم بعضاً، لا ليمحق بعضكم بعضاً، البشر من دون وحي السماء كما ترون.


نور الوحي يُبعد الإنسان عن الظلم و العدوان:


(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ]
يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.

(( موت كقعاص الغنم ))

[ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ]
و:

((....وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً. ))

[ رواه الطبراني في الأوسط عن أم الضراب]
أيها الأخوة، هذا المعنى تؤكده الآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 28 )
هذا نور الوحي
﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الحديد )



الله عز وجل يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة:

الآن التبصر ؛ التأمل، التعرف، البصيرة ؛ الحجة.

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )
الآن الله جل جلاله هو "البصير" المتصف بالبصر، و "البصير" صفة من صفات ذاته، تليق بجلاله، في علم العقيدة يجب إثباتها من دون تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل ، ولا تحريف، نفوض معنى البصير إلى الله عز وجل ، لا نجسد، ولا نعطل، إن ألغينا أنه بصير تجرأنا عليه، وإن مثلنا بصره كبصرنا وقعنا في خطأ كبير.
﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾

( سورة الشورى الآية: 11 )
كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك، الله عز وجل يبصر جميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، يرى الأشياء كلها مهما دقت أو عظمت، مهما خفيت أو ظهرت.
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

( سورة غافر الآية: 19 )



عبادة غض البصر عبادة الإخلاص:

أنت في البيت والنافذة مفتوحة، وأنت في غرفة مظلمة، ولا يراك أحد على وجه الأرض، وخرجت امرأة متبذلة إلى الشرفة التي في اتجاه البيت، لك أن تطلق بصرك فيها، ولك أن تغض البصر، من يعلم
﴿ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾
الله جل جلاله، لذلك عبادة غض البصر عبادة الإخلاص.
أنت طبيب ومن حقك أن ترى المكان الذي تعاني منه المرأة، اختلست نظرة إلى مكان آخر، هل في الأرض كلها جهة تستطيع ضبط هذه المخالفة ؟ أبداً،
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

﴿ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

( سورة غافر )
السر عنده علانية، والغيب عنده شهادة، أحد العارفين بالله قال:

يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلي
ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النُحلي
* * *




الله بصير ينظر إلى المؤمنين بكرمه ورحمته ويمن عليهم بمنته وجنته:

الله بصير، الآن في معنى جديد، الله بصير ينظر إلى المؤمنين بكرمه ورحمته، ويمن عليهم بمنته وجنته، ويزيدهم كرماً منه بلقائه ورؤيته، ينظر إلى المؤمنين، ولا ينظر إلى الكافرين، لا ينظر إلى الكافرين إيقاعاً لعقوبته، فهم بعيدون عن نظره، محجوبون عن رؤيته، كما قال تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

( سورة المطففين )



من حجب عن الله عز وجل خسر الدنيا و الآخرة:


والله أيها الأخوة، ما من عقاب على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة كعقاب من نوع أن تُحجب عن الله، هذا معنى لعنه الله، أبعده عنه، وقد تكون في أصعب محنة وقد تكون في قاع البحر، في بطن حوت، وقد تكون في غار، وأنت ملاحق، وقد تكون في النار كإبراهيم، فإذا كانت معك عناية الله، فأنت في خير، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه السكينة أين وجدها إبراهيم ؟ وهو في النار، أين وجدها يونس ؟ وهو في بطن الحوت، أين وجدها أهل الكهف ؟ وهم في الكهف وأين وجدها النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وهو في غار ثور، وقد هُدرت دمه، ولاحقه الكفار،

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
إذا أخذ منك الدنيا وتجلى عليك فأنت الفائز الأول، وإذا أعطاك الدنيا كلها وحجبك عنه فأنت الخاسر الأكبر.
﴿ أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة آل عمران )
بطولتك أن تكون موصولاً بالله، بطولتك أن ينظر الله إليك.


من نظر الله إليه أعطاه بصيرة يفرق فيها بين الحق و الباطل:

أيها الأخوة، المؤمن حينما يتقي الله ينظر الله إليه.

﴿ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾

( سورة الأنفال الآية: 29 )
ويجعل له بصيرة تريه الحق حقاً، والباطل باطلاً، تريه الحق حقاً فيتبعه وتريه الباطل باطلاً فيجتنبه.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الأنفال )



من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى:


الآن في موضوع دقيق: الأعمال البشرية، أي عمل بشري تسبقه رؤيا، في علم التجارة والتسويق، ما في إنسان يشتري حاجة، إلا رأى أن هذه الحاجة أثمن من المال الذي سيدفعه ثمناً لها، ولا في بائع في الأرض يبيع حاجة إلا ويرى أن ثمنها أثمن منها رؤيا، أي حاجة تُباع الشاري يرى أنها أغلى من ثمنها حتى اشتراها، والبائع ما باع شيئاً إلا أيقن أن ثمنها أغلى منها، رؤيا، رؤيا حيادية، أما الذي يكذب ماذا يرى ؟ يرى أنه بالكذب يعدّ ذكياً، بالكذب عمّ على نفسه، فيفضحه الله عز وجل فيغدو غبياً، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى.

(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه ))

[أخرجه الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف وألف مستحيل أن تعصيه وتربح.


من ملك رؤيا صحيحة وضع الدنيا تحت قدميه:


إذاً كل عمل بشري في قبله رؤيا، وبعد الرؤيا إرادة، وبعد الإرادة تنفيذ قانون.
الآن سيدنا يوسف حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، شاب، في ريعان الشباب، غريب، غير متزوج، هو تحت أمر سيدته، وليس من صالحها أن يفشى الخبر عنها، يعني العلماء عدوا عشرة أسباب تدعوه إلى قبول عرضها، ماذا قال:

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

( سورة يوسف الآية: 23 )
ماذا رأى ؟ هنا البطولة، الذي يقبل الرشوة ماذا رأى ؟ رأى أنه ذكي جداً قبض مبلغاً كبيراً بلا جهد، الذي يسرق ماذا رأى ؟ الذي يزني ماذا رأى ؟ البطولة أن تملك رؤيا صحيحة، أنت بهذه الرؤيا الصحيحة تضع الدنيا كلها تحت قدميك.

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[السيرة النبوية]
عندنا قانون جاء به عالم اسمه دورك هاين، هذا القانون علاقتك مع المحيط رؤيا، إدراك، انفعال، سلوك، شخص رأى بالبستان أفعى، اضطرب، علامة صحة رؤيته وإدراكه أنه اضطرب، وعلامة اضطرابه أنه هرب، أو قتلها، يعني في حركة، صحة الإدراك تقتضي الانفعال، والانفعال يقتضي الحركة، أما قل لشخص على كتفك عقرب بقي هادئاً، مرتاحاً، مبتسماً، قال لك: شكراً لك على هذه الملاحظة، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك عليها، معنى ذلك أنه ما فهم مما قلت له شيئاً.


المؤمن يملك رؤيا صحيحة فيهتدي برحمة الله و توفيقه:

لذلك في درس سابق السمع عند الله تتبعه حركة، يتبعه سلوك.

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

( سورة التحريم الآية: 4 )
فلذلك أي عمل تسبقه رؤيا، أنت ماذا رأيت ؟ المؤمن يرى أن الدنيا كلها لا تعدل أن يعصي الله، يضع الدنيا تحت قدميه، المؤمن لا يرى أن الغش فيه شطارة، أنت حينما تغش المسلمين ترى أن هذا المال الذي سيأتيك من الغش أكبر من الله، ما قلت الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة.
ديننا دين حقائق، لا دين كلمات جوفاء تلقى، تقول الله أكبر، وتغش المسلمين، تكذب عليهم، تدلس، تغير صفات البضاعة، توهم أنها من ألمانيا وهي من الصين، ماذا فعلت ؟ أنت ترى أن هذا المبلغ الكبير الذي سيأتيك من إيهام الشاري أن هذه البضاعة مصنوعة في ألمانيا وهي تأتي من الصين، بأدنى صفات أنت ترى بهذا أن هذا المال أكبر عندك من الله.
لذلك قل لي ماذا ترى ؟ المؤمن يملك رؤيا صحيحة، لذلك يمشي في ظل الله وفي رحمة الله، وفي توفيق الله، والمؤمن الله معه، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
أسماء, الله, الحسنى


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
متجدد ..أسماء الله الحسنى ومعانيها..~ منال نور الهدى رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 45 06-29-2022 09:36 AM
اسماء الله الحسنى 2008 م السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 204 09-03-2018 01:22 PM
معرض أسماء الله الحسنى منال نور الهدى رِيَاضُ الصُوَر المَنْقُولَة 3 11-05-2014 11:25 PM
أسماء الله الحسنى: "الجبار" منال نور الهدى رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية 3 02-27-2013 03:13 AM
من أسماء الله الحسنى :"المبين .".الشيخ محمد راتب النابلسي منال نور الهدى رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية 5 02-27-2013 03:03 AM


الساعة الآن 09:10 PM