| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#71 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الملك - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( السادس و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الملِك ): 1 – ( الملِك ) اسم ذاتٍ وصفة وفعل: أيها الإخوة الأكارم، مع درس من دروس أسماء الله الحسنى، ولا زلنا في اسم الله ( الملك )، وكلكم يعلم أن أسماء الله عز وجل على أنواع، هناك اسم ذات، وهناك اسم فعل، وهناك اسم صفة، فالملك اسم يدل على ذات الله، والملك اسم يدل على فعله، قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ ( سورة الملك ) 2 – فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وقال بعض العلماء: في قوله تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ( سورة يس الآية: 83 ) قالوا: المُلك مُلك الأجسام، والملكوت مُلك النفوس، فالله سبحانه وتعالى رب العالمين، يربي أجسامنا ويربي نفوسنا، يربي أجسامنا فيمدها بما تحتاج، من طعام وشراب، وهواء، وما إلى ذلك، ويربي النفوس حينما تنحرف عن منهجه، يسوق لها من الشدائد ما يحملها على طاعته: ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾ من مِن لوازم اسم ( الملِك ): 1 – العلوُّ: أيها الإخوة، من لوازم الملك العلو. ﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ ( سورة طه الآية: 114 ) 2 – الاستواء: ومن لوازم الملك الاستواء: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ ( سورة طه ) 3 – التمليك: لكن الموضوع الدقيق في هذا اللقاء الطيب أن ( الملك ) هو المالك والمملِّك، فالله عز وجل، يعطيك الصحة، الصحة تُملك، يعطيك القوة، القوة تُملك. هناك رجل من علماء الشام عاش 96 عاماً، وهو في أتم صحته، منتصب القامة ، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، فكان إذا سُل: يا سيدي ! ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟! يقول: يا بني، حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقيناً عاش قوياً. ( الملِك ) هو المالك والمملِّك، يملكك الصحة والقوة، يعطي العقل والذكاء، يعطي الجمال والوسامة، يعطيك زوجة، يهبك أولاداً، يهبك بيتاً، مأوى تؤوي إليه ، يجعلك ممكَّناً في الأرض، تتقن حرفة، تتقن اختصاصاً، تحمل شهادة، فـ( الملك ) هو المالك والمملِّك. حينما تملك، وحينما تمكَّن في الأرض يرتفع مقامك، ومع ارتفاع مقامك تزداد فرص العمل الصالح، القوة في ثلاث، في المال، وفي العلم، وفي المنصب. أحياناً إذا كنت في منصب رفيع بجرة قلم تحق حقاً، وتبطل باطلاً، تقرّ معروفاً، وتزيل منكراً، وإذا كنت عالماً قد يسعد الناس بعلمك، وإذا كنت غنياً قد يسعد الناس بمالك، فإذا مكنك في الأرض أعطاك القوة، أو أعطاك المال، أو أعطاك العلم، عندئذٍ تزداد فرص العمل الصالح أمامك، وعندئذٍ تزداد مسؤوليتك. كل إنسان ممكَّن في الأرض، إن أحسن فله أجران ؛ أجر إحسانه، وأجر مَن اقتدى به، وكل إنسان ممكَّن في الأرض إذا أساء فعليه وزران، وزره ووزر مَن قلَّده. إذاً: ( الملك ) هو المالك والمملِّك، لذلك سيدنا عمر بن عبد العزيز دخلت عليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك، رأته يبكي في مصلاه، قالت له: ما لك تبكي ؟ قال: << دعينِي وشأني، فلما ألحت عليه قال: ويحك يا فاطمة، إني وليتُ أمرَ هذه الأمة، فرأيت المريض الضائع، والفقير الجائع، والشيخ الكبير، والأرملة الوحيدة، وذا العيال الكثير، والرزق القليل، والأسير، والمظلوم في أطراف البلاد، فعلمت أن الله سيسألني عنهم جميعاً، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي فلهذا أبكي >>. سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، سأل والياً: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ فأجابه الإجابة الشرعية، قال: أقطع يده، قال: فإن جاءني مِن رعيتك مَن هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسدّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>. الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، وهي موضع ابتلاء وجودًا وعدمًا: أيها الإخوة، هناك تساؤل، المال حظ، العلم حظ، الذكاء حظ، طلاقة اللسان حظ، الوسامة حظ، هذه الحظوظ كيف ووزعت في الدنيا ؟ قال بعض العلماء: الحظوظ وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، ما الذي أتاك الله إياه ؟ أتاك المال ؟ أنت ممتحن بالمال، أتاك العلم، أنت ممتحن بالعلم، أتاك القوة، أنت ممتحن بها، ما الذي زوي عنك ؟ زوي عنك الغنى، أنت ممتحن بالفقر، زويت عنك القوة، أنت ممتحن بالضعف، زويت عنك الوسامة، أنت ممتحن بها، فأنت ممتحن في بندين، فيما وهبك الله، وفيما زوى عنك وهذا المعنى الدقيق يذكرنا بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام: (( اللهم ما رزقتني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ )) [ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ] ما مِن رجبٍ من الناس إلا وآتاه الله حظوظاً، وزوى عنه حظوظاً، فأنت ممتحن فيما أتاك، وممتحن فيما زوي عنك. الإنسان مخيَّرٌ: أيها الإخوة، لكن الإنسان مخير، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 18 ) لحكمة ما بعدها حكمة، لرحمة ما بعدها رحمة، لعلم ما بعده علم: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ ﴾ أي الدنيا. ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ يعني عجّلنا بالقدر الذي نشاء، والإنسان الذي إن عجلنا له فيها كان هذا التعجيل حكمة في حقه: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ﴾ ( سورة الإسراء ) الآن دققوا: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 19 ) لم يقل: وسعى لها: ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾ ( سورة الإسراء ) الآن كقانون، كسنة من سنن الله عز وجل: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ ( سورة الإسراء ) أنت مخير، الشيء الذي تصدق في طلبه تناله، ما أنت فيه صادق، وما لست فيه، تمنياتك، الله عز وجل لا يتعامل أبداً مع التمنيات. ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 123 ) يتعامل مع الصدق، أي شيء تطلبه من الله بصدق، وتدفع ثمنه يؤتيك الله إياه ، قال بعض المفكرين: " إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان "، اطلب ما تشاء من الله، ولكن اطلب بصدق، واطلب مع دفع الثمن: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ لم يقل وسعى لها: ﴿ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾ السعي الذي تستحقه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 102 ) ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أن تطيعه فلا تعصيه، أن تذكره فلا تنساه، أن تشكره فلا تكفره. إذاً الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، أنت ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوى عنك. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ دقق في هذه الآية: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 21 ) هل بائع متجول كتاجر كبير ؟ هل ممرض كجراح قلب ؟ هل معلم في قرية كأستاذ في الجامعة ؟ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ ( سورة الإسراء ) أين بطولتك ؟ أن تحقق نجاحاً في الدنيا، ثم يأتي الموت لينهي هذا النجاح ؟ أم أن تحقق نجاحاً في الآخرة. حظوظ الدنيا لا تعني شيئا: حظوظ الدنيا موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وهذا التوزيع مؤقت، والتوزيع ينتهي بالموت، وهذا التوزيع قد لا يعني أنك عند الله متفوق، لأن الله يعطي الملك لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطى الملك لفرعون، وهو لا يحبه، أعطى الملك لسليمان، وهو يحبه، أعطى المال لقارون، وهو لا يحبه، أعطى المال لعبد الرحمن بن عوف، وهو يحبه، فحظوظ الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا تعني شيئاً، وقد تعني العكس: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 44 ) الموت ينهي كل شيء، لكن حظوظ الآخرة تعني كل شيء، وهي أبدية سرمدية لذلك اكبر خسارة أن تخسر الآخرة. ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 15 ) حظوظ الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، هذه الحظوظ سوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، فقد يكون الإنسان غنيا والآخر فقيرا، عاشا عمراً واحداً، سبعين عاما، الغني لم ينجح في امتحان الغنى، فتاه على مَن حوله، وأنفق ماله على لذاته وحظوظه، وحرمه من الفقراء والمساكين، والفقير نجح في امتحان الفقر، فصبر وتجمل، انتهت السبعون عاماً، الذي نجح في امتحان الفقر في جنة إلى أبد الآبدين، والذي لم ينجح في امتحان الغنى في نار جهنم، وبئس المصير، فالحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء. الأخذ بالأسباب بين الحقيقة الشرعية وأوهام الناس: أيها الإخوة، لحكمة بالغةٍ بالغة جعل الله لكل شيء سببا، فالأسباب تفضي إلى النتائج، ولكن لئلا نتوهم أن السبب وحده خالق النتيجة، الله عز وجل من حين لآخر يعطل هذه الأسباب، قد يجعلك قوياً وأنت ضعيف، وغنياً وأنت فقير، وقد يسلب الغنى من الغني فيغدو فقيراً، وقد يسلب القوة من القوي فيغدو ضعيفاً، من هنا يجب أن نعتقد أن خالق النتائج هو الله. السيدة مريم أنجبت نبياً كريماً من دون زوج، ألغي السبب، وأحياناً شابان قويان في أوج نشاطهما لا ينجبان، هناك سبب بغير نتيجة، وهناك نتيجة بلا سبب، لذلك لا تؤلّه الأسباب، العالم الغربي أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألّهها، ونسي الله، وقع في الشرك، والمسلمون المقصرون في آخر الزمان لم يأخذوا بها إطلاقاً، وقعوا في المعصية، كلاهما على خطأ، يجب أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، هذا الموقف الدقيق، والموقف الحكيم، أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء. أيها الإخوة، ماذا قال الله عز وجل مخاطباً نبيه ؟ ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾ ( سورة الجن ) بل قل لهم: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾ ( سورة يونس الآية: 49 ) فإذا كنت: ﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾ فمن باب أولى أنني: ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾ معنى ذلك أن الله هو الملِك، هو الذي يُملِّك، الملك مالك مملك، الحظوظ الله عز وجل يملكك إياها، والحظوظ الله عز وجل يسلبها منك، هو ( الملك ). التطبيقات العملية لاسم ( الملِك ): لا ينبغي لعبد الملِك أن يتذلل لمخلوق: أيها الإخوة، الآن لا يليق بمن آمن بالله بأنه ملك أن يتذلل لمخلوق، لا يليق بمن آمن بالله بأنه ملك أن يتضعضع أمام غني أو أمام قوي. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) [ ورد في الأثر ] قال بعضهم: ما أجمل عطف الأغنياء على الفقراء، هناك أجمل من هذا، تيه الفقراء على الأغنياء، ثقة بما عند الله، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. اجعل لربك كل عــ زك يستقر ويثـبت فإذا اعتززت بمن يمـ وت فإن عزك ميت أريد أن أصل معكم إلى التطبيقات العملية لإيمانك باسم ( الملك ). ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ ( سورة طه ) فرعون وراء سيدنا موسى، ومن آمن معه من بني إسرائيل شرذمة قليلة، فرعون بقوته، بجبروته، بحقده، بأسلحته، بفتكه، ببطشه. ﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) إذا كنت مع ( الملك ) فأنت ملك، إذا آمنت بالملك أنه مالك مملِّك، لمجرد أن تتوهم أن أمرك بيد زيد أو عبيد، أو بيد فلان أو علان، سقطت في الشرك. ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود ) الدين كله في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحد، التوحيد أن توقن يقيناً قطعياً أن أمرك كله بيد الله، وما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ( سورة هود الآية: 123 ) شأن صحتك، خذ بالأسباب وتوكل على الله، شأن أسرتك، شأن زوجتك، شأن أولادك، شأن عملك، شأن رزقك، شأن من حولك، شأن من فوقك، شأن مَن تحتك: ﴿ َإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناءه عن الناس. التقى خليفة من خلفاء بني أمية بعالم جليل في الحرم المكي، قال له: " سلني حاجتك، قال: والله إني أستحي أن أسأل في بيت الله غير الله، التقى به خارج الحرم، قال له: سلني حاجتك، قال له: والله ما سألتها مَن يملكها أفأسألها مَن لا يملكها، فلما أصر عليه قال له: أدخلني الجنة، قال له: هذه ليست لي، قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة ". المؤمن عزيز، قال المنصور لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة، لو تغشَّيتنا، قال: ولمَ أتغشّاكم ؟ وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشّاكم إلا مَن خافكم على شيء. المؤمن عزيز، لذلك كن مَلكاً في الدنيا، الله ملك مالك مملِّك، كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، قالوا: كيف ؟ قال: ازهد فيما بيد الناس تكن ملكاً. لا تسألن بنــيّ آدم حاجة و سل الذي أبوابه لا تُحجَب الله يغضب إن تركت سؤاله وبنيّ آدم حين يُسألُ يغضب إذا أردت أن تكون ملك في الدنيا ازهد بما أيدي الناس تكن ملكاً في الدنيا، فإذا كنت ملكاً في الدنيا كنت ملكاً في الآخرة. لذلك قالوا: احتجْ إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره، فلا يليق بمؤمن آمن باسم الملك أن يتذلل لمخلوق. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) خاتمة: أيها الإخوة، أسماء الله الحسنى لها تطبيقات، إن آمنت بها إيماناً حقيقياً فلا بد من أن تنعكس على سلوكك عزة، ورفعة، واستقامة، ورحمة، وتواضعاً. ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) تقرَّب إلى الله بخُلق مشتق من كمال الله، الله رحيم فارحم مَن دونك، الله ملك فكن ملكاً بأن تتعفف عما في أيدي الناس، كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#72 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - العزيز - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( السابع و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى أصحابه الطيبين الطاهرين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( العزيز): أيها الأخوة الأكارم: مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم: "العزيز" . ورود اسم العزيز في: 1 ـ كثير من آيات القرآن الكريم: أيها الأخوة، هذا الاسم ورد في كثير من آيات القرآن الكريم، لعله ورد قريباً من مئة آية، من أبرز هذه الآيات: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ ( سورة الحشر الآية: 23 ) 2 ـ ورود اسم العزيز مقترناً بأسماء أخرى: ورد مقترناً بأسماء أخرى: ﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة الحشر ) ﴿ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ ( سورة الأنعام ) ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ ( سورة إبراهيم ) ﴿ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ ( سورة الدخان ) ﴿ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾ ( سورة ص ) ﴿ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ﴾ ( سورة ص ) ﴿ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ ( سورة هود ) ﴿ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ ( سورة الملك ) ﴿ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ ( سورة آل عمران ) ﴿ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ ( سورة القمر ) 3 ـ ورود اسم العزيز في السنة الشريفة: وفي صحيح الجامع الصغير من حديث عائشة رضي الله عنها أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار )) [ أخرجه النسائي في الكبرى والطبراني عن عائشة أم المؤمنين ] من معاني اسم العزيز: 1 ـ العزيز هو الغالب: معاني هذا الاسم "العزيز" هو الغالب. ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ ( سورة الصافات ) لمجرد أن تتحقق جنديتك لله عز وجل فأنت الغالب، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تكون جندياً لله ولا تنتصر. ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 7 ) ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ بطولة الإنسان أن يكون مع الغالب دائماً: لذلك أيها الأخوة، إن لم ننتصر فالخطأ منا ، الكرة في ملعبنا، هناك خلل في جنديتنا لله عز وجل، ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ الله عز وجل يقول في آيات كثيرة من هذه الآيات: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾ ( سورة ص ) أي غلبني، "العزيز" هو الغالب، فالبطولة أن تكون مع الغالب دائماً، والخطأ المدمر أن تنحاز إلى المغلوب، إذا كنت مع الغالب فأنت الغالب، إذا كنت مع الله فأنت المنتصر، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك. قوة المؤمن تنبع من تطبيقه لمنهج الله عز وجل: أيها الأخوة الكرام، كلمة أقولها لكم: لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، هو ينصره، ولكن لنقلق على أنفسنا. أول معنى من معاني هذا الاسم أنه الغالب، فالبطولة أن تكون مع القوي، قوة المؤمن من توكله على الله، قوة المؤمن من اعتماده على الله، قوة المؤمن من تطبيقه لمنهج الله كثمن لنصر الله، نصر الله له ثمن، الأمور ليست بالتمنيات، التمنيات بضائع الحمقى. ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 123 ) دقق: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 123 ) مهما دعوت الله، الله عز وجل لا يستجيب دعاء المعتدي. ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ ( سورة الأعراف ) إذا في عدوان، إذا في ظلم، مهما رفعت صوتك بالدعاء، لن يستجاب لك. تروي بعض القصص أن ملكاً قوياً التقى بعالم جليل قال له: ادعُ الله لي، فقال له هذا العالم: لا تظلم ولست بحاجة إلى دعائي. ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ "العزيز" هو الغالب ﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾ غلبني ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت. 2 ـ العزيز هو الشريف: المعنى الآخر: "العزيز" هو الشريف، بكل مجتمع في فئة من الناس تسمى في اللغة علية القوم، عزيز، صادق، كريم، أصيل، جواد، صبور، حليم، هؤلاء النخبة من الناس هم أعزة القوم. لذلك ماذا قالت بلقيس ؟: ﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾ ( سورة النمل الآية: 83 ) كلام من ؟ كلام بلقيس، ماذا قال الله عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ ( سورة النمل الآية: 83 ) إذا إنسان لم يعرف ربه لكن تكلم كلمة صحيحة، يجب أن تكون خطأ ؟ لا ، بلقيس قبل أن تعرف الله قالت: ﴿ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ﴾ خالق السماوات والأرض قال: ﴿ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ يعني الانفتاح يقتضي أن تصغي إلى كل قوم، الإمام الشافعي يقول: أنا على حق، وخصمي على باطل، وقد أكون مخطئاً، وخصمي على حق، وقد يكون مصيباً، تواضع حينما تحاور. "العزيز" هو الجليل والشريف. 3 ـ العزيز هو القوي: شيء آخر: "العزيز" هو القوي. ﴿ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ ( سورة يس الآية: 14 ) أي قويناهم بثالث، إذا قلت فلان عزيز يعني قوي، والناس يحبون الأقوياء وطبع في الإنسان أن يحب القوي، لكن من هو أقوى الأقوياء ؟ خالق السماوات والأرض، من هو القوي إلى أبد الآبدين ؟ خالق السماوات والأرض، إن أردت أن تكون قوياً كن مع القوي لا تكن مع الضعيف، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، وإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك. الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد: الآن لو دخلنا في التفاصيل، الشيء العزيز نادر الوجود، هناك معادن عزيزة مثلاً اليورانيوم، معدن نادر، غالٍ جداً، كل شيء نادر وجوده قليل يسمى عزيزاً ، العوام أحياناً يقول لك: مادة عزيزة، قليلة، لكن إذا قلنا الله عزيز لا مثيل له، لا ندّ له، لا نظير له، واحد أحد فرد صمد: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ ( سورة الإخلاص ) إذا قلت شيء عزيز أي قليل، وجوده نادر، أما إذا قلت الله عزيز يعني واحد أحد، فرد صمد ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ ( سورة الإخلاص ) ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ( سورة الشورى الآية: 11 ) وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك. 4 ـ العزيز من يحتاجه كل شيء في كل شيء: الآن الشيء العزيز تشتد الحاجة إليه إذا قلنا الله عزيز أي يحتاجه كل شيء في كل شيء، الناس بحاجة إلى ملك يوفر لهم الأمن، والحاجات، والنظام،...إلخ، لكن أحياناً يكون هناك راعٍ بأطراف المملكة، يأكل ويشرب من هذا الذي أمامه، من حليب الغنم، ومن لحمها، وليس بحاجة إلى الملك، أي أحياناً يكون أقوى إنسان لسنا بحاجة إليه، لكن إذا قلنا الله عزيز تحتاجه النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، يحتاجه كل مخلوق لأنه إمدادك من الله، لو مات الإنسان ووزناه لا ينقص ولا غرام واحد، ما الذي فقده ؟ الإمداد، كان يتكلم، ويبتسم، ويضحك، ويمشي، ويجلس، ويأمر، وينهى فإذا انقطع الإمداد عنه أصبح جثة هامدة. معنى "العزيز" أنه يحتاجه كل شيء في كل شيء، إنك تبصر بالله، بإمداد الله لعينك، تسمع بالله، الكبد في الكائن الحي له خمسة آلاف وظيفة، فإذا مات الإنسان، أو ذُبح الحيوان صار الكبد طعاماً نأكله، يقول لك: سودة، كان جهازاً خطيراً جداً يقوم بخمسة آلاف وظيفة، فصار قطعة لحم تؤكل. كل إنسان بحاجة إلى الله عز وجل: لذلك أيها الأخوة، إذا قلنا الشيء عزيز أي نادر الوجود، إذا قلنا الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد، إذا قلنا الشيء العزيز الذي تشتد الحاجة إليه، الماء عزيز يحتاجه كل إنسان، الهواء عزيز، لكن بعض الفواكه النادرة لا نحتاج إليها، إذا شخص لم يأكل كرزاً لا يموت، يبقى، يعيش، في آلاف الأطعمة لسنا بحاجة إليها حاجة أساسية. إذاً الشيء العزيز تشتد الحاجة إليه لكن الله "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء، أنت بحاجة إلى الله، بهذا الهواء الذي تتنفسه، القلب ينبض لو توقف انتهت الحياة، كل الأموال المنقولة والغير المنقولة تخسرها بثانية واحدة، يعني الإنسان قوته، وهيمنته، و عظمته، ومكانته، وسيطرته، وحجمه المالي الكبير، وحجمه الإداري الكبير، منوط بضربات قلبه، فإذا توقف قلبه انتهى كل شيء، صار خبراً على الجدران. يذهب إنسان أحياناً إلى بلاد الغرب راكب طائرة بالدرجة الأولى، يرجع نعشاً، يرجع بضاعة، إذا شخص أراد أن يُرجع فقيداً له في بلاد بعيدة تصبح له معاملة خاصة يحتاج أوراق، ويحتاج تخليص بضاعة، ويحتاج إلى ضرائب، نعش. فالإنسان يتوقف قلبه صار خبراً، صار بضاعة، يتجمد الدم بعروقه تنتهي حياته، أي أنت حياتك منوطة بسيولة دمك فقط، ولو تجمدت قطرة دم، نقطة دم كرأس الدبوس في أحد شرايين الدماغ بمكان شلل، بمكان عمى، بمكان فقد ذاكرة، كل عظمة الإنسان المتوهمة منوطة بسيولة دمه، وبدقات قلبه، وبقطر شريانه التاجي، قطره ميلي وربع، فإذا ضاق هذا الشريان دخل هذا الإنسان في متاعب لا تنتهي، كل عظمة الإنسان، وهيمنته ، وقوته، وحجمه المالي، والإداري، ومكانته، وثقافته، وشهادته، ومنصبه الرفيع منوط بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهى، ورم خبيث. من قال الله تولاه الله برحمته و من قال أنا تخلى الله عنه: الذي يقول أنا أحمق، قل الله، إن قلت الله تولاك الله، وإن قلت أنا تخلى الله عنك، حينما توهم الصحابة الكرام وهم نخبة البشر، وفيهم سيد البشر، أنهم لم يغلبوا من قلة في حنين غلبوا. ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ ( سورة التوبة ) إذاً "العزيز" الواحد الأحد، الفرد الصمد، "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء "العزيز" الشيء العزيز يصعب الوصول إليه، يعني أنت ممكن تزور أي مكان، أما قصر الملك يحتاج موافقات مسبقة، ليس من السهل أن تدخل هذا القصر، فالقصر شيء عزيز لأنه يصعب الوصول إليه، أما إذا قلنا الله "العزيز" يستحيل أن تحيط به. ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ ( سورة الإسراء ) معرفة الله عز وجل ليست مطلقة لأنه لا يعرف الله إلا الله: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 255 ) لكن كاستثناء دقيق يمكن أن تصل إليه عبادة، يمكن أن تعرفه معرفة محدودة يمكن أن تعبده، يمكن أن تطيعه، يمكن أن تتصل به أما أن تحيط به مستحيل، لا يعرف الله إلا الله، حتى سيد الأنبياء والمرسلين معرفته ليست مطلقة، لا يعرف الله إلا الله، فإذا قلنا الله "العزيز" واحد أحد، فرد صمد، وإذا قلنا الله "العزيز" يحتاجه كل شيء في كل شيء، وإذا قلنا الله "العزيز" يستحيل أن تحيط به. بطولة المؤمن أنه يختار هدفاً لا نهائياً لا هدفاً محدوداً: لذلك الإنسان يكون شاباً حتى في المئة، إذا اختار أن يعرف الله، الله لا نهائي أما إذا اختار شيئاً دنيوياً، ووصل إليه، وأحاط به، انتهت حياته، حياته صارت مملة، بطولة المؤمن أنه اختار هدفاً لا نهائياً، في شباب دائم، أقسم لكم بالله المؤمن شاب في التسعين، طبعاً في ضعف بجسمه، في ضعف في بصره، لكن همته همة شباب، لأن هدفه كبير، وأنت لا تسعد إلا إذا اخترت هدفاً يتناسب مع بنيتك، أنت مصمم لتعرف الله، أنت مولف، مصمم مبرمج، مفطور، من أجل أن تعرف الله. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء )) [من مختصر تفسير ابن كثير] فإن اخترت هدفاً آخر غير الله محدود، انظر إلى إنسان وصل إلى طموحاته الكبرى مالياً، تجده في ملل، يقول لك شيء مألوف، ولحكمة بالغة بالغةٍ بالغة لن يشاء ربنا جلّ جلاله أن يجعل الدنيا تمدك بمتعة مستمرة، متعة متناقصة، أي شيء كنت بحاجة إليه أو تطمح إليه بعد أن تصل إليه يصبح شيئاً عادياً، أوضح شيء الزواج، الذي لم يتزوج يظن الزواج شيئاً غير معقول، بعد الزواج شيء عادي جداً، الله عز وجل أبى أن يجعل الدنيا تمد الإنسان بمتعة مستمرة بل متعة متناقصة، وإذا فيها معصية متعة متناقصة مع كآبة. التفكر في الكون أحد طرق معرفة "العزيز": أيها الأخوة، الآن الشيء العزيز يقل وجوده، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، كلما كثر وجوده قلّت عزته، وكلما قلّت الحاجة إليه قلّت عزته، وكلما سهل الوصول إليه قلّت عزته. الآن: كلما قلّ وجود الشيء حتى صار واحداً، وكلما اشتدت الحاجة إليه حتى احتاجه كل شيء في كل شيء، وكلما صعب الوصول إليه حتى أصبح مستحيلاً إنه الله، ﴿ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ أيها الأخوة، التفكر في الكون أحد طرق معرفة "العزيز" نحن لنصل إلى نجم ملتهب عدا الشمس، نحتاج لأربع سنوات ضوئية، كي أترجم لكم هذه المسافة بلغة الواقع: لو في مركبة أرضية (سيارة) لو في طريق إلى هذا النجم، نحتاج إلى خمسين مليون عام قيادة، كل تاريخ البشر عشرة آلاف سنة، تاريخ البشرية كلهم، خمسين مليون عام نقود مركبة كي نصل إلى أقرب نجم ملتهب إلى الأرض، نجم القطب أربعة آلاف سنة، المرأة المسلسلة مليونا سنة ضوئية، نجم اكتشف حديثاً 24 مليار سنة ضوئية، هذا جزء من الكون وحتى هذه الساعة لا يزال الكون لا نهائياً، أحدث نجم اكتشف بعده عنا 24 مليار سنة، يعني 24 ألف مليون سنة ضوئية، الأربع سنوات ضوئية تحتاج إلى خمسين مليون عام قيادة مركبة متى نصل إلى 24 مليار ؟ إذا كان هذا خلق الله فكيف عظمة الله عز وجل ؟ إذاً معنى الله "العزيز" يعني هنيئاً لمن عرفه، والويل ثم الويل لمن غفل عنه. أصل الدين معرفة الله: إخوانا الكرام، الذي يحدث أن في الإنسان شهوات، لو أردنا أن نوضح هذه الفكرة لو أن شهواته أعطيناها وحدات وزن، عشرة كيلو، حضر درساً شَكَّل عشرة غرامات قناعة أن الله حق، درس ثانٍ عشرة، درس ثالث عشرة، تبقى هذه العشرات لا توازي العشرة كيلو إلى أن يطلب العلم طلباً حثيثاً، إلى أن يتفكر في خلق السماوات والأرض، إلى أن يعرف الله تماماً تصبح قناعاته عشرة كيلو، صار في صراع، فإذا تابع طلب العلم صار مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعصي الله، الإنسان يعصي ربه من ضعف معرفته به، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، بقدر معرفتك بالله تطيعه، بقدر خشيتك له تطيعه، فأي إنسان يرتكب مخالفة لضعف معرفته بالله، وأصل الدين معرفة الله، لذلك: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 67 ) ففُهم من هذه الآية أن طريق معرفة قدر الله عز وجل، أي طريق تقدير الله حق قدره التفكر في خلق السماوات والأرض. من دعا مع الله إلهاً آخر عُذب عذاباً شديداً في الدنيا و الآخرة: أختم هذا اللقاء الطيب بهذه الآية: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾ ( سورة الشعراء الآية: 213 ) الإله الآخر شهوتك أحياناً، الإله الآخر إنسان قوي تتوهم أن بيده الأمر، الإله الآخر إنسان قوي تتوهم أن سلامتك بالانبطاح أمامه، كما يجري، تتوهم أحياناً أن سلامتك أن تواليه، الله قال: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ ﴾ ﴿ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾ ( سورة الشعراء ) أحد أكبر العذاب النفسي أن تدعو مع الله إلهاً آخر. ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾ ( سورة الشعراء ) معرفة اسم "العزيز" تجعل الإنسان عزيزاً غنياً و قوياً: القوي، الذي إذا كنت معه كنت الغالب، الذي إذا كنت معه كنت المنتصر، الذي إذا كنت معه كنت عزيزاً. اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت *** ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ ( سورة الشعراء ) أيها الأخوة، معرفة اسم "العزيز" تجعلك عزيزاً، معرفة اسم "العزيز" تجعلك غنياً ، تجعلك قوياً، تجعلك حراً أبياً، إن أردت أن تكون عزيزاً فكن مع "العزيز"، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#73 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - العزيز - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثامن و الخمسون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( العزيز): أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "العزيز". من معاني اسم العزيز: 1 ـ المعز: "العزيز" يعني المعز، كأن تقول الأليم أي المؤلم، هذا معنىً آخر، "العزيز" هو المعز، كأن تقول هذا شيء أليم أي مؤلم، وقد قال الله عز وجل: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 26 ) الإعزاز خير، والإذلال خير، إيتاء الملك خير، ونزعه خير، لأن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق. (( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له )) [أخرجه مسلم عن صهيب] لم يقل بيدك الخير والشر، قال ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ لأن إيتاء الملك خير وانتزاعه خير لحكمة بالغةٍ بالغة، والإعزاز خير والإذلال خير، لكن الله سبحانه وتعالى يذل ليعز، ويخفض ليرفع، ويأخذ ليعطي، هذه الأسماء الحسنى، كما قال بعض العلماء: ينبغي أن تذكر مثنى مثنى، الضار النافع، يضر لينفع، ويخفض ليرفع، ويأخذ ليعطي، ويذل ليعز، فمن أسماء الله تعالى "العزيز" أي المعز. الاستقامة هي الطريقة العملية لإعزاز الإنسان: لكن ما الطريقة العملية لإعزاز الإنسان، الله عز وجل بيّنها، قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾ ( سورة يونس الآية: 26 ) متى تكون عزيزاً ؟ يعني بالتطبيق العملي تكون عزيزاً، إذا كنت محسناً حينما تكون طبيباً وتراجع الدراسات التي أتقنتها، وتسأل المريض هل عندك حساسية من هذا الدواء ؟ أما إن لم تسأله، وأصابته صدمة، ولم تكن قد أعلمته فأنت مسؤول، أي أنك إذا كنت محسناً تكون عزيزاً في عملك، إذا كنت زوجاً محسناًَ تكون عزيزاً في بيتك، إذا كنت أباً محسناً تكون عزيزاً عند أولادك، إذا كنت تاجراً صدوقاً نصوحاً تكون عزيزاً عند زبائنك، إذا كنت مدير مؤسسة محسناً تكون عزيزاً عند موظفيك. كأن الله سبحانه وتعالى يبين لنا طريق العز، أنت تكون متقناً، أن تكون محسناً ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾ الجنة ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ النظر إلى وجه الله الكريم، و ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ﴾ أي غبار، و ﴿ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾ تكون عزيزاً إذا كنت محسناً، تكون عزيزاً إذا كنت نظيفاً، تكون عزيزاً إذا كنت صادقاً، تكون عزيزاً إذا كنت أميناً، لا أحد يستطيع أن ينال منك، وكأنك ملك، المستقيم عزيز، النظيف عزيز، الطاهر عزيز، الصادق عزيز المخلص عزيز، تكون عزيزاً إذا كنت مستقيماً، ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾ العاقل من ابتعد عما يُعتذر منه: بالمقابل: ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ ( سورة يونس الآية: 27 ) متى يكون ذليلاً ؟ إذا كان خائناً، حينما تكشف خيانته يُذل، إذا كان سارقاً يُذل ، إذا كان كاذباً يُذل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( إياك وما يعتذر إليه )) [ أخرجه الطبراني عن سعد رضي الله عنه ] العمل الذي تضطر أن تعتذر منه إياك أن تفعله، تبقى رافع الرأس ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ ﴿ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ ( سورة يونس الآية: 27 ) المؤمن الصادق خلوته كجلوته و سره كعلانيته: إذا كنت مع "العزيز" كنت عزيزاً، إذا كنت مع "العزيز" قطعاً سوف تكون مستقيماً، لأنه لا يقبلك إلا إذا كنت مستقيماً، فإذا كنت مستقيماً طبيعة الحياة ترفعك عند الناس تكون عزيزاً. أيها الأخوة، هذا معنى أن "العزيز" هو المعز، إن أردت الدنيا والآخرة فاستقم على أمر الله، إن أردت أن تكون فالحاً، وناجحاً، وعزيزاً، وكريماً، ورفيع المقام، كن مستقيماً، الاستقامة أصل من أصول الدين، لن تقطف من ثمار الدين شيئاً إلا إذا كنت مستقيماً، المؤمن الصادق لا يوجد عنده موقف مزدوج، خلوته كجلوته، سره كعلانيته، سريرته كعلانيته، باطنه كظاهره، مع الناس حاله كحاله في خلوته. الصدق و الاستقامة و الأمانة هذه الأخلاق بحدِّ ذاتها تجعل الإنسان عزيزاً: إخوانا الكرام، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، كما قال السيد المسيح، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، الإنسان يعيش بكرامته، كرامته تتأتى من استقامته. تصور إنسان كُشف أنه كاذب، كُشف أنه خائن، كُشف أن مختلس، كُشف أنه يحابي أقرباءه، انتهى، سقط من عين الناس، ومن عين الله عز وجل، ولأن يسقط الإنسان من السماوات إلى الأرض فنتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله. معنى "العزيز" المعز، ولأنه أمرك أن تكون صادقاً، مستقيماً، أميناً، عفيفاً، هذه الأخلاق الرفيعة هي بحدِّ ذاتها تجعلك عزيزاً، يقول لك: فلان نظيف، فلان صادق فلان أمين. 2 ـ أن يكون الله عز وجل أغلى عندك من أي شيء آخر: أيها الأخوة، معنىً آخر من معاني "العزيز": يستحيل أن تصل إليه، ويستحيل أن يتجلى على قلبك، ويستحيل أن يقربك إذا كان في حياتك شهوة أو معصية أغلى عليك منه، فالطريق ليس سالكاً إلى الله، هو عزيز، أحياناً إنسان تسترضيه بشيء بسيط، أما في جهة أخلاقية لا تسترضى ولا بشكل، إلا إذا كنت مستقيماً، نقطة دقيقة، الله عزيز، لا يمنحك وده، لا يمنحك حبه، لا يمنحك رعايته، لا يدافع عنك، لا يقربك إلا إذا كان الله عز وجل أغلى عليك من شيء، إن كان الله عندك هكذا منحك قربه، ودّه، توفيقه، محبته، أما إذا في شهوة أغلى عليك منه، أو في مخالفة مقيم عليها، وتعلم أنها مخالفة لن تصل إليه، ولن تأخذ من ثمار الدين شيئاً، هذه حقيقة، الدليل، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 69 ) سلعة الله غالية، يعني الجنة لن تكون بركعتين، وليرتين، تكون باستقامة ، تكون بمجاهدة، تكون بضبط نفس، تكون بصبر، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ من طمع بجنة عرضها السماوات والأرض عليه أن ينفق من وقته وماله في سبيل الله: آية أخرى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 92 ) تنفق من وقتك الثمين، تنفق من مالك العزيز، تنفق من خبرتك، أما أن تطمع بجنة عرضها السماوات والأرض وأنت حريص على المال، حريص على الراحة، حريص على ألا تضع نفسك في موضع محرج، ولا تعبأ بأي عمل صالح، ليس هذا من شأن المؤمن، لكن الآية التي توضح هذا المعنى بشكل جلي هي قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) والله هذه الآية تقصم الظهر، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾ يعني الأب غني، وقوي أمر ابنه بمعصية فالابن من شدة حرصه على أن يأخذ من مال أبيه، وأن يبقى مقرباً إليه فعصى الله إرضاءً لأبيه هذا المعنى ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ ﴾ ﴿ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) من أجل أن تجعله رفيع الشأن في المجتمع، أكلت المال الحرام، كان ابنه أغلى عنده من الله، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ﴾ ﴿ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) من أجل أن تكون عندهم كبيراً المجتمع فاسد، المجتمع منحل، فمن أجل أن تكون عندهم كبيراً عصيت الله وأرضيتهم، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ﴿ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) تحبها كثيراً، طلبت منك طلباً يُغضب الله، فمن أجلها أغضبت الله عز وجل ، مرة كان الحسن البصري رحمه الله تعالى، وهو من التابعين الكبار عند والي البصرة، جاءه توجيه من الخليفة إلى هذا الوالي، لو أنه نفذه لأغضب الله عز وجل، ولو أنه لم يعبأ بهذا التوجيه لأغضب الخليفة، فعزله، كان عنده الإمام الحسن البصري، قال له: ماذا أفعل؟ والله أيها الأخوة، أجابه إجابة يجب أن تكون منهجاً لكل واحد منا، منهج، قال له: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله. الطريق إلى الله ليس سالكاً حينما تُؤثر كل شيء على رضا الله تعالى: أحياناً الإنسان من أجل ابنه يرتكب كل المعاصي والآثام، يسافر إلى بلد بعيد يستقر هناك، يتجنس، وينسى أن يتصل بأبيه بالعامين مرة، يتزوج، لأنه عصا الله من أجله، فكان ردّ ابنه هكذا، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾ ﴿ وَعَشِيرَتُكُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) مكانتك في المجتمع، الآن: ﴿ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) أحياناً يكون في بضاعة محرمة لكن ربحها عالٍ جداً. ﴿ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) مغتصب بيتاً، يعني أي شيء في الدنيا بيت، مكانة، منصب، مكسب، إن كانت هذه الأشياء: ﴿ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 24 ) يعني الطريق إلى الله ليس سالكاً، هو عزيز لأن الله عز وجل، حينما تستسلم له كلياً، حينما تخضع له كلياً، حينما تؤثره على كل شيء، ترى من الخيرات، والرفعة والمكانة، والشأن، والراحة، والتوازن، والسعادة، والاستقرار، والشعور بالأمن ، والشعور بالتفوق، ما لا يوصف. القرب والحفظ والتأييد من الله عز وجل لا يكون إلا بالخضوع لأمره والاستسلام له: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ ( سورة التوبة ) حقيقة دقيقة في الدين، أن تجمع بين الدين والدنيا، أن تجمع بين الدين وبين مخالفات وتجاوزات في الدنيا، بإمكانك أن تصلي لكن لن تستطيع أن تتصل بالله، بإمكانك أن تحج بيت الله الحرام لكن لن تستطيع أن تكون مُقبلاً على الله، بإمكانك أن تصوم رمضان، هذه العبادات الشعائرية بإمكانك أن تؤديها أداءً تاماً، أما إذا كان هناك شهوة، أو معصية ، أو انحراف أغلى عليك من الله ؛ فاعلم علم اليقين أن الطريق إلى الله ليس سالكاً، هذه الآية أعيدها مرة ثانية: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ الله "العزيز" إن أخلصت له، إن خضعت له، إن استسلمت له، إن وضعت تحت قدمك كل حظوظك ترى شيئاً لا يوصف، ترى القرب، ترى الحب، ترى التوفيق، ترى التأييد، ترى النصر، ترى التوازن، ترى السعادة، ترى الطمأنينة، فإن آثرت عليه شيئاً فالطريق إليه ليس سالكاً، ممكن تشتري هاتفاً بأعلى مستوى، وبأغلى ثمن، لكن ما في خط ما في ونة لن يكون الخط حاراً إلا باستقامتك على أمر الله. طاعة الله عز وجل ثمن حلاوة الإيمان: شاهد آخر: (( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ] الإيمان له حلاوة، أو هناك حقائق وهناك حلاوة، الحقائق واضحة جداً، أركان الإسلام، أركان الإيمان، أحكام الصلاة، الصوم، الحج، والزكاة، يسهل حفظها، ويسهل أن تعلمها أيضاً، أما حلاوة الإيمان شيء لا يصدق، حلاوة الإيمان يجعلك بطلاً، حلاوة الإيمان يجعلك تضع تحت قدمك كل حظوظ الدنيا. سيدنا خبيب قبل أن يصلب، قبل أن يصلبه المشركون سأله أبو سفيان، أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ وأنت معافىً في أهلك ؟ قال خبيب: والله (سيموت بعد قليل) والله ما أحب أن أكون في أهلي، أمامي زوجتي، وأولادي، وفي بيتي، ومستقراً، ومرتاحاً، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، النعيم، في زهور، في أنواع منوعة من الفواكه في كل الأجهزة الكهربائية في البيت، بيت مساحته واسعة، إطلالته جميلة، أمامك زوجتك شابة في ريعان الشباب، أولاد، والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي، وعندي عافية الدنيا، ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً. هذا الإيمان، حينما يستوي عندك التبر والتراب تكون مؤمناً، المليون مثل الليرة في شبهة ؟ تركلها بقدمك، حلاوة الإيمان لها ثمن، ثمنها طاعة الله عز وجل. (( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ] أكيد، لو سألت مليار وخمسمئة مسلم ألا تحب الله أكثر من كل شيء ؟ يقول لك: طبعاً أعوذ بالله ! هذا كلام، أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته حينما يتعارضان مع مصلحتك أن تؤثر جانب الله عز وجل، وجانب رسوله، عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان، أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته أحب إليك مما سواهما عندئذٍ تذوق حلاوة الإيمان. سلعة الله غالية: مرة ثانية: ألا إن سلعة الله غالية، نحن في الدنيا يا أخوان، حتى تكتب جانب اسمك دال فقط معك ابتدائي، وإعدادي، وثانوي، وجامعة، ودبلوم عامة، ودبلوم خاصة ، وماجستير، ودكتوراه، ثلاثة و ثلاثون سنة دراسة، من أجل إضافة كلمة دال، يأتي ملك الموت ينهيها لك، عميد أسرتهم الدكتور فلان، انتهت، اللقب العلمي انتهى. فمن أجل أن تكون مؤمناً، من أجل أن تصل إلى جنة عرضها السماوات والأرض، هذا يحتاج إلى جهد كبير. (( ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما )) عند التعارض. (( وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار )) 3 ـ عجز اللسان عن وصفه سبحانه: أيها الأخوة، من معاني "العزيز" من ضلت العقول في بحار عظمته، وكلت الألسنة عن وصف كمالاته، هذا المعنى عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )) [ صحيح عن علي بن أبي طالب] من تواضع لله رفعه و من تكبّر وضعه: الآن أيها الأخوة، كلما تواضعت لله تزداد عزاً، علاقة عكسية، وكلما ترفّع الإنسان وتكبّر وضعه الله عز وجل، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( لو دُعيتُ إلى كُراَع )) [ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ] يعني أقل أنواع الضيافة، قدم غنم. (( لو دُعيتُ إلى كُراَع أو ذراَع لأجَبتُ ولو أُهْدِيَ إليَّ ذِراعُ أو كُراعَ لَقَبِلْتُ )) [ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ] في تواضع، سيدنا الصديق، له خدمة لجارته، له جارة عجوز، كان يحلب لها الشياه، فلما أصبح خليفة المسلمين دخل الحزن على هذا البيت، لأن هذه الخدمة سوف تنتهي، في صبيحة اليوم الأول من تسلمه الخلافة، طرق باب العجوز، فقالت لابنتها: افتحي الباب يا بنيتي، فلما رجعت إليها قالت: من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أمي، قالت: إنه أمير المؤمنين ! جاء حالب الشاة، أمير المؤمنين يحلب الشياه لجارته العجوز. كلما تواضعت لله زادك عزاً، وكلما تكبرت وضعك. سيدنا عمر دخل رسول عامله على أذربيجان إلى المدينة ليلاً، كره أن يطرق بابه، فتوجه إلى المسجد، سمع رجلاً في الليل، وفي الظلام يناجي ربه ويقول: يا رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ قال له: من أنت يرحمك الله ؟ قال له: أنا عمر، قال له: أمير المؤمنين ! ألا تنام الليل ؟ قال له: أنا إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، دعاه إلى البيت، أتأكل عندنا أم عند فقراء المسلمين ؟ قال له: عندك، يوجد فرق كبير جداً، قال: يا أم المؤمنين ماذا عندك من طعام ؟ قال لت: والله ما عندنا إلا خبز وملح، فقال لها: هاتيه لنا، أكل مع هذا الضيف والضيف توهم أن الطعام عند أمير المؤمنين شيء كبيرة، أما مع الفقراء ! الفقراء يأكلون اللحم، هو يأكل الخبز والملح، فلما أكل وشبع قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا وأسقانا فروانا، هذا التواضع، كان في مجاعة، خاطب بطنه، قال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين. قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله وإن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله )) [ سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3020 ] (( التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة )) [ سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3424] لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت موحداً: آخر شيء أيها الأخوة، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، إن أردت أن تصل إلى شيء بمعصية هذا الشيء بَعُد عنك، والخطر اقترب منك، لكن الحقيقة الدقيقة: لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت موحداً، فإن لم تكن موحداً، يمتلئ القلب خوفاً عندئذٍ تنبطح من شدة الخوف، لن تكون عزيزاً إلا إذا كنت موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت *** الموحد يرى أن يد الله فوق أيديهم، يرفع رأسه، لا ينافق، لا يتذلل، لا يتضعضع، لا يساوم، الموحد رقم صعب، الموحد ما له ثمن، أما أي إنسان آخر له ثمن وكل إنسان له ثمن، لمجرد أن يكون لك ثمن أنت انتهيت كإنسان، مبلغ معين يبدد قناعتك انتهيت، أما الموحد رقم صعب، ليس له ثمن. (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه )) [السيرة النبوية] اسم "العزيز" أيها الأخوة، يهب المؤمن العزة، والكرامة، والمؤمن حينما يطيع الله عز وجل يكون عزيزاً. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#74 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المهيمن - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( التاسع و الخمسون ) حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى : ( المهيمن ): أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( المهيمن ). 1 – ورودُ اسم ( المهيمن ) في القرآن الكريم: هذا الاسم أيها الإخوة، لم يرِد إلا في القرآن الكريم، وفي موضع واحد، في قوله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ( سورة الحشر الآية: 23 ) ولم يرِد في السنة. 2 – معنى ( المهيمن ) لغةً: ( المهيمن ) اسم فاعل اشتقاقاً، واللغة العربية من أرقى اللغات، لغة التصريف، هناك جد وله أحفاد، عندنا مصدر، وفعل ماض، وفعل مضارع، و أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، واسم تفضيل، وصفة مشبهة باسم الفاعل، فهي أُسرة، و( المهيمن ) اسم فاعل مِنَ الفعل هيمن يهيمن هيمنة. المعاني الشرعية لاسم ( المهيمن ): 1 – الرقيب الشهيد: ما ( المهيمن ) ؟ هو الرقيب، الشهيد ، الذي: ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ( سورة طه ) الذي لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، يعلم الظاهر والباطن، يعلم ما تعلم، وما لا تعلم، يعلم ما تعلم، وما خفي عنك، يعلم دقائق الأمور، يعلم سريرتك، ويعلم علانيتك، يعلم نياتك، ويعلم خواطرك . بل لن تكون أنت أيها الإنسان مهيمناً في مكان ما إلا إذا توافرت لك معلومات دقيقة عن كل شيء، فمن لوازم الهيمنة دقة المعلومات، وأي إنسان يتخذ قرارًا قبل أن تكون له معلومات دقيقة فالقرار في الأعم الأغلب يكون خاطئاً. 2 – العليم بكل شيء: إذاً: من معاني ( المهيمن ) أنه يعلم كل شيء، يعلم ما كان، ويعلم ما يكون ، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو رقيب، شهيد، سميع، بصير، يعلم خواطرك، يعلم ما غاب عنك، ويحول بينك وبين قلبك، يعلم السريرة، يعلم العلانية، يعلم ما في خلوتك، ويعلم ما في جلوتك، يعلم ما تبطن وما تعلن، ما تخفي وما تنوي، هذا من لوازم ( المهيمن )، فهو علمٌ مطلق. ﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة الحجرات ) ويكفي أن تعلم أن الله يعلم كي تستقيم على أمره، يكفي أن الله يعلم كي تستحي منه. (( اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ، قُلنا: إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى، والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى )) [ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ] يكفي لاسم ( المهيمن ) أن يعلم، هو يعلم علماً مطلقاً، يعلم الظاهر والباطن، يعلم ما تعلم وما لا تعلم، يعلم ما تعلم وما خفي عنك، لا تخفى عليه خافية. 3 – القادر على كل شيء: أيها الإخوة، ومن معاني اسم ( المهيمن ) القدرة، يعلم ويقدر، والقدرة لها معنيان، القدرة علم وقوة، قد تعلم وأنت ضعيف، لا تملك أن تفعل شيئاً، وقد تكون قوياً وأنت لا تعلم، بنو البشر منهم من يعلم وهو ضعيف، ومنهم لا يعلم وهو قوي، لكن الله عزوجل هو ( المهيمن )، فضلاً عن أنه يعلم كل شيء، يعلم كيف يعالجك. أحياناً هذا المريض معه التهاب معدة حاد، الآن الطبيب يعلم الدواء، وعنده قدرة بإقناع المريض أن يأخذ الدواء. فالله عز وجل فضلاً عن أنه يعلم العلاج، يعلمه علماً، ويملكه قدرة، إذاً: هو سبحانه ( المهيمن ) بالقدرة التامة على تحقيق مصالح من يهيمن عليه، فأنت قد تعلم، وقد تقدر، أما المصير فليس بيدك، لكن الله يعلم، ويقدر، وعلمه وقدرته مستمران، والمصير بيده. ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ ( سورة الشورى ) هذا العلم الشمولي، يعلم، ويحقق مصالح الذي يهيمن عليهم تحقيقاً تاماً، عن طريق علم دقيق، وقدرة بالغة، ثم المصير بيده، والمآل إليه. أيها الإخوة، معنى ذلك أن الله ( المهيمن ) لا نهاية لعلمه، ولا نهاية لقدرته، ومصير كل شيء إليه، هذا الإله العظيم ألا يخطب وده ؟ ألا ترجى جنته ؟ ألا تخشى ناره ؟ إلى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول ﴿ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴾ مصيرنا إليه. والله أيها الإخوة، لو تأملنا في القبر، وأنك متحوِّلٌ من بيت 400 متر، له إطلالة، ومركبة فارهة، ودخل فلكي، وزوجة، وأولاد، ومكانة اجتماعية، وفجأة إلى قبر، هذا القبر قد يكون جنة، لكن بالعمل الصالح، بالعطاء، بالبذل، بالاستقامة. إذاً: الله ( المهيمن )، أي لا نهاية لعلمه، ولا نهاية لقدرته، ومصير كل شيء إليه. 4 – المهيمن هيمنة شفقةٍ ورحمةٍ: إلا أن الهيمنة فيها معانٍ أخرى، ليست هيمنة سيطرة، ولكنها هيمنة شفقة. لو أن الابن ارتفعت حرارته، ترى الأم محيطة به، تتابع قياس درجة حرارته، تتصل بالطبيب، تأتي بالدواء، تعطيه الدواء بدقة بالغة، هذا الاهتمام البالغ جعلها مهيمنة اهتمامها، ورحمتها، وحرصها على صحة ابنها. لا تأخذوا الهيمنة كموضوع سيطرة، الأب المربي مهيمن على أولاده، أين كنت ؟ من صادقت ؟ ما اسم صديقك ؟ لماذا تأخرت ؟ ماذا فعلت ؟ هل درست ؟ أين وظائفك ؟ من شدة الحرص على مستقبل ابنه، وعلى سلامته وسعادته في الدنيا ترى الأب مهيمنًا، أما الأب الذي يسيب ويغفل عن أبنائه فهو أب ليس رحيماً، لا يسأل أين كان الابن، البارحة ما نام في البيت، خير إن شاء الله ! هذا ليس أباً، أين نمت ؟ مع من ؟ لن تكون مهيمناً بالمعنى الكامل إلا إذا كنت رحيماً، و من لوازم الرحمة الهيمنة، والدقة. الذي عنده بنت، البنت غالية جداً، يعلم بالضبط برنامجها في الجامعة، تأخرت، سبب الهيمنة الحب، و الرحمة، و الحرص، و الكمال. هذا مفهوم بشري، هذا مفهوم ضيق، هيمنة الله على خلقه لأنه رحمن رحيم و هيمنة الله عز وجل هيمنة رحمة، لأنه ارحم بنا بأنفسنا، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أقرب الخلق إليه فهو أرحم الخلق بالخلق. إذاً: من المعاني الفرعية لاسم ( المهيمن ) الحب والشفقة. 5 – المحافِظُ على المهيمَن عليه: أيها الإخوة، ومن معاني الهيمنة المحافظةُ على المهيمَن عليه، يضبط كل شيء، ماذا تأكل ؟ كل في البيت، طعام البيت مضمون، طعام الطريق غير مضمون، لا يسمح لابنه أن يأكل شيئاً، بل يضبطه. إذاً: من معاني الهيمنة الفرعية الحب والشفقة والضبط. أيها الإخوة، المعنى الثاني المحافظة على المهيمَن عليه، ضبط كل شيء، أنت حينما ترى أن الله يتابعك، وأن الله يحاسبك، وأن الله يعاقبك أحياناً، هذه هيمنة، هيمنة حرص، وهيمنة محبة، وهيمنة رحمة. 6 – مَن كان مع ( المهيمِن ) كان المنتصِرَ: الآن من معاني ( المهيمن ) أن الذي مع ( المهيمن ) هو المنتصر، الله عز وجل وهو ( المهيمن ) قال: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 276 ) فإذا كنت مع ( المهيمن ) طائعاً فمالك محفوظ، لأنك ابتعدت عن الربا، والذي لم يعبأ بها الأمر سوف يدمر ماله، فإذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر، الله عز وجل وعدك بحياة طيبة، فإذا أطعته فلك الحياة الطيبة، والذي لم يعبأ بأمر ( المهيمن )، ولم يستقم على أمره فله معيشة ضنك، فأنت حينما تكون مع ( المهيمن ) فلك النصر، ولك التوفيق، و لك المستقبل، وأنت الذي تضحك آخراً، والبطولة لا أن تضحك أولاً، أن تضحك آخراً. ﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ ( سورة الانشقاق ) أما المؤمن: ﴿ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ﴾ ( سورة الانشقاق ) الضحك الحقيقي هو ما كان في آخر المطاف. أيها الإخوة، إذاً الهيمنة من معانيها الكبرى العلم، والقدرة، والمصير، علم وقدرة، ومصير، من معانيها الفرعية: الشفقة والرحمة، والأمانة والضبط، ثم الاستمرار والنصر. بعضهم شبه الهيمنة كطائر يطير حول أفراخه، يحفظهم من كل عدوان، يؤمِّن لهم طعامهم، وشرابهم، وعشهم، ويراقبهم، هذا المعنى دقيق جداً كهيمنة الطائر على فراخه. 7 – ( المهيمِن ) يأمَن المخلوق من الخوف: شيء آخر، ( المهيمن ) قوي، ولأنه قوي أمِن مَن حوله من الخوف. ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ ( سورة طه ) إذاً: ( المهيمن ) من يأمن غيره، وهذا يلتقي مع اسم المؤمن، ( المهيمن ) يأمن من يهيمن عليه. لاحظ ابنًا مع أمه، مطمئن، ما عنده مشكلة إطلاقاً، يشعر بالأمن، لأن أمه حريصة عليه حرصاً لا حدود له. تعرُّض المؤمنين للبلاء من حكمةِ ( المهيمِن ): عندنا حالة لا بد من أن تعالج، إنْ ترَك ربنا ( المهيمن ) بعضَ المؤمنين للبلاء، أو عدو، أو ظالم، أو مسيطر، لمَ ؟ لحكمة بالغةٍ بالغة، علِمها مَن علِمها، وجهلها مَن جهلها، الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ ( سورة إبراهيم ) إخواننا الكرام، لو تصورنا صاحب محل تجاري، يأتي إلى المحل قبل أي موظف، يفتح المحل بيده، ويجلس وراء الطاولة، ومكان المال تحت سيطرته من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، هؤلاء الموظفون أمناء أم خائنون ؟ لا مجال متاح لهم أن يمتحَنوا إطلاقاً ما دام يدخل أول إنسان، ويجلس وراء الطاولة، ومكان المال تحت سيطرته من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، هل تقول: هؤلاء الموظفون أمناء أم غير أمناء ؟ لا نعلم. الآن الأسواق المتطورة لو لم تدفع ثمن البضاعة يصدر صوت عند الخروج ، هؤلاء رواد هذا السوق أمناء لم يتح لهم أن يمتحنوا إطلاقاً. لذلك ربنا لحكمة بالغة يتغافل، لو أن صاحب المحل أراد أن يمتحن هذا الموظف أبقى الدرج مفتوحًا، وفيه أموال، وذهب إلى جاره المقابل له، وعينُه على الموظف ، والموظف يظن أن صاحب المحل قد خرج، والدرج مفتوح، الآن هذا التغافل ليس غفلة، و فرق كبير بين الغفلة والتغافل، الله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً ﴾ تتوهمه غافلا، وهو ليس: ﴿ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ لولا أن الله في وهم بعض الناس يتغافل لما كُشف الإنسان. فهذا الموظف متى يكشف ؟ حينما يترك صاحب المحل مقعده وراء الطاولة والدرج مفتوح، وفيه أموال، ويذهب إلى المحل المقابل، ولا ينتبه الموظف أين ذهب صاحب المحل، الآن إما أن يمد يده، ويأخذ أو لا يأخذ. إذاً: الآية دقيقة جداً، بمعنى أنه لا يمكن أن يأتي نهي لشيء مستحيل، هل يمكن أن يصدر قرار بعدم إطفاء الشمس مثلاً ! هذا كلام مضحك، لأنه شيء مستحيل. من لوازم النهي أن يكون المنهي عنه قابلاً للفعل، الله عز وجل ينهى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾ لأن معظم الناس الآن يتوهمون أن الله غافل، يقول لك: أين الله ؟ شعوب إسلامية تُقتل، تؤخذ ثرواتها، يُقتل أبناؤها، أين الله ؟ يتوهمه غافلاً: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ فهذا التغافل لا يتناقض مع ( المهيمن )، لحكمة بالغة، لأن الله عز وجل خلقنا ليمتحننا. ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) أيها الإخوة، ( المهيمن ) هو المحيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، محيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، وهو على كل شيء قدير ، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ولا يعجزه شيء، ولا يفتقر إلى شيء. ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ( سورة الشورى ) أنت تعظم ( المهيمن )، إذا عبدت الله فأنت مع ( المهيمن )، يقول لك: يا أخي دولة عظمى ! تملك أسلحة نووية، وأقمارًا صناعية، وأموالا طائلة، و جيشًا مخيفًا، و أسلحة فتاكة، إذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر. إذاً: ( المهيمن ) محيط بالعالمين، مهيمن بقدرته على الخلائق أجمعين، هو على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، ولا يعجزه شيء، ولا يفتقر إلى شيء : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ أنت تعتز بالله عز وجل، أعداءك الأقوياء بيد الله عز وجل، في قبضته، الآية واضحة: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود ) و ( المهيمن ) هو الرقيب على كل شيء، والحافظ له، والقائم عليه، رقيب وحافظ، وقائم. ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 48 ) كتابنا الكريم مهيمن على كل الكتب السابقة، لأنه آخر الكتب وخاتمها. الآيات القرآنية المتصلة باسمِ ( المهيمن ): من الآيات التي تتصل بهذا الموضوع: الآية الأولى: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ ( سورة سبأ ) يعلم دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء. الآية الثانية: ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ( سورة طه ) أنت لك دخل معين، لو معك مئة مليار، كيف تكون ؟ لا أحد يعلم، هل تأتي إلى المسجد ؟ لا أعرف، هذا معنى قوله: ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ الآية الثالثة: آية أخرى متصلة في هذا الموضوع: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ ( سورة آل عمران ) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ شيء هي أوسع كلمة تعبر عن أدق شيء: ﴿ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ الآية الرابعة: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾ ( سورة غافر الآية: 19 ) أنت جالس في غرفة، والنافذة تطل على بناء مواجه للغرفة، وامرأة فتحت النافذة بثياب متبذلة، أنت تستطيع أن تغض بصرك، و تستطيع أن تملأ عينيك من محاسن هذه المرأة، مَن الذي يعلم في الأرض هذه الخيانة ؟ المؤمن يغض بصره، وهو وحده في الغرفة، ولا أحد يطلع عليه. طبيب يعالج امرأة، من حقه أن يعالج موضع الداء، لو اختلس نظرة إلى مكان آخر مَن يعلم ذلك ؟ ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾ الذي يعلمه الله لا يمكن لمخلوق أن يعلمه: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾ ﴿ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ ( سورة غافر ) أوضح شيء في نهار رمضان في أيام الصيف الحارة، العطش لا يحتمل، وأنت في البيت وحدك، لو دخلت إلى المطبخ، وتناولت كأس ماء مَن يعلم بذلك ؟ الصيام عبادة الإخلاص. خاتمة: لذلك أيها الإخوة، إذا كنت مع ( المهيمن ) فأنت المنتصر، وأنت المحفوظ، وأنت الموفق، وأنت السعيد، بشكل طبيعي الإنسان ينضم إلى القوي، والله عز وجل أقوى الأقوياء. (( أنا الله لا إله إلا أنا، مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء، وادعوا لهم بالصلاح، فأن صلاحهم بصلاحكم )) |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#75 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المهيمن - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المهيمن ): تذكيرٌ بمعاني ( المهيمن ): 1 – ( المهيمن ) لا يخفى عليه شيء: أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم ( المهيمن )، و ( المهيمن ) كما تبين في الدرس السابق هو الذي: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ ( سورة آل عمران ) 2 – ( المهيمن ) يحقق مصالح المهيمَن عليه: و ( المهيمن ) هو القادر على تحقيق مصالح من يهيمن عليه، قدرة علم، وقدرة قوة. 3 – ( المهيمن ) إليه المصير وحْده: و ( المهيمن ) إليه المصير، إليه مصير كل شيء. الآيات القرآنية ذات الصلة باسم ( المهيمِن ): أيها الإخوة، مع الآيات القرآنية: الآية الأولى: الله عز وجل يقول: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 11 ) أيّة حركة، أية سكنة، أية كلمة، أي موقف، أي عطاء، أي منع، أي صلة أية قطيعة: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ من الملائكة: ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ الآية الثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ ( سورة آل عمران ) الآية الثالثة: المعنى الآخر: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾ ( سورة سبأ الآية: 2) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ مهيمن. الآية الرابعة: ﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة الحجرات ) عليم علماً مطلقاً، علم تعلق بكل ممكن. الآية الخامسة: أيها الإخوة، قادر قدرة علم، وقدرة قوة. ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة المائدة ) حينما تشعر أيها المؤمن أن الله يحفظك، وأنه أقوى من كل قوي، وأن أمرك بيده، ومصيرك بيده، وأنه ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك، وقال لك: الآية السادسة: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾ ( سورة هود الآية: 123 ) أنت حينما تشعر أن كل طموحاتك، وأن كل مصالحك عند الله عز وجل. الآية السابعة: ﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 54 ) الآية الثامنة: ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ ( سورة الزمر ) ( المهيمن ) بيده مصائر الخلق، بيده كل مَن حولك، مَن كان فوقك، ومَن كان دونك، وكان في مستواك، أقرب الناس إليك، أبعد الناس عنك، أقوى الأقوياء، أضعف الضعفاء، هو ( المهيمن ): ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ الآية التاسعة: ﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 84 ) الآية العاشرة: ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ ( سورة الكهف ) الآية الحادية عشرة: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ( سورة الفتح الآية: 10 ) هؤلاء الأقوياء الذين يتوهم عامة الناس لضعف إيمانهم، وضعف توحيدهم أن الأمر بيدهم، هذا نوع من الشرك، كيف يأمرك أن تعبده وقد أسلمك إلى غيره ؟ قال لك: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ( المهيمن ) نهاية العلم. ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾ ( المهيمن ): ﴿ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ ( المهيمن ): ﴿ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ( المهيمِن ) قادر، هناك معلومات دقيقة جداً، و قدرة لا نهاية بها، فهو قادر قدرة علم وقدرةَ قوة أن يحقق لك مصالحك. أيها الإخوة، ( المهيمن ) مَن إليه المصيرُ. الآية الثانية عشرة: العناية الربانية بموسى صورةٌ من صورِ اسم ( المهيمن ): ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ﴾ ( سورة القصص الآية: 7 ) أيّ طفلٍ في عهد فرعون ينبغي أن يُقتل. ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ دقق: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ ( سورة القصص الآية: 7 ) أي شيء يدعو إلى العجب: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ هذا الصندوق يتحرك بأمر الله. ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ( سورة القصص ) المصير بيده، طفل صغير في صندوق في نهر، يتحرك بأمر الله، ساقه الله إلى قصر فرعون، وأوقفه عند غصن، وألقى في رُوع امرأة فرعون أن انزلي إلى الشط، فتحت الصندوق فرأت طفلاً جميلاً، فألقى اللهُ حبَّه في قلبها. ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا ﴾ ( سورة القصص الآية: 9 ) تروي الروايات أن فرعون رأى أن طفلاً سيقضي على ملكه، القضية سهلة جداً، بيده الأمر فيما يبدو، فأمر بقتل أبناء بني إسرائيل، وأيّة ولاّدة، أو أية امرأة تولِّد لا تخبر عن طفل ذكر تُقتل مكانه، أما الطفل الذي سيقضي على ملكه فرباه في قصره، لأن الله هو ( المهيمن ). تصور من قدرة الله اللانهائية أنه يحفظك بأقلّ الأسباب، كما تروي بعض الروايات، بخيط العنكبوت حفظت هذه البعثة، وأنه يدمر الإنسان بأتفه الأسباب، لأنه سبحانه ( المهيمن ). أيها الإخوة، ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ هناك أمران، ونهيان وبشارتان الأمر الأول: ﴿ َأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ الأمر الثاني: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ النهي الأول: ﴿ وَلَا تَخَافِي ﴾ النهي الثاني: ﴿ وَلَا تَحْزَنِي ﴾ البشارة الأولى: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾ البشارة الثانية: ﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ( المهيمِن ) هيمنة حب وشفقةٍ ورحمةٍ: من فروع اسم ( المهيمن ) أن هذه الهيمنة هيمنة حب وشفقة، كيف أن الأم تحوم حول سرير طفلها المريض، وتراقب أنفاسه، وحركاته، وحرارته، والأدوية، هذه هيمنة حب، وهيمنة شفقة، وهيمنة اهتمام: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ هيمنة حب وشفقة، لا هيمنة سيطرة واستغلال. ( المهيمِن ) بمعنى الحافظ: الهيمنة أيضاً فيها معنى الحفظ. الآية الثالثة عشرة: ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ ( سورة يوسف ) في بعض الآثار: أن الله عز وجل يسأل العبد يوم القيامة: أن يا عبدي، أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ لا كذب يوم القيامة، يقول: يا رب، لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي مِن بعدي، يقول له: ألم تعلم أنني أنا الرزاق ذو القوة المتين، إن الذي خشيته على أولاده من بعدك قد أنزلته بهم، يقول لعبد آخر: أعطيتك مالاً، فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب، أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، يقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك. ( المهيمن )، كل شيء بيده، الإنسان يحب القوي، يحب المسيطر، بأي مكان إذا كان رجل قوي كانت الأنظار إليه، والثقة به، والطلب منه، لأنه قوي، الله ( مهيمن ) هيمنة لا حدود لها. ( المهيمن ) إليه المصير: أيها الإخوة، الآن المصير له، ماذا فعل إخوة يوسف ؟ ألقوه في البئر ليموت ، ما الذي كان ؟ أنه صار عزيز مصر. الآية الرابعة عشرة: في هذه القصة الطويلة آية واحدة تقول: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) أيها الإخوة، نهاية العلم، نهاية القدرة، المصير إليه، الحب والشفقة، الأمانة والحفظ، الأمر كله بيد الله، هذه بعض معاني اسم ( المهيمن ) مع الآيات التي تؤكد هذه المعاني. التطبيق العملي لاسم ( المهيمن ) عند المسلم: ولكن ما التطبيق العملي ؟ نحن قلنا كثيراً في لقاءات سابقة: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) 1 – على المؤمن التخلُّقُ ببعض كمال الله: يجب أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله، حتى تتقرب إلى الله بهذا الكمال، فإن رحمت الخلق تتقرب بهذه الرحمة إلى الرحيم، وإن كنت منصفاً تتقرب بهذا الإنصاف إلى العدل، وإن كنت حكيماً تتقرب بهذه الحكمة إلى الحكيم ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ اجعل هذا التخلق بالكمال الإلهي وسيلة إلى الله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 35 ) اجعل هذا التخلق هذا الكمال الإلهي وسيلة إلى الله: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ 2 – على المؤمن أنْ لا يتّحهَ إلى غير الله ( المهيمن ): معنى آخر: حينما تعلم أن الله هو ( المهيمن ) لا تتجه إلى غيره ولا تشرك به، ولا تعلق الأمل على غيره، بل تتجه إليه، وتتوكل عليه، وتخلص له، تطيعه ولا تطيع أحداً في معصية. هذان معنيان دقيقان، تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، واجعله وسيلة لك بالمعنى الأول، أو تعرف على أسماء الله الحسنى حتى تتجه إليه، وحتى تعرض عن غيره. 3 – على الرجل القيادي الإحاطة علمًا بالمهيمَن عليه: التطبيقات العملية لهذا الاسم: إذا كنت في موقع قيادي، أقلُّ موقع قيادي أن تكون أباً، إن كنت أباً فما فوق ذلك، إلى أن تكون على رأس أمة، إن كنت أباً فما فوق ذلك فلن تكون مهيمناً هيمنة حب وشفقة إلا إذا كانت معك المعلومات الدقيقة، فابنك مَن صديقه ؟ لماذا تأخر البارحة ؟ أين كان في هذه الساعة ؟ إن لم تملك المعلومات الدقيقة فلن تستطيع أن تسيطر عليه، وإذا قلت: سيطرة فأعني بها سيطرة الحب والشفقة، لا أعني بها سيطرة القوة والاستعلاء إطلاقاً: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ يجب أن تكون معك معلومات دقيقة جداً، غابت ابنتك ليلة أين كانت ؟ هي قالت: عند صديقتها، هل تحققت من ذلك ؟ لن تستطيع أن تربي أولادك إلا إذا ملكت المعلومات الدقيقة جداً. أيها الإخوة، النقطة الدقيقة هنا أن المعلومات الصحيحة أساس القرار الصحيح، وأي قرار خاطئ هذا القرار مستند إلى معلومات غير صحيحة، فلذلك لن تستطيع أن تحكم قيادة هذه الإنسان إلا إذا كانت المعلومات عنه دقيقة صحيحة، الآن يسمونها تقصي الحقائق، قبل أن يُتَّخذ قرار، تُرسَل لجان إلى موقع المشكلة لتقصي الحقائق، عوِّد نفسك أن تتقصى الحقائق. ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ ( سورة النمل ) هذه صفة يحتاجها أولياء الأمور، يحتاجها أي إنسان في أي موقع قيادي، والأب بموقع قيادي، والمعلم بموقع قيادي، لابد من تقصي الحقائق، لا بد من معلومات صحيحة، هذا أول تخلق بهذا الاسم، أما الإنسان الذي تجري من تحته المياه وهو لا يدري، هذا لن يكون مهيمناً إطلاقاً على أسرته. صورة نبوية حية لأهمية المعلومات الدقيقة للقيادة الحكيمة: شيء آخر، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لا تقتلوا عمي العباس )) [ ورد في الأثر ] كان هذا في موقعة بدر، عمه العباس مقيم في مكة، هناك صحابي قال: أينهانا عن قتل عمه، وأحدنا يقتل أباه وأخاه ! ثم تبين أن عمه العباس كان مسلماً، وكان عينه في مكة، قيادة ذكية جداً، وكان أيّ قرار يتخذ في مكة ينقله له عمه العباس، ويعلم ما عند الطرف الآخر، فقيادة النبي كانت ذكية جداً، فكان العباس قد أسلم إسلاماً حقيقياً، وقال له: ابقَ فيهم، الآن جاءت موقعة بدر ـ دقق ـ إن لم يشارك كشف نفسه، وانتهت مهمته، إذاً العباس سيشارك في المعركة من جهة قريش، والنبي إن قال: عمي لقد أسلم، كشفه وانتهت مهمته، لو سكت لقتلوه، أعطى توجيها مختصرا، ولا يضاف عليها كلمة، (( لا تقتلوا عمي العباس )) فهذا الصحابي الذي قال: << أينهانا عن قتل عمه، وأحدنا يقتل أباه وأخاه ! >>، كُشفت له الحقيقة هذا الصحابي، يقول هذا الصحابي: << ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله >>. القيادة حكيمة لا بد لها من معلومات دقيقة. أنا أخاطب الآباء، لماذا أكثر هذا الطفل، أو هذا الطالب اللقاء مع هذا الطالب بالذات، المعلم يجب أن يكون دقيقاً، هذه ظاهرة، ما وراءها ؟ لعل وراءها انحرافًا، لا بد من أن تكون المعلومات عندك صحيحة. 4 – مبدأ المتابعةِ لدى الرجل القيادي: أيها الإخوة، وإذا كنت في موقع قيادي يقتضي ذلك المتابعة، أعطيت أمرًا إن لم تتابع هذا الأمر لا قيمة لهذا الأمر، ففي الدول النامية أوامر لا تعد ولا تحصى، كلها لا تنفذ. أيها الإخوة، إذاً: المتابعة من خصائص ( المهيمن )، والمعلومات الدقيقة من خصائص ( المهيمن ). 5 – العلم سمةٌ أساسيةٌ لدى الرجل القيادي: إن لم تكن أعلم ممن حولك فلن تهيمن، فطبيب من الدرجة العاشرة لن يستطيع أن يدير مستشفى فيه عمالقة من الأطباء، لأنه أقلّ علماً منهم، لذلك الله عز وجل قال: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ ( سورة النساء الآية: 84 ) لأنك أعلم من زوجتك، لأنك أتقى منها، لأنك أبعد نظراً منها تهيمن، أما إن لم تكن متعلماً ولا هي متعلمة، فهي المهيمنة، لابد إن أردت أن تقود مجموعة أن تكون فوقهم علماً وتقوى، وورعاً وقدرة، والآية دليل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ أحياناً الإنسان بقرار يصير مديرًا عامًا، عنده موظفون بأعلى مستوى، إذا كان في العلم فوقهم يخضعون له نفسياً، أما إذا كان بحكم القرار الذي كلف به هو المدير العام فيخضعون له شكلياً، إن أردت الخضوع الحقيقي فيجب أن تكون متفوقاً على مَن حولك. 6 – القدرة على حلِّ المعضلاتِ صفةٌ هامّةٌ لدى الرجل المهيمن: الهيمنة قدرة، قدرة على حل مشكلة، القدرة لها شطران، شطر علمي، وشطر تكتيكي عملي، فإن لم تملك خطة علمية لحل مشكلة في جزئياتها علاقة علمية، علاقات سبب بنتيجة فلن تكون مهيمناً، فإن لم تملك حلاً علمياً لمشكلات من حولك فلن تهيمن عليهم. 7 – القدرة على تحقيق طموحات المهيمَن عليه: وإن لم تملك لمن تديره أن تحقق أقصى طموحاته فلن تكون مهيمناً، فالأب الذي لا يعمل، أو عمله قليل، ودخله قليل جداً، كل طموحات أولاده ليست عنده، لذلك ينصرف عنه الأبناء إلى غيره، إلى أصدقائهم الأغنياء، أما إذا كنت تعمل، ولك دخل معقول جيد تحقق به طموحات أولادك فتبقى مسيطراً عليهم، لذلك العمل في بعض معانيه عبادة، << حبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي >>. حينما تعمل، ولك دخل معقول تحقق به حاجات مَن حولك مِن زوجة وأولاد، عندئذٍ تملك أسباب السيطرة عليهم، وأنا لا أتحدث في الفقر إلا عن فقر الكسل، فقدر القدر صاحبه معذور، وفقر الإنفاق صاحبه مشكور، أما فقر الكسل فمذموم صاحبُه، فلا إتقان، وكثرة إرجاء، وعدم اهتمام، وميل للراحة، وميل للبطالة، هذا الإنسان يكون فقيراً فقر كسل، فهذا لن يستطيع أن يربي أولاده. 8 – علاقةُ المهيمِن مع المهيمَن عليه علاقة حبٍّ وشفقةٍ: إن لم تكن العلاقة بينك وبين من تديره علاقة حب وشفقة فلن تهيمن. بعض البلاد في أمريكا، وهي أول دولة سابقاً في صناعة السيارات، وأول دولة في استهلاك السيارات، فوجئت بعد حين أن كل عشر سيارات بأمريكا 8 مِن صنع اليابان، مشكلة كبيرة جداً، أرسِلت وفود إلى اليابان لتقصي الحقائق، الإجابة كانت عجيبة جداً، الفرق ليس تقنيًّا، الفرق اجتماعي، العامل هناك له صفات وخصائص لا يملكها العامل في بلاد الغرب، مستقبله مضمون، يعد صهر صاحب المعمل، له حصة من الأرباح، ولا يسرَّح العامل هناك. فهذه الضمانات الاجتماعية، والمدير العام يأكل مع عماله، الود الحقيقي بين صاحب المعمل وعماله، هذا سبب إتقان العمل، هذه قاعدة، الشيء الدقيق أن مَن حولك يجب أن تكون العلاقة بينك وبينهم علاقة حب، وتقدير، واحترام، لا علاقة قهر وهيمنة وخضوع، ولن تكون مهيمناً إلا إذا شعر مَن حولك أن مصالحه معك. هناك تجربة في بلد إسلامي بماليزيا، هناك مؤامرة لضرب عُملتها، فالمواطنون تدافعوا إلى المصارف لإعطاء الدولار وأخذ العملة الماليزية، على عكس ما يجري في البلاد النامية، يبدو أن المواطن يشعر أن القيادة حريصة على مستقبله ومستقبل أولاده، الحرص الشديد يأتي بأعمال مذهلة، هذه تجربة قرأتها وأُعجِبت بها، لأن في الأزمات الطاحنة بدل أن تشتري الدولار وتدفع بالعملة الوطنية كان العكس، يشترون العملة الوطنية ويدفعون بالدولار، فالأزمة مرت بسلام. لما يشعر الآخر أنك حريص على مصالحه، وعلى مستقبله يتفانى في خدمتك، وهذا من علامات نجاح الهيمنة. 9 – المهيمِن إذا قلّده المهيمنُ عليه في الخير له أجرُه وأحرُ مَن قلّده: المهيمنون من القادة، أنت أب إذا كنت ملتزماً، مؤدياً للصلوات الخمس، غاضاً لبصرك، ضابطاً للسانك، إذا قلدك أولادك بهذه الأخلاق، وكانوا كذلك لك أجرك لطاعتك لله، ولك أجر أولادك لأنهم قلدوك بهيمنتك عليهم. ﴿ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 31 ) ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ ( سورة النساء الآية: 32 ) في موقع قيادي، أنتم قدوة، فالمهيمن إذا كان كاملاً، وقلده مَن هيمن عليهم تقليداً صحيحاً فله أجره وأجر مَن قلده في هيمنته، بالمقابل إن لم يكن المهيمن ملتزماً، كان يدخن مثلاً، وقلّده مَن حوله فعليه وزره ووزر الذي قلّده. سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته، وقال: << إني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير، إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله، لا أوتينّ بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني >>، فصارت القرابة من عمر مصيبة. خاتمة: من تطبيقات هذا الاسم العظيم أن تكون كأب، كمعلم، كمدير مؤسسة، كمدير مستشفى، مدير جامعة، الأبوة فما فوقها، أن تأخذ من هذا الاسم الخصائص كي تكون قائداً لمَن حولك إلى طريق الخير والرشاد. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#76 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الخالق - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الحادى و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مِن أسماء الله الحسنى: ( الخالق ): أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( الخالق ). 1 – ورودُ اسم ( الخالق ) في القرآن الكريم: هذا الاسم ورد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ورد في قوله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة الحشر الآية: 24 ) وورد أيضاً في قوله تعالى: ﴿ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 3 ) أيها الإخوة، اسم ( الخالق ) يعني أن الله أوجد كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، بينما إذا وصف الإنسان مجازاً بأنه خالق بمعنى أنه صنع شيئاً واحداً من كل شيء، وعلى مثال سابق، والفرق كبير بين أن تصف الذي خلق السماوات والأرض بأنه خالقُ كلِّ شيء مِن لا شيء، وعلى غير مثال سابق، وبين إنسان صنع شيئاً مِن كل شيء، وعلى مثال سابق. 2 – ورودُ اسم ( الخالق ) في السنة النبوية: أيها الإخوة، هذا الاسم ورد أيضاً في مسند الإمام أحمد من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ سَعَّرْتَ، فَقَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْمُسَعِّرُ... )) [ مسند أحمد ] وفي حديث آخر صحيح: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) [أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري ] كن مع الخالق ولا تخشَ أحدًا : كنت ذكرت لكم من قبل أن الإمام الحسن البصري كان عند والي البصرة، فجاء توجيه من الخليفة، لو نفذه لأغضب الله عز وجل، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة، فوقع الوالي في حرج شديد، فقال مستنصحاً الإمام الحسن البصري: ماذا أفعل ؟ قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ". (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) لأن الخالق يمنعك من المخلوق، بينما المخلوق لا يمنعك من الخالق، والإنسان كما تعلمون في قبضة الله عز وجل، سمعك بيده، بصرك بيده، ضربات قلبك بيده، ذاكرتك بيده، حركتك بيده، مَن حولك بيده، مَن فوقك بيده، مَن دون بيده، إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله. (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ )) [ الترمذي ] إخوتنا الكرام، هناك حقيقة دقيقة: لو كنت في مكان، وبحسب معطيات البيئة والظرف والعصر، أو بحسب قوانين حركة الحياة هناك أشياء إن فعلتها قوي مركزك، وأشياء إن فعلتها ضعف مركزك، وهناك إنسان في منصب بحسب حركة الحياة والقوانين المستنبطة من حركة الحياة، هذه القوانين تعني أنك إذا فعلت كذا وكذا قوي مركزك، وإن فعلت كذا وكذا ضعف مركزك، الآن لو كنت في هذا المكان، وفي هذا المنصب، وجاءك توجيه ممّن هو فوقك، بما يسخط الله، ما الذي يحصل ؟ أنت بحسب قوانين حركة الحياة المستنبطة من معطيات هذا المكان، وهذه البيئة، وهذا المجتمع يضعف مركزك، فإذا وضعت مصلحتك تحت قدمك، وأرضيت الله عز وجل، وابتغيت رضوانه وجنته، ما الذي يحصل ؟ يحصل أن الله يخضعك لقانون العناية الإلهية، فيزداد منصبك قوة عند مَن هو فوقك، هذه عناية خاصة، هذا معنى قول النبي الكريم: (( من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله، ومن أسخط الله برضا الناس وكّله الله إلى الناس )) [ أخرجه ابن حبان عن عائشة أم المؤمنين ] بالمعنى الدقيق: لا إله إلا الله، لا خافض، ولا رافع، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع إلا الله، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، اعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها. (( من جعل الهموم هما واحدا كفاه الله هم دنياه )) [أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ] مرة ثانية: هذا كلام دقيق جداً يحتاجه كل إنسان، بل كل مَن رفعه الله، بل كل مَن مكَّنه الله في الأرض، إن عملت عملاً بحسب معطيات بيئة هذا المكان، أو بحسب قوانين الحياة المستنبطة من هذا الظرف، وهذه البيئة، لو عملت عملاً في الظاهر يضعف مركزك، لكنه يرضي الله، فالله عز وجل يكافئك بمكافأة خاصة، يخضعك إلى قانون العناية الإلهية، فإذا بهذا العمل الذي في الظاهر يسخط مَن هو فوقك، فإذا بهذا العمل يقوي مركزك عند مَن هو فوقك، كيف ؟ لا نعلم. المؤمن عنده جهة واحدة يخاف منها، هي الله، يخاف من الله، ويرجو ما عند الله، ويبتغي رضوان الله، ويقبل على الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم، هذه هي الحرية. مِن معاني ( الخالق ) الشرعية : 1 – التقدير الصحيح: أيها الإخوة، معاني هذا الاسم، هو في الصياغة اسم فاعل، من خلق، يخلق خلقاً، فهو خالق اسم فاعل، قال تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾ ( سورة السجدة ) والخلق بمعنى المخلوق، هذا معنى جددي، الخلق بمعنى المخلوق، قال تعالى: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾ ( سورة لقمان الآية: 11 ) هذه مخلوقات الله، فالخلق بمعنى المخلوق. ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ ( سورة لقمان الآية: 11 ) الله عز وجل أعطاك كِلية بحجم البيضة، تعمل بصمت، بينما صنعَ الإنسانُ كِلية صناعية بحجم هذه الطاولة، وتحتاج أن تستلقي على السرير ساعات قد تصل إلى ست ساعات، في الأسبوع ثلاث مرات، ومع ذلك الدم لا يصفَّى تصفية تامة، بل تبقى بعض المواد الضارة تسبب ضيقًا في التعامل، وألمًا، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل لك هذه الكِلية التي تعمل بانتظام، وبلا صوت، وبلا اقتطاع من قوتك: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ إن أعلى آلة تصوير رقمية احترافية، في الميلميتر المربع منها عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما في شبكية العين الميليمتر المربع مئة مليون مستقبل ضوئي، لذلك العين البشرية تفرق بين ثمانية ملايين لون ك ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ أيها الإخوة، الخلق من معاني الخلق التقدير الصحيح. 2 – الإيجادُ مِن عدم على غير مثال سابق: من معاني الخلق إبداع الشيء من غير أصل، ولا مثال سابق، وإيجاد شيء من لا شيء. 3 – من معاني الخلق لغةً الكذب: من معاني الخلق الكذب. ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ ( سورة العنكبوت الآية: 17 ) أي تكذبون على الله. ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ﴾ ( سورة الشعراء ) يعني إن هذا إلا افتراءات الأوّلين. 4 – تقديرُ الأمور وتنفيذُها: أيها الإخوة، الخلق بمعنى تقدير الأمور، وتنفيذها، التقدير أولاً والتنفيذ ثانياً. ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ ﴾ ( سورة المؤمنين الآية: 14 ) تخطيط وتنفيذ. مراحل الخَلق: من مراحل الخلق، أنّ ( الخالق ) يقدِّر أولاً بعلم مسبق، ثم يقدر، بمعنى يوجِد، ويصنع، ويكوِّن، على كلٍ أيّ مخلوق مهما عظُم شأنه، أو دقَّ حجمه لا بد من أن يمر بأربع مراتب. المرحلة الأولى: المرحلة الأولى: علم الله السابق، هناك علم أزلي، وعلم الله السابق تقدير كل شيء قبل تصنيعه، وتنظيم الأمور قبل إيجادها بعلم الله السابق. المرحلة الثانية: والمرحلة الثانية: مرحلة الكتابة، كتب كل ما يخص كل مخلوق في لوح محفوظ، وفي هذا اللوح تفاصيل كل شيء، إيجاداً، ونشأة، وإعداداً. المرحلة الثالثة: والمرحلة الثالثة: مرحلة القدر، وهي مرتبة تقابل مرتبة المشيئة. (( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن )) [ أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ] المرحلة الرابعة: والمرحلة الرابعة: مرحلة خلق الأشياء على خصائصها، وصورها التي هي عليها علم أزلي. ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 54 ) في اللوح المحفوظ، مرحلة التقدير، مرحلة التصنيع. الخالق وحده الذي يجب اتباع أوامره: أيها الإخوة، الحقيقية الأولى الدقيقة: أن الخالق هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة. بشكل طبيعي، كل واحد منا يشتري آلة قد تكون غالية الثمن، وقد تكون معقدة التركيب، وقد تكون عظيمة النفع، فمن حرصه اللامحدود على سلامتها، وصيانتها وأدائها الأداء الأمثل لا يستخدمها قبل أن يقرأ تعليمات. وأقول لكم أيها الإخوة: الإنسان أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فمن باب الحفاظ على سلامة الإنسان، ومن باب الحفاظ على سعادته، ومن باب أداء المهمة التي خُلق من أجلها، لا بد من أن يتبع هذا الإنسان تعليمات الصانع، لأن كل إنسان مفطور على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده. على سطح الأرض ستة آلاف مليون إنسان، ما منهم واحد إلا وهو مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، وسلامة الوجود، وكمال الوجود، واستمرار الوجود منوطةٌ بتطبيق تعليمات الصانع. من باب محبتك لذاتك لا تحب أحداً، أحب ذاتك، طبق تعليمات الصانع، لأن الصانع هو الجهة الخبيرة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ ( سورة فاطر ) علاقةُ الطاعة والمعصية بثمارهما علاقة سببٍ بنتيجةٍ: بل إن العلاقة بين طاعة الله، وبين ثمار هذه الطاعة علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة، والعلاقة بين معصية الله ونتائج هذه المعصية علاقة علمية، بمعنى علاقة سبب بنتيجة. للتوضيح: لو أن طفلاً وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، نقول: العلاقة بين احتراق اليد ووضع اليد على المدفأة علاقة علمية، أيّ طفل في أيّ مكان بالعالم، في أيّ وقت، في أيّ زمان، في أيّ مكان، إذا وضع يده على مدفأة مشتعلة تحترق يده، هذه علاقة علمية. لو أن الأب منع ابنه من الخروج من هذا الباب، وفي للبيت بابان، ارتأى الأب أن يغلق الباب الثاني إغلاقا تامًّا، وأن يستخدم الباب الأول، لو أن طفلا فتح الباب الثاني، وخرج منه استحق العقاب، لكن ليس هناك علاقة علمية بين هذا الضرب الذي تلقاه من أبيه وخروجه من هذا الباب، لأن الباب صُنِع للخروج أيضاً، نقول: هذه علاقة وضعية، الأب وضعها. لذلك رماة أُحد الذين عصوا رسول الله صلى عليهم، لأنهم عصوا أمراً تنظيماً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً، وثمة فرق بين أن تعصي أمراً تنظيمياً، وأن تعصي أمراً تشريعياً، الله عز وجل قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) إن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة. هناك مثَل من واقعنا: لو عندك حاسوب من أعلى مستوى، من أرقى شركة، ولهذه الشركة ورشة صيانة في بلدك، هذا الحاسوب أصابه خلل، ولك جار تحبه كثيراً يبيع خضراوات، هل تدفع هذا الحاسوب إليه لتصليحه ؟ مع أنك تحبه، تحبه، ولكنه لا علاقة له بدقائق صنعة هذا الحاسوب، تأخذه إلى الجهة الخبيرة، والآية واضحة جداً: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ أنت أيها الإنسان، حينما تطيع الله معنى ذلك أنك تحب نفسك، لأن الله هو الخبير، قال لك: اضبط لسانك ليعلوَ مقامك، قال لك: كن أميناً يثق الناس بك، قال لك: غض بصرك تسعد بزوجتك، حرر دخلك يبارك الله لك بمالك. العلاقة بين الأمر ونتائجه وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، بمعنى أنه لو جاء ملحد وطبق منهج الله يقطف ثماره، لذلك إيجابيات العالم الغربي أكثرها إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله، لكنهم أذكياء، اكتشفوا أن هذه الأعمال تجعل هذا الإنسان يرتبط بهذه الجهة. لذلك أنا أقول دائماً: أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، وخذ منه كل شيء، أعطِ الإنسان رغيف خبزه وكرامته، أعطه حاجته، ومكانته، وخذ منه كل شيء. منهج الله موضوعي، مَن طبَّقه قطف ثمارَه: هذه الحقائق جاءت في القرآن الكريم، لكن الذكي يكشفها من دون هذا الكتاب، فلذلك أحياناً الإنسان الذي شرد عن الله، دون أن يشعر يطبق تعليمات الخالق، لا من باب عبادته، ولا من باب التقرب منه، ولكن ذكاءه هداه إلى أن هذا العمل لمصلحته، فإذا ذهب الإنسان إلى بلاد الغرب، ورأى دقة، وصنعة متقنة، والإنسان محترم، هذه كشفت بالفكر البشري. إنّ إيجابيات العالم الغربي إسلامية من دون أن يكون هؤلاء مسلمين، ومنهج الله عز وجل منهج موضوعي، لو طبقه إنسان ليس موضوعياً بخالق هذا الكون، يقطف ثمار هذا المنهج، لكن: ﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102 ) يعني بشكل أو بآخر، لو جئنا بإنسان يدير مؤسسة، يحمل أعلى اختصاص في إدارة الأعمال، وراقبناه، ثم جئنا بإنسان مؤمن، إيمانه من أعلى مستوى، وراقبناه، نكتشف اكتشافًا عجيبا، أن الأول الذي درس إدارة الأعمال يشبه في فعله الثاني الذي كان عابداً لله، الإدارتان تتشابهان من حيث النتائج، وتفترقان من حيث البواعث، المؤمن يطيع الله عز وجل، فيربح الدنيا والآخرة معاً، غير المؤمن يطبق هذه التعليمات، لأنها موضوعية، فيربح الدنيا، إذا ربح الغربيون الدنيا لأنهم طبقوا التعليمات الصحيحة، وإذا خسرنا الدنيا، ونحن معنا وحي السماء، لأننا خالفنا هذه التعليمات. أيها الإخوة، الآية الدقيقة جداً: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ الآية الثانية: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ الآية الثالثة: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 4 ) الآية الرابعة: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ ( سورة طه ) كلام خالق الأكوان، لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه. ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) لو جمعنا الآيتين، لكان الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من سعادة الدنيا ؟ لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت. خاتمة: الملخص أنك إذا أحببت نفسك فقط، ينبغي أن تطبق تعليمات الصانع، لأنه: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ ( سورة الأحزاب ) فاز في الدنيا والآخرة. ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ ( سورة الرحمن ) وعطاء الله لا يحد بحدود، وفي الحديث الصحيح عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... )) [ أخرجه ابن ماجه ] المفعول به محذوف، وإذا حذف المفعول أطلق الفعل: (( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... )) لن تحصوا الخيرات، يا ترى راحة نفسية، وسلامة جسدية، ووفاق أسري، وابن بار، وسمعة طيبة، وسرور: (( اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا... )) |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#77 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - الخالق - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثانى و الستون ) ه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى ( الخالق ): آيات قرآنية شرحت اسم ( الخالق ): أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في اسم الله (الخالق )، ومن الآيات التي شرحت معنى هذا الاسم قوله تعالى: 1 – الآية الأولى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ ( سورة الطلاق ) علَّةُ خَلق السماوات والأرض لنعلم قدرة الله وعلْمَه: فمن خلال هذه الآية يتضح أن علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ أحياناً تستخدم لام التعليل في بيان العلم، واسمها لام التعليل، أدرس لأنجح، آكل لأحافظ على وجودي، فهذه اللام لام التعليل، وعلة خلق السماوات والأرض أن نتفكر في خلق السماوات، من أجل أن نعرفه، لأن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 72 ) فما قبِل حمل الأمانة كان المخلوق الأول، ولما قبل حملَ الأمانة سخر الله له: ﴿ْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 13 ) وسخر له أكرم من المسخر، فالإنسان هو المخلوق الأول رتبة، لأنه حمل الأمانة، ولم يكن حينما قبِلها ظلوماً جهولاً، بل كان طموحا، فلما قبِل حمْلها، ولم يقم بها: ﴿ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ ( سورة الأحزاب ) فالآية تُفهم على معنيين، إما أنها استفهام إنكاري، حينما قبِل حمل الأمانة، لم يكن: ﴿ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ أما حينما حملها، وقصر في حملها، ونسي وعدَ الله عز وجل ونسي عهد الله عز وجل ﴿ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ من هنا مكانة الإنسان بين أن يكون أعلى من الملائكة، وبين أن يكون أدنى من الحيوان، فقد ركِّب الملَك من عقل بلا شهوة، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان. لذلك: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾ ماذا ينبغي أن نعلم ؟ ماذا ينبغي أن نعلم ؟ لأن كل الخير في طاعة الله، لأن كل السعادة في طاعة الله ، لأن كل السلامة في طاعة الله، لأن كل العطاء في طاعة الله، لأن جنة الدنيا في طاعة الله ، ولأن جنة الآخرة في طاعة الله، ومتى تطيعه ؟ تطيعه حينما تعلم علم اليقين أن علمه يطولك، وأن قدرتك تطولك. من بين أسمائه الحسنى الـ99 اسمان فقط في هذه الآية: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ حينما توقن أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، تماماً كمواطن يقود مركبته، والإشارة حمراء، والشرطي واقف، وشرطي آخر على دراجة عجلات، وضابط مرور في سيارته، وهو مواطن من الدرجة الثانية، لا يمكن أن يعصي هذه الإشارة، لأن علم واضع قانون السير يطوله من خلال هذا الشرطي، فإذا انطلق لم يعبأ بمن يتبعه، فإذا تواطأ مع الأول فهناك من يضبط هذا التواطؤ، أما متى يعصيه ؟ إذا كان الوقت ليلاً ليس هناك أحد يراقبه، إذاً ما طاله علمُ واضع القانون، أو كان هذا المخالف أقوى مِن واضع القانون، ما دام يوقن أن علم واضع القانون يطوله، وأن قدرته تطوله، لا يمكن أن يعصيه: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ فيا أيها الإنسان: أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ ( سورة البينة ) يعني خير ما برأ الله. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ ( سورة البينة ) فبين أن يكون الإنسان خير البرية، وبين أن يكون شر البرية، إذاً علة خلق السماوات والأرض، ونحن في اسم ( الخالق ) أن نعرفه، ثم نوقن بأن علمه يطولنا، وقدرته تطولنا، فنطيعه، فنسلم، ونسعد بقربه في الدنيا والآخرة، هذه آية توضح معنى خلق السماوات والأرض. الآية الثانية: أيها الإخوة، آية أخرى، الله عز وجل يقول: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ ( سورة الليل ) إن كل إنسان حينما ينطلق من بيته فهناك هدف أمامه، هذا ليكسب المال الحلال، وذاك ليكسب المال الحرام، هذا ليتزوج فيسعى لشراء بيت، فيحصن نفسه بهذه الزوجة، وهذا ليزني، وهذا ليفعل خيراً، وهذا ليفعل سوءاً: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ ستة آلاف مليون إنسان في دماغ كل هؤلاء هدف: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ سعي الإنسان يندرج تحت فريقين: ولكن هذا السعي يمكن أن يندرج في حقلين لا ثالث لهما: الفريق الأول: آمن أنه مخلوق للجنة، وأن الدنيا دار عمل، وليست دار أمل، وأن الدنيا دار تكليف، وليست دار تشريف، وأن الدنيا ممر وليست مقراً، آمن الفريق الأول أنه مخلوق للجنة، لذلك اتقى أن يعصي الله، حرص على استقامته، ولأنه مخلوق في الدنيا للجنة، ومن أجل أن يدفع ثمن الجنة في الدنيا عمل الأعمال الصالحة، بنى حياته على العطاء، بالتعبير المعاصر: إستراتيجية المؤمن أنه يعطي. ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) إذاً: آمن أنه مخلوق للجنة، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، عرف الله، فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة. الفريق الثاني: الفريق الآخر: أيقن أنه مخلوق للدنيا، ولا شيء بعد الدنيا، فلما توهم هذا استغنى عن طاعة الله، لم يعبأ بالشرع، ولا بالحرام، ولا بالحلال، ولا بالمكروه، ولا بالواجب، ولا بما ينبغي، ولا بما لا ينبغي، استغنى عن طاعة الله، ولأنه مخلوق بحسب وهمه للدنيا، بنى حياته على الأخذ. الفرق واضح، والفرق صارخ، والفرق بيّنٌ بين المؤمن وغير المؤمن، المؤمن بنى حياته على العطاء، يسعده أن يعطي، مقاييسه تختلف عن مقاييس غير المؤمن 180 درجة، هذا يعطي، وهذا يأخذ. الناس أتباع نبيٍّ أو قويٍّ: لذلك هؤلاء البشر يقع على رأس هرمهم زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء يمدحون في غيبتهم. لهذا يعد جميع الناس تبع لقوي أو نبي، ولهذا أحب الناس الأنبياء، وخافوا من الأقوياء، والقوي إذا تخلق بخلق النبي أحبه من حوله. أيها الإخوة، هذا الكلام تؤكد الآية الكريمة: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ ( سورة الليل ) صدق أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، دقق: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ ( سورة الليل ) ييسر لما خلق له، خلق للسعادة، خلق للسلامة، خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، فالذي آمن بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، واتقى أن يعصيه، وتقرب إليه بالعمل الصالح فالله يسوقه إلى الجنة. ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ ( سورة يونس الآية: 25 ) الفريق الآخر: ﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾ ( سورة الليل ) كذب أنه مخلوق أنه مخلوق للجنة، وصدق أو توهم أنه مخلوق للدنيا، لذلك استغنى عن طاعة الله، لا يعبأ لا بحلال، ولا بحرام، ولا بواجب، ولا بفرض، ولا بسنة، ولا يجوز، وبلا لا يجوز، ولا بما هو مستحب، ولا هو مكروه، ولا بما ينبغي، ولا بما لا ينبغي، يجلس مع من يشاء، يأكل ما يشاء، يقتنص الأموال كيف يشاء، يتابع شهوته كما يريد، استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، يتوهم أن ذكاءه في الأخذ لا بالعطاء، في أن يأخذ مال الآخرين، وجهد الآخرين، ويتلقى خدمات الآخرين، أن يستعلي على الآخرين، له ما ليس لغيره، وعلى غيره ما ليس عليه، ﴿ بَخِلَ ﴾ بنى حياته على الأخذ، و﴿ وَاسْتَغْنَى ﴾ عن طاعة الله، و ﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾ ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ ( سورة الليل ) لخلاف ما خلق له، خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، هو الآن يمشي في طريق النار، في طريق الشقاء، في طريق البعد، في طريق الإحباط، في طريقة الألم ولن تجد طريقاً ثالثاً، هذا هو التقسيم الإلهي، هذا تقسيم خالق السماوات والأرض، هو لماذا عصى الله ؟ من أجل المال، لأن المال مادة الشهوات، بالمال يشتري أجمل بيت، بالمال يقتني أجمل مركبة، بالمال يتزوج أجمل امرأة، بالمال يستعلي على غيره، بالمال يرتدي أجمل الثياب، بالمال يأكل أطيب الطعام. ﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾ ( سورة الليل ) في القبر. ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ ( سورة الليل ) ( على ) إذا جاءت مع لفظ الجلالة فتعني الإلزام الذاتي، أي أن الله ألزم نفسه ذاتياً بهداية الخلق ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ ﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ ( سورة الليل ) الآية الثالثة: الآن قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾ ( سورة الفلق ) الله عز وجل كماله مطلق. ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) وهذا محور هذه الدروس. ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) الشهوة بين صحة الطريق وفساد الاستعمال: الشر يأتي من مخلوق قبل حمل الأمانة، فلما قبل حمل الأمانة أودع الله فيه الشهوات، ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، أُعطي حرية الاختيار، أُعطي منهج، والمنهج هو الطريق، والشهوات المحرك، والاختيار الإرادة، كمثل سيارة تمشي على طريق يقودها إنسان عاقل، فإذا سَكِر هذا الإنسان، وشرب الخمر هوى في الوادي، نقول: هل هذا المصنِّع العظيم، العملاق مسؤول عن تردي هذه السيارة في الوادي ؟ لا، المسؤول مَن قادها وهو مخمور، ولم يعبأ بتعليمات الصانع، ونزل بها في الوادي، فهلك، فلذلك النبي يقول عليه الصلاة والسلام: (( والشَّرُّ لَيسَ إليكَ )) [ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بي أبي طالب ] الشر من مخلوق، قبِل حمل الأمانة فأودع الله فيه الشهوات، ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، فلم يعبأ بمنهج الله، وتحرك بلا منهج، الله عز وجل قال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ ( سورة القصص الآية: 50 ) تحرك حركة عشوائية، بلا منهج، بلا ضابط، بلا قيم، بلا مبادئ، أراد إرواء شهوته بأي طريق، فشقي وهلك في الدنيا. أيها الإخوة ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ صفة الفردية في الخالق ونصيب المخلوق منها: هناك معنًى آخر اجتهادي، وليس قطعي مأخوذ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ )) [ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ] الله عز وجل من أسمائه ومن صفاته أنه فرد. ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ ( سورة الإخلاص ) أحد، هذه الصفة صفة الفردية والأحادية لكرامة الإنسان عنده أعطاها له، فأنت فرد، لا يشبهك أحد في الأرض، بقزحية عينك، وبنبرة صوتك، وبرائحة جلدك، وبصمة إبهامك، وبأشياء كثيرة منها الزمرة النسيجية، ومنها بلازما الدم، ومنها النطفة، فيتميز الإنسان بأنه فردي، فما في الستة آلاف مليون إنسانٌ تشبه قزحية عينه قزحية عينك، الآن في المطارات تؤخذ صورة القزحية على آلة تصوير، لا يمكن أن يأتي إنسان مع جواز آخر مزور، فقزحية العين هوية، وبصمة الإبهام هوية، ورائحة الجلد هوية، ونبرة الصوت هوية، والنطفة هوية، ليس في نطفة البشر نطفة تسبه نطفتك. أيها الإخوة، لكرامة الإنسان عند الله خلقه على صورته، منحه الفردية، الله عز وجل مريد، يفعل ما يريد، ولكرامة الإنسان عند الله منحه حرية الإرادة. ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ( سورة الكهف الآية: 29 ) ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ ( سورة الإنسان ) ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 148 ) منحك الفردية، ومنحك الحرية. الآية الرابعة: الله عز وجل: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 117 ) الله عز وجل: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ الإبداع صفة الخالق، ونصيبُ المخلوق منها: ولكرامة الإنسان عنده منحه القدرة على الإبداع عن طريق الجينات، صار عندنا نبات مهجن، وحيوان مهجن، ووردة سوداء، ونباتان في نبات واحد، لولا أن الله صمم مخلوقاته على أساس جيني لما استطاع الإنسان أن يبدع، ولكرامة الإنسان عند الله سمح له أن يبدع. صفة العلمِ ونصيبُ الإنسان من الاجتهادِ: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 255 ) ولكرامة الإنسان عند الله سمح له أن يشرع، عن طريق نص ظني الدلالة، لو أن كل آيات القرآن الكريم قطعية الدلالة، فلا مشرع، ولا مجتهد، ولا فقيه، ولا عالم، ولا أصول فقه، ولا شيء إطلاقاً. نقول: أعطِ فلاناً 1500 درهم، لا تحتاج هذه العبارة لا إلى تفسير الزمخشري، ولا إلى فقه أبي حنيفة، ولا إلى فقه الشافعي إطلاقاً، لا يختلف عليها اثنان في الأرض، أعطِ فلاناً 1500 درهم، أما إذا جاء النص: أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه، يا ترى على ما تعود الهاء ؟ على الألْف ؟ أم على الدرهم ؟ إن عادت على الألف فالمبلغ 1500 درهم، وإن عادت على الدرهم فالمبلغ ألف ونصف درهم، فالبخيل يفهم النص على أنه ألف ونصف درهم، والكريم يفهمه 1500، يمتحن الناس بالنص ظني الدلالة، شاءت حكمة الله أن يكون دينه، في قرآنه، وفي سنة نبيه نصوص ظنية الدلالة، ليجتهد العالِم، فما هو الاجتهاد ؟ الاجتهاد يكون فيما ليس فيه نص قطعي الدلالة: ﴿ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 11 ) يا ترى نعطي الفقير القمح أم المال ؟ شيء يحير، العلماء اختلفوا، لكن لماذا اختلفوا ؟ لأن الفقير في الريف إن أعطيته القمح أكل طوال العام خبزاً مِن صنعه، أما إنسان يسكن في المدينة تعطيه كيس قمح فهو عبء عليه، أين يطحنه ؟ وأين يخبزه ؟ فهذا النص ظني الدلالة، إذاً يمكن أن تعطي الزكاة نقداً، أو عيناً. فكل شيء متغير، متبدل بحسب جاء النص ظني الدلالة ليحتمل كل المتوقعات. فلذلك لكرامة الإنسان على الله: (( إن الله خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ )) منحه حرية الاختيار، منحه الإبداع، منحه التشريع، منحه الفردية، هذا معنى اجتهادي: (( إن الله خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ )) الله عز وجل خالق السماوات والأرض. عود على بدء: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 21 ) هو الجهة التي تتبع تعليماته، هو الجهة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنه: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#78 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المصور - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثالث و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. مِن أسماء الله الحسنى: ( المصوِّر ): أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم هو اسم الله ( المصوِّر ). 1 – ورود اسمِ ( المصوِّر ) في القرآن الكريم: لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم إلا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة الحشر الآية: 24 ) الخالق البارئ المصوِّر : وقد ذكرت لكم أن الذين فسروا أسماء الله الحسنى جرت العادة عندهم هذه الأسماء الثلاثة معاً، ( الخالق )، ( البارئ )، ( المصوِّر )، وقد بينت سابقاً أن الخالق يخلق كل شيء من لا شيء، على غير مثال سابق، بينما المخلوق إذا عُزي إليه الخلق في نص الآية الكريمة حيث قال: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ ( سورة المؤمنين ) إذا عُزي الخلق إلى الإنسان فهو يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق ، أما البارئ فهو خلق، لكن على نحو معين فيه الحكمة البالغة، وقد بينت لكم أيضاً أن الآية الكريمة: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ ( سورة الأعلى ) هذا الخلق بطريقة، أو بخصيصة تكون كاملة ينتفع بها الآخر. 2 – اسم المصوِّر أثره في المرحلة الثالثة بعد الخالق والبارئ: أما ( المصوِّر ) فمرحلة ثالثة، خلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، والذي خلقه خلقهُ على نحو كامل، ينتفع به، كالماء الذي نشربه، أودع الله فيه خصيصة، وهي أنه إذا برّدناه، ووصلنا في التبريد إلى درجة زائد أربع، فإنه بدل أن ينكمش يتمدد، وبهذا التمدد يصلح الأمر، ولولا هذا التمدد لما كانت حياة على وجه الأرض. فالبارئ غير الخالق، خلق الخلق على نحو معين، فيه الحكمة البالغة، وفيه التقدير التام، وفيه العلم المطلق. أما ( المصوِّر ) فهذا الشيء الذي خلقه على نحو معين أعطاه صورة. للتوضيح: البناء يكون في الأصل على الهيكل، إسمنت، بعد الإسمنت يُكسى، بعد الكسوة يزيَّن، بالطلاء الخارجي، والرخام، والبلّور، هذه صورة، البناء في الأصل إسمنت مسلح، هيكل إسمنتي، لكن الأبنية الحديثة لها صور رائعة جداً، أحياناً كل البناء بلّور من الخارج، ينظف باستمرار. إذاً: ( المصوِّر ) بعد الخلق و البرء تكون الصورة، والآية الكريمة: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ مِنَ الآيات الداعمة لمعنى ( البارئ ): من الآيات الداعمة لهذا المعنى: الآية الأولى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 11 ) أحياناً تطَّلعون في بعض الصور المدرسية على إنسان على شكل عضلات فقط، منظره مخيف، لو رأيت وجه إنسان بلا جلد، العضلات مخيفة، يأتي هذا الجلد الأملس المشدود، شيء رائع جداً، الجمال كله في هذه الصورة. الآية الثانية: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ ( سورة غافر الآية: 64 ) الإنسان متناظر، يكفي أن يأخذ الخيّاط طول اليد اليمنى، اليسرى مثلها تماماً، لوجود التناظر، والجمال، والجلد، وهناك عين لها لون خاص، وشعر له لون خاص: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا نظر إلى نفسه في المرآة كان يدعو ويقول: (( الحمد لله الذي حسن خَلقي وخُلقي )) [أخرجه أبو يعلى عبد الله بن عباس ] انظر إلى ابنك الصغير، بهذا الجمال الأخاذ، مَن صوَّره بهذه الصورة ؟ عيون متناظرة، واسعة، خدٌّ أسيل، فيه تورّد أحياناً، شعر بلون رائع: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ﴾ ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ الآية الثالثة: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ ( سورة الانفطار ) العادة أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان، إما يخاطب عقله أو يخاطب قلبه، لكن هذه الآية الوحيدة التي فيها خطاب للعقل والقلب معاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ هذا خطاب للقلب. إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسئول *** ﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ لمَ لا تتوب ؟ ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الحديد الآية: 13 ) تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمـري في المقال شنيع لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المحب لمـن يحب يطيـع *** إذاً: يخاطب الله في هذه الآية قلب الإنسان: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ والآن يخاطب عقله: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ ( سورة الانفطار ) لا شك أن بعضكم ممن تقدمت به السن، يعلم أو يرى من قبلُ المركبة التي صنعت في 1910، التشغيل من الأمام، والإضاءة بفانوس يُشعل، والبوق بآلة بدائية على الضغط الهواء، والعجلات ليس فيها هواء، ليس هناك ماصات للصدمة إطلاقاً، والمحرك حركة واحدة، وازن بين مركبة صنعت في عام 1910 ومركبة صنعت في السنة الثامنة بعد الألفين، الفرق يكاد لا يصدق، يقول لك: ( فول أوبشن )، أي أنها كاملة، ماذا يعني ذلك ؟ أن الإنسان خبرته تتنامى، هل سمعتم أن إنسانا في الأربعينيات كان بوضع ووفي الخمسينيات تعدّل ؟ أضيفت له زيادات، أصابه تطوّر ؟ أبداً، ماذا يعني ذلك ؟ أن خبرة الله قديمة، قدم وجوده، وخلقه كامل مرة واحدة. 3 – من معاني ( المصوِّر ): لذلك: ( المصور ) اشتقاقاً اسم فاعل مِن صوَّر، يصوِّر فهو مصوِّر، والمصدر تصوير. المعنى الأول: ومعنى صوّر الشيء لغةً: جعل له شكلاً خاصاً معروفاً. الأب الذي عنده عدة أولاد، كل ولد صورة، من حيث اللون، من حيث الطول، من حيث شكل الوجه، هناك وجه دائري، ووجه مستطيل، وهناك شعر أسود، وشعر أشقر، فجعل الله للشيء شكلاً خاصاً معروفاً. المعنى الثاني: هناك معنى آخر: صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره. لاحظ صنعة الإنسان القطعُ كلّها متشابهة، ما لها شخصية، علب الطعام متشابهة تماماً، عبوات الأغذية متشابهة تماماً، أما الإنسان فليس هناك في الستة آلاف مليون إنسانٌ يشبه الآخر، لا بشكله، ولا بطوله، ولا بلونه، ولا بملامح وجهه، ولا بطريقة مشيه، ولا بطريقة كلامه، ولا بنبرة صوته. قال بعض العلماء: " والله يا رب، لو تشابهت ورقتا زيتون لما سمِّيتَ الواسع. أيها الإخوة، صور الشيء قطعه، وفصله، وميّزه عن غيره، هذه روعة في الخَلق، نحن نحتال على ذلك فنعطي رقما للقطعة، المركبة لها رقم، الرقم يميزه، أما الله عز وجل فيعطيك ملامح خاصة، أنت فرد. المعنى الثالث: أو صوّر الشيء جعله على شكل متصور، أما الذات الإلهية فكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك. ﴿ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 143 ) مخلوقات الله عز وجل بإمكانك أن تتصورها. المعنى الرابع: أيها الإخوة، قال العلماء: الله ( المصور ) أيْ صوّر المخلوقات بشتى أنواع الصور، فهناك صور جلية، وصور خفية، فأنت تمسك كأس الماء لتشربه، ماء صافٍ عذب زلال، لو وضعت هذا الماء تحت مجهر لرأيت ملايين َملايين ملاَيين البكتريا، فالصورة الجلية أنه ماء صافٍ، والصورة الخفية أن هذا الماء فيه مليارات البكتريا النافعة والضرورية. الصور الظاهرة جلد أبيض، ثقيل، جميل، رائع، لو وضعت هذا الجلد على مبكر، أو على مجهر إلكتروني، التلال، والوديان، والحفر، وأفواه البراكين، والشعر كأنه غابة، اختلف الوضع، في صورة ظاهرة، وفي صورة حقيقية، فالله عز وجل خلق المخلوقات بشتى أنواع الصور، في صورة جلية، وفي صورة خفية، في صورة حسية وفي صورة عقلية. ِإنسان قد يرى من الخارج بيتًا يأخذ بالألباب، ويكون صاحبه تاجر مخدرات، بنى ثروته على إفساد أخلاق الشباب، الصورة الظاهرة بيت فخم جداً، يشتهي كل إنسان أن يكون فيه، أما الصورة الباطنة فهو بيت بني على إفساد الشباب، وتدمير الأسر، وابتزاز الأموال، وقد تدخل بيتًا صاحبُه إنسان مؤمن متواضع، بيت بسيط، مساحته صغيرة، ليس فيه أثاث فخم، فالصورة الظاهرة متواضعة جداً، لكن وراء هذه الصورة المتواضعة إنسان مستقيم، إنسان معطاء، إنسان بنى حياته على العطاء، بنى حياته على إكرام الناس، على إلقاء الأمن في قلوبهم، والهدى والرحمة في مشاعرهم. التعلُّق بالحقائق لا بالصور والمظاهر: هناك صورة جلية، وصورة خفية، لذلك بطولة المؤمن أنه لا يتعلق بالصورة الظاهرة، لا يؤخذ ببت فخم اشتري بمال حرام، لا يؤخذ بمركبة فارهة، ركبها صاحبها، وقد ابتز أموال الناس، هناك صورة ظاهرة، وصورة خفية، وصورة حسية، وصورة عقلية. مرة حدثني أخ له أستاذ في الجامعة تقاعد، أستاذ من أساطير العلم، تقاعد وانحنى ظهره، وضعف بصره، وكان في وضع صعب في آخر حياته، دخل إلى مسجد فرآه يصلي، فهرع إليه، وسلم عليه بأدب جم، صديقه معه، قال له: مَن هذا ؟ قال له: هذا عميد كليتنا، هذا مِن أعلم علماء النحو، هذا كذا، وهذا كذا، فالصورة الظاهرة إنسان متقدم في السن، منحني الظهر، يرى بصعوبة، يمشي بصعوبة، لكن هذا في حقيقته أكبر عالم في اختصاص معين. المعنى الخامس: أيها الإخوة، من معاني اسم ( المصوِّر ) أن الله يبدع صور المخلوقات، ويزينها بحكمته، ويعطي كل مخلوق صورته، كل واحد له صورة. أؤكد مرة ثانية أن هناك صورًا ظاهرة ينبغي ألا نؤخذ بها، كان عليه الصلاة والسلام كلما رأى شيئاً من الدنيا يقول: (( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ] الغنى والفقر بعد العرض على الله، وقد إنسان يرى بيتاً فخماً، أو سيارة فارهة ، يرى حديقة غناء، أو مزرعة جميلة، يرى طعاما، يرى أماكن جميلة، الدنيا ترقص الآن ، والفتن يقظة، والدنيا حلوة نظرة، لكن سمّها في دسمها، ونساءها تغوي وتردي، وتشقي أحياناً، والمرأة المتفلتة التي لا ترعى قيمة، ولا منهجاً، ولا شرعاً، بل تؤذي غيرَها. أريد أن أقول لكم: بطولة المؤمن أنه يتعامل مع حقائق الأشياء لا مع صورها، لكن قال بعضهم: " ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا "، ولا مانع في ذلك. الحظوظ الدنيوية موزَعة توزيع ابتلاء: أيها الإخوة، هناك نقطة دقيقة جداً في هذا اللقاء الطيب: أن الحظوظ: الوسامة حظ، امرأة بارعة الجمال يتهافت عليها كل الرجال، تخطب في سن مبكرة جداً، وهناك امرأة جمالها أقلّ مما ينبغي، وقد تكون عالمة، ومؤمنة، وطاهرة، هناك شيء تراه عينك على الشبكية، وشيء يدركه عقلك، أنا أرى امرأة طاهرة، عفيفة، مستقيمة، تعرف ربها، قلامة ظفرها أغلى من ملكات جمال العالم المتفلتات، البطولة أن تتعامل مع الحقائق. قال لي أحدُهم: ذهبت إلى بلاد الغرب ماذا رأيت ؟ قلت له: والله على الشبكية إذا كان في الأرض جنة فهي هناك، على الشبكية فقط، الطرقات، الأبنية، الحدائق، وسائل المواصلات، المطاعم، المقاصف، شيء يصعب تصوره، في الدماغ جهنم أحياناً. فبطولتك لا أن تتعامل مع ما ترى، أن تتعامل مع الحقيقة المُرّة، وقد تكون الحقيقة المُرة أفضل ألف مَرة من الوهم المريح. لذلك أيها الإخوة، الحظوظ، الجمال حظ، قد يكون لونُ الإنسانِ يلفت النظر، أو طوله يلفت النظر، ولاسيما المرأة، فهذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وتوزيع امتحان، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء. الغنى والفقر بعد العرض على الله، الجمال والقبح بعد العرض على الله، قد تأتي امرأة من مسيرة عشرة آلاف كيلومتر، من أجل أن تأخذ مبلغًا يسيرًا، وتعمل ليلاً ونهاراً، لكنها مسلمة، مصلية، طائعة، ترسل هذا المال لأهلها الفقراء، على الشبكية امرأة صغيرة الحجم، اللون غير مقبول، وضعها صعب، تعمل ليلاً ونهاراً من أجل أن تطعم أهلها في بلدها البعيد، و امرأة أخرى تسكن قصرا جميلا، وتركب مركبة فارهة، جميلة جداً، الجمال والقبح متى ؟ بعد العرض على الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾ ( سورة الواقعة ) كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يصلي في بيته، لا تتسع غرفته لصلاته ونوم زوجته، لا بد من أن تنزاح جانباً حتى يصلي، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، أمين هذه الأمة سيدنا أبو عبيدة بن الجراح، دخل بعض الصحابة إلى بيته في الشام، غرفة فيها قِدرٌ مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، وعلى الأرض جلد غزال يجلس عليه، قال له: ما هذا ؟! قال له: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلِّغنا المقيل. أيها الإخوة، مرة ثانية الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والآية الكريمة: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 21 ) قد يكون مع شخص 90 مليارًا، وغيرُه ما معه ثمن لقمة طعام، وقد يكون بإمكانه أن يقصف هيروشيما بأمر، ويموت 600 ألف إنسان في ثلاث ثوانٍ، وغيره لا يستطيع أن يتحرر من سجنه: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ إنسان بأعلى درجة من الغنى، وغيرُه فقير جداً، وإنسانٌ صحيح وغيره مريض، وإنسان قوي وغيره ضعيف، وإنسان وسيم وغيره دميم، وإنسان ذكي جداً وغيره محدود: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً الآن دققوا في الفصل التالي: ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾ ( سورة الإسراء ) درجات الدنيا مؤقتة، ودرجات الآخرة أبدية. أيها الإخوة الكرام، مرة ثانية، وأؤكد على هذا كثيراً: الحظوظ: الغنى، الوسامة، القوة، الصحة، هذه حظوظ، هذه توزع في الدنيا توزيع ابتلاء، لا تغتر بالمال، الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا تتألم إن لم تكن الصورة كما تتمنى، الجمال والقبح بعد العرض على الله، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، والبطولة من له: ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ ( سورة القمر ) ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#79 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - المصور - 2 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الرابع و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( المصوِّر ): الحظوظ الدنيوية موزعة توزيع ابتلاء: أيها الإخوة الأكارم، لا زلنا في اسم ( المصور )، وفي اللقاء السابق بينتلكم بفضل الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى وزع الحظوظ على خلقه توزيع ابتلاء في الدنيا، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، وهذا الكلام يعني: (( أن هذه الدنيا دار ابتلاء، وليست دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لسقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبب، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي )) [ ورد في الأثر ] الإنسان الذي أوتي حظاً من الذكاء عالياً له حساب خاص، والذي لم يتح له أن يدرس له حساب خاص، والذي أوتي المال له حساب خاص، فالعبرة لا أن تكون غنياً أو قوياً، العبرة أن تنجح في امتحانك، فإذا نجحت في امتحانك نلت الدرجات العلا، هذا الشيء يسع جميع الناس، كل إنسان بحسب ما أقامه الله عز وجل، قد ينجح، ويتفوق، وقد يصل إلى أعلى درجات الجنة، والإنسان له ظروف، له إمكانات، له قدرات، له بيئة، عاش في عصر معين، عاش في ظروف وضغوط معينة، في عقبات، في صوارف، هذا المعنى يؤكده النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ )) [ أخرجه الترمذي ] (( كيف بكم إذ فَسَقَ فِتْيانُكم، وطغى نِساؤُكم ؟ قالوا : يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُّ، كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا : يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا )) [ زيادات رزين عن علي بن أبي طالب بسند ضعيف،كما في السلسلة الضعيفة ] البيت من الشعر الذي دخل صاحبه السجن في عهد عمر شعار كل إنسان الآن: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي *** لذلك الحظوظ التي وزعت في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء. المنافسة على الدنيا سباق الحمقى: لكن أحياناً يتساءل الإنسان عن سباق أحمق بين الناس، يسعى أحدُهم جهده لجمع أكبر ثروة مالية، ويضحي بدينه، ومبادئه، وقيمه، ويكذب، ويبتز أموال الناس، ثم يموت ، يسعى إلى أن يكون في أعلى درجات الانغماس في الملذات، وبعد أن يصل إلى هذا الهدف يأتيه ملك الموت. تصور سيارات متسابقة، في نهاية المطاف حفرة ما لها من قرار، الكبيرة سقطت، والصغيرة سقطت، والحديثة سقطت، والقديمة سقطت، ما هذا السباق !. من هنا قال عليه الصلاة والسلام ـ دققوا ـ: (( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسيا، أو غِني مُطغيا، أو مَرَضا مُفسِدا، أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، والدجالَ ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ والساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ )) [ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] فنحن جميعاً، ولا أستثني أحدًا في الأرض هل يمكن أن نستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله ؟ أبداً، هناك مفاجأة، فقد ينشأ فقر طارئ، وكيل شركة سُحبت الشركة منه، عليه التزامات، (( أو غِني مُطغيا )) اغتنى ففسق وفجر، (( أو مَرَضا مُفسِدا أو هَرَما مُفنِدا، أو موتا مُجْهِزا، أو الدجالَ ؟ )) ما أوسع أقواله، وما أبعده عن أقواله، (( فشَرُّ غائب يُنَتظَرُ، أو الساعةَ ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ )) من بنود اسم ( المصوِّر ): إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ: من بنود هذا الاسم العظيم ( المصور )، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما في صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ )) [أخرجه البخاري ومسلم ] كيف ذلك ؟ الله عز وجل صوَّر آدم، أعطاه صورة، وجعل له سمعاً، والله سميع، وجعل له بصراً، والله بصير، وجعل له علماً، والله عليم . أيها الإخوة، هذه الصفات يصح إطلاقها في حق الذات الإلهية، ويصح إطلاقها في حق الإنسان، ما من إنسان عالم ؟ والله عز وجل عليم، ما من إنسان سميع ؟ والله سميع، لكن كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك. إثبات صفات الله بغير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف: ذكرت لكم تعريفاً صغيراً: أن الله خالق، يخلق كلَّ شيء مِن لا شيء، وبلا مثال سابق، فإذا عُزي الخلق إلى الإنسان فبمعنى أنه يصنع شيئًا من كل شيء، وفق مئات الأمثلة السابقة، والفرق كبير بين نسبة الخلق إلى الله ونسبة خلق الإنسان، فلذلك: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ( سورة الشورى ) واحد أحد، فرد صمد: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ ( سورة الإخلاص ) بعض كبار العلماء يقول: " ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك، وقدر غير مشترك، فمن نفى القدر المشترك فقد عطل أسماء الله وصفاته، ومن نفى القدر الفارق فقد مثّلت الله بمخلوقات، الله عز وجل حينما وصف ذاته العلية ببعض الصفات، وصف نفسه بأنه سميع، إذا نفيت أن يكون له سمع غير ذاته فقد عطلت اسمًا من أسمائه، وإذا شبهت سمعه بسمع الإنسان فقد مثلته، فالصفات المتعلقة بالذات الإلهية ممنوع أن تلغيها، وممنوع أن تجسدها، وينبغي أن تفوض، أو أن تؤوّل، التأويل موقف مقبول أحياناً، أما التفويض فأكمل، أنا أفوض الله في معنى سمعه، ومعنى بصره، ومعنى: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾ ( سورة الفجر الآية: 22 ) كيف يجيء ؟ ومعنى: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ( سورة الفتح الآية: 10 ) أنا أفوض معاني هذه الصفات التي وصف الله بها نفسه إلى ذات الله، وهو أكمل موقف إيماني، حينما أريد أن أوضح لأناس إيمانهم ليس كما ينبغي التأويل، لكن ممنوع أن ألغي، وأن أنفي، فإذا نفيت عطلت صفات الله، وممنوع أن تمثِّل، لأنك جسّدت هذه الصفات كصفات الإنسان. اتصاف المخلوق ببعض صفات الخالق: لكن من الصفات المشتركة التي قد يفهم منها قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ )) 1 – الاختيار والمشيئة: أن الله عز وجل مريد، يفعل ما يريد. ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة يوسف ) (( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن )) [أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي عليه الصلاة والسلام ] ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ ( سورة هود ) والإنسان لكرامته عند الله جعله مختاراً. ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ( سورة الكهف الآية: 29 ) ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ ( سورة الإنسان ) ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 148 ) كما أن الله مريد، ويفعل ما يريد: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ (( ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن )) هذه الصفة التي وصف بها نفسه منحها للإنسان، لكرامته عنده، أنت المخلوق الأول. أتحسب أن جرم صغيـر وفيك انطوى العالم الأكبر *** 2 – الفردية الخَلقية: أيها الإخوة، الله عز وجل فرد واحد أحد، فرد صمد، ومنحك هذه الصفة، ليس في أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة إنسان يشبهك. لك قزحية عين لا يشبهك فيها إنسان آخر، والآن في المطارات يأخذون صورة قزحية العين، هذه الهوية الحقيقية. ولك رائحة جلد تنفرد بها من بين الستة آلاف مليون، ولولا هذه الرائحة لما كان من جدوى إطلاقاً في عمل الكلاب البوليسية. ولك نبرة صوت ليس على وجه الأرض إنسان يشبهك بها. ولك بصمة يد هي هوية فرد. ولك زمرة نسيجية، فالأطباء الذين يزرعون بعض الأعضاء يعرفون هذه الحقيقة، لك زمرة نسيجية لا يمكن أن يكون في الأرض إنسان زمرته كزمرتك. وثبت أخيراً أن نطفتك تتميز بها عن كل البشر، هذه النطفة وبلازما الدم موضوع طويل. لذلك كما أن الله سبحانه وتعالى فرد منحك هذه الصفة. أما صناعة الإنسان فتشابه وتتطابق، يعطون القطعة رقمًا، فيكون التمايز بالرقم، لكنك أنت ليس لك رقم، لكن لك هيئة تتميز بها، لك طريقة في الحديث، طريقة في المشي، طريقة في الجلوس، طريقة في التفكير، طريقة في ارتداء ثيابك، لك شكل معين، قوام معين، طول معين، لون معين، وحركات معية، أنت نسيج وحدك، وهذا من فضل الله عليك. فالله عز وجل مريد، وجعلك مريداً، وهو فرد صمد، وجعلك فردًا لا شبيه لك. 3 – الإبداع: وهو مبدع. ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 117 ) ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ ( سورة النساء الآية: 113 ) لما خلق الأشياء على شكل ذكر وأنثى وجينات، فأنت طورت، وفي هولندا استنبتوا وردة سوداء عن طريق التعديل في الجينات، و استنبتوا أشجارا عملاقة مقزمة، هذا بحث طويل، حينما تحكم الإنسان في الجينات أبدع أشياء كثيرة. فالله عز وجل كما أنه: ﴿ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ 4 – التشريع والاجتهاد فيما لا نص فيه: سمح لك أن تبدع عن طريق الجينات، والله عز وجل مشرِّع، لكن سمح لك أن تشرع، كيف ؟ عن طريق النص ظني الدلالة، فلو أن كل النصوص قطعية الدلالة فلن تجد إنسانًا مشرّعًا، ولا مجتهدًا، ولا فقيهًا، الله عز وجل كان من الممكن أن تكون آيات القرآن الكريم كلها قطعية الدلالة، أما حينما تأتي آية ظنية الدلالة، أو حديث صحيح ظني الدلالة فالعلماء اجتهدوا، وفهموا هذا النص فهماً موسعاً. إذاً: سمح الله لك أن تشرع عن طريق النص ظني الدلالة، وسمح الله لك أن تبدع عن طريق الجينات، وسمح لك أن تكون فرداً، وسمح لك أن تكون مريداً، وهذا مما يفهم ـ اجتهاداً طبعاً وليس قطعاً ـ من قول النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري: (( إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ على صورَتِهِ )) من تطبيقات اسم ( المصوِّر ): أيها الإخوة، من تطبيقات هذا الاسم، نحن في كل درس إن شاء الله نقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180 ) يعني تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله، هو مصور. ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ ( سورة غافر الآية: 64 ) 1 – إتقان الصنعة وإخراجُها في أحسن صورة: أنت إذا صنعت شيئاً اجعله بصورة حسنة، والعالم الغربي برع في هذا بضاعته متقنة جداً، وجميلة جداً، ولها غلاف رائع، فإذا صنعت شيئاً ينبغي أن تصنعه وفق صورة حسنة، كأنك تشتق هذا الكمال من الله عز وجل ، وتتقرب به إلى الله، لذلك اجعل الإتقان والجمال في صنعتك. أحيانا يكون الجمال، لكن بغير إتقان، اعتناء بغلاف الكتاب فقط، والكتاب مصور تصويرًا عشوائيًا، وهناك صناعة كبيرة جداً ظاهرها جميل، وباطنها غير متقن، هذا يعد غشاً، وأنا أقول: اجعل الإتقان والجمال باطناً وظاهراً لما تقدِّمه للناس من صناعة، أو من إنتاج. النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم حينما دُفن ابنه إبراهيم، الذي حفر القبر ترك فيه فرجة صغيرة، قبر ! فقال عليه الصلاة والسلام: (( إن هذه لا تؤذي الميت، ولكنها تؤذي الحي )) [ ورد في الأثر ] (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه )) [أخرجه أبو يعلى عن عائشة أم المؤمنين ] عندك مفتاح كهربائي مائل، تتضايق، يقوم بوظيفته كاملة ! لمَ لمْ يضعه على الشاقول ؟ أو على المتوازي ؟ تتضايق: (( إن هذه لا تؤذي الميت، ولكنها تؤذي الحي )) (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه )) إذاً: إتقان الصنعة جزء من الدين، هذا إتقان الصنعة ليكون مظهرها جيداً، وهناك عدم إتقان يودي بحياة إنسان، فقد لا تتقن معالجة مريض، ولا تبلغه أن هذا الدواء يسبِّب حساسية، وأنت معك حساسية مثلاً، قد تكون حساسية قاتلة، وقد لا تنتبه فتعطي عيار الدواء لكبير، وهو طفل صغير. أيها الإخوة، (( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه )) 2 – حسنُ الصورة الظاهرة: النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه مرة: (( إنكُم قادِمُونَ على إخوانكم، فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ )) [ أخرجه أبو داود عن ابن الحنظلية سهل بن الربيع ] لماذا غير المؤمن أنيق جداً ؟ وثيابه جيدة ؟ وألوانه متناسبة ؟ وبيته جميل ؟,مكتبته جميلة ؟ لماذا المؤمن يهمل مظهره أحياناً ؟ هذا حديث شريف: (( فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ )) المطلوب بحسب هذا الاسم، أنا لا أقول: اشترِ ثياب غالية، أبداً، ثيابك العادية البسيطة اجعلها نظيفة، واجعل بينها تناسقاً فقط، محلك التجاري نظِّمه، فقد تدخل محلاًّ والعياذ بالله، أو صيدلية، فلا تجد دواء في محله، أكوام في الأرض، الغبار، تنفر نفسك من هذه الصيدلية، وصاحبه مسلم، أنت مسلم يجب أن تكون في أعلى درجة من الأناقة، والشكل الحسن، لذلك الصورة الحسنة، والعناية بالجسم، وباللباس، وبالبيت، وبمكان العمل، وبالمركبة، هذه من لوازم المؤمن. مرة ثانية، ينبغي أن نتقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ( سورة النمل الآية: 88 ) الحقيقة أن الجمال حاجة أساسية في الإنسان، والإنسان يرتاح لبيت نظيف، وألوانه متناسقة، أنا لا أقول أبداً: أن تكون غنياً، لكن يرتاح الإنسان لبيت ما فيه حاجات غير مستعملة، تجد أحياناً مئة حاجة في البيت لا تستعمل، لكنها عبء، منظرها عبء، فكلما جعلت البيت بسيطاً وأنيقاً، ونظيفاً ارتاحت نفسك في البيت وشدك إليه. إنّ الأب الذي يعتني بالبيت يشدّ أبناءه إليه، وإذا كان البيت مهملاً جداً ينفر الابن منه، وأكثر أوقاته في الطريق مع رفاقه، لأن البيت غير مريح، فالعناية بالبيت أنا أراها حكمة بالغة من الأب، والعناية بالبيت تجذب الابن إلى البيت. إن الله جميل يحب الجمال: الحديث الشريف: (( إن الله جميل يحب الجمال )) [أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي. عن عبد الله بن مسعود ] كلام كالشمس واضح. (( ويحب معالي الأمور، معالي الأمور ويكره سفسافها )) [ أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد ] هناك رجلٌ أنيق جداً، لكنه يتكلم بكلام بذيء جداً، قال له أحدُهم: إما أن ترتدي ثياباً كهذا الكلام، أو أن تتكلم كهذه الثياب. (( إن الله جميل يحب الجمال )) ويحب مع الجمال: (( معالي الأمور، ويكره سفسافها )) ويحب أن يرى نعمته على عبده. والله حدثني إنسان قال لي: شخص قد من كثرة ما هو بائس، ووضعه بائس، تحاول أن تدفع له صدقة أحياناً، ولما مات ترك مئات الملايين، لماذا البؤس والتباؤس ؟. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه )) [ ورد في الأثر ] (( إن الله جميل يحب الجمال )) (( ويحب معالي الأمور ويكره سفسافها )) [ أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد ] ويحب أن يرى نعمته على عبده، والله أعطاك، لذلك: (( ليس منا من قتر على عياله )) (( ويكره البؤس والتباؤس )) [أخرجه الحارث عن زهير بن أبي علقمة ] أن تتمسكن، شيء غير أنيق، أو يكون لك مظهر منفر: (( ويكره البؤس والتباؤس )) لذلك أثنى الله على الفقراء الذين: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 273 ) لا يخطر في بالك إطلاقاً أن هذا محتاج، لذلك: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ جاء ذكرهم في كلمة: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ ( سورة المعارج ) لأنه لا يسأل يُحرم، والذي يسأل ويلح، ويقتحم عليك اقتحاماً تعطيه أحياناً، فالبطولة أن تعطي مَن لا يسأل، تعطي المتعفف. خاتمة: أيها الإخوة، من أدعية النبي لهذا الاسم كان إذا سجد يقول: (( اللَّهمَّ لَكَ سَجدْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسلَمتُ، وأنْتَ رَبِّي، سَجَدَ وَجْهي لِلَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وبَصرَهُ تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقينَ )) [ أخرجه النسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ] وفي دعاء آخر: (( أنت ربي، وأنا عبدُكَ، ظَلَمْتُ نَفسي، واعتَرفْتُ بذنبي، فاغفِر لي ذُنُوبي جميعاً، لا يغفر الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، واهدني لأحْسنِ الأخلاقِ لا يَهْدي لأحسنِها إلا أنت وَاصرفْ عَني سَيِّئَها، لا يصرفُ عني سَيِّئَهَا إِلا أنتَ )) [ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب ] وفي النهاية إذا وقف أمام المرآة، ورأى خلقه، كان يقول: (( الحمد لله الذي حسن خَلقي وخُلقي )) |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#80 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اسم الله - البارى - 1 -اسماء الله الحسنى الدرس : ( الخامس و الستون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( البارئ ): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "البارئ". ورود اسم البارئ في القرآن الكريم فقط: قد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في موضعين اثنين، الأول في قوله تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ ( سورة الحشر الآية: 24 ) وفي آية أخرى: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 54 ) ولم يرد في السنة. تعريف البارئ من حيث اللغة: أما "البارئ" بحسب الصياغة الصرفية هو اسم فاعل، من فعل برأ، يبرأ، برءاً، يعني خلق، فهو "البارئ" أي الخالق، ولكن اختلاف الاسمين يعني أن الخالق يختص بمعاني معينة، و "البارئ" يختص بمعاني معينة. مبدئياً برأ، يبرأ، برءاً فهو "البارئ" أي الخالق، ولكن خالق على صفة معينة أما برأ، يبرأ، برءاً، سلم من كل نقص، وعيب، ومرض، قال عليه الصلاة والسلام: (( إنَّ لكلِّ دَاء دَوَاءً، فإذا أُصِيبَ دواءُ الدَّاءِ بَرَأ بإذن الله )) [ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ] هذا الحديث الشريف أيها الأخوة، له أبعاد كثيرة إذا قرأه الطبيب، ويعلم أن هناك أمراضاً لم تكتشف بعد أدويتها، يشعر بالتقصير، لأن المعصوم يقول: (( لكلِّ دَاء دَوَاءً )) أما إذا سمع هذا المريض هذا الحديث يمتلأ قلبه أملاً، (( لكلِّ دَاء دَوَاءً )) الطبيب له معنى، والمريض له معنى، الآن: (( فإذا أُصِيبَ دواءُ الدَّاءِ )) يعني كان التشخيص صحيحاً، وكان وصف الدواء صحيحاً، وسمح الله لهذا الدواء أن يبرئ المريض برأ ولكن بإذن الله. لذلك أكمل موقف إذا مرض الإنسان أن يختار أفضل طبيب، وأفضل دواء، وأن يطبق تعليمات الطبيب بدقة بالغة، هذا من باب الأخذ بالأسباب، أما (( بَرَأ بإذن الله )) يحتاج إلى صدقة، لذلك: (( داووا مرضاكم بالصدقة )) [ أخرجه الطبراني عبد الله بن مسعود ] ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ﴾ ( سورة النساء الآية: 112 ) فبرأ، يبرأ، برءاً، خلق على صفة معينة، أما برأ، يبرأ، برءاً سلم من كل نقص وعيب ومرض. الله عز وجل خلق كل شيء على صفة تناسب علة وجوده : أيها الأخوة، البرء خلق الشيء على صفة تناسب علة وجوده، الله عز وجل أمرنا بالتجمل، فلم يخلق في الشعر عصب حس، لو خلق في الشعرة عصب حس لكنا كالوحوش، لأن الحلاقة تعني عملية جراحية مع تخدير تام، فالله عز وجل خلق كل شيء على صفة تناسب علة وجوده. لذلك ما كل مخلوق مبروء، لكن كل مبروء مخلوق، الخلق: خلق اليد، لولا هذا المفصل كيف نستخدمه ؟ ينبغي أن نأكل كالقطط، نبطح ونأكل عن طريق الفم مباشرة ما في طريقة، خلق اليد، وخلق المفصل على صفة نستعين بها على طعامنا وشرابنا، خلق الرسغ يدور دورة كاملة، خلق الأصابع، ما كل مخلوق يأخذ معنى "البارئ" خلق الشيء على نحو يحقق الهدف من وجوده. الفرق بين البارئ و الخالق: أيها الأخوة، ليس كل مخلوق مبروء، بل كل مبروء مخلوق، أحياناً إنسان يحمل ابنه من يده، لو لم تكن هذه الأربطة تتحمل وزن الجسم لخلعت يده، خلق اليد، لكن على نحو لو حملت ابنك من يده الأربطة تتحمل الوزن بأكمله، وقد تحمله بعنف في ساعة غصب إذاً يجب أن تحمل ضعف الوزن، بالتعبير المألوف مدروسة دراسة دقيقة جداً، هذا معنى "البارئ". أحياناً في فرق بين الخالق و "البارئ" الإنسان أحياناً أعطي صفة الخلق في قوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) إلا أن الإنسان خلق شيئاً من كل شيء، على مثال سابق، لكن الله "البارئ" خلق كل شيء من لا شيء على غير مثال سابق، هذا الفرق الثاني بين "البارئ" والخالق. الله عز وجل خلق الأشياء صالحة ومناسبة للغاية التي أرادها: أيها الأخوة، "البارئ" اسم ذات، نحن تعلمنا أن هناك اسم ذات، وهناك اسم صفة، وهناك اسم فعل، وهناك اسم تنزيه، وهناك اسم تعظيم، "البارئ" اسم ذات من الفعل اللازم برأ من كل نقص وعيب، فهو "البارئ" هذا من أسماء التنزيه، أما اسم فعل من فعل أبرأ أي وهب الحياة للأحياء، بل خلق الأشياء صالحة ومناسبة للغاية التي أرادها، أي أظهر المقدور وفق سابق التقدير، "البارئ" هو الخالق على صفة تناسب علة وجود المخلوق، هذا الحديث طويل. يعني الأوعية الشريانية عميقة، ضغطها عالٍ جداً، حدثني طبيب جراح قال لي: مرة فتح معي شريان وصل الدم إلى السقف، الشرايين عميقة، والأوردة تعيد الدم إلى القلب، الضغط فيها ضعيف خارجية، لو الآية عكست الرحم يتقلص تقلصاً لطيفاً قبل الولادة بعد الولادة يتقلص تقلصاً مفاجئاً عنيفاً جداً، فيصبح الرحم كالصخرة، فيه عشرة آلاف وعاء دموي انقطعت، لئلا يقع النزيف بهذا التقلص الحاد يوقف النزيف، لو الآية عكست لمات الجنين بالضغط، وماتت الأم بالنزيف، معنى "البارئ" خلقه على نحو مناسب جداً. الطفل الآن ولد الثقب بين الأذنين يغلق، تأتي جلطة تغلقه، "البارئ" في معنى الخلق على صفة كاملة، على صفة تناسب المخلوق، يعني المخلوق الآن ولد، وما في قوة في الأرض تعلمه كيف يمص ثدي أمه، مزود بمنعكس آلي، ما إن يولد الجنين وتلامس إصبع الممرضة فمه حتى يمصها، من علمه منعكس المص ؟ "البارئ" خلق الشيء على نحو يناسب علة وجودك، ولو ما كان في منعكس مص لما كان في درس، ولا كان في إنسان على وجه الأرض. هذه البويضة تمشي في أنبوب فالوب، من المبيض إلى الرحم، كيف تمشي ؟ ألها أرجل ؟ لا، كرة هي، كرة كذرة الملح، كيف تمشي في قناة فالوب ؟ قال في أرضية القناة أشعار تتحرك هكذا، لولا هذه الأشعار لما كان هذا الدرس، لا يصبح حمل المبيض فيه بويضة، ما الذي ينقلها إلى الرحم ؟ أرجل ما في، البويضة حجمها تقريباً كحجم ذرة الملح، لكن أرضية هذا الأنبوب فالوب في أشعار تتحرك هكذا باستمرار، تنتقل. خلق الله عز وجل الإنسان و الحيوان و النبات: معنى "البارئ" خلق الإنسان، والحيوان، والنبات، على نحو يناسب علة وجودك، الشجر إن لم تسقه ما الذي يحصل ؟ كان من الممكن أن يأخذ ماء الجذر، بعد يومين تموت النباتات كلها، إذا ما في مطر، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه "البارئ" النبات يستهلك ماء الأوراق، وتذبل، وكأن الأشجار تناديك، أنا عطشى، بعد ماء الأوراق تستهلك ماء الأغصان، بعد ماء الأغصان تستهلك ماء الفروع، بعد ماء الفروع تستهلك ماء الجذع، بعد ماء الجذع تستهلك ماء الجذر، بعني بعد شهر شهرين حتى تموت، لو الله عكس الآية بعد يوم أو يومين تموت الشجرة، خلقها على نحو تحقق علة وجودها، الله عز وجل "البارئ". بعضهم صاغ هذه المعاني شعراً قال: التفكر في آيات الله في الآفاق من خلال: 1 – التفكر في النفس: لله فـــــي الآفاق آيات لعل أقلها هـو ما إليه هداك ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عينـاك * * * ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة يونس الآية: 101 ) ولــعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عينـــاك * * * 2 ـ التفكر في الكون: والــــكون مشحون بأسرار إذا حاولـــت تفسيراً لـها أعياك قــل للطبيب تخطفته يد الردى مـــــن يا طبيب بطبه أرداك ؟ قل للمريض نجا وعوفي بـعدما عجزت فنون الــطب من عافاك ؟ * * * 3 ـ التفكر في خلق الإنسان: قـل للصحيح يموت لا من علة بل بالمـــــنايا يا صحيح دهاك قــل للبصير وكان يحذر حفرة فهو بها مـــــن ذا الذي أرداك بل سأل الأعمى خطا بين الزحام بلا اصطدام مــــن يقود خطاك * * * الإنسان إذا فقد حاسة عوضه الله قدرات استثنائية. قــل للجنين يعيش معزولاً بلا راع ومرعىً من الذي يـرعاك؟ قل للوليد بكى وأجهش بالبكا لدى الــولادة من الذي أبكــاك؟ * * * حينما يبكي سد ثقب بوتال بين الأذنين. 4 ـ التفكر في المخلوقات: وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فسألـــه من ذا بالسموم حشاك * * * لماذا لدغة الثعبان تميت الإنسان ؟ لأنها تهبط الضغط للصفر، أكثر أدوية الضغط مأخوذة من سم الثعبان. واسأله كيف تعيش يا ثــعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فــــاك * * * المعدة أليست لحماً ؟ ألا تأكل اللحم أيها الإنسان ؟ فكيف يُهضم اللحم والمعدة لا تهضم نفسها، ألا تأكل أحياناً أمعاء ؟ سجق ؟ لحم ؟ لماذا المعدة لا تهضم نفسها ؟. واسأل بطون النحل كيف تقاطر شهداً وقـــل للشهد من حـلاك؟ * * * يعني الفواكه كلها حلوة، لكن تستطيع أن توصف لي حلاوة المشمش من دون أن تذكر كلمة مشمش ؟ غير الدراق، غير التفاح، غير الأجاص. 5 ـ التفكر في عظمة الله عز وجل: بل اسأل اللبن المصفى كان بين دم وفرث مـا الذي صفــاك؟ * * * الغدة الثديية فوقها في شبكة أوعية، تختار من الدم: ﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾ ( سورة النحل ) كيف اختارت هذه الخلية الغير عاقلة الغذاء الكامل للإنسان ؟. وإذا رأيت الــحيّ يـخرج من حنايا ميت فاسأله مــن أحيـاك؟ قــل للهواء تحسه الأيدي ويخفى عن عيون الناس من أخـفاك ؟ * * * 6 ـ التفكر في الهواء: هذا الهواء لا نراه اليوم، يحمل طائرة وزنها 350 طن، هذه الجانبو 380 يمكن أضعاف وزنها، تحمل ألف راكب، ما الذي يحملها ؟ الهواء، ولا تراه أنت، لطيف تمشي خلاله، لكن يحمل طائرة: قــل للهواء تحسه الأيدي ويخفى عن عيون الناس من أخفاك؟ قـل للنبات يجف بعد تعهد ورعاية مـــن بالجفاف رمـاك ؟ وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو وحده * * * 7 ـ التفكر في النبات: في نبات في الصحراء يعطيك ماء لأن الماء مادة أساسية في الصحراء، نبات يعطياك بضعة مترات من الماء إذا جرحته، يعني إسعاف ماء إسعاف. وإذا رأيت النبت فـي الصحراء يربو وحده فاسأله مــن أرباك؟ وإذا رأيت الــبدر يسري ناشراً أنواره فاسأله مــــن أسراك؟ واسأل شعاع الـشمس يدنو وهي أبعد كل شيء مــا الذي أدناك؟ * * * 8 ـ التفكر في الكون: بعد الشمس عنا 156 مليون كم، وأنت الآن تجلس في الشمس تشعر بالدفء الأثر واصل من 156 مليون كم. واسأل شعاع الـشمس يدنو وهي أبعد كل شيء مــا الذي أدناك ؟ قــل للمرير من الثمار من الذي بالمـــر من دون الثمار رداك؟ * * * أحياناً تأكل خيارة مرة، من أجل أن تعرف قيمة الخيارة الثانية، من وضع المرار بهذه الفاكهة. 9 ـ التفكر في النخل: وإذا رأيت النخل مشقوق النوى تسأله من يا نخــل شق نواك؟ * * * النخل يعيش ستة آلاف سنة، هناك نخل أكل منه النبي عليه الصلاة والسلام ويأكل منه الآن أهل المدينة، أطول شجرة النخلة، ستة آلاف سنة من عهد الفراعنة. 10 ـ التفكر في كل شيء في الطبيعة من نار و نهر و بحر و جبل: وإذا رأيت النار شبّ لـهيبها فاسأل لـهيب النار من أوراك ؟ وإذا ترى الجبل الأشم مناطحاً قمم الساحب فاسأله من أرساك؟ * * * من جعل الجبل ثلثه فوق الأرض، وثلثاه تحت الأرض، الجبال أوتاد. وإذا ترى صخراً تفجر بالمـاء فاسأله من بالماء شقّ صفـاك؟ وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال جرى فاسأله من الذي أجـراك ؟ * * * نبع الفيجة يعطي 16 متر بالثانية، تكفي أهل دمشق، مستودعات هذا النبع تصل إلى حمص، وإلى سيف البادية، وتحت لبنان، تغذي هذه المدينة. ﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ ( سورة الحجر ) وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال جرى فاسأله مـن الذي أجـراك ؟ وإذا رأيت البحر بالملح الأجاج طغى فاسأله مـن الذي أطـغاك ؟ * * * من جعله مالحاً ؟ وإلا فسد. وإذا رأيت الليل يغشى داجيا ً فاسأله من يا لــيل حاك دجاك ؟ * * * سبحان الله ! أين النهار إذا جاء الليل ؟ لا ترى شيئاً، أين الليل إذا جاء النهار ؟. وإذا رأيت الصبح يسفل ضاحياً فاسأله من يا صبح صاغ ضحاك ؟ ستجيب ما في الكون مـن آياته عجب عجاب لــو ترى عيناك ؟ * * * طريق الإيمان بالله التفكر في خلق السماوات والأرض: ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ( سورة آل عمران ) ربي لك الحمد الـعظيم لذاتك حمداً وليس لــــــواحد إلاك الحمد لله يا مـدرك الأبصار والأبصار لا تدري له ولكونه إدراك إن لـم تكن عيني تراك فإنني فــــي كل شيء أستبين علاك * * * هذا اسم "البارئ" يعني برأ الشيء على نحو يحقق الغاية من وجوده. من ازداد تفكراً في عظمة الله عز وجل ازداد طاعة له و خشية منه: الآن الصوص في البيضة، كيف يخرج ؟ ما في طريقة، ينمو له نتوء مؤنف دقيق مدبب على منخاره، هذا النتوء يقذفه، ويكسر القشرة، ويخرج، بعد حين هذا النتوء يضمر ويتلاشى. العين أنسب مكان لها بالمحجر، الدماغ بالجمجمة، والنخاع الشوكي بالعمود الفقري، والقلب بالقفص الصدري، والرحم بعظم الحوض، ومعامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام، شيء مدهش. أيها الأخوة، باب التفكر لا ينتهي، وكلما ازددت تفكراً في عظمة الله عز وجل ازددت له طاعة، وخشية وحباً. التفكر أقصر طريق إلى الله عز وجل: اسم "البارئ" يعني خلق المخلوقات على نحو يحقق سلامة وجودها، والغاية من خلقها، في خصائص، خلق يد بلا مفصل، خلق يد بأربطة ضعيفة، فإذا حمل الأب ابنه خلع يد ابنه. ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ ( سورة النمل الآية: 88 ) أيها الأخوة، كلما ازددت فكراً ازددت تعظيماً لله عز وجل، بل إن طريق الإيمان بالله التفكر في خلق السماوات والأرض، وهذا التفكر هو أقصر طريق إلى الله وأوسع باب ندخل منه على الله، لأنه يضعنا وجهاً لوجه أمام عظمة الله. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الله, الحسنى, اسماء |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| متجدد ..أسماء الله الحسنى ومعانيها..~ | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 45 | 06-29-2022 09:36 AM |
| أسماء الله الحسنى | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 105 | 02-25-2018 02:13 PM |
| معرض أسماء الله الحسنى | منال نور الهدى | رِيَاضُ الصُوَر المَنْقُولَة | 3 | 11-05-2014 11:25 PM |
| أسماء الله الحسنى: "الجبار" | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 3 | 02-27-2013 03:13 AM |
| من أسماء الله الحسنى :"المبين .".الشيخ محمد راتب النابلسي | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 5 | 02-27-2013 03:03 AM |